{"ً":{"ٌ":721,"ٍ":"موسوعة شرح أسماء الله الحسنى","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/hkmrasna/","files":["mwsasm_1.pdf|#2","mwsasm_2.pdf|#2","mwsasm_3.pdf|#2"]},"ّ":"الكتاب: موسوعة شرح أسماء الله الحسنى\nالمؤلف: نوال عبد العزيز العيد\nشارك في الإعداد والإخراج: فريق علمي بإدارة وفاء بنت محسن التركي\nالطبعة: الأولى، ١٤٤١ هـ\nعدد الأجزاء: ٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.1","ٔ":195,"ٕ":1,"ٖ":1780758721,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"رحلة المشروع","level":2,"page":2},{"title":"١ - تقسيم الموسوعة، وأسلوب الكتابة","level":3,"page":3},{"title":"٢ - العناية بالجانب العملي التطبيقي المستنبط من فهم أسماء الله الحسنى.","level":3,"page":4},{"title":"٣ - العناية بالجانب القيمي والأخلاقي المستنبط من فهم أسماء الله الحسنى.","level":3,"page":4},{"title":"٤ - خضوع الموسوعة لعمليات عديدة في التقييم والتقويم.","level":3,"page":4},{"title":"المنهجية المتبعة في تقسيم الأسماء الحسنى","level":2,"page":6},{"title":"تقسيمات البحث","level":2,"page":8},{"title":"أهمية العيش مع أسماء الله وصفاته، وأثرها على المتدبر","level":1,"page":13},{"title":"١ - العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم وأفضلها","level":2,"page":13},{"title":"٢ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى هي الطريق الرئيسي إلى معرفة الله","level":2,"page":14},{"title":"٣ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى تقوي الإيمان وتحقق التوحيد، وتورث خشية الله","level":2,"page":15},{"title":"٤ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى أصل كل عبادة","level":2,"page":17},{"title":"٥ - إحصاء أسماء الله الحسنى من أعظم أسباب دخول الجنة","level":2,"page":17},{"title":"٦ - العمل بمقتضى أسماء الله الحسنى","level":2,"page":18},{"title":"٧ - معرفة أسماء الله الحسنى من أعظم أسباب إجابة الدعاء","level":2,"page":19},{"title":"٨ - محبة الله لمن فقه أسماءه الحسنى وأحبها","level":2,"page":19},{"title":"٩ - معرفة أسماء الله الحسنى تورث حياة طيبة للعبد","level":2,"page":20},{"title":"قواعد في أسماء الله وصفاته وفق منهج أهل السنة والجماعة","level":1,"page":22},{"title":"أولا: أبرز القواعد في أسماء الله تعالى","level":2,"page":24},{"title":"القاعدة الأولى: أسماء الله تعالى كلها حسنى","level":3,"page":24},{"title":"القاعدة الثانية: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف","level":3,"page":25},{"title":"القاعدة الثالثة: أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور","level":3,"page":25},{"title":"القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون: بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام.","level":3,"page":26},{"title":"القاعدة الخامسة: أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها.","level":3,"page":27},{"title":"القاعدة السادسة: أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين","level":3,"page":28},{"title":"القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها","level":3,"page":29},{"title":"ثانيا: أبرز القواعد في صفات الله تعالى","level":2,"page":30},{"title":"القاعدة الأولى: صفات الله تعالى كلها صفات كمال لا نقص فيها أو ضعف.","level":3,"page":30},{"title":"القاعدة الثانية: باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات.","level":3,"page":32},{"title":"القاعدة الثالثة: صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية.","level":3,"page":33},{"title":"القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر","level":3,"page":34},{"title":"القاعدة الخامسة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية.","level":3,"page":34},{"title":"القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين","level":3,"page":35},{"title":"القاعدة السابعة: صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها","level":3,"page":37},{"title":"الأسماء التي ثبتت في القرآن الكريم والسنة النبوية","level":1,"page":38},{"title":"الأول والآخر -ﷻ-","level":2,"page":38},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":38},{"title":"أولا: المعنى اللغوي لاسم الله (الأول)","level":4,"page":38},{"title":"ثانيا: المعنى اللغوي لاسم الله (الآخر)","level":4,"page":38},{"title":"ورود اسم الله (الأول والآخر) في القرآن الكريم","level":3,"page":39},{"title":"ورود اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية","level":3,"page":39},{"title":"معنى اسم الله (الأول والآخر) في حقه سبحانه","level":3,"page":39},{"title":"أولا: معنى اسم الله الأول","level":4,"page":39},{"title":"ثانيا: معنى اسم الله الآخر","level":4,"page":40},{"title":"اقتران اسمي الله (الأول والآخر) باسميه (الظاهر الباطن)","level":3,"page":41},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الأول والآخر","level":3,"page":42},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الأول والآخر) من صفاته سبحانه","level":4,"page":42},{"title":"الأثر الثالث: توحيد الله باسميه الأول والآخر","level":4,"page":43},{"title":"الأثر الثالث: الأول والآخر سبحانه، مالك الإرادات ومقلب القلوب والنيات","level":4,"page":45},{"title":"الأثر الرابع: محبة الأول والآخر","level":4,"page":46},{"title":"الأثر الخامس: قصر الأمل في الدنيا والزهد في مباحاتها والبعد عن شهواتها","level":4,"page":46},{"title":"الأثر السادس: الدعاء باسمي الله الأول والآخر","level":4,"page":49},{"title":"بديع السماوات والأرض -ﷻ-","level":2,"page":51},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":51},{"title":"ورود اسم الله (بديع السماوات والأرض) في القرآن الكريم","level":3,"page":51},{"title":"ورود اسم الله (بديع السماوات والأرض) في السنة النبوية","level":3,"page":52},{"title":"معنى اسم الله (بديع السماوات والأرض) في حقه سبحانه","level":3,"page":52},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله بديع السماوات والأرض","level":3,"page":53},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (بديع السماوات والأرض) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":53},{"title":"الأثر الثاني: محبة بديع السماوات والأرض سبحانه","level":4,"page":57},{"title":"الأثر الثالث: الدعاء باسم الله بديع السماوات والأرض","level":4,"page":57},{"title":"البصير -ﷻ-","level":2,"page":59},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":59},{"title":"ورود اسم الله (البصير) في القرآن الكريم","level":3,"page":59},{"title":"ورود اسم الله (البصير) في السنة النبوية","level":3,"page":60},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (البصير)","level":3,"page":62},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (البصير) من صفات الله سبحانه","level":4,"page":62},{"title":"الأثر الثاني: توحيد الله باسمه البصير","level":4,"page":65},{"title":"الأثر الثالث: مراقبة الله تعالى، والحياء منه","level":4,"page":67},{"title":"الأثر الرابع: الله سبحانه بصير بما يصلح عباده، وينفعهم.","level":4,"page":70},{"title":"الأثر الخامس: الاطمئنان والثقة بمعية الله وكمال علمه","level":4,"page":71},{"title":"الأثر السادس: محبة البصير سبحانه","level":4,"page":72},{"title":"الأثر السابع: أمر البصير سبحانه لعباده بغض البصر","level":4,"page":72},{"title":"الأثر الثامن: نعمة البصيرة هي أعظم نعم البصير سبحانه","level":4,"page":77},{"title":"الأثر التاسع: الدعاء باسم الله البصير","level":4,"page":79},{"title":"التواب -ﷻ-","level":2,"page":81},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":81},{"title":"ورود اسم الله (التواب) في القرآن الكريم","level":3,"page":81},{"title":"ورود اسم الله (التواب) في السنة النبوية","level":3,"page":82},{"title":"معنى اسم الله (التواب) في حقه سبحانه","level":3,"page":83},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (التواب)","level":3,"page":86},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (التواب) من صفات الله تعالى","level":4,"page":86},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (التواب) على التوحيد","level":4,"page":88},{"title":"الأثر الثالث: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨]","level":4,"page":89},{"title":"الأثر الرابع: تأخير التوبة يحتاج لتوبة أخرى","level":4,"page":90},{"title":"الأثر الخامس: محبة التواب سبحانه","level":4,"page":91},{"title":"الأثر السادس: وجوب التوبة لله","level":4,"page":92},{"title":"الأثر السابع: ﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما﴾ [النساء: ١٦]","level":4,"page":93},{"title":"الأثر الثامن: الدعاء باسم الله التواب","level":4,"page":94},{"title":"التواب يحب التوابين»","level":3,"page":96},{"title":"أولا: تعريف التوبة","level":4,"page":96},{"title":"ثانيا: فضائل التوبة","level":4,"page":96},{"title":"ثالثا: شروط التوبة","level":4,"page":101},{"title":"رابعا: تحقيق مرتبة التوبة النصوح لله تعالى","level":4,"page":102},{"title":"١ - معرفة الرب سبحانه","level":5,"page":102},{"title":"٢ - الاستعظام لا الاستحقار","level":5,"page":103},{"title":"٣ - إحكام الإغلاق","level":5,"page":106},{"title":"٤ - مجالسة الأخيار","level":5,"page":106},{"title":"٥ - مفارقة دواعي المعصية","level":5,"page":108},{"title":"٦ - محاسبة النفس","level":5,"page":110},{"title":"٧ - التزام العمل الصالح","level":5,"page":110},{"title":"٨ - مداومة الاستغفار","level":5,"page":112},{"title":"٩ - الدعاء","level":5,"page":113},{"title":"١٠ - الحذر من الشماته بالآخرين","level":5,"page":113},{"title":"١١ - قراءة سير الصالحين","level":5,"page":114},{"title":"١٢ - حسن الظن بالله","level":5,"page":115},{"title":"الجبار -ﷻ-","level":2,"page":116},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":116},{"title":"ورود اسم الله (الجبار) في القرآن الكريم","level":3,"page":116},{"title":"ورود اسم (الجبار) في السنة النبوية","level":3,"page":117},{"title":"معنى اسم الله (الجبار) في حقه سبحانه","level":3,"page":117},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الجبار","level":3,"page":120},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الجبار) من الصفات، ودلالته على التوحيد","level":4,"page":120},{"title":"الأثر الثاني: لا راد لأمر الله","level":4,"page":127},{"title":"الأثر الثالث: الجبار سبحانه جابر كل كسير","level":4,"page":129},{"title":"الأثر الرابع: محبة الجبار سبحانه","level":4,"page":131},{"title":"الأثر الخامس: الجبروت صفة لله وحده","level":4,"page":131},{"title":"الحق -ﷻ-","level":2,"page":135},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":135},{"title":"ورود اسم الله (الحق) في القرآن الكريم","level":3,"page":135},{"title":"ورود اسم الله (الحق) في السنة النبوية","level":3,"page":136},{"title":"معنى اسم الله (الحق) في حقه سبحانه","level":3,"page":136},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحق)","level":3,"page":140},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحق) من الصفات","level":4,"page":140},{"title":"الأثر الثاني: محبة الله الحق","level":4,"page":142},{"title":"الأثر الثالث: التصديق الذي لا يخالطه شك في ما أخبر به الحق سبحانه","level":4,"page":143},{"title":"الأثر الرابع: التسليم التام لأحكام الحق سبحانه، والتحاكم إليه دون ما سواه","level":4,"page":145},{"title":"الأثر الخامس: الشعور بالغبطة والسرور بالهداية إلى دين الإسلام الحق، والثبات عليه","level":4,"page":148},{"title":"الأثر السادس: صدق التوكل على (الحق)","level":4,"page":150},{"title":"الأثر السابع: الثقة بنصر الله -﷿- لدينه الحق ولأوليائه","level":4,"page":150},{"title":"الأثر الثامن: التواضع للحق، والانقياد له بعد تبينه","level":4,"page":152},{"title":"الأثر التاسع: عدم الحياء في إظهار الحق","level":4,"page":153},{"title":"الأثر العاشر: الاستعداد للقاء الحق","level":4,"page":154},{"title":"الأثر الحادي عشر: أعط كل صاحب حق حقه","level":4,"page":156},{"title":"الحكم الحكيم -ﷻ-","level":2,"page":159},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":159},{"title":"ورود اسمي الله (الحكم الحكيم) في القرآن الكريم","level":3,"page":160},{"title":"ورود اسمي الله (الحكيم، الحكم) في السنة النبوية","level":3,"page":160},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الحكيم، الحكم)","level":3,"page":172},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الحكم، الحكيم) من صفات الله سبحانه","level":4,"page":172},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسمي الله (الحكم، الحكيم) على التوحيد","level":4,"page":183},{"title":"الأثر الثالث: التدبر في كتاب الله الحكيم","level":4,"page":186},{"title":"الأثر الرابع: التأمل في إحكام الحكيم لخلقه","level":4,"page":189},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله تعالى الحكم الحكيم","level":4,"page":192},{"title":"الأثر السادس: التعامل مع أحكام الحكيم بما يحب","level":4,"page":192},{"title":"الأثر السابع: الأسباب المعينة على الرضى بحكم الحكيم","level":4,"page":195},{"title":"الأثر الثامن: الحكم بما أنزل الحكيم","level":4,"page":201},{"title":"الأثر التاسع: عدم التسمي باسم الحكيم","level":4,"page":201},{"title":"الأثر العاشر: السعي للاتصاف بالحكمة","level":4,"page":202},{"title":"حكيم يحب الحكماء»","level":3,"page":204},{"title":"أولا: تعريف الحكمة","level":4,"page":204},{"title":"ثانيا: منزلة الحكمة وفضلها","level":4,"page":204},{"title":"ثالثا: وسائل تحقيق الحكمة","level":4,"page":205},{"title":"الحليم -ﷻ-","level":2,"page":208},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":208},{"title":"ورود اسم الله (الحليم) في القرآن الكريم","level":3,"page":208},{"title":"ورود اسم الله (الحليم) في السنة النبوية","level":3,"page":209},{"title":"معنى اسم الله (الحليم) في حقه سبحانه","level":3,"page":209},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحليم)","level":3,"page":214},{"title":"الأثر الأول: اثبات ما يتضمنه اسم الله (الحليم) من صفاته تعالى","level":4,"page":214},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحليم) على التوحيد","level":4,"page":219},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله تعالى الحليم","level":4,"page":220},{"title":"الأثر الرابع: عدم الاغترار بحلم الله","level":4,"page":220},{"title":"الأثر الخامس: الحذر من الغفلة","level":4,"page":223},{"title":"الأثر السادس: اتصاف العبد بالحلم","level":4,"page":228},{"title":"حليم يحب الحلماء»","level":3,"page":230},{"title":"أولا: تعريف الحلم","level":4,"page":230},{"title":"ثانيا: فضائل الحلم","level":4,"page":230},{"title":"ثالثا: وسائل تعين على الاتصاف بصفة الحلم","level":4,"page":235},{"title":"الحميد -ﷻ-","level":2,"page":239},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":239},{"title":"ورود اسم الله (الحميد) في القرآن الكريم","level":3,"page":239},{"title":"ورود اسم الله (الحميد) في السنة النبوية","level":3,"page":240},{"title":"معنى اسم الله (الحميد) في حقه سبحانه","level":3,"page":240},{"title":"الفرق بين الحمد والشكر","level":3,"page":242},{"title":"اقتران اسم الله (الحميد) بأسمائه الأخرى سبحانه في القرآن الكريم","level":3,"page":243},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحميد)","level":3,"page":246},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحميد) من الصفات","level":4,"page":246},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحميد) على التوحيد","level":4,"page":247},{"title":"الأثر الثالث: كل ما في الكون يحمد الله سبحانه","level":4,"page":248},{"title":"الأثر الرابع: الحمد المطلق لله وحده","level":4,"page":250},{"title":"الأثر الخامس: افتتاح كل أمر بحمده تعالى، واختتامه به","level":4,"page":250},{"title":"الأثر السادس: لا نحصي ثناء على الحميد سبحانه","level":4,"page":252},{"title":"الأثر السابع: محبة الحميد سبحانه","level":4,"page":256},{"title":"الأثر الثامن: (حمد الله على كل حال)","level":4,"page":257},{"title":"الأثر التاسع: ذكر حمد الحميد سبحانه في كل شعائر الدين","level":4,"page":259},{"title":"الحميد يحب الحامدين»","level":3,"page":262},{"title":"أولا: تعريف الحمد","level":4,"page":262},{"title":"ثانيا: من فضائل الحمد","level":4,"page":262},{"title":"ثالثا: كيف تكون من الحامدين؟","level":4,"page":264},{"title":"الحي القيوم -ﷻ-","level":2,"page":269},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":269},{"title":"أولا: (الحي)","level":4,"page":269},{"title":"ثانيا: (القيوم)","level":4,"page":269},{"title":"ورود اسم الله (الحي القيوم) في القرآن الكريم","level":3,"page":270},{"title":"ورود اسم الله (الحي - القيوم) في السنة النبوية","level":3,"page":271},{"title":"معنى اسم الله (الحي - القيوم) في حقه سبحانه","level":3,"page":271},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحي القيوم)","level":3,"page":278},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسمي الله الحي القيوم على التوحيد","level":4,"page":283},{"title":"الأثر الثالث: التوكل على الحي القيوم","level":4,"page":284},{"title":"الأثر الرابع: مراقبة الحي القيوم والخوف منه","level":4,"page":286},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله الحي القيوم","level":4,"page":287},{"title":"الأثر السادس: الخضوع والتذلل للحي القيوم","level":4,"page":288},{"title":"الأثر السابع: الزهد في دار الفناء، والعمل لدار البقاء","level":4,"page":289},{"title":"الأثر الثامن: الدعاء باسم الله الحي القيوم","level":4,"page":291},{"title":"الخالق الخلاق البارئ المصور -ﷻ-","level":2,"page":293},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":293},{"title":"ورود اسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) في القرآن الكريم","level":3,"page":294},{"title":"ورود اسم الله (الخالق، البارئ، المصور) في السنة النبوية","level":3,"page":295},{"title":"معنى اسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) في حقه سبحانه","level":3,"page":296},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور)","level":3,"page":302},{"title":"الأثر الأول: اثبات ما تتضمنه أسماء الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) من الصفات لله تعالى","level":4,"page":302},{"title":"الأثر الثاني: توحيد الله بأسمائه: الخالق، الخلاق، البارئ، المصور","level":4,"page":306},{"title":"الأثر الثالث: الله سبحانه خالق الأسباب ومسبباتها","level":4,"page":309},{"title":"الأثر الرابع: الحكمة من خلق الخلق","level":4,"page":313},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله الخالق الخلاق، البارئ، المصور سبحانه","level":4,"page":316},{"title":"الأثر السادس: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾","level":4,"page":316},{"title":"الأثر السابع: الحذر من عيب ما صوره المصور سبحانه","level":4,"page":319},{"title":"الخبير -ﷻ-","level":2,"page":323},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":323},{"title":"ورود اسم الله (الخبير) في القرآن الكريم","level":3,"page":323},{"title":"ورود اسم الله (الخبير) في السنة النبوية","level":3,"page":324},{"title":"معنى اسم الله (الخبير)","level":3,"page":324},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الخبير)","level":3,"page":327},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الخبير) من صفاته سبحانه","level":4,"page":327},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله الخبير على التوحيد","level":4,"page":337},{"title":"الأثر الثالث: الرجوع للكتاب والسنة في معرفة الله الخبير","level":4,"page":340},{"title":"الأثر الرابع: إصلاح الباطن","level":4,"page":341},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله الخبير","level":4,"page":342},{"title":"ذو الجلال والإكرام -ﷻ-","level":2,"page":343},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":344},{"title":"ورود اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في القرآن الكريم","level":3,"page":345},{"title":"ورود اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في السنة النبوية","level":3,"page":345},{"title":"معنى اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في حقه تعالى","level":3,"page":346},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذو الجلال والإكرام)","level":3,"page":349},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذوالجلال والإكرام) من صفات، وتوحيد الله به","level":4,"page":349},{"title":"الأثر الثاني: ﴿كل من عليها فان (٢٦) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٦]: كتب الله تعالى على خلقه الفناء، وكتب على نفسه البقاء، يقول تعالى: ﴿كل من عليها فان (٢٦) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].","level":4,"page":351},{"title":"الأثر الثالث: تكريم ذو الجلال والإكرام للإنسان","level":4,"page":352},{"title":"الأثر الرابع: محبة ذي الجلال والإكرام سبحانه","level":4,"page":354},{"title":"الأثر الخامس: تعظيم الله وإجلاله","level":4,"page":354},{"title":"الأثر السادس: ذو الجلال يخاف عقابه، وذو الإكرام يرجى ثوابه","level":4,"page":357},{"title":"الأثر السابع: الدعاء باسم الله ذو الجلال والإكرام","level":4,"page":358},{"title":"الرب -ﷻ-","level":2,"page":359},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":359},{"title":"ورود اسم الله (الرب) في القرآن الكريم","level":3,"page":360},{"title":"ورود اسم الله (الرب) في السنة النبوية","level":3,"page":360},{"title":"معنى اسم الله (الرب) في حقه تعالى","level":3,"page":361},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرب)","level":3,"page":364},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرب) من صفات الله سبحانه","level":4,"page":364},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرب) على التوحيد","level":4,"page":369},{"title":"الأثر الثالث: الرضا بالله -﷿- ربا","level":4,"page":372},{"title":"الأثر الرابع: التوكل على الرب سبحانه","level":4,"page":374},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله الرب","level":4,"page":375},{"title":"الأثر السادس: التضرع باسم الله (الرب)","level":4,"page":375},{"title":"الأثر السابع: التأدب مع الرب في الألفاظ","level":4,"page":377},{"title":"الأثر الثامن: كن ربانيا","level":4,"page":379},{"title":"الربانية والربانيون","level":3,"page":380},{"title":"الرحمن الرحيم -ﷻ-","level":2,"page":388},{"title":"ورود اسم الله (الرحمن - الرحيم) في القرآن الكريم","level":3,"page":388},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":388},{"title":"ورود اسم الله (الرحمن - الرحيم) في السنة النبوية","level":3,"page":389},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرحمن - الرحيم)","level":3,"page":400},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرحمن، الرحيم) من الصفات","level":4,"page":400},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرحمن الرحيم) على التوحيد","level":4,"page":408},{"title":"الأثر الثالث: الرجاء والتعلق برحمة الرحمن الرحيم","level":4,"page":410},{"title":"الأثر الرابع: عدم الاغترار برحمة الله","level":4,"page":412},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله الرحمن الرحيم والحياء منه","level":4,"page":413},{"title":"الأثر السادس: الأسباب الجالبة لرحمة الله تعالى","level":4,"page":414},{"title":"أولا: أسباب نيل رحمة الرحمن الرحيم","level":5,"page":414},{"title":"ثانيا: أسباب الحرمان من رحمة الرحمن الرحيم","level":5,"page":416},{"title":"الأثر التاسع: اتصاف العبد بالرحمة","level":4,"page":417},{"title":"الأثر التاسع: الدعاء باسم الله «الرحمن الرحيم»","level":4,"page":418},{"title":"الرحمن الرحيم يحب الرحماء»","level":3,"page":421},{"title":"ثالثا: الأسباب المعينة على التخلق بالرحمة","level":3,"page":424},{"title":"الرزاق الرازق -ﷻ-","level":2,"page":429},{"title":"المعنى اللغوي لاسم (الرزاق - الرازق)","level":3,"page":429},{"title":"ورود اسم الله (الرزاق - الرازق) في القرآن","level":3,"page":430},{"title":"ورود اسم الله (الرزاق - الرازق) في السنة النبوية","level":3,"page":430},{"title":"معنى اسم الله (الرزاق- الرازق)","level":3,"page":431},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرزاق - الرازق)","level":3,"page":434},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرازق الرزاق) من صفات الله سبحانه","level":4,"page":434},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرزاق - الرازق) على التوحيد","level":4,"page":437},{"title":"الأثر الثالث: إدراك التفاوت في الأرزاق، وأنه تابع لعلم الله تعالى","level":4,"page":438},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله تعالى الرازق الرزاق","level":4,"page":441},{"title":"الأثر الخامس: التوكل على الرزاق الرازق في طلب الرزق","level":4,"page":441},{"title":"الأثر السادس: الأخذ بأسباب نيل الأرزاق","level":4,"page":444},{"title":"الأثر السابع: طلب الرزق الحلال، والحذر من الرزق الحرام","level":4,"page":448},{"title":"الأثر الثامن: الإنفاق من رزق الرزاق الرازق","level":4,"page":453},{"title":"الأثر التاسع: الاشتغال بطلب الرزق الباقي","level":4,"page":453},{"title":"الرؤوف -ﷻ-","level":2,"page":455},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":455},{"title":"ورود اسم الله (الرؤوف) في القرآن الكريم","level":3,"page":455},{"title":"معنى اسم الله (الرؤوف)","level":3,"page":456},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرؤوف)","level":3,"page":459},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرؤوف) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":459},{"title":"الأثر الثاني: محبة الله الرؤوف","level":4,"page":461},{"title":"الأثر الثالث: التخلق بخلق الرأفة","level":4,"page":462},{"title":"الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الرؤوف","level":4,"page":467},{"title":"السلام -ﷻ-","level":2,"page":468},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":468},{"title":"ورود اسم الله (السلام) في القرآن الكريم","level":3,"page":468},{"title":"ورود اسم الله (السلام) في السنة النبوية","level":3,"page":468},{"title":"معنى اسم الله (السلام) في حقه تعالى","level":3,"page":469},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السلام)","level":3,"page":472},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السلام) من الصفات","level":4,"page":472},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (السلام) على التوحيد","level":4,"page":479},{"title":"الأثر الثالث: تسليم السلام لعباده المؤمنين في أمور دنياهم وأخراهم","level":4,"page":479},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله السلام","level":4,"page":482},{"title":"الأثر الخامس: التأدب مع الله السلام في الألفاظ","level":4,"page":483},{"title":"الأثر السادس: من أراد الأمن والطمأنينة التزم بشرع الله","level":4,"page":484},{"title":"الأثر السابع: إفشاء السلام","level":4,"page":485},{"title":"الأثر الثامن: اتصاف العبد بالسلام","level":4,"page":490},{"title":"الأثر التاسع: سعي العبد لدار السلام","level":4,"page":499},{"title":"السميع -ﷻ-","level":2,"page":503},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":503},{"title":"ورود اسم الله (السميع) في القرآن","level":3,"page":503},{"title":"ورود اسم الله (السميع) في السنة النبوية","level":3,"page":504},{"title":"معنى اسم الله (السميع) في حقه سبحانه","level":3,"page":505},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السميع)","level":3,"page":509},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السميع) من صفات الله سبحانه","level":4,"page":509},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله السميع على التوحيد","level":4,"page":516},{"title":"الأثر الثالث: مراقبة الله السميع","level":4,"page":518},{"title":"الأثر الرابع: الثقة بكفاية الله السميع شر الأعداء","level":4,"page":522},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله السميع","level":4,"page":524},{"title":"الأثر السادس: حفظ نعمة السمع","level":4,"page":524},{"title":"الأثر السابع: دعاء الله السميع","level":4,"page":526},{"title":"الشكور الشاكر -ﷻ-","level":2,"page":528},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":528},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشكور- الشاكر)","level":3,"page":533},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشكور) من صفات الله تعالى","level":4,"page":533},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الشكور) على التوحيد","level":4,"page":538},{"title":"الأثر الثالث: كل عمل صالح يشكره الله، وهناك أعمال مخصوصة ورد شكر الله عليها","level":4,"page":539},{"title":"الأثر الرابع: الله سبحانه يشكر أعمال عباده جملة وتفصيلا","level":4,"page":541},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله الشكور سبحانه","level":4,"page":544},{"title":"الأثر السادس: الكفر بنعم الله مؤذن بزوالها عمن كفر بها","level":4,"page":545},{"title":"الأثر السابع: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»","level":4,"page":546},{"title":"الأثر الرابع: وجوب شكر الله تعالى على نعمائه","level":4,"page":549},{"title":"الأثر الخامس: دعاء الله باسمه الشكور","level":4,"page":549},{"title":"الشكور يحب الشاكرين»","level":3,"page":551},{"title":"الشهيد -ﷻ-","level":2,"page":563},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":563},{"title":"ورود اسم الله (الشهيد) في القرآن الكريم","level":3,"page":563},{"title":"ورود اسم الله (الشهيد) في السنة النبوية","level":3,"page":564},{"title":"معنى اسم الله (الشهيد) في حقه سبحانه","level":3,"page":564},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشهيد)","level":3,"page":566},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشهيد) من الصفات، ودلالته على التوحيد","level":4,"page":566},{"title":"الأثر الثاني: الشهيد سبحانه يقيم شهودا من خلقه يوم القيامة؛ لكمال عدله","level":4,"page":570},{"title":"الأثر الثالث: مراقبة الله الشهيد","level":4,"page":575},{"title":"الأثر الثالث: الحياء من الله الشهيد -ﷻ-","level":4,"page":575},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله الشهيد","level":4,"page":576},{"title":"الأثر الخامس: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾ [المعارج: ٣٣]","level":4,"page":576},{"title":"الأثر السادس: الحرص على شهود الأوقات الفاضلة","level":4,"page":578},{"title":"الصمد -ﷻ-","level":2,"page":581},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":581},{"title":"ورود اسم الله (الصمد) في القرآن الكريم","level":3,"page":581},{"title":"ورود اسم الله (الصمد) في السنة النبوية","level":3,"page":582},{"title":"معنى اسم الله (الصمد) في حقه سبحانه","level":3,"page":582},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الصمد)","level":3,"page":585},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الصمد) من الصفات","level":4,"page":585},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الصمد) على التوحيد","level":4,"page":588},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله الصمد","level":4,"page":590},{"title":"الأثر الرابع: الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها","level":4,"page":590},{"title":"الأثر الخامس: قصد الله الصمد في جميع الحاجات","level":4,"page":592},{"title":"الأثر السادس: عدم قصد المخلوق بالسؤال","level":4,"page":595},{"title":"الأثر السابع: دعاء الله باسمه الصمد","level":4,"page":597},{"title":"الظاهر والباطن -ﷻ-","level":2,"page":599},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":599},{"title":"أولا: المعنى اللغوي لاسم (الظاهر)","level":4,"page":599},{"title":"ثانيا: المعنى اللغوي لاسم (الباطن)","level":4,"page":599},{"title":"ورود اسم الله (الظاهر والباطن) في القرآن الكريم","level":3,"page":600},{"title":"ورود اسم الله (الظاهر والباطن) في السنة النبوية","level":3,"page":600},{"title":"معنى اسم الله (الظاهر والباطن) في حقه سبحانه","level":3,"page":601},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الظاهر والباطن)","level":3,"page":603},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الظاهر والباطن) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":603},{"title":"الأثر الثاني: الثقة بنصر الله لدينه","level":4,"page":605},{"title":"الأثر الثالث: استشعار قرب الله الخاص من عباده المؤمنين","level":4,"page":607},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله الظاهر والباطن سبحانه","level":4,"page":609},{"title":"الأثر الخامس: الشوق لرؤية الله تعالى، والعمل له","level":4,"page":609},{"title":"الأثر السادس: ترك الذنوب والمعاصي في السر والعلن","level":4,"page":611},{"title":"الأثر السابع: قمع وساوس الشيطان المهلكة للإنسان","level":4,"page":612},{"title":"الأثر الثامن: التقرب للباطن سبحانه بخبيئة لا يعلمها غيره.","level":4,"page":613},{"title":"الأثر التاسع: الدعاء باسم الله الظاهر والباطن","level":4,"page":614},{"title":"العزيز -ﷻ-","level":2,"page":615},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":615},{"title":"ورود اسم الله (العزيز) في القرآن الكريم","level":3,"page":615},{"title":"ورود اسم الله (العزيز) في السنة النبوية","level":3,"page":616},{"title":"معنى اسم الله (العزيز) في حق الله تعالى","level":3,"page":616},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العزيز)","level":3,"page":621},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العزيز) من صفاته سبحانه","level":4,"page":621},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (العزيز) على التوحيد","level":4,"page":626},{"title":"الأثر الثالث: الثقة بإعزاز العزيز دينه","level":4,"page":627},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله العزيز","level":4,"page":631},{"title":"الأثر الخامس: دعاء الله والاستعاذة بعزته","level":4,"page":632},{"title":"الأثر السادس: الاتصاف بالعزة بالدين","level":4,"page":633},{"title":"العزيز يحب العزة","level":3,"page":634},{"title":"أولا: تعريف العزة","level":4,"page":634},{"title":"القسم الأول: العزة الشرعية","level":5,"page":634},{"title":"القسم الثاني: العزة غير شرعية","level":5,"page":635},{"title":"ثانيا: مظاهر العزة الشرعية","level":4,"page":636},{"title":"ثالثا: وسائل تحقيق العزة","level":4,"page":638},{"title":"العظيم -ﷻ-","level":2,"page":644},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":644},{"title":"ورود اسم الله (العظيم) في القرآن الكريم","level":3,"page":644},{"title":"ورود اسم الله (العظيم) في السنة النبوية","level":3,"page":645},{"title":"معنى اسم الله (العظيم) في حقه سبحانه","level":3,"page":645},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العظيم)","level":3,"page":648},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العظيم) من صفات الله تعالى","level":4,"page":648},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (العظيم) على التوحيد","level":4,"page":650},{"title":"الأثر الثالث: تعظيم ما أمر الله بتعظيمه","level":4,"page":652},{"title":"الأثر الرابع: نماذج من تعظيم الأنبياء والصالحين لله العظيم سبحانه","level":4,"page":659},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله العظيم","level":4,"page":661},{"title":"الأثر السادس: دعاء الله تعالى باسمه العظيم","level":4,"page":661},{"title":"العفو -ﷻ-","level":2,"page":663},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":663},{"title":"ورود اسم الله (العفو) في القرآن الكريم","level":3,"page":663},{"title":"ورود اسم الله (العفو) في السنة النبوية","level":3,"page":664},{"title":"معنى اسم الله (العفو)","level":3,"page":664},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العفو)","level":3,"page":667},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العفو) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":667},{"title":"الأثر الثاني: الثقة بعفو الله وعدم تضييع أمره ونهيه","level":4,"page":668},{"title":"الأثر الثالث: الحرص على تحصيل ثواب العفو وفضله","level":4,"page":670},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله العفو","level":4,"page":672},{"title":"الأثر الخامس: اتصاف العبد بالعفو","level":4,"page":672},{"title":"الأثر السادس: الدعاء باسم الله العفو","level":4,"page":681},{"title":"الأعلى العلي المتعال -ﷻ-","level":2,"page":683},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":683},{"title":"ورود اسم الله (العلي- المتعال) في السنة النبوية","level":3,"page":684},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسماء الله (العلي- الأعلى- المتعال)","level":3,"page":690},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (العلي، الأعلى، المتعال) من الصفات","level":4,"page":690},{"title":"الأثر الثاني: توحيد الله باسمائه العلي الأعلى المتعال","level":4,"page":692},{"title":"الأثر الثالث: تعظيم العلي الأعلى المتعال سبحانه","level":4,"page":695},{"title":"الأثر الرابع: محبة العلي الأعلى المتعال","level":4,"page":695},{"title":"الأثر الخامس: من آمن بالأعلى سبحانه تواضع","level":4,"page":696},{"title":"الأثر السادس: دعاء الله باسمه العلي الأعلى المتعال","level":4,"page":697},{"title":"العليم العالم علام الغيوب -ﷻ-","level":2,"page":698},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":698},{"title":"ورود اسم الله (العليم - العالم - علام الغيوب) في القرآن الكريم","level":3,"page":698},{"title":"ورود اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في السنة النبوية","level":3,"page":700},{"title":"معنى اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في حقه سبحانه","level":3,"page":702},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العليم- العالم- علام الغيوب)","level":3,"page":708},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما تتضمنه اسماء الله (العليم- العالم- علام الغيوب) من الصفات","level":4,"page":708},{"title":"الأثر الثاني: توحيد الله بأسمائه العليم العالم علام الغيوب","level":4,"page":713},{"title":"الأثر الثالث: تحريم إتيان من ادعى علم الغيب","level":4,"page":714},{"title":"الأثر الرابع: الرضا بأقدار العليم العالم علام الغيوب","level":4,"page":717},{"title":"الأثر الخامس: التسليم لشريعة العليم العالم علام الغيوب، والرضى بها","level":4,"page":719},{"title":"الأثر السادس: الثقة بكفاية العليم العالم علام الغيوب شر الأعداء","level":4,"page":720},{"title":"الأثر السابع: إصلاح الباطن للعليم العالم علام الغيوب","level":4,"page":722},{"title":"الأثر الثامن: محبة العليم والعالم وعلام الغيوب","level":4,"page":723},{"title":"الأثر التاسع: اتصاف العبد بطلب العلم","level":4,"page":724},{"title":"الغفور الغفار -ﷻ-","level":2,"page":727},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":727},{"title":"ورود اسم الله (الغفور والغفار) في القرآن الكريم","level":3,"page":727},{"title":"ورود اسم الله (الغفور- الغفار) في السنة النبوية","level":3,"page":728},{"title":"معنى اسم الله (الغفور- الغفار) في حقه سبحانه","level":3,"page":729},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغفور والغفار)","level":3,"page":732},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الغفور والغفار) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":732},{"title":"الأثر الثاني: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾","level":4,"page":734},{"title":"الأثر الثالث: الأنبياء يطلبون المغفرة من الغفور سبحانه","level":4,"page":737},{"title":"الأثر الرابع: محبة الغفور الغفار سبحانه","level":4,"page":739},{"title":"الأثر الخامس: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾","level":4,"page":739},{"title":"الأثر السادس: التعرض لأسباب المغفرة","level":4,"page":741},{"title":"الأثر السابع: ثمرات الاستغفار","level":4,"page":745},{"title":"الغني -ﷻ-","level":2,"page":748},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":748},{"title":"ورود اسم الله (الغني) في القرآن الكريم","level":3,"page":748},{"title":"ورود اسم الله (الغني) في السنة النبوية","level":3,"page":749},{"title":"معنى اسم الله (الغني) في حقه سبحانه","level":3,"page":750},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغني)","level":3,"page":752},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الغني) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":752},{"title":"الأثر الثاني: ليس كمثله سبحانه شيء في الغنى","level":4,"page":755},{"title":"الأثر الثالث: ﴿ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾","level":4,"page":756},{"title":"الأثر الرابع: محبة الغني سبحانه","level":4,"page":759},{"title":"الأثر الخامس: افتقار رسول الله -ﷺ- إلى ربه","level":4,"page":759},{"title":"الأثر السادس: الغنى غنى النفس","level":4,"page":760},{"title":"الأثر السابع: للغنى أسباب تطلب","level":4,"page":761},{"title":"الأثر الثامن: للفقر أسباب تجتنب","level":4,"page":766},{"title":"فاطر السماوات والأرض -ﷻ-","level":2,"page":770},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":770},{"title":"ورود اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في القرآن الكريم","level":3,"page":770},{"title":"ورود اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في السنة النبوية","level":3,"page":771},{"title":"معنى اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في حقه سبحانه","level":3,"page":772},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (فاطر السماوات والأرض)","level":3,"page":773},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (فاطر السماوات والأرض) من صفاته سبحانه","level":4,"page":773},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (فاطر السماوات والأرض) على التوحيد","level":4,"page":776},{"title":"الأثر الثالث: التوكل على فاطر السماوات والأرض","level":4,"page":779},{"title":"الأثر الرابع: التأمل في خلق السماوات والأرض","level":4,"page":780},{"title":"الأثر الخامس: محبة (فاطر السماوات والأرض)","level":4,"page":782},{"title":"الأثر السادس: ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض﴾ [فاطر: ١]","level":4,"page":782},{"title":"الأثر السابع: التدرج والأناة في سائر الأمور","level":4,"page":783},{"title":"الأثر الثامن: الدعاء باسم (فاطر السماوات والأرض)","level":4,"page":784},{"title":"القدير القادر المقتدر -ﷻ-","level":2,"page":787},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":787},{"title":"ورود اسم الله: (القدير القادر المقتدر) في القرآن الكريم","level":3,"page":787},{"title":"ورود اسم الله: (القدير القادر المقتدر) في السنة النبوية","level":3,"page":789},{"title":"معنى اسم الله (القدير القادر المقتدر)","level":3,"page":790},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله: (القدير القادر المقتدر)","level":3,"page":794},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القدير، القادر، المقتدر) من صفاته سبحانه","level":4,"page":794},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القدير، القادر، المقتدر) على التوحيد","level":4,"page":805},{"title":"الأثر الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر","level":4,"page":806},{"title":"الأثر الرابع: التوكل على القدير، القادر، المقتدر والثقة به","level":4,"page":810},{"title":"الأثر الخامس: الخضوع للقدير والاستعانة به","level":4,"page":811},{"title":"الأثر السادس: محبة الله القادر القدير المقتدر","level":4,"page":813},{"title":"الأثر الثامن: الحذر من الظلم","level":4,"page":814},{"title":"الأثر التاسع: الدعاء باسم الله القادر القدير المقتدر، والاستعاذة بقدرته","level":4,"page":815},{"title":"القريب المجيب -ﷻ-","level":2,"page":818},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":818},{"title":"ورود اسم الله (القريب المجيب) في القرآن الكريم","level":3,"page":819},{"title":"معنى اسم الله (القريب المجيب) في حقه سبحانه","level":3,"page":821},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القريب المجيب)","level":3,"page":824},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القريب، المجيب) من الصفات","level":4,"page":824},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله القريب المجيب على التوحيد","level":4,"page":834},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله القريب المجيب","level":4,"page":835},{"title":"الأثر الرابع: الرجاء في الله (القريب المجيب) والتعلق ببابه","level":4,"page":835},{"title":"الأثر الخامس: دعاء الله القريب المجيب","level":4,"page":837},{"title":"الأثر السادس: الاستجابة والتقرب لله القريب المجيب","level":4,"page":849},{"title":"القاهر القهار -ﷻ-","level":2,"page":853},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":853},{"title":"ورود اسم الله (القاهر- القهار) في القرآن الكريم","level":3,"page":853},{"title":"ورود اسم الله (القاهر- القهار) في السنة النبوية","level":3,"page":854},{"title":"معنى اسم الله (القاهر - القهار)","level":3,"page":855},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القاهر - القهار)","level":3,"page":858},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القاهر، القهار) من صفاته سبحانه","level":4,"page":858},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القهار) على التوحيد","level":4,"page":864},{"title":"الأثر الثالث: طمأنينة القلب وسكينته بالله القاهر القهار","level":4,"page":866},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله القاهر، القهار","level":4,"page":867},{"title":"الأثر الخامس: التواضع والخضوع للقاهر القهار","level":4,"page":867},{"title":"الأثر السادس: الحذر من اتصاف المخلوق بالقهر","level":4,"page":868},{"title":"الكبير المتكبر -ﷻ-","level":2,"page":873},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":873},{"title":"ورود اسم الله (الكبير- المتكبر) في القرآن الكريم","level":3,"page":873},{"title":"ورود اسم الله (الكبير- المتكبر) في السنة النبوية","level":3,"page":874},{"title":"معنى اسم الله (الكبير- المتكبر) في حقه سبحانه","level":3,"page":875},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكبير المتكبر)","level":3,"page":878},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الكبير المتكبر من صفات الله تعالى","level":4,"page":878},{"title":"الأثر الثاني: توحيد الله باسميه الكبير المتكبر","level":4,"page":880},{"title":"الأثر الرابع: مواضع قول: «الله أكبر»، وفضلها","level":4,"page":882},{"title":"الأثر الخامس: محبة الكبير المتكبر","level":4,"page":888},{"title":"الأثر السادس: الحذر من الكبر","level":4,"page":888},{"title":"إياك والكبر»","level":3,"page":889},{"title":"أولا: معنى الكبر","level":4,"page":889},{"title":"ثانيا: أنواع الكبر","level":4,"page":889},{"title":"ثالثا: عاقبة المتكبرين","level":4,"page":890},{"title":"الكريم -ﷻ-","level":2,"page":894},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":894},{"title":"ورود اسم الله (الكريم والأكرم) في القرآن الكريم","level":3,"page":894},{"title":"ورود اسم الله (الكريم) في السنة النبوية","level":3,"page":895},{"title":"معنى اسم الله (الكريم) في حقه سبحانه","level":3,"page":895},{"title":"معنى اسم الله (الأكرم) في حقه سبحانه","level":3,"page":898},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكريم والأكرم)","level":3,"page":899},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الكريم والأكرم) من صفات الله سبحانه","level":4,"page":899},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسمي الله (الكريم والأكرم) على التوحيد","level":4,"page":905},{"title":"الأثر الثالث: تأملات في كرم الكريم سبحانه","level":4,"page":905},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله تعالى الكريم والأكرم","level":4,"page":914},{"title":"الأثر الخامس: شكر الكريم على كرمه","level":4,"page":914},{"title":"الأثر السادس: إكرام من شهد الله بتكريمه","level":4,"page":915},{"title":"الأثر السابع: الاتصاف بالكرم","level":4,"page":916},{"title":"الأثر الثامن: دعاء الكريم الأكرم","level":4,"page":917},{"title":"كريم يحب الكرماء»","level":3,"page":919},{"title":"أولا: تعريف الكرم","level":4,"page":919},{"title":"ثانيا: مظاهر الكرم","level":4,"page":919},{"title":"ثالثا: فضل الكرم","level":4,"page":923},{"title":"اللطيف -ﷻ-","level":2,"page":926},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":926},{"title":"ورود اسم الله (اللطيف) في القرآن","level":3,"page":926},{"title":"ورود اسم الله (اللطيف) في السنة النبوية","level":3,"page":927},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (اللطيف)","level":3,"page":930},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (اللطيف) من الصفات، ودلالته على التوحيد","level":4,"page":930},{"title":"الأثر الثاني: مراقبة اللطيف سبحانه","level":4,"page":936},{"title":"الأثر الثالث: لطف الله بعباده في المصائب والابتلاءات","level":4,"page":937},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله اللطيف","level":4,"page":940},{"title":"الأثر الرابع: اللطف بعباد الله تعالى","level":4,"page":940},{"title":"الأثر الخامس: الدعاء باسم الله اللطيف -ﷻ-","level":4,"page":942},{"title":"الله -ﷻ-","level":2,"page":945},{"title":"المعنى اللغوي للاسم الأعظم (الله)","level":3,"page":945},{"title":"ورود اسم (الله) في القرآن الكريم","level":3,"page":946},{"title":"ورود اسم (الله) في السنة النبوية","level":3,"page":946},{"title":"معنى اسم (الله) -ﷻ-","level":3,"page":947},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم (الله)","level":3,"page":957},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (الله) من الصفات","level":4,"page":957},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم (الله) على التوحيد","level":4,"page":960},{"title":"الأثر الثالث: الفرح والسرور بمعرفة الله -ﷻ-","level":4,"page":965},{"title":"الأثر الرابع: الاعتزاز بالله -ﷻ- والتوكل عليه","level":4,"page":966},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله جل في علاه","level":4,"page":967},{"title":"الأثر السادس: دعاء الله تعالى باسمه الأعظم","level":4,"page":968},{"title":"الأثر السابع: الأذكار مقرونة باسم (الله) سبحانه","level":4,"page":969},{"title":"الأثر الثامن: تسمي العبد بأحب الأسماء إلى الله تعالى","level":4,"page":970},{"title":"الأثر التاسع: تحقيق العبودية التامة لله تعالى","level":4,"page":971},{"title":"العبودية","level":3,"page":973},{"title":"أولا: تعريف العبادة","level":4,"page":973},{"title":"ثانيا: أهمية العبودية وفضلها","level":4,"page":975},{"title":"ثالثا: وسائل تحقيق العبودية","level":4,"page":980},{"title":"المجيد -ﷻ-","level":2,"page":983},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":983},{"title":"ورود اسم الله المجيد في القرآن الكريم","level":3,"page":983},{"title":"ورود اسم الله المجيد في السنة النبوية","level":3,"page":984},{"title":"معنى اسم الله المجيد في حقه تعالى","level":3,"page":984},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله المجيد","level":3,"page":987},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المجيد) من الصفات","level":4,"page":987},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المجيد) على التوحيد","level":4,"page":991},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله المجيد","level":4,"page":992},{"title":"الأثر الرابع: تمجيد ما مجده الله -﷿-","level":4,"page":993},{"title":"الأثر الخامس: ثواب من مجد الله","level":4,"page":1002},{"title":"المستعان -ﷻ-","level":2,"page":1006},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1006},{"title":"ورود اسم الله (المستعان) في القرآن الكريم","level":3,"page":1006},{"title":"ورود اسم الله (المستعان) في السنة النبوية","level":3,"page":1007},{"title":"معنى اسم الله (المستعان)","level":3,"page":1007},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المستعان)","level":3,"page":1008},{"title":"الأثرالأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المستعان) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1008},{"title":"الأثر الثاني: محبة الله المستعان","level":4,"page":1009},{"title":"الأثر الثالث: إعانة الناس وقضاء حوائجهم","level":4,"page":1010},{"title":"الأثر الرابع: دعاء الله المستعان","level":4,"page":1011},{"title":"الاستعانة بالله»","level":3,"page":1013},{"title":"أولا: تعريف الاستعانة","level":4,"page":1013},{"title":"ثانيا: منزلة الاستعانة","level":4,"page":1013},{"title":"ثالثا: لم قدمت العبادة على الاستعانة","level":4,"page":1015},{"title":"رابعا: أقسام الاستعانة","level":4,"page":1017},{"title":"خامسا: تقسيم الناس بحسب الاستعانة","level":4,"page":1018},{"title":"سادسا: كيف تحقق الاستعانة","level":4,"page":1022},{"title":"١ - صدق العبودية","level":5,"page":1022},{"title":"٢ - التزام الأعمال الصالحة","level":5,"page":1024},{"title":"٣ - الاستعانة بأوقات النشاط واستثمارها في الطاعة","level":5,"page":1024},{"title":"٤ - الدعاء وصدق الطلب","level":5,"page":1025},{"title":"٥ - مساعدة الناس ومعاونتهم","level":5,"page":1026},{"title":"الملك والمالك والمليك -ﷻ-","level":2,"page":1027},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1027},{"title":"ورود اسم الله (الملك - المالك - المليك) في القرآن الكريم","level":3,"page":1028},{"title":"ورود اسم الله (الملك - المالك - المليك) في السنة النبوية","level":3,"page":1028},{"title":"معنى اسم الله (الملك - المالك -المليك) في حقه سبحانه","level":3,"page":1030},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الملك- المالك- المليك)","level":3,"page":1033},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الملك، والمالك، والمليك) من صفات الله سبحانه","level":4,"page":1033},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الملك) على التوحيد","level":4,"page":1038},{"title":"الأثر الثالث: تعلق القلب بالملك المالك المليك","level":4,"page":1040},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله تعالى الملك المالك المليك","level":4,"page":1042},{"title":"الأثر الخامس: التذلل والخضوع لله الملك المالك المليك","level":4,"page":1043},{"title":"الأثر السادس: عدم الاغترار بملك الخلق","level":4,"page":1045},{"title":"الأثر السابع: النهي عن التسمي بملك الملوك ونحوه","level":4,"page":1048},{"title":"الغالب الناصر النصير -ﷻ-","level":2,"page":1050},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1050},{"title":"أولا: (الغالب)","level":4,"page":1050},{"title":"ثانيا: (الناصر، والنصير)","level":4,"page":1050},{"title":"ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في القرآن الكريم","level":4,"page":1051},{"title":"ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في السنة النبوية","level":4,"page":1052},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغالب، الناصر، النصير)","level":3,"page":1055},{"title":"الأثرالأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1055},{"title":"الأثر الثاني: تحقق نصر الله لعباده المؤمنين","level":4,"page":1057},{"title":"الأثر الثالث: كيف يكون نصر الله تعالى لأنبيائه ورسله وأوليائه؟","level":4,"page":1061},{"title":"الأثر الرابع: تحقيق أسباب النصر","level":4,"page":1067},{"title":"الأثر الخامس: اليقين بأن تأخر نصر الله تعالى لا يعني: انعدامه","level":4,"page":1072},{"title":"الأثر السادس: الحذر من أسباب الخذلان","level":4,"page":1074},{"title":"الأثر السابع: محبة الغالب الناصر النصير","level":4,"page":1078},{"title":"الأثر الثامن: الدعاء باسم الله الغالب، الناصر، النصير","level":4,"page":1078},{"title":"نور السماوات والأرض -ﷻ-","level":2,"page":1080},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1080},{"title":"ورود اسم الله (نور السماوات والأرض) في القرآن الكريم","level":3,"page":1080},{"title":"ورود اسم الله (نور السماوات والأرض) في السنة النبوية","level":3,"page":1080},{"title":"معنى اسم الله (نور السماوات والأرض)","level":3,"page":1081},{"title":"ثبوت اسم (النور) في حق الله تعالى","level":3,"page":1081},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (نور السماوات والأرض)","level":3,"page":1083},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (نور السماوات والأرض) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1083},{"title":"الأثر الثاني: الإيمان بأن كتب الله ورسله ودينه نور من عنده","level":4,"page":1087},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله نور السموات والأرض","level":4,"page":1088},{"title":"الأثر الرابع: نور الله (دينه) باق بحفظ الله","level":4,"page":1089},{"title":"الأثر الخامس: السعي للعمل الصالح الذي ينير للعبد يوم القيامة","level":4,"page":1089},{"title":"الأثر السادس: دعاء الله باسمه نور السموات والأرض","level":4,"page":1095},{"title":"الواحد الأحد -ﷻ-","level":2,"page":1097},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1097},{"title":"ورود اسم الله (الواحد - الأحد) في القرآن الكريم","level":3,"page":1097},{"title":"ورود اسم الله (الواحد، الأحد) في السنة النبوية","level":3,"page":1098},{"title":"معنى اسم الله (الواحد، الأحد) في حقه- سبحانه","level":3,"page":1099},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الواحد، الأحد)","level":3,"page":1102},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الواحد، الأحد) من الصفات","level":4,"page":1102},{"title":"الأثر الثاني: توحيد الله الواحد الأحد، ودلالة الاسمين الكريمين عليه.","level":4,"page":1107},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله الواحد الأحد","level":4,"page":1112},{"title":"الأثر الرابع: التعلق بالله الواحد الأحد في المطالب، والاطمئنان إليه","level":4,"page":1112},{"title":"الأثر الخامس: ذكر الله الواحد الأحد بالتوحيد","level":4,"page":1114},{"title":"الأثر السادس: قراءة سورة ﴿قل هو الله أحد﴾، وتدبرها","level":4,"page":1117},{"title":"الأثر السابع: دعاء الله باسمه الواحد الأحد","level":4,"page":1120},{"title":"الودود -ﷻ-","level":2,"page":1124},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1124},{"title":"ورود اسم الله (الودود) في القرآن الكريم","level":3,"page":1124},{"title":"ورود اسم الله (الودود) في السنة النبوية","level":3,"page":1124},{"title":"معنى اسم الله (الودود)","level":3,"page":1125},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الودود)","level":3,"page":1127},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الودود) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1127},{"title":"الأثر الثاني: محبة الودود سبحانه","level":4,"page":1130},{"title":"الأثر الثالث: نيل ثمرات محبة الله للعبد","level":4,"page":1132},{"title":"الأثر الرابع: السعي لتحصيل الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد","level":4,"page":1136},{"title":"الأثر الخامس: الحذر مما لا يحب الله تعالى","level":4,"page":1147},{"title":"الأثر السادس: دعاء الله باسمه تعالى (الودود)","level":4,"page":1149},{"title":"الوكيل والكفيل والكافي -ﷻ-","level":2,"page":1151},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1151},{"title":"أولا: (الوكيل)","level":4,"page":1151},{"title":"ثانيا: (الكفيل)","level":4,"page":1152},{"title":"ثالثا: (الكافي)","level":4,"page":1152},{"title":"ورود أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في القرآن الكريم","level":3,"page":1153},{"title":"أولا: ورود اسم الله الوكيل","level":4,"page":1153},{"title":"ثانيا: ورود اسم الله الكفيل","level":4,"page":1153},{"title":"ثالثا: ورود اسم الله الكافي","level":4,"page":1154},{"title":"ورود اسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في السنة النبوية","level":3,"page":1154},{"title":"أولا: ورود اسم الله الوكيل","level":4,"page":1154},{"title":"ثانيا: ورود اسم الله الكفيل","level":4,"page":1155},{"title":"ثالثا: ورود اسم الله الكافي","level":4,"page":1156},{"title":"معنى أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في حقه سبحانه","level":3,"page":1156},{"title":"أولا: (الوكيل)","level":4,"page":1156},{"title":"ثانيا: (الكفيل)","level":4,"page":1158},{"title":"ثالثا: (الكافي)","level":4,"page":1160},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي)","level":3,"page":1162},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) من صفاته سبحانه","level":4,"page":1162},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الوكيل، الكفيل، الكافي) على التوحيد","level":4,"page":1174},{"title":"الأثر الثالث: الثقة في الوكيل الكفيل الكافي","level":4,"page":1176},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله (الوكيل، الكفيل، والكافي) وشكره","level":4,"page":1177},{"title":"الأثر الخامس: الدعاء باسم الله (الوكيل، الكفيل، الكافي)","level":4,"page":1177},{"title":"الوكيل الكفيل الكافي يحب المتوكلين","level":3,"page":1180},{"title":"أولا: تعريف التوكل","level":4,"page":1180},{"title":"ثانيا: منزلة التوكل وفضله","level":4,"page":1183},{"title":"ثالثا: ثمرات التوكل","level":4,"page":1186},{"title":"الولي المولى -ﷻ-","level":2,"page":1195},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1195},{"title":"ورود اسم الله (الولي، المولى) في القرآن الكريم","level":3,"page":1195},{"title":"ورود اسم الله (الولي، المولى) في السنة النبوية","level":3,"page":1196},{"title":"معنى اسم الله (الولي، المولى) في حقه سبحانه","level":3,"page":1197},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الولي، المولى)","level":3,"page":1200},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الولي- المولى) من الصفات","level":4,"page":1200},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله الولي المولى على التوحيد","level":4,"page":1207},{"title":"الأثر الثالث: الثقة بنصر الله (الولي، المولى) لأوليائه، والتوكل عليه، وحسن الظن به","level":4,"page":1209},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله الولي المولى سبحانه","level":4,"page":1210},{"title":"الأثر الخامس: نيل ولاية الله الولي المولى","level":4,"page":1211},{"title":"الأثر السادس: موالاة أولياء الله والحذر من معادتهم","level":4,"page":1219},{"title":"الأثر السابع: دعاء الله باسمه (الولي، المولى)","level":4,"page":1221},{"title":"الوهاب -ﷻ-","level":2,"page":1223},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1223},{"title":"ورود اسم الله (الوهاب) في القرآن الكريم","level":3,"page":1223},{"title":"ورود اسم الله (الوهاب) في السنة النبوية","level":3,"page":1224},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوهاب)","level":3,"page":1226},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوهاب) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1226},{"title":"الأثر الثاني: استشعار عظم هبات الله تعالى وشموليتها.","level":4,"page":1227},{"title":"الأثر الثالث: محبة الوهاب -جل وعلا-","level":4,"page":1233},{"title":"الأثر الرابع: شكر الوهاب على هباته","level":4,"page":1233},{"title":"الأثر الخامس: المحافظة على هبات الوهاب من الفقد","level":4,"page":1234},{"title":"الأثر السادس: الصبر عند سلب النعم ورفع الهبات","level":4,"page":1236},{"title":"الأثر السابع: السعي للبذل والهبة لمن يستحق ذلك","level":4,"page":1238},{"title":"الأثر الثامن: دعاء الله تعالى باسمه (الوهاب)","level":4,"page":1240},{"title":"الأسماء التي ثبتت في القرآن الكريم فقط","level":1,"page":1242},{"title":"البر -ﷻ-","level":2,"page":1242},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1242},{"title":"ورود اسم الله تعالى (البر) في القرآن الكريم","level":3,"page":1242},{"title":"ورود اسم الله تعالى (البر) في السنة النبوية","level":3,"page":1243},{"title":"معنى اسم الله (البر) في حقه سبحانه","level":3,"page":1243},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (البر)","level":3,"page":1245},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (البر) من صفاته سبحانه، وتوحيد الله به","level":4,"page":1245},{"title":"الأثر الثاني: محبة البر سبحانه","level":4,"page":1249},{"title":"الأثر الثالث: الثقة بالبر سبحانه والرضى بأقداره","level":4,"page":1249},{"title":"«البر يحب الأبرار»","level":3,"page":1252},{"title":"أولا: تعريف البر","level":4,"page":1252},{"title":"ثانيا: فضائل البر وأهله","level":4,"page":1253},{"title":"ثالثا: من هم الأبرار؟","level":4,"page":1255},{"title":"١ - الأبرار هم أهل بر الوالدين والإحسان إليهم","level":5,"page":1255},{"title":"٢ - الأبرار هم أهل الصدقات","level":5,"page":1256},{"title":"٣ - الأبرار هم أهل الخلق الحسن","level":5,"page":1258},{"title":"٤ - الأبرار هم أهل الصدق","level":5,"page":1259},{"title":"٥ - الأبرار هم من يخلصون في أعمالهم ويبتغون وجه الله تعالى","level":5,"page":1260},{"title":"الحسيب الديان -ﷻ-","level":2,"page":1261},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1261},{"title":"أولا: (الحسيب)","level":4,"page":1261},{"title":"ثانيا: (الديان)","level":4,"page":1262},{"title":"ورود اسمي الله (الحسيب - الديان) في القرآن الكريم","level":3,"page":1263},{"title":"ورود اسمي الله (الحسيب - الديان) في السنة النبوية","level":3,"page":1263},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحسيب - الديان)","level":3,"page":1269},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحسيب- الديان) من صفاته سبحانه","level":4,"page":1269},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسماء الله (الحسيب- الديان) على التوحيد","level":4,"page":1281},{"title":"الأثر الثالث: التوكل على كفاية الله الحسيب","level":4,"page":1284},{"title":"الأثر الرابع: الاطمئنان إلى الله الحسيب الديان","level":4,"page":1285},{"title":"الأثر الخامس: متابعة رسول الله -ﷺ- تحصيلا لكفاية الحسيب","level":4,"page":1288},{"title":"الأثر السادس: محبة الله الحسيب الديان","level":4,"page":1289},{"title":"الأثر السابع: الاستعداد ليوم الحساب","level":4,"page":1290},{"title":"الأثر الثامن: اجتناب مظالم العباد ورد حقوقهم","level":4,"page":1293},{"title":"المحاسبة","level":3,"page":1296},{"title":"أولا: تعريف المحاسبة","level":4,"page":1296},{"title":"ثانيا: ثمرات المحاسبة","level":4,"page":1296},{"title":"ثالثا: تحقيق المحاسبة","level":4,"page":1298},{"title":"الحفيظ الحافظ -ﷻ-","level":2,"page":1301},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1301},{"title":"ورود اسم الله (الحفيظ- الحافظ) في القرآن الكريم","level":3,"page":1301},{"title":"معنى اسم الله (الحفيظ- الحافظ) في حقه سبحانه","level":3,"page":1302},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحفيظ- الحافظ)","level":3,"page":1305},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحافظ الحفيظ) من الصفات","level":4,"page":1305},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحافظ الحفيظ) على التوحيد","level":4,"page":1313},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله الحفيظ","level":4,"page":1314},{"title":"الأثر الرابع: مراقبة العبد للحافظ الحفيظ","level":4,"page":1314},{"title":"الأثر الخامس: «احفظ الله يحفظك»","level":4,"page":1315},{"title":"الأثر السادس: الأسباب المحصلة لحفظ الحفيظ","level":4,"page":1320},{"title":"ذو الفضل -ﷻ-","level":2,"page":1330},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1330},{"title":"ورود اسم الله (ذي الفضل) في القرآن الكريم","level":3,"page":1330},{"title":"ورود اسم الله (ذي الفضل) في السنة النبوية","level":3,"page":1331},{"title":"معنى اسم الله (ذي الفضل) في حقه سبحانه","level":3,"page":1331},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذي الفضل)","level":3,"page":1333},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذو الفضل) من صفات الله، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1333},{"title":"الأثر الثاني: تحقيق صدق الافتقار لذي الفضل سبحانه","level":4,"page":1337},{"title":"الأثر الثالث: محبة ذي الفضل سبحانه","level":4,"page":1338},{"title":"الأثر الرابع: الفرح بفضل الله تعالى","level":4,"page":1338},{"title":"الأثر الخامس: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»","level":4,"page":1340},{"title":"الرقيب -ﷻ-","level":2,"page":1342},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1342},{"title":"ورود اسم الله (الرقيب) في القرآن الكريم","level":3,"page":1342},{"title":"ورود اسم الله (الرقيب) في السنة النبوية","level":3,"page":1342},{"title":"معنى اسم الله (الرقيب) في حقه سبحانه","level":3,"page":1343},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرقيب)","level":3,"page":1344},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرقيب)، ودلالته على التوحيد","level":4,"page":1344},{"title":"الأثر الثاني: محبة الله الرقيب","level":4,"page":1347},{"title":"الأثر الثالث: مراقبة الرقيب جل في علاه","level":4,"page":1347},{"title":"المراقبة","level":3,"page":1348},{"title":"أولا: تعريف المراقبة","level":4,"page":1348},{"title":"ثانيا: ثمرات المراقبة","level":4,"page":1348},{"title":"١ - الإخلاص","level":5,"page":1348},{"title":"٢ - إتقان العمل","level":5,"page":1349},{"title":"٣ - حفظ الظاهر والباطن من السيئات","level":5,"page":1350},{"title":"٤ - أعمال القلوب","level":5,"page":1351},{"title":"٥ - تفريج الهموم وتنفيس الكربات","level":5,"page":1351},{"title":"٦ - سرور النفس وطمأنينة القلب","level":5,"page":1353},{"title":"٧ - زيادة الأجر","level":5,"page":1354},{"title":"٨ - دخول الجنة ورؤية وجه الله -﷿-","level":5,"page":1355},{"title":"ثالثا: وسائل تحقيق المراقبة","level":4,"page":1356},{"title":"الفتاح -ﷻ-","level":2,"page":1360},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1360},{"title":"ورود اسم الله (الفتاح) في القرآن","level":3,"page":1360},{"title":"ورود اسم الله (الفتاح) في السنة النبوية","level":3,"page":1361},{"title":"معنى اسم الله (الفتاح)","level":3,"page":1361},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الفتاح) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1363},{"title":"الأثر الثاني: اليقين بأن مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو","level":4,"page":1367},{"title":"الأثر الثالث: محبة الفتاح","level":4,"page":1368},{"title":"الأثر الرابع: اليقين بفتح الله تعالى","level":4,"page":1369},{"title":"الأثر الخامس: السعي لتحصيل أسباب نيل الفتح من الله","level":4,"page":1370},{"title":"الأثر السادس: ليس كل فتح نعمة، فقد يكون فتنة","level":4,"page":1371},{"title":"الأثر السابع: تذكر يوم الفتح الحقيقي والاستعداد له","level":4,"page":1372},{"title":"الأثر الثامن: البذل والعطاء لمن جعل الله له مفاتيح الخير","level":4,"page":1374},{"title":"الأثر التاسع: دعاء الله باسمه الفتاح","level":4,"page":1374},{"title":"القوي المتين -ﷻ-","level":2,"page":1376},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1376},{"title":"ورود اسم الله (القوي، المتين) في القرآن الكريم","level":3,"page":1377},{"title":"ورود اسم الله (القوي المتين) في السنة النبوية","level":3,"page":1377},{"title":"معنى اسم الله (القوي المتين)","level":3,"page":1378},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله القوي المتين","level":3,"page":1381},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القوي، المتين) من صفات الله سبحانه","level":4,"page":1381},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القوي، المتين) على التوحيد","level":4,"page":1387},{"title":"الأثر الثالث: التوكل على الله والاستعانة به","level":4,"page":1389},{"title":"الأثر الرابع: الشعور بالعزة والنصر من القوي المتين","level":4,"page":1394},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله القوي المتين","level":4,"page":1395},{"title":"الأثر السادس: اتصاف المؤمن بالقوة","level":4,"page":1396},{"title":"المبين -ﷻ-","level":2,"page":1400},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1400},{"title":"ورود اسم الله (المبين) في القرآن الكريم","level":3,"page":1400},{"title":"ورود اسم الله (المبين) في السنة النبوية","level":3,"page":1400},{"title":"معنى اسم الله (المبين)","level":3,"page":1401},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المبين)","level":3,"page":1402},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المبين) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1402},{"title":"الأثر الثاني: محبة المبين سبحانه","level":4,"page":1405},{"title":"الأثر الثالث: تدبر كتاب الله المبين","level":4,"page":1405},{"title":"الأثر الرابع: اليقين بأن محمد -ﷺ- خير مبين للدين","level":4,"page":1408},{"title":"الأثر الخامس: العناية ببيان العلم وفضله","level":4,"page":1409},{"title":"الأثر السادس: دعاء الله باسمه تعالى (المبين)","level":4,"page":1410},{"title":"المحيط -ﷻ-","level":2,"page":1412},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1412},{"title":"ورود اسم الله (المحيط) في القرآن الكريم","level":3,"page":1412},{"title":"ورود اسم الله (المحيط) في السنة النبوية","level":3,"page":1412},{"title":"معنى اسم الله (المحيط) في حقه سبحانه","level":3,"page":1413},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المحيط)","level":3,"page":1415},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما تضمنه اسم الله المحيط من صفات الله سبحانه","level":4,"page":1415},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المحيط) على التوحيد","level":4,"page":1420},{"title":"الأثر الثالث: الخوف من الله (المحيط)","level":4,"page":1420},{"title":"الأثر الرابع: الخوف من ظلم العباد","level":4,"page":1424},{"title":"الأثر الخامس: الثقة بنصر الله المحيط","level":4,"page":1425},{"title":"الأثر السادس: محبة الله المحيط","level":4,"page":1425},{"title":"المهيمن -ﷻ-","level":2,"page":1427},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1427},{"title":"ورود اسم الله (المهيمن) في القرآن الكريم","level":3,"page":1427},{"title":"ورود اسم الله (المهيمن) في السنة النبوية","level":3,"page":1427},{"title":"معنى اسم الله (المهيمن) في حقه سبحانه","level":3,"page":1428},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المهيمن)","level":3,"page":1432},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المهيمن) من صفاته سبحانه","level":4,"page":1432},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المهيمن) على التوحيد","level":4,"page":1434},{"title":"الأثر الثالث: الإيمان بهيمنة القرآن","level":4,"page":1435},{"title":"الأثر الرابع: الرضى بقضاء المهيمن","level":4,"page":1438},{"title":"الأثر الخامس: مراقبة الله المهيمن","level":4,"page":1439},{"title":"الأثر السادس: الثقة بالمهيمن","level":4,"page":1440},{"title":"الأثر السابع: محبة الله تعالى المهيمن","level":4,"page":1442},{"title":"المؤمن -ﷻ-","level":2,"page":1443},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1443},{"title":"ورود اسم الله (المؤمن) في القرآن الكريم","level":3,"page":1443},{"title":"ورود اسم الله (المؤمن) في السنة النبوية","level":3,"page":1444},{"title":"معنى اسم الله (المؤمن) في حقه سبحانه","level":3,"page":1444},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المؤمن)","level":3,"page":1448},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المؤمن) من صفات","level":4,"page":1448},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المؤمن) على التوحيد","level":4,"page":1456},{"title":"الأثر الثالث: لا يجمع المؤمن سبحانه لعبده أمنين ولا خوفين","level":4,"page":1457},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله المؤمن","level":4,"page":1459},{"title":"الأثر الخامس: أسباب نيل الأمن في الآخرة","level":4,"page":1460},{"title":"الأثر السادس: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه»","level":4,"page":1463},{"title":"الهادي -ﷻ-","level":2,"page":1464},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1464},{"title":"ورود اسم الله (الهادي) في القرآن الكريم","level":3,"page":1464},{"title":"ورود اسم الله (الهادي) في السنة النبوية","level":3,"page":1465},{"title":"معنى اسم الله (الهادي) في حقه سبحانه","level":3,"page":1465},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الهادي)","level":3,"page":1467},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الهادي) من الصفات، وتوحيد الله به","level":4,"page":1467},{"title":"الأثر الثاني: أعظم نعمة وأجل هداية هي الهداية للإسلام","level":4,"page":1471},{"title":"الأثر الثالث: محبة الهادي سبحانه","level":4,"page":1473},{"title":"الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الهادي","level":4,"page":1473},{"title":"الأثر السادس: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧]","level":4,"page":1474},{"title":"الهادي يحيب المهديين -ﷻ-","level":3,"page":1476},{"title":"أولا: معنى الهداية","level":4,"page":1476},{"title":"ثانيا: مقومات الثبات على الهداية","level":4,"page":1476},{"title":"١ - توفيق الله تعالى","level":5,"page":1477},{"title":"٢ - تأمل قدرة الله وبديع خلقه","level":5,"page":1477},{"title":"٣ - تدبر القرآن الكريم","level":5,"page":1479},{"title":"٤ - الإخلاص والمتابعة","level":5,"page":1480},{"title":"٥ - مصاحبة الأخيار والابتعاد عن رفقة الأشرار","level":5,"page":1480},{"title":"٦ - الإنابة والتوبة والرجوع إلى الله -ﷻ-.","level":5,"page":1480},{"title":"٧ - الدعاء","level":5,"page":1481},{"title":"٨ - المجاهدة على فعل الطاعات، وترك المنكرات","level":5,"page":1482},{"title":"٩ - التناصح بين الناس","level":5,"page":1483},{"title":"ثالثا: أسباب حرمان الهداية","level":4,"page":1483},{"title":"١) ضعف المعرفة","level":5,"page":1483},{"title":"٢) عدم الأهلية","level":5,"page":1484},{"title":"٣) الإعراض عن شرع الله تعالى","level":5,"page":1484},{"title":"٤) الحسد والكبر","level":5,"page":1486},{"title":"٥) الظلم","level":5,"page":1486},{"title":"٦) الكذب","level":5,"page":1487},{"title":"٧) الإسراف","level":5,"page":1487},{"title":"٨) الفسق","level":5,"page":1487},{"title":"٩) قرناء السوء","level":5,"page":1488},{"title":"الوارث -ﷻ-","level":2,"page":1489},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1489},{"title":"ورود اسم الله الوارث في القرآن الكريم","level":3,"page":1489},{"title":"ورود اسم الله (الوارث) في السنة النبوية","level":3,"page":1490},{"title":"معنى اسم الله (الوارث) في حقه تعالى","level":3,"page":1490},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الوارث","level":3,"page":1491},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوارث) من صفاته سبحانه","level":4,"page":1491},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الوارث) على التوحيد","level":4,"page":1495},{"title":"الأثر الثالث: التوكل على الوارث سبحانه","level":4,"page":1496},{"title":"الأثر الرابع: اليقين بتوريث الله الأرض لعباده الصالحين","level":4,"page":1497},{"title":"الأثر الخامس: محبة الله الوارث","level":4,"page":1499},{"title":"الأثر السادس: الزهد في الدنيا","level":4,"page":1499},{"title":"الأثر السابع: الإنفاق في سبيل الوارث -﵎-","level":4,"page":1500},{"title":"الأثر الثامن: طلب الإرث الحقيقي (العلم)","level":4,"page":1502},{"title":"الأثر التاسع: السعي لإرث الجنة","level":4,"page":1506},{"title":"الأثر العاشر: الدعاء باسم الله الوارث","level":4,"page":1515},{"title":"الواسع -ﷻ-","level":2,"page":1518},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1518},{"title":"ورود اسم الله (الواسع) في القرآن الكريم","level":3,"page":1518},{"title":"ورود اسم الله (الواسع) في السنة النبوية","level":3,"page":1519},{"title":"معنى اسم الله (الواسع) في حقه سبحانه","level":3,"page":1519},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الواسع)","level":3,"page":1520},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الواسع) من الصفات، ودلالته على التوحيد","level":4,"page":1520},{"title":"الأثر الثاني: محبة الله الواسع","level":4,"page":1527},{"title":"الأثر الثالث: سؤال الله نعيم الجنة الواسع","level":4,"page":1528},{"title":"الأثر الثالث: إذا أغلق باب فتح الواسع بابا آخر","level":4,"page":1531},{"title":"الأثر الرابع: طلب المغفرة والرحمة من الواسع","level":4,"page":1533},{"title":"الأسماء التي ثبتت في السنة النبوية فقط","level":1,"page":1536},{"title":"الجميل -ﷻ-","level":2,"page":1536},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1536},{"title":"ورود اسم الله (الجميل) في القرآن الكريم","level":3,"page":1536},{"title":"ورود اسم الله (الجميل) في السنة النبوية","level":3,"page":1536},{"title":"معنى اسم الله (الجميل) في حقه تعالى","level":3,"page":1537},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الجميل) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1538},{"title":"الأثر الثاني: أعظم النعيم رؤية الجميل -﷿- في الجنة","level":4,"page":1542},{"title":"الأثر الثالث: محبة الجميل سبحانه","level":4,"page":1545},{"title":"الأثر الرابع: الجمال الحقيقي جمال المخبر لا المظهر","level":4,"page":1546},{"title":"الأثر الخامس: الله -﷿- هو واهب الجمال والحسن لمن يشاء","level":4,"page":1547},{"title":"الأثر الخامس: ملازمة كل خلق جميل","level":4,"page":1550},{"title":"الأثر السادس: ملازمة كل قول جميل","level":4,"page":1552},{"title":"الأثر السابع: التعبد للجميل بإظهار نعمته على عبده، والتجمل في اللباس والهيئة من غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا تكبر","level":4,"page":1554},{"title":"الأثر الثامن: الرضا عن الجميل، وعن أفعاله وقضائه وقدره، فكلها تتسم بالجمال","level":4,"page":1560},{"title":"الحيي الستير -ﷻ-","level":2,"page":1561},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1561},{"title":"أولا: معنى (الحيي)","level":4,"page":1561},{"title":"ثانيا: معنى الستير","level":4,"page":1561},{"title":"ورود اسم الله (الحيي الستير) في السنة النبوية","level":3,"page":1562},{"title":"معنى اسم الله (الحيي الستير) في حقه سبحانه","level":3,"page":1563},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحيي الستير)","level":3,"page":1565},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الحيي الستير) من صفات الله تعالى","level":4,"page":1565},{"title":"الأثر الثاني: توحيد الله باسمي الله الحيي الستير","level":4,"page":1567},{"title":"الأثر الثالث: الاقتداء بحياء صفوة البشر","level":4,"page":1569},{"title":"الأثر الرابع: محبة الحيي الستير","level":4,"page":1572},{"title":"الأثر الخامس: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»","level":4,"page":1572},{"title":"الأثر السادس: من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة","level":4,"page":1576},{"title":"الأثر السابع: العناية بستر العورات","level":4,"page":1579},{"title":"الأثر الثامن: الحياء من الله -﷿- الحيي الستير","level":4,"page":1580},{"title":"حيي ستير، يحب الحياء والستر»","level":3,"page":1582},{"title":"أولا: المقصود بالحياء","level":4,"page":1582},{"title":"ثانيا: فضل الحياء","level":4,"page":1582},{"title":"ثالثا: أقسام الحياء","level":4,"page":1585},{"title":"أولا: تقسيم الحياء من حيث الأصل","level":5,"page":1585},{"title":"ثانيا: تقسيم الحياء من حيث النوع","level":5,"page":1586},{"title":"ثالثا: تقسيم الحياء باعتبار المستحيى منه","level":5,"page":1588},{"title":"١ - الحياء من الله","level":6,"page":1588},{"title":"٢ - الحياء من الملائكة","level":6,"page":1589},{"title":"٣ - الحياء من الناس","level":6,"page":1590},{"title":"٤ - الحياء من النفس","level":6,"page":1591},{"title":"رابعا: تحقيق مرتبة الحياء من الله تعالى","level":4,"page":1592},{"title":"الرفيق -ﷻ-","level":2,"page":1595},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1595},{"title":"ورود اسم الله (الرفيق) في القرآن الكريم","level":3,"page":1595},{"title":"ورود اسم الله (الرفيق) في السنة النبوية","level":3,"page":1595},{"title":"معنى اسم الله (الرفيق)","level":3,"page":1596},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرفيق)","level":3,"page":1597},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرفيق) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1597},{"title":"الأثر الثاني: محبة الله الرفيق","level":4,"page":1602},{"title":"الأثر الثالث: الرفق في أخذ الدين، وعدم التشدد","level":4,"page":1602},{"title":"الأثر الرابع: الرفق في كل الأمور، اقتداء برسول الله -ﷺ-","level":4,"page":1604},{"title":"الأثر الخامس: التفريق بين الرفق والتفريط","level":4,"page":1608},{"title":"الأثر السادس: الرفق في التعامل مع الخلق","level":4,"page":1609},{"title":"الأثر السابع: الحرص على نيل ثواب الرفق","level":4,"page":1615},{"title":"السبوح القدوس -ﷻ-","level":2,"page":1617},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1617},{"title":"أولا: (السبوح)","level":4,"page":1617},{"title":"ثانيا: (القدوس)","level":4,"page":1618},{"title":"ورود اسم الله (السبوح القدوس) في القرآن الكريم","level":3,"page":1618},{"title":"ورود اسم الله (السبوح القدوس) في السنة النبوية","level":3,"page":1619},{"title":"معنى اسم الله (السبوح القدوس)","level":3,"page":1620},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله السبوح القدوس","level":3,"page":1626},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السبوح القدوس) من صفاته سبحانه","level":4,"page":1626},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (السبوح القدوس) على التوحيد","level":4,"page":1630},{"title":"الأثر الثالث: تنزيه العبد لله السبوح القدوس","level":4,"page":1633},{"title":"الأثر الرابع: المحبة للسبوح القدوس","level":4,"page":1635},{"title":"الأثر الخامس: التسبيح لله تعالى وتقديسه -ﷻ-","level":4,"page":1635},{"title":"التسبيح والتقديس»","level":3,"page":1640},{"title":"أولا: تعريف التسبيح والتقديس","level":4,"page":1640},{"title":"ثانيا: فضل التسبيح؟","level":4,"page":1641},{"title":"السيد -ﷻ-","level":2,"page":1648},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1648},{"title":"ورود اسم الله (السيد) في القرآن الكريم","level":3,"page":1648},{"title":"ورود اسم الله (السيد) في السنة النبوية","level":3,"page":1648},{"title":"معنى اسم الله (السيد) في حقه سبحانه","level":3,"page":1649},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السيد)","level":3,"page":1651},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السيد) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1651},{"title":"الأثر الثاني: محبة الله السيد","level":4,"page":1652},{"title":"الأثر الثالث: لا سيادة لفاسق","level":4,"page":1652},{"title":"الأثر الرابع: التذلل بين يدي السيد","level":4,"page":1653},{"title":"الأثر الخامس: أحسن لمن تحت يدك","level":4,"page":1654},{"title":"الأثر السادس: حكم إطلاق اسم السيد على المخلوق","level":4,"page":1656},{"title":"الشافي -ﷻ-","level":2,"page":1660},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1660},{"title":"ورود اسم الله (الشافي) في القرآن الكريم","level":3,"page":1660},{"title":"ورود اسم الله (الشافي) في السنة النبوية","level":3,"page":1660},{"title":"معنى اسم الله (الشافي) في حقه سبحانه","level":3,"page":1661},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشافي)","level":3,"page":1662},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشافي) من الصفات","level":4,"page":1662},{"title":"الأثر الثاني: توحيد الله باسمه (الشافي)","level":4,"page":1666},{"title":"الأثر الثالث: التوكل على الله الشافي","level":4,"page":1667},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله الشافي","level":4,"page":1673},{"title":"الأثر الخامس: تحريم التداوي بمحرم","level":4,"page":1674},{"title":"الأثر السادس: ﴿وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم﴾ [البقرة: ٢١٦]","level":4,"page":1676},{"title":"الأثر السابع: الدعاء باسمه (الشافي)","level":4,"page":1681},{"title":"الطيب -ﷻ-","level":2,"page":1682},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1682},{"title":"ورود اسم الله (الطيب) في القرآن الكريم","level":3,"page":1682},{"title":"ورود اسم الله (الطيب) في السنة النبوية","level":3,"page":1682},{"title":"معنى اسم الله (الطيب) في حقه سبحانه","level":3,"page":1683},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الطيب)","level":3,"page":1684},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الطيب) من الصفات، ودلالته على التوحيد","level":4,"page":1684},{"title":"الأثر الثاني: محبة الله الطيب","level":4,"page":1687},{"title":"الأثر الثالث: المؤمن طيب في أحواله كلها","level":4,"page":1687},{"title":"الأثر الرابع: الحياة الطيبة جزاء الطيبين في الدنيا والآخرة","level":4,"page":1691},{"title":"القابض الباسط -ﷻ-","level":2,"page":1694},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1694},{"title":"ورود اسم الله (القابض الباسط) في القرآن الكريم","level":3,"page":1695},{"title":"ورود اسم الله (القابض الباسط) في السنة النبوية","level":3,"page":1695},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القابض الباسط)","level":3,"page":1698},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القابض الباسط) من صفاته سبحانه","level":4,"page":1698},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القابض الباسط) على التوحيد","level":4,"page":1701},{"title":"الأثر الثالث: ﴿يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [الإسراء: ٣٠]","level":4,"page":1703},{"title":"الأثر الرابع: الرضى بما قسم القابض الباسط للعبد","level":4,"page":1706},{"title":"الأثر الخامس: التوكل على القابض الباسط","level":4,"page":1707},{"title":"الأثر السادس: اليقين بأن القبض والبسط لا يدل على المحبة والبغض","level":4,"page":1708},{"title":"الأثر السابع: الصبر والشكر فيما يصيب العبد من قبض وبسط","level":4,"page":1710},{"title":"الأثر الثامن: محبة الله القابض الباسط","level":4,"page":1712},{"title":"المحسن -ﷻ-","level":2,"page":1713},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1713},{"title":"ورود اسم الله (المحسن) في القرآن الكريم","level":3,"page":1713},{"title":"ورود اسم الله (المحسن) في السنة النبوية","level":3,"page":1713},{"title":"معنى اسم الله (المحسن) في حقه سبحانه","level":3,"page":1714},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المحسن)","level":3,"page":1716},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المحسن) من الصفات","level":4,"page":1716},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المحسن) على التوحيد","level":4,"page":1725},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله المحسن","level":4,"page":1725},{"title":"الأثر الرابع: الفرح بشريعة المحسن والتمسك بها","level":4,"page":1726},{"title":"الأثر الخامس: اتصاف العبد بالإحسان","level":4,"page":1729},{"title":"المقدم المؤخر -ﷻ-","level":2,"page":1749},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1749},{"title":"معنى اسم الله (المقدم) في اللغة","level":3,"page":1749},{"title":"معنى اسم الله (المؤخر) في اللغة","level":3,"page":1749},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المقدم - المؤخر)","level":3,"page":1753},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (المقدم المؤخر) من الصفات، ودلالتهما على التوحيد","level":4,"page":1753},{"title":"الأثر الثاني: المقدم من قدمه الله ورفعه","level":4,"page":1754},{"title":"الأثر الثالث: الإيمان بحكمة المقدم المؤخر سبحانه","level":4,"page":1756},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله المقدم المؤخر","level":4,"page":1756},{"title":"الأثر الخامس: التقدم الحقيقي هو التقدم في الطاعات","level":4,"page":1757},{"title":"الأثر السادس: التقديم والتأخر يوم القيامة في دخول الجنة","level":4,"page":1763},{"title":"الأثر السابع: ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾ [إبراهيم: ٤٢]","level":4,"page":1765},{"title":"الأثر الثامن: دعاء الله المقدم المؤخر","level":4,"page":1766},{"title":"المنان -ﷻ-","level":2,"page":1768},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1768},{"title":"ورود اسم الله (المنان) في القرآن الكريم","level":3,"page":1768},{"title":"ورود اسم الله (المنان) في السنة النبوية","level":3,"page":1769},{"title":"معنى اسم الله (المنان) في حقه سبحانه","level":3,"page":1769},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المنان)","level":3,"page":1772},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المنان) من الصفات","level":4,"page":1772},{"title":"الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المنان) على التوحيد","level":4,"page":1777},{"title":"الأثر الثالث: التوكل على الله المنان","level":4,"page":1778},{"title":"الأثر الرابع: محبة الله المنان","level":4,"page":1779},{"title":"الأثر الخامس: شكر الله المنان","level":4,"page":1779},{"title":"الأثر السابع: المنة لله سبحانه","level":4,"page":1780},{"title":"الأثر الثامن: سؤال المنان من واسع فضله والتوسل إليه باسم المنان","level":4,"page":1784},{"title":"الوتر -ﷻ-","level":2,"page":1785},{"title":"المعنى اللغوي","level":3,"page":1785},{"title":"ورود اسم الله (الوتر) في القرآن الكريم","level":3,"page":1785},{"title":"ورود اسم الله (الوتر) في السنة النبوية","level":3,"page":1785},{"title":"معنى اسم الله (الوتر)","level":3,"page":1786},{"title":"الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوتر)","level":3,"page":1787},{"title":"الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوتر) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له","level":4,"page":1787},{"title":"الأثر الثاني: استشعار أن كثير من العبادات والطاعات شرعت وترا","level":4,"page":1788},{"title":"الأثر الثالث: محبة الله الوتر","level":4,"page":1793},{"title":"الأثر الرابع: (فأوتروا)","level":4,"page":1794},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1796},{"title":"المراجع والمصادر","level":1,"page":1798}],"ٛ":{"1,3":1,"1,9":2,"1,10":3,"1,11":4,"1,12":5,"1,13":6,"1,14":7,"1,15":8,"1,16":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,22":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,47":38,"1,48":39,"1,49":40,"1,50":41,"1,51":42,"1,52":43,"1,53":44,"1,54":45,"1,55":46,"1,56":47,"1,57":48,"1,58":49,"1,59":50,"1,60":51,"1,61":52,"1,62":53,"1,63":54,"1,64":55,"1,65":56,"1,66":57,"1,67":58,"1,68":59,"1,69":60,"1,70":61,"1,71":62,"1,72":63,"1,73":64,"1,74":65,"1,75":66,"1,76":67,"1,77":68,"1,78":69,"1,79":70,"1,80":71,"1,81":72,"1,82":73,"1,83":74,"1,84":75,"1,85":76,"1,86":77,"1,87":78,"1,88":79,"1,89":80,"1,90":81,"1,91":82,"1,92":83,"1,93":84,"1,94":85,"1,95":86,"1,96":87,"1,97":88,"1,98":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,128":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,138":129,"1,139":130,"1,140":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,148":139,"1,149":140,"1,150":141,"1,151":142,"1,152":143,"1,153":144,"1,154":145,"1,155":146,"1,156":147,"1,157":148,"1,158":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,180":171,"1,181":172,"1,182":173,"1,183":174,"1,184":175,"1,185":176,"1,186":177,"1,187":178,"1,188":179,"1,189":180,"1,190":181,"1,191":182,"1,192":183,"1,193":184,"1,194":185,"1,195":186,"1,196":187,"1,197":188,"1,198":189,"1,199":190,"1,200":191,"1,201":192,"1,202":193,"1,203":194,"1,204":195,"1,205":196,"1,206":197,"1,207":198,"1,208":199,"1,209":200,"1,210":201,"1,211":202,"1,212":203,"1,213":204,"1,214":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,220":211,"1,221":212,"1,222":213,"1,223":214,"1,224":215,"1,225":216,"1,226":217,"1,227":218,"1,228":219,"1,229":220,"1,230":221,"1,231":222,"1,232":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"1,257":248,"1,258":249,"1,259":250,"1,260":251,"1,261":252,"1,262":253,"1,263":254,"1,264":255,"1,265":256,"1,266":257,"1,267":258,"1,268":259,"1,269":260,"1,270":261,"1,271":262,"1,272":263,"1,273":264,"1,274":265,"1,275":266,"1,276":267,"1,277":268,"1,278":269,"1,279":270,"1,280":271,"1,281":272,"1,282":273,"1,283":274,"1,284":275,"1,285":276,"1,286":277,"1,287":278,"1,288":279,"1,289":280,"1,290":281,"1,291":282,"1,292":283,"1,293":284,"1,294":285,"1,295":286,"1,296":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,324":315,"1,325":316,"1,326":317,"1,327":318,"1,328":319,"1,329":320,"1,330":321,"1,331":322,"1,332":323,"1,333":324,"1,334":325,"1,335":326,"1,336":327,"1,337":328,"1,338":329,"1,339":330,"1,340":331,"1,341":332,"1,342":333,"1,343":334,"1,344":335,"1,345":336,"1,346":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357,"1,367":358,"1,368":359,"1,369":360,"1,370":361,"1,371":362,"1,372":363,"1,373":364,"1,374":365,"1,375":366,"1,376":367,"1,377":368,"1,378":369,"1,379":370,"1,380":371,"1,381":372,"1,382":373,"1,383":374,"1,384":375,"1,385":376,"1,386":377,"1,387":378,"1,388":379,"1,389":380,"1,390":381,"1,391":382,"1,392":383,"1,393":384,"1,394":385,"1,395":386,"1,396":387,"1,397":388,"1,398":389,"1,399":390,"1,400":391,"1,401":392,"1,402":393,"1,403":394,"1,404":395,"1,405":396,"1,406":397,"1,407":398,"1,408":399,"1,409":400,"1,410":401,"1,411":402,"1,412":403,"1,413":404,"1,414":405,"1,415":406,"1,416":407,"1,417":408,"1,418":409,"1,419":410,"1,420":411,"1,421":412,"1,422":413,"1,423":414,"1,424":415,"1,425":416,"1,426":417,"1,427":418,"1,428":419,"1,429":420,"1,430":421,"1,431":422,"1,432":423,"1,433":424,"1,434":425,"1,435":426,"1,436":427,"1,437":428,"1,438":429,"1,439":430,"1,440":431,"1,441":432,"1,442":433,"1,443":434,"1,444":435,"1,445":436,"1,446":437,"1,447":438,"1,448":439,"1,449":440,"1,450":441,"1,451":442,"1,452":443,"1,453":444,"1,454":445,"1,455":446,"1,456":447,"1,457":448,"1,458":449,"1,459":450,"1,460":451,"1,461":452,"1,462":453,"1,463":454,"1,464":455,"1,465":456,"1,466":457,"1,467":458,"1,468":459,"1,469":460,"1,470":461,"1,471":462,"1,472":463,"1,473":464,"1,474":465,"1,475":466,"1,476":467,"1,477":468,"1,478":469,"1,479":470,"1,480":471,"1,481":472,"1,482":473,"1,483":474,"1,484":475,"1,485":476,"1,486":477,"1,487":478,"1,488":479,"1,489":480,"1,490":481,"1,491":482,"1,492":483,"1,493":484,"1,494":485,"1,495":486,"1,496":487,"1,497":488,"1,498":489,"1,499":490,"1,500":491,"1,501":492,"1,502":493,"1,503":494,"1,504":495,"1,505":496,"1,506":497,"1,507":498,"1,508":499,"1,509":500,"1,510":501,"1,511":502,"1,512":503,"1,513":504,"1,514":505,"1,515":506,"1,516":507,"1,517":508,"1,518":509,"1,519":510,"1,520":511,"1,521":512,"1,522":513,"1,523":514,"1,524":515,"1,525":516,"1,526":517,"1,527":518,"1,528":519,"1,529":520,"1,530":521,"1,531":522,"1,532":523,"1,533":524,"1,534":525,"1,535":526,"1,536":527,"1,537":528,"1,538":529,"1,539":530,"1,540":531,"1,541":532,"1,542":533,"1,543":534,"1,544":535,"1,545":536,"1,546":537,"1,547":538,"1,548":539,"1,549":540,"1,550":541,"1,551":542,"1,552":543,"1,553":544,"1,554":545,"1,555":546,"1,556":547,"1,557":548,"1,558":549,"1,559":550,"1,560":551,"1,561":552,"1,562":553,"1,563":554,"1,564":555,"1,565":556,"1,566":557,"1,567":558,"1,568":559,"1,569":560,"1,570":561,"1,571":562,"1,572":563,"1,573":564,"1,574":565,"1,575":566,"1,576":567,"1,577":568,"1,578":569,"1,579":570,"1,580":571,"1,581":572,"1,582":573,"1,583":574,"1,584":575,"1,585":576,"1,586":577,"1,587":578,"1,588":579,"1,589":580,"1,590":581,"1,591":582,"1,592":583,"1,593":584,"1,594":585,"1,595":586,"1,596":587,"1,597":588,"1,598":589,"1,599":590,"1,600":591,"1,601":592,"1,602":593,"1,603":594,"1,604":595,"1,605":596,"1,606":597,"1,607":598,"1,608":599,"1,609":600,"1,610":601,"1,611":602,"1,612":603,"1,613":604,"1,614":605,"1,615":606,"1,616":607,"1,617":608,"1,618":609,"1,619":610,"1,620":611,"1,621":612,"1,622":613,"1,623":614,"1,624":615,"1,625":616,"1,626":617,"1,627":618,"1,628":619,"1,629":620,"1,630":621,"1,631":622,"1,632":623,"1,633":624,"1,634":625,"1,635":626,"1,636":627,"1,637":628,"1,638":629,"1,639":630,"1,640":631,"1,641":632,"1,642":633,"1,643":634,"1,644":635,"1,645":636,"1,646":637,"1,647":638,"1,648":639,"1,649":640,"1,650":641,"1,651":642,"1,652":643,"2,3":644,"2,4":645,"2,5":646,"2,6":647,"2,7":648,"2,8":649,"2,9":650,"2,10":651,"2,11":652,"2,12":653,"2,13":654,"2,14":655,"2,15":656,"2,16":657,"2,17":658,"2,18":659,"2,19":660,"2,20":661,"2,21":662,"2,22":663,"2,23":664,"2,24":665,"2,25":666,"2,26":667,"2,27":668,"2,28":669,"2,29":670,"2,30":671,"2,31":672,"2,32":673,"2,33":674,"2,34":675,"2,35":676,"2,36":677,"2,37":678,"2,38":679,"2,39":680,"2,40":681,"2,41":682,"2,42":683,"2,43":684,"2,44":685,"2,45":686,"2,46":687,"2,47":688,"2,48":689,"2,49":690,"2,50":691,"2,51":692,"2,52":693,"2,53":694,"2,54":695,"2,55":696,"2,56":697,"2,57":698,"2,58":699,"2,59":700,"2,60":701,"2,61":702,"2,62":703,"2,63":704,"2,64":705,"2,65":706,"2,66":707,"2,67":708,"2,68":709,"2,69":710,"2,70":711,"2,71":712,"2,72":713,"2,73":714,"2,74":715,"2,75":716,"2,76":717,"2,77":718,"2,78":719,"2,79":720,"2,80":721,"2,81":722,"2,82":723,"2,83":724,"2,84":725,"2,85":726,"2,86":727,"2,87":728,"2,88":729,"2,89":730,"2,90":731,"2,91":732,"2,92":733,"2,93":734,"2,94":735,"2,95":736,"2,96":737,"2,97":738,"2,98":739,"2,99":740,"2,100":741,"2,101":742,"2,102":743,"2,103":744,"2,104":745,"2,105":746,"2,106":747,"2,107":748,"2,108":749,"2,109":750,"2,110":751,"2,111":752,"2,112":753,"2,113":754,"2,114":755,"2,115":756,"2,116":757,"2,117":758,"2,118":759,"2,119":760,"2,120":761,"2,121":762,"2,122":763,"2,123":764,"2,124":765,"2,125":766,"2,126":767,"2,127":768,"2,128":769,"2,129":770,"2,130":771,"2,131":772,"2,132":773,"2,133":774,"2,134":775,"2,135":776,"2,136":777,"2,137":778,"2,138":779,"2,139":780,"2,140":781,"2,141":782,"2,142":783,"2,143":784,"2,144":785,"2,145":786,"2,146":787,"2,147":788,"2,148":789,"2,149":790,"2,150":791,"2,151":792,"2,152":793,"2,153":794,"2,154":795,"2,155":796,"2,156":797,"2,157":798,"2,158":799,"2,159":800,"2,160":801,"2,161":802,"2,162":803,"2,163":804,"2,164":805,"2,165":806,"2,166":807,"2,167":808,"2,168":809,"2,169":810,"2,170":811,"2,171":812,"2,172":813,"2,173":814,"2,174":815,"2,175":816,"2,176":817,"2,177":818,"2,178":819,"2,179":820,"2,180":821,"2,181":822,"2,182":823,"2,183":824,"2,184":825,"2,185":826,"2,186":827,"2,187":828,"2,188":829,"2,189":830,"2,190":831,"2,191":832,"2,192":833,"2,193":834,"2,194":835,"2,195":836,"2,196":837,"2,197":838,"2,198":839,"2,199":840,"2,200":841,"2,201":842,"2,202":843,"2,203":844,"2,204":845,"2,205":846,"2,206":847,"2,207":848,"2,208":849,"2,209":850,"2,210":851,"2,211":852,"2,212":853,"2,213":854,"2,214":855,"2,215":856,"2,216":857,"2,217":858,"2,218":859,"2,219":860,"2,220":861,"2,221":862,"2,222":863,"2,223":864,"2,224":865,"2,225":866,"2,226":867,"2,227":868,"2,228":869,"2,229":870,"2,230":871,"2,231":872,"2,232":873,"2,233":874,"2,234":875,"2,235":876,"2,236":877,"2,237":878,"2,238":879,"2,239":880,"2,240":881,"2,241":882,"2,242":883,"2,243":884,"2,244":885,"2,245":886,"2,246":887,"2,247":888,"2,248":889,"2,249":890,"2,250":891,"2,251":892,"2,252":893,"2,253":894,"2,254":895,"2,255":896,"2,256":897,"2,257":898,"2,258":899,"2,259":900,"2,260":901,"2,261":902,"2,262":903,"2,263":904,"2,264":905,"2,265":906,"2,266":907,"2,267":908,"2,268":909,"2,269":910,"2,270":911,"2,271":912,"2,272":913,"2,273":914,"2,274":915,"2,275":916,"2,276":917,"2,277":918,"2,278":919,"2,279":920,"2,280":921,"2,281":922,"2,282":923,"2,283":924,"2,284":925,"2,285":926,"2,286":927,"2,287":928,"2,288":929,"2,289":930,"2,290":931,"2,291":932,"2,292":933,"2,293":934,"2,294":935,"2,295":936,"2,296":937,"2,297":938,"2,298":939,"2,299":940,"2,300":941,"2,301":942,"2,302":943,"2,303":944,"2,304":945,"2,305":946,"2,306":947,"2,307":948,"2,308":949,"2,309":950,"2,310":951,"2,311":952,"2,312":953,"2,313":954,"2,314":955,"2,315":956,"2,316":957,"2,317":958,"2,318":959,"2,319":960,"2,320":961,"2,321":962,"2,322":963,"2,323":964,"2,324":965,"2,325":966,"2,326":967,"2,327":968,"2,328":969,"2,329":970,"2,330":971,"2,331":972,"2,332":973,"2,333":974,"2,334":975,"2,335":976,"2,336":977,"2,337":978,"2,338":979,"2,339":980,"2,340":981,"2,341":982,"2,342":983,"2,343":984,"2,344":985,"2,345":986,"2,346":987,"2,347":988,"2,348":989,"2,349":990,"2,350":991,"2,351":992,"2,352":993,"2,353":994,"2,354":995,"2,355":996,"2,356":997,"2,357":998,"2,358":999,"2,359":1000,"2,360":1001,"2,361":1002,"2,362":1003,"2,363":1004,"2,364":1005,"2,365":1006,"2,366":1007,"2,367":1008,"2,368":1009,"2,369":1010,"2,370":1011,"2,371":1012,"2,372":1013,"2,373":1014,"2,374":1015,"2,375":1016,"2,376":1017,"2,377":1018,"2,378":1019,"2,379":1020,"2,380":1021,"2,381":1022,"2,382":1023,"2,383":1024,"2,384":1025,"2,385":1026,"2,386":1027,"2,387":1028,"2,388":1029,"2,389":1030,"2,390":1031,"2,391":1032,"2,392":1033,"2,393":1034,"2,394":1035,"2,395":1036,"2,396":1037,"2,397":1038,"2,398":1039,"2,399":1040,"2,400":1041,"2,401":1042,"2,402":1043,"2,403":1044,"2,404":1045,"2,405":1046,"2,406":1047,"2,407":1048,"2,408":1049,"2,409":1050,"2,410":1051,"2,411":1052,"2,412":1053,"2,413":1054,"2,414":1055,"2,415":1056,"2,416":1057,"2,417":1058,"2,418":1059,"2,419":1060,"2,420":1061,"2,421":1062,"2,422":1063,"2,423":1064,"2,424":1065,"2,425":1066,"2,426":1067,"2,427":1068,"2,428":1069,"2,429":1070,"2,430":1071,"2,431":1072,"2,432":1073,"2,433":1074,"2,434":1075,"2,435":1076,"2,436":1077,"2,437":1078,"2,438":1079,"2,439":1080,"2,440":1081,"2,441":1082,"2,442":1083,"2,443":1084,"2,444":1085,"2,445":1086,"2,446":1087,"2,447":1088,"2,448":1089,"2,449":1090,"2,450":1091,"2,451":1092,"2,452":1093,"2,453":1094,"2,454":1095,"2,455":1096,"2,456":1097,"2,457":1098,"2,458":1099,"2,459":1100,"2,460":1101,"2,461":1102,"2,462":1103,"2,463":1104,"2,464":1105,"2,465":1106,"2,466":1107,"2,467":1108,"2,468":1109,"2,469":1110,"2,470":1111,"2,471":1112,"2,472":1113,"2,473":1114,"2,474":1115,"2,475":1116,"2,476":1117,"2,477":1118,"2,478":1119,"2,479":1120,"2,480":1121,"2,481":1122,"2,482":1123,"2,483":1124,"2,484":1125,"2,485":1126,"2,486":1127,"2,487":1128,"2,488":1129,"2,489":1130,"2,490":1131,"2,491":1132,"2,492":1133,"2,493":1134,"2,494":1135,"2,495":1136,"2,496":1137,"2,497":1138,"2,498":1139,"2,499":1140,"2,500":1141,"2,501":1142,"2,502":1143,"2,503":1144,"2,504":1145,"2,505":1146,"2,506":1147,"2,507":1148,"2,508":1149,"2,509":1150,"2,510":1151,"2,511":1152,"2,512":1153,"2,513":1154,"2,514":1155,"2,515":1156,"2,516":1157,"2,517":1158,"2,518":1159,"2,519":1160,"2,520":1161,"2,521":1162,"2,522":1163,"2,523":1164,"2,524":1165,"2,525":1166,"2,526":1167,"2,527":1168,"2,528":1169,"2,529":1170,"2,530":1171,"2,531":1172,"2,532":1173,"2,533":1174,"2,534":1175,"2,535":1176,"2,536":1177,"2,537":1178,"2,538":1179,"2,539":1180,"2,540":1181,"2,541":1182,"2,542":1183,"2,543":1184,"2,544":1185,"2,545":1186,"2,546":1187,"2,547":1188,"2,548":1189,"2,549":1190,"2,550":1191,"2,551":1192,"2,552":1193,"2,553":1194,"2,554":1195,"2,555":1196,"2,556":1197,"2,557":1198,"2,558":1199,"2,559":1200,"2,560":1201,"2,561":1202,"2,562":1203,"2,563":1204,"2,564":1205,"2,565":1206,"2,566":1207,"2,567":1208,"2,568":1209,"2,569":1210,"2,570":1211,"2,571":1212,"2,572":1213,"2,573":1214,"2,574":1215,"2,575":1216,"2,576":1217,"2,577":1218,"2,578":1219,"2,579":1220,"2,580":1221,"2,581":1222,"2,582":1223,"2,583":1224,"2,584":1225,"2,585":1226,"2,586":1227,"2,587":1228,"2,588":1229,"2,589":1230,"2,590":1231,"2,591":1232,"2,592":1233,"2,593":1234,"2,594":1235,"2,595":1236,"2,596":1237,"2,597":1238,"2,598":1239,"2,599":1240,"2,600":1241,"3,5":1242,"3,6":1243,"3,7":1244,"3,8":1245,"3,9":1246,"3,10":1247,"3,11":1248,"3,12":1249,"3,13":1250,"3,14":1251,"3,15":1252,"3,16":1253,"3,17":1254,"3,18":1255,"3,19":1256,"3,20":1257,"3,21":1258,"3,22":1259,"3,23":1260,"3,24":1261,"3,25":1262,"3,26":1263,"3,27":1264,"3,28":1265,"3,29":1266,"3,30":1267,"3,31":1268,"3,32":1269,"3,33":1270,"3,34":1271,"3,35":1272,"3,36":1273,"3,37":1274,"3,38":1275,"3,39":1276,"3,40":1277,"3,41":1278,"3,42":1279,"3,43":1280,"3,44":1281,"3,45":1282,"3,46":1283,"3,47":1284,"3,48":1285,"3,49":1286,"3,50":1287,"3,51":1288,"3,52":1289,"3,53":1290,"3,54":1291,"3,55":1292,"3,56":1293,"3,57":1294,"3,58":1295,"3,59":1296,"3,60":1297,"3,61":1298,"3,62":1299,"3,63":1300,"3,64":1301,"3,65":1302,"3,66":1303,"3,67":1304,"3,68":1305,"3,69":1306,"3,70":1307,"3,71":1308,"3,72":1309,"3,73":1310,"3,74":1311,"3,75":1312,"3,76":1313,"3,77":1314,"3,78":1315,"3,79":1316,"3,80":1317,"3,81":1318,"3,82":1319,"3,83":1320,"3,84":1321,"3,85":1322,"3,86":1323,"3,87":1324,"3,88":1325,"3,89":1326,"3,90":1327,"3,91":1328,"3,92":1329,"3,93":1330,"3,94":1331,"3,95":1332,"3,96":1333,"3,97":1334,"3,98":1335,"3,99":1336,"3,100":1337,"3,101":1338,"3,102":1339,"3,103":1340,"3,104":1341,"3,105":1342,"3,106":1343,"3,107":1344,"3,108":1345,"3,109":1346,"3,110":1347,"3,111":1348,"3,112":1349,"3,113":1350,"3,114":1351,"3,115":1352,"3,116":1353,"3,117":1354,"3,118":1355,"3,119":1356,"3,120":1357,"3,121":1358,"3,122":1359,"3,123":1360,"3,124":1361,"3,125":1362,"3,126":1363,"3,127":1364,"3,128":1365,"3,129":1366,"3,130":1367,"3,131":1368,"3,132":1369,"3,133":1370,"3,134":1371,"3,135":1372,"3,136":1373,"3,137":1374,"3,138":1375,"3,139":1376,"3,140":1377,"3,141":1378,"3,142":1379,"3,143":1380,"3,144":1381,"3,145":1382,"3,146":1383,"3,147":1384,"3,148":1385,"3,149":1386,"3,150":1387,"3,151":1388,"3,152":1389,"3,153":1390,"3,154":1391,"3,155":1392,"3,156":1393,"3,157":1394,"3,158":1395,"3,159":1396,"3,160":1397,"3,161":1398,"3,162":1399,"3,163":1400,"3,164":1401,"3,165":1402,"3,166":1403,"3,167":1404,"3,168":1405,"3,169":1406,"3,170":1407,"3,171":1408,"3,172":1409,"3,173":1410,"3,174":1411,"3,175":1412,"3,176":1413,"3,177":1414,"3,178":1415,"3,179":1416,"3,180":1417,"3,181":1418,"3,182":1419,"3,183":1420,"3,184":1421,"3,185":1422,"3,186":1423,"3,187":1424,"3,188":1425,"3,189":1426,"3,190":1427,"3,191":1428,"3,192":1429,"3,193":1430,"3,194":1431,"3,195":1432,"3,196":1433,"3,197":1434,"3,198":1435,"3,199":1436,"3,200":1437,"3,201":1438,"3,202":1439,"3,203":1440,"3,204":1441,"3,205":1442,"3,206":1443,"3,207":1444,"3,208":1445,"3,209":1446,"3,210":1447,"3,211":1448,"3,212":1449,"3,213":1450,"3,214":1451,"3,215":1452,"3,216":1453,"3,217":1454,"3,218":1455,"3,219":1456,"3,220":1457,"3,221":1458,"3,222":1459,"3,223":1460,"3,224":1461,"3,225":1462,"3,226":1463,"3,227":1464,"3,228":1465,"3,229":1466,"3,230":1467,"3,231":1468,"3,232":1469,"3,233":1470,"3,234":1471,"3,235":1472,"3,236":1473,"3,237":1474,"3,238":1475,"3,239":1476,"3,240":1477,"3,241":1478,"3,242":1479,"3,243":1480,"3,244":1481,"3,245":1482,"3,246":1483,"3,247":1484,"3,248":1485,"3,249":1486,"3,250":1487,"3,251":1488,"3,252":1489,"3,253":1490,"3,254":1491,"3,255":1492,"3,256":1493,"3,257":1494,"3,258":1495,"3,259":1496,"3,260":1497,"3,261":1498,"3,262":1499,"3,263":1500,"3,264":1501,"3,265":1502,"3,266":1503,"3,267":1504,"3,268":1505,"3,269":1506,"3,270":1507,"3,271":1508,"3,272":1509,"3,273":1510,"3,274":1511,"3,275":1512,"3,276":1513,"3,277":1514,"3,278":1515,"3,279":1516,"3,280":1517,"3,281":1518,"3,282":1519,"3,283":1520,"3,284":1521,"3,285":1522,"3,286":1523,"3,287":1524,"3,288":1525,"3,289":1526,"3,290":1527,"3,291":1528,"3,292":1529,"3,293":1530,"3,294":1531,"3,295":1532,"3,296":1533,"3,297":1534,"3,299":1535,"3,301":1536,"3,302":1537,"3,303":1538,"3,304":1539,"3,305":1540,"3,306":1541,"3,307":1542,"3,308":1543,"3,309":1544,"3,310":1545,"3,311":1546,"3,312":1547,"3,313":1548,"3,314":1549,"3,315":1550,"3,316":1551,"3,317":1552,"3,318":1553,"3,319":1554,"3,320":1555,"3,321":1556,"3,322":1557,"3,323":1558,"3,324":1559,"3,325":1560,"3,326":1561,"3,327":1562,"3,328":1563,"3,329":1564,"3,330":1565,"3,331":1566,"3,332":1567,"3,333":1568,"3,334":1569,"3,335":1570,"3,336":1571,"3,337":1572,"3,338":1573,"3,339":1574,"3,340":1575,"3,341":1576,"3,342":1577,"3,343":1578,"3,344":1579,"3,345":1580,"3,346":1581,"3,347":1582,"3,348":1583,"3,349":1584,"3,350":1585,"3,351":1586,"3,352":1587,"3,353":1588,"3,354":1589,"3,355":1590,"3,356":1591,"3,357":1592,"3,358":1593,"3,359":1594,"3,360":1595,"3,361":1596,"3,362":1597,"3,363":1598,"3,364":1599,"3,365":1600,"3,366":1601,"3,367":1602,"3,368":1603,"3,369":1604,"3,370":1605,"3,371":1606,"3,372":1607,"3,373":1608,"3,374":1609,"3,375":1610,"3,376":1611,"3,377":1612,"3,378":1613,"3,379":1614,"3,380":1615,"3,381":1616,"3,382":1617,"3,383":1618,"3,384":1619,"3,385":1620,"3,386":1621,"3,387":1622,"3,388":1623,"3,389":1624,"3,390":1625,"3,391":1626,"3,392":1627,"3,393":1628,"3,394":1629,"3,395":1630,"3,396":1631,"3,397":1632,"3,398":1633,"3,399":1634,"3,400":1635,"3,401":1636,"3,402":1637,"3,403":1638,"3,404":1639,"3,405":1640,"3,406":1641,"3,407":1642,"3,408":1643,"3,409":1644,"3,410":1645,"3,411":1646,"3,412":1647,"3,413":1648,"3,414":1649,"3,415":1650,"3,416":1651,"3,417":1652,"3,418":1653,"3,419":1654,"3,420":1655,"3,421":1656,"3,422":1657,"3,423":1658,"3,424":1659,"3,425":1660,"3,426":1661,"3,427":1662,"3,428":1663,"3,429":1664,"3,430":1665,"3,431":1666,"3,432":1667,"3,433":1668,"3,434":1669,"3,435":1670,"3,436":1671,"3,437":1672,"3,438":1673,"3,439":1674,"3,440":1675,"3,441":1676,"3,442":1677,"3,443":1678,"3,444":1679,"3,445":1680,"3,446":1681,"3,447":1682,"3,448":1683,"3,449":1684,"3,450":1685,"3,451":1686,"3,452":1687,"3,453":1688,"3,454":1689,"3,455":1690,"3,456":1691,"3,457":1692,"3,458":1693,"3,459":1694,"3,460":1695,"3,461":1696,"3,462":1697,"3,463":1698,"3,464":1699,"3,465":1700,"3,466":1701,"3,467":1702,"3,468":1703,"3,469":1704,"3,470":1705,"3,471":1706,"3,472":1707,"3,473":1708,"3,474":1709,"3,475":1710,"3,476":1711,"3,477":1712,"3,478":1713,"3,479":1714,"3,480":1715,"3,481":1716,"3,482":1717,"3,483":1718,"3,484":1719,"3,485":1720,"3,486":1721,"3,487":1722,"3,488":1723,"3,489":1724,"3,490":1725,"3,491":1726,"3,492":1727,"3,493":1728,"3,494":1729,"3,495":1730,"3,496":1731,"3,497":1732,"3,498":1733,"3,499":1734,"3,500":1735,"3,501":1736,"3,502":1737,"3,503":1738,"3,504":1739,"3,505":1740,"3,506":1741,"3,507":1742,"3,508":1743,"3,509":1744,"3,510":1745,"3,511":1746,"3,512":1747,"3,513":1748,"3,514":1749,"3,515":1750,"3,516":1751,"3,517":1752,"3,518":1753,"3,519":1754,"3,520":1755,"3,521":1756,"3,522":1757,"3,523":1758,"3,524":1759,"3,525":1760,"3,526":1761,"3,527":1762,"3,528":1763,"3,529":1764,"3,530":1765,"3,531":1766,"3,532":1767,"3,533":1768,"3,534":1769,"3,535":1770,"3,536":1771,"3,537":1772,"3,538":1773,"3,539":1774,"3,540":1775,"3,541":1776,"3,542":1777,"3,543":1778,"3,544":1779,"3,545":1780,"3,546":1781,"3,547":1782,"3,548":1783,"3,549":1784,"3,550":1785,"3,551":1786,"3,552":1787,"3,553":1788,"3,554":1789,"3,555":1790,"3,556":1791,"3,557":1792,"3,558":1793,"3,559":1794,"3,560":1795,"3,563":1796,"3,564":1797,"3,567":1798,"3,568":1799,"3,569":1800,"3,570":1801,"3,571":1802,"3,572":1803,"3,573":1804,"3,574":1805,"3,575":1806,"3,576":1807,"3,577":1808,"3,578":1809,"3,579":1810,"3,580":1811,"3,581":1812,"3,582":1813,"3,583":1814,"3,584":1815,"3,585":1816,"3,586":1817,"3,587":1818,"3,588":1819,"3,589":1820,"3,590":1821,"3,591":1822,"3,592":1823,"3,593":1824,"3,594":1825,"3,595":1826},"ٜ":{"1":[3,652],"2":[3,600],"3":[5,595]},"ٝ":["1,3","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,299","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,563","3,564","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595"],"ٞ":{"2":[1,2],"3":[3],"4":[4,5,6],"6":[7],"8":[8],"13":[9,10],"14":[11],"15":[12],"17":[13,14],"18":[15],"19":[16,17],"20":[18],"22":[19],"24":[20,21],"25":[22,23],"26":[24],"27":[25],"28":[26],"29":[27],"30":[28,29],"32":[30],"33":[31],"34":[32,33],"35":[34],"37":[35],"38":[36,37,38,39,40],"39":[41,42,43,44],"40":[45],"41":[46],"42":[47,48],"43":[49],"45":[50],"46":[51,52],"49":[53],"51":[54,55,56],"52":[57,58],"53":[59,60],"57":[61,62],"59":[63,64,65],"60":[66],"62":[67,68],"65":[69],"67":[70],"70":[71],"71":[72],"72":[73,74],"77":[75],"79":[76],"81":[77,78,79],"82":[80],"83":[81],"86":[82,83],"88":[84],"89":[85],"90":[86],"91":[87],"92":[88],"93":[89],"94":[90],"96":[91,92,93],"101":[94],"102":[95,96],"103":[97],"106":[98,99],"108":[100],"110":[101,102],"112":[103],"113":[104,105],"114":[106],"115":[107],"116":[108,109,110],"117":[111,112],"120":[113,114],"127":[115],"129":[116],"131":[117,118],"135":[119,120,121],"136":[122,123],"140":[124,125],"142":[126],"143":[127],"145":[128],"148":[129],"150":[130,131],"152":[132],"153":[133],"154":[134],"156":[135],"159":[136,137],"160":[138,139],"172":[140,141],"183":[142],"186":[143],"189":[144],"192":[145,146],"195":[147],"201":[148,149],"202":[150],"204":[151,152,153],"205":[154],"208":[155,156,157],"209":[158,159],"214":[160,161],"219":[162],"220":[163,164],"223":[165],"228":[166],"230":[167,168,169],"235":[170],"239":[171,172,173],"240":[174,175],"242":[176],"243":[177],"246":[178,179],"247":[180],"248":[181],"250":[182,183],"252":[184],"256":[185],"257":[186],"259":[187],"262":[188,189,190],"264":[191],"269":[192,193,194,195],"270":[196],"271":[197,198],"278":[199],"283":[200],"284":[201],"286":[202],"287":[203],"288":[204],"289":[205],"291":[206],"293":[207,208],"294":[209],"295":[210],"296":[211],"302":[212,213],"306":[214],"309":[215],"313":[216],"316":[217,218],"319":[219],"323":[220,221,222],"324":[223,224],"327":[225,226],"337":[227],"340":[228],"341":[229],"342":[230],"343":[231],"344":[232],"345":[233,234],"346":[235],"349":[236,237],"351":[238],"352":[239],"354":[240,241],"357":[242],"358":[243],"359":[244,245],"360":[246,247],"361":[248],"364":[249,250],"369":[251],"372":[252],"374":[253],"375":[254,255],"377":[256],"379":[257],"380":[258],"388":[259,260,261],"389":[262],"400":[263,264],"408":[265],"410":[266],"412":[267],"413":[268],"414":[269,270],"416":[271],"417":[272],"418":[273],"421":[274],"424":[275],"429":[276,277],"430":[278,279],"431":[280],"434":[281,282],"437":[283],"438":[284],"441":[285,286],"444":[287],"448":[288],"453":[289,290],"455":[291,292,293],"456":[294],"459":[295,296],"461":[297],"462":[298],"467":[299],"468":[300,301,302,303],"469":[304],"472":[305,306],"479":[307,308],"482":[309],"483":[310],"484":[311],"485":[312],"490":[313],"499":[314],"503":[315,316,317],"504":[318],"505":[319],"509":[320,321],"516":[322],"518":[323],"522":[324],"524":[325,326],"526":[327],"528":[328,329],"533":[330,331],"538":[332],"539":[333],"541":[334],"544":[335],"545":[336],"546":[337],"549":[338,339],"551":[340],"563":[341,342,343],"564":[344,345],"566":[346,347],"570":[348],"575":[349,350],"576":[351,352],"578":[353],"581":[354,355,356],"582":[357,358],"585":[359,360],"588":[361],"590":[362,363],"592":[364],"595":[365],"597":[366],"599":[367,368,369,370],"600":[371,372],"601":[373],"603":[374,375],"605":[376],"607":[377],"609":[378,379],"611":[380],"612":[381],"613":[382],"614":[383],"615":[384,385,386],"616":[387,388],"621":[389,390],"626":[391],"627":[392],"631":[393],"632":[394],"633":[395],"634":[396,397,398],"635":[399],"636":[400],"638":[401],"644":[402,403,404],"645":[405,406],"648":[407,408],"650":[409],"652":[410],"659":[411],"661":[412,413],"663":[414,415,416],"664":[417,418],"667":[419,420],"668":[421],"670":[422],"672":[423,424],"681":[425],"683":[426,427],"684":[428],"690":[429,430],"692":[431],"695":[432,433],"696":[434],"697":[435],"698":[436,437,438],"700":[439],"702":[440],"708":[441,442],"713":[443],"714":[444],"717":[445],"719":[446],"720":[447],"722":[448],"723":[449],"724":[450],"727":[451,452,453],"728":[454],"729":[455],"732":[456,457],"734":[458],"737":[459],"739":[460,461],"741":[462],"745":[463],"748":[464,465,466],"749":[467],"750":[468],"752":[469,470],"755":[471],"756":[472],"759":[473,474],"760":[475],"761":[476],"766":[477],"770":[478,479,480],"771":[481],"772":[482],"773":[483,484],"776":[485],"779":[486],"780":[487],"782":[488,489],"783":[490],"784":[491],"787":[492,493,494],"789":[495],"790":[496],"794":[497,498],"805":[499],"806":[500],"810":[501],"811":[502],"813":[503],"814":[504],"815":[505],"818":[506,507],"819":[508],"821":[509],"824":[510,511],"834":[512],"835":[513,514],"837":[515],"849":[516],"853":[517,518,519],"854":[520],"855":[521],"858":[522,523],"864":[524],"866":[525],"867":[526,527],"868":[528],"873":[529,530,531],"874":[532],"875":[533],"878":[534,535],"880":[536],"882":[537],"888":[538,539],"889":[540,541,542],"890":[543],"894":[544,545,546],"895":[547,548],"898":[549],"899":[550,551],"905":[552,553],"914":[554,555],"915":[556],"916":[557],"917":[558],"919":[559,560,561],"923":[562],"926":[563,564,565],"927":[566],"930":[567,568],"936":[569],"937":[570],"940":[571,572],"942":[573],"945":[574,575],"946":[576,577],"947":[578],"957":[579,580],"960":[581],"965":[582],"966":[583],"967":[584],"968":[585],"969":[586],"970":[587],"971":[588],"973":[589,590],"975":[591],"980":[592],"983":[593,594,595],"984":[596,597],"987":[598,599],"991":[600],"992":[601],"993":[602],"1002":[603],"1006":[604,605,606],"1007":[607,608],"1008":[609,610],"1009":[611],"1010":[612],"1011":[613],"1013":[614,615,616],"1015":[617],"1017":[618],"1018":[619],"1022":[620,621],"1024":[622,623],"1025":[624],"1026":[625],"1027":[626,627],"1028":[628,629],"1030":[630],"1033":[631,632],"1038":[633],"1040":[634],"1042":[635],"1043":[636],"1045":[637],"1048":[638],"1050":[639,640,641,642],"1051":[643],"1052":[644],"1055":[645,646],"1057":[647],"1061":[648],"1067":[649],"1072":[650],"1074":[651],"1078":[652,653],"1080":[654,655,656,657],"1081":[658,659],"1083":[660,661],"1087":[662],"1088":[663],"1089":[664,665],"1095":[666],"1097":[667,668,669],"1098":[670],"1099":[671],"1102":[672,673],"1107":[674],"1112":[675,676],"1114":[677],"1117":[678],"1120":[679],"1124":[680,681,682,683],"1125":[684],"1127":[685,686],"1130":[687],"1132":[688],"1136":[689],"1147":[690],"1149":[691],"1151":[692,693,694],"1152":[695,696],"1153":[697,698,699],"1154":[700,701,702],"1155":[703],"1156":[704,705,706],"1158":[707],"1160":[708],"1162":[709,710],"1174":[711],"1176":[712],"1177":[713,714],"1180":[715,716],"1183":[717],"1186":[718],"1195":[719,720,721],"1196":[722],"1197":[723],"1200":[724,725],"1207":[726],"1209":[727],"1210":[728],"1211":[729],"1219":[730],"1221":[731],"1223":[732,733,734],"1224":[735],"1226":[736,737],"1227":[738],"1233":[739,740],"1234":[741],"1236":[742],"1238":[743],"1240":[744],"1242":[745,746,747,748],"1243":[749,750],"1245":[751,752],"1249":[753,754],"1252":[755,756],"1253":[757],"1255":[758,759],"1256":[760],"1258":[761],"1259":[762],"1260":[763],"1261":[764,765,766],"1262":[767],"1263":[768,769],"1269":[770,771],"1281":[772],"1284":[773],"1285":[774],"1288":[775],"1289":[776],"1290":[777],"1293":[778],"1296":[779,780,781],"1298":[782],"1301":[783,784,785],"1302":[786],"1305":[787,788],"1313":[789],"1314":[790,791],"1315":[792],"1320":[793],"1330":[794,795,796],"1331":[797,798],"1333":[799,800],"1337":[801],"1338":[802,803],"1340":[804],"1342":[805,806,807,808],"1343":[809],"1344":[810,811],"1347":[812,813],"1348":[814,815,816,817],"1349":[818],"1350":[819],"1351":[820,821],"1353":[822],"1354":[823],"1355":[824],"1356":[825],"1360":[826,827,828],"1361":[829,830],"1363":[831],"1367":[832],"1368":[833],"1369":[834],"1370":[835],"1371":[836],"1372":[837],"1374":[838,839],"1376":[840,841],"1377":[842,843],"1378":[844],"1381":[845,846],"1387":[847],"1389":[848],"1394":[849],"1395":[850],"1396":[851],"1400":[852,853,854,855],"1401":[856],"1402":[857,858],"1405":[859,860],"1408":[861],"1409":[862],"1410":[863],"1412":[864,865,866,867],"1413":[868],"1415":[869,870],"1420":[871,872],"1424":[873],"1425":[874,875],"1427":[876,877,878,879],"1428":[880],"1432":[881,882],"1434":[883],"1435":[884],"1438":[885],"1439":[886],"1440":[887],"1442":[888],"1443":[889,890,891],"1444":[892,893],"1448":[894,895],"1456":[896],"1457":[897],"1459":[898],"1460":[899],"1463":[900],"1464":[901,902,903],"1465":[904,905],"1467":[906,907],"1471":[908],"1473":[909,910],"1474":[911],"1476":[912,913,914],"1477":[915,916],"1479":[917],"1480":[918,919,920],"1481":[921],"1482":[922],"1483":[923,924,925],"1484":[926,927],"1486":[928,929],"1487":[930,931,932],"1488":[933],"1489":[934,935,936],"1490":[937,938],"1491":[939,940],"1495":[941],"1496":[942],"1497":[943],"1499":[944,945],"1500":[946],"1502":[947],"1506":[948],"1515":[949],"1518":[950,951,952],"1519":[953,954],"1520":[955,956],"1527":[957],"1528":[958],"1531":[959],"1533":[960],"1536":[961,962,963,964,965],"1537":[966],"1538":[967],"1542":[968],"1545":[969],"1546":[970],"1547":[971],"1550":[972],"1552":[973],"1554":[974],"1560":[975],"1561":[976,977,978,979],"1562":[980],"1563":[981],"1565":[982,983],"1567":[984],"1569":[985],"1572":[986,987],"1576":[988],"1579":[989],"1580":[990],"1582":[991,992,993],"1585":[994,995],"1586":[996],"1588":[997,998],"1589":[999],"1590":[1000],"1591":[1001],"1592":[1002],"1595":[1003,1004,1005,1006],"1596":[1007],"1597":[1008,1009],"1602":[1010,1011],"1604":[1012],"1608":[1013],"1609":[1014],"1615":[1015],"1617":[1016,1017,1018],"1618":[1019,1020],"1619":[1021],"1620":[1022],"1626":[1023,1024],"1630":[1025],"1633":[1026],"1635":[1027,1028],"1640":[1029,1030],"1641":[1031],"1648":[1032,1033,1034,1035],"1649":[1036],"1651":[1037,1038],"1652":[1039,1040],"1653":[1041],"1654":[1042],"1656":[1043],"1660":[1044,1045,1046,1047],"1661":[1048],"1662":[1049,1050],"1666":[1051],"1667":[1052],"1673":[1053],"1674":[1054],"1676":[1055],"1681":[1056],"1682":[1057,1058,1059,1060],"1683":[1061],"1684":[1062,1063],"1687":[1064,1065],"1691":[1066],"1694":[1067,1068],"1695":[1069,1070],"1698":[1071,1072],"1701":[1073],"1703":[1074],"1706":[1075],"1707":[1076],"1708":[1077],"1710":[1078],"1712":[1079],"1713":[1080,1081,1082,1083],"1714":[1084],"1716":[1085,1086],"1725":[1087,1088],"1726":[1089],"1729":[1090],"1749":[1091,1092,1093,1094],"1753":[1095,1096],"1754":[1097],"1756":[1098,1099],"1757":[1100],"1763":[1101],"1765":[1102],"1766":[1103],"1768":[1104,1105,1106],"1769":[1107,1108],"1772":[1109,1110],"1777":[1111],"1778":[1112],"1779":[1113,1114],"1780":[1115],"1784":[1116],"1785":[1117,1118,1119,1120],"1786":[1121],"1787":[1122,1123],"1788":[1124],"1793":[1125],"1794":[1126],"1796":[1127],"1798":[1128]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\">موسوعة شرح أسماء الله الحسنى </span>\nتأليف: أ. د. نوال عبد العزيز العيد\n\nشارك في الإعداد والإخراج فريق علمي بإدارة: أ. وفاء بنت محسن التركي","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\n<span data-type='title' id=toc-2>رحلة المشروع</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (^١)، أما بعد:\nبدأت فكرة الموسوعة بدروس علمية أسبوعية في جامع عثمان بن عفان في حي الواحة بالرياض في عام ١٤٢٦ من هجرة رسول الله -ﷺ-، كل يوم أحد بعد صلاة العشاء، واستمرت قرابة السبع سنين، أنهينا فيها ولله الحمد شرح الأسماء الحسنى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في سنته، ح: (١٨٩٢)، قال الألباني: حديث صحيح.","vol":"1","page":9},{"text":"وقامت الفاضلة الأستاذة: نورة الغفيلي بتفريغ الشروح وترتيبها، إلا أنه كان من الصعب طباعتها ككتاب بعد هذا التفريغ؛ لحاجته للمراجعة والتهذيب، وتهيئتها لإخراجها كموسوعة.\nوعليه تم تشكيل فريق بحثي قام بدراسة مسحية لجميع كتب شروح الأسماء الحسنى العلمية، وإعطاء وصف لكل كتاب، والإضافة العلمية فيه، واستخرت الله مع الفريق لإخراج موسوعة علمية لشرح أسماء الله الحسنى نرجو أن تكون عملًا صالحًا ممتدًا، يبقى أجره وبره بعد انقطاع الأجل.\nومما لا شك فيه أن في كل الكتب والشروح الخاصة بشرح أسماء الله الحسنى فائدة عظيمة وجليلة، ويكفيها في ذلك شرفًا أنها في أجل العلوم على الإطلاق، إلا أننا اجتهدنا بعد توفيق الله وتسديده في إضافة بعض المزايا في هذه الموسوعة، ويمكن تصنيف هذه المزايا كالتالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-3>١ - تقسيم الموسوعة، وأسلوب الكتابة:</span>\nأولا: تم تقسيم الأسماء فيها على طريقة بديعة لم يُسبق إليها، -بحسب ما اطلع عليه الفريق العلمي-، وكانت على النحو التالي:\nالأسماء التي ثبتت في القرآن والسنة.\nالأسماء التي ثبتت في القرآن دون السنة.\nالأسماء التي ثبتت في السنة دون القرآن.\nثانيا: أسلوب الكتابة في الموسوعة كان الأسلوب السهل الممتنع، إذ أنه يسهل على كل قارئ فهم الموسوعة، فصياغتها تجمع بين الأسلوب الأدبي البليغ، مع سهولة وسلاسة الألفاظ، وقوة وفخامة التراكيب.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>٢ - العناية بالجانب العملي التطبيقي المستنبط من فهم أسماء الله الحسنى.</span>\nحيث اعتمدت الموسوعة على حصر جميع الآيات الواردة في الاسم، وربطها بآثارها المسلكية لتنمية ملكة الاستدلال والاستنباط لدى القارئ.\nوتم التركيز على جانب الآثار المسلكية في كل اسم من الأسماء الحسنى، بحيث لا تقل نسبة هذه الآثار عن ٨٠% من مجمل شرح الاسم، ويقصد بهذه الآثار: التطبيقات الإيمانية والتربوية والسلوكية المستنبطة من الإيمان بهذه الأسماء الجليلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>٣ - العناية بالجانب القيمي والأخلاقي المستنبط من فهم أسماء الله الحسنى.</span>\nفإضافة لتركيز الموسوعة على جانب الآثار المسلكية التطبيقية، فهي تخصص ملحقات خاصة بكل اسم يمكن أن يكون للعبد حظ منه، كاسم الكريم والرحمن والحيي والستير … الخ، وفي هذا الملحق يتم عرض هذه القيم والأخلاق ببيان معناها وفضلها وكيفية التخلق بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>٤ - خضوع الموسوعة لعمليات عديدة في التقييم والتقويم.</span>\nفقد خضعت الموسوعة لعمليات عديدة في التقييم والتقويم، وذلك وفق آليات محددة كالتالي:\nحصر جميع الأعمال التي تقدمت في شرح أسماء الله الحسنى، وتقييم العمل فيها قبل البدء بالموسوعة؛ للاستفادة منها، وتقديم إضافة علمية","vol":"1","page":11},{"text":"حقيقة لما تقدم من مشاريع، وقد حقق الفريق العلمي ولله الحمد هذه الإضافة بشهادة المراجعين من أهل الاختصاص.\nعُرضت جميع البحوث بعد الانتهاء منها على أستاذات فاضلات، حاصلات على درجة الدكتوراه في تخصصي: العقيدة واللغة العربية؛ للتدقيق العقدي واللغوي.\nوقد تولى كامل الإشراف والمتابعة، والمشاركة في التصنيف الأستاذة الفاضلة: وفاء بنت محسن التركي، التي كانت تعمل ليل نهار من أجل هذا العمل المبارك، ولا تألُ جهدًا في إخراجه، حتى يسر الله التمام، وكتب الله صدور هذه الموسوعة المباركة التي نسأل الله لها القبول، (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم).\nكتبته: …\nأ. د. نوال العيد","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>المنهجية المتبعة في تقسيم الأسماء الحسنى</span>\nالمنهجية الأولى: قسمت الأسماء الحسنى في هذه الموسوعة إلى ثلاثة أقسام، وهي:\nالأسماء التي ثبتت في القرآن والسنة.\nالأسماء التي ثبتت في القرآن دون السنة.\nالأسماء التي ثبتت في السنة دون القرآن.\nوهذا الشرط مضطردًا إلا في مواضع عشرة -سيأتي تفصيلها-، فقد تم تصنيف الاسم في أحد الأقسام الثلاثة المتقدمة بناء على الاسم الأول منها، كالخالق الخلاق البارئ المصور وضعناه تحت القسم الأول (الأسماء التي ثبتت في القرآن والسنة)؛ لأن الاسم الأول منها (الخالق) جاءت نصوص تثبته من كتاب الله وسنة رسول الله -ﷺ-، أما الخلاق فلم يرد إلا في القرآن دون السنة ......، وهكذا في بقية الأسماء العشرة، وتفصيل ذلك ما يلي:\nالأسماء التي أثبتت في القرآن والسنة، بناء على أن الاسم الأول منها ثابت فيهما:\nالخالق والخلاق والبارئ والمصور.\nالرازق والرزاق.\nالكريم والأكرم.\nالناصر والنصير والغالب.","vol":"1","page":13},{"text":"الملك والمالك والمليك.\nالقدير والقادر والمقتدر.\nالقهار والقاهر.\nالوكيل والكفيل والكافي.\nالأسماء التي أثبتت في القرآن دون السنة، بناء على ان الاسم الأول منها ثبت في القرآن دون السنة، وهو اسم واحد:\nالحسيب والديان.\nالأسماء التي أثبتت في السنة دون القرآن، بناء على أن الاسم الأول منها ثابت في السنة دون القرآن، وهو اسم واحد:\nالسبوح والقدوس.\nالمنهجية الثانية: اضطراد العمل في الموسوعة على إفراد كل اسم بشرح مستقل إن كان مفردًا كالجبار والعفو والرفيق، أما الأسماء المختلفة في اللفظ والدالة على صفة واحدة كالحافظ الحفيظ، والكريم الأكرم، والمالك الملك … وغير ذلك من الأسماء فتم جمعها في شرح واحد، وكذلك الأسماء التي اختلف لفظها وتقاربت آثارها المسلكية تم جمعها في شرح واحد كالحيي الستير، والحاسب الديان، والقريب المجيب، وغيرها.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>تقسيمات البحث</span>\nرحلة المشروع.\nالمنهجية المتبعة في تقسيم الأسماء.\nتقسيمات البحث.\nأهمية العيش مع أسماء الله وصفاته، وأثرها على المتدبر.\nقواعد في أسماء الله وصفاته وفق منهج أهل السنة والجماعة.\nشرح أسماء الله الحسنى، كالتالي:\nأولًا: الأسماء التي ثبتت في القرآن الكريم والسنة النبوية:\n١) الأول والآخر -﷾-.\n٢) بديع السماوات والأرض -﷾-.\n٣) البصير -﷾-.\n٤) التواب -﷾-.\n٥) الجبار -﷾-.\n٦) الحق -﷾-.\n٧) الحكيم والحكم -﷾-.\n٨) الحليم -﷾-.\n٩) الحميد -﷾-.","vol":"1","page":15},{"text":"١٠) الحي والقيوم -﷾-.\n١١) الخالق والخلاق والبارئ والمصور -﷾-.\n١٢) الخبير -﷾-.\n١٣) ذو الجلال والإكرام -﷾-.\n١٤) الرب -﷾-.\n١٥) الرحمن والرحيم -﷾-.\n١٦) الرازق والرزاق -﷾-.\n١٧) الرؤوف -﷾-.\n١٨) السلام -﷾-.\n١٩) السميع -﷾-.\n٢٠) الشكور والشاكر -﷾-.\n٢١) الشهيد -﷾-.\n٢٢) الصمد -﷾-.\n٢٣) الظاهر والباطن -﷾-.\n٢٤) العزيز -﷾-.\n٢٥) العظيم -﷾-.\n٢٦) العفو -﷾-.\n٢٧) العلي والأعلى والمتعال -﷾-.","vol":"1","page":16},{"text":"٢٨) العليم والعالم وعلام الغيوب -﷾-.\n٢٩) الغفور والغفار -﷾-.\n٣٠) الغني -﷾-.\n٣١) فاطر السماوات والأرض -﷾-.\n٣٢) القدير والقادر والمقتدر -﷾-.\n٣٣) القريب والمجيب -﷾-.\n٣٤) القهار والقاهر -﷾-.\n٣٥) الكبير والمتكبر -﷾-.\n٣٦) الكريم والأكرم -﷾-.\n٣٧) اللطيف -﷾-.\n٣٨) الله -﷾-.\n٣٩) المجيد -﷾-.\n٤٠) المستعان -﷾-.\n٤١) الملك والمالك والمليك -﷾-.\n٤٢) الناصر والنصير والغالب -﷾-.\n٤٣) نور السماوات والأرض -﷾-.\n٤٤) الواحد والأحد -﷾-.\n٤٥) الودود -﷾-.","vol":"1","page":17},{"text":"٤٦) الوكيل والكفيل، والكافي -﷾-.\n٤٧) الولي والمولى -﷾-.\n٤٨) الوهاب -﷾-.\nثانيًا: الأسماء التي ثبتت في القرآن الكريم فقط\nالبر -﷾-.\nالحسيب والديان -﷾-.\nالحفيظ والحافظ -﷾-.\nذو الفضل -﷾-.\nالرقيب -﷾-.\nالفتاح -﷾-.\nالقوي والمتين -﷾-.\nالمبين -﷾-.\nالمحيط -﷾-.\nالمهيمن -﷾-.\nالمؤمن -﷾-.\nالهادي -﷾-.\nالوارث -﷾-.\nالواسع -﷾-.","vol":"1","page":18},{"text":"ثالثًا: الأسماء التي ثبتت في السنة النبوية فقط:\nالجميل -﷾-.\nالحيي والستير -﷾-.\nالرفيق -﷾-.\nالسبوح والقدوس -﷾-.\nالسيد -﷾-.\nالشافي -﷾-.\nالطيب -﷾-.\nالقابض والباسط -﷾-.\nالمحسن -﷾-.\nالمقدم والمؤخر -﷾-.\nالمنان -﷾-.\nالوتر -﷾-.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>أهمية العيش مع أسماء الله وصفاته، وأثرها على المتدبر</span>\nإن أهم ما يتضمنّه الإيمان بالله تَعَالَى -الذي هو أول أركان الإيمان- هو التعرف على الله سُبْحَانَهُ بأسمائه وصفاته، ولهذه المعرفة آثار عظيمة في حياة المؤمن في الدنيا والآخرة، ومن ذلك ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-10>١ - العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم وأفضلها:</span>\n«فشرف العلم بشرف المعلوم، وهو الرب، وأن العلم به ثلاث مقامات: العلم بالذات، والصفات، والأفعال» (^١)، «وكما أن العلم به تَعَالَى أجل العلوم وأشرفها، فهو أصلها كلها …، وكل موجود سوى الله فهو مستند في وجوده إليه استناد المصنوع إلى صانعه، والمفعول إلى فاعله، فالعلم بذاته سُبْحَانَهُ وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه، فهو في ذاته رب كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩] فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنًا شريفًا عظيمًا، وهو أن من نسى ربه أنساه ذاته، ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسى ما به صلاحه وفلاحه في معاشه» (^٢).\n_________\n(^١) النبوات، ابن تيمية، (ص: ٨٩)\n(^٢) مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (١/ ٨٦)","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>٢ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى هي الطريق الرئيسي إلى معرفة الله:</span>\nيقول ابن القيم -﵀-: «معرفة الله سُبْحَانَهُ نوعان: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس، البر والفاجر، والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته والإنابة إليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخالصة الجارية على لسن القوم، وتفاوتهم فيها لا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه، وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم، وكل أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه، وما كشف له منها، وقد قال أعرف الخلق به: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (^١)، وأخبر أنه سُبْحَانَهُ يفتح عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن.\nولهذه المعرفة بابان واسعان: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله، والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمته فيها وقدرته، ولطفه وإحسانه، وعدله وقيامه بالقسط على خلقه.\nوجماع ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر، فيكون فقيهًا في أوامره ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيها في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٦)\n(^٢) الفوائد، ابن القيم، (ص: ١٧٠)","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>٣ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى تقوي الإيمان وتحقق التوحيد، وتورث خشية الله:</span>\nفهناك تلازم وثيق بين إثبات الأسماء والصفات لله وتوحيد الله تَعَالَى، فكلما حقق العبد أسماء الله وصفاته علمًا وعملًا كان أعظم وأكمل توحيدًا، وفي المقابل: فإن هناك تلازمًا وطيدًا بين إنكار الأسماء أو الصفات، وبين الشرك.\nيقول ابن القيم في تقرير هذا التلازم: «كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله - أو بعضه - وظن السوء به لما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٦ - ٨٧].\nأي فما ظنكم به أن يجازيكم، وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم: أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم: أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده، حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟ أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم، أم هو قاس؛ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل؛ فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة، ويتعزز به من الذلة؟ أم يحتاج إلى الولد؛ فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه؟ تَعَالَى الله عن ذلك كله علوا كبيرا، والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه، فلا تجد معطلا إلا وشركه على حسب تعطيله، فمستقل ومستكثر» (^١)\nيقول الشيخ السعدي في تقرير التوحيد بالإيمان بأسماء الله وصفاته: «إن\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، (٣/ ٣٢٤)","vol":"1","page":22},{"text":"الإيمان بأسماء الله الحسنى، ومعرفتها يتضمّن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي رَوح الإيمان وروحه، وأصله وغايته، فكلّما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه، وقوي يقينه.\nويقول ابن القيم: «إن العلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله، ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها، وكمالها وما تزكو به، وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد، والجهل به أصل شقاوته …، فلا شيء أطيب للعبد، ولا ألذ ولا أهنأ، ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه، ودوام ذكره والسعي في مرضاته، وهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل، وقامت السماوات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع» (^١)\nومن قوي إيمانه وعلمه ازدادت خشيته من ربه، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وفي الحديث: يقول -ﷺ-: «أما واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له» (^٢)، ويقول ابن مَسْعُودٍ في ذلكُ: «كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا» (^٣).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة، (١/ ٨٦)\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٠٨).\n(^٣) جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر القرطبي، (٢/ ٨١٢)","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>٤ - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى أصل كل عبادة:</span>\nفمن أراد امتثال أوامر الله تَعَالَى واجتناب نواهيه فلابد أن يعرف ربه أولا، ولذلك كان أول أمرٍ أمرَ النبي صلى الله عليه به معاذ إذا قدم على أهل اليمن أن يعرفهم بربهم، ففي حديث ابن عباس -﵄- قال: أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذا -﵁- على اليمن قال: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>٥ - إحصاء أسماء الله الحسنى من أعظم أسباب دخول الجنة:</span>\nروى البخاري في صحيحه من حديث أبو هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٢)\nيقول ابن القيم في معنى إحصائها: «في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قطب السعادة، ومدار النجاة والفلاح.\nالمرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.\nالمرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٤٥٨)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٩٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).","vol":"1","page":24},{"text":"المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهو مرتبتان، إحداهما: دعاء ثناء وعبادة، والثاني: دعاء طلب ومسألة فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وكذلك لا يسأل إلا بها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>٦ - العمل بمقتضى أسماء الله الحسنى:</span>\nقال ابن بطال في معنى حديث «من أحصاها دخل الجنة»: «يحتمل أن يكون الإحصاء المراد في هذا الحديث والله أعلم: العمل بالأسماء والتعبد لمن سُمي بها، فإن قال قائل: كيف وجه إحصائها عملًا؟ قيل له وجه ذلك:\nأن ما كان من أسماء الله تَعَالَى مما يجب على المؤمن الاقتداء بالله تَعَالَى فيه: كالرحيم والكريم، والعفو والغفور، والشكور والتواب وشبهها، فإن الله تَعَالَى يُحب أن يرى على عبده حلاها ويرضى له معناها، والاقتداء به تَعَالَى فيها، فهذا العمل بهذا النوع من الأسماء، وما كان منها مما لا يليق بالعبد معانيها كالله والأحد، والقدوس والجبار، والمتعال والمتكبر، والعظيم والعزيز، والقوي وشبهها، فإنه يجب على العبد الإقرار بها، والتذلل لها، والإشفاق منها.\nوما كان بمعنى الوعيد: كشديد العقاب، وعزيز ذي انتقام، وسريع الحساب وشبهها، فإنه يجب على العبد الوقوف عند أمره، واجتناب نهيه، واستشعار خشية الله تَعَالَى من أجلها، خوف وعيده، وشديد عقابه، هذا وجه إحصائها عملًا، فهذا يدخل الجنة إن شاء الله، وأخبرني بعض أهل العلم عن\n_________\n(^١) بدائع الفوائد، ابن القيم، (١/ ١٦٤)","vol":"1","page":25},{"text":"أبى محمد الأصيلى أنه أشار إلى هذا المعنى غير أنه لم يشرحه فقال: الإحصاء لأسمائه تَعَالَى هو: العمل بها، لا عدّها وحفظها فقط؛ لأنه قد يعدها المنافق والكافر وذلك غير نافع له» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٧ - معرفة أسماء الله الحسنى من أعظم أسباب إجابة الدعاء:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ أمر عباده أولا بدعائه بأسمائه الحسنى، في قول تَعَالَى:\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ووعد بالإجابة في قوله تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].\nوفي حديث ابن مسعود -﵁- عن رَسُولِ الله -ﷺ-؛ أنه قال: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌ ولا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِني عَبْدُك، ابْنُ عَبْدِك، ابْنُ أَمَتِك، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِك، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحَزَنَهُ وأَبْدَلَ مَكَانَه فَرَحًا». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا نَتَعَلَّمُها؟ فَقَالَ: «بَلَى يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ سَمِعَها أَنْ يَتَعَلَّمَها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>٨ - محبة الله لمن فقه أسماءه الحسنى وأحبها:</span>\nومما يدل على ذلك حديث عَاِئشَةَ -﵂-؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ في صَلَاتِهِم، فَيَخْتِمُ بقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ للنَّبِي -ﷺ-، فَقَالَ: «سَلُوهُ لَأَي شَيْءٍ يَصْنَعُ\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري، (١٠/ ٤٢٠)\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦)","vol":"1","page":26},{"text":"ذلك؟» فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَخْبِرُوه أنَّ اللهَ يُحِبُّه» (^١)، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، قالَ الرَّجُلُ: إِنِّي أُحِبُّها، فَقَالَ: «حُبُّك إِياها أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>٩ - معرفة أسماء الله الحسنى تورث حياة طيبة للعبد:</span>\nومن ذلك: الصبر على المكروهات والمصائب النازلة بالعبد، فهو سُبْحَانَهُ حكيم عليم، حكم عدل، ولا يظلم أحدًا فمن عرف ربًا كذلك صبر على قضائه وقدره، يقول ابن القيم: «من صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه والمحن الذي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع، التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب» (^٣).\nومن ذلك أيضًا: حسن الظن بالله والثقة به تَعَالَى، فمعرفة أنه قادر حكيم، فعال لما يريد، يوجب ذلك، يقول ابن القيم: «وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء، ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث (٧٣٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في مختصره، رقم الحديث: (١٣٠).\n(^٣) الفوائد، (ص: ٩٢)","vol":"1","page":27},{"text":"ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء …» (^١)\nومن ذلك أيضًا: حسن الخلق وسلامة السلوك والسلامة من الآفات كالعجب والكبر والحسد، فمن عرف ربه بأسمائه وصفاته لم يتكبر ولم يحسد أحدًا على ما آتاه الله؛ لأن الحسد في الحقيقة مضاد لله في حكمته، فإنعام الله على عبده تابع لحكمته والحاسد يكره هذا الإنعام وقد اقتضته حكمة الله، فهو مضاد لله تَعَالَى في حكمته وقضائه وقدره.\n_________\n(^١) زاد المعاد في هدي خير العباد، (٣/ ٢٠٦)","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>قواعد في أسماء الله وصفاته وفق منهج أهل السنة والجماعة </span>(^١)\nإن من أجل العلوم وأعظمها نفعًا وأكثرها فائدة معرفة القواعد والأصول، والضوابط الكلية الجامعة، وذلك لأن «الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطردًا، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها، غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة» (^٢).\nوعليه فإذا ضُبطت هذه القواعد وفهمت الأصول، أمكن الإلمام بكثير من المسائل التي هي بمثابة الفروع لها، وأمن الخلط بين المسائل التي قد تشتبه، وكان فيها تسهيل لفهم العلم وحفظه وضبطه، وبها يكون الكلام مبنيًا على علم متين وعدل وإنصاف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: «لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات،\n_________\n(^١) المرجع الأساسي: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، ابن عثيمين، بتصرف يسير، وما تم نقله بالنص أضفته بين قوسي تنصيص، وأحلت على رقم الصفحة من الكتاب في الهامش.\n(^٢) طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول، السعدي، (ص: ٦).","vol":"1","page":29},{"text":"وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم» (^١).\nوفيما يلي جملة من القواعد الأساسية، والضوابط المهمة في فقه أسماء الله الحسنى، مستمدة من الشريعة الإسلامية، معلومة بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وفي فهمها إعانة لفهم أسماء الله تَعَالَى وصفاته وفق منهج أهل السنة والجماعة، بعيدًا عن أراء أهل البدع والضلال.\n_________\n(^١) الفتاوى، ابن تيمية، (١٩/ ٢٠٣)","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>أولا: أبرز القواعد في أسماء الله تعالى:</span>\n<span data-type='title' id=toc-21>القاعدة الأولى: أسماء الله تَعَالَى كلها حسنى:</span>\nأي: بالغة في الحسن غايته، وقد وصف الله سُبْحَانَهُ أسماءه بالحسنى في أربع آيات من القرآن الكريم، وهي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nقوله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠].\nقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].\nقوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].\nوسميت بالحسنى؛ لأنها متضمنة للصفات الكاملة، التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا، فمثلًا اسم الله (العليم) متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، يقول تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، والحسن في أسماء الله تَعَالَى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل","vol":"1","page":31},{"text":"بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.\nويشترط في الاسم ليكون من أسماء الله الحسنى اجتماع ثلاثة شروط، وهي:\nأن يكون قد جاء في الكتاب والسنة، يعني نُص عليه في الكتاب والسنة، نُص عليه بالاسم لا بالفعل، ولا بالمصدر.\nأن يكون مما يدعى الله -﷿- به.\nأن يكون متضمنًا لمدح كامل مطلق غير مخصوص.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>القاعدة الثانية: أسماء الله تَعَالَى أعلام وأوصاف:</span>\nفهي أعلام باعتبار: دلالتها على الذات، وبهذا الاعتبار تعد مترادفة؛ لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله -﷿-، أما اعتبارها أوصافًا فبما دلت عليه من المعاني، وبهذا الاعتبار تعد متباينة، لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص.\nفمثلا: «الحي، العليم، القدير، السميع، البصير»، كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله -﷾-، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>القاعدة الثالثة: أسماء الله تَعَالَى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:</span>\nأحدها: ثبوت ذلك الاسم لله -﷿-.\nالثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله -﷿-.","vol":"1","page":32},{"text":"الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.\nمثال ذلك: «السميع» يتضمن إثبات السميع اسما لله تَعَالَى وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تَعَالَى «والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير».\nوإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:\nأحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله -﷿-.\nالثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله -﷿-.\nمثال ذلك: «الحي» يتضمن إثبات الحي اسما لله -﷿- وإثبات الحياة صفة له.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تَعَالَى على ذاته وصفاته تكون: بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام.</span>\nمثال ذلك: «الخالق» يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.\nولهذا لما ذكر الله خلق السماوات والأرض قال: «لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما».\nودلالة الالتزام مفيدة جدًا لطالب العلم إذا تدبر المعنى، ووفقه الله تَعَالَى فهمًا للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>القاعدة الخامسة: أسماء الله تَعَالَى توقيفية لا مجال للعقل فيها.</span>\nوعليه فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تَعَالَى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]؛ ولأن تسميته تَعَالَى بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تَعَالَى، ويدخل في الإلحاد في أسمائه تَعَالَى، وقد يقع صاحبه في التشبيه؛ لأن المشبهة وصفوا الله بما لم يأذن به الله تَعَالَى.\nيقول الخطابي في ذلك: «ومن علم هذا الباب، أعني: الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس؛ فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارف الكلام …، فقد جاء في الأسماء: «القوي»، ولكن لا يقاس عليه الجلد، وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين؛ لأن باب التجلد يدخله التكلف والاجتهاد، ولا يقاس على «القادر» المطيق ولا المستطيع؛ لأن الطاقة والاستطاعة إنما تطلقان على معنى قوة البنية، وتركيب الخلقة، ولا يقاس على «الرحيم» الرقيق، وإن كانت الرحمة في نعوت الآدميين نوعًا من رقة القلب، وفي صفات الله سُبْحَانَهُ: «الحليم» و«الصبور» فلا يجوز أن يقاس عليها الوقور والرزين» (^١).\n_________\n(^١) شأن الدعاء، (١/ ١١١)","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>القاعدة السادسة: أسماء الله تَعَالَى غير محصورة بعدد معين:</span>\nلقوله -ﷺ- في دعائه: «أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أوْ علَّمْتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو أنزلته في كتابِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ» (^١)، وما استأثر الله تَعَالَى به في علم الغيب لا يمكن أحدا حصره ولا الإحاطة به.\nوفي الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٢)\nيقول ابن حجر: «وقد اختلف في هذا العدد -يقصد: حديث «إن لله تسعة وتسعين اسما» - هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة؟ أو أنها أكثر من ذلك، ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟ فذهب الجمهور إلى الثاني ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، فقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تَعَالَى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ويؤيده قوله -ﷺ- في حديث بن مسعود: «أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أوْ علَّمْتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو أنزلته في كتابِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ» (^٣)\n«فأما قوله -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦)\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٩٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).\n(^٣) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، (١١/ ٢٢٠)","vol":"1","page":35},{"text":"الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسما، من أحصاها دخل الجنة، أو نحو ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تَعَالَى هو الميل بها عما يجب فيها</span>\nوالإلحاد في أسماء الله -﷾- أنواع، وهي:\nالأول: أن ينكر شيئًا منها، أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم.\nالثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه.\nالثالث: أن يسمى الله تَعَالَى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة).\nالرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم.\nوالإلحاد بجميع أنواعه محرم؛ لأن الله تَعَالَى هدد الملحدين بقوله:\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ومنه ما يكون شركا أو كفرا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.\n«وقد برأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم","vol":"1","page":36},{"text":"يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزيههم خليًا من التعطيل، لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنمًا، أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا» (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-28>ثانيا: أبرز القواعد في صفات الله تعالى:</span>\n<span data-type='title' id=toc-29>القاعدة الأولى: صفات الله تَعَالَى كلها صفات كمال لا نقص فيها أو ضعف.</span>\nفلصفاته سُبْحَانَهُ الكمال المطلق، يقول تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠]، والمثل الأعلى: هو الوصف الأعلى، وبالمقابل نزه الله نفسه سُبْحَانَهُ عن كل النقائص، يقول تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠]\nوعليه فكل صفة لا كمال فيها تمتنع في حق الله تَعَالَى، كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، ونحوها، وفي هذا آيات وشواهد كثيرة منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تَعَالَى على لسان موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى\nوَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، ويقول النبي -ﷺ- عن الدجال: «إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ ربَّكُمْ عَزَّوجلَّ لَيْسَ بأعْورَ» (^٢)، وقال: «أَيُّهَا\n_________\n(^١) بدائع الفوائد، ابن القيم، (١/ ١٨٠)\n(^٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث (٧١٢٧)، ومسلم، رقم الحديث (٢٩٣٣).","vol":"1","page":37},{"text":"النَّاسُ ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ ليسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» (^١).\nوإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال لم تكن جائزة في حق الله تَعَالَى، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا، بل لا بد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله، أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تَعَالَى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]\nولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [الأنفال: ٧١]، فقال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٠٤).","vol":"1","page":38},{"text":"فأمكن منهم، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهى صفة ذم مطلقا، وبذا عرف أن قول بعض العوام: خان الله من يخون. منكر فاحش يجب النهي عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>القاعدة الثانية: باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات.</span>\nوذلك لأن كل اسم متضمن لصفة؛ ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تَعَالَى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧]، ومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله تَعَالَى: المجيء، والإتيان، والأخذ، إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى، كما قال تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ [آل عمران: ١١]، فيوصف الله تَعَالَى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا يسمى بها، فلا يقال: إن من أسمائه الجائي، والآتي، والآخذ، ونحو ذلك، وإن كنا نخبر بذلك عنه\nونصفه به.\nأما ما يتعلق بباب الإخبار عنه تَعَالَى فهو أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالموجود، والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى، وصفاته العليا.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>القاعدة الثالثة: صفات الله تَعَالَى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية.</span>\nفالثبوتية: ما أثبت الله تَعَالَى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك، فيجب إثباتها لله تَعَالَى، حقيقة على الوجه اللائق به، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]، فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله -ﷺ- يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله، وكون محمد -ﷺ- رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله، وهو الله -﷿-.\nوالصفات السلبية: ما نفاها الله سُبْحَانَهُ عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله -ﷺ-، وكلها صفات نقص في حقه، كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب، فيجب نفيها عن الله تَعَالَى مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تَعَالَى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلا عن أن يكون كمالا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصا،\nمثال ذلك: قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]،","vol":"1","page":40},{"text":"فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته، مثال آخر قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، فنفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر:</span>\nولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية، التي لاتذكر غالبا إلا في الأحوال التالية:\nالأولى: بيان عموم كماله، كما في قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]\nالثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩١ - ٩٢]\nالثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين، كما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ [الأنبياء: ١٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]\n\n<span data-type='title' id=toc-33>القاعدة الخامسة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية.</span>\nفالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة، ومنها الصفات الخبرية: كالوجه واليدين والعينين.","vol":"1","page":41},{"text":"والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.\nوقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تَعَالَى لم يزل ولا يزال متكلما، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وكل صفة تعلقت بمشيئته تَعَالَى فإنها تابعة لحكمته.\nوقد تكون الحكمة معلومة عند البشر، وقد يعجزون عن إدراكها، رغم يقينهم بأن الله سُبْحَانَهُ لا يشاء شيئا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]\n\n<span data-type='title' id=toc-34>القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين:</span>\nأحدهما: التمثيل، والثاني: التكييف.\nفأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تَعَالَى مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]\nومن أدلة العقل في ذلك:\nأنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة","vol":"1","page":42},{"text":"الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.\nأن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله؟ وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.\nوالتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، ولكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: «ليس كمثله شيء».\nأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تَعَالَى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل، وهذا اعتقاد باطل، يقول تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]، ويقول أيضا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا، لأنه تَعَالَى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا وقوفًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.\nوأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عزوجل، فوجب بطلان تكييفها.\nوأيضا فإننا نقول: أي كيفية تُقدرها لصفات الله تَعَالَى؟ إن أي كيفية تُقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك، وأي كيفية تُقدرها لصفات الله تَعَالَى فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>القاعدة السابعة: صفات الله تَعَالَى توقيفية لا مجال للعقل فيها:</span>\nفلا نثبت لله تَعَالَى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته (^١)، قال الإمام أحمد -﵀- تَعَالَى: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -ﷺ-، لا يتجاوز القرآن والحديث».\nولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:\nالأول: التصريح بالصفة، كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، ونحوها.\nالثاني: تضمن الاسم لها، مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك. انظر: القاعدة الثالثة في الأسماء.\nالثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، كالاستواء على العرش، كما في قوله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، في قول الله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، والانتقام من المجرمين، في قوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].\n_________\n(^١) تراجع القاعدة الخامسة من قواعد الأسماء الحسنى","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>الأول والآخر -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-38>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-39>أولًا: المعنى اللغوي لاسم الله (الأول):</span>\nقال ابن فارس -﵀-: «مادة (أ ول) الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر، وانتهاؤه، فالأول، هو مبتدأ الشيء، والمؤنثة الأولى، مثل أفعل وفعلى، وجمع الأولى أوليات، مثل الأخرى … قال أبو زيد: كان الجاهلية يسمون يوم الأحد الأول» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>ثانيًا: المعنى اللغوي لاسم الله (الآخر):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «أخر أخرته فتأخر، واستأخر، مثل تأخر، والآخر: بعد الأول، وهو صفة، تقول: جاء آخرًا، أي: أخيرًا …» (^٢).\nقال ابن فارس -﵀-: «(أخر) الهمزة والخاء والراء، أصل واحد إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم» (^٣).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (١/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(^٢) الصحاح (٢/ ١٣٧).\n(^٣) مقاييس اللغة (١/ ٨٨).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>ورود اسم الله (الأول والآخِر) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (الأول والآخر) مرة واحدة في كتاب الله، وهي: قوله -﷿-: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-42>ورود اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية، في حديث أبي هريرة -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرَضِينَ، وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، وَمُنْزَلَ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ والقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتِ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، والظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، والبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِيِ مِنَ الفَقْرِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>معنى اسم الله (الأول والآخر) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-44>أولًا: معنى اسم الله الأول </span>(^٢):\nأحسن التفسيرات في معناه: ما ذكره أعلم البشر بالله تَعَالَى نبينا محمد -ﷺ- في قوله: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣)، واللفظ للترمذي، رقم الحديث: (٣٤٠٠).\n(^٢) قد جرى على ألسنة كثير من المتكلمين وبعض أهل السنة- أحيانًا- تسمية (الرب) تَعَالَى (بالقديم)، والقديم ليس من أسماء الله تَعَالَى الحسنى، والتزام تسميته بـ (الأول) هو الموافق للكتاب والسنة واللغة، ويؤدي ما يؤديه (القديم) وزيادة؛ فإن (القديم) يعم كل متقدم على غيره في الزمان، وأما (الأول) فإنه يدل على التقدم المطلق على كل شيء.","vol":"1","page":48},{"text":"قال الطبري -﵀-: «هو (الأول): قبل كل شيء بغير حد» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «(الأول) هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية؛ إذ كان موجودًا ولا شيء قبله ولا معه» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «(الأول) يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويجب على العبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية؛ إذ السبب والمسبب منه تَعَالَى» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>ثانيًا: معنى اسم الله الآخر:</span>\nأحسن التفسيرات للمعنى وأكملها: ما فسره أعرف البشر بالله -﷿- محمد -ﷺ-، وذلك في قوله: «وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ».\nقال الطبري -﵀-: «(الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية» (^٥).\nقال الخطابي -﵀-: «(الآخر) هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٨٥).\n(^٢) شأن الدعاء (ص ٦٣).\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ١١٣).\n(^٤) شرح الأسماء الحسنى (ص ١٦٩).\n(^٥) تفسير الطبري (٢٧/ ٢١٥).","vol":"1","page":49},{"text":"معنى (الآخر) ما له انتهاء، كما ليس معنى (الأول) ما له ابتداء» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته» (^٢).\nوقد نظم ابن القيم في نونيته في معنى هذين الاسمين:\nهُوَ أَوَّلٌ هُو آخِرٌ هُوَ ظَاهِرٌ … هُوَ بَاطِنٌ هِيَ أَرْبَعٌ بِوزَانِ\nمَا قَبْلَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا بَعْدَهُ … شَيْءٌ تَعَالَى اللهُ ذُو السُّلْطَانِ\nمَا فَوْقَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا دُونَهُ … شَيْءٌ وَذَا تَفْسِيرُ ذِي البُرْهَانِ (^٣)\nاقتران اسم الله (الأول والآخر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\n\n-<span data-type='title' id=toc-46> اقتران اسمي الله (الأول والآخر) باسميه (الظاهر الباطن):</span>\nلم يقترن اسم الله الأول والآخر إلا باسمه الظاهر والباطن، وذلك في موضع واحد، هو قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].\nوجه الاقتران:\nيقول ابن القيم -﵀- عن هذه الأسماء الأربعة: «فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهى إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوليته وآخريته\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص ٨٤).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ١١٣).\n(^٣) النونية (ص ٢٠٣).","vol":"1","page":50},{"text":"بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الأول والآخِر:</span>\n<span data-type='title' id=toc-48>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الأول والآخر) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو الأول والآخر، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهى الأمر حيث تنتهى الأسباب والوسائل؛ فهو أول كل شيء وآخره، ذو الفضل والجلال والإكرام، الذي خلق وبرأ وصور في ابتداء خلقه، وأدام رزقه ومنه وكرمه وعطاءه لكل خلقه.\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «فأولية الله -﷿- سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته: سبقه لكل شيء، وآخريته: بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سُبْحَانَهُ: فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضى العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سُبْحَانَهُ: إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه.\nوهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهى إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوليته\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، (ص ٢٤)، وستتأني تتمه قول ابن القيم -﵀- في الأثر الأول.","vol":"1","page":51},{"text":"وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده؛ فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه؛ فسبق كل شيء بأوليته وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا توارى منه سماء سماء ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطن، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية.\nفهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>الأثر الثالث: توحيد الله باسميه الأول والآخر:</span>\nتوحيد الربوبية والألوهية:\n«فعبوديته باسمه الأول: تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف عليها والالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد؛ إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك، وإنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فمنه سُبْحَانَهُ الإعداد ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله وجوده، لم تكن بوسائل أخرى، فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقرًا خاصًّا وعبودية خاصة.\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص ٢٤).","vol":"1","page":52},{"text":"وعبوديته باسمه الآخر: تقتضي - أيضًا- عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها؛ فإنها تعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر -﷿- تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به» (^١).\nوكما أنه الأول والآخر سُبْحَانَهُ رب كل شيء، وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التى لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو غايته، كما أنه لا وجود له إلا بكونه وحده هو ربه وخالقه، وكذلك لا كمال له ولا صلاح إلا بكونه تَعَالَى وحده هو غايته وحده، ونهايته ومقصوده.\nفهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ، فكما كان واحدًا في إيجادك، فاجعله واحدًا في تألهك وعبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه، فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه؛ لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر.\nوأكثر الخلق تعبدوا له باسمه (الأول) (^٢)، فالكثير يؤمنون بتوحيد الربوبية وأن الله هو الخالق الرازق المدبر، كما الحال مع مشركي العرب وغيرهم ممن أقر بذلك، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فهم مقرون بذلك، فلا إشكال كبير في تحقيقه.\n_________\n(^١) طريق الهجرتين، وباب السعادتين (ص ١٩ - ٢٠).\n(^٢) يقصد -﵀-: أن كثيرًا من الخلق يؤمنون بتوحيد الربوبية، وأن الله هو الخالق الرازق المدبر، كما الحال مع مشركي العرب وغيرهم ممن أقر بذلك، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فهم مقرون بذلك، فلا إشكال كبير في تحقيقه.","vol":"1","page":53},{"text":"وإنما الشأن في التعبد له باسمه (الآخر)، فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سُبْحَانَهُ وبحمده (^١).\nتوحيد الأسماء والصفات:\nوكما أن اسمي الله الأول والآخر دالان على توحيد الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على توحيد الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله الخالق، والبارئ، والمصور، والكريم، وذو الفضل، وذو الجلال والإكرام، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>الأثر الثالث: الأول والآخر سُبْحَانَهُ، مالك الإرادات ومقلب القلوب والنيات:</span>\nفعند تحقيق التوحيد في الاسم يعود الموحد بافتقاره إلى ربه، ويجعل المرجعية في فعله إلى ما اختاره لعبده الأول والآخر سُبْحَانَهُ، مالك الإرادات، ومقلب القلوب والنيات، يصرفها كيف شاء، يهدي من يشاء من عباده، ويزيده هداية على هدايته، وهذا قول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].\nفهو المعد، وهو الممد، وكلما ازداد له العبد شكرًا: زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة: زاده لمجده مثوبة، وكلما ازداد منه قربًا: لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غاية ولا نهاية.\nومن شاء أن يثبته ثبته، ولذا كان دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\n_________\n(^١) انظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٢٠).","vol":"1","page":54},{"text":"فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧].\nفعلى العبد أن يسأل الله الهداية، وأن يسأله الاستدامة عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>الأثر الرابع: محبة الأول والآخر:</span>\nإن صدق التعبد باسم الله الأول، والآخر؛ يقود إلى مطالعة منة الله ومحبته، والتبرؤ من كل سبب، فالنعم أولها من الله، ودوامها منه، وانتهاؤها إليه، فكيف يحب العبد غير ربه، أو يشقي نفسه مع خلقه، وهو مؤمن بالأول الآخر سُبْحَانَهُ!\n\n<span data-type='title' id=toc-52>الأثر الخامس: قِصر الأمل في الدنيا والزهد في مباحاتها والبعد عن شهواتها:</span>\nمن علم أنه سُبْحَانَهُ الآخر، وأنه الدائم الحي الذي لا يموت فكل شيء ينتهي إليه، ويعود إليه، فلا يفلت أحد من قبضته ولا يدوم أحد إلا وجهه الكريم، فكل من على ظهر الأرض فان، كما قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦] فالخلائق كلها مرجعها إليه سُبْحَانَهُ، ومنتهاها إليه جل في علاه، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].\nفهو سُبْحَانَهُ الذي ينتهي إليه سير السائرين ومعارف العارفين، فكل معرفة قبل معرفته سُبْحَانَهُ فهي سلم على معرفته، وكل رتبة قبل الوصول","vol":"1","page":55},{"text":"إليه والنظر إلى وجهه الكريم فهي رتبة نازلة عند من همتهم. قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].\nفمثل هذا العلم يورث العبد معرفة حقيقة الدنيا، فيقصر أمله فيها؛ لعلمه أنها منقطعة، والكل عنها راحلون، وعن وراثتها زائلون، فعليه أن يجتهد للآخرة، فلا يفرح فيها بموجود، ولا يأسف منها بمفقود، فنعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا، كما قال سُبْحَانَهُ:\n﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١].\nيخبر تَعَالَى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو القلوب، والغفلة عن ذكر الله وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي.\nقال ابن القيم -﵀-: «الغايات والنهايات كلها إليه تنتهي: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]؛ فانتهت إليه الغايات والنهايات؛ وليس له سُبْحَانَهُ","vol":"1","page":56},{"text":"غاية ولا نهاية؛ لا في وجوده، ولا في مزيد جوده؛ إذ هو (الأول) الذي ليس قبله شيء، و(الآخر) الذي ليس بعده شيء، ولا نهاية لحمده وعطائه؛ بل كلما ازداد له العبد شكرًا: زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة: زاده لمجده مثوبة، وكلما ازداد منه قربًا: لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غاية ولا نهاية، ولهذا جاء: إن أهل الجنة في مزيد دائم بلا انتهاء (^١).\nفإن نعيمهم متصل ممن لا نهاية لفضله ولا لعطائه؛ ولا لمزيده، ولا لأوصافه، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ) (^٢)» (^٣).\nوقد يبدو في الظاهر أن بقاء أهل الجنة والنار أبدًا، متعارض مع إفراد الله -﷿- بالبقاء، وأنه الآخر الذي ليس بعده شيء، لكن هذا التعارض يزول إذا علمنا أنه لا بد أن نفرق في قضية البقاء والآخرية بين ما يبقى ببقاء الله وما يبقي بإبقاء الله، أو نفرق بين بقاء الذات والصفات الإلهية، وبقاء المخلوقات التي أوجدها الله كالجنة والنار وما فيهما؛ فالجنة مثلًا باقية بإبقاء الله وما يتجدد فيها من نعيم متوقف في وجوده على مشيئة الله، أما ذاته وصفاته فباقية ببقائه، وشتان بين ما يبقي ببقاء الله وما يبقي بإبقائه، فالجنة مخلوقة خلقها الله -﷿- وكائنة\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٢٦٨).","vol":"1","page":57},{"text":"بأمره ورهن مشيئته وحكمه، فمشيئة الله حاكمة على ما يبقى وما لا يبقى.\nومِن ثَمَّ فإن السلف الصالح يعتبرون خلود الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تَعَالَى وإبقاء مستمر لا ينقطع، أما صفات الله -﷿- ومنها وجهه وعزته وعلوه ورحمته ويده وقدرته وملكه وقوته، فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته، حيث البقاء صفة ذاتية لهم، كما أن الأزلية صفة ذاتية له أيضًا.\nفلا بد إذًا أن نفرق بين صفات الأفعال الإلهية وأبديتها، ومفعولات الله الأبدية وطبيعتها، وهذا ما جاء به القرآن؛ حيث فرق بين نوعين من البقاء؛ الأول: وهو بقاء الذات بصفاتها، كما في قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، والثاني: في قوله تَعَالَى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧].\nفالآية الأولى دلت على صفة من صفات الذات، وهى صفة الوجه، ودلت على بقاء الصفة ببقاء الذات، فأثبتت بقاء الذات بصفاتها، وأثبتت فناء ما دونها أو إمكانية فنائه؛ إذ إن الله هو الأول والآخر، وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>الأثر السادس: الدعاء باسمي الله الأول والآخر:</span>\nعن أبي هريرة -﵁-، قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرَضِينَ، وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ","vol":"1","page":58},{"text":"شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، وَمُنْزَلَ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ والقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتِ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، والظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، والبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِيِ مِنَ الفَقْرِ» (^١).\nاللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>بديع السماوات والأرض -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-55>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «أبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال، والله تَعَالَى بديع السموات والارض، والبديع: المبتدع» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(بدع) الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعه، لا عن مثال …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-56>ورود اسم الله (بديع السماوات والأرض) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (بديع السماوات والأرض) في كتاب الله مرتين، ووروده كالتالي:\nقوله -﷿-: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].\nوقوله -﷿-: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ٣١٨)\n(^٢) مقاييس اللغة (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>ورود اسم الله (بديع السماوات والأرض) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم (بديع السماوات والأرض) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: «كنت مع رسول الله -ﷺ- جالسًا- يعني: ورجل قائم يصلي- فلما ركع وسجد وتشهد دعا، فقال في دعائه: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجِلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكُ، فقال النبي -ﷺ- لأصحابه: تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>معنى اسم الله (بديع السماوات والأرض) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀-: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]: مبدعها، ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «(البديع) هو الذي خلق الخلق، وفطره مبدعًا له مخترعًا، لا على مثال سبق» (^٣).\nقال الحليمي -﵀-: «ومعناه: المبتدع، وهو يحدث ما لم يكن مثله قط، قال الله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي: مبدعهما،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٤)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٠)، حكم الألباني: صحيح لغيره، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٨٩٠).\n(^٢) تفسير الطبري (٢/ ٤٦٤).\n(^٣) شأن الدعاء (ص ٩٦).","vol":"1","page":61},{"text":"والمبدع من له إبداع» (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «فالله -﷿- بديع السموات والأرض، أي: منشئها وموجدها ومبدعها، ومخترعها على غير حد ولا مثال» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي: خالقهما ومبدعهما في غاية ما يكون من الحسن، والخلق البديع، والنظام العجيب المحكم» (^٣).\nاقتران اسم الله (بديع السماوات والأرض) بأسمائه الحسنى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله بديع السماوات والأرض بالأسماء الأخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله بديع السماوات والأرض:</span>\n<span data-type='title' id=toc-60>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (بديع السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو البديع الذي لا مثيل له ولا شبيه، لا في ذاته، ولا في صفاته أو أفعاله، يقول ابن القيم -﵀-: «قال في سورة الأنعام: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، فسبحان الله أنى يكون له ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد\n_________\n(^١) المنهاج (١/ ١٩٢).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢/ ٨٦).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٩٤٨).","vol":"1","page":62},{"text":"له جميعًا بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة؛ وهو بارئها وخالقها، وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه، وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده أن مما يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته» (^١).\nومن تأمل في آيات الله الكونية رأى الجلال والإجلال والمهابة لهذا الإله العظيم، خالق هذا الكون على أحسن صورة.\nوقد وردت آيات كثيرة تدعو إلى النظر في الكون، وما فيه من آيات باهرة عظيمة، ومنها:\n- الدعوة للنظر في عجائب السماء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] ومما ورد في تفسير الآية: «أي: ولقد جملنا ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ التي ترونها وتليكم، ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفًا مظلمًا، لا حسن فيه ولا جمال، ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، وجمالًا، ونورًا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولا ينافي إخباره أنه زين السماء الدنيا بمصابيح، أن يكون كثير من النجوم فوق السماوات السبع، فإن السماوات شفافة، وبذلك تحصل الزينة للسماء الدنيا، وإن لم تكن الكواكب فيها» (^٢).\n- الدعوة للنظر في عجائب الأرض، في قوله تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢/ ٤٦٥).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٨٧٥).","vol":"1","page":63},{"text":"مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].\n«فمن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته: أن جعل ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ﴾ فيها أنواع الأشجار ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ وغير ذلك، والنخيل التي بعضها ﴿صِنْوَانٌ﴾ أي: عدة أشجار في أصل واحد، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع ﴿صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وأرضه واحدة ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ لونًا وطعمًا ونفعًا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة، وهذه مُرَّة، وهذه بين ذلك» (^١).\n- الدعوة للنظر في عجائب البحار، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢١].\n«والمراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر المالح، فهما يلتقيان كلاهما، فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان، ولكن الله تَعَالَى جعل بينهما برزخًا من الأرض، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر، ويحصل النفع بكل منهما، فالعذب منه يشربون وتشرب أشجارهم وزروعهم، والملح به يطيب الهواء ويتولد الحوت والسمك، واللؤلؤ والمرجان، ويكون مستقرًّا مسخرًا للسفن والمراكب» (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص ٤١٢).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٨٣٠).","vol":"1","page":64},{"text":"- الدعوة للنظر في عجائب الليل والنهار، يقول تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].\n«فمخالفته بين الليل والنهار؛ ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات، والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فإنه لو كان الزمان كله نسقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا لما عرف شيء من ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣ - ٧١]» (^١).\nومن المعلوم أن من ازداد تأملًا وتفكرًا في خلق الله تَعَالَى؛ ازداد إيمانًا ويقينًا بكمال قدرة البديع وجماله، وهذا يقر في نفس المؤمن توحيد الله بالألوهية والربوبية.\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «وانفراد الله -﷿- بالخلق والإبداع ونفوذ المشيئة، وأن الخلق أعجز من أن يعصوه بغير مشيئته، وهذا شاهد لتفرد\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٩).","vol":"1","page":65},{"text":"الله بالخلق والإبداع وأنه لا حول ولا قوة إلا به» (^١).\nولذلك كانت نسبة الولد إليه مسبة له، كما ثبت في الصحيحين عن النبي -ﷺ- أنه قال: «قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي، كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ الله وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ» (^٢).\nوكما أن اسم الله البديع دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله القدير، والخالق، والبارئ، والمصور، والجميل، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>الأثر الثاني: محبة بديع السماوات والأرض سُبْحَانَهُ:</span>\nمن آمن بأنه سُبْحَانَهُ بديع لا مثيل له ولا شبيه، وأنه المبدع الذي فطر الخلق ابتداء من غير مثال سبق، فهو سُبْحَانَهُ خلق فأبدع في خلقه- مَن عَلِم كل هذا لزمه محبة البديع سُبْحَانَهُ ذي الصفات العلا جل شأنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>الأثر الثالث: الدعاء باسم الله بديع السماوات والأرض:</span>\nفإن من هدي رسولنا كثرة الدعاء وصدق الطلب، ومن دلائل الدعاء باسم الله البديع: ما رواه أنس بن مالك -﵁- قال: «سمع النبي -ﷺ- رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك، فقال\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٩٧٤).","vol":"1","page":66},{"text":"النبي -ﷺ-: «أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا اللهَ؟ قال فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).\nاللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم أن تغفر لنا.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>البَصِيْرُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-64>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «البصر: حاسة الرؤية، وأبصرت الشئ: رأيته» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(بصر) الباء والصاد والراء أصلان، أحدهما: العلم بالشيء؛ يقال: هو بصير به، … وأصل ذلك كله: وضوح الشيء، ويقال: رأيته لمحًا باصرًا، أي: ناظرًا بتحديق شديد، ويقال: بصرت بالشيء إذا صرت به بصيرًا عالمًا، وأبصرته إذا رأيته، وأما الأصل الآخر: فبصر الشيء غلظه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>ورود اسم الله (البصير) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم (البصير) اثنتين وأربعين مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nوقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥].\nوقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ١٥٣)\n(^٢) مقاييس اللغة (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>ورود اسم الله (البصير) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (البصير) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: «كنا مع النبي -ﷺ- في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي -ﷺ- أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (^١).\nمعنى اسم (البصير) في حقه سُبْحَانَهُ:\nقال الطبري -﵀-: «يعني- جل ثناؤه- بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦] والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر» (^٢).\nقال ابن كثير -﵀-: «﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]: أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «(البصير) الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع، وأيضًا سميع بصير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٨٤).\n(^٢) تفسير الطبري (١/ ٣٤١).\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ٣٥٤).","vol":"1","page":69},{"text":"بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته، والمعنى الأخير يرجع إلى الحكمة» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ البَصِيرُ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّـ … ـوْدَاءِ تَحْتَ الصَّخْرِ وَالصَّوَّانِ\nوَيَرَى مَجَارِي القُوتِ فِي أَعْضَائِهَا … وَيَرَى نِيَاطَ عُرُوقِهَا بِعيَانِ\nوَيَرَى خِيَانَاتِ العُيُونِ بِلَحْظِهَا … وَيَرَى كَذَاكَ تَقَلُّبَ الأَجْفَانِ (^٢)\nاقتران اسم الله (البصير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (البصير) باسمه سُبْحَانَهُ (السميع):\nورد هذا الاقتران في كتاب الله -﷿- في إحدى عشرة آية، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nوقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].\nوجه الاقتران:\nيمكن أن يقال: «إن اسمي (السميع والبصير) يشيران إلى اتصاف الله سُبْحَانَهُ بكمال السمع والبصر، وإحاطتهما ونفاذهما، فكل منهما صفة كمال له -﷿-، ويستفاد من اجتماعهما صفة كمال ثالثة، كما هو الشأن في الصفات\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٥/ ٢٩٩).\n(^٢) النونية (ص ٢٠٤).","vol":"1","page":70},{"text":"المقترنة.\nويمكن اعتبار هاتين الصفتين مجتمعتين دالتين على تنزيهه تَعَالَى عن مشابهة المخلوقين، فإن لهم سمعًا وبصرًا لا كسمعه وبصره -﷿-، فضلًا عما يوحي به اقتران الصفتين من إحكام الرقابة على الأقوال والأفعال، والإحاطة التامة للمخلوقات كلها، وأن الله محيط بها لا يفوته شيء منهم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء، بل هم تحت سمعه وبصره.\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (البصير) باسمه سُبْحَانَهُ (الخبير):\nورد هذا الاقتران خمس مرات في كتاب الله -﷿-، من ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].\nوجه الاقتران:\nاقتران (الخبير) مع (البصير) يفيد شمول علم الله تَعَالَى للبواطن والحقائق، وكذلك للذوات والمشاهدات والمبصرات.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (البصير):</span>\n<span data-type='title' id=toc-68>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (البصير) من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nمن كمال الله تَعَالَى وجلاله: سعة بصره وعلمه، «فهو سُبْحَانَهُ من تحيرت العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته ولطفه، وخبرته بالغيب والشهادة، والحاضر والغائب، يرى خائنات الأعين وتقلبات","vol":"1","page":71},{"text":"الأجفان، وحركات الجنان» (^١)، فهو سُبْحَانَهُ القائل: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٨].\nومظاهر إبصار الله لعباده كثيرة، يمكن تقسيمها بالتالي:\nأولًا: مايتعلق باثبات بصر لله سُبْحَانَهُ، كما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، يقول تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن مظاهر ذلك:\nأن الله سُبْحَانَهُ يبصر كل شيء، وإن دق وإن صغر، يقول تَعَالَى مثنيًا على نفسه بعظم وكمال سمعه وبصره: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦].\nيقول الطبري -﵀- في تفسيره: «وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء» (^٢).\nفهو سُبْحَانَهُ يبصر ماتحت الأراضي السبع، كما يبصر مافوق السموات السبع، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولافي السماء، ولا في الدنيا ولا الآخرة، لا تخالطه الظنون ولا تغيره الحوادث والسنون، لا تواري عنه سماء سماءه، ولا أرض أرضه، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قاعه، يبصر كل شيء ويعلمه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، مطلع على أعمال الناس وخباياهم.\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٣٤ - ٣٦).\n(^٢) تفسير الطبري (١٥/ ٢٣٣).","vol":"1","page":72},{"text":"«فأحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسموات، حتى أخفى ما يكون فيها، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك» (^١).\nولله در القائل:\nيَا مَنْ يَرَى صَفَّ البَعُوضِ جَنَاحَهَا … فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ\nوَيَرَى مَنَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا … وَالمُخَّ مِنْ تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ\nامْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا … مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ (^٢)\nثانيًا: ما يتعلق بإثبات بصر البصيرة بالأشياء، فهو سُبْحَانَهُ الخبير بها، فيكون متعلقها العلم، ومن مظاهر ذلك:\n- أن الله بصير بمن آمن من عباده ومن كفر، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢].\n- والله بصير بما يصلح أحوال خلقه من الغنى والمال، ومن يفسده\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٣٤ - ٣٦).\n(^٢) ربيع الأبرار، الزمخشري (١/ ١٠).","vol":"1","page":73},{"text":"ذلك، فيعطي كلًّا منهم ما يستحقه، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^١).\n- والله بصير بما يسر عباده وما يخفونه، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].\nيقول السعدي -﵀- في معنى السر: «الكلام الخفي ﴿وَأَخْفَى﴾ من السر الذي في القلب ولم ينطق به، أو السر ما خطر على القلب ﴿وَأَخْفَى﴾ ما لم يخطر، يعلم تَعَالَى أنه يخطر في وقته وعلى صفته، المعنى: أن علمه تَعَالَى محيط بجميع الأشياء دقيقها وجليلها خفيها وظاهرها، فسواء جهرت بقولك أو أسررته، فالكل سواء بالنسبة لعلمه تَعَالَى» (^٢).\n- والله بصير بذنوب عباده، السر منها والعلن، ماظهر منها وما بطن، وسيجازيهم عليها سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-69>الأثر الثاني: توحيد الله باسمه البصير:</span>\nإن إيمان العبد بأن الله سُبْحَانَهُ البصير كما يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، كما قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، يجعله يحقق التوحيد الخالص لله، فلا معبود كمل بصره وعلمه، فاستحق العبادة وحده إلا الله.\n_________\n(^١) وسيأتي مزيد بيان في الأثر الرابع.\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٥٠٢).\n(^٣) وسيأتي مزيد بيان في الآثار المسلكية اللاحقة.","vol":"1","page":74},{"text":"يقول السعدي -﵀- في إثبات أنواع التوحيد للبصير سُبْحَانَهُ: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ «أي: ليس يشبهه تَعَالَى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تَعَالَى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه، … وهذه الآية ونحوها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، وفيها رد على المشبهة في قوله تَعَالَى: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وعلى المعطلة في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^١).\nولذا قال سُبْحَانَهُ موبخًا الكفار ومسفهًا عقولهم؛ لعبادتهم الأصنام، التي هي من الحجارة الجامدة، لا تتحرك ولا تملك سمعًا ولا بصرًا: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧، ١٩٨].\nوأنكر إبراهيم -﵇- على أبيه عبادته ما لا يبصر ولا يسمع، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٧٥٤).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>الأثر الثالث: مراقبة الله تعالى، والحياء منه:</span>\nإن لهذا الاسم مقتضياته من الذل والخضوع ودوام المراقبة، والإحسان والإخلاص في العبادة، والبعد عن الذنوب.\nفمن علم أن ربه مطلع على سائر عمله، واستدام هذا العلم في قلبه؛ استحى أن يراه على معصية أو على ما لا يحب، وصار أكثر مراقبة لله تَعَالَى، فاستقام سلوكه وسمت روحه، وراقب الله في سره وعلانيته.\nومن تأمل الآيات الواردة في القرآن والمختومة بهذا الاسم؛ أدرك تمامًا كمال هذا الاسم وهيبته، ومن ذلك ما يلي:\nإبصار الله تَعَالَى لخفايا الخلق، ومعرفته بأزكاهم، وأحقهم للاصطفاء، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٥ - ٧٦].\nإبصار الله تَعَالَى لما يحصل في خفايا الليل والنهار، فيرى دبيب النملة السوداء، تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١].\nإبصار الله تَعَالَى لما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون، وأحقيته بالعبادة دون سواه.\nإبصار الله تَعَالَى لحال عباده بعد أمرهم بالاستقامة، ومدى التزامهم بالأمر، يقول تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].","vol":"1","page":76},{"text":"إبصار الله تَعَالَى بالملحدين في آياته، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].\nإبصار الله تَعَالَى بالمجادلين في آياته، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦].\nإبصار الله تَعَالَى لنية العامل ومقصده، ومجازاته وفقًا لذلك، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥].\nإبصار الله تَعَالَى لأعمال عباده، وعلمه وحفظه لكل خير يقدمونه، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠].\nإبصار الله تَعَالَى لمصارف أموال عباده، وأدائهم للحقوق، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ويقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧].","vol":"1","page":77},{"text":"إبصار الله تَعَالَى وشهادته بأحوال عباده وما يدور بينهم، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].\nوعليه فمن استشعر كمال إبصار الله له واطلاعه على أعماله؛ سلم حتى من معاصي الخلوات، التي حذر منها النبي -ﷺ- أصحابه، فعن ثوبان -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا الله -﷿- هَبَاءً مَنْثُورًا، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (^١).\nوكلما استيقن العبد رؤية البصير سُبْحَانَهُ لعمله ظاهره وباطنه، أورثه ذلك مزيد عناية في عبادته حتى يصل لمرتبة الإحسان، التي قال عنها النبي -ﷺ- في تعريفها: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^٢).\nقال النووي -﵀-: «هذا من جوامع الكلم التي أوتيها -ﷺ-؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه، لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه وعلى الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٠٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨).\n(^٣) شرح النووي لصحيح مسلم، (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":78},{"text":"ولهذا نجد من تحقق في قلبه الإخلاص، وفهم قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، زال من قلبه محبة أن يرى الناس عمله، ويثنون عليه، وهذا الفرق بين المخلص والمرائي، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤ - ٢٦٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-71>الأثر الرابع: الله سُبْحَانَهُ بصير بما يصلح عباده، وينفعهم.</span>\nفالله سُبْحَانَهُ بصير بأحوال عباده في أمور دنياهم قبل أخراهم، فكثير من العباد لا يصلح حاله إلا إذا كان فقيرًا، ولو اغتنى لفسد، فلطَف الله به من حيث لا يشعر، وكذا من كان عقيمًا، فلعل الذرية في مثل حاله تجعله يطغى، فلطَف به البصير من حيث لا يعلم، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].\nوهو البصيرسُبْحَانَهُ بمن يصلح للهداية ممن لا يصلح لها: يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥].","vol":"1","page":79},{"text":"وهو البصير سُبْحَانَهُ بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢].\nوهذا يجعل العبد يلحظ نفسه، فإن رأى توفيقًا للطاعة وتيسيرًا لأسبابها، حمد الله؛ لأنه علم أن ربه قد زكاه، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]، ومن رأى أن نفسه تميل عن الطاعة للمعصية، جاهد في إصلاحها؛ لأن هذا دليل على أن الطاعة منزلة لا يستحقها، يقول -﷿-: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-72>الأثر الخامس: الاطمئنان والثقة بمعية الله وكمال علمه:</span>\nمن آمن بأن الله بصير؛ امتلأ قلبه طمأنينة، وصبرًا واحتسابًا، وصدق توكله على ربه؛ لأن البصير سُبْحَانَهُ يعلم ويرى ما يقع فيه العباد من كربات ومصائب، ومواجهات مع شياطين الجن والإنس، ومن شواهد ذلك:\nقوله تَعَالَى - في تطمين موسى وأخيه هارون، عندما أرسلهما إلى فرعون، فخافا من أذيته-: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٥ - ٤٦]، وقوله أيضًا: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].","vol":"1","page":80},{"text":"وعندما يطمئن العبد ويثق بربه يصل لمنزلة السكينة، وهي المنزلة التي قال ابن القيم -﵀- في وصفها: «هذه المنزلة من منازل المواهب، لا من منازل المكاسب، … وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه، من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوة اليقين والثبات، ولهذا أخبر سُبْحَانَهُ عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار، والعدو فوق رءوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>الأثر السادس: محبة البصير سُبْحَانَهُ:</span>\nمن آمن بأن ربه سُبْحَانَهُ يبصر أعماله، وأحواله، ويرى ضعفه وعجزه وحاجته، ويعلم جميع أمره؛ أحبه سُبْحَانَهُ، ووثق بنصره ومعيته -ﷻ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>الأثر السابع: أمر البصير سُبْحَانَهُ لعباده بغض البصر:</span>\nفمن عظيم نعم الله تَعَالَى علينا نعمة البصر، وبها امتن الله تَعَالَى على خلقه في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]، وأمر سُبْحَانَهُ نبيه -ﷺ- أن يأمر المؤمنين\n_________\n(^١) مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٥٠٣).","vol":"1","page":81},{"text":"بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم، مطلع عليها، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، والمراد بـ ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ هي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، … قال قتادة -﵀-: «خائنة الأعين: الهمز بالعين فيما لا يحب الله» (^١)، قال الضحاك -﵀-: «هو قول الإنسان: ما رأيت- وقد رأى-، ورأيت- وما رأى» (^٢)، … أما ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الضمائر، وتسره من معاصي الله، والله يقضي بالحق فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر (^٣).\nولابن القيم -﵀- كلام متين في تسلسل معاصي النظر: من نظرة، لخطرة، للفظة، لخطوة، فيقول في مختصر كلامه:\nإن من حفظ اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات: أن يكون العبد بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، فأكثر المعاصي تدخل منها، فاللحظات هي رائدة الشهوات، وحفظها: أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات، وقد قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده، وفيه يقول الشاعر:\nكُلُّ الحَوَادِثِ مبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ … وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ\nكَمْ نَظْرَةٍ بَلَغَتْ مِنْ قَلْبِ صَاحِبِهَا … كَمَبْلَغِ السَّهْمِ بَيْنَ القَوْسِ والوَتَرِ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٠/ ٣٠٤).\n(^٢) تفسير الماوردي (٥/ ١٥٠).\n(^٣) فتح القدير، الشوكاني (٤/ ٥٥٧).","vol":"1","page":82},{"text":"وَالعَبْدُ مَا دَامَ ذَا طَرْفٍ يُقَلِّبُهُ … فِي أَعْيُنِ العِينِ مَوْقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ\nيَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ … لَا مَرْحَبًا بِسُرورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ (^١)\nولقد عني السلف الصالح بغض البصر عناية عظيمة، ومن ذلك قولهم: «من حفظ بصره؛ أورثه الله نورًا في بصيرته» (^٢)، وكان سفيان -﵀- إذا خرج في يوم العيد قال: «إن أول ما نبدأ به اليوم غض أبصارنا» (^٣)، وقال ابن مسعود -﵁-: «الإثم حواز القلوب (يحز في القلوب)، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع» (^٤).\nوكان الربيع بن خثيم يغض بصره، فمر به نسوة، فأطرق (أي: أمال رأسه إلى صدره) فظن النسوة أنه أعمى، وتعوذن بالله من العمى (^٥).\nومن الوسائل المعينة على غض البصر:\nاستحضار اطلاع الله، ومراقبته، يقول تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].\nالاستعانة بالله والانطراح بين يديه ودعائه، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].\n_________\n(^١) انظر: الداء والدواء (١/ ٣٧٠ - ٣٧٦)\n(^٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٣).\n(^٣) الورع، لابن أبي الدنيا (ص ٦٦).\n(^٤) أخرجه هناد بن السري في الزهد (٢/ ٤٦٥).\n(^٥) ذم الهوى، لابن الجوزي (ص ٩١).","vol":"1","page":83},{"text":"مجاهدة النفس وتعويدها على غض البصر والصبر على ذلك، والبعد عن اليأس، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، يقول -ﷺ- «… وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ» (^١).\nالقيام بحقوق الأماكن العامة، كالأسواق والطرقات من غض البصر، وكف الأذى، يقول -ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» (^٢).\nالإكثار من نوافل العبادات، فإن الإكثار منها مع المحافظة على القيام بالفرائض، سبب في حفظ جوارح العبد، قال الله تَعَالَى في الحديث القدسي «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^٣).\nتذكر شهادة الأرض التي تمارس عليها المعصية، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٢١).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٠٢).","vol":"1","page":84},{"text":"تذكر الملائكة الذين يحصون عليك أعمالك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].\nأداء الواجبات كما أمر الله، ومنها: الصلاة قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\nالزواج، وهو من أنفع العلاج، قال -ﷺ-: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (^١).\nوتجدر الإشارة في نهاية هذا الأثر إلى بيان أن الأنبياء صلوات الله عليهم قد رفعهم الله عن خائنة الأعين، وجعل هذا من صفات النبوة، فعن سعد -﵁-، قال: «لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي -ﷺ-، فقال: يا رسول الله -ﷺ- بايِع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه، ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ، يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك؟ ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٩٠٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٨٣)، والنسائي، رقم الحديث: (٣٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٧٢٣).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>الأثر الثامن: نعمة البصيرة هي أعظم نعم البصير سُبْحَانَهُ:</span>\nإن أعظم نعمة ينعم بها البصير على عبده حين يرزقه نور البصيرة، وهناك فرق بين البصر والبصيرة: فالبصر يدرك ظواهر الأشياء، بينما البصيرة هي نور في القلب، وهي للقلوب كالضياء للبصر، يفرق به صاحبها بين الحق والباطل، لا تختلط عليه الأمور ولا تتشابه، يعرف الحق فيتبعه، ويعرف الباطل ويفر منه.\nويقول ابن القيم -﵀- في معنى البصيرة: «البصيرة هي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار، وما أعد الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم، وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرض بنوره، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نصب الميزان، وتطايرت الصحف، واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض وأكوابه عن كثب، وكثر العطاش وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه، والنار يحطم بعضها بعضًا تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين.\nفالبصيرة نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأى عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم، وهذا معنى قول بعض العارفين: البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به، وقال بعضهم: البصيرة ما خلصك من الحيرة إما بإيمان وإما بعيان» (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":86},{"text":"فعندما نتحدث عن نعمة البصيرة نتحدث عن أناس كثر حرمهم الله نور البصر، ولكنه فتح لهم نور البصيرة، وهو الأهم والأنفع، يقول تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فكم من بصير يرى وينظر، ولكنه لم يبصر طريق الهداية والصلاح، فيرى الحق باطلًا والباطل حقًّا، ولا يعرف معروفًا أو ينكر منكرًا، وهذا- والعياذ بالله- يفقد بصره في الدنيا، كما فقده في الآخرة، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، ويقول سُبْحَانَهُ عن حال من عميت بصيرته يوم القيامة: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦].\nولذا كانت أعظم نعمة يعطيها الله للعبد نور البصيرة ورؤية الحق واتباعه، ورؤية الباطل واجتنابه.\nوهو ما يمثله قصة يوسف -﵇- مع امرأة العزيز، وكانت ذات منصب وجمال، وهي التي دعته وغلقت الأبواب، ولكن ماذا فعل؟ يقول تَعَالَى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٤].\nوقد ذكر ابن القيم -﵀- ثلاث درجات للبصيرة، من استكملها فقد استكمل البصيرة، وهي: بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد.","vol":"1","page":87},{"text":"يقول ابن القيم -﵀-: «فالبصيرة في الأسماء والصفات: أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه والشكوك في وجود الله، فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر.\nأما المرتبة الثانية من البصيرة: البصيرة في الأمر والنهي، وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى، فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه، ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقى الأحكام من مشكاة النصوص، وقد علمت بهذا أهل البصائر من العلماء من غيره.\nأما المرتبة الثالثة من البصيرة: البصيرة في الوعد والوعيد، وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلًا وآجلًا، في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته؛ فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته، بل شك في وجوده؛ فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملًا وتركها سدًى، تَعَالَى الله عن هذا الحسبان علوًّا كبيرًا، فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>الأثر التاسع: الدعاء باسم الله البصير:</span>\nالدعاء باسم الله (البصير) من الأدعية التي تؤمن الخائف ممن يخيفه، وتقي المظلوم من ظالمه، وهو دعاء مؤمن آل فرعون، يقول تَعَالَى على\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":88},{"text":"لسانه: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤١ - ٤٤].\nودعاء موسى -﵇-؛ يقول تَعَالَى على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٢٥ - ٣٦]، أحسَن في الدعاء، فأناله الله تَعَالَى ما سأل.\nاللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أبقيتنا، واستعمل جوارحنا في طاعتك، يا سميع يا بصير.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>التَوَّابُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-78>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «التوبة: الرجوع من الذنب، وفى الحديث: (النَّدَمُ تَوْبَةٌ) (^١)، … وتاب إلى الله توبة ومتابًا، وقد تاب الله عليه: وفقه لها» (^٢).\nقال ابن فارس -﵀-: «التاء والواو والباء، كلمة واحدة تدل على الرجوع، يقال: تاب من ذنبه، أي: رجع عنه، يتوب إلى الله توبةً ومتابًا، فهو تائب، والتوب: التوبة، قال الله تَعَالَى: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-79>ورود اسم الله (التَّوَّاب) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (التواب) إحدى عشرة مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾\n[البقرة: ٣٧].\nوقوله -﷿-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٣٥٦٨)، وابن ماجه، رقم الحديث (٣٥٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث (٦٨٠٢).\n(^٢) الصحاح (١/ ١٠٥).\n(^٣) مقاييس اللغة (١/ ٣٥٧).","vol":"1","page":90},{"text":"وقال -﷿-: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-80>ورود اسم الله (التوَّاب) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (التواب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن ابن عمر -﵄-، قال: «إن كنا لنعد لرسول الله -ﷺ- في المجلس الواحد مائة مرة: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (^١).\nوعن عبد الله -﵁-، قال: «وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد: اللهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا» (^٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: «صلى رسول الله -ﷺ- الضحى، ثم قال: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ»، حتى قالها مائة مرة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨١٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥١٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٩٦٩)، والبيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٣٧٥)، حكم الألباني: «حديث عبد الله: كنا لا ندري …، فذكر نحوه» صحيح، «قول شريك: وحدثنا جامع ..... وأتمها علينا» ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٩٦٩).\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٩٨٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦١٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦١٩).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>معنى اسم الله (التوَّاب) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال قتادة -﵀-: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] «إن الله هو الوهابُ لعباده الإنابةَ إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه» (^١).\nقال الطبري -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]: «إن الله- جل ثناؤه- هو التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه، … وتوبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك، ويؤوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه» (^٢).\nقال الزجاج -﵀- في قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]: «يقبل رجوع عبده إليه، ومن هذا قيل: التوبة كأنه رجوع إلى الطاعة، وترك المعصية» (^٣).\nقال الخطابي -﵀-: «هو الذي يتوب على عبده، ويقبل توبته كلما تكررت التوبة، تكرر القبول، … ومعنى التوبة: عود العبد إلى الطاعة بعد المعصية» (^٤).\nقال الحَليمي -﵀-: «التواب هو المعيد إلى عبده فضل رحمته إذا هو رجع إلى رحمته، وندم على معصيته، ولا يحبط بما قدم من خير، ولا\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ٥٤).\n(^٢) تفسير الطبري (١/ ١٩٥).\n(^٣) تفسير أسماء الله (ص ٦٢).\n(^٤) شأن الدعاء (ص ٩٠).","vol":"1","page":92},{"text":"يمنعه ما وعد المطيعين من الإحسان» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «فتوبة العبد محفوفة بتوبة قبلها عليه من الله إذنًا وتوفيقًا، وتوبة ثانية منه عليه قبولًا ورضًا؛ فله الفضل في التوبة والكرم أولًا وآخرًا لا إله إلا هو» (^٢).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «التواب الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، فكل من تاب إلى الله توبة نصوحًا؛ تاب الله عليه، فهو التائب على التائبين أولًا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم» (^٣).\n- قال ابن القيم في نونيته:\nوَكَذَلِكَ التَّوَّابُ مِنْ أَوْصَافِهِ … وَالتَّوْبُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ\nإِذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ وَقَبُولِهَا … بَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المَنَّانِ (^٤)\nاقتران اسم الله (التوّاب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (التوّاب) باسم الله الرحيم:\nجاء اسم الله التواب مقترنًا باسم الله الرحيم، في تسعة مواضع من كتاب الله، ومنها: قول الله -﷿-: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾\n[البقرة: ٣٧].\n_________\n(^١) المنهاج (١/ ٢٠٦).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٩١).\n(^٣) تفسير السعدي (١/ ٩٤٦).\n(^٤) النونية (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":93},{"text":"وجه الاقتران:\nقرن الله -﷿- التواب بالرحيم؛ لحكم جليلة، منها:\nأن الرحيم يدل على تفضله -﷿- على عبده- مع التوبة- بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جرمه، فقبول التوبة سببه رحمة الله لعبده.\nأن في الجمع بينهما وعدًا بليغًا للتائب بالإحسان مع العفو والغفران.\nيقول ابن جرير -﵀-: «قال قتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]: إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، (الرحيم) بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه» (^١).\nثانيًا: اقتران اسم الله التواب باسم الله الحكيم:\nجاء اسم الله التواب مقترنًا باسم الله الحكيم في موضع واحد، وهو قوله -﷿-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠].\nوجه الاقتران:\nقرن الله -﷿- اسم التواب بالحكيم في هذه الآية، حيث جاء بعد ذكر حد الزنا، وحد قذف المحصنات وأحكام الملاعنة، وفي مناسبة ختمها بهذين الاسمين الكريمين.\nيقول ابن عاشور -﵀-: «هذا تذييل لما مر من الأحكام العظيمة المشتملة على التفضل من الله والرحمة منه، والمؤذنة بأنه تواب على من تاب\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ٥٤).","vol":"1","page":94},{"text":"من عباده، والمثبتة بكمال حكمته تَعَالَى؛ إذ وضع الشدة موضعها، والرفق موضعه، وكف بعض الناس عن بعض، فلما دخلت تلك الأحكام تحت كل هذه الصفات كان ذكر الصفات تذييلًا، وفي ذكر وصف (الحكيم) هنا مع وصف (تواب) إشارة إلى أن في هذه التوبة حكمة، وهي استصلاح الناس» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (التوّاب):</span>\n<span data-type='title' id=toc-83>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (التواب) من صفات الله تعالى:</span>\nالله -﵎- هو التواب، «قابل الدعاء بالعطاء، والاعتذار بالاغتفار، والإنابة بالإجابة، والتوبة بغفران الحوبة، وإذا تاب العبد إلى الله بسؤاله، تاب الله عليه بنواله» (^٢).\nيقول ابن القيم -﵀- في لطائف أسرار التوبة: «أن يعرف- أي: العبد- عزته سُبْحَانَهُ في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر منه، وفضله في مغفرته …\nفإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه، وتمكن شهوده منه؛ كان الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له؛ لأنه يصير مع الله، لا مع نفسه …\nومن شهود عزته أيضًا في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد، والغناء التام، والعزة كلها لله، وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم، والعيب والظلم والحاجة، وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره؛ ازداد شهوده لعزة\n_________\n(^١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٩/ ١٦٨).\n(^٢) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":95},{"text":"الله وكماله، وحمده وغناه، وكذلك بالعكس، فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة …\nومنها: أن يعرف بره سُبْحَانَهُ في ستره عليه حال ارتكاب المعصية، مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بره، ومن أسمائه: البَرُّ، وهذا البَرُّ من سيده كان عن كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سُبْحَانَهُ، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته، وشهود ذل معصيته؛ فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى، والمقصد الأسنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقًا، بل في هذه الحال، فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة، وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به.\nومنها: شهود حلم الله -﵎- في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعاجله بالعقوبة، ولكنه الحليم الذي لا يعجل، فيحدث له ذلك معرفة ربه سُبْحَانَهُ باسمه الحليم، ومشاهدة صفة الحلم، والتعبد بهذا الاسم، والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب أحب إلى الله، وأصلح للعبد، وأنفع من فوتها، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع -﷿-.\nومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه، إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار، لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة، كما تقدم، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده،","vol":"1","page":96},{"text":"والواقع شاهد بذلك، فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر.\nومنها: أن يشهد فضله في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه، كان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك- أيضًا- شكرًا له ومحبة، وإنابة إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفة له باسمه الغفار ومشاهدة لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية، والمحبة والمعرفة.\nومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه، والافتقار إليه» (^١).\nوبذلك يتضح تضمن اسم الله التواب لعدد كبير من أسماء الله وصفاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (التواب) على التوحيد:</span>\nمن تأمل في اسم الله (التواب) علم أن الألوهية والربوبية لا تكون إلا له سُبْحَانَهُ، «فالتوبة عبادة لله وحده شأنها شأن العبادات الأخرى: كالصلاة، والاستغاثة، والاستعانة، والاستغفار؛ لا يجوز صرفها إلا إلى الله وحده، فلا يتاب إلى نبي مرسل ولا ملك مقرب، وقد قال الله -﷿- لرسوله -ﷺ-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\nوعليه فلا يطلب العفو والغفران إلا منه سُبْحَانَهُ، ولا يقدر ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا هو، يقول الله -﷿-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":97},{"text":"وقد نصب بعض رهبان النصارى وغلاة الصوفية أنفسهم شركاء لله -﷿-، فزعموا أن لديهم صلاحية غفران الذنوب والتوبة على العباد، وهذا من إفكهم وضلالهم.\nوكما أن اسم الله التواب دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله الغفور، والبَر، والشكور، والرحيم، والكريم، والحليم، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>الأثر الثالث: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]:</span>\nإن إقبال العبد على ربه بالتوبة هو محض توفيق، ومنة من الباري سُبْحَانَهُ؛\nوفيه يذكر ابن القيم -﵀- أن توبة العبد إلى ربه محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها، وتوبة منه بعدها، فتوبته بين توبتين من الله: سابقة ولاحقة، فإنه تاب عليه أولًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبد فتاب الله عليه ثانيًا قبولًا وإثابة، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فأخبر سُبْحَانَهُ أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببًا ومقتضيًا لتوبتهم، فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله عليهم، والحكم ينتفي لانتفاء علته، فالعبد تواب والله تواب، فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد الإباق، وتوبة الله نوعان: إذن وتوفيق، وقبول وإمداد (^١).\n_________\n(^١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":98},{"text":"قال -﵀- في نونيته:\nوَكَذَلِكَ التَّوَّابُ مِنْ أَوْصَافِهِ … وَالتَّوْبُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ\nإِذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ وَقَبُولِهَا … بَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المَنَّانِ\n\n<span data-type='title' id=toc-86>الأثر الرابع: تأخير التوبة يحتاج لتوبة أخرى:</span>\nعلى العبد أن يسارع إلى التوبة النصوح عند الوقوع في المعصية مباشرة، مهما كان عظمها؛ فإن تأخير التوبة من المعصية معصية أخرى.\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «إن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة، وقل أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة، ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة، مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم، فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكنًا من العلم، فإنه عاص بترك العلم والعمل، فالمعصية في حقه أشد، وفي مسند أبي يعلى أن النبي -ﷺ- قال: «الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، قال: قلنا: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله، أو دعي مع الله؟ قال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا صِدِّيقُ، الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِقَوْلٍ يُذْهِبُ صِغَارَهُ وَكِبَارَهُ، أَوْ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، قال: تَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ، وَالشِّرْكَ أَنْ يَقُولَ: أَعْطَانِي الله وَفُلَانٌ، وَالنِّدُّ أَنْ","vol":"1","page":99},{"text":"يَقُولَ الْإِنْسَانُ: لَوْلَا فُلَانٌ قَتَلَنِي فُلَانٌ» (^١)، فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب، ولا يعلمه العبد.\nوفي الصحيح عنه -ﷺ-: أنه كان يدعو بهذا الدعاء: (اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (^٢)، وفي الحديث الآخر: أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في سجوده: (اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) (^٣)، فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-87>الأثر الخامس: محبة التواب سُبْحَانَهُ:</span>\nحري بمن عرف اسم الله التواب، وأدرك سعه فضله، ولطفه بعباده، وتوفيقه لمن شاء إلى التوبة وتيسير أسبابها، وقبولها منهم، بل وفرحه أشد الفرح بها، كما قال النبي -ﷺ-: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ،\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى، رقم الحديث: (٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٧٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٣).\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":100},{"text":"فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (^١)، فحري بمن عرف هذا كله أن يحب التواب الحبَّ كله، وأن تظهر آثار هذه المحبة في دينه وديناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-88>الأثر السادس: وجوب التوبة لله:</span>\nفالتوبة فرض على كل مسلم ومسلمة، يقول تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\nويقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «ومنزل التوبة أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به، واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجته إليها في النهاية ضرورية، كما أن حاجته إليها في البداية كذلك، وقد قال الله تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\nوهذه الآية في سورة مدنية، خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه، بعد إيمانهم وصبرهم، وهجرتهم وجهادهم، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه، وأتى بأداة لعل المشعرة بالترجي؛ إيذانًا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون، جعلنا الله منهم.\nوقال تَعَالَى في سورة الحجرات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، فقسم العباد إلى تائب وظالم، وما ثم قسم ثالث البتة، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب، ولا أظلم منه، لجهله بربه وبحقه، وبعيب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٤٧).","vol":"1","page":101},{"text":"نفسه وآفات أعماله، وفي الصحيح عنه -ﷺ- أنه قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ؛ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي اليَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّة) (^١)، وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ) (^٢) مائة مرة، وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلى آخرها، إلا قال فيها: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)، وصح عنه -ﷺ- أنه قال: (لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلهِ، قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) (^٣)» (^٤).\nوفي الملحق مزيد بيان وتفصيل عن التوبة والتائبين.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>الأثر السابع: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]:</span>\nالتواب سُبْحَانَهُ يأمر عباده بالتسامح فيما بينهم لمن أذنب سلفًا ثم تاب وأصلح، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].\nومن المعلوم أن هذا التسامح ليس تسامحًا في الجريمة، أو رحمة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٢).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٤٣).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨١٦).\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":102},{"text":"بالفاحشين، ولكن سماحة ورحمة بالتائبين المتطهرين المصلحين، وقبولهم في المجتمع، وعدم تذكيرهم وتعييرهم بما كان منهم من ذنب تابوا عنه، وتطهروا منه، وأصلحوا حالهم بعده، فينبغي مساعدتهم على استئناف حياة طيبة نظيفة كريمة، ونسيان جريمتهم حتى لا تثير في نفوسهم التأذي كلما واجهوا المجتمع بها؛ مما قد يحمل بعضهم على الانتكاس والارتكاس، واللجاج في الخطيئة، وخسارة أنفسهم في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>الأثر الثامن: الدعاء باسم الله التواب:</span>\nفقد أمر الله تَعَالَى عباده المؤمنين بتطهير أنفسهم بالتوبة، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\nوهذا منهج الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومنهم ما يلي:\nآدم -﵇- حين نهاه الله عن الأكل من شجرة من شجر الجنة، فعصاه بالأكل منها، يقول تَعَالَى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٠].\nدعاء إبراهيم وإسماعيل -﵉- في قوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ","vol":"1","page":103},{"text":"وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].\nدعاء موسى -﵇- في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nأمر النبي -ﷺ- أصحابه وأمته بالتوبة والاستغفار، ففي الحديث: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ، فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١).\nفعلى المؤمن أن يكثر من الاستغفار وطلب التوبة اقتداء بنبينا -ﷺ-، وأنبياء الله ورسله.\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٥٢).","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>«التواب يحب التوابين»</span>\nفي موضوع التوبة سنتطرق لعدة مسائل، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-92>أولًا: تعريف التوبة:</span>\n«التوبة: هي الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياءً من الله» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاود الذنب، وبالإقلاع عنه في الحال، وبالندم عليه في الماضي، وإن كان في حق آدمي؛ فلا بد من أمر رابع وهو التحلل منه، وهذا الذي ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها، وإلا فالتوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن ذلك، تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبًا حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به، هذا حقيقة التوبة، وهي اسم لمجموع الأمرين …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>ثانيًا: فضائل التوبة:</span>\nللتوبة إلى الله فضائل عديدة، ومنافع عظيمة، منها:\nالتوبة هدي الأنبياء والمرسلين، يقول تَعَالَى عن آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقد فسرت هذه الكلمات\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٥/ ٩١).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":105},{"text":"في سورة الأعراف: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال عن نوح -﵇- في قصته مع ابنه في سورة هود: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقال عن إبراهيم -﵇-: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، وقال عن موسى بعد قتله النفس خطأ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنِّي لَأَتُوبُ فِي اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^١).\nتوبة الله على التائبين، يقول تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، وأخرج البخاري -﵀- في حادثة الإفك أنه -ﷺ- قال: «فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (^٢).\nوأخرج مسلم في حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (^٣)، بل من رحمته سُبْحَانَهُ وفضله أنه: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٩٣)، وابن حبان، رقم الحديث: (٩٢٤)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، رقم الحديث: (٩٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦٦١).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٣).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٩).","vol":"1","page":106},{"text":"فرحة الله بتوبة العبد، يقول ابن القيم -﵀-: «منها السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، بل شهدته قلوب خواص العباد فازدادت به معرفة لربها، ومحبة له، وطمأنينة به، وشوقًا إليه، ولهجًا بذكره، وشهودًا لبره، ولطفه، وكرمه، وإحسانه، ومطالعة لسر العبودية، وإشرافًا على حقيقة الإلهية، وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرابُهُ، فَأَيسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ) (^١) (^٢).\nمحبة الله للتوابين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالطهر في حقيقته طهران: طهر بالماء من الأحداث والنجاسات، وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي، وهذا الطهور أصل لطهور الماء، وطهور الماء لا ينفع بدونه، بل هو مكمل له، معد مهيأ بحصوله، فكان أولى بالتقديم.\nتبديل السيئات حسنات: وذلك من فضل الرب سُبْحَانَهُ على عباده، ورحمته بهم، فطوبى للتائب قبول الرب لتوبته، وفرحه بها، وتبديل خطاياه إلى\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٥١).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":107},{"text":"حسنات، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].\nواختلف أهل العلم في معنى تبديل السيئات إلى حسنات، على أقوال، منها:\nأنهم بدلوا مكان عمل السيئات عمل الحسنات، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄- في الآية، أنه قال: «هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن السيئات، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات» (^١).\nإن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه فإنه لا يضر به، وينقلب حسنة في صحيفته، واستدلوا على هذا بما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ\n_________\n(^١) تفسير القاسمي (٧/ ٤٣٨).","vol":"1","page":108},{"text":"عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» (^١).\nالفلاح والفوز إنما يكون بالتوبة، يقول الله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، والذنوب سبب تسليط الأعادي على العبد، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه -ﷺ-: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].\nفما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وفي الدعاء المشهور الذي أخرجه البخاري -﵀- في الأدب المفرد: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^٢).\nالمتاع الحسن: يقول الله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣].\nيقول الشيخ الشنقيطي -﵀-: «والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا، وأن المراد بالأجل المسمى: الموت، ويدل لذلك قوله تَعَالَى في هذه السورة الكريمة- يعني: سورة هود- عن نبيه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٠).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٦).","vol":"1","page":109},{"text":"هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]» (^١).\nالخروج من الدرع الضيقة التي يلبسها العاصي، فإن المذنب تحيط به ذنوبه من جميع الجهات حتى تهلكه، ولا ينفك المؤمن منها إلا بالتوبة النصوح، وإبدال السيئة حسنة، قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السِّيَئَاتِ، ثُمَّ يَعْمَلُ الحَسَنَاتِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً، فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخْرَى، فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ أُخْرَى، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>ثالثًا: شروط التوبة:</span>\nللتوبة شروط ثلاثة، وهي: «الإقلاع، والندم، والعزم على أن لا يعود، والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم، بل هو إلى معنى الإقلاع أقرب، وقال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود، فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه، ومن ثم جاء الحديث (النَّدَمُ تَوْبَةٌ) (^٣)» (^٤).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ١٧٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٣٠٧)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢١٩٢).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) فتح الباري، ابن حجر (١٣/ ٤٧١).","vol":"1","page":110},{"text":"ولا بد أن تكون التوبة صادقة نصوحًا حتى يقبلها الله -﷿- وينتفع بها العبد، وقد ذكر العلماء تفصيلًا لهذه الشروط، ومن ذلك ما ذكره الراغب الأصفهاني -﵀- في المفردات، حيث يقول -﵀- تَعَالَى: «التوبة هي ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار؛ فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-95>رابعًا: تحقيق مرتبة التوبة النصوح لله تعالى:</span>\nلا بد للعبد- ليكون من التائبين- أن يستحضر عدة أمور ويستشعرها، ويحرص أن لا تغيب عن ذهنه، ومنها:\n\n<span data-type='title' id=toc-96>١ - معرفة الرب سُبْحَانَهُ:</span>\nومعرفته تَعَالَى نوعان، وهما:\nالأول: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس: البر والفاجر والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته، والإنابة إليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه.\nولهذه المعرفة بابان واسعان، وهما: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله -ﷺ-، والتفكر في آياته المشهودة، وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط، وجماع ذلك الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها (^٢).\n_________\n(^١) مفردات ألفاظ القرآن، الأصفهاني (١/ ١٤٩).\n(^٢) ينظر: الفوائد، لابن القيم (ص ١٧٠).","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>٢ - الاستعظام لا الاستحقار:</span>\nفالذنوب في حقيقتها استجابة لداعي الشيطان الذي تحدى سيدك ومولاك، فقال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦]، فقال الرب سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨].\nواحتقار الذنب- بل والفرح به- دليل على شدة الرغبة فيه، والجهل بقدر من عصي، والجهل بسوء عاقبة المعصية، وعظم خطرها، فالفرح بالمعصية أشد ضررًا من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدًا، ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به، ومتى خلا قلبه من هذا الحزن، واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه، وليبك على موت قلبه، فإنه لو كان حيًّا لأحزنه ارتكابه الذنب، وغاظه، وصعب عليه، ولذا يقول الله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].\nوالمتأمل في قوله: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ يدرك أن الإنس تطيع شياطين الجن وتنقاد إليها، حتى صار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع والخادمين، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم، فهذا استمتاع الجن بالإنس، وأما استمتاع الإنس بالجن، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات المحرمة، ويسهلون تلك الأمور عليهم، وهذا استمتاع","vol":"1","page":112},{"text":"الإنس (^١)، والشيطان يريد أن يظفر بالإنسان في عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها، وهذه العقبات هي:\nالعقبة الأولى: الكفر بالله وبدينه، وإن ظفر بالإنسان في هذه العقبة؛ بردت نار عداوته واستراح.\nالعقبة الثانية: البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والأمور المحدثة في الدين، والبدعتان في الغالب متلازمتان قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى، فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة، واعتصم منها بحقيقة المتابعة، انتقل به إلى العقبة الثالثة.\nالعقبة الثالثة: الكبائر، فإن ظفر به فيها زينها له، وحسنها في عينه، وسوَّف به. فترى العبد يشرب الخمر لا يبالي، ثم هو يزني، ثم هو يقتل النفس التي حرم الله وهكذا دواليك، فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله، أو بتوبة نصوح تنجيه منها؛ طلبه على العقبة الرابعة.\nالعقبة الرابعة: الصغائر، فيقول له: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم، أو ما علمت بأنها تكفر باجتناب الكبائر، وبالحسنات، ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها؛ فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالًا منه، فالإصرار على الذنب أقبح منه، فمن المعلوم أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.\n_________\n(^١) في قوله: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ أقوال آخر. ينظر: التفسير الكبير (١٣/ ١٥٧)، الدر المنثور (٣/ ٣٥٧).","vol":"1","page":113},{"text":"أخرج الإمام أحمد في المسند، من حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» (^١)، فإن نجا العبد من هذه العقبة بالتحرز والتحفظ ودوام التوبة والاستغفار، وأتبع السيئة الحسنة؛ طلبه الشيطان على العقبة الخامسة.\nالعقبة الخامسة: المباحات التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده، ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن، ثم من ترك السنن إلى ترك الواجبات، فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة، ونور هاد، ومعرفة بقدر الطاعات والاستكثار منها، فبخل بأوقاته، وضنَّ بأنفاسه أن تذهب في غير ربح، طلبه العدو على العقبة التي تليها.\nالعقبة السادسة: الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبًا ورجاءً؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل.\nالعقبة السابعة: تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبة أجلب عليه العدو بخيله ورجله، وظاهر عليه بجنده، وسلط عليه حزبه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٨٠٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦٨٦).\n(^٢) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٦١٢ - ٢٢٦).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>٣ - إحكام الإغلاق:</span>\nفلشيطان مداخل على الإنسان، جماعها أربعة أبواب، لا بد من إغلاقها وتعاهدها أيضًا، فإنه متى فتح الباب؛ ولج الشيطان معه ليفسد دين المرء.\nوهذه الأبواب هي: النظرة، والخطرة، واللفظة، والخطوة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-99>٤ - مجالسة الأخيار:</span>\nفالتائب حديث عهد بتوبة، وللشهوات طغياتها، وللأهواء مغرياتها، فوجود الصاحب أمر ضروري، ليذكره إذا نسي، ويعظه إذا هم بسوء، ويعينه على طاعة ربه ومرضاته، ثم إن مجالسة الأخيار حماية للتائب من الخلوة والوقوع في أسر الخواطر، وهي ميدان للمنافسة في الخيرات، والمسابقة لصنوف الطاعات.\nوالصديق له تأثير كبير على صديقه؛ لكثرة مخالطته، وشدة ملازمته، وصحبته تمتد مع العبد في دنياه وآخرته، فكما أنه ليس كل بيت يصلح للسكنى، ولا كل راحلة تصلح للركوب، فكذلك أبناء آدم لا يصلح كلهم للصحبة، قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» (^٢).\nيقول ابن حجر -﵀-: «… فالمعنى: لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب؛ لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئًا سهل الانقياد،\n_________\n(^١) سبق بيانها في اسم الله البصير، فتراجع.\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٤٧).","vol":"1","page":115},{"text":"وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه، ويلين جانبه …» (^١).\nوأخبر الرب سُبْحَانَهُ في كتابه أن الابتعادَ عن سبيل الرسول، والضلالةَ إنما يكون بسبب صحبة السوء، فيعض الظالم على يديه يوم القيامة حسرة وأسفًا، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]، بل إن الرابطة بين أهل الشر تمتد حتى بعد دخول النار؛ لكن تنقلب إلى عداوة وبغضاء، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩].\nوإذا كان ما مضى من الأدلة فيه تحذير من صحبة الأشرار؛ فإن الشرع حث على صبر النفس مع الأخيار، ونهى عن أن تعدو عين المسلم عنهم، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].\nومن صحب أهل الخير علا ذكره، وارتفع شأنه في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يقول الله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]، فرفع الله ذكر الكلب لما صحب أهل الخير.\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٣٣٥).","vol":"1","page":116},{"text":"أما في الآخرة، فهم أهل الوفاء ولا غرو، أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري مطولًا، وفيه أن رسول الله -ﷺ- قال: «حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا …» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>٥ - مفارقة دواعي المعصية:</span>\nلا بد للتائب من مفارقة دواعي المعصية أيًّا كانت؛ صديقًا، أو مجلسًا، أو آلة! ذلك أن وجود التائب في مكان المعصية، يذكره بها، ويحرك في نفسه الداعي إليها، فيقع في حبال الشهوة، ويدخل أسر الشيطان بعد أن خرج منه، ولا تزال نفسه الأمارة بالسوء تراوده حتى يعصي ربه، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] يقول الشيخ السعدي في تفسيره: «ففعل موسى ذلك، فلو كان إلهًا لامتنع ممن يريده بأذى، ويسعى له بالإتلاف، وكان قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل، فأراد موسى -﵇- إتلافه وهم ينظرون على وجه لا تمكن إعادته بالحرق والسحق وذره في اليم ونسفه؛ ليزول ما في قلوبهم من حبه كما زال شخصه، ولأن في إبقائه محنة» (^٢)، مع أن العجل كان من الحلي، إلا أن موسى لم يتردد في إزالته؛ لما في بقائه من الفتنة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٣).\n(^٢) تفسير السعدي (١/ ٥١٢).","vol":"1","page":117},{"text":"وكذا في دعوة يوسف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤]، فاختار -﵊- السجن على المعصية، ولجأ إلى الله، واحتمى بحماه، وسأله أن يخلصه من أسباب المعاصي، فاستجاب له السميع العليم سُبْحَانَهُ.\nومن ذلك- أيضًا- حديث أبي سعيد، أن رسول الله -ﷺ- قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» (^١).\nفالحديث يشير إلى أن هجر التائب للبيئة السيئة أمر لا بد له منه، وذلك حرصًا على التائب، وخوفًا عليه من الانحدار إلى قاع الرذيلة، بعد أن رفعه الله لقمَّة الطهر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٦).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>٦ - محاسبة النفس:</span>\nفلا بد للتائب أن يعيش بين محاسبتين، محاسبة قبل توبته تقتضي وجوبها، ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها، فالتوبة محفوظة بمحاسبتين، وقد دل عليها قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾\n[الحشر: ١٨].\nفأمر سُبْحَانَهُ العبد أن ينظر ما قدم لغد، والمقصود من هذا النظر هو ما يوجبه ويقتضيه من كمال الاستعداد ليوم المعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله، قال عمر بن الخطاب -﵁-: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>٧ - التزام العمل الصالح:</span>\nفقد نص القرآن الكريم في آيات كثيرة على العمل الصالح وقرنه بالتوبة، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠]، وقال -ﷻ-: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وقال أيضا: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وأمر الرب سُبْحَانَهُ خليله ومصطفاه -ﷺ- فقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].\nيقول ابن كثير -﵀-: «أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة، رقم الحديث: (٣٤٤٥٩)، حكم الألباني: موقوف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (١٢٠١).","vol":"1","page":119},{"text":"علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطًا فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة …» (^١)، ومن المعلوم أن العمل الصالح يعين التائب على الاستمرار على توبته، وذلك لأسباب، منها:\n١ - أن العمل الصالح بديل عملي لما كان يقترفه من الذنوب، وينشئ في النفس تعويضًا إيجابيًّا للإقلاع عن المعصية، وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع، وقديمًا قيل: النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.\n٢ - من المتقرر أن المعصية تضعف القلب عن إرادة الخير، والطاعة ضدها تقوي القلب على إرادة الخير، فبالعمل الصالح تقوى إرادة الطاعات عند التائب، ويشعر بلذة المناجاة، وتصير الطاعة في قلبه هيئة راسخة، وصفة لازمة، وملكة ثابتة، فلو عطل المحسن الطاعة ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت، إذا فارق الماء حتى يعاودها، فتسكن نفسه، وتقر عينه.\nيقول ابن القيم -﵀-: «ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله -﵎- برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزًّا، وتحرضه عليها، وتزعجه من فراشه ومجلسه إليها، ولا يزال يألف المعاصي، ويحبها، ويؤثرها حتى يرسل الله عليه الشياطين، فتؤزه إليها أزًّا، فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه، وهذا قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا أعوانًا عليه» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٢٧).\n(^٢) الجواب الكافي (ص ٥٦).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>٨ - مداومة الاستغفار:</span>\nفالذنوب والخطايا إن أحاطت بقلب أيها الإنسان سودَّته، والاستغفار أداة فعالة في تنقيته وتطهيره، فعن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا قال: «إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ، زَادَتْ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]» (^١).\nوالعبد إذا استغفر ربه وكان صادقًا في استغفاره غفر الله تَعَالَى له، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فضلًا على أن كثرة الاستغفار تولد القوة في نفس التائب، وبذلك يصبح قوي الإرادة، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]، وإطلاق القوة في الآية: يشمل الروحية والجسمية، كذلك كثرته تفتح أبواب الرزق، وتبعد الهم والحزن، يقول تَعَالَى في سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].\nولذلك كان من هديه -ﷺ- كثرة الاستغفار، وهو الذي غفر له ربه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول -ﷺ-: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٣٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٤).","vol":"1","page":121},{"text":"لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-104>٩ - الدعاء:</span>\nفالدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، ومن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، فإن الله سُبْحَانَهُ يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ويقول -ﷺ-: «إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>١٠ - الحذر من الشماته بالآخرين:</span>\nفكل معصية عيرت بها فهي إليك، يقول ابن القيم -﵀-: «وأيضًا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعير، وفي الترمذي أيضًا- مرفوعًا: «لَا تُظْهِر الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ، فَيَرْحَمهُ اللهُ وَيَبْتَلِيكَ» (^٣)، ويحتمل أن يريد تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثمًا من ذنبه، وأشد من معصيته؛ لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وإن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه، وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس، خاشع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٥٠٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٦٨)، حكم الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٥٤٢٦).","vol":"1","page":122},{"text":"الطرف، منكسر القلب، أنفع له وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها، والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها، فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله، وما أقرب هذا المدل من مقت الله، فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه، وإنك إن تبت نائمًا وتصبح نادمًا، خير من أن تبت قائمًا وتصبح معجبًا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك إن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلًا هو فيك، فلا تشعر» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>١١ - قراءة سير الصالحين:</span>\nفقد قص الله في كتابه كثيرًا من قصص الأنبياء والصالحين، وأمر بأخذ العظة والعبرة من أحوالهم، وما جرى لهم، فقال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وقال تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقال تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فقراءة سير الصالحين تبعث الهمة، وتوقظ العزيمة، وتدعو العبد أن يقتدي بهم في المتاب.\n«ومن أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد رسول الله -ﷺ-، وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به بمنِّه، آمين» (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٧٧).\n(^٢) قاله ابن حزم في الأخلاق والسير (ص ٢٤).","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>١٢ - حسن الظن بالله:</span>\nلقد حث الرب سُبْحَانَهُ عباده على الرجاء وحسن الظن به وعدم اليأس من رحمته، فقال تَعَالَى في كتابه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\nيقول ابن القيم -﵀-: «فمن كان رجاؤه هاديًا له إلى الطاعة، وزاجرًا له عن المعصية فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة وتفريطًا فهو المغرور، ولو أن رجلًا كانت له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه، فأهملها ولم يبذرها ولم يحرثها، وحسن ظنه بأنه يأتي من مغلها ما يأتي من حرث وبذر وسقى وتعاهد الأرض، لعده الناس من أسفه السفهاء.\nوكذلك لو حسن ظنه، وقوي رجاؤه، بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب للعلم وحرص تام عليه، وأمثال ذلك، فكذلك من حسن ظنه، وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلا والنعيم من غير تقرب إلى الله تَعَالَى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وبالله التوفيق» (^١).\nاللهم تب علينا، واغفر لنا خطايانا وجهلنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنَّا وما أسررنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير.\n_________\n(^١) الجواب الكافي (ص ٤١).","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>الجبَّار -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-109>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الجبر: أن تغني الرجل من فقر، أو تصلح عظمه من كسر. يقال: جبرت العظم جبرًا، وجبر العظم بنفسه جبورًا، أي: انجبر» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(جبر) الجيم والباء والراء أصل واحد، وهو جنس من العظمة والعلو والاستقامة، فالجبار: الذي طال وفات اليد، يقال: فرس جبار، ونخلة جبارة، وذو الجبورة وذو الجبروت: الله جل ثناؤه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>ورود اسم الله (الجبار) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (الجبار) في حق الله مرة واحدة في القرآن، وهي:\n﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ١٧٠).\n(^٢) مقاييس اللغة (١/ ٥٠١).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>ورود اسم (الجبار) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الجبار) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال النبي -ﷺ-: «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بَلَى، قال: تكون الأرض خبزةً واحدةً، كما قال النبي -ﷺ-، فنظر النبي -ﷺ- إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا» (^١).\nوعن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- على المنبر، وهو يقول: يَأْخُذُ الجبار -﷿- سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-112>معنى اسم الله (الجبار) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]: «المصلح أمور خلقه، المصرفهم فيما فيه صلاحهم» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٩٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٨٨).\n(^٣) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥٤).","vol":"1","page":126},{"text":"قال الشوكاني -﵀-: «الجبار جبروت الله: عظمته، والعرب تسمي الملك الجبار» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «الجبار هو بمعنى العلي الأعلى، وبمعنى القهار، وبمعنى الرؤوف الجابر للقلوب المنكسرة، وللضعيف العاجز، ولمن لاذ به ولجأ إليه» (^٢).\nقال ابن عثيمين -﵀-: «الجبار له ثلاثة معان:\nالأول: جبر القوة، فهو الجبار الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله -﷿- وجبروته وفي يده وقبضته.\nالثاني: جبر الرحمة، فإنه سُبْحَانَهُ يجبر الضعيف بالغنى والقوة، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها، وإحلال الفرج والطمأنينة فيها، وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله.\nالثالث: جبر العلو فإنه سُبْحَانَهُ فوق خلقه عال عليهم، وهو مع علوه عليهم قريب منهم يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويعلم ما توسوس به نفوسهم (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير (٥/ ٢٠٨).\n(^٢) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن (٥/ ٣٠١).\n(^٣) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثمين (١/ ١٠٦).","vol":"1","page":127},{"text":"قال ابن القيم -﵀-:\nوَكَذَلِكَ الجَبَّارُ مِنْ أَوْصَافِه … وَالجَبْرُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ\nجَبْرُ الضَّعِيفِ وَكُلِّ قَلْبٍ قَدْ غَدَا … ذَا كَسْرَةٍ فَالجَبْرُ مِنْهُ دَانِ\nوالثَّانِي جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذِي … لَا يَنْبَغِي لِسِوَاهُ مِنْ إِنْسَانِ\nوَلَهُ مُسَمًّى ثَالِثٌ وَهوَ العُـ … ـلُوُّ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ\nمِنْ قَوْلِهِمْ جَبَّارَةٌ لِلنَّخْلَةِ العُلْيَـ … ـا الَّتِي فَاتَتْ لِكُلِّ بَنَانِ (^١)\nاقتران اسم الله الجبار بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\n- اقتران الجبار باسمي العزيز والمتكبر:\nاقرن بهما في موضع واحد، وهو قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\n_________\n(^١) النونية (ص ٢٠٩).","vol":"1","page":128},{"text":"وجه الاقتران:\nيقول ابن القيم -﵀-: «فالجبار اسم من أسماء التعظيم كالمتكبر والملك، والعظيم والقهار، قال ابن عباس في هذه الآية: هو العظيم وجبروت الله عظمته» (^١)، فكلها من أسماء التعظيم لله سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الجبار:</span>\n<span data-type='title' id=toc-114>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الجبار) من الصفات، ودلالته على التوحيد:</span>\nالله تَعَالَى هو الجبار القهار العزيز العلي، الذي له العلو والعزة على خلقه، لا يدنو منه الخلق، ولا يشفعون ولا يتكلمون إلا من بعد إذنه، لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك، ولهذا كان من أسمائه الحسنى.\nوقد مدح الله بهذا الاسم نفسه، وأما في حق الخلق فهو مذموم؛ فالله سُبْحَانَهُ قهر الجبابرة وعلاهم بعظمته، فلا يجري عليه حكم حاكم فينقاد، ولا أمر آمر فيلزمه الامتثال، بل هو آمر غير مأمور، قاهر غير مقهور، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].\nينقسم جبروت الجبار سُبْحَانَهُ بحسب الزمان إلى قسمين: جبروت في الدنيا، وجبروت في الآخرة.\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص ١٢١).","vol":"1","page":129},{"text":"أولًا: جبروته سُبْحَانَهُ في الدنيا:\nالجبار سُبْحَانَهُ قهر الظالمين، وقصم الجبابرة المعتدين، فكل من طغى وبغى، وعصى ربه وغوى، فاستحق من الجبار العقاب، يقول سُبْحَانَهُ في حال الأقوام السابقة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وفي سورة القمر جاء تفصيل العذاب لبعضهم، فيقول تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٩ - ٢٤].\nأما قهر الجبار لأعيان الجبابرة، فمن شواهد ذلك:\nفرعون:\nالذي طفق في قتل أبناء بني إسرائيل؛ ليحافظ على ملكه، ولكن الجبار أراد أن يتربى موسى أحد أبناء بني إسرائيل في قصره، ويكبر تحت عينه ورعايته، ويكون عدوًّا وحزنًا عليه، ويكون هلاك فرعون على يده، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا","vol":"1","page":130},{"text":"تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٧ - ٨].\nالنمرود:\nالذي قال عنه سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فهذا الجبار قال عنه زيد بن أسلم: «بعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه وضرب بهما رأسه، وكان جبارًا أربعمائة عام، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، وأماته الله» (^١).\nأخوة يوسف:\nأرادوا رميه في الجب، ولكن الجبار أراد أن يكون عزيز مصر، يقول تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠].\nكفار قريش:\nحين أخرجوا رسول الله -ﷺ- من مكة وهي أحب البقاع إليه، ولكن الجبار رزقه بالمدينة وأهلها، وفتح له مكة، يقول تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٦).","vol":"1","page":131},{"text":"وما زال جبروت الجبار للجبابرة يتكرر وإن اختلفت أشخاصهم وأماكنهم، والسعيد من اعتبر بغيره.\nثانيًا: جبروته تَعَالَى في الآخرة:\nمن تأمل في جبروت الله سُبْحَانَهُ ازدادت عظمة الله في قلبه، فالأرض كلها بجبالها وأنهارها، وبحارها وأرضها، وأشجارها وأحجارها، وبيوتها وقصورها، كلها خبزة بيد الجبار يوم القيامة!\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ» (^١)، وفي حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله -ﷺ- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، ورسول الله -ﷺ- يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر: يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ، أَنَا الجَبَّارُ، أَنَا المُتَكَبِّرُ، أَنَا المَلِكُ، أَنَا العَزِيزُ، أَنَا الكَرِيمُ، فرجف برسول الله -ﷺ- المنبر حتى قلنا: ليخرن به» (^٢).\nوهذا الجبروت والقهر للكفار والمكذبين أعظم وأكبر من جبروته تَعَالَى في الدنيا، فقد توعد سُبْحَانَهُ الجبابرة بالعذاب الشديد؛ فقال: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤١٤)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٩٦)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، رقم الحديث: (٧٢٨).","vol":"1","page":132},{"text":"يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٦]، ولن يعرف العبد هذا حتى يعلم أن نار جهنم هي أعظم مايعذب الجبار بها أعدائه- أجارنا الله وإياكم منها-.\nومن صور العذاب بتلك النار (^١):\n١ - إنضاج الجلود:\nفنار الجبار -﵎- تحرق جلود أهلها، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلودًا أخرى غير تلك التي احترقت، لتحترق من جديد، وهكذا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].\n٢ - الصهر:\nوهو صب الحميم فوق رؤوسهم، والحميم هو ذلك الماء الذي انتهى حره، فلشدة حره تذوب أمعاؤهم وما حوته بطونهم، يقول تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩].\n٣ - اللفح:\nفالنار تلفح وجوههم إهانة لهم، وتغشاها أبدًا، لا يجدون حائلًا يحول بينهم وبينها، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]،\n_________\n(^١) انظر: اليوم الآخر، لعمر الأشقر (٣/ ٩٧ - ١٠٥).","vol":"1","page":133},{"text":"وقال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦].\n٤ - السحب:\nفسحب الكفار على وجوههم في النار، يقول تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤].\n٥ - تسويد الوجوه:\nفيسود الله وجوه أهل النار، يقول تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦].\n٦ - اطلاع النار على الأفئدة:\nفالنار تدخل في أجسادهم حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم، قال تَعَالَى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٤ - ٧].\n٧ - قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم:\nأعد الجبار لأهل النار سلاسلًا وأغلالًا وقيودًا ومطارق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤]، والأغلال توضع في الأعناق ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣]، والأنكال: القيود، سميت أنكالًا؛ لأن الله يعذبهم وينكل بهم بها، ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢]، والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يقيد بها المجرمون كما يقيد المجرمون في الدنيا، وأعد الله لهؤلاء","vol":"1","page":134},{"text":"مقامع من حديد، وهي المطارق التي تهوي على المجرمين وهم يحاولون الخروج من النار، فإذا بها تطيح بهم مرة أخرى إلى سواء الجحيم، قال تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢١ - ٢٢].\n٨ - قرن معبوداتهم وشياطينهم بهم في النار:\nفقد كان الكفار والمشركون يعظمون الآلهة التي يعبدونها من دون الله، ويدافعون عنها، ويبذلون في سبيل ذلك النفس والمال، وفي يوم القيامة يدخل الحق تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها من دونه للنار؛ إهانة لعابديها وإذلالًا لهم، ليعلموا أنهم كانوا ضالين، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].\nوشواهد القرآن ملأى بجبروته سُبْحَانَهُ في الآخرة لمن تجبر، فعلى المرء أن يتعوذ بالله من عذابه، وأن يتقيه.\nوحري بمن عرف اسم الله الجبار، وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته ويستغني بجبره وقوته وعزته وكرمه وعدله عن سائر الخلق، ويسأله وحده سُبْحَانَهُ جبر الدنيا والآخرة.\nكما أن اسم الله الجبار دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله القوي، والعزيز، والكبير المتكبر إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>الأثر الثاني: لا راد لأمر الله:</span>\nفالله تَعَالَى لا يقع في ملكه إلا ما يريد وما يشاء؛ فهو الجبار الذي تنفذ مشيئته جبرًا، وتظهر أحكامه قهرًا، ولا يخرج أحد عن قبضة تقديره ولا ينفذ أحد من مشيئته في تقديره وأحكامه، وليس ذلك إلا لله، ذي العزة والمنعة في القدر والقهر، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، ويقصد بالإرادة هنا: الإرادة الكونية.\nولذا لا بد من الإشارة إلى الفرق بين الإرادة الكونية القدرية، والإرادة الشرعية الدينية باختصار، كالتالي:\n١ - الإرادة الكونية:\nوهي مطابقة للمشيئة، والمقصود بها: أن كل ما يحصل في هذا الكون فهو بمشيئة الله وقدره وخلقه، ومن هنا سميت بالإرادة الكونية والقدرية والخلقية، وهذه الإرادة لا يخرج عنها شيء مهما كان صغيرًا؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فهي تشمل النفع والضر، الطاعة والمعصية؛ يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، ويقول أيضًا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\n٢ - الإرادة الشرعية:\nوهي مطابقة للمحبة، والمقصود بها: أن كل ما يشرعه الله من الأحكام ويأمر به فهو مراد لله، بمعنى: محبوب له تَعَالَى، ويمثل دينه الذي ارتضاه،","vol":"1","page":136},{"text":"ومن هنا سميت بالشرعية والأمرية والدينية، وهذه الإرادة قد تتحقق كحصول الإيمان من المؤمن، وقد لا تتحقق كحصول الكفر من الكافر، فالله تَعَالَى لا يريد الكفر، بمعنى: لا يحبه ولا يرضيه ذلك، ومع ذلك أوقعه بإرادته الكونية؛ قال تَعَالَى في الإرادة الشرعية: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].\nوعلى هذا فإن قال قائل: هل أراد الله الكفر؟ الجواب: بالإرادة الكونية نعم، أراده، ولو لم يرده الله لم يقع، فالإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم، أيضًا الإرادة الكونية عامة فيما يحبه تَعَالَى وما لا يحبه، أما الشرعية فتختص فيما يحبه الله سُبْحَانَهُ فقط (^١).\nفالله سُبْحَانَهُ جبر خلقه على ما شاء من أمر أو نهي، بمعنى: أنه شرع لهم من الدين ما ارتضاه هو، فشرع لهم الشرائع، وأمرهم باتباعها ونهاهم عن العدول عنها، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار، ولم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان أو كفر، بل ترك لهم المشيئة في ذلك.\nيقول ابن القيم -﵀-: «فالجبر معناه: القهر والقدرة، وأنه سُبْحَانَهُ قادر على أن يفعل بعبده ما شاء، وإذا شاء منه شيئًا وقع ولا بد، وإن لم يشأ لم يكن، ليس كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق لغيره من وجوه:\nأحدها: أن المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدًا للفعل محبًّا له، والرب تَعَالَى قادر على جعل عبده كذلك.\n_________\n(^١) ينظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين (ص ٢٢٢).","vol":"1","page":137},{"text":"الثاني: أن المخلوق قد يجبر غيره إجبارًا يكون به ظالمًا معتديًا عليه، والرب أعدل من ذلك؛ فإنه لا يظلم أحدًا من خلقه، بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل والإحسان» (^١).\nفحين يستشعر العبد هذا المعنى كان عبد الله الطائع له، المتبع لما شرعه، المؤتمر بأمره، والمنتهي عن نهيه، وسلَّم لقضاء الله وقدره، متيقنًا أن ما أراده الله له هو خير لا شك في ذلك، يقول -ﷺ- في حال المؤمن: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>الأثر الثالث: الجبار سُبْحَانَهُ جابر كل كسير:</span>\nالجبار سُبْحَانَهُ ملاذ لكل عباده، كل بحسب ضعفه وحاجته وفقره، لا ناصر غيره، ولامؤمن سواه سُبْحَانَهُ، يجبر المرض بالعافية، والفقد بالعوض، والعسر باليسر، ويجبر كل محتاج بحسب حاجته.\nومن شواهد جبر الجبار لعباده ما يلي:\nجبره سُبْحَانَهُ لحرقة قلب المظلوم، وأخذ حقه ولو بعد حين، ففي الحديث يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (^٣).\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص ١٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٣).","vol":"1","page":138},{"text":"جبره سُبْحَانَهُ للمنكسرة قلوبهم بالفقد، وتعويضهم بالعاقبة الحسنة والثواب الجزيل إن صبروا واحتسبوا، فيقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].\nوعن أم سلمة، زوج النبي -ﷺ-، تقول: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قالت: فلما توفي أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول الله -ﷺ-، فأخلف الله لي خيرًا منه، رسول الله -ﷺ- (^١).\nجبره سُبْحَانَهُ للتائبين بأن يقبل توبتهم، ويقيل عثرتهم، ويغفر زلتهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧].\nجبره سُبْحَانَهُ لقلوب اليتامى حتى يهون عليهم ألم الفقد، فيقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\nجبره سُبْحَانَهُ لخاطر الخدم والعمال، بأن فرض لهم حقوقًا، فقال النبي -ﷺ- في الأرقاء: «أَرِقَّاءَكُمْ أَرِقَّاءَكُمْ أَرِقَّاءَكُمْ، أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١٨).","vol":"1","page":139},{"text":"تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، فَإِنْ جَاءُوا بِذَنْبٍ لَا تُرِيدُونَ أَنْ تَغْفِرُوهُ فَبِيعُوا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تُعَذِّبُوهُمْ» (^١).\nومن آمن بكل ما تقدم علم أن الجبار -ﷻ- يدعوك كل ليلة ليجبرك، ويقضي حاجتك، ويعطيك مرادك، ففي الحديث يقول -ﷺ-: «يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يُمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>الأثر الرابع: محبة الجبار سُبْحَانَهُ:</span>\nمن آمن بأنه سُبْحَانَهُ الجبار القوي الذي لا يغلبه أحد، والجبار الذي يجبر الضعيف بالغنى، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها، وإحلال الفرج والطمأنينة فيها، والجبار العالي على خلقه، القريب منهم، يجيب دعاءهم، ويعلم حالهم- من آمن بهذه المعاني العظيمة استقرت محبة الله في قلبه، وقوي رجاؤه به -ﷻ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>الأثر الخامس: الجبروت صفة لله وحده:</span>\nإن العبد إذا علم أن الجبروت صفة لله وحده؛ أدرك ضعفه وعجزه وخاف ربه، ففي الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ -﷿-: الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، والعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٤٠٩)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٦٣٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٩٠٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٣٥٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٣١١).","vol":"1","page":140},{"text":"ولذا أنكرت الرسل على أقوامهم صفة التجبر والتكبر في الأرض بغير الحق، كما قال سُبْحَانَهُ حكاية عن هود -﵇-: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣٠ - ١٤٠]، ولكنهم عاندوا واتبعوا أمر جبابرتهم، فهلكوا أجمعين؛ قال تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩].\nوحذر النبي -ﷺ- أيضًا- من العذاب العظيم الذي يلحق كل من تجبر وتكبر، فقال: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ» (^١)، وفي الحديث الآخر: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنِ ادَّعَى مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ» (^٢).\nبل أخبر -ﷺ- عن محاورة الجنة والنار في شأن الجبابرة المتكبرين، ففي الحديث: «احْتَجَّتِ النَّارُ، وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ: هَذِهِ يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ، وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ: هَذِهِ يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، فَقَالَ اللهُ -﷿- لِهَذِهِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ - وَرُبَّمَا قَالَ: أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ - وَقَالَ لِهَذِهِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٦٧٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٩٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨٠٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٤٣٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥٧٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥١٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٤٦).","vol":"1","page":141},{"text":"فحري بالمؤمن بعد هذه الأدلة أن يتواضع لخلق الله ويساعدهم، ويقتدي بنبيه -ﷺ- فقد كان أشد الناس تواضعًا، خافضًا لجناحه، رحيمًا بأصحابه، كان يركب الحمار، ويتفقد خادمة المسجد، بل وقصد قبرها فصلى عليها، وكان يباشر الفقراء والمساكين، ويخالط الأعراب لأجل تعليمهم وإرشادهم، ويسلم على الصبيان ويلاطفهم، وكان متواضعًا في طعامه وهيئته ومسكنه، يأكل على الأرض ويفترش الحصير، ويتوسد الرمل، ليس له حاجب يمنع الناس عنه، وكان -ﷺ- يقول: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَّي وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ: الثَّرْثَارُونَ، والمُتَشَدِّقُونَ، والمُتَفَيْهِقُونَ، قالوا: يارسول الله ما المتفيهقون؟ قال: المُتَكَبِّرُونَ» (^١)، ومن وصايا سلمان -﵁-: «تواضع لله؛ فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة» (^٢).\nوقد كان السلف الصالح يجاهدون أنفسهم لنزع الكبر والتعالي من قلوبهم منذ البداية، لأنهم يعلمون أنه إن تمكن من قلوبهم وطبع عليها فإنها ستصبح لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا؛ بدلالة قوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].\nفمما روي من حالهم: ما رواه عروة بن الزبير عن عمر بن الخطاب، فقال: «رأيت عمر بن الخطاب -﵁- على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٨)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق، رقم الحديث: (٥٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٨).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية، رقم الحديث: (١/ ٢٠٢)، والبيهقي في البعث والنشور، رقم الحديث: (٢٨٨)، حكم الألباني: صحيح لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٣٧٣٣).","vol":"1","page":142},{"text":"المؤمنين، ألا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين القبائل بأمرائها وعظمائها دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها» (^١).\nوعن عبد الله بن مسعود، عن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^٢).\nاللهم يا جبار اجبر كسرنا، وآمن خوفنا، وأعذنا من التجبر والكبر.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣١٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>الحقُّ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-120>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الحق: خلاف الباطل، والحق: واحد الحقوق» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الحاء والقاف أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته، فالحق نقيض الباطل، ثم يرجع كل فرع إليه بجودة الاستخراج وحسن التلفيق، ويقال حق الشيء: وجب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>ورود اسم الله (الحق) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحق) في كتاب الله في عشر آيات، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].\nوقوله -﷿-: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠].\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٤٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٥).","vol":"1","page":144},{"text":"وقال -﷿-: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-122>ورود اسم الله (الحق) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الحق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن ابن عباس -﵄- قال: «كان النبي -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السماوات وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السماوات وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ الحقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- أو: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-123>معنى اسم الله (الحق) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠]: «ورجع هؤلاء المشركون يومئذ إلى الله الذي هو ربهم ومالكهم الحق لا شك فيه، دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣١٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩).\n(^٢) تفسير الطبري (١٢/ ١٧٥).","vol":"1","page":145},{"text":"قال الزجاجي -﵀-: «فالله الحق، أي: هو الحق، وما عبد من دونه باطل، والله -﷿- الحق، أي: ذو الحق في أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وجميع ما أنزله على لسان رسله وأنبيائه» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «فكما أن ذاته (الحق) فقوله الحق، ووعده الحق، وأمره الحق، وأفعاله كلها حق، وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق، فمن أنكر شيئًا من ذلك فما وصف الله بأنه (الحق) المطلق من كل وجه، وبكل اعتبار فكونه حقًّا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه» (^٢).\nقال ابن كثير -﵀- في تفسيره لقوله تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦]-: «أي: تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق ووعده حق، ووعيده حق ورسله حق، والجنة حق والنار حق، وكل شيء منه حق» (^٣).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «الحق في ذاته وصفاته فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفًا، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا، فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال -﷿-:\n_________\n(^١) اشتقاق أسماء الله (ص ١٧٨).\n(^٢) بدائع الفوائد (٤/ ١٦٥).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٠٣)","vol":"1","page":146},{"text":"﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]» (^١).\nاقتران اسم الله (الحق) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الحق) باسم الله (الملك):\nورد اقتران هذين الاسمين الجليلين في كتاب الله -﷿- في موضعين، هما:\nقوله تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].\nوقوله تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\nوجه الاقتران:\nاقترانهما فيه إشارة إلى أن ملكه سُبْحَانَهُ حق، من جهتين:\n١ - دوام ملكه وكماله، فملكه سُبْحَانَهُ دائم، فلا يزال، ولا يزول، وليس فيه شائبة عجز ولا خضوع لغيره.\nوفي هذا تعريض بأن ملك غيره زائف، فغيره من الخلق وإن كان له ملك ففي بعض الأوقات، على بعض الأشياء، وملكه مع ذلك زائل قاصر يشوبه العجز والخضوع للغير، فهو مالك من جهة ومملوك من جهة أخرى؛ لما فيه\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٩٤٩).","vol":"1","page":147},{"text":"من نقص واحتياج (^١).\n٢ - المدبر لأمور مملكته على أتم وجوه الكمال، فلا يتصرف فيه إلا بما هو مقتضى الحكمة (^٢).\nوالآية الأولى سبقت بالخلق، وأنه تَعَالَى لم يخلق الإنسان عبثًا، بل كان بحق وحكمة، والثانية سبقت بالحديث عن القرآن، وأنه نزل من عند الله الحق، فالملك الحق هو صاحب الملك الكامل، والذي يتصرف بمقتضى الحكمة، والملك الحق هو الذي أنزل القرآن حقًّا من عنده؛ ليقيم به حياة الناس في دينهم ودنياهم.\nثانيًا: اقتران اسم الله (الحق) باسم الله (المبين):\nجاء ذلك مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥].\nوجه الاقتران:\nيقول الطبري -﵀-: «وقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾، يقول: ويعلمون أن الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشك فيه عند أهل النفاق الذين كانوا فيما كان يعدهم في الدنيا يمترون» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٥١٤).\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور (١٦/ ٣١٦).\n(^٣) تفسير الطبري (١٧/ ٢٣٢).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحقِّ):</span>\n<span data-type='title' id=toc-125>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحق) من الصفات:</span>\nالله هو الحق -ﷻ-، ويظهر ذلك من عدة وجوه، منها:\nالأول: هو الحق في وجوده -﵎-، فله تَعَالَى الوجود الحق، فالله لا يزول ولا يحول بخلاف غيره، فالخلق كلهم يزولون ويحولون، وحياته سُبْحَانَهُ الحياة الأزلية، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، ووجوده كامل فلا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يأخذه مرض ولا تعب، فهذا هو الحق في وجوده -﵎-.\nالثاني: هو الحق في ربوبيته وألوهيته، فهو الرب الحق في تدبيره وتصريفه ورزقه، وغيره مربوب مملوك مصرف مدبَّر، وهو المعبود الحق لكل مألوه ومعبود ومربوب قام على إلهيته برهان الفطرة وحجة العقل، وشهد بها ما في الوجود جميعًا من ناطق وصامت، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]، فعبادة من هذا وصفه حق، وعبادة ما دونه ممن ليس له من وجوده إلا العدم، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ضلال وزيغ وباطل (^١)، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٣٦٣).","vol":"1","page":149},{"text":"الثالث: هو الحق في أسمائه وصفاته، فأسماؤه وصفاته كلها حق، فليس فيها شيء باطل لا في علمه، ولا قدرته، ولا عزته، ولا حكمته، فهو الإله الحق الكامل في ذاته، وأسمائه وصفاته، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].\nالرابع: هو الحق في أفعاله وخبره وشرعه، فأفعاله كلها حق ومقتضى الحكمة، وأخباره كلها حق وصدق، وشرعه حق وعدل، فكل ما أمر الله -﷿- به أو نهى عنه فإنه حق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].\nوالله خلق -﵎- السماوات والأرض بالحق، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥].\nونزل الكتاب بالحق، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وقال -﵎-: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].\nوقص -﵎- القصص بالحق، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]، فكل ما حدث الله به من القصص لم يكن كذبًا ولا باطلًا، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].","vol":"1","page":150},{"text":"بخلاف بعض قصص البشر، فهو كذب كله مختلق، أو صدق خالطه الكذب، والحق الصرف في القصص قليل.\nوأرسل رسله بالحق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]، وقوله -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nووعد الله حق لا يمكن أن يخلف، ولا يغير، ولا يبدل، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]، وَعَدَ أمَّ موسى، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، وحقق وعده ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣]، ووعد المؤمنين بالنصر ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، فنصرهم ببدر وهم أذلة، ونصرهم في الأحزاب وهم قلة، ونصرهم في ساعة العسرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>الأثر الثاني: محبة الله الحق:</span>\nالحق سُبْحَانَهُ هو الموجود الحق، والرب الحق والإله الحق، وكل ما سواه فهو مربوب، ووجوده مستمد من وجوده سُبْحَانَهُ؛ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، فمنه سُبْحَانَهُ الإيجاد، والإعداد، والإمداد، وما سواه فهي أسباب مخلوقة صادرة من مسبب الأسباب الإله الحق، فحري بمن هذه صفاته أن يحَب ويعظَّم ويؤلَّه وتوجَّه العبادة له وحده دون ما سواه.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>الأثر الثالث: التصديق الذي لا يخالطه شَك في ما أخبر به الحق سُبْحَانَهُ:</span>\nالله حق في أسمائه وصفاته- كما تقدم-، ومن ذلك: كلامه وخبره -ﷻ-، فكلامه حق ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤]، وقال -ﷺ-: «وَقَوْلُكَ الْحَقُّ» (^١).\nأنزل القرآن بالحق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣].\nقال السعدي -﵀-: «المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه» (^٢).\nواعتقاد المؤمن بهذا يدعوه إلى القبول التام، والتصديق الجازم الذي لا يخالطه أدنى شك لما ما جاء فيه من أخبار، أو جاء على لسان رسول الله -ﷺ-، ولو زعم العقل إحالته أو لم يتصوره.\nوهكذا كان الصحابة- رضوان الله عليهم- يتلقون أخبار الوحي بالتصديق الكامل والإذعان التام، فهذا رسول الله -ﷺ- يخبر عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٤٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ١٢١).","vol":"1","page":152},{"text":"الدجال، فيقول: «إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعونَ يومًا؛ يومٌ كسَنَةٍ، ويومٌ كَشَهْرٍ، ويومٌ كجُمُعُةٍ، وسائِرُ أيامِهِ كأيَّامِكُم، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كالسنة، تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: فَاقْدُرُوا له قَدْرَهُ …» (^١).\nفكان همهم السؤال عن الصلاة فقط، وكأن ما أخبرهم به عن الدجال قد عرفوه من قبل؛ وذلك لأنهم جعلوا الشرع التام هو الميزان الثابت للعقل الناقص فقبلوا وسَلَّموا.\nوهذا أبو بكر الصديق -﵁- يبلغه خبر الإسراء والمعراج، فيبادر للتصديق ويقول: «إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية، أفلا أصدقه في بيت المقدس!» (^٢).\nوقد نفى الله -﷿- الشك والريب عن كتابه، في مواضع عدة، منها:\nقوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقال متحديًا من يشك فيه:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٣٧).\n(^٢) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (٣/ ١٣٧).","vol":"1","page":153},{"text":"﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤].\nوقال تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] «أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائمًا ومعارضًا» (^١).\nوقال -ﷺ- حين رأى مع عمر صحيفةً فيها شيء من التوراة: «أَمُتَهَوِّكُونَ (^٢) فِيهَا يَا ابْنَ الخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-128>الأثر الرابع: التسليم التام لأحكام الحق سُبْحَانَهُ، والتحاكم إليه دون ما سواه:</span>\nمعرفة أن الله الحق -﵎- تورث القلب اليقين بأن أحكام الله تَعَالَى كلها حق وخير، وتورثه -أيضًا- الطمأنينة لحكم الله وشرعه؛ لأنها من الله\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٢٨٣).\n(^٢) أمتهوكون، أي: متحيرون في كتابكم وفى دينكم حتى تأخذوا العلم من غير كتابكم ونبيكم كما تهوكت اليهود والنصارى، أي: كتحيرهم حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم. الفتح الرباني، للساعاتي (١/ ١٧٥).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥١٥٦)، حكم الألباني: حسن، إرواء الغليل، رقم الحديث: (١٥٨٩).","vol":"1","page":154},{"text":"الحق الذي لا يصدر منه إلا الحق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].\nقال ابن كثير -﵀-: «صدقًا في الأخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة» (^١).\nفينشأ من ذلك القبول التام، والإذعان والتسليم ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، سواء علمت الحكمة أو لم تعلم فالأمر سواء لليقين بأنها كلها حق؛ لأنها من عند الحق سُبْحَانَهُ.\nوالتسليم لله -﷿- من أخص أركان الدين، وبه يجوز العبد الصراط، وتثقل به الموازين، وهو من أوجب الواجبات، وأعلى القربات؛ بل «إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الخوض في تفاصيل الحكمة في الأوامر، والنواهي، والشرائع؛ ولهذا لم يحك الله سُبْحَانَهُ عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به، ونهاها عنه، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت، وسلمت، وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها، وإيمانها، واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه من شأنها» (^٢).\nوقد علَّم رسول الله -ﷺ- أمته الانقياد التام والاستلام لأمر الله، فحينما نزل قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٢٢).\n(^٢) الصواعق المرسلة، لابن القيم (٤/ ١٥٦٠).","vol":"1","page":155},{"text":"يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] غم الصحابة -﵃- غمًّا شديدًا، واشتد ذلك عليهم، فأتوا رسول الله -ﷺ- ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله -ﷺ-: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تَعَالَى، فأنزل الله -﷿-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال: نعم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نَعَمْ» (^١).\nفتجوز لهم عن حديث النفس، وأخذوا بالأعمال.\nوينشأ من ذلك- أيضًا- الاغتباط بأحكام الله وشرعه، والسعي لتحكيمها وإقرارها بين الناس؛ حتى ينعموا بما فيها من الحق والخير والأمن والسلام والقسط؛ لأنها حكم الحق، وحكم ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٢٥).","vol":"1","page":156},{"text":"وقد جعل الله -﷿- التحاكم إلى ما شرع وأنزل على لسان رسوله -ﷺ- شرطًا للإيمان، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٣٥]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nوأنكر على من خرج عن حكمه المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعته وإنما بمحض الأهواء والآراء (^١)، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\n«فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية، فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تَعَالَى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>الأثر الخامس: الشعور بالغبطة والسرور بالهداية إلى دين الإسلام الحق، والثبات عليه:</span>\nالإسلام هو دين الله الحق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٢٣٥).","vol":"1","page":157},{"text":"ومن هدي إليه واستقام عليه اطمأنت نفسه، وانشرح صدره، وسلم من التشتت والاضطراب والحيرة التي تكون من نصيب المبطل المعرض عن الله -﷿- وعن دينه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، وقوله -﷿-: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nواستشعار المسلم لمنة الله عليه بالهداية للدين الحق يبعث في النفس السرور والغبطة بفضل الله عليه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].\nقال السعدي -﵀-: «﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من متاع الدنيا ولذاتها.\nفنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها، وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب» (^١).\nوهذا الفرح بالهداية للحق يوجب التمسك به، والثبات عليه، والصبر على القيام بشرائعه، والصبر عن محارمه، والصبر- أيضًا- على ما ينال المرء من المصائب والمحن من جرائه، لا سيما مع تأخر الزمان وكثرة الفتن، فقد\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٣٦٧).","vol":"1","page":158},{"text":"جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-130>الأثر السادس: صدق التوكل على (الحقِّ):</span>\nمن كان على الحق وَثقَ في الله -﷿- واعتمد عليه في تأييده ونصره، قال الله -﷿-: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩].\nقال ابن القيم -﵀-: «إن كون العبد على الحق يقتضي تحقيق مقام التوكل على الله، والاكتفاء به، والإيواء إلى ركنه الشديد، فإن الله هو الحق وهو ولي الحق، وناصره، ومؤيده، وكافي من قام به، فما لصاحب الحق ألا يتوكل عليه؟ وكيف يخاف وهو على الحق؟ كما قالت الرسل لقومهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-131>الأثر السابع: الثقة بنصر الله -﷿- لدينه الحق ولأوليائه:</span>\nالله الحق -﷿- تكفل بنصر دينه، وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإشاعة نوره على سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب كراهتهم كل سبب يتوصلون به إلى إطفاء نور الله؛ فإنهم مغلوبون، وحالهم حال من ينفخ عين الشمس بفيه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٢٦٠)، وابن بطة في الإبانة الكبرى، رقم الحديث: (٣١)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٩٥٧).\n(^٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٢٥٧).","vol":"1","page":159},{"text":"الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨، ٩]، أي: ليعليه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان.\nفأما نفس الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر.\nوأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل الأديان، إلا أن الله قد يبتليهم في وقت من الأوقات؛ ليعلم المؤمن الصادق الثابت على الحق من المنافق أو ضعيف الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢].\nأما إذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه؛ لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له سبب تسليط الأعداء عليهم (^١).\nفإذا علم هذا فعلى المسلمين أن يقوموا بالدين ويتمسكوا به ويثقوا بنصر الله ووعده ولو عظم البلاء واشتد، فهذا رسول الله -ﷺ- يوم الأحزاب، وقد عظم البلاء على المؤمنين، واشتد الخوف، فأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وإذا به -ﷺ- يقول: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُفَرَّجَنَّ عَنْكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ، فَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ آمِنًا، وَأَنْ يَدْفَعَ اللهُ -﷿- مَفَاتِحَ الْكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٨٥٩).","vol":"1","page":160},{"text":"اكِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَلَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ» (^١)، قالها -ﷺ- في شدة الكرب، وتحالف أهل الكفر والشرك، ولكنها الثقة بوعد الله ونصره، واليقين فيما عنده -﷿-.\n\n<span data-type='title' id=toc-132>الأثر الثامن: التواضع للحق، والانقياد له بعد تبينه:</span>\nإذا علم العبد أن الخير كله في الحق، وما بعد الحق إلا الضلال والشر والشقاء، تواضع له وأنقاد، ومتى ما ظهر له وبان رجع إليه مهما كان شأنه، ومهما ارتفع قدره، ومهما علت منزلته، فهذا عبدالرحمن بن مهدي -﵀- يقول: «كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن، وهو على القضاء، فلما وضع السرير جلس، وجلس الناس حوله، قال: فسألته عن مسألة؛ فغلط فيها، فقلت: أصلحك الله! القول في هذه المسألة كذا وكذا، إلا أني لم أرد هذه، إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: إذن أرجع وأنا صاغر!! إذن أرجع وأنا صاغر!!؛ لأن أكون ذَنَبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل!» (^٢).\nومن رد الحق بعد بيانه فهو المتكبر الظالم لنفسه؛ قال -ﷺ-: «الكبرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ النّاسٍ (^٣)» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٧٨٦٣)، وفي دلائل النبوة (٣/ ٤٠٢).\n(^٢) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (١٠/ ٣٠٨).\n(^٣) بطر الحق، أي: دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، وغمط الناس، أي: احتقارهم، شرح النووي على مسلم (٢/ ٩٠).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"1","page":161},{"text":"يقول ابن القيم -﵀-: «كما أن من تواضع لله رفعه، فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه، وصغره وحقره، ومن تكبر عن الانقياد للحق- ولو جاء على يد صغير، أو من يبغضه أو يعاديه- فإنما تكبره على الله؛ فإن الله هو الحق وكلامه حق؛ ودينه حق، والحق صفته ومنه وله، فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله فإنما رد على الله وتكبر عليه» (^١)، واستحق بهذا الوعيد الوارد في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦].\nوقال -ﷺ- مبينًا قبح التكبر عن الحق: «وَإِنَّ أَبْغَضَ الكَلَامِ إِلَى اللهِ -﷿- أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اتَّقِ اللهَ، فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-133>الأثر التاسع: عدم الحياء في إظهار الحق:</span>\nالله هو الحق، ويحب الحق، ويأمر بالحق، ولا يستحي من بيانه للناس، وإظهاره لهم بأنواع الأمثلة الحسية، التي تعين على فهمه وقبوله، والإعراض عما سواه من الباطل، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٣١٧).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٦٢١)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٥٩٨).\n(^٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٤).","vol":"1","page":162},{"text":"وهكذا ينبغي للمؤمن ألا يستحي من الحق وإظهاره، ولما في تركه حياءًا وخوفًا أو مداهنة من تفويت المصالح وتحقيق المفاسد، ومن ذلك: العلم؛ فإنه لا يناله مستحي ولا مستكبر، ولذا أثنى رسول الله -ﷺ- على نساء الأنصار، فقال: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>الأثر العاشر: الاستعداد للقاء الحق:</span>\nوعد -﵎- عباده بلقائه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤]، فلقاؤه حق حاصل لا محالة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال -ﷺ-: «وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ» (^٢).\nوأخبر سُبْحَانَهُ عن خسارة المكذبين بلقائه، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]، وقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥].\nووعد بالجنة والنار، قال تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقال تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الرعد: ٣٥].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣١٤ - ٣١٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٣٢).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":163},{"text":"وقال تَعَالَى عن النار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦].\nووعد بالساعة فهي حق واقعة لا ريب فيها ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩].\nفإذا استقرت هذه الحقائق في قلب العبد المؤمن حمله ذلك على الاستعداد للقاء ربه، والشوق إلى جنته، والخوف من عذابه، وهذا يثمر التقوى في القلب، والتي علامتها امتثال أوامر الله -﷿- وترك مناهيه بإخلاص ومتابعة، والاستقامة على ذلك.\nروى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري، «أنه مر برسول الله -ﷺ-، فقال له: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا، فقال: انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ فقال: قد عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت لذلك ليلي، واطمأن نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ، ثلاثًا» (^١).\nوكان رسول الله -ﷺ- يستفتح صلاته من الليل بذكر هذا المعنى، كما في حديث ابن عباس -﵄-، «كان النبي -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد قال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٣٣٦٧)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٠١٠٧)، حكم الألباني: ضعيف، تحقيق الإيمان، لابن أبي شيبة (ص ٤٣).","vol":"1","page":164},{"text":"أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ، وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١)؛ وذلك أن قيام الليل أمر شاق على النفس، فيحتاج الإنسان لقيامه لتصديق جازم بما ورد فيه من عظيم الأجر، فكان الاستفتاح به تذكير للنفس بوعد الله -﷿-.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>الأثر الحادي عشر: أعط كل صاحب حق حقه:</span>\nإذا عرف العبد أن الله الحق، أحب أن يكون له حظ من اسم ربه، وأن يتحقق به، وذلك بأن:\n١ - يعطي كل ذي حق حقه، فيبدأ بأعظم الحقوق عليه؛ حق الله تَعَالَى، وهو عبادته وحده لا شريك له، ثم حق نبيه، ثم يؤدي الحقوق لأصحابها، الأحق فالأحق، فيبدأ بحق الوالدين، ثم الأبناء، والزوجة، ثم الأرحام، والجيران، ثم حق أمته عليه، قال رسول الله -ﷺ-: «فَأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ» (^٢).\n٢ - يرد الحقوق لأهلها، فلا يأخذ من حق الغير شيئًا بغير حقه ولو قلَّ، قال -ﷺ-: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٩٦٨).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣٦٠٥)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٩٧٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٨٧١).","vol":"1","page":165},{"text":"٣ - يشهد بالحق، ولو كان ذلك على الأحباب، بل حتى على النفس، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا …﴾ [النساء: ١٣٥].\n٤ - يعدل في القضاء والحكم، كما قال تَعَالَى لنبي الله داود -﵇-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] (^١).\nوقد علَّم رسول الله -ﷺ- أمته إقامة الحق والحكم به، فعندما سرقت المرأة المخزومية بعث قريش للنبي -ﷺ- أسامة بن زيد لكي يشفع لها، فكلمه أسامة، فقال رسول الله -ﷺ-: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله؟ ثم قام فاختطب، فقال: أيُّها النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (^٢).\nولا بد أن يعلم أن لكل شيء حقًّا، فالحق -﵎- له حق، ولكتابه حق، ولرسوله -ﷺ- حق، والنفس لها حق، وللأهل حق، وللجار حق، وللضيف حق، وللصديق حق، وللعمل حق، وللمكان حق، وللطريق حق، كما قال -ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فقالوا: ما لنا بُدٌّ، إنما\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٢٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٨٨).","vol":"1","page":166},{"text":"هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» (^١)، وللوقت حق، فعلى المسلم أن يحرص على أن يعطي كل ذي حق حقه، مستعينًا بربه، سائلًا توفيقه لذلك.\nفاللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٢١).","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>الحَكَمُ الحَكِيمُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-137>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الحكم: مصدر قولك: حكم بينهم، يحكم، أي: قضى، وحكم له وحكم عليه، والحكم أيضًا: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم، وصاحب الحكمة، والحكيم: المتقن للأمور.\nوقد حكم بضم الكاف، أي: صار حكيمًا … وأحكمت الشيء فاستحكم، أي صار محكمًا، والحكم، بالتحريك: الحاكم … وحكمت الرجل تحكيمًا، إذا منعته مما أراد، ويقال أيضًا: حكمته في مالي، إذا جعلت إليه الحكم فيه، فاحتكم علَيَّ في ذلك، واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا بمعنًى» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(حكم) الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم؛ وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه … وحكم فلان في كذا، إذا جعل أمره إليه، والمحكم: المجرب المنسوب إلى الحكمة» (^٢).\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٩٠١).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٩١).","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>ورود اسمي الله (الحَكَم الحكيم) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه (الحَكَم) في آية واحدة، هي:\nقوله -﷿-: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤].\nوأما اسم الله (الحكيم)؛ فقد ورد في أربع وتسعين مرة، ومن وروده ما\nيلي:\nقوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوقوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٥].\nوقوله -﷿-: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١].\n\n<span data-type='title' id=toc-139>ورود اسمي الله (الحَكِيم، الحَكَم) في السنة النبوية:</span>\nورد اسمي الله (الحَكيم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن مصعب بن سعد عن أبيه -﵁-، قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: علمني كلامًا أقوله، قال: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي واهْدِنِي وارْزُقْنِي» (^١).\nورد اسمي الله (الحَكم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن شريح عن أبيه هانئ: «أنه لما وفد إلى رسول الله -ﷺ- مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله -ﷺ-، فقال: إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحَكَمُ، فَلَمْ تُكْنَى أَبَا الحَكَمِ؟ فقال: إن قومي إذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٦).","vol":"1","page":169},{"text":"اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله -ﷺ-: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قلت: شريح، قال: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (^١).\nمعنى اسمي الله (الحكيم، الحَكم) في حقه سُبْحَانَهُ:\nيدور اسمي (الحَكيم الحَكم) على معنيين:\nمن له كمال الحكم بين العباد، سواء كان حكمًا كونيًّا قدريًّا، أو دينيًّا شرعيًّا، أو جزائيًّا.\nمن له كمال الحكمة، سواء كانت في خلقه وتدبيره أو شرعه وأمره.\nوحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الزجاج -﵀-: «فالله تَعَالَى هو الحاكم وهو الحكم بين الخلق؛ لأنه الحكم في الآخرة، ولا حكم غيره» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «الحكم الحاكم، ومنه المثل: (في بيته يؤتى الحكم) وحقيقته هو: الذي سلم له الحكم ورد إليه فيه الأمر، كقوله تَعَالَى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٩٥٥)، والنسائي، رقم الحديث: (٥٣٨٧)، حكم الألباني: صحيح، إرواء الغليل، رقم الحديث: (٢٦١٥).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٤٤).\n(^٣) شأن الدعاء (ص ٦١).","vol":"1","page":170},{"text":"قال القرطبي -﵀-: «فالحكم من له الحكم: وهو تنفيذ القضايا وإمضاء الأوامر والنواهي، وذلك بالحقيقة هو الله تَعَالَى، فهذا الاسم يرجع تارة إلى معنى الإرادة، وتارة إلى معنى الكلام، وتارة إلى الفعل، فأما رجوعه إلى الإرادة، فإن الله تَعَالَى حكم في الأزل بما اقتضته إرادته، ونفذ القضاء في اللوح المحفوظ، يجري القلم فيه على وفاق حكم الله، ثم جرت الأقدار في الوجود بالخير والشر، والعرف والنكر على وفاق القضاء والحكم، وإذا كان راجعًا إلى معنى الكلام فيكون معناه: المبين لعباده في كتابه ما يطالبهم به من أحكامه، كما يقال- لمن يبين للناس الأحكام وينهج لهم معاني الحلال والحرام-: حكم، وعلى هذا فلا يكون في الوجود حكم إلا كتابه، فعنده يوقف؛ إذ هو الحكم العدل، وإذا كان راجعًا إلى الفعل فيكون معناه الحكم الذي ينفذ أحكامه في عباده بإشقائه إياهم وإسعاده وتقريبه إياهم، وإبعاده على وفق مراده» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «(الحكيم): … الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\n«وَهوَ الحَكِيمُ وَذَاكَ مِنْ أَوْصَافِهِ … نَوْعَانِ أَيْضًا مَا هُمَا عَدَمَانِ\nحُكْمٌ وَإِحْكَامٌ فَكُلٌّ مِنْهُمَا … نَوْعَانِ أَيْضًا ثَابِتَا البُرْهَانِ\n_________\n(^١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٤٣٨).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٩٤٥ - ٩٤٦).","vol":"1","page":171},{"text":"وَالحُكْمُ شَرْعِيٌّ وَكَوْنِيٌّ وَلَا … يَتَلَازَمَانِ وَمَا هُمَا سِيَّانِ\nبَلْ ذَاكَ يُوجَدُ دُونَ هَذَا مُفْرَدًا … وَالعَكْسُ أَيْضًا ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الطبري -﵀-: «والحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل» (^١)، وقال أيضًا: «والحكيم: هو ذو الحكمة» (^٢)\nقال الزجاجي -﵀-: «الحكيم: الذي أفعاله محكمة متقنة، لا تفاوت فيها ولا اضطراب، ومنه قيل: (بناء محكم)، أي: قد أتقن وأحكم، فالله -﷿- حكيم كما وصف نفسه بذلك، لإتقان أفعاله واتساقها وانتظامها وتعلق بعضها ببعض … وقد يكون حكيم بمعنى: عليم؛ لأن الفاعل للأشياء المتقنة المحكمة لا يجوز أن يكون جاهلًا بها؛ فيكون (حكيم) على هذا بتأويل المبالغة في الوصف بالعلم والحكمة» (^٣).\nقال الحليمي -﵀-: «الحكيم: قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] ومعناه: الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب، وإنما أن يوصف بذلك لأن أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀-: «(حكيم) لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سُبْحَانَهُ صادرة عن\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير (٢/ ٥٧٨).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٤٩٦).\n(^٣) اشتقاق أسماء الله (ص ٦٠).\n(^٤) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"1","page":172},{"text":"حكمة بالغة لأجلها فعل كما فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل» (^١).\nقال ابن كثير -﵀-: «الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «(الحكيم): هو الذي له الحكمة العليا في خلقه وأمره، الذي أحسن كل شيء خلقه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فلا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع سدى» (^٣).\nقال أيضًا: «الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا يشرع ما يشرعه إلا لحكمة ومصلحة، ولا يخلق ما يخلقه إلا لفائدة ومنفعة» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀- في النونية:\nوَالحِكْمَةُ العُلْيَا عَلَى نَوْعَيْنِ أَيْـ … ـضًا حَصَلَا بِقَوَاطِعِ البُرْهَانِ\nإِحْدَاهُمَا فِي خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ … نَوْعَانِ أَيْضًا لَيْسَ يَفْتَرِقَانِ\nإِحْكَامُ هَذَا الخَلْقِ إِذْ إِيجَادُهُ … فِي غَايَةِ الإِحْكَامِ والإِتْقَانِ\nوَصُدُورُهُ مِنْ أَجْلِ غَايَاتٍ لَهُ … وَلَهُ عَلَيْهَا حَمْدُ كُلِّ لِسَانِ\nوَالحِكْمَةُ الأُخْرَى فَحِكْمَةُ شَرْعِهِ … أَيْضًا وَفِيهَا ذَانِكَ الوَصْفَانِ\nغَايَاتُهَا الَّلائِي حُمِدْنَ وَكَوْنُهَا … فِي غَايَةِ الإِتْقَانِ وَالإِحْسَانِ» (^٥).\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص ١٩٠).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣١٨).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٩٤٥ - ٩٤٦).\n(^٤) المرجع السابق (ص ٧٧٩).\n(^٥) النونية (ص ٢٠٥، ٢٠٦).","vol":"1","page":173},{"text":"الفرق بين الحكم والحاكم:\nالحكم أبلغ من الحاكم، من جهتين:\n«لا يستحق التسمية بحكم إلا من يحكم بالحق؛ لأنها صفة تعظيم في مدح، والحاكم جارية على الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق» (^١)؛ لذا قيد الله في القرآن اسمه الحاكم بالخيرية، فقال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، والإحكام، فقال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨].\nالحاكم يطلق على من يحكم بين الناس، قال الله تَعَالَى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أما الحكم فيطلق على المتخصص بذلك (^٢).\nاقتران اسمي الله (الحكيم والحَكَم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\n١ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم)، باسمه -﷿- (العزيز):\nورد اقتران اسمه الحكيم باسمه العزيز، في نحو ستة وأربعين موضعًا، قدم فيها العزيز على الحكيم، منها:\nقوله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الصف: ١]، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٧/ ٧٠).\n(^٢) ينظر: المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني (ص ٢٤٩).","vol":"1","page":174},{"text":"وجه الاقتران:\n«العزة: كمال القدرة، والحكمة: كمال العلم، وبهاتين الصفتين يقضي ما يشاء، ويأمر وينهى، ويثني، ويعاقب، فهاتان الصفتان: مصدر الخلق والأمر» (^١).\nلدلالة على «أن عزته تَعَالَى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تَعَالَى وحكمته مقرونان بالعز الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته؛ فإنها يعتريها الذل» (^٢).\nولعل سائلًا يسأل: ما سر تقديم اسم الله العزيز على الحكيم في جميع المواضع؟\nوقد أجاب عن هذا التساؤل ابن القيم -﵀- من أوجه ثلاثة:\nأن العزة: كمال القدرة، والحكمة: كمال العلم، فقدم وصف القدرة؛ لأن متعلقه أقرب إلى مشاهدة الخلق؛ وهو مفعولاته تَعَالَى وآياته، وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار- غالبًا- فكانت متأخرة عن متعلق القدرة.\nأن النظر في الحكمة يكون بعد النظر في المفعول والعلم به، فإذا نظر في المفعول انتقل بعد ذلك للنظر فيما أودع فيه من الحكم والمعاني.\n_________\n(^١) الجواب الكافي، لابن القيم (ص ١١٦).\n(^٢) القواعد المثلى، لابن عثيمين (ص ٨).","vol":"1","page":175},{"text":"أن الحكمة غاية الفعل، فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها؛ فالقدرة تتعلق بإيجاده، والحكمة تتعلق بغايته؛ فقدم الوسيلة على الغاية؛ لأنها أسبق في الترتيب الخارجي (^١).\n٢ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه -﷿- (الخبير):\nورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الخبير في أربع آيات من القرآن، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١].\nوجه الاقتران:\nقال ابن القيم -﵀- عن وجه اقتران هذين الاسمين الجليلين، أنهما دالَّان: «على كمال الإرادة، وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة، وعلى كمال العلم، وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات، فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بالخبرة، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم؛ فالمراد ظاهر، والحكمة باطنة، والعلم ظاهر والخبرة باطنة، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفًا عن الخبرة، فالخبرة باطن العلم وكماله، والحكمة باطن الإرادة وكمالها» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ٦٨).\n(^٢) بدائع الفوائد (١/ ٧٩).","vol":"1","page":176},{"text":"٣ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (العلي):\nورد اقتران اسم الله الحكيم باسمه العلي في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].\nقال ابن عاشور -﵀-: «العلو في صفة (العلي) علو عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية التي لم تحظ من جانب القدسية بالتصفية، فما كان لها أن تتلقى من الله مراده مباشرة، فاقتضى علوه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى بعض … وأما وصف (الحكيم)؛ فلأن معناه: المتقن للصنع، العالم بدقائقه وما خطابه البشر إلا لحكمة إصلاحهم ونظام عالمهم، وما وقوعه على تلك الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقي خطابه، ووعيه دون اختلال فيه، ولا خروج عن طاقة المتلقين» (^١).\n٤ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (التواب):\nتقدم بيانه في اسم الله التواب.\n٥ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الحميد):\nورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الحميد في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\nقال السعدي -﵀-: «﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه، وينزله منازله، ﴿حَمِيدٍ﴾ على ما له من صفات الكمال ونعوت\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٥/ ١٥٠).","vol":"1","page":177},{"text":"الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال؛ فلهذا كان كتابه مشتملًا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها» (^١).\n٦ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الواسع):\nورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الواسع في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠].\nقال السعدي -﵀-: «﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] أي: كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه حيث وصل إليه علمه، وكان مع ذلك ﴿حَكِيمًا﴾ أي: يعطي بحكمته ويمنع لحكمته؛ فإذا اقتضت حكمته منع بعض عبده من إحسانه بسبب في العبد لا يستحق معه الإحسان، حرمه عدلًا وحكمة» (^٢).\n٧ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (العليم):\nاقترن اسمه الحكيم باسمه العليم في نحو سبعة وثلاثين موضعًا، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٧٥٠).\n(^٢) المرجع السابق (ص ٢٠٧).","vol":"1","page":178},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «العلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال، فالعلم يتضمن الحياة ولوازم كمالها من: القيومية والقدرة، والبقاء، والسمع، والبصر، وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام.\nوالحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل، والرحمة، والإحسان، والجود، والبر، ووضع الأشياء مواضعها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال الرسل، وإثبات الثواب والعقاب» (^١).\nوقال: «خلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره، فمصدر الخلق والأمر عن هذين المتضمنين لهاتين الصفتين؛ ولهذا يقرن سُبْحَانَهُ بينهما عند ذكر إنزال كتابه، وعند ذكر ملكه وربوبيته؛ إذ هما مصدر الخلق والأمر» (^٢).\nويلاحظ أن الله -﷿- تارة يقدم اسمه العليم على الحكيم، وتارة عكس ذلك.\nفإن سأل سائل: ما السر في ذلك؟\nأجيب: بأن الآيات التي تقدم فيها العليم على الحكيم منوطة بمقام العلم أولًا، ثم بالحكمة: «ففي مقام الاعتراف بالعجز وقصور العلم يقابله- ولا بد- الإقرار والتسليم للعليم؛ فإذا كان (العليم) هو (الحكيم) فذلك هو العلم البالغ حد الكمال، فيكون الاعتراف مصحوبًا بغاية الرضا والتسليم، كما في قوله تَعَالَى عن الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].\n_________\n(^١) الرسالة التبوكية (ص ٦٩).\n(^٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٤/ ١٥٦٤).","vol":"1","page":179},{"text":"وفي مقام ارتباط الصبر وانتظار الفرج باسم (العليم) ارتباط قوي، وذلك أن العبد إذا كان عظيم الإيمان، عميق الصلة بربه، واستلبث عليه الفرج لم يتزعزع يقينه؛ لأنه معتمد على علم الله -﷿- في اختيار الزمان الأنسب لما يرجوه من الفرج، معول على حكمته في تهيئة الأسباب له؛ ليقع على أحسن ما يكون، كما في قوله تَعَالَى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣].\nومثل ذلك يقال في مقام التواضع والتحدث بنعمة الله وفضله؛ لأن قوامه أحداث ترجع إلى علم ﴿العليم﴾ وحكمة ﴿الحكيم﴾، كما في قوله تَعَالَى عند يوسف -﵇-: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].\nأما مقام التشريع وإقرار الحكم فالأمر فيه راجع إلى العلم الشامل أولًا؛ لأن العلم هو أساس بناء الأحكام، ثم تأتي الحكمة لتنزل الحكم على الواقع، كما في قوله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].\nأما المقامات التي يتقدم فيها اسم (الحكيم) على اسم (العليم)، فهي منوطة بمقام التوحيد، كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣].\nومقام إجراء المعجزات، كما في قوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠]؛ وذلك أن مضمون الألوهية في مقام التوحيد قهر وقوة وغلبة، يقابلها من العباد طاعة وعبادة وخضوع، فتقديم","vol":"1","page":180},{"text":"الحكمة في هذا المقام- والله أعلم- ليعلم أن ألوهيته -﷿- السارية على من في السماوات والأرض مسارها الحكمة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-140>الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الحكيم، الحَكَم):</span>\n<span data-type='title' id=toc-141>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الحكم، الحكيم) من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nالله سُبْحَانَهُ الحكم الحكيم الذي كمل في حكمه، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، وكمل في حكمته، قال سُبْحَانَهُ: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].\nأ- فأما كمال حكمه:\nفهو الحكيم الذي يحكم في الدارين بالحكم الكوني القدري، والحكم الديني الشرعي، والحكم الجزائي، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] (^٢).\nالحكم الكوني القدري:\nالله سُبْحَانَهُ الحاكم في خلقه على وفق ما قضاء وقدر؛ فإنه -﵎- كتب مقادير كل شيء:\n- كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين\n_________\n(^١) ينظر: مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام، لنجلاء كردي (ص ٥٥٦).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ٦٢٢).","vol":"1","page":181},{"text":"ألف سنة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَةٍ» (^١).\n- وكتب عند خلق الجنين؛ فعن ابن مسعود -﵁-، قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ ينْفَخُ فِيهِ الرُّوح، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^٢).\n- وكتب ويكتب في ليلة القدر كل ما يكون في السنة، كما قال تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤، ٥] (^٣).\nفيجري الله سُبْحَانَهُ على العباد من الأحكام والأقدار والإيجاد والإعداد والإحياء والإماتة وغير ذلك، على مقتضى قضائه وقدره، لا يخرج شيء عنه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٠٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٤٣).\n(^٣) ينظر: شرح الطحاوية، لابن أبي العز (ص ٢٤٣ - ٢٤٤)، شرح الطحاوية، لصالح آل الشيخ (ص ٢٥٣).","vol":"1","page":182},{"text":"الحكم الديني الشرعي:\nالله سُبْحَانَهُ الحاكم في خلقه بدينه وشرعه، أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، وأمر الخلق أن يسيروا وفق حكمه في عقائدهم وأخلاقهم، وأقوالهم وأفعالهم، وظاهرهم وباطنهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨، ى ١٩]، وقال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠].\nولم يجعل لأحد من خلقه أن يحكم في شرعه، بل الحكم له وحده، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٥٩، ٦٠].\nالحكم الجزائي:\nالله سُبْحَانَهُ الحاكم بالجزاء على الأعمال خيرها وشرها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].\nفـ «إذا استمررتم على تكذيبكم، فاعلموا أن العذاب واقع بكم لا محالة، وهو عند الله، هو الذي ينزله عليكم، إذا شاء، وكيف شاء، وإن استعجلتم به،","vol":"1","page":183},{"text":"فليس بيدي من الأمر شيء ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فكما أنه هو الذي حكم بالحكم الشرعي، فأمر ونهى، فإنه سيحكم بالحكم الجزائي، فيثيب ويعاقب، بحسب ما تقتضيه حكمته» (^١).\nوأعظم ما يكون حكمه الجزائي وضوحًا وظهورًا: يوم الدين، قال تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١١، ١٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢] فيتولى سُبْحَانَهُ الحكم في عباده فيثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على الشرور والسيئات جزاء وفاقًا (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾\n[الأنعام: ١٢٨].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٢٥٨).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص ٢٥٩).","vol":"1","page":184},{"text":"وأحكامه الثلاثة كلها قائمة على العدل والقسط ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦].\n- قال السعدي -﵀-: «أي: على عدل وقسط وحكمة وحمد في قضائه وقدره، وفي شرعه وأمره، وفي جزائه وثوابه وعقابه، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم التي يحمد ويثنى عليه بها - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]-» (^١).\nكما أن أحكامه الثلاثة نافذة لا محالة، يحكم بما يشاء، ويقضي بما يريد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، فيقع حكمه كما شاء ولو عدمت الأسباب، حكم لإبراهيم -﵇- ولزوجه سارة بالولد، مع ما هم فيه من الكبر والعقم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٩، ٣٠]، وكذا زكريا -﵇-: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٣٩، ٤٠]، وحكم لمريم بالولد من غير ما زوج، قال تَعَالَى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢٠، ٢١] لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، ولا معقب له ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٣٨٤).","vol":"1","page":185},{"text":"﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] كمل وحسن حكمه، فلا خلل ولا إخلال ولا جور ولا حيف؛ فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يتعقبه متعقب، ولا يقدح فيه قادح (^١).\nب- وأما كمال حكمته:\nفهو الحكيم الذي وسعت حكمته كل شيء، فلا يخلق ولا يأمر أمرًا كونيًّا ولا شرعيًّا إلا لحكمة بالغة ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئًا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمةُ: وضع الشيء في موضعه اللائق به» (^٢).\nفتبين من هذا أن حكمته سُبْحَانَهُ ثلاثة أنواع:\nالأول: حكمته سُبْحَانَهُ في خلقه وصنعه.\nالثاني: حكمته في قضائه وقدره.\nالثالث: حكمته سُبْحَانَهُ في دينه وشرعه.\nحكمته سُبْحَانَهُ في خلقه وصنعه:\nالله سُبْحَانَهُ الحكيم في خلقه، خلق خلقه جميعًا لحكمة، لا عبثًا ولا سدى، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص ٤٢٠، ٥٢١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٤٩).","vol":"1","page":186},{"text":"إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦، ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «خلق الخلق بالحق، ومشتملًا على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته، وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللًا، ولا نقصًا، ولا فطورًا، فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن أو ما يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن، والانتظام، والإتقان لم يقدروا، وأنى لهم القدرة على شيء من ذلك!\nوحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيرًا من حِكَمِه، ويطلعوا على بعض ما فيها من الحسن والإتقان، وهذا أمر معلوم قطعًا بما يعلم من عظمته، وكمال صفاته، وتتبع حكمه في الخلق، والأمر.\nوقد تحدى عباده، وأمرهم أن ينظروا، ويكرروا النظر، والتأمل هل يجدون في خلقه خللًا أو نقصًا، وأنه لا بد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شيء من مخلوقاته» (^١).\nحكمته في قضائه وقدره:\nيحكم الله سُبْحَانَهُ في عباده بقضائه وقدره على وفق ما تقتضيه حكمته، فلا يصدر حكم عار عن حكمه ولا قضاء من غير علة، قال تَعَالَى\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين (ص ٥١ - ٥٢).","vol":"1","page":187},{"text":"عن ليلة القدر: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾\n[الدخان: ٤، ٥].\nفيهدي من يشاء ويضل من يشاء لحكمة، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] قال ابن كثير -﵀-: «أي: في هدايته تَعَالَى لمن هداه، وإضلاله لمن أضله» (^١).\nويتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة، قال تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، وقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] (^٢).\nويعطي ويمنع ويغني ويفقر لحكمة تامة، قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٧٥).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ١٧٥).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص ٣٣٣).","vol":"1","page":188},{"text":"ويجعل لكل شيء قدرًا، ولكل أمر منتهى، بحسب ما تقتضيه حكمته الربانية: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] (^١).\nحكمته سُبْحَانَهُ في دينه وشرعه:\nيحكم الله سُبْحَانَهُ في عباده بشرعه أمرًا ونهيًا، وتحليلًا وتحريمًا لحكمة ومصلحة عائدة على العباد في الدارين، قال تَعَالَى في آيات الأحكام: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨].\nاقتضت حكمته سُبْحَانَهُ أن لا يترك عباده هملًا ولا سدى، بل يبعث فيهم الرسل وينزل الكتب، فيأمرهم وينهاهم، قال تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤] (^٢).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «شرع الشرائع، وأنزل الكتب وأرسل الرسل ليعرفه العباد، ويعبدوه، فأي حكمة أجلُّ من هذا، وأي فضل، وكرم أعظم من هذا؛ فإن معرفته تَعَالَى، وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص ٤٠٤).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص ٦٠١، ٨٦٢).","vol":"1","page":189},{"text":"له وحده، وشكره، والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق، وأَجَلُّ الفضائل لمن مَنَّ الله عليه بها، وأكمل سعادة، وسرورًا للقلوب، والأرواح، كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية، والنعيم الدائم.\nفلو لم يكن في أمره، وشرعه إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات، وأكمل اللذات، ولأجلها خلقت الخليقة، وحق الجزاء، وخلقت الجنة، والنار؛ لكانت كافية شافية.\nهذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير، فأخباره تملأ القلوب علمًا، ويقينًا، وإيمانًا، وعقائد صحيحة تستقيم بها القلوب، ويزول انحرافها، وتثمر كل خلق جميل، وعمل صالح، وهدى، ورشد، وأوامره ونواهيه محتوية على عناية الحكمة، والصلاح والإصلاح للدين والدنيا؛ فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مضرته خالصة أو راجحة» (^١).\nوقد أكد سُبْحَانَهُ هذا المعنى عند ذكره لبعض الأحكام، منها:\nالزكاة ومصارفها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].\nالطلاق وأحكامه، قال تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين (ص ٥١ - ٥٢).","vol":"1","page":190},{"text":"عدة المتوفى عنها زوجها وأحكامها، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠].\nالحدود وأحكامها، قال تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].\nالمواريث وأحكامها، قال تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].\nفسبحان من بحكمته خلق الخلق، وابتدأه بالحكمة، وجعل غايته والمقصود منه الحكمة، وسبحان من بالحكمة أوجد الأمر والنهي في قضائه وشرعه، وكانت غايته المقصودة: الحكمة (^١)، وسبحان من لحكمته وعزته سبح من في السموات والأرض بحمده، قال تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]، وقال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١] (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٦٥١).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص ٨٤٩).","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>الأثر الثاني: دلالة اسمي الله (الحكم، الحكيم) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد في اسمي الله (الحكم، والحكيم) وما يتضمنهما من كمال الحكم الصادر عن ملك مطلق، وعلم تام، وخبرة كاملة، وحكمة عظيمة، وعدل لا جور معه، ورحمة بلغت أن كانت أرحم من الوالدة بولدها، بل صدرت ممن له الكمال المطلق الذي لا شيء يقربه ولا يماثله لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (^١) فلا نقص في حكمه ولا عيب ولا خلل ولا إخلال، ولو فرضت العقول وقدرت أكمل ما يكون من الأحكام لكان حكمُه أجلَّ وأعظمَ.\nإذا تأمل العبد ذلك كله؛ ساقه لتوحيد الحاكم الحكيم في الحكم، فانقاد لحكمه، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقال كما قال -ﷺ-: «وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ» (^٢) ولم يرض حاكمًا سواه، ولا حكمًا غير حكمه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، «أحاكم إليه، وأتقيد بأوامره ونواهيه؛ فإن غير الله محكوم عليه لا حاكم، وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص، والعيب، والجور» (^٣).\nوقد قرر سُبْحَانَهُ أن الحكم كله له وحده لا شريك له، في مواضع عدة من كتابه بأساليب مختلفة، منها:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١)، تفسير السعدي (ص ٧٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩) عن ابن عباس -﵄-.\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٢٧٠).","vol":"1","page":192},{"text":"بيان اختصاصه بالحكم، قال تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].\nبيان كمال حكمه، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨].\nالأمر برد الحكم إليه ولرسوله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠].\nالأمر بتحكيم كتابه، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].\nنفي أن يكون له شريك في الحكم، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦].\nالإنكار والتشنيع على من اتخذ حكمًا غير حكمه، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ","vol":"1","page":193},{"text":"ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\nقال العلامة ابن كثير -﵀-: «ينكر تَعَالَى على من خرج عن حكم الله- المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر- وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية» (^١).\nالتحذير من الحكم بغير ما أنزل، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠]، فحذر من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير والصغير والكبير، وبيَّن أن التولي عن حكمه وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم.\nفتبين مما سبق: أن توحيد الله سُبْحَانَهُ في الحكم، وتحكيم شرعه واجب وفرض متعين على الفرد، والمجتمع، ومن لم ير الكفاية في شرع الله تَعَالَى فأعرض عنه أو بدله بغيره ولو في بعضه؛ فإن هذا العمل شرك في الطاعة والاتباع، وشرك في توحيد الربوبية أيضًا؛ لأن من خصائصها السيادة، والحكم والتشريع، وكلها حق لله تَعَالَى لا يجوز صرفها لغيره سُبْحَانَهُ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).\n(^٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ٢٧٦، وما بعدها)، والقول المفيد شرح كتاب التوحيد، لابن العثيمين (٢/ ١٤٩، وما بعدها).","vol":"1","page":194},{"text":"ومن تأمل في وحدانية الله بالحكم المشتمل على الحكمة؛ دله ذلك على نوع آخر من التوحيد، ألا وهو توحيد الألوهية، فعلم أن من بيده الحكم وإليه الأمر والشرع هو المستحق وحده أن يفرد بالعبادة؛ فإن كل من دونه محكوم عليه لا حاكم، ليس له من الأمر شيء، قال تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] (^١)، وقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: ٢٧].\nودله- أيضًا- على توحيد الأسماء والصفات، فعلم أن من له الحكم لا بد أن يكون سميعًا بصيرًا عليمًا خبيرًا متكلمًا قادرًا مدبرًا، إلى غير ذلك من أسماء وصفات كماله سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]\n\n<span data-type='title' id=toc-143>الأثر الثالث: التدبر في كتاب الله الحكيم:</span>\nالقرآن كتاب الله المنزل من لدن حكيم خبير، قال تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، فإذا كان من عند الحكيم الخبير تكلم به وأنزله حكمًا وهدى ورحمة ونورًا وموعظة وذكرى للعالمين، فلا ريب أن يكون في غاية الإحكام والاتقان، مشتملًا على الحكمة البالغة، والرحمة الواسعة،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٢٧٠).","vol":"1","page":195},{"text":"قال تَعَالَى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢]، وقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [فصلت: ١] فأتقن وأحسن ونظم نظما محكما لا يلحقه تناقض ولا خلل ولا نقص ولا باطل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\nوإحكام الكتاب له أوجه عدة، منها:\nأن آياته جاءت بأجل الألفاظ وأفصحها، وأبينها وأدقها دلالة.\nأن كل كلمة وكل عبارة مقصودة، وكل معنى فيها وكل توجيه مطلوب، وكل إيماءة وكل إشارة ذات هدف معلوم؛ فلا حشو فيه ولا زيادة.\nأن آياته محفوظة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، والتحريف.\nأن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة، والأمور الغيبية كلها، مطابقة للواقع، مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية، ولم يخبر بخلافها نبي من الأنبياء، ولم يأت ولن يأتي علم محسوس ولا معقول صحيح يناقض ما دلت عليه.\nأنه حكيم في هدايته وأمره ونهيه؛ فآياته جاءت موافقة للحكمة، فما أمر بشيء إلا وهو خالص المصلحة، أو راجحها، وما نهى عن شيء إلا وهو خالص المفسدة أو راجحها، وكثيرًا ما يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها.\nأن آياته جمعت بين الترغيب والترهيب، والوعظ البليغ، الذي تعتدل به النفوس الخيرة، وتحتكم، فتعمل بالحزم.","vol":"1","page":196},{"text":"أن آياته المتكررة، كالقصص، والأحكام ونحوها، قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض، ولا اختلاف.\nأن آياته لا ناسخ لها من غيرها، قال ابن عباس -﵄-: «لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل» (^١).\nفعلى العبد أن يتدبر هذه الأوجه ويتأملها في كتاب ربه، ويعمل عقله فيه متفكرًا؛ حتى تنفتح له من أسراره وعجائبه ما يبهر عقله ويذهل لبه، فيجزم جزمًا لا مرية فيه أنه تنزيل من حكيم حميد (^٢).\nثم إذا تقرر إحكام الكتاب، فما معنى قوله -﵎-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]؟\nقال ابن كثير -﵀-: «يخبر تَعَالَى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.\nوقد اختلفوا في المحكم والمتشابه: فروي عن السلف عبارات كثيرة … وأحسن ما قيل فيه: الذي قدمناه، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٩/ ٢).\n(^٢) ينظر: تفسير القرطبي (٩/ ٢)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٣)، وتفسير السعدي (ص ٦٤٦، ٦٩٢).","vol":"1","page":197},{"text":"بن يسار -﵀- حيث قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.\nقال: والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>الأثر الرابع: التأمل في إحكام الحكيم لخلقه:</span>\nإذا عرف العبد اسم الله (الحكم- الحكيم) وما فيهما من حكمة تقتضي إحسان الخلق واتقانه وإحكامه؛ سعى في التأمل في خلق الله ومشاهدة عجيب صنعه، مستشعرًا قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].\nفإذا نظر وتأمل وجد خلقًا عجيبًا وصنعًا بديعًا لا ثغرة ولا خلة، ولا نقص، ولا تفاوت ولا نسيان.\nالصغير والكبير، والجليل والحقير، كل شيء خُلق بحكمة، فوُضع في موضعه الذي لا يليق به سواه، وخُص من الصفات والإشكال والهيئات والمقادير ما يناسبه، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٦ - ٧).","vol":"1","page":198},{"text":"خلق السماء بحكمة فتناسبت من كل وجه، في لونها وهيئتها وارتفاعها، وما فيها من القمر والشمس والكواكب النيرات الثوابت منهن والسيارات، فكمل حسنها، وانتفى عنها النقص والعيب، حتى أمر الله بتكرار النظر إليها والتأمل في أرجائها، قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣] عاجزًا عن أن يرى خللًا أو فطورًا، ولو حرص غاية الحرص (^١).\nوخلق الإنسان بحكمة، فبدأ خلقه من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل له السمع والأبصار والأفئدة، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].\nخلق الليل، والنهار، والبحار، والجبال، والأشجار وألوان الثمار إلى غير ذلك من مخلوقاته، كل ذلك بإحكام وإتقان يدهش العقول ويحير الألباب، فتبارك الله الحكيم الخبير.\nقال ابن القيم -﵀-: «ومن له نظر صحيح وفكر مستقيم وأعطى التأمل حقه؛ شهد بذلك فيما رآه وعلمه، واستدل بما شاهده على ما خفي عنه؛ فإن الكل صنع الحكيم العليم، ويكفي في هذا ما يعلمه من حكمة خلق\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٨٧٥).","vol":"1","page":199},{"text":"الحيوان وأعضائه وصفاته وهيئاته ومنافعه، واشتماله على الحكمة المطلوبة منه أتم اشتمال، وقد ندب سُبْحَانَهُ عباده إلى ذلك؛ فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] … إلى آخرها.\nوكذلك جميع ما يشاهد من مخلوقاته عاليها وسافلها، وما بين ذلك، إذا تأملها صحيح التأمل والنظر؛ وجدها مؤسسة على غاية الحكمة، مغشاة بالحكمة، فقرأ سطور الحكمة على صفحاتها، وينادي عليها هذا صنع العليم الحكيم، وتقدير العزيز العليم …\nومن نظر في هذا العالم وتأمل أمره حق التأمل علم قطعًا أن خالقه أتقنه وأحكمه غاية الإتقان والإحكام؛ فإنه إذا تأمله وجده كالبيت المبني المعد فيه جميع عتاده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والمنافع مخزونة كالذخائر، كل شيء منها لأمر يصلح له، والإنسان كالمالك المخول فيه، وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه، فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط، ومنها ما هو للركوب والحمولة فقط، ومنها ما هو للجمال والزينة، ومنها ما يجمع ذلك كله كالإبل، وجعل أجوافها خزائن لما هو شراب وغذاء ودواء وشفاء، ففيها عبرة للناظرين وآيات للمتوسمين، وفي الطير واختلاف أنواعها وإشكالها وألوانها ومقاديرها ومنافعها وأصواتها، صافات وقابضات وغاديات ورائحات ومقيمات وظاعنات؛ أعظم عبرة، وأبين دلالة على حكمة الخلاق العليم» (^١).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٤/ ١٥٦٦ - ١٥٦٧).","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>الأثر الخامس: محبة الله تَعَالَى الحكم الحكيم:</span>\nإذا تعرف العبد على اسم ربه الحكم الحكيم وشاهد آثارهما من إنزال الكتاب الحكيم الذي به يخرج العبد من الظلمات إلى النور ويهدى به الصراط المستقيم، وشهد الخلق البديع والصنع المتقن للكون حوله، وتسخير ذلك كله له ولبني جنسه؛ فطابت بذلك حياتهم ونعمت، وشهد حكمه البالغة في أقداره، والمصالح الكبرى في شرعه التي حفظ بها للإنسان دينه، ونفسه، وعقله، وماله، وعرضه، وكفل له بها الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة؛ ساق ذلك كله قلبه للتعلق به والتوجه له بالمحبة والذل.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>الأثر السادس: التعامل مع أحكام الحكيم بما يحب:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله (الحكم- الحكيم) وشهد آثارهما في خلقه وشرعه، تعامل مع أحكامهسُبْحَانَهُ بما يجب عليه تجاهها، وقد أوضح ذلك ابن القيم -﵀-، فقال:\n«الأحكام ثلاثة:\nالأول: حكم شرعي ديني: فهذا حقه أن يُتَلَقَّى بالمسالمة والتسليم، وترك المنازعة، بل الانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يعارَض بذوق ولا وجد، ولا سياسة، ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلًا ألبتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول، فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة إقرارًا وتصديقًا؛ بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له، إرادة وتنفيذًا وعملًا، فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم","vol":"1","page":201},{"text":"من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر.\nومن التسليم: عدم السؤال عن تفاصيل الحكمة؛ ولهذا لم يحك الله سُبْحَانَهُ عن أمة نبي صدقت نبيها، وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به، ونهاها عنه، وبلغها عن ربها، بل انقادت، وسلمت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها، وإيمانها، واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه من شأنها … بل يسلم لأمر الله وحكمته، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ورد الشرع بذكر حكمة الأمر، أو فقهها العقل، كانت زيادة في البصيرة والداعية في الامتثال، وإن لم تظهر له حكمته لم يوهن ذلك انقياده، ولم يقدح في امتثاله» (^١).\n«الحكم الثاني: الحكم الكوني القدري: الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن، ولا يسالم ألبتة، بل ينازع بالحكم الكوني- أيضًا- فينازع حكم الحق بالحق للحق فيدافع به وله، فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب -﵁- وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فقال: (نفر من قدر الله إلى قدر الله) (^٢).\nثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به، ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه، فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته، ودفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس، فقد\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٤/ ١٥٦٠ - ١٥٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٢٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢١٩).","vol":"1","page":202},{"text":"دفع قدر الله بقدره، وهكذا إذا وقع الحريق في داره فهو بقدر الله، فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان؟ بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفئ قدر الله بقدر الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله، هكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض، فحق هذا الحكم الكوني أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه، فإذا غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، ونازع الحكم بالحكم، وبهذا أُمِر، بل هذا حقيقة الشرع والقدر.\nالحكم الثالث: وهو الحكم القدري الكوني: الذي يجري على العبد بغير اختياره، ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته؛ فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر، وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة، فها هنا يحسن الاستسلام والمسالمة، مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة، وهي: أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله في قضائه، وحكمته في جريانه عليه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط، ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم (الحكيم) -ﷻ-، وصفته الحكمة، وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته","vol":"1","page":203},{"text":"وعلمه وملكه العادل، فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-147>الأثر السابع: الأسباب المعينة على الرضى بحكم الحكيم:</span>\nإذا تيقن العبد اسم ربه (الحكم- الحكيم) قاده ذلك لتسليم والرضى بالقضاء والقدر؛ لعلمه أن ما قدر عليه حكم الحكيم الذي هو أرحم به من نفسه، وأعلم بالعواقب منه، وأخبر بما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (^٢).\nوهنا جملة من الأمور تعين العبد على الرضى بالقضاء والقدر:\nالإيمان بالقضاء والقدر: كل ما زاد إيمان العبد ويقينه بقضاء الله وقدره زاده ذلك رضى وتسليمًا؛ فإذا تيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنا ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكل لم يخرج عن كتاب الله الذي كتب فيه المقادير، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقال -ﷺ- في حديث عبد الله بن عمرو -﵄-: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَةٍ» (^٣) اطمأنَّ قلبه وانشرح لحكم الله، فرضي به، وسلَّم، قال تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١].\n_________\n(^١) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٧ - ٣٨).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٣)، وتفسير السعدي (ص ٩٧).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٥٣).","vol":"1","page":204},{"text":"قال الطبري -﵀-: «ومن يصدق بالله فيعلم أنه لا أحد تصيبه مصيبة إلا بإذن الله بذلك يهد قلبه: يقول: يوفق الله قلبه بالتسليم لأمره والرضا بقضائه» (^١).\nوروى مسلم من حديث صهيب -﵁-، قال -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).\nاستشعار ما يترتب عليها من ثواب وتكفير للسيئات: جاء في النصوص ما يدل على عظيم الأجر لأصحاب البلاء، لا سيما إذا صبروا وسلموا لحكم الله، قال تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، وجاء في حديث جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يودُّ أهلُ العَافِيةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أهلُ البلاءِ الثوابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ» (^٣)، وقال -ﷺ-: «ما يُصيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُّهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (^٤)،\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٣/ ٤٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٠٢)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٩٤٥١)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨١٧٧).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٤١).","vol":"1","page":205},{"text":"وقال -ﷺ-: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (^١).\nمعرفة حقيقة الدنيا: فالعبد إذا تيقن أن الدنيا طبعت على كدر، والإنسان فيها كادح ومكابد، وأنها لا تصفو لأحد، ولو صفت لصفة للخليلين إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وأنها سجن المؤمن، كما قال -ﷺ-: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (^٢)، وأن المؤمن إذا مات استراح من نصبها وشدتها، كما روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري -﵁- أنه كان يحدث: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» (^٣)؛ قاده ذلك كله للتسليم والرضى.\nالدعاء: الثبات والتثبيت عند نزول المصاب هو من الله -﷿- وحده، فالمثبت من ثبته الله، والراضي من أرضاه الله، والصابر من صبره الله، قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال عن أم موسى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٤٧٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٩٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٨١٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥١٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٥٠).","vol":"1","page":206},{"text":"وحكى عن قوم طالوت سؤالهم الثبات، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]؛ فكانت العاقبة النصر: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ومن هنا كان الدعاء من أهم الأسباب المحصلة للرضى والتسليم، وقد علمنا رسول الله -ﷺ- سؤال الله الرضى بقوله: «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ» (^١).\nوالدعاء يكون وقاية ويكون علاجًا، ودعاء الوقاية يكون قبل وقوع المكروه، ومن ذلك: دعوة إبراهيم -﵇-: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقول أنس -﵁-: «كنت أخدم رسول الله -ﷺ-، وكنت كثيرًا ما أسمعه يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (^٢).\nوأما العلاج فيكون بعد الوقوع، ومنه: دعوة أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، ويونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وغيرهما من الأنبياء.\nالصلاة: إذا نزلت الأقدار والمصائب على العبد ثم توجه لصلاة؛\n_________\n(^١) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٤٢٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٦).","vol":"1","page":207},{"text":"نهته صلاته عن الاعتراض على أحكام الله والتسخط عليها، وأورثت قلبه الطمأنينة والسكينة، فقاده ذلك لتسليم والرضى، لذا أمر الله عباده أن يستعينوا بها على شؤونهم كلها، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وكان -ﷺ- إذا حزبه أمر فزع إليها (^١).\nالتفكُّر والتدبُّر:\nالتفكر في نعم الله على العبد، ومصائب الناس من حوله؛ قال -ﷺ-: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: عَلَيْكُمْ» (^٢).\nالتفكر في المصيبة، متأملًا ومستشعرًا قوله تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا\nشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nهذه الآية التي من تأملها وتدبرها ساقت قلبه للاطمئنان والسكون، فيرضى ويقنع، فلعل وراء المكروه خير، ولعل وراء المحبوب شر؛ فالإنسان لا يدري أين يكون الخير وأين يكون الشر!\nخرج المسلمون يوم بدر يطلبون عير قريش وتجارتها، ويرجون أن تكون الفئة التي وعدهم الله إياها هي فئة العير والتجارة، لا فئة الحامية المقاتلة من قريش، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ\n_________\n(^١) عن حذيفة، قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى»، أخرجه أبو داود رقم الحديث: (١٣١٩) حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٣١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٣) واللفظ له.","vol":"1","page":208},{"text":"أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧]، لكن الله جعل القافلة تفلت، ولقاهم المقاتلة من قريش، فكان النصر الذي دوى في الجزيرة العربية ورفع راية الإسلام، فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الذي أراده الله للمسلمين؟ وأين يكون اختيار المسلمين لأنفسهم من اختيار الله لهم؟ والله يعلم والناس لا يعلمون! ولقد نسي فتى موسى ما كانا قد أعداه لطعامهما- وهو الحوت- فتسرب في البحر عند الصخرة ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٢ - ٦٤]، وكان هذا هو الذي خرج له موسى، ولو لم يقع حادث الحوت ما ارتدَّا، ولفاتهما ما خرجا لأجله في الرحلة كلها!\nوكل إنسان- في تجاربه الخاصة- يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم، وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته، ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذًا من الله أن فوَّت عليه هذا المطلوب في حينه.\nوكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثًا يكاد يتقطع لفظاعتها، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل، إن الإنسان لا يعلم، والله وحده يعلم.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>الأثر الثامن: الحكم بما أنزل الحكيم:</span>\nإذا علم العبد أن ربه الحكم الحكيم، الذي من رحمته وحكمته أن جعل التحاكم بين العباد بشرعه ووحيه؛ لأنه المنزه عما يصيب البشر من الضعف والهوى والعجز والجهل؛ سعى لتحكيم شرعه في نفسه وحياته كلها، لسان حاله ومقاله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].\nوتحكيم شرع الله يعني: إعمال شريعة الإسلام في كل ما يتعلق بأمر الفرد والمجتمع والدولة، من معاملات وجنايات وعلاقات دولية وتجارية وشخصية.\nفيشمل ذلك:\n١ - تطبيق شريعة الإسلام في كل ما يتعلق بأمور البلاد والعباد.\n٢ - سياسة الناس والقضاء بينهم وتدبير أمورهم؛ طبقًا للأحكام الشرعية، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-149>الأثر التاسع: عدم التسمي باسم الحكيم:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو الحكم الحق الذي لا يليق أن يوصف غيره بهذا الاسم؛ فعن هانئ بن يزيد -﵁-، أنه لما وفد إلى رسول الله -ﷺ- مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله -ﷺ-، فقال: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ","vol":"1","page":210},{"text":"أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللهِ. قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (^١)، فغيَّر رسول الله -ﷺ- كنيته (أبا الحكم)؛ كراهية لتكنيه بهذا الاسم والتسمي به (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: «غيره النبي -ﷺ- لأمرين: الأول: أن الحكم هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم! كأنه قيل: يا أبا الله!\nالثاني: أن هذا الاسم، الذي جعل كنية لهذا الرجل، لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحكم؛ فصار بذلك مطابقًا لاسم الله، وليس لمجرد العلمية المحضة، بل للعلمية المتضمنة للمعنى، وبهذا يكون مشاركًا لله -﵎- في ذلك، ولهذا كناه النبي -ﷺ- بما ينبغي أن يكنى به» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-150>الأثر العاشر: السعي للاتصاف بالحكمة:</span>\nالحكمة من أفضل الهبات والعطايا، وصاحبها أوتي خيرًا كثيرًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]؛ لأنه خرج بها من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى، ومن حمق الانحراف في الأقوال والأفعال، إلى إصابة الصواب فيها، وحصول السداد، ولأنه كمل نفسه بهذا الخير العظيم، واستعد لنفع الخلق أعظم نفع، في دينهم ودنياهم،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٩٥٥)، والنسائي، رقم الحديث: (٥٤٠٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٥٣٨٧).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٦٣).","vol":"1","page":211},{"text":"ولأن جميع الأمور لا تصلح ولا تستقيم إلا بالحكمة، التي هي: وضع الأشياء في مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام (^١).\nفعلى المسلم أن يسعى لتحصيلها وتحقيقها في نفسه، متخذًا الأسباب التي أقامها الله، وجعلها أسبابًا لنيل هذا الخير العظيم، وقد تناولها الملحق الآتي، ما يعين على ذلك- بإذن الله-.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٩٥٧).","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>«حكيم يحب الحكماء»</span>\nسنتطرق في موضوع الحكمة لعدة مسائل، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-152>أولًا: تعريف الحكمة:</span>\nيقول ابن القيم -﵀-: «الحكمة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>ثانيًا: منزلة الحكمة وفضلها:</span>\nالحكمة من الخصال الحميدة والأخلاق الكريمة التي رفع الشارع منزلتها وأعلى من شأنها وبين فضيلتها، ومن ذلك:\nأن الله قرن الخير الكثير بها، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].\nأن الله امتنَّ بها على عبده الفاضل لقمان وأمره بشكره عليها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].\nأن النبي -ﷺ- شرع تمنيها والغبطة عليها، قال -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى [١/ ٢٦] هَلَكَتِهِ فِي\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٤٤٩).","vol":"1","page":213},{"text":"الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (^١).\nقال ابن حجر -﵀-: «وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره، من غير أن يزول عنه … فكأنه قال في الحديث: لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين» (^٢).\nأن النبي -ﷺ- دعا بها لابن عباس -﵄-، فقال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ» (^٣)، ومعلوم أن النبي -ﷺ- لا يختار من الدعاء إلا أفضله.\nأن الله جعلها أول مراتب الدعوة إليه، فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-154>ثالثًا: وسائل تحقيق الحكمة </span>(^٤):\nالحكمة من الصفات الفطرية التي يمنُّ بها الحكيم على من يشاء من عباده، إلا أنه سُبْحَانَهُ من رحمته وكرمه أقام أسبابًا تكتسب بها وتنمى، والتي منها:\nالدعاء: لأن الله -﷿- مسديها والممتن بها على من يشاء، قال تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٦).\n(^٢) فتح الباري، لابن حجر (١/ ١٦٧).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٧٥٦).\n(^٤) ينظر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والافتاء، مجلة البحوث الإسلامية.","vol":"1","page":214},{"text":"يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وقد دعاء رسول الله -ﷺ- بها لابن عباس -﵄-، فقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ».\nالعلم: وأساسه وأهمه: العلم بالكتاب والسنة؛ لذا جاء في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] بأن الحكمة: فهم القرآن والفقه فيه، وجاء في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] بأن الحكمة: السنة.\nثم سائر العلوم النافعة التي تثري الثقافة، وتزيد المعرفة، وتوسع الأفق، وتنمي الإدراك، وتطور الفكر.\nالبعد عن الذنوب والمعاصي: لأن الحكمة هبة من الله ونور منه، ونوره لا يهدى لعاص، إضافة إلى أن المعاصي تزيل النعم، وتجلب النقم، وتورث الذل وتفسد العقل، فلا يوفَّق صاحبها لا في أقواله ولا أفعاله.\nالصدقة: قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ\nوَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٦٧ - ٢٧٠] … الآيات.\nفيلاحظ أن الله أدخل الحكمة بين آيات الصدقة والإنفاق، وكأن الصدقة سبب من أسباب تحصيل الحكمة والإصابة في القول والعمل.","vol":"1","page":215},{"text":"الحلم: وهو: ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب.\nالأناة: وهي: التثبت والتروي والتبصر في الأمور، وعدم العجلة فيها.\nفمن رُزِق هاتين الصفتين كانتا سببًا من أسباب انضباط أفعاله وأقواله وحسن تدبيره، فتحصل بهما الحكمة.\nالصمت: فهو صفة من صفات الحكماء كما جاء عن السلف -﵏-:\nقال وهب بن منبه -﵀-: «أجمعت الاطباء على أن رأس الطب: الحمية، وأجمع الحكماء على أن رأس الحكمة: الصمت» (^١).\nوقال عمر بن عبد العزيز -﵁-: «إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت، ويهرب من الناس فاقتربوا منه، فإنه يلقي الحكمة» (^٢).\nقال وهيب بن الورد -﵀-: كان يقال: «الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس» (^٣).\nقال الربيع بن أنس -﵀-: «مكتوب في الحكمة: من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يدخل في مداخل السوء يتهم، ومن لا يملك لسانه يندم» (^٤).\nنسأل الله أن يرزقنا الحكمة؛ فإنه من يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا.\n_________\n(^١) الصمت، لابن أبي الدنيا (ص ٢٧٨).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>الحَليمُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-156>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «… والحلم بالكسر: الأناة، تقول منه: حلم الرجل بالضم، وتحلَّم: تكلف الحلم …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(حلم) الحاء واللام والميم، أصول ثلاثة: الأول ترك العجلة …\nفالأول: الحلم خلاف الطيش، يقال: حلمت عنه أحلم؛ فأنا حليم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>ورود اسم الله (الحليم) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم (الحَليم) إحدى عشرة مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\nقوله تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣].\nقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٩٠٣).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٩٣).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>ورود اسم الله (الحليم) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الحليم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن ابن عباس -﵄- قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو عند الكرب: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (^١).\nوعن علي -﵁-، قال: قال لي النبي -ﷺ-: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غُفِرَ لَكَ عَلَى أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَكَ؟ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-159>معنى اسم الله (الحليم) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]-: «يعني: أنه ذو أناة، لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم» (^٣).\nوقال - أيضًا -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]-: «إن الله كان حليمًا لا يعجل على خلقه الذين يخالفون أمره، ويكفرون به، ولولا ذلك لعاجل هؤلاء المشركين الذين يدعون معه الآلهة والأنداد بالعقوبة» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٨٠)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٣٠)، حكم الألباني: صحيح لغيره، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٦٨٨٩).\n(^٣) تفسير الطبري (٤/ ٢٨٦).\n(^٤) المرجع السابق (١٩/ ٦٠٧).","vol":"1","page":218},{"text":"قال الزجاج -﵀-: «الحليم هو الذي لا يعاجل بالعقوبة» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «الحليم: هو ذو الصفح، والأناة، الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص» (^٢).\nقال الحليمي -﵀-: «ومنها: الحليم، لأن معناه: الذي لا يحبس أنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكن يرزق العاصي كما يزرق المطيع وهو منهمك في معاصيه» (^٣).\nقال ابن الأثير -﵀-: «(الحليم) هو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقدارًا فهو منته إليه» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀-: «واسم (الحليم) من حلمه عن الجناة والعصاة، وعدم معاجلتهم» (^٥).\nقال ابن كثير -﵀-: «الحليم الذي يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم، فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]» (^٦).\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٤٥).\n(^٢) شأن الدعاء (١/ ٦٣).\n(^٣) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤).\n(^٥) مدارج السالكين (٣/ ٣٣١).\n(^٦) تفسير ابن كثير (٦/ ٥٥٧).","vol":"1","page":219},{"text":"قال الشيخ السعدي -﵀-: «الحليم الذي يدرُّ على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا» (^١).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوَهْوُ الحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ … بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ (^٢)\nاقتران اسم الله (الحليم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الحليم) باسم الله (العليم):\nاقترن اسم الله الحليم باسمه العليم في ثلاث آيات من كتاب الله، منها:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].\nوجه الاقتران:\nقال الإمام ابن القيم -﵀-: «ولهذا جاء اسمه (الحليم) في القرآن في أكثر من موضع، ولسعته يقرنه سُبْحَانَهُ باسم (العليم) كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] … فإن المخلوق يحلم عن جهل، ويعفو عن عجز، والرب تَعَالَى يحلم مع كمال علمه، ويعفو مع تمام قدرته، وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى اقتدار» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٩٤٨).\n(^٢) النونية (ص ٢٠٧).\n(^٣) عدة الصابرين (ص ٢٧٦).","vol":"1","page":220},{"text":"ثانيًا: اقتران اسم الله (الحليم) باسم الله (الغفور):\nاقترن اسم الله الحليم باسمه الغفور في ست آيات من كتاب الله، من وروده:\nقوله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].\nوجه الاقتران:\nقال ابن عاشور -﵀-: «وفي مناسبة اقتران وصف (الغفور) (بالحليم) هنا، دون (الرحيم)؛ لأن هذه مغفرة لذنب هو من قبيل التقصير في الأدب مع الله تَعَالَى؛ فلذلك وصف الله نفسه بالحليم؛ لأن الحليم هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه، ولا يغضب للفعلة، ويقبل المعذرة» (^١).\nثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الغني):\nاقترن اسم الله الحليم باسمه الغني في قوله تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]؛ لدلالة على أن حلمه ليس عن عجز أو فقر أو حاجة بل عن غنى تام، وقدرة كاملة.\nوجه الاقتران:\nقال ابن القيم -﵀- في بيان هذا الاقتران في الآية الكريمة: «أنه مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح، مع عطائه\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢/ ٣٨٤).","vol":"1","page":221},{"text":"الواسع وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره!» (^١).\nرابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الشكور):\nاقترن اسم الله الحليم باسمه الشكور في قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]\nوجه الاقتران:\nلدلالة على أنه يشكر لعبده طاعته وإحسانه، مع حلمه عليه إذا قصر في عبادة الله.\nخامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (العظيم):\nاقترن اسم الله الحليم باسمه العظيم في قوله -ﷺ- في دعاء الكرب: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، …» (^٢).\nوجه الاقتران:\nأن حلمه سُبْحَانَهُ عن قوة وعظمة، وليس عن عجز وحاجة.\nأن عظمته يزينها الحلم؛ لأن الغالب في عظماء البشر وملوكهم ضعف الحلم عندهم؛ لأنهم يغترون بعظمتهم، ويبطشون بمن خالفهم ولا يحلمون عليهم، فبين -﵎- أن عظمته مقرونة بحلمه.\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٣٦٧).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ١٥٣).","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحليم):</span>\n<span data-type='title' id=toc-161>الأثر الأول: اثبات ما يتضمنه اسم الله (الحليم) من صفاته تعالى:</span>\nالله سُبْحَانَهُ الحليم الذي له كمال الحلم وسعته، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣].\nفأما كمال حلمه:\nفهو الحليم العليم الذي صدر حلمه عن علم تام، فأحاط بكل شيء علمًا، لم يغب عنه معصية العاصي، ولا شرك المشرك، ولا كفر الكافر ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩].\nوهو الحليم العظيم الذي صدر حلمه عن عظمة وقوة وقدرة تامة، فلم يعجزه ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء «لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ» (^١).\nوهو الحليم الغني الذي صدر حلمه عن غنى، فلم يحتج ويفتقر إلى أحد كائن من كان ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] (^٢).\nوهو الحليم الحكيم الذي صدر حلمه عن حكمة كاملة لا سفه معها، يقدر الأمور ويضعها في مواضعها ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].\nوهو الحليم الغفور الشكور الذي صدر حلمه عن مغفرة وشكر، فيغفر الكثير من الزلل، ويقبل القليل من العمل، ويضاعفه بغير حساب، فيجعل\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":223},{"text":"القليل كثيرًا، والصغير كبيرًا ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].\nيرى عباده وهم يكفرون به، ويراهم وهم يبارزونه بالعصيان ليل نهار، وهو قادر على أن ينتقم منهم ويبادرهم بالعقاب، مع غناه عنهم وعدم حاجته إليهم، ومع ذلك كله يحلم بهم؛ لحكمة، فيؤخر وينظر ويؤجل، ولا يعاجلهم بالعقاب، لعلهم يرجعون وينيبون، فإذا رجعوا قبل توبتهم وغفر خطيئتهم وشكر لهم سعيهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\nقال الزجاجي -﵀-: «فالله -﷿- حليم عن عباده؛ لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم ويمهلهم بعد المعصية، ولا يعاجلهم بالعقوبة والانتقام، ويقبل توبتهم بعد ذلك» (^١).\nوهو الحليم الذي لا يقطع نعمته عمن غفل عنها وقصر في شكرها، بل لربما نسبها لغيره وشكره عليها، ونسي واهبها ومسديها، فيحلم عليه، ويمده منها.\nوهو الحليم الذي لا يمنع نعمته عمن عصاه، يواليهم بالنعم، ويغدق عليهم بالمنن مع معاصيهم وكثرة ذنوبهم، بل إن العاصي لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم الله عليه سمعًا وبصرًا ويدًا وقدمًا وصحة ومالًا ونحو ذلك، فيحلم به فلا يسلبها منه، ولا يحرمه منها، بل لربما زاده منها.\nقال الحليمي -﵀-: «الذي لا يحبس إحسانه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكن يرزق العاصي كما يرزق المطيع وهو منهمك في معاصيه، كما\n_________\n(^١) ينظر: اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص ٩٦).","vol":"1","page":224},{"text":"يبقي البر التقي وقد يقيه الآفات والبلايا وهو غافل لا يذكره، فضلًا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يسأله، وربما شغلته العبادة عن المسألة» (^١).\nبل من عظيم حلمه- جل في علاه- أن يعصي العاصي فيحلم به فيستره، ولا يفضحه، ويقيض له الأسباب لستره، ويكره منه أن يذيع معصيته ويشهر بها، حتى قال -ﷺ-: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (^٢).\nومن عظيم حلمه به: أن أمر عباده بستره وعدم فضحه، ورتب على ذلك الثواب العظيم، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).\nوهو الحليم الذي لولا حلمه لهلك العباد، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨].\nوهو الحليم الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، وأمسكهما من أن تزولا من كثرة ذنوب بني آدم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٢).","vol":"1","page":225},{"text":"وأما سعة حلمه:\nفهو الحليم الذي وسع حلمه كل شيء، حلم على من أشرك به وعبد غيره، وحلم على من كفر به وعادى أوليائه ورسله، وحلم على من حارب دينه وسعى في إطفاء نوره، حلم على من شتمه وكذبه، كما قال -ﷺ- فيما يرويه عن ربه -﷿-: «يَشْتُمَنِي وَتَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي» (^١) (^٢).\nوَسِعَ حلمُه من قال فيه قولًا تكاد السماوات والأرض تنفطر منه وتخر له الجبال هدًّا، أن دعوا للرحمن ولدًا، فصبر عليهم وأمهلهم وأنعم عليهم وعافاهم ورزقهم، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري -﵁-، عن النبي -ﷺ-: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدْعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (^٣).\nويدعوهم إلى بابه بخطاب في غاية اللطف واللين؛ ليتوبوا من هذا الذنب العظيم، فيجازيهم بالثواب الجزيل ويغفره لهم، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣، ٧٤] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣١٩٣).\n(^٢) ينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم (ص ٢٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٧٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٠٤).\n(^٤) ينظر: تفسير السعدي (ص ٤٥٩).","vol":"1","page":226},{"text":"وسع حلمُه فرعونَ مع شدة طغيانه وعتوه، وإفساده في الأرض، حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، فحلم عليه، فلم يعاجله بالعقاب، وأمر رسله بالرفق معه في القول، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقال: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨].\nووسع أصحابَ الأخدود، كفروا به وراودوا المؤمنين للرجوع عن دينهم ومتابعتهم على كفرهم، فامتنعوا، فشقوا الأخدود في الأرض وأججوا فيه النار، ثم فتنوا المؤمنين وعرضوهم على النار، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن امتنع قذفوه، وهذا في غاية المحاربة والمحادة لله وأوليائه، ومع ذلك كله حلم بهم ودعاهم للتوبة والرجوع، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] قال الحسن البصري -﵀-: «انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة» (^١).\nووسع حلمُه من استعجل عقابه ودعا بنزوله، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٢ - ٣٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٦، ١٧].\nوقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٦٦، ٢٧١)، وتفسير السعدي (ص ٩١٩).","vol":"1","page":227},{"text":"قال ابن كثير -﵀-: «يخبر تَعَالَى عن حلمه ولطفه بعباده: أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم- والحالة هذه-لطفًا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم وأولادهم بالخير والبركة والنماء؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] أي: لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك، لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك، كما جاء في الحديث: حدثنا جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^١) (^٢).\nفما أعظم حلمه، وما أوسع فضله، وما أجزل عطاءه ومننه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحليم) على التوحيد:</span>\nإذا علم العبد أن الله -ﷻ- له الكمال التام في أسمائه وصفاته الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، ومن ذلك: اسمه الحليم: فحلم لا عن جهل، بل عن علم تام، وحلم لا عن حاجة، بل عن غنى تام، وحلم لا عن عجز، بل عن قدرة تامة، حلم مع عظمته وجلاله، حلم فأمهل، وحلم فستر، وحلم فأنعم، وسع حلمه كل شيء؛ تيقن أنه لا شبيه له ولا يماثله شيء من مخلوقاته\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٥١).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠١٤).\n(^٣) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":228},{"text":"﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يستحق أن يشرك معه غيره ويعبد أحد سواه، بل هو الواحد الأحد جل في علاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>الأثر الثالث: محبة الله تَعَالَى الحليم:</span>\nإذا نظر العبد وتأمل في كثرة ذنوبه ومعاصيه، وكيف أن ربه الحليم ستره، فلم يفضحه، ولم يقطع عنه نعمه، فضلًا عن كونه لم يعاجله بالعقوبة، ثم التفت عن يمينه ويساره فوجد فلانًا قريبه على معصية، وصديقه فلانًا على معصية أخرى، والكل ينعَم بحلم الله، ولولا حلمه لهلك، وهلك أحبابه والناس أجمعون! قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]؛ قاده ذلك التأمل والنظر إلى محبته -﵎- حق المحبة وأعظمها.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>الأثر الرابع: عدم الاغترار بحلم الله:</span>\nإذا تيقن العبد معنى اسم الله (الحليم) وما فيه من كمال وسعة، فعليه أن يضم لهذا اليقين يقينًا آخر، فالله الحليم حسيب يحفظ عمل العبد ولا يخفى عليه شيء منه، والله الحليم قدير لا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته، بل الكل في قبضته، والله الحليم قوي عزيز لا يغلبه أحد ولا يمتنع عليه ممتنع، والله الحليم شديد العقاب، والله الحليم منتقم، والله الحليم بطشه شديد، يمهل ولا يهمل، فإذا أَخَذَ أَخَذَ أَخْذَ عزيزٍ مقتدرٍ، قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٣).","vol":"1","page":229},{"text":"حلم على قوم نوح وما هم فيه من الشرك والكفر به ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلم يزدهم حلمه وإمهاله لهم إلا عنادًا وطغيانًا، وقدحًا في نبيهم، فقالوا: مجنون، وزجروه وعنفوه أن دعاهم إلى الله، فلم يكفهم الكفر والتكذيب حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، فانتقم الحليم منهم، فقال: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١١ - ١٦] (^١).\nحلم على عاد وثمود على ما هم فيه من الشرك والكفر والطغيان، فأعطاهم من القوة وعظم الأجسام ما أعطاهم، والقدرة على البناء الشيء العجيب، وأرسل إليهم الرسل وأيدهم بالآيات والبراهين، فلما لم تنفع فيهم الآيات والعبر، ولم تُجْدِ شيئًا؛ انتقم الحليم منهم، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٤ - ٨].\nحلم على فرعون وقومه مع شدة بطشهم وطغيانهم، فأرسل إليهم موسى الكليم، وأيده بالآيات الباهرات، والمعجزات القاهرات وأشهدهم من العبر ما لم يشهد عليه أحدًا غيرهم، فلما كذبوا بآيات الله كلها، وبيتوا القضاء على موسى ومن معه؛ فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال تَعَالَى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٨٢٥).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص ٨٢٧).","vol":"1","page":230},{"text":"فالله حليم ولم يزل ولا يزال حليمًا، ولا يغضب إلا على من لا يستحق الرحمة ولا يصلح في حقه الحلم، وذلك بعد أن يعطيه المهلة والوقت الكافي؛ ليتوب ويهتدي، فإذا لم يرجع أخذه أخذ عزيز مقتدر.\nوقد يمهله- أيضًا- ويتأنى به ويرزقه ولا يعجله بعقوبة في الدنيا، لكن موعده الساعة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٣ - ٤٨].\nفإذا تيقن العبد سعة حلم الله تَعَالَى، وتيقن شدة عذابه، وجمع بين اليقينين، ولاحظ كلًّا منهما؛ سار على الصراط المستقيم، ولم يغتر بحلم الله عليه، وقام في قلبه المقامان العظيمان: مقام الخوف ومقام الرجاء اللذين جمع الله بينهما في كتابه، حتى لا يغفل غافل عن أحدهما، فيحصل الإفراط أو التفريط، قال تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] إلى غير ذلك من الآيات.\nوجمع بينهما رسول الله -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁-: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-165>الأثر الخامس: الحذر من الغفلة:</span>\nإذا علم العبد أن الله (حليم)، فليعلم أنه سُبْحَانَهُ يحلم ولا يعاجل بالعقوبة ليتوب العباد وينيبوا، لا لأن يغفلوا ويتمادوا في الكفر والعصيان كما هو مشاهد في كثير من الناس، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢].\nوالغفلة من أعظم أمراض القلوب وأخطرها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «الغفلة والهوى أصل الشر، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل- أي: الغفلة-» (^١).\nوقد حذر الله منها، ونوَّع الأساليب في ذلك مبالغةً في التحذير منها، ومن ذلك:\nذم الغافلين عن الآخرة، فقال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].\nقرن الغفلة بالتكذيب، قال تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].\nعاقب من أصيب بالغفلة الكاملة، بالختم على قلبه، وسمعه، وبصره، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ\n_________\n(^١) الحسنة والسيئة، لابن تيمية (ص ٦١).","vol":"1","page":232},{"text":"لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nعاقب صاحبها- أيضًا- بأن أغفله عن ذكره، وجعله متبعًا لهواه، فكان أمره ضائعًا معطلًا، قال تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].\nجعل الغفلة سببًا للهلاك في الدنيا، فقال في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٥، ١٣٦].\nبين أن أهل الغفلة يتحسرون يوم القيامة على غفلتهم عن الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦].\nجعل الغفلة سببًا لدخول النار- والعياذ بالله-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧، ٨].\nوللغفلة أسباب أوقعت كثيرًا من الناس فيها، منها:\nالجهل بالله تَعَالَى: بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وشرعه.\nمخالطة أهل الغفلة، قال تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ","vol":"1","page":233},{"text":"رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].\nترك صلاة الجماعة: فعن ابن عباس، وابن عمر -﵃-، أنهما سمعا النبي -ﷺ- يقول: «للَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجَمَاعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (^١).\nطول الأمل، قال تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].\nقلة ذكر الموت، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].\nعدم التدبر في آيات الله الكونية، قال تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].\nالحرص على الدنيا وملذاتها والاستكثار منها، قال تَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].\nالاشتغال بالملهيات التي حذر النبي -ﷺ- من الانغماس فيها، فعن ابن عباس -﵄-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٦٢٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٧٩٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٧٩٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٨٥٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٢٥٦)، والنسائي، رقم الحديث: (٤٣٢٠) حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٢٥٦).","vol":"1","page":234},{"text":"قال ابن حجر -﵀-: «هو محمول على من واظب على ذلك، حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها» (^١) فإذا كان هذا في الصيد الذي فيه من المنافع ما فيه من تقوية البدن والإعانة على جهاد الأعداء، فما بالك بما دونه؟!\nوكما أن للغفلة أسبابًا، فلها طرق علاج، منها:\nالعلم بالله وشرعه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].\nقال ابن كثير -﵀-: «لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى- كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر» (^٢).\nالتقوى، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].\nقراءة القرآن وتدبره، قال الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠].\nذكر الله تَعَالَى على كل حال، قال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٩/ ٦٦٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٥٤٤).","vol":"1","page":235},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «إنه- أي: الذكر- يورث جلاء القلب من صداه … وصدأ القلب: الغفلة والهوى، وجلاؤه: الذكر والتوبة والاستغفار» (^١).\nالمحافظة على الصلوات الخمس؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ حَافَظَ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ» (^٢).\nقيام الليل؛ فعن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ» (^٣).\nصيام التطوع، لا سيما عند غفلة الناس؛ فعن أسامة -﵁- قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ! قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (^٤).\nالدعاء بزوال الغفلة، ومنه: الاستعاذة بالله من مصدرها- الشيطان-، والاستعاذة بالله منها، لا سيما بما ورد عن رسول الله -ﷺ-، فعن أنس -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو، يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ\n_________\n(^١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة، رقم الحديث: (١١٤٢)، والحاكم رقم الحديث: (١١٦٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٦٥٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٣٩٨)، حكم الألباني، صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٣٩٨).\n(^٤) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (٢٣٥٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن النسائي رقم الحديث: (٢٣٥٧).","vol":"1","page":236},{"text":"الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَالْقَسْوَةِ وَالْغَفْلَةِ، وَالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْكُفْرِ، وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وَالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ وَالْبَكَمِ، وَالْجُنُونِ، وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ، وَسَيِّيءِ الْأَسْقَامِ» (^١).\nتدبر حال الدنيا وأن مصيرها ومصير ملذاتها إلى الفناء والزوال، قال الله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].\nتذكر الموت والبلى؛ فعن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً» (^٢)، وقال في حديث أبي هريرة -﵁-: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» (^٣) يعني: الموت.\n\n<span data-type='title' id=toc-166>الأثر السادس: اتصاف العبد بالحلم:</span>\nالله الحليم يحب أن يتصف عبده بصفة الحلم؛ لذا مدح أنبيائه به، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، وقال عن إسماعيل: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، وقال رسول الله -ﷺ- لأشج عبد القيس -﵁-: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (١٠٢٣)، والحاكم، رقم الحديث: (١٩٥٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٢٨٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٢٣٥)، والترمذي، رقم الحديث: (١٠٥٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٢٣٥).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٠٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٥٨)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٥٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧).","vol":"1","page":237},{"text":"فإذا علم العبد ذلك فعليه أن يجاهد نفسه على التخلق بهذه الخلة والخصلة الكريمة، فيحلم على من عصا أمره ومن خالفه، ويحلم على خدمه ومن تحت أمرته كما حلم الله عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].\nقال القرطبي -﵀-: «فمن الواجب على من عرف أن ربه حليم على من عصاه، أن يحلم هو على من خالف أمره، فذاك به أولى حتى يكون حليمًا، فينال من هذا الوصف بمقدار ما يكسر سورة غضبه، ويرفع الانتقام عمن أساء إليه، بل يتعود الصفح حتى يعود الحلم له سجية.\nوكما تحب أن يحلم عنك المالك، فاحلم أنت عمن تملك؛ لأنك متعبد بالحلم، مثاب عليه، قال الله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]». (^١)\nوفي الملحق التالي ما يعين -بإذن الله- على التخلق بخلق الحلم والاتصاف به.\n_________\n(^١) الأسنى، القرطبي (١/ ٩٧ - ٩٨).","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>«حليم يحب الحلماء»</span>\nفي موضوع الحلم سنتطرق للمسائل التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-168>أولًا: تعريف الحلم:</span>\nقال الجرجاني -﵀-: «الحلم هو الطمأنينة عند سورة الغضب، وقيل: تأخير مكافأة الظالم - أي: مجازاته على ظلمه-» (^١).\nوقال المناوي -﵀-: «الحلم هو احتمال الأعلى الأذى من الأدنى، أو رفع المؤاخذة عن مستحقها بالجناية في حق مستعظم، أو هو رزانة في البدن يقتضيها وفور العقل» (^٢) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>ثانيًا: فضائل الحلم:</span>\nالحلم من الصفات المحمودة التي رغب فيها الإسلام، وبيَّن فضلها في الكتاب والسنة، ومن هذه الفضائل:\nأن الحلم من صفات عباد الله الصالحين، قال الله تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]،\n_________\n(^١) التعريفات (ص ٩٢).\n(^٢) التوقيف على مهمات التعاريف (ص ١٤٦).\n(^٣) ينظر: نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، لابن حميد (٥/ ١٧٣٦).","vol":"1","page":239},{"text":"قال الحسن البصري -﵀-: «حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا» (^١).\nأن الحلم من الصفات التي يحبها الله؛ فعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله لأشج عبد القيس -﵁-: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ» (^٢)، وعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: «اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (^٣).\nأن الحلم سبب لإعانة الله للعبد؛ فعن أبي هريرة -﵁- «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ (^٤)، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (^٥).\nقال النووي -﵀-: «ومعناه: كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه، وقيل: معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم؛ لكثرة إحسانك\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ١٢٢).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٢٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٣)، واللفظ له.\n(^٤) تسفهم: من السف، أي: تذر الشيء عليهم.\nالمل: الرماد الحار. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٧٥)، شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٥).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٨).","vol":"1","page":240},{"text":"وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل، وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم» (^١).\nأن الحلم سبب لدفاع الملائكة عن صاحبه؛ فعن سعيد بن المسيب، أنه قال: «بينما رسول الله -ﷺ- جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر، فآذاه، فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثالثة، فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أوجدت علي يا رسول الله؟ فقال رسول الله -ﷺ-: نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ» (^٢).\nأن من أوتي الحلم- الذي من أعلى صوره وأجلها: العفو عن المسيء مع الإحسان إليه- أوتي حظًّا عظيمًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥].\nأن الحلم سبب لنيل الدرجات العلى والجزاء الأوفى في الأخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤] إلى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٩٦)، حكم الألباني: حسن لغيره، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٣٧٦).","vol":"1","page":241},{"text":"أن قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦].\nوقال النبي -ﷺ- في حديث معاذ بن أنس الجهني -﵁-: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللهُ -﵎- عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» (^١).\nأن الحلم من خلق الأنبياء -﵈-، قال تَعَالَى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال عن إسماعيل -﵇-: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ الحلم، وأنه يكون حليمًا، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح، فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]؟\nوقيل: لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم؛ وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت إبراهيم به في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؛ لأن الحادثة شهدت بحلمهما: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٨٧٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٧٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٢١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٨٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٦٥٢٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٣٢).","vol":"1","page":242},{"text":"وقال عن شعيب -﵇- حكاية لقول قومه له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، وقال عن رسول الله -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].\nومنه الحلم الذي نطقت به سيرته وشهدت به مواقفه -ﷺ-، ومن ذلك:\nما رواه أنس بن مالك -﵁- قال: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» (^١).\nما روته أم المؤمنين عائشة -﵂- «أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٨٠٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٧).","vol":"1","page":243},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^١).\nعن عائشة -﵂- قالت: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-170>ثالثًا: وسائل تعين على الاتصاف بصفة الحلم:</span>\nالحلم من الصفات الجبلية التي يمتن الله بها على بعض عباده، كما امتن بها على الأشج -﵁-؛ فقد قال له النبي -ﷺ-: «إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَمِ اللهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: بَلِ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ» (^٣).\nومع ذلك فالحلم من الصفات المكتسبة- أيضًا- لذا جاء في حديث أبي الدرداء -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٧٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٢٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٦٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٢٢٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٥٣١٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٢٢٥).\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم الحديث: (٢٦٦٣)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال، رقم الحديث: (٢٤٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٣٢٨).","vol":"1","page":244},{"text":"وهذا ذكر لبعض الوسائل التي تعين على هذا الخلق الكريم:\nتذكر كثرة حلم الله على العبد:\nقال أَبُو حاتم -﵀-: «الواجب على العاقل إذا غضب واحتد: أن يذكر كثرة حلم الله عنه، مع تواتر انتهاكه محارمه، وتعديه حرماته، ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي» (^١).\nتذكر الفضل والثواب المترتب على الحلم.\nاستشعار أن مقابلة المسيء بجنس عمله لا تفيد شيئًا، ولا تزيد العداوة إلا شدة، وبضد ذلك الحلم عليه والإحسان إليه فإنه يقلب العداوة مودة، كما قال أصدق القائلين: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (^٢).\nترويض النفس على الصبر والتخلق به؛ فقد بين الله -﷿- أن السبيل للعفو عن المسيء ومقابلة إساءته بالإحسان الذي هو من أعظم صور الحلم سبيله الصبر، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥] قال ابن عاشور -﵀-: «فالصابر مرتاض بتحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ، فيهون عليه ترك الانتقام» (^٣).\n_________\n(^١) روضة العقلاء، لابن حبان (ص ٢١٢).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ٧٤٩).\n(^٣) التحرير والتنوير (٢٤/ ٢٩٥).","vol":"1","page":245},{"text":"الابتعاد عن الغضب وأسبابه، ومعالجته إذا وقع؛ وذلك لأنه يدفع صاحبه إلى الحقد والانتقام ومقابلة السوء بالسوء، ويصعب معه الحلم، قال لقمان الحكيم: «ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا يعرف الشجاع إلا عند الحرب، ولا يعرف الأخ إلا عند الحاجة» (^١).\nوقد أرشد النبي -ﷺ- إلى ذلك، فأوصى بالابتعاد عنه، كما في حديث أبي هريرة -﵁-، أن رجلًا قال للنبي -ﷺ-: أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» (^٢).\nوبين الطرق العملية لمعالجته إذا وقع، فمنها:\nالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ فعن سليمان بن صرد -﵁-، قال: «كنت جالسًا مع النبي -ﷺ- ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي -ﷺ-: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ»، (^٣) وذلك لأن الغضب من نزغه (^٤).\nالوضوء؛ فعن عطية -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٥).\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ١٧٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٨٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦١٠).\n(^٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٦٣).\n(^٥) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٢٦٨)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٨٤)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٥١٠).","vol":"1","page":246},{"text":"السكوت؛ فعن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- أنه قال: «عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (^١).\nتغير الحال الذي يكون عليه؛ فعن أبي ذر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» (^٢). قال الخطابي -﵀-: «القائم متهيئ للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما، فيشبه أن يكون النبي -ﷺ- إنما أمره بالقعود والاضطجاع؛ لئلا يبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها في ما بعد» (^٣).\nاللهمَّ يا حليمُ يا غفورُ سبحانِكَ وبحمدِكَ، أسألُكَ حِلْمَكَ ومَغْفرَتَكَ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٦٨)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٢٤٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع، رقم الحديث: (٤٠٢٧).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٧٤٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٨٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٧٨٢).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ١٠٨).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>الحَميْدُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-172>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الحمد: نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل، أحمده حمدًا ومحمدة، فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر، والمحمد: الذي كثرت خصاله المحمودة» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(حمد) الحاء والميم والدال كلمة واحدة وأصل واحد، يدل على خلاف الذم، يقال: حمدت فلانًا أحمده، ورجل محمود ومحمد: إذا كثرت خصاله المحمودة غير المذمومة، ويقول العرب: حماداك أن تفعل كذا، أي: غايتك وفعلك المحمود منك غير المذموم، ويقال: أحمدت فلانًا، إذا وجدته محمودًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-173>ورود اسم الله (الحَمِيد) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم (الحَمِيد) سبع عشرة مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقوله -﷿-: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٢٨).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٠٠).","vol":"1","page":248},{"text":"وقوله -﷿-: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].\nوقوله -﷿-: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-174>ورود اسم الله (الحَمِيد) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الحَمِيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي حميد الساعدي -﵁- أنهم قالوا: «يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله -ﷺ-: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-175>معنى اسم الله (الحَمِيد) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀-: «هو المحمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله» (^٢)، وقال- في موضع آخر-: «والحميد الذي استوجب عليكم- أيها الخلق- الحمد بصنائعه الحميدة إليكم وآلائه الجميلة لديكم، فاستديموا ذلك- أيها الناس- باتقائه، والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٦٩).\n(^٢) تفسير الطبري (٤/ ٧١١).\n(^٣) المرجع السابق (٧/ ٥٧٩).","vol":"1","page":249},{"text":"قال الزَّجَّاج -﵀-: «الحميد هو فعيل في معنى: مفعول، والله تَعَالَى هو المحمود بكل لسان وعلى كل حال، كما يقال في الدعاء: الحمد لله الذي لا يحمد على الأحوال كلها سواه» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «(والحميد) هو المحمود الذي استحق الحمد بأفعاله، وهو فعيل بمعنى: مفعول، وهو الذي يحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء؛ لأنه حكيم لا يجري في أفعاله الغلط، ولا يعترضه الخطأ، فهو محمود على كل حال» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «الحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلق به حمد الحامدين» (^٣).\nقال ابن كثير -﵀-: «وهو (الحميد) أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره لا إله إلا هو ولا رب سواه» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمها وأحسنها؛ فإن أفعاله تَعَالَى دائرة بين الفضل والعدل» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٥٥).\n(^٢) شأن الدعاء (ص ٧٨).\n(^٣) جلاء الأفهام (ص ٣١٦).\n(^٤) تفسير ابن كثير (١/ ٣٢١).\n(^٥) تفسير السعدي (ص ٩٤٦).","vol":"1","page":250},{"text":"قال ابن القيم -﵀- في النونية:\nوَهْوُ الحَمِيدُ فَكُلُّ حَمْدٍ وَاقِعٍ … أَوْ كَانَ مَفْرُوضًا مَدَى الأَزْمَانِ\nمَلَأَ الوُجُودَ جَمِيعَهُ وَنَظِيرَهُ … مِنْ غَيْرِ مَا عَدٍّ وَلَا حُسْبَانِ\nهُوَ أَهْلُهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ … كُلُّ المَحَامِدِ وَصْفُ ذِي الإِحْسَانِ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-176>الفرق بين الحمد والشكر:</span>\nالشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات، وأخص من جهة الأسباب.\nومعنى هذا: أن الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا.\nومتعلقه: النعم، دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه- وهو المحمود عليها- كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم.\nفكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس؛ فإن الشكر يقع بالجوارح، والحمد يقع بالقلب واللسان (^٢).\n_________\n(^١) النونية (ص ٢٠٤).\n(^٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٢٣٧).","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>اقتران اسم الله (الحَمِيد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: اقترن اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (العزيز):\nوذلك في ثلاثة مواضع، ومنها: قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].\nوجه الاقتران:\nيقال: «العزة صفة كمال لله -﷿-، والحمد صفة كمال أخرى، واقتران العزة بالحمد صفة كمال ثالثة لله تَعَالَى، فله الحمد على عزته وغلبته، وعلى إعزازه لأوليائه، ونصره لحزبه وجنده» (^١).\nويتلخص من هذا معنيان:\nأن له الحمد على عزته وغلبته، وعلى إعزازه لأوليائه، ونصره لجنده وحزبه.\nأن العزة تحمل- في الغالب- على التعسف والظلم والقهر، أما الله -﷿- فمع عزته الكاملة إلا أنه محمود في هذه العزة؛ فهي عزة تحمله على كمال العدل.\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الغني):\nوذلك في عشرة مواضع في كتاب الله، ومن وروده: قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا\n_________\n(^١) مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء الكردي (ص ٢٠٨).","vol":"1","page":252},{"text":"تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nوجه الاقتران:\nيقول الإمام ابن القيم -﵀-: «فإنه سُبْحَانَهُ طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فغناه وحمده يأبى قبول الرديء، فإن قابل الرديء الخبيث، إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف؛ فإنه لا يقبله» (^١).\nوكذلك يقال في وجه هذا الاقتران مثل ما قيل في اقتران اسمي الله العزيز والحميد؛ فإن الغنى في العادة يقود إلى الطغيان والبطر، كما قال تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] أما غنى الرب المحمود بأفعاله؛ فهو غنى مع البذل والعطاء، الذي يستوجب الحمد والثناء.\nثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم):\nوذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\nوجه الاقتران:\nيقول الشيخ السعدي -﵀-: «﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه وينزله منازله، ﴿حميد﴾ على ما له من صفات الكمال\n_________\n(^١) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٧٤).","vol":"1","page":253},{"text":"ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال؛ فلهذا كان كتابه مشتملًا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها» (^١).\nرابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (المجيد):\nوذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].\nوجه الاقتران:\nيقول ابن القيم -﵀-: «والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله؛ فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود، فمن أحببته ولم تثن عليه لم تكن حامدًا له، وكذا من أثنيت عليه- لغرض ما- ولم تحبه لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه محبًّا، وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير، فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل، كان الحمد والحب أتم وأعظم، والله سُبْحَانَهُ له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه سُبْحَانَهُ، وأما المجد فهو مستلزم للعظمة، والسعة، والجلال، كما يدل عليه موضوعه في اللغة، فهو دال على صفات العظمة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٧٥٠).\n(^٢) جلاء الأفهام (ص ٣١٦).","vol":"1","page":254},{"text":"خامسًا: اقترن اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الولي):\nوذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].\nوجه الاقتران:\nيقول السعدي -﵀-: «هو الولي الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم، الحميد في ولايته وتدبيره، الحميد على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الإفضال» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحَمِيد):</span>\n<span data-type='title' id=toc-179>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحميد) من الصفات:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو له الحمد كاملًا تامًّا، وذلك من وجهين، يقول السعدي -﵀-: «والله سُبْحَانَهُ حميد من وجهين:\nأحدهما: أن جميع المخلوقات ناطقة بحمده، فكل حمد وقع من أهل السماوات والأرض الأولين منهم والآخرين، وكل حمد يقع منهم في الدنيا والآخرة، وكل حمد- لم يقع منهم، بل كان مفروضًا ومقدرًا؛ حيثما تسلسلت الأزمان واتصلت الأوقات حمدًا يملأ الوجود كله، العالم العلوي والسفلي، ويملأ نظير الوجود من غير عد ولا إحصاء؛ فإن الله تَعَالَى مستحقه كله لاغيره.\nثانيهما: أنه يحمد على ماله من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، والمدائح والمحامد والنعوت الجليلة الجميلة، فله كل صفة كمال،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (١/ ٧٥٨).","vol":"1","page":255},{"text":"وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فكل صفة من صفاته يستحق عليها أكمل الحمد والثناء، فكيف بجميع الأوصاف المقدسة، فله الحمد لذاته، وله الحمد لصفاته، وله الحمد لأفعاله؛ لأنها دائرة بين أفعال الفضل والإحسان، وبين أفعال العدل والحكمة التي يستحق عليها كمال الحمد، وله الحمد على خلقه، وعلى شرعه، وعلى أحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، وأحكام الجزاء في الأولى والآخرة، وتفاصيل حمده وما يحمد عليه لا تحيط بها الأفكار، ولا تحصيها الأقلام» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-180>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحميد) على التوحيد:</span>\nمن تأمل في اسم الله الحميد، وما فيه من دلائل كمال الذات والأسماء والصفات؛ علم أنه لا إله تنبغي له الألوهية والربوبية غيره.\n- وقد مدح الله نفسه على تفرده في الألوهية، وامتناعه عن الاتصاف بما لا يليق به من اتخاذ الولد والشريك، أو موالاة أحد من الخلق لحاجة له، فقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\n- ومدح الله نفسه على تفرده في الربوبية، فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾\n[الجاثية: ٣٦، ٣٧] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].\nوكما أن اسم الله الحميد دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ كل أسمائه وصفاته حمد تَعَالَى سُبْحَانَهُ وتقدس.\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ١٩٠).","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>الأثر الثالث: كل ما في الكون يحمد الله سُبْحَانَهُ:</span>\nيقول السعدي -﵀- عند تفسيره لقوله تَعَالَى-: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، «أي: من حيوان ناطق وغير ناطق، ومن أشجار ونبات وجامد، وحي وميت ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ بلسان الحال، ولسان المقال، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: تسبيح باقي المخلوقات التي على غير لغتكم، بل يحيط بها علام الغيوب» (^١).\nكما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: «وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» (^٢)، ويقول سُبْحَانَهُ- في موضع آخر-: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، ومن تأمل هذه الآية بقلبه علم أن الخلائق كلها ما أدركناه وما لم ندركه، والأفلاك والأجرام جميعها ماعلمناه، وما لم نعلمه، والجبال والأشجار والدواب، كل تلك الحشود تسير في موكب واحد خاشع تسجد كلها لله، وتتجه له وحده دون سواه، إلا ذلك الإنسان، فهو وحده الذي اختلف حاله وانقسم مصيره، ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨].\nوإنما كان كل ما في الكون حامدًا لله؛ لأنه ملك له، فعمومية الحمد بعمومية الملك.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (١/ ٤٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٧٩).","vol":"1","page":257},{"text":"يقول ابن القيم -﵀- في هذا-: «الملك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده، فهو محمود في ملكه، وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته؛ ولهذا يحمد سُبْحَانَهُ نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، فهو محمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية، وحمد ثناء ومدح، ويجمعهما التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله؛ ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\nفالحمد أوسع الصفات، وأعم المدائح والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته، وتفاصيل الأمر والنهى واسعة جدًا؛ لأن جميع أسمائه -﵎- حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجد بحمده، وظهر بحمده، وكان الغاية هي حمده، فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله، فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات، وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر» (^١).\nوالحمد لله سُبْحَانَهُ ممتد في الدنيا والآخرة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠]، وممتد كذلك في السماء والأرض، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]،\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص ١٤ - ١٩).","vol":"1","page":258},{"text":"وممتد عبر الزمان يقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-182>الأثر الرابع: الحمد المطلق لله وحده:</span>\nفالحمد من أوله إلى آخره مستحق لله تَعَالَى، كما قال الله -﷿-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، فالألف واللام في الحمد تدل على الاستغراق، أي: هو الذي له جميع المحامد بأسرها، ولا يكون ذلك لأحد إلا لله -﵎- فهو حميد في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي كل شأن من شؤونه.\nيقول ابن القيم -﵀- في معنى قول: (الحمد كله لله) -: «فإذا قيل: الحمد كله لله، فهذا له معنيان:\nأحدهما: أنه محمود على كل شيء، وهو مايحمد به رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده -﷿-، بل هو المحمود بالقصد الأول، والمحمود أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا …\nأما المعنى الثاني: أن يقال: (لك الحمد كله) أي: الحمد التام الكامل، وهذا مختص بالله ليس لغيره فيه شركة، والتحقيق: أن له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سُبْحَانَهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-183>الأثر الخامس: افتتاح كل أمر بحمده تعالى، واختتامه به:</span>\n- افتتح الله الخلق بالحمد في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]،\n_________\n(^١) أسماء الله الحسنى (ص ٢٠٧).","vol":"1","page":259},{"text":"واختتمه بالحمد- أيضًا- في قوله: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]».\n- أهل الجنة يفتتحون دخولهم الجنة بالحمد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وآخر دعواهم في الجنة: الحمد لله، يقول -﷿-: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].\n- خطبة الحاجة مفتتحة بالحمد لله، وقد كان النبي -ﷺ- يبدأ بها كل خطاب، وهي: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١).\nكل تفاصيل حياة المؤمن تبدأ بالحمد وتختم به، ومن ذلك: النوم (^٢)، فقد كان النبي -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه، قال: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَكَفَانَا، وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ، وَلَا مُؤْوِيَ» (^٣)، فإذا استيقظ قال: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (١٨٩٢)، والدارمي، رقم الحديث: (١٨٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه رقم الحديث: (١٨٩٢).\n(^٢) سنذكر في الملحق الكثير من مواضع الحمد؛ لذا فقد اكتفينا هنا بالإشارة إلى موضع واحد.\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٥).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٢٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١١).","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>الأثر السادس: لا نحصي ثناء على الحميد سُبْحَانَهُ:</span>\nمن تأمل الشواهد القرآنية وجد أن الحميد سُبْحَانَهُ نوَّع حمده، وأسباب حمده، فجمعها تارةً وفرقها أخرى؛ ليتعرف العبيد على ربهم، ويتعلموا كيف يحمدوه ويثنوا عليه.\nويمكن تقسيم هذه المحامد والنعم إلى قسمين:\nمحامد ونعم دينية:\nحمده على وحدانيته، وتعاليه عن الشريك والنظير والمثيل:\nفإن من أعظم نعم الحميد سُبْحَانَهُ أن جعلنا عبيدًا له خاصة، ولم يجعلنا منقسمين بين شركاء متشاكسين، فالحميد سُبْحَانَهُ حمد نفسه على ربوبيته للعالمين، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وعلى تفرده وامتناعه عما ينافي الكمال من اتخاذ الولد والشريك، فقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\nوحمد نفسه بكونه حيًّا لا يموت؛ لتضمنه كمال حياته، فقال تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، ولنعلم بأن حقيقة الحمد تابعة لإثبات أوصاف الكمال، ولهذا لا يحمد نفسه سُبْحَانَهُ بعدم إلا إذا كان متضمنًا لثبوت كمال.\nحمده على كمال ملكه:\nيقول الله -حامدًا نفسه على كمال ملكه-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي","vol":"1","page":261},{"text":"الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ١ - ٢].\nوكيف لا يحمد سُبْحَانَهُ على كمال خلقه، وهو: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وعلى صنعه وقد أتقنه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨].\nحمده على نور التوحيد، وجعله وسيلة النجاة لسائر العبيد:\nفمن محامد الرب سُبْحَانَهُ: أن هدى عباده المتقين إلى سبيل دار السلام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبب إليهم بنعمه مع غناه عنهم، وفقرهم إليه، ومع هذا كله فقد جعل لهم دارًا وأعد لهم فيها من كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النعيم والسرور والبهجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها.\nوضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرًا، وإن أساءوا واستغفروه أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات، وذكرهم بآلائه، وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم، لا بخلًا منه عليهم، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال.","vol":"1","page":262},{"text":"وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العمل به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه، وتبعدهم عن غضبه، وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وسماهم بأحسن أسمائهم.\nومن أمثلة ذلك: قوله سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nحمده على إنزال القرآن وإرسال الرسل:\nيقول الشيخ السعدي -﵀- عند تفسيره لقوله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]-: «إن أجلَّ نعمه على الإطلاق: إنزاله الكتاب العظيم على عبده ورسوله محمد","vol":"1","page":263},{"text":"-ﷺ-، فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم» (^١).\nمحامد ونعم دنيوية:\nحمده على تسخير الكون لخدمة عبيده:\nولعل من أفضل ماقيل في ذلك: قول ابن القيم -﵀-: «الدنيا قرية، والمؤمن رئيسها، والكل مشغول به، ساع في مصالحه، والكل قد أقيم في خدمته وحوائجه؛ فالملائكة الذين هم حملة عرش الرحمن ومن حوله يستغفرون له، والملائكة الموكلون به يحفظونه، والموكلون بالقطر والنبات يسعون في رزقه ويعملون فيه، والأفلاك سخرت منقادة دائرة بما فيه مصالحه، والشمس والقمر والنجوم مسخرات جاريات بحساب أزمنته وأوقاته وإصلاح رواتب أقواته.\nوالعالم الجوي مسخر له برياحه وهوائه وسحابه وطيره، وما أودع فيه، والعالم السفلي كله مسخر له مخلوق لمصالحه أرضه وجباله، وبحاره وأنهاره، وأشجاره وثماره، ونباته وحيوانه، وكل ما فيه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]، فالسائر في معرفة آلاء الله وتأمل حكمته وبديع صفاته أطول باعًا، وأملأ صواعًا من اللصيق بمكانه، المقيم في بلد عادته وطبعه» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (١/ ٤٦٩).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":264},{"text":"حمده على سائر النعم الظاهرة والباطنة:\nمن تأمل في نعم الله والكرامات التي ميز بها بني آدم عن غيرهم من المخلوقات وجد عجبًا، فقد فضل بنو آدم بالعقل والعلم، والبيان والنطق، والشكل والصورة الحسنة، والهيئة الشريفة، واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر، والاستنباط والبحث والاستدلال، فضلًا عن الهداية والرزق والكسوة، وفي ذلك يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ» (^١).\nويقول سُبْحَانَهُ- في بيان نعمه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] ويقول- كذلك-: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وغيرها من الشواهد كثير جدًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>الأثر السابع: محبة الحميد سُبْحَانَهُ:</span>\nمعرفة اسم الله الحميد وآثاره ومعانيه، تورث في قلب العبد محبة عظيمة صادقة لله -﷿-، لا يشاركه فيها أحد من الخلق، وهذه المحبة بدورها تثمر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).","vol":"1","page":265},{"text":"عبوديات أخرى، كالإخلاص لله تَعَالَى والحياء والأدب مع الله -﷿-، والقيام بأوامره تَعَالَى واجتناب نواهيه والتقرب إليه بطاعته، فالحمد يميز المؤمن عن غيره؛ فغير المؤمن يقف حبيس النعمة يتمتع بها غافلًا عن المنعم، أما المؤمن فينتقل مباشرة من شهود النعم والعطايا إلى المنعم سُبْحَانَهُ وعظمته ورحمته ولطفه وبره وإحسانه وحكمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>الأثر الثامن: (حمد الله على كل حال):</span>\nأقدار الله على العباد كلها محمودة، فالله -﷿- محمود على ما خلق وشرع ووهب ونزع، وكل أفعاله تَعَالَى إنما هي نعم ومنن في حق العبد، إن قابلها بما يجب لها من رضا وإحسان.\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك-: «والرضا وإن كان من أعمال القلوب، فكماله هو الحمد، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا؛ ولهذا جاء في الكتاب والسنة حمد الله على كل حال، وذلك بتضمن الرضا بقضائه، وفي الحديث: (أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) (^١).\nوروت عائشة -﵂-: (كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يَسُرُّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وَإِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يَكْرَهُهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٢٣٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٦٩)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٩٥٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٣)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨٤٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨٧٦٩).","vol":"1","page":266},{"text":"وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -ﷺ- قال: (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ) (^١).\nونبينا محمد -ﷺ- هو صاحب لواء الحمد، وأمته هم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء.\nوالحمد على الضراء يوجبه مشهدان:\nأحدهما: علم العبد بأن الله سُبْحَانَهُ مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه؛ فإنه أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، وهو العليم الحكيم، الخبير الرحيم.\nوالثاني: علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه، فقد قال النبي -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ -وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ- إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).\nفأخبر النبي -ﷺ- أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٠٣٩)، والترمذي، رقم الحديث: (١٠٢١)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤٠٨).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>الأثر التاسع: ذكر حمد الحميد سُبْحَانَهُ في كل شعائر الدين:</span>\nمن تأمل اسم الله الحميد وجد أن الله سُبْحَانَهُ بدأ أم الكتاب (سورة الفاتحة) بالحمد، وكذا كانت سيرة نبيه -ﷺ-، فكان يفتح خطابه بالحمد دائمًا بخطبة الحاجة، وهي: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١)، وفي الحديث: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» (^٢)، وما من شعيرة من شعائر الدين إلا وتبدأ بحمد الحميد سُبْحَانَهُ (^٣)، ومن ذلك:\nأعظم كلمة وهي كلمة التوحيد تقرن كثيرًا بالحمد، ومن ذلك قوله -ﷺ-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٤).\nالصلاة وهي عمود الدين تبدأ بالحمد: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٨٩٢)، والدارمي (١٨٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه رقم الحديث: (١٨٩٢).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٧١٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٨٤٠)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٢٥٢)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٢٤٥).\n(^٣) سنقتصر هنا على إيراد بعض الشعائر، أما فضل الحمد والأذكار الخاصة به فهي في الملحق الخاص بهذا الاسم (الحميد).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٨٥).","vol":"1","page":268},{"text":"تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^١)، ثم قراءة الفاتحة، وأول آياتها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، ثم في الركوع والسجود، لحديث عقبة بن عامر: «كان النبي -ﷺ- إذا ركع قال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ (ثلاثًا)، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ (ثلاثًا)» (^٢)، وكذا عند الرفع من الركوع؛ فعن علي بن أبي طالب -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» (^٣)، وفي التشهد- أيضًا-: «إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ»، بل وكان النبي -ﷺ- يقول- في دبر كل صلاة مكتوبة-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (^٤).\nالحج والعمرة، ففيهما يقول الحاج والمعتمر: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» (^٥)، وعن عبد الله بن عمر -﵄-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٩٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود رقم الحديث: (٨٧٠)، وابن ماجه رقم الحديث: (٨٧٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٧٣٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٥٩٣).\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٥٤٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٢١٨).","vol":"1","page":269},{"text":"يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٧٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٤٤).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>«الحميد يحب الحامدين»</span>\nفي موضوع الحمد سنتطرق لعدة مسائل:\n\n<span data-type='title' id=toc-189>أولًا: تعريف الحمد:</span>\nالحمد: هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-190>ثانيًا: من فضائل الحمد:</span>\nللحمد فضائل عدة، منها:\n(الحمد لله) من أفضل الدعاء: يقول -ﷺ-: «وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلهِ» (^١)، «وسمى الحمد لله دعاءً - وهو ثناء محض- لأن الحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب لمحبوبه؛ فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب من ربه حاجة» (^٢).\n(الحمد لله) هو خير الكلام وأحبه إلى الله: يقول النبي -ﷺ-: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (^٣).\n(الحمد لله) سبب لمغفرة الذنوب: يقول النبي -ﷺ-: «إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١١٠٤).\n(^٢) بدائع الفوائد، لابن القيم (٣/ ٥٢١).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣١).","vol":"1","page":271},{"text":"تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ .... فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ» (^١).\n(الحمد لله) غراس الجنة: يقول -ﷺ-: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ» (^٢).\n(الحمد لله) من الأذكار العظيمة التي تسابقت الملائكة لكتابتها؛ فعن رفاعة بن رافع، قال: «كنا نصلي وراء النبي -ﷺ-، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟ قال: أنا، قال: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ» (^٣).\nبحمد الله تنال الرحمة: يقول -ﷺ-: «إذَا قَالَ العَبْدُ: الْحَمْدُ لله كَثِيرًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: اكْتُبُوا لِعَبْدِي رَحْمَتِي كَثِيرًا» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٢)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٠٣٦٣) حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥١٥٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٩٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٠٠).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٦٨٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٥١١)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٤٥٢).","vol":"1","page":272},{"text":"بحمد الله ينال العبد رضا الله تَعَالَى: يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (^١).\nبالحمد تستجلب النعم: يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].\nالحمد لله صدقة من الصدقات: يقول -ﷺ-: «وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-191>ثالثًا: كيف تكون من الحامدين؟</span>\nالأمر الأول لتكون من الحامدين: أن تكون محمودًا في كل أحوالك:\nفالعبد إذا علم أن ربه تَعَالَى هو الحميد ويحب المحامد؛ اشتاقت نفسه وتطلعت أن يتخلق بما يحمد عليه؛ فيكون محمودًا في كل أقواله وأفعاله وأحواله، محمودًا عند الله وعند المؤمنين، فهذا هو التحقق باسم الله الحميد.\nعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٠٦).","vol":"1","page":273},{"text":"نَذْكُرُ اللهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ -﷿- يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» (^١).\nفلله تَعَالَى الحمد والشكر والثناء، حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم فوق مايطلبون، وأعلى ما يتمنون، وآتاهم من كل ما سألوه، لا نحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه.\nالأمر الثاني لتكون من الحامدين: أَكْثِرْ من حمد الحميد سُبْحَانَهُ:\nالمؤمن يستشعر جيدًا أن حمد النعم عند الله سُبْحَانَهُ أهم وأفضل وأعظم من النعم نفسها، ففي الحديث الصحيح يقول النبي -ﷺ-: «مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ، فَحَمِدَ اللهَ عَلَيْهَا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْحَمْدُ أَفْضَلَ مِنْ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وَإِنْ عَظُمَتْ» (^٢).\nوهناك مواطنُ عِدَّةٌ يتأكَّدُ فيها الحمدُ، ومنها:\nعند النوم: فقد كان النبي -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه قال: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَكَفَانَا، وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ، وَلَا مُؤْوِيَ» (^٣).\nعند الانتباه ليلًا: يقول -ﷺ-: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٧٩٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٥٦٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٥).","vol":"1","page":274},{"text":"الْحَمْدُ لِلهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^١).\nعند رؤية الرؤيا الحسنة في المنام: يقول -ﷺ-: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ» (^٢).\nدُبُرَ الصلاة: يقول -ﷺ-: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً» (^٣).\nقبل الدعاء: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- رَجُلًا يُصَلِّي فَمَجَّدَ اللهَ وَحَمِدَهُ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ» (^٤).\nعندَ حلولِ النعمِ: يقول -ﷺ-: «مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِلَّا كَانَ مَا أَعْطَى أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٨٥).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩٦).\n(^٤) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٦)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٢٠٨)، واللفظ للطبراني، حكم الألباني: صحيح، صفة الصلاة (٣/ ٩٩٠).\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"1","page":275},{"text":"بعدَ الأكلِ والشربِ: يقول -ﷺ-: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).\nعند لبس الثوب: يقول -ﷺ-: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لله الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (^٢).\nعند رؤيةِ المبتَلَى: يقول -ﷺ-: «مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ» (^٣).\nفي ختام المجلس: يقول -ﷺ-: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ -قَبْلَ أَنْ يَقُومَ-: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ ثُمَّ أَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (^٤).\nعند العطاس: يقول -ﷺ-: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٨٧٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٥٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٢٨٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٦٠٨٦).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٩٢)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٦٠٢).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٥٥٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣٣)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٥٧)، حكم الألباني: صحيح، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث: (٢٢٣).","vol":"1","page":276},{"text":"لِلهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» (^١).\nاللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُهُ، ولَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإلَيْكَ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، نَسْألُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَنعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٢٤).","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>الحيُّ القيُّوم -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-193>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-194>أولًا: (الحَيُّ):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «[حيا] الحياة: ضد الموت والحي: ضد الميت، والمحيا مفعل من الحياة. تقول: محياي ومماتي. والجمع المحايى …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(حي) الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت … فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والموتان، ويسمى المطر حيًّا؛ لأن به حياة الأرض …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>ثانيًا: (القَيُّومُ):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «قوام الأمر بالكسر: نظامه وعماده، … والقيوم: اسم من أسماء الله تَعَالَى» (^٣).\nقال ابن فارس -﵀-: «(قوم) القاف والواو والميم أصلان صحيحان،\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٣٢٣ - ٢٣٢٤).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٢٢).\n(^٣) الصحاح (٥/ ٢٩٦).","vol":"1","page":278},{"text":"يدل أحدهما على جماعة ناس، وربما استعير في غيرهم، والآخر على انتصاب أو عزم …\nقام قيامًا، والقومة: المرة الواحدة، إذا انتصب، ويكون قام بمعنى العزيمة، كما يقال: قام بهذا الأمر، إذا اعتنقه، وهم يقولون في الأول: قيام حتم، وفي الآخر: قيام عزم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-196>ورود اسم الله (الحي القَيُّوم) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحَي) خمسَ مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله -﷿-: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].\nوقال -﷿-: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٦].\nثانيًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (القَيُّوم) ثلاث مرات في كتاب الله، وهي:\nقول الله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].\nوقوله -﷿-: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٥/ ٤٣).","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>ورود اسم الله (الحَي - القَيُّوم) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الحَي القيوم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن زيد بن حارثة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (^١).\nعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللهُ ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» (^٢).\nعن أنس بن مالك -﵁- قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-198>معنى اسم الله (الحَي - القَيُّوم) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nأولًا: الحي: هو من له الحياة الكاملة التي لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص، أو سنة، أو نوم، أو مرض.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٧).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١٢٣٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٩٧)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٣٤٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة، رقم الحديث: (٣٣٧)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٧٧٧).","vol":"1","page":280},{"text":"وحول هذا المعنى تدور أقوال العلماء:\n- قال الطبري -﵀-: «(الحي) فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخر له بأمد؛ إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيًّا فلحياته أول محدود، وآخر ممدود، ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بانقضاء غايتها» (^١)، وقال -﵀- أيضًا: «وصف نفسه بالحياة الدائمة التي لا فناء لها ولا انقطاع، ونفى عنها ما هو حال لكل ذي حياة من خلقه، من الفناء وانقطاع الحياة عند مجيء أجله» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «الحي يفيد دوام الوجود، والله تَعَالَى لم يزل موجودًا ولا يزال موجودًا». (^٣)\nقال الخطابي -﵀-: «الحي من صفة اللهتَعَالَى هو الذي لم يزل موجودًا، وبالحياة موصوفًا، لم تحدث له الحياة بعد موت، ولا يعترضه الموت بعد الحياة، وسائر الأحياء يعتورهم الموت أو العدم في أحد طرفي الحياة أو فيهما معًا، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]» (^٤).\nقال ابن كثير -﵀-: «الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي هو ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] الدائم الباقي السرمدي الأبدي» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٥/ ٣٨٦).\n(^٢) المرجع السابق (٦/ ١٥٧).\n(^٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٥٦).\n(^٤) شأن الدعاء (ص ٨٠).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٦/ ١١٨).","vol":"1","page":281},{"text":"قال السعدي -﵀-: «فالحي من له الحياة الكامل المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-:\nوَالحَيُّ يَتْلُوهُ فَأَوْصَافُ الكَمَا … لِ هُمَا لِأُفْقِ سَمَائِهَا قُطْبَانِ\nفَالحَيُّ والقَيُّومُ لَنْ تَتَخَلَّفَ الـ … أَوْصَافُ أَصْلًا عَنْهُمَا بِبَيَانِ (^٢)\nثانيًا: (القَيُّومُ):\nيدور معنى اسم الله (القيوم) في حقه تَعَالَى حول ثلاثة معان:\nالدائم الذي لا يزول.\nالقائم بنفسه.\nالقائم بغيره؛ فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥].\nوحول هذه المعاني الثلاث تدور أقوال العلماء:\nقال أبو عبيدة -﵀-: «(القيوم): القائم، وهو الدائم الذي لا يزول» (^٣).\nقال الطبري -﵀-: «القائم بأمر كل شيء في رزقه والدفع عنه وكلاءته وتدبيره وصرفه في قدرته، من قول العرب: فلان قائم بأمر هذه البلدة، يعني\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ١١٠).\n(^٢) النونية (ص ٢١١).\n(^٣) مجاز القرآن (١/ ٧٨).","vol":"1","page":282},{"text":"بذلك: المتولي تدبير أمرها» (^١).\nقال الزجاجي -﵀-: «(القيوم): فَيْعُول، من قام يقوم، وهو من أوصاف المبالغة في الفعل، وهو من قوله -﵎-: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: يحفظ عليها ويجازيها ويحاسبها» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «(القيوم) هو: القائم الدائم بلا زوال، ووزنه: فَيْعُول، من القيام، وهو نعت المبالغة في القيامة على الشيء، ويقال: هو القيم على كل شيء بالرعاية له، ويقال: قمت بالشيء إذا وليته بالرعاية والمصلحة» (^٣).\nقال ابن الأثير -﵀-: «و(القيوم): من أسماء الله تَعَالَى المعدودة، وهو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به» (^٤).\nقال القرطبِي -﵀-: «(القيوم) من قام، أي: القائم بتدبير ما خلق» (^٥).\nقال ابن كثير -﵀-: «القيم لغيره، وكان عمر يقرأ: (القيام) فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]» (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٥/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٢) اشتقاق الأسماء (ص ١٠٥).\n(^٣) شأن الدعاء (ص ٨٠).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٤/ ١٣٤).\n(^٥) تفسير القرطبي (٣/ ٢٧١).\n(^٦) تفسير ابن كثير (١/ ٦٧٧).","vol":"1","page":283},{"text":"قال السعدي -﵀-: «الذي قام بنفسه، فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد، فهو الذي قام بتدبير الخلائق وتصريفهم، تدبير للأجسام وللقلوب والأرواح» (^١).\nقال الإمام ابن القيم -﵀-:\nهَذَا وَمِنْ أَوْصَافِهِ: القَيُّومُ وَالـ … ـقَيُّومُ فِي أَوْصَافِهِ أَمْرَانِ\nإِحْدَاهُمَا القَيُّومُ قَامَ بِنَفْسِهِ … والكَوْنُ قَامَ بِهِ هُمَا الأَمْرَانِ\nفَالأَوَّلُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ … والفَقْرُ مِنْ كُلٍّ إِلَيْهِ الثَّانِي\nالخلاف في الاسم الأعظم، وقول بعض أهل العلم: إن (الحي القيوم) اسم الله الأعظم (^٢):\nدلت النصوص على أن أسماء الله الحسنى وصفاته العليا تتفاضل، فليست كلها على درجة واحدة، بل ثبت عن رسول الله -ﷺ- أن لله اسمًا أعظم إذا سُئِل به أعطى، وإذا دُعِي به أجاب، وهذه فضيلة عظيمة اختص بها هذا الاسم، ولم يرد تعيينه صريًحا في النصوص، إلا أنه وردت أحاديث تدل على أنه (الحي القيوم)، على خلاف في ذلك بين العلماء، منها:\nعن أنس -﵁-، «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- جَالِسًا، وَرَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكُ،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ١٢١).\n(^٢) سبق بيان الخلاف فيه، والأدلة في اسم الله الأعظم في اسم الله (الله) -ﷻ-.","vol":"1","page":284},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).\nعن أبي أمامة -﵁-، عن النبي -ﷺ-: «اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ - فِي سُوَرٍ ثَلَاثٍ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَطه» (^٢).\nواختار أنه الحي القيوم جمع من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن عثيمين -﵏-.\nقال ابن تيمية -﵀-: «ولهذا كان أعظم آية في القرآن: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وهو الاسم الأعظم» (^٣).\nوفي ترجيح كونه الاسم الأعظم، قال ابن القيم -﵀-: «صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال؛ ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم» (^٤).\nقال ابن عثيمين -﵀-: «اسم الله الأعظم هو الحي القيوم (^٥)»، وعلل هذا، فقال: «قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٧٥٨)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى.\n(^٤) زاد المعاد (٤/ ١٨٥).\n(^٥) فتاوى نور على الدرب.","vol":"1","page":285},{"text":"الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في (الحي)؛ وصفة الإحسان، والسلطان في (القيوم)» (^١) (^٢).\nاقتران اسم الله (الحَيِّ - القَيُّومِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله الحَي إلا باسمه القَيُّوم.\nوذلك في ثلاثة مواضع، منها:\nقول الله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].\nوقال -﷿-: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١].\nوجه الاقتران:\nقال ابن القيم -﵀-: «انتظم هذان الاسمان صفات الكمال والغنى التام والقدرة التامة، فكأن المستغيث بهما مستغيث بكل اسم من أسماء الرب تَعَالَى، وبكل صفة من صفاته، فما أولى الاستغاثة بهذين الاسمين أن يكونا في مظنة تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإنالة الطلبات» (^٣).\nقال ابن عثيمين -﵀-: «وفي الجمع بين الاسمين الكريمين (الحي القيوم) استغراق لجميع ما يوصف الله به بجميع الكمالات؛ ففي الحي: كمال\n_________\n(^١) تفسير العثيمين (٣/ ٢٥٨).\n(^٢) سبق بحث اسم الله الأعظم في اسم (الله)، وأن الراجح فيه- والله أعلم- أنه اسم (الله).\n(^٣) بدائع الفوائد (٢/ ١٨٤).","vol":"1","page":286},{"text":"الصفات، وفي القيوم: كمال الأفعال، وفيهما جميعًا كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-199>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحَي القَيُّوم):</span>\nأولًا: إثبات ما يتضمنه اسمي الحي والقيوم من صفات الله تعالى:\nفالله سُبْحَانَهُ هو الحي دائم الحياة، له البقاء المطلق، لم يسبق وجوده عدم، ولا يلحق بقاؤه فناء ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٦].\nوهو الحي الذي كمل حال حياته، فلا يدخلها النقص بوجه من الوجوه، ولا يعتريها عيب ولا خلل؛ فلا مرض، ولا تعب ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، ولا سنة ولا نوم ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nفهو الحي: الذي لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، فلو نام لضاع الخلق، ولفسدت السموات والأرض كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ -﷿- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ - وفي رواية أبي بكر: النَّارُ- لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم (١/ ٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٩).\n(^٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٧٠ - ٧١).","vol":"1","page":287},{"text":"وحياته تستلزم كمال صفاته سُبْحَانَهُ من علم، وقدرة، ورحمة، وسمع وبصر إلى غير ذلك من صفات كماله (^١)، قال الشيخ الهراس -﵀-: «الحياة تعتبر شرطًا للاتصاف بجميع الكمالات في الذات من: العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام … إلخ؛ فإن غير الحي لا يتصف بهذه الصفات، فمن كملت حياته كان أكمل في كل صفة تكون الحياة شرطًا لها».\nوهو الحي الذي أحيا غيره، فالأرض وما عليها من نبات وحيوان وإنسان تحيا بإحياء الله لها، قال تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nوهو الحي الذي له وحده البقاء والدوام وما عداه «من إنس، وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد» (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦].\nوهو الحي الذي يحي الخلق بعد فنائهم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]، وقال: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرآن العظيم، لابن عثيمين (١/ ٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٨٣٠).","vol":"1","page":288},{"text":"اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤].\nوهو سُبْحَانَهُ القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع خلقه غنى مطلقًا، كما قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].\nوالقيوم هو الذي تمت قيوميته، فلا تشوبه شائبة حاجة ولا نقص، ولا يمكن أن تأخذه سنة ولا نوم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوالقيوم الذي أقام غيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فكل شيء فقير إليه لا يستغني عنه طرف عين، فالعرش والكرسي والملائكة والسموات والأرض، والجبال والأشجار، والناس والحيوان، كلها فقيرة إلى الله، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]، فهو الذي أوجدها وأمدها، وأعدها لكل ما فيه بقاؤها وصلاحها وقيامها، وأي شيء منها لو تخلى عنه القيوم لباد وهلك ولما استقام له شأن.\nفالمخلوقات كلها إنما قامت به سُبْحَانَهُ، ومن ذلك:\nقيام السماوات والأرض به:\nقال تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، وقال -ﷺ-: «أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ فهو سُبْحَانَهُ القائم بأمر السموات والأرض فبقيمويته استقرت وثبتت ولم تزل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا","vol":"1","page":289},{"text":"وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وبقيوميته لم تسقط السماء على الأرض ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «ثم تأمل الممسك للسموات والارض الحافظ لهما أن تزولا أو تقعا أو يتعطل بعض ما فيهما، أَفَتَرَى مَنِ الممسك لذلك؟! ومَنِ الحافظ له؟ ومَنِ القيم بأمره؟! ومَنِ المقيم له؟! فلو تعطلت بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يصلحه ويعيده؟! وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في رده كما كان؟! فلو أمسك عنهم قيم السموات والارض الشمس فجعل عليهم الليل سرمدًا، من الذي كان يطلعها عليهم ويأتيهم بالنهار؟! ولو حبسها في الأفق ولم يسيرها فمن ذا الذي كان يسيرها عنهم ويأتيهم بالليل؟! فلو أزال السماء والارض، فمن ذا الذي كان يمسكها من بعده؟!» (^٢).\nقيام الإنس والجن وسائر الدواب به:\nقال -ﷺ-: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» (^٣) قائم على ما فيهما من النفوس بالرزق، وتدبير الشؤون وتصريفها، كما قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]» يغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويعطي قومًا، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٦٤٠).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢١٥).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":290},{"text":"الملحين، ولا طول مسألة السائلين … وهذه الشؤون التي أخبر أنه تَعَالَى كل يوم هو في شأن، هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تَعَالَى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضته حكمته» (^١).\nوهذا القيام يستلزم كمال أفعاله من الاستواء، والنزول، والكلام، والخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، وسائر أنواع التدبير.\nومن قيامه بهم: إنزاله للكتب بالحق وإرساله للرسل؛ حتى تستنير بصائرهم، ويرشدون لما فيه صلاحهم وفلاحهم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٢، ٣] (^٢).\nالمقيم أمر أوليائه وأهل طاعته:\nقال ابن القيم -﵀-: «فإنه سُبْحَانَهُ القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه، ورضى به من الناس حبيبًا وربًّا، ووكيلًا وناصرًا ومعينًا وهاديًا، فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبًّا له وشوقًا إليه ويقع شكرًا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٨٣٠).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ١٢١).\n(^٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص ١٨٠).","vol":"1","page":291},{"text":"فهو الحي القيوم الذي بهما جمع معاني الأسماء الحسنى، وعليهما دارت الصفات العليا؛ وذلك أن الحياة تستلزم جميع صفات الكمال، ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته -﵎- أكمل حياة وأتمها؛ استلزم إثباتها إثبات كل صفة كمال.\nوكذلك القيام؛ فإنه مستلزم لكمال الأفعال، ولا يتخلف شيء منها إلا لضعف القيام، فإذا كان قيامه سُبْحَانَهُ أتم قيام وأكمله؛ استلزم إثباته إثبات كل فعل كمال، وبهذا انتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>الأثر الثاني: دلالة اسمي الله الحي القيوم على التوحيد:</span>\nإذا علم العبد أن الله -ﷻ- الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون، وكل شيء هالك إلا وجهه؛ أيقن أن لا أحد يستحق أن يعبد إلا الحي الباقي، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].\nقال الطبري -﵀-: «و(الحي) الذي لا يموت ولا يبيد، كما يموت كل من اتُّخِذ من دونه ربًّا، ويبيد كل من ادُّعِيَ من دونه إلهًا، واحتج على خلقه بأن: من كان يبيد فيزول ويموت فيفنى، فلا يكون إلهًا يستوجب أن يعبد دون الإله الذي لا يبيد ولا يموت، وأن الإله هو الدائم الذي لا يموت ولا يبيد ولا يفنى، وذلك الله الذي لا إله إلا هو» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٨٤).\n(^٢) تفسير الطبري (٦/ ١٥٧).","vol":"1","page":292},{"text":"وإذا علم العبد أن الله -ﷻ- هو القيوم الذي استغنى عن كل شيء، وكل شيء افتقر إليه، فلا قوام له إلا بقيوميته؛ علم أنه لا يستحق أن تكون العبادة إلا له وحده لا شريك له، قال تَعَالَى محتجًّا على خلقه بقيوميته: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ﴾ [الرعد: ٣٣]».\nأيستوي الرب الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك، قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق، متضمن لها، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال، رقيب عليهم، لا يعزب عنه شيء أينما كانوا، كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئًا، ولا يدفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرًّا، ولا يجلب إليهما نفعًا؟ كلاهما سواء؟» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-201>الأثر الثالث: التوكل على الحي القيوم:</span>\nيقين العبد بأن ربه هو الحي الذي له الحياة الكاملة فلا يموت أبدًا،، القيوم الذي يقوم بأموره ويدبر شؤونه، ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا غفلة؛ يوجب له التعلق به والتوكل عليه في رغبه ورهبه، ومعاذه وملاذه، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨].\nقال ابن كثير -﵀-: «أي: في أمورك كلها كن متوكلًا على الله الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي هو ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] الدائم الباقي السرمدي الأبدي، الحي القيوم رب كل\n_________\n(^١) المرجع السابق (١٦/ ٤٦٢).","vol":"1","page":293},{"text":"شيء ومليكه، اجعله ذخرك وملجأك، وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك» (^١).\nويوجب له قطع كل تعلق ورجاء بالمخاليق الضعفاء الفقراء الذين يلحقهم الموت والنوم والغفلة والنسيان؛ فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم، وإذا ناموا أو نسوا أو غفلوا خُذِلَ من توكل عليهم، وهم مع ذلك كله لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن أن يملكوا ذلك لغيرهم.\nروي أن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية كان خلًّا لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبد الملك وتصدع الناس عن قبره، وقف عليه، فقال له: «أنت عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك، وتوعدني فأخافك، أصبحت وليس معك من ملكك غير ثوبيك، وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين» (^٢)، فكل حي يموت، ولا يبقى إلا الحي الذي لا يموت.\nكما يوجب له التبرؤ من الحول والقوة والافتقار التام للحي القيوم، لسان حاله ومقاله: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا حصول قوة على القيام بأي أمر من الأمور إلا بالله، أي: إلا بعونه وتوفيقه وتسديده.\nوهذه الكلمة شرعها رسول الله -ﷺ- لأمته، وحثهم عليها في جملة من الأحاديث، منها:\n- عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قال: قال رسول الله\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ١١٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الاعتبار وأعقاب السرور، رقم الحديث: (٥٥).","vol":"1","page":294},{"text":"-ﷺ-: «مَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^١).\n- وعن أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٢).\n- وعن قيس بن سعد بن عبادة -﵁-، أن أباه دفعه إلى النبي -ﷺ- يخدمه، قال: فمر بي النبي -ﷺ- وقد صليت فضربني برجله، وقال: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ؟ قلت: بلى، قال: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-202>الأثر الرابع: مراقبة الحي القيوم والخوف منه:</span>\nإذا علم العبد أن ربه الحي القيوم الذي لا ينام ولا يغفل ولا ينسى، يحفظ عليه عمله ويحصيه ويجازيه عليه بالعدل والقسط، كما قال تَعَالَى:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٠٩٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦١٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٧١٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٥٨٢).","vol":"1","page":295},{"text":"﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] (^١)، قال ابن كثير -﵀-: «أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية» (^٢) أوجب ذلك له الخوف منه سُبْحَانَهُ ومراقبته، وخشيته في السر والعلن.\n\n<span data-type='title' id=toc-203>الأثر الخامس: محبة الله الحي القيوم:</span>\nإذا علم العبد أن ربه حي قيوم، واستشعر أن له الحياة الكاملة المطلقة التي بها أحياه وأوجده، وله القيومية والسيادة المطلقة التي أقام بها السموات والأرض وأقام به شؤونه ودبَّرها، واستشعر ما يتضمنه هذان الاسمان من صفات الكمال له -﷿-؛ أوجب ذلك له محبته وإجلاله؛ مما يثمر في القلب الابتهاج، واللذة، والسرور وتندفع به الكروب، والهموم، والغموم.\nيقول الإمام ابن القيم -﵀-: «فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج، واللذة، والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب، والهم، والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه، ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (١٦/ ٤٦٢)، تفسير السعدي (ص ٤١٩).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦٣).\n(^٣) زاد المعاد (٤/ ٢٠٥).","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-204>الأثر السادس: الخضوع والتذلل للحي القيوم:</span>\nإذا علم العبد أن ربه حي قيوم تخضع له الخلائق يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] واستشعر ذلك الموقف العظيم الذي يرى فيه الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والأحرار والأرقاء، والملوك والسوقة، ذليلين خاضعين، ساكتين منصتين، خاشعة أبصارهم، خاضعة رقابهم، جاثين على ركبهم، لا يدرون ماذا ينفصل كل منهم به (^١)؛ خضع وذل وافتقر واستكان لربه في الدنيا قبل الآخرة.\nفـ «العبد ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل، فهو ذليل لعزه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه، وإنعامه عليه؛ فإن مَن أحسن إليك: فقد استعبدك، وصار قلبك معبَّدًا له» (^٢).\nوالخضوع والذل لله هو أحد أصلَي العبادة، قال ابن القيم -﵀-: «والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبَّد، أي: مذلَّل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له؛ لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًّا خاضعًا» (^٣).\nفتحقيقهما يكون بتحقيق العبودية لله تَعَالَى وحده، وأعظم العبادات التي فيها عظيم الذل والخضوع لله: الصلاة المفروضة، لا سيما في السجود،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٥١٣).\n(^٢) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٢٨٩).\n(^٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٩٥).","vol":"1","page":297},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «لفظ السجود، فإنه إنما يستعمل في غاية الذل والخضوع، وهذه حال الساجد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-205>الأثر السابع: الزهد في دار الفناء، والعمل لدار البقاء:</span>\nالله تَعَالَى هو الحي الدائم الذي لا يزول، وكل الخلائق إلى زوال ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] ومهما أعطي العبد من العمر فلا بد أن ينقضي يومًا ما، أما الحياة الدائمة السرمدية التي يهبها الله لعبادة فإنما هي في الدار الآخرة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، قال ابن كثير -﵀-: «أي: الحياة الدائمة الحق، الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد» (^٢).\nوجاء عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا، ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] (^٣).\n_________\n(^١) جامع الرسائل، لابن تيمية (١/ ٣٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٩٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٤٩).","vol":"1","page":298},{"text":"فإذا عرف العبد هذا، وعرف حقيقة الدنيا، وأنها ليست دار بقاء، وإنما متاع ولعب ولهو زائل، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]، وقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وعرف ما جاء في ذمها وحقارتها من النصوص، كما في قول جابر -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ (^١) مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ! فَقَالَ: فَوَاللهِ، لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» (^٢) زهد فيها، ولم يتعلق بها، ممتثلًا قول رسول الله -ﷺ-: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللهُ -﷿-، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» (^٣).\nولم يقدم ما فيها من ملاذ وشهوات على الدار الباقية، وجعلها معبرًا للآخرة، وزادًا يبلغ به إلى الجنات؛ فإن الموفق من طال عمره وحسن عمله، كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ- أنه سُئِل مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» (^٤).\n_________\n(^١) كنفتيه: جانبيه، الأسك: صغير الأذنين. ينظر: شرح النووي على مسلم (١٨/ ٩٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٧).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٢)، والحاكم، رقم الحديث: (٧٩٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٢).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٨٣٤)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٩).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>الأثر الثامن: الدعاء باسم الله الحي القيوم:</span>\nجاء في جملة من الأحاديث ما يدل على عظم هذين الاسمين والدعاء بهما مجتمعين، ومنها:\nعن أنس بن مالك -﵁-، قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» (^١).\nوهناك مناسبة بين التوسل بهذين الاسمين، وبين كشف الكرب والضيق، قال ابن القيم -﵀-: «وفي تأثير قوله: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) في دفع هذا الداء مناسبة بديعة؛ فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، … والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم، ولا غم، ولا حزن، ولا شيء من الآفات، ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فـ (الحي) المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، و(القيوم) لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال» (^٢).\nوعن ابن عباس -﵄-، أن رسول الله -ﷺ- كان يدعو بهما قائلًا: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ» (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) زاد المعاد (٤/ ٢٠٥).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٧).","vol":"1","page":300},{"text":"وعنه أيضًا -﵄-، قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ....» (^١).\nوعن أنس -﵁-: «أنَّ رجلًا دعا، فقال: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجِلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكُ، فقال النبي -ﷺ- لأصحابه: تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^٢).\nوعنه أيضًا: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِفَاطِمَةَ: مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ: أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» (^٣)، فعلى العبد أن يحرص على الدعاء بهما؛ فإن التوسل لله بهما له تأثير في حصول المطلوب ودفع المرهوب (^٤).\nيَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ، أَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه. (ص: ١٧).\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٣٣٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة، رقم الحديث: (٤٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٢٧).\n(^٤) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٧٨ - ٧٩).","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>الخالقُ الخلَّاقُ البَارئُ المصوِّرُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-208>المعنى اللغوي:</span>\nأولًا: معنى الخالق والخلاق:\nقال الجوهري -﵀-: «الخلق: التقدير، يقال: خلقت الأديم: إذا قدرته قبل القطع …، والخلاق: النصيب، يقال: لاخلاق له في الآخرة» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(خلق) الخاء واللام والقاف أصلان؛ أحدهما: تقدير الشيء، والآخر: ملاسة الشيء، فأما الأول: فقولهم: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته …» (^٢).\nثانيًا: معنى البارئ:\nقال الجوهري -﵀-: «… وبرأ الله الخلق برءًا، وأيضًا هو البارئ، والبرية: الخلق» (^٣).\nقال ابن فارس -﵀-: «(برأ) فأما الباء والراء والهمزة فأصلان- إليهما ترجع فروع الباب- أحدهما: الخلق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم برءًا،\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٥٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٣) الصحاح (١/ ٣٧).","vol":"1","page":302},{"text":"والبارئ الله- جل ثناؤه- قال الله تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] … والأصل الآخر: التباعد من الشيء ومزايلته» (^١).\nثالثًا: معنى المصور:\nقال الجوهري -﵀-: «الصور، بالتحريك: الميل، ورجل أصور بين الصور: أي: مائل مشتاق، وأصاره فانصار، أي: أماله فمال، وصوره الله صورة حسنة، فتصور» (^٢).\nقال ابن فارس -﵀-: «صور يصور، إذا مال، وصرت الشيء أصوره، وأصرته، إذا: أملته إليك …، ومن ذلك: الصورة، صورة كل مخلوق، والجمع: صور، وهي هيئة خلقته، واللهتَعَالَى البارئ المصور» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-209>ورود اسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورد اسم الله (الخَالق) إحدى عشر مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].\nوقوله -﷿-: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\nوقوله -﷿-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩].\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (١/ ٢٣٦).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٢٨٠).\n(^٣) مقاييس اللغة (٣/ ٣٢٠).","vol":"1","page":303},{"text":"ثانيًا: وورد ذكر (الخلاق) مرتين في كتاب الله، وهما:\nقول الله -﷿-: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦].\nوقوله -﷿-: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].\nثالثا: وورد اسم الله (البارئ) ثلاث مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nمرتان في قول الله -﷿-: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤].\nقوله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤].\nرابعًا: وورد اسم الله (المُصَوِّر) مرة واحدة في كتاب الله، وهي:\nقول الله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-210>ورود اسم الله (الخالق، البارئ، المصور) في السنة النبوية:</span>\nأولًا: ورود اسم الله (الخالق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أنس بن مالك -﵁-، قال: «غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ سَعَّرْتَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ الْمُسَعِّرُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلِمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٧٨٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٤٥١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٨٤٦).","vol":"1","page":304},{"text":"وعن النواس بن سمعان -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» (^١).\nثانيًا: ورود اسم الله (الخلاق) في السنة النبوية:\nلم يرد اسم الله الخلاق في السنة النبوية.\nثالثًا: ورود اسم الله (البارئ) في السنة النبوية:\nلم يرد اسم الله البارئ في السنة النبوية.\nرابعًا: ورود اسم الله (المصور) في السنة النبوية:\nلم يرد اسم الله المصور في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>معنى اسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nأولًا: معنى اسم الله الخالق في حق الله تعالى:\nقال مجاهد -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]-: «يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «فالخلق في اسم اللهتَعَالَى هو ابتداء تقدير النشء، فالله خالقها ومنشئها، وهو متممها ومدبرها، فتبارك الله أحسن الخالقين» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في شرح السنة (٢٤٥٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٨٠).\n(^٢) تفسير الطبري (١٩/ ١٩).\n(^٣) تفسير الأسماء (ص ٣٦ - ٣٧).","vol":"1","page":305},{"text":"قال الخطابي -﵀-: «(الخالق) هو المبدع للخلق المخترع له على غير مثال سابق، قالسُبْحَانَهُ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]» (^١).\nثانيًا: معنى اسم الله الخلاق في حق الله تعالى:\nالخلاق من أفعال المبالغة من الخالق، تدل على كثرة خلق الله تَعَالَى وإيجاده، فكم يحصل في اللحظة الواحدة من بلايين المخلوقات التي هي أثر من آثار اسمه سُبْحَانَهُ الخلاق: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]».\nقال الحليمي -﵀-: «الخلاق ومعناه: الخالق خلقًا بعد خلق» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «إن ربك هو الخلاق، أي: المقدر للخلق والأخلاق، العليم بأهل الوفاق والنفاق» (^٣)\nقال ابن القيم -﵀-:\nوَكَذَاكَ يَشْهَدُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ الـ\nـخَلَّاقُ بَاعِثُ هَذِهِ الأَبْدَانِ (^٤)\nثانيًا: معنى اسم الله (البارئ) في حقه سُبْحَانَهُ:\nقال الطبري -﵀-: «البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته» (^٥).\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص ٤٩).\n(^٢) المنهاج (١/ ١٩٣).\n(^٣) تفسير القرطبي (١٠/ ٥٤).\n(^٤) النونية (ص ١٩٤).\n(^٥) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥٥).","vol":"1","page":306},{"text":"قال الخطابي -﵀-: «البارئ هو الخالق» … ثم قال: «إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من الخلق، وقلما يستعمل في خلق السماوات والأرض والجبال، فيقال: برأ الله السماء كما يقال: برأ الله الإنسان، وبرأ النسم» (^١).\nقال ابن كثير -﵀-: «الخلق هو التقدير، والبراء: هو الفري، وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله -﷿-» (^٢).\nقال الشوكاني -﵀-: «البارئ: الخالق، وقيل: إن البارئ هو المبدع المحدث» (^٣).\nثالثًا: معنى اسم الله (المُصَوِّر) في حقه سُبْحَانَهُ:\nيقول الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]: «صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته» (^٤)، ويقول في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]-: «هو المعبود الخالق، الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه، البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته،\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص ٥١).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٠).\n(^٣) فتح القدير (١/ ١٠١).\n(^٤) تفسير الطبري (٢٤/ ١٧٨).","vol":"1","page":307},{"text":"المصور خلقه كيف شاء، وكيف يشاء» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «(المصور) هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها، فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]» … وقال: التصور التخطيط والتشكيل»، ثم قال: وخلق الله -جل وعلا- الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعلها صورة، وهو التشكيل الذي به يكون ذا صورة وهيئة يعرف بها، ويتميز بها عن غيره بسماتها ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤]» (^٢).\nيقول السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ -: «الذي خلق جميع الموجودات وبرأها وسواها بحكمته، وصورها بحمده وحكمته، وهو لم يزل، ولا يزال على هذا الوصف العظيم» (^٣).\nومما سبق يتضح لنا اتساق هذه الأسماء الحسنى وأن بينها علاقة وطيدة، إلا أن لكل صفة من هذه الصفات الثلاث ما يخصها من حيث المعنى:\nقال الغزالي -﵀-: «قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع، ولا ينبغي أن يكون كذلك؛ بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير أولًا، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيًا، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثًا، والله -﵎- خالق من حيث إنه مقدر، وبارئ من حيث إنه مخترع، موجد، ومصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب» (^٤).\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢٢/ ٥٥٥).\n(^٢) شأن الدعاء (ص ٥١ - ٥٢).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٩٤٧).\n(^٤) المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (ص ٧٢).","vol":"1","page":308},{"text":"قال الطِّيبِيُّ -﵀-: «قيل: إن الألفاظ الثلاثة مترادفة، وهو وهم؛ فإن:\n(الخالق) من الخلق، وأصله: التقدير المستقيم، ويطلق على الإبداع، وهو إيجاد الشيء على غير مثال.\nو(البارئ) من البرء، وأصله: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التقصي منه، وعليه قولهم: برئ فلان من مرضه، والمديون من دينه، ومنه استبرأت الجارية، وإما على سبيل الإنشاء، ومنه برأ الله النسمة، وقيل: البارئ الخالق البريء من التفاوت والتنافر المخلين بالنظام.\nو(المصور) مبدع صور المخترعات ومرتبها بحسب مقتضى الحكمة، فالله خالق كل شيء، بمعنى أنه موجده من أصل ومن غير أصل، وبارئه بحسب ما اقتضته الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال، ومصوره في صورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله، - إلى أن قال-: وعلى هذا فالتقدير يقع أولًا، ثم الإحداث على الوجه المقدر يقع ثانيًا، ثم التصوير بالتسوية يقع ثالثًا» (^١).\nوهذه الفروق بين هذه الأسماء لله تَعَالَى إنما تتحقق عند اجتماع هذه الأسماء، أما عند افتراقها فإن كل اسم من هذه الأسماء الحسنى يشمل معناه ومعاني الاسمين الآخرين، والله أعلم.\n_________\n(^١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لابن حجر (٢٠/ ٤٨٥).","vol":"1","page":309},{"text":"اقتران اسم الله (الخالق، البارئ، المصور) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الخالق) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:\nاقتران اسم الخالق باسمي البارئ والمصور:\nوذلك في آية واحدة، وهي قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\nوجه الاقتران:\nيقول ابن القيم -﵀-: «جعل سُبْحَانَهُ اسمه الجبار مقرونًا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي: الخالق، البارئ، المصور؛ فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز، كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق» (^١).\nيقول صاحب (أضواء البيان): «فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد، و(البارئ) الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل من قدر شيئًا أوجده إلا الله، و(المصور) المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه» (^٢).\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص ١٢١).\n(^٢) أضواء البيان، لمحمد الأمين الشنقيطي (٨/ ٧٧).","vol":"1","page":310},{"text":"اقتران اسم (الخلاق) باسم (العليم):\nوذلك في آيتين، وهما: قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].\nوجه الاقتران:\nأن خلقه سُبْحَانَهُ للمخلوقات إنما هو عن علم منه سُبْحَانَهُ بما يخلق، كيف يخلقه، ومتى يخلقه، ويعلم الحكمة من خلقه، فكل شيء عنده بقدر وبعلم ولحكمة.\nثانيًا: اقتران اسم الله (البارئ والمصور) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:\nتقدم بيانه في اسم الخالق بالبارئ والمصور.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصوِّر):</span>\n<span data-type='title' id=toc-213>الأثر الأول: اثبات ما تتضمنه أسماء الله (الخالق، الخلاق، البارئ، المصور) من الصفات لله تعالى:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، القادر، العالم، المريد، الحكيم؛ إذ لا يمكن أن يكون خالقًا غير قادر ولا مريد ولا عالم بما خلق، أو أنه ليس له فيما خلق حكمة ولا علة؛ وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم -﵀-:\n«فمن طرق إثبات الصفات: دلالة الصنعة عليها؛ فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، على حياته وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته؛ فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا، وما فيه من الإتقان والإحكام","vol":"1","page":311},{"text":"ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه من الإحسان والنفع، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه، وإحسانه وجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال» (^١).\nومن مظاهر ودلائل عظمة الخالق الخلاق البارئ المصور سُبْحَانَهُ ما يلي:\nأوجد الخلق من العدم، وقدر أمورها في الأزل، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠].\nنوَّع خلقهم؛ فاختلفت أشكالهم وألوانهم ولغاتهم، وطباعهم وأجناسهم، وأنواعهم، مع أن أصلهم واحد (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥].\nخلق ما شاء على ما شاء من الصفات، فيزيد في خلق بعض خلقه ما يشاء من القوة، والحسن، وزيادة الأعضاء، وحسن الأصوات، ولذة النغمات ونحو ذلك (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١].\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٣٣٠).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٠٧)، وتفسير السعدي (ص ٥٧١).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص ٦٨٤).","vol":"1","page":312},{"text":"خلق الإنسان على أطوار ومراحل، وفق تركيب وتركيب دقيق عجيب، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٤]، فبدأ بنطفة حتى اكتمل بأحسن صورة، وفي أحسن تقويم، كامل الأعضاء، مستوفي الأجزاء، محكم البناء، كما قال تَعَالَى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].\nفاوت بين عباده فيما خلق لهم، «فمنهم من يهب له إناثًا، ومنهم من يهب له ذكورًا، ومنهم من يزوجه، أي: يجمع له ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يجعله عقيمًا لا يولد له» (^١).\nيقول تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠].\nخلق السماوات بما فيهما على عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما، يقول تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: ١٠]، ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص ٧٦٢).","vol":"1","page":313},{"text":"خلق الأرض مهادًا للخلق، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها، وأودع بها ما أودع، من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم وحاجاتهم.\nيقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٩]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١٢].\nفأنزل على هذه الأرض المطر، «وهو لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]» (^١).\nخلق الشمس والقمر متعاقبان، لا يفتران، يسعيان لمصالح العباد، من حساب أزمنتهم ومصالح أبدانهم، وحيواناتهم، وزروعهم، وثمارهم.\nيقول تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، بهما تعاقب الليل والنهار.\n«واختلافا في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٥٧١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٢٦٥).","vol":"1","page":314},{"text":"يقول سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].\nفمن تأمل في خلق الخالق سُبْحَانَهُ وتصويره وبرئه؛ أيقن بعظمة قدرة الله سُبْحَانَهُ وكمال علمه وحكمته، ورحمته ولطفه، وتصريفه وتدبيره سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>الأثر الثاني: توحيد الله بأسمائه: الخالق، الخلاق، البارئ، المصور:</span>\n- دلالة أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، على توحيد الألوهية والربوبية:\nمن آمن بهذه الأسماء؛ علم أن الله سُبْحَانَهُ له الخلق والأمر كله، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\n«فله الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء» (^١).\n«فكما أنه لا خالق سواه، فليس على الخلق إلزام ولا أمر ولا نهي إلا من خالقهم سُبْحَانَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص ٢٩١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٥٠١).","vol":"1","page":315},{"text":"وقد جاء التأكيد على هذا المعنى في قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٢، ٦٣]: «فالله ربكم المنفرد بالإلهية، والمنفرد بالربوبية؛ … ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقرير أنه المستحق للعبادة وحده، لا شريك له، و﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تقرير لربوبيته، ثم صرح بالأمر بعبادته، فقال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف تصرفون عن عبادته، وحده لا شريك له، بعد ما أبان لكم الدليل، وأنار لكم السبيل؟ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: عقوبة على جحدهم لآيات الله، وتعديهم على رسله، صرفوا عن التوحيد والإخلاص، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧]» (^١).\nوقد ضرب الله مثلًا لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].\nيقول السعدي عند هذه الآية: «في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ شمل كل ما يدعى من دون الله، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى، ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، بل أبلغ من ذلك لو ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، وهذا غاية ما يصير من العجز، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص ٧٤١).","vol":"1","page":316},{"text":"الذي هو المعبود من دون الله ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين، فهذا ما قدر الله حق قدره، حيث سوى الفقير العاجز من جميع الوجوه، بالغني القوي من جميع الوجوه، سوَّى من لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، بمن هو النافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف» (^١).\nوعليه فالايمان بهذه الأسماء يستلزم الإيمان بوحدانيته سُبْحَانَهُ، وألوهيته، وإفراده وحده بالعبادة، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٩]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١، ٦٣].\nيقول السعدي -﵀- في ذلك: «هذا استدلال على المشركين المكذبين بتوحيد الإلهية والعبادة، وإلزام لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، فأنت لو سألتهم من خلق السماوات والأرض، ومن نزل من السماء ماء فأحيا به\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٥٤٦).","vol":"1","page":317},{"text":"الأرض بعد موتها، ومن بيده تدبير جميع الأشياء؟ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وحده، ولا اعترفوا بعجز الأوثان، ومن عبدوه مع الله على شيء من ذلك!\nفاعجب لإفكهم وكذبهم، وعدولهم إلى من أقروا بعجزه، وأنه لا يستحق أن يدبر شيئًا، وسجل عليهم بعدم العقل، وأنهم السفهاء، ضعفاء الأحلام، فهل تجد أضعف عقلًا وأقل بصيرة، ممن أتى إلى حجر، أو قبر ونحوه، وهو يدري أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق، ثم صرف له خالص الإخلاص، وصافي العبودية، وأشركه مع الرب، الخالق الرازق، النافع الضار» (^١).\n- دلالة أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، على توحيد الأسماء والصفات:\nكما أن أسماء الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، تدل على توحيد الربوبية والألوهية، فهي تدل - أيضًا- على توحيد الأسماء والصفات، وتدل على عدد كبير منها كالقدير، والخبير، والعلي المتعال، وذو الجلال والإكرام، والجبار، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>الأثر الثالث: الله سُبْحَانَهُ خالق الأسباب ومسبباتها:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ جعل الحياة مبنية في العادة على ترابط الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، فلا يخلق النتيجة إلا إذا خلق السبب أو العلة، فلا يخلق التفكير إلا إذا خلق العقل، ولايخلق الإحراق إلا إذا خلق النار، ولا يخلق النبتة إلا إذا خلق البذرة، ولا يخلق الابن إلا إذا أوجد الأب والأم.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٦٣٥).","vol":"1","page":318},{"text":"وهذا لا ينفي أن الله تَعَالَى قد يخلق بقدرته العلل والأسباب بغير أسبابها ومعلولاتها، وهو ما يسمى بخوارق العادات أو الكرامات والمعجزات.\nوفي ذلك يقول ابن القيم -﵀-: «الأسباب مظهر حكمته وحمده، وموضع تصرفه لخلقه وأمره فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر، وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالًا لها، واقتضاء هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، فتعطيلها منها قدح في الحكمة وتفويت لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه، وأن الرب سُبْحَانَهُ قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانًا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطل النار التي ألقى فيها إبراهيم، وجعلها عليه بردًا وسلامًا عن الإحراق؛ لما في ذلك من المصالح العظيمة، وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض، هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود، وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب.\nفهكذا سائر أفعاله سُبْحَانَهُ، مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء: إنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها، ويقولون: لا تعطيل في الطبيعة، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر، وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة.","vol":"1","page":319},{"text":"ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية، وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها» (^١).\nوعليه فأهل اليقين ينظرون إلى الأسباب، ويعلمون أنها صادرة عن الخلاق، وأن الله سُبْحَانَهُ تارة ينسب الفعل إليه؛ لأنه الخالق بتقدير وقدرة، وتارة ينسب الفعل إلى عباده عند دعوتهم إلى العمل في الأسباب بمقتضى الشريعة والعقل والحكمة، فمرة يقول سُبْحَانَهُ في بيان التقدير والقدرة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، وقال أيضًا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]، فنفى عن الناس خلقهم لأفعالهم وتأثير الأسباب بمفردها في أرزاقهم، وأثبت لنفسه تصريف الأسباب وانفراده بخلقها وتقليبها؛ لأنه الخالق الخلاق على الحقيقة، فهو الذي علم وكتب، وشاء وخلق، قدر كل شيء بعلمه، وكتبه في أم الكتاب بقلمه، وأمضاه بمشيئته، وخلقه بقدرته.\nثم أمر الناس أن يأخذوا بالأسباب التي خلقها وأحكم ابتلاءهم بها، فقال: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧]، وقال تَعَالَى أيضا: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، فسماهم زرَّاعًا، وقال: تزرعون، وسماهم كفارًا؛ لأنهم يضعون\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٢٥٧).","vol":"1","page":320},{"text":"البذرة ويغطونها ويغيبونها في الأرض، فكلف عباده بالعمل لأنهم في دار ابتلاء وامتحان، والأخذ بالأسباب حتم على بني الإنسان؛ فهم مستخلفون في ملكه ومخولون في أرضه، فطالب بالعمل والإنفاق مع الإيمان بأنه الخلاق؛ ليصل كل منهم إلى ما قدر له من الأرزاق، فقال تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧].\nأما ما يتعلق بخلق الله سُبْحَانَهُ للأسباب والعلل من غير مسبباتها وعللها، فمن شواهد ذلك أيضًا:\nخلق الثمار لمريم بنت عمران من غير نباتها، فكانت تأكل من الثمار بدون أسباب، وفي غير أوانها، كما قال تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، قيل: إنها كانت ترزق بفاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف (^١).\nاختيارالله سُبْحَانَهُ لمريم- أيضًا- لتكون محلًّا للابتلاء، فتحمل من غير زوج، على غير عادة النساء، وتلد عيسى، كمعلول بغير علة ونتيجة بلا سبب، يقول تَعَالَى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ٢١].\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣/ ٢٤٤).","vol":"1","page":321},{"text":"اختيار الله سُبْحَانَهُ لإبراهيم ليرمىه قومه في نار لا يقوى الطير على المرور من فوقها، وقد توفرت لهم العلة ولكن الله لم يخلق معلولها، فكانت بردًا عليه وسلامًا، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨، ٦٩].\nاختيار الله محمدًا -ﷺ- لتضع له السم يهودية، ويتخلف السم عن معلوله، فلم يضره -ﷺ-، ففي حديث أنس بن مالك -﵁-: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟» (^١)، وفي رواية مسلم: «فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكَ، أَوْ قَالَ: عَلَيَّ، قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا» (^٢)، إلى غير ذلك من الشواهد والمعجزات الربانية.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>الأثر الرابع: الحكمة من خلق الخلق:</span>\nإن الإيمان بأسماء الله الخالق الخلاق البارئ المصور سُبْحَانَهُ يستلزم الإيمان بحكمته سُبْحَانَهُ من هذا الخلق، فالله تَعَالَى لم يخلق الخلق عبثًا- تَعَالَى عن ذلك وتقدس-، يقول تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٧٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٩٠).","vol":"1","page":322},{"text":"بل إنه سُبْحَانَهُ خلق الخلق لحكمة جليلة وغاية عظيمة، ألا وهي معرفة الله سُبْحَانَهُ بآياته ومخلوقاته، ثم القيام بعبادته على الوجه الذي أمرنا به.\nودليل الأول: قول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].\nودليل الثاني: قول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nيقول ابن القيم -﵀-: «فإن سر العبودية، وغايتها وحكمتها إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب -﷿-، ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها …، فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها، كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات؟ وغاياتها ومقاصدها، وما شرعت لأجله؟ كيف يستقيم له العلم بأنها هي الغاية المقصودة بالخلق، والتي لها خلقوا، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجلها خلقت الجنة والنار؟ …، إن العبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها، قال الله تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا، قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى، وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والصحيح: الأمران، فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي، والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة امتثالهما، وقال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]» (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١١٨).","vol":"1","page":323},{"text":"وقد ضل في هذا الباب- الغاية من خلق الخلق- أكثر الخلق؛ فعرفوا أن الذي خلقهم هو الله وحده لا شريك له، وأنه وحده سُبْحَانَهُ تفرد بخلقهم، وخلق السماء، والأرض، والجبال، والأشجار، وغيرها من المخلوقات، ومع هذا الإقرار، صرفوا العبادة لغير الله، وهذا هو معنى قول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].\nقال ابن عباس -﵄-: «من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون» (^١).\nوقال عكرمة -﵀-: «تسألهم من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، فذاك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره» (^٢).\nوقال الله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] أي: «يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره، فسبحان الله ما أبلغها من حجة، وأوجزها من عظة، لمن فكر فيها بعقل، وتدبرها بفهم!» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٦/ ٢٨٦).\n(^٢) المرجع السابق (١٦/ ٢٨٦).\n(^٣) المرجع السابق (١١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>الأثر الخامس: محبة الله الخالق الخلاق، البارئ، المصور سُبْحَانَهُ:</span>\nمن تأمل في خلقه سُبْحَانَهُ وبرئه وتصويره لعباده في أحسن تقويم، وهدايته وتوفيقه، وتسخير الكون العظيم البديع كله لخدمته، وفق حكمة ربانية وعلم إلهي؛ أورث ذلك في قلبه محبة لله -﵎-، وتعلقًا به سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>الأثر السادس: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾:</span>\nذكر الله سُبْحَانَهُ الاعجاز في خلق الإنسان، والدعوة إلى التأمل في ذلك في مواضع عديدة في كتابه العظيم، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] وقوله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]، وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].\nويقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكر الانسان في نفسه، استنارت له آيات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل، فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره، دالة عليه مرشدة إليه، إذا يجده مكونًا من قطره ماء لحومًا منضدة، وعظامًا مركبة، وأوصالًا متعددة، مأسورة مشددة","vol":"1","page":325},{"text":"بحبال العروق والأعصاب، قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين، مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلًا، ما بين كبير وصغير، وثخين ودقيق، ومستطيل ومستدير، ومستقيم ومنحن، وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقًا؛ للاتصال والانفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنائع والكتابة.\nوجعل فيه تسعة أبواب: فبابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للشم، وبابان للكلام والطعام والشراب والتنفس، وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها.\nوجعل داخل بابي السمع مرًّا قاتلًا؛ لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه، وجعل داخل بابي البصر مالحًا؛ لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوًا؛ ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به لو كان مرًا أو مالحًا.\nوجعل له مصباحين من نور، كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه، وفي أشرف عضو من أعضائه، طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدًّا يبصر به السماء والأرض وما بينهما، وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض، حماية له وصيانة، وحراسة، وجعل على محله غلقًا بمصراعين أعلا وأسفل، وركب في ذيل المصراعين أهدابًا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالًا، وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ما ينصب من هناك، وجعل سُبْحَانَهُ لكل طبقة من طبقات العين شغلًا مخصوصًا، ولكل واحد من الرطوبات مقدارًا مخصوصًا، لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة.","vol":"1","page":326},{"text":"وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة، ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض، والشمس والقمر، والنجوم والجبال، والعالم العلوي والسفلي، مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره، واقتضت حكمته سُبْحَانَهُ أن جعل فيها بياضًا وسوادًا، وجعل القوة الباصرة في السواد، وجعل البياض مستقرًّا لها ومسكنًا وزين كلًّا منهما بالآخر.\nوجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم، والحواجب بالأهداب، وجعلها سوداء؛ إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر، فضعف الإدراك، فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر، وخلق سُبْحَانَهُ لتحريك الحدقة وتقليبها أربعًا وعشرين عضلة، لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين.\nولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء، جعل سُبْحَانَهُ هذه الأجفان متحركة جدًّا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف؛ لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات، ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانًا، فإنها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات …» (^١).\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص ٣٠٣).","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>الأثر السابع: الحذر من عيب ما صوره المصور سُبْحَانَهُ:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ امتن على عباده بأن صورهم فأحسن صورهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، وهذا التصوير يتم على وجهين:\nالأول: تصوير آدم، فقد خلقه الله بيده، وصوره، ثم نفخ فيه الروح، وأسجد له ملائكته: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١].\nوالثاني: التصوير الذي تم في الأرحام: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١١].\nوعليه فمن آمن بأن الله هو الخالق الخلاق البارئ المصور، لم يعب على أحد خلقه، وشكله، وهيئته؛ لأن عيب الصنعة إنما هو عيب لصانعها، ولذا قيل لمن يعيب بعض الناس: أتعيب الخالق، أم تعيب المخلوق!، وفي ذلك يقول الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١١].\nفالله تَعَالَى لايقدر الناس بأشكالهم ولا صورهم، وإنما الميزان الحقيقي للتفاضل هو تقواهم التي في قلوبهم وجهادهم في تحقيق ذلك كما في الآية","vol":"1","page":328},{"text":"السابقة، عندما ذكر الله تَعَالَى التفاضل الحقيقي بالتقوى عقَّب النهي عن الغيبة، واحتقار الناس لبعضهم؛ وذلك تنبيهًا منه سُبْحَانَهُ لتساويهم في البشرية، وأن التفاضل إنما يكون بالأمور الدينية (^١).\nوهذا هو المنهج النبوي والتربية النبوية، يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ» (^٢)، ومن شواهد ذلك ما يلي:\nحديث أنس بن مالك: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ زَاهِرًا بَادِينَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ -ﷺ- جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللهِ كَاسِدًا، قَالَ: لَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَوْ قَالَ -ﷺ-: «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللهِ غَالٍ» (^٣).\nحديث عمرو بن الشريد، يحدث عن أبيه، «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَبِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفَ حَتَّى هَرْوَلَ فِي إِثْرِهِ حَتَّى أَخَذَ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ: ارْفَعْ إِزَارَكَ،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٣٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).\n(^٣) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٥٧٩٠)، والضياء في المختارة، رقم الحديث: (١٨٠٦)، حكم الألباني: صحيح، مختصر الشمائل، رقم الحديث: (٢٠٤).","vol":"1","page":329},{"text":"فَكَشَفَ الرَّجُلُ، عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْنَفُ وَتَصْطَكُّ رُكْبَتَايْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «كُلُّ خَلْقِ اللهِ حَسَنٌ»، فَلَمْ نَرَ ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا وَإِزَارُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ حَتَّى مَاتَ (^١).\nحديث معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: «كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى شَجَرَةٍ يَجْنِي لَهُمْ مِنْهَا، فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهِ، فَضَحِكُوا مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ» (^٢).\nحديث أنس، قال: «خَطَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى جُلَيْبِيبٍ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: فَنَعَمْ إِذًا، قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لَا هَا اللهِ إِذَا، مَا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَّا جُلَيْبِيبًا، وَقَدْ مَنَعْنَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؟ قَالَ: وَالْجَارِيَةُ فِي سِتْرِهَا تَسْتَمِعُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ -ﷺ- بِذَلِكَ، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَرُدُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَمْرَهُ؟ إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ فَأَنْكِحُوهُ، قَالَ: فَكَأَنَّهَا جَلَّتْ عَنْ أَبَوَيْهَا، وَقَالَا: صَدَقْتِ، فَذَهَبَ أَبُوهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ قَدْ رَضِيتَهُ فَقَدْ رَضِينَاهُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُهُ، فَزَوَّجَهَا، ثُمَّ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَرَكِبَ جُلَيْبِيبٌ، فَوَجَدُوهُ قَدْ قُتِلَ\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، رقم الحديث: (١٧٠٨)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٢١٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٠٧٢)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٥٣١٠)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٨٤٥٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣١٩٢).","vol":"1","page":330},{"text":"وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ قَتَلَهُمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا، وَإِنَّهَا لَمِنْ أَنْفَقِ بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ» (^١).\nالحمدُ لله الذي خلقَ السماواتِ والأرضَ، وجعلَ الظلماتِ والنورَ، اللهمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث (١٢٥٨٨)، وابن حبان، رقم الحديث: (٤٠٥٩)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٤٠٤٧).","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>الخبيرُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-221>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الخَبَر: المزادة العظيمة، والجمع: خبور … والخبر بالتحريك: واحد الأخبار … والاسم: الخُبر بالضم، وهو العلم بالشيء. والخبير: العالم. والخبير: الاكار، ومنه المخابرة، وهي: المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العلم، والثاني يدل على لين ورخاوة وغزر، فالأول الخبر: العلم بالشيء، تقول: لي بفلان خبرة وخبر. والله تَعَالَى الخبير، أي العالم بكل شيء، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والأصل الثاني: الخبراء، وهي الأرض اللينة …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>ورود اسم الله (الخبير) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (الخبير) خمسًا وأربعين مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠].\nقوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣].\nقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٦٤١).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٢٣٩).","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>ورود اسم الله (الخبير) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الخبير) في السنة النبوية، ومن وروده: حديث مُحَمَّد بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي، قَالَ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ، فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخْبِرِينِي، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ …» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>معنى اسم الله (الخبير):</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]: «خبير: يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٧٤).\n(^٢) تفسير الطبري (٥/ ٩٤).","vol":"1","page":333},{"text":"قال الزجاجي -﵀-: «الخبير: العالم بالشيء، يقال: خبرت الشيء واختبرته، إذا علمته …» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «الخبير: هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته، كقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «الخبير: الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها، كما أحاط بظواهرها» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «العليم الخبير: هو الذي أحاط علمه بالظواهر، والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء» (^٤).\nاقتران اسم الله (الخبير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (اللطيف):\nاقترن اسم الله (الخبير) باسمه (اللطيف) في خمس آيات من القرآن الكريم، ومنها:\nقوله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].\n_________\n(^١) اشتقاق أسماء الله (ص: ١٢٧).\n(^٢) شأن الدعاء (١/ ٦٣).\n(^٣) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٢/ ٤٩٢).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٥).","vol":"1","page":334},{"text":"وجه الاقتران (^١):\nأن خبرة الله -﷿- وعلمه أحاط بأفعاله، التي لطفت عن أن تدركها العقول والأفهام، كما أحاط- أيضًا- بكل ما لطف ودق.\nأن لطف الله -﷿- الذي دق عن إدراك العقول والأفهام، إنما هو جارٍ على مقتضى خبرته وعلمه وحكمته.\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (العليم):\nورد اقتران اسمه (الخبير) باسمه (العليم) أربع مرات في القرآن الكريم، منها:\nقوله تَعَالَى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].\nوجه الاقتران:\nيدل على كمال علم الله؛ إذ شمل علمه العالم الظاهر المشهود الذي دل عليه اسم الله (العليم)، وشمل علمه العالم الباطن الغيبي الذي دل عليه اسم الله (الخبير)، وإن كل من الاسمين بمفردهما دال على العلم بالظاهر والباطن، إلا أنهما إذا اجتمعا خص كل واحد منهما بعلم معين.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٧٦)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (٧/ ٤١٨).","vol":"1","page":335},{"text":"ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه (الحكيم):\nتقدم بيانه في اسم الله الحكيم.\nرابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الخبير) باسمه سُبْحَانَهُ (البصير):\nتقدم بيانه في اسم الله البصير.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الخبير):</span>\n<span data-type='title' id=toc-226>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الخبير) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- الخبير الذي وسع ودق ولطف علمه وخبرته، حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن، فلم يخف عليه شيء منها، قال تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣] (^١).\nومن مظاهر كمال هذا الاسم ما يلي:\nأنه الخبير الذي أحاط علمه بذاته الجليلة، وبأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى، وبأفعاله العظيمة التي لا يحيط بها خلقه، قال تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] «يعني بذلك: نفسه الكريمة،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٦٨).","vol":"1","page":336},{"text":"فهو الذي يعلم أوصافه وعظمته وجلاله» (^١).\nأنه الخبير الذي أحاط علمه بما في أرجاء السموات والأرض وأقطارهما من مخلوقاته، حتى الصغير الدقيق الخفي منها، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (^٢).\nفيعلم الخبير حبة الخردل- التي هي من أصغر الأشياء وأحقرها- في داخل الصخر أو في أي جزء من أجزاء السماوات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] (^٣).\nويعلم الخبير بسقوط الجزء الصغير من ورق الشجر ونحوه، يعلم من أي موضع سقط، وفي أي مكان من الأرض سقط، وكيف سقط، كما يعلم سُبْحَانَهُ الحبة الصغيرة الساقطة في قاع البحر، المندفنة في تربته، حتى وإن كانت في ليلة مظلمة، مغيمة، ممطرة، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]» (^٤)، ويعلم ما يدخل في باطن الأرض من قطر المطر، أو بذر الأرض، كما يعلم ما يخرج منها من ذلك كله، قال تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ١، ٢] (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٨٧)، وتفسير البغوي (٣/ ٤٥٣)، وتفسير السعدي (ص: ٥٨٥).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٧٧) (٥/ ٤٥٠)، وتفسير السعدي (ص: ٦٠٤).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٤٩).\n(^٤) ينظر: شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (١/ ٣٣٢ - ٣٣١).\n(^٥) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٧٤).","vol":"1","page":337},{"text":"أنه الخبير الذي أحاط علمه بما يصلح من الأقدار لخلقه مما خفي وغاب عنهم، ولم يدركوا حكمته وسره، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].\nومن تلك الأقدار مايلي:\n- تقدير الأرزاق؛ إذ مبناها على علم الله وخبرته بحال عباده وما يصلح لهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فيعطي هذا ويمنع هذا؛ لعلمه وخبرته بحالهما وما يصلح لكل واحد منهما، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال لأمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي: فبخبرته بحالكن، وأنكن أهل لهذه المنزلة العظيمة من الزواج من رسول الله -ﷺ-، وتنزل الوحي في بيوتكن، وذكر السنة فيها، رزقكن ذلك وخصكن به واختاركن له (^١).\n- تقدير الشرائع والأحكام، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «فيعطي كل أمة وكل شخص، ما هو اللائق بحاله، ومن ذلك: أن الشرائع السابقة لا تليق إلا بوقتها وزمانها، ولهذا ما زال\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٢٦٨)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٤١٦).","vol":"1","page":338},{"text":"الله يرسل الرسل رسولًا بعد رسول، حتى ختمهم بمحمد -ﷺ-، فجاء بهذا الشرع، الذي يصلح لمصالح الخلق إلى يوم القيامة، ويتكفل بما هو الخير في كل وقت.\nولهذا لما كانت هذه الأمة أكمل الأمم عقولًا وأحسنهم أفكارًا، وأرقهم قلوبًا، وأزكاهم أنفسًا؛ اصطفاهم الله تَعَالَى، واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب المهيمن على سائر الكتب» (^١).\nوجاء هذا الكتاب من الخبير سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، فأحكامه من لدن الخبير الذي يعلم ما يصلح لخلقه منها، وأخباره من لدن الخبير الذي لم تخف عليه دقائق الأخبار وتفاصيلها الماضية منها والحاضرة بل والمستقبلة، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].\nومن هنا كان كتاب الله أعظم كتاب وأكمله، وأصدق خبر، وأعدل حكمًا وأحسنه؛ إذ لا مثل الله في العلم والخبرة ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].\n- تقدير الهدى والضلال، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٦، ٩٧].\nقال ابن كثير -﵀-: «عليم بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٨٩).","vol":"1","page":339},{"text":"ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: ٩٧]» (^١).\n- أنه الخبير الذي أحاط علمه بما دق وخفي من العلوم التي توصل إليها خلقه علمًا وخبرة، والعلوم التي لم يتوصلوا إليها أيضًا، بل علم وخبر سُبْحَانَهُ ما فوق ذلك من تفاصيل ودقائق وخفايا علم الغيب، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، ثم إنه قد يتوهم متوهم أن خبرة الخلق وعلمهم بالعلوم والأشياء كخبرة الله وعلمه، وهذا باطل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فعلم الخالق وخبرته كاملة من كل وجه، وعلم الخلق وخبرتهم قاصرة ناقصة من كل وجه.\nومن أوجه قصور علم الخلق وخبرتهم، ما يلي (^٢):\nافتقار خبرتهم وعلمهم إلى بذل الأسباب والمقدمات الحسية والعقلية للتوصل إليها.\nاحتمال الخطأ والغلط، بعد العلم والخبرة بالشيء.\nتعلق خبرتهم وعلمهم بشيء معين دون جميع الأشياء، فتجد الواحد منهم عالمًا خبيرًا بشيء ما، جاهلًا أميًّا بغيره.\nتعلق خبرتهم وعلمهم بالدنيا دون الآخرة.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٥/ ١٢٢).\n(^٢) ينظر: شأن الدعاء، للخطابي (١/ ٦٣).","vol":"1","page":340},{"text":"أنه الخبير الذي أحاط علمه بما خفى وبطن مما يصدر من خلقه، سواء أكان ذلك نية أو قولًا، أو فعلًا، حسنًا كان أو سيئًا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^١)، قال ابن كثير -﵀-: «اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير» (^٢).\nفيعلم الخبير ما يكون في الصدور من الخفايا، وما يكون في القلوب من النوايا والمقاصد، وما يكون في النفوس من الأفكار والوساوس والخواطر وكمائن الخير والشر مما لا يطلع عليه إلا صاحبها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣، ١٤] (^٣)، ومن هنا علم الخبير سُبْحَانَهُ بسرائر المتخلفين من الأعراب والمنافقين وما في ضمائرهم مما أخفوه وأظهروا خلافه، قال تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣] (^٤).\nوعلم مقصد الحكم بين الزوجين ونيته أأرادَ الإصلاح أم غيره، قال تَعَالَى:\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٧٠).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٨/ ٧٧).\n(^٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤٦).\n(^٤) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٣٣٧).","vol":"1","page":341},{"text":"﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] (^١).\nويعلم الخبير ما يسر من الأقوال، ويهمس من الأصوات كعلمه بما يجهر منها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠]، كما علم الخبير سُبْحَانَهُ بما أسرَّته بعض أمهات المؤمنين من الخطاب لبعض في حادثة التحريم، وأطلع نبيه -ﷺ- على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].\nويعلم الخبير ما يصدر من الأفعال والأعمال ولو على وجه الخفاء والخباء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] سواءأكان ذلك خيرًا أم شرًّا، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]، فيعلم الخبير ما يبذل من الصدقات خفية، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٨/ ٣٣٣).","vol":"1","page":342},{"text":"ويعلم الخبير ما يكون من مسارقة النظر للحرام، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ويعلم الخبير دفع كفارة الظهار أكانت قبل المساس أم بعده مما يخفى على الناس ولا يخفى على الخبير المتعال، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣]، ويعلم الخبير عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أقامت بحقها من مدتها، وحدادها، وامتناعها من النكاح ومقدماته أم لا مما لا يظهر لكثير من الناس، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nفيعلم ذلك كله وغيره من أفعال الخير والشر وإن كان في عتمة الليل وظلمته، أو كان في أماكن الخفاء كالكهوف، والمغارات، والأدغال، وأعماق البحار والقفار، قال تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] (^١).\nبل لا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا يضطرب نفس ولا يطمئن، إلا وقد علمه الخبير اللطيف (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٤٣٧)، وتفسير السعدي (ص: ٧٣٥).\n(^٢) ينظر: المقصد الأسنى، للغزالي (ص: ١٠٣).","vol":"1","page":343},{"text":"أنه الخبير الذي يحيط علمه بخلقه في الآخرة كما أحاط بهم في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ٩ - ١١] وإنما «خص خبره بذلك اليوم، مع أنه خبير بهم في كل وقت؛ لأن المراد بذلك: الجزاء بالأعمال الناشئ عن علم الله واطلاعه» (^١).\nوبمقتضى علمه وخبرته -﵎- يجازيهم على ما كان منهم من الأقوال، والأعمال، والنوايا، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ٩ - ١١]،\nفلا يخاف المحسن ضياعًا ولا نقصًا ولا نسيانًا لحسناته وثوابها، وإن كانت مجرد نية لم يتبعها عمل كما قال -ﷺ-: «فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» (^٢).\nقال ابن عاشور -﵀- في مناسبة ختم قوله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] باسمه الخبير: «وإيقاع هذه الجملة بعد ذكر ما يقطعه الموت من ازدياد الأعمال الصالحة؛ إيماء إلى أن ما عسى أن يقطعه الموت من العزم على العمل إذا كان وقته المعين له شرعًا ممتدًّا، كالعمر للحج على المستطيع لمن لم يتوقع طرو مانع، وكالوقت المختار للصلوات- أن حيلولة الموت دون إتمامه لا يرزئ المؤمن ثوابه؛ لأن المؤمن إذا اعتاد حزبًا أو عزم على عمل صالح ثم عرض له ما منعه منه؛ أن الله يعطيه أجره.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٩٣٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٣١).","vol":"1","page":344},{"text":"ومن هذا القبيل: أن من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، كما في الحديث الصحيح» (^١).\nوكذا المسيء لا يظن فواتًا ولا نسيانًا لسيئاته وعقابها، إلا أن يتغمده الله برحمته وعفوه.\nومن هنا نجد أن الله -﷿- كثيرًا ما يختم أعمال البِر باسمه الخبير ترغيبًا فيها؛ ومن ذلك:\nقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].\nقوله تَعَالَى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٣].\nقوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].\nوكذا يختم أعمال السوء باسمه الخبير ترهيبًا منها، كما في قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ\n_________\n(^١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٨/ ٢٥٦).","vol":"1","page":345},{"text":"وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].\nفسبحان الخبير الذي أحاط علمه بالظواهر، والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.\n\n<span data-type='title' id=toc-227>الأثر الثاني: دلالة اسم الله الخبير على التوحيد:</span>\nإن الإيمان باسم الله الخبير يدعو العبد إلى توحيد الله في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات؛ وذلك أن الله أنزل كتابه الصادر عن علمه وخبرته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وأخبر فيه بأنواع التوحيد الثلاثة ودعا الخلق إليها.\nفأخبر الخبير بأنه الخالق وحده، وأنه الرازق وحده، وأنه النافع الضار وحده، وأنه المحيي المميت وحده، ونحو ذلك من أفراد الربوبية، وهذا يعني أن يوحد الله فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٧، ١٨].","vol":"1","page":346},{"text":"وأخبرهم الخبير بأنه المستحق للعبودية وحده، وأن كل ما سواه لا يستحق منها شيئًا؛ إذ هو فقير عاجز لا يملك شيئًا لنفسه ولا لعابده، فليس بيده نفع ولا ضر ولا تصريف ولا ملك لشيء قليل ولا كثير، بل حتى ولا القطمير ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، فما كان كذلك كيف يدعى ويعبد؟ وكيف يجعل ندًّا لله الملك الذي بيده كله شيء؟\nثم إنه في آية فاطر: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] أخبر بأمور كل واحد منها كاف لنبذ كل معبود سوى الله، ونبذ العبادة إليه؛ إذ أخبر (^١):\nأولًا: أن هذه المعبودات لا تسمع ولا تعلم بعابدها وداعيها؛ لأنهم ما بين جماد، وأموات، وملائكة مشغولين بطاعة ربهم ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].\nثانيًا: أن هذه المعبودات من دون الله لو قدر أنها سمعت وعلمت بعابدها وداعيها؛ فهي لا تملك شيئًا ولا حتى الشفاعة التي تعلق بها الكثير ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فكيف تجيبهم لمطالبهم؟! ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].\nثالثًا: أن هذه المعبودات من دون الله تتبرأ يوم القيامة من عابدها وداعيها، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٥٤١)، وتفسير السعدي (ص: ٦٨٧).","vol":"1","page":347},{"text":"وأخبرهم الخبير بأن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأن طريق معرفتها الوحي، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، قال جماعة من المفسرين: يعني بذلك: نفسه الكريمة -﵎- (^١)، وقال ابن كثير -﵀-: «استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد- صلوات الله وسلامه على سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى- فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق …» (^٢).\nوهذا يعني: إثبات ما أثبتها الله لنفسه ورسوله -ﷺ- من الأسماء والصفات، ونفي ما نفاه الله عن نفسه ورسوله -ﷺ- من الأسماء والصفات.\nكل ذلك من غير تحريف ولا تعطيل؛ إذ خبرهما أفصح خبر وأبينه، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ لأخبره سُبْحَانَهُ أنه لا مثيل ولا شبيه له، قال تَعَالَى:\n﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وبهذا يوحد الله في أسمائه وصفاته.\nثم إن هذا الإخبار من الله -﷿- بالتوحيد أصدق خبر وأكمله وأحقه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، فلا يخبرك بالأمور وأحكامها\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٨٧)، وتفسير البغوي (٣/ ٤٥٣)، وتفسير القرطبي (١٣/ ٦٣)، وفتح القدير، للشوكاني (٤/ ٩٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٦/ ١١٩).","vol":"1","page":348},{"text":"وعواقبها ومآلها، وما تصير إليه أصدق من الله العليم الخبير، «فاجزم بأن هذا الأمر الذي نبأ به كأنه رأي عين، فلا تشك فيه ولا تمتر» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-228>الأثر الثالث: الرجوع للكتاب والسنة في معرفة الله الخبير:</span>\nإن الإيمان باسم الله الخبير يدعو العبد للرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله -ﷺ-، إذا ما أراد أن يتعرف على معوده الحق الله -﷿-، سواء كان ذلك من ناحية التعرف على أسمائه وصفاته وأفعاله، أو من ناحية التعرف على محبوباته ومرغوباته ومراضيه، وبالمقابل مكروهاته ومساخطه؛ إذ في الكتاب والسنة خبر ذلك على وجه التفصيل والإحكام، قال تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].\nثم إنه لا أحد أعرف بالله من الله، ولا أحد من الخلق أعلم بالله، ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، يعني بذلك: نفسه سُبْحَانَهُ، وقال ابن كثير -﵀-: يعني به محمدًا -ﷺ- كما تقدم-، والكل صحيح (^٢).\nوهذا يعني: الرجوع إلى خبر الله ورسوله في العلم بذلك دون غيرهما، سواء أكان عقلًا أو هوى أو شيخًا مبتدعًا أو طريقًا من طرق الصوفية أو غير ذلك.\nقال البغوي -﵀- في الآية: «والمعنى: أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٨٧).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٧٠).\n(^٣) تفسير البغوي (٣/ ٤٥٣).","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>الأثر الرابع: إصلاح الباطن:</span>\nإذا علم العبد أن ربه الخبير خبير بباطنه كظاهره، وسره كجهره، يعلم خطره وفكره، وما في قلبه من العقائد والمقاصد والأحقاد والأضغان والكبر والعجب، والتعلق بالدنيا، وإضمار الشر مع إظهار الخير، والتجمل بالإخلاص مع الإفلاس ونحو ذلك، وأن الكل مكشوف أمامه لا يخفى عليه ولا يغيب عنه، بل هو محل نظره، كما في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (^١).\nفإذا علم العبد هذا سارع لإصلاح باطنه كما يصلح ظاهره، وتخلص من آفاته كما يتخلص من آفات ظاهره، واعتنى بعمل قلبه كما يعتني بعمل جوارحه، وراقبه دومًا ولم يغفله.\nوقد قال ابن القيم -﵀- في أهمية هذا الأمر: «إن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة، وعبودية ظاهرة؛ فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية، فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع التعري عن حقيقة العبودية الباطنة لا يقربه من الله، ولا يوجب له الثواب، وقبول عمله؛ فإن المقصود امتحان القلوب، وابتلاء السرائر، فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح، والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء، والمقصود بالأمر والنهي.\nفكيف يسقط واجبه، ويعتبر واجب رعيته وجنده وأتباعه اللاتي إنما شرعت واجباتها لأجله ولأجل صلاحه! وهل هذا إلا عكس القضية وقلب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).","vol":"1","page":350},{"text":"الحقيقة! والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها: إنما هو صلاح القلب، وكماله، وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-230>الأثر الخامس: محبة الله الخبير:</span>\nإن إيمان العبد باسم الله الخبير وما فيه من تمام العلم والخبرة؛ يورث القلب محبة الله -﷿-؛ ذلك أنها صفة كمال، والقلوب فطرت على محبة من له الكمال.\nثم إن العبد إذا ضم إليها صفات ربه الأخرى كالحكمة، والحلم، والستر، ونحوها، وتأمل كيف أنه قدر له ما فيه مصلحته بمقتضى خبرته وحكمته ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وتأمل كيف أنه يطلع عليه ويخبره، وهو يتقلب في معاصيه ليل نهار ومع ذلك يحلم عليه ويستره؛ زاد حبه لربه الخبير.\nفاللهمَّ يا خبير يا عليم، أصلح لنا ظاهرنا وباطننا، وسرنا وعلانية، وشأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ١٩٢).","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>ذو الجلال والإكرام -ﷻ</span>-\nثبوت الأسماء المبدوءة بـ «ذو» في حق الله تعالى:\nيرى بعض أهل العلم أن «الوارد في الكتاب والسنة من الأسماء المبدوءة بـ (ذو) المضافة إلى صفة من صفات الله، أو فعل من أفعاله، أو خلق من مخلوقاته، من أعظم ما يمدح به رب العزة ويدعى به، ولكنها لا تدخل في أسمائه الحسنى التسعة والتسعين … لأن معنى (ذي القوة، وذي الرحمة، وذي الكبرياء): صاحب القوة والرحمة والكبرياء؛ فذو في اللغة بمعنى: صاحب، وهذه الأسماء ثلاثة أقسام:\nالأول: ما أضيف منها إلى صفة من صفات الباري، وهذا نوعان:\nالنوع الأول: أن تكون لهذه الصفات أسماء تدل عليها صرحت بها النصوص، وهي: ذو الرحمة، ذو القوة، ذو المغفرة، ذو الجبروت، ذو الملكوت، ذو الكبرياء، ذو العظمة.\nوالأسماء التي تضمنت هذه الصفات هي: الرحمن، الرحيم، القوي، الغفار، الغفور، الجبار، الملك، الكبير، العظيم.\nوالنوع الثاني: صفات ليس لها أسماء تدل عليها في الكتاب والسنة.\nوهي: ذو الطول، ذو الفضل، ذو الجلال والإكرام، فإن هذه الصفات أضيفت «ذو» إلى كل منها، وليس لأي منها اسم مصرح به في النصوص.","vol":"1","page":352},{"text":"القسم الثاني: ما أضيف إلى فعل من أفعال الباري -﵎-، وهما اسمان هما: ذو عقاب أليم، وذو انتقام.\nالقسم الثالث: ما أضيف إلى بعض مخلوقاته، وهما اسمان هما: ذو العرش، وذو المعارج» (^١).\n-أما بالنسبة لحكم تسمية الله بهذه الأسماء المضافة:\nفقد اختلف أهل العلم في تسمية الله بـ «ذو الجلال والإكرام»، فمنهم من لم يجعله من أسماء الله، وجعله من الصفات باعتبار أن معنى (ذو): صاحب.\nواختار آخرون: أنه من الأسماء؛ للنصوص الصحيحة الواردة فيه، وقد ذكره الشيخ محمد ابن عثيمين -﵀- من أسماء الله في (القواعد المثلى) (^٢)، يقول -﵀-: «ومن أسماء الله تَعَالَى ما يكون مضافًا، مثل: مالك الملك، ذي الجلال والإكرام».\n\n<span data-type='title' id=toc-232>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الكرام بالضم، مثل الكريم، فإذا أفرط في الكرم قيل: كرَّام بالتشديد، وكارمت الرجل، إذا فاخرته في الكرم، فكرمته أكرمه بالضم، إذا غلبته فيه، … والإكرام: مصدر مثل مخرج ومدخل» (^٣).\nقال ابن فارس -﵀-: «(جل) الجيم واللام أصول ثلاثة، (منها):\n_________\n(^١) أسماء الله الحسنى الهادية إلى الله والمعرفة به، لعمر الأشقر (ص ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) القواعد المثلى (ص: ١٦).\n(^٣) الصحاح (٥/ ٢٩٨).","vol":"1","page":353},{"text":"جل الشيء: عظم، وجل الشيء معظمه، وجلال الله: عظمته، وهو ذو الجلال والإكرام …» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-233>ورود اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (ذي الجلال والإكرام) مرتين في القرآن الكريم، وهما:\nقول الله -﷿-: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].\nوقوله -﷿-: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-234>ورود اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعَنْ ثَوْبَانَ -﵁- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا انْصَرَفَ منْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ (^٢).\nوعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (^٣).\nوعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ دَعَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (١/ ٤١٧ - ٤١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩١).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢٤)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٣٨٣٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٥٣٦).","vol":"1","page":354},{"text":"إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-235> معنى اسم الله (ذي الجلال والإكرام) في حقه تعالى:</span>\nيدور معنى اسم الله (ذو الجلال والإكرام) على أنه سُبْحَانَهُ هو الموصوف بنعوت الجلال، وهي: كمال العز، والملك والتقدس، والعلم والغنى، والقدرة، وغيرها من الصفات.\nوحول هذا المعنى تدور أقوال العلماء، ومنها:\nقال ابن عباس -﵄-: «﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: ذو العظمة والكبرياء» (^٢).\nقال الطبري -﵀-: «وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨] يقول- تَعَالَى ذكره-: تبارك ذكر ربك يا محمد ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾، يعني: ذي العظمة ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ يعني: ومن له الإكرام من جميع خلقه» (^٣).\nقال الزجاج -﵀-: «ذو الجلال: أنه المستحق لأن يجل ويكرم» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٨٠٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٥)،، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث (١٣٤٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٩٤).\n(^٣) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٧٨).\n(^٤) تفسير الأسماء الحسنى (ص: ٦٢).","vol":"1","page":355},{"text":"قال الخطابي -﵀-: «ذو الجلال والإكرام: الجلال: مصدر الجليل. يقال: جليل بين الجلالة والجلال، والإكرام: مصدر أكرم، يكرم، إكرامًا، والمعنى: أن الله- جل وعز- مستحق أن يجل ويكرم فلا يجحد، ولا يكفر به، وقد يحتمل أن يكون المعنى: أنه يكرم أهل ولايته، ويرفع درجاتهم بالتوفيق لطاعته في الدنيا، ويجلهم بأن يتقبل أعمالهم ويرفع في الجنان درجاتهم، وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين- وهو الجلال- مضافًا إلى الله سُبْحَانَهُ، بمعنى: الصفة له، والآخر مضافًا إلى العبد بمعنى: الفعل منه، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] فانصرف أحد الأمرين- وهو المغفرة- إلى الله سُبْحَانَهُ، والآخر إلى العباد، وهو التقوى» (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «(الجلال) عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح، يقال: جل الشيء، أي: عظم، وأجللته، أي: عظمته … (والإكرام) أي: هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا أكرمك عن هذا، ومنه: إكرام الأنبياء والأولياء» (^٢).\nقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]: «وقد نعت تَعَالَى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، وكقوله إخبارًا\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص: ٩١ - ٩٢).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٧/ ١٦٥).","vol":"1","page":356},{"text":"عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]» (^١).\nوقال السعدي -﵀-: «﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوَهْوَ العَظِيمُ بِكُلِّ مَعْنًى يُوجِبُ التـ … ـعْظِيمَ لَا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانِ\nوَهْوَ الجَلِيلُ فَكُلُّ أَوْصَافِ الجَلَا … لِ لَهُ مُحَقَّقَةٌ بِلَا بُطْلَانِ (^٣)\nاقتران اسم الله (ذو الجلال والإكرام) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يرد اسم الله (ذو الجلال والإكرام) مقترنًا بأي من أسمائه الأخرى.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٩٤).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٨٣٠).\n(^٣) النونية (ص: ٢٠٣).","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذو الجلال والإكرام):</span>\n<span data-type='title' id=toc-237>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذوالجلال والإكرام) من صفات، وتوحيد الله به:</span>\nإن الله هو المستحق وحده لأن يجل وينزه ويعظم لكمال ذاته وصفاته وأسمائه، وليس في الوجود من هو بمثل هذه الصفة غيره -ﷻ- وتقدست أسماؤه.\nولقد اختص الله سُبْحَانَهُ وحده بالجلال؛ لأن جلاله ليس بأنصار وأعوان وسبب من الأسباب، بل للأوصاف الرفيعة والعزة والعلو التي تلحق به.\nوكل جلال وكل كرامة منه، والجلال له في ذاته، والإكرام هو فيض متناه منه على خلقه، فلا شرف ولا مجد ولا عزة ولا قوة إلا وهي له وبه ومنه، قال الأصمعي -﵀-: «ولا يقال: (الجلال) إلا لله -﷿-» (^١).\nوالإكرام فيض منه على خلقه، وإكرامه لخلقه بالعطايا والمنح، والآلاء والنعم لا يحصر ولا يعد؛ فهو الجدير بالإكرام من خلقه تعظيمًا لجلاله، وعرفانًا بفضله وإكرامه، وتقديرًا لآلائه وإحسانه.\nيقول ابن القيم -﵀-: «من أعز أنواع المعرفة: معرفة الرب سُبْحَانَهُ بالجمال، وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله، وجماله، سُبْحَانَهُ ليس كمثله شيء في سائر صفاته!» (^٢).\n_________\n(^١) اشتقاق الأسماء الحسنى (ص: ٢٠١).\n(^٢) الفوائد (ص: ١٨٢).","vol":"1","page":358},{"text":"فـ «لا يستطيع بشر النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار، فإذا رأوه سُبْحَانَهُ في جنات عدن أنستهم رؤيته ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون حينئذ إلى شيء غيره» (^١).\nفَسُبْحَانَهُ وهب الجمال لبعض خلقه وسلبهم الجلال، ووهب الجلال لبعض خلقه وسلبهم الجمال، ووهب بعض خلقه الجمال مع الجلال، لكنه سلبهم دوام الحال، وتفرد سُبْحَانَهُ الجليل الجميل بالجلال المطلق والجمال التام مع دوام الحال (^٢).\nوحري بالقلب أن يتعلق بصاحب الجلال والإكرام سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، ويديم النظر والتفكر في آلائه وأسمائه وصفاته، ويكثر بالتضرع والخضوع لجلاله سُبْحَانَهُ، وطلب فضله وإكرامه.\nوكما أن اسم الله (ذو الجلال والإكرام) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله (ذو الفضل)، و(القدوس)، و(الكريم)، و(الجميل)، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n_________\n(^١) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ٤٢١).\n(^٢) سيأتي مظاهر جلال الله وعظمته في اسم الله (العظيم)، وآثار كرمه في اسم الله (الكريم) -ﷻ-.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>الأثر الثاني: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦]: كتب الله تَعَالَى على خلقه الفناء، وكتب على نفسه البقاء، يقول تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].</span>\nوفي تفسير هذه الآية يقول الشيخ السعدي -﵀-: «كل من على الأرض، من إنس وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد ويبقى الحي الذي لا يموت ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه» (^١).\nوالقلب إن استحضر حقيقة فناء كل المخلوقات، وبقاء رب البريات وحده -﵎-؛ فَهِمَ القاعدة الربانية التي هي أساس الخلق، فالله سُبْحَانَهُ لم يجعل الدنيا دار مقر، وإنما جعلها دار ممر، الرابح فيها من صلح زرعه، والخاسر من فسد ثمره، فالرابح قد أصلح زرعه في الدنيا؛ ليقطف ثمره في الآخرة، وأخلص العمل لذي الجلال والإكرام، الذي يجل من أطاعه ويكرمه في الدنيا والآخرة، ورغب فيما عنده من الثواب، وخشي ما عنده من العقاب.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٣٠).","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>الأثر الثالث: تكريم ذو الجلال والإكرام للإنسان:</span>\n«وهذا التكريم مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية، والتكريم: جعله كريمًا، أي: نفيسًا غير مبذول ولا ذليل» (^١).\nومظاهر تكريم الله لعباده كثيرة، لعل من الأصول الجامعة له ما يلي:\n١ - تكريم الله للإنسان عند خلقه، وما رافق ذلك الخلق من مظاهر التعظيم والعناية والحفاوة التي خص الله بها هذا المخلوق وذريته منذ البداية، ومن ذلك:\n- خلقه وتسويته في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، يقول ابن كثير -﵀- عند هذه الآية: «أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية».\n- إسجاد الملائكة له، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].\n- إسكانه الجنة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥].\n- تعليمه ما لم تعلمه حتى الملائكة الكرام، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١].\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (١٥/ ١٥٦).","vol":"1","page":361},{"text":"٢ - تكريمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج وينشئ، ويركب ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فخصه الله بملكة العقل والفكر، وهي الصفة التي خولت الإنسان القابلية والقدرة على التعلم والتعليم، والتفكير والتدبير، وعن ذلك نشأ وتحصل للإنسان ما لا يعد ولا يحصى من المعارف والعلوم والخبرات الإنسانية المكتسبة.\nيقول السعدي -﵀- في ذلك: «وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادَر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة» (^١).\n٣ - تكريمه بتسخير ما لا يحصى من مخلوقات هذا الكون وخيراته ونعمه له، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢، ١٣] (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٦٣).\n(^٢) للاستزادة، يراجع: اسم الله الكريم.","vol":"1","page":362},{"text":"٤ - وأعظم تكريم: إرسال الرسل له، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وإكرامه بالإسلام، وهي كرامة خاصة بالمؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-240>الأثر الرابع: محبة ذي الجلال والإكرام سُبْحَانَهُ:</span>\n(ذو الجلال والإكرام) اسم جامع للجلال والجمال؛ فإنه تَعَالَى له جلال مهيب وجمال عجيب، فالجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يحب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فليس في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة جليلة، حسنى طيبة، وخير كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-241>الأثر الخامس: تعظيم الله وإجلاله:</span>\n(ذو الجلال والإكرام) سُبْحَانَهُ الذي يكرم عباده، حق على عباده أن يكرموه بطاعته وتقواه، وبتعظيمه وإجلاله ثناء عليه، وتمجيدًا له وتعظيمًا له، وتنزيهًا له عن كل نقص وعيب، ومن مظاهر إجلال الله:\nإجلال الله -﷾-:\nإن أعظم توقير يجب أن يكون لمن أسبغ عليك النعم، ورفع عنك البلاء والنقم، ومن تأمل قول الله تَعَالَى على لسان نوح -﵇-: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أدرك عظمة ذي الجلال وهيبته، ومن إجلاله تَعَالَى ما يلي:\nإجلال أسمائه وصفاته، بإثباتها له سُبْحَانَهُ كما أثبتها لنفسه من غير","vol":"1","page":363},{"text":"تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nمن إجلال تَعَالَى إجلال القرآن العظيم: فهو كلامه الجليل سُبْحَانَهُ الذي عظمه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وتعظيم القرآن يكون بالإيمان بما جاء فيه، وتلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، وتعلمه وتعليمه والإنصات إليه والعمل به.\nومن عظمة القرآن: جعل الله أهل القرآن هم أهله وخاصته، كما في الحديث: «أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ» (^١).\nإجلال كل ما أجله الجليل سُبْحَانَهُ من خلقه، ومن ذلك:\nإجلال النبي -ﷺ- وتوقيره، يقول الله تَعَالَى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩].\nيقول ابن تيمية -﵀- عند هذه الآية: «والتعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار، ومن ذلك: أنه خصه في المخاطبة بما يليق به، فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله -﷾- أكرمه في مخاطبته\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٤٧٣)، والنسائي، رقم الحديث: في الكبرى (٧٩٧٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢١٦٥).","vol":"1","page":364},{"text":"إياه بما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]» (^١).\nإجلال ثلاثة نص عليهم النبي -ﷺ- في قوله: «إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (^٢).\nفمن إجلال الله: تعظيم الشيخ الكبير في الإسلام، بتوقيره في المجالس، والرفق به، والشفقة عليه، ونحو ذلك كل هذا من كمال تعظيم الله لحرمته عند الله، وإجلال حامل القرآن وإكرامه لحفظه كتاب الله، وسماه حاملًا له؛ لتحمله المشقة في ذلك، وإجلال السلطان القسط العادل بين الناس (^٣).\nإجلال حرمات ذي الجلال وحدوده:\nفعظمة الله تَعَالَى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته؛ «لأن تعظيم حرمات الله من الأمور المحبوبة لله، المقربة إليه، التي مَن عظَّمها وأجلَّها أثابه الله ثوابًا جزيلًا، وكانت خيرًا له في دينه، ودنياه وأخراه عند ربه.\nوحرمات الله: كل ما له حرمة، وأمر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية\n_________\n(^١) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: ٤٢٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٥٧)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير (٢١٩٩).\n(^٣) انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي (١٣/ ١٣٢).","vol":"1","page":365},{"text":"فيها، غير متهاون، ولا متكاسل، ولا متثاقل» (^١)، ويدل على ذلك قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-242>الأثر السادس: ذو الجلال يُخاف عقابُه، وذو الإكرام يُرجى ثوابُه:</span>\nلا ينال العبد المعرفة إلا إذا عرف ذا الجلال والإكرام؛ لأنه جمع بين الرغبة والرهبة والرجاء والخوف.\nفلا نجاة للإنسان حقًّا إلا إذا خاف ورجا؛ لأن الخوف المطلق يسلم إلى اليأس، والرجاء المطلق يسلم إلى التفريط.\nوقد حثنا الله سُبْحَانَهُ على أن نخاف ونرجو، فقال تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] وتدبر قول الله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: جامعين بين الوصفين، خوفًا أن ترد أعمالهم، وطمعًا في قبولها، وخوفًا من عذاب الله (^٢).\nوفسر بعضهم التقوى بأنها الوقوف بين منزلة الخوف والرجاء، فالمؤمن إذا تذكر جلال الله رهب، وإذا تذكر كرمه طمع ورجا، وهكذا يعيش في مقام الرهبة فيعمل ويجتهد في الطاعة، ويحترز من المعاصي، ويعيش في مقام الرجاء فيأنس ويطمئن قلبه ويأمن.\nوفي ذلك يقول الشيخ السعدي -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] «وللذي خاف ربه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٣٧).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٦٥٥).","vol":"1","page":366},{"text":"إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-243>الأثر السابع: الدعاء باسم الله ذو الجلال والإكرام:</span>\nهذا الأثر وصية من وصايا النبي -ﷺ- حيث قال -ﷺ-: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ» (^٢).\nو«أَلِظُّوا» بظاء معجمة مشددة، وفي رواية بحاء مهملة، «بِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ»، أي: الزموا قولكم ذلك في دعائكم؛ لئلا تركنوا وتطمئنوا لغيره، وقد ذهب بعضهم إلى أنه اسم الله الأعظم (^٣).\nوقد جاء في الحديث الذي فيه ذكر اسم الله الأعظم الدعاء بذي الجلال والإكرام، وفي الحديث عن أنس بن مالك -﵁-، قال: «كنت مع رسول الله -ﷺ- جالسا- يعني: ورجل قائم يصلي- فلما ركع وسجد وتشهد دعا، فقال في دعائه: اللهم إني أسألك، بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك، فقال النبي -ﷺ- لأصحابه: «تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^٤).\nاللهم يا ذا الجلال والإكرام أكرمنا بطاعتك، واقسم لنا من خشينك ما تحول به بيننا وبين معاصيك.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٣١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوي (١/ ٢٢٧).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>الربُّ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-245>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «رب كل شئ: مالكه، والرب: اسم من أسماء الله -﷿-، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك … والرباني: المتأله العارف بالله تَعَالَى، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: ورببت القوم: سستهم، أي: كنت فوقهم، قال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: (لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن)، ورب الضيعة، أي: أصلحها وأتمها، ورب فلان ولده يربه ربًّا، ورببه، وترببه، بمعنًى، أي: رباه» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(الرب) الراء والباء يدل على أصول؛ فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه، فالرب: المالك، والخالق، والصاحب، والرب: المصلح للشيء، يقال: رب فلان ضيعته، إذا قام على إصلاحها … والله- جل ثناؤه- الرب؛ لأنه مصلح أحوال خلقه.\nوالأصل الآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه، وهو مناسب للأصل الأول. يقال: أربت السحابة بهذه البلدة، إذا دامت …\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":368},{"text":"والأصل الثالث: ضم الشيء للشيء، وهو- أيضًا- مناسب لما قبله، ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-246>ورود اسم الله (الرَّب) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرب) في كتاب الله في مواضع عديدة، وفي سياقات متنوعة، فجاء مضافًا إلى (العالمين)، وإلى (كل شيء)، وإلى (موسى وهارون)، وإلى (العرش العظيم)، وإلى (السماوات والأرض)، وإلى (المشرق والمغرب)، ومضاف للضمير (ربكم …)، ومن وروده ما يلي:\n١ - قوله -﷿-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].\n٢ - وقوله -﷿-: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].\n٣ - وقوله -﷿-: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧].\nكما جاء مفردًا في إحدى وخمسين ومائة مرة، ومن ورود ما يلي:\nقوله -﷿-: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-247>ورود اسم الله (الرب) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الرب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ -﷿- قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» (^٢).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٢/ ٣٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨٤٩).","vol":"1","page":369},{"text":"وعن ابن عباس -﵄-، قال: «كشف رسول الله -ﷺ- الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر؛ فقال: أَيُّها النَّاسُ! إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّراتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا؛ فَأمَّا الرُّكوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -﷿-، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (^١).\nوعن عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-248>معنى اسم الله (الرب) في حقه تعالى:</span>\nقال الطبري -﵀-: «فربنا جل ثناؤه: السيد الذي لا شبه له، ولا مثل له في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر» (^٣).\nقال القرطبي -﵀-: «رب العالمين، أي: مالكهم، وكل من ملك شيئًا فهو ربه، فالرب: المالك … والرب: السيد، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وفي الحديث: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) (^٤)، أي:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٧٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٥٧٩).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ١٤٣).\n(^٤) أخرجه مسلم (٨).","vol":"1","page":370},{"text":"سيدتها، … والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم، قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد رَبَّهُ يُرَبِّهِ فهو ربٌّ له ورابٌّ، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب، وفي الحديث: «هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا» (^١)، أي: تقوم بها وتصلحها، والرب: المعبود» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «والرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، واللهتَعَالَى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها» (^٣).\nقال ابن كثير -﵀-: «والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تَعَالَى» (^٤).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «الرب، هو المربي جميع العالمين- وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة، فمنه تَعَالَى» (^٥).\nاقتران اسم الله (الرب) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم (الرَّبِّ) باسم (الله) -﷿-:\nسبق بيانه في اسم الله (الله).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٧).\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٣) بدائع الفوائد (٤/ ١٣٢).\n(^٤) تفسير ابن كثير (١/ ١٣١).\n(^٥) تفسير السعدي (ص: ٣٩).","vol":"1","page":371},{"text":"ثانيًا: اقتران اسم (الربِّ) باسميه سُبْحَانَهُ (الرحمن، الرحيم):\nاقترن اسم (الرب) باسمي (الرحمن، الرحيم) كما في قوله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]، وقوله -﷿-: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٧]، وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].\nوجه الاقتران:\n١ - الجمع بين الترغيب والترهيب، قال القرطبي -﵀-: «وصف نفسه تَعَالَى بعد «رب العالمين»، بأنه «الرحمن الرحيم»؛ لأنه لما كان في اتصافه بـ «رب العالمين» ترهيب قرنه بـ «الرحمن الرحيم»، لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]، وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١)» (^٢).\n٢ - بيان سعة رحمته وشمولها، قال ابن القيم -﵀-: «فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول للرحمة وسعتها؛ فوسع كل شيء برحمته وربوبيته» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥).\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ١٣٩).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٣٤).","vol":"1","page":372},{"text":"ثالثًا: اقتران اسم (الربِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):\nاقترن اسم (الرب) باسمه (الغفور) كما في قوله تَعَالَى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥].\nوجه الاقتران:\nالتأكيد على أن من أخص صفات الرب: المغفرة، وأنها من موجبات ربوبيته ولوازمها (^١).\nرابعًا: اقتران اسم (الربِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (العزيز):\nاقترن اسم (الرب) باسمه (العزيز) كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].\nوجه الاقتران:\nللدلالة على أن صفة العزة والغلبة من موجبات الربوبية والسؤدد.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرَّبِّ):</span>\n<span data-type='title' id=toc-250>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرب) من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- الرب الذي خلق الخلق، ولم يتركهم هملًا، بل تصرف فيهم بما يصلح شؤونهم ويقيم أحوالهم، وتعاهدهم بالتربية والرعاية، فجاءت تربيته لهم على نوعين:\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق بنفس الصفحة.","vol":"1","page":373},{"text":"النوع الأول: الربوبية العامة:\nالشاملة لكل خلقه، فالله سُبْحَانَهُ رب العالمين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، والعالمين: جمع عالم، وكل ما سوى الله -﷿- عالم (^١)، فشمل بربوبيته كل شيء سواه.\nفهو رب العرش العظيم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].\nوهو رب السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦]، وقال تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤].\nوهو رب المشرق والمغرب، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧].\nوهو رب الأولين والأخرين: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦].\nوصلت ربوبيته لكل إنس وجن، بر وفاجر، مؤمن وكافر، وكل حيوان، ونبات، وجماد.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٣١).","vol":"1","page":374},{"text":"لا يخرج شيء عن ربوبيته البتة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولا أوسع ولا أشمل كلمة ولا أكثر استغراقًا من كلمة شيء؛ فالذرة شيء، وجزئيات الذرة شيء، والنواة شيء، والشمس شيء، والمجرات شيء، والكون شيء … إلخ.\nومن آثار ربوبيته العامة:\nخلقه وإيجاده لهم من عدم، وتصويره إياهم على ما قضى وقدر، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩]، قال السعدي -﵀-: «ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته- ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]» (^١).\nإنعامه ورزقه لهم، فرباهم بما أغدق عليهم من النعم والأرزاق الظاهرة والباطنة التي لو فقدوها لاختلت حياتهم وما كان لهم بقاء، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]، وقال حاكيًا عن فرعون سؤاله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠] إلى أن قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٠٧).","vol":"1","page":375},{"text":"فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤].\nالقيام على شؤنهم وتدبير أمورهم، كما قال تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠] هدى كل مخلوق لما خلق له من المنافع، وهداه لدفع المضار عنه، حتى أن الله أعطى الحيوان البهيم من العقل ما يتمكن به من ذلك (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «قائم على كل نفس بخيرها وشرها، قد استوى على عرشه، وتفرد بتدبير ملكه، فالتدبير كله بيديه، ومصير الأمور كلها إليه، فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتوبة والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقب لحكمه، ولاراد لأمره، ولا مبدل لكلماته، تعرج الملائكة والروح إليه، وتعرض الأعمال- أول النهار وآخره- عليه، فيقدر المقادير ويوقت المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها، قائمًا بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه» (^٢).\nتعريف عباده بنفسه وبغايتهم التي خلقوا من أجلها، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم؛ فلم يترك عباده سدى هملًا لا يعرفهم بنفسه ولا ما\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق.\n(^٢) الصلاة وأحكام تاركها (ص: ١٤٢).","vol":"1","page":376},{"text":"ينفعهم ولا يضرهم في المعاش والمعاد، كما لم يخلقهم عبثًا يأكلون ويشربون ويمرحون دون أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب، كما قال تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] تعاظم عن هذا الظن الباطل الذي يقدح في حكمته -﵎- (^١).\nالنوع الثاني: الربوبية الخاصة:\nالتي اختص الله بها أولياءه وأهل طاعته، حيث رباهم فوفقهم للإيمان به، والقيام بعبوديته، وغذاهم بمعرفته، ونمى ذلك بالإقامة عليه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ودفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه.\nفحقيقتها: التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر (^٢).\nومن صور هذه التربية: أن يلقي في نفوس أوليائه إذا أقبلوا عليه بالطاعات الراحة والسكينة والانشراح، فيحببها لهم، وإذا عصوه أو هموا بمعصيته الضيق والكآبة والحزن فيبغضها لهم، قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].\nفمن وجد في نفسه هداية وإيمانًا فهو محض فضل رب العالمين، فهوسُبْحَانَهُ الذي دفعه وساقه إلى طاعته، وألقى في قلبه محبته ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٦٠).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩)، وفتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤٨).","vol":"1","page":377},{"text":"أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].\nومنها: أن يصيب العبد ببعض البلايا والمحن؛ ليرجع ويعود إليه، وتكون سببًا لقربه منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، وكما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] فساق هذه الشدائد ليحملهم على التوبة والرجوع إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرب) على التوحيد:</span>\nاسم الله الرب دال على أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.\n- فأما توحيد الربوبية:\nفاللهسُبْحَانَهُ هو الرب على الحقيقة، فلا رب على الحقيقة سواه، رب كل شيء وخالقه ومليكه، والقادر عليه والمتصرف في جميع أموره، وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].\nقال القرطبي -﵀-: «فاللهسُبْحَانَهُ رب الأرباب، ومعبود العباد، يملك المالك والمملوك وجميع العباد، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مخلوق فمملَّك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده،","vol":"1","page":378},{"text":"وإنما يملك شيئًا دون شيء» (^١).\nوقد استدل الله على وحدانيته في الربوبية بدليل التمانع، قال تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فالعالم العلوي والسفلي، على ما يرى، في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب، ولا ممانعة، ولا معارضة فالشمس والقمر، والكواكب الثابتة والسيارة، منذ خلقت وهي تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة، مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على مصلحة أحد دون أحد؛ فدل ذلك على أن مدبره واحد، وربه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك، لاختل نظامه، وتقوضت أركانه؛ فإنهما يتمانعان ويتعارضان، وإذا أراد أحدهما تدبير شيء، وأراد الآخر عدمه، فإنه محال وجود مرادهما معًا، ووجود مراد أحدهما دون الآخر، يدل على عجز الآخر وعدم اقتداره، واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن، فإذًا يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده، من غير ممانع ولا مدافع، هو الرب الواحد القهار (^٢).\nوبهذا التوحيد أقر أكثر طوائف المشركين ولم ينكروه، كما حكى الله عنهم في كتابه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].\n_________\n(^١) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى، للقرطبي (١/ ٣٩٥).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢١، ٥٥٨).","vol":"1","page":379},{"text":"ومع هذا الإقرار منهم إلا أنه لم يكفهم في الدخول في الإسلام لإخلالهم بتوحيد الألوهية الذي بعث الله الرسل داعين إليه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\n- وأما توحيد الألوهية:\nفاسم (الرب) -﷿- يقتضي ويستلزم عبادة الله وحده دون ما سواه؛ إذ إن الخالق للكون وما فيه، والمالك لكل شيء من العالم العلوي، والعالم السفلي، ما نبصره منه، وما لا نبصره، والمتصرف فيه بالإحياء، والإماتة، والرزق، والتدبير هو المستحق للعبادة وحده، فإن كل من دونه عبيد مربوبون لا خلق لهم ولا ملك، عاجزون من جميع الوجوه، فكيف يتخذون أندادًا وشركاء لله؟! (^١).\nوقد احتج الله بالربوبية على الألوهية في مواضع عديدة من كتابه بأساليب متنوعة، منها: قوله تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].\nففي هذه الآيات احتجاج على العباد بأن الله هو وحده مالك الأرض والسماء ومن فيها، وخالقهم وربهم ومليكهم، فإذا كان كذلك فهو وحده إلههم ومعبودهم، فكما لا رب لهم غيره، فهكذا لا إله لهم سواه (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٥٧).\n(^٢) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٤١٣)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٩٤ - ٩٥).","vol":"1","page":380},{"text":"- وأما توحيد الأسماء والصفات:\nفاسم (الرب) -﷿- مقتضٍ ومستلزم لسائر أسمائه وصفاته -﵎-؛ فالخالق المالك الرازق المدبر لا بد أن يكون قادرًا، بارئًا مصورًا، حيًّا قيومًا، عليمًا، سميعًا بصيرًا، غنيًّا، جوادًا، كريمًا إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.\nقال ابن القيم -﵀-: «إن ربوبيته سُبْحَانَهُ إنما تتحقق بكونه: فعالًا مدبرًا؛ متصرفًا في خلقه؛ يعلم، ويقدر، ويريد، ويسمع، ويبصر، فإذا انتفت أفعاله وصفاته: انتفت ربوبيته، وإذا انتفت عنه صفة الكلام: انتفى الأمر والنهي ولوازمها، وذلك ينفي حقيقة الإلهية» (^١).\nوقال أيضًا -﵀-: «إن (الرب): هو القادر الخالق البارئ المصور؛ الحي القيوم؛ العليم السميع البصير؛ المحسن المنعم الجواد؛ المعطي المانع؛ الضار النافع؛ المقدم المؤخر؛ الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ ويسعد من يشاء، ويشقي ويعز من يشاء ويذل من يشاء؛ إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>الأثر الثالث: الرضا بالله -﷿- ربًّا:</span>\nمن عرف اسم الله (الرب) وعلم أنه وحده الخالق المالك الرازق المدبر، لم يطلب غيره ربًّا ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، بل رضي به -﷾- ربًّا، وساقه رضاه به لأنواع من الرضى:\n١ - الرضى به إلهًا معبودًا.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٤٩٧).\n(^٢) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٢٤٩).","vol":"1","page":381},{"text":"٢ - الرضى به حاكمًا مشرعًا، فيرضى عما أمره به ونهاه عنه.\n٣ - الرضى به قاسمًا قاضيًا، فيرضى عما قسمه وقدره له، ويرضي عما أعطاه واختاره له وعما منعه منه.\nفالرضى به ربًّا متعلق بذاته وأسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته العامة والخاصة، فهو الرضى به خالقًا ومدبرًا وآمرًا وناهيًا، ومالكًا ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا ووكيلًا ووليًّا وناصرًا، ومعينًا وكافيًا وحسيبًا ورقيبًا، وقابضًا وباسطًا، ومبتليًا ومعافيًا، إلى غير ذلك من صفات أفعاله -﵎-.\nومن كانت هذه صفته ذاق طعم الإيمان وحلاوته، كما قال -ﷺ-: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ باللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^١).\nومتى تذوق العبد طعم الإيمان فلا تسأل عن السعادة التي يحيا بها، ولا عن الأنس الذي يشعر به، ولا عن الطمأنينية والثبات حتى ولو احتوشته البلايا والرزايا.\nومن لم يرض بتلك الأنواع أو بعضها لم يكن قد رضي به ربًّا من جميع الوجوه، ولا ذاق حلاوة الإيمان حتى يرضى به من جميع الوجوه.\nوالرضى بالله ربا يختلف عن الرضا عنه؛ فالرضى به متعلق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والرضى عنه متعلق بثوابه وجزائه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧] وقوله تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، فربط الرضا عنه بدخول الجنة، بينما في الحديث علق\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٤).","vol":"1","page":382},{"text":"رسول الله -ﷺ- ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربًّا، ولم يعلقه بمن رضي عنه، فجعل الرضى به قرينًا للرضى بدينه ونبيه، وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا بها وعليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>الأثر الرابع: التوكل على الربِّ سُبْحَانَهُ:</span>\nإذا آمن العبد باسم الله (الرب) وما يدل عليه من اختصاصه بجلب المنافع ودفع المضار، والتكفل بالأرزاق، وتيقن ذلك؛ أورثه التعلق به والتوكل عليه في جلب المصالح، ودفع المساوئ والمخاطر عنه، وفي تصريف جميع أموره، فلا يتعلق إلا باللهتَعَالَى ولا يرجو إلا هو، ولا يخاف إلا منه سُبْحَانَهُ، ولقد قال نبي الله موسى -﵇- وهو في موقف شديد عصيب؛ أدركه فرعون فيه بجبروته وطغيانه وجنوده وعتاده، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٥٦] ولا مفر، فالبحر أمامه، وفرعون خلفه، والجبال الشاهقة ترى عن يمينه وشماله، حتى ظن أصحابه أنهم مدركون ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] قال واثقًا بربه متوكلًا عليه: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].\nفكل مخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن أن يملكه لغيره، فكيف يخاف أو يرجى أو يتعلق بمن هذا حاله؟","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-254>الأثر الخامس: محبة الله الرب:</span>\nلما كان من معاني (الرب) أنه الذي يربي عباده بخلقه إياهم على أحسن صورة، والإنعام عليهم بما يقيم حياتهم ومعاشهم، والقيام على شؤونهم وحاجتهم أتم قيام وأكمله.\nفإن هذه المعاني من شأنها أن تورث في قلب العبد المحبة العظيمة لربه سُبْحَانَهُ، وحب ما يحبه ومن يحبه، وبغض ما يبغضه ومن يبغضه، والمسارعة في مرضاته، وتعظيمه وإجلاله وشكره، وحمده الحمد اللائق بجلاله وعظمته وسلطانه وإنعامه.\n\n<span data-type='title' id=toc-255>الأثر السادس: التضرع باسم الله (الرب):</span>\nاسم الله (الرب) -﵎- يقتضي جلب المنافع ودفع المضار، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، ومن هنا صمد إليه العباد وقصدوه صغيرهم وكبيرهم، برهم وفاجرهم، بل وحتى كافرهم في حاجاتهم ومطالبهم، كما قال الله تَعَالَى عن الكفار: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\nوكلما عرف العبد اسم الله (الرب) وزاد يقينه بمعانيه؛ زاد لهجه ودعاؤه به؛ لذا كثر في أدعية الأنبياء والصالحين تكرار الدعاء بقولهم: (ربنا، ربنا)، ومن ذلك:\n- دعاء آدم -﵇-، حين تاب الله عليه هو وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].","vol":"1","page":384},{"text":"- دعاء نوح -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].\n- دعاء إبراهيم وإسماعيل -﵉-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨].\n- دعاء يوسف -﵇-: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n- دعاء رسول الله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ والفُرْقَانِ …» (^١)، وكان إذا افتتح صلاته من الليل قال: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ …» (^٢).\n- دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\n- دعاء المتقين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).","vol":"1","page":385},{"text":"ولعل من أسرار كثرة دعاء الأنبياء بلفظ الرب: أن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة، فسألوه بالاسم المناسب لمطالبهم؛ فهو الذي يربيهم بتربيته الخاصة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-256>الأثر السابع: التأدب مع الرب في الألفاظ:</span>\nالله -﷿- هو الرب وحده -﵎-؛ لذا جاء في البخاري عن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَاي، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» (^٢).\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: «وفيه: نهي العبد أن يقول لسيده: (ربي)، وكذلك نهى غيره، فلا يقول له أحد: ربك، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه، فإنه قد يقول لعبده: اسق ربك، فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه» (^٣).\nوالسبب في النهي:\nالأول: «أن حقيقة الربوبية لله تَعَالَى؛ لأن الرب هو المالك القائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تَعَالَى» (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٩). واللفظ للبخاري.\n(^٣) فتح الباري (٥/ ١٧٩).\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":386},{"text":"الثاني: «أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك» (^١).\nوهل معنى هذا عدم جواز أن يقال لأحد غير الله: رب؟\nإطلاق لفظ الرب إما يكون على سبيل الإطلاق أو الإضافة، فإما إن كان على سبيل الإطلاق فلا يجوز؛ لأن هذا مما يختص الله به، قال ابن كثير -﵀-: «ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة، تقول: رب الدار، رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله -﷿-» (^٢)، وقال ابن حجر -﵀-: «والذي يختص بالله تَعَالَى إطلاق الرب بدون إضافة» (^٣).\nأما إن كان مضافًا، فالإضافة يختلف حكمها باختلاف أقسامها، وقد أوضح ذلك الشيخ ابن عثيمين -﵀-، فقال: «إضافة الربِّ إلى غير الله تَعَالَى تنقسم إلى أقسام:\nالقسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب، مثل: أطعم ربك، وضئ ربك، فيكره هذان لمحذورين:\n١ - من جهة الصيغة؛ لأنه يوهم معنى فاسد بالنسبة لكلمة رب؛ لأن الرب من أسمائه سُبْحَانَهُ، وهو- سُبْحَانَهُ - يطعم ولا يطعم، وإن كان بلا شك أن الرب هنا غير رب العالمين الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ولكن من باب الأدب في اللفظ.\n_________\n(^١) أعلام الحديث، للخطابي (٢/ ١٢٧١).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٣١).\n(^٣) فتح الباري (٥/ ١٧٩).","vol":"1","page":387},{"text":"٢ - من جهة المعنى أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل؛ لأنه إذا كان السيد ربًّا كان العبد أو الأمة مربوبًا.\nالقسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب، فهذا لا بأس به كقوله -ﷺ- في حديث أشراط الساعة: «إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (^١) ....\nالقسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي، فهل يجوز هذا؟\nقد يقول قائل: إن هذا جائز؛ لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تَعَالَى عن صاحب يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: سيدي؛ ولأن المحذور من قول: (ربي) هو إذلال العبد، وهذا منتف؛ لأنه هو بنفسه يقول: هذا ربي.\nالقسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام، فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور؛ فيمنع، كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>الأثر الثامن: كن ربانيًّا:</span>\nالله -﷿- الرب يحب من عباده أن يكونوا ربانيين، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nوسيتناول الملحق - بإذن الله- ما يوضح هذا المعنى ويساعد على تحقيقه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٩).\n(^٢) القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠).","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>الرَّبَّانِية والرَّبَّانِيون</span>\nفي هذا الموضوع سنتطرق للمسائل التالية:\nأولًا: المقصود بالرَّبَّانية والرَّبَّانيين:\nتعددت عبارات العلماء في معنى الرباني، إلا أنها تدور حول ثلاثة معان:\n١ - العلم الراسخ بالله وشرعه.\n٢ - العمل بالعلم.\n٣ - تعليم الناس وتربيتهم عليه بالحكمة، كالبدء بصغار العلم قبل كبارها.\nقال ابن عباس -﵄-: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] «حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره» (^١).\nوقال الطبري -﵀-: «وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الربانيين): أنهم جمع (رباني)، وأن (الرباني) المنسوب إلى (الربان)، الذي يربُّ الناس، وهو الذي يصلح أمورهم، ويربُّها، ويقوم بها، … فالربانيون إذًا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: (وهم فوق الأحبار)؛ لأن الأحبار هم العلماء، والرباني: الجامع إلى العلم والفقه، البصرَ\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٢٥).","vol":"1","page":389},{"text":"بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم» (^١).\nوقال أبو عمر الزاهد -﵀-: سألت ثعلبًا عن هذا الحرف، وهو الرباني، فقال: «سألت ابن الأعرابي، فقال: إذا كان الرجل عالمًا عاملًا معلمًا، قيل له: هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له: رباني» (^٢).\nوقال القرطبي -﵀-: «العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم» (^٣).\nوقال ابن القيم -﵀- بعدما نقل جملة من تفسيرات العلماء للرباني-: «ولا يوصف العالم بكونه ربانيًّا حتى يكون عاملًا بعمله، معلمًا له» (^٤).\nوقال السعدي -﵀-: «علماء حكماء حلماء، معلمين للناس ومربيهم بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم يأمرون بالعلم والعمل والتعليم التي هي مدار السعادة، وبفوات شيء منها يحصل النقص والخلل» (^٥).\nثانيًا: وسائل تحقيق الربانية:\nالربانية تقوم على ثلاث ركائز، كما يظهر مما نُقِل من كلام العلماء -﵏- سابقًا، وهي:\n١ - العلم الراسخ بالله وشرعه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٦/ ٥٤٠ - ٥٤٤).\n(^٢) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ١٢٤).\n(^٣) تفسير القرطبي (٤/ ١٢٢).\n(^٤) مفتاح دار السعادة (١/ ١٢٦).\n(^٥) تفسير السعدي (ص: ١٣٦).","vol":"1","page":390},{"text":"٢ - العمل بالعلم.\n٣ - تعليم الناس وتربيتهم عليه بالحكمة.\nولكل واحد من هذه الركائز الثلاث أدلته من الكتاب والسنة، منها:\nما يتعلق بالعلم: قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].\nفوصف الله الربانيين والأحبار بأنهم ﴿اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال ابن جرير -﵀-: «بما استودعوا علمه من كتاب الله، الذي هو التوراة» (^١).\nووصف الربانين- أيضًا- بالدرس للكتاب الذي به يرسخ العلم ويبقى (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nوالذي يظهر أن المراد بالعلم: العلم الراسخ الواسع؛ لذا إنما أطلق السلف هذا الوصف على من تبحر في العلم، ومن ذلك:\nلما مات زيد بن ثابت -﵁- قال أبو هريرة -﵁-: «اليوم مات رباني هذه الأمة، ولعل الله -﷿- أن يجعل في ابن عباس مثله خلفًا» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٨/ ٤٥٤).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٣٦).\n(^٣) الآحاد والمثاني، لابن أبي عاصم (٣٩٣).","vol":"1","page":391},{"text":"وقال محمد ابن الحنفية يوم مات ابن عباس -﵄-: «مات رباني هذه الأمة» (^١).\nما يتعلق بالعمل: وهذه الركيزة معلومة بنصوص كثيرة، ذمت المقصرين\nفي هذا الباب، كقوله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ\nالْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ\nمَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣].\nفلو كان الربانيون لا يعملون بعلمهم، لاستحقوا الذم لا المدح، والله أشاد بهم في مواضع، فدل على أنهم حققوا العمل بالعلم.\nما يتعلق بالتعليم والتربية: قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الباء «باء السببية، أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمن لعلمكم ودرسكم لكتاب الله وسنة نبيه، التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيين» (^٢).\nووصفهم الله بأنهم استحفظوا الكتاب، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، والحفظ لا يكون بمجرد الجمع في الفؤاد والعمل به، بل بنقله للأجيال وتربيتهم عليه أيضًا، فالحفظ لا يتم ويكمل بغير التبليغ والنقل للناس.\n_________\n(^١) الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (١/ ٥٦).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ١٣٦).","vol":"1","page":392},{"text":"قال الشيخ السعدي -﵀- في تفسير هذه الآية: «أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه.\nوهم شهداء عليه؛ بحيث إنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه، فاللهتَعَالَى قد حمَّل أهلَ العلم ما لم يحمِّله الجهال، فيجب عليهم القيام بأعباء ما حُمِّلوا.\nوأن لا يقتدوا بالجهال، بالإخلاد إلى البطالة والكسل، وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة، من أنواع الذكر، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من الأمور، التي إذا قام بها غير أهل العلم سلموا ونجوا.\nوأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم أنفسهم، فإنهم مطالبون أن يعلِّموا الناس، وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، خصوصًا الأمور الأصولية، والتي يكثر وقوعها، وأن لا يخشوا الناس، بل يخشون ربهم» (^١).\nوفي هذه الركائز الثلاث يقول ابن القيم -﵀-: «والسلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٢٣٢).\n(^٢) زاد المعاد (٣/ ٩).","vol":"1","page":393},{"text":"ثالثًا: صفات الربانيين:\nوللربانيين أوصاف، جعلتهم يحوزون هذا الشرف العظيم، منها:\n١ - خشية الله -﷿- التي أورثها العلم بالله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].\n٢ - الثبات على الحق، وعدم التذبذب في الفتن والكروب؛ لعلمه بها.\n٣ - القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تَعَالَى موضحًا الدور المنبغي على الربانيين القيام به: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]، قال السعدي -﵀-: «فإن العلماء عليهم أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبوهم في الخير ويرهبوهم من الشر» (^١).\n٤ - الحرص على تحكيم شريعة الله -﷿- في جميع الأمور، كما قال تَعَالَى عنهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، فيحكِّمون ما أنزل الله من التوراة، ويَحْكُمُونَ به.\n٥ - الحكم بين الناس بكتاب الله، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤].\n٦ - الصبر على العلم وأعباء الدعوة والتعليم، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٢٣٧).","vol":"1","page":394},{"text":"مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فبين أنهم وصلوا لهذه المرتبة بالصبر على التعلم والتعليم، والدعوة إلى الله (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا:\nإحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.\nالثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.\nالثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.\nالرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله، فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين» (^٢).\n٧ - اليقين بآيات الله، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فبين أنهم وصلوا لهذه المرتبة الرفيعة بما وصلوا إليه من الإيمان إلى درجة اليقين، وهو العلم التام، الموجب للعمل (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٦٥٦).\n(^٢) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم (٣/ ٩).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (٦٥٦).","vol":"1","page":395},{"text":"٨ - السمت والوقار، قال -ﷺ-: «السَّمْتُ الحَسَنُ، والتُّؤَدَةُ والاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (^١)، فالأنبياء أحسن الناس سمتًا وأحسنهم وقارًا، والربانيون ورثة الأنبياء، بهم يقتدون وعلى أثارهم يسيرون، قال رسول الله -ﷺ-: «وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» (^٢).\n٩ - ملاحظة تقصير النفس وسؤال الله المغفرة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦، ١٤٧]، ففي هذا الموقف العصيب الذي تزهق فيه الأروح لم يغفلوا عن ملاحظة تقصيرهم وذنوبهم، فسألوا الله مغفرته.\nوهذا الاستدلال إنما يصح على القول بأن الربِّيِّين بمعنى: الربانيين.\nفمن حقق ركائز الربانية الثلاثة، واتصف بصفاتها؛ حقق الربانية، واستحق أن يوصف بكونه ربانيًّا.\nفاللهمَّ اسْتَعْمِلْنَا وَلَا تَسْتَبْدِلْنَا، واحشُرْنَا في زمرةِ عبادِكَ الرَّبَّانِيينَ الصَّالحينَ.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث (٢٠١٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، رقم الحديث: (١١٠٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٠١٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٦٤١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٢).","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-259>الرحمن الرحيم -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-261>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الرحمة: الرقة والتعطف، والمرحمة مثله، وقد رحمته وترحمت عليه، وتراحم القوم: رحم بعضهم بعضًا، والرحموت من الرحمة … والرحمن والرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة، ونظيرهما في اللغة: نديم وندمان، وهما بمعنًى» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(رحم) الراء والحاء والميم أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة، يقال من ذلك: رحمه يرحمه، إذا رق له وتعطف عليه ..» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-260>ورود اسم الله (الرحمن - الرحيم) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورود اسم الله الرحمن في القرآن الكريم:\nورد اسم الله (الرحمن) في كتاب الله سبعًا وخمسين مرة، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥].\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة (٥/ ١٩٢٩).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٤٩٨).","vol":"1","page":397},{"text":"قوله تَعَالَى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣].\nقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].\nثانيًا: ورود اسم الله (الرحيم) في القرآن الكريم:\nوورد اسم الله (الرحيم) في كتاب الله مائةً وأربع عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:\n١ - قوله -﷿-: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]\n٢ - قوله -﷿-: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧]\n٣ - قوله -﷿-: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-262>ورود اسم الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم) في السنة النبوية:</span>\nأولًا: ورود اسم الله (الرحمن) في السنة النبوية:\nورد اسم الله الرحمن في السنة، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي التَّيَّاحِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَنْبَشٍ التَّمِيمِيِّ - وَكَانَ كَبِيرًا -: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لَيْلَةَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ تَحَدَّرَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنَ الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ بِيَدِهِ شُعْلَةُ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْرِقَ بِهَا وَجْهَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَهَبَطَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ -﵇-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ. قَالَ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا","vol":"1","page":398},{"text":"يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ. قَالَ: فَطُفِئَتْ نَارُهُمْ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ -﵎-. (^١)\nعن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قَالَ اللهُ -﷿-: أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِن اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتْهُ» (^٢).\nعن عبد الله بن مسعود -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «الخَيْلُ ثَلَاثَةٌ، فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وَفَرَسٌ لِلْإِنْسَانِ، وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ: فَالَّذِي يُرْبَطُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ- وذكر ما شاء الله- وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ: فَالَّذِي يُقَامَرُ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الإِنْسَانِ: فَالفَرَسُ يَرْتَبِطُهَا الإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا، فَهِيَ تَسْتُرُ مِنْ فَقْرٍ» (^٣).\nثانيًا: ورود اسم الله (الرحيم) في السنة النبوية:\nورد اسم الله الرحمن في السنة، ومن وروده ما يلي:\nعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٦٩٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٨٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٠٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٦٩٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (١٤٨٧). واللفظ لأحمد.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٨١٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٣٥٠).","vol":"1","page":399},{"text":"كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).\nعن مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثَلَاثَ مَرَار» (^٢).\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (^٣).\nمعنى اسمي الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم) في حقه تعالى:\nهما اسمان جليلان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، وحول هذا المعنى تدور أقوال العلماء:\nقال ابن عباس -﵄-: «الرحمن، الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب، قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٥).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٢٧٨)، وأبو داود، رقم الحديث: (٩٨٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (٩٠٥). واللفظ لأحمد.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٨١٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (١٣٥٧). واللفظ لأبي داود.\n(^٤) تفسير الطبري (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":400},{"text":"قال الطبري -﵀-: «فربنا- جل ثناؤه- رحمن لجميع خلقه في الدنيا والآخرة، ورحيم بالمؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة» (^١).\nقال الزجاجي -﵀-: «صفتان لله -﷿- مشتقتان من الرحمة، فالرحمن فعلان، والرحيم فعيل» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «فالرحمن: ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم، وأسباب معاشهم، ومصالحهم، وعمت المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح، وأما الرحيم: فخاص للمؤمنين، كقوله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «اسمان دالان على أنه تَعَالَى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها» (^٤).\nوقال أيضًا: «الرحمن، الرحيم، البر … هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة، والبر، والجود، والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه، التي عم بها جميع الوجود، بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل، قال تَعَالَى:\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١/ ١٢٨).\n(^٢) اشتقاق أسماء الله (ص: ٣٨).\n(^٣) شأن الدعاء (١/ ٣٨).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٣٩).","vol":"1","page":401},{"text":"﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآية» (^١).\nالفرق بين اسم الله الرحمن واسمه الرحيم:\nذكر أهل العلم جملة من الفروق بين الاسمين، منها (^٢):\n١ - أن اسم الله «الرحمن» رحمته شاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، وأما اسم الله الرحيم فرحمته خاصة بالمؤمنين، كما قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] (^٣).\nولكن يشكل على هذا قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله -﷿-: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦]؛ إذ ذكرت الرحمة العامة باسم الله الرحيم.\n٢ - أن اسم الله «الرحمن» دال على الصفة الذاتية لله -﷿-، وأما اسم الله الرحيم فيدل على الصفة الفعلية لله -﷿-.\nقال الإمام ابن القيم -﵀-: «إن (الرحمن) دال على الصفة القائمة به سُبْحَانَهُ، و(الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم-أي: بمن ي -﵏-، فكان الأول للوصف والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قول الله -﷿-:\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ٩٤٦).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٧٨ - ٨٠).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٢٥ - ١٢٦).","vol":"1","page":402},{"text":"﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] ولم يجئ قط (رحمن بهم)، فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة، والرحيم هو الراحم برحمته، وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب، وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم ينجل لك صورتها» (^١).\nوقال في موضع آخر: «ولم يجئ (رحمن بعباده، ولا رحمن بالمؤمنين)؛ مع ما في اسم (الرحمن) -الذي هو على وزن فعلان- من سعة هذا الوصف؛ وثبوت جميع معناه للموصوف به؛ ألا ترى أنهم يقولون: غضبان، للممتلئ غضبًا؛ وندمان، وحيران، وسكران، ولهفان، لمن ملئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول.\nولهذا يقرن -﷿- استواءه على العرش بهذا الاسم كثيرًا، كقوله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] فاستوى على عرشه باسم الرحمن؛ لأن العرش محيط بالمخلوقات؛ قد وسعها، والرحمة محيطة بالخلق؛ واسعة لهم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، فلذلك وسعت رحمته كل شيء» (^٢).\n٣ - أن اسم الله «الرحمن» خاص الاسم عام المعنى، واسم الله «الرحيم» عام الاسم خاص المعنى، وتوضيح ذلك: أن اسم الله الرحمن من الأسماء التي لا يجوز أن يتسمى بها مخلوق، قال الله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ٢٤).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤).","vol":"1","page":403},{"text":"أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره وهو «الله»، وأما اسم الله «الرحيم» فجائز، وقد وصف الله به نبيه في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ\nرَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ\nرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nقال ابن القيم -﵀- عن اسم «الرحمن»: «ولما كان هذا الاسم مختصًّا به تَعَالَى حسن مجيئه مفردًا غير تابع، كمجيء اسم الله كذلك، ولم يجئ قط تابعًا لغيره، بل متبوعًا وهذا بخلاف العليم، والقدير، والسميع والبصير، ونحوها؛ ولهذا لا تجيء هذه مفردة، بل تابعة، فتأمل هذه النكتة البديعة» (^١).\nقال ابن كثير -﵀-: «والحاصل: أن من أسمائه تَعَالَى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم (الله)، (الرحمن)، (الخالق)، (الرازق) ونحو ذلك …» (^٢).\nاقتران اسمي الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:\nأولًا: اقتران اسم الله الرحمن باسمه الرحيم:\nاقترن اسم الله الرحمن باسمه الرحيم في ستة مواضع من القرآن، ومنها قوله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، وقوله -﷿-: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ٢٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٢١).","vol":"1","page":404},{"text":"وجه الاقتران:\n١ - للجمع بين صفة الله -﷿- المتعلقة بذاته -﵎-، التي يدل عليها اسم الله (الرحمن)، وإيصال الرحمة للخلق التي يدل عليها اسم الله (الرحيم) (^١).\n٢ - للجمع بين الرحمة العامة التي يدل عليها اسم الله الرحمن، والرحمة الخاصة بالمؤمنين التي يدل عليها اسم الله الرحيم، وهذا على قول من قال: إن الرحيم رحمته خاصة بالمؤمنين.\nوالناظر يجد أن الله -﷿- يقدم اسمه الرحمن على الرحيم، ووجه ذلك:\nتقديمًا للاسم الخاص بالله -﷿- على الاسم العام، قال الرازي -﵀-:\n«إنما قدمه؛ لأن (الله) اسم خاص بالباري لا يسمي به غيره، لا مفردًا ولا مضافًا فقدمه، والرحيم يوصف به غيره مفردًا ومضافًا فأخره، والرحمن يوصف به غيره مضافًا، ولا يوصف به مفردًا إلا الله تَعَالَى فوسطه» (^٢).\nوقال ابن كثير -﵀-: «فلهذا بدأ باسم الله، ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص» (^٣).\nتقديمًا للرحمة العامة التي دل عليها اسم الله «الرحمن» على الرحمة الخاصة، التي دل عليها اسم الله «الرحيم» (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ٢٤).\n(^٢) أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، للرازي (ص: ٢).\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٢٦).\n(^٤) ينظر: مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء الكردي (ص: ٣٥٧).","vol":"1","page":405},{"text":"ثانيًا: اقتران اسم الله (الرحمن- الرحيم) باسمه (الرب):\nتقدم بيانه في اسم الله «الرب».\nثالثًا: اقتران اسم الله الرحيم بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:\n١ - اقتران اسمه (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):\nاقترن اسم الله الرحيم باسمه «الغفور» في اثنين وسبعين موضعًا من القرآن، منها قوله -﷿-: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقوله -﷿-: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢].\nوهذا الاقتران يدل على:\nأن مغفرته للعبد مع استحقاقه للعقوبة، إن هو إلا أثر من آثار رحمته -﵎- (^١).\nأن في ذكرهما جمعًا بين تخلية العبد من الذنوب التي يدل عليها اسم الله «الغفور»، وبين تحليته بفضل الله وثوابه التي يدل عليها اسم الله «الرحيم».\n٢ - اقتران اسمه (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (التواب):\nتقدم بيانه في اسم الله «التواب».\n٣ - اقتران اسم (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف):\nاقترن اسم الله الرحيم باسمه تَعَالَى الرؤوف في ثمانية مواضع من القرآن الكريم، منها قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله -﷿-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠].\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢/ ١٢١).","vol":"1","page":406},{"text":"وهذا الاقتران فيه تأكيد للرحمة؛ إذ فيه عطف للعام على الخاص، فالرأفة رحمة خاصة تقتضي دفع المكروه وإزالة الضر، والرحمة عامة يدخل فيها ما سبق ويدخل فيها الإنعام والإفضال (^١).\n٤ - اقتران اسمه (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (العزيز):\nاقترن اسم الله «الرحيم» باسمه تَعَالَى «العزيز» في ثلاثة عشر موضعًا من القرآن الكريم، تسعة منها في سورة الشعراء تعقيبًا على قصة كل نبي مع قومه، بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]، ومنها: قوله -﷿-: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦]، وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥].\nوجه الاقتران:\n١ - الجمع بين مقام الترهيب والترغيب؛ فهو سُبْحَانَهُ عزيز قوي غالب قاهر، ومع ذلك: رحيم بر محسن رؤوف (^٢).\n٣ - تمام قدرته على تعجيل العقوبة؛ وذلك لاتصافه بالعزة، إلا أن رحمته اقتضت الإمهال والانظار، قال تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨] (^٣).\n٤ - أن العزيز بعزته يهلك الأشقياء بأنواع العقوبات، وبرحمته ينجى السعداء من كل شر وبلاء.\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢/ ٢٥).\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٩/ ١٠٢).\n(^٣) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٩/ ١٠٢).","vol":"1","page":407},{"text":"٥ - اقتران اسمه (الرحيم) باسمه سُبْحَانَهُ (البَر):\nتقدم بيانه في اسم الله «البر».\n٦ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الرحيم) باسمه -﷿- (الودود):\nاقترن اسم الله الرحيم باسمه تَعَالَى الودود، في موضع واحد من القرآن الكريم، وذلك في قوله -﷿-: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].\nوجه الاقتران:\nأن الرحمة تتوجه إلى من يحب ومن لا يحب، فلما كانت كذلك أتبعت باسم الله الودود الدال على المحبة، وبهذا أجتمع للتائب رحمة الله ومحبته، وقبل ذلك مغفرته.\nقال الإمام ابن القيم -﵀-: «وما ألطف اقتران اسمه (الودود) بـ (الرحيم) وبـ (الغفور)؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب تَعَالَى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك، فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان» (^١).\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٩٣).","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرَّحْمَن - الرَّحِيْم):</span>\n<span data-type='title' id=toc-264>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرحمن، الرحيم) من الصفات:</span>\nالله -﷿- الرحمن الرحيم الذي كتب الرحمة على نفسه تفضلًا منه وإحسانًا (^١)، قال تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] ووسعت هذه الرحمة كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] (^٢).\nومن سعتها وعظمتها (^٣):\n١ - أن رحمة الرحمن الرحيم بعباده أرحم من كل رحمة، حتى من رحمة الإنسان بنفسه، ورحمة الأم بولدها التي لا يساويها شيء من رحمات الناس، بل لو جمعت رحمات الراحمين كلهم لم تساو شيئًا عند رحمة أرحم الراحمين، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قال: «قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦٢).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٠٥).\n(^٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٨٨ - ٩٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٩٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٤). واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":409},{"text":"وقال حماد بن سلمة -﵀-: «ما يسرني أن أمري يوم القيامة إلى أبوي» (^١).\n٢ - أن رحمة الرحمن الرحيم سبقت غضبه؛ إذ استوى سُبْحَانَهُ على عرشه وكتب كتابًا عنده وضعه على عرشه «إن رحمته سبقت غضبه»، فكان كالعهد للخليقة كلهم بالرحمة، والعفو، والصفح، والمغفرة، والتجاوز، والستر، والإمهال، والحلم، والأناة، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللَه كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» (^٢)، فقام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب، الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر (^٣).\nقال الطيبي -﵀-: «في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا، قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه من الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك» (^٤).\n٣ - وضع رحمة واحدة بين خلقه يتراحمون بها فيما بينهم، فيرحم الغني الفقير، والكبير الصغير، والأم أولادها، سواء كانت إنسانًا أو حيوانًا وحشًّا\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٤/ ١٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٥١). واللفظ للبخاري.\n(^٣) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص: ٣٦٩).\n(^٤) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٢٩٢).","vol":"1","page":410},{"text":"أو طيرًا أو هوامًّا، قال تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].\n٤ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَام، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١)، وفي رواية: «حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» (^٢).\n٥ - أن رحمة الرحمن الرحيم بلغت آثارها من الكثرة ما تعجز العقول عن الإحاطة به، والأرقام والأعداد عن حصره؛ إذ جميع ما في العالم العلوي والسفلي من النعم وحصول المنافع والمحاب والمسار والخيرات من آثار رحمته، كما أن ما فيه من صرف المكاره والنقم والمخاوف والأخطار والمضار من آثار رحمته، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] (^٣).\nورحمته التي وصلت لخلقه قسمان:\nأ-رحمة عامة: وسعت كل شيء من العالم العلوي والسفلي، ووصلت لكل حي مكلف وغير مكلف، بر وفاجر، مؤمن وكافر، حتى فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، يقول تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٠٠).\n(^٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣٣).","vol":"1","page":411},{"text":"شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] (^١)، وعن ابن عباس -﵁- في بيان رحمة الله للكافر قال: قال النبي -ﷺ-: «لَمَّا أَغْرَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» (^٢)، وقال -ﷺ-: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^٣).\nوهي رحمة جسدية، دنيوية، دينية، ومن آثارها (^٤):\nخلق المخلوقات وإيجاده من العدم على صورة محكمة\nمتقنة، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٦]، فخلق الإنسان وبرحمته جعله في أحسن صورة مكتمل الأعضاء مستوفي الأجزاء، محكم البناء، وعلمه البيان النطقي والخطي، قال تَعَالَى في سورة الرحمن التي جاءت بذكر آثار رحمته التي أوصلها لخلقه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤] (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٠٥)، النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٨٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٨٦٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١٠٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٣٥٣). واللفظ للترمذي.\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥). واللفظ لمسلم.\n(^٤) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص: ٣٦٨، وما بعدها).\n(^٥) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٢٨).","vol":"1","page":412},{"text":"خلق الخلق ذكورًا وإناثًا، وجعل الرحمة والمودة بينهم؛ ليقع التواصل الذي به دوام التناسل وانتفاع الزوجين، وتمتع كل واحد منهما بصاحبه، قال تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].\nرعاية الخلق بالتدبير، والتصريف، والحفظ، وسوق الأرزاق والمعاش، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، فبرحمته رعى الخلق بما قدر لهم؛ إذ علم سُبْحَانَهُ مصالحهم ومنافعهم، فقدرها لهم ويسر لهم تحصيلها، ولربما أجرى عليهم المكاره والبلاء ليوصلهم إلى ما يحبون، قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠، ٨١]، وربما منعهم من كثير من شهواتهم ومحاب نفوسهم؛ لعلمه أن ذلك أصلح لهم (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «ولهذا كان من إتمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أعراضه وشهواته: من رحمته به، ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه» (^٢).\nخلق هذا الكون على صفة تكفل للإنسان وغيره من الكائنات حسن العيش؛ فرفع السماء وأمسكها برحمته من أن تقع على الأرض، قال تَعَالَى:\n_________\n(^١) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣٤).\n(^٢) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":413},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].\nوخلق الأرض وبرحمته أرساها بالجبال؛ كي لا تميد ولا تحيد، بل جعلها مهدًا وفراشًا يستقر عليها، ويتمكن من حرثها وغرسها وحفرها، وبرحمته شق طرقها ومنافذه ليتصل الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه: ٥٣]، وقال سُبْحَانَهُ في سورة الرحمن: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «ومن رحمته: أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم، وانحل نظامهم، وكان من تمام رحمته بهم: أن جعل فيهم الغني والفقير، والعزيز والذليل، والعاجز والقادر، والمراعي والمرعي، ثم أفقر الجميع إليه، ثم عمَّ الجميع برحمته» (^٢).\nوقال الشيخ السعدي -﵀- في تقرير ما سبق من آثار الرحمة العامة: «فالله خلق الخلق برحمته، وأرسل إليهم الرسل برحمته، وأمرهم ونهاهم وشرع لهم الشرائع برحمته، وأسبغ عليهم النعمة الظاهرة، والباطنة برحمته، ودبرهم أنواع التدبير وصرفهم بأنواع التصريف برحمته، وملأ الدنيا والآخرة من رحمته، فلا طابت الأمور، ولا تيسرت الأشياء، ولا حصلت المقاصد، وأنواع المطالب إلا برحمته، ورحمتُه فوق ذلك، وأجلُّ وأعلى» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠٧).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٣٦٩).\n(^٣) المواهب الربانية من الآيات القرآنية (ص: ١١١).","vol":"1","page":414},{"text":"ب-الرحمة الخاصة: التي خص الله بها عباده الصالحين وأولياءه المتقين، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\nوهي رحمة إيمانية، دينية، دنيوية، أخروية، ومن آثارها (^١):\nهداية أوليائه إلى الحق الذي جهله غيرهم، وتبصيرهم بالطريق المستقيم الذي ضل عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر والبدعة وأشياعهم، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].\nتوفيق أوليائه لطاعته، وتيسير الخير لهم، وإعانتهم عليه، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].\nتثبيت أوليائه على الحق على الرغم من الدواعي للزيغ، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].\nإجابة دعوات أوليائه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٤٣٦)، تفسير السعدي (ص: ٦٦٧).","vol":"1","page":415},{"text":"امتنانه على أوليائه باستغفار ودعاء أفضل ملائكته- حملة العرش- لهم، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].\nجعل مصائب المؤمنين وبلاءهم كلها خير ورحمة؛ فما ينزل بهم من مصائب وآلام وأحزان إلا تكفر به سيئاتهم، وترفع به درجاتهم، قال تَعَالَى عن مؤمن آل ياسين أنه قال لقومه: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣].\nتخفيف أهوال القيامة وشدتها على أوليائه؛ فيؤمن فزعهم بتلقي الملائكة الكرام لهم بالبشرى، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣١، ٣٢].\nإدخال أوليائه الجنة التي هي أثر من آثار رحمة الرحمن الرحيم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠].\nإخراج أهل التوحيد من النار؛ فعن أنس بن مالك -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال في الحديث: «فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^١)، وفي رواية: أن الله -﷿-\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥١٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٣). واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":416},{"text":"يقول للرسل: «اذْهَبُوا أو انْطَلِقُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: أَنَا الآنَ أُخْرِجُ بِعِلْمِي وَرَحْمَتِي، قال: فَيَخْرُجُ أَضْعَافُ مَا أُخْرِجُوا وَأَضْعَافُهُ، فَيُكْتَبُ فِي رِقَابِهِمْ: عُتَقَاءُ اللهُ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ فِيهَا: الجُهَنَّمِيِّينَ» (^١).\nوبعد هذا فلابد أن يعلم أن رحمته -ﷻ- في غاية الكمال والجلال، فلا ضعف معها ولا رقة ولا عجز، بل رحمة مع عزة وقوة وقدرة تامة، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-265>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرحمن الرحيم) على التوحيد:</span>\nاسم الله «الرحمن الرحيم» دال على أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأماء والصفات، وبيان ذلك:\nأن اسم الله «الرحمن الرحيم»، وما ورد فيه من النصوص المتكاثرة في الكتاب والسنة دالة على إثبات صفة الرحمة لله -﷿-، وهي صفة كمال لائقة بذات الرب -﷿-، كما هو الحال في سائر صفاته، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ولا يجوز نفيها أو تأويلها أو تحريفها أو تكيفيها كما هو مقرر في مذهب أهل السنة والجماعة في جميع الصفات، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٧١٥)، وابن حبان (١٨٣)، حكم الألباني: صحيح لغيره، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٠٥٤). واللفظ لأحمد.","vol":"1","page":417},{"text":"إلا أنه لا بد أن يعلم أن الرحمة المضاف إليه -﵎- قسمان:\n١ - رحمة ذاتية يتصف بها على وجه يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وهذه الرحمة يجب إثباتها لله -﷿- من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل- كما تقدم-.\n٢ - رحمة مخلوقه أنزل الله منها رحمة واحدة، يتراحم بها الخلائق، وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة، كما جاء في الحديث: «إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَام، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١).\nومن هذه الرحمة: ما جاء في الحديث، أن الله -﷿- قال عن الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» (^٢)، وسميت بذلك؛ لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة، وخص بها أهل رحمة الله، وإنما يدخلها الرحماء.\nفهذه الرحمة ليست صفة لله -﷿-، بل هي من آثار اتصافه بالرحمة الذاتية، وإنما أضيفت له من باب إضافة المخلوق للخالق.\nثم إذا تقرر اتصاف الله -﷿- بالرحمة وتيقن العبد ذلك وتأمله، وجد أن الخلق إنما وجدوا برحمة الرحمن الرحيم، وإنما جلبت النعم لهم برحمته، ودفعت عنهم النقم برحمته، وليس لأحد من الخلق نفع ولا ضر في العاجل\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":418},{"text":"ولا الآجل، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] علم بهذا أن الرحمن الرحيم هو الرب الواحد المستحق لجميع أنواع العبادة، وأن يفرد بالمحبة والخوف، والرجاء، والتعظيم، والتوكل، وغير ذلك من أنواع الطاعات، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] (^١).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «ففي هذه الآية، إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين، وبيان أصل الدليل على ذلك، وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم، واندفاع [جميع] النقم، فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تَعَالَى» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-266>الأثر الثالث: الرجاء والتعلق برحمة الرحمن الرحيم:</span>\nإذا نظر الإنسان في سعة رحمة الله وعظمتها؛ أثمر ذلك في نفسه الرجاء وعدم اليأس من رحمة الله ومغفرته؛ إذ إنه سُبْحَانَهُ علم ضعف عباده وعجزهم وسرعان سقوطهم واغترارهم وانحرافهم عن الصراط، لا سيما أن نفوسهم ركب فيها الميل للشهوات، وتسلط عليهم الشيطان وقعد لهم بالمرصاد، يأخذ عليهم كل طريق، ويجلب عليهم بخيله ورجله، ويجدُّ كل الجدِّ في إضلالهم وإيقاعهم في السوء، فلا خلاص لهم من الذنوب والزلات، وكل ابن آدم خطاء.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ٢٦٦)، تفسير السعدي (ص: ٧٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٧).","vol":"1","page":419},{"text":"فلما علم سُبْحَانَهُ ذلك كله من خلقه؛ رحمهم بفتح أبواب التوبة والمغفرة لهم، ولو أسرفوا في الذنوب ما أسرفوا، وظنوا أنهم طُردوا وانتهوا، ولم يعد يُقبل منهم ولا يُستقبل، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١)، وذكر رسول الله -ﷺ- قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم كمل المائة بقتل العابد (^٢)، ومع ذلك أدركته رحمة الله ومغفرته.\nقال الشوكاني -﵀- في آية الزمر: «واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سُبْحَانَهُ؛ لاشتمالها على أعظم بشارة؛ فإنه أولًا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى ..» (^٣).\nكما أن ملاحظة رحمة الله وسعتها؛ تثمر الأمل في النفوس المكروبة، وتبث فيها الروح وحسن الظن بالرحمن الرحيم، وانتظار الفرج بعد الشدة، لذا قال إبراهيم -﵇- متذكرًا رحمة الله، مع أن أسباب الولد معدومة:\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٦٦).\n(^٣) فتح القدير، للشوكاني (٤/ ٥٣٨).","vol":"1","page":420},{"text":"﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، وقال يعقوب -﵇-، مع أن عود يوسف إليه أشبه بالمحال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]، وقال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].\nوضد ما سبق من الأمل والرجاء: القنوط من رحمة الله واليأس من روحه، وهما من كبائر الذنوب، ومن علامات الكفر والضلال، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، فعلى المسلم أن يحذر من أن يتسلل اليأس إليه وينسيه رحمة أرحم الرحمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>الأثر الرابع: عدم الاغترار برحمة الله:</span>\nإذا تيقن العبد رحمة ربه الرحمن الرحيم وسعتها، فلا بد أن يضم لهذا العلم علمًا آخر، وهو: أنه سُبْحَانَهُ شديد العقاب، شديد المحال، ذو البطش الشديد، والعذاب الأليم، قال تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠].\nفإذا علم العبد هذا؛ لم يغتر برحمة الله، بل جمع بين رجاء الرحمة، وخوف العقاب كما جمع الله بينهما في كتابه وعلى لسان رسوله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"1","page":421},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١).\nقال ابن كثير -﵀-: «وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>الأثر الخامس: محبة الله الرحمن الرحيم والحياء منه:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله «الرحمن- الرحيم» ونظر في آثار رحمته التي لم تزل سارية في الوجود، مالئة للموجود، تنزل بها الخيرات آناء الليل والنهار، وتوالى بها النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، ورحمته سبقت غضبه وغلبته، والعطاء أحب إليه من المنع؛ قاده ذلك كله إلى محبته -﵎-؛ إذ النفوس جبلت على محبة من يحسن إليها ويرفق بها ويعطف، فكيف لا تحب من أفاض عليها من رحمته وعطفه ونعمه ما يفوق الحصر والعد! (^٣).\nكما يقوده- أيضًا- إلى الحياء منه والخجل؛ إذ كيف يعصي من يحسن إليه برحمته، ولولا إحسانه ونعمته ما استطاع أن يعصيه، وكيف يعصي من هو على أخذه وعقابه قادر، إلا أنه يمهله ويحلم عليه برحمته!!\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٨٥).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٢٧).","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>الأثر السادس: الأسباب الجالبة لرحمة الله تعالى:</span>\nكتب الله على نفسه الرحمة، وبين أنها وسعت كل شيء، إلا أنه جعل لها أسبابًا إذا قام بها العبد كانت أقرب إليه وأسرع، وحظه منها أكبر، لا سيما الرحمة الخاصة، وبالمقابل جعل أسبابًا للحرمان منها، إذا قام بها العبد أغلق على نفسه باب الرحمة، وحرم نفسه من رحمة أرحم الرحمين، وبيان ذلك كالتالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-270>أولًا: أسباب نيل رحمة الرحمن الرحيم:</span>\nالأسباب كثيرة ومتعددة، ومنها:\nطاعة الله ورسوله، قال تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] (^١).\nتقوى الله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].\nإقامة الصلاة وأداء الزكاة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦].\nالإنفاق في سبيل الله، قال تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩].\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٩٢).","vol":"1","page":423},{"text":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ\nالصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].\nالتوكل على الله، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥].\nالاستغفار والتوبة، قال -﷿- على لسان صالح -﵇-: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦].\nالإحسان في عبادة الله وإلى عباد الله، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (^١).\nالاستماع والإنصات للقرآن الكريم، قال -﷿-: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nصلة الرحم؛ فعن عبدالرحمن بن عوف -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قَالَ اللهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِن اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتْهُ» (^٢)، وبتته: أي قطعته.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٩٢).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type='title' id=toc-271>ثانيًا: أسباب الحرمان من رحمة الرحمن الرحيم:</span>\nرحمة الله- كما تقرر- وسعت كل شيء، فإذا ضاقت عن أحد من الخلق ولم تصبه؛ دل ذلك على شقائه، ولضيقها وحرمانها أسباب كثيرة، منها:\nالكفر؛ قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].\nالعمل بما يوجب لعنه وطرده من رحمة الله؛ ومن ذلك:\n- كتمان الحق وعدم بيانه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].\n- القتل، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].\n- رمي العفيفات بالفاحشة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].\n- القسوة وعدم رحمة الخلق؛ فعن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣١٨). واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":425},{"text":"قطيعة الرحم؛ فعن عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَال لَها: مَهْ، قَالَتْ: هَذا مقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكَ»، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾\n[محمد: ٢٢] (^١).\nالاختلاف والفرقة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-272>الأثر التاسع: اتصاف العبد بالرحمة:</span>\nالله -﷿- الرحمن الرحيم، ويحب أن يتصف عباده بالرحمة؛ فقد امتدح بها أشرف رسله، فقال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]،\nوامتدح بها الصحابة، فقال تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]، لا سيما أبو بكر -﵁-، الذي قال عنه رسول الله -ﷺ- مادحًا: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ» (^٢).\nوقال رسول الله -ﷺ- مرغبًا فيها: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ\nالرُّحَمَاءَ» (^٣)، وقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨٣٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٢٠٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٧٩١) وقال: هذا حديث حسن صحيح، حكم الألباني: صحيح، الصحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨٩٥).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٢٨٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٢٣).","vol":"1","page":426},{"text":"يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (^١)، فعلى المسلم أن يحرص على الاتصاف بالرحمة، ويجاهد نفسه على التخلق بها، ويعلم ما رتب الله عليها من الثواب، وما في فواتها من حرمان الثواب؛ فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك، ويعلم أن الجزاء من جنس العمل (^٢) وفي الملحق ما يعين على ذلك -بإذن الله-.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>الأثر التاسع: الدعاء باسم الله «الرحمن الرحيم»:</span>\nفالدعاء من أعظم ما تدرك به المطالب والمطامع، والتي من أجلِّها رحمة الله -﷿-، لا سيما وأن الله -﵎- حثنا على سؤاله إياها بصور مختلفة في كتابه، وعلى لسان رسوله -ﷺ-، ومن ذلك:\nأن الله -﷿- بين أن طلب الرحمة دعوة الأنبياء -﵈-، قال تَعَالَى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقال تَعَالَى عن سليمان -﵇-: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وقال تَعَالَى عن دعاء موسى -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، ومن دعائه أيضًا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٦٠٥)، وأبو داود (٤٩٤١)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٢٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح. حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٥٢٢).\n(^٢) ينظر: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للألباني (ص: ١٨٩).","vol":"1","page":427},{"text":"أن الله -﷿- أَمَرَ رسوله -ﷺ- والأمة من بعده بسؤاله الرحمة، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨].\nأن الله -﷿- بيَّن أنها دعوة عباده الناجين من عذاب الله، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩].\nأن رسول الله -ﷺ- علَّم أمته سؤال الله الرحمة في يومهم وليلتهم، ومن ذلك:\n- ما رواه أبو بكر الصديق -﵁- أنه قال للنبي -ﷺ-: «علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).\n- وما رواه أبو هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالحِينَ» (^٢).\n- وما رواه أبو بكرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «دَعَوَاتُ المَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٤). واللفظ للبخاري.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٧٥٩)، وأبو داود (٥٠٩٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٣٨٨).","vol":"1","page":428},{"text":"- وما رواه سعد بن أبي وقاص -﵁-، قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ؟ قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي فَمَا لِي؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» (^١).\nوبعد هذا فإن من الأدب في سؤال الله رحمته أن تسأل على سبيل الجزم لا التعليق على المشيئة والتردد؛ فقد جاء عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ؛ لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّه لَا مُكْرِهَ لَهُ» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «إنما نهى الرسول -ﷺ- عن هذا القول؛ لأنه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب، فإن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حالته الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، ودليل على قلة معرفته بذنوبه وبرحمة ربه، وأيضًا فإنه لا يكون موقنًا بالإجابة، وفي الحديث: (ادْعُوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ) (^٣)» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩). واللفظ للبخاري.\n(^٣) أخرجه أحمد (٦٦٥٥)، والترمذي (٣٤٧٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير (٢٤٥). واللفظ للترمذي.\n(^٤) المفهم شرح صحيح مسلم، القرطبي (٢٢/ ٨٧). ينظر: حاشية كتاب التوحيد، لعبد الرحمن ابن قاسم (ص: ٣٤٣).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>«الرحمن الرحيم يحب الرحماء»</span>\nفي موضوع الرحمة سنتطرق للمسائل التالي:\nأولًا: تعريف الرحمة:\nيقول ابن القيم -﵀-: «الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك، ودفع المضار عنك» (^١).\nوبهذا يتبين أن الرحمة تكون في القلب، وتظهر آثارها على الجوارح واللسان، وذلك بالسعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم.\nفمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل» (^٢).\nوهذه الرحمة هي الرحمة المحمودة المطلوبة، والتي جاءت النصوص بالترغيب فيها، والحث على الاتصاف بها؛ إذ الرحمة من حيث المدح والذم قسمان:\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (٢/ ١٧٤).\n(^٢) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (٢/ ٩١٥).","vol":"1","page":430},{"text":"١ - رحمة محمودة، وهي الأصل في خلق الرحمة.\n٢ - رحمة مذمومة، ويراد بها: الرحمة التي تؤدي إلى تعطيل شرع الله، أو التهاون في تطبيق حدوده وأوامره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «إن دين الله هو طاعته وطاعة رسوله المبني على محبته ومحبة رسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة لدين الله» (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «إن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلوب، وهي من رحمة الله بعباده، ورأفته بهم الداخلة في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلا الخير؛ إذ هو في ذلك جاهل أحمق» (^٢).\nلذا نهى الله تَعَالَى المؤمنين أن تأخذهم رأفة أو رحمة في تطبيق حدود الله وإقامة شرعه، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].\nثانيًا: منزلة الرحمة وفضلها:\nالرحمة خلق سامٍ، وسجية كريمة، حث الإسلام على التخلق والاتصاف بها، ورغب في ذلك ببيان منزلتها وفضلها، ومما ورد في ذلك:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٩١).\n(^٢) المرجع السابق (١٥/ ٢٩٠).","vol":"1","page":431},{"text":"أن الله جعل الرحمة ركيزة من الركائز التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي بين أفراده؛ فعن النعمان بن بشير -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى» (^١).\nأن الله جعل هذه الصفة خلق لصفوة خلقه وخيرة عباده، وهم الأنبياء والمرسلون، ومن سار على نهجهم من الصالحين، قال تَعَالَى عن نبيه محمد -ﷺ-: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nأن الله جعل الرحمة من أهم أسباب نيل رحمته؛ إذ الجزاء من جنس العمل، قال رسول الله -ﷺ-: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (^٢).\nأن الله -﷿- حكم بالشقاء على من نزعت منه الرحمة؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت أبا القاسم -ﷺ-: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٨٦).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أحمد (٨٠٠١)، وأبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير (٧٤٦٧).","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>ثالثًا: الأسباب المعينة على التخلق بالرحمة:</span>\nالرحمة أولًا نوعان:\nرحمة غريزية جبل الله بعض عباده عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميع ما يقدرون عليه من نفعهم، بحسب استطاعتهم.\nفهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم.\nرحمة مكتسبة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة وسبب، يجعل قلبه على هذا الوصف الكريم، ومما يعين على ذلك:\nمجالسة الرحماء ومخالطتهم، والابتعاد عن ذوي الغلظة والفضاضة، فالمرء يكتسب من جلسائه طباعهم وأخلاقهم.\nمعرفة الآثار المترتبة عن التحلي بهذا الخلق والثمار، التي يجنيها الرحماء في الدنيا قبل الآخرة.\nمعرفة جزاء الرحماء وثوابهم، وأنهم هم الجديرون برحمة الله دون غيرهم، ومعرفة عقوبة الله لأصحاب القلوب القاسية؛ فإن هذا مما يدفع للرحمة، ويردع عن القسوة.\nالاختلاط بالضعفاء والمساكين وذوي الحاجة؛ فإنه مما يرقق القلب ويدعو إلى الرحمة والشفقة بهم، وجاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ","vol":"1","page":433},{"text":"قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (^١).\nتربية الأبناء على هذا الخلق العظيم ومحاولة غرسه في قلوبهم، ومتى نشأ الناشئ على الرحمة، ثبتت في قلبه وأصبحت سجية له.\nالقراءة في سيرة رسول الله -ﷺ- وصحابته الكرام، الذين قال الله عنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]،\nوملاحظة اتصافهم بالرحمة، والتأسي بهم في ذلك.\nوهنا نماذج من رحمة رسول الله -ﷺ- وصحابته الكرام:\nأولًا: نماذج من رحمة رسول الله -ﷺ-:\nلقد كان له -ﷺ- النصيب الأوفر من هذا الخلق العظيم، كيف لا والله هو الذي اختصه به كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ومن رحمته:\n١ - رحمته بالأمة:\nعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^٢).\n٢ - رحمته بأصحابه:\nعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ -﵁- قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ -ﷺ- وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا\n_________\n(^١) أحرجه أحمد (٧٦٩١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٢٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٤١٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٨٧).","vol":"1","page":434},{"text":"فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فقال: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (^١).\n٣ - رحمته بالخدم:\nعن المعرور بن سويد -﵁-، قال: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (^٢).\n٤ - رحمته بالعصاة:\nعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁- قَالَ: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٠٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٦١).","vol":"1","page":435},{"text":"لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» (^١).\n٥ - رحمته بالكفار:\nعن عائشة -﵂- زوج النبي -ﷺ- «أنها قالت للنبي -ﷺ-: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^٢).\n٦ - رحمته بالحيوانات:\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ -﵄- قَالَ: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِحَاجَتِهِ هَدَفًا، أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٦٤١)، والطبراني في الكبير (٧٦٧٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٧٠). واللفظ لأحمد.\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٧٩٥).","vol":"1","page":436},{"text":"النَّبِيُّ -ﷺ- فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (^١).\nفهذه نماذج من رحمة رسول الله -ﷺ-، وقد أمرنا بالتأسي به، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\nوما سبق أمثلة على الرحمة، وإلا فأفرادها وصورها كثيرة جدًّا لا تكاد تحصى؛ لأنه ما من معاملة من المعاملات أو رابطة من الروابط الاجتماعية أو الإنسانية، إلا وأساسها وقوام أمرها الرحمة.\nفاللهم يا رحمنا يا رحيم، برحمتك نستغيث، أصلح شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٦٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٢٥٤٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (٢٥٤٩).","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>الرَّزَّاقُ الْرَّازِق -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-277>المعنى اللغوي لاسم (الرَّزَّاق - الرَّازِق):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الرزق: ما ينتفع به، والجمع: الأرزاق، والرزق العطاء، وهو مصدر قولك: رزقه الله، والرَّزْقَة بالفتح: المرة الواحدة، والجمع: الرَّزَقَات، وهي أطماع الجند.\nوارتزق الجند، أي: أخذوا أرزاقهم … وقد يسمى المطر رزقًا، وذلك قوله -﷿-: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [الجاثية: ٥]» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الراء والزاء والقاف أصل واحد، يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت، فالرزق: عطاء الله جل ثناؤه، ويقال: رزقه الله رزقًا، والاسم: الرزق، والرزق بلغة أزدشنوءة: الشكر، من قوله جل ثناؤه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢]. وفعلت ذلك لما رزقتني، أي: لما شكرتني» (^٢).\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٤٨١).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٣٨٨).","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>ورود اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) في القرآن:</span>\nورد اسم الله الرزاق مفردًا مرة واحدة في كتاب الله:\nوذلك في قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].\nوورد بصيغة الجمع خمس مرات، منها:\nقوله -﷿-: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤].\nوقوله -﷿-: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].\nوقوله -﷿-: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].\n\n<span data-type='title' id=toc-279>ورود اسم الله (الرزاق - الرازق) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الرزاق - الرازق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا. فقال: إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ؛ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله، وَلَيْسَ أَحَدٌ منكم يَطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ، وَلَا مَالٍ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٤٥١)، والترمذي، رقم الحديث: (١٣١٤)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٢٨٩٤).","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>معنى اسم الله (الرَّزَّاق- الرَّازِق):</span>\nقال الطبري -﵀-: في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]: «إن الله هو الرزاق خلقه، المتكفل بأقواتهم» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «هو المتكفل بالرزق، والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وسع الخلق كلهم رزقه ورحمته، فلم يختص بذلك مؤمنًا دون كافر، ولا وليًّا دون عدو، يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيل له، ولا متكسب فيه، كما يسوقه إلى الجلد القوي ذي المرة السوي، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]» (^٢).\nقال الحليمي -﵀- في معنى: (الرازق) -: «المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قوامًا إلا به، والمنعم عليهم بإيصال حاجتهم من ذلك إليهم؛ لئلا تتنغص عليهم لذة الحياة بتأخره عنهم، ولا يفقدوها أصلًا لفقدهم إياه» (^٣).\nوقال- في معنى (الرزاق) -: «وهو الرزاق رزقًا بعد رزق، والمكثر الواسع لها» (^٤).\nقال ابن الأثير -﵀-: «(الرزاق) وهو الذي خلق الأرزاق، وأعطى\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ٥٥٥ - ٥٥٦).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ٥٤).\n(^٣) المنهاج (١/ ٢٠٣).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":440},{"text":"الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «(الرزاق) لجميع عباده، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها» (^٢).\nقال الإمام ابن القيم -﵀-:\nوَكَذَلِكَ الرَّزَّاقُ مِنْ أَسْمَائِهِ … والرِّزْقُ مِنْ أَفْعَالِهِ نَوْعَانِ\nرِزْقٌ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ … نَوْعَانِ- أَيْضًا- ذَانِ مَعْرُوفَانِ\nرِزْقُ القُلُوبِ العِلْم والإِيَمان … والرِّزْقُ الُمعَدُّ لِهَذِهِ الأَبْدَانِ\nهَذَا هُوَ الرِّزْقُ الحَلَالُ وَرَبُّنَا … رَزَّاقُهُ والفَضْلُ لِلْمَنَّانِ\nوالثَّاني سَوْقُ القُوتِ لِلْأَعْضَاءِ فِي … تِلْكَ المَجَارِي سَوْقُهُ بِوَزَانِ\nهَذَا يَكُونُ مِنَ الحَلَالِ كَمَا يَكُو … نُ مِنَ الحَرامِ كِلَاهُمَا رِزْقَانِ\nواللهُ رَازِقُهُ بِهَذا الاعْتِبَا … رِ وَلَيْسَ بِالإِطْلَاقِ دُونَ بَيَانِ (^٣)\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢١٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).\n(^٣) النونية، لابن القيم (ص ٢١١).","vol":"1","page":441},{"text":"الفرق بين اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق):\n«الرزاق يعني: هو صاحب العطاء الذي يعطي، فالرزق بمعنى: العطاء، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]، أي: أعطوهم، وكلمة (الرزاق) أبلغ من كلمة (الرازق)؛ لأن (الرزاق) صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق الله تَعَالَى كثير باعتبار كثرة المرزوقين، فكل دابة في الأرض على الله رزقها، من إنسان وحيوان، ومن طائر وزاحف، ومن صغير وكبير» (^١).\nاقتران اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الرازق) بغيره من الأسماء الحسنى:\nلم يقترن اسم الرزاق بغيره من الأسماء.\nثانيًا: اقتران اسم الله (الرزاق) بغيره من الأسماء الحسنى:\nاقترن اسم الله الرزاق باسمه (ذو القوة المتين) في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].\nوجه الاقتران:\nفي جمع الله اسمه «الرزاق» واسميه «ذو المتين» وصفه بالقوة في قوله تَعَالَى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وفي هذا كمال زائد في القوة، حيث التناهي في القدرة، والتناهي في شدة القوة.\n_________\n(^١) تفسير العثيمين، الحجرات- الحديد (ص: ١٦٨).","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-281>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق):</span>\n<span data-type='title' id=toc-282>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرازق الرزاق) من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nالله سُبْحَانَهُ الرزاق الذي كثر رزقه، ووسع الخلائق كلها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، خلق الخلق لعبادته وتكفل برزقهم ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، فما خلقهم لحاجته إليهم، فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطعموه، تَعَالَى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع الخلق فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم (^١).\nورزق الله لعباده نوعان:\n١ - رزق عام، شمل البر والفاجر، والأولين والآخرين، وهو رزق الأبدان.\n٢ - ورزق خاص وهو رزق القلوب، وتغذيتها بالعلم والإيمان، والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين» (^٢).\nفأما الرزق العام:\nفهو رزق عام لجميع المخلوقات إنسهم، وجنهم، وحيوانهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وعاجزهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨١٣).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).","vol":"1","page":443},{"text":"﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، قال ابن كثير -﵀-: «أي: لا تطيق جمعه ولا تحصيله، ولا تدخر شيئًا لغد، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾، أي: يقيض لها رزقها- على ضعفها- وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء» (^١)، يرزق الثعبان في جحره، والطير في وكره، والسمك في بحره.\nيرزق الكل، وكل ذلك بلا ثقل ولا كلفة ولا مشقة ولا نقص في ملكه، قال الطحاوي -﵀-: «رازق بلا مؤنة» (^٢)، وقال -ﷺ- فيما يرويه عن ربه -﷿-: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (^٣) (^٤).\nوأما الرزق الخاص:\nفهو الرزق الذي خص الرزاق عباده المؤمنين به من الهداية والإيمان والتوفيق للعلم به وبشرعه في الدنيا؛ فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمةً بالحق مريدةً له متألهةً لله متعبدةً، وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٢٠).\n(^٢) العقيدة الطحاوية (ص ١٢٥).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) ينظر: مختصر النهج الأسمى (ص: ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"1","page":444},{"text":"وأما في الأخرة: فيرزقهم أعظم الرزق وأجلَّه، ألا وهو رضاه والجنة، قال تَعَالَى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٣، ٥٤].\nوهذا الرزق- الرزق الخاص- أعظم الرزق وأنفعه، وهو الرزق على الحقيقة، أما رزق البهائم والكفار فهو منقطع ومنتهي؛ ولذلك لما ذكرسُبْحَانَهُ فضله على العباد عامة، ذكر امتنانه على عباده الموحدين بالرزق الخاص في الدنيا بالإيمان وبالجنة في الآخرة، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢٠، ٢١].\nوهذا الرزق مع عظمه، إلا أن كثيرًا من الناس يغفل عنه، لا سيما في حال الدعاء، قال السعدي -﵀- منبهًا على استحضاره: «والرزق الذي خص به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، ينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى: (اللهم ارزقني) أي: ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة، ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهني الذي لا","vol":"1","page":445},{"text":"صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-283>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الرَّزَّاق - الرَّازِق) على التوحيد:</span>\nاسم الله «الرازق، الرزاق» دال على التوحيد؛ وذلك من جهة: تفرد الله -﷿- بالرزق، فهو الرازق الرزاق وحده لا شريك له، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]، وقال مبينًا عجز الخلائق كلهم عن الرزق إن أمسكه ومنعه: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾\n[الملك: ٢١] (^٢)، فلا يملك أحد أن يفتحه عليهم من دون الله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢].\nوكان من دعائه -ﷺ- دبر كل صلاة إذا سلم-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (^٣). (^٤).\nوقد جاء التذكير بهذا- وحدانية الله في الرزق- في القرآن في مقامين:\nالأول: مقام التفضل والامتنان.\nوالثاني: مقام الدعوة إلى توحيد العبادة، والخير والإحسان.\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٨٥ - ٨٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٨/ ١٨١)، وتفسير السعدي (ص: ٨٧٧).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) ينظر: مختصر النهج الأسمى، للنجدي (ص: ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"1","page":446},{"text":"فأما الأمثلة على مقام التفضل والامتنان، فمنها:\n- قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢].\n- قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].\nوأما الأمثلة على مقام الدعوة إلى توحيد العبادة والخير والإحسان، فمنها:\nالأمر بالإنفاق في سبيله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\nالأمر بالشكر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>الأثر الثالث: إدراك التفاوت في الأرزاق، وأنه تابع لعلم الله تعالى:</span>\nفاضل الله -﷿- بين عباده في الرزق، فمنهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم الموسع عليه ومنهم المقتر، وله في ذلك حكم بالغة، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، قال ابن كثير -﵀-:\n_________\n(^١) والآيات في هذا المعنى كثيرة، يطول المقام بذكرها.","vol":"1","page":447},{"text":"«أي: خبير بصير بمن يستحق الغنى، ومن يستحق الفقر» (^١).\nفمن العباد من لا يصلح حاله إلا بالغنى، فإن أصابه الفقر فسد حاله، ومنهم العكس ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]».\nوقال ابن كثير -﵀- أيضًا- في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]-: «ولو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق؛ لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا» (^٢).\nلكن هذا التفضيل في الرزق ليس له ارتباط برضا الله وغضبه ولا محبته وكرهه للعبد، فليس إنعامه على خلقه بكثرة الرزق وسعة العيش دليل على محبته لهم، ولا أن تضيقه على آخرين في أرزاقهم لكرهه لهم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، «أي: ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم عليَّ، ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لديَّ، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق، ابتلاء من الله، وامتحان يمتحن به العباد؛ ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل» (^٣) (^٤).\nوقد ظن الكفار والمترفون لجهلهم أن الأموال والأولاد دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٤٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٩٢٤).\n(^٤) ينظر: مختصر النهج الأسمى، للنجدي (ص: ١٠٩ - ١١٠).","vol":"1","page":448},{"text":"الآخرة، قال تَعَالَى عنهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]، فرد عليهم ظنهم هذا بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾\n[سبأ: ٣٦، ٣٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].\nولم يعلموا أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ولذلك فإن الله يعطيها من يحب ومن لا يحب، وسع الرزق على الأخيار أمثال: نبيه داود وسليمان -﵉-، ووسعه على الأشرار أيضًا، أمثال: فرعون وهامان وقارون، وضيق على الأخيار والأشرار؛ ذلك أنه لا يعبأ بالدنيا، فهي هينة عليه، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء، كما جاء في حديث سهل بن سعد -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لو كانتِ الدنيا تَعْدِلُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ مَا سَقَى كَافِرًا منها شربةَ ماءٍ» (^١).\nفعلى المؤمن إذا وسع الله عليه في الرزق، أن يعمل عمل داود وسليمان -﵉-، قال الله عنهما: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وقال تَعَالَى عن سليمان -﵇-: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٠)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١١٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٠).","vol":"1","page":449},{"text":"ويحذر من عمل قارون ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وأمثاله، وإذا ضيق عليه في رزقه أن يصبر ويحتسب، متمثلًا قوله -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا له، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-285>الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الرازق الرَّزَّاقِ:</span>\nالتأمل في خلق الرازق للأرزاق، وإيصالها إلى خلقه رزقًا بعد رزق؛ كل ذلك يورث العبد محبة الرازق والتعلق به لعظيم إحسانه وإفضاله؛ فإن كل ما يراه الإنسان من مظاهر الرزق والعطاء والكرم والجود وما أودع فيها من جودة، وطعم، ومكانة، وسهولة في الوصول إليها كله خلق الله -﷿- وفضله.\n\n<span data-type='title' id=toc-286>الأثر الخامس: التوكل على الرزاق الرازق في طلب الرزق:</span>\nاليقين بتفرد الرازق برزق العباد، وتكفله بأقواتهم، وتقديره لرزقهم قبل خلقهم، وتوليه تنفيذ المقدر الذي يخرجه في السماوات والأرض، في السماوات؛ لأنه مقضي مكتوب، وفي الأرض؛ لأنه سينفذ لا محالة، كل ذلك يثمر التوكل الصادق على الله -﷿- في طلب الرزق، الذي يثمر بدوره الطمأنينة في القلب والسكينة وعدم الهلع والخوف على الرزق؛ لأن الله -﷿- هو المتكفل بأرزاق عباده، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد أقسم الله -﷿- على أنه ضمن الرزق للعباد: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، سمعها أعربي فصاح صيحته المشهورة، وقال: «يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":450},{"text":"إلى اليمين؟ قالها ثلاثًا، وخرجت بها نفسه» (^١).\nوتكفل باستكمالها ولو بعد حين، فلن تموت نفس إلا باستكمال رزقها، كما أخبرنا الصادق الأمين -ﷺ-: «أيها الناسُ اتَّقوا اللهَ، وأَجْمِلوا في الطَّلَبِ، فَإِنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تَسْتَوفِيَ رِزْقَهَا، وإنْ أَبْطَأَ عنها، فاتَّقوا اللهَ وأَجْمِلوا في الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» (^٢).\nوعن أبي أمامة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «نَفَثَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِي أَنَّ نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمِ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (^٣)، وعن أبي الدرداء -﵁-، قال: قال النبي -ﷺ-: «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُه» (^٤)، وعن ابن عمر -﵄- «أن النبي -ﷺ- رأى تمرة عائرة (^٥) فأخذها فناولها سائلًا، فقال: خُذْهَا، لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لَأَتَتْكَ» (^٦).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٧/ ٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٤٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٣٢٣٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجة، رقم الحديث: (٢١٤٤). واللفظ لابن ماجه.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٦٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٠٨٥).\n(^٤) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٣٢٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٨٦)، حكم الألباني: صحيح لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٧٠٣).\n(^٥) الأصل: «غائرة»، و«المجمع: غائرة»، والتصحيح من «موارد الضمآن» و«النهاية» وفيه: «العائرة الساقطة لا يعرف لها مالك»، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٢٨).\n(^٦) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٣٢٤٠)، والبيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٢٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٧٠٥).","vol":"1","page":451},{"text":"وإذا حقق العبد التوكل رزقه الرزاق كما يرزق الطير؛ فعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ، كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا (^١) وَتَرُوحُ بِطَانًا (^٢)» (^٣)، فـ «لو توكلوا على الله في ذهابهم، ومجيئهم وتصرفهم، ورأوا أن الخير بيده ومن عنده، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير، تغدوا خماصًا وتروح بطانًا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم، ويغشُّون ويكذبون ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل» (^٤).\nولا يعني التوكل عدم الأخذ بالأسباب والقعود عن الكسب، بل التوكل: الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب؛ لأن هذه الأسباب من رزق الله تَعَالَى الذي يسره لعباده وأقدرهم عليه، وأوصلهم إليه، لكن لا يعتمد الإنسان عليها، وإنما يجعل اعتماده على الله ويوقن أن مفاتيح الرزق بيده، وأن خزائن السموات والأرض بيده.\nكما يثمر هذا اليقين- بوحدانية الرازق في الرزق وتقديره له- في نفس العبد عدم الخوف من المخلوقين في قطع الرزق؛ لعلمه أن الرزق بيد الله وحده وقد قدره وكتبه، ولا بد أن يصله رضي الخلق أو سخطوا.\n_________\n(^١) تغدو، أي: تذهب أول النهار، خماصًا، أي: ضامرة البطن من الجوع. ينظر: تحفة الأحوذي، المباركفوري (٧/ ٧).\n(^٢) تروح، أي: ترجع آخر النهار، بطانًا جمع بطين، أي: عظيمة البطن من الشبع. ينظر: المرجع السابق بنفس الصفحة.\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٤٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٥٢٥٤).\n(^٤) شعب الإيمان، للبيهقي (٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":452},{"text":"وقد رد الله على المنافقين الذين قالوا: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، فقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] فبين أن هؤلاء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين، إنما هم يرزقون من خزائن الله، فليسوا هم الذين يخلقون رزق أنفسهم، فضلًا عن أن يرزقوا غيرهم أو يمنعوا رزقه، فما أقل فقههم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين.\nولضعف هذ اليقين تجد الإنسان يسأل: من الذي يرزقك؟ فيجيب على البديهة: الله، ثم تجده إذا ضيق عليه مخلوق في الرزق، قال: فلان يريد قطع رزقي!\nفلا بد أن يستقر في القلوب إلى درجة اليقين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله هو المحيي المميت، وأن الله هو الضار النافع، وأن الله هو المعطي والمانع، وأن الله هو المدبر، وأن الله هو الذي بيده كل شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-287>الأثر السادس: الأخذ بأسباب نَيلِ الأرزاقِ:</span>\nقد جعل الرزاق تحصيل الأرزاق منوطًا بالأخذ بالأسباب، فبها تنال الأرزاق وتستجلب الخيرات، وتحصل البركات وتدفع عن العباد الشرور والآفات.\nوقد بين سُبْحَانَهُ هذه الأسباب وأوضحها لعباده في كتابه وسنة رسوله -ﷺ-، ومنها:\n١ - الإيمان والتقوى:\nمن أهم أسباب نيل الرزق: الإيمان بالله والاستقامة على طريق الحق، قال تَعَالَى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، وقال","vol":"1","page":453},{"text":"سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، فـ «يسبب له أسباب الرزق من حيث لا يشعر، ولا يعلم» (^١).\nوما دام أن التقوى والعمل الصالح باب إلى الرزق والبركة، فإن المعصية تنقص الرزق والبركة، أو تكون بابًا للعاصي إلى النكد والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقال تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].\n٢ - التوبة والاستغفار:\nقال تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] قال الشنقيطي -﵀-: «هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تَعَالَى من الذنوب سبب لأن يمتع الله من فعل ذلك متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى؛ لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه.\nوالظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٣/ ٤٤٥).\n(^٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي (٢/ ١٧٠).","vol":"1","page":454},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].\nفـ «الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر؛ ثم قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]» (^١).\n٣ - شكر الرَّزَّاقِ:\nرزق الله -﵎- عظيم، منه: الإسلام، والعافية، والعقل، والطعام، والشراب، والولد، والمال، والجمال، والشباب، والقوة، والفتوة، والطبيعة، والإلهام.\nوقد اعتاد كثير من الناس أن تحصل لهم كل هذه الأشياء بشكل طبيعي معتاد، ولا يتفطنون إلى حقيقة كونها نعمة من عند الله -﵎-، بينما الإنسان صاحب القلب الحي يدرك هذا المعنى ويتأمله.\nجاء رجل يشتكي إلى حكيم الفقر، فقال له: هل تبيع لي بصرك بمائة ألف دينار؟ قال: لا، قال: هل تبيع سمعك بمائة ألف دينار؟ قال: لا، قال: فيدك، فرجلك، فعقلك، فقلبك، فجوارحك، … وهكذا عدد له، حتى بلغ الأمر مئات الألوف من الدنانير، في هذا الإنسان، فقال له: يا هذا!! عليك ديون كثيرة، وحقوق مثبتة فمتى تؤدي شكرها، ومع ذلك تطلب الزيادة، إن ربك عفو كريم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٩٠٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٨٣٤٣).","vol":"1","page":455},{"text":"وقد أرشدنا الله -﵎- إلى شكره على ما تفضل علينا به من رزقه، ووعدنا إن شكرنا زادنا من فضله، قال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].\n٤ - الإنفاق من هذا الرِّزْقِ:\nلقد أمر الله -﷿- عباده بالإنفاق في سبيله، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\nوقال -﷿-: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١].\nوقد وعد سُبْحَانَهُ أن يخلف ما ينفق، قال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال -ﷺ- فيما يرويه عن ربه -﷿-: «قَالَ اللهُ -﵎-: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكِ» (^١)، وقال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (^٢).\n٥ - الصلاة:\nومن أسباب سعة الرزق في الدنيا والآخرة: الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩٣). واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٨).","vol":"1","page":456},{"text":"هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقال جل شأنه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨، ٣٩].\n٦ - صلة الرحم:\nمما يستجلب به الرزق: صلة الرحم، عن أنس بن مالك -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَن أَحَبَّ أنْ يُبْسَطَ له في رزقِهِ، وَيُنْسَأَ له في أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١)، بل حتى أن الفجرة إذا تواصلوا بسط الله لهم في الرزق، كما جاء في الحديث، عن أبي بكرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-: «إنَّ أعجلَ الطاعةِ ثوابًا: صلةُ الرَّحِمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ ليكونوا فَجَرةً، فتنموَ أموالُهم، ويَكْثُرَ عددُهُم إِذَا تَوَاصَلُوا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-288>الأثر السابع: طلب الرزق الحلال، والحذر من الرزق الحرام:</span>\nاليقين بأن الله الرزاق الذي تكفل للعباد بأرزاقهم؛ يدفع العبد إلى ترك الرزق الحرام في مأكله ومشربه وملبسه وعمله ونحو ذلك، ولو كان كثيرًا موفورًا؛ لأنه يعلم أن الرزاق سيفتح له أبواب من الرزق الحلال، وأنه لن يحصل من الرزق إلا ما قسم له، وأن ما عند الله لا ينال بمعصيته، قال -ﷺ-: «نَفَثَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِي أَنَّ نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٨٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٧).\n(^٢) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٤٤٠)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (١٠٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع، رقم الحديث: (٥٧٠٥).","vol":"1","page":457},{"text":"تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمِ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (^١).\nوقد حذر الله -﷿- وتوعد من أكل الرزق الحرام، قال -ﷺ-: «إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ (^٢) إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» (^٣)، وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^٤).\nقال ابن رجب -﵀-: «وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله … وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام» (^٥)، وقال: «فيؤخذ من هذا: أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة» (^٦).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) السحت: الحلق، ويطلق في الشريعة على المال الحرام؛ لأنه يحلق الدين. العرف الشذي، للكشميري (٢/ ٩٣).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٦٦٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٦١٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٦١٤).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠١٥).\n(^٥) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٢٦٠).\n(^٦) المصدر السابق (١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":458},{"text":"فعلى المؤمن أن يحذر الرزق الحرام بمختلف صوره وأشكاله، ومنها:\nالربا، وقد تكاثرت النصوص في النهي عنه، ومن ذلك:\nقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].\nوعن جابر -﵁- قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ» (^١).\nوالربا ممحوق البركة منزوع الخير، قال تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦].\nالرشوة، عن عبد الله بن عمرو قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» (^٢).\nاليمين الغموس، وهو: الحلف كذبًا؛ لاقتطاع مال الغير (^٣)، عن أبي أمامة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» (^٤)، وقال: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِصْدَاقَهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٥٩٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٥٨٠)، والترمذي، رقم الحديث: (١٣٣٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابي داود، رقم الحديث: (٣٥٨٠).\n(^٣) ينظر: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٥٥٧).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٣٧).","vol":"1","page":459},{"text":"مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية (^١).\nسؤال الناس بلا حاجة أو ضرورة، قال -ﷺ-: «لَا تَزَالُ المَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (^٢).\nأخذ أموال الناس بقصد السلف والدين، مع إضمار النية بعدم رده وسداده، أو التهاون في ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى الله عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ الله» (^٣).\nالغلول، وهو: الخيانة مطلقًا، وغلب في الاستعمال تخصيصه بالخيانة في الغنيمة (^٤)، وللغلول صور عدة، من أهمها: الأخذ من المال العام (^٥).\nوجاء في الغلول حديث أبي هريرة، قال: «قام فينا رسول الله -ﷺ- ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ثم قال: «لَا أُلْفِيَنَّ (^٦) أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٨). واللفظ للبخاري.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٤٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٨٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦).\n(^٥) للغلول صور متعددة، منها: أخذ الموظفين من الهدايا، اغتصاب الأراضي والعقارات ونحو ذلك بغير حق.\n(^٦) ألفين، أي: لا أجدن أحدكم على هذه الصفة، ومعناه: لا تعملوا عملًا أجدكم بسببه على هذه الصفة، شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦).","vol":"1","page":460},{"text":"لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ (^١)، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ (^٢)، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ (^٣)، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ» (^٤).\nوفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عباس -﵄-، قال: حدثني عمر بن الخطاب -﵁-، قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رسول الله -ﷺ-: كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا- أو عَبَاءَةٍ-» (^٥).\nوكل رزق فيه شبهة ينبغي للعبد أن يتجنبه؛ لأن المال الحرام يمحق بركة\n_________\n(^١) الرغاء، والحمحمة، والغثاء: وصف لصوتها، فصوت البعير الرغاء وصوت الفرس الحمحمة هكذا. ينظر: شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٢) المراد: ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، تخفق: تتحرك، ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٢٥١).\n(^٣) الصامت، أي: الذهب والفضة، شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠٧٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٨٣١).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٤).","vol":"1","page":461},{"text":"الإنسان في جميع أمره: في ماله وولده وبيته، حتى في دعائه: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-289>الأثر الثامن: الإنفاق من رزق الرزاق الرازق:</span>\nإيمان العبد باسمه سُبْحَانَهُ (الرزاق) يبعد عن القلب الشح والبخل؛ لأن الشعور بأن ما في اليد من رزق فهو من الله وحده، وما في القلب من علم وهداية فالمانُّ به سُبْحَانَهُ، فهو رزقه وفضله، وقد أمره بالإنفاق منه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]؛ يدفع المؤمن إلى التواضع، والجود بما رزقه الله سُبْحَانَهُ من علم أو مال أو جاه في سبيل الله تَعَالَى، وإيصاله للمحتاجين إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-290>الأثر التاسع: الاشتغال بطلب الرزق الباقي:</span>\nأرزاق الله كثيرة، لا تعد ولا تحصى، إلا أن على المؤمن أن يكون همه السعي لنيل أحسنها وأكملها وأكرمها، مما خص الله به عباده المؤمنين في الآخرة من النعيم، وهو رزق عظيم واسع، لا يحده حد، ولا يقدر قدره إلا الله، فرزق أهل الجنة لا نفاد له ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وهو يرزقهم بغير حساب ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":462},{"text":"ومن طالع صفة الجنة؛ علم سعة رزق أهلها وكثرته وطيبه وتنوعه، قال تَعَالَى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ١٢ - ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].\nوإذا علم العبد ذلك؛ لم يشتغل برزق الدنيا الفاني عن رزق الآخرة الباقي، قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، فالعاقل لا يشغله رزق الدنيا وإن كثر عن الغاية التي خلق لأجلها وأوجد لتحقيقها، وهي عبادة الله وإخلاص الدين له، بل يجعل ذلك سبيلًا لنيل رضا الله، وبلوغ جنات النعيم.\nفاللهمَّ إنَّا نَسْألُكَ علمًا نافعًا، ورِزْقًا طَيِّبًا، وعملًا صالِحًا مُتَقَبَّلًا.\nاللهمَّ اغفِرْ لنا وارْحَمْنَا، وَاهْدِنَا، وعَافِنَا، وارْزُقْنَا.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>الرَّؤُوفُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-292>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الرأفة: أشد الرحمة» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(رأف) الراء والهمزة والفاء كلمة واحدة، تدل على رقة ورحمة، وهي الرأفة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-293>ورود اسم الله (الرؤوف) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف) في كتاب الله في عشر مرات، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nقوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].\nقوله -﷿-: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ٤٨).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٤٧١).","vol":"1","page":464},{"text":"وورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرؤوف) في السنة النبوية:\nمن وروده ما يلي:\nعن يحيى بن أبي كثير -﵀-، قال: كتب إلي أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، يخبرني عن هدي عبد الله بن مسعود في الصلاة، وفعله وقوله فيها، فكان مما ذكره في دعائه: «سبحانك لا إله غيرك، اغفر لي ذنبي، وأصلح لي عملي، إنك تغفر الذنوب لمن تشاء، وأنت الغفور الرحيم، يا غفار اغفر لي، يا تواب تب علي، يا رحمن ارحمني، يا عفو اعف عني، يا رؤوف ارأف بي، يا رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي …» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-294>معنى اسم الله (الرؤوف):</span>\nقال الطبري -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]: «إن الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «(الرؤوف) هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة: أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إن الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة، فهذا موضع الفرق بينهما» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٩٩٤٢).\n(^٢) تفسير الطبري (٢/ ١٢).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٩١).","vol":"1","page":465},{"text":"قال القرطبي -﵀-: «(الرؤوف) ذو الرأفة، والرأفة: شدة الرحمة، فهو بمعنى: الرحيم مع المبالغة» (^١).\nيظهر مما سبق أن هناك ارتباطًا بين الرأفة والرحمة، وقد يظهر الفرق بينهما في:\nأن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي دفع المكروه وإزالة الضرر، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما.\nوأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى، ويدخل فيه الإفضال والإنعام (^٢).\nالرحمة تكون للمؤمن والكافر والبر والفاجر، ومن رحمة الله: إرسال الرياح والأمطار، وهي رحمة يشترك فيها الإنسان مؤمنًا وكافرًا، والحيوان والأشجار وكثير من مخلوقات الله تَعَالَى.\nبينما الرأفة تكون فقط للمؤمنين، تأمل قوله الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وهذا عام للمؤمن والكافر، بينما رأفة الله لا تكون إلا للمؤمن، فانظر إلى قوله الله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (^٣).\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ٢٨٩).\n(^٢) المنهاج الأسنى، للقرطبي (١/ ٢٠١).\n(^٣) مفاتيح الغيب، للرازي (٤/ ٩٩).","vol":"1","page":466},{"text":"اقتران اسم الله (الرؤوف) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nاقتران اسم الله (الرؤوف) باسم الله (الرحيم):\nلم يقترن اسم الله الرؤوف بغيره من الأسماء إلا باسم الله الرحيم، وجاء هذا الاقتران في تسع آيات من القرآن الكريم، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nقوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩].\nوقد سبق الحديث عن وجه هذا الاقتران، وذلك عند كلامنا عن اسم الله تَعَالَى (الرحمن الرحيم).\nسر تقديم اسم الله الرؤوف على اسمه الرحيم:\nيقول الألوسي -﵀-: «وقدم على رحيم؛ لأن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر، كما يشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، والرحمة أعم منه، ومن الإفضال، ودفع الضرر أهم من جلب النفع، وقول القاضي: لعل تقديم (الرؤوف) - مع أنه أبلغ- محافظة على الفواصل- ليس بشيء؛ لأن فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف الأخير كالسجع- فالمراعاة حاصلة على كل حال-، ولأن الرحمة حيث وردت في القرآن قدمت ولو في غير الفواصل، كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]","vol":"1","page":467},{"text":"في وسط الآية» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-295>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرؤوف):</span>\n<span data-type='title' id=toc-296>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرؤوف) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nلقد أثبت الله -﷿- صفة الرأفة لنفسه، وقرنها بصفة الرحمة؛ ليؤكد مدلول أحدهما بمدلول الآخر، والرأفة هي: صفة شاملة لاستصلاح العباد والرفق بهم في تربيتهم جملة وتفصيلًا، والنظر لهم بما هم عليه من الضعف والحاجة والمسكنة والفقر (^٢).\nومن يتأمل في الكون يرى آثار رحمة الله ورأفته في الكون، ومن مظاهر تلك الرأفة:\nمن رأفته تَعَالَى: إنزاله الكتاب على رسوله -ﷺ-؛ ليخرجنا من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الحق ودين الإسلام: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩].\nومن رأفته تَعَالَى أنه لا يضيع لعباده طاعة أطاعوه بها، فلم يبطل عمل عباده الذين صلوا قبل تحويل القبلة، فقد تساءل الصحابة عن عملهم وعمل إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، بعد أن حُولت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].\n_________\n(^١) روح المعاني (١/ ٤٠٦).\n(^٢) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":468},{"text":"ومن رأفته تَعَالَى: توبته على عباده، وأنه يقبل توبة التائبين، ولا يرد عن بابه العاصين المنيبين مهما كثرت سيئاتهم، وتعاظمت خطيئاتهم ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] (^١)، فهو يفتح لهم باب التوبة ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (^٢)، وعن أبي موسى الأشعري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٣).\nومن رأفتهسُبْحَانَهُ: تسخيره المخلوقات لخدمتنا، كالجمال والخيول والبغال والحمير قديمًا، والسيارات والطائرات حديثًا: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وغير ذلك، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد الذي لا يبلغونه إلا بشق الأنفس، وفيها كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح، والتعقيب بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] توجيه إلى ما في خلق الأنعام من نعمة، وما في هذه النعمة من رحمة.\n_________\n(^١) للاستزادة: يرجع لأسماء الله (الرحمن الرحيم، اللطيف، الرفيق).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٣).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٩).","vol":"1","page":469},{"text":"ومن رأفته سُبْحَانَهُ: حفظه لعباده في سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم، كما ورد عند البخاري من حديث أبى هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال في الحديث القدسي: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، …» (^١)، وهذا منتهى الرأفة بالصادقين.\nومن رأفتهسُبْحَانَهُ: أنه أخبر عباده بما سيلاقونه في يوم القيامة، حيث تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وهذا الإخبار من رأفته؛ حتى يستعد الناس لذلك اليوم: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].\nوحري بمن عرف اسم الله الرؤوف وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده رأفته ورحمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-297>الأثر الثاني: محبة الله الرؤوف:</span>\nحينما يفكر العبد وينظر في مظاهر رأفة الله -﷿- بعباده، والتي لا تعد ولا تحصى؛ فإن هذا يثمر تجريد المحبة لله تَعَالَى والعبودية الصادقة له سُبْحَانَهُ، وتقديم محبته -﷿- على النفس، والأهل، والمال، والناس جميعًا، والمسارعة إلى مرضاته، والدعوة إلى توحيده، والجهاد في سبيله، وفعل كل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).","vol":"1","page":470},{"text":"ما يحبه ويرضاه.\nيقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].\nوالرؤوف سُبْحَانَهُ متصف بصفات الكمال والجلال، والمنزه عن النقائص والعيوب؛ ومن كان هذا وصفه فإن النفوس مجبولة على حبه وتعظيمه، وهذه المحبة تورث حلاوة في القلب، ونورًا في الصدر، وهذا هو النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-298>الأثر الثالث: التخلق بخلق الرأفة:</span>\nفقد كان النبي -ﷺ- الرؤوف الرحيم شديد الرأفة والرحمة بأمته، فهو أرحم بهم من والديهم، عطوف رفيق، وقد أعطاه اللهتَعَالَى في هذه الآية اسمين من أسمائه، وهو في نهاية الكرامة (^١).\nقال الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nومعنى ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، فيحب لكم الخير ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم، ولهذا كان حقه مقدمًا على سائر حقوق الخلق،\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٣٦٢).","vol":"1","page":471},{"text":"وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتوقيره وتعزيره (^١).\nيقول ابن القيم -﵀-: «وأقرب الخلق إلى الله تَعَالَى: أعظمهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه: من اتصف بضد صفاته» (^٢).\nوكان مِنْ رأفته -ﷺ- بأمته:\nأنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه (^٣).\nوما انتقم رسول الله -ﷺ- لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها (^٤).\nوكان يدخل في الصلاة، وهو يريد أن يطول فيها فيسمع بكاء الصبي؛ فيتجوز في صلاته كراهية أن يشق على أمه (^٥).\nوكان يراعي ما ركبه الله بهم من غرائز، فيمكن أصحابه من أن يقضوا وطرهم المباح؛ فعن مالك بن الحويرث -﵁-، أتينا إلى النبي -ﷺ- ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله -ﷺ- رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا، سألنا\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٣٥٦).\n(^٢) الروح (ص: ٢٥١).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٦٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٦٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٧). واللفظ للبخاري.\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٠٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٧٠).","vol":"1","page":472},{"text":"عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ- وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها- وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (^١).\nفمالكٌ ورفقته كانوا في سن الشباب، والشباب مظنة قوة الشهوة، فلما قضوا هذه المدة عنده، أمرهم بالرجوع إلى أهلهم؛ ليقضوا وطرهم المباح.\nومن مظاهر رحمته -ﷺ-: رحمته بالصغار، فقد كان يقبِّل الصغار، ويداعبهم، بل ويكنيهم، فعن أسامة بن زيد -﵁- قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُمَّ ارْحَمْهُمَا؛ فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» (^٢).\nوروى البخاري- أيضًا- من حديث أنس بن مالك -﵁-، قال: «إِنْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْر، مَا فَعَلَ النُّغَيْر» (^٣)، والنغير: تصغير نغر، وهو طائر يلعب به ذلك الصبي، فمات.\nوفي حديث أبي هريرة -﵁-: «أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (^٤).\nوامتدت رأفة النبي -ﷺ- بالحيوانات، يقول سهل بن الحنظلية -﵁-، قال: «مرَّ رسول الله -ﷺ- بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فقال:\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١٢٩).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣١٨).","vol":"1","page":473},{"text":"اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً» (^١).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا» (^٢).\nوعن معاوية بن قرة عن أبيه -﵁-، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ وَأَنَا أَرْحَمُهَا، أَوْ قَالَ: إِنِّي أَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا. فَقَالَ: وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ» (^٣).\nوعن عبد الله بن عمرو -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، إِلَّا سَأَلَهُ اللهُ -﷿- عَنْهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا، وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا» (^٤).\nفانظر إلى الحبيب -ﷺ-، كيف رفقه بالحيوان وشفقته عليه، وكيف أنه يوصي أصحابه وأمته من بعده بأن يتقوا الله فيها، ويرأفوا بحالها!\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٦٢٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٢٥٤٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٢٥٤٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٧٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٢٦٥٧).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٦٩٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٧٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٦).\n(^٤) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (٤٣٦٠)، والدارمي، رقم الحديث: (٢٠٢١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٤٣٤٩). واللفظ للنسائي.","vol":"1","page":474},{"text":"أما عن رأفته بغير المسلمين: فانظر إلى هذا الموقف الذي يتجلى فيه رفق النبي -ﷺ- بالكافرين، وهم يتعرضون له بالأذى، حتى أن النبي وصف هذا اليوم بأشد يوم مر عليه؛ لشدة ما وقع به -ﷺ- من أذى بدني ومعنوي؛ لكنه يرأف بهم ويحلم عليهم، ويرفض أن يرد على إساءاتهم بأي عنف أو شدة، فعن عائشة -﵂- قالت للنبي -ﷺ-: «هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (^١).\nثم هو -ﷺ- يخشى أن تُقبض نفس على الكفر؛ فتُخلد في نار جهنم، فيسمع بمرض طفل يهودي، فيسارع بالذهاب إليه ويرأف بحاله؛ طلبًا لنجاته من الهلاك وخوفًا من إلقائه في النار، فعن أنس بن مالك -﵁-: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ-، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٣١).","vol":"1","page":475},{"text":"لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-299>الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الرؤوف:</span>\n﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].\nربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٣٥٦).\n(^٢) للاستزادة يرجع إلى اسم الله (الرحمن الرحيم).","vol":"1","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>السَّلامُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-301>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «السلام: الاسم من التسليم، والسلام: اسم من أسماء الله تَعَالَى … والسلام: البراءة من العيوب …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(سلم) السين واللام والميم معظم بابه من الصحة والعافية، فالسلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى … والسلام: المسالمة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-302>ورود اسم الله (السلام) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله السلام مرة واحدة في كتاب الله، وهي:\n﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-303>ورود اسم الله (السلام) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (السلام) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن ثوبان -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا انصرف\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٩٥١).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ٩٠).","vol":"1","page":477},{"text":"من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الجَلَالِ والإِكْرَامِ» (^١).\nعن شقيق بن سلمة -﵁-، قال: قال عبدالله: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ-؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^٢).\nعن عبد الله -﵁-، قال: «إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم، إن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كانت له عليهم فضل درجة؛ لأنه ذكرهم السلام، وإن لم يرد عليه رد عليه من هو خير منه وأطيب» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-304>معنى اسم الله (السلام) في حقه تعالى:</span>\nيدور معنى اسم الله (السلام) في حق الله على معنين:\n١ - السلامة والبراءة من كل عيب ونقص في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله سُبْحَانَهُ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٠٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (١٠٣٩)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٠٣٩١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٦٣٨).","vol":"1","page":478},{"text":"٢ - أنه سُبْحَانَهُ منه السلام للخلق عامة، والأمن لعباده المؤمنين خاصة.\nوحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الزجاجي -﵀-: «ذو سلامة مما يلحق المخلوقين من الفناء والموت والنقص والعيب» (^١).\nقال الحليمي -﵀-: «ومنها السلام: لأن معناه السالم من المصائب …» (^٢).\nقال الإمام ابن كثير -﵀-: «السلام؛ أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «ومن أسمائه: القدوس، السلام، أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها وأن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال» (^٤).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الطبري -﵀-: «السلام الذي يسلم خلقه من ظلمه، وهو اسم من أسمائه» (^٥).\n_________\n(^١) اشتقاق أسماء الله (ص: ٢١٥).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٦).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٠).\n(^٤) القول الحق المبين، للسعدي (ص ٨١).\n(^٥) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٢).","vol":"1","page":479},{"text":"قال الزجاج -﵀-: «ويقال السلام: هو الذي سلم من عذابه من لا يستحقه» (^١).\nمن الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:\nقال الخطابي -﵀-: «هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين، وقيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه» (^٢).\nقال البيهقي -﵀-: «هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة، وهذه صفة يستحقها بذاته، وقيل: هو الذي سلم المؤمنون من عقوبته» (^٣).\nقال الإمام ابن القيم -﵀-: «وأما السلام الذي هو اسم من أسماء الله ففيه قولان: أحدهما: أنه كذلك اسم مصدر، وإطلاقه عليه كإطلاق العدل عليه، والمعنى: أنه ذو السلام، وذو العدل على حذف المضاف، والثاني: أن المصدر بمعنى الفاعل هنا، أي: السالم؛ كما سميت ليلة القدر سلامًا، أي: سالمة من كل شر، بل هي خير لا شر فيها» (^٤).\nوقال في نونيته:\nوَهْوُ السَّلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ سَالِمٌ … مِنْ كُلِّ تَمْثِيلٍ وَمِنْ نُقْصَانِ (^٥)\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣١).\n(^٢) شأن الدعاء (١/ ٤١).\n(^٣) الاعتقاد (ص: ٥٩).\n(^٤) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٦).\n(^٥) النونية (ص: ٢١٠).","vol":"1","page":480},{"text":"اقتران اسم الله (السلام) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nاقترن اسم الله السلام باسمه القدوس:\nوذلك في قوله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\nوجه الاقتران:\nاقترن اسم الله (السلام) بـ (القدوس)، وفي اقترانهما دلالة على براءة الله -﷿- من جميع العيوب والنقائص في كل الأوقات؛ إذ القدوس يشير إلى البراءة من جميع العيوب في الماضي والحاضر، والسلام يشير إلى البراءة من أن يطرأ عليه شيء من العيوب في المستقبل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-305>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السلام):</span>\n<span data-type='title' id=toc-306>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السلام) من الصفات:</span>\nلما كان لله -﷿- الكمال من كل وجه سلم من كل عيب ونقص؛ فهو سُبْحَانَهُ السلام الحق بكل اعتبار، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ويقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ» (^٢)، فهو سلام في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الرازي (٢٩/ ٥١٣).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":481},{"text":"فأما سلامة ذاته: فذاته العلية سالمة من كل عيب ونقص يمكن أن تتخيله الأوهام وتمليه الخواطر والأفكار، فهو بذاته نور سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وحجابه- الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه- نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والسماء والأرض، بل وبه استنارت الجنة (^١).\nومن كمال هذه الذات وجلالها: أن أهل الجنة مع عظم ما هم فيه من النعيم الذي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إذا راوا ذاته الجليلة نسوا كل نعيم نظروا إليه؛ إذ هو الجميل الذي سلم من كل عيب ونقص.\nوأما سلامة أسمائه: فأسمائه التي لا تحصى عدًّا جميعها سلام من العيب والنقص، وسلام من الدلالة على ما فيه ذم وقدح، بل كلها حسنى بلغت من الحسن أجمعه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ فكلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد وسلام.\nوأما سلامة صفاته وأفعاله: فكل صفة من صفاته، وكل فعل من أفعاله سلام من كل عيب ونقص وخلل.\nوفي تفصيل هذا وتقريره يقول ابن القيم -﵀-: «ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلامًا مما يضاد كمالها: فحياته سلام من الموت ومن السِّنة والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه، أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٦٨).","vol":"1","page":482},{"text":"وتفكر، وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه، وهو غني عن كل ما سواه، وملكه سلام من منازع فيه، أو مشارك، أو معاون مظاهر، أو شافع عنده بدون إذنه، وإلاهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو.\nوحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه، أو ذل، أو مصانعة، كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه، وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلمًا، أو تشفيًا، أو غلظة، أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها، وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه على إحسانه، وثوابه، ونعمه، بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضًا لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله، وحكمته، وعزته، فهو سلام مما يتوهم أعداؤه الجاهلون به من خلاف حكمته.\nوقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم، ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة، وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بل شرعه كله حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل، وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى، ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.","vol":"1","page":483},{"text":"واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجًا إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش، وعن حملته، وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر، ولا حاجة إلى عرش ولا غيره، ولا إحاطة شيء به -﷾-، بل كان سُبْحَانَهُ ولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه، وهو الغني الحميد، بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما. ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه، وسلام مما يضاد غناه وكماله. وسلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورا في شيء، تَعَالَى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه.\nوسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل، وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذل كما يوالي المخلوق المخلوق، بل هي موالاة رحمة، وخير، وإحسان، وبر، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]، فلم ينف أن يكون له ولي مطلقًا، بل نفى أن يكون له ولي من الذل.\nوكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه، أو تملق له، أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوله المعطلون فيها، وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه؛ فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل» (^١).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ١٣٥ - ١٣٧).","vol":"1","page":484},{"text":"وقال -﵀- أيضًا: «ومن بعض تفاصيل ذلك: أنه الحي الذي سلمت حياته من الموت والسنة والنوم والتغير، القادر الذي سلمت قدرته من اللغوب والتعب والإعياء والعجز عما يريد، العليم الذي سلم علمه أن يعزب عنه مثقال ذرة أو يغيب عنه معلوم من المعلومات، وكذلك سائر صفاته على هذا، فرضاه سُبْحَانَهُ سلام أن ينازعه الغضب، وحلمه سلام أن ينازعه الانتقام، وإرادته سلام أن ينازعها الإكراه، وقدرته سلام أن ينازعها العجز، ومشيئته سلام أن ينازعها خلاف مقتضاها، وكلامه سلام أن يعرض له كذب أو ظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلًا، ووعده سلام أن يلحقه خلف، وهو سلام أن يكون قبله شيء، أو بعده شيء، أو فوقه شيء، أو دونه شيء، بل هو العالي على كل شيء، وفوق كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، والمحيط بكل شيء، وعطاؤه ومنعه سلام أن يقع في غير موقعه، ومغفرته سلام أن يبالي بها أو يضيق بذنوب عباده أو تصدر عن عجز عن أخذ حقه كما تكون مغفرة الناس ورحمته، وإحسانه، ورأفته، وبره، وجوده، وموالاته لأوليائه، وتحببه إليهم، وحنانه عليهم، وذكره لهم، وصلاته عليهم- سلام أن يكون لحاجة منه إليهم أو تعزر بهم أو تكثر بهم.\nوبالجملة، فهو السلام من كل ما ينافي كلامه المقدس بوجه من الوجوه» (^١).\nومن سلامة أفعاله -﵎-: أنه يسلم عباده بإعطائهم الأمن والسلام كما قال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ».\nفمنه -﵎- كل سلام يحصل للخلق صغر أو كبر، قل أو كثر، دنيوي أو ديني أو أخروي.\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (١/ ٤١٤ - ٤١٥).","vol":"1","page":485},{"text":"ثم إذا ثبت ما سبق لربنا السلام؛ علم أنه سُبْحَانَهُ سلم بذلك من أن يكون له شبيه أو مثيل، أو كفو أو سمي، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله (^١)، وأنى ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (^٢)، وسلم بهذا من الصاحبة، والولد، والشريك، والند تَعَالَى عن ذلك علوًّا كبيرًا، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\nويمكن تقسيم مظاهر تسليم السلام لخلقه إلى قسمين، وهما:\nالتسليم العام: وهو الذي يعم المسلم والكافر، والبر والفاجر، ومنه:\nتسليم الأجنة من السقوط، وتسليم الأبدان من العلل والأمراض، وتسليم الأعضاء من العاهات والتشوهات، وتسليم الأجساد من الحرق والغرق والهدم والحوادث ونحو ذلك، وتسليمها من الجوع والعطش، وتسليم النفوس من السحر والحسد والعين، وتسليمها من كل شر مخلوق فيه شر من شياطين الإنس والجن، وشر السباع والهوام، ونحوهم (^٣).\nوتسليم البلدان من الحروب والنكبات والزلازل والبراكين ونحو ذلك، وتسليم قلوب أهلها من الخوف والفزع، وتسليم اقتصادها وأموال أهلها من الخسارات والفاقات، وتسليم حياتها الاجتماعية من الظلم والتعدي، وتسليم نفوس أهلها وأموالهم بما شرع لهم من الأحكام والحدود.\n_________\n(^١) ينظر: بدائع الفوائد (٢/ ١٣٧).\n(^٢) ينظر: الحق الواضح المبين (ص: ٨١).\n(^٣) ينظر: التفسير القيم، لابن القيم (ص: ٦٢٠).","vol":"1","page":486},{"text":"وتسليم الفطر من الشرك بما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب داعين للإسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد لله والتخلص الشرك وشوائبه، إلا أنه سعد مَن سعد بالإيمان، وشقي مَن شقي بالتكذيب والكفران، وتسليم الآخرة من الظلم ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\nالتسليم الخاص: وهو التسليم الذي خص الله به أوليائه وأهل طاعته؛ إذ سلموا اعتقادهم من الباطل، وسلموا جوارحهم من الذنوب والمعاصي، فكان جزاؤهم من جنس عملهم (^١)، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، أي: سلامة لهم في دنياهم، وسلامة لهم في دينهم، وسلامة لهم في آخرتهم (^٢)، كما حصل ليحيى -﵇- إذ سلمه الله بقوله تَعَالَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥].\nقال سفيان بن عيينة -﵀-: «أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]» (^٣)، وكذا عيسى -﵇- إذ قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣]» (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٠٩).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠٦).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٥/ ٢١٧).\n(^٤) وفي الأثر الثالث بسط لمظاهر هذا التسليم.","vol":"1","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-307>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (السلام) على التوحيد:</span>\nاسم الله السلام دال على سلامته -ﷻ- من الشريك والند في الربوبية والألوهية؛ إذ كل من دونه أيًّا كان فيه ما فيه من النقائص والعيوب التي تمنع كونه ربًّا أو إلهًا يعبد، وبالمقابل هو سُبْحَانَهُ سلام سلم من كل نقص وعيب؛ فاستحق بذلك أن يفرد بالربوبية والألوهية، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\nثم إن اسم الله (السلام) دال على ثبوت صفات الكمال له بطريق اللزوم، فانتفاء العيب والنقص يلزم منه ثبوت الكمال كله؛ إذ انتفاء العيب والنقص ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، فهو عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا (^١).\nوإذا ثبتت صفات الكمال وسلم فيها سُبْحَانَهُ من كل نقص وعيب؛ كان بهذا واحدًا فيها لا مماثل له ولا مناظر، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وبهذا كان اسم ربنا (السلام) دالًّا على أنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>الأثر الثالث: تسليم السلام لعباده المؤمنين في أمور دنياهم وأخراهم:</span>\nفمن مظاهر تسليم الله لعباده المؤمنين في أمور دنياهم ما يلي:\n- تسليمهم من شر أعدائهم وبطشهم، كما سلم سُبْحَانَهُ إبراهيم -﵇- من كيد قومه؛ إذ جمعوا الحطب الكثير، وأضرموا النيران فيها، ثم ألقوه فيها، فسلمه الله من\n_________\n(^١) ينظر: التدمرية، تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لابن تيمية (ص: ٥٧).","vol":"1","page":488},{"text":"شرهم وشر النار، فقال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].\nويسلمهم من العذاب الذي ينزله بأقوامهم بإنجائهم، كما أنجى الله نوح -﵇- ومن معه من المؤمنين من الغرق، قال تَعَالَى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨].\n- تسليمهم من الكفر والشرك والضلال، ومن شياطين الجن والإنس ووساوسهم، ويسلمهم من الضلال وطرق الغواية بالهداية إلى الطريق المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] (^١).\n- تسليمهم من الفتنة؛ فتنة الشبهات والشهوات، كما سلم يوسف -﵇- من الوقوع بامرأة العزيز مع قوة الداعي، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].\n- تسليمهم من الفتنة الكبرى، فتنة المسيح الدجال، كما في تسليمه سُبْحَانَهُ للرجل الذي أخبر عنه رسول الله -ﷺ- بقوله: «يَأْتِي الدَّجَّالُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ (^٢)، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ (^٣) الَّتِي تَلِي\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٦٨).\n(^٢) النقاب: أي: طرقها وفجاجها، وهو جمع نقب وهو الطريق بين جبلين. شرح النووي على مسلم (١٨/ ٧١).\n(^٣) السباخ: حمع سبخة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٣٣).","vol":"1","page":489},{"text":"المَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ» (^١).\nومن مظاهر تسليم الله لعباده المؤمنين في أمور أخراهم ما يلي:\n- تسليمهم من كل شقاء وعذاب، فيسلمهم عند قبض أرواحهم من الخوف مما هو قادم أمامهم، ويسلمهم من الحزن على ما خلفوه ورائهم، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].\n- تسليمهم من شدة الموقف وهوله، ويسلمهم من مناقشة الحساب التي قال عنها -ﷺ-: «مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ» (^٢)، ويسلمهم من الصراط وظلمته بما يعطيهم من النور وسرعة السير، ثم يسلمهم السلام الأعظم بالنجاة من النار، فلا يسمعون حسيسها، وهم عنها مبعدون.\n- تسليمهم بإدخالهم جنة السلام: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وتتلقاهم الملائكة بالسلام ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، ويسلم بعضهم على بعض ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٣٦).","vol":"1","page":490},{"text":"والأعظم من ذلك كله: سلامه عليهم بنفسه سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].\n«وإذا سلَّم عليهم الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك، الرب العظيم، الرؤوف الرحيم، لأهل دار كرامته، الذي أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدًا، فلولا أن الله تَعَالَى قدر أن لا يموتوا، أو تزول قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور، لحصل ذلك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-309>الأثر الرابع: محبة الله السلام:</span>\nإذا تعرَّف العبد على اسم الله السلام وجد فيه معنيين، كل واحد منهما كفيل بأن يملأ القلب حبًّا لله -﷿-، وهما:\nالأول: ما فيه من الكمال والجلال والسلامة من كل عيب ونقص؛ وقد جبلت النفوس على محبة من له الكمال.\nالثاني: إحسانه إلى العبد بالتسليم من الشرور والمخاوف؛ وقد جبلت النفوس- أيضًا- على محبة من أحسن إليها.\nفإذا تأمل العبد هذا ولاحظ آثاره؛ قاده ذلك إلى محبة الله -﷿- التي تورث القلب حلاوة الإيمان، ويحصل بها النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٩٨).","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>الأثر الخامس: التأدب مع الله السلام في الألفاظ:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ السلام ومنه السلام سُبْحَانَهُ، وقد جاء النهي عن قول العبد: السلام على الله؛ فعن ابن مسعود -﵁-، قال: «كنا نصلي خلف النبي -ﷺ- فنقول: السلام على الله، فقال النبي -ﷺ-: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ-؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١).\nقال الشيخ عبدالرحمن بن قاسم- صاحب حاشية كتاب التوحيد-: «لما كان حقيقة لفظ (السلام) السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشرور والعيوب، فإذا قال المسلم: السلام عليكم، فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن يسلم من الشر كله، ومرجع السلامة إلى حظ العبد مما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك، والله هو المطلوب منه، لا المطلوب له، وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، وهو السالم من كل تمثيل ونقص، وكل سلامة ورحمة له ومنه، وهو مالكها ومعطيها؛ استحال أن يسلم عليه سُبْحَانَهُ، بل هو المسلِّم على عباده، فهو السلام ومنه السلام، لا إله غيره، ولا رب سواه» (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) حاشية كتاب التوحيد (ص: ٣٤١).","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>الأثر السادس: من أراد الأمن والطمأنينة التزم بشرع الله:</span>\nإن يقين العبد بأن الله مصدر الأمن والسلام يبعث في قلبه الشعور بالسلامة والطمأنينة وزوال الخوف والوحشة والقلق والهم والغم، ويدعوه للتعلق به سُبْحَانَهُ؛ إذ كل ما يصيبه أو يخشى أن يصيبه قادر سُبْحَانَهُ على تأمينه وتسليمه منه ووقايته من شره، ألا أنه لا بد أن يعلم أن من أراد الأمن والسلام في الدنيا سواء في نفسه أو بيته أو مجتمعه، وأرادها في الأخرة كذلك، فإنه لن يجدها إلا في الإيمان بالله -﷿- والأنس به، والالتزام بأحكامه وشريعته؛ إذ كلها أمن وسلام على الفرد والأسرة والمجتمع، وكلما كان العبد وكذا البيت والمجتمع أكثر التزامًا بشريعة الله -﷿- كان أكثر تحصيلًا للسلام في الدارين، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتْتُه الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» (^١).\nوالعكس بالعكس، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وقال -ﷺ- في تمام الحديث السابق: «وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-312>الأثر السابع: إفشاء السلام:</span>\nالله -﷿- السلام، وشرع لعباده ما ينشر السلام والأمن بينهم، ويحقق المودة والمحبة، ألا وإن ذلك هو السلام تحية أهل الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، أي: «فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم» (^١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابَّوْا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (^٢)، وعن عبدالله بن سلام -﵁- قال: «أول ما قدم رسول الله -ﷺ- المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستثبته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٧٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٤).\n(^٣) أخرجه والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٣٣٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٣٣٤).","vol":"1","page":494},{"text":"والمراد بتحية السلام، قول: السلام عليكم، وهي على مراتب ثلاثة:\n١ - أدناها، قول: السلام عليكم.\n٢ - وأوسطها، قول: السلام عليكم ورحمة الله.\n٣ - وأعلاها، قول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nكما دل على هذا حديث عمران بن حصين -﵁- قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَرَدَّ -﵇- ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: عَشْرٌ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: عِشْرُونَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: ثَلَاثُونَ» (^١).\nوفي معناها قولان (^٢):\n١ - أن السلام يراد به السلامة، فعلى هذا يكون المعنى: الإعلام بالسلامة من ناحيته، وتأمينه من شره وغائلته، كأنه يقول له: أنا سلم لك غير حرب، وولي غير عدو، فلا تحذر ولا تخف.\n٢ - أن السلام في التحية يراد به: اسم الله السلام، فعلى هذا يكون المعنى: الله يحفظك ويرعاك، والله تَعَالَى يعيذك، والله تَعَالَى يمنعك ويحميك، ففيه دعاء له بالسلامة من الشرور والآفات.\nثم إن السلام لم يقيد بشيء مخصوص، فيقال: السلام عليك من كذا،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥١٩٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥١٩٥).\n(^٢) ينظر: شأن الدعاء (١/ ٤١)، شرح النووي على مسلم (٤/ ١١٧).","vol":"1","page":495},{"text":"ولم تتصل به تاء التحديد التي تدل على الخصلة الواحدة فلم يقل: (السلامة عليكم)، إيذانًا بالسلامة المطلقة وعمومها لكل شر، بل شمولها لحصول الخير أيضًا؛ إذ فوات الخير يمنع السلامة المطلقة، فإن العبد إذا فاته الخير قد يحصل له الهلاك والعطب، أو النقص والضعف (^١).\nوجاء مع السلام حرف (على)، وكأن الذي يسلم على أخيه المسلم يلقي عليه هذا اللفظ إيذانًا باشتمال معناه، كاشتمال ملابسه عليه، فالسلامة تحيط به، كما يحيط به ثوبه.\nوأضيف للسلام الرحمة والبركة؛ وذلك لأن الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلا بثلاثة أشياء (^٢):\nأ-سلامته من الشر، وقد تضمنها (السلام عليكم).\nب-حصول الخير له، وقد تضمنه (ورحمة الله).\nج-دوام الخير وثباته، وقد تضمنه (وبركاته).\nوبهذه المعاني الجليلة كان السلام أولى من جميع تحيات الأمم، وفيما يلي جملة من الفضائل والخصائص التي تدل على تميز هذه التحية عن سائر التحيات الأخرى، ومن ذلك:\nأن السلام تحية ربانية، طيبة مباركة؛ فالله -﷿- تولى تشريعه بنفسه ورضيه تحية لخير الأمم أمة محمد -ﷺ-، بخلاف غيره من التحيات التي ترجع للأعراف والثقافات، ويدل على هذا قوله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا\n_________\n(^١) ينظر: أحكام أهل الذمة (١/ ٤٢٠).\n(^٢) ينظر: بدائع الفوائد (٢/ ١٧٨).","vol":"1","page":496},{"text":"فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، وجاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «خَلَقَ اللهُ -﷿- آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ: فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ» (^١).\nأن السلام تحيةٌ صاحبها أولى الناس بالله -﷿-؛ فعن أبي أمامة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ باللهِ: مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» (^٢).\nأن تحية السلام من خير الإسلام؛ فقد سئل -ﷺ-: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟! قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (^٣).\nقال النووي -﵀-: «وفيه بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف، وإخلاص العمل فيه لله تَعَالَى لا مصانعة ولا ملقًا، وفيه مع ذلك: استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٢٦)، أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٤١) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥١٩٧)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٨٤٠٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٥١٩٧).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٣٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١).","vol":"1","page":497},{"text":"أن السلام تحية تؤدي إلى الجنة؛ فعن عن عبدالله بن سلام، قال: كان أول ما سمعت من كلامه -ﷺ- قوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ» (^١) (^٢).\nأن السلام تحية اختارها الله لأهل الجنة، ولا يختار لهم إلا الطيب الكامل، فيحيى بعضهم بعضًا بها، قال تَعَالَى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، ويحيهم الملائكة بها، قال تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣]، بل ويحيهم الرب -﷿- بها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤].\nأن السلام تحية تنشر الألفة والمحبة في المجتمعات؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (^٣).\nوبهذا يعرف فضل هذه التحية وكمالها على سائر تحيات الأمم؛ مما يدعو المسلم لتمسك بها على وجه الاعتزاز، وإشاعتها بين المسلمين.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى (١/ ١١٩).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type='title' id=toc-313>الأثر الثامن: اتصاف العبد بالسلام:</span>\nالله -﷿- السلام، ويحب من عباده أن يكون لهم نصيب من اسمه السلام، وذلك: بسلامة النفس، وبسلامة الخلق من شره وأذاه.\nفأما سلامة النفس:\nفبسلامتها من الذنوب والعيوب والنقائص، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، أي: طهرها وسلمها من الذنوب، ونقاها من العيوب (^١).\nفيسلم جوارحه من مواقعة الحرام، ويسلم قلبه من أمراض الشبهات والشهوات، وأدران الحقد والغل والحسد، فيقدم على ربه -﷿- بقلب سليم يحصل معه فوزه ونجاته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].\nوالقلوب ثلاثة: قلب سليم، وقلب مريض، وقلب ميت.\nقال ابن القيم -﵀-: «والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك، والغل، والحقد، والحسد، والشح، والكبر، وحب الدنيا والرياسة؛ فسلم من كل آفة تبعده من الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله؛ فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي الجنة يوم المعاد.\nولا تتم له سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٢٦).","vol":"1","page":499},{"text":"وهوى يناقض التجريد والإخلاص (^١)» (^٢).\nوقد جاء في فضل القلب السليم نصوص عدة، منها:\nأن القلب السليم سبب للنجاة يوم القيامة من العذاب، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].\nأن الله -﷿- أثنى على إبراهيم -﵇- بالقلب السليم، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤].\nأن صاحب القلب السليم من أفضل الناس؛ فقد سئل -ﷺ-: أي الناس أفضل؟ قال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ، قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (^٣).\nأن القلب السليم سبب لدخول الجنة؛ فعن أنس بن مالك -﵁- قال: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-\n_________\n(^١) الداء والدواء (ص: ٢٨٢ - ٢٨٣).\n(^٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٧، وما بعدها).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢١٦) واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤٤٦٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢١٦).","vol":"1","page":500},{"text":"مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ -﷿- وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ. قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمَرَّاتِ (٣)، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ» (^١).\nوعن سفيان بن دينار -﵀- قال: «قلت لأبي بشير: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا، قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٨٩٤)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٣)، وعبد الرزاق في المصنف، رقم الحديث: (٢٠٥٥٩)، ومسند البزار (٦٣٠٨)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦١٨١)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٧٢٨).\n(^٢) الزهد، ابن السري (٢/ ٦٠٠).","vol":"1","page":501},{"text":"وعن زيد بن أسلم -﵀-، قال: «دُخِل على أبي دجانة -﵁- وهو مريض وكان وجهه يتهلل، فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين؛ أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا» (^١).\nوقال قاسم الجوعي -﵀-: «أصل الدين: الورع، وأفضل العبادة: مكابدة الليل، وأقصر طرق الجنة: سلامة الصدر» (^٢).\nوإن من الأسباب التي تعين على الظفر بالقلب السليم:\nعدم تعريض النفس لمواطن الشبهات والشهوات؛ إذ النفوس ضعيفة والشيطان يجري منها مجرى الدم، وكل منهما داع للوقوع في أسرها.\nمجاهدة النفس على ترك الشهوات، ودفع الشبهات، قال ابن المنكدر -﵀-: «كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي» (^٣)، وقال أبو حفص النيسابوري -﵀-: «حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة» (^٤).\nالعلم النافع الذي تدفع معه الشبهات؛ فإن الجاهل قد يمرض قلبه بما يرد عليه من الشبهات التي لا يملك ردها؛ لجهله، بخلاف العالم.\nالدعاء بسلامة القلب وطهارته، كما قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وكان النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) الصمت، ابن أبي الدنيا (١١٣).\n(^٢) تاريخ دمشق، ابن عساكر (٥٢/ ٨٠).\n(^٣) حلية الأولياء (٣/ ١٤٧).\n(^٤) صفة الصفوة (٢/ ٣١٢).","vol":"1","page":502},{"text":"يدعو، ويقول: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا إِلَيْكَ، مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (^١)، والسخيمة، هي: الحقد.\nالاشتغال بمعالي الأمور؛ فإن الاشتغال بها يحمل العبد على الترفع عن سفاسف الأمور من القيل والقال، وما يتبعها من الحقد والغل.\nحفظ الأذن من سماع ما ينقل من النميمة؛ فعن عبدالله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (^٢).\nأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، فلا يحسده على ما أعطاه الله من النعم، ولا يحقد عليه ويغل ولو صدر منه ما يزعج؛ إذ لا يحب أن يعامل بذلك فكذا أخيه.\nحسن الظن بالإخوان والتماس الأعذار لهم، قال جعفر بن محمد -﵀-: «إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٠) واللفظ له، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (١٥١٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٦٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٨٩٦)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٤٨٦٠).\n(^٣) دليل الواعظ (٢/ ٥٩٩).","vol":"1","page":503},{"text":"الهدية؛ إذ هي مدعاة للمحبة والمودة، كما قال -ﷺ-: «تَهَادُوْا تَحَابُّوا» (^١)، وقال: «تَهَادُوْا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» (^٢).\nوأما سلامة الخلق من شره وأذاه:\nفبكف الشر والأذى عن المسلمين، سواء كان باللسان كالشتم والسب واللعن والبهتان والغيبة والنميمة، أو كان باليد كالاعتداء على الأنفس، والدماء، والأموال، والأعراض، ونحو ذلك من صور الأذية.\nوفي كف الأذى عن المسلمين نصوص عدة، منها:\n١ - ما رواه عبدالله بن عمرو -﵄- قال، قال الرسول -ﷺ-: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ» (^٣).\nقال ابن رجب -﵀-: «والمراد بذلك: المسلم الكامل الإسلام، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب، فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة، فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد، فأذى اليد: الفعل، وأذى اللسان القول» (^٤).\n٢ - ما رواه أبو موسى -﵁-، قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٥٩٤)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٦١٤٨)، حكم الألباني: حسن، الإرواء، رقم الحديث: (١٦٠١).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢١٣٠)، والطيالسي، رقم الحديث: (٢٤٥٣)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٣٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٠) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٤١).\n(^٤) فتح الباري (١/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٢).","vol":"1","page":504},{"text":"٣ - ما رواه عبدالله بن مسعود -﵁- قال: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ يَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِكَ»، ثُمَّ سَكَتَ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» (^١).\n٤ - ما رواه أبو ذر -﵁-، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٢).\n٥ - ما رواه أبو سعيد الخدري -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قالوا: وما حقه؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، والأَمْرُ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ» (^٣).\n٦ - ما رواه ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- صعد المنبر فنادى بصوت رفيع: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ»، قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث: (٩٨٠٢)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤٥٧٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٢٨٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٢٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٢١).","vol":"1","page":505},{"text":"حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ (^١).\nوجاء الوعيد على أذية المسلمين، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وعن أبي هريرة -﵁- قال: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ في الجَنَّةِ» (^٢).\nوعن أبي شريح -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «واللهِ لَا يُؤْمِنُ، واللهِ لَا يُؤْمِنُ، واللهِ لَا يُؤْمِنُ، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ» (^٣).\nوهذه النصوص كما قال ابن رجب -﵀-، تضمنت «أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه؛ من قول أو فعل» (^٤).\nثم إن كف الأذى عن الغير لا يقتصر على المسلم، بل يشمل الكافر غير الحربي أيضًا، كما في قول إبراهيم -﵇- لأبيه مع أنه من أكفر الكفرة:\n﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٣٢)، وابن حبان، رقم الحديث ٥٧٦٣، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٣٢).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٨٠٦)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٩٠٩٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٩٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٦).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٨٢).","vol":"1","page":506},{"text":"وقال رسول الله -ﷺ-: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).\nوعن عائشة -﵂-، قالت: «أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! قَالَ: وَعَلَيْكُمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: يَا عَائِشَةُ، لَا تَكُونِي فَاحِشَةً. فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: أَوَ لَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمِ الَّذِي قَالُوا، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ، وفي رواية: مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» (^٢).\nوقال ابن حجر -﵀- في قول رسول الله -ﷺ-: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (^٣): «تنبيه: ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه» (^٤).\nوإن من كف الشر والأذى عنهم دعوتهم بالحال والمقال للإسلام الذي هو دين السلام في الأرض والسعي في نشره بينهم؛ إذ فيه كف لأذى الكفر والعصيان والعذاب عنهم.\nكما يشمل كف الأذى: الحيوانات؛ فقد نهى النبي -ﷺ- عنه، فعن ابن عمر -﵄- أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٠٥٢)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: (١٨٧٩٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٠٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٦٥).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) فتح الباري (١/ ٥٣).","vol":"1","page":507},{"text":"عمر تفرقوا عنها، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَعَنَ مَنْ فَعَلَ» (^١) وعن أنس -﵁-: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ» (^٢) أي: أن تحبس حتى تموت.\nوقال رسول الله -ﷺ-: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-314>الأثر التاسع: سعي العبد لدار السلام:</span>\nالله -﷿- السلام خلق الجنة، وسماها دار السلام، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧].\nوأسباب تسميتها بدار السلام الآتي:\nسلمت من كل عيب ونقص، فلا يتبول أهلها فيها ولا يتغوطون، ولا يبزقون، ولا يمتخطون.\nسلمت من كل كدر وكبد، فلا هم ولا حزن ولا نصب، ولا خوف ولا قلق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٥].\nسلمت من الحقد والحسد واللغو والتأثيم، بل كلام أهلها سلام طيب طاهر، مسر للنفوس، مفرح للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥١٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٦٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٢) واللفظ له.","vol":"1","page":508},{"text":"ويتنادمون أطيب المنادمة، قال تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، ولا يسمعون من ربهم، إلا ما يقر أعينهم، ويدل على رضاه عنهم ومحبته لهم، قال تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] (^١)، وهي دار السلام التي سلمت من كل مرض وألم وهرم، قال تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨].\nسلمت من الموت؛ إذ فيها الحياة الدائمة التي لا انقطاع معها ولا نهاية لها، وفي الحديث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ- زاد أبو كُرَيْب: فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، واتفقا في باقي الحديث- فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ: فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ» (^٢).\nسلمت لكمال نعيمها وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه حتى لا يقدر على وصفه الواصفون، ولا يتمنى فوقه المتمنون من نعيم الروح والقلب والبدن، ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٤٩).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (١٥/ ٥٩)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٦١)، وتفسير السعدي (ص: ٢٧٣، ٣٦٢).","vol":"1","page":509},{"text":"قال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nهِيَ جَنَّةٌ طَابَتْ وَطَابَ نَعِيمُهَا … فَنَعِيمُهَا بَاقٍ وَلَيْسَ بِفَانِ\nدَارُ السَّلَامِ وَجَنَّةُ المَأْوَى وَمَنْـ … ـزِلُ عَسْكَرِ الإِيَمانِ والقُرْآنِ\nفَالدَّارُ دَارُ سَلَامَةٍ وَخِطَابُهُمْ … فِيهَا سَلَامٌ واسْمُ ذِي الغُفْرَانِ (^١)\nفمن علم هذا تاقت نفسه لدار السلام، وسعى للظفر بها، لا سيما وأن الله -﷿- داعيه إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، بل وأرسل محمد -ﷺ- داعيًا إليها، كما في الحديث: «جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى الله، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ» (^٢).\nفحري بالعبد أن يجيب دعوة ربه وداعيه محمد -ﷺ- إلى أعظم دعوة وأكمل مقام وأطيب عيش، وذلك بالإيمان والعمل الصالح وسلوك\n_________\n(^١) النونية (ص ٣٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٢٨١).","vol":"1","page":510},{"text":"الصرط المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].\nفَاللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، نسألك يا ربنا أن تسلمنا في الدارين.","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>السَّميعُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-316>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «السمع: … في الاصل مصدر قولك: سمعت الشيء، … واستمعت كذا، أي: أصغيت، وتسمعت إليه» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(سمع) السين والميم والعين أصل واحد، … يقال: سمع بمعنى: استمع» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-317>ورود اسم الله (السميع) في القرآن:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (السميع) في كتاب الله خمسًا وأربعين مرة، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].\nقوله -﷿-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nقوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ٣٦٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ١٠٢).","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>ورود اسم الله (السميع) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (السميع) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ» (^١).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثم يقول: الله أَكْبَرُ كَبِيرًا، ثم يقول: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» (^٢).\nوعن عثمان بن عفان -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ ولَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فيَضُرَّهُ شَيْءٌ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩٩٢) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٧٧٥)، وحكم الألباني: صحيح، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (٧٧٥).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٨) واللفظ له، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٨)، والنسائي، رقم الحديث: (١٠١٠٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٩).","vol":"1","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>معنى اسم الله (السميع) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيدور معنى اسم الله السميع على معنيين (^١):\n١ - السامع لجميع الأصوات الظاهر منها والباطن، والجليل منها والخفي.\n٢ - المجيب للسائلين والداعين والعابدين.\nوحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] «يقول جل ثناؤه واصفًا نفسه بما هو به، وهو يعني نفسه: السميع لما ينطق به خلقه من قول» (^٢).\nوقال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] «أي: السميع لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم …» (^٣).\nمن الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:\nقال الخطابي -﵀-: «السميع: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء المبالغة، كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت.\n_________\n(^١) ينظر: الحق الواضح المبين للسعدي (٣٥)، والنهج الأسمى، النجدي (١/ ٢٢٦ - ٢٢٨).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٧٨).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٥/ ٥ - ٦).","vol":"1","page":514},{"text":"وقد يكون السماع بمعنى: القبول والإجابة، كقول النبي -ﷺ-: «وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ» (^١)، أي: من دعاء لا يستجاب، ومن هذا قول المصلي: «سمع الله لمن حمده، معناه: قبل الله حمد من حمده» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «السميع الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره …» (^٣).\nوقال في قوله تَعَالَى عن دعوة إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]: «فالمراد بالسمع هنا: السمع الخاص، وهو سمع الإجابة والقبول، لا السمع العام؛ لأنه سميع لكل مسموع، وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب، وسمعُ الرب -﵎- له: إثابته على الثناء، وإجابته للطلب فهو سميع لهذا وهذا» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «وسمعه تَعَالَى نوعان: أحدهما: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، واحاطته التامة بها، والثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥٤٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٥٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥٤٨).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ٥٩).\n(^٣) طريق الهجرتين (ص ١٢٨).\n(^٤) بدائع الفوائد (٣/ ٤).\n(^٥) الحق الواضح المبين (٣٥).","vol":"1","page":515},{"text":"قال ابن القيم -﵀-:\nهُوَ السَّمِيعُ يَسْمَعُ وَيَرَى كُلَّ مَا … فِي الكَوْنِ منْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ\nوَلِكُلِّ صَوْتٍ مِنْهُ سَمْعٌ حَاضِرٌ … فَالسِّرُّ والإِعْلَانُ مُسْتَوِيَانِ\nوالسَّمْعُ مِنْهُ وَاسِعُ الأَصْوَاتِ لَا … يَخْفَى عَلَيْهِ بَعِيدُهَا والدَّانِي (^١)\nوقال أيضًا -﵀-:\nوالحَمْدُ للهِ السَّمِيعِ لِسَائِرِ الـ … أَصْوَاتِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ (^٢)\nاقتران اسم الله (السميع) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (العليم):\nورد هذا الاقتران في القرآن الكريم في اثنتين وثلاثين آية، ومن وروده:\nقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤].\nقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢٠٣).\n(^٢) النونية (ص: ٣١٢).","vol":"1","page":516},{"text":"وجه الاقتران:\nيدل على مزيد من الكمال لله -﷿-، فإذا كانت صفة (السميع) تنبئ بإحاطة السمع بكل المسموعات فلا يندر عنه -﷿- شيء، ولا يعزب عنه كبير ولا صغير، فإن صفة (العليم) تنبئ بتجاوز علمه المسموعات إلى المشاهدت والغيبيات، والظواهر والبواطن (^١).\n«والملاحظ أن اسم (السميع) حيثما ورد مع اسم (العليم) قُدّم عليه فالنسق دائمًا: السميع العليم ولا عكس، فلا بد أن يكون من وراء ذلك حكمة، ذكر منها: أن السمع يتعلق بالأصوات، ومن سمع صوتك فهذا أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم، فذكر السميع أوقع في التخويف من ذكر (العليم)، فهو أولى بالتقديم، ولا يقتصر الأمر على مقام التخويف؛ فإن لتقديم صفة (السميع) في مقام الدعاء أثره في انطلاق اللسان بالدعاء، والطلب، والشكوى حين يستشعر الداعي أنه يخاطب من يسمعه ويصغي إلى نجواه» (^٢).\nثانيًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (البصير):\nتقدم بيانه في اسم الله البصير.\nثالثًا: اقتران اسم الله (السميع) باسم الله (القريب):\nوذلك في موضع واحد، في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٩٩)، التحرير والتنوير (٩/ ٢٣١)، مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لزينب كردي (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٢) مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لزينب كردي (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨).","vol":"1","page":517},{"text":"وجه الاقتران:\n«أن الله لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه، فهو جدير بأنه يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو نحوها، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-320>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السميع):</span>\n<span data-type='title' id=toc-321>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السميع) من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nيتضمن اسم الله السميع صفة السمع، فالله -﷿- السميع الذي له سمع يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تكييف، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (^٢)، وقال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] «قال ابن جرير -﵀-: وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه» (^٣).\nوسمع الله نوعان (^٤):\n١ - سمع يتعلق بالمسموعات، ومعناه: إدراك الأصوات.\n٢ - سمع يتعلق بالعبادات والدعوات، ومعناه: الاستجابة.\n_________\n(^١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (١٥/ ٥٣٥).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى (١/ ٢٢٨)\n(^٣) تفسير الطبري (١٧/ ٦٥٠).\n(^٤) كما تقدم في معنى الاسم.","vol":"1","page":518},{"text":"فالأول: السمع المتعلق بالمسموعات:\nفالله -﷿- السميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، ووسع جميع الأصوات، ومن سعته وإحاطته ما يلي:\nأنه -﵎- يسمع الأصوات التي في العالم العلوي والعالم السفلي من أصوات الملائكة والإنس والجن والحيوانات والنباتات والجمادات والسائلات وغيرها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣]، وقال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] (^١)، ومن ذلك:\n- سمعه جل في علاه لشكوى خولة بنت ثعلبة، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].\n- وسمعه لقول الجن، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١، ٢] … إلى آخر الآيات.\n- وسمعه لقول النملة، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨].\n- وسمعه لقول السماء والأرض لما قال لهما، قال تَعَالَى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].\n_________\n(^١) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٦).","vol":"1","page":519},{"text":"- وسمعه تسبيح الجبال، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]، والمخلوقات أجمع، قال تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].\nأنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أحوالها، فيسمعها سواء أكانت جهرًا أم سرًّا أم حديث نفس، ظاهرة أم باطنة، جلية أم خفية، فالكل عنده سواء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] (^١)، وقال منكرًا على من زعم من المشركين وغيرهم أنه لا يسمع السر والنجوى، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] (^٢).\nوعن أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: «كنا مع النبي -ﷺ- في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (^٣).\nوقوله -ﷺ-: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» أي: ارفقوا بأنفسكم، ولا تكلفوها رفع الصوت؛ إذ لا حاجة له، فإن من تكبرون سميع بصير، يسمع الأصوات الخفية، كما يسمع الأصوات الجلية، قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به ويتفوه، أقرب إليه من حبل الوريد (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق.\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٧٠)، النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٢٣١)، فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٤٧).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٤٢٠)، شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٦)، فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١٣٥)، فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٤٧).","vol":"1","page":520},{"text":"ويسمعها - أيضًا- سواء نطق بها الخلق حال الانفراد والتفرق أم حال الاجتماع والاختلاط، ففي اللحظة الواحدة يسمع دعاء الداعين وقراءة القارئين، وأنين الشاكين، وبكاء الباكين، ويجتمع الحجيج في بقعة واحده ويلهج الكل بالدعاء، فيسمعهم في نفس الوقت لا تختلط عليه الأصوات ولا اللغات ولا اللهجات، لا تتداخل ولا تشتبه عليه، ولا يشغله سماع عن سماع، ولا مسألة عن مسألة، لا تغلطه كثرة المسائل، ولا تبرمه كثرة السائلين وإلحاحهم (^١).\nبل لو قام الجن والإنس كلهم من أولهم إلى أن يرث الله -﷿- الأرض ومن عليها في صعيد واحد، وسألوا الله جميعًا في لحظة واحدة، وكلٌّ عرض حاجته، وكلٌّ تحدث بلهجته ولغته، لسمعهم أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت أو لغة بلغة أو حاجة بحاجة.\nومن الدلائل على هذا: قوله سُبْحَانَهُ في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (^٢).\nأنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أماكنها، فيسمعها في السماء كانت أم في الأرض أم في الجو، قرب مكانها أم بعد، صدرت في خفي المواضع والجهات أم ظاهرها، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ١٢٨)، الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٤).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٩٩)، الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٦).","vol":"1","page":521},{"text":"أنه سُبْحَانَهُ يسمع الأصوات على اختلاف أزمانها، فيسمعها في جميع الأوقات، سواء صدرت في ظلمة الليل أم في وضح النهار، ويسمعها في الحاضر والمستقبل كما سمعها في الماضي، ولا يزال جل في علاه سميعًا بصيرًا، قال تَعَالَى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١] (^١).\nأنه سُبْحَانَهُ يسمع الأقوال على اختلاف أنواعها، فيسمع مباحها كما في عموم قوله سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤]، ويسمع الخير منها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، ويسمع الشر منها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١].\nثم إنه سُبْحَانَهُ يجازي خلقه عليها، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، يكتبون ما يقولون وما يعملون، فيحفظ عليهم حتى يردوا يوم القيامة، فيجدون ذلك حاضرًا، ولا يظلم ربك أحدًا (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٩٩).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٧٧٠).","vol":"1","page":522},{"text":"فهذا سمع الله وإحاطته التي لا يقدر قدرها إلا الله، ولا يعلم كنهها إلا هو جل في علاه، وبناء عليها وعلى علمه -﵎- يجري الأقدار على خلقه، فيصطفي منهم من يستحق الاصطفاء، ويزكي منهم من كان لها أهلًا، ويخذل ويرد من لا يستحق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣، ٣٤]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١] (^١).\nويقدر عليهم الشرائع التي تناسبهم وتصلح لهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: ٤ - ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، «وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما؛ لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون» (^٢).\nإلى غير ذلك من التقديرات المبنية على سمعه وعلمه جل في علاه.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ١٨٣).","vol":"1","page":523},{"text":"والثاني: السمع المتعلق بالعبادات والدعوات:\nفالله -﷿- سميع مجيب للعابدين والداعين السائلين، فيجيب مِن عبده بالقبول والإثابة، ومنه قول إبراهيم وإسماعيل -﵉-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وقول امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] فهم في عمل صالح، ويسألون الله تَعَالَى أن يتقبل منهم ويثيبهم؛ إذ هو السميع المجيب (^١).\nومنه- أيضًا- قول المصلي في صلاته: سمع الله لمن حمده، أي: «قبل الله حمد من حمده» (^٢).\nويجيب من دعاه بالعطاء، فلا يرده صفرًا خائبًا، ومنه قول إبراهيم -﵇-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] والصلاة هنا بمعنى الدعاء، والمعنى: ادع للمؤمنين؛ فإن الله سميع لدعائك بالإجابة والقبول (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ٧٣)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٢٧).\n(^٢) شأن الدعاء، للخطابي (ص: ٥٩).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٥٠)، والتحرير والتنوير (١١/ ٢٣).","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-322>الأثر الثاني: دلالة اسم الله السميع على التوحيد:</span>\nإن الإيمان باسم الله «السميع» يدفع العبد إلى تو حيد العبادة إذا ما تفكر فيه ونظر؛ إذ إن كل ما يعبد من دون الله إما لا يسمع كالجمادات والموتى، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، أو يسمع إلا أن سمعه ناقص كذوات الأرواح من الملائكة والإنس والجن والحيوان، وليس كمال السمع وعظمته إلا لله -﷿- كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فسمعه لا يشبه ولا يماثل سمع شيء من خلقه، وإنما على وجه يليق بجلاله وعظمة سلطانه (^١).\nثم إذا تقرر هذا: فهل يصح في عقلٍ ونقلٍ أن يُعبد من لا يَسمع؟ أو يُعبد من يَسمع لكن سمعه ناقص كسمع العابد؟ أو كيف يُجعل من هذا حاله ندًّا وشريكًا لله السميع البصير على وجه الكمال والجلال؟ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٥٤).","vol":"1","page":525},{"text":"دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠]، وقال الله حاكيًا استنكار إبراهيم على أبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] (^١).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلًا وشرعًا، ودل بتنبيهه وإشارته، أن الذي يجب ويحسن: عبادة من له الكمال، الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو، وهو الله تَعَالَى» (^٢).\nوقال في موضع آخر: «فالكامل تَعَالَى الذي هذه أوصافه هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة، ويخلص له الدين» (^٣).\nثم إن الإيمان باسم الله «السميع» يدعو العبد- أيضًا- إلى توحيد الأسماء والصفات، فهو يعني: أن تثبت لله سمعًا من غير تعطيل ولا تحريف، ثم تضم لهذا الإثبات قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فتثبته على وجه لا تمثيل فيه ولا تكييف؛ خلافًا للمعطلة والنفاة، سواء من نفى هذا الاسم لفظًا ومعنًى كالجهمية ومن تبعهم في هذا، أو من أثبت اللفظ ولم يثبت المعنى كالمعتزلة ومن تبعهم من المفوضة وأشباههم، وخلافًا للمشبهة والمجسمة، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٤٩٤).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٤٩٤).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٢٤٠).","vol":"1","page":526},{"text":"رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل» (^١).\nثم إنه لا بد أن يعلم أن الاشتراك بين المخلوق والخالق في اسم الصفة لا يعني: المشابهة والمماثلة في المسميات، فإن صفات المخلوق تناسب صنعته وضعفه وعجزه، وصفات الخالق -﷿- كاملة تامة لايعتريها ضعف أو نقص، بل هي كما تليق بكماله وجلاله وجماله -﷾-.\n\n<span data-type='title' id=toc-323>الأثر الثالث: مراقبة الله السميع:</span>\nإذا علم العبد يقينًا أن ربه السميع يسمع قول لسانه، سواء أسره أم جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤].\nوعلم- أيضًا- أن قوله وفعله مكتوب مسجل، فالله سامع والملائكة كاتبة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].\nأثمر ذلك العلم في قلبه مراقبة الله السميع في الأقوال والأفعال، فيراقبه في عمل الخير فيخلص له فيه، ويقيمه على أتم وجه وأكمله، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠].\nقال الطبري -﵀-: «إن ربك هو السميع تلاوتك يا محمد، وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر، العليم بما تعمل فيها، ويعمل فيها من يتقلب فيها\n_________\n(^١) التدمرية (ص: ٨).","vol":"1","page":527},{"text":"معك مؤتمًّا بك، يقول: فرتل فيها القرآن، وأقم حدودها، فإنك بمرأى من ربك ومسمع» (^١).\nويراقبه- أيضًا- في عمل الشر فيجتنبه قبل الوقوع، ويتوب منه بعد الوقوع، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١].\nسميع: «يسمع جميع الأصوات، ومنه: سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه، وأن لا يجور في وصيته» (^٢).\nويراقب ربه السميع- أيضًا- في جوارحه، فيحفظ عينه، وأذنه، ولسانه، ويده، ورجله، وقلبه من الحرام.\nوإنَّ حفظ اللسان ومراقبة ما هو قائل من أكد الأمور وأهمها؛ ولذا جاءت النصوص بأساليب عدة مرغبة في حفظ اللسان، ومحذرة من إطلاقه، ومن ذلك (^٣):\nبيان بغض الله ومقته لمن يقول السوء، قال تَعَالَى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨] «أي: يبغض ذلك ويمقته ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من المنهي\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٩/ ٤١٣).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٨٥).\n(^٣) ينظر: موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية (١/ ٣٥٩، وما بعدها)، ونضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (٧/ ٢٦٣٧، وما بعدها).","vol":"1","page":528},{"text":"عنه الذي يبغضه الله، ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول كالذكر والكلام الطيب اللين» (^١).\nبيان أن قول العبد محفوظ مسجل، وسيحاسب عليه في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨].\nالحث على الصمت إلا من قول الخير؛ فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» (^٢) أي: «أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا» (^٣).\nبيان أن حفظ اللسان من أسباب النجاة؛ فعن عقبة بن عامر -﵁- قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قال: أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٢١٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٧).\n(^٣) شرح النووي لصحيح مسلم (٢/ ١٩).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٦٦٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٠٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٠٦).","vol":"1","page":529},{"text":"بيان أن من صفات أهل الجنة ورثة الفردوس: الإعراض عن لغو الحديث، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣].\nقال الشيخ السعدي -﵀- في اللغو: «وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، ﴿مُعْرِضُونَ﴾ رغبة عنه، وتنزيهًا لأنفسهم، وترفعًا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كرامًا، وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه- إلا في الخير- كان مالكًا لأمره، كما قال النبي -ﷺ- لمعاذ بن جبل -﵁- حين وصاه بوصايا قال: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِملَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» (^١) (^٢).\nبيان أن حفظ اللسان سبب لدخول الجنة؛ فعن سهل بن سعد -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (^٣).\nبيان أن إطلاق اللسان سبب لدخول النار؛ فعن معاذ بن جبل -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٦١٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٧٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٦١٦).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٥٤٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٧٤).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٤٨٧)، والطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث: (١١٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٢٨٤).","vol":"1","page":530},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ الله بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-324>الأثر الرابع: الثقة بكفاية الله السميع شر الأعداء:</span>\nإذا تذكر العبد أنه ربه سميع، لا يخفى عليه شيء مما يقوله أعداء دينه وأوليائه من الكفار والمنافقين والفاسقين ونحوهم، فمكرهم مسموع، وكيدهم مسموع، وكذبهم وبهتانهم وتهمهم الباطلة مسموعة، وسبهم وشتمهم وظلمهم كله مسموع، لا يخفى على السميع العليم، كما قال سُبْحَانَهُ في الأعراب: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٨]، يسمع ما يتناجون به وما يدبرونه من الترصد، عليم بما يبطنون وبما يقصدون إخفاءه (^٢).\nفإذا تذكر العبد ذلك؛ أثمر في قلبه: الاطمئنان والسكينة والثقة بالله -﷿-؛ لعلمه بأن ربه السميع سيكفي دينه وأولياءه شرور الأعداء بقدرته، ويمنعهم بعزته، ويرد كيدهم بقوته، ويحفظهم بحفظه، ويكلؤهم برعايته.\nوهذا ما حدث مع موسى وهاورن، لما خافا من مواجهة فرعون، فقالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] فذكرهم الله بسمعه وبصره، فقال تَعَالَى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] فزال الخوف عنهما واطمأنت قلوبهما، وانطلقا لفرعون بالرسالة، وحصل لهما الحفظ والنصر (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث:) ٦٤٧٨).\n(^٢) يظر: التحرير والتنوير (١١/ ١٤).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠٦).","vol":"1","page":531},{"text":"وهذا ما حدث- أيضًا- مع رسول الله -ﷺ-، فقد وعده الله بالكفاية من شرور أعدائه، مذكرًا إياه بأنه السميع لجميع أصواتهم في أي مكان، وعلى أية حال كانوا، العليم بما بين أيديهم وما خلفهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، «وقد أنجز الله لرسوله وعده، وسلطه عليهم حتى قتل بعضهم، وسبى بعضهم، وأجلى بعضهم، وشردهم كل مشرد» (^١).\nوقال تَعَالَى له أيضًا: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥] يسمع قولك، وقول أعدائك فيك، ويعلم ذلك تفصيلًا، وهذا يعني أمرين:\nكفايتك وحفظك وتوليك ونصرك، وكذا أمتك من بعدك.\nمجازاة أعدائك على قولهم ومكرهم وكيدهم، في الدنيا أو الآخرة، أو فيهما معًا، وكذا أعداء أمتك من بعدك (^٢).\nوفي هذا تهديد وتخويف لأعداء دينه وأوليائه.\nوهو كقوله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] يسمع ما يقول المشركون من أهل مكة في مسرى رسول الله -ﷺ- من مكة إلى بيت المقدس، لا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٨).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٤٥).","vol":"1","page":532},{"text":"بل هو محيط بجميعه علمًا، ومحصيه عددًا، وهو لهم بالمرصاد؛ ليجزي جميعهم بما هم أهله (^١).\nكما أن تذكُّر هذا المعنى يحي في القلوب الأمل بالنصر والفرج، وعدم استبطائه أو اليأس منه؛ لأن اللهسُبْحَانَهُ يسمع ويعلم، ولكنه يمهل ولا يهمل.\nويثمر أيضًا: الصبر على الأذى والظلم (^٢)؛ لعلم العبد بأن ربه السميع يسمع قول ظالمه ويعلم مظلمته؛ فينصره عليه ويجيب دعوته فيه، ولا يردها صفرًا، كما جاء في الحديث: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-325>الأثر الخامس: محبة الله السميع:</span>\nالله سُبْحَانَهُ السميع الذي يسمع شكوى العبد وأنينه، ويسمع نداءه وتضرعه، ويجيب دعاءه وسؤاله، ما وقف أحد ببابه فردَّه، ولا لاذ به فصدَّه، ولا لجأ إليه فخذله، وهذا كله يدعو العبد المتأمل إلى محبة الله -﷿- والتعلق به.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>الأثر السادس: حفظ نعمة السمع:</span>\nإذا علم العبد أن ربه السميع أنعم عليه بجارحة السمع، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]، وعلم أن حق النعمة الشكر بالقلب، واللسان، والجوارح، وأن أعظم ما يكون من الشكر استعمال النعمة في الطاعة دون المعصية.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (١٧/ ٣٥٢).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٨)، ومسلم (١٩).","vol":"1","page":533},{"text":"وعلم أنه مسؤول عن هذه النعمة العظيمة، كما هومسؤول عن سائر النعم، وبقية الحواس، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابًا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تَعَالَى» (^١).\nإذا علم العبد هذا؛ دفعه ذلك كله إلى استعمال سمعه في طاعة الله من سماع القرآن، والعلم، والمواعظ، ونحوها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال في صفات المؤمنين: إنهم ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]، أي: هم «الذين يستمعون القول من القائلين، فيتبعون أرشده وأهداه، وأدله على توحيد الله، والعمل بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد، ولا يهدي إلى سداد» (^٢).\nكما يدفعه أيضًا: إلى كف سمعه عن سماع الحرام، من سماع الغناء، والغيبة، والسخرية، والباطل، ونحو ذلك، فذلك كله لا ينفعه سماعه، بل\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٥٧).\n(^٢) تفسير الطبري (٢١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":534},{"text":"يكون عليه وبالًا وعقابًا، حتى يقول يوم القيامة حين يرى العذاب: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-327>الأثر السابع: دعاء الله السميع:</span>\nإذا علم العبد أن من معاني اسم الله السميع: المجيب للدعاء؛ دفعه ذلك العلم إلى الإكثار من مناجاة السميع القريب، وسؤاله من حاجات الدنيا والآخرة، من غير ملل أو يأس من كشفه للشدائد وقضائه للحوائج.\nكما يدفعه أيضًا إلى التوسل إلى الله -﷿- باسمه «السميع»، لا سيما وأنه مظنة الإجابة؛ فقد دعا زكريا -﵇- ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] (^١)، فأجابه السميع، فرزقه الولد وأرسل له الملائكة بالبشرى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، بل زاده في الجواب والعطاء، فأصلح له زوجه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\nودعا إبراهيمُ بالولد، فما لبث أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].\nودعا يوسف -﵇-: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي\n_________\n(^١) وفي هذا الدعاء يقول ابن القيم -﵀-: «فقد قيل: إنه دعاء المسألة؛ والمعنى: أنك عودتني إجابتك وإسعافك، ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تَعَالَى بما سلف من إجابته له وإحسانه إليه، وهذا كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]». بدائع الفوائد (٣/ ٤).","vol":"1","page":535},{"text":"كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فأجابه بقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤].\nودعت امرأة عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥]، فأجابها السميع بقوله تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].\nويدفعه أيضًا: إلى الاستعاذة بالله السميع، والالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الجن والإنس، لا سيما وأن الله أمره بذلك، مذكرًا إياه بأنه السميع العليم، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]، فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك وفقرك واضطرارك إلى عصمته وحمايته (^١).\nفاللهم يا سميع يا عليم، نعوذ بك من شر شياطين الإنس والجن ووساوسهم، فاكفناهم بما شئت.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧٥٠).","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>الشَّكُور الشَّاكرُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-329>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من معروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الشين والكاف والراء أصول أربعة متباينة بعيدة القياس، فالأول- وهو المراد-: الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه ......» (^٢).\nورود اسمي الله (الشَّكُور - الشاكر) في القرآن الكريم:\nورد اسم (الشكور) في كتاب الله تَعَالَى في أربع آيات، ومن وروده مايلي:\nقول الله -﷿-: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠].\nقوله -﷿-: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ … اللَّهَ … غَفُورٌ\nشَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].\nقوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٢٦٥).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ٢٠٧).","vol":"1","page":537},{"text":"وورد اسم (الشاكر) في آيتين، وهما:\nقوله -﷿-: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].\nقوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].\nورود اسمي الله (الشَّكُور- الشاكر) في السنة النبوية:\nلم يرد اسم الله تَعَالَى (الشكور) في السنة النبوية، إلا في حديث سرد الأسماء (^١).\nأما اسم الله (الشاكر) سُبْحَانَهُ فقد ورد في بعض الأحاديث، ومن وروده ما يلي:\nقوله -ﷺ-: «مَنِ اصْطَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَجَازُوهُ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عنْ مُجَازَاتِهِ فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّكُمْ قَدْ شَكَرْتُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ يُحِبُ الشَّاكِرِينَ» (^٢).\nعن عبد الله بن عباس -﵄-، قال: «لما أذن رسول الله -ﷺ- بالحج قال الأقرع ابن حابس: أكل عام يا رسول الله؟ قال النبي -ﷺ-: لَا، بَلْ حَجَّةٌ، فَمَنْ حَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَسْمَعُوا وَلَمْ تُطِيعُوا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٢٩)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي، رقم الحديث: (٥٠١)، حكم الألباني: ضعيف جدًّا، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٥٣١٠).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٥٧٩) واللفظ له، والنسائي، رقم الحديث: (٢٦٢٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف النسائي، رقم الحديث: (٢٦٢٠).","vol":"1","page":538},{"text":"معنى اسمي الله (الشَّكُور والشاكر) في حقه تعالى:\nقال قتادة -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]: «إنه غفور لذنوبهم، شكور لحسناتهم»، وقال: «إن الله غفور للذنوب، شكور للحسنات يضاعفها» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «الشكور هو الذي يشكر اليسير من الطاعة، فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]» (^٢).\nقال ابن كثير -﵀-: «وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي: يثيب على القليل بالكثير» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «هو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل، ولا يضيع أجر من أحسن عملًا، بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة بغير عد ولا حساب» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوَهْوَ الشَّكُورُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهُمْ … لَكِنْ يُضَاعِفُهُ بِلَا حُسْبَانِ\nمَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِب … هُوَ أَوْجَبَ الأَجْرَ العَظِيمَ الشَّانِ\n_________\n(^١) النهج الأسمى (١/ ٢٩٢).\n(^٢) شأن الدعاء (ص ٦٥ - ٦٦).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٧٢).\n(^٤) تفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ٢١٠).","vol":"1","page":539},{"text":"كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعٌ … إِنْ كَانَ بِالإِخْلَاصِ والإِحْسَانِ\nإِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا … فَبِفَضْلِهِ والحَمْدُ للمَنَّانِ (^١)\nاقتران اسمي الله (الشَّكُور - الشاكر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله الشَّكُور باسم الله الحليم:\nتقدم بيانه في اسم الله (الحليم) سُبْحَانَهُ.\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الشكور) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):\nورد هذا الاقتران ثلاث مرات في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله -﷿-: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].\nوجه الاقتران:\n«وجملة ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠] تذييل وتعليل للزيادة؛ لقصد تحقيقها بأن الله كثيرة مغفرته لمن يستحقها، كثير شكره للمتقربين إليه» (^٢).\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(^٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور (٢٥/ ٨٥).","vol":"1","page":540},{"text":"ثالثًا: اقتران اسم الله (الشاكر) باسم الله (العليم):\nورد هذا الاقتران مرتين في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].\nوجه الاقتران:\nقال ابن عاشور -﵀-: «وقوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ دليل الجواب؛ إذ التقدي: ر ومن تطوع خيرًا جوزي به؛ لأن الله شاكر، أي: لا يضيع أجر محسن، عليم لا يخفى عنه إحسانه، وذكر الوصفين؛ لأن ترك الثواب عن الإحسان لا يكون إلا عن جحود للفضيلة أو جهل بها؛ فلذلك نفيا- بقوله: شاكر عليم» (^١).\n«وأما عن المعنى الزائد في اجتماع هذين الاسمين الكريمين (الشاكر)، (والعليم) فهو- والله أعلم-: أن الله سُبْحَانَهُ عليم بمن يستحق الشكر على عمله وقبوله وإثابته عليه، فليس كل عامل ومتطوع بالخير يقبل الله سعيه ويشكره عليه، فهوسُبْحَانَهُ أعلم بالشاكرين حقيقة، وبالمتقربين المخلصين في تقربهم له- سُبْحَانَهُ، قال الله -﷿-: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]» (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢/ ٦٥).\n(^٢) ولله الأسماء الحسنى، لعبد العزيز الجليل (ص ٣٥١).","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشكُور- الشاكر):</span>\n<span data-type='title' id=toc-331>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشكور) من صفات الله تعالى:</span>\nإن شكر الله تَعَالَى لعباده في حقيقته امتنان منه سُبْحَانَهُ، وكمال إحسان وكرم وحلم وفضله منه، رغم أن ملكه سُبْحَانَهُ لا يزداد شيئًا بشكر الناس له ونسبتهم الفضل إليه، كما أنه لا يتضرر بكفرهم؛ لأنه الغني الحميد، ولكنه -﵎- يحب أن يحمد ويشكر، ويرضى عن العبد بذلك، ويكره أن يكفر به وبنعمته، ويسخط على العبد بذلك.\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «وأما شكر الرب تَعَالَى فله شأن آخر كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة» (^١).\nثم ذكر ابن القيم بعض مظاهر شكر الله لعباده، ومنها:\nمن شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد إذا ذكر ربه وأثنى عليه في ملأ أو مجلس ذكر؛ شكره الله وأثنى عليه وذكره في ملأ أعلى وأخير منه، يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، …» (^٢).\nمن شكره سُبْحَانَهُ: أنه إذا أحب عبدًا ألقى محبته بين العباد، قال -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ -﵎- إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ\n_________\n(^١) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: ٢٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٥).","vol":"1","page":542},{"text":"فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» (^١).\nمن شكره سُبْحَانَهُ: توفيقه لعباده إلى الخير، ثم إعطاؤهم وإثابتهم على العمل به، فالله -﷿- يشكر القليل من العمل، ويعطي عليه ثوابًا جزيلًا أكثر من العمل نفسه، فيضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد يجزي الله العبد على العمل بأنواع من الثواب العاجل قبل الآجل، يقول -ﷺ- في الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (^٢).\nمن شكره سُبْحَانَهُ: أنه لا يجزي بالسيئة إلا سيئة واحدة مثلها؛ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].\nمن شكره سُبْحَانَهُ: أن الهم بالحسنة يكتبها حسنة كاملة، والهم بالمعصية وتركها من أجل الله يكتب بها حسنة، قال -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٨٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٣٧).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":543},{"text":"كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (^١).\nمن شكره سُبْحَانَهُ: أنه لا يقتصر شكره لعباده المؤمنين، بل يجازي حتى عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا»، وفي رواية: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَإِنَّ اللهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ» (^٢).\nمن شكره سُبْحَانَهُ: غفرانه للكثير من الزلل شكرًا للقليل من العمل، فيثيب الثواب الجزيل ولو كان العمل قليلًا، ومن ذلك ماثبت من غفرانه للمرأة البغى بسقيها كلبًا، يقول -ﷺ-: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» (^٣)، وغفرانه لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين، قال -ﷺ-: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣١).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٠٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٦٧).","vol":"1","page":544},{"text":"فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» (^١)، وفي الحديث الآخر يقول -ﷺ-: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» (^٢).\nمن شكره سُبْحَانَهُ: إخراجه للعبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير، وشكر هذا القدر له، ففي الحديث: «فَأَخْرج مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخرجهُ مِنْ النَّارِ» (^٣).\nمن شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس فيشكر له، وينوه بذكره، يخبر ملائكته وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل فرعون، وأثنى به عليه، ونوه بذكره بين عباده، وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه.\nمن شكره سُبْحَانَهُ: أن العبد إن ترك شيئًا لله أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة، وهو الذي وفقه للترك والبذل، ولكنه شكره على هذا وذاك (^٤)، ومن شواهد ذلك:\n* «لما عقر نبيه سليمان الخيل غضبًا له؛ إذ شغلته عن ذكره فأراد ألا تشغله مرة أخرى أعاضه عنها بمتن الريح.\n* ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن؛ شكر له ذلك بأن مكن له في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥١٠).\n(^٤) انظر: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ابن القيم (ص: ٢٨٠).","vol":"1","page":545},{"text":"الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦].\n* ولما بذل الرسل كافة أعراضهم فيه لأعدائهم، فنالوا منهم وسبوهم؛ أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه، فأخلصهم بخالصة؛ ذكرى الدار.\n* ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته؛ أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا، وفتح لهم ملك فارس والروم، فمما روي عن أبي ذر أنه عندما فتح قبرص بكى بكاءً أبكى من حوله، قالوا: تبكي وهو يوم عظيم فتح الله بلاد الكفر لأهل الإيمان؟ قال: أبكي؛ لأنه لما غيروا نعمة الله عليهم غير الله ما بهم؛ فأورثنا أرضهم.\n* ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه؛ شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرًا خضرًا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث، فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه» (^١).\nولذلك كله: نُهينا أن نستصغر شيئًا من أعمال البر، ولو كان يسيرًا، يقول تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال -ﷺ- لأبي ذر: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» (^٢).\n_________\n(^١) عدة الصابرين، لابن القيم (ص ٢٨١).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٢٦).","vol":"1","page":546},{"text":"<span data-type='title' id=toc-332>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الشكور) على التوحيد:</span>\nمن تأمل في اسم الله (الشكور) وما فيه من جزيل العطايا والكرم والامتنان الإلهي، علم أن أعظم الشكر هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له؛ لأنه هو الذي خلق وأوجد من العدم، ورزق الإنسان الأرزاق الكثيرة، ولم يشاركه في ذلك أحد، فلا يستحق أحد العبادة معه، ولكن أكثر الناس أعرضوا عن هذه الحقيقة، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] وجعلوا له أندادًا، ونسبوا لها الضر والنفع، والتصرف في الأرزاق، ودفع الأمراض، وقضاء الحاجات، وتفريج الكبريات.\nفمن الشرك الذي يقع من العباد: نسبتهم ما يحصل لهم من الأرزاق إلى المخلوقين، قال البخاري -﵀- في صحيحه: باب قول الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، قال ابن عباس -﵄-: «شُكرَكم» (^١).\nوروى زيد بن خالد الجهني -﵁-، أنه قال: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ -ﷺ-، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» (^٢)، وفي رواية: «ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٥٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٠٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٧١).","vol":"1","page":547},{"text":"فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا» (^١).\nوكما أن اسم الله (الشكور) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله المحسن، الرزاق، الرحمن، الرحيم، الكريم، الحليم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-333>الأثر الثالث: كل عمل صالح يشكره الله، وهناك أعمال مخصوصة ورد شكر الله عليها:</span>\nمن فضل الشكور وعظيم شكره وامتنانه، أن كل عمل صالح يقبله الله ويشكره لعباده، إلا أن هناك أعمالًا جاء النص على شكر الله لها على سبيل التخصيص، ومنها:\n- الإيمان الصادق والشكر لله تَعَالَى على إنعامه:\nقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].\n- قراءة القرآن:\nقال -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]، فالذي يتلو كتاب الله له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٢).","vol":"1","page":548},{"text":"- الحج والعمرة:\nقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].\nالصدقة:\nقال تَعَالَى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].\nوبالإجمال- فكما تقدم-: الله تَعَالَى يشكر لعبده كل حسنة يفعلها بمضاعفة أجرها، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣].\nولذلك إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ تقالُّوا عملهم فيما يرون من الجنة، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٣، ٣٤]، فأهل الجنة يدركون تمامًا أن الله تَعَالَى غفر لهم السيئات، وضاعف لهم الحسنات، وبرحمته أدخلهم الجن؛ وذلك لأن عبادة ستين أو سبعين سنة، لا تعادل ماهم فيه من نعيم الجنة العظيم، وفي الحديث: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللهِ، لَحَقَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٩٢٤)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٣٠٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٤٤٦).","vol":"1","page":549},{"text":"وعليه فإن كل ما يتقرب به إلى الله سُبْحَانَهُ من صلاة وصيام وحج وصدقة وجهاد، وغيرها من أعمال البر المحدودة بالأعمار القصيرة، والتي يتخللها التقصير والسهو والنسيان، لا يمكن بحال أن تكون ثمنًا لدخول الجنة السرمدية، فدخول العبد الجنة والفوز بها إنما هو بفضل الله تَعَالَى ورحمته (^١)، ولذا جاء في الحديث عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» (^٢).\nولا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] فالباء هنا ليست للعوض، فليست الجنة عوضًا للعمل، وإنما باء السببية، فمن أسباب دخول الجنة: العمل، وقيل: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأعمال التي قبلها الله برحمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-334>الأثر الرابع: الله سُبْحَانَهُ يشكر أعمال عباده جملة وتفصيلًا:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ يعطي المتاجرين معه أجرًا على العمل الصالح جملة مرة، وتفصيلًا مرة أخرى، وبيان ذلك ما يلي:\n١) في عبادة الصلاة: يعطي عباده الأجر عليه جملة كما قال -ﷺ-: «الصَّلاةُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، للنجدي (١/ ٢٩٦)، ومنهج الإمام ابن القيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى، لمشرف الغامدي (ص ٣٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٦٧).","vol":"1","page":550},{"text":"الكَبَائِرُ» (^١)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الصلاة أو تابع لها، على وجه التفصيل، فمثلًا:\n- قال -ﷺ- في أجر الوضوء والذكر بعده: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ- أو فَيُسْبِغُ- الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٢).\n- قال -ﷺ- في أجر الخطوات نحو الصلاة: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ الله لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» (^٣).\n- قال -ﷺ- في أجر من مشى إلى الصلاة في الظلمات: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٤).\n- قال -ﷺ- في أجر السجود: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» (^٥).\n- قال -ﷺ- في أجر الأذكار بعد الصلاة: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٦٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٥٦١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٢٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٧٨١) حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٦١).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٨).\n(^٦) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩٧).","vol":"1","page":551},{"text":"٢) في عبادة الصيام: يعطي عباده الأجر عليه جملة كما قال -ﷺ-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الصيام أو تابع له، على وجه التفصيل، فمثلًا:\n- قال -ﷺ- في أجر صوم اليوم الواحد في سبيل الله: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (^٢).\n- قال -ﷺ- عن أجر رائحة فم الصائم: «وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (^٣).\n٣) في عبادة الحج: يعطي عباده الأجر عليه جملة، كما قال -ﷺ-: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٤)، ثم يعطيهم الأجر على كل عمل في الحج أو تابع له، على وجه التفصيل، فمثلًا:\n- قال -ﷺ- في أجر التلبية: «مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي، إِلَّا لَبَّى، مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ، مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا» (^٥).\n- قال -ﷺ- في أجر يوم عرفة: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٤٠) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١١٥٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٢٧) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١١٥١).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٥٢١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٥٠).\n(^٥) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٨٢٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٩٢١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٨٢٨).","vol":"1","page":552},{"text":"فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (^١).\n- قال -ﷺ- في أجر الصلاة في المسجد الحرام: «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» (^٢).\nوهكذا في كل الأعمال الصالحة، فالله يشكرها جملة وتفصيلًا، منة منه وفضلًا وكرمًا وإحسانًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-335>الأثر الخامس: محبة الله الشكور سُبْحَانَهُ:</span>\nإن التأمل في اسم الله الشكور وما يتصف به سُبْحَانَهُ من إثابة العمل القليل قبل الكثير، وشكر المذنب العاصي والمؤمن الصالح جميعًا، وعظم هذا الشكر والجزاء في الدنيا والآخرة مقابل يسر العمل وقلته؛ لا شك أن ذلك يورث العبد حياء من ربه ويملأ قلبه حبًّا له وعرفانًا تجاه إنعامه ومننه، فَسُبْحَانَهُ قد غمر العباد بفضله وإحسانه وكرمه، وهو الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد والإعداد والإمداد، ومع ذلك فهو يجازيهم على العمل الصالح القليل الذي هو بتوفيقه وفضله؛ يشكرهم عليه ويضاعف لهم الأجور ويغفر لهم الذنوب، فَسُبْحَانَهُ من إله شكور بر رحيم جواد كريم يستحق الحمد كله والحب كله، وإفراده وحده بالعبادة لا شريك له.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٣٤٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٥٠٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠٦).","vol":"1","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>الأثر السادس: الكفر بنعم الله مؤذن بزوالها عمن كفر بها:</span>\nعلى المؤمن أن يدرك أن النعم التي يتفضل الله بها على عباده المؤمنين؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة ليست جزاء توفية، بل إنها بعض نعمته العاجلة لهم، وأنهم إذا أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعمًا أخرى، ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تامة غير منقوصة ويزيدهم من فضله، يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١]، والعبد الشاكر لربه الشكور يعلم علمًا يقينيًّا أن لشكره عاقبة ومنزلة عظمى، فبالشكر تقيد للنعم الحاضرة، وجلب للنعم المفقودة، فضلًا على أن الشكر سبب لزيادة النعم وبقائها، يقول سُبْحَانَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\nوبالمقابل: كفران النعم وجحودها مؤذن بزوالها، يقول تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢، ١١٣].\nيقول السعدي -﵀- في تفسير الآية: وهذه القرية هي مكة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء، حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه، فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم، والنعرة العربية، فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل لسواها وكذلك الرزق الواسع، كانت","vol":"1","page":554},{"text":"بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسَّر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان، فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته وصدقه، يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة، فكذبوه وكفروا بنعمة الله عليهم، فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن؛ وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم وعدم شكرهم قال تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] (^١).\nولذا كان النبي -ﷺ- يستعيذ من زوال النعمة في دعائه، كما جاء في حديث ابن عمر -﵄-، قال: كان من دعاء النبي -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-337>الأثر السابع: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»:</span>\nقال ابن الأثير -﵀- في شرح حديث: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (^٣): «معناه أن اللهتَعَالَى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس، ويكفر أمرهم؛ لاتصال أحد الأمرين بالآخر، وقيل معناه: أن من كان عادته وطبعه كفران نعمة الناس وترك شكره لهم؛ كان من عادته كفر نعمة الله -﷿- وترك الشكر له، وقيل: معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله -﷿-، وأن شكره كما تقول: لا يحبني من لا\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٥١).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٩).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩١٥٦)، وأبو داود (٤٨١١)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٥٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٩٥٤).","vol":"1","page":555},{"text":"يحبك، أي: أن محبتك مقرونة بمحبتي، فمن أحبني يحبك، ومن لا يحبك فكأنه لم يحبني» (^١).\nوفي الحديث الآخر: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (^٢)، وعن عائشة -﵂- مرفوعًا «مَنْ أُتِيَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَلْيُكَافِئْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ، فَقَدْ شَكَرَهُ» (^٣).\nوعن النعمان -﵁- مرفوعًا «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ، لَمْ يَشْكُرِ اللهَ، التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ» (^٤)، وعن أنس -﵁-، قال: «إن المهاجرين قالوا يا رسول الله: ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» (^٥).\nوأولى الناس بالشكر هما: الوالدان، فقد قرن الله شكرهما بشكره، قال تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فأمر بشكره ثم بشكر الوالدين؛ إذ كانا سبب وجوده في الدنيا، وسهرًا وتعبًا في تربيته وتغذيته، فمن عقهما أو\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ١٢٠٠).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٢٣٢)، حكم الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٩٧٢).\n(^٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٨٧٤٠)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٦٦٧).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٨١٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨١٢).","vol":"1","page":556},{"text":"أساء إليهما فما شكرهما على صنيعهما؛ بل جحد أفضالهما عليه، ومن لم يشكرهما فإنه لم يشكر الله الذي أجرى تلك النعم على أيديهما، وقال الرسول -ﷺ-: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قيل: من يا رسول الله؟ قال: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (^١).\nمن أذم الخصال: أن لا تشكر المرأة زوجها مع إحسانه، فأكبر إحسان أنه اختار المرأة من نساء العالمين، وربط اسمه باسمها، وجعلها موطن الولد له، وأسكنها بيته، وإبراهيم -﵇- لما زار بيت ابنه إسماعيل -﵇- وسأل كيف رزقكم؟ فذمت، فقال: قولي لزوجك إذا أتى يغير عتبة داره، ولما أتى أسماعيل قال: ذاك أبي أبراهيم وأمرني أن أطلقك (^٢)؛ لأنها امرأة لا تشكر، وفي الصحيحين أنه -ﷺ- قال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا أكثر أهل النار؟ قال: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (^٣) «جزلة» بفتح الجيم وسكون الزاي أي: ذات عقل ورأي، والجزالة: العقل والوقار، فقد توعد على كفران العشير، وهو في الأصل: المعاشر، والمراد هنا: الزوج، توعد على كفران العشير والإحسان بالنار؛ فدل على أنه كبيرة على نص أحمد -﵀- بخلاف اللعن، فإنه قال: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ» والصغيرة تصير كبيرة بالكثرة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٦٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٠).","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>الأثر الرابع: وجوب شكر الله تَعَالَى على نعمائه:</span>\nعلى العبد أن يستشعر وجوب الشكر على كل مكلف بالاتفاق، فهو أساس الإيمان، يقول ابن القيم -﵀-: «ومقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان؛ ولذلك كان أرفعها وأعلاها، وهو فوق الرضا، وهو يتضمن الصبر من غير عكس، ويتضمن التوكل والإنابة، والحب والإخبات، والخشوع والرجاء، فجميع المقامات مندرجة فيه، لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له، ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر، ونصف شكر، والصبر داخل في الشكر، فرجع الإيمان كله شكرًا، والشاكرون هم أقل العباد، كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]» (^١).\nوفي الملحق ما يعين- بإذن الله- على تحقيق هذه العبادة العظيمة والمنزلة الكريمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>الأثر الخامس: دعاء الله باسمه الشكور:</span>\nلم يرد الدعاء بالاسم، ولكن ورد الدعاء بمقتضى الاسم، كقوله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوثبت في السنة والسيرة النبوية أن النبي -ﷺ- كان كثير الشكر\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":558},{"text":"لربه، ومن دعائه: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا» (^١)، ومما روت عائشة -﵂-، عن النبي -ﷺ- قولها: «كان رسول الله -ﷺ- إذا صلى، قام حتى تفطر رجلاه، فتقول: يا رسول الله! أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يَا عَائِشَةُ أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (^٢)، وهي وصيته لمعاذ بن جبل -﵁-، ففي الحديث قال -ﷺ-: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، واللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فقال -ﷺ-: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥١) وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٣٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥٢٢).","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>«الشكور يحب الشاكرين»</span>\nفي موضوع الشكر لله سنتطرق للمسائل التالية:\nأولًا: تعريف الشكر:\nيقول ابن القيم -﵀-: «الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة» (^١).\nويقول أيضًا: «الشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعمله فيما يكره، فهذه الخمس هي أساس الشكر، وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة، وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع، وعليها يدور» (^٢).\nثانيًا: فضائل الشكر:\nلشكر الله فضائل عديدة، ومنافع عظيمة، منها:\nالشاكرون هم من أكثر المنتفعين بآيات الله تَعَالَى، فهم ينظرون بعين البصيرة إلى من قص الله أخبارهم في القرآن، كقصة سبأ في سورة سبأ، وقصة أصحاب الجنة في سورة القلم، فيعرفون أن تلك العقوبة جزاء كفرهم\n_________\n(^١) مفهوم الشكر عند ابن تيمية (ص: ٢٥).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٤٤).","vol":"1","page":560},{"text":"نعمة الله تَعَالَى، وأن من فعل مثل فعلهم فعل به مثلهم، هي سنة الله، ولهذا قال -﷾- عند ذكره لقصة سبأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩].\nالشكر من مقامات الإيمان؛ ولذلك عمل الشيطان جاهدًا على صد العباد عنه، قال تَعَالَى عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧].\nتحقيق الشكر لله تَعَالَى دليل العبودية الحقة، قال تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤].\nالشكر وسيلة لنيل رضى الرب، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].\nالشكر إن قُرن بالإيمان مَنَع من العذاب، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].\nثناء الله تَعَالَى في كتابه على أهل الشكر، ووصفه بعض خواص خلقه بهذه الخصلة، قال تَعَالَى عن نوح -﵇-: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، وقال تَعَالَى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١].\nالشكر مطلب عباد الله الصالحين، فجاء في القرآن على لسان سليمان -﵇- قوله تَعَالَى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩]،","vol":"1","page":561},{"text":"وورد أن النبي -ﷺ- قال: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا» (^١) وأوصى -﵇- معاذًا -﵁- لحبه له أن يستعين بالله على شكره فقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، واللهِ إني لَأُحِبُّكَ، فقال: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^٢).\nجعل الله الشكر سببًا للمزيد من النعم، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\nجعل الله تَعَالَى شكره هدفًا من أهداف تفضله بالنعم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقال في شأن تسخيره الأنعام: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].\nجعل اللهُ شكرَه هدفًا من أهداف العفو والنصر، يقول تَعَالَى في العفو: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢]، ويقول في النصر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦].\nوعد الله تَعَالَى الشاكرين بأحسن الجزاء فقال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] وبين أنه تَعَالَى وإن كان يحب الشاكرين إلا أنه لا يعود عليه شيء من النفع بشكرهم، بل النفع لهم، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":562},{"text":"لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].\nالشكر يرفع منزلة المفطر إلى منزلة الصائم، فقد روى الترمذي وحسنه عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ» (^١).\nثالثا: مسألة: أيهما أفضل الشكر أم الصبر؟\nيقول ابن القيم -﵀-: «حكى ابن الجوزي في ذلك ثلاث أقوال:\nالقول الأول: أن الصبر أفضل.\nالقول الثاني: أن الشكر أفضل.\nالقول الثالث: أنهما سواء، كما قال عمر بن الخطاب -﵁-: (لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت) (^٢).\nثم قال: «وانبنى على هذه المسألة مسألة: الغني الشاكر، والفقير الصابر، أيهما أفضل؟\nوالتحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله تَعَالَى، فإن فرض استواؤهما في التقوى استويا في الفضل، فإن الله سُبْحَانَهُ لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء، وإنما فضل بالتقوى، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٩٢١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٧٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث (٢٤٨٦).\n(^٢) الرسالة القشيرية (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":563},{"text":"والتقوى مبنية على أصلين: الصبر والشكر، وكل من الغنى والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل، فإن قيل: فإذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغني أتم فأيهما أفضل؟ قيل: أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا البته، فإن الغني قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغني في شكره، فلا يصح أن يقال: هذا بغناه أفضل، ولا هذا بفقره أفضل، ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر، ولا بالعكس، لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما» (^١).\nرابعًا: أركان شكر الله تعالى:\nالشكر في حقيقته هو القيام بثلاثة أركان، وهي: (شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح)، مع ما يكمل ذلك من محبة المشكور والخضوع له، واستعمال نعمه في مرضاته، على أن الإنسان لا يمكن أن يكافئ نعم الله عليه، ولا أن يقوم بوظيفة الشكر لله تَعَالَى، كما دل على ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وقد دل آخر الآية على تقصير بني آدم في شكر النعم؛ لأن من لا يستطيع إحصاء النعم كيف يقوم بشكرها؟ بل وأي نعمة يعرفها قد لا يدرك حقيقتها، فكيف يقوم باتمام شكرها؟ ولكن حسب الإنسان أن يسدد ويقارب.\n_________\n(^١) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم الجوزية (ص: ٧٦).","vol":"1","page":564},{"text":"وفيما يلي بيان موجز لهذه الأركان:\n١ - شكر القلب:\nوهو معرفة القلب وإقراره بأن ما بالعبد من نعمة فهي فضل من الله تَعَالَى وحده، وأن ذلك إحسان منه -﵀-، حتى لو وصلت بعض هذه النعم على يد عبد من عباد الله، إلا أن الشكر أولًا وأخيرًا لله الذي سخر ذلك العبد ليوصلها إليك، فالله تَعَالَى هو الذي أجراها على يديه، وإلا فهو لا يد له فيه ولا صنع، يقول -﷾-: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].\nوهذا ما أرشد إليه النبي -ﷺ-، حين أمر المسلم أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ، أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ» (^١).\nومن هنا ندرك أن العبد لا خروج له عن نعمة ربه وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالله تَعَالَى هو الذي يمنح النعم لا أحد سواه يشاركه، فلا يقول الإنسان كما قال قارون في قوله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].\nويقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «الشكر: اسم لمعرفة النعمة؛ لأنها السبيل إلى معرفة المنعم، ولهذا سمى الله تَعَالَى الإسلام والإيمان في القرآن: شكرًا، فمعرفة النعمة: ركن من أركان الشكر، لا أنها جملة الشكر …، فالشكر\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٨٦١)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٧٣٠).","vol":"1","page":565},{"text":"اسم لمعرفة النعمة، مستلزمًا لمعرفة المنعم، ومعرفته تستلزم محبته، ومحبته تستلزم شكره» (^١).\n٢ - شكر اللسان:\nوهو الثناء على الله تَعَالَى بنعمه، وحمده عليها مع محبته والتحدث بها على سبيل الاعتراف بفضله وإظهار الفاقة، لا لرياء وسمعة وخيلاء؛ ليكون الذكر داعيًا إلى شكر القلب والجوارح.\n«وشكر اللسان المتعلق بالنعمة نوعان:\nعام: وهو وصفه بالجود والكرم، والبر والإحسان، وسعة العطاء، ونحو ذلك.\nخاص: وهو التحدث بنعمته، والإخبار بوصولها إليه من جهته، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وفي هذا التحديث المأمور به قولان:\n- أحدهما: أنه ذكر النعمة، والإخبار بها، وقوله: أنعم الله عليَّ بكذا وكذا، قال مقاتل: يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة: من جبر اليتم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة، والتحدث بنعمة الله شكر، كما في حديث جابر مرفوعًا: «مَنْ أُتِيَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَلْيُكَافِئْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ، فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يَنَلْ، فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٢٣٨).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":566},{"text":"فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النعمة المثني بها، والجاحد لها والكاتم لها، والمظهر أنه من أهلها، وليس من أهلها، فهو متحل بما لم يعطه.\n- والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة، قال مجاهد: هي النبوة، قال الزجاج: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله. وقال الكلبي: هو القرآن، أمره أن يقرأه.\n- والصواب: أنه يعم النوعين؛ إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها، وإظهارها من شكرها» (^١).\n٣ - شكر الجوارح:\nيقول ابن القيم -﵀-: «وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرًا وباطنًا» (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر -﵀-: «الشكر هو الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة» (^٣).\nفشكر الجوارح معناه: قيام الجوارح بالعبودية لله رب العالمين؛ لأن كل جارحة لها حظها من العبودية، ولا يتم ذلك إلا بالعمل بطاعة الله تَعَالَى وطاعة رسوله -ﷺ-، وذلك بفعل المأمور واجتناب المحذور، ويدخل في ذلك صرف نعمه فيما يحبه ويرضاه، والاستعانة بها على طاعته، والحذر من صرفها في معصيته، أو الاستعانة بها على ذلك، ومن لوازم ذلك معرفة ما يحبه\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (٢/ ٢٣٩).\n(^٢) الفوائد (ص: ٢٣٤).\n(^٣) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني (٣/ ١٥).","vol":"1","page":567},{"text":"الله تَعَالَى لأجل أن تستعمل نعمه في محابه، قال تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، فجعل -﷾- العمل شكرًا، ذلك أن الشكر سلوك عملي، وليس كلمة تقال باللسان، كما أن الإيمان سلوك عملي وليست كلمة تقال باللسان، يقول -ﷺ-: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (^١)، وهذا الحديث دليل بين على أن الشكر يكون بالعمل والطاعة.\n«ومما روي أن رجلًا سأل أبا حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًّا سترته، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًّا دفعته، قال: شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا لله هو فيهما، قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا، قال: فما شكر الفرج؟ قال: قال الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن علمت ميتًا تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله، وأما من شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٢٠).\n(^٢) عدة الصابرين، لابن القيم (ص ١٣٤).","vol":"1","page":568},{"text":"ومن هذا الباب: شُرع سجود الشكر عند تجدد النعم أو اندفاع النقم، سواء كانت عامة أو خاصة، وذلك بأن يخر المسلم لله ساجدًا، فيضع أشرف عضو من أعضائه- وهو الوجه - على الأرض، ويذكر الله ربه في هذا السجود، وهو على هذه الحال بأنواع الذكر من الشكر والتسبيح والدعاء والاستغفار وغيرها، فيكون قد شكر المنعم -﵀- بهذا السجود بقلبه ولسانه وجوارحه، وقد ثبت في قصة كعب بن مالك -﵁- أنه لما جاءه البشير بتوبة الله عليه خر ساجدًا لله تَعَالَى (^١).\nخامسًا: تحقيق مرتبة الشكر لله تعالى:\nلا بد للعبد- ليكون من الشاكرين- أن يستحضر عدة أمور ويستشعرها، ويحرص أن لا تغيب عن ذهنه، ومنها:\nالتفكر في نعم الله تَعَالَى واستحضارها وتذكرها؛ فالإنسان في كل حالة من أحواله في نعمة، بل لا يمر عليه لحظة في حياته إلا وهو يتقلب في نعم الله تَعَالَى، واستحضار هذه النعم والوقوف عليها يوجه انتباهه لنعم كثيرة كان غافلًا عنها فيزداد شكرًا لله تَعَالَى، وفي هذا استجابة لأمر الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣].\nالنظر إلى من هو أقل في أمور الدنيا؛ إن نظر الإنسان إلى من هو دونه في الدنيا يجعله يعلم ويستعظم ما أعطاه الله تَعَالَى وفضله به من نعم على غيره، فمن كان دخله مئتين فلينظر إلى من دخله مئة، ومن كان بعين واحدة فلينظر إلى من فقد كلتا عينيه، ومن كان مريضًا بمرض واحد فلينظر إلى من مرض\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٤١٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٩).","vol":"1","page":569},{"text":"بعدة أمراض، وهذا أجدر لمعرفة النعم واستشعارها، قال -ﷺ-: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (^١)، وفي حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مُبْتَلًى، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَيكَ، وَعَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ تَفْضِيلًا؛ كَانَ شَكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةِ» (^٢).\nأن يفكر الإنسان في حاله، ويتأمل حياته لو أنه خسر هذه النعمة؛ فينظر كيف حاله، فإن كان غنيًّا فإلى حاله لو كان فقيرًا، وإن كان صحيحًا فإلى حاله لو كان في عداد المرضى، وهكذا كل نعمة لديه ينظر إلى حاله لو خسرها؛ ليعرف بذلك قدرها فيشكرها.\nدعاء العبد ربه وسؤاله إياه أن يجعله من الشاكرين؛ فالعبد لا يستطيع أن يصل إلى مقام من مقامات الإيمان إلا بتوفيق الله -﵎-؛ ولذلك لم يقل النبي -ﷺ- لمعاذ بن جبل: كن ذاكرًا شاكرًا وأحسن العبادة، وإنما أمره أن يدعو الله أن يعينه على ذلك؛ فقال -ﷺ- له: «لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^٣).\nقراءة أخبار الشاكرين؛ فمن وقف على تراجم الشاكرين من العلماء والعباد والزهاد؛ اقتدى بهم؛ فازداد شكرًا لله تَعَالَى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٣).\n(^٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤١٢٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٥٥).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":570},{"text":"استشعار سؤال الله عباده يوم القيامة عن شكر النعمة؛ فالعاقل يسأل نفسه الآن، فالوقت بين يديه، يستطيع إن لم يجد جوابًا أن يعمل ويحسن ويستعد بالجواب والصواب؛ لأن الله تَعَالَى سيسأله في يوم لايستطيع فيه العمل، يقول الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال ابن كثير -﵀-: «أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ماذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة؟» (^١).\n٧ - أن يعلم الإنسان يقينًا أن النعم إذا شُكرت استقرت وزادت، وإذا كُفرت فرَّت وزالت؛ يقول تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\n٨ - عدم نسبة النعمة لغير الرب -﵀-؛ فنسبة النعمة لغير الله من كفر النعمة، فمن كان مريضًا فشفي، فشفاؤه بفضل الله أولًا، ثم بالأسباب الأخرى التي من فضل الله سُبْحَانَهُ أن سخرها له، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] يقول ابن كثير -﵀- في تفسيره لهذه الآية: «أي: يعرفون أن الله تَعَالَى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره» (^٢).\nاللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك طائعين، إليك مخبتين، لك أواهين منيبين، اللهم اقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبت حجتنا، وسدد ألسننا، واسلل سخيمة قلوبنا.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٤٩٤).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٩٢).","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type='title' id=toc-341>الشَّهيدُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-342>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الشهادة: خبر قاطع، تقول منه: شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شهد الرجل، بسكون الهاء للتخفيف» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(شهد) الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام … والشاهد: الملك» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-343>ورود اسم الله (الشهيد) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (الشهيد) في كتاب الله ثماني عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].\nقوله -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].\n٣ - قوله -﷿-: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٥٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ٢٢١).","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>ورود اسم الله (الشهيد) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم (الشهيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَال: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قال: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قال: كَفَى باللهِ كَفِيلًا، قال: صَدَقْتَ» (^١)، وسيأتي-بإذن الله- تتمة الحديث في الأثر الثالث من الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشهيد).\n\n<span data-type='title' id=toc-345>معنى اسم الله (الشهيد) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في قولهتَعَالَى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]: «وأنت تشهد على كل شيء؛ لأنه لا يخفى عليك شيء» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-، قال: «هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد، كعالم وعليم، أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٩١).\n(^٢) تفسير الطبري (٩/ ١٣٧).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٧٥).","vol":"1","page":573},{"text":"قال ابن الأثير -﵀-: «في أسماء اللهتَعَالَى «الشهيد» هو الذي لا يغيب عنه شيء، والشاهد: الحاضر وفعيل من أبنية المبالغة في فاعل، فإذا اعتبر العلم مطلقًا فهو العليم، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد» (^١).\nقال ابن الأثير -﵀- في تفسير اسم الله الشهيد: «أنه يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «من أسمائه: (الشهيد) الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء؛ بل هو مطلع على كل شيء، مشاهد له، عليم بتفاصيله» (^٣).\nقال ابن كثير -﵀-: في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] «عليم بسرائرهم وما تُكِنُّ ضمائرهم» (^٤).\nقال عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]: «أي: شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم» (^٥).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٥١٣).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٥١٣).\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ٤٣٣).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٠٢).\n(^٥) المرجع السابق (٥/ ٤٠٢).","vol":"1","page":574},{"text":"قال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]: «مطلعًا على كل شيء بعلمه لجميع الأمور، وبصره لحركات عباده، وسمعه لجميع أصواتهم» (^١).\nوقال أيضًا -﵀- موضحًا العلاقة بين اسم الله الرقيب واسمه الشهيد: «(الرقيب) و(الشهيد) مترادفان، وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]» (^٢).\nاقتران اسم الله (الشهيد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله الشهيد بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-346>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشهيد):</span>\n<span data-type='title' id=toc-347>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشهيد) من الصفات، ودلالته على التوحيد:</span>\nالله سُبْحَانَهُ الشهيد الذي شهد بعلمه وسمعه وبصره، فعلمه أحاط بالمعلومات، وسمعه أحاط بالمسموعات، وبصره أحاط بالمبصرات، فلا يخفى عليه شيء من مخلوقاته ظاهرها وباطنها، كبيرها وصغيرها، يرى\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ١٧٦).\n(^٢) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٥٨ - ٥٩).","vol":"1","page":575},{"text":"مكانها، ويسمع أصواتها، ويعلم أحوالها كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].\n- ومن مظاهر شهوده سُبْحَانَهُ:\n- هو الشهيد الذي يرى الكون كله وهو مستو على عرشه، يرى الهباءة الطائرة والجبال الشاهقة، ويرى الحيوانات والنباتات والذرات في قعر البحر الأسود، ويسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء فسبحان ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩].\n- هو الشهيد القريب من خلقه، الذي يراهم جميعًا في آن واحد، ويسمع ما يتناجون به ويرى ما يخوضون فيه، ويعلم ما يجول في خواطرهم، وما تهجس به ضمائرهم، ولا يغيب عنه من أمرهم شيء يقولونه أو يفعلونه أو يكتمونه قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ (^١) وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\n- هو الشهيد الذي يشهد أعمال العباد، ظاهرها وباطنها، خيرها وشرها، ويحصيها عليهم قبل فعلها وبعد فعلها؛ لأنه علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] (^٢).\n_________\n(^١) تخصيص القرآن بالذكر مع أنه داخل فيما قبله ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ وما بعده ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ تعظيمًا لشأنه ودعوة للعناية به.\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩١٨).","vol":"1","page":576},{"text":"- هو الشهيد على ما يكون بين العباد من حقوق ومظالم وخصومات، فيشهد ويفصل بينهم يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].\n- هو الشهيد الذي شهد بالحق، فشهد لنفسه بالتوحيد، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] «فتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها، وأعدلها وأصدقها، من أجل شاهد بأجل مشهود» (^١).\nشهد لكتابه بأنه منزل من عنده، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].\nوشهد لرسوله بالرسالة والصدق، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].\n- وشهادته سُبْحَانَهُ أعظم وأعلى وأرفع شهادة، شهادة حضور ومعاينة، فلا يخفى عليه شيء من جوانب الحقيقة كما يحدث للبشر، لا غلط فيها ولا ظلم تَعَالَى عن ذلك، فمن شهد الله له فهو حسبه، ولا يحتاج إلى شهادة غيره، ولذلك أمر الله رسوله -ﷺ- أن يقول للمشركين الذين ينازعونه في التوحيد وفي صدق ما جاء قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ\n_________\n(^١) مدراج السالكين، لابن القيم (٣/ ٤١٨).","vol":"1","page":577},{"text":"لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] (^١)، وفي حجة الوداع أشهد النبي -ﷺ- ربه على إبلاغه الرسالة، وأداءه الأمانة، فقال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ» (^٢).\nومن رضي بشهادة «الشهيد» -﵀- لم يخيبه أبدًا، بل إنه سُبْحَانَهُ يملأ قلبه طمأنينة ورضا بأنه شهيد له وعليه، وكفى به شهيدًا، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ (^٣) مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي\n_________\n(^١) ينظر: المصدر السابق (٦٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٠٧٨)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٧٩).\n(^٣) أي: سوى موضع النقر وأصلحه، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزج، وهو النصل، كأن يكون النقر في طرف الخشبة، فشد عليه زجًّا ليمسكه ويحفظ ما فيه، وقيل: معناه: سمرها بمسامير كالزج أو حشى شقوق لصاقها بشيء ورقعه بالزج. ينظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (٢/ ٢٩٦)، وفتح الباري، ابن حجر (٤/ ٤٧١).","vol":"1","page":578},{"text":"ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا» (^١).\nفإذا تيقن العبد عِظم شهادة الشهيد، وأنه لا أكبر منها ولا أعظم، وأيقن إقامته للشهود، ثم علم أنه شهد لنفسه بالتوحيد وأشهد خواص خلقه من الملائكة وأهل العلم عليه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾\n[آل عمران: ١٨]؛ أقام نفسه على توحيده سُبْحَانَهُ وإفراده بالعبادة، فلم يتوجه ولم يقصد غيره سُبْحَانَهُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-348>الأثر الثاني: الشهيد سُبْحَانَهُ يقيم شهودًا من خلقه يوم القيامة؛ لكمال عدله:</span>\nومع أن شهادته سُبْحَانَهُ تعتبر أكبر شهادة وكفى بها، إلا أن الله من تمام عدله لا يكتفي بشهادة نفسه سُبْحَانَهُ بل يقيم الشهود يوم القيامة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٩١).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"1","page":579},{"text":"قال الشيخ السعدي -﵀-: «﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ليسألوا عن التبليغ، وعن أممهم، ويشهدوا عليهم، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ من الملائكة، والأعضاء والأرض ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: العدل التام والقسط العظيم؛ لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، ومن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ، محيط بكل ما عملوه، والحفظة الكرام، والذين لا يعصون ربهم، قد كتبت عليهم ما عملوه، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك الحكم» (^١).\nفيشهد الأنبياء على أممهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال أيضًا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].\nوتشهد أمة محمد -ﷺ- على الأمم بتبليغ الأنبياء رسالات الله إليهم، قال تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوجاء تفسير هذه الآية عن رسول الله -ﷺ-، فقد أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ،\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ٧٣٠).","vol":"1","page":580},{"text":"فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]» والوسط: العدل. (^١)\nوأيضًا هذه الأمة يشهد بعضها على بعض، فتقبل شهادتها: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «مَرُّوا بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: مَا وَجَبَتْ؟ قال: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ» (^٢).\nوتشهد الملائكة الكرام الكاتبون الذين يرقبون أعمال العبد وأقواله، ويتلقيان أعماله كلها، كما قال تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧] ويشهدان عليه بما عمل، قال تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، قال ابن كثير -﵀-: «ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله» (^٣).\nوتشهد الجوارح والأعضاء على أصحابها، فإن الكافر يوم القيامة يحاول الفرار من عذاب الله بكتمان ما عمل كما قالسُبْحَانَهُ: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨]، وقال حكاية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٤٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٣٦٧) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٩٤٩).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٠١).","vol":"1","page":581},{"text":"عن قولهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فإذا أنكرت ألسنتهم ما عملوه، أقام الشهيد عليهم شهادة الجوارح والأعضاء فيشهد عليهم كل عضو من أعضائهم، فكل عضو يقول: أنا فعلت كذا وكذا، يوم كذا وكذا (^١) كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وقال تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢٠، ٢١].\nوروى مسلم عن أنس بن مالك -﵁- قال: «كنا عند رسول الله -ﷺ- فضحك فقال: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (^٢).\nوكما أن هذه الأعضاء تشهد على أصحابها بكل سوء عملوه، كذلك تشهد لهم بكل خير عملوه، يقول النبي -ﷺ- في الأصابع حين يسبح بها الله: «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٧٤٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٩).","vol":"1","page":582},{"text":"مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» (^١).\nبل لو قدر الله بعدله دخول أحد من عباده النار لذنوبه، فإن من كرمه تَعَالَى أن النار لا تمس مواضع الوضوء والسجود، جاء في حديث أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ» (^٢).\nوتشهد الأرض بما عمل عليها من خير أو شر، كما قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قال ابن كثير -﵀-: «تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، فعن أبي هريرة -﵁- قال: «قرأ رسول الله -ﷺ- هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قال: أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلْتَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، قال: فَهُوَ أَخْبَارُهَا» (^٣)» (^٤).\nفإذا علم العبد هذا حرص أن يطيع الله بهذه الجوارح والجلود، وحرص على أن لا يعصي الله على أرضه، وإذا حصلت منه معصية حاول محيها بفعل طاعة في نفس الموطن، مستشعرًا قول الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧٧٣١)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٣). حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٥٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٠٦).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٩٨٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٢٩)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٢٩).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٨/ ٤٦١).","vol":"1","page":583},{"text":"ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، ولذلك قال -ﷺ-: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» (^١) قالوا: الحسنة قول العبد: أستغفر الله، وقيل: فعل الطاعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-349>الأثر الثالث: مراقبة الله الشهيد:</span>\nإذا أيقن المؤمن بشهادة الشهيد -ﷻ-، وعلم أن ربه شهيد عليم خبير يراه، ويسمع كلامه ويعلم سره وعلانيته، أورثه ذلك مراقبة الله التي توجب له حراسة باطنه عن كل فكر وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله، وتعبد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه (^٢).\nكما يورث العبد تحري الإخلاص في أقواله وأعماله؛ لأن الله -﷿- شاهد على ما في القلوب من النوايا والمقاصد، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ولا يقبل إلا ما كان خالصًا صوابًا.\nويقين العبد باسم الله الشهيد يورثه- أيضًا- الحذر من ظلم العباد والتعدي على حقوقهم؛ لأن الله شاهد على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-350>الأثر الثالث: الحياء من الله الشهيد -ﷻ</span>-:\nإذا علم العبد أن الله شهيد مطلع عليه، عالم بسره ونجواه، وغيبه وشهادته؛ أورثه ذلك الحياء منه، فاستحيا أن يراه حيث نهاه، وألا يكون حيث أمر الله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٧٥٠)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٧)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٧).\n(^٢) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٥٨ - ٥٩).","vol":"1","page":584},{"text":"والحياء من الله أعظم الحياء شأنًا وأعلاه مكانة، وينشأ عن أمور ثلاثة:\nالأول: رؤية نعمة الله ومنته وفضله على العبد.\nالثاني: رؤية تقصير العبد في حق الله، وقيامه بما يجب عليه من امتثال أوامره واجتناب نواهيه.\nالثالث: رؤية اطلاع الله على العبد في كل أحواله وشؤونه.\nفإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة في القلب، تحرك فيه الحياء من الله، الذي ينشأ عنه كل خير وفضيلة كما قال -ﷺ-: «الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (^١)، فإذا وجد انكفت النفس عن الأخلاق الرذيلة، والمعاملات السيئة والأفعال المحرمة، وأقبلت النفس على فعل الواجبات، والعناية بمكارم الأخلاق وعظيم الآداب وجميلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-351>الأثر الرابع: محبة الله الشهيد:</span>\nإذا علم العبد أن الله شهيد، وأنه يراه ويسمع كلامه، ويعلم سره وعلانيته، وهو أقرب إليه من نفسه وشهد ذلك كله، أورثه هذا حبه والسعي إلى مرضاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-352>الأثر الخامس: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]:</span>\nعلى العبد إذا علم أن الله شاهد على جميع شئونه أن يؤدي حق الشهادة، ومن ذلك:\n١ - الإشهاد فيما أمر الله أن يشهد فيه، كالإشهاد في أداء مال اليتيم، قال تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١١٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٧).","vol":"1","page":585},{"text":"وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].\n٢ - أداءها وعدم كتمانها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فإذا دعي الشاهد لأدائها فعليه الإجابة (^١).\nوقد حرم الله تَعَالَى كتمانها، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق (^٢).\n٣ - إقامتها من غير خيانة ولا تزوير، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣].\nقال السعدي -﵀-: «لا يشهدون إلا بما يعلمونه، من غير زيادة ولا نقص ولا كتمان، ولا يحابي فيها قريبًا ولا صديقًا ونحوه، ويكون القصد بها وجه الله» (^٣).\nووردت نصوص تحذر من شهادة الزور، فقال -ﷺ-: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ، ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٧٢٥).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ١٢٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٨٨٧).","vol":"1","page":586},{"text":"الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ» (^١)؛ لأن مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف مفسدة الشرك؛ إذ إنها قاصرة عليه.\n٤ - عدم شهادة مجالس الزور، قال تَعَالَى في وصف عباده: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يحضرون الزور من القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالشهادة بالباطل، والخوض في آيات الله، والجدال الباطل، والغيبة والنميمة، والسب والقذف، والاستهزاء، والغناء المحرم، وشرب الخمر، وفرش الحرير، والصور، ونحو ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-353>الأثر السادس: الحرص على شهود الأوقات الفاضلة:</span>\nمعرفة العبد بأن ربه شهيد؛ يجعله حريصًا كل الحرص على شهود الأوقات التي تتنزل فيها الرحمات، ويتقرب فيها من الحق -﷿-، ومن تلك الأوقات:\nصلاة الفجر: قال تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\nيقول ابن القيم -﵀-: «قيل: يشهده الله -﷿-، وملائكته، وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء وصعود أولئك، فيجتمعون في صلاة الفجر؛ وذلك لأنها أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل، فيشهدها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٨٧).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٨٧).","vol":"1","page":587},{"text":"ملائكة الليل والنهار، واحتج لهذا القول بما في الصحيح من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ». يقول أبو هريرة: واقرأوا إذا شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]) (^١)، وهذه الشهادة شهادة خاصة، وهي شهادة حضور ودنو متصل بدنو الرب، ونزوله إلى سماء الدنيا في الشطر الأخير من الليل، كما جاء في الأحاديث الصحاح التي أثبتت نزول الرب -﵀-، وهو نزول يليق بجلاله وعظمته وندائه لأهل الأرض: «إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللهُ -﵎- إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ» (^٢).\nففي هذه الأحاديث: أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا يكون شهود الله لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له هذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من الصلاة، (حَتَّى يَسْطَعَ الفَجْرُ) (^٣)، وذلك هو وقت صلاة الفجر …» (^٤).\nفإذا علم العبد ذلك الفضل العظيم حرص على هذا الوقت الشريف وشهوده، كما جاء في الحديث: «مَنْ صَلَّى صلاة الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ» (^٥) أي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث (٧٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٨٩٨)، وابن خزيمة في التوحيد، رقم الحديث: (١/ ١٣٧).\n(^٤) طريق الهجرتين، ابن القيم (ص: ٢١٢ - ٢١٣).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٦٥٧).","vol":"1","page":588},{"text":"حفظه، وفي رواية: «وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» (^١).\n٢ - يوم الجمعة: لأن هذا اليوم يشهد عليك أو يشهد لك أمام الله، وقد فسر بعض العلماء الشاهد في قوله تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] بالجمعة، قال ابن جرير -﵀-: «وأقسم بشاهد، قالوا: وهو يوم الجمعة، ومشهود، قالوا: وهو يوم عرفة» (^٢).\n٣ - يوم عرفة: الذي يدنو فيه الرب -﷿-، ويباهي بأهل الموقف أهل سمواته، ثم يقول -﷾-: «مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (^٣)، وقد فسر بعض العلماء المشهود في قوله تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] بعرفة، قال ابن جرير -﵀-: «ومشهود، قالوا: وهو يوم عرفة» (^٤).\n٤ - مجالس الذكر: التي تحفُّها الملائكة وتغشاها الرحمة، كما قال رسول الله -ﷺ-: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (^٥).\nفاللهم يا شهيد يا مجيد، اجعلنا ممن يعبدك كأنه يراك، واجعلنا ممن يشهد كل خير.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٦٥٦).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٤/ ٢٦٣).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) تفسير الطبري (٢٤/ ٢٦٣).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).","vol":"1","page":589},{"text":"<span data-type='title' id=toc-354>الصَّمدُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-355>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «… والمصمد: لغة في المصمت، وهو الذي لا جوف له … وصمده يصمده صمدًا، أي: قصده. والصمد: السيد؛ لأنه يُصمد إليه في الحوائج» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(صمد) الصاد والميم والدال أصلان: أحدهما القصد، …\nفالأول: الصمد: القصد. يقال: صمدته صمدًا، وفلان مصمد؛ إذا كان سيدًا يقصد إليه في الأمور، وصمد أيضًا، والله جل ثناؤه الصمد؛ لأنه يصمد إليه عباده بالدعاء والطلب …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-356>ورود اسم الله (الصمد) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الصمد) في كتاب الله مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].\n_________\n(^١) الصحاح، للجوهري (٢/ ٤٩٩).\n(^٢) مقاييس اللغة، لابن فارس (٣/ ٣٠٩).","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type='title' id=toc-357>ورود اسم الله (الصمد) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الصمد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: «سَمِعَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ،، فقال رسول الله -ﷺ-: قَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^١).\nعن محجن بن الأدرع، حدثه «أن رسول الله -ﷺ- دخل المسجد إذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-358>معنى اسم الله (الصمد) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال ابن عباس -﵄-: «(الصمد): الذي ليس بأجوف» (^٣)\nقال ابن عباس أيضًا: «هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد عظم في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٩٦٥)، وأبو داود (١٤٩٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٩٣).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٣١).","vol":"1","page":591},{"text":"جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سُبْحَانَهُ هذه صفته، لا تنبغي إلا له» (^١).\nقال الشعبي -﵀-: «(الصمد) الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب» (^٢).\nقال عكرمة -﵀-: «الذي لم يخرج منه شيء، ولم يلد، ولم يولد» (^٣).\nقال الطبري: الصمد عند العرب: هو السيد الذي يصمد إليه، الذي لا أحد فوقه، وكذلك تسمى أشرافها» (^٤).\nقال الزجاجي -﵀-: «الصمد: السيد الذي قد انتهى سودده، فالناس يصمدونه في حوائجهم، أي: يقصدونه ويعتمدونه» (^٥).\nقال الخطابي -﵀-: «(الصمد): هو السيد الذي يصمد إليه في الأمور، ويقصد في الحوائج والنوازل» (^٦).\nقال الحليمي -﵀-: «ومنها الصمد: ومعناه المصمود بالحوائج، أي المقصود» (^٧).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٣٦).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٣٢).\n(^٣) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٣٦).\n(^٤) ينظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٦٩١ - ٦٩٣).\n(^٥) اشتقاق أسماء الله (ص: ٢٥٢).\n(^٦) شأن الدعاء، للخطابي (ص ٥٨).\n(^٧) المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":592},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة؛ وذلك لكثرة خصال الخير فيه، وكثرة الأوصاف الحميدة له» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «الصمد: هو الذي تقصده الخلائق كلها في جميع حاجاتها وأحوالها وضروراتها؛ لما له من الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله» (^٢).\nوقال أيضًا: «و(الصمد): المعنى الجامع، الذي يدخل فيه كل ما فسر به هذا الاسم الكريم، فهو الصمد الذي تصمد إليه أي: تقصده جميع المخلوقات بالذل والحاجة والافتقار، ويفزع إليه العالم بأسره، وهو الذي قد كمل بعلمه وحكمته وحلمه وقدرته وعظمته ورحمته وسائر أوصافه» (^٣).\nوكل ما سبق من الأقوال يصح أن يوصف به ربنا -﷿-؛ لأن الصمد اسم دال على جملة من الأوصاف، لا على صفة معينة (^٤).\nقال أبو القاسم الطبراني -﵀- كما نقل ابن كثير بعد إيراده لكثير من الأقوال في تفسير الصمد-: «وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا -﷿-، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه» (^٥).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة، لابن القيم (٣/ ١٠٢٥).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٥).\n(^٣) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٧٥).\n(^٤) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٩٩).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٩).","vol":"1","page":593},{"text":"وقال ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي … صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ\nالكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُو … هِ كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ (^١)\nاقتران اسم الله (الصمد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\n- اقتران اسم الله الصمد باسمه الأحد:\nلم يقترن اسم الله «الصمد» إلا باسم الله «الأحد»، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].\nوجه الاقتران راجع إلى أمرين:\nللدلالة على أن الأحد المتفرد بالكمال في أسمائه وصفاته وأفعاله هو المستحق بأن تصمد له القلوب وتنزل به الحوائج.\nللدلالة على انفراد الله -﷿- بجميع صفات الكمال، قال ابن رجب -﵀-: «فالصمدية تثبت الكمال المنافي للنقائص، والأحدية تثبت الانفراد بذلك» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-359>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الصمد):</span>\n<span data-type='title' id=toc-360>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الصمد) من الصفات:</span>\nالله -﷿- الصمد السيد العظيم الذي له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] (^٣).\n_________\n(^١) نونية ابن القيم (ص: ٢٠٩).\n(^٢) تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٧١).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٥)","vol":"1","page":594},{"text":"فهو الصمد في ذاته التي لا يقدر قدرها ولا كمالها ولا جلالها إلا هو سُبْحَانَهُ، فتعالت ذاته العلية عن النقائص فلم تحتج إلى جوف ولا أحشاء ولا طعام ولا شراب ولا داخل ولا خارج، كما هو الحال في المخاليق، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٢، ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] وقرأ بعضهم بالفتح: «ولا يَطْعَمُ» أي: لا يأكل (^١).\nوهو الصمد في أسمائه فكلها حسنى بلغت من الكمال المنتهى، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وتعالت عن الدلالة على الذم والقدح، أو الدلالة على الاسم المجرد عن الصفة قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nوهو الصمد في صفاته، فلم يبق صفة كمال إلا اتصف بها، ووصف بغايتها وكمالها (^٢).\nفهو صمد في غناه، فلم يحتج للوالد ولا للولد فضلًا عن الصاحبة، قال تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، أي: «كيف يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد الذي لا صاحبة له، أي: لا زوجة له، وهو الغني عن مخلوقاته، وكلها فقيرة إليه، مضطرة في جميع أحوالها إليه، والولد لا بد أن يكون من جنس والده، والله\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٤٣).\n(^٢) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي (ص: ٢٠٢).","vol":"1","page":595},{"text":"خالق كل شيء، وليس شيء من المخلوقات مشابهًا لله بوجه من الوجوه» (^١).\nولم يحتج للشريك ولا للوزير ولا للمعين ولا للنصير، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\nولم يحتج للطعام ولا للشراب، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].\nوهو صمد في حياته، فلم يحتج معها إلى خالق ولا والد ولا حافظ، قال تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]؛ فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، كما جاء في الحديث: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» (^٢).\nولا يعتري حياته ما ينقص كمالها من النوم والنعاس، ولا يهددها الموت، وإنما حياة دائمة، وبقاء لا انقطع معه، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال تَعَالَى أيضًا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].\nوهو صمد في علوه، فما زال -ﷻ- ولا يزال عاليًا بذاته مستويًا على عرشه، عاليًا بأسمائه وصفاته وأفعاله، لا يعلوه أحد، ولا يكون فوقه أحد لا في\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٢٦٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣).","vol":"1","page":596},{"text":"الذات ولا في الأسماء ولا في الصفات ولا في الأفعال، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال -ﷺ-: «وأَنَتْ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (^١).\nوهو الصمد في أفعاله فكلها حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل كما جاء في الحديث: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّه بِيَدِكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^٢).\nتعالت أفعاله سُبْحَانَهُ عن العبث واللهو، والظلم والجور، ونحو ذلك من النقائص.\nوبذلك اجتمعت في الصمد صفات الشرف جميعها في الذات والأسماء والصفات والأفعال، واجتمعت فيه صفات السيادة كلها على وجه الكمال والدوام، فهي باقية لم تزل ولا تزال أبدًا، لا يطرأ عليها النقص ولا الآفات ولا الاختلال، كما هو الحال في المخلوق الذي يكون سؤدده وكماله في حال دون حال، ويعتيريه من النقص ما يعتريه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-361>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الصمد) على التوحيد:</span>\nإن اسم الله «الصمد» وما فيه من الدلالة على صفات الكمال لله -﷿-؛ دال على أنواع التوحيد الثلاثة، وبيان ذلك على النحو الآتي:\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) ينظر: تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٧١)، والحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٧٥)، والنهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٠٢)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٣٠ - ١٣١).","vol":"1","page":597},{"text":"١ - دلالته على توحيد الألوهية والربوبية:\nإن اسم الله «الصمد» يضم جملة من الأسماء والصفات الدالة على الربوبية كالخلق، والرزق، والملك، والتدبير، والإحياء والإماتة ونحو ذلك، فإثباته إثبات لها على وجه الكمال؛ لما سبق من دلالة الصمد على الكمال.\nثم إن كل صفة من صفات الربوبية منفردة تدعو العبد إلى إفراد الله -﷿- بها، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، فلا مثيل ولا نظير ولا شريك ولا والد ولا ولد، قال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] (^١)، ولا يستحق العبادة إلا هو سُبْحَانَهُ، وعبادة ما سواه باطل (^٢)، وحينئذ يفرد العبد ربه الصمد بجميع أنواع العبادة، فلا يَسجد ولا يركع ولا يصلي إلا لله، ولا يستغيث ولا يستعين، ولا يستعيذ إلا بالله، ولا يخاف ولا يرهب، ولا يشفق إلا من الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يرجو ولا يدعو ولا يسأل إلا الله الصمد -﵎-.\n٢ - دلالته على توحيد الأسماء والصفات:\nإن اسم الله «الصمد» وما فيه من الدلالة على قصد الخلائق له وصمودهم بين يديه؛ دال على اتصافه -﵎- بصفات الكمال، قال ابن رجب -﵀-: «فإن السيد الذي يصمد إليه لا يكون إلا متصفًا بجميع صفات الكمال التي استحق لأجلها أن يكون صمدًا» (^٣)، وذلك كالحياة والعلم، والسمع، والبصر،\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٩٨).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٧١).","vol":"1","page":598},{"text":"والغنى، والقدرة، والكلام، والاستواء، والعلو، ونحو ذلك، كما يدل- أيضًا- على انتفاء النقائص عنه سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-362>الأثر الثالث: محبة الله الصمد:</span>\nلا شك أن اسم الله «الصمد» يقود مَنْ تدبره وتأمل فيه لمحبة الله -﷿-؛ وذلك لأنه دال على صفات الكمال والجمال على الدوام للرب -﷿- من الحياة، والغنى، والعلو، وقصد الخلائق وهرعهم إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، إلى غير ذلك مما يدل عليه من الكمالات، ومن المعلوم أن القلوب فطرت على محبة من له الكمال والجمال.\nثم إذا تذكر العبد- أيضًا- أن كل كمال للمخلوق يشاهده أويسمع به، فيعجبه ويحب صاحبه لا شيء أمام كمال الله -﷿- يورثه ذلك محبة الله الذي هو أولى مَنْ يُحَب وَيُجَل.\n\n<span data-type='title' id=toc-363>الأثر الرابع: الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها:</span>\nإذا علم العبد أن ربه الصمد باق دائم بعد خلقه، قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فكل شيء زائل فان، المال والمتاع والجاه والسلطة والقوة، بل والأرض ومن عليها، والسماء وما فيها ومن فيها، والكون كله ما نعلم منه وما نجهل، كله هالك إلا وجه الله الصمد الباقي المتفرد بالبقاء\n﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].\nقال ابن عباس -﵄-: «لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فأيقنت الملائكة بالهلاك» (^١).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٧/ ١٦٥).","vol":"1","page":599},{"text":"فمن عرف ذلك وتيقنه؛ زهد في الدنيا ومتاعها، وطلب الآخرة ونعيمها، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠].\nبخلاف من غفل عن ذلك أو تغافل، فألهته الدنيا بزخرفها، وصارت غايته وأكبر همه، وراح يطلبها بالمباح وبالحرام، حتى إنه ليعمل الصالحات يريد بها عرضًا من الدنيا غافلًا عن ثواب الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]، وقال -﷿-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].\nوقوله تَعَالَى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] أي: نعطيهم من متاع الدنيا ما كتب وقدر لهم في اللوح المحفوظ، لا ينقصون شيئًا منه، ولا يزيدون شيئًا منه، وإن بلغوا من الحرص عليها كل مبلغ (^١).\nوجاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، والدِّرْهَمِ، والقَطِيفَةِ، والخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (^٢).\nقال ابن حجر -﵀-: «قال الطيبي: قيل: خص العبد بالذكر؛ ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي لايجد خلاصًا …\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص ٣٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٨٦).","vol":"1","page":600},{"text":"وفيه إشارة إلى الدعاء عليه بما يثبطه عن السعي والحركة وسوغ الدعاء عليه؛ كونه قصر عمله على جمع الدنيا واشتغل بها عن الذي أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-364>الأثر الخامس: قصد الله الصمد في جميع الحاجات:</span>\nلما كان ربنا -﷿- صمد، متصف بالكمال المطلق، فلا شيء فوقه، ولا شيء يعجزه، ولا شيء يفقره؛ صمدت إليه جميع المخلوقات، وقصدته كل الكائنات، وفزع إليه العالم بأسره، أهل سمائه وأرضه، صغيره وكبيره، ذكره وأنثاه، غنيه وفقيره، مسلمه وكافره، فالكل مفتقر إليه غاية الافتقار، قاصد إياه في جميع أحواله وشؤونه في أمر دينه ودنياه وآخرته، طارق بابه في مطالبه ومساعيه الضروري منه، والحاجي، والكمالي، يسأله بلسان الحال والمقال، لا يستغني عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، إليه وحده المفر، وفيه المرغب والمطمع، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\nفهؤلاء الملائكة صمدوا إليه، فسألوه لأهل الإيمان، كما قال تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٧، ٨] الآيات.\nوهؤلاء الأنبياء والمرسلين صمدوا إليه في مختلف أحوالهم، فسألوه في حال عبادتهم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].\n_________\n(^١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لابن حجر (١١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":601},{"text":"وسألوه في حال تقصيرهم وخطئهم، قال تَعَالَى عن آد -﵇- م: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال تَعَالَى عن موسى -﵇- لما قتل القبطي: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].\nوسألوه في حال كربهم وشدتهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].\nوسألوه في حال نعمته عليهم، كما قال سُبْحَانَهُ عن سليمان -﵇-: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].\nوسألوه ما يتعلق بالآخرة، كما قال سُبْحَانَهُ عن إبراهيم -﵇-: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾\n[الشعراء: ٨٥ - ٨٧].\nوصمد إليه كذلك عباده الصالحون، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]، وقال: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].\nبل وصمد إليه الكافرون المشركون، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ","vol":"1","page":602},{"text":"وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\nوكل هذا يوجب للعبد ألا يلجأ إلا لربه الصمد، ولا يطلب حاجته إلا منه، ولا تكون استعانته إلا به، ولا يكون توكله إلا عليه؛ كما قال -ﷺ- لا بن عباس -﵄- معلمًا ولغيره من الأمة: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (^١) (^٢).\nفتجد المؤمن يصمد إلى ربه الصمد، فيرفع حوائجه إليه، ولا يشكو فاقته إلا إليه، ويتعلق به، ويتضرع إليه، ويرفع كفيه إليه يناديه ويناجيه، فما يلبث إلا ودعاؤه مجاب، وفاقته مسدوده، وحاجته مقضيه، كما جاء عن ابن مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، أَوْشَكَ الله لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧١٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٠٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٦٤٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٥).","vol":"1","page":603},{"text":"ولا يقتصر في سؤاله على مطالب الدنيا، بل يضم إلى ذلك مطالب الدين والآخرة؛ فيقصد ربه الصمد بسؤال الهداية والإعانة على الطاعة، والمغفرة والرحمة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار ونحو ذلك؛ كما جاء في حديث محجن بن الأدرع «أن رسول الله -ﷺ- دخل المسجد فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (^١).\nويقصده- أيضًا- بالاستغفار والتوبة عند الوقوع في المعصية، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آلعمران: ١٣٥]، وجاء عن أنس -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قَالَ الله -﵎-: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-365>الأثر السادس: عدم قصد المخلوق بالسؤال:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله (الصمد) وما فيه من الترغيب في قصد بابه، باب من بيده مقاليد كل شيء، باب من هو على كل شيء قدير، باب الكريم\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٠).","vol":"1","page":604},{"text":"الجواد الذي يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج والنوائب والمزعجات، ويحب أن يتضرع إليه في الشدائد والكربات والملمات، ويحب أن يستغاث به في المصاعب والمشقات، ويحب الإلحاح في السؤال والدعاء، ويغضب على من لا يسأله، ويدعو عباده لسؤاله: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وهو عند حاجة خلقه، ولديه تفريج كربهم، السميع لندائهم، العليم بحالهم، واسع الرحمة والرأفة والحنان والكرم، عظيم القدرة والعزة والسلطان (^١).\nثم نظر متأملًا في المخلوق وما فيه من الفقر والعجز والشح والكره للسؤال والإلحاح فيه، والرغبة في عدمه؛ دعاه هذا إلى الزهد في سؤال المخلوق وقصد بابه، وقطع تعلق القلب به وإن عظم جاهه وعلا منصبه، ولهذا قال وهب بن منبه -﵀- لرجل كان يأتي الملوك: «ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك؟!» (^٢).\nوقال عطاء -﵀-: «قال لي طاوس: يا عطاء، لا تُنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه، وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوه، وضمن لك أن يستجيب لك، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٣٠، ٩٣٧)، الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٧٥).\n(^٢) صفة الصفوة، لابن الجوزي (١/ ٤٥٤).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٤٥٤).","vol":"1","page":605},{"text":"ودخل هشام بن عبدالملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبدالله، فقال له: يا سالم سلني حاجة، فقال له: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله، فلما خرج خرج في أثره، فقال له: الآن قد خرجت، فسلني حاجة، فقال له سالم: حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: بل من حوائج الدنيا، فقال له سالم: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها (^١).\nومن هنا كان سؤال المخلوق مذمومًا، ووبالًا على صاحبه يوم القيامة إن كان من غير حاجة؛ فعن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (^٢).\nوقد تكفل رسول الله -ﷺ- بالجنة لمن ترك السؤال، فعن ثوبان -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَكَفَّلَ لِى أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل الناس شيئًا» (^٣)، فحري بالعبد أن يزهد في سؤالهم، ويرغب في باب ربه الصمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-366>الأثر السابع: دعاء الله باسمه الصمد:</span>\nإن يقين العبد باسم الله «الصمد» الذي تصمد إليه الخلائق كلها، وتقصده بالدعاء في الشدائد والمسرات ومختلف الأحوال، يدعو العبد إلى قصد باب\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٣٥٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٤٠).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٨٠٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٦٤٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٨٣٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٣).","vol":"1","page":606},{"text":"الصمد، والتضرع إليه بالدعاء والسؤال، ولا سيما باسمه الصمد؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى:\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nولا سيما- أيضًا- بما ورد في السنة مما هو مظنة الإجابة؛ فعن محجن بن الأدرع -﵁-، «أن رسول الله -ﷺ- دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا (^١).\nوعن عبدالله بن بريدة، عن أبيه -﵁-، قال: «سمع النبي -ﷺ- رجلًا، يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله -ﷺ-: لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀- في هذا الدعاء: «فهذا توسل إلى الله بتوحيده، وشهادة الداعي له بالوحدانية، وثبوت صفاته المدلول عليها باسم الصمد … وبنفي التشبيه والتمثيل عنه، بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة، والتوسل بالإيمان بذلك» (^٣).\nفاللهم إنا نسالك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لنا ذنوبنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٤٧).","vol":"1","page":607},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>الظَّاهر والباطنُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-368>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-369>أولًا: المعنى اللغوي لاسم (الظاهر):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الظهر: خلاف البطن، وقولهم: لا تجعل حاجتى بظهر، أي: لا تنسها» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، من ذلك: ظهر الشيء يظهر ظهورًا فهو ظاهر؛ إذا انكشف وبرز، ولذلك سمي وقت الظهر والظهيرة، وهو أظهر أوقات النهار وأضوؤها، والأصل فيه كله: ظهر الإنسان، وهو خلاف بطنه، وهو يجمع البروز والقوة …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-370>ثانيًا: المعنى اللغوي لاسم (الباطن):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «البطن: خلاف الظهر» (^٣).\nقال ابن فارس -﵀-: «الباء والطاء والنون أصل واحد لا يكاد يخلف، وهو إنسي الشيء والمقبل منه، فالبطن خلاف الظهر، تقول: بطنت الرجل: إذا\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٢٩٣).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ٤٧١).\n(^٣) الصحاح (٥/ ٣٥٧).","vol":"1","page":608},{"text":"ضربت بطنه، قال بعضهم: إذا ضربت موقرًا فابطن له، وباطن الأمر دخلته، خلاف ظاهره، والله تَعَالَى هو الباطن؛ لأنه بطن الأشياء خبرًا، تقول: بطنت هذا الأمر: إذا عرفت باطنه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-371>ورود اسم الله (الظاهر والباطن) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الظاهر والباطن) في كتاب الله مرة واحدة، وهي: قول الله -﷿-: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-372>ورود اسم الله (الظاهر والباطن) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الظاهر والباطن) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (^٢).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (١/ ٢٥٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧١٣).","vol":"1","page":609},{"text":"<span data-type='title' id=toc-373>معنى اسم الله (الظاهر والباطن) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nأولًا: معنى اسم «الظاهر» في حقه تعالى:\nيدور معنى اسم الله «الظاهر» في حقه تَعَالَى حول علو الله تَعَالَى وفوقيته، وأحسن التفسيرات للمعنى وأكملها ما قاله النبي -ﷺ-: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (^١).\nومن أقوال العلماء في ذلك:\nقال الطبري -﵀-: «وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «اسمه (الظاهر) من لوازمه: أن لا يكون فوقه شيء، كما في الصحيح عن النبي -ﷺ-: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (^٣)؛ بل هوسُبْحَانَهُ فوق كل شيء، فمن جحد فوقيته سُبْحَانَهُ فقد جحد لوازم اسمه الظاهر، ولا يصح أن يكون الظاهر هو من له فوقية القدر فقط، … مقابلة الاسم بـ «الباطن»، وهو الذي ليس دونه شيء، كما قابل الأول الذي ليس قبله شيء، بـ «الآخر» الذي ليس بعده شيء» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «والظاهر: يدل على عظمة صفاته، واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات، وعلى علوه» (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) تفسير ابن جرير (٢٢/ ٣٨٥).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ٥٥).\n(^٥) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ١٧٠).","vol":"1","page":610},{"text":"وقد ذكره ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوالظَّاهِرُ العَالِي الَّذِي مَا فَوْقَهُ\nشَيْءٌ كَما قَدْ قَالَ ذُو البُرْهَانِ\nحَقًّا رَسُولُ اللهِ ذَا تَفْسِيرُهُ\nوَلَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِضَمَانِ\nثانيًا: معنى اسم الله «الباطن» في حقه تعالى:\nأحسن التفاسير وأكملها ما قاله النبي -ﷺ-: «وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» (^١).\nقال الطبري -﵀-: «﴿وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «الباطن هو العالم ببطانة الشيء، يقال: بطنت فلانًا وخبرته، إذا عرفت باطنه وظاهره، والله تَعَالَى عارف ببواطن الأمور وظواهرها، فهو ذو الظاهر وذو الباطن» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «والباطن: يدل على اطلاعه على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا، ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه ودنوه، ولا يتنافى الظاهر والباطن؛ لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت؛ فهو العلي في دنوه القريب في علوه» (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٨٥).\n(^٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٦١).\n(^٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ١٧٠).","vol":"1","page":611},{"text":"اقتران اسم الله (الظاهر والباطن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله الظاهر والباطن إلا باسم الله الأول الآخر، وذلك في آية واحدة، وهي قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقد تقدم بيان مناسبة الاقتران في اسمي الله الأول والآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الظاهر والباطن):</span>\n<span data-type='title' id=toc-375>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الظاهر والباطن) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nإن مدار هذين الاسمين على بيان إحاطة الرب بكل شيء، فقد أحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، فالله سُبْحَانَهُ هو العليم، الخبير، المحيط، المطلع على خفايا الأمور وأسرارها، العلي الأعلى المتعال، فهو مع كمال علوه على عرشه قريب من خلقه، محيط بهم، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنًا؛ بل الباطن له ظاهر والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، تستوي في علمه الأمور، يقول تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، يستوي عنده من هو مختف في قعر داره، ومن هو سائر في سربه طريقه في بياض النهار وضيائه، فعلم الله يتعقب كل فرد من بين يديه ومن خلفه، ويقيد عليه كل شاردة وكل واردة آناء الليل وأطراف النهار، يقول تَعَالَى","vol":"1","page":612},{"text":"في معرفته ببواطن الأمور وخفاياها مع علوه سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].\nفهو سُبْحَانَهُ المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، ويعلم أحواله، وما يسره، ويوسوس في صدره، فهو أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان (^١).\nفـ «الظاهر» سُبْحَانَهُ هو المدرك بالعقول والدلائل الدالة عليه، والأفعال المؤدية إلى العلم به ومعرفته، وهو الباطن سُبْحَانَهُ غير المشاهد، كسائر الأشياء المشاهدة في الدنيا تَعَالَى الله عزوجل عن ذلك علوًّا كبيرًا، يظهر ويتجلى لبصائر المتفكرين، ويحتجب عن أبصار الناظرين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].\nومن آمن باسمي الله «الظاهر» و«الباطن»؛ تعلق قلبه بالله، وشهد وجود الله محيطًا به في كل لحظة من لحظات حياته، وأخلص له في توحيده بألوهيته وربوبيته، حتى يصل لمقام الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإن الله يراه.\nوكما أن اسمي الله «الظاهر» و«الباطن» دالان على الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله العليم، والمحيط، والقدير، والعلي، والقريب، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n_________\n(^١) انظر: تفسير السعدي (ص: ٨٠٥).","vol":"1","page":613},{"text":"<span data-type='title' id=toc-376>الأثر الثاني: الثقة بنصر الله لدينه:</span>\nمن علم أن الله هو «الظاهر» الغالب؛ علم أنه ناصر لدينه على جميع الأديان بعز عزيز أو بذل ذليل، يقول تَعَالَى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، ويقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣].\nفأهل هذا الدين منصورون غالبون عالون، ويتفاوت نصرهم وعلوهم بقدر ما معهم من الإيمان قولًا وعلمًا وعملًا ظاهرًا وباطنًا، فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].\nوقد أطال ابن القيم -﵀- في ذكر الحكمة من ظهور الكفار في بعض الأحيان، وذكر أصولًا كثيرة، منها:\n«.... الأصل الثاني: أن ما يصيب المؤمنين في الله تَعَالَى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم الرضا فمعولهم على الصبر، وعلى الاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته؛ فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل المشاق والبلاء، والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهائم، وقد نبه تَعَالَى على ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]؛ فاشتركوا في الألم، وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تَعَالَى.","vol":"1","page":614},{"text":"الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم، وكسرهم لهم أحيانًا، فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله -﷿-.\nفمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم، وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا.\nولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارةً، وكونهم مغلوبين تارةً؛ فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له، وتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.\nومنها: أنهم لو كانوا دائمًا منصورين، غالبين، قاهرين؛ لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائمًا لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة، وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه.\nومنها: أنه سُبْحَانَهُ يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سُبْحَانَهُ على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها؛ كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد،","vol":"1","page":615},{"text":"والجوع والعطش، والتعب والنصب، وأضدادها، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.\nومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم، ويخلصهم، ويهذبهم؛ كما قال تَعَالَى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤١]» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-377>الأثر الثالث: استشعار قرب الله الخاص من عباده المؤمنين:</span>\nولأنه سُبْحَانَهُ «الباطن» الذي ليس دونه شيء، فهو سُبْحَانَهُ أقرب إلى كل شيء، ومن أعظم ثمرات الإيمان به سُبْحَانَهُ: استشعار قرب الله الخاص من عباده المؤمنين.\nيقول ابن القيم -﵀-: «وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nومن رام هذا القرب سعى لتحصيل أسبابه (^٢)، فهو القريب سُبْحَانَهُ لمن دعاه ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وهو القريب سُبْحَانَهُ ممن\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٨٧).\n(^٢) ستأتي مفصلة في اسم الله «القريب» سُبْحَانَهُ.","vol":"1","page":616},{"text":"أحسن ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، فوجد الخبر، وهو: «قريب» عن لفظ الرحمة، وهي مؤنثة؛ إيذانًا بقربه تَعَالَى من المحسنين، فكأنه قال: إن الله برحمته قريب من المحسنين.\nوأقرب الهيئات إلى الله: السجود له، وفي الصحيح عن النبي -ﷺ-، قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (^١)، وأقرب الأوقات له سُبْحَانَهُ جوف الليل، «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخر» (^٢)، فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون، وفى الصحيح من حديث أبي موسى -﵁-، أنهم كانوا مع النبي -ﷺ- في سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ، فإنكم لا تَدْعُونَ أَصمَّ وَلا غاَئِبًا، إِنَّه معكم سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تباركَ اسمُه وتعالى جدُّه» (^٣)، فهذا قربه من داعيه وذاكره، يعنى: فأي حاجة بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت؛ فإنه سميع قريب، وهذا القرب هو من لوازم المحبة، فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر، والتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرًا ليس فوقه شيء.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٩)، والنسائي، رقم الحديث: (٥٧١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٩).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type='title' id=toc-378>الأثر الرابع: محبة الله الظاهر والباطن سُبْحَانَهُ:</span>\nيقول الإمام ابن القيم -﵀- تَعَالَى في طريق الهجرتين: «… والمقصود: أن التعبد باسمه (الظاهر) يجمع القلب على المعبود، ويجعل له ربًّا يقصده، وصمدًا يصمد إليه في حوائجه، وملجأً يلجأ إليه، فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسمه (الظاهر) استقامت له عبوديته، وصار له معقل وموئل يلجأ إليه، ويهرب إليه، ويفر في كل وقت إليه … وأما التعبد باسمه (الباطن) فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقرب البعيد منه، وظهور البواطن له، وبدو السرائر وأنه لا شيء بينه وبينها؛ فعامِله بمقتضى هذا الشهود، وطهِّر له سريرتك؛ فإنها عنده علانية، وأصلِح له غيبك؛ فإنه عنده شهادة، وزكِّ له باطنك؛ فإنه عنده ظاهر» (^١)، ومَن فَقه ما تقدم أحبَّ «الظاهر» الباطن سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-379>الأثر الخامس: الشوق لرؤية الله تعالى، والعمل له:</span>\nإيماننا بأنه سُبْحَانَهُ «الباطن» الذي لا تدركه أبصار خلقه في الدنيا، تجعلنا نسعى لرؤيته سُبْحَانَهُ في الآخرة، عند البخاري من حديث جرير بن عبد الله -﵁-، قال -ﷺ-: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَالَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» (^٢).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٣) واللفظ له.","vol":"1","page":618},{"text":"ومن تلك الأسباب التي توصل لرؤية الله في الآخرة:\nالمحافظة على صلاة العصر والفجر في وقتها، فعن جرير بن عبدالله -﵁-، قال: «كنا عند النبي -ﷺ- إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَالَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» (^١).\nالإحسان، يقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله -ﷺ- والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب -﵁- قال: «قرأ رسول الله -ﷺ-: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ -﵎-: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -﷿-» (^٢).\nاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، وأن تجعلنا من عبادك السابقين، وأوليائك الصالحين.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨١).","vol":"1","page":619},{"text":"<span data-type='title' id=toc-380>الأثر السادس: ترك الذنوب والمعاصي في السر والعلن:</span>\nمن آمن بالظاهر والباطن سُبْحَانَهُ، ترك ظاهر الإثم وباطنه، يقول تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، قال مجاهد -﵀-: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ المعصية في السر والعلانية، وفي رواية عنه: هو ما ينوي مما هو عامل، وقال قتادة -﵀-: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أي: سره وعلانيته قليله وكثيره (^١).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «المراد بالإثم: جميع المعاصي التي تؤثم العبد، أي: توقعه في الإثم والحرج من الأشياء المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده، فنهى الله عباده، عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن، أي: السر والعلانية، المتعلقة بالبدن والجوارح والمتعلقة بالقلب، ولا يتم للعبد ترك المعاصي الظاهرة والباطنة إلا بعد معرفتها، والبحث عنها، فيكون البحث عنها ومعرفة معاصي القلب والبدن والعلم بذلك واجبًا متعينًا على المكلف، وكثير من الناس تخفى عليه كثير من المعاصي، خصوصًا معاصي القلب، كالكبر والعجب والرياء، ونحو ذلك، حتى إنه يكون به كثير منها، وهو لا يحس به ولا يشعر، وهذا من الإعراض عن العلم، وعدم البصيرة.\nثم أخبر تَعَالَى أن الذين يكسبون الإثم الظاهر والباطن، سيجزون على حسب كسبهم، وعلى قدر ذنوبهم، قلت أو كثرت، وهذا الجزاء يكون في الآخرة، وقد يكون في الدنيا، يعاقب العبد، فيخفف عنه بذلك من سيئاته» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٢٧١).","vol":"1","page":620},{"text":"<span data-type='title' id=toc-381>الأثر السابع: قمع وساوس الشيطان المهلكة للإنسان:</span>\nفي اسم الله الظاهر والباطن جماع المعرفة بالله وجماع العبودية له، كما أن فيها قمعًا للوساوس المهلكة، والشكوك المردية التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان؛ بغية إهلاكه وصرفه عن الإيمان.\nوقد بين لنا ابن عباس -﵄- العلاج من وساوس الشيطان، عن أبي زميل سماك بن الوليد -﵀- قال: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ. قَالَ: فَقَالَ لِي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ وَضَحِكَ قَالَ: مَا نَجَا أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ -﷿- ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآية، قَالَ: فَقَالَ لِي: إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]» (^١)، فأرشد -﵁- إلى هذا الذكر الحكيم لطرد الوساوس، وقطع الشكوك.\nيقول ابن القيم -﵀-: «فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء، كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء، كما أن ظهوره هو العلو الذي ليس فوقه شيء، وبطونه هو الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شيء، ولو كان قبله شيء يكون مؤثرًا فيه لكان ذلك هو الرب الخلاق، ولا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق وغني عن غيره، وكل شيء فقير إليه قائم بنفسه، وكل شيء قائم به موجود بذاته، وكل شيء موجود به.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥١١٠)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٦١٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥١١٠).","vol":"1","page":621},{"text":"قديم لا أول له، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه باق بذاته، وبقاء كل شيء به فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-382>الأثر الثامن: التقرب للباطن سُبْحَانَهُ بخبيئة لا يعلمها غيره.</span>\nالباطن سُبْحَانَهُ يحب أن يكون لعبده خبايا من أعمال صالحة يتقرب بها إليه، يقول ابن القيم -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]: «فأخبر أن إعطاءها للفقير في خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها، وتأمل تقييده تَعَالَى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: (وإن تخفوها فهو خير لكم)، فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء نهر أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد؛ الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن يده هى اليد السفلى، وأنه فقير لا شيء له، فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيرًا من إظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبي -ﷺ- صدقة السر وأثنى على فاعلها، وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة» (^٢)، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ\n_________\n(^١) زاد المعاد (٢/ ٤٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٣١).","vol":"1","page":622},{"text":"العَبْدَ التَّقِيَّ، الغَنِيَّ، الخَفِيَّ» (^١)، وفي الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-383>الأثر التاسع: الدعاء باسم الله الظاهر والباطن:</span>\nعن أبي هريرة -﵁-، قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (^٣).\nاللهم يا من أظهر الجميل وستر القبيح، نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٥).\n(^٢) أخرجه الضياء في المختارة، رقم الحديث: (٨٨٣)، والخطيب في تاريخ بغداد، رقم الحديث: (٦٠٢٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٦٠١٨).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٣).","vol":"1","page":623},{"text":"<span data-type='title' id=toc-384>العزيزُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-385>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «العز: خلاف الذل .. والاسم: العزة، وهي القوة والغلبة» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(عز): العين والزاي أصل صحيح واحد، يدل على شدة وقوة وما ضاهاهما من غلبة وقهر، قال الخليل: العزة لله جل ثناؤه، وهو من العزيز» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-386>ورود اسم الله (العزيز) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (العزيز) في كتاب الله اثنتين وتسعين مرة، ومن وروده ما يلي:\nقوله -﷾-: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nقوله -﷾-: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤].\nقوله -﷾-: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ٨٨٥ - ٨٨٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٣٨).","vol":"1","page":624},{"text":"<span data-type='title' id=toc-387>ورود اسم الله (العزيز) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم (العزيز) في السنة النبوية، ومن وروده يلي:\nعن عائشة -﵂-، قالت: «كان النبي -ﷺ- إذا تضور- أي: تقلب- من الليل قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (^١).\nجاء أعرابي إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: «علمني كلامًا أقوله، قال: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، واهْدِنِي وارْزُقْنِي» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-388>معنى اسم الله (العزيز) في حق الله تعالى:</span>\nالعزيز الذي له العزة بجميع معانيها، قال تَعَالَى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] عزة القوة، وعزة القهر والغلبة، وعزة الغنى والامتناع.\nوحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء -﵏-:\nقال قتادة -﵀-: «(العزيز) أي: في نقمته إذا انتقم» (^٣).\nقال الطبري -﵀-: «(العزيز) في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٥٣٠)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٠٦٦).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٦).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٥٤).","vol":"1","page":625},{"text":"أحد يدفعه عنه» (^١)، وقال أيضًا: «القوي الذي لا يعجزه شيء أراده» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «والله تَعَالَى هو الغالب كل شيء، فهو العزيز الذي ذل لعزته كل عزيز» (^٣).\nقال الخطابي -﵀-: «العزيز: هو المنيع الذي لا يغلب» (^٤).\nوالعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى الغلبة … والثاني: بمعنى الشدة والقوة … والوجه الثالث: أن يكون بمعنى: نفاسة القَدْر، يقال منه: عز الشيء يعز- بكسر العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له، ولا نظير» (^٥).\nقال الحليمي -﵀-: «الذي لا يوصل إليه ولا يمكن إدخال مكروه عليه» (^٦).\nقال القرطبي -﵀-: «(والعزيز) معناه: المنيع الذي لا ينال ولا يغالب» (^٧).\nقال ابن كثير -﵀-: «(العزيز) أي: الذي قد عز كل شيء فقهره وغلب الأشياء؛ فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه» (^٨).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٩/ ١٣٩).\n(^٢) تفسير الطبري (٣/ ٨٨).\n(^٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣٤).\n(^٤) شأن الدعاء (ص ٤٧).\n(^٥) شأن الدعاء (١/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٦) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٥).\n(^٧) تفسير القرطبي (٢/ ١٣١).\n(^٨) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٠).","vol":"1","page":626},{"text":"قال السعدِي -﵀-: «(العزيز) الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، دانت له الخليقة وخضعت لعظمته» (^١).\nقال ابن القيمِ -﵀-:\nوَهُوَ العَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ … أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ؟!\nوَهُوَ العَزِيزُ القَاهِرُ الغَلَّابُ لَمْ … يَغْلبْهُ شَيْءٌ هَذِهِ صِفَتَانِ\nوَهُوَ العَزِيزُ بِقُوةٍ هِيَ وَصْفُهُ … فَالعِزُّ حِينَئذٍ ثَلاثُ مَعَانِ\nوَهِيَ التِي كَمُلَتْ لَهُ سُبْحَانَهُ … مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَادِمِ النُّقْصَانِ (^٢)\nاقتران اسم الله (العزيز) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nاقترن اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) بأسمائه سُبْحَانَهُ: الغفور، الغفار، الوهاب، المقتدر، العليم، القوي، الحكيم، الرحيم، الحميد.\nأولًا: اقتران اسم الله (العزيزِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور- الغفار):\nاقترن اسم الله (العزيز) باسمه (الغفور- الغفار) في خمس مواضع من كتاب الله، في موضعين اقترن بالغفور، وفي ثلاث اقترن بالغفار، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).\n(^٢) النونية، (ص: ٢٠٥).","vol":"1","page":627},{"text":"وجه الاقتران:\nأن الله -﷿- العزيز الغالب لكل شيء، قادر على أن يأخذ عباده بذنوبهم، ولكنه سُبْحَانَهُ غفور رحيم عن عزة وقدرة، لا عن ضعف وعجز؛ فهو كامل في عزته، وكامل في مغفرته.\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (الوهاب):\nاقترن اسم الله (العزيز) باسمه الوهاب في قوله تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩] للدلالة على أن تصرفه التام في صنوف العطاء المادي والمعنوي لا ينازعه فيه منازع، ولا يغالبه فيه مغالب، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينوب عنه نائب، ولا يصل عطاء من معط إلى معطًى إلا بإذنه سُبْحَانَهُ، فعزته متضمنة الإنعام على خلقه، والتفضل عليهم، وتفضله وإنعامه سُبْحَانَهُ صادران عن عزة وقدرة وغنًى وتفضل، لا لجلب نفع أو دفع ضر.\nثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (المقتدر):\nاقترن اسم الله (العزيز) باسمه المقتدر في قوله تَعَالَى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]، والعزيز الظاهر الذي لا يغلب أبدًا، والمقتدر الذي لا يعجزه شيء، واقترانهما فيه معنًى زائد، وكمال آخر يفيد قوة الأخذ والعقاب.\nرابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيزِ) باسمه سُبْحَانَهُ (العليمِ):\nاقترن اسم الله (العزيز) باسمه (العليم) في خمس آيات من كتاب الله، ومن وروده ما يلي:","vol":"1","page":628},{"text":"قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨].\nوجه الاقتران:\nأن عزة الله وقهره وغلبته صادرة عن علم شامل وإحاطة تامه بكل شيء، فعزته تنفذ بعلم ومعرفة بمواطن الأمور وعواقبها، ليس كعزة وقوة المخلوق التي تنطلق في الغالب من الهوى والظلم، لا من العلم والحكمة.\nخامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (القوي):\nاقترن اسم الله (العزيز) باسمه (القوي) في سبع آيات، منها:\nقوله تَعَالَى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].\nوجه الاقتران:\nأن في اجتماعهما معنى زائد، وهو أن العزة التي يتضمنها اسم الله -﷿- (العزيز) هي عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، ووصف الله -﷿- بالقوة راجع إلى كمال عزته.\nسادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العزيز) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيمِ):\nتقدم بيانه في اسم الله الحكيم.\nسابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ العزيز باسمه «الرحيم»:\nتقدم بيانه في اسم الله «الرحيم».","vol":"1","page":629},{"text":"ثامنًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ العزيز باسمه «الحميد»:\nتقدم بيانه في اسم الله «الحميد».\n\n<span data-type='title' id=toc-389>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العزيز):</span>\n<span data-type='title' id=toc-390>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العزيز) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله العزيز الذي له العزة كلها: عزة القوة، والقهر، والغنى والامتناع، قال تَعَالَى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠].\n١ - عزة القوة:\nالله العزيز القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يلحقه ضعف ولا نصب، ولا يغلبه غالب ولا يقهره قاهر ولا يقدر عليه قادر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].\nبعزته وقوته خلق المخلوقات وسخرها لما خلقها له، فجرت مذللة مسخرة بأمره، لا تتعدى ما حده لها، ولا تتقدم عنه ولا تتأخر منقادة لعزته، خاضعة لجلاله.\nفخلق السموات والأرض في ست أيام مع عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما، قال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] (^١).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٦٦، ٤٢٤).","vol":"1","page":630},{"text":"وخلق الليل والنهار والشمس والقمر، وقدر ذلك كله على منوال عجيب لا اختلاف فيه ولا تعاكس، قال تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥] (^١).\nوخلق المتضادات التي أصلها واحد، ومادتها واحدة، وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧] (^٢).\nوبعزته وقوته -﵎- أحيا الموتى ويحيهم، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nوبعزته وقوته غلب، ويغلب أعداءه ونصر، وينصر جنده، فلا ينفع أهل القوة قوتهم، ولا أهل العزة عزتهم، فتبارك القوي العزيز (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٥٧٧).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٨٨).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٦٦٢).","vol":"1","page":631},{"text":"غلب أحزاب الكفر: قوم نوح ولوط، وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وفرعون وجنده، وجعل في ذلك كله آية وعبرة، قال تَعَالَى بعد ذكر هلكهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩٠، ١٩١].\nوغلب اليهود وما دبروه من مكائد لقتل عيسى -﵇-، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨].\nوغلب جمع الأحزاب الذين تحزبوا على رسوله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧].\nوبعزته وقوته ينصر أولياءه وإن ضعف عَددهم وعُدَدهم، وقوي عدد عدوهم وعدتهم، قال تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] (^١).\n٢ - عزة القهر:\nالله العزيز القاهر القهار الذي بعزته قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٥٤٠).","vol":"1","page":632},{"text":"المخلوقات، ودانت له البريات، فلهج الحيوان الناطق منه والصامت مسبحًا بحمده، ومنزهًا له عما لا يليق بجلاله، قال تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] (^١).\nوبعزته وقهره ينفذ حكمه وأمره في عباده، فيحكم بما يشاء ويقضي بما أراد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].\nوبعزته وقهره يعز من يشاء ويذل من يشاء، بلا معقب على حكمه، وبلا مجير عليه، وبلا راد لقضائه، فهو صاحب الأمر كله، الفعال لما يريد، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].\nأعز كتابه، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢] منيعًا من كل من أراد تحريفه أو تبديله، لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله بحفظه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nكما أعزه بحججه وكماله وشموله، قال تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، فصار حجة\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٣٧).","vol":"1","page":633},{"text":"الله على العالمين التي انقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون، فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة (^١).\nوأعز دينه وأهل طاعته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وأذل الكفر وأهل معصيته، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] (^٢).\nوأذل أعداءه وقهرهم، فانتقم وينتقم منهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤١، ٤٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤]، وقال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧].\n٣ - عزة الغنى والامتناع:\nالله العزيز الذي بعزته اغتنى بذاته، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقرون إليه، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].\nوبعزته وتمام غناه ملك خزائن كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩] ويرزق منها من يشاء من عباده، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٣)، وتفسير السعدي (ص: ٤٤٧، ٧٥٠).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٢١٠).","vol":"1","page":634},{"text":"وعزة الامتناع وهي التي بمعنى الغنى التام، والامتناع عن أن يضره أحد أو ينفعه، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي» (^١).\nوغاية الأمر: أنه العزيز الذي كمل من كل وجه، فكان له من العزة ومن كل شيء أكمله وأتمه، وبرئ من كل نقص وسوء، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] قال الشيخ السعدي -﵀-: «عز؛ فقهر كل شيء، واعتز عن كل سوء يصفونه به» (^٢).\nوقال ابن القيم -﵀-: «العزيز الذي له العزة التامة، ومن تمام عزته: براءته عن كل سوء وشر وعيب؛ فإن ذلك ينافي العزة التامة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-391>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (العزيز) على التوحيد:</span>\nإذا تعرف العبد على اسم ربه العزيز وما يتضمنه من كمال القوة، والقهر، والغنى والامتناع، وتيقن ذلك كله؛ علم أنه لا يستحق أحد كائنًا من كان أن يُعبد مع العزيز -﵎-؛ إذ كيف يسوى بين الفقير العاجز من جميع الوجوه بالغني القوي من جميع الوجوه، ومن لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بالنافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٠٩).\n(^٣) شفاء العليل (ص: ١٨٠).","vol":"1","page":635},{"text":"لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢] (^١).\nثم إن هذا لازم عزته -﵎-، فعزته تستلزم توحيده وحده لا شريك له؛ إذ الشركة تنافي كمال العزة، قال ابن القيم -﵀-: «وهذه العزة مستلزمة للوحدانية؛ إذ الشركة تنقص العزة، ومستلزمة لصفات الكمال؛ لأن الشركة تنافي كمال العزة، ومستلزمة لنفي أضدادها، ومستلزمة لنفي مماثلة غيره له في شيء منها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-392>الأثر الثالث: الثقة بإعزاز العزيز دينه:</span>\nإذا آمن العبد أن ربه العزيز الذي بيده العزة، يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا يغلبه غالب ولا يقهره قاهر، فليثق أن العزة والغلبة لدينه وأوليائه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ولا تغرنه قوة الباطل وظهوره فإنه زاهق، كما قال تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].\nتحزبت الأحزاب في الخندق، واجتمعت جيوش الكفر للقضاء على الإسلام وأهله، ثم ماذا كان؟\nمات رسول الله -ﷺ-، فارتدت جموع العرب ما خلا أهل مكة، والمدينة، والطائف، ثم ماذا كان؟ (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٤٦).\n(^٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٢٤٢).\n(^٣) ينظر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير (٢/ ٢٠١) وتاريخ الإسلام، للذهبي (٢/ ٢٠)، والبداية والنهاية، ابن كثير (٦/ ٣١١).","vol":"1","page":636},{"text":"دخل القرامطة المسجد الحرام وأخذوا الحجر الأسود، وقال قائلهم: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ومكث عندهم اثنتين وعشرين سنة، ثم ماذا كان؟ (^١).\nوفي أواخر القرن الخامس أخذ الفرنج بيت المقدس، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرًا، ثم ماذا كان؟ (^٢).\nوفي القرن السابع جاء التتار، فقتلوا حتى صار لا يقال: كم قتلوا، بل كم أبقوا؟ (^٣).\nقال ابن الأثير -﵀- في تعظيم هذا الخطب الجسيم: «فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها، ثم حثني جماعة على تسطيرها، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله إلى\n_________\n(^١) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (١١/ ١٦٠).\n(^٢) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (١٢/ ١٥٦).\n(^٣) ينظر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير (١٠/ ٣٣٣)، تاريخ الإسلام، للذهبي (٤٤/ ٣٧)، البداية والنهاية، لابن كثير (١٣/ ٨٦).","vol":"1","page":637},{"text":"الآن لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها، ومن أعظم ما يذكرون: فعل بخت نصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟!» (^١).\nقال ابن كثير -﵀- متمًّا لكلام ابن الأثير: «ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون»، (^٢) ثم ماذا كان؟\nأعز الله دينه، فولى الأحزاب، والمرتدون، والقرامطة، والفرنج وحتى التتار ولم يبق إلا الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] فلم تجد أموالهم، ولا أسلحتهم ولا قوتهم وجموعهم شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين.\nفهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قُتل منهم أو مات، فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي (^٣).\n_________\n(^١) الكامل في التاريخ، لابن الأثير (١٠/ ٣٣٣).\n(^٢) البداية والنهاية، ابن كثير (١٣/ ٨٧).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٣).","vol":"1","page":638},{"text":"فعلى المسلم أن يثق بأن العزة للإسلام وأهله، ولو بدا يومًا من الأيام ضعيفًا ذليلًا مقهورًا، فإن مصيره العزة والنصرة والغلبة.\nوقد تتابعت النصوص في تقرير هذه الحقيقة (^١)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال -ﷺ- في حديث تميم الداري -﵁-: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ (^٢) إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ»، وكان تميم -﵁- يقول: «قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالشَّرَفَ وَالْعِزَّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلَّ وَالصَّغَارَ وَالْجِزْيَةَ» (^٣).\nوالثقة بنصر الله وغلبته لدينه دأب رسل الله وأوليائه، فهذا إبراهيم الخليل -﵇- يلقى في النار، فيقول واثقًا بربه: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فجاء النصر، قال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].\n_________\n(^١) للاستزادة يراجع اسم الله «الناصر النصير».\n(^٢) المدر جمع مدرة، أي: اللبن بكسر الباء، الذي تتخذ منه بيوت المدن والقرى.\nوالوبر: شعر الإبل الذي يتخذ منه ومن نحوه الخيام بيوتًا لسكان البوادي.\nوالمعنى: أن دين الاسلام يبلغ جميع سكان الأمصار والقرى والبوادي. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، للساعاتي (١/ ٩٠).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٢٣١)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣).","vol":"1","page":639},{"text":"وهذا موسى الكليم -﵇- فرعون بعدته وعتاده وراءه والبحر أمامه، فيقول واثقًا بنصرة الله: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، فجاء النصر: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٦].\nوهذا محمد -ﷺ- يدخل الغار فارًّا من قريش، فيبلغون مبلغًا حتى لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصره -ﷺ- وصاحبه، فقال ثقة بالله: قال: «يَا أَبَا بكرٍ، ما ظَنُّكَ باثنينِ الله ثالِثُهُمَا» (^١)، فجاء نصر الله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-393>الأثر الرابع: محبة الله العزيز:</span>\nإذا تيقن العبد أن ربه العزيز الذي كمل في عزته، فاقترن معها: رحمته، وعفوه، ولطفه، وكرمه، وعلمه، وحكمته .. إلخ؛ ازداد حبًّا لربه وشوقًا إليه، لا سيما وأن القلوب فطرت على محبة من له صفات الكمال، وربنا العزيز لا أكمل منه ولا أجل -﵎-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦٥٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٨١).","vol":"1","page":640},{"text":"<span data-type='title' id=toc-394>الأثر الخامس: دعاء الله والاستعاذة بعزته:</span>\nالله العزيز الذي شرع لعباده سؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكان من هديه -ﷺ- سؤال الله بأسمائه وصفاته، ومن ذلك: عزته التي سأل الله بها وعلم أمته سؤال الله بها، فجاء في حديث ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ-، كان يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، والجِنُّ والإِنْسُ يَمُوتُونَ» (^١)، وجاء في حديث أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي هَذَا، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا» (^٢).\nوأتى عثمان بن أبي العاص -﵁- النبي -ﷺ- وبه وجع كاد يهلكه، قال: فقال رسول الله -ﷺ-: «امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ». قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ (^٣).\nفحري بالمسلم أن يسأل الله بعزته، ويتحرى ما ورد عن رسول الله -ﷺ- في ذلك؛ فإنه أعظم الدعاء وأنفعه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٨٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٧) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٨).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٥٢٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٨٩١)، حكم الألباني: صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٨٩١).","vol":"1","page":641},{"text":"<span data-type='title' id=toc-395>الأثر السادس: الاتصاف بالعزة بالدين:</span>\nإذا علم العبد أن الله سُبْحَانَهُ العزيز الذي أعز دين الإسلام وأعز أهله فأرسل خير الرسل -ﷺ- لبلاغه، وأنزل لبيانه كتابًا عزيزًا، ونصر أهله، ومكنهم حتى بلغوا مشارق الأرض ومغاربها، قال تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥].\nقاده ذلك لشعور بالعزة والأنفة، فاعتز بالدين وتمسك به في سفره وحضره أنى كان، وأثمر في نفسه التعالي على الباطل وأهله، وعدم الاستكانة لهم.\nوسيأتي في المحلق التالي تفصيل لذلك- بإذن الله-.","vol":"1","page":642},{"text":"<span data-type='title' id=toc-396>العزيز يحب العزة</span>\nفي موضوع العزة سنتطرق للمسائل التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-397>أولًا: تعريف العزة:</span>\nالعزة تنقسم إلى قسمين:\nعزة شرعية.\nعزة غير شرعية.\n\n<span data-type='title' id=toc-398>القسم الأول: العزة الشرعية:</span>\nهي العزة المرادة، ويقصد بها: العزة المرتبطة بالله تَعَالَى ودينه، فيعتز المرء بدينه ويرتفع بنفسه عن مواضع المهانة، فلا يريق ماء وجهه، ولا يبذل عرضه فيما يدنسه، ويتحرر من رق الأهواء ومن ذل الطمع، لا يسير إلا وفق ما يمليه عليه إيمانه والحق الذي يحمله ويدعو إليه.\nومصدرها: الإيمان بالله -﷿-، ولو لم توجد المقومات المادية؛ قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال لموسى -﵇- لما رأى قوة وعزة ملأ فرعون، فأصابه شيء من الخوف أو التردد، قال تَعَالَى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] أعلى بما معك من الإيمان، لا بعدتك وعتادك.","vol":"1","page":643},{"text":"وهذه العزة- العزة بالإيمان- هي العزة الحقيقة الدائمة الباقية وكل عزة تستمد من غيرها فهي باطلة مكذوبة، وعاقبتها الذل، كما قال عمر -﵁-: «نحن أمة أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-399>القسم الثاني: العزة غير شرعية:</span>\nوهي: الاعتزاز بغير الله ودينه، كالاعتزاز بالقبلية، والقومية، والعروبة، والجاه ونحو ذلك، وهذه العزة صورها متعددة، وقد جاءت النصوص بشيء منها، وبينت أن عاقبتها الذل والهوان، ومن تلك الصور:\n- الاعتزاز بالكفار وما يظهرونه من قوة، قال تَعَالَى عن المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩].\n- الاعتزاز بالآباء والأجداد والقبيلة، قال تَعَالَى عن قوم شعيب: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩١، ٩٢].\n- الاعتزاز بالمال، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] فكان عاقبته الذل والندامة، قال تَعَالَى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٢، ٤٣].\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٢٠٧)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٦٤).","vol":"1","page":644},{"text":"- الاعتزاز بالجاه والسلطان، قال تَعَالَى عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] فكانت نتيجة هذه العزة: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥، ٥٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-400>ثانيًا: مظاهر العزة الشرعية:</span>\nمظاهر هذه العزة عديدة، ومنها:\n١ - التمسك بالدين والثبات عليه ولو قل السالكون؛ فقد قال -ﷺ-: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاَء» (^١).\n٢ - قول الحق وفعله من غير أن يخشى في الله لومة لائم، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].\n٣ - إظهار شعائر الله من غير حياء ولا خجل، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، ولا شك أن من تعظيمها القيام بها على أتم وجه من غير شعور بخجل أو حياء.\n٤ - التحدث باللغة العربية؛ إذ هي مظهر من مظاهر الدين وشعائره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٤٥).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (١/ ٥١٩).","vol":"1","page":645},{"text":"٥ - الدعوة للإسلام والتمسك به، قال تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].\n٦ - ترك مشابهة الكفار في الظاهر والباطن، كما قال -ﷺ- محذرًا من ذلك: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^١).\n٧ - عدم الخضوع والذلة للباطل وأهله، حتى حال الهزيمة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال أبناء عامر بن صعصعة لرسول الله -ﷺ-، حينما كان يعرض نفسه على القبائل في بداية الدعوة: نبايعك على أن تجعل لنا الملك من بعدك، فقال لهم -ﷺ-: «الأَمْرُ إِلَى اللهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (^٢).\nولم يُذَلَّ المسلمون في أُحُد رغم انهزامهم، بل أظهروا العزة والقوة، فهذا أبو سفيان يقول: «أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللهِ يَا عَدُوَّ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ. قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥٢٠٩)، وأبو داود (٤٠٣١)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود (٤٠٣١).\n(^٢) ينظر: الرحيق المختوم، للمباركفوري (ص: ١١٨).","vol":"1","page":646},{"text":"قَالَ: قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَلَا تُجِيبُوا لَهُ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-401>ثالثًا: وسائل تحقيق العزة:</span>\nالله العزيز الذي بيده العزة، يهبها من يشاء وينزعها ممن يشاء، وقد جعل لها سُبْحَانَهُ أسبابًا، يستطيع المرء من خلالها تحصيلها بإذن الله، منها:\nالإيمان بالله وطاعته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، قال ابن القيم -﵀-: «أي: فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته، وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك» (^٢).\nوعلى قدر الإيمان والطاعة تكون العزة، قال ابن القيم -﵀-: «للعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علمًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا» (^٣).\nوقد نص الله في كتابه على وسائل تحصيل العزة، فقال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠٣٩).\n(^٢) الداء والدواء (١/ ١٤٦).\n(^٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (٢/ ١٨١).","vol":"1","page":647},{"text":"«أي: يا من يريد العزة، اطلبها ممن هي بيده، فإن العزة بيد الله، ولا تنال إلا بطاعته، وقد ذكرها بقوله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل وكل كلام حسن طيب» (^١).\nالإيمان باليوم الآخر، وذلك أن العبد إذا تيق فناء الدنيا لم يذل نفسه لأجل تحصيل متاعها، ولم يتحسر على فواتها، ولا يحزن على فراق لذاتها، قال تَعَالَى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩].\nالعلم الشرعي الصحيح؛ قال تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].\nقال ابن القيم -﵀-: «إن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة مالا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفًا، ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك … قال أبو العالية: كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش، فيأخذ بيدي، فيجلسني معه على السرير، فتغامز بي قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: كذا هذا العلم، يزيد الشريف شرفًا، ويجلس المملوك على الأسرة» (^٢).\nكتاب الله -﷿- علمًا وعملًا وتلاوة وحفظًا؛ فعن أبي الطفيل عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ - وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ - فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٨٥)\n(^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ١٦٤ - ١٦٥).","vol":"1","page":648},{"text":"لِكِتَابِ اللهِ -﷿- وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ -﵁-: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -ﷺ- قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^١).\nالجهاد في سبيل الله بشروطه؛ فإن تركه سبب للذلة، كما جاء في الحديث عن ابن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (^٢).\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقد جعله الله سببًا لعزة الأمة وتكريمها، قال تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nالعفو مع القدرة على الانتقام ممن اعتدى عليه عليه وأخطأ في حقه.\nالتواضع وعدم التعالي والكبر.\nفعن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ» (^٣).\nقال النووي -﵀-: «(وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا) فيه- أيضًا- وجهان، أحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عرف بالعفو والصفح ساد عظم في القلوب وزاد عزه وإكرامه، والثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨١٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٤٦٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٤٦٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٨).","vol":"1","page":649},{"text":"قوله -ﷺ-: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ» فيه أيضًا وجهان، أحدهما: يرفعه في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه، والثاني: أن المراد: ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا، قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة معروفة، وقد يكون المراد الوجهين معًا في جميعها في الدنيا والآخرة» (^١).\nالصبر على الظلم ولو كان فيه ذل له؛ فعن أبي كبشة الأنماري -﵁-، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا، إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ، إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» (^٢).\nالاستغناء عن الناس وترك سؤالهم؛ قال تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ -﵇- إِلَى النَّبِيِّ ﵌، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ «ثُمَّ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ شَرَفُ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (^٣).\nوقد ربى رسول الله -ﷺ- أصحابه على ذلك؛ فقال لأبي ذر -﵁-: «لَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا» قلت: نعم، قال: «وَلَا سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ مِنْكَ، حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤١).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم الحديث: (٨٠١٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٧٣).","vol":"1","page":650},{"text":"فَتَأْخُذَهُ» (^١) وعن ثوبان -﵁-، قال: قال رسول الله: «مَنْ يَكْفُل لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، فَأَتَكَفَّل لَهُ بالجَنَّةِ؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا» (^٢)، وقال -ﷺ-: «اسْتَغْنُوا عَنِ النَّاسِ وَلَوْ بِشَوْصِ سِوَاكٍ» (^٣).\nوذلك كله؛ لأن السؤال فيه ذلة، والمسلم مطالب بالعزة؛ فعن سمرة بن جندب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ (^٤) يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا» (^٥)، فسائل الناس يسعى بسؤاله إلى ذهاب عرضه وإراقة ماء وجه وذله، ومن أراد بقاء عزه وماء وجهه ترك السؤال وتعفف وسيغنيه الله (^٦).\n١١ - سؤال الله العزة والتعلق به في تحصيلها دون خلقه؛ فإن العزة جميعها ملك لله، وليس شيء منها عند أحد سواه، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، فمن أرادها طلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، فالخلق كلهم ليسوا مصدرًا للعزة، ولا يملكون أن يعطوها أحدًا أو\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٩٠٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٧٣٠٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٦٤٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٣).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٣٢٥١)، والبزار (٤٨٢٤ - البحر الزخار). حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: ٩٤٧.\n(^٤) كدوح من الكدح، بمعنى: الجرح أو هي آثار الخموش. عون المعبود وحاشية ابن القيم (٥/ ٣٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٦٣٩)، حكم الألباني: صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (١٦٣٩).\n(^٦) ينظر: عون المعبود وحاشية ابن القيم، (٥/ ٣٤).","vol":"1","page":651},{"text":"يمنعوها، وإن كانت لهم قوة فمصدرها الله -﷿-، وإن كانت لهم منعة فواهبها الله -﷿-، فكيف بعد هذا يتوجه إلى الآخذ المستمد لها من الله وهم مثله طلاب محاويج ضعاف؟!\nإلهنا، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، تعز من من تشاء\nوتذل من تشاء، أعزنا يا عزيز بدينك.","vol":"1","page":652},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>العظيمُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-403>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «عظم الشيء عظمًا: كبر، فهو عظيم، والعُظَام بالضم مثله، وعظم الشيء: أكثره ومعظمه» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(عظم) العين والظاء والميم أصل واحد صحيح يدل على كبر وقوة، فالعظم: مصدر الشيء العظيم، تقول: عظم يعظم عظمًا، وعظمته أنا، فإذا عظم في عينيك قلت: أعظمته واستعظمته، ومعظم الشيء: أكثره» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-404>ورود اسم الله (العظيمِ) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم (العظيمِ) تسع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقوله -﷿-: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nقوله -﷿-: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤].\nقوله -﷿-: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦].\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ٢٦٥).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٢٨٩).","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-405>ورود اسم الله (العظيمِ) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (العظيمِ) في السنة النبوية، ومن وروده مايلي:\nعن حذيفة -﵁-، قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ! فَمَضَى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا! ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا. يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ. ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ …» (^١).\nوعن ابن عباس -﵄-، قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو عند الكرب، يقول: لا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ» (^٢).\nوقال -ﷺ-: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-406>معنى اسم الله (العظيمِ) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀-: «قالوا: فقوله (العظيم) معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه .... وقال آخرون: بل تأويل قوله: (العظيم) هو أن له عظمة هي له صفة، وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، … وقال آخرون: بل قوله: إنه (العظيم) وصف منه نفسه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٦).","vol":"2","page":4},{"text":"بالعظم، وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر؛ لصغرهم عن عظمته» (^١).\nقال الزجاجي -﵀-: «(العظيم): ذو العظمة والجلال في ملكه وسلطانه» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «العظيم هو ذو العظمة والجلال، ومعنى العظم في هذا منصرف إلى عظم الشأن، وجلالة القدر» (^٣).\nقال الأصبهاني -﵀-: «العظمة صفة من صفات الله -﷾-، لا يقوم لها خلق، والله تَعَالَى خلق بين الخلق عظمةً يعظم بها بعضهم بعضًا، فمن الناس من يعظَّم لمال، ومنهم من يعظَّم لجاه، وكل واحد من الخلق إنما يعظَّم بمعنى دون معنى، والله -﷿- يعظَّم في الأحوال كلها» (^٤).\nقال ابن الأثير -﵀-: «(العظيم) هو الذي جاوز قدره تَعَالَى حدود العقول، حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته» (^٥).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «(العظيم) الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء، والمجد والبهاء الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء، وإن جلت في الصفة؛ فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم» (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٥/ ٤٠٦).\n(^٢) اشتقاق أسماء الله، للزجاجي (ص: ١١١ - ١١٢).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٦٤).\n(^٤) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٤١).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٥٩).\n(^٦) الحق الواضح المبين (ص: ٢٧ - ٢٨).","vol":"2","page":5},{"text":"قال ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ العَظِيمُ بِكُلِّ مَعْنًى يُوجِبُ التَّـ … ـعْظِيمَ لَا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانِ (^١)\nاقتران اسم الله (العظيمِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (العظيمِ) باسم الله (العليِّ):\nوذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوجه الاقتران:\nوجه الاقتران بين هذين الاسمين الكريمين: «أن لله -﷿- صفة كمال من اسمه (العلي)، وصفة كمال من اسمه (العظيم)، وصفة كمال ثالثة من اجتماعهما، فقد حاز العلو بكل أنواعه، وجمع العظمة بكل صورها، فهو عظيم في علوه، عال في عظمته سُبْحَانَهُ، ولعل تقديم اسم (العلي) على (العظيم) من تقديم السبب على المسبب؛ لأنه -﷿- عظم لعلوه على كل شيء» (^٢).\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العظيمِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الحليمِ):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحليم).\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢٠٣).\n(^٢) طابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء كردي (ص: ٤٧٤).","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-407>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العظيمِ):</span>\n<span data-type='title' id=toc-408>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العظيم) من صفات الله تعالى:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو العظيم في كل شيء، عظيم في ذاته وفي أسمائه وصفاته، عظيم في رحمته، عظيم في قدرته، عظيم في حكمته، عظيم في جبروته وكبريائه، عظيم في هبته وعطائه، عظيم في لطفه وخبرته، عظيم في بره وإحسانه، عظيم في عزته وعدله وحمده، فهو العظيم المطلق، فلا أحد يساويه، ولا عظيم يدانيه.\nوفي هذا يقول ابن القيم -﵀- معلقًا على آية الكرسي: «ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه، وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه.\nثم ذكر سعة كرسيه، منبهًا به على سعته سُبْحَانَهُ وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب، ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه» (^١).\nوتقوم معاني التعظيم الثابتة لله وحده على نوعين، كالتالي:\n«أحدهما: أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه وأوسعه، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء، والعظمة،\n_________\n(^١) صواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٤/ ١٣٧١).","vol":"2","page":7},{"text":"ومن عظمته: أن السماوات والأرض في كف الرحمن أصغر من الخردلة، كما قال ذلك ابن عباس -﵄- وغيره.\nوقال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].\nوقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١].\nوقال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥].\nوفي المسند عنه -ﷺ-، قال: «قال الله -﷿-: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (^١).\nفلله تَعَالَى الكبرياء والعظمة، والوصفان اللذان لا يقدر قدرهما ولا يبلغ كنههما (^٢).\nالنوع الثاني من معاني عظمته تَعَالَى: أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظَّم كما يعظَّم الله؛ فيستحق -ﷻ- من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم؛ وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذل له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته.\n_________\n(^١) خرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٤٨٣)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٠٩٠).\n(^٢) يأتي مزيد بيان عن عظمة الله في الأثر الثالث.","vol":"2","page":8},{"text":"ومن تعظيمه: أن يُتقى حق تُقاته؛ فيطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ومن تعظيمه: تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومن تعظيمه: أن لا يعترض على شيء مما خلقه أو شرعه» (^١).\n- قال السعدي -﵀-: «والله تَعَالَى عظيم، له كل وصف ومعنى يوجب التعظيم، فلا يقدر مخلوق أن يثني عليه، كما ينبغي له، ولا يحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-409>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (العظيم) على التوحيد:</span>\nتوحيد الربوبية والألوهية:\nمن آمن باسم الله العظيم وحَّد ربه بألوهيته وربوبيته وعظمه، ونفي الشركاء والأنداد عنه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقال تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، وكانت عبادته لله بالخشوع والخضوع لله، والاستكانة والتذلل لعظمته وجبروته ومحبته، وإفراده وحده بالعبادة؛ ولذا شرعت الصلاة التي من أولها لآخرها تعظيمًا لله تَعَالَى وخضوعًا لعظمته، وإفراده وحده بالعبادة.\nويصف الإمام ابن القيم -﵀- الركوع في الصلاة، فيقول: «ثم يرجع جاثيًا له ظهره خضوعًا لعظمته؛ وتذللًا لعزته؛ واستكانة لجبروته، مسبحًا له\n_________\n(^١) حق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٢٧ - ٢٨).\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"2","page":9},{"text":"بذكر اسمه (العظيم)، فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه، وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع، قد تطامن وطأطأ رأسه وطوى ظهره، وربه فوقه يرى خضوعه وذله؛ ويسمع كلامه، فهو ركن تعظيم وإجلال، كما قال -ﷺ-: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -﷿-» (^١)» (^٢).\nتوحيد الأسماء والصفات:\nإن اسم الله (العظيم) يدل باللزوم على الحياة والقيومية والسيادة والصمدية، والعزة والأحدية، وانتفاء الشبيه والمثلية، وكذلك يدل على السمع والبصر، والعلم والحكمة، والمشيئة والقدرة، وغير ذلك من صفات الكمال.\nفهو سُبْحَانَهُ العظيم الواسع الكبير في ذاته وصفاته، الذي جاوز قدره حدود الإدراك والخيال والعقل؛ لجلالته وعظمته، يقول تَعَالَى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فإذا كان عرشهسُبْحَانَهُ قد وصفه بالعظمة، وخصه بالإضافة إليه والاستواء عليه، فكيف بعظمة من استوى عليه وعلا فوقه سُبْحَانَهُ.\nومن نفى عنه سُبْحَانَهُ صفاته أو أولها أو فوض معانيها؛ بدعوى أن إثباتها يوهم تشبيهه بالمخلوقين؛ فقد ضل ضلالًا مبينًا، ولم يعظم ربه سُبْحَانَهُ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٧٩).\n(^٢) شفاء العليل (٢/ ٦٣٠).","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-410>الأثر الثالث: تعظيم ما أمر الله بتعظيمه:</span>\nوتعظيم الله تَعَالَى يكون بتعظيم الله -﷾-، وتعظيم كل ما أمر العظيم بتعظيمه، ومن ذلك:\n١ - تعظيم أسماء الله وصفاته:\nوقد وردت نصوص كثيرة تدل على عظم ذات الله تَعَالَى، منها: ما ورد عند ابن حبان من حديث أبي ذر -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ» (^١).\nوتعظيم أسمائه وصفاته، يكون على نحوين:\nأولًا: تعظيم الله في باب الخبر- كالصفات وسائر الغيبيات-: وذلك باثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولاتكييف ولا تمثيل، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقد أمر سُبْحَانَهُ بتقديسه باسمه (العظيم)، يقول تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤].\nثانيًا: تعظيم الله في باب الأمر: وذلك بطاعته عن محبة وتعظيم، والإكثار من ذكره؛ ابتغاء مرضاته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] وقال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١].\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٣٦١)، حكم الألباني: ضعيف جدًّا، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٣٦٢).","vol":"2","page":11},{"text":"٢ - تعظيم كتابه العظيم:\nفإنَّ تعظيمَ كلام الله تعظيمٌ لله تَعَالَى، وقد عظم الله القرآن بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، يقول النووي -﵀-: «أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته» (^١).\nوالمعظمون لكتاب الله هم الذين يقيمون حروفه وحدوده، بالانقياد والتسليم، والتلاوة والعمل والتعليم، وحسن الاستماع والانصات له، يقول تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nوللمعظمين لكتاب الله تَعَالَى قصص عظمى، ومواقف تروى، فقد كانوا يمتثلون أمره، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا، ومن أروع القصص في هذا مارواه جابر -﵁- قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَعْنِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَلَفَ أَنْ لَا أَنْتَهِيَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَنَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَنْزِلًا فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ\n_________\n(^١) التبيان في آداب القرآن (ص ١٦٤).","vol":"2","page":12},{"text":"أَسْهُمٍ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا» (^١).\nومما يروى عن الإمام البخاري -﵀- أنه «كان ذات يوم يصلي فلسعه الزنبور سبع عشرة مرةً، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء هذا الذي آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته. وقال مرة: كنت في آية فأحببت أن أتمها» (^٢).\n٣ - تعظيم نبيه -ﷺ-:\nالذي شهد له ربه بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وتعظيمه يكون بالاتباع والطاعة والنصرة له ومحبته، وذكر مناقبه والتعرف على سيرته، واعتقاد أنه لا سبيل يقرب إلى الله، وتنال به مرضاته إلا السلوك خلفه، واقتفاء أثره وسنته، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩].\nيقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تعزروا الرسول -ﷺ- وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: تسبحوا لله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أول النهار وآخره، فذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٩٣٠)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٩٨)، حكم الألباني: حسن، صحيح أبي داود، رقم الحديث: (١٩٨).\n(^٢) نضرة النعيم في أخلاق الرسول الكريم -ﷺ-، إشراف: صالح بن حميد (٣/ ١٠٤٣).","vol":"2","page":13},{"text":"وبين رسوله، وهو الإيمان بهما، والمختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير، والمختص بالله، وهو التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها» (^١).\nولا يؤمن أحد حتى يكون النبي -ﷺ- أحب إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين.\nأما الغلو والمبالغة في التعظيم فهو مما نهى عنه النبي -ﷺ-؛ حمايةً لجناب التوحيد، فقال -ﷺ-: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله، وَرَسُولُهُ» (^٢).\n٤ - تعظيم حرمات الله تعالى:\nفمن عظم الله تَعَالَى سارع إلى مرضاته، وغار على حرماته، وأدى الواجبات، وأقبل في الخيرات، حتى تصبح المباحات لديه طاعات وقربات، تشهد بتوحيده لله وعبوديته وتعظيمه ومحبته، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].\nيقول ابن القيم -﵀- عن تعظيم أوامر الله تَعَالَى ومناهيه: «تعظيم الأمر والنهي ناشئ عن تعظيم الآمر والناهي؛ فإن الله تَعَالَى ذم من لا يعظم أمره ونهيه، وقال -﷾-: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، قالوا- في تفسيرها-: ما لكم لا تخافون لله تَعَالَى عظمة … وأول مراتب تعظيم الحق\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٤٥).","vol":"2","page":14},{"text":"-﷿-: تعظيم أمره ونهيه … وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله -﷿- واتباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تَعَالَى ونهيه دالًّا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق، وصحة العقيدة، والبراءة من النفاق؛ فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق، وطلب المنزلة والجاه عندهم، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع على المناهي، فهذا ليس فعله وتركه صادرًا عن تعظيم الأمر والنهي، ولا تعظيم الآمر والناهي.\nومن علامات التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحينها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها؛ كمن يحزن على فوت الجماعة، ويعلم أنه لو تُقُبِّلَت منه صلاته منفردًا؛ فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفًا، ولو أن رجلًا يعاني البيع والشراء تفوته صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقة قيمتها سبعة وعشرون دينارًا لأكل يديه ندمًا وأسفًا، فكيف وكل ضِعف مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من ألف، وألف ألف، وما شاء الله تَعَالَى، فإذا فوت العبد عليه هذا الربح قطعًا، وهو بارد القلب فارغ من هذه المصيبة غير مرتاع لها، فهذا من عدم تعظيم أمر الله تَعَالَى في قلبه.\nوكذلك إذا فاته أول الوقت الذي هو رضوان الله تَعَالَى، أو فاته الصف الأول، وكذلك فوت الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها.\nوينبغي أن يعلم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى، فتفاضل الأعمال","vol":"2","page":15},{"text":"عند الله تَعَالَى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان، والإخلاص، والمحبة، وتوابعها.\nوأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها، وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها؛ كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأن يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، ومجانبة من يجاهر بارتكابها، ويحسنها، ويدعو إليها، ويتهاون بها، ولا يبالي بما ارتكب منها؛ فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تَعَالَى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تَعَالَى وحرماته.\nومن علامات تعظيم النهي: أن يغضب لله -﷿- إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزنًا وحسرةً إذا عُصي الله تَعَالَى في أرضه، ولم يضطلع بإقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.\nومن العلامات أيضًا: أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط؛ مثال: ذلك أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر، فالترخص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه؛ فيكون مترخصًا جافيًا.\nفحقيقة التعظيم للأمر والنهي: أن لا يعارَضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشديد غال؛ فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله -﷿- بسالكه.\nوما أمر الله -﷿- بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين.","vol":"2","page":16},{"text":"كذلك من علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله -﷿-، بل يسلم لأمر الله تَعَالَى وحكمه، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه حمله ذلك على مزيد الانقياد والبذل والتسليم» (^١).\nفالمعظِّم الحقيقي لحرمات الله، لاينظر لصغر المعصية، ولكن ينظر لعظمة من عصى سُبْحَانَهُ، فإن القلب إن لم يؤمن بعظمة الله حقيقة لن يطيعه على الدوام، يقول تَعَالَى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٤].\n٥ - تعظيم بيوت الله:\nوقد أقام الإسلام تعظيم بيوت الله، وصيانة حرمتها، وإبقاء قدسيتها على ثلاثة أركان:\n١ - التقدير، يقول تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، كذلك يسن لمن دخل المسجد ألا يجلس مباشرة، بل يركع ركعتين، وبهذا أمر النبي -ﷺ-؛ في قوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» (^٢).\n٢ - التطهير، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤].\n_________\n(^١) انظر: الوابل الصيب (ص: ١٢ - ٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٧١٤).","vol":"2","page":17},{"text":"٣ - التعمير، وقد وصف الله من يقوم بعمارة المسجد بالإيمان، فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-411>الأثر الرابع: نماذج من تعظيم الأنبياء والصالحين لله العظيم سُبْحَانَهُ:</span>\nمن تأمل في حال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، رأى عظم تعظيمهم لله تَعَالَى، ومن ذلك:\nتأدب الأنبياء مع العظيم سُبْحَانَهُ في ألفاظهم، ومن ذلك: خطاب إبراهيم -﵇- لربه في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٢].\nيقول السعدي -﵀- في جمعه لمواضع تشمل الأدب مع الله في اللفظ: «فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] وأما الخير، فأضافه إلى الله تَعَالَى لقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، كما قال إبراهيم -﵇- ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، مع أن الكل بقضاء الله وقدره» (^١).\nكان النبي -ﷺ- لايغضب لنفسه أبدًا، وإنما يغضب بشدة إذا انتهكت حدود الله، وهذا واضح في قصة المرأة المخزومية التي سرقت واستشفع أسامة لها، فقال النبي -ﷺ-: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»!\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٨٢).","vol":"2","page":18},{"text":"ثم قام فخطب، قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا» (^١)، وشواهد السنة كثيرة في ذلك.\nموقف صحابة النبي -ﷺ- عندما نزل تحريم الخمر فعن ثابت، عن أنس -﵁-، «كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ» (^٢)\nقول ابن مسعود -﵁-: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به، وأشار بيده هكذا» (^٣).\nقول الشافعي -﵀-: «ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا» (^٤)، وما كان إلا توقيرًا لاسم الله تَعَالَى.\nاللهم اجعلنا ممن عظمك حق تعظيمك، وتب علينا واغفر لنا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٧٨٨) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٤) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٨٠).\n(^٣) الداء والدواء، لابن القيم (ص: ٥٨).\n(^٤) طبقات الشافعيين، لابن كثير (ص: ٢٢).","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>الأثر الخامس: محبة الله العظيم:</span>\nإن الإيمان بعظمة الله -﷾- وعظيم قدرته يدفع المسلم لمحبة ربه؛ فهو العظيم في نفسه، والعظيم في أفعاله، والعظيم في جماله، والعظيم في جلاله.\nوهذا الحب هو في ذاته تعظيم لله -جل وعلا-، فكلما زاد حب العبد لربه تَعَالَى، زاد تعظيمه، وتعظيم شرعه الحنيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-413>الأثر السادس: دعاء الله تَعَالَى باسمه العظيم:</span>\nوفي السنة شواهد ودلائل كثيرة على دعاء النبي -ﷺ- ربه باسمه العظيم، ومن ذلك:\nفي حديث ابن عمر -﵁-، قال: «لم يكن رسول الله -ﷺ- يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^١).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو عند الكرب يقول: لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٨٧٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٧٤)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠٣٢٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).","vol":"2","page":20},{"text":"وصح من حديث عبد الله بن عمرو -﵁- عن النبي -ﷺ-: «أنه كان إذا دخل المسجد قال: أَعُوذُ بِالله الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٦٦)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٦٦).","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>العَفُوُّ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-415>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «وعفوت عن ذنبه، إذا تركته ولم تعاقبه، والعفُوُّ: الكثير العفو، وعفا الماء: إذا لم يطرقه شئ يكدره» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(عفو) العين والفاء والحرف المعتل أصلان يدل أحدهما على ترك الشيء، والآخر على طلبه، والعفو: عفو اللهتَعَالَى عن خلقه، وذلك تركه إياهم فلا يعاقبهم، فضلًا منه، قال الخليل: وكل من استحق عقوبة فتركته فقد عفوت عنه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-416>ورود اسم الله (العفو) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (العفو) في القرآن الكريم في خمس آيات، ومن وروده ما يلي:\nقوله -﷿-: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].\nقوله -﷿-: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٨٣).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٥٦).","vol":"2","page":22},{"text":"قوله -﷿-: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-417>ورود اسم الله (العفو) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (العفو) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عائشة -﵂-، أنها قالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَدْعُو؟ قَالَ: تَقُولِينَ: اللهمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^١).\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «إِنَّ أَوَّلَ رَجُلٍ قُطِعَ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا سَرَقَ، فَكَأَنَّمَا أُسِفَّ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- رَمَادًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْ: يَقُولُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي؟ وَأَنْتُمْ أَعْوَانُ الشَّيْطَانِ عَلَى صَاحِبِكُمْ، وَالله -﷿- عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ، وَلَا يَنْبَغِي لِوَالِي أَمْرٍ أَنْ يُؤْتَى بِحَدٍّ إِلَّا أَقَامَهُ، ثم قرأ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-418>معنى اسم الله (العفو):</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]-:\n«إن الله لم يزل عفوًّا عن ذنوب عباده، وتركه العقوبة على كثير منها ما لم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥١٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٠) واللفظ له، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٠٥٧)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٨٥٧٢)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٧٦٩٠). حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٣٨).","vol":"2","page":23},{"text":"يشركوا به» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «العفو: الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، أي: لم يزل كائنًا يقبل العفو وهو السهل، ويغفر الذنب، أي: يستر عقوبته فلا يعاقب» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «العفو: الغفور الغفار، الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران، والصفح عن عباده موصوفًا» (^٤).\nقال الإمام ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ العَفُوُّ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الوَرَى\nلَوْلَاهُ غَارَ الأَرْضُ بِالسُّكَّانِ (^٥)\nاقتران اسم الله (العفو) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (العفو) باسم الله (الغفور):\nورد ذلك في القرآن الكريم أربع مرات، ومن ذلك: قوله سُبْحَانَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٨/ ٤٢٦).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ٩٠).\n(^٣) تفسير القرطبي (٥/ ٢٤١).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦)\n(^٥) النونية (٢/ ٢٢٧).","vol":"2","page":24},{"text":"فالله العفو الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه؛ فإن الغفران ينبني عن الستر، والعفو ينبني عن المحو، والمحو أبلغ من الستر (^١).\nقال الكفوي -﵀-: «يتمثل الفرق بين العفو والغفران في أمور عديدة، أهمها:\nأن الغفران يقتضي إسقاط العقاب، ونيل الثواب، ولا يستحقه إلا المؤمن، ولا يكون إلا في حق البارئ تَعَالَى؛ أما العفو فإنه يقتضي إسقاط اللوم والذم ولا يقتضي نيل الثواب، ويستعمل في العبد- أيضًا-.\nالعفو قد يكون قبل العقوبة أو بعدها، أما الغفران؛ فإنه لا يكون معه عقوبة البتة، ولا يوصف بالعفو إلا القادر عليه.\nفي العفو إسقاط للعقاب، وفي المغفرة ستر للذنب وصون من عذاب الخزي والفضيحة» (^٢).\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العفو) باسمه سُبْحَانَهُ (القدير):\nجاء هذا الاقتران مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].\nوجه الاقتران:\n«من المعلوم أن العفو الممدوح هو الذي يصدر مع القدرة على\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٩٧)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، لنظام الدين النيسابوري (٢/ ٤٢١).\n(^٢) الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، للكفوي (ص: ٦٣٣).","vol":"2","page":25},{"text":"الانتقام، وكماله لا يكون إلا من الله تَعَالَى الذي عفوه ومغفرته ناشئان عن قدرته وحكمته، لا عن عجز وضعف؛ ولذا قرن الله -﷿- بين عفوه وقدرته، فهو سُبْحَانَهُ كامل في عفوه، وكامل في قدرته، وكامل في عفوه مع مقدرته» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-419>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العفو):</span>\n<span data-type='title' id=toc-420>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (العفو) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو صاحب العفو الشامل، الذي يسع ما يصدر عن العباد من الذنوب، لاسيما إذا أتوا بما يوجب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة والإيمان، والأعمال الصالحة، فهو سُبْحَانَهُ يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.\nومن مظاهر كمال عفوه سُبْحَانَهُ مايلي:\nالعفو عن المذنب: فمهما أسرف العبد على نفسه، ثم تاب إلى ربه ورجع، غفر له ربه جميع جرمه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، ولولا كمال عفوه وسعة حلمه سُبْحَانَهُ ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب، ولا نفس تطرف، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].\n_________\n(^١) ولله الأسماء الحسنى، للجليل (ص: ٤٢٥).","vol":"2","page":26},{"text":"العفو في الأحكام الشرعية للمحتاج: فهو سُبْحَانَهُ وإن كان أوجب الوضوء لمن أراد الصلاة، إلا أنه عفا عمن لا يجد الماء أو لم يستطيع استعماله، وأباح له التيمم مراعاة لضعفه، ولو شاء لأعنته، وألزمه بالوضوء أبدًا، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].\nالعفو في ستر عباده في الدنيا والآخرة: فلايفضحهم في الدنيا، ويستر على كثير منهم في الآخرة، فيعرِّفهم بعض ذنوبهم، ثم يسترهم بغفرانه لها، بل ويبدلها حسنات، فَسُبْحَانَهُ ما أكرمه! وما أعظم عفوه وغفرانه! يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].\nفالله سُبْحَانَهُ بهذا الشمول الإلهي في عفوه قد أقام الحجة على عباده كلهم، فحري بهم أن يحسنوا عبادة ربهم، ويخلصوا توحيده سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>الأثر الثاني: الثقة بعفو الله وعدم تضييع أمره ونهيه:</span>\nفإن كون الله سُبْحَانَهُ عفو كريم غفور لا يعني أن يسرف العبد في الخطايا والذنوب، ويتجرأ على معصية الله تَعَالَى، بحجة أن الله عفو غفور رحيم؛ لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] وقال -﷿-: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١]، وهناك فرق كبير بين حسن الظن بالله والغرور.","vol":"2","page":27},{"text":"وعن هذا المعنى يقول ابن القيم -﵀-: «وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يُرد بأسُه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند.\nقال الإمام أحمد -﵀- … عن عقبة بن عامر -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ -﷿- يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثم تلا قوله -﷿-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]» (^١).\nوقال بعض السلف: «إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه، وأنت مقيم على معاصيه فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. وقد رد سُبْحَانَهُ على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] أي: ليس كل من أنعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته، بل ابتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٥٨٤)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث (٩٢٧٢)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٤٢٢٠) حكم الألباني: إسناده جيد، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٢٠١).","vol":"2","page":28},{"text":"وفي الحديث عنه -ﷺ-: «وَإِنَّ الله -﷿- يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ» (^١)، وقال بعض السلف: رب مُستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-422>الأثر الثالث: الحرص على تحصيل ثواب العفو وفضله:</span>\nللعافين عن الناس ثواب عظيم في الدنيا والآخرة، ومن ذلك مايلي:\nأولًا: ثواب الدنيا، ومنه:\nتحقيق الامتثال لأمر الله تعالى، فقد أمر بالعفو على سبيل العموم في قوله تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]\nبل وأمر نبيه بالعفو مع أهل الخيانة والغدر، فكيف بالعفو!!!؟ وأخبره أنه يحب أهل الإحسان، يقول تَعَالَى عن بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]\nمحبة الله للعفو، ففي الحديث: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٧٤٦)، ومسند البزار (٢٠٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٦٦)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (١٦٢٥).\n(^٢) ينظر: الداء والدواء، لابن القيم (ص: ٧٤ - ٧٨).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٠)، حكم الألباني: صحيح، رقم الحديث: (٣٨٥٠).","vol":"2","page":29},{"text":"انقلاب العدو لولي حميم، يقول تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]\nنيل العزة، ففي الحديث: عن أبى هريرة -﵁-، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ الله ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (^١)، في الحديث: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلاَّ زَادَهُ الله عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتَحَ الله عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا» (^٢).\nثانيًا: ثواب الآخرة:\nأجر العافين على الله: يقول تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، ومن أحب أن يعفو الله عنه عفا عن خلقه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].\nوقد كان سبب نزولها: ما رواه البخاري أن مِسطَح بن أُثاثة تكلم مع من تكلم في عائشة -﵂- في حادثة الإفك، فلما أنزل الله براءة عائشة، قَالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٣١٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥).","vol":"2","page":30},{"text":"مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، يعني: أبا بكر -﵁-، ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور: ٢٢] يعني: مسطحًا، إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: بَلَى وَاللهِ يَا رَبَّنَا، إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ (^١).\nنيل المغفرة والجنة: يقول تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-423>الأثر الرابع: محبة الله العَفُو:</span>\nمن علم أن الله عفو غفور رحيم أثمر في قلبه محبته تَعَالَى، والتوقي عن معصيته بقدر الطاقة، وإذا زلت القدم ووقع المؤمن في الذنب فإنه يتذكر أن الله عفو يحب العفو، فيسري الرجاء في قلبه، ويقطع الطريق على اليأس من رحمة الله تَعَالَى، ويحسن الظن بربه الذي يعفو عن المسيئين، ويغفر الذنوب جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-424>الأثر الخامس: اتصاف العبد بالعفو:</span>\nالعفو والتجاوز لا يقتضي الذلة والضعف، بل إنه قمة الشجاعة والامتنان وغلبة الهوى، لا سيما إذا كان العفو عند المقدرة على الانتصار.\nوقد بوب البخاري في صحيحه بابًا عن الانتصار من الظالم؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، وذكر عن إبراهيم النخعي -﵀-\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٥٧).","vol":"2","page":31},{"text":"قوله: «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا» (^١)، قال الحسن بن علي -﵄-: «لو أن رجلًا شتمني في أذني هذه، واعتذر في أذني الأخرى، لقبلت عذره» (^٢).\nوعن عبد الله بن عمر -﵁- قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ إِلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^٣).\nوقال جعفر الصادق -﵀-: «لأن أندم على العفو عشرين مرة، أحب إلي من أندم على العقوبة مرة واحدة» (^٤).\nوقال الفضيل بن عياض -﵀-: «إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلًا، فقل: يا أخي، اعف عنه؛ فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله -﷿-، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو؛ فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور؛ لأن الفتوة هي العفو عن الإخوان» (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ١٢٩).\n(^٢) الآداب الشرعية، ابن مفلح (١/ ٣١٩).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٠٠٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥١٦٤)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٤٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥١٦٤).\n(^٤) أدب المجالسة، لابن عبد البر (ص: ١١٦).\n(^٥) تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٨٠).","vol":"2","page":32},{"text":"ولنا في رسول الله -ﷺ- أسوة حسنة، ومن تأمل في السيرة النبوية وجدها مليئة بنماذج، يتجلى فيها عفو النبي -ﷺ- فيما يتعلق بحق نفسه، ولا يغضب من أجلها، ومن هذه النماذج:\nعفوه -ﷺ- عن رجل قد هم بقتله، فعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: «قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُحَارِبَ خَصَفَةَ بِنَخْلٍ فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللهُ، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ» (^١).\nعفوه -ﷺ- عن امرأة يهودية، تضع سمًّا في طعامه، وعندما أصيب النبي بهذا السم نهى عن قتلها، فعن أنس بن مالك -﵁-: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-» (^٢).\nعفوه -ﷺ- عن قاتل عمه، عن ابن عباس -﵄-، قال: «لمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ قَتْلَى أُحُدٍ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَرَأَى مَنْظَرًا أَسَاءَهُ؛ رَأَى حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، وَاصْطُلِمَ أَنْفُهُ، وَجُدِعَتْ أُذُنَاهُ، فَقَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥١٥٩)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (١٧٧٨)، وابن حبان، رقم الحديث: (٢٨٨٣)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٢٨٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦١٧).","vol":"2","page":33},{"text":"لَوْلَا أَنْ يَحْزَنَ النِّسَاءُ، أَوْ يَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، لَأُمَثِّلَنَّ مَكَانَهُ بِسَبْعِينَ رَجُلًا \". ثُمَّ دَعَا بِبُرْدِهِ فَغَطَّى بِهَا وَجْهَهُ، فَخَرَجَتْ رِجْلَاهُ، فَغَطَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَجْهَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْإِذْخِرِ، ثُمَّ قَدَّمَهُ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ جَعَلَ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً، وَكَانَ الْقَتْلَى سَبْعِينَ، فَلَمَّا دُفِنُوا، وَفَرَغَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] إلى قوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] فَصَبَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَلَمْ يُمَثِّلْ بِأَحَدٍ» (^١).\nوالمعروف أن الذي قتل حمزة -﵁- هو وحشي، فلما فتح رسول الله مكة هرب إلى الطائف، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ليعلنوا إسلامهم ضاقت على وحشي السبل، وبعد فترة قدم على رسول الله المدينة وكان قد أسلم، قال وحشي: فَلَمَّا رَأنِي -ﷺ- قَالَ: «وَحْشِيٌّ» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «اجْلِسْ فَحَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَ قَتْلُكَ حَمْزَةَ» فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَحَدَّثْتُهُ كَمَا حَدَّثْتُكُمَا فَقَالَ: «وَيْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ بِأَنْ لَا أَرَاكَ» قَالَ: فَكُنْتُ أَتَنَكَبُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، حِينَ كَانَ حَيًّا حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ -﷿- رَسُولَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني، رقم الحديث:، (٤٢٠٩)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢٤٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، رقم الحديث: (٤٨٣)، وابن حبان، رقم الحديث: (٧٠١٧)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٢٩٤٧) والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٨٢٥٨)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٦٩٧٨)، وينظر: أسباب النزول، الواحدي (ص: ٥٦).","vol":"2","page":34},{"text":"فهذا موقف يبين كيف كان رسول الله -ﷺ- يكظم غيظه، فأي كظم للغيظ هذا؟ بل أي حلم وعفو هذا الذي يلقى به رسول الله -ﷺ- قاتل عمه الأثير وصديقه النصير، وشريكه في الجهاد، وكان رسول الله -ﷺ- قادرًا على أن يثأر لعمه، بل كان كثير من الصحابة الكرام ينتظر إشارة من رسول الله -ﷺ- ليقتل بها وحشيًّا؛ ليشفي غيظ نبيه، لكن رسول الله -ﷺ- عفى عنه ابتغاء وجه الله تَعَالَى، وفي هذا بيان لأمته أن تتعلم العفو والصفح الجميل.\nعفوه -ﷺ- العفو الشامل العام في فتح مكة، عندما وقف مخاطبًا أهل مكة قائلًا: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟ قالوا: خيرًا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» (^١).\nنماذج من تخلق السلف الصالح بخلق العفو:\nأبو بكر الصديق -﵁-، كان يحسن إلى مسطح الذي مس ابنته عائشة -﵂- في عرضها، عندها أوقف الصديق المعونة عنه، فجاء العتاب الإلهي، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فكان الصديق يقرأ هذه الآية ويبكي، يقول: بلى، أحب أن يغفر الله لي، وعاد على مسطح بالمساعدة! (^٢).\n_________\n(^١) زاد المعاد، ابن القيم (٣/ ٣٥٩).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":35},{"text":"أم المؤمنين صفية بنت حيي -﵂-: قال أبو عمر بن عبد البر -﵀-: «روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها، فقالت: أما السبت، فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة؛ وأما اليهود، فإن لي فيهم رحمًا، فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان: قالت: فاذهبي، فأنت حرة» (^١).\nومن الأمور المعينة لتربية النفس على العفو عن الناس ما يلي:\nتنقية القلب من شوائب الحقد والحسد، أو الغل على المسلمين، فعن أنس بن مالك -﵁- قال: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ -﷿- وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ. قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ\n_________\n(^١) الاستيعاب على هامش الإصابة، لابن عبد البر (٤/ ٢٠٢).","vol":"2","page":36},{"text":"-ﷺ- يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمَرَّاتِ (٣)، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ» (^١).\nاستشعار الحاجة لعفو الله ورحمته ومغفرته، يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «اعلم أن لك ذنوبًا بينك وبين الله تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها، ويغفرها لك، ويهبها لك، ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك، جزاء وفاقًا، فانتقم بعد ذلك أو اعفُ، وأحسن أو اترك، فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يُفعل معك، فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه، هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة، كما قال النبي -ﷺ- للذي شكى إليه قرابته وأنه يحسن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٨٩٤)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٣)، وعبد الرزاق في المصنف، رقم الحديث: (٢٠٥٥٩)، ومسند البزار (٦٣٠٨)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦١٨١)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٧٢٨).","vol":"2","page":37},{"text":"إليهم وهم يسيئون إليه، فقال: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) (^١)».\nقطع طريق الشيطان في الاسترسال باستدعاء تفاصيل خطأ من ظلم، فإن الاسترسال يؤجج نار العداوة، ويضرب القلوب بعضها ببعض؛ ولذا جاءت آية العفو مقرونة بالأمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم، يقول تَعَالَى:\n﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠].\nبل يأتي الأمر الإلهي باختيار أحسن الكلام عند مخاطبة الناس؛ حتى لا يترك للشيطان فرصة للإفساد، يقول تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]، ويقول تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦].\nالعفو عن المسيء والدعاء له: وذلك تأسيًا برسل الله الكرام، فهذا يوسف -﵇- ألقاه أخوته في البئر، وقال تَعَالَى عنهم: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]، فكان رد يوسف -﵇- عندما اقتدر ودخلوا عليه في ملكه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، فابتدأ كلامه بنفي التعيير والتوبيخ، ثم دعا لهم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٨).","vol":"2","page":38},{"text":"وفي الصحيحين حكاية رسول الله عن نبي من الأنبياء، فعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (^١).\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا أنه ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان: قابل بها إساءتهم العظيمة إليه، أحدها: عفوه عنهم، والثاني: استغفاره لهم، والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون، والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه» (^٢).\nبذل الهدية والعطية، يقول -ﷺ-: «تَهَادُوا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ» (^٣).\nصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فهي كفيلة بغسل قلب المؤمن، يقول رسول الله -ﷺ-: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٧٧) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٧٩٢).\n(^٢) بدائع الفوائد (٢/ ٢٤٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢١٣٠)، حكم الألباني: ضعيف لكن الشطر الثاني منه صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٣٠).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣٥٣٩)، والطيالسي، رقم الحديث: (٤٨٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٣٨٠٤).","vol":"2","page":39},{"text":"ومما تجدر الإشارة إليه: أن المؤمن مكلف بالعفو مع الإصلاح، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤٠].\nومن فضل الله وسعة كرمه: أنه لم يلزم عباده بالعفو عمن أساء إليهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤١].\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «فذكر المقامات الثلاثة: العدل وأباحه، والفضل وندب إليه، والظلم وحرمه، فإن قيل: فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متنافيان، قيل: لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام، وإنما مدحهم على الانتصار، وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فلما قدروا ندبهم إلى العفو، قال بعض السلف في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، فمدحهم على عفو بعد قدرة لا على عفو ذل وعجز ومهانة، وهذا هو الكمال الذي مدح سُبْحَانَهُ به نفسه في قوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-425>الأثر السادس: الدعاء باسم الله العفو:</span>\nعفو الله تَعَالَى من أعظم العطاء الذي يعطيه الله لعبده، ولذا كان رسول الله -ﷺ- كثير السؤال به، وعن ابن عمر -﵄-، قال: «لم يكن رسول الله -ﷺ- يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: اللهمَّ إِنِّي\n_________\n(^١) الروح (ص: ٢٤٢).","vol":"2","page":40},{"text":"أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^١).\nوعن أنس -﵁-، قال: «فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَلِ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، ثُمَّ أَتَاهُ الْغَدَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَلِ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ» (^٢).\nوفي أفضل ليالي السنة دل رسول الله -ﷺ- عائشة إلى سؤال العفو، فعن عائشة -﵂-، قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللهمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^٣).\nفاللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٣٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٣٧).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-426>الأعلَى العلِيُّ المُتعَالِ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-427>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «علا في المكان يعلو علوًّا، وعلي في الشرف بالكسر يعلى علاء، ويقال أيضًا: علا بالفتح يعلى، … والعُلاء والعَلاء: الرفعة والشرف» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «العين واللام والحرف المعتل- ياءً كان أو واوًا أو ألفًا- أصل واحد يدل على السمو والارتفاع، لا يشذ عنه شيء، ومن ذلك: العلاء والعلو، يقولون: تَعَالَى النهار، أي: ارتفع …، والعلو: العظمة والتجبر» (^٢).\nورود اسماء الله (العَلِيِّ -الأعلى- المُتَعَالِ) في القرآن الكريم:\nورد اسم الله العلي في ثمانية مواضع من القرآن، ومن وروده ما يلي:\nقوله -﷿-: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nقوله -﷿-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٨٤).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"2","page":42},{"text":"قوله -﷿-: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].\nوأما (الأَعْلَى) فقد ورد مرتين، وهما:\nقوله -﷿-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].\nقوله -﷿-: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠].\nوأما (المُتَعَالِ) فقد ورد مرة واحدة، وهي:\nقوله -﷿-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-428>ورود اسم الله (العلي- المتعالِ) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (العلي) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عبادة بن الصامت -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ- حِينَ يَسْتَيْقِظُ-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، ثُمَّ قال: اللهم اغْفِرْ لِي، أو دعا، استُجيب له، فَإِنْ تَوَضَّأَ، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^١).\nوعن ابن عباس -﵄-: «أن النبي -ﷺ- كان يقول- عند الكرب-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٤١٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٨٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٠٤٥).","vol":"2","page":43},{"text":"ورد اسم الله (الأعلى) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\n١ - عن ابن عباس -﵄-: «أن النبي -ﷺ- كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى» (^١).\n٢ - عن عبدالله بن مسعود -﵁-: قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» (^٢).\n٣ - عن حذيفة بن اليمان -﵁-، قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ! فَمَضَى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا! ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ\nآلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا. يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ. ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ. ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٩٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٨٨٣)، والحاكم، رقم الحديث: (٩٧٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٨٨٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٨٨٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٨٩٠)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٨٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٢).","vol":"2","page":44},{"text":"ورد اسم الله (المتعالِ) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: «قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] قال: يَقُولُ الله -﷿- أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُتَعَالِي- يُمَجِّدُ نَفْسَهُ- قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُرَدِّدُهَا حَتَّى رَجَفَ بِهِ الْمِنْبَرُ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيَخِرُّ بِهِ» (^١).\nمعنى أسماء الله (العَلِيِ- الأعلى - المتعالِ) في حقه سُبْحَانَهُ:\nأولًا: معنى اسمي الله (العلي، الأعلى):\nهو الذي له العلو المطلق بجميع أنواع العلو الثلاثة:\n١ - علو الذات.\n٢ - علو القهر والغلبة.\n٣ - علو المكانة والقدر والصفات.\nوحول أنواع العلو تدور أقوال العلماء، ومنها (^٢):\nقال الطبري -﵀-: «هو ذو العلو والارتفاع على كل شيء، والأشياء كلها دونه؛ لأنهم في سلطانه، جارية عليهم قدرته، ماضية فيهم مشيئته» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٧١٢)، وابن خزيمة في التوحيد، رقم الحديث: (١/ ١٧١)، والبيهقي في الأسماء والصفات، رقم الحديث: (٥٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣١٩٦).\n(^٢) مزيد من التفصيل في أنواع العلو سيكون في الأثر الثاني من الآثار الإيمانية والمسلكية.\n(^٣) تفسير الطبري، (٢٠/ ٤٦٦).","vol":"2","page":45},{"text":"قال البغوي -﵀-: «هو العالي على كل شيء» (^١).\nقال ابن كثير -﵀-: «كل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تَعَالَى وتقدس وتنزه -﷿- عما يقول الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا» (^٢)، وقال أيضًا: «هو العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀-: «فإن من لوازم اسم (العلي): العلو المطلق، بكل اعتبار، فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات؛ فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه (العلي)» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر؛ فهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وبجميع صفات العظمة والكبرباء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف، وإليه فيها المنتهى» (^٥).\n_________\n(^١) معالم التنزيل (٥/ ٣٩٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٤٩).\n(^٣) المرجع السابق (٦/ ٣٥٠).\n(^٤) التفسير القيم (ص: ٣٥).\n(^٥) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).","vol":"2","page":46},{"text":"ثانيًا: معنى اسم الله (المتعالِ):\nقال ابن كثير -﵀-: «المتعال على كل شيء قد أحاط بكل شيء علمًا، وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب، ودان له العباد طوعًا وكرهًا» (^١).\nفالمتعال هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب ولا منازع\nله سُبْحَانَهُ، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] فلو فرضنا وجود إلهين اثنين متنازعين متشاكسين، مختلفين ومتضادين، وأراد أحدهما شيئًا خالفه الآخر، فلا بد عند التنازع من غالب وخاسر، فالذي لا تنفذ إرادته فهو المغلوب العاجز، والذي نفذت إرادته هو المتعالي القادر، وقد أحسنت الجن لما قالت: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣].\nقال ابن القيم -﵀-:\nهَذَا وَثَانِيهَا صَرِيحُ عُلُوِّهِ … وَلَهُ بِحُكْمِ صَرِيحِهِ لَفْظَانِ\nلَفْظُ العَلِيِّ وَلَفْظَةُ الأَعْلَى مَعْرِ … فَةً أَتَتْكَ هُنَا لِقَصْدِ بَيَانِ\nإِنَّ العُلُوَّ لَهُ بِمُطْلَقِهِ عَلَى التَّـ … عْمِيمِ والإِطْلَاقِ بِالبُرْهَانِ\nوَلَهُ العُلُوُّ مِنَ الوُجُوهِ جَمِيعِهَا … ذَاتًا وَقَهْرًا مِنْ عُلُوِّ الشَّانِ (^٢)\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٠٤).\n(^٢) النونية (ص: ٧٣).","vol":"2","page":47},{"text":"اقتران اسم الله (العَليِّ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيمِ):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحكيم).\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العَلِي) باسمه سُبْحَانَهُ (العظيمِ):\nتقدم بيانه في اسم الله (العظيم).\nثالثا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العَلِيِّ) واسمه سُبْحَانَهُ (المُتَعَالِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):\nاقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليِّ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):\nومن وروده ما يلي: يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].\nاقتران اسمه سُبْحَانَهُ (المُتَعَالِ) باسمه سُبْحَانَهُ (الكبيرِ):\nلم يرد إلا مرة واحدة، في قوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].\nوجه الاقتران فيهما:\nيقول السعدي -﵀-: «وهو (العلي) بذاته فوق جميع المخلوقات، وقهره لهم وعلو قدره؛ لما له من الصفات العظيمة الجليلة المقدار، (الكبير) في ذاته وصفاته، ومن علوه: أن حكمه تَعَالَى يعلو وتذعن له النفوس حتى نفوس المتكبرين والمشركين» (^١).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٧٨).","vol":"2","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-429>الآثار المسلكية للإيمان باسماء الله (العَلِي- الأعلى- المتعال):</span>\n<span data-type='title' id=toc-430>الأثر الأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (العلي، الأعلى، المتعال) من الصفات:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ هو العلي الأعلى المتعال، له جميع أنواع العلو بكمالها وتمامها، ومن أنكر شيئًا منها فقد ضل ضلالًا بعيدًا، ولإثبات أنواع العلو لله شواهد وأدلة، ومنها ما يلي:\nعلوُّ الذَّاتِ، فالله -﵎- مستو على عرشه، وعرشه فوق مخلوقاته، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢].\nوالله مستو على عرشه فوق عباده، كما قال -﵎-: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال عن عباده المؤمنين: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].\nومن عنده تتنزل الآيات، يقول تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤].\nوإليه تعرج وتصعد الملائكة، يقول تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].\nوإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].","vol":"2","page":49},{"text":"وفي إثبات علو الذات الإلهية يقول ابن القيم -﵀- في نونيته:\nفَهوَ العَلِيُّ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ … إِذْ يَسْتَحِيلُ خِلَافُ ذَا بَبَيَانِ\nوَهوَ الَّذِي حَقًّا عَلَى العَرْشِ اسْتَوى … قَدْ قَامَ بِالتَّدْبِيرِ لِلْأَكْوَانِ (^١)\nعلوُّ القهرِ والغَلَبِ، كما قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]، فلا ينازعه منازع، ولا يغلبه غالب، وكل مخلوقاته تحت قهره وسلطانه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد وصف الحق نفسه بصفات كثيرة، تدل على علو القهر والغلب كالعزيز، والقوي، والقدير، والقاهر والغالب، ونحو ذلك، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]،\nويقول سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].\nعلو المكانة والقدر، فله سُبْحَانَهُ كمال الحياة والدوام، وكمال الجمال والجلال، وكمال العلم والقدرة، وكمال الجود والرحمة، وكمال الحكمة، والحلم، فلله سُبْحَانَهُ المثل الأعلى والصفات العليا التي لا يستحقها غيره، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].\n_________\n(^١) النونية (ص ٢٠٣).","vol":"2","page":50},{"text":"فالله سُبْحَانَهُ هو الإله الواحد الأحد، وهو المتعال عن الشريك والمثيل والند والنظير، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].\nوفي إثبات كل أنواع العلو للعلي العظيم يقول ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ العَلِيُّ فَكُلُّ أَنْوَاعِ العُلُـ … ـوِّ لَهُ فَثَابِتَةٌ بِلَا نُكْرَانِ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-431>الأثر الثاني: توحيد الله باسمائه العلي الأعلى المتعال:</span>\n- دلالة أسماء الله العلي الأعلى المتعال على توحيد الربوبية والألوهية:\nإن من آمن أن الله سُبْحَانَهُ له كمال العلو بأنواعه وحده، علم أنه وحده العلي بذاته فوق كل خلقه، المسيطر عليهم بقهره وقوته وقدرته، المدبر لأمورهم بكمال علمه وحكمته ورحمته، وهو الذي له الأمر من قبل ومن بعد، فلا راد لأمره وقضائه، ولا تدبير إلا تدبيره، ولا يجري من الأقدار إلا ما أراده سُبْحَانَهُ، فهو الرب الخالق العلي المستحق للعبادة وحده دون سواه، يقول تَعَالَى في أعظم آية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢٠٣).","vol":"2","page":51},{"text":"ومن مقتضى الإيمان بعلو الله في ذاته، وقدره، وغلبته: أن يسبح المؤمن ربه عما لا يليق به تَعَالَى من قول المشركين، وأنه ينزه عن النقص بكل وجوهه مما يصفه به الملحدون، يقول تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\n- دلالة أسماء الله العلي الأعلى المتعال على توحيد الأسماء والصفات:\nفعقيدة المسلم إثبات العلو المطلق الكامل لله كما يليق بجلاله، دون تعطيل أو تحريف أو تأويل أو تشبيه، وقد ذكر ابن القيم -﵀- عددًا من النصوص المتنوعة المحكمة الدالة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده، ومنها:\nأحدها: التصريح بالفوقية، مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو، قال تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]\nالثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].\nالثالث: التصريح بالعروج إليه، نحو قوله تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقول النبي -ﷺ-: «ثم يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٢).","vol":"2","page":52},{"text":"الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\nالخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله تَعَالَى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\nالسادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].\nالسابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]\n﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].\nالثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩].\nالتاسع: التصريح بأنه سُبْحَانَهُ في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون «في» بمعنى «على»، وإما أن يراد بالسماء: العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره.\nالعاشر: التصريح بنزوله سُبْحَانَهُ كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل (^١).\n_________\n(^١) ينظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (٢/ ٢١٥).","vol":"2","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>الأثر الثالث: تعظيم العلي الأعلى المتعال سُبْحَانَهُ:</span>\n«فمن شهد مشهد علو الله على خلقه، وفوقيته لعباده، واستوائه على عرشه، كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق، وتعبد بمقتضى هذه الصفة، بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدى الملك العزيز، فيشعر بأن كلامه وعمله صاعد إليه، معروض عليه، مع أوفى خاصته وأوليائه، فيستحى أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك» (^١).\nوبذلك يثمر الإخلاص والتعظيم في قلبه لله تَعَالَى، فلا يخشى سواه ولايطلب الثواب من غيره سُبْحَانَهُ، ويكون ممن قال الله عنهم سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠].\nولذا فمن سنة الرسول -ﷺ- في سجود الصلاة قوله: «سبحان ربي الأعلى»، وعلل ذلك بأن السجود غاية في الخضوع والتذلل من العبد بأشرف شيء فيه لله- وهو وجهه- بأن يضعه على التراب؛ فناسب في غاية سفوله أن يصف ربه بأنه الأعلى؛ فالعبد ليس له من نفسه شيء، وليس له من العظمة نصيب؛ فهو خلق من العدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-433>الأثر الرابع: محبة العلي الأعلى المتعال:</span>\nفمتى استوطنت في نفس العبد معرفة الله تَعَالَى بأسمائه العلي الأعلى المتعال سُبْحَانَهُ، فعلم كماله من كل الوجوه، وتنزهه عن النقص من كل الوجوه، وأخلص له عالمًا أنه المرجو وحده، والمخوف وحده -﷾-؛\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٤٣).","vol":"2","page":54},{"text":"إذ تدبير أموره وأمور كل الخلق راجع إليه، ونظر فرأى كمال لطف العلي سُبْحَانَهُ ورحمته وحكمته في هذا التدبير، ورأى كمال قدرته وقوته، ورأى كمال عظمته وجلاله سُبْحَانَهُ، أورثه ذلك- مع الخضوع والإخبات لربه- محبة تنقدح في نفسه، وتنمو في روحه، وتزداد بازدياد معرفته بخالقه سُبْحَانَهُ؛ وذلك لأن العبد مجبول على حب من حظه من الصفات أعلاها وأتمها.\n\n<span data-type='title' id=toc-434>الأثر الخامس: من آمن بالأعلى سُبْحَانَهُ تواضَع:</span>\nفإن الإيمان بعلوه سُبْحَانَهُ وقهره لعباده، يورث في القلب تواضعًا وحياءً، وتعظيمًا لله تَعَالَى وأوامره ونواهيه، فإن أوتي العبد شيء من العلو في الدنيا فإنما هو علو نسبي، وبإعلاء الله له، فلا فضل له فيه ولا منة، يقول تَعَالَى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، كما علم أن الله الذي رفع منزلته وأعلى شأنه في الأرض قادر على أن يمحقه ويجعله من الأسفلين، يقول تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوعليه فيجب الحذر من العلو على الناس، واجتناب ظلم العباد والتكبر عليهم وقهرهم والعدوان عليهم، ولا ينجو من ذلك إلا من تذكر علو الله تَعَالَى وقهره، وأن العبد مهما علا وظلم وقهر فإن الله (العلي المتعال) فوقه يراه، وسيقتص للمظلومين ممن ظلمهم، وما من جبار علا في الأرض وتجبر إلا وقصمه الله تَعَالَى وأهلكه؛ ولذلك لما ذكر سُبْحَانَهُ علاج من يخاف نشوزها من الزوجات في سورة النساء ختم ذلك باسميه سُبْحَانَهُ (العلي) (الكبير)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي","vol":"2","page":55},{"text":"الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].\nيقول القاسمي -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]: «فاحذروه بتهديد الأزواج على ظلم النسوة من غير سبب؛ فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الإنصاف منكم، فالله سُبْحَانَهُ علي قاهر كبير قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدًا منهن، وأكبر درجةً منهن؛ فإن الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن، فختم الآية بهذين الاسمين فيه تمام المناسبة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-435>الأثر السادس: دعاء الله باسمه العلي الأعلى المتعال:</span>\nمن الأدعية المأثورة عن النبي -ﷺ- في الدعاء باسمه العلي، حديث عبادة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ- حِينَ يَسْتَيْقِظُ-: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ دَعَا: رَبِّ اغْفِرْ لِي، غُفِرَ لَهُ، قال الوليد: أو قال: دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^٢).\nفاللهم يا علي يا عظيم، وفقنا لما تحب وترضى.\n_________\n(^١) محاسن التأويل (٣/ ١٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤)، واللفظ لابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧٨).","vol":"2","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-436>العليمُ العالِمُ علَّامُ الغُيوب -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-437>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «… وعلمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته، وعالمت الرجل فعلمته، أعلمه بالضم: غلبته بالعلم … ورجل علامة، أي: عالم جدًّا، والهاء للمبالغة، كأنهم يريدون به داهيةً …». (^١)\nقال ابن فارس -﵀-: «(علم) العين واللام والميم أصل صحيح واحد، … والعلم: نقيض الجهل، وقياسه قياس العلم والعلامة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-438>ورود اسم الله (العليم - العالم - علام الغيوب) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورود اسم الله العليم في القرآن:\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) في القرآن الكريم مائةً وسبعًا وخمسين مرة، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].\nقوله -﷿-: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٩٩٠).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ١٠٩).","vol":"2","page":57},{"text":"قوله -﷿-: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].\nثانيًا: ورود اسم الله العالم في القرآن الكريم:\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (العالم) في القرآن الكريم ثلاثة عشر مرة، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢].\nقوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر: ٣٨].\nقوله -﷿-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦].\nثالثًا: ورود اسم الله علام الغيوب في القرآن:\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (علام الغيوب) في القرآن الكريم أربع مرات، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩].\nقوله -﷿-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].\nقوله -﷿-: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨].","vol":"2","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-439>ورود اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في السنة النبوية:</span>\nأولًا: ورود اسم الله (العليم) في السنة النبوية:\nورد اسم الله (العليم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عثمان بن عفان -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ» (^١).\nعن أبي سعيد الخدري -﵁-، أنه قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- ثلاثًا-، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا- ثلاثًا- أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٣٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٨) واللفظ له، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٨)، والنسائي، رقم الحديث: (٣٤٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٨٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١٦٤٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٧٧٥)، والترمذي، رقم الحديث: (الحديث: (٢٤٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٧٧٥). داود، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث: (١٣٠).","vol":"2","page":59},{"text":"ثانيًا: ورود اسم الله (العالم) في السنة النبوية:\nوورد اسم الله (العالم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -﵀-، قال: «سألت عائشة أم المؤمنين، بأي شيء كان رسول الله -ﷺ- يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال: اللهمَّ رَبَّ جِبرِيلَ ومِيكائِيلَ وإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عَالمَ الغَيبِ والشهادَةِ، أَنتَ تَحكم بَينَ عِبَادِكَ فيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ» (^١).\nعن أبي بكر الصديق -﵁-، قال: «يا رسول الله، مُرني بكلمات أقولهن إذا أمسيت وإذا أصبحت. قال: قُلْ: اللهمَّ فَاطِرَ السمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيب والشَّهادَةٍ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ ومَليكَهُ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا أَنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشيطانِ وشِرْكِهِ، قال: قُلهَا إذَا أصْبَحْتَ، وإذَا أمْسَيْتَ، وإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَك» (^٢).\nثالثًا: ورود اسم الله (علام الغيوب) في السنة النبوية:\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (علام الغيوب) في السنة النبوية، ومن وروده ما جاء في حديث جابر بن عبدالله -﵁-: قال: «كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا الاستخارة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧).","vol":"2","page":60},{"text":"في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ- ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللهمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-440>معنى اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]: «إنك أنت يا ربنا العليم من غير تعليم بجميع ما قد كان وما هو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك» (^٢)، وقال أيضًا: «إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر، وحق وباطل، وخير وشر، وما تستجنه مما لم تجنه بعد» (^٣).\nقال الزجاج -﵀-: «العليم والعالم بمعنى واحد … وحسن الإعادة لاختلاف معنييهما؛ لأن العليم فيه صفة زائدة على ما في العالم» (^٤).\nقال الزجاجي -﵀-: «العليم والعالم صفتان مشتقان من العلم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٩٠).\n(^٢) تفسير الطبري (١/ ٤٩٥).\n(^٣) المرجع السابق (١٥/ ٢٣٩).\n(^٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣٩).","vol":"2","page":61},{"text":"فالعالم اسم الفاعل من علم يعلم فهو عالم، والعليم من أبنية المبالغة في الوصف بالعلم …» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قالسُبْحَانَهُ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]». (^٢)\nقال الحليمي -﵀-: «ومنها العليم: لأن معناه: المدرك لما يدركه المخلوقون بعقولهم وحواسهم، وما لا يستطيعون إدراكه، من غير أن يكون موصوفًا بعقل أو حس، وذلك راجع إلى أنه لا يعزب عنه شيء، ولا يعجزه إدراك شيء، كما يعجز عن ذلك من لا عقل له ولا حسن من المخلوقين، ومعنى ذلك: أنه يشبههم ولا يشبهونه.\nومنها العلام: ومعناه العلام بأصناف المعلومات على تفاوتها، فهو يعلم الموجود، ويعلم ما هو كائن، وإنه إذا كان كيف يكون، ويعلم ما ليس بكائن، وأنه لو كان كيف كان يكون» (^٣).\nقال ابن كثير -﵀-: «﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الرعد: ٩] أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء» (^٤).\n_________\n(^١) اشتقاق أسماء الله الحسنى، للزجاجي (ص: ٥٠ - ٥٧).\n(^٢) شأن الدعاء (١/ ٥٧).\n(^٣) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٩).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٣٧).","vol":"2","page":62},{"text":"قال السعدي -﵀-: «الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار، والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات، والممكنات وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ العَلِيمُ بِمَا يُوَسْوِسُ عَبْدُهُ … فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نُطْقِ لِسَانِ\nبَلْ يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ الدَّانِي مَعَ الـ … قَاصِي وَذُو الإِسْرَارِ وَالإِعْلَانِ\nوَهوَ العَلِيمُ بِمَا يَكُونُ غَدًا وَمَا … قَدْ كَانَ والمعْلُوم فِي ذَا الآنِ\nوَبِكُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْـ … ـفَ يَكُونُ مَوْجُودًا لَدَى الأَعْيَانِ (^٢)\nاقتران اسم الله (العليم-العالم-علام الغيوب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (الحكيم):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحكيم).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٥).\n(^٢) نونية ابن القيم (ص: ٣٦).","vol":"2","page":63},{"text":"ثانيًا: اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (العزيز):\nتقدم بيانه في اسم الله (العزيز).\nثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الواسع):\nاقترن اسم الله العليم باسم الله (الواسع) في سبع آيات من القرآن الكريم، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].\nوذلك للدلالة على أن سعة فضله وعطائه وجوده؛ راجع إلى علمه بمن يستحق ذلك من خلقه، قال ابن القيم -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]: «… ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقهما، وهما: (الواسع)، (العليم)، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، ولا يضيق عنها عطاؤه؛ فإن المضاعِف واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق؛ فإنه عليم بمن تصلح له المضاعفة، وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها؛ فإن كرمه وفضله تَعَالَى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه» (^١).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (١/ ٥٤٠).","vol":"2","page":64},{"text":"رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (القدير):\nجاء اقتران اسم الله (العليم) باسم الله (القدير) في أربعة مواضع من كتاب الله، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠].\nوذلك للدلالة على كمال الله -﷿-؛ إذ «العلم بدون قدرة عجز، والقدرة بدون علم مظنة الإفساد والظلم والطغيان» (^١).\nخامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الفتاح):\nورد اقتران اسم الله (العليم) باسمه (الفتاح) مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].\n(والفتاح) له معنى عام يشمل فتح كل مغلق من الأسباب كالرزق والعلم، وله معنى خاص، كما هو المراد من آية (سبأ)، وهو الفصل والحكم الحق؛ ولذا فيقال- في وجه اقتران هذين الاسمين الجليلين-: «إنه إذا حمل الفتح على عموم معناه، فشمل فتح كل مغلق من الأسباب، كالرزق والعلم كان اقتران اسم (العليم) به دالًّا على كمال الفتح، وأنه يجري على مقتضى العلم، وفي ذلك صلاح العباد واستقامة أحوالهم، بخلاف ما لو كان فتحًا بغير علم، تَعَالَى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\n_________\n(^١) مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام، لنجلاء كردي (ص: ٤٣٣).","vol":"2","page":65},{"text":"وإذا أريد بالفتح: القضاء والحكم كان اقتران (الفتاح) بـ (العليم) دالًّا على كمال الفتح- أي: الحكم- مشيرًا إلى استقامته على العدل والقسط، فلا تميل به الأهواء، ولا ينحرف به الجهل، ومثل هذا الحكم جدير بأن يرهب ويخاف» (^١).\nسادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الخلاق):\nتقدم بيانه في اسم الله (الخالق الخلاق).\nسابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (السميع):\nتقدم بيانه في اسم الله (السميع).\nثامنًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الشاكر):\nتقدم بيانه في اسم الله (الشاكر الشكور).\nتاسعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الحليم):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحليم).\nعاشرًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (العليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الخبير):\nتقدم بيانه في اسم الله (الخبير).\nثانيًا: اقتران اسم الله (العالم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:\nلم يقترن اسم الله (العالم) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.\nثالثًا: اقتران اسم الله (علام الغيوب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:\nلم يقترن اسم الله (علام الغيوب) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ٦٣٨).","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-441>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (العليم- العالم- علام الغيوب):</span>\n<span data-type='title' id=toc-442>الأثر الأول: إثبات ما تتضمنه اسماء الله (العليم- العالم- علام الغيوب) من الصفات:</span>\nالله -﷿- العليم العالم، علام الغيوب الذي أحاط علمه بالعالم العلوي والسفلي، ووسع ما فيه من المخلوقات علمًا، فلا يخلو عن علمه ذات ولا حال ولا مكان ولا زمان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقال: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]. (^١)\nومن مظاهر سعة علمه سُبْحَانَهُ (^٢):\nشمول علمه وإحاطته لكل ما في السموات السبع، والأرضين السبع من المخلوقات والكائنات الصغيرة والكبيرة، والدقيقة والجليلة، الساكنة والمتحركة، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢]. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦٥)، والحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٧).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢١٦، وما بعدها).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٣١٩)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٣٦)، وفتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤٦)، والحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٣٧ - ٣٨)","vol":"2","page":67},{"text":"فيعلم العليم سُبْحَانَهُ ما في سمائه من الملائكة، على الرغم من كثرتهم، حتى قال -ﷺ- عنها: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله» (^١).\nويعلم العليم سُبْحَانَهُ ما في الأرض من البراري والقفار، وما فيها من الحيوانات، والأشجار، ويعلم ما فيها من البحار وحيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها، قال تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (^٢).\nإحاطة علمه بأحوال خلقه في جميع مراحلهم: قبل الخلق، وبعد الخلق في الحياة، والممات، والمعاد وما يكون من الجزاء في دار القرار، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nفعلم العليم قبل أن يخلق الخلق كل شيء كائن، علمه بكلياته وجزائيته وتفاصيله ودقائقه، وكتب ذلك كله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، عن عبدالله بن عمرو -﵁-، قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٩١٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣١٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٩٠). حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣١٢).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٥٩).\n(^٣) ينظر: شرح الأربعين النووية، لصالح آل الشيخ (ص: ٦٦).","vol":"2","page":68},{"text":"وعلم العليم بعد خلقهم جميع أمورهم، فيعلم ما في الأرحام من حمل كل إناث الحيوانات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، ويعلم هل هو ذكر أو أنثى، حسن أو قبيح، غني أو فقير، طويل الأجل أو قصير، شقي أو سعيد.\nويعلم العليم بعد خروجهم على وجه الأرض أعمالهم وأقوالهم الظاهرة والباطنة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].\nإحاطة علمه بالظواهر والبواطن، والإعلان والإسرار، بل علمه بما هو أخفى منها مما تنطوي عليه الصدور وتواريه، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].\nفيعلم العليم سُبْحَانَهُ ما يظهر من الأقوال ولو صدرت في آن واحد، ويعلم الأعمال ولو صغرت، خيرها وشرها، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] (^١).\nويعلم العالم سُبْحَانَهُ السر كعلمه بالجهر؛ فالكل سواء، والعامل في ظلمة الليل المدلهم كالعامل في وضح النهار سيان، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].\nويعلم سُبْحَانَهُ ما تكنه القلوب، وتخفيه الصدور من الإيمان والكفر والنفاق، وما تخفيه من النوايا الطيبة والخبيثة، والمقاصد الحسنة والقبيحة،\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٤١٤).","vol":"2","page":69},{"text":"وما تخفيه من أعمال القلوب الصالحة والفاسدة، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\nإحاطة علمه بما يصلح لخلقه من الأحكام الشرعية والقدرية، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]\nفيعلم ما يصلحهم من الشرائع التي تنتهي بهم إلى سعادة الدارين، والتي أرسل بها الرسل وأنزل بها الكتب، قال تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، وكثير من آيات الأحكام يختمها الله -﷿- بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤] كما في أحكام المواريث، والنكاح، والكفارات، والحدود، وغيرها، إشارة إلى أن هذه الأحكام إنما صدرت عن علم تام، وحكمة بالغة.\nويعلم ما يصلح لهم من الأقدار غنى وفقرًا، وصحة ومرضًا، وولدًا وعقمًا، ونحو ذلك؛ وبناء عليه قدَّر وقضى، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وهذا يظهر بجلاء في قصة الخضر مع موسى -﵇-؛ إذ قدر سُبْحَانَهُ لأصحاب السفينة واليتيمين ما فيه صلاح دنياهم، وقدر لوالدي الغلام ما فيه صلاح دينهم، وإن كان ظاهر الأمر في أوله شر وسوء (^١).\nإحاطة علمه بالأزمان كلها؛ فيعلم ما كان من الماضي، قال تَعَالَى عن قول فرعون وجواب موسى -﵇- له، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١ - ٥٢].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٨٥).","vol":"2","page":70},{"text":"ويعلم ما يكون في الحاضر، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]، ويعلم ما سيكون في المستقبل الذي لا نهاية له؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].\nويعلم سُبْحَانَهُ ما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].\nومن ذلك: علمه بمفاتح الغيب التي طوى علمها عن جميع خلقه، فلا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا بتعليمه إياه، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] (^١)، وفسرها رسول الله -ﷺ- فقال: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^٢).\nوما سبق كله دال على عظمة علم الله -﷿- وسعته، وأن الخلق من أولهم إلى آخرهم لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض هذه الصفة لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، فتبارك الرب الواسع العليم، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٦٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٧٨).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٥٩).","vol":"2","page":71},{"text":"ثم إن هذا ليس مقتصرًا على صفة العلم، بل كذا ذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته الأخرى لا يحيط الخلق بها، ولا يعلمون منها إلا ما أعلمهم العليم وأطلعهم عن طريق رسله وكتبه، قال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-443>الأثر الثاني: توحيد الله بأسمائه العليم العالم علام الغيوب:</span>\n- دلالة أسماء الله العليم، العالم، علام الغيوب، على توحيد الألوهية والربوبية:\nفأسماء الله: العليم، العالم، علام الغيوب؛ تدعو العباد إلى توحيد الله -﵎- بعلم الغيب؛ إذ لا يعلم الغيب إلا الله، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، ويقول -ﷺ-: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^٢).\nفالغيب خاص بعلام الغيوب، لا يشاركه في علمه أحد من خلقه ولو كان ملكًا أو نبيًّا، يقول تَعَالَى على لسان الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، ويقول أشرف الأنبياء والمرسلين -ﷺ- لما سأله أشرف رسول ملكي وهو جبريل -﵇- فقال: أخبرني\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٨٠).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":72},{"text":"عن الساعة؟ قال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (^١)، أي: كما أنه لا علم لك بها، فلا علم لي بها أيضًا (^٢).\nومن هنا فاختصاص الله وحده بعلم الغيب واطلاعه على كل شيء أكبر داع إلى توحيد العبادة، يقول تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٤ - ٦٥].\n- دلالة أسماء الله العليم العالم علام الغيوب على توحيد الأسماء والصفات:\nكما أن أسماء الله العليم العالم علام الغيوب تدل على توحيد الربوبية والألوهية، فهي تدل- أيضًا- على توحيد الأسماء والصفات، وتدل على عدد كبير منها كالبصير، والسميع، والقدير، والخبير، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-444>الأثر الثالث: تحريم إتيان من ادعى علم الغيب:</span>\nمن آمن بأسماء الله العليم العالم علام الغيوب؛ أيقن أن الكهان والعرافين ونحوهم لا يعلمون شيئًا من الغيب، وإنما يخبرون بما تمليه عليهم الشياطين والجن مما استرقوه من السمع؛ ولذلك جاء النهي عن سؤالهم والتغليظ في ذلك، يقول -ﷺ-: «وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨).\n(^٢) ينظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين (١/ ١٩٤).","vol":"2","page":73},{"text":"عَلَى مُحَمَّدٍ» (^١)، وقال -ﷺ-: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (^٢).\nولذا فمن ادعى علم الغيب، أو اعتقد أن أحدًا من الخلق يشارك لله في ذلك، فإنه كافر وفعله مناقض للإسلام؛ لما فيه من مصادمة النصوص وتكذيبها، يقول الشيخ ابن باز -﵀-: «فالكاهن من يزعم أنه يعلم بعض المغيبات، وأكثر ما يكون ذلك ممن ينظرون في النجوم لمعرفة الحوادث، أو يستخدمون من يسترقون السمع من شياطين الجن، كما ورد بالحديث الذي مر ذكره، ومثل هؤلاء من يخط في الرمل أو ينظر في الفنجان أو في الكف ونحو ذلك، وكذا من يفتح الكتاب؛ زعمًا منهم أنهم يعرفون بذلك علم الغيب، وهم كفار بهذا الاعتقاد؛ لأنهم بهذا الزعم يدعون مشاركة الله في صفة من صفاته الخاصة وهي علم الغيب، ولتكذيبهم بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقوله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقوله تَعَالَى لنبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾ [الأنعام: ٥٠]، ومن أتاهم وصدقهم بما يقولون من علم الغيب فهو كافر؛ لما رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه البزار، رقم الحديث: (٣٥٧٨)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم (٢٦٥٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٩٠٦)، حكم الألباني: صحيح، غاية المرام، رقم الحديث: (٢٨٤).","vol":"2","page":74},{"text":"قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ -ﷺ- …» (^١)» (^٢).\nوقد قسم الشيخ ابن عثيمين -﵀- سؤال العراف والكاهن ونحوهما إلى أقسام، فقال:\n«القسم الأول: أن يسأله سؤالًا مجردًا؛ فهذا حرام؛ لقول النبي -ﷺ-: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا)؛ فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه; إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.\nالقسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله؛ فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]\nالقسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث …\nالقسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبًا …» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٣٠٨)، والحاكم، رقم الحديث: (١٥)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٦٥٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٩٣٩).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٢/ ١٢٠).\n(^٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٥٣٣ - ٥٣٤).","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-445>الأثر الرابع: الرضا بأقدار العليم العالم علام الغيوب:</span>\nإن يقين العبد باسم ربه العليم العالم علام الغيوب وما فيه من العلم السابق للأشياء قبل وقوعها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ قبل خلقها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]- كله داع إلى التسليم والرضا والاطمئنان لحكم الله -﷿-، ولو كان مكروهًا للنفس، شديدًا عليها، لا سيما إذا ضم إليه اليقين بحكمة الله -﷿-، وأنه لم يقدِّر ما قَدَّر عبثًا ولا لهوًا ولا سفاهة وطيشًا.\nولهذا المعنى نجد أنبياء الله -﷿- يذكرون علم الله كعزاء لهم في ما يواجههم من المصائب والآلام، فهذا نبي الله يعقوب -﵇- يقول عند فقد أبنائه الثلاثة: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]، ولما عاتب الله نوح -﵇- على سؤاله لابنه، قال معتذرًا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].\nونجد الله -﷿- يختم الآيات التي يذكر فيها تفاوت أرزاق الناس بعلمه سُبْحَانَهُ، كما في قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢].\nوإن من التسليم لقدر الله واختياره المبني على علم «دعاء الاستخارة»؛ إذ فيه التسليم لله وتفويض الحكم والاختيار إليه؛ لتمام علمه وخبرته وقدرته.","vol":"2","page":76},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «ولما كان العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من المصلحة، وقدره عليه وتيسره له، وليس له من نفسه شيء من ذلك، بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم وقدرته منه، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز، وتيسيره منه، فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد أقداره؛ أرشده النبي -ﷺ- إلى محض العبودية، وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب القدرة منه؛ فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه، فإن لم ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه.\nثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويسره له من فضله؛ فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له، ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به، فإنه قد يهيء له ما يكرهه؛ فيظل ساخطًا، ويكون قد فضّله الله به.\nقال عبد الله بن عمران -﵀-: الرجل ليستخير الله، فيختار له، فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خار له …\nقال الحسن -﵀-: لا تكرهوا النقمات الواقعة، والبلايا الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك» (^١).\nكما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ولكن كثير من\n_________\n(^١) شفاء العليل، لابن القيم (ص: ٣٤).","vol":"2","page":77},{"text":"الناس على خلاف هذا، فتجد الواحد منهم يستخير ثم يحدث المقدور على خلاف ما يحب ويشتهي، فيسخط على ربه، ولا يرضى بحكمه، مع أن مقتضى الاستخارة التي لهج بها خلاف ذلك؛ إذ هي توكيل لله العليم الخبير بالأمر؛ ومن ثم الرضى بحكمه والتسليم إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-446>الأثر الخامس: التسليم لشريعة العليم العالم علام الغيوب، والرضى بها:</span>\nإذا تيقن العبد اسم ربه العليم العالم علام الغيوب، وما فيه من تمام العلم بالخلق، وتمام الخبرة بما يصلح لهم من الأحكام والشرائع، كما قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]، وختم كثير من آيات الأحكام باسمه «العليم الحيكم» كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، وقوله سُبْحَانَهُ بعد أن ذكر أحكام الاستئذان: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨]، وقوله تَعَالَى بعد أن ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]؛ دفعه هذا إلى التسليم والرضى بحكم الله الشرعي، سواء كان أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، بل ويدعوه- أيضًا- إلى الفرح والاغتباط بحكمه؛ لأنه من لدن حكيم عليم.\nثم إن التسليم لحكم الله الشرعي والفرح به يقتضي الحكم به، والتحاكم إليه، وسلامة القلب من الحرج منه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ","vol":"2","page":78},{"text":"حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، بل ويقتضي- أيضًا- رفض ما سواها من السياسات الجائرة، والأقيسة الفاسدة، والأحكام الجاهلية، والسعي بالدعوة والجهاد في سبيل الله لإقامتها حتى يكون الدين كله لله، وينعم الناس بشريعة الله -﷿- المبرأة من الجهل، والظلم، والهوى، والنقص؛ لأنها من لدن حكيم عليم.\n\n<span data-type='title' id=toc-447>الأثر السادس: الثقة بكفاية العليم العالم علام الغيوب شر الأعداء:</span>\nإذا تأمل المسلم في اسم الله العليم العالم علام الغيوب، ثم نظر إلى أعداء الإسلام وتكالبهم، وعظم مكرهم وكيدهم، حتى أنهم يعملون الليل والنهار، وينفقون الأموال الطوال؛ حربًا على الإسلام وأهله- بعثت هذه الأسماء الكريمة في نفسه شعورًا بالاطمئنان واستقرار القلب، وثبوت القدم، والإقدام على مواجهة الاعداء ومقارعتهم من غير مهابة ولا وجل، وإنما ذلك لعلمه بأن المسلمين وإن قصر علمهم عن كيد عدوهم ومكرهم، إلا أن ربهم العليم القوي العزيز لا يخفى عليه من أمرهم خافية، وهو من ورائهم محيط وعليهم قدير، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، وقال تَعَالَى عن المنافقين: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ","vol":"2","page":79},{"text":"عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٦ - ٧٧].\nفسيكفي أهل الإسلام مكر عدوهم، كما كفى نبيه صالح -﵇- مكر قومه إذ قال الأشقياء منهم: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]، فكانت صيحة العذاب أسرع نزولًا عليهم من تنفيذ مكرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢] (^١).\nوسيكفيهم العليم، كما كفى عيسى -﵇- مكر اليهود، حينما خططوا ودبروا لقتله، بل مكر بهم سُبْحَانَهُ كما قال جل في علاه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥]. (^٢)\nوسيكفيهم كما كفى عبده ورسوله محمدًا -ﷺ- مكر كفار قريش، حينما تشاوروا في دار الندوة فيما يصنعون به -ﷺ- من الحبس والإيثاق، أو القتل، أو الإخراج من دارهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، حتى إذا اتفقوا على\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٠٦).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ١٣٢).","vol":"2","page":80},{"text":"قتله وترصدوا به -ﷺ- في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه؛ كادهم الله وكفى رسوله -ﷺ- مكرهم، فخرج من بين أظهرهم يذر التراب على رؤوسهم، بعد أن أعمى الله أبصارهم، قال تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (^١).\nوكفاه مكر يهود بني النضير، حينما خرج -ﷺ- إليهم في نفر من أصحابه يكلمهم في إعانته بالدية، إلا أن نفوسهم الخبيثة سولت لهم قتله -ﷺ-، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى، ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فجاء الوحي رسول الله -ﷺ- فقام من فوره وتوجه إلى المدينة، ثم أحاط مكرهم به وذاقوا عاقبته، فأجلوا من المدينة إلى الشام، ليس معهم من متاعهم إلا ما تحمله رواحلهم من غير السلاح، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: ٢ - ٣] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-448>الأثر السابع: إصلاح الباطن للعليم العالم علام الغيوب:</span>\nاسم الله العليم العالم علام الغيوب وما فيه من علم الله بالبواطن وما تخفيه الصدور، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]،\nوقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] يدفع العبد إلى\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣١٩)، والرحيق المختوم، للمباركفوري (ص: ١٤٦ - ١٤٨).\n(^٢) ينظر: الرحيق المختوم، للمباركفوري (ص: ٢٦٨ - ٢٧٠).","vol":"2","page":81},{"text":"الاهتمام بباطنه وإصلاحه بالتخلية والتحلية، فيخليه ويخلصه من آفات القلوب التي تخفى على الناس، ولكنها لا تخفى على الله -﷿- كالرياء، والنفاق، والشبه، والشكوك، والحسد، والغل، والعجب، والكبر، والخواطر الرديئة والوساوس الشيطانية، ونحو ذلك.\nقال ابن القيم -﵀-: «فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سُبْحَانَهُ ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك.\nالثاني: حياؤك منه.\nالثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.\nالرابع: خوفك أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.\nالخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته …» (^١).\nثم بعد هذه التخلية يحلي قلبه بالعبادات القلبية التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها من المحبة، والرجاء، والخوف، والخشية، والتعظيم، والمراقبة ونحوها من أعمال القلوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-449>الأثر الثامن: محبة العليم والعالم وعلام الغيوب:</span>\nفإن العبد إذا تيقن علم الله الشامل لكل شيء على وجه لا نقص فيه، ولا عيب معه؛ أثمر ذلك في قلبه حبًّا للعليم العالم علام الغيوب؛ إذ النفوس\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص: ١٧٥).","vol":"2","page":82},{"text":"جبلت على حب من له صفات الكمال، فكيف إذا كان كماله لا نقص فيه البتة، سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-450>الأثر التاسع: اتصاف العبد بطلب العلم:</span>\nإن اسم الله العليم العالم علام الغيوب يقتضي حب الله -﵎- للعلم والعلماء، كما قال ابن القيم -﵀-: «أحب الخلق إليه: من اتصف بمقتضيات صفاته، … عالم يحب العلماء وقادر يحب الشجعان، وجميل يحب الجمال» (^١)\nوهذا يدفع العبد إلى طلب العلم وسلوك طريقه؛ إذ هو من أهم الواجبات على العبد، فلا يمكن أن يعبد الرب بما شرع إلا بعد معرفته، ومعرفة دينه، ومعرفة ما يحبه ويرضاه، ومعرفة ما يكرهه ويسخطه.\nومن هنا كان للعلم وأهله المكانة العظيمة والمنزلة الشريفة التي يطول ذكرها، إلا أن منها على وجه الإيجاز:\n- رفعة الدرجة في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وعن عامر بن واثلة -﵁- أن: نافع بن عبد الحارث لقي عمر -﵁- بعسفان- وكان عمر -﵁- يستعمله على مكة فقال-: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله -﷿-، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم -ﷺ- قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^٢).\n_________\n(^١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ٣٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨١٧).","vol":"2","page":83},{"text":"- تفضيل العالم على العابد؛ فعن أبي أمامة الباهلي -﵁- قال: «ذُكر لرسول الله -ﷺ- رجلان؛ أحدهما: عابد، والآخر: عالم، فقال رسول الله: فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثم قال رسول الله -ﷺ-: إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» (^٢).\n- طلب المزيد منه دون غيره، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\n- تفضيل العلم على نوافل العبادات، قال ابن القيم -﵀-: «فإنه إذا كان كل من العلم والعمل فرضًا، فلا بد منهما كالصوم والصلاة، فإذا كانا فضلين- وهما النفلان المتطوع بهما- ففضل العلم ونفله خير من فضل العبادة ونفلها؛ لأن العلم يعم نفعه صاحبه والناس معه، والعبادة يختص نفعها بصاحبها، ولأن العلم تبقى فائدته وعلمه بعد موته، والعبادة تنقطع عنه» (^٣).\nوإنما هذه الفضائل لمن طلب العلم فعمل به ودعا إليه، وازداد به خشية، وتواضع له وللخلق، لا من طلبه فأداه علمه للكبر والفخر والمباهاة دون العمل والخشية.\nثم إن العلم ربما حمل صاحبه على الكبر والتعالي، إلا أن مما يعين على التواضع أن يتذكر العالم وطالب العلم أن علمه إنما هو بتعليم الله له، لا بحوله وقوته، قال تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال\n_________\n(^٢) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٢٦٨٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٩١١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٥).\n(^٣) مفتاح دار السعادة، ابن القيم (ص ١٢٠).","vol":"2","page":84},{"text":"سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥].\nويتذكر- أيضًا- أن ما أوتيه من العلم إنما هو قطرة من بحر علم الله، قال تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال الخضر لموسى -﵉- عندما رأى عصفورًا ينقر بمنقاره في البحر: «يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ البَحْرِ» (^١).\nفاللهم يا عليم يا عالم يا علام الغيوب، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٠١).","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-451>الغفورُ الغفَّارُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-452>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الغفر: التغطية، والغفر: الغفران، وغفرت المتاع: جعلته في الوعاء» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الغين والفاء والراء، عظم بابه الستر، ثم يشذ عنه ما يذكر، فالغفر: الستر، والغفران والغفر، يقال: غفر الله ذنبه غفرًا ومغفرة وغفرانًا …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-453>ورود اسم الله (الغفور والغفار) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) في القرآن الكريم في إحدى وتسعين آية في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩].\nقوله -﷿-: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].\nقوله -﷿-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٣٨٥).","vol":"2","page":86},{"text":"وأما اسمه سُبْحَانَهُ (الغفار) فقد ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].\nقوله -﷿-: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٦].\nقوله -﷿-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-454>ورود اسم الله (الغفور- الغفار) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الغفور) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه قال- لرسول الله -ﷺ-: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ -ﷺ-: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحيِمُ» (^١).\nوعن محجن بن الأدرع -﵁-، «أن رسول الله -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ،: فقال: قَدْ غُفِرَ له، قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثلاثًا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٥).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٩٧٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٩٨٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٩٨٥).","vol":"2","page":87},{"text":"عن واثلة بن الأسقع -﵁- قال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللهمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ، وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).\nوورد اسم الله (الغفار) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-455>معنى اسم الله (الغفور- الغفار) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيدور معنى اسم الله الغفور الغفار- في حقه تَعَالَى- حول ستر الذنوب.\nقال الزجاج -﵀-: «معنى الغفر- في حق الله سُبْحَانَهُ-: هو الذي يستر ذنوب عباده ويغطيهم بستره» (^٣).\nقال الخطابي -﵀-: «الغفار: الستير لذنوب عباده، والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته، ومعنى الستر في هذا: أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٢٦٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٢٠٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٩٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داد، رقم الحديث: (٣٢٠٢).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٥٣٠)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٧٦٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٠٦٦).\n(^٣) تفسير الأسماء الحسنى (ص: ٣٨).","vol":"2","page":88},{"text":"يهتك ستره بالعقوبة التى تشهره في عيونهم» (^١).\nقال الحليمي -﵀-: «الغافر: وهو الذي يستر على المذنب ولا يؤاخذه به فيشهره ويفضحه، ومنها الغفار: وهو المبالغ في الستر، فلا يشهر المذنب لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومنها الغفور: وهو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «(العفو- الغفور- الغفار): الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀- في النونية:\nوَهوَ الغَفُورُ فَلَوْ أَتَى بِقُرَابِهَا … مِنْ غَيْرِ شِرْكٍ بَلْ مِنَ العِصْيَانِ\nلَأَتَاهُ بِالغُفْرَانِ مِلْءَ قُرَابِهَا … سُبْحَانَهُ هُوَ وَاسِعُ الغُفْرَانِ (^٤)\nالفرق بين اسم الله الغفور، واسمه الغفار:\n«أن الغفور الذي يغفر الذنوب العظيمة، والغفار الذي يغفر الذنوب الكثيرة» (^٥)، وقيل: «الغفار: هو المبالغ في الستر، فلا يشهر المذنب لا في الدنيا\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص: ٥٢).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠١).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).\n(^٤) نونية ابن القيم (٢/ ٢٣١).\n(^٥) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":89},{"text":"ولا في الآخرة، والغفور: هو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته» (^١).\nاقتران اسم الله (الغفور - الغفار) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله الغفور باسم الله الرحيم:\nتقدم بيانه في اسم الله (الرحيم).\nثانيًا: اقتران اسم الله (الغفور- الغفار) باسم الله (العزيز):\nتقدم بيانه في اسم الله (العزيز).\nثالثًا: اقتران اسم الله (الغفور) باسم الله (العفو):\nتقدم بيانه في اسم الله (العفو).\nرابعًا: اقتران اسم الله (الغفور) باسم الله (الشكور):\nتقدم بيانه في شرح اسم الله (الشكور).\nخامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) باسمه سُبْحَانَهُ (الحليم):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحليم).\nسادسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغفور) باسمه سُبْحَانَهُ (الودود):\nومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٤].\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠١).","vol":"2","page":90},{"text":"يقول ابن القيم -﵀- في مناسبة هذا الاقتران: «وما ألطف اقتران اسم (الودود) بـ (الرحيم)؛ وبـ (الغفور)؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب تَعَالَى يغفر لعبده إذا تاب إليه؛ ويرحمه ويحبه مع ذلك» (^١)، وقال في موضع آخر: «إن الله تَعَالَى يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه، كما قال: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين»، فالتائب حبيب الله، والود أصفى الحب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-456>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغفور والغفار):</span>\n<span data-type='title' id=toc-457>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الغفور والغفار) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالغفور سُبْحَانَهُ يرخي ستره على عباده، ويغفر لهم، ويعفو عنهم، ويرحمهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وهو سُبْحَانَهُ الذي يفتح للعصاة من خلقه باب التوبة، ويدعوهم إلى الولوج فيه، فيبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وهو الذي يغفر الذنب مهما عظم إن تاب صاحبه منه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\nوفي هذه الآية بشارة ربانية عظيمة، مفادها: أنه مهما كان الذنب عظيمًا، ومهما كانت الخطيئة كبيرة لا تيأس ولا تقنط، بل أقبل على الغفور الغفار فهو\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن (ص: ١٢٤).\n(^٢) روضة المحبين (ص: ٤٧)","vol":"2","page":91},{"text":"وحده غافر الذنب وقابل التوب، وفي ذلك يقول النبي -ﷺ-: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ الله فَاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى الله، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ»، قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ (^١). فهذا قتل وأكثر، وتاب إلى الله فأدركته الرحمة فكيف بما دون ذلك من الذنوب؟!\nومغفرته سُبْحَانَهُ أعظم من كل ذنب، ففي الحديث القدسي: «قَالَ الله -﵎-: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٣١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٠).","vol":"2","page":92},{"text":"يقول علي بن أبي طالب -﵁-: «ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقال عبد الله بن عمر -﵄-: وهذه أرجى آية في القرآن، فرد عليهم ابن عباس -﵄-، وقال: أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾» (^١)،\nبل من فضله وجوده وكرمه: أن وعد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].\nفحري بالقلب أن يتعلق بالغفور الغفار سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، وينظر باستحياء لمظاهر مغفرته وعفوه، ويدعوه تضرعًا وخفية بأن يغفر الذنب ويقبل التوب.\nوكما أن اسم الله الغفور الغفار دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله العفو، والرؤوف، والرحمن، والرحيم، والمنان، والكريم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-458>الأثر الثاني: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾:</span>\nكل الذنوب تحت المشيئة في الآخرة، إن شاء الله غفر لأصحابها، وإن شاء عذبهم، إلا الشرك به سُبْحَانَهُ، فإنه لا يغفره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\n«وهذا وعيد بأنهتَعَالَى لم يجعل مغفرته لمن أشرك به، وقد قال العلماء في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]: إن في هذه الآية دليلًا\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٩).","vol":"2","page":93},{"text":"على أن المغفرة لا تكون لمن أشرك شركًا أكبر، أو أشرك شركًا أصغر؛ فإن الشرك لا يدخل تحت المغفرة، بل يكون بالموازنة، فهو لا يغفر إلا بالتوبة، فمن مات على ذلك غير تائب فهو غير مغفور له ما فعله من الشرك، وقد يغفر اللهتَعَالَى غير الشرك، كما قال تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجعلوا الآية دليلًا على أن الشرك الأكبر والأصغر لا يدخل تحت المشيئة.\nووجه الاستدلال من الآية: أن (أن) في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] موصول حرفي، فتؤول مع الفعل الذي بعدها وهو يشرك بمصدر- كما هو معلوم-، والمصدر نكرة وقع في سياق النفي، وإذا وقعت النكرة في سياق النفي عمت، قالوا: فهذا يدل على أن الشرك الذي نفي هنا يعم الأكبر والأصغر، والخفي، فكل أنواع الشرك لا يغفرها الله -جل وعلا- وذلك لعظم خطيئة الشرك؛ لأن الله -جل وعلا- هو الذي خلق، ورزق، وأعطى، وهو الذي تفضل، فكيف يتوجه القلب عنه إلى غيره؟! لا شك أن هذا ظلم في حق الله -جل وعلا- ولذلك لم يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر علماء الدعوة.\nوقال آخرون من أهل العلم: إن قوله تَعَالَى هنا: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾\n[النساء: ٤٨] دال على العموم، لكنه عموم مراد به خصوص الشرك الأكبر، فالمقصود بالشرك في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] هو: الشرك الأكبر فقط دون غيره، وأما ما دون الشرك الأكبر فإنه يكون داخلًا تحت المشيئة، فيكون بالعموم في الآية مرادًا به الخصوص؛ لأنه غالبًا ما يرد في القرآن هذا اللفظ: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ونحو ذلك، ويراد به الشرك الأكبر دون الأصغر، وهذا في الغالب- كما سبق- فالشرك غالبًا ما يطلق في","vol":"2","page":94},{"text":"القرآن على الأكبر دون الأصغر، ومن شواهد ذلك، قوله -جل وعلا-: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، فقوله في الآية: يشرك هو- أيضًا-: فعل داخل في سياق الشرط، فيكون عامًّا.\nلكن هل يدخل فيه الشرك الأصغر والخفي؟ الجواب: أنه لا يدخل بالإجماع؛ لأنه تحريم الجنة، وإدخال النار، والتخليد فيها، إنما هو لأهل الموت على الشرك الأكبر، فدلنا ذلك على أن المراد بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]\nأهل الإشراك بالله الشرك الأكبر، فلم يدخل فيه الأصغر، ولم يدخل ما دونه من أنواع الأصغر، فيكون المفهوم- إذًا- من آيتي سورة النساء كالمفهوم من آية سورة المائدة، ونحوها، وهذا كقوله تَعَالَى في سورة الحج ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ\nفَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].\nفهذا ونحوه وارد في الشرك الأكبر، ويكون- على هذا القول- المراد بما نفي هنا في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ﴾ [النساء: ٤٨] الشرك الأكبر.\nولما كان اختيار إمام الدعوة، كما هو اختيار عدد من المحققين: كشيخ الإسلام: ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما أن العموم هنا شامل لأنواع الشرك: الأكبر، والأصغر، والخفي؛ كان الاستدلال بهذه الآية صحيحًا؛ لأن الشرك أنواع، وإذا كان الشرك بأنواعه لا يغفر، فهذا يوجب الخوف منه أعظم الخوف، فإذا كان الشرك الأصغر: كالحلف بغير الله، وتعليق التميمة،","vol":"2","page":95},{"text":"والحلقة، والخيط، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر، كقولك: ما شاء الله وشئت، ونسبة النعم إلى غير الله، إذا كان ذلك لا يغفر فإنه يوجب أعظم الخوف كالشرك الأكبر.\nوإذا كان كذلك، فيقع في الخوف من الشرك من هم على غير التوحيد، كمن يعبدون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوجهون إلى غيره، ويذبحون وينذرون لغيره، ويحبون غير الله محبة العبادة، ويرجون غير الله رجاء العبادة، ويخافون خوف السر من غير الله، إلى غير ذلك من ألوان الشرك، فيكون هؤلاء أولى بالخوف من الشرك؛ لأنهم وقعوا فيما اتفق عليه: أنه لا يغفر.\nكما يقع في الخوف من الشرك أهل الإسلام الذين قد يقعون في بعض أنواع الشرك الخفي، أو الشرك الأصغر بأنواعه، وهم لا يشعرون أو وهم لا يحذرون» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-459>الأثر الثالث: الأنبياء يطلبون المغفرة من الغفور سُبْحَانَهُ:</span>\nمن تأمل سيرة صفوة الخلق وهم الأنبياء، وجدهم أكثر الناس توبة واستغفارًا، سواء لأنفسهم أولأممهم، ومن أمثلة ذلك وشواهده:\nقول الله على لسان آدم وزوجه -﵉-: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\nقول الله على لسان نوح -﵇-: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وكان من دعائه أيضًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح عبدالعزيز آل الشيخ (ص: ٤٥ - ٤٨).","vol":"2","page":96},{"text":"قول الله على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].\nقول الله على لسان موسى -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [طه: ١٥١]، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]\nقول الله على لسان داود -﵇-: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٤ - ٢٥].\nقول الله على لسان سليمان -﵇-: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]\nقول النبي -ﷺ-: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١)، وكانت عائشة -﵂- تصف حال النبي -ﷺ-، فتقول: «ما صلى النبي -ﷺ- صلاة بعد أن نزلت عليه قوله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها: سَبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (^٢)، وكان من دعائه -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٩٦٧).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).","vol":"2","page":97},{"text":"فإن كان هؤلاء الكرام الأصفياء يتضرعون إلى الله بخالص الدعاء، ويستغفرونه ويتوبون إليه؛ فحري بكل عبد دونهم أن يقتدي بهديهم، وأن يستن بسنتهم.\nومن أدعية الاستغفار الجامعة دعاء سيد الاستغفار، وهو مارواه شداد بن أوس -﵁-: عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، قال: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-460>الأثر الرابع: محبة الغفور الغفار سُبْحَانَهُ:</span>\nفالغفور الغفار سُبْحَانَهُ هو من أسدل الستر على الذنوب في الدنيا، وتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، فأظهر الجميل وستر القبيح بكرمه وجوده وفضله، ومن هذه صفاته فهو أحق بالمحبة الكاملة التامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-461>الأثر الخامس: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾:</span>\nإن المغفرة الواسعة صفة اتصف بها الغفور -﷿-، وأودع شيئًا منها في قلوب من يشاء من عباده، بل أمرهم بالتأدب بها، فقال تَعَالَى مخاطبًا نبيه -ﷺ- ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦).","vol":"2","page":98},{"text":"يقول السعدي -﵀- في تفسير هذه الآية: «يأمر تَعَالَى عباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي: لا يرجون ثوابه ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تَعَالَى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون، فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم، ثوابًا جزيلًا» (^١).\nلذلك يجب أن يتصف الإنسان بالمغفرة للعباد، والصفح عنهم الصفح الجميل، ومن غفر للناس غفر الله له، ومن تجاوز عنهم تجاوز الله عنه، والجزاء من جنس العمل، يقول -ﷺ-: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ الله لَكُمْ …» (^٢).\nوعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁- «أَنَّهُ حَرَسَ لَيْلَةً مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- بِالْمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ شَبَّ لَهُمْ سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهُ إِذَا بَابٌ مُجَافٍ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ فِيهِ أَصْوَاتٌ مُرْتَفِعَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁- وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَدْرِي بَيْتَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَهُمُ الْآنَ شَرْبٌ فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، نَهَانَا اللهُ -﷿- فَقَالَ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ فَقَدْ تَجَسَّسْنَا فَانْصَرَفَ عُمَرُ عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ» (^٣)، وهذا يدل على وجوب الستر، وترك التتبع.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧٧٦).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧١٦٢)، والطبراني في مسند الشاميين، رقم الحديث: (١٠٥٥)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦٨٤٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٤٨٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين، رقم الحديث: (١٨٠٦)، والحاكم، رقم الحديث: (٨٢٢٨)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (١٧٧٠٣).","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-462>الأثر السادس: التعرض لأسباب المغفرة:</span>\nفقد جعل الله سُبْحَانَهُ للمغفرة علامات ومبشرات، فمن رزقها يرجى أن يكون قد غفر له، ومن هذه الأسباب:\nالإسلام، فهو يكفر كل ما سبق من السيئات، يقول -ﷺ-: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ القَصَاصِ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، والسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا» (^١).\nالموت على التوحيد، يقول رسول الله -ﷺ-: قال الله -﷿-: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^٢).\nطاعة الله واتباع رسوله -ﷺ-، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].\nالأذان، يقول رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٨٠٠)، والنسائي، رقم الحديث: (٦٤٦)، حكم الألباني، صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٦٤٦).","vol":"2","page":100},{"text":"الذكر عند الأذان، فيقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤُذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا- غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» (^١).\nإحسان الوضوء، فيقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُج مِنْ تَحْتِ أَظَفاِرِهِ» (^٢).\nالصلاة، بقول رسول الله -ﷺ-: «أَرَأَيْتُم لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؛ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» (^٣).\nصلاة ركعتين بعد الوضوء، قال رسول الله -ﷺ-: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (^٤) زاد أحمد: «وَغُفِرَ لَهُ» (^٥).\nمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، يقول رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٨٦).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٤٥).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٦٦٧).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٤).\n(^٥) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٥٨٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٨٠٢).\n(^٦) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤١٠).","vol":"2","page":101},{"text":"الذكر دبر كل صلاة، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُر كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّر اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَام المائَةِ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (^١).\nقيام الليل، يقول رسول الله -ﷺ-: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ» (^٢).\nالصدقة، يقول رسول الله -ﷺ-: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (^٣).\nصيام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وكذا قيامه، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٤)، ويقول: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٩)، وابن خزيمة، رقم الحديث: (١١٣٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٤٦٦)، والحاكم، رقم الحديث: (١١٦٠)، حكم الألباني: حسن، الإرواء، رقم الحديث: (٤٥٢).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٥١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٦١٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (١٧٢٣)،، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٦١٤).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٠).\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٥٩).","vol":"2","page":102},{"text":"قيام ليلة القدر، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).\nصيام أيام خاصة تطوعًا، كصيام يوم عرفة، فيقول فيه رسول الله -ﷺ- وقد سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ-: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» (^٢)، كذلك صيام يوم عاشوراء، يقول فيه رسول الله -ﷺ- وقد سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ -: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» (^٣).\nالحج المبرور، فيقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٤).\nالعمرة، يقول رسول الله -ﷺ-: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (^٥).\nقول سبحان الله وبحمده، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٩٠١)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٦٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٦٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٨١٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٥٠).\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٧٧٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٤٩).\n(^٦) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩١).","vol":"2","page":103},{"text":"الصلاة على النبي -ﷺ-، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ» (^١).\nكفارة المجلس، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، فَقَالَهَا فِي مَجْلِسِ ذِكْرٍ كَانَتْ كَالطَّابَعِ يُطْبَعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَهَا فِي مَجْلِسِ لَغْوٍ كَانَتْ كَفَّارَتَهُ» (^٢).\nعيادة المريض، يقول رسول الله -ﷺ-: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-463>الأثر السابع: ثمرات الاستغفار:</span>\nإن العبد إن تاب إلى ربه، واستغفره وأناب إليه؛ أكرمه الله بكرامات عديدة، ومنحه عطايا جليلة، وأغدق عليه الثمرات النافعة في الدنيا والآخرة، ومنها:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢١٨٠)، والنسائي، رقم الحديث: (١٢٩٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٢٩٧).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٨٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٥٨٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٨١).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٠٩٨)، والحاكم، رقم الحديث: (١٢٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٧١٧).","vol":"2","page":104},{"text":"انشراح الصدر، يقول -ﷺ-: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١)، وقال -ﷺ-: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ الله لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (^٢).\nدواء شافي من الذنوب، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].\nرحمة الله للمستغفرين، يقول تَعَالَى على لسان شعيب -﵇-: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].\nجلب النعم عامة، يقول تَعَالَى على لسان نوح -﵇-: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾\n[نوح: ٩ - ١٢]. ويقول تَعَالَى على لسان هود -﵇-: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢].\nدفع العقوبة عن المستغفرين، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].\nحل المشاكل الصعبة والعويصة، يقول ابن القيم -﵀-: «وشهدت شيخ الإسلام إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨١٩)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥١٨).","vol":"2","page":105},{"text":"والاستغاثة بالله واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفق هذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من التوفيق، ومن حُرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» (^١).\nويمكن إيجاز كل هذه الثمرات بقول: إن المستغفرين وعدوا بالمتاع الحسن في الدنيا، والفضل العظيم في الآخرة، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]\nسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك، ونتوب إليك، اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لنا مغفرة من عندك، وارحمنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ١٣٢).","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-464>الغَنِيُّ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-465>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «غنى فهو غَنِيٌّ، وتغنى الرجل: أي استغنى وأغناه الله، وتغانَوا: أي استغنى بعضهم عن بعض» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الغين والنون والحرف المعتل أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على الكفاية، والآخر: صوت؛ فالأول الغنى في المال، يقال: غني يغنى غنى، والغَنَاء- بفتح الغين مع المد: الكفاية، يقال: لا يغني فلان غناء فلان، أي: لا يكفي كفايته، وغني عن كذا فهو غانٍ، وغني القوم في دارهم: أقاموا، كأنهم استغنوا بها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-466>ورود اسم الله (الغني) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغني) في كتاب الله ثماني عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣].\nقوله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٣٠٠).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨).","vol":"2","page":107},{"text":"قوله -﷿-: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-467>ورود اسم الله (الغني) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله الغني في السنة النبوية، ومن وروده فيها ما يلي:\n- عن عائشة -﵂- أنها قالت: «شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ، وَحَمِدَ اللهَ -﷿-، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ -﷿- أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثم قال: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللهِ فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ -ﷺ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١١٧٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١١٧٣).","vol":"2","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-468>معنى اسم الله (الغني) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الزجاج -﵀-: «الغني- في كلام العرب-: الذي ليس بمحتاج إلى غيره، وكذلك الله ليس بمحتاج إلى أحد، -جل وعلا- عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]، فالله -﷿- ليس بمحتاج إلى أحد فيما خلق ويخلق، ودبر ويدبر، ويعطي ويرزق، ويقضي ويمضي، لا رادَّ لأمره، وهو على ما يشاء قدير» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «الغني هو الذي استغنى عن الخلق، وعن نصرتهم وتأييدهم لملكه، فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء محتاجون، كما وصف نفسه تَعَالَى، فقال- عز من قائل-: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]». (^٢)\nقال الحليمي -﵀-: «إنه الكامل بما له وعنده، فلا يحتاج معه إلى غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة؛ لأن الحاجة نقص، والمحتاج عاجز عما يحتاج إليه إلى أن يبلغه ويدركه، وللمحتاج إليه فضل بوجود ما ليس عند المحتاج، فالنقص منفي عن القديم بكل حال، والعجز غير جائز عليه، ولا يمكن أن يكون لأحد عليه فضل؛ إذ كل شيء سواه خلق له، وبدع أبدعه لا يملك من أمره شيئًا، وإنما يكون كما يريد الله -﷿-، ويدبره عليه، فلا يتوهم أن يكون له مع هذا اتساع لفضل عليه» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٦٣).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ٩٢ - ٩٣).\n(^٣) الأسماء والصفات، للبيهقي (١/ ١٠١).","vol":"2","page":109},{"text":"قال السعدي -﵀-: «الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات؛ لكماله وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًّا؛ لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقًا قادرًا رازقًا محسنًا، فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، المغني جميع خلقه غنى عامًّا، والمغني لخواص خلقه مما أفاض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية» (^١).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوَهوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا … تِيٌّ لَهُ كَالجُودِ والإِحْسَانِ\nاقتران اسم الله (الغني) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الغني) باسم الله (الحليم):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحليم).\nثانيًا: اقتران اسم الله (الغني) باسم الله (الحميد):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحميد).\nثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الغني) باسمه سُبْحَانَهُ (الكريم):\nجاء هذا الاقتران مرة واحده في القرآن الكريم، وهو قول الله -﷿-: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٢٩).","vol":"2","page":110},{"text":"وجه الاقتران:\nأن الله غني عن الشكر، كريم يعطي عن كرم، لا عن ارتقاب للشكر على العطاء، وفي هذا يقول ابن القيم -﵀-: «الله سُبْحَانَهُ غني كريم، عزيز رحيم، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-469>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغني):</span>\n<span data-type='title' id=toc-470>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الغني) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالغني سُبْحَانَهُ هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه، والخلق جميعًا فقراء إلى إنعامه وإحسانه، فهو سُبْحَانَهُ لم يخلق خلقه ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه، ولا ليستأنس بهم من وحشة، ولا ليستكثر بهم من قلة، ولا لينصروه على عدو، ولكن خلقهم ليذكروه كثيرًا، ويعبدوه طويلًا، ويسبحوه بكرة وأصيلًا، فهو الذي لا يحتاج لأحد في شيء؛ لأنه المالك لكل شيء، المتصرف بمشيئته في خلقه أجمعين، خزائنه لا تنقص\nولا تنفد، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، ويقسم لكل مخلوق ما يخصه في رزقه، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر الغفاري -﵁-،\nأن النبي -ﷺ- قال - فيما روى عن الله -﷿- أنه قال-: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٤١).","vol":"2","page":111},{"text":"الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (^١).\nفالله غني بذاته عن كل ما سواه، ومن علامات ذلك الغنى:\nغناه سُبْحَانَهُ عن الطعام والشراب، وهي دلالة الاستغناء الذاتي، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].\nغناه سُبْحَانَهُ عن الزوجة والولد، وهذا يعني وحدانية الله المطلقة؛ ليس كما يسبه الكفار أصحاب عقيدة التثليث؛ فإن الحاجة إلى الزوجة والولد ضعف وافتقار، تَعَالَى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].\nغناه سُبْحَانَهُ عن خلقه، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته، فهو الغني عن عباداتهم، ومن ذلك:\nأ- غناه عن إيمانهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].\nب- غناه عن شكرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].\nجـ- غناه عن جهادهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).","vol":"2","page":112},{"text":"ويذكر الشيخ السعدي -﵀- من مظاهر غنى الله -﷿-، فيقول:\n«ومن كمال غناه وكرمه: أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم، وإسعافهم بجميع مراداتهم، ويؤتيهم من فضله ما سألوه، وما لم يسألوه.\nومن كمال غناه: أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًّا منهم ما سأله، وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرة.\nومن كمال غناه وسعة عطاياه: ما يبسطه على أهل دار كرامته من النعيم، واللذات المتتابعات، والخيرات المتواصلات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nومن كمال غناه: أنه لم يتخذ صاحبًا ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك، ولا وليًّا من الذل، وهو الغني الذي كمل بنعوته، وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته» (^١).\nوحري بمن عرف اسم الله (الغني) ومظاهر غناه وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده رزقه وبره وغناه.\n_________\n(^١) الحق الواضح، للسعدي (ص: ٤٧ - ٤٨).","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>الأثر الثاني: ليس كمثله سُبْحَانَهُ شيء في الغِنى:</span>\nالله -﵎- له صفات الكمال والجلال، ليس كمثله شيء في غناه:\nوهذا من وجوه:\nالأول: كثرة ما عند الله:\nقال تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠].\nقال ابن كثير -﵀- في هذه الآية-: «أي: هو الخالق للأشياء المالك لها، المتصرف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره، وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير، ولا عديل ولا والد، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه» (^١).\nالثاني: غناه دائم:\nفما من مخلوق أصبح غنيًّا إلا بعد فقر، أو تكون عاقبته إلى فقر، أو يفني المال وصاحبه، أما الله -ﷻ- فغناه دائم لا يفنى أبدًا، قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].\nالثالث: غناه ذاتي:\nأي: أن غنى الله في ذاته، وليس فيما يراه الناس من الملك في السماوات والأرض، فإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، ولكن غنى الخلق إنما يكون بما يمتلكون من ثروات وأموال، فكل من وُصف بالغنى من الخلق فإنما يحتاج إلى ما يملك، أما الله -ﷻ- فإنما يحتاج كل ملكه وكل خلقه إليه،\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٦).","vol":"2","page":114},{"text":"فلا يحتاج الله إلى العرش ولا حملته، ولا الكرسي وعظمته، ولا يحتاج إلى ميكائيل ليرزق الخلق، ولا إلى جبريل لتبليغ رسالته، بل كل هؤلاء وغيرهم من خلق الله يحتاجون إليه من كل الوجوه، وهو غني عنهم من كل الوجوه.\nالرابع: غناه مطلق:\nفإن الخلق يحتاجون إلى ما تقوم به أبدانهم وأرواحهم، وهذا يجعلهم فقراء إلى رزق الله من كل الوجوه؛ فإنهم فقراء إلى الطعام وإلى الشراب، والنفس والروح والسعادة والزوجة والولد، والسمع والبصر … هذا فقر مطلق إلى الله الذي بيده هذه النعم وغيرها مما لا غنى عنه للخلق، أما الله -ﷻ- فإنه غني عن ذلك كله، بل وعن كل ما سواه؛ لذلك فإن غنى الله غنًى مطلق، وكل العباد فقرهم إلى الله فقر مطلق.\n\n<span data-type='title' id=toc-472>الأثر الثالث: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾:</span>\nإن الفقر إلى الله سُبْحَانَهُ هو عين الغنى به، فأفقر الناس إلى الله أغناهم به، وأذلهم له أعزهم به، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله، وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله، والغنى بالله مع الفقر إليه متلازمان متناسبان، فالغنى على الحقيقة لا يكون إلا بالله الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر، كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع (^١).\nيقول ابن القيم -﵀-: «إن الله هو الغني المطلق، والخلق فقراء محتاجون إليه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، بين سُبْحَانَهُ في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم\n_________\n(^١) انظر: طريق الهجرتين (ص: ٥٩).","vol":"2","page":115},{"text":"لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيًّا حميدًا ذاتي له، فغناه وحمده ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب سُبْحَانَهُ لذاته لا لأمر أوجب غناه، وفقر العباد إلى ربهم فقران:\nالأول: فقر اضطراري، وهو فقر عام، لا خروج لبر ولا فاجر عنه، وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا، ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا، ومصنوعًا.\nالفقر الثاني: فقر اختياري، وهو فقر الخشية والطاعة وذلة العبودية، وهو نتيجة علمين شريفين؛ أحدهما: معرفة العبد لربه، والثاني: معرفته بنفسه، فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا فقرًا هو عين غناه، وعنوان فلاحه وسعادته، وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق، عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة، عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام، عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومَن عرف ربه بالعلم التام والحكمة التامة، عرف نفسه بالجهل.\nفإن الله تَعَالَى قد أخرج العبد من بطن أمه ضعيفًا مسكينًا، جاهلًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]،\nوسخر له ما في البر والبحر مما يصلحه ويعينه على أمر دينه ودنياه، فلما شعر بأن له قدرة على السعي، واستطاعة على التدبير ظن المسكين أن له نصيبًا من الملك، وادعى لنفسه ملكًا مع الله سُبْحَانَهُ، ورأى نفسه بغير هذا الضعف","vol":"2","page":116},{"text":"الأول الذي كان عليه، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة؛ حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأن ذلك شخص غيره، كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي (أن النبي -ﷺ- بَزَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللهُ: ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدلْتُكَ، مَشيتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي، قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ) (^١).\nومن هنا خُذِل مَن خُذِل، ووُفِّقَ مَن وُفِّقَ، فحُجِبَ المخذول عن حقيقته ونسي نفسه، فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وعتا؛ فحقت عليه الشقوة، قال تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، وقال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ١٠]، فأكملُ الخلق أكملُهم عبودية، وأعظمهم شهودًا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين» (^٢).\nفالله -ﷻ- غني عن العلائق والروابط والصلات، فصلته بخلقه صلة رب رزاق لعباد محتاجين، وصلته بهم صلة عطاء وتفضل بعد خلق وإيجاد، أما صلة الخلق به سُبْحَانَهُ فصلة افتقار لرزقه وانتفاع بما عنده، فالعبد يدعو والله يجيب، والخلق يحتاجون والرزاق يعطيهم، والعباد يفتقرون والغني\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨١٢٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٧٠٧)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١١٤٣).\n(^٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٨ - ١٠) بتصرف.","vol":"2","page":117},{"text":"يغنيهم، وإذا قدموا شيئًا من أموالهم فإنما هم الذين ينتفعون بها، ويجازيهم بأضعاف ما عملوا، ويزيدهم من فضله.\n\n<span data-type='title' id=toc-473>الأثر الرابع: محبة الغني سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- هو الغني غنًى كاملًا مطلقًا من كل الوجوه، فهو المستغني عن العالمين، وجابر حاجة الفقراء والمساكين، لا يترك من تعلق ببابه ووقف بجنابه بدون غنى، فهو مع غناه وعزته ذو رحمة بالغة، والنفس بطبيعتها تحب صفات الكمال والجلال في الصفات، ولذا فإن العبد المسلم يتعلق ويزداد محبة للغني كلما زادت معرفته له سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-474>الأثر الخامس: افتقار رسول الله -ﷺ- إلى ربه:</span>\nلقد كان النبي -ﷺ- أعظم الناس افتقارًا إلى ربه، وكان يقول: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (^١).\nفهو يعلم أن قلبه الذي بين جنبيه بيد الرحمن -﷿- لا يملك منه شيئًا، وأن الله سُبْحَانَهُ يصرفه كما يشاء، وكان يدعو: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِيْنِكَ» (^٢)، بدلالة قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]؛ فضرورته إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وحسب قربه منه ومنزلته عنده.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٧٥٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٩٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٩٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٢٩٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢١٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٤٠).","vol":"2","page":118},{"text":"فأصبح - بهذا النوع من الافتقار- سيد ولد آدم، وصاحب لواء الحمد، وأول من تفتح له الجنة، وصاحب المقام المحمود، وأسري به في السماوات السبع؛ لأنه كان كامل العبودية، وكامل الافتقار لربه، قال تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، واستحق أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ففي حديث الشفاعة: «أن المسيح يقول لهم: ائْتُوا مُحَمَّدًا -ﷺ-: عَبْدًا غَفَرَ الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (^١) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-475>الأثر السادس: الغنى غنى النفس:</span>\nفمن أغناه الله من فضله، ووهبه الغنى الحقيقي بأن يخضع لربه، ويتواضع لخلقه، ويعلم أنه مستخلَف في أرضه، مبتلى في ملكه، فرد الفضل لربه، وشكره على نعمه؛ لعلمه بأن الغنى غنى النفس، يقول -ﷺ-: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (^٣)، ويقول أيضًا: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» (^٤)، وفي صحيح البخاري من حديث الحسن أنه قال: «حدثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله -ﷺ- أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٤٧٦).\n(^٢) ينظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ١٠).\n(^٣) أخرجه البخارى، رقم الحديث: (٦٤٤٦)، أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٥١).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٢١٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٠٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٠٥).","vol":"2","page":119},{"text":"أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ والهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى والخَيْرِ، فَيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- حُمْرَ النَّعَمِ» (^١).\nولا يمنع ذلك الأخذ بالأسباب طلبًا للغنى والفضل، والتقوي على طاعة الله، وحفظ النعمة، وإغناء الفقراء من فضل الله، مع ملازمة الاعتقاد بأن في القلب فاقة عظيمة، وضرورة تامة وحاجة شديدة، لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى القلبي، الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، فكما أنه سُبْحَانَهُ الغنى على الحقيقة ولا غنى سواه، فالغنى به هو الغنى في الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة، فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة، وحَضَرَهُ كل سرور وفرح.\nفما أسعد من تعفف عن الناس واستغنى بربه سُبْحَانَهُ في قضاء حوائجه وطلب رزقه، قال -ﷺ-: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِي أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-476>الأثر السابع: للغنى أسباب تطلب:</span>\nالغنى والعطاء بيد من له ملك الأرض والسماء، فلا يغتني أحد إلا بإذنه، ولا يُرزق أحد إلا من عطائه، أمر عباده بصدق التوكل عليه واليقين بما لديه، مع تمام بذل أسباب الغنى والعطاء، ومن أسباب نيل الغنى ما يلي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٩٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٣).","vol":"2","page":120},{"text":"١ - التفرغ للعبادة:\nيقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى» (^١)، والمراد من التفرغ للعبادة: «إيثارها على حظوظ الدنيا والإتيان بما أمر به منها، فلا تلهيه عن ذكر الله، لا أنه لا يفعل إلا العبادة» (^٢).\nومن هنا يفهم أن الشرع ينهى عن انقطاع العبد عن طلب أسباب رزقه بحجة الاعتكاف في مصلاه، وإنما المراد: ألا يلهيه طلب الرزق عن عبادة الله، بل إن من اعظم أسباب الرزق والغنى الإقبال على عبادة الله، يقول السعدي -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]: «وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره، فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه، لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على ﴿ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾، بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه» (^٣).\n٢ - تقوى الله -﷿-:\nيقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٨١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٦).\n(^٢) التنوير شرح الجامع الصغير، الكحلاني (٣/ ٤١٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٥٦٩).","vol":"2","page":121},{"text":"بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، ويقول النبي -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخرة هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، …» (^١)، وكان أصحاب النبي -ﷺ- ينصح بعضهم بعضًا بثلاثة أمور، فيقولون: «من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله الذي بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن اهتم بآخرته كفاه الله أمر دنياه» (^٢).\n٣ - الاستغفار:\nيقول تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]،\nوعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (^٣).\n٤ - إنزال الفاقة بالله تعالى:\nيقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ -﷿-، أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالغِنَى، إِمَّا أَجَلٌ عَاجِلٌ، أَوْ غِنًى عَاجِلٌ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٥٩٠)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥).\n(^٢) الزهد، لوكيع (٥٢٥).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٩٤٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٦٤٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٥).","vol":"2","page":122},{"text":"٥ - المتابعة بين الحج والعمرة:\nيقول النبي -ﷺ-: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإِنَّهُما يَنْفِيَانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ …» (^١).\n٦ - إرادة الزواج تعففًا:\nيقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، قال أبو بكر الصديق -﵁-: «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح؛ ينجز لكم ما وعدكم من الغنى» (^٢)، وعن ابن مسعود -﵁- قال: «التمسوا الغنى في النكاح» (^٣).\n٧ - الاستغناء بالله عن الخلق:\nيقول النبي -ﷺ-: «… مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ» (^٤)، وقال النبي -ﷺ-: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٧٤٣)، والنسائي، رقم الحديث: (٢٦٣٠)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٨٨٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٢٦٣٠).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٧٣).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٥١).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٤٦)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥١).","vol":"2","page":123},{"text":"٨ - صلة الرحم:\nيقول رسول الله -ﷺ-: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١).\n٩ - الزكاة والصدقة:\nيقول رسول الله -ﷺ-: «مَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ لِصَدَقَةٍ أَوْ صِلَةٍ إِلَّا زَادَهُ الله -﷿- بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ الله بِهَا قِلَّةً» (^٢).\n١٠ - الدعاء:\nعن أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- كان يقول: «إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ يَنْزِلُ اللهُ -﷿- إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ» (^٣)، وعن سلمان -﵁-، قال: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ -﵇- قَالَ: وَاحِدَةٌ لِي وَوَاحِدَةٌ لَكَ وَوَاحِدَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لِي فَتَعْبَدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَكَ فَمَا عَمِلْتَ مِنْ شَيْءٍ جَزَيْتُكَ بِهِ، وَأَنْ أَغْفِرَ فَأَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ؛ وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٨٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٧).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٧٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٣١٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٦٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٦٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٢٨٢٩). حكم الألباني: صحيح دون جملة الاسترزاق، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٩١٥).","vol":"2","page":124},{"text":"وَبَيْنَكَ فَمِنْكَ الْمَسْأَلَةُ وَالدُّعَاءُ وَمِنِّي الْإِجَابَةُ وَالْعَطَاءُ» (^١).\n١١ - السعي لطلب الرزق:\nقال النبي -ﷺ-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-477>الأثر الثامن: للفقر أسباب تجتنب:</span>\nكما أن هناك أسبابًا للعطاء والغني، فكذلك توجد أسباب أخرى من تعرض لها حُرِم العطاء، ومن هذه الأسباب:\n١ - معصية الله تعالى:\nجاء في الأثر: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» (^٣).\nوقد قال النبي -ﷺ-: «إِنَّ رُوحُ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٦١٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٠٧٦)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٠٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٤٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٤٤).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٨٢١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٠٢٢)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٤٥٢).\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية، رقم الحديث: (١٠/ ٢٦)، والبغوي في شرح السنة، رقم الحديث: (٤١١٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٠٨٥).","vol":"2","page":125},{"text":"٢ - سؤال الناس:\nقال رسول الله -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قال: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» (^١).\nوقال -ﷺ-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا باللهِ -﷿-، أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالغِنَى، إِمَّا أَجَلٌ عَاجِلٌ، أَوْ غِنًى عَاجِلٌ» (^٢).\n٣ - أكل الربا:\nقال تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].\nقال ابن كثير -﵀-: «يخبر الله تَعَالَى أنه يمحق الربا يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعدمه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، وعن ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ-: (الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ) (^٣)» (^٤).\n٤ - الكذب:\nعن حكيم بن حزام -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٠٣١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (٣٨٣١)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٢٧٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٢٧٩).\n(^٤) تفسير ابن كثير (١/ ٣١٠).","vol":"2","page":126},{"text":"مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (^١).\n٥ - الحلف في البيع:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (^٢)، وعن أبي قتادة -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ» (^٣).\n٦ - منع الزكاة:\nعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَمْ يَمْنَعْ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (^٤).\n٧ - ترك الحكم بما أنزل الله:\nفإن من فعل ذلك فقد خالف الغني في حكمه فأفقرهم؛ عن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «خَمْسُ بِخَمْسٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قال: مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الله إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الْفَقْرُ، وَلَا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْفَاحِشَةُ إِلَّا فَشَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٠٧٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٥٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٢٠٨٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٠٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٠٧).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٠١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٣٠٤٢)، وأبو نعيم في الحلية، رقم الحديث: (٣/ ٣٢٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٢٠٤).","vol":"2","page":127},{"text":"فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا طفَّفُوا الْمِكْيَالَ إِلَّا مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَلَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّا حُبِسَ عَنْهُمُ الْقَطْرُ» (^١).\n٨ - الاهتمام بالدنيا دون الآخرة:\nقال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ الله عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الآخرة نِيَّتَهُ، جَمَعَ الله لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» (^٢)، وعليه فإن غض الطرف عن زينة الدنيا من أسباب الرزق ودوامه، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، ويروى أن عروة بن الزبير -﵁- أنه كان إذا رأى شيئًا من أخبار السلاطين وأحوالهم، بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] … الآية ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله، ويصلي (^٣).\nاللهم إنا نعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة، رب قنعنا بما رزقتنا، وبارك لنا فيه، واخلف علينا كل غائبة لنا بخير.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٠٩٩٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٢٤٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥).\n(^٣) تفسير القرطبي (١١/ ٢٦٣).","vol":"2","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-478>فاطرُ السماواتِ والأرض -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-479>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «والفطر أيضًا: الشق، يقال: فطرته فانفطر، … وتفطر الشيء: تشقق، وسيف فطار، أي: فيه تشقق …، والفطر: الابتداء والاختراع، قال ابن عباس -﵄-: كنت لا أدرى ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ حتى أتانى أعربيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الفاء والطاء والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، من ذلك الفطر: من الصوم ....» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-480>ورود اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (فاطر السماوات والأرض) ست مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\n١ - قوله -﷿-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].\n٢ - قوله -﷿-: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].\n٣ - قوله -﷿-: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٣٤٥).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٥١٠).","vol":"2","page":129},{"text":"فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n\n<span data-type='title' id=toc-481>ورود اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -﵀-، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ\nأُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللهمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١).\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: «قُلْ: اللهمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قال: قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٩٢)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٤٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧).","vol":"2","page":130},{"text":"٣ - عن ابن مسعود -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-، قال: «اللهمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي، تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وَتُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا، تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، إِلَّا قَالَ الله لِمَلَائِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَأَوْفُوهُ إِيَّاهُ، فَيُدْخِلُهُ الله الْجَنَّةَ» (^١)، قال أحمد شاكر: إسناده ضعيف (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-482>معنى اسم الله (فاطر السماوات والأرض) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال السدي وقتادة -رحمهما الله-، وغيرهما في قوله تَعَالَى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]: «خالق السماوات والأرض» (^٣).\nقال الطبري -﵀-: «﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما» (^٤).\nوقال الحليمي -﵀- في معنى الفاطر: «إنه فاتق المرتتق من السماء والأرض، قال الله -﷿-: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٩٩٣)، والحاكم، رقم الحديث: (٣٤٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٧١).\n(^٢) تحقيق أحمد شاكر على المسند (٤/ ٨٣).\n(^٣) تفسير الطبري (٩/ ١٧٥، ١٧٦).\n(^٤) المرجع السابق (١١/ ٢٨٣).\n(^٥) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٤).","vol":"2","page":131},{"text":"قال الخطابي -﵀-: «الفاطر: هو الذي فطر الخلق: أي: ابتدأ خلقهم، كقوله تَعَالَى: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، ومن هذا قولهم: فطر ناب البعير، وهو أول ما يطلع» (^١).\nقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] «الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء وإلهه ومليكه» (^٢).\nقال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: «﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته» (^٣).\nاقتران اسم الله (فاطر السماوات والأرض) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله فاطر السموات والأرض بأي اسم من أسماء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-483>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (فاطر السماوات والأرض):</span>\n<span data-type='title' id=toc-484>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (فاطر السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- فاطر السموات والأرض الذي خلقها وأبدعها على غير مثال\n_________\n(^١) شأن الدعاء (١/ ١٠٣).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٨٢).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٧٥٤).","vol":"2","page":132},{"text":"سابق، يقول تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، وفي بيان مظاهر ذلك ما يلي:\nأنه سُبْحَانَهُ فطر السماء والأرض في ستة أيام، وفطر الأرض الكثيفة العظيمة، في يومين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ثم بسطها في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، ترسيها عن الزوال والتزلزل، فكمل خلقها، وأخرج أقواتها، وتوابع ذلك قوله تَعَالَى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]، ثم بعد أن خلق الأرض خلق السماء ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر في يومين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] (^١).\nكل ذلك من غير تعب، ولا نصب، ولا إعياء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. (^٢)\nفطر الأرض وبسطها، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٩ - ٢٠] فسهلها غاية التسهيل؛ ليستقر الخلائق على ظهرها، وأودع فيها من المنافع والمصالح لهم ما أودع، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، فأخرج منها الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، وأنواع الصنائع والتجارات، وشق فيها الأنهار\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٥).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٠٧).","vol":"2","page":133},{"text":"والعيون، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، وأنواع الحيوانات، وسخر ذلك كله لبني آدم، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] (^١).\nوفطر السموات «السبع على عظمها، وسعتها، وكثافتها، وارتفاعها الهائل، قال تَعَالَى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] أي: ليس لها عمد، ولو كان لها عمد لرئيت، وإنما استقرت واستمسكت، بقدرة الله تَعَالَى» (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].\nفطر السموات وزينها «بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة» (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥].\nفطر السموات قال تَعَالَى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ [النازعات: ٢٩] أي: أظلمه، فعمت الظلمة جميع أرجاء السماء، فأظلم وجه الأرض، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩] أي: أظهر فيه النور العظيم، حينما أتى بالشمس التي جعلها ضياء، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] (^٤) فـ «جعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كما قال تَعَالَى:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣١٦)، تفسير السعدي (ص: ٧٧٦، ٩٢٢).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٦٤٧).\n(^٣) المرجع السابق (ص: ٨٠٤).\n(^٤) ينظر: المرجع السابق (ص: ٩٠٩).","vol":"2","page":134},{"text":"﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٩ - ٤٠]» (^١).\nفطرها وعاقب بين ليلها ونهارها، إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئًا، كما قال تَعَالَى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، وقال تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].\nكل ذلك بإتقان وإحكام عجيب لا يرى فيه عيب، ولا خلل ولا إخلال ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] (^٢).\nوقد ضرب الله -﷿- صورة من صور إتقانه لخلقه، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤] سبع سموات كل واحدة فوق الأخرى لا يرى فيها خلل ولا نقص، ولو كرر العبد النظر إليها والتأمل في أرجائها لعله يجد خلالًا؛ لعاد بصره عاجزًا عن أن يرى خللًا أو فطورًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-485>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (فاطر السماوات والأرض) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد أن الله فاطر السماوات بارتفاعها وصفائها، وما فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة، وفاطر الأرض بقوتها وثباتها، وما فيها من\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٤٨).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٣).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٧٥).","vol":"2","page":135},{"text":"الجبال والسهول، والفيافي والقفار، والأشجار والزروع، والبحور والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وما في ذلك من عظيم الخلقة وبديع النظام؛ علم أن فاطر ذلك وحده من غير شريك ولا معين هو المألوه المعبود الحق، الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له وحده سُبْحَانَهُ (^١).\nوقد نبه الله عباده على توحيده وبطلان عبادة غيره، مستدلًّا بخلقه للسموات والأرض في مواضع عدة من كتابه، منها:\nقوله تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠].\nوقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]، فالكل خلق مدبرون، وعبيد مسخرون، لربهم العظيم، القاهر المالك، فقيرون لرزقه وعطاءه، فكيف يليق أن يتخذ ولي من هؤلاء المخلوقات العاجزة؟ (^٢).\nفمن كان يتولى مخلوقًا لينصره ويعينه، فالله هو فاطر السماوات والأرض، فله السلطان في السماوات والأرض، ومن كان يتولاه ليرزقه ويطعمه، فالله هو الرازق المطعم لمن في السماوات ومن في الأرض، ففيم\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ١٨٢).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٥٢).","vol":"2","page":136},{"text":"الولاء لغير صاحب السلطان الرزاق؟\nفالله هو الولي وحده، ربًّا، ومعبودًا، وناصرًا، يستنصر به ويعتمد عليه، ويتوجه إليه في الملمات، فيجب إخلاص الولاية له سُبْحَانَهُ، كما قال تَعَالَى بعد أن أنكر أن يُتَّخَذَ وليٌّ غيره: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].\nوتجدر الإشارة إلى أن الله -﷿- كثيرًا ما يحتج على المشركين بما اعترفوا به من توحيد الربوبية على ما أنكروه من توحيد الألوهية؛ وذلك لأن توحيد الربوبية فطرت على قبوله والاعتراف به قلوب بني آدم، فلم ينكره إلا شُذَّاذ قليلون، من بني آدم، ففرعون القائل: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، والقائل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] معترف في حقيقة الأمر بوجود خالق لهذا العالم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى -﵇- لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] (^١).\nوالمشركون أنفسهم الذين بُعث فيهم رسول الله -ﷺ- معترفون بالله تَعَالَى، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، [يونس: ٣١]، فمن عرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور؛ أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: التوحيد وبيان العقيدة السلفية النقية، لعبد الله بن حميد (ص ١٧ - ٢٠).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ١٢٥).","vol":"2","page":137},{"text":"ومن هنا يظهر خطأ من جعل التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خلق كل شيء، وظن بذلك أنه حقق التوحيد وأثبت لا إله إلا الله، مفسرًا لها بالقدرة على الاختراع، أو نحو ذلك.\nولو كان هذا هو التوحيد الذي يدخل المرء به للإسلام؛ لكان مشركوا العرب الذي قاتلهم رسول الله -ﷺ- مؤمنين مسلمين؛ لإقرارهم أن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المتصرف في هذا العالم، قال -﵇-: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. (^٢)\nفتوحيد الربوبية وإن كان ركنًا من أركان التوحيد والإيمان بالله إلا أنه لا يحصل به وحده التوحيد الواجب، ولا يخلص صاحبه بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر؛ بل لا بد أن يخلص لله الدين، فلا يعبد إلا إياه، فيكون دينه كله لله (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-486>الأثر الثالث: التوكل على فاطر السماوات والأرض:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله فاطر السموات والأرض وعظيم فطرها لهما؛ أيقن قوته -ﷻ- وعظيم قدرته، وعلم أنه لا يعجزه شيء، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، وأن حاجته ومطلبه مهما عظم لن يعجز فاطر السموات والأرض،\n_________\n(^٢) ينظر: التوحيد وبيان العقيدة السلفية النقية، لعبد الله بن حميد (ص ١٧ - ٢٠).\n(^٣) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (٢/ ٣٨٧).","vol":"2","page":138},{"text":"فيورث ذلك قلبه السكينة والطمأنينة لله، فيثق بقدرته ويتوكل عليه ويصدق في الاعتماد عليه في جلب منافعه الدينية والدنيوية، وفي دفع المضار عنه الدينية والدنيوية أيضًا.\nوحين يقلب نظره في السماء والأرض ويستشعر عظيم خلقها، ثم يستحضر عظمة خالقهما وفاطرهما، تستقر في نفسه مهابة الله وخشيته، ويستصغر من دون الله -جل وعلا- من العباد مهما كان مقدَّمًا معظَّمًا مبجَّلًا، فيزيد توكله واعتماده على ربه.\nفهذا نبي الله هود، ليس له أنصار ولا أعوان، يصرخ في قومه ويناديهم وهم الأعداء الذين لهم السطوة والغلبة، فيقول تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] (^١)، وقبله نوح -﵇- يقول لقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١].\n\n<span data-type='title' id=toc-487>الأثر الرابع: التأمل في خلق السماوات والأرض:</span>\nوقد دعا الله -﷿- عباده إلى التفكر في آيات الله الكونية وما خلق في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، وحثهم على ذلك في مواضع من كتابه، منها:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٨٣ - ٣٨٤).","vol":"2","page":139},{"text":"قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].\nقال السعدي -﵀-: «يدعو تَعَالَى عباده إلى النظر لما في السماوات والأرض، والمراد بذلك: نظر الفكر والاعتبار والتأمل، لما فيها، وما تحتوي عليه» (^١).\nويقول تَعَالَى في معرض المدح لأهل الإيمان: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].\nوإنما شرع الله هذه العبادة لما تثمره من توحيده سُبْحَانَهُ ومعرفته بأسمائه وصفاته، فإذا تفكر العبد في خلق السموات والأرض مثلًا وجد «أن خلقها وتدبيرها وتسخيرها دال على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخلقة دال على كمال حكمته وعلمه، وما فيها من السعة والعظمة دال على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية دليل على سعة رحمته، وشمول فضله وإحسانه وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دال على أنه وحده المألوه المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له» (^٢)، فتتعلق القلوب به، ويبذل الجهد في مرضاته (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٣٧٥).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٧٦).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ١٦١).","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-488>الأثر الخامس: محبة (فاطر السماوات والأرض):</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله فاطر السموات والأرض وما يتضمنه من الإحسان لعباده، بخلق السموات والأرض، وما أودع فيهما من مصالح شتى، بها تستقيم حياتهم وتطيب، وما سخره لهم من النعيم يوجب كل ذلك محبة فاطرهما وموجدهما، وأن يحب غاية الحب وأن يتذلل له غاية التذلل، وهذان هما قطبا التعبد لله -﷿-.\n\n<span data-type='title' id=toc-489>الأثر السادس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]:</span>\nالتأمل في اسم الله فاطر السماوات والأرض، يشعر بمنة الله على عباده بأن خلق السماوات والأرض وأودع فيهما من المصالح والمنافع التي تعود عليهم بالخير الكثير، وسخر ذلك كله لهم كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣].\nفسخر ما في السموات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وعاقب بين الليل والنهار والشمس والقمر فحصل بذلك الحر والبرد، والفصول، ومعرفة الأيام والحساب، والاستقرار والسكن في الليل، والانتشار والسعي في النهار (^١).\nوسخر لهم ما في الأرض من حيوانات، ونبات، وجمادات، فجميع ما في الأرض مسخر لبني آدم، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] حيواناتها، لركوبه، وحمله، وأعماله، وأكله، وأنواع انتفاعه، وأشجارها، وثمارها، يقتاتها، قال تَعَالَى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]، وقد سلط على غرسها واستغلالها، واستخراج معادنها والانتفاع بها.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٤٩)، تفسير السعدي (ص: ٥٢٢).","vol":"2","page":141},{"text":"وسخر لهم البحر، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤]\nتسير سفنه بتسخيره في البحر العجاج، وتلاطم الأمواج، تجري بأهلها بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من متاجر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، وجعل فيها الأسماك والحيتان وأحلها لهم في الحل والحرم، وخلق فيه اللآلئ والجواهر النفيسة، وسهل للعباد صيدها واستخراجها من قرارها (^١).\nومن نظر في هذا كله وتأمله أوجب له ذلك حمد فاطر السموات والأرض ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، وشكره على ما أنعم وأولى، والاستعانة بهذه النعم على طاعته، وترك الاستعانة بشيء منها على معصيته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-490>الأثر السابع: التدرج والأناة في سائر الأمور:</span>\nإن المتدبر في اسم الله فاطر السماوات والأرض، يجد التدرج يظهر جليًّا في خلق الله للسموات والأرض، فقد فطرهما سُبْحَانَهُ في ستة أيام، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الحديد: ٤] مع أنه قادر على خلقهما في لحظة واحدة، وبكلمة واحدة (كن) ولكن مع أنه قدير، فهو حكيم رفيق، فمن حكمته ورفقه، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٢) (٥/ ٤٥١)، تفسير السعدي (ص: ٥٤٤).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٤٩).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٥).","vol":"2","page":142},{"text":"لنأخذ من هذا منهجًا شرعيًّا جاءت به الشريعة وأقرته، ألا وهو منهج: التدرج والأناة في الأمر.\nفرسول الله -ﷺ- مكث ثلاثًا وعشرين سنة يبني المجتمع الإسلامي لبنة لبنة، قام -﵇- طيلة هذه السنين يغرس العقيدة في النفوس، ثم تدرج في فرض الأحكام في العهد المدني، بل الفريضة الواحدة تدرج في فرضها، فالصلاة فُرضت أول ما فرضت ركعتين ركعتين ثم أقرت في السفر، وزيدت في الحضر على أربع للظهر والعصر والعشاء، وكذا الصيام فرض أولًا على التخيير من شاء صام ومن شاء أفطر وفدى، ثم فرض على الإلزام.\nوحصل التدرج- أيضًا- في التحريم، فالخمر أول ما حرم حرم أوقات الصلوات فقط، ثم حرم مطلقًا، فعلي المسلم أن يلتزم هذا المنهج ويسلكه في حياته ويرفع من قيمة «الإنجاز المتدرج».\n\n<span data-type='title' id=toc-491>الأثر الثامن: الدعاء باسم (فاطر السماوات والأرض):</span>\nأمر الله عباده أن يدعوه على وجه الخصوص باسمه فاطر السموات والأرض، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].\nقال سعيد بن جبير -﵀-: «إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط، فسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه: قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]». (^١)\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٥).","vol":"2","page":143},{"text":"ودعاء يوسف -﵇- ربه باسمه فاطر السموات والأرض، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\nوكان رسول الله -ﷺ- يدعو ربه باسمه فاطر السموات والأرض، كما ثبت في جملة من الأحاديث، منها:\n- عن أبي هريرة -﵁-: أن أبا بكر الصديق -﵁- قال: يا رسول الله علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: «اللهمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قال: قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» (^١).\n- وما جاء عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ …» (^٢) (^٣).\nوما جاء عن أبي سلمة بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵀- قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ\nأُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللهمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).\n(^٣) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٣٢١).","vol":"2","page":144},{"text":"وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١)، فاختار النبي -ﷺ- هذا الدعاء في ظلمة الليل، التي هي مظنة الاضطراب لذهاب الضوء، والمؤمن عند الاختلاف يرى الأمور مضطربة، ولا غنى له عن هداية الحق له للحق المختلف فيه.\nاللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>القديرُ القادرُ المقتدرُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-493>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «قدر الشيء: مبلغه، وقدر الله وقدره بمعنى، وهو في الأصل مصدر، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، أي: ما عظموا الله حق تعظيمه، والقدر والقدر أيضًا: ما يقدره الله -﷿- من القضاء …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «القدر: مبلغ كل شيء؛ يقال: قدره كذا، أي: مبلغه، وكذلك القدر، وقدرت الشيء أقدره وأقدره من التقدير، وقدرته: أقدره، والقدر: قضاء الله تَعَالَى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، … وقدرة الله تَعَالَى على خليقته: إيتاؤهم بالمبلغ الذي يشاؤه ويريده …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-494>ورود اسم الله: (القدير القادر المقتدر) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (القدير) في كتاب الله (خمسًا وأربعين مرة)، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٧٨٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"2","page":146},{"text":"وقوله -﷿-: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].\nوقال -﷿-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (القادر) في كتاب الله (اثنتي عشرة مرة) سبعة، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥].\nقوله -﷿-: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧].\nقوله -﷿-: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]\nورد اسمه سُبْحَانَهُ: (المقتدر) في كتاب الله أربع مرات، ومن وروده ما يلي:\nقوله -﷿-: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢].\nقوله -﷿-: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].\nقوله -﷿-: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-495>ورود اسم الله: (القدير القادر المقتدر) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله: (القدير) في السنة النبوية، ومن وروده يلي:\nعن عبادة بن الصامت -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ الله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^١).\nوعن أبي موسى الأشعري -﵁-، عن النبي -ﷺ- أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ، وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٢).\nوعن عبد الله -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَمْسَى قَالَ: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قال: أراه قال فيهِن: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وإِذا أصبح قال ذلك أيضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٣).","vol":"2","page":148},{"text":"ورد اسم الله: (القادر) في السنة النبوية، ومن وروده يلي:\nعن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال في آخر رجل يدخل الجنة، أن الله -﷿- يقول له: «يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟، فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-496>معنى اسم الله (القدير القادر المقتدر):</span>\nالقدير والقادر والمقتدر أسماء لله -﷿- متقاربة المعاني، ترجع إلى معنيين:\nالقدرة الكاملة التي لا عجز معها.\nالتقدير للأشياء.\nوحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال ابن عباس -﵄- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]: «إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة، أو عفو، قدير» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٣).","vol":"2","page":149},{"text":"قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]: «قدير، إن شاء انتقم منهم بعنادهم ربهم، وإن شاء هداهم لما هداكم الله له من الإيمان، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يتعذر عليه أمر شاء قضاءه؛ لأن له الخلق والأمر» (^١)، وقال في قوله تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]: «مقتدر على ما يشاء، غير عاجز ولا ضعيف» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «القادر على ما يشاء، لا يعجزه شيء ولا يفوته مطلوب» (^٣).\nقال البيهقي -﵀-: «هو الذي له القدرة الشاملة، والقدرة له صفة قائمة بذاته» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: في قوله تَعَالَى: «﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئًا فعله من غير ممانع ولا معارض».\nقال الإمام ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ القَدِيرُ وَلَيْسَ يُعْجِزُهُ إِذَا … مَا رَامَ شَيْئًا قَطُّ ذُو سُلْطَانِ (^٥)\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢/ ٥٠٤).\n(^٢) تفسير ابن جرير (٢٢/ ٦٠٠).\n(^٣) تفسير الأسماء (ص: ٥٩).\n(^٤) الاعتقاد (ص: ٦٣).\n(^٥) النونية (ص: ٢٠٥).","vol":"2","page":150},{"text":"من الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الخطابي -﵀-: «وقد يكون القادر بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته بمعنى واحد كقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] أي: نعم المقدرون» (^١).\nقال الحليمي -﵀- في (المقتدر): «وإن كان يقدر على أشياء كثيرة لم يفعلها، ولو شاء لفعلها، فاستحق بذلك أن يسمى: مقتدرًا» (^٢).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «القدير كامل القدرة، بقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، وبقدرته يقلب القلوب، ويصرفها على ما يشاء ويريد» (^٣).\nالفرق بين القدير والقادر، والمقتدر:\nيمكن أن نقول: إن الفرق بين هذه الأسماء أن القادر هو المتمكن، في حين أن القدير صيغة مبالغة منه، والمقتدر أبلغ وأعم.\nقال الزجاج -﵀-: «(المقتدر) مبالغة في الوصف بالقدرة، والأصل في العربية أن زيادة اللفظ زيادة المعنى، فلما قلت: اقتدر، أفادت زيادة اللفظ زيادة المعنى» (^٤).\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص: ٨٦).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٤).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).\n(^٤) تفسير الأسماء (ص: ٥٩).","vol":"2","page":151},{"text":"قال الخطابي -﵀-: «(المقتدر) … ووزنه: (مفتعل) من القدرة، إلا أن الاقتدار أبلغ وأعم؛ لأنه يقتضي الإطلاق، والقدرة قد يدخلها نوع من التضمين بالمقدور عليه» (^١).\nقال ابن الأثير -﵀- في أسماء الله تَعَالَى: (القادر، والمقتدر، والقدير): فالقادر: اسم فاعل، من قدر يقدر، والقدير: فعيل منه، وهو للمبالغة، والمقتدر: مفتعل، من اقتدر، وهو أبلغ» (^٢).\nاقتران اسم الله: (القدير القادر المقتدر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (القدير) باسمه سُبْحَانَهُ (العليم):\nتقدم بيانه في اسم الله (العليم).\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ: (القدير) باسمه سُبْحَانَهُ (العفو):\nتقدم بيانه في اسم الله (العَفُو).\nثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (القدير) باسميه سُبْحَانَهُ (الغفور الرحيم):\nاقترن اسم الله (القدير) باسمه (الغفور الرحيم) مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص: ٨٦).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (٤/ ٢٢).","vol":"2","page":152},{"text":"ووجه الاقتران بينهما: لدلالة على أن مغفرته ورحمته -﵎- عن قدرة كاملة تامة، لا عن ضعف وحاجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-497>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله: (القدير القادر المقتدر):</span>\n<span data-type='title' id=toc-498>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القدير، القادر، المقتدر) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- قدير، قادر، مقتدر له القدرة والتقدير الشامل التام من كل وجه.\nأ- فأما قدرته سُبْحَانَهُ: فله -ﷻ- القدرة الواسعة التي وسعت كل شيء، والقدرة الكاملة التي كملت من كل وجه.\nفأما سعة قدرته:\nفقدرته عامه شاملة لكل شيء، إذا أراد شيئًا قال له: (كن) فيكون، قال تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].\nومن أثار سعة قدرته ما يلي:\n١ - أنه بقدرته خلق الخلق وأوجدهم من العدم، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠].\n٢ - أنه بقدرته خلق السموات السبع والأرضين السبع على عظمهما وسعتهما، وما فيهما من إتقان وإحكام في ستة أيام من غير تعب ولا نصب،","vol":"2","page":153},{"text":"ونشر بقدرته فيهما أصناف الدواب من الإنس والجن وسائر الحيوانات (^١)، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].\n٣ - أنه بقدرته نوَّع خلقهم، فاختلفت أشكالهم وألوانهم ولغاتهم، وطباعهم وأجناسهم، وأنواعهم مع أن أصلهم واحد (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] «كما أنزل المطر على الأرض، وهو لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف، قال تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]» (^٣).\n٤ - أنه بقدرته يخلق ما يشاء على ما يشاء من الصفات، ويزيد في خلق بعضهم ما يشاء من القوة، والحسن، وزيادة الأعضاء، وحسن الأصوات، ولذة النغمات ونحو ذلك (^٤)، قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٠٧)، تفسير السعدي (ص: ٨٧٢).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٠٧)، تفسير السعدي (ص: ٥٧١).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٥٧١).\n(^٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٨٤).","vol":"2","page":154},{"text":"رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١].\n٥ - أنه بقدرته خلق الآدمي من ماء مهين، ثم نشر منه ذرية كثيرة، وجعلهم أنسابًا وأصهارًا متفرقين ومجتمعين، ومرجعهم كلهم ذلك الماء المهين (^١) قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].\n٦ - أنه بقدرته فاوت بينهم فيما خلق لهم، فمنهم من يهبه البنات، ومنهم من يهبه البنين، ومنهم من يهبه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا ولد، قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] (^٢).\n٧ - أنه بقدرته يقيم الساعة في لمح البصر، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]، ويجمع الأولين والأخرين في صعيد واحد مهما كان تفرق أبدانهم وأجسادهم، ومهما كان مكان مهلكهم ومصرعهم (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٨٥).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢١٦).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ١٩٧)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٦٣).","vol":"2","page":155},{"text":"٨ - أنه بقدرته يكرم أهل الجنة بألوان النعيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من غير انقطاع ولا زوال، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر: ٥٤ - ٥٥]،\nوبقدرته يعذب المكذبين بأصناف العذاب وألوان النكال من غير زوال ولا انقطاع بحال من الأحوال (^١).\nوكل ذلك الخلق وما فيه من كثرة وتنوع واختلاف، والبعث وما فيه من تفرق واجتماع ما هو إلا كخلق نفس واحدة وبعثها؛ إذ لا يتعذر على الله القدير شيء أراده، ولا يمتنع منه شيء شاءه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فسواء خلق واحد وبعثه، وخلق الجميع وبعثهم، قال تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] (^٢).\nوأما كمال قدرته:\nفقدرته -﵎- كاملة سالمة من اللغوب، والإعياء، والتعب، والعجز عما يريد، قائمة على العلم، والملك، والحكمة، والقهر، والنصر ونحو ذلك من صفات كماله.\nفهو القدير الذي أحاط بكل شيء علمًا، فعلم السرائر والضمائر والظواهر، لا تخفى عليه خافية، ولا تغيب عنه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا\n_________\n(^١) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٤٥ - ٤٦).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ١٥٣)، تفسير السعدي (ص: ٦٥١).","vol":"2","page":156},{"text":"فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩].\nوهو القدير الذي ملك العالم العلوي والسفلي، وتصرف فيه بما شاء، ودبر أمره على ما أراد لا يمتنع عليه أمر من الأمور، ولا يعجزه أحد، بل كل شيء طوع مشيئته وقدرته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] (^١).\nوهو القدير الذي يحكم في ملكه بما قدر وقضى، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧].\nوبقدرته وحكمه أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٦)، تفسير السعدي (ص: ١٢١، ١٦١).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٢٧).","vol":"2","page":157},{"text":"وحكم بشرعه، فأحل ما شاء، وحرم ما شاء، وأباح ما شاء، وحظر ما شاء، ونسخ وبدل وغير من أحكامه ما شاء، وأقر منها ما شاء، يحكم بما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] (^١).\nثم هدى لشرعه من شاء، وضل عنه من شاء، ووفق إليه من شاء، وخذل عنه من شاء، القلوب بيده يصرفها على ما يشاء، قال تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧] (^٢).\nوهو القدير الذي قهر أعداءه بما أوقع عليهم من أنواع العقوبات وبما أحل عليهم من المَثُلَات، قال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].\n«فخليت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعم بعد كمال القوة، وكثرة العَدد والعُدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئًا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء» (^٣).\nفها هو فرعون وجنده مع ما هم فيه من الملك والجبروت، لما أتى أمر الله لم يغن عنهم ذلك شيئًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٢/ ٤٨٨)، تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨).\n(^٢) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ١٢٨).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٥٦٠).","vol":"2","page":158},{"text":"كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤١ - ٤٢] فأبادهم المقتدر ولم يبق منهم مخبرًا ولا عينًا ولا أثرًا (^١).\nوبقدرته يقهرهم إذا شاء، قال تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ - ٤٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥].\nولو شاء لذهب بقدرته بالخلق، وأتى بخلق جديد خير منهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩]، لكنه العَفُوُّ سُبْحَانَهُ الذي يعفو عن الزلات والذنوب العظام فيسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام الصادر عن قدرته، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] (^٢).\nوهو القدير الذي نصر حزبه مع ما هم فيه من قلة العدة والعتاد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٤٨١).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢١٢).","vol":"2","page":159},{"text":"وبقدرته ينصرهم متى ما شاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥].\n«فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]» (^١).\nب- وأما تقديره سُبْحَانَهُ:\nفله -ﷻ- التقدير العام الشامل لكل شيء، والتقدير الكامل الذي لا نقص فيه.\nفأما سعة تقديره:\nفتقديره سُبْحَانَهُ واسع وسع الخلائق كلها، فلا يحدث شيء في ملكوته سُبْحَانَهُ إلا وسبقه تقدير من القدير -ﷻ-، فلا يتقدم عليه شيء ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه، قال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تَعَالَى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].\nقال السعدي -﵀-: «وهذا شامل للمخلوقات والعوالم العلوية والسفلية، أن الله تَعَالَى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقها،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ١٥٦).","vol":"2","page":160},{"text":"وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف» (^١).\nومن تقدير القدير سُبْحَانَهُ خلق الجنين في بطن أمه فدبره في الظلمات، ونقله من نطفة إلى علقه إلى مضغة إلى أن كان جسدًا، ثم نفخ في الروح، وقدر أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٨ - ١٩]، وقال ابن مسعود -﵁-: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق، قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^٣).\nوتقدير الأرزاق بين عباده فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، كل ذلك بمقدار لا يزيد عنه ولا ينقص، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٢٨).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٢٢)، وتفسير السعدي (ص: ٩٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٣٢٠٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٤٣).","vol":"2","page":161},{"text":"الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^١).\nوقدر إنزال المطر، فينزله بقدر ما يكفي الخلائق، فلا ينقص بحيث لا يكفي الأرض والأشجار فلا يحصل به المقصود، ولا يزيد زيادة لا تحتمل، فتتلف المساكن، وتموت معه النباتات والأشجار، بل أغاث به العباد، وأنقذ به البلاد من الشدة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: ١١] (^٢)، وقدر الزروع والحبوب وغيرهما مما يخرج من الأرض كالمعادن والجواهر ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] (^٣).\nوتقدير الموت بين الخلائق فعجله لبعض الخلق، وأخره عن بعض إلى أجل مسمى، فإذا جاء لم يتقدم ولم يتأخر عما قدر الله، قال سُبْحَانَهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] (^٤).\nوتقدير الهداية والضلالة على الخلائق، فهدى من شاء، وأضل من شاء، وأسعد من شاء، وأشقى من شاء، وقدر من شاء للجنة برحمته، وقدر من شاء للنار بعدله، وقدر نعيم أهل الجنة حتى قدر شراب أهلها، قال تَعَالَى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦]، فقدرت على قدر ريِّ أهلها فلا تزيد ولا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٣٠).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٤٩ - ٧٦٣).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (٢١/ ٤٣٧).\n(^٤) ينظر: تفسير الطبري (٢٣/ ١٣٧).","vol":"2","page":162},{"text":"تنقص؛ لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم تف بريهم، وقدر عذاب أهل النار فلا يزاد فيه ولا ينقص عما شاء -﵎- (^١).\nوأما كمال التقدير:\nفتقدير الله -﷿- كامل لا نقص فيه ولا خلل؛ وذلك أنه قائم على العلم والكتابة السابقتين، والمشيئة التي لا تنفك عن حكمه، والخلق العام.\nفالله سُبْحَانَهُ قدر الأشياء؛ بناء على ما علم من حالها، وما يصلح لها؛ فعلم سُبْحَانَهُ من يصلح للفقر ولا يصلح للغنى، ومن يصلح للمرض ولا يصلح للعافية، ومن يصلح للعقم ولا يصلح للولد، وعلم ضد ذلك فقدر فلم يخرج تقديره عن حكمه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] أي: «لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلمًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، كما في بعض الآثار أن الله تَعَالَى يقول: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٠٢).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٥٨).","vol":"2","page":163},{"text":"ثم كتب سُبْحَانَهُ ما علم في اللوح المحفوظ، كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (^١).\nثم إنه -﵎- شاء ما كتب، فخلق الخلق بناء عليه، ووزع أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وما يصيبهم من الأشياء من الرخاء والشدة بناء على ما كتب (^٢).\nفكل شيء كائن كما علم، وكتب، وشاء، وخلق -﵎-، فما شاء كان ولو حاول منعه كل ممانع، وما لم يشأ لم يكن ولو حاول إيجاده كل موجد، وقدره نافذ لا محاله، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، قال ابن كثير -﵀-: «وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-499>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القدير، القادر، المقتدر) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد في ضعفه وضعف المخلوقات من حوله وعجزهم؛ إذ لا يملك أحد منهم قدرة على الخلق، ولا النفع، ولا الضر، ولا العطاء، ولا المنع، ولا النصر، ولا الامتناع كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (٤٧٠٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢١٥٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٧٠٠).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٢٧٧).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٢٧).","vol":"2","page":164},{"text":"مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤ - ٥٥]، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]، فالكل فقير مملوك لله -﷿-، نفذت فيه قدرته ومشيئته -﵎-.\nفإذا تؤمل هذا علم أن من هذا حاله لا يستحق شيئًا من العبادة، وإنما العبادة حق للقادر القدير المقتدر لا إله إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-500>الأثر الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر:</span>\nإذا علم العبد اسم الله (القادر، القدير، المقتدر) وتيقن ما فيه من تقدير نافذ، وقضاء كائن بلا ممانعة ولا مدافعة؛ قاده ذلك للإيمان بالقضاء والقدر الذي هو أصل عظيم من أصول الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال -ﷺ- في حديث جبريل الطويل لما سئل عن الإيمان: «أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلائِكَتِه، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآَخِر، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٢٦ - ٢٥٢ - ٥٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨).","vol":"2","page":165},{"text":"وقال ابن عباس -﵄-: «القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله -﷿-، وآمن بالقدر، فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحد اللهتَعَالَى، وكذب بالقدر؛ نقض التوحيد» (^١).\nوقال عوف: سمعت الحسن يقول: «من كذب بالقدر، فقد كذب بالإسلام، إن الله -﷿- قدر خلق الخلق بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر» (^٢).\nوحقيقة الإيمان بالقدر: الإيمان بأن كل شيء يحدث في هذا الملكوت بقدر الله علما، وكتابة، ومشيئة، وخلقًا (^٣)؛ إذ الإيمان بالقدر إيمان بأربع مراتب (^٤):\n١ - الإيمان بعلم الله السابق للأشياء قبل وقوعها جملة وتفصيلًا؛ فإنه سُبْحَانَهُ يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩].\n_________\n(^١) القدر، للفريابي (ص: ١٧٣)، والإبانة الكبرى، لابن بطة (٤/ ١٥٨).\n(^٢) الإبانة الكبرى، ابن بطة (٤/ ١٨٤).\n(^٣) ينظر: إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، لصالح آل لشيخ (١/ ٢٤٠).\n(^٤) ينظر: شرح الأربعين النووية، للعثيمين (ص: ٤٩، وما بعدها)، وشرح الأربعين النووية، لصالح آل الشيخ (ص: ٦٥، وما بعدها)، وإتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، لصالح آل لشيخ (١/ ٢٤٠، وما بعدها).","vol":"2","page":166},{"text":"٢ - الإيمان بأن الله كتب أحوال الخلق وتفصيلاتها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣]، وقال -ﷺ- في حديث عبادة بن الصامت -﵁-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (^١).\n٣ - الإيمان بأن كل ما حدث في الكون ويحدث بمشيئة الله وإرادته كونًا، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].\n٤ - الإيمان بأن الله -﷾- خلق كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].\nفكل شيء مخلوق لله: السموات، والأرض، والبحار، والأنهار، والكواكب، والشمس، والقمر، والإنسان وعمله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، قال ابن كثير -﵀-: «يحتمل أن تكون (ما) مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى: (الذي) تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه، وكلا القولين متلازم، والأول\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":167},{"text":"أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب (أفعال العباد)، عن علي بن المديني، عن مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة مرفوعًا قال: (إِنَّ اللهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ) (^١)» (^٢).\nفمن آمن بهذه المراتب الأربع آمن بالقدر الذي من ثمراته: الرضى والتسليم لتقدير الله -﷿- خيره وشره، وحلوه ومره لا سيما إذا اقترن مع هذا الإيمان استشعار لعلم الله التام، وحكمته البالغة، ورحمته العظيمة التي صدر عنها هذا التقدير، واستشعار أن الجزع والسخط لا يرد من القدر شيئًا، وإنما يفوت على العبد الأجر والمثوبة، ويعود عليه بالوبال والخسارة.\nقال ابن القيم -﵀-: «من ملأ قلبه من الرضا بالقدر: ملأ الله صدره غنى وأمنًا وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا: امتلأ قلبه بضد ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه» (^٣).\nومن ثمراته- أيضًا- سلامة القلب من الحقد والحسد ونحوهما من أمرض القلوب؛ ذلك لإيمان صاحبه بأن الكل بتقدير الله -﷿-، وأنه سُبْحَانَهُ هو الذي أعطى ومنع، فالفضل فضله، والعطاء عطاؤه، وله في ذلك الحكمة البالغة، والمنة العظيمة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ٤٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٥٧)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٣٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٦).\n(^٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٢٠٢).\n(^٤) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٥١).","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-501>الأثر الرابع: التوكل على القدير، القادر، المقتدر والثقة به:</span>\nإذا آمن العبد باسم الله (القادر، القدير، المقتدر) وتيقن ما تضمنه من القدرة العظيمة التي لا يعجزها شيء في السماء والأرض، ثم نظر إلى مطالبه ومكارهه، وعلم أنها لا تخرج عن قدرة الله -﷿-، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] حمله ذلك على صدق التوكل على القادر -﷿-، والثقة به في جلب مطالبه، ودفع مكارهه، والتعلق به وحده سُبْحَانَهُ دون ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] (^١).\nكما يحمله- يقينه بقدرة الله- على عدم اليأس والقنوط من رحمته؛ فإنه سُبْحَانَهُ لا يتعاظم عليه شيء مهما عظم وكبر، فلا يتعظم عليه أن يغفر الذنوب ولو كانت كالجبال بل قادر سُبْحَانَهُ على أن يبدلها حسنات، ولا يتعاظم عليه أن يرفع بلاء أو يكشف مصاب أو يدفع ضرًّا، فهو القادر سُبْحَانَهُ على أن يبدل المرض عافية، والألم راحة، والسهر نومًا، والخوف أمنًا، والفقر غنًى، والجوع شبعًا، والضعف قوة، والهزيمة نصرًا، وهو على كل شيء قدير.\nوهذا اليقين بقدرة الله يحمل العبد- أيضًا- على الثقة بنصره -﷿- للمسلمين؛ إذ قدرته لا تعجز عن نصرهم ورفع المصائب والنكبات عنهم مهما كان ضعفهم وتأخرهم، كما لا تعجز عن قصم عدوهم وكبته مهما كانت قوته وتقدمه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٥٠).","vol":"2","page":169},{"text":"مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩].\nويحمله على الشعور بالعزة والقوة أمام كيد الكافرين ومكرهم، وذهاب الخوف منهم ومن قوتهم؛ للعلم بأنهم في قبضة الله تَعَالَى وتحت قدرته وقهره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-502>الأثر الخامس: الخضوع للقدير والاستعانة به:</span>\nجعل الله -﷿- لخلقه قدره تقوم بها حياتهم، كما قال سُبْحَانَهُ في إثباتها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤] إلا أن قدرة المخلوق مهما بلغت لا تعدل شيئًا أمام قدرة الله -﷿-، وتوضيح ذلك بما يلي:\n١ - قدرة المخلوق مسبوقة بالعجز والضعف، كما في حال الطفولة؛ فالطفل في بداية ولادته لا يستطيع أن يدفع عن نفسه قليلًا ولا كثيرًا، أما قدرة الله -﷿- فأولى وآخرة، لا بداية لها ولا نهاية.\n٢ - قدرة المخلوق مكتسبة من إقدار الله له، وليست قدرة مستقلة، بخلاف قدرة الله -﷿-، فقدرته ذاتية مستقلة لم يكتسبها من أحد.\n٣ - قدرة المخلوق ناقصة، يعوزها المساعد والمعاون والمستشار والخبير، بخلاف قدرة الله -﷿-، فقدرته كاملة تامة لا تحتاج إلى أحد كائنًا\n_________\n(^١) ينظر: ولله الأسماء الحسنى، للجليل (ص: ٥٣٥).","vol":"2","page":170},{"text":"من كان.\n٤ - قدرة المخلوق محدودة ببعض الأشياء دون بعض، بخلاف قدرة الله -﷿-، فقدرته عامة لكل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].\n٥ - قدرة المخلوق فانية، ومهددة بالزوال، بخلاف قدرة الله -﷿-، فقدرته دائمة مستمرة لا زوال لها ولا نهاية.\nفإذا علم العبد هذا خضع لله -﷿-، ولم يغتر بقدرته أو يستقل بها في أموره، بل يشعر دومًا بحاجته وفقره لقدرة الله -﷿-، كما جاء في دعاء الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ» (^١).\nوهذا الشعور يثمر الاستعانة بالله -﷿-، وتمام الالتجاء إليه، كما أوصى رسول الله -ﷺ- ابن عباس -﵄- والأمة من وراءه بذلك، فقال: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (^٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٢٥١٦)، والحاكم، رقم الحديث: (٦٣٦٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦).","vol":"2","page":171},{"text":"خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (^١).\nفبين -ﷺ- في هذا الحديث أن الإنسان لا يدرك مطالبه من أمور الدين أو الدنيا بالعمل والسعي الجاد في تحصيلها فقط، بل لا بد أن يعطف على سعيه الاستعانة بالله -﷿-؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ولو صغرت، ودفع مضاره ولو سهلت، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله -﷿- (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-503>الأثر السادس: محبة الله القادر القدير المقتدر:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله (القادر، القدير، المقتدر)، واستشعر كمال قدرته وتقديره؛ فلما قدر حلم، ولما قدر عفا وغفر، ولما قدر عدل ولم يظلم، ولما قدر لم يعجز عن شيء ألبتة، ولما قدر قدر عن علم، وحكمة، ورحمة قاده ذلك كله لمحبته -﵎- والتعلق به، لا سيما وقد فُطرت القلوب على محبة من له الكمال.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٦٤).\n(^٢) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ٥٧٢)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٥١).","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-504>الأثر الثامن: الحذر من الظلم:</span>\nإذا آمن العبد بقدرة الله -﷿- على الخلق عمومًا، وعلى الظالمين خصوصًا، كما جاء عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (^١).\nوعلم انتقام القدير سُبْحَانَهُ للمظلوم من ظالمه، كما جاء في جملة من الأحاديث، منها:\nحديث خزيمة بن ثابت -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «دَعْوَةُ المَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ -﵎-: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^٢).\nحديث معاذ بن جبل -﵁- وقول رسول الله -ﷺ- له: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (^٣).\nحديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٥٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٧٥٢)، وابن حبان واللفظ له، رقم الحديث: (٨٧٤)، حكم الألباني: حسن لغيره، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٨٧١).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٨)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩).","vol":"2","page":173},{"text":"هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (^١).\nحديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (^٢).\nإذا علم العبد ذلك ردعه ذلك كله عن العدوان والظلم، لا سيما ظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كما يدفع الظالم للتوبة والاستغفار والخروج من مظالم الخلق في الدنيا قبل التقاصِّ يوم القيامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>الأثر التاسع: الدعاء باسم الله القادر القدير المقتدر، والاستعاذة بقدرته:</span>\nكل إنسان له مطالب يرغب في تحصيلها، ومخاوف يرغب في دفعها، والكل تحت قدرة الله -﷿-، لا يخرج عنها شيء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥]، ولا يقدر العبد على ما في يد الله إلا بسؤاله ورجائه، كما قال مطرف بن الشخير -﵀-: «تذكرت ما جماع الخير، فإذا الخير كثير: الصوم والصلاة، وإذا هو في يد الله -﷿-، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله -﷿- إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير الدعاء» (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٩).\n(^٣) الزهد، لأحمد بن حنبل (ص: ١٩٥).\n(^٤) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٥٢).","vol":"2","page":174},{"text":"فإذا علم العبد هذا وتيقنه؛ أدام سؤال الله -﷿- حاجته، وأكثر من دعائه، لا سيما باسمه (القادر، القدير، المقتدر) الذي أرشدنا رسول الله -ﷺ- لسؤال الله به في جملة من الأدعية والأذكار، منها:\n١ - دعاء الاستخارة، فعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ» (^١).\n٢ - الذكر ما بين التشهد والسلام، فعن عطاء بن السائب، عن أبيه -﵁- قال: «صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً، فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ، أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أَبِي غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللهمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللهمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":175},{"text":"لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (^١).\n٣ - رقية المريض، فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ -﵁- أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ الله ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِالله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (^٢).\nاللهم إنا نسألك بقدرتك، أن تستعملنا في طاعتك، وتسخر ما أوليتنا به من قدرات في مراضيك ومحابِّك.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥)، والنسائي واللفظ له، رقم الحديث: (١٣٠٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٠٢).","vol":"2","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>القَريبُ المُجيبُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-507>المعنى اللغوي:</span>\nأولًا: (القريب):\nقال الجوهري -﵀-: «(قرب) قرب الشيء بالضم يقرب قربًا، أي: دنا … تقول: هذه المرأة قريبتي، أي: ذات قرابتي، وقربته بالكسر أقربه قربانًا، أي: دنوت منه … والقرب: ضد البعد» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(قرب) القاف والراء والباء أصل صحيح يدل على خلاف البعد، يقال: قرب يقرب قربًا، وفلان ذو قرابتي، وهو من يقرب منك رحمًا …» (^٢).\nثانيًا: (المجيب):\nقال الجوهري -﵀-: «(جوب) الجواب معروف، يقال: أجابه وأجاب عن سؤاله، والمصدر الإجابة، والاسم الجابة بمنزلة الطاعة والطاقة … والإجابة والاستجابة بمعنى، يقال: استجاب الله دعاءه …» (^٣).\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ١٩٨).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٨٠)\n(^٣) الصحاح (١/ ١٠٤).","vol":"2","page":177},{"text":"قال ابن فارس -﵀-: «(جوب) الجيم والواو والباء … وأصل آخر، وهو مراجعة الكلام، يقال: كلمه فأجابه جوابًا، وقد تجاوبا مجاوبة، والمجابة: الجواب …» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-508>ورود اسم الله (القريب المجيب) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورود اسم الله القريب:\nورد اسم الله (القريب) ثلاث مرات في كتاب الله، وقد وردت كالتالي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nقوله -﷿-: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].\nقوله -﷿-: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].\nثانيًا: ورود اسم الله المجيب في القرآن الكريم:\nورد اسم الله (المجيب) مرتين في كتاب الله، وهما:\nقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].\nقوله -﷿-: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥].\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (١/ ٤٩١).","vol":"2","page":178},{"text":"ورود اسمي الله (القريب والمجيبِ) في السنة النبوية:\nأولًا: ورود اسم الله القريب:\nورد اسم الله (القريب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nحديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- خَيْبَرَ، أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ. وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^١)، وفي رواية: «وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ» (^٢).\nثانيًا: ورود اسم الله المجيب:\nورد اسم الله (المجيب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nحديث أبي موسى -﵁- أيضًا: «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ قَرِيبًا مُجِيبًا، يَسْمَعُ دُعَاءَكُمْ وَيَسْتَجِيبُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٤٢٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٩١٤). إسناده صحيح على شرط الشيخين، (كما في مسند أحمد تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون).","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-509>معنى اسم الله (القريب المجيب) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nأولًا: معنى اسم الله (القريب):\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]: «… غير بعيد، فيتعذر عليه سماع ما أقول لكم، وما تقولون، وما يقوله غيرنا، ولكنه قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به، أقرب إليه من حبل الوريد» (^١).\nقال الزجاجي -﵀-: «القريب: الذي ليس ببعيد، فالله -﷿- قريب ليس ببعيد، كما قال -﷿-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] أي: أنا قريب الإجابة، وهو مثل قوله -﷿-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] … وكل هذا يراد به- والله أعلم- إحاطة علمه بكل شيء، وكون كل شيء تحت قدرته وسلطانه وحكمه وتصرفه، ولا يراد بذلك قرب المكان والحلول في بعضه دون بعض، جل الله وتَعَالَى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «القريب: معناه: أنه قريب بعلمه من خلقه، قريب ممن يدعوه بالإجابة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]». (^٣)\nوقال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] «أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٢٠).\n(^٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ١٠٢).","vol":"2","page":180},{"text":"عبادته، وإثابته عليها، أجلَّ الثواب» (^١).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوَهوَ القَرِيبُ وَقُرْبُهُ المُخْتَصُّ بِالدَّ … اعِي وَعَابِده عَلَى الإِيمَانِ (^٢)\nثانيًا: معنى اسم الله (المجيب):\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، يقول: «إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه» (^٣).\nقال الزجاج -﵀-: «المجيب هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وقال الله تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]» (^٤).\nقال الخطابي -﵀-: «هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه، فقال تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ويقال: أجاب واستجاب بمعنًى واحد» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٣٨٤).\n(^٢) نونية ابن القيم (ص: ٢٠٨).\n(^٣) تفسير الطبري (١٥/ ٣٦٩).\n(^٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥١).\n(^٥) شأن الدعاء (ص: ٧٢).","vol":"2","page":181},{"text":"قال الحليمي -﵀-: «الذي ينيل سائله ما يريد، لا يقدر على ذلك غيره» (^١).\nقال ابن الأثير -﵀-: «وفي أسماء الله تَعَالَى: (المجيب) وهو الذي يقابل الدعاء والسؤال بالقبول والعطاء، وهو اسم فاعل من: أجاب يجيب» (^٢).\nقال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]: «يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب» (^٣).\nقال الإمام ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ المُجِيبُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُو أُجِبْـ … ـهُ أَنَا المُجِيبُ لِكُلِّ مَنْ نَادَانِي\nوَهوَ المُجِيبُ لِدَعْوَةِ المُضْطَرِّ إِذْ … يَدْعُوهُ فِي سِرٍّ وَفِي إِعْلَانِ (^٤)\nاقتران اسم الله (القريب المجيب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله القريب:\nاقترن اسم الله القريب باسم الله (السميع)، واسمه (المجيب).\nأولًا: اقتران اسم الله القريب باسمه السميع:\nتقدم بيانه في اسم الله (السميع).\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (ص: ٣١٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٣٨٤).\n(^٤) نونية ابن القيم (ص ٢٠٨).","vol":"2","page":182},{"text":"ثانيًا: اقتران اسم الله القريب باسمه المجيب:\nاقترن اسم الله القريب باسمه المجيب في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].\nوجه الاقتران:\n«أن الله سُبْحَانَهُ عندما يسأله عباده ويدعونه، فإنه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم، ولا يمنعه علوه فوق خلقه عن سماع دعائهم؛ لأنه قريب لهم يسمع دعاءهم ويقضي حوائجهم على اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم، فهو سُبْحَانَهُ قريب في علوه عال في قربه» (^١).\nثانيًا: اقتران اسم الله المجيب:\n- اقتران اسم الله (المجيب) باسمه (القريب):\nتقدم بيانه في اسم الله (القريب).\n\n<span data-type='title' id=toc-510>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القريب المجيب):</span>\n<span data-type='title' id=toc-511>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القريب، المجيب) من الصفات:</span>\nلما كان ربنا -﷿- بكل شيء عليم، وبخلقه رحيم، وعليم جواد كريم محسن، وبيده خزائن السموات والأرض كان من أسمائه القريب المجيب، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وقد تضمنا صفة القرب والإجابة، وهما على نوعين:\n_________\n(^١) ولله الأسماء الحسنى، للجليل (٢/ ٣٤).","vol":"2","page":183},{"text":"النوع الأول: القرب والإجابة العامة:\nالقرب العام:\nالله -﷿- عال على خلقه، فوق سماواته مستو على عرشه، بائن من خلقه وهم منه بائنون إلا أنه مع ذلك قريب من سائرهم بعلمه وخبرته ومراقبته ومشاهدته وإحاطته (^١)، قريب من الإنس والجن، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والخفي والظاهر، والعاقل وغير العاقل، مطلع على جهرهم وسرهم، ومشاهد لحركاتهم وسكناتهم، ومعهم أينما كانوا، وفي أي ساعة كانوا، وعلى أي حال انقلبوا لا يخفى عليه شيء من أمرهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقال -ﷺ-: (والَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ) (^٢).\nوهو سُبْحَانَهُ قريب بسمعه من كل متكلم، يسمع كل ما ينطق به، لا يخفى عليه كلمة ولا يفوته حرف، سواء نطق به سرًّا أم جهرًا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، وقال -ﷺ-: (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ) (^٣).\nفإن استشكل مستشكل قرب ربنا مع علوه، قلنا نقلًا عن ابن القيم -﵀-: «وهو سُبْحَانَهُ قريب في علوه؛ عال في قربه، كما في الحديث الصحيح\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":184},{"text":"عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: (كنا مع رسول الله -ﷺ- في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، قال: أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ) (^١).\nفأخبر -ﷺ- وهو أعلم الخلق به- أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه؛ مطلع على خلقه؛ يرى أعمالهم، ويرى ما في بطونهم، وهذا حق لا يناقض أحدهما الآخر.\nوالذي يسهل عليك فهم هذا: معرفة عظمة الرب؛ وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سُبْحَانَهُ يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى؛ ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه؛ ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟!» (^٢).\nالإجابة العامة:\nالله -﷿- القريب المجيب الذي يسمع دعاء الداعي وسؤال السائل ومناجاة الطالب، فيعمهم بالإجابة مهما كانوا، وأين كانوا، وعلى أي حال كانوا، وبأي لغة نطقوا، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٤٨٢ - ٢٨٣).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).","vol":"2","page":185},{"text":"- يجيب المجيب المؤمن التقي، كما يجيب الكافر الفاجر بمقتضى ربوبيته، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].\n- استجاب لإبليس رأس الكفر حين طلب الإنظار: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].\n- واستجاب لقوم سبأ حين أنعم عليهم بالنعم العظيمة، والآلاء الجسيمة، فاستكثروا نعم الله، وقابلوها بالجحود والنكران، فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩].\n- واستجاب لفرعون هذه الأمة أبي جهل، حين استفتح يوم بدر، فقال: «أينا أقطع للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، وقال: اللهم انصر أحب الدينين إليك، ديننا العتيق، أم دينهم الحديث، وفي ذلك أنزل الله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]» (^١).\n- واستجاب- أيضًا- للنضر بن الحارث حين دعا: اللهم إن كان هذا هو الحق، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، قال عطاء -﵀-:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (١٣/ ٤٥٢ - ٤٥٤)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٣٢).","vol":"2","page":186},{"text":"«لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية، فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر» (^١).\nولا يلزم من إجابته لهم ولا لغيرهم من الكفار محبتهم وإكرامهم والرضى بما هم عليه، وإنما يجيبهم لحِكَم، منها: الابتلاء للعباد كما في إجابة إبليس، ومنها: تكفله برزق خلقه في الدنيا فإذا طلبوا منه ذلك أعطاهم إياه، وأيضًا: إقامة حجته عليهم، وإظهارًا لكرمه وجوده ومنته على العالمين، واستدراجهم بتعجيل الخير لهم في الدنيا ليذوقوا العذاب في العاقبة، قال تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]، ومنها: الانتصار للمظلوم؛ لتحريم الظلم حتى وإن كان على الكافر كما جاء في الحديث: «اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» (^٢).\n- ويجيب المجيب أيضًا: المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه، ويكشف السوء عمن ناجاه، ويرفع الظلم عمن بث إليه شكواه، قال تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، وقال -ﷺ-: «اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» (^٣)، الكل مفتقر إليه، لا قوام لحياته إلا عليه ولا ملجأ له منه إلا إليه، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الخازن (٣/ ٢٨).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١/ ٢٠٦)، وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (١/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) ينظر: الاعتقاد، للبيهقي (ص: ٥٩)، تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).","vol":"2","page":187},{"text":"النوع الثاني: القرب والإجابة الخاصة:\nالقرب الخاص:\nخص الله -﷿- أهل طاعته بقرب خاص، قرب يقتضي إجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، وتوفيقهم وتسديدهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] (^١).\nوخصهم القريب بمزيد من الرحمة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\nكما خصهم بالنصر والتأييد في الحركات والسكنات، قال تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] (^٢).\nوخصهم القريب المجيب بمزيد من إجابة الدعاء، وهو ما يعرف بالإجابة الخاصة.\n٢ - الإجابة الخاصة:\nخص الله المجيب أهل طاعته وتقواه بمزيد من إجابة الدعاء، سواء أكان ذلك دعاء عبادة، فيجيبهم بالقبول وحسن الثواب، أم دعاء مسألة فيجيهم بإعطائهم سؤلهم وتحقيق مرادهم، قال تَعَالَى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).","vol":"2","page":188},{"text":"عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (^١).\nفهذا نوح -﵇- طال مقامه في قومه حتى لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولم يؤمن منهم إلا قليل، وما زادهم طول المقام إلا تكذيبًا وعتوًّا، وكلما دعاهم ازدادوا نفورًا، فدعا ربه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ودعاه ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦]، فأجابه المجيب القريب ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٤]، ومدح نفسه بذلك فقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٥، ٧٦] (^٢).\nوهذا أيوب طال بلاؤه، واشتد ضره، ومات أهله، وذهب ماله، فنادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] فاستجاب له المجيب القريب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] (^٣).\nوهذا يونس علم أن ربه قريب منه وإن كان في بطن الحوت وقاع البحر وظلمة الليل، فناداه في الظلمات ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فاستجاب له المجيب، فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٣٨٥، ٩٤٩).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٢٢)، وتفسير السعدي (ص: ٧٠٥).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٩).","vol":"2","page":189},{"text":"وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، وقال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٥ - ١٤٨] (^١).\nوهذا زكريا كبرت سنه ورق عظمه واشتعل رأسه شيبًا، وكانت زوجه عاقرًا، إلا أنه علم أن ربه قريب مجيب على كل شيء قدير، فنادى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]، فأجابه القريب المجيب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\nوهذا يوسف -﵇- اعتصم بربه واستعان به على كيد النسوة: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فاستجاب له القريب المجيب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٤ - ٣٥] (^٢).\nوهذا محمد -ﷺ- لما كان يوم بدر نظر إلى أصحابه فإذا هم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة، ثم مد يديه، يستغيث بربه: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أبدًا، وما زال يستغيث ربه -﷿- ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٦٧).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٧).","vol":"2","page":190},{"text":"سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]» (^١).\nوهذا إبراهيم وإسماعيل، ويعقوب وموسى، وعيسى وغيرهم من أنبياء الله -﵈- دعوا ربهم، فأجابهم القريب المجيب ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\nوكما أجاب أنبيائه ورسله أجاب الصالحين من خلقه، فأجاب آسيا امرأة فرعون لما دعت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]\nوأجاب طالوت وأصحابه لما دعوا: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت.\nوأجاب امرأة عمران لما دعت ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٥ - ٣٦]، فكفى مريم وابنها مس الشيطان، كما جاء في حديث أبي هريرة، -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا مَسَّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّهِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٨).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤).","vol":"2","page":191},{"text":"وأجاب أصحاب الكهف لما دعوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] فثبتهم على الحق، وحفظهم من شر قومهم، وجعلهم آية للعالمين.\nوأجاب- أيضًا- الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة لما دعوا بتفريجها عنهم، فتزحزحت عن مكانها وظهر النور.\nولا زال ولا يزال القريب المجيب سُبْحَانَهُ يجيب أولياءه وأهل طاعته ولا يخيب رجائهم، إلا أنه قد يستشكل أن جماعة من العباد والصالحين قد دعوا وبالغوا ولم يجابوا؟!\nوالجواب: إجابة الله للسائل تتنوع: فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، وتارة يقع ولكن يتأخر لحكمه، وتارة تقع الإجابة ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة وفي الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها، وقد تدخر له أجرًا ومثوبة يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ الله بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخرة، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قالوا: إذًا نكثر، قال: اللهُ أَكْثَرُ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١٣٠٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٠٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٠).","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-512>الأثر الثاني: دلالة اسم الله القريب المجيب على التوحيد:</span>\nإن ربوبية الله -﷿- للعالمين اقتضت قربه وإجابته لخلقه فيجيب مطلوبهم، ويكشف ضرهم، وينجيهم في ظلمات البر والبحر، وينجيهم من كل كرب، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤].\nوهذا يقتضي عبادته ودعاءه وحده، قال تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، وجاء في حديث ابن عباس عن رسول الله -ﷺ-: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ» (^١)؛ وذلك أنه وحده المقتدر على جلب المطلوب وكشف الضر، وكل ما سواه عاجز لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن ملكه لغيره، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].\nفهل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب وتعسر عليه المطلوب واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده؟ ومن يكشف البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟ أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟!\nلا أحد يفعل مع الله شيئًا من ذلك، حتى بإقرار المشركين، ولهذا كانوا\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":193},{"text":"إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين، قال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]؛ لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته، وهذا يلزم منه إخلاص الدعاء إليه في حال الرخاء واليسر، كما أخلصوا له في حال الشدة والعسر، وألا يشركوا معه غيره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-513>الأثر الثالث: محبة الله القريب المجيب:</span>\nإذا تأمل العبد اسم الله القريب المجيب وما فيه من إجابة الداعين، وإسعاف السائلين، وكفاية المضطرين مع الإنعام قبل النداء، والتفضل قبل الدعاء؛ حمله ذلك على محبته -﵎-، لا سيما وأن القلوب فُطرت على محبة من يحسن إليها ويقضي حاجتها.\nكما أن هذا الاسم وما يقتضيه من الكمالات كالعلم، والسمع، والقدرة، والغني، والملك كلها توجب للقلب محبته؛ لما فطرت على محبة مَن له الكمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-514>الأثر الرابع: الرجاء في الله (القريب المجيب) والتعلق ببابه:</span>\nمن عرف اسم ربه القريب المجيب وضم إليه الكريم الجواد المحسن، وتيقن أنه سُبْحَانَهُ بيده ملكوت كل شيء، وإليه حكم كل شيء، فحكمه نافذ في السموات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وكذا في البحار والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذراته يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء، فما شاء كان في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، له الخلق والأمر، وله الملك، وله الدنيا والآخرة،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٠٨، ٦٣٥).","vol":"2","page":194},{"text":"وخزائنه ملأى لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والأخرين من الإنس والجن، وأجابهم في كل ما سألوه، كما جاء في الحديث عن ربنا -﷿- أنه قال: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (^١) (^٢).\nوعلم أنه يحب الداعين، ويستحي أن يردهم صفرًا خائبين، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ الله حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» (^٣)، بل وينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: «مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^٤).\nأوجب له ذلك كله التعلق بباب الله القريب المجيب، والتضرع بين يديه، وإنزال الحوائج إليه مع قوة الرجاء فيه، وحسن الظن به، والثقة بإجابته وإن عظمت المسألة، وكثر المطلوب، وتنوع المرغوب.\nوعلى الضد من ذلك يوجب للقلب التخلص من داء القنوط من رحمة الله واليأس من روحه، كما يوجب تخلصه من التعلق بالمخاليق ورفع الحوائج\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٨٧، ٢٩٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٤٨٨)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٥٥٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٥٨).","vol":"2","page":195},{"text":"إليهم، وشكوى الكرب بين يديهم؛ فإن الله أقرب منهم لعبده، وبه أرحم منهم، وعلى مطلوبه أقدر، وهو الجواد الكريم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-515>الأثر الخامس: دعاء الله القريب المجيب </span>(^٢):\nالله تَعَالَى القريب المجيب، لمَّا علم أن الإنسان لا ينفك عن الحاجة سواء الدنيوية أو الدينية، وبطبعه عاجز عن تحقيقها وحده، فلا مرغوب يستطيع جلبه، ولا مرهوب يستطيع دفعه؛ لطف به ورحمه، وأنعم عليه، فشرع له دعاءه والتعلق به في حاجته، بل وحثه ورغبه في ذلك بطرائق عدة، منها:\nالأمر بالدعاء، قال تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].\nبيان أن الدعاء هو العبادة؛ فعن النعمان بن بشير -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ، وقرأ: قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]».\nبيان محبته للدعاء وغضبه على تاركه؛ فعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ -﷿- مِنَ الدُّعَاءِ» (^٣)، وعنه\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى (ص: ٢٨٧، ٢٨٩)\n(^٢) ينظر: شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة (ص: ١٥)، وما بعدها، لسعيد القحطاني.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٨٦٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٠)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٢٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٠).","vol":"2","page":196},{"text":"أيضًا قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (^١).\nتوعد المستكبر عن الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\nالوعد بالإجابة على الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nإلا أن الوعد بالإجابة له شروط وموانع، فمتى ما وجد الشرط وانتفى المانع حصلت الإجابة بإذن الله، كما أن له آدابًا، والتحلي بها مدعاة للإجابة.\nقال ابن القيم -﵀-: «والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود؛ حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير» (^٢).\nوبيان بعض هذه الشروط والموانع والآداب على النحو الآتي:\nأ- شروط إجابة الدعاء (^٣):\n١ - الإخلاص؛ فإن الدعاء عبادة، وشرط قبول العبادات الإخلاص،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٣٧٣)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٥٨)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨١٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٧٣).\n(^٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (١/ ٢٦).\n(^٣) ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١/ ٩٣، وما بعدها).","vol":"2","page":197},{"text":"قال تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، وعلى هذا لا يصرف الدعاء لغير الله، ولا يدعى رياء ولا سمعة.\n٢ - المتابعة؛ فإن الدعاء عبادة، وشرط قبول العبادات المتابعة، فيتابع هدي رسول الله -ﷺ- في الدعاء، ويوافق فيه شرع الله.\n٣ - حضور القلب أثناء الدعاء مع الرغب والرهب، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ بعد ذكر إجابته لدعوات أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مدلون» (^١).\nوجاء في حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^٢).\n٤ - الثقة بالله واليقين بالإجابة؛ فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «ادْعُوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٣٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨٢٣)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٦٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨٢٣)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٦٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩).","vol":"2","page":198},{"text":"٥ - الجزم في الدعاء وعدم الاستثناء؛ فقد جاء في الحديث عن أنس -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، وَلَا يَقُولَنَّ: اللهمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (^١)، وفي رواية: «فَإِنَّ الله لَا مُكْرِهَ لَهُ» (^٢)، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي، اللهمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» (^٣).\nب- موانع إجابة الدعاء:\nأكل الحرام؛ فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^٤).\nقال أهل العلم: قد أتى هذا الرجل بأربعة أسباب من أسباب الإجابة:\nالأول: إطالة السفر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٦٣٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٤).\n(^٣) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٦٣٣٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٩).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠١٥).","vol":"2","page":199},{"text":"والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة؛ ولهذا قال -ﷺ-: «رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (^١).\nوالثالث: يمد يديه إلى السماء «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌ كَرِيمٌ يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خائبتين» (^٢).\nوالرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء.\nومع ذلك كله قال -ﷺ-: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^٣)، وهذا استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد (^٤).\nالاستعجال وترك الدعاء؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (^٥)، وعنه -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٢٢).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) ينظر: شرح الأربعين النووية، ابن عثيمين (ص: ١٤٣، وما بعدها).\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٥).\n(^٦) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٥).","vol":"2","page":200},{"text":"التفريط في الواجبات والوقوع في المحرمات؛ فعن حذيفة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^١)، وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالمعاصي.\nوقال ابن القيم -﵀-: «وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره … وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها» (^٢).\nالدعاء بإثم أو قطيعة رحم؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، …» (^٣)، وذلك كأن يدعو بأن يمكنه الله من معصية ما، أو يدعو على أقرابه وأرحامه ظلمًا وعدوًا.\nالاعتداء في الدعاء؛ قال تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].\nقال ابن القيم -﵀-: «فالاعتداء بالدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل: أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (٢٣٧٧٥)، والترمذي رقم الحديث: (٢١٦٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٦٩).\n(^٢) الداء والدواء (ص ٩).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":201},{"text":"يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة، ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء؛ فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء، لا يحبه الله، ولا يحب سائله» (^١).\nحكمة الله -﷿-، ويعطى الداعي أفضل مما سأل؛ فعن أبي سعيد -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ الله بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخرة، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قالوا: إذًا نكثر، قال: اللهُ أَكْثَرُ» (^٢).\nج- آداب الدعاء:\nالاستجابة لله -﷿- والمسارعة في الخيرات، قال تَعَالَى بعد ذكر إجابته لدعوات أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ١٣).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":202},{"text":"وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي: الاستجابة لله تَعَالَى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة» (^١).\nتحري أوقات وأماكن وأحوال إجابة الدعاء، كالدعاء بين الأذان والإقامة، وفي ساعة الجمعة، وحال السجود، والسفر، وفي عرفة، وداخل الحجر، ونحو ذلك مما يطول ذكره.\nالوضوء قبل الدعاء؛ فإنه -ﷺ- لما جاءه خبر موت أبي عامر دعا بماء فتوضأ منه، ثم رفع يديه فقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدِ أَبِي عَامِرٍ …» (^٢).\nمد اليدين بالدعاء واستقبال القبلة؛ فعن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللهمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ لَا تُعْبَد فِي الأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ …» (^٣).\nوعن سلمان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٤).\nخفض الصوت ما بين المخافتة والجهر حال الدعاء؛ قال تَعَالَى:\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٢٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٤٩٨).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٦٣).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"2","page":203},{"text":"﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وجاء في الحديث عن أبي موسى -﵁- قال: «كنا مع النبي -ﷺ- في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي -ﷺ-: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» (^١).\nالدعاء في الرخاء والشدة؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» (^٢)، وقال الله في يونس -﵇- حينما دعاه فأنجاه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].\nالثناء على الله في الدعاء والصلاة على رسول الله -ﷺ-؛ فعن عن فضالة بن عبيد -﵁- قال: «سَمِعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: عَجِلَ هَذَا. ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إذا صَلَّى أحَدُكُم فليَبْدأ بتَمْجيدِ رَبَّه والثَّناءِ عليه، ثم يُصَلَّي على النبيِّ -ﷺ-، ثم يدعو بعدُ بما شاءَ» (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٢)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٦٣٩٦)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٤٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٢).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٥٦٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٧)، وأبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (١٤٨١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٨١).","vol":"2","page":204},{"text":"ورأى رسول الله -ﷺ- رجلًا آخر يصلي فمجد الله، وحمده، وصلى على النبي -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: «ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ» (^١).\nالتوسل لله -﷿- بأسمائه وصفاته؛ قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nالاعتراف بالذنب والنعمة حال الدعاء؛ كما في دعاء يونس -﵇-: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، قال -ﷺ-: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ الله لَهُ» (^٢).\nوفي سيد الاستغفار: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قال: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (١٢٨٣)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٢٨٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٥)، والحاكم، رقم الحديث: (٣٤٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٥).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦).","vol":"2","page":205},{"text":"الدعاء بالجوامع وأدعية الأنبياء -﵈-؛ فعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ» (^١).\nوعَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا، وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَسَلَاسِلِهَا، وَأَغْلَالِهَا، وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ. فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ» (^٢).\nالتضرع والافتقار لله -﷿- في الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تَعَالَى بعد إجابته لدعوات أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فيدعو مستشعرًا بأنه في أمسِّ الحاجة بل في أمس الضرورة إلى الله، وأنه سُبْحَانَهُ وحده هو الذي بيده إجابة دعائه وتفريج كربته ورفع بلائه، وأنه إن لم يأذن بذلك فلا فرج ولا رفع للبلاء (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٤٨٢)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٥٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٨٢).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٠٧٠)، وأبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (١٤٨٠)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٤)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود (١٤٨٠).\n(^٣) ينظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١/ ٩٣).","vol":"2","page":206},{"text":"الإلحاح في الدعاء؛ فعن أنس -﵁- قال -ﷺ-: «أَلِظُّوا\nبِيَا ذَا الجَلَالِ والإِكْرَام» (^١)، وقال -ﷺ-: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (^٢).\nتكرار الدعاء ثلاثًا؛ فإن ذلك من هدي رسول الله -ﷺ-؛ فعن ابن مسعود -﵁- في قصة وضع سلا الجزور على ظهر رسول الله -ﷺ- أنه دعا عليهم: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» (^٣) ثلاث مرات.\nعدم تكلف السجع في الدعاء؛ فعن ابن عباس -﵄- قال: «فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ، يَعْنِي: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ» (^٤).\nعدم الدعاء على الأهل والولد والمال ونحو ذلك؛ فعن جابر -﵁- أن رجلًا لعن بعيره، فقال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ الله سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢٤) و(٣٥٢٥)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٩٣) و(٩٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢٥).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٧٩٤).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٣٧).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠١٤).","vol":"2","page":207},{"text":"ثم إذا عُلم هذا فليعلم أن خير ما يدعى به القريب المجيب ما جاء في القرآن من الدعوات، وما أُثر عن رسول الله -ﷺ- من الدعاء؛ فإنه أعلم الخلق بالله، وأنصحهم، وأتقاهم، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\n\n<span data-type='title' id=toc-516>الأثر السادس: الاستجابة والتقرب لله القريب المجيب:</span>\nإذا عرف العبد اسم ربه القريب المجيب وما فيهما من القرب الخاص والإجابة الخاصة، تطلع إلى تحصيل هذا الفضل العظيم ورجى أن يكون من أهله، وإنما ذلك يكون بالتقرب لله -﷿- بفعل الطاعات واجتناب المنهيات؛ فإن الله -﷿- قريب ممن أطاعه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وجاء في الحديث القدسي: «وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا …» (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية، فكلما كملها قرب العبد إليه؛ لأنه سُبْحَانَهُ بر جواد محسن، يعطي العبد ما يناسبه، فكلما عظم فقره إليه كان أغنى؛ وكلما عظم ذله له كان أعز» (^٢).\nوهذا التقرب لله -﷿- هو حقيقة الاستجابة، فإنها: الانقياد للأوامر بالفعل، وللنواهي بالترك، وقد دعانا الله -﷿- إليها بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٨٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٣٨).","vol":"2","page":208},{"text":"بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله -﵎-: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧].\nوضرب الصحابة -﵃- أروع الأمثلة في الاستجابة لله -﷿-؛ فعن أنس -﵁- قال: «كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا» (^١).\nوعن عائشة -﵂-، قالت: «يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (^٢).\nوللاستجابة ثمرات عدة في الدنيا والآخرة، ومنها:\nالحياة الحسنة في الدنيا والآخرة؛ قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «فلهم ﴿الْحُسْنَى﴾ أي: الحالة الحسنة والثواب الحسن. فلهم من الصفات أجلها ومن المناقب أفضلها ومن الثواب العاجل والآجل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٦٤)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٥٨).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٤١٦).","vol":"2","page":209},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].\nقال ابن القيم -﵀-: «فتضمنت هذه الآية أمورًا، أحدها: أن الحياة النافعة انما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان؛ ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول، فإن كان ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول» (^١).\nإجابة الدعاء، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ [البقرة: ١٨٦].\nحصول الرشد والهدى، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة». (^٢)\n_________\n(^١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٩٠).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٨٧).","vol":"2","page":210},{"text":"حصول الكفاية وإصلاح الشأن؛ قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤].\nمغفرة الذنوب والنجاة من العذاب، قال تَعَالَى على لسان منذر الجن: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].\nالفوز بالجنة، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨]، قال الطبري -﵀-: «فإن لهم الحسنى، وهي الجنة» (^١).\nوكل هذه الثمار وغيرها تدعو العبد إلى مجاهدة نفسه وحملها على الاستجابة لله -﷿-.\nفاللهم يا قريب يا مجيب، اجعلنا ممن استجاب وأناب، ففاز برضاك.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٦/ ٤١٦).","vol":"2","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-517>القاهرُ القهَّارُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-518>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «قهره قهرًا: غلبه …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «القاف والهاء والراء كلمة صحيحة تدل على غلبة وعلو، يقال: قهره يقهره قهرًا، والقاهر: الغالب …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-519>ورود اسم الله (القاهر- الْقَهَّار) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورود اسم الله القاهر في القرآن الكريم:\nورد اسم الله (القاهر) في القرآن مرتين، هما:\n١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]\n٢ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٨٠١).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٥).","vol":"2","page":212},{"text":"ثانيًا: ورود اسم الله القهار في القرآن الكريم:\nورد اسم الله القهار في القرآن ست مرات، ومن وروده ما يلي:\n١ - قول الله -﷿-: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]\n٢ - قول الله -﷿-: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]\n٣ - قول الله -﷿-: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-520>ورود اسم الله (القاهر- الْقَهَّار) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله القهار في السنة، ومن وروده ما يلي:\nما جاء عن عائشة -﵂-، قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» (^١).\nما جاء عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ الصَّيْحَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، فَيَسْمَعُهُ الأَحْيَاءُ والأَمْوَاتُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٤١)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٥٣٠)، حكم الألباني، صحيح، صحيح الجامع وزيادته، رقم الحديث: (٤٦٩٣).\n(^٢) قال ابن القيم -﵀-: «وسليم هذا صدوق، خرج له مسلم»، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٤٥٥).","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-521>معنى اسم الله (القاهر - الْقَهَّار):</span>\nالقهار صيغة مبالغة من القاهر، تدل على كثرة القهر، ومن أقوال العلماء في ذلك:\nقال الطبري -﵀- في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]: «المذلل المستعبد خلقه، العالي عليهم، وإنما قال: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ لأنه وصف نفسه تَعَالَى ذكره بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه، فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عباده، المذللهم، العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه» (^١)، وقال في موضع آخر: «القاهر: المذلل المستعبد خلقه، العالي عليهم» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «القهار … والله تَعَالَى قهر المعاندين بما أقام من الآيات والدلالات على وحدانيته، وقهر جبابرة خلقه بعز سلطانه، وقهر الخلق كلهم بالموت» (^٣).\nقال الخطابي -﵀-: «القهار: هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، وقهر الخلق كلهم بالموت» (^٤).\nقال القرطبي -﵀-: «القهار: الغالب لكل شيء، الذي يغلب في مراده كل مريد» (^٥)، وقال: «والقاهر: الغالب، وأقهر الرجل إذا صير بحال\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١١/ ٢٨٨).\n(^٢) تفسير الطبري (١١/ ٢٨٨).\n(^٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣٨).\n(^٤) شأن الدعاء (١/ ٥٣).\n(^٥) تفسير القرطبي (٩/ ٣٠٤).","vol":"2","page":214},{"text":"المقهور الذليل» (^١).\nقال ابن كثير -﵀- في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]: «وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له لوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه، وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت حكمه وقهره» (^٢).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «القهار لكل شيء، الذي خضعت له المخلوقات، وذلت لعزته وقوته وكمال اقتداره» (^٣)، وقال أيضًا: «القهار وهو الذي قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع المخلوقات ودانت لقدرته، ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلى، فلا يحدث حادث، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون لا يملكون لأنفسهم نفعًا، ولا ضرًّا، ولا خيرًا، ولا شرًّا» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀- في النونية:\nوَكَذَلِكَ القَهَّارُ مِنْ أَوْصَافِهِ … فَالخَلْقُ مَقْهُورُونَ بِالسُّلْطَانِ\nلَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَزِيزًا قَادِرًا … مَا كَانَ مِنْ قَهْرٍ وَمِنْ سُلْطَانِ (^٥)\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٦/ ٣٩٩).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٢١٩).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).\n(^٤) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٧٦).\n(^٥) النونية، لابن القيم (ص: ٢٠٩).","vol":"2","page":215},{"text":"اقتران اسم الله (القاهر - القهار) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (القاهر) بأسمائه الاخرى:\n- اقتران اسم الله القاهر باسمه الحكيم:\nتقدم بيانه في اسم الله الحكيم.\n- اقتران اسم الله القاهر باسمه الخبير:\nتقدم بيانه في اسم الله الخبير\nثانيًا: اقتران اسم الله (القهار) بأسمائه الأخرى:\nلم يقترن اسم الله (القهار) إلا باسم الله (الواحد) وذلك في ستة مواضع، منها: قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤].\nوجه الاقتران:\nبيان كماله جل في علاه ونفي ما قد يتوهم من الحاجة؛ إذ: «الغلبة والإذلال من ملوك الدنيا، إنما يكون بأعوانهم وجندهم وعددهم وعددهم، والله تَعَالَى يقهر كل الخلق، وهو واحد أحد فرد صمد، مستغن عن ظهير سُبْحَانَهُ» (^١).\n_________\n(^١) ينظر: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، للحلبي (٣/ ٣٤٤)، ومطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء الكردي (ص: ٢٩٢).","vol":"2","page":216},{"text":"بيان استحقاقه وحده للتوحيد، قال ابن القيم -﵀-: «… لا يكون القهار إلا واحدًا؛ إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، وكان القهار واحدًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-522>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القاهر - القهار):</span>\n<span data-type='title' id=toc-523>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القاهر، القهار) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله سُبْحَانَهُ القاهر القهار، الذي عم قهره العالم العلوي والسفلي حتى أعتى الخلق منهم، وأشدهم جبروتًا وسطوة يتضاءل ويتلاشى أمام قهر الله وجبروته، فالكل تحت قهره مغلوبًا ذليلًا، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] (^٢).\nومن مظاهر هذا الاسم:\nأنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بسلطانه وملكه، فلا يستطيع أحد منهم الخروج عنه طرفة عين، ولا التصرف فيه إلا وفق ما رسم له، فالليل يعقب النهار، والنهار يعقب الليل من غير اختلاف أو امتناع، والشمس والقمر والنجوم الكل يجري ويتردد على الدوام على وفق ما قدر الله له (^٣)، والأعضاء التي خلقها الله في جسم الإنسان وغيره من الكائنات تعمل على وفق ما أراد الله\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة، لابن القيم (٣/ ١٠٣٢).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٣٠)، والنهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٨٣).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٩٦).","vol":"2","page":217},{"text":"من غير امتناع أو توقف إلا أن يشاء الله، فالكل مدبر تحت قهر القهار وسلطانه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].\nأنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بمشيئته وإرادته النافذة، فلا يتصرف منهم متصرف، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بمشيئته وأذنه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (^١)، ولو دبر صاحبه كل تدبير وكاد ما شاء، فهؤلاء أهل الشرك والأوثان قوم إبراهيم -﵇- تنادوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا، ثم أضرموا النيران فيه، وألقوا إبراهيم -﵇-، فقهرهم القهار بقوله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. (^٢)\nوهؤلاء إخوة يوسف -﵈- دبروا وخططوا لإقصاء يوسف وإبعاده؛ حتى لا يتمكن أبوه من رؤيته، فيتفرغ لهم، ويقبل عليهم بالشفقة والمحبة، قال تَعَالَى عن قولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ٩ - ١٠]، لكن كان قهر الله وتدبيره بخلاف ما أرادوا، فأبقى ذكر أبيه له حتى مع غياب شخصه ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤].\nقال ابن كثير -﵀-: «أعرض عن بنيه، وقال متذكرًا حزن يوسف القديم الأول: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين» (^٣)، فقالوا\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٥٢، ٢٥٩).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٥١).\n(^٣) المرجع السابق (٤/ ٤٠٥).","vol":"2","page":218},{"text":"متعجبين: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] (^١).\nوهذا فرعون بلغه أن هلاك ملكه على يد غلام من بني إسرائيل، فأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، فقهره القهار بأن أبقى موسى -﵇- حيًّا، بل وجعل منشأه ومرباه على فراشه، وفي داره، وغذاءه من طعامه، وتحت تربيته ودلاله، ثم جعل هلاكه وهلاك جنده على يديه؛ ليُعلم العالمين أن رب السموات العلا هو القاهر القهار القادر الغالب، العزيز القوي شديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (^٢).\nوهؤلاء اليهود- عليهم لعنة الله- أرادوا قتل عيسى -﵇- وصلبه، فقهرهم القهار بأن رفع عيسى إليه، وألقى شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] (^٣).\nوهذه قريش عام الهجرة همت بقتل رسول الله -ﷺ- بعد القبض عليه وعلى صاحبه، فأعلنت عن مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة، بدل كل واحد منهما، لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، فجد الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن قهرهم القهار فعاد الكل بغير جدوى ومن دون عائد، على الرغم من وصولهم إلى باب الغار، قال أبو بكر -﵁-: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٤، ٤٠٤).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٣٢).","vol":"2","page":219},{"text":"لأبصرنا، ولكن الله غالب على أمره (^١).\nإنه القاهر القهار الذي قهر العالين بقضائه النافذ، وقدره الواقع، يحكم بما شاء ويقضي بما أراد، لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، ولا معقب له، يقضي بما أراد سُبْحَانَهُ من الفقر والمرض والعسر والهم والغم، ولا يملك أحد رده ولا كشفه ولو اجتمع الجن والإنس على ذلك، ويقضي بالخير من الغنى والصحة والفرح والسرور واليسر، ولا يملك أحد منعه ولا حجبه ولو اجتمع الجن والإنس على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]، وقال رسول الله -ﷺ- في حديث ابن عباس -﵄-: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ» (^٢).\nإنه القاهر القهار الذي قهر العالمين بما قضاء عليهم من الموت والفناء، وإن طال بهم المدى وعمروا سنين عددًا، واتخذوا من الأسباب ما اتخذوا، فإذا نزل بهم ما استطاع أحد من الخلق رده أو دفعه عن نفسه ولو أتي من القوة والجبروت ما أوتي، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٥)، والرحيق المختوم، للمباركفوري (ص: ١٥٠).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٥٢).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٣)، والنهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٨٣).","vol":"2","page":220},{"text":"أنه القاهر القهار الذي قهر الجبابرة وقرى الطغيان بما أنزل عليهم من العذاب الأليم، فما استطاعوا فرارًا ولا امتناعًا ولا انتصارًا، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].\nقهر عاد التي بلغت من القوة كل مبلغ، حتى أنه لم يخلق في البلاد مثلها قوة وشدة،، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] فلما عتت عن أمر ربها وكذبت رسله، وقالت: من أشد منا قوة؟! قهرهم القهار ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨] (^١).\nوقهر ثمود التي من قوتها نحتت الصخور واتخذتها مساكن، فلما كان منها ما كان قهرها القهار بالصيحة العظيمة التي انصدعت منها القلوب وزهقت لها الأرواح، فأصبحت موتى لا يرى إلا مساكنها وجثثها (^٢).\nوقهر فرعون ذو الملك والجند والعدد والعتاد فلما استكبر، وقال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]، قهره القهار بالغرق فأغرق وجنده جميعًا في صبيحة واحدة، وألقي ببدنه على الأرض ليكون عبرة وآية لكل جبار متكبر (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٢٣).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٨٢).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٣٧٢، ٧٣٩).","vol":"2","page":221},{"text":"وقهر قارون الذي كان له من الكنوز العجب، حتى أن مفاتح خزائنها لتثقل جماعة الرجال الأقوياء عن حملها، فهذه المفاتيح، فما الظن بالخزائن؟! فلما كفر نعمت الله عليه وطغى وبغى قهره القهار فخسف به وبداره الأرض جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه (^١).\nوقهر أصحاب الفيل الذين كادوا بيته الحرام وأرادوا خرابه، فتجهزوا بجمع لا قبل للعرب به، واستصحبوا معهم الفيل لهدم البيت، فقهرهم القهار بطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فخمدوا وهمدوا، وصاروا كعصف مأكول (^٢).\nوقهر قريشًا وعلى رأسها أبو جهل فرعون هذه الأمة بما أنزل بهم يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم الفتح حتى انتهت قريش ودخلت جموعها في دين الله أفواجًا.\nإنه القاهر القهار الذي يقهر العالمين يوم القيامة بالذل والخضوع، فلا تكلم نفسه إلا بإذنه، ويقهرهم بتلاشي أملاكهم قليلها وكثيرها، فلا ملك إلا ملكه، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (^٣).\nإنه القاهر القهار، الذي قهر العالمين بنفوذ حكمه الجزائي فيهم، فلا يمتنع مجرم أُمر به إلى النار من أن يدخلها، ولا ناصر له ومدافع ولو كثر\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٦٢٣ - ٦٢٤).\n(^٢) تفسير السعدي (١/ ٩٣٤).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٧٣٥).","vol":"2","page":222},{"text":"جنده، وعظم سلطانه، وعرض جاهه، ثم إذا دخلوها فلا يملكون الخروج منها، ولا تخفيف عذابها ولا إيقافه برهة إلا أن يشاء الله، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٤٨ - ٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٩] (^١).\nوهو سُبْحَانَهُ مع هذا القهر الواسع العظيم إلا أنه في غاية الكمال والجمال؛ إذ قهره سُبْحَانَهُ عن علم وخبرة بمصالح الأشياء ومضارها، ومن يستحق القهر ومن لا يستحقه، وعن حكمة بالغة يضع معها قهره في الموضع المناسب له، وعن عدل تام لا ظلم معه ولا جور، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-524>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القهار) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد في الكون من حوله وجد أن كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره أو له مخلوق يضاده؛ فخلق الله الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر ثورتها وتذهب بها، وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٨، ٨٨٤).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٨٨).","vol":"2","page":223},{"text":"يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلًّا منهما على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار، وقهر كلًّا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، ثم إن هذا القهر كله لا بد أن ينتهي لقاهر واحد حي، قيوم، عليٍّ، مالك، قادر، قوي، عزيز، عليم، حكيم، لا والد له ولا ولد، ولا أحد كذلك إلا الله الواحد القهار، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]. (^١)\nقال الشيخ السعدي -﵀- في التعليق على الآية السابقة: «القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، فلو كان له ولد لم يكن مقهورًا، ولكان له إدلال على أبيه ومناسبة منه» (^٢).\nوبهذا يكون اسم الله القاهر القهار دالًّا على توحيد الربوبية والأسماء والصفات.\nثم إن من له القهر بكماله وتمامه، لا قاهر له ولا مغالب، هو المستحق أن يعبد وحده دون ما سواه؛ إذ إن ما سواه مقهور مربوب مملوك للواحد القهار، فكيف يساوى بالواحد القهار في العبودية؟!! قال تَعَالَى:\n_________\n(^١) ينظر: طريق الهجرتين (١/ ٢٣٣)، وتفسير السعدي (ص: ٤١٥، ٧١٦).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧١٩).","vol":"2","page":224},{"text":"﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تَعَالَى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهَّاران متساويَيْن في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرًا وحده» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-525>الأثر الثالث: طمأنينة القلب وسكينته بالله القاهر القهار:</span>\nاسم الله القاهر القهار يدعو النفوس للاطمئنان والسكينة، لا سيما المظلومة منها؛ ليقينها بقهر الله للظلمة وقدرته عليهم، مع اطلاعه على ظلمهم وعدم غياب ذلك عنه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، ويقينه أن حقه محفوظ عنده، وسيأخذه له من ظالمه ولو بعد حين، كما جاء في الحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ، حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا الله دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧١٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٥٢٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٧٥٢)، حكم الألباني: ضعيف، سلسلة الأحاديث الضعيفة، رقم الحديث: (١٣٥٨).","vol":"2","page":225},{"text":"ومن ذلك: نفوس المؤمنين الذين تكالبت عليهم الأعداء، وتحزبت عليهم الأحزاب، وخذلهم القريب والبعيد، فإنهم إذا نظروا إلى ضعفهم وقلة حيلتهم وما أصابهم من جراح وقتل ومآسٍ، وبالمقابل قوة عدوهم وبطشه وغناه، ثم تذكروا أن ربهم قاهر قهار، لا يخرج ظالم مهما قوي عن قهره؛ عاد ذلك على نفوسهم بالاطمئنان والسكينة والأمل بنصر الله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-526>الأثر الرابع: محبة الله القاهر، القهار:</span>\nمتى عرف العبد أن معبوده -﵎- قاهر قهار، لا يُغلب ولا يقوم أمام قهره شيء، وأنه بعبادته له يأوي إلى ركن شديد، يدفع عنه ما يمكن أن يتسلط عليه؛ أثمر ذلك في قلبه محبةً وتعلقًا به جل في علاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-527>الأثر الخامس: التواضع والخضوع للقاهر القهار:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم القاهر القهار، ثم نظر في نفسه وكيف أنه تحت قهره لا يد له في الخلق، ولا التدبير، ولا الرزق، يتمنى أن يولد له فلا يولد، وألا يمرض فيمرض، وأن يستغني فيفتقر، وأن يحيى أبدًا فيموت، كل ذلك بغلبة من الله وقهره؛ أورثه ذلك ذلًّا وخضوعًا للقهار، وتواضعًا لخلقه، فلا يغره ملكه وقوته ولا جاهه ونسبه، ولا يقدم على قهر مخلوق، لا سيما الضعيف منهم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]، قال القرطبي -﵀-: «خص اليتيم؛ لأنه لا ناصر له غير الله تَعَالَى، فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه» (^١).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٢٠/ ١٠٠).","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-528>الأثر السادس: الحذر من اتصاف المخلوق بالقهر:</span>\nإذا تأمل العبد في اقتران اسم الله (القاهر) باسمه الحكيم الخبير؛ علم أن قهره -﵎- صفة كمال في حقه بخلاف المخلوق؛ إذ قهره عن جهل وسفه وظلم وعدوان، إضافة إلى كونه مربوبًا مقهورًا عاجزًا، تؤذيه البعوضة، وتشوشه الذبابة، ويأسره الجوع، ويصرعه الشبع، فمن كان كذلك كيف يليق به القهر والكبر والتجبر؟! (^١).\nبل إن اتصافه بذلك وتسميه بما يدل عليه محل نقص وصفة ذم نهى الله عنها، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]؛ وذلك لقيامها على الظلم والطغيان، والتسلط على الضعفاء والفقراء، كما قال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] (^٢).\nوقد تتابعت النصوص في النهي عن الظلم والتحذير منه والتشنيع على صاحبه، ومن ذلك:\nأن الله حرمه على نفسه وعلى عباده؛ فعن عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- فيما يروي عن الله -﵎-: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^٣).\nأن رسول الله -ﷺ- استعاذ من أن يظلم أو يظلم وأمر بذلك؛ فعن أم سلمة، قالت: مَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ\n_________\n(^١) شرح الأسماء، للرازي (ص: ١٩٩).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٨٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).","vol":"2","page":227},{"text":"إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «اللهمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ، أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» (^١)، وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ (^٢). قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي» (^٣).\nأن صاحبه منهي عن مجالسته ومصاحبته، قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].\nأن صاحبه معرض لدعوة المظلوم التي لا ترد؛ فعن عقبة بن عامر الجهني -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «ثَلَاثَةٌ تُسْتَجَابُ دَعْوَتُهُمْ:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (٥٠٩٤)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٢٧)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٨٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٩٤).\n(^٢) قهر الرجال، أي: غلبتهم، وهي شدة تسلطهم بغير حق تغلبًا وجدلًا. ينظر: مشكاة المصابيح مع شرحه مرقاة المفاتيح (٨/ ٤٣٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥٥٥)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٣٠٥)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود. رقم الحديث: (١٥٥٥).","vol":"2","page":228},{"text":"الوَالِدُ، والمُسَافِرُ، والمَظْلُومُ» (^١)، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ» (^٢)، وفي رواية: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» (^٣).\nوروى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: «شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ -﵁-، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا … إلى أن قال: فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا، أَوْ رِجَالًا، إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ» (^٤).\nوروى مسلم- أيضًا- قصة أروى بنت أوس، وقد ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها … فقال سعيد: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا. قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٧٣٧)، وابن خزيمة واللفظ له، رقم الحديث: (٢٤٧٨)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٩٣٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع، رقم الحديث: (٣٠٤٩).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٩١٧)، والطيالسي، رقم الحديث: (٢٤٥٠)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (١٣١٨)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٧٦٧).\n(^٣) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (١٢٧٤٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٣٦١)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١١٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥٥).","vol":"2","page":229},{"text":"أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ» (^١).\nأن صاحبه لا يوفق للحق والهدى، بل إلى الضلال والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\nأن صاحبه محروم من محبة الله، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧].\nأن صاحبه لا يفلح، فلا يفوز بمطلوبه ولا ينجو من مكروه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١].\nأن صاحبه هالك، قال تَعَالَى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣].\nأن صاحبه ملعون من الله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].\nأن صاحبه معرض لغضب الله -﷿-؛ فعن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- بمعناه، قال: «وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ منَ اللهِ -﷿-» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦١٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٥٩٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٣٢٠)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٣٥٩٨).","vol":"2","page":230},{"text":"أن صاحبه متوعد بيوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].\nقال السعدي -﵀-: «هذا وعيد شديد للظالمين، وتسلية للمظلومين، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ حيث أمهلهم وأدر عليهم الأرزاق، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين، فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم، فإن الله يملي للظالم ويمهله ليزداد إثمًا، حتى إذا أخذه لم يفلته، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (^١).\nاللهم يا قاهر يا قهار، نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٢٧).","vol":"2","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-529>الكبيرُ المتكبِّرُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-530>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «كبر: الكبر في السن، وقد كبر الرجل يكبر كبرًا، أي: أسن …، وكبر بالضم يكبر: أي: عظم، فهو كبير وكبار، فإذا أفرط قيل: كبار بالتشديد، والكبر بالكسر: العظمة، وكذلك الكبرياء» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(كبر) الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر، يقال: هو كبير، وكبار، وكبار، قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح ٢٢]، والكبر: معظم الأمر، قوله عز وعلا: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١]، أي: معظم أمره» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-531>ورود اسم الله (الكبير- المتكبر) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: وود اسم الله (الكبير) في ستة مواضع من كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].\nقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٣٦٥).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ١٥٣).","vol":"2","page":232},{"text":"قوله تَعَالَى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].\nثانيًا: ورود اسم الله (المتكبر) في القرآن الكريم:\nورد اسم الله (المتكبر) في آية واحدة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-532>ورود اسم الله (الكبير- المتكبر) في السنة النبوية:</span>\nأولًا: ورد اسم الله (الكبير) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا قَضَى الله الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ؛ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانَ- قال علي: وقال غيره: صفوان ينفذُهُمْ ذَلِكَ- فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيْرُ …» (^١).\nثانيًا: وورد اسم الله (المتكبر) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن ابن عمر -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، ورسول الله -ﷺ- يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر، يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيْزُ، أَنَا الْكَرِيْمُ، فرجف برسول الله -ﷺ- المنبر، حتى قلنا: ليخرن به» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٧٠١).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٥١٥)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٤٩)، وابن حبان، رقم الحديث: (٧٣٢٧)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣١٩٦).","vol":"2","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-533>معنى اسم الله (الكبير- المتكبر) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nأولًا: الكبير:\nقال الطبري -﵀-: «هو العظيم، الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه» (^١).\nقال الزجاجي -﵀-: «هو العظيم الجليل …، وكبرياء الله: عظمته وجلاله» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن، فصغر دون جلاله كل كبير، ويقال: هو الذي كبر عن شبه المخلوقين» (^٣).\nقال القرطبي -﵀-: «أي: الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن، وقيل: الكبير ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، أي: له الوجود المطلق أبدًا وأزلًا، فهو الأول القديم، والآخر الباقي بعد فناء خلقه» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «الكبير في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، الذي من عظمته وكبريائه، أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، ومن كبريائه، أن كرسيه وسع السماوات والأرض، ومن عظمته وكبريائه، أن نواصي العباد بيده، فلا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإرادته» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٨/ ٦٧٦).\n(^٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٥٥).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٦٦).\n(^٤) تفسير القرطبي (١٢/ ٩١).\n(^٥) تفسير السعدي (ص: ٥٤٣)","vol":"2","page":234},{"text":"ثانيًا: المتكبر:\nقال الخطابي -﵀-: «(المتكبر): المتعالي عن صفات الخلق، ويقال: هو الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، والتاء في المتكبر: تاء التفرد، والتخصص بالكبر، لا تاء التعاطي والتكلف» (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «المتكبر: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، وقيل: المتكبر عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم، وأصل الكبر والكبرياء: الامتناع وقلة الانقياد …، وقيل: المتكبر معناه: العالي، وقيل: معناه الكبير؛ لأنه أجل من أن يتكلف كبرًا» (^٢).\nقال ابن الأثير -﵀-: «العظيم ذو الكبرياء، وقيل: المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المتكبر على عتاة خلقه، والكبرياء: العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تَعَالَى» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «الذي له الكبرياء والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور» (^٤).\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص: ٤٨).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٨/ ٤٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٤٠).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٨٥٤).","vol":"2","page":235},{"text":"اقتران اسم الله (الكبير- المتكبر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله الكبيرِ باسم الله العلي:\nتقدم بيانه في اسم الله (العلي).\nثانيًا: اقتران اسم الله (المُتَكَبِّر) باسم الله (العزيز الجبَّار) (^١):\nورد في آية واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].\nوجه الاقتران:\nيقول ابن القيم -﵀- في مناسبة هذا الاقتران-: «جعل سُبْحَانَهُ اسمه الجبار مقرونًا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي: الخالق البارئ المصور، فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز؛ كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق، فالجبار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك؛ ولهذا كان من أسمائه الحسنى» (^٢).\nيقول الطاهر ابن عاشور -﵀-: «ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة المهيمن: أن جميع ما ذكره آنفًا من الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد\n_________\n(^١) تم إيراد الاقتران هنا على خلاف المنهج في إيراد الاقتران بحسب الترتيب الأبجدي للاسم؛ لأنه في آية سورة الحشر اقترن اسم الله المتكبر باسمين هما (العزيز) و(الجبار) سُبْحَانَهُ، فناسب إيراده في هذا الموضع.\n(^٢) شفاء العليل (ص: ١٢١).","vol":"2","page":236},{"text":"لعناية ربهم بهم، وإصلاح أمورهم، وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك، فعقبت بصفة العزيز؛ ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء، واتبعت بصفة الجبار الدالة على أنه مسخر المخلوقات لإرادته، ثم صفة المتكبر الدالة على أنه ذو الكبرياء، يصغر كل شيء دون كبريائه، فكانت هذه الصفات في جانب التخويف، كما كانت الصفات قبلها في جانب الإطماع» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-534>الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكبير المتكبر):</span>\n<span data-type='title' id=toc-535>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الكبير المتكبر من صفات الله تعالى:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ هو الكبير المتكبر وحده لا شريك له، له الكبرياء والعظمة، وسائر صفات الجلال والجمال، فهو الكبير في ملكه، والكبير في رحمته، والكبير في قدرته، والكبير في غناه، والكبير في بسطه وقبضه، والكبير في عزه وعفوه سُبْحَانَهُ.\nومن مظاهر هذين الاسمين ما يلي:\nأنه الكبير المتكبر في ذاته سُبْحَانَهُ عن كل سوء وشر، فهو الكبير عن ظلم العباد، يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^٢)، ولايرضى الظلم منهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢٢).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":237},{"text":"اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]\nأنه الكبير المتكبر العظيم سُبْحَانَهُ، وكل ما دونه حقير صغير، فلا إله بحق غيره، ولا شبيه له ولا نظير، ولا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا شريك، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء، ولا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]\nأنه الكبير المتكبر في سعة علمه وكماله سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].\nأنه الكبير المتكبر في قلوب أهل السماء والأرض سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧]\nأنه الكبير المتكبر في الآخرة سُبْحَانَهُ، فالأرض قبضته والسماوات مطويات بيمينه، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وفي الأثر عن ابن عباس -﵄-، قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» (^١)، وكرسيه سُبْحَانَهُ يسع السماوات والأرض، يقول تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nأنه الكبير المتكبر على عتاة خلقه وجبابرتهم، فإن نازعوه العظمة قصمهم، يقول الله تَعَالَى في الحديث القدسي: «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٠/ ٢٤٦).","vol":"2","page":238},{"text":"إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ» (^١)، وفي رواية: «قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (^٢)، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠].\nأنه الكبير المتكبر عن مشابهة صفات خلقه سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] يقول ابن عباس -﵄-: «السماوات السبع، والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن كخردلة في يد أحدكم» (^٣).\nفالله سُبْحَانَهُ كبير متكبر متعال، له العلو المطلق والكبرياء الكامل سُبْحَانَهُ وتقدس.\n\n<span data-type='title' id=toc-536>الأثر الثاني: توحيد الله باسميه الكبير المتكبر:</span>\n- دلالة اسمي الكبير المتكبر على توحيد الألوهية والربوبية:\nيقول ابن تيمية -﵀-: «فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار» (^٤).\nومن الآيات التي تقطع أصول الشرك وفروعه: قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٧٥)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٦٧٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٤١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى، رقم الحديث: (٢٣٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٩٦).","vol":"2","page":239},{"text":"وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].\nيقول السعدي -﵀-: «قل يا أيها الرسول، للمشركين بالله غيره من المخلوقات، التي لا تنفع ولا تضر، ملزمًا لهم بعجزها، ومبينًا لهم بطلان عبادتها: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: زعمتموهم شركاء لله، إن كان دعاؤكم ينفع، فإنهم قد توفرت فيهم أسباب العجز، وعدم إجابة الدعاء من كل وجه، فإنهم ليس لهم أدنى ملك فـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك …، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فلم يبق إلا الشفاعة، فنفاها بقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فهذه أنواع التعلقات، التي يتعلق بها المشركون بأندادهم، وأوثانهم، من البشر، والشجر، وغيرهم، قطعها الله وبين بطلانها، تبيينًا حاسمًا لمواد الشرك، قاطعًا لأصوله؛ لأن المشرك إنما يدعو ويعبد غير الله،؛ لما يرجو منه من النفع، فهذا الرجاء، هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه (غير الله)، لا مالكًا للنفع والضر، ولا شريكًا للمالك، ولا عونًا وظهيرًا للمالك، ولا يقدر أن يشفع بدون إذن المالك، كان هذا الدعاء، وهذه العبادة، ضلالًا في العقل، باطلة في الشرع» (^١).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٧٨).","vol":"2","page":240},{"text":"ولذا فكل مستكبر عن عباده الله فهو مشرك، وفرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله كان مشركًا، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤] إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]- إلى قوله: - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].\n- دلالة اسمي الكبير المتكبر على توحيد الأسماء والصفات:\nكما أن اسمي الله الكبير المتكبر يدلان على توحيد الربوبية والألوهية، فهما يدلان أيضًا على توحيد الأسماء والصفات، ويدلان على عدد كبير منها؛ كالقدير، والخبير، والعلي المتعال، وذو الجلال والإكرام، والجبار، وغيرها من الأسماء الدالة على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-537>الأثر الرابع: مواضع قول: «الله أكبر»، وفضلها:</span>\nمن مظاهر عظمة هذين الاسمين، أنهما يدوران على ذكر عظيم وهو (الله أكبر)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن معنى (الله أكبر): «وفي قول (الله أكبر) إثبات عظمته؛ فإن الكبرياء يتضمن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل؛ ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: (الله أكبر) فإن ذلك أكمل من قول: (الله أعظم)» (^١).\nومن تأمل في المواضع المخصوصة التي أمرنا بالتكبير فيها، وجد أنه كما قال ابن تيمية -﵀-: «مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع، أو\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٥٣).","vol":"2","page":241},{"text":"لعظمة الفعل، أو لقوة الحال، أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة؛ ليبين أن الله أكبر، ويستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار؛ فيكون الدين كله لله، ويكون العباد له مكبرين، فيحصل لهم مقصودان: مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله، ومقصود الاستعانة بانقياد الطالب لكبريائه» (^١)، ومن هذه المواضع:\nشرع التكبير لصحة الدخول في الصلاة، يقول ابن القيم -﵀- في سر ذلك: «لما كان المصلي قد تخلى عن الشواغل وقطع جميع العلائق، وتطهر وأخذ زينته، وتهيأ للدخول على الله تَعَالَى ومناجاته؛ شُرع له أن يدخل دخول العبيد على الملوك، فيدخل بالتعظيم والإجلال، فشرع له أبلغ لفظ يدل على هذا المعنى وهو قول: (الله أكبر) فإن في اللفظ من التعظيم والتخصيص والإطلاق- في جانب المحذوف المجرور بمن- ما لا يوجد في غيره» (^٢).\nشرع التكبير على الهداية والرزق والنصر؛ وفي سر ذلك يقول ابن تيمية -﵀-: «لأن هذه الثلاث أكبر ما يطلبه العبد، وهي جماع مصالحه، والهدي أعظم من الرزق والنصر؛ لأن الرزق والنصر قد لا ينتفع بهما إلا في الدنيا، وأما الهدي فمنفعته في الآخرة قطعًا، وهو المقصود بالرزق والنصر؛ فخص بصريح التكبير» (^٣)، ومما ورد في ذلك: حديث أنس بن مالك -﵁-، «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهَا لَيْلًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمَّا\n_________\n(^١) المرجع السابق (٤/ ٢٢٩).\n(^٢) بدائع الفوائد (٢/ ١٩٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٢٩).","vol":"2","page":242},{"text":"رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: اللهُ أَكْبَرُ، خَربَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ» (^١).\nشرع التكبير في بدء العبادات أو تمامها، ومن ذلك: جاء التكبير مكررًا في الأذان في أوله وفي آخره، وفي أثناء الصلاة وهو حال الرفع والخفض والقيام إليها، وذكره الله بعد آيات الصيام، قال تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ وعند ذبح الأنساك في الحج، قالتَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].\nشرع التكبير عند كل علو وارتفاع، كعلو نشز من الأرض عامة، أو صعود على الصفا والمروة خاصة، وفي حديث جابر: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا» (^٢).\nومواطن التكبير في الشريعة الإسلامية كثيرة جدًّا، ولعل جماعها: أن التكبير شرع عند كل أمر كبير، سواء كان مكانًا، أو زمانًا، أوحالًا.\nأما فضائل قول: «الله أكبر»، فهي كثيرة، ومنها:\n(الله أكبر) تكتب عشرين حسنة وتحط عشرين سيئة، يقول النبي -ﷺ- «إِنَّ الله اصْطَفَى مِنَ الْكَلَامِ أَرْبَعًا: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، فَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله، كَتَبَ الله لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ عِشْرِينَ سَيِّئَةً، وَمَنْ قَالَ: الله أَكْبَرُ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٢٩٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩٩٣).","vol":"2","page":243},{"text":"فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، كُتِبَتْ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً، أَوْ حُطَّ عَنْهُ ثَلَاثُونَ سَيِّئَةً» (^١).\n(الله أكبر) كلمة تنفض الخطايا، عن أنس -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- أخذ غصنا فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فانتفض، فقال رسول الله -ﷺ-: إِنَّ سُبحانَ الله، والحَمدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله يَنفُضنَ الخَطايا كَما تَنفُضُ الشَّجرةُ ورَقَها» (^٢).\n(الله أكبر) تغرس شجرة في الجنة، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ غَرَسَ الله تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَجَرَةً فِي الْجَنَّةِ» (^٣).\n(الله أكبر) من أحب الكلام إلى الله، عن سمرة بن جندب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى الله أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ. لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (^٤).\n(الله أكبر) تثقل الميزان، عن أبي سلمى -﵁- راعي رسول الله -ﷺ- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨١٢٧)، والبزار، رقم الحديث: (٣٠٧٤ - كشف الأستار)، والنسائي في عمل اليوم والليلة، رقم الحديث: (٨٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٧١٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٧٢٩)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٣٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٣٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (١٦٧٦)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٨٤٧٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٨٨٠).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣٧).","vol":"2","page":244},{"text":"أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَالله أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ، وَالِدَاهُ» (^١).\n(الله أكبر) من الباقيات الصالحات، عن الحارث مولى عثمان -﵁- قال: «جَلَسَ عُثْمَانُ يَوْمًا، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ أَظُنُّهُ سَيَكُونُ فِيهِ مُدٌّ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى صَلاةَ الظُّهْرِ، غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يَبِيتَ يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَهُ، ثُمَّ إِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ، وَهُنَّ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات»، قَالُوا: هَذِهِ الْحَسَنَاتُ، فَمَا الْبَاقِيَاتُ يَا عُثْمَانُ؟ قَالَ: هُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٢).\nقول: (الله أكبر) مائة مرة فإنها تعدل مائة بدنة مقلدة متقبلة، عن أم هانئ -﵂- قالت: «مَرَّ بِي ذَاتَ يَوْمٍ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ - أَوْ كَمَا قَالَتْ -، فَمُرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ وَأَنَا جَالِسَةٌ. قَالَ: سَبِّحِي الله مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ رَقَبَةٍ تُعْتِقِينَهَا مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٩٠٢)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٩٩٢٣)، وابن حبان، رقم الحديث: (٨٣٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٢٠٤).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٢٠)، والضياء في الأحاديث المختاره، رقم الحديث: (٣٢٣)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٢٥٦٠)، قال أحمد شاكر في تحقيق المسند: إسناده صحيح، رقم الحديث: (٥١٣).","vol":"2","page":245},{"text":"وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاحْمَدِي الله مِائَةَ تَحْمِيدَةٍ، فإنها تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ فَرَسٍ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ، تَحْمِلِينَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ الله، وَكَبِّرِي الله مِائَةَ تَكْبِيرَةٍ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ بَدَنَةٍ مُقَلَّدَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ، وَهَلِّلِي الله مِائَةَ تَهْلِيلَةٍ، قَالَ ابْنُ خَلَفٍ: أَحْسِبُهُ قَالَ، تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَا يُرْفَعُ يَوْمَئِذٍ لِأَحَدٍ مِثْلُ عَمَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتِ بِهِ» (^١).\nقول: (الله أكبر) مائة مرة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أفضل من عتق مائة رقبة، قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ بَدَنَةٍ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ فَرَسٍ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَنْ قَالَ: الله أَكْبَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ مِائَةِ رَقَبَةٍ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، لَمْ يَجِئْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدٌ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ قَوْلَهُ أَوْ زَادَ» (^٢).\n(الله أكبر) صدقة، عن أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧٥٥٣)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦١٣)، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٣١٦).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٥٨٨)، والطبراني في الشاميين، رقم الحديث: (٥١٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٢٠).","vol":"2","page":246},{"text":"هذه بعض فضائل هذا الذكر العظيم، وإلا ففضله كبير، والنصوص الواردة فيه كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-538>الأثر الخامس: محبة الكبير المتكبر:</span>\nمن آمن أن الله تَعَالَى أكبر من كل شيء وأجل من كل شيء، وأعلى من كل شيء، وكل شيء أمامه سُبْحَانَهُ حقير ضئيل ضعيف، فله الكمال والعظمة التامة المطلقة سُبْحَانَهُ؛ أورث ذلك كله في قلب العبد محبة لربه وثقة وإجلالًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-539>الأثر السادس: الحذر من الكبر:</span>\nيقول ابن عثيمين -﵀- عن الكبر: «فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرًا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر، مخلد في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأما إذا كان كبرًا على الخلق وتعاظمًا على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولًا كاملًا مطلقًا لم يسبق بعذاب؛ بل لابد من عذاب على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق، ثم إذا طهر دخل الجنة» (^١).\nوفي الملحق الآتي ما يعين -بإذن الله- على الحذر من هذه الصفة.\n_________\n(^١) شرح رياض الصالحين (٣/ ٥٤٠ - ٥٤١).","vol":"2","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-540>«إياك والكِبْر»</span>\nفي موضوع الكبر سنتطرق لعدة مسائل، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-541>أولًا: معنى الكبر:</span>\nقال السعدي -﵀-: «التكبر هو: رد الحق، واحتقار الخلق، وضد ذلك التواضع» (^١)\nقال ابن عثيمين -﵀-: «الكبر فسره النبي -ﷺ- بقوله: (بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (^٢) فمعنى بطر الحق: يعني رده» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-542>ثانيًا: أنواع الكبر:</span>\nذكر ابن عثيمين -﵀- نوعين للكبر، وهما:\nالأول: الكبر ببطر الحق، يعني: رده، أن يرد الإنسان الحق، مثل أن يقول قولًا، ثم يقال له: إن النبي -ﷺ- قال كذا وكذا، أعني: خلاف قول هذا الرجل، ولكنه يرد ما قاله الرسول ويبقى على قوله، وهذا كبر، وهذا من أعظم أنواع الكبر؛ لأنه رد لقول الرسول -ﷺ-، وكذلك لو قيل له: قال الله كذا وكذا، خلاف ما يقول هو، وأصر على قوله؛ فهذا كبر، وهو أعظم أنواع\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).\n(^٣) فتاوى نور على الدرب (٦/ ٢).","vol":"2","page":248},{"text":"الكبر؛ لأنه رد لقول الله -﵎-، هذا قسم من أقسام الكبر رد الحق، وكذلك لو كان الإنسان مجتهدًا في حكم من الأحكام، فنوقش فيه، وتبين أن الحق في خلاف قوله وإن لم يكن نصًّا في المخالفة، ولكنه أصر على ما يقول، فهذا أيضًا من الكبر.\nالثاني: غمط الناس، يعني: احتقارهم وازدراءهم، بحيث لا يرى الناس شيئًا، ويرى أنه فوق الناس، فإن هذا من الكبر، وعلامته: أن يصعِّر خده للناس، وأن يمشي في الأرض مرحًا، وأن يتخيل أنه فوق رؤوس الجبال، وأن الناس في قعر الآبار، هذا من الكبر، ولما قال الصحابة لرسول الله -ﷺ-: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال النبي -ﷺ- (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (^١).\nوعلى هذا فتجمل الإنسان في ثيابه التي على الجسد أو التي يركبها وهي النعال، ليس من الكبر في شيء، «إلا أن يصحبه ما أشار إليه النبي -ﷺ- بكونه يغمط الناس أو يحتقرهم، فيحتقر من لم يلبس مثل لباسه، ويحتقر الفقراء، وما أشبه ذلك فهذا كبر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-543>ثالثًا: عاقبة المتكبرين:</span>\nأعد الله تَعَالَى للمتكبرين عقوبات كثيرة، منها:\nالكبر من أقوى عوامل الصرف عن الحق:\nقال تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) فتاوى نور على الدرب (٢٤/ ٢).","vol":"2","page":249},{"text":"يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].\nالمتكبرون لا تُفَتَّح لهم أبواب السماء:\nقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]\nالمتكبرون لا يدخلون الجنة:\nقال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: إِنَّ الله جَمِيْلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^١).\nيحشرون كأمثال الذر:\nقال رسول الله -ﷺ-: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ» (^٢).\nرابعًا: طرق الوقاية من الكبر:\nما من مرض بدني أو نفسي أو قلبي إلا وله علاج يستأصله من جذوره، أو على الأقل يخففه تدريجيًّا إلى أن يشفى منه الإنسان نهائيًّا.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٧٨٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٩٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٩٢).","vol":"2","page":250},{"text":"والكبر- لا شك- مرض كغيره من الأمراض القلبية التي تصيب الإنسان، ولابد أن له علاجًا بإذن الله، فعلى من ابتلي بشيء منه أن لا يهمله ويركن إليه ويستمر عليه، بل لا بد له أن يسعى جهده لعلاجه والتخلص منه قبل أن يفتك به ويهلكه.\nوقد ذكر العلماء للكبر علاجًا ناجحًا بإذن الله، يتمثل في عدة أمور منها:\nأولًا: أن يعرف الإنسان ربه، ويعرف نفسه، ويعرف أصله وفقره وحاجته، ويعرف نعم الله عليه، ويتذكر مقامه بين يديه وعاقبة الكبر يوم القيامة، فإنه إذا عرف كل ذلك حق المعرفة علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله، وإذا عرف نفسه علم أنه ضعيف ذليل لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع والذلة له، والتواضع ولين الجانب لخلقه، قال تَعَالَى-: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].\nثانيًا: التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين المتبعين لسنة سيد المرسلين، وأن يدرك المتكبر أن الذي يتكبر عليه أو يسخر منه قد يكون خيرًا منه عند الله، ولينظر كل ما يقتضيه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضها حتى يصير التواضع له خلقًا، فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل.\n- فإن كان التكبر بسبب القوة، فالعلاج: أن يعلم أن القوة لله جميعًا، ويعلم ما سلط عليه من العلل والأمراض، وأنه لو تألم له أصبع أو عرق من عروق بدنه لتألم، وصار أعجز من كل عاجز، وأذل من كل ذليل، ثم إن من البهائم ما هو أقوى منه بكثير، فمن كانت هذه حاله فما يليق به الكبر.\n- وإن كان التكبر بسبب المال، فالعلاج: أن يعلم أن المال عرَض زائل، وأن المال من الله أعطاه إياه واستخلفه عليه فقط، والمتكبر بماله أو عقاره لو","vol":"2","page":251},{"text":"ذهب عنه ذلك لعاد في لحظة ذليلًا حقيرًا من أذل وأحقر الناس، وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته من أجهل الخلق.\n- وإن كان التكبر بالعلم وهو أعظم الآفات، فعلاجه: أن يعلم العالم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العالم، وأن من عصى الله على علم ومعرفة أعظم جناية ممن عصى الله على جهل، وإذا تفكر فيما أمامه من الخطر العظيم وعلم ما كان عليه السلف الصالح من التواضع والخوف من الله امتنع بإذن الله من الكبر.\n- وإن كان التكبر بسبب المنصب، فليعلم: أن المنصب عرض زائل، فكما ذهب عن غيره سيذهب عنه ويصبح بلا منصب، وليس له أي قيمة، وسيتفرق عنه أهل التزلف المحيطون به فيصبح وحيدًا أعزل لا صديق ولا رفيق.\n- وإن كان التكبر بسبب أصله ونسبه، فأصله في الحقيقة: طين وماء ثم نطفة ثم مضغة ثم علقة … إلخ. أما آباؤه وأجداده فما شرفوا إلا بصفاتهم وأخلاقهم وحسن أعمالهم، فإن فعل مثلهم فقد شرف بعمله لا بهم، وإن انحط في صفاته وأخلاقه فما ينفعه كرم آبائه وشرف أجداده، بل يصدق فيه قول الشاعر:\nلَئِنْ فَخرتُ بآبَاءٍ ذَوِي شَرَفٍ … لَقَدْ صَدَقْتُ وَلَكِنْ بِئْسَمَا وَلَدُوا\nاللهم طهِّر قلوبنا من الكِبر والعجب، وارزقنا اللهم التواضع ولين الجانب، والتخلُّق بأحسن المحامد.","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-544>الكريمُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-545>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الكرم: ضد اللؤم .... والكريم: الصفوح، وكرم السحاب، إذا جاء بالغيث ......» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(كرم) الكاف والراء والميم أصل صحيح له بابان: أحدهما: شرف في الشيء في نفسه أو شرف في خلق من الأخلاق … والكرم في الخلق يقال: هو الصفح عن ذنب المذنب. قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الكريم: الصفوح، والله تَعَالَى هو الكريم الصفوح عن ذنوب عباده المؤمنين …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-546>ورود اسم الله (الكريم والأكرم) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الكريم) ثلاث مراتٍ في كتاب الله، وهي:\nقول الله -﷿-: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ٢٠١٩ - ٢٠٢١).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"2","page":253},{"text":"قوله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦].\nقوله -﷿-: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] على قراءة من قرأ برفع «كريم» على أنه صفة للرب (^١).\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الأكرم) مرة واحدة في كتاب الله، وهي:\nفي قوله -﷿-: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-547>ورود اسم الله (الكريم) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الكريم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن سلمان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٢).\nوعن ابن عباس -﵄-: «أن النبي -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْعَظِيْمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيْمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيْمِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-548>معنى اسم الله (الكريم) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيدور معنى اسم الله (الكريم) في حق الله تَعَالَى حولَ عدة معانٍ، منها:\nالجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرطبي (١٢/ ١٥٧)، فقه الأسماء الحسنى، للبدر (٢١٤).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).","vol":"2","page":254},{"text":"الجود والإحسان.\nالعفو الذي يصفح.\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال ابن الأثير -﵀- في قوله: «(الكريم: الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل» (^١).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الطبري -﵀-: «كريم، ومن كرمه: إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «إنه الذي يبدأ النعمة قبل الاستحقاق، ويتبرع بالإحسان من غير استثابة» (^٣).\nقال ابن الأثير -﵀-: «(الكريم) هو: الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀-: «إن (الكريم) هو البهي، الكثير الخير، العظيم النفع، وهو من كل شيء أحسنه وأفضله، والله سُبْحَانَهُ وصف نفسه بالكرم، ووصف به كلامه، ووصف به عرشه، ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره» (^٥).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٦٧).\n(^٢) تفسير الطبري (١٩/ ٤٦٩).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٧١).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٦٧).\n(^٥) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢٨٦).","vol":"2","page":255},{"text":"قال السعدي -﵀-: «كثير الخير يعم به الشاكر، والكافر، إلا أن شكر نعمه داع للمزيد منها، وكفرها داع لزوالها» (^١)، وقال-أيضًا-: «(الرحمن الرحيم، والبر الكريم، الجواد، الرؤوف، الوهاب)؛ هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة والبر والجود والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عم بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأغر والحظ الأكمل» (^٢).\nمن الأقوال في المعنى الثالث:\nقال الخطابي -﵀- مفسرًا اسم الله الكريم: «يغفر الذنب، ويعفو عن المسيء، ويقول الداعي في دعائه: يا كريم العفو، فقيل: إن من كرم عفوه: أن العبد إذا تاب عن السيئة محاها عنه، وكتب له مكانها حسنة» (^٣).\nمن الأقوال التي تجمع بين المعاني الثلاثة:\nقال الزجاجي -﵀-: «(الكريم): الجواد، والكريم: العزيز، والكريم: الصفوح. هذه ثلاثة أوجه للكريم في كلام العرب، كلها جائز وصف الله -﷿- بها، فإذا أريد بالكريم الجواد، أو الصفوح تعلق بالمفعول به؛ لأنه لا بد من متكرم عليه ومصفوح عنه موجود، وإذا أريد به العزيز كان غير مقتض مفعولًا» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ٧٠).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٧١).\n(^٤) اشتقاق الأسماء (ص: ١٧٦).","vol":"2","page":256},{"text":"قال القرطبي -﵀- بعد أن ذكر أن الكريم له ثلاثة أوجه هي: الجواد والصفوح والعزيز: «وهذه الأوجه الثلاثة يجوز وصف الله -﷿- بها، فعلى أنه جواد كثير الخير، صفوح لا بد من متعلق يصفح عنه وينعم عليه، وإذا كان بمعنى العزيز كان غير مقتض مفعولًا في أحد وجوهه، فهذا الاسم متردد بين أن يكون من أسماء الذات، وبين أن يكون من أسماء الأفعال، والله -﷿- لم يزل كريمًا ولا يزال، ووصفه بأنه كريم هو بمعنى نفي النقائص عنه، ووصفه بجميع المحامد، وعلى هذا الوصف يكون من أسماء الذات؛ إذ ذلك راجع إلى شرفه في ذاته وجلالة صفاته، وإذا كان فعليًّا كان معنى كرمه ما يصدر عنه من الإفضال والإنعام على خلقه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-549>معنى اسم الله (الأكرم) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الخطابي -﵀-: «هو أكرم الأكرمين، لا يوازيه كريم ولا يعادله نظير، وقد يكون (الأكرم) بمعنى الكريم، كما جاء الأعز والأطول بمعنى: العزيز والطويل» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «أي: الكريم» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀-: «أعاد الأمر بالقراءة مخبرًا عن نفسه بأنه الأكرم، وهو الأفعل من الكرم، وهو كثرة الخير ولا أحد أولى بذلك منه سُبْحَانَهُ، فإن الخير كله بيده والخير كله منه والنعم كلها هو موليها، والكمال كله والمجد\n_________\n(^١) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (١/ ١١٢).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ١٠٣).\n(^٣) تفسير القرطبي (٢٠/ ١١٩).","vol":"2","page":257},{"text":"كله له فهو الأكرم حقًّا» (^١)، وقال أيضًا: «ذكر من صفاته ها هنا اسم (الأكرم) الذي فيه كل خير وكل كمال، فله كل كمال وصفًا، ومن كل خير فعلًا، فهو (الأكرم) في ذاته وأوصافه وأفعاله» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود» (^٣).\nاقتران اسم الله (الكريم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله (الكريم) إلا باسم الله (الغني):\nتقدم بيانه في اسم الله (الغني).\nاقتران اسم الله (الأكرم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله (الأكرم) بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-550>الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الكريم والأكرم):</span>\n<span data-type='title' id=toc-551>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الكريم والأكرم) من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- الكريم الذي له شرف الذات وكمال الصفات، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، فهو الرحمن الرحيم، الغفور، الودود، الخالق، البارئ،\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (١/ ٣٤٢).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٢٤١).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٩٣٠)","vol":"2","page":258},{"text":"المصور، العزيز، الحكيم إلى آخر صفات كماله كل ذلك؛ لأنه الكريم -ﷻ-، فكلمة (الكريم) شاملة واسعة لكل صفة محمودة.\nوهو الكريم الذي تنزه عن النقائص والآفات على الإطلاق والتمام والكمال من كل وجه، وفي كل حال، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\nقال السعدي -﵀-: «﴿الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] أي: المقدس السالم من كل عيب وآفة ونقص، المعظم الممجد؛ لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص، والتعظيم لله في أوصافه وجلاله» (^١).\nوهو الكريم الذي له القدر العظيم والشأن الكبير الجليل، فلا يقدر قدره، ولا يدرك العباد كنهه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوهو الكريم المنعم المتفضل، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وخزائن كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] الخير كله بيديه، كما جاء في الحديث عن علي بن أبي طالب -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-، أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفًا … لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^٢) لا ينقطع خيره\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٥٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).","vol":"2","page":259},{"text":"ولا ينفد، بل خيره متصل في الدنيا والآخرة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، وعن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَدُ الله مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وقال: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (^١).\nفهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي كثر خيره وعظم عطاؤه، إذا أعطى أجزلَ، وزاد على منتهى الرجا، فأعطى أهل الجنة مُناهم، وزادهم على ما يعلمون، كما جاء في الحديث القدسي أنه -﵎- قال: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]» (^٢).\nيعطي لا لعوض، فهو الغني الكريم، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾\n[النمل: ٤٠]، ويعطي لا للسبب، ويحسن من غير طلب ولا سؤال أو منة؛ فهو المتفضل بالنوال من غير سؤال، بدأ الخلق بالنعم، وأوسع عليهم فيها حتى عجزوا عن إحصائها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].\nوهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي عم عطائه خلقه فشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، بل ربما خص الكافر في الدنيا بمزيد عطاء ولكن الآخرة للمتقين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٧٤١١)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٣٢٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٢٤).","vol":"2","page":260},{"text":"الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢].\nأعطى إبليس الحياة الطويلة، وأعطاه القدرة على الوسواس، وأعطى الكفار القدرة المادية والخضرة والطبيعة والجمال وكثرة الأموال، قال تَعَالَى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] يعطي من يستحق ومن لا يستحق، يعطي من احتاج ومن لم يحتج حتى يصب عليه الدنيا صبًّا، فلا يبالي من أعطى، وكم أعطى؟!!\nوهو الكريم الذي لا يخص بكبير من الحوائج دون صغيرها، بل يرفع إليه الكل، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، سهل خيره وقرب تناوله؛ فإنه ليس بينه وبين العبد حجاب، وهو قريب لمن استجاب، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] لا يضيع من التجأ إليه ولاذ به ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] بل من كرمه جل في علاه إذا رفع العبد يديه يدعوه ويسأله يستحي أن لا يجيبه، وأن يرده خائبًا، كما جاء في الحديث عن سلمان -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِه إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^١).\nوهو (الكريم) الذي إذا وعد وفى، فإن كل من يعد يمكن أن يفي، ويمكن أن يقطعه عذر، ويحول بينه وبين الوفاء أمر، والباري صادق الوعد، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]؛ وذلك لعموم قدرته وعظيم ملكه، لا مانع لما أعطى ولا معطي لا منع.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":261},{"text":"وهو الكريم الذي يتجاوز عن الذنوب ويغفر السيئات، لا يتعظمه ذنب أن يغفره ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] يجود بالتوبة على التائبين، ويتفضل بقبولها منهم، بل أعظم من ذلك أنه يبدل سيئاتهم حسنات، قال تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (^١).\nوهو الكريم الذي كرم كل كريم من كرمه، فمن أكرمه الله أكرم ومن أهانه أهين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾\n[الحج: ١٨] (^٢).\nوصف كلامه بالكريم، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] أي: كثير الخير، غزير العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد ويستنبط منه، كما أنه كريم، بمعنى: عظيم معظم في كتاب محفوظ موقر (^٣).\nووصف عرشه بذلك أيضًا، فقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] على قراءة من قرأ بالكسر على أنه صفة للعرش، والمعنى: «حسن المنظر بهي الشكل» (^٤).\nووصف ثوابه العظيم ونعيمه المقيم الذي أعده لعبادة المتقين بالكرم، فقال تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤] والرزق الكريم، كما قال ابن كثير -﵀-: «الحسن\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٨٧).\n(^٢) ينظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ١١٦ - ١١٧)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢١٥ - ٢١٧).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٥٤٤)، تفسير السعدي (ص: ٨٣٦).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٥/ ٥٠٠).","vol":"2","page":262},{"text":"الكثير الطيب الشريف، دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه» (^١)، ووعدهم بالمدخل الكريم، فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] سالمًا من الآفات والعاهات، ومن الهموم والأحزان، ومن المنغضات والمكدرات (^٢).\nووصف بذلك رسله من الملائكة والبشر، فقال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠] «أي: ملك شريف حسن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل -﵊-» (^٣)، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] «فيه الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره» (^٤).\nووصف بذلك ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره، فقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) المرجع السابق (٤/ ٩٩).\n(^٢) تفسير الطبري (٨/ ٢٥٩).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٨/ ٣٣٨).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٧٧٣).\n(^٥) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٣٣٥) و(٢٢/ ٣٢)، تفسير ابن كثير (٧/ ٢٥٢)، تفسير السعدي (ص: ٥٨٩).\n(^٦) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (٢١٤ - ٢١٥).","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-552>الأثر الثاني: دلالة اسمي الله (الكريم والأكرم) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد اسمي الله الكريم والأكرم وما تضمناه من عظيم الجود والعطاء، وعلم أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها منه خلقًا وتسخيرًا، وأنه لا أحد من الخلق يملك ذلك؛ تيقن أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه (^١).\nوقد نبه الله -﷿- عباده على هذا المعنى، فبعد ما ذكر في سورة النحل «ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، أفمن يخلق جميع المخلوقات وهو الفعال لما يريد ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ شيئًا لا قليلًا ولا كثيرًا ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-553>الأثر الثالث: تأملات في كرم الكريم سُبْحَانَهُ:</span>\nعبادة التأمل والتفكر هي عبادة أولي الألباب الذين أثنى الله عليهم ومدحهم بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٢].\nوإذا آمن العبد باسم الله الكريم وتأمل فيه؛ ظهر له كرمه في أمور كثيرة،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٥).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٤٣٨).","vol":"2","page":264},{"text":"ومن أقربها كرمه سُبْحَانَهُ على الإنسان، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، ومن ذلك:\nخلقه وإيجاده على أحسن صورة من غير سؤال ولا طلب، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] «تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرًا أو باطنًا شيئًا» (^١).\nرعايته وهو جنين، وطفل رضيع لا يملك حول ولا قوة.\nقال ابن القيم -﵀-: «تدبر وأنت جنين في بطن أمك في موضع لا يد تنالك ولا بصر يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر، فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك، كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا، ولم يزل يغذيك به في أضيق المواضع، وأبعدها من حيلة التكسب والطلب.\nحتى إذا كمل خلقك واستحكم، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي، والتقلب على الغبراء، هاج الطلق بأمك فأزعجك إلى الخروج أيما ازعاج إلى عالم الابتلاء، فركضك الرحم ركضةً من مكانك كأنه لم يضمك قط ولم يشتمل عليك فيما بعد، ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وضعت نطفة، وبين هذا الدفع والطرد والإخراج، وكان مبتهجًا بحملك، فصار يستغيث ويعج إلى ربك من ثقلك.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٩٢٩).","vol":"2","page":265},{"text":"فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت؟! ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت، ثم فتح لك ذلك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر لم يخنقك ضيقه ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه.\nفلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب، وخروجك منه، لذهب بك العجب كل مذهب! فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك وأنت نطفة حتى لا تفسد هناك؟! وأوحى إليه أن يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليمًا، إلى أن خرجت فريدًا وحيدًا ضعيفًا، لا قشرة ولا لباس ولا متاع ولا مال! أحوج خلق الله، وأضعفهم وأفقرهم، فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها، تحمل غذاءك على صدرها، كما حملتك في بطنها، ثم ساقه إلى تينك الخزانتين ألطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت له، فلا يزال واقفًا في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة، فيجري وينساق إليك؛ فهو بئر لا تنقطع مادتها، ولا تنسد طرقها، يسوقها إليك في طرق لا يهتدي إليها الطواف، ولا يسلكها الرجال.\nفمن رققه لك وصفَّاه، وأطاب طعمه، وحسن لونه، وأحكم طبخه أعدل إحكام، لا بالحار المؤذي، ولا بالبارد الردي، ولا المر ولا المالح، ولا الكريه الرائحة، بل قلبه إلى ضرب آخر من التغذية والمنفعة، خلاف ما كان في البطن، فوافاك في أشد أوقات الحاجة اليه على حين ظمأ شديد، وجوع مفرط، جمع لك فيه بين الشراب والغذاء، فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي المعلق كالإداوة قد تدلى إليك، وأقبل بدره عليك، ثم جعل في رأسه تلك الحلمة، التي هي بمقدار صغر فمك، فلا يضيق عنها، ولا تتعب بالتقامها، ثم نقب لك في رأسها نقبًا لطيفًا بحسب احتمالك ولم يوسعه فتختنق","vol":"2","page":266},{"text":"باللبن، ولم يضيقه فتمصه بكلفة، بل جعله بقدر اقتضته حكمته ومصلحتك.\nفمن عطف عليك قلب الأم، ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة، حتى تكون في أهنأ ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها، فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك، وآثرتك على نفسها، على عدد الأنفس منقادةً إليك بغير قائد ولا سائق، إلا قائد الرحمة وسائق الحنان، تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها، وأنه لم يطرقك منه شيء، وأن حياتها تزاد في حياتك.\nفمن الذي وضع ذلك في قلبها؟! حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك، وخشنت عظامك، واحتجت إلى غذاء أصلب من غذائك ليشتد به عظمك، ويقوى عليه لحمك، وضع في فيك آلة القطع والطحن، فنصب لك أسنانًا تقطع بها الطعام، وطواحين تطحنه بها، فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمةً بأمك ولطفًا بها، ثم أعطاكها أيام أكلك رحمةً بك، وإحسانًا إليك، ولطفًا بك.\nفلو أنك خرجت من البطن ذا سن وناب وناجذ وضرس، كيف كان حال أمك بك، ولو أنك منعتها وقت الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الأطعمة، التي لا تسيغها إلا بعد تقطيعها وطحنها، وكلما ازددت قوة وحاجة إلى الأسنان في أكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الآلات حتى تنتهي إلى النواجذ، فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز وكسر الصلب، ثم إذا ازددت قوةً زيد لك فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الأضراس، فمن الذي ساعدك بهذه الآلات وأنجدك بها ومكنك بها من ضروب الغذاء» (^١).\nتميزه بالعقل، وتعليمه للعلم بعد أن خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا،\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"2","page":267},{"text":"قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] فرزقه السمع الذي به يدرك الأصوات، والأبصار التي بها يحس المرئيات، والأفئدة التي يعقل به الأمور.\nعلمه البيان كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] أي: التبيين عما في ضميره، سواء بالنطق بتيسيره وتسهيل مخرج حروفه ومواضعها من الحلق واللسان والشفتين، أو بالخط الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلًا للناس تنوب مناب خطابهم، قال تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥] (^١).\nهدايته للإسلام والإيمان، وإنزال القرآن وتعليمه إياه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من متاع الدنيا ولذاتها» (^٢)، وقال تَعَالَى ممتنًّا على عباده بتعليمهم القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] علمهم لفظه ومعانيه، ويسره عليهم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\n٥ - توفيقه لطاعته وفتح أبواب الخير له، فتوفيقه للصلاة كرم، وتوفيقه لصيام كرم، وتوفيقه للذكر كرم، ومن حُرم الطاعة فقدم حُرم الخير كله.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٥٩٠)، تفسير السعدي (ص: ٨٢٨).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٣٦٧).","vol":"2","page":268},{"text":"تسخير الكون له بما فيه من خيرات ونعم لا تعد ولا تحصى لخدمته وراحته، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠] فحملهم في البر على الركاب من الإبل والبغال والحمير والمراكب المختلفة، وفي البحر على السفن، ورزقهم من المآكل والمشارب والملابس والمناكح، فما من طيب تتعلق به حاجتهم إلا وأكرمهم الكريم به وسخره لهم غاية التسخير (^١).\nمضاعفته سُبْحَانَهُ جزاء الأعمال الصالحة دون السيئة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» (^٢) (^٣)، وجاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ- فيما يروي عن ربه -﷿- أنه قال: «إِنَّ الله كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٤٦٣).\n(^٢) مخطومة، أي: فيها خطام وهو قريب من الزمام. شرح النووي على مسلم، رقم الحديث: (١٣/ ٣٨).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٩٢).","vol":"2","page":269},{"text":"بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (^١) (^٢).\nويدل الحديث- أيضًا- على مظهر أخر من مظاهر كرم الله وجوده -﵎-؛ وذلك بمكافأة من نوى عمل الطاعة ولو لم يعمله، كما يكافئسُبْحَانَهُ من تمنى العمل الذي لا يستطيع بلوغه فيعطيه أجر العامل لنيته الحسنة؛ فعن أبي كبشة الأنماري -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ .... وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، قال: فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، قال: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، قال: فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قال: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، قال: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ الله مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، قال: وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ الله مَالًا، وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قال: هِيَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ» (^٣).\nإكرامه لعبده المؤمن عند موته وانتقاله لمنازل الآخرة، فيثبته عند النزع وعند السؤال في القبر، كما قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣١).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي، (١/ ٣٨٨).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٣١٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٥).","vol":"2","page":270},{"text":"يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ويمثَّل عمله الصالح له بصورة رجل طيب الرائحة حسن الوجه حسن الثياب، ويقول: أنا عملك الصالح؛ ليؤنس وحشته، ويقلب الحفرة الضيقة إلى روضة خضراء من رياض الجنة، وينزل عليه الملائكة عند الحشر لتقول له: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، ويدله على طريق جنته ومنازله فيها، قالتَعَالَى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، ثم يحفه ويحوطه بكرمه وعظيم عطاءه ومنته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nويظهر كرمه جليًّا سُبْحَانَهُ في آخر رجل يدخل الجنة، قال -ﷺ-: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا! فَيَقُولُ اللهُ -﷿-: يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي","vol":"2","page":271},{"text":"أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (^١).\nوعن أبي ذر -﵁- قال: قال -ﷺ-: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» (^٢)، فأي كرم أعظم من هذا الكرم والجود؟!\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٠).","vol":"2","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-554>الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الكريمِ والأكرم:</span>\nحين يتأمل العبد في اسمي الله (الكريم والأكرم) وكيف أنه يعطي بلا مقابل، وينعم ولا ينتظر جزاء، ويكرم ولا ينتظر شكرًا، بل يسيء العبد ويزل فيتكرم عليه بالعفو والمغفرة، حين يتأمل هذه المعاني الإيمانية، ويتذوق هذا الكرم الرباني فإن القلب يذوب حبًّا لربه الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-555>الأثر الخامس: شكر الكريم على كرمه:</span>\nإذا نظر الإنسان في نفسه وما يحيطه من كرم الله عليه وجوده وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة، من جميع أصناف النعم مما يعرف ومما لا يعرف، وما دفع عنه من ألوان النقم والبلايا التي يعجز عن عدها فضلًا عن شكرها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] علم أن حق هذه النعم أن يشكر واهبها ولا يكفر، فيعترف القلب ويقر بنعم الله، ويثني عليه بها بلسانه، ويصرفها في مرضاته وطاعته، ويصونها عن صرفها في معصيته (^١).\nوقد نبه الله عباده على شكره بعد ما ذكر جملة من نعمه في مواضع عدة من كتابه، منها:\n- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].\n- ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٢٢، و٤٣٧ - ٤٣٨).","vol":"2","page":273},{"text":"- ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢].\nفدلت هذه الآيات على أن النعم تقابل بالشكر، فإذا ما قابلها العبد به جزاه الله بالزيادة منها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-556>الأثر السادس: إكرام من شهد الله بتكريمه:</span>\nالمكرَم من أكرمه الله تَعَالَى بالإيمان والهدى، والمهان من أهانه الله تَعَالَى بالكفر والفسوق والعصيان ولو وجيهًا: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]\nفقد جعل الله ميزان الكرامة عنده تقواه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] فهذا هو ميزان الإكرام الحقيقي، وليس الميزان ميزان المال والبنين والجاه والسلطان، التي يوزن الناس بها اليوم، قال الله -﷿-: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ الآية [الفجر: ١٥ - ١٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].\nفمن هداه لله لدينه، وأنعم عليه بطاعته وتقواه فهو الكريم، وحقه أن يكرم كما أكرمه الله -جل وعلا-، فيكرم الرسل وأتباعهم من العلماء والصالحين، ويكرم ذا الشيبة المسلم، وحامل القرآن، والسلطان المقسط، كما جاء في الحديث عن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مِنَ","vol":"2","page":274},{"text":"إِجْلَالِ الله إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المقسط» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-557>الأثر السابع: الاتصاف بالكرم:</span>\nالله -﷿- كريم يحب أن يتصف عباده بالكرم والسخاء دون إسراف وتبذير، ويبغض منهم البخل والشح، قال ابن القيم -﵀-: «وقد مدح تَعَالَى أهل التوسط بين الطرفين المنحرفين في غير موضع من كتابه، فقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].\nوقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، فمنع ذي القربى والمسكين وابن السبيل حقهم انحراف في جانب الإمساك، والتبذير انحراف في جانب البذل، ورضا الله فيما بينهما» (^٢).\nوالكرم من أهم مكارم الأخلاق وأجلِّها، فعلى المسلم أن يتخلق بهذا الخلق الكريم، ويسعى لتحقيقه، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٣٥٧)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٤٣).\n(^٢) الصلاة وحكم تاركها، لابن القيم (ص: ٢٢٦).","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-558>الأثر الثامن: دعاء الكريم الأكرم:</span>\nالله تَعَالَى هو الكريم الذي فتح لنا باب الدعاء والرجاء، ورغبنا في الضَّرَاعَةِ إليه في جميع الأحوال والأوقات، ووعدنا بالإجابة كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِيٌ كَرِيمٌ يَسْتَحْي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^١).\nكل هذا يدعو العبد إلى كثرة دعائه لربه ورفع حاجته إليه ولو صغرت، فقد كان السلف يسألونه في شرك نعلهم إذا انقطع، وكانوا يسألونه الملح في طعامهم.\nويدعوه- أيضًا إلى إحسان الظن بربه ولو تأخرت الإجابة أو منعت؛ لعلمه أن منعها كرم منه سُبْحَانَهُ ورحمة لا قدح في كرمه وجوده؛ إذ قد يكون في قضاء حاجته هلاكه في دينه أو دنياه، والكريم بمنه وكرمه ورحمته لا يستجيبها لما فيها من الشر والضرر العائد عليه.\nويحسن بالعبد أن يدعو ربه باسمه الكريم -﵎-، ممتثلًا قوله -ﷻ-: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nوقد وردت أحاديث كثيرة ترغب في الدعاء باسم الله (الكريم)، ومنها:\n- عن علي -﵁- أنه قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غَفَرَ الله لَكَ، وَإِنْ كُنْتَ مَغْفُورًا لَكَ؟ قَالَ: قُلْ: لَا\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":276},{"text":"إِلَهَ إِلَّا الله الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله، سُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (^١).\n-عن عمرو بن العاص -﵁-: «أن النبي -ﷺ- كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: أَعُوذُ بِالله الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ!» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٢٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٤)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٨٣٦١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦٢١).\n(^٢) أخرجه أبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (٤٦٦)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٦٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٤٦٦).","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-559>«كريم يحب الكرماء»</span>\nسنتطرق في موضوع الكرم لعدة مسائل، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-560>أولًا: تعريف الكرم:</span>\nقال ابن مسكويه -﵀-: «الكرم إنفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة القدر، الكثيرة النفع» (^١).\nوقيل: الكرم هو: الإعطاء بالسهولة.\nوقيل: الكرم إيصال النفع بلا عوض (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-561>ثانيًا: مظاهر الكرم:</span>\nللكرم مظاهر كثيرة، تتجلي في أكثر من صورة يتحلى بها المسلم وهو يسير في ضياء من القرآن والسنة، ومن هذه المظاهر:\nإكرام الضيف، فقد جعله الله تَعَالَى دليلًا على كمال إيمان العبد وتقواه، فعن أبى هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ\n_________\n(^١) تهذيب الأخلاق (ص: ٣٠).\n(^٢) ينظر: التعريفات، للجرجاني (ص: ١٨٤)، والتوقيف على مهمات التعاريف، لابن المناوي (ص: ٢٨١).","vol":"2","page":278},{"text":"الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (^١)، ومدح إبراهيم -﵇- به، فقال تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].\nومظاهر كرمه -﵇- متعددة، منها:\nأنه أول من ضيف الضيفان.\nأن بيته كان مأوى للطارقين والأضياف؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب، في الابتداء بالسلام.\nجمع لأضيافه بين الإكرام بالقول والفعل:\nفإكرامه لأضيافه بالقول يتمثل في:\n- رده السلام عليهم بصيغة أكمل وأتم من سلامهم؛ لأنه أتى به بجملة اسمية، دالة على الثبوت والاستمرار.\n- ملاطفته لهم بالكلام اللين، حيث قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ولم يقل: «أنكرتكم» (وبين اللفظين من الفرق، ما لا يخفى)، وعند تقديم الطعام عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل: «كلوا» ونحوه من الألفاظ، التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.\nأما إكرامه لأضيافه بالفعل فيتثمل في:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٧).","vol":"2","page":279},{"text":"- مبادرته إلى الضيافة والإسراع فيها، ولم يمتن عليهم أولًا بقوله: «نأتيكم بطعام؟» بل جاء به بسرعة.\n- ذهابه إلى أهله بخفاء، بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي منه.\n- خدم أضيافه بنفسه، وهو خليل الرحمن، وكبير من ضيَّف الضيفان.\n- قرب الطعام إلى أضيافه في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: تفضلوا، أو ائتوا إليه؛ لأن هذا أيسر عليهم وأحسن.\n- أتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل مشوي فتي سمين لا هزيل، ومثل هذا العجل يتخذ للاقتناء والتربية عادة، إلا أنه آثر به ضيفانه.\n- أتى بعجل كامل ولم يأت ببعض منه، وهذا من تمام كرمه -﵊- (^١).\nإكرام اليتيم بكفالته والإحسان إليه، وقد رتب الكريم على هذا الفعل الأجر العظيم؛ فعن سهل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (^٢).\nإكرام الشيخ الكبير بتوقيره في المجالس والرفق به والشفقة عليه، وإجلاله من إجلال الله كما قال -ﷺ-: «إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ الله: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢١)، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، (٢/ ١٤٨ - ١٥٠)، وتفسير السعدي، (ص: ٨١٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٣٠٤).","vol":"2","page":280},{"text":"السُّلْطَانِ المقسط» (^١).\nإكرام حافظ القرآن وقارئه ومفسره، وهذا- أيضًا- من إجلال الله -﷿- كما يتضح من الحديث السابق.\nإكرام السلطان العادل، سواء أكان حاكمًا أو دون ذلك من أصحاب السلطات، فما دام عادلًا مقسطًا فإن إكرامه من إجلال الله سُبْحَانَهُ كما تقدم في الحديث سابقًا.\nإكرام الزوجة، وقد حث رسول الله -ﷺ- على ذلك ورغب فيه، وجعله دليلًا على كمال الإيمان، فعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا، أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفَهُمْ بِأَهْلِهِ» (^٢)، وقال -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁-: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً (^٣) إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (^٤).\nوالكرم ليس قاصرًا على هذه الصور، بل يشمل كل شيء، من إكرام: القريب، والصديق، والجار، والصغير، والفقير، بل وحتى الحيوانات.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٣٥٧)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٤٣).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٨٤١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦١٢)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٦١٢).\n(^٣) لا يفرك، أي: لا يبغض. ينظر: شرح النووي على مسلم، (١٠/ ٥٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٤٦٩).","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-562>ثالثًا: فضل الكرم:</span>\nالكرم من الصفات المحمودة التي حض عليها الإسلام، وتخلق بها الرسول العدنان -ﷺ-، وهذا الخلق الكريم له في الإسلام فضائل عدة منها، أنه:\nيحصل به تكميل الإيمان؛ فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (^١).\n٢ - يحصل به التأسي برسول الله -ﷺ-؛ فقد كان -ﷺ- سخيًّا كريمًا لا يُسئل شيئا إلا أعطاه؛ فعن جابر -﵁- قال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا» (^٢)، وعن أنس -﵁- قال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا! فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ». وفي رواية: «لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (^٣)، وقال -ﷺ-: «مَا يُسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا يَأْتِي عَلَيَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣١١).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣١٢).","vol":"2","page":282},{"text":"ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ» (^١).\n٣ - إصابة دعوة الملِك بالخلف؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (^٢).\n٤ - سبب في زيادة المال ونمائه؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (^٣)، ويدل عليه- أيضًا- حديث أبي هريرة السابق في دعاء الملكين له بالخلف.\n٥ - سبب في ثناء الناس على صاحبه؛ قال ابن عباس -﵄-: «سادات الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء» (^٤)، لا سيما وأنه سبب في ستر عيوبه عن الناس، قال الشافعي -﵀-:\nوَإِنْ كَثُرَتْ عُيُوبُكَ فِي البَرَايَا … وَسَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا غِطَاءُ\nتَسَتَّرْ بالسَّخَاءِ فَكُلُّ عَيْبٍ … يُغَطِّيهِ كَمَا قِيلَ السَّخَاءُ (^٥)\n٦ - سبب في محبة الله؛ فعن سهل بن سعد -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الله كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ وَمَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٨٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٤٢)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٣٥٢)، مسلم، رقم الحديث: (٩٩٣).\n(^٤) ينظر: نضرة النعيم، لابن حميد (٦/ ٢٢٥٥).\n(^٥) الأسباب المفيدة في اكتساب الأخلاق الحميدة، للحمد (ص: ٢٧).\n(^٦) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٥٩٢٨)، والحاكم، رقم الحديث: (١٥٢)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٧٦٤٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٨٩٠).","vol":"2","page":283},{"text":"٧ - موعود صاحبه بالمنازل والغرف في الجنة؛ فإن النبي -ﷺ-، قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (^١)، وإطعام الطعام صورة من صور الكرم والجود.\n٨ - سبب للنجاة من الخسارة؛ فعن أبي ذر -﵁-، قال: «انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قال: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا- مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (^٢).\nفاللهم أكرمنا بكرمك، وأنعم علينا من فضلك.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٥٤)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦٣٨)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٩٩٠).","vol":"2","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-563>اللطيفُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-564>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «لَطُف الشيء بالضم، يلطف لطافة، أي: صَغُر، فهو لطيف.\nواللطف في العمل: الرفق فيه، واللطف من الله تَعَالَى: التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا، أي: بره به» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(لطف) اللام والطاء والفاء أصل يدل على رفق ويدل على صغر في الشيء، فاللطف: الرفق في العمل؛ يقال: هو لطيف بعباده، أي رءوف رفيق» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-565>ورود اسم الله (اللَّطِيف) في القرآن:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (اللَّطِيف) سبع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].\nقوله -﷿-: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٤٢٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٢٥٠).","vol":"2","page":285},{"text":"أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].\nقوله -﷿-: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-566>ورود اسم الله (اللَّطِيف) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (اللَّطِيف) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عائشة -﵂- قالت: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ، فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: مَا لَكِ؟ يَا عَائِشُ! حَشْيَا رَابِيَةً! قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخبِرِينِي أو لَيُخبِرَنِّي (اللَّطِيفُ) الخبيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ …» (^١).\nمعنى اسم (اللَّطِيف) في حقه سُبْحَانَهُ:\nيدور معنى اسم الله (اللطيف) في حق الله تَعَالَى حول معنيين:\n- المعنى الأول: أنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٧٤).","vol":"2","page":286},{"text":"- المعنى الثاني: الذي يلطف بعبده ويلطف له، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر، من حيث لا يحتسب (^١).\nومن أقوال العلماء في ذلك:\nمن أقوال العلماء في المعنى الأول والثاني:\nقال ابن الأثير -﵀-: «هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل، والعلم بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «فأخبر أنه يلطف لما يريده، فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس، واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية» (^٣).\nقال الكفوي -﵀-: «و(اللطيف): من الأسماء الحسنى معناه: البر بعباده، المحسن إلى خلقه بإيصال المنافع إليهم برفق، ولطف، العالم بخفايا الأمور ودقائقها» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «(اللطيف): الذي لطف علمه حتى أدرك الخفايا، والخبايا، وما احتوت عليه الصدور، وما في الأراضي من خفايا البذور، ولطف بأوليائه، وأصفيائه، فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، وسهل لهم كل طريق يوصل إلى مرضاته وكرامته، وحفظهم من كل سبب ووسيلة\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٧٦)، والمواهب الربانية، للسعدي (ص: ١٢٠).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥١).\n(^٣) شفاء العليل (ص: ٣٤).\n(^٤) الكليات (ص: ٧٩٧).","vol":"2","page":287},{"text":"توصل إلى سخطه، من طرق يشعرون بها، ومن طرق لا يشعرون بها، وقدر عليهم أمورًا يكرهونها؛ لينيلهم ما يحبون، فلطف بهم في أنفسهم فأجراهم على عوائده الجميلة، وصنائعه الكريمة، ولطف لهم في أمور خارجة عنهم لهم فيها كل خير وصلاح ونجاح» (^١).\nمن أقوال العلماء في المعنى الثاني:\nقال الزجاج -﵀-: «المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «اللطيف: هو البر بعباده، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته (^٤):\nوَهوُ (اللَّطِيفُ) بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ … واللُّطْفِ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ\nإِدْرَاكُ أَسْرَارِ الأُمُورِ بِخِبْرَةٍ … واللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الإِحْسَانِ\nفَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ … والعَبْدُ فِي الغَفَلَاتِ عَنْ ذَا الشَّانِ\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧١).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٤٤).\n(^٣) شأن الدعاء (١/ ٦٢).\n(^٤) النونية (ص: ٢٠٧).","vol":"2","page":288},{"text":"اقتران اسم الله (اللَّطِيف) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nاقتران اسم الله (اللَّطِيف) باسم الله (الخَبِيْر):\nتقدم بيانه في اسم الله (الخبير).\n\n<span data-type='title' id=toc-567>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (اللَّطِيف):</span>\n<span data-type='title' id=toc-568>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (اللطيف) من الصفات، ودلالته على التوحيد:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو اللطيف الذي دق علمه فأدرك الخفايا، وأحاط بكل شيء فلا يفوت علمه شيء من الخبايا؛ يقول تَعَالَى- على لسان لقمان-: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، قال ابن كثير -﵀-: «ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السموات أو الأرض، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم» (^١).\nوهو اللطيف الذي أوصل بره وإحسانه لعباده بطرق خفية لم يحتسبوها.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ٣٣٨).","vol":"2","page":289},{"text":"ومن مظاهر لطفه سُبْحَانَهُ:\nخلق الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث، وحفظه فيها، وتغذيته بواسطة السرة، إلى أن ينفصل، فيستقل بالتناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل، من غير تعليم ولا مشاهدة (^١).\nومن لطفه أنه يعلم مواقع القطر من الأرض، وبذور الأرض في باطنها، فيسوق ذلك الماء إلى ذلك البذر، الذي خفي على علم الخلائق فينبت منه أنواع النبات؛ لذا قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ [الحج: ٦٣].\nومن لطف الله بعباده: أنه يقدر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيره أصلح، فيقدر لهم الأصلح وإن كرهوه لطفًا بهم وبرًّا وإحسانًا، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].\nومن لطفه بعباده المؤمنين: أنه يتولاهم بلطفه، فيخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل، والكفر، والبدع، والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة.\nومن لطفه بعباده: أن يقدر لهم أن يتربوا في ولاية أهل الصلاح، والعلم، والإيمان، وبين أهل الخير ليكتسبوا من أدبهم، وتأديبهم وصلاحهم\n_________\n(^١) ينظر: المقصد الأسنى، للغزالي (ص: ١٠١).","vol":"2","page":290},{"text":"وإصلاحهم، كما امتن الله على مريم في قوله تَعَالَى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] إلى آخر قصتها، ومن ذلك إذا نشأ بين أبوين صالحين وأقارب أتقياء، أو في بلد صلاح، أو وفقه الله لمقارنة أهل الخير وصحبتهم، أو لتربية العلماء الربانيين، فإن هذا من أعظم لطفه بعبده، فإن صلاح العبد موقوف على أسباب كثيرة منها، بل من أكثرها وأعظمها نفعًا هذه الحالة.\nومن لطف الله بعباده: أن يجعل رزقهم حلالًا في راحة وقناعة يحصل به المقصود، ولا يشغلهم عما خُلقوا له من العبادة والعلم والعمل، بل يعينهم على ذلك، ويفرغهم ويريح خاطرهم وأعضاءهم، ولهذا من لطف الله تَعَالَى لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظن فيها إدراك بغيته، فيعلم الله تَعَالَى أنها تضره وتصده عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يدر أن ربه قد لطف به حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل.\nومن لطف الله بعباده: أنه إذا قدر لهم طاعة جليلة لا تنال إلا بأعوان، أن يقدر لهم أعوانًا عليها ومساعدين على حملها؛ قال موسى -﵇-: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٢٩ - ٣٤]، فامتن الله عليه بإجابته لسؤاله سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٦ - ٣٧]، وكذلك امتن على عيسى -﵇- بقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي","vol":"2","page":291},{"text":"وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، وامتن على سيد الخلق في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].\nومن لطف الله بعباده: أن يعطي عباده من الأولاد، والأموال، والأزواج ما به تقر أعينهم في الدنيا، ويحصل لهم السرور، ثم يبتليهم ببعض ذلك ويأخذه، ويعوضهم عليه الأجر العظيم إذا صبر واحتسب، فنعمة الله عليه بأخذه على هذا الوجه أعظم من نعمته عليه في وجوده وقضاء مجرد وطره الدنيوي منه، وهذا- أيضًا- خير وأجر خارج عن أحوال العبد بنفسه، بل هو لطف من الله له أن قيض له أسبابًا أعاضه عليها الثواب الجزيل، والأجر الجميل.\nومن لطف الله بعبده: قدر الواردات الكثيرة، والأشغال المتنوعة، والتدبيرات، والمتعلقات الداخلة والخارجة التي لو قُسمت على أمة من الناس لعجزت قواهم عنها أن يمنَّ عليه بخلق واسع، وصدر متسع، وقلب منشرح؛ بحيث يعطي كل فرد من أفرادها نظرًا ثاقبًا وتدبيرًا تامًّا وهو غير مكترث ولا منزعج لكثرتها وتفاوتها، بل قد أعانه الله تَعَالَى عليها ولطف به فيها، ولطف له في تسهيل أسبابها وطرقها.\nوإذا أردت أن تعرف هذا الأمر، فانظر إلى حالة المصطفى -ﷺ- الذي بعثه الله بصلاح الدارين وحصول السعادتين، وبعثه مكملًا لنفسه ومكملًا لأمة عظيمة هي خير الأمم، ومع هذا مكنه الله ببعض عمره الشريف في نحو ثلث عمره أن يقوم بأمر الله كله على كثرته وتنوعه، وأن يقيم لأمته جميع دينهم، ويعلمهم جميع أصوله وفروعه، ويخرج الله به أمة كبيرة من الظلمات إلى النور، ويحصل به من المصالح والمنافع والخير والسعادة للخاص والعام ما لا تقوم به أمة من الخلق.","vol":"2","page":292},{"text":"ومن لطفه بعبده الحبيب عنده: إذا مالت نفسه مع شهوات النفس الضارة، واسترسلت في ذلك أن ينغصها عليه ويكدرها، فلا يكاد يتناول منها شيئًا إلا مقرونًا بالمكدرات، محشوًّا بالغصص؛ لئلا يميل معها كل الميل، كما أن من لطفه به أن يلذذ له القربات، ويحلي له الطاعات ليميل إليها كل الميل.\nومن لطيف لطف الله بعبده: أن يأجره على أعمال لم يعملها، بل عزم عليها فيعزم على قربة من القرب، ثم تنحل عزيمته لسبب من الأسباب، فلا يفعلها، فيحصل له أجرها، فانظر كيف لطف الله به فأوقعها في قلبه وأدارها في ضميره، وقد علم تَعَالَى أنه لا يفعلها؛ سوقًا لبره لعبده وإحسانه بكل طريق.\nوألطف من هذا: أن يقدر تَعَالَى لعبده ويبتليه بوجود أسباب المعصية ويوفر له دواعيها، وهو تَعَالَى علم أنه لا يفعلها؛ ليكون تركه لتلك المعصية التي توفرت أسباب فعلها من أكبر الطاعات، كما لطف بيوسف -﵇- في مراودة المرأة، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين.\nومن لطف الله بعباده: أن يقدر خيرًا وإحسانًا من عبده، ويجزيه على يد عبده الآخر، ويجعله طريقًا إلى وصوله إلى المستحق، فيثيب اللهُ الأولَ والآخرَ.\nومن لطف الله بعباده: أن يجري بشيء من مالهم شيئًا من النفع وخيرًا لغيرهم، فيثيبهم من حيث لا يحتسبوا، فمن غرس غرسًا أو زرع زرعًا فأصابت منه روح من الأرواح المحترمة شيئًا آجر الله صاحبه، وكذلك لو كان له بهائم انتفع بدرِّها، وركوبها، والحمل عليها، أو مساكن انتفع بسكناها ولو شيئًا","vol":"2","page":293},{"text":"قليلًا، أو ماعون ونحوه انتفع به، أو عين شرب منها، وغير ذلك ككتاب انتفع به في تعلم شيء منه، أو مصحف قرأ فيه، والله ذو الفضل العظيم.\nومن لطف الله بعباده: أن يفتح لهم بابًا من أبواب الخير لم يكن لهم على بال، وليس ذلك لقلة رغبتهم فيه، وإنما هو غفلة منهم وذهول عن ذلك الطريق، فلم يشعروا إلا وقد وجد في قلوبهم الداعي إليه والملفت إليه، فيفرحوا بذلك (^١).\nوما مضى شيئ يسير من ألطافه سُبْحَانَهُ الخفية، أما ألطافه الظاهرة فهي في كل نعمة من نعمه سُبْحَانَهُ التي لا تعد ولا تحصى مما يشاهد في الآفاق، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ولو استعرض لطفه سُبْحَانَهُ في نعمه الظاهرة لفنيت الأعمار ولم ندرك لها عدًّا.\nويكفي ذكر لطفه سُبْحَانَهُ في تيسير لقمة واحدة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها، وقد تعاون على إصلاحها خلق كثير من مصلح الأرض، وزارعها، وساقيها، وحاصدها، ومنقيها، وطاحنها، وعاجنها، وخابزها، وتيسير مضغها مما وضع الله في الفم من أسنان طاحنة وقاطعة، ولسان يدير اللقمة ويسهلها للبلع، ولعاب يسهل مرورها في المريء، إلى آخر هذه الألطاف الربانية (^٢).\nوفي ألطافه سُبْحَانَهُ دليل على توحيده، وأنه المألوه وحده دون ما سواه، وذلك أن «من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها، وأن أحدًا من\n_________\n(^١) ينظر: المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي (ص: ٧١ - ٧٦).\n(^٢) ينظر: المقصد الأسنى، للغزالي (ص: ١٠٢).","vol":"2","page":294},{"text":"الخلق لا يملك لنفسه- فضلًا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل، وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار» (^١).\nوكما أن اسم الله (اللطيف) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله الرؤوف، والرحمن، والرحيم، والطيب، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-569>الأثر الثاني: مراقبة اللطيف سُبْحَانَهُ:</span>\nإذا علم العبد أن ربه لطيف دق علمه، محيط بكل صغير وكبير، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] أورثه ذلك مراقبته -﷿-.\nيقول السعدي -﵀-: «والمقصود من هذا: الحث على مراقبة الله، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قل أو كثر» (^٢).\nوأورثه- أيضًا- محاسبة نفسه على أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، فإنه في كل وقت وحين، بين يدي اللطيف الخبير، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، يقول الحسن -﵀- في ذلك-: «إن المؤمن- والله- لا تراه إلا قائمًا على نفسه: ما أردت بكلمة كذا؟ ما أردت بأكلة كذا؟ ما أردت بمدخل كذا، ومخرج كذا؟ ما أردت بهذا؟ ما لي ولهذا؟\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ١٢٥).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٦ وما بعدها).","vol":"2","page":295},{"text":"والله لا أعود إلى هذا! فبمحاسبتها يطلع على عيوبها ونقائصها فيسعي في إصلاحها» (^١).\nوأورثه كذلك الحرص على إصلاح باطنه والعناية به؛ فإن الناس وإن لم يروا إلا الظاهر، إلا أن (اللطيف) يرى باطنه، فلا يليق بالمؤمن أن يهمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-570>الأثر الثالث: لطف الله بعباده في المصائب والابتلاءات:</span>\nإن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال، ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة، فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف، وعليه فمن لطف الله بعباده أن جعل المصائب بأنواعها، والمحن بأصنافها، والابتلاءات كلها، في حقيقتها رحمة من اللطيف ولطفًا، وسوقًا إلى مراتب النقاء والكمال، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nومن لطفه سُبْحَانَهُ: أن يوفق عبده في البلايا والمصائب بالقيام بوظيفة الصبر فيها، فيناله درجات عالية لا يدركها بعمله، وقد يشدد عليه الابتلاء بذلك كما فعل بأيوب -﵇-، ويوجِد في قلبه حلاوة روح الرجاء وتأميل الرحمة، وكشف الضر، فيخف ألمه وتنشط نفسه، ولهذا من لطف الله بالمؤمنين أن جعل في قلوبهم احتساب الأجر فخفت مصائبهم، وهان ما يلقون من المشاق في حصول مرضاته.\nومن لطفه سُبْحَانَهُ: أن يرزق أولياءه وقت المصيبة العظيمة السكينة والتثبيت، يقول ابن القيم -﵀-: «وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٥١٠ - ٥١١).","vol":"2","page":296},{"text":"والسكون، الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات؛ ولهذا أخبر سُبْحَانَهُ عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رءوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس، وحسبك بضعف عمر -﵁- عن حملها- وهو عمر- حتى ثبته الله بالصِّدِّيق -﵁-» (^١).\nومن لطف سُبْحَانَهُ بعبده الضعيف: أن يعافيه من أسباب الابتلاء التي تضعف إيمانه وتنقص يقينه، كما لطف بالمؤمن القوي، فهيأ له أسباب الابتلاء والامتحان، وأعانه عليها، فزاد بذلك إيمانه وعظم أجره، فسبحان اللطيف في ابتلائه، وعافيته، وعطائه، ومنعه (^٢).\nومن تأمل في قصص أنبياء الله، رأى في ظاهرها محنًا وابتلاءات، ولكنها في الباطن طرق خفية أدخلهم بها إلى غاية كمالهم وسعادتهم، ومن شواهد ذلك:\nأكل آدم من الشجرة التي نهى عنها، وإخراجه بسببها من الجنة، كم فيه من حكمة بالغة لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها!\n- في قصة موسى، وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٥٠٣).\n(^٢) ينظر: المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي (٧١ - ٧٦).","vol":"2","page":297},{"text":"للأطفال، ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليم، وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدر هلاكه على يديه، ثم قدر له سببًا أخرجه من مصر وأوصله به إلى موضع لا حكم لفرعون عليه، ثم قدر له سببًا أوصله به إلى النكاح والغنى، ثم ساقه إلى بلد عدوه، فأقام عليه به حجته، ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه، وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون.\nفي قصة يوسف حين قص على يعقوب رؤياه؛ فعلم أن أخوته سيكيدون له، ثم تآمر إخوة يوسف أن يقتلوه، فلطف به وأشار لهم أخوهم بعدم قتله وإلقائه في الجب، ثم ما آلمه في الجب من خوف وظلمة، وبعد ذلك شراء عزيز مصر له، ومراودة امرأة العزيز والنسوة له، ومكثه في السجن سنين، فلطف به (اللطيف) وأوَّل رؤيا الفتيين، ثم الملك، وسبحان من لطف به بهذه الرؤيا حتى يمكَّن في مصر، فيقدر الله الجدب للبلاد حتى يلتقي بإخوته، حتى جاء بأبيه وإخوته لأرض مصر، وما زال في كل ذلك صابرًا محسنًا، ليقول- بعد كل هذه البلايا والمحن-: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].\nوهذا كله مما يبين أنه سُبْحَانَهُ يفعل ما يفعله لما يريده من العواقب الحميدة، والحكم العظيمة، التي لا تدركها عقول الخلق، مع ما في ضمنها من الرحمة التامة والنعمة السابغة، والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته، وكذلك ما قدره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى أشرف غاياته، وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب، فتبارك اللطيف الرحيم الحكيم سُبْحَانَهُ (^١).\n_________\n(^١) بنظر: شفاء العليل، لابن القيم (١٢/ ١٤).","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-571>الأثر الثالث: محبة الله اللطيف:</span>\nفاللطيف يلطف بعباده المؤمنين، ويحسن إليهم، ويرفق بهم، فلا يعجل عليهم العقوبة، ويسوق لهم الخير من حيث يحتسبون، ومن حيث لا يحتسبون، بل يسوق لهم الخير من حيث يكرهون، كل هذا وغيره من ألطاف الله يدعو القلوب لمحبته والتعلق به سُبْحَانَهُ، وهذه المحبة تثمر التقرب إليه سُبْحَانَهُ بأنواع العبوديات، كما تثمر الحياء والإجلال له سُبْحَانَهُ، الذي يدفع العبد إلى تعظيم حرماته فلا يغشاها، وحدوده فلا يقربها، كما تثمر هذه المحبة الدعوة إليه سُبْحَانَهُ والجهاد في سبيله، والتضحية بالنفس والمال في سبيل مرضاته -﷿-.\n\n<span data-type='title' id=toc-572>الأثر الرابع: اللطف بعباد الله تعالى:</span>\n«لما كان من معاني (اللطيف) البر والرفق والإحسان، فإن مما يثمره في قلب المؤمن وأخلاقه أن يكون رفيقًا بعباد الله -﷿- محسنًا إليهم، بارًّا بهم، يحب الخير لهم ويفعله لهم، ويكره الشر لهم» (^١).\nوقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة، تدعو إلى الرفق وترغب فيه:\nعن المقدام بن شريح -﵀-، قال: رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيرًا فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) ولله الأسماء الحسنى، للجليل (٢٧٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٤).","vol":"2","page":299},{"text":"قال النبي -ﷺ-: «اللهمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ» (^١).\nقال النبي -ﷺ-: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ» (^٢).\nقال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَرَادَ الله -﷿- بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ» (^٣).\nقال رسول الله -ﷺ-: «وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ» (^٤).\nبل دلت الأحاديث على اللطف حتى مع الصغير، وللحسن بن علي -﵁- قصة في ركوبه على ظهره -ﷺ- وهو ساجد وإطالته السجودَ من أجله، وقوله -ﷺ- لما سئل عن ذلك-: «إِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أَعْجَلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (^٥)، بل إن اللطف يتعدى ذلك إلى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٨٩٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٣).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٠٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٠٣).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٦٥).\n(^٥) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٢٧٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، رقم الحديث: (٩٣٤)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (٣٤٧٦)، والنسائي، رقم الحديث: (١١٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف النسائي، رقم الحديث: (١١٤١).","vol":"2","page":300},{"text":"اللطف بالحيوان والرفق به، ولذلك شواهد عديدة، منها: قوله -ﷺ-: «عُذِّبَتِ امْرَأةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلتْ فِيْهَا النَّارَ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (^١).\nعن ابن مسعود -﵁- قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ، فَجَاءَ النَّبِيِّ -ﷺ- فقال: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا»» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-573>الأثر الخامس: الدعاء باسم الله اللطيف -ﷻ</span>-:\nاعلم أن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال، ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف، فإذا قال العبد: يالطيف الطف بي أو لي، وأسألك لطفك، فمعناه: تولني ولاية خاصة، بها تصلح أحوالي الظاهرة والباطنة، وبها تندفع عني جميع المكروهات من الأمور الداخلية والأمور الخارجية، فالأمور الداخلية لطف بالعبد، والأمور الخارجية لطف للعبد، فإذا يسر الله عبده وسهل طريق الخير وأعانه عليه فقد لطف به، وإذا قيض الله له أسبابًا خارجية غير داخلة تحت قدرة العبد فيها صلاحه فقد لطف له (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٨٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٧٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٢٦٧٥).\n(^٣) تفسير أسماء الله الحسنى، السعدي، رقم الحديث: (ص: ٢٢٦)","vol":"2","page":301},{"text":"يقول السعدي -﵀-: في الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ» (^١) اللهم الطف بنا في قضائك وبارك لنا في قدرتك حتى لا نحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت (^٢).\nوقد اشتهر بين كثير من الناس الدعاء التالي: «اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه»، وللعلامة ابن عثيمين -﵀- توضيح للحكم الشرعي في هذا الدعاء، فقد قال: «وفي هذا المقام ينكر على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) فهذا دعاء بِدْعِي باطل، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) معناه: أنه مستغن، أي: افعل ما شئت، ولكن خفف وهذا غلط، فالإنسان يسأل الله -﷿- رفع البلاء نهائيًّا، فيقول- مثلًا-: اللهم عافني، اللهم ارزقني وما أشبه ذلك.\nوإذا كان النبي -ﷺ- قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللهمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» (^٣)\nفقولك: (لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه) أشد، واعلم أن الدعاء قد يردُّ القضاء، كما جاء في الحديث: «لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ» (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٩١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث (٣٤٩١).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٢٢٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٧٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٩).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٨٤٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٩٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث: (٩٠).\n(^٥) شرح الأربعين النووية، لابن عثيمين (ص: ٦٦).","vol":"2","page":302},{"text":"وقال ابن عباس -﵄-: «لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما شاء من القدر» (^١)، وقال أيضًا: «الدعاء يدفع القدر» (^٢)، وكان عمر -﵁- يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: «اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب» (^٣).\nاللهم إنا نسألك لطفك يا لطيفًا بالعباد.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٣٣٥٣)، والبيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٢٥٤).\n(^٢) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٢٥٣).\n(^٣) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى، رقم الحديث: (١٥٦٥).","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-574>الله -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-575>المعنى اللغوي للاسم الأعظم (الله):</span>\nاختلف العلماء هل اسم (الله) مشتق، أم هو اسم جامد؟\nعلى قولين؛ أصحهما: أنه مشتق، وأصل اشتقاقه من (إله) (^١).\nقال الجوهري -﵀-: «أله بالفتح إلاهةً، أي: عبد عبادةً، ومنه قرأ ابن عباس -﵄-: (ويذرك وإلاهتك) بكسر الهمزة، قال: وعبادتك … ومنه قولنا: (الله)، وأصله: إلاه، على فعال، بمعنى: مفعول؛ لأنه مألوه، أي: معبود، كقولنا: إمام فعال، بمعنى: مفعول؛ لأنه مؤتم به، فلما أدخلت عليه الألف واللام، حذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرته في الكلام … والتأليه: التعبيد، والتأله: التنسك والتعبد» (^٢).\nقال ابن فارس -﵀-: «الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله: الله تَعَالَى، وسمي بذلك؛ لأنه معبود، ويقال: تأله الرجل: إذا تعبد» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ٢٦).\n(^٢) الصحاح (٦/ ٢٢٢٣).\n(^٣) مقاييس اللغة (١/ ١٢٧).","vol":"2","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-576>ورود اسم (الله) في القرآن الكريم:</span>\nورد لفظ الجلالة (الله) -جل وعلا-، في القرآن الكريم (٢٧٢٤) مرةً:\nومن وروده في القرآن ما يلي:\n١ - قال تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]\n٢ - قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].\n٣ - قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-577>ورود اسم (الله) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم (الله) في السنة النبوية مرات كثيرة، ومن وروده ما يلي:\n١ - عن عائشة -﵂-، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِالله أَنَا» (^١).\n٢ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّ الله لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٠٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٣).","vol":"2","page":305},{"text":"٣ - قال عبد الله بن مسعود -﵁-: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ الله هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-578>معنى اسم (الله) -ﷻ</span>-:\nيدور اسم (الله) على معنيين عظيمين متلازمين:\nالمعنى الأول: هو الإله الجامع لجميع صفات الألوهية.\nالمعنى الثاني: هو المألوه، أي: المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه.\nومن أقوال العلماء في ذلك:\nمن الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:\nقال ابن عباس -﵄-: «(الله) ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «فـ (الله) اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سُبْحَانَهُ، وقيل: معناه الذي يستحق أن يعبد» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٨٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٠٢).\n(^٢) تفسير الطبري (١/ ١٢٣).\n(^٣) تفسير القرطبي (١/ ١٠٢).","vol":"2","page":306},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «الإله هو المستحق لصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال، وهو الذي تألهه القلوب، وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «الله: هو المألوه المعبود، ذو الألوهية، والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال» (^٢).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الطبري -﵀-: «وأما تأويل قول الله تَعَالَى ذكره (الله)، فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس -﵄-: هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق» (^٣).\nقال الزجاج -﵀- في معنى اسم (الله): «ومعنى قولنا: إلاه، إنما هو الذي يستحق العبادة، وهو تَعَالَى المستحق لها دون من سواه» (^٤).\nقال الزجاجي -﵀-: «معنى الإله في الحقيقة: هو ذو الألوهية أي: المستحق للألوهية والعبادة، والمعبود إنما هو اسم المفعول من عبد فهو معبود، وإنما قيل: تألهنا أي: تعبدنا …» (^٥).\n_________\n(^١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ١٣٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٩٤٥).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ١٢٢).\n(^٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٢٦).\n(^٥) اشتقاق أسماء الله (ص: ٣٠).","vol":"2","page":307},{"text":"قال الحليمي -﵀-: «الله، ومعناه: إله، وهذا أكثر الأسماء وأجمعها للمعاني» (^١).\nقال ابن تيمية -﵀-: «الإله هو المألوه، أي: المستحق لأن يؤله، أي: يُعبد، ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «واسم (الله) دال على كونه مألوهًا معبودًا، تألهه الخلائق محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب» (^٣)، وقال: «فإن الإله هو الذي يألهه العبادُ ذلًّا، وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وطاعةً له، بمعنى: مألوه، وهو الذي تألهه القلوب، أي: تحبه وتذل له» (^٤).\nلفظ الجلالة (الله) والاسم الأعظم:\nثبت عن رسول الله -ﷺ- في جملة من الأحاديث أن لله -﷿- اسمًا أعظم، إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.\nوقال الشيخ السعدي -﵀-: «بعض الناس يظن أن الاسم الأعظم من أسماء الله الحسنى، لا يعرفه إلا من خصه الله بكرامة خارقة للعادة، وهذا ظن خطأ؛ فإن الله -﵎- حثنا على معرفة أسمائه وصفاته، وأثنى على من عرفها، وتفقه فيها، ودعا الله بها دعاء عبادة وتعبد، ودعاء مسألة، ولا ريب أن الاسم الأعظم منها أولاها بهذا الأمر» (^٥).\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٢).\n(^٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٥٦).\n(^٤) مدارج السالكين (٣/ ٢٧).\n(^٥) مجموع الفوائد واقتناص الأوابد (ص: ٢٥٠).","vol":"2","page":308},{"text":"وقد اختلف العلماء -﵏- في تعيينه على نحو من عشرين قولًا (^١)، أشهرها وأقواها ثلاثة:\nالأول: أن الاسم الأعظم (الله) -ﷻ-.\nالثاني: أن الاسم الأعظم (الحي القيوم) -ﷻ-.\nالثالث: أن الاسم الأعظم كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفات الله -﷿- الذاتية والفعلية.\nقال بالأول: أكثر أهل العلم -﵏-، منهم: أبو حنيفة، والطحاوي (^٢)، وابن منده (^٣)، والرازي (^٤).\nواستدلوا: بما خص الله به هذا الاسم من خصائص وميزات، منها (^٥):\n١ - أنه الأصل لجميع أسماء الله الحسنى، فسائر الأسماء تضاف إليه وتجري معه مجرى الصفات مع الأسماء، فيقال: الرحمن الرحيم، الخالق الرازق، الحي القيوم، العزيز الحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ\n_________\n(^١) تراجع في: فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٢٢٤).\n(^٢) ينظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٦١).\n(^٣) ينظر: التوحيد (٢/ ٢١).\n(^٤) ينظر: تفسير الرازي (١/ ١١١).\n(^٥) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٣٢ - ٣٣)، والنهج الأسمى، للنجدي (ص: ٦٥) وما بعدها.","vol":"2","page":309},{"text":"سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، وقال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] فأضاف سائر الأسماء إليه، ولا شك أن الموصوف أشرف وأعظم من الصفة.\n٢ - أنه مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفاته.\n٣ - أنه اسم خاص بالله -﷿-، لم يتسم به أحد سواه، ولم يدع به شيء غيره؛ فقد قبض الله عنه الألسن، وكاد يتعاطاه المشركون اسمًا لبعض أصنامهم التي كانوا يعبدونها، فصرفهم الله إلى «اللات» صيانة لهذا الاسم، وذبًّا عنه، قال تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي- على أحد أوجه التفسير-: هل تعلم أحدًا يسُمَّى الله غير الله، أو يقال له: الله إلا الله؟! (^١).\n٤ - أنه لا يسقط عنه الألف واللام في حال النداء، فيقال: يا الله، فصار الألف واللام كالجزء الأساسي في الاسم، بخلاف سائر الأسماء؛ فإن النداء إذا دخل عليها أسقط عنها الألف واللام، فيقال: يا رحمن، يا عزيز، يا حليم، ولا يقال: يا الرحمن، يا العزيز، يا الحليم.\nوفي هذا إشارة إلى أن هذا الاسم العظيم معرفة أبدًا، لا تزول ألبتة؛ وذلك أن الألف واللام للتعريف؛ فعدم سقوطهما دال على ذلك.\n_________\n(^١) ينظر: اشتقاق أسماء الله، للزجاجي (ص: ٣١)، وشأن الدعاء، للخطابي (١/ ٣٠)، والمنهاج في شعب الإيمان، للحليمي (١/ ١٩٠)، وتفسير القرطبي (١١/ ١٣٠)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"2","page":310},{"text":"٥ - أنه أكثر الأسماء ورودًا في القرآن، فقد ورد (٢٧٢٤) مرةً، وهذا ما لم يقع لغيره من الأسماء.\n٦ - أنه مقترن بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، التي لا يصح إسلام الكافر إلا بها، ولو استبدلت بغيرها، فقيل: أشهد أن لا إله إلا الرحمن الرحيم، لم يصح في الدخول للإسلام، والخروج من الكفر.\n٧ - أنه الاسم الذي تعرف الله به إلى عباده، كما في قوله تَعَالَى لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤]، وقال في مطلع آية الكرسي معرفًا بنفسه لعباده: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n٨ - أنه أكثر الأسماء دعاء به، حيث يقال: (اللهم)، ومعناها: يا الله؛ ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب، فلا يقال: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني.\nومن دعاء الله بها قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكان رسول الله -ﷺ- يقول عند النوم: «اللهمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ؛ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، …» الدعاء (^١)، ويدعو في سجوده: «اللهمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٨٨).","vol":"2","page":311},{"text":"وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^١).\nإلى غير ذلك من الخصائص اللفظية لهذا الاسم الكريم، وأما الخصائص المعنوية له، فقد قال فيها ابن القيم -﵀-: «وأما خصائصه المعنوية فقد قال فيها أعلم الخلق به -ﷺ-: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)، وكيف تحصى خصائص اسم مسماه كل كمال على الإطلاق، وكل مدح، وكل حمد، وكل ثناء، وكل مجد، وكل جلال، وكل إكرام، وكل عز، وكل جمال، وكل خير وإحسان وجود وبر وفضل فله ومنه؟!\nفما ذُكر هذا الاسم في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند هم وغم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العز، ولا فقير إلا أصاره غنيًّا، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه، فهو الاسم الذي تكشف به الكربات، وتستنزل به البركات والدعوات، وتقال به العثرات، وتستدفع به السيئات، وتستجلب به الحسنات» (^٢).\nلا سيما وقد ورد هذا الاسم الكريم في جميع الأحاديث التي فيها الإشارة إلى الاسم الأعظم، ومن ذلك:\nحديث بريدة -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٦).\n(^٢) نقله عنه: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان ابن عبد الوهاب (ص: ١٤).","vol":"2","page":312},{"text":"يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ الله بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^١).\nحديث أسماء بنت يزيد -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْن: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة سورة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]». (^٢)\nحديث أنس -﵁- قال: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ دَعَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النبي -ﷺ-: أَتَدْرُوْنَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^٣).\nوقال بالثاني: أن اسم الله الأعظم: (الحي القيوم): بعض أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وابن القيم (^٥)، وابن عثيمين (^٦) -﵏-.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣٥٠٨)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٣). حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٩٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٩٦).\n(^٣) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (١٢٨٠٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٩٥).\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١١).\n(^٥) ينظر: زاد المعاد (٤/ ١٨٥).\n(^٦) ينظر: تفسير العثيمين (٣/ ٢٥٨).","vol":"2","page":313},{"text":"واستدلوا: بما تضمنهما هذين الاسمين الجليلين من دلالة على سائر الأسماء، قال ابن القيم -﵀-: «صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال؛ ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم» (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: «قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في (الحي)؛ وصفة الإحسان، والسلطان في (القيوم)» (^٢).\nوقال بالثالث: أن الاسم الأعظم كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفات الله -﷿- الذاتية والفعلية.\nالشيخ السعدي -﵀-، حيث يقول: «فالصواب: أن الأسماء الحسنى كلها حسنى، وكل واحد منها عظيم، ولكن الاسم الأعظم منها كل اسم مفرد أو مقرون مع غيره إذا دل على جميع صفاته الذاتية والفعلية، أو دل على معاني جميع الصفات، مثل:\n(الله) فإنه الاسم الجامع لمعاني الألوهية كلها، وهي جميع أوصاف الكمال، ومثل: (الحميد المجيد) فإن (الحميد) الاسم الذي دل على جميع المحامد والكمالات لله تَعَالَى، و(المجيد) الذي دل على أوصاف العظمة والجلال ويقرب من ذلك (الجليل الجميل الغني الكريم).\nومثل: (الحي القيوم)، فإن (الحي) من له الحياة الكاملة العظيمة الجامعة لجميع معاني الذات، و(القيوم) الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ١٨٥).\n(^٢) تفسير العثيمين (٣/ ٢٥٨).","vol":"2","page":314},{"text":"خلقه، وقام بجميع الموجودات، فهو الاسم الذي تدخل فيه صفات الأفعال كلها.\nومثل: اسمه (العظيم الكبير) الذي له جميع معاني العظمة والكبرياء في ذاته وأسمائه وصفاته، وله جميع معاني التعظيم من خواص خلقه.\nومثل قولك: (يا ذا الجلال والإكرام) فإن الجلال صفات العظمة والكبرياء، والكمالات المتنوعة، والإكرام استحقاقه على عباده غاية الحب، وغاية الذل وما أشبه ذلك.\nفعلم بذلك أن الاسم الأعظم اسم جنس، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة الشرعية والاشتقاق، كما في السنة أنه -ﷺ- سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهَ بِالاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^١)» (^٢).\nومما سبق يظهر- والله أعلم- رجحان كون الاسم الأعظم هو اسم (الله) -ﷻ-؛ لقوة أدلته وظهورها.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) مجموع الفوائد واقتناص الأوابد (ص: ٢٥٠ - ٢٥٢).","vol":"2","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-579>الآثار المسلكية للإيمان باسم (الله):</span>\n<span data-type='title' id=toc-580>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (الله) من الصفات:</span>\nالله تَعَالَى هو ذو الألوهية التي بها استحق أن يكون المعبود المألوه الحق، بل استحق ألا يشاركه في هذا الوصف العظيم أحد سواه، كما قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].\nاتصف بصفات الألوهية التي تجمع صفات الكمال، وأوصاف الجلال والعظمة والجمال، وأوصاف الرحمة والبر والكرم والإحسان، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، فاستحق بهذه الصفات أن يُعبد ويُؤلَه.\nفهو المألوه لانفراده بالحياة التامة والقيومية المطلقة، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥].\nوهو المألوه لانفراده بالربوبية خلقًا ورزقًا وملكًا وتدبيرًا وضرًّا ونفعًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ","vol":"2","page":316},{"text":"فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال جل في علاه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٢ - ٣]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]، وقال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].\nوهو المألوه لانفراده بالرحمة وإيصال النعم الظاهرة والباطنة إلى جميع خلقه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].\nوهو المألوه لما له من إحاطة بكل شيء علمًا وحكمًا وحكمة وعزة وقهرًا، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥].\nوهو المألوه لانفراده بالغنى المطلق التام من كل وجه، كما أن كل من سواه مفتقر إليه على الدوام من كل وجه، مفتقر إليه في إيجاده وتدبيره، مفتقر إليه في إمداده ورزقه، مفتقر إليه في حاجاته ومطالبه كلها، مفتقر إليه في أعظم الحاجات وأشد الضرورات قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ:","vol":"2","page":317},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] فتبارك الله الإله الحق (^١).\nوهو الإله الذي يعبده ويتأله له من في السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] فتألهه الخلائق أجمعون بالاستسلام والانقياد طوعًا أو كرهًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]\nحتى سجد وخضع له ظلالهم بالغدو والآصال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، ولهج الناطق منهم وغير الناطق من الأشجار والنبات والجماد والأموات مسبحًا بحمده: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وتوجه له بالتضرع والاستغاثة في النوائب والشدائد البر والفاجر، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] (^٢)، وأبت القلوب والأرواح السكون إلا إليه، والاطمئنان إلا بذكره، والفرح إلا بمعرفته، قال تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]، فتبارك الله إله العالمين.\n_________\n(^١) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٢٩ - ٣٠).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٤٢، ٤٥٩، ٤٦٢، ٧٧٠).","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-581>الأثر الثاني: دلالة اسم (الله) على التوحيد:</span>\nمعرفة العبد لاسم الله -ﷻ- وما فيه من معانٍ، تقوده إلى توحيده بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.\nفأما توحيده بالربوبية:\nفإذا عمل العبد بمقتضى اسم (الله) -ﷻ- من التعبد والتأله، تضمن عمله توحيد الربوبية، من جهة: أن من عبد الله ولم يشرك معه شيئًا، لا شك أنه يعتقد أنه ربه الخالق والمالك له الذي لا رب له غيره.\nقال ابن تيمية -﵀-: «قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المؤمنون: ١١٦] فإنه يقتضي انفراده بالألوهية، وذلك يتضمن انفراده بالربوبية، وأن ما سواه عبد له مفتقر إليه، وأنه خالق ما سواه ومعبوده» (^١).\nوأما توحيده بالألوهية:\nفإذا تدبر العبد اسم (الله) -ﷻ- وآمن بما فيه من معاني الألوهية في الصفات والأفعال التي لا مشارك له فيها؛ علم أنه المعبود الحق الذي لا يستحق أن يعبد أحد سواه، وأن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل (^٢)، وهذه حقيقة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، التي لا تتم إلا بركنيها:\nنفي العبودية عن ما سوى الله -﷿-.\nإثبات العبودية لله وحده، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ\n_________\n(^١) الصفدية (٢/ ٦٤).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٣/ ٢٠٢، ٢٠٤)، المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي (ص: ١٠٧).","vol":"2","page":319},{"text":"إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وفي الصحيح أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُم مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ -﷿-» (^١) (^٢).\nوتحقيق هذا المعنى إنما خلق الله الإنس والجن لأجله، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فأرسل فيهم الرسل وأنزل إليهم الكتب داعية إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nقال ابن القيم -﵀-: «فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو: إفراد الرب بالتأله الذي هو كمال الذل والخضوع والانقياد له، مع كمال المحبة والإثابة، وبذل الجهد في طاعته ومرضاته، وإيثار محابه ومراده الديني على محبة العبد ومراده؛ فهذا أصل دعوة الرسل، وإليه دَعَوا الأمم، وهو التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو الذي أمر به رسله،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣).\n(^٢) ينظر: ثلاثة الأصول (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول) (ص: ١٩٠)، كتاب التوحيد، لمحمد بن عبد الوهاب (ص: ٣٦ - ٣٧)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١٥٨).","vol":"2","page":320},{"text":"وأنزل به كتبه، ودعا إليه عباده، ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله، وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله» (^١).\nونوَّع سُبْحَانَهُ الأدلة والبراهين على هذا الأصل العظيم، ونفى ضده تحقيقًا له، ومن ذلك (^٢):\n١ - الاستدلال بالربوبية على الألوهية، فمن عرف أنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور؛ أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٠] الآيات.\nومن عرف أنه المنفرد بجلب النعم ودفع النقم، فما من نعمة ظاهرة ولا باطنة قليلة أو كثيرة إلا منه سُبْحَانَهُ، وما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها، وإن أحدًا من الخلق لا يملك لنفسه- فضلًا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل، وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص ١٣٩).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٥، ٦٤٠)، القواعد الحسان لتفسير القرآن، للسعدي (ص: ١٨ - ١٩)، المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي (ص: ١٠٧).","vol":"2","page":321},{"text":"لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٧ - ١٨] الآيات، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١].\n٢ - الاستدلال بما له من صفات على الألوهية، فمن عرف صفات كماله وأنه لا يماثله شيء من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله علم أنه المعبود الحق الذي لا يستحق أي مخلوق كائنًا من كان أن يعبد معه، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]،\nوقال -﵎-: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣] الآيات.\nقال ابن تيمية -﵀- مقررًا هذه المسألة: «والله سُبْحَانَهُ لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد (الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد: وهما إثبات صفات الكمال، ردًّا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو، ردًّا على المشركين» (^١).\n٣ - الاستدلال بصفات الآلهة التي عبدت من دونه على بطلان عبادتها، فإن فيها من صفات العجز، والنقص، والفقر ما يمنع كونها إلهًا يعبد، قال تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٨٣).","vol":"2","page":322},{"text":"لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧].\n٤ - ضرب الأمثلة الدالة على بطلان الشرك وقبحه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١].\n٥ - الاستدلال بإكرام أهل التوحيد، وإهانة وعقوبة أهل الشرك على أن التوحيد هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، كما في ذكر الله -﵎- لقصص الرسل مع أممهم، وما فيها من نزول العذاب على أهل الشرك والنجاة لأهل التوحيد، قال تَعَالَى عن نوح -﵇-: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤]، وقال تَعَالَى عن هود -﵇-: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢]، وقال تَعَالَى عن صالح -﵇-: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٦ - ٦٧] وهكذا في بقية الرسل -﵈-.","vol":"2","page":323},{"text":"وأما توحيده بالأسماء والصفات:\nفقد قال ابن القيم -﵀-: «اسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا بالدلالات الثلاث؛ فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له مع نفي أضدادها عنه.\nوصفات الإلهية: هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تَعَالَى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] … فعلم أن اسمه الله مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-582>الأثر الثالث: الفرح والسرور بمعرفة الله -ﷻ</span>-:\nالنفس أحوج ما تكون إلى معرفة خالقها ومعبودها الحق، ولا حاجة إليها فوق حاجتها إلى معرفته، فلا سعادة لها ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم ولا راحة لها إلا بمعرفة ربها ومعبودها وعبادته، فإذا عرفت معبودها الحق (الله) -ﷻ- سعدت وفرحت بذلك أشد الفرح، قال ابن القيم -﵀-: «ليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده» (^٢).\nوقال: «فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبته، وعبادته وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والأنس\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ٥٥).\n(^٢) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، لابن القيم (ص: ٩).","vol":"2","page":324},{"text":"بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله، ولو تعوض عنها بما تعوض مما في الدنيا، بل ليست الدنيا بأجمعها عوضًا عن هذه الحياة، فمن كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء ألبتة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-583>الأثر الرابع: الاعتزاز بالله -ﷻ- والتوكل عليه:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم (الله) -ﷻ-، وما فيه من صفات الكمال؛ إذ هو خالق كل شيء ومالكه، ومدبر أمره، والخاضع له كل شيء الملك والمملوك، والعزيز والذليل، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والكبير والصغير.\nإذا تأمل هذا شعر بالعزة به سُبْحَانَهُ؛ فتعلق به وحده، وسقط من قلبه الخوف والهيبة من الخلق والتعلق بهم، فلم يعتز ولم يحتم إلا به -﵎-، ولم يتوكل إلا عليه، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فكل من عداه مدبَّر، لا يملك حولًا ولا قوة، ومصيره الفناء؛ فكم من بشر اعتز بماله فما لبث أن ضاع ذلك المال فضاع، وكم من بشر اعتز بسلطانه فجاءت النهاية بزوال سلطانه، فما كان منه إلا أن قال: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٩]. (^٢)\n_________\n(^١) ينظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (ص: ٨٤).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨٩ - ٩٠).","vol":"2","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-584>الأثر الخامس: محبة الله جل في علاه:</span>\nفُطرت القلوب على محبة من له صفات الكمال والإحسان والتفضل على الغير، والله -ﷻ- لا أكمل ولا أعظم ولا أجل من صفات ألوهيته -﵎-، ولا أعظم نعمة وفضلًا على العباد منه، فمن كان هذا حاله فهو أحق من يحب، محبة عظيمة تتقدم على محبة النفس، والأهل، والولد، والناس أجمعين، قال رسول الله -ﷺ- في هذه المحبة: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «إن (الإله) الحق هو الذي يُحَبُّ لذاته، ويُحْمَدُ لذاته، فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه، وإنعامه، وحلمه، وعفوه، وبره، ورحمته، فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله، فيحبه ويحمده لذاته وكماله، وأن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا هو، فيحبه لإحسانه وإنعامه، ويحمده على ذلك فيحبه من الوجهين جميعًا» (^٢).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «وعباد الرحمن يألهونه ويعبدونه، ويبذلون له مقدورهم بالتأله القلبي، والروحي، والقولي والفعلي، بحسب مقاماتهم ومراتبهم، فيعرفون من نعوته وأوصافه ما تتسع قواهم لمعرفته، ويحبونه من كل قلوبهم محبةً تتضاءل جميع المحاب لها، فلا يعارض هذه المحبة في قلوبهم محبة الأولاد والوالدين وجميع محبوبات النفوس، بل خواصهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٣).\n(^٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٨٣).","vol":"2","page":326},{"text":"جعلوا كل محبوبات النفوس الدينية والدنيوية تبعًا لهذه المحبة، فلما تمت محبة الله في قلوبهم أحبوا ما أحبه من أشخاص وأعمال، وأزمنة، وأمكنة، فصارت محبتهم وكراهتهم تبعًا لإلههم وسيدهم ومحبوبهم.\nولما تمت محبة الله في قلوبهم التي هي أصل التأله والتعبد أنابوا إليه فطلبوا قربه ورضوانه، وتوسلوا إلى ذلك وإلى ثوابه بالجد والاجتهاد في فعل ما أمر الله به ورسوله، وفي ترك جميع ما نهى الله عنه ورسوله، وبهذا صاروا محبين محبوبين له، وبذلك تحققت عبوديتهم وألوهيتهم لربهم، وبذلك استحقوا أن يكونوا عباده حقًا، وأن يضيفهم إليه بوصف الرحمة حيث قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-585>الأثر السادس: دعاء الله تَعَالَى باسمه الأعظم:</span>\nإذا آمن العبد بأن اسم (الله) -ﷻ- هو الاسم الأعظم- كما سبق بيانه- الذي لا يخيب من دعا به ولا يرد، لهج بالدعاء به، ولا سيما بما ورد من الأدعية التي نص فيها رسول الله -ﷺ- على اشتمالها على الاسم الأعظم، كالدعاء بـ: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد» (^٢)، والدعاء بـ «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» (^٣).\n_________\n(^١) فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣١ - ٣٢).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":327},{"text":"ثم إذا صَاحَب الدعاءَ بالاسم الأعظم حضور قلب وانكسار وذلة لم تكد تُرَد الدعوة، فليحرص العبد على الإكثار من سؤال الله باسمه الأعظم موقنًا بالإجابة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-586>الأثر السابع: الأذكار مقرونة باسم (الله) سُبْحَانَهُ:</span>\nخص الله -﷿- اسمه (الله) بأن جعله مقرونًا بعامة الأذكار المأثورة عن رسول الله -ﷺ-، فالتحميد والتسبيح والتهليل والتكبير والحوقلة والاسترجاع والبسملة ونحوها مقرونة به غير منفكة عنه، فإذا كبر المسلم ذكره، وإذا حمد ذكره، وإذا سبح ذكره وهكذا في عامة الأذكار، كما في قوله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ- فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ- حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^٢)، وقوله -ﷺ-: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ» (^٣)، وقوله: «أَحَبُّ الكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (^٤).\nولم يشرع -﵎- ذكره بهذا الاسم مفردًا، كما يعتقد بعض الجهال من المسلمين، فيرددون لفظ الجلالة (الله) مرات عديدة، كألف أو ألفين أو أكثر، وأحيانًا يجتمعون على ذلك في حلقات وهم جالسون، أو وهم واقفون يتمايلون ذات اليمين وذات الشمال، ويقفزون بين الحين والآخر، ويصاحب\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفوائد واقتناص الأوابد، للسعدي (ص: ٢٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٥).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٦٨٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٤).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣٧).","vol":"2","page":328},{"text":"ذلك دقات الطبول وأصوات المزامير! وتشتد الأصوات حتى لا تسمع إلا (هو هو هو) أو (آه آه آه) أو (حع حع حع)!!، ونحو ذلك مما لم ينزل الله به سلطانًا، ولم تأت به سنة، وقد قال -ﷺ-: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (^١) (^٢).\nقال الإمام النووي -﵀-: «الرد هنا بمعنى: المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه -ﷺ-؛ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-587>الأثر الثامن: تسمي العبد بأحب الأسماء إلى الله تعالى:</span>\nإذا علم العبد المكانة العظيمة لهذ الاسم الكريم (الله) فليعلم أن أحب الأسماء إليه ما أضيف إلى هذا الاسم، أو أضيف لاسمه الرحمن، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى الله -﷿-: عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» (^٤).\nوكشف الإمام ابن القيم -﵀- سر ذلك في كلامه حول الأسماء والكنى؛ فقال -﵀-: «ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه، ومؤثرًا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه، كعبد الله وعبد الرحمن، وكانت إضافة العبودية إلى اسم (الله) واسم الرحمن، أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٢٦٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٧١٨).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (ص: ٧٣ - ٧٤).\n(^٣) شرح صحيح مسلم، للنووي (١٢/ ١٦).\n(^٤) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٣٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٣٣).","vol":"2","page":329},{"text":"كالقاهر والقادر، فعبدالرحمن أحب إليه من عبدالقادر، وعبدالله أحب إليه من عبدربه؛ وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين ربه إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة، فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده، والغاية التي أوجده لأجلها: أن يتأله له وحده محبةً وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وتعظيمًا، فيكون عبدًا لله، وقد عبده لما في اسم (الله) من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمتُه غضبَه، وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب؛ كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-588>الأثر التاسع: تحقيق العبودية التامَّة لله تعالى:</span>\nإذا علم العبد معنى اسم (الله) ومافيه من صفات الألوهية؛ خضع له سبحانه، إما بالعبودية العامة أو الخاصة.\nالعبودية العامة: عبودية الملك والقهر والخضوع للأمر الكوني القدري التي بها تعبد أهل السماوات والأرض كلهم؛ برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].\nوهذه العبودية لا يصير بها العبد مؤمنًا؛ لأنه مجبور مقهور عليها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣].\n_________\n(^١) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم (٢/ ٣٤٠).","vol":"2","page":330},{"text":"العبودية الخاصة: عبودية الطاعة، والمحبة، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي التي بها تعبَّد أهل الإيمان لربهم -﷿-، وتتفاوت مراتبهم ودرجاتهم بناء عليها، قال تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nوهذه العبودية هي التي يصير بها العبد مؤمنًا، وينال بها رضاه.\nفإذا علم العبد هذا، وعلم أن نجاته وفلاحه وسعادته إنما تكون بتحقيق العبودية الخاصة لله -﷿-، قاده ذلك لتحقيقها وتكميلها (^١).\nوفي الملحق الآتي ما يعين- بإذن الله- على تحقيق العبودية لله -﷿-.\n_________\n(^١) ينظر: العبودية، لابن تيمية (ص: ٥٠ - ٥٤)، ومدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ١٢٥ - ١٢٦)، وتفسير السعدي (ص: ٨١٣).","vol":"2","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-589>«العبودية»</span>\nسنتطرق في موضوع العبودية لعدة مسائل، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-590>أولًا: تعريف العبادة:</span>\nالعبادة في اللغة:\nقال الأزهري -﵀-: «العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللًا بكثرة الوطء، وبعير معبد إذا كان مطليًّا بالقطران» (^١).\nقال الجوهري -﵀-: «عبد، بين العبودة والعبودية، وأصل العبودية: الخضوع والذل، والتعبيد: التذليل، يقال: طريق معبد … والعبادة: الطاعة، والتعبد: التنسك» (^٢). …\nالعبادة في الاصطلاح:\nقال ابن جرير -﵀-: «معنى العبادة: الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة» (^٣).\nوقال القاضي أبو يعلى -﵀-: «حقيقة العبادة: هي الأفعال الواقعة لله -﷿-، على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع» (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٢/ ١٣٨).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٥٠٣).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ٣٦٢).\n(^٤) المعتمد في أصول الدين، للقاضي أبي يعلى (١٠٣).","vol":"2","page":332},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة» (^١):\nومما سبق يتبين أن العبادة تقوم على أصلين عظيمين، هما:\n١ - غاية الخضوع والذل والانقياد لله -﷿-؛ يقال: طريق معبد، أي: مذلل، فالعابد منقاد لمعبوده خاضع له.\n٢ - غاية المحبة لله -﷿-؛ فإذا عظمت محبة الله في قلب العبد قادته إلى الاستقامة على طاعة الله -﷿-، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.\nقال ابن تيمية -﵀- مقررًا هذين الأصلين: «ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تَعَالَى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله» (^٢).\nوقال ابن القيم -﵀-: «والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع … فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبًّا خاضعًا» (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) العبودية، لابن تيمية (ص: ٤٤).\n(^٢) العبودية (ص: ٤٨ - ٤٩).\n(^٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٤) ينظر: العبودية مسائل وقواعد ومباحث، لآل عبد اللطيف (ص: ٣٣).","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-591>ثانيًا: أهمية العبودية وفضلها:</span>\nدعا الله -﷿- عباده إلى عبوديته، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، ورغبهم فيها ببيان أهميتها وما لأهلها من فضل في الدنيا والآخرة، ومن ذلك:\n١ - بيانه -﵎- أن العبودية هي الغاية من خلق الخلق، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\n٢ - بيانه -﵎- أنه إنما أنزل الكتب، وأرسل الرسل للدعوة إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وحكى عن جملة من رسله قولهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣] (^١).\n٣ - بيانه -﵎- أن عبوديته حاجة فطرية فطرت قلوب الخلق للميل إليها، قال تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وقال -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (^٢) (^٣).\nقال ابن القيم -﵀- مقررًا تلك الحاجة-: «اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا\n_________\n(^١) ينظر: العبودية، لابن تيمية (ص: ٤٤ - ٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٣٥٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٥٨).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٤١).","vol":"2","page":334},{"text":"في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود والتقرب- أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره … ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها» (^١).\nوكل من استكبر عن عبادة الله التي دعته فطرته إليها عبد غيره ولا شك؛ إذ النفوس جبلت على أن تقصد شيئًا وتريده، وتستعين به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، وتطمئن وتركن إليه، وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها سواء كان ذلك الله أو غيره.\nقال ابن تيمية -﵀-: «الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله، كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرًا وحاجة إلى المراد المحبوب … فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدًا لذلك المراد المحبوب، إما المال وإما الجاه وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهًا من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان …» (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص: ٥٧).\n(^٢) العبودية، لابن تيمية (ص: ١٠٠ - ١٠١) بتصرف وتقديم.\n(^٣) ينظر: جامع الرسائل، لابن تيمية (٢/ ٢٣١)، وتفسير السعدي (ص: ٦٠ - ٦١)، والعبودية مسائل وقواعد ومباحث، لعبد العزيز آل عبد اللطيف (ص: ٣٧ - ٣٩، ٤٤ - ٤٥).","vol":"2","page":335},{"text":"٤ - بيانه -﵎- أن شرف المخلوق وكماله إنما يكون بتحقيقها، فشرف الملائكة بها ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، وشرف الأنبياء بها، فقال سُبْحَانَهُ عن أيوب وسليمان -﵉-: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، وشرف رسوله -ﷺ- بوصفه بها في أعلى مقامات التكريم، فوصفه بها في مقام إنزال القرآن: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تَعَالَى، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته» (^٢).\n٥ - بيانه -﵎- أن العبودية لازمة للعبد في أحواله كلها، فتلزمه في حياته إلى مماته كما قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، أي: الموت، وتلزمه بعد الحياة في البرزخ حينما يسأله الملكان، وتلزمه في القيامة حينما يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود فيسجد المؤمنون ويبقى الكافرون والمنافقون لا يستطيعون السجود، فإذا وصلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف بالعبادة، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: العبودية، لابن تيمية (ص: ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) العبودية، لابن تيمية (ص: ٨٠).\n(^٣) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":336},{"text":"٦ - بيانه -﵎- أن العبادة دأب ملائكته، قال تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥ - ٢٠٦]، وفي هذا دعوة للاقتداء بهم.\n٧ - بيانه -﵎- أن إحسان العبودية وتكميلها أعلى مراتب الدين؛ قال -ﷺ- عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١) (^٢).\n٨ - بيانه -﵎- ثواب أهلها في الدارين، ومن ذلك:\nأ- عدم تسلط الشيطان عليهم؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].\nب- حفظهم من المعاصي والمنكرات، قال تَعَالَى عن نبيه يوسف -﵇-: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٨).\n(^٢) ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":337},{"text":"ج- اصطفاؤهم لفهم القرآن والعمل به، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].\nد- التمكين لهم في الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].\nر- استثناؤهم من الهلاك الذي يعم قومهم، قال تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٣ - ٧٤].\nع- البشارة لهم في الحياة الدنيا بالثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والبشارة لهم في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، من دوام رضوانه وبره وإحسانه وحلول أمانه في الجنة، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] (^١).\nو- نفي الخوف والحزن عنهم يوم القيامة؛ قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨].\nي- وعدهم بالجنة، قال تَعَالَى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦١ - ٦٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٢١).","vol":"2","page":338},{"text":"لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٠ - ٤٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-592>ثالثًا: وسائل تحقيق العبودية:</span>\nتحقيق العبودية إنما يكون بالقيام بما يحبه الله ورسوله ويرضاه، من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح.\nفقول القلب: هو الاعتقاد الصحيح بما أخبر به سُبْحَانَهُ عن أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، ولقائه على لسان رسله.\nوقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين الباطل وإزهاقه، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره.\nوعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه والرجاء له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرْضها أفرضُ من أعمال الجوارح، ومستحبُّها أحبُّ إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة.\nوأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك (^١).\nعلى أن تكون هذه العبادة كلها قائمة على شرطي القبول:\n١ - الإخلاص، الذي به يتحقق معنى شهادة أن لا إله إلا الله.\n_________\n(^١) ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ١٢٠).","vol":"2","page":339},{"text":"٢ - المتابعة، التي بها يتحقق معنى شهادة أن محمدًا رسول الله.\nوبهذا يتبين أن العبادة على الحقيقة والتحقيق هي الدين كله؛ فلما سأل جبريل -﵇- رسول الله -ﷺ- عن الإسلام المشتمل على عبادة الظاهر، والإيمان المشتمل على عبادة الباطن، والإحسان المشتمل على إحسان العبادة وتكميلها، قال -ﷺ- لأصحابه: «فإنَّه جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (^١) (^٢).\nووصف الله تَعَالَى أهل عبوديته في كتابه بما يشمل الدين كله من الاعتقادات، والعبادات الظاهرة والباطنة، وآداب السلوك والأخلاق، ومن ذلك:\n١ - قوله تَعَالَى في وصف العبودية الشاملة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩]، وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].\n٢ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الاعتقاد: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، قال السعدي -﵀-: «أن الله وعدهم إياها وعدًا غائبًا، لم يشاهدوه ولم يروه، فآمنوا بها، وصدقوا غيبها،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٨).\n(^٢) ينظر: العبودية، لابن تيمية (ص: ٤٧ - ٤٨)، ومدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":340},{"text":"وسعوا لها سعيها، مع أنهم لم يروها، فكيف لو رأوها، … ويكون في هذا مدح له بإيمانهم بالغيب» (^١).\n٣ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الباطن: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠]، قال السعدي -﵀-: «أخلصوا لله الأعمال، فأخلصهم، واختصهم برحمته، وجاد عليهم بلطفه» (^٢)، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٦ - ١٠].\n٤ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية الظاهر: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤ - ٦٧]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٦ - ٨].\n٥ - قوله تَعَالَى في وصف عبودية السلوك والأخلاق: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nفاللهمَّ اجعلنا من عبادك الصالحين، مع الذينَ أنعمتَ عليهِم مِنَ النبيينَ والصِّدِّيقينَ والشهداءِ وحَسُنَ أولئِكَ رَفِيقًا\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٩٧).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٧٠٣).","vol":"2","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-593>المجيدُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-594>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «المجد: الكرم، والمجيد: الكريم، وقد مَجُد الرجل بالضم، فهو مجيد وماجد، قال ابن السكيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال: رجل شريف ماجد: له آباء متقدمون في الشرف، قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف، وتماجد القوم فيما بينهم، وماجدته فمجدته أمجده، أي: غلبته بالمجد … والتمجيد: أن ينسب الرجل إلى المجد …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(مجد) الميم والجيم والدال أصل صحيح، يدل على بلوغ النهاية، ولا يكون إلا في محمود، منه المجد: بلوغ النهاية في الكرم، والله الماجد والمجيد، لا كرم فوق كرمه …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-595>ورود اسم الله المجيد في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (المجيد) في القرآن مرتين، وذلك في قوله تعالى:\n١ - قوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٥٣٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٢٩٧).","vol":"2","page":342},{"text":"٢ - قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-596>ورود اسم الله المجيد في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله المجيد في السنة النبوية، ومن وروده:\nحديث كعب بن عجرة -﵁-، قال: «سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمِ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-597>معنى اسم الله المجيد في حقه تعالى:</span>\nيدور معنى اسم الله المجيد في حق الله على ثلاثة معان، وهي:\n١ - كمال الذات والصفات مع سعتها وكثرتها.\n٢ - كثرة الإحسان للخلق.\n٣ - المنيع الذي لا يرام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٣٣٧٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٠٦).","vol":"2","page":343},{"text":"وحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الطبري -﵀-: «(مجيد): ذو مجد ومدح وثناء كريم» (^١).\nقال الزجاج -﵀-: «فالماجد في اللغة: الكثير الشرف، والله تَعَالَى ذكره أمجد الأمجدين وأكرم الأكرمين» (^٢).\nقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]: «الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «… المجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها» (^٤)، وقال أيضًا: «والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكل وصف من أوصافه عظيم شأنه: فهو العليم الكامل في علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية أسمائه وصفاته» (^٥).\nقال ابن القيم -﵀- في النونية:\nوَهوَ المَجِيدُ صِفَاتُهُ أَوْصَافُ تَعْظِ … يمٍ فَشَانُ الوَصْفِ أَعْظَمُ شَانِ (^٦)\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ٤٧).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥٣).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٥٢).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٣٨٦).\n(^٥) الحق الواضح المبين (ص: ٣٣).\n(^٦) نونية ابن القيم (ص: ٢٠٣).","vol":"2","page":344},{"text":"من الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الشوكاني -﵀- في قوله: «(مجيد) كثير الإحسان إلى عباده، بما يفيضه عليهم من الخيرات» (^١).\nمن الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:\nقال الزجاجي -﵀-: «… فكأن المجيد المبالغ في الكرم، المتناهي فيه» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «(المجيد) هو الواسع الكرم …» (^٣).\nقال الغزالي -﵀-: «هو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونوله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمي مجدًا، وهو الماجد- أيضًا- ولكن أحدهما أدل على المبالغة، وكأنه يجمع معاني اسم الجليل والوهاب والكريم» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀-: «وصف نفسه بالمجيد، وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها، وعدم إحصاء الخلق لها، وسعة أفعاله، وكثرة خيره ودوامه» (^٥).\nمن الأقوال التي تجمع بين المعنى الثاني والثالث:\nقال الحليمي -﵀-: «ومنها المجيد: ومعناه المنيع المحمود؛ لأن\n_________\n(^١) فتح القدير (٢/ ٥١١).\n(^٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٥٢).\n(^٣) شأن الدعاء (٧٤).\n(^٤) المقصد الأسنى (ص: ١٢٣).\n(^٥) التبيان في أقسام القرآن (٢/ ٩٥).","vol":"2","page":345},{"text":"العرب لا تقول لكل محمود: مجيدًا، ولا لكل منيع: مجيدًا، أو قد يكون الواحد منيعًا غير محمود، كالمتآمر الخليع الجائر، أو اللص المتحصن ببعض القلاع، وقد يكون محمودًا غير منيع، كأمير السوقة والصابرين من أهل القبلة، فلما لم يقل لكل واحد منهما: مجيد؛ علمنا أن المجيد من جمع بينهما، فكان منيعًا لا يرام، وكان في منعته حسن الخصال جميل الفعال، والباري جل ثناؤه يجل عن أن يرام وأن يوصل إليه، وهو مع ذلك محسن مجمل لا يستطيع العبد أن يحصي نعمته ولو استنفذ فيه مدته، فاستحق اسم المجيد وما هو أعلى منه» (^١).\nاقتران اسم الله المجيد بأسماء الله تَعَالَى الأخرى في القرآن الكريم:\nاقتران اسم الله المجيد باسمه الحميد:\nتقدم بيانه في اسم الله (الحميد).\n\n<span data-type='title' id=toc-598>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله المجيد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-599>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المجيد) من الصفات:</span>\nالله تَعَالَى المجيد، الذي له مجد الذات بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وفعاله المحمودة، وأقواله الكريمة، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦].\nفأما أسماؤه فكلها مجد، كيف لا وقد بلغت من الحسن منتهاه، ومن الكمال أقصاه، ومن الدلالة على الصفات أعلاها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا نقص فيها بوجه من الوجوه، بل لا أحسن منها ولا\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٧).","vol":"2","page":346},{"text":"أكمل، فهي أحسن الأسماء، لا يسد غيرها مسدها، ولا يقوم مقامها، ولا يؤدي معناها» (^١).\nوأما صفاته فصفات مجد، فـ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] له من هذه الصفات وغيرها من بقية صفاته التي بلغت من الكثرة ما لا يحصيه إلا الله، له منها أكملها وأتمها وأعمها، فلا عيب ولا نقص ولا قصور في شيء منها، ولا مماثلة لصفات المخاليق، بل هي على وجه يليق بجلال الله ومجده (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] أي: له كل صفة كمال، حتى قال أهل العلم -﵏-: «كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه فتنزيه الخالق عنه من باب أولى وأحرى» (^٣).\nفحياته حياة كمال لم يسبقها عدم، ولا يلحقها فناء ولا زوال، ولا يعتريها نقص ولا ضعف، ولا يتخللها سنة ولا نوم، وعلمه كمال لم يسبقه جهل، ولا يطرأ عليه، بل لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء ولو دق وصغر، وبصره كمال يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠٢).\n(^٢) ينظر: التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص ٩٤)، تفسير السعدي (ص: ٣٨٦).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٦٤٠).","vol":"2","page":347},{"text":"الليلة الظلماء، وسمعه كمال يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ورحمته كمال فلا ضعف معها ولا حد، وسعت كل شيء، وحكمته كمال عمت كل مخلوق فلا عبث ولا لهو، وقدرته كمال في كل حال وآن لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وقوته كمال لا ضعف معها ولا وهن، وعزته كمال لا غالب لها ولا ممانع، جل عن أن يرام أو أن يوصل إليه، وجماله لا حد ولا منتهى له، لو كشف حجابه لأحرقت سُبُحَاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهكذا في بقية صفاته أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى (^١).\nوأما أفعاله فأفعال مجد وحمد، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] دائرة بين الفضل والرحمة والعدل والحكمة، فما من نعمة عطاء ودفع ظاهرة ولا باطنة، صغيرة ولا كبيرة مما يعرف العباد ومما لا يعرفون إلا بفعله وإحسانه وبره، فالإحسان له ومنه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (^٢)، وما من نقمة وبلية تنزل بالعبد إلا بفعله العدل الحكيم، فليس في أفعاله سُبْحَانَهُ ظلم ولا جور ولا شر ولا سفه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، أي: «على عدل وقسط وحكمة وحمد في قضائه وقدره، وفي شرعه وأمره، وفي جزائه وثوابه وعقابه، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم التي يحمد ويثنى عليه بها» (^٣).\nوأما أقواله فأقوال مجد وشرف، وصدق وعدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٤٦)، والحق الواضح المبين (ص: ٣٣).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٣٧).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٣٨٤).","vol":"2","page":348},{"text":"تكلم بالقرآن المجيد، قال تَعَالَى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] حوى من الفصاحة أكملها، ومن الألفاظ أجزلها، ومن المعاني أعمها وأحسنها، ومن العلوم علم الأولين والآخرين، كثير الوجوه، كثير البركات، جزيل المبرات (^١).\nوقال ابن القيم -﵀- مقررًا ما سبق: «تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تشبه شيئًا من الذوات أصلًا، ووسعت الخليقة أفعاله عدلًا، وحكمة ورحمة وإحسانًا وفضلًا، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد … أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل» (^٢).\nوبعد هذا علم أنه لا مجد إلا مجده ولا عظمة إلا عظمته، ولا جلال ولا جمال ولا كبرياء إلا جلاله وجماله وكبرياؤه، كل مجد لغيره فهو منه عطاء وفضل، تفرد بالكمال المطلق الذي لا يمكن للعباد أن يحيطوا بشيء منه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقال -ﷺ-: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٠٣).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ١٤٤).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-600>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المجيد) على التوحيد:</span>\nفي اسم الله (المجيد) دلالة على اتصاف الله -﷿- بصفات الكمال؛ «فإن من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء، والمخلوق إنما يصير مجيدًا بأوصافه وأفعاله، فكيف يكون الرب -﵎- مجيدًا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال، تَعَالَى الله عما يقول المعطلون علوًّا كبيرًا» (^١).\nبل فيه دلالة على كثرة هذه الصفات وعظمتها، قال ابن القيم -﵀-: «وصف نفسه بالمجيد، وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها» (^٢)، فليست صفاته محصورة بصفة أو صفتين ولا سبع ولا ثمان، بل لا تدخل تحت الحصر، ولا تحد بعدد معين كما قال -ﷺ- في الدعاء: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ» (^٣)، وإذا عرف العبد هذا واعتقده؛ حقق شيئًا من توحيد الأسماء والصفات.\nثم إذا تأمل في هذا الاسم وما فيه من الكمال، لا سيما في الصفات والأفعال، علم أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، فمن له العلم المحيط بكل الأشياء والقدرة العامة والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة هو الجدير بالعبادة والذل والخضوع،\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن (٢/ ٩٥).\n(^٢) المرجع السابق (٢/ ٩٥).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٤٤٠٤)، حكم الألباني: صحيح، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث (١٢٤).","vol":"2","page":350},{"text":"قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الآيات [الحشر: ٢٢]. (^١)\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «… فأخبر أنه الله المألوه المعبود، الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم، وإحسانه الشامل، وتدبيره العام، وكل إله سواه فإنه باطل لا يستحق من العبادة مثقال ذرة؛ لأنه فقير عاجز ناقص، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا» (^٢).\nومن بيده العطاء ومنه النعماء والبر والإحسان هو المستحق أن يُعبد ويُحَب، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].\nوكل مَن دونه ناقص من جميع الوجوه، فلا أوصاف كمال ولا شيء من الإنعام، فكيف يُتعلق به ويسوّى بينه وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها؟! (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-601>الأثر الثالث: محبة الله المجيد:</span>\nإذا نظر العبد في اسم الله (المجيد) نظر المتأمل المتفكر امتلأ قلبه حبًّا لله المجيد؛ إذ النفوس فطرت على حب من تكاملت صفاته، وتكامل عطاؤه\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٣٨).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٨٥٤).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٤٣٨).","vol":"2","page":351},{"text":"وإحسانه، والله المجيد كمل في صفاته، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وكمل في عطائه وإحسانه، قال تَعَالَى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وكمل في كل شيء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]، بل له من ذلك الكمال أكمله وأبلغه وأوسعه، فمن كان كذلك كيف لا تحبه القلوب، وتهيم بذكره النفوس؟\nقال ابن القيم -﵀-: «الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير؛ فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل، كان الحمد والحب أتم وأعظم.\nوالله سُبْحَانَهُ له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يُحَب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه سُبْحَانَهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-602>الأثر الرابع: تمجيد ما مجده الله -﷿</span>-:\nالإيمان باسم الله (المجيد) يدعو العبد إلى تمجيد ما مجده ربه -﷿-؛ فقد مجد سُبْحَانَهُ نفسه العلية، ومجد كتابه، ومجد عرشه.\nفأما تمجيده لنفسه:\nفمجَّد -﵎- نفسه في كتابه العزيز بما ذكر من أسمائه وصفاته وأفعاله، ومن أعظم آيات القرآن التي حوت ذلك آية الكرسي وسورة الإخلاص والفاتحة.\n_________\n(^١) جلاء الأفهام (ص: ١٨٦ - ١٨٧).","vol":"2","page":352},{"text":"ففي آية الكرسي- التي هي أعظم آية في القرآن- خمسة من أسماء الله -﷿-، وفيها من صفات الله ما يزيد على العشرين صفة.\nوسورة الإخلاص- التي تعدل ثلث القرآن- جاءت كلها معرفة بالله؛ إذ قالت قريش للنبي -ﷺ-: انسب لنا ربك؟ فأنزلها الله وبين فيها صفاته.\nوقال الصحابي صاحب السرية عنها: «لأنها صفة الرحمن»، عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِ فَيَخْتِمُ بِـ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النبي -ﷺ-: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» (^١)، وفي رواية: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (^٢).\nوفي النصف الأول من سورة الفاتحة- التي هي أعظم سورة في القرآن- الثناء على الله وتمجيده؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول -ﷺ- يقول: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ … - وفي رواية: فَنِصْفُهَا ليِ وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي- فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فإذا قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ١٥٤)، ووصله الترمذي، رقم الحديث (٢٩٠١)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩٠١).","vol":"2","page":353},{"text":"﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قال: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^١).\nوفي تمجيد الله لنفسه وثنائه عليها دعوة للعباد على أن يمجِّدوا ربهم، وتمجيده -﵎- يكون بأمور، منها:\nتلاوة القرآن المجيد وتدبره؛ فإن القرآن مليء بتمجيد الله وإجلاله، ولا أحد يحصي الثناء على الله وتمجيده كما أثنى هو على نفسه، وفي حديث «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصَفْيَنِ …» أن العبد إذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قال الله -﷿-: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي.\nوإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مَجَّدَنِي عَبْدِي (^٢)، فدل على أن تلاوة القرآن تمجيد لله -﷿- وثناء عليه.\nالثناء على الله بأسمائه وسؤاله بها؛ لأن كل أسماء الله وصفاته تمجيد له -﵎-، فقولنا: هو الله الواحد الأحد، الصمد، العزيز، الوهاب، الملك الأول، الآخر، الظاهر والباطن، الحميد، السميع، البصير؛ كل هذا من باب التمجيد لله -﷿-، وفي حديث «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ …» جعل الله -﷿- قول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] تمجيدًا له -﵎- من العبد؛ فدل على أن من تمجيده وصفه والاعتراف له بالملك والقهر، والحكم يوم الدين والحساب، وهكذا في سائر أسمائه وصفاته.\nالصلاة؛ فالصلاة كلها قائمة على الثناء والتعظيم والتمجيد لله -﷿-، ففي قول: (الله أكبر) تمجيد، وفي الفاتحة تمجيد- كما سبق-، وفي الركوع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٩٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٩٥).","vol":"2","page":354},{"text":"تمجيد، وفي قول العبد بعد الرفع من الركوع: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» تمجيد بليغ، وفي السجود تمجيد، وفي التشهد ثناء ومجد، ويختم بقول: «إنك حميد مجيد».\nوفي ختام التشهد باسم الله المجيد معنى لطيف، نبه عليه ابن القيم -﵀-، فقال: «لما طلب للرسول حمدًا ومجدًا بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء عليه؛ ختم هذا المطلوب بالثناء على مرسله بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء متضمنًا لطلب الحمد والمجد للرسول -ﷺ-، والإخبار عن ثبوته للرب -﵎-» (^١).\n٤ - دوام ذكر الله، والثناء عليه بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير؛ فإن ذلك كله من التمجيد له -﵎-، وجاء في حديث النعمان بن بشير -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللهِ التَّسْبِيحَ، والتَّهْلِيلَ، والتَّحْمِيدَ، يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ العَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَه- أو- لَا يَزَالُ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ؟» (^٢)، وعن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قال: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قال: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ،\n_________\n(^١) جلاء الأفهام (ص: ٣٢٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦٥٣)، وأخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٩).","vol":"2","page":355},{"text":"وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قال: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قال: فَيَقُولُونَ: لَا وَالله مَا رَأَوْكَ؟ قال: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قال: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قال: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ، قال: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَا وَالله يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قال: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قال: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قال: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟، قال: يَقُولُونَ: لَا وَالله يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قال: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قال: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قال: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (^١)، فإذا كان جليسهم لا يشقى، فكيف الشأن بهم؟! (^٢).\nوأما تمجيده للقرآن:\nفقد قال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، قال قتادة-: «أي: قرآن كريم» فالقرآن شريف كريم عظيم، ولا غرابة في ذلك؛ فإنه كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٠٨).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٤٣٥).","vol":"2","page":356},{"text":"ومجده راجع إلى عدة أمور، منها:\nفصاحته وبلاغته، وحسن تراكيبه ونظمه، فألفاظه بلغت المنتهى في الفصاحة، ونظمه في غاية الإحكام، حتى إن العرب على ما هم عليه من الفصاحة وشدة العداوة للدين ما استطاع أحد منهم أن يعيب القرآن في لفظ من ألفاظه بل قال قائلهم لهم بعد سماعه للقرآن: «فو الله ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته» (^١).\nمعانيه الواسعة، وعلومه الغزيرة الشاملة لكل شيء، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، قال ابن كثير -﵀-: «اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وحكم كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم» (^٢).\nعجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله، بل ولا سورة من مثله ولو اجتمعوا وتآزروا، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فأنى لمخلوق ناقص من جميع الوجوه، ليس له علم ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض\n_________\n(^١) ينظر: شرح الطحاوية، لصالح آل الشيخ (ص: ١٢٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٩٤).","vol":"2","page":357},{"text":"والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا، والأشجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله (^١).\nحفظه وصيانته من الشياطين وكيد الكفار والمنافقين والحاقدين من أن يغيروا ألفاظه أو يزيدوا فيها أو ينقصوا، أو أن يبدلوا معانيه ويحرفوها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. (^٢)\nقال يحيى بن أكثم -﵀-: «كان للمأمون- وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر، فدخل في مجلسه رجل يهودي، حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم، فأحسن الكلام، قال: فلما أن تقوض المجلس، دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟: قال نعم! قال له: أسلِم حتى أفعل بك، وأصنع، ووعده، فقال: ديني، ودين آبائي، فانصرف، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام.\nفلما أن تقوض المجلس دعاه المأمون، فقال له: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى! قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنا مع ما تراني حسن الخط فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها، ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٦٦).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٢٩).","vol":"2","page":358},{"text":"ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت وأدخلتها إلى الوراقين، فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة، والنقصان، رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.\nقال يحيى بن أكثم: فحججت في تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الحديث، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله -﷿-، قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله -﷿- في التوراة، والإنجيل ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فجعل حفظه إليهم، فضاع، وقال -﷿- ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فحفظه الله -﷿- علينا فلم يضع» (^١).\nحصر الخيرية فيمن تعلمه وعلمه؛ فعن عثمان بن عفان -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَمَّهُ» (^٢).\nرفعة الله لمن عمل به، واتخذه دينًا ومنهجًا، وخفضه وذله لمن تركه وراء ظهره، ورأى أن العمل به رجعية وتخلف وجمود؛ فعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ - وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ - فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ -﷿- وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -ﷺ- قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: دلائل النبوة، للبيهقي (٧/ ١٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠٢٧).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨١٧).","vol":"2","page":359},{"text":"وكذا في الآخرة يرفع صاحبه درجات في الجنة، فعن عائشة -﵂-، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (^١).\nوعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يجيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ، فيقولُ: يا ربُّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تاجَ الكرامةِ، ثم يقولُ: يا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الكرامةِ، ثم يقولُ: يا رَبِّ ارْضَ عنه فيرضَى عنه، فيقالُ له: اقرأْ وارقَ وتُزَادُ بكلِّ آيةٍ حسنةً» (^٢).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يقالُ لصاحبِ القرآنِ: اقرأْ وارقَ، ورتِّلْ كما كنتَ تُرَتِّلُ في الدنيا؛ فإنَّ منزِلَتَكَ عندَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤُهَا» (^٣).\nقال الخطابي -﵀-: «جاء في الأثر: أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة، فيقال للقارئ: ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءًا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة» (^٤).\nإكرام الله لصاحبه؛ فقد جعله من أهله وخاصته، كما جاء عن أنس\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٩٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٩١٥)، والحاكم، رقم الحديث: (٢٠٣٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩١٥).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٩١٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٦٤)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (١٤٦٤).\n(^٤) معالم السنن، للخطابي (١/ ٢٨٩).","vol":"2","page":360},{"text":"-﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ» (^١)، قال المناوي -﵀-: «(هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ) أي: المختصون به، بمعنى: أنه لما قربهم واختصهم كانوا كأهله» (^٢).\nوأما تمجيده للعرش:\nفالله المجيد، لا يختار لنفسه إلا الأفضل والأكمل والأتم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] بقراءة الجر، أي: العظيم العالي على جميع الخلائق، والذي من عظمته أنه وسع السماوات والأرض، فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة بالنسبة لسائر الأرض (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-603>الأثر الخامس: ثواب من مجد الله:</span>\nلما دعا الله (المجيد) عباده لتمجيده رغبهم في ذلك بما أعد لهم من الثواب والجزاء، فجعل لمن مجده الرفعة والذكر الحسن جزاء له من جنس عمله، ويتضح هذا جليًّا في خليل الله إبراهيم -﵇- الذي مجد ربه، وأجلَّه بالتوحيد والبراءة من الشرك ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]، فأعلى الله ذكره وجعل له لسان صدق في العالمين،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٤٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٢٤٣٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢١٦٥).\n(^٢) التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٦٨١).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٧٢)، تفسير السعدي (ص: ٩١٩).","vol":"2","page":361},{"text":"قال تَعَالَى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «وهذا- أيضًا- من الرحمة التي وهبها لهم؛ لأن الله وعد كل محسن، أن ينشر له ثناء صادقًا بحسب إحسانه، وهؤلاء من أئمة المحسنين، فنشر الله الثناء الحسن الصادق غير الكاذب، العالي غير الخفي، فذكرهم ملأ الخافقين، والثناء عليهم ومحبتهم، امتلأت بها القلوب، وفاضت بها الألسنة، فصاروا قدوة للمقتدين، وأئمة للمهتدين، ولا تزال أذكارهم في سائر العصور، متجددة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^١).\nفكان -﵇- مقبولًا معظَّمًا مثنًى عليه، في كل الأوقات، وفي جميع الملل، حتى أن اليهود الذين من عادتهم قتل الأنبياء والكفر بهم أحبوه وادعوا أنه منهم، وكذا النصارى، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].\nوكان من أفضل المرسلين، ومن أولي العزم من الرسل، واتخذه الله خليلًا، حتى صار يدعى بذلك، فيقال: خليل الرحمن، وجعل ذكره ركنًا من أركان الصلاة، لا تصح بدونه (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٩٥).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٩٣).","vol":"2","page":362},{"text":"وليس هذا خاصًّا بنبي الله إبراهيم -﵇-، بل معه محمد بن عبد الله -ﷺ- خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، الذي مجد ربه بالتوحيد ونصرة الدين وإعلاء كلمته، فجزاه الله من جنس عمله فرفع ذكره في العالمين، قال تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، فجعل ذكر رسوله -ﷺ- مقرونًا بذكره في الشهادة، قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (^١).\nوقال قتادة -﵀-: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله (^٢).\nورفع ذكره في الصلاة بالدعاء له بالثناء والبركة؛ فعن كعب بن عجرة -﵁-، قال: «سألنا رسول الله -ﷺ- فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: قُولُوا: اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (^٣).\nورفع ذكره في كل عبادة؛ إذ كل عبادة لا تصح إلا بالإخلاص والمتابعة للرسول -ﷺ-، ومن المعلوم أن فاعل العبادة يستحضر أنه متبع فيها\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٤/ ٤٩٤).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":363},{"text":"لرسول الله -ﷺ-، وهذا من رفع ذكره -ﷺ- (^١).\nورفع ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به حينما أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. (^٢)\nوكل هذا يدعو العبد ويحثه على تمجيد ربه وتعظيمه، جعلنا الله ممن يمجده ويعظمه حق تعظيمه.\nفاللهم يا مجيد مُنَّ علينا بالتقوى، وألهمنا تسبيحك وتمجيدك!\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن عثيمين لجزء عم (ص: ٢٤٨).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٤٣٠).","vol":"2","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-604>المُستعانُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-605>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «العون: الظهير على الأمر، والجمع: الأعوان» (^١).\nقال الأزهري -﵀-: «قال الليث: كل شيء أعانك فهو عون لك؛ كالصوم عون على العبادة والجمع: الأعوان، قال: وتقول: أعنته إعانة، واستعنته، واستعنت به، وعاونته، وقد تعاونَّا، أي: أعان بعضنا بعضًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-606>ورود اسم الله (المستعان) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (المستعان) مرتين في كتاب الله، ووروده على ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].\nقوله -﷿-: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢].\n_________\n(^١) الصحاح (٧/ ١٩).\n(^٢) تهذيب اللغة (٣/ ١٢٨).","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-607>ورود اسم الله (المستعانِ) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (المستعان) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي موسى -﵁-: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ -ﷺ- عُودٌ يَضْرِبُ بِهِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَذَهَبْتُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ أَوْ تَكُونُ فَذَهَبْتُ، فَإِذَا عُثْمَانُ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ، قَالَ: اللهُ الْمُسْتَعَانُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-608>معنى اسم الله (المستعان):</span>\nقال الطبري: «وقوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] يقول: والله أستعين على كفايتي شر ما تصفون من الكذب» (^٢).\nقال القرطبي: «فالمستعان معناه: الذي لا يَطلب العون، بل يُطلب منه، وهو مستفعل من العون، وهو وصف ذاتي لله تَعَالَى راجع إلى صفة القوة، وفيه معنى الإضافة الخاصة لمن استعانه من عباده على طاعته» (^٣).\nفالمستعان هو المعتمد عليه في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦١٦).\n(^٢) تفسير الطبري (١٣/ ٤٠).\n(^٣) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦).","vol":"2","page":366},{"text":"اقتران اسمِ الله (المستعانِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يأت اسم الله (المستعان) مقترنًا بغيره من أسماء الله -﷿-.\n\n<span data-type='title' id=toc-609>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المستعانِ):</span>\n<span data-type='title' id=toc-610>الأثرالأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المستعان) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو المعين لعباده، فلا يُطلب العون ولا القوة المطلقتان إلا منه سُبْحَانَهُ؛ لكمال وعظمة أسمائه وصفاته، فكل من في الأرض والسماء دونه عاجز، يقول تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، يقول ابن كثير -﵀- في ذلك: «وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه» (^١).\nوقال سُبْحَانَهُ فيما يستدل به على انفراده واستحقاقه للاستعانه وحده: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\nفحمد الله نفسه المقدسة، بأنه الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، لاشريك له في الملك، ولا في الخلق، ولا في الأمر، فهو العزيز الذي لايحتاج إلى ولي، أو وزير، بل هو الله الواحد القهار، وكل\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣٦).","vol":"2","page":367},{"text":"خلقه بحاجة إلى الاستعانة به، فلا قيام ولا حياة ولا وجود لهم إلا به، وبقدرته وقوته لا شريك له.\nوعليه فمن استعان بالخلق وأعرض عن الخالق، فهو المغبون الهالك، فلا هو حفظ كرامته، ولا حصل غايته (^١).\nوهذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، فما يمس العباد من فقر ومرض ونحوه لا يرفعه إلا الله؛ لأن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدًا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-611>الأثر الثاني: محبة الله المستعان:</span>\nالله تَعَالَى هو المستعان، الذي لا يَطلب العون، بل يُطلب منه العون، ويستعين به الخلق كلهم، فلا حول ولا قوة لأحد في السماوات ولا في الأرض إلا بإعانته سُبْحَانَهُ، فهو المتفضل على العباد بالإعانة والإمداد، كما تفضل عليهم بالخلق والإيجاد، لا يذل من أكثر طلبه، بل يعزه ويعظم قدره، يقول شيخ الإسلام -﵀-: «والعبد كلما كان أذل لله، وأعظم افتقارًا إليه، وخضوعًا له كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبوديةً لله،\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٣٣٣).","vol":"2","page":368},{"text":"وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل:\nبَيْنَ التَّذَلُّلِ والتَّدَلُّلِ نُقْطَةٌ … فِي رَفْعِهَا تَتَحَيَّرُ الأُفْهَامُ» (^١)\nفكيف لمن عرف هذا عن ربه، ألا يحبه، ويستغني به عن عموم خلقه!\n\n<span data-type='title' id=toc-612>الأثر الثالث: إعانة الناس وقضاء حوائجهم:</span>\nفكما تكون لعباد الله يكون الله لك، وكما تحب أن يعاملك الله سُبْحَانَهُ فعامل الناس، فارحم الناس ليرحمك الله، واستر الناس ليسترك الله، وأعن الناس على حوائجهم يعنك الله، وفرج كرب إخوانك المسلمين يفرج الله عنك، فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخرة، وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (^٢)، وقال -ﷺ-: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٠).","vol":"2","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-613>الأثر الرابع: دعاء الله المستعانِ:</span>\nفإن من هدي رسولنا وقدوتنا -ﷺ- كثرة الدعاء وصدق الطلب، فعن أبي أمامة -﵁-، قال: «دَعَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعَوْتَ بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ، تَقُولُ: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ -ﷺ-، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ -ﷺ-، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ البَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله» (^١)، وعن ابن عباس -﵄-، قال: «كان النبي -ﷺ- يدعو: رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللهمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (^٢).\nوفي دعاء الاستخارة منهج دوام الاستعانة بالله، فعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ فِي\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢١)، وقال: هذا حديث حسن غريب، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٧٩)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٧٩).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٢٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٥١٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥١٠).","vol":"2","page":370},{"text":"الْأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، …» (^١).\nاللهم ارزقنا صدق الاستعانة بك، فلا حول ولا قوة لنا إلا بك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٩٠).","vol":"2","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-614>«الاستعانة بالله»</span>\nفي موضوع الاستعانة سنتطرق للمسائل التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-615>أولًا: تعريف الاستعانة:</span>\nيقول شيخ الإسلام -﵀-: «الاستعانة: طلب العون من الله، ويطلب من المخلوق ما يقدر عليه من الأمور» (^١).\nيقول ابن القيم -﵀-: «والاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه؛ فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره، مع ثقته به؛ لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به؛ لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-616>ثانيًا: منزلة الاستعانة:</span>\nالاستعانة بالله -﷿- هي رفيقة المسافر إلى ربه، فبها يهدى السبيل، وبها يبدأ المسير، وبها يكون الثبات، وبها يبلغ الغايات، فهي ضرورة؛ لينال العبد السعادة والغنى عن كل ما سوى الله، ولينال راحة القلب، واطمئنان النفس، فإذا فقدها فقد سعادته، وكان فقره بين عينيه، وذله للخلق مستوليًا عليه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١/ ١٠٣).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٩٦).","vol":"2","page":372},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀-: «إن العبد مجبول على أن يقصد شيئًا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده»، … إلى أن قال: «والناظر في أحوال الخلق يجد أن النفس لا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، وهو مستعانها، سواء أكان ذلك هو الله أم غيره، وإذا كان المستعان غير الله فقد يكون عامًّا، وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقًا أو سأل غير الله مطلقًا، وقد يكون خاصًّا في المسلمين ممن غلب عليهم حب المال أو حب شخص أو حب الرياسة أو غير ذلك، بحيث يعتمد عليها ويستعين بها، وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة! وصلاح العبد في عبادة الله واستعانته به، ومضرته وهلاكه وفساده في عبادة غير الله والاستعانة بما سواه، وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا؛ بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره، وهذا هو دين الإسلام العام الذي بعث به جميع الرسل، فلا يصرف لغير الله شيء من أنواع العبادة والاستعانة؛ إذ إن أنواع العبادة متعلقة كلها بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره» (^١).\nولو تأمل العبد حاجته إليها لعرف أنها ليست فقط في دنياه، بل حتى عند الموت، وبعده من أهوال البرزخ، ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله -﷿-، ولذا فالمؤمن لايقدم خطوة في طريق العبودية إلا إن سبقها بخطوة في طريق الاستعانة بالله.\nيقول ابن القيم -﵀-: «والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٤).","vol":"2","page":373},{"text":"التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدًا، حتى يقضي العبد نحبه» (^١).\nوهذا يقود للمسألة التالية، وهي: لم قدمت العبادة على الاستعانة في الفاتحة؟\n\n<span data-type='title' id=toc-617>ثالثًا: لم قدمت العبادة على الاستعانة:</span>\nأشار الإمام ابن القيم -﵀- إلى أسباب عدة في تقديم العبادة على الاستعانة، في آية الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وهي كالتالي:\nالعبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها؛ ومن ثم يكون ذلك من قبيل تقديم الغايات على الوسائل.\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ متعلق بألوهيته سُبْحَانَهُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلق بربوبيته.\nتقديم العبادة على الاستعانة يتناسب مع تقديم اسم «الله» على لفظ «الرب» المذكورين في أول السورة؛ حيث إن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تَعَالَى؛ لكونه أولى به، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسم العبد، فكان من الشطر الذي له، وهو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخر السورة.\nالعبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٩٨).","vol":"2","page":374},{"text":"عبودية تامة: مستعين، ولا ينعكس الأمر؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم؛ ولهذا كانت قسم المولى -﷿-.\nالاستعانة جزء من العبادة من غير عكس، فقدم الكل على الجزء.\nالاستعانة طلب منه سُبْحَانَهُ، والعبادة طلب له، فقدم ما هو له على ما هو منه.\nالعبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص؛ ومن ثم قدم ما هو محض الإخلاص.\nالعبادة حق الله الذي أوجبه على العبد، والاستعانة طلب العون على العبادة؛ وذلك بيان لصدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته، فكان ذلك من باب تقديم الأهم على المهم.\nالعبادة شكر لنعمة الله على العبد، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعل الله لعبده وتوفيقه له، فمن التزم عبوديته، ودخل تحت رقها أعانه الله عليها، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم؛ ومن ثم فإن في تقديم العبادة تقديمًا للسبب على المسبب.\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] به، والذي له مقدم على ما به؛ لأن ما له: متعلق بمحبته ورضاه، والذي يكون به: متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته؛ إذ الكون كله متعلق بمشيئته كذلك، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم، فالكفار أهل مشيئته،","vol":"2","page":375},{"text":"والمؤمنون أهل محبته؛ ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدًا، وكل ما فيها فإنه به تَعَالَى وبمشيئته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-618>رابعًا: أقسام الاستعانة:</span>\nالاستعانة طلب العون وهي أنواع:\nالأول: الاستعانة بالله: وهي الاستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته، وهذه لا تكون إلا لله تَعَالَى، ودليلها قوله تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ووجه الاختصاص: أن الله تَعَالَى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾، وقاعدة اللغة التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تَعَالَى شركًا مخرجًا عن الملة.\nالثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر يقدر عليه: فهذه على حسب المستعان عليه كالتالي:\nإن كانت على بر: فهي جائزة للمستعين، مشروعة للمعين؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].\nإن كانت على إثم: فهي حرام على المستعين، والمعين؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].\nإن كانت على مباح: فهي جائزة للمستعين، والمعين، لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير؛ ومن ثم تكون في حقه مشروعة؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٧٥ - ٧٧).","vol":"2","page":376},{"text":"الثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر: فهذه لغو لا طائل تحتها، مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل.\nالرابع: الاستعانة بالأموات مطلقًا، أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته: فهذا شرك؛ لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًّا في الكون.\n\n<span data-type='title' id=toc-619>خامسًا: تقسيم الناس بحسب الاستعانة:</span>\nالتعبد باسم الله (المستعان) يوجب على العبد أن يستعين به في كل أحواله، ولكن الناس في الاستعانة بالله تَعَالَى على أقسام.\nذكر الإمامان ابن تيمية، وابن القيم -رحمهما الله- طرفًا من هذه الأقسام، فتحدث كل منهما عن جهة للتقسيم، ومن الأولى بنا أن نذكر كلام الإمامين؛ لتتكامل لدينا الصورة، وتتضح معالمها.\nوقد تكلم الإمام ابن القيم عن أقسام الناس في عبادة الله والاستعانة به، وقسمهم إلى أربعة أقسام، وهي:\nأجلُّها وأفضلُها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها؛ ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب -﷿- الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي -ﷺ- لحِبه معاذ بن جبل -﵁-، فعن معاذ -﵁-، قال: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا وَاللهِ أُحِبُّكَ. قَالَ: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: اللهمَّ أَعِنِّي","vol":"2","page":377},{"text":"عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^١)؛ فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأملها.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه-: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو: سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].\nومقابل هؤلاء: القسم الثاني، وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ولا استعانة، بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربه وحقوقه؛ فإنه سُبْحَانَهُ يسأله من في السماوات والأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه، ويمد هؤلاء وهؤلاء، وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، بل كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله وطرده عنه، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه ولا بد.\nوليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤه له من هوانه عليه، وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له، فيمنعه حماية وصيانة وحفظًا، لا بخلًا، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته، ويعامله بلطفه، فيظن- بجهله- أن الله لا يحبه ولا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (٢٢٥٥٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٥٢٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥٢٢).","vol":"2","page":378},{"text":"يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنه بربه، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة، وعلامة هذا حمله على الأقدار، وعتابه الباطن لها، كما قيل:\nوَعَاجِزُ الرَّأْيِ مِضْيَاعٌ لِفُرْصَتِهِ … حَتَّى إِذَا فَاتَ أَمْرٌ عَاتَبَ القَدَرَا\nالقسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان:\nأحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل؛ فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق، وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل، فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر، من غير أن يكون الله سُبْحَانَهُ وفق هؤلاء بتوفيق زائد أوجب لهم الإيمان، وخذل هؤلاء بأمر آخر أوجب لهم الكفر، فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة، لا استعانة معه، فهم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد، قال ابن عباس -﵁-: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض تكذيبُه توحيدَه.\nالنوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في ضمنه، وقيامها به، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها، والمعول على المحرك الأول.","vol":"2","page":379},{"text":"فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك، ومن السبب إلى المسبب، ومن الآلة إلى الفاعل، فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف.\nفهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير، بحسب استعانتهم وتوكلهم، ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم، ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه وكان مأمورًا بإزالته لأزاله.\nالقسم الرابع: وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطلبها منه، وأنزلها به، فقضيت له، وأسعف بها، سواء كانت أموالًا أو رياسة أو جاهًا عند الخلق، أو أحوالًا من كشف وتأثير وقوة وتمكين، ولكن لا عاقبة له، فإنها من جنس الملك الظاهر، والأموال لا تستلزم الإسلام، فضلًا عن الولاية والقرب من الله، فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فمن استدل بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه إياه ورضاه عنه، وأنه من أوليائه المقربين، فهو من أجهل الجاهلين، وأبعدهم عن معرفة الله ومعرفة دينه، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه، ويكرهه ويسخطه، فالحال من الدنيا كالمُلك والمال إن أعان صاحبه على طاعة الله ومرضاته، وتنفيذ أوامره ألحقه بالملوك العادلين البررة، وإلا فهو وبال على صاحبه، ومبعد له عن الله، وملحق له بالملوك الظلمة، والأغنياء الفجرة (^١).\n_________\n(^١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٩٩ - ١٠٤).","vol":"2","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-620>سادسًا: كيف تحقق الاستعانة:</span>\nمن معينات ووسائل تحقيق صدق الاستعانة بالله تَعَالَى ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-621>١ - صدق العبودية:</span>\nفكلما تعلقت القلوب بالله، وعلمت بأنه وحده المستعان، وانقطعت عن الخلق وما في أيديهم؛ كان ذلك دليلًا على صدق الاستعانة بالله.\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «فإذا التزمت عبوديته أعانك عليها، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله أعظم» (^١)، وهذا هو تحقيق معنى قول العبد: (لا حول ولا قوة إلا بالله) والمعنى: أن العبد لا يتحول حاله من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله -﷿-» (^٢)، وفي أحوال الأنبياء خير شواهد على ذلك، ومنها:\nانقطاع قلب يعقوب -﵇- عن الخلق وتعلقه بالمستعان سُبْحَانَهُ، فرغم المصيبة الكبرى التي يخبره أولاده بها يردد: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: ١٨]، فكانت إعانةُ الله له إخراجًا من البدو، ودخولًا على الابن، وقد اعتلى خزائن مصر في صورة تسر الأب المكلوم، يقول تَعَالَى في وصف ذلك: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠٠].\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٧٦).\n(^٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (ص: ١٩٢).","vol":"2","page":381},{"text":"انفلاق البحر لموسى -﵇- وإطباقه على عدو الله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون، فكانت النتيجة: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].\nحال محمد -ﷺ- وقد خرج طريدًا ومعه صاحبه، لكن ثقته بربه واستعانته به جعلت السكينة تتنزل عليه، وجند الله تحميه، تأمل: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، فالقوم على إثرهما يتعقبون، والصديق -﵁- يجزع- لا على نفسه ولكن على صاحبه- أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، والرسول -ﷺ- وقد أنزل الله سكينته على قلبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا؟» (^١)، فكان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم يرها الناس، وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار، قال: تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التوبة: ٤٠]، وظلت كلمة الله في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦٥٣) ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٨١).","vol":"2","page":382},{"text":"إن بين موسى ومحمد -ﷺ- قرونًا طويلة، لكن الكلمة تتكرر (معي ربي).\n\n<span data-type='title' id=toc-622>٢ - التزام الأعمال الصالحة:</span>\nلا سيما الصلاة والصبر، فقد أمر الله بالاستعانة بهما في أكثر من موضع، يقول تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-623>٣ - الاستعانة بأوقات النشاط واستثمارها في الطاعة:</span>\nفالعبادة للمؤمن كالوقود الذي يحركه للإنتاج والعطاء والبذل، وأفضل أوقاتها أول الصباح وآخر الليل؛ بداية اليوم ونهايته، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (^١)، فالمقصود بالغداة: ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أول النهار، والدلجة: هي آخر الليل، فهذه الأوقات أطيب أوقات المسافرة، فكأنه -ﷺ- خاطب مسافرًا إلى مقصد، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سار الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحُسن هذه الاستعارة: أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٩).\n(^٢) ينظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٩٥).","vol":"2","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-624>٤ - الدعاء وصدق الطلب:</span>\nفسؤال الله الإعانة لا يقتصر على أمر العبادة فحسب، وإنما يشمل الإعانة على قضاء جميع الحوائج، وقد كان هذا هدي رسولنا -ﷺ-؛ إذ جمع -ﷺ- الدعاء للصحابة وقرنه بهذا الاسم، ففي الحديث عن أبي أمامة -﵁-، قال: «دعا رسول الله -ﷺ- بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، قلنا: يا رسول الله، دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقال: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ تَقُولُ: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» (^١).\nوقد كانت هي وصيته لمعاذ -﵁- بعد أن أعلن له -ﷺ- محبته له، فاختصر له وصية المحب في بضع كلمات، فعن معاذ بن جبل -﵁-، قال: «أخذ بيدي النبي -ﷺ-، فقال: يَا مُعَاذُ! قلت: لبيك، قال: إِنِّي أُحِبُّكَ، قلت: وأنا والله أحبك، قال: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاتِك؟ قلت: نعم، قال: قُلِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (^٢).\nكذلك الشأن في الاستخارة، وهي طلب خير الأمرين من الله المستعان، ومما ورد في ذلك عن جابر -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- يعلمنا الاستخارة في الأمور كالسورة من القرآن: إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":384},{"text":"هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» (^١).\nوما كان النبي -ﷺ- شديد الحرص على تعليمهم إياها كما يعلمهم القرآن إلا لعظيم الحاجة إليها، يقول ابن بطال -﵀- في شرح الحديث: «ولذلك كان النبي -ﷺ- يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لشدة حاجتهم إلى الاستخارة في الحالات كلها، كشدة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-625>٥ - مساعدة الناس ومعاونتهم:</span>\nفإعانة الناس سبب في إعانة الله، وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).\nاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) شرح صحيح البخارى، لابن بطال (١٠/ ١٢٣).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-626>الملِك والمالِك والملِيْك -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-627>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «ملكت الشيء أملكه ملكًا … وملكت الشيء تمليكًا، أي: جعله ملكًا له، يقال: مَلّكه المال والمُلك، فهو مُملَّك … والملكوت من الملك، كالرهبوت من الرهبة، يقال: له ملكوت العراق وملكوة العراق أيضًا، مثال الترقوة: وهو الملك والعز، فهو مليك، وملك وملك، مثل فخذ وفخذ، كأن الملك مخفف من ملك، والملك مقصور من مالك أو مليك، والجمع: الملوك والأملاك، والاسم: الملك، والموضع مملكة، وتملكه، أي: ملكه قهرًا» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الميم واللام والكاف أصل صحيح يدل على قوة في الشيء وصحة، يقال: أملك عجينه، قوى عجنه وشده، وملكت الشيء: قويته … ثم قيل: ملك الإنسان الشيء يملكه ملكًا، والاسم الملك؛ لأن يده فيه قوية صحيحة، فالملك: ما ملك من مال» (^٢).\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٦٠٩).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٥١).","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-628>ورود اسم الله (الملك - المالك - المليك) في القرآن الكريم:</span>\n- ورود اسم الملك في القرآن الكريم:\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الملك) خمسَ مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\nقوله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾\n[الحشر: ٢٣].\nقوله -﷿-: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٢].\n- ورود اسم (المالك) في القرآن الكريم:\nورد اسم المالك مرة واحدة بالإضافة إلى الملك، في قول الله -﷿-: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ومرة بالإضافة إلى الدين في قوله تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]\n- ورود اسم (المليك) في القرآن الكريم:\nوورد اسم (المليك) مرة واحدة في كتاب الله، في قوله تَعَالَى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-629>ورود اسم الله (الملك - المالك - المليك) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الملك) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ،","vol":"2","page":387},{"text":"حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا؛ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ …» (^١).\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يَقْبِضُ الله الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» (^٢).\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨١٢)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٨٧).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨١١)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٨٦).","vol":"2","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-630>معنى اسم الله (الملك - المالك -المليك) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀-: «الملك الذي لا ملك فوقه، ولا شيء إلا دونه» (^١).\nقال الزجاج -﵀-: «مالك الملك الله تَعَالَى، يملك الملك، يعطيه من يشاء، وهو مالك الملوك، والملاك يصرفهم تحت أمره ونهيه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع» (^٢).\nقال الزجاجي -﵀-: «فالله -﷿- مالك الأشياء كلها، ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء» (^٣).\nقال الخطابي -﵀-: «وقال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره أو تصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تَعَالَى مالك المالكين كلهم، وإنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تَعَالَى» (^٤).\nقال الحليمي -﵀-: «الملك … وذلك مما يقتضيه الإبداع هو المخترع للشيء من العدم إلى الوجود، فلا يتوهم أن يكون أحد أحق بما أبدع منه، ولا أولى بالتصرف فيه منه» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٢).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٦٢).\n(^٣) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ٤٣).\n(^٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣٠).\n(^٥) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٤).","vol":"2","page":389},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «(الملك) فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر، الحكم، العدل، الخافض الرافع، المعز المذل، العظيم، الجليل، الكبير، الحسيب، المجيد، الولي، المتعالي، مالك الملك، المقسط، الجامع، إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك» (^١).\nقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر: ٢٣]: «المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة، ولا مدافعة» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «الملك المالك: الذي له الملك فهو الموصوف بصفة الملك، وهي صفات العظمة والكبرياء، والقهر، والتدبير، الذي له التصرف المطلق في الخلق والأمر والجزاء، وله جميع العالم العلوي والسفلي، كلهم عبيد، ومماليك، ومضطرون إليه، فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر …» (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ٢٤٩).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٤٣).\n(^٣) تفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ٧٩ - ٨٠).","vol":"2","page":390},{"text":"الفرق بين الملك، والمالك:\nاختلفت أقوال العلماء في الفرق بينهما: فقيل: (ملك): أعم وأبلغ من (مالك)؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا، ولأن الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك.\nوقيل: بل (مالك) أبلغ؛ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفًا وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك.\nوقيل: المالك أبلغ مدحًا في حق الخالق، والملك أبلغ مدحًا في حق المخلوقين؛ لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تَعَالَى مالكًا كان ملكًا (^١).\nقال الشوكاني -﵀-: «والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سُبْحَانَهُ أن الملك صفة لذاته، والمالك صفة لفعله» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ١٤٠)، وفتح القدير، للشوكاني (١/ ٢٦).\n(^٢) فتح القدير، للشوكاني (١/ ٢٦).","vol":"2","page":391},{"text":"اقتران اسم الله (الملك- المالك- المليك) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الملك) بأسمائه الأخرى:\n- اقتران اسم الله (الملك) باسم الله (الحق):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحق).\n- اقتران اسم الله (الملك) باسم الله (القدوس):\nتقدم بيانه في اسم الله (القدوس).\nثانيًا: اقتران اسم الله (المالك) بأسمائه الأخرى:\nلم يقترن اسم الله (المالك) بأي اسم من الأسماء الحسنى.\nثالثًا: اقتران اسم الله (المليك) بأسمائه الأخرى:\nتقدم بيانه في أسماء الله (القدير)، و(القادر)، و(المقتدر).\n\n<span data-type='title' id=toc-631>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الملك- المالك- المليك):</span>\n<span data-type='title' id=toc-632>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الملك، والمالك، والمليك) من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nالله الملك، والمالك والمليك على الحقيقة، قال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وذلك أن ملكه راجع إلى ثلاثة أمور:","vol":"2","page":392},{"text":"١ - ثبوت صفات الملك له:\nالملك يستلزم عدة صفات، منها: الحياة، والقوة، والقدرة، والغنى، والعزة، والحكم النافذ، والتصرف التام، والقيام بشؤون المملكة وحفظها.\nولله -ﷻ- من هذه الصفات أتمها وأكملها، فحياته حياة لا عدم معها، وقوته وقدرته لا ضعف ولا عجز معها، قال تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]، وقال: سُبْحَانَهُ ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، وغناه لا فقر ولا حاجة معه، وعزته لا غالب لها، وحكمه عام نافذ في الدنيا والآخرة، تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]، وقيامه وحفظه لا غفلة معه ولا نسيان، قال تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nومع هذا كله سلم وتقدس من آفات الملوك وملكهم، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣].\nفملكه عام للخلائق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الزخرف: ٨٥]، وعام للدنيا والآخرة، بل هو في الآخرة أظهر منه في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وذلك لأن في الدنيا هناك من يدعي الملك بخلاف الآخرة، فلا يدعيه أحد؛ إذ الكل حشر حافيًا عاريًا غُرلًا بُهْمًا، لا يملك شيئًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، فلا يرى مَلِكًا ولا مالكًا ولا حاكمًا سواه -﵎-، حتى أنه","vol":"2","page":393},{"text":"-ﷻ- يقبض الأرض والسموات بيمينه، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ (^١). أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ (^٢)، وينادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (^٣).\nوملكه -﵎- دائم لا يزال ولا يزول، ولا ينقص ولا ينفذ بكثرة العطاء والجود، كما جاء في الحديث القدسي: «… يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ …» الحديث (^٤).\nوملكه قائم على علم محيط بالدقيق والجليل، وحكمة بالغة، ورحمة تامة، وأمان من الظلم والجور والغدر والكيد، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]. (^٥)\n٢ - جميع الخلق مماليك له:\nالعالم العلوي والسفلي وما فيهما من ملوك وملاك، ورؤساء ومرؤسين، وجبارون ومتكبرون الكل ملك وعبيد لمالك الملك -﵎-، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤١٢)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨١٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٨٧).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٣٤)، وتفسير السعدي (ص: ٣٩).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).\n(^٥) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥١٤)، والتحرير والتنوير (٢٨/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"2","page":394},{"text":"﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢].\nفالجميع مفتقر إليه مضطر إلى ملكه قيامًا وتدبيرًا وحكمًا، وليس لأحد منهم الخروج عن ملكه، قال تَعَالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ولا الاستغناء عنه طرفة عين.\n٣ - تصرفه الحق في ملكه:\nفلله الملك -ﷻ- تدبير شؤون مملكته علويها وسفليها، وتصريف أمورها بما يريد، لا يخرج شيء عن تصريفه وتدبيره، ولا يملك أحد منعه أو رده أو تعقبه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].\nومن تصرفاته في مملكته ما حكم به من أحكام: قدرية، وشرعية، وجزائية؛ فإن الملك يقتضي عدم ترك ملكه سدى وهملًا، لا قضاء، ولا أمرًا ولا نهيًا، ولا ثوابًا ولا عقابًا.\nفأحكامه القدرية التي جرت أمور مملكته إيجادًا وإعدادًا، وإحياء وإماتة وغير ذلك على مقتضى ما قضى وقدر، قال تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٦].","vol":"2","page":395},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام، والإهانة والإثابة والعقوبة، والغضب والرضا، والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العز، وإذلال من يليق به الذل، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويكشف غمًّا، وينصر مظلومًا، ويأخذ ظالمًا، ويفك عانيًا، ويغنى فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويشفى مريضًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويعز ذليلًا، ويذل عزيزًا، ويعطى سائلًا، ويذهب بدولة ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين.\nيسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها، فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه، وجرى به قلمه، ونفذ فيه حكمه، وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف مَلِك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك، لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرُّفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج تصرفه عن ذلك» (^١).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ١٢٣).","vol":"2","page":396},{"text":"وأحكامه الشرعية التي بها أنزل الكتب، وأرسل الرسل، هادية ومرشدة لما فيه صلاح المملكة وقوامها؛ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].\nوأحكامه الجزائية التي يحكم بها على مماليكه وعبيده بالثواب والعقاب بحسب ما شهد عليهم من عمل، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].\nفلله الحمد في ملكه وخلقه وحكمه وفي أفعاله وصفاته كلها «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».\n\n<span data-type='title' id=toc-633>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الملك) على التوحيد:</span>\nإذا تعرف العبد على اسم الله (الملك) وتيقنه؛ قاده ذلك لتوحيد الملك -ﷻ- في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.\nفأما ربوبيته: فيتيقن أن الله الملك وحده مالك الكون ومن فيه بلا مشارك ولا معين ولا وزير ولا مشير، بل هو تَعَالَى مالك الأشياء وحده، خالقها ومقدرها ومدبرها، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال سُبْحَانَهُ:","vol":"2","page":397},{"text":"﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. (^١)\nوأما ألوهيته: فالله الملِك، وما سواه مملوك لا يملك شيئًا لا قليلًا ولا كثيرًا، حتى ولا القطمير، ولا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، قال تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] لا على وجه الاستقلال يملكونها، ولا على وجه الشركة للملك، بل ولا حتى المعونة والمؤازرة له فيها.\nكما أنهم لا يملكون الشفاعة، قال تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]، فمن كان هذا حاله لا يستحق أن يُصرف له شيء من العبادة (^٢)، قال الشيخ السعدي -﵀-: «المشرك إنما يدعو ويعبد غير الله؛ لما يرجو منه من النفع، فهذا الرجاء، هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه (غير الله)، لا مالكًا للنفع والضر، ولا شريكًا للمالك، ولا عونًا وظهيرًا للمالك، ولا يقدر أن\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ١٣٠).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٧٨).","vol":"2","page":398},{"text":"يشفع بدون إذن المالك، كان هذا الدعاء، وهذه العبادة ضلالًا في العقل، باطلة في الشرع» (^١).\nوأما أسماؤه وصفاته: فاسم الله الملك -ﷻ- متضمن لجملة من أسمائه وصفاته، فمن أثبت هذا الاسم الكريم لزمه أن يثبت ما يتضمنه من عزة وجبروت وكبرياء وحكم وخفض ورفع، وإعزاز وإذلال، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات العائدة إلى الملك.\nقال ابن القيم -﵀-: «إن من أسمائه: (الملِك)، ومعناه: الملْك الحقيقي ثابت لهسُبْحَانَهُ بكل وجه، وهذه الصفات تستلزم سائر صفات الكمال؛ إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة، ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به، وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهي؛ ولا يثيب ولا يعاقب؛ ولا يعطي ولا يمنع؛ ولا يعز ولا يذل؛ ولا يهين ولا يكرم؛ ولا ينعم ولا ينتقم؛ ولا يخفض ولا يرفع، ولا يرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ولا يتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه؟ فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك؟» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-634>الأثر الثالث: تعلق القلب بالملك المالك المليك:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله (الملك، المالك، المليك) -ﷻ- وما فيه من سعة، وعظمة، وكمال، ثم تأمل ونظر في نفسه وما فيه من فقر وحاجة وضعف وعجز؛ تعلق قلبه بالملك: خوفًا، ورجاء، وتوكلًا.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٧٨).\n(^٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ٢٢٠).","vol":"2","page":399},{"text":"فاليقين بأن الله الملك نواصي العالمين بيده يتصرف فيهم كيف شاء، ليس لأحد منهم الخروج عن ملكه وسلطانه يبعث في النفوس الشعور بالخوف والمهابة للملك وحده -﵎-؛ فإن كل من دونه مملوك مذلل لا يملك شيئًا من الضر، فالخوف منه وهم باطل؛ لذا لما هدد قوم عاد نبيهم هودًا -﵇-، قال متحديًا لهم، ذاكرًا صفة الملك والقهر لله تَعَالَى، معرِّضًا بأنهم لا يملكون شيئًا من الضر إلا بإذنه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].\nواليقين بأن الله الملك الذي بيده خزائن السموات والأرض لا تنفذ ولا تنقص، ولا يعجزه ولا يمنعه شيء عن إيصالها لمملوكيه، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] يبعث في النفوس الشعور بالرجاء والطمع فيما عند الملك وحده دون ما سواه؛ فإن من دونه لا يملك شيئًا، فرجاؤه باطل، قال -ﷺ- لابن عباس -﵄-، مقررًا هذا المعنى وما قبله: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (^١).\nثم إن اليقين بقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] مع فقر العبد\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٢٥١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦).","vol":"2","page":400},{"text":"وحاجته للملك في وجوده، وحركاته، وسكناته؛ يبعث في النفوس الاعتماد والتوكل على الملك -ﷻ- في جلب المنافع ودفع المضار.\nثم إذا حصل هذا اليقين فليعلم العبد أن الملك -ﷻ- يحب أن يلوذ به مملوكه ويفزع إليه يستعيذ ويستغيث به في الشدائد والنوائب، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٤].\nقال ابن القيم -﵀-: «فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجأهم، فلا صلاح لهم ولا قيام إلا به وبتدبيره، فليس لهم مَلِك غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدو، ويستصرخون به إذا نزل العدو بساحتهم» (^١).\nوقال في موضع آخر: «كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها: أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون، يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم … والمقصود: أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه؛ وأن يعوذوا به، كما أمر رسوله -ﷺ- «أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-635>الأثر الرابع: محبة الله تَعَالَى الملك المالك المليك:</span>\nإذا علم العبد أن الله الملك لجميع الأشياء، المتصرف في ملكه بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزه عن نقائص الملوك وآفات الملك، اقترن ملكه\n_________\n(^١) التفسير القيم (ص: ٦٦٠).\n(^٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ٢٤٠).","vol":"2","page":401},{"text":"بعلمه، وحكمته، ورحمته، وبره، وإحسانه، وعدله؛ امتلأت القلوب بحبه ووده، خاصة أن النفوس تميل إلى حب صاحب الملك والملكوت والغنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-636>الأثر الخامس: التذلل والخضوع لله الملك المالك المليك:</span>\nالتفكر في اسم الله (الملك- مالك الملك) وما فيه من عزة وجبروت وكبرياء، قال تَعَالَى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] يجعل كل من ملك شيئًا في الدنيا صغر أو كبر يذل ويخر صاغرًا لجلال الملك -﵎-، فماذا عسى أن يملك من كان أمره وناصيته ونفسه بيد سيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه، يقلبه كيف يشاء، وحياته وموته، وسعادته وشقاؤه، وحركاته وسكناته بإذنه ومشيئته، إن وكله إلى نفسه، وكله إلى عجز وضعف وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله أسيرًا له، فلا غنى له عنه طرفة عين (^١).\nثم هذا الذل والصغار واستشعاره يثمر التواضع والخضوع بين يدي الله الملك -﵎-، كما هو الحال في هدي رسول الله -ﷺ-؛ فقد دخل مكة -ﷺ- فاتحًا منتصرًا، ومع ذلك لم يصبه الكبر والغرور، وإنما طأطأ رأسه -ﷺ- حتى كاد شعر لحيته أن يمس وسط الرحل تواضعًا للملك -ﷻ- (^٢)، وخُيِّر -ﷺ- بين أن يكون نبيًّا ملِكًا أو أن يكون عبدًا نبيًّا،\n_________\n(^١) ينظر: الفوائد، لابن القيم (ص: ٥٦).\n(^٢) ينظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٤٠٥).","vol":"2","page":402},{"text":"فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا؛ من شدة تواضعه -ﷺ-، وقال -ﷺ-: «وَإِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (^١).\nوجاء تواضعه -ﷺ- وخضوعه لربه متمثلًا في دعائه؛ فجاء عن عائشة -﵂- في وصف استسقائه -ﷺ-، أنه قال: «الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللهمَّ أَنْتَ الله، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ، وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ» (^٢).\nوكان من دعائه -ﷺ- في الاستفتاح: «اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (^٣).\nومن دعائه -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد: «اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٦٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١١٧٣)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (٢١٧٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١١٧٣).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).","vol":"2","page":403},{"text":"أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-637>الأثر السادس: عدم الاغترار بملك الخلق:</span>\nإذا تعرف العبد على اسم الله الملك وما فيه من كمال؛ لم يغتر بملْك ملوك الدنيا مهما ملكوا؛ فإن ملكهم ناقص، من عدة جهات (^٢)، منها:\nأن ملكهم بتمليك الله لهم؛ فهو عارية بيدهم سرعان ما ترد لمعيرها، قال تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].\nأن ملكهم لا عن كمال صفاتهم وذاتهم، بل فيهم من النقائص والمعايب ما فيهم.\nأن ملكهم غير مستكمل لحقيقة الملكية؛ فإنهم ملوك من جهة مملوكين من جهات أخرى.\nأن ملكهم فيه شركة لغيرهم، وإن لم يكن شركة فمعاونة ومؤازرة ومشورة وحراسة.\nأن ملكهم محدود ببعض الأشياء لا كلها، فلو ملكوا الأرض بأسرها ومن فيها ما ملكوا السماء ومن فيها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١١٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥١٤)، والتحرير والتنوير (١٨/ ١٣٥).","vol":"2","page":404},{"text":"أن ملكهم محدود ببعض الأوقات، فتجد أحدهم ملِكًا في وقت مملوكًا في أوقات أخرى.\nأن مُلكهم مهما عظم وجل مصيره إلى الزوال والنفاد، كما قال تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].\nومن تأمل تاريخ ملوك الدنيا وجد هذا ظاهرًا جليًّا، فمهما بلغ ملكهم، وعلا مجدهم فقد ذهب كل ذلك عنهم وعادوا للمَلِك تَعَالَى، تاركين خلف ظهورهم ملكهم وأملاكهم.\nفهذا النمرود الذي ملك الأرض كلها، كيف كانت نهايته؟\nقال ابن كثير -﵀-: «استمر- النمرود- في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغى وبغى وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع، فحاجَّ إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية …\nقال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكًا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى عليه، ثم الثالثة فأبى عليه، وقال: اجمع جموعك، وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابًا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخر الملك، فمكثت في منخره أربعمائة سنة عذبه الله تَعَالَى بها، فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها، حتى أهلكه الله -﷿- بها» (^١).\n_________\n(^١) البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٤٨ - ١٤٩).","vol":"2","page":405},{"text":"وهذا فرعون الذي طغى وتجبر وتَعَالَى في قومه قائلًا: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١]، كيف كانت نهايته؟\nقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢].\nقال ابن كثير -﵀-: «يخبر تَعَالَى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارةً، وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده، ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم؛ ليكون أقر لأعين بني إسرائيل، وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به وباشر سكرات الموت أناب حينئذ وتاب وآمن حين لا ينفع نفسًا إيمانها» (^١).\nوبهذا يتبين أن الملك الحق هو الله -ﷻ-، قال تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «وجوده وملكه وكماله حق، فصفات الكمال لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال» (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق (١/ ٢٧٠ - ٢٧٢).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٥١٤).","vol":"2","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-638>الأثر السابع: النهي عن التسمي بملك الملوك ونحوه:</span>\nإذا علم العبد أن الله الملك الحق تبارك تَعَالَى، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وكل من دونه ملكه ملك مستعار لا حقيقة له؛ علم أنه لا يستحق أحد أن يُسَمَّى ملك الأملاك، سواه -﵎-؛ لذا جاء التحذير الشديد من التسمي بهذا الاسم، فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَخْنَعَ (^١) اسْمٍ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ»، زاد ابن أبِي شيبة في روايته: «لَا مَالِكَ إِلَّا الله -﷿-» (^٢)، وفي رواية: «أَخْنَى (^٣) الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٤)، وفي رواية أخرى: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ» (^٥)، وفي رواية أيضًا: «وَاشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا الله -﷿-» (^٦).\nقال سفيان -﵀-: مثل شاهان شاه، أي: ملك الملوك باللغة الفارسية.\nفنبه سفيان -﵀- على أن الذم لا ينحصر في اسم ملك الأملاك، بل وكل\nما أدى معناه بأي لسان كان (^٧)؟\n_________\n(^١) أخنع، أي: أوضع وأذل. قال ابن بطال ﵀: «وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من تسمى به أشد ذلًّا». فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٠٦)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢١٤٣).\n(^٣) الخنى: الفحش في القول. النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٨٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٢٠٥).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٤٣).\n(^٦) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٥٢٨)، وإسحاق بن راهويه في مسنده، رقم الحديث: (٥٠١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٩٨٨).\n(^٧) ينظر: فتح الباري (١٠/ ٥٩٠).","vol":"2","page":407},{"text":"قال ابن حجر -﵀-: «واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم؛ لورود الوعيد الشديد، ويلتحق به ما في معناه، مثل: خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء» (^١).\nوعلة النهي كما قال ابن عثيمين -﵀-: «أن من تسمى بهذا الاسم؛ فقد جعل نفسه شريكًا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله؛ لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة، أو حاكم الحكام، أو ملك الأملاك، إلا الله -﵎-؛ فالله هو القاضي فوق كل قاض، وهو الذي له الحكم، ويرجع إليه الأمر كله» (^٢).\nاللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربنا ونحن عبيدك، ظلمنا أنفسنا، واعترفنا بذنوبنا، فاغفر لنا ذنوبنا جميعًا؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٤٩).","vol":"2","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-639>الغالب الناصر النصير -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-640>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-641>أولًا: (الغالب):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «غلبه غلبة وغَلْبًا، وغَلَبًا أيضًا، قال الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، … وتغلب على بلد كذا: استولى عليه قهرًا …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(غلب) الغين واللام والباء أصل صحيح يدل على قوة وقهر وشدة …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-642>ثانيًا: (الناصر، والنصير):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «نصر: نصره الله على عدوه ينصره نصرًا، والاسم: النصرة، والنصير: الناصر، والجمع الأنصار، واستنصره على عدوه، أي: سأله أن ينصره عليه …» (^٣).\nقال ابن فارس -﵀-: «النون والصاد والراء أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه، ونَصَرَ اللهُ المسلمين: آتاهم الظفر على عدوهم، ينصرهم\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ٢١٥).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٣٨٨).\n(^٣) الصحاح (٣/ ٣٩٣).","vol":"2","page":409},{"text":"نصرًا، وانتصر: انتقم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-643>ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الغالب) في كتاب الله مرة واحدة، هي:\nقول الله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].\nثانيًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (الناصر) في كتاب الله مرة واحدة، وذلك بصيغة التفضيل، وهي:\nفي قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠].\nثالثًا: ورد اسمه سُبْحَانَهُ (النصير) أربع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقوله -﷿-: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠].\nقوله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥].\nقوله -﷿-: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٥/ ٤٣٥).","vol":"2","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-644>ورود أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) في السنة النبوية:</span>\nأولًا: ورود اسم الله (الغالب) في السنة النبوية:\nلم يرد اسم الله (الغالب) في السنة النبوية.\nثانيا: ورود اسم الله (الناصر- النصير) في السنة النبوية:\nمن ورودهما ما يلي:\nجاء في حديث طويل قوله -ﷺ-: «إِنِّي رَسُولُ الله، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي» (^١).\nعن أنس بن مالك -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا غَزَا قَالَ: اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (^٢).\nمعنى أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير):\nأولًا: معنى اسم الله الغالب:\n- قال الطبري -﵀- عن سعيد بن جبير -﵀-: «﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، قال: فعال» (^٣).\n- قال الحليمي -﵀-: «وهو البالغ مراده من خلقه، أحبوا أو كرهوا، وهذا- أيضًا- إشارة إلى كمال القدرة والحكمة، وأنه لا يُقهر ولا يُخدع» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٧٣١).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٢٦٣٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٤)، وقال الترمذي: حسن غريب، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي اود، رقم الحديث: (٢٦٣٢).\n(^٣) تفسير الطبري (١٥/ ٢١).\n(^٤) الأسماء والصفات، للبيهقي (١/ ١١١).","vol":"2","page":411},{"text":"- قال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]-: «أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد، ولا يمانع، ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه» (^١).\n- قال السعدي -﵀-: «أي: أمره تَعَالَى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب» (^٢).\nثانيًا: معنى اسم الله الناصر النصير:\nقال الطبري -﵀- في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]: «وليكم وناصركم على أعدائه الذين كفروا، وقال في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العوج» (^٣).\nقال القرطبي -﵀-: «وله معان، منها: العون، يقال: نصره الله على عدوه ينصره نصرًا، فهو ناصر ونصير للمبالغة، والاسم: النصرة، والنصير: الناصر» (^٤).\nقال الحليمي -﵀-: «الناصر هو الميسر للغلبة، والنصير هو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولايخذله» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٧٨).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٣٩٥).\n(^٣) تفسير الطبري (٥/ ٧٥).\n(^٤) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (ص: ٣٣٨).\n(^٥) المنهاج (١/ ٢٠٥).","vol":"2","page":412},{"text":"قال ابن كثير -﵀-: «﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] يعني: نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: لمن استنصره فدفع عنه المكروه» (^٢).\nووجه الربط بين أسماء الله (الغالب والناصر والنصير): أنه إذا وثق العبد أن الله تَعَالَى هو الغالب الفعال لما يشاء، الذي لا يستطيع أحد أن يرد قضاءه وقدره، كان العبد على يقين أنه سينصره على عدوه.\nاقتران اسم الله (الغالب، الناصر، النصير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الغالب) بغيره من أسماء الله الحسنى:\nلم يقترن اسم الله (الغالب) بغيره من أسماء الله.\nثانيًا: اقتران اسم الله (الناصر، النصير) بغيره من أسماء الله الحسنى:\nلم يقترن اسم الله (الناصر) بغيره من أسماء الله.\nوورد اقتران (النصير) باسمه (الهادي)، وذلك في آية واحدة في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٧).\n(^٢) تفسير السعدي (١/ ٥٤٦).","vol":"2","page":413},{"text":"وجه الاقتران:\nهذان الاسمان الكريمان يتناسبان مع سياق الآية التي يبين فيها الله سُبْحَانَهُ أن من سنته أن يقيض لكل نبي عدوًّا من المجرمين، ولكن الله سُبْحَانَهُ يتولى أنبياءه بهدايتهم إلى الحق، ونصرتهم على أهل الباطل من المجرمين، فهو سُبْحَانَهُ الذي يتولى أنبياءه وأولياءه بالهداية- بكل معانيها- ونصرتهم بجميع أنواع النصرة، بل إن كل من هداه الله نصره، وصاحب الهداية يتولاه الله، فيكون ناصرًا له.\n\n<span data-type='title' id=toc-645>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الغالب، الناصر، النصير):</span>\n<span data-type='title' id=toc-646>الأثرالأول: إثبات ما تتضمنه أسماء الله (الغالب، الناصر، النصير) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ هو الغالب الناصر على الإطلاق، فكل نصر مطلق هو من عند الله تَعَالَى؛ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]،\nيقول السعدي -﵀- في تفسيرها: «إن يمددكم الله بنصره ومعونته ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، فلو اجتمع عليكم من في أقطارها، وما عندهم من العَدد والعُدد؛ لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ ويكلكم إلى أنفسكم ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق، وفي ضمن ذلك: الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا","vol":"2","page":414},{"text":"على غيره، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار، وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله» (^١).\nوقد أوضح الله ذلك في آيات كثيرة، منها، قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٦]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].\nومن الخطأ: قصر مفهوم النصر على الحرب، فهو نصر ومعونة إلهية عامة مطلقة، فما من عبد استنصر بالله، وتولاه، وتوكل عليه، إلا تولاه سُبْحَانَهُ وحفظه وحرسه وصانه، وما من عبد خافه واتقاه، إلا أمنه مما يخاف ويحذر، ويسر له من كل خير وسعة.\nويقول ابن القيم -﵀- في معنى قوله تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]-: «أي: متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان، وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد، وعدواتهما أضر من عداوة العدو الخارج، فالنصر على هذا العدو أهم، والعبد إليه أحوج، وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله» (^٢).\nوهذا هو الإيمان الذي استقر في قلوب أنبيائه سُبْحَانَهُ، ومن شواهد ذلك:\nقول نوح -﵇- حين عابوا عليه اتباع الفقراء والضعفاء لدعوته،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ١٥٤).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ١٨٠).","vol":"2","page":415},{"text":"وأمروه بطردهم: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠].\nقول صالح -﵇-: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣].\nقول مؤمن آل فرعون: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩].\nقول النبي -ﷺ- ودعاؤه: «اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (^١).\nفعلى المؤمن الثقة بنصر الله لعباده المؤمنين، وفتحه ورحمته وقوته وعزته سُبْحَانَهُ، وعدم الرهبة من الكافرين إذا أخذ بالأسباب، وتوكل على الله وحده؛ وتوحيده، فالمنصور من نصره الله تَعَالَى، والمخذول من خذله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\n\n<span data-type='title' id=toc-647>الأثر الثاني: تحقق نصر الله لعباده المؤمنين:</span>\nنصر الله لعباده المؤمنين وعد ثابت محقق منه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وهذا النصر متعدد الصور والطرق، ومن أبرز صور النصر ما يلي:\n١ - التمكين:\nفالله تَعَالَى ينصر أولياءه بصورة التمكين، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":416},{"text":"عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، فعبر عن التمكين بالنصر.\nوهذا ما حصل لنبي الله يوسف -﵇- كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]، قال القرطبي -﵀-: «أي: وكما أنقذناه من إخوته، ومن الجب، فكذلك مكنا له، أي: عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملك مستول عليه» (^١).\nكذلك تمكين الله له على خزائن مصر، في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٦].\n٢ - التأييد:\nمن نصر الله: تأييده لعباده، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أي: قويناهم ونصرناهم عليهم، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ عليهم وقاهرين\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٩/ ١٦٠).","vol":"2","page":417},{"text":"(لهم)، فأنتم يا أمة محمد، كونوا أنصار الله ودعاة دينه، ينصركم الله كما نصر من قبلكم، ويظهركم على عدوكم» (^١).\n٣ - الدفاع:\nمِن نَصْر الله: دفاعُه عن عباده بحسب قوة إيمانهم، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، بل من عجيب هذا النصر: أن يكون الدفاع حتى من شر النفس! وهذا ماذكره السعدي -﵀- عند تفسير هذه الآية، فقال: «هذا إخبار ووعد وبشارة من الله، للذين آمنوا، أن الله يدافع عنهم كل مكروه، ويدفع عنهم كل شر- بسبب إيمانهم- من شر الكفار، وشر وسوسة الشيطان، وشرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم، ويحمل عنهم عند نزول المكاره، ما لا يتحملون، فيخفف عنهم غاية التخفيف، كل مؤمن له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه، فمستقل ومستكثر» (^٢).\n٤ - الكيد والمكر بالأعداء:\nمن صور نصره سُبْحَانَهُ: أن يكيد بمن كاد لأوليائه ويعاديهم، كما في الحديث: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٦١).\n(^٢) تفسير السعدي (١/ ٥٣٩).","vol":"2","page":418},{"text":"لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).\nومن تأمل في سيرة نبي الله يوسف -﵇-، والمكائد التي تعرض لها، سواء من إخوته حين حاولوا التفريق بينه وبين أبيه، يقول تَعَالَى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]، أو من امرأة العزيز حين راودته وأودعته السجن، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، وكذا كيد النسوة له، يقول تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤].\n٥ - إجابة الدعاء:\nمن صور نصر الله: إجابة الدعاء، بل إن المتأمل يعلم أن غاية الداعي تحقيق نصره بإجابة الله لدعوته وتحقيق مطلوبه، يقول -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ العَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا الله فَوْقَ الغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^٢).\nوفي حديث عائشة -﵂-، قالت: «أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ، عَلَيْهَا وِشَاحٌ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨١٥٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٧٥٢)، حكم الألباني: ضعيف، لكن صح الشطر الأول بلفظ: «المُسَافِر» مكان «الإِمَام العَادِل»، وفي رواية: «الوَالِد». صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩٨).","vol":"2","page":419},{"text":"أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ، أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهُوَ مُلْقًى فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ، حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ:\nوَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-648>الأثر الثالث: كيف يكون نصر الله تَعَالَى لأنبيائه ورسله وأوليائه؟</span>\nاقتضت حكمة الله تَعَالَى أن ينصر رسله وأولياءه في الدنيا ويوم القيامة، يقول الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\nوهذا النصر بحسب الإيمان، كما أشار إلى ذلك ابن القيم -﵀-، عند قوله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، قال: «فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل، بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم أُحُدٍ بمعصية الرسول ومخالفته، والله سُبْحَانَهُ لم يجعل للشيطان على العبد سلطانًا حتى جعل له العبد سبيلًا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٩).","vol":"2","page":420},{"text":"عليه تسلطًا وقهرًا، فمن وجد خيرًا فليحمد الله تَعَالَى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (^١).\nوقد علق الطبري -﵀- على قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] باستفهام مجاب عليه، فقال: «يقول القائل: وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثَّلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم من همَّ بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيًا بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقًا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله، والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟\nقيل: إن لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] وجهين، كلاهما صحيح معناه، أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائنا لهم على من كذبهم وإظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان، فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد -ﷺ- بإظهاره على من كذبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعاداهم، كالذي فعل تَعَالَى ذكره بنوح وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه؛ إذ أهلكهم غرقًا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ١٠١).","vol":"2","page":421},{"text":"وغيرهم ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له، وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم، فهذا أحد وجهيه، وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه» (^١).\nوينقل ابن كثير -﵀- كلامًا لابن السدي -﵀-، يعضد به ما ذهب إليه ابن جرير -﵀-، فيقول: «قال السدي: لم يبعث الله رسولًا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيُقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا، قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يُقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها، وهكذا نصر الله سُبْحَانَهُ نبيه محمدًا -ﷺ- وأصحابه على من خالفه، وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم منَّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ٤٠٠ - ٤٠١).","vol":"2","page":422},{"text":"ثم قبضه الله تَعَالَى إليه؛ لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله، ودعوا عباد الله إلى الله، وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها.\nثم لا يزال هذا الدين قائمًا منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل» (^١).\nومن تأمل في تطبيقات هذا النصر الإلهي ونماذجه مع الأنبياء؛ تجلي له معنى نصر الله تَعَالَى وتحقيق وعده، ومن هذه النماذج ما يلي:\nنصر الله تَعَالَى لنوح -﵇-، فلما صنع السفينة في أرض صحراء قفر لا ساحل فيها، سخر منه قومه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]، ولما أوحي إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] دعا ربه بثلاث كلمات فقط، واستنصر الغالب الناصر سُبْحَانَهُ، ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، فنصره نصرًا من السماء والأرض، بل كانت العلامة على بدء هذا النصر مخالفة لما عليه العادة، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، قال السعدي -﵀-: «حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء فيه، فضلًا عن كونه منبعًا للماء؛ لأنه موضع النار، يقول تَعَالَى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ١٥٠).","vol":"2","page":423},{"text":"عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٢] وقال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦]» (^١).\nنصر الله ليوسف -﵇- بأمور عدة، منها:\nأنه لقنه الحجة في الحين، يقول تَعَالَى: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦].\nاعتراف امرأة العزيز، يقول تَعَالَى: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١].\nاعتراف زوج المرأة، يقول تَعَالَى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩].\nاعتراف الشهود، يقول تَعَالَى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦].\nإقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته؛ ذلك أن الله تَعَالَى قال عن يوسف -﵇-: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وقال الله تَعَالَى على لسان إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].\nوأعظمها: شهادة الله تَعَالَى له، يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فأتى بلام التأكيد ﴿لِنَصْرِفَ﴾ ولم يصرف السوء والفحشاء عنه، بل صرفه عن السوء والفحشاء، فأبعده الله عن مواطن السوء ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].\nنصر الله لمحمد -ﷺ-، ومن شواهد ذلك:\nلما كان -ﷺ- وصاحبه أبو بكر في غار حراء في تلك الحالة\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٨٢٥).","vol":"2","page":424},{"text":"الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على البال، بداية بمعية الله معهما، فألهمه الثبات والسكينة والطمأنينة، والتأييد والحراسة من الملائكة، وعلو كلمة المؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].\nحين طُرد من مكة، فدخلها بعد عشر سنوات فاتحًا، يقول ابن القيم -﵀- في وصف ذلك: «فصل: لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل في حصر النصر: فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطراف، فطار ذكره في الآفاق، فصار الخلق معه ثلاثة أقسام: مؤمن به، ومسالم له، وخائف منه، ألقى بذر الصبر في مزرعة ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، فإذا أغصان النبات تهتز بخزامى ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فدخل مكة دخولًا ما دخله أحد قبله ولا بعده، حوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم إلا الحدق، والصحابة على مراتبهم، والملائكة فوق رؤوسهم، وجبريل يتردد بينه وبين ربه، وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لأحد سواه.\nفلما قايس بين هذا اليوم وبين يوم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فأخرجوه ثاني اثنين، دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعًا وذلًّا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت إليه فيه الخليقة رؤوسها، ومدت إليه الملوك أعناقها، فدخل مكة مالكًا مؤيَّدًا","vol":"2","page":425},{"text":"منصورًا، وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يُجَرُّ في الرمضاء على جمر الفتنة، فنشر بذي طوى عن القوم من يوم قوله: أحد أحد، ورفع صوته بالأذان، فأجابته القبائل من كل ناحية، فأقبلوا يؤمون الصوت، فدخلوا في دين الله أفواجًا وكانوا قبل ذلك يأتون آحادًا.\nفلما جلس الرسول على منبر العز وما نزل عنه قط؛ مدت الملوك أعناقها بالخضوع إليه، فمنهم من سلم إليه مفاتيح البلاد، ومنهم من سأله الموادعة والصلح، ومنهم من أقر بالجزية والصغار، ومنهم من أخذ في الجمع والتأهب للحرب ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى إليه، فلما تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاءه منشور ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣] وبعده توقيع ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] جاءه رسول ربه يخبره بين المقام في الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء ربه شوقًا إليه، فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة» (^١).\nوما سبق بعض من النماذج، وإلا فالسِّيَر غزيرة عظيمة بمظاهر نصر الله تَعَالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-649>الأثر الرابع: تحقيق أسباب النصر:</span>\nنصرة العبد لربه في عبادته والقيام بحقوقه، ورعاية عهوده، واجتناب نهيه، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، يقول القرطبي\n_________\n(^١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٦٢).","vol":"2","page":426},{"text":"-﵀-: «فإن قيل: كيف قال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، والنصر هو العون، والله سُبْحَانَهُ لايجوز عونه قولًا ولا يتصور فعلًا؟ فالجواب من أوجه:\nأحدها: إن تنصروا دين الله بالجهاد عنه ينصركم.\nالثاني: إن تنصروا أولياء الله بالدعاء.\nالثالث: إن تنصروا نبي الله، وأضاف النصر إلى الله تشريفًا للنبي -ﷺ-، وأوليائه وللدين، كما قال تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١]، فأضاف القرض إليه تسلية للفقير» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «هذا أمر منه تَعَالَى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره» (^٢).\nوالله تَعَالَى قادر كمال القدرة على نصر دينه، فإنه نصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فهو القوي القادر على كل شيء، ولكنه ابتلى عباده بذلك ليظهر من ينصر دينه وشرعه ممن يتولى عن نصرته، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠].\n_________\n(^١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (ص: ٣٣٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٨٥).","vol":"2","page":427},{"text":"وأوجب العزيز الحكيم على نفسه نصرة المؤمنين تكرمًا منه وتفضلًا، فقال جل ذكره: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، «أي: أوجبنا ذلك على أنفسنا وجعلناه من جملة الحقوق المتعينة ووعدناهم به، فلا بد من وقوعه، فأنتم أيها المكذبون لمحمد -ﷺ- إن بقيتم على تكذيبكم حلت بكم العقوبة ونصرناه عليكم» (^١).\nوللنصر تكاليفه وأعباؤه، حين يتأذن الله به، بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه، ومن أهم هذه التكاليف التي يستجلب بها نصر الله ويستدام:\n١ - المداومة على الطاعات خاصة الصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\nيقول تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].\nيقول الشنقيطي -﵀-: «وهذا دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر؛ فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦٤٤).","vol":"2","page":428},{"text":"الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له» (^١).\n٢ - الصبر:\nفكلما كان العبد صابرًا كان النصر منه قريبًا، فقد جاء في حديث ابن عباس -﵄-: «وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ» (^٢)، وهذا موافق لقول الله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].\nوأعظم النصر هو أن ينتصر العبد على هواه، ويرد نفسه عن السوء، ويصبر عن معصية الله، ويصبر على طاعة الله، حينها يشعر العبد بحلاوة النصر الحقيقي.\n٣ - العدل:\nفالله سُبْحَانَهُ حرم الظلم على نفسه وعلى عباده، فقد جاء في الحديث: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (^٣)، وفي الحديث الآخر: «مَنْ أَصَابَ فِي الدُّنْيَا ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ، فَالله أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عُقُوبَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ الله عَلَيْهِ، فَالله أَكْرَمُ مِنْ\n_________\n(^١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٢٦٦).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٨٤٩)، والدعاء للطبراني، رقم الحديث: (٤١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٦٨٠٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).","vol":"2","page":429},{"text":"أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ» (^١)، بل أمر الله بالعدل حتى مع الكافر، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].\nومتى أقيم العدل حصل النصر، ولو كان الذي أقامه كافرًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة؛ ولهذا يروى: (الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، وإن كانت مؤمنة)» (^٢)، فالنصر منوط بالعدل، والخذلان منوط بالظلم؛ ولذلك من أراد نصر الله ينبغي له أن يلزم العدل مع نفسه، ومع غيره.\n٤ - الأخذ على يد الظالم والمفسد:\nفمن حق المسلم أن يأخذ على يد من ظلمه، بل ويؤخذ على يده إن ظلم، وكل هذا من نصرته، ويدل على ذلك حديث: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجِزُهُ- أو تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (^٣)، كذلك حديث أبي مسعود الأنصاري -﵁-، قال: «كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، للهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٨٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٦٠٤)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٦٠٤).\n(^٢) الحسبة في الإسلام، ابن تيمية (ص: ٧).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٥٢).","vol":"2","page":430},{"text":"أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ- أو لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (^١).\nوعلى العبد المؤمن أن يستشعر أن أعظم النصر هو نصر يوم القيامة، يوم يجتمع الخصوم بين يديه، فيُقتص للمظلوم من الظالم، فيحذر ويبذل أسباب نصره في ذلك اليوم، يقول -ﷺ-: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-650>الأثر الخامس: اليقين بأن تأخر نصر الله تَعَالَى لا يعني: انعدامه:</span>\nنصر الله سنة ماضية، ووعد منجز، آت لا محالة، يقول تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، فالمؤمن الصادق لايقنط من نصر الله ولا ييأس، والله سُبْحَانَهُ يقول: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].\nوعلى هذا المنهج ربى رسول الله -ﷺ- أصحابه، ففي حديث خباب بن الأرت -﵁-، قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَالله لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤٩).","vol":"2","page":431},{"text":"حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا الله، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (^١).\nوتأخر النصر الموعود يعود لأحد سببين، وقد يجتمعان:\nالسبب الأول: وجود الحكم الربانية.\nوالسبب الثاني: حصول الموانع له.\nوفيما يلي بيان ذلك:\nمن بحث في الحكم الربانية وجدها متعددة كثيرة، بعضها يفهمه العبد ولو بعد حين، والبعض الآخر استأثر الله بعلمه، ولعل من الحكم المعلومة للعبد ما يلي:\nزيادة صلة العبد بربه، وهو يعاني ويتألم ويبذل، ولا يجد له سندًا إلا الله، ولا ملجأ إلا إليه، فإذا حصل النصر لا يطغى ولا ينحرف.\nأن يجرب العبد كل القوى، فيدرك أن القوى وحدها بدون سند من الله لا تحقق النصر، إنما النصر من عند الله وحده.\nالأخذ بأسباب نصر الله تَعَالَى في الدنيا والآخرة، وذلك بالخضوع لأمره وشريعته ونصرة دينه في نفسه ومع الناس، فالتفريط في الأسباب باب إلى الخذلان والمصائب وتأخر نصر الله تَعَالَى (^٢).\nأن تكون النفوس غير متهيئة بعد لاستقبال الحق والخير، وتحتاج لمزيد من الوقت.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦١٢).\n(^٢) سيأتي ذكر أسباب الخذلان.","vol":"2","page":432},{"text":"أن يكون في الشر الذي يقاومه العبد بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منه؛ ليتمحض خالصًا، ويذهب وحده هالكًا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار!\nأن يكون الباطل المقاوم والمحارب لم ينكشف زيفه أمام الناس، فلو حصل النصر في ذلك الوقت لم يجد له أنصارًا من المخدوعين فيه الذين لم يقتنعوا بعد بفساده، وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يتأخر النصر والفرج؛ حتى ينكشف الباطل أمام الناس بوضوح.\nلوجود مانع من الموانع- سيرد ذكرها لاحقًا-.\n\n<span data-type='title' id=toc-651>الأثر السادس: الحذر من أسباب الخذلان:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو الغالب القاهر دومًا، لا يملك أحد أن يرد ما قضى، أو يمنع ما أمضى، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.\nقال القرطبي -﵀-: «فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله هو الغالب على الإطلاق، فمن تمسك به فهو الغالب، ولو أن جميع من في الأرض طالب، قال تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، ومن أعرض عن اللهتَعَالَى وتمسك بغيره كان مغلوبًا، وفي حبائل الشيطان مقلوبًا، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]» (^١).\n_________\n(^١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (ص: ٣٠٤).","vol":"2","page":433},{"text":"«وقد أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلى بينك وبين نفسك، فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا، فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه، ويغفل عنه بخذلانه له، فهو دائر بين توفيقه وخذلانه، فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته، وهو المحمود على هذا وهذا، له أتم حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئًا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه» (^١).\nولذا فعلى العبد المؤمن أن يحذر أسباب الخذلان، والتي من أبرزها ما يلي:\nالإعراض عن الله تعالى، وعن سنة رسول الله -ﷺ-، يقول ابن القيم -﵀-: «فأعظم الناس خذلانًا: من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت، وهو أوهن البيوت، وبالجملة فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها: التعلق بغير الله، ولصاحبه الذم والخذلان، كما قال تَعَالَى ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] مذمومًا لا حامد لك، مخذولًا لا ناصر لك» (^٢).\nالعُجْبُ: فالعجب طريق إلى خذلان المرء، بحيث يكل الله العبد إلى نفسه فلا ينصره، وقد قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٤١٣).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٤٥٥).","vol":"2","page":434},{"text":"وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]\nخذلان الناس وقت حاجتهم، فمن خذل أخاه؛ خذله الله في موقف يحتاج إليه، وفي الحديث: «مَا مِنَ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ الله فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنَ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ الله فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ» (^١).\nوفي الحديث الآخر، يقول -ﷺ-: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (^٢).\nالظلم، يقول تَعَالَى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]، والظلم ثلاث أنواع، وهي:\nظلم بين العبد وبين ربه، بأن يساوي الله بغيره، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٦٣٠)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٨٨٤)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٨٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).","vol":"2","page":435},{"text":"ظلم بين العبد والناس، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢].\nظلم بين العبد ونفسه، وهو المقصود في قوله تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤].\nالتنازع والاختلاف: قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦]، فالاختلاف والتنازع مدعاة للفشل، وهو الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر، ومن أكبر أسباب الضعف والجبن، ولذلك فسروا قوله تَعَالَى: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أي: فتجبنوا عن عدوكم وتضعفوا عن قتالهم … ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تذهب قوتكم ودولتكم، فقد شبهت الدولة في نفاذ أمرها بالريح وهبوبها.\nالغرور والرياء: والخروج للقتال على وجه البطر والفخر والرياء، والله تَعَالَى لا يعطي نصره إلا لمن خرج ابتغاء مرضاته ونصرة دينه؛ ولهذا نهى الله تَعَالَى عن مثل هذا الخروج، فقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، ومعنى ﴿بَطَرًا﴾ أي: فخرًا وأشرًا، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: خرجوا ليثني عليهم الناس، أي: يمدحونهم بالشجاعة والسماحة، والمقصود: نهي المؤمنين أن يكونوا أمثال أولئك في البطر والرياء، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص.\nالركون إلى الظالمين، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].","vol":"2","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-652>الأثر السابع: محبة الغالب الناصر النصير:</span>\nإن النفس بطبيعتها تميل إلى حب من يعينها ويمدها بالقوة، تحب من ينصرها ويقهر عدوها، فإذا ماتيقن العبد بأن ربه الذي يأوي إليه غالب، لا يرده أحد عما أراد، ولا يمنع عما يشاء، ولا ينازع فيما يريد، وفوق ذلك هو ناصر لا يخذل من تولاه، ولا يحرم من استنصره، وحين يتيقن العبد بذلك؛ يحب ربه ويتعلق به.\n\n<span data-type='title' id=toc-653>الأثر الثامن: الدعاء باسم الله الغالب، الناصر، النصير:</span>\nإن شعور العبد بحاجته لنصرة الله تَعَالَى في جميع أحواله وشؤونه، وأنه لا يستغني عن نصرة ربه له طرفة عين، فهو محتاج إلى نصرة الله له على هواه ونفسه أولًا، وعلى شيطانه من الإنس والجن، وعلى أعدائه الكافرين، فبالجملة هو محتاج إلى عون الله ونصرته على فتن الشبهات والشهوات وكيد الأعداء.\nولذا جاءت أدعية كثيرة ثابتة عن النبي -ﷺ- في طلب النصرة من الله تَعَالَى على الشر وأهله، ومن هذه الأدعية قوله -ﷺ-: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِيِ وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَىَ عَلَيَّ» … الحديث (^١).\nوكذلك كان من هدي النبي -ﷺ- في غزواته: أن يدعو الله بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":437},{"text":"وفي حديث جابر -﵁- في وصفه حجة رسول الله -ﷺ-، قال: «فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» (^١).\nوقد مدح الله -﷿- عباده وأولياءه المجاهدين بأنهم يتبرؤون من الحول والقوة، ويسألونه سُبْحَانَهُ النصر وتثبيت الأقدام، كما جاء ذلك في صفات الربيين، في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٧].\nاللهم أعنا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا، ويسر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٢١٨).","vol":"2","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-654>نورُ السماواتِ والأرض -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-655>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «النور: الضياء، والجمع: أنوار» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «النون والواو والراء: أصل صحيح يدل على إضاءة، واضطراب، وقلة ثبات، منه: النور، والنار، سميا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-656>ورود اسم الله (نور السماوات والأرض) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-657>ورود اسم الله (نور السماوات والأرض) في السنة النبوية:</span>\nورد وصف الله بالنور في السنة النبوية كثيرًا، ومن وروده: ما جاء في حديث ابن عباس -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- كان يدعو في قيامه من الليل\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٦٨).","vol":"2","page":439},{"text":"فيقول: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ …» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-659>ثبوت اسم (النور) في حق الله تعالى:</span>\nاختلف العلماء في اثبات اسم الله (النور) في حق الله تَعَالَى، على قولين:\nالقول الأول: إن النور من أسماء الله تَعَالَى وصفاته، وإليه ذهب ابن تيمية وابن القيم والسعدي وغيرهم (^٢)، وعلى هذا فلا إشكال عندهم بالتسمي بعبد النور.\nالقول الثاني: إن النور ليس من أسماء الله تَعَالَى، واستدلوا بأنه لم يرد إلا مضافًا للسماوات والأرض، وإليه ذهب المشايخ: ابن باز -﵀-، وصالح الفوزان، وعبدالعزيز آل الشيخ، وعليه فلا يصح التسمي بعبد النور (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-658>معنى اسم الله (نور السماوات والأرض):</span>\nقال الطبري -﵀- عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]: «أي: هادي من في السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون» (^٤)، ثم نقل أقوال المفسرين في الآية، فمنهم: من قال: إن معناها: «الله مدبر السموات والأرض» (^٥)،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: النونية، لابن القيم (ص: ٢١٢)، وتفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ٨٥).\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الثانية، رقم الفتوى: (١٩٣٤٦).\n(^٤) تفسير الطبري (١٧/ ٢٩٥).\n(^٥) المصدر السابق (١٧/ ٢٩٦).","vol":"2","page":440},{"text":"ومنهم: من قال: «ضياء السموات والأرض» (^١).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «هو الذي نوَّر قلوب العارفين بمعرفته والإيمان به، ونوَّر أفئدتهم بهدايته، وهو الذي أنار السموات والأرض بالأنوار التي وضعها، وحجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-:\nوَالنُّورُ مِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا وَمِنْ … أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي البُرْهَانِ\nقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَلَامًا قَدْ حَكَا … هُ الدَّارِمِيُّ عَنْهُ بِلَا نُكْرَانِ\nمَا عِنْدَهُ لَيْلٌ يَكُونُ وَلَا نَهَا … رٌ قُلْتُ تَحْتَ الفَلْكِ يُوجِدُ ذَانِ\nنُورُ السَّمَواتِ العُلَى مِنْ نُورِهِ … والأَرْضِ كَيْفَ النَّجْمُ والقَمَرَانِ!\nمِنْ نُورِ وَجْهِ الرَّبِّ -ﷻ- … وَكَذَا حَكَاهُ الحَافِظُ الطَّبَرَانِي\nفَبِهِ اسْتَنَارَ العَرْشُ والكُرْسِيُّ مَع … سَبْعِ الطِّبَاقِ وسَائِرِ الأَكْوَانِ\nوَكِتَابُهُ نُورٌ كَذَلِكَ شَرْعُهُ … نُورٌ كَذَا المَبْعُوثُ بِالفُرْقَانِ\nوَكَذَلِكَ الإِيَمانُ فِي قَلْبِ الفَتَى … نُورٌ عَلَى نُورٍ مَعَ القُرْآنِ\nوَحِجَابُهُ نُورٌ فَلَوْ كَشَفَ الحِجَا … بَ لَأَحْرَقَ السُّبُحَاتُ لِلْأَكْوَانِ\nوَإِذَا أَتَى لِلْفَصْلِ يُشْرُقُ نُورُهُ … فِي الأَرْضِ يَوْمَ قِيَامَةِ الأَبْدَانِ\nوَكَذَاكَ دَارُ الرَّبِّ جَنَّاتُ العُلَى … نُورٌ تَلَأْلَأَ لَيْسَ ذَا بُطْلَانِ (^٣)\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٧/ ٢٩٦).\n(^٢) تفسير السعدي (٥/ ٣٠٣).\n(^٣) النونية، لابن القيم (٢/ ٢٣٧).","vol":"2","page":441},{"text":"اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (نور السماوات والأرض) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله (نور السماوات والأرض) بأي اسم آخر في كتاب الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-660>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (نور السماوات والأرض):</span>\n<span data-type='title' id=toc-661>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (نور السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nيقول الشيخ السعدي -﵀- (^١): «النور من أوصافه تَعَالَى، وهو على نوعين:\n١ - نور حسي: وهو ما اتصف به سُبْحَانَهُ من النور العظيم، الذي لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاتُ وجهه، ونورُ جلاله ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا النور لا يمكن التعبير عنه إلا بمثل هذه العبارة النبوية المؤدية للمعنى العظيم، وأنه لا تطيق المخلوقات كلها الثبوت لنور وجهه لو تبدى لها، ولولا أن أهل دار القرار يعطيهم الرب حياة كاملة، ويعينهم على ذلك لما تمكنوا من رؤية الرب العظيم، وجميع الأنوار في السموات العلوية كلها من نوره، بل نور جنات النعيم التي عرضها السموات والأرض- وسعتها لا يعلمها إلا الله- من نوره، فنور العرش والكرسي والجنات من نوره، فضلًا عن نور الشمس والقمر والكواكب.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٦٩).","vol":"2","page":442},{"text":"٢ - نور معنوي: وهو النور الذي نور قلوب أنبيائه وأصفيائه وأوليائه وملائكته، من أنوار معرفته وأنوار محبته؛ فإن لمعرفته في قلوب أوليائه المؤمنين أنوارًا بحسب ما عرفوه من نعوت جلاله، وما اعتقدوه من صفات جماله، فكل وصف من أوصافه له تأثير في قلوبهم؛ فإن معرفة المولى أعظم المعارف كلها، والعلم به أجل العلوم، والعلم النافع كله أنوار في القلوب، فكيف بهذا العلم الذي هو أفضل العلوم وأجلها وأصلها وأساسها.\nوقد كان من دعاء النبي -ﷺ- سؤال هذا النور، ففي الحديث: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا» (^١).\nفمن هذا الاسم تنطلق معاني العظمة والكبرياء والجلال والمجد؛ لتملأ القلوب من أنوار الهيبة والتعظيم والإجلال والتكبير، وتظهر معاني الجمال والبر والإكرام من أنوار المحبة والود والشوق، وتظهر معاني الرحمة والرأفة والجود واللطف من أنوار الحب النامي على الإحسان، وأنوار الشكر والحمد بأنواعه والثناء، وتبرز معاني العلم والإحاطة والشهادة والقرب الخاص من أنوار مراقبته، وتوصلهم إلى مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات كلها؛ «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^٢)، فكل معنى ونعت من نعوت الرب يكفي في امتلاء القلب من نوره.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨).","vol":"2","page":443},{"text":"وقد تحدث ابن القيم -﵀- عن نور الله المعنوي في قلب المؤمن، عند تفسيره لقول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].\nفقال: «لهذا النور فاعل وقابل، ومحل وحامل، ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل:\nفالفاعل: هو الله تَعَالَى مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله.\nوهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله، وتبتهج به قلوبهم.\nوفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان:\nأحدهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم.\nفتأمل صفة مشكاة، وهي كوة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة، تشبه الكوكب الدري في صفائها","vol":"2","page":444},{"text":"وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان، وأتمها وقودًا من زيت شجرة في وسط القراح (^١)، لا شرقية، ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تَعَالَى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.\nالطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل: المشكاة صدر المؤمن والزجاجة قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن؛ فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم، ويحسن، ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تَعَالَى، ويتصلب في ذات الله تَعَالَى، ويغلظ على أعداء الله تَعَالَى، ويقوم بالحق لله تَعَالَى، وقد جعل الله تَعَالَى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: القلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه أرقها، وأصلبها، وأصفاها» (^٢).\n_________\n(^١) القراح من الأرض: «التي ليس بها شجر ولم يختلط بها شيء». تهذيب اللغة، للأزهري (٤/ ٢٨).\n(^٢) ينظر: اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم (٢/ ٥٠ - ٥٢).","vol":"2","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-662>الأثر الثاني: الإيمان بأن كتب الله ورسله ودينه نور من عنده:</span>\nفكل الكتب المنزلة من عنده تَعَالَى- قبل تحريف أقوامها (^١) - هي نور يضيء الله به قلوب العباد، في كل زمان ومكان، ومن شواهد ذلك:\nقوله تَعَالَى عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].\nقوله تَعَالَى عن الإنجيل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].\nقوله تَعَالَى عن القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وهو أعظم الأنوار المنزلة.\nقوله تَعَالَى عن محمد -ﷺ-: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وفي موضع آخر قال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة، ١٥]، وقد تنوعت أقوال\n_________\n(^١) فكل الكتب السماوية تعرضت للتحريف، عدا القرآن الكريم الذي تولى الله حفظه، يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].","vol":"2","page":446},{"text":"المفسرين في المراد بالنور في هذه الآية على ثلاثة أقوال (^١)، وهي:\nالقرآن الكريم.\nمحمد -ﷺ-.\nالإسلام.\nووجه تسمية كل من هذه الثلاثة نورًا؛ لاشتراكهم في هداية الناس لنور الله، وإخراجهم من ظلمات الغي والضلالة لأنوار الحق والهداية، فلولا النورالحسي لما أدرك البصر شيئًا من المبصرات، ولولا ما جاء به النبي من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة الحق من الباطل.\n\n<span data-type='title' id=toc-663>الأثر الثالث: محبة الله نور السموات والأرض:</span>\nحري بالمسلم أن يحب هذا الإله العظيم الكريم الذي ينير لعباده طريق دنياهم وآخرتهم، ويمن عليهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور، يقول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ويقول- جل في علاه-: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].\nولو تأمل العبد في قوله تَعَالَى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] لعرف أن طرق الباطل كثيرة، وهي ظلمات عديدة،\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ١٤٣)، وتفسير السعدي (ص: ٢٢٦).","vol":"2","page":447},{"text":"وطريق الحق واحدة وهو نور واحد، والله الهادي إلى هذا النور بكرمه؛ فالحمد لله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن فيهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-664>الأثر الرابع: نور الله (دينه) باقٍ بحفظ الله:</span>\nفمهما اجتهد الكفار والمنافقون في أي زمان ومكان، بأن يحرفوا هذا القرآن، ويطعنوا بلغته ودينه، فسيبقى إلى يوم الدين، وهذا من الإعجاز القرآني، فالله حافظ كتابه، وكتابه حافظ لهذه الأمة من الزوال، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وغاية ما يسعهم في محاولة الإطفاء: الكلمة؛ سواء ببث الأكاذيب والدسائس للتشكيك في دين الله، أو بالتحريض على أهل الإسلام والعلماء، ولذا تكرر ذكر «بأفواههم» في القرآن، كما في قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] إشارة منه سُبْحَانَهُ إلى أن هذا سلاحهم الضعيف في المعركة محسومة النتائج.\nورد الله على محاولتهم الكلامية الطائشة التي لا يمكنها أن تقاوم نور الله، بأن الله متم نوره رغم كرههم، وأن دين الحق والنور سيبقى ظاهرًا على كل الأديان وفي كل الأزمان ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وهذا وعد تطمئن له قلوب المؤمنين، فيصبرون على الأذى والمشقة؛ لأن النتائج عظيمة لصالحهم، فدين الله سيعلو على سائر الأديان.\n\n<span data-type='title' id=toc-665>الأثر الخامس: السعي للعمل الصالح الذي ينير للعبد يوم القيامة:</span>\nفإن العبد أفقر ما يكون إلى أن يفتح الله له أبواب رحمته، فيشرح صدره للهدى وينور طريقه للصلاح، ويأخذ بيده إلى طريق فلاحه ونجاحه، ولا","vol":"2","page":448},{"text":"يوفق العبد لذلك إلا بمعونة من الله وفضل، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].\nوالمؤمن متى استسلم لأمر ربه، والتزم بفرائضه، وأدى أوامره، واجتنب نواهيه؛ فإنه بهذا العمل يتقرب إلى الله ويتحبب إليه، فيقذف الله في قلبه نورًا، حتى إذا ما امتلأ القلب بنور الله، استنار به الوجه في الدنيا والآخرة، وانقادت الجوارح بالطاعة راغبة، وهذا النور الذي في القلب هو الذي يمنع العبد من ارتكاب الفواحش، كما قال النبي -ﷺ-: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (^١)، فأخبر أن وقوع هذه الكبائر لا يكون ولا يقع مع وجود الإيمان ونوره (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «قال ابن عباس: إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وغبرة في الوجه، وضعفًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق» (^٣).\nوهذا أمر محسوس لمن كان له قلب؛ فإن ما في القلب من النور والظلمة، والخير والشر يسري كثيرًا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأشياء ارتباطًا بالقلب؛ ولهذا يروى عن عثمان، أو غيره أنه قال: «ما أسرَّ أحد بسريرة، إلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٥٧).\n(^٢) ينظر: فتح الرحيم العلام، للسعدي (ص ٦٢ - ٦٥).\n(^٣) الداء والدواء، لابن القيم (ص: ١٣٥).","vol":"2","page":449},{"text":"أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه» (^١).\nومن صور الأعمال الصالحة المخصوصة التي ورد فيها نصوص تدل على أنها تنور وجه العبد يوم القيامة، ما يلي:\nالصلاة، وخاصة قيام الليل:\nقال -ﷺ-: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلَآنِ- أو تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، والصَّلَاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، والصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (^٢)، ويقول تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩].\nويقول بعض السلف في ذلك: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (^٣).\nقراءة القران:\nفعن أبي ذر -﵁-، قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ الله، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ …»، رواه ابن حبان في صحيحه، في حديث طويل (^٤).\n_________\n(^١) الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ١٣٦).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٣).\n(^٣) عزاه السيوطي لشريك، قاله عن ثابت بن موسى الزاهد. ينظر: تدريب الراوي (١/ ٢٨٧).\n(^٤) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٣٦١)، حكم الألباني: ضعيف جدًّا، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٣٦٢).","vol":"2","page":450},{"text":"تعليم حديث النبي -ﷺ-:\nفمن بلَّغ الأحاديث رُزق النضارة، يقول -ﷺ-: «نَضَّرَ اللهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ» (^١).\nويقول سفيان بن عيينة -﵀-: «ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لقول النبي -ﷺ-: (نَضَّرَ اللهُ امْرأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ) (^٢)» (^٣).\nالمشي إلى المساجد في الظلمات، خاصة صلاة الفجر وصلاة العشاء:\nيقول -ﷺ-: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٤).\nإتمام غسل الأعضاء كاملة عند الوضوء:\nيقول -ﷺ-: «إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (^٥).\nقراءة سورة الكهف يوم الجمعة:\nيقول -ﷺ-: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كَمَا أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لَهُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٢٤٠)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٦٦٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦٥٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٣٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٣٦٦٠).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) شرف أصحاب الحديث، للخطيب (ص: ١٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٦١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٢٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٦١).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٤٦).","vol":"2","page":451},{"text":"نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ مَقَامِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا ثُمَّ خَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ كُتِبَ فِي رَقٍّ، ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^١).\nالشيب في الإسلام:\nيقول -ﷺ-: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٢).\nوفي الحديث الآخر: «الشَّيْبُ نُورٌ فِي وَجْهِ الْمُسْلِمِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُمْ يَنْتِفُونَ قَال: فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْتِفْ نُورَهُ» (^٣).\nرمي الجمار:\nيقول -ﷺ-: «إذَا رَمَيْتَ الْجِمَارَ، كَانَ لَكَ نُورًا يَومَ الْقِيَامَةِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٧٢٢)، والحاكم، رقم الحديث: (٢٠٨٠)، الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (١٤٥٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٦٥١).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (١٦٣٤)، والنسائي، رقم الحديث: (٣١٤٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٦٣٤).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٥٨٥)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٥٩٧١)، وابن عدي في الكامل واللفظ له، رقم الحديث: (٥/ ٢٥٠)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٢٤٤).\n(^٤) أخرجه البزار، رقم الحديث: (١١٤٠)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٥٢٦).","vol":"2","page":452},{"text":"رمي سهم في سبيل الله:\nيقول -ﷺ-: «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ كَانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١).\nالمحبة في الله ولله:\nيقول -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، قِيلَ: مَنْ هُمْ لَعَلَّنَا نُحِبُّهُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِنُورِ الله مِنْ غَيْرِ أَرْحَامٍ وَلَا انْتِسَابٍ، وُجُوهُهُمْ نُورٌ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، ثم قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]» (^٢).\nالمقسطون في ولاياتهم:\nيقول -ﷺ-: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -﷿-، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» (^٣).\nوبالجملة: فالحسنة والطاعة هي التي تنير الوجه، وتضيء القلب، وتشرح الصدر، وليست آية معينة، ولا سورة مخصوصة، بل القرآن الكريم،\n_________\n(^١) أخرجه البزار، رقم الحديث: (٩٣١٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٥٥٥).\n(^٢) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٥٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٨٤)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٥٧٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٢٧).","vol":"2","page":453},{"text":"والعمل الصالح بعمومه، ولا يجوز تخصيص شيء من الدين بفضل خاص، إلا بدليل، وإلا أصاب العبدُ نصيبًا من الابتداع المذموم.\n\n<span data-type='title' id=toc-666>الأثر السادس: دعاء الله باسمه نور السموات والأرض:</span>\nفمن دعاء النبي -ﷺ- أن يرزقه الله النور في كل حاسة، وفي كل اتجاه، أخرج البخاري (^١) من حديث ابن عباس -﵄-، قال في قيام رسول الله -ﷺ- الليل: «وكان يقول في دعائه: اللهمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا، قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ. فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ فَذَكَرَ: عَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي» (^٢).\nوثبت أنه -ﷺ- يقول هذا الدعاء- أيضًا- في قيام الليل قبل صلاة الفجر؛ لأن الليل مظلم، والعبد في الظلمة يحتاج إلى نور، فناسب ذكر هذا الدعاء، كما ثبت أنه قاله في سجوده (^٣)، وهو أقرب ما يكون العبد من ربه، وحري بمن سأل الله في السجود أمرًا أن يستجاب له.\nومن دعائه -ﷺ- أيضًا في قيام الليل: «اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣١٦).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) ذكر الروايات في موطن هذا الدعاء ابن حجر في فتح الباري (٣/ ٧٨).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"2","page":454},{"text":"وقد ثبت من دعائه -ﷺ- في أذكار الصباح والمساء قوله: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ، وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ، وَبَرَكَتَهُ، وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» (^١)، كأنها إشارة إلى أن الكون لايكون مضيئًا دون أن ينال من نور الله المعنوي نصيب.\nاللهم إنا نسألك أن تجعل في قلوبنا نورًا، وفي أبصارنا نورًا، وفي سمعنا نورًا، وعن يميننا نورًا، وعن يسارنا نورًا، وفوقنا نورًا، وتحتنا نورًا، وأمامنا نورًا، وخلفنا نورًا، واجعل لنا نورًا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٤)، والطبراني في الكبير (٣٤٥٣)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٨٤).","vol":"2","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-667>الواحد الأحد -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-668>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «أحد بمعنى الواحد، وهو أول العدد … واستأحد الرجل: انفرد» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(وحد) الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-669>ورود اسم الله (الواحد - الأحد) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورد اسم الله (الواحد):\nورد اسم الله الواحد ثنتين وعشرين مرةً في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].\nقوله -﷿-: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].\n٣ - قوله -﷿-: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٤٤٠).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ٩٠).","vol":"2","page":456},{"text":"ثانيًا: ورد اسم الله (الأحد):\nورد اسم الله (الأحد) مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].\n\n<span data-type='title' id=toc-670>ورود اسم الله (الواحد، الأحد) في السنة النبوية:</span>\nأولًا: ورد اسم الله (الواحد الأحد) في السنة النبوية مقترنًا، ومن وروده ما يلي:\nحديث محجن بن الأدرع -﵁-، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ يا اللَّهُ بأنَّكَ الواحدُ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أن تغفِرَ لي ذُنوبي، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثلاث مرار» (^١).\nثانيًا: ورد اسم الله (الواحد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nحديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال النبي -ﷺ- لأصحابه: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: الله الوَاحِدُ الصَّمَدُ، ثُلُثُ القُرْآنِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٢٧٨)، وأبو داود، رقم الحديث: (٩٨٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٩٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠١٥).","vol":"2","page":457},{"text":"ثالثًا: ورد اسم الله (الأحد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nحديث أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «قال الله: كَذَّبَنِي ابنُ آدَمَ ولم يَكُنْ له ذلك، وشَتَمَنِي ولم يَكُنْ له ذلك، فأمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فقولُهُ: لن يُعِيدَني كما بَدَأني، وليسَ أول الخلقِ بأهونَ عليَّ مِن إعادَتِهِ، وأمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فقولُهُ: اتَّخَذَ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ، ولم أُولَدْ، ولم يكن لي كُفْئًا أحدٌ» (^١).\nحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: «أن النبي -ﷺ- سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله -ﷺ-: لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-671>معنى اسم الله (الواحد، الأحد) في حقه- سُبْحَانَهُ:</span>\n- قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]-: «… معبود واحد ورب واحد، فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه سواه، فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه، هو خلق من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد، لا مثل له ولا نظير».\nواختلف في معنى وحدانيته- تَعَالَى ذكره-:\nفقال بعضهم: معنى وحدانية الله معنى نفي الأشباه والأمثال عنه، كما يقال: فلان واحد الناس، وهو واحد قومه، يعني بذلك: أنه ليس له في الناس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٩٧٤).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":458},{"text":"مثل، ولا له في قومه شبيه، ولا نظير؛ فكذلك معنى قول الله ﴿وَاحِدٌ﴾ يعني به الله: لا مثل له، ولا نظير …\nوقال آخرون: معنى وحدانيته- تَعَالَى ذكره- معنى انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه، قالوا: وإنما كان منفردًا وحده؛ لأنه غير داخل في شيء ولا داخل فيه شيء …» (^١).\nقال الزجاج -﵀-: «تفرده بصفاته التي لا يشركه فيها أحد، واللهتَعَالَى هو الواحد في الحقيقة، ومن سواه من الخلق آحاد تركبت» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده؛ ولم يكن معه آخر، وقيل: هو المنقطع القرين، المعدوم الشريك والنظير، وليس كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ إذ كل شيء سواه يدعى واحدًا، فهو واحد من جهة، غير واحد من جهات، واللهسُبْحَانَهُ الواحد الذي ليس كمثله شيء» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀-: «في (الأحد) نفي لكل شريك لذي الجلال» (^٤).\nقال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]: «يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا ندّ ولا شبيه ولا عديل» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢/ ٧٤٥).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥٦).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٨١).\n(^٤) زاد المعاد (٤/ ١٨١).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٧).","vol":"2","page":459},{"text":"قال السعدي -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أي: متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له شريك في ذاته، ولا سمي له ولا كفؤ له، ولا مثيل، ولا نظير، ولا خالق، ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك، فهو المستحق لأن يؤلَه ويُعبَد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه» (^١).\nوقال أيضًا: «الواحد، الأحد: وهو الذي توحد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك، ويجب على العبيد توحيده، عقلًا وقولًا وعملًا، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة» (^٢).\nالفرق بين الواحد والأحد:\nالفرق بينهما راجع إلى كون «الواحد»: المتفرد بذاته فلا يضاهيه أحد، و«الأحد»: المنفرد بصفاته ونعوته فلا يشاركه فيها أحد (^٣)، وقيل: بل هو أعم يشمل تفرد الذات والصفات (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧٧).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٩٤٥).\n(^٣) ينظر: شأن الدعاء، للخطابي (ص: ٨٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ١٥٩)، وتفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٦٥).\n(^٤) ينظر: تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج (ص: ٥٨).\n(^٥) ذكر ابن رجب فروقًا أخرى، تراجع في المجموع من تفسيره (٢/ ٦٦٥).","vol":"2","page":460},{"text":"اقتران اسم الله (الواحد - الأحد) بأسمائه الأخرى- سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الواحد) بأسمائه الأخرى:\n- اقتران اسم الله (الواحد) باسم الله (القهار):\nتقدم بيانه في اسم الله (القهار).\nثانيًا: اقتران اسم الله (الأحد) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله (الأحد) بأي من أسماء الله تَعَالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-672>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الواحد، الأحد):</span>\n<span data-type='title' id=toc-673>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الواحد، الأحد) من الصفات:</span>\nالله -﷿- الواحد الأحد الذي توحد بجميع الكمالات، وتفرد بكل كمال، وباين بأحديته جميع الموجودات، فلا يشاركه مشارك لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل واحد أحد فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (^١)، وتفصيل ذلك على النحو الآتي:\n١ - وحدانية الله -﷿- في ذاته:\nالله -﷿- واحد أحد في ذاته المقدسة، بائن من خلقه، مستو على عرشه، لم يكن له صاحبة، ولم يتخذ ولدًا، ولا شريكًا في الملك، ولا وليًّا من الذل،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٧ - ٧٨).","vol":"2","page":461},{"text":"يقول تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\n٢ - وحدانية الله -﷿- في أسمائه:\nالله -﷿- واحد أحد في أسمائه الحسنى التي تليق بجلاله وعظمته وكماله، تفرد بحسنها فلا أحسن منها، وتفرد بعددها فلا يشاركه أحد في كثرتها ولا في العلم بجميعها، وتفرد بأسماء منها اختص بها فلا يتسمى بها غيره، كاسمه: الله، والأحد، والصمد، والرحمن، والخالق، والرازق (^١).\nوواحد أحد في كمالها، فبعض أسمائه وإن تسمى بها غيره إلا أنه واحد أحد في كمالها؛ فهي دالة على صفات كمال ونعوت جلال، لا أعلام محضة، بخلاف تسمي البشر بها، فربما تسمى الواحد منهم بعزيز، وكريم، وعليم وليس هو كذلك، وربما كان كذلك إلا أن اتصافه بما يدل عليه الاسم ناقص يليق بحاله وعجزه وضعفه؛ ولذا قال تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].\n٣ - وحدانية الله -﷿- في صفاته:\nالله -﷿- واحد أحد في صفاته العلية، متفرد بأوليته في الوجود بلا ابتداء كما جاء في الحديث: «كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ» (^٢)، ومتفرد بآخريته بالديمومة والبقاء بلا انتهاء، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. (^٣)\nوواحد أحد في كمال صفاته وجلالها؛ فهو الأحد في قهره وغلبته لكل\n_________\n(^١) ينظر: تحفة المودود بأحكام المولود، لابن القيم (ص: ١٢٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٩١).\n(^٣) ينظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣).","vol":"2","page":462},{"text":"شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].\nوهو الأحد في صمديته وكماله من كل وجه، وقصد سائر العباد له في جميع الحوائج والنوائب والمدلهمات، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].\nوهو الأحد كذلك في حياته، وقيوميته، وعلمه، وقدرته، وعظمته، وجلاله، وجماله، وحمده، وحكمته، ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف فيها بغاية الكمال ونهايته، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].\nولما كان كذلك تعذر على جميع الخلق الإحاطة بشيء منها، أو إدراك شيء من نعوتها، فضلًا عن مماثلة شيء منها، قال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فليس له فيها مثيل ولا نظير، ولا مكافئ بوجه من الوجوه (^١).\n٤ - وحدانية الله -﷿- في أفعاله:\nالله -﷿- واحد أحد في أفعاله وربوبيته لا شريك له ولا ظهير ولا معين، ولا منازع ولا مغالب (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٤ - ٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].\n_________\n(^١) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٦٠ - ٦١).\n(^٢) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٦٠).","vol":"2","page":463},{"text":"واحد «متفرد في ملكوته- في الدنيا- بأنواع التصرفات من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والخلق والرزق، والإعزاز والإذلال، والهداية والإضلال، والإسعاد والإشقاء، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والوصل والقطع، والضر والنفع، فلو اجتمع أهل السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهن وما بينهما على إماتة من هو محييه، أو إعزاز من هو مُذِلُّه، أو هداية من هو مُضِلُّه، أو إسعاد من هو مُشقيه، أو خفض من هو رافعه، أو وصل من هو قاطعه، أو إعطاء من هو مانعه، أو ضر من هو نافعه، أو عكس ذلك؛ لم يكن ذلك بممكن في استطاعتهم، وأنى لهم ذلك والكل خلقه وملكه وعبيده وفي قبضته وتحت تصرفه وقهره، ماض فيهم حكمه، عدل فيهم قضاؤه، نافذة فيهم مشيئته، لا امتناع لهم عما قضاه، ولا خروج لهم من قبضته، ولا تتحرك ذرة في السماوات والأرض ولا تسكن إلا بإذنه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» (^١).\nوواحد متفرد في ملكوته تشريعًا وحكمًا دينيًّا ودنيويًّا، قال تَعَالَى:\n﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، قال -ﷺ-: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (^٢).\n_________\n(^١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، للحكمي (١/ ١٣٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٠٩٥)، والبيهقي في الكبرى، رقم الحديث: (٢٠٤٠٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٠٩٥).","vol":"2","page":464},{"text":"وواحد متفرد في ملكوته في الآخرة- كما تفرد في ملكوته في الدنيا- بأنواع التصرفات من إفناء الأحياء، وقبض الأرض وطي السماء، والإذن بالنفخ في الصور، وبعث الموتى ونشرهم، وكسوة من شاء من الخلق، وظل من شاء تحت ظل عرشه، والشفاعة والإذن فيها لمن شاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، والعرض والحساب، ونصب الصراط وتثبيت الأقدام، والجزاء بالجنة أو النار، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].\nوواحد أحد في كمال الأفعال؛ فكلها حكمة، وعدل، ورحمة، وإحسان ليس فيها فعل بلا مصلحة، ولا فعل عشواء وعبث، كما جاء في الحديث: «والخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^١).\nثم إنه سُبْحَانَهُ في جميع ما سبق من الذات والأسماء والصفات والأفعال واحد أحد متفرد عن كل نقص، وعيب، وسوء؛ لكماله من كل وجه وفي كل حال، قال تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).","vol":"2","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-674>الأثر الثاني: توحيد الله الواحد الأحد، ودلالة الاسمين الكريمين عليه </span>(^١).\nإن أعظم أثر وموجب لهذين الاسمين الجليلين الكريمين: توحيد الله -﷿-، وإفراده بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات؛ إذ معناهما- كما سبق- دال على تفرده بالأفعال مما يوجب على العبد أن يوحد ربه بالربوبية، فيعتقد أنه وحده الرازق ولا رازق غيره، ووحده الضار النافع، ولا ضار ولا نافع غيره، ووحده الشافي ولا شافي غيره، ووحده منزل المطر ومجري السحاب وليس ذلك لأحد سواه، ووحده الذي بيده الشفاعة وليست لملك مقرب ولا لنبي مرسل ولا لولي تقي، بل لله يأذن بها لمن يشاء ويرضى، ونحو ذلك مما يتعلق بأفعال الله -﷿-، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٤ - ٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].\nثم إذا اعتقد العبد هذا لزمه أن يعتقد وحدانية الله في الألوهية؛ فإن المتفرد بالربوبية هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له كما قرر الله -﷿- ذلك في جملة من الآيات، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص: ٦٥ - ٦٦]،\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٩٠ - ٩٢).","vol":"2","page":466},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون اثنان قهاران متساويين في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده كما كان قاهرًا وحده» (^١).\nومعنى توحيد الألوهية: إفراد الله -﷿- بجميع أنواع العبادات، سواء أكانت قلبية كالمحبة والخوف والخشية والرجاء والاستعانة والتوكل، أو قولية كالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والنذر، أو فعلية كالصلاة والطواف والحج والذبح، فلا يصرف منها شيء لغير الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] (^٢).\nكما يفرده بالطاعة والتحكيم والتشريع، سواء فيما يتعلق بأمر الدنيا أو الدين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠].\nوإن تحقيق هذا التوحيد يعود على العباد بثمار طيبة في الدنيا والآخرة، ومنها (^٣):\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧١٦).\n(^٢) ينظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول، للحكمي (٢/ ٣٩٣).\n(^٣) نصينا على ثمار التوحيد- بخلاف العادة -؛ لأن أعظم أثر لاسم الله الواحد الأحد: التوحيد.","vol":"2","page":467},{"text":"الهداية والتوفيق إلى الصراط المستقيم، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ» شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^١).\nالأمن التام في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] بخلاف المشرك فإنه «يخاف المخلوقين ويرجوهم، فيحصل له رعب، كما قال تَعَالَى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]» (^٢).\nتفريج الكربات، كما في قصة يونس -﵇- وندائه بالتوحيد: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فأتاه الفرج: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].\nحتى إن المشركين ليعلمون أن في التوحيد تفريجًا للكرب، كما قال سُبْحَانَهُ عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (٦٩٣٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٢٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٠/ ٢٥٧).","vol":"2","page":468},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد، فلا يلقى في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد» (^١).\nالسعادة بشفاعة رسول الله -ﷺ-؛ فعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ» (^٢).\nمنع الخلود في النار؛ فعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (^٣)، وفي حديث الشفاعة الطويل: «ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (^٤).\nدخول الجنة؛ فعن جابر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ لَقِيَ الله لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (^٥).\nوهذه الثمار تدعو العبد إلى تعلم التوحيد وتحقيقه وتكميله، وتعلم\n_________\n(^١) الفوائد (ص: ٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٩٩).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٤٢٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٣٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٣٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٤٧٣٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥١٠).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٣).","vol":"2","page":469},{"text":"ضده- أيضًا- وتوقيه والحذر منه والخوف، كما تدعوه إلى سؤال ربه دومًا أن يرزقه التوحيد، ويثبته عليه إلى الممات، ويقيه من ضده، كما قال خليل الرحمن إبراهيم -﵇-: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦].\nوعلَّمنا -ﷺ- الاستعاذة من الشرك، لا سيما الخفي، فقال لأبي بكر -﵁-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^١).\nوكان -ﷺ- يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ والكُفْرِ، والفُسُوقِ، والشِّقَاقِ، والنِّفَاقِ، والسُّمْعَةِ، والرِّيَاءِ» (^٢).\nواسم الله الواحد الأحد دال أيضًا- كما سبق- على تفرد الله -﷿- بالأسماء والصفات، وهذا يوجب للعبد أمرين:\nالأول منهما: إثباتها من غير تعطيل ولا تحريف.\nوالثاني: نفي المشابه والمماثل له فيها.\nوهذه حقيقة توحيد الأسماء والصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٦)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٥٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٧١٦).\n(^٢) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث (١٠٢٣)، والحاكم، رقم الحديث (١٩٥٠)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث (٣٤٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٢٨٥).","vol":"2","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-675>الأثر الثالث: محبة الله الواحد الأحد:</span>\nإن معرفة اسم الواحد الأحد وما فيه من تفرد بالكمال والجمال في الذات والأسماء والصفات والأفعال، يدعو العبد إلى محبة الله -﷿- وإفراده بذلك، كما جاء في الحديث: «إنَّ الله وترٌ يحبُّ الوترَ» (^١)، لا سيما وقد فُطرت القلوب على محبة من له الكمال، فكيف بمن بلغ المنتهى في الكمال وتفرد به، فلم يشركه فيه أحد؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-676>الأثر الرابع: التعلق بالله الواحد الأحد في المطالب، والاطمئنان إليه:</span>\nإن يقين العبد باسم الله الواحد الأحد الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها وضروراتها، وهو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء، والمتفرد بالنفع والضر؛ يثمر في قلب العبد تعلقًا بالواحد الأحد وتوجهًا إليه وحده لا شريك له، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].\nوبالمقابل يثمر قطع التعلق بمن لا يملكون شيئًا، ولا يقدرون على شيء إلا بما أقدرهم الله عليه، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم.\nوهذا يريح القلب من الشتات والإضطراب، ويجعله يسكن إلى واحد في وجهته، وطلبه، وقصده، فيستريح ويطمئن؛ لأنه أسلم وجهه وقلبه لله وحده،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).","vol":"2","page":471},{"text":"ولم يتوجه لوجهات متعددة وشركاء متشاكسين يعيش بينهم في حيرة وقلق وصراع مرير، وقد ضرب الله تَعَالَى مثلًا للموحد الذي يعبد إلهًا واحدًا هو الله -﷿-، وللمشرك الذي تنازعه آلهة شتى يستعبدونه ويمزقونه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]؛ فالمشرك عبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضًا فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف؛ وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه، فيعيش معذبًا قلقًا، لا يستقر على حال، ولا يرضي واحدًا منهم، فضلًا عن أن يرضي الجميع!\nوالموحد عبد يملكه سيد واحد، يعلم ما يطلبه منه، وما يكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح، لا يعرف إلا مصدرًا واحدًا للحياة، والقوة، والرزق، ومصدرًا واحدًا للنفع والضر، ومصدرًا واحدا للمنح والمنع، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته، ويتجه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه، ويخدم سيدًا واحدًا يعرف ماذا يرضيه فيفعله، وماذا يغضبه فيتقيه؛ وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء.","vol":"2","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-677>الأثر الخامس: ذكر الله الواحد الأحد بالتوحيد:</span>\nإن اسم الله الواحد الأحد وما فيه من الدلالة على التوحيد، يدعو العبد إلى تجديد توحيده والإكثار من ذكره واللهج به، لا سيما وقد جاء في كثير من أذكار اليوم والليلة والمناسبات الشرعية الحث على الأذكار التي فيها توحيد الله -﷿-، ومنها:\nكلمة التوحيد «لا إله إلا الله»؛ فعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله -ﷺ- قال: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (^١)، وقال: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قال: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (^٢).\n- وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^٣).\nدعاء يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»؛ فعن أُبَي -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٣)، والنسائي في الكبري، رقم الحديث: (١٠٥٩٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٣).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٨٣١)، والبزار، رقم الحديث: (٦٦٤ - كشف الأستار)، حكم الأ لباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦٢٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٥).","vol":"2","page":473},{"text":"وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (^١).\nوقال -ﷺ-: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^٢).\nالذكر في الصباح والمساء، كما جاء عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: «كان نبي الله -ﷺ- إذا أمسى قال: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» (^٣).\n- وبما جاء عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ أَقُولَ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ وَإِذَا أَخَذْتُ مَضْجَعِي مِنَ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٩٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩١).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٠٨٠)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٥٨٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٥).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٣).","vol":"2","page":474},{"text":"وَرَسُولُكَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ» (^١).\nالذكر بعد الوضوء؛ فعن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ-، قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أو فَيُسْبِغُ- الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٢).\nالذكر في دعاء الاستفتاح؛ فعن علي -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ … وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللهمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ …» إلخ (^٣).\nالذكر بعد الصلاة؛ فعن وراد مولى المغيرة بن شعبة، قال: كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (٨٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٦٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣٩٢)، حكم الألباني: صحيح، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث (٢٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٥٩٣).","vol":"2","page":475},{"text":"- وعن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ سَبَّحَ الله فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^١).\nالذكر عند الانتباه من النوم؛ فعن عبادة بن الصامت -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ الله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (^٢).\nفحري بالعبد أن يحرص على مثل هذه الأذكار، التي فيها توحيد الواحد الأحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-678>الأثر السادس: قراءة سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وتدبرها:</span>\nورد اسم الله (الأحد) في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال لأصحابه: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٩٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":476},{"text":"وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» (^١).\nوإنما عدلت ثلث القرآن- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ناقلًا عن أبي العباس بن سريج -﵀- ومستحسنًا-؛ لأن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منه أحكام، وثلث منه وعد ووعيد، وثلث منه أسماء وصفات، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات (^٢).\nولهذه السورة فضائل أخرى، منها (^٣).\n١ - أنها صفة الرحمن؛ فعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- بعث رجلًا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي -ﷺ-، فقال: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -ﷺ-: أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ» (^٤).\n٢ - أن حبها يوجب محبة الله؛ كما جاء في حديث عائشة آنف الذكر، وفيه: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠١٣).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٣).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٦٥٤، وما بعدها).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"2","page":477},{"text":"٣ - أنها تمنع صاحبها من الشر وتكفيه؛ فعن عبدالله بن خبيب -﵁-، أنه قال: «خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يُصَلِّي لَنَا، قَالَ: فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، قَالَ: قُلْ، فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (^١).\nوعن عائشة -﵂-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، وَ«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ»، وَ«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ» (^٢).\n٤ - أن حبها يوجب دخول الجنة؛ فعن أنس -﵁-، «أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (^٣).\nوفي رواية: قال أنس -﵁-: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ يَقْرَأُ بِهَا، افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ بِسُورَةٍ أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِيكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٢)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٥٧٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠١٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١/ ١٥٥) معلقًا. وابن حبان رقم الحديث: (٧٩٢)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٧٨٩).","vol":"2","page":478},{"text":"قَالَ مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِهَا فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَفْضَلَهُمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ أَنْ تَقْرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ حُبَّهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» (^١).\nوفي حديث أبي هريرة -﵁-، قال: «أقبلت مع النبي -ﷺ-، فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فقال رسول الله -ﷺ-: وَجَبَتْ، قلت: وما وجبت؟ قال: الْجَنَّةُ» (^٢).\nوهذه الفضائل وغيرها تدعو العبد إلى قراءتها، وتردادها، وتدبر معانيها، ومحبتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-679>الأثر السابع: دعاء الله باسمه الواحد الأحد:</span>\nإن معرفة العبد لاسم الله الواحد الأحد يدعوه إلى دعاء الله وسؤاله بهما؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] لا سيما وقد جاء ما يدل على أن اسم الله الأحد هو الاسم الأعظم؛ فقد سمع النبي -ﷺ- رجلًا يقول في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٩٠١)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٣٣٣٥)، وابن خزيمة، رقم الحديث: (٥٣٧)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩٠١).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨١٢٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٨٩٧)، والنسائي، رقم الحديث: (٩٩٣). حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٩٧).","vol":"2","page":479},{"text":"-ﷺ-: «لَقَدْ سَأَلَ الله بِاسْمِهِ الأعظمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وإذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^١)، وجاء في فضل الدعاء بهما حديث محجن بن الأدرع -﵁-، «أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- دخلَ المسجدَ، إذا رجلٌ قد قَضى صلاتَهُ وَهوَ يتشَهَّدُ، فقالَ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ يا اللَّهُ بأنَّكَ الواحدُ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أن تغفِرَ لي ذُنوبي، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، قال: فقال نبي الله -ﷺ-: قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، ثلاث مرار» (^٢).\nكما يدعوه إلى سؤال الله بما تضمنه اسمه الواحد الأحد من التوحيد؛ فإن التوحيد لما عظم مقامه عند الله كان التوسل به مظنة للإجابة، وقد جاء في نصوص الوحيين التوسل لله به، ومن ذلك:\n١ - دعاء ذي النون، قال تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].\nوعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ الله لَه» (^٣).\n٢ - دعاء يوم عرفة؛ فعن عبدالله بن عمرو -﵄- أن رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٥)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٤١٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٥).","vol":"2","page":480},{"text":"قال: «خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلته أنا والنبيُّون مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^١).\n٣ - دعاء سيد الاستغفار؛ فعن شداد بن أوس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قال: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^٢).\n٤ - دعاء الكرب والهم؛ فعن ابن عباس -﵄- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» (^٣).\nوعن أبي بكرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث (٣٥٨٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث (٣٥٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٤٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٠).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٧٥٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٩٠)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٤١٢)، حكم الألباني، حسن، صحيح وضعيف أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٩٠).","vol":"2","page":481},{"text":"٥ - دعاء كفارة المجلس؛ فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (^١).\nدعاء ما بعد التشهد الأخير؛ فعن علي بن أبي طالب -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- كان مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٢).\nفعلى العبد أن يدعو الله بهذه الدعوات وبغيرها، متوسلًا بالتوحيد، متيقنًا معناه؛ فإنه أعظم ما يتقرب لله به.\nاللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لنا ذنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣٣)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٥٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).","vol":"2","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-680>الوَدودُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-681>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «وددت الرجل أوده ودًّا، إذا أحببته، والوُد والوَد والوِد: المودة …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الواو والدال: كلمة تدل على محبة، وددته: أحببته، ووددت أن ذاك كان: إذا تمنيته …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-682>ورود اسم الله (الودود) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) في القرآن مرتين، هما:\n١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].\n٢ - قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٣ - ١٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-683>ورود اسم الله (الودود) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) في السنة النبوية، إلا في حديث سرد الأسماء عند الترمذي.\n_________\n(^١) تاج اللغة (٢/ ٥٤٩).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ٧٥).","vol":"2","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-684>معنى اسم الله (الودود):</span>\nيدور اسم (الودود) في حقه تَعَالَى حول معنيين:\nودود بمعنى فاعل، أي: واد، وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وعباده الصالحين.\nودود بمعنى مفعول، أي: مودود، وهو المحبوب سُبْحَانَهُ، ولا يستحق المحبة الكاملة إلا هو سُبْحَانَهُ.\nوحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء.\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الطبري -﵀-: «ذو محبة لمن أناب وتاب إليه، يوده ويحبه» (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «المحب لخلقه، والمثني عليهم والمحسن إليهم» (^٢).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال ابن عباس -﵄-: «والودود: الحبيب» (^٣).\nقال الحليمي -﵀-: «الودود بكثرة إحسانه، أي: المستحق لأن يُوَد فيُعبَد ويُحمَد» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٥/ ٤٥٦).\n(^٢) الأسنى (ص: ٣٨٤).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٣٣).\n(^٤) المنهاج (١/ ٢٠٦).","vol":"2","page":484},{"text":"من الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:\nقال الخطابي -﵀-: «اسم مأخوذ من الود وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون فعولًا في محل مفعول، … أي: أنه سُبْحَانَهُ مودود في قلوب أوليائه؛ لما يتعرفونه من إحسانه إليهم وكثرة عوائده عندهم، والوجه الآخر: أن يكون الودود بمعنى: الواد، أي: أنه يود عباده الصالحين، بمعنى: أن يرضى عنهم ويتقبل أعمالهم، وقد يكون معناه أن يوددهم إلى خلقه» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «وأما الودود ففيه قولان؛ أحدهما: أنه بمعنى فاعل، وهو الذي يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين، والثاني: أنه بمعنى: مودود، وهو المحبوب الذي يستحق أن يُحب الحب كله، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه، وبصره، وجميع محبوباته» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «الودود هو المحب المحبوب، بمعنى: واد ومودود، فهو الذي يحب أنبياءه، ورسله، وأتباعهم، ويحبونه، فهو أحب إليهم من كل شيء، قد امتلئت قلوبهم من محبته، ولهجت ألسنتهم بالثناء عليه، وانجذبت أفئدتهم إليه ودًّا وإخلاصًا وإنابة من جميع الوجوه» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوهوَ الوَدُودُ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّهُ … أَحْبَابُهُ والفَضْلُ لِلْمَنَّانِ\nوَهوَ الَّذِي جَعَلَ المَحَبَّةَ فِي قُلُو … بِهْم وَجَازَاهُمْ بِحُبٍّ ثَانِ\n_________\n(^١) شأن الدعاء (١/ ٧٤).\n(^٢) جلاء الأفهام (ص: ٣١٥).\n(^٣) الحق الواضح المبين (ص: ٦٩ - ٧٠).","vol":"2","page":485},{"text":"هَذَا هُوَ الإِحْسَانُ حَقًّا لَا مُعَا … وَضَةً وَلَا لِتَوَقُّعِ الشُّكْرَانِ (^١).\nاقتران اسم الله (الودود) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nاقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) باسمه سُبْحَانَهُ (الرحيم):\nتقدم بيانه في اسم الله (الرحيم).\nاقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الودود) باسمه سُبْحَانَهُ (الغفور):\nتقدم بيانه في اسم الله (الغفور).\n\n<span data-type='title' id=toc-685>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الودود):</span>\n<span data-type='title' id=toc-686>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الودود) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالودود سُبْحَانَهُ هو المتحبب إلى عباده بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، التي إن لامست القلوب رأت ربًّا رحيمًا عظيمًا كريمًا قويًّا قادرًا، له الجلال والكمال والعزة والسلطان، فعند ذلك تفيئ إليه وحده، وتقبل عليه دون سواه، وتتخذه إلهًا معبودًا، وبذلك تخلص لربها، وتوحده وتتخلص من العبودية لغيره؛ فتنال سعادة الدنيا والآخرة.\nومن أبرز مظاهر تودد الله لعباده ما يلي:\nتعريف عباده بذاته سُبْحَانَهُ: فهو سُبْحَانَهُ المتودد إلى خلقه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، التي إن عرفها العباد وآمنوا بها تعلقت قلوبهم بربهم،\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢٠٨).","vol":"2","page":486},{"text":"وصارت محبتهم له هي المحرك لعزائمهم إذا فتروا، والمثير لهممهم إذا قصروا؛ وذلك لأن القلوب والأرواح الصحيحة مجبولة على محبة الكمال، والله تَعَالَى له الكمال التام المطلق، فكل وصف من صفاته له خاصية في العبودية، وسبب لانجذاب القلوب إليه وحده سُبْحَانَهُ (^١).\nيقول ابن القيم -﵀- في وصف محبة الله تَعَالَى: «وكما أنه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته محبة» (^٢).\nتعدد أنعامه وأفضاله سُبْحَانَهُ على عباده في شؤون دينهم ودنياهم: فبنعمه أوجدهم، وأبقاهم وأحياهم، وأصلحهم، وأتم لهم الأمور، وكمل لهم الضروريات والحاجيات والكماليات، وهداهم للإيمان والإسلام، وهداهم لحقائق الإحسان، ويسر لهم الأمور، وفرج عنهم الكربات، وأزال المشقات، وشرع لهم الشرائع، ويسرها ونفى عنهم الحرج، وبين لهم الصراط المستقيم وأعماله وأقواله، ويسر لهم سلوكه وأعانهم على ذلك شرعًا وقدرًا، ودفع عنهم المكاره والمضار كما جلب لهم المنافع والمسار، ولطف بهم ألطافًا شاهدوا بعضها وما خفي عليهم منها أعظم.\nفجميع ما في الخليقة من محبوبات القلوب والأرواح والأبدان، الداخلية والخارجية، الظاهرة والباطنة، فإنها من كرمه وجوده، يتودد بها إليهم، فالقلوب مجبولة على محبة المحسن إليها، وأي إحسان أعظم من هذا الإحسان الذي يتعذر إحصاء أجناسه، فضلًا عن أنواعه، فضلًا عن\n_________\n(^١) وهذا يتجلى في معاني أسماء الله الحسنى كلها.\n(^٢) الفوائد (ص: ١٨٣).","vol":"2","page":487},{"text":"أفراده، وكل نعمه منه تطلب من العباد أن تمتلئ قلوبهم من مودته وحمده وشكره والثناء عليه.\nقربه من أوليائه، وتسديده لهم: فمن كان الله وليه حفظه في حركاته وسكناته، وجعله مجابًا للدعوة وجيهًا عنده، كما في الحديث القدسي: «لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي المُؤْمِن، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).\nحلمه على العصاة وقربه من التائبين من عباده، فعرفهم بسعة رحمته، وعظيم مغفرته، ودعاهم إلى الفيئة والرجوع إليه، ووعدهم على ذلك أن يقبل توبتهم، ويبدل سيئاتهم حسنات، قال سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقال تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (^٢)، فهو الذي يفرح بتوبة عباده مع غناه عنهم وعن عبادتهم، وإن أصر العبد على العصيان، وتجرأ على المحرمات، وقصر في الواجبات ستره الودود، وحلم عليه، وأمده بالنعم، ولم يقطع عنه منها شيئًا، ثم يقيض له من الأسباب والتذكيرات والمواعظ والإرشادات ما يجلبه إليه، فيتوب إليه وينيب، فيغفر له تلك الجرائم، ويمحو عنه ما أسلفه من الذنوب العظائم، ويعيد عليه وده وحبه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).\n(^٢) أسماء الله الحسنى (ص: ١٨٧).","vol":"2","page":488},{"text":"وعليه فحري بمن عرف اسم الله الودود وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وده ورحمته وفضله وهبته.\n\n<span data-type='title' id=toc-687>الأثر الثاني: محبة الودود سُبْحَانَهُ:</span>\nإن محبة الله سُبْحَانَهُ من الفطرة التي فُطرت القلوب عليها، يقول ابن تيمية -﵀-: «والقلب إنما خُلق لأجل حب الله تَعَالَى، وهذه الفطرة التي فطر الله عليها عباده، كما قال النبي -ﷺ-: «ما مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (^١)، فالله سُبْحَانَهُ فطر عباده على محبته وعبادته وحده، فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفًا بالله، محبًّا له، عابدًا له وحده» (^٢).\nويقول ابن القيم -﵀-: «فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها قلوب عباده، فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانًا منه، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل» (^٣).\nفأصحاب الفطر السوية، والقلوب النقية، والتأملات في ملكوت الله العلية، أعظم شيء لديهم هو محبة الله، ولذا سعى إليها السائرون، وشمر لها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٣٥٨). ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٦٥٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٠/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٣) طريق الهجرتين (ص: ٢٥٠).","vol":"2","page":489},{"text":"العابدون، فعرفوا ربهم، والتفت إليه قلوبهم، وتخلت عن كل ما عداه.\nيقول ابن تيمية -﵀- في ذلك: «وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله» (^١).\nولمحبة الله الصادقة أربعة شروط، ذكرها ابن القيم -﵀-، وهي:\nالأول: أن يحب الله -﷿- حبًّا من جنس حب العبادة المقرون بالذلة والخضوع والإفتقار والطاعة المطلقة، حبًّا لا يشابه أي حب آخر، حبًّا لا يشابه حب الشهوة للنساء، ولا حب البر للآباء، ولا حب الشفقة بالأبناء، ولا حب الندية للأصدقاء بل يحبه حب العابد لربه، والمخلوق لخالقه، والمملوك لمالكه، والمرزوق لرازقه، حبًّا مقرونًا بالخشية، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\nالثاني: ألا يحب شيئًا مثله معه، بل ولا تبقى مثقال ذرة من هذا الحب- أي حب العبادة- إلا صرفها لله وحده، فلا يحب أحدًا غير الله -﷿- مثله في النوع، وكذلك في الكمية، فلا يحب أحدًا أكثر من الله، بل لا يحب أحدًا مثل الله أصلًا، حتى وإن كان حبه لهذه الأشياء ليس حب العبادة، فمن فعل ذلك عرض نفسه لعقوبة الله -﷿-، فقد قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٢).","vol":"2","page":490},{"text":"الثالث: ألا يحب شيئًا غير الله إلا من أجله، وهو الحب في الله.\nالرابع: أن يبغض ما يباعده عن الله أشد من بغضه لأبغض الأشياء إليه، وهي النار» وقد جمع ثلاثةً منها حديثُ النبي -ﷺ- الذي قال فيه: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ- بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ- كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-688>الأثر الثالث: نيل ثمرات محبة الله للعبد:</span>\nلا شك أن أعظم رتبة يبلغها المؤمن أن يكون من الذين يحبهم الله -﷿-، فهي المنزلة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفانى فيها المحبون، هي قوت القلوب، وقرة العيون، والمحبة التي توصل المؤمن إلى مراتب الخير والفلاح في الدنيا والآخرة، ومن أبرز ثمرات محبة الله لعبده ما يلي:\n١ - الحصول على الإيمان:\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «إِنَّ اللهَ يُعْطِي الْمَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، فَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الْإِيمَانَ» (^٢).\nوالله يعطي المال للبر والفاجر، والتقي والغني، فيسوق له الدنيا، ولكن لا يعطي الإيمان إلا لمن يحب، فهي الطريق المستقيم ومفتاح الجنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٨٩٩٠)، قال الهيثمي: رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٠/ ٩٠).","vol":"2","page":491},{"text":"٢ - تحقيق الأمن التام، وقلب المخاوف أمنًا:\nفمن تأمل قصة موسى -﵇- في سورة طه، وقول الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٧ - ٣٩] رآها حركات كلها عنف، وخشونة، قُذف في التابوت بالطفل، وقذف في اليم بالتابوت، وإلقاء للتابوت على الساحل، ثم ماذا؟ يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل، فيستلمه ﴿عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩].\nوفي زحمة هذه المخاوف كلها، وبعد تلك الصدمات كلها، ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] جرى أمر الله أن يتربى موسى في بيت فرعون ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\n٣ - الحفظ والحماية من الدنيا:\nيقول رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا حَمَاهُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ سَقِيمَهُ الماءَ» (^١).\n٤ - المعية الإلهية:\nيقول -ﷺ-: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٤٢٩٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٢٨٢).","vol":"2","page":492},{"text":"يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).\nقال الحارث المحاسبي -﵀-: «إن علامة محبة الله للعبد أن يتولى الله سياسة همومه، فيكون في جميع أموره هو المختار لها» (^٢).\n٥ - مغفرة الذنوب، والعتق من النار والعذاب:\nيقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]، وكذلك رَدَّ الله تَعَالَى على اليهود والنصارى ادعاءهم أنهم أحبابه فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي السنة ما رواه أنس -﵁-، قال: «كَانَ صَبِيٌّ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَمَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ الْقَوْمَ خَشِيَتْ أَنْ يُوطَأَ ابْنُهَا، فَسَعَتْ وَحَمَلَتْهُ، وَقَالَتِ: ابْنِي ابْنِي، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِيَ ابْنَهَا فِي النَّارِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا، ولَا يُلْقِي اللهُ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).\n(^٢) حلية الأولياء، للأصفهاني (١٠/ ٩٩).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٦٧١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٧٠٩٥).","vol":"2","page":493},{"text":"٦ - التوفيق للعمل الصالح والتوبة بعد الذنوب:\nقال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا عَسَلَهُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا عَسَلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ جِيرَانُهُ «أَوْ قَالَ: مَنْ حَوْلَهُ» (^١)، قال الفضيل -﵀-: «وإذا أحب الله عبدًا وفقه لعمل صالح، فتقربوا إلى الله بحب المساكين» (^٢)، وفي الحديث الآخر يقول -ﷺ-: «وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الرِّفْقَ، مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يُحْرَمُونَ الرِّفْقَ إِلَّا حُرِمُوا» (^٣).\n٧ - إلقاء محبة عبده في قلوب الخلق:\nكما قال الله تَعَالَى عن موسى -﵇-: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] أي: محبة في قلوب العباد، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عبَدًْا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قال: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قال: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ» (^٤)، قال\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (١٢٦٢). حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٣٣٥٧).\n(^٢) اعتقاد أهل السنة، للالكائي (١/ ١٤١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٢٢٧٤)، قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وله في الصحيح: «مَنْ يُحْرَم الرِّفْقَ يُحْرَم الخَيْرَ». فقط، ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٨/ ١٨).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٠٩)، ومسلم واللفظ له، رقم الحديث: (٢٦٣٧).","vol":"2","page":494},{"text":"الفضيل -﵀-: «عاملوا الله -﷿- بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبدًا أسكن محبته في قلوب العباد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-689>الأثر الرابع: السعي لتحصيل الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد:</span>\nإن محبة الله تَعَالَى هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام (^٢).\nوالمؤمنون في درجة محبتهم لربهم متفاوتون، وفي قربهم من الله متفاضلون، وإن كانوا جميعًا يطمحون لزيادة محبتهم لربهم، محبة تحببهم في طاعته سُبْحَانَهُ، والبعد عن معصيته.\nومن الأعمال التي تزيد محبة الله تَعَالَى في قلوب عبيده، وبها يحب الله عباده، ما يلي:\nأولًا: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه، وتفطن مراد الله منه:\nولا عجب أن يكون القُرْب من كتاب الله من أعظم القُرَب الموجبة لمحبة الله، فإذا كان الله تَعَالَى قد شاء بحكمته أن يكون الإيمان به من الإيمان بالغيب؛ فإنه قد شاء- أيضًا- أن يكون خطابه لعباده وحديثه إليهم من أمر الشهادة، فجعل كلامه مسطورًا، يُسمع ويُقرأ، ويتكرر وقعه بلفظه ومعناه على القلوب والأفئدة.\n_________\n(^١) الحلية (٨/ ٨٨).\n(^٢) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٨).","vol":"2","page":495},{"text":"ولا شك أن من أكبر الدلائل على محبة القرآن: السعي إلى تفهمه وتدبره والتفكر في معانيه، كما أن من دلائل خفة تلك المحبة أو عدمها: الإعراض عن تدبره وتأمل معانيه، قال تَعَالَى ذامًّا المنافقين على عدم تدبر القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nولذا كان السلف يستشعرون هذا المعنى وهم يقرءون القرآن، حتى إنهم كانوا يتلقونه تلقي الغائب الغريب لرسالة جاءت على شوق من الحبيب، قال الحسن بن علي -﵁-: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها بالنهار» (^١).\nفقراءة القرآن وتدبره تشريف للبشر وكرامة، يقول ابن الصلاح -﵀-: «قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر، فقد ورد أن الملائكة لم يعطوا ذلك، وأنها حريصة على استماعه من الإنس» (^٢)، ولأن القرآن هو الدال على الله وعلى محاب الله، فلا جرم أن كانت محبته هي طريق القلب والعقل لمعرفة الله وما يحبه، ومما يدل على ذلك: أن رجلًا من أصحاب النبي -ﷺ-، استجلب محبة الله بتلاوة سورة واحدة وتدبرها ومحبتها، وهي سورة الإخلاص التي فيها صفة الرحمن سُبْحَانَهُ فظل يرددها في صلاته، فلما سئل عن ذلك قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -ﷺ-: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» (^٣)، وفي الحديث الآخر، قال ابن مسعود -﵁-:\n_________\n(^١) التبيان في آداب حملة القرآن، للنووي (ص: ٢٨).\n(^٢) الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/ ٢٩١).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":496},{"text":"«من أحب القرآن، فهو يُحِب اللهَ ورسولَه» (^١)، وأهل القرآن هم خاصة الله تَعَالَى، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ للهِ -﷿- أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلُ القُرْآنِ، هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ» (^٢).\nثانيًا: التقرب إلى الله تَعَالَى بالنوافل بعد الفرائض:\nفمؤدي الفرائض كاملة محب لله، ومؤديها وبعدها النوافل محبوب من الله، ويدل على ذلك الحديث القدسي، وفيه: «… وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (^٣)، فالمحبون هم المتقربون بالفرائض، والمحبوبون هم المتقربون بالنوافل بعد الفرائض، وهم أولياء الله وأصفياؤه، وخيرته من الخلق.\nيقول ابن رجب الحنبلي -﵀-: «أولياء الله المقربون قسمان:\nأحدهما: من تقرب إلى الله بأداء الفرائض، … وأهل هذا القسم هم المقتصدون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، وهم أصحاب اليمين الذين قال فيهم: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، فأداء الفرائض أفضل الأعمال؛ كما قال عمر بن الخطاب -﵁-: (أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله -﷿-.\n_________\n(^١) تفسير ابن رجب (٢/ ٢١٧).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٤٨٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٥).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).","vol":"2","page":497},{"text":"الثاني: من تقرب إلى الله تَعَالَى بعد أداء الفرائض بالنوافل، وهم أهل درجة السابقين المقربين .. لأنهم تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع» (^١).\nثالثًا: دوام ذكره سُبْحَانَهُ على كل حال:\nفذكر الله تَعَالَى هو شعار المحبين له، المحبوبين منه تَعَالَى، يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إذا هو ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» (^٢).\nفصاحب الذكر مذكور عند الله بالثناء والمحمدة والمحبة، وموعود بالمغفرة والأجور العظيمة، يقول تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].\nولهذا كان الذكر روح الأعمال، ويظهر ذلك من اقتران أكبر الأعمال الصالحة به في القرآن.\nالشهادة، ف، (لا إله إلا الله) أفضل ما يذكر به الذاكرون.\nالصلاة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]\nالحج، قال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي (٢/ ٣٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٧٩٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٧٩٢).","vol":"2","page":498},{"text":"الجهاد، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].\nيقول ابن القيم -﵀- في شأن الذكر: «وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة، بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها، وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء» (^١).\nرابعًا: إيثار محاب الله على كل محاب النفس والهوى:\nوالقرآن والسنة مملؤان بذكر ما يحبه الله سُبْحَانَهُ من أفعال عباده المؤمنين، وأقوالهم وأخلاقهم، فمن محابه سُبْحَانَهُ التي وردت في كتابه وسنة نبيه:\nالتقوى، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]\nالإحسان، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nالتوبة والطهارة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٣٩٦).","vol":"2","page":499},{"text":"الصلاة على وقتها، سئل -ﷺ-: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (^١).\nالصبر، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].\nالتوكل عليه، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]\nالجهاد، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].\nالذكر، يقول -ﷺ-: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» (^٢).\nالحلم والأناة، عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال- لأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ لَخْصَلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللهَ: الِحلِمْ وَالأَنَاةُ» (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «يحتاج المسلم إلى أن يخاف الله، وينهى النفس عن الهوى، ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، بل على اتباعه، والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها، كان نهيه عبادة لله، وعملًا صالحًا» (^٤).\nيقول ابن القيم -﵀-: «إيثار رضى الله -﷿- على غيره، وهو يريد أن يفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق، هي درجة الإيثار وأعلاها للرسل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨).\n(^٤) فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، لمحمد عويضة (٥/ ١٧٨).","vol":"2","page":500},{"text":"عليهم صلوات الله وسلامه، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا محمد -ﷺ-» (^١).\nخامسًا: مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته ومشاهدتها:\nفمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة، وقد بوب البخاري -﵀- على قول النبي -ﷺ-: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ»، باب: «المعرفة فعل القلب» (^٢)، لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، يقول ابن حجر -﵀-: «قوله -ﷺ-: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ» ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي -ﷺ- منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه، وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإيمان حقًّا» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀-: «فإن أوصاف المدعو إليه، ونعوت كماله، وحقائق أسمائه هي الجاذبة للقلوب إلى محبته، وطلب الوصول إليه؛ لأن القلوب إنما تحب من تعرفه، وتخافه، وترجوه، وتشتاق إليه، وتلتذ بقربه، وتطمئن إلى ذكره بحسب معرفتها بصفاته» (^٤)، وفي ذات المعنى يقول الحسن البصري -﵀-: «من عرف ربه أحبه» (^٥).\n_________\n(^١) المرجع السابق، نفس الصفحة.\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الإيمان، (١٣).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٨٩).\n(^٤) مدارج السالكين (٣/ ٣٥١).\n(^٥) مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة (ص: ٣٣٢).","vol":"2","page":501},{"text":"سادسًا: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة:\nفالإنعام والبر واللطف معان تسترق مشاعره، وتستولي على أحاسيسه، وتدفعه إلى محبة من يسدي إليه النعمة، ويهدي إليه المعروف، والناس مجبولون على محبة من يحسن إليهم، ولا منعم على الحقيقة، ولا محسن إلا الله، فلا محبوب في الحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تَعَالَى، ولا مستحق للمحبة كلها سواه، وإنما يُحَب غيره تبعًا لمحبته سُبْحَانَهُ، وصورُ إحسانه ومظاهرها أجلُّ من أن يحيط بها العبد.\nيقول ابن القيم -﵀-: «لا أحد أعظم إحسانًا من الله سُبْحَانَهُ؛ فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان، فضلًا عن أنواعه، أو عن أفراده، ويكفي أن من بعض أنواعه نعمة النفس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرين ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرين ألف نفَس، وكل نفَس نعمة منه سُبْحَانَهُ، فإذا كان أدنى نعمة عليه في كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة، فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].\nهذا إلى ما يصرف عنه من المضرات، وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور به بأكثرها أصلًا، والله سُبْحَانَهُ يكلؤه منها بالليل والنهار، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]» (^١).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص: ٣١٥).","vol":"2","page":502},{"text":"سابعًا: انكسار القلب بكُلِّيَّته بين يدي الله:\nوالانكسار بمعنى الخشوع، وهو الذل والسكون، يقول تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، والخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار (^١).\nوعليه فإن الخشوع معنى أعم من أن ينحصر في الصلاة؛ لأن التعظيم والمحبة والانكسار لله، مطلوب من المؤمن في كل حال، وإن كانت الصلاة موضعًا لظهور أثر الخشوع؛ لأنها أقرب ما يكون العبد إلى ربه.\nوقد كان السلف يحذرون من التكلف أو التصنع في الخشوع، ومن شواهد ذلك:\nقال حذيفة -﵁-: «إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع» (^٢).\nرأى عمر بن الخطاب -﵁- رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: «يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إن الخشوع في القلوب» (^٣).\nثامنًا: الخلوة به تَعَالَى وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه:\nفأصحاب الليل هم- بلا شك- من أهل المحبة، بل هم من أشرف أهل المحبة؛ لأن قيامهم في الليل بين يدي الله تَعَالَى يجمع لهم جل أسباب المحبة\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٥١٨).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٥١٧).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٥١٧).","vol":"2","page":503},{"text":"التي سبق ذكرها، وفي الحديث يقول -ﷺ-: «واعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (^١)، ويقول الحسن البصري -﵀-: «لم أجد من العبادة شيئًا أشد من الصلاة في جوف الليل، فقيل له: ما بال المجتهدين من أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره» (^٢).\nولمنزلة أهل القيام عند ربهم قال الله تَعَالَى عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]،\nوتلا رسول الله -ﷺ- هاتين الآيتين لمعاذ -﵁- في معرض جوابه عن سؤاله: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار»، وقد جاء في هذا الحديث قوله -ﷺ-: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الماءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: «يَعْمَلُونَ»» (^٣).\nولفظ الآية عام في كل عبادة ودعاء في الليل، ولكن النبي -ﷺ- خص قيام الرجل في جوف الليل؛ لأن صلاة الليل هي أفضل نوافل الصلاة، كما في قوله -ﷺ-: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (١٠٠٥٨)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٧٣).\n(^٢) مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة (ص: ٦٧).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٢٢٠١٦)، والترمذي، رقم الحديث (٢٦١٦) والنسائي في الكبرى، رقم الحديث (١١٣٣٠)، ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٧٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٧٣).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٦٣).","vol":"2","page":504},{"text":"تاسعًا: مجالسة المحبين والصادقين:\nإن محبة المسلم لأخيه المسلم في الله، ثمرة لصدق الإيمان وحسن الخلق، وهي سياج واق يحفظ الله بها قلب العبد، ويشد فيها الإيمان حتى لا يتفلت أو يضعف، وورد في ذلك شواهد كثيرة، منها:\nقال رسول الله -ﷺ-: «قَالَ اللهُ -﷿-: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، واِلْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، واِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ» (^١).\nروى أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ؟ قالَ: لَا؛ غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ في اللهِ تَعَالَى، قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ إَلَيْكَ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ» (^٢).\nقال -ﷺ-: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذهُ اللهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» (^٣).\n_________\n(^١) اخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٥٧٥)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٥٧٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٧) (المدرجة) بفتح الميم والراء: هي الطريق، وقوله: (تَرُبُّهَا): أي: تقوم بها وتسعى في صلاحها.\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢١).","vol":"2","page":505},{"text":"عاشرًا: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله -﷿-:\nفالقلب إذا فسد لن يجد المرء فائدة فيما يصلحه من شئون دنياه، ولن يجد نفعًا أو كسبًا في أخراه، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، ومن دعائه -ﷺ-: «وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا» (^١).\nوالقلب السليم هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله، وجماع سلامة القلب بالتزام الطاعات واجتناب النواهي، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].\nيقول الحسن البصري -﵀-: «زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم- أي: امتحنهم- بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾\n[آل عمران: ٣١]» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-690>الأثر الخامس: الحذر مما لا يحب الله تعالى:</span>\nعلى العبد أن يحذر ويجتنب كل مايبغضه ربه ويكرهه؛ فإن الله إذا أبغض عبدًا أبغضه الكون كله طوعًا لله تَعَالَى، يقول -ﷺ-: «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قال: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٣)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٢).","vol":"2","page":506},{"text":"يُنَادِي- فِي أَهْلِ السَّمَاءِ- إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قال: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ» (^١).\nوجماع مايبغضه الله تَعَالَى: هو ماتعوذ منه رسوله -ﷺ-، في قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ، والأَعْمَالِ، والأَهْوَاءِ» (^٢).\nوالأمور المبغضة عند الله تَعَالَى كثيرة، وردت في القرآن والسنة، ومنها ما يلي:\nالكفر، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].\nالظلم، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، وأكبره: الشرك، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\nالاعتداء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].\nالإفساد، يقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤].\nالخيانة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]\nالخيلاء، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].\nالاستكبار، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٣٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي واللفظ له، رقم الحديث: (٣٥٩١)، والحاكم، رقم الحديث: (١٩٥٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩١).","vol":"2","page":507},{"text":"الإسراف، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nالإسبال، يقول -ﷺ-: «يَا سُفْيَانُ بْن سَهْلٍ؛ لَا تُسْبِلْ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» (^١).\nوفي كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- العديد من الأعمال والأقوال التي يبغضها الله سُبْحَانَهُ، فعلى العبد المؤمن أن يبغضها ويجتنبها.\n\n<span data-type='title' id=toc-691>الأثر السادس: دعاء الله باسمه تَعَالَى (الودود):</span>\nمحبة الله هي روح الأعمال، وأصل العبودية الظاهرة، والباطنة، فمحبة العبد لربه ليست بحول من العبد ولا قوة، وإنما هي فضل من الله وإحسان، فهو تَعَالَى الذي أحب عبده فجعل المحبة في قلبه، ثم لما أحبه العبد بتوفيقه جازاه الله بحب آخر، فهذا هو الإحسان المحض على الحقيقة؛ إذ منه السبب، ومنه المسبب؛ ولأن محبة الله تَعَالَى من أعظم العطاء الذي يعطيها الله لعبده، كان رسول الله -ﷺ- كثير السؤال لها، ففي الحديث عن ثوبان -﵁- قال: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: «إِنَّ رَبِّي أَتَانِي اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ … ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: قُلْتُ: فَعَلِّمْنِي، قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٤٧٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٥٧٤)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٥٧٤).","vol":"2","page":508},{"text":"تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِنْ أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ وَأَنَا غَيْرُ مَفْتُونٍ، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبًّا يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ» (^١).\nوعن معاذ بن جبل -﵁-، قال: قال النبي -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ» (^٢).\nفاللهم يا ودود، ارزقنا حبك، وحب من يحبك،\nوحب عمل يقربنا إلى حبك.\n_________\n(^١) أخرجه البزار في البحر الزخار، رقم الحديث: (٤١٧٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار من طريق أبي يحيى، عن أبي أسماء الرحبي، وأبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، رقم الحديث: (١١٧٤٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٢٣٥)، وقال: حسن صحيح، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٢٣٥).","vol":"2","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-692>الوكيل والكفيل والكافي -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-693>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-694>أولًا: (الوكيل):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «وَكَل بالتحريك، وَوُكَلَة أيضًا مثل هُمَزَة، وتُكَلَة، يقال: فلان وكلَة تُكلَة، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره، ويتكل عليه … والوكيل معروف، يقال: وكلته بأمر كذا توكيلًا، والاسم: الوِكالة والوَكالة. والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على غيرك، والاسم: التكلان، واتكلت على فلان في أمري، إذا اعتمدته … ووكله إلى نفسه وكلًا كولًا، وهذا الأمر موكول إلى رأيك … وواكلت فلانًا مواكلة، إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(وكل) الواو والكاف واللام: أصل صحيح يدل على اعتماد غيرك في أمرك، من ذلك الوُكَلَة، والوَكَل: الرجل الضعيف، يقولون: وُكَلَة تُكَلَة، والتوكل منه، وهو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك، وواكل فلان، إذا ضيع أمره متكلًا على غيره، وسمي الوكيل لأنه يوكل إليه الأمر …» (^٢).\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٨٤٤).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ١٣٦).","vol":"2","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-695>ثانيًا: (الكفيل):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الكِفْل: الضعف، قال تَعَالَى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، ويقال: إنه النصيب، وذو الكفل: اسم نبى من الانبياء -﵈-، وهو من الكفالة … والكفيل: الضامن، يقال: كفلت به كفالة، وكفلت عنه بالمال لغريمه … وكفلته إياه فكفل هو به كفلًا وكفولًا، والتكفيل مثله، وتكفل بدينه تكفلًا، والكافل: الذي يكفل إنسانًا يعوله، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وذكر الأخفش أنه قرئ أيضًا: (وكفلها) بكسر الفاء» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(كفل) الكاف والفاء واللام أصل صحيح يدل على تضمن الشيء للشيء … ومن الباب- وهو يصحح القياس الذي ذكرناه- الكفيل، وهو الضامن، تقول: كفل به يكفل كفالة، والكافل: الذي يكفل إنسانًا يعوله، قال الله -ﷻ-: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وأكفلته المال: ضمنته إياه …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-696>ثالثًا: (الكافي):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «(كفى) كفاه مؤنته كفاية … وكفاك الشيء يكفيك، واكتفيت به.\nواستكفيته الشيء فكفانيه، وكافيته من المكافأة، ورجوت مكافأتك، أي: كفايتك … وكفيك بتسكين الفاء، أي: حسبك» (^٣).\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٨١٠).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ١٨٧).\n(^٣) الصحاح (٦/ ٢٤٧٥).","vol":"2","page":511},{"text":"قال ابن فارس -﵀-: «الكاف والفاء والحرف المعتل أصل صحيح يدل على الحسب الذي لا مستزاد فيه، يقال: كفاك الشيء يكفيك، وقد كفى كفاية، إذا قام بالأمر، والكفية: القوت الكافي، والجمع: كفى، ويقال: حسبك زيد من رجل، وكافيك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-697>ورود أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في القرآن الكريم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-698>أولًا: ورود اسم الله الوكيل:</span>\nورد اسم الله الوكيل معرفًا بالألف واللام مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\nوورد بغير الألف واللام في ثلاثة عشر موضعًا، ومن وروده ما يلي:\n١ - قول الله -﷿-: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١].\n٢ - قوله -﷿-: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].\n٣ - قوله -﷿-: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-699>ثانيًا: ورود اسم الله الكفيل:</span>\nورد اسم الله (الكفيل) في القرآن الكريم مرة واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٥/ ١٨٨).","vol":"2","page":512},{"text":"<span data-type='title' id=toc-700>ثالثًا: ورود اسم الله الكافي:</span>\nورد اسم الله (الكافي) في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله -﵎-: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-701>ورود اسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في السنة النبوية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-702>أولًا: ورود اسم الله الوكيل:</span>\nورد اسم الله (الوكيل) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي سعيد -﵁-، قال رسول الله -ﷺ-: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ، مَتَى يُؤْمَرُ بالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا» (^١).\nعن ابن عباس -﵄-، قال: «أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَنْبَأْتَنَا بِهِنَّ عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتَّبَعْنَاكَ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ إِسْرَائِيلُ عَلَى بَنِيهِ إِذْ قَالُوا: اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، قَالَ: هَاتُوا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ عَلَامَةِ النَّبِيِّ؟ قَالَ: تَنَامُ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا كَيْفَ تُؤْنِثُ الْمَرْأَةُ، وَكَيْفَ تُذْكِرُ؟ قَالَ: يَلْتَقِي المَاءَانِ، فَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجِلِ مَاءَ المَرْأَةِ أَذْكَرَتْ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنَثَتْ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٣٠٦٦)، والترمذي واللفظ له، رقم الحديث (٢٤٣١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٣١).","vol":"2","page":513},{"text":"قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إِلَّا أَلْبَانَ كَذَا وَكَذَا- قَالَ أَبِي: قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: الْإِبِلَ- فَحَرَّم لُحُومَهَا، قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا هَذَا الرَّعْدُ؟ قَالَ: مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ -﷿- مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ بِيَدِهِ- أو فِي يَدِهِ- مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ، يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ، يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ، قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: صَوْتُهُ، قَالُوا: صَدَقْتَ، إِنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الَّتِي نُبَايِعُكَ إِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ، فَأَخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ -﵇-، قَالُوا: جِبْرِيلُ ذَاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ وَالْعَذَابِ عَدُوُّنَا، لَوْ قُلْتَ: مِيكَائِيلُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّبَاتِ وَالْقَطْرِ لَكَانَ، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [البقرة: ٩٧]» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-703>ثانيًا: ورود اسم الله الكفيل:</span>\nورد اسم الله (الكفيل) في السنة النبوية، ومن وروده\nما جاء في حديث أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ …» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث (٢٥٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١١٧)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث (٩٠٢٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات، (٨/ ٢٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٩٠).","vol":"2","page":514},{"text":"<span data-type='title' id=toc-704>ثالثًا: ورود اسم الله الكافي:</span>\nلم يرد اسم الله (الكافي) في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-705>معنى أسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-706>أولًا: (الوكيل):</span>\nيدور معنى «الوكيل» في حق الله تَعَالَى على معنيين:\n١ - الكفيل الذي تكفل بالأرزاق، وتدبير الشؤون، وحفظ الخلائق.\n٢ - الكافي خلقه ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، فيتوكلون عليه ويفوضون حاجتهم إليه.\n- وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الطبري -﵀-: «﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميع خلقه وأقواتهم وسياستهم وتدبيرهم» (^١)، وقال في تفسير قول الله تَعَالَى: «﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]: وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قيمًا ومدبرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره» (^٢).\nقال الزجاجي -﵀-: «والوكيل: الكفيل أيضًا، كذلك قالوا في قوله -﷿- في سورة يوسف: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] أي:\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ١٣).\n(^٢) المرجع السابق (٩/ ٤٢٤).","vol":"2","page":515},{"text":"كفيل، ويقال: رجل وكلة تكلة، إذا كان يكل أمره إلى غيره» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «يقال معناه: أنه الكفيل بأرزاق العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه، ومن هذا قول المسلمين: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: نعم الكفيل بأمورنا والقائم بها» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «المستقل بجميع ما يحتاج إليه جميع الخلق من الكفاية والوقاية، والغياث والنصرة، والرزق والإقامة، والحفظ والرعاية، إلى ذلك من معاني التدبير» (^٣).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾\n[آل عمران: ١٧٣]-: «يعني بقوله: حسبنا الله: كفانا الله، يعني: يكفينا الله، ونعم الوكيل يقول: ونعم المولى لمن وليه وكفله، وإنما وصف الله تَعَالَى نفسه بذلك؛ لأن (الوكيل) في كلام العرب هو: المسند إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره، فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تَعَالَى لهم» (^٤).\n_________\n(^١) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٣٦).\n(^٢) شأن الدعاء (١/ ٧٧).\n(^٣) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (ص: ٥٠٥).\n(^٤) تفسير الطبري (٦/ ٢٤٥).","vol":"2","page":516},{"text":"قال الزجاج -﵀-: «الوكيل فعيل بمعنى مفعول، من قولك: وكلت أمري إلى فلان إذا سلمته إليه، والله تَعَالَى موكول إلى تطوله الأمور، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]» (^١).\nقال الحليمي -﵀-: «الوكيل: وهو الموكل والمفوض إليه، علمًا بأن الخلق والأمر، لا يملك أحد من دونه شيئًا» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «الوكيل: المتولي لتدبير خلقه بعلمه وكمال قدرته وشمول حكمته، والذي تولى أولياءه فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وكفاهم الأمور، فمن اتخذه وكيلًا كفاه، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-707>ثانيًا: (الكفيل):</span>\nيدور اسم الله الكفيل على معنيين:\n١ - الوكيل الذي ضمن للخلق رزقهم، وكفايتهم. ٢ - الشهيد.\nوحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال مجاهد -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «وكيلًا» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥٤).\n(^٢) المنهاج (١/ ٢٠٨).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).\n(^٤) تفسير الطبري (١٧/ ٢٨٣).","vol":"2","page":517},{"text":"قال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا يرعى الموفى منكم، بعهد الله، الذي عاهد على الوفاء به والناقض» (^١).\nقال الحليمي -﵀-: «المتقبل للكفايات، وليس ذلك بعقد وكفالة ككفالة الواحد من الناس، وإنما هو على معنى أنه لما خلق المحتاج وألزمه الحاجة، وقدر له البقاء الذي لا يكون إلا مع إزالة العلة، وإقامة الكفاية، لم يخله من إيصال ما علق بقاؤه به إليه، وإدراره في الأوقات والأحوال عليه، وقد فعل ذلك ربنا- جل ثناؤه-؛ إذ ليس في وسع مرتزق أن يرزق نفسه، وإنما الله- جل ثناؤه- يرزق الجماعة من الناس والدواب، والأجنة في بطون أمهاتها، والطير التي تغدو خماصًا وتروح بطانًا، والهوام والحشرات، والسباع في الفلوات» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «يقال منه: كفل يكفل وتكفل يتكفل: إذا ضمن والتزم» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ الكَفِيلُ بِكُلِّ مَا يَدْعُونَهُ … لَا يَعْتَرِي جَدْوَاهُ مِنْ نُقْصَانِ (^٤)\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٧/ ٢٨١).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٤).\n(^٣) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (ص: ٥٠٩).\n(^٤) النونية (ص: ٣٠١).","vol":"2","page":518},{"text":"من الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الشعبي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «شهيدًا بالوفاء» (^١).\nقال القرطبي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]: «يعني: شهيدًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-708>ثالثًا: (الكافي):</span>\nقال الطبري -﵀-: «اختلف القراء في قراءة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء أهل الكوفة: (أليس الله بكاف عباده) على الجمع، بمعنى: أليس الله بكاف محمدًا وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفة: (بكاف عبده) على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدًا» (^٣).\nقال الزجاجي -﵀-: «الكافي اسم الفاعل من كفى يكف فهو كاف، فالله -﷿- كافي عباده؛ لأنه رازقهم وحافظهم ومصلح شؤونهم، فقد كفاهم كما قال الله -﷿-: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٣/ ٩٣).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٠/ ١٧٠).\n(^٣) تفسير الطبري (٢١/ ٢٩٣).\n(^٤) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ٨٢).","vol":"2","page":519},{"text":"قال الخطابي -﵀-: «الذي يكفي عباده المهم، ويدفع عنهم الملم؛ وهو الذي يكتفي بمعونته عن غيره، ويستغنى به عمن سواه» (^١).\nقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]: «يعني أنهتَعَالَى يكفي مَن عَبَدَهُ وتوكَّل عليه» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه، الكافي كفاية خاصة من آمن به، وتوكل عليه، واستمد منه حوائج دينه ودنياه» (^٣)، وقال -﵀-: «الكافي عباده كلما إليه يحتاجون، الدافع عنهم كلما يكرهون» (^٤).\nاقتران اسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) بأي اسم من أسماء الله تَعَالَى.\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص: ١٠١).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٧/ ١٠٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).\n(^٤) فتح الرحيم الملك العلام (١/ ٤٦).","vol":"2","page":520},{"text":"<span data-type='title' id=toc-709>الآثار المسلكية للإيمان باسماء الله (الوكيل، والكفيل، والكافي):</span>\n<span data-type='title' id=toc-710>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- الوكيل الكفيل الكافي الذي تولى أمر خلقه بالكفالة والكفاية، فجاءت وكالته وكفالته وكفايته على نوعين:\n١ - الوكالة والكفالة والكفاية العامة.\n٢ - الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة.\nأولًا: الوكالة والكفالة والكفاية العامة:\nفوكالته وكفالته وكفايته -﵎- عامة شاملة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، إنسهم وجنهم وبهائمهم بل حتى جامدهم، الصغير منهم والكبير، والحقير والجليل، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال -﵎-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]، فالوكيل تَعَالَى خلق الخلائق ولم يتركهم هملًا، بل تكفل بأمرهم، وكفاهم إياه من جميع الوجوه خلقًا، وإعدادًا، وتدبيرًا، وحفظًا، ورزقًا، وقوتًا ووقاية، وتعليمًا، وهداية، إلى غير ذلك من ألطافه وإحسانه، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] (^١)، يقول الطبري\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٣٦٣).","vol":"2","page":521},{"text":"-﵀- في ذلك: «والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته» (^١).\nومن صور الوكالة والكفالة والكفاية العامة:\n- الرزق: فتكفل الوكيل الكفيل برزق الخلائق، وكفاهم الكافي مؤونته؛ فهيء لهم من جميع الأسباب ما يغنيهم، ويقنيهم، ويطعمهم، ويسقيهم حتى أنه يسوق الرزق لضعيفهم الذي لا يقوى على جمعه وتحصيله، وييسر عليه تحصيله، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء، والأجنة في بطون الأمهات (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وكان -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه، يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِي» (^٣).\n- الحفظ: فتكفل الوكيل الكفيل بحفظ الخلائق عما يضرهم، وحفظ عليهم أقوالهم وأفعالهم ومعاملتهم فيما بينهم، وكفاهم الكافي بشهادته عليهم، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]، وجاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ١٣).\n(^٢) ينظر: المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٤)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٤٢٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧١٥).","vol":"2","page":522},{"text":"عن رسول الله -ﷺ-: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بالشُّهَدَاءِ أُشْهِدهُمْ، فَقَالَ: كَفَى باللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى باللهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ …» (^١).\nوأما الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة:\nفوكالته وكفالته وكفايته -﵎- لعباده المتقين المتوكلين عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، فتولى الوكيل أمرهم وكفاهم كفاية لا تقييد ولا تخصيص معها، بل تعم أمر دينهم، ودنياهم، وأخراهم، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].\nومن صور الوكالة والكفالة والكفاية الخاصة:\nرد السوء والأذى عنهم في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا:\nفتكفل الوكيل بكفاية رسله وأوليائه من كل من أرادهم بسوء وأذى، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقرأ حمزة والكسائي «عباده» أي: يكفي من عبده وتو كل عليه من الأنبياء والمؤمنين (^٢)، ومن شواهد ذلك:\nكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ نوحًا -﵇- مما توعده قومه من الرجم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦ - ١٢١].\nوكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ إبراهيم الخليل شر النار مع عظمها،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٩٠).\n(^٢) ينظر: تفسير القرطبي (١٥/ ٢٥٧)، وتفسير ابن كثير (٧/ ١٠٠).","vol":"2","page":523},{"text":"فأتت كفايته -﵎- بما يخالف السنن الكونية لتتعطل النار عن الإحراق، قال تَعَالَى: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت عليه بردًا وسلامًا، لم ينله فيها أذى، ولا أحس بمكروه ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] (^١).\nوكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ يوسف -﵇- كيد النسوة، فصرف عنه كيدهن، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٢ - ٣٤].\nوكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ موسى -﵇- بطش فرعون وجنده، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٦ - ٢٨]، «فمنعه الله تَعَالَى بلطفه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما اندفع به عنه شر فرعون وملئه» (^٢).\nوكفى الوكيل الكافيسُبْحَانَهُ الرجل المؤمن الناصح عقوبات ما مكر فرعون وآله من إرادة إهلاكه وإتلافه، بل قلب كيدهم ومكرهم على أنفسهم، قال تَعَالَى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]، فأغرقهم الله تَعَالَى في صبيحة واحدة عن آخرهم (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٥١)، وتفسير السعدي (١/ ٥٢٦).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٣٦).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٧٣٩).","vol":"2","page":524},{"text":"وكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ عيسى -﵇- مكر الكفار من إرادة قتله وإطفاء نوره، بل جازاهم على مكرهم مكرًا خيرًا منه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩] (^١).\nوكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ أصحاب الكهف فتنة قومهم لهم عن دينهم، كما كفاهم قتلهم، قال سُبْحَانَهُ حكاية عن قولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠]، فكفاهم ذلك كله، وجعلهم آية وعبرة لقومهم ومن جاء بعدهم، فأظهر أمرهم، ورفع قدرهم (^٢).\nوكفى الوكيل الكافي سُبْحَانَهُ نبيه محمدًا -ﷺ- وأصحابه شر الكفار والمنافقين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٨]\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ١٣٢).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٤٧٣).","vol":"2","page":525},{"text":"- فكفاهم شر قريش في بدر مع كثرة محاربيهم، وما معهم من العدة الكاملة، والسلاح العام، والخيل الكثيرة، فكفاهم بما أمدهم به من الملائكة، فانقلبوا منتصرين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥]، وقال رسول الله -ﷺ-: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ» (^١) (^٢).\n- وكفاهم شر أبي سفيان ومن معه من المشركين في أحد، إذ هموا بالرجوع إلى المدينة، واستئصال من بقي من المسلمين، فألقى الكافي سُبْحَانَهُ في قلوبهم الرعب، فاستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] (^٣).\n- وكفاهم شر الأحزاب وعددهم وعدّتهم، فلم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم، بل كفاهم بما أرسل على عدوهم من ريح الصبا التي زعزعت مراكزهم، وقوضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وبما قذف في\n_________\n(^١) أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ١٩٦)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٨١)، حكم الألباني: حسن، فقه السيرة للغزالي: (ص ٢٣٤).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (٧/ ١٧٣)، تفسير السعدي (ص: ١٤٦).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٩)، تفسير السعدي (ص: ١٥٧).","vol":"2","page":526},{"text":"قلوبهم من الرعب، فانصرفوا خائبين، لم يصيبوا خيرًا في الدنيا من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة رسول الله -ﷺ- ومعادة دينه، فكفى الله وحده المؤمنين، ونصرهم، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وقال رسول الله -ﷺ-: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ» (^١)، (^٢).\n- وكفاهم بعد الأحزاب قتال قريش وغزوهم، فوُضعت الحرب بينهم وبين قريش، فلم تغز قريش بعد ذلك، بل كان المسلمون هم من يغزونهم حتى فتحوا مكة، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، وقال رسول الله -ﷺ- بعد الأحزاب: «لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ» (^٣)، وقال أيضًا: «الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُوننَا» (^٤) (^٥).\n- وكفاه شر اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، فقتل منهم بني قريظة وسبى ذراريهم وقسم أموالهم، وأجلى منهم بني قينقاع، وبني النضير وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون، وظنوا- بنو النضير- أنها مانعتهم من بأس الله، فلم تغن عنهم من الله شيئًا (^٦)، وأذل بعضهم وأخزاهم بالجزية والصغار، فتبارك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث (٤١١٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٤).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٢٤٢)، تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٦)، تفسير السعدي (ص: ٦٦٢).\n(^٣) السيرة النبوية، لابن كثير (٣/ ٢٢١).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤١١٠).\n(^٥) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٦).\n(^٦) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٥٧).","vol":"2","page":527},{"text":"القائل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (^١).\n- وكفاه شر المستهزئين به والساخرين في قديم الزمان وحديثه؛ «فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله -ﷺ- وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قِتْلَة» (^٢)، قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] (^٣).\n- وكفاه من دبر وبيت معصيته، ومن أراد خداعه والمكر به، قال تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] (^٤)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، قال ابن كثير -﵀-: «صَالِحْهُمْ وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك وحده» (^٥)، (^٦).\n- وكفاهم الشياطين وشرهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، وعن أنس -﵁-: أن النبي -ﷺ-، قال: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ١١٦)، وتفسير السعدي (ص: ٦٨).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٤٣٥).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (١٧/ ١٥٣)، وتفسير السعدي (ص: ٤٣٥).\n(^٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٨٩).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٤/ ٨٤).\n(^٦) ينظر: تفسير الطبري (١٤/ ٤٤)، تفسير السعدي (ص: ٣٢٥).","vol":"2","page":528},{"text":"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، قال: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» (^١).\n- وأما في الآخرة:\nفتكفل الوكيل بكفاية رسله وأوليائه في الآخرة من كل ما يؤذيهم، ومن ذلك:\nكفايته لهم إذا حضرهم الموت الحزن على ما مضى، والخوف على ما يستقبلهم بما ينزل عليهم من الملائكة المبشرين، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢] (^٢).\nكفايته لهم شر فتنة القبر بالتثبيت عند السؤال، والتوفيق لحسن الجواب، قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال رسول الله -ﷺ- في حديث البراء بن عازب -﵁-: «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِه، فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ الله، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (٥٠٩٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٢٦)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٩٨٣٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٩٥).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٨).","vol":"2","page":529},{"text":"رَسُولُ الله -ﷺ-، فَيَقُولانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الله، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ» (^١).\nكفايته لهم ضيق القبر بما يوسع لهم فيه، وظلمته بما يجعل لهم من النور، وعذابه بما يفتح لهم من أبواب الجنة، ووحشته بما يجعل لهم من الأنيس، قال -ﷺ- في حديث البراء: «فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي؛ فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ»، قال: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قال: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ! فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ؛ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي» (^٢).\nكفايته لهم شدة القيامة وهوله بورود الحوض، وبما يمن على من شاء منهم بالظل، وبالنور على الصراط، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]، وقال جل في علاه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، قال ابن مسعود -﵁-: «على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٧٥٣)، والحاكم في المستدرك، رقم الحديث: (١٠٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٧٥٣).\n(^٢) تقدم قبله.","vol":"2","page":530},{"text":"ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا: مَن نوره في إبهامه، يتقد مرة ويطفأ مرة» (^١).\nكفايته لهم عذاب النار «فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبًا منها، بل يبعدون عنها، غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢]» (^٢).\n- ثم إن هذه الوكالة والكفالة والكفاية العامة والخاصة في منتهى الكمال والتمام ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، وكيف لا تكون كذلك، وهو الوكيل الحي الذي لا يموت، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].\nوهو الوكيل الملك الذي ملك المشرق والمغرب وما بينهما، قال تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦].\nوهو الوكيل الغني، الذي مهما كفل وأعطى خلقه ما سألوه واحتاجوه لم ينقص ما عنده، بل يمينه سُبْحَانَهُ ملأى لا تغيضها نفقة، ولو أن عباده كلهم قاموا في صعيد واحد، فسألوه فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك مِن ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخِلَ البحر.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٣/ ١٧٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٥٣١).","vol":"2","page":531},{"text":"وهو الوكيل العليم الذي أحاط علمه بما وكل إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١].\nوهو الوكيل العزيز الرحيم، قال تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] «بعزته يقدر على إيصال الخير ودفع الشر عن عبده، وبرحمته به، يفعل ذلك» (^١).\nوهو الوكيل الحكيم الذي يحكم بحكمه، ولا يضيع من وثق بحسن تدبيره، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾\n[الأنفال: ٤٩].\nوهو الوكيل الهادي الذي يهدي العبد إلى سواء السبيل، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢].\nوهو الوكيل الحسيب الكافي الذي يكفي عبده كل ما أهمه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].\nوهو الوكيل الذي يرجع الأمر كله إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]، فَسُبْحَانَهُ ما أعظمه وأجله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٩٩).","vol":"2","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-711>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الوكيل، الكفيل، الكافي) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله -ﷻ- (الوكيل، والكفيل، والكافي) قاده ذلك لتوحيد ربه -﷿- في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.\nفأما الربوبية: فلما تدل عليه هذه الأسماء من قيام بشؤون الخلق كلهم على وجه التفرد تدبيرًا، وتصريفًا، ورزقًا، وهداية، وحفظًا، ونفعًا وضرًّا إلى غير ذلك من أفراد الربوبية، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢] فـ «لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض، وهو القيم بجميعه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يؤوده حفظه وتدبيره» (^١)، وبهذا علم أنه الرب الحق -﵎-.\nوأما الألوهية: فلما تدل عليه هذه الأسماء من استحقاق الله للعبودية وحده لا شريك له؛ فإن الوكيل الذي تولى أمر العباد فتكفل بما يحتاجون إليه من الرزق، والتدبير، والرعاية، والحفظ، والوكيل الذي كفاهم همهم وغمهم وكل ما يضرهم هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١].\nواستحقاقه على وجه الخصوص الإفراد بالتوكل وتفويض الأمور إليه، قال تَعَالَى آمرًا عباده بذلك: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]،\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٩/ ٢٩٧).","vol":"2","page":533},{"text":"وقال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ ناهيًا عباده عن اتخاذ وكيل غيره:\n﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢].\nويعلم من هذا أن صرف التوكل لغير الله شرك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وما رجا أحد مخلوقًا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]» (^١).\n«لكن التوكل على غير الله قسمان:\nأحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة، فهذا شرك أكبر فإن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله -﵎-.\nالثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية، كمن يتوكل على أمير أو سلطان، فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك، فهذا نوع شرك خفي.\nوالوكالة الجائزة هي توكل الإنسان في فعل مقدور عليه، ولكن ليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يتوكل على الله ويعتمد عليه في تيسير ما وكله فيه» (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٥٧).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص: ٤٢٨ - ٤٢٩).","vol":"2","page":534},{"text":"وأما في الأسماء والصفات: فلما تدل عليه هذه الأسماء من أسماء أخرى له -﵎- كالحي، والقيوم، والعليم، والحكيم، والقدير، والقوي، ونحو ذلك؛ وذلك لأنه -﵎- له من الصفات أكملها وأرفعها، فلما كان وكيلًا، كفيلًا، كافيًا فإن تمام ذلك كله وكماله إنما يكون بعلم تام بما تولاه، وقوة وقدرة على التنفيذ، وحكمة في التدبير والتصريف، ولا يكون ذلك إلا من الحي القيوم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-712>الأثر الثالث: الثقة في الوكيل الكفيل الكافي:</span>\nإذا تأمل العبد اسم الله (الوكيل، والكفيل، والكافي)، واستشعر ما فيه من عموم الوكالة التي وسعت جميع الخلائق مع اختلافهم وتعدد حاجتهم، فلم تضق عن أحد منهم دون أحد، ولا عن حاجة دون حاجة بل شملت الجميع؛ أورثه ذلك اليقين بأن وكالته -﵎- لا تضيق عن حاجته التي أهمته، ولا عن حزنه الذي أحاط به، ولا عن مصابه الذي ألم به ولا عن رزقه الذي أشغله، ولا عن عدوه الذي نزل به ولو كان في غاية القوة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].\nثم إذا تيقن العبد هذا أورثه ذلك الثقة بالله -﷿- والتعلق به وإنزال حاجته وفاقته به وعدم استكثارها، قال رسول الله -ﷺ- في حديث ابن مسعود -﵁-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٠٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٩٤٦)، وأبو داود واللفظ له، رقم الحديث: (١٦٤٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٢٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٥).","vol":"2","page":535},{"text":"ثم هذا يعود على قلبه بالطمأنينة والسكون أمام ما يوجهه من المصائب والأهوال، ويعود عليه بالرجاء بنصر الله على أعدائه، وحسن الظن بكفايته لهم ويذهب عنه اليأس والخوف من المخلوق والإحباط والتشاؤم، ويعود عليه- أيضًا- بعدم الشعور بالقلق والهلع على الرزق والمطالب، بل يتوكل على الوكيل الكفيل الكافي فيها، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ثم يرضى بما قسم له منها، ويعلم أن ما فاته ليس له نصيب فيه، ولو أن له مثقال ذرة فيه لما فات الكفيل إيصاله إليه، فلا تذهب نفسه عليه حسرات.\n\n<span data-type='title' id=toc-713>الأثر الرابع: محبة الله (الوكيل، الكفيل، والكافي) وشكره:</span>\nإن العبد حين يعرف ربه بأسمائه (الوكيل، الكفيل، والكافي) ويوقن أنه -﵎- تولاه بالكفالة إيجادًا، وإعدادًا، وتدبيرًا، وحفظًا، ورزقًا، فحصل بها وجوده ودوامه وكماله، وتولاه بكفايته عما يحتاجه ويضره في أمر دينه ودنياه، ولم يكله إلى أحد من خلقه، حتمًا سيثمر ذلك في قلبه محبة وتعلقًا، وإقبالًا، وودًّا للوكيل جل في علاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-714>الأثر الخامس: الدعاء باسم الله (الوكيل، الكفيل، الكافي):</span>\nفالعبد لا غنى له عن ربه طرفة عين، فيحتاج إلى كفالة وكفاية وركن يأوي إليه، ويفوض أمره إليه، ويطلب منه عونه، ويعلق عليه رجاءه محسنًا ظنه به، ولذا فإن من أثر يقين القلب باسم الله الوكيل الكفيل الكافي دعاؤه سُبْحَانَهُ بها وما فيها من صفات، والتوسل إليه بالتعبد بها.","vol":"2","page":536},{"text":"ومما جاء عن رسول الله -ﷺ- في ذلك، ما يلي:\n١ - دعاء الخروج من المنزل، كما في حديث أنس -﵁- عن النبي -ﷺ-: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ … قال: فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ» (^١).\n٢ - دعاء الاستفتاح، كما جاء عن ابن عباس -﵄- قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٢).\n٣ - دعاء قضاء الدين في حديث علي -﵁- وتقدم قريبًا-، وفيه قول رسول الله -ﷺ-: «قُل: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّن سِوَاكَ» (^٣).\n٤ - دعاء الاستخارة؛ فعن عن جابر بن عبدالله -﵄- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٣٣٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٦٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٦٣).","vol":"2","page":537},{"text":"فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ- ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللهمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي- أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «والمقصود: أن الاستخارة توكل على الله وتفويض إليه واستقسام بقدرته وعلمه وحسن اختياره لعبده، وهي من لوازم الرضى به ربًّا، الذي لا يذوق طعم الإيمان من لم يكن كذلك، وإن رضي بالمقدور بعدها فذلك علامة السعادة» (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٤٠٦).","vol":"2","page":538},{"text":"<span data-type='title' id=toc-715>الوكيل الكفيل الكافي يحب المتوكلين</span>\n<span data-type='title' id=toc-716>أولًا: تعريف التوكل:</span>\n- المقصود بالتوكل:\nقال الجرجاني -﵀-: «التوكل هو الثقة بما عند الله، واليأس عما في أيدي الناس» (^١).\nقال ابن عثيمين -﵀-: «صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة بالله، وفعل الأسباب التي جعلها الله تَعَالَى أسبابًا» (^٢).\nفتبين مما سبق أن التوكل يقوم على أمرين:\n١ - علم القلب وعمله:\nقال ابن القيم -﵀-: «التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله، أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك.\nوأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه» (^٣).\n_________\n(^١) التعريفات، الجرجاني (ص: ٧٤).\n(^٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٥٧٥).\n(^٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٢٥٧).","vol":"2","page":539},{"text":"٢ - عمل الجوارح، بالأخذ بالأسباب المشروعة:\nفمن كان أكثرُ اعتماده على الأسباب؛ نقص توكله على الله، وقدح في كفايته، وكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه.\nوبالمقابل: من جعل اعتماده على الله ملغيًا للأسباب، لم يحقق التوكل بل وطعن في حكمة الله؛ لأن الله جعل لكل شيء سببًا، وربط الأسباب بمسبباتها (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «وسر التوكل وحقيقته: هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله، مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به» (^٢).\nومما يدل على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، ما يلي:\n١ - أن الله -﷿- أمر بالأخذ بالأسباب كما أمر بالتوكل، فقال سُبْحَانَهُ لأيوب -﵇-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] مع أن ضرب الرجل في الأرض لا ينبع ماء، ولكن لنعلم أنه لا بد من اتخاذ الأسباب ولو كانت ضعيفة، فالأمر أمره والكون كونه، وقال لمريم مع ضعفها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، ومع قدرته -﵎- على أن ينزل لها الرطب جنيًّا، بل مائدة عليها أشهى\n_________\n(^١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٨٨).\n(^٢) الفوائد (ص: ٨٧).","vol":"2","page":540},{"text":"المأكولات من غير هز ولا غيره، إلا أنه سُبْحَانَهُ علمنا بهذا أن نأخذ بالأسباب مع الأمل والثقة به.\n٢ - أن رسول الله -ﷺ- وصحابته من أكمل الناس توكلًا، ومع ذلك أخذوا بالأسباب، فأخذوا الزاد في الأسفار، وتاجروا في الأسواق، واتقو البرد والحر، ولبسوا الدروع والمغافر في الحروب، وأخذ رسول الله -ﷺ- وصاحبه أبو بكر في طريق الهجرة دليلًا يدلهم على الطريق، وخرجا في وقت يغفل الناس فيه، ومن طريق غير متوقع، كل هذا أخذًا بالأسباب، مع أن الله تَعَالَى قال لنبيه -ﷺ-: ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\n٣ - أن رسول الله -ﷺ- حكى لنا كمال توكل الطيور مع أخذها بالأسباب، قال رسول الله -ﷺ-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (^١)» (^٢)، قال المناوي -﵀-: «أشار بذلك إلى أن التوكل ليس التبطل والتعطل، بل لا بد فيه من التوصل بنوع من السبب؛ لأن الطير ترزق بالسعي والطلب، ولهذا قال أحمد: ليس في الحديث ما يدل على ترك الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير\n_________\n(^١) (تغدو) أي: تذهب أول النهار (خماصًا) بكسر الخاء جمع خميص، أي: جياعًا (وتروح) أي: ترجع آخر النهار (بطانًا) بكسر الباء جمع بطين، وهو: عظيم البطن، والمراد: شباعًا. ينظر: تحفة الأحوذي (٧/ ٧).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٤٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث (٢٣٤٤).","vol":"2","page":541},{"text":"بيده، لم ينصرفوا إلا غانمين سالمين كالطير لكن اعتمدوا على قوتهم وكسبهم، وذلك ينافي التوكل» (^١).\nومن هنا يعلم الفرق بين التوكل والتواكل، فالتوكل فيه أخذ للأسباب المشروعة، أما التواكل فهو ترك الأسباب، وقد قال عمر بن الخطاب -﵁-: «يرفع أحدكم يديه إلى السماء يقول: يارب … يارب … وهو يعلم أن السماء لاتمطر ذهبًا ولا فضة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-717>ثانيًا: منزلة التوكل وفضله:</span>\nالتوكل على الله -﷿- مقام جليل عظيم، بل ومن أعظم مقامات الدين، وأفضل الأعمال والعبادات المقربة إلى الله -﷿-، ومما يدل على عظيم منزلته في الدين: أمور عدة، منها:\n١ - أن التوكل نصف الدين؛ فالدين توكل وعبادة، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، والتوكل شامل للاستعانة؛ إذ الاستعانة تكون على الأعمال خاصة، والتوكل أعم من ذلك، فيكون التوكل لذلك ولجلب منفعة، ودفع مضرة (^٣).\n٢ - أن التوكل مطلوب في كل أحوال العبد، سواء كانت دينية أو دنيوية مباحة، ويدل على ذلك: عموم الأدلة الآمرة بالتوكل، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣].\n_________\n(^١) التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوي (٢/ ٣٠٦).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٦٢).\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٧).","vol":"2","page":542},{"text":"٣ - أن التوكل من لوازم الإيمان ومقتضياته، بل جعله الله -﷿- شرطًا في الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].\n٤ - أن الله -﷿- أمر بالتوكل في مواضع عديدة من كتابه، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد أمر الله بالتوكل في غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة» (^١)، فأمر الله بالتوكل جاء مطلقًا عامًّا في جميع شؤون الحياة، كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]، وجاء مقرونًا بمقامات معينة، تحتاج إلى مزيد توكل، منها:\nأ- مقام العبادة، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣].\nب- مقام الدعوة، قال تَعَالَى عن نبيه نوح الذي مكث في الدعوة والإنذار زمنًا طويلًا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١]، وقال سُبْحَانَهُ لنبيه محمد -ﷺ- والأمة من بعده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٦).","vol":"2","page":543},{"text":"ج- مقام الحكم والقضاء، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠].\nد- مقام الجهاد والقتال وطلب النصر، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وقال تَعَالَى في مقام السلم وانتهاء الحرب: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] دال على بقاء التوكل والارتباط حتى بعد المعركة.\nر- مقام الشورى، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nش- مقام طلب الرزق، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]،\nص- مقام العهود والمواثيق وإبرام العقود، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧ - ٢٨].\nن- مقام الهجرة في سبيل الله، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ","vol":"2","page":544},{"text":"مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤١ - ٤٢].\nو- مقام المصائب والابتلاء، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].\nي- الاستعاذة من الشيطان، قال تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-718>ثالثًا: ثمرات التوكل:</span>\nثمرات التوكل ونتائجه على أهله كثيرة، ومنها:\nتحقيق الإيمان؛ فإن الله -﷿- جعل التوكل من شرط الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وجعله من صفات المؤمنين، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩].\nتحصيل محبة الله -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكفى بهذا فضلًا وشرفًا.\nالتوفيق والهداية والوقاية من كل شر، قال رسول -ﷺ-:","vol":"2","page":545},{"text":"«مَنْ قَالَ- يعني: إذا خرج من بيته-: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَوُقِيتَ وَكُفِيتَ» (^١).\nومن ذلك: الوقاية من تسلط الشياطين وشرهم؛ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠].\nجلب الرزق من حيث لا يحتسب المرء؛ فعن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (^٢).\nحصول النصر والتمكين، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾\n[آل عمران: ١٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾\n[آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].\nالشعور براحة القلب وطمأنينته؛ لثقته بالله وحسن ظنه به، كما يؤدي للثبات أمام الشدائد وزوال الخوف من الخلق، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":546},{"text":"قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].\nالأجر العظيم والثواب الجزيل الذي وعدهم الله به، قال تَعَالَى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦] (^١).\nدخول الجنة بغير حساب ولا عقاب؛ فعن ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فقال: هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (^٢).\nقال ابن قاسم -﵀-: «فتركوا الشرك رأسًا، ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك: قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به -﵎-، والاعتماد بالقلب\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٨).","vol":"2","page":547},{"text":"الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال» (^١).\nتحصيل كفايته للأمر الذي توكل فيه العبد عليه؛ فإن العبد إذا توكل على ربه حق التوكل، بأن اعتمد بقلبه على ربه اعتمادًا قويًّا كاملًا في تحصيل مصالحه ودفع مضاره، وقويت ثقته وحسن ظنه بربه حصلت له الكفاية التامة، وأتم الله له أحواله وسدده في أقواله وأفعاله، وكفاه همه، وجلا عنه غمه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: كافيه كل أموره الدنيوية والدينية.\nقال ابن القيم -﵀- في توضيح العلاقة بين التوكل والكفاية: «والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه: أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذًى لا بد منه؛ كالحر والبرد، والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له- وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه- وبين الضرر الذي يتشفى به منه.\nقال بعض السلف: جعل الله تَعَالَى لكل عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»، ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سُبْحَانَهُ كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تَعَالَى حق\n_________\n(^١) حاشية كتاب التوحيد (ص: ٤٦).","vol":"2","page":548},{"text":"توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا من ذلك، وكفاه ونصره» (^١).\nوقال أيضًا: «ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه- وكان مأمورًا بإزالته- لأزاله» (^٢).\nرابعًا: الأسباب المعينة على تحقيق عبادة التوكل:\nمن رحمة الله بعباده وحكمته أن جعل لكل عمل من أعمال القلوب والجوارح بواعث تدفع النفوس إليه، وتحض عليه، ومما يبعث النفوس على التوكل ويعين عليه جملة من الأمور، منها:\nمعرفة الله بأسمائه الحسنى؛ فمن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك الحي، القيوم، العليم، الحكيم، الرحيم، اللطيف، العزيز، القادر القدير، الفعال لما يريد، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وجد نفسه مدفوعًا إلى الاستناد إليه، والتوكل عليه.\nومن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك أنه الكفيل الرزاق ذو القوة المتين، الذي تكفل بالأرزاق لخلقه وضمن لهم وصولها إليهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣] فلا يفوت أحد رزقه، ولا يستطيع أحد أن يأخذه دونه- مُلئ قلبه بالتوكل عليه، ومن عرف ربه الوكيل وضم إلى ذلك أنه الناصر القهار الذي ينصر\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ٧٦٦).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ١٠٣).","vol":"2","page":549},{"text":"أوليائه الذين آمنوا على عدوهم، ويؤيدهم بمعونته، ويملي للظالمين، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويمهل، ولا يهمل- توكل عليه وأحسن الظن به.\nومن هنا نجد أن الله -﷿- في عدد من الآيات يربط بين التوكل وبين أسمائه الحسنى، ومن ذلك:\n- قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩].\n- وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠].\n- وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].\nتأمُّل الإنسان في ضعفه؛ فإن العبد إذا تأمل في نفسه وكيف أنه لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم خُلِقَ من ماء مهين، ثم خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم علَّمه الله بما أعطاه من أدوات السمع والبصر والفؤاد؛ ليتعلم ما لم يكن يعلم، ومنحه من الإرادة والقدرة ما يمكنه من أداء رسالته في الأرض، إلا أن ذلك كله محدود بما يناسب ضعف البشر وعجزهم، ثم بعدُ يموت ويفنى.\nثم إذا تأمل أن وجوده، وحياته، وبقاءه، وعلمه، وإرادته، كلها ليست بذاته ولا من ذاته، بل بالله -﷿-؛ علم حقَّ العلم وتيقَّن أنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، الذي خلقه فسواه، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فقاده ذلك العلم واليقين إلى التوكل عليه والتعلق به تعلق العاجز بالقدير، والضعيف بالقوي، والفقير بالغني، والجهول بالعليم، والمحدَث بالأول، والذليل بالعزيز، والفاني بالباقي.","vol":"2","page":550},{"text":"تحقيق التوحيد؛ فإن العبد إذا حقق التوحيد كان نصيبه من التوكل أعظم، قال تَعَالَى: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة: ١٢٩].\nالاشتغال بالآخرة ورضا الله -﷿-؛ فعن عبد الله -﵁-، قال: سمعت نبيكم -ﷺ- يقول: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا- هَمَّ المَعَادِ- كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ» (^١)، وعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (^٢).\nوقال عون بن عبد الله بن عتبة -﵀-: «كان أهل الخير إذا التقوا يوصي بعضهم بعضًا بثلاث، وإذا غابوا كتب بعضهم إلى بعض: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح فيما بينه وبين الله كفاه الله الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته» (^٣).\nالصلاة على النبي -ﷺ-؛ فعن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٠٦)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (١٧٤٤)، والبزار، رقم الحديث: (١٦٣٨ - البحر الزخار)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف ابن ماجه، رقم الحديث): ٤١٠٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٩٨٥٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث): ٢٤٦٥).\n(^٣) الزهد، لهناد بن السري (١/ ٣٠٠).","vol":"2","page":551},{"text":"النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه. قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي (^١)؟ فقال: مَا شِئْتَ، قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قال: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» (^٢).\nقال المباركفوري -﵀-: «وفي هاتين الخصلتين- أي: كفاية الهم، ومغفرة الذنب- جماع خير الدنيا والآخرة، فإن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها؛ لأن كل محنة لا بد لها من تأثير الهم وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبق العبد فيها إلا بذنوبه» (^٣).\nمتابعة رسول الله -ﷺ- واقتفاء أثره، قال ابن القيم -﵀-، عند قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦]: «والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (^٤).\n_________\n(^١) أي: كم أجعل لك من دعائي صلاة عليك؟ ينظر: تحفة الأحوذي (٧/ ١٢٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٥٧)، والحاكم، رقم الحديث: (٣٥٩٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٥٧).\n(^٣) مشكاة المصابيح، مع شرحه مرعاة المفاتيح (٣/ ٥٤٦).\n(^٤) ينظر: زاد المعاد (١/ ٣٦).","vol":"2","page":552},{"text":"صلاة الضحى؛ فعن عقبة بن عامر -﵁-، أن رسول الله قال: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، اكْفِنِي أَوَّلَ النَّهَارِ بِأَرْبَعِ رَكعَاتٍ أَكْفِكَ مِنْ آخِرِ يَوْمِكَ» (^١)، قال العيني -﵀-: «أكفك آخر النهار من كل شيء، من الهموم والبلايا ونحوهما» (^٢).\nالدعاء وسؤال الله الكفاية كما هو هدي رسول الله -ﷺ-؛ فقد دعا رسول الله -ﷺ- على عامر، فقال: «اللَّهُمَّ اكفْنِي عَامِرًا»، فَكَفَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بِفِنَائِهِ، فَرَمَاهُ اللهُ بَالذَّبْحَةِ فِي حَلْقِهِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ سَلُولٍ (^٣).\nوعلَّم أصحابه والأمة من بعدهم سؤال الكفاية؛ فعن أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ- يعني: إذا خرج من بيته-: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْه الشَّيْطَانُ» (^٤).\nفاللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك يا الله.\n_________\n(^١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١١/ ١٩٥).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) المعجم الكبير، للطبراني، رقم الحديث (٥٧٢٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني، وفيه عبد المهيمن بن عباس وهو ضعيف، رقم الحديث: (١٠١٢٦).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"2","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-719>الوليُّ الموْلى -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-720>المعنى اللغوي:</span>\n- قال الجوهري -﵀-: «الولي: القرب والدنو، يقال: تباعد بعد ولى، و(كُلْ مِمَّا يَلِيكَ) (^١)، أي: مما يقاربك … والوَلِى: ضد العدو، يقال منه: تولاه …» (^٢).\n- قال ابن فارس -﵀-: «الواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب، من ذلك الوَلْي: القرب، يقال: تباعد بعد ولي، أي: قرب، وجلس مما يليني، أي: يقاربني …» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-721>ورود اسم الله (الولي، المولى) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورود اسم الله الولي في القرآن الكريم:\nورد اسم الله (الولي) في كتاب الله في مواضع كثيرة، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].\nقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٣٧٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٠٢٢).\n(^٢) الصحاح (٦/ ٢٥٢٨).\n(^٣) مقاييس اللغة (٦/ ١٤١).","vol":"2","page":554},{"text":"قوله تَعَالَى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥].\nثانيًا: ورود اسم الله المولى في القرآن الكريم:\nورد اسم الله (المولى) في كتاب الله في اثني عشر موضعًا، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nقوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠].\nقوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-722>ورود اسم الله (الولي، المولى) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الولي، المولى) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن البراء بن عازب -﵄- قال: «جَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذا، حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَومَ وأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، فَهَزَمُوهُمْ، … ثُمَّ أَخَذَ أبو سفيان يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَلَا تُجيبوا لَهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠٣٩).","vol":"2","page":555},{"text":"عن زيد بن الأرقم -﵁-، قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله -ﷺ- يقول: كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ العَجْزِ، والكَسَلِ، والجُبْنِ، والبُخْلِ، والهَرَمِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-723>معنى اسم الله (الولي، المولى) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيرجع معنى اسم الله (الولي، والمولى) إلى معنى الولاية العامة، والولاية الخاصة.\nفالولاية العامة: تولي الله الخلق بالملك، والتدبير، والتقدير.\nوالولاية الخاصة: تولي الله المؤمنين بالمحبة، والتوفيق، والنصر، والتأييد، ونحو ذلك.\nوعلى هذا تدور أقوال أهل العلم:\nقال الطبري -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]: «نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه» (^٢).\nوقال في قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]: «وليكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٢).\n(^٢) تفسير الطبري (٥/ ٤٢٤).\n(^٣) المرجع السابق (٧/ ٢٧٨).","vol":"2","page":556},{"text":"قال الزجاج -﵀-: «الولي: الناصر، وقال الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهو تَعَالَى وليهم بأن يتولى نصرهم وإرشادهم، كما يتولى ذلك من الصبي وليه، وهو يتولى يوم الحساب ثوابهم وجزاءهم» (^١).\nقال الزجاجي -﵀- في اسم الله الولي: «فالله -﷿- ولي المؤمنين، أي: ناصرهم ومصلح شؤونهم والمثنى عليهم … ويقال: «فلان ولي فلان» أي: ولي نعمته، أي: قد أولاه نعمته وأنعم عليه، وأسداها إليه، فلم يحل بينه وبينها، فالله -﷿- ولي المؤمنين بإنعامه عليهم وإحسانه إليهم» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «الولي: المتولي للأمر والقائم به، كـ (ولي اليتيم)، و(ولي المرأة في عقد النكاح)، وأصله من (الوَلْي) وهو القرب، فتكون ولاية خاصة» (^٣)، وقال: «المولى: الناصر والمعين» (^٤).\nقال ابن الأثير -﵀-: «الولي: الناصر، وقيل: المتولي لأمور العالم والخلائق، وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع فيه ذلك لم يطلق عليه الولي فتكون ولايةً عامةً» (^٥).\nقال ابن القيم -﵀-: «والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم» (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الأسماء الحسنى (ص: ٥٥).\n(^٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١١٣).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٧٨).\n(^٤) المرجع السابق (ص: ١٠١).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٢٧).\n(^٦) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: ٢٢٩).","vol":"2","page":557},{"text":"قال السعدي -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]: «الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم» (^١).\nوقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]: «والله تَعَالَى وليهم وناصرهم ومؤيدهم» (^٢).\nاقتران اسم الله (الولي، المولى) بأسمائه الأخرى- سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (الولي) بالأسماء الأخرى:\nأولًا: اقترن اسم الله تَعَالَى (الولي) باسمه تَعَالَى (الحميد).\nتقدم بيانه في اسم الله (الحميد).\nثانيًا: اقتران اسم الله (المولى) بالأسماء الأخرى:\nاقترن اسمه تَعَالَى (المولى) باسمه تَعَالَى (الحق):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحق).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧٥٩).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ١٣٤).","vol":"2","page":558},{"text":"<span data-type='title' id=toc-724>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الولي، المولى):</span>\n<span data-type='title' id=toc-725>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الولي- المولى) من الصفات:</span>\nالله -﷿- الولي المولى الذي خلق الخلق، فلم يتركهم هملًا، بل تولاهم، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].\nوولايته -ﷻ- لخلقه على نوعين:\n١ - ولاية عامة.\n٢ - ولاية خاصة.\nفالنوع الأول: الولاية العامة:\nالله -ﷻ- الولي المولى، الذي عمت ولايته جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، العاقل منهم وغير العاقل، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].\nفتولى السماوات السبع وما فيهن من الملائكة والأجرام شمسًا، وقمرًا، ونجمًا، وما يتبعها من الليل والنهار، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢].\nوتولى الأراضين السبع ومن فيهن، من الجن والإنس، يقول تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦].\nوتولى الأنبياء الذي هم أتقى الخلق، كما تولى الطغاة الكفرة الذين هم أفجر الخلق، وتولى الشاب القوي القادر كما تولى الرضيع العاجز الذي لا","vol":"2","page":559},{"text":"يملك حولًا ولا قوة، وتولى الصحيح المعافى كما تولى المريض الطريح، وتولى الغني الفرح كما تولى الفقير الكسير، قال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\nوتولى - أيضًا- البهائم العجماء، فتولى الأسد على عظم قوته وقدرته على فريسته، كما تولى النمل، والعنكبوت، والبعوض، وسائر الحشر على ضعفها وحقارتها، وتولى الصقر القوي كما تولى العصفور الصغير الذي يخرج خماصًا فيعود بطانًا، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].\nوتولى السفن في البحر، كما تولى الطائرات في السماء، والمراكب في الأرض، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥].\nوتولى الريح وتصريفها، كما تولى المطر وقطره، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥].\nوهذا التولي يقتضي توليه لهم بحكمه القدري، والشرعي، والجزائي:\nفالكل تولاه الولي المولى بحكمه القدري، فنفذ فيه ما شاء من أنواع التدبير، وما قضى من التصريف، وما أراد من التقدير خيرًا وشرًّا، ونفعًا وضرًّا، وحياة وموتًا، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].","vol":"2","page":560},{"text":"وتولاهم بما قدر لهم من نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وأقام لهم مصالحهم وحاجاتهم؛ ابتدأ بالخلق، ثم الرزق، والتعليم، والحفظ، والشفاء، وكشف الضر، وإجابة الدعاء، وإنزال المطر ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣] (^١).\nفالكل تحت ولايته ورعايته، وطوع تقديره وحكمه، لا خروج لأحد عنه طرفة عين، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].\nوالكل من الثقلين تولاه الولي المولى بحكمه الشرعي، فأنزل الشرائع التي فيها تحقيق مصالحهم وطيب حياتهم في الدنيا والآخرة، فما من أمة إلا وبعث فيها رسولًا مؤيَّدًا بالبراهين والحجج، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] حتى ختمهم بمحمد -ﷺ- الذي أرسله هدى ونورًا للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].\nوجمع له الجن مستمعين، فانطلقوا إلى قومهم منذرين، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٥٩)، والنهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٤٨).","vol":"2","page":561},{"text":"بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢].\nكل ذلك توليًا من الله لخلقه، ورحمة منه بهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢].\nوبعد هذا يُرد الكل لله الولي المولى، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] فيتولاهم بحكمه الجزائي، فيثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على ما عملوا من الشرور والسيئات، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] (^١).\nالنوع الثاني: الولاية الخاصة:\nفالله -ﷻ- الولي المولى الذي اختص عباده المؤمنين، وحزبه المطيعين، وأولياءه المتقين بمزيد من الولاية والرعاية، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩].\nفتولاهم الولي المولى بالهداية للحق، وإخراجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٥٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ١١١).","vol":"2","page":562},{"text":"تولى محمدًا -ﷺ- وصحبه، فأخرجهم من الجاهلية إلى النور، ومن التفرق إلى الاجتماع، ومن الذل إلى العز، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\nولا يزال -ﷻ- يتولى من شاء من خلقه، فيخرجهم من الكفر إلى الإسلام، ويخرج من شاء من العصيان والتقصير والتفريط إلى الطاعة والاستقامة، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].\nوتولاهم الولي المولى بالتوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والآثام، كما جاء في حديث الولي: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (^١).\nتولى يوسف، فحفظه من الوقوع في الفعل القبيح، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]\nوتولى بني سليم وبني حارثة، فحفظهم من الفشل والفرار عن رسول الله -ﷺ-، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].\n_________\n(^١) ينظر: المصدر السابق (ص: ١١١).","vol":"2","page":563},{"text":"وتولاهم الولي المولى بالرعاية والحفظ وحسن التدبير، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].\nتولى يوسف -﵇- طفلًا ضعيفًا، فصرف إخوته عما هموا به من القتل، وتولاه في البئر وحيدًا، فحفظه من مخاطره ومخاوفه، بل وبشره بيوم يجتمع فيه بأهله وإخوته وينبئهم بفعلهم (^١)، وتولاه غلامًا مبيعًا، فاشتراه عزيز مصر وأكرمه، وتولاه شابًّا فآتاه الحكمة والعلم، وصرف عنه كيد النسوة، وتولاه سجينًا فأخرجه منه عزيزًا ممكنًا له في الأرض، وتولى كيده لأخذ أخاه فأخذه، وتولى أهله فأتى بهم إليه من البدو، ويتولاه في الآخرة كما تولاه في الدنيا، قال تَعَالَى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\nوتولى موسى -﵇- طفلًا رضيعًا، فحفظه في اليم، وحفظه من قتل فرعون وقومه، ثم أعاده لأمه وأهله، وتولاه شابًّا فحفظه من تآمر القوم على قتله، وتولاه في مدين فرزقه عملًا، ومالًا، وزوجًا، ثم تولاه بأعظم صور الولاية، فرزقه النبوة والرسالة، وتولاه بالنصر على فرعون وجنده.\nوكذا تولى بني إسرائيل، فأنجاهم من آل فرعون وتعذيبهم، وأغرق فرعون وجنده بمرأى منهم ومسمع، وأورثهم أرض مصر ومكنهم فيها، وأنزل عليهم التوراة هدى ونورًا، وعفا عنهم عبادتهم العجل، وطلبهم النظر إليه، فبعثهم بعد صعقهم، وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه، وفجر لهم\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٥).","vol":"2","page":564},{"text":"الحجر بالماء، وظللهم بالغمام، قال تَعَالَى على لسان موسى -﵇-: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].\nوتولى خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا -ﷺ-، فتولاه طفلًا رضيعًا، فسخر حليمة السعدية لأخذه ورضاعه، وتولاه يتيمًا، فرعاه جده وعمه، وأكرماه أيما إكرام، وتولاه شابًّا، فحفظه من سفه الشباب وسوء فعالهم، فعُرف بحسن السيرة ومكارم الأخلاق، وتولاه بالزواج من خديجة خير النساء، وتولاه في الأربعين، فأكرمه بالوحي والرسالة وأيده بالقرآن العظيم، وتولاه فحفظه من كيد قومه وإرادتهم قتله، وتولاه بالهجرة إلى المدينة ومناصرة الأنصار، وتولاه بالنصر في بدر، والخندق، وخيبر، وحنين، وتبوك وغيرها، وتولاه فجمع له المال بعد الفقر والفاقة، وتولاه ففتح له مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وتولاه فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويكرمه في الآخرة بالوسيلة والمقام المحمود، قال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ١ - ٩].\nوتولاهم الولي المولى بالتأييد والنصر على الأعداء، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٠٤٣).","vol":"2","page":565},{"text":"تولى أنبياءه ورسله، فنصرهم على أقوامهم، على الرغم من قلة الرجال، وضعف العدة والعتاد، وكثرة العدو وقوتهم وشدة بطشهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].\nوتولى أتباعهم، فنصر صحابة رسول الله -ﷺ-، وقبلهم نصر طالوت، وداود، ومؤمن آل فرعون، قال تَعَالَى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥].\nوهذه الولاية الخاصة هي الولاية التي نفاها الله عن الكافرين دون الولاية العامة، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]؛ فالولاية المنفية هنا هي ولاية المحبة والتوفيق والنصر والتأييد، وهي خاصة بالمؤمنين، أما الكفار فوليهم الشيطان، ومولاهم النار، قال تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]\n\n<span data-type='title' id=toc-726>الأثر الثاني: دلالة اسم الله الولي المولى على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله الولي المولى؛ قاده ذلك إلى توحيد الله في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وبيان ذلك على النحو الآتي:\nدلالة اسم الله الولي المولى على توحيد الربوبية: اسم الله (الولي، المولى) يتضمن الولاية لجميع الخلق بأفراد الربوبية خلقًا، ورزقًا، وتدبيرًا، وحفظًا، وإجابةً للدعاء، ونفعًا، وضرًّا، وإحياءً وإماتة ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].","vol":"2","page":566},{"text":"وهذا دال على فقر المخلوقات عن جلب هذه الأفراد لنفسها أو غيرها، وبالتالي وحدانية الله -ﷻ- وتفرده بالربوبية، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].\nدلالة اسم الله (الولي، المولى) على توحيد الألوهية: اسم الله الولي المولى يدل على أن العالم العلوي والسفلي ومن فيه من المخلوقات، كله تحت ولايته وتصريفه وتدبيره، وبالتالي جميع هذه المخلوقات فقيرة ضعيفة عاجزة، فلا خلق بيدها ولا نفع ولا ضر ولا رزق، بل ولا حتى الشفاعة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، ومن كان كذلك فهل يصح في عقل أو نقل أن يُتخذ وليًّا من دون الله يعبد؟! أو يتخذ شريكًا وندًّا للولي المولى؟! قال تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال تَعَالَى مبينًا أنه الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] (^١).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٩٣)، وتفسير السعدي (ص: ٢٥١) و(ص: ٧٥٣).","vol":"2","page":567},{"text":"دلالة اسم الله (الولي، المولى) على توحيد الأسماء الصفات:\nاسم الله -﷿- (الولي، المولى) يقتضي أن يكون سُبْحَانَهُ حيًّا، مالكًا، قادرًا، قويًّا، عليمًا، سميعًا، بصيرًا، خالقًا، رازقًا، حفيظًا، قيومًا، نصيرًا ونحو ذلك؛ إذ لا يتصور في المخلوقات- فضلًا عن الخالق- ولي ميت، عاجز، أعمى، أصم، أبكم، جاهل، لا يملك حولًا ولا قوة.\nويدل على هذا: ما جاء من آيات اقترن فيها هذا الاسم الكريم بأسمائه الأخرى أو صفاته، كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، وقوله سُبْحَانَهُ:\n﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].\nفإذا علم العبد هذا أقر بهذه الأسماء الكريمة والصفات العلية التي يقتضيها اسم الله الولي المولى، على وجه لا تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل معه؛ امتثالًا لقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n\n<span data-type='title' id=toc-727>الأثر الثالث: الثقة بنصر الله (الولي، المولى) لأوليائه، والتوكل عليه، وحسن الظن به:</span>\nإن اسم الله الولي المولى، وما فيه من ولاية الله لأهل الإيمان بالنصر والتمكين والغلبة على الأعداء؛ يثمر في قلب المؤمن الثقة بنصره والاطمئنان لوعده، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾\n[آل عمران: ١٥٠]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].","vol":"2","page":568},{"text":"ويثمر هذا- أيضًا- اليقين بذهاب أعداء الله وإن ظهروا في وقت ما لحكمة، فنهايتهم إلى ذهاب؛ لأنهم مقطوعو الصلة بالله الولي المولى، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، قال النبي -ﷺ- للصحابة: «أَجِيبُوهُ، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-728>الأثر الرابع: محبة الله الولي المولى سُبْحَانَهُ:</span>\nإن اسم الولي المولى يدفع العبد المستشعر لمعناه إلى محبة الله جل في علاه؛ وبيان ذلك: أن الإنسان إذا تولاه أحد من البشر فكفاه حاجته، وأحسن إليه بالطعام والسقاء والإواء، وحماه من أعدائه؛ أحبه وشعر بفضله عليه، مع أن هذا البشر إنما تولاه لحاجة ومطلب في نفسه دنيوي أو خروي، وولايته لا تنفك عن النقص والخلل.\nفإذا كان هذا هو الحال، فكيف لا يحب من هو ولي أمورنا كلها المتكفل بها جميعها، وكيف لا يُحَبُّ من هو ولي النعم كلها، وولي إحسان الخلق كافة، فما أحسن مخلوق لمخلوق ولا تولى مخلوق مخلوق إلا بتولي الله وتسخيره له؟!\nوكل ذلك مع تمام غناه عنا، فلا هو محتاج إلينا فيتولى، ولا مفتقر إلينا فينعم، وإنما هو محض فضل منه سُبْحَانَهُ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":569},{"text":"ثم إذا تأمل العبد في ولايته -ﷻ-؛ وجدها في غاية الكمال والجمال، مبنية على علم تام، وحكمة بالغة، ورحمة واسعة، وعدل لا ظلم معه، أفلا يكون -ﷻ- أحق بالمحبة وأولى؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-729>الأثر الخامس: نيل ولاية الله الولي المولى:</span>\nلا شك أن معرفة اسم الولي المولى، وما فيه من الولاية الخاصة؛ تثمر لأهلها ثمارًا طيبة في الدنيا والآخرة، منها:\nنيل محبة الولي المولى، قال تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وجاء في حديث الولي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ …» (^١).\nتولي الولي المولى لشؤونهم الدينية والدنيوية بالإصلاح وحسن التدبير، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].\nهداية الولي المولى لهم وتوفيقهم للخيرات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وجاء في حديث الولي: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":570},{"text":"عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١) (^٢).\nقال الخطابي -﵀- في معنى الحديث: «والمعنى: توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، وتيسير المحبة له فيها؛ بأن يحفظ عليه جوارحه، ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش في ما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله» (^٣).\nنصر الولي المولى لهم على أعدائهم، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، قال النبي -ﷺ- للصحابة: «أَجِيبُوهُ، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (^٤).\nمغفرة الولي المولى لذنوبهم ورحمته بهم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].\nإجابة الولي المولى لدعائهم، كما في قوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١١١).\n(^٣) فتح الباري، لابن حجر (١١/ ٣٤٤).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"2","page":571},{"text":"قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» (^١)، وجاء في حديث الولي: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (^٢).\nتثبيت الولي المولى لهم عند المصائب والمخاوف، لا سيما عند الموت، قال تَعَالَى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] (^٣).\nإكرام الولي المولى لهم بدخول الجنة والنجاة من النار، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].\nكلها تدفع العبد إلى السعي في تحصيلها، والدخول في جملة أهلها وحزبها، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].\nوقد جعل الله لنيلها أسبابًا، ولأهلها أوصافًا، والتي منها:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٢٦).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٨).","vol":"2","page":572},{"text":"الإيمان به -ﷻ-، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] (^١).\nالتقوى التي تصدِّق الإيمان، وذلك: بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فكل من كان مؤمنًا تقيًّا؛ كان لله وليًّا» (^٢).\nوقال: «وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تَعَالَى، فمن كان أكمل إيمانًا وتقوى، كان أكمل ولايةً لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله -﷿- بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله، بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقال تَعَالَى في المنافقين-:\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٣٦٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢/ ٢٢٤).","vol":"2","page":573},{"text":"﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، فبين -﵎- أن الشخص الواحد، قد يكون فيه قسط من ولاية الله، بحسب إيمانه، وقد يكون فيه قسط من عداوة الله، بحسب كفره ونفاقه» (^١).\nمحبة الله -﷿- ورسوله -ﷺ-، ومحبة ما يحب الله ورسوله -ﷺ-، وبغض ما يبغض الله ورسوله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦].\nقال ابن القيم -﵀-: «فالولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض، والله ولي الذين آمنوا، وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم، فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له.\nولهذا أنكر سُبْحَانَهُ على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من والى أولياءه، فإنه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته لهم من تمام موالاته» (^٢).\n«اتباع رسوله -ﷺ- في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن» (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لابن تيمية (ص: ٢٨).\n(^٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: ٢٢٩).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ١٢٨).","vol":"2","page":574},{"text":"قال ابن كثير -﵀-: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله … ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول … وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية» (^٢).\nوبحسب المتابعة لرسول الله -ﷺ- تكون الولاية؛ قال ابن القيم -﵀-: «والمقصود: أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح، والعزة والكفاية والنصرة والولاية، والتأييد وطيب العيش، في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (^٣).\nالصلاح، والقيام بالأعمال الصالحة من الفرائض، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، قال السعدي -﵀-: «الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم» (^٤).\nوقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وجاء في حديث الولي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ\n_________\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٢).\n(^٣) زاد المعاد (١/ ٣٧).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٣١٢).","vol":"2","page":575},{"text":"عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (^٢)، وجاء- أيضًا- في الحديث عن رسول -ﷺ- أنه قال في حجة الوداع: «أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ المُصَلُّونَ، مَنْ يُقِيمُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَحْتَسِبُ صَوْمَهُ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَيُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ يَحْتَسِبُهَا، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا» (^٣).\nالقيام بالأعمال الصالحة من النوافل، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وجاء في حديث الولي: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» (^٤).\nالتقرب بعبادات السر؛ فقد جاء: أن عمر -﵁- خرج إلى المسجد يومًا، فوجد معاذ بن جبل -﵁- عند قبر رسول الله -ﷺ- يبكي، فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: يبكيني حديث سمعته من رسول الله -ﷺ-، يقول: «إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى للهِ وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بِالمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» (^٥).\nتعلم العلم الشرعي وتعليمه؛ فعن الحسن البصري -﵀- أنه تلا\n_________\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه الطحاوي في المشكل، رقم الحديث: (٨٩٨)، والطبراني في الكبير رقم الحديث: (١٠١)، والحاكم رقم الحديث: (١٩٧)، حكم الألباني: حسن، الإرواء، رقم الحديث: (٦٩٠).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه رقم الحديث: (٣٩٨٩)، والطحاوي في المشكل رقم الحديث: (١٧٩٨)، والطبراني في الكبير رقم الحديث: (٣٢١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٨٩).","vol":"2","page":576},{"text":"هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [فصلت: ٣٣]، فقال: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله» (^٢).\nويروى عن الخليل بن أحمد أنه قال: «إن لم تكن هذه الطائفة- يعني: أهل العلم- أولياء الله، فليس لله ولي» (^٣).\nفبهذا تنال ولاية الله، لا بمجرد الدعاوى والأماني؛ فهؤلاء اليهود والنصارى ادعوا أنهم أولياء الله وأحباؤه، فرد الله عليهم بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨]، وادعاها مشركو العرب؛ لسكنهم مكة، فقال الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].\nفليس كل من ادعى الولاية وتظاهر بها يعد وليًّا لله، بل قد يعد وليًّا للشيطان كما هو الحال في أهل الزيغ والضلال الذين تركوا الفرائض، وقارفوا المحرمات، وزعموا أن التكاليف سقطت عنهم؛ لولايتهم، فهؤلاء في الحقيقة أولياء للشيطان، وليسوا من أهل ولاية الله في شيء، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. (^٤)\n_________\n(^٢) تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٠).\n(^٣) تهذيب الكمال، للمزي (٨/ ٣٣١).\n(^٤) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٥٢ - ٥٤).","vol":"2","page":577},{"text":"<span data-type='title' id=toc-730>الأثر السادس: موالاة أولياء الله والحذر من معادتهم:</span>\nإذا علم العبد اسم الله الولي المولى وما يقتضيه من اتخاذ الله -ﷻ- أولياء، يحبهم وينصرهم، ويعادي من عادهم، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لي وليًّا، فَقَدْ آذنتُهُ بالحَرْبِ» (^١).\nقاده ذلك إلى مولاة من وال الله ومحبتهم ونصرتهم، والتبرؤ من أعداء الله وبغضهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال تَعَالَى في الموقف من أعدائه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال السعدي -﵀-: «فأداة الحصر في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم» (^٢)، وهذا من مقتضيات عقيدة التوحيد، القائمة على الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٢٣٦).","vol":"2","page":578},{"text":"قال ابن رجب -﵀-: «وأولياء الله تجب موالاتهم، وتحرم معاداتهم، كما أن أعداءه تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم، قال تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]» (^١).\nكما يقوده إلى الحذر الشديد من معادة أولياء الله، لا سيما وأن الله -ﷻ- قال في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَليًّا، فَقَدْ آذنتُهُ بِالحَرْبِ» (^٢)، ومعناه: أعلمته أني محارب له، حيث كان محاربًا لي بمعاداة أوليائي؛ ولهذا جاء في حديث عائشة: «فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي» (^٣)، وخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل، سمع النبي -ﷺ- يقول: «وَإِنَّ مَنْ عَادَى للهِ وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بالمُحَارَبَةِ» (^٤)، وغاية هذه المحاربة: الهلاك (^٥).\nقال الشوكاني -﵀-: «قال ابن هبيرة: ويستفاد من هذا الحديث: تقديم الإعذار على الإنذار، قلت: ووجهه: أنه لما قدم معاداة من هو بهذه الصفة من\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٦٨٣٤)، والبزار، رقم الحديث: (٩٩ - البحر الزخار)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وفيه عبد الواحد بن قيس بن عروة، وثقه أبو زرعة والعجلي وابن معين في إحدى الروايتين وضعفه وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه واللفظ له، رقم الحديث: (٣٩٨٩)، والطحاوي في المشكل، رقم الحديث: (١٧٩٨)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٣٢١)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٩٨٩).\n(^٥) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ٣٣٤).","vol":"2","page":579},{"text":"الولاية لله، فكأنه أعذر إلى كل سامع أن من هذا شأنه لا ينبغي أن يعادى، بل على كل من عرف أن هذه صفته، أن يواليه ويحبه، فإذا لم يفعل فقد أعذر الله إليه، ونبهه على أن من عادى يستحق العقوبة البالغة على عداوته، فقال- منذرًا له-: فقد آذنته بالحرب على ما صنع مع ولي» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-731>الأثر السابع: دعاء الله باسمه (الولي، المولى):</span>\nإن اسم الولي المولى يدعو العبد إلى دعاء ربه والتوسل إليه بهذا الاسم الكريم، لا سيما وأن الأنبياء الذين هم قدوة الخلق ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] دعوا ربهم به؛ فهذا يوسف -﵇- يدعو ربه قائلًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\nوهذا موسى -﵇- وصالحو قومه يدعون: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].\nوهذا رسول الله -ﷺ- يدعو قائلًا: «يا وَليَّ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ» (^٢).\nوهذا دعاء المؤمنين الذي أخبر الله عنه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n_________\n(^١) ولاية الله والطريق إليها، للشوكاني (ص: ٣٤٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٦٦١)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٢٥٤)، حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤٧٦).","vol":"2","page":580},{"text":"كما يدعو العبد- أيضًا- إلى سؤال الله ولايته ومقتضياتها من الهداية والثبات، والنصر والرحمة والمغفرة، وإصلاح الأمر الديني والدنيوي كله، من غير أن يكل العبد إلى نفسه طرفة عين.\nفاللهمَّ يا ولي الإسلام وأهله، مسِّكنا به حتى نلقاك، وأصلح لنا شأننا\nكله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.","vol":"2","page":581},{"text":"<span data-type='title' id=toc-732>الوهَّابُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-733>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «وهب، وهبت له شيئًا وهبًا، ووهَبًا بالتحريك، وهِبَة، والاسم: الموهب والموهبة، بكسر الهاء فيهما، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الواو والهاء والباء: كلمات لا ينقاس بعضها على بعض، تقول: وهبت الشيء أهبه هبة وموهبًا، واتهبت الهبة: قبلتها …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-734>ورود اسم الله (الوهاب) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (الوهاب) في ثلاثة مواضع من كتاب الله، وهي:\nقوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\nقوله تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾.\nقوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥].\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ٢٥٧).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ١٤٧).","vol":"2","page":582},{"text":"<span data-type='title' id=toc-735>ورود اسم الله (الوهاب) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الوهاب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: كَانَ دُعَاءُ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْعِيدَيْنِ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِيشَةً تَقِيَّةً، وَمِيتَةً سَوِيَّةً، وَمَرَدًّا غَيْرَ مُخْزٍ وَلَا فَاضِحٍ، اللَّهُمَّ لَا تُهْلِكْنَا فَجْأَةً، وَلَا تَأْخُذْنَا بَغْتَةً، وَلَا تُعْجِلْنَا عَنْ حَقٍّ وَلَا وَصِيَّةٍ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفَافَ وَالْغِنَى، وَالتُّقَى، وَالْهُدَى، وَحُسْنَ عَاقِبَةِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِّ وَالشِّقَاقِ، وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فِي دِينِكَ، يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (^١).\n«كان -ﷺ- إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، اللهمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (^٢).\nعن سلمة بن الأكوع قال: «مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَسْتَفْتِحُ دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بـ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٧٥٧٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه نهشل بن سعيد وهو متروك، رقم الحديث: (٣٢٢٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٦١)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٦٣٥)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٦١).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٨١٣)، وابن أبي شيبة في المصنف، رقم الحديث: (٢٩٩٦١)، قال الهيثمي: فيه عمر بن راشد اليمامي، وثقه غير واحد، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٠/ ١٥٦).","vol":"2","page":583},{"text":"معنى اسم (الوهاب):\nقال الطبري -﵀-: «هو الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء، من ملك وسلطان ونبوة» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «الوهاب هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد، من غير استثابة» (^٢).\nقال الحليمي -﵀-: «الوهاب هو المتفضل بالعطايا، المنعم بها، لا عن استحقاق عليه» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «الوهاب: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان، الذي عم جودك جميع البريات» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوَكَذَلِكَ الوَهَّابُ مِنْ أَسْمَائِهِ … فَانْظُرْ مَوَاهِبَهُ مَدَى الأَزْمَانِ\nأَهْلُ السَّمَواتِ العُلَى والأَرْضِ عَنْ … تِلْكَ المَوَاهِبِ لَيْسَ يَنْفَكَّانِ (^٥)\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ١٥٦).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ٥٣).\n(^٣) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٦).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ١٢٣).\n(^٥) النونية (ص: ٢١٠).","vol":"2","page":584},{"text":"اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الوهاب) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:\nاقتران اسمه (الوهاب) باسمه (العزيز) سُبْحَانَهُ:\n- تقدم بيانه في اسم الله (العزيز).\n\n<span data-type='title' id=toc-736>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوهاب):</span>\n<span data-type='title' id=toc-737>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوهاب) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالوهاب سُبْحَانَهُ تتابعت نعمه، وفاض كرمه، وزاد بره، وكثر خيره.\n«يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويشفي سقيمًا ويخصب عقيمًا، ويعلم جاهلًا، ويهدي ضالًّا، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيًا، ويكسو عاريًا، ويسلي صابرًا، ويزيد شاكرًا، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، ويعطي محرومًا، وينصر مظلومًا، ويقصم ظالمًا، ويرحم مسكينًا، ويغيث ملهوفًا» (^١).\nوكل إحسان للعباد ينطلق من أسمائه تَعَالَى وصفاته إنما هو من هبات الوهاب سُبْحَانَهُ، يعطيها عباده من غير عوض، ولا ثواب، فحري بمن هذه هباته أن يبذل له الحب كله، وأن يعبد وحده لا شريك له؛ إذ لا يستطيع المخلوق، بل الخلائق جميعها، أن تهب شيئًا من الهبات استقلالًا، كما في قوله -﷿-: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (٣/ ٣٢٥).","vol":"2","page":585},{"text":"مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾\n[يونس: ٣١]، وكل ذلك في غير استحقاق من عباده ولا حق لهم عليه.\nوعليه فحري بمن عرف اسم الله الوهاب وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله هبته وفضله وإحسانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-738>الأثر الثاني: استشعار عظم هبات الله تَعَالَى وشموليتها.</span>\nالوهاب هو كثير الهبات، ومتنوعها، فهي تشمل الدين، والدنيا، ويمكن تقسيمها كما يلي:\n* أولًا: هبات دينية:\nومن أبرزها والتي ورد فيها نص، ما يلي:\nهبة النبوة:\nوهي من الهبات التي اختصها الله بمن شاء من عباده، وختمها بمحمد -ﷺ-، يقول الله عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقد أنكر كفار قريش نبوة محمد -ﷺ- حسدًا، فرد الله عليهم بأنها هبة من خزائن رحمته، يقول في كتابه: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٨ - ٩]، يقول الطبري -﵀- في تفسير ذلك: «أم عند هؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد خزائن رحمة ربك، يعنى: مفاتيح رحمة ربك يا محمد، العزيز في سلطانه، الوهاب لمن","vol":"2","page":586},{"text":"يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما منَّ الله به عليك من الكرامة، وفضَّلك به من الرسالة» (^١).\nهبة الهداية:\nوهي نوعان:\nهداية الدلالة والإرشاد:\nوهي من أعظم هبات الوهاب، فهي مصدر التكليف ومناطه، وبها تقوم حجة الله على عباده؛ فإن الله تَعَالَى لا يُدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسل الذين يبينون للناس طريق الرشاد من الغي، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].\nهداية التوفيق:\nوهي الهداية الخاصة للأولياء، يقول تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فمن رزقه الله الهداية رُزِق سعادة الدنيا والآخرة، وإذا دخلت الهدايةُ قلبًا وجد السعادة التي طالما بحث عنها، وفي الدعاء المشهور: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ» (^٢)، أي: مع من هديت، والمراد بهم: الأنبياء والصالحون، أولئك الذين أنعم الله عليهم بالهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يمكن أن تستفتح ركعة، بل لا تصح\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ١٥٦).\n(^٢) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٧٢٢)، حكم الألباني: صحيح، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، رقم الحديث: (٤٢٩).","vol":"2","page":587},{"text":"أي صلاة حتى تطلب الهداية، وهي هداية الثبات على الإسلام، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.\nولعظم هذه الهداية كان الدعاء باستدامة هذا الثبات ورسوخه من منهج الأنبياء والراسخين في العلم، فعن أنس -﵁-، قال: كان رسول الله -ﷺ- يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ -﷿- يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (^١)، ويقول الله تَعَالَى على لسان الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] (^٢).\nهبة الأخ الصالح والصديق الناصح:\nوهم الذين يعينون العبد على الخير، وفي الحديث عن النبي -ﷺ-، قال: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى» (^٣)، «والبطانة بالكسر: الصاحب الوليجة، وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به، شُبِّه ببطانة الثوب» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٢٩٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢١٤٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢١٤٠).\n(^٢) للاستزادة من مطالعة الهداية الخاصة والعامة يرجع لاسم الله (الهادي).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧١٩٨).\n(^٤) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٧/ ٣٢)","vol":"2","page":588},{"text":"ولذا طلب نبي الله موسى -﵇- من ربه- عندما أرسله- أن يرسل معه أخاه هارون، فاستجاب الله دعاءه، وامتن عليه بذلك، فقال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، ووهب له أخًا صالحًا يعينه، وكانت أعظم شفاعة في التاريخ شفاعة موسى لأخيه، أن سأل له النبوة.\n* ثانيًا: هبات دنيوية:\nالهبات الدنيوية متتالية متداخلة تشمل الخلائق كلها، ولا تنفك عنهم في أي طَرفة ولحظة، ومنها:\nهبة الحياة:\nفالله -﷿- هو واهب الحياة من غير طلب، يقول تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].\nهبة العافية:\nتنوعت هبات الوهاب للعبد في بدنه، لحفظ عافيته، ففي جسد الإنسان عدد كبير من الخلايا، وليس معنى ذلك: أنه يملك من النعم في جسده بعدد هذه الخلايا! بل داخل كل خلية العديد من النعم، وكل خلية عرضة لما لا يمكن إحصاؤه من الآفات، والعلل التي من المحتمل أن تصيبها، والله- بقدرته ورحمته- يحفظها في جسد الإنسان من هذه العوارض، ولذا فكثير من دعاء النبي -ﷺ- هو في سؤال العفو العافية، فعن أبي بكر الصديق أنه قال: «قَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَامَ الْأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: اسْأَلُوا اللهَ","vol":"2","page":589},{"text":"العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ» (^١)، وعن أنس بن مالك -﵁-، قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: تَسْأَلُ رَبَّكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا، والآخِرَةِ؛ فَإِنَّكَ إِذَا أُعْطِيتَهُمَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِيتَهُمَا فِي الآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ» (^٢).\nوهكذا الإنسان لو ذهب يعدد نعم الله تَعَالَى المثبتة عليه في بدنه، لوجد أنه غير قادر على عدها، ولو استطاع ذلك فكيف له أن يعد نعم الله التي هي عبارة عن نقم دفعها الله عنه، أو ابتلاه بها ثم رفعها عنه! فكشف البلاء هبة من الوهاب.\nهبة الأزواج والذرية:\nوهم الذين تقرُّ بهم الأعين في الدنيا والآخرة، ومن تتبع لفظ (وهبنا) في القرآن وجد قبلها دعوةً أُجيبَتْ، ومن ذلك: ما جاء في ذكر دعاء عباد الرحمن في قوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، ويقول أيضًا: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، يقول السعدي -﵀- عن هذه الآية: «فيها الإخبار عن سعة ملكه تَعَالَى، ونفوذ تصرفه في الملك في الخلق لما يشاء، والتدبير لجميع الأمور» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥٨)، وقال: حسن غريب، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد واللفظ له، رقم الحديث: (١٢٤٨٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥١٢)، وقال: حسن غريب، إنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥١٢).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٧٦٢).","vol":"2","page":590},{"text":"وقد امتن الله على رسله وأنبيائه بما وهبهم إياه من الذرية الصالحة؛ فمنهم:\nإبراهيم -﵇-: وهب له بعد كبر السن ووهن العظم إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وجعل في ذريته الكتاب والنبوة، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال تَعَالَى على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].\nداود -﵇-: وهب له سليمان -﵇-، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠].\nزكريا -﵇-: وهب له يحيى بعد أن طعن في العمر، وشاخ، وكانت امرأته عاقرًا أيضًا، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].\nهبة كشف البلاء:\nفكشف البلاء ورفعه عن العباد هبة عظيمة من الله تَعَالَى، ومن شواهد ذلك: قصة أيوب -﵇- حين ابتلاه الله في جسده، فذهب ماله، وفقد ولده، ثم رفع عنه البلاء، ووهبه مثلي ما أخذ منه من الأهل والولد، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣].\nهبة الملك والسلطان لمن يشاء الله من عباده:\nيقول تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقد سأل سليمان -﵇- الوهاب سُبْحَانَهُ الملك، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]،","vol":"2","page":591},{"text":"فاستجاب الوهاب له: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٩].\nومن تأمل فيما تقدم، كان عليه شكر الوهاب على كثير هباته، وحمده سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].\nويقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتجددة، فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر؛ شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-739>الأثر الثالث: محبة الوهاب -جل وعلا</span>-:\nيورث اسم الله (الوهاب) في نفس المؤمن محبة عظيمة لله سُبْحَانَهُ فهو الذي تتجدد هباته في أمور خلقه كلها بالليل والنهار، بل ومع كل نفس من أنفاسهم، فبيده خزائن كل شيء، وملك كل شيء.\nولا شك أن المسلم إذا تدبر في ذلك وتفكر فيه؛ فسيزداد تعلقًا بالله ورحمته، وكرمه وجوده.\n\n<span data-type='title' id=toc-740>الأثر الرابع: شكر الوهاب على هباته:</span>\nتحفظ مواهب الوهاب سُبْحَانَهُ وتزيد بالشكر، الذي هو: «هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبة، وعلى\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ٢٩٦).","vol":"2","page":592},{"text":"جوارحه انقيادًا وطاعة، والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره، فهذه الخمس: هي أساس الشكر وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة: اختل من قواعد الشكر قاعدة» (^١).\nوقد أمر الله تَعَالَى عباده الذاكرين أن يكثروا من ذكره، ويداوموا على شكره، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]\nيقول السعدي -﵀- في هذه الآية: «﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾، أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم المفقودة، قال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-741>الأثر الخامس: المحافظة على هبات الوهاب من الفقد:</span>\nإن السلب بعد العطاء، والنقصان بعد الزيادة شيء ثقيل على النفس، وهو الحور الذي استعاذ منه النبي -ﷺ-، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ -﵁- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» (^٣)، والحور هو: النقصان، والكور هو: الزيادة، وكان من هديه -ﷺ- في الدعاء أن يقول- أيضًا-: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ\n_________\n(^١) مفهوم الشكر عند ابن تيمية (١/ ٢٥).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٣٤٣).","vol":"2","page":593},{"text":"عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (^١)، أي: يا الله ألتجئ إليك من ذهاب جميع نعمك الظاهرة والباطنة، الدنيوية والأخروية ما علمتها، وما لم أعلمها؛ لأن نعمك لا تحصى، ولا تعد، ثم يستعيذ من تحول العافية وتبدلها.\nومن أعظم أسباب زوال الهبات والنعم ما يلي:\n- الذنوب والمعاصي:\nوقد حذر الله عباده من الذنوب والمعاصي، وبين أنها سبب الهلاك والعقاب، يقول تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠].\nيقول ابن القيم -﵀- (^٢): «ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم، وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب -﵁-: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِعَ إلا بتوبة، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣]، فأخبر الله تَعَالَى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غير غير عليه، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٣٩).\n(^٢) الجواب الكافي (ص ٧٤).","vol":"2","page":594},{"text":"فإن بدل العبد المعصية بالطاعة، بدل الله له العقوبة بالعافية، والذل بالعز، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].\n- كفر النعم، وعدم شكرها:\nوقد مضت سنة الله في خلقه أن من كفر نعمة الله، ولم يشكر الله عليها يسلبها منه، ويذيقه ضدها، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨].\nومن شواهد ذلك القرآنية: قصة سبأ، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٦].\nويقول سُبْحَانَهُ في موضع آخر: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-742>الأثر السادس: الصبر عند سلب النعم ورفع الهبات:</span>\nفقد يكون المنع هو عين العطاء، والوهاب ما حرم عبده إلا ليعطيه، وما منعه إلا ليقربه، فلكل فعل من أفعاله تَعَالَى حكمة وهدف، ومن سنة النبي -ﷺ- أنه يحمد الله على كل حال، فعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ","vol":"2","page":595},{"text":"الصَّالِحَاُت، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (^١).\nويقول -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).\nومن أعظم الأمور التي تُسلي العبد المؤمن، وتصبره على المصائب ما يلي:\nاستشعار محبة الله للصابرين، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وقرب الله أجمل من كل قريب، وحب الله أحلى من حب كل حبيب.\nولله در القائل:\nلِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا فَارَقْتُه عِوَضٌ … وَلَيْسَ للهِ إِنْ فَارَقْتَ مِنْ عِوَضِ\nإرجاع الأمر لصاحبه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، وتسليمه الملك لمالكه، وعلمه ألا حق له في النعم، ولله أن يعطي ويمنع، ويقبض ويبسط، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وأمره كله خير؛ لا يسأل عما يفعل سُبْحَانَهُ، وعن أسامة بن زيد -﵁-، قال: «أرسلت ابنة النبي -ﷺ- إليه أن ابنًا لي قُبض، فَأْتِنَا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٠٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٩).","vol":"2","page":596},{"text":"مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» (^١).\nالثقة بأن الله يجزي الصابر على مصيبته والمحتسب، بخير مما فقد منه في الدنيا والآخرة، كما قال تَعَالَى في الحديث القدسي: «إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ»، يريد: عينيه (^٢).\nأن الله وإن ابتلى عبدًا بمصيبة فإنما يبتليه بشيء من المصائب، ولكنه يعافيه في كثير من النعم، وينزل عليه- أيضًا- كثيرًا من الرزق، فإذا تذكر العبد ما أنعم الله به عليه هان عليه ما أصابه من البلاء، وأعانه ذلك على الصبر، والرضا بما قدره له الله.\nوتأمل في تعليل الخضر لموسى -﵇-، حين قتل الغلام في سورة الكهف ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].\nفكان ظاهر المصيبة فقد الولد، وباطنها الحفاظ على دين الوالدين، وهو أجلُّ النعم وأعظمها، مع إبدالهما خيرًا من الولد الذي قتل، فهو منعٌ حقيقته عظيم العطاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-743>الأثر السابع: السعي للبذل والهبة لمن يستحق ذلك:</span>\nالتعبد باسم الله (الوهاب) يستلزم أن يكون للعبد حظ من هذا الاسم المقدس، والوهاب من العباد هو الذي يعطي خلق الله ما يحتاجون إليه؛ طمعًا في ثواب الله، وخوفًا من عقابه، ورغبة في الجزاء المقيم في جنة رب العالمين،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث: (١٢٨٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٣).","vol":"2","page":597},{"text":"يقول تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩].\nبل إن من أسباب دوام الهبات والنعم: بذل حقها وزكاتها، بنفع الآخرين، فمن كان ذو موهبة من علم أو صنعة أو مال، عليه ألا يبخل ببذله لمن احتاجه، وإلا نُزعت هذه النعمة، يقول -ﷺ-: «إِنَّ للهِ عِبَادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لمنَافِعِ العِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (^١).\nويقول تَعَالَى في النهي عن البخل لمن كان ذا صنعة، في آية الدَّيْن: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي إنفاق المال يقول تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧]، وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ. قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ» (^٢).\nوقد كان الصحابة -﵃- يتنافسون في البذل والصدقة والهبة لمن يحتاج، فعن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقُلْتُ: مِثْلَهُ قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: مَا أَبْقَيْتَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٥١٦٢) حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٢١٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٢٨).","vol":"2","page":598},{"text":"لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُلَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا» (^١).\nوهذا مصداق لقول النبي -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءِ النَّهَارِ» (^٢).\nوفي حديث جامع عظيم عن رسول الله -ﷺ-، يرشد لبذل الخير وإن دق، عند الإمام أحمد من حديث أبي ذر: «.... وَتَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وتَعْزِلُ الشَّوْكَةَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ والعَظْمَ والحَجَرَ، وتَهْدِي الأَعْمَى، وتُسْمِعُ الأَصَمَّ والأَبْكَمَ حَتَّى يَفْقَهَ، وَتَدُلُّ المُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَةٍ لَهُ قَدْ عَلِمْتَ مَكَانَهَا، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ المُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-744>الأثر الثامن: دعاء الله تَعَالَى باسمه (الوهاب):</span>\nالدعاء نعمة كبرى، ومنحة عظمى، جاد بها المولى الوهاب، وامتن بها على عباده، حيث أمرهم بالدعاء، ووعدهم بالإجابة والإثابة، فما استُجلبت النعم بمثله، ولا استدُفعت النقم بمثله؛ وقد دعا سليمان -﵇- ربه الوهاب بدعوة أجيبت له، وخص بها: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، يقول ابن عاشور -﵀-: «ودلت صيغة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٦٧٨)، والترمذي رقم الحديث: (٣٦٧٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٥٢٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٥).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٨٨٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٧٥).","vol":"2","page":599},{"text":"المبالغة في (الوهاب) على أنه تَعَالَى يهب الكثير والعظيم؛ لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة؛ لما يرتب عليه من درجات الآخرة» (^١).\nكما كان النبي -ﷺ- يكثر أن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» فلما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] قال: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ» (^٢)، وكان -ﷺ- إذا استيقظ من الليل قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، اللهمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (^٣).\nفكان دعاء المغفرة وسؤال الثبات من رسول الله -ﷺ- لربه باسمه الوهاب، وكذلك سأل الراسخون في العلم ربهم الوهاب أن يثبتهم على الهداية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\nفمهما كانت أمانيك ومطالبك في الدنيا والآخرة، سلها كثيرَ العطايا والهبات، وثق بأن الوهاب كريم لا يعجزه شيء سُبْحَانَهُ.\n﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٣/ ٢٦٣).\n(^٢) أخرجه الحاكم، رقم الحديث (١٨٥٥)، وقال: إسناد صحيح إن كان أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود سمع من أبيه، ولم يخرجاه.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":600},{"text":"<span data-type='title' id=toc-746>البَرُّ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-747>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «البِر: خلاف العقوق، والْمَبَرَّة مثله، تقول: بَرِرْتُ والدي بالكسر، أَبَرُّهُ بِرًّا، فأنا بَرٌّ به وبارٌّ، وجمع البَرَّ: أَبْرارٌ، وجمع البار: البررة، وفلان يبر خالقه ويَتَبَرَّرُهُ، أي: يُطِيعُهُ، والأمُّ بَرَّةٌ بولدها، وبَرَّ فلان في يمينه، أي: صَدَقَ، وبَرَّ حَجُّهُ، وبُرَّ حجه، وبَرَّ الله حجَّهُ، بِرًّا، بالكسر في هذا كلِّه» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(بر) الباء والراء في المضاعف أربعة أصول: الصدق …، فأما الصدق فقولهم: صدق فلان وبَرَّ، وبرَّتْ يمينُه: صدقت …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-748>ورود اسم الله تَعَالَى (البَر) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (البر) في كتاب الله مرة واحدة، وهي:\nقوله -﷿-: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٥٨٨).\n(^٢) مقاييس اللغة (١/ ١٧٩).","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-749>ورود اسم الله تَعَالَى (البَر) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله تَعَالَى (البَر) في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-750>معنى اسم الله (البَر) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] «يعني: اللطيف بعباده» (^١).\nقال الزجاج -﵀-: «والله تَعَالَى بَرٌّ بخلقه بمعنى: أنه يحسن إليهم، ويصلح أحوالهم» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «البر هو العَطُوفُ على عباده، المحسن إليهم، عَمَّ ببرِّهِ جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه» (^٣).\nقال الحليمي -﵀-: «البر الرفيق بعباده، يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ويعفو عن كثير سيئاتهم، ولا يؤاخذهم بجميع جناياتهم، ويجزيهم بالحسنة عشر أمثالها، ولا يجزيهم بالسيئة إلا مثلها، ويكتب لهم الهَمَّ بالحسنة، ولا يكتب عليهم الهَمَّ بالسيئة» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «وصفُهُ البَرُّ، وآثار هذا الوصف: جميع النعم الظاهرة والباطنة؛ فلا يستغني مخلوق عن إحسانه وبره طرفة عين» (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (٢١/ ٥٩١).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٦١).\n(^٣) شأن الدعاء (١/ ٨٩).\n(^٤) المنهاج (١/ ٢٠٤).\n(^٥) الحق الواضح المبين (ص: ٨٤).","vol":"3","page":6},{"text":"قال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوالبَرُّ فِي أَوْصَافِهِ سُبْحَانَهُ … هُوَ كَثْرَةُ الخَيْرَاتِ والإِحْسَانِ\nصَدَرَتْ عَنِ البَرِّ الَّذِي هُوَ … وَصْفُهُ فَالبِرُّ حِينَئِذٍ نَوْعَانِ\nوَصْفٌ وَفِعْلٌ فَهُوَ بَرٌّ مُحْسِنٌ … مُولِي الجَمِيل ودَائِمُ الإِحْسَانِ (^١)\nاقتران اسم الله (البَر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\n- اقترن اسم الله (البَر) باسمه (الرحيم):\nوذلك في آية واحدة، وهي قوله -﷿-: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]\nوجه الاقتران:\nلعل اقترانهما من باب المسبب والسبب، فإن بِر الله -﷿- بعباده- الذي هو عبارة عن توالي مننه، وتتابُع إحسانه وإنعامه- أثر من آثار رحمته الواسعة التي غمرت الوجود، وتقلَّب فيها كلُّ موجود، وعن طريق تلك المنن الجزيلة، وذلك الإحسان العميم عرف العباد أن ربهم رحيم، وتقديم (البَر) على (الرحيم) أبلغ في المدح والثناء، بالترقي من الأخص إلى الأعم، ومن المسبب إلى السبب (^٢).\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢١٠).\n(^٢) مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، لنجلاء كردي (ص: ٦٢٤).","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-751>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (البَر):</span>\n<span data-type='title' id=toc-752>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (البر) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتوحيد الله به:</span>\nالله -﵎- بر رحيم لطيف رؤوف بعباده، عطوف عليهم، محسن إليهم، مصلح لأحوالهم في الدنيا والدين، ومن مظاهر بره سُبْحَانَهُ ما يلي:\nبر الله تَعَالَى لعباده في الدنيا:\nمن بره سُبْحَانَهُ بخلقه وإحسانه إليهم: أن جعل بره وفضله مشتركًا فيه المؤمن والكافر، فهو سُبْحَانَهُ الكريم الذي لا ساحل لكرمه، خيره إليهم نازل وشرهم إليه صاعد، يتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليه بالمعاصي، يرسل السماء عليهم مدرارًا، ويمددهم بأموال وبنين، ويجري لهم الأنهار وينبت لهم جنان الأرض، ويخرج لهم كنوزها، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وكل ما في هذه الدنيا لا يأتي قطرة من بره سُبْحَانَهُ بعباده المؤمنين في الآخرة في جنات النعيم، ففيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، لا يهرمون ولا يبأسون، ولا يموتون، ولا يمرضون ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]\nومن بره سُبْحَانَهُ: أنه أعطى عباده وقسم لهم من الصحة والقوة والمال والجاه والأولاد والأنصار، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ","vol":"3","page":8},{"text":"وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ويدخل في ذلك كل معروف وإحسان؛ لأنها ترجع إلى البِر.\nبر الله تَعَالَى لعباده في الدين:\nفالبرسُبْحَانَهُ كثير الخيرات، صاحب الإحسان المطلق الذي لا ينقطع حتى مع العبد العاصي.\nفمن بره سُبْحَانَهُ لعباده المؤمنين: التوفيق للإيمان والطاعات، ثم إعطاؤهم الثوابَ الجزيل على ذلك في الدنيا والآخرة، فهو الذي وفَّق وأعان أولًا، وأثاب وأعطى آخرًا.\nومن بره سُبْحَانَهُ: أنه بارٌّ بأوليائه، صادق فيما وعدهم به من الأجر والثواب، يقول تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤].\n«والمقصود: أن الله سُبْحَانَهُ أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومَن يصلح لها، ومن لا يصلح، وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله، كما تأبى أن يمنعه من يصلح له، وهو سُبْحَانَهُ الذي جعل المحل صالحًا وجعله أهلًا وقابلًا، فمنه الإعداد والإمداد، ومنه السبب والمسبب» (^١).\nومن بره سُبْحَانَهُ بعباده: إمهاله للمسئ منهم، وإعطاؤه الفرصة بعد الفرصة للتوبة، مع قدرته على المعاجلة بالعقوبة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَبُّكَ\n_________\n(^١) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٩٩).","vol":"3","page":9},{"text":"الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨].\nومِن بِرِّه سُبْحَانَهُ أيضًا: معاملة عباده بالصفح والعفو وستر الذنوب والتجاوز عنها، فعن ابن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]» (^١).\nيقول ابن القيم -﵀- في شرحه أسرار التوبة: «ومنها: أن يعرف بِرَّهُ سُبْحَانَهُ في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بِرِّه، ومن أسمائه (البَرُّ)، وهذا البِرُّ مِن سيده كان به مع كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سُبْحَانَهُ؛ وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه: هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقًا بل في هذه الحال، فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة، وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤٤١)، ومسلم، رقم الحديث (٢٧٦٨).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٢٢٣).","vol":"3","page":10},{"text":"وقد أطال ابن القيم -﵀- في شرح مظاهر البر في قبول توبة العبد، وملخص ما قال:\nشهود حلم الله في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعاجله بالعقوبة.\nمعرفة العبدِ كرمَ ربِّهِ في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها- أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده، والواقع شاهد بذلك؛ فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر.\nأن يشهد فضله في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك- أيضًا- شكرًا له ومحبةً، وإنابةً إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفةً له باسم (الغفار) ومشاهدةً لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية، والمحبة والمعرفة (^١).\nوحري بمن عرف اسم الله البر ومظاهر بره وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده بره ورفقه.\n_________\n(^١) ينظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٢٢٣).","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-753>الأثر الثاني: محبة البَر سُبْحَانَهُ:</span>\nإن الله هو «البر الذي شمل الكائنات بأسرها ببره ومنِّه وعطائه، فهو مولي النعم، واسع العطاء، دائم الإحسان، لم يزل ولا يزال بالبر والعطاء موصوفًا، وبالمن والإحسان معروفًا، تفضل على العباد بالنعم السابغة، والعطايا المتتابعة، والآلاء المتنوعة، ليس لجوده وبره وكرمه مقدار، فهو سُبْحَانَهُ ذو الكرم الواسع والنوال المتتابع، والعطاء المدرار» (^١)، وهو الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة؛ لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع، فهو يَبَرُّ عبدَه المؤمن بما يوافق نفسه، فربما بَرَّهُ بالنعمة وربما بَرَّهُ بالبؤس، فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له في العقبى» (^٢) ومن كانت هذه صفته، فقد وجبت محبته سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-754>الأثر الثالث: الثقة بالبر سُبْحَانَهُ والرضى بأقداره:</span>\nمن آمن باسم الله البر اطمأن قلبه، وعلم أن ما يعيشه من محنة فمن البر الرحيم سُبْحَانَهُ، وما ابتلاه إلا لأنه أحبه، وبعد كل عسر يسران، ومع شدة الليل يكون ظهور الفجر، ومع المحن المنح، ولذلك كان من أخلاق الأبرار: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ لأن لديهم من بعد النظر ما يجعلهم لا يقفون مع ظاهر المصيبة، وإنما يتأملون ما بعدها من حسن العاقبة.\nكما رُزقت أمهات المؤمنين برسول الله -ﷺ- زوجًا بعد مصائب عظيمة عانينها، ومن ذلك: أم سلمة يموت زوجها، ورملة بتنصُّر زوجها الذي\n_________\n(^١) فقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ٢٢٦).\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (٧/ ٣٠١).","vol":"3","page":12},{"text":"خرج مهاجرًا، وصفية السيدة تقع في الأسر لتكون سبيًا، وعائشة تبتلى في عرضها لينزل فيها قرآن حتى قالت مقولتها: «وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى» (^١)، وقصة صاحبة الوشاح التي كان سبب دخولها الإسلام اتهامها بالسرقة، فعن عائشة -﵂-: «أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ، عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ، أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ (^٢)، وَهُوَ مُلْقًى فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ، حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِه، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ:\nوَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا\nأَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي\nقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ، لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ» (^٣).\nوقصة يوسف -﵇- قصة لكل محزون، تجعل الأمل لا يفارقه البتة، وهي قصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ لما فيها من أنواع التنقلات،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤١٤١).\n(^٢) حدياة: هي طائر، قيل: يأكل الجرذان، وهي الحدأة، وهي من الحيوانات المأذون بقتلها للمحرم، وفي الحرم.\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٩).","vol":"3","page":13},{"text":"من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذل إلى عز، ومن رقٍّ إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكار إلى إقرار، فتبارك مَن قصها فأحسنها، ووضحها وبيَّنها.\nوهذا إنما هو بِر البَر الرحيم سُبْحَانَهُ في عباده المصابين المكروبين في الدنيا، فكيف ببره لهم في الآخرة!","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-755>«البَرُّ يحب الأبرار»</span>\nفي موضوع البر سنتطرق لعدة مسائل، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-756>أولًا: تعريف البر:</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وكذلك لفظ (البِر) إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به، كما في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فالبِر إذا أُطلق كان مسماه مسمى التقوى، والتقوى إذا أطلقت كان مسماها مسمى البِرِّ، ثم قد يجمع بينهما كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٧٢).","vol":"3","page":15},{"text":"وقال -﵀- في موضع آخر: «فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان، وكذلك لفظ (البر) يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ (التقوى)، وكذلك (الدين، أو دين الإسلام) وكذلك روي أنهم سألوا عن الإيمان، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ … الآية [البقرة: ١٧٧]، وقد فسر البر بالإيمان، وفسر بالتقوى، وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله، والجميع حق، وقد روي مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- أنه فسر الإيمان بالبر (^١)، وجاء في الأثر أن رجلًا جاء إلى أبي ذر، فسأله عن الإيمان، فقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية؛ فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلت لي، فلما أبى أن يرضى قال له: إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته، ورجا ثوابها، وإذا عمل السيئة ساءته، وخاف عقابها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-757>ثانيًا: فضائل البر وأهله:</span>\nفضائل البر كثيرة، منها:\n١ - أن أهل البر في الدنيا يلحقون بالبررة في السماوات العلى، ففي حديث النبي -ﷺ-: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، رقم الحديث: (١٥٣٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١٨٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٩٨).","vol":"3","page":16},{"text":"أمنية عباد الله الصالحين- الذين أثنى الله على دعائهم في القرآن-: الوفاة مع الأبرار، يقول تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] وقد ذكر القَفَّال في تفسير هذه المعية وجهين:\nأن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالِهم، حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة، فقد يقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة، ويريد به كونَهُ مساويًا له في ذلك الاعتقاد.\nيقال: فلان في العطاء مع أصحاب الألوف، أي: هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفًا.\nالنعيم العظيم في الحياة الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة، يكون للأبرار، يقول ابن القيم -﵀- (^١): «ولا تظنَّ أن قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤ - ١٣] يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دُورِهِمُ الثلاثةِ، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب مِن بِر القلب وسلامة الصدر، ومعرفة الرَّب تَعَالَى، ومحبته والعمل على موافقته.\nالخير العظيم من الله الذي يرتقبه الأبرار، فهو جنات تجري من تحتها الأنهار، تأمَّلْ قوله تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].\n_________\n(^١) الجواب الكافي (ص ١٢١).","vol":"3","page":17},{"text":"أسماء الأبرار مرقومة في عليين، يقول تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١]، فكتابهم في (عِلِّيِّين) أعلى الجنان وأوسعها، يَشهدُ رقم أسمائهم في هذا الكتاب المبارك الملائكةُ المقرَّبون وأرواحُ الأنبياء والصديقين والشهداء.\nالأبرار ينالون خير نعيم وأعظمه، وهو النظر لوجه البَر: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢١ - ٢٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-758>ثالثًا: من هم الأبرار؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-759>١ - الأبرار هم أهل بِر الوالدين والإحسان إليهم:</span>\nالذين اقتدوا بأنبياء الله والبررة من عباده، يقول تَعَالَى عن نبيه يحيى -﵇-: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] وقال عن عيسى -﵇-: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]، فهم الذين التزموا وصيةَ الله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٤٦].\nوهم الذين تقرَّبوا بأحب الأعمال إلى الله، كما جاء في حديث ابن مسعود -﵁- قال: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟","vol":"3","page":18},{"text":"قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (^١).\nوَلْيَهْنَهُمْ ما بشَّرهم به رسول الله -ﷺ-، بأن عملهم أفضل من الجهاد في سبيل الله؛ فقد «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (^٢).\nوهم الموفقون، أهل الرزق في الدنيا وطول العمر، فعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-760>٢ - الأبرار هم أهل الصدقات:</span>\nوهم أهل البذل، والإحسان على كل قريب ويتيم وفقير ومحتاج، وأموالهم في كل وجه للخير تبذل ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nفالإسلام دين يقوم على البذل والإنفاق، ويضيق على الشُّحِّ والإمساك؛ ولذلك حَبَّبَ إلى بنيه أن تكونَ نفوسُهم سخيَّةً، وأكفُّهم نديَّةً، وأوصاهم بالمسارعة إلى دواعي الإحسان ووجوه البر، وأن يجعلوا تقديم الخير إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٢٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٠٠٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٤٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٨٥).","vol":"3","page":19},{"text":"الناس شغلهم الدائم، لا ينفكون عنه في صباح أو مساء: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]\nوالبذل الواسع عن إخلاص ورحمة يغسل الذنوب ويمسح الخطايا، قال الله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقال: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٧ - ١٨]\nوالعبد إذا انزلق في ذنب، وشعر بأنه باعد بينه وبين ربه، فإن الطهور الذي يعيد إليه نقاءَهُ، ويردُّ إليه ضياءَهُ، ويلفُّهُ في ستار الغفران والرضا: أن يجنحَ إلى مالٍ عزيزٍ عليه فينخلع عنه للفقراء والمساكين، زلفى يتقرب بها إلى أرحم الراحمين، وقد غفر الله لبغيٍّ من بني إسرائيل بشربة ماء لكلب أرهقه العطشُ، كما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة -﵁-، أن النبيَّ -ﷺ- قال: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا» (^١).\nبل إن المرء وقت الاحتضار يتمنى الاستزادة من جميع الطاعات على وجه العموم، والصدقات على وجه الخصوص، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٥).","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-761>٣ - الأبرار هم أهل الخُلق الحسن:</span>\nعن النواس بن سمعان -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (^١)، وأهل الأخلاق الحسنة هم خير الناس، عن عبد الله بن عمرو -﵁-، قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -ﷺ- فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (^٢).\nوالخلق الحسن به يثقل ميزان العبد يوم القيامة، عن أبي الدرداء -﵁- عن النبي -ﷺ-، قال: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (^٣)، وزاد في رواية له: «وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ» (^٤).\nو«سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ» (^٥)، وقال رسول الله -ﷺ-: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث (٣٥٥٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢١)، واللفظ للبخاري.\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث (٤٧٩٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٢)، واللفظ للترمذي، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٢).\n(^٤) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٣).\n(^٥) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٤).","vol":"3","page":21},{"text":"مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» (^١).\nوعند أحمد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو -﵄-، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فأعادها مرتين أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-762>٤ - الأبرار هم أهل الصدق:</span>\nالصدق معنى واسع يدخل فيه صدقك مع ربك أولًا، ثم مع نفسك، ثم مع الناس، والصدق يهدي صاحبَهُ لجميع أنواع الخيرات، ويقوده إلى الجنة، وفي الحديث الصحيح: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» (^٣).\nوكان أبغض خُلُق إلى رسول الله الكذب؛ فعن عائشة -﵂-، قالت: «مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنَ الْكَذِبِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الْكَذِبَةَ، فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٧٦٥٣)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٠٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٧٣٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٢٦٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٠٧).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث (٢٥٨٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٧٣) حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٨).","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-763>٥ - الأبرار هم من يخلصون في أعمالهم ويبتغون وجه الله تعالى:</span>\nالأبرار هم الذين لم يتركوا بابًا للخير إلا طرقوه، إن تكلموا عُلم مافي قلوبهم من إيمان عظيم بالله وملائكته واليوم الآخر، وإن أصابتهم السراء شكروا، وإن أصابتهم الضراء صبروا، قال الله عنهم في آية جامعة لصفاتهم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]\nنسأل الله البر سُبْحَانَهُ أن يسلك بنا سبيل الأبرار، وأن يتوفانا معهم، وأن نقول غدًا إذا تمَّت لنا النعمة في جنات النعيم: ﴿ى ى ئا ئا ئ؟ ئ؟ ئو ئو ئ؟ ئ؟﴾ [الطور: ٢٨].","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-764>الحسيب الديَّان -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-765>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-766>أولًا: (الحسيب):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «حسب: حَسَبْتُهُ أَحْسَبُهُ بالضم حَسْبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابة، إذا عددته … والمعدود محسوبٌ وحَسَبٌ أيضًا … وحاسبته من المحاسبة واحتسبت عليه كذا، إذا أنكرته عليه. قاله ابن دريد، واحتسبت بكذا أجرًا عند الله، والاسم: الحِسْبة بالكسر، وهي الأجر، والجمع: الحِسب …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(حسب) الحاء والسين والباء أصول أربعة:\nفالأول: العد، تقول: حسبت الشيء أحسبه حسبًا وحسبانًا، قال الله تَعَالَى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] … ومن الباب الحَسَبُ الذي يعد من الإنسان، قال أهل اللغة: معناه أن يعد آباء أشرافًا.\nوالأصل الثاني: الكفاية، تقول: شيء حِسَابٌ، أي: كاف، ويقال: أَحْسَبْتُ فلانًا، إذا أعطيته ما يرضيه …» (^٢).\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ١١٠).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٥٩ - ٦١).","vol":"3","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-767>ثانيًا: (الديَّان):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الدَّيْنُ: واحد الديون، تقول: دِنْتُ الرجل أقرضته، فهو مدينٌ ومَدْيونٌ … والدينُ بالكسر: العادة والشأن … والدينُ: الجزاء والمكافأة، يقال: دانَهُ دينًا، أي: جازاه، يقال: (كَمَا تَدِينُ تُدانُ) (^١)، أي: كما تُجازِي تُجازَى، أي: تُجازى بفعلك وبحسب ما عملت، وقوله تَعَالَى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مجزيُّون محاسَبون، ومنه: الدَيَّانُ في صفة الله تَعَالَى …» (^٢).\nقال ابن فارس -﵀-: «(دين) الدال والياء والنون أصل واحد، إليه يرجع فروعه كلها:\nومنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، أي: يوم الحكم، وقال قوم: الحساب والجزاء، وأي ذلك كان فهو أمر ينقاد له …\nومن هذا الباب الدَّيْنُ، يقال: دَايَنْتُ فلانا، إذا عاملته دَيْنًا، إما أخذًا وإما إعطاء» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، رقم الحديث: (١٣٢)، حكم الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (١٥٧٦).\n(^٢) الصحاح (٥/ ٢١١٧).\n(^٣) مقاييس اللغة (٢/ ٣١٩).","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-768>ورود اسمي الله (الحسيب - الديَّان) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورود اسم الله (الحسيب):\n- ورد اسم الله (الحسيب) ثلاث مرات في كتاب الله -﷿-، ووروده كالتالي:\nقوله -﷿-: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].\nقوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].\nقوله -﷿-: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].\nثانيًا: ورود اسم الله (الديّان) في القرآن الكريم:\nلم يرد اسم الله (الديان) في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-769>ورود اسمي الله (الحسيب - الديان) في السنة النبوية:</span>\nأولًا: ورود اسم الله (الحسيب) في السنة:\nلم يرد اسم الله (الحسيب) في السنة النبوية.\nثانيًا: ورود اسم الله (الديان) في السنة:\nمن وروده ما يلي:\nحديث جابر بن عبد الله -﵁- قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله -ﷺ-، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس -﵁-، فقلت للبواب:","vol":"3","page":26},{"text":"قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله -ﷺ- في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -أَوْ قَالَ الْعِبَادُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ [مَنْ قَرُبَ]: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةَ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللهَ -﷿- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (^١).\nوزاد في رواية: «وتلا رسول الله -ﷺ-: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]» (^٢).\nثبوت اسم الله (الديان) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الديان) في حق الله تَعَالَى:\n- ابن القيم -﵀-: يقول في نونيته:\nجَهْمُ بْنُ صَفْوَانٍ وَشِيعَتُهُ الأُلَى … جَحَدُوا صِفَاتِ الخَالِقِ الدَّيَّانِ (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث (١٦٢٨٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٧٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٥٧٠).\n(^٢) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٣٦٥٩).\n(^٣) نونية ابن القيم (ص: ٧).","vol":"3","page":27},{"text":"- ابن منده -﵀-، قال: «ومن أسماء الله -﷿-: الدائم والدافع والديان، قال عمر -﵁-: ويل لديان الأرض من ديان السماء» (^١).\nمعنى اسمي الله (الحسيب- الديان) في حقه سُبْحَانَهُ:\nأولًا: معنى اسم الله (الحسيب) في حق الله -﷿-:\nأ- يدور اسم الله الحسيب على معنيين (^٢):\nالأول: الكفاية.\nالثاني: الحفظ للعمل والمحاسبة عليه.\nوحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال أبو عبيدة -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] «أي كافيًا مقتدرًا، يقال: أَحْسَبَنِي هذا، أي: كفاني» (^٣).\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] «وكفى بالله كافيًا من الشهود الذين يشهدهم والي اليتيم على دفعه مال يتيمه إليه» (^٤).\n_________\n(^١) التوحيد لابن منده (٢/ ١١٨).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٦٧)، فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٦٦).\n(^٣) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (ص: ١٣٥).\n(^٤) تفسير الطبري (٦/ ٤٢٩).","vol":"3","page":28},{"text":"قال ابن الأثير -﵀-: «الحسيب: هو الكافي، فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، من أَحْسَبَنِي الشيء: إذا كفاني، وأَحْسَبْتُهُ وحَسَّبْتُهُ بالتشديد: أعطيته ما يرضيه حتى يقول: حَسبي» (^١).\nوقال ابن القيم -﵀-:\nوَهوَ الحَسِيبُ حِمَايَةً وَكِفَايَةً … وَالحَسْبُ كَافِي العَبْدِ كُلَّ أَوَانِ (^٢)\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]: «إن الله كان على كل شيء مما تعملون- أيها الناس- من الأعمال من طاعة ومعصية حفيظًا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه … وأصل الحسيب في هذا الموضع عندي: فعيل من الحساب الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانًا على كذا وكذا، وفلان حاسبه على كذا وهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحب حسابه» (^٣).\nقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] «أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة مُدْخَلَة مُرَوَّجٌ حسابُها مُدَلَّسٌ أمورُها؟ الله عالم بذلك كله» (^٤).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٨١).\n(^٢) النونية (ص: ٢١٠).\n(^٣) تفسير الطبري (٧/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٢١٩).","vol":"3","page":29},{"text":"من الأقوال في المعنى الأول والثاني:\nقال الزجاج -﵀-: «الحسيب يجوز أن يكون من حسبتُ الحساب، ويجوز أن يكون أحسبني الشيء إذا كفاني … فالله تَعَالَى محسب، أي: كاف، فيكون فعيلًا في معنى مفعل، كأليم ونحوه» (^١).\nقال الزجاجي -﵀-: «الحسيب: المحاسب على الشيء، الموافق عليه، فالله -﷿- حسيب عباده، أي: محاسبهم على أعمالهم، ومجازيهم عليها …\nوالحسيب: الكفي … ويقال: (حسبك كذا)، أي: يكفيك، ومنه قوله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: يكفيك الله ومن اتبعك من المؤمنين …» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «الحسيب: هو المكافئ، فعيل بمعنى: مُفْعِل، كقولك: أليم بمعنى مؤلِم، تقول العرب: نزلت بفلان فأكرمني وأَحْسَبَنِي، أي: أعطاني ما كفاني حتى قلت: حسبي … والحسيب أيضًا بمعنى المحاسب، كقولهم: وزير، ونديم: بمعنى موازر ومنادم، ومنه قول الله سُبْحَانَهُ: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] أي: محاسبًا» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «والحسيب بمعنى: الرقيب، المحاسب لعباده، المتولي جزاءهم بالعدل، وبالفضل، وبمعنى: الكافي عبده همومه، وغمومه،\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٤٩).\n(^٢) اشتقاق أسماء الله (ص: ١٢٩).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٩٦ - ٧٠).","vol":"3","page":30},{"text":"وأخص من ذلك: أنه الحسيب للمتوكلين ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: كافيه أمور دينه ودنياه» (^١)، وقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] «أي: عالمًا بأعمال العباد، حافظًا لها، مثبتًا لها في الكتاب، عالمًا بمقاديرها ومقادير ثوابها، وعقابها، واستحقاقها، موصلًا للعمال جزاءها» (^٢).\nثانيًا: معنى اسم الله (الديّان) في حق الله -﷿-:\nيدور اسم الله (الديان) على معنيين:\n١ - الحاكم القاضي الذي دانت له الخليقة.\n٢ - المحاسب المجازي.\nوحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء.\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال ابن الأثير -﵀-: «في أسماء الله تَعَالَى (الديان) قيل: هو القهار، وقيل: هو الحاكم والقاضي، وهو فعال، من دان الناس: أي: قهرهم على الطاعة، يقال: دنتهم فدانوا: أي قهرتهم فأطاعوا» (^٣).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الحليمي -﵀-: «وهو الحاسب والجازي، لا يضيع عملًا،\n_________\n(^١) توضيح الكافية الشافية، للسعدي (ص: ١٩٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٥٢٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٤٨).","vol":"3","page":31},{"text":"ولكنه يجزي بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا» (^١).\nمن الأقوال في المعنى الأول والثاني:\nقال الخطابي -﵀-: «(الديان): وهو المجازي، يقال: دنت الرجل؛ إذا جزيته، أدينه، والدين: الجزاء … والديان أيضًا: الحاكم، ويقال: من ديان أرضكم؟ أي: من الحاكم بها؟» (^٢).\nاقتران اسم الله (الحسيب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله (الحسيب) بغيره من الأسماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-770>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحسيب - الديان):</span>\n<span data-type='title' id=toc-771>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحسيب- الديان) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nاسم الله (الحسيب- الديان) يقتضي إثبات جملة من الصفات لله -﷿-، والتي منها:\nأ- الكفاية:\nفهو -ﷻ- الحسيب الكافي، الذي كفى خلقه ما أهمهم من أمور دينهم ودنياهم، فيسر لهم كل ما يحتاجونه من الطعام، والشراب، واللباس، والمركب،\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٦).\n(^٢) شأن الدعاء (١/ ١٠٥).","vol":"3","page":32},{"text":"والرزق، والأمان، ونحوها، وبالمقابل حفظهم من الشرور وكفاهم إياها، فدفع عنهم كل ما يكرهون من الأمراض، والأسقام، والأوجاع، والمخاوف، والهموم، والغموم ونحوها، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] (^١).\nثم إن كفاية الحسيب على ضربين (^٢):\nالكفاية العامة، وهي: كفايته لجميع خلقه ما أهمهم من تحصيل المنافع، ودفع المضار، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].\nالكفاية الخاصة، وهي: كفايته لأوليائه وأهل طاعته كفاية يصلح بها أمر دينهم ودنياهم، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، أي: كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين شر أعدائهم، سواء أكانوا كفارًا أم منافقين أم فاسقين أم ظالمين، أكانوا أقوياء أم ضعفاء، كثارًا أم قلالًا، فالكل كافيك الحسيب شره» (^٣).\nثم إن كفاية الحسيب وحفظه للعبد مرتبط بحكم الله القدري، فمن شاء كفاه، ومن شاء أصابه ما قدر عليه، كما جاء عن ابن عباس في قوله تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] قال: «ملائكة\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٦٦).\n(^٢) ينظر للاستزادة: اسم الله الكافي.\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (١٤/ ٤٨)، وتفسير السعدي (ص: ٣٢٥).","vol":"3","page":33},{"text":"يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خلوا عنه» (^١).\nوقال مجاهد -﵀-: «ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءك! إلا شيئًا يأذن الله فيه فيصيبه» (^٢).\nب- الحكم والقضاء (^٣):\nفهو -ﷻ- الديان الذي له الحكم والقضاء، فيحكم في خلقه قبل خلقهم بحكمه الكوني القدري، ويحكم فيهم بعد خلقهم بحكمه الشرعي، ويحكم فيهم يوم الدين بحكمه الجزائي العدل، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].\nوبهذه الأحكام الثلاثة دانت الخلائق للديان، فالكل منها مقهور مدبر لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، والكل منها وجهه عانٍ للحي القيوم، ذليل لعظمته، خاضع لعزته، ملك قاهر على عرش السماء مهيمن، يرضى على من يستحق الرضا ويثيبه ويكرمه ويدنيه، ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويقرب من يشاء، ويقصي من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، فتبارك الديان الحكم رب العالمين.\nج- الحفظ والإحصاء:\nفهو -ﷻ- الحسيب الديان الذي أحصى كل شيء عددًا، فلا يفوته\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٦/ ٣٧١).\n(^٢) المرجع السابق (١٦/ ٣٧٣).\n(^٣) للاستزادة ينظر: اسم الله الحكم الحاكم جل في علاه.","vol":"3","page":34},{"text":"مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل الكل مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.\nومن ذلك: أعمال العباد، فقد علمها وحفظها وأحصاها قبل أن يخلقهم، وبعد أن خلقهم، فالكل محسوب محصى صغيره وكبيره، دقيقه وجليله، ظاهره وباطنه، مميز صالحه من فاسده، وحسنه من قبيحه، وخيره من شره، لا يخفى عليه شيء منه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].\nعلم مقاديره، ومقادير ثوابه وعقابه، وما يستحقه عامله من الجزاء قبل الخلق وبعد الخلق ويوم العرض ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] (^١).\nومن تمام حفظ الحسيب الديان لها: أمر الملائكة الحفظة أن يدونوا جميع أعمال الخلق صغيرها وكبيرها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] قال ابن عباس -﵄-: «يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر ما كان من خير أو شر وألقى سائره، فذلك قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]» (^٢).\nوبهذه الكتابة صارت الدواوين عند الديان -﷿- ثلاثة: (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٢٥).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٩٩).\n(^٣) ينظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ١٩).","vol":"3","page":35},{"text":"١ - ديوان لا يغفر منه شيئًا، وهو الشرك به،، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\n٢ - ديوان لا يترك منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تَعَالَى يستوفيه كله، ويقتص لصاحبه؛ فعن عبد الله بن أنيس -﵁-، قال: قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أو قال: الْعِبَادُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قال: قلنا: وما بُهمًا؟ قال: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله -﷿- عراة غرلًا بهمًا؟ قال: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (^١).\n٣ - ديوان لا يعبأ به، وهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، فإن الله -﷿- يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، كما قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nد- المحاسبة على الأعمال:\nفهو -ﷻ- الحسيب الديان الذي يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة يوم الدِّين، عراة ليس عليهم ثياب، حفاة بلا نعال، غرلًا غير مختتنين، بُهمًا ليس معهم شيء من متاع الدنيا، وإنما هي أعمالهم حاضرة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة حتى ما يزن حبة الخردل ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"3","page":36},{"text":"حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وحتى ما كان خفية من العمل ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فالكل مكشوف الجسد، والعمل، والنفس، والقلب، وما تكنه الصدور، ساقطة جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار وما يخفيه الإنسان ويحرص على ستره حتى عن نفسه.\nفتقف الحشود من خلق الله إنسًا وجنًّا وملائكة تحت جلال الله، وعرشه مرفوع فوق الجميع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٨].\nفينادينهم الديان جل في علاه بصوت يسمعه القريب والبعيد على حد سواء، فيقول: «أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ» (^١).\nوالكل خاضع خاشع لهيبة الله وعظمته ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].\nحتى إذا اشتد الكرب بأهل الموقف لطول العناء والانتظار وشدة الأهوال، ذهبوا للأنبياء ليشفعوا لهم عند الديان -ﷻ-؛ ليفصل بينهم، فيجيء الديان لفصل القضاء كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ\n_________\n(^١) صحيح البخاري، رقم الحديث: (٩/ ١٤١).","vol":"3","page":37},{"text":"أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٦٩ - ٧٠] (^١).\nفتتطاير الصحف في الأيمان والشمائل، وينادى العباد بأسمائهم على رؤوس الخلائق: أين فلان بن فلان؟ هلم إلى العرض على الديان.\nوقد وكلت الملائكة بأخذ المنادى، لا يمنعها اشتباه الأسماء والألوان والأشكال حتى توقفه ماثلًا بين يدي الله الحسيب، وصحيفته في يده مخبرة بعمله، لا تغادر بلية كَتَمَها، ولا مخبأة أَسَرَّهَا، ويقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].\nفكم من بلية نسيها صاحبها قد ذكره إياها! وكم من سيئة أخفاها قد أظهرها وأبداها! وكم من عمل ظن أنه سلم وخلص فرد عليه وأحبط (^٢) ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] أي: حسابهم (^٣).\nثم إن هذا الحساب بين يدي الحسيب الديان يبدأ بأمة محمد -ﷺ-، ويتفاوت بحسب أعمال العباد، فمنهم من حسابه عسير، فهؤلاء هم: الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا بالرسل، وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب كثرة الذنوب وعظمها.\nوكل ما كان العبد أشد عصيانًا وتمردًا، كلما كان الله أشد حسابًا له، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٢١/ ٣٣٥).\n(^٢) ينظر: التوهم في وصف أحوال الآخرة، للحارث المحاسبي (ص: ٢٢)، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للقرطبي (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ١٤١).","vol":"3","page":38},{"text":"وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨ - ١٠].\nومنهم من يكون حسابه يسيرًا، فلا يناقش في الحساب، ولا يدقق ويحقق معه، وإنما تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها، وإنما ذلك إظهارًا لنعمة الله عليه بالستر في الدنيا، وبالعفو في الآخرة.\nوهذا معنى قوله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢].\nوقول رسول الله -ﷺ-: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس قد قال الله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]، فقال رسول الله -ﷺ-: إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ» (^١).\nومنهم من يدخل الجنة بغير حساب، كما جاء في الحديث «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، … فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ … هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (^٢).\nثمّ إن هذه المحاسبة والمحاكمة من الحسيب الديان بلغت الكمال الذي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٠).","vol":"3","page":39},{"text":"لم تشهد البشرية له مثيل من قبل، قال تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]؛ وذلك أن محاكمة الديان -﷿- ومحاسبته قائمة على جملة من القواعد، والتي منها:\nالعدل الذي لا يشوبه ظلم بوجه من الوجوه، فيوفى كل عامل عمله من غير أن يزاد في السيئات، أو ينقص من الحسنات، قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nلا يؤخذ أحد من الخلق بجريرة غيره؛ قال تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، فكل إنسان يلازمه عمله خيره وشره ولا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] (^١).\nإطلاع العباد على ما قدموه من العمل، وذلك بإعطائهم صحائف أعمالهم، وقراءتهم لما قدموه من صالح أعمالهم وطالحها، فيحكموا على أنفسهم، ولا يكون لهم بعد ذلك عذر، قال تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٥٥).","vol":"3","page":40},{"text":"أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\nإقامة الشهود على العباد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].\nوأعظم الشهداء عليهم ربهم وخالقهم وفاطرهم، الذي لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]، ولكنه سُبْحَانَهُ يحب الإعذار على خلقه، فيبعث من مخلوقاته شهداء، فتشهد الملائكة، والرسل، والجوارح والأعضاء، والأرض (^١).\nمضاعفة الحسنات دون السيئات، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وجاء في الحديث عن ابن عباس -﵄- عن رسول الله -ﷺ-، فيما يروي عن ربه، -﷿- قال: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (^٢).\nإطلاع العباد على مقادير أعمالهم، وذلك بنصب الموازين التي تزن أعمالهم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ\n_________\n(^١) للاستزادة ينظر: اسم الله الشهيد.\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٩١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٣١).","vol":"3","page":41},{"text":"نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nسرعة الحساب؛ قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].\nقال الحسن البصري -﵀-: «حسابه أسرع من لمح البصر» (^١).\nوقيل لعلي بن أبي طالب -﵁-: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: «كما يرزقهم في يوم» (^٢).\nقال الطبري -﵀-: «هو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم أيها الناس، وأحصاها وعرف مقاديرها ومبالغها؛ لأنه لا يحسب بِعَقْدِ يَدٍ، ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» (^٣).\nثم هو سهل لا مشقة فيه على الحاسب جل في علاه، بل هو يسير عليه، فكما أن خلقهم وبعثهم كنفس واحدة ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]، فكذلك حسابهم كنفس واحدة (^٤).\nهـ- الجزاء على الأعمال:\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٢/ ٤٣٥).\n(^٢) المرجع السابق (٢/ ٤٣٥).\n(^٣) تفسير الطبري (٩/ ٢٩٣).\n(^٤) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٧٤).","vol":"3","page":42},{"text":"فهو -ﷻ- الديان الذي يملك يوم الدين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أي: يوم القيامة، وإنما سمي بيوم الدين؛ لأنه يوم الجزاء على الأعمال، قال ابن عباس -﵄-: «ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، إلا من عفا عنه» (^١).\nفلا يضيع عمل خلقه، بل يجازيهم على الخير والشر وإن صغر وقل، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وقال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].\nوهذا الجزاء قد يعجل لصاحبه في الدنيا، وهذا يكثر في أعمال البر التي يعملها الكفار، كما جاء في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتٍ مَا عَمِلَ بِهَا لِلهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (^٢)، وربما يؤخر الجزاء إلى الآخرة، وربما يجمع لصاحبه بين الجزاءين؛ جزاء الدنيا والآخرة، نسأل الله من فضله.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٠٨).","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-772>الأثر الثاني: دلالة اسماء الله (الحسيب- الديان) على التوحيد:</span>\nإذا علم العبد أن من معاني اسم الله الحسيب «الكافي»، فلا بد أن يعلم أن الكفاية إنما تكون من الله الحسيب وحده لا مشارك له فيها، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤].\nقال ابن القيم -﵀-: «أي: الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد …\nفإن (الحسب) و(الكفاية) لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سُبْحَانَهُ على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله … ونظير هذا قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه … فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود لله وحده، والنذر والحلف لا يكون إلا لله -﷾-.","vol":"3","page":44},{"text":"ونظير هذا قوله تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فالحسب: هو الكافي، فأخبر -﷾- أنه وحده كاف عبده …» (^١).\nثم إن الكفاية التي قد تتوهم من المخلوقين إنما هي مجرد أسباب سخرها الله، فكل شيء لا يتم إلا بخلق الله وأمره وتقديره؛ فحاجة الإنسان للطعام والشراب، والأرض والسماء، والشمس ونحو ذلك لا يعني كفايتها له، وأنها حَسْبُه، بل الله الحسيب هو الذي كفاه بخلقها وتسخيرها، فلولاه ما وجد الطعام والشراب، وما طلعت الشمس ولا استقرت الأرض ولسقطت السماء.\nوحاجة الطفل إلى أمه في الرضاع والرعاية والحضانة لا يعني كفايتها له وأنها حسبه، بل الله الحسيب هو الذي كفاه بخلق أمه، وخلق اللبن في ثديها، وخلق الهداية له إلى التقامِه، وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مَكَّنَتْهُ من الالتقام، ودعته إليه وحملته عليه، ونحو ذلك.\nفالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب، والله وحده المتفرد بخلقها (^٢).\nوهذا كله دال على توحيد الربوبية، من جهة أن الكفاية ملك لله وحده تفرد بها، ودال- أيضًا- على توحيد الألوهية من جهتين:\nتوحيد الله الحسيب في طلب الكفاية؛ إذ هي ملك له وحده دون ما سواه.\nومن هنا: يقال: حسبي الله، ولا يقال: حسبي فلان، أو كافني فلان، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٣٧ - ٣٩).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٦٧ - ٣٦٩).","vol":"3","page":45},{"text":"٢ - توحيد الله الحسيب بالعبادة؛ إذ إن من بيده كفاية العباد وحده مع فقر كل من سواه إليها، هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩].\nثم إن معنى المحاسبة في هذه الأسماء الكريمة دال على توحيد الألوهية أيضًا، من جهة أنه يبعث على التساؤل: ما أعظم ما يحاسب الله العباد عليه؟\nوالجواب: حقه على العباد، كما جاء في حديث معاذ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» (^١) فمن حقق ذلك كان مآله الجنة، كما قال -ﷺ-: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (^٢)، ومن أخل بذلك بالشرك كان مآله النار- والعياذ بالله-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وعن جابر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٥٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٣٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٣).","vol":"3","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-773>الأثر الثالث: التوكل على كفاية الله الحسيب:</span>\nإذا تأمل الإنسان في نفسه وحاجته للكفاية في وجوده، ودوام وجوده، وكمال وجوده، حاجته للكفاية جنينًا في بطن أمه، ومولدًا خارج بطن أمه، وطفلًا وغلامًا وشابًّا وشيبًا، بل وميتًا (^١).\nثم نظر في اسم الله الحسيب، وعلم أن من معانيه الكافي الذي يكفي خلقه تحصيل المنافع بمختلف أنواعها، ودفع المضار بمختلف أنواعها ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]؛ قاده ذلك للتعلق به سُبْحَانَهُ والتوكل عليه في سائر شؤونه، ورفع حوائجه إليه دون غيره، والثقة به دون الركون للأسباب والاعتماد عليها.\nولا سيما إذا علم أن الله خص المتوكلين عليه بمزيد من الكفاية، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].\nقال ابن القيم -﵀-: «والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه، أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذًى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش … قال بعض السلف: جعل الله تَعَالَى لكل عمل جزاءً من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ولم يقل: نُؤْتِهِ كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سُبْحَانَهُ كافي عبده\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨).","vol":"3","page":47},{"text":"المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تَعَالَى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا من ذلك وكفاه ونصره» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-774>الأثر الرابع: الاطمئنان إلى الله الحسيب الديان:</span>\nمن علم يقينًا اسم الله الحسيب الديان؛ لم يستوحش من إعراض الخلق عنه، ولم يستأنس بقبولهم له؛ ثقة بأن الذي قُسم له لا يفوته وإن أعرضوا، والذي لم يقسم له لا يصل إليه ولو أقبلوا.\nإذ إن الإيمان باسم الله الحسيب الديان يورث العبد الاطمئنان والراحة، وذلك من جهتين:\nدلالته على الكفاية؛ إذ تذكره يكسب القلب الطمأنينة والسكينة بكفاية الله الحسيب لجميع ما يهمه من أمور الدين والدنيا، وما يهمه من تحصيل المنافع ودفع المضار.\nوهذا بدوره يزيل القلق والهلع على الرزق؛ إذ تكفل سُبْحَانَهُ بأرزاق العباد بالليل والنهار وكفاهم إياها، فلا بد أن تصل إليهم شاء من شاء وأبى من أبى، كما جاء في الحديث: «أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» (^٢)، وقد أرشد الله لهذا بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا\n_________\n(^١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٢١٤٤) واللفظ له، وابن حبان، رقم الحديث: (٣٢٣٩)، حكم الألباني: صحيح لغيره، التعليق الرغيب، رقم الحديث: (٣/ ٧).","vol":"3","page":48},{"text":"مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩].\nكما يزيل- أيضًا- الخوف والخشية من المخلوقين، وإن عظمت قوتهم وجاههم وسلطانهم وأموالهم؛ فهو الحسيب الكافي الذي يكفى العبد شرورهم.\nولذا شرع لمن خاف من المخلوقين أن يتذكر ربه الحسيب، فيلهج قائلًا: «حسبي الله ونعم الوكيل» متذكرًا قول إبراهيم -﵇- لها حين ألقي في النار، فجاءته كفاية الحسيب؛ إذ قال للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].\nومتذكرًا قول محمد -ﷺ- وأصحابه لها، حينما قيل لهم بعد أُحُد: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فكفاهم الله شر أبا سفيان وجيشه بالخوف؛ إذ قذف الحسيب في قلوبهم الرعب، فرجعوا إلى مكة خائبين، ورجع رسول الله -ﷺ- وصحابته إلى المدينة ظافرين برضوان الله ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (^١).\nومعناها (^٢):\n- «حسبنا الله» أي: كافينا كل ما أهمنا، فلا نتوكل إلا عليه ولا نعتمد إلا عليه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (٣/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (٣/ ١٩١).","vol":"3","page":49},{"text":"- «ونعم الوكيل» أي: نعم المتوكل عليه في جلب النعماء ودفع الضر والبلاء وكيد الأعداء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].\nقال ابن القيم -﵀-: «وهو حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستجير، وهو نعم المولى ونعم النصير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه أمنه مما يخاف ويحذر، وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته، فإن الله بالغ أمره، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، لا يتقدم عنه ولا يتأخر» (^١).\nدلالته على محاسبة الظالم والاقتصاص منه؛ إذ تذكُّر المظلوم لهذا، وتذكُّره لنداء الرب -﷿-: «أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةَ» (^٢)، وقول رسول الله -ﷺ-: «لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (^٣) - سبب في تسليته واطمئنان\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ٣٤٤).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٢٨٨)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٩٧٠)، وفي خلق أفعال العباد (ص ٩٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٢٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٢).","vol":"3","page":50},{"text":"قلبه؛ ليقينه بأن هناك يومًا لا ريب فيه، سيقتص فيه الديان سُبْحَانَهُ له من ظالمه، ويشفي صدره ممن ظلمه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].\nوقد يعجل عقوبته ويجازيه على ظلمه وطغيانه في الحياة الدنيا قبل الآخرة، كما حصل ذلك لكثير من الظالمين والطغاة والجبابرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-775>الأثر الخامس: متابعة رسول الله -ﷺ- تحصيلًا لكفاية الحسيب:</span>\nإذا علم العبد أن من معاني اسم الله الحسيب: (الكافي)، وأن هذه الكفاية نوعان: عامة وخاصة، والخاصة أعظم الكفايتين؛ تطلع إليها، وتاقت نفسه لتحصيلها، والدخول في زمرة أهلها.\nولا بد أن يُعلم أن هذه الكفاية الخاصة إنما تكون بقدر متابعة العبد لرسول الله -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] (^١).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «أي: كافيك وكافي أتباعك، فكفاية الله لعبده بحسب ما قام به في متابعة الرسول ظاهرًا وباطنًا، وقيامه بعبودية الله تَعَالَى» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «والمقصود: أنه بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٧١).\n(^٢) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٧٨).","vol":"3","page":51},{"text":"والنجاة، فالله سُبْحَانَهُ علَّق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصَّغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة» (^١).\nولا شك أن هذا يدعو العبد إلى المتابعة واقتفاء أثر الرسول الكريم -ﷺ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-776>الأثر السادس: محبة الله الحسيب الديان:</span>\nمن تأمل في اسم الله الحسيب الديان، وقف على عدة معاني، الواحدة منها كافية في ملأ القلب من محبته -﷿-، ومن هذه المعاني:\n- الكفاية: فإذا تأمل العبد في كفاية الله -﷿- له، التي بها وصلته كثير من النعم، واندفعت عنه كثير من النقم؛ أحبه جل في علاه.\nثم إذا تأمل أن هذه الكفاية لم تقتصر عليه، بل شملت غيره، حتى العاصي والمنافق والكافر، بل وحتى الحيوان والنبات؛ امتلأ قلبه بمحبته.\n- مضاعفة الحسنات دون السيئات: فإذا تأمل العبد في كرم ربه في الحساب، وعظم جوده وفضله؛ دفعه ذلك لمحبته.\n- العدل: فإذا تأمل العبد في أن ربه مع كمال ملكه وقدرته وغناه وقوته، لا يُسأل عما يَفعل، حكم بالعدل في الدنيا وكذا في الآخرة؛ امتلأ قلبه بمحبته.\nثم إذا تأمل تمام عدله يوم الدين من إحضار الصحف، وإقامة الشهود،\n_________\n(^١) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٣٥).","vol":"3","page":52},{"text":"ونصب الموازين؛ زاد حبه للديان العدل جل في علاه.\n- الاقتصاص للمظلوم من ظالمه: فإذا تأمل المظلوم أن ربه معه ينصره ويجيب دعوته، ويأخذ له حقه من ظالمه؛ أحبه كما يحب من يدافع عنه وينصره على ظالمه من البشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-777>الأثر السابع: الاستعداد ليوم الحساب:</span>\nإذا عرف العاقل أن ربه سُبْحَانَهُ الحسيب الحاسب الديان، وأن يوم القيامة يوم الجزاء والحساب، الذي قال الله فيه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وأيقن أنه ملاقٍ ربه الديان الحكم العدل لا محالة، واقف بين يديه للحساب، وعمله كله محضر خيره وشره، حسنه وسيئه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]- خاف من ربه -﷿-، وخاف من القدوم عليه يوم الحساب مفلسًا، كما قال سُبْحَانَهُ عن أولي الألباب: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] (^١)،\nوقاده هذا الخوف إلى الاستعداد لهذا اليوم العظيم والموقف المهيب، فيحسب له حسابه ويُعدُّ له عدَّته.\nوإنما يكون ذلك بفعل الخيرات والاستزادة من الطاعات، والتي من أهمها:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤١٧).","vol":"3","page":53},{"text":"- الصلاة: التي هي أول ما يحاسب عليه العباد؛ فعن أبي هريرة -﵁-، قال -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ -﵎-: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» (^١).\n- أداء الأمانة التي تحملها: فعن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (^٢).\nفمن أدى الأمانة استحق الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها استحق من الله العقاب الوبيل، وصار خائنًا لله ولرسوله ولأمانته.\n- التجاوز عن المعسر والفقير والمسكين ونحوهم: لعل الله أن يتجاوز عن العبد يوم الدين، وقد جاء في الحديث عن أبي مسعود -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٤١٣)، واللفظ له، والنسائي، رقم الحديث: (٤٦٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٢٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٨٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٩٣)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٨٢٩).","vol":"3","page":54},{"text":"شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللهُ -﷿-: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» (^١).\nوما من عبد كان مع الناس سهلًا ميسرًا هينًا لينًا، إلا كان الله معه في الحساب كذلك، وما من عبد كان مع الناس عسيرًا شديدًا إلا كان الله معه في الحساب شديدًا عسيرًا، والجزاء من جنس العمل.\n- الدعاء بالنجاة والمغفرة، كما قال سُبْحَانَهُ عن قول إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].\nثم إن الدعاء بالمغفرة يوم الدين من دعاء الملائكة لأهل الإيمان، فقد جاء في حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^٢).\nبل وذم رسول الله -ﷺ- ابن جدعان بعدم دعائه به؛ فعن عائشة -﵂- أنها قالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٥٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٤).","vol":"3","page":55},{"text":"ويكون كذلك باجتناب المحرمات، ومظالم الناس كما سيأتي في الأثر التالي.\n\n<span data-type='title' id=toc-778>الأثر الثامن: اجتناب مظالم العباد ورد حقوقهم </span>(^١):\nاسم الله الحسيب الديان دال على محاسبة الله للظالم، وأخذه بظلمه، والاقتصاص للمظلوم من ظالمه، كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ- أن الرب -﷿- بنادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فيقول: «أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ» (^٢).\nوهذا يدعو العباد إلى الحذر من الظلم واجتنابه، والخروج من المظالم وردها إلى أهلها قبل أن ترد يوم القيامة؛ فعن عائشة -﵂-: «أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ»، قَالَ: فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَهْتِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ:\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣١٦ - ٣١٨).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"3","page":56},{"text":"﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]،، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَجِدُ لِي وَلهُمْ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ» (^١).\nثم إن وفاء الحقوق وردها يوم القيامة لا يكون بالدينار والدرهم، وإنما بالحسنات والسيئات، التي أحوج ما يكون الإنسان إليها في ذلك اليوم، كما جاء في حديث المفلس الذي رواه أبو هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (^٢)، وقال الشافعي -﵀-: «بئس الزاد إلى المعاد: العدوان على العباد» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧٠٤٤)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣١٢٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨١).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤١).","vol":"3","page":57},{"text":"ويدعوهم أيضًا إلى توخي العدل مع الناس، لا سيما من ابتلي منهم بالحكم بينهم، أو مجازاتهم في الدنيا.\nكما يدعوهم إلى الحكم بين الناس بما أنزل الله؛ لأنه الحكم العدل الذي لا يتطرق إليه ظلم ولا جهل ولا هوى، وكل ما سواه من الأحكام لا يخلو من النقص والظلم والجهل والهوى، قال عمر -﵁-: «وَيْلٌ لِدَيَّانِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ دَيَّانِ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، إِلَّا مَنْ أَمَّ الْعَدْلَ وَقَضَى بِالْحَقِّ، وَلَمْ يَقْضِ عَلَى هَوًى، وَلَا عَلَى قَرَابَةٍ، وَلَا عَلَى رَغَبٍ وَلَا عَلَى رَهَبٍ، وَجَعَلَ كِتَابَ اللهِ مِرْآةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد، رقم الحديث: (٦٦٣)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: (٢٠٤١٨)، حكم الألباني: صحيح، مختصر العلو، رقم الحديث: (ص ١٠٣).","vol":"3","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-779>«المحاسبة»</span> (^١)\nفي موضوع المحاسبة سنتطرق للمسائل التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-780>أولًا: تعريف المحاسبة:</span>\nقال الماوردي -﵀- في تعريف المحاسبة: «أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وإن لم يمكن فيتبعها بالحسنات لتكفيرها وينتهي عن مثلها في المستقبل» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-781>ثانيًا: ثمرات المحاسبة:</span>\nللمحاسبة ثمرات عديدة، ومنافع عظيمة، منها:\nامتثال أمر الله -﷿-؛ إذ يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللًا تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرًا في أمر من أوامر\n_________\n(^١) ينظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٨١)، وما بعدها.\n(^٢) أدب الدنيا والدين (ص ٣٥٦).","vol":"3","page":59},{"text":"الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله، فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة» (^١).\nالاطلاع على عيوب النفس وعدم الاغترار بها، ومن ثمَّ إصلاح عيبها؛ فإن من لم يعرف العيب لم يمكنه إزالته.\nقال مالك بن دينار -﵀-: «رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تَعَالَى فكان لها قائدًا» (^٢).\nالخوف والحياء من الله -﷿-؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره العظيم في الواجبات، وتفريطه في النوافل، وارتكابه للذنوب والمكاره، وكل ذلك موجب للخوف والحياء من الله -﷿-.\nتعين صاحبها على استدراك ما نقص من الفرائض والنوافل؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره فيستدركه.\nالتوبة وكثرة الاستغفار؛ إذ المحاسب يقف على تقصيره وذنبه فيتوب منه ويستغفر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].\nالاستعداد للقاء الله، قال عمر -﵁-: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٥٣).\n(^٢) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٤٠٥).\n(^٣) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٣٩٤).","vol":"3","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-782>ثالثًا: تحقيق المحاسبة:</span>\nتحقيق المحاسبة إنما يكون بالقيام بنوعين من أنواعها:\nالمحاسبة قبل العمل.\nالمحاسبة بعد العمل.\nفأما المحاسبة قبل العمل، فيراد بها: التفكر قبل البدء في العمل، وذلك في جملة من الأمور، والتي منها:\nالتفكر في العمل، هل هو مقدور عليه أو غير مقدور عليه؟ فإن كان غير مقدور تُرك حتى لا يضيع الوقت، وإن كان مقدورًا أتبعه بالتفكر.\nالتفكر في العمل، هل فعله خير من تركه، أو تركه خير من فعله، فإن كان فعله خير من تركه عمله، وإن كان تركه خيرًا من فعله أتبعه بالتفكر.\nالتفكر في النية والقصد، هل مراده بالعمل الله -﷿- أو مراده غيره، فإن كان مراده الله أمضاه وإلا تركه، قال الحسن البصري -﵀-: «رحم الله عبدًا وقف عند همِّه، يحاسب، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر ولم يعمل» (^١).\nوأما المحاسبة بعد العمل، فهي على ثلاثة أنواع:\nالمحاسبة على الطاعة، هل قام بحق الله فيها؟ وحقه فيها: الإخلاص له، والمتابعة لرسوله -ﷺ-، والإحسان والإتقان في أدائها، ومشاهدة منته عليه بالتوفيق إليها، ومشاهدة تقصيره بعد الانتهاء منها، وأنه مهما عمل لله فهو مقصر.\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان، لابن قيم الجوزية (١/ ١٣٨).","vol":"3","page":61},{"text":"المحاسبة على عمل كان تركه خيرًا من فعله، ويدخل في هذا: المعاصي، والاشتغال بالمفضول عن الفاضل، فيحاسب نفسه عليها باللوم والتوبيخ والندم ونحو ذلك.\nالمحاسبة على العمل المباح، هل كان له فيه نية صالحة يحصل بها الأجور، أم غفل عن ذلك وعمله على سبيل العادة، ففاته الأجر؟\nويمكن للإنسان أن يحاسب نفسه أيضًا عن طريق التفكر في الجوارح: ماذا فعلت برجلي؟ بيدي؟ بسمعي؟ ببصري؟ بلساني؟ ثم التفكر في النوايا: ماذا أردت بعملي هذا؟ وما نيتي فيه؟ ونحو ذلك.\nفيجعل له ساعة من ليل أو نهار يطالب فيها نفسه، ويحاسبها على جميع ما كان منها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء، فينظر في رأس المال وفي الربح وفي الخسران لتتبين له الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه: الفرائض، وربحه: النوافل والفضائل، وخسرانه: المعاصي.\nقال وهب بن منبه -﵀-: «مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويحمد؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب» (^١).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ١٣٣).","vol":"3","page":62},{"text":"وأول ما يبدأ الإنسان، يحاسب نفسه عليه:\n- الفرائض: فإذا رأى فيها نقصًا تداركه، بالقضاء أو التكميل والإتمام.\n-ثم المحرمات: فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئًا، تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحيات ولا يتساهل ويتهاون؛ فإنه لو رمى بكل معصية يفعلها حجرًا في داره لامتلأت الدار في مدة يسيرة، ولكنه التساهل في حفظ المعاصي وهي مثبتة ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].\n- ثم ما يصدر منه من الغفلة، فإذا لحظ من نفسه ذلك، تداركه بالذكر والإقبال على الله، وحضور مجالس الذكر ونحو ذلك.\nوإن مما يعيين على تحقيق المحاسبة ما يلي:\nتذكر أسماء الله وصفاته واستشعارها على الدوام، فاستشعار اسم الله العليم، الرقيب، الشهيد، الحفيظ، الحسيب، الديان، ونحوها يدعو الإنسان إلى مراجعة العمل والنظر فيه قبل البدء وبعده.\nتذكر اليوم الآخر، وما فيه من الحساب والعرض على الملك الديان، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].\nالنظر في سير السلف الصالح، وتأمل ما هم عليه من المحاسبة؛ ومن ثمَّ الاقتداء والتأسي بهم.\nفاللهم إنا نسألك يا حسيب يا ديان، أن ترزقنا محاسبة أنفسنا، وأن تثقل موازينا وتيمن كتابنا، وتجعلنا ممن يدخل الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب.","vol":"3","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-783>الحفيظُ الحافظُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-784>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «حفظت الشيء حفظًا، أي: حَرَسْتُه، وحَفِظْتُهُ أيضًا بمعنى: استظهرته … والمحافظة: المراقبة … والحفيظ: المحافظ، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾، يقال: احتفِظ بهذا الشيء، أي: احفظه، والتحفُّظ: التيقُّظ وقلَّة الغفلة، وتَحَفَّظْتُ الكتاب، أي: استظهرته شيئًا بعد شيء» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الحاء والفاء والظاء أصل واحد يدل على مراعاة الشيء، يقال: حفظت الشيء حفظًا … والحفاظ: المحافظة على الأمور» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-785>ورود اسم الله (الحفيظ- الحافظ) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحفيظ) في القرآن الكريم ثلاث مرات، ووروده كالتالي::\nقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧].\nقوله -﷿-: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١].\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ١١٧٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٨٧).","vol":"3","page":64},{"text":"قوله -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦].\nوورد اسمه سُبْحَانَهُ (الحافظ) مرة واحدة، وهي:\nقوله -﷿-: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].\nوورد مرتين بصيغة الجمع:\nقوله -﷿-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nقوله -﷿-: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢].\nولم يرد اسم الله (الحفيظ- الحَافِظ) في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-786>معنى اسم الله (الحفيظ- الحافظ) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيدور معنى اسم الله الحافظ الحفيظ على معنيين:\nالحافظ الذي يحفظ المخلوقات من سماء وأرض وما فيهما.\nالحافظ الذي يحفظ أعمال عباده خيرها وشرها (^١).\nوحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الخطابي -﵀- أيضًا، قال: «الحفيظ هو الحافظ، فعيل بمعنى: فاعل؛ كالقدير والعليم يحفظ السموات والأرض وما فيها لتبقى مدة بقائها،\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٩١).","vol":"3","page":65},{"text":"فلا تزول ولا تندثر؛ كقوله -﷿-: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]، أي: حفظناها حفظًا، والله أعلم، وهو الذي يحفظ عبده من المهالك والمعاطب، ويقيه مصارع السوء؛ كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، أي: بأمره» (^١).\nقال الحليمي -﵀-: «(الحافظ) ومعناه: الصائن عبده عن أسباب الهلكة في أمور دينه ودنياه» (^٢).\nقال القرطبي -﵀- أيضًا، قال: «فهذا الاسم يكون من أوصاف الذات، ومن أوصاف الفعل … وإذا كان من صفات الفعل فيرجع إلى حفظه للوجود، وضد هذا الحفظ الإهمال، وعلى هذا خرج قوله تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [يوسف: ٦٤]» (^٣).\nقال السعدي -﵀- أيضًا: «الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون» (^٤).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال الطبري -﵀-، في قوله تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١]: «وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة به، وغير ذلك من الأشياء كلها (حفيظ) لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مُجَازٍ جميعهم يوم\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص ٦٧ - ٦٨).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٤).\n(^٣) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٣٠٩).\n(^٤) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ١٥٩).","vol":"3","page":66},{"text":"القيامة بما كسبوا في الدنيا من خير وشر» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «الحفيظ هو الحافظ … يحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم نياتهم وما تُكِنَّ صدورهم، ولا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «حفظ على عباده ما عملوه من خير، وشر، وطاعة، ومعصية، فإن علمه محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، وقد كتب ذلك في اللوح المحفوظ» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀-:\nوهوَ الحفيظُ عليهِمُ وهوَ الكفيـ … ـلُ بحفظِهِم مِنْ كلِّ أمرٍ عان (^٤)\nاقتران اسم الله (الحَفِيظ- الحَافِظ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله الحفيظ بأي اسم من أسمائه سُبْحَانَهُ.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٠/ ٣٩٣).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ٦٧ - ٦٨).\n(^٣) الحق الواضح المبين (ص: ١٥٩).\n(^٤) النونية (ص: ٢٠٧).","vol":"3","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-787>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحَفِيظ- الحَافِظ):</span>\n<span data-type='title' id=toc-788>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحافظ الحفيظ) من الصفات:</span>\nالله سُبْحَانَهُ الحفيظ الذي حفظ كل شيء ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١]، فلا يخرج شيء ولا يند عن حفظه، حفظ على العباد ما عملوه من خير، وشر، وطاعة، ومعصية، فلا يضيع منها شيئًا، ولا ينسى ولا يغيب عنه شيء منها لكمال علمه وحفظه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].\nفهو الحفيظ الذي يحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم ما تكن صدروهم، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢، ٥٣]، فكل ما فعلوه من خير وشر مكتوب عليهم، مسطر في الكتب القدرية، قال السعدي -﵀-: «وهذا حقيقة القضاء والقدر، وأن جميع الأشياء كلها، قد علمها الله تَعَالَى، وسطرها عنده في اللوح المحفوظ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (^١).\nوهو الحفيظ الذي وكل ملائكة كرام كاتبين يحفظون على العباد أعمالهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] (^٢)، فلا يسقط من الصحف التي كتبوها شيء من عمل العبد ولو صغر،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٢٨).\n(^٢) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٩ - ٦١)، وفقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ١٩٠ - ١٩١)، والنهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٥٣).","vol":"3","page":68},{"text":"قال تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\nوهو الحفيظ الحافظ للمخلوقات من سماء وأرض وما فيهما، حفظ بحفظه العام، وحفظ بحفظه الخاص، فأما حفظه العام:\nحفظه لجميع المخلوقات، فحفظ السماء بإقامتها بلا عَمَدٍ، وحفظها من الزوال والدثور، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]، وحفظها من أن تقع على الأرض: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، كل ذلك من غير أن يثقله ويعجزه ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] (^١).\nوجعلها سقفًا محفوظًا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] من أن تنال الشياطين أسرارها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨]، وحفظها من أن ينالها أحد بهدم أو نقض أو يصل لها بحيلة (^٢).\nوحفظ الأرض أن تميد أو تضطرب بما جعل عليها من الجبال الرواسي ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١].\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٤٤).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١٤/ ١١)، وتفسير القرطبي (١١/ ٢٨٥).","vol":"3","page":69},{"text":"وحفظ ما فيها مما يدب على ظهرها بتيسيره ما يقيتها ويحفظ بنيتها، وتسيرها إلى هدايتها، وإلى مصالحها، وهدايته العامة لها التي قال عنها: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، هدى كل مخلوق إلى ما قَدَّرَ له وقَضَى له من ضروراته وحاجاته، كالهداية للمأكل، والمشرب، والمنكح، والسعي في أسباب ذلك، فلو تأملنا النملة كيف تخزن طعامها وتحفظه من الفساد وكيف تقسم الحبة إلى فلقتين كي تحميها من أن تنبت؛ لعلمنا عظمة من خلقها وحفظها بهدايته لها إلى ذلك.\nولو تأملنا خلية نحل ورأينا سكانها من ملكة وجنود وخادمات، وكيف يقمن بخدمة البيض ويرعينه؛ حتى لا يتعرض للخطر، فيقمن بتهوية مكانه، وتهيئة أسباب السلامة فيه حتى يفقس، فسبحان من حفظها.\nومن حفظه العام: أن يدفع عن خلقه أصناف المكاره، والمضار، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، قال ابن كثير -﵀-: «للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ","vol":"3","page":70},{"text":"وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^١).\nوقال مجاهد -﵀-: «ما من عبد إلا وله ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال له: وراءَك، إلا شيئًا أذن الله فيه فيصيبه» (^٢).\nوهذا الحفظ يشترك فيه البَرُّ، والفاجرُ، بل حتى الحيوانات، وغيرها من خلق الله -﷿- (^٣).\nوأما حفظه الخاص:\nفحفظه لأوليائه سوى ما تقدم، بحفظهم عما يضر إيمانهم أو يزلزل يقينهم من الشُّبَهِ، والفتن، والشهوات، فيعافيهم منها، ويخرجهم منها بسلامة، وحفظ، وعافية، ويحفظهم من أعدائهم من الجنِّ والإنس فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيدَهم، قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وهذا عام في دفعِ جميعِ ما يضرُّهم في دينهم ودنياهم» (^٤).\nفحفظه سُبْحَانَهُ لهم على ضربين:\nالأول: حفظهم في مصالح دنياهم، كحفظهم في أبدانهم وأهلهم وأولادهم وأموالهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨).\n(^٣) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٩ - ٦١)، وفقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ١٩١).\n(^٤) ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٥٩ - ٦١).","vol":"3","page":71},{"text":"الثاني: حفظهم في دينهم وإيمانهم، فيحفظهم في حياتهم من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة، ويحفظهم عند موتهم فيتوفاهم على الإيمان (^١).\nومن صور حفظه لهم، ما يلي:\nحفظه لأوليائه من مكر الأعداء:\nإبراهيم -﵇- وضعه قومه في المنجنيق؛ ليرموه في النار التي أشعلوها، فأتى جبريل -﵇- لإبراهيم، فقال له: «هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأمَّا إلى الله فَبَلَى، فقال إبراهيم -﵇-: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فقال الله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]» (^٢).\nرسول الله -ﷺ- أجمع الكفار على قتله، وأسندوا المهمة إلى شباب ذوي قوة وجَلَد من قبائلهم، فحفظه الله بحفظه ورد كيدهم، ثم دخل الغار مع أبي بكر، وصارت قريش قاب قوسين أو أدنى منه -﵊-، حتى إن أبا بكر -﵁- قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا» (^٣)، فحفظه الله من قريشٍ ولم يروه ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ\n_________\n(^١) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٤٦٥ - ٤٦٩).\n(^٢) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٦٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٦٣).","vol":"3","page":72},{"text":"كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، ثم يدركه سراقة بن مالك، فغارت قدَما فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين، فخرَّ عنها، فاستسلم وبشَّرَهُ الرسول -ﷺ- بأن يلبسَ سوارَي كسرى» (^١).\nحفظه لأوليائه بتسخير الكون لهم:\nموسى -﵇-، حفظه الله، فها هي أمه ترضعه، وتحذَرُ عليه من فرعونَ ومَلَئِهِ أن يقتلوه، فيوحي الله إليها ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، فيذهب به البحر إلى دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، فحفظه الحفيظ في أمواج البحر المتلاطمة، وحفظه في قصر فرعون، بل وأنزل محبته في قلوبهم ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩].\nيونس -﵇-، حفظه الله في بطن الحوت، فلم يكسر له عظمًا، ولا أكل له لحمًا، بل يُذكر أنه أوحي إلى الحوت: إن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك له يكون سجنًا (^٢).\nحفظه لأوليائه في دينهم:\nحفظ الله يوسف -﵇- من الوقوع في السوء والفحشاء، مع قوة الدواعي الداعية للوقوع فيها، فهو شاب عزب، غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا\n_________\n(^١) ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (٣/ ٢٢٢ - ٢٢٧).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٦٦).","vol":"3","page":73},{"text":"كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدي المرأة، وهي سيدته، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر،، ومع ذلك ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وصار المحل خاليًا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، ودعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم، ومع ذلك كله حفظه الحفيظ في دينه، قال تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] (^١).\nوحينما يتكفل الحفيظ بحفظ شيء، فمن المحال أن يضيع أو يهلك، وكيف يهلك وقد تعهد الله بحفظه وتولاه برعايته، وهو خير الحافظين، قال تَعَالَى: ﴿فَالله خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].\nتكفَّل بحفظ كتابه العزيز من التحريف والتغيير والتبديل على مر العصور والدهور ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فبقى هذه القرون الطويلة محفوظًا بحفظ الحفيظ له -﵎-، بينما التوراة والإنجيل لما أوكل حفظها إلى الرَّبَّانيين والأحبار ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]؛ حصل التبديل والتغيير (^٢).\nوتكفل بحفظ بيته الحرام، قال ابن تيمية -﵀-: «وكذلك الكعبة؛ فإنها بيت من حجارة بوادٍ غير ذي زرع، ليس عندها أحد يحفظها من عدو، ولا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٦).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).","vol":"3","page":74},{"text":"عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها، فليس عندها رغبة ولا رهبة، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة، فكل من يأتيها يأتيها خاضعًا ذليلًا متواضعًا في غاية التواضع، وجعل فيها من الرغبة ما يأتيها الناس من أقطار الأرض محبةً وشوقًا من غير باعث دنيوي، وهي على هذه الحال من ألوف السنين، وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها، والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها.\nوكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه كما استولى على بيت المقدس، والكعبة لها خاصة ليست لغيرها، قصدها جيش عظيم ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم فبرك الفيل وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجهوه إلى غير جهتها توجه، ثم جاءهم من البحر طير أبابيل، أي: جماعات في تفرقة فوجًا بعد فوج، رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم؛ فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم، فآيات الأنبياء هي أدلة على صدقهم» (^١).\nوتكفل بحفظ دينه «ولو كره المشركون ذلك وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم، فإن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه» (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].\n_________\n(^١) ينظر: النبوات (ص ١٦٠ - ١٦١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٣٣٥).","vol":"3","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-789>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحافظ الحفيظ) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد في سعة حفظ الحفيظ للخلائق كله، وأن كل شيء إنما حفظ بحفظه وقام بقيوميته، فهو الحي القيوم الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد والحفظ- تيقن أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، فإن كل من دونه عاجز عن حفظ نفسه، فضلًا عن أن يحفظ غيره (^١)، فلو أوكل سُبْحَانَهُ حفظ هذه الكواكب والنجوم إلى ذواتها ولم يتولَّها بحفظه ورعايته، لتهافتت وتهاوت وتساقطت، وذهب كلٌّ منها إلى حيث لا يُعلم له غاية ولا مستقر، ولو أوكل حفظ السماء والأرض للخلق، لعجزت قواهم عنها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، فمن كان هذا حاله كيف يتخذ إلهًا من دون الله؟!\nكما أن العبد إذا تأمل في حفظ الحفيظ لأهل التوحيد وإكرامه لهم، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك- كان في ذلك دلالة له على توحيد الله دون ما سواه، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلًا إلى كل خير، دافعًا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببًا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تَعَالَى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: ٢٤٨] أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون، فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢١).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (١٢٥).","vol":"3","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-790>الأثر الثالث: محبة الله الحفيظ:</span>\nإن التفكر والتدبر في حفظ الله للعبد يملأ القلب حبًّا للحفيظ سُبْحَانَهُ، الذي حفظ له دينه وحفظ له جوارحه، وحفظ له معاشه في هذه الدنيا؛ إذ لو خُلِّيَ بين العبد وبين المهلكات؛ لَمَا بَقِيَ على ظهرها مِن دابَّة ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١].\nوهذا حفظه العام للناس- مؤمنهم وكافرهم- أما حفظه الخاص لأوليائه فشيء آخَرُ ونعمة أخرى تقتضي من أهلها المحبة العظيمة والحمد والقيام بحقوق عبوديته سُبْحَانَهُ وطاعته، وبقدر تحقيق العبودية والطاعة لله -﷿- يكون الحفظ والرعاية من الله -﷿- لعبده.\n\n<span data-type='title' id=toc-791>الأثر الرابع: مراقبة العبد للحافظ الحفيظ:</span>\nإذا علم العبد أن الله -﷿- حفيظ يحفظ عليه عمله ويرصد أقواله وأفعاله ولا يفوته شيء منها، ثم هو سُبْحَانَهُ يحاسبه عليها يوم القيامة؛ دفعه ذلك إلى مراقبتهسُبْحَانَهُ في السر والعلن، في ظاهره وباطنه، في حركاته وسكناته حتى يصل إلى درجة الإحسان التي فسرها رسول الله -ﷺ- بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١)، فيعبد ربه مستحضرًا قربه وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة: «أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» (^٢)، ويوجب له- أيضًا- النصح\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠).","vol":"3","page":77},{"text":"في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-792>الأثر الخامس: «احفظ الله يحفظك»:</span>\nليس ثَمَّ حافظ حفيظ غير الله -ﷻ-، فهو سُبْحَانَهُ وحده الذي يحفظ من الشرور والآفات والمهالك، يحفظ من عقابه وعذابه وسخطه (^٢).\nوإنما حظ العبد من حفظه سُبْحَانَهُ، بحسب ما عنده من إيمان وتقوى، كما قال -ﷺ-: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» (^٣)، قال ابن رجب -﵀-: «يعني: احفظْ حدود الله، وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ولا يتعدَّى ما أمر به إلى ما نهي عنه» (^٤).\nوقد مدح الله سُبْحَانَهُ عباده الذين يحفظون حقوقه وحدوده، فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢ - ٣٣].\nوأعظم ما يجب على المسلم حفظه من أوامر الله: حق الله في التوحيد، فيعبده وحده ولا يشرك به شيئًا ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]،\nوقال -ﷺ- لمعاذ: «يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ:\n_________\n(^١) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٢٦).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧١٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٣٠٢).\n(^٤) نور الاقتباس، لابن رجب (ص ٣٤).","vol":"3","page":78},{"text":"هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» (^١)، فهذا هو الحق العظيم الذي أمر الله سُبْحَانَهُ عباده أن يحفظوه ويراعوه، وهو الذي من أجل حفظه أرسل الرسل وأنزل الكتب.\nومن أعظم ما أمر الله بحفظه: الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩، المعارج: ٣٤].\nفمن حافظ على الصلوات وحفظ أركانها، حفظه الله من نقمته وعذابه، وكانت له نجاة يوم القيامة.\nقال ابن القيم -﵀-: «وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أُعطِيَتْ حقَّها من التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة، ولا استجلبت مصالحها بمثل الصلاة، وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله -﷿-، وعلى قدر صلة العبد بربه -﷿- تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه موارد التوفيق من ربه -﷿-، والعافية، والصحة، والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات، كلها محضرة لديه، ومسارعة إليه» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٦٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٠).\n(^٢) الطب النبوي (ص ٣٣٢).","vol":"3","page":79},{"text":"ومما أمر الله بحفظه: السمع والبصر والفؤاد، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].\nوأمر بحفظ الفروج، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، ومدح المؤمنين بذلك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، وقال -﵇-: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» (^١).\nوأمر بحفظ الأيمان، فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وحفظ اليمين يدل على إيمان المرء وورعه، فكثير من الناس يتساهل في الحلف والقسم، وقد تلزمه كفارة وهو لا يدري، أو يعجز عنها، فيقع في الإثم لتضييعه وعدم حفظه لأيمانه (^٢).\nوالمؤمن مأمور بحفظ دينِه أجمع، فلا يترك منه شيئًا إلا حفظه، وبقدر حفظه يكون حفظ الله له في دينه وماله وولده، وجميع ما آتاه من فضله؛ فإن الجزاء من جنس العمل، قال تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٧٤).\n(^٢) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٤٦٢ - ٤٦٥).\n(^٣) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٤٦٥)، الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٩ - ٦١).","vol":"3","page":80},{"text":"وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:\nأحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله -﷿-: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، قال ابن عباس -﵄-: «هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه» (^١).\nومَن حَفِظَ اللهَ في صباه وقوته، حفظه اللهُ في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.\nوقد يحفظ اللهُ العبدَ بصلاحه بعد موته في ذريته، كما قيل في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]: أنهما حفظا بصلاح أبيهما، قال سعيد بن المسيب -﵀- لابنه: «لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]» (^٢)، وقال عمر بن عبد العزيز -﵀-: «ما من مؤمن يموت، إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه» (^٣).\nوقال محمد بن المنكدر -﵀-: «إِنَّ اللَّهَ لَيُصْلِحَ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ وَلَدَهُ، وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَيَحْفَظُهُ فِي دُوَيْرَتِهِ، وَالدُّوَيْرَاتِ الَّتِي حَوْلَهُ مَا دَامَ فِيهِمْ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير، رقم الحديث: (١٣٥٩)، والطبري في التفسير، رقم الحديث: (٢٠٢١٧).\n(^٢) تفسير البغوي (٥/ ١٩٦).\n(^٣) الجامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢/ ٥٥٥).\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد، رقم الحديث: (٣٣٠)، والحميدي في المسند، رقم الحديث: (٣٧٧).","vol":"3","page":81},{"text":"النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان.\nوفي الجملة، فإن الله -﷿- يحفظ على المؤمن الحافظ لحدود دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارهًا له، كما قال في حق يوسف -﵇-: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].\nقال ابن عباس -﵄- في قوله تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال: «يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار» (^١).\nوقال ابن مسعود -﵁-: «إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير يقول: سبقني فلان دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز جل» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم الحديث: (٣٢٦٥)، والبيهقي في القضاء والقدر، رقم الحديث: (٣٢٧).\n(^٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ٤٦٥ - ٤٦٩).","vol":"3","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-793>الأثر السادس: الأسباب المحصلة لحفظ الحفيظ:</span>\nشرع الله أسبابًا تعين العبد على الفوز بحفظه -﵎-، ومن ذلك:\n١ - الصلاح والتقوى:\nفكلما كان العبد أكثر صلاحًا وتقوى، كلما كان أقرب إلى حفظ الله تَعَالَى، وكلما كان محافظًا على حدوده، مجتنبًا لمحارمه؛ كان بحفظه أحظى، كما قال -ﷺ-: «احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ» (^١).\nقال ابن رجب -﵀-: «متى كان العبد مشتغلًا بطاعة الله، فإن الله يحفظه في تلك الحال، وفي مسند الإمام أحمد عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا لَهَا وَصِيصِيَتَهَا، كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا، قَالَ: فَفَقَدَتْ عَنْزًا مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا لِرَبِّهَا -﵎-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا، وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا» (^٢)» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧١٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٣٠٢).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٦٦٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٩٣٥).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٥٥).","vol":"3","page":83},{"text":"٢ - التوكل على الله:\nفإن العبد إذا توكل على الله واعتمد عليه في جلب منافعه ودفع مضاره، وأخذ مع ذلك بالأسباب، وجد الله متوليًا لأمره، مراعيًا لحاله، حافظًا له ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] «كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء» (^١)، وهذا عين التوفيق.\nوضد ذلك: الخذلان، فإن العبد إذا اعتمد على نفسه وحوله وقوته؛ تركه الله لهذا كلِّه وخلَّاه، وهذا هو عين الخذلان.\nوأوضح الله لنا هذا المعنى بما أورد في كتابه من قصص:\nفها هي أم موسى لما فوَّضَت أمرها إلى الله حفظ ابنها وردَّه إليها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٧ - ٨].\nوهذا موسى يقول له قومه- بعد أن كان البحرُ أمامَهم والعدوُّ وراءَهم-: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فيصدع قائلًا: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، فأوحى الله إليه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فكانت النتيجة ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٧٠).","vol":"3","page":84},{"text":"والصحابة عندما أعجبتُهُم كثرتُهُم يومَ حنينٍ فاعتمدوا عليها، تخلَّى الله عنهم، قال تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].\nبينما في بدر كان العدد قليلًا، والعتاد قليلًا، لكن التوكُّل على الله كبير، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣].\n٣ - تلاوة القرآن:\nأنزل الله كتابه وجعله هدى ورحمة ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧]، ومن هدايته ورحمته: أن بعض سوره وآياته نص رسول الله -ﷺ- على أنها حفظ ووقاية للعبد من الشرور، ومن ذلك:\nآية الكرسي:\nجاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، أنه قال: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: دَعْنِي،","vol":"3","page":85},{"text":"فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتَ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^١).\nوعن أُبيّ بن كعب -﵁-، «أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ جُرْنٌ فِيهِ تَمْرٌ، وَكَانَ أُبَيٌّ يَتَعَاهَدُهُ، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ، فَحَرَسَهُ، فَإِذَا هُوَ بِدَابَّةٍ تُشْبِهُ الْغُلَامَ الْمُحْتَلِمَ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ أَجِنٌّ أَمْ إِنْسٌ؟ قَالَ: جِنٌّ، قَالَ: فَنَاوِلْنِي يَدَكَ، فَنَاوَلَنِي يَدَهُ، فَإِذَا يَدُ كَلْبٍ، وَشَعَرُ كَلْبٍ، قَالَ: هَكَذَا خَلْقُ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنُّ مَا فِيهِمْ أَشَدُّ مِنِّي، قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣١١).","vol":"3","page":86},{"text":"قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْ طَعَامِكَ، قَالَ أُبَيٌّ: فَمَا الَّذِي يُجِيرُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ; آيَةُ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ غَدَا أُبَيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: صَدَقَ الْخَبِيثُ» (^١).\nخواتيم سورة البقرة:\nجاء في الحديث، عن أبي مسعود -﵁-، أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (^٢).\nواختلف في المراد بـ «كَفَتَاهُ»، فقيل: «أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه: أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد؛ لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل: معناه كفتاه كل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل: معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، قال ابن حجر -﵀- بعد أن ساق هذه الأقوال: «يجوز أن يراد جميع ما تقدم» (^٣).\nوجاء عن النعمان بن بشير، قال: قال -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ فَخَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَلَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبُهَا الشَّيْطَانُ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٧٣٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٦٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٠٠٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٨٠٨).\n(^٣) فتح الباري (٩/ ٥٦).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦٤٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٨٨٢)، حكم الألباني: صحيح، الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦٨٠).","vol":"3","page":87},{"text":"سورة البقرة:\nجاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (^١).\nوعن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ-، قال: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» البطلة: السحَرة (^٢).\nسورة الإخلاص والمعوذتان:\nجاء في الحديث عن عبد الله بن خُبَيب، أنه قال: «خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (^٣).\nومعنى «تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»: من كل شر وتدفع عنك كل سوء، ويحتمل أن يكون المعنى: تغنيك على كل ورد يتعوذ به (^٤).\n٤ - ذكر الله -﷿-:\nشرع الله -﷿- ذكره، وجعله حرزًا للعبد يحترز به من الشرور كلها، كما قال -ﷺ-: «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٨٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨٠٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٥).\n(^٤) ينظر: عون المعبود، للعظيم آبادي (١٣/ ٢٩٠)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (١٠/ ٢١).","vol":"3","page":88},{"text":"خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تَعَالَى انخنس عدو الله تَعَالَى، وتصاغر وانقمع، حتى يكون كالوصع وكالذباب، ولهذا سُمِّيَ الوسواس الخناس، أي: يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تَعَالَى خنس، أي: كف وانقبض» (^٢).\nوالأذكار التي ورد النص بحفظها للعبد كثيرة، ومنها:\nأ- ما جاء في حديث خولة -﵂-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (^٣)، و«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ» (^٤)، أي: لم تضرك العقرب، بأن يُحَالَ بينك وبين كمال تأثيرها، بحسب كمال التعوُّذ وقوته وضعفه؛ لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يضرَّهُ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٦٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٦٣).\n(^٢) الوابل الصيب (ص: ٣٦ - ٣٧)\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٩).\n(^٥) أوجز المسالك إلى موطأ مالك، للكاندهولي المدني (١٧/ ٦٦).","vol":"3","page":89},{"text":"ب- ما جاء في حديث عبد الرحمن بن خنبش، «جَاءَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنَ الْأَوْدِيَةِ، وَتَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجِبَالِ، وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةُ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: فَرُعِبَ - قَالَ جَعْفَرٌ: أَحْسَبُهُ، قَالَ: جَعَلَ يَتَأَخَّرُ - قَالَ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ -﵇- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ، قَالَ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ، فَطُفِئَتْ نَارُ الشَّيَاطِينِ، وَهَزَمَهُمُ اللهُ -﷿-» (^١).\nج- ما جاء عن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (^٢).\nد- ما جاء عن عثمان بن عفان، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٧٠٠)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٨٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٩٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩١).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٩)، واللفظ له، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٣٨٨).","vol":"3","page":90},{"text":"٥ - التصبح بسبع تمرات من العجوة:\nجاء في الحديث عن سعد بن أبي وقاص -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ - وفي رواية: مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا»، أي: لابتي المدينة (^١).\n٦ - استيداع الله الأمور:\nجاء في الحديث، عن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِذَا اسْتُودِعَ اللهُ شَيْئًا حَفِظَهُ» (^٢).\n٧ - الدعاء:\nالدعاء من أهم الوسائل التي يحصل بها العبد حفظ الله -﷿- (^٣)، لذا كثرت الأدعية النبوية في سؤال الله الحفظ، ومن ذلك:\n«احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ رَاقِدًا، وَلَا تُشْمِتْ بِي عَدُوًّا حَاسِدًا، وَاللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ» (^٤).\n«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي، وَقَالَ عُثْمَانُ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٤٤٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٠٤٧).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٢٦٩)، وابن حبان، رقم الحديث: (٢٦٩٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤).\n(^٣) فقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ١٩٣).\n(^٤) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (١٩٣٠)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (١٤٤٥)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٢٦٠).","vol":"3","page":91},{"text":"عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^١).\nفاللهم يا حفيظ، إنا نعوذ بك من جهد البلاء، وَدَرَك الشَّقاء،\nوسوء القضاء، وشماتة الأعداء.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٧٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧١).","vol":"3","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-794>ذُو الفضلِ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-795>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الفضل والفضيلة: خلاف النقص والنقيصة، والإفضال: الإحسان» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(الفاء والضاد واللام) أصل صحيح يدل على زيادة في شيء، من ذلك: الفَضل: الزيادة والخير، والإفضال: الإحسان» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-796>ورود اسم الله (ذي الفضل) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (ذو الفضل) في كتاب الله اثنتي عشرة مرة، ومن وروده ما يلي:\nقول الله -﷿-: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]\nقوله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ٦٩).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٥٠٨).","vol":"3","page":93},{"text":"قوله -﷿-: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩]\n\n<span data-type='title' id=toc-797>ورود اسم الله (ذي الفضل) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله (ذو الفضل) في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-798>معنى اسم الله (ذي الفضل) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]: «ذو فضل، يتفضل به على مَن أَحَبَّ وشاء مِن خلقه، ثم وصف فضله بالعِظَم، فقال: فضله عظيم؛ لأنه غير مشبه في عظم موقعه ممن أفضله عليه إفضال خلقه، ولا يقاربه في جلالة خطره ولا يدانيه» (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «فالله سُبْحَانَهُ ذو الفضل العظيم، والإحسان العميم، أعطى خلقه ما لا يلزمه، وتفضَّل عليهم بما لا يجب عليه، فَسُبْحَانَهُ من رءوف رحيم، تفضَّل على جميع خلقه بنعمته، وعلى المؤمنين بدار كرامته، ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]» (^٢).\nقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]: «أي: اختصكم- أيها المؤمنون- من الفضل بما لا يُحَدُّ ولا يوصف، بما شرَّف به نبيَّكم محمدًا -ﷺ- على\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٥/ ٥٠٧).\n(^٢) الأسنى شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٥١١).","vol":"3","page":94},{"text":"سائر الأنبياء وهداكم به لأحمدِ الشرائع» (^١).\nقال الشوكاني -﵀-: «فضل الله يؤتيه من يشاء، أي: يعطيه من يشاء إعطاءه إيَّاه تفضلًا وإحسانًا، والله ذو الفضل العظيم، فهو يتفضل على من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، والخير كله بيده، وهو الكريم المطلق، والجواد الذي لا يبخل» (^٢).\nقال السعدي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]: «الذي لا يصفه الواصفون، ولا يخطر بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]» (^٣).\nفكل خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عند الله، يتفضل به عليهم ذو الفضل سُبْحَانَهُ!\nقال الإمام ابن القيم -﵀- في نونيته:\nيَا مَنْ يُرِيدُ وِلَايَةَ الرَّحمنِ دُو … نَ وِلَايَةِ الشَّيْطَانِ والأَوْثَانِ\nفَارِقْ جَمِيعَ النَّاسِ في إشراكِهِم … حتَّى تَنَالَ ولايةَ الرَّحمنِ\nيَكفِيكَ مَن وَسِعَ الخلائقَ رحمةً … وكفايةً ذو الفَضْلِ والإِحْسَانِ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٦٠).\n(^٢) فتح القدير (٥/ ٢١١).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ١٣٤).","vol":"3","page":95},{"text":"يَكفِيكَ رَبٌّ لم تزلْ ألطافُهُ … تأتي إليكَ برحمةٍ وحنانِ\nيَكفِيكَ رَبٌّ لم تزلْ في ستْرِهِ … ويراكَ حينَ تجيءُ بِالعصيانِ (^١)\nاقتران اسم الله (ذي الفضل) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يرد اسم الله (ذو الفضل) مقترنًا بأسماء أخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-799>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (ذي الفضل):</span>\n<span data-type='title' id=toc-800>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (ذو الفضل) من صفات الله، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالله سُبْحَانَهُ ذو الفضل الواسع والنعيم الوفير، ينعم على عباده بفضله ويمتن عليهم بخيره، ومن مظاهر أفضال الله تَعَالَى ما يلي:\nأولًا: الأفضال الدنيوية:\nوهي الأفضال التي تعم المسلم والكافر، البَر والفاجر، الإنسان والحيوان، بل كل ما سوى الله متقلِّب في فضله وبرِّه، ومن أمثلة هذه الفضائل: الرزق، فكل ما رزقك إياه في الدنيا: من عافية وسعة رزق وبيت وولد ووالد، تنام بالليل، وتسعى بالنهار، لا تعاني من قلق وأرق، ولا تعيش بطالة وكسلًا، هو من فضله تَعَالَى، تأمل قول سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١]\n_________\n(^١) النونية (ص ٣٠٠).","vol":"3","page":96},{"text":"وعن ابن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان يقول إذا أخذ مضجعه: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَفَانِي، وَآوَانِي، وَأَطْعَمَنِي، وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» (^١).\nثانيًا: الأفضال الدينية:\nوهي الأفضال التي تخص المؤمن في دينه، ومن أبرزها:\nفضل الهداية للإسلام، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]\nفضل تزكية نفوس المؤمنين وتنوير بصائرهم، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]\nيقول ابن القيم -﵀-: «فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زَكَتْ منهم نفس واحدة؛ فإذا أراد اللهسُبْحَانَهُ بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به وتصلح- من الإرادات والتصورات- وإذا لم يُرد بها ذلك تركها على حالها التي خُلِقَتْ عليها من الجهل والظلم» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٥٨)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (٧٦٤٧)، والبيهقي في الدعوات الكبير، رقم الحديث: (٣٩٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٥٨).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٧٧).","vol":"3","page":97},{"text":"فضل إنزال القرآن، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، يقول أبو سعيد الخدري -﵁- في معنى الآية: «بِفضل الله: القرآن، وبرحمته: أن جعلكم من أهله» (^١)، ومن فضل القرآن: أن جعله ذو الفضل شفيعًا لأصحابه يوم القيامة، فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -ﷺ-: قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (^٢).\nومن فضله أيضًا: أن الله يرفع قدر أهل البيت الذين يتلى في بيوتهم كلام الرحمن يقول النبي -ﷺ-: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُم فِي بُيُوْتِكُم، وَلَا تَجْعَلُوْهَا عَلَيْكُم قُبُوْرًا، كَمَا اتَّخَذَتِ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى فِي بُيُوْتِهِم قُبُوْرًا، وَإِنَّ البَيْتَ لَيُتْلَى فِيْهِ القُرْآنُ، فَيَتَرَاءى لأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تَتَرَاءى النُّجُوْمُ لأَهْلِ الأَرْضِ» (^٣).\nفضل إرسال محمد -ﷺ- لهداية الناس إلى الطريق القويم، ومَن تأمَّل ما جاء به -ﷺ- جملة وتفصيلًا؛ عرف أنه لا صلاح للبشر إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وأنه كما أن بهما إصلاح العقائد والأخلاق والأعمال، فقد جاء فيهما ما يصلح أمور الدنيا كذلك، وكل ما يعود إلى الخير والنفع العام والخاص.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ١٩٤).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٧٣٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٤٦٧٢)، والحاكم، رقم الحديث: (٢٠٤٣)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (١٩٦٣).\n(^٣) أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/ ٢٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣١١٢).","vol":"3","page":98},{"text":"فضل تثبيت المؤمنين على دينهم، ومدافعته عنهم، ونصرتهم على أعدائهم، فيعصمهم من الزيغ والخذلان واتباع الشيطان، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].\nفضل طلب الجنة، والسعي للوصول إليها، يقول تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]\nفضل تنوير بصائر من اتقاه، وتكفيره لسيئاته، ومغفرته لذنوبه، وتزكية نفسه، قالسُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]\nفضل إعطاء المؤمنين فوق ما يستحقون من ثواب، يقول تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]\nفحري بالقلب أن يتعلق بصاحب الفضائل سُبْحَانَهُ، ويوحده بألوهيته وربوبيته، ويديم النظر والتفكر في آلائه وأسمائه وصفاته، ويكثر من التضرع بأن يمن الله عليه من أفضال الدنيا والآخرة.","vol":"3","page":99},{"text":"كما أن اسم الله (ذا الفضل) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله (ذي الجلال والإكرام)، و(المنان)، و(الكريم)، و(الرحيم)، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-801>الأثر الثاني: تحقيق صدق الافتقار لذي الفضل سُبْحَانَهُ:</span>\nمن أيقن أن الفضل بيد ذي الفضل وحده سُبْحَانَهُ؛ صح في قلبه صدق الاضطرار وكمال الافتقار، وتجرد من جبروت النفس والجاه والمال، يقول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وفي حديث النبي -ﷺ- لعبد الله بن عباس -﵄- قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (^١).\nيقول الشيخ ابن عثيمين -﵀- في شرح الحديث: «الأمة كلها من أولها إلى آخرها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وعلى هذا فإن نفع الخلق الذي يأتي للإنسان فهو من الله في الحقيقة؛ لأنه هو الذي كتبه له، وهذا حث لنا على أن نعتمد على الله -﷿-، ونعلم أن الأمة لا يجلبون لنا خيرًا إلا بإذن الله -﷿-» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٧١٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (٥٣٠٢).\n(^٢) شرح الأربعين النووية، لابن عثيمين (ص: ٢٠٢)","vol":"3","page":100},{"text":"«فإذا جرَّد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تَعَالَى، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، … قال بعض السلف: من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة، فالتوحيد حصن الله الأعظم، الذي من دخله كان من الآمنين: قال بعض السلف: من خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-802>الأثر الثالث: محبة ذي الفضل سُبْحَانَهُ:</span>\nإن العبد إذا عرف فضل الله -﷿-، وآمن بأنه ذو الفضل العظيم؛ ازداد حبُّه لله، وعظم شوقه إلى لقائه، فيكون راجيًا فضل ربه، محسنًا الظن بخالقه -﵎-.\n\n<span data-type='title' id=toc-803>الأثر الرابع: الفرح بفضل الله تعالى:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ يحب أن يرى فرح وسعادة عبده بكريم وجزيل فضله، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «ففضله: الإسلام والإيمان، ورحمته: العلم والقرآن، وهو يحب من عبده: أن يفرح بذلك ويسر به، بل يحب من عبده: أن يفرح بالحسنة إذا عملها وأن يسر بها، وهو في الحقيقة فرح بفضل\n_________\n(^١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٢٤٥)","vol":"3","page":101},{"text":"الله، حيث وفقه الله لها، وأعانه عليها ويسرها له، والفرح أعلى أنواع نعيم القلب، ولذته وبهجته، … والفرح بالشيء فوق الرضا به، فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور، فكل فَرِح راض، وليس كل راضٍ فَرِحًا، ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضا ضد السخط، والحزن يؤلم صاحبه، والسخط لا يؤلمه، إلا إن كان مع العجز عن الانتقام، والله أعلم» (^١).\n«وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين: مطلق ومقيد، فالمطلق: جاء في الذم، كقوله تَعَالَى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠].\nوالمقيد: نوعان أيضًا:\nمقيد بالدنيا: يُنسي صاحبه فضل الله ومنته، فهو مذموم، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].\nوالثاني: مقيد بفضل الله وبرحمته، وهو نوعان أيضًا:\nفضل ورحمة بالسبب، وفضل بالمسبب، فالأول: كقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] والثاني: كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، فالفرح بالله، وبرسوله، وبالإيمان، وبالسنة، وبالعلم، وبالقرآن: من أعلى مقامات العارفين، قال الله تَعَالَى:\n﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]، فالفرح بالعلم والإيمان والسنة:\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ١٥٨).","vol":"3","page":102},{"text":"دليل على تعظيمه عند صاحبه، ومحبته له، وإيثاره له على غيره، فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له: على قدر محبته له، ورغبته فيه، فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه فواته، فالفرح تابع للمحبة والرغبة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-804>الأثر الخامس: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»</span> (^٢):\nعلى العبد أن يكون باذلًا لخلق الله الفضل، يرجو ببذله أن يناله فضلُ الله ورحمته، فالله -﷿- يحب المحسنين إلى خلقه، ويحسن إليهم، كما دل عليه الحديث الصحيح عن أبي مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ الله -﷿-: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» (^٣).\nعن ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (^٤).\nفينبغي على العبد أن يسارع ببذل الفضل الذي أنعم الله به تَعَالَى عليه، فيبذل ماله إن كان ذا مال؛ تقربًا به لله، وشاكرًا لنعمه عليه، وكذا صاحب الجاه وصاحب العلم، وليتذكر دائمًا حديث النبي -ﷺ- الذي رواه عنه أبو\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ١٥٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٦١).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٢٥٦)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٥١٦٢)، حكم الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٢٦٢٧).","vol":"3","page":103},{"text":"هريرة -﵁-، حيث قال فيه المصطفى -ﷺ-: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله، يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (^١)، وروي عن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ» (^٢).\nوهذا من باب المسارعة إلى فعل الخيرات، التي أمر الله بالسباق إليها والزحام عليها، قال تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] وهذه المغفرة والجنة فضل يؤتيه الله من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.\nفاللهم يا بَر، يا رؤوف، يا رحيم، يا ذا الفضلِ العظيم، يا غفور، يا ودود، يا حليم، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"3","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-805>الرَّقيبُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-806>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الرقيب: الحافظ، … تقول: رقبت الشيء أرقبه رقوبًا، ورِقْبَةً ورِقْبانًا بالكسر فيهما، إذا رَصَدْتَهُ …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(رقب) الراء والقاف والباء أصل واحد مطرد، يدل على انتصاب لمراعاة شيء، من ذلك الرقيب، وهو الحافظ، يقال منه: رقبت أرقب رقبة ورقبانًا …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-807>ورود اسم الله (الرقيب) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الرقيب) في كتاب الله ثلاث مرات، ووروده كالتالي:\nقول الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\nقوله -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].\nقوله -﷿-: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-808>ورود اسم الله (الرقيب) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله (الرقيب) في السنة النبوية.\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٤٢٧).","vol":"3","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-809>معنى اسم الله (الرقيب) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- عند قوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]: «حفيظًا محصيًا عليكم أعمالكم متفقِّدًا رعايتكم حرمة أرحامكم وصلَتكم إياها وقطْعَكُموها وتضييعَكُم حرمتها» (^١).\nقال الحليمي -﵀-: «الرقيب الذي لا يَغفل عن ما خلق فيلحقه نقص أو يدخل عليه خلل» (^٢).\nقال القرطبي -﵀-: «فهو سُبْحَانَهُ الرقيب المُرَاعي أحوال المرقوب، الحافظ له جملة وتفصيلًا، المحصي لجميع أحواله، وذلك راجع إلى العلم والمشاهدة، وهو الإدراك والإحصاء وهو عَدُّ ما يَدِقُّ ويَجِلُّ من أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، وسائر أحواله وتصرفاته، ومراعاة وجوده وعدمه، وحياته وموته» (^٣).\nقال الزجاج -﵀-: «الرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عما يحفظه، يقال: رقبت الشيء أرقبه رقبة، وقال الله تَعَالَى ذكره: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «(الرقيب) المطلع على ما أَكَنَّتْه الصدور، القائم\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٦/ ٣٥٠).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٦).\n(^٣) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(^٤) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥١).","vol":"3","page":106},{"text":"على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام، وأكمل تدبير» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-:\nوَهُوَ الرَّقِيْبُ عَلَى الْخَوَاطِرِ وَاللَّوَا … حِظِ كَيْفَ بِالْأَفْعَالِ بِالْأَرْكَانِ (^٢)\nاقتران اسم الله (الرقيب) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله الرقيب بأي اسم من أسماء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-810>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرقيب):</span>\n<span data-type='title' id=toc-811>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرقيب)، ودلالته على التوحيد:</span>\nالله هو الرقيب الذي لا يخرج شيء عن رقابته ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] «رقيب للمبصرات ببصره الذي لا يغيب عنه شيء، ورقيب للمسموعات بسمعه الذي وسع كل شيء، ورقيب على جميع المخلوقات بعلمه الذي أحاط بكل شيء» (^٣)، يرقب السموات وما فيهن، والأرضين وما فيهن، والبحار وما فيهن، ويرقب عباده وما يصدر منهم.\nفهو الرقيب الحفيظ الذي حفظ السموات وما فيها من كواكب ونجوم، حفظها من أن يخرجَ منها جِرْمٌ عن موضعه الذي أقامه فيه، أو ينقص من\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).\n(^٢) النونية (ص: ٢٠٧).\n(^٣) فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٨٢).","vol":"3","page":107},{"text":"سرعته التي أجراه بها وأداره عليها، أو ينحرف عن اتجاهه الذي وجَّهه إليه، لا تشغلُهُ رقابة كبارها عن الرقابة على صغارها، ولا يعوقه حفظ قريبها عن حفظ بعيدها.\nويرقب الأرض فيحفظها في دورتها حول نفسها أمام الشمس؛ حتى لا تنحرف عن دارها الذي رسمه، وحتى تحتفظ بالسرعة التي خصَّها بها، يرقبها في إنباتها وجريان أنهارها، يرقبها من أن تقع السموات عليها ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].\nويرقب البحار، فيحفظها من أن تطغى على اليابسة، فتكون بحرًا يعج عجاجه وتصطخب أمواجه.\nويرقب الأجنة فيحفظها في بطون أمهاتها، وتطورها في خلقها ونموها، وتغذيتها وتمامها، وخروجها ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦].\nويرقب عباده فيحفظهم من بين يديهم ومن خلفهم، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] فللإنسان ملائكة يتعاقبون في الليل والنهار يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء (^١).\nفسبحان الرقيب الذي لولا رقابته على كل هذه المخلوقات ما قام شيء في الوجود، وسبحان الذي لو تخلت رقابته عن هذا العالم طرفة عين لغرق في طوفان من الظلام وأصبح عدمًا.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤١٤).","vol":"3","page":108},{"text":"وهو الرقيب المطلع على خلقه، يعلم كل صغيرة وكبيرة في ملكه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال تَعَالَى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].\nوهو الرقيب المحصي أعمال عباده، يرقب حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم، بل حتى ما يجول في خواطرهم، قال تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] «أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] علمًا وسمعًا وبصرًا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر» (^١).\nوإذا تأمل العبد في عظم رقابة الله -﷿-؛ علم استحقاقه للعبادة وحده دون ما سواه، فهو «رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان، ورقيب للمبصرات ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ورقيب للمسموعات بسمعه المدرك لكل حركة وكلام، فهو سُبْحَانَهُ رقيب عليها بهذه الصفات تحت رقابته الكليات والجزئيات، وجميع الخفيات في الأرضين والسموات، ولا خفى عنده، بل جميع الموجودات كلها على نمط واحد في أنها تحت رقُبته التي هي من صفته» (^٢)، وكل معبود من دونه لا يملك من ذلك شيئًا، فكيف يتخذ إلهًا يُعبد؟!!\nوكما أن اسم الله (الرقيب) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٢٤٩).\n(^٢) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٤٠١ - ٤٠٢).","vol":"3","page":109},{"text":"على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله العليم، والشهيد، والحسيب، والسميع والبصير، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-812>الأثر الثاني: محبة الله الرقيب:</span>\nإذا علم المسلم أن الله الرقيب قائم عليه وعلى كل نفس، قائم بتدبيرها على أكمل نظام وأحسن إحكام، حافظ له وللمخلوقات من حوله فيحفظهم بحفظه ويكلؤهم بعينه، لا يغفل عن خلقه بل يرعاهم ويرعى أحوالهم ويدبر أمورهم، لا شك أن ذلك سيبعث في قلبه محبة الرقيب -ﷻ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-813>الأثر الثالث: مراقبة الرقيب جل في علاه:</span>\nإذا أيقن العبد بأن الله هو الرقيب واستشعر نظره له في ظاهره وباطنه، وصغيره وكبيره؛ أورثه ذلك مراقبته سُبْحَانَهُ في السر والعلن، في الليل والنهار، في الخلوة والجلوة، فصار يلحظ أعماله، ويتفقد أفكاره وخطراته حتى يرتقي إلى درجة الإحسان التي أخبر عنها الرسول -ﷺ- بأنها «أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١)، فيحفظ قلبه وسمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها من أن يكون منها أو فيها ما يسخط الله -﷿-.\nومراقبة الله من أعلى أعمال القلوب، ومن أعظم منازل السائرين إلى الله والدار الآخرة، فعلى المسلم أن يسعى لتحقيقها وأن يكون من أهلها، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على ذلك.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"3","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-814>المراقبة</span>\nفي موضوع المراقبة سنتطرق للمسائل التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-815>أولًا: تعريف المراقبة:</span>\nعرفها ابن القيم -﵀-، فقال: «دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق -﷾- على ظاهره وباطنه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-816>ثانيًا: ثمرات المراقبة:</span>\nإذا حقق العبد منزلة المراقبة، لا بد أن يجد ثمارها التي تعود إليه في أمر دينه ودنياه وآخرته، ومن ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-817>١ - الإخلاص:</span>\nإذا راقب العبد ربه وعلم أنه مطلع على نيته ومقصده؛ بعثه ذلك إلى إخلاص عمله لله -﷿-؛ خوفًا وحياء من ربه أن يطلع على قلبه وفيه فلان وفلان من الناس، بل يبعثه ذلك- أيضًا- إلى إخفاء عمله عن أعين الناس، كما في السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (^٢)، فهذا راقب الله، وأراد أن يكون\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٢٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٣١).","vol":"3","page":111},{"text":"عمله خالصًا لوجهه سُبْحَانَهُ، حتى أن جزءًا من جسده وهو يده لم تعلم ما أنفقت يمينه، وهذا من كمال إخلاصه وتجرده لله تَعَالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-818>٢ - إتقان العمل:</span>\nإذا استحضر العبد حال قيامه بطاعة من الطاعات نظر الله إليه ومراقبته لعمله؛ أوجب ذلك له بذل الجهد في تحسينها وتكميلها وإتمامها (^١).\nوالعبد مأمور بتحسين عمله، كما قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢] قال ابن كثير -﵀-: «خير عملًا، كما قال محمد بن عجلان، ولم يقل: أكثر عملًا» (^٢)، وقال -ﷺ-: «إِنَّ الله -﵎- يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (^٣).\nولهذا المعنى جاء الأمر بإقامة الصلاة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لا فعلها أو الإتيان بها؛ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقامة الصلاة؛ إقامتها ظاهرًا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٢٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٨/ ١٧٦).\n(^٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤٩٢٩)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٨٩٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٨٣).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٤١).","vol":"3","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-819>٣ - حفظ الظاهر والباطن من السيئات:</span>\nمراقبة الله -﷿- توجب للعبد صيانة ظاهره وباطنه ووقايته من اقتراف السيئات، فإن العبد إذا استحضر اطلاع ربه على ما بطن وخفي عن أعين الناس؛ دفعه ذلك إلى إصلاح باطنه وصيانته، فيحفظ قلبه من الحرام، ويحفظ فكره من الخواطر الرديئة، ويجرد باطنه من كل شهوة وإرادة تعارض أمر الله، ومن كل محبة تزاحم محبته، وهذه هي حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم.\nوإذا صلح الباطن صلح الظاهر ولا ريب، فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته، وقد قيل: من راقب الله في خواطره، عصمه في حركات جوارحه، فلا ينطق بحرام، ولا ينظر لحرام، ولا يسمع لحرام، ولا يبطش حرامًا، ولا يمشي لحرام (^١).\nفاستشعار العبد لرؤية ربه؛ يدفعه إلى الإقلاع عن المعاصي والآثام؛ لذلك فإن الذي يقع في المعصية، لا بد أنه غاب عنه عند مواقعتها أن الله رقيب شهيد، قال ابن الجوزي -﵀-: «فقلوب الجهال تستشعر البعد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي؛ إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر، لَكَفُّوا الأكفَّ عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه، فحضرتهم المراقبة، وكَفَتْهم عن الانبساط» (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٦٥ - ٦٨).\n(^٢) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٢١٣).","vol":"3","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-820>٤ - أعمال القلوب:</span>\nإذا حقق العبد مراقبة الله -﷿-؛ أوجب ذلك له جملة من الأعمال القلبية؛ وذلك أن المراقبة هي أساس أعمال القلب وعمودها الذي تقوم عليه، ومن تلك الأعمال:\n- الخوف من الله ومهابته، فإذا هم بمعصية أو قارفها استشعر نظر ربه ورقابته، فخاف منه، واضطربت أركانه هيبة وتعظيمًا له (^١).\n- محاسبة النفس والخلوة بها، ومعاتبتها بين الفينة والأخرى، فكلَّما همَّ العبد بمعصية استشعر أن ربه ناظر إليه فحاسب نفسه وراجعها، وكلَّما همَّ بتقصير في واجب تذكر مراقبة الله لعمله، فحاسَبَ نفسه وراجعها.\n-الحياء من الله -﷿-، فيستحي أن يراه الله حيث نهاه، أو يراه وقد قصّر فيما أمره به، أو يراه وقد جعله أهون الناظرين إليه، كما قال بعض العارفين: «اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-821>٥ - تفريج الهموم وتنفيس الكربات:</span>\nمن حقق مقام المراقبة جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ومن كل عسر يسرًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وفي حادثة أصحاب الغار شاهد بيِّن على هذا:\n_________\n(^١) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٢٦).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (١/ ١٣١).","vol":"3","page":114},{"text":"فعن عبد الله بن عمر -﵄-، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا الله تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ الله يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ الله مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ الله اتَّقِ الله، وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا،","vol":"3","page":115},{"text":"فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله مَا بَقِيَ» (^١).\nفالثلاثة راقبوا الله، فكان الجزاء أن فرج الله عنهم ما هم فيه، فإذا بالصخرة تتحرك من مكانها، وتفتح لهم باب النجاة، والخلاص من الهمِّ الذي حلَّ بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-822>٦ - سرور النفس وطمأنينة القلب:</span>\nمن استحضر مراقبة الله -ﷻ-، وأدام ذكره، واجتنب الغفلة عنه؛ أثمر ذلك سرورًا في قلبه وانشراحًا في صدره ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وقرت عينه بالقرب من ربه، وأحس بلذة وفرح لا يدانيه فرح من الأفراح عند فعل الطاعات؛ لعلمه أن الله مطلع عليه ناظر إليه وهو الشكور الحميد.\nوما يجده المراقب لربه من السرور والحبور من النعيم المعجل في الدنيا (^٢)، قال ابن القيم -﵀-: «فإن سرور القلب بالله وفرحه به، وقرة العين به، لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا البتة، وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.\nولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله -﷿-، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، ومن لم يجد هذا السرور، ولا شيئًا منه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٣٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٤٣).\n(^٢) ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٣٥)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٨٤).","vol":"3","page":116},{"text":"فليتهم إيمانه وأعماله؛ فإن للإيمان حلاوة، من لم يذقها فليرجع، وليقتبس نورًا يجد به حلاوة الإيمان.\nوقد ذكر النبي -ﷺ- ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فذكر الذوق والوجد، وعلقه بالإيمان، فقال: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^١)، وقال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^٢).\nوسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه- يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا، فاتهمه؛ فإن الرب تَعَالَى شكور، يعني: أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-823>٧ - زيادة الأجر:</span>\nمراقبة الله -﷿- أثناء عمل الخير ولو كان يسيرًا، ترفع من أجره وتعظمه، وتصيرّه كبيرًا مع صغره وكثيرًا مع قلته، وإنما نال السبعة الذين تحت الظل ما نالوا من الكرامة بسبب خشيتهم لله ومراقبته له، قال -ﷺ-: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢١)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٣).\n(^٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"3","page":117},{"text":"عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (^١).\nفالرجل الذي ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ما الذي دعاه لذلك والناس لا يرونه؟ والرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال، وغابت عنه العيون ونفسه تشتهي وتتمنى، ما الذي دعاه لقوله: إني أخاف الله؟ والرجل الذي تصدق بيمينه حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه مع أن المال محبوب للنفوس، ولا يسهل عليها أن تجود به إلا بطلب عوض أعظم، ما الذي دعاه للإنفاق؟ والشاب الذي نشأ في طاعة الله -﷿- مع قوة النوازع وتوقد الغرائز، ما الذي دعاه للطاعة والكف عن المعصية؟ إنها مراقبة الله -﷿- التي كانت سببًا لنيلهم هذه المكانة والمنزلة العظيمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-824>٨ - دخول الجنة ورؤية وجه الله -﷿</span>-:\nمراقبة العبد ربه سبب لدخوله الجنة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] أي: «في جميع أحوالهم، حتى في الحالة التي لا يطَّلع عليهم فيها إلا الله، فلا يُقدِمون على معاصيه، ولا يُقَصِّرون فيما أمر به ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، وإذا غفر الله ذنوبهم وقاهم شرَّها، ووقاهم عذاب الجحيم، ولهم أجر كبير، وهو ما أعده لهم في الجنة، من النعيم المقيم، والملك الكبير، واللذات المتواصلات، والمشتهيات …» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٢٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٣١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٨٧٦).","vol":"3","page":118},{"text":"وأعظم من ذلك: رؤية وجهه -﵎-، كما قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وذلك؛ «لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر الله تَعَالَى به عن جزاء الكفار في الآخرة: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-825>ثالثًا: وسائل تحقيق المراقبة:</span>\nيمكن للعبد أن يصل لمراقبة الله -﷿- من خلال عدة أمور، منها:\n١ - العلم بالله -﷿- وأسمائه وصفاته؛ فإن العبد كل ما كان بالله أعلم كان له أخشى، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (^٢)، وتوجب له هذه الخشية مراقبته سُبْحَانَهُ في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته.\nومن ذلك: استحضار معاني الأسماء الحسنى التي تورث مقام المراقبة، كالرقيب، والحفيظ، والعليم، والخبير، والشهيد، والمحيط، واللطيف، والقريب إلى غير ذلك من الأسماء التي إذا أدرك العبد معناها وتعبد ربه بمقتضاها، فإن ذلك يؤدي به إلى تحصيل مقام المراقبة، قال ابن القيم -﵀-: «والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير، فمن\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/ ١٢٦).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٨٩).","vol":"3","page":119},{"text":"عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة» (^١).\n٢ - كثرة ذكر الله -﷿- بالقلب واللسان، قال ابن القيم -﵀- في بيان فوائد الذكر: «يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الاحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت» (^٢) وذلك لأن العبد كل ما كان لله ذاكرًا كان الله معه، كما جاء في الحديث القدسي: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (^٣)».\n٣ - الإكثار من عبادات السر والحرص عليها، كقيام الليل في جوف الليل، وصيام النهار حيث لا يعلم به مخلوق، والقيام بالأعمال الصالحة في غفلة عن المخلوقين، فإن ذلك كله يثمر مراقبة الله -﷿- في النفوس.\n٤ - محبة الله؛ فإن المحبوب يلاحظ محاب محبوبه فيسارع إليها، ويلاحظ مساخطه فيبتعد عنها، كل ذلك سعيًا في رضاه عنه، فإذا حقق العبد محبة ربه راقبه في لسانه وجوارحه وقلبه، وسعى في كل قربة وطاعة تقربه إليه، حتى يحبه فيحفظه من الحرام، كما جاء في الحديث القدسي: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٦٦).\n(^٢) الوابل الصيب (ص ٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٥).","vol":"3","page":120},{"text":"لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).\n٥ - تذكر الموت؛ فإن العبد إذا تذكره وتيقن أنه صائر إليه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أثمر ذلك في نفسه مراقبة الله في أعماله وأقواله، فلم يخف إلا الله ولم يرج إلا إياه، وفعل ما أمره، وترك ما نهاه عنه، استعدادًا له.\n٦ - تذكر الآخرة والوقوف بين يدي الله -﷿- للسؤال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]؛ فإن العبد إذا استحضر واستشعر سؤال الله أوجب ذلك له مراقبته في السر والعلن في الصغير والكبير، فإذا تذكر مثلًا أنه مسئول عن رعيته كما قال -ﷺ-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (^٢)؛ راقب الله فيهم هل أعطاهم حقهم من التربية والنفقة والعلم … إلخ، أو لا؟ وإذا تذكر أن قدمه لن تزول حتى يسأل عن خمس، كما جاء في الحديث عن ابن مسعود -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» (^٣)؛ راقب الله فيها ففعل ما يرضيه، وترك ما يسخطه فيها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٩٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٨٢٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٤١٦)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (١٦٤٧)، حكم الألباني: حسن، المشكاة، رقم الحديث: (٥١٩٧).","vol":"3","page":121},{"text":"٧ - استحضار الشهود الذين نصبهم الله شهودًا على أعمال العباد، من:\nالملائكة الكرام الكاتبين، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨].\nوالجوارح، كما قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥].\nوالجلود، كما قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].\nوالأرض، كما قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٣ - ٤].\n٨ - الدعاء، فيسأل العبدُ ربَّه، ويتضرع إليه ليلًا ونهارًا بلسان صادق وقلب خاشع، أن يرزقه خشيته ومراقبته في السر والعلن.\nاللهم ارزقنا خشيتك في السر والعَلن، واجعلنا نعبدك كأننا نراك.","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-826>الفتَّاحُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-827>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «فتحت الباب فانفتح، وفتحت الأبواب، شدد للكثرة، فتفتحت هي، … واستفتحت الشيء وافتتحته، والاستفتاح: الاستنصار، والمفتاح: مفتاح الباب وكل مستغلق، والفتح: النصر، … والفتاح: الحاكم» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(فتح) الفاء والتاء والحاء أصل صحيح يدل على خلاف الإغلاق، يقال: فتحت الباب وغيره فتحًا، ثم يحمل على هذا سائر ما في هذا البناء، فالفتح والفتاحة: الحكم، والله تَعَالَى الفاتح، أي: الحاكم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-828>ورود اسم الله (الفتاح) في القرآن:</span>\nورد اسم الله (الفتاح) في كتاب الله مرة واحدة مفردًا، وهي:\n١ - قوله -﷿-: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ٤١٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٤٦٩).","vol":"3","page":123},{"text":"وورد في كتاب الله مرة واحدة بصيغة الجمع، وهي:\nقوله -﷿-: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-829>ورود اسم الله (الفتاح) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله (الفتاح) في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-830>معنى اسم الله (الفتاح):</span>\nاسم الله (الفتاح) له ثلاث معان في حق اللهتَعَالَى:\nالحاكم الذي يقضي بين عباده بالحق والعدل، بأحكامه الشرعية والقدرية الجزائية.\nالذي يفتح لعباده أبواب الرحمة والرزق، وما انغلق عليهم من الأمور.\nالناصر لعباده المؤمنين، وللمظلوم على الظالم.\nوحول هذه المعاني الثلاثة تدور أقوال العلماء.\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال قتادة -﵀- في قوله: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] «أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق» (^١).\nقال الطبري -﵀- في تفسير قولهتَعَالَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] «احكم بيننا وبينهم بحكمك الحق، الذي لا جور فيه\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣٢١).","vol":"3","page":124},{"text":"ولا حيف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] يعني: خير الحاكمين» (^١).\nوقال أيضًا -﵀- في قوله: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦] «والله القاضي العليم بالقضاء بين خلقه؛ لأنه لا تخفى عنه خافية، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل» (^٢).\nمن الأقوال التي تجمع بين المعنى الأول والثاني:\nقال السعدي -﵀-: «فالفتاح هو الحكم المحسن الجواد، … والرب تَعَالَى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله» (^٣).\nمن الأقوال في المعنى الثالث:\nقال ابن عباس -﵄- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]: «يعني بذلك: المشركين، إن تستنصروا فقد جاءكم المدد» (^٤).\nقال ابن عاشور -﵀- في تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]: «فالاستفتاح هنا طلب الفتح، أي: النصر، والمعنى: إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٣١٩).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٨٧).\n(^٣) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٨٤ - ٨٥).\n(^٤) تفسير الطبري (١١/ ٩٠).\n(^٥) التحرير والتنوير (٩/ ٣٠١).","vol":"3","page":125},{"text":"قال ابن القيم -﵀-:\nوَكَذَلِكَ الفَتَّاحُ مِنْ أَسْمَائِهِ … والفَتْحُ فِي أَوْصَافِهِ أَمْرَانِ\nفَتْحٌ بِحُكْمٍ وَهْوَ شَرْعُ إِلَهِنَا … والفَتْحُ بِالأَقْدَارِ فَتْحٌ ثَانِ\nوالرَّبُّ فَتَّاحٌ بِذَيْنِ كِلَيْهِمَا … عَدْلًا وَإِحْسَانًا مِنَ الرَّحْمَنِ (^١)\nاقتران اسم الله (الفتاح) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\n- اقتران اسم الله (الفتاح) باسمه (العليم):\nتقدم بيانه في اسم الله (العليم).\nالآثار المسلكية لاسم الله الفتاح:\n\n<span data-type='title' id=toc-831>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الفتاح) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nإن فتح الله تَعَالَى ينقسم إلى قسمين: فتح بحكمه الديني والجزائي، وفتح بحكمه القدري، وفي ذلك يقول السعدي -﵀-: «وفتحه تَعَالَى قسمان: أحدهما فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي، والثاني: الفتاح بحكمه القدري.\nففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم، وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم، وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء وأتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم، وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢١١).","vol":"3","page":126},{"text":"حين يوفي كل عامل ما عمله.\nأما فتحه القدري، فهو ما يقدره على عباده من خير وشر، ونفع وضر، وعطاء ومنع، قالتَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]» (^١).\nومن مظاهر فتح الله سُبْحَانَهُ، ما يلي:\nالفتح في الحكم بين عباده:\nفالله سُبْحَانَهُ هو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة بالقسط والعدل، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب، ويتضمن ذلك أحكامًا وأحوالًا لا تنضبط بالحد ولا تحصى بالعد، ومن ذلك:\nدعوة الأنبياء لربهم بأن يفتح بينهم وبين أقوامهم وينصرهم، ومنهم:\nنوح -﵇-، يقول الله -﷿- على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨].\nشعيب -﵇-، يقول الله -﷿- على لسانه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].\nفتح الله على من استعجل العذاب من أقوام أنبيائه، ومنهم:\nقوم عاد، يقول تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] فيأتي الحكم من الله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين (ص: ٨٥).","vol":"3","page":127},{"text":"كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢].\nقوم ثمود، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]، واستعجل قومه العذاب فأتى الحكم والفتح من الله بقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧ - ٧٨].\nكل من استعجل العذاب، يقول تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٧].\nالفتح في الإيمان والهداية:\nفمن فتح الله لعباده المؤمنين: أن حبب لهم الإيمان والطاعة، والأعمال الصالحة، وزينها في قلوبهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].","vol":"3","page":128},{"text":"ومن فتحه: يسر فهم القرآن وتدبر وحفظه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\nويقول الطبري -﵀- عند تفسير قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]: «يقول تَعَالَى ذكره لنبيه محمد -ﷺ-: لا يكبرن عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربهم والإقرار بنبوتك، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهل لهم اتباع الرشد، دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رعاتها» (^١).\nالفتح في الرزق والرحمة:\nفالله سُبْحَانَهُ فتح لعباده أبواب الرحمة والأرزاق المتنوعة، وفتح لهم خزائن جوده وكرمه، فما يأتيهم من مطر، أو رزق، فلا يقدر أحد أن يمنعه، يقول تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، وما أمسك سُبْحَانَهُ فلا يستطيع أحد أن يرسله، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، عنده الخزائن وبيده الخير، وهو الجواد المنان الفتاح، يفتح ما انغلق من الأمور والأحوال، فييسرها منه كرمًا، ويتفضل بقضاء الحوائج، وتفريج الكربات، ويذهب ضيق النفس، وضيق الجهل، وضيق الفقر، فبعنايته تنفتح المغاليق،\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١١/ ٣٤١).","vol":"3","page":129},{"text":"وبهداه تنفتح المشكلات، وبتيسيره تنفتح الصعوبات والكربات.\nالفتح في العلم والفقه:\nففتح سُبْحَانَهُ لمن يشاء من عباده في أبواب العلم والحكمة والفقه في الدين، ولذا جمع الله بين الفتح والعلم، فقال: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].\nفحري بالقلب أن يتعلق بمن يملك هذه المفاتيح، ويوحده، ويديم النظر والتفكر في آلائه وصفاته، ويكثر من التضرع إليه أن يفتح قلبه لهدايته، ومعرفة الحق والانقياد له، وأن يسأله الفتح لأبواب الرزق والخير في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-832>الأثر الثاني: اليقين بأن مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو:</span>\nوقد مر بأن اسم الله الفتاح لم يقترن إلا باسمه العليم، فهو سُبْحَانَهُ المتفرد بعلم مفاتح الغيب، وهو مستغلق إلا على الرب -جل وعلا- فإنه يعلمه، قال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وفي الحديث: قال رسول الله -ﷺ- «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^١).\nأما الخلق فلا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله سُبْحَانَهُ، ولو كان لمخلوق أن يعلم الغيب لكان الرسل هم الأولى في هذا، ولكنهم بشر، لايعلمون إلا ما أطلعهم الله عليه، يقول تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، ويقول سُبْحَانَهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٢٧).","vol":"3","page":130},{"text":"على لسان نبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\nومن شواهد ذلك، ما يلي:\nعن عائشة -﵂-، قالت: «وَمَنْ زَعَمَ أَنَّه -ﷺ- يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]» (^١).\nولما رميت عائشة -﵂- بالإفك لم يعلم رسول الله -ﷺ- أهي بريئة أم لا؟ حتى أخبره الله تَعَالَى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦].\nوذبح إبراهيم -﵊- عجلًا للملائكة، ولم يعلم بأنهم ملائكة حتى خبروه، وقالوا له ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠].\nولما جاء الملائكة للوط لم يعلم- أيضًا- أنهم ملائكة، ولذا قال تَعَالَى عنه: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١].\n\n<span data-type='title' id=toc-833>الأثر الثالث: محبة الفتاح:</span>\nمن آمن باسم الله الفتاح؛ أحبه وتعلق قلبه به، فهو سُبْحَانَهُ وحده بيده مقاليد كل شيء، ومفاتيح العلم والهدى والخير، ومفاتيح الغيب وما انغلق من الأمور، يقول تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٧).","vol":"3","page":131},{"text":"ومن أحب الفتاح سُبْحَانَهُ أكثر من التضرع إليه بأن يفتح قلبه لهدايته، ومعرفة الحق والانقياد له، وأن يسأله الفتح لأبواب الرزق والخير والنصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-834>الأثر الرابع: اليقين بفتح الله تعالى:</span>\nفمن آمن باسم الله الفتاح اطمأنت نفسه، وارتاح قلبه؛ وعلم أن ما يفتحه رب العالمين للناس من رحمته وإنعامه عليهم لا يقدر أحد كائنًا ما كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يقول تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].\nفلا يخاف المؤمن ضياع رزقه، أو انتهاك حقه، فالفتاح سيفتح ويكشف الحقائق ولو بعد زمن، كما برأ سُبْحَانَهُ أم المؤمنين عائشة -﵂- حين اتهمت في عرضها، فقالت وهي موقنة واثقة بنصر الله: والله لا أقول إلا كما قال يعقوب -﵇-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، فجاء الفتح من الله والحكم ببراءتها في عشر آيات في سورة النور، تُقرأ إلى يوم القيامة.\nبل مهما طال ليل الظالم وكثر بغيه وظلمه للعباد؛ لا بد أن يفتح الله بين عباده بحكمه ونصره لمن اتبعه، ومهما تأخر ذلك النصر أو أبطأ ذلك التمكين فلا يتطرق الشك إلى الموحدين، فله سُبْحَانَهُ الحكمة من تأخير الفتح والنصر والتمكين، فلابد أن النصر آت، يقول تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].","vol":"3","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-835>الأثر الخامس: السعي لتحصيل أسباب نيل الفتح من الله:</span>\nإن الفتح لا يكون إلا من الله -﷾-، فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء، وقد نسب الله الفتوح لنفسه؛ ليبين لعباده أن الفتح منه لا من غيره، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] وفي الآية الأخرى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقد هيأ الله تَعَالَى لعباده أسبابًا عدة لنيل الفتح منه تَعَالَى، ومن ذلك:\nالإيمان والتقوى: يقول الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].\nمحبة الله ورسوله، يقول -ﷺ- يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ» (^١).\nالصدق، يقول تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].\nالدعاء، يقول تَعَالَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١٠ - ١١].\nتحري أماكن الفتح الإلهي، ومن ذلك المساجد، ففي الحديث: قال -ﷺ-: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُه» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث (٤٢١٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧١٣).","vol":"3","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-836>الأثر السادس: ليس كل فتح نعمة، فقد يكون فتنة:</span>\nفقد يكون الفتح استدراجًا من الله، يقول -ﷺ-: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلَا -ﷺ-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]» (^١).\nوقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٣ - ٣٥].\nوقد رد سُبْحَانَهُ على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [سورة الفجر: ١٥ - ١٧]، أي: ليس كل من نعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته، بل أبتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء (^٢)، وفي الحديث: «وَإِنَّ الله -﷿- وَإِنَّ اللهَ -﷿- يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٨٥٤)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٩٢٧٢)، حكم الألباني: إسناده جيد، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٤٧).\n(^٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (ص: ٣٥).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٧٢٧)، وأبو نعيم في الحلية، رقم الحديث: (٤/ ١٦٦)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (١٦٢٥).","vol":"3","page":134},{"text":"يقول ابن القيم -﵀- في التفريق بين النعمة والفتنة: «وأما تمييز النعمة من الفتنة: فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف، ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية، وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج، فكم من مستدرَج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه! وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح، ذلك مبلغهم من العلم.\nفإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه بجمعه على الله فهو نعمة حقيقة، وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة، والمحنة في صورة المنحة، فليحذر فإنما هو مستدرج، ويميز بذلك- أيضًا- بين المنة والحجة، فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى!\nفإن العبد بين منة من الله عليه، وحجة منه عليه، ولا ينفك عنهما، فالحكم الديني متضمن لمنته وحجته، قال الله تَعَالَى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقال ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-837>الأثر السابع: تذكر يوم الفتح الحقيقي والاستعداد له:</span>\nيوم القيامة هو يوم الفتح الحقيقي، فإن الله سُبْحَانَهُ في ذلك اليوم يقضي ويفصل بين جميع العباد، فيبين الضال من المهتدي، وهو سُبْحَانَهُ لا يحتاج إلى شهود ليفتح بين خلقه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، وما كان غائبًا عما حدث في الدنيا سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]،\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ١٨٩).","vol":"3","page":135},{"text":"ويقول تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\nفيوم القيامة يوم الفتح الأكبر، حيث تجتمع الخلائق كلها في صعيد واحد، فيحكم الله بينهم بالعدل، ويجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]، ويقول سُبْحَانَهُ في المجازاة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].\nوقد سمى الله يوم القيامة بيوم الفتح، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩]؛ لأن الله -﷿- في هذا اليوم يفتح فيه على المؤمنين.\nفعلى المؤمن أن لا يستعجل في دنياه الفتح، ولا ييأس أو يبتئس إن تأخر الفتح من ربه، فالنصر آت، وفتح ربك إن لم تنله في دنياك فهو مدخر لك يوم الفتح الأكبر، يوم تجازى على إحسانك وثقتك بربك وصبرك، فلا تترك للشيطان ووسوسته مجالًا لك.","vol":"3","page":136},{"text":"<span data-type='title' id=toc-838>الأثر الثامن: البذل والعطاء لمن جعل الله له مفاتيح الخير:</span>\nفمن مَنَّ الله عليه بشيء من الفتوح، سواء في علم أو مال أو جاه، فعليه أن يشكر الله بكريم بذله، وجزيل عطائه للناس، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]، وفي الحديث، يقول -ﷺ-: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ الله مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ الله مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» (^١)، وفي الحديث الآخر: «إِنَّ لِلهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا يُقِرُّهَا عِنْدَهُمْ مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ فَإِذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى غَيْرِهِمْ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-839>الأثر التاسع: دعاء الله باسمه الفتاح:</span>\nفالمؤمن يسأل الله فتحه في كل أمر يستغلق عليه أو يستصعبه، وقد كان هذا منهج الرسل جميعًا، ومنهم: نوح -﵇- عندما دعا ربه وسأله الفتح، يقول الله -﷿- على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨]، كذلك شعيب -﵇-، يقول الله -﷿- على لسانه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٣٧)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦٨٦)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٣٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني، رقم الحديث: (٨٣٥٠)، حكم الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٢٦١٦).","vol":"3","page":137},{"text":"بل إن سؤال الله الفتح ثبت في أذكار الصباح والمساء، ففي الحديث قال -ﷺ-: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ، فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» (^١).\nاللهم إنا نسألك أن تفتح لنا من رحماتك ما تدخلنا به جناتك، وأفض علينا من خيراتك وبركاتك، إنك أنت الفتاح العليم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٤)، والطبراني في مسند الشاميين، رقم الحديث: (١٦٧٥)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٨٤).","vol":"3","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-840>القويُّ المتين -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-841>المعنى اللغوي:</span>\nأولًا: اسم (القوي):\nقال الجوهري -﵀-: «القوة: خلاف الضعف، والقوة: الطاقة من الحبل، وجمعها: قوى، ورجل شديد القوى، أي: شديد أسر الخلق …» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «القاف والواو والياء أصلان متباينان، يدل أحدهما على شدة وخلاف ضعف، والآخر على خلاف هذا، وعلى قلة خير.\nفالأول: القوة، والقوي: خلاف الضعيف، وأصل ذلك من القوى، جمع قوة من قوى الحبل … والأصل الآخر: القواء: الأرض لا أهل بها، ويقال: أقوت الدار: خلت» (^٢).\nثانيًا: اسم (المتين):\nقال الجوهري -﵀-: «متن: المتن من الأرض: ما صلب وارتفع، والجمع متان ومتون … هو متين، أي: صلب» (^٣).\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٤٦٩).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٧).\n(^٣) الصحاح (٦/ ٢٢٠٠).","vol":"3","page":139},{"text":"قال ابن فارس -﵀-: «الميم والتاء والنون، أصل صحيح واحد يدل على صلابة في الشيء مع امتداد وطول، منه المتن: ما صلب من الأرض وارتفع وانقاد، متان، ورأيته بذلك المتن، ومنه شُبِّه المَتْنَانِ من الإنسان: مُكْتَنِفَا الصُّلب من عصب ولحم …» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-842>ورود اسم الله (القوي، المتين) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورود اسم الله (القوي) في القرآن الكريم:\nورد اسم الله (القوي) تسع مرات في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:\nقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦].\nوقوله تَعَالَى: ﴿فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢٢].\nوقوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].\nثانيًا: ورود اسم الله المتين في القرآن الكريم:\nورد اسم الله (المتين) مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-843>ورود اسم الله (القوي المتين) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله (القوي) ولا (المتين) في السنة النبوية.\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٥/ ٢٩٤).","vol":"3","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-844>معنى اسم الله (القوي المتين):</span>\nأولًا: معنى اسم الله القوي:\nقال الطبري -﵀-: «﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] لا يغلبه غالب ولا يرد قضاءه رادٌّ، ينفذ أمره ويمضي قضاؤه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه» (^١)، وقال -﵀-: «﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ [هود: ٦٦] في بطشه إذا بطش بشيء أهلكه، كما أهلك ثمود حين بطش بها» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «القوي هو الكامل القدرة على الشيء، تقول: هو قادر على حمله، فإذا زدته وصفًا قلت: هو قوي على حمله، وقد وصف نفسه بالقوة، فقال عز قائلًا: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]» (^٣).\nوقال الزجاجي -﵀- في موضع آخر: «القوي: ذو القوة والأيد … فالله -﷿- قوي قادر على الأشياء كلها، لا يعجزه شيء منها» (^٤).\nقال الخطابي -﵀-: «القوي قد يكون بمعنى القادر، ومن قوي على شيء فقد قدر عليه، ويكون معناه: التام القوة الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١١/ ٢٣٣).\n(^٢) تفسير الطبري (١٢/ ٤٥٧).\n(^٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٥٤).\n(^٤) اشتقاق أسماء الله (ص: ١٤٩).\n(^٥) شأن الدعاء (ص: ٧٧).","vol":"3","page":141},{"text":"قال الغزالي -﵀-: «القوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة، والله -﷾- من حيث إنه بالغ القدرة تامها قويٌّ» (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «وقيل: القوي هو المقوي لغيره، فيكون من صفات الفعل» (^٢).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «هذه الأسماء الثلاثة العظيمة (القدير، القوي، العزيز) معانيها متقاربة، فهو تَعَالَى كامل القوة، عظيم القدرة، شامل العزة ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]، فمعاني العزة الثلاث كلها كاملة لله العظيم: عزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت …» (^٣).\nقال الإمام ابن القيم -﵀- في النونية:\nوَهوَ القَوِيُّ بِقُوَّةٍ هِيَ وَصْفُهُ … وَمَلِيكٌ يَقْدرُ يَا أَخَا السُّلْطَانِ\nوقال:\nوَهوَ القَوِيُّ لَهُ القُوَى جَمْعًا تَعَا … لَى اللهُ ذُو الأَكْوَانِ والسُّلْطَانِ\n_________\n(^١) المقصد الأسنى (ص: ١٢٩).\n(^٢) الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (ص: ٢٥٩).\n(^٣) الحق الواضح المبين (ص: ٤٤).","vol":"3","page":142},{"text":"ثانيًا: معنى اسم الله المتين:\nقال ابن عباس -﵄-: «قوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] الشديد» (^١).\nقال الطبري -﵀-: «اختلفت القرَّاء في قراءة قوله (المَتِين)، فقرأته عامة قرَّاء الأمصار- خلا يحيى بن وثاب والأعمش-: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] رفعًا، بمعنى: ذو القوة الشديد، فجعلوا المتين من نعت ذي، ووجهوه إلى وصف الله به … والصواب من القراءة في ذلك عندنا ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] رفعًا على أنه من صفة الله جل ثناؤه» (^٢).\nقال الأزهري -﵀- «ذو القوة المتين: ذو الاقتدار الشديد، والمتين في صفة الله تَعَالَى القوي» (^٣).\nقال الخطابي -﵀- في معنى المتين: «والمتين: الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة ولا يمسه لغوب» (^٤).\nقال الحَليمي -﵀-: «المتين: وهو الذي لا تتناقص قوته فيهن ويفتر» (^٥).\nقال ابن كثير -﵀-: «﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] أي: لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب» (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ٥٥٧).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٤٤٥).\n(^٣) تهذيب اللغة (١٤/ ٢١٨).\n(^٤) شأن الدعاء (ص: ٧٧).\n(^٥) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٩).\n(^٦) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٨).","vol":"3","page":143},{"text":"قال الشيخ السعدي -﵀-: «﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] أي: الذي له القوة والقدرة كلها …» (^١).\nاقتران اسم الله (القوي المتين) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (القوي) بأسمائه الأخرى:\n- اقترن اسم الله القوي باسمه العزيز:\nتقدم بيانه في اسم الله (العزيز).\nثانيًا: اقتران اسم الله (المتين) بأسمائه الأخرىسُبْحَانَهُ:\n- اقترن اسم الله (المتين) باسم الله (الرزاق):\nتقدم بيانه في اسم (الرزاق).\n\n<span data-type='title' id=toc-845>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله القوي المتين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-846>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القوي، المتين) من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- القوي المتين الذي بلغ الغاية في القوة والمنتهى، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] أي: شدة القوة، وشدة العزة، وشدة معاني الجبروت كلها، ومن مظاهر قوته تَعَالَى:\nأنه القوي المتين الذي قوته فوق كل قوة، بل القوى تتصاغر أمام قوته، وتتضاءل عند ذكر عظمته، ولا يثبت لها شيء مهما قوي.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨١٣).","vol":"3","page":144},{"text":"وما من مخلوق له قوة إلا والله أقوى منه، بل لا تناسب بين القوتين؛ فقوة المخلوق محدودة ببعض الشيء، وقوته سبقها عجز ويلحقها عجز كذلك، وقوته يعتريها التعب والوهن والفتور، وقوته تنزع بعض الأحيان منه، بل ولا بد لها من الفناء والزوال، إضافة إلى أنها قوة فقير يفتقر معها إلى الأعوان والجند، بل يفتقر إلى عون القوي المتين، وقوته -﵎- لا حدَّ لها، بل هو على كل شيء قدير، لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، ولا يعيه خلق شيء مهما كان، ولا يمسه نصب ولا لغوب، ولا تتناقص قوته ولا تفنى، بل لها الدوام أبدًا، ومع ذلك لا يحتاج معها إلى جند ولا مدد ولا إلى معين أو عاضد ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] (^١).\nبل إن قوة المخلوق إنما هي من آثار قوته، فجميع القوى هي له سُبْحَانَهُ، فهو الذي أودع المخلوقات ما فيها من قوة، ولو شاء لسلبها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] (^٢)، ولما اغترت عاد بقوتها، وقالت: من أشد منَّا قوة؟ ذكرهم الله بخلقه لهم ولقواهم، فقال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: شرح القصيدة النونية، للهراس (٢/ ٧٨).\n(^٢) ينظر: شرح القصيدة النونية، للهراس (٢/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٦٩)، وتفسير السعدي (ص: ٧٤٦)، وشرح القصيدة النونية، للهراس (٢/ ٧٩).","vol":"3","page":145},{"text":"وهو القوي المتين، الذي لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، بل ولا يعارضه معارض، أمره نافذ، وقضاؤه في خلقه ماضٍ، يعز من يشاء، ويذل من يشاء بلا ممانعة ولا مدافعه، فالقوة لله جميعًا، لا منصور إلا من نصر، ولا عزيز إلا من أعز، ولا قوي إلا من قوَّى (^١)، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] «أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه» (^٢).\nوهو القوي المتين، الذي له القوة في الدنيا والآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] (^٣)، ومن شواهد ذلك ما يلي:\n- أولًا: شواهد قوته سُبْحَانَهُ في الدنيا (^٤):\nخلقه للمخلوقات العلوية والسفلية، لا سيما ذات القوة والعظمة منها، كما هو الشأن في السماء التي رفعها بغير عمد ووسع أرجاءها وأنحاءها، قال تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] «أي: بقوة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والثوري، وغير واحد» (^٥)، وكالأرض وما فيها من سعة ومعالم مختلفة: جبال، وهضاب، وأودية، وبحار، وأنهار، وسهول\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٦)، وفقه الأسماء الحسنى، لعبد الرزاق البدر (ص: ١٧٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٤٧٧).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (٣/ ٢٨٣).\n(^٤) ينظر: تفسير السعدي (٥٤٦)، والحق الواضح المبين، للسعدي (٤٥ - ٤٦).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٤).","vol":"3","page":146},{"text":"ونحو ذلك، وكالمعادن والصخور والحجارة التي فيها من الصلابة والقسوة ما فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤].\nخلقه للسماوات والأرض، مع ما فيهما من عظم الخلقة في ستة أيام، من غير أن يمسه شيء من التعب أو النصب، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، إضافة إلى إمساكه لهما من الزوال من غير أن يثقله ذلك أو يشق عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nكثرة الخلق واختلاف صورهم وألسنتهم وطباعهم، والكل كخلق نفس واحدة، قال تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (^١).\nتكفله بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بحريها، وبريها، وجويها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] (^٢).\nنصرته لأوليائه، مع قلة عددهم وعُددهم، على أعدائهم الذين فاقوهم بكثرة العدد والعُدة، قالتَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٥١).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٥).","vol":"3","page":147},{"text":"قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].\nما أوقعه بالأمم المكذبين، والكفار الظالمين من أنواع العقوبات وحلول المثلات، وأنه لم يغن عنهم كيدهم ومكرهم، ولا أموالهم، ولا جنودهم، ولا حصونهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب، قال تَعَالَى عن عاد: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ عن ثمود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦] وقال عن الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢].\nوكذا في العصر الحاضر، فإن هذه القوة الهائلة، والمخترعات الباهرة التي وصلت إليها مقدرة الأمم هي من آثار قوة الله، وتعليمه إياهم ما لم يكونوا يعلمون، فمن قوة الله وآياته: أن قوَّاهم وقدَّرهم، ومخترعاتُهم لم تغن عنهم شيئًا في صد ما أصابهم من النكبات، والعقوبات المهلكة مع بذل جدهم واجتهادهم في توقي ذلك، ولكن أمر الله غالب، وقوته فوق كل قوة، وقدرته تنقاد لها عناصر العالم العلوي والسفلي.","vol":"3","page":148},{"text":"- ثانيًا: شواهد قوته سُبْحَانَهُ في الآخرة: كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، والتي منها:\nما يحصل للأجرام القوية من ضعف واضطراب، فالأرض ترجف، والجبال تتصدع حتى تكون كالعهن، ثم تدك دكًّا، فتكون هباء منبثًّا، والبحار تسجَّر، والسماء تتفطَّر، والشمس والقمر تكوَّر، والنجوم تنتثر (^١).\nبعث الخلق كلهم بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار، ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، ثم إن هذا البعث كله للأولين والآخرين في صيحة واحدة، وكأنهم نفس واحدة، فسبحان القوي المتين (^٢).\nقيام الخلق كلهم، حتى القوي الشديد، خاشعة أبصارهم، ذليلة وجوههم، خاضعة رقابهم، جاثية ركبهم، خارصة ألسنتهم عن الكلام إلا بإذنه (^٣).\nحسابه لعباده حسابًا سريعًا، مع كثرتهم وكثرة أعمالهم، وحكمه الحق فيهم، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (^٤).\nالنار وما فيها من العذاب، والتي إذا أبصرها الظالمون أيقنوا أن القوة\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥١٣، ٥٣٢).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٨١٣).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (٥١٣).\n(^٤) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٦٣).","vol":"3","page":149},{"text":"لله جميعًا، وأن أندادهم ليس فيها، ولا له من القوة شيء، لا كما اشتبه عليهم في الدنيا، وظنوا أن لها من الأمر شيئًا، وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] (^١).\nما يحدثه لأهل النار من أنواع العقاب وأهل الجنة من أنواع الثواب، وأصناف النعيم المستمر الكثير المتتابع الذي لا ينقطع، ولا يتناهى، فسبحان القوي المتين الذي لا انقطاع لقوته ولا نهاية لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-847>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القوي، المتين) على التوحيد:</span>\nإذا علم العبد أن ربه القوي المتين، وأن كل من دونه ليس له شيء من الحول ولا القوة، فلا تحول له من مرض إلى صحة، ولا من وهنٍ إلى قوة، ولا من نقصان إلى كمال وزيادة إلا بالله القوي المتين، ولا قوة له في جلب خير، ولا دفع ضر، ولا القيام بشأن من شؤونه، أو تحقيق هدفٍ من أهدافه أو غاية من غاياته إلا بالله القوي المتين (^٢)، ولا قدرة له على خلق شيء ولو كان ذبابًا أو بعوضًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]- قاده ذلك العلم إلى توحيد الله في العبادة؛ إذ كل ما سواه شأنه ما ذكر، فكيف يتخذ إلهًا يعبد؟ وكيف يجعل مثلَ الله القوي ويشرك معه؟\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٠).\n(^٢) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (١/ ٣٠٢).","vol":"3","page":150},{"text":"إلا إن عُبَّاد الأوثان كما قال تَعَالَى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] (^١)، ولربما اشتبه عليهم الأمر، ولبَّست عليهم الشياطين، فظنوا أن لأندادهم من الأمر شيئًا، أو أنها تقربهم إلى الله زلفى، فإذا كانت القيامة انكشف الغطاء وتبين لهم بطلان زعمهم وظنهم.\nفلا تدفع عنهم أندادُهم شيئًا، ولا تغني عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها، من حيث ظنوا نفعها، قال تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧] (^٢).\nوكما أن اسمي الله القوي المتين دالان على توحيد الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على توحيد الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله القدير، والعزيز، والجبار، والقهار، وذو الجلال والإكرام، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٦٨٦)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٤٥٤)، وتفسير السعدي (ص: ٥٤٦).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٠).","vol":"3","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-848>الأثر الثالث: التوكل على الله والاستعانة به:</span>\nكل إنسان عنده مطالب ومخاوف، وربما تعلق بما عنده أو عند غيره من القوة البدنية أو المالية أو النسبية أو نحو ذلك؛ لتحصيل مطلوبه أو دفع مكروهه، لكن إذا نظر لنفسه وللخلق من حوله بعين البصيرة، وجد أن الكل ولو أوتي من القوة ما أوتي فقير مسكين، ليس له من القوة ولا الحول إلا ما أعطاه الله إياه وأذن له فيه، ثم إن قوته قد تعجز عن مراده، ولربما بخلت بقضاء حاجته، وربما سعت، لكن وقفت أمامها قوة أخرى، فإذا كان هذا حال قوته، ففيما التعلق به؟!.\nثم إذا نظر من جانب آخر إلى ربه القوي المتين، وجد أنه غني لا يحتاج لإنفاذ قوته لإذن أحد ولا معونته، ثم إنه على كل مطالبه ومخاوفه قادر، وهو مع ذلك كريم لا يبخل، ولا يمكن لقوة مهما كانت أن تغلب قوته أو تدافعها أو تعارضها، فالقوة جميعًا له سُبْحَانَهُ ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥].\nفإذا حصل النَّظَران تواضع العبد لربه وخضع، وانقطع عن قلبه التعلق بقوته والاغترار بها (^١)، وكذا قوة المخاليق من حوله، وتعلق بالقوي المتين توكلًا واستعانة وتفويضًا لأمره كله، وتبرؤًا من الحول والقوة إلا به (^٢).\nوهذه حقيقة «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ إذ هي كلمة إسلام واستسلام، وتفويض والتجاء وتبرؤ من الحول والقوة إلا بالله، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، وليس له حيلة في دفع شر، ولا قوة له في جلب خير إلا بإذن الله،\n_________\n(^١) المراد: قوة نفسه.\n(^٢) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، البدر (ص: ١٨١).","vol":"3","page":152},{"text":"ولا قوة له على ترك معصية، ولا فعل طاعة إلا بالله، ولا تحوُّل له من حال إلى حال إلا بالله، فلا تحوُّل له من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا وهن إلى قوة، ولا من نقص إلى زيادة إلا بالله، ولا قوة للعبد على القيام بأي شأن من شئونه- ولو صغر- إلا بالله، فما شاء الله كان كما شاء في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدُّم ولا تأخر، وما لم يشأ لم يكن، فأزِمَّةُ الأمور بيده سُبْحَانَهُ، وأمورُ الخلائق معقودة بقضائه وقدره، يصرفها كيف يشاء ويقضي فيها بما يريد، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، فسبحان القوي المتين (^١).\nوكلمة «لا حول ولا قوة إلا بالله» كلمة إخلاص لله وحده بالاستعانة، كما أنَّ كلمةَ التوحيد «لا إله إلا الله» إخلاص لله بالعبادة، فلا تتحقق «لا إله إلا الله» إلا بإخلاص العبادة كلِّها لله، ولا تتحقَّق «لا حول ولا قوة إلاَّ بالله» إلا بإخلاص الاستعانة كلِّها لله، وقد جمع الله بين هذين الأمرين في سورة الفاتحة، أفضل سورة في القرآن، وذلك في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]،\nفالأول تبرؤٌ من الشرك، والثاني تبرؤٌ من الحول والقوة والتفويض إلى الله -﷿-، والعبادة متعلِّقة بألوهية الله سُبْحَانَهُ، والاستعانة متعلِّقة بربوبيَّته، والعبادة غاية، والاستعانة وسيلة، فلا سبيل إلى تحقيق تلك الغاية العظيمة- العبادة- إلا بهذه الوسيلة- الاستعانة بالله الذي لا حول ولا قوة إلاَّ به- (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى (٢/ ٣٩ - ٤٠)، وفقه الأدعية والأذكار (١/ ٣٠١)، وفقه أسماء الله الحسنى، للبدر (ص: ١٨١).\n(^٢) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (١/ ٣٠٣).","vol":"3","page":153},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «تأمَّلتُ أنفعَ الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]» (^١).\nوقال أيضًا: «وقول: (لا حول ولا قوة إلاَّ بالله) يوجب الإعانة؛ ولهذا سنَّها النبي -ﷺ- إذا قال المؤذِّن: حي على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقال المؤمن لصاحبه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، ولهذا يُؤمر بهذا من يخاف العين على شيء، فقوله: ما شاء الله، تقديره: ما شاء الله كان، فلا يأمن، بل يؤمن بالقدر، ويقول: لا قوة إلاَّ بالله … وذلك أنَّها تتضمن التوكُّل والافتقار إلى الله تَعَالَى، ومعلوم أنَّه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله وقدرته، وأنَّ الخلق ليس منهم شيء إلا ما أحدثه الله فيهم، فإذا انقطع القلب للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذي لا يأتي بها إلا هو … ولهذا يأمر الله بالتوكل عليه وحده في غير موضع، وفي الأثر: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ) (^٢)» (^٣).\nوإذا علم ما سبق؛ علم خطأ من يقولها حال المصائب بمنزلة الاسترجاع؛ إذ هي كلمة استعانة لا استرجاع (^٤).\n_________\n(^١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ١٠٠).\n(^٢) أخرجه الحارث في المسند، رقم الحديث: (١٠٧٠)، واللفظ له، والحاكم في المستدرك، رقم الحديث: (٧٧٠٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٩/ ٢٢٤).\n(^٤) ينظر: الاستقامة (٢/ ٨١)، وفقه الأدعية والأذكار (١/ ٣٠٣).","vol":"3","page":154},{"text":"وهذه الكلمة جليلة الشأن، كبيرة القدر، عظيمة الأثر، رغب فيها الشارع ورتب عليها الأجور العظيمة، ومن ذلك (^١):\nأن النبي -ﷺ- دل على قولها من لا يستطيع تعلم القرآن؛ فعن ابن أبي أوفى -﵄- قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، فَقَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- هَذَا لِلهِ، فَمَا لِي؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي، فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ» (^٢).\nأن عددًا من الصحابة والتابعين عدوها من الباقيات الصالحات، التي قال الله فيها: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]؛ فعن عثمان بن عفان -﵁-، أنه سُئل عن «الباقيات الصالحات» ما هي؟ فقال: «هي: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (^٣)، وعن سعيد بن المسيب، أنه قال: «الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله» (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (١/ ٢٩٥، وما بعدها)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ١٨١).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٤١٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (٨٣٢)، والنسائي، رقم الحديث: (٩٢٤)، وعبد بن حميد، رقم الحديث: (٥٢٤)، حكم الألباني: حسن، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (١٨٠٧).\n(^٣) تفسير الطبري (١٥/ ٢٧٧).\n(^٤) تفسير الطبري (١٥/ ٢٧٧).","vol":"3","page":155},{"text":"أنها سبب لتكفير السيئات؛ فعن عبد الله بن عمرو -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^١).\nأنها كنز من كنوز الجنة؛ فعن أبي موسى الأشعري -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُلْ: لَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٢).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ: أَحْسِبُهُ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ -﷿-: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ» (^٣).\nأنها غرس الجنة؛ فعن أبي أيوب الأنصاري -﵁- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَنْ مَعَكَ يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ مُرْ أُمَّتَكَ فَلْيُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ، وَأَرْضَهَا وَاسِعَةٌ، قَالَ: وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٥٩٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٨١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٠٤).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٨٨٧)، والطبراني في الدعاء، رقم الحديث: (١٦٣٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٦١٤).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٠٣٥)، وابن حبان، رقم الحديث: (٨٢١)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٣٨٩٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٠٥).","vol":"3","page":156},{"text":"أنها باب من أبواب الجنة؛ فعن قيس بن سعد بن عبادة، أنَّ أباه دفعه إلى النبي -ﷺ- يخدمه، قال: «فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ -ﷺ- وَقَدْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْن، فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^١).\nأنها سبب في تسهيل الصعاب وحمل الثقال؛ قال ابن القيم -﵀-: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- يذكر أثرًا في هذا الباب، ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش، قالوا: يا ربنا، كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوا حملوه … وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك ومن يُخاف، وركوب الأهوال» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-849>الأثر الرابع: الشعور بالعزة والنصر من القوي المتين:</span>\nاليقين باسم الله (القوي المتين) يعطي المسلم شعور بالعزة وعدم الخوف من الخلق مهما كانت قوتهم؛ لأن الكل ضعيف أمام قوة الله -﷿-، لا يملك حولًا ولا قوة.\nكما أن هذا الاسم الكريم يعطي المسلم ثقة بنصر الله للإسلام والمسلمين وكفايته لهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١] «وهذا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٧١٩)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١١٥)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨١)، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٢٦١٠).\n(^٢) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ٧٧).","vol":"3","page":157},{"text":"وعد لا يخلف ولا يغير؛ فإنه من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده» (^١).\nفلا بد أن ينتصر الإسلام والمسلمين يومًا ما، وإن عظمت قوة أعدائهم وكثر عددهم، فالله فوقهم ونواصيهم بيده، وقوتهم لا شيء في جنب قوته.\nففي يوم الأحزاب الذي اجتمع فيه أهل الكفر من كل حدب وصوب، وجمعوا من القوة ما جمعوا كل ذلك لحرب ثلة من المؤمنين لا تكفؤهم في العدد ولا العدة، ومع ذلك نصر القوي عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ورد جموع الكفر خائبة لم تنل خيرًا، قال تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] (^٢).\nإلا أنه لا بد للنصر من الأخذ بالأسباب التي من أهمها التمسك بالدين، واجتماع الكلمة، ونصرة الدين بالقول والفعل، واتخاذ العدة والقوة اللازمة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-850>الأثر الخامس: محبة الله القوي المتين:</span>\nالإنسان بطبعة جُبِل على حُبِّ مَن له الكمال والعظمة، والله -﷿- القوي المتين الذي لا حد لقوته، ولا ضعف معها، ولا عجز، ولا نصب، ولا ظلم، بل بلغ فيها غاية الكمال ومنتهاه.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٤٨).\n(^٢) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٤٠ - ٤١).","vol":"3","page":158},{"text":"فإذا تيقن العبد هذا؛ أحب الله القوي المتين غاية الحب وأعظمه، فذلك من صفات أهل الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-851>الأثر السادس: اتصاف المؤمن بالقوة:</span>\nالله -﷿- القوي المتين، ويحب من عباده القوة فيما شرع لهم من الطاعات وأباح لهم من المنافع؛ فعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (^١)، وقد أثنى رسول الله -ﷺ- على عمر بن الخطاب؛ لقوته في دين الله، فقال: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ …» (^٢).\nوالقوة تختلف في كل شيء بحسبه؛ ومن ذلك:\nالقوة في الدين: القيام بما أوجب الله على أتم الوجوه وأكملها، مع الزيادة عليها بفعل النوافل التي شرعها الله، واجتناب ما حرم الله، مع العزيمة الصادقة والحزم المتين والصبر الجميل أمام المغريات والشهوات (^٣)، قال الإمام النووي -﵀- في تفسير قول رسول الله -ﷺ-: «والْمُؤْمِنُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٦٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (١٥٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (٨٦٨).\n(^٣) ينظر: شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (٢/ ٧٧).","vol":"3","page":159},{"text":"الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» (^١): «والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس، والقريحة في شئون الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على أعداء الله، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تَعَالَى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظة عليها، ونحو ذلك» (^٢).\nالقوة في أخذ الكتاب: التي أمر الله بها يحيى، في قوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وأمر بها موسى وبني إسرائيل، في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] وأمة محمد -ﷺ- من بعدهم تكون: بالجد والاجتهاد في حفظ ألفاظ الكتاب، وفهم معانيه، والعمل بأوامره واجتناب نواهيه (^٣).\nالقوة في طلب العلم الشرعي: بالاجتهاد في تحصيله حفظًا وفهمًا وعملًا، واتخاذ الوسائل والطرائق الموصلة إلى تثبيت ودوامه واستمراره.\nالقوة في العمل الدنيوي بالقدرة على القيام به أولًا، ثم الاجتهاد في إتقانه وتكميله، مع مراعاة الأمانة وعدم الخيانة، كما قالت المرأة في وصف\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٦٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٥).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٩٠).","vol":"3","page":160},{"text":"موسى -﵇-: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] «أي: إن موسى أولى من استُؤجِر، فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجَر: من جمعهما، أي: القوة والقدرة على ما استؤجر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملًا بإجارة أو غيرها، فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما باجتماعهما، فإن العمل يتم ويكمل …». (^١)، وجاء في الحديث عن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال: (إِنَّ الله -﵎- يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ) (^٢)، وهكذا القوة في سائر الأمور.\nوليس معنى هذا: الظلم والتسلط والبطش بالضعفاء والمساكين، ومن تحت يد الإنسان من الزوجة، والولد، والعاملين، والتلاميذ، والخدم، ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] بل هذه القوة سبب لعقوبة الله وعذابه، فهذه عادٌ لما استعملت قوتها في الظلم والبغي أهلكها القوي المتين، قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦]، وقال لهم نبيهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣١] إلى أن قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦١٤).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"3","page":161},{"text":"أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤١] (^١).\nوهذا فرعون وملؤه حينما استخدموا قوتهم في تعذيب بني إسرائيل وقهرهم، كما قال سُبْحَانَهُ عن صنيعهم: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] أخذهم القوي المتين أخذ عزيز مقتدر، قال تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٠ - ٤٢]، وهكذا في كل من استعمل قوته البدنية أو المالية أو الجاهية ونحو ذلك في الظلم والبغي؛ فإن كل قويٍّ اللهُ أقوى منه، وأقدر عليه من قدرته على من ظلم؛ وقد قال النبي -ﷺ- لأبي مسعود إذ رآه يضرب غلامًا له بسوط: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ» (^٢).\nفاللهم يا قوي يا متين، لا حول لنا ولا قوة إلا بك، أَعِنَّا بعونك، وَقَوِّنَا بقوتك، وأَمِدَّنَا بمددك، وانصرنا بنصرك.\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٤١ - ٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث): ١٦٥٩).","vol":"3","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-852>المُبِيْنُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-853>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «أبان الشيء فهو مبين، وأبنته أنا: أي أوضحته، واستبان الشيء: وضح، واستبنته أنا: عرفته، والتبيين: الإيضاح، والوضوح» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(بين) الباء والياء والنون أصل واحد، وهو بعد الشيء وانكشافه، … وبان الشيء وأبان إذا اتضح وانكشف، وفلان أبين من فلان: أي أوضح كلامًا منه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-854>ورود اسم الله (المبين) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (المبين) في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تبارك تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-855>ورود اسم الله (المُبِيْنِ) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله المبين في السنة النبوية.\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٣٦١).\n(^٢) مقاييس اللغة (١/ ٣٢٨).","vol":"3","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-856>معنى اسم الله (المُبِيْنِ):</span>\nيدور معنى اسم الله (المُبِيْنِ) في حقه تَعَالَى حول معنيين:\nالأول: بيانه وظهوره سُبْحَانَهُ لكل أحد، بأدلة واضحة ظاهرة بيِّنة تدل على وجوده تَعَالَى ووحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.\nالثاني: بيان الله الحق للخلق، وإظهاره لهم بأبين طريق وأوضحه، ومن ذلك إرسال الرسل وإنزال الكتب، وكذلك الأقدار التي تبين للعبد أن الله هو الحق المبين.\nوعلى هذين المعنيين تدور أقوال العلماء، ومنها:\nقال الطبري عند قوله تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] «يعلمون يومئذٍ أنَّ الله هو الحق، الذي يُبيِّنُ لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشكُّ فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما يَعدهم في الدنيا يمترون» (^١).\nقال الخطابيُّ -﵀-: «المبين هو البَيِّنُ أمْرُهُ في الوحدانية، وأنه لا شريك له» (^٢).\nوقال الحليميُّ -﵀-: «المبين وهو الذي لا يَخْفَى …؛ لأنَّهُ له من الأفعالِ الدَّالَّةِ عليه ما يستحيلُ معها أن يخفَى» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٨/ ٨٤).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ١٠٢).\n(^٣) المنهاج (١/ ١٨٩).","vol":"3","page":164},{"text":"قال الزجاجيُّ -﵀-: «… فالله -﷿- المُبِيْنُ لعباده سبيلَ الرَّشاد، والموضِّح لهم الأعمالَ الموجبةَ لثوابه والأعمالَ الموجبةَ لعقابه، والمبينُ لهم ما يأتونه ويَذَرُونه» (^١).\nاقتران اسم الله (المُبِيْنِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\n- اقتران اسم الله (المُبِيْن) باسمه تَعَالَى (الحقِّ):\nتقدم بيانه في اسم الله (الحق).\n\n<span data-type='title' id=toc-857>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المبين):</span>\n<span data-type='title' id=toc-858>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المبين) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nإن من أعظم صفات الله -﷿- صفة البيان، فهو سُبْحَانَهُ الذي أبان لخلقه سبيل معرفته، وتوحيده، وأبان منهج الفوز بجنته ومرضاته، والنجاة من عقابه.\nوللبيان الرباني مسلكان، وهما:\nالأول: البيان بما فَطَرَ الله عليه الناسَ مِن التوحيد ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]، وبما أنزل إليهم من الكتب، يقول تَعَالَى عن القرآن: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]، وبما أرسل إليهم من الرسل، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ\n_________\n(^١) اشتقاق الأسماء الحسنى (ص: ١٨١).","vol":"3","page":165},{"text":"يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال -﷿-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].\nولذا كانت معجزات الرسل آيات بَيِّنَات؛ لتدل على صدق الرسل الذين جاءُوا بها، وصِدْق الدِّينِ الذي جاءُوا به ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، كما بيَّن الله -﷿- الحقَّ في كتبه، وعلى ألسنة رسله في الدنيا، فإنه يُبِيِّن لهم الذي اختلفوا فيه يوم القيامة، قال تَعَالَى:\n﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢].\nالثاني: البيان بالآيات الكونية الدالة عليه سُبْحَانَهُ، يقول ابن القيم -﵀-: «ومن الآيات التي في الأرض: ما يحدثه الله فيها كل وقت، ما يصدق به رسله فيما أخبرت به، فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم، وأدلة نبوتهم، يحدثها الله في الأرض؛ إقامةً للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل، حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره، كما قال تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]» (^١).\nفالله سُبْحَانَهُ بهذا التنوع والشمول البياني قد أقام الحجة على عباده كلهم، فصار هذا القرآن نبراسًا وهدىً وبيانًا لمن أراد النفع والهداية في أمر دينه ودنياه، وبه يصل المؤمن لثمار عديدة، لعل من أبرزها:\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (١/ ١٨٤)، والنهج الأسمى، للنجدي (٢/ ١٩).","vol":"3","page":166},{"text":"- تحقيق التقوى في القلوب: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].\n- التأمل والتفكر في مخلوقات الله: يقول تَعَالَى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].\n- التذكر والاتعاظ: يقول تَعَالَى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].\n- سعة العلم: يقول تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].\n- حصول الهداية: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].\n- الشكر على النعماء: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].\n- إعمال العقل بمجاله: يقول تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].\nوحريٌّ بمن عرف اسم الله (المبين) وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله إبانه الحق والهدى والتقوى، وسبل الرحمة والمغفرة.","vol":"3","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-859>الأثر الثاني: محبة المبين سُبْحَانَهُ:</span>\nإذا علم العبد أن ربه لم يتركه هملًا ولا متخبطًا تائهًا في هذه الحياة، وإنما عرَّفه بخالقه وأسمائه وصفاته، وبيَّن له الغاية من وجوده، ثم بيَّن منهج تحقيق هذه الغاية بتشريع أحكام وعبادات تحقق له الاطمئان والسعادة الأبدية، وتقوده إلى دار الكرامة التي اشتاق لها وعرف الكثير من نعيمها ودوامها، إن علم العبد هذا كله عن ربه أحبه واشتاق لرؤيته وسعى لرضاه ومرضاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-860>الأثر الثالث: تدبر كتاب الله المبين:</span>\nفهو كلام الله تَعَالَى ومن صفاته: أنه كتاب معجز مبين، يقول تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]، وقال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩].\nففي القرآن البيان البيِّن الواضح لكل ما يحتاجه البَشَر في حياتهم، بأروع عبارة وأجمل أسلوب.\nوفي القرآن بيان كل شيء من البداية إلى النهاية، حتى يستقر أهل الجنة في نعيمهم، وأهل النار في جحيمهم.\nفمعرفة الله سُبْحَانَهُ، ومعرفة أسمائه وصفاته، وما يجب له تَعَالَى وما لا يجب، والعقيدة الإسلامية، وأحكام العبادات والمعاملات، وجميع الشئون الاجتماعية، والأحوال الشخصية، وكل ما تحتاجه المجموعة البشرية، في كل","vol":"3","page":168},{"text":"زمان ومكان، وأحكام المعاد، والبعث والنشور، والحساب والجزاء والعقاب … وغير ذلك مما هو مبيَّن وموضَّح، وصدق الله تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].\nوبالقرآن تحدى الله عظماء العرب وبلغاءهم أهل البيان بأن يأتوا بمثل القرآن، في قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وفي آية أخرى تحدى الله العالمين أن يأتوا بعشر سور من مثل سور القرآن، فقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، وفي موضع آخرتحداهم بالإتيان بسورة واحدة مثل القرآن الكريم، مهما صغرت هذه السورة، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].\nفالقرآن كتاب رباني بيِّن معجز في لفظه ومعانيه وأحكامه، وبيانه من عدة وجوه:\n١ - البيان في اللفظ:\nفالقرآن نزل باللسان العربي المبين، يقول تَعَالَى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٢ - ٣]، ولأجل هذا البيان أنكر الله على المشركين اعتراضهم الذي لاوجه له، فقال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا","vol":"3","page":169},{"text":"هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، ففي هذه الآية: «يخبر تَعَالَى عن فضله وكرمه، حيث أنزل كتابًا عربيًّا، على الرسول العربي، بلسان قومه؛ ليبين لهم، وهذا مما يوجب لهم زيادة الاعتناء به، والتلقي له والتسليم، وأنه لو جعله قرآنًا أعجميًّا، بلغة غير العرب، لاعترض المكذبون، وقالوا: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] أي: هلَّا بُيِّنَت آياته، ووُضِّحت وفُسِّرت ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] أي: كيف يكون محمد عربيًّا، والكتاب أعجمي؟ هذا لا يكون!! فنفى الله تَعَالَى كل أمر يكون فيه شبهة لأهل الباطل عن كتابه، ووصفه بكل وصف يوجب لهم الانقياد، ولكن المؤمنون الموفقون انتفعوا به، وارتفعوا، وغيرهم بالعكس من أحوالهم» (^١).\n٢ - البيان في المعنى:\nيقول تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] «أي: في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية، حتى إنه تَعَالَى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب، فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تَعَالَى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة، يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (١/ ٧٥١).\n(^٢) تفسير السعدي (١/ ٤٤٦).","vol":"3","page":170},{"text":"٣ - البيان في الأحكام:\nفالقرآن بيَّن الأحكام الشرعية ومنهج اتباعها، وعاقبة من استجاب ومن خالف، ومن دلائل أهمية البيان في الأحكام: أن الله سُبْحَانَهُ لايؤاخذ عباده إلا بعد التبيين وإقامة الحجة عليهم، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥].\nيقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «إن الله تَعَالَى إذا منَّ على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تَعَالَى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم، ففي هذا دليل على كمال رحمته، وأن شريعته وافية بجميع ما يحتاجه العباد، في أصول الدين وفروعه، ويحتمل أن المراد بذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فإذا بيَّن لهم ما يتقون فلم ينقادوا له؛ عاقبهم بالإضلال؛ جزاء لهم على ردهم الحق المبين، والأول أولى» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-861>الأثر الرابع: اليقين بأن محمد -ﷺ- خير مبيِّن للدين:</span>\nفكما أن الله -﷿- هو المبين؛ فإنه لا يرسل إلا من يتصف بالقدرة على التبيين وإظهار الدين جليًّا؛ فقد وصف الله نبيه -ﷺ- بأنه مبين، كما في قوله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤]، وقوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] وغيرها من الآيات.\n_________\n(^١) المرجع السابق (١/ ٣٥٣).","vol":"3","page":171},{"text":"فرسول الله -ﷺ- أبان دين الإسلام بما لا يدع- مع بيانه- خفاءً، وبما لا يجعل الناس يجدون لغير دين الله التجاءً، وجد واجتهد لتبليغ رسالة ربه، وتحمل في سبيل ذلك أشد المشقة، وأبلغ العناء، ومن دلائل ذلك قوله: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^١)، وكان هذا البيان المحمدي مثيرًا لاستعجاب المشركين واستنكارهم، ففي الصحيح عن سلمان قال: «قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ صَاحِبُكُمْ حَتَّى يُوشِكَ أَنْ يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ، قَالَ: أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، أَوْ بِالْعَظْمِ، أَوْ بِالرَّجِيعِ، وَقَالَ: لَا يَكْتَفِي أَحَدُكُمْ دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» (^٢).\nبل إن البيان والوضوح كان من صفاته -ﷺ- الشخصية، فقد كان الصحابة يعرفون في وجهه إن كان راضيًا مسرورًا، أو كارهًا غاضبًا، فلم يكن غامضًا، ولذا كانوا يتعلمون وينهلون من قوله وفعله وصمته وإقراره، بل حتى تبسُّمِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-862>الأثر الخامس: العناية ببيان العلم وفضله:</span>\nفإن كتمان العلم خلق مذموم مطلقًا، وهو من أخلاق المغضوب عليهم، يقول الله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٤١٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٦٠٧).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة، رقم الحديث: (٨١).","vol":"3","page":172},{"text":"[النساء: ٣٦ - ٣٧]، فهم في حقيقة الأمر قد جمعوا بين أمرين ذميمين، كل منهما كاف في الشر، وهما: أنهم يبخلون، ويأمرون الناس بذلك أيضًا، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم، سواء بقولهم أو فعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها (^١)، فمن أعرض عن تبليغ ما علمه الله وتفضل به عليه فقد عارض أمر الله تَعَالَى، في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].\nيقول السعدي -﵀- في ذلك: «الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تَعَالَى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-863>الأثر السادس: دعاء الله باسمه تَعَالَى (المبين):</span>\nمن عرف اسم الله المبين دعاه والتجأ إليه، ودعاه أن يريه الحق حقًّا ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا ويرزقه اجتنابه، سواء في أمر دينه أو دنياه.\nوهذا ما فعله الفاروق -﵁- لما نزل تحريم الخمر، قال عمر -﵁-: «اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ:\n_________\n(^١) ينظر: اقتضاء الصراط، لابن تيمية (ص: ٦)، وتفسير السعدي (ص: ٨٤٢).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ١٦٠).","vol":"3","page":173},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا» (^١).\nفاللهم يا مبين، أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٠٤٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٠٤٩).","vol":"3","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-864>المُحيطُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-865>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «… وقد حاطه يحوطه حوطًا وحيطة وحياطة، أي كلأه ورعاه .... وأحاط به، أي علمه. وأحاط به علمًا» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الحاء والواو والطاء كلمة واحدة، وهو الشيء يطيف بالشيء …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-866>ورود اسم الله (المحيط) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (المحيط) في كتاب الله ثمان مرات، ومن وروده ما يلي:\n١ - قول الله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].\n٢ - وقوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].\n٣ - وقوله -﷿-: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-867>ورود اسم الله (المحيط) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله (المحيط) في السنة النبوية.\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ١١٢١).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٢٠).","vol":"3","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-868>معنى اسمِ الله (المحيط) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀-، في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]: «ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علما بجميعه، وقدرة عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه» (^١).\nوقال أيضًا في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]: «ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عباده من خير وشر، عالمًا بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرة» (^٢).\nوقال الزجاجي -﵀-: «فالله -﷿- محيط بالأشياء كلها؛ لأنها تحت قدرته، لا يمكن شيء منها الخروج عن إرادته فيه، ولا يمتنع عليه منها شيء، وقد قال الله -﷿-: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: علم كل شيء على حقيقته، بجميع صفاته فلم يخرج شيء منها عن علمه، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] قال المفسرون: تأويله: مهلك الكافرين، حقيقته أنهم لا يعجزونه ولا يفوتونه؛ فهو محيط بهم» (^٣).\nوقال الخطابي -﵀-: «المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ٤٩٥).\n(^٢) المرجع السابق (٩/ ٢٥٢).\n(^٣) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ٤٦ - ٤٧).\n(^٤) شأن الدعاء (ص: ١٠٢).","vol":"3","page":176},{"text":"وقال الحليمي -﵀-: «المحيط: ومعناه الذي لا يقدر على الفرار منه، وهذه الصفة ليست حقًّا إلا لله جل ثناؤه، وهي راجعة إلى كمال العلم ولقدرة، وانتفاء الغفلة والمعجز عنه» (^١).\nوقال القرطبي -﵀-: «أحاط علمه بكل شيء. قاله السدي، وقال الكلبي: أحاطت قدرته بكل شيء، وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به» (^٢).\nوقال ابن كثير -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]: «أي: المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وتحت طي علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن» (^٣).\nوقال السعدي -﵀-: «المحيط: بكل شيء علمًا، وقدرة، ورحمة، وقهرًا» (^٤).\nاقتران اسم الله (المحيط) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ:\nلم يقترن اسم الله المحيط بغيره من الأسماء.\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٥/ ٣٧٥ - ٣٧٦).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٨).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).","vol":"3","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-869>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المحيط):</span>\n<span data-type='title' id=toc-870>الأثر الأول: إثبات ما تضمنه اسم الله المحيط من صفات الله سُبْحَانَهُ:</span>\nالله -﷿- المحيط العالي على خلقه، فهو فوق جميع المخلوقات، مستو على عرشه، وعرشه فوق السماوات كلها، قد أحاط بالعوالم كلها، وبجميع ما فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] (^١).\nوإحاطته سُبْحَانَهُ بالعوالم وما فيها؛ من وجوه؛ منها:\n١ - إحاطة الملك:\nفالله -﷿- المحيط الذي أحاط بالسموات والأرض وما بينهما وما فيهما ملكًا، فالجميع ملكه وعبيده، لا يشذ عن ذلك أحد، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦] (^٢).\n٢ - إحاطة القهر:\nفالله -﷿- المحيط الذي أحاط بعباده قهرًا، فالكل تحت قهره وفي قبضته، يتصرف فيهم بما شاء، كيف شاء، متى شاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص: ٤١٧).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٠٦)، وفتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤١ - ٤٢).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٨).","vol":"3","page":178},{"text":"ثم إنه لا يمكن لأحد كائن من كان أن يخرج عن إرادة المحيط به، أو يمتنع منه، بل الكل مقهور مدان للمحيط القهار، نافذة مشيئته وحكمه فيه (^١)، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] «فإنه القادر عليهم، وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته» (^٢).\n٣ - إحاطة العلم:\nفالله -﷿- المحيط الذي أحاط علمه بجميع المعلومات ظاهرها وباطنها، خفيها وجليها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وأحاط سمعه بجميع الأصوات سرها وعلنها، قريبها وبعيدها، وأحاط بصره بجميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، فلا يحجبه عن خلقه ظاهر عن باطن ولا كبير عن صغير ولا قريب عن بعيد، بل هو نافذ العلم والسمع والبصر، لا يغيب عنه أحد، ولا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر منها ولا أكبر، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (^٣).\nأحاط علمه بذوات خلقه، وبصفاتهم، كما أحاط بجميع أعمالهم: الفعلية بصرًا، والقولية سمعًا، سواء أكانت خيرًا أم شرًّا، حسنة أم قبيحة، ظهرت للناظرين والسامعين أم توارت عنهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ\n_________\n(^١) اشتقاق أسماء الله الحسنى، للزجاجي (ص: ٤٦ - ٤٧)، تفسير السعدي (ص: ٢٠٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٥/ ٩١).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٤٢٤)، فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤١)، تفسير السعدي (ص ٢٠٦).","vol":"3","page":179},{"text":"وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]، لم يزل لها محصيًا، عادًا، عالمًا بها، لا تخفى عليه ولا تغيب (^١).\n٤ - إحاطة القدرة:\nفالله -﷿- هو المحيط الذي أحاطت قدرته بخلقه إحاطة تامة كاملة، لا يقدرون معها على إعجازه ولا فواته ولا الفرار منه، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩ - ٢٠]، فليس لهم ملاذ يلوذون به عنه، ولا ملجأ يلجأون إليه، بل لا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه، ولا مفر منه، بل المفر إليه، قال تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] (^٢).\nثم إن الملوك والجبابرة وإن عظمت سطوتهم، وعظم ملكهم، وكثر جندهم، واشتد جبروتهم، وتفاقم طغيانهم، فإن الله لهم بالمرصاد، قد أحاط بهم، وأحصى وراقب كل حركاتهم وسكناتهم، ليس لهم خروج عن قدرته، ولا يستطع أحد منهم أن يعجزه، بل نواصيهم بيده ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] (^٣).\n٥ - إحاطة الرحمة:\nفالله -﷿- المحيط الذي أحاط كل شيء برحمته، فالعالم العلوي والسفلي وجميع المخلوقات محاطة برحمة الرحمن الرحيم بها، أسبغ عليهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٩/ ٢٥٢).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٧٣)، تفسير السعدي (ص: ٤٦١، ٩١٩)، النهج الأسمى، للنجدي (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(^٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤١ - ٤٢).","vol":"3","page":180},{"text":"نعمه الظاهرة والباطنة، وصرف عنهم المضار والمكاره، وبها دبرهم أنواع التدبير، وصرفهم بأنواع التصريف، وبها امتلأت القلوب بالرحمة حتى حنت المخلوقات بعضها على بعض، إلى غير ذلك من آثار رحمة الله المحيطة بالخلق في الدنيا.\nثم إن رحمة المحيط أحاطت بالخلق حتى في الآخرة، بل هي في الآخرة أعظم منها في الدنيا، حتى قال -ﷺ-: «وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (^١)، وقال أيضًا -ﷺ-: «إِنَّ لِلهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢) (^٣).\n٦ - إحاطة الجزاء:\nلما كان ربنا محيطًا؛ كان جزاؤه محيطًا أيضًا:\nفجميع أعمال العباد قد أحاط بها، وأحصاها عدًّا، وعلم مقدارها، ومقدار جزائها في الخير والشر، ويجازيهم عليها أتم الجزاء، بما يقتضيه عدله ورحمته (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٢).\n(^٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣٣)، المواهب الربانية، السعدي (ص: ١٠٩ - ١١١).\n(^٤) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤١).","vol":"3","page":181},{"text":"ثم إن جزاءه محيط، فإذا نزل عذابه على قوم أحاط بهم، فلم يفت منه أحد، ولم يُبق منهم أحد، ولم ينجو إلا من أمر الله بإنجائه (^١)، ولذا قال شعيب -﵇- لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]، وقال الله في بيان إحاطة عذابه النازل بالأمم المكذبة من قوم نوح، وعاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم من المعاندين المكذبين: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] «والركز: الصوت الخفي، أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين» (^٢).\nثم إنه سُبْحَانَهُ في الآخرة محيط بخلقه، فيبعثهم جميعًا، لا يتخلف منهم أحد، ولا ينسى منهم أحدًا، ولا يمتنع منهم أحد ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].\nثم هم في موقف الحشر محاط بهم أينما ذهبوا، قد طوقتهم الملائكة سبعة صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد منهم على فرار ولا هرب (^٣) حتى يقال لهم على وجه التعجيز: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] «أي: لا تخرجون عنه إلا بقوة وتسلط منكم، وكمال قدرة، وأنى لهم ذلك، وهم لا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٨٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٥٠١).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٤٩٦).","vol":"3","page":182},{"text":"يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟! ففي ذلك الموقف لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا تسمع إلا همسًا، وفي ذلك الموقف يستوي الملوك والمماليك، والرؤساء والمرءوسون، والأغنياء والفقراء» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-871>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المحيط) على التوحيد:</span>\nلا شك أن اسم الله (المحيط) دال على كمال الله وجلاله وعظمته، فإذا تأمل العبد في هذا الكمال، ثم نظر في المعبودات من حوله، وتأمل ما فيها من المعايب والنقائص حتى في صفات كمالها، فملكهم، وقهرهم، وعلمهم، وقدرتهم، ورحمتهم وغيرها من صفات الكمال ناقصة فيهم، لا محيطة شاملة.\nأدرك بذلك أن المعبود الحق هو المتفرد بالوحدانية والمتصف بالكمال والجلال، وليس ذلك إلا لله المحيط، وأدرك- أيضًا- أن كل من دون الله ناقص لا يستحق شيء من العبودية، وبهذا يوحد ربه المحيط بالعبادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-872>الأثر الثالث: الخوف من الله (المحيط):</span>\nإن اسم الله (المحيط) يورث في قلوب العباد الخوف من الله -﷿- ومهابته وإجلاله وتعظيمه؛ إذ هو المحيط بعباده علمًا، وقدرة، وقهرًا، وملكًا، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٣٠).","vol":"3","page":183},{"text":"وقد جاءت النصوص مرغبة في الخوف من الله -﷿- بأساليب عدة، ومنها:\nالأمر بالخوف منه -﷿-، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].\nبيان أن الخوف من لوازم الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان؛ فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله» (^١).\nالثناء على صفوة الخلق بالخوف والخشية، قال تَعَالَى عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال عن رسله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].\nمدح أهل الخوف، قال تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].\nحصول النجاة من كل سوء في الدنيا والآخرة، فعن أنس -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-، قال: «وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ خَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، …» (^٢).\nتحقق الأمن يوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١٠ - ١١]\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ١٥٧).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٣١)، وأبو نعيم في الحلية، (٢/ ٣٤٣)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٨٠٢).","vol":"3","page":184},{"text":"الدخول تحت ظل العرش يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ-، قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ» (^١).\nوللخوف أسباب تعين عليه، ومنها:\nمعرفة الله بأسمائه وصفاته، فإن من عرف أن الله محيط، عظيم، عزيز، جبار، متكبر، رقيب، حسيب، قوي، متين، شديد العقاب، ذو البطش الشديد، والعذاب الأليم، وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون- خافه وحذر منه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] (^٢).\nتدبر القرآن الكريم والسنة، قال ابن القيم -﵀-: «فإذا تدبر المسلم كلام الله وسنة نبيه؛ شهد قلبه أمورًا من صفات الله وعقوباته وانتقامه، وكيف خاف الأنبياء والملائكة والصالحون، وليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر على معاني آيات الكتاب العزيز، فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل» (^٣).\nالتفكر في الذنوب والسيئات، والتقصير في الطاعات، التي نسي العباد أكثرها، والله محصيها لا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨].\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، للقاسمي (ص: ٢٩٠).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٤٥١).","vol":"3","page":185},{"text":"التفكر في الموت وما بعده من أهوال القيامة، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠].\nالتفكر في النار وشدة عذابها، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال عنها: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥].\nالدعاء بأن يُرزق العبد الخوف من الله، وقد جاء ذلك في دعاء رسول الله -ﷺ-، فقد ورد عنه دعائه: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ» (^١)، وقوله: «… اللَّهمَّ وأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ …» (^٢).\nمجالسة الصالحين والعلماء الذين يكسبون الخشية والخوف من الله، وقراءة سيرهم أيضًا، وما فيها من الخوف من الله -﷿-، وهذه بعض النماذج للسلف -﵃- في خوفهم من الله تَعَالَى:\n- عمر بن الخطاب -﵁- يقول: «لو مات جمل ضياعًا على جانب الفرات؛ لخشيت أن يسألني عنه الله يوم القيامة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٢)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٦١)، حكم الألباني: حسن، صحيح الكلم الطيب، رقم الحديث: (١٢٦٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٥)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (٢٤٩٧).\n(^٣) تاريخ دمشق، لابن عساكر (٤٤/ ٣٥٦).","vol":"3","page":186},{"text":"- عمر بن عبد العزيز -﵀- كان يقول: «إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، فتقول زوجته: اللهم أعذه من النار» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-873>الأثر الرابع: الخوف من ظلم العباد:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله «المحيط»، وما فيه من إحاطة علم الله بجميع عمله، وإحاطة قدرته به؛ خاف من أن يظلم أحدًا، أو يعتدي عليه بقول أو فعل أو ظن سوء، وحذر من ذلك أشد الحذر، لا سيما وأن لله المحيط ينتصر للمظلوم ولا يرد دعوته، قال -ﷺ-: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ؛ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ -﷿-: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (^٢).\nقال أبو الدرداء -﵀-: «وَإِيَّاكَ وَدَعَوَاتِ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُنَّ يَصْعَدْنَ إِلَى اللهِ -﷿- كَأَنَّهُنَّ شَرَارَاتُ نَارٍ» (^٣).\nوقال سفيان الثوري -﵀-: «إن لقيت الله بسبعين ذنبًا فيما بينك وبينه تَعَالَى، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد» (^٤)؛ وذلك أن حقوق الله مبنية على المسامحة فيغفر الله منها ما شاء، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، فيوفي الله أصحاب الحقوق حقوقهم ولا يترك منها شيئًا (^٥).\n_________\n(^١) سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم (ص ٤٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث (٢٥٢٦)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: ٢٥٩٢.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (١٠١٨٣).\n(^٤) تاريخ دمشق، لابن عساكر (٤٧/ ١٦٨).\n(^٥) ينظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن القيم (ص: ١٩).","vol":"3","page":187},{"text":"وهذا التأمل- أيضًا- في اسم الله «المحيط» يدعو الظالم إلى التوبة من ظلمه، ورد المظالم والحقوق إلى أهلها، والتحلل منهم، قال ابن القيم -﵀-: «وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها، واستحلالهم منها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-874>الأثر الخامس: الثقة بنصر الله المحيط:</span>\nإن الإيمان بإحاطة قدرته سُبْحَانَهُ وقهره لكل شيء، تثمر في القلب الاستهانة بقوة المخلوق من الأعداء الكفرة والمنافقين، بعد الأخذ بأسباب المدافعة لشرهم؛ لأن الله -﷿- محيط بهم وقاهرهم.\nوإذا حصلت التقوى والصبر من المؤمنين، فلن يضرهم كيد الكائدين؛ لأن الله -﷿- محيط بما يعملون ويكيدون.\nقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-875>الأثر السادس: محبة الله المحيط:</span>\nإذا تعرف العبد على اسم ربه «المحيط» وتأمل ما فيه من صفات الكمال والجلال؛ قاده ذلك إلى محبته سُبْحَانَهُ؛ إذ القلوب فطرت على محبة من له الكمال.\nثم إذا تأمل- أيضًا- ما فيه من إحاطة الله لأوليائه بالحفظ والرعاية والنصر على الأعداء؛ زاده ذلك حبًّا وتعلقًا بربه المحيط.\n_________\n(^١) المرجع السابق.","vol":"3","page":188},{"text":"ثم إذا ضم إلى هذه الصفة الكريمة صفة أخرى كالحلم والقدرة مثلًا، فتأمل كيف أن ربه المحيط أحاط بذنبه وتقصيره وسيء عمله، وهو قادر على معاجلته بالعقوبة وسلب النعمة التي عصاه بها، إلا أنه مع ذلك حلم وأمهل ولطف؛ زاده ذلك حبًّا لله -﷿-.\nفاللهم يا من أحاط سمعه بالأصوات، وأحاط بصره بالمرئيات،\nوأحاط بما تخفي الصدور، ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة.","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-876>المهَيْمنُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-877>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «المُهيمن: الشاهد، وهو من آمن غيرَهُ من الخوف، وأصله أَأْمَنَ فهو مُؤَأْمِن، بهمزتين، قُلبت الهمزة الثانية ياءً كراهةً لاجتماعهما، فصار مُأَيْمِن، ثم صُيِّرت الأولى هاء، كما قالوا: أراق الماءَ وهراقه» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «فأما المهيمن، وهو الشاهد .. إنَّما هو من باب أمن، والهاء مبدلة من همزة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-878>ورود اسم الله (المهيمن) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (المهيمن) في كتاب الله مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-879>ورود اسم الله (المهيمن) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله (المهيمن) في السنة النبوية.\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٢١٧).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ٦٣).","vol":"3","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-880>معنى اسم الله (المهيمن) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيدور معنى اسم الله «المهيمن» في حقه تَعَالَى حول أربعة معان:\nالقائم على خلقه بالرعاية والحفظ.\nالرقيب على أعمال الخلق، والشاهد عليها.\nالأمين المؤتمن على حق عباده.\nالمؤمن المصدق.\nوحول هذه المعاني الأربعة تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول والثاني:\nقال الطبري -﵀-: «وأصل (الهيمنة): الحفظ والارتقاب، يقال، إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن» (^١).\nقال ابن كثير -﵀-: «قال ابن عباس وغير واحد: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم. بمعنى: هو رقيب عليهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]» (^٢).\nقال السعدي -﵀-: «(المهيمن): المطَّلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٠/ ٣٧٧).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٨/ ٨٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٩٤٧).","vol":"3","page":191},{"text":"قال ابن عاشور -﵀-: «والمهيمن: الرقيب بلغة قريش، والحافظ في لغة بقية العرب» (^١).\nمن الأقوال في المعنى الثالث:\nقال الحليمي في قوله: «ومعناه: لا ينقص المطيعين يومَ الحساب من طاعاتهم شيئًا، … لا يزيد العصاةَ على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم، عقابًا على ما استحَقُّوه» (^٢).\nومن الأقوال في المعنى الرابع:\nقال ابن زيد -﵀-، في قوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]: «المصدق لكل ما حدث، وقرأ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، قال: فالقرآن مصدِّق على ما قبله من الكتب، والله مصدِّق في كل ما حدَّث عما مضى من الدنيا، وما بقي، وما حدَّث عن الآخرة» (^٣).\nقال الحسن البصري -﵀-: «(المهيمن) المصدق، وهو في حق الله تَعَالَى يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون ذلك التصديق بالكلام، فيصدق أنبياءه بإخباره تَعَالَى عن كونهم صادقين.\nالثاني: أن يكون معنى تصديقه لهم هو أن يظهر المعجزات على أيديهم» (^٤).\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢١).\n(^٢) الأسماء والصفات، للبيهقي (ص: ١٦٤).\n(^٣) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٤).\n(^٤) تفسير أسماء الله الحسنى، للرازي (ص: ١٤٦).","vol":"3","page":192},{"text":"من الأقوال التي تجمع بين الأقوال الأربعة:\nقال الطبري -﵀-: «اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: المهيمن: الشهيد … وقال آخرون: المهيمن: الأمين … وقال آخرون: (المهيمن): المصدق» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «المهيمن: هو الشهيد، ومنه قول الله سُبْحَانَهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، فالله -﷿- المهيمن أي: الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل، كقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\nوقيل: المهيمن، الأمين، وأصله مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء؛ لأن الهاء أخف من الهمزة …\nوقيل: المهيمن: الرقيب على الشيء، والحافظ له، وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له» (^٢).\nقال الغزالي -﵀- جامعًا بين بعض هذه المعاني-: «القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه، وكلُّ مشرف على كنه الأمر مسؤول عليه حافظ له، فهو مهيمنٌ عليه، والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء إلى كمال القدرة، والحفظ إلى العقل،\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٤).\n(^٢) شأن الدعاء (١/ ٤٦).","vol":"3","page":193},{"text":"فالجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن» (^١).\nقال ابن الأثير -﵀-: «في أسماء الله تَعَالَى (المهيمن) هو الرقيب، وقيل: الشاهد، وقيل: المؤتمن، وقيل: القائم بأمور الخلق» (^٢).\nاقتران اسم الله (المهيمنِ) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسم الله (المهيمن) باسم الله (المؤمن):\nاقترن اسم الله «المهيمن» باسمه «المؤمن»، في قوله تَعَالَى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].\nوجه الاقتران:\nقال الطاهر ابن عاشور -﵀-: «وتعقيب المؤمن بالمهيمن؛ لدفع توهُّم أن تأمينه عن ضعف، أو عن مخافة غيره، فاعلموا أن تأمينه لحكمته، مع أنه رقيب مطَّلع على أحوال خلقه، فتأمينه إيَّاهم رحمة بهم» (^٣).\nثانيًا: اقتران اسم الله (المهيمن) باسم الله (العزيز):\nاقترن اسم الله (المهيمن) باسمه العزيز في قوله تَعَالَى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر: ٢٣].\nوجه الاقتران:\nقال ابن عاشور -﵀-: «ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث- العزيز الجبار المتكبر- عقب صفة المهيمن: أن جميع ما ذكره آنفًا من الصفات، لا\n_________\n(^١) المقصد الأسنى (ص: ٧٢).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٧٥).\n(^٣) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢٢).","vol":"3","page":194},{"text":"يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم، وإصلاح أمورهم، وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك؛ فَعُقِّبَتْ بصفة العزيز؛ ليعلم الناسُ أن الله غالب لا يُعجزه شيء … فكانت هذه الصفات في جانب التخويف، كما كانت الصفات قبلها في جانب الإطماع» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-881>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المهيمن):</span>\n<span data-type='title' id=toc-882>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المهيمن) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله تَعَالَى «المهيمن» الذي لا يخرج شيء عن هيمنته، فالسماء والأرض ومن فيهما صغر أو كبر، دقَّ أو جلَّ، الكل تحت هيمنته جل في علاه ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] هيمنة القيام والحفظ، وهيمنة الرقابة والشهادة، وهيمنة الأمن والتصديق.\nفهو المهيمن القيوم (^٢) الذي قام على الخلائق خلقًا ورزقًا وتدبيرًا وتصريفًا، فبهيمنته أقام السموات والأرض فثبتت ولم تزل، وبهيمنته أقام كل نفس من إنس وجن وغيرهما من سائر الدواب، فقلب الجنين خلقًا بعد خلق في ظلمات ثلاث، يحيل الدَّمَ نطفةً، والنطفةَ علقةً، والعلقةَ مضغةً، والمضغةَ عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخَرَ، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.\nوبهيمنته أقام للمكلفين الأديان؛ فأرسل الرسل وأنزل الكتب، ولم يترك عباده سدًى، ولم يدعهم هملًا، بل وضع لهم الشرائع التي تنظم سلوكهم،\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢٨/ ١٢٣).\n(^٢) للاستزادة، يراجع اسم الله الحي القيوم.","vol":"3","page":195},{"text":"وترسم لهم الحدود التي يسيرون فيها، ولا يتجاوزونها في أعمالهم ومعاملاتهم وعقائدهم.\nوهو المهيمن الحفيظ (^١) الذي عم خلقه بحفظه، فبهيمنته حفظ السماء من أن تقع على الأرض، وبهيمنته حفظ الأرض من الاضطراب والميد بأهلها، وبهيمنته حفظ أهلها بما يسر من الأرزاق والأقوات لهم، وحفظهم من أصناف الشرور والمضار بما قيض من أسباب حفظهم.\nوهو المهيمن الرقيب الشهيد (^٢) الذي اطلع على جميع الأشياء، وأحاط بها علمًا، ظاهرًا وباطنًا، فبهيمنته رقب الخفيَّات والجليَّات، والماضيات والمستقبَلات، وبهيمنته رقب جميعَ الأصوات؛ سرها وجهرها، وبهيمنته رقب جميع الموجودات؛ دقيقها وجليلها، وصغيرها وكبيرها، لا يحجبه من خلقه ظاهر عن باطن، ولا كبير عن صغير، ولا قريب عن بعيد.\nوبهيمنته شهد أعمال العباد فأحصاها، وعلم مقاديرها، ومقدار جزائها خيرها وشرها، ثم يشهد عليهم بما عملوه ويفصل بينهم يوم الدين (^٣).\nوهو المهيمن الأمين الذي لا يضيع عنده حق عباده، فلا ينقصهم شيئًا من حسناتهم، ولا يزيدهم شيئًا من السيئات، بل هم آمنون من ذلك.\nقال الحليمي -﵀- في اسم الله «المهيمن»: «لا ينقص المطيعين يومَ الحساب من طاعاتهم شيئًا، فلا يُثيبهم عليه؛ لأن الثواب لا يُعجزه ولا هو مستكْرَهٌ عليه، فيضطر إلى كتمان بعض الأعمال أو جحدها، وليس ببخيل\n_________\n(^١) للاستزادة، يراجع اسم الله الحافظ الحفيظ.\n(^٢) للاستزادة، يراجع اسم الله الرقيب والشهيد.\n(^٣) ينظر: فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٣٥ - ٣٦).","vol":"3","page":196},{"text":"فيحمله استكثارُ الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان بعضها، ولا يلحقه نقصٌ بما يثيب فيحبس بعضه؛ لأنه ليس منتفعًا بملكه حتى إذا نفع غيره به زال انتفاعُهُ عنه بنفسه، وكما لا ينقص المطيعَ من حسناته شيئًا، لا يزيد العصاةَ على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم عقابًا على ما استحَقُّوه؛ لأن واحدًا من الكذب والظلم غير جائز عليه، وقد سمَّى عقوبة أهل النار جزاءً، فما لم يقابل منها ذنبًا لم يكن جزاءً، ولم يكن وفاقًا» (^١).\nوهو المهمين المؤمن (^٢) الذي صدق رسله بما أنزل من كتب وأظهر من معجزات، وصدق كتبه بالقرآن، وجعله مهيمنًا على سائرها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].\nفـ «جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، وأشملها وأعظمها وأحكمها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-883>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المهيمن) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]؛ وجد أن الله -﷿- وصف من يستحق\n_________\n(^١) الأسماء والصفات، للبيهقي (ص: ١٦٤).\n(^٢) للاستزادة يراجع اسم الله «المؤمن».\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ١٢٨).","vol":"3","page":197},{"text":"العبادة بصفات الكمال والجلال التي منها الهيمنة، وهذه الصفات لا تكون إلا له سُبْحَانَهُ، فإنها وإن وجدت في مخلوق فلا توجد مجتمعه، كما أنها لا توجد على صورة الكمال بل فيها من النقائص والمعايب ما فيها.\nوبهذا يعلم أنه لا أحد كائن من كان يستحق من العبادة مثقال ذرة، وإنما هي خالصه له -﷾- عما يشركون (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-884>الأثر الثالث: الإيمان بهيمنة القرآن:</span>\nامتن الله -﷿- على أمة محمد -ﷺ- بالقرآن، وجعله مهيمنًا على سائر الكتب المتقدمة، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، وذلك يعني:\n١ - أنه أمين على كل كتاب قبله وحافظ له؛ وذلك بحفظه لأصول ما في تلك الكتب من عقائد وشرائع، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\n٢ - أنه شاهد على الكتب قبله؛ وذلك من جهة:\nأ - شهادته عليها بالصحة والثبات، كما قال تَعَالَى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٥٤).","vol":"3","page":198},{"text":"بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾\n[آل عمران: ٣ - ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].\nب - شهادته على أصولها بالصدق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾\n[فاطر: ٣١].\nت - شهادته على ما وقع من أصحابها من تحريف وتبديل وإعراض عن العمل بها، كما قال تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦].\n٣ - أنه حاكم عليها بإقرار بعض ما فيها من الشرائع التي مصلحتها كلية لم تختلف باختلاف الأمم والأزمان، كالصوم، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وناسخ لبعض ما فيها من الشرائع التي مصلحتها جزئية مؤقته، مراعى فيها أحوال أقوام معينين (^١).\nقال الطبري -﵀-: «﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمد، مصدِّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٢٧)، تفسير السعدي (ص: ٢٣٤)، التحرير والتنوير، لابن عاشور (٦/ ٢٢٢)، مجلة البحوث الإسلامية (٢١/ ٣١٧ - ٣١٨)،\n(^٢) تفسير الطبري (١٠/ ٣٧٧).","vol":"3","page":199},{"text":"وإنما كانت هذه المنزلة لهذا الكتاب العظيم:\nلأنه «قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين- أيضًا- ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب» (^١).\nولأن الله تكفل بحفظه، فلا يصير إليه النسخ ألبتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وبهذا تكون شهادته على الكتب السابقة باقية أبدًا، فيبقى العلم بها ببقائه (^٢).\nفإذا تبين هذا؛ فليعلم العبد أن من الإيمان بالقرآن: الإيمان بهيمنته، وهذا الإيمان واليقين يورث في النفس تعظيمه وإجلاله والفرح به أعظم الفرح، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨].\nكما أنه يثمر العمل والحكم به وتحكيمه ورفض ما سواه من أحكام وأهواء، كما نبه الله -﷿- على ذلك، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٤).\n(^٢) ينظر: تفسير الرازي (١٢/ ٣٧١).","vol":"3","page":200},{"text":"لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-885>الأثر الرابع: الرضى بقضاء المهيمن:</span>\nإذا آمن العبد أن ربه المهيمن القائم على أمره بالرعاية والتدبير والتصريف؛ أورثه ذلك الرضى بما يقضيه ويقدره عليه خيره وشره؛ لعلمه أن هيمنته إنما هي عن رحمة وعلم وحكمة، ففيها الخير والصلاح له ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nفهذه عائشة -﵂- تقول: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ، أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٦٧).","vol":"3","page":201},{"text":"وهذه امرأة سوداء لبعض العرب، أعتقها أهلها، فكانت تأتي للمسجد فتتحدث عند النساء، فإذا فرغت من حديثها قالت:\nوَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي\nفلما أكثرت من ذلك قالت لها عائشة -﵂-: وما يوم الوشاح؟ قالت: خرجت جويرية لبعض أهلي، وعليها وشاح أحمر، فسقط منها، فانحطت عليه الحديا وهي تحسبه لحمًا، فأخذته فاتهموني به، فعذبوني، حتى بلغ من أمري أنهم طلبوا في قبلي، فبينا هم حولي وأنا في كربي، إذ أقبلت الحديا حتى وازت برؤوسنا ثم ألقته، فأخذوه، فقلت لهم هذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، وجاءت إلى رسول الله -ﷺ- فأسلمت» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-886>الأثر الخامس: مراقبة الله المهيمن </span>(^٢):\nإذا تقرر عند العبد أن ربه المهيمن مطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، وظاهر الأقوال والأفعال، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] شاهد عليها وعلى خلقه بما صدر منهم لا يضل ولا ينسى، ولا يغفل عن شيء منها ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]، أثمر ذلك في نفسه مراقبة «المهيمن» -﵎-، فيرقب قوله وفعله وخطره وفكره؛ حذرًا من مشاهدة المهيمن له وقد واقع ما لا يرضيه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٩).\n(^٢) للاستزادة يراجع ملحق (المراقبة).","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-887>الأثر السادس: الثقة بالمهيمن:</span>\nإذا تيقن العبد أن ربه المهيمن بيده كل شيء، يصرفه كيف شاء، وثق بربه في قضاء حوائجه، وفوض أمره إليه مطمئنًا ساكنًا، فلا قلق ولا تعلق بالخلق رجاء ولا خوفًا.\nفهذا إبراهيم -﵇- جمع قومه الحطب، وأطلقوا فيه النيران، فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط، ثم وضعوا إبراهيم -﵇- في كفة منجنيق، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه، حتى إذا تم الوضع ألقوه إلى النار، فعرض له جبريل في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وقال واثقًا بربه مفوضًا أمره إليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾» (^١).\nوهذه أم موسى تلقي وليدها في اليم؛ امتثالًا لأمر ربها، وثقة بوعده: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فدبر المهيمن الأمور ورده إليها: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٢ - ١٣].\nوهذا رسول الله -ﷺ- ينزل واديًا مع أصحابه، فيأخذ كل واحد منهم مكانه، وينام رسول الله -ﷺ- تحت شجرة ويعلق سيفه بغصن من أغصانها، فيأتيه رجل بيده السيف، فلم يشعر رسول الله -ﷺ- إلا\n_________\n(^١) البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٤٦).","vol":"3","page":203},{"text":"والسيف صلتًا في يده، فقال له: من يمنعك مني؟ فقال رسول الله -ﷺ-: اللهُ، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ فقال: اللهُ، فشام (^١) الأعرابي السيف» (^٢).\nأَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ قُلْتُ: اللهُ فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ. ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْه.\nقال ابن حجر -﵀-: «وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح وأمكن من نفسه» (^٣).\nوفي غزوة الأحزاب، ضرب الكفار على المسلمين حصارًا عسكريًّا مهيبًا، قال الله عنه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١] فما كان من المؤمنين إلا أن قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، فرد الله الأحزاب بغيظهم، لم ينالوا خيرًا، وكفى المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا مهيمنًا.\n_________\n(^١) أي: أغمد السيف. فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩١٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٨٤٣).\n(^٣) فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤٢٧).","vol":"3","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-888>الأثر السابع: محبة الله تَعَالَى المهيمن:</span>\nإذا علم العبد أن ربه المهيمن -﷿- قائم على خلقه رعايةً ورزقًا وحفظًا، وتدبيرًا وتصريفًا لأمورهم، على وفق ما تقتضيه حكمته -﷿-؛ أورثه ذلك محبته -﵎- والتقرب إليه بالطاعات والقربات؛ تعبدًا له -﷿-، وحبًّا والتماسًا لمرضاته، وشكرًا له على نعمائه وأفضاله وإحسانه.\nفاللهم يا مهيمن، تولَّ أمرنا واجْبُر كسرنا، واحفظنا بحفظك\nالذي لا يُرام، واكلأنا بعينك التي لا تنام.","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-889>المؤْمنُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-890>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «(أمن) الأمان والأمانة بمعنًى، وقد أَمِنْتُ فأنا آمِنٌ. وآمَنْتُ غيري، من الأمن والأمان، والإيمان: التصديق، والله تَعَالَى المؤمن؛ لأنه آمَن عبادَه من أن يظلمهم … والأمن: ضد الخوف، والأَمَنَةُ بالتحريك: الأَمْنُ، ومنه قوله -﷿-: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(أمن) الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما: الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر: التصديق … وأما التصديق فقول الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق لنا، وقال بعض أهل العلم: إن المؤمن في صفات الله تَعَالَى هو أن يصدق ما وعد عبده من الثواب، وقال آخرون: هو مؤمن لأوليائه يؤمنهم عذابه ولا يظلمهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-891>ورود اسم الله (المؤمن) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (المؤمن) مرة واحدة في القرآن الكريم، وهي:\nقول الله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ﴾ [الحشر: ٢٣].\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ٢٠٧١ - ٢٠٧٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (١/ ١٣٣ - ١٣٥).","vol":"3","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-892>ورود اسم الله (المؤمن) في السنة النبوية:</span>\nلم يَرد اسم الله (المؤمن) في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-893>معنى اسم الله (المؤمن) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيدور معنى اسم الله (المؤمن) في حق الله على معنيين، وهما:\nالمصدق.\nالمؤَمِّن غيره.\nوحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال مجاهد -﵀-: «(المؤمن) الذي وحد نفسه بقول: شهد الله أنه لا إله إلا هو» (^١).\nقال قتادة -﵀-: «أمن بقوله: إنه حق» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «أصل الإيمان التصديق والثقة … ويقال: إنما سمى الله نفسه مؤمنًا؛ لأنه شهد بوحدانيته، فقال تَعَالَى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] كما شهدنا نحن» (^٣).\nقال الزجاجي -﵀-: «المؤمن من الإيمان، وهو التصديق، فيكون ذلك على ضربين: أحدهما: أن يقال: (الله المؤمن)، أي: مصدق عباده\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٨/ ٤٦).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٢).\n(^٣) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣١ - ٣٢).","vol":"3","page":207},{"text":"المؤمنين، أي: يصدقهم على إيمانهم، فيكون تصديقه إياهم قبول صدقهم وإيمانهم وإثابتهم عليه، والآخر: أن يكون الله المؤمن، أي: مصدق ما وعده عباده» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «(المؤمن): أصل الإيمان في اللغة: التصديق، فالمؤمن: المصدِّق، وقد يحتمل ذلك وجوهًا:\nأحدها: أنه يَصْدُقُ عبادَه وعدَه، ويفي بما ضمِنه لهم من رزق في الدنيا، وثواب على أعمالهم الحسنة في الآخرة.\nوالوجه الآخر: أنه يصدق ظنون عباده المؤمنين، ولا يُخيِّب آمالَهم، كقول النبي -ﷺ- فيما يحكيه عن ربه- جل وعز-: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (^٢)، وقيل: بل المؤمن: الموحِّدُ نفسَه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]» (^٣).\nقال القرطبي -﵀-: «(المؤمن) أي: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀-: «المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه، وشهد لهم\n_________\n(^١) اشتقاق أسماء الله (ص: ٢٢١ - ٢٢٣).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٢٦٣)، وابن حبان، رقم الحديث: (٦٣٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٣٣).\n(^٣) شأن الدعاء (ص ٤٥ - ٤٦).\n(^٤) تفسير القرطبي (١٨/ ٤٦).","vol":"3","page":208},{"text":"بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاء وخلقًا» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به، بالآيات البينات، والبراهين القاطعات، والحجج الواضحات» (^٢).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال ابن عباس -﵄-: «أمَّن خلقه من أن يظلمهم» (^٣).\nقال الطبري -﵀-: «(المؤمن) يعني بالمؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه» (^٤).\nقال الزجاج -﵀-: «ويقال: إنه في وصف الله تَعَالَى يفيد أنه الذي أمن من عذابه من لا يستحقه» (^٥).\nقال الزجاجي -﵀-: «من الأمان أي: يؤمن عباده المؤمنين من بأسه وعذابه، فيأمنون ذلك، كما تقول: (آمن فلان فلانًا)، أي: أعطاه أمانًا ليسكن إليه ويأمن» (^٦).\nقال الخطابي -﵀-: «وقيل: بل المؤمن: الذي آمن عبادَه المؤمنين في القيامة من عذابه، وقيل: هو الذي آمن خَلْقَهُ مِن ظُلمه» (^٧).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٤٣٢).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٨٥٤).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، (١/ ١٠٧).\n(^٤) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠٢ - ٣٠٤).\n(^٥) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٣١ - ٣٢).\n(^٦) اشتقاق أسماء الله (ص: ٢٢١ - ٢٢٣).\n(^٧) شأن الدعاء (ص ٤٥ - ٤٦).","vol":"3","page":209},{"text":"قال القرطبي -﵀-: «(المؤمن) … وقيل: المؤمن الذي يؤمن أولياءه من عذابه، ويؤمن عباده من ظلمه» (^١).\nقال ابن عاشور -﵀-: «والمؤمن اسم فاعل من آمن الذي همزته للتعدية، أي: جعل غيره آمنًا، فالله هو الذي جعل الأمان في غالب أحوال الموجودات» (^٢).\nاقتران اسم الله (المؤمن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nاقترن اسم المؤمن سُبْحَانَهُ باسم الله «السلام»، و«المهيمن» في قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\nوجه الاقتران:\nقال ابن عاشور -﵀-: «وذِكْر وصف المؤمن عقب الأوصاف التي قبله إتمام للاحتراس من توهُّم وصفه تَعَالَى بالمَلك، أنه كالملوك المعروفين بالنقائص. فَأُفِيدَ أولًا: نزاهة ذاته بوصف القدوس، ونزاهة تصرفاته المغيبة عن الغدر والكيد بوصف المؤمن، ونزاهة تصرفاته الظاهرة عن الجور والظلم بوصف السلام … وتعقيب المؤمن بالمهيمن؛ لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة غيره، فاعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه، فتأمينه إياهم رحمة بهم» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٨/ ٤٦).\n(^٢) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢١).\n(^٣) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٢٠، ١٢٢).","vol":"3","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-894>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المؤمن):</span>\n<span data-type='title' id=toc-895>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المؤمن) من صفات:</span>\nالله -﷿- المؤمن الذي صدق نفسه وصدق غيره، وهو المؤمن الذي جعل غيره آمنا، فجاءت أوجه تصديقه، وأوجه تأمينه كثيرة متنوعة، وبيانها على النحو الآتي:\nأولًا: أوجه تصديقه، منها:\nالمصدق للحق بإحقاقه وإظهاره واستمراره، وزوال الباطل واضمحلاله، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وضرب المثل لهما بقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].\nومن تصديقه للحق:\n- تصديق نفسَهُ بالتوحيد، كما قال تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وجاء في حديث أبي هريرة وأبي سعيد -﵄-، أنهما شهدا على النبي -ﷺ- أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي","vol":"3","page":211},{"text":"لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ» (^١).\nفشهد سُبْحَانَهُ لنفسه بالتوحيد، وصدَّق ذلك بما أقام من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، ونوَّع في الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم (^٢).\n- تصديقه لكتابه بما يقيم من الدلائل على صدقه، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٢ - ٥٣]، قال الشيخ السعدي -﵀-: «﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المكذبين بالقرآن المسارعين إلى الكفران ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من غير شك ولا ارتياب، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ … فإن قلتم، أو شككتم بصحته وحقيقته، فسيقيم الله لكم، ويريكم من آياته في الآفاق كالآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه الله تَعَالَى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ مما اشتملت عليه أبدانهم، من بديع آيات الله وعجائب صنعته، وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٣٠) واللفظ له، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٧٩٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٣٩٠).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٤).","vol":"3","page":212},{"text":"المكذبين، ونصر المؤمنين ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ من تلك الآيات، بيانًا لا يقبل الشك ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وما اشتمل عليه حق» (^١).\n- تصديقه رسله وأنبيائه وأتباعهم، بما يظهر من الدلائل الدالة على صدقهم، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، قال السعدي -﵀-: «وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته» (^٢).\nوهذه الدلائل والبينات متنوعة، فقد تكون آية خارقة للعادة يجريها على أيديهم، كالناقة التي أخرجها من الصخرة آية لنبيه ورسوله صالح -﵇-، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، وما أجراه على يدي نبيه ورسوله موسى -﵇-، قال تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٠ - ١٢]، وكذلك عيسى ومحمد -ﷺ- وغيرهم من الرسل والأنبياء، وإلى غير ذلك من الدلائل التي يصدق الله بها أولياءه.\n٢ - المصدق لعباده المؤمنين ما وعدهم به من النصر في الدنيا والتمكين في الأرض، والمصدق الكافرين ما وعدهم به من الخزي والخذلان، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]،\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ٧٥٢).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٨٤٢).","vol":"3","page":213},{"text":"وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].\nوعن أبي بن كعب -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ، وَالنَّصْرِ وَالرِّفْعَةِ فِي الدِّينِ، وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ» (^١).\n٣ - المصدق لعباده ظنونهم وأمالهم به، كما في حديث أبي هريرة -﵁-: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» (^٢)، وفي رواية: «إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» (^٣).\n٤ - المصدق عبادَه المؤمنين بما يجيبون به عند السؤال؛ ففي يوم القيامة يُسأل الجميع عن عملهم، كما قال تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، فيصدق أهل الإيمان بما يجيبون به، ويُكَذِّبُ الكفرةَ والمجرمين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: ١١٥٣)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٦٤١٦)، والحاكم، رقم الحديث: (٢١٦١٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٨٢٥).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩١٩٩)، وابن حبان، رقم الحديث: (٦٣٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٦٣).","vol":"3","page":214},{"text":"مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤]، ويستنطق الجوارح لتشهد عليهم بأعمالهم، كما قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥].\n٥ - المصدق عباده المؤمنين ما وعدهم به من الثواب في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]، والمصدق الكافرين ما وعدهم به من العذاب والنكال في الآخرة أيضًا، قال تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] (^١).\nثانيًا: أوجه تأمينه، منها:\n١ - المؤمن سُبْحَانَهُ لجميع خلقه، بسوق ما يأمن لهم بقاء حياتهم إلى الأجل الذي أجَّل لهم من الأرزاق، وجلب المنافع، ودفع الشرور والأضرار، حتى أنه سُبْحَانَهُ وكَّل بهم حفظة من الملائكة يحفظون أبدانهم وأرواحهم ممن يريدهم بسوء، قال تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] (^٢).\nوقد أشار إبراهيم الخليل -﵇- إلى هذا الأمن، وأن الله سُبْحَانَهُ وحده هو واهب الأمن للعباد، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] فآمن\n_________\n(^١) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٢٥ - ١٢٦)، فقه الأسماء الحسنى (٢٠٥ - ٢٠٨).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٤١٤).","vol":"3","page":215},{"text":"بالهداية، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] فآمن بالرزق، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] فآمن بالصحة.\n٢ - المؤمن سُبْحَانَهُ للخائفين بإعطائهم الأمان والاطمئنان، كما قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] لا سيما من التجأ إليه ولاذ به وأقبل عليه، قال ابن القيم -﵀-: «والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه: وجده رحيمًا مغيثًا، والخائف إذا صدق في اللجوء إليه: وجده مُؤمِّنًا من الخوف» (^١).\n٣ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده المنقادين لشرعه، بما شرع لهم من الأحكام والحدود التي يأمنون فيها على دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم سواء على مستوى الفرد، أو الأسرة، أو المجتمع بحيث يعيش الجميع في أمن وسلام في ظل أحكام الله -﷿-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\n٤ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده المؤمنين، بما يجعل في نفوسهم من الراحة والطمأنينة والأنس إذا أقبلوا عليه، قال تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، قال ابن كثير -﵀-: «والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت» (^٢)، وقال السعدي -﵀-: «بطمأنينة قلبه وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقًا حلالًا طيبًا من حيث لا يحتسب» (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٣٠٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٦٠١).\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٤٤٩).","vol":"3","page":216},{"text":"٥ - المؤمن سُبْحَانَهُ لعباده من أن يظلمهم، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، فلا يظلم أحدًا بأن ينقص من حسناته شيئًا، أو يزيد في سيئاته شيئًا، ولو كان مثقال الذر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، بل أنه سُبْحَانَهُ حتى الكافر يثيبه على حسناته، فيعجل ثوابه في الدنيا، كما قال -ﷺ-: «إنَّ الله لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (^١).\nومن تمام تأمينه لعباده من الظلم وضع الموازين يوم القيامة لتوزن بها الأعمال، قال تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. (^٢)\n٦ - المؤمن سُبْحَانَهُ لأهل توحيده وطاعته من المخاوف والعذاب والشقاء، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].\nيؤمنهم في الدنيا ويطمئن قلوبهم ويشرح صدورهم، ويؤمنهم عند نزول الموت بهم بما يرسل من ملائكة الرحمة تثبتهم وتبشرهم، كما قال تَعَالَى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، تتنزل عليهم مرة بعد أخرى مزيدًا في الأمن\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٤).","vol":"3","page":217},{"text":"والاطمئنان (^١)، «وتقول لهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ على ما يستقبل من أمركم، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فإنها قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولًا» (^٢).\nوفي حديث البراء -﵁-: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّة، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ -﵇-، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ»، قَالَ: «فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ» (^٣).\nويؤمنهم في أرض المحشر من أهوال القيامة وشدائدها: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فلا يقلقون ولا يحزنون إذا فزع الناس أكبر فزع في ذلك اليوم العظيم، بل وتستقبلهم الملائكة بالتهاني قائلين: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فليهنكم ما وعدكم الله، وليعظم استبشاركم، بما أمامكم من الكرامة، وليكثر فرحكم وسروركم، بما أمنكم الله من المخاوف والمكاره (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٧٤٨).\n(^٢) المرجع السابق.\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٥٣٤)، وهناد في الزهد، رقم الحديث: (٣٣٩)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (١٦٣٠).\n(^٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣١).","vol":"3","page":218},{"text":"ويؤمنهم من النار وحرها، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢].\nوهذا الأمن يختلف باختلاف ما معهم من التوحيد والتقوى «فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقًا، لا بشرك، ولا بمعاص؛ حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-896>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المؤمن) على التوحيد:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله المؤمن وما فيه من تصديق الله للتوحيد بشهادته عليه كما في قوله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وإقامته للحجج والبراهين والأدلة النقلية والعقلية عليه، ونصرته لمن قام به ولو كان ضعيف العدة والعتاد، وخذلانه للشرك وأهل الإشراك وإيقاعه ألوان العقوبات عليهم، ووعده لأهل التوحيد بالأمن في الدارين- ساقه ذلك كله لتوحيده وإخلاص العبودية له وحده لا شريك له (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"3","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-897>الأثر الثالث: لا يجمع المؤمن سُبْحَانَهُ لعبده أمنين ولا خوفين:</span>\nمن تأمين الله لعباده ألا يجمع عليهم الخوف في الدارين، بل من خاف في الدنيا وعمل بطاعته أمنه مما يخاف يوم القيامة، ومن أمن في الدنيا من مكر الله وعمل بمعاصيه أخافه الله يوم القيامة، كما جاء في الحديث، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- يروي عن ربِّه -﷿-، قال: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).\nوالخوف من الله عبادة قلبية، عظم الله شأنها ورفع منزلتها، فحث عليها في كتابه وجعلها شرطًا للإيمان به سُبْحَانَهُ، فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ومدح أهل خوفه وخشيته، وأثنى عليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].\nوسَألتْ عائشةُ -﵂- النبيَّ -ﷺ- عن قول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لَا، يَا بُنَيَّةَ أَبِي بَكْرٍ - أَوْ: لَا يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ - وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ» (^٢)، قال الحسن: «عملوا- والله-\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان، رقم الحديث: (٦٤٠)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٥٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٦٦٦).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٢٦٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١٧٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٩٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٢).","vol":"3","page":220},{"text":"بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُرَدَّ عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً، والمنافق جمع إساءَةً وأمنًا» (^١).\nورغَّب سُبْحَانَهُ في الخوف منه بما أعد لأهلها من الجزاء في الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].\nفعلى المسلم أن يحرص على تحقيق هذه العبادة العظمية، وأن يجمع معها المحبة، والرجاء؛ فإن القلب- في سيره إلى الله -﷿- بمنزلة الطائر، «فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فقد أصبح عرضة لكل صائد وكاسر» (^٢)، والاقتصار على واحد من هذه الأمور الثلاثة- دون الباقي- انحراف عن الجادة، وخلل في السلوك.\nوأما تغليب أحدها على الآخر، فاستحبه السلف في بعض المواضع، فمثلًا: استحبوا أن يُغلَّبَ في حال الصحة جانبُ الخوفِ على جانب الرجاء؛ لأن العبد لا يزال في ميدان العمل، وهو بحاجة إلى ما يسوقه للعمل، وأما في حال الضعف والخروج من الدنيا؛ يغلب جانب الرجاء؛ ليموت محسنًا الظن بربه، ممتثلًا قوله -ﷺ-: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ -﷿-» (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٥٠٧).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٥١٣).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٧٧).","vol":"3","page":221},{"text":"والخوف من الله، منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم؛ فالخوف المحمود هو: ما حال بين صاحبه، وبين محارم الله -﷿-، فليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يُعاقَبَ عليه، ومنه: قَدْرٌ واجب ومستحب؛ فالواجب منه: ما حمل على أداء الفرائض، واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في النوافل، والبعد عن المكروهات، وعدم التوسع في فضول المباحات، كان ذلك مستحبًّا، فإن زاد على ذلك، بحيث أدَّى إلى اليأس والقنوط والمرض، وأقعد عن السعي في اكتساب الفضائل كان ذلك هو الخوف المحُرَّم.\n\n<span data-type='title' id=toc-898>الأثر الرابع: محبة الله المؤمن:</span>\nالله -﷿- هو المؤمن سُبْحَانَهُ «الذي يأمن الخائفون في كَنَفه، ويطمئن المؤمن بالإيمان به وعبادته وحده، فلا يخاف أحدٌ ظُلْمَهسُبْحَانَهُ، بل إن رحمته سبقت غضبه، ورحمته وسعت كل شيء، فيحصل مِن جرَّاء ذلك الأمنُ النفسيُّ، والسعادة القلبية، والتعلُّق بالله وحده، ومحبته وإجلاله، وكثرة ذِكره وشكره، واللجوء إليه وحده سُبْحَانَهُ في طلب الأمان، وذهاب الخوف والفزع في الدنيا والآخرة؛ لأنه لا يملك تثبيت القلوب، وفتح الرحمة والأمان عليها إلا الله تَعَالَى، قال -﷿-: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]».","vol":"3","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-899>الأثر الخامس: أسباب نيل الأمن في الآخرة:</span>\nالله المؤمن سُبْحَانَهُ الذي يؤمن عباده في الدارين، وأعظم ما يكون الأمن يوم الفزع الأكبر إذا وقعت الساعة، ورجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال، واندكت، وتفطرت السماء وانفطرت، وتكورت الشمس والقمر، وتنثرت النجوم، وكان من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب، وتوجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] أذهب العقول، وفرغ القلوب، وملأها فزعًا وهلعًا، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وعظ الظالم على يديه قائلًا: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]، ﴿يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨]، ونصبت الموازين التي يوزن بها مثاقيل الذر من الخير والشر، ونشرت صحائف الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيات من صغير وكبير، ونصب الصراط على متن جهنم، وتزلف الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين، فزاد الفزع فزعًا، والشدة شدة، إلا أن هناك أقوامًا آمنين لم يصبهم شيء من الفزع والهلع، على الرغم من هذه الأهوال، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] (^١).\nوإنما نالوا هذا الأمن بفضل الله المؤمن أولًا، ثم بما قاموا به من أسباب كانت سبب في تأمينهم، ومن هذه الأسباب:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣٢ - ٥٣٣).","vol":"3","page":223},{"text":"١ - التوحيد، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] الظلم: الشرك، كما جاء في الحديث عن ابن مسعود -﵁- قال: «لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ، قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ بِشِرْكٍ أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^١).\n٢ - الإيمان بالأركان الستة، وتصديقها بالتقوى التي حقيقتها امتثال الأوامر، واجتناب النواهي (^٢)، كما قال تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].\n٣ - الخوف من الله، كما جاء في الحديث، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- يروي عن ربِّه -جل وعلا-، قال: «وَعِزَّتِي، لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٦٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٢٤).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٦٨).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":224},{"text":"٤ - تنفيس الكرب والشدائد عن المسلمين، قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^١).\n٥ - نصر المسلمين والذب عنهم، فعن عمران بن حصين -﵁-، قال: «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ بِالْغَيْبِ نَصَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (^٢).\n٦ - إنظار المعسر والعفو عنه، كما جاء في حديث أبي اليسر، قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» (^٣).\n٧ - أعمال السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فإن الشمس تدنو من الخلق، حتى تكون منهم قدر مِيْلٍ، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العَرَقِ؛ فمنهم: من يكون إلى كعبيه، ومنهم: من يكون إلى ركبتيه، ومنهم: من يكون إلى حِقْوَيْهِ، ومنهم: من يُلجمه العَرَقُ إلجامًا، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (^٤)، إلا إن المؤمن سُبْحَانَهُ يأمنهم بظلهم تحت ظله، فعن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث (٧٢٣٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠٠٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٣٢)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٦٣).","vol":"3","page":225},{"text":"وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-900>الأثر السادس: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»</span> (^٢):\nوالعبد المؤمن يأمن الخلق شره وغوائله، ويتصف بالسلامة وكف الشر والأذى عنهم بحيث يأمنون على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.\nوقد حرص الشارع على تحقيق هذا النوع من الأمن، فتنوعت النصوص الدالة عليه، ومن ذلك: قوله -ﷺ-: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ» (^٣)، أي: لا يكون الرجل مؤمنًا كاملَ الإيمانِ حتى يأمنَ جارُهُ شرورَهُ وغوائِلَهُ، وقوله- أيضًا -ﷺ-: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (^٤)، وقوله- أيضًا -ﷺ- في حجة الوداع-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» (^٥) (^٦).\nاللهمَّ يا أمان الخائفين، أمِّنَّا يوم الفزع الأكبر، واجعلنا من أوليائك\nالذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٤١).\n(^٥) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٥٩١)، وابن حبان، رقم الحديث: (٤٨٦٢)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٤٩).\n(^٦) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ١٢٦ - ١٢٧)","vol":"3","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-901>الهَادِي -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-902>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الهدى: الرشاد والدلالة، يؤنث ويذكر، يقال: هداه الله للدين هدى، وقوله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] قال أبو عمرو بن العلاء: أولم يبين لهم، وهديته الطريق والبيت هداية، أي: عرفته» (^١).\nيقول ابن فارس -﵀-: «الهاء والدال والحرف المعتل أصلان، أحدهما: التقدم للإرشاد، والآخر: بعثة لطف، فالأول قولهم: هديته الطريق هداية، أي: تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك هاد، والأصل الآخر الهدية: ما أهديت من لطف إلى ذي مودة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-903>ورود اسم الله (الهادي) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله الهادي في آيتين من القرآن الكريم، وهما:\n١ - قول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].\n٢ - وقول الله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].\n_________\n(^١) الصحاح في اللغة (٦/ ٣٨٣).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"3","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-904>ورود اسم الله (الهادي) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله الهادي في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-905>معنى اسم الله (الهادي) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤]-: «أي: وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد، والحق الواضح» (^١).\nقال الزجاج -﵀-: «الهادي هو الذي هدى خلقه إلى معرفته وربوبيته، وهو الذي هدى عباده إلى صراطه المستقيم، كما قال تَعَالَى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «(الهادي) هو الذي مَنَّ بهداه على مَن أراد مِن عباده، فخصَّهُ بهدايته، وأكرمه بنور توحيده، كقوله تَعَالَى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]» (^٣).\nوقال أيضًا -﵀-: «وهو الذي هدى سائِر الخلق مِن الحيوان إلى مصالحها، وألهمهَا كيف تطلبُ الرزق، وكيف تتقي المضارَّ والمهالِكَ، كقوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٨/ ٦٧٠).\n(^٢) تفسير الأسماء الحسنى (ص: ٦٤).\n(^٣) شأن الدعاء (ص: ٩٥).\n(^٤) المرجع السابق (ص: ٩٥ - ٩٦).","vol":"3","page":228},{"text":"قال الحليمي -﵀-: «هو الدَّالُّ على سبيل النجاة والمبيِّنُ لها؛ لئلَّا يزيغ العبد ويضل، فيقع فيما يُرديه ويُهلكه» (^١).\nقال البيهقي -﵀-: «هو الذي بهدايته اهتدى أهلُ ولايته، وبهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه واتَّقَى ما يضره» (^٢).\nقال ابن الأثير -﵀-: «هو الذي بصَّر عباده، وعرفهم طريق معرفته، حتى أقروا بربوبيته، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد له منه في بقائه ودوام وجوده» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «الهادي الذي يهدي ويُرشد عبادَه إلى جميع المنافع، وإلى دفع المضار، ويُعلِّمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبَهم مُنيبة إليه، منقادة لأمره» (^٤).\nاقتران اسم الله (الهادي) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترنِ اسمُ الله (الهادي) إلا باسم الله (النصير)، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].\nوجه الاقتران:\nأن الاسمين الكريمين يتناسبان مع سياق الآية التي يبين فيها الله أنَّ مِن سُنته أنْ يقيض لكل نبيٍّ عدوًّا مِن المجرمين، ولكن الله سُبْحَانَهُ يتولى أنبياءَهُ\n_________\n(^١) المنهاج (١/ ٢٠٧).\n(^٢) الاعتقاد (ص ٦٦).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٢٥٣).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).","vol":"3","page":229},{"text":"بهدايتهم إلى الحقِّ ونصرتهم على أهل الباطل مِن المجرمين، فهو سُبْحَانَهُ الذي يتولى أنبياءَه وأولياءَه بالهداية- بكلِّ معانيها- ونصرتهم بجميع أنواع النصرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-906>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الهادي):</span>\n<span data-type='title' id=toc-907>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الهادي) من الصفات، وتوحيد الله به:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو الهادي لعباده، المبين لهم طريق الحق والإيمان، الكريم القريب لعباده، رحيم بهم هاد لهم، وهدايته سُبْحَانَهُ على أربعة أنواع:\nالنوع الأول: هداية عامة مشتركة بين الخلق:\n«الهداية العامة المشتركة بين الخلق، المذكورة في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، فأعطى كلَّ شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال.\nوهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وهداية الجمال المسخر لما خلق له، فله هداية تليق به، كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها.\nوكذلك كل مخلوق وعضو له هداية تليق به:\nفهدى الرجلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للإستماع، والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له.","vol":"3","page":230},{"text":"وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج، والتناسل، وتربية الولد.\nوهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه.\nوطلبه مراتب هدايته سُبْحَانَهُ لا يحصيها إلا هو، فتبارك الله رب العالمين.\nوهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر، ومن الأبنية، ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها، ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه، والإئتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء.\nومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم؛ شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.\nومَن فَهم هذا فَهم سر اقتران قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] بقولِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]، وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة، وأنَّ مَن لم يهمِلْ أَمْرَ كلِّ دابة في الأرض ولا طائرٍ، بل جعلها أممًا وهداها غاياتها ومصالِحها، كيف لا يهديكم إلى كمالِكُم ومصالِحِكُم؟ فهذا أحد أنواع الهداية وأعمُّها (^١).\n_________\n(^١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٢٧٢).","vol":"3","page":231},{"text":"النوع الثاني: هداية البيان والدلالة:\nوالتعريف لنجدَي الخير والشَّر وطريق النجاة والهلاك، «وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم، فهو كما قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه» (^١).\nوهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام؛ فإنها سبب وشرط، وليست موجبًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي: بيَّنَّا لهم وأرشدناهم ودَلَلْنَاهم فلم يهتدوا، ومنها: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nالنوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام:\nوهي الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا يَتخلَّف عنها، وهي المذكورة في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وفي قوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وفي قول النبي -ﷺ-: «مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ. وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ». (^٢)\nوفي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فنفَى عنه هذه الهداية، وأثبت له هدايةَ الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ١٦٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨٦٧).","vol":"3","page":232},{"text":"وهذا النوع من الهداية هو ما «تفرَّد به سُبْحَانَهُ، فقال لنبيِّه -ﷺ-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب» (^٢).\nوهي أكبر نعمة يُنْعِم بها (الهادي) سُبْحَانَهُ على عباده؛ إذ كل نعمة دونها زائلة ومضمحلَّة، وبقدر هدايته تكون سعادته في الدنيا، وطيب عيشه وراحة باله، وكذا فوزه ودرجته في الآخرة.\nالنوع الرابع: هداية الآخرة، إلى الجنة أو النار، إذا سيق أهلها إليها:\nوهي غاية الهدايات، فإن أجلَّ وأعظم ما يمن به الله على عباده أن يهديهم للجنة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].\n«ومن هُدِي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط.\nفمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلم، ومنهم المكردس في النار، فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذة بالقذة، جزاء وفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]» (^٣).\n_________\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ١٦٠).\n(^٣) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٣٣).","vol":"3","page":233},{"text":"أما أهل النار فقال الله تَعَالَى عنهم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وهذا جزاء ما عملوا، وما ظلمهم الله، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] في آيات كثيرة.\n«وهذه الهدايات الأربع مترتبة، فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة» (^١).\nوحري بمن عرف اسم الله الهادي ومظاهر هدايته وآمن به، أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده الهداية والتوفيق والسداد.\n\n<span data-type='title' id=toc-908>الأثر الثاني: أعظم نعمة وأجل هداية هي الهداية للإسلام:</span>\nإن أجلَّ نِعم الله وأعظم مننه على عباده، هدايته مَن شاء منهم إلى الدين الإسلامي، يقول الله تَعَالَى في التنويه بهذه النعمة، وبيان عظم مكانتها، وأنها منته سُبْحَانَهُ على مَن شاء من عباده: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].\n_________\n(^١) بصائر ذوي التمييز، للفيروزأبادي (٥/ ٣١٣ - ٤١٣).","vol":"3","page":234},{"text":"وهذه الهداية هي الهداية الخاصَّة، وهي خاصة بالله تَعَالَى، لا يقدر عليها إلا هو، ولايشاركه فيها ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]،\nويقول أيضًا: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].\nوهذه الهداية تأتي بعد هداية البيان؛ تحقيقًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ولا تُنال إلا لِمَن حقَّق شروطها، واستَوفَى أسبابها، يقول تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].\nوهذا النوع من الهداية يستلزم أمرَين:\nأحدهما: فعل الربِّ تَعَالَى، وهو الهدى بخلق الداعية إلى الفعل\nوالمشيئة له.\nالثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء وهو نتيجة للفعل الأول «الهدى»؛ قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ولا سبيل إلى وجود الأثر الذي هو الاهتداء من العبد إلا بعد وجود المؤثِّر الذي هو الهداية من الله، فإذا لم يحصل فعل الله لم يحصل فعل العبد، وهذا النَّوع من الهداية لا يقدر عليه أحدٌ إلا الله سُبْحَانَهُ، قال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا","vol":"3","page":235},{"text":"لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، كما أنَّ هذا النوع من الهداية هو الذي نَفَاه القرآن عن الظالمين والفاسقين والكاذبين والمسرف المرتاب، وكلُّ آية في القرآن وردَتْ في نفي الهُدَى فيجب حملها على هذا النوع؛ لأن هذا فضله يختصُّ به مَن يشاء من عباده، ولا حرج في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-909>الأثر الثالث: محبة الهادي سُبْحَانَهُ:</span>\nلا شك أن معرفة الله الهادي تؤدي إلى محبته -﷿- وتعظيمه والثناء عليه، حيث أعطى كل شيء خلقه وهداه إلى ما لا بدَّ منه في قضاء حاجاته، وأعظم من ذلك: هدايته إليه بما أَودع في هذا الكون من الآيات الباهرات التي تدل على وحدانيته سُبْحَانَهُ، وقال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] يعني: خُلِقتَ ليسعدك لا سعادة تنقطع عند الموت، بل ليسعدك إلى الأبد، وما الحياة الدنيا إلا إعداد لهذه الحياة الأبدية.\n\n<span data-type='title' id=toc-910>الأثر الرابع: الدعاء باسم الله الهادي:</span>\nوهو دعاء الراسخين في العلم، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]، ولأن حاجتنا لطلب الهداية من مالكِها سُبْحَانَهُ أشد مِن حاجتنا إلى الطعام والشراب، أُمرنا أن نسألَ الله تَعَالَى الهدايةَ في كل ركعة من الصلاة، في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].","vol":"3","page":236},{"text":"والدعاء بالهداية هومنهج الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- وهم أكمل الخلق إيمانًا وهداية- فقد كانوا يسألونها الله تَعَالَى، ومن شواهد ذلك:\n- قوله تَعَالَى على لسان موسى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].\n- وكان محمد -ﷺ- يسأل ربَّهُ الهدايةَ في دعواته وصلواته، فعن عائشة -﵂- قالت: «كَانَ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١).\n- وكان -ﷺ- يقول أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (^٢)، وقال -ﷺ- لعليٍّ -﵁-: «قُل اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ» (^٣) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-911>الأثر السادس: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]:</span>\nما أفقر العبد إلى الله، وما أحوجه إلى فضله وهداه، أن يثبته على طاعته وأن يزيده من تقواه، فمن قصد الهداية هداه الله، ومن لجأ إليه أعانه، ومن وقف ببابه ما رده.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢١).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٥).\n(^٤) للاستزادة: يراجع الملحق في مقومات الثبات على الهداية.","vol":"3","page":237},{"text":"يقول ابن كثير -﵀-: «والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: ألهمهم رشدهم» (^١)، والذين شرح الله صدورهم للإيمان فاهتدوا لطف الله بهم، فزادهم هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى، فاتقوا وغالبوا أهواءهم.\nيقول السعدي -﵀- فيما أعده الله للمهتدين: «ثم بين حال المهتدين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بالإيمان والانقياد، واتباع ما يرضي الله ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ شكرًا منه تَعَالَى لهم على ذلك، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: وفقهم للخير، وحفظهم من الشر، فذكر للمهتدين جزاءين: العلم النافع، والعمل الصالح» (^٢).\nوفي الملحق الآتي بيان هذه المنزلة، وما يعين للوصول إليها.\nفاللهم اهدنا، واهد بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٧/ ٣١٥).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٧٨٦).","vol":"3","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-912>«الهادي يحيب المَهدِيين -ﷻ</span>-\nفي موضوع الهداية سنتطرق للمسائل التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-913>أولًا: معنى الهداية:</span>\nقال الجرجاني -﵀-: «الهداية: الدلالة على ما يوصِّل إلى المطلوب» (^١).\nوقال ابن القيم -﵀-: «الهداية: هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل، فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف؛ ترتب عليه هداية التوفيق» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-914>ثانيًا: مقومات الثبات على الهداية:</span>\nأعظم نعمة ينعم بها الله على الإنسان نعمة الإسلام والإيمان، وهذه النعمة تحتاج لمقومات تثبتها وترعاها، وإلا فإن القلوب تتقلب، والإيمان يزيد وينقص، والإنسان ما دام في هذه الحياة فهو معرض للفتن العظيمة، ومن أبرز هذه المقومات ما يلي:\n_________\n(^١) التعريفات (ص: ٢٧٧).\n(^٢) مدراج السالكين (١/ ٣٢).","vol":"3","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-915>١ - توفيق الله تعالى:</span>\nفأساس الهداية توفيق الله، وإعانته وتيسيره، وتسديده، يقول تَعَالَى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ» (^١)، والعبد لا يرزق الاستدامة على طاعة الله بشيء أعظم من توفيقه له، فمن حرم التوفيق حرم الثبات، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، والهداية منةٌ من الله، يقول تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-916>٢ - تأمل قدرة الله وبديع خلقه:</span>\nفإنَّ تأمُّل المخلوقات، وإمعان النظر فيها بعين البصيرة لا البصر؛ تجلي للعبد الهدايات، وتريه الدلائل والمعجزات، فالتأمل في الصُنع يوصل إلى الصانع، والتأمل في الخلق يوصل إلى الخالق، فطريق الخلق أوسع أبواب الهُدى، وأقربها؛ لأنه يضع العبد أمام قدرة وعظمة وحكمة ورحمة وعلم وخبرة الله -جل وعلا-، فالهادي هدى خلقَه بخلقه يقول تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، فرؤية إبراهيم وتأمله في الخلق هنا هي رؤية قلبية لا بصريه فحسب؛ وإلا فالكثير رُزق البصر، ولكن لا يُرى لذلك في قلبه مِن أثر، والمتأمِّلُ لكلام الربِّ -جل وعلا- يجد كثيرًا من الآيات تأمر الإنسان بالنظر في خلق نفسه، وفي خلق الكون، بسمائه وأرضه وجباله وأنهاره وكافة مظاهره، يقول تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).","vol":"3","page":240},{"text":"ويقول: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، ويقول تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، ويقول تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].\nوفي ذلك يقول أحد الأعراب: البعرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجاج، وبحار ذات أمواج، أَلَا تدلُّ على اللطيف الخبير؟!\nومما يروى عن الإمام أبي حنيفة -﵀-، أنه جاءه نفر من الزنادقة، فسألوه دليلًا يدلُّهم على وجود الله -﷿-، فقال لهم: أمهلوني ثلاثة أيام، فأمهلوه، وبعد الأيام الثلاثة أقبلوا إليه، وهو منهمك الفكر، فسألوه عن سبب هذا التفكير، فقال لهم: إني أفكر في سفينة مليئة بالأحمال، وليس عليها قائد ولا ربَّان، وتسير في عباب البحر، وتقطع طريقها بدون مَن يقودها، حتى إذا وصلتْ إلى شاطئ البحر أَنزلت حمولتها بنفسها، فقالوا له: أجننتَ، كيف يعقل هذا؟! فقال لهم: فكيف بعالَمٍ فسيح وكون كبير وسموات وأرض وجبال وبحار، أيعقل أن تسير بدون خالق يُدَبِّرُ أمورَها … فما كان منهم إلا أن آمنوا بالله ورسوله (^١).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٩٥).","vol":"3","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-917>٣ - تدبر القرآن الكريم:</span>\nفالقرآن الكريم هو كلام رب العالمين، وكتابه المبين، أنزله على رسوله -ﷺ-؛ ليكون دستورًا للأمة ومخرجًا للناس من الظلمات إلى النور، وهاديًا لهم إلى الرشاد، وإلى الصراط المستقيم، فالقرآن يبيِّن للعبد أصل الخليقة، وأخبار الأولين والآخرين، وخلق السموات والأرض، وحقيقة الدنيا، وما بعدها، والحكمة من الوجود، وتفصيل الأحكام، وأصول الآداب والأخلاق، وأحكام العبادات والمعاملات، وجزاء المؤمنين والكافرين، فهو تبيان لكل شيء، وهدًى ورحمة للمؤمنين، يقول تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].\nومن هنا يقال: إن الخلق والقرآن يدلان على الله -﷿-؛ ويهديان إليه، فالخلق هدًى استدلالي، والقرآن هدًى بياني، ولا يفهم من هذا استغناء أحدهما عن الآخر، بل لا يغني أحدهما عن الآخر، فمن قرأ القرآن وعطل التأمل في مخلوقات الله، فقد عطل بعض القرآن؛ لأن القرآن يأمر بالتأمل في كثير من آياته، ومَن صرف وقته في التأمل دون قراءة القرآن، فإنه وإن عرف الصانع، غير أنه لايعرف أمره ونهيه إلا بمطالعة منهجه المكتوب «القرآن»، ولن يستطيع العبد معرفة ما يحبه الله وما يكرهه، ويأمر به وينهى إلا عن طريق كتابه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، فالقرآن يشتمل على أحكام، كما يشتمل على أوامر، ونواهٍ؛ فهو منهج كامل.","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-918>٤ - الإخلاص والمتابعة:</span>\nفمن رُزق الإخلاص رُزق سبيل الخلاص، وفُتحت في وجهه أبواب الرحمة، فما سلك طريق إلا سهله الله له، وما أراد بابًا من الخير إلا فتحه الله له، ومن اطلع الله على قلبه فرأى فيه الإخلاص والصدق؛ ثبَّته، وأحبَّه، ووضع له القبول في الأرض، وفي هذا يقول الحسن البصري -﵀-: «ما نظرت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي، حتى أنظر على طاعة أو معصية؛ فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-919>٥ - مصاحبة الأخيار والابتعاد عن رفقة الأشرار:</span>\nفالإنسان لا يستطيع أن يعيش في عزلة، بل لابد له من مخالطة، ولذا جاء أمر الله تَعَالَى بمصاحبة الأخيار والحذر من مصاحبة الأشرار، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وفي الحديث: «لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (^٢)، وذلك لأن الصحبة والطعام تورث المودة.\n\n<span data-type='title' id=toc-920>٦ - الإنابة والتوبة والرجوع إلى الله -ﷻ</span>-.\nفأهل التوبة والإنابة يحبهم الله تَعَالَى، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ومن أحبَّه الله هداه بهداه، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ\n_________\n(^١) مجموع رسائل ابن رجب (٢/ ٦٢).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١٥١٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٨٣٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٩٥)، حكم الألباني: حسن، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٥٥٦).","vol":"3","page":243},{"text":"اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-921>٧ - الدعاء:</span>\nومن أدعية النبي -ﷺ- في ذلك ما يلي:\nقوله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى والتُّقَى، والعَفَافَ والغِنَى» (^١).\nقوله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي» (^٢).\nقوله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (^٣).\nقوله -ﷺ-: «رَبِّ أَعِنِّي، وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي، وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي، وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي، وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٢٥).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٥)، حكم الألباني: صحيح، المشكاة، رقم الحديث: (٢٤٩٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (١٥١٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٤١١).","vol":"3","page":244},{"text":"ولما سئلت عائشة -﵂-، بأي شيء كان نبي الله -ﷺ- يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: «كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١).\nوفيما يرويه رسول الله -ﷺ- عن ربه -﵎-، أنه قال: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (^٢)، ومن دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-922>٨ - المجاهدة على فعل الطاعات، وترك المنكرات،</span> والصبر على ذلك:\nيقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ وهم الذين هاجروا في سبيل الله، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] بالعون والنصر والهداية» (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) تفسير السعدي (ص: ٦٣٦).","vol":"3","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-923>٩ - التناصح بين الناس:</span>\nفمن أعظم نعم الله على عباده المؤمنين: الهداية لدينه، ثم الدعوة للقيام بالواجب تجاه الناس بهدايتهم إلى ما يصلحهم، ودعوتهم لعبادة ربهم، بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها، والحث عليها وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصًا الدعوة إلى أصل دين الإسلام، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كذلك تحبيب الله إلى عباده، بذكر تفاصيل نعمه، وسعة جوده، وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله، ونعوت جلاله، وكذا الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك بكل طريق موصل إليه كالحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين، إلى غير ذلك مما لا تنحصر أفراده، مما تشمله الدعوة إلى الخير كله، والترهيب من جميع الشر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-924>ثالثًا: أسباب حرمان الهداية:</span>\nهناك أسباب لا بد أن يبتعد عنها عبد الهادي، حتى لا يُحرم هداية الله، ومن ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-925>١) ضعف المعرفة:</span>\nفإن كمال العبد في أمرين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، فإن من الناس من يعرف الحق، لكن إيثاره على الباطل قد يكون عنده\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧٤٩).","vol":"3","page":246},{"text":"ضعيفًا، والجاهل إذا عرف كان قريب الانقياد والاتباع، وبهذا يكون قد قطع نصف الطريق إلى الحق وما بقي عليه إلا قوة العزيمة على الرشد «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، والعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ» رواه أحمد (^١)، ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨]، وهذا السبب هو الذي حال بين كثير من الكفار وبين الإسلام، فإنهم لا يعرفون عنه شيئًا، ومع ذلك يكرهونه، وكما قيل: الناس أعداء لما جهلوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-926>٢) عدم الأهلية:</span>\nفإنه قد تكون المعرفة تامة، لكن يتخلف عنه عدم زكاة المحل وقابليته، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، مثل: الأرض الصلدة التي يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات فيها لعدم قبولها، فإذا كان القلب قاسيًا لم يقبل النصائح، وأبعد القلوب من الله: القلب القاسي، وكذا إذا كان القلب مريضًا، فلا قوة فيه ولا عزيمة؛ لما يؤثر فيه العلم، فهم كما وصفهم الله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-927>٣) الإعراض عن شرع الله تعالى:</span>\nمن أعرض عن طاعة الله، ولم يلتفت إلى ما يصلح حاله، وامتلأ فؤاده بحب الدنيا والشهوات؛ جازاه الله بأن أعرض عنه وصرف عنه هداه، يقول\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٣٨٩)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٩٣٥)، والطبراني، رقم الحديث: (٧١٥٧)، حكم الألباني: ضعيف، المشكاة، رقم الحديث: (٩٥٥).","vol":"3","page":247},{"text":"تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧].\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سُبْحَانَهُ؛ جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال إليه» (^١)، ثم قال: «هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم وفتح لهم الباب، ونهج لهم الطريق، وهيأ لهم الأسباب، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودعاهم على ألسنة رسله، وجعل لهم عقولًا تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب الردى وأسباب الفلاح، وجعل لهم أسماعًا وأبصارًا، فآثروا الهوى على التقوى، واستحبوا العمى على الهدى، وقالوا: معصيتك آثر عندنا من طاعتك، والشرك أحب إلينا من توحيدك، وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك، فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته، فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم، فهم سدُّوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارًا، فسده عليهم اضطرارًا، فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما تركوه ومكنهم فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه، وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه، وهم معرضون، فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله» (^٢).\n_________\n(^١) تقسير القيم (ص: ٣١٤).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٣١٤ - ٣١٥).","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-928>٤) الحسد والكبر:</span>\nوقد فسره -ﷺ- بقوله: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^١)، وضده التواضع، وهو قبول الحق مع من كان، ولين الجانب.\nوالمتكبر متعصب لقوله وفعله، وذلك هو الذي حمل إبليس على عدم الانقياد للأمر لما أمر بالسجود، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١ - ٧٦].\nوبهذا الداء تخلف اليهود عن الإيمان بالرسول -ﷺ-، وقد عرفوه وشاهدوه، وعرفوا صحة نبوته، يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-929>٥) الظلم:</span>\nوالظالمون هم «الذين صار الظلم لهم وصفًا، والعناد لهم نعتًا، جاءهم الهدى فرفضوه، وعرض لهم الهوى فتبعوه، سدوا على أنفسهم أبواب الهداية وطرقها، وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها، فهم في غيهم وظلمهم يعمهون، وفي شقائهم وهلاكهم يترددون» (^٢)، يقول تَعَالَى عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٦١٧).","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-930>٦) الكذب:</span>\nيقول الشيخ السعدي -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]: «أي: لا يوفَّق للهداية إلى الصراط المستقيم ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وصفه الكذب أو الكفر، بحيث تأتيه المواعظ والآيات، ولا يزول عنه ما اتصف به، ويريه الله الآيات، فيجحدها ويكفر بها ويكذب، فهذا أنَّى له الهدى وقد سدَّ على نفسه الباب، وعوقب بأن طبع الله على قلبه، فهو لا يؤمن؟» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-931>٧) الإسراف:</span>\nوالمسرف هو من تجاوز المعروف في شيء، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]، «أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل، ووصفه بالكذاب؛ لنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-932>٨) الفسق:</span>\nيقول ابن عاشور -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]: «والله لا يهدي القوم الفاسقين، أي: المعرضين عن أمر الله، فإن ذلك لا يستهان به؛ لأنه يؤدي إلى الرين على القلب، فلا ينفذ إليه الهدى من بعد، فلا تكونوهم، وكونوا من المهتدين» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٧١٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٣٦).\n(^٣) التحرير والتنوير (٧/ ٩٤).","vol":"3","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-933>٩) قرناء السوء:</span>\nفللقرين أثر كبير على قرنائه، يقول -ﷺ-: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (^١)، ومن شواهد أثر قرناء السوء: مارواه ابن المسيب -﵀-، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي -ﷺ- وعنده أبو جهل، فقال: «أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]» (^٢).\nاللهم اجعلنا هداة مهدين، ولاتجعلنا ضالين أو مضلين.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٤٩١)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٩٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٣٧٨)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٥٤٥).\n(^٢) صحيح البخاري، رقم الحديث: (٣٨٨٤).","vol":"3","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-934>الوارثُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-935>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «تقول: أورثه الشيء أبوه، وهم ورثة فلان، وورثه توريثًا، أي: أدخله في ماله على ورثته، وتوارثوه كابرًا عن كابر» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الواو والراء والثاء: كلمة واحدة، هي الورث، والميراث أصله الواو، هو أن يكون الشيء لقوم، ثم يصير إلى آخرين بنسب، أو سبب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-936>ورود اسم الله الوارث في القرآن الكريم:</span>\nورد اسم الله (الوارث) في القرآن في ثلاثة مواضع، كلها بصيغة الجمع، ووروده كالتالي:\n١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣].\n٢ - وقوله تَعَالَى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].\n٣ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ٢٩٥).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ١٠٥).","vol":"3","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-937>ورود اسم الله (الوارث) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله (الوارث) في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-938>معنى اسم الله (الوارث) في حقه تعالى:</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] «أي: ونحن نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم، فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل» (^١)، وقال في آية القصص: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] أي: ولم يكن لما خرَّبنا من مساكنهم منهم وارث، وعادت كما كانت قبل سكناهم فيها، لا مالك لها إلا الله الذي له ميراث السماوات والأرض» (^٢).\nقال الزجاجي -﵀-: «الله -﷿- وارث الخلق أجمعين؛ لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون، كما قال -﷿-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]» (^٣).\nقال الخطَّابي -﵀-: «هو الباقي بعد فناء الخلق، والمسترد أملاكهم وموارثهم بعد موتهم، ولم يزل الله باقيًا مالكًا لأصول الأشياء كلها، يورثها من يشاء، ويستخلف فيها من أحب» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٧/ ٨٩).\n(^٢) جامع البيان (٢٠/ ٦١).\n(^٣) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ١٧٣).\n(^٤) شأن الدعاء (٩٦).","vol":"3","page":253},{"text":"قال القرطبي -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]: «أي: الأرض ومن عليها، ولا يبقى شيء سوانا، نظيره ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] فملك كل شيء لله تَعَالَى، ولكن ملك عباده أملاكًا، فإذا ماتوا انقطعت الدعاوى، فكان الله وارثًا من هذا الوجه» (^١).\nقال السعدي -﵀-: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] أي: «خير الباقين، وخير من خلفني بخير» (^٢).\nوقال في قوله تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]: «للعباد، نميتهم، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم، ثم نعيدهم إلينا، فنجازيهم بأعمالهم» (^٣).\nاقتران اسم الله (الوارث) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله (الوارث) بغيره من أسماء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-939>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الوارث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-940>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوارث) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله تَعَالَى هو الوارث الحق القدير المالك جل في علاه، يقول تَعَالَى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٠/ ١٨).\n(^٢) تفسير السعدي (١/ ٥٣٠).\n(^٣) المرجع السابق (ص: ٦٢١).","vol":"3","page":254},{"text":"ومن مظاهر ذلك:\nهو الوارث سُبْحَانَهُ الذي يبقى بعد فناء الوارثين، فكل ما سواه زائل، وكل من عداه فان ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، ومن ذلك:\nيفنى الملوك وأملاكهم، كما فني فرعون وجنده، وقارون وملكه، والنمرود وجبروته.\nويفني أولو القوة والشدة، كما فنيت عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط، فلم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين (^١)، قال تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨].\nوتفنى الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] [مريم: ٣٩]، ويفنى ما عليها من إنس وجن، ودواب، بل حتى من في السماء يفنى إلا من شاء الله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٠١).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير، رقم الحديث: (٧/ ٤٩٤)، تفسير السعدي، رقم الحديث: (ص: ٨٣٠)، فقه الأسماء الحسنى، البدر، رقم الحديث: (ص: ٢٩٥).","vol":"3","page":255},{"text":"فالكل يفنى ويموت ويبيد، ويبقى الوارث الحي الذي لا يموت، والباقي الذي لا يزول، والدائم الذي لا منتهى له، قال -﵎-: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] (^١).\nوهو الوارث الذي إليه مرجع كل شيء ومنتهاه، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، ومن ذلك:\nأنه سُبْحَانَهُ يرث السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠].\nويرث ما على الأرض جميعًا، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]، فتبقى ملك للوارث سُبْحَانَهُ ليس لها مالك سواه (^٢).\nويرثسُبْحَانَهُ الأموال؛ إذ هي منتقلة من أيدي أصحابها، أو هم منتقلون عنها، ثم يعود ملكها بعد ذلك للوارث سُبْحَانَهُ، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، أي: قوله: لأوتين في الآخرة مالًا وولدًا (^٣)، وفي الحديث عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٨٣٠).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٢٠٢).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٢٤٨)، وتفسير السعدي (ص: ٨٣٨).","vol":"3","page":256},{"text":"أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (^١).\nويرث ما أهلك من القرى والمساكن؛ وذلك أن قومها هالكون فانون، فتعود كما كانت قبل سكناهم فيها، لا مالك لها إلا الله، الذي له ميراث السماوات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] (^٢).\nويرث، ويرث، ويرث حتى تنقطع الدنيا، فتنقطع معها مواريث بني آدم وملكهم، ولا يبقى إلا الوارث الذي له الملك، فيقول إذ ذاك: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلًا: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] (^٣).\nوهو الوارث سُبْحَانَهُ الذي يورث فضله وملكوته في منازل السماء ومواطن الأرض لمن يشاء من عباده، وحيثما شاء من غير خشية في التفريط أو الضياع؛ لأن إرثها في النهاية راجع إليه، ومن ذلك:\nأورث يحيى النبوة لما سأله زكريا وارثًا له، قال تَعَالَى على لسان زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥ - ٦]، أي: يرث النبوة والعلم والدعوة إلى الله (^٤).\nوأورثها سليمان عن أبيه داود، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] «أي: في الملك والنبوة» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٩).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٦٠٣).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٣٦)، تفسير السعدي (ص: ٧٣٥).\n(^٤) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ١٤٦)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٢١٢).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٦/ ١٨٢).","vol":"3","page":257},{"text":"وأورث موسى -﵇- وقومه التوراة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر: ٥٣ - ٥٤].\nوأورث أمة محمد صلى الله وسلم القرآن، مهيمنًا على سائر الكتب: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] (^١).\nوأورث ويورث الأرض من يشاء من عباده، قال تَعَالَى على لسان موسى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].\nويورث عباده الصالحين جنة الخلد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال -جل وعلا-: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، فتبارك الله خير الوارثين.\nفسبحان الله الحي الذي لا يموت، إليه ترجع أملاك الخلق بعد فنائهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-941>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الوارث) على التوحيد:</span>\nإذا علم العبد أن الله -ﷻ- الوارث الذي يبقى ويفني من سواه، ويدوم وينتهي من عداه، كل شيء هالك إلا وجهه، علم أنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٤٠).","vol":"3","page":258},{"text":"من له الدوام والكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وعلم أن كل من عداه لا يستحق شيئًا من العبادة؛ إذ كيف يتخذ من يبيد فيزول، ويموت فيفنى، إلهًا يعبد مع الإله الذي لا يبيد ولا يموت؟! تَعَالَى الله عن ما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا (^١).\nثم إن العبد إذا تأمل في توريث الله الأرض لأهل التوحيد وإكرامه لهم، وإهانته وعقوبته لأهل الشرك قاده ذلك إلى التوحيد، وعلم أنه سبيل النجاة، وأن الشرك سبيل الهلاك والبوار (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-942>الأثر الثالث: التوكل على الوارث سُبْحَانَهُ:</span>\nفالإنسان يخاف ويقلق على ما يتركه من بعده من ذرية ومال، ويخشى عليهم الضياع، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، ولكن العبد إذا علم أن ربه الوارث وهو خير الوارثين، وخير من يخلف بخير، وأرحم بعباده منه؛ تعلق قلبه به وتوكل عليه فيما خلف وراءه، فينشرح صدره ويطمئن لوراثته -﵎- (^٣).\nوخير شاهد على حسن وراثة الله للعبد في ذريته: قوله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]، قال ابن كثير -﵀-: «وذكر\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٦/ ١٥٧).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٥).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣٠).","vol":"3","page":259},{"text":"أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا … وفيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-943>الأثر الرابع: اليقين بتوريث الله الأرض لعباده الصالحين:</span>\nإذا علم العبد أن الله (الوارث) الذي يرث الأرض، قد وعد عباده الصالحين بأن يورثهم الأرض ويمكن لهم فيها، كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ علم أن وعد الله حق، كائن لا محاله مهما قوي الباطل، فسيأتي اليوم الذي يزهق الله فيه الباطل، كما مكن لبني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، وأورثهم أرض\nمصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلاء، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] (^٢)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]،\nوقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٥/ ١٨٦).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٠١).","vol":"3","page":260},{"text":"فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] «فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته» (^١).\nويورثهم الأرض، كما أورث رسول الله -ﷺ- وصحبه أرض بني قريظة التي كانت من شرفها وعزتها عند أهلها لا يستطيع المسلمون وطأها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] (^٢)، وكما أورث صدر هذه الأمة البلاد والعباد، ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وحصل مع ذلك الأمن التام والتمكين التام؛ مصداقًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].\nولا يزال هذا الوعد قائمًا إلى قيام الساعة، فإن قام المسلمون بالإيمان والعمل الصالح، وجدوا ما وعدهم الله به ولو بعد حين، وإنما يسلَّط عليهم الكفار والمنافقون ويدلون عليهم، بسبب إخلالهم بالإيمان والعمل الصالح (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٩٢).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٦٢).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (ص: ٥٧٣).","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-944>الأثر الخامس: محبة الله الوارث:</span>\nمن آمن باسم ربه (الوراث) الذي يبقى بعد فناء الخلائق، والذي يرث كل شيء، فيرجع ويصير إليه ما في الأرض وما في السماء، فإن قلبه يتعلق به-سُبْحَانَهُ- محبة وتعظيما، سيما أن القلوب فطرت على محبة من له الكمال والعظمة والجلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-945>الأثر السادس: الزهد في الدنيا:</span>\nإذا تيقن العبد باسم ربه (الوارث) وما فيه من إرث كل شيء؛ علم أن الدنيا وما فيها من مآكل ومشارب لذيذة، ومساكن وقصور طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وملابس فاخرة، وذهب وفضة، وخيل وإبل، وزوجات وأبناء ونحوها فانية مضمحلة، وزائلة منقضية، وستعود صعيدًا جرزًا قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست آثارها، وزال نعيمها، ذهبت عن أهلها، وذهبوا عنها، وبقي إرثها للوارث جل في علاه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠].\nمثلها «كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيمًا تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابًا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها","vol":"3","page":262},{"text":"ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته وماله» (^١).\nفإذا علم العاقل هذا، وعلم أنه سيعود لربه وحيدًا بلا مال ولا ولد ولا أهل ولا أنصار ولا أعوان، لا يتبعه قليل ولا كثير إلا عمله خيره وشره (^٢)، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]؛ لم يتعلق بالدنيا وزخرفها، ولم يغتر بنعيمها وحبورها، ولم يصحبها صحبة البهائم، ويتمتع بها تمتع السوائم، بل يجعلها منزل عبور لا محل حبور، وشقة سفر، لا منزل إقامة، ووسيلة يتزود بها لأخرته، ومتجرًا يربح به الفوائد الفاخرة، فلا تكون هي محط نظره ومحور اهتمامه ومدار عمله وأمله، بل يظل مدركًا أن الله وارثها وأن بقاءه فيها قنطرة للآخرة، وأن الباقيات الصالحات خير ثوابًا وخير مردًّا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-946>الأثر السابع: الإنفاق في سبيل الوارث -﵎</span>-:\nفكل الأموال والأرزاق هي ملك لله أورثها عباده، واستخلفهم فيها، وليست ملكًا لهم، بل لولا فضل الله وإحسانه وتوريثه لم يصل إليهم منها شيء،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٧٠).\n(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٢٤٩)، تفسير السعدي (ص: ٥٠٠).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٢٤، ٤٧٠، ٥١٦).","vol":"3","page":263},{"text":"فلا معنى لمنع فضل الله وإحسانه والبخل بإنفاقه، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] ثم إن هذا الإحسان من الله -﷿- بالمال موجب للإحسان إلى خلقه، كما قال سُبْحَانَهُ حكاية عن قول الناصحين لقارون: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].\nولا معنى- أيضًا- للبخل بشيء زائل منتقل عنه إلى غيره، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠]، فلا يبقى له منه إلا ما أنفقه في سبيل الله، كما جاء في الحديث عن مطرف، عن أبيه أنه أتى النبي -ﷺ- وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، قال: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟» (^١)، وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى (^٢)، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٨).\n(^٢) قال النووي -﵀-: «ومعناها: ادخره لآخرته، أي: ادخر ثوابه». شرح النووي على مسلم (١٨/ ٩٤).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":264},{"text":"ثم إن وجوده بين يديه غنيمة وفرصة للبذل والعطاء، قبل أن ينتقل من يده ويصير إلى غيره، ويحال بينه وبين الإنفاق؛ فيتحسر على تفريطه، ويتمنى أن لو أنفق (^١)، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١].\n\n<span data-type='title' id=toc-947>الأثر الثامن: طلب الإرث الحقيقي (العلم):</span>\nالله -﷿- الوارث امتن على أمة محمد -ﷺ- بأن أورثهم الكتاب، مهيمنًا على كل كتاب، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] «هو الفضل الكبير، الذي جميع النعم بالنسبة إليه، كالعدم، فأجلُّ النعم على الإطلاق، وأكبر الفضل: وراثةُ هذا الكتاب» (^٢).\nومعنى وراثة الكتاب: وراثة علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه، والكل من الأمة له نصيب من ذلك، وإن تفاوتت المراتب، وتمايزت الأحوال.\nفإذا علم العبد هذا لم يرض بأن يكون نصيبه من هذا الفضل الكبير أقله وأدناه، بل سعى ليكون أكثره وأوفاه، فتجده يقبل على الكتاب تلاوة، وحفظًا، وفهمًا وتدبرًا، وعملًا، وتعليمًا ودعوة، ويقبل على العلم الذي يعين على فهمه، ومعرفة عقائده وأحكامه، وعبره وأخباره.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٥٨ - ١٥٩، ٨٣٨ - ٨٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٥٩).","vol":"3","page":265},{"text":"وهذا هو الإرث الحقيقي، والإرث الأعظم، إرث العلم بكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-؛ لذا كان ميراث الأنبياء -﵈-، قال تَعَالَى عن زكريا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦]، قال مجاهد -﵀-: «كان وراثته علمًا» (^١)، وقال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْم، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَكُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَوَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (^٢)، وعن أبي هريرة -﵁- أَنَّهُ مَرَّ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ:\nيَا أَهْلَ السُّوقِ، مَا أَعْجَزَكُمْ، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يُقْسَمُ، وَأَنْتُمْ هَاهُنَا لَا تَذْهَبُونَ فَتَأَخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ! قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقْسَمُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟ قَالُوا: بَلَى، رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَقَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَقَوْمًا\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٨/ ١٤٦).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢١٢٩)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٦٤٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٦٨٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٢٣)، حكم الألباني: حسن، المشكاة، رقم الحديث: (٢١٢).","vol":"3","page":266},{"text":"يَتَذَاكَرُونَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَيْحَكُمْ، فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ -ﷺ-» (^١).\nوإن لهذا الميراث- العلم- فضائل جمة، منها على سبيل الذكر لا الحصر (^٢):\nأن الله قرن شهادة أهل العلم بشهادته وشهادة ملائكته، كما أنه استشهد بهم على أجل مشهود، ألا وهو التوحيد، قال تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].\nأن الله تَعَالَى نفى التسوية بين أهل العلم وأهل الجهل، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].\nأن الله أمر نبيه بالاستزادة منه، ولم يأمره بالاستزادة من شيء سواه، قال تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\nأن الله وعد أهل الجنة برفعة الدرجات، قال الله تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وهذا شامل للرفعة في الدنيا والآخرة.\nأن الله جعل أهله هم أهل خشيته، بل خصَّهم من بين الناس بذلك، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٤٢٩).\n(^٢) ينظر للاستزادة: مفتاح دار السعادة، لابن القيم -﵀-؛ فقد ذكر من فضائل العلم ما يربو على مائة فضيلة.","vol":"3","page":267},{"text":"أن الله جعله دليلًا على إرادته بعبده خيرًا، كما جاء في الحديث: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^١)، وإنما يكون هذا إذا أراد صاحبه به العمل به لا مجرد العلم.\nأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ توقيرًا وإكرامًا لما يحمله من ميراث النبوة، قال رسول الله -ﷺ-: «وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلْمِ» (^٢).\nأن من في السموات ومن في الأرض يستغفر للعالم، كما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ-: «وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ» (^٣).\nقال ابن القيم -﵀-: «فإنه لما كان العالم سببًا في حصول العلم الذي به نجاة النفوس من أنواع المهلكات، وكان سعيه مقصورًا على هذا، وكانت نجاة العباد على يديه؛ جوزي من جنس عمله، وجعل من في السموات والأرض ساعيًا في نجاته من أسباب الهلكات باستغفارهم له» (^٤).\nأن رسول الله -ﷺ- لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم التي أنعم الله بها، إلا على نعمتين: طلب العلم والعمل به، وصاحب المال الذي جعل ماله خدمة للإسلام؛ فعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٣٧).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) مفتاح دار السعادة (١/ ٦٤).","vol":"3","page":268},{"text":"قال رسول الله -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (^١).\nأنه طريق موصل للجنة، كما دل على ذلك حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-948>الأثر التاسع: السعي لإرث الجنة:</span>\nوعد الله الوارث -﷿- عباده الصالحين بأن يورثهم الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وإن أعظم أرض تورث جنة الخلد، قال تَعَالَى عن إرث أهل الإيمان لها: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقال: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] فيلهج أهلها بشكر الله على إرثها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] نعم أجرهم؛ إذ ورثوا ما قال رسول الله -ﷺ- فيه عن ربه -﷿-: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٨١٦).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٤٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٢٤).","vol":"3","page":269},{"text":"وقد قال ابن القيم -﵀- في وصف هذا النعيم العظيم، والإرث الكريم: «وكيف يقدرُ قدرَ دار غرسها الله بيده وجعلها مقرًّا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص.\nفإن سألت عن أرضها وتربتها، فهي المسك والزعفران.\nوإن سألت عن سقفها، فهو عرش الرحمن.\nوإن سألت عن بلاطها، فهو المسك الأذفر.\nوإن سألت عن حصبائها، فهو اللؤلؤ والجوهر.\nوإن سألت عن بنائها، فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، لا من الحطب والخشب.\nوإن سألت عن أشجارها، فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب.\nوإن سألت عن ثمرها، فأمثال القلال، ألين من الزبد وأحلى من العسل.\nوإن سألت عن ورقها، فأحسن ما يكون من رقائق الحلل.\nوإن سألت عن أنهارها، فأنهارها من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.\nوإن سألت عن طعامهم، ففاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون.\nوإن سألت عن شرابهم، فالتسنيم والزنجبيل والكافور.\nوإن سألت عن آنيتهم، فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير.\nوإن سألت عن سعة أبوابها، فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام.","vol":"3","page":270},{"text":"وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها، فإنها تستفز بالطرب من يسمعها.\nوإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مئة عام لا يقطعها.\nوإن سألت عن خيامها وقبابها، فالخيمة من درة مجوفة طولها ستون ميلًا، من تلك الخيام.\nوإن سألت عن علاليها وجواسقها، فهي غرف من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار.\nوإن سألت عن ارتفاعها، فانظر إلى الكواكب الطالع، أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار.\nوإن سألت عن لباس أهلها، فهو الحرير والذهب.\nوإن سألت عن فرشها، فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب.\nوإن سألت عن أرائكها، فهي الأسرة عليها البشخانات، وهي: الحجال مزررة بأزرار الذهب، فما لها من فروج ولا خلال.\nوان سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر.\nوإن سألت عن أسنانهم، فأبناء ثلاثة وثلاثين، على صورة آدم -﵇-، أبي البشر.\nوإن سألت عن سماعهم، فغناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى منهما سماع خطاب رب العالمين.","vol":"3","page":271},{"text":"وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها، فنجائب أنشأها الله مما شاء، تسير بهم حيث شاؤوا من الجنان.\nوإن سألت عن حليهم وشارتهم، فأساور الذهب واللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان.\nوإن سألت عن غلمانهم، فولدان مخلدون، كأنهم لؤلؤ مكنون.\nوإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم، فهن الكواعب الأتراب، اللائي جرى في أعضائهن ماء الشباب، فللورد والتفاح ما لبسته الخدود، وللرمان ما تضمنته النهود، وللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور، وللدقة واللطافة ما دارت عليه الخصور، تجري الشمس من محاسن وجهها، إذا برزت ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت …\nهذا وإن سألت: عن يوم المزيد وزيادة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزَّه عن التمثيل والتشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة، والقمر ليلة البدر، كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه، وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير وصهيب وأنس وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد، فاستمع يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة إن ربكم -﵎- يستزيركم، فحيَّ على زيارته، فيقولون: سمعًا وطاعةً، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد أُعِدَّت لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعدًا، وجمعوا هناك فلم يغادر الدَّاعي منهم أحدًا، أمر الربُّ -﵎- بكرسيه فنُصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، وجلس","vol":"3","page":272},{"text":"أدناهم- وحاشاهم أن يكون فيهم دنيء- على كثبان المسك، وما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا.\nحتى إذا استقرَّت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم، نادى المنادي: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟! ألم يبيِّض وجوهنا؟! ويثقِّل موازيننا؟! ويدخلنا الجنة؟! ويزحزحنا عن النار؟! فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة، فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار -ﷻ- وتقدَّست أسماؤه، قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب -﵎- يضحك إليهم، ويقول: يا أهل الجنة، فيكون أول ما يسمعونه منه تَعَالَى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، ولم يروني؟ فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه، فيكشف لهم الرب -ﷻ- الحجب، ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله تَعَالَى قضى أن لا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تَعَالَى محاضرةً، حتى أنه ليقول: يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، يذكِّره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي، فيقول: بلى بمغفرتي بلغت منزلتك هذه.\nفيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة، ويا ذلَّة الرّاجعين بالصفقة الخاسرة، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٥].","vol":"3","page":273},{"text":"فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا … مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ\nوَلَكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تَرَى … نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلِّمُ (^١)\nوإن لهذا النعيم العظيم أسبابًا، ينال بها، جلَّاها الله لنا في كتابه وعلى لسان رسوله -ﷺ-، منها:\n١ - طاعة الله ورسوله: قال -﵎-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧]. وعن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (^٢).\n٢ - التوحيد؛ فعن عبادة بن الصامت -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (^٣)، وعن أبي هريرة -﵁- «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٨٠ - ٢٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٢٨٠).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٣٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٤).","vol":"3","page":274},{"text":"٣ - العمل الصالح، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤].\n٤ - التقوى، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١]، «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ بِهِ النَّاسُ النَّارَ؟ فَقَالَ: الْأَجْوَفَانِ: الْفَمُ، وَالْفَرْجُ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ النَّاسُ بِهِ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: حُسْنُ الْخُلُقِ» (^١).\n٥ - المراقبة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].\n٦ - إقامة الصلاة، لا سيما البردين، قال تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] إلى أن قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩ - ١١]، وعن أبي موسى -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ الجَنَّةَ» أي: الفجر والعصر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٠٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٦)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٩٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٤)، وأخرجه مسلم، رقم الحديث: (٦٣٥).","vol":"3","page":275},{"text":"٧ - النفقة في سبيل الله، قال تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] إلى أن قال سُبْحَانَهُ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٧ - ١٢].\n٨ - الجهاد في سبيل الله: قال -﵎-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، وعن أبي هريرة -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (^١).\n٩ - الصبر على البلاء، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩] لا سيما الصبر على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٧٨٧).","vol":"3","page":276},{"text":"فقد البصر؛ فعن أنس بن مالك -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» (^١) أي: عينيه، والصبر على فقد الأبناء؛ فعن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ! فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» (^٢).\n١٠ - كفالة اليتيم؛ فعن سهل بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: «وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (^٣).\n١١ - طاعة المرأة لزوجها ورضاه عنها، فعن عبد الرحمن بن عوف، قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (^٤).\n١٢ - إحصاء تسعة وتسعين من أسماء الله -﷿-؛ فعن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٣).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٠٣٩)، والترمذي، رقم الحديث: (١٠٢١)، واللفظ له، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٤٠٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٣٠٤).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٨٣)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٠٣).\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٧٣٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).","vol":"3","page":277},{"text":"قال ابن بطال -﵀-: «الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل، فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها كالرحيم والكريم والعفو ونحوها، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي، وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها» (^١).\n١٣ - الدعاء وسؤال الله وراثتها، كما سألها أبو الأنبياء إبراهيم -﵇-، فقال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥]، وقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِرَجُلٍ: «كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-949>الأثر العاشر: الدعاء باسم الله الوارث:</span>\nيحسن بالعبد الذي عرف اسم ربه الوارث أن يدعوه ويتوسل إليه به؛ امتثالًا لقوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، واقتداء بنبي الله زكريا -﵇- الذي سأل ربه الولد به، فقال كما حكى الله عنه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] لا سيما إذا تناسب مطلوبه مع هذا الاسم الكريم، كما في دعاء زكريا -﵇-؛ فقد كان يرجو وارثًا للنبوة من بعده، كما قال الله عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١٣/ ٣٧٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦١٤٣)، وأبو داود، رقم الحديث: (٧٩٢)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٤٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣١٦٣).","vol":"3","page":278},{"text":"الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ - ٦] فناسب أن يسأله باسمه الوارث (^١).\nكما يحسن بالعبد أن يسأل ربه أن يورثه ما ينفعه؛ اقتداء برسول الله -ﷺ- الذي كان من دعائه: «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي، وَعَافِنِي فِي بَصَرِي، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (^٢)، ومن دعائه ما رواه ابن عمر -﵁- قال: «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» (^٣)، والمعنى: أبقِ السمع والبصر وسائر القوى سليمة صحيحة، نتمتع بها إلى أن نموت؛ لأن الإنسان إذا فقد بصره قبل أن يموت، يكون هو الوارث لبصره، وكذا إذا فقد سمعه قبل أن يموت أو قوته يكون هو الوارث لها؛ لأنه\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٨٢٥)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٢١١).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٠٢)، والنسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠١٦١)، حكم الألباني: حسن، صحيح الكلم الطيب، رقم الحديث: (١٢٦٨).","vol":"3","page":279},{"text":"فقدها، أما إذا استمتع ببصره وسمعه وقوته إلى أن مات، فهذه الجوارح هي التي ورثته، فليتأمل هذا؛ فإن فيه فائدة عظيمة.\nفاللهم يا وارثَ، متِّعْنَا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا،\nواجعله الوارث منا.","vol":"3","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-950>الواسِعُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-951>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «والوسع والسعة: الجدة والطَّاقة، قال تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] أي: على قدر غناه وسعته، والهاء عوض عن الواو، وأوسع الرجل، إذا صار ذا سعة وغنًى» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(وسع) الواو والسين والعين: كلمة تدل على خلاف الضيق والعسر، يقال: وسع الشيء واتسع، والوسع: الغنى، والله الواسع أي الغني، والوسع: الجدة والطاقة، وهو ينفق على قدر وسعه، وقال تَعَالَى في السعة: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-952>ورود اسم الله (الواسع) في القرآن الكريم:</span>\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (الواسع) في القرآن تسع مرات، ومن وروده ما يلي:\n١ - قوله تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].\n٢ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ١٢٩٨).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ١٠٩).","vol":"3","page":281},{"text":"٣ - وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-953>ورود اسم الله (الواسع) في السنة النبوية:</span>\nلم يرد اسم الله (الواسع) في السنة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-954>معنى اسم الله (الواسع) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]-: «يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال، والجود والتدبير» (^١).\nقال الخطابي -﵀-: «(الواسع) هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه» (^٢).\nقال الحليمي -﵀-: «الكثيرة مقدوراته ومعلوماته، والمنبسط فضله ورحمته، وهذا تنزيه له من النقص والعلة واعتراف له بأنه لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء ورحمته وسعت كل شيء» (^٣).\nقال القرطبي -﵀-: «أي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم، وقيل: (واسع) بمعنى أنه يسع علمه كل شيء» (^٤).\nقال السعدي -﵀-: «واسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان\n_________\n(^١) جامع البيان، للطبري (١/ ٤٠٣).\n(^٢) شأن الدعاء (ص: ٧٢).\n(^٣) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٨).\n(^٤) تفسير القرطبي (٢/ ٨٤).","vol":"3","page":282},{"text":"والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم» (^١)، وقال أيضًا: «كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه» (^٢).\nاقتران اسم الله (الواسع) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nأولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الواسع) باسمه سُبْحَانَهُ (العليم):\nتقدم بيانه في اسم الله «العليم».\nثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ «الواسع» باسمه سُبْحَانَهُ «الحكيم»:\nتقدم بيانه في اسم الله «الحكيم».\n\n<span data-type='title' id=toc-955>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الواسع):</span>\n<span data-type='title' id=toc-956>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الواسع) من الصفات، ودلالته على التوحيد:</span>\nالله -﷿- هو الواسع، واسع القدرة، وواسع الملك، وواسع العلم، وواسع المغفرة، وواسع الرحمة، وواسع الرزق، وواسع الفضل والإحسان، وواسع في شرعه وحكمه، وواسع في نعيمه للمؤمنين في الآخرة، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، وسعته سُبْحَانَهُ لا حد لتعلقاتها؛ إذ هو الواسع المطلق -ﷻ-.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٩٤٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٢٠٧).","vol":"3","page":283},{"text":"وبيان سعته فيما سبق يتضح من خلال ما يلي:\n- سعة قدرة الواسع:\nالله تَعَالَى واسع في قدرته، قدرته التي شملت كل شيء، فلا يقف أمامها شيء، ومن ثم لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].\nومن تأمَّل في عظم خلق الله علم قدرته، ومن ذلك خلقه للملائكة، وفي الحديث: أن النبي -ﷺ- أخبر عن جبريل -﵇- أن له ستمائة جناح؛ يقول -ﷺ-: «الرُّوحُ الأَمِينُ جِبْرِيلُ -﵇- لَهُ سِتمائِةُ جَنَاحٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ، قَدْ نَشَرَهَا مِثْلَ رِيشِ الطَّوَاوِيسِ» (^١).\nوعن عائشة -﵂-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ -﵇- مهبطًا، قَدْ مَلَأ مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ، عَلَيْهِ ثِيَابُ سُنْدُسٍ، مُعَلَّقٌ بِهَا اللُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ» (^٢).\n- سعة ملك الواسع:\nالله تَعَالَى واسع في ملكه وعظم سلطانه، فلا يخرج شيء عنه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٨]، ومن دلائل ذلك، قوله تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في كتاب (العظمة) (٢/ ٨٠١).\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في كتاب (العظمة) (٢/ ٧٦٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٣٤٨٥).","vol":"3","page":284},{"text":"«وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تَعَالَى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، قال رسول الله -ﷺ-: «يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ» (^١).\n«وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فُحولُ الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب» (^٢).\n- سعة علم الواسع:\nالله تَعَالَى واسع في علمه، شامل محيط لا يندُّ عنه شيء في الزمان ولا المكان، ولا الأرض ولا السماء، ولا البر ولا البحر، فسواء عنده ما كان في جوف الأرض أو طباق الجو، لا يخفاه علم حي أو ميت، يابس أو رطب، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩]، ويقول تَعَالَى أيضًا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في كتاب (العظمة) (٢/ ٥٦٩). حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٠٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ١١٠).","vol":"3","page":285},{"text":"- سعة مغفرة الواسع:\nالله تَعَالَى واسع في مغفرته وعفوه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] «فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة» (^١)، وسعت مغفرته ذنوب العباد، فمهما عظمت فإن عفو الله ومغفرته أوسع وأعظم، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\n- سعة رحمة الواسع:\nالله تَعَالَى واسع في رحمته، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال حملة العرش في دعائهم لربهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] «من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦] المعاصي، صغارها وكبارها …» (^٢).\n- سعة رزق الواسع:\nالله وسع الخلائق برحمته- كما تقدم- التي كان من آثارها: سعة الخلائق بالرزق، فتكفل الله سُبْحَانَهُ بأرزاق الخلائق، صغيرهم وكبيرهم، بحريهم وبريهم، جليلهم وحقيرهم، فلا يخرج أحد عن رزقه كائنًا من كان، قال تَعَالَى:\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٨٢١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٣٠٥).","vol":"3","page":286},{"text":"﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (^١)، ويقول تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].\n- سعة فضل الواسع وإحسانه:\nالله تَعَالَى واسع الفضل، وسع الخلائق بفضله وجوده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [يونس: ٦٠]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وليس لهذا الفضل والجود والكرم والإحسان حد ولا غاية، فلا يحد بطريق معين، بل ولا بطرق معينة، فأسباب فضله وأبواب إحسانه لا نهاية لها، فلا يزال كريما محسنًا متفضلًا على عباده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤].\n- سعة شريعة الواسع:\nالله تَعَالَى واسع في تشريعه وحكمه، فالشريعة التي أنزلها الله واسعة كافية كاملة، تفي بكل حاجات العباد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄-، «قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام، أخبر الله نبيه -ﷺ- والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٥).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦).","vol":"3","page":287},{"text":"ومن مظاهر سعتها: أن الله وسع فيها على عباده، فلم يكلفهم ما ليس في وسعهم وطاقتهم، جعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل حرج يسرًا، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، كما قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة: ١٨٥].\nووجه ذلك: أنه سُبْحَانَهُ ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها، فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تَعَالَى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانًا، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف، خفف ما أمر به، إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تجب في الحضر أربعًا، وفي السفر تقصر إلى ثنتين، وتصلى رجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال -﵊-: «إِنَّمَا بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (^١)، وقال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ …» (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٧٢٢)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٧١٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٩٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٩).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، تفسير السعدي (ص: ١٢٠، ٥٤٧).","vol":"3","page":288},{"text":"وهذه التوسعة من الله على عباده في دينهم؛ تدعوهم إلى فهم الدين فهمًا صحيحًا لا غلو فيه ولا جفاء، بل الوسطية التي أرادها الله من هذه الأمة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (^١).\nوهذه التوسعة أيضًا تورث في النفوس اغتباطًا وفرحًا بالشريعة التي وفقه الله وهداه للإيمان بها، فيسعى للثبات عليها، والدعوة إليها، والجهاد في سبيل نشرها وإيصالها للمحرومين.\n- سعة نعيم الواسع في الأخرة:\nالله واسع فيما أعد لعباده الموحدين، مما احتوت عليه دار النعيم من الخيرات والمسرات والأفراح واللذات المتتابعات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، كما قال تَعَالَى على لسان رسوله: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^٢) (^٣).\nوأوضح الله لنا سعة ما فيها من النعيم، فقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] «وهذا لفظ جامع، يأتي على كل نعيم وفرح،\n_________\n(^١) فيسر الشريعة لا يعني- كما يفهم بعض الناس- ترك الالتزام بالدين، وارتكاب ما حرَّم الله.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير، (٦/ ٣٦٥)، تفسير السعدي (ص: ١٨٨).","vol":"3","page":289},{"text":"وقرة عين، وسرور قلب، فكل ما اشتهته النفوس، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومناكح، ولذته العيون، من مناظر حسنة، وأشجار محدقة … ومبان مزخرفة، فإنه حاصل فيها، معد لأهلها، على أكمل الوجوه وأفضلها» (^١).\nوما ذكر من سعة الواسع -﷿- إنما هو غيض من فيضه الواسع سُبْحَانَهُ، وما يمكن لعبد مخلوق أن يكتب فيها وقد وسع كل شيء رحمة وعلمًا! فالله الواسع دائم بلا انتهاء عز شأنه وتقدست أسماؤه.\nوإذا تقرر لدى العبد عظمة سعة الواسع وشمولها لصفاته كلها؛ تيقن أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا به -﷿- الرب الواسع الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون (^٢).\nوكما أن اسم الله (الواسع) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله «ذو الجلال والإكرام»، و«القدير»، و(الكريم)، و(الرحيم) إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-957>الأثر الثاني: محبة الله الواسع:</span>\nإن المسلم إذا تأمَّل هذا الاسم الجليل لله تَعَالَى، لا بد أن تأسر قلبه محبة الله، وتزداد تمكُّنًا من سويدائه.\nفهو تَعَالَى واسع في رحمته، واسع في مغفرته، واسع في علمه، واسع في جميع صفاته، فلا يجد العاقل بُدًّا من حب هذا الإله الجميل الجليل جل في\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٧٦٩).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص ١٢٥).","vol":"3","page":290},{"text":"علاه؛ مما يثمر الإقبال على طاعته، والبحث عما يرضيه ويحبه، وهذا هو طريق الفلاح في الدنيا والآخرة؛ فإن المحب ساع ولا بد في إرضاء محبوبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-958>الأثر الثالث: سؤال الله نعيم الجنة الواسع:</span>\nإن من آثار اسم الله «الواسع» سُبْحَانَهُ ما أعده لعباده الموحدين، مما احتوت عليه دار النعيم من الخيرات والمسرات والأفراح واللذات المتتابعات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخير الدنيا والآخرة وألطافها من فضله وسعته وجميع الأسباب والطرق المفضية إلى الراحات والخيرات، كلها من فضله.\nتفكر في آيات الله تَعَالَى، وهو يتحدث عن النعيم الذي أعده لعباده المتقين ووسع به على أحبابه المؤمنين: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].\nفكل ما تشتهيهه الأنفس في جنة الله الواسع من «المشارب، والمآكل والمناكح، والفرش والسرر، والأواني، وأنواع الحلي والملابس، والخدم إلى غير ذلك.\nأما المآكل: فقد قال تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣]، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، وقال تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"3","page":291},{"text":"وأما المشارب، فقد قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٦].\nوقال تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧ - ١٨].\nوقوله تَعَالَى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٩].\nوقال تَعَالَى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٥ - ٤٧].\nوقال تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥].\nإلى غير ذلك من الآيات.\n- وأما الفرش: فانظر إلى ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك، في آيات كثيرة، كقوله تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤].\nوقوله تَعَالَى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦].\nوقوله تَعَالَى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٥ - ١٦].\nوالسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب» (^١).\n_________\n(^١) أضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"3","page":292},{"text":"يقول الطاهر ابن عاشور -﵀-: «﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، أي: لا تبلغ نفس من أهل الدنيا معرفة ما أعد الله لهم، قال النبي -ﷺ-: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^١).\nفدل على أن المراد بـ «نفس» في هذه الآية أصحاب النفوس البشرية.\nفإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركبها الخيال، من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسموعات، مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر، فكل ذلك قليل في جانب ما أعد لهم في الجنة من هذه الموصوفات (^٢).\nويعقد لنا الشيخ السعدي -﵀- مقارنة سريعة بين الدنيا والآخرة؛ ليحث العباد إلى السعي؛ لتحصيل ما أعده الواسع لخلقه من النعيم في الآخرة:\n«فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها- كما ذكر النبي -ﷺ- في الحديث الثابت عنه- أنَّ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (^٣)، ولذاتها صافية عن\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٢٥٠).","vol":"3","page":293},{"text":"المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال الله على لسان نبيه -ﷺ-: «أَعْدَدْتُ لِعَبادي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^١).\nوأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص، الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه.\nوأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها، فإذا فكَّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور؛ عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له والاجتهاد لطلبه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-959>الأثر الثالث: إذا أُغلق باب فتح الواسع بابًا آخر:</span>\nإذا علم العبد أن اللهتَعَالَى واسع العلم، استكان ورضي بالقدر خيره وشره، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، فهو تَعَالَى واسع العلم والحكمة، وعام القدرة، ونافذ المشيئة، وواسع الفضل والإحسان والرحمة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) تفسير السعدي (ص ١٨٧).","vol":"3","page":294},{"text":"فلا يعلق العبد قلبه بالأسباب، بل يعلقه بمسببها، ولا يتشوش إذا انسد عنه باب منها، فإنه يعلم أن الله واسع عليم، وأن طرق فضله لا تعد ولا تحصى، وأنه إذا انغلق منها شيء انفتح غيره مما قد يكون خيرًا وأحسن للعبد عاقبة.\nقالتَعَالَى مشيرًا إلى هذه الحالة التي كثير من الناس لا يوفقون لها-: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] لما كانت هذه الحال، وهي حال الفراق يغلب على كثير من الزوجات الحزن، ويكون أكبر داع لهذا الحزن ما تتوهمه من انقطاع رزقها من هذه الجهة التي تجري عليها، فوعد الله الجميع وبشَّرهم بفتح أبواب الخير لهم، وأنه سيعطيهم من واسع فضله، أما هذه فبزوجٍ هو أصلَحُ لها من المطلِّق الأوِّل، أو برزق واسع وعصمة، وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلَّقة، أو عفَّة ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه.\nوكم من عبد بهذه المثابة له سبب وجهة من الجهات التي يجري عليه الرزق، فانغلقت، ففتح الله له بابًا أو أبوابًا من الرزق والخير، وبهذا يعرف الله، ويعلم أن الأمور كلها منه، وأنه ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].\nفالله سُبْحَانَهُ واسع العلم بحال خلقه، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-960>الأثر الرابع: طلب المغفرة والرحمة من الواسع:</span>\nالله -﷾- هو الواسع، الذي وسع بمغفرته جميع عباده ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه، فهو تَعَالَى: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧].\nفتح للعباد باب التوبة، وبث الأمل في قلوب العصاةوالمذنبين، فمهما عظم الذنب، ومهما كبر الجرم، فما على العبد إلا أن يُقبل على ربه؛ ليشمله بمغفرته ويسعه بعفوه، يقول -﷿-: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٤]، «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١)، يوفق عبده للتوبة، ويقبلها منه، كما قال -﷿- في سورة التوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا.\nوالمؤمن الراجي رحمة ربه، ويخاف أن يطرد من جواره، هو من يأخذ بأسباب المغفرة ويبحث عنها، ومن سعة مغفرة الله تَعَالَى، أنه هيأ أسبابًا كثيرة لمغفرته، حتى يسهل للعبد أن يصيبها، ومنها:\nالاستغفار: واقرؤوا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].\nفمن لازم الاستغفار؛ كان ذلك أدعى أن يغفر له الله تَعَالَى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٩).","vol":"3","page":296},{"text":"الذكر: لأن ذكر الله يمحو عن القلب الغفلة، فإذا محيت الغفلة عن القلب، وكان الإنسان في حضرة ربه حاضر القلب، ولم يكن قلبه غافلًا عن جلال الله وهيبته، فإن هذا الحضور المعبَّر عنه بالذكر هو سبب من أسباب المغفرة.\nقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].\nفعل الطاعات: قال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فأخذوا بسبب من أسباب المغفرة، ثم طلبوا تلك المغفرة، فقالوا: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فما طلبوا المغفرة إلا بعد أن سمعوا وأطاعوا، أي: بعد فعلهم لطاعة الله -﵎-.\nالتوبة النصوح في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات، قال الله تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فإذا تبتم أفلحتم ونجحتم وسعدتم في الدنيا والآخرة.\nكلمة التوحيد.\nاجتناب الكبائر، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].\nنسأل الله الكريم أن يسع عباده المؤمنين بفيض عطائه ورحماته،\nوأن يتجاوز عنهم ويغفر لهم، إن ربنا واسع المغفرة، إنه البَرّ الرحيم.","vol":"3","page":297},{"text":"الأسماء التي ثيتت في السنة النبوية فقط","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-962>الجمِيلُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-963>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الجمال: الحُسْن، وقد جَمُلَ الرجلُ- بالضم- جَمالًا فهو جميل» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الجيم والميم واللام أصلان: أحدهما: تَجمُّعُ وَعِظَمُ الخَلق … أَجْمَلْتُ الشَّيْء، وهذه جملة الشيء، وَأَجْمَلْتُهُ: حَصَّلْتُهُ … والأصل الآخر: الجمال، وهو ضد القبح، ورجل جميل وَجُمَال» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-964>ورود اسم الله (الجميل) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد اسم الله (الجميل) في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-965>ورود اسم الله (الجميل) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الجميل) في السنة النبوية، ومن وروده فيها ما يلي:\nعن عبد الله بن مسعود -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٦٦١).\n(^٢) مقاييس اللغة (١/ ٤٨١).","vol":"3","page":301},{"text":"ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (^١).\nثبوت اسم الله (الجميل) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الجميل) في حق الله تَعَالَى:\nابن القيم -﵀-: في قوله: «ومن أسمائه الحسنى الجميل» (^٢).\nابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-966>معنى اسم الله (الجميل) في حقه تعالى:</span>\nقال ابن القيم -﵀-: «وجماله سُبْحَانَهُ على أربع مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة» (^٤).\nيقول الشيخ السعدي -﵀-: «الجميل من له نعوت الحُسْن والإحسان، فإنه جميل في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).\n(^٢) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: ٤١٩).\n(^٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).\n(^٤) الفوائد (ص: ١٨٢).\n(^٥) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ١٧٨ - ١٨٠).","vol":"3","page":302},{"text":"قال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوَهوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لَا … وَجَمَالُ سَائِرِ هَذِهِ الأَكْوَانِ\nمِن بَعْضِ آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّها … أَوْلَى وَأَجْدَرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ\nفجمالُهُ بالذَّاتِ والأَوْصَافِ والـ … أَفْعَالِ والأَسْمَاءِ بالبُرْهَانِ\nلا شيءَ يُشْبِهُ ذاتَهُ وصفاتِهِ … سُبْحَانَهُ عَنْ إِفْكِ ذِي البُهْتَانِ (^١)\nالآثارالمسلكية للإيمان باسم الله (الجميل):\n\n<span data-type='title' id=toc-967>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الجميل) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالله -﷿- جميل يحب الجمال، تفرَّد سُبْحَانَهُ بالجمال الكامل، ووهب بعض الجمال لبعض خلقه وسلبهم الجلال، وأعطى الجلال لبعض خلقه وسلبهم الجمال، وأعطى سُبْحَانَهُ الجمال مع الجلال لبعض خلقه، لكنه سُبْحَانَهُ سلبهم دوام الحال، وتفرَّد الربُّ الجميل سُبْحَانَهُ بالجمال والجلال مع دوام الحال.\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢٠٣).","vol":"3","page":303},{"text":"يقول ابن القيم -﵀-: «مِن أعزِّ أنواع المعرفة: معرفة الرب سُبْحَانَهُ بالجمال، وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمُّهم معرفة: من عرفه بكماله وجلاله وجماله سُبْحَانَهُ، ليس كمثله شيء في سائر صفاته، ولو فرضتَ الخلقَ كلَّهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة، ونسبتَ جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سُبْحَانَهُ؛ لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس، ويكفي في جماله: (لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) (^١)، ويكفي أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته، فما الظنُّ بمن صَدَرَ عنه هذا الجمال.\nويكفي في جماله سُبْحَانَهُ: أن له العزة والقوة، والجود والإحسان، والعلم والفضل، ونور وجهه أشرقت له الظلمات، كما قال النبي -ﷺ- في دعائه: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (^٢)، وقال عبد الله بن مسعود -﵁-: (إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، نَورُ السَّمَوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ) (^٣)، فهو سُبْحَانَهُ نور السموات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنوره» (^٤)، فلا يستطيع بشر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (١٤٧٦٤)، حكم الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٢٩٣٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود في الزهد، رقم الحديث: (١٥٨)، والطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث: (٨٨٨٦)، قال الهيثمي: فيه أبو عبد السلام، قال أبو حاتم: مجهول، ينظر: في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨).\n(^٤) الفوائد (ص: ١٨٢).","vol":"3","page":304},{"text":"النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار، فإذا رأوه سُبْحَانَهُ في جنات عدن أنستهم رؤيته ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون- حينئذ- إلى شيء غيره (^١).\nومن مظاهر جماله سُبْحَانَهُ:\nأنه جميل في ذاته سُبْحَانَهُ: «فلا يمكن لمخلوق أن يعبر عن بعض جمال ذات الله تَعَالَى، حتى إن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم، واللذات والسرور، والأفراح التي لا يُقَدر قدرها إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله؛ نسوا ما هم فيه من النعيم، وتلاشى ما هم فيه من الأفراح، وودُّوا أن لو تدوم هذه الحال؛ ليكتسبوا مِن جماله ونوره جمالًا إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم، ونزوع إلى رؤية ربِّهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب.\nأنه جميل في أسمائه سُبْحَانَهُ: فأسماؤه كلها حسنى، بل هي أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها، يقول تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فكلها دالة على غاية الحمد والمجد والكمال، لا يسمى باسم منقسِم إلى كمال وغيره.\nأنه جميل في أوصافه سُبْحَانَهُ: فإن أوصافه كلها أوصاف كمال، ونعوت ثناء وحمد، فهي أوسع الصفات، وأعمها، وأكثرها تعلقًا، خصوصًا أوصاف الرحمة، والبر، والكرم، والجود.\n_________\n(^١) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ٤٢١).","vol":"3","page":305},{"text":"أنه جميل في أفعاله سُبْحَانَهُ: فإنها دائرة بين أفعال البِر والإحسان- التي يُحمَد عليها، ويُثنى عليه ويُشكر- وبين أفعال العدل التي يُحمَد عليها لموافقتها للحكمة والحمد، فليس في أفعاله عبث ولا سَفه، ولا سُدًى ولا ظلم، كلها خير وهدى، ورحمة ورشد، وعدل، يقول تَعَالَى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، فلكماله الذي لا يحصي أحد عليه به ثناءً، كَمُلَتْ أفعاله كلها، فصارت أحكامه من أحسن الأحكام، وصنعه وخلقه أحسن خلق وصنع، وأتقن ما صنعه، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]، وأحسن ما خلَق ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال -ﷺ-: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^١)، فسبحان الله، وتقدَّس عما يقوله الظالمون النافون لكماله علوًّا كبيرًا، وحَسْبُهم مقتًا وخسارًا أنهم حُرموا من الوصول إلى معرفته والابتهاج بمحبته (^٢).\nوحري بمن عرف اسم الله الجميل، وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله وحده جمال عفوه وعافيته في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٩).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى، للسعدي (ص: ١٧٨ - ١٨٠).","vol":"3","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-968>الأثر الثاني: أعظم النعيم رؤية الجميل -﷿- في الجنة:</span>\nاشتاقت قلوب العابدين والمحبين لرؤية وجه الله الجميل يوم القيامة، يقول الله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «أي: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان، فهؤلاء الذين أحسنوا، لهم الحسنى، وهي الجنة الكاملة في حسنها، وزيادة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون» (^١).\nولذا كان -ﷺ- يكثر في دعائه من قول: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» (^٢)، وفي الحديث الآخر قال -ﷺ-: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ -﵎-: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -﷿-».\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٣٦٢).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥)، والنسائي، رقم الحديث: (١٣٠٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم الحديث: (١٣٠١).","vol":"3","page":307},{"text":"يقول ابن القيم -﵀-:\nأو ما سمعتَ سؤالَ أعرفِ خلقِهِ … بجلالِهِ المبعوثِ بالقرآنِ\nشوقًا إليه ولَذَّةَ النظرِ التي … بجلالِ وجهِ الرَّبِّ ذي السلطانِ (^١)\nفالشوقُ لَذَّةُ روحِهِ في هذه الـ … ـدُنْيَا ويومَ قيامةِ الأبدانِ\nوالله ما في هذِهِ الدُّنيا ألـ … ـذُ مِن اشتياقِ العبدِ للرحمنِ\nويقول- أيضًا -﵀-:\nوالله لولا رؤيةُ الرحمنِ في … الجناتِ ما طابَتْ لِذِي عرفانِ\nأعلى النعيمِ نعيمُ رؤيةِ وجهِهِ … وخطابُهُ في جنةِ الحيوانِ (^٢)\nفرؤية الله سُبْحَانَهُ هي الغاية التي شمَّر إليها المشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، ورؤية الله سُبْحَانَهُ إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم.\n_________\n(^١) النونية (ص: ٣٤٥).\n(^٢) النونية (ص: ٣٤٥).","vol":"3","page":308},{"text":"وقد وردت أحاديث كثيرة في أعمال تورث رؤية الله -ﷻ-، منها:\n١ - الإيمان بالله وتوحيده:\nيقول تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]، والإحسان أعلى مراتب الإيمان.\n٢ - الحرص على أداء الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها:\nخصوصًا الفجر والعصر، فعن جرير بن عبد الله -﵁-، قال: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]» (^١).\n٣ - الابتعاد عن المعاصي والذنوب:\nيقول -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٦٣٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٦).","vol":"3","page":309},{"text":"٤ - الدعاء:\nيقول تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وكان النبي -ﷺ- يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-969>الأثر الثالث: محبة الجميل سُبْحَانَهُ:</span>\nالمحبة لها داعيان: داعي الجمال والإجلال، والله جميل يحب الجمال، بل الجمال له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يُحَب بذاته من كل وجه سواه؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يُرَى من جمال في خلق الله -﷿- هو من جماله سُبْحَانَهُ، فحقيق بمن هذا وصفُه أن يُحَب لذاته؛ فليس في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله صفة نقص وذم، بل هي جميلة كلها، حسنى كلها، طيبة كلها، خير كلها.\nقال ابن القيم -﵀-: «والله سُبْحَانَهُ تعرَّفَ إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له؛ فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به، والله له الكمال المطلق من كل وجه؛ الذي لا نقص فيه بوجه ما» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٦١٥) والنسائي، رقم الحديث: (١٢٣٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (١٣٠٠٥).\n(^٢) روضة المحبين (ص: ٤٢٠ - ٤٢١).","vol":"3","page":310},{"text":"يقول ابن القيم -﵀-: «… وأما جمال الذات وما هو عليه، فأمر لا يدركه سواه، ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تَعَرَّفَ بها إلى مَن أكرمه مِن عباده؛ فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار محجوب بستر الرداء والإزار، كما قال رسول الله -ﷺ- فيما يحكي عنه-: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي …) (^١)، قال ابن عباس -﵁-: (حجب الذاتَ بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمالٍ حُجِبَ بأوصاف الكمالِ، وسُتِرَ بنعوت العظمة والجمال)» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-970>الأثر الرابع: الجمال الحقيقي جمال المخبر لا المظهر:</span>\nالله جميل يحب الجمال، والجمال الحقيقي هو جمال المخبر لا جمال المظهر، فالقلب هو محل نظر الرب، والسلامة منوطة به في قوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨].\nيقول الشيخ ابن عثيمين -﵀- في شرح حديث: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» (^٣): «هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فالله -﷾- لا ينظر إلى العباد إلى أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلى الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٠١٦)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٩٠)، وهو عند مسلم بنحوه، رقم الحديث: (٢٦٢٠)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥١١٠).\n(^٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٨٢).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).","vol":"3","page":311},{"text":"ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلى الأنساب؛ هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلى الأموال، ولا ينظر إلى شيء من هذا أبدًا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوى، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم؛ إذًا لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبدًا، إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك، فاحمد الله عليه؛ لقوله -﵊-: (وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ)، فالقلوب هي التي عليها المدار» (^١).\nولذلك أثنى الله سُبْحَانَهُ على الذين جاءوا من بعد الصحابة، في قوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، وهي أفضل صفة ذكرت فيهم، وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: «قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-971>الأثر الخامس: الله -﷿- هو واهب الجمال والحُسْن لمن يشاء:</span>\nمن تأمل في مخلوقات الله، رأى فيها الجمال والحسن بالخلق والتصور، ومما ورد نصه في القرآن والسنة، ما يلي:\n_________\n(^١) شرح رياض الصالحين (١/ ٦٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢١٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢١٦).","vol":"3","page":312},{"text":"خلق الإنسان: فقد خلق الله تَعَالَى الإنسان في أحسن صورة وأجمل تقويم، وجعلهم متفاوتين في هذا الحُسن والجمال، وجمال الإنسان على ضربين: جمال مظهر، وجمال مخبر، جمال المظهر الخلق وهبه الله خلقه، وجعلهم متفاوتين فيه، وجمال المخبر الخلق خص به من عباده من شاء:\nفأعطى يوسف شطر الحُسن، كما قال -ﷺ-: «ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ -ﷺ-، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ -ﷺ-، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ …» (^١)، ويقول تَعَالَى عن حال النسوة لما رأينه: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] (^٢)، وأعطاه حسن الخلق والإحسان للخلق ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].\nوأعطي محمد -ﷺ- من جمال المظهر والمخبر حظًّا وافرًا،، فعن أنس بن مالك في وصف النبي -ﷺ-: «كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلَا آدَمَ لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ …» (^٣)، وعن البراء بن عازب -﵁- قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٤٧).","vol":"3","page":313},{"text":"أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ» (^١).\nوقد كان النبي -ﷺ- أحسنَ الناس أخلاقًا: سماحة وشجاعة، وحلمًا وكرمًا، ورحمة وشفقة، وصلة وبِرًّا، كما وصفته خديجة -﵂- بقولها: «إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» (^٢)، وعن أنس -﵁- قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ، وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ» (^٣)، وقال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ …» (^٤)، وفي حديث عن عبد الله بن عمرو، قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -ﷺ- فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (^٥).\nخلق السماء ومافيها: وفي ذلك في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، يقول السعدي -﵀- عند هذه الآية: «أي ولقد جمَّلنا ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ التي ترونها وتليكم، ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفًا مظلمًا، لا حسن فيه ولا جمال، ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، (وجمالًا)، ونورًا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٣٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٠٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٢٠)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٠٧).\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٩٩) ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢١).\n(^٦) تفسير السعدي (ص: ٨٧٥).","vol":"3","page":314},{"text":"خلق الأرض وما فيها: وفي ذلك في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، فالله هو الذي زين الأرض وجمَّلها بأنواع الحدائق والبساتين والأشجار والأزهار والخضرة، ذات البهجة والحُسن والجمال، بحيث إن الناظر إليها يبتهج وتفرح نفسه بها، وينشرح صدره بسببها.\nخلق الأنعام: وفي ذلك يقول تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، أي: «في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم، وأموالكم، وتعجبون بذلك» (^١).\nومن نظر في سائر الكون وما يحويه، رأى الإعجاز والجمال والإتقان في كل ما حوله، فتبارك الله وتَعَالَى أحسن الخالقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-972>الأثر الخامس: ملازمة كل خلق جميل:</span>\nإن من أفاض الله عليه من صفة الجميل فتح له جمال المعاني، وحلاوة الإيمان، وحسَّن خَلْقَهُ وخُلُقَهُ، وزادت هيبته في بحر جماله، فلا يرضى العبدُ بقبيح الفعال وسوء الخصال؛ لئلا يخرج عن فيض الجمال، فيأنف العبد بطبعه وذكاء روحه كل قبيح، ولا يرضى أن يتدنس بحرام قط، أو بخلق ذميم.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٣٦).","vol":"3","page":315},{"text":"وبيَّن الله سُبْحَانَهُ في مواضع كثيرة أن جمال الظاهر لا يكفي، وأمر وأوصى نبيه -ﷺ- وأمته بالتجمل في الأقوال والأفعال في آيات عديدة:\nفأمر تَعَالَى بالصبر الجميل في قوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] أي: «اصبر على دعوتك لقومك صبرًا جميلًا، لا تضجر فيه ولا ملل، بل استمر على أمر الله، وادع عباده إلى توحيده، ولا يمنعك عنهم ما ترى من عدم انقيادهم، وعدم رغبتهم؛ فإن في الصبر على ذلك خيرًا كثيرًا» (^١).\nوأمر تَعَالَى بالهجر الجميل في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] «أمره بالصبر على ما يقول فيه المعاندون له ويسبونه ويسبون ما جاء به، وأن يمضي على أمر الله، لا يصده عنه صادٌّ، ولا يرده رادٌّ، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا، وهو الهجر حيث اقتضت المصلحة، الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن» (^٢)، وقيل: الهجر في ذات الله، كما قال -﷿-: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].\nوأمر سُبْحَانَهُ بالصفح الجميل، في قوله تَعَالَى: ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقامُ\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٨٨٥).\n(^٢) المرجع السابق (ص: ٨٩٢).","vol":"3","page":316},{"text":"العقوبةَ، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة (^١).\nأمر سُبْحَانَهُ بالسراح الجميل، في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وقال- في السورة نفسها-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] … أي: أن يفارقوهن فراقًا جميلًا من غير مخاصمة، ولا مشاتمة، ولا مطالبة، ولا غير ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-973>الأثر السادس: ملازمة كل قول جميل:</span>\nوبذلك تظهر جمال اللغة وجمال الأدب، وجمال هذا الدين العظيم، وأصل هذا الباب: قوله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلم بعضهم بعضًا بغير التي هي أحسن، فَرُبَّ حربٍ وقودُهَا جثثٌ وهام، أهاجها القبيحُ من الكلام، وفي الصحيحين من حديث سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي» (^٣)، و«خَبُثَتْ»، و«لَقِسَتْ»، و(غَثتْ) متقاربة المعنى؛ فَكَرِهَ رسولُ الله -ﷺ- لفظ (الخبث) لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، وإن كان\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ٤٣٤).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٦٦٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١٧٩)، ومسلم (٢٢٥١).","vol":"3","page":317},{"text":"بمعناه تعليمًا للأدب في المنطق، وإرشادًا إلى استعمال الحَسَن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال» (^١).\nيقول ابن القيم -﵀-: «ومن محاسن الفراسة:\nأن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران، فقال لوزيره الفضل بن الربيع: ما هذه؟ قال: عروق الرماح يا أمير المؤمنين، ولم يقل: الخيزران؛ لموافقة اسم أمه (^٢).\nونظير هذا: أن بعض الخلفاء سأل ولده- وفي يده مسواك - ما جمع هذا؟ قال: محاسنك يا أمير المؤمنين (^٣). وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ، وهو باب عظيم، اعتنى به الأكابر والعلماء.\nوله شواهد كثيرة في السنة، وهو من خاصية العقل والفطنة، فقد رُوِّينَا عن عمر -﵁-: «أنه خرج يعس المدينة بالليل، فرأى نارًا موقدة في خباء، فوقف وقال: يا أهل الضوء، وكره أن يقول: يا أهل النار» (^٤).\nوسأل رجلًا عن شيء: «هل كان؟ قال: لا. أطال الله بقاءك، فقال: قد علمتم فلم تتعلموا، هلا قلت: لا، وأطال الله بقاءك؟» (^٥).\nوسئل العباس: «أنت أكبر أم رسول الله -ﷺ-؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله» (^٦).\n_________\n(^١) الطرق الحكمية، لابن القيم (ص: ٤٠ - ٤١).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٤٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٤٠).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٤٠).\n(^٥) المصدر السابق (ص ٤٠).\n(^٦) المصدر السابق (ص ٤٠).","vol":"3","page":318},{"text":"وسئل عن ذلك قَبَاثُ بنُ أَشْيَمَ؟ فقال: «رسول الله -ﷺ- أكبر مني، وأنا أسن منه» (^١).\nوكان لبعض القضاة جليس أعمى، وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام، اذهب مع أبي محمد، ولا يقول: خذ بيده، قال: والله ما أخل بها مرة» (^٢).\nومن ألطف ما يحكى في ذلك: «أن بعض الخلفاء سأل رجلًا عن اسمه؟ فقال: سعد، يا أمير المؤمنين، فقال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، وسعد الذابح لأعدائك، وسعد بلع على سماطك، وسعد الأخبية لسرك، فأعجبه ذلك» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-974>الأثر السابع: التعبد للجميل بإظهار نعمته على عبده، والتجمل في اللباس والهيئة من غير إسراف ولا مخيلة، ولا بطر ولا تكبر:</span>\nالجميل يحب ظهور أثر نعمته على عبده؛ فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شُكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها.\nولمحبته سُبْحَانَهُ للجمال أنزل على عباده لباسًا وزينةً تُجمِّلُ ظواهرهم، وتقوى تُجَمِّلُ بواطنهم، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٤٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٤٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٤٠).","vol":"3","page":319},{"text":"وقال في أهل الجنة: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١١ - ١٢]، فهو سُبْحَانَهُ جمَّل وجوهَهُم بالنضرةِ، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير.\nقال أبو الدرداء -﵁-: «كنا مع رسول الله -ﷺ-، فقال لنا: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ؛ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ، فَإِنَّ الله -﷿- لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَلَا التَّفَحُّشَ» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «والله -﷿- يحب من عبده أن يجمِّل بدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأوساخ، والختان، وتقليم الأظفار إلى غير ذلك، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة، والسلوك» (^٢)، وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ -﷿- يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (^٣).\nقال القرطبي -﵀-: «فيجب على كل مكلَّف أن يتجمل بالطاعات والأعمال الصالحة، ويجمِّل باطنه كما يجمل ظاهره، وذلك بتصفيته من الأوضار، كالغل والحسد والشماتة وسوء الظن إلى غير ذلك من الاعتقادات الفاسدة، والبدع الضالة المضلَّة، فيكون قلبه موافقًا ظاهرَه؛ ولهذا جاء في الحديث: (وَآفَةُ الْجَمَالِ الْبَغْيُ) (^٤)، وكذلك لا يتعرض بجماله لمعصية\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٨٩٧)، واللفظ له، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠٨٩)، حكم الألباني: ضعيف، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٠٨٩).\n(^٢) الفوائد (١/ ١٨٦).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٢٢٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٨١٩)، وقال: حديث حسن، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٨١٩).\n(^٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٤٣٢٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٢٦٨٨)، حكم الألباني: موضوع، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث:) ١٣٠٢).","vol":"3","page":320},{"text":"ربه، وهذه الآفة ربما اعترضت نعمة الجمال، فعرضتها للزوال والنقص والاضمحلال: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]» (^١).\nوالناس في التجمل الظاهر الذي هو الملبس والهيئة على ثلاثة أضرب، بعد اتفاقهم في الجمال الباطن:\nفمنهم: من حسن ثوبه، وطيب ريحه، ورجل شعره، وادهن، واكتحل، واقتصد في ذلك كله، واحتسب على الله -﷿- ما وجد حلالًا واتسع له، استقامت قلوبهم على ذلك، وهذه طريقة الشاكرين، وقد دَرَجَ على ذلك الكثيرُ من الصحابة والتابعين.\nومنهم: من لَزم البذاذة والشَّعث، واحتمل التَّفَث في الهيئة، إلا ما أقام به السُّنة، وإن وجد الحلال واتسع له؛ زهدًا في التنعم، وإيثارًا لِشَظَف العيش، وهذه طريقة الخائفين والمحزونين، وقد درج على ذلك كثير من الصحابة والتابعين.\nومنهم: من يتقلَّب بين هذا وهذا، وجد الحلال والاتساع فيه؛ ليعمر إلى ربه الطريقتينِ، وتَسَلَّكَ في عبادته الجادتين، وهذه كانت سنة إمام المتقين وسيد المرسلين -ﷺ-، قد كان يلبس الحُلَّة الحمراء- وكان أحسن شيء فيها- والثوبَ ذا العَلَم تارة، ويلبس الرداء النجراني الغليظ الحاشية، والجبَّة الشامية، ويأكل اللحم، ويجوع مرة، ويشبع أخرى، ويرهن درعَه فيما يؤكَل في بيته، ومات- بأبي هو وأمي -ﷺ- في كساء مُلَبَّد، وإنما كانوا يراعون في ذلك كله قوامَ قلوبهم، فإذا استقامت قلوبهم لبسوا وأخذوا من ذلك\n_________\n(^١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (ص: ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"3","page":321},{"text":"ما استقام عليه أمرهم، مما لا يشهرهم باتِّضاع ولا بارتفاع.\nوقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بثمانية دراهم يلبسها للجُمَع والأعياد، وكان كثيرًا ما يتطيَّب لقيام الليل ويَدَّهِنُ.\nوعن نافع، أن ابن عمر كساه ثوبين وهو غلام، قال: فدخل المسجد فوجده يصلي متوشحًا به في ثوب، فقال: «أَلَيْسَ لَكَ ثَوْبَانِ تَلْبَسُهُمَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَرْسَلْتُكَ إِلَى وَرَاءِ الدَّارِ لَكُنْتَ لَابِسَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ أَمِ النَّاسُ؟ قَالَ نَافِعٌ: فَقُلْتُ: بَلِ اللهُ» (^١).\nوقال عمر بن الخطاب -﵁-: «إِذَا وَسَّعَ اللهُ فَأَوْسِعُوا» (^٢).\nفهؤلاء ونظراؤهم- في أعصارهم والأعصار التي بعدهم- هم الذين علموا أن الجمال والتجمل هو الاستقامة فيما بينهم وبين ربهم عز جلاله، فعملوا لذلك وتركوا المذموم من زينة الدنيا وزخرفها، وتفاخرها وتكاثرها، سمعوا الله -﷿- يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثم قال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، ثم دل على حقيقة الزينة والحسن بقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق، رقم الحديث: (١٣٩٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦٥).","vol":"3","page":322},{"text":"وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٥ - ١٧].\nوقال -ﷺ-: «إنَّ الله جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ» (^١)، جوابًا لمن قال له: «إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعلُه حسنةً»، فبين -ﷺ- أن مجرد فعل ذلك ومحبته لا يُدخل صاحبَه في الكبر المذموم.\nيقول ابن القيم -﵀-: «إن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة، وآخره سلوك، فيُعرف الله سُبْحَانَهُ بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويُعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمِّل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة، والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار، فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة، والسلوك» (^٢).\nوالجنة دار المتواضعين الخاشعين، لا دار المتكبرين الجبارين، سواء كانوا أغنياء أو فقراء؛ فإنه قد ثبت في الصحيحِ قوله -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) الفوائد (ص: ١٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩١).","vol":"3","page":323},{"text":"فأخبر -ﷺ- أن الله يحب التَّجمل في اللباس الذي لا يحصل إلا بالغنى، وأن ذلك ليس مِن الكبر.\nوفي الحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ -، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» (^١).\nفعُلم أن من الفقراء من يكون مختالًا فلا يدخل الجنة، وأن من الأغنياء من يكون متجملًا غير متكبر؛ يحب الله جماله، مع قوله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» (^٢).\nوعن جمال الصورة واللباس، يقول ابن القيم -﵀-: «وجمال الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع: منه: ما يُحمد، ومنه: ما يُذم، ومنه: ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.\nفالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبي -ﷺ- يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه؛ فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.\nوالمذموم منه: ما كان للدنيا، والرياسة، والفخر، والخيلاء، والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد، وأقصى مطلبه؛ فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٤).","vol":"3","page":324},{"text":"وأما ما لا يُحمد ولا يُذم: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-975>الأثر الثامن: الرضا عن الجميل، وعن أفعاله وقضائه وقدره، فكلها تتسم بالجمال:</span>\nكلما زاد علم العبد بالله زاد رضاه عنه، وكلما قل علمه قل رضاه، فالعلم متعلق بالرضا؛ إذ الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، والرضا من لوازم القرب، والسخط من لوازم البعد، فالرضا بما يقدر الله -﷿- ويقضيه من صلب الإيمان، ومما يرقي العبد في درج الجنان؛ لأنه سُبْحَانَهُ لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والخير لعبده المؤمن؛ لأن كل أفعاله جميلة، وما ينشأ من الفعل الجميل إلا جميل، وهذا يثمر في قلب المؤمن الطمأنينة إلى جميع أقدار الله -﷿-، وحسن الظن بالله تَعَالَى، وذلك بعد الأخذ بالأسباب الشرعية لمدافعة ما يمكن مدافعته.\nفمن آمن بجميل تولي الله لعبده أنزل الله على قلبه الرحمة، والسكينة التي تسعده ولو فقد كل شيء.\nفاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم جمِّلنا بالصبر الجميل، وَزَيِّنَّا بالخلق الحسن، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.\n_________\n(^١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٨٦).","vol":"3","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-976>الحَيِيُّ السِّتِّير -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-977>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-978>أولًا: معنى (الحيي):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الحياة: ضد الموت، والحى: ضد الميت، والمحيا مفعل من الحياة، تقول: محياى ومماتي، والجمع: المحايى …، وقال أبو زيد: حييت منه أحيا: استحييت» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(حي) الحاء والياء والحرف المعتل، أصلان: أحدهما: خلاف الموت، والآخر: الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والموتان، ويسمى المطر حَيَا؛ لأن به حياة الأرض، قولهم: استحييت منه استحياء، وقال أبو زيد: حَيِيتُ منه أَحْيَا، إذا استحييتَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-979>ثانيًا: معنى الستير:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الستر: واحد الستور والأستار، والسترة: ما يستر به كائنًا ما كان .... والستر بالفتح: مصدر سترت الشئ أستره، إذا غطيته …» (^٣).\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ١٧٣).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ١٢٢).\n(^٣) الصحاح (٢/ ٢٣٩)","vol":"3","page":326},{"text":"- قال ابن فارس -﵀-: «(سَتَرَ) السين والتاء والراء كلمة تدل على الغِطاء. تقول: سَتَرْتُ الشَّيء سترًا …» (^١).\nورود اسمي الله (الحيي الستير) في القرآن الكريم:\nأولًا: ورود اسم الله الحيي في القرآن الكريم:\nلم يرد اسم الله الحيي في القرآن الكريم.\nثانيًا: ورود اسم الله الستير في القرآن الكريم:\nلم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الستير) في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-980>ورود اسم الله (الحيي الستير) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الحيي) في السنة النبوية، ومن وروده:\nعن يعلى بن أمية: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ -﷿- حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (^٢).\nعن سلمان عن النبي -ﷺ- قال: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٣).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٣/ ١٣٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٢)، والنسائي، رقم الحديث: (٤٠٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٧٥٦).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٢١١)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٨٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٥٥٦)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٧٥٧).","vol":"3","page":327},{"text":"ورد اسم الله (الستير) في السنة النبوية، ومن وروده:\nحديث يعلى بن أمية: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ -﷿- حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (^١).\nثبوت اسمي الله (الحيي والستير) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (الحيي والستير) في حق الله تَعَالَى:\nابن القيم -﵀-: في قوله: «حيي ستير، يحب أهل الحياء والستر» (^٢).\nالسعدي -﵀-: في قوله: «وهو الحيي الستير، يحب أهل الحياء والستر» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-981>معنى اسم الله (الحيي الستير) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nأولًا: معنى اسم الحيي:\nقال ابن القيم -﵀-: «وأما حياء الرب تَعَالَى من عبده فذاك نوع آخر لا تدركه الأفهام ولا تكيفه العقول، فإنه حياء كرم وبِر وجود وجلال؛ فإنه: (حَيِيٌّ كريمٌ، يَسْتَحْيِي مِن عبدِهِ إذا رفعَ إليه يديه أنْ يردَّهما صفرًا) (^٤)» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٢)، والنسائي، رقم الحديث: (٤٠٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٧٥٦).\n(^٢) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، (ص: ٢٣٦)\n(^٣) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٥٤)\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"3","page":328},{"text":"قال الشيخ السعدي -﵀- عن اسمه سُبْحَانَهُ (الحيي): «هذا مأخوذ من قوله -ﷺ-: (إنَّ الله حييٌّ كريمٌ، يَستَحْيِي مِن عبدِهِ إذَا رَفَعَ إليهِ يديهِ أنْ يَردَّهُما صفْرًا) (^١)، وهذا من رحمته وكرمه وكماله وحلمه، أن العبد يجاهر بالمعصية مع فقره الشديد، حتى أنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحيي من هتكه، وفضيحته، وإحلال العقوبة به، فيستره بما يقيض له من أسباب الستر، ويعفو عنه، ويغفر له» (^٢).\nقال الإمام ابن القيم -﵀- (^٣):\nوهوَ الحَيِيُّ فليسَ يَفضحُ عبدَهُ … عندَ التَّجَاهُرِ منهُ بِالعصيانِ\nلكنَّهُ يُلقِي عليهِ سِتْرَهُ … فهوَ السَّتِيْرُ وصاحِبُ الغفرانِ\nثانيا: معنى اسم الله (الستير):\nقال البيهقي -﵀-: «وقوله: ستير، يعني: أنه ساتر يستر على عباده كثيرًا، ولا يفضحهم في المشاهد، كذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم، واجتناب ما يشينهم» (^٤).\nقال ابن الأثير -﵀-: «أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون» (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص ٥٤ - ٥٥).\n(^٣) النونية (ص ٢٠٤).\n(^٤) الأسماء والصفات، للبيهقي (١/ ٢٢٣).\n(^٥) النهاية، لابن الاثير (٢/ ١٣٤).","vol":"3","page":329},{"text":"قال القرطبي -﵀-: «فالله سُبْحَانَهُ ساتر ذنوب عباده بالتوبة الصادرة منهم، أو بعفوه وغَفْره لهم؛ تفضلًا منه عليهم» (^١)؛ بل ويستر سُبْحَانَهُ مَن ستر المسلمين؛ ففي الحديث: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀- (^٣):\nوَهُوَ الْحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ\nعِنْدَ التَّجَاهُرَ مِنْهُ بِالْعِصْيَانِ\nلَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سِتْرَهُ\nفَهْوَ السَّتِيْرُ، وَصَاحِبُ الْغُفْرَانِ\n\n<span data-type='title' id=toc-982>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحيي الستير):</span>\n<span data-type='title' id=toc-983>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الحيي الستير) من صفات الله تعالى:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ هو الحيي الستير، حياء وسترًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، فحياؤه وستره يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه سُبْحَانَهُ.\nومن مظاهر حياء الله وستره ما يلي:\nحياؤه وستره سُبْحَانَهُ، مِن هتك ستر عبده المذنب في الخفاء وفضيحته، في الدنيا، قال النبي -ﷺ-: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ:\n_________\n(^١) الأسنى، للقرطبي (١/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٤٤٢).\n(^٣) النونية (ص: ٢٠٧).","vol":"3","page":330},{"text":"يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (^١).\nحياؤه وستره سُبْحَانَهُ، لا يقتصر على ستر عبده المذنب، بل إنه سُبْحَانَهُ مَن كمل غناه عن خلقه، إلا أنه يهيئ أسباب التوبة له، ويتوب عليه ويغفر له ذنوبه، يقول تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥].\nحياؤه سُبْحَانَهُ من رد دعوة الداعي له، يقول -ﷺ- «إِنَّ رَبَّكُمْ -﵎- حَيِىٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٢).\nحياؤه سُبْحَانَهُ من رد من أقبل على مجلس يذكر اسمه فيه، عن أبي واقد الليثي: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٠).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":331},{"text":"ستره سُبْحَانَهُ، كما يكون في الدنيا فكذلك يكون في الآخرة، ففي حديث ابن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» (^١)، وقال -ﷺ-: «لَا يَسْتُرُ اللهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).\nفالله سُبْحَانَهُ كريم عفو غفور، حليم على عباده، يسترهم ولا يفضحهم، ويتحبب لهم بجزيل النعم مع كمال وتمام غناه سُبْحَانَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-984>الأثر الثاني: توحيد الله باسمي الله الحيي الستير:</span>\n- دلالة اسمي الحيي والستير على توحيد الألوهية والربوبية:\nمن آمن باسمي الله الحيي والستير؛ غلب على قلبه استشعار كمال اطلاع الله على أعمال السر والعلن، وتذكر دوام إحسان الله إليه، وقلة شكره لربه، وعلم أن هناك يومًا ينتظره سيسأل فيه عما اقترف، من آمن بذلك كله علم أنه لا إله يستحق العبادة إلا الله سُبْحَانَهُ، وأخلص التوحيد لله تَعَالَى، وأحسن في العمل والحب والخضوع والتضرع لله تَعَالَى، واستحى أن يخالف أمره، أو يقترف ما نهى عنه سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٠).","vol":"3","page":332},{"text":"- دلالة اسمي الحيي والستير على توحيد الأسماء والصفات:\nيقول الشيخ ابن عثيمين -﵀- في إثبات الحياء لله -﷿- كما يليق بجلاله: «هو حياء الكمال، يليق بالله -﷿- وقد قال النبي -ﷺ-: (إِنَّ الله حَيِيٌّ كَرِيمٌ) (^١)، وقال الله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، والله -﷾- يوصف بهذه الصفة، لكن ليس مثل المخلوقين؛ لأن الله -﷾- يقول في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]» (^٢).\nفالقول في هذه الصفة كالقول في سائر صفات الرب سُبْحَانَهُ، فتثبت من غير تمثيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فكما أن لله علمًا ليس كعلم خلقه، وبصرًا ليس كأبصارهم، وسمعًا ليس كسمعهم، فكذلك له حياء وستر ليس كحيائهم وسترهم تَعَالَى وتقدس سُبْحَانَهُ، وعليه فلا يصح تأويل الحياء بالرحمة أو المغفرة أو غير ذلك.\nومن تأمل في هذين الاسمين، وجد فيهما معنى اسم الله العفو والغفور والرحيم والحليم والكريم، إلى غيره من أسماء الله تَعَالَى.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) شرح رياض الصالحين (ص: ١٦٥٧)","vol":"3","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-985>الأثر الثالث: الاقتداء بحياء صفوة البشر:</span>\nفمن تأمل في سير الأنبياء والمرسلين، وجدهم أشد الناس حياء من الله؛ وفي ذلك يقول -ﷺ-: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: التَّعَطُّرُ، وَالنِّكَاحُ، وَالسِّوَاكُ، وَالْحَيَاءُ» (^١)، وذلك لكمال معرفتهم بالله وأسمائه وصفاته، ثم يليهم الصحابة وأتباعهم من المؤمنين، ومن شواهد ذلك ما يلي:\n- حياء أبينا آدم وأمِّنا حواء:\nفحينما أكل آدم وحواء من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، بدت لهما سوءاتهما، فأسرعا يأخذان من أوراق الجنة ليسترا عوراتهما، فتحدث القرآن الكريم عن ذلك بقوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وهذا يدل على أن الإنسان مفطور على الحياء، وأما قلة الحياء فهي منافية للفطرة، بل من اتِّباع الشَّيطان.\n- حياء موسى -﵇-:\nفكان -﵇- حييًّا ستيرًا يغتسل بناحية من قومه، ففي حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ، إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ: وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى …» الحديث (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٤٠٦٥)، والترمذي، رقم الحديث: (١٠٨٠)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٧٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٠٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٣٩).","vol":"3","page":334},{"text":"- حياء محمد -ﷺ-:\nفقد كان أشد الخلق حياءً من الله تَعَالَى، ففي حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ» (^١).\n- حياء عائشة -﵂-:\nعن عائشة -﵂-، قالت: «كنت أدخل بيتي، الذي دُفِنَ فيه رسول الله -ﷺ- وأبي، فأضع ثوبي، فأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر معهم، فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي؛ حَيَاءً من عمر» (^٢).\n- حياء فاطمة بنت رسول الله -ﷺ-:\nيقول ابن عباس -﵄-: «قَدْ مَرِضَتْ فَاطِمَةُ مَرَضًا شَدِيدً، فَقَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: أَلَا تَرَيْنَ إِلَى مَا بَلَغْتُ أُحْمَلُ عَلَى السَّرِيرِ ظَاهِرًا؟ فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: أَلَا لَعَمْرِي، وَلَكِنْ أَصْنَعُ لَكِ نَعْشًا كَمَا رَأَيْتُ يُصْنَعُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَالَتْ: فَأَرِينِيهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَتْ أَسْمَاءُ إِلَى جَرَائِدَ رَطْبَةٍ، فَقُطِعَتْ مِنَ الْأَسْوَافِ، وَجُعِلَتْ عَلَى السَّرِيرِ نَعْشًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا كَانَ النَّعْشُ، فَتَبَسَّمَتْ فَاطِمَةُ، وَمَا رَأَيْتُهَا مُتَبَسِّمَةً بَعْدَ أَبِيهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ حَمَلْنَاهَا وَدَفَنَّاهَا لَيْلًا» (^٣)، فكانت تستحي -﵂- من الظهور مجللة على سرير أمام الرجال في حال وفاتها!\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١٠٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٠)، واللفظ له.\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٦٦٠)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (١٧٧١).\n(^٣) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٤٧٩١).","vol":"3","page":335},{"text":"- حياء المرأة مع نبي الله موسى -﵇-:\nقال تَعَالَى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥].\nوقد أثنى الله على مشيتها، فقال: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ مشيةَ الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة، حين تلقى الرجال ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ في غير ما تَبَذُّل ولا تبَرُّجٍ، يقول السعدي -﵀-: «وهذا يدل على كرم عنصرها، وخلقها الحسن؛ فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء» (^١)، وقد جاءته لِتُنْهِيَ إليه دعوةً في أقصَر لفظ، وأخصرِه، وأدلِّه، يحكيه القرآن بقوله: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥].\n- حياء المرأة التي تُصرَع:\nعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس -﵄-: «أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَع، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا» (^٢).\nحدثنا محمد، أخبرنا مخلد عن ابن جريج، أخبرني عطاء: «أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ تِلْكَ امْرَأَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٦١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٢).","vol":"3","page":336},{"text":"وحكي عن بعض السلف: «خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستَحِ منه على قدر قربه منك»، وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-986>الأثر الرابع: محبة الحيي الستير:</span>\nالإيمان باسمي الله الحيي الستير يورث في القلب محبة الله، وذلك بما يقتضيه معناهما من الحلم، والكرم، والعفو، والحياء، والستر منه سُبْحَانَهُ على عباده، وحق لمن هذه صفاته أن يجرد له الحب كله، والإخلاص، والتعظيم، والحمد والثناء، واللهج بشكره والتقرب إليه بطاعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-987>الأثر الخامس: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ»</span> (^٢):\nفالله سُبْحَانَهُ يكره من عبده إذا ابتلي بمعصية أن يذيعها ويشهرها، بل يدعوه إلى أن يتوب إلى الله منها، وسترُ الله مسبولٌ عليه، وعليه أن لا يُظهِرَها لأحد من الناس.\nوقد جاءت السُّنَّة بالنهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، فالمجاهر بالمعاصي لا يعافى منها أو من عقوبتها، يقول -ﷺ-: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن رجب (١/ ٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٠).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":337},{"text":"وفي معنى قوله -ﷺ-: «مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرينَ» قولان:\nالأول: «مُعَافَى» بضم الميم وفتح الفاء، مقصورًا اسم مفعول من العافية، أي: يعفى عن ذنبهم، ولا يؤاخذون به «إِلَّا المُجَاهِرُينَ» بكسر الهاء إلا المعلنون بالفسق؛ لاستخفافهم بحق الله تَعَالَى ورسوله وصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد، فارتكاب المعصية مع سترها أهون وأخف من المجاهرة بها؛ لأن المعصية مع الستر تقبل العفو الإلهي، أما مع المجاهرة فإنه لا يعفى عنها.\nثانيًا: قال الطيبي -﵀-: والأظهر أن يقال المعنى: كل أمتي يتركون في الغيبة إلا المجاهرين، والعفو بمعنى الترك، ومعنى «مُعَافًى»، أي: يترك من ألسنة الناس، فلا يغتابونه (^١).\n«سئل الشيخ ابن عثيمين: هل يجوز لمن ارتكب ذنبًا وستر الله عليه أن يخبر به غيره؟ قال: لا يجوز لمن ارتكب ذنبًا، وتاب منه، أن يخبر به غيره؛ لأن هذا من كشف ستر الله -﷿-، وهو من خلاف العافية، وجاء في الحديث: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ)، وهم الذين يذنبون فيحدثون بما فعلوه، نعم لو كان الذنب له حد وعقوبة، وأراد الإنسان أن يخبر به ولي الأمر ليطهره من هذا الذنب، وهذه العقوبة، فهذا لا حرج فيه، وإن كان الأولى أن يتستر بستر الله، أما لو كان الذنب ليس هكذا فلا يجوز للإنسان أن يتحدث به أمام الناس؛ لما في ذلك من ظلم نفسه وفتح باب التهاون به عند غيره» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: شرح المشكاة، للطيبي، (١٠/ ٣١١٩)، وفتح الباري (١٠/ ٤٧٨).\n(^٢) فتاوى نور على الدرب، للعثيمين (٢٤/ ٢).","vol":"3","page":338},{"text":"أما في الجمع بين هذا حديث: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ» (^١)، وحديث ثوبان -﵁-، قال -ﷺ-: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللهُ -﷿- هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُم، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا» (^٢).\nقال الشنقيطي -﵀-: «هناك فرق بين المعصية التي تأتي مع الانكسار، والمعصية التي تأتي بغير انكسار، بين شخص يعصي الله في ستر، وبين شخص عنده جرأة على الله -﷿-، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء، وإن كانت أمثال الجبال، فإذا كان بين الصالحين أَحْسَنَ أيما إحسانٍ؛ لأنه يرجو الناس ولا يرجو الله، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال، فظاهرها حسنات، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، فهم في السر لا يرجون لله وقارًا، ولا يخافون من الله -﷾-، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر، ويكره هذه المعصية، ويمقتها ويرزقه الله الندم، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر، وعنده الندم والحرقة ويتألم، فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله -﷿-؛ لأنه- في الأصل- معظِّم لشعائر الله، لكن غلبته شهوته فينكسر لها، أما الآخر فيتسم بالوقاحة والجرأة على الله؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص أو شخصين، ولا يتحدث عن نص محدد، إنما يعطي الأوصاف كاملة.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٤٥) حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٥٠٢٨).","vol":"3","page":339},{"text":"من الناس من إذا خلا بالمعصية خلا بها جريئًا على الله، ومنهم من يخلو بالمعصية وهو تحت قهر الشهوة وسلطان الشهوة، ولو أنه أمعن النظر وتريث، ربما غلب إيمانُه شهوته وحال بينه وبين المعصية، لكن الشهوة أعمته، والشهوة قد تعمي وتصم، فلا يسمع نصيحة ولا يرعوي، فيهجم على المعصية فيستزله الشيطان، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، فإذا حصل الاستزلال من الشيطان، فزلت قدم العبد، لكن في قرارة قلبه الاعتراف بالمعصية، والله يعلم أنه لما وقع في المعصية أنه نادم، وأنه كاره لها، حتى إن بعضهم يفعل المعصية وهو في قرارة قلبه يتمنى أنه مات قبل أن يفعلها، فهذا معظم لله -﷿-، ولكنه لم يرزق من الإيمان ما يحول بينه وبين المعصية» (^١).\nولذا فعلى المؤمن أن يستتر بستر الله، وأن يجتنب الذنوب ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ عورته، ويصون عرضه، ويجتنب أبواب الرذائل ودروب الفساد، ويقبل على الله تائبًا منيبًا، داعيًا ربه بالستر والعفو والقبول، ومن هنا كان من أذكار الصباح والمساء الدعاء بالستر، فعن ابن عمر -﵁- قال: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (^٢).\n_________\n(^١) شرح زاد المستقنع، للشنقيطي (٣٣٢/ ١٧).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٨٧٧)، وأبو داود، رقم الحديث: (٥٠٧٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٧١)، حكم الألباني: صحيح، تخريج الكلم الطيب، رقم الحديث: (٢٧).","vol":"3","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-988>الأثر السادس: مَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة:</span>\nمن آمن بأن الله سُبْحَانَهُ رحيم يحب الرحماء، وستير يحب من يستر على عباده، وعفو يحب من يعفو عنهم، ويجازي عباده بحسب هذه الصفات فيهم وجودًا وعدمًا، فمن سترهم سَتَرَه، ومن صفح عنهم صَفَحَ عنه، ومن تتبع عورتهم تتبع عورته، ومن هتكهم هتكه وفضحه، فمن عامل خلقه بصفة عامله الله تَعَالَى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تَعَالَى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه (^١)، وجاء في الحديث: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (^٢).\nوليس من سمات المسلم أن يشهِّر بإخوانه، ويتتبَّع عثراتهم، ويتصيد أخطاءهم، ويفضح مستورهم، ويكشف مكنونهم، وكان -ﷺ- أعظم المتخلقين بهذا الخلق، والملتزمين بهذا الأدب، والأحاديث بذلك كثيرة، فقد جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ! ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: آنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن القيم (ص: ٤٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٩).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٩٥).","vol":"3","page":341},{"text":"وجاء في الحديث: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ -أَوْ قَالَ ذَنْبَكَ -) (^١).\nوكان -ﷺ- في النصيحة العامة لا يذكر الناس بأعيانهم، بل يعمها بقوله: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ» (^٢) يفعلون كذا …\nوما أحسن تبويب البخاري لمثل هذا الخبر بقوله: «بَابُ: مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ»! (^٣).\nقال ابن بطال -﵀- معلقًا: «هذا العتاب وإن كان خطب به، فلم يعين من أراد به، ولا يقرعه من بين الناس، وكل ما جرى هذا المجرى من عتاب يعم الكل ولا يقصد به أحدًا بعينه، فهو رفق بمن عنى به وستر له، كما أراد عمر بن الخطاب- حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة، وهو يخطب- من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٥٦)، ومسلم، رقم الحديث: (١٥٠٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٨/ ٢٦).","vol":"3","page":342},{"text":"أجل الرجل الذي أحدث بين يديه؛ للستر له والرفق به، وليس ذلك بمنزلة أمره له بالوضوء من بينهم وحده في الستر له لو فعل ذلك» (^١).\nوقد نهج الصحابة -﵃- وسلف الأمة العظماء هذا النهج الأكمل والخلق الأجمل، كما ذكر طرفًا من ذلك ابن بطال في نصه السالف، فهذا أبو بكر -﵁- يقول: «لو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله -﷿-» (^٢).\nوبلغ عمر بن الخطاب -﵁- أن أحد قوَّاده على جيش من الجيوش قال لمن معه: إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ أَرْضًا فِيهَا نِسَاءٌ وَشَرَابٌ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ حَدًّا، فَلْيَأْتِنَا حَتَّى نُطَهِّرَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «لَا أُمَّ لَكَ تَأْمُرُ قَوْمًا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَهْتِكُوا سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ» (^٣).\nوهذه أم المؤمنين عائشة -﵂-، تعبر عن معنى الستر تعبيرًا موجزًا رائعًا بديعًا يأخذ بالألباب، تقول: «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْجِزُ إِحْدَاكُنَّ إِذَا أَذْنَبَتْ فَسَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَهُ عَلَى نَفْسِهَا فَإِنَّ النَّاسَ يُعَيَّرُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ، وَإِنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ وَلَا يُعَيَّرُ» (^٤).\nومن الستر على عباد الله: النهي عن تتبع عوراتهم، وتوعد -ﷺ- في ذلك، ففي الحديث: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا\n_________\n(^١) شرح ابن بطال لصحيح البخاري (٩/ ٢٨٦).\n(^٢) مكارم الأخلاق، للخرائطي، رقم الحديث: (٥٣٨).\n(^٣) أخرجه وكيع في الزهد، رقم الحديث: (٤٥٥)، وهناد في الزهد (٢/ ٦٤٦).\n(^٤) أخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده، رقم الحديث: (١٦٦٠).","vol":"3","page":343},{"text":"تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (^١)، ويقول تَعَالَى أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، فَمَنِ استتر بستر الله عليه، فلا يجوز فضحُهُ، وكشفُ سترِ الله عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-989>الأثر السابع: العناية بستر العورات:</span>\nأمر الله -﷿- بني آدم بستر العورات، وأخبر في كتابه أن كشفها من عمل الشيطان الذي ينزع عن الإنسان لباسه، فحذرنا الله منه، فقال تَعَالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].\nوأكد رسول الله -ﷺ- على الاعتناء بالستر، والنهي عن التعري، فقال -ﷺ-: «وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» (^٢)، وقال -ﷺ-: «فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (^٣)، وقال -ﷺ-: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ قَوْمٌ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ خَالِيًا؟ قَالَ: فَاللهُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩٧٧٦) وأبو داود، رقم الحديث: (٤٨٨٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٧٩٨١).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٤١).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":344},{"text":"أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ) (^١)، قال السندي -﵀-: «أي: فاستر طاعة له وطلبًا لما يحبه منك ويرضيه، وليس المراد، فاستتر منه، إذ لا يمكن الاستتار منه جل ذكره وثناؤه، والله تَعَالَى أعلم» (^٢) وقال -ﷺ-: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-990>الأثر الثامن: الحياء من الله -﷿- الحيي الستير:</span>\nفأعظم الحياء وأوجبه هو الحياء من الله سُبْحَانَهُ، الذي يمن بنعمة الليل والنهار، ويعلم تقصير عبده ويستره.\nويبيِّن النبي -ﷺ- معنى الحياء الحق في حديث ابن مسعود -﵁-، قال: قال -ﷺ-: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» (^٤).\nقال ابن رجب -﵀-: «يدخل فيه: حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٠٠٣٤)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٧٦٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٧٠٦).\n(^٢) فتح الودود في شرح سنن أبي داود (٤/ ٨٤).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦١٧٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٤)، حكم الألباني: ضعيف، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣١١٢).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٧٢٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٥٨)، حكم الألباني: ضعيف، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (١٦٠٨).","vol":"3","page":345},{"text":"على ما حرَّم الله، ويتضمن- أيضًا- حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب، ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله -﷿-: اللسان والفرج» (^١).\nوفي الملحق الآتي ما يعين- بإذن الله- على تحقيق هذه الخلة العظيمة والمنزلة الكريمة.\nاللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا، اللهم اغفر ذنوبنا وزلاتنا، واختم بالصالحات أعمالنا وأعمارنا.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص: ٤٦٤).","vol":"3","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-991>«حيي ستير، يحب الحياء والستر»</span>\nفي موضوع الحياء سنتطرق للمسائل التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-992>أولًا: المقصود بالحياء:</span>\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: «الحياء خُلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق» (^١).\nقال ابن القيم -﵀-: «ومقام الحياء جامع لمقام المعرفة والمراقبة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-993>ثانيًا: فضل الحياء:</span>\nورد في فضل الحياء أدلة وشواهد كثيرة، منها:\nأن الحياء علامة الإيمان، فعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الإيمانُ بِضْعٌ (^٣) وَسِتُّونَ شُعْبَةً (^٤)، والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ» (^٥)، وعن عبد الله بن عمر -﵁-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٢).\n(^٢) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (١/ ١٥٧).\n(^٣) البضع: العدد من ثلاثة إلى تسعة.\n(^٤) الشعبة: الخصلة.\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"3","page":347},{"text":"دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ» (^١).\nالحياء خُلق الإسلام، وكان أخصَّ أوصاف رسول الله -ﷺ-، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» (^٢)، ولقد ضرب رسول الله المثل الأعلى فيه، فقد كان أرقَّ الناس طبعًا، وأنبلهم سيرة، وأعمقهم شعورًا بالواجب، ونفورًا من الحرام، وأشدهم حياء، وعن أبي سَعيد الخدري -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- أشد حياءً من العذارء في خِدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه» (^٣).\nالحياء مفتاح كل خير، يقول النبي -ﷺ-: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (^٤)، يقول ابن القيم -﵀-: «الحياء أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه» (^٥).\nالحياء مغلاق لكل شر، يقول رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (^٦).\nقال المناوي -﵀- عن القاضي -﵀-: «معناه: أن مما بقي فأدركوه من كلام الأنبياء المتقدمين: أن الحياء هو المانع من اقتراف القبائح والاشتغال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٨١)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٩٤٠).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٧).\n(^٥) الداء والدواء، لابن القيم (ص: ٩٦).\n(^٦) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٨٤).","vol":"3","page":348},{"text":"بمنهيات الشرع ومستهجنات العقل، وذلك أمر قد علم صوابه وظهر فضله واتفقت الشرائع والعقول على حسنه، وما هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل» (^١).\nيقول ابن القيم -﵀-: «هو مِن أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم، وصورتهم الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء» (^٢).\nمن أعظم أسباب دخول الجنة، ففي الحديث الصحيح: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» (^٣).\nذهاب الحياء أمارة النفاق؛ فعن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» (^٤).\nالدين كله قائم على الحياء، عن قرة بن إياس -﵁-، قال: «كنا مع النبي -ﷺ- فذُكر عنده الحياء، فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين؟ فقال رسول الله -ﷺ-: بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ، ثم قال رسول الله\n_________\n(^١) فيض القدير (١/ ٤٣).\n(^٢) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٠٦٦١)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٠٩)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٨٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣١٩٩).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٧٤٣)، واللفظ له، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٢٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٢٠١).","vol":"3","page":349},{"text":"-ﷺ-: إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْعَفَافَ وَالْعِيَّ، عِيَّ اللِّسَانِ لا عِيَّ الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ، مِنَ الإِيمَانِ، وَإِنَّهُنَّ يُزِدْنَ فِي الآخِرَةِ وَيُنْقِصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا يُزِدْنَ فِي الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُنْقِصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِنَّ الشُّحَّ وَالْفُحْشَ وَالْبَذَاءَ مِنَ النِّفَاقِ، وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا، وَيُنْقِصْنَ مِنَ الآخِرَةِ، وَمَا يُنْقِصْنَ مِنَ الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا» (^١).\nالحياء من مفاتيح الزينة والبهاء، يقول -ﷺ-: «مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ، وَلَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-994>ثالثًا: أقسام الحياء:</span>\nقسَّم العلماء الحياء باعتبارات مختلفة، قسموه باعتبار أصله، وباعتبار نوعه، وباعتبار المستَحَى منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-995>أولًا: تقسيم الحياء من حيث الأصل </span>إلى قسمين:\nحياء فطري غريزي، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يمنحها الله للعبد، ويجبله عليها، ومن هذا الحياء: حياء البكر التي جعل النبيُّ -ﷺ- إذنَها صَمْتَهَا، وفي الصحيحين عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْض، وَكَانَ مُوسَى\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٣١٣)، وأبو نعيم في الحلية، (٣/ ١٢٥)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٦٣)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٥٣٤).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٨٨٦)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٧٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤١٨٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٠١).","vol":"3","page":350},{"text":"-﵇- يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، قَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ، ونزل قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]» (^١).\nحياء مكتسب، ويكتسب الإنسان الحياء بقدر معرفته بالله، وقربه منه، وإيمانه باطلاع الله على خائنة العين وما يخفي الصدر، وحُكي عن بعض السلف: «خَفِ اللَّهَ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، وَاسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ فِي قُرْبِهِ مِنْكَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-996>ثانيًا: تقسيم الحياء من حيث النوع:</span>\nقسمه ابن القيم -﵀- إلى عشرة أقسام:\nحياء الجناية: فمنه حياء آدم -﵇- لما فرَّ هاربًا في الجنة، قال الله تَعَالَى: «يَا آدَمُ فِرَارًا مِنِّي؟ قَالَ: بَلْ حَيَاءً مِنْكَ سَيِّدِي» (^٣).\n٢ - حياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٠٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٣٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف، رقم الحديث: (٢٣).\n(^٣) أخرجه ابن ابي الدنيا في الرقة والبكاء، رقم الحديث: (٣٢٨).","vol":"3","page":351},{"text":"٣ - حياء الإجلال: وهو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفته بربه يكون حياؤه منه.\n٤ - حياء الكرم: كحياء النبي -ﷺ- من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطوَّلوا الجلوس عنده، فقام واستحى أن يقول لهم: انصرفوا (^١).\n٥ - حياء الحشمة: كحياء علي بن أبي طالب -﵁- أن يسأل رسول الله -ﷺ- عن المذي؛ لمكان ابنته منه (^٢).\n٦ - حياء الاستحقار، واستصغار النفس: كحياء العبد من ربه -﷿- حين يسأله حوائجه، احتقارًا لشأن نفسه، واستصغارًا لها، وقد يكون لهذا النوع سببان:\nأحدهما: استحقار السائل نفسه، واستعظام ذنوبه وخطاياه.\nالثاني: استعظام مسئوله، وهو المولى -﷿-.\n٧ - حياء المحبة: فهو حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحسَّ به في وجهه ولا يُدْرَى ما سببه.\n٨ - حياء العبودية: فهو حياء ممتزج من محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدرَه أعلى وأجلُّ منها، فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.\n٩ - حياء الشرف والعزة: فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء أو إحسان، فإنه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥١٦٣)، ومسلم، رقم الحديث: (١٤٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٦٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٣٠٣).","vol":"3","page":352},{"text":"١٠ - حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون، فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحيي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-997>ثالثًا: تقسيم الحياء باعتبار المستحيَى منه:</span>\n<span data-type='title' id=toc-998>١ - الحياء من الله:</span>\nإن أعظم أنواع الحياء على الإطلاق وأرفعها وأجلها: هو الحياء من الله تَعَالَى، يقول تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويقول أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\nوالحياء من الله يكون باتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه، ومراقبة الله في السر والعلن، قال رسول الله -ﷺ-: «أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحْيِيَ مِنَ اللهِ -﷿-، كَمَا تَسْتَحْيِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ قَوْمِكَ» (^٢) وهذا الحياء يسمى حياء العبودية الذي يصل بصاحبه إلى أعلى مراتب الدين، وهي مرتبة الإحسان الذي يُحس فيها العبد دائمًا بنظر الله إليه، وأنه يراه في كل حركاته وسكناته، فيتزين لربه بالطاعات، وهذا الحياء يجعله دائمًا يشعر بأن عبوديته قاصرة حقيرة أمام ربه؛ لأنه يعلم أن قدر ربه أعلى وأجلُّ.\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد، رقم الحديث: (٢٤٨)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٥٥٣٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢٥٤١).","vol":"3","page":353},{"text":"ومن أنواع الحياء من الله: الحياء من نظر الله إليه في حالة لا تليق؛ كالتعري، كما في حديث بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي، قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَوْرَاتُنَا، مَا نَأْتِي مِنْهَا، وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» (^١).\nولذلك عقد الإمام البخاري -﵀- بابًا سماه: «بَابٌ: مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-999>٢ - الحياء من الملائكة:</span>\nمن المعلوم أن الله قد جعل فينا ملائكةً يتعاقبون علينا بالليل والنهار … وهناك ملائكة يصاحبون أهل الطاعات مثل: الخارج في طلب العلم، والمجتمعين على مجالس الذكر، والزائر للمريض، وملائكة لا يفارقوننا، وهم الحفظة والكتبة.\nقال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الأنفطار: ١٠ - ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨].\nوالحياء من الملائكة يكون بالبعد عن المعاصي والقبائح وإكرامهم عن مجالس الخنا، وأقوال السوء، والأفعال المذمومة المستقبحة، قال\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٠١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٧٦٩)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٩٢٠)، حكم الألباني: حسن، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣١١٧).\n(^٢) صحيح البخاري، (١/ ٦٤).","vol":"3","page":354},{"text":"-ﷺ-: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1000>٣ - الحياء من الناس:</span>\nوهذا النوع من الحياء هو أساس مكارم الأخلاق، ومنبع كل فضيلة؛ لأنه يترتب عليه القول الطيب، والفعل الحسن، وكل خلق حسن، والحياء من الناس قسمان:\nقسم صاحبه يستحي من الناس؛ بأن لا يأتي هذا المنكر والفعل القبيح؛ خوفًا من الله تَعَالَى أولًا، ثم اتقاءَ ملامة الناس وذمهم ثانيًا، فهذا يأخذ أجر حيائه كاملًا؛ لأنه استكمل الحياء من جميع جهاته؛ إذ ترتب عليه الكف عن القبائح التي لا يرضاها الدين والشرع ويذمه عليها الخَلق.\nقسم يترك القبائح والرذائل حياءً من الناس، وإذا خلا من الناس لا يتحرَّج من فعلها، وهذا النوع من الناس عنده حياء، ولكنه حياء ناقص ضعيف، يحتاج إلى علاج وتذكير بعظمة ربه وجلاله، وأنه أحقُّ أن يُستحيا منه؛ لأنه القادر المطَّلع الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فكيف يليق به أن يأكل من رزقه ويعصيه، ويعيش في أرضه وملكوته ولا يطيعه، ويستعمل عطاياه فيما لا يرضيه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٨٠٠)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير، رقم الحديث: (٢١٩٤).","vol":"3","page":355},{"text":"وعلى ذلك فإن هذا العبد لا يليق به أن يستحي من الناس الذين لا يملكون له ضرًّا ولا نفعًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم لا يستحي من الله الرقيب عليه، المتفضل عليه، الذي ليس له غناء عنه.\nأما الذي يجاهر بالمعاصي، ولا يستحي من الله، ولا من الناس؛ فهذا من شر ما مُنِيَتْ به الفضيلة، وانتُهكت به العفة؛ لأن المعاصي داء سريع الانتقال، لا يلبث أن يسري في النفوس الضعيفة، فيعم شر معصية المجاهر ويتفاقم خطبها، فشره على نفسه وعلى الناس عظيم، وخطره على الفضائل كبير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1001>٤ - الحياء من النفس:</span>\nوهو حياء النفوس العزيزة من أن ترضى لنفسها بالنقص أو تقنع بالدون.\nويكون هذا الحياء بالعفة، وصيانة الخلوات، وحسن السريرة، فيجد العبد المؤمن نفسه تستحي من نفسه، حتى كأنَّ له نَفْسَينِ تستحي إحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء؛ فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدرُ.\nفكما أن هناك نفسًا أمارة بالسوء تأمر صاحبها بالقبائح، قال تَعَالَى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، فهناك النفس الأخرى الأمارة بالخير، الناهية عن القبائح وهي النفس المطمئنة، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].","vol":"3","page":356},{"text":"وليس من الحياء الإخلال بالحقوق والواجبات الشرعية، ومن فعل الخير والدعوة إلى الله وطلب العلم والتفقه في الدين، فلا يصح الحياء في طلب العلم ولا في السؤال عما يشكل على المؤمن في أمر دينه خاصة.\nوقد كانت أم سليم -﵂- تسأل رسول الله -ﷺ- في مسائل دقيقة من أحكام النساء وتستفتح سؤالها بقولها: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ» (^١)، وفي ذلك يقول مجاهد أيضًا: «لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ» (^٢)، وقالت عائشة -﵂-: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1002>رابعًا: تحقيق مرتبة الحياء من الله تَعَالَى:</span>\nلا بد للعبد- ليكون من أهل الحياء- أن يستحضر عدة أمور، ويستشعرها، ويحرص أن لا تغيب عن ذهنه، ومنها:\nالدعاء: وهو سلاح المؤمن، فيلجأ إلى ربه؛ ليرزقه الحياء، ويصرف عنه سيء الأخلاق، وقد كان النبي -ﷺ- يقول في دعاء الاستفتاح: «وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» (^٤)، وكان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٩١)، ومسلم، رقم الحديث: (٣١٣).\n(^٢) صحيح البخاري، (١/ ٣٨).\n(^٣) صحيح البخاري، (١/ ٣٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٧١).","vol":"3","page":357},{"text":"الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ» (^١)، ولا ريب أن الحياء من الأخلاق الحسنة.\nمراقبة الله تَعَالَى في السر والعلن: ومن ثمَّ فيقوى الإيمان في القلب بزيادة الطاعات واجتناب المنكرات، وقال ابن القيم -﵀- عن الله -﷿-: «فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع- وكان حيًّا حَيِيًّا- استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه» (^٢).\nالعلم بالله -﷿-: وذلك من خلال التفقه في أسمائه وصفاته التي تستوجب مراقبته كالرقيب والشهيد والعليم والسميع والبصير …\nمعرفة أهمية الخلق في الإسلام، والتأمل في الآثار المترتبة عليها: ومن ذلك الحياء خاصة، والأخلاق الحسنة بعامة؛ فإن معرفة ثمرات الأشياء، واستحضار حسن عواقبها؛ من دواعي فعلها، وتمثلها، والسعي إليها.\nالحذر من اليأس من إصلاح النفس: فهناك من إذا ابتلى بشيء مما يُسيء الأخلاق، وحاول التخلص منه فلم يفلح أيس من إصلاح نفسه، وترك المجاهدة، وهذا الأمر لا يَحْسُن بالمؤمن القوي، بل ينبغي عليه أن يقوي إرادته، وأن يسعى لتكميل نفسه، وأن يجُدَّ في تلافي عيوبه.\nمخالطة الصالحين، والتخلق بأخلاقهم: قال مجاهد -﵀-: «إنَّ المسلم لو لم يُصبْ من أخيه إلا أن حياءه منه يمنعه من المعاصي لكفاه»، والمرء فطرةً مولعٌ بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه، فمجالس\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٩١)، وابن حبان، رقم الحديث: (٩٦٠)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٢٤٧١).\n(^٢) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٢٧٠).","vol":"3","page":358},{"text":"الأخيار تقوي الحياء المكتسب وتنميه، أما مجالسة الأرذال، فإنها تحول بين العبد وبين اكتساب الحياء.\nمطالعة سير أهل الفضل والحلم، والنظر في تراجمهم عامةً مما يُحرك العزيمة على اكتساب المعالي، ومكارم الأخلاق؛ ذلك أنَّ حياتهم توحي إلى القارئ بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم.\nفاللهم إنا نسألك أن ترزقنا مِن خشيتك والحياء منك، ما يحول بيينا وبين معصيتك!","vol":"3","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1003>الرفيقُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1004>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الرفق: ضد العنف، وقد رفق به يرفق، وحكى أبو زيد: رفقت به وأرفقته بمعنى، وكذلك ترفقت به، ويقال أيضًا: أرفقته، أي نفعته» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الراء والفاء والقاف أصل واحد يدل على موافقة مقاربة بلا عنف، فالرفق: خلاف العنف؛ يقال: رفقت أرفق، وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ (^٢)» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1005>ورود اسم الله (الرفيق) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد اسم الله (الرفيق) في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1006>ورود اسم الله (الرفيق) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الرفيق) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن عائشة -﵂- قالت: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا\n_________\n(^١) الصحاح في اللغة (٤/ ١٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٢٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٦٥).\n(^٣) مقاييس اللغة (٢/ ٤١٨).","vol":"3","page":360},{"text":"عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (^١).\nوعن عبد الله بن مغفل -﵁-: قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» (^٢).\nثبوت اسم الله (الرفيق) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الرفيق) في حق الله تَعَالَى:\nابن القيم -﵀-: في قوله: «وتعبده باسمه البر، اللطيف، المحسن، الرفيق، فإنه رفيق يحب الرفق» (^٣).\nابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1007>معنى اسم الله (الرفيق):</span>\nقال الخطابي -﵀-: «(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ) (^٥)، أي: «ليس بعجول، وإنما يعجل من يخاف الفوت، فأما من كانت الأشياء في قبضته وملكه فليس يعجل فيها» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٢٧)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٣).\n(^٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم (٢/ ٢٧٠).\n(^٤) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين (ص: ١٥).\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) النهج الأسمى، للنجدي (٣/ ١٠).","vol":"3","page":361},{"text":"قال الزرقاني -﵀-: «(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ) (^١)، أي: لطيف بعباده، يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فيكلفهم فوق طاقتهم، بل يسامحهم ويلطف بهم» (^٢).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «فالله تَعَالَى رفيق في أفعاله، خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئًا فشيئًا، بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة، وفي لحظة واحدة، ومَن تدبَّر المخلوقات وتدبَّر الشرائع كيف يأتي بها شيئًا بعد شيء، شاهَدَ من ذلك العجبَ العجيبَ» (^٣).\nقال الإمام ابن القيم -﵀-:\nوَهُوَ الرَّفِيْقُ يُحِبُّ أَهْلَ الرِّفْقِ يُعْـ … ـطِيهِمُ بِالرِّفْقِ فَوْقَ أَمَانِ (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-1008>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الرفيق):</span>\n<span data-type='title' id=toc-1009>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الرفيق) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالرفيق سُبْحَانَهُ هو اللطيف بعباده، القريب منهم، يغفر ذنوبهم ويستر عيوبهم، وهو الذي تكفل بهم من غير عوض أو حاجة، يسَّر أسبابهم، وقدَّر أرزاقهم، وهداهم لما يصلحهم، فنعمته عليهم سابغة، وحكمته فيهم بالغة،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) شرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ٦٢٤).\n(^٣) الحق الواضح المبين (ص: ٦٣).\n(^٤) النونية، لابن القيم (ص: ٢٠٨).","vol":"3","page":362},{"text":"يحب عباده الموحدين، ويتقبل أعمالهم، ويقربهم وينصرهم على عدوهم، ويعاملهم بلطف وعطف ورحمة وإحسان، ويدعو من خالفه إلى التفكر والتذكر والتوبة والإيمان، فهو الرفيق المحسن في خفاء وستر، يتابع عباده في حركاتهم وسكناتهم، ويتولاهم في حلهم وترحالهم بمعية عامة وخاصة، العالم بخفايا أمورهم، والخبير ببواطن شؤونهم، تعددت مظاهر رفقه وإحسانه في خلقه، ومن ذلك:\n- رفقه سُبْحَانَهُ في أفعاله:\nالرفيق سُبْحَانَهُ خلق المخلوقات كلها بالتدرج شيئًا فشيئًا، بحسب حكمته ورفقه، مع قدرته على خلقها دفعة واحدة، وفي لحظة واحدة، ومن ذلك:\nخلق السموات والأرض في ستة أيام، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾\n[الأعراف: ٥٤].\nخلق الإنسان مراحل من نطفة حتى اكتمل الخلق، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥].\nفخلق الله قائم على التدرج، وهذا دليل على رفق الله وحكمته وعلمه ولطفه.","vol":"3","page":363},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وأصحاب رسول الله -ﷺ- عرفوا ذلك وبينَّوه للناس، وعرفوا أنَّ حدوث الحوادث اليومية المشهودة تدل على أن العالم مخلوق، وأن له ربًّا خلقه ويحدث فيه الحوادث» (^١)، وكان سُبْحَانَهُ قادرًا على خلق الحوادث كلها في وقت واحد وهيئة واحدة، لكنه الرفيق الذي لا يعجل سُبْحَانَهُ.\nرفقه سُبْحَانَهُ في أحكامه:\nفالله سُبْحَانَهُ لا يكلف عباده إلا بما يطيقون، فأوامره كلها بقدر الاستطاعة، وما فيه مشقة عليهم أسقطه ورخصه، حتى تزول مشقته.\nبل إن الأحكام والتكاليف الشرعية فُرضت على العباد بالتدريج، ولم تفرض دفعة واحدة، حتى تألف النفوس وتلين الطباع ويتم الانقياد، فقد مكث النبي -ﷺ- ثلاثًا وعشرين سنة يبني المجتمع الإسلامي لبنة لبنة، ويعده نفسيًّا وذهنيًّا لتقبل الأحكام، فالخمر- مثلًا- حُرِّمَ على عدة مراحل، وهي:\nتأثيم شرب الخمر، يقول تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].\nتحريم شرب الخمر وقت الصلاة، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].\nالتحريم القطعي، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\nوالصلاة كذلك فُرضت في أول الأمر ركعتين ركعتين، ثم أُقرت في\n_________\n(^١) جامع الرسائل، لابن تيمية (ص: ١٣٩).","vol":"3","page":364},{"text":"السفر على هذا، وزِيدت في الحضر إلى أربع (الظهر والعصر والعشاء)، ويدل على ذلك حديث عائشة -﵂- تقول: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا» (^١)، وفي حديث آخر: «فُرِضَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا أَقَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ» (^٢)\nوالصيام فُرِضَ أولًا على التخيير، فمن شاء صام ومن شاء أفطر وفدى، ثم أنزل الله فرض صيامه في قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].\nوأخرج البخاري عن أم المؤمنين عائشة -﵂- قولها: «إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا» (^٣).\nومن آثار رفقه سُبْحَانَهُ بعباده: ما شرع لهم من الرخص الشرعية التي ترفع عنهم الحرج، والعبد إذا ترفه بالرخص الشرعية، فإنما يتعبد لله تَعَالَى باسمه «الرفيق» كما وضح ذلك الإمام ابن القيم -﵀- بقوله: «فرق بين أن يكون التفاته إليها- أي: الرخص- ترفهًا وراحة، وأن يكون متابعة وموافقة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٩٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة، رقم الحديث: (٩٤٤)، وابن حبان، رقم الحديث: (٢٧٣٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٨١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٩٩٣).","vol":"3","page":365},{"text":"ومع هذا فالالتفات إليها ترفهًا وراحة لا يُنافي الصدق، فإن هذا هو المقصود منها، وفيه شهود نعمة الله على العبد، وتعبد باسمه: (البرِّ)؛ (اللطيف)؛ (المُحسن)؛ (الرَّفيق)، فإنه (رفيق) يحب الرفق» (^١).\nرفقه سُبْحَانَهُ بعباده العصاة:\nفهو الرفيق الذي يمهل من عصاه ليتوب إليه، ولو شاء لعجل بعقوبته، لكنه رفق به وتأنى، وحلم عليه، يقول تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].\nيقول الطبري -﵀-: «ولو يؤاخذ الله عصاة بني آدم بمعاصيهم ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ [النحل: ٦١]- يعني: الأرض- ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تَدُبُّ عليها ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ [النحل: ٦١] يقول: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة، فلا يعاجلهم بالعقوبة، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١] يقول: إلى وقتهم الذي وقَّت لهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [النحل: ٦١] يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقَّت لهلاكهم لا يستأخرون عن الهلاك ساعة فَيُمهَلُون، ولا يستقدمون قبله حتى يستوفوا آجالهم» (^٢).\nوحري بمن عرف اسم الله الرفيق وآمن به أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، فيسأله وحده عفوه ورفقه.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٨٢).\n(^٢) جامع البيان (١٤/ ٨٥).","vol":"3","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1010>الأثر الثاني: محبة الله الرفيق:</span>\nإن من رأى آثار لطف الله ورفقه بعباده، في خلقه، وشرعه، وقدرته، ورأفته ورحمته (^١)، مع غناه سُبْحَانَهُ عن خلقه؛ أحب ربه وعظمه، وأجله وحمده، ووحده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1011>الأثر الثالث: الرفق في أخذ الدين، وعدم التشدد:</span>\nفالإسلام دين يُسر وسهولة، لا يكلف بما لايطاق، والنبي -ﷺ- كان ينهى عن تكليف النفس فوق ما تطيق ولو كانت عبادة، يقول -ﷺ-: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (^٢).\nيقول الشيخ السعدي -﵀- في شرح الحديث: «ما أعظم هذا الحديث، وأجمعه للخير والوصايا النافعة، والأصول الجامعة، فقد أسس -ﷺ- في أوله هذا الأصل الكبير، فقال: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ): أي: ميسر مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتُروكه، فإن عقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشره: هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصِّل مقتديها إلى أجلِّ غاية وأفضل مطلوب، وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق، وأصلح الأعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله، وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادرًا عليها لا تشق عليه، ولا تكلفه، عقائده صحيحة\n_________\n(^١) للاستزادة في آثار الرحمة واللطف تراجع الأسماء: الرحمن، الرحيم، اللطيف.\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٩).","vol":"3","page":367},{"text":"بسيطة، تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة … وأما من شدد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي -ﷺ-، ولا بما علَّمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا، وأوغل في العبادات: فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع، ولهذا قال: (وَلَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ)، فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى» (^١).\nومن شواهد الرفق والنهي عن التشدد في العبادة فوق ما شرع الله، ما يلي:\n- حديث عائشة -﵂-: «أنَّ الحولاء بنت تُوَيْتِ بن حبيب بن أسد بن عبد العزَّى مرَّت بها، وعندها رسول الله -ﷺ- قالت: فقلتُ: هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل، فقال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَنَامُ اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَسْأَمُ اللهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» (^٢).\n- حديث أنس بن مالك -﵁-، قال: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَر: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (^٣).\n_________\n(^١) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي (ص: ٧٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٨٥).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠٦٣).","vol":"3","page":368},{"text":"- حديث أنس بن مالك -﵁- قال: «دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» (^١).\nومن الرفق في أخذ الدين: الترخص برخص الرفيق سُبْحَانَهُ، واستشعار العبودية في ذلك، وابتغاء محبته ورضاه، فعن ابن عمر -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُتْرَكَ مَعْصِيَتُهُ» (^٢)، وفي حديث حمزة بن عمرو الأسلمي -﵁-، أنه قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1012>الأثر الرابع: الرفق في كل الأمور، اقتداءً برسول الله -ﷺ</span>-:\nكان نبينا محمد -ﷺ- أرفق الناس، وشواهد رفقه في سنته ظاهرة، ودلائل حلمه وأناته في سيرته واضحة، بل إنه ضرب أروع الأمثلة في تحقيق الرفق والأناة في تعامله مع الناس ودعوته إلى دين الله، ومعالجته لما قد يقع من أخطاء ومخالفات، ومن شواهد ذلك:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٨٤).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة، رقم الحديث: (٢٠٢٧)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٠٥٩).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١١٢١).","vol":"3","page":369},{"text":"عن أنس -﵁- قال: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: لَا تُزْرِمُوهُ، ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ» (^١).\nيبول في مسجد رسول الله -ﷺ-، ومع ذلك فالنبي -ﷺ- يقول: «دَعُوهُ، وَلَا تُزْرِمُوهُ» (^٢) ولم يكن منه -ﷺ- إلا أن دعا بدلو من ماء فَصُبَّ عليه، فحلَّ النبيُّ -ﷺ- المسألةَ ببساطة وبغير فظاظة، لا إغلاظ ولا سخرية ولا غيره، وفي رواية أن هذا الأعرابي قال وهو في الصلاة: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا» (^٣).\nعن عائشة -﵂- أنها قالت: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَيْكُم» (^٤).\nعن أبي هريرة -﵁-، أنه قال: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: دَعُوه، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٢٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٠).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٠٦)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٠١).","vol":"3","page":370},{"text":"عن أنس -﵁- أنه قال: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» (^١).\nعن معاوية بن الحكم السلمي -﵁-، قال: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (^٢).\nعن أبي أمامة -﵁-، قال: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٨٠٩) واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٥٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٥٣٧).","vol":"3","page":371},{"text":"قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» (^١).\nعن أنس -﵁-: «أن النبي -ﷺ- أتى على أزواجه، وسَوَّاق يسوق بهن، يقال له: أنجَشَة، فقال: فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ» (^٢).\nعن أسامة بن زيد -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» (^٣).\nبل إن من وصايا النبي -ﷺ- العامة: الرفق في كل الأمور، ففي الحديث: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٦٤١)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٦٧٩، ٢٢٢٦٥)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١/ ٧١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦١٤٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٠٠٣).\n(^٤) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٢٥٩)، وأبو يعلى، رقم الحديث: (٤٥٣٠) حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٢٥٢٤).","vol":"3","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1013>الأثر الخامس: التفريق بين الرفق والتفريط:</span>\nإن الرفق لا يعني التفريط والكسل وتفويت فرص الخير، بل الرفق الممدوح وسط بين العجلة والطيش وبين الكسل وتفويت الفرص، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم -﵀-: «والفرق بين المبادرة والعجلة: أن المبادرة انتهاز الفرص في وقتها، ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، فهو لا يطلب الأمور في إدبارها، ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتها بادر إليها، ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها، والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته، فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها، فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين؛ أحدهما: التفريط والإضاعة، والثاني: الاستعجال قبل الوقت؛ ولهذا كانت العجلة من الشيطان، فإنها خفة وطيش، وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشرور وتمنعه من الخير، وهي قرين الندامة، فقل من استعجل إلا ندم، كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة» (^١).\nوقال أبو حاتم -﵀-: «الواجب على العاقل: لزوم الرفق في الأمور كلها، وترك العجلة والخفة فيها؛ إذ الله تَعَالَى يحب الرفق في الأمور كلها، ومن منع الرفق منع الخير، كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب، إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة» (^٢).\n_________\n(^١) الروح، لابن القيم (ص: ٢٥٨).\n(^٢) روضة العقلاء، لابن حبان البستي (ص: ٢١٦).","vol":"3","page":373},{"text":"وقال أيضًا -﵀-: «العاقل يلزم الرفق في الأوقات، والاعتدال في الحالات؛ لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب، كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرِّفق يكون الاحتراز، وفي الاحتراز تُرجَى السلامة، وفي ترك الرِّفق يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تُخَافُ الهلكةُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1014>الأثر السادس: الرفق في التعامل مع الخلق:</span>\nفحقيقة الرفق هي: التحكم في هوى النفس ورغباتها، وحملها على الصبر والتحمل والتجمل، وكفها عن العنف والتعجل، والعلم بأن الصبر بالتصبر، والحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم، والرفق بالترفق، وحسن الخلق كله بالتخلق، ومن يتوخ الخير يعطه، ومن يتوقى الشر يوقه.\nيقول ابن الجوزي -﵀-: «اعلم أنه إنما كان جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء؛ لأن النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب؛ لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة، فكيف إذا دعا إلى محبوب؛ فإذ عكست الحال وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتد الجهاد، وصعب الأمر، بخلاف جهاد الكفار؛ فإن الطباع تحمل على خصومة الأعداء، وقال ابن المبارك- في قوله تَعَالَى-: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] قال: هو جهاد النفس والهوى» (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق، نفس الصفحة.\n(^٢) ذم الهوى، لابن الجوزي (ص: ٤٠).","vol":"3","page":374},{"text":"ومن مظاهر رفق المؤمن بغيره ما يلي:\nالرفق بأهل البيت خاصة:\nفإن أولى الناس بالحلم والرفق واللين: الأهلُ وذوو الأرحام، يقول -ﷺ- في ذلك: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خيرًا أَدْخَلَ عَلَيهِمُ الرِّفْقَ» (^١)، ويقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (^٢)، وقد ورددت نصوص كثيرة في الرفق بأهل البيت، منها:\nالرفق بالوالدين، يقول تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].\nالرفق بين الزوجين، فقد أوصى النبي -ﷺ- بالنساء خيرًا في قوله: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» (^٣)، وأخبر -ﷺ- عن الزوجة الصالحة الخيرة بقوله: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: كُلُّ وَلُودٍ وَدُودٍ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٥٠٦٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٠٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٨٩٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٣٨٩٥).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (١٤٦٨).","vol":"3","page":375},{"text":"إِذَا غَضِبَتْ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْهَا أَوْ غَضِبَ -أَيْ: زَوْجُهَا- قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَكْتَحِلُ بِغُمْضٍ حَتَّى تَرْضَى» (^١).\nالرفق بالأبناء، وفي ذلك روى أبى هريرة -﵁-، أن الأقرع بن حابس -﵁- أبصر النبى -ﷺ- يقبِّل الحسن، فقال: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (^٢).\nالرفق مع عامة الناس:\nيقول ابن القيم -﵀-: «من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تَعَالَى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه» (^٣)، وفي هذا المعنى شواهد نبوية كثيرة، منها:\nقوله -ﷺ- لعائشة: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (^٤).\nقوله -ﷺ-: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير، رقم الحديث: (١١٨) حكم الألباني: حسن لغيره، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٩٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٩٩٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣١٨).\n(^٣) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ٣٥).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٣).\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"3","page":376},{"text":"قوله -ﷺ-: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ» (^١).\nقوله -ﷺ-: «الأَنَاةُ مِنَ الله، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (^٢).\nالرفق بمن أساء:\nكان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح يتعاملون بالرفق مع من يسيئون إليهم، يقول عبد الله بن عباس -﵄- لرجل سَبَّهُ-: «يا عكرمة، هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فَنَكَّسَ الرجل رأسه، واستحى مما رأى من حلمه عليهِ» (^٣)، وعن علي بن الحسين -﵁-: «أن رجلًا سَبَّهُ فرمى إليه بخميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: جمع له خمس خصال محمودة: الحلم وإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعده عن الله -﷿-، وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى مدحٍ بعد الذم، اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير» (^٤).\nويدخل هنا- أيضًا- الرفق والإحسان في الدعوة إلى الله، أو التعامل مع المخالف، يقول سُبْحَانَهُ في بيان هذه العلة: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ويقول تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٣)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٤٦٤)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٢)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٥٧٠٢)، حكم الألباني: ضعيف، ضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٦٥).\n(^٣) موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق، لياسر عبد الرحمن (١/ ٣٤٦).\n(^٤) نضرة النعيم (٥/ ١٧٤٩).","vol":"3","page":377},{"text":"وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ قَارَفَ ذَنْبًا، فَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، وَلَكِنْ سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- كُنَّا لَا نَقُولُ فِي أَحَدٍ شَيْئًا، حَتَّى نَعْلَمَ عَلَى مَا يَمُوتُ، فَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ عَلِمْنَا - أَوْ قَالَ: رَجَوْنَا - أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ خَيْرًا، وَإِنْ خُتِمَ لَهُ بِشَرٍّ، خِفْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ» (^١).\nوعليه فالرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر متعيِّن، وهو وظيفة الأنبياء والرسل ومنهجهم جميعهم في الدعوة، ومنه رفق إبراهيم مع أبيه رغم كفره وجفاء قوله، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٧].\nقال الشنقيطي -﵀-: «بيَّن الله -﷿- في هاتين الآيتين الكريمتين أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق، والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يُبصر، ومن عذاب الله تَعَالَى، وولاية الشيطان، خاطبه هذا الخطاب العنيف وسماه باسمه، ولم يقل له: يا بُنَي، في\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد، رقم الحديث: (٨٩٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٨٥٧٤).","vol":"3","page":378},{"text":"مقابلة قوله له: يا أبت، وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان، أي: مُعرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده -﷿-، وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه، قيل: بالحجارة، وقيل: باللسان شتمًا، والأول أظهر، ثم أمره بهجره مليًّا، أي: زمانًا طويلًا، ثم بين أن إبراهيم قابل- أيضًا- جوابه العنيف بغاية الرفق واللين، في قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]» (^١).\nالرفق بالحيوان والنبات ونحوه:\nومن الرفق بالحيوان: أن يُدفع عنه أنواع الأذى، كالعطش والجوع، والمرض، والحمل الثقيل، فعن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (^٢).\nوعن سعيد بن جبير -﵀-، قال: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» (^٣).\n_________\n(^١) أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٦٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥٨).","vol":"3","page":379},{"text":"ومن الرفق بالنبات ونحوه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1015>الأثر السابع: الحرص على نيل ثواب الرفق:</span>\nالله سُبْحَانَهُ رفيق يحب الرفق، ويجازي عليه بثواب الدنيا والآخرة، ومن ذلك:\n- تحريم النار على كل ليِّن سهل رفيق:\nقوله -ﷺ-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ» (^١)، وفي رواية «قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ» (^٢).\n- الخير الجزيل منه سُبْحَانَهُ:\nففي الحديث: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ» (^٣)، وقال -ﷺ-: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (^٤)، ودعاؤه -ﷺ- لمن يتولى أمر المسلمين ويرفق بهم في قوله: «وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٠١٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٨)، واللفظ له، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب رقم الحديث: (١٧٤٤).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٤٠١٧)، واللفظ له، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٦١)، حكم الألباني: ضعيف جدًا، السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (١٥٤).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٩٢).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨٢٨).","vol":"3","page":380},{"text":"- الرفق يزين الأشياء كلها:\nففي الحديث: «مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ» (^١)، فالنفوس تنشرح للرفق وتأنس به.\n- الرفق سبب في لين القلب:\nفقد شكا رجل إلى رسول الله -ﷺ- قسوة قلبه، فقال له: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (^٢).\nفاللهم ارزقنا الرفق في الأمور كلها، وارفُق بنا، واشملنا بعطفك ورحمتك وغفرانك، اللهم ارزقنا الحلم والأناة، واهدنا إلى ما تحبه من الأعمال والأخلاق.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٦٥٠)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٤٠٩).","vol":"3","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1016>السُبُّوح القُدُّوس -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1017>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1018>أولًا: (السبوح):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «… والتسبيح: التنزيه، وسبحان الله، معناه: التنزيه لله، نصب على المصدر، كأنه قال: أبرئ الله من السوء براءة، والعرب تقول: سبحان من كذا، إذا تعجبت منه … وسبوح من صفات الله، قال ثعلب: كل اسم على (فعول) فهو مفتوح الاول، إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(سبح) السين والباء والحاء أصلان … ومن الباب التسبيح، وهو تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء، والتنزيه: التبعيد، والعرب تقول: سبحان من كذا، أي: ما أبعده … وفي صفات الله -﷿-: سبوح، واشتقاقه من الذي ذكرناه أنه تنزه من كل شيء لا ينبغي له» (^٢).\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ٣٧٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ١٢٥).","vol":"3","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1019>ثانيًا: (القدوس):</span>\nقال الجوهري -﵀-: «والقدوس: اسم من أسماء الله تَعَالَى، وهو فعول من القدس، وهو الطهارة» (^١).\n- قال ابن فارس -﵀-: «القاف والدال والسين أصل صحيح، وأظنه من الكلام الشرعي الإسلامي، وهو يدل على الطهر، ومن ذلك الأرض المقدسة هي المطهرة، وتسمى الجنة: حظيرة القدس، أي: الطهر، وجبرئيل -﵇- روح القدس، وكل ذلك معناه واحد، وفي صفة الله تَعَالَى: القدوس، وهو ذلك المعنى؛ لأنه منزه عن الأضداد والأنداد، والصاحبة والولد، تَعَالَى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1020>ورود اسم الله (السبوح القدوس) في القرآن الكريم:</span>\nأولًا: ورود اسم الله السبوح:\nلم يرد اسم الله (السبوح) في القرآن.\nثانيًا: ورود اسم الله القدوس:\nورد اسمه سُبْحَانَهُ (القدوس) مرتين في كتاب الله، وهما:\nقوله -﷿-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ٩٩).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٦٣ - ٦٤).","vol":"3","page":383},{"text":"قوله -﷿-: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]\n\n<span data-type='title' id=toc-1021>ورود اسم الله (السبوح القُدُّوس) في السنة النبوية:</span>\nأولًا: ورد اسم الله السبوح في السنة، مقرونًا باسمه القدوس في حديث عائشة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (^١).\nثانيًا: ورد اسم الله (القدوس).\nمن وروده ما يلي:\nحديث عائشة -﵂- السابق.\nحديث أبي بن كعب -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ، قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» (^٢).\nحديث عائشة -﵂-، لما سئلت بِمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا وَحَمِدَ عَشْرًا، وَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ عَشْرًا وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَشْرًا ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٧).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١١٤٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٣٠)، واللفظ له، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (١٢٧٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥٠٨٥)، حكم الألباني: حسن صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥٠٨٥).","vol":"3","page":384},{"text":"ثبوت اسم الله (السبوح) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله السبوح (^١) في حق الله تعالى:\nالنووي -﵀-: في قوله: «السبوح القدوس المسبح المقدس، فكأنه قال: مسبَّح مقدَّس، رب الملائكة والروح، ومعنى سُبُّوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية» (^٢).\nابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1022>معنى اسم الله (السُّبُّوح القُدُّوس):</span>\nأولًا: (السُّبُّوح):\nقال الطبري -﵀-: «… قولهم: (سبوح قدوس)، يعني بقولهم: (سبوح)، تنزيه لله … فمعنى قول الملائكة إذًا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك، ونصلي لك» (^٤).\nقال الخطابي -﵀-: «السبوح: المنزه عن كل عيب، جاء بلفظ: فعول من قولك: سبحت الله؛ أي: نزهته، وقد روي عن النبي -ﷺ-: أنه سئل عن تفسير قوله: سبحان الله فقال: (إنكاف الله من كل سوء)؛ أي: تنزيهه» (^٥).\n_________\n(^١) لم نورد اسم الله (القدوس) هنا؛ لأنه ثيت بنص القرآن الكريم، فلا حاجة.\n(^٢) شرح النووي على مسلم، (٤/ ٢٠٤).\n(^٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين، (ص: ١٥).\n(^٤) تفسير الطبري (١/ ١٦٧).\n(^٥) شأن الدعاء (١/ ١٥٤).","vol":"3","page":385},{"text":"قال الحَليمي -﵀-: «ومنها السبوح: ومعناه: المنزه عن المصائب، والصفات التي تعتور المحدثين من ناحية الحدث، والتسبيح التنزيه» (^١).\nقال النووي -﵀-: «السبوح القدوس المسبح المقدس، فكأنه قال: مُسبَّح مُقَدَّس، رب الملائكة والروح، ومعنى سبوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية» (^٢).\nثانيًا: القدوس:\nيدور اسم الله القدوس في حق الله - تَعَالَى - على معنين:\n١ - الطاهر من الأدناس والنقائص والمعايب.\n٢ - المبارك ذي الخير الواسع العظيم.\nومن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الطبري -﵀-: «والتقديس هو التطهير والتعظيم، فمعنى قول الملائكة: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك» (^٣).\nقال الخطابي -﵀-: «القدوس: هو الطاهر من العيوب، المنزه عن الأنداد، والأولاد» (^٤).\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٤).\n(^٣) تفسير الطبري، (١/ ١٦٧).\n(^٤) شأن الدعاء، (١/ ٤٠).","vol":"3","page":386},{"text":"قال البيهقي -﵀-: «القدوس: هو الطاهر من العيوب، المنزه عن الأولاد والأنداد، وهذه صفة يستحقها بذاته» (^١).\nقال البغوي -﵀-: «(القدوس) الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «(القدوس): المنزه من كل شر ونقص وعيب، كما قال أهل التفسير: هو (الطاهر) من كل عيب المنزه عما لا يليق به، وهذا قول أهل اللغة» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «ومن أسمائه: (القدوس) (السلام) أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها، وعن أن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه، أو يماثله أحد في شيء من الكمال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، فـ (القدوس) كـ (السلام) ينفيان كل نقص من جميع الوجوه، ويتضمنان الكمال المطلق من جميع الوجوه؛ لأن النقص إذا انتفى ثبت الكمال كله» (^٤).\n_________\n(^١) الاعتقاد، للبيهقي (ص: ٥٩).\n(^٢) تفسير البغوي (٨/ ٧٨).\n(^٣) شفاء العليل (٢/ ٥١٠).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٩٤٦).","vol":"3","page":387},{"text":"- قال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nهَذَا وَمِنْ أَوْصَافِهِ القُدُّوسُ ذُو التَّـ … ـنْزِيهِ بِالتَّعْظِيمِ لِلرَّحْمَنِ (^١)\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال قتادة -﵀-: «القدوس أي: المبارك» (^٢).\nقال الزجاج -﵀-: «والقدوس: المبارك» (^٣).\nقال ابن كثير -﵀-: «قال مجاهد، وقتادة: أي: المبارك» (^٤).\nالفرق بين السُّبُّوح والقُدُّوس:\nاختلفت أقوال أهل العلم -﵏- في التفريق بينهما، ومن هذه الأقوال:\n١ - أن التسبيح تنزيه الله وتبرئته مما أضافه إليه أهل الشرك، والتقديس نسبته سُبْحَانَهُ إلى ما هو من صفاته من الطهارة من الأدناس، وما أضافه إليه أهل الكفر به. قاله الطبري (^٥).\n٢ - قال الحليمي -﵀-: «القدوس: ومعناه الممدوح بالفضائل والمحاسن، والتقديس مضمن في صريح التسبيح، والتسبيح مضمن في صريح التقديس؛ لأن نفي المذام إثبات للمدائح، … إلا أن قولنا: هو كذا ظاهرة\n_________\n(^١) النونية (ص: ٢١٠).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٣/ ٢٠٣).\n(^٣) لسان العرب، لابن منظور (٢/ ٤٧٢).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٨/ ٧٩).\n(^٥) ينظر: تفسير الطبري (١/ ٤٧٥).","vol":"3","page":388},{"text":"التقديس، وقولنا: ليس بكذا ظاهرة التسبيح؛ لأن التسبيح موجود في ضمن التقديس، والتقديس موجود في ضمن التسبيح، وقد جمع الله -﵎- بينهما في سورة الإخلاص، فقال عز اسمه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]، فهذا تقديس، ثم قال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]. فهذا تسبيح» (^١).\n٣ - أن التسبيح يكون بالقول والعمل، وأما التقديس فيكون بالاعتقاد.\nقال ابن عاشور -﵀-: «فمعنى ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: نحن نعظمك وننزهك، والأول بالقول والعمل، والثاني باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية، فلا يتوهم التكرار بين (نسبح) و(نقدس)» (^٢).\n٤ - التسبيح يختص بالله -﷿-، بخلاف التقديس، فيستعمل في حق الآدميين، فيقال: فلان رجل مقدَّس إذا أريد تبعيده عن مسقطات العدالة ووصفه بالخبر، ولا يقال: رجل مسبَّح، بل ربما يستعمل في غير ذوي العقول، قال تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] أي: أرض الشام (^٣).\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٩٧).\n(^٢) التحرير والتنوير (١/ ٤٠٦).\n(^٣) ينظر: معجم الفروق اللغوية، لابن مهران (ص: ١٢٥).","vol":"3","page":389},{"text":"اقتران اسم الله (القُدُّوس) بأسمائه الأخرى في القرآن الكريم:\nأولًا: اقترن اسم الله (القدوس) باسم الله (الملك):\nورد اقتران هذين الاسمين الجليلين في كتاب الله -﷿- في موضعين، هما:\nقوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ\nالْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾\n[الحشر: ٢٣].\nقوله تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١].\nوجه الاقتران:\nأن ملكه جل في علاه لا يمثل ملوك الدنيا؛ فقد تنزه عما في ملكهم من النقائص والمعايب (^١).\nثانيًا: اقترن اسم الله (القدوس) باسم الله (السلام):\nتقدم بيانه في اسم الله (السلام).\n_________\n(^١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٨/ ١٠٧).","vol":"3","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1023>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله السبوح القدوس:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1024>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السبوح القدوس) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله تَعَالَى هو السبوح القدوس في أسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله؛ فأسماؤه كلها حسنى لا عيب فيها، وصفاته كلها عليا لا نقص فيها، وأفعاله كلها حكمة لا شر فيها، وأقواله كلها فصل لا هزل فيها ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤].\nبرأ من كل نقص وعيب، وتنزه عن كل ما لا يليق بجلاله، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].\nومجموع ما تنزه عنه -﵎- شيئان:\n١ - تنزهه جل في علاه عن كل ما ينافي صفات كماله، فإن له المنتهى في كل صفة كمال.\nفهو السبوح القدوس الحي القيوم الذي تنزه عن ضدها من الموت والفناء، والسنة، والنوم، قالتَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وقال النبي -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ -﷿- لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٩).","vol":"3","page":391},{"text":"وهو السبوح القدوس العليم الذي تنزه عن الجهل، والنسيان والغفلة، وأن يعزب عنه شيء في السموات والأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقال: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].\nوهو السبوح القدوس القادر القدير الذي تنزه عن العجز، والتعب، والإعياء، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣].\nوهو السبوح القدوس الحكيم الذي تنزه عن العبث والسفه، أو أن يفعل أو يشرع ما ينافي الحكمة، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].\nوهو السبوح القدوس الغني الذي تنزه عن الفقر والفاقة، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل","vol":"3","page":392},{"text":"عمران: ١٨١]، وتنزه عن الحاجة إلى الولد، والصاحبة، والشريك، والمعين أو إلى أحد من خلقه بوجه من الوجوه، قال تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].\nوهو السبوح القدوس الكريم الذي تنزه عن البخل والشح قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال النبي -ﷺ-: «يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (^١).\nوهو السبوح القدوس المؤمن الذي تنزه عن الظلم والجور، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤١١).","vol":"3","page":393},{"text":"عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وفي الحديث القدسي:\n«يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» (^١).\nوهو السبوح القدوس الحق الذي تنزه كلامه عن الكذب والباطل، قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].\nوهكذا في جميع صفاته منزه عن كل ما ينافيها ويضادها.\n٢ - تنزهه جل في علاه عن مماثلة أحد من خلقه، قال تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]؛ فالمخلوقات كلها وإن عظمت وشرفت وبلغت المنتهى من العظمة والكمال اللائق بها؛ فليس شيء منها يقارب أو يداني الباري جل في علاه، بل جميع صفاتهم تضمحل إذا نسبت إلى صفات باريها وخالقها، بل جميع ما فيها من الكمالات هو الذي أعطاها إياها؛ فهو الذي خلق فيها العقول والسمع والأبصار والقوى الظاهرة والباطنة، وهو الذي علمها وألهمها، وهو الذي نماها ظاهرًا وباطنًا وكملها، فتَعَالَى وتقدس وتنزه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٧).","vol":"3","page":394},{"text":"وبهذا تنزه -ﷻ- عن أن يكون له شريك في عبادته، قال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].\nفتبارك السبوح القدوس الذي لما انتفى عنه كل نقص ثبت له كل كمال؛ فكملت أوصافه وكثرت خيراته (^١)، ولو تتبع المتتبع أوجه كماله وتسبيحه وتقديسه محاولًا استقصائها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ لأنها لا نهاية لها، كما قال النبي -ﷺ-: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٢)، فشأنه وعظمته ونعوت كماله وصفاته أعظم وأجل من أن يحصيها أحد من الخلق، أو أن يبلغ أحد حقيقة الثناء عليه غيره سُبْحَانَهُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1025>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (السبوح القدوس) على التوحيد:</span>\nإذا علم العبد معنى اسم الله -ﷻ- (السبوح القدوس) وما فيهما من تنزيه الرب -﵎- عن النقائص والمعايب وعن كل ما لا يليق بجلاله، فعليه أن يعلم أن تسبيحه وتقديسه إنما يكون مع إثبات المحامد وصفات الكمال له سُبْحَانَهُ؛ وذلك لأن «النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٧٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٨٦).\n(^٣) ينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم (ص: ٢٧٣).","vol":"3","page":395},{"text":"فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.\nفلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَنَفْيُ السِّنةِ والنومِ يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم …» (^١).\nومن هنا يُعلم أن ما يفعله المعطلة من أهل البدع من النفي المحض، والتعطيل للصفات عن معانيها وحقائقها بحجة التسبيح والتقديس، إنما هو في الحقيقة جحود وإنكار، وضلال وبهتان، نزه الله نفسه عنه بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١] فسبَّح نفسه عما وصفه المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه في حقه سُبْحَانَهُ (^٢).\nولا بد أن يعلم أن التنزيه عن النقائص، وإثبات الكمال إنما يكون على وفق دلائل الكتاب والسنة، وفي ضوء فهم سلف الأمة، لا على الأهواء\n_________\n(^١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لابن تيمية (ص: ٥٧).\n(^٢) ينظر: التدمرية تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لابن تيمية، (ص: ٩)، وفقه الاسماء الحسنى، للبدر، (ص: ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"3","page":396},{"text":"المجردة أو الظنون الفاسدة أو الأقيسة العقلية الكاسدة، وهذه حقيقة توحيد الأسماء والصفات (^١).\nثم إن تنزيهه -﵎- شامل لتنزيهه عن الشريك في الربوبية، فلا رب ولا خالق ولا رازق ولا نافع ولا ضار ولا محي ولا مميت معه، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].\nوشامل أيضًا لتنزيهه عن الشريك في الألوهية، فلا إله حق إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]، وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].\nوبهذا كان اسم الله (السبوح القدوس) دالًّا على أقسام التوحيد الثلاثة.\n_________\n(^١) ينظر: فقه الاسماء الحسنى، للبدر، (ص: ٢٢٣)، النهج الأسمى، للنجدي (١/ ١١١ - ١١٢).","vol":"3","page":397},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1026>الأثر الثالث: تنزيه العبد لله السبوح القدوس:</span>\nالله -﷿- قدوس سبوح، يحب من عباده أن ينزهوه في أقواله، وأفعاله، وأسمائه وصفاته عن كل نقص وعيب، ويتعبدوا له سُبْحَانَهُ بذلك.\nولهذا التنزيه صور عدة، منها:\n١ - تنزيه الله -﷿- عن الشريك، والند، والمثيل، والصاحبة، والولد، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص].\n٢ - تنزيه الله عن العدم، بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله -ﷺ-، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فجمع بين نفي مماثلة المخلوقات، وإثبات الصفات، فدل على أن تنزيهه لا يعني نفي الصفات والأفعال التي أثبتها لنفسه (^١).\n٣ - تنزيه حكم الله الشرعي عن النقص والعيب، واعتقاد كماله؛ تصديقًا لقوله سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\n٤ - تنزيه الله -﷿- عن أن يظن به سوءًا، أو يظن به ما لا يليق بحمده وحكمته ورحمته وعلمه؛ فإن هذا من شأن الكافرين والمنافقين، قال تَعَالَى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٥٤).","vol":"3","page":398},{"text":"السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]، وقال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢].\nقال ابن القيم -﵀- معلقًا على آية الفتح، ومستعرضًا لبعض صور سوء الظن بالله تَعَالَى المنافية لتنزيهه سُبْحَانَهُ: «وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهيه، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق، إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق، اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا- فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره، فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج","vol":"3","page":399},{"text":"تقديرها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثًا، ولا خلقها باطلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].\nوأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1027>الأثر الرابع: المحبة للسبوح القدوس:</span>\nإذا آمن العبد باسم الله السبوح القدوس، وتدبر ما فيه من كمال، وتعالٍ عن النقائص والمعايب، أورثه ذلك محبته وإجلاله؛ لأن النفوس جبلت على محبة من اتصف بالكمال، ثم هذه المحبة تورث حلاوة في القلب، ونورًا في الصدر، وهذا هو النعيم الدنيوي الحقيقي الذي يصغر بجانبه كل نعيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1028>الأثر الخامس: التسبيح لله تَعَالَى وتقديسه -ﷻ</span>-:\nالله -ﷻ- لكماله وعظمته وسعة سلطانه لهج ويلهج على الدوام جميعُ ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة، والصامتة، والأشجار والنبات، والجوامد، والأحياء، والأموات؛ بالتسبيح والتقديس له بمختلف اللغات، وأنواع الأصوات، قال تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]، وقال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] (^١).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير، (٥/ ٧٩)، وتفسير السعدي (ص: ٨٣٧).","vol":"3","page":400},{"text":"وهذا التسبيح تسبيح حقيقي يصدر من الكائنات، بحسب ما يليق بحالها دون أن يفقهه الناس أو يسمعونه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (^١).\nقال السعدي -﵀-: «كل له صلاة وعبادة بحسب حاله اللائقة به، وقد ألهمه الله تلك الصلاة والتسبيح، إما بواسطة الرسل، كالجن والإنس والملائكة، وإما بإلهام منه تَعَالَى، كسائر المخلوقات غير ذلك» (^٢).\nفسبحه وقدسه أولياءه، وأهل طاعته من الملائكة والإنس والجن.\nفأما ملائكته فتسبيحهم في جميع الأوقات بلا ملل ولا توقف، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥] (^٣).\nوأما الإنس: فعلى رأسهم الأنبياء -﵈-، وقد حكى الله لنا تسبيحهم في كتابه، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]،\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأدعية والأذكار، للبدر، (١/ ٢١٣، وما بعدها).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٥٧٠).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٢٠).","vol":"3","page":401},{"text":"وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال في يونس -﵇-: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]، وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].\nوأكثرَ رسولُ الله -ﷺ- من تسبيح ربه، كما جاء في حديث ربيعة بن كعب -﵁-، قوله: «كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- نَهَارِي، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَوَيْتُ إِلَى بَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَبِتُّ عِنْدَهُ، فَلَا أَزَالُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ رَبِّي، حَتَّى أَمَلَّ أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنِي فَأَنَامُ» (^١) (^٢).\nوكان من هديه -ﷺ- قول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ. في الركوع والسجود» (^٣)، وقول: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثلاثًا، رافعًا صوته بالآخرة، إذا سلم من الوتر» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني، رقم الحديث: (٤٥٧٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (٣٨٨).\n(^٢) قال أهل العلم: ويستفاد من الحديث: أن العبد إذا أنهى ورده قبل النوم، يسن له أن ينتقل إلى التسبيح.\n(^٣) سبق تخريجه، وينظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، (١/ ٢١١).\n(^٤) ينظر: المرجع السابق (١/ ٣٢٦).","vol":"3","page":402},{"text":"وذكر الله تسبيح الصالحين ممن هم دون أنبيائه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].\nوأما الجن فحكى الله تنزيههم له عن الصاحبة والولد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣].\nوسبحه وقدسه الرعد بحمده، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣].\nوسبحه وقدسه الجبال الصم، والطير البهم، قال تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٨ - ١٩]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].\nوسبَّحه وقدَّسه الطعامُ، والحصى الصغارُ، كما قال ابن مسعود -﵁-: «وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» (^١)، أي: في عهد رسول الله -ﷺ-، وقال أبو ذر -﵁-: «إِنِّي لَشَاهِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٥٧٩).","vol":"3","page":403},{"text":"فِي حَلْقَةٍ، وَفِي يَدِهِ حَصًى، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، وَفِينَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَسَبَّحْنَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، سَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دُفِعْنَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى عُمَرَ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، وَسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَيْنَا، فَلَمْ يُسَبِّحْنَ مَعَ أَحَدٍ مِنَّا» (^١).\nوقال عكرمة -﵀-: «الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح» (^٢).\nوقال بعض السلف: «إن صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]» (^٣).\nوهذا التسبيح من المخلوقات لا سيما غير المكلف منها، يدعو المكلف للانضمام إلى هذه العوالم ومشاركتها بالتسبيح والتقديس، وسيتناول الملحق- بإذن الله- ما يعين على هذا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (١٢٤٤)، وابن أبي عاصم في السنة، رقم الحديث: (١١٤٦).\n(^٢) ينظر: الدر المنثور (٥/ ٢٩١).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٨٠).","vol":"3","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1029>«التسبيح والتقديس»</span>\nفي موضوع «التسبيح والتقديس» سنتطرق للمسائل التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-1030>أولًا: تعريف التسبيح والتقديس:</span>\nفسر السلف -﵃- التسبيح، بتنزيه الله -﷿- عن كل ما لا يليق به.\nقال ابن عباس -﵄-: «تنزيه الله -﷿- نفسه عن السوء» (^١).\nقال ميمون بن مهران -﵀-: «(سُبْحَانَ اللَّهِ) اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنَ السُّوءِ» (^٢).\nقال أبو عبيدة معمر بن المثنى -﵀-: «(سبحان الله) تنزيه الله وتبرئته» (^٣).\nونحوه معنى التقديس، قال ابن عباس -﵄-: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك» (^٤).\nقال الطبري -﵀-: «ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك» (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: الدر المنثور (١/ ٢٦٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير، رقم الحديث: (٣٤٤).\n(^٣) ينظر: الدعاء، للطبراني (ص: ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(^٤) تفسير البغوي (١/ ١٠٢).\n(^٥) تفسير الطبري (١/ ٤٧٥).\n(^٦) ينظر: فقه الأدعية والأذكار، للبدر (١/ ٢١٩).","vol":"3","page":405},{"text":"قال البغوي -﵀-: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك، وقيل: وننزهك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1031>ثانيًا: فضل التسبيح </span>(^٢)؟\nشرع الله -﷿- لعباده تسبيحه، وعظم سُبْحَانَهُ شانه؛ فجعله من أفضل العبادات الموصلة إليه، ومن أجلِّ القربات التي يتقرب بها إليه، ونوع الدلائل من الكتاب والسنة في بيان فضله، وعظيم شأنه، ورفيع مكانته، وجزيل ثواب أهله، وبيان هذه الفضائل على النحو الآتي:\nأن الله -﷿- كرر ذكر التسبيح في القرآن بصيغ مختلفة وأساليب متنوعة، فورد التسبيح في القرآن أكثر من ثمانين مرة، تارة بصيغة الأمر، كقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]، وتارة بصيغة الماضي، كما في قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]، وتارة بالمضارع كقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، وتارة بلفظ المصدر كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].\nوقال بعض أهل العلم: «والتسبيح ورد في القرآن على نحو من ثلاثين وجهًا، ستة منها للملائكة، وتسعة لنبينا محمد -ﷺ-، وأربعة لغيره\n_________\n(^١) تفسير البغوي (١/ ١٠٢).\n(^٢) ينظر: الأذكار، للنووي (ص: ١٥ - ١٦)، وفقه الأدعية والأذكار، للبدر، (١/ ٢٠١، وما بعدها).","vol":"3","page":406},{"text":"من الأنبياء، وثلاثة للحيوانات والجمادات، وثلاثة للمؤمنين خاصة، وستة لجميع الموجودات.\nأما التي للملائكة، فمنها قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا﴾ [غافر: ٧] …، وأما التي لنبينا -ﷺ- فمنها قوله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٨ - ٩٩] …، وأما التي للأنبياء فقول الله تَعَالَى لزكريا -﵇-: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] …، وأما التي للمؤمنين فقوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] …، وأما التي في الحيوانات والجمادات فمنها قوله تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] …، وأما التي لعموم المخلوقات فمنها قوله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ١] …»، ولا شك أن هذا التكرار والتنويع دال على جلالة قدر التسبيح، وعظم شأنه في الدين» (^١).\nأن الله -﷿- جعله من سنة رسول الله -ﷺ- الذي أمرنا بالاقتداء به؛ فعن عائشة -﵂- لما سئلت: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ،؟ فَقَالَتْ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ إِذَا هَبَّ (^٢) مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا وَحَمِدَ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأدعية والأذكار، للبدر (١/ ٢٠١).\n(^٢) هب، أي: استيقظ، من هب النائم هبًّا وهبوبًا إذا استيقظ. ينظر: عون المعبود وحاشية ابن القيم (١٣/ ٢٩١).","vol":"3","page":407},{"text":"وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا وَقَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ عَشْرًا وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَشْرًا ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ» (^١).\nوعنها -﵂- قالت: «كان النبي -ﷺ- يقول في سجوده وركوعه: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (^٢).\nوعن أبي بن كعب -﵁-، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ، قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» (^٣).\n٣ - أن الله -﷿- جعل التسبيح أفضل الكلام وأحبه إليه، كما في حديث سمرة بن جندب -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» (^٤)، وعن أبي ذر -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (^٥)، وفي رواية: سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ، أَوْ لِعِبَادِهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (^٦)، وجاء في حديث أبي أمامة -﵁-: «مَنْ هَالَهُ اللَّيْلُ أَنْ يُكَابِدَهُ، وَبَخِلَ بِالْمَالِ أَنْ\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣٧).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣١).\n(^٦) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٣١).","vol":"3","page":408},{"text":"يُنْفِقَهُ، وَجَبُنَ عَنِ الْعَدُوِّ أَنْ يُقَاتِلَهُ، فَلْيُكْثِرْ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ جَبَلِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُنْفَقَانِ فِي سَبِيلِ اللهِ -﷿-» (^١).\n٤ - أن الله -﷿- جعلها سبب لذكره للعبد؛ فعن النعمان بن بشير -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللهِ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يَذْكُرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ، أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَزَالَ لَهُ عِنْدَ اللهِ شَيْءٌ يُذَكِّرُ بِهِ؟» (^٢).\n٥ - أن الله -﷿- جعل التسبيح ومعه الحمد، والشهادة، والتكبير خيرًا مما طلعت عليه الشمس؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^٣).\n٦ - أن الله -﷿- جعل التسبيح من أفضل ما يأتي به الآتي يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِ (^٤).\n٧ - أن الله -﷿- جعله سببًا لمغفر الذنوب، وزيادة الحسنات؛ فعن أبي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧٧٩٥)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: (١٥٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٨٣٦٢)، والحاكم، رقم الحديث: (١٨٤٧)، حكم الألباني: صحيح، مختصر العلو، رقم الحديث: (٢٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٥).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٢).","vol":"3","page":409},{"text":"هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^١)، وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: «كنا عند رسول الله -ﷺ-، فقال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» (^٢)، وعن جبير بن مطعم -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ -فَقَالَهَا فِي مَجْلِسِ ذِكْرٍ كَانَتْ كَالطَّابَعِ يُطْبَعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَهَا فِي مَجْلِسِ لَغْوٍ كَانَتْ كَفَّارَتَهُ» (^٣).\n٨ - أن الله -﷿- جعله ثقيلًا في الميزان، كما أخبر -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁-، حيث يقول: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (^٤) (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩١).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٨).\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى، رقم الحديث: (١٠٨٥)، والحاكم، رقم الحديث: (١٩٧٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٨١).\n(^٤) قال الشيخ عبدالرزاق البدر: «وفي أكثر هذه الأحاديث قرن مع التسبيح حمد الله تَعَالَى؛ وذلك لأن التسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، والتحميد فيه إثبات المحامد كلها لله -﷿-، والإثبات أكمل من السلب، ولهذا لم يرد التسبيح مجردًا، لكن ورد مقرونًا بما يدل على إثبات الكمال، فتارة يقرن بالحمد كما في هذه النصوص، وتارة يقرن باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال، كقول: سبحان الله العظيم، وقول: سبحان ربي الأعلى، ونحو ذلك».\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٩٤).","vol":"3","page":410},{"text":"وعنه -ﷺ- أنه قال: «وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (^١).\n٩ - أن الله -﷿- جعل التسبيح غرسًا للجنة؛ فعن جابر -﵁-، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٢)، وعن ابن مسعود -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ» (^٣).\n١٠ - أن الله -﷿- أخبر أنه من عبادة الملائكة، كما قال الله عنهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nوما سبق من فضل التسبيح يندرج تحت التقديس؛ إذ كل منهما تنزيه للرب -﷿- من النقائص.\nوفي قول الملائكة السابق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] معنى لطيف للتقديس، ألا وهو تطهير النفس لله -﷿-.\nقال البغوي -﵀- كما سبق: «ونقدس لك، أي: نثني عليك بالقدس\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٤)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٢٣٠٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٢)، حكم الألباني: حسن، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٢).","vol":"3","page":411},{"text":"والطهارة عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك، وقيل: وننزهك» (^١).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «يحتمل أن معناها: ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة» (^٢).\nاللهم يا سبوح يا قدوس، ارزقنا تسبيحك آناء الليل والنهار،\nوطهرنا من كل ما لا يرضيك.\n_________\n(^١) تفسير البغوي (١/ ١٠٢).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٤٨ - ٤٩).","vol":"3","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1032>السَّيِّد -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1033>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «ساد قومه يسودهم سيادة وسوددًا وسيدودة، فهو سيدهم، وهم سادة، … وقال أهل البصرة: تقدير سيد (فيعل)، وجمع على فعلة، كأنهم جمعوا سائدًا، مثل قائد وقادة» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «السين والياء والدال كلمة واحدة، وهي السيد .... أما السيادة، فقال قوم: السيد: الحليم، وأنكر ناس أن يكون هذا من الحلم، وقالوا: إنما سمي سيدًا؛ لأن الناس يلتجئون إلى سواده … والسيد هو: الرئيس … وقيل: الكريم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1034>ورود اسم الله (السيد) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد اسم الله (السيد) في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1035>ورود اسم الله (السيد) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (السيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه -﵁-، «انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: السَّيِّدُ اللهُ،\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٥٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ١٢٠).","vol":"3","page":413},{"text":"قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (^١).\nثبوت اسم الله (السيد) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله (السيد) في حق الله تَعَالَى:\nابن القيم -﵀-: في قوله: «وأما وصف الرب تَعَالَى بأنه السيد، فذلك وصف لربه على الإطلاق؛ فإن سيد الخلق هو مالك أمرهم، الذي إليه يرجعون، وبأمره يعلمون، وعن قوله يصدرون» (^٢).\nابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1036>معنى اسم الله (السيد) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال الخطابي -﵀-: «قوله -ﷺ-: السيد الله، أي: السؤدد كله حقيقة لله -﷿- وأن الخلق كلهم عبيد الله» (^٤).\nقال الحليمي -﵀-: «السيد المحتاج إليه بالإطلاق، فإن سيد الناس إنما هو رأسهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن رأيه يصدرون، ومن قوله يستهدون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا للباري- جل ثناؤه-، ولم يكن بهم غنية عنه في بدء أمرهم وهو الوجود؛ إذ لو لم يوجدهم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٨٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٢١١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٠٦).\n(^٢) تحفة المودود بأحكام المولود (ص: ١٢٦)\n(^٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين (ص: ١٥).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ١١٢).","vol":"3","page":414},{"text":"لم يوجدوا، ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض العارضة أثناء البقاء، وكان حقًّا له- جل ثناؤه- أن يكون سيدًا، وكان حقًّا عليهم أن يدعوه بهذا الاسم» (^١).\nقال الأصبهاني -﵀-: «قيل: السيد: المُحتاج إليه، والمحتاج إليه بالإطلاق هو الله؛ ليس للملائكة ولا الإنس ولا الجن غنية عنه؛ لو لم يوجدهم لم يوجَدوا، ولو لم يُبقهم بعد الإيجاد لم يكن لهم بقاء، ولو لم يعنهم فيما يعرض لهم لم يكن لهم معين غيره، فحق على الخلق أن يدعوه بهذا الاسم» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀-: «سيد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا له، وملكًا له، ليس لهم غنى عنه طرفة عين، وكل رغباتهم إليه، وكل حوائجهم إليه، كان هو السيد على الحقيقة» (^٣)، وقال: «السيد إذا أُطلق عليهتَعَالَى فهو بمعنى: المالك والمولى والرب؛ لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nوَهوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي … صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ\nالكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُو … هِ كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ\n_________\n(^١) الأسماء والصفات (١/ ٦٧).\n(^٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٦٨).\n(^٣) تحفة المودود بأحكام المولود (ص: ١٢٦).\n(^٤) بدائع الفوائد (٣/ ٧٣٠).","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1037>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (السيد):</span>\n<span data-type='title' id=toc-1038>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (السيد) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالسيد سُبْحَانَهُ هو الذي ساد الكون سيادة مطلقة بكل أوجه الكمال والجلال، فالسموات والأرض، والملائكة، والإنس والجن، والنبات والحيوان، كل هؤلاء خلق للسيد سُبْحَانَهُ، ليس بهم غنية عنه في بدء أمرهم الوجودي، ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض التي قد تطرأ أثناء البقاء، فكلها تزيد بأمره، وتنقص بأمره، وتحيا بأمره، وتموت بأمره، وتتحرك بأمره، وتسكن بأمره، وتنفع وتضر بأمره أيضًا، يقول تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٣].\nفله سُبْحَانَهُ كل صفات السؤدد وكمالها، «فهو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف: الذي قد كمل في شرفه، والعظيم: الذي قد كمل في عظمته، والحليم: الذي قد كمل في حلمه، والغني: الذي قد كمل في غناه، والجبار: الذي قد كمل في جبروته، والعالم: الذي قد كمل في علمه، والحكيم: الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو اللهسُبْحَانَهُ هذه صفته، لا تنبغي إلا له» (^١).\nفحري بالعبد الموحد أن يلجأ إلى رب العزة والجلال، السيد سُبْحَانَهُ، ويوحده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢٣).","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1039>الأثر الثاني: محبة الله السيد:</span>\nالإيمان باسم الله السيد يورث في القلب محبة الله -﷿-، ويجعل العبد يدرك ألا مالك للكون سوى السيد سُبْحَانَهُ، ولا مدبر للعالم غيره، ولا مصرف للكائنات إلا هو، فينصرف القلب إلى محبة الله -﷿-، ويزداد ارتباطًا بمن ملك السؤدد كله على الحقيقة، والخلق كلهم عبيده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1040>الأثر الثالث: لا سيادة لفاسق:</span>\nالشرف والسؤدد الحقيقي في هذه الدنيا إنما ينال بطاعة الله وتقواه، حيث إن الكرامة والشرف والرفعة وعلو الذكر- وهذه أركان السؤدد- إنما هي لأنبياء الله -﷿- وأوليائه وهم السادة على الناس، أما الكفرة والمنافقون والفساق فلا كرامة لهم ولا سيادة، وإن حصلت لهم السيادة الزائفة في وقت من الأوقات، ولذا جاء النهي عن تسمية المنافق بالسيد، كما جاء في الحديث: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ» (^١)، لأن المنافق يقع في فخ الذنوب والمعاصى، ويهوى في درك الفواحش والآثام، وهذا مخالف لمعنى السيد من المنظور الشرعي، الذي هو: الترفع عن الآثام، والتطهر من المعاصي، والتحلى بمعالي الأخلاق، ولذلك قال جعفر بن أبي طالب -﵁-، للنجاشي عندما سأله عن الإسلام: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٩٧٧)، والبخاري في الأدب المفرد رقم الحديث: (٧٦٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٤٩٧٧).","vol":"3","page":417},{"text":"عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ» (^١)، فوصف جعفر الإسلام بأنه مجموعة من القيم الأخلاقية، وعليه ينبغي على كل مسلم أن يلتزم بتلك القيم؛ ليرتفع قدره عند خالقه، وليكون سيدًا بين الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-1041>الأثر الرابع: التذلل بين يدي السيد:</span>\nإن الإنسان مهما بلغ من السؤدد في هذه الدنيا فهو سؤدد ناقص زائل، وهذا الشعور يثمر التواضع في قلب المسوَّد، وعدم استخدام سيادته في ظلم الناس والتكبر عليهم؛ لأن السؤود الحقيقي السرمدي لله -﷿-.\nوقد توعد الله من يستكبر عن التذلل بين يديه بالعذاب الأليم، والبعد عن مرضاة رب العالمين، يقول الطبري -﵀-: «وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ [النساء: ١٧٣]، فإنه يعني: وأما الذين تعظَّموا عن الإقرار لله بالعبودية، والإذعان له بالطاعة، واستكبروا عن التذلل لألوهيته وعبادته، وتسليم الربوبية والوحدانية له ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣]، يعني: عذابًا موجعًا ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]، يقول: ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها- إذا عذبهم الله الأليم من عذابه- سوى الله لأنفسهم وليًّا؛ ينجيهم من عذابه وينقذهم منه ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يعني: ولا ناصرًا ينصرهم» (^٢)، فعلى العبد الخضوع والتذلل للسيد سُبْحَانَهُ خضوع الفقير المحتاج الذي لا طاقة له في البعد عن جناب سيده.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٧٦٤)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير إسحاق، وقد صرح بالسماع، ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٦/ ٢٧).\n(^٢) تفسير الطبري (٧/ ٧١٠).","vol":"3","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1042>الأثر الخامس: أحسِن لمن تحت يدك:</span>\nحين يتعرف العبد على خالقه، ويعلم أن الله له السيادة الكاملة، فالسؤدد كله حقيقة لله، والخلق كلهم عبيده، فإنه يتعامل مع الناس على هذا الأساس، وخاصة مع الخدم، ومن هم أقل منه شأنًا ومنزلة.\nومن يتتبع سيرة النبي -ﷺ- يجد أنموذجًا عمليًّا يحتذى به في هذا الجانب، ومن ذلك:\nتحذيره -ﷺ- من ضرب العبد أو إيذائه، فعن أبي مسعود الأنصاري -﵁- قال: «كنت أضرب غلامًا لي، فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» (^١)، وجعل -ﷺ- كفارة ضرب العبد بعتقه، فعن عبد الله بن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «… مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» (^٢).\nحضه -ﷺ- على المعاملة الحسنة لهم حتى في الألفاظ والتعبيرات، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ، وَفَتَاتِي» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٥٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٦٥٧).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٩).","vol":"3","page":419},{"text":"نهيه -ﷺ- عن تكليف العبيد والخدم بأعمال شاقة تفوق طاقتهم، أو الدعاء عليهم، فقال -ﷺ-: «وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (^١)، وعن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (^٢).\nوصيته -ﷺ- لأصحابه بالعفو عن إساءة الخدم وخطئهم … فعن عبد الله بن عمر -﵁- قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ إِلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^٣).\nأمره -ﷺ- بالإحسان إلى العبيد والخدم، وعدم الاستهزاء بهم؛ بل وإطعامهم وإلباسهم من نفس طعام ولباس أهل البيت، فعن المعرور بن سويد قال: «لقيت أبا ذر بالربذة (موضع قرب المدينة)، وعليه حُلَّة (ثوب) وعلى غلامه حُلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا، فعيرته بأمه، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (^٤)، وعن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٤٥).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠١٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٥١٤٦)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم الحديث: (٥١٦٤).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٤٥).","vol":"3","page":420},{"text":"عائشة -﵂- قالت: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا» (^١).\nبل بلغ اهتمامه -ﷺ- بالعبيد في حياته مبلغًا عظيمًا، حتى أوصى بهم خيرًا حين موته وفي آخر كلامه، فعن علي -﵁- قال: «كَانَ آخِرُ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (^٢)، وفي هذا كله دلالة على وجوب اللين مع الخدم والعمال والضعاف، واستحضار أن لاسيد إلا الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1043>الأثر السادس: حكم إطلاق اسم السيد على المخلوق:</span>\nتحرير محل النزاع:\nاتفق العلماء على أن إطلاق اسم السيد على المنافق والكافر لا يجوز، لحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال -ﷺ-: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ -﷿-» (^٣).\nاختلف العلماء على إطلاق اسم السيد على المسلم، على ثلاثة أقوال، وهي:\nالقول الأول: الجواز، واستدلوا بعدد من الأدلة، منها:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٣٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٥٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (١٥٨)، حكم الألباني: صحيح، الأدب المفرد، رقم الحديث: (١٥٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٤٩٧٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي دواد، رقم الحديث: (٤٩٧٧).","vol":"3","page":421},{"text":"قول الله تَعَالَى عن نبيه يحي بن زكريا -﵉-: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، قال ابن الأنباري -﵀-: «إن قال قائل: كيف سمَّى الله -﷿- يحيى سيدًا وحصورًا، والسيد هو الله؛ إذ كان مالك الخلق أجمعين، ولا مالك لهم سواه؟ قيل له: لم يُرد بالسيد هنا المالك، إنما أراد الرئيس والإمام في الخير، كما تقول العرب: فلان سيدنا، أي: رئيسنا والذي نُعظِّمه» (^١).\nقول الله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فسمى الزوج بالسيد.\nالقول الثاني: التحريم، واستدلوا بعدد من الأدلة منها:\nحديث أبي نضرة عن مطرف، قال: قال أبي: «انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، قَالَ: السَّيِّدُ اللهُ، قَالُوا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (^٢).\nالقول الثالث: الكراهة، واستدلوا بعدة أدلة منها:\nأن النبي -ﷺ- لما قالوا له: «أَنْتَ سَيِّدُنَا»، قال لهم: «السَّيِّدُ اللهُ» (^٣)، مع أنه -ﷺ- هو سيد ولد آدم، وقوله هذا يدل على الكراهة\n_________\n(^١) اللسان (٣/ ٢١٤٥).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":422},{"text":"الشديدة أن يقال لأحد: أنت السيد؛ لأنه قد يفهم منه استغراق معاني السيادة؛ والبشر ليس مستغرقًا لمعاني السيادة، لكن له سيادة تخصه وتميزه» (^١).\nيقول الشيخ صالح آل الشيخ تعليقًا عليه: «إن إطلاق لفظ السيد على البشر مكروه، ومخاطبته بذلك يجب سدها، فلا يخاطب أحد بأن يقال له: أنت سيدنا، على جهة الجمع، وذلك لأن فيها نوع تعظيم من جهة المخاطبة، يعني: الخطاب المباشر، والجهة الثانية من جهة استعمال اللفظ، والنبي -﵊- سيد، كما قال عن نفسه: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ) (^٢)، ولكن مخاطبته -﵊- مع كونه سيدًا كرهها ومنع منها؛ لئلا تؤدي إلى ما هو أعظم من ذلك، من تعظيمه والغلو فيه -﵊-، … وفيه ما يفيد أنه -﵊- حَمَى حِمَى التوحيد، وسد الطرق الموصله للشرك، ومنها طريق الغلو في الألفاظ» (^٣).\nوبعد عرض هذه الأقوال، لعل الصواب والله أعلم: أن إطلاق اسم السيد على المخلوق جائز؛ لأن السيد بمعنى المقدم في القوم، وكذلك بمعنى الرئيس، وبمعنى المولى، وما أشبه ذلك، ولكن إذا أطلق على الله -﵀- فهو بمعنى الرب المالك المتصرف، فهو غير ما يطلق على البشر، ولا سيما وقد صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ»، ثم ذكر حديث الشفاعة (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب الله التوحيد، لصالح آل الشيخ، (٢/ ٣٢٤).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١١١٤٣)، والترمذي، رقم الحديث: (٣١٤٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٤٣٠٨)، حكم الالباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٧٤١).\n(^٣) المرجع السابق، (ص: ٥٨٢).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"3","page":423},{"text":"فهذا صحيح ثابت عنه -ﷺ-، وأما إطلاقه على الله -﵀- فله معنى غير هذا، وهو المولى والمالك والمتصرف والرب الذي يربي خلقه بالنعم، وبما يصلح لهم، وما يصلحهم (^١).\nويمكن الجمع- أيضًا- بأن يحمل النهي على إطلاق لفظ السيد على غير المالك والإذن بإطلاقه على المالك، وكذلك أن الكراهة خاصة بالنداء، فيكره أن يقول: يا سيدي، ولا يكره في غير النداء» (^٢).\nفاللهم إنا نسألك يا الله يا سيدنا، أن تغفر لنا ذنوبنا،\nوأن لا تحوجنا لغيرك.\n_________\n(^١) ينظر: شرح فتح المجيد، للغنيمان. هذا الكتاب عبارة عن دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، ورقم الدرس هو: ١٣٤، ويوجد أقوال أخرى في المسألة مدارها على الجواز، وهي: الجواز مطلقًا بلا كراهة، إلا إذا خيف من الغلو؛ فإن النبي -ﷺ- خاف عليهم من الغلو، فإذا خيف على الإنسان من الغلو يُنهى عن ذلك، أما إذا لم يُخفْ عليه من الغلو فلا بأس؛ عملًا بالأحاديث الكثيرة التي جاء فيها إطلاق السيد على المخلوق، وهناك قول رابع ألمح إليه المشايخ، وهو: أنه لا يجوز إطلاق السيِّد على الشخص في حضوره ومواجهته، ويجوز إطلاقه عليه وهو غائب؛ لأن النبي -ﷺ- إنما استنكر هذا لما واجهوه به -ﷺ-، فيُمنع مواجهة الإنسان بقول: «أنت السيِّد»، «أنت سيِّدنا»، أو ما أشبه ذلك؛ خوفًا عليه من الإعجاب بنفسه، كما نهى النبي -ﷺ- من مدح الإنسان حال حضوره. إعانة المستفيد (٢/ ٢١٣/ ٢١٤).\n(^٢) ينظر: فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٧٩).","vol":"3","page":424},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1044>الشَّافي -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1045>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «وشفاه الله من مرضه شفاء، ممدود، … واستشفى: طلب الشفاء، وأشفيتك الشيء: أي أعطيتكه تستشفى به، ويقال: أشفاه الله عسلًا، إذا جعله له شفاء» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(شفى) الشين والفاء والحرف المعتل يدل على الإشراف على الشيء؛ يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه، وسمي الشفاء: شفاء؛ لغلبته للمرض وإشفائه عليه، ويقال: استشفى فلان؛ إذا طلب الشفاء، ويقال: أعطيتك الشيء تستشفي به، ثم يقال: أشفيتك الشيء» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1046>ورود اسم الله (الشافي) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد اسم الله تَعَالَى (الشافي) في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1047>ورود اسم الله (الشافي) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الشافي في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\n- عن عائشة -﵂-: «أن رسول الله -ﷺ-، كان إذا أتى مريضًا أو أتي به، قال: أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِى، لَا شِفَاءَ إِلَّا\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٤٤).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ١٩٩).","vol":"3","page":425},{"text":"شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^١).\nثبوت اسم الله (الشافي) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الشافي) في حق الله تَعَالَى:\nابن تيمية -﵀-: في قوله: «ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين … اسمه: الشافي، كما ثبت في الصحيح» (^٢).\nابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1048>معنى اسم الله (الشافي) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو الشافي من أمراض الأبدان والشافي من أمراض القلوب.\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]: «يقول تَعَالَى ذكره: وننزل عليك- يا محمد- من القرآن ما هو شفاء يُستشفى به من الجهل ومن الضلالة، ويُبصَّرُ به من العمى للمؤمنين، ورحمة لهم دون الكافرين به» (^٤).\n- قال الحليمي -﵀-: «الله -﷿- يشفي الصدور من الشبه والشكوك، ومن الحسد والغلول، والأبدان من الأمراض والآفات لا يقدر على ذلك غيره، ولا يدعى بهذا الاسم سواه» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٩١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٥).\n(^٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).\n(^٤) تفسير الطبري (١٥/ ٦٢ - ٦٣).\n(^٥) الأسماء والصفات، للبيهقي (١/ ٢١٩).","vol":"3","page":426},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1049>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الشَّافي):</span>\n<span data-type='title' id=toc-1050>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الشافي) من الصفات:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو الشافي بقدرته وحكمته، وعلمه وإحاطته، فلا شافي على الإطلاق إلا الله وحده، يقول -ﷺ-: «وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^١)، فهو سُبْحَانَهُ الذي يرفع البأس والعلل، ويشفي العليل بالأسباب والأمل، فقد يُبرأ الداء مع انعدام الدواء، وقد يُشفى الداء بلزوم الدواء، ويرتب عليه أسباب الشفاء، وكلاهما باعتبار قدرة الله سواء، فهو الشافي الذي خلق أسباب الشفاء، ورتب النتائج على أسبابها والمعلولات على عللها، فيشفي بها وبغيرها؛ لأن حصول الشفاء عنده يحكمه قضاؤه وقدره، فالأسباب سواء ترابط فيها المعلول بعلته، أو انفصل عنها هي من خلق الله وتقديره، ومشيئته وتدبيره.\nوشفاء الشافي سُبْحَانَهُ نوعان، دل عليهما عموم قوله -ﷺ-: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (^٢)، وهما:\nالنوع الأول: الشفاء المعنوي الروحي، وهو الشفاء من علل القلوب.\nيقول تَعَالَى ممتنًّا على خلقه بما أنزل إليهم من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٧٨).","vol":"3","page":427},{"text":"يقول ابن كثير -﵀- في تفسير الآية: «أي: زاجرًا عن الفواحش، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [يونس: ٥٧] أي: محصل لها الهداية والرحمة من الله تَعَالَى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه» (^١).\nويفصل الإمام ابن القيم -﵀- القول في أمراض القلوب وشفائها، فيقول: «ومرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال؛ … كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات.\nوهذا النوع هو أعظم النوعين ألمًا، ولكن لفساد القلب لا يُحس بالألم، ولأن سَكْرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض.\nوالنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهم والغم والحزن والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب، وما يدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن، فكذلك البدن يألم كثيرًا بما يتألم به القلب، ويشقيه ما يشقيه.\nفأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم،\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٧٤).","vol":"3","page":428},{"text":"إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء، ولهذا يقال: «شفي غيظه» فإذا استولى عليه عدوه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه، قال تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]، فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ستَّ فوائد.\nفالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شَفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضًا من حيث ظن أنه يشفيه …، وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضًا إلى مرضه؛ لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبُرْئه، قال النبي -ﷺ- في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» (^١)، فجعل الجهل مرضًا، وشفاءه سؤال أهل العلم.\nوالمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها ما لايزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية» (^٢).\nالنوع الثاني: الشفاء المادي، وهو الشفاء من علل الأبدان:\nفإن الشفاء من الأمراض لا يحدث بالطبيب وخبرته، أو بالدواء وقوته، وإنما يحدث بإذن الله وقدرته، فالله -﷿- خالق البدن ومدبر أمره، يعلم الداء والدواء\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٣٦)، حكم الألباني: حسن لغيره، رقم الحديث: (٥٣١).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٦ - ١٩).","vol":"3","page":429},{"text":"جملة وتفصيلًا؛ ولذا جاء الشفاء مخصصًا في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] بـ (هو)، وكذلك أكدها النبي -ﷺ- في الحديث: «اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ» (^١)، ومن دلائل ذلك أيضًا ما يلي:\nقول جبريل -﵇- للنبي -ﷺ- حين عاده في مرضه، فعن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي -ﷺ- فقال: «يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» (^٢)، فجبريل هو خير الأطباء من الخلق؛ لأنه يعالج بالوحي، والمريض هو خير الناس وأطيبهم بدنًا ونفسًا، وهو رسول الله -ﷺ-، والدواء هو خير دواء؛ لأنه رقية (بسم الله الشافي)، ومع ذلك فإن جبريل يتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، ويقول: «الله يَشْفِيكَ» أي: أن الرقية مني، ولكن الشفاء كله من الله وحده.\nما أكرم الله به نبيه عيسى -﵇- من شفاء المرضى، وإبراء الأعمى فيبُصر، والأبرص فيُشفى، وحتى إحياء الموتى، ولكن هذا كله بإذن الله، وهذا ما قاله نبي الله عيسى -﵇- في قوله تَعَالَى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].\nقصة أصحاب الأخدود، عندما جاء جليس الملك وقد عمي إلى الغلام المؤمن بهدايا، وقال: «مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ» (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٣٠٠٥).","vol":"3","page":430},{"text":"ومن المعلوم أن اعتقاد العبد وإيمانه بأن الشافي هو الله وحده، وأن الشفاء بيده ليس مانعًا من بذل الأسباب النافعة بالتداوي، وطلب العلاج، وتناول الأدوية المفيدة، فقد جاء عن النبي -ﷺ- أحاديث عديدة في الأمر بالتداوي، وذكر أنواع من الأدوية النافعة المفيدة (^١)، وهذا لا ينافي التوكل على الله واعتقاد أن الشفاء بيده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1051>الأثر الثاني: توحيد الله باسمه (الشافي):</span>\n- دلالته على توحيد الألوهية والربوبية:\nإن الله -﷿- هو القدير الحكيم، فبالقدرة خلق الأشياء وأوجدها وهداها وسيَّرها، وانفرد بذلك دون سواه، وهذا توحيد الربوبية، وبالحكمة رتب الأسباب ونتائجها وابتلانا بها، وعلق عليها الشرائع والأحكام تحقيقًا لتوحيد العبودية، والعبد المؤمن يوقن تمامًا بأن الشفاء بيد الله وحده، «وأن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا، أمر مأمور به شرعًا، لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالًا لأمر ربه، مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه، فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر، ولو شاء الله تخلُّف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلَّف» (^٢).\nوفي ذلك يقول السعدي -﵀- عند قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)\n_________\n(^١) سيأتي مزيد بيان في الأثر الثالث.\n(^٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي، (٣/ ٣٩٨).","vol":"3","page":431},{"text":"الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨١]: «فهو وحده سُبْحَانَهُ المنفرد بذلك، فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم ولا تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها، بكشف الكروب، ولا مغفرة الذنوب، فهذا دليل قاطع، وحجة باهرة، لا تقدرون أنتم وآباؤكم على معارضتها» (^١).\n- دلالته على توحيد الأسماء والصفات:\nوكما تقدم فاسم الله (الشافي) يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والسمع والبصر، والعلم والقدرة، والخبرة والحكمة، والغنى والقوة، وغير ذلك من صفات الكمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1052>الأثر الثالث: التوكل على الله الشافي:</span>\nفالله سُبْحَانَهُ هو خالق الأسباب ومسبباتها، وفارق كبير بين التعلق بالأسباب، والأخذ بالأسباب، فإن من صدق توكل العبد على الله أن يأخذ بالأسباب وهو يعلم أنها لا تنفع ولا تضر إلا بإذنه تَعَالَى، ولا ترد شيئًا من أقداره، ومن أدلة ذلك: ما رواه أبو خزامة، قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ قَال: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ» (^٢).\nيقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «إن القلب متى اتصل برب العالمين خالق الداء والدواء، ومدبر الطب ومصرفه على ما يشاء، كانت له أدوية\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٥٩٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٦٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٤٣٧)، حكم الألباني: حسن، تخريج مشكلة الفقر، رقم الحديث: (١٣).","vol":"3","page":432},{"text":"أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه، فإذا قويت النفس بإيمانها وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به وحبها له، وتنعمها بذكره، وانصراف قواها كلها إليه، وجمع أمورها عليه، واستعانتها به وتوكلها عليه، فإن ذلك يكون لها من أكبر الأدوية في دفع الألم بالكلية» (^١).\nفالأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، لا خروج لها عنه، والله تَعَالَى يتصرف فيها كيف يشاء، إن شاء أبقى سببيتها، وإن شاء غيرها كيف يشاء؛ لئلا يعتمد العباد عليها، وليعلموا كمال قدرته، وأن التصرف المطلق والإرادة المطلقة لله وحده، كما تقدم في قول النبي -ﷺ-: «اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ» (^٢)، والله سُبْحَانَهُ لم ينزل داء إلا ومعه الدواء، كما في الحديث: «فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» (^٣)، ودل عباده على أسباب تنفع بإذنه تَعَالَى للشفاء، ومن تلك الأسباب:\n١ - القرآن:\nقال الله -﷿- عن أثر القرآن في شفاء القلوب وهدايتها: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].\n_________\n(^١) الطب النبوي، لابن القيم، (ص: ١١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٨٥٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٤٣٦)، والطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٤٨٤)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٠٥).","vol":"3","page":433},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: «فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحدٍ يوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدًا، وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها، أو على الأرض لقطَّعها» (^١).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁-: «أنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْم» (^٢).\nوعن عائشة -﵂-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا» (^٣).\nوعن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ،\n_________\n(^١) الطب النبوي، لابن القيم (ص: ٢٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٣٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢١٩٢).","vol":"3","page":434},{"text":"قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا: بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» (^١).\nوعلى هذا فالقرآن فيه شفاء لأرواح المؤمنين، وشفاء لأجسادهم.\n٢ - العسل:\nيقول تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩].\nقال ابن كثير -﵀-: «أي: في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم، … ثم ذكر الحديثُ الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما- عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَال: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلًا، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ! فَسَقَاهُ فَبَرَأَ (^٢).\nقال بعض العلماء بالطب: «كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاده إسهالًا، فاعتقد الأعرابي أنَّ هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧١٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢١٧)، واللفظ له.","vol":"3","page":435},{"text":"واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته» (^١).\nوعن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (^٢).\n٣ - الحبة السوداء:\nعن عائشة -﵂-، أنها سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا مِنَ السَّامِ، قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ» (^٣).\n٤ - ماء زمزم:\nثبت في الصحيح أن رسول الله -ﷺ- شرب من ماء زمزم، وأنه قال: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (^٤)، وقد غسل جبريل -﵇- صدر النبي -ﷺ- بماء زمزم.\n٥ - الصدقة:\nعن ابن مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» (^٥)، وهذا هو الطب الحقيقي الذي لا يخطئ، لكن لا يظهر نفعه إلا لمن رق حجابه وكمل استعداده ولطفت بشريته … فإن الصدقة دواء\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٧٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٨١).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٨٧).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٤٧٣).\n(^٥) أخرجه البيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٣٢٧٩)، حكم الألباني: حسن، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٣٥٨).","vol":"3","page":436},{"text":"منجح، ونبه بها على بقية أخواتها من القُرَب، كعتق، وإغاثة لهفان، وإعانة مكروب (^١).\nيقول ابن القيم -﵀-: «للصدقة تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو من ظالم، بل من كافر، فإن الله تَعَالَى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به؛ لأنهم جربوه» (^٢).\n٦ - التلبينة:\nعن عائشة -﵂-، أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض، وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ» (^٣).\nقال المناوي -﵀-: «(مَجَمَّة) بفتح الميمين والجيم مشدد، أي: مريحة لفؤاد المريض، وفي رواية: الحزين، أي: تريح قلبه وتسكنه، بإخمادها للحمى من الإجمام، وهو الراحة (تذهب ببعض الحزن)، فإن فؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه ومعدته؛ لقلة الغذاء، والحساء، يرطبها ويغذيها ويقويها» (^٤).\n_________\n(^١) شرح الجامع الصغير، للمناوي (٢/ ٢).\n(^٢) الوابل الصيب (١/ ٤٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٨٩).\n(^٤) التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوى (١/ ٩٣٦).","vol":"3","page":437},{"text":"٧ - التداوي بالطب الحديث:\nوهو ما يكون على أيدي الأطباء، فعلى المريض مع يقينه بأن الشافي هو الله أن يأخذ بالأسباب بجوارحه دون قلبه، فلا يمتنع من الأسباب ومن بينها الطب الحديث الذي ثبتت دراساته، وقد بين رسول الله -ﷺ- ذلك جليًّا لما سأله الأعراب: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا» (^١).\nوقال النووي -﵀-: «إن الطب غير قادح في التوكل؛ إذ تطبب رسول الله صلى الله عليه وسلم والفضلاء من السلف، وكل سبب مقطوع به كالأكل والشرب للغذاء والري لا يقدح في التوكل عند المتكلمين في هذا الباب، ولهذا لم ينف عنهم التطبب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1053>الأثر الرابع: محبة الله الشافي:</span>\nالله -﷿- هو الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه، والذي لا يكشف الضر إلا هو ولا يأتي إلا بالخير إلا هو، وهو الذي أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ ليشفي الناس من أمراض الشرك والكفر والشكوك، والحقد والحسد وغيرها من أمراض القلوب، ويعافيها بالهداية إلى الدين القيم، والصراط المستقيم الذي يوصل إليه، وهو الذي يحفظ أبدانهم ويشفي أبدانهم من الأسقام والآفات، وهذا كله يثمر في القلب محبة مَن هذه صفاته، وتوحيده والتعبد له بكل أنواع العبادة لا شريك له.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠٣٨)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٢٩١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد (٢٩١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩١).","vol":"3","page":438},{"text":"أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدِّر من الأسباب الموصلة إليه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1054>الأثر الخامس: تحريم التداوي بمحرم:</span>\nمن آمن باسم الله (الشافي) كان متحريًا في طلب الدواء الحلال، ومتجافيًا عن الحرام الذي يباعد بينه وبين ربه، يقول -ﷺ-: «فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (^٢)، وفي حديث عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (^٣)، فقالت له زوجته: لِمَ تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف، وكنت اختلف إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله -ﷺ- يقول: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^٤).\nوعلل الشيخ ابن عثيمين -﵀- التحريم بقوله: «التداوي بالمحرم لا يجوز؛ لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرمه عليها؛ ولأن الله لا يحرم علينا الشيء إلا لضرره، والضار لا ينقلب نافعًا أبدًا، حتى لو قيل: إنه اضطر\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ١٤٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٦٤٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٣٣).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٣٦٨٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣٨٨٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٥٣٠)، حكم الألباني: حسن، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣٩).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"3","page":439},{"text":"إلى ذلك فإنه لا ضرورة للدواء إطلاقًا؛ لأنه قد يتداوى ولا يشفى، وقد يشفى بلا تداوٍ، إذًا: لا ضرورة إلى الدواء» (^١).\nوقد ذكر ابن القيم -﵀- عدة أدلة لتحريم التداوي بما حرمه الله، وقسم هذه الأدلة إلى قسمين، كالتالي:\nأولًا: الأدلة الشرعية، ومنها:\nقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (^٢).\nعن ابن مسعود -﵁-: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (^٣).\nحديث أبي هريرة -﵁-، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ (^٤).\nحديث طارق بن سويد الجعفي -﵁-، أنه سأل النبي -ﷺ- عن الخمر: «فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (^٥).\n_________\n(^١) لقاءات الباب المفتوح (٥٦/ ١٥)، حكم التداوي بالمحرم.\n(^٢) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٨٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: (١٩٧٤٣)، حكم الالباني: شطره الأول صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٤٥٣٨).\n(^٣) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (٧٦٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث: (١٩٧٤١).\n(^٤) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٣٨٦٧)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٤٥)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٤٥٩)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٤٥٣٩).\n(^٥) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٨٤).","vol":"3","page":440},{"text":"ثانيًا: الأدلة العقلية، ومنها:\nأن الله سُبْحَانَهُ إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبًا عقوبة لها، كما حرمه على بني إسرائيل، بقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].\nفي التحريم حمية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثر في أزالتها لكنه يعقب سقمًا أعظم منه في القلب، بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.\nأن التداوي بالخبيث يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث؛ لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالًا بينًا، فإذا كانت كيفيته خبيثة أكسب الطبيعة منه خبثًا، فكيف إذا كان خبيثًا في ذاته.\nأن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء، فإن النافع هو المبارك، … ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1055>الأثر السادس: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]:</span>\nفإن عقل العبد يعجز ويضيق عن استيعاب كل ما يجري عليه؛ إذ الله يعامله بعلمه، ولا يخلو من فضل تَعَالَى، فكثير مما يُقدر عليه من أمراض أومكروهات هي في ذاتها شفاء لأمراض في القلب قد تفتك به لو استمرت\n_________\n(^١) انظر: الطب النبوي، لابن القيم (ص: ١٢١).","vol":"3","page":441},{"text":"فيه، فيأتي المرض أو المصيبة؛ ليكونا سببًا في التخلص منها، فالشفاء ليس بالضرورة هو المعافاة من المرض، أو زواله بالكلية، وفي هذا يقول ابن القيم -﵀- وهو يعدد حكم الله -﷿- ورحمته في المصائب: «السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه (الطبيب) العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه، فيذهب نفعه باطلًا، والثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته، فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره» (^١).\nويؤكد السعدي -﵀- ذلك بقوله: «إن الغالب على العبد المؤمن أنه إذا أحب أمرًا من الأمور فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له، فالأوفق له في ذلك أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع؛ لأنه يعلم أن الله تَعَالَى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه، كما قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم» (^٢).\nومما يعين العبد على ذلك: أن يعلم بعضًا من الحِكم في دائه الذي يرجو منه شفاء، ومنها:\n١ - مغفرة الذنوب:\nعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة -﵄-، عن النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين (١/ ٤١٦).\n(^٢) تفسير السعدي (١/ ٩٦).","vol":"3","page":442},{"text":"قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (^١)، والوصب: المرض.\nوعن ابن مسعود -﵁-، قال: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ، فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (^٢).\n٢ - النجاة من النار:\nعن أبي هريرة -﵁-، «أنَّ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَادَ مَرِيضًا وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ وَعَكٍ كَانَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَبْشِرْ إِنَّ اللهَ -﷿- يَقُولُ: نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ (^٣).\n٣ - المريض يظفر بمعية الله:\nعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنّ اللهَ -﷿- يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٤٨).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٦٧٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٠٨٨)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٣٤٧٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٢).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٦٩).","vol":"3","page":443},{"text":"٤ - دخول الجنة:\nعن أنس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» (^١)، بحبيبتيه: أي: عينيه.\nوعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس -﵄-: «أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا» (^٢).\n٥ - أجر عيادة المريض:\nعن علي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ، إِنْ كَانَ مُصْبِحًا حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْسِيًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٣).\nغدوة: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، العشية: آخر النهار، الخريف: الثمر المخروف: أي: المجتنى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٥٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٧٦).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦١٢)، والترمذي، رقم الحديث: (٩٦٩)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٤٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣١٣).","vol":"3","page":444},{"text":"٦ - ومن المرضى من له أجر الشهداء:\nعن أنس -﵁-، أنه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (^١)، وعن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-، قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (^٢).\nالمبطون: الذي يموت بداء البطن، والمطعون: الذي يموت بالطاعون، وصاحب الهدم: الذي يموت تحت الهدم.\nوعن جابر بن عَتِيكٍ -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ» (^٣).\nوالمريض متسبب في أجر لمن زاره: وهذه بركة خُص بها المريض:\nعن علي -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجَنَّةِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٨٢٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩١٤).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣٧٥٣)، وأبو داود، رقم الحديث: (٣١١١)، والنسائي، رقم الحديث: (١٨٤٥)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣٩).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"3","page":445},{"text":"غدوة: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، العشية: آخر النهار، الخريف: الثمر المخروف: أي: المجتنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1056>الأثر السابع: الدعاء باسمه (الشافي):</span>\nفمتى ما أراد العبد الشفاء، أوبحث عن أسباب الدواء فإن من أهم الاسباب التي يأخذ بها: دعاء الله باسمه (الشافي) أن يتولاه بقدرته ويشفيه، ويدله على دائه ودوائه، كما كان يقول ويفعل نبينا -ﷺ- بأن يمسح على المريض، ويقول: «أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^١)، ومنه رقية جبريل -﵇- لنبينا، فقد ثبت في الصحيح أن جبريل أتى النبى -ﷺ-: «فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» (^٢).\nوقد كان ذلك نهج صحابته من بعده، كما ثبت عن أنس -﵁-، قال: لثابت: أَلَا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^٣).\nفاللهم رب الناس، اذهب البأس، أنت الشافي، اشف قلوبنا من عللها، واشف أبداننا من أمراضها، شفاء لا يغادر سقمًا، شفاء أنت أهله ووليه.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٧٤٢).","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1057>الطَيِّب -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1058>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الطيب: خلاف الخبيث، وطاب الشيء يطيب طيبة وتطيابًا» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الطاء والياء والباء أصل واحد صحيح؛ يدل على خلاف الخبيث» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1059>ورود اسم الله (الطيب) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد اسم الله تَعَالَى (الطيب) في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1060>ورود اسم الله (الطيب) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الطيب) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ١٩٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (٣/ ٤٣٥).","vol":"3","page":447},{"text":"[البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^١).\nثبوت اسم الله (الطيب) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الطيب) في حق الله تَعَالَى:\nابن القيم -﵀-: في قوله: «فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه الطيب» (^٢).\nابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1061>معنى اسم الله (الطيب) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nقال النووي -﵀-: «قال القاضي: الطيب في صفة اللهتَعَالَى بمعنى: المنَزَّه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب: الزكاء والطهارة والسلامة من الخبث» (^٤).\nقال ابن القيم -﵀- في شرحه لقوله -ﷺ-: «وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» (^٥)، وذلك في دعاء التشهد: «وكذلك قوله: (وَالطَّيِّبَاتُ) هي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠١٥).\n(^٢) الصلاة وأحكام تاركها (ص: ١٥١).\n(^٣) ينظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٣٥).\n(^٥) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٨٣١)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٠٢).","vol":"3","page":448},{"text":"صفة الموصوف المحذوف أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده، فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه (الطيب)، ولا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه، فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه» (^١).\nقال ابن رجب -﵀-: «الطيب معناه: الطاهر، والمعنى: أن الله مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها» (^٢)، فهوسُبْحَانَهُ المنزه عن الآفات والعيوب، وعن كل وصف خلا عن كمال، أو عن طيب الثناء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1062>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الطيب)</span> (^٣):\n<span data-type='title' id=toc-1063>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الطيب) من الصفات، ودلالته على التوحيد:</span>\n«الله سُبْحَانَهُ الطيب، فالأسماء الطيبات، والصفات الطيبات، والكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، كلها له سُبْحَانَهُ لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سُبْحَانَهُ، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته» (^٤).\nومن مظاهر كون الله طيبًا ما يلي:\n_________\n(^١) الصلاة وحكم تاركها (ص: ٢١٤).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٧٤).\n(^٣) للاستزادة: تراجع آثار اسم الله (السبوح القدوس).\n(^٤) الصلاة وحكم تاركها، لابن القيم (ص: ٢١٤).","vol":"3","page":449},{"text":"كلام الطيب أطيب كلام:\nفالقرآن أطيب الكلام؛ لأنه خرج من أطيب من تكلم، قال تَعَالَى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤].\nيقول ابن كثير -﵀-: «قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] أي: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة» (^١)، ويقول السعدي- أيضًا- في تفسير ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]: «الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله» (^٢).\nولا ينبغي أن يتقرب إليه العبد إلا بالطيب من الأقوال، والأعمال المنبعثة من المقاصد الطيبة.\nعقيدة الطيب أطيب العقائد:\nيقول تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٥٢].\nقال السعدي -﵀-: «﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: شهادة أن لا إله إلا الله، وفروعها ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، وهي النخلة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض ﴿وَفَرْعُهَا﴾ منتشر ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ وهي كثيرة النفع دائمًا، ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ أي: ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فكذلك شجرة الإيمان، أصلها ثابت في قلب المؤمن،\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٠٨).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٥٣٦).","vol":"3","page":450},{"text":"علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب، والعمل الصالح والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة في السماء دائمًا، يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، ما ينتفع به المؤمن وينفع غيره، ويجد ثمرتها في حياته؛ بل ويجدها بعد مماته وهذه الكلمة مع العبد حتى يصل إلى البرزخ، فإذا قيل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبت الله في ذلك الموقف من يشاء سُبْحَانَهُ» (^١).\nشرع الطيب أطيب الشرائع:\nيقول الطبري -﵀- في تفسير قول تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]: «يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين، إن الله نعم الشيء يعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها» (^٢).\nالطيب أحل الطيبات، ورزقه أطيب الأرزاق:\nيقول تَعَالَى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقال تَعَالَى عن رسوله -ﷺ-: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nوإذا تقرر لدى العبد عظمة سعة طيب الله تَعَالَى، وشموله لصفاته كلها؛ تيقن أن لا إله ولا رب يستحق التوحيد والعبادة إلا الرب الطيب الجميل\n_________\n(^١) تفسير السعدي (١/ ٤٢٥).\n(^٢) تفسير الطبري (٨/ ٤٩٤).","vol":"3","page":451},{"text":"الكريم السبوح القدوس، الذي له الكمال كله، والطيب كله، والحمد كله، والقدرة كلها.\nوكما أن اسم الله (الطيب) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الكريم والجميل والرحيم إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1064>الأثر الثاني: محبة الله الطيب:</span>\nمن آمن بأن الله طيب في ذاته، بأسمائه، وصفاته، وطيب في أفعاله، وأنه لايقبل من الصدقات إلا ما كان طيبًا، ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا؛ أحب ربه وأجله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1065>الأثر الثالث: المؤمن طيب في أحواله كلها:</span>\nأهل الإيمان بالله هم الطيبون الذين عمرت قلوبهم بمحبة الله واتباعه، فطابت أقوالهم وأعمالهم، فلا يحبُّون إلا الطيب من كل شيء، ومن ذلك:\nطيب أقوالهم:\nفلا يتكلمون إلا بالطيب الحسن من الكلام، كما قالتَعَالَى في وصفهم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦].\nقال مجاهد وابن جبير وأكثر المفسرين: «المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من","vol":"3","page":452},{"text":"الناس للطيبات من القول» (^١)، وقيل المعنى: «الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الطيبات للطيبين» (^٢).\nوقد قسم اللهتَعَالَى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، و﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقالتَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠].\nيقول ابن القيم -﵀- عند قوله تَعَالَى: ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾: «وهو طيب سُبْحَانَهُ، لا يصعد إليه إلا طيب، والكلم الطيب إليه يصعد، فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه، له ملكًا ووصفًا، ومنه مجيئها وابتداؤها، وإليه مصعدها ومنتهاها» (^٣) (١).\nطيب أفعالهم:\nفلا يقدمون إلا على الأفعال والأخلاق الطيبة؛ وهي التي اجتمعت على حسنها الفِطَرُ السليمةُ مع الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرعُ والعقلُ والفِطرةُ، فهي المنبعثة من مقاصد وأهداف طيبة، ومن ذلك قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٢/ ٢١١).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) بدائع الفوائد (٢/ ١٦٢).","vol":"3","page":453},{"text":"وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nومن أعظم ما تحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب المطعم، وذلك بأن يكون حلالًا، فيزكو بذلك عمله، يقول تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨].\nولذا أمر الله عباده المؤمنين بأن يأكلوا حلالًا طيبًا ثم يعملوا صالحًا، ولا يقبل الله منهم إلا ما كان طيبًا من الطعام والأعمال، ومما يدل على ذلك قول النبي -ﷺ-: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (^١).\nومما ذكره ابن القيم -﵀-: «فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب، ولا يرضى إلا به، ولا يسكُن إلا إليه، ولا يطمئن قلبُه إلا به، فله من الكلام الكَلِمُ الطيب الذي لا يصعد إلى اللهتَعَالَى إلا هو، وهو أشدُّ شيء نُفرة عن الفحش في المقال، والتفحش في اللسان والبذاء، والكذب والغيبة، والنميمة والبُهت، وقول الزور وكل كلام خبيث، وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفِطَرُ السليمة مع الشرائع النبوية، وزكتها\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"3","page":454},{"text":"العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب إليه جهده وطاقته، ويُحسن إلى خلقه ما استطاع فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوا به، ويعاملوه به ويَدَعَهم مما يحب أن يدعُوه منه، وينصحهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به، ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسنًا أذاعه، وإذا رأى لهم سيئًا كتمه، ويقبل أعذارهم ما استطاع؛ فيما لا يُبطل الشريعة، ولا يُناقض لله أمرًا ولا نهيًا، وله- أيضًا- من الأخلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم والوقار والسكينة والرحمة والوفاء، وسهولة الجانب ولين العريكة، والصدق وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد، والتواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان والعزة، والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله، والعفة والشجاعة والسخاء والمروءة، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول.\nوكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الذي يُغذِّي البدن والروح أحسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته، وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الروائح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الأصحاب والعُشراء إلا الطيبين منهم، فروحه طيبة، وبدنُه طيب، وخُلُقُه طيب، وعملُه طيب، وكلامه طيب، ومطعمه طيب، ومشربه طيب، وملبسه طيب، ومدخله طيب، ومخرجه طيب، ومنقلبه طيب، ومثواه كله طيب، فالله -﷾- جعل الطيب بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار.\nفجعل الدور ثلاثة: دارًا أخلصت للطيبين، وهي حرام على غير الطيبين،","vol":"3","page":455},{"text":"وقد جمعت كل طيب وهي الجنة، ودارا أخلصت للخبيث والخبائث، ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار، ودارا امتزج فيها الطيب والخبيث، وخلط بينهما وهي هذه الدار؛ ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، فإذا كان يوم معاد الخليقة ميز الله الخبيث من الطيب، فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنة وهي دار الطيبين، والنار وهي دار الخبيثين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1066>الأثر الرابع: الحياة الطيبة جزاء الطيبين في الدنيا والآخرة:</span>\nفالمؤمن حاز طيب الحياة الأبدي في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك ما يلي:\nأولًا: الحياة الطيبة في الدنيا:\nإن أطيبَ العيشِ العيشُ مع الله، من ناله فقد نال أوفر الحظ والنصيب، يقول ابن القيم -﵀- في ذلك: «قد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته، فقال تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].\nوقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا، والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب ونعيمه، وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب، وقال غيره: إنه ليمر بالقلب أوقات\n_________\n(^١) ينظر: زاد المعاد (ص ٦٥، ٦٦).","vol":"3","page":456},{"text":"يرقص فيها طربًا، وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح، فإنه ملكها، ولهذا جعل الله المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكره، وهي عكس الحياة الطيبة، وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، والمعيشة الضنك- أيضًا- تكون في الدور الثلاث، فالأبرار في النعيم هنا وهنالك، والفجار في الجحيم هنا وهنالك، قال الله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠]» (^١)\nثانيًا: الحياة الطيبة في الآخرة:\nلما طابت أقوال المؤمنين وأفعالهم في الدنيا، طابت لهم الدار الآخرة، وأنزلهم الله المساكن الطيبة، يقول رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، قَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (^٢)، فلايسمعون فيها إلا طيبًا: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]، ولايرون إلا طيبًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والزيادة هي رؤية وجه الكريم سُبْحَانَهُ، وحتى أنفسهم وأنفاسهم طابت؛ كما قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: جُشَاءٌ، وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٢٤٣).\n(^٢) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (١٢٠٠)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٢٨٢٥)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (١٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٣٥).","vol":"3","page":457},{"text":"يقول تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وقالتَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] «فعقَّب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سبب للدخول، أي: بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها» (^١).\nوقد وصف الله تَعَالَى منقلَب المؤمنين في الآخرة بالطيب، فحياتهم طيبة، ومساكنهم طيبة ومطاعمهم ومشاربهم طيبة، وذلك في غير ما آية من كتابه، فقالسُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].\nوقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].\nوقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١].\nاللهم اجعلنا من عبادك الطيبين الذين يقال لهم يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩].\nاللهم ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.\nاللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا.\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص: ٤٠).","vol":"3","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1067>القابِضُ الباسِطُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1068>المعنى اللغوي:</span>\nأولًا: معنى القابض:\nقال الجوهري -﵀-: «قبضت الشيء قبضًا: أخذته، والقبض: خلاف البسط، ويقال: صار الشيء في قبضتك، أي: في ملكك» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(قبض) القاف والباء والضاد أصل واحد صحيح يدل على معنيين، أحدهما: أخذ الشيء، تقول: قبضت الشيء من المال وغيره قبضًا، ومقبض السيف ومقبضه: حيث تقبض عليه، والثاني: جمع الشيء وتجمعه، ومنه القبَض، بفتح الباء: ما جمع من الغنائم وحصل» (^٢).\nثانيًا: معنى الباسط:\nقال الجوهري -﵀-: «بسط الشيء: نشره، وبالصاد أيضًا، وبسط العذر: قبوله، والبسطة: السعة … والبساط، بالفتح: الأرض الواسعة» (^٣).\n- قال ابن فارس -﵀-: «(بسط) الباء والسين والطاء أصل واحد، وهو امتداد الشيء في عرض أو غير عرض، فالبساط: ما يبسط، والبساط: الأرض،\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ٢٣٧).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٥٠).\n(^٣) الصحاح (٤/ ٢٥٣).","vol":"3","page":459},{"text":"وهي البسيطة … ويد فلان بسط: إذا كان منفاقًا، والبسطة في كل شيء السعة، وهو بسيط الجسم والباع والعلم، قال الله تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1069>ورود اسم الله (القابض الباسط) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد هذان الاسمان في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1070>ورود اسم الله (القابض الباسط) في السنة النبوية:</span>\nورد الاسمان في السنة النبوية، من حديث أنس -﵁-، «قال الناس: يا رسول الله، غلا السعرُ، فَسَعِّرْ لنا، فقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ -﷿- وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^٢).\nثبوت اسمي الله (القابض والباسط) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (القابض والباسط) في حق الله تَعَالَى:\n- ابن القيم -﵀-: يقول في النونية:\nهُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ= هُوَ رَافِعٌ بِالعَدْلِ والإِحْسَانِ (^٣)\n- ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٤).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٤٧).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٤٢٧٣)، والترمذي، رقم الحديث: (١٣١٤)، وابن ماجه، رقم الحديث: (٢٢٠٠)، حكم الألباني: صحيح، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٣).\n(^٣) نونية ابن القيم (ص: ٢١١).\n(^٤) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).","vol":"3","page":460},{"text":"معنى اسمي الله (القابض الباسط) في حقه سُبْحَانَهُ:\nقال الطبري -﵀- في قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]: «(يقبض): يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه، ويعني بقوله: (ويبسط): يوسع ببسطة الرزق على من يشاء منهم» (^١).\nقال الزجاجي -﵀-: «يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء على حسب ما يرى من المصلحة لعباده، فالقبض ها هنا: التقتير والتضييق والبسط: التوسعة في الرزق والإكثار منه، فالله -﷿- القابض الباسط يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء» (^٢).\nقال الخطابي -﵀-: «فالقابض الباسط هو الذي يوسع الرزق ويقتره، ويبسطه بجوده ورحمته، ويقبضه بحكمته على النظر لعبده، كقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧]، فإذا زاده لم يزده سرفًا وخرقًا، وإذا نقصه لم ينقصه عدمًا ولا بخلًا، وقيل: القابض هو الذي يقبض الأرواح بالموت الذي كتبه على العباد» (^٣).\nقال الحليمي -﵀-: «ومنها الباسط: ومعناه الناشر فضله على عباده، يزرق ويوسع ويجود ويفضل ويمكن ويخول ويعطي أكثر مما يحتاج إليه، ومنها القابض، يطوى بره ومعروفه عمن يريد، ويضيق ويقتر أو يحرم فيفقر، ولا ينبغي أن يدعى ربنا -ﷻ- باسم القابض، حتى يقال معه: الباسط» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٥/ ٢٨٩).\n(^٢) اشتقاق أسماء الله الحسنى (ص: ٩٧).\n(^٣) شأن الدعاء (١/ ٥٨).\n(^٤) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٣).","vol":"3","page":461},{"text":"قال ابن الأثير -﵀-: «القابض هو الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفه وحكمته، المتقابلة التي لا يطلق كلُّ واحد منها إلا مع الآخر» (^١).\nوالسبب في ذلك- والله أعلم-: أن الكمال المطلق إنما يكون باجتماعهما؛ وذلك لأن في اجتماعهما جمع بين صفات الجمال والإحسان والتودد والرحمة التي يدل عليها اسم الله (الباسط)، وبين صفات الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام التي يدل عليها اسم الله (القابض) (^٢)، يقول الخطابي -﵀-: «قد يحسن في مثل هذين الاسمين أن يقرن أحدهما في الذكر بالآخر، وأن يوصل به ليكون ذلك أنبأ عن القدرة، وأدل على الحكمة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وإذا ذكرت القابض مفردًا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت بالصفة على المنع والحرمان، إذا أوصلت أحدهما بالآخر، فقد جمعت بين الصفتين منبئًا عن وجه الحكمة فيهما …» (^٣).\nويقبض الأرواح عند الممات». (^٤)، وقال في الباسط: «هو الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة» (^٥).\n_________\n(^١) فتح الرحيم الملك العلام (١/ ٤١).\n(^٢) ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٣٣٩).\n(^٣) شأن الدعاء (١/ ٥٨).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٦).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٢٧).","vol":"3","page":462},{"text":"قال الشيخ السعدي -﵀-: «هذه الأسماء الكريمة من الأسماء المتقابلات التي لا ينبغي أن يُثنى على الله بها إلا كل واحد مع الآخر؛ لأن الكمال المطلق من اجتماع الوصفين، فهو القابض للأرزاق والأرواح والنفوس، والباسط للأرزاق، والرحمة، والقلوب …» (^١)، وقال في موضع آخر: «من أسمائه الحسنى المزدوجة المتقابلة التي لا يطلق واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخر فإن الكمال من اجتماعهما» (^٢).\nقال ابن القيم -﵀- في نونيته:\nهُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ … هُوَ رَافِعٌ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-1071>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (القابض الباسط):</span>\n<span data-type='title' id=toc-1072>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (القابض الباسط) من صفاته سُبْحَانَهُ:</span>\nالله سُبْحَانَهُ القابض الباسط الذي له الكمال في ذلك والمنتهى؛ فهو القابض الباسط الملك الذي له ملك السموات والأرض وبيده مقاليد كل شيء وخزائنه، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (^٤).\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين (ص: ٨٩).\n(^٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: ٢٣٨).\n(^٣) نونية ابن القيم (ص: ٢١١).\n(^٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٥٤).","vol":"3","page":463},{"text":"ومن مظاهر قبض الله وبسطه ما يلي:\n- هو القابض الباسط الفعال لما يريد، يبسط لمن يشاء ويقبض، ويصرف كيف شاء، لا حجر له، ولا مانع يمنعه مما أراد، قال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (^١)، وقال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (^٢).\n- هو القابض الباسط العليم الخبير، الذي يعلم أحوال عباده وما يصلح لكل واحد منهم، فيبسط عليهم بعلم، ويقبض عنهم بعلم، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]، وجاء في بعض الآثار أن الله تَعَالَى يقول: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٣٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٥٧٣٢)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٩٩)، وابن أبي عاصم في السنة، رقم الحديث: (٣٨١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الأدب المفرد، رقم الحديث: (٦٩٧).","vol":"3","page":464},{"text":"يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير» (^١).\n- هو القابض الباسط الكريم الحكيم، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] فيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرارًا، وخزائنه ملأى، لا تغيضها النفقة، فإذا بسط بسط بجوده وكرمه من غير إسراف ولا تبذير، وإذا قبض فلحكمة بالغة، لا بخلًا وشحًّا، ولا نقصًا وفقرًا، ولا ظلمًا وجورًا (^٢).\n- هو القابض الباسط الرحيم اللطيف، يعطي عبده حاجته رحمة منه وشفقة به، ويمنعه رحمة به ولطفًا؛ لعلمه أنه لو بسط له لكان في ذلك هلاكه وشقائه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (^٣).\n- هو القابض الباسط الحليم الذي لا يمنع من عصاه بسطه، ولا يحرمه خيره، فهؤلاء اليهود- قبحهم الله- قالوا مقالتهم القبيحة ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] فلم يمنعه مقالهم من أن يبسط خيره عليهم (^٤).\n- هو القابض الباسط الواسع الذي شمل بسطه الحركات، وقبضه السكنات، قال ابن القيم -﵀-: «يشهد العبد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تَعَالَى في كل متحرك وساكن، فيشهد تعلق الحركة باسمه (الباسط)،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٢١/ ٥١١)، تفسير السعدي (ص: ٧٥٤، ٧٥٩).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢٣٨).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٢٧).\n(^٤) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٣٨).","vol":"3","page":465},{"text":"وتعلق السكون باسمه (القابض) فيشهد تفرده سُبْحَانَهُ بالبسط والقبض» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1073>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (القابض الباسط) على التوحيد:</span>\nالمتأمل في اسم الله القابض الباسط يجده دالًّا على توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.\nفأما دلالته على الربوبية: فلما فيه من تفرد الله ووحدانيته في القبض والبسط، فهما بيده وتحت تصريفه وتدبيره لا يشاركه فيه أحد (^٢)، قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، قال الطبري -﵀-: «أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربًّا دونه يعبدونه» (^٣)، ويؤيد ذلك قوله سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]، وعن أنس -﵁- قال: «غلا السعر على عهد رسول الله -ﷺ-، قال: فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فأسعر لنا! فقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^٤)، فدل على «أن الغلاء والرخص والسعة والضيق بيد الله دون غيره» (^٥).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٤١).\n(^٢) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣٤٠ - ٣٤١).\n(^٣) تفسير الطبري (٥/ ٢٨٨).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) تفسير الطبري (٥/ ٢٨٨).","vol":"3","page":466},{"text":"وأما دلالته على الألوهية: لما فيه من إقامة الحجة بما ثبت في الربوبية على الألوهية، قال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣] فمن كان بيده القبض والبسط، والنفع والضر، وتدبير الأرزاق مستبدًّا بها من غير مشارك ولا مؤزر؛ استحق العبادة وحده دون ما سواه؛ فكما أنه الواحد في قبضه وبسطه وتصريفه وتدبيره فليكن الواحد في عبادته جل في علاه» (^١).\nوأما دلالته على الأسماء والصفات: لما في هذا الاسم من الدلالة على أسماء وصفات أخرى، فأما الأسماء: فهذا الاسم دال على اسم الله الحي، القيوم، الرزاق، العزيز، العليم، الخبير، الحكيم، الحليم، الرحيم ونحو ذلك.\nوأما الصفات: فهذا الاسم دال على صفة الإرادة، واليدين لله -ﷻ-، فأما الإرادة فلكونه -﵎- يبسط لمن أراد وشاء، ويقبض عمن أراد وشاء، قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٣٦].\nوأما اليدين فلكونه -﵎- يبسط يداه بما شاء، ويقبضهما بما شاء، قال تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٩٤)، تفسير السعدي (ص: ٦٣٥).","vol":"3","page":467},{"text":"مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» (^١)، وعنه -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنّ اللهُ -﷿- قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (^٢)، وقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ، أَوِ الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» (^٣)، وعن أبي موسى -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٤)، إلى غير ذلك من الأدلة التي يطول ذكرها (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1074>الأثر الثالث: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠]:</span>\nوأرزاق الله لعباده عديدة ومتنوعة، لا تقتصر على رزق المال أو الولد، بل هي أعم من ذلك وأشمل، والله سُبْحَانَهُ يبسط بها على من يشاء من خلقه بالتوسيع والكثرة، ويقبضه عمن يشاء بالتضيق والقلة، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٨١٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٩٦)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٩٣).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٧٥٩).\n(^٥) ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (٣/ ١٣٣، وما بعدها).","vol":"3","page":468},{"text":"* ومن أنواع الأرزاق:\n-الهداية: فيبسط لمن شاء قلبه حتى يتسع لأمر الله انشراحًا وإقبالًا وعملًا، فيستنير قلبه للإسلام ويُهدى إلى سواء السبيل، ويقبض لمن شاء صدره عن الخير فيضل الطريق، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. (^١)\n- العمر: فيبسطه الله على من يشاء حتى يصل به إلى سن الهرم والشيخوخة، ويضيقه على من يشاء حتى يموت في شبابه وقواه، ولربما زاد تضيقه فيموت في طفولته، بل ربما مات وهو جنين في بطن أمه، قال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، وعن أنس بن مالك -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ (^٢) لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^٣) (^٤).\n- الجسم: فيبسط على من يشاء فيه ويقبض على من يشاء، فيظهر القوي والضعيف، والحسن والقبيح، والصحيح والمريض.\n- الأولاد: فيعطي من يشاء الذكور، ومن يشاء الإناث، ومن يشاء الذكور\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ٩٨)، وتفسير السعدي (ص: ٧٠).\n(^٢) ينسأ، أي: يؤخر، والأثر: الأجل؛ لأنه تابع للحياة في أثرها. ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٠٦٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٥٥٧).\n(^٤) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩٦)، تفسير السعدي (ص: ٥٣٤).","vol":"3","page":469},{"text":"والإناث، ويمنع من يشاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].\n-العلم والفهم: فيفتح على من يشاء فيه حتى يبلغ المراتب العالية، ويضيق على من يشاء فيقل حظه ونصيبه منه، ولربما ضيق عليه جدًّا، حتى لم يكن له منه حظ أصلًا.\nقال تَعَالَى عن طالوت وبسطه له في العلم والجسم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].\n- الأموال: فيقبضها ويبسطها سُبْحَانَهُ كيف شاء، فيظهر على أثرها الغني والفقير، والحر صاحب الأملاك والثروات، والرقيق الذي لا يملك شيئًا حتى نفسه التي بين جنبيه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] (^١).\n- المناصب: فيقسمها على خلقه وينوعها بينهم، فيوجد الرئيس والمرؤوس، والملك والمملوك، والوزير والخادم، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢].\n- الأمطار والسحب: فيرسلها على ما يشاء من الأرض، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، ويمسكها عما يشاء من الأرض، فتجدب وتغبر لا\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٤٤).","vol":"3","page":470},{"text":"خضر فيها ولا نبات، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] (^١).\n- الرحمة: فيفتح رحمته ويبسطها على من يشاء من خلقه، فيجدها في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان، حيثما كان، وكيفما كان، ويقبضها عمن يشاء فيفقدها في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان، ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان، وما من نعمة إلا وتنقلب عليه نقمة، قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-1075>الأثر الرابع: الرضى بما قسم القابض الباسط للعبد:</span>\nإذا تيقن العبد أن قبض الله وبسطه ناشئ عن علم تام بمصالح العبد، وحكمة بالغة، ورحمة عظيمة؛ رضي بما قسم الله له وقدر من الأرزاق وغيرها، سواء كان بسطًا أو قبضًا، ولم ينظر لمن فوقه نظرة حسد وبغضاء، فيعيش في نكد وشقاء، بل ينظر لمن هو دونه فيزداد بذلك رضى وقناعه، قال رسول الله -ﷺ-: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (^٢).\nفله الحمد على كل أفعاله، وله الحمد في خلقه وأمره.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣٤، ٦٤٤).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٦٣).","vol":"3","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1076>الأثر الخامس: التوكل على القابض الباسط:</span>\nإذا علم العبد أن الله وحده القابض الباسط، فلا باسط لما قبض ولا قابض لما بسط كما قال -ﷺ- في دعائه: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللهمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (^١) تعلق قلبه به وحده توكلًا وتفويضًا واعتمادًا واستعانة واستغاثة، وانقطع عن التعلق بالمخاليق ولو كان على يدهم رزقه، فإذا شكرهم لإعطائهم شكرهم شُكر الموقن بأن الله هو الذي بسط له الرزق وأمره بشكر من أحسن إليه، وإذا ذمهم أو مقتهم لمنعهم الرزق فإنما ذلك لكونهم أساؤا إليه مع يقينه أن الله هو الباسط القابض.\nثم إن هذا التوكل لا يعني عدم الأخذ بالأسباب؛ لأن الله -﷿- قدر الأشياء وجعل لها أسبابًا متى قام العباد بها حصلت لهم.\nقال الشيخ السعدي -﵀- في هذا الاسم الكريم وأمثاله: «وكما أنه هو المنفرد بهذه الأمور كلها جارية تحت أقداره، فإن الله جعل لرفعه وعطائه وإكرامه أسبابًا، ولضد ذلك أسبابًا من قام بها ترتبت عليه مسبباتها، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، وهذا يوجب للعبد القيام بتوحيد الله، والاعتماد على ربه في حصول ما يحب، ويجتهد في فعل الأسباب النافعة، فإنها محل حكمة الله» (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) الحق الواضح المبين، للسعدي (ص: ٩٠).","vol":"3","page":472},{"text":"وقد جمع رسول الله -ﷺ- بين التقدير والأخذ بالأسباب في قوله: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١)، فبسط الرزق والعمر بيد الله وتقديره، وصلة الرحم سبب من العبد متى ما قام به حصل له الموعود بإذن الله.\nوكذلك كون الله هو المسعر «إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ» (^٢) لا يمنع أن يكون هناك أسباب، إذا قام بها العباد اندفع عنهم الغلاء وحصل لهم الرخص، كما قيل لأحد الفضلاء: «لقد غلت الأسعار! فقال: أرخصوها بالترك» (^٣).\nوهكذا في سائر الأمور، فإن سنة الله وحكمته اقتضت ربط الأسباب بمسباتها، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1077>الأثر السادس: اليقين بأن القبض والبسط لا يدل على المحبة والبغض:</span>\nإذا علم العبد اسم الله (القابض الباسط) وما فيه من التفاوت بين الخلق في البسط والقبض، لا بد أن يعلم أن البسط من الدنيا ليس دليلًا على الرضا والمحبة، وليس القبض منها دليلًا على السخط والبغض، بل ربما كان العكس، فيقبض الله على أوليائه رحمة ولطفًا بهم ومنحة عاجلة توصلهم للنعيم المقيم، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، ويوسع ويبسط على أعدائه إملاءً لهم\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) ينظر: إحياء علوم الدين (٣/ ٨٧).","vol":"3","page":473},{"text":"واستدراجًا، قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]، فظنوا أن زيادتهم بالأموال والأولاد دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن هذا امتداد لخير الآخرة ومقدمة له، كما قال سُبْحَانَهُ عنهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] فرد الله عليهم ظنهم الخاطئ بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٦ - ٣٧]، فبين أن بسط الرزق وتضيقه ليس دليلًا على ما قالوا، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء بسط وإن شاء ضيق، وفق ما تقتضيه حكمته (^١).\nوقد أشار الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف -﵁- لهذا المعنى، حينما قدم له الطعام وكان صائمًا، فخشي من بسط الدنيا وفتحها عليه، فقال: «قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ، أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٢٧٥).","vol":"3","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1078>الأثر السابع: الصبر والشكر فيما يصيب العبد من قبض وبسط:</span>\nإذا عُلم ما سبق من أن القبض والبسط ليس دليلًا على الكرامة على الله، ولا الإهانة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، فليعم أن الله قدره ابتلاء وامتحان يمتحن به العباد؛ ليرى من يقوم له بالشكر والصبر فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ومن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل، كما فعل بقارون، حينما بطر وأشر وكفر نعمة الله عليه ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]، وكما فعل بصاحب الجنة الذي بُسط له في رزقه، فكان له جنتان من الكروم محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر من بينهما الأنهار، فأذهله رزقه حتى نسي مُسديه وباسطه، فكفر به وجحد قيام الساعة، فأتاه العذاب الأليم ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٢ - ٤٣] (^١).\nوإذا استشعر العبد هذا وكان له على بال؛ سعى إلى ما يرضي الله في الحالين، فإن قبض عنه وضيق عليه رضي وصبر، وتيقن أن هذا قضاء قُدر عليه قبل أن يخلق، ومع ذلك لم ييأس من رحمة الله وفتحه وتبديل حاله من قبض لبسط، ومن منع لعطاء، ومن عسر ليسر ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] فيسعى لدفع هذا التضييق بالأسباب المشروعة مع تعلق\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٩٢٤).","vol":"3","page":475},{"text":"قلبه بالرَّازق؛ إذ هو مسبب الأسباب وهو القابض الباسط على الحقيقة، حيث لا باسط لما قبض ولا قابض لما بسط، قال سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]،\nواللجوء إليه بالتضرع والدعاء، كما قال صلى الله عيله وسلم داعيًا ربه: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللهمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ» (^١).\nوإن بسط له وفتح عليه لم يستعمل ذلك في معصية الله، بل شكره بقلبه اعترافًا واقرارًا بنعمته، وبلسانه حمدًا وتحدثًا بنعمته، وبجوارحه عملًا بها في طاعته، وسعيًا في بذل شيء منها للخلق والإحسان إليهم فيها، قال تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥].\nوبهذا يكون المؤمن كما قال -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٩٩٩).","vol":"3","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1079>الأثر الثامن: محبة الله القابض الباسط:</span>\nإذا تيقن العبد أن البسط والقبض بيد الله -﷿-؛ تولاه بنفسه، ولم يجعل لمخلوق فيه يدًا، فما من نعمة بسطت له إلا بفضله، وما من نعمة قبضت عنه إلا لحكمة وخير أريد به؛ حمله ذلك اليقين على محبته وتوليه، والتجرد إليه إخلاصًا وإقبالًا.\nفاللهم يا قابض يا باسط، ابسط علينا من بركاتك\nورحمتك، وفضلك ورزقك.","vol":"3","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1080>المُحْسِن -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1081>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الحسن: نقيض القبح، والجمع محاسن، على غير قياس … والحاسن: القمر، وحسَّنت الشئ تحسينًا: زيَّنته، وأحسنت إليه وبه، وهو يحسن الشئ، أي: يعمله، ويستحسنه: يعده حسنًا، والحسنة: خلاف السيئة، والمحاسن: خلاف المساوي، والحسنى: خلاف السوأى» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «(حسن) الحاء والسين والنون أصل واحد، فالحُسن ضِدُّ القبح، يقال: رجل حسن، وامرَأة حسناء وحسانة … والمحاسن من الإنسان وغيره: ضدُّ المساوي …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1082>ورود اسم الله (المحسن) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد اسم الله (المحسن) في القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1083>ورود اسم الله (المحسن) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (المحسن) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\n١ - ما جاء عن أنس -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا، فَإِنَّ اللهَ -﷿- مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ» (^٣).\n_________\n(^١) الصحاح، (٦/ ٣٧٧).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٥٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٢٩٩٩)، وابن أبي عاصم في الديات (ص ٥٢)، =\n= حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٤٩٤).","vol":"3","page":478},{"text":"٢ - ماجاء عن شداد بن أوس، قال: حفظت عن رسول الله -ﷺ- اثنتين قال: «إِنَّ اللهَ -﷿- مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ثُمَّ لِيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (^١).\nثبوت اسم الله (المحسن) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله (المحسن) في حق الله تَعَالَى:\nابن القيم -﵀-: في قوله: «وتعبده باسمه البر، اللطيف، المحسن» (^٢).\nابن عثيمين -﵀-: «فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1084>معنى اسم الله (المحسن) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيدور معنى اسم الله المحسن في حق الله على معنيين:\n١ - الإتقان والإحكام.\n٢ - الإنعام والجود والعطاء.\nوحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء:\nمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال ابن عباس -﵄- في قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]: «أحكم خلقها» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم الحديث: (٧١٢١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٨٢٤).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٧٠)\n(^٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).\n(^٤) تفسير الطبري (٢٠/ ١٧٠).","vol":"3","page":479},{"text":"قال مجاهد -﵀-: «أتقن كل شيء خلقه» (^١).\nقال الطبري -﵀- في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن …» (^٢).\nقال ابن كثير -﵀- فيها: «إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها» (^٣).\nمن الأقوال في المعنى الثاني:\nقال المناوي -﵀- في قوله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ -﷿- مُحْسِنٌ» (^٤)، «أي: الإحسان له وصف لازم، لا يخلو موجود عن إحسانه طَرْفة عين، فلا بد لكل مُكوَّن من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد» (^٥).\nاقتران اسم الله (المحسن) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:\nلم يقترن اسم الله (المحسن) بأي اسم من أسماء الله الحسنى.\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢٠/ ١٧١).\n(^٢) المرجع السابق (٢٠/ ١٧١).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٣٦٠).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) فيض القدير (٢/ ٢٦٤).","vol":"3","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1085>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المحسن):</span>\n<span data-type='title' id=toc-1086>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المحسن) من الصفات:</span>\nلما كان لله -﷿- كمال الحُسن في الأسماء والصفات ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] كان كذلك في الأفعال؛ فهو سُبْحَانَهُ المحسن في فعله كله إيجادًا وإنعامًا، وإمدادًا وحكمًا، وهداية وجزاء.\nوإحسانه -﵎- عام وخاص:\nفأما العام (^١): فعم إحسانه الخلق أجمع، وغمرهم بجوده وفضله، فلا يخلو موجود من إحسان المحسن طرفة عين، بل لا قيم لهم إلا بإحسانه وإنعامه.\nأحسن المحسن إلى الخلق بالإيجاد من العدم، قال تَعَالَى على وجه الامتنان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، ثم أحسن إليهم بأن أوجدهم على وجه محمود في غاية الإحكام والإتقان، فلا يرى في خلقهم خلل، ولا نقص، ولا فطور، قال تَعَالَى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]، أي: «خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات» (^٢)، فأبدع خلقه، وأحكم صنعه، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته، وهيئته، وجعله وافيًا بالمقصود من خلقه، «فصلابة الأرض مثلًا للسير عليها، ورقة الهواء؛\n_________\n(^١) ينظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٥١٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٨/ ٣٧٩).","vol":"3","page":481},{"text":"ليسهل انتشاقه للتنفس، وتوجه لهيب النار إلى فوق؛ لأنها لو كانت مثل الماء تلتهب يمينًا وشمالًا لكثرت الحرائق، فأما الهواء فلا يقبل الاحتراق» (^١)، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\nوأحسنَ المحسنُ خلقَ الإنسان، فخلقه في أحسن تقويم، حتى صار في أكمل الصور، وأبهى المناظر، وأحسن الأشكال، وأجمل الهيئات، قال تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «وإذا أردت أن تعرف حُسن الآدمي وكمال حكمة الله تَعَالَى فيه، فانظر إليه، عضوًا عضوًا، هل تجد عضوًا من أعضائه، يليق به، ويصلح أن يكون في غير محله؟ وانظر- أيضًا- إلى الميل الذي في القلوب، بعضهم لبعض، هل تجد ذلك في غير الآدمين؟ وانظر إلى ما خصه الله به من العقل والإيمان، والمحبة والمعرفة، التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور» (^٢).\nثم أحسنَ المحسنُ إلى خلقه بعموم نعمه التي لا تبلغ الأوهام تصورها، ولا تطمع العقول في إحصائها وعدها (^٣)، قال تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢١/ ٢١٥).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٧٤١).\n(^٣) ينظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص: ٤٧٠).","vol":"3","page":482},{"text":"إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وأحسن إليهم برزقه الواسع الظاهر والباطن، وبرزقه الطيب من المأكل، والمشرب، والمنكح، والملبس، والمنظر، والمسمع، ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤]، فذكر إحسانه بخلق الدار، والسكان، والأرزاق، تبارك الله رب العالمين (^١).\nوأحسن إليهم بالهداية إلى تحصيل المنافع والمصالح، ودفع المضار والمخاطر، حتى أعطى الحيوان البهيم منهم القدرة على ذلك، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].\nثم أحسن إليهم المحسنُ غايةَ الإحسان وأعظمه، بأن عرفهم بمعبودهم الحق بما أودع في فطرهم، وبما أرسل إليهم من الرسل، وأنزل من الكتب، ولم يتركهم يتخبطون في معرفته والزلفى إليه.\nوأحسن إليهم بما حكم وقضى من الأقدار التي لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، قال تَعَالَى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، وأحسن إليهم بما حكم في الشرائع والأديان التي بُنيت على علم، وعدل، ورحمة حتى صارت في غاية الحسن والبهاء والكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١٥٦)، تفسير السعدي (ص: ٧٤١).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١)، تفسير السعدي (ص: ٢٣٥).","vol":"3","page":483},{"text":"ثم زاد المحسنُ أمةَ محمد -ﷺ- إحسانًا وفضلًا، بأن شرع لها أحسن الأديان دين الإسلام، قال تَعَالَى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، قال الطبري -﵀-: «يعنى تَعَالَى ذكره بـ (الصبغة: صبغة الإسلام) (^١)، وكمَّله لهم غاية الإكمال، قال سُبْحَانَهُ: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وأنزل لهم أحسن كتاب، وأكمل حديث، قال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، ومعانيه أجلُّ المعاني وأعظمها، وقصصه أصدق القصص وأحقُّها، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، فكان بذلك متشابهًا في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف، بوجه من الوجوه (^٢).\nوأما إحسانه الخاص:\nفإحسان المحسن سُبْحَانَهُ إلى أوليائه وأهل طاعته، فأحسن إليهم أعظم الإحسان بأن هداهم للدين الحق، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ثم أحسن إليهم بما علَّمهم من دينه وشرعه، ورزقهم العمل به، فوفقهم للطاعات ودفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبين فعلها، وأحسن إليهم بعصمته لهم من الذنوب والآثام، فما من قول طاعة ولا فعل طاعة ولا مسابقة للخيرات إلا والله المحسن به على العبد، وما من حرام ولا مكروه ترك ولا مشتبه تورع عنه إلا والله المحسن به\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣/ ١١٧).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٣، ٧٢٢).","vol":"3","page":484},{"text":"على العبد، لا بحوله وقوته، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، وأحسن إليهم بأن وفقهم لنشر العلم وتبليغه، وأحسن إليهم بالثبات على الحق إلى الممات (^١).\nوأحسن إليهم المحسن بمعيته الخاصة، ونصرته، وإجابته لدعواتهم، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^٢).\nوأحسن إليهم المحسن بما يجازيهم من حسن الثواب على فعل الخيرات؛ فيجازيهم بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بل يحسن إليهم بما يعطيهم من الأجور التي لا تبلغها أعمالهم، بل ولا تبلغه أمنيتهم، فيعطيهم من الأجر بلا عدٍّ ولا كيل، قال تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨] [النحل: ٩٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩)، فتح الرحيم الملك العلام، للسعدي (ص: ٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).","vol":"3","page":485},{"text":"مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (^١).\nويحسن إليهم بما يجازيهم من الجنة الكاملة في حسنها ونعيمها، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، بل يزيدهم إحسانًا بما ينعم عليهم من لذة النظر إلى وجهه الكريم، وسماع كلامه العظيم، والفوز برضاه والبهجة بقربه ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦] (^٢).\nومن صور هذا الإحسان الخاص: إحسانه -﵎- لنبيه ورسوله يوسف -﵇-، الذي قال عن ربه: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، فأحسن له الإحسان الجسيم من أوجه عدة، منها (^٣):\n١ - أن صرف إخوته عن قتله إلى إلقائه في غيابات الجب، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠].\n٢ - أن أوحى إليه في الموقف العصيب، حينما ألقاه إخوته في الجُبِّ، أن العاقبة له، وأنه سيخبر إخوته بفعلهم هذا، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٤٤٩).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٦٢).\n(^٣) ينظر: تفسير سورة يوسف، للسعدي في تفسيره.","vol":"3","page":486},{"text":"بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وفي هذا بشارة له بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض.\n٣ - أنْ حفِظه في الجُبِّ من الهلاك، مع أنه مظنة لذلك.\n٤ - أن قدَّر شراء عزيز مصر له دون غيره، وعزمه على إكرامه، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ﴾ [يوسف: ٢١]، وفي هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق.\n٥ - أن آتاه النبوة والرسالة وتأويل الرؤيا، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢١ - ٢٢].\n٦ - أن صرف عنه الوقوع في السوء والفحشاء، مع دعوة امرأة العزيز لذلك، وتوافر الدواعي للإجابة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].\n٧ - أن أظهر براءته من الفاحشة، بإنطاق شاهد من أهل بيت المرأة.\n٨ - أن صرف عنه كيد النسوة بإجابته لدعوته، حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)","vol":"3","page":487},{"text":"فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٥].\n٩ - أن جعله موحدًا مخلصًا العبودية له -﵎-، وهذا أعظم الإحسان والفضل، قال تَعَالَى حكاية عن قول يوسف: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧ - ٣٨].\n١٠ - أن رفع شأنه وأعلى ذكره بما قدر من رؤيا المك وتعبيرها، مع عجز القوم عن ذلك.\n١١ - أن أخرجه من السجن وأظهر براءته، بقول النسوة لما سألهم الملك: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١].\n١٢ - أن مكَّن ليوسف في الأرض، وجعله على خزائن الأرض واليًا، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٥، ٥٦].\n١٣ - أن قدر إتيان إخوته إليه محتاجين، ثم قدر له إبقاء أخيه عنده، قال تَعَالَى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].","vol":"3","page":488},{"text":"١٤ - أن وفقه للإحسان لإخوته بالعفو العظيم والصفح الجميل: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].\n١٥ - أن أكرمه وأقر عينه بأبويه وإخوته وإتيانهم من البادية إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠].\n١٦ - أن حقق رؤياه التي رأى في الصغر، فأسجد له أبويه وإخوته على وجه الإكرام والتبجيل، قال تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].\n١٧ - أن وفقه لشكر إحسان المحسن إليه، قال تَعَالَى عن قول يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].\n١٨ - أن أبقى ذكره في العالمين، وجعله قصته أحسن القصص، قال تَعَالَى في مطلع قصة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣].\n١٩ - أن جمع له مع الإحسان في الدنيا الإحسان في الآخرة، الذي به تمام الإحسان وكماله، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦ - ٥٧].","vol":"3","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1087>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المحسن) على التوحيد:</span>\nمن تأمل في اسم الله (المحسن) وما فيه من الإحسان إلى الخلق بخلقهم، وتربيتهم بما أدرَّ عليهم من النعم الظاهرة والباطنة؛ علم أن من كان كذلك هو الإله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح الربوبية لغيره، قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤ - ٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]، فكيف يسوَّى بين الله المحسن -ﷻ- وبين صنم لا يضر، ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، بل لا يأكل ولا يتكلم؟ فما هذا إلا من أعظم الضلال والسفه والغي؟! (^١).\nوكما أن اسم الله (المحسن) دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله الخالق، العليم، الرزاق، الرحمن، الرحيم، الكريم، الحليم، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1088>الأثر الثالث: محبة الله المحسن:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله (المحسن) ثم نظر في آثاره عليه، وكيف أنه أحسن إليه بإخرجه من العدم إلى الوجود، وأحسن إليه بكمال الصورة، واعتدال الخلقة وفصاحة اللسان، وسلامة الهيئة من التشوه ونقص الأعضاء،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري (٢١/ ٤١٠)، وتفسير السعدي (ص: ٧٠٧).","vol":"3","page":490},{"text":"حتى خرج صحيحًا سليمًا عاقلًا، لا مجنونًا ولا معتوهًا ولا سفيهًا، وأحسن إليه بما رزقه من الطعام والشراب واللباس وسعة المال حتى لا يحتاج معه إلى أحد من الخلق، وأحسن إليه بأن علمه بعد أن كان جاهلًا ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وأحسن إليه بالأهل والولد والعشيرة الذين يأوي إليهم ويأنس بهم ويتقوى بقربهم، وأحسن إليه بالأمن والاستقرار، إلى غير ذلك من آلائه وإحسانه الذي لا ينقطع مع كل شهيق وزفير (^١).\nفإذا تأمل ذلك العبد امتلأ قلبه محبة ومودة له -﵎-؛ «فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن إليها، فأيُّ إحسان أعظم من هذا الإحسان الذي يتعذر إحصاء أجناسه فضلًا عن أنواعه، فضلًا عن أفراده، وكلُّ نعمة منه تطلب من العباد أن تمتلئ قلوبهم من مودته وحمده وشكره والثناء عليه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1089>الأثر الرابع: الفرح بشريعة المحسن والتمسك بها:</span>\nكان من إحسان المحسن -﷿- إلى خلقه أن تولى بنفسه الحكم والفصل بينهم بما أنزل من الأحكام والشرائع، ولم يتركهم هملًا يحكمون بأهوائهم وآرائهم وعقولهم القاصرة، بل تكفل بذلك، فحكم عن رحمة وحكمة وعلم حتى صار حكمه أكمل الأحكام، وشرعه أتم الشرائع وأحسنها، متميزًا عن القوانين الوضعية والديانات المحرفة، قال تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\n_________\n(^١) ينظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، للقرطبي (١/ ٥١٢).\n(^٢) فتح الرحيم الملك العلام (١/ ٤٢).","vol":"3","page":491},{"text":"ومن أوجه كمال وحسن حكمه وتشريعه (^١):\n١ - أنه رباني؛ فالله -﷿- هو الذي خلق الخلق وهو الأعلم بما يصلحهم وبما يفسدهم، فشرع لهم ما يلائمهم ويناسبهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].\n٢ - أنه شامل لجميع جوانب الحياة الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والأخلاقية، والسياسية … إلخ، قال تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].\n٣ - أنه عام شامل للثقلين ولكل زمان ومكان، فلا يختص بشعب دون شعب ولا مجتمع دون مجتمع، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n٤ - أنه باق دائم؛ إذ تكفل الله بحفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\n٥ - أنه ثابت مَرِن؛ إذ حوت أحكامه أمورًا تتسم بالثبات، ولا تقبل التغيير أبدًا، وأمورًا أخرى تقبل التغيير بما يتمشى مع المجتمعات والأعراف، وتغير الأحوال والبيئات.\n٦ - أنه وسط، بعيدًا عن الإفراط والتفريط في جميع جوانبه، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\n_________\n(^١) ينظر: مدخل إلى دراسة النظم الإسلامية، لإسماعيل علي محمد، (ص: ١٤٢، وما بعدها)، والنظم الإسلامية، لعبد الرحمن الضحياني (ص: ٤٣ - ٤٥).","vol":"3","page":492},{"text":"٧ - أنه مراعٍ للطبيعة الإنسانية وما فيها من حاجات، ورغبات، وضعف، ونسيان، ونحو ذلك.\n٨ - أنه قائم على العدل بين العباد، فلا فرق في أحكامها بين العربي والأعجمي، ولا الغني والفقير، ولا الشريف والوضيع، قال تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وقال -ﷺ-: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (^١).\n٩ - أنه جاء بالحرية والإكرام للبشرية؛ إذ يحررهم من التحاكم لأمثالهم من البشر والخضوع إليهم، وينقلهم إلى التحاكم لحكم رب البشر والخضوع إليه الذي هو مقتضى فطرهم وحاجتهم النفسية.\n١٠ - أنه جمع بين الجزاء الدنيوي والأخروي، ولم يقتصر على الجزاء الدنيوي كما في أحكام البشر، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].\nوبهذا كملت وكمل حسنها، قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nثم إن المؤمن إذا تيقن هذا واستشعره؛ كان ذلك داعيًا له للفرح والغبطة بشرع الله وحكمه، وداعيًا له- أيضًا- لتحكيمه والتمسك به والدعوة إليه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٤٧٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٦٨٨).","vol":"3","page":493},{"text":"والسعي في نشره، لتهنأ البشرية بهذا الإحسان العظيم من الله المحسن جل في علاه؛ وذلك بالعيش في ظلال الشريعة الحسنى المتقنة التي كفلت الخير والمصلحة للبشرية في الدارين، قال تَعَالَى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-1090>الأثر الخامس: اتصاف العبد بالإحسان:</span>\nالله سُبْحَانَهُ (المحسن) يحب من عباده أن يتقربوا له بمقتضى معاني أسمائه، فهو الكريم يحب الكرماء، وهو الرحمن يحب الرحماء، وهو المحسن يحب المحسنين، قال تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].\nوالإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها، فإذا كان الإسلام هو الأركان الظاهرة، والإيمان هو الأركان الباطنة، فإن الإحسان هو تحسين الظاهر والباطن (^١).\nوفي الملحق الآتي ما يعين- بإذن الله- على تحقيق هذه الخلة العظيمة والمنزلة الكريمة.\n_________\n(^١) ينظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول، للحكمي (٣/ ٩٩٨).","vol":"3","page":494},{"text":"«المحسن يحب المحسنين»\nفي موضوع الإحسان سنتطرق للمسائل التالية:\nأولًا: تعريف الإحسان:\nينقسم الإحسان إلى قسمين: إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله.\nفأما الإحسان في عبادة الله:\nفهو كما عرفه رسول الله -ﷺ- في حديث جبريل -﵇-: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «إحسان في عبادة الخالق، بأن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وهو الجد في القيام بحقوق الله على وجه النصح، والتكميل لها» (^٢).\nوالإحسان في عبادة الله على مرتبتين (^٣):\n١ - مرتبية المشاهدة التي أشار إليها رسول الله -ﷺ- بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» (^٤)، وهي: دوام استحضار قرب الله من عبده ومعيته حتى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٨).\n(^٢) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي (ص: ١٤١).\n(^٣) ينظر: شرح الأربعين النووية، لابن عثيمين (ص: ٥٣)، وشرح الأربعين النووية، لصالح آل الشيخ (ص: ٧٣ - ٧٥).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"3","page":495},{"text":"كأنه يراه، وهذه المرتبة أعلى المرتبتين.\n٢ - مرتبة المراقبة التي أشار لها رسول الله -ﷺ- بقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (^١)، وهي: استحضار دوام نظر الله للعبد، واطلاعه على سره وعلانيته وباطنه وظاهره.\nوأما الإحسان إلى عباد الله:\nفهو: «بذل جميع المنافع من أي نوع كان، لأي مخلوق يكون» (^٢).\nقال الراغب -﵀-: «والإحسان يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.\nوالثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا. والإحسان فوق العدل، وذلك أن العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له.\nوالإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له» (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: «بذل الخير لهم من مال، أو جاه، أو غير ذلك» (^٤).\nوالإحسان إلى الخلق على درجتين:\n١ - إحسان واجب، وهو: القيام بما يجب للخلق من حقوق، كالقيام ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) المرجع السابق (ص: ١٤٢).\n(^٣) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٣٧).\n(^٤) شرح الأربعين النووية (ص: ٥٣).\n(^٥) ينظر: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي (ص: ١٤١ - ١٤٢).","vol":"3","page":496},{"text":"٢ - إحسان مستحب، وهو: «ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، أو توجيه لخير ديني، أو مصلحة دنيوية، فكل معروف صدقة، وكل ما أدخل السرور على الخلق صدقة وإحسان، وكل ما أزال عنهم ما يكرهون، ودفع عنهم ما لا يرتضون من قليل أو كثير، فهو صدقة وإحسان» (^١).\nقال ابن رجب -﵀-: «الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام، بمقدار ما يحصل به البر والصلة والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره، وتارة يكون للندب كصدقة التطوع ونحوها» (^٢).\nثالثًا: فضائل الإحسان:\nللإحسان فضائل عديدة، ومنافع عظيمة، منها:\nأن الله -﷿- ذكره في مواضع عديدة من كتابه بصور مختلفة، فتارة يأتي به مقرونًا بالإسلام، كما في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، وتارة مقرونًا بالإيمان والعمل الصالح، كما في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، وتارة مقرونًا بالتقوى، كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وتارة مفردًا كقوله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (^٣).\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ١٤٢).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨١).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق (١/ ١٢٥).","vol":"3","page":497},{"text":"وهذا كله دال على فضله وعظيم شأنه؛ فإن الله -﷿- عظيم ولا يأمر إلا بعظيم، فإذا أمر بالشيء مرة واحدة كان عظيمًا، فكيف إذا كرره وأبداه وأعاده!!.\nأن الله -﷿- أمر به في كل شيء، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (^١).\nقال ابن رجب -﵀-: «وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.\nوالإحسان في ترك الحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] [الأنعام: ١٢٠]، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب» (^٢).\nأن الله -﷿- جعل امتحان العباد على حسن العمل، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].\nأن الله -﷿- جعل هداية كتابه ورحمته وبشارته لأهل الإحسان، فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٢ - ٣]،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥٥).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨١).","vol":"3","page":498},{"text":"وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢].\nأن الله -﷿- يحب أهله- أهل الإحسان-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾\n[آل عمران: ١٣٤].\nأن الله -﷿- أعلن البشرى لأهل الإحسان، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].\nأن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بأنه يجازيهم بالإحسان كما أحسنوا، قال تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].\nأن الله -﷿- يتقبل من أهل الإحسان، ويحفظ عليهم عملهم، ويشكر سعيهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] (^١).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩١).","vol":"3","page":499},{"text":"أن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بالجزاء الحسن في العاجل والآجل، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ووعدهم بالزيادة فيه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٦١] (^١).\nأن الله -﷿- يكون مع أهل الإحسان بالهداية والتوفيق والعون والنصر، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (^٢).\nأن الله -﷿- يهديهم إلى الطرق الموصلة إليه، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (^٣).\nأن الله -﷿- يؤتي أهل الإحسان الحكم والعلم، قال تَعَالَى عن نبيه يوسف -﵇-: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، ونبيه موسى -﵇-: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤].\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٥٣).\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٦١٥)، وتفسير السعدي (٦٤٦).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٣٦).","vol":"3","page":500},{"text":"أن الله -﷿- يجازي أهل الإحسان بصلاح ذريتهم بحسب إحسانهم، قال تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤] (^١).\nأن الله -﷿- يمكِّن لأهله في الأرض، قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦].\nأنَّ الله -﷿- ينشر الثناء على أهل الإحسان، ويرفع ذكرهم بحسب إحسانهم إلى يوم الدين، قال تَعَالَى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٨ - ٨٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]، وكذا قال سُبْحَانَهُ في موسى وهارون وآل ياسين (^٢).\nأن الله -﷿- جعل الإحسان سببًا لانشراح الصدر، قال ابن القيم -﵀- في أسباب انشراح الصدر: «ومنها: الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريمَ المحسنَ أشرحُ الناسِ صدرًا، وأطيبُهُم نفسًا، وأنعمُهُم قلبًا، والبخيلُ الذي ليس فيه إحسانٌ أضيقُ الناسِ صدرًا، وأنكَدُهم عيشًا وأَعْظَمُهُم همًّا وغمًّا.\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق (ص: ٢٦٣).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٧٠٥).","vol":"3","page":501},{"text":"وقد ضَرَبَ رسولُ الله -ﷺ- مثلًا للبخيل والمتصدق، أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة -﵁-: (مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ) (^١)؛ فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق وانفساح قلبه، ومثل صدر البخيل وانحصار قلبه» (^٢).\nأن الله -﷿- جعل اللوم ساقطًا عن أهل الإحسان إذا فعلوا ما يقدرون عليه، قال تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] (^٣).\nقال الشيخ السعدي -﵀-: «ويستدل بهذه الآية على قاعدة، وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن- وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان» (^٤).\nأن الله -﷿- جعل رحمته قريبة من أهل الإحسان، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩١٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٢١).\n(^٢) زاد المعاد (٢/ ٢٢).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٤٨).\n(^٤) تفسير السعدي (ص: ٣٤٨).","vol":"3","page":502},{"text":"قال الشيخ السعدي -﵀-: «فكلما كان العبد أكثر إحسانًا؛ كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبًا منه برحمته، وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى» (^١).\nأن الله -﷿- جعل الإحسان سببًا لتكفر السيئات، قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٤، ٣٥].\nأن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بالأجر العظيم، قال تَعَالَى لزوجات رسول الله -ﷺ-: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩].\nأن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بالجنة، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]، وقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤].\nأن الله -﷿- وعد أهل الإحسان بالنظر إلى وجهه الكريم، قال تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]، والزيادة: النظر لوجه الله الكريم، كما جاء عن رسول الله -ﷺ- (^٢).\n_________\n(^١) المرجع السابق (ص: ٢٩٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٨١).","vol":"3","page":503},{"text":"قال ابن رجب -﵀-: «وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان؛ لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك: النظر إلى الله عيانًا في الآخرة.\nوعكس هذا ما أخبر الله به عن جزاء الكفار في الآخرة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم، حتى حُجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حُجبوا عن رؤيته في الآخرة» (^١).\nثالثًا: تحقيق مرتبة الإحسان:\nتحقيق الإحسان إنما يكون بالقيام بقسميه: الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله.\nوتحقيق الإحسان في عبادة الله إنما يكون بأمور، منها:\n١ - إخلاص العبودية لله -﷿- (^٢).\n٢ - المتابعة لرسول الله -ﷺ- في أداء العبادة (^٣).\nقال تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قال الفضيل بن عياض -﵀-: «أخلصه وأصوبه» (^٤)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٢٥).\n(^٢) ينظر: شرح الأربعين النووية، لابن عثيمين (ص: ٥٣).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق.\n(^٤) تفسير البغوي (٥/ ١٢٤).","vol":"3","page":504},{"text":"وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، قال ابن كثير -﵀-: «وقال سعيد بن جبير: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص، ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: دينه، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبع فيه الرسول -ﷺ-.\nفإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^١) (^٢).\n٣ - بذل الجهد في القيام بالعبادة وتحسينها وإتمامها وإكمالها (^٣).\nوقد وصف الله -﷿- أهل الإحسان بجملة من العبادات، منها:\nأ-الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٣ - ٨٥].\nب- التقوى، قال تَعَالَى عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧١٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣٨٥).\n(^٣) ينظر: جامع العلوم والحكم (١/ ١٢٦)، وتفسير السعدي (ص: ٢٩٢).","vol":"3","page":505},{"text":"وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣١ - ٣٢]، واجتناب الكبائر من التقوى.\nج- الصبر بأنواعه، كما في قول يوسف السابق: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، وكما في قول تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]، لا سيما الصبر في جهاد الأعداء، قال تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾\n[آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨].\nد-اليقين بالآخرة وإقام الصلاة، قال تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٢ - ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩].\nهـ- الإنفاق في سبيل الله كما في الآيات السابقة، وكما في قول الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].","vol":"3","page":506},{"text":"و-الدعاء لله -﷿- بقلب مخلص خائف طامع، قال تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦].\nي- الإحسان إلى الخلق الذي هو القسم الثاني من أقسام الإحسان، قال تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨].\nوأما تحقيق الإحسان إلى عباد الله، فيكون: بالقيام بحقوقهم وبذل الخير لهم، ودفع ما يكرهون، سواء كان ذلك قليلًا أو كثيرًا.\nوالإحسان للخلق عام لا يخص بصورة معيّنة، ولا بمخلوق دون مخلوق، كما قال -ﷺ-: «إِنَّ الله كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (^١).\nومن صور الإحسان للخلق (^٢):\nأ-الإحسان إلى الوالدين، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\nوهذا شامل للإحسان إليهم بالقول الكريم والخطاب اللطيف والدعاء\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٧٨).","vol":"3","page":507},{"text":"الصادق، وبالفعل الجميل من طاعة أمرهما واجتناب نهيهما، والإنفاق عليهما، وإكرام من له تعلُّق بهما، ونحو ذلك.\nوقد أشار الله لهذا الإحسان القولي والفعلي، لا سيما حال الكبر في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (^١).\nب- إحسان المرأة لزوجها، والرجل لزوجته: قال تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قال علي وابن مسعود -﵄-: «المرأة» (^٢)، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وذلك بالصحبة الجميلة، وحسن المعاملة، وبذل النفقة والكسوة ونحوهم، وكف الأذى حتى مع الكراهة والطلاق والنزاع، قال تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وعدم نسيان الفضل وكفران العشير، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال ابن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٥١).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٠٠).","vol":"3","page":508},{"text":"عباس -﵁-: إن النبي -ﷺ- قال: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» (^١) (^٢).\nج - الإحسان إلى ذوي القربي والأرحام، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] من صلته وبره وإكرامه بالقول والفعل، والعفو عن زلاته والمسامحة عن هفواته، والنفقة عليه والصدقة على المحتاج، كما قال -ﷺ-: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صِلَةٌ وَصَدَقَةٌ» (^٣) إلى غير ذلك من أوجه الإحسان (^٤).\nد- الإحسان إلى الجار، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ\nوالإحسان إلى الجار راجع إلى العرف، ومنه: تعاهده بالهدية والصدقة والدعوة، وملاطفته بالأقوال والأفعال وعدم أذيته بقول أو فعل، وقد حذر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩).\n(^٢) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١٧٢).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٦٤٨٨)، والترمذي، رقم الحديث: (٦٥٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (٣٨٥٨).\n(^٤) ينظر: تفسير السعدي (ص: ٦٤٢).","vol":"3","page":509},{"text":"النبي -ﷺ- من ذلك بقوله: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْجَارُ؛ جَارٌ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، قَالُو: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا بَوَائِقُهُ؟ قَالَ: شَرُّهُ» (^١)، وفي رواية لمسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (^٢)، وعن أبي هريرة -﵁- قال: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (^٣).\nهـ- الإحسان إلى الصاحب، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قال زيد بن أسلم -﵁-: «هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر» (^٤).\nوالإحسان إليه يكون بمساعدته في أمر دينه ودنياه، وبذل النصح له، والوفاء معه في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، ونحو ذلك.\nو- الإحسان إلى عموم الناس، فعن أبي ذَرٍّ -﵁-، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٧٨٧٨).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٩٧٥٨)، وابن حبان، رقم الحديث: (٥٧٦٤)، والبخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث: (١١٩)، والبزار، رقم الحديث: (١٩٠٢ - كشف الأستار).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٠٠).","vol":"3","page":510},{"text":"النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (^١)، كذلك الإحسان إليهم بالكلمة الطيبة، يقول تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، ويدخل في ذلك النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، وبذل السلام ورده، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والموعظة والجدال بالأحسن، قال تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، كذلك الإحسان إليهم بقضاء حوائجهم؛ فعن أبي هريرة -﵁-، قال -ﷺ-: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (^٢).\nز- الإحسان إلى الخدم ونحوهم، فعن أبي ذر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ (^٣) جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (^٤)، وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢١٣٥٤)، والترمذي، رقم الحديث: (١٩٨٧)، حكم الألباني: حسن، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٥٠٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٩٨٩)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٠٩).\n(^٣) الخول: جمع خائل، وهم حشم الرجل وأتباعه.\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٤٥).","vol":"3","page":511},{"text":"فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ» (^١).\nح- الإحسان إلى الحيوانات؛ فعن شداد بن أوس -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ الله كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (^٢)، ومن ذلك: الإحسان إليهم بالطعام والشراب؛ فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (^٣).\nومن الإحسان إليهم: الإحسان حال الذبح والقتل؛ فعن شداد بن أوس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (^٤)، وعن ابن عباس -﵄- قال: «مر رسول الله -ﷺ- على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: «أَفَلَا قَبْلَ هَذَا، أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَانِ!» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٥٥٧).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٢٣٦٣)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٤).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥٥).\n(^٥) أخرجه الضياء في المختارة، رقم الحديث: (١٧٤)، واللفظ له، والحاكم، رقم الحديث: (٧٥٦٣)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٤).","vol":"3","page":512},{"text":"ومن الإحسان إليهم أيضًا: عدم تعذيبهم وأذيتهم، وقد جاء الوعيد على ذلك، فعن ابن عمر -﵄-، أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوه تفرقوا عنها، فقال: «من فعل هذا؟ إن رسول الله -ﷺ- لعن من فعل هذا» (^١)، وعنه -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (^٢)، وعن ابن عباس -﵄- أن النبي مر على حمار قد وسم وجهه، فقال: «لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ» (^٣).\nوما سبق من الصور ليس على سبيل الحصر وإنما المثال؛ إذ المقام يطول جدًّا بذكرها.\nاللهمَّ اجعلنا من عبادك المحسنين، الذين هم أحبابك وأهل معيتك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٥١٥)، ومسلم، رقم الحديث: (١٩٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣١٨)، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦١٩).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢١١٧).","vol":"3","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1091>المُقدِّمُ المؤخِّرُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1092>المعنى اللغوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1093>معنى اسم الله (المقدم) في اللغة:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «قدم بالفتح يقدم قدمًا، أي: تقدم، قال الله تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨] (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «القاف والدال والميم أصل صحيح يدل على سَبْقٍ ..» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1094>معنى اسم الله (المؤخر) في اللغة:</span>\nقال ابن فارس -﵀-: «الهمزة والخاء والراء أصل واحد، إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم، وهذا قياس أخذناه عن الخليل، فإنه قال: الآخر نقيض المتقدم، والأخر نقيض القدم، تقول: مضى قدمًا، وتأخر أخرًا، وقال: وآخرة الرحل وقادمته، ومؤخر الرحل ومقدمه» (^٣).\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ٢٨٤).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٦٥).\n(^٣) مقاييس اللغة (١/ ٧٠).","vol":"3","page":514},{"text":"ورود اسمي الله (المقدِّم المؤخِّر) في القرآن الكريم:\nلم يرد أي من الاسمين في القرآن الكريم.\nورود اسمي الله (المقدِّم المؤخِّر) في السنة النبوية:\nورد اسم الله (المقدِّم المؤخِّر) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:\nعن أبي موسى الأشعري -﵁-، عن النبي -ﷺ-، «أنه كان يدعو بهذا الدعاء: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي، وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^١).\n٢ - علي بن أبي طالب -﵁- في وصفه لصلاة النبي -ﷺ-، إذ يقول: «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٢).\n٣ - عن ابن عباس -﵄-، قال: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٧٤).","vol":"3","page":515},{"text":"وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^١).\nثبوت اسمي الله (المقدم والمؤخر) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (المقدم والمؤخر) في حق الله تَعَالَى:\n- ابن القيم -﵀-: يقول في نونيته:\nوَهُوَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ ذَانِكَ الصْـ … ـصِفَتَانِ لِلْأَفْعَالِ تَابِعَتَانِ\nوَهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أَيْضًا إِذْ هُمَا … بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ قَائِمَتَانِ (^٢)\nابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).\nمعنى اسمي الله (المقدِّم - المؤخِّر) في حقه سُبْحَانَهُ:\nقال الخطابي -﵀-: «(المقدِّمُ) هو المنزل للأشياء منازلها، يقدم ما شاء منها ويؤخر ما شاء، قدم المقادير قبل أن يخلق الخلق، وقدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده، ورفع الخلق بعضهم فوق بعض درجات، وقدم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١١٢٠)، ومسلم، رقم الحديث: (٧٦٩).\n(^٢) النونية (٢/ ٢٤١).\n(^٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).","vol":"3","page":516},{"text":"من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم وثبطهم عنها، وأخر الشيء عن حين توقعه؛ لعلمه بما في عواقبه من الحكمة، لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم» (^١).\nقال الحليمي -﵀-: «المقدِّمُ هو المعطي لعوالي الرُّتَب، والمؤخِّرُ هو الدافع عن عوالي الرُّتب» (^٢).\nقال النووي -﵀-: «يقدِّم من يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه، ويؤخر من يشاء عن ذلك لخذلانه» (^٣).\nقال السعدي -﵀-: «المقدِّمُ والمؤخِّرُ من أسمائه الحسنى المزدوجة المتقابلة التي لا يُطْلَقُ واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخَر؛ فإن الكمال من اجتماعهما؛ فهو تَعَالَى المقدِّم لمن شاء، والمؤخِّر لمن شاء بحكمته» (^٤).\nقال الإمام ابن القيم -﵀-:\nوَهُوَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ ذَانِكَ الصْـ … ـصِفَتَانِ لِلْأَفْعَالِ تَابِعَتَانِ\nوَهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أَيْضًا إِذْ هُمَا … بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ قَائِمَتَانِ (^٥)\n_________\n(^١) شأن الدعاء (١/ ٨٧).\n(^٢) المنهاج (١/ ٢٠٧).\n(^٣) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٧٠).\n(^٤) الحق الواضح المبين (ص ١٠٠).\n(^٥) النونية (٢/ ٢٤١).","vol":"3","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1095>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المقدِّم - المؤخِّر):</span>\n<span data-type='title' id=toc-1096>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (المقدم المؤخر) من الصفات، ودلالتهما على التوحيد:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو المقدم المؤخر بعلم وحكمة، فهو العليم الخبير المحيط القدير سُبْحَانَهُ، يدبر الكون كيفما شاء، ويمكن تقسيم تقديمه وتأخيره سُبْحَانَهُ على نوعين، وهما:\nتقديم وتأخير كوني.\nتقديم وتأخير شرعي.\nيقول السعدي -﵀- في ذلك: «وهذا التقديم يكون كونيًّا كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها، والشروط على مشروطاتها، وأنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير بحر لا ساحل له، ويكون شرعيًّا كما فضَّل الأنبياء على الخلق، وفضَّل بعضهم على بعض، وفضَّل بعض عباده على بعض، وقدَّمهم في العلم، والإيمان، والعمل، والأخلاق، وسائر الأوصاف، وأخَّر مَن أخَّر منهم بشيء من ذلك، وكلُّ هذا تبعٌ لحكمته» (^١).\nويقول ابن القيم -﵀-: «والله قدَّم بعضًا من مخلوقاته على بعض في الخلق والإيجاد، ففي الحديث: (أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ -﵎- الْقَلَمُ)، (^٢)\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين (ص: ١٠٠).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٣١٤٥)، وأبو داود، رقم الحديث: (٤٧٠٠)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٣١٩)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٣٣).","vol":"3","page":518},{"text":"وخلق السموات والأرض في ستة أيام، وقدَّمَ خلق الملائكة على خلق الإنس والجن، وتقدَّم خلق الجن على خلق الإنس ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]، وأول البشر خلقًا آدمُ -﵇-، ثم تتابَع بنيه في الخلق والوجود، فمنهم المتقدِّم، ومنهم المتأخِّر، وهذا التقديم كوني قدري، ولا يلزم منه أن يكون المتقدِّم أفضل مِن المتأخِّر، فآدم خُلِق في آخر الأيام الستة، وله فضل هو وبنوه على كثير ممن تقدَّمهم في الخلق ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]»، أما التقديم والتأخير الشرعي الديني، فكتقديم الأذان على الصلاة، وخطبة الجمعة على صلاة الجمعة، وصلاة العيد على خطبة العيد.\nوحري بمن عرف اسمي الله المقدم والمؤخر، وآمن بهما أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله وحده بهذين الاسمين خيري الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1097>الأثر الثاني: المقدَّم مَن قدَّمَهُ اللهُ ورفعه:</span>\nإن ميزان التقديم والتأخير، والحب والبغض، والولاء والبراء هو ميزان الله -﷿- في ذلك كله، لا كما يزن به أكثر الناس اليوم، حين يقدمون أهل الجاه والمال والرئاسات وغيرها من أعراض الدنيا على غيرهم من أهل الدين والتقوى، وهذا يخالف ميزان الله -﷿- في التقديم والتأخير، قال الله -﷿-: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، ولقد كان الرسول","vol":"3","page":519},{"text":"-ﷺ- وأصحابه الكرام يسيرون بهذا الميزان في تقديم الرجال والمواقف وغيرها.\n«جاء في سيرة عمر بن الخطاب -﵁- أن سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام، وأبا سفيان بن حرب -﵄- وجماعة من كبراء قريش من الطُّلَقاء استأذنوا على عمر بن الخطاب -﵁-، فأذن قبلهم لصهيب وبلال؛ لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر، فوجد أبو سفيان في نفسه، وقال بانفعال: لم أر كاليوم قط؛ يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه! فيقول له صاحبه- وقد استقرت في حسِّه حقيقة الإسلام-: أيها القوم، إني- والله- أرى في وجوهكم، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم إلى الإسلام ودُعيتم فأسرعوا وأبطأتم، فكيف إذا دعوا يوم القيامة وتُرِكتم؟\nويفرض عمر -﵁- لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد الله بن عمر، حتى إذا سأله عبد الله عن سر ذلك، قال له: لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْكَ، فَآثَرْتُ حِبَّ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَلَى حِبِّي» (^١).\nهذا هو المؤمن الحق الذي يعز من أعز الله بطاعته من إخوانه المؤمنين، مقياسه: التقوى والإيمان، وعن سهل بن سعد قال: «مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٨١٣)، حكم الألباني: ضعيف، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٦١٧٣).","vol":"3","page":520},{"text":"فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1098>الأثر الثالث: الإيمان بحكمة المقدم المؤخر سُبْحَانَهُ:</span>\nفلله الحكمة البالغة في تقديم ما قدم وتأخير ما أخَّر، وأي أمر قدَّم أو أخَّر فإنما هو بعلم الله تَعَالَى وإرادته وحكمته البالغة، وهذا يشمل كل شيء قدم أو فضل على غيره، أو أخر عنه، ومن ذلك: تقديم الآجال وتأخيرها، وتقديم أو تفضيل بعض الأزمنة والأمكنة على بعضها، وتقديم بعض خلقه وتفضيلهم على بعض، وتقديم إيجاد شيء على شيء آخر، وتقديم عقوبة أقوام وتأخير آخرين، وكذلك فيما يحصل للمؤمن من تقديم أمر لا يحب تقديمه أو تأخير أمر يكره تأخيره، فإن مقتضى هذين الاسمين الكريمين ومقتضى حكمته سُبْحَانَهُ يجعل المؤمن يرضى ويسلم ويعتقد بأن الخيرة فيما اختاره الله له من تقديم أو تأخير، وقد يكون في ذلك الرحمة واللطف وهو لا يشعر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1099>الأثر الرابع: محبة الله المقدِّم المؤخِّر:</span>\nالإيمان بأنه سُبْحَانَهُ المقدم والمؤخر يثمر في قلب المؤمن محبة لله وحده، والتعلق به؛ لأنه مهما حاول البشر من تقديم أمر لم يرد الله -﷿- تقديمه، أو تأخير أمر لم يرد الله تَعَالَى تأخيره فلن يستطيعوا، وهذا يجعل القلب يتعلق بمحبة الله؛ لأنه وحده القادر على كل شيء، والنفس بطبيعتها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤٤٧).","vol":"3","page":521},{"text":"تميل إلى محبة صاحب القدرة والعلم، والله تَعَالَى هو المقدم المؤخر بعلمه وقدرته، لا رادَّ لتقديمه أو تأخيره، ولا مُعَقِّبَ لحكمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1100>الأثر الخامس: التقدم الحقيقي هو التقدم في الطاعات:</span>\nإن التقدم الحقيقي النافع هو التقدم في طاعة الله -﷿- وجنته ومرضاته، والتأخر عن ذلك هو التأخر الحقيقي المذموم، فقد قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ فِي النَّارِ» (^١)، وقال -ﷺ-: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» (^٢).\nوفي كتاب الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]\nأما التقدم في الدنيا والتأخر عنها فليس بمقياس للتقدم والتأخر؛ ولذا ينبغي للمسلم أن يتوسل إلى ربه سُبْحَانَهُ بهذين الاسمين الكريمين؛ لنيل التقدم الحقيقي عنده سُبْحَانَهُ، وترك كل ما يؤخر عن جنته ومرضاته.\nيقول الإمام ابن القيم -﵀-: «فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام، وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة، ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، رقم الحديث: (٦٧٩)، واللفظ له، وابن حبان، رقم الحديث: (٢١٥٦)، حكم الألباني: صحيح لغيره دون قوله: «فِي النَّارِ». السلسلة الضعيفة، رقم الحديث: (٦٤٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٥٤)، ومسلم، رقم الحديث: (٤٣٧).","vol":"3","page":522},{"text":"ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٥٣ - ٧٣] ولم يذكر واقفًا؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.\nفإن قلت: كلُّ مُجَدٍّ في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور، ثم ينهض إلى طلبه، قلت: لا بد من ذلك، ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجمَّ نفسه، ويعدها للسير، فهذا وقفته سير، ولا تضره الوقفة؛ فـ «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ» (^١)، وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه، وجاذب جذبه من خلفه، فإن أجابه أخره ولا بد! فإن تداركه الله برحمته، وأطلعه على سبق الراكب له وعلى تأخره، نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع، ووثب واشتد سعيًا ليلحق الركب، وإن استمر مع داعي التأخر، وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة، وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركًا» (^٢).\nويكفي السابقين أن جُعلوا من المقربين، كما قال تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، فما من عبد سابق إلى الطاعات إلا فاز بالتقريب من رب البريات.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٦٨٨٠)، وابن حبان، رقم الحديث: (١١)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٨٥٠).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).","vol":"3","page":523},{"text":"وفي كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، والسابقون في الدنيا إلى الإيمان والأعمال والخيرات هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات، وهم المقربون عند الله في جنات النعيم في أعلى عليين.\nوهم الذين يعطون من أنفسهم مما أمروا به من كل ما يقدرون عليه من صلاة وزكاة، وصيام وحج، وطاعات وأعمال صالحة.\nومع هذا قلوبهم وجلة وخائفة عند عرض أعمالها على ربها، والوقوف بين يديه؛ خشية أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله؛ لكمال علمهم بربهم، وما يستحقه من أنواع العبادات، السابقون هم أعلى الخلق درجات، وأعلاهم مقامات.\nوالسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح، وشد أحمال التجارات؛ لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجارتهم، ويرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر.\nوالسابقون بالخيرات نوعان: أبرار ومقربون، «فالسابقون المقربون جملة أمرهم: أنهم قوم امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت قلوبهم محبة الله وخشيته، ومراقبته وإجلاله، فسرت المحبة في قلوبهم وأبدانهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب، وقد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، قد استغنوا بحبه عن حب ما سواه، وبذكره عن ذكر ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ورجاء من سواه، وصارت رغبتهم إليه، وتوكلهم عليه، ورهبتهم منه، وإنابتهم إليه، وسكونهم إليه، وانكسارهم بين","vol":"3","page":524},{"text":"يديه، فلم يتعلقوا بشيء من ذلك بغيره» (^١).\nولا يزال العبد الموفق يتقرب من ربه حتى يحتفي الله به، يقول تَعَالَى على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] أي: رحيمًا رءوفًا بحالي، معتنيًا بي، كثير الحفاوة بي والإكرام لي؛ لعلم إبراهيم مقام ربه في قلبه، وحبه له، فإذا أراد العبد أن يعرف أين هو من الله فلينظر أين الله منه؟ فإذا أراد الله أن يقدم عبدًا رفعه درجات بطاعته ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nفإذا تيقن المؤمن ذلك وعلم أن الله هو المقدم والمؤخر لم يطلب لنفسه جاهًا أو مالًا أو منصبًا ليتقدم به، وإنما يتقدم بقربه من ربه، وبحرص أن يقدم من قدمه الله.\nومن أراد أن يقدمه الله ويرفعه، فعليه أن يأخذ بأسباب التقديم، وهي:\nالحرص على الأعمال الصالحة، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فلا يزال العبد يرتفع عمله حتى يرفع الله ذكره، فيعرف عند الملائكة، ويطرح قبوله وذكره في الأرض، وفي الحديث الصحيح حين أثنى الناس على جنازة، قال رسول الله -ﷺ-: «نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً تَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» (^٢) وإن من عباد\n_________\n(^١) موسوعة فقه القلوب، لمحمد إبراهيم التويجري (١٤/ ٦٦).\n(^٢) أخرجه الحاكم، رقم الحديث: (١٤٠١)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٨٨٧٦)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (١٦٩٤).","vol":"3","page":525},{"text":"الله من هو في الأرض وذكره في السماء، قد عمرت دوره في الفردوس الأعلى، ألم يصح: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: يَا بِلَالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي! فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا، وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْن، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: بِهِمَا» (^١)، وفي الحديث الآخر: «بَيْنَا أَنَا فِي الْجَنَّةِ سَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ بِالْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، وَكَانَ حَارِثَةُ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ» (^٢)، ورأى -ﷺ- قصرًا في الجنة، فسأل عنه، فأخبرته الملائكة أنه قصر عمر بن الخطاب -﵁- (^٣)، فقدم نفسك في الخير؛ لترفعها بالدرجات العلى، وأعد لك مستقبلًا عامرًا في الجنة.\nالعناية بكتاب الله تلاوةً وحفظًا وتدبرًا وتطبيقًا، فعن عامر بن واثلة: «أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان- وكان عمر يستعمله على مكة- فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولًى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولًى؟! قال: إنه قارئ لكتاب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٩٩٦)، والترمذي، رقم الحديث: (٣٦٨٩)، حكم الألباني: صحيح، صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: (١٣٢٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم الحديث: (٤٦٠٥)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (٧٤٦٧)، والحاكم، رقم الحديث: (٤٩٥٨)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٩١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٦٧٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٣٩٤).","vol":"3","page":526},{"text":"الله -﷿-، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (^١).\nطلب العلم والإخلاص فيه، يقول تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].\nالتخلق بالأخلاق الفاضلة الحسنة، عن جابر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ» (^٢)، ومن ذلك التواضع، وخفض الجناح للمؤمنين، في صحيح مسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (^٣)، وفيه: «وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (^٤)، وفي الطبراني: «مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا فِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ (^٥) بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ارْفَعْ حِكْمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ضَعْ حِكْمَتَهُ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٨١٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٢٠١٨)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق، رقم الحديث: (٥٩)، حكم الألباني: صحيح، تحقيق رياض الصالحين، رقم الحديث: (٦٣٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٥٨٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٨٦٥).\n(^٥) الحَكَمَة: ما أحاط بحَنَكَيْ الفرس من لجامه، وفيها العِذَاران، وهما من الفرس، كالعارضَيْنِ من وجه الإنسان.\n(^٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث: (١٢٩٣٩)، حكم الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٥٣٨).","vol":"3","page":527},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1101>الأثر السادس: التقديم والتأخر يوم القيامة في دخول الجنة:</span>\nأعظم تقديم وتأخير للمقدم المؤخر سُبْحَانَهُ هو ما كان في يوم القيامة، وهذا من عظيم عدله، فإن من كان سابقًا للخيرات مسارعًا للطاعات في الدنيا يسبق الناس في دخول الجنة، ويقدمه الله على رؤوس الأشهاد، ومن تأخر عن ربه أُخِّر يوم القيامة، وفي صحيح مسلم حديث طويل في تفاوت الناس في عبورهم الصراط إلى الجنة بقدر أعمالهم، الشاهد منه: «..... فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا -ﷺ-، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ، يَقُولُ: رَبِّ، سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا - قَالَ: وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ»، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفًا (^١).\nوقد بين النبي -ﷺ- حال وصفة أول زمرة تدخل الجنة، وحال آخر من يدخلها أيضًا، فيقول -ﷺ- في وصف حال السابقين: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ الْأَنْجُوجُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٩٥).","vol":"3","page":528},{"text":"عُودُ الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» (^١)، أما آخر من يدخل الجنة، فقال عنه -ﷺ-: «ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ -﵎-: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ -﵎- لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ -﵎- مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٣٣٢٧)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٨٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٤٣٧)، ومسلم، رقم الحديث: (١٨٢).","vol":"3","page":529},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1102>الأثر السابع: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]:</span>\nالإيمان بالمقدم المؤخر سُبْحَانَهُ يجعلنا نؤمن بحكمته في تأخيره لعذاب من تجبر وتكبر، فيفسح لهم الزمان ويمد لهم في الأعمار حتى تنقطع حجتهم، فإن تابوا ورجعوا فهو الغفور الرحيم، وإن أصروا واستكبروا لم يُعجِزُوه، تأمل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣]، فهو سُبْحَانَهُ يؤخِّر العقوبة لحكمة بالغة، ويُقَدِّمُ المكافأة لحكمة بالغة.\nومن الحكم في تأخير العقوبة:\nرحمة من الله تَعَالَى بالظالم؛ حتى يتدارك خطأه فيتوب إليه ويندم على ما فعله، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، وقد أرسل الله نبيه موسى -﵇- إلى فرعون وقد ظلم وزاد في ظلمه حتى طغى، فقال تَعَالَى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤] فالآية الكريمة توضح إمكانية رجوع هذه الطاغية، بإرسال الرسل إليه لينصحوه.\nاستدراج من الله تَعَالَى، فإذا أراد الله بالظالم شرًّا استدرجه، ومدَّ له، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر، عن أبي موسى الأشعري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٦).","vol":"3","page":530},{"text":"تسلُّط الظالمين بعضهم على بعض، ومن الأدعية المشهورة «اللهم أهلك الظالمين بالظالمين»، قال عز من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فما من ظالم إلا ويُبتلى بأظلم منه؛ لنجد في النهاية أنهم يفنون بعضهم البعض في الدنيا، وينالون أشد العذاب في الآخرة.\nفتح باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المؤمنين، فعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (^١).\nمعرفة المؤمنين لشره، وإدراكهم خطورته؛ ومِن ثَمَّ يلتجئون إلى ربهم فيدعونه، ليكفيهم هذا الشرَّ، فلو عوقب الظالم فور ظلمه لما شعر الناس بالشر ولما خافوا من الظلم والظالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1103>الأثر الثامن: دعاء الله المقدِّم المؤخِّرِ:</span>\nومن علم معنى اسم الله المقدم المؤخر تضرع لله به، وولقد كان مِن هدي النبيِّ -ﷺ- أن يدعو الله بهذين الاسمين المشَرَّفين؛ فعن أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبي -ﷺ-، أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (^٢)، وعن علي بن أبي طالب -﵁- في وصفه لصلاة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٩٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٩٨)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٧١٩).","vol":"3","page":531},{"text":"النبي -ﷺ- إذ يقول: «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: (اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^١)، ومما رواه ابن عباس -﵄-، قال: «كان النبي -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- أو: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ- قال سفيان: وزاد عبد الكربم أبو أمية: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» (^٢).\nفاللهم إنا نسألك أن ترفع لنا الدرجات، وأن تقربنا منك، وأن تغفر لنا الخطأ والزلل.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"3","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1104>المَنَّانُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1105>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «المَنُّ: القَطْعُ، ويقال: النقص، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] … ومن عليه منا: أنعم، والمنان، من أسماء الله تَعَالَى. ومَنَّ عليه مِنَّةً، أي: امْتَنَّ عليه» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «الميم والنون أصلان، أحدهما: يدل على قطع وانقطاع، والآخر: على اصطناع خير.\nالأول (المنُّ): القطعُ، ومنه يقال: مننتُ الحبلَ: قطعتُهُ.\nوالأصل الآخر (المنُّ)، تقول: مَنَّ يَمُنُّ مَنًّا، إذا صنع صنعًا جميلًا، ومن الباب: المنَّةُ، وهي القوة التي بها قوام الإنسان» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1106>ورود اسم الله (المنان) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد اسم المنان في كتاب الله -﷿-.\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٢٠٧).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٢٦٧).","vol":"3","page":533},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1107>ورود اسم الله (المنان) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (المنان) في السنة النبوية، في عدة مواضع وأحاديث؛ ومن وروده ما يلي:\nحديث أنس -﵁-: أنه كان مع رسول الله -ﷺ- جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي -ﷺ-: «لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).\nثبوت اسم الله (المنان) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله المنان في حق الله تعالى:\n- ابن القيم -﵀-: يقول في ذلك: «فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه المنان …» (^٢)\n- ابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1108>معنى اسم الله (المنان) في حقه سُبْحَانَهُ:</span>\nيدور اسم الله المنان على معنيين:\n١ - كثير النعم والعطايا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٦١١)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤٩٥)، حكم الألباني: مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (٢٢٩٠).\n(^٢) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٢٦).\n(^٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين (ص: ١٥).","vol":"3","page":534},{"text":"٢ - المانُّ على عباده بما أولاهم من النعم.\nوحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء:\nفمن الأقوال في المعنى الأول:\nقال الخطابي -﵀-: «وأما المنان: فهو كثير العطاء، والمن: العطاء لمن لا تستثيبه» (^١).\nوقال الحليمي -﵀-: «ومنها المنان: وهو عظيم المواهب، فإنه أعطى الحياة والعقل والنطق وصور فأحسن الصور، وأنعم فأجزل، وأسنى النعم وأكثر العطايا والمنح، قال- وقوله الحق-: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾» (^٢).\nقال شيح الإسلام ابن تيمية -﵀-: «والمنَّان: الذي يجود بالنوال قبل السؤال» (^٣).\nوقد أنكر بعض العلماء المعنى الثاني، وقال: المنة تكدر النعمة، كما نقل ابن القيم -﵀- عنهم، وقد رد عليهم هذا الإنكار وأبطله، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]: «وقوله ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]، أي: غير مقطوع، ولا منقوص، ولا مكدَّر عليهم، وهذا هو الصواب.\nوقالت طائفة: غير ممنون به عليهم، بل هو جزاء أعمالهم، ويُذكَرُ هذا عن عكرمة ومقاتل، وهو قول كثير من القدرية، قال هؤلاء: إن المنة تُكَدِّرُ\n_________\n(^١) شأن الدعاء (١/ ١٠٠).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٣).\n(^٣) النبوات (١/ ٣٦٥).","vol":"3","page":535},{"text":"النعمةَ، فتمام النعمة أن يكون غيرَ ممنونٍ بها على المنعَم عليه.\nوهذا القول خطأ قطعًا، أُتي أربابُهُ من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق، وهذا من أبطل الباطل؛ فإن المنة التي تُكَدِّرُ النعمةَ هي منة المخلوق على المخلوق، وأما منة الخالق على المخلوق ففيها تمام النعمة، ولذتها، وطيبها؛ فإنها منة حقيقية، قال تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٤ - ١١٥]؛ فتكون منةً عليهما بنعمة الدنيا، دون نعمة الآخرة، وقال أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، وفي الصحيح أن النبي -ﷺ- قال للأنصار: (أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي، وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي، وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي؟ فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) (^١)؛ فهذا جواب العارفين بالله ورسوله -ﷺ-، وهل المنة إلا لله المان بفضله، الذي جميع الخلق في منته؟ وإنما قبحت منة المخلوق؛ لأنها منة بما ليس منه، وهي منة يتأذى بها الممنون عليه، وأما منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته، وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه، فتلك لا يجوز نفيها.\nوكيف يجوز أن يقال: إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة؟ وهل هذا إلا من أبطل الباطل؟! فإن قيل: هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء، وليس مرادهم ما ذكر، وإنما مرادهم:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٦١)، واللفظ له.","vol":"3","page":536},{"text":"أنه لا يمن عليهم به، بل يقال: هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، وهذا أجركم، فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم، قيل: وهذا- أيضًا- هو الباطل بعينه؛ فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنًا له، ولا معاوضةً عنه، وقد قال أعلم الخلق بالله -ﷺ-: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) (^١)؛ فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك محض مِنَّتِهِ عليه، وعلى سائر عباده، وكما أنه سُبْحَانَهُ المانُّ بإرسال رسله، وبالتوفيق لطاعته، وبالإعانة عليها، فهو المانُّ بإعطاء الجزاء، وذلك كله محضُ مِنَّته وفضله وجوده، ولا حق لأحد عليه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1109>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المنان):</span>\n<span data-type='title' id=toc-1110>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المنان) من الصفات:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو المنان كثير العطاء، عظيم المواهب، واسع الإحسان، يُدِرُّ العطاء على عباده، ويوالي النعماء عليهم، فلا يبلغون شكرها فضلًا عن إحصائها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].\nوهو المنان الذي شهدت الخليقة كلها برها وفاجرها بإحسانه وعظيم نواله، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وسعة رحمته وبِرِّه ولطفِه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفِها بعد وقوعها، ولطفِه تَعَالَى في ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٥٦٧٣).\n(^٢) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص: ٥٠).","vol":"3","page":537},{"text":"إلى ما لا تبلغه الآمال، كل ذلك تفضلًا منه وتكرمًا ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨] لا طلبًا لأجر أو رزقًا، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] (^١).\nوهو المنَّان المحسن إلى العباد والمنعم عليهم من غير أن يطلب الجزاء على إحسانه إليهم، بل من عظيم إحسانه أوجب لعباده حقًّا عليه، منةً منه وتكرمًا إن هم وحدوه في العبادة ولم يشركوا به شيئًا، فعن معاذ بن جبل -﵁-، قال: «كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ- فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» (^٢).\nوهو المنَّان الذي يمن على عباده بما أعطى وأولى،، له المنة ولا منَّة لأحد عليه، المنان على الإطلاق، قال القرطبي -﵀-: «فيجب على كل مسلم أن يعلمَ أن لا منَّانَ على الإطلاق إلَّا الله وحده، الذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال» (^٣).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، (ص: ١٣٢)، وفقه الأسماء الحسنى، للبدر، (ص: ٣٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٥٢).\n(^٣) تفسير القرطبي (١٦/ ٩٤).","vol":"3","page":538},{"text":"والمنان قد منَّ على عباده بنعمه العظيمة، وعطاياه الكريمة، ومن ذلك:\n- منته على عباده المؤمنين بالهداية لهذا الدين، والإخراج من ظلمات الشرك والكفر برب العالمين، قال تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].\nوهذه النعمة والمنَّة أعظم منَّة يمن الله بها على عباده، قال ابن القيم -﵀- موضحًا لها: «وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه … وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا","vol":"3","page":539},{"text":"لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلًا منه عليهم، وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال … وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه» (^١).\n- منته على هذه الأمة ببعث رسول الله -ﷺ- لهم، صفوة رسله وخيرة أنبيائه -ﷺ-، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].\nوقد ذكَّر رسول الله -ﷺ- الأنصار بهذه المنَّة العظيمة، فقال: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ» (^٢).\nقال ابن حجر -﵀- في الفتح-: «وقد رتَّب -ﷺ- ما مَنَّ الله عليهم على يده من النعم ترتيبًا بالغًا، فبدأ بنعمة الإيمان- التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا- وثَنَّى بنعمة الأُلفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ١٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٤٣٣٠)، ومسلم، رقم الحديث: (١٠٦١).","vol":"3","page":540},{"text":"الأموال تبذلُ في تحصيلها وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع؛ لما وقع بينهم من حرب بُعاث وغيرها، فزال ذلك كلُّه بالإسلام، كما قال الله تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]» (^١).\n- منته على أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين بالتمكين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٤ - ١١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦].\nومن ذلك: منته على يوسف بعدم تضييع صبره وتقواه، بل أورثه حُسن العاقبة والتمكين في الأرض، قال تَعَالَى عن يوسف عليه وسلم متذكرًا هذه المنة: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].\n- منته على عباده المؤمنين بدخول الجنة، والنجاة من النار، قال تَعَالَى حاكيًا عن أهل الجنة استشعارهم لهذه المنة العظيمة والعطية الجزيلة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٨]،\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن حجر (٨/ ٥٠).","vol":"3","page":541},{"text":"﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1111>الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المنَّان) على التوحيد:</span>\nإذا عرف العبد ربه باسمه المنان، وعلم أنه وحده ولي المنِّ والعطاء صاحب الهبة والنعماء، صغيرها وكبيرها ظاهرها وباطنها منه وحده، لا يشاركه فيها أحد، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (^٢) علم أنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا هو -﵎-.\nوقد نبه الله عباده على هذا المعنى، فقال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥١ - ٥٤]، قال السعدي -﵀-: «يأمر تَعَالَى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية، فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ …\n﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ من أهل الأرض أو أهل السماوات، فإنهم لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، والله المنفرد بالعطاء والإحسان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ظاهرة وباطنة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا أحد يشركه فيها، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ من فقر ومرض وشدة ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: تضجون بالدعاء والتضرع لعلمكم أنه لا يدفع\n_________\n(^١) ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣٤٣ - ٣٤٥).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق (ص: ٣٤٦).","vol":"3","page":542},{"text":"الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده» (^١).\nوذم سُبْحَانَهُ المشركين على عبادتهم لغيره مع أنه المنعم، فقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] قال ابن كثير -﵀-: «يعرفون أن الله تَعَالَى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1112>الأثر الثالث: التوكل على الله المنان:</span>\nإذا عرف العبد اسم الله (المنان) وأن ما يتقلب فيه من النعيم من أثر منته -﵎- عليه لا بحوله وقوته ولا بحول وقوة مخلوق مثله، وإنما المنة لله وحده؛ أورثه ذلك التطامن والاعتراف بالضعف والنقص والعجز، وأنه لو وكل إلى نفسه أو غيره طرفة عين لخاب وخسر وهلك.\nقال ابن القيم -﵀-: «إذا وصل إلى القلب نورُ صفة المِنَّةِ، وشهد معنى اسمه (المنَّان)؛ وتجلَّى سُبْحَانَهُ على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه (الأول) - ذهِلَ القلبُ والنفسُ به؛ وصار العبد فقيرًا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، فصار مقطوعًا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه» (^٣).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص: ٤٤٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٩٢).\n(^٣) طريق الهجرتين، لابن القيم، (ص: ٥٧).","vol":"3","page":543},{"text":"وهذا يثمر في قلب العبد التوكل على الله، والتعلق به، وقطع التعلق بالأسباب والركون إليها؛ فالأسباب إنما أثرت ونفعت بمنته وإذنه، ولولا ذلك لم تجد على فاعلها شيئًا.\nفالمانُّ بكل خير هو الله وحده مسبب الأسباب، والقاهر لكل شيء، والفعال لما يريد فوجب التوكل عليه وحده وتفويض الأمور إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1113>الأثر الرابع: محبة الله المنان:</span>\nإذا تدبر المرء في اسم الله (المنان) وتأمل في عظيم مواهبه، وكثير عطاياه ومنحه، وما أسبغ به على العباد من النعم مع كثرة معاصيهم وذنوبهم؛ أوجب له ذلك محبته والشوق إليه؛ فإن القلوب فُطِرَت على محبة من يحسن إليها، ولا أعظم إحسانًا وإنعامًا من المنَّان -﵎-.\n\n<span data-type='title' id=toc-1114>الأثر الخامس: شكر الله المنان:</span>\nإذا تأمل العبد في اسم الله المنان، وتفكر فيما منَّ عليه به من الهداية للإسلام، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتكريمه بالعقل، والسمع والبصر، والصحة والمعافاة، والأمن والاستقرار، إلى غير ذلك من ألوان النعم والمنن التي تفضل بها المنان قبل السؤال والطلب؛ أوجب له ذلك حمده -﵎- على نعمه، وشكره علي آلائه ومننه بالقلب واللسان والجوارح، وإعمالها في طاعته والتقرب إليه، وحفظها من أن تستعمل في معصيته، أو أن تنسب لأحد غيره، قال تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]، أي: بإضافتهم النعمة إلى غير المنعِم (^١).\n_________\n(^١) ينظر: فقه الاسماء الحسنى، للبدر (ص: ٣٤٦).","vol":"3","page":544},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1115>الأثر السابع: المنة لله سُبْحَانَهُ:</span>\nالمنَّة بالعطية إنما تكون لله وحده، وليست لأحد من الخلق؛ لذا نهى الله ورسوله -ﷺ- أن يتصف المؤمن بها وأن يؤذي الخلق بهذا الخُلق الذميم، قال الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، قال ابن عباس -﵄-: «لا تعط العطية؛ تلتمس أكثر منها» (^١).\nقال السعدي -﵀-: «لا تمنُنْ على الناس بما أسديتَ إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فَتَتَكَثَّر بتلك المنة، وترى لك الفضل عليهم بإحسانك المنة، بل أحسِن إلى الناس مهما أمكنَك، وانْسَ عندهم إحسانك، ولا تَطْلُب أجرَه إلا من الله تَعَالَى، واجعل مَن أحسنت إليه وغيرَه على حَدٍّ سواء» (^٢).\nقال -ﷺ-: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (^٣)، وقال أيضًا -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٨/ ٢٦٤).\n(^٢) تفسير السعدي (ص: ٨٩٥).\n(^٣) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (١٠٦).\n(^٤) أخرجه النسائي، رقم الحديث: (٥٦٨٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن النسائي، رقم الحديث: (٥٦٧٢).","vol":"3","page":545},{"text":"وعلَّة هذا النهي بيَّنها ابن القيم -﵀-، فقال: «وحظر الله على عباده المَنَّ بالصنيعة، واختصَّ به صفةً لنفسه؛ لأنَّ مَنَّ العبادِ تكديرٌ وتعييرٌ، ومَنُّ الله إفضالٌ وتذكيرٌ، وأيضًا: فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط، فهو المنعم على عبده في الحقيقة.\nوأيضًا فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يَمُنُّ عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.\nوأيضًا فالمِنَّة أن يشهد المعطي أنه رب الفضل والإنعام، وأنه ولي النعمة ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا لله.\nوأيضًا فالمان بعطائه يشهد نفسَه مترفعًا على الآخذ، مُستعليًا عليه، غنيًّا عنه عزيزًا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته، ولا ينبغي ذلك للعبد.\nوأيضًا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه، ورد عليه أضعاف ما أعطى، فبقي عوض ما أعطى عند الله، فأي حق بقي له قبل الآخذ؟ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلمًا بينًا، وادعى أن حقه في قلبه، ومن هنا- والله أعلم- بطلت صدقته بالمن؛ فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده، فلم يرض به، ولاحظ العوض من الآخذ، والمعاملة عنده، فمنَّ عليه بما أعطاه؛ أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له» (^١).\nواتصاف المخلوق بالمنة على نوعين أوضحهما ابن القيم -﵀- أيضًا- في كلامه عن المنفقين وأنواعهم، حيث قال: «فالمن نوعان؛ أحدهما: من بقلبه، من غير أن يصرح به في لسانه، وهذا إن لم يبطل الصدقة، فهو من\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٣٦٦).","vol":"3","page":546},{"text":"نقصان شهود منة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه، فلله المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منة غيره.\nوالنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه، فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه أنه اصطنعه، وأنه أوجب عليه حقًّا وطوقه منةً في عنقه، فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده، قال سفيان: (يقول: أعطيتك فما شكرت)، وقال عبد الرحمن بن زياد: (كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلًا شيئًا، ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكفَّ سلامك عنه).\nوكانوا يقولون: (إذا اصطنعتم صنيعةً فانسوها، وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها)» (^١).\nوللمنة آثار سيئة، لا سيما إذا كانت في الطاعة، فقد بين الله أثرها على الطاعات عمومًا وعلى الصدقات خصوصًا، فبين أنها:\n١ - مبطلة للعمل، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، قال ابن كثير -﵀-: «فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى، ثم قال تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٣٦٦).","vol":"3","page":547},{"text":"قطع نظره عن معاملة الله تَعَالَى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه» (^١).\nوالمَنُّ ولو كان بعد العمل بمدة ضار به، قال ابن القيم -﵀-: «نَبَّهَ بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] على أن المن والأذى، ولو تراخى عن الصدقة، وطال زمنه، ضرَّ بصاحبه، ولم يحصل له مقصودُ الإنفاق، ولو أتى بالواو، وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا مَنًّا ولا أذًى، لأوهَمَتْ تقييدَ ذلك بالحال، وإذا كان المَنُّ والأذى المتراخي مبطلًا لأثر الإنفاق، مانعًا من الثواب؛ فالمقارن أولى وأحرى» (^٢).\n٢ - جعل رد السائل بالمعروف والعفو عنه خير من التصدق عليه مع المن والأذية له، قال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٢ - ٢٦٣] وذلك؛ لأن رد السائل بالقول المعروف الكريم يدخل السرور على نفسه، والعفو عما قد يصدر من السائل مما لا ينبغي وعدم مؤاخذته بذلك، كله من الإحسان الذي لا مفسدة فيه، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنٍّ أو غيره (^٣).\nوكل ما سبق دال على أن اتصاف المخلوق بالمنَّة كبيرة من كبائر الذنوب، فعلى المسلم أن يحذر من هذا الوصف الذميم، سلمنا الله منه ورزقنا كريم الخلق.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٦٩٤).\n(^٢) طريق الهجرتين، ابن القيم (ص: ٣٦٦).\n(^٣) ينظر: تفسير السعدي (ص: ١١٣).","vol":"3","page":548},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1116>الأثر الثامن: سؤال المنان من واسع فضله والتوسل إليه باسم المنان:</span>\nإذا علم العبد اسم الله المنان وما يحويه من عظيم المنن والنعم مع ما رغب به عباده من سؤاله والتوسل إليه بأسمائه وصفاته ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ حرص على أن يكون لاسم الله (المنان) نصيب من دعائه.\nوقد ورد دعاء الله باسمه (المنان) في السنة النبوية، ومن ذلك:\n- حديث أنس -﵁-، أنه كان مع رسول الله -ﷺ- جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي -ﷺ-: «لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).\nاللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم: أن تمن علينا بالخير، والإحسان، واليقين، والإيمان، وأن تجعلنا من أهل القرآن،\nوأن ترزقنا دوام ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"3","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1117>الوَتْرُ -ﷻ</span>-\n<span data-type='title' id=toc-1118>المعنى اللغوي:</span>\nقال الجوهري -﵀-: «الوِتر- بالكسر-: الفرد» (^١).\nقال ابن فارس -﵀-: «… الوِتر: الفرد» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1119>ورود اسم الله (الوتر) في القرآن الكريم:</span>\nلم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الوتر) في كتاب الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1120>ورود اسم الله (الوتر) في السنة النبوية:</span>\nورد اسم الله (الوتر) في السنة النبوية، ومن ورودها ما يلي:\nعن أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «لِلهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» (^٣).\nعن علي -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ،\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٨٤٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (٦/ ٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٤١٠).","vol":"3","page":550},{"text":"أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللهَ -﷿- وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» (^١).\nثبوت اسم الله (الوتر) في حق الله تعالى:\nمن العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الوتر) في حق الله تَعَالَى:\nابن القيم -﵀-: في قوله: «فإن الله وتر يحب الوتر» (^٢).\nابن عثيمين -﵀-: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1121>معنى اسم الله (الوتر):</span>\nقال ابن قتيبة -﵀-: «الله -﷿- وتر، وهو واحد» (^٤).\nقال الخطابي -﵀-: «الوتر هو الواحد الأحد، الذي لا شريك له، ولا نظير ولا مثيل، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بصفاته: فهو سُبْحَانَهُ وتر، وجميع خلقه شفع، خُلقوا أزواجًا؛ فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]» (^٥).\nقال الحليمي -﵀-: «ومنها: (الوتر)؛ لأنه إذا لم يكن قديم سواه، لا إله ولا غير إله، لم ينبغ لشيء من الموجودات أن يضم إليه فيعد معه، فيكون\n_________\n(^١) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٨٩٢)، وأبو داود، رقم الحديث: (١٤١٦)، حكم الألباني: رقم الحديث: (١٤١٦).\n(^٢) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٣٠).\n(^٣) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٥).\n(^٤) غريب الحديث (١/ ١٧٢).\n(^٥) شأن الدعاء (ص: ٢٩).","vol":"3","page":551},{"text":"والمعدود معه شفعًا، لكنه واحد فرد وتر» (^١).\nقال القرطبي -﵀-: «الواحد الوتر: الذي لا شبيه له، ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1122>الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوتر):</span>\n<span data-type='title' id=toc-1123>الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوتر) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:</span>\nالله تَعَالَى وتر انفرد عن خلقه فجعلهم شفعًا، وقد خلق الله المخلوقات بحيث لا تعتدل ولا تستقر إلا بالزوجية ولا تهنأ على الفردية والأحدية، يقول تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]، فالرجل لا يهنأ إلا بزوجته، ولا يشعر بالسعادة إلا مع أسرته، والتوافق بين محبتهم ومحبته.\nأما ربنا -﷿- فذاته صمدية وصفاته فردية، فهو المنفرد بالأحدية والوترية، لا ولد له ولا والد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣ - ١] ولم يتخذ صاحبة: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ﴿يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]\nوقد ثبت من حديث أبي هريرة: «إنَّ اللهَ -﷿- وَتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ» (^٣).\n_________\n(^١) المنهاج (١/ ١٩٠).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٤٤).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":552},{"text":"وكما أنه وتر في ذاته سُبْحَانَهُ، فهو الوتر الذي انفرد في صفاته، فهو العزيز بلا ذل، والقدير بلا عجز، والقوي بلا ضعف، والعليم بلا جهل، وهو الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا ينام، والواحد الأحد الذي لا يشبهه أحد من الخلق، فهو -ﷻ-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقد قال سُبْحَانَهُ عن نفسه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ومن آمن بهذا أفرد الله بالعبادة، ووحَّده ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]\nونَزَّهَهُ عن المشابهة والمماثلة، فهو الوتر الذي لا مثيل ولا شريك له، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]\n\n<span data-type='title' id=toc-1124>الأثر الثاني: استشعار أن كثير من العبادات والطاعات شُرعت وترًا:</span>\nيقول القرطبي -﵀- معلقًا على حديث: «وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» (^١): «الظاهر أن الوتر هنا للجنس؛ إذ لا معهود جرى ذكره حتى يحمل عليه، فيكون معناه أنه: يحب كل وتر شرعه، ومعنى محبته له: أنه أمر به، وأثاب عليه … قال أبو العباس القرطبي: والوتر يراد به التوحيد، فيكون المعنى: إن الله- في ذاته وكماله وأفعاله- واحد، ويحب التوحيد، أي: يوحد ويعتقد انفراده دون\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"3","page":553},{"text":"خلقه، فيلتئم أول الحديث وآخره، وظاهره، وباطنه» (^١)، ومن تأمل في كثير من العبادات والأعمال الصالحة وجدها شُرعت وترًا، ومن ذلك:\nأولًا: أركان الإسلام وما يتعلق بها:\nجعل الطهارة ثلاثًا:\nعن سلمة بن قيس أن النبي -ﷺ- قال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَثِرْ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ» (^٢)، أي: اجعل الحجارة التي تستنجي بها فردًا، استنج بثلاثة أحجار، أو خمسة، أو سبعة، ولا تستنج بالشفع.\nجعل الصلاة خمسًا:\nعن عبادة بن الصامت -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ -﵎- عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ -﵎- عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (^٣).\nجعل نصاب الزكاة وترًا:\nفكلها تشترك بالوتر، ففي الزروع خمسة أوسق، وفي الورق خمس أواق، وفي الإبل خمس من الإبل، يقول -ﷺ-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٨).\n(^٢) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٩١١٩)، والترمذي، رقم الحديث: (٢٧)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي: رقم الحديث: (٢٧).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (٢٢٦٩٣)، وابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠١)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠١).","vol":"3","page":554},{"text":"أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» (^١).\nجعل الطواف والسعي سبعًا:\nففي الطواف: حديث جابر -﵁-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]» (^٢).\nوالسعي سبعًا: حديث عمرو بن دينار قال: «سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ -﵄-، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]» (^٣).\nرمي الجمار سبعًا:\nعن ابن عمر -﵄- «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٤٥٩)، ومسلم، رقم الحديث: (٩٧٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٨٦٢)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف الترمذي، رقم الحديث: (٨٦٢).\n(^٣) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٦٤٥).","vol":"3","page":555},{"text":"ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَفْعَلُهُ» (^١).\nثانيًا: ما يتعلق بعامة السنن:\nجعل آخر صلاته -ﷺ- بالليل وترًا:\nعن نافع، أن ابن عمر قال: «مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا قَبْلَ الصُّبْحِ، كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَأْمُرُهُمْ» (^٢).\nكان -ﷺ- يأكل التمرات وترًا:\nفعن أنس بن مالك قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ يَأْكُلُهُنَّ إِفْرَادًا» (^٣).\nأمر -ﷺ- بالاكتحال وترًا:\nوإذا اكتحل فليكتحل وترًا؛ فلقد روي أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَكْتَحِلُ وِتْرًا» (^٤).\nسن التكفين وترًا، وتغسيل الميت وترًا:\nعن أم عطية -﵂- قالت: «لما ماتت زينب بنت رسول الله -ﷺ- قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (١٦٣٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٧٥١).\n(^٣) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (١٢٤٦٢)، حكم الألباني: صحيح، التعليقات الحسان، رقم الحديث: (٢٨٠٣).\n(^٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم الحديث: (٦٠١٠)، حكم الألباني: صحيح، السلسلة الصحيحة، رقم الحديث: (٢٧٤٦).","vol":"3","page":556},{"text":"الْخَامِسَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا غَسَّلْتُنَّهَا، فَأَعْلِمْنَنِي، قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (^١).\nأعاد -ﷺ- الرقية وترًا:\nقال -ﷺ- لأنس -﵁-: «إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي هَذَا، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ، ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا» (^٢).\n* وهنا مسألة يكثر السؤال عنها: هل يشرع الوقوف على وتر فيما لم ينص الشرع فيه كالأكل أو التطيب وغيره؟\nهذه المسألة محل خلاف بين العلماء -﵏-، فمنهم من قال بالقطع على وتر تبركًا، كما قال ابن حجر -﵀-: «وأما جعلهن وترًا فقال المهلب: فللإشارة إلى وحدانية الله تَعَالَى، وكذلك كان -ﷺ- يفعله في جميع أموره تبركًا بذلك» (^٣).\nوذهب إلى هذا من المعاصرين الشيخ ابن باز -﵀-.\nومن العلماء من رأى أنه يقتصر على ما ورد في النص من القطع على وتر، وما عدا ذلك فلا يستحب له، منهم الشيخ ابن عثيمين -﵀-، حيث قال في مجموع فتاوى ورسائل الشيخ (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٩٣٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٨)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٨).\n(^٣) فتح الباري (٢/ ٤٤٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٨٣١).","vol":"3","page":557},{"text":"«وهل كلما أكل الإنسان تمرًا في غير هذه المناسبة يقطعها على وتر؟ نقول: لا، وهل الإنسان يقطع كل شيء على وتر؟ فإذا أكل نقول له: اقطع ثلاث لقمات، فهذا غير مشروع، وعندما يحب أن يزيد من الطيب، فيقول: أوتر، ولكن هذا لا أصل له، فأنا لا أعلم أن الإنسان مطلوب منه أن يوتر في مثل هذه الأمور، فأما قول الرسول -ﷺ-: (إِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ) (^١)، فليس هذا على عمومه، لكنه -﷿- وتر يحكم شرعًا أو قدرًا بوتر، فمثلًا الصلاة في الليل نختمها بوتر التطوع، وفي النهار نختمها بوتر المغرب، وأيام الأسبوع وتر، السموات وتر، والأرض وتر، فيخلق الله -﷿- ما يشاء على وتر، ويحكم بما يشاء على وتر، وليس المراد بالحديث أن كل وتر فإنه محبوب إلى الله -﷿-، وإلا لقلنا: احسب خطواتك من بيتك إلى المسجد لتقطعها على وتر، احسب التمر الذي تأكله على وتر، احسب الشاي الذي تشربه لتقطعه على وتر، وكل شيء احسبه على وتر.\nفهذا لا أعلم أنه مشروع، فأكل تمرات وترًا من السنن التي تفعل في عيد الفطر، خاصة أن لا تأتي المسجد حتى تأكل تمرات وترًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1125>الأثر الثالث: محبة الله الوتر:</span>\nالله سُبْحَانَهُ هو الوتر الأحد، الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها وضروراتها، وهو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٩٥٣).","vol":"3","page":558},{"text":"وهذا الشعور يولد المحبة لله تَعَالَى وحده، ويريح القلوب من شتاتها، واضطرابها، ويجعلها تسكن إلى ربها ومعبودها، وتقطع التعلق بمن لا يملكون شيئًا، ولا يقدرون على شيء، إلا بما أقدرهم الله عليه، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا، ولا نفعًا، فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم!\n\n<span data-type='title' id=toc-1126>الأثر الرابع: (فأوتروا):</span>\nيقول النبي -ﷺ-: «إِنَّ الله -﷿- وِتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ» (^١)، قال الطيبي -﵀- في كتابه شرح المشكاة: «أي: صلوا الوتر» (^٢)، ثم علل بتعليل لطيف لما خصَّ الأمر بالوتر لأهل القرآن، حيث قال: «المراد بأهل القرآن: المؤمنون الذين صدقوا القرآن، وخاصة من يتولي القيام بحفظه، وتلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه. أقول- والله أعلم-: لعل المناسبة لتخصيص النداء بأهل القرآن في مقام الفردانية إنما كانت لأجل أن القرآن ما أنزل إلا لتقرير التوحيد، قال تَعَالَى على سبيل الحصر وتكريره: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦]، أي: مقصور علي استئثار الله بالتوحيد، كأنه قيل: إن الله واحد يحب الوحدة، فوحدوه يا أهل التوحيد» (^٣).\nوصلاة الوتر سنة مؤكدة، وقتها: ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، يقول -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ؛ الْوِتْرُ، جَعَلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٢٢٤).\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) أخرجه الترمذي، رقم الحديث: (٤٥٢)، حكم الألباني: صحيح دون قوله: «خير النعم»، صحيح وضعيف سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٢).","vol":"3","page":559},{"text":"وأقل الوتر ركعة واحدة، وأدنى الكمال ثلاثًا، وأكثره ثلاث عشرة ركعةً، ويجوز بما بين ذلك من الأوتار؛ لقول النبي -ﷺ-: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِخَمْسٍ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِثَلَاثٍ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ» (^١)، وإن أوتر بأكثر من ذلك فلا حرج، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب زاد المعاد لابن القيم -﵀-.\nفاللهم أنت الملك لا إله غيرك، ولا رب سواك، أنت الواحد لا شريك له، الأحد لا شبيه له، الوتر لا مثيل له، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تُعصى إلا بعلمك، تطاع فتَشْكُر، وتُعصى فتَغْفر، فلا إله إلا أنت؛ فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأعنَّا على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك، يا أرحم الراحمين (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، رقم الحديث: (١١٩٠)، حكم الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١١٩٠).\n(^٢) للاستزادة من الآثار، يرجع لاسم الله (الواحد الأحد).","vol":"3","page":560},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1127>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..\nالحمد لله الذي يسر وأعان على إتمام هذه الموسوعة، موسوعة شرح أسماء الله الحسنى، والتي قضينا فيها سبع سنوات سِمان، مليئة بالعلم والفائدة، ابتدأتها بسلسلة دروس علمية في بيت من بيوت الله، في جامع عثمان بن عفان، في حي الواحة في العاصمة الرياض، ومن ثم تشكيل فريق علمي بإدارة الأستاذة الكريمة الفاضلة المسددة/ وفاء بنت محسن التركي؛ لتفريغ الدروس، وإعادة صياغتها، لإخراجها على شكل موسوعة علمية، تكون مرجعًا علميًا أصليًا، لمن رام الفائدة والعيش مع أسماء الله الحسنى.\nوقد راجعتُ الموسوعة متنقلة بين مدينة رسول الله -ﷺ- وبيت الله الحرام، وكان ختام الانتهاء من مراجعتها في أعظم يوم عند الله تعالى؛ يوم النحر، العاشر من شهر ذي الحجة من عام ١٤٤٠ للهجرة، وكنت من حجاج بيت الله تَعَالَى، فالفرحة مضاعفة بإتمام النسك، وإتمام الموسوعة، نسأل الله أن يتقبلها قبولًا حسنًا مباركًا.\nفلربنا الحمدُ والامتنانُ، والفضلُ والطَّوْلُ والشكرانُ، ونحن راجون بفَضْلِ اللَّهِ تعالى دعوة صالحة ننتفع بها تقرّبنا إلى الله الكريم، وانتفاع مسلمٍ ببعض ما فيها نُعينه على مرضاة الله وطاعته، ونسألُه سبحانه سلوك سبيل الرشاد، والعصْمة من أهواء أهل الزَّيْغ والعِناد، ونتضرع إليه سبحانه أن يرزقنا","vol":"3","page":563},{"text":"التوفيقَ للصواب، وما توفيقينا إلا بالله، عليه توكلنا وإليه متاب، حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل، ولا حول وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيّ العَظيمِ.\nوالحمدُ لله ربّ العالمين أوّلًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، هذا مبلغ الجهد والعلم، فما كان في الموسوعة من خير فمن الله وحده، وما كان من خطأ وتقصير فمن أنفسنا ونستغفر الله منه، ورحم الله امرئًا أهدى إلينا عيوبنا.\nوصلواتُ الله وسلامُه الأطيبان الأتمّان الأكملان على خير خلق الله سيدنا محمد -ﷺ-، وعلى سائر النبيّينَ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nنوال بنت عبدالعزيز العيد","vol":"3","page":564},{"text":"فهرس<span data-type='title' id=toc-1128> المراجع والمصادر</span>\n١. الإبانة الكبرى، أبوعبدالله عبيد الله العكبري، المعروف: بابن بطة العكبري، دار الراية، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\n٢. إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، (دروس مفرغة)، ١٤١٧ هـ.\n٣. الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٩٤ هـ.\n٤. اجتماع الجيوش الإسلامية، شمس الدين عبد الله محمد بن أبي بكر، المعروف: بابن قيم الجوزية، مطابع الفرزدق التجارية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٥. الآحاد والمثاني، أبو بكر بن أبي عاصم أحمد الشيبان، تحقيق: باسم فيصل أحمد الجوابرة، دار الراية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٦. الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ضياء الدين أبو عبد الله محمد الحنبلي المقدسي، دراسة وتحقيق: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٢٠ هـ\n٧. إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي الطوسي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى.\n٨. الأخلاق والسير في مداواة النفوس، أبو محمد علي بن أحمد الأندلسي","vol":"3","page":567},{"text":"القرطبي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n٩. الآداب الشرعية والمنح المرعية، أبو عبد الله محمد بن مفلح، عالم الكتب، مصر، الطبعة الأولى.\n١٠. أدب الدنيا والدين، أبو الحسن علي بن محمد البصري البغدادي، المعروف: بالماوردي، دار مكتبة الحياة، لبنان، الطبعة الأولى، ١٩٨٦ م.\n١١. أدب المجالسة وحمد اللسان، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري القرطبي، المعروف: بابن عبد البر، تحقيق: سمير حلبي، دار الصحابة للتراث، طنطا، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n١٢. الأدب المفرد بالتعليقات، محمد بن إسماعيل البخاري، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١٣. الأذكار، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n١٤. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n١٥. أسباب نزول القرآن، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، تحقيق: عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح، الدمام، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n١٦. الاستقامة، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف: بابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n١٧. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري","vol":"3","page":568},{"text":"القرطبي، المعروف: بابن عبد البر، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١٨. الأسماء والصفات، أحمد بن الحسين بن علي الخراساني المعروف بالبيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١٩. الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، شمس الدين محمد الأنصاري القرطبي، تحقيق: عرفان بن سليم الحشا حسونه الدمشقي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٢٠. اشتقاق أسماء الله، عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق: عبد رب الحسين المبارك، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٢١. الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المعروف: بابن حجر، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود-على محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٢٢. الأصول الثلاثة، محمد بن عبد الوهاب، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الرياض، الطبعة العاشرة، ١٤٢٠ هـ.\n٢٣. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n٢٤. إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ١٤٢٣ هـ.\n٢٥. الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان، أبو بكر عبد الله بن محمد الأموي القرشي، المعروف: بابن أبي الدنيا تحقيق: نجم عبد الرحمن خلف، دار البشير، عمان، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.","vol":"3","page":569},{"text":"٢٦. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، أحمد بن الحسين بن علي الخراساني، المعروف: بأبو بكر البيهقي، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n٢٧. أعلام الحديث شرح صحيح البخاري، أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: محمد بن سعد آل سعود، جامعة أم القرى (مركز البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي)، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٢٨. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n٢٩. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف: بابن تيمية، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة السابعة، ١٤١٩ هـ.\n٣٠. إكمال المعلم بفوائد مسلم، عياض بن موسى السبتي، تحقيق: الدكتور يحيى إسماعيل، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٣١. الأموال، أبو أحمد حميد بن مخلد الخرساني، المعروف: بابن زنجويه، تحقيق: الدكتور شاكر ذيب فياض، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٣٢. الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله الهروي البغدادي، تحقيق: خليل محمد هراس، دار الفكر، بيروت.","vol":"3","page":570},{"text":"٣٣. أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، زين الدين أبو عبد الله محمد الحنفي الرازي، تحقيق: عبد الرحمن بن إبراهيم المطرودي، دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٣٤. أوجز المسالك إلى موطأ مالك، محمد بن زكريا الكاندهولي المدني، تحقيق: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف بابن تيمية، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٣٥. الأوسط، المعجم الأوسط الطبراني، أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد الشامي، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة.\n٣٦. البحر الزخار، مسند البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، المعروف: بالبزار، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٣٧. البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٣٨. بدائع الفوائد، شمس الدين عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن القيم الجوزية، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٣٩. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، تحقيق: محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة.\n٤٠. بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الكريم بن رسمي ال الدريني، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.","vol":"3","page":571},{"text":"٤١. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٢. تاريخ بغداد، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٤٣. تاريخ دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، المعروف: بابن عساكر، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ.\n\n٤٤. التبيان في آداب حملة القرآن، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق: محمد الحجار، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\n٤٥. التبيان في أقسام القرآن، شمس الدين عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن المعروف: بابن القيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\n٤٦. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة.\n٤٧. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي المباركفوري، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٨. تحفة الودود بأحكام المولود، شمس الدين عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن القيم الجوزية، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة دار البيان، دمشق، الطبعة الأولى، ١٣٩١ هـ.","vol":"3","page":572},{"text":"٤٩. تخريج أحاديث مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٥٠. تخريج الكلم الطيب لابن تيمية، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لطبعة الثالثة، ١٣٩٧ هـ.\n٥١. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي، تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة.\n٥٢. التدمرية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: محمد بن عودة السعوي، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة السادسة ١٤٢١ هـ.\n٥٣. التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق ودراسة: الصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٥٤. الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك، أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، المعروف بابن شاهين، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٥٥. التعريفات، الجرجاني، علي بن محمد بن علي الزين الشريف، ضبطه وصححه: جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n٥٦. التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان وتمييز سقيمه من صحيحه وشاذه من محفوظه، محمد ناصر الدين الألباني، دار باوزير للنشر والتوزيع، جدة.\n٥٧. تفسير ابن رجب، الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السلامي الدمشقي الحنبلي، جمع","vol":"3","page":573},{"text":"وترتيب: أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، دار العاصمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٥٨. تفسير ابن عثيمين لجزء عم، محمد بن صالح بن محمد العثيمين، إعداد وتخريج: فهد بن ناصر السليمان، دار الثريا للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n٥٩. تفسير أسماء الله الحسنى، إبراهيم بن السري بن سهل، المعروف: بأبي إسحاق الزجاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار الثقافة العربية، الطبعة الأولى.\n٦٠. تفسير الأسماء الحسنى، عبدالرحمن السعدي، تحقيق: عبيد بن علي العبيد، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤٢١ هـ.\n٦١. تفسير العثيمين، محمد بن صالح العثيمين، مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، الطبعة، الأولى، ١٤٣٦ هـ.\n٦٢. تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ.\n٦٣. تفسير القرآن العظيم، لابن أبي حاتم، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الثالثة، ١٤١٩ هـ.\n٦٤. التفسير الكبير، أبو عبد الله محمد بن عمر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٢٠ هـ.\n٦٥. التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، دار التوحيد، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٦٦. تهذيب الأخلاق، الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ابن حزم، أبو محمد","vol":"3","page":574},{"text":"علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n٦٧. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٦٨. تهذيب اللغة، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري الهروي، تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦٩. التوحيد وبيان العقيدة السلفية النقية، عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حميد، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود، مكتبة طبرية، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٧٠. توضيح الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، اعتنى به ونسقه وعلق عليه: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، دار أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٧١. التوقيف على مهمات التعاريف، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن زين العابدين الحدادي، عالم الكتب، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٧٢. التوهم في وصف أحوال الآخرة، الحارث بن أسد المحاسبي، مكتبة التراث الإسلامي، حلب.\n٧٣. تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب تحقيق: زهير الشاويش،","vol":"3","page":575},{"text":"المكتب الاسلامي، بيروت، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٧٤. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٧٥. التيسير بشرح الجامع الصغير، زين الدين محمد، المعروف: بعبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي المناوي، مكتبة الإمام الشافعي، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n٧٦. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٧٧. جامع الرسائل تقي الدين أبو العباس أحمد الحراني الحنبلي، المعروف: بابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٧٨. الجامع الصحيح، سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى الضحاك، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ\n٧٩. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السلامي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السابعة، ١٤٢٢ هـ.\n٨٠. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.","vol":"3","page":576},{"text":"٨١. الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٨٤ هـ.\n٨٢. جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، دار العروبة، الكويت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n٨٣. الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، شمس الدين عبد الله محمد بن أبي بكر، المعروف بابن قيم الجوزية، دار المعرفة، المغرب، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ\n٨٤. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف بابن القيم الجوزية، تحقيق: زايد بن أحمد النشيري، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٨٥. حاشية كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن محمد النجدي، المعروف بابن قاسم، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n٨٦. الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، أبو القاسم إسماعيل بن محمد القرشي، المعروف: بإسماعيل الاصبهاني، وأبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحنبلي المعروف بابن تيمية تحقيق: محمد المدخلي، دار الراية، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\n٨٧. الحسبة في الإسلام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف: بابن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٨٨. الحسنة والسيئة، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني","vol":"3","page":577},{"text":"الحنبلي، المعروف: بابن تيمية، الطبعة الأولى.\n٨٩. الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشامية، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار ابن القيم، الطبعة الأولى.\n٩٠. حلية الأنبياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٩ هـ.\n٩١. خلق أفعال العباد، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة السادسة، ١٤٢١ هـ.\n٩٢. الدر المنثور في التفسير المأثور، جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن السيوطي، دار الفكر، الطبعة الأولى.\n٩٣. الدعوات الكبير، أحمد بن الحسين الخراساني، المعروف بأبو بكر البيهقي، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، غراس للنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة الأولى.\n٩٤. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، أحمد بن الحسين الخراساني المعروف: بأبي بكر البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٩٥. الديات، أبو بكر بن عاصم الشيباني، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي.\n٩٦. ذم الهوى، الامام الحافظ ابن الجوزي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.\n٩٧. الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، دار الهلال، بيروت، الطبعة الأولى.\n٩٨. الرسالة التبوكية، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عزير شمس، مجمع الفقه الإسلامي، جدة،","vol":"3","page":578},{"text":"الطبعة الأولى.\n٩٩. الرسالة القشيرية، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري، تحقيق: عبد الحليم محمود، دار المعارف، القاهرة.\n١٠٠. الرقاء والبكاء، أبو بكر عبد الله بن محمد الأموي القرشي، المعروف بابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٩ هـ.\n١٠١. روض المحبين ونزهة المشتاقين، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف بابن القيم الجوزية، تحقيق: محمد عزير شمس، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، الطبعة الأولى.\n١٠٢. الروض النضير الجامع بين تحفة الطلاب والتيسير، قاسم بن محمد النوري، دار البشائر، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٠٣. روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٠٤. رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، محي الدين النووي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١٠٥. زاد المعاد في هدي خير العباد، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن القيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١٠٦. الزهد والرقائق، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.\n١٠٧. الزهد، أبو السري هناد بن السري، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.","vol":"3","page":579},{"text":"١٠٨. الزهد، أبو سفيان وكيع بن الجراح، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n١٠٩. الزهد، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١١٠. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، ١٤١٥ هـ.\n١١١. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب المعارف، الطبعة الأولى.\n١١٢. سنن أبي داود، أبوداوود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، الطبعة الأولى.\n١١٣. السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب الخراساني، المعروف بالنسائي، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١١٤. السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، المعروف: بأبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤ هـ.\n١١٥. سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب الخراساني، المعروف بالنسائي، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n١١٦. سير أعلام النبلاء، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١١٧. السيرة النبوية، عبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن هشام، دار الصحابة للتراث، طنطا، الطبعة الأولى.","vol":"3","page":580},{"text":"١١٨. شأن الدعاء، أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار الثقافة العربية، الطبعة الثالثة، ١٤١٢ هـ.\n١١٩. شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة، د. سعيد بن علي القحطاني، مطبعة السفير، مؤسسة الجريسي، الرياض، الطبعة الأولى.\n١٢٠. شرح الأربعين النووية، محمد بن صالح بن محمد العثيمين، دار الثريا للنشر، الطبعة الأولى.\n١٢١. شرح الأربعين النووية، يحيى بن شرف النووي، صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n١٢٢. شرح الأسماء، شيخ الإسلام فخر الدين الرازي، الطبعة الأولى.\n١٢٣. شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن عبد الباقي الزرقاني المصري الأزهري، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٢٤. شرح السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n١٢٥. شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ١٤١١ هـ.\n١٢٦. شرح العقيدة الطحاوية، صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، دار المودة، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n١٢٧. شرح العقيدة الواسطية، محمد بن صالح العثيمين، خرج أحاديثه واعتنى به: سعد بن فواز الصميل\n١٢٨. شرح المشكاة الطيبي على مشكاة المصابيح، المعروف بالكاشف عن حقائق السنن، شرف الدين الحسين الطيبي، تحقيق: عبد الحميد هنداوي،","vol":"3","page":581},{"text":"مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ\n١٢٩. شرح رياض الصالحين، محمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن للنشر، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١٣٠. شرح صحيح البخاري، ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n١٣١. شرح مشكل الآثار، أبو جعفر أحمد بن محمد، المعروف: بالطحاوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n١٣٢. شرف أصحاب الحديث، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمد سعيد خطي اوغلي، دار إحياء السنة النبوية، أنقرة، الطبعة الأولى.\n١٣٣. شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، مطبعة السفير، الرياض، الطبعة الأولى.\n١٣٤. شعب الإيمان، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، المعروف: بأبو بكر البيهقي، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n١٣٥. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، أبو عبد الله محمد أيوب الزرعي، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n١٣٦. الصارم المسلول على شاتم الرسول، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف: بابن تيمية، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الحرس الوطني السعودي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى.\n١٣٧. صحيح ابن خزيمة، ابن خزيمة، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي،","vol":"3","page":582},{"text":"المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤ هـ.\n١٣٨. صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار الصديق للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، ١٤١٨ هـ.\n١٣٩. صحيح الترغيب والترهيب، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٤٠. صحيح الجامع الصغير، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى.\n١٤١. صحيح سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٤٢. صحيح وضعيف سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٤٣. صحيح وضعيف سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١٤٤. صحيح وضعيف سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، برنامج منظومة التحقيقات الحديثية، من إنتاج مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة.\n١٤٥. صحيح وضعيف سنن النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني المعروف بالنسائي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١٤٦. صفة الصلاة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى.","vol":"3","page":583},{"text":"١٤٧. الصلاة وحكم تركها، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن القيم الجوزية، تحقيق الشيخ كامل عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.\n١٤٨. الصمت، أبو بكر عبد الله بن محمد الأموي القرشي، المعروف: بابن أبي الدنيا، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n١٤٩. الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن قيم الجوزية، تحقيق: علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٥٠. صيد الخاطر، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، بعناية: حسن المساحي سويدان، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى.\n١٥١. الضعفاء الكبير، أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، دار المكتبة العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n١٥٢. ضعيف الجامع الصغير وزيادته، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي.\n١٥٣. طبقات الشافعية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق: عبد الحفيظ منصور، دار المدار الإسلامي، ٢٠٠٤ م\n١٥٤. الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، شمس الدين محمد بن أبي بكر، المعروف بابن القيم الجوزية، تحقيق: نايف بن أحمد مجمع الفقه الإسلامي، جدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٥٥. طريق الهجرتين وباب السعادتين، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن","vol":"3","page":584},{"text":"أيوب، المعروف: بابن القيم الجوزية، دار السلفية، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٩٤ هـ\n١٥٦. العبودية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف: بابن تيمية، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة السابعة، ١٤٢٦ هـ.\n١٥٧. عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن القيم الجوزية، دار ابن كثير، دمشق، مكتبة دار التراث، المدينة المنورة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ هـ.\n١٥٨. العرف الشذي شرح سنن الترمذي، محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشمير، تحقيق: محمود شاكر أبو فهد، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٥٩. العظمة، أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري، المعروف: بأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: رضا الله بن محمد إدريس المباركفوري، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٦٠. عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم السمين الحلبي، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٦١. عمدة القاري شرح صحيح البخاري، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن بدر الدين العينى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى.\n١٦٢. عمل اليوم والليلة، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب الخراساني المعروف: بالنسائي، تحقيق: فاروق حمادة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.","vol":"3","page":585},{"text":"١٦٣. عمل اليوم والليلة، أحمد بن محمد بن إسحاق، المعروف: بابن السني، تحقيق: كوثر البرني، دار القبلة الإسلامية، جدة، الطبعة الأولى.\n١٦٤. غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، شمس الدين أبو العون محمد بن أحمد السفاريني، مؤسسة قرطبة، مصر، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ\n١٦٥. غرائب القرآن ورغائب الفرقان، نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ\n١٦٦. فتاوى اللجنة الدائمة، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الإدارة العامة للطبع، الرياض.\n١٦٧. فتاوى نور على الدرب للعثيمين، محمد بن صالح العثيمين.\n١٦٨. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تصحيح وتحقيق: عبد العزيز بن باز، إخراج وتصحيح: محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩ هـ\n١٦٩. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ومعه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية.\n١٧٠. فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى.\n١٧١. فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي الشوكاني اليمني، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، دمشق، الطبعة","vol":"3","page":586},{"text":"الأولى، ١٤١٤ هـ.\n١٧٢. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف بابن تيمية، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة دار البيان، دمشق، ١٤٠٥ هـ.\n١٧٣. فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، محمد بن نصر الدين محمد عويضة.\n١٧٤. فقه الأدعية والأذكار، عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، الكويت، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n١٧٥. فقه الأسماء الحسنى، عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، دار التوحيد، الرياض، الطبعة الأولى.\n١٧٦. الفوائد، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن القيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ\n١٧٧. القدر، أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، أضواء السلف، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١٧٨. القضاء والقدر، أبو بكر أحمد بن الحسين الخرساني المعروف بالبيهقي، تحقيق: محمد بن عبد الله آل عامر، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٧٩. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، محمد بن صالح العثيمين، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ.\n١٨٠. القول المفيد على كتاب التوحيد، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n١٨١. الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (شرح القصيدة النونية)، شمس","vol":"3","page":587},{"text":"الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن القيم الجوزية، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن العريفى، ناصر بن يحيى الحنيني، عبد الله بن عبد الرحمن الهذيل، فهد بن علي المساعد، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ\n١٨٢. الكامل في التاريخ، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني الجزري، المعروف: بابن الأثير، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٨٣. كتاب التوحيد، محمد بن عبد الوهاب، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد وغيره، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض.\n١٨٤. كتاب السنة، أبو بكر بن أبي عاصم، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n١٨٥. كتاب الصفدية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف: بابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١٨٦. الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، تحقيق: عدنان درويش- محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى.\n١٨٧. لباب التأويل في معاني التنزيل المعروف بتفسير الخازن، علاء الدين علي بن محمد المعروف بالخازن، تحقيق: محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n١٨٨. لسان العرب، محمد بن مكرم الأنصاري المعروف بان منظور، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.","vol":"3","page":588},{"text":"١٨٩. لقاء الباب المفتوح، محمد بن صالح العثيمين، دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.\n١٩٠. مجاز القرآن، أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٣٨١ هـ.\n١٩١. مجلة البحوث الإسلامية -مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة للإدارات البحوث العلمية والإفتاء الدعوة والإرشاد-، مجموعة من المؤلفين، الرئاسة العامة للإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n١٩٢. مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n١٩٣. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة، ١٤١٤ هـ.\n١٩٤. مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، المعروف بابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، ١٤١٦ هـ.\n١٩٥. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: سعد بن فواز الصميل، دار الجوزي، ١٤٢٤ هـ.\n١٩٦. مجموع فتاوى ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله بن باز، أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر.\n١٩٧. مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، محمد بن صالح العثيمين، دار الوطن - دار الثريا، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ\n١٩٨. محاسن التأويل، محمد جمال الدين بن القاسمي، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.","vol":"3","page":589},{"text":"١٩٩. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٢٠٠. مختصر العلو للعلي العظيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق واختصار: محمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n٢٠١. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف: بابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٦ هـ.\n٢٠٢. مدخل إلى دراسة النظم الإسلامية، إسماعيل علي محمد، دار الكلمة، ١٤٣٧ هـ.\n٢٠٣. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ويليه الإكمال في أسماء الرجال، ولي الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، نور الدين ملا علي بن سلطان القاري، تحقيق: جمال العيتاني، دار الكتب العلمية، ١٤٢٢ هـ.\n٢٠٤. مساوئ الأخلاق ومذمومها، أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي، تحقيق: مصطفى بن أبو النصر الشلبي، مكتبة السوادي للتوزيع، جدة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٢٠٥. المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بابن البيع، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٢٠٦. مسند أبي داوود الطيالسي، أبو داوود سليمان بن داوود بن الجارود","vol":"3","page":590},{"text":"الطيالسي، تحقيق: محمد عبد المحسن التركي، دار هجر، مصر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٢٠٧. مسند إسحاق بن راهويه، أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المرزوي المعروف بابن راهويه، تحقيق: عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٢٠٨. مسند الشاميين، أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب الشامي، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٢٠٩. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، المعروق بصحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢١٠. المسند، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: أحمد محمد شاكر- حمزة الزين، دار الحديث، القاهرة، الطبعة، الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٢١١. مشكاة المصابيح، ولي الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة.، ١٩٨٥ م.\n٢١٢. المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر بن أبي شيبة عبد الله بن محمد العبسي، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٢١٣. المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، تحقيق:","vol":"3","page":591},{"text":"حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي، الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٢١٤. مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم، زينب كردي ..\n٢١٥. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار القيم، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٢١٦. المعتمد في أصول الدين، أبو يعلى محمد بن الحسين الحنبلي البغدادي، تحقيق: وديع زيدان حداد، دار المشرق، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٦ م.\n٢١٧. المعجم الأوسط، أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد الشامي، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد- عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الناشر، القاهرة.\n٢١٨. المعجم الصغير، أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد الشامي، تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير، المكتب الإسلامي، دار عمار، بيروت، عمان، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٢١٩. معجم الفروق اللغوية، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري، تحقيق: بيت الله بيات، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ. …\n٢٢٠. معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.\n٢٢١. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٢٢. المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بـ","vol":"3","page":592},{"text":"الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدار الشامية، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ. …\n٢٢٣. المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي، الناشر الجفان والجابي، قبرص، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٢٢٤. مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها، أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي السامري، تحقيق: أيمن عبد الجابر البحيري، دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، المكتب الإسلامي\n٢٢٥. المنتخب من مسند عبد بن حميد، أبو محمد عبد الحميد بن حميد بن نصر الكسي ويقال له الكشى، تحقيق: مصطفى العدوي، دار بلنسية، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ\n٢٢٦. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.\n٢٢٧. المنهاج في شعب الإيمان، أبو عبد الله الحليمي الحسين بن الحسن البخاري الجرجاني، تحقيق: حلمي محمد فودة، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n٢٢٨. منهج الإمام ابن القيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى، مشرف بن علي بن عبد الله الغامدي، إشراف: أحمد بن عبد اللطيف آل العبد اللطيف، ١٤٢٣ - ١٤٢٤ هـ\n٢٢٩. موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، المحقق محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية.\n٢٣٠. المواهب الربانية من الآيات القرآنية، عبد الرحمن بن ناصر السعدي،","vol":"3","page":593},{"text":"اعتنى به: عمر بن عبد الله المقبل، الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ.\n٢٣١. موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق، ياسر عبد الرحمن، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٢٣٢. موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، محمد جمال الدين بن محمد القاسمي، تحقيق: مأمون بن محيي الدين الجنان، دار الكتب العلمية، ١٤١٥ هـ.\n٢٣٣. النبوات، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي المعروف: بابن تيمية، تحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٢٣٤. نضرة النعيم في أخلاق الرسول الكريم، عدد من المختصين بإشراف: صالح بن عبد الله بن حميد، دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الرابعة.\n٢٣٥. النظم الإسلامية، عبد الرحمن الضحياني، دار المآثر، المدنية المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٢٣٦. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، إبراهيم بن عمر البقاعي، دار الكتب الإسلامي، القاهرة.\n٢٣٧. النكت والعيون أبو الحسن علي بن محمد البغدادي المعروف بالماوردي، تحقيق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٣٨. النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الشيباني الجزري المعروف: بابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت، ١٣٩٩ هـ.","vol":"3","page":594},{"text":"٢٣٩. النهج الأسمي في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، مكتبة الإمام الذهبي، الكويت.\n٢٤٠. نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن العباس، عبد الرحمن أحمد بن رجب الحنبلي، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٢٤١. الوابل الصيب من الكلم الطيب، شمس الدين محمد بن أبي بكر، المعروف: بابن القيم الجوزية، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الثالثة، ١٩٩٩ م.\n٢٤٢. الورع، أبو بكر عبد الله بن محمد الأموي القرشي، المعروف: بابن أبي الدنيا، تحقيق: أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود، الدار السلفية، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٢٤٣. ولاية الله والطريق إليها، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: إبراهيم هلال، دار الكتب الحديثة، القاهرة.\n٢٤٤. اليوم الآخر، عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر، دار النفائس، ١٤١٥ هـ.","vol":"3","page":595}]}