{"ً":{"ٌ":7249,"ٍ":"مناهل العرفان في علوم القرآن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/مناهل العرفان في علم القرآن - الزرقاني - ط الحلبي 01-02","files":["01_58915.pdf","02_58916.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مناهل العرفان في علوم القرآن\nالمؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (ت ١٣٦٧هـ)\nالناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه\nالطبعة: الطبعة الثالثة\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":994,"ٕ":4,"ٖ":1770155390,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المجلد الأول","level":1,"page":1},{"title":"تصدير الطبعة الثالثة وفهرسها","level":2,"page":1},{"title":"مقدمة في القرآن وعلومه ومنهجي في التأليف","level":2,"page":8},{"title":"المبحث الأول: في معنى علوم القرآن","level":2,"page":11},{"title":"مدخل","level":3,"page":11},{"title":"القرآن في الاصطلاح","level":3,"page":15},{"title":"القرآن عند المتكلمين","level":3,"page":18},{"title":"القرآن عند الأصوليين والفقهاء وعلماء العربية","level":3,"page":21},{"title":"هل القرآن علم شخص؟","level":3,"page":24},{"title":"هل يصاغ للأعلام تعاريف","level":3,"page":25},{"title":"إطلاق القرآن على الكل وعلى أبعاضه","level":3,"page":26},{"title":"معنى علوم القرآن بالمعنى الإضافي","level":3,"page":28},{"title":"القرآن كتاب هداية وإعجاز","level":3,"page":30},{"title":"القرآن يحض على الانتفاع بالكون","level":3,"page":31},{"title":"إعجاز علمي للقرآن","level":3,"page":32},{"title":"معنى علوم القرآن كفن مدون وموضوعه وفائدته","level":3,"page":35},{"title":"المبحث الثاني: في تاريخ علوم القرآن وظهور اصطلاحه","level":2,"page":37},{"title":"عهد ما قبل التدوين","level":3,"page":37},{"title":"عهد التمهيد لتدوين علوم القرآن","level":3,"page":39},{"title":"عهد التدوين لعلوم القرآن بالمعنى الإضافي","level":3,"page":41},{"title":"أول عهد لظهور هذا الاصطلاح","level":3,"page":45},{"title":"علوم القرآن في القرن الأخير","level":3,"page":49},{"title":"خلاصة","level":3,"page":51},{"title":"المبحث الثالث: نزول القرآن","level":2,"page":53},{"title":"معنى نزول القرآن","level":3,"page":53},{"title":"تنزلات القرآن","level":3,"page":57},{"title":"كيفية أخذ جبريل للقرآن وعمن أخذ","level":3,"page":62},{"title":"ما الذي نزل به جبريل؟","level":3,"page":64},{"title":"مدة هذا النزول","level":3,"page":68},{"title":"دليل تنجيم هذا النزول","level":3,"page":70},{"title":"الحكم والأسرار في تنجيم القرآن","level":3,"page":72},{"title":"الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتقوية قلبه","level":4,"page":72},{"title":"الحكمة الثانية: التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علما وعملا","level":4,"page":75},{"title":"الحكمة الثالثة: مسايرة الحودث والطواىء في تجددها وتفرقها","level":4,"page":78},{"title":"الحكمة الرابعة: الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه كلام الله وحده","level":4,"page":81},{"title":"المعركة الطاحنة أو الوحي بين معتقديه ومنكريه","level":3,"page":84},{"title":"مدخل","level":4,"page":84},{"title":"حقيقة الوحي وأنواعه وكيفياته","level":4,"page":85},{"title":"الوحي من ناحية العلم","level":4,"page":88},{"title":"الوحي من ناحية العقل","level":4,"page":97},{"title":"دفع الشبهات","level":4,"page":101},{"title":"المبحث الرابع: في أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن","level":2,"page":117},{"title":"مدخل","level":3,"page":117},{"title":"أول ما نزل على الإطلاق","level":3,"page":118},{"title":"آخر ما نزل على الإطلاق","level":3,"page":122},{"title":"مثلان من أوائل وأواخر مخصوصة","level":3,"page":127},{"title":"ملاحظة","level":3,"page":130},{"title":"المبحث الخامس: في أسباب النزول","level":2,"page":132},{"title":"مدخل","level":3,"page":132},{"title":"معنى سبب النزول","level":3,"page":133},{"title":"فوائد معرفة أسباب النزول","level":3,"page":136},{"title":"طريق معرفة سبب النزول","level":3,"page":141},{"title":"التعبير عن سبب النزول","level":3,"page":142},{"title":"تعدد الأسباب والنازل واحد","level":3,"page":145},{"title":"تعدد النازل والسبب واحد","level":3,"page":151},{"title":"العموم والخصوص بين لفظ الشارع وسببه","level":3,"page":154},{"title":"عموم اللفظ وخصوص سببه","level":3,"page":157},{"title":"أدلة الجمهور","level":3,"page":160},{"title":"شبهات المخالفين وتفنيدها","level":3,"page":164},{"title":"شبيه بالسبب الخاص مع اللفظ العام","level":3,"page":169},{"title":"المبحث السادس: في نزول القرآن على سبعة أحرف","level":2,"page":172},{"title":"مدخل","level":3,"page":172},{"title":"أدلة نزول القرآن على سبعة أحرف","level":3,"page":174},{"title":"شواهد بارزة في هذه الأحاديث الواردة","level":3,"page":180},{"title":"معنى نزول القرآن على سبعة أحرف","level":3,"page":188},{"title":"الوجوه السبعة في المذهب المختار","level":3,"page":190},{"title":"لماذا اخترنا هذا المذهب؟","level":3,"page":193},{"title":"الذين قالوا بهذا المذهب","level":3,"page":194},{"title":"النسبة بين هذه المذاهب ومذهب الرازي","level":3,"page":197},{"title":"دفع الاعتراضات الواردة على هذا المذهب","level":3,"page":200},{"title":"بقاء الأحرف السبعة في المصاحف","level":3,"page":204},{"title":"الأقوال الأخرى ودفعها","level":3,"page":208},{"title":"ردود إجمالية لهذه الأقوال الأخيرة","level":3,"page":220},{"title":"علاج الشبهات الواردة","level":3,"page":222},{"title":"المبحث السابع: في المكي والمدني من القرآن الكريم","level":2,"page":231},{"title":"مدخل","level":3,"page":231},{"title":"الاصطلاحات في معنى المكي والمدني","level":3,"page":232},{"title":"فائدة العلم بالمكي والمدني","level":3,"page":235},{"title":"الطريق الموصلة إلى معرفة المكي والمدني","level":3,"page":236},{"title":"الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني","level":3,"page":237},{"title":"السور المكية والمدنية والمختلف فيها","level":3,"page":240},{"title":"أنواع السور المكية والمدنية","level":3,"page":242},{"title":"وجوه تتعلق بالمكي والمدني","level":3,"page":244},{"title":"فروق أخرى بين المكي والمدني","level":3,"page":246},{"title":"نقض الشبهات التي أثيرت حول هذا الموضوع","level":3,"page":249},{"title":"مدخل","level":4,"page":249},{"title":"الشبهة الأولى","level":4,"page":250},{"title":"الشبهة الثانية","level":4,"page":260},{"title":"الشبهة الثالثة","level":4,"page":263},{"title":"الشبهة الرابعة","level":4,"page":266},{"title":"الشبهة الخامسة","level":4,"page":272},{"title":"الشبهة السادسة","level":4,"page":284},{"title":"المبحث الثامن: في جمع القرآن وتاريخه والرد على ما يثار حوله من شبه ونماذج من الروايات الواردة في ذلك","level":2,"page":287},{"title":"مدخل","level":3,"page":287},{"title":"جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور","level":3,"page":289},{"title":"جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد رسول الله ﷺ","level":3,"page":295},{"title":"لماذا لم يجمع القرآن أيامئذ في صحف ولا مصاحف؟","level":3,"page":298},{"title":"جمع القرآن على عهد أبي بكر ﵁","level":3,"page":300},{"title":"جمع القرآن على عهد عثمان ﵁","level":3,"page":307},{"title":"الرد على ما يثار حول جمع القرآن من شبه","level":3,"page":316},{"title":"الشبهة الأولى","level":4,"page":316},{"title":"الشبهة الثانية","level":4,"page":328},{"title":"الشبهة الثالثة","level":4,"page":333},{"title":"الشبهة الرابعة","level":4,"page":336},{"title":"الشبهة الخامسة","level":4,"page":338},{"title":"الشبهة السادسة","level":4,"page":341},{"title":"خط منيع من خطوط الدفاع عن الكتاب والسنة","level":3,"page":345},{"title":"مدخل","level":4,"page":345},{"title":"الجبهة الأولى (أو الدواعي والعوامل في حفظ الصحابة للكتاب والسنة ونقلهم لهما)","level":4,"page":347},{"title":"الجبهة الثانية (أو عوامل تثبت الصحابة في الكتاب والسنة)","level":4,"page":372},{"title":"المبحث التاسع: في ترتيب آيات القرآن وسوره","level":2,"page":395},{"title":"معنى الاية","level":3,"page":395},{"title":"طريقة معرفة الآية","level":3,"page":397},{"title":"عدد آيات القرآن","level":3,"page":401},{"title":"فوائد معرفة الآيات","level":3,"page":403},{"title":"ترتيب آيات القرآن","level":3,"page":406},{"title":"ترتيب السور","level":3,"page":411},{"title":"المبحث العاشر: في كتابة القرآن ورسمه ومصاحفه وما يتعلق بذلك","level":2,"page":423},{"title":"الكتابة","level":3,"page":423},{"title":"رسم المصحف","level":3,"page":431},{"title":"الشبهات التي أثيرت حول كتابة القرآن ورسمه","level":3,"page":449},{"title":"المصاحف تفصيلا","level":3,"page":463},{"title":"المبحث الحادي عشر: في القراءات والقراء والشبهات التي أثيرت في هذا المقام","level":2,"page":476},{"title":"القراءات","level":3,"page":476},{"title":"القراء","level":3,"page":520},{"title":"نقض الشبهات التي أثيرت في هذا المقام","level":3,"page":536},{"title":"المجلد الثاني","level":1,"page":543},{"title":"المبحث الثاني عشر: في التفسير والمفسرين وما يتعلق بهما","level":2,"page":543},{"title":"التفسير","level":3,"page":543},{"title":"أقسام التفسير","level":3,"page":551},{"title":"التفسير المأثور","level":3,"page":553},{"title":"المفسرون من الصحابة","level":3,"page":556},{"title":"تفسير ابن عباس","level":3,"page":559},{"title":"الرواية عن غير ابن عباس من الصحابة","level":3,"page":561},{"title":"المفسرون من التابعين","level":3,"page":563},{"title":"ضعف الرواية بالمأثور وأسبابه","level":3,"page":567},{"title":"تدوين التفسير بالمأثور","level":3,"page":573},{"title":"التفسير بالرأي","level":3,"page":595},{"title":"العلوم التي يحتاجها المفسر","level":3,"page":598},{"title":"منهج المفسرين بالرأي","level":3,"page":607},{"title":"قانون الترجيح عند الاحتمال","level":3,"page":609},{"title":"أوجه بيان السنة للقرآن","level":3,"page":610},{"title":"التعارض بين التفسير بالرأي","level":3,"page":612},{"title":"أهم كتب التفسير بالرأي","level":3,"page":615},{"title":"تفاسير الفرق المختلفة","level":3,"page":620},{"title":"تفاسير المعتزلة","level":3,"page":621},{"title":"تفاسير الباطنية","level":3,"page":626},{"title":"تفاسير الشيعة","level":3,"page":629},{"title":"التفسير الإشاري","level":3,"page":631},{"title":"نصيحة خالصة","level":3,"page":642},{"title":"تفاسير أهل الكلام","level":3,"page":650},{"title":"مزج العلوم الأدبية والكونية","level":3,"page":652},{"title":"كلمة ختامية","level":3,"page":660},{"title":"المبحث الثالث عشر: في ترجمة القران وحكمها تفصيلا","level":2,"page":663},{"title":"مدخل","level":3,"page":663},{"title":"القرآن ومعانيه ومقاصده","level":3,"page":677},{"title":"مقاصد القرآن الكريم","level":3,"page":681},{"title":"حكم ترجمة القرآن تفصيلا","level":3,"page":690},{"title":"ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغة أجنبية","level":3,"page":692},{"title":"فوائد الترجمة بهذا المعنى","level":3,"page":697},{"title":"دفع الشبهات عن هذه الترجمة","level":3,"page":700},{"title":"ترجمة القرآن بمعنى نقله إلى لغة أخرى","level":3,"page":704},{"title":"دفع الشبهات الواردة على منع هذه الترجمة","level":3,"page":715},{"title":"حكم قراءة الترجمة والصلاة بها","level":3,"page":723},{"title":"توجيهات وتعليقات","level":3,"page":728},{"title":"موقف الأزهر من ترجمة القرآن الكريم","level":3,"page":734},{"title":"فذلكة المبحث","level":3,"page":738},{"title":"المبحث الرابع عشر: في النسخ","level":2,"page":740},{"title":"أهمية هذا المبحث","level":3,"page":740},{"title":"ما هو النسخ","level":3,"page":743},{"title":"ما لا بد منه في النسخ","level":3,"page":748},{"title":"الفرق بين النسخ والبداء","level":3,"page":749},{"title":"الفرق بين النسخ والتخصيص","level":3,"page":754},{"title":"النسخ بين مثبتيه ومنكريه","level":3,"page":757},{"title":"أدلة ثبوت النسخ عقلا وسمعا","level":3,"page":759},{"title":"حكمة الله في النسخ","level":3,"page":766},{"title":"شبهات المنكرين للنسخ ودفعها","level":3,"page":770},{"title":"طرق معرفة النسخ","level":3,"page":783},{"title":"ما يتناوله النسخ","level":3,"page":786},{"title":"أنواع النسخ في القرآن","level":3,"page":790},{"title":"شبهات أولئك المانعين ودفعها","level":3,"page":793},{"title":"النسخ ببدل وبغير بدل","level":3,"page":797},{"title":"شبهة ودفعها","level":3,"page":799},{"title":"نسخ الحكم ببدل أخف أو مساو أو أثقل","level":3,"page":800},{"title":"شبهات المانعين ودفعها","level":3,"page":802},{"title":"نسخ الطلب قبل التمكن في امتثاله","level":3,"page":807},{"title":"شبهات المنكرين ودفعها","level":3,"page":811},{"title":"النسخ في دورانه بين الكتاب والسنة","level":3,"page":818},{"title":"نسخ القياس والنسخ به","level":3,"page":832},{"title":"نسخ الإجماع والنسخ به","level":3,"page":836},{"title":"موقف العلماء من الناسخ والمنسوخ","level":3,"page":838},{"title":"منشأ غلط المتزيدين تفصيلا","level":3,"page":840},{"title":"الآيات التي اشتهرت بأنها منسوخة","level":3,"page":842},{"title":"المبحث الخامس عشر: في محكم القرآن ومتشابهه","level":2,"page":858},{"title":"معنى محكم القران ومتشابه","level":3,"page":858},{"title":"آراء العلماء في معنى المحكم والمتشابه","level":3,"page":861},{"title":"منشأ التشابه وأقسامه وأمثلته","level":3,"page":867},{"title":"أنواع المتشابهات","level":3,"page":871},{"title":"متشابه الصفات","level":3,"page":876},{"title":"دفع الشبهات الواردة في هذا المقام","level":3,"page":884},{"title":"المبحث السادس عشر: في اسلوب القران الكريم","level":2,"page":894},{"title":"معنى الاسلوب","level":3,"page":894},{"title":"خصائص أسلوب القرآن","level":3,"page":902},{"title":"تعليق وتمثيل","level":3,"page":919},{"title":"الشبهات الواردة على أسلوب القرآن","level":3,"page":924},{"title":"المبحث السابع عشر: في إعجاز القرآن وما يتعلق به","level":2,"page":925},{"title":"مدخل","level":3,"page":925},{"title":"وجوه اعجاز القرآن","level":3,"page":927},{"title":"الوجه الأول: لغته وأسلوبه","level":4,"page":927},{"title":"الوجه الثاني: طريقة تأليفه","level":4,"page":936},{"title":"الوجه الثالث: علومه ومعارفه","level":4,"page":939},{"title":"الوجه الرابع: وفاؤه بحاجات البشر","level":4,"page":949},{"title":"الوجه الخامس: موقف القران من العلوم الكونية","level":4,"page":952},{"title":"الوجه السادس: سياسته في الإصلاح","level":4,"page":961},{"title":"الوجه السابع: أنباء الغيب فيه","level":4,"page":967},{"title":"الوجه الثامن: آيات العتاب","level":4,"page":990},{"title":"الوجه التاسع: ما نزل بعد طول انتظار","level":4,"page":997},{"title":"الوجه العاشر: مظهر النبي ﷺ عند هبوط الوحي عليه","level":4,"page":1002},{"title":"الوجه الحادي عشر: آية المباهلة","level":4,"page":1004},{"title":"الوجه الثاني عشر: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له","level":4,"page":1006},{"title":"الوجه الثالث عشر: الآيات التي تجرد الرسول من نسبتها إليه","level":4,"page":1008},{"title":"الوجه الرابع عشر: تأثير القرآن ونجاحه","level":4,"page":1011},{"title":"وجوه معلولة","level":3,"page":1019},{"title":"شبهة القول بالصرفة","level":3,"page":1021},{"title":"دفع الشبهات الواردة في هذا المقام","level":3,"page":1028},{"title":"خلاصة","level":3,"page":1043},{"title":"كلمة الختام","level":3,"page":1045}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":22,"1,21":23,"1,22":25,"1,23":27,"1,24":29,"1,25":31,"1,26":33,"1,27":34,"1,28":36,"1,29":38,"1,30":39,"1,31":40,"1,32":42,"1,33":43,"1,34":44,"1,35":46,"1,36":47,"1,37":48,"1,38":49,"1,39":50,"1,40":52,"1,41":54,"1,42":55,"1,43":56,"1,44":58,"1,45":59,"1,46":60,"1,47":61,"1,48":63,"1,49":65,"1,50":66,"1,51":67,"1,52":69,"1,53":71,"1,54":73,"1,55":74,"1,56":76,"1,57":77,"1,58":78,"1,59":79,"1,60":80,"1,61":82,"1,62":83,"1,63":84,"1,64":86,"1,65":87,"1,66":89,"1,67":90,"1,68":91,"1,69":92,"1,70":93,"1,71":94,"1,72":95,"1,73":96,"1,74":98,"1,75":99,"1,76":100,"1,77":102,"1,78":103,"1,79":104,"1,80":105,"1,81":106,"1,82":107,"1,83":108,"1,84":109,"1,85":110,"1,86":111,"1,87":112,"1,88":113,"1,89":114,"1,90":115,"1,91":116,"1,92":117,"1,93":118,"1,94":119,"1,95":120,"1,96":121,"1,97":123,"1,98":124,"1,99":125,"1,100":126,"1,101":127,"1,102":128,"1,103":129,"1,104":130,"1,105":131,"1,106":132,"1,107":134,"1,108":135,"1,109":136,"1,110":137,"1,111":138,"1,112":139,"1,113":140,"1,114":141,"1,115":143,"1,116":144,"1,117":146,"1,118":147,"1,119":148,"1,120":149,"1,121":150,"1,122":152,"1,123":153,"1,124":155,"1,125":156,"1,126":158,"1,127":159,"1,128":161,"1,129":162,"1,130":163,"1,131":165,"1,132":166,"1,133":167,"1,134":168,"1,135":169,"1,136":170,"1,137":171,"1,138":173,"1,139":174,"1,140":175,"1,141":176,"1,142":177,"1,143":178,"1,144":179,"1,145":180,"1,146":181,"1,147":182,"1,148":183,"1,149":184,"1,150":185,"1,151":186,"1,152":187,"1,153":188,"1,154":189,"1,155":190,"1,156":191,"1,157":192,"1,158":194,"1,159":195,"1,160":196,"1,161":197,"1,162":198,"1,163":199,"1,164":200,"1,165":201,"1,166":202,"1,167":203,"1,168":204,"1,169":205,"1,170":206,"1,171":207,"1,172":208,"1,173":209,"1,174":210,"1,175":211,"1,176":212,"1,177":213,"1,178":214,"1,179":215,"1,180":216,"1,181":217,"1,182":218,"1,183":219,"1,184":221,"1,185":223,"1,186":224,"1,187":225,"1,188":226,"1,189":227,"1,190":228,"1,191":229,"1,192":230,"1,193":232,"1,194":233,"1,195":234,"1,196":236,"1,197":238,"1,198":239,"1,199":241,"1,200":243,"1,201":245,"1,202":246,"1,203":247,"1,204":248,"1,205":249,"1,206":250,"1,207":251,"1,208":252,"1,209":253,"1,210":254,"1,211":255,"1,212":256,"1,213":257,"1,214":258,"1,215":259,"1,216":260,"1,217":261,"1,218":262,"1,219":264,"1,220":265,"1,221":267,"1,222":268,"1,223":269,"1,224":270,"1,225":271,"1,226":273,"1,227":274,"1,228":275,"1,229":276,"1,230":277,"1,231":278,"1,232":279,"1,233":280,"1,234":281,"1,235":282,"1,236":283,"1,237":284,"1,238":285,"1,239":286,"1,240":288,"1,241":290,"1,242":291,"1,243":292,"1,244":293,"1,245":294,"1,246":295,"1,247":296,"1,248":297,"1,249":299,"1,250":301,"1,251":302,"1,252":303,"1,253":304,"1,254":305,"1,255":306,"1,256":308,"1,257":309,"1,258":310,"1,259":311,"1,260":312,"1,261":313,"1,262":314,"1,263":315,"1,264":317,"1,265":318,"1,266":319,"1,267":320,"1,268":321,"1,269":322,"1,270":323,"1,271":324,"1,272":325,"1,273":326,"1,274":327,"1,275":328,"1,276":329,"1,277":330,"1,278":331,"1,279":332,"1,280":333,"1,281":334,"1,282":335,"1,283":336,"1,284":337,"1,285":339,"1,286":340,"1,287":342,"1,288":343,"1,289":344,"1,290":346,"1,291":347,"1,292":348,"1,293":349,"1,294":350,"1,295":351,"1,296":352,"1,297":353,"1,298":354,"1,299":355,"1,300":356,"1,301":357,"1,302":358,"1,303":359,"1,304":360,"1,305":361,"1,306":362,"1,307":363,"1,308":364,"1,309":365,"1,310":366,"1,311":367,"1,312":368,"1,313":369,"1,314":370,"1,315":371,"1,316":372,"1,317":373,"1,318":374,"1,319":375,"1,320":376,"1,321":377,"1,322":378,"1,323":379,"1,324":380,"1,325":381,"1,326":382,"1,327":383,"1,328":384,"1,329":385,"1,330":386,"1,331":387,"1,332":388,"1,333":389,"1,334":390,"1,335":391,"1,336":392,"1,337":393,"1,338":394,"1,339":396,"1,340":397,"1,341":398,"1,342":399,"1,343":400,"1,344":402,"1,345":404,"1,346":405,"1,347":407,"1,348":408,"1,349":409,"1,350":410,"1,351":412,"1,352":413,"1,353":414,"1,354":415,"1,355":416,"1,356":417,"1,357":418,"1,358":419,"1,359":420,"1,360":421,"1,361":422,"1,362":424,"1,363":425,"1,364":426,"1,365":427,"1,366":428,"1,367":429,"1,368":430,"1,369":431,"1,370":432,"1,371":433,"1,372":434,"1,373":435,"1,374":436,"1,375":437,"1,376":438,"1,377":439,"1,378":440,"1,379":441,"1,380":442,"1,381":443,"1,382":444,"1,383":445,"1,384":446,"1,385":447,"1,386":448,"1,387":450,"1,388":451,"1,389":452,"1,390":453,"1,391":454,"1,392":455,"1,393":456,"1,394":457,"1,395":458,"1,396":459,"1,397":460,"1,398":461,"1,399":462,"1,400":464,"1,401":465,"1,402":466,"1,403":467,"1,404":468,"1,405":469,"1,406":470,"1,407":471,"1,408":472,"1,409":473,"1,410":474,"1,411":475,"1,412":476,"1,413":477,"1,414":478,"1,415":479,"1,416":480,"1,417":481,"1,418":482,"1,419":483,"1,420":484,"1,421":485,"1,422":486,"1,423":487,"1,424":488,"1,425":489,"1,426":490,"1,427":491,"1,428":492,"1,429":493,"1,430":494,"1,431":495,"1,432":496,"1,433":497,"1,434":498,"1,435":499,"1,436":500,"1,437":501,"1,438":502,"1,439":503,"1,440":504,"1,441":505,"1,442":506,"1,443":507,"1,444":508,"1,445":509,"1,446":510,"1,447":511,"1,448":512,"1,449":513,"1,450":514,"1,451":515,"1,452":516,"1,453":517,"1,454":518,"1,455":519,"1,456":520,"1,457":521,"1,458":522,"1,459":523,"1,460":524,"1,461":525,"1,462":526,"1,463":527,"1,464":528,"1,465":529,"1,466":530,"1,467":531,"1,468":532,"1,469":533,"1,470":534,"1,471":535,"1,472":537,"1,473":538,"1,474":539,"1,475":540,"1,476":541,"1,477":542,"2,3":543,"2,4":544,"2,5":545,"2,6":546,"2,7":547,"2,8":548,"2,9":549,"2,10":550,"2,11":552,"2,12":553,"2,13":554,"2,14":555,"2,15":557,"2,16":558,"2,17":560,"2,18":561,"2,19":562,"2,20":564,"2,21":565,"2,22":566,"2,23":567,"2,24":568,"2,25":569,"2,26":570,"2,27":571,"2,28":572,"2,29":574,"2,30":575,"2,31":576,"2,32":577,"2,33":578,"2,34":579,"2,35":580,"2,36":581,"2,37":582,"2,38":583,"2,39":584,"2,40":585,"2,41":586,"2,42":587,"2,43":588,"2,44":589,"2,45":590,"2,46":591,"2,47":592,"2,48":593,"2,49":594,"2,50":596,"2,51":597,"2,52":599,"2,53":600,"2,54":601,"2,55":602,"2,56":603,"2,57":604,"2,58":605,"2,59":606,"2,60":608,"2,61":609,"2,62":610,"2,63":611,"2,64":613,"2,65":614,"2,66":616,"2,67":617,"2,68":618,"2,69":619,"2,70":621,"2,71":622,"2,72":623,"2,73":624,"2,74":625,"2,75":627,"2,76":628,"2,77":630,"2,78":631,"2,79":632,"2,80":633,"2,81":634,"2,82":635,"2,83":636,"2,84":637,"2,85":638,"2,86":639,"2,87":640,"2,88":641,"2,89":642,"2,90":643,"2,91":644,"2,92":645,"2,93":646,"2,94":647,"2,95":648,"2,96":649,"2,97":651,"2,98":653,"2,99":654,"2,100":655,"2,101":656,"2,102":657,"2,103":658,"2,104":659,"2,105":661,"2,106":662,"2,107":663,"2,108":664,"2,109":665,"2,110":666,"2,111":667,"2,112":668,"2,113":669,"2,114":670,"2,115":671,"2,116":672,"2,117":673,"2,118":674,"2,119":675,"2,120":676,"2,121":678,"2,122":679,"2,123":680,"2,124":682,"2,125":683,"2,126":684,"2,127":685,"2,128":686,"2,129":687,"2,130":688,"2,131":689,"2,132":691,"2,133":692,"2,134":693,"2,135":694,"2,136":695,"2,137":696,"2,138":698,"2,139":699,"2,140":700,"2,141":701,"2,142":702,"2,143":703,"2,144":705,"2,145":706,"2,146":707,"2,147":708,"2,148":709,"2,149":710,"2,150":711,"2,151":712,"2,152":713,"2,153":714,"2,154":716,"2,155":717,"2,156":718,"2,157":719,"2,158":720,"2,159":721,"2,160":722,"2,161":724,"2,162":725,"2,163":726,"2,164":727,"2,165":729,"2,166":730,"2,167":731,"2,168":732,"2,169":733,"2,170":735,"2,171":736,"2,172":737,"2,173":739,"2,174":741,"2,175":742,"2,176":744,"2,177":745,"2,178":746,"2,179":747,"2,180":748,"2,181":750,"2,182":751,"2,183":752,"2,184":753,"2,185":755,"2,186":756,"2,187":758,"2,188":760,"2,189":761,"2,190":762,"2,191":763,"2,192":764,"2,193":765,"2,194":766,"2,195":767,"2,196":768,"2,197":769,"2,198":771,"2,199":772,"2,200":773,"2,201":774,"2,202":775,"2,203":776,"2,204":777,"2,205":778,"2,206":779,"2,207":780,"2,208":781,"2,209":782,"2,210":784,"2,211":785,"2,212":787,"2,213":788,"2,214":789,"2,215":791,"2,216":792,"2,217":794,"2,218":795,"2,219":796,"2,220":797,"2,221":798,"2,222":800,"2,223":801,"2,224":803,"2,225":804,"2,226":805,"2,227":806,"2,228":808,"2,229":809,"2,230":810,"2,231":812,"2,232":813,"2,233":814,"2,234":815,"2,235":816,"2,236":817,"2,237":819,"2,238":820,"2,239":821,"2,240":822,"2,241":823,"2,242":824,"2,243":825,"2,244":826,"2,245":827,"2,246":828,"2,247":829,"2,248":830,"2,249":831,"2,250":833,"2,251":834,"2,252":835,"2,253":837,"2,254":839,"2,255":841,"2,256":843,"2,257":844,"2,258":845,"2,259":846,"2,260":847,"2,261":848,"2,262":849,"2,263":850,"2,264":851,"2,265":852,"2,266":853,"2,267":854,"2,268":855,"2,269":856,"2,270":857,"2,271":859,"2,272":860,"2,273":862,"2,274":863,"2,275":864,"2,276":865,"2,277":866,"2,278":867,"2,279":868,"2,280":869,"2,281":870,"2,282":872,"2,283":873,"2,284":874,"2,285":875,"2,286":876,"2,287":877,"2,288":878,"2,289":879,"2,290":880,"2,291":881,"2,292":882,"2,293":883,"2,294":885,"2,295":886,"2,296":887,"2,297":888,"2,298":889,"2,299":890,"2,300":891,"2,301":892,"2,302":893,"2,303":895,"2,304":896,"2,305":897,"2,306":898,"2,307":899,"2,308":900,"2,309":901,"2,310":903,"2,311":904,"2,312":905,"2,313":906,"2,314":907,"2,315":908,"2,316":909,"2,317":910,"2,318":911,"2,319":912,"2,320":913,"2,321":914,"2,322":915,"2,323":916,"2,324":917,"2,325":918,"2,326":919,"2,327":920,"2,328":921,"2,329":922,"2,330":923,"2,331":925,"2,332":926,"2,333":928,"2,334":929,"2,335":930,"2,336":931,"2,337":932,"2,338":933,"2,339":934,"2,340":935,"2,341":937,"2,342":938,"2,343":940,"2,344":941,"2,345":942,"2,346":943,"2,347":944,"2,348":945,"2,349":946,"2,350":947,"2,351":948,"2,352":950,"2,353":951,"2,354":953,"2,355":954,"2,356":955,"2,357":956,"2,358":957,"2,359":958,"2,360":959,"2,361":960,"2,362":962,"2,363":963,"2,364":964,"2,365":965,"2,366":966,"2,367":967,"2,368":968,"2,369":969,"2,370":970,"2,371":971,"2,372":972,"2,373":973,"2,374":974,"2,375":975,"2,376":976,"2,377":977,"2,378":978,"2,379":979,"2,380":980,"2,381":981,"2,382":982,"2,383":983,"2,384":984,"2,385":985,"2,386":986,"2,387":987,"2,388":988,"2,389":989,"2,390":991,"2,391":992,"2,392":993,"2,393":994,"2,394":995,"2,395":996,"2,396":998,"2,397":999,"2,398":1000,"2,399":1001,"2,400":1003,"2,401":1005,"2,402":1007,"2,403":1008,"2,404":1009,"2,405":1010,"2,406":1012,"2,407":1013,"2,408":1014,"2,409":1015,"2,410":1016,"2,411":1017,"2,412":1018,"2,413":1019,"2,414":1020,"2,415":1022,"2,416":1023,"2,417":1024,"2,418":1025,"2,419":1026,"2,420":1027,"2,421":1029,"2,422":1030,"2,423":1031,"2,424":1032,"2,425":1033,"2,426":1034,"2,427":1035,"2,428":1036,"2,429":1037,"2,430":1038,"2,431":1039,"2,432":1040,"2,433":1041,"2,434":1042,"2,435":1043,"2,436":1044,"2,437":1045},"ٜ":{"1":[3,477],"2":[3,437]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,12","1,13","1,14","1,15","1,15","1,16","1,17","1,17","1,18","1,19","1,19","1,20","1,21","1,21","1,22","1,22","1,23","1,23","1,24","1,24","1,25","1,25","1,26","1,27","1,27","1,28","1,28","1,29","1,30","1,31","1,31","1,32","1,33","1,34","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,39","1,40","1,40","1,41","1,42","1,43","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,47","1,48","1,48","1,49","1,50","1,51","1,51","1,52","1,52","1,53","1,53","1,54","1,55","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,60","1,61","1,62","1,63","1,63","1,64","1,65","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,73","1,74","1,75","1,76","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,114","1,115","1,116","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,121","1,122","1,123","1,123","1,124","1,125","1,125","1,126","1,127","1,127","1,128","1,129","1,130","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,183","1,184","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,192","1,193","1,194","1,195","1,195","1,196","1,196","1,197","1,198","1,198","1,199","1,199","1,200","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,218","1,219","1,220","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,239","1,240","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,248","1,249","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,284","1,285","1,286","1,286","1,287","1,288","1,289","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,343","1,344","1,344","1,345","1,346","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,14","2,15","2,16","2,16","2,17","2,18","2,19","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,49","2,50","2,51","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,63","2,64","2,65","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,74","2,75","2,76","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,96","2,97","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,120","2,121","2,122","2,123","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,169","2,170","2,171","2,172","2,172","2,173","2,173","2,174","2,175","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,184","2,185","2,186","2,186","2,187","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,209","2,210","2,211","2,211","2,212","2,213","2,214","2,214","2,215","2,216","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,221","2,222","2,223","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,227","2,228","2,229","2,230","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,249","2,250","2,251","2,252","2,252","2,253","2,253","2,254","2,254","2,255","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,270","2,271","2,272","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,330","2,331","2,332","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,340","2,341","2,342","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,351","2,352","2,353","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,399","2,400","2,400","2,401","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437"],"ٞ":{"1":[1,2],"8":[3],"11":[4,5],"15":[6],"18":[7],"21":[8],"24":[9],"25":[10],"26":[11],"28":[12],"30":[13],"31":[14],"32":[15],"35":[16],"37":[17,18],"39":[19],"41":[20],"45":[21],"49":[22],"51":[23],"53":[24,25],"57":[26],"62":[27],"64":[28],"68":[29],"70":[30],"72":[31,32],"75":[33],"78":[34],"81":[35],"84":[36,37],"85":[38],"88":[39],"97":[40],"101":[41],"117":[42,43],"118":[44],"122":[45],"127":[46],"130":[47],"132":[48,49],"133":[50],"136":[51],"141":[52],"142":[53],"145":[54],"151":[55],"154":[56],"157":[57],"160":[58],"164":[59],"169":[60],"172":[61,62],"174":[63],"180":[64],"188":[65],"190":[66],"193":[67],"194":[68],"197":[69],"200":[70],"204":[71],"208":[72],"220":[73],"222":[74],"231":[75,76],"232":[77],"235":[78],"236":[79],"237":[80],"240":[81],"242":[82],"244":[83],"246":[84],"249":[85,86],"250":[87],"260":[88],"263":[89],"266":[90],"272":[91],"284":[92],"287":[93,94],"289":[95],"295":[96],"298":[97],"300":[98],"307":[99],"316":[100,101],"328":[102],"333":[103],"336":[104],"338":[105],"341":[106],"345":[107,108],"347":[109],"372":[110],"395":[111,112],"397":[113],"401":[114],"403":[115],"406":[116],"411":[117],"423":[118,119],"431":[120],"449":[121],"463":[122],"476":[123,124],"520":[125],"536":[126],"543":[127,128,129],"551":[130],"553":[131],"556":[132],"559":[133],"561":[134],"563":[135],"567":[136],"573":[137],"595":[138],"598":[139],"607":[140],"609":[141],"610":[142],"612":[143],"615":[144],"620":[145],"621":[146],"626":[147],"629":[148],"631":[149],"642":[150],"650":[151],"652":[152],"660":[153],"663":[154,155],"677":[156],"681":[157],"690":[158],"692":[159],"697":[160],"700":[161],"704":[162],"715":[163],"723":[164],"728":[165],"734":[166],"738":[167],"740":[168,169],"743":[170],"748":[171],"749":[172],"754":[173],"757":[174],"759":[175],"766":[176],"770":[177],"783":[178],"786":[179],"790":[180],"793":[181],"797":[182],"799":[183],"800":[184],"802":[185],"807":[186],"811":[187],"818":[188],"832":[189],"836":[190],"838":[191],"840":[192],"842":[193],"858":[194,195],"861":[196],"867":[197],"871":[198],"876":[199],"884":[200],"894":[201,202],"902":[203],"919":[204],"924":[205],"925":[206,207],"927":[208,209],"936":[210],"939":[211],"949":[212],"952":[213],"961":[214],"967":[215],"990":[216],"997":[217],"1002":[218],"1004":[219],"1006":[220],"1008":[221],"1011":[222],"1019":[223],"1021":[224],"1028":[225],"1043":[226],"1045":[227]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المجلد الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>تصدير الطبعة الثالثة وفهرسها</span>\n...\nتصدير الطبعة الثالثة وفهرسها\n١- التصدير\nبسم الله الرحمن الرحيم\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ . أما بعد فها هي الطبعة الثالثة من كتاب \"مناهل العرفان في علوم القرآن\" أقدمها لقرائي الأكرمين بعد أن أعدت النظر فيه رجاء أن أدرك الكمال أو أقارب فزدت وحذفت وقدمت وأخرت وصححت واستدركت ثم هيأ الله تباركت آلاؤه مطبعة عاونتني على حسن إخراجه فضبطته وشكلته ونظمته وصقلته. ولولا أزمة الورق الحادة للبس الكتاب حلة أبهى من هذه الحلة. ولكن إذا سلم لك الجوهر واللباب فلا عليك من القشر والإهاب.\nخذ بنصل السيف واترك غمده ... واعتبر فضل الفتى دون الحلل\nعلى أن الذنب في ذلك هو ذنب هذه الحرب الضروس الطاحنة التي طغت وبغت وطمت وعمت حتى لم ينج من شرها شرق ولا غرب ولا ضيق ولا رحب بل قعدت للناس بكل صراط وأثرت في جميع المرافق حتى أدوات الطبع بالطبع.\nلطف الله بالبلاد والعباد وأخرج الإسلام من هذه المحنة قوي السناد رفيع العماد عالي الكلمة مسموع الصوت حتى يفيء الجميع إلى بحبوحته ويتفيئوا وارف ظلاله وسلامه وأمنه وإيمانه وعدله ورحمته ويسره وسماحته وحتى يعلموا أن نهضة العلم جناية على الإنسانية جائحة إن لم تسايرها نهضة روحية صالحة توفق بين مطالب الروح والجسد،","vol":"1","page":3},{"text":"وتؤاخي بين إنسان الشرق والغرب وتستأصل النعرات الجنسية والطائفية وتنظم من الكل جبهة متحدة على صراط الحق والخير، ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ .\nوهل توجد هذه المزايا مجتمعة إلا في الإسلام؟ وهل يوجد الإسلام بغير القرآن؟ وهل يفهم القرآن إلا بعلوم القرآن؟ وهو موضوع كتابنا الآن؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .\nمحاولاتي:\nولقد حاولت في هذا التأليف أمورا خمسة:\nأولها - أن تكون كتابتي من النسق الأزهري الجديد في تفكيره وفي تعبيره بحيث يتيسر فهمه وهضمه للقراء من أبناء هذا الجيل سواء منهم المحقق الأزهري والمثقف المدني فإن لكل زمان لغة ولسانا ومنطقا وبرهانا. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ .\nعلى أنني في هذه المحاولة لا أدعي أنني أنشأت وابتكرت ولا أحدثت وابتدعت. بل قصاراي أنني فهمت وأحسنت العرض إذا كنت قد وفقت. أما المادة نفسها فالفضل فيها لعلماء هذه الأمة الذين أبلوا في جمعها بلاء حسنا ولم يخرجوا من الدنيا إلا بعد أن شقوا لنا الطريق وقربوا البعيد وجمعوا الشتيت وتركوا من خلفهم ثروة علمية هائلة وكنوزا ثقافية زاخرة لا يوجد مثلها ولا قريب منها في أية أمة من أمم الأرض إلى يوم الناس هذا وأعتقد أننا لو أحسنا القيام على هذه التركة لكان لنا شأن غير هذا الشأن ومكانة وسلطان لا يدانيهما مكانة ولا سلطان!","vol":"1","page":4},{"text":"ولكن ما قضي كان. ولعل المستقبل القريب يكون أسعد من هذا الحاضر الحزين الأسوان!.\nثانيها - أن أعالج شبهات عصرنا الراهن علاجا ينحي الأذى عن طريق عشاق الحق وطلاب الحقيقة ورواد البحث ومريدي الإسلام.\nولقد التزمت في علاج هذه الشبهات أدب الباحث وواجب المناظر. ورأيت لمثل هذا الاعتبار أن أرخي الستر على أسماء أصحاب هذه الشبه خصوصا المعاصرين منهم. وتعمدت هذه السياسة محاسنة لهم عسى أن يرعووا وحبا في سلام البحث وهدوئه عسى أن يسلموا ويهدؤوا وغضا من شأنهم إن كان لهم شأن كيلا يقلدوا فإننا أصبحنا في زمان افتتن كثير من الناس فيه بالأسماء والرتب والأموال والنسب. وباتوا لا يعرفون الرجال بالحق إنما يعرفون الحق بالرجال فالباطل إن صدر من فلان النابه فهو عندهم حق وزين والحق إن جاء به فلان الخامل فهو عندهم باطل وشين وهكذا اختلت الضوابط وانقلبت الموازين.\nثالثها - أن أظهر عند كل مناسبة جلال التآخي بين الإسلام والعلم لتنكشف تلك الدسيسة الرخيصة المفضوحة التي خيلت إلى المخدوعين أن بين الدين والعلم خصومة قائمة وحربا طاحنة وعداوة متأصلة كأن الدين رديف الجهل وكأن العلم حليف الكفر ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .\nرابعها - أن أجلي أسرار التشريع وحكمه كلما دعاني المقام ليعلم من لم يكن يعلم أن هذا الدين هو حاجة الإنسانية ودواء البشرية وكمال الفرد وصلاح الجماعة ولتنقطع أنفاس تلك الدعاية الضالة دعاية فصل الدين عن السياسة والثقافة الدينية عن الثقافة المدنية،","vol":"1","page":5},{"text":"وقوانين العدل ودساتير الحكم عن مقررات العقيدة وشعائر العبادة وهي أخبث الدعوات وأفسقها فيما نعلم!.\nولئن صح أن يقال هذا في أديان قاصرة عن الوفاء بحاجات الإنسانية في مناحي الإصلاح البشري فما كان يصح أن يقال هذا في دين الإسلام بحال من الأحوال لأنه دين عقيدة وعمل وعبادة وقيادة وعلم وخلق وحكم وعدل ورحمة وحق ومصحف وسيف ودنيا وآخره!\nومن كان في ريب فليسأل التاريخ عن جليل الآثار التي تركها الحكم الإسلامي الصالح في أتباعه ومن انضوى تحت لوائهم من الأقليات الأجنبية على اختلاف أديانهم ومذاهبهم الطائفية.\nبل ليسألوا العالم وأحداثه والدهر وتصاريفه: أي الحكمين كان أنجح في تربية الأفراد وأنجع في إصلاحات الجماعات وأهدى سبيلا في الاعتدال والاستدلال؟ أحكم السماء أم حكم الأرض؟ وقانون الخالق أم قوانين الخلق وتشريع العليم الحكيم المنزه عن الغرض والهوى أم تشاريع الإنسان القاصر النظر والاطلاع المتأثر بطغيان الغرائز وجموح القوى؟ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؟\nوإن لم يكفهم هذا فليسألوا المنصفين من مشاهير الغرب كغوستاف لوبون الفرنسي وبرناردشو الانجليزي وأمثالهما من الذين درسوا الإسلام وبحثوه ثم حكموا له وأنصفوه وأطروه وامتدحوه.\n\"والفضل ما شهدت به الأعداء\"!.","vol":"1","page":6},{"text":"ولنمسك القلم عن الجولان في هذا الميدان فالكلمة هنا للتصدير والتنوير لا للمقارنة والتنظير\nوحسبنا أن نردد قول الشاعر العربي:\nملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح\nفحسبكمو هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح\nخامسها: أن أنفخ الروح من بوق هذا الكتاب في الكرام القارئين لا سيما طلابي الأعزاء الذين هم على وشك النزول إلى ميادين الدعوة والإرشاد فأوقظ همما أخاف أن تكون قد نامت وأحيي عزائم معاذ الله أن تكون قد ماتت. والروح هي كل شيء هي القوة الدافعة وهي الحياة الرائعة والروح الصحيحة لا توجد إلا في القرآن بل الروح الصحيحة هي القرآن ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ .\nإن الإسلام لا يريد من المسلم ولا يرضى له أن يكون هيكلا جامدا ولا أن يكون تمثالا هامدا فإن الإسلام عدو الهياكل والجمود خصيم التماثيل والهمود.\nإنما يريد الإسلام أن يكون المسلم روحا يبعث الروح وحياة يملأ الدنيا حياة ورسولا من رسل السلام والرحمة والنجاة أجل. ويريد الإسلام أن يكون أهل العلم من أتباعه أصحاب همم علية ونفوس أبية لا يشترون بعهد الله ثمنا قليلا ولا يريدون بعلمهم عرض هذا الأدنى. إنما همهم وراثة الأنبياء في إصلاح العالم وتبليغ دعوة الإسلام على وجهها لطبقات الخلق وتنفيذ أحكام الله في الأقضية وسائر شؤون الحكم. ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .\nوهنا في هذه الآية الحكيمة تتجلى رسالة العالم والطالب. ويا لها رسالة ثم يا لها أمانة نسأل الله السلامة والإعانة.","vol":"1","page":7},{"text":"رجائي:\nتلك محاولاتي وأهدافي فإذا كنت قد أصبتها فذلك الفضل من الله وما بكم من نعمة فمن الله النحل\nوإن كانت الثانية فإنما هي نفسي وأستغفر الله.\nورجائي من كل ناظر يطلع على عيب أن يدلني عليه ويرشدني إليه. فالدين النصيحة والمسلمون بخير ما تعاونوا. وما نجح سلفنا الصالح وكانوا خير أمة أخرجت للناس إلا بهذه الفضيلة. وإنه ليحلو لي أن أقول هنا ما قاله عمر بن الخطاب ﵁: \"رحم الله رجلا أهدى إلي عيوب نفسي\".\nشكري:\nوإني لمدين ببالغ الشكر وسابغ الحمد لأولئك السادة الأماجد الذين طوقوا عنقي بجليل معاونتهم وتشجيعهم وجميل تقريظهم وتقديرهم.\nولا أزال أحفظ بالإجلال والإكبار ما لقيته في هذه المناسبة السعيدة من بعض رجالات الدولة وكبار العلماء ورؤساء الجماعات الإسلامية وأصحاب المجلات والصحف اليومية وإخواني أبناء الأقطار الشقيقة خصوصا الذين عملوا منهم على ترجمة هذا الكتاب ونقله في دقة وأمانة إلى بعض اللغات الشرقية.\nوأعتذر عن عدم نشر تقاريظهم والتنويه بفضلهم في هذه المرة لخجل في طبعي وضيق في طبع الكتاب.\nعجل الله الفرج للأنام وأعاد عهد الرخاء واليسر والسلام وجعل العاقبة للإسلام وبلاد الإسلام ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ .\nالمؤلف","vol":"1","page":8},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب ولم يجعل له عوجا والصلاة والسلام على من أرسله الله بالقرآن رحمة للعالمين وفرجا سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحابته وأتباعه ومحبيه وأمته.\nأما بعد فهذا كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن. كتبته تحقيقا لرغبة طلابي المتخصصين في الدعوة والإرشاد من كلية أصول الدين بالجامعة الأزهرية.\nمستمدا معارفه بعد فتوح الله وتوفيقه مما كتب علماء الإسلام قديما وحديثا في القرآن الكريم وعلومه والتفسير ومقدماته وعلم تاريخ التشريع وعلمي الكلام والأصول وعلوم اللغة العربية ومعاجمها وعلمي الفلسفة والاجتماع وعلمي النفس والأخلاق وبعض البحوث المنثورة هنا وهناك في غضون الرسائل والمجلات من عربية صميمة ومترجمة منقولة.\nوإلى الله تعالى أضرع أن يكتب لي فيه النجاح والتوفيق والقبول وأن يحقق به النفع المرجو والأثر المأمول. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ .","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة: في القرآن وعلومه ومنهجي في التأليف</span>\nالقرآن الكريم: كتاب ختم الله به الكتب وأنزله على نبي ختم به الأنبياء بدين عام خالد ختم به الأديان.\nفهو دستور الخالق لإصلاح الخلق وقانون السماء لهداية الأرض أنهى إليه منزله كل تشريع وأودعه كل نهضة وناط به كل سعادة.\nوهو حجة الرسول وآيته الكبرى يقوم في فم الدنيا شاهدا برسالته ناطقا بنبوته دليلا على صدقه وأمانته.\nوهو ملاذ الدين الأعلى يستند الإسلام إليه في عقائده وعباداته وحكمه وأحكامه وآدابه وأخلاقه وقصصه ومواعظه وعلومه ومعارفه.\nوهو عماد لغة العرب الأسمى: تدين له اللغة في بقائها وسلامتها وتستمد علومها منه على تنوعها وكثرتها وتفوق سائر اللغات العالمية به في أساليبها ومادتها.\nوهو أولا وآخرا القوة المحولة التي غيرت صورة العالم ونقلت حدود الممالك وحولت مجرى التاريخ وأنقذت الإنسانية العاثرة فكأنما خلقت الوجود خلقا جديدا.\nلذلك كله كان القرآن الكريم موضع العناية الكبرى من الرسول ﷺ وصحابته ومن سلف الأمة وخلفها جميعا إلى يوم الناس هذا.\nوقد اتخذت هذه العناية أشكالا مختلفة فتارة ترجع إلى لفظه وأدائه وأخرى إلى أسلوبه وإعجازه وثالثة إلى كتابته ورسمه ورابعة إلى تفسيره وشرحه إلى غير ذلك.","vol":"1","page":10},{"text":"ولقد أفرد العلماء كل ناحية من هذه النواحي بالبحث والتأليف ووضعوا من أجلها العلوم ودونوا الكتب وتباروا في هذا الميدان الواسع أشواطا بعيدة حتى زخرت المكتبة الإسلامية بتراث مجيد من آثار سلفنا الصالح وعلمائنا الأعلام. وكانت هذه الثروة ولا تزال مفخرة نتحدى بها أمم الأرض ونفحم بها أهل الملل والنحل في كل عصر ومصر.\nوهكذا أصبح بين أيدينا الآن مصنفات متنوعة وموسوعات قيمة فيما نسميه علم القراءات وعلم التجويد وعلم النسخ العثماني وعلم التفسير وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم غريب القرآن وعلم إعجاز القرآن وعلم إعراب القرآن وما شاكل ذلك من العلوم الدينية والعربية مما يعتبر بحق أروع مظهر عرفه التاريخ لحراسة كتاب هو سيد الكتب وبات هذا المظهر معجزة جديدة مصدقة لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .\nولقد أنجبت تلك العلوم الآنفة وليدا جديدا هو مزيج منها جميعا وسليل لها جميعا فيه مقاصدها وأغراضها وخصائصها وأسرارها والولد سر أبيه.\nوقد أسموه علوم القرآن وهو موضوع دراستنا في هذا الكتاب إن شاء الله.\nوسأحاول فيما أكتبه أن أمزج بين حاجة الأزهريين إلى البحث والتحليل وبين رغبات جماهير القراء المعاصرين في تقريب الأسلوب وتعبيد السبيل ما وسعني الإمكان. وسأضطر بسبب ذلك إلى شيء من الإسهاب والتطويل ولكنها تضحية ضئيلة بجانب تأدية رسالتنا في وجوب الاتصال الديني بالجماهير.\nوسأعرض بعون الله وتأييده لعلاج الشبهات التي أطلق بخورها أعداء الإسلام وسددوا سهامها الطائشة إلى القرآن ولكن عند المناسبة وسنوح الفرصة.","vol":"1","page":11},{"text":"وسأجتزئ في كل مبحث ببعض أمثلة من القرآن الكريم دون أن أحاول ما حاوله سلف الكاتبين من استيعاب كل فرد لكل نوع فإن حبل ذلك طويل وثقيل على حين أن الناظر يكفيه الإيضاح بقليل من التمثيل.\nوسأجعل نقاط المنهج المقرر عناوين بارزة بين المباحث التي يقوم عليها هذا الكتاب مقتفيا في الغالب أثر تلك النقط في التسمية وفي الترتيب. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: في معنى علوم القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>مدخل</span>\n...\nالمبحث الأول: في معنى علوم القرآن\nيقتضينا منهج البحث التحليلي لهذا المركب الإضافي أن نتحدث عن طرفيه وعن الإضافة بينهما ثم عن المراد بهذا المركب بعد نقله وتسمية هذا الفن المدون به.\n١- أما العلوم: فجمع علم والعلم في اللغة مصدر يرادف الفهم والمعرفة ويرادف الجزم أيضا في رأي. ثم تداولت هذا اللفظ اصطلاحات مختلفة:\nفالحكماء: يريدون به صورة الشيء الحاصلة في العقل أو حصول الصورة في العقل أو تعلق النفس بالشيء على جهة انكشافه. والتحقيق عندهم هو الإطلاق الأول.\nوالمتكلمون: يعرفون العلم: بأنه صفة يتجلى بها الأمر لمن قامت به وهو مراد من قال منهم: إنه صفة توجب لمحلها تمييزا لا يحتمل النقيض ولو كان هذا التمييز بوساطة الحواس كما هو رأي الأشعري.\nويطلق العلم في لسان الشرع العام: على معرفة الله تعالى وآياته وأفعاله في عباده وخلقه. قال الإمام الغزالي في الإحياء: قد كان العلم يطلق على العلم بالله تعالى وآياته وبأفعاله في عباده وخلقه فتصرفوا فيه بالتخصيص حتى اشتهر في المناظرة مع الخصوم","vol":"1","page":12},{"text":"في المسائل الفقهية وغيرها. ولكن ما ورد في فضل العلم والعلماء أكثره في المعنى الأول أهـ وهو يفيد أن العلم الشرعي الخاص يطلق على أخص من هذا الذي ذكره الغزالي في لسان الشرع العام ولكن بحسب ما يقتضيه المقام. بل لقد نص الغزالي نفسه في الإحياء أيضا على أن الناس اختلفوا في العلم الذي هو فريضة على كل مسلم وقال: إنهم تفرقوا فيه إلى عشرين فرقة. ثم ذهبت إلى أن المراد به علم المعاملة الشامل لما يصلح الظاهر من عبادات وعادات إسلامية ولما يصلح الباطن من عقائد الإسلام وأخلاقه.\nوالماديون: يزعمون أن العلم ليس إلا خصوص اليقينيات التي تستند إلى الحس وحده. وسنناقش مذهبهم في مبحث نزول القرآن.\nولسنا بسبيل بيان تلك الاصطلاحات الآنفة الذكر فلها علومها وكتبها ومباحثها إنما هو عرض عام يعرف منه كيف أن لفظا واحدا هو العلم أنهكته الاصطلاحات المتعددة وتداولته النقول المتنوعة فلا تقعن في لبس إذا ورد عليك في صورة شبه متعارضة.\nالعلم في عرف التدوين العام:\nوالذي يعنينا كثيرا هو العلم في اصطلاح آخر هو اصطلاح علماء التدوين لأننا بصدد الكلام في علوم القرآن كفن مدون.\nقالوا: يطلق العلم على المسائل المضبوطة بجهة واحدة. والغالب أن تكون تلك المسائل نظرية كلية وقد تكون ضرورية وقد تكون جزئية. أقول: وقد تكون شخصية أيضا كمسائل علم الحديث رواية فإنها في الواقع قضايا شخصية موضوعها ذات النبي ﷺ.\nوقال السعد في المقاصد وعبد الحكيم على المطول: ما يفيد أن العلم المدون قد يطلق على طائفة من التصورات أي المفردات التي يتصورها العقل مضبوطة بجهة واحدة.\nوأقول: يمكن أن نستخلص من ذلك كله أن العلم في عرف التدوين العام يقال على المعلومات المنضبطة بجهة واحدة سواء أكانت وحدة الموضوع أم وحدة الغاية وسواء","vol":"1","page":13},{"text":"أكانت تلك المعلومات تصورات كعلم البديع أم تصديقات. وسواء أكانت تلك التصديقات قضايا كلية وهو الغالب أم جزئية أم شخصية كعلم الحديث رواية.\nهذا كله إطلاق واحد من إطلاقات ثلاثة لعلماء التدوين. والإطلاق الثاني عندهم: هو الإدراك أي إدراك تلك المعارف السالفة. والإطلاق الثالث: هو على ما يسمونه ملكة الاستحصال أي التي تستحصل بها تلك المعارف. أو ملكة الاستحضار أي التي تستحضر بها المعارف بعد حصولها. وأول هذه الإطلاقات هو أولاها بالقبول لأنه المتبادر من نحو قولهم تعلمت علما من العلوم وموضوع العلم كذا والتبادر كما يقولون أمارة الحقيقة. ذلك ما أردنا بسطه في الكلام على لفظ علوم من قولنا: علوم القرآن.\n٢- أما لفظ القرآن: فهو في اللغة مصدر مرادف للقراءة ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ - ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسما للكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ من باب إطلاق المصدر على مفعوله. ذلك ما نختاره استنادا إلى موارد اللغة وقوانين الاشتقاق وإليه ذهب اللحياني وجماعة. أما القول بأنه وصف من القرء بمعنى الجمع أو أنه مشتق من القرائن. أو أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء أو أنه مرتجل أي موضوع من أول الأمر علما على الكلام المعجز المنزل غير مهموز ولا مجرد من أل فكل أولئك لا يظهر له وجه وجيه ولا يخلو توجيه بعضه من كلفة ولا من بعد عن قواعد الاشتقاق وموارد اللغة.\nوعلى الرأي المختار فلفظ قرآن مهموز وإذا حذف همزه فإنما ذلك للتخفيف وإذا دخلته أل بعد التسمية فإنما هي للمح الأصل لا للتعريف.\nويقال للقرآن: فرقان أيضا وأصله مصدر كذلك ثم سمي به النظم الكريم تسمية للمفعول أو الفاعل بالمصدر باعتبار أنه كلام فارق بين الحق والباطل أو مفروق","vol":"1","page":14},{"text":"بعضه عن بعض في النزول أو في السور والآيات. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ثم إن هذين الاسمين هما أشهر أسماء النظم الكريم. بل جعلهما بعض المفسرين مرجع جميع أسمائه كما ترجع صفات الله على كثرتها إلى معنى الجلال والجمال. ويلي هذين الاسمين في الشهرة هذه الأسماء الثلاثة الكتاب والذكر والتنزيل. وقد تجاوز صاحب البرهان حدود التسمية فبلغ بعدتها خمسة وخمسين وأسرف غيره في ذلك حتى بلغ بها نيفا وتسعين كما ذكره صاحب التبيان. واعتمد هذا وذاك على إطلاقات واردة في كثير من الآيات والسور وفاتهما أن يفرقا بين ما جاء من تلك الألفاظ على أنه اسم وما ورد على أنه وصف ويتضح ذلك لك على سبيل التمثيل في عدهما من الأسماء لفظ قرآن ولفظ كريم أخذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ الواقعة كما عدا من الأسماء لفظ ذكر ولفظ مبارك اعتمادا على قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ على حين أن لفظ قرآن وذكر في الآيتين مقبول كونهما اسمين. أما لفظ كريم ومبارك فلا شك أنهما وصفان كما ترى. والخطب في ذلك سهل يسير بيد أنه مسهب طويل حتى لقد أفرده بعضهم بالتأليف. وفيما ذكرناه كفاية ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ .","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>القرآن في الاصطلاح</span>\nمعلوم أن القرآن كلام الله وأن كلام الله غير كلام البشر ما في ذلك ريب ومعلوم أيضا أن الإنسان له كلام قد يراد به المعنى المصدري أي التكلم وقد يراد به المعنى الحاصل بالمصدر أي المتكلم به. وكل من هذين المعنيين لفظي ونفسي. فالكلام البشري اللفظي بالمعنى المصدري: هو تحريك الإنسان للسانه وما يساعده في إخراج الحروف من المخارج. والكلام اللفظي بالمعنى الحاصل بالمصدر: هو تلك الكلمات","vol":"1","page":15},{"text":"المنطوقة التي هي كيفية في الصوت الحسي وكلا هذين ظاهر لا يحتاج إلى توضيح. أما الكلام النفسي بالمعنى المصدري فهو تحضير الإنسان في نفسه بقوته المتكلمة الباطنة للكلمات التي لم تبرز إلى الجوارح فيتكلم بكلمات متخيلة يرتبها في الذهن بحيث إذا تلفظ بها بصوت حسي كانت طبق كلماته اللفظية. والكلام النفسي بالمعنى الحاصل بالمصدر: هو تلك الكلمات النفسية والألفاظ الذهنية المترتبة ترتبا ذهنيا منطبقا عليه الترتب الخارجي.\nومن الكلام البشري النفسي بنوعيه قوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قال أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ . ومنه الحديث الشريف الذي رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله ﷺ وقد سأله رجل فقال\" إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري\" فقال ﵇: \"لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن\" فأنت ترى أن النبي سمى ذلك الشيء الذي تحدثت به النفس كلاما مع أنه كلمات ذهنية لم ينطق بها الرجل مخافة أن يحبط بها أجره. وهذا الإطلاق من الرسول يحمل على الحقيقة لأنها الأصل ولا صارف عنها.\nكذلكم القرآن كلام الله ولله المثل الأعلى قد يطلق ويراد به الكلام النفسي وقد يطلق ويراد به الكلام اللفظي والذين يطلقونه إطلاق الكلام النفسي هم المتكلمون فحسب لأنهم المتحدثون عن صفات الله تعالى النفسية من ناحية والمقررون لحقيقة أن القرآن كلام الله غير مخلوق من ناحية أخرى. أما الذين يطلقونه إطلاق الكلام اللفظي فالأصوليون والفقهاء وعلماء العربية وإن شاركهم فيه المتكلمون أيضا بإطلاق ثالث عندهم كما يتبين لك بعد. وإنما عني الأصوليون والفقهاء بإطلاق القرآن على الكلام اللفظي لأن غرضهم الاستدلال على الأحكام وهو لا يكون إلا بالألفاظ. وكذلك علماء العربية يعنيهم أمر الإعجاز فلا جرم كانت وجهتهم الألفاظ.","vol":"1","page":16},{"text":"والمتكلمون يعنون أيضا بتقرير وجوب الإيمان بكتب الله المنزلة ومنها القرآن وبإثبات نبوة الرسول ﷺ بمعجزة القرآن. وبدهي أن ذلك كله مناطه الألفاظ فلا بدع أن ساهموا في هذا الإطلاق الثالث.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>القرآن عند المتكلمين</span>\nثم إن المتكلمين حين يطلقونه على الكلام النفسي يلاحظون أمرين:\nأحدهما: أن القرآن علم أي كلام ممتاز عن كل ما عداه من الكلام الإلهي.\nثانيهما: أنه كلام الله وكلام الله قديم غير مخلوق فيجب تنزهه عن الحوادث وأعراض الحوادث.\nوقد علمت أن الكلام النفسي البشري يطلق بإطلاقين أحدهما: على المعنى المصدري وثانيهما على المعنى الحاصل بالمصدر. فكذلك كلام الله النفسي. يطلق بإطلاقين أحدهما على نظير المعنى المصدري للبشر\nوثانيهما على نظير المعنى الحاصل بالمصدر للبشر. وإنما قلنا على نظير لما هو مقرر من وجوب تنزه الكلام الإلهي النفسي عن الخلق وأشباه الخلق. فعرفوه بالمعنى الأول الشبيه بالمعنى المصدري البشري. وقالوا: إنه الصفة القديمة المتعلقة بالكلمات الحكمية. من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس.\nوهذه الكلمات أزلية مجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية. وهي مترتبة غير متعاقبة. كالصورة تنطبع في المرآة مترتبة غير متعاقبة. وقالوا: في تعريفهم هذا: إنها حكمية لأنها ليست ألفاظا حقيقية مصورة بصورة الحروف والأصوات. وقالوا: إنها أزلية ليثبتوا لها معنى القدم. وقالوا: إنها مجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية لينفوا عنها أنها مخلوقة. وكذلك قالوا: إنها غير متعاقبة لأن التعاقب يستلزم الزمان والزمان حادث. وأثبتوا لها الترتب ضرورة أن القرآن حقيقة مترتبة بل ممتازة بكمال ترتبها وانسجامها.","vol":"1","page":17},{"text":"إذا عرفت هذا الإطلاق الأول عند المتكلمين سهل عليك أن تعرف إطلاقهم الثاني للقرآن الكريم: وهو أنه تلك الكلمات الحكمية الأزلية المترتبة في غير تعاقب المجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية. وهو تعريف للقرآن كلام الله بما يشبه المعنى الحاصل بالمصدر لكلام البشر النفسي. ذانك إطلاقان اختص بهما المتكلمون كما رأيت.\nوهناك إطلاق ثالث للقرآن يقول به المتكلمون أيضا لكن يشاركهم فيه الأصوليون والفقهاء وعلماء العربية.\nذلك أنه هو:\nاللفظ المنزل على النبي ﷺ من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس الممتاز بخصائصه التي سنذكرها بعد قليل.\nفهو مظاهر وصور لتلك الكلمات الحكمية الأزلية التي أشرنا إليها آنفا.\nويطلق القرآن إطلاقا رابعا على النقوش المرقومة بين دفتي المصحف باعتبار أن النقوش دالة على الصفة القديمة والكلمات الغيبية واللفظ المنزل. وهذا إطلاق شرعي عام. ولنضرب لك مثلا يوضح ذلك المقام الذي ضلت فيه الأفهام وزلت فيه الأقدام.\nرجل شاعر كشرف الدين البوصيري ﵀ لا ريب أنه كان يحمل في نفسه قوة شاعرة يستطيع أن يصوغ بها ما شاء من غرر القصائد وعندما اتجهت شاعريته فعلا أن يمتدح أفضل الخليقة صلوات الله سلامه عليه بقصيدته المعروفة بالهمزية لا شك أنه عالج النظم في نفسه واستحضر المعاني والألفاظ والأوزان حتى تمثل له ذلك القصيد في نفسه وتأثرت نفسه به على وجه إذا تكلم به بصوت حسي كان عين نظمه المقفى الموزون. ثم لا شك أنه نطق بقصيده بعد ثم كتبه بعد أن أنشده فهذا الاسم الشهير بالهمزية في مدح خير البرية يمكن أن نقرب","vol":"1","page":18},{"text":"به الإطلاقات الأربعة التي أطلقنا بها القرآن الكريم: يصح أن نطلق الهمزية على القوة الشاعرة لذلك الرجل باعتبار اتجاهها إلى هذا النظم الخاص الذي تمثل في نفسه من قبل أن يأخذ صورة اللفظ والنقش. ويصح أن نطلقها على هذا النظم الخاص الذي تمثل في نفسه من قبل أن يظهر بمظهر الألفاظ والنقوش كذلك. ويصح أن نطلقها على هذا النظم بعد أن تمثل أصواتا ملفوظة وحروفا موزونة. ويصح أن نطلقها على هذا النظم متمثلا في صورته المرسومة ونقوشه المكتوبة.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>القرآن عند الأصوليين والفقهاء وعلماء العربية</span>\nأظنني قد أطلت عليك ولكن المقام دقيق وخطير فلا تضق ذرعا بهذا التطويل والتمثيل ثم استمع لما وعدتك إياه من بيان معنى القرآن على أنه اللفظ المنزل على النبي ﷺ من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس.\nهذا الإطلاق كما علمت ينسب إلى علماء الأصول والفقه واللغة العربية. ويوافقهم عليه المتكلمون أيضا\nغير أن هؤلاء الذين أطلقوه على اللفظ المنزل الخ اختلفوا في تعريفه: فمنهم من أطال في التعريف وأطنب بذكر جميع خصائص القرآن الممتازة. ومنهم من اختصر فيه وأوجز. ومنهم من اقتصد وتوسط. فالذين أطنبوا عرفوه بأنه الكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته وأنت ترى أن هذا التعريف جمع بين الإعجاز والتنزيل على النبي ﷺ والكتابة في المصاحف والنقل بالتواتر والتعبد بالتلاوة. وهي الخصائص العظمى التي امتاز بها القرآن الكريم. وإن كان قد امتاز بكثير سواها. ولا يخفى عليك أن هذا التعريف كان يكفي فيه ذكر بعض تلك الأوصاف ويكون جامعا مانعا غير أن مقام التعريف مقام إيضاح وبيان فيناسبه الإطناب لغرض زيادة ذلك والبيان. لذلك استباحوا لأنفسهم أن يزيدوا فيه ويسهبوا.\nوالذين اختصروا وأوجزوا في التعريف: منهم من اقتصر على ذكر وصف","vol":"1","page":19},{"text":"واحد هو الإعجاز. ووجهة نظرهم في هذا الاقتصار أن الإعجاز هو الوصف الذاتي للقرآن. وأنه الآية الكبرى على صدق النبي ﷺ والشاهد العدل على أن القرآن كلام الله.\nومنهم من اقتصر على وصفين: هما الإنزال والإعجاز وحجتهم أن ما عدا هذين الوصفين ليس من الصفات اللازمة للقرآن. بدليل أن القرآن قد تحقق فعلا بهما دون سواهما على عهد النبوة.\nومنهم من اقتصر على وصفي النقل في المصاحف والتواتر لأنهما يكفيان في تحصيل الغرض وهو بيان القرآن وتمييزه عن جميع ما عداه.\nوالذين توسطوا: منهم من عرض لإنزال الألفاظ وللكتابة في المصاحف وللنقل بالتواتر فحسب موجها رأيه بأن المقصود هو تعريف القرآن لمن لم يدركه زمن النبوة وأن ما ذكره من الأوصاف هو من اللوازم البينة لأولئك الذين لم يدركوها بخلاف الإعجاز فإنه غير بين بالنسبة لهم وليس وصفا لازما لما كان أقل من سورة من القرآن.\nومن أولئك الذين توسطوا من عرض للإنزال والنقل بالتواتر والتعبد بالتلاوة فقط مستندا إلى أن ذلك هو الذي يناسب غرض الأصوليين. وعرفوه بأنه: اللفظ المنزل على النبي ﷺ المنقول عنه بالتواتر المتعبد بتلاوته فاللفظ جنس في التعريف يشمل المفرد والمركب. ولا شك أن الاستدلال على الأحكام كما يكون بالمركبات يكون بالمفردات كالعام والخاص والمطلق والمقيد. وخرج بالمنزل على النبي ﷺ ما لم ينزل أصلا مثل كلامنا ومثل الحديث النبوي وما نزل على غير النبي ﷺ كالتوراة والإنجيل. وخرج بالمنقول تواترا جميع ما سوى القرآن من منسوخ التلاوة والقراءات غير المتواترة سواء أكانت مشهورة نحو قراءة ابن مسعود متتابعات عقيب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أم كانت آحادية كقراءة ابن مسعود أيضا لفظ متتابعات عقيب قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فإن شيئا","vol":"1","page":20},{"text":"من ذلك لا يسمى قرآنا ولا يأخذ حكمه. وخرجت الأحاديث القدسية إذا تواترت بقولهم المتعبد بتلاوته.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>هل القرآن علم شخص</span>؟\nأسلفنا أن القرآن يطلق على الصفة القديمة ويطلق على الكلمات الحكمية الأزلية وهذان الإطلاقان لا تعدد فيهما ألبتة لا حقيقة ولا اعتبارا. بل هما منزهان عنه لأن التعدد من أمارات الحدوث. كيف وهما قديمان؟\nوإذا فلفظ القرآن علم شخص بهذين الإطلاقين لا محالة. أما إذا أريد بالقرآن اللفظ المنزل فهنا يكون الخلاف\nفالرأي السائد أنه علم شخص مدلوله تلك الآيات المنزلة الممتازة بخصائصها العليا من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس. وهذه الألفاظ المعينة لا يقدح في تشخصها اختلاف المتلفظين ولا تعدد القارئين كما لا يقدح في تشخص محمود مثلا أن يكون في مكة أو في المدينة ولا أن يتقلب في أطوار مختلفة من طفولة إلى شيخوخة ومن صحة إلى مرض ومن حياة إلى موت ونحو ذلك. وبعضهم يجعله علم جنس نظرا إلى تعدد هذه الألفاظ المنزلة بتعدد قارئيها وكاتبيها. وهذا مردود من وجهين:\nأحدهما: أن علم الجنس ضرورة نحوية اقتضتها أحكام لفظية كامتناع إضافته ودخول أل عليه. ولا ضرورة هنا لفظية.\nثانيهما: أن علم الجنس نكرة في المعنى. وأفراده منتشرة متعددة حقيقة لا اعتبارا. والتعدد الملحوظ هنا اعتباري لا حقيقي. للقطع بأن ما يقرؤه أو يكتبه كل منا فهو القرآن عينه لا فرد من أفراده.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>هل يصاغ للأعلام تعاريف</span>\nبقي علينا أن نتساءل: إذا كان القرآن علما فكيف ساغ أن يصاغ له تعريف بل تعاريف على نحو ما سبق مع أن التعاريف لا تكون إلا للكليات والعلم جزئي مركب من الماهية ومشخصاتها. والمشخصات لا يمكن معرفتها إلا بالاطلاع عليها بالحواس كالإشارة مثلا أو بالتعبير عنها باسم علم؟\nولنا على ذلك أجوبة ثلاثة:\nأولها: أنا نمنع أن التعاريف لا تكون إلا للكليات. لم لا يجوز أن تعرف الجزئيات بأمور كلية لا يتحقق مجموعها في الخارج إلا في هذا الشخص بخصوصه. وهذا الجواب قريب مما ذكره صاحب التلويح إذ قال: الحق أن الشخص يمكن أن يحد بما يفيد امتيازه عن جميع ما عداه بحسب الوجود لا بما يفيد تعينه وتشخصه بحيث لا يمكن اشتراكه بين كثيرين بحسب العقل. فإن ذلك إنما يحصل بالإشارة لا غير اهـ.\nثانيها: أنا نسلم أن التعاريف لا تكون إلا للكليات. لكن ما ذكروه ليس بتعريف حقيقي إنما هو ضابط مميز وليس بمعرف.\nثالثها: أن هذا تعريف على رأي الأصوليين الذين لا يشترطون في التعاريف أجناسا ولا فصولا. بل الحد عندهم هو الجامع المانع مطلقا. وعليه فيصح أن يحد الشخص عند الأصوليين دون المناطقة.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>إطلاق القرآن على الكل وعلى أبعاضه</span>\nلا شك أن القرآن يطلق على الكل وعلى أبعاضه. فيقال لمن قرأ اللفظ المنزل كله إنه قرأ قرآنا. وكذلك يقال لمن قرأ ولو آية منه: إنه قرأ قرآنا. لكنهم اختلفوا: فقيل: إن لفظ قرآن حقيقة في كل منهما وإذا يكون مشتركا لفظيا. وقيل: هو موضوع للقدر المشترك بينهما وإذا يكون مشتركا معنويا ويكون مدلوله حينئذ كليا.","vol":"1","page":22},{"text":"وقد يقال: إن إطلاقه على الكل حقيقة وعلى البعض مجاز. والتحقيق أنه مشترك لفظي بدليل التبادر عند إطلاق اللفظ على الكل وعلى البعض كليهما والتبادر أمارة الحقيقة. والقول بعلمية الشخص فيه كما حققنا آنفا يمنع أنه مشترك معنوي فتعين أن يكون مشتركا لفظيا. وهو ما يفهم من كلام الفقهاء إذ قالوا مثلا: يحرم قراءة القرآن على الجنب فإنهم يقصدون حرمة قراءته كله أو بعضه على السواء.","vol":"1","page":23},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-12> معنى علوم القرآن بالمعنى الإضافي</span>\nالآن وقد انتهينا من الكلام على المتضايفين في لفظ علوم القرآن ننتقل بك إلى أن الإضافة بينهما تشير إلى طوائف المعارف المتصلة بالقرآن سواء أكانت تصورات أم تصديقات على ما عرفت وجه اختياره في مدلول لفظ العلم في عرف التدوين العام.\nوإنما جمعت هذه العلوم ولم تفرد لأنه لم يقصد إلى علم واحد يتصل بالقرآن. إنما أريد شمول كل علم يخدم القرآن أو يستند إليه. وينتظم ذلك علم التفسير وعلم القراءات وعلم الرسم العثماني وعلم إعجاز القرآن وعلم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم إعراب القرآن وعلم غريب القرآن وعلوم الدين واللغة إلى غير ذلك. وتلك أشتات من العلوم توسع السيوطي فيها حتى اعتبر منها علم الهيئة والهندسة والطب ونحوها.\nثم نقل عن أبي بكر بن العربي في قانونه التأويل أنه قال: علوم القرآن خمسون وأربعمائة وسبعة آلاف وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة. إذ أن لكل كلمة ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا. هذا في المفردات فحسب. أما إذا اعتبرت التراكيب وما بينها من روابط كان ما لا يحصى مما لا يعمله إلا الله تعالى اهـ بتصرف قليل.\nوأحب أن تعرف أن هذا الكلام من السيوطي وابن العربي محمول على ضرب","vol":"1","page":23},{"text":"كبير من التأويل والتوسع بأن يراد من العلوم كل ما يدل عليه القرآن من المعارف سواء أكانت علوما مدونة أم غير مدونة وسواء أكانت تلك الدلالة تصريحية أم تلميحية عن قرب أم عن بعد. فأما أن تراد العلوم المدونة صراحة فدون ذلك خرط القتاد وصعود السماء.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>القرآن كتاب هداية وإعجاز</span>\nوتحقيق القول في هذا الموضوع: أن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز من أجل هذين المطمحين نزل وفيهما تحدث وعليهما دل. فكل علم يتصل بالقرآن من ناحية قرأنيته أو يتصل به من ناحية هدايته أو إعجازه فذلك من علوم القرآن. وهذا ظاهر في العلوم الدينية والعربية.\nأما العلوم الكونية وأما المعارف والصنائع وما جد أو يجد في العالم من فنون ومعارف كعلم الهندسة والحساب وعلم الهيئة والفلك وعلم الاقتصاد والاجتماع وعلم الطبيعة والكيمياء وعلم الحيوان والنبات فإن شيئا من ذلك لا يجمل عده من علوم القرآن لأن القرآن لم ينزل ليدلل على نظرية من نظريات الهندسة مثلا ولا ليقرر قانونا من قوانينها. وكذلك علم الهندسة لم يوضع ليخدم القرآن في شرح آياته أو بيان أسراره\nوهكذا القول في سائر العلوم الكونية والصنائع العالمية. وإن كان القرآن قد دعا المسلمين إلى تعلمها وحذقها والتمهر فيها خصوصا عند الحاجة إليها. وإنما قلنا: إنه لا يجمل اعتبار علوم الكون وصنائعه من علوم القرآن مع أن القرآن يدعو إلى تعلمها لأن هناك فرقا كبيرا بين الشيء يحث القرآن على تعلمه في عموماته أو خصوصاته وبين العلم يدل القرآن على مسائله أو يرشد إلى أحكامه أو يكون ذلك العلم خادما للقرآن بمسائله أو أحكامه أو مفرداته. فالأول ظاهر أنه لا يعتبر من علوم القرآن بخلاف الثاني. وهو ما نريد أن نرشدك إليه وأن تحرص أنت بدورك عليه.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>القرآن يحض على الانتفاع بالكون</span>\nأجل: إن القرآن حض على معرفة علوم الكون وصنائع العالم وحث على الانتفاع بكل ما يقع تحت نظرنا في الوجود. قال ﷾: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال جلت حكمته: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . فلا يليق بالمسلمين وهم المخاطبون بهذا أن يفروا من وجه هذه المنافع العامة ولا أن يزهدوا في علوم الكون ولا أن يحرموا أنفسهم فوائد التمتع بثمرات هذه القوى العظيمة التي أودعها الله لخلقه في خزائن سمواته وأرضه ولهذا نص علماؤنا على أن تعلم تلك العلوم الكونية وحذق هذه الصناعات الفنية فرض من فروض الكفايات ما داموا في حاجة إليها لمصلحة الفرد أو المجموع. وذلك لأن البقاء في هذه الحياة للأصلح والحياة في هذا الوجود للسلام المسلح والأسلحة في كل عصر عامة وفي هذا العصر خاصة إنما تقوم على التمهر في العلوم وعلى السبق في حلبة الصناعات والفنون. والويل فينا للضعيف والحظ كل الحظ للقوي والله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ والنبي ﷺ يقول فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: \"المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا. ولكن قل قدر الله وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان\".","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>إعجاز علمي للقرآن</span>\nوأحب ألا أنتهي من هذا الموضوع حتى أنبهك إلى شيء آخر جدير بالنظر والتقدير: وهو أن القرآن الكريم في طريقة عرضه للهداية والإعجاز على الخلق قد حاكم الناس إلى عقولهم وفتح عيونهم إلى الكون وما في الكون من سماء وأرض،","vol":"1","page":25},{"text":"وبر وبحر وحيوان ونبات وخصائص وظواهر ونواميس وسنن. وكان القرآن في طريقة عرضه هذه موفقا كل التوفيق بل كان معجزا أبهر الإعجاز لأن حديثه عن تلك الكونيات كان حديث العليم بأسرارها الخبير بدقائقها المحيط بعلومها ومعارفها على حين أن هذا الذي جاء بالقرآن رجل أمي نشأ في أمة أمية جاهلة لا صلة لها بتلك العلوم وتدوينها ولا إلمام لها بكتبها ومباحثها. بل إن بعض تلك العلوم لم ينشأ إلا بعد عهد النبوة ومهبط الوحي بقرون وأجيال. فأنى يكون لرجل أمي كمحمد ذلك السجل الجامع لتلك المعارف كلها إن لم يكن تلقاه من لدن حكيم عليم قال سبحانه مقررا لهذا الإعجاز العلمي: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ ولعل من الحكمة أن نسوق لك نموذجين من القرآن على سبيل التمثيل أولهما في سورة النور إذ يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ قل لي بربك ألا يملكك العجب حين تقرأ هذا النص الكريم الذي يتفق وأحدث النظريات العلمية في الظواهر الطبيعية من سحاب ومطر وبرق؟.\nالنموذج الثاني يقول الله تعالى في سورة القيامة مبينا ومقررا كمال اقتداره على إعادة الإنسان وبعثه بعد موته: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ. بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ . أرجو أن تقف قليلا عند تخصيصه البنان بالتسوية في هذا المقام. ثم تستمع بعد ذلك إلى هذا العلم الوليد علم تحقيق الشخصية في عصرنا الأخير وهو يقرر أن أدق شيء وأبدعه في بناء جسم الإنسان هو تسوية البنان حتى إنه لا يمكن أن تجد بنانا لأحد يشبه بنان آخر بحال من الأحوال. وقد انتهوا من هذا القرار إلى أن حكموا البنان في كثير من القضايا والحوادث","vol":"1","page":26},{"text":"﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ولا أريد أن أطيل عليك في هذا فمعجزات القرآن العلمية لها ميدان آخر. إنما هي نظرة خاطفة نوضح بها المراد بعلوم القرآن ونوجه بها كلام السيوطي في الإتقان ونعتذر فيها عن ابن العربي في التأويل.\nوالله وحده هو المحيط بأسرار كتابه. ولا يزال الكون وما يحدث في الكون من علوم وفنون وشؤون لا يزال كل أولئك يشرح القرآن ويفسره ويميط اللثام عن نواح كثيرة من أسراره وإعجازه مصداقا لقوله جل ذكره: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ . ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .","vol":"1","page":27},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-16> معنى علوم القرآن كفن مدون وموضوعه وفائدته</span>\nأما بعد فقد تبين لك فيما سبق أن لفظ علوم القرآن يراد بمعناه الإضافي ما يشمل العلوم الدينية والعربية ونفيدك هنا أن هذا اللفظ نقل من ذلك المعنى الإضافي ثم جعل علما على الفن المدون وأصبح مدلوله بعد النقل وهو علم غير مدلوله قبل النقل وهو مركب إضافي ضرورة أن هذا الفن ليس هو مجموعة العلوم الدينية والعربية بل هو غيرها وإن كان مستمدا منها ومأخوذا عنها ويمكن أن نعرفه بأنه مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وترتيبه وجمعه وكتابته وقراءته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه ودفع الشبه عنه ونحو ذلك.\nوموضوعه القرآن الكريم من أية ناحية من النواحي المذكورة في التعريف. بخلاف علوم القرآن بالمعنى الإضافي فإن موضوعه هو مجموع موضوعات تلك العلوم المنضوية تحت لوائه. وموضوع كل واحد منها هو القرآن الكريم من ناحية واحدة من تلك النواحي. فعلم القراءات مثلا موضوعه القرآن الكريم من ناحية لفظه وأدائه وعلم التفسير موضوعه القرآن الكريم من ناحية شرحه ومعناه وهلم جرا.\nوفائدة هذا العلم: ترجع إلى الثقافة العالية العامة في القرآن الكريم وإلى التسلح بالمعارف القيمة فيه استعدادا لحسن الدفاع عن حمى الكتاب العزيز ثم إلى سهولة","vol":"1","page":27},{"text":"خوض غمار تفسير القرآن الكريم به كمفتاح للمفسرين فمثله من هذا الناحية كمثل علوم الحديث بالنسبة لمن أراد أن يدرس علم الحديث.\nوقد صرح السيوطي بذلك في خطبة كتابه الإتقان إذ قال: ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين إذ لم يدونوا كتابا في أنواع علوم القرآن كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث اهـ.\nثم رأيت صاحب كتاب التبيان في علوم القرآن يشير إلى ذلك المعنى إذ وضع على طرة كتابه الكلمة الآتية:\nوهذا هو المقدمة الصغرى من مقدمتي التفسير.\nهذا وإنما سمي هذا العلم القرآن بالجمع دون الإفراد. للإشارة إلى أنه خلاصة علوم متنوعة باعتبار أن مباحثه المدونة تتصل اتصالا وثيقا كما علمت بالعلوم الدينية والعلوم العربية حتى إنك لتجد كل مبحث منها خليقا أن يسلك في عداد مسائل علم من تلك العلوم.\nفنسبته إليها كنسبة الفرع إلى أصوله أو الدليل إلى مدلوله. وما أشبهه بباقة منسقة من الورود والياسمين إزاء بستان حافل بالوان الزهور والرياحين. والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثاني: في تاريخ علوم القرآن وظهور اصطلاحه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>عهد ما قبل التدوين</span>\nكان الرسول ﷺ وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه ما عرف العلماء وفوق ما عرف العلماء من بعد. ولكن معارفهم لم توضع على ذلك العهد كفنون مدونة ولم تجمع في كتب مؤلفة لأنهم لم تكن لهم حاجة إلى التدوين والتأليف.","vol":"1","page":28},{"text":"أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه فلأنه كان يتلقى الوحي عن الله وحده. والله تعالى كتب على نفسه الرحمة ليجمعنه له في صدره وليطلقن لسانه بقراءته وترتيله وليميطن له اللثام عن معانيه وأسراره. اقرأ إن شئت قوله سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .\nثم بلغ الرسول ما أنزل عليه لأصحابه وقرأه على الناس على مكث أي على مهل وتؤدة ليحسنوا أخذه ويحفظوا لفظه ويفهموا سره. ثم شرح الرسول لهم القرآن بقوله وبعمله وبتقريره وبخلقه أي بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته مصداقا لقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ولكن الصحابة وقتئذ كانوا عربا خلصا متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة من قوة في الحافظة وذكاء في القريحة وتذوق للبيان وتقدير للأساليب ووزن لما يسمعون بأدق المعايير حتى أدركوا من علوم القرآن ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع رحمة العلوم وكثرة الفنون.\nوكان الصحابة رضوان الله عليهم مع هذه الخصائص أميين وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم والرسول نهاهم أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن وقال لهم أول العهد بنزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁: \"لا تكتبوا عني. ومن كتب غير القرآن فليمحه. وحدثوا عني فلا حرج. ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\". وذلك مخافة أن يلتبس القرآن بغيره أو يختلط بالقرآن ما ليس منه ما دام الوحي نازلا بالقرآن. فلتلك الأسباب المتضافرة لم تكتب علوم القرآن كما لم يكتب الحديث الشريف. ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين أبي بكر وعمر. ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه والقرآن وعلومه والسنة وتحريرها تلقينا لا تدوينا ومشافهة لا كتابة.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>عهد التمهيد لتدوين علوم القرآن</span>\nثم جاءت خلافة عثمان ﵁ وقد اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية وخيف أن تذوب خصائص العروبة من العرب من جراء هذا الفتح والاختلاف بل خيف على القرآن نفسه أن يختلف المسلمون فيه إن لم يجتمعوا على مصحف إمام فتكون فتنة في الأرض وفساد كبير\nلهذا أمر ﵁ أن يجمع القرآن في مصحف إمام وأن تنسخ منه مصاحف يبعث بها إلى أقطار الإسلام وأن يحرق الناس كل ما عداها ولا يعتمدوا سواها. كما يأتيك تفصيله في مبحث جمع القرآن وكتابته.\nوبهذا العمل وضع عثمان ﵁ الأساس لما نسميه علم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني.\nثم جاء علي ﵁ فلاحظ العجمة تحيف على اللغة العربية وسمع ما أوجس منه خيفة على لسان العرب فأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع بعض قواعد لحماية لغة القرآن من هذا العبث والخلل وخط له الخطط وشرع له المنهج. وبذلك يمكننا أن نعتبر أن عليا ﵁ قد وضع الأساس لما نسميه علم النحو ويتبعه علم إعراب القرآن. على الخلاف في هذه الرواية.\nثم انقضى عهد الخلافة الرشيدة وجاء عهد بني أمية وهمة مشاهير الصحابة والتابعين متجهة إلى نشر علوم القرآن بالرواية والتلقين لا بالكتابة والتدوين. ولكن هذه الهمة في هذا النشر يصح أن نعتبرها تمهيدا لتدوينها\nوعلى رأس من ضرب بسهم وفير في هذه الرواية الأربعة الخلفاء وابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير وكلهم من الصحابة رضوان الله عليهم.","vol":"1","page":30},{"text":"وعلى رأس التابعين في تلك الرواية مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم بالمدينة وعنه أخذ ابنه عبد الرحمن ومالك بن أنس من تابعي التابعين ﵃ أجمعين. وهؤلاء جميعا يعتبرون أنهم واضعو الأساس لما يسمى علم التفسير وعلم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم غريب القرآن ونحو ذلك. وستجد بسطا لهذا الإجمال في بحث طبقات المفسرين.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>عهد التدوين لعلوم القرآن بالمعنى الإضافي</span>\nثم جاء عصر التدوين فألفت كتب في أنواع علوم القرآن واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير باعتباره أم العلوم القرآنية لما فيه من التعرض لها في كثير من المناسبات عند شرح الكتاب العزيز. ومن أوائل الكاتبين في التفسير شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين. وهم من علماء القرن الثاني. ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفي سنة ٣١٠ هـ وكتابه أجل التفاسير وأعظمها لأنه أول من عرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض كما عرض للإعراب والاستنباط. وبقيت العناية بالتفسير قائمة إلى عصرنا هذا حتى وجدت منه مجموعة رائعة فيها المعجب والمطرب والموجز والمطول والمتوسط ومنها التفسير بالمعقول والتفسير بالمأثور ومنها تفسير القرآن كله وتفسير جزء وتفسير سورة وتفسير آية وتفسير آيات الأحكام إلى غير ذلك.\nأما علوم القرآن الأخرى ففي مقدمة المؤلفين فيها: علي بن المديني شيخ البخاري إذ ألف في أسباب النزول وأبو عبيد القاسم بن سلام إذ كتب في الناسخ والمنسوخ وكلاهما من علماء القرن الثالث. وفي مقدمة من ألف في غريب القرآن أبو بكر السجستاني وهو من علماء القرن الرابع. وفي طليعة من صنف في إعراب القرآن علي ابن سعيد الحوفي وهو من علماء القرن الخامس. ومن أوائل من كتب في","vol":"1","page":31},{"text":"مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي وهو من علماء القرن السادس. كذلك تصدر للتأليف في مجاز القرآن ابن عبد السلام وفي القراءات علم الدين السخاوي وهما من علماء القرن السابع.\nوهكذا قويت العزائم وتبارت الهمم ونشأت علوم جديدة للقرآن.\nوظهرت مؤلفات في كل نوع منها سواء في ذلك أقسام القرآن وأمثال القرآن وحجج القرآن وبدائع القرآن ورسم القرآن وما أشبهها مما يروعك تصوره بله الاطلاع عليه ومما يملأ خزائن كاملة من أعظم المكتبات في العالم. ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا هذا يزيدون وعلوم القرآن ومؤلفاته تنمى وتزدهر وتزيد بينما الزمان يفنى والعالم يبيد أليس إعجازا آخر للقرآن؟ يريك إلى أي حد بلغ علماء الإسلام في خدمة التنزيل. ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه ولا تنقضي معارفه ولن يستطيع أن يحيط بأسراره إلا صاحبه ومنزله!\nإذا أضفت إلى علوم القرآن ما جاء في الحديث النبوي الشريف وعلومه وكتبه وبحوثه باعتبارها من علوم القرآن نظرا إلى أن الحديث شارح للقرآن يبين مبهماته ويفصل مجملاته ويخصص عامه كما قال سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أقول: إذا أضفت الحديث النبوي وعلومه إلى علوم القرآن تراءى لك بحر متلاطم الأمواج. فإذا زدت عليها سائر العلوم الدينية والعربية باعتبارها خادمة للقرآن أو مستمدة منه رأيت نفسك أمام مؤلفات كالجبال وموسوعات تكاثر الرمال ولا يسعك حينئذ إلا أن تردد قول الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .\nوتزداد عجبا اذ علمت أن طريقة أولئك المؤلفين في تأليفهم كانت طريقة استيعاب واستقصاء يعمد أصحابها أن يحيطوا بجزئيات القرآن من الناحية التي كتبوا فيها بقدر طاقتهم البشرية. فمن يكتب في غريب القرآن مثلا يذكر كل مفرد","vol":"1","page":32},{"text":"من مفردات القرآن التي فيها غرابة وإبهام ومن يكتب في مجاز القرآن يقتفي أثر كل لفظ فيه مجاز أيا كان نوعه في القرآن ومن يكتب في أمثال القرآن يتحدث عن كل مثل ضربه الله في القرآن وهكذا سائر أنواع علوم القرآن. ولا ريب أن تلك المجهودات الجبارة لا يتهيأ لإنسان أن يحيط بها ولو أفنى عمره واستنفد وسعه.\nلهذا اشرأبت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علما جديدا يكون كالفهرس لها والدليل عليها والمتحدث عنها. فكان هذا العلم هو ما نسميه علوم القرآن بالمعنى المدون.\nولا نعلم أن أحدا قبل المائة الرابعة للهجرة ألف أو حاول أن يؤلف في علوم القرآن بالمعنى المدون لأن الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف. وإن كنا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرزين من العلماء على الرغم من أنهم لم يدونوها في كتاب ولم يفردوها باسم.\nأجل: كانت علوم القرآن مجموعة في صدور المبرزين من العلماء. فنحن نقرأ في تاريخ الشافعي ﵁ أنه في محنته التي اتهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن وسيق بسبب هذه التهمة إلى الرشيد مكبلا بالحديد في بغداد سأله الرشيد حين لمح علمه وفضله فقال: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله ﷿ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به. فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله تعالى قد أنزل كتبا كثيرة. قال الرشيد: قد أحسنت لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد ﷺ. فقال الشافعي: إن علوم القرآن كثيرة فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه أو عن تقديمه وتأخيره أو عن ناسخه ومنسوخه أو عن؟؟ أو عن وصار يسرد عليه من علوم القرآن ويجيب على كل سؤال بما أدهش الرشيد والحاضرين.\nفأنت ترى من جواب الشافعي هذا ومن فلجه بالصواب في هذا الموقف الرهيب،","vol":"1","page":33},{"text":"ما يدلك على أن قلوب أكابر العلماء كانت أناجيل لعلوم القرآن من قبل أن تجمع في كتاب أو تدون في علم. وقد نوه جلال الدين البلقيني في خطبة كتابه بكلمة الشافعي التي ذكرناها إذ قال: قد اشتهر عن الإمام الشافعي ﵁ مخاطبة لبعض خلفاء بني العباس فيها ذكر بعض أنواع علوم القرآن يحصل منها لمقصدنا الاقتباس.\nونحن لا نستبعد على الشافعي هذا فقد كان آية من آيات الله في علمه وذكائه وفي ابتكاره وتجديده وفي قوة حجته وتوفيقه. حتى إنه وضع كتابه الحجة في العراق يستدرك به على مذاهب بعض أهل الرأي وألف في مصر كتبا يستدرك بها على مذاهب بعض أهل الحديث. ثم وضع دستورا للاجتهاد والاستنباط لم يتسن لأحد قبله إذ كان أول من صنف في أصول الفقه وهو من علوم القرآن كما علمت. قال ابن خلدون في مقدمته كان أول من كتب فيه أي علم أصول الفقه الشافعي ﵁ أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها على الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس اهـ.\nوقال الزركشي في كتابه البحر المحيط في أصول الفقه الشافعي أول من صنف في أصول الفقه صنف فيه كتابه الرسالة وكتاب أحكام القرآن واختلاف الحديث وإبطال الاستحسان وكتاب جماع العلم وكتاب القياس الذي ذكر فيه تضليل المعتزلة ورجوعه عن قبول رسالتهم اهـ ﵁ وعن سائر الأئمة المجتهدين.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>أول عهد لظهور هذا الاصطلاح</span>\nولقد كان المعروف لدى الكاتبين في تاريخ هذا الفن أن أول عهد ظهر فيه هذا الاصطلاح أي اصطلاح علوم القرآن هو القرن السابع.\nلكني ظفرت في دار الكتب المصرية بكتاب لعلي بن إبراهيم بن سعيد الشهير","vol":"1","page":34},{"text":"بالحوفي المتوفى سنة ٣٣٠ هـ اسمه البرهان في علوم القرآن. وهو يقع في ثلاثين مجلدا والموجود منه الآن خمسة عشر مجلدا غير مرتبة ولا متعاقبة من نسخة مخطوطة. وإذن نستطيع أن نتقدم بتاريخ هذا الفن نحو قرنين من الزمان أي إلى بداية القرن الخامس بدلا من القرن السابع. ولقد كنت مشغوفا أن أقرأ مقدمة كتابه هذا لآخذ اعترافا صريحا منه بمحاولته إنشاء هذا العلم الوليد. ولكن ماذا أصنع والجزء الأول مفقود غير أن اسم الكتاب يدلني على هذه المحاولة. وكذلك استعرضت بعض الأجزاء الموجودة فرأيته يعرض الآية الكريمة بترتيب المصحف ثم يتكلم عليها من علوم القرآن خاصا كل نوع منها بعنوان فيسوق النظم الكريم تحت عنوان: القول في قوله ﷿. وبعد أن يفرغ منه يضع هذا العنوان: القول في الإعراب ويتحدث عنها من الناحية النحوية واللغوية: ثم يتبع ذلك بهذا العنوان القول في المعنى والتفسير ويشرح الآية بالمأثور والمعقول. ثم ينتقل من الشرح إلى العنوان الآتي: القول في الوقف والتمام مبينا تحته ما يجوز من الوقف وما لا يجوز. وقد يفرد القراءات بعنوان مستقل فيقول القول في القراءة. وقد يتكلم في الأحكام الشرعية التي تؤخذ من الآية عند عرضها ففي آية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من سورة البقرة يذكر أوقات الصلاة وأدلتها وأنصبة الزكاة ومقاديرها. ويتكلم على أسباب النزول وعلى النسخ وما إلى ذلك عند المناسبة. فأنت ترى أن هذا الكتاب أتى على علوم القرآن ولكن لا على طريقة ضم النظائر والأشباه بعضها إلى بعض تحت عنوان واحد لنوع واحد بل على طريقة النشر والتوزيع تبعا لانتشار الألفاظ المتشاكلة في القرآن وتوزعها. حتى كأن هذا التأليف تفسير من التفاسير عرض فيه صاحبه لأنواع من علوم القرآن عند المناسبات. وأيا ما يكن هذا الكتاب فإنه مجهود عظيم ومحاولة جديرة بالتقدير في هذا الباب. جزى الله مؤلفه خير الجزاء.","vol":"1","page":35},{"text":"ثم جاء القرن السادس فألف فيه ابن الجوزي المتوفي سنة ٥٩٧ هـ كتابين: أحدهما اسمه فنون الأفنان في علوم القرآن والثاني اسمه المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن. وكلاهما مخطوط بدار الكتب المصرية.\nوفي القرن السابع ألف علم الدين السخاوي المتوفي سنة ٦٤١ هـ كتابا سماه جمال القراء وألف أبو شامة المتوفي سنة ٦٦٥ هـ كتابا أسماه المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز وهما كما قال السيوطي عبارة عن طائفة يسيرة ونبذ قصيرة بالنسبة للمؤلفات التي ألفت بعد ذلك في هذا النوع.\nثم أهل القرن الثامن فكتب فيه بدر الدين الزركشي المتوفي سنة ٧٩٤ هـ كتابا سماه البرهان في علوم القرآن وتوجد منه نسخة مخطوطة بالخزانة التيمورية في دار الكتب المصرية تقع في مجلدين ناقصين. ثم طلع القرن التاسع على هذا العلم باليمن والبركة فدرج فيه وترعرع إذ ألف محمد بن سليمان الكافيجي المتوفي سنة ٨٧٣ هـ كتابا يقول السيوطي عنه: إنه لم يسبق إليه وقد اشتمل على بابين: الأول في ذكر معنى التفسير والتأويل والقرآن والسورة والآية. أما الثاني ففي شروط القول في القرآن بالرأي. وبعدهما خاتمة في آداب العالم والمتعلم غير أنه قال أخيرا ولكن ذلك لم يشف لي غليلا ولم يهدني إلى المقصود سبيلا اهـ. وفي هذا القرن أيضا وضع جلال الدين البلقيني كتابا سماه مواقع العلوم من مواقع النجوم. وقد رتبه على ستة مباحث الأول في مواطن النزول وأوقاته ووقائعه وفيه اثنا عشر نوعا١. الثاني في سند القرآن وهو ستة أنواع٢. الثالث في أدائه وهو ستة\n_________\n١ المكي، المدني، السفري، الحضري، الليلي، النهاري، الصيفي، الشتائي، الفراشي، أسباب النزول، أول ما نزل، آخر ما نزل.\n٢ المتواتر، الآحاد، الشاذ، قراءات النبي ﷺ، الرواة، الحفاظ.","vol":"1","page":36},{"text":"أنواع أيضا١. الرابع في ألفاظه وهو سبعة أنواع٢. الخامس في معانيه المتعلقة بأحكامه وهو أربعة عشرة نوعا٣. السادس في معانيه المتعلقة بألفاظه وهو خمسة أنواع٤. وبذلك يكمل الكتاب كله خمسين نوعا غير ما فيه من أنواع الأسماء والكنى والألقاب والمبهمات. وهي لا تدخل تحت حصر.\nوفي هذا القرن التاسع أيضا ألف السيوطي كتابا سماه التحبير في علوم التفسير ضمنه ما ذكره البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها وأضاف إليه فوائد سمحت قريحته بنقلها. وقد أوفى هذا الكتاب على الاثنين بعد المائة من الأنواع. وفرغ الإمام من تأليف تحبيره هذا سنة ٨٧٢ هـ غير أن نفسه الكبيرة لم تقنع بهذا المجهود العظيم بل طمح إلى التبحر والتوسع والترتيب فوضع كتابه الثاني كتاب الإتقان في علوم القرآن وهو عمدة الباحثين والكاتبين في هذا الفن. ذكر فيه ثمانين نوعا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإجمال والإدماج ثم قال بعد أن سردها نوعا نوعا ولو نوعت باعتبار ما أدمجته فيها لزادت على الثلاثمائة اهـ.\nوتوفي السيوطي ﵀ سنة ٩١١ هـ في مفتتح القرن العاشر وكأن نهايته كانت نهاية لنهضة التأليف في علوم القرآن عليه سحائب الرحمة والرضوان فلم نر من سار في هذا المضمار مثله بعده كما لم نر من بزه فيه قبله.\n_________\n١ الوقف، الابتداء، الإمالة، المد، تخفيف الهمزة، الإدغام.\n٢ الغريب، المعرب، المجاز، المشترك، المترادف، الاستعارة، التشبيه.\n٣ العام الباقي على عمومه، العام المخصوص، العام الذي أريد به الخصوص، ما خص فيه الكتاب السنة، ما خصت فيه السنة الكتاب المجمل، المبين، المؤول، المفهوم، المطلق، المقيد، الناسخ، المنسوخ، نوع من الناسخ والمنسوخ وهو ما عمل به مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين.\n٤ الفصل، الوصل، الإيجاز، الإطناب، القصر.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>علوم القرآن في القرن الأخير</span>\nبيد أنه ظهرت في أيامنا بوادر استئناف لحركة النشاط والتأليف في هذا العلم. إذ ألف العلامة المرحوم الشيخ طاهر الجزائري كتابا جليلا سماه التبيان في علوم القرآن يقع في قريب من ثلاثمائة صفحة. وفرغ من تأليفه سنة ١٣٣٥ هـ.\nوألف العلامة المرحوم الشيخ محمود أبو دقيقة مذكرة قيمة لطلاب تخصص الدعوة والإرشاد بكلية أصول الدين. وقفاه العلامة الشيخ محمد علي سلامة فوضع كتابا حافلا لطلاب تخصص الدعوة والإرشاد كذلك سماه منهج الفرقان في علوم القرآن.\nوتوجد مؤلفات في بعض مباحث علوم القرآن لكثير من أفاضل العلماء والأدباء نذكر من بينهم الأعلام المرحومين الشيخ محمد بخيت والشيخ محمد حسنين العدوي والشيخ محمد خلف الحسيني إذ كتبوا في نزول القرآن على سبعة أحرف وفي بعض مباحث أخرى والمرحوم السيد مصطفى صادق الرافعي إذ ألف في إعجاز القرآن كتابا جليلا طبعه المغفور له الملك فؤاد الأول على نفقته. ومنهم المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش إذ كتب محاضرات موضوعها أثر القرآن في تحرير العقل البشري وألقاها في نادي دار العلوم. والمرحوم الشيخ عبد العزيز الخولي إذ وضع كتابه القرآن الكريم وصفه أثره هدايته وإعجازه. والمرحوم الشيخ طنطاوي جوهري إذ وضع رسالة سماها القرآن والعلوم العصرية.\nثم انبرى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر للقول بجواز ترجمة القرآن وكتب في ذلك رسالة عظيمة الشأن وأيده آخرون وتصدى العلامة الكبير الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام بتركيا سابقا للرد على ذلك في كتاب دقيق سماه مسألة ترجمة القرآن وظاهره آخرون.\nوقد اطلعت أخيرا على صدر كتاب اسمه النبأ العظيم عن القرآن الكريم،","vol":"1","page":38},{"text":"والطريقة المثلى في دراسته فراعني دقة بحثه وتفكيره وراقني رقة أسلوبه وتعبيره ووددت لو تم هذا الكتاب وهو لصديقي العلامة الشيخ محمد عبد الله دراز مبعوث الأزهر إلى فرنسا الآن رده الله سالما غانما وأمتع به الإسلام والمسلمين آمين.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>خلاصة</span>\nويمكنك أن تستخلص مما سبق أن علوم القرآن كفن مدون استهلت صارخة على يد الحوفي في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس ثم تربت في حجر ابن الجوزي والسخاوي وأبي شامة في القرنين السادس والسابع. ثم ترعرعت في القرن الثامن برعاية الزركشي. ثم بلغت أشدها واستوت في القرن التاسع بعناية الكافيجي وجلال الدين البلقيني. ثم اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج في نهاية القرن التاسع وبداية العاشر بهمة فارس ذلك الميدان صاحب كتابي التحبير والإتقان في علوم القرآن للسيوطي عليه ألف رحمة من الله ورضوان. ثم وقف نموها بعد ذلك حتى هذا القرن الأخير. ثم بدأت تنتعش في هذه السنين من جديد وعسى أن تعود سيرتها الأولى ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ .\nكلمة لا بد منها\nوقبل أن ننتهي من هذا البحث نلفت نظرك إلى أن هذا العلم يسير على سنة غيره من العلوم بين جزر ومد\nوزيادة ونقص. على مقدار ما يستهدف له من مؤثرات خاصة. فلا بدع أن تجد في منهج دراستك اليوم مباحث جديدة ومواضع مبتكرة لم تنتظم قبل في سمط علوم القرآن ذلك لأن الأفكار متحركة ومتجددة ولأن الشبهات التي تحوم في رؤوس بعض الناس في هذا العصر والمطاعن التي يوجهها","vol":"1","page":39},{"text":"أعداء الإسلام في هذا الجيل، قد تكون هي الأخرى جديدة ومبتكرة. ومن الحكمة أن نقاتل الناس بمثل سلاحهم وأن ندرس في علوم القرآن ما يحمي حمى القرآن الشريف من هذا العدوان الخبيث. أضف إلى ذلك أن العلوم تخبو بالإهمال والترك وتزكو بالدرس والبحث. سنة الله في خلقه ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ .","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الثالث: نزول القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>معنى نزول القرآن</span>\n...\nالمبحث الثالث: نزول القرآن\nهذا مبحث مهم في علوم القرآن بل هو أهم مباحثه جميعا لأن العلم بنزول القرآن أساس للإيمان بالقرآن وأنه كلام الله وأساس للتصديق بنبوة الرسول ﷺ وأن الإسلام حق. ثم هو أصل لسائر المباحث الآتية بعد في علوم القرآن. فلا جرم أن يتصدرها جمعاء ليكون من تقريره وتحقيقه سبيل إلى تقريرها وتحقيقها. وإلا فكيف يقوم البناء على غير أساس ودعام؟.\nولأجل الإحاطة بهذا المطلب العزيز نتكلم إن شاء الله على معنى نزول القرآن ثم على مرات هذا النزول ودليل كل نزول وكيفيته وحكمته ثم على الوحي وأدلته العقلية والعلمية مع دفع الشبهات الواردة في ذلك المقام.\n١- معنى نزول القرآن\nجاء التعبير بمادة نزول القرآن وما تصرف منها في الكتاب والسنة ومن أمثلته قوله سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ وقوله","vol":"1","page":40},{"text":"ﷺ: \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف\". وهو حديث مشهور بل قيل فيه بالتواتر كما سيأتي.\nلكن النزول في استعمال اللغة يطلق ويراد به الحلول في مكان والأوي به. ومنه قولهم نزل الأمير المدينة\nوالمتعدي منه وهو الإنزال يكون معناه إحلال الغير في مكان وإيواءه به. ومنه قوله جل ذكره: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ويطلق النزول إطلاقا آخر في اللغة على انحدار الشيء من علو إلى سفل نحو نزل فلان من الجبل. والمتعدي منه يكون معناه تحريك الشيء من علو إلى سفل ومنه قوله سبحانه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ .\nولا ريب أن كلا هذين المعنيين لا يليق إرادته هنا في إنزال الله للقرآن ولا في نزول القرآن من الله لما يلزم هذين المعنيين من المكانية والجسمية. والقرآن ليس جسما حتى يحل في مكان أو ينحدر من علو إلى سفل سواء أردنا به الصفة القديمة المتعلقة بالكلمات الغيبية الأزلية أم أردنا به نفس تلك الكلمات أم أردنا به اللفظ المعجز لما علمت من تنزه الصفة القديمة ومتعلقها وهو الكلمات الغيبية عن الحوادث وأعراض الحوادث ولما تعرفه من أن الألفاظ أعراض سيالة تنقضي بمجرد النطق بها كما يقولون.\nإذن فنحن بحاجة إلى التجوز والمجاز بابه واسع وميدانه فسيح. وليكن المعنى المجازي لإنزال القرآن هو الإعلام في جميع إطلاقاته. أما على أن المراد بالقرآن الصفة القديمة أو متعلقها فإنزاله: الإعلام به بواسطة ما يدل عليه من النقوش بالنسبة لإنزاله في اللوح المحفوظ وفي بيت العزة من السماء الدنيا وبواسطة ما يدل عليه من الألفاظ الحقيقية بالنسبة لإنزاله على قلب النبي ﷺ والعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي اللزوم لأن إنزال شيء إلى شيء يستلزم إعلام من أنزل إليه ذلك الشيء به إن كان عاقلا ويستلزم إعلام من يطلع عليه من الخلق به مطلقا وإذن فالمجاز مرسل.","vol":"1","page":41},{"text":"وأما على أن المراد بالقرآن اللفظ المعجز فمعنى إنزاله الإعلام به أيضا ولكن بوساطة إثباته هو أو إثبات داله فإثباته هو بالنسبة لإنزاله على قلب النبي ﷺ وإثبات داله بالنسبة إلى اللوح المحفوظ وبيت العزة والعلاقة اللزوم كذلك والمجاز مرسل كسابقه.\nويمكن أن يكون هذا التجوز من قبيل الاستعارة التصريحية الأصلية بأن يشبه إعلام السيد لعبده بإنزال الشيء من علو إلى سفل بجامع أن في كل من طرفي التشبيه صدورا من جانب أعلى إلى جانب أسفل وإن كان العلو والسفل في وجه الشبه حسيا بالنسبة إلى المشبه به ومعنويا بالنسبة إلى المشبه.\nوأنت خبير بأن النزول مطاوع الإنزال فما يجري من التجوز في أحدهما يجري نظيره في الآخر. وقل مثل ذلك في التنزيل والتنزل.\nوكأن وجه اختيار التعبير بمادة الإنزال وما تصرف منها أو التقى معها هو التنويه بشرف ذلك الكتاب نظرا إلى ما تشير إليه هذه المادة من علو صاحب هذا الكتاب المنزل علوا كبيرا كما قال تعالى في فاتحة سورة الزخرف: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .\nثم إن تأويل الإنزال بالإعلام على ما رأيت هو الأقرب والأوفق بالمقام وذلك من وجوه ثلاثة:\nأحدها: أن تعلق الكلام تعلق دلالة وإفهام ولا ريب أن القرآن كلام فتأويل إنزاله بالإعلام رجوع إلى ما هو معلوم من تعلقه ومفهوم من تحققه.\nثانيها: أن المقصود من ثبوت القرآن في اللوح وفي سماء الدنيا وفي قلب النبي ﷺ هو إعلام الخلق في العالمين العلوي والسفلي بما شاء الله دلالة البشر عليه من هذا الحق.","vol":"1","page":42},{"text":"ثالثها: أن تفسير الإنزال بالإعلام ينسجم مع القرآن بأي إطلاق من إطلاقاته وعلى أي تنزل من تنزلاته.","vol":"1","page":43},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-26> تنزلات القرآن</span>\nشرف الله هذا القرآن بأن جعل له ثلاثة تنزلات:\nأ- التنزل الأول إلى اللوح المحفوظ. ودليله قول سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ . وكان هذا الوجود في اللوح بطريقة وفي وقت لا يعلمهما إلا الله تعالى ومن أطلعه على غيبه. وكان جملة لا مفرقا لأنه الظاهر من اللفظ عند الإطلاق ولا صارف عنه. ولأن أسرار تنجيم القرآن على النبي ﷺ لا يعقل تحققها في هذا التنزل.\nوحكمة هذا النزول ترجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح نفسه وإقامته سجلا جامعا لكل ما قضى الله وقدر وكل ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتكوين. فهو شاهد ناطق ومظهر من أروع المظاهر الدالة على عظمة الله وعلمه وإرادته وحكمته وواسع سلطانه وقدرته. ولا ريب أن الإيمان به يقوي إيمان العبد بربه من هذه النواحي ويبعث الطمأنينة إلى نفسه والثقة بكل ما يظهره الله لخلقه من ألوان هدايته وشرائعه وكتبه وسائر أقضيته وشؤونه في عباده كما يحمل الناس على السكون والرضا تحت سلطان القدر والقضاء ومن هنا تهون عليهم الحياة بضرائها وسرائها كما قال جل شأنه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ا. هـ من سورة الحديد.\nوللإيمان باللوح وبالكتابة فيه أثر صالح في استقامة المؤمن على الجادة وتفانيه في طاعة الله ومراضيه وبعده عن مساخطه ومعاصيه لاعتقاده أنها مسطورة عند الله في لوحه. مسجلة لديه في","vol":"1","page":43},{"text":"كتابه. كما قال جل ذكره: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ا. هـ من سورة القمر.\nب - التنزل الثاني للقرآن كان هذا التنزل الثاني إلى بيت العزة في السماء الدنيا والدليل عليه قوله سبحانه في سورة الدخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ . وفي سورة القدر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ . وفي سورة البقرة ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ .\nدلت هذه الآيات الثلاث على أن القرآن أنزل في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة أخذا من آية الدخان وتسمى ليلة القدر أخذا من آية سورة القدر وهي من ليالي شهر رمضان أخذا من آية البقرة. وإنما قلنا ذلك جمعا بين هذه النصوص في العمل بها ودفعا للتعارض فيما بينها. ومعلوم بالأدلة القاطعة كما يأتي أن القرآن أنزل على النبي ﷺ مفرقا لا في ليلة واحدة بل في مدى سنين عددا فتعين أن يكون هذا النزول الذي نوهت به هذه الآيات الثلاث نزولا آخر غير النزول على النبي ﷺ. وقد جاءت الأخبار الصحيحة مبينة لمكان هذا النزول وأنه في بيت العزة من السماء الدنيا كما تدل الروايات الآتية:\n١- أخرج الحاكم بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي ﷺ.\n٢- وأخرج النسائي والحاكم والبيهقي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة ثم قرأ: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ","vol":"1","page":44},{"text":"وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ . ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ .\n٣- وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض.\n٤- وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال أوقع في قلبي الشك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ . وهذا أنزل في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع. فقال ابن عباس إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام. قال أبو شامة: رسلا أي رفقا. وعلى مواقع النجوم أي على مثل مساقطها. يريد أنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق.\nهذه أحاديث أربعة من جملة أحاديث ذكرت في هذا الباب وكلها صحيحة كما قال السيوطي وهي أحاديث موقوفة على ابن عباس غير أن لها حكم المرفوع إلى النبي ﷺ لما هو مقرر من أن قول الصحابي ما لا مجال للرأي فيه ولم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات حكمه حكم المرفوع. ولا ريب أن نزول القرآن إلى بيت العزة من أنباء الغيب التي لا تعرف إلا من المعصوم وابن عباس لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات فثبت الاحتجاج بها.\nوكان هذا النزول جملة واحدة في ليلة واحدة هي ليلة القدر كما علمت لأنه المتبادر من نصوص الآيات الثلاث السابقة وللتنصيص على ذلك في الأحاديث التي","vol":"1","page":45},{"text":"عرضناها عليك. بل ذكر السيوطي أن القرطبي نقل حكاية الإجماع على نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا.\nوهناك قول ثان بنزول القرآن إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين ينزل في كل ليلة قدر منها ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ثم ينزل بعد ذلك منجما في جميع السنة على النبي ﷺ.\nوثمة قول ثالث: أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأزمان على النبي ﷺ. وكأن صاحب هذا القول ينفي النزول جملة إلى بيت العزة في ليلة القدر.\nوذكروا قولا رابعا أيضا هو أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة.\nولكن هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة بمعزل عن التحقيق وهي محجوجة بالأدلة التي سقناها بين يديك تأييدا للقول الأول.\nوالحكمة في هذا النزول على ما ذكره السيوطي نقلا عن أبي شامة هي تفخيم أمره أي القرآن وأمر من نزل عليه بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم وبإنزاله مرتين مرة جملة ومرة مفرقا. بخلاف الكتب السابقة فقد كانت تنزل جملة مرة واحدة.\nوذكر بعضهم أن النزول إلى السماء الدنيا إلهابا لشوق النبي ﷺ إليه على حد قول القائل:\nوأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام\nأقول: وفي تعدد النزول وأماكنه مرة في اللوح وأخرى في بيت العزة وثالثة على قلب النبي ﷺ: في ذلك التعدد مبالغة في نفي الشك عن القرآن وزيادة","vol":"1","page":46},{"text":"للإيمان وباعث على الثقة فيه لأن الكلام إذا سجل في سجلات متعددة وصحت له وجودات كثيرة كان ذلك أنفى للريب عنه وأدعى إلى تسليم ثبوته وأدنى إلى وفرة الإيقان به مما لو سجل في سجل واحد أو كان له وجود واحد.\nج - التنزل الثالث للقرآن هذا هو واسطة عقد التنزلات لأنه المرحلة الأخيرة التي منها شع النور على العالم ووصلت هداية الله إلى الخلق وكان هذا النزول بوساطة أمين الوحي جبريل يهبط به على قلب النبي ﷺ. ودليله قول الله تعالى في سورة الشعراء مخاطبا لرسوله ﵊: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ .","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>كيفية أخذ جبريل للقرآن وعمن أخذ</span>\nهذا من أنباء الغيب. فلا يطمئن الإنسان إلى رأي فيه إلا إن ورد بدليل صحيح عن المعصوم وكل ما عثرنا عليه أقوال منثورة هنا وهناك نجمعها لك فيما يأتي مع إبداء رأينا في كل منها:\nأولها: قال الطيبي: لعل نزول القرآن على الملك أن يتلقفه تلقفا روحانيا أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به على النبي ﷺ فيلقيه إليه اهـ.\nوأنت خبير بأن كلمة لعل هنا لا تشفي غليلا ولا تهدينا إلى المقصود سبيلا ولا نستطيع أن نأخذ منها دليلا.\nثانيها: حكى الماوردي أن الحفظة نجمت القرآن على جبريل في عشرين ليلة وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة اهـ. ومعنى هذا أن جبريل أخذ القرآن عن الحفظة نجوما عشرين. ولكنا لا نعرف لصاحب هذا الرأي دليلا ولا شبه دليل.","vol":"1","page":47},{"text":"ثالثها: قال البيهقي في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يريد والله أعلم إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع اهـ. ومعنى هذا أن جبريل أخذ القرآن عن الله سماعا. وذلك فيما أرى أمثل الأقوال من ناحية أخذ جبريل عن الله لا من ناحية تأويل النزول في الآية بابتداء النزول. ويؤيده ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعا إلى النبي ﷺ: \"إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخروا سجدا فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله بوحيه بما أراد فينتهي به إلى الملائكة فكلما مر بسماء سأله أهلها: ما قال ربنا؟ قال: الحق فينتهي به حيث أمر\".\nوأيا ما تكن هذه الأقوال فإن هذا الموضوع لا يتعلق به كبير غرض ما دمنا نقطع بأن مرجع التنزيل هو الله تعالى وحده.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>ما الذي نزل به جبريل</span>؟\nولتعلم في هذا المقام أن الذي نزل به جبريل على النبي ﷺ هو القرآن باعتبار أنه الألفاظ الحقيقية المعجزة من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس. وتلك الألفاظ هي كلام الله وحده لا دخل لجبريل ولا لمحمد في إنشائها وترتيبها بل الذي رتبها أولا هو الله ﷾ ولذلك تنسب له دون سواه وإن نطق بها جبريل ومحمد وملايين الخلق من بعد جبريل ومحمد من لدن نزول القرآن إلى يوم الساعة. وذلك كما ينسب الكلام البشري إلى من أنشأه ورتبه في نفسه أولا دون غيره ولو نطق به آلاف الخلائق في آلاف الأيام والسنين إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.\nفالله جلت حكمته هو الذي أبرز ألفاظ القرآن وكلماته مرتبة على وفق ترتيب كلماته النفسية لأجل التفهيم والتفهم كما نبرز نحن كلامنا اللفظي على وفق كلامنا النفسي","vol":"1","page":48},{"text":"لأجل التفهيم والتفهم ولا ينسب الكلام بحال إلا إلى من رتبه في نفسه أولا دون من اقتصر على حكايته وقراءته ولذلك لا يجوز إضافة القرآن على سبيل الإنشاء إلى جبريل أو محمد ولا لغير جبريل ومحمد كما لا يجوز نسبة كلام أنشأه شخص ورتبه في نفسه أولا إلى شخص آخر حكاه وقرأه حين اطلع عليه أو سمعه.\nوقد أسف بعض الناس فزعم أن جبريل كان ينزل على النبي ﷺ بمعاني القرآن والرسول يعبر عنها بلغة العرب. وزعم آخرون أن اللفظ لجبريل وأن الله كان يوحي إليه المعنى فقط وكلاهما قول باطل أثيم مصادم لصريح الكتاب والسنة والإجماع ولا يساوي قيمة المداد الذي يكتب به. وعقيدتي أنه مدسوس على المسلمين في كتبهم. وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا واللفظ لمحمد أو لجبريل؟ ثم كيف تصح نسبته إلى الله واللفظ ليس لله؟ مع أن الله يقول: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ إلى غير ذلك مما يطول بنا تفصيله.\nوالحق أنه ليس لجبريل في هذا القرآن سوى حكايته للرسول وإيحائه إليه وليس للرسول النبي ﷺ في هذا القرآن سوى وعيه وحفظه ثم حكايته وتبليغه ثم بيانه وتفسيره ثم تطبيقه وتنفيذه. نقرأ في القرآن نفسه أنه ليس من إنشاء جبريل ولا محمد نحو ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ . ونحو: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ . ونحو: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . ونحو: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ .","vol":"1","page":49},{"text":"ثم إن ما ذكرناه هو تحقيق ما نزل على النبي ﷺ من القرآن وإن كان قد نزل عليه أيضا غير القرآن نقل السيوطي عن الجويني أنه قال: كلام الله المنزل قسمان: قسم قال الله لجبريل قل للنبي الذي أنت مرسل إليه: إن الله يقول افعل كذا وكذا وأمر بكذا وكذا ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبي وقال له ما قاله ربه. ولم تكن العبارة تلك العبارة كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال فإن قال الرسول: يقول لك الملك: لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند يتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر قال الله لجبريل: اقرأ على النبي ﷺ هذا الكتاب فنزل به جبريل من الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ويقول اقرأه على فلان فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا اهـ.\nقال السيوطي بعد ذلك: قلت: القرآن هو القسم الثاني والقسم الأول هو السنة كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى لأن جبريل أداها بالمعنى. ولم تجز القراءة بالمعنى لأن جبريل أدى القرآن باللفظ ولم يبح له أداؤه بالمعنى. والسر في ذلك أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه وأن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه. والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين قسم يروونه بلفظه الموحى به وقسم يروونه بالمعنى. ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف فتأمل اهـ.\nأقول: وهذا كلام نفيس بيد أنه لا دليل أمامنا على أن جبريل كان يتصرف في الألفاظ الموحاة إليه في غير القرآن. وما ذكره الجويني فهو احتمال عقلي لا يكفي في هذا الباب. ثم إن هذا التقسيم خلا من قسيم ثالث للكتاب والسنة وهو الحديث القدسي الذي قاله الرسول حاكيا عن الله تعالى فهو كلام الله تعالى أيضا،","vol":"1","page":50},{"text":"غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عن كل ما سواه. ولله تعالى حكمة في أن يجعل من كلامه المنزل معجزا وغير معجز لمثل ما سبق في حكمة التقسيم الآنف من إقامة حجة للرسول ولدين الحق بكلام الله المعجز ومن التخفيف على الأمة بغير المعجز لأنه تصح روايته بالمعنى وقراءة الجنب وحمله له ومسه إياه إلى غير ذلك.\nوصفوة القول في هذا المقام أن القرآن أوحيت ألفاظه من الله اتفاقا وأن الحديث القدسي أوحيت ألفاظه من الله على المشهور والحديث النبوي أوحيت معانيه في غير ما اجتهد فيه الرسول والألفاظ من الرسول ﷺ. بيد أن القرآن له خصائصه من الإعجاز والتعبد به ووجوب المحافظة على أدائه بلفظه ونحو ذلك وليس للحديث القدسي والنبوي شيء من هذه الخصائص. والحكمة في هذا التفريق أن الإعجاز منوط بألفاظ القرآن فلو أبيح أداؤه بالمعنى لذهب إعجازه وكان مظنة للتغيير والتبديل واختلاف الناس في أصل التشريع والتنزيل. أما الحديث القدسي والحديث النبوي فليست ألفاظهما مناط إعجاز ولهذا أباح الله روايتهما بالمعنى ولم يمنحهما تلك الخصائص والقداسة الممتازة التي منحها القرآن الكريم تخفيفا على الأمة ورعاية لمصالح الخلق في الحالين من منح ومنع ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>مدة هذا النزول</span>\nوابتدأ هذا الإنزال من مبعثه ﵊ وانتهى بقرب انتهاء حياته الشريفة وتقدر هذه المدة بعشرين أو ثلاثة وعشرين أو خمسة وعشرين عاما تبعا للخلاف في مدة إقامته في مكة بعد البعثة أكانت عشر سنين أم ثلاث عشرة أم خمس عشرة سنة. أما مدة إقامته بالمدينة فعشر سنين اتفاقا. كذلك قال السيوطي.\nولكن بعض محققي تاريخ التشريع الإسلامي يذكر أن مدة مقامه بمكة اثنتا عشرة سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما من ١٧رمضان سنة ٤١ من مولده","vol":"1","page":51},{"text":"الشريف إلى أول ربيع الأول سنة ٥٤ منه. أما مدة إقامته في المدينة بعد الهجرة فهي تسع سنوات وتسعة أشهر وتسعة أيام من أول ربيع الأول سنة ٥٤ من مولده إلى تاسع ذي الحجة سنة ٦٣ منه. ويوافق ذلك سنة عشر من الهجرة. وهذا التحقيق قريب من القول بأن مدة إقامته في مكة ثلاث عشرة سنة وفي المدينة عشر سنين وأن مدة الوحي بالقرآن ثلاثة وعشرون عاما.\nلكن هذا التحقيق لا يزال في حاجة إلى تحقيقات ثلاثة ذلك لأنه أهمل من حسابه باكورة الوحي إليه ﷺ عن طريق الرؤيا الصادقة ستة أشهر على حين أنها ثابتة في الصحيح. ثم جرى فيه على أن ابتداء نزول القرآن كان ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة القدر على بعض الآراء غير أنه يخالف المشهور الذي يؤيده الصحيح ثم ذهب فيه مذهب القائلين بأن آخر ما نزل من القرآن هو آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وذلك في تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة وسترى في مبحث آخر ما نزل من القرآن أن هذا المذهب غير صحيح.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>دليل تنجيم هذا النزول</span>\nوالدليل على تفرق هذا النزول وتنجيمه قول الله تعالت حكمته في سورة الإسراء: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ وقوله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ . روي أن الكفار من يهود ومشركين عابوا على النبي ﷺ نزول القرآن مفرقا واقترحوا عليه أن ينزل جملة فأنزل الله هاتين الآيتين ردا عليهم وهذا الرد يدل على أمرين:","vol":"1","page":52},{"text":"أحدهما: أن القرآن نزل مفرقا على النبي ﷺ.\nوالثاني: أن الكتب السماوية من قبله نزلت جملة كما اشتهر ذلك بين جمهور العلماء حتى كاد يكون إجماعا.\nووجه الدلالة على هذين الأمرين أن الله تعالى لم يكذبهم فيما ادعوا من نزول الكتب السماوية جملة بل أجابهم ببيان الحكمة في نزول القرآن مفرقا ولو كان نزول الكتب السماوية مفرقا كالقرآن لرد عليهم بالتكذيب وبإعلان أن التنجيم هو سنة الله فيما أنزل على الأنبياء من قبل كما رد عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ . حين طعنوا على الرسول وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾؟. اهـ من سورة الفرقان.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الحكم والأسرار في تنجيم القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتقوية قلبه</span>\n...\nالحكم والأسرار في تنجيم القرآن\nلتنجيم نزول القرآن الكريم أسرار عدة وحكم كثيرة نستطيع أن نجملها في أربع حكم رئيسية:-\nالحكمة الأولى\nتثبيت فؤاد النبي ﷺ وتقوية قلبه وذلك من وجوه خمسة:\nالوجه الأول: أن في تجدد الوحي وتكرار نزول الملك به من جانب الحق إلى رسوله ﷺ سرورا يملأ قلب الرسول وغبطة تشرح صدره وكلاهما يتجدد عليه بسبب ما يشعر به من هذه العناية الإلهية وتعهد مولاه إياه في كل نوبة من نوبات هذا النزول.\nالوجه الثاني: أن في التنجيم تيسيرا عليه من الله في حفظه وفهمه ومعرفة أحكامه وحكمه وذلك مطمئن له على وعي ما يوحى إليه حفظا وفهما وحكامأ كما أن فيه تقوية لنفسه الشريفة على ضبط ذلك كله.","vol":"1","page":53},{"text":"الوجه الثالث: أن في كل نوبة من نوبات هذا النزول المنجم معجزة جديدة غالبا حيث تحداهم كل مرة أن يأتوا بمثل نوبة من نوب التنزيل فظهر عجزهم عن المعارضة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت. ولا شك أن المعجزة تشد أزره وترهف عزمه باعتبارها مؤيدة له ولحزبه. خاذلة لأعدائه ولخصمه.\nالوجه الرابع: أن في تأييد حقه ودحض باطل عدوه المرة بعد الأخرى تكرارا للذة فوزه وفلجه بالحق والصواب وشهوده لضحايا الباطل في كل مهبط للوحي والكتاب. وإن كل ذلك إلا مشجع للنفس مقو للقلب والفؤاد والفرق بين هذا الوجه والذي قبله هو الفرق بين الشيء وأثره أو الملزوم ولازمه فالمعجزة من حيث إنها قوة للرسول ومؤيدة له مطمئنة له ومثبتة لفؤاده بقطع النظر عن أثر انتصاره وهزيمة خصمه بها\nثم إن هذا الأثر العظيم وحده مطمئن لقلبه الكريم ومثبت لفؤاده أيضا، أشبه شيء بالسلاح وجوده في يد الإنسان مطمئن له ولو لم يستعمله في خصمه ثم انتصار الإنسان وهزيمة خصمه به إذا أعمل فيه مطمئن للفؤاد مريح للقلب مرة أخرى.\nالوجه الخامس: تعهد الله إياه عند اشتداد الخصام بينه وبين أعدائه بما يهون عليه هذه الشدائد ولا ريب أن تلك الشدائد كانت تحدث في أوقات متعددة فلا جرم كانت التسلية تحدث هي الأخرى في مرات متكافئة.\nفكلما أحرجه خصمه سلاه ربه. وتجيء تلك التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين التي لها في القرآن عرض طويل وفيها يقول الله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ من سورة هود. وتارة تجيء التسلية عن طريق وعد الله لرسوله بالنصر والتأييد والحفظ كما في قوله سبحانه في سورة الطور: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وقوله في سورة المائدة: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ونحو ما في","vol":"1","page":54},{"text":"سورتي الضحى وألم نشرح من الوعود الكريمة والعطايا العظيمة. وطورا تأتيه التسلية عن طريق إبعاد أعدائه وإنذارهم نحو قوله تعالى في سورة القمر: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وقوله سبحانه في سورة فصلت: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ . وطورا آخر ترد التسلية في صورة الأمر الصريح بالصبر نحو قوله جل شأنه في سورة الأحقاف: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أو في صورة النهي عن التفجع عليهم والحزن منهم. نحو قول الله في سورة فاطر: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ونحو قوله سبحانه في خواتم سورة النحل: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ .\nومن موارد تسلية الله لرسوله أن يخوفه عواقب حزنه من كفر أعدائه نحو: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في فاتحة سورة الشعراء. ومنها أن يؤيسه منهم ليستريح ويتسلى عنهم نحو: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ . ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ من سورة الأنعام.\nويمكن أن تندرج هذه الحكمة بوجوهها الخمسة تحت قول الله في بيان الحكمة من تنجيم القرآن ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ من سورة الفرقان.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الحكمة الثانية\nالتدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علما وعملا</span>. وينضوي تحت هذا الإجمال أمور خمسة أيضا:\nأولها: تيسير حفظ القرآن على الأمة العربية وهي كما علمت كانت أمة أمية.","vol":"1","page":55},{"text":"وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم وكانت مشتغلة بمصالحها المعاشية وبالدفاع عن دينها الجديد بالحديد والدم فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه فاقتضت الحكمة العليا أن ينزله الله إليهم مفرقا ليسهل عليهم حفظه ويتهيأ لهم استظهاره.\nثانيها: تسهيل فهمه عليهم كذلك مثل ما سبق في توجيه التيسير في حفظه.\nثالثها: التمهيد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة وعباداتهم الفاسدة وعاداتهم المرذولة. وذلك بأن يراضوا على هذا التخلي شيئا فشيئا بسبب نزول القرآن عليهم كذلك شيئا فشيئا فكلما نجح الإسلام معهم في هدم باطل انتقل بهم إلى هدم آخر وهكذا يبدأ بالأهم ثم بالمهم حتى انتهى بهم آخر الأمر عن تلك الأرجاس كلها فطهرهم منها وهم لا يشعرون بعنت ولا حرج وفطمهم عنها دون أن يرتكسوا في سابق فتنة أو عادة. وكانت هذه سياسة رشيدة لا بد منها في تربية هذه الأمة المجيدة لا سيما أنها كانت أبية معاندة تتحمس لموروثاتها وتستميت في الدفاع عما تعتقده من شرفها وتتهور في سفك الدماء وشن الغارات لأتفه الأسباب.\nرابعها: التمهيد لكمال تحليهم بالعقائد الحقة والعبادات الصحيحة والأخلاق الفاضلة بمثل تلك السياسة الرشيدة السابقة. ولهذا بدأ الإسلام بفطامهم عن الشرك والإباحة وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء من جراء ما فتح عيونهم عليه من أدلة التوحيد وبراهين البعث بعد الموت وحجج الحساب والمسؤولية والجزاء.\nثم انتقل بهم بعد هذه المرحلة إلى العبادات فبدأهم بفرضية الصلاة قبل الهجرة وثنى بالزكاة وبالصوم في السنة الثانية من الهجرة وختم بالحج في السنة السادسة منها. وكذلك كان الشأن في العادات زجرهم عن الكبائر وشدد النكير عليهم فيها. ثم نهاهم عن الصغائر في شيء من الرفق وتدرج في تحريم ما كان مستأصلا فيهم","vol":"1","page":56},{"text":"كالخمر تدرجا حكيما حقق الغاية وأنقذهم من كابوسها في النهاية. وكان الإسلام في انتهاج هذه الخطة المثلى أبعد نظرا، وأهدى سبيلا وأنجح تشريعا وأنجع سياسة من تلكم الأمم المتمدنية المتحضرة التي أفلست في تحريم الخمر على شعوبها أفظع إفلاس وفشلت أمر فشل. وما عهد أمريكا في مهزلة تحريمها الخمر ببعيد.\nأليس ذلك إعجازا للإسلام في سياسة الشعوب وتهذيب الجماعات وتربية الأمم بلى والتاريخ على ذلك من الشاهدين.\nخامسها: تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين بسبب ما كان يقصه القرآن عليهم الفينة بعد الفينة والحين بعد الحين من قصص الأنبياء والمرسلين وما كان لهم ولأتباعهم مع الأعداء والمخالفين وما وعد الله به عباده الصالحين من النصر والأجر والتأييد والتمكين. والآيات في ذلك كثيرة حسبك منها قول العلي الكبير في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . وقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .\nويمكن أن تندرج هذه الحكمة الثانية بما انضوى تحتها في قول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ كما يمكن أن يفسر بها قوله تعالى في سورة الفرقان في بيان أسرار التنجيم ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ باعتبار أن التنوين للتعظيم إشارة إلى المعاني المنطوية تحت هذا الترتيل.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الحكمة الثالثة: مسايرة الحودث والطواىء في تجددها وتفرقها</span>\n...\nالحكمة الثالثة\nمسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها فكلما جد منهم جديد نزل من القرآن ما يناسبه وفصل الله لهم من أحكامه ما يوافقه. وتنتظم هذه الحكمة أمورا أربعة:\nأولها: إجابة السائلين على أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول ﷺ. سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التثبت من رسالته. كما قال الله تعالى في جواب سؤال أعدائه إياه. ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ في سورة الإسراء وقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ الخ الآيات في هذا الموضوع من سورة الكهف. أم كانت لغرض التنور ومعرفة حكم الله كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ . ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ .\nولا ريب أن تلك الأسئلة كانت ترفع إلى النبي ﷺ في أوقات مختلفة وعلى نوبات متعددة حاكية أنهم سألوا ولا يزالون يسألون. فلا بدع أن ينزل الجواب عليها كذلك في أوقاتها المختلفة ونوباتها المتعددة.\nثانيها: مجاراة الأقضية والوقائع في حينها ببيان حكم الله فيها عند حدوثها ووقوعها. ومعلوم أن تلك الأقضية والوقائع لم تقع جملة بل وقعت تفصيلا وتدريجا فلا مناص إذن من فصل الله فيها بنزول القرآن على طبقها تفصيلا وتدريجا. والأمثلة على هذا كثيرة منها قوله سبحانه في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهن عشر آيات نزلن في حادث من أروع الحوادث: هو اتهام السيدة الجليلة","vol":"1","page":58},{"text":"أم المؤمنين عائشة ﵂ بالإفك. وفيها دروس اجتماعية لا تزال تقرأ على الناس كما لا تزال تسجل براءة الحصان الطاهرة من فوق سبع سموات.\nومن الأمثلة قوله تعالى في مفتتح سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وهن ثلاث آيات نزلن عندما رفعت خولة بنت ثعلبة شكواها إلى رسول الله ﷺ من أن زوجها أوس بن الصامت ظاهر منها وجادلت الرسول بأن معها صبية صغارا إن ضمتهم إلى زوجها ضاعوا وإن ضمتهم إليها جاعوا.\nثالثها: لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم التي يخطئون فيها وإرشادهم إلى شاكلة الصواب في الوقت نفسه. ولا ريب أن تلك الأغلاط كانت في أزمان متفرقة فمن الحكمة أن يكون القرآن النازل في إصلاحها متكافئا معها في زمانها. اقرأ إن شئت قوله سبحانه في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى آيات كثيرة بعدها وكلها نزلت في غزوة أحد إرشادا للمسلمين إلى مواضع أخطائهم في هذا الموقف الرهيب والمأزق العصيب. وكذلك اقرأ قوله سبحانه في سورة التوبة: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهي آيات تردع المؤمنين عن رذيلة الإعجاب والاغترار في يوم من أيام الله وتلفت نظرهم إلى مقدار تدارك الله لهم في شدتهم والى وجوب أن يثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم.","vol":"1","page":59},{"text":"رابعها: كشف حال أعداء الله المنافقين وهتك أستارهم وسرائرهم للنبي والمسلمين كيما يأخذوا منهم حذرهم فيأمنوا شرهم. وحتى يتوب من شاء منهم. اقرأ إن شئت قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهن ثلاث عشرة آية فضحت المنافقين كما فضحتهم سورة التوبة في كثير من الآيات وكما كشف القرآن أستارهم في كثير من المناسبات. ويمكن أن تندرج هذه الحكمة الثالثة بمضامينها الأربعة في قول الله تعالى في تلك الآية من سورة الفرقان: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ .","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الحكمة الرابعة\nالإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه كلام الله وحده </span>وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد ﷺ ولا كلام مخلوق سواه.\nوبيان ذلك. أن القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره فإذا هو محكم السرد دقيق السبك متين الأسلوب قوي الاتصال آخذ بعضه برقاب بعض في سورة وآياته وجمله يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه كأنه سبيكة واحدة ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك ولا تخاذل كأنه حلقة مفرغة أو كأنه سمط وحيد وعقد فريد يأخذ بالأبصار نظمت حروفه وكلماته ونسقت جمله وآياته وجاء آخره مساوقا لأوله وبدا أوله مواتيا لآخره.\nوهنا نتساءل: كيف اتسق للقرآن هذا التأليف المعجز وكيف استقام له هذا التناسق المدهش؟ على حين أنه لم يتنزل جملة واحدة بل تنزل آحادا مفرقة تفرق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عاما.\nالجواب: أننا نلمح هنا سرا جديدا من أسرار الإعجاز ونشهد سمة فذة من","vol":"1","page":60},{"text":"سمات الربوبية ونقرأ دليلا ساطعا على مصدر القرآن وأنه كلام الواحد الديان ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .\nوإلا فحدثني بربك كيف تستطيع أنت؟ أم كيف يستطيع الخلق جميعا أن يأتوا بكتاب محكم الاتصال والترابط متين النسج والسرد متآلف البدايات والنهايات مع خضوعه في التأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر وهي وقائع الزمن وأحداثه التي يجيء كل جزء من أجزاء هذا الكتاب تبعا لها ومتحدثا عنها: سببا بعد سبب وداعية إثر داعية مع اختلاف ما بين هذه الدواعي وتغاير ما بين تلك الأسباب ومع تراخي زمان هذا التأليف وتطاول آماد هذه النجوم إلى أكثر من عشرين عاما.\nلا ريب أن هذا الانفصال الزماني وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدواعي يستلزمان في مجرى العادة التفكك والانحلال ولا يدعان مجالا للارتباط والاتصال بين نجوم هذا الكلام.\nأما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضا نزل مفرقا منجما ولكنه تم مترابطا محكما. وتفرقت نجومه تفرق الأسباب ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب. ولم يتكامل نزوله إلا بعد عشرين عاما ولكن تكامل انسجامه بداية وختاما.\nأليس ذلك برهانا ساطعا على أنه كلام خالق القوى والقدر ومالك الأسباب والمسببات ومدبر الخلق والكائنات وقيوم الأرض والسموات العليم بما كان وما سيكون الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شؤون؟؟.\nلاحظ فوق ما أسلفنا أن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال: \"ضعوها في مكان كذا من سورة كذا\". وهو بشر لا يدري طبعا ما ستجيء به الأيام ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ولا يدرك ما سيحدث","vol":"1","page":61},{"text":"من الدواعي والأحداث فضلا عما سينزل من الله فيها. وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول على هذا العهد يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم وينتظم ويتآخى ويأتلف ويلتئم ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت بل يعجز الخلق طرا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .\nوإنه ليستبين لك سر هذا الإعجاز إذا ما علمت أن محاولة مثل هذا الاتساق والانسجام لن يمكن أن يأتي على هذا النمط الذي نزل به القرآن ولا على قريب من هذا النمط لا في كلام الرسول ﷺ ولا كلام غيره من البلغاء وغير البلغاء.\nخذ مثلا حديث النبي ﷺ وهو ما هو في روعته وبلاغته وطهره وسموه لقد قاله الرسول ﷺ في مناسبات مختلفة لدواع متباينة في أزمان متطاولة فهل في مكنتك ومكنة البشر معك أن ينظموا من هذا السرد الشتيت وحدة كتابا واحدا يصقله الاسترسال والوحدة من غير أن ينقصوا منه أو يتزيدوا عليه أو يتصرفوا فيه؟؟.\nذلك ما لن يكون ولا يمكن أن يكون ومن حاول ذلك فإنما يحاول العبث ويخرج للناس بثوب مرقع وكلام ملفق ينقصه الترابط والانسجام وتعوزه الوحدة والاسترسال وتمجه الأسماع والأفهام.\nإذن فالقرآن الكريم ينطق نزوله منجما بأنه كلام الله وحده. وتلك حكمة جليلة الشأن تدل الخلق على الحق في مصدر القرآن: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المعركة الطاحنة أو الوحي بين معتقديه ومنكريه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>مدخل</span>\n...\n٣- المعركة الطاحنة أو الوحي بين معتقديه ومنكريه\nكل ما قدمناه إليك في نزول القرآن لا يسلمه ولا يقبله إلا من آمن بالوحي وأساليبه والاتصالات الروحية بالملأ الأعلى واستمداد الإنسان لمعارفه عن الله تعالى بوساطة الملك على غير الطريقة المعتادة بين البشر. ولكن العقلية العصرية أصابها مس من المادية والإلحاد والإباحة فأصبح كثير من المتعلمين تعليما مدرسيا ناقصا لا يهضمون هذه الحقائق العليا ولا يستسيغون فهمها بل يلقون حبالا وعصيا في سبيل المؤمنين بها ولا شبهة لهم فيما ذهبوا إليه إلا شكوك تلقفوها من هنا وهناك يروجونها باسم العقل مرة وباسم العلم مرة أخرى.\nلهذا نرى لزاما علينا أن نقف هنا بجانب الوحي وقفة نرفع فيها النقاب عن حقيقته وأنواعه وكيفياته ثم نتبع ذلك بالأدلة العلمية على الوحي وإمكانه ثم نردفها بالأدلة العقلية على تحققه ووقوعه. ثم نختتم هذا المبحث بعلاج الشبهات التي تعترضهم ويعترضون بها في هذا الموقف الجلل. والموضوع الخطير.\nتلك نقاط أربع إذا وفقنا في بحثها قطعنا الطريق على عصابات مجرمة اتخذت مبحث الوحي أداة للفتنة وستارا يقضون من ورائه وطرا للغواية ومأربا للإباحة وسبيلا إلى هدم الأديان وضلال الإنسانية والإنسان.","vol":"1","page":63},{"text":"ا-<span data-type=\"title\" id=toc-38> حقيقة الوحي وأنواعه وكيفياته</span>\nأما الوحي فمعناه في لسان الشرع أن يعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر.","vol":"1","page":63},{"text":"ويكون على أنواع شتى: منه ما يكون مكالمة بين العبد وربه كما كلم الله موسى تكليما. ومنه ما يكون إلهاما يقذفه الله في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعا ولا يجد في شكا. ومنه ما يكون مناما صادقا يجيء في تحققه ووقوعه كما يجيء فلق الصبح في تبلجه وسطوعه. ومنه ما يكون بوساطة أمين الوحي جبريل ﵇ وهو ملك كريم ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين. وذلك النوع هو أشهر الأنواع وأكثرها. ووحي القرآن كله من هذا القبيل وهو المصطلح عليه بالوحي الجلي. قال الله تعالى في سورة الشعراء: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ .\nثم إن ملك الوحي يهبط هو الآخر على أساليب شتى: فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقية الملكية. وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه. وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة فيغط غطيط النائم ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء وما هي في شيء من الغشية والإغماء إن هي إلا استغراق في لقاء الملك الروحاني وانخلاع عن حالته البشرية العادية فيؤثر ذلك على الجسم فيغط ويثقل ثقلا شديدا قد يتصبب منه الجبين عرقا في اليوم الشديد البرد. وقد يكون وقع الوحي على الرسول كوقع الجرس إذا صلصل في أذن سامعه وذلك أشد أنواعه. وربما سمع الحاضرون صوتا عند وجه الرسول كأنه دوي النحل لكنهم لا يفقهون كلاما ولا يفقهون حديثا. أما هو صلوات الله وسلامه عليه فإنه يسمع ويعي ما يوحى إليه ويعلم علما ضروريا أن هذا هو وحي الله دون لبس ولا خفاء ومن غير شك ولا ارتياب فإذا انجلى عنه الوحي وجد ما أوحي إليه حاضرا في ذاكرته منتقشا في حافظته كأنما كتب في قلبه كتابة.","vol":"1","page":64},{"text":"والأدلة الشرعية على ما ذكرنا كثيرة في الكتاب والسنة منها ما قصصنا عليك في تنزلات القرآن ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .\nومنها الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله ﷺ: \"أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول\" قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.","vol":"1","page":65},{"text":"ب -<span data-type=\"title\" id=toc-39> الوحي من ناحية العلم</span>\nاعلم أن أعداء الوحي ومنكريه لا يؤمنون بالشرع وأدلة الشرع. إنما يؤمنون بالعقل على الطريقة التي يستسيغونها وبالعلم الذي تواضعوا عليه في اصطلاحهم الحديث وهو جملة المعارف اليقينية التي أنتجها دستور البحث الجديد في الوجود وكائناته من جعل الشك أساسا للبحث والاستناد إلى القاطع الذي يؤيده الحس دون سواه فهم يقدمون الشك ويمعنون فيه ثم لا يعترفون إلا بالحسيات ولا يحفلون بمجرد العقليات. ومن هنا سجنوا أنفسهم في سجن المادة ومكثوا حينا من الدهر ينكرون ما وراء المادة ويسرفون في الشكوك إلى أبعد الحدود ويستخفون بأمر الإلهيات والنبوات والوحي إلى مدى بعيد لم تصل إليه أظلم عهود الجاهلية لولا أن صدمهم العلم نفسه صدمة عنيفة غيرت رأيهم في إنكار ما وراء المادة كما يأتي إن شاء الله. وإنما نبدأ هنا بأدلة الوحي العلمية لأنها في الواقع أدلة لإمكان الوحي وتقريبه إلى العقول. وإمكان الوحي هو الخطوة الأولى في الموضوع،","vol":"1","page":65},{"text":"وهو ملحوظ في المقدمة الأساسية من مقدمات الدليل العقلي الآتي فلا غرو أن يكون لتلك الأدلة العلمية مكان الصدارة والتقديم.\nالدليل الأول: التنويم الصناعي أو التنويم المغناطيسي وهو من المقررات العلمية الثابتة. كشفه الدكتور مسمر الألماني في القرن الثامن عشر وجاهد هو وأتباعه مدى قرن كامل من الزمان في سبيل إثباته وحمل العلماء على الاعتراف به وقد نجحوا في ذلك فاعترف العلماء به علميا بعد أن اختبروا به الآلاف المؤلفة من الخلق واطمأنوا إلى تجاربه. وأخيرا أثبتوا بوساطته ما يأتي:\n١- أن للإنسان عقلا باطنا أرقى من عقله المعتاد كثيرا.\n٢- أنه وهو في حال التنويم يرى ويسمع من بعد شاسع ويقرأ من وراء حجب ويخبر عما سيحدث مما لا يوجد في عالم الحس أقل علامة لحدوثه.\n٣- أن للتنويم درجات بعضها فوق بعض يزداد العقل الباطن سموا بتنقله فيها.\n٤- أنه قد يصل إلى درجة تخرج فيها روح الوسيط من جسده وتمثل إلى جانبه غير مرئية بينما يكون الجسم في حالة تشبه الموت لولا علاقة خفية بين الروح والجسم.\n٥- أثبتوا من وراء ذلك أن هناك روحا.\n٦- أن الروح مستقلة عن الجسم كل الاستقلال.\n٧- أن الروح لا تنحل بانحلاله.\n٨- أنها تتصل بالأرواح التي سبقتها إذا تجردت عن المادة إلى غير ذلك مما لا نسلم جميع تفاصيله تقليدا وإن كنا نسلم هذا العلم وتجاربه. ومقرراته في الجملة لثبوت الدليل بها في الجملة أيضا بواسطة التجارب العديدة","vol":"1","page":66},{"text":"والمشاهدات الكثيرة. وله في الغرب أنصار من علماء وطلاب وله دور وكتب وله مستشفيات يؤمها الناس للتداوي به.\nوليس من موضوعنا أن نتوسع لك في هذا العالم وتاريخه وتجاربه وفوائده ولكنا نريد أن نتقدم إليك بفكرة مجملة عنه تريك إلى أي حد أظهر الله في هذا العصر آيات باهرات على أيدي الطبيعيين الذين ينكرون ما وراء المادة ويسرفون في الإنكار فانقلبوا بنعمة من الله وفضل يثبتون ما وراء المادة ويسرفون في الإثبات. تحقيقا لقوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ اهـ من خاتمة سورة فصلت.\nوإننا نضع بين يديك هنا تجربة واحدة من تجارب التنويم تقرب إليك الوحي كل التقريب وهذه التجربة رأيتها بعيني وسمعتها بأذني بنادي جمعية الشبان المسلمين على مرأى ومسمع من جمهور مثقف كبير حضر ليشهد محاضرة مهمة في التنويم المغناطيسي وإثبات أنه يمكن أن يتخذ سلاحا مسموما لتغيير عقيدة الشخص ودينه كما تسفل إلى ذلك بعض المبشرين إذ فتن بهذا العدوان الخبيث شابا من خيرة الشبان المسلمين حول سنة هـ في حادثة مشهورة مروعة وما هي منكم ببعيد.\nقام المحاضر وهو أستاذ في التنويم المغناطيسي وأحضر الوسيط وهو فتى فيه استعداد خاص للتأثر بالأستاذ والأستاذ فيه استعداد خاص للتأثير على الوسيط فالأول ضعيف النفس والثاني قويها. وللضعف والقوة وجوه ليس هذا موضع بيانها. نظر الأستاذ في عين الوسيط نظرات عميقة نافذة وأجرى عليه حركات يسمونها سحبات فما هي إلا لحظة حتى رأينا الوسيط يغط غطيط النائم وقد امتقع لونه وهمد جسمه وفقد إحساسه المعتاد حتى لقد كان أحدنا يخزه بالإبرة وخزات عدة ويخزه كذلك ثان وثالث فلا يبدي الوسيط حراكا ولا يظهر أي عرض لشعوره وإحساسه بها. وحينئذ تأكدنا أنه قد نام ذلك النوم الصناعي أو المغناطيسي.","vol":"1","page":67},{"text":"وهناك تسلط الأستاذ على الوسيط يسأله: ما اسمك؟ فأجابه باسمه الحقيقي. فقال الأستاذ: ليس هذا هو اسمك إنما اسمك كذا وافترى عليه اسما آخر ثم أخذ يقرر في نفس الوسيط هذا الاسم الجديد الكاذب ويمحو منه أثر الاسم القديم الصادق بوساطة أغاليط يلقنها إياه في صورة الأدلة وبكلام يوجهه إليه في صيغة الأمر والنهي. وهكذا أملى عليه هذه الأكذوبة إملاء وفرضها عليه فرضا حتى خضع لها الوسيط وأذعن.\nثم أخذ الأستاذ وأخذنا نناديه باسمه الحقيقي المرة بعد الأخرى في فترات متقطعة وفي أثناء الحديث على حين غفلة كل ذلك وهو لا يجيب. ثم نناديه كذلك باسمه الموضوع فيجيب دون تردد ولا تلعثم.\nثم أمر الأستاذ وسيطه أن يتذكر دائما أن هذا الاسم الجديد هو اسمه الصحيح حتى إلى ما بعد نصف ساعة من صحوه ويقظته. ثم أيقظه وأخذ يتم محاضرته ونحن نفجأ الوسيط بالاسم الحقيقي فلا يجيب ثم نفجؤه باسمه الثاني فيجيب حتى إذا مضى نصف الساعة المضروب عاد الوسيط إلى حاله الأولى من العلم باسمه الحقيقي.\nوبهذه التجربة أثبت الأستاذ أن المنوم بكسر الواو يستطيع أن يمحو من نفس وسيطه كل أثر يريد محوه مهما كان ثابتا في النفس كاسم الإنسان عينه ومهما كان مقدسا فيها كعقائد الدين.\nوإنما اختار الأستاذ محو الاسم دون الدين لأمرين: أحدهما أن محو الدين عدوان أثيم وإجرام شنيع لم تقبله نفسية المحاضر ولا الحاضرين. ثانيهما: أن الاسم أثبت في نفس صاحبه من دينه فمحوه منها أعجب ومنه تعلم أن محو الدين منها أيسر.\nوبهذه التجربة أيضا ثبت لي أنا من طريق علمي ما قرب إلي الوحي عمليا وما جعلني أعلله تعليلا علميا: فالوحي عن طريق الملك عبارة عن اتصال الملك","vol":"1","page":68},{"text":"بالرسول اتصالا يؤثر به الأول في الثاني ويتأثر فيه الثاني بالأول وذلك باستعداد خاص في كليهما فالأول فيه قوة الإلقاء والتأثير لأنه روحاني محض والثاني فيه قابلية التلقي عن هذا الملك لصفاء روحانيته وطهارة نفسه المناسبة لطهارة الملك. وعند تسلط الملك على الرسول ينسلخ الرسول عن حالته العادية ويظهر أثر التغير عليه ويستغرق في الأخذ والتلقي عن الملك ويطبع ما تلقاه في نفسه حتى إذا انجلى عنه الوحي وعاد إلى حالته الأولى وجد ما تلقاه ماثلا في نفسه حاضرا في قلبه كأنما كتب في صحيفة فؤاده كتابا.\nأتظن أيها القارئ الكريم أن المخلوق يستطيع أن يؤثر في نفس مخلوق آخر ذلك التأثير بواسطة التنويم المغناطيسي ثم لا يستطيع مالك القوى والقدر أن يؤثر في نفس من شاء من عباده بواسطة الوحي كلا ثم كلا إنه على ما يشاء قدير.\nالدليل العلمي الثاني: إن العلم الحديث استطاع أن يخترع من العجائب ما نعرفه ونشاهده وننتفع به مما يسمونه التليفون واللاسلكي والميكرفون والراديو. وعن طريق أولئك أمكن الإنسان أن يخاطب من كان في آفاق بعيدة عنه وأن يفهمه ما شاء ويرشده إلى ما أراد. فهل يعقل بعد قيام هذه المخترعات المادية أن يعجز الإله القادر عن أن يوحي إلى بعض عباده ما شاء عن طريق الملك أو غير الملك تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.\nالدليل الثالث: استطاع العلم أيضا أن يملأ بعض اسطوانات من الجماد الجامد الجاهل بأصوات وأنغام وبقرآن وأغان وكلام على وجه يجعلها حاكية له بدقة وإتقان وبين أيدينا من ذلك شيء كثير لا سبيل إلى إنكاره يسمونه بالفونغراف.\nأبعد هذه المخترعات القائمة يستبعد على القادر تعالى بوساطة ملك ومن غير وساطة ملك أن يملأ بعض نفوس بشرية صافية من خواص عباده بكلام مقدس","vol":"1","page":69},{"text":"يهدي به خلقه. ويظهر به حقه على وجه يجعل ذلك الكلام منتقشا في قلب رسوله حتى يحكمه بدقة وإتقان كذلك؟\nالدليل الرابع: أننا نشاهد بعض الحيوانات الدنيا تأتي بعجائب الأنظمة والأعمال مما نحيل معه أن يكون صادرا عن تفكير لها أو غريزة ساذجة فيها ومما يجعلنا نوقن بأنها لم تصدر في ذلك إلا عن إرادة عليا توحي إليها وتلهمها تلك العجائب والغرائب من الصناعات والأعمال والدقة والاحتيال.\nوإذا صح هذا في عالم الحيوان فهو أولى أن يصح في عالم الإنسان حيث استعداده للاتصال بالأفق الأعلى يكون أقوى وأخذه عنه يكون أتم ومن ذلك ما يكون بطريق الوحي.\nوإن شئت أمثلة لتلك الحيوانات التي ضربناها لك مثلا في إلهاماته العلوية فدونك النمل والنحل وما تأتيان من ضروب الأعمال ودقة النظام. وهاك حيوانا غريبا أسموه اكسيكلوب. وقال عنه الأستاذ ميلن إدوار المدرس بجامعة السوربون بفرنسا ما ترجمته إن الحيوانات المسماة اكسيكلوب تعيش منفردة وتموت بعد أن تبيض مباشرة وتخرج صغارها على حالة ديدان لا أرجل لها ولا تستطيع حماية نفسها من أية عادية كما لا تستطيع الحصول على غذائها. ومع ذلك فحياتها تقتضي أن تعيش مدة سنة في مسكن مقفل وفي هدوء تام وإلا هلكت.\nفترى الأم متى حان وقت بيضها تعمد إلى قطعة من الخشب فتحفر فيها سردابا طويلا فإذا أتمته أخذت في جلب ذخيرة إليه تكفي صغيرا واحدا مدة سنة تلك الذخيرة هي طلع الأزهار وبعض الأوراق السكرية فتحشو بها قاع السرداب ثم تضع عليه بيضة واحدة ثم تأتي بنشارة الخشب وتكون منها عجينة تجعلها سقفا على تلك البيضة ثم تأتي بذخيرة أخرى فتضعها فوق ذلك","vol":"1","page":70},{"text":"السقف ثم تضع بيضة أخرى وهلم جرا حتى يفرغ بيضها ثم تترك الكل وتموت.\nفمن ذا الذي علم هذه الحشرة الضعيفة الساذجة تلك الصناعة المحيرة للعقل؟ ومن أفهمها وهي تموت بعد أن تبيض مباشرة أن صغارها التي ستولد في حاجة إلى البقاء سنة في حالة ضعف وعجز من الذي غرس في قلبها هذه العناية بنوعها حتى كلفتها كل هذه المشقة في وضع بويضاتها؟.\nلا ريب أن قيوم الوجود يؤتي الكائنات علما بما يقيمها وبما يصلحها من غير طريق الحواس التي لا تستطيع أن تكتسبه بها. ومن العبث وضلال الرأي أن يثبت الباحث الطبيعي إلهاما تبعثه القدرة الإلهية إلى أحقر الحشرات ثم ينفيه عن النوع البشري وهو أشد ما يكون حاجة إلى هذا الوحي والإلهام في حياته الفردية والاجتماعية.\nالدليل الخامس: العبقرية ويعرفها أفلاطون بأنها حال إلهية مولدة للإلهامات العلوية للبشر ويقرر الفلاسفة أنها حال علوية لا شأن للعقل فيها. ويقول الطبيعيون: إنها هبة من الطبيعة نفسها لا تحصلها دراسة ولا يوجدها تفكير.\nوهاك أمثلة للعبقرية والعباقرة تشع على موضوع الوحي نورا كشافا يهدي الحيارى الضالين إلى سواء السبيل.\n١- قال الأستاذ ميرس الانجليزي مدرس علم النفس بجامعة كامبردج في كتاب كبير له أسماه الشخصية الإنسانية ما ترجمته كان للمستر بيدلر خاصة تكاد تلتحق بالمعجزات فإنه كان يعين على البديهة العوامل التي إذا ضرب بعضها في بعض أنتجت عددا من سبعة أو ثمانية أرقام. فإذا سئل مثلا: ما هما العددان اللذان إذا ضرب أحدهما في الآخر نتج العدد ١٧٨٦١ أجابك على الفور بأنهما","vol":"1","page":71},{"text":"(٣٣٧، ٥٣) . وهو يقول: إنه لا يدري على أية حال يأتي بهذا الجواب فكانت الإجابة عنده كأنها غريزة طبيعية.\n٢- ونقل عن الشاعر الكبير سوللي برودوم الفرنسي أنه قال حدث لي في بعض الأحايين أني كنت أجد فجأة برهان نظرية هندسية ألقيت إلي منذ سنة وذلك بدون أن ألقي إليها أقل التفات.\n٣- وذكر المسيو رينه الشاعر الفرنسي أنه ينام غالبا وهو يعمل قطعة من الشعر لم تتم ثم يستيقظ فيجدها تامة.\n٤- وكذلك يقول الشاعر موسيه الفرنسي أنا لا أعمل شيئا ولكن أسمع ما يلقى إلي فأنقله فكأن إنسانا مجهولا يناجيني في أذني.\nوهذه الأمثلة التي سقناها تثبت وجود اتصالات روحانية باطنة في بعض الأفراد تمد الإنسان بعلم وهداية من طريق غير معتاد وذلك يقرب الوحي أيما تقريب في وقت اشتد شك الناس فيه حتى كذبوا بالإلهيات والنبوات وسخروا بالأديان والشرائع مع أنها أعظم عوامل التحول الاجتماعي والفكري في الإنسان وأكبر الأحداث التي غيرت العالم وحولت مجرى التاريخ ومن العار الجارح لكرامة البشر أن تكون تلك العوامل والأحداث العظمى قامت على أوهام خاطئة أو على أكاذيب متعمدة.\nالدليل السادس: قرر العلم الحديث أنه شوهد على بعض الناس أنهم يظهرون بمظاهر روحانية تعتبر من الخوارق التي لم يكن يحلم بحدوثها العلماء على حين أن هؤلاء الذين أتوا بتلك الظواهر الخارقة كانوا في حالة ذهول وقد استحال تعليل ما أتوا تعليلا ماديا يستند إلى الحس وقد اختبروا تلك الظواهر واستحضروا لشهودها أكبر مشعوذي الأرض فشهدوا بأنها ليست من الشعوذة في شيء وإنما هي أحداث روحانية لا أثر فيها للمهارة وخفة اليد.","vol":"1","page":72},{"text":"تلك حقيقة من حقائق العلم الحديث الحاضر يقررون فيها أنه قد يفتح على بعض الناس في حالة من حالات ذهولهم بانكشافات وظواهر روحية فكيف يستبعد بجانب هذا الكشف العلمي أن يفتح الله على بعض الممتازين من خلقه بانكشافات علمية عن طريق الوحي بينما هم من كملة العقول والأخلاق لقد أسفر الصبح لذي عينين.","vol":"1","page":73},{"text":"ج -<span data-type=\"title\" id=toc-40> الوحي من ناحية العقل</span>\nعرفت فيما سقناه لك من الأدلة العلمية أن الوحي ممكن وقريب من الوقوع ونقيم لك الدليل العقلي هنا على أن هذا الأمر الممكن قد وقع فعلا ذلك أنه قد أخبر بوقوعه الصادق المعصوم محمد ﷺ وكل ما أخبر بوقوعه الصادق المعصوم فهو حق ثابت وذلك هو المطلوب أما الدليل على أنه قد أخبر بوقوعه الصادق المعصوم فما مر عليك من أنباء الوحي في الكتاب والسنة. وأما الدليل على أن كل ما أخبر بوقوعه الصادق المعصوم فهو حق ثابت فإن ذلك هو مقتضى الصدق والعصمة. وأما الدليل على أن محمدا ﷺ صادق معصوم فإنما هي المعجزة القائمة مقام قوله تعالى لعباده في شأن تصديق رسوله صدق عبدي في كل ما يبلغ عني ومن ذلك أنه يوحى إليه مني.\nوهنا نجد أنفسنا قد انتهينا إلى المعجزة فما هي المعجزة؟\nالمعجزة\nهي أمر يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله أو هي أمر خارق للعادة خارج عن حدود الأسباب المعروفة يخلقه الله تعالى على يد مدعي النبوة عند دعواه إياها شاهدا على صدقه. فإذا قام إنسان ما وادعى أنه مبعوث الله إلى","vol":"1","page":73},{"text":"خلقه ورسوله إلى عباده وقال: إن آية صدقي فيما أدعيه أن يغير الله الذي أرسلني عادة من عاداته على يدي وأن يخرج الآن عن سنة من سننه العامة في وجوده ثم قال: وسيأتيكم الله بهذا الأمر العجاب من باب ترون أنكم فيه نابغون وعليه قادرون وإني أتحداكم زرافات ووحدانا أن تأتوا بمثل هذه الآية وأمامكم الباب مفتوحا كما تعتقدون وفيكم النبوغ موفور كما تدعون ثم أنتم مجتمعون وأنا وحدي. قال ذلك بلغة الواثق وتحدانا هذا التحدي الظاهر في وقت يثور فيه على عقائدنا وعاداتنا وأخلاقنا ويسفه فيه أحلامنا وأحلام أمثالنا من آبائنا ونحن أحرص ما نكون على تعجيزه وتبهيته والغلبة عليه والظفر به دفاعا عن كرامتنا، وانتصارا لأعز شيء لدينا.\nثم لم يلبث أن قام وقمنا وأجمع أمره وأجمعنا وإذا نحن جميعا بعد محاولات ومصاولات لم نستطع أن نأتي بمثل ما أتى به فضلا عن أعظم منه. مع أننا أمة وهو فرد. ومع أنه قد دخل علينا من أيسر الطرق في نظرنا ومن أشهر فن في زماننا ومع أنه قد أعطانا الفرصة الكافية لمناظرته وأنصفنا كل إنصاف من نفسه.\nهل يشك ذو مسكة من عقل في أن هذا الإنسان المتفوق الممتاز صادق في رسالته محق في دعايته خصوصا إذا عرفنا فوق ذلك كله أنه نشأ فينا على الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق من لدن صباه وطفولته إلى يوم مبعثه ورسالته.\nلو أنه جاء بالمعجزة من باب لا نعرفه لقلنا رجل حذق فنا من الفنون التي لا علم لنا بها أو تعلم صناعة من الصناعات التي لم نحط بخبرها. أما وقد جاءنا من الناحية التي نشهد لأنفسنا فيها بالفوق والسبق فلا يسعنا إلا الإذعان له والإيمان بما جاء به ما دمنا منصفين.\nولنضرب لك مثلا: جاء موسى ﵇ بمعجزته عصا من الخشب لا روح","vol":"1","page":74},{"text":"فيها ولا حركة ولا لين ولا رطوبة ثم ألقاها باسم الذي أرسله فإذا هي حية تسعى بينما الأمة التي تحداها بذلك كانت قد تفوقت في السحر وحذقته وضربت فيه بأوفر سهم وأوفى نصيب خصوصا أنهم أمة وهو فرد. وهم نابغون في السحر وهو مع نشأته فيهم لم يعرف يوما من الأيام بمعالجة السحر. وهم معتزون بعددهم وعددهم وسلطانهم وهو خلو من هذه الأسباب والمظاهر.\nفهل يبقى للشك ظل بعد أن ألقى موسى عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ .\nالحق أبلج. ولذلك كان أول من آمن به هم السحرة أنفسهم لأنهم أعرف بالسحر ومقدماته ونتائجه وقد رأوا رأي العين أن ذلك الإعجاز ليس من نوع هذا السحر المبني على مقدمات يستطيع كل إنسان أن يزاولها ولها نتائج محدودة لا يمكن أن يتجاوزها نعم لم يطق السحرة صبرا عن المسارعة إلى الاعتراف والخضوع للحق بعد ما تبين مهما كلفهم ذلك أن يقتلوا أو يصلبوا وقالوا لفرعون مليكهم ومعبودهم بالأمس ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ . اقرأ إن شئت الآيات بعدها في سورة طه إلى قوله سبحانه: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ .\nقل مثل ذلك في معجزة كل رسول أرسله الله قله في عيسى ﵇ وإبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير بإذن الله أمام قوم نبغوا في الطب أيما نبوغ ومهروا فيه أيما مهارة١.\n_________\n١ لا تعبأ هنا بما يعزى إلى المسيو رينان من إنكاره نبوغ قوم عيسى في الطب. فإنه ناف، والمثبت مقدم على النافي. وعلى فرض صحة هذا النفي فإن هذا لا يضرنا شيئا لأن المعجزة يكفي في تحققها عجز البشر عن مثلها. وليس تفوق المواجهين بها شرطا، إنما هو أمر زائد غير مشروط.","vol":"1","page":75},{"text":"وقل مثل ذلك وأكثر من ذلك في خاتم الأنبياء سيدنا ومولانا محمد ﷺ وما جاء به من آيات بينات ومعجزات واضحات وحسبك القرآن وحده برهانا ساطعا بل براهين ساطعات: كل مقدار ثلاث آيات منه حجة قاطعة تقوم في فم الدنيا إلى يوم الساعة. تتحدى العالم بما يكون فيها من أسرار الفصاحة والبيان والعلوم والمعارف وأنباء الغيب وشواهد الحق.\nأضف إلى ذلك أن الذين شوفهوا بخطابه عند مهبط الوحي كانوا أئمة الفصاحة وفرسان البلاغة بضاعتهم الكلام والتفنن في إجادته. وصناعتهم التنافس في النثر وديباجته والشعر ورونقه وكرامتهم مرتبطة بما يجيدون في هذا الباب لا بما يجمعون من الذهب أو يحملون من ألقاب. حتى بلغوا في هذا الميدان شأوا لا يبارى وغاية لا تدرك. وما يكون لنا أن نطلق العنان هنا للقلم. وإلا ضاق بنا التأليف والزمن. وأنت خبير بإعجاز القرآن وما كتب في إعجاز القرآن. فاكتف بهذه الإشارة الخاطفة. وإن أردت المزيد فعليك بما كتب في إعجاز القرآن.","vol":"1","page":76},{"text":"د -<span data-type=\"title\" id=toc-41> دفع الشبهات</span>\nولكني أعالج بين يديك لهذه المناسبة شبهات عشرا يرددها كثير من المفتونين:\nالشبهة الأولى يقولون: إن المعجزات شأنها شأن كثير من المخترعات. فإذا كان فيها طرافة أو دهشة أو عجب فكذلك آثار العلم ومدهشاته فيما نرى ونسمع.\nوالجواب: تعرفه مما ذكرناه آنفا في بحث المعجزة. مما يتبين به الفرق بعيدا والبون شاسعا بين المعجزة وما جد أو يجد في العالم من عجائب العلم وروائع الفن وبدائع الاختراع. فالمعجزة ليست لها أسباب معروفة حتى تلتمس ويؤتى بمثلها. أما هذه المخترعات فإن لها أسبابا معروفة عند أصحابها ويمكن معرفتها لمن لم يعرفها بيسر وسهولة متى التمسها من طريقها.\nالشبهة الثانية يقولون: إن المعجزة كالسحر والشعوذة وما إليهما إن هي إلا تخييلات وتضليلات.","vol":"1","page":76},{"text":"والجواب: يتبين لك مما قصصنا عليك في المعجزة وفي ضرب المثل لها بعصى موسى. ويمكن تلخيصه بأن المعجزة نفحة من نفحات الحق تخرج عن أفق الأسباب المعتادة والوسائل المشاهدة والغايات المألوفة. أما السحر وما أشبهه فإنها فنون خبيثة ذات قواعد وأوضاع يعرفها كل من ألم بها ويصل إلى وسائلها وغاياتها كل من عالجها من بابها. ولهذا كان أول من آمن بموسى هم السحرة أنفسهم لأنهم أعلم بهذا الفرق الواضح والبون الشاسع كما تقدم.\nالشبهة الثالثة يقولون: إن ما تسمونه معجزات من العلوم والمعارف التي اشتمل على مثلها القرآن ما هي إلا آثار لمواهب بعض النابغين من الناس وهذه المواهب وآثارها وجدت ويمكن أن توجد في كل أمة.\nوالجواب: أن مواهب النابغين ونبوغ الموهوبين وما يكون منهم من آثار وأفكار كل ذلك له وسائل وعوامل ثم له أشباه معتادة ونظائر في كل أمة وجيل وفي كل عصر ومصر أما المعجزات فلن تجد لها من وسائل ولا عوامل ولن تستطيع أن تصل إلى أشباه معتادة لها ونظائر اللهم إلا إذا خرجنا عن نطاق الكون المعروف وسنن الوجود المألوف.\nالشبهة الرابعة يقولون: إن خرق الله لعاداته على أيدي رسله كما تقولون يعتبر خروجا عن النظام العام الذي تقتضيه الحكمة وتناط به المصلحة.\nوالجواب: أن المعجزة وإن كانت خارجة عن حدود الأنظمة المعتادة لا تعتبر خروجا على النظام العام الذي تقضي به الحكمة وتناط به المصلحة بل هي من مقتضيات ذلك النظام العام الذي تمليه الحكمة وتوحيه المصلحة. وأي حكمة أجل من تأييد الحق وأهل الحق؟ وأي مصلحة أعظم من اهتداء الخلق إلى طريق سعادتهم؟ بوساطة تلك المعجزات التي يفهمون منها مراد الخالق من تأييد رسله ووجوب تصديقهم لهم واتباعهم إياهم.\nالشبهة الخامسة يقولون: لو كان الوحي ممكنا لأوحى الله إلى أفراد البشر عامة ولم يخص به شرذمة قليلين يجعلهم واسطة بينه وبين خلقه.","vol":"1","page":77},{"text":"والجواب: أن عامة البشر ليس لديهم استعداد لتلقي الوحي عن الله لا مباشرة ولا بواسطة الملك حتى لو جاءهم ملك لم يستطيعوا رؤيته إلا إذا ظهر في صورة إنسان وحينئذ يعود اللبس ويبقى الإشكال. فقضت الحكمة أن يجعل الله من بني الإنسان طائفة ممتازة لها استعداد خاص يؤهلها لأن تتلقى عن الله الوحي ثم تؤديه في أمانة إلى العامة من إخوانهم في الإنسانية بعد أن وضع الله في أيديهم شواهد الحق الناطقة التي تدل العالم على مراده سبحانه من تصديقهم وبعد أن سلحهم بالآيات التي تطمئن الناس على أنهم رسل لإنقاذهم وإرشادهم من عند ربهم. ثم إن اختصاص بعض أفراد النوع الإنساني بالوحي والنبوة فيه نوع من الاختبار والابتلاء الذي بنى الله عليه هذه الحياة وميز به الخبيث من الطيب. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .\nوتلك الشبهة يقول الله في مثلها من سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ .\nالشبهة السادسة يقولون: كيف تدل المعجزة على تصديق الله لرسله مع أننا ما رأينا الله وما سمعناه.\nوالجواب: أن دلالة المعجزة على تصديق الرسول كدلالة الكون على خالقه مع أننا ما رأينا الله وما سمعناه ولنضرب لهم المثال كيلا تبقى لهم شبهة ولا يقوم لهم عذر افرض أنك حضرت مجلسا عاما فيه ملك من الملوك وكان من تقاليد هذا الملك ألا يكشف رأسه في مجلس من المجالس العامة وبينما القوم جلوس في حضرة صاحب الجلالة إذ نهض رجل من الحاضرين معروف للجميع بصدقه وأمانته وأدبه واستقامته وحسبه ونسبه. وإذا هذا الرجل يقول على مرأى ومسمع من المليك ورعيته: أيها القوم إن مولاي الملك حملني هذه الرسالة أبلغكم إياها وهي أن تفعلوا","vol":"1","page":78},{"text":"كذا وتتركوا كذا ثم سكت الملك ولم يكذبه ثم لم يكتف الرجل بطهارة ماضيه وسكوت مليكه في ترويج دعوته وتأييد رسالته. بل قال إن آية صدقي أن يغير مولاي الملك عادته الآن ويخرج عن تقليد من تقاليده المعروفة لكم جميعا وذلك بأن يعري رأسه في هذا المجلس العام. ثم ما كاد ينتهي حتى عرى المليك رأسه وخلع تاجه. أفلا يعتبر ذلك دليلا كافيا على صدق هذا الرجل وصدق ما جاء به؟ ثم ما بالك إذا هو قد عزز دليله بالتحدي فقال: إني أتحداكم أن يجيبكم الملك إلى مثل ما أجابني إليه. فأخذوا يطلبون ويلحون فلم يستجب لهم الملك ولم يغير عادته معهم ولا مرة واحدة. أفلا يكون ذلك برهانا أبلج من الصبح على أن هذا الداعي هو رسول هذا الملك حقا؟ ثم ألا يكون المكذب بعد ذلك معاندا ومكابرا ويكون بالحيوان الذي لا يفهم ولا يعقل أشبه منه بالإنسان الذي يفهم ويعقل؟ ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ .\nوذلك المثل هو مثل رسل الله تؤيدهم معجزات الله. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .\nالشبهة السابعة يقولون: إن هذا الوحي للذي تدعونه وتدعون تنجيمه جاء بهذا القرآن غير مرتب ولا منظم فلم يفرد كل غرض من أغراضه بفصل أو باب شأن سائر الكتب المنظمة. بل مزجت أغراضه مزجا غير مراعى فيه نظام التأليف فيبعد أن يكون وحيا من الله. وهذه الشبهة واردة كما ترى على تنجيم القرآن وترتيبه أيضا.\nوالجواب: أن مخالفة القرآن لأنظمة الكتب المؤلفة لا تعتبر عيبا فيه ولا في وحيه وموحيه بل هي على العكس دليل مادي على أنه ليس بكتاب وضعي بشري يجلس إليه واضعه من الناس فيجعل لكل طائفة من معلوماته المتناسبة فصلا ولكل مجموعة من فصوله المتناسقة بابا بل هو مجموع إشراقات من الوحي الإلهي الأعلى. اقتضتها الحكمة ودعت إليها المصلحة. على ما هو مفصل في أسرار تنجيم القرآن.","vol":"1","page":79},{"text":"ثم إن هذا المزيج الطريف الذي نجده في كل سورة أو طائفة منه له أثر بالغ في التذاذ قارئه وتشويق سامعه واستفادة المستفيد بأنواع متنوعة منه في كل جلسة من جلساته أو درس من درسه وهذا هو الأسلوب الحكيم في التعليم والإرشاد خصوصا لتلك الأمة الأمية التي نزل عليها. فما أشبه كل مجموعة من القرآن بروضة يانعة يتنقل الإنسان بين أفيائها متمتعا بكل الثمرات أو بمائدة حافلة بشتى الأطعمة يشبع الجائع حاجته بما فيها من جميع الألوان.\nوهنا دقيقة أحب ألا تعزب عن علمك. وهي أن هذا الروض الرباني اليانع القرآن الكريم يقوم بين جمله وآيه وسوره تناسب بارع وارتباط محكم وائتلاف بديع ينتهي إلى حد الإعجاز خصوصا إذا لاحظنا نزوله منجما على السنين والشهور والأيام.\nقال الشيخ ولي الدين الملوي: قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المفرقة. وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا. فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزة. ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جم. وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له.\nوقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره لسورة البقرة ما نصه:\nومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو معجز أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته. ولعل الذين قالوا: إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور","vol":"1","page":80},{"text":"المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل:\nوالنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر\nالشبهة الثامنة يقولون: إن محمدا كان عصبيا حاد المزاج وكان مريضا بما يسمونه الهستريا فالوحي الذي كان يزعمه ما هو إلا أعراض لتلك الحال التي أصيب بها.\nوالجواب: أن هذه فرية تدل على جهلهم الفاضح بمحمد ﷺ. فالمعروف عنه بشهادة التاريخ الصحيح والأدلة القاطعة أنه كان وديعا صبورا حليما بل كان عظيم الصبر واسع الحلم فسيح الصدر حتى إنه وسع الناس جميعا ببسطه وخلقه. وكان شجاعا مقداما سليم الجسم صحيح البدن، حتى إنه صارع ركانة المشهور بشجاعته فصرعه وكان يثبت في الميدان حين يفر الشجعان ويفزع الخلق ويشتد الأمر ويقول: \"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب\" ويقول: \"إلي عباد الله\" ولا يزال كذلك حتى ينقذ الموقف ويكسب المعركة. ولو أفضنا في هذا الموضوع لطال بنا الكلام ولكن موضوعه كتب السيرة والشمائل المحمدية فارجع إليها إن شئت أما مرض الهستريا الذي يصمونه كذبا به فهو داء عصبي عضال أكثر إصاباته في النساء. ومن أعراضه شذوذ في الخلق وضيق في التنفس واضطراب في الهضم. وقد يصل بصاحبه إلى شلل موضعي ثم إلى تشنج ثم إلى إغماء ثم إلى هذيان مصحوب بحركة واضطراب في اليدين والرجلين وقفز من مكان إلى مكان. وقد يزعم المصاب أنه يرى أشباحا تهدده وأعداء تحاربه أو أنه يسمع أصواتا تخاطبه على حين أنه لا وجود لشيء من ذلك كله في الحس والواقع.","vol":"1","page":81},{"text":"فهل يتفق ذلك وما هو معروف عن النبي ﷺ من أنه كان أمة وحده في أخلاقه وثباته وحلمه وعقله ورباطة جأشه وسلامة جسمه وقوة بنائه؟.\nثم كيف يتفق ذلك الداء العضال الذي أعيا الأطباء وما انتدب له محمد ﷺ من تكوين أمة شموس أبية وتربيتها على أسمى نواميس الهداية ودساتير الاجتماع وقوانين الأخلاق وقواعد النهضة والرقي؟.\nأضف إلى ذلك أنه نجح في هذه المحاولة المعجزة إلى درجة جعلت تلك الأمة بعد قرن واحد من الزمان هي أمة الأمم وصاحبة العلم وربة السيف والقلم.\nفهل المريض المتهوس الذي لا يصلح لقيادة نفسه يتسنى له أن يقوم بهذه القيادة العالمية الفائقة ثم ينجح فيها هذا النجاح المعجز المدهش؟.\nقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم\nالشبهة التاسعة يقولون: إنكم تستدلون على الوحي بإعجاز القرآن وتستدلون على إعجاز القرآن بما فيه من أسرار البلاغة ونحن لا ندرك تلك الأسرار ولا نسلمها فلا نسلم الوحي المبني عليها.\nوالجواب: أن للقرآن نواحي أخرى في الإعجاز غير ما يحويه من أسرار البلاغة والبيان ومن السهل معرفتها على من لم يتمهر في علوم العربية واللسان. منها ما يحويه هذا التنزيل من المعارف السامية والتعاليم العالية في العقائد والعبادات وفي التشريعات المدنية والجنائية والحربية والمالية والحقوق الشخصية والاجتماعية والدولية\nوإن مقارنة بسيطة بين تلك الهدايات القرآنية وبين ما يوجد على وجه الأرض من سائر التشريعات الدينية وغير الدينية توضح لك ذلك الإعجاز الباهر خصوصا إذا لاحظت أن هذا الذي جاء بتلك المعارف الخارقة كان رجلا أميا نشأ وعاش وشب وشاب وحي ومات بين أمة أمية كانت لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان.","vol":"1","page":82},{"text":"كذلك أنباء الغيب التي تحدث بها القرآن وهي كثيرة يمكن إدراك وجه الإعجاز فيها بيسر وسهولة لكل منصف. اقرأ إن شئت فاتحة سورة الروم لتعرف كيف أخبر القرآن صراحة بأمر كان لا يزال مستترا في ضمائر الغيب بل كانت العوامل والظواهر لا تساعد عليه ذلك أنه أخبر في وقت انتصر فيه الفرس على الروم في أدنى الأرض بأن الروم سيدال لهم على الفرس وينصرون في بضع سنين وكان كما قال.\nثم اقرأ قوله سبحانه مخاطبا لنبيه في موقف من مواقف الخصومة والمحاجة بينه وبين أعدائه اليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وهذا من أبرز شواهد الإعجاز والتحدي: إذ كيف يتسنى لرجل عظيم في موقف من المواقف الفاصلة بينه وبين أعدائه أن يجرؤ على تحديهم بشيء هو من شأنهم وحدهم وكان في استطاعتهم عادة بل في استطاعة أقل واحد منهم أن يقول ولو ظاهرا: إني أتمنى الموت ليظفروا بذلك التمني على محمد ﷺ ويبطلوا به دعوته ويستريحوا منه على زعمهم. ولكن كل ذلك لم يكن فما تمنى أحد منهم الموت بل صرفوا وما زالوا مصروفين عنه أبدا ثم سجل القرآن عليهم ما هو أبعد من ذلك إذ قال عقيب تلك الآية: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ا. هـ من سورة البقرة.\nأليست تلك أدلة مادية قامت ولا تزال قائمة على أن محمدا صلوات الله وسلامه عليه كان مؤيدا بالوحي من ربه وأنه إنما يتلقى القرآن من لدن حكيم عليم؟.","vol":"1","page":83},{"text":"أما إعجاز القرآن من ناحية الأسرار البلاغية فلا يقدح فيه أن جمهرة الناس اليوم لا يدركونها ولا يتذوقونها فإن ذلك لا يرجع إلى خلو القرآن من أسرار البلاغة والبيان إنما يرجع إلى جهل الناس باللغة العربية وأساليبها وإلى فساد ذوقهم من غلبة العجمة عليهم ومعروف أن عدم الإدراك لشيء لا ينهض دليلا على عدم ذلك الشيء. ونظير ذلك أن عدم علمنا بلغة من اللغات الأجنبية مثلا لا يلزم منه أن ننكر أن فلانا متفوق في تلك اللغة بشهادة الأخصائيين فيها والحاذقين لها بل نحن نؤمن بوجود لغات لا نعرف منها شيئا كما نؤمن بوجود نابغين فيها لا نعرفهم ولا نعرف من وجوه نبوغهم شيئا اللهم إلا عن طريق سماعنا لذلك من مصادر نثق بها.\nكذلكم القرآن الكريم قد شهد الفنيون والأخصائيون من حذاق اللغة العربية في أزهى عصور التوفر عليها والتمهر فيها أنه كتاب فاق الكتب وكلام بز سائر ضروب الكلام وبلغ في سموه وتفوقه حدود الإعجاز والإفحام من ناحية الفصاحة والبلاغة وما يحمل لهما من أسرار. ثم نقل إلينا ذلك كله نقلا متواترا قاطعا لا ظل فيه للشك والنكران.\nفلماذا لا نقبل هذا الحكم العادل ومصادره كثيرة محترمة كل الاحترام؟.\nأليس ذلك تعصبا وعنادا على حين أن الباب كان ولا يزال مفتوحا أمام كل من يحذق علوم اللغة العربية وأساليبها أن يتذوق أسرار البلاغة والإعجاز في هذا القرآن وأن يحكم هو نفسه بما حكم به الآلاف المؤلفة في كل زمان ومكان.\nوإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار\nعلى أن لإعجاز القرآن ميدانا آخر فاطلبه إن شئت. ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ .\nالشبهة العاشرة يقولون: إن إعجاز القرآن للعرب لا يدل على أن القرآن كلام الله. بل هو كلام محمد نسبه إلى ربه ليستمد قدسيته من هذه النسبة. وإعجازه جاء من","vol":"1","page":84},{"text":"ناحية أن محمدا كان الفرد الكامل في بيانه بين قومه لذلك جاء قرآنه الفرد الكامل أيضا بين ما جاء به قومه ولم يستطيعوا لهذا الاعتبار وحده أن يأتوا بمثله شأن الرجل الفذ بين أقرانه في كل عصر.\nويجيب على هذه الشبهة بأجوبة خمسة:\nأولها: أن كل من أوتي حظا من حس البيان وذوق البلاغة يفرق بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي فرقا كبيرا يمثل الفرق الكبير بين مقدور الخالق ومقدور المخلوق. وها هما القرآن والحديث النبوي لا يزالان قائمين بيننا يناديان الناس بهذا الفارق البعيد إن كان لهم إحساس في البيان وذوق في الكلام.\nولو كان لهذه الشبهة شيء من الوجاهة لكان أولى الناس أن يرفعوا عقيرتهم بها هم أولئك العرب الخلص الذين شافههم القرآن لأنهم كانوا أحرص على تعجيز محمد وإسكاته للاعتبارات التاريخية المعروفة. لكنهم ما قالوا هذا. بل كانوا أكرم على نفسهم من أن يقولوه إيقانا منهم بظهور المميزات الفائقة بكلام الربوبية عن كلام النبوة بحيث لا يلتبس أحدهما بالآخر في شيء. وهكذا من ذاق عرف ومن حرم انحرف.\nوكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم\nالجواب الثاني: أن القرآن لم يأت الناس من الخلف بل جاءهم من أوسع الأبواب ودخل عليهم من طريق العرب الخلصاء ذوي اللسن والبيان. وتحداهم من الناحية التي نبغوا فيها وهي صناعة الكلام تلك الصناعة البيانية الفائقة التي وقفوا عليها مواهبهم وأنفقوا فيها حياتهم حتى صارت موضع تنافسهم وسبقهم وموضوع فخرهم وفوقهم. شأن معجزات الله تعالى لم تأت الناس إلا من","vol":"1","page":85},{"text":"الناحية المفهومة لهم كل الفهم وذلك ليظهر أمر الله واضحا جليا لا لبس فيه ولا غموض ولا شبهة ولا شكوك ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .\nومن هنا نعلم والتاريخ يشهد أن القرآن لو كان مصدره نفس محمد كما يقول أولئك الملاحدة لأمكن هؤلاء العرب البارزين في البيان أن يعرفوا أنه كلامه بما أوتوا من ملكة النقد وما وهبوا من نباهة الحس والذوق ثم لأمكنهم أن يجاروه ولو شوطا قريبا إن لم يمكنهم مجاراته شوطا بعيدا. لا سيما أن القرآن قد اكتفى منهم في معرض التحدي بأن يأتوا بسورة من مثل أقصر سورة أي بمثل ثلاث آيات قصار من بين تلك الآلاف المؤلفة التي اشتمل عليها الكتاب العزيز. وأنت خبير بأن هؤلاء لم تكن لتعييهم تلك المساجلة وهم فرسان ذلك الميدان. وأئمة الفصاحة والبيان لو كان الأمر من صناعة محمد ﷺ وإنشائه. كما يزعم أولئك الخراصون فما بالك وقد خرست ألسنتهم وخشعت أصوات الأجيال كلها من بعدهم.\nومعلوم أن النابغة الفذ في أي عصر من العصور يستطيع أقرانه بيسر وسهولة أن يحاكوه مجتمعين ومنفردين في الشيء القليل على فرض أنهم لا يستطيعون معارضته في الجميع أو الشيء الكثير.\nالجواب الثالث: أن القرآن لو كان مصدره نفس محمد لكان من الفخر له أن ينسبه إلى نفسه. ولأمكن أن يدعي به الألوهية فضلا عن النبوة. ولكان مقدسا في نظر الناس وهو إله أكثر من قداسته في نظرهم وهو نبي\nولما كان في حاجة إذا إلى أن يلتمس هذه القدسية الكاذبة بنسبته القرآن إلى غيره ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾؟؟.","vol":"1","page":86},{"text":"الجواب الرابع: أن هؤلاء الملاحدة غاب عنهم أنهم يتحدثون عن أكرم شخصية عرفها التاريخ طهرا ونبلا وذهلوا عن أنهم يمسون أسمى مقام اشتهر أمانة وصدقا. فكان ﷺ إذا مر بقومه يشيرون إليه بالبنان ويقولون: هذا هو الصادق الأمين. ثم صدروا عن رأيه ورضوا بحكمه. والعقل المنصف قال ولا يزال يقول: ما كان هذا الأمين الصدوق ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nالجواب الخامس: أن هذه الشبهة وليدة الغفلة عن مضامين القرآن العلمية وأنبائه الغيبية وهداياته الخارجة عن أفق العادة في كافة النواحي البشرية فردية كانت أو اجتماعية. لا سيما أن الآتي بهذا القرآن رجل أمي في أمة أمية كانت في أظلم عهود الجاهلية. أضف إلى ذلك ما سجل القرآن على النبي ﷺ من أخطاء في بعض اجتهاداته ومن عتاب نحس تارة بلطفه وأخرى بعنفه. ولو كان هذا التنزيل كلامه ما سمح أن يسجل على نفسه ذلك كله. ولكن الملاحدة سفهوا أنفسهم وزعموا رغم هذه البراهين اللائحة أن محمدا افترى القرآن على ربه. كذبوا وضلوا. ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .\nذيل لهذه الشبهة: ويتصل بهذه الشبهة شبهة أخرى قد تعرض لبعض المأفونين. وهي أن هذا البعد الشاسع بين القرآن والحديث لم يجيء من ناحية أن القرآن كلام الله والحديث كلام محمد. إنما جاء من ناحية أن محمدا كان له ضربان من الكلام أحدهما يحتفل به كل احتفال ويعنى مزيد العناية بتهذيبه وتنميقه وتحضيره وذلك هو ما سماه بالقرآن ونسبه إلى الله. وثانيهما يرسله إرسالا غير معني بتحبيره وتحريره وهو المسمى بالحديث النبوي. ثم يقولون لترويج شبهتهم هذه:","vol":"1","page":87},{"text":"إن ذلك ليس بدعا فيما نرى من آثار الأدباء والبلغاء بل نحن نلحظ أن الأديب الواحد يعلو كلامه الصادر عن تأمل وعناية وروية علوا كبيرا عن كلامه المرسل على البديهة حتى كأنهما لكاتبين اثنين بينهما بعد ما بين المشرقين.\nوالجواب الأول: أن هذه الشبهة الجديدة مبنية على قياس فاسد وهو تشبيه أدباء ذاك العصر الزاهر الذي نزل فيه القرآن وسلمت فيه السليقة العربية بأدباء هذا العصر المولدين الذين فسدت لغتهم وتبلبلت ألسنتهم. وشتان ما بين الطبقتين ويا بعد ما بين العصرين.\nأيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان\nهي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا ما استقل يمان\nفالتفاوت البعيد بين الكلام المرسل والكلام المحبر لم يظهر إلا منذ فسد اللسان العربي وتطرقت العجمة إلى المولدين من العرب وأشباههم. أما أولئك العرب الخلص الذين كانوا يتكلمون العربية بالسليقة فلم يك منهج أحدهم البياني مختلفا هذا الاختلاف الكبير تبعا للإرسال والتحبير. بل العربي القح نهجه في الكلام نهج واحد هو نهج السليقة الصافية والطبيعة السليمة. ولم يكن التحبير ليذهب به مذهب الذبذبة التي تجعل له أسلوبين متباينين في كلامه بل قصاراه في تحبيره أن يحيط بأطراف موضوعه دون أن يند عنه مقصد من مقاصده ودون أن يخرج عن أسلوبه الذي ينبع من نفسه وتفيض به سجيته العرباء ذلك الأسلوب الذي يتعب أهل الفن منا أنفسهم في محاكاته وهيهات أن يبلغوا إلا بعد طول عناء.\nعلى أن معاناة ذلك العربي القح إذا عانى التنميق والتزويق لم تكن لتزيد كلامه روعة وحسنا بل كانت تنزل به بمقدار ما يظن أحدنا أنها تصعد فيه. ولهذا كان العرب يعافون من الكلام ما ظهرت فيه آثار الصنعة والتكلف ويعدون ذلك من التفاصح النازل إلى مهواة العي والتنطع كما كانوا مأخوذين بالجيد السلس وبالسهل الممتنع","vol":"1","page":88},{"text":"ولقد كان النبي ﷺ أبعد العرب عن هذا التعمل والتصنع والتحبير حتى لقد نهى عن ذلك وناط به الهلاك والخسران. تدبر ما يرويه مسلم وأبو داود من أن النبي ﷺ قال: \"هلك المتنطعون\" والتنطع في الكلام: التعمق فيه والتفاصح. وروى الشيخان أنه جاءه رجل من هذيل يخاصم في دية الجنين فقال: يا رسول الله كيف أغرم دية من لا شرب ولا أكل. ولا نطق ولا استهل. فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله ﷺ: \"إنما هذا من إخوان الكهان\" من أجل سجعه الذي سجع. وفي رواية أنه قال: \"أسجع كسجع الأعراب\". وفي رواية أخرى أنه قال: \"أسجع الجاهلية وكهانتها\". فأنت ترى أنه ذم هذا السجع المصنوع وجعل صاحبه من إخوان الكهان ومن جهلة الجاهلية. وما ينبغي له أن يذم شيئا ثم يقع فيه. وحاشاه وحاشا بيانه الشريف من هذا الإسفاف والتعمل الخسيس. ودونك السنة النبوية فاقرأ منها ما شئت فلن تجد إلا جيدا مطبوعا ومعاذ الله أن تجد فيها متكلفا مصنوعا. والقرآن أعلى في هذا الباب وأجل. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ .\nالجواب الثاني: أن هذه الشبهة تخالف في أساسها ما هو واقع معروف: ذلك أن القرآن الكريم منه ما نزل مفاجأة على غير انتظار وتفكير وبدون تلبث وتدبير وهو أكثره. ومنه ما نزل بعد تشوف واستشراف وطول انتظار وهو أقله. ومع هذا فأسلوبه الأعلى هو أسلوبه الأعلى ونظمه المعجز هو نظمه المعجز في الحالين على سواء.\nتأمل ما جاء في سبب نزول قوله سبحانه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وهو أن اليهود قالت لقريش: سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوه فقال: \"ائتوني غدا أخبركم\" ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه ثم نزلت الآيات جوابا لتلك الأسئلة بعد تلك المدة الطويلة","vol":"1","page":89},{"text":"التي قدرها بعضهم بأربعين يوما وأنت إذا قرأتها لن تجد فرقا بين أسلوبها وأسلوب كثرة القرآن الغامرة التي نزلت مباغتة مفاجئة.\nوهذا الذي يقال في القرآن يقال مثله في الحديث النبوي. فمنه ما كان وليد التفكير والتدبير والمشاورة والمداولة كحديثه ﷺ في شؤون الحرب والصلح ومنه ما كان وحي الساعة وإرسال البديهة كحديثه الكثير فيما هو ظاهر من أمور الدين. ومنه ما كان وحي الله إليه يهبط به الأمين جبريل كحديث المعتمر المتضمخ بالطيب وقد جاء النبي ﷺ يسأله عن طيبه في عمرته هذه. فسكت النبي ﷺ ساعة حتى جاءه الوحي ولما سري عنه قال: \"أين السائل عن العمرة\" فجيء به فقال ﵊: \"أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات. وأما الجبة فانزعها واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك\" رواه الشيخان.\nنعرف هذه الظروف المختلفة لأحاديث رسول الله ﷺ. ولكنها مع اختلافها لم يختلف فيها الأسلوب النبوي بل هو طراز واحد من أرقى الأساليب البشرية إن لم يكن أرقاها وقلما تلحظ فيه تفاوتا كثيرا. لا فرق في ذلك بين ما أرسله على البديهة وما أجال فيه الرأي والاستشارة وما نزل به وحي السنة وما احتفل به احتفالا ممتازا بالمواقف المشهودة والمجامع المحشودة.\nإذن هما نمطان متمايزان لا يشتبهان نمط القرآن كله ونمط الحديث كله لكل منهما مسحة وبيان ودرجة في الفوق والسبق بينها وبين الأخرى بعد ما بين شأني الخالق والخلق وفرق ما بين مكانتي السيد والعبد فالقرآن يمتاز بمسحة بلاغية خاصة وطابع بياني فريد لا يترك بابا لأن يلتبس بغيره أو يشتبه بسواه ولا يعطي الفرصة لأحد أن يعارضه أو يحوم حول حماه بل من خاصمه خصم ومن عارضه قصم ومن حاربه هزم. أما الحديث الشريف فهو وإن حلق في جو الفصاحة وسما في جملته","vol":"1","page":90},{"text":"عن أساليب العرب فإنه لا يزال في أرض العبودية لم يصل إلى سماء الإعجاز وتشبهه أساليب بعض خواص أصحابه وبينه وبين حكم العرب المأثورة قرابة ماسة وشبه قريب. بخلاف القرآن فإنه ليس كمثله بيان لأنه كلام من ليس كمثله شيء. وكلام الملوك ملوك الكلام.\nخاتمة المبحث\nنحسب أننا أفضنا في هذا المبحث ولكننا نعتقد أن هذه الإفاضة واجب لا بد منه ما دمنا بصدد تسليح طلابنا متخصصي الدعوة والإرشاد وهم على أهبة النزول إلى ميادين الوعظ العامة وفيها المؤمن والجاحد والمتدين والملحد والإلهيون والطبيعيون وفيها ضحايا الطوائف المعادية للإسلام وصرعى المذاهب المتطرفة في العالم.\nونلفت نظرك إلى أن بعض ما ذكرناه في أدلة الوحي العلمية قد اعتمدنا فيه على أدلة جدلية يؤمن بها المنكرون أكثر مما يؤمنون بآيات الله.\nوإن أردت التوسع في هذا فارجع إلى ما كتبه العلامة محمد فريد وجدي في المجلد العاشر من مجلة الأزهر سنة ١٣٥٨ هـ، وما كتبناه من قبل في المجلد الخامس من مجلة الهدية الإسلامية سنة ١٣٥١ هـ، وما كتبه العلامة الشيخ محمد عبد الله دراز في كتابه: النبأ العظيم. وبالله تعالى التوفيق.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الرابع: في أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>مدخل</span>\n...\nالمبحث الرابع: في أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن\nمدار هذا المبحث على النقل والتوقيف. ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها.\nومن فوائد الإلمام بأول ما نزل وآخره تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات على موضوع واحد وكان الحكم في إحدى هذه الآيات يغاير الحكم في الأخرى ومن فوائده أيضا معرفة تاريخ التشريع الإسلامي ومراقبة سيره التدريجي والوصول من وراء ذلك إلى حكمة الإسلام وسياسته في أخذه الناس بالهوادة والرفق والبعد بهم عن غوائل الطفرة والعنف سواء في ذلك هدم ما مردوا عليه من باطل وبناء ما لم يحيطوا بعلمه من حق.\nيضاف إلى هاتين الفائدتين فائدة ثالثة: هي إظهار مدى العناية التي أحيط بها القرآن الكريم حتى عرف فيه أول ما نزل وآخر ما نزل، كما عرف مكيه ومدنيه وسفريه وحضريه إلى غير ذلك. ولا ريب أن هذا مظهر من مظاهر الثقة به ودليل على سلامته من التغيير والتبديل. ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .\nوليس من غرضنا في هذا الباب أن نتحدث عن أول ما نزل وآخر ما نزل في كل تعليم من تعاليم الإسلام فتلك غاية بعيدة المدى ومجهود طويل جدير أن يفرد بالتأليف وله مواضع أخرى يمكن طلبه منها. إنما الميسور لنا أن نحدثك عن أمرين:\nأحدهما: أول ما نزل من القرآن على الإطلاق وآخر ما نزل منه على الإطلاق وهذا هو المقصود المهم.\nالثاني: نماذج من أول ما نزل في بعض الأحكام التشريعية وآخر ما نزل منها أي أوائل وأواخر إضافية مخصوصة ومقيدة ببعض الأحكام.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>أول ما نزل على الإطلاق</span>\nورد في ذلك أقوال أربعة:\nالقول الأول وهو أصحها: أنه صدر سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ودليله ما يأتي:\n١- روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: إقرأ. قلت: \"ما أنا بقارئ\". فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ. قلت: \"ما أنا بقارئ\". فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: \"ما أنا بقارئ\". فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وفي بعض الروايات حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . فرجع بها إلى خديجة يرجف فؤاده إلى آخر الحديث وهو طويل. وفلق الصبح: ضياؤه. والتحنث المراد به التعبد وأصله ترك الحنث لأن هذه الصيغة تدل على التجنب والتنحي عن مصادرها ونظيره التهجد والتأثم والتحرج. وغطني بفتح الغين وتشديد الطاء المفتوحة أي ضمني ضما شديدا حتى كان لي غطيط وهو صوت من حبست أنفاسه بما يشبه الخنق. والجهد بفتح الجيم يطلق على المشقة وعلى الوسع والطاقة وبضم الجيم يطلق على الوسع والطاقة لا غير وهما روايتان.","vol":"1","page":93},{"text":"٢- وصحح الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائله عن عائشة أيضا ﵂ أنها قالت: أول سورة نزلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ .\n٣- وصحح الطبراني في الكبير بسنده عن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا وعليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال: هذه أول سورة نزلت على محمد ﷺ.\n٤- وردت آثار في هذا المعنى أيضا في بعضها زيادة تعرفها من رواية الزهري وهي: أن النبي ﷺ كان بحراء إذ أتى الملك بنمط من ديباج مكتوب فيه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ا. هـ. والنمط بفتح النون والميم هو الثياب والديباج هو الحرير.\nالقول الثاني أن أول ما نزل إطلاقا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . واستدل أصحاب هذا الرأي بما رواه الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: أو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وفي رواية نبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . فقال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ: \"إني جاورت بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي\" زاد في رواية: \"فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ثم نظرت إلى السماء فإذا هو\" - يعني جبريل- زاد في رواية: \"جالس على عرش بين السماء والأرض فأخذتني رجفة فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ \".\nلكن هذه الرواية ليست نصا فيما نحن بسبيله من إثبات أول ما نزل من القرآن إطلاقا بل تحتمل أن تكون حديثا عما نزل بعد فترة الوحي وذلك هو الظاهر من رواية أخرى رواها الشيخان أيضا عن أبي سلمة عن جابر أيضا فبينا أنا أمشي إذ","vol":"1","page":94},{"text":"سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثثت حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت: \"زملوني فزملوني. فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان اهـ قلت: وجثثت على وزن فرحت معناه ثقل جسمي عن القيام وسببه فزع الرسول وخوفه ﵊.\nفظاهر هذه الرواية يدل على أن جابرا استند في كلامه على أن أول ما نزل من القرآن هو المدثر إلى ما سمعه من رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي وكأنه لم يسمع بما حدث به رسول الله ﷺ عن الوحي قبل فترته من نزول الملك على الرسول في حراء بصدر سورة اقرأ كما روت عائشة فاقتصر في إخباره على ما سمع ظانا أنه ليس هناك غيره اجتهادا منه غير أنه أخطأ في اجتهاده بشهادة الأدلة السابقة في القول الأول ومعلوم أن النص يقدم على الاجتهاد وأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال فبطل إذا القول الثاني وثبت الأول.\nالقول الثالث: أن أول ما نزل هو سورة الفاتحة. وقد استدل أصحاب هذا الرأي بما رواه البيهقي في الدلائل بسنده عن ميسرة عمر بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: \"إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت على نفسي أن يكون هذا أمرا\". قالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة. فانطلقا فقصا عليه فقال: \"إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأفق\". فقال: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى ما يقول. ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه: يا محمد قل:","vol":"1","page":95},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . حتى بلغ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ولكن هذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به على أولية ما نزل مطلقا وذلك من وجهين: أحدهما أنه لا يفهم من هذه الرواية أن الفاتحة التي سمعها الرسول كانت في فجر النبوة أول عهده بالوحي الجلي وهو في غار حراء بل يفهم منها أن الفاتحة كانت بعد ذلك العهد وبعد أن أتى الرسول إلى ورقة وبعد أن سمع النداء من خلفه غير مرة وبعد أن أشار عليه ورقة أن يثبت عند هذا النداء حتى يسمع ما يلقى إليه. وليس كلامنا في هذا إنما هو فيما نزل أول مرة. الثاني: أن هذا الحديث مرسل سقط من سنده الصحابي فلا يقوى على معارضة حديث عائشة السابق في بدء الوحي وهو مرفوع إلى النبي ﷺ. فبطل إذا هذا الرأي الثالث وثبت الأول أيضا.\nبيد أن صاحب الكشاف عزا هذا القول الثالث إلى أكثر المفسرين ولكن ابن حجر فنده فيما ذهب إليه من هذا العزو وصرح بأن هذا القول لم يقل به إلا عدد أقل عن القليل.\nالقول الرابع: أن أول ما نزل هو ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ واستدل قائلوه بما أخرجه الواحدي بسنده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأول سورة اقْرَأْ. وهذا الاستدلال مردود من ناحيتين أيضا إحداهما أن الحديث مرسل كسابقه فلا يناهض المرفوع. الثانية: أن البسملة كانت بطبيعة الحال تنزل صدرا لكل سورة إلا ما استثني. إذن فهي نازلة مع ما نزل من صدر سورة اقرأ فلا يستقيم اعتبار الأولية في نزولها قولا مستقلا برأسه.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>آخر ما نزل على الإطلاق</span>\nاختلف العلماء في تعيين آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق واستند كل منهم","vol":"1","page":96},{"text":"إلى آثار ليس فيها حديث مرفوع إلى النبي ﷺ. فكان هذا من دواعي الاشتباه وكثرة الخلاف على أقوال شتى:\nالأول: أن آخر ما نزل قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ . أخرجه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس وكذلك أخرج ابن أبي حاتم قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وعاش النبي ﷺ بعد نزولها تسع ليال ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول.\nالثاني: أن آخر ما نزل هو قول الله تعالى في سورة البقرة أيضا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . أخرجه البخاري عن ابن عباس والبيهقي عن ابن عمر.\nالثالث: أن آخر ما نزل آية الدين في سورة البقرة أيضا وهي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهي أطول آية في القرآن. أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين.\nأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين.\nويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة بما قاله السيوطي ﵁ من أن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف لأنها في قصة واحدة فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر وذلك صحيح.\nأقول: ولكن النفس تستريح إلى أن آخر هذه الثلاثة نزولا هو قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ . وذلك لأمرين أحدهما: ما تحمله هذه الآية في طياتها من الإشارة","vol":"1","page":97},{"text":"إلى ختام الوحي والدين، بسبب ما تحث عليه من الاستعداد ليوم المعاد وما تنوه به من الرجوع إلى الله واستيفاء الجزاء العادل من غير غبن ولا ظلم وذلك كله أنسب بالختام من آيات الأحكام المذكورة في سياقها. ثانيهما التنصيص في رواية ابن أبي حاتم السابقة على أن النبي ﷺ عاش بعد نزولها تسع ليال فقط ولم تظفر الآيات الأخرى بنص مثله.\nالرابع: أن آخر القرآن نزولا قول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية. ودليل هذا القول ما أخرجه ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى آخرها.\nوذلك أنها قالت: يا رسول الله. أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء فنزلت ﴿١وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ونزل ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ٢﴾ ونزلت هذه الآية فهي آخر الثلاثة نزولا وآخر ما نزل بعد ما كان ينزل في الرجال خاصة.\nومن السهل رد الاستدلال بهذا الخبر على آخر ما نزل مطلقا وذلك لما يصرح به الخبر نفسه من أن الآية المذكورة آخر الثلاثة نزولا وآخر ما نزل بالإضافة إلى ما ذكر فيه النساء أي فهي آخر مقيد لا مطلق وليس كلامنا فيه.\nالخامس: أنه آية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ واستدلوا بما أخرجه البخاري وغيره\n_________\n١ من سورة النساء وتمامها: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .\n٢ أي من أولها إلى آخرها وهي في سورة الأحزاب.","vol":"1","page":98},{"text":"عن ابن عباس. قال: هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. ولا يخفى عليك أن كلمة وما نسخها شيء تشير إلى أن المراد من كونها آخر ما نزل أنها آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمدا لا آخر ما نزل مطلقا.\nالسادس: أن آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وهي خاتمة سورة النساء وأن آخر سورة نزلت سورة براءة. واستند صاحب هذا الرأي إلى ما يرويه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه قال: آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر سورة نزلت براءة. ويمكن نقض هذا الاستدلال بحمل الخبر المذكور على أن الآية آخر ما نزل في المواريث وأن السورة آخر ما نزل في شأن تشريع القتال والجهاد فكلاهما آخر إضافي لا حقيقي.\nالسابع: أن آخر ما نزل سورة المائدة. واحتج صاحب هذا القول برواية للترمذي والحاكم في ذلك عن عائشة ﵂. ويمكن رده بأن المراد أنها آخر سورة نزلت في الحلال والحرام فلم تنسخ فيها أحكام\nوعليه فهي آخر مقيد كذلك.\nالثامن: أن آخر ما نزل هو خاتمة سورة براءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة. رواه الحاكم وابن مردويه عن أبي بن كعب. ويمكن نقضه بأنها آخر ما نزل من سورة براءة لا آخر مطلق ويؤيده ما قيل من أن هاتين الآيتين مكيتان بخلاف سائر السورة. ولعل قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ الخ يشير إلى ذلك من حيث عدم الأمر فيه بالجهاد عند تولي الأعداء وإعراضهم.\nالتاسع: أن آخر ما نزل هو آخر سورة الكهف: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أخرجه ابن جرير","vol":"1","page":99},{"text":"عن معاوية بن أبي سفيان. قال ابن كثير: هذا أثر مشكل ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها بل هي مثبتة محكمة اهـ. وهو يفيد أنها آخر مقيد لا مطلق.\nالعاشر: أن آخر ما نزل هو سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ رواه مسلم عن ابن عباس. ولكنك تستطيع أن تحمل هذا الخبر على أن هذه السورة آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبي ﷺ. ويؤيده ما روي من أنه قال حين نزلت: \"نعيت إلي نفسي\" وكذلك فهم بعض كبار الصحابة. كما ورد أن عمر ﵁ بكى حين سمعها وقال: الكمال دليل الزوال ويحتمل أيضا أنها آخر ما نزل من السور فقط ويدل عليه رواية ابن عباس: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ .\nتلك أقوال عشرة عرفتها وعرفت توجيهها ورأيت أن الذي تستريح إليه النفس منها هو أن آخر القرآن نزولا على الإطلاق قول الله في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وأن ما سواها أواخر إضافية أو مقيدة بما علمت لكن القاضي أبا بكر في الانتصار يذهب مذهبا آخر إذ يقول: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ وكل قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو اهـ وكأنه يشير إلى الجمع بين تلك الأقوال المتشعبة بأنها أواخر مقيدة بما سمع كل منهم من النبي ﷺ وهي طريقة مريحة غير أنها لا تلقي ضوءا على ما عسى أن يكون قد اختتم الله به كتابه الكريم.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>مثلان من أوائل وأواخر مخصوصة</span>\nنضع بين يديك هنا مثلين من أوائل وأواخر مخصوصة ببعض الأحكام الشرعية لنلحظ فيهما سير التشريع الإسلامي وتدرجه الحكيم.\n١- ما نزل في الخمر\nروى الطيالسي في مسنده عن ابن عمر قال: نزل في الخمر ثلاث آيات فأول شيء: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية١ فقيل: حرمت الخمر فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله فسكت عنهم. ثم نزلت هذه الآية٢ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقيل حرمت الخمر قالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة فسكت عنهم. ثم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ٣ فقال رسول الله ﷺ: \"حرمت الخمر\".\n٢- ما نزل في أمر الجهاد والدفاع\nلم يشرع الجهاد دفاعا في صدر الإسلام على الرغم من أن الأذى كان يصب على المسلمين من أعدائهم صبا. بل كان الله يأمر بالعفو والصفح ومن ذلك قوله\n_________\n١ وهي في سورة البقرة وتتمتها: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ .\n٢ وهي من سورة النساء وكمالها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ .\n٣ والآية وما يليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهي من سورة المائدة.","vol":"1","page":101},{"text":"سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكانت أمرا صريحا لهم بالعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره فيهم من القتال ويتضمن ذلك النهي عن القتال حتى يأتي أمر الله. ثم شرع القتال دفاعا في السنة الثانية من الهجرة بقوله تعالى في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .\nثم حض الله عليه حضا شديدا في آخر الأمر فنزلت سورة براءة وهي من آخر ما نزل من القرآن. وفيها قوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .\nشبهة في هذا المقام\nبقي أن ندحض شبهة أثيرت حول تعيين آخر ما نزل من القرآن. قالوا: لماذا لا تكون آية المائدة آخر ما نزل من القرآن؟ وهي قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ . مع أنها صريحة في أنها إعلام بإكمال الله لدينه في ذلك اليوم المشهود الذي نزلت فيه وهو يوم عرفة في حجة الوداع بالسنة العاشرة من الهجرة.","vol":"1","page":102},{"text":"والظاهر أن إكمال دينه لا يكون إلا بإكمال نزول القرآن وإتمام جميع الفرائض والأحكام.\nوالجواب: أن هناك قرآنا نزل بعد هذه الآية حتى بأكثر من شهرين ولعلك لم تنس أن آية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ كانت آخر الآيات نزولا على الإطلاق وأن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال فقط. وتلك قرينة تمنعنا أن نفهم إكمال نزول القرآن من إكمال الدين في آية المائدة المذكورة.\nوالأقرب أن يكون معنى إكمال الدين فيها يومئذ هو إنجاحه وإقراره وإظهاره على الدين كله ولو كره الكافرون. ولا ريب أن الإسلام في حجة الوداع كان قد ظهرت شوكته وعلت كلمته وأديل له على الشرك وحزبه والكفر وجنده والنفاق وحسراته حتى لقد أجلي المشركون عن البلد الحرام ولم يخالطوا المسلمين في الحج والإحرام. قال ابن جرير في تفسير الآية المذكورة: الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون وأيد هذا التأويل بما رواه عن ابن عباس قال: كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا فلما نزلت سورة براءة نفي المشركون عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين فكان ذلك من تمام النعمة ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ .\nنسأل الله أن يتم علينا نعمته آمين.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>ملاحظة</span>\nلعلك بعد تحقيق أول ما نزل وآخره تستطيع أن تستدرك على ما أسلفناه في المبحث الثالث تقديرا لمدة نزول القرآن على النبي ﷺ ناقلين إياه عن بعض محققي تاريخ التشريع الإسلامي. ذلك أنه اعتبر يوم التاسع من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة هو آخر أيام النزول وكأنه اعتمد على ما فهمه في قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية من أنه إكمال للدين بإكمال نزول القرآن. لكنك قد علمت ما فيه.\nفلتضف أنت إلى تلك المدة التي ذكرها اثنين وسبعين يوما هي عدة الفرق بين التسعة والواحد والثمانين يوما إذ أن آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ عاش النبي ﷺ بعدها أحدا وثمانين يوما كما روي وآية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ عاش ﷺ بعدها تسعة فقط كما عرفت.\nأما مبدأ نزول الوحي بالقرآن فمعلوم أنه كان في اليوم الذي هبط فيه جبريل على النبي ﷺ بغار حراء بصدر سورة اقرأ. وقد قالوا: إنه يوافق السابع عشر من رمضان واعتمدوا في ذلك على قوله سبحانه في سورة الأنفال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ . فجعل يوم الفرقان هو يوم التقاء الجمعين في غزوة بدر. وكان يوافق السابع عشر من رمضان على ما ذكره بعض أصحاب المغازي والسير.\nولا ريب أن هذا احتمال في الآية مقبول ولكن هذا الاحتمال لا يكفي في مثل هذا المقام لأنه احتمال مرجوح وظاهر الأدلة على خلافه. ذلك لأن السنة الصحيحة جاء فيها ما يفيد صراحة أن أرجى ما تكون ليلة القدر التي نزل فيها القرآن في الوتر في العشر الأخير من رمضان. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء. بل ثبت من طريق","vol":"1","page":104},{"text":"صحيح يرويه البخاري أيضا أنه ﷺ قال: \"التمسوها في سابعة تبقى في تاسعة تبقى\" أي اطلبوا ليلة القدر ليلة الحادي والعشرين أو ليلة الثالث والعشرين من ذلك الشهر. وهو مذهب الشافعي ﵁. ولا جدال في أن هذه نصوص تنافي أن تكون ليلة القدر ليلة السابع عشر من رمضان.\nثم إن هذه الآية التي استدل بها هؤلاء ليست نصا صريحا في أن المراد بما أنزله الله على عبده يوم الفرقان هو ما أنزله على نبيه ليلة القدر من القرآن. بل الظاهر أن قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ معناه وما أنزلنا على عبدنا محمد ﷺ من الوحي والملائكة والفتح في ذاك اليوم المشهود الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل وبين الإسلام والكفر في أول موقعة تاريخية انتصف فيها الإسلام من أعدائه وقام للمسلمين بسببها شوكة ودولة وسلطان. وهي غزوة بدر الكبرى. وإلى هذا الرأي جنح أكثر المفسرين. ويؤيده سياق النظم القرآني الكريم فإن الآية نزلت لتروض قلوب المسلمين على الرضا بما شرع الله في قسمة الغنائم وليقطعوا أطماعهم من الخمس الذي قضى الله أن يكون له لا لهم، وليقنعوا بعد ذلك بالأربعة الأخماس الباقية فإن الفضل في هذه الغنائم إنما هو لله قبلهم هو الذي أنزل في هذا اليوم ما أنزل من هدايات وبشائر ثبتت قلوبهم. وهو الذي أنزل مددا من لدنه ملائكة مقربين كثيرين وهو الذي سخر سائر أسباب الانتصار المعروفة في هذه المعركة العظيمة. وإذا كان الفضل يرجع إلى الله في هذا الانتصار فأطيعوا أيها المسلمون أمره في قسمة الغنائم المتخلفة عنه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الخامس: في أسباب النزول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>مدخل</span>\n...\nالمبحث الخامس: في أسباب النزول\nالقرآن الكريم قسمان: قسم نزل من الله ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة إنما هو لمحض هداية الخلق إلى الحق. وهو كثير ظاهر لا يحتاج إلى بحث ولا بيان. وقسم نزل مرتبطا بسبب من الأسباب الخاصة.\nوهو موضوع بحثنا الآن. غير أنا لا نريد أن نستعرض جميع الآيات التي جاءت على أسباب فذلك شأو بعيد. وقد انتدب له جماعة أفردوه بالتأليف منهم علي بن المديني شيخ البخاري ومنهم الواحدي والجعبري وابن حجر ومنهم السيوطي الذي وضع فيه كتابا حافلا محررا سماه لباب النقول في أسباب النزول.\nإنما غرضنا في هذا المبحث أن يحيطك علما بأسباب النزول من أطرافه الأحد عشر وهي معنى سبب النزول وفوائد معرفة أسباب النزول وطريق هذه المعرفة والتعبيرات عن سبب النزول وحكم تعدد الأسباب والنازل واحد وتعدد النازل والسبب واحد والعموم والخصوص بين لفظ الشارع وسببه وتحقيق الخلاف في عموم اللفظ وخصوص سببه وأدلة الجمهور في ذلك وشبهات المخالفين وتفنيدها وشبيه بالسبب الخاص مع اللفظ العام.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>معنى سبب النزول</span>\nسبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أن مبينة لحكمه أيام وقوعه. والمعنى أنه حادثة وقعت في زمن النبي ﷺ أو سؤال وجه إليه فنزلت الآية أو الآيات من الله تعالى ببيان ما يتصل بتلك الحادثة أو بجواب هذا السؤال.","vol":"1","page":106},{"text":"سواء أكانت تلك الحادثة خصومة دبت كالخلاف الذي شجر بين جماعة من الأوس وجماعة من الخزرج بدسيسة من أعداء الله اليهود حتى تنادوا: السلاح السلاح ونزل بسببه تلك الآيات الحكيمة في سورة آل عمران من أول قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ إلى آيات أخرى بعدها هي من أروع ما ينفر من الانقسام والشقاق ويرغب في المحبة والوحدة والاتفاق. أم كانت تلك الحادثة خطأ فاحشا ارتكب كذلك السكران الذي أم الناس في صلاته وهو في نشوته ثم قرأ السورة بعد الفاتحة فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ \"أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ\" وحذف لفظ \"لا\" من ﴿لا أَعْبُدُ﴾ فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ في سورة النساء.\nأم كانت تلك الحادثة تمنيا من التمنيات ورغبة من الرغبات كموافقات عمر ﵁ التي أفردها بعضهم بالتأليف. ومن أمثلتها ما أخرجه البخاري وغيره عن أنس ﵁ قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ وقلت يا رسول الله: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب١.\nواجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة فقلت لهن: \"عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرًا منكن\" فنزلت كذلك اهـ. وهذه في سورة التحريم.\n_________\n١ وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من سورة الأحزاب.","vol":"1","page":107},{"text":"وسواء أكان ذلك السؤال المرفوع إلى النبي ﷺ يتصل بأمر مضى نحو قوله سبحانه في سورة الكهف: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الخ. أم يتصل بحاضر نحو قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أم يتصل بمستقبل نحو قوله جل ذكره في سورة النازعات: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ الخ.\nوالمراد بقولنا أيام وقوعه الظروف التي ينزل القرآن فيها متحدثا عن ذلك السبب سواء أوقع هذا النزول عقب سببه مباشرة أم تأخر عنه مدة لحكمة من الحكم كما حدث ذلك حين سألت قريش رسول الله ﷺ عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين. فقال: ﷺ \"غدا أخبركم\" ولم يستثن أي لم يقل إلا أن شاء الله فأبطأ عليه الوحي خمسة عشر يوما على ما رواه ابن إسحاق وقيل ثلاثة أيام وقيل أربعين يوما حتى شق عليه ذلك. ثم نزلت أجوبة تلك المقترحات وفي طيها يرشد الله تعالى رسوله إلى أدب الاستثناء بالمشيئة ويقول له في سورة الكهف: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ .\nثم إن كلمة أيام وقوعه في تعريف سبب النزول قيد لا بد منه للاحتراز عن الآية أو الآيات التي تنزل ابتداء من غير سبب بينما هي تتحدث عن بعض الوقائع والأحوال الماضية أو المستقبلة كبعض قصص الأنبياء السابقين وأممهم وكالحديث عن الساعة وما يتصل بها وهو كثير في القرآن الكريم.","vol":"1","page":108},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-51> فوائد معرفة أسباب النزول</span>\nزعم بعض الناس أنه لا فائدة للإلمام بأسباب النزول وأنها لا تعدو أن تكون تاريخا للنزول أو جارية مجرى التاريخ وقد أخطأ فيما زعم فإن لأسباب النزول فوائد متعددة لا فائدة واحدة:\nالأولى: معرفة حكمة الله تعالى على التعيين فيما شرعه بالتنزيل وفي ذلك نفع للمؤمن وغير المؤمن. أما المؤمن فيزداد إيمانا على إيمانه ويحرص كل الحرص على تنفيذ أحكام الله والعمل بكتابه لما يتجلى له من المصالح والمزايا التي نيطت بهذه الأحكام ومن أجلها جاء هذا التنزيل. وأما الكافر فتسوقه تلك الحكم الباهرة إلى الإيمان إن كان منصفا حين يعلم أن هذا التشريع الإسلامي قام على رعاية مصالح الإنسان لا على الاستبداد والتحكم والطغيان خصوصا إذا لاحظ سير ذلك التشريع وتدرجه في موضوع واحد. وحسبك شاهدا على هذا تحريم الخمر وما نزل فيه وقد مر بك في البحث السابق فلا نعيده ولا تغفل.\nالفائدة الثانية: الاستعانة على فهم الآية ودفع الإشكال عنها. حتى لقد قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالمسبب يورث العلم بالسبب اهـ.\nولنبين لك ذلك بأمثلة ثلاثة: الأول قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فهذا اللفظ الكريم يدل بظاهره على أن للإنسان أن يصلي إلى أية جهة شاء ولا يجب عليه أن يولي وجهه شطر البيت الحرام لا في سفر ولا حضر. لكن إذا علم أن هذه الآية نازلة في نافلة السفر خاصة أو فيمن صلى باجتهاده ثم بان له خطؤه تبين له أن الظاهر غير مراد إنما المراد التخفيف على خصوص المسافر في صلاة النافلة أو على المجتهد","vol":"1","page":109},{"text":"في القبلة إذا صلى وتبين له خطؤه. عن ابن عمر ﵄ أن هذه الآية نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. وقيل: عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا. وقيل في الآية غير ذلك ولكن ما ذكرناه يكفيك.\nالمثال الثاني: روي في الصحيح أن مروان بن الحكم أشكل عليه معنى قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من سورة آل عمران.\nوقال: لئن كان كل امرىء فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون. وبقي في إشكاله هذا حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه أي طلبوا منه أن يحمدهم على ما فعلوا. وهنالك زال الإشكال عنه وفهم مراد الله من كلامه هذا ووعيده.\nالمثال الثالث أشكل على عروة بن الزبير ﵁ أن يفهم فرضية السعي بين الصفا والمروة مع قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ .\nوإشكاله نشأ من أن الآية الكريمة نفت الجناح ونفي الجناح لا يتفق والفرضية في رأيه وبقي في إشكاله هذا حتى سأل خالته أم المؤمنين عائشة ﵂ فأفهمته أن نفي الجناح هنا ليس نفيا للفرضية إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين يومئذ من أن السعي بين الصفا والمروة من عمل الجاهلية نظرا إلى أن الصفا كان عليه صنم يقال له: إساف وكان على المروة صنم يقال له: نائلة. وكان المشركون إذا سعوا بينهما تمسحوا بهما. فلما ظهر الإسلام وكسر","vol":"1","page":110},{"text":"الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك فنزلت الآية. كذلك جاءت بعض الروايات.\nلكن جاء في رواية صحيح البخاري ما نصه: فقال أي عروة لها أي لعائشة أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: فو الله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئسما قلت يا ابن أختي إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يطوف بهما ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما انتهى ما أردنا نقله. ومعنى يهلون: يحجون. ومناة الطاغية: اسم صنم وكان صخرة نصبها عمرو بن لحي بجهة البحر فكانوا يعبدونها. والمشلل بضم الميم واللام الأولى مشددة مفتوحة: اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر. وقديد بضم القاف: قرية بين مكة والمدينة. وكلمة سن معناها في هذا الحديث شرع أو فرض بدليل من السنة لا من الكتاب.\nوهذه الرواية كما ترى تدل على أن عروة فهم من جملة ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أن الجناح منفي أيضا عن عدم الطواف بهما وعلى ذلك تنتفي الفرضية وكأنه اعتمد في فهمه هذا على أن نفي الجناح أكثر ما يستعمل في الأمر المباح. أما عائشة ﵂ فقد فهمت أن فرضية السعي بين الصفا والمروة مستفادة من السنة وأن جملة ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ .","vol":"1","page":111},{"text":"لا تنافي تلك الفرضية كما فهم عروة إنما الذي ينفيها أن يقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما وإنما توجه نفي الحرج في الآية عن الطواف بين الصفا والمروة لأن هذا الحرج هو الذي كان واقرا في أذهان الأنصار كما يدل عليه سبب نزول الآية الذي ذكرته السيدة عائشة فتدبر.\nالفائدة الثالثة: دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر نحو قوله سبحانه في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . ذهب الشافعي إلى أن الحصر في هذه الآية غير مقصود واستعان على دفع توهمه بأنها نزلت بسبب أولئك الكفار الذين أبوا إلا أن يحرموا ما أحل الله ويحلوا ما حرم الله عنادا منهم ومحادة لله ورسوله فنزلت الآية بهذا الحصر الصوري مشاد لهم ومحادة من الله ورسوله لا قصدا إلى حقيقة الحصر.\nنقل السبكي عن الشافعي أنه قال ما معناه: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم. فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه. نازلا منزلة من يقول لك: لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلا حلاوة والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة. فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل اهـ.\nقال إمام الحرمين: وهذا في غاية الحسن ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية اهـ.\nالفائدة الرابعة: تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. فآيات الظهار في مفتتح سورة المجادلة- وقد تقدمت-","vol":"1","page":112},{"text":"سببها أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت حكيم بن ثعلبة والحكم الذي تضمنته هذه الآيات خاص بهما وحدهما على هذا الرأي أما غيرهما فيعلم بدليل آخر قياسا أو سواه. وبدهي أنه لا يمكن معرفة المقصود بهذا الحكم ولا القياس عليه إلا إذا علم السبب وبدون معرفة السبب تصير الآية معطلة خالية من الفائدة.\nالفائدة الخامسة: معرفة أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية إذا ورد مخصص لها. وذلك لقيام الإجماع على أن حكم السبب باق قطعا. فيكون التخصيص قاصرا على ما سواه. فلو لم يعرف سبب النزول لجاز أن يفهم أنه مما خرج بالتخصيص مع أنه لا يجوز إخراجه قطعا للإجماع المذكور. ولهذا يقول الغزالي في المستصفى: ولذلك يشير إلى امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد غلط أبو حنيفة ﵀ في إخراج الأمة المستفرشة من قوله ﷺ: \"الولد للفراش\". والخبر إنما ورد في وليدة زمعة إذ قال عبد بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه. فقال ﵊: \"الولد للفراش وللعاهر الحجر\" فأثبت للأمة فراشا وأبو حنيفة لم يبلغه السبب فأخرج الأمة من العموم اهـ.\nالفائدة السادسة: معرفة من نزلت فيه الآية على التعيين حتى لا يشتبه بغيره فيتهم البريء ويبرأ المريب مثلا. ولهذا ردت عائشة على مروان حين اتهم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر بأنه الذي نزلت فيه آية ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ الخ من سورة الأحقاف. وقالت: والله ما هو به ولو شئت أن أسميه لسميته إلى آخر تلك القصة.\nالفائدة السابعة: تيسير الحفظ وتسهيل الفهم وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها. وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات والأحكام بالحوادث والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة. كل أولئك من دواعي تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها في الفكر وذلك هو قانون تداعي المعاني المقرر في علم النفس.","vol":"1","page":113},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-52> طريق معرفة سبب النزول</span>\nلا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح روى الواحدي بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا الحديث إلا ما علمتم فإنه من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار\". ومن هنا لا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها. اهـ.\nوعلى هذا فإن روي سبب النزول عن صحابي فهو مقبول وإن لم يعتضد أي لم يعزز برواية أخرى تقويه. وذلك لأن قول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي ﷺ لأنه يبعد كل البعد أن يكون الصحابي قد قال ذلك من تلقاء نفسه على حين أنه خبر لا مرد له إلا السماع والنقل أو المشاهدة والرؤية.\nأما إذا روي سبب النزول بحديث مرسل أي سقط من سنده الصحابي وانتهى إلى التابعي فحكمه أنه لا يقبل إلا إذا صح واعتضد بمرسل آخر وكان الراوي له من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير.","vol":"1","page":114},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-53> التعبير عن سبب النزول</span>\nتختلف عبارات القوم في التعبير عن سبب النزول. فتارة يصرح فيها بلفظ السبب فيقال: سبب نزول الآية كذا وهذه العبارة نص في السببية لا تحتمل غيرها.","vol":"1","page":114},{"text":"وتارة لا يصرح بلفظ السبب ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة وهذه العبارة مثل تلك في الدلالة على السببية أيضا. ومثاله رواية جابر الآتية قريبا. ومرة يسأل الرسول فيوحى إليه ويجيب بما نزل عليه ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول ولا تعبير بتلك الفاء ولكن السببية تفهم قطعا من المقام كرواية ابن مسعود الآتية عندما سئل النبي ﷺ عن الروح. وحكم هذه أيضا حكم ما هو نص في السببية. ومرة أخرى لا يصرح بلفظ السبب ولا يؤتى بتلك الفاء ولا بذلك الجواب المبني على السؤال بل يقال: نزلت هذه الآية في كذا مثلا. وهذه العبارة ليست نصا في السببية بل تحتملها وتحتمل أمرا آخر هو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام. والقرائن وحدها هي التي تعين أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه.\nومن هنا نعلم أنه إذا وردت عبارتان في موضوع واحد إحداهما نص في السببية لنزول آية أو آيات والثانية ليست نصا في السببية لنزول تلك الآية أو الآيات هنالك نأخذ في السببية بما هو نص ونحمل الأخرى على أنها بيان لمدلول الآية لأن النص أقوى في الدلالة من المحتمل.\nمثال ذلك: ما أخرجه مسلم عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأنزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من سورة البقرة. وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: أنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في إتيان النساء في أدبارهن.\nفالمعول عليه في بيان السبب هو رواية جابر الأولى لأنها صريحة في الدلالة على السبب. وأما رواية ابن عمر فتحمل على أنها بيان لحكم إتيان النساء في أدبارهن وهو التحريم. استنباطا منه.","vol":"1","page":115},{"text":"أما إذا كان الاختلاف دائرا بين عبارتين أو عبارات ليس شيء منها نصا كأن يقول بعض المفسرين نزلت هذه الآية في كذا. ويقول الآخر: نزلت في كذا ثم يذكر شيئا آخر غير ما ذكره الأول وكان اللفظ يتناولهما ولا قرينة تصرف إحداهما إلى السببية فإن الروايتين كلتيهما تحملان على بيان ما يتناوله من المدلولات. ولا وجه لحملهما على السبب.\nوأما إذا كان الاختلاف دائرا بين عبارتين أو عبارات كلها نص في السببية فهنا يتشعب الكلام. ولنفرده بعنوان.","vol":"1","page":116},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-54> تعدد الأسباب والنازل واحد</span>\nإذا جاءت روايتان في نازل واحد من القرآن وذكرت كل من الروايتين سببا صريحا غير ما تذكره الأخرى نظر فيهما. فإما أن تكون إحداهما صحيحة والأخرى غير صحيحة. وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولكن لإحداهما مرجح دون الأخرى. وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولا مرجح لإحداهما على الأخرى ولكن يمكن الأخذ بهما معا. وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولا مرجح ولا يمكن الأخذ بهما معا. فتلك صور أربع لكل منها حكم خاص نسوقه إليك:\nأما الصورة الأولى- وهي ما صحت فيه إحدى الروايتين دون الأخرى فحكمها الاعتماد على الصحيحة في بيان السبب. ورد الأخرى غير الصحيحة. مثال ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها وكانت","vol":"1","page":116},{"text":"خادم رسول الله ﷺ: أن جروا دخل بيت النبي ﷺ فدخل تحت السرير فمات فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي فقال: \"يا خولة ما حدث في بيت رسول الله ﷺ؟ جبريل لا يأتيني\" فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو فجاء النبي ﷺ ترعد١ لحيته وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله ﴿فَتَرْضَى﴾ . فنحن بين هاتين الروايتين نقدم الرواية الأولى في بيان السبب لصحتها دون الثانية لأن في إسنادها من لا يعرف. قال ابن حجر: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب وفي إسناده من لا يعرف فالمعتمد ما في الصحيح اهـ.\nوأما الصورة الثانية- وهي صحة الروايتين كلتيها ولإحداهما مرجح- فحكمها أن نأخذ في بيان السبب بالراجحة دون المرجوحة. والمرجح أن تكون إحداهما أصح من الأخرى أو أن يكون راوي إحداهما مشاهدا للقصة دون راوي الأخرى. مثال ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة. وهو يتوكأ على عسيب. فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم: لو سألتموه. فقالوا: حدثنا عن الروح. فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه حتى صعد الوحي ثم قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . وما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل. فقالوا: اسألوه عن الروح فسألوه فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية.\n_________\n١ قال في القاموس: وقد رعد كنصر ومنع. وقال هامش القاموس: وقد استعمل رعد ثلاثيا أيضا مجهولا دائما، كجن. قالوا: رعد أي اصابته رعدة. قاله الخفاجي في شرح الشفاء اهـ.","vol":"1","page":117},{"text":"فهذا الخبر الثاني يدل على أنها بمكة وأن سبب نزولها سؤال قريش إياه. أما الأول فصريح في أنها نزلت بالمدينة بسبب سؤال اليهود إياه وهو أرجح من وجهين: أحدهما أنه رواية البخاري أما الثاني فإنه رواية الترمذي ومن المقرر أن ما رواه البخاري أصح مما رواه غيره. ثانيهما أن راوي الخبر الأول وهو ابن مسعود كان مشاهد القصة من أولها إلى آخرها كما تدل على ذلك الرواية الأولى بخلاف الخبر الثاني فإن رواية ابن عباس لا تدل الرواية على أنه كان حاضر القصة ولا ريب أن للمشاهدة قوة في التحمل وفي الأداء وفي الاستيثاق ليست لغير المشاهدة ومن هنا أعملنا الرواية الأولى وأهملنا الثانية.\nوأما الصورة الثالثة- وهي ما استوت في الروايتان في الصحة ولا مرجح لإحداهما لكن يمكن الجمع بينهما بأن كلا من السببين حصل ونزلت الآية عقب حصولهما معا لتقارب زمنيهما فحكم هذه الصورة أن نحمل الأمر على تعدد السبب لأنه الظاهر ولا مانع يمنعه. قال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب.\nمثال ذلك: ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء. فقال النبي ﷺ: \"البينة أو حد في ظهرك\". فقال يا رسول الله إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة. وفي رواية أنه قال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ اهـ وهذه الآيات من سورة النور.\nوأخرج الشيخان واللفظ للبخاري عن سهل بن سعد أن عويمرا أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع","vol":"1","page":118},{"text":"امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك فأتى عاصم النبي ﷺ فقال يا رسول الله وفي رواية مسلم فسأل عاصم رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها. فقال عويمر والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فجاءه عويمر فقال يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: \"قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبك\". فأمرهما رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها اهـ. فهاتان الروايتان صحيحتان ولا مرجح لإحداهما على الأخرى ومن السهل أن نأخذ بكلتيهما لقرب زمانيهما على اعتبار أن أول من سأل هو هلال بن أمية ثم قفاه عويمر قبل إجابته فسأل بواسطة عاصم مرة وبنفسه مرة أخرى فأنزل الله الآية إجابة للحادثين معا. ولا ريب أن إعمال الروايتين بهذا الجمع أولى من إعمال إحداهما وإهمال الأخرى إذ لا مانع يمنع الأخذ بهما على ذلك الوجه. ثم لا جائز أن نردهما معا لأنهما صحيحتان ولا تعارض بينهما. ولا جائز أيضا أن نأخذ بواحدة ونرد الأخرى لأن ذلك ترجيح بلا مرجح. فتعين المصير إلى أن نأخذ بهما معا. وإليه جنح النووي وسبقه إليه الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد اهـ.\nويمكن أن يفهم من الرواية الثانية أن آيات الملاعنة نزلت في هلال أولا ثم جاء عويمر فأفتاه الرسول بالآيات التي نزلت في هلال. قال ابن الصباغ: قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولا. وأما قوله ﷺ لعويمر: \"إن الله أنزل فيك وفي صاحبتك\" فمعناه ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس.\nوأما الصورة الرابعة- وهي استواء الروايتين في الصحة دون مرجح","vol":"1","page":119},{"text":"لإحداهما ودون إمكان للأخذ بهما معا لبعد الزمان بين الأسباب فحكمها أن تحمل الأمر على تكرار نزول الآية بعدد أسباب النزول التي تحدثت عنها هاتان الروايتان أو تلك الروايات لأنه إعمال لكل رواية ولا مانع منه. قال الزركشي في البرهان: وقد ينزل الشيء تعظيما لشأنه وتذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه اهـ.\nمثال ذلك ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به فقال: \"لأمثلن بسبعين منهم مكانك\" فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة وهن ثلاث آيات.\nوأخرج الترمذي والحاكم عن أبي بن كعب قال\" لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا به فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين أي لنزيدن عليهم.\nفلما كان يوم فتح مكة أنزل الله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية.\nفالرواية الأولى تفيد أن الآية نزلت في غزوة أحد والثانية تفيد أنها نزلت يوم فتح مكة على حين أن بين غزوة أحد وغزوة الفتح الأعظم بضع سنين فبعد أن يكون نزول الآية كان مرة عقيبهما معا. وإذن لا مناص لنا من القول بتعدد نزولها مرة في أحد ومرة يوم الفتح. وقد ذهب البعض إلى أن سورة النحل كلها مكية.\nوعليه فتكون خواتيمها المذكورة نزلت مرة بمكة قبل هاتين المرتين اللتين في المدينة وتكون عدة مرات نزولها ثلاثا. وبعضهم يقول إن سورة النحل مكية ما عدا خواتيمها تلك فإنها مدنية وعليه فعدة مرات نزولها اثنتان فقط.","vol":"1","page":120},{"text":"شبهة وجوابها\nوإذا استشكل على تكرار النزول بأنه عبث ما دامت الآية قد نزلت قبل ذلك السبب الجديد وحفظها الرسول ﷺ واستظهرها الحفاظ من الصحابة ويمكن الرجوع إليها من غير حاجة إلى نزولها مرة أخرى.\nفالجواب أن هناك حكمة عالية في هذا التكرار وهي تنبيه الله لعباده ولفت نظرهم إلى ما في طي تلك الآيات المكررة من الوصايا النافعة والفوائد الجمة التي هم في أشد الحاجة إليها. فخواتيم سورة النحل التي معنا مثلا نلاحظ أن الحكمة في تكرارها هي تنبيه الله لعباده أن يحرصوا على العمل بما احتوته من الإرشادات السامية في تحري العدالة وضبط النفس عند الغضب ومراقبة الخالق حتى في القصاص من الخلق والتدرع بالصبر والثبات. والاعتماد على الله والثقة بتأييده ونصره لكل من اتقاه وأحسن في عمله جعلنا الله منهم أجمعين آمين.\nأضف إلى هذه الحكمة ما ذكره الزركشي آنفا من أن تكرار النزول تعظيم لشأن المكرر وتذكير به خوف نسيانه.","vol":"1","page":121},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-55> تعدد النازل والسبب واحد</span>\nقد يكون أمر واحد سببا لنزول آيتين أو آيات متعددة على عكس ما سبق ولا مانع من ذلك لأنه لا ينافي الحكمة في إقناع الناس وهداية الخلق وبيان الحق عند الحاجة بل إنه قد يكون أبلغ في الإقناع وأظهر في البيان.\nمثال السبب الواحد تنزل فيه آيتان ما أخرجه ابن جرير الطبري والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة فقال: \"إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاء فلا تكلموه\". فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق العينين فدعاه رسول الله ﷺ فقال: \"علام تشتمني أنت وأصحابك؟ \" فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز","vol":"1","page":121},{"text":"عنهم. فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ من سورة التوبة.\nوأخرج الحاكم وأحمد هذا الحديث بهذا اللفظ وقالا: فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ من سورة المجادلة اهـ.\nومثال السبب الواحد ينزل فيه أكثر من آيتين ما أخرجه الحاكم والترمذي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ من سورة آل عمران اهـ.\nوأخرج الحاكم أيضا عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله: تذكر الرجال ولا تذكر النساء فأنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ١﴾ وأنزلت ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى٢﴾ .\n_________\n١ من سورة الأحزاب وتمامها: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ .\n٢ وهي من آية آل عمران السابقة.","vol":"1","page":122},{"text":"وأخرج الحاكم أيضا أنها قالت تغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث. فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١ وأنزل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ٢.\n_________\n١ من سورة النساء وتمامها قد تقدم.\n٢ من سورة الأحزاب، وتمامها قد تقدم أيضا قريبا.","vol":"1","page":123},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-56> العموم والخصوص بين لفظ الشارع وسببه</span>\nهذا مبحث أفرده الأصوليون بالكلام لأن مهمتهم الاستدلال بألفاظ الشارع على الأحكام ونحن نلخص لك هنا ما يسمح به المقام لمناسبة أسباب النزول وما ينزل فيها مما يوافقها أو لا يوافقها في العموم والخصوص فنقول: اعلم أن لفظ الشارع الوارد جوابا لسؤال أو سبب قد يكون مستقلا أو مفيدا وحده بقطع النظر عن السبب أو السؤال الوارد فيه. وقد يكون غير مستقل بمعنى أنه لا يفيد إلا إذا لوحظ معه السبب أو السؤال.\nولكل من هذين النوعين حكمة:\nفأما الجواب الذي ليس بمستقل: فحكمه أنه يساوي السؤال في عمومه باتفاق الأصوليين ويساويه أيضا في خصوصه على الرأي السائد عندهم.\nفلو قال سائل: هل يجوز الوضوء بماء البحر فأجيب بلفظ بنعم أو لفظ يجوز كان المعنى: يجوز الوضوء بماء البحر لكل من أراد من الناس لا لخصوص هذا السائل وذلك لأن السؤال استفهام عن الجواز مطلقا من غير اعتبار خصوص المتكلم فكذلك جوابه لأنه غير مستقل.\nولو قال السائل: توضأت بماء البحر فأجيب بلفظ يجزئك كان معناه:","vol":"1","page":123},{"text":"أن الوضوء بماء البحر يجزئ السائل وحده لأن السؤال خاص بالمتكلم فكذلك جوابه غير المستقل. أما غير المتكلم فلا يعلم حكمه من هذا الجواب بل يعلم من دليل آخر كالقياس أو كقوله ﷺ: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\". ذلك كله في الجواب غير المستقل.\nوأما الجواب المستقل: فتارة يكون مثل السبب في أن كلا منهما عام أو خاص. وحكمه إذن أنه يساويه. فاللفظ العام يتناول كل أفراد سببه العام في الحكم واللفظ الخاص مقصور على شخص سببه الخاص في الحكم. وهذا محل اتفاق بين العلماء لمكان التكافؤ والتساوي بين السبب وما نزل فيه. وأمثلة الأول- وهو العام فيهما- كثيرة. منها الآيات النازلة في غزوة بدر والآيات النازلة في غزوة أحد من سورة آل عمران.\nومثال الثاني- وهو الخاص فيهما- قوله سبحانه في سورة الليل: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .\nقال الجلال المحلي: هذا نزل في الصديق ﵁ لما اشترى بلالا المعذب على إيمانه وأعتقه. فقال للكفار: إنما فعل ذلك ليد كانت له عنده فنزلت: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .\nواعلم أن هذا التمثيل لا يستقيم إلا على اعتبار أن أل في لفظ ﴿الْأَتْقَى﴾ للعهد والمعهود هو الصديق ﵁.\nوتارة يأتي الجواب المستقل غير متكافئ مع السبب في عمومه وخصوصه. وتحت ذلك صورتان: إحداهما عقلية محضة غير واقعة وهي أن يكون السبب عاما واللفظ خاصا. وإنما كانت عقلية محضة وفرضية غير واقعة لأن حكمة الشارع تجل عن أن تأتي بجواب قاصر لا يتناول جميع أفراد السبب. أضف إلى ذلك أنه يخل ببلاغة القرآن القائمة على رعاية مقتضيات الأحوال. وهل يعقل أن يسأل","vol":"1","page":124},{"text":"سائل فيقول مثلا؟ هل يجوز لجماعة المسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم ويقاتلوا من قاتلهم فيأتي الجواب قائلا: لك أنت أن تدافع عن نفسك وتقاتل من قاتلك.\nالصورة الثانية هي عموم اللفظ وخصوص سببه.","vol":"1","page":125},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-57> عموم اللفظ وخصوص سببه</span>\nومعناه أن يأتي الجواب أعم من السبب ويكون السبب أخص من لفظ الجواب. وذلك جائز عقلا وواقع فعلا لأنه لا محظور فيه ولا قصور بل إن عمومه مع خصوص سببه موف بالغاية ومؤد للمقصود وزيادة.\nبيد أن العلماء اختلفوا في حكمه أعموم اللفظ هو المعتبر أم خصوص السبب؟.\nذهب الجمهور إلى أن الحكم يتناول كل أفراد اللفظ سواء منها أفراد السبب وغير أفراد السبب. ولنضرب لك مثلا: حادثة قذف هلال بن أمية لزوجته وقد نزل فيها قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الخ نلاحظ فيها أن السبب خاص وهو قذف هلال هذا لكن جاءت الآية النازلة فيه بلفظ عام -كما ترى- وهو لفظ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ . وهو اسم موصول والموصول من صيغ العموم وقد جاء الحكم بالملاعنة في الآية محمولا عليه من غير تخصيص. فيتناول بعمومه أفراد القاذفين في أزواجهم ولم يجدوا شهداء إلا أنفسهم سواء منهم هلال بن أمية صاحب السبب وغيره ولا نحتاج في سحب هذا الحكم على غير هلال إلى دليل من قياس أو سواه بل هو ثابت بعموم هذا النص. ومعلوم أنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص. ذلك مذهب الجمهور.\nوقال غير الجمهور: إن العبرة بخصوص السبب. ومعنى هذا أن لفظ الآية يكون مقصورا على الحادثة التي نزل هو لأجلها أما أشباهها فلا يعلم حكمها من نص الآية إنما يعلم بدليل مستأنف آخر هو القياس إذا استوفى شروطه أو قوله ﷺ:","vol":"1","page":125},{"text":"\"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\". فآية القذف السابقة النازلة بسبب حادثة هلال مع زوجه خاصة بهذه الحادثة وحدها على هذا الرأي. أما حكم غيرها مما يشبهها فإنما يعرف قياسا عليها أو عملا بالحديث المذكور.\nويجب أن نلاحظ أن هذا الخلاف القائم بين الجمهور وغيرهم محله إذا لم تقم قرينة على تخصيص لفظ الآية العام بسبب نزوله أما إذا قامت تلك القرينة فإن الحكم يكون مقصورا على سببه لا محالة بإجماع العلماء.\nكما يجب أن نلاحظ أيضا أن حكم النص العام الوارد على سبب يتعدى عند هؤلاء وهؤلاء إلى أفراد غير السبب. بيد أن الجمهور يقولون إنه يتناولهم بهذا النص نفسه وغير الجمهور يقولون إنه لا يتناولهم إلا قياسا أو بنص آخر كالحديث المعروف: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.\nوإلى هذا المعنى يشير ابن تيمية بقوله: قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان المذكور شخصا كقولهم: إن الآية الظهار نزلت في امرأة قيس بن ثابت وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله وإن آية قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في بني قريظة والنضير ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو في قوم من اليهود والنصارى أو في قوم من المؤمنين. فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق. والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يختص بسببه؟ لم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين. وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته اهـ.","vol":"1","page":126},{"text":"ولعل ثمرة هذا الخلاف ترجع إلى أمرين: أحدهما أن الحكم على أفراد غير السبب مدلول عليه بالنص النازل فيه عند الجمهور. وذلك النص قطعي المتن اتفاقا وقد يكون مع ذلك قطعي الدلالة. أما غير الجمهور فالحكم عندهم على غير أفراد السبب ليس مدللا عليه بذلك النص بل القياس أو الحديث المعروف وكلاهما غير قطعي.\nالثاني أن أفراد غير السبب كلها يتناولها الحكم عند الجمهور ما دام اللفظ قد تناولها. أما غير الجمهور فلا يسحبون الحكم إلا على ما استوفى شروط القياس منها دون سواه إن أخذوا فيه بالقياس.","vol":"1","page":127},{"text":"د -<span data-type=\"title\" id=toc-58> أدلة الجمهور</span>\nاستدل الجمهور على مذهبهم بأدلة ثلاثة: الأول أننا نعلم أن لفظ الشارع وحده هو الحجة والدليل دون ما احتف به من سؤال أو سبب فلا وجه إذن لأن تخصص اللفظ بالسبب. وكيف يسوغ أن نجعل ما ليس حجة في الشرع متحكما بالتخصيص على ما هو الحجة في الشرع؟\nوالدليل على أن لفظ الشارع وحده هو الحجة أن الشارع قد يصرف النظر عن السؤال ويعدل بالجواب عن سنن السؤال لحكمة نحو قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فإن ظاهر هذه الآية أن النبي ﷺ سئل عن بيان ما ينفقونه فجاء الجواب ببيان من ينفقون عليهم. وذلك من أسلوب الحكيم لأن معرفة مصارف النفقة والصدقة أهم من معرفة المصروف فيهما فإن إصلاح الجماعة البشرية لا يكون إلا عن طريق تنظيم النفقة والإحسان على أساس توجيههما إلى المستحقين دون سواهم. وهذا وجه في الآية نراه وجيها،","vol":"1","page":127},{"text":"وإن كانت الآية قد أشارت إشارة خفيفة إلى بيان ما ينفقونه بقوله سبحانه ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ غير أنها إشارة إجمالية لا تشبع حاجة السؤال.\nويمكن أن تنظم من هذا دليلا منطقيا من باب القياس الاقتراني تقريره هكذا اللفظ العام الوارد على سبب خاص هو الحجة وحده عند الشارع وكل ما كان كذلك يعتبر عمومه فاللفظ العام الوارد على سبب خاص يعتبر عمومه. وهو المطلوب.\nكما يمكن أن تنظم منه قياسا استثنائيا تقريره:\nلو لم يكن اللفظ العام الوارد على سبب خاص معتبرا عمومه لما كان لفظ الشارع وحده هو الحجة لكن التالي باطل فبطل ما أدى إليه وهو المقدم وثبت نقيضه وهو أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص يعتبر عمومه وهذا هو المطلوب.\nالدليل الثاني: أن الأصل هو حمل الألفاظ على معانيها المتبادرة منها عند الإطلاق أي عند عدم وجود صارف يصرف عن ذلك المتبادر ولا صارف للفظ هنا عن إرادة العموم فلا جرم يبقى على عمومه. أما ما يتوهمه المخالفون من أن خصوص السبب صارف عن إرادة العموم فمدفوع بأن مجرد خصوص السبب لا يستلزم إخراج غير السبب من تناول اللفظ العام إياه. فلا يصلح أن يكون قرينة مانعة من إرادة ما وضع له اللفظ العام. وهو العموم الشامل لجميع الأفراد.\nويمكن أن تنظم من هذا الدليل قياسا اقترانيا هكذا: اللفظ العام الوارد على سبب خاص يتبادر منه العموم عند الإطلاق وكل ما كان كذلك يبقى على عمومه. فاللفظ العام الوارد على سبب خاص يبقى على عمومه وهو المطلوب.\nويمكن أن تنظم من ذلك الدليل قياسا استثنائيا أيضا يقول: لو لم يكن اللفظ العام الوارد على سبب خاص باقيا على عمومه عند الإطلاق للزم استعمال اللفظ في غير ما وضع له بلا قرينة لكن التالي باطل فبطل المقدم وثبت نقيضه وهو أن اللفظ العام","vol":"1","page":128},{"text":"الوارد على سبب خاص باق على عمومه عند الإطلاق. وذلك هو المطلوب.\nالدليل الثالث: احتجاج الصحابة والمجتهدين في سائر الأعصار والأمصار بعموم تلك الألفاظ الواردة على أسباب خاصة في وقائع وحوادث كثيرة من غير حاجة إلى قياس أو استدلال بدليل آخر. وكيف ينكر هذا؟ وأكثر أصول الشرع خرجت على أسباب خاصة وبرغم خصوص تلك الأسباب قد فهموا من الألفاظ النازلة فيها حقيقة العموم ثم صاغوا من عموماتها كثيرا من الأصول. فاستدلوا بآية السرقة على وجوب قطع كل يد مع أنها نازلة في خصوص سرقة المجن أو رداء صفوان. واحتجوا بآيات الظهار على وجوب الكفارة المذكورة فيها والعمل بأحكامها على كل من ظاهر مع أنها نازلة في خصوص من عرفت قبل. وكذلك برهنوا بآيات اللعان على شمول حكمه لكل من قذف زوجته ولم يكن معه شهود على حين أنها نازلة في خصوص من ذكرنا سابقا.\nويمكن أن تنظم من هذا الدليل قياسا اقترانيا نصه: عموم اللفظ الوارد على سبب خاص قد اعتبره الصحابة والمجتهدون وكل ما كان كذلك فهو المعتبر. فعموم اللفظ الوارد على سبب خاص هو المعتبر. ويمكن أن تنظم منه دليلا استثنائيا نصه لو لم يكن عموم اللفظ الوارد على سبب خاص هو المعتبر لما اعتبره الصحابة والمجتهدون لكن التالي باطل فبطل المقدم وثبت نقيضه وهو المطلوب.\nملاحظة:\nلا يبعد عليك أن تستدل للمقدمات الصغرى والكبرى في الأقيسة الاقترانية التي ذكرناها خصوصا بعد أن تنظر فيما نثرناه قبلها من عرض الأدلة بالأسلوب المألوف الخالي من القيود الشكلية في الاصطلاحات المنطقية.","vol":"1","page":129},{"text":"وبمثل ذلك تستطيع أن تستدل للملازمات وبطلان التوالي فيما نظمناه بين يديك من الأقيسة الاستثنائية. فتأمل.","vol":"1","page":130},{"text":"١٠-<span data-type=\"title\" id=toc-59> شبهات المخالفين وتفنيدها</span>\nاستند مخالفو الجمهور إلى شبهات خمس لتأييد مذهبهم- وهو أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ- ولكنك سترى مصرع هذه الشبهات بين يديك:\nالشبهة الأولى يقولون: إن الإجماع قد انعقد على عدم جواز إخراج السبب من حكم العام الوارد على سبب خاص إذا ورد مخصص. وذلك يستلزم أن العام مقصور على أفراد السبب لا يتناول غيرها لأنه لو لم يكن مقصورا عليها لتساوت هي وغيرها في جواز الإخراج عند المخصص. وذلك ممنوع للإجماع المذكور.\nوالجواب: أن الإجماع المذكور لا يستلزم قصر العام على إفراد الخاص كما يقولون بل هو واقف عند حدود معناه من أن أفراد السبب لا تخرج بالمخصص وذلك المعنى محقق لعدم التساوي بين أفراد السبب وغيرها في حالة الإخراج بالمخصص لكنه لا يمنع دخول غير أفراد السبب في حكم العام إذا تناوله اللفظ وذلك لأدلة الجمهور السابقة.\nويمكن أن تنظم في هذا قياسا استثنائيا يقول:\nلو لم تكن العبرة بخصوص السبب لجاز إخراج أفراد السبب إذا ورد مخصص لكن إخراج أفراد السبب عند وجود المخصص ممنوع لانعقاد الإجماع على امتناعه. فبطل ما أدى إليه وهو المقدم وثبت نقيضه وهو أن العبرة بخصوص السبب. دليل التلازم أن العام تستوي أفراده فإذا أخذنا بعموم اللفظ ولم نخصصه بالسبب","vol":"1","page":130},{"text":"تساوت أفراد السبب وغيرها مما اندرج تحت ذلك العام فإذا جاء مخصص جاز أن يخرج أفراد السبب.\nويجاب بإبطال الملازمة ومنع أن أفراد العام متساوية. وسند المنع أن الإجماع منعقد على أن أفراد السبب تمتاز عن غيرها بأنها لا تخرج بالتخصيص. فإن تساوت هي وأفراد غير السبب دخولا فلن يتساوى الجميع خروجا. وإذن يبقى العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب للأدلة السابقة.\nالشبهة الثانية يقولون: إن الرواة نقلوا أسباب النزول واهتموا بها وبتدوينها. ولا فائدة لذلك إلا ما نذهب إليه من وجوب قصر العام على أفراد سببه الخاص. وهذا معنى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. والجواب: أنه لا وجه لكم في أن تجعلوا فائدة نقل الأسباب هي قصر العام على أفراد سببه فإن لأسباب النزول والإحاطة بها علما عن طريق نقل الرواة فوائد عدة ومزايا جمة وذكرناها في مطلع هذا المبحث\nوهي غير ما ذكرتم فارجعوا إليها إن شئتم.\nويمكن أن ننظم من ذلك قياسا استثنائيا أيضا هكذا لو لم تكن العبرة بخصوص السبب لما نقله الرواة واهتموا ببيانه وتدوينه لكن التالي باطل بالحس والمشاهدة فثبت نقيض المقدم وهو أن العبرة بخصوص السبب دليل الملازمة أنه لا يفهم لنقل الرواة وعنايتهم ببيان الأسباب فائدة غير التخصيص.\nوالجواب: أننا نمنع دليل الملازمة كيف؟ ولأسباب النزول فوائد متعددة قد قصصناها عليك أول هذا المبحث فحذار أن تنسى.\nالشبهة الثالثة يقولون: إن تأخير البيان عن وقوع الواقعة وتوجيه السؤال في العام الوارد على سبب يدل على أن العبرة بخصوص السبب لأن تأخير لفظ الشارع إلى ما بعد حدوث سببه يفهم منه أن السبب هو الملحوظ وحده للشارع في الحكم عليه بهذا اللفظ العام النازل فيه وإلا لما ربطه بالسبب بل لأنزله قبله أو أخره عنه.","vol":"1","page":131},{"text":"والجواب أنه يكفي في حكمة تأخير البيان إلى ما بعد السبب أن يكون اللفظ العام بيانا له ولو مع ما يشابهه من كل ما يندرج تحت اللفظ العام ولا يستلزم أن يكون بيانا له وحده كما ذكرتم.\nويمكن أن تصوغ في هذا قياسا هكذا لو لم تكن العبرة بخصوص السبب لما أخر البيان إلى وقوع الواقعة أو توجيه السؤال. لكن التالي باطل فثبت نقيض المقدم وهو المطلوب. دليل الملازمة أن تأخير لفظ الشارع إلى ما بعد وقوع الواقعة وتوجيه السؤال لا يفهم منه إلا أنه بيان لهذا السبب وحده وذلك معنى أن العبرة بخصوصه.\nوالجواب: أننا نمنع دليل الملازمة أي نمنع أنه لا يفهم من تأخير البيان إلى ما بعد وقوع الواقعة وتوجيه السؤال إلا أن يكون اللفظ العام النازل بسببهما بيانا لهذا السبب وحده. كيف؟ والتأخير يفهم منه أن اللفظ العام جاء بيانا له مع أشباهه من كل ما ينتظم وإياه في سلك العام للأدلة السابقة.\nالشبهة الرابعة يقولون: قد اتفقت كلمة الفقهاء على أنه إذا دعا رجل رجلا آخر إلى طعام الغداء وقال له: تغد عندي فرفض وقال: والله لا أتغدى ولم يقل عندك ثم تناول الغداء عند غير هذا الداعي فإنه لا يحنث.\nوما ذاك إلا لأن هذا اللفظ العام قد تخصص بسببه وهو كلمة تغد عندي التي خص بها الداعي نفسه فكأن الحالف قال: لا أتغدى عندك وحدك ولذلك لا يحنث بغدائه عند غيره.\nوالجواب: أن حكم الفقهاء في هذا المثال ليس مبنيا على أن كل عام يتخصص بسببه كما فهمتم بل هو مبني على أن هذا المثال وأشباهه تخصص بقرينة خارجة وهي حكم العرف هنا بأن الحالف إنما يريد ترك الغداء عند داعيه فقط. وليس كلامنا فيما تخصص بقرينة خارجة سواء أكانت العرف أم سواه فذلك محل وفاق.","vol":"1","page":132},{"text":"ونظيره أن يقال لك كلم فلانا في واقعة معينة فتقول والله لا أكلمه أبدا فإنك لا تحنث إذا كلمته في غير تلك الواقعة لأن العرف يحكم أيضا بأنك تريد عدم تكليمه في خصوص تلك الواقعة لا مطلقا.\nويمكن أن تنظم من هذا قياسا استثنائيا يقول:\nلو لم تكن العبرة بخصوص السبب لكان من قال والله لا أتغدى ولم يقل عندك في إجابة من قال له تغد عندي حانثا إذا تغدى عند غيره. لكن التالي باطل لنص الفقهاء على عدم حنثه حينئذ فبطل المقدم وثبت نقيضه وهو المطلوب.\nدليل الملازمة أن كلمة لا أتغدى شاملة للتغدي عند المخاطب وعند غيره لأن حذف المعمول يؤذن بالعموم.\nوقد جاءت هذه الكلمة على سبب وهو دعوة المخاطب إياه للغداء. فلو أخذنا بعموم هذا اللفظ وأهملنا خصوص هذا السبب لكان يحنث بغدائه عند غيره لأنه فرد من أفراد ذلك العام.\nوالجواب: أن التخصيص بالسبب هنا لم يجيء من نفس السبب إنما جاء من قرينة خارجة هي حكم العرف بأن حالف مثل هذه اليمين إنما يقصد عدم التغدي عند من دعاه وحده. ولا كلام لنا في ذلك لأن التخصيص بالقرينة الخارجة محل وفاق كما تقدم.\nالشبهة الخامسة يقولون: إن التطابق بين السؤال وجوابه واجب في نظر الحكمة وبحكم قانون البلاغة. وهذا التطابق لا يستقيم إلا بالتساوي بين لفظ العام وسببه الخاص. والتساوي لا يكون إلا إذا خصصنا اللفظ العام بسببه الخاص. لا سيما إذا وقع ذلك في كلام الشارع الحكيم وجاء في أرقى نصوص البلاغة وواحدها إعجازا وهو القرآن الكريم.","vol":"1","page":133},{"text":"والجواب: أن طرد العام على عمومه لا يخل بمطابقته لسببه الخاص؟ لأن هذه المطابقة تحصل بكون اللفظ أعم من سببه كما تحصل بمساواته إياه فإن المقصود من المطابقة أن يكون اللفظ مبينا لحكم السبب وغير قاصر عن الوفاء به وهو إذا جاء أعم يكون قد وفى بالمراد وزاد.\nويمكن أن تسبك من هذا قياسا استثنائيا صيغته هكذا: لو لم تكن العبرة بخصوص السبب لكان اللفظ غير مطابق للسبب. لكن التالي باطل فثبت نقيض المقدم. دليل الملازمة: أن الكلام هنا مفروض في سبب خاص ولفظ عام ولا شك أن العام لا يطابق الخاص. ودليل بطلان التالي: أن عدم المطابقة مناف للحكمة ومخل بالبلاغة.\nوالجواب: أننا نبطل تلك الملازمة ونمنع دليلها وهو أن العام لا يطابق الخاص. كيف؟ والمطابقة كما تحصل بمساواة اللفظ للسبب عموما وخصوصا تحصل بكون اللفظ أعم من السبب لأن المراد من الجواب أن يتحدث عن السبب ويبين حكمه وذلك حاصل مع كونه أعم منه ولا يتوقف على مساواته إياه.\nملاحظة: يمكنك بعد هذا البيان أن تحول تلك الأقيسة الاستثنائية إلى أقيسة اقترانية ثم تستدل على مقدماتها بسهولة ويسر على نمط ما فعلناه بأدلة الجمهور. فأمامك المجال ولا داعي لإطالة المقال.\nكما أرجو أن يعذرني القارئ الكريم إذا شق عليه بعض الشيء أن يهضم تلك الصناعة الفنية في صياغة الأدلة بعض الأحيان فإن للوسط قضاء لا يرد وللصناعة حكما لا ينقض. ومن واجبي أن أشبع حاجة هؤلاء وهؤلاء لذلك تراني طورا هنا وطورا هناك. والله هو الفتاح العليم وهو الموفق والمعين.","vol":"1","page":134},{"text":"١١-<span data-type=\"title\" id=toc-60> شبيه بالسبب الخاص مع اللفظ العام</span>\nنوه السيوطي في الإتقان وابن السبكي والمحلي في جمع الجوامع وشرحه بأن القرآن الكريم قد يرد فيه ما يشبه السبب الخاص مع اللفظ العام النازل فيه فيكون لهذا الشبه أثر صالح في تناول الآية العامة للمضمون الخاص في الآية التي معها تناولا ممتازا يجعله أسبق إلى الذهن من غيره وأبعد عن خروجه بالتخصيص إذا ورد مخصص لتلك الآية العامة. فكأنه قطعي الدخول. وكأنه مجمع على عدم خروجه بالمخصص كما أجمعوا على عدم خروج السبب الخاص من لفظ العام النازل فيه.\nوهاك مثلا يوضح لك المقام: قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ إلى آخر الآيات الواردة في هذا الموضوع.\nفأنت ترى أن هذه الآيات شنعت على الخيانة والخائنين من اليهود وتوعدتهم أفظع الوعيد ووبختهم أشد التوبيخ. وذلك في معنى النهي البالغ عن تلك الخيانة أي خيانتهم للنبي ﷺ والمؤمنين حيث جعلوا المشركين أهدى سبيلا منهم. ومن المقرر أن النهي عن شيء أمر بضده فلا جرم تضمنت هذه الآيات أيضا أمر اليهود بالأمانة في الحكم على النبي ﷺ وأصحابه ووصفهم بالصفات الحقيقية. خصوصا أنهم قد مدحوا في كتابهم التوراة كما قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ الخ والضمير للنبي ﷺ وكما قال في سورة الفتح بعد أن وصف النبي وأصحابه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ الخ.\nثم جاء عقيب تلك الآيات في الترتيب الوضعي قوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ","vol":"1","page":135},{"text":"يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾\nفكان التناسب بينهما رائعا والصلة وثيقة والانسجام جميلا لأن هذه الآية تأمر بالأمانة في عمومها كما ترى وتلك الآيات تأمر بأمانة خاصة كما علمت وما أحكم الصلة بين العام والخاص. فكان ذلك شبيها بالسبب الخاص ينزل فيه لفظ عام فإذا كان تناول العام لأفراد الخاص مجمعا عليه ولا يصح خروجه بمخصص فكذلك الأمانة الخاصة التي معنا تنتظم في سلك الأمانة العامة انتظاما ممتازا وتدخل فيها دخولا أوليا حتى لو قيل إنه لا يجمل إخراجها منها بمخصص لم يبعد وذلك ما حدا بابن السبكي أن يجعلها مرتبة دون السبب وفوق التجرد. وإنما لم تجعل في مرتبة السبب لأن الأولى ليست سببا في الثانية ولأن المقارنة بينهما ليست إلا في ترتيب آيات القرآن ووضع بعضها بإزاء بعض وليست مقارنة زمانية في النزول بل إن بينهما مدى بعيدا فالثانية تأخرت عن الأولى بنحو ست سنين ولا يضر ذلك لأن تقارب الزمان ليس شرطا في وضع آية لصق آية تناسبها إنما هو شرط في أسباب النزول مع ما ينزل فيها بحسب.\nولعل من تمام الفائدة أن نسوق إليك ما جاء في جمع الجوامع للإمام ابن السبكي وشارحه جلال الدين المحلي في هذه المناسبة ونصه: ويقرب منها أي من صورة السبب حتى يكون قطعي الدخول أو ظنيه خاص في القرآن تلاه في الرسم أي رسم القرآن بمعنى وضعه مواضعه وإن لم يتله في النزول عام للمناسبة بين التالي والمتلو كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الخ فإنه -كما قال أهل التفسير- إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر حرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبي ﷺ فسألوهم: من أهدى سبيلا محمد وأصحابه أم نحن؟ فقالوا: أنتم مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبي ﷺ المنطبق عليه وأخذ المواثيق عليهم ألا يكتموه فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم","vol":"1","page":136},{"text":"يؤدوها حيث قالوا للكفار: أنتم أهدى سبيلا حسدا للنبي ﷺ. وقد تضمنت الآية مع هذا القول التوعد عليه المفيد للأمر بمقابله المشتمل على أداء الأمانة التي هي بيان صفة النبي ﷺ بإفادة أنه الموصوف في كتابهم وذلك مناسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فهذا عام في كل أمانة وذلك خاص بأمانة هي بيان صفة النبي ﷺ بالطريق السابق والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول بست سنين مدة ما بين بدر في رمضان من السنة الثانية والفتح في رمضان من السنة الثامنة وإنما قال: ويقرب منها كذا لأنه لم يرد العام بسببه بخلافها اهـ والحمد لله أولا وآخرا.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث السادس: في نزول القرآن على سبعة أحرف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>مدخل</span>\n...\nالمبحث السادس: في نزول القرآن على سبعة أحرف\nهذا مبحث طريف وشائق غير أنه مخيف وشائك. أما طرافته وشوقه فلأنه يرينا مظهرا من مظاهر رحمة الله وتخفيفه على عباده وتيسيره لكتابه على كافة القبائل العربية بل على جميع شعوب الأمة الإسلامية من كل جيل وقبيل حتى ينطقوا به لينة ألسنتهم سهلة لهجاتهم برغم ما بينهم من اختلاف في اللغات وتنوع في الخصائص والميزات.\nومن طرافة هذا المبحث أيضا أنك تشاهد فيه عرضا عاما لمنتجات أفكار كثيرة وتشهد جيشا جرارا من مذاهب وآراء كلها تحاول العمل لخدمة العلم وإظهار الحق والدفاع عن عرين القرآن والإسلام.\nوأما مخافة هذا المبحث وشوكه فلأنه كثر فيه القيل والقال إلى حد كاد يطمس أنوار الحقيقة حتى استعصى فهمه على بعض العلماء ولاذ بالفرار منه وقال: إنه","vol":"1","page":137},{"text":"مشكل. وحتى اضطر جماعة من كبار المحققين أن يفردوه بالتأليف قديما وحديثا ما بين العلامة المعروف بأبي شامة في القرن السابع الهجري والعلامة الشيخ محمد بخيت في القرن الرابع عشر.\nأضف إلى ذلك أن الخطأ في هذا الباب قد يتخذ منه أعداء الإسلام سبيلا عوجا إلى توجيه المطاعن الخبيثة إلى القرآن كما وقعت أو وقع علي كتاب لمن يدعون أنفسهم مبشرين أسموه مباحث قرآنية وجعلوا موضوع الجزء الأول منه هل من تحريف في الكتاب الشريف؟ وتصيدوا فيه من الآراء المزيفة ما الحق منه بريء ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ .\nونحن نستعين الله ونستهديه أن يخلص لنا الورد من الشوك في هذا الموضوع الشائق الشائك وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا.\nوسنجول في هذا الميدان إن شاء الله جولات عدة نتحدث فيها عن أدلة نزول القرآن على سبعة أحرف وعن شواهد بارزة في هذه الأحاديث الواردة بينها فوائد كثيرة لاختلاف الحروف والقراءات وعن معنى نزول القرآن على سبعة أحرف وعن الوجوه السبعة في المذهب المختار وعن تحقيق النسبة بين المذهب المختار وأشباهه وعن وجوه اختيار هذا المذهب وعن دفع الاعتراضات الواردة عليه وعن بقاء هذه الأحرف السبعة في المصاحف وعن الأقوال الأخرى وتفنيدها وعن دفع إجمالي للأقوال الأخيرة منها ثم نختتم المبحث بعلاج الشبهات الواردة على هذا الموضوع والله المستعان.","vol":"1","page":138},{"text":"١-<span data-type=\"title\" id=toc-63> أدلة نزول القرآن على سبعة أحرف</span>\nلا سبيل إلى الاستدلال على هذا إلا مما صح عن رسول الله ﷺ ولقد جاء هذا النقل الصحيح من طرق مختلفة كثيرة وروي حديث نزول القرآن على سبعة أحرف عن جمع كبير من الصحابة.\nمنهم عمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة وأبو بكر وأبو جهم وأبو سعيد الخدري وأبو طلحة الأنصاري وأبي بن كعب وزيد بن أرقم وسمرة بن جندب وسلمان بن صرد وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن أبي سلمة وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وهشام بن حكيم وأنس وحذيفة وأم أيوب امرأة أبي أيوب الأنصاري ﵃ أجمعين. فهؤلاء أحد وعشرون صحابيا ما منهم إلا رواه وحكاه.\nوروى الحافظ أبو يعلى في مسنده الكبير أن عثمان ﵁ قال يوما وهو على المنبر: أذكر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: \"إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف\" لما قام. فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف\" فقال عثمان ﵁: وأنا أشهد معهم.\nوكأن هذه الجموع التي يؤمن تواطؤها على الكذب هي التي جعلت الإمام أبا عبيد بن سلام يقول بتواتر هذا الحديث. لكنك خبير بأن من شروط التواتر توافر جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية. وهذا الشرط إذا كان موفورا هنا في طبقة الصحابة كما رأيت فليس بموفور لدينا في الطبقات المتأخرة.\nوهاك طائفة من تلك الأحاديث نسوقها إليك استدلالا من ناحية وتنويرا في بيان المعنى وإقامة لمعالم الحق فيه من ناحية ثانية:","vol":"1","page":139},{"text":"١ -روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أقرأني جبريل على حروف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف\" زاد مسلم: قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة في الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام.\n٢- وروى البخاري ومسلم أيضا واللفظ للبخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت هشام ابن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة فانتظرته حتى سلم ثم لببته بردائه أو بردائي فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ. قلت له: كذبت فوالله إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وأنت أقرأتني سورة الفرقان. فقال رسول الله ﷺ: \"أرسله يا عمر\": اقرأ يا هشام فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها. قال رسول الله ﷺ: \"هكذا أنزلت\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه\".\n٣- وروى مسلم بسنده عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوق قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما رسول الله ﷺ فقرآ فحسن النبي ﷺ شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية. فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد","vol":"1","page":140},{"text":"غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله ﷿ فرقا فقال لي: \"يا أبي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه: أن هون على أمتي فرد إلي الثالثة اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي. وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ\". اهـ.\nواعلم أن معنى قول أبي بن كعب ﵁ فسقط في نفسي من التكذيب الخ أن الشيطان ألقى إليه من وساوس التكذيب ما شوش عليه حاله حين رأى النبي ﷺ قد حسن القراءتين وصوبهما على ما بينهما من اختلاف وكانتا في سورة واحدة هي سورة النحل على ما رواه الطبري. وكأن الذي مر بخاطره وقتئذ أن هذا الاختلاف في القراءة ينافي أنه من عند الله. لكنه كان خاطرا من الخواطر الرديئة التي لا تنال من نفس صاحبها منالا ولا تفتنها عن عقيدة ولا يكون لها أثر باق ولا عمل دائم.\nومن رحمة الله بعباده أنه لا يؤاخذهم بهواجس النفوس وخلجات الضمائر العابرة. ولكن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم حين يفتح الإنسان للشبهة صدره يوجه إليها اختياره وكسبه ثم يعقد عليها فؤاده وقلبه.\nقال القرطبي فكان هذا الخاطر يشير إلى ما سقط في نفس أبي من قبيل ما قال فيه النبي ﷺ حين سألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: \"أوقد وحدتموه؟ \" قالوا: نعم. قال: \"ذلك صريح الإيمان\". رواه مسلم اهـ.\nومن هذا تعلم أن ما خطر لسيدنا أبي بن كعب ﵁ لا يمس مقامه","vol":"1","page":141},{"text":"ولا يصادم إيمانه ما دام قد دفعه بإرشاد رسول الله ﷺ سريعا كما في الحديث الشريف.\nوأي إنسان يستطيع أن يحمي نفسه خواطر السوء الهوجاء ورياح الهواجس الشنعاء إنما الواجب على المؤمن أن يحارب تلك الخواطر الرديئة بأسلحة العلم وتعاليم الشريعة ولا يستسلم لها ولا يسترسل معها. وعلينا أن نتعاون في هذا الميدان كما فعل الرسول ﷺ بأبي إذ ضرب في صدره ليصرفه بشدة عن الاشتغال بهذا الخاطر وليلفته بقوة إلى ما قصه عليه علاجا لشبهته من أن القرآن أنزل على سبعة أحرف تهوينا على أمته وتيسيرا لها. ولقد نجح الرسول ﷺ في هذا العلاج أيما نجاح حتى قال أبي نفسه: ففضت عرقا وكأني أنظر إلى الله ﷿ فرقا.\nذلك ما نراه مخلِّصا في هذا المقام الذي زلت فيه بعض الأقدام وللعلامة الشيخ محمد عبد الله دراز كلام جيد في مثل هذا الموضوع من كتابه المختار فارجع إليه إن أردت التوسع ومزيد البيان.\nأضف إلى ما ذكرنا أن خصومة أبي بن كعب في أمر إختلاف القراءة على هذا النحو إنما كانت من قبل أن يعلم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف فهو وقتئذ كان معذورا بدليل أنه لما علم بذلك وأطمأنت إليه نفسه عمل بما علم وكان مرجعا مهما من مراجع القرآن على اختلاف رواياته وكان من رواة هذا العلم للناس كما تلاحظه في الحديثين المسندين إليه بعد.\n٤- روى مسلم بسنده عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار. قال: فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف. فقال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق","vol":"1","page":142},{"text":"ذلك\". ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك\" ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك\" ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف. فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا اهـ.\nوأضاة بني غفار بفتح الهمزة في أضاة وبكسر الغين في غفار: مستنقع الماء كالغدير وكان بموضع من المدينة المنورة ينسب إلى بني غفار لأنهم نزلوا عنده.\n٥ - وروى الترمذي عن أبي بن كعب أيضا قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المروة قال: فقال رسول الله ﷺ لجبريل: \"إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبيرة والغلام\". قال: فمرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف\" قال الترمذي: حسن صحيح.\nوفي لفظ: فمن قرأ بحرف منها فهو كما قرأ وفي لفظ حذيفة فقلت: \"يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية فيهم الرجل والمرأة والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا قط\" قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف\".\n٦- أخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو أن رجلا قرأ آية من القرآن فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا\". اهـ.\nقال في القاموس: ماراه مماراة ومراء وأمترى فيه وتمارى: شك. والمرية بالكسر والضم: الشك والجدل. اهـ.","vol":"1","page":143},{"text":"٧- روى الحاكم وابن حبان بسندهما عن ابن مسعود قال أقرأني رسول الله ﷺ سورة من آل حم فرحت إلى المسجد فقلت لرجل: أقرأها. فإذا هو يقرؤها حروفا ما أقرؤها. فقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه فتغير وجهه وقال: \"إنما أهلك من قبلكم الاختلاف\" ثم أسر إلى علي شيئا. فقال علي: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم. قال: فانطلقنا وكل رجل يقرأ حروفا لا يقرؤها صاحبه اهـ.\n٨- وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود أيضا أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي ﷺ يقرأ خلافها. قال: فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي ﷺ فقال: \"كلاكما محسن فاقرأ\" قال شعبة أحد رواة هذا الحديث: أكبر علمي أن النبي ﷺ قال: \"فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكوا\".\n٩- روى الطبري والطبراني عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد بن ثابت وأقرأنيها أبي بن كعب فاختلفت قراءتهم فبقراءة أيهم آخذ؟ فسكت رسول الله ﷺ وعلي إلى جنبه فقال علي: ليقرأ كل إنسان منكم كما علم فإنه حسن جميل.\n١٠- وأخرج ابن جرير الطبري عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة\".","vol":"1","page":144},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-64> شواهد بارزة في هذه الأحاديث الواردة</span>\nإن الناظر في هذه الأحاديث الشريفة وما ماثلها يستطيع أن يقيم منها شواهد بارزة تكون منارات هدى ومصادر إشعاع ونور ترشده إلى ما عسى أن يكون هو الحق والصواب في بيان معنى الأحرف السبعة كما يستطيع أن يأخذ منها موازين ومقاييس يحاكم إليها كل ما شجر من هذا الخلاف البعيد في هذا الموضوع الدقيق.\nالشاهد الأول: أن الحكمة في نزول القرآن على الأحرف السبعة هي التيسير على الأمة الإسلامية كلها خصوصا الأمة العربية التي شوفهت بالقرآن فإنها كانت قبائل كثيرة وكان بينها اختلاف في اللهجات ونبرات الأصوات وطريقة الأداء وشهرة بعض الألفاظ في بعض المدلولات على رغم أنها كانت تجمعها العروبة ويوحد بينها اللسان العربي العام. فلو أخذت كلها بقراءة القرآن على حرف واحد لشق ذلك عليها كما يشق على القاهري منا أن يتكلم بلهجة الأسيوطي مثلا وإن جمع بيننا اللسان المصري العام وألفت بيننا الوطنية المصرية في القطر الواحد. وهذا الشاهد بحده ماثلا بوضوح بين الأحاديث السالفة في قوله ﷺ في كل مرة من مرات الاستزادة فرددت إليه أن هون على أمتي وقوله أسأل الله معافاته ومغفرته وأن أمتي لا تطيق ذلك ومن أنه ﷺ لقي جبريل فقال: \"يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية فيهم الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا قط\" الخ.\nقال المحقق ابن الجزري: وأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها والتهوين عليها شرفا لها وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق حيث أتاه جبريل فقال:","vol":"1","page":145},{"text":"إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال ﷺ: \"أسأل الله معافاته ومعونته فإن أمتي لا تطيق ذلك ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف\" ثم قال: وكما ثبت أن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف وأن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين والنبي ﷺ بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم وكان العرب الذي نزل القرآن بلغتهم. لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتى ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها أو من حرف إلى آخر. بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج لا سيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابا كما أشار إليه ﷺ فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع وما عسى أن يتكلف المتكلف وتأبى الطباع اهـ.\nفوائد أخرى لاختلاف القراءة وتعدد الحروف\nكل ما مر عليك في الشاهد الأول تقرير لحكمة واحدة وفائدة واحدة من فوائد اختلاف القراءات وتعدد الحروف التي نزل عليها القرآن الكريم وهي أبرز الفوائد وأشهرها وأقربها إلى الذهن. ونحيطك علما هنا بأن لهذا الاختلاف والتعدد فوائد أخرى:\nمنها: جمع الأمة الإسلامية الجديدة على لسان واحد يوحد بينها وهو لسان قريش الذي نزل به القرآن الكريم والذي انتظم كثيرا من مختارات ألسنة القبائل العربية التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحج وأسواق العرب المشهورة. فكان القرشيون يستملحون ما شاؤوا ويصطفون ما راق لهم من ألفاظ الوفود العربية القادمة إليهم من كل صوب وحدب ثم يصقلونه ويهذبونه ويدخلونه","vol":"1","page":146},{"text":"في دائرة لغتهم المرنة التي أذعن جميع العرب لها بالزعامة وعقدوا لها راية الإمامة. وعلى هذه السياسة الرشيدة نزل القرآن على سبعة أحرف يصطفي ما شاء من لغات القبائل العربية على نمط سياسةالقرشيين بل أوفق. ومن هنا صح أن يقال: إنه نزل بلغة قريش لأن لغات العرب جمعاء تمثلت في لسان القرشيين بهذا المعنى. وكانت هذه حكمة إلهية سامية فإن وحدة اللسان العام من أهم العوامل في وحدة الأمة خصوصا أول عهد بالتوثب والنهوض.\nومنها: بيان حكم من الأحكام كقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ قرأ سعد بن أبي وقاص ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ من أم بزيادة لفظ من أم فتبين بها أن المراد بالإخوة في هذا الحكم الإخوة للأم دون الأشقاء ومن كانوا لأب وهذا أمر مجمع عليه.\nومثل ذلك قوله سبحانه في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وجاء في قراءة: أو تحرير رقبة مؤمنة بزيادة لفظ مؤمنة فتبين بها اشتراط الإيمان في الرقيق الذي يعتق كفارة يمين. وهذا يؤيد مذهب الشافعي ومن نحا نحوه في وجوب توافر ذلك الشرط.\nومنها: الجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة يطهرن ولا ريب أن صيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. أما قراءة التخفيف فلا","vol":"1","page":147},{"text":"تفيد هذه المبالغة. ومجموع القراءتين يحكم بأمرين: أحدهما أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر. وذلك بانقطاع الحيض. وثانيهما أنها لا يقربها زوجها أيضا إلا إن بالغت في الطهر وذلك بالاغتسال فلا بد من الطهرين كليهما في جواز قربان النساء. وهو مذهب الشافعي ومن وافقه أيضا.\nومنها الدلالة على حكمين شرعيين ولكن في حالين مختلفين: كقوله تعالى في بيان الوضوء ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ بنصب لفظ أرجلكم وبجرها. فالنصب يفيد طلب غسلها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ وجوهكم المنصوب وهو مغسول.\nوالجر يفيد طلب مسحها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ رؤوسكم المجرور وهو ممسوح وقد بين الرسول أن المسح يكون للابس الخف وأن الغسل يجب على من لم يلبس الخف.\nومنها دفع توهم ما ليس مرادا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقرئ فامضوا إلى ذكر الله. فالقراءة الأولى يتوهم منها وجوب السرعة في المشي إلى صلاة الجمعة ولكن القراءة الثانية رفعت هذا التوهم لأن المضي ليس من مدلوله السرعة.\nومنها بيان لفظ مبهم على البعض نحو قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وقرئ كالصوف المنفوش فبينت القراءة الثانية أن العهن هو الصوف.\nومنها تجلية عقيدة ضل فيها بعض الناس: نحو قوله تعالى في وصف الجنة وأهلها: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ جاءت القراءة بضم الميم","vol":"1","page":148},{"text":"وسكون اللام في لفظ وملكا كبيرا وجاءت قراءة أخرى بفتح الميم وكسر اللام في هذا اللفظ نفسه فرفعت هذه القراءة الثانية نقاب الخفاء عن وجه الحق في عقيدة رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة لأنه سبحانه هو الملك وحده في تلك الدار ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .\nوالخلاصة: أن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات. وذلك ضرب من ضروب البلاغة يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهي إلى كمال الإعجاز.\nأضف إلى ذلك ما في تنوع القراءات من البراهين الساطعة والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله ﷺ فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد ولا إلى تهافت وتخاذل بل القرآن كله على تنوع قراءاته يصدق بعضه بعضا ويبين بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم. وذلك من غير شك يفيد تعدد الإعجاز بتعدد القراءات والحروف.\nومعنى هذا أن القرآن يعجز إذا قرئ بهذه القراءة ويعجز أيضا إذا قرئ بهذه القراءة الثانية ويعجز أيضا إذا قرئ بهذه القراءة الثالثة وهلم جرا. ومن هنا تتعدد المعجزات بتعدد تلك الوجوه والحروف.\nولا ريب أن ذلك أدل على صدق محمد لأنه أعظم في اشتمال القرآن على مناح جمة في الإعجاز وفي البيان على كل حرف ووجه وبكل لهجة ولسان. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .\nالشاهد الثاني: أن مرات استزادة الرسول للتيسير على أمته كانت ستا غير الحرف الذي أقرأه أمين الوحي عليه أول مرة فتلك سبعة كاملة بمنطوقها ومفهومها.","vol":"1","page":149},{"text":"تأمل حديث ابن عباس السابق وقول الرسول ﷺ فيه: \"أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى بلغ سبعة أحرف\" وكذلك جاء في حديث لأبي بكرة أن النبي ﷺ قال: \"فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة\" يضاف إلى ذلك المراجعات الثابتة في الأحاديث الأخرى وإن كانت لم تبلغ ستا صراحة غير أن الحديث جاء بلفظ السبعة فيعلم من مجموع تلك الروايات أن المراد بلفظ سبعة حقيقة العدد المعروف في الآحاد بين الستة والثمانية.\nالشاهد الثالث: أن من قرأ حرفا من هذه الحروف فقد أصاب شاكلة الصواب أيا كان ذلك الحرف كما يدل عليه فيما مضى قوله ﷺ: \"فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا\" وقوله ﷺ لكل من المختلفين في القراءة \"أصبت\" وقوله ﷺ لهما في رواية ابن مسعود: \"كلا كما محسن\" وقوله ﷺ فيما يرويه عمرو بن العاص: \"فأي ذلك قرأتم أصبتم\". وعدم موافقته ﷺ لعمر وأبي وابن مسعود وعمرو بن العاص على معارضة مخالفيهم بالطرق الآنفة في الأحاديث السالفة. ودفعه في صدر أبي حين استصعب عليه أن يقر هذا الاختلاف في القراءة. ولا ريب أن ذلك كله فيه معنى النهي البالغ عن منع أي أحد من القراءة بأي حرف من الأحرف السبعة النازلة.\nالشاهد الرابع: أن القراءات كلها على اختلافها كلام الله لا مدخل لبشر فيها. بل كلها نازلة من عنده تعالى مأخوذ بالتلقي عن رسول الله ﷺ. يدل على ذلك أن الأحاديث الماضية تفيد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرجعون فيما يقرؤون إلى رسول الله ﷺ يأخذون عنه ويتلقون منه كل حرف يقرؤون عليه انظر قوله ﷺ في قراءة كل من المختلفين: \"هكذا أنزلت\" وقول المخالف لصاحبه: أقرأنيها رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":150},{"text":"ثم أضف إلى ذلك أنه لو صح لأحد أن يغير ما شاء من القرآن بمرادفه أو غير مرادفه لبطلت قرآنية القرآن وأنه كلام الله ولذهب الإعجاز ولما تحقق قوله ﷾: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .\nثم إن التبديل والتغيير مردود من أساسه بقوله سبحانه في سورة يونس: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .\nفإذا كان أفضل الخلق محمد ﷺ قد تحرج من تبديل القرآن بهذا الأسلوب فكيف يسوغ لأحد مهما كان أمره أن يبدل فيه ويغير بمرادف أو غير مرادف؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .\nالشاهد الخامس: أنه لا يجوز منع أحد من القراءة بأي حرف من تلك الأحرف السبعة النازلة. يدل على ذلك قوله ﷺ: \"فلا تماروا فيه فإن المراء فيه كفر\" وعدم موافقته لعمر وأبي وابن مسعود وعمرو بن العاص على معارضة مخالفيهم بالطرق الآنفة في الأحاديث السالفة. ويدل على ذلك أيضا دفعه في صدر أبي حين استصعب عليه أن يقر هذا الاختلاف في القراءة. ولا ريب أن ذلك كله فيه معنى النهي البالغ عن منع أي أحد من القراءة بأي حرف من الأحرف السبعة النازلة.\nالشاهد السادس: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا متحمسين في الدفاع عن القرآن مستبسلين في المحافظة على التنزيل متيقظين لكل من يحدث فيه حدثا ولو كان عن طريق الأداء واختلاف اللهجات مبالغين في هذه اليقظة حتى ليأخذون","vol":"1","page":151},{"text":"في هذا الباب بالظنة وينافحون عن القرآن بكل عناية وهمة. وحسبك استدلالا على ذلك ما فعل عمر بصاحبه هشام بن حكيم على حين أن هشاما كان في واقع الأمر على صواب فيما يقرأ وأنه قال لعمر تسويغا لقراءته: أقرأنيها رسول الله ﷺ لكن عمر لم يقنع بل لببه وساقه إلى المحاكمة ولم يتركه حتى قضى رسول الله ﷺ لهشام بأنه أصاب. قل مثل ذلك فيما فعل أبي بن كعب بصاحبه وما كان من ابن مسعود وعمرو بن العاص وصاحبيهما. والأحاديث بين يديك عن كثب فارجع إليها إن أردت.\nالشاهد السابع: أنه لا يجوز أن نجعل اختلاف القراءات معركة جدال ونزاع وشقاق ولا مثار تردد وتشكيك وتكذيب ولا سلاح عصبية وتنطع وجمود. على حين أن نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كانت حكمته من الله التيسير والتخفيف والرحمة والتهوين على الأمة فما يكون لنا أن نجعل من هذا اليسر عسرا ومن هذه الرحمة نقمة. يرشد إلى ذلك قوله ﷺ فيما سبق \"فلا تماروا فيه فإن المراء فيه كفر\". وكذلك تغير وجهه الشريف عند اختلافهم مع قوله: \"إنما أهلك من قبلكم الاختلاف\" وضربه في صدر أبي بن كعب حين جال بخاطره حديث السوء في هذا الموضوع الجليل.\nالشاهد الثامن: أن المراد بالأحرف في الأحاديث السابقة وجوه في الألفاظ وحدها لا محالة. بدليل أن الخلاف الذي صورته لنا الروايات المذكورة كان دائرا حول قراءة الألفاظ لا تفسير المعاني مثل قول عمر: إذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ثم حكم الرسول أن يقرأ كل منهما وقوله ﷺ: \"هكذا أنزلت\". وقوله: \"أي ذلك قرأتم فقد أصبتم\" ونحو ذلك ولا ريب أن القراءة أداء الألفاظ لا شرح المعاني.","vol":"1","page":152},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-65> معنى نزول القرآن على سبعة أحرف</span>\nيهمنا بعد الذي أسلفنا إليك أن نبين لك معنى الجملة الشريفة: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فإليك:\nأما لفظ القرآن فقد أشبعناه كلاما في المبحث الأول. وأما الإنزال فقد استوفيناه تحقيقا في المبحث الثالث.\nوأما السبعة فقد علمت في الشاهد الثاني من الشواهد الماضية أن المراد بها حقيقتها وهي العدد المعروف في الآحاد بين الستة والثمانية. وأما الأحرف فجمع حرف والحرف يطلق على معان كثيرة أتى عليها صاحب القاموس إذ يقول ما نصه: الحرف من كل شيء طرفه وشفيره وحده ومن الجبل أعلاه المحدد وواحد حروف التهجي والناقة الضامرة أو المهزولة أو العظيمة ومسيل الماء وآرام سود ببلاد سليم. وعند النحاة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أي وجه واحد وهو أن يعبده على السراء لا على الضراء أو على شك أو على غير طمأنينة من أمره أي لا يدخل في الدين متمكنا. ونزل القرآن على سبعة أحرف: سبع لغات من لغات العرب. وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه وإن جاء على سبعة أو عشرة أو أكثر ولكن معناه أن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن اهـ بتصرف قليل. وهذه الإطلاقات الكثيرة تدل على أن لفظ الحرف من قبيل المشترك اللفظي والمشترك اللفظي يراد به أحد معانيه التي تعينها القرائن وتناسب المقام.\nوأنسب المعاني بالمقام هنا في إطلاقات لفظ الحرف أنه الوجه بالمعنى الذي سنقصه عليك لا بالمعنى الذي ذهب إليه صاحب القاموس وغيره من أنه اللغة أو غيرها. فسيأتيك تفنيد هذه الآراء بعد.","vol":"1","page":153},{"text":"ثم إن كلمة على في قوله ﷺ: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف\" تشير إلى أن المسألة على هذا الشرط من التوسعة والتيسير أي أنزل القرآن موسعا فيه على القارىء أن يقرأه على سبعة أوجه يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه كأنه قال: أنزل على هذا الشرط وعلى هذه التوسعة.\nوليس المراد أن كل كلمة من القرآن تقرأ على سبعة أوجه إذا لقال ﷺ إن هذا القرآن أنزل سبعة أحرف بحذف لفظ على. بل المراد ما علمت من أن هذا القرآن أنزل على هذا الشرط وهذه التوسعة بحيث لا تتجاوز وجوه الاختلاف سبعة أوجه مهما كثر ذلك التعدد والتنوع في أداء اللفظ الواحد ومهما تعددت القراءات وطرقها في الكلمة الواحدة. فكلمة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ التي ورد أنها تقرأ بطرق تبلغ السبعة أو العشرة وكلمة ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ التي ورد أنها تقرأ باثنتين وعشرين قراءة وكلمة ﴿أُفٍّ﴾ التي أوصل الرماني لغاتها إلى سبع وثلاثين لغة وكل أولئك وأشباه أولئك لا يخرج التغاير فيه على كثرته عن وجوه سبعة.","vol":"1","page":154},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-66> الوجوه السبعة في المذهب المختار</span>\nبقي علينا أن نتساءل: ما هي تلك الوجوه السبعة التي لا تخرج القراءات عنها مهما كثرت وتنوعت في الكلمة الواحدة؟.\nهنا يحتدم الجدال والخلاف ويكثر القيل والقال.\nوالذي نختاره بنور الله وتوفيقه من بين تلك المذاهب والآراء هو ما ذهب إليه الإمام أبو الفضل الرازي في اللوائح إذ يقول:\nالكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:\nالأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث.\nالثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر.\nالثالث: اختلاف وجوه الإعراب.\nالرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة.\nالخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير.\nالسادس: الاختلاف بالإبدال.\nالسابع: اختلاف اللغات يريد اللهجات كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإظهار والإدغام ونحو ذلك اهـ غير أن النقل كما ترى لم يشفع بتمثيل فيما عثرنا.\nويمكن التمثيل للوجه الأول منه وهو اختلاف الأسماء. بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ قرئ هكذا: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ جمعا وقرئ ﴿لأِمَانَتِهِم﴾ بالإفراد.","vol":"1","page":155},{"text":"ويمكن التمثيل للوجه الثاني وهو اختلاف تصريف الأفعال بقوله سبحانه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ قرئ هكذا بنصب لفظ ﴿رَبَّنَا﴾ على أنه منادى وبلفظ ﴿بَاعِدْ﴾ فعل أمر وبعبارة أنسب بالمقام فعل دعاء\nوقرئ هكذا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ برفع رب على أنه مبتدأ وبلفظ بعد فعلا ماضيا مضعف العين جملته خبر.\nويمكن التمثيل للوجه الثالث وهو اختلاف وجوه الإعراب بقوله سبحانه: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ قرئ بفتح الراء وضمها فالفتح على أن لا ناهية فالفعل مجزوم بعدها والفتحة الملحوظة في الراء هي فتحة إدغام المثلين. أما الضم فعلى أن لا نافية فالفعل مرفوع بعدها.\nومثل هذا المثال قوله سبحانه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ قرئ برفع لفظ المجيد وجره. فالرفع على أنه نعت لكلمة ذو والجر على أنه نعت لكلمة العرش. فلا فرق في هذا الوجه بين أن يكون اختلاف وجوه الإعراب في اسم أو فعل كما رأيت.\nويمكن التمثيل للوجه الرابع: وهو الاختلاف بالنقص والزيادة. بقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾\nقرئ بهذا اللفظ. وقرئ أيضا والذكر والأنثى بنقص كلمة ما خلق.\nويمكن التمثيل للوجه الخامس- وهو الاختلاف بالتقديم والتأخير- بقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ وقرئ: وجاءت سكرة الحق بالموت.\nويمكن التمثيل للوجه السادس- وهو الاختلاف بالإبدال- بقوله سبحانه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي وقرئ ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالراء وكذلك قوله سبحانه ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ بالحاء وقرئ وطلع بالعين.\nفلا فرق في هذا الوجه أيضا بين الاسم والفعل.\nويمكن التمثيل للوجه السابع- وهو اختلاف اللهجات- بقوله سبحانه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ تقرأ بالفتح والإمالة في أتى ولفظ موسى فلا فرق في هذا","vol":"1","page":156},{"text":"الوجه أيضا بين الاسم والفعل. والحرف مثلهما نحو بلى قدرين القيامة قرئ بالفتح والإمالة في لفظ بلى.","vol":"1","page":157},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-67> لماذا اخترنا هذا المذهب</span>\nوإنما اخترنا هذا المذهب لأربعة أمور:\nأحدها: أنه هو الذي تؤيده الأدلة في الأحاديث العشرة الماضية وما شابهها.\nثانيها: أنه هو الراجح في تلك الموازين التي أقمناها شواهد بارزة من تلك الأحاديث الواردة. فأرجع النظر إليها ولا داعي لإعادتها. أما المذاهب الأخرى فسترى أن التوفيق أخطأها في رعاية تلك الأدلة أو بعضها وستطيش بين يديك في موازين هذه الشواهد قليلا أو كثيرا.\nثالثها: أن هذا المذهب يعتمد على الاستقراء التام لاختلاف القراءات وما ترجع إليه من الوجوه السبعة بخلاف غيره فإن استقراءه ناقص أو في حكم الناقص. فكلمة أف التي أوصلها الرماني إلى سبع وثلاثين لغة يمكن رد لغاتها جميعا إلى هذه الوجوه السبعة ولا تخرج عنها. وكذلك الاختلاف في اللهجات وهو اختلاف شكلي يرد إليها ولا يخرج عنها. بخلاف الآراء الأخرى فإنه يتعذر أو يتعسر الرجوع بالقراءات كلها إليها.\nوليس من صواب الرأي أن يحصر النبي ﷺ الأحرف التي نزل عليها القرآن في سبعة ثم نترك نحن طرقا في القراءات المروية عنه دون أن نردها إلى السبعة لأن ذلك يلزمه أحد خطرين: فإما أن تكون تلك الطرق المقروء بها غير نازلة وإما أن يكون هنا حرف نازل وراء السبعة الأحرف التي نزل عليها القرآن ويكون الحصر في كلام الرسول ﷺ غير صحيح. وكلا هذين خطأ عظيم وإثم كبير.\nرابعها: أن هذا الرأي لا يلزمه محذور من المحذورات الآتية التي يستهدف لها الأقوال الأخرى وسنزجيها إليك قريبا فاصبر وما صبرك إلا بالله.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الذين قالوا بهذا المذهب</span>\nولا يعزبن عن بالك أن هذا المذهب قد اختاره في جملته فحول من العلماء وقاربه كل القرب مذهب الإمام ابن قتيبة والمحقق ابن الجزري والقاضي ابن الطيب كما يأتي:\nولا فرق بين آرائهم وبين هذا الرأي إلا اختلاف في طرق التتبع والاستقصاء والتعبير والأداء. وسيظهر لك أن الرازي كان أهدى منهم سبيلا وأكثر توفيقا حتى لقد ذهب العلامة ابن حجر إلى أن مذهب الرازي هو مذهب ابن قتيبة بعد تنقيحه وتهذيبه فقال ما نصه: وقد أخذ أي الرازي كلام ابن قتيبة ونقحه ا. هـ.\nوقد اختار هذا المذهب أيضا من المتأخرين بعض أعلام المحققين كالعلامة المرحوم الشيخ الخضري الدمياطي والعلامة المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعي. لكن منهم من تغاضى عن الفروق الدقيقة التي بين الرازي ومذاهب أولئك الثلاثة الذين تشاركت آراؤهم في الجملة ومنهم من صرح بالاتحاد بين هذه المذاهب جميعا وما شابهها واعتبر الخلاف بينها لفظيا فحسب.\nلهذا نرى أن نسوق إليك في هذا المقام تلك المذاهب الثلاثة أيضا جمعا بين المتشابهات من ناحية وتمهيدا لتحقيق الفرق بينها وبين مذهب الرازي من ناحية أخرى وزيادة في تنوير المذهب المختار وغيره من ناحية ثالثة.\nأما ابن قتيبة فيقول:\nإن المراد بالأحرف السبعة الأوجه التي يقع بها التغاير:\nفأولها: ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ بفتح الراء وضمها.","vol":"1","page":158},{"text":"وثانيها ما يتغير بالفعل مثل: بعد وباعد بلفظ الطلب والماضي.\nوثالثها ما يتغير باللفظ مثل: ننشرها و﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالراء المهملة والزاي المعجمة.\nورابعها ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج مثل ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ وطلع منضود.\nوخامسها: ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ وجاءت سكرة الحق بالموت.\nوسادسها: ما يتغير بالزيادة والنقصان مثل: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ . والذكر والأنثى بنقص لفظ ما خلق.\nوسابعها: ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ . وكالصوف المنفوش.\nوأما ابن الجزري فيقول:\nقد تتبعت صحيح القراءات وشاذها وضعيفها ومنكرها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها.\n١- وذلك إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة نحو البخل بأربعة أوجه ويحسب بوجهين.\n٢- أو بتغير في المعنى فقط نحو ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ . برفع لفظ آدم ونصب لفظ كلمات وبالعكس.\n٣- وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو ﴿تَبْلُو﴾ وتتلو.\n٤- عكس ذلك نحو بصطة و﴿بَسْطَةً﴾ ونحو ﴿الصِّرَاطَ﴾ والسراط.\n٥- أو بتغيرهما نحو فامضوا ﴿فَاسَعَوْا﴾ .","vol":"1","page":159},{"text":"-٦ وإما في التقديم والتأخير نحو ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ بفتح ياء المضارعة مع بناء الفعل للفاعل في إحدى الكلمتين وبضمها مع بناء الفعل للمفعول في الكلمة الأخرى.\n٧- أو في الزيادة والنقصان نحو أوصى ﴿وَوَصَّى﴾ .\nفهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها.\nوأما القاضي ابن الطيب فيقول فيما يحكيه القرطبي عنه:\nتدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا:\n١- منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته. مثل ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، وأطهر أي بإسكان الراء وضمها ويضيق صدري، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أي بإسكان القاف وضمها.\n٢- ومنها ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب مثل: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ وباعد أي بصيغة الماضي والطلب.\n٣- منها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف مثل قوله: ننشرها و﴿نُنْشِزُهَا﴾ أي بالراء والزاي.\n٤- ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وكالصوف المنفوش.\n٥- ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ وطلع منضود.\n٦- ومنها التقديم والتأخير مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ وجاءت سكرة الحق بالموت.\n٧- ومنها الزيادة والنقصان نحو: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ . وله تسع وتسعون نعجة أنثى أي بزيادة لفظ أنثى.","vol":"1","page":160},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-69> النسبة بين هذه المذاهب ومذهب الرازي</span>\nويذهب بعض الجهابذة إلى القول بالاتحاد بين هذه المذاهب الثلاثة ومذهب الرازي بل بينها جميعا وبين ما يشابهها ويجعل الخلاف بينها كلها لفظيا لا حقيقيا. وذلك تكلف بعيد فيما أرى لأننا نلاحظ وجها كاملا في كلام الرازي لم ينوه به واحد من أولئك الثلاثة. فهو فضلا عن أنه أدمج وجوههم السبعة في وجوه ستة بطريقته الدقيقة نجده قد عقد الوجه السابع لاختلاف اللهجات كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم ونحو ذلك.\nعلى حين أننا ما رأينا واحدا من أولئك الأعلام الثلاثة عرض لهذا النوع من الاختلاف. بل وجدنا في كلامهم ما جعلهم يهملون هذا الوجه عن قصد وعمد.\nفهذا ابن قتيبة يقول:\nوأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام. والروم والإشمام والتخفيف والتسهيل ونحو ذلك فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ والمعنى لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا اهـ.\nولكني أرى أن هذا العذر الذي قدمه ابن قتيبة لإهمال هذا الوجه لا يسوغ ذلك الإهمال. فإن المسألة ليست مسألة أسماء وعناوين يترتب عليها أن اختلاف اللهجات في اللفظ الواحد تخرجه عن أن يكون واحدا أو لا تخرجه بل المسألة مسألة رعاية أمر واقع تختلف به القراءات فعلا ويمكن أن يكون مثار النزاع السابق الذي دب بين الصحابة في اختلاف القراءات كما يكون أيضا مثارا للنزاع في كل عصر ومصر بين القراء إذا لم يعلموا أن الجميع من عداد الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن. وذلك لأن تحريف القرآن","vol":"1","page":161},{"text":"يحرم بما يمس صورته وطريق أدائه وكيفية لهجاته كما يحرم بما يمس جوهره وتغيير حروفه وكلماته وحركاته وترتيبه.\nأمر آخر: هو أن التيسير على الأمة وهي الحكمة البارزة في نزول القرآن على سبعة أحرف لا يتحقق على الوجه الأكمل إلا بحسبان هذا الوجه الذي نوه به الرازي وهو اختلاف اللهجات. بل هذا قد يكون أولى بالحسبان وأحرى بالرعاية في باب التخفيف والتيسير لأنه قد يسهل على المرء أن ينطق بكلمة من غير لغته في جوهرها ولا يسهل عليه أن ينطق بكلمة من غير لغته نفسها بلهجة غير لهجته وطريقة في الأداء غير طريقته. ذلك لأن الترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل والإظهار والإدغام والفتح والإمالة ونحوها ما هي إلا أمور دقيقة وكيفيات مكتنفة بشيء من الغموض والعسر في النطق على من لم يتعودها ولم ينشأ عليها.\nواختلاف القبائل العربية فيما مضى كان يدور على اللهجات في كثير من الحالات وكذلك اختلاف الشعوب الإسلامية وأقاليم الشعب الواحد منها الآن يدور في كثير من الحالات أيضا على اختلاف اللهجات.\nوإذن فتخفيف الله على الأمة بنزول القرآن على سبعة أحرف لا يتحقق إلا بملاحظة الاختلاف في هذه اللهجات. حتى إن بعض العلماء جعل الوجوه السبعة منحصرة في اللهجات لا غير كما يأتي.\nقال الإمام ابن قتيبة نفسه في كتاب المشكل ما نصه: فكان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه ﷺ أن يقرئ كل أمة لعله يريد بالأمة القبيلة بلغتهم وما جرت به عادتهم فالهذلي يقرأ \"عتى حين\" يريد ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ هكذا يلفظ بها ويستعملها أي يقلب الحاء عينا في النطق. والأسدي يقرأ ﴿يَعْلَمُونَ، وَنَعْلَمَ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ بكسر حروف المضارعة في ذلك كله والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز. والآخر يقرأ ﴿قِيلَ لَهُمْ وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ بإشمام الضم مع الكسر","vol":"1","page":162},{"text":"و﴿بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ بإشمام الكسر مع الضم. و﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا﴾ بإشمام الضم مع الإدغام.\nثم قال ابن قتيبة أيضا: ولو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا ويافعا وكهلا لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه ولا يمكن إلا بعد رياضة للنفس طويلة وتذليل للسان وقطع للعادة. فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات كتيسيره عليهم في الدين اهـ.\nفأنت تراه قد اعتبر اللهجات وطرق الأداء صراحة في هذه الكلمات.\nوكذلك نجد العلامة ابن الجزري يعترف بهذا الاختلاف في اللهجات ويقول ما نصه: وهذا يقرأ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿فِيهِمْ﴾ بضم الهاء والآخر يقرأ عليهمو ومنهمو بالصلة. وهذا يقرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ و﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ بالنقل والآخر يقرأ ﴿مُوسَى﴾ و﴿عِيسَى﴾ بالإمالة. وغيره يلطف. وهذا يقرأ ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ بترقيق الراء والآخر يقرأ ﴿الصَّلاةَ﴾ و﴿الطَّلاقَ﴾ بالتفخيم إلى غير ذلك اهـ.\nولكن من العجب العاجب أن هذين الإمامين الجليلين اللذين اعترفا صراحة باختلاف اللهجات وطرق الأداء على هذا الوجه فاتهما أن ينظماه في سلك الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن تيسيرا على الأمة. والعصمة لله وحده.\nفالأحق والأدق ما ذهب إليه الرازي.\nولعل هذه الدقة وهذا الشمول الذي وفق إليه الرازي في الوجوه السبعة هو التنقيح الذي نوه به ابن حجر إذ قال: وقد أخذ أي الرازي كلام ابن قتيبة ونقحه. وليس معناه الاتحاد بينهما لما علمت من وضوح الفرق وأن كلام الرازي أعم من كلام أولئك الثلاثة عموما مطلقا.","vol":"1","page":163},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-70> دفع الاعتراضات الواردة على هذا المذهب</span>\nاعترض على هذا المذهب وما قاربه من مذهب ابن قتيبة وابن الجزري وابن الطيب بجملة اعتراضات نقدمها إليك ثم نفندها بين يديك فيما يأتي:\nالاعتراض الأول يقولون: إن هذا القول مع اختلاف قائليه في بيانه لم يذكر واحد منهم دليلا إلا أنه تتبع وجوه الاختلاف في القراءة فوجدها لا تخرج عن سبعة. وهذا لا ينهض دليلا لأي واحد منهم على أن المراد بالأحرف السبعة الأوجه التي تختلف فيها القراءة.\nونجيب أولا: بأن هذا المذهب الذي اخترناه لم نختلف ولم نتردد في بيانه. ثانيا: أنا أيدناه بعدة أدلة لا بدليل واحد. ثالثا: أنا لا نسلم كون تتبع وجوه الاختلاف في القراءة لا يصلح دليلا لبيان الأحرف السبعة بهذه الوجوه السبعة. كيف؟ والاستقراء التام دليل من جملة الأدلة التي يحترمها المنطق القديم والمنطق الحديث ما دام مستوفيا لشروطه الثلاثة التي أولها أن تكون القضية الاستقرائية متضمنة حكما حقيقيا وثانيها أن تكون كلية حقيقية أي موضوعها كليا حقيقيا صادقا على ما وجد من أفراده فيما مضى وما هو موجود في الحال وما يمكن أن يوجد في المستقبل. وثالثها أن يكون الوصول إلى القضية الاستقرائية بواسطة الملاحظة والتجربة.\nولا ريب أن الوجوه السبعة التي ذكرها أبو الفضل الرازي تحقق في استقرائها الشروط الثلاثة لأن الرازي لاحظ كل وجوه الاختلاف فوجدها لا تخرج عن هذه السبعة ثم أصدر بعد هذا الاستقراء التام حكما حقيقيا بأنه لا معنى لهذه الأحرف السبعة في الحديث الشريف سوى تلك الأوجه السبعة. وهو حكم يقوم على قضية كلية سالبة كما ترى.","vol":"1","page":164},{"text":"الاعتراض الثاني يقولون: إن طريق تتبع أبي الفضل الرازي وابن قتيبة وابن الجزري وابن الطيب يخالف بعضها بعضا. وهذا يدل على أنه يمكن الزيادة على سبعة وجوه.\nونجيب: بأن مجرد الاختلاف في طرق استقراء هؤلاء الأئمة لا يلزم منه إمكان الزيادة على سبعة في مذهب كل منهم. إنما يلزم ذلك من كان استقراؤه ناقصا دون من كان استقراؤه تاما. وقد أثبتنا أمامك أن استقراء الرازي تام مستوف لجميع شروط الإنتاج. ولا يضيره أن يسلك في طريقة استقرائه سبيلا لم يسلكها مخالفوه فلكل إنسان أن يختار في استقرائه ما شاء من الطرق التي يراها أصوب وأقرب ما دام ملتزما لشرائط إنتاجه. وإذا كان غيره قد وقع في نقص من تتبعه واستقصائه فلا يضير ذلك مذهب الرازي القائم على الاستقراء التام في قليل ولا كثير. ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .\nالإعتراض الثالث يقولون: إنك قد علمت أن الزيادة إلى سبعة أحرف كان الغرض منها الرخصة وأكثر الأمة يومئذ أمي لا يكتب ولا يعرف الرسم وإنما كانوا يعرفون الحروف ومخارجها فحسب والرخصة ليست ظاهرة في قراءة الفعل المبني للمجهول أو للمعلوم أو في إبدال حركة بأخرى أو حرف بآخر أو تقديم وتأخير فإن القراءة بأحدها لا توجب مشقة يسأل النبي ﷺ المعافاة منها ويقول: \"إن الأمة لا تطيق ذلك\" ويطلب التيسير على الأمة بإبدال حرف أو تغيير فعل من المضي إلى الأمر أو من البناء للمعلوم إلى البناء للمجهول هذا لا تفيده الروايات السابقة ولا تدل عليه.\nونجيب: بأنا لا نسلم خفاء الرخصة في قراءة الفعل المبني للمجهول أو للمعلوم أو في إبدال حركة بأخرى أو حرف بآخر أو تقديم وتأخير. كيف؟ والرخصة في ذلك ظاهرة أيضا. بل هي ظاهرة فيما كان دونها وهو اختلاف اللهجات مع بقاء الكلمة والحرف،","vol":"1","page":165},{"text":"والحركة والترتيب بين الكلمات والحروف. وهذا نشاهده نحن ونحسه في تيسر أو تعسر بعض صفات الحروف على بعض الناس في النطق دون صفات أخرى. فالبعض يسهل عليه التفخيم دون الترقيق أو الفتحة دون الإمالة أو الإظهار دون الإدغام والبعض يصعب عليه ذلك ويسهل عكسه. فكيف إذا تغيرت الكلمات أو الحروف أو الحركات أو الترتيب.\nالاعتراض الرابع يقولون: إنه لا يتصور وجود أوجه الخلاف في القراءات المذكورة في كلمة واحدة حتى يكون ذلك تيسيرا وتخييرا كما تقدم. وإن أرادوا أن ذلك متفرق في القرآن جميعه كالقائل باللغات السبع المتفرقة في القرآن لم يكن ثمة رخصة ولا اختلاف بين الصحابة.\nونجيب: بأن هذا الإعتراض مبني من أساسه على غفلة عن حقيقة هذا المذهب المختار وأشباهه لأنه عبارة عن وجود سبعة إليها ترجع جميع الاختلافات في القراءة دون أن تلتزم هذه الوجوه السبعة في الكلمة الواحدة ودون أن يقال: إنها موزعة أشتاتا على أبعاض القرآن. وإذا فالرخصة متحققة بل لا تتحقق على الوجه الأكمل إلا بهذا القول. وماذا عسى أن يبقى من التيسير والتخفيف وقد جمعت هذه الوجوه كل اختلاف في القراءات متواترها وصحيحها وضعيفها وشاذها بكل طريق من طرق الإختلاف حتى ولو كان في اللهجات ولو وصلت لغات الكلمة إلى سبع وثلاثين كما أسلفنا في كلمة ﴿أُفٍّ﴾ حكاية عن الرماني.\nالاعتراض الخامس يقولون: إن الرخصة قد وقعت وأكثرهم يومئذ لا يكتب ولا يعرف الرسم وإنما كانوا يعرفون الحروف ومخارجها.\nوأجيب باحتمال أن يكون الانحصار المذكور وقع اتفاقا وإنما اطلع عليه بالاستقراء.","vol":"1","page":166},{"text":"والأقعد من هذا في الجواب أن يقال: إن الانحصار المذكور عرف بطريق الاستقراء التام وهو دليل من الأدلة القاطعة كما تقدم الكلام عليه جوابا عن اعتراض سابق. وكون الرخصة وقعت وأكثرهم أميون لا يقدح في بيان الحروف السبعة المذكورة لأن الحاجة لم تكن ماسة إلى تحديد معنى الأحرف السبعة بهذا الوصف العنواني الذي اعتبرت به تلك الوجوه سبعة فحسبهم أن يعلموا أن وجوه الاختلاف بينهم سبعة وجوه ولا يضيرهم ألا يستطيعوا العنونة عنها بما نعنون نحن ما داموا يعرفون السبعة تطبيقا في جميع مفردات القرآن وما داموا يعولون في القراءة على تلقيهم عن رسول الله ﷺ الذي يؤمنون بأنه لا يغادر في إبلاغ القرآن وجها من وجوهه السبعة. ونظير ذلك أنهم كانوا لا يعرفون تلك العناوين والأسماء والقوانين التي تتصل بالإعراب والبناء ولكنهم كانوا يعرفون أكثر منا كيف ينطقون نطقا صحيحا فصيحا منطبقا عليه ما عرفنا نحن بعد من تلك الأسماء والقواعد المتصلة بالإعراب والبناء.","vol":"1","page":167},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-71> بقاء الأحرف السبعة في المصاحف</span>\nننتقل بك إلى نقطة أخرى: هل الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم لها وجود في المصاحف العثمانية.\nذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن جميع هذه الأحرف موجودة بالمصاحف العثمانية.\nواحتجوا بأنه لا يجوز للأمة أن تهمل نقل شيء منها وأن الصحابة أجمعوا على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك. ومعنى هذا أن الصحف التي كانت عند أبي بكر جمعت الأحرف السبعة ونقلت منها المصاحف العثمانية بالأحرف السبعة كذلك.\nوذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل متضمنة لها.\nوذهب ابن جرير الطبري ومن لفَّ لفَّه إلى أن المصاحف العثمانية لم تشتمل إلا على حرف واحد من الحروف السبعة وتأثروا في هذا الرأي بمذهبهم في معنى الحروف السبعة وما التزموه فيه من أن هذه السبعة كانت في صدر الإسلام أيام الرسول ﷺ وخلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان.\nثم رأت الأمة بقيادة عثمان أن تقتصر على حرف واحد من السبعة جمعا لكلمة المسلمين فأخذت به وأهملت كل ما عداه من الأحرف الستة ونسخ عثمان المصاحف بهذا الحرف الذي استبقته الأمة وحده. وسيأتي بيان هذا المذهب وما ورد عليه من توهين.","vol":"1","page":168},{"text":"والتحقيق أن القول باشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة كلها أو بعضها يتوقف على أمرين: أحدهما تحديد المراد من الأحرف السبعة وثانيهما الرجوع إلى ما هو مكتوب وماثل بتلك المصاحف في الواقع ونفس الأمر.\nولقد أسلفنا لك ما اخترنا في تحديد المراد من الأحرف السبعة وأنها الأوجه التي يرجع إليها كل اختلاف في القراءات سواء منها ما كان صحيحا وشاذا ومنكرا وأنها تنحصر في سبعة على ما ذكره الرازي الذي حالفه التوفيق في الدقة والاستقراء التام.\nونحن إذا رجعنا بهذه الأوجه السبعة إلى المصاحف العثمانية وما هو مخطوط بها في الواقع ونفس الأمر نخرج بهذه الحقيقة التي لا تقبل النقض ونصل إلى فصل الخطاب في هذا الباب وهو أن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة كلها ولكن على معنى أن كل واحد من هذه المصاحف اشتمل على ما يوافق رسمه من هذه الأحرف كلا أو بعضا بحيث لم تخل المصاحف في مجموعها عن حرف منها رأسا.\nولنبين ذلك في المذهب الذي اخترناه:\nأما الوجه الأول: منه وهو اختلاف الأسماء إفراده وجمعا الخ نحو قوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ المقروءة بجمع الأمانة وإفرادها فقد اشتمل عليهما المصحف إذ كان الرسم العثماني فيه هكذا:\n﴿لأمنتهم﴾ برسم المفرد في الحروف ولكن عليها ألف صغيرة لتشير إلى قراءة الجمع وغير منقوطة ولا مشكولة.\nوأما الوجه الثاني: وهو اختلاف تصريف الأفعال نحو قوله سبحانه ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ المقروءة بكسر الكاف وضمها في الفعل فقد وافقت كلتا القراءتين رسم","vol":"1","page":169},{"text":"المصحف العثماني أيضا لأن هيكل الفعل واحد في الخط لا يتغير في كلتا القراءتين والمصحف العثماني لم يكن معجما ولا مشكولا.\nوأما الوجه الثالث: وهو اختلاف وجوه الإعراب كقراءة ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ بفتح الراء وضمها فإن الرسم يحتملهما كالوجه السابق وهو واضح.\nوأما الوجه الرابع: وهو الاختلاف بالنقص والزيادة فمنه ما يوافق الرسم في بعض المصاحف نحو قوله سبحانه في سورة التوبة: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ وقرئ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ بزيادة لفظ ﴿مِنْ﴾ وهما قراءتان متواترتان وقد وافقت كلتاهما رسم المصحف بيد أن ذات الزيادة توافق رسم المصحف المكي لأن لفظ من ثابتة فيه. أما حذفها فإنه يوافق رسم غير المصحف المكي حيث لم تثبت فيه أي في غير المصحف المكي. ومن هذا الوجه ما لا يوافق رسم المصحف بحال من الأحوال نحو قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وقرأ ابن عباس هكذا \"يأخذ كل سفينة صالحة غصبا\" بزيادة كلمة صالحة فإن هذه الكلمة لم تثبت في مصحف من المصاحف العثمانية فهي مخالفة لخط المصحف وذلك لأن هذه القراءة وما شاكلها منسوخة بالعرضة الأخيرة أي عرض القرآن من النبي ﷺ على جبريل آخر حياته الشريفة. ويدل على هذا النسخ إجماع الأمة على ما في المصاحف فتلخص مما ذكرنا أن بعض هذا الوجه الرابع اشتملت عليه المصاحف وبعضه لم تشتمل عليه لأنه نسخ.\nوأما الوجه الخامس: وهو الاختلاف بالتقديم والتأخير فهو مثل سابقه. منه ما هو موافق لرسم المصحف نحو قوله سبحانه في سورة التوبة: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ قرئ الفعل بالبناء للفاعل في الأول وللمفعول في الثاني وقرئ بالعكس وهما قراءتان متواترتان ولا يخالف شيء منهما رسم المصحف. ومنه ما خالف رسم المصحف","vol":"1","page":170},{"text":"نحو قوله سبحانه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ وقرئ وجاءت سكرة الحق بالموت فإن هذه القراءة الثانية لا يحتملها رسم المصحف وإن كانت منقولة عن أبي بكر الصديق وطلحة بن مطرف وزين العابدين ﵃ لكنها لم تتواتر فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة وبإجماع الصحابة على المصحف العثماني فلا يجوز القراءة بها بخلاف القراءة الأولى لأنها وافقت خط المصحف واستقرت القراءة بها دون نسخ. ومثل ذلك قوله سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وقرئ إذ جاء فتح الله والنصر فالأولى هي التي وافقت الرسم. والثانية لم توافقه فهي منسوخة أيضا لما ذكرنا.\nوأما الوجه السادس: وهو الاختلاف بالإبطال فقد وافق بعضه رسم المصحف وخالفه البعض أيضا. مثال ما وافق الرسم قوله سبحانه: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقرئ فتثبتوا وهما قراءاتان متواترتان. وتوافق كلتاهما رسم المصحف. ومثال الثاني قراءة إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله وقراءة \"وتكون الجبال كالصوف المنفوش\" فإنهما مخالفتان لرسم المصحف. وذلك لنسخهما بالعرضة الأخيرة أيضا واستقرار الأمر على ما وافق الرسم منه وهو قراءة ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقراءة ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ .\nوأما الوجه السابع: وهو الاختلاف بسبب تباين اللهجات فيوافق رسم المصحف موافقة تامة. لأنه اختلاف شكلي لا يترتب عليه تغيير جوهر الكلمة وهو ظاهر وتجد شواهد كثيرة في خط المصحف تدل على بعض هذا النوع من الاختلاف نحو ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ فإنها رسمت هكذا بياء في الفعل بعد التاء وبقلب ألف موسى ياء ومن غير شكل ولا إعجام.","vol":"1","page":171},{"text":"٩-<span data-type=\"title\" id=toc-72> الأقوال الأخرى ودفعها</span>\nوهاك معرضا عاما تشهد فيه الآراء الأخرى بما لها وما عليها. رأينا من واجبنا أن نسوقها إليك ثم نوهنها بين يديك كيلا يكون منها حجر عثرة في طريقك إلى ما اخترناه وأيدناه.\nالقول الأول\nإن هذا الحديث مشكل لا سبيل إلى معرفة معناه المقصود. وشبهته أن لفظ أحرف فيه جمع حرف والحرف مشترك لفظي بين معان كثيرة. والمشترك اللفظي لا يدرى أي معانيه هو المقصود؟.\nويدفع هذا الرأي بأنا لا نسلم ما قاله على إطلاقه من أن المشترك اللفظي لا يدرى أي معانيه هو المقصود؟ بل المشترك اللفظي يدل على معناه المقصود متى قامت قرينة تعين ذلك المعنى تقول نظرت بالعين المجردة وشربت من عين زبيدة ومعناهما واضح غير مشكل مع أن لفظ العين فيهما مشترك لفظي ولكن مدلوله يتعين في المثال الأول أن يكون جارحة الإنسان الباصرة ومدلوله في المثال الثاني يتعين أن يكون نابعة الماء الجارية وذلك بقرينة لفظ نظرت في المعنى الأول ولفظ شربت في الثاني.\nوعلى هذا الباب جاء لفظ أحرف في الحديث الشريف فإن سياق الروايات السابقة يدل على أن المراد بالحرف معنى من معانيه السابقة على التعيين وهو الوجه وأن الأحرف هي الأوجه التي يرجع إليها الاختلاف في قراءة ألفاظ القرآن لا معانيه. وقد قام الدليل العقلي وهو الاستقراء التام على أن هذه الوجوه سبعة كما أسلفنا فإياك أن تنسى وتذكر الشاهد الثامن إن نفعت الذكرى.","vol":"1","page":172},{"text":"القول الثاني\nوإليه جنح القاضي عياض ومن تبعه: أن لفظ السبعة في الحديث الشريف ليس مرادا به حقيقة العدد المعروف إنما هو كناية عن الكثرة في الآحاد كما أن السبعين تستعمل كناية عن الكثرة في العشرات وكما أن السبعمائة تستعمل كناية عن الكثرة في المئات.\nويدفع هذا بما قدمناه في الشاهد الثاني. فارجع إليه واحرص عليه.\nالقول الثالث والرابع\nأن المراد بالأحرف السبعة سبع قراءات. ويدفع بأنه إذا كان المراد بهذا أن كل كلمة من كلمات القرآن تقرأ سبع قراءات فذلك ممنوع لأنه لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا القليل. وإذا كان المراد أن غاية ما ينتهي إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة سبعة أحرف فهذا يصح أن يكون قولا رابعا كما قال السبكي ثم هو غير مسلم أيضا لأن في كلمات القرآن ما يقرأ بطرق أكثر كما ورد أن كلمة ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ تقرأ باثنين وعشرين وجها. وأن كلمة ﴿أُفٍّ﴾ الإسراء فيها سبع وثلاثون لغة. وإذا كان المراد أن الاختلاف في القراءات لا يخرج عن سبعة أوجه فعلى صاحب هذا القول البيان فإذا بينها بالوجوه التي ذكرناها كان هذا القول متداخلا معها فلا يستقيم اعتباره قولا مستقلا برأسه. وبعض أكابر العلماء حاول أن يجعله متحدا مع القول الذي اخترناه وما أشبهه ولكنك قد علمت ما فيه.\nالقول الخامس والسادس والسابع\nما نقلناه آنفا عن ابن قتيبة وعن ابن الجزري وعن ابن الطيب. وقد بان لك","vol":"1","page":173},{"text":"هناك أن في ثلاثتها قصورا عن أن تشمل جميع القراءات المتواترة وإن كانت قريبة من القول المختار. ثم بينها تداخل يتعذر أو يتعسر معه اعتبارها أقوالا مستقلة.\nالقول الثامن\nأن المراد بالأحرف السبعة وجوه ترجع إلى كيفية النطق بالتلاوة من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإمالة وإشباع ومد وقصر وتشديد وتخفيف وتليين.\nوهو مدفوع بأنه قد زاد فيما عده على سبعة. وإذا أجاب بأن السبعة غير مراد بها حقيقتها وأنها مثل في الكثرة فقد علمت ما فيه. ثم إن الأوجه التي ذكرها واحدا واحدا ترجع كلها إلى نوع واحد هو اختلاف اللهجات وكيفيات النطق وحدها فلا تشمل القراءات التي ترجع إلى اختلاف نفس الألفاظ بالإبدال أو التقديم والتأخير أو النقص والزيادة ونحو ذلك. وفي هذا القصور ما فيه على أكثر مما أسلفنا في رد تلك الآراء القاصرة.\nالقول التاسع\nوهو أن المراد بالأحرف السبعة أوجه من الألفاظ المختلفة في كلمة واحدة ومعنى واحدا وإن شئت فقل: سبع لغات من لغات العرب المشهورة في كلمة واحدة ومعنى واحد نحو هلم وأقبل وتعال وعجل وأسرع وقصدي ونحوي فهذه ألفاظ سبعة معناها واحد هو طلب الإقبال. وهذا القول منسوب لجمهور أهل الفقه والحديث منهم سفيان وابن وهب وابن جرير الطبري والطحاوي. وحجتهم ما جاء في حديث أبي بكرة من قوله ﷺ: \"كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة الله ولا آية رحمة بعذاب\" نحو قولك: تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وعجل. وما جاء في حديث أبي بن كعب أنه كان يقرأ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾،","vol":"1","page":174},{"text":"مروا فيه سعوا فيه وما جاء عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ أمهلونا أخرونا.\nويدفع هذا القول بوجوه: أحدها: أن ما ذكر في هذه الأحاديث ليس من قبيل حصر الأحرف السبعة فيها وفي نوعها وحده حتى يصح الاستدلال بها على ما ذهبوا إليه بل هو -كما قال ابن عبد البر- من قبيل ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها وأنها معان متفق مفهومها مختلف مسموعها لا يكون في شيء منها معنى وضده.\nوكيف يكون المراد حصر الأحرف السبعة فيما ذكروه؟ على حين أنه يرجع إلى بعض نوع واحد من أنواع الاختلاف وهو إبدال كلمة بأخرى أعم من أن يكون بمرادف أو غير مرادف. ولا ريب أن مذهبهم المذكور يتلخص في أنه إبدال كلمة بأخرى على شروط الترادف. وهذا بعض ذاك. فأين يذهبون بتلك الوجوه الأخرى وهي باقية إلى اليوم في القراءات المتواترة المكتوبة بين دفتي المصحف على ما بيناه في المذهب المختار. فقصر الحروف السبعة على بعض ذلك النوع وحده فيه ما فيه من القصور الذي أوردنا عليه ما أوردنا في الأقوال السابقة القاصرة بل القصور هنا أشد وأفحش لأنه يرجع إلى بعض نوع واحد لا إلى نوع كامل بل له أنواع متعددة.\nثانيها: أن أصحاب هذا المذهب على جلالة قدرهم ونباهة شأنهم قد وضعوا أنفسهم في مأزق ضيق لأن ترويجهم لمذهبهم اضطرهم إلى أن يتورطوا في أمور خطرها عظيم إذ قالوا إن الباقي الآن حرف واحد من السبعة التي نزل عليها القرآن. أما الستة الأخرى فقد ذهبت ولم يعد لها وجود ألبتة. ونسوا أو تناسوا تلك الوجوه المتنوعة القائمة في القرآن على جبهة الدهر إلى اليوم. ثم حاولوا أن يؤيدوا ذلك فلم يستطيعوا","vol":"1","page":175},{"text":"أن يثبتوا للأحرف الستة التي يقولون بضياعها نسخا ولا رفعا وأسلمهم هذا العجز إلى ورطة أخرى هي دعوى إجماع الأمة على أن تثبت على حرف واحد وأن ترفض القراءة بجميع ما عداه من الأحرف الستة\nوأنى يكون لهم هذا الإجماع ولا دليل عليه؟ هنالك احتالوا على إثباته بورطة ثالثة وهي القول بأن استنساخ المصاحف في زمن عثمان ﵁ كان إجماعا من الأمة على ترك الحروف الستة والاقتصار على حرف واحد هو الذي نسخ عثمان المصاحف عليه مع أننا أثبتنا لك فيما مر بقاء الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية حرفا حرفا ومثلنا لذلك. وقصارى ما استطاعوا أن يسوغوا به مذهبهم وتورطاتهم هذه أن الأمة على عهد عثمان ﵁ قد اختلفت في قراءات القرآن إلى حد جعلهم يتنازعون ويترامون بتكفير بعضهم بعضا حتى خيفت الفتنة فرأى الصحابة بقيادة خليفتهم الحكيم عثمان ﵁ أن يعالجوا المشكلة ويطفئوا الفتنة بهذه الطريقة من جمع الناس على حرف واحد ونسخ المصاحف على حرف واحد وإهمال كل ما عداه من الحروف والمصاحف المنسوخة عليها.\nوهذا لعمرك استناد مائل واحتجاج باطل. فقد تنازع الناس على عهد الرسول ﷺ أيضا في قراءات القرآن على حروف مختلفة كما رأيت في الروايات السابقة ومع ذلك أقرهم الرسول على هذه الحروف المختلفة وقررها فيهم وحملهم على التسليم بها في أساليب متنوعة. وجعل ذلك هو الحل الوحيد لمشكلتهم والعلاج الناجع لنزاعهم. وأفهمهم أن تعدد وجوه القراءة إنما هو رحمة من الله بهم بل بالأمة كلها. وقرر في صراحة وهو يسأل مولاه المزيد من عدد الحروف أن الأمة لا تطيق حصرها في مضيق حرف واحد وقال: \"وإن أمتي لا تطيق ذلك\" إلى آخر ما عرفت. وأنت خبير بأن أمة محمد ﷺ باقية إلى يوم القيامة. وهي لا تطيق ذلك كما قرر رسولها المعصوم الرحيم صلوات الله وسلامه عليه. كما نشاهد نحن الآن من أن بعض الألسنة في بعض الشعوب الإسلامية لا يتيسر لها أن تحسن النطق ببعض الحروف ولا ببعض اللهجات دون بعض","vol":"1","page":176},{"text":"فكيف يسوغ للصحابة وهم خير القرون أن يغلقوا باب الرحمة والتخفيف الذي فتحه الله لأمة الإسلام مخالفين في ذلك هدي الرسول ﵊ في عمله للتخفيف بطلب تعدد الحروف وعلاجه للنزاع بين المختلفين بتقرير هذا التعدد للحروف؟ ألا إن هذه ثغرة لا يمكن سدها وثلمة يصعب جبرها وإلا فكيف يوافق أصحاب رسول الله ﷺ على ضياع ستة حروف نزل عليها القرآن دون أن يبقوا عليها مع أنها لم تنسخ ولم ترفع؟ وعلى حين أن الرسول ﷺ قرر بقوله وفعله أنه لا يجوز لأحد أيا كان أن يمنع أحدا أيا كان من القراءة بحرف من السبعة أيا كان. فقد صوب قراءة كل من المختلفين وقال لكل: \"هكذا أنزلت\" وضرب في صدر أبي بن كعب حين استصعب عليه التسليم بهذا الاختلاف في القراءة. إلى آخر ما شرحنا في الشاهدين الثالث والخامس من الشواهد الماضية.\nوقصارى القول أننا نربأ بأصحاب رسول الله ﷺ أن يكونوا قد وافقوا أو فكروا فضلا عن أن يتآمروا على ضياع أحرف القرآن الستة دون نسخ لها. وحاشا عثمان ﵁ أن يكون قد أقدم على ذلك وتزعمه.\nوكيف ينسب إليه هذا؟ والمعروف أنه نسخ المصاحف من الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر ﵁ قبل أن يدب النزاع في أقطار الإسلام بسبب اختلاف حروف القراءة في القرآن. فكانت تلك الصحف محتملة للأحرف السبعة جميعا وموافقة لها جميعا ضرورة أنه لم يحدث وقتئذ من النزاع والشقاق ما يدعو إلى الاقتصار على حرف واحد في رأيهم. ولم يثبت أن الصحابة تركوا من الصحف المجموعة على عهد أبي بكر حرفا واحدا فضلا عن ستة حروف ولو كان ذلك لنقل إلينا متواترا لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله تواترا.\nثم كيف يفعل عثمان ﵁ ذلك وهو الذي عرف أن علاج الرسول لمثل هذا","vol":"1","page":177},{"text":"النوع الذي دب في زمانه كان بجمع الناس وتقريرهم على الحروف السبعة لا بمنعهم عنها كلا ولا بعضا.\nثم كيف يفعل عثمان ذلك وتوافقه الأمة ويتم الإجماع؟ ثم يكون خلاف في معنى الأحرف السبعة مع قيام هذا الإجماع أي كيف نجمع الأمة على ترك ستة أحرف وإبقاء حرف واحد ثم يختلف العلماء في معنى الأحرف السبعة على أربعين قولا ويكادون يتفقون رغم خلافهم هذا على أن الأحرف السبعة باقية مع أن الإجماع حجة عند المسلمين وبه ينجلي ظلام الشك عن وجه اليقين.\nولنفرض جدلا أن نزاع المسلمين في أقطار الأرض أيام خلافة عثمان ﵁ قضى عليه أن يجمع المسلمين على حرف واحد في القراءة فلماذا لم تسمح نفسه الكريمة بإبقاء الستة الأحرف الباقية للتاريخ لا للقراءة مع أن الضرورة تقدر بقدرها وهذه الستة الأحرف لم تنسخ لا تلاوة ولا حكما حتى تذهب بجرة قلم كذلك ثم يبخل عليها بالبقاء للتاريخ وحده في أعظم مرجع وأقدس كتاب وهو القرآن الكريم. على حين أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حفظوا للتاريخ آيات نسخت تلاوتها ونسخت أحكامها جميعا.\nوعلى حين أنهم حفظوا قراءات شاذة في القرآن ثم نقلت إلينا وكتب لها الخلود إلى اليوم والى ما بعد اليوم.\nبل نقلوا إلينا أحاديث منسوخة وتناقل العلماء أحاديث موضوعة ونصوا على حكم كل منها وعلى إهمال العمل بها.\nثم إن من عرف تحمس الصحابة لدينهم واستبسالهم في الدفاع عن حمى القرآن يستبعد كل البعد بل يحيل كل الإحالة أن يكونوا قد فعلوا ذلك أو أقل من ذلك عاود ما قررناه في الشاهد السادس من شواهدنا الماضية وانظر إلى موقف عمر من هشام وموقف هشام من عمر وموقف أبي وابن مسعود وصاحبيهما وتأمل كيف أن كلا من هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أبى أن يتنازل عن قراءة سمعها عن رسول الله ﷺ وعلمها","vol":"1","page":178},{"text":"إياه رسول الله ﷺ ثم أقرهم رسول الله ﷺ على استمساكهم هذا وحل مشكلتهم بأن أعلمهم أن كلا منهم مصيب ومحسن وأن قراءة كل منهم هكذا أنزلت وأن القرآن أنزل على سبعة أحرف وأن من كفر بحرف منها فقد كفر بها كلها وألا يختلفوا في ذلك فقد أهلك الاختلاف من كانوا قبلهم. وبهذا قطعت جهيزة قول كل خطيب.\nأمر ثالث هو أن هؤلاء الذين شايعوا ذلك المذهب يلتزمون أن يقولوا: إن اختلاف القراءات الحاصل اليوم يرجع كله إلى حرف واحد وهكذا شاء لهم رأيهم أن يجعلوا تلك الكثرة الغامرة القائمة الآن حرفا واحدا على ما بينها من اختلاف في الوجوه والأنواع وعلى رغم أن من القراءات الحاضرة ما يكون وجه الاختلاف فيه ناشئا عن وجود ألفاظ مترادفة في كلمة واحدة ومعنى واحد ومنها ما هو من لغات قبائل مختلفة كما نص على ذلك السيوطي في النوع السابع والثلاثين. ونقلنا منه شيئا من موضع آخر من هذا المبحث.\nولدينا دليل مادي أيضا على بقاء الأحرف السبعة جميعا هو بقاء التيسير والتخفيف وتهوين الأداء على الأمة الإسلامية الذي هو الحكمة في الأحرف السبعة.\nفها نحن أولاء لا نزال نشاهد عن طريق القراءات المختلفة القائمة الآن سبيلا سهلا قد وسع كافة الشعوب المسلمة سواء منها الأمم العربية وغير العربية والحمد لله على دوام فضله ورحمته وبقاء تخفيفه وتيسيره. وغفر الله لأولئك الأعلام الذين أخطأوا إصابة المرمى فقد اجتهدوا وللمجتهد أجر وإن أخطأ ونسأل الله التوفيق والسداد آمين.","vol":"1","page":179},{"text":"القول العاشر\nأن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب بمعنى أن القرآن لا يخرج عن سبع لغات من لغات العرب وهي لغة قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن وهي أفصح لغات العرب. قال بعضهم: هذا أصح الأقوال وأولاها بالصواب وهو الذي عليه أكثر العلماء وصححه البيهقي واختاره الأبهري واقتصر عليه صاحب القاموس.\nوقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبع مفرقة فيه فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن وغيرهم. قال: وبعض اللغات أسعد به من بعض وأكثر نصيبا وقيل في عد القبائل السبع آراء أخر.\nويدفع هذا القول على جميع آرائه بأمرين: أحدهما أن في القرآن الكريم ألفاظا كثيرة من لغات قبائل أخرى غير السبعة التي عدوها.\nمثل كلمة ﴿سَامِدُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ فإنها بالحميرية. ومثل كلمة ﴿خَمْرًا﴾ في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ فإنها بلغة أهل عمان لأنهم يسمون العنب خمرا أي حقيقة لا مجازا. ومثل كلمة ﴿بَعْلًا﴾ في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أي ربا بلغة أزد شنوءة. ومثل كلمة ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ أي لا ينقصكم في قوله تعالى: ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ فإنها بلغة بني عبس. ومثل كلمة ﴿وَبَاءُوا﴾ بمعنى استوجبوا في قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإنها بلغة جرهم ومثل كلمة ﴿رَفَثَ﴾ بمعنى جماع في قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ فإنها بلغة مذحج. ومثل كلمة ﴿تُسِيمُونَ﴾ بمعنى ترعون في قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ فإنها بلغة خثعم إلى","vol":"1","page":180},{"text":"غير ذلك. وارجع إلى النوع السابع والثلاثين من إتقان السيوطي إن أردت المزيد.\nوحسبك في هذا المقام ما نقله الواسطي في كتابه الذي وضعه في القراءات العشر إذ يقول: إن في القرآن من أربعين لغة عربية وهي قريش وهذيل وكنانة وخثعم والخزرج وأشعر ونمير وقيس عيلان وجرهم واليمن وأزد شنوءة وكندة وتميم وحمير ومدين ولخم وسعد العشيرة وحضرموت وسدوس والعمالقة وأنمار وغسان ومذحج وخزاعة وغطفان وسبأ وعمان وبنو حنيفة وثعلب وطي وعامر بن صعصعة وأوس ومزينة وثقيف وجذام وبلي وعذرة وهوازن والنمر واليمامة اهـ.\nولا يغيبن عن بالك أن هذه اللغات كلها تمثلت في لغة قريش باعتبار أن لغة قريش كانت المتزعمة لها والمهيمنة عليها والآخذة منها ما تشاء مما يحلو لها ويرق في ذوقها ثم يأخذه الجميع عنها حتى صح أن يعتبر لسان قريش هو اللسان العربي العام وبه نزل القرآن على ما سبق بيانه فلا تغفل. والله يتولى هدانا أجمعين.\nثانيهما أن توجيه هذا المذهب بما قاله أبو عبيد يقتضي أن يكون القرآن أبعاضا منه ما هو بلغة قريش ومنه ما هو بلغة هذيل وهكذا. ولا شك أن ذلك غير محقق لحكمة التيسير الملحوظة للشارع الحكيم في نزول القرآن على سبعة أحرف فإن هذا المذهب يستلزم أن كل شخص لا يمكنه أن يقرأ إلا البعض الذي نزل بلغته دون البعض الذي نزل بلغة غيره. وهذا باطل من ناحية ومخالف للاختلاف الذي صورته لنا الروايات السابقة بين الصحابة في القراءة من ناحية أخرى فإن المقروء فيها كان واحدا لا محالة كسورة الفرقان بين عمر وهشام. وسورة من آل حم بين ابن مسعود وصاحبه وقد صوب الرسول ﷺ قراءة كل من المختلفين وكلاهما قرشي.","vol":"1","page":181},{"text":"القول الحادي عشر\nأن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات قبائل مضر خاصة وأنها متفرقة في القرآن. وأن تلك القبائل السبع هي قريش وكنانة وأسد وهذيل وتميم وضبة وقيس.\nونرد هذا بما رددنا به سابقه بل هذا أدنى إلى البطلان لأنه أخص مما قبله الذي دحضناه من جهة خصوصه فكيف هذا؟ تلك ناحية. وثمة ناحية أخرى: وهي أن في قبائل مضر شواذ ينزه عنها القرآن الكريم مثل كشكشة قيس وهي جعل كاف المؤنث شينا فيقولون في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قد جعل ربش تحتش سريا. ومثل تمتمة تميم الذين يجعلون السين تاء فيقولون في الناس النات مع أن هذه لغات لم يحفظ منها شيء في القرآن الكريم.\nالقول الثاني عشر إلى الأربعين\nأن المراد بالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن سبعة أصناف في القرآن وأصحاب هذه الأقوال يختلفون في تعيين هذه الأصناف. وفي أسلوب التعبير عنها إلى آراء تكمل بها العدة أربعين قولا.\nفمنهم من يقول: إنها أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال.\nومنهم من يقول: إنها وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج.\nومنهم من يقول: إنها محكم ومتشابهة وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص.","vol":"1","page":182},{"text":"ومنهم من يقول: إنها لفظ عام أريد به العام ولفظ خاص أريد به الخاص ولفظ عام أريد به الخاص ولفظ خاص أريد به العام ولفظ يستغنى بتنزيله عن تأويله ولفظ لا يعلم فقهه إلا العلماء ولفظ لا يعلم معناه إلا الراسخون في العلم.\nومنهم من يقول: إنها إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب.\nومنهم من يقول: إنها المطلق والمقيد والعام والخاص والنص والمؤول والناسخ والمنسوخ والاستثناء وأقسامه.\nومنهم من يقول: إنها الحذف والصلة والتقديم والتأخير والاستعارة والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز والمجمل والمفسر والظاهر والغريب.\nومنهم من يقول سوى ذلك كله غير أنها من هذا الطراز أو من طراز ما سبق في الأقوال الأخرى حتى أكمل بها بعضهم عدة الأقوال أربعين قولا.","vol":"1","page":183},{"text":"١٠-<span data-type=\"title\" id=toc-73> ردود إجمالية لهذه الأقوال الأخيرة</span>\nوالكل مردود ردا إجماليا بما يأتي:\nأولا: أن سياق الأحاديث السابقة لا ينطبق على هذه الأقوال بحال فإن هذه الأصناف التي عينوها لا يتأتى الاختلاف فيها بسبب القراءة. والاختلاف الذي نقلته الروايات السابقة تدل تلك الروايات نفسها على أنه ما كان إلا بسبب القراءة فتعين أن يكون مرجعه التلفظ وكيفية النطق لا تلك الأصناف والأنواع التي سردوها في معرض الآراء. انظر الشاهد الثامن من شواهدنا الماضية إن شئت.\nثانيا: أنه لا يوجد لهم سند صحيح يدل على حصر الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن فيما بينوه. وما يكون لنا أن نقبل رأيا غير مدلل ولا مؤيد بحجة.","vol":"1","page":183},{"text":"ثالثا: أن التوسعة الملحوظة للشارع الرحيم في نزول القرآن على الأحرف السبعة لا تتحقق فيما ذكروه من تلك الأصناف والأنواع.\nرابعا: أن بعض تلك الآراء نلاحظ عليها أنها زادت على السبعة فيما ذكرته من الأصناف والأنواع. فإما أن تكون أخطأت في العد من أول الأمر وإما أن تكون متأثرة بفكرة أن لفظ السبعة كناية لا حقيقة وقد علمت فيما سبق ما فيه من خطأ أيضا راجع الشاهد الثاني من شواهدنا الآنفة إن أردت.\nخامسا: أن أكثر ما ذكروه في تلك الآراء والأصناف يتداخل بعضه في بعض ويشبه بعضه بعضا فمن المتعسر اعتبارها أقوالا مستقلة.\nنقل السيوطي عن الشرف المرسي أنه قال: هذه الوجوه أكثرها متداخلة ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت؟ ولا يدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر؟ مع أنها كلها موجودة في القرآن فلا أدري معنى التخصيص. ومنها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة. وأكثرها معارض لحديث عمر وهشام ابن حكيم الذي في الصحيح فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه وإنما اختلفا في قراءة حروفه\nوقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع وهو جهل قبيح اهـ.","vol":"1","page":184},{"text":"١٠-<span data-type=\"title\" id=toc-74> علاج الشبهات الواردة </span>على أصل الموضوع\nأعداء الإسلام في كثرة ونشاط ويقظة وبين المسلمين جهلة يؤذون الإسلام والأمة بأشد مما يؤذيه أعداؤه على حد قول القائل:\nلا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه","vol":"1","page":184},{"text":"وقد نرى ونسمع اتهامات وشبهات مرة من هنا ومرة من هناك فمن واجب الأمانة في أعناقنا أن نبدد ظلمات هذه الشبهات والتهم بما بين أيدينا من أنوار العلم وأسلحة الحجج. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ .\nالشبهة الأولى يقولون: إن أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تثبت الاختلاف في القرآن مع أن القرآن نفسه يرفع الاختلاف عن نفسه إذ يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ . وذلك تناقض ولا ندري أيهما يكون الصادق.\nوالجواب: أن الاختلاف الذي تثبته تلك الأحاديث غير الاختلاف الذي ينفيه القرآن. وهذا كاف في دفع التناقض فكلاهما صادق. وبيان ذلك أن الأحاديث الشريفة تثبت الاختلاف بمعنى التنويع في طرق أداء القرآن والنطق بألفاظه في دائرة محدودة لا تعدو سبعة أحرف وبشرط التلقي فيها كلها عن النبي ﷺ.\nأما القرآن فينفي الاختلاف بمعنى التناقض والتدافع بين معاني القرآن وتعاليمه مع ثبوت التنويع في وجوه التلفظ والأداء السابق.\nومعنى ذلك أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يلزم منه تناقض ولا تخاذل ولا تضاد ولا تدافع بين مدلولات القرآن ومعانيه وتعاليمه ومراميه بعضها مع بعض. بل القرآن كله سلسلة واحدة متصلة الحلقات محكمة السور والآيات متآخذة المبادئ والغايات مهما تعددت طرق قراءته ومهما تنوعت فنون أدائه.\nوللمحقق ابن الجزري كلام نفيس يتصل بهذا الموضوع ننقل إليك شيئا منه بقليل من التصرف إذ يقول: قد تدبرنا اختلاف القراءات فوجدناه لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها اختلاف اللفظ لا المعنى. الثاني اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد. الثالث اختلافهما جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد لكن يتفقان في وجه آخر لا يقتضي التضاد.","vol":"1","page":185},{"text":"فأما الأول فكالاختلاف في ألفاظ الصراط وعليهم ويؤوده والقدس ويحسب ونحو ذلك مما يطلق عليه أنه لغات فقط. وأما الثاني فنحو لفظ مالك وملك في الفاتحة لأن المراد في القراءتين هو الله تعالى لأنه مالك يوم الدين وملكه وكذا ننشزها بالزاي وننشرها بالراء لأن المراد بهما هو العظام. وذلك أن الله تعالى أنشرها أي أحياها وأنشزها أي رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت فضمن الله المعنيين في القراءتين. وأما الثالث فنحو قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف في لفظ كذبوا المبني للمجهول. فأما وجه التشديد فالمعنى وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. وأما وجه التخفيف فالمعنى: وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم أي كذبوا عليهم فيما أخبروهم به. فالظن في الأولى يقين والضمائر الثلاثة للرسل. والظن في القراءة الثانية شك والضمائر الثلاثة للمرسل إليهم.\nومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ بفتح اللام الأولى ورفع الأخرى في كلمة ﴿لِتَزُولَ﴾ وبكسر الأولى وفتح الثانية فيها أيضا. فأما وجه فتح الأولى ورفع الثانية من ﴿لِتَزُولَ﴾ فهو أن تكون كلمة ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة أي وإن مكرهم كامل الشدة تقتلع بسببه الجبال الراسيات من مواضعها. وفي القراءة الثانية ﴿إِنْ﴾ نافية أي ما كان مكرهم وإن تعاظم وتفاقم ليزول منه أمر محمد ﷺ ودين الإسلام. ففي الأولى تكون الجبال حقيقة وفي الثانية تكون مجازا. ثم قال أيضا: فليس في شيء من القرآن تناف ولا تضاد ولا تناقض. وكل ما صح عن النبي ﷺ من ذلك فقد وجب قبوله ولم يسع أحدا من الأمة رده ولزم الإيمان به وأنه كله منزل من عند الله إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته علما وعملا ولا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن هذا تعارض اهـ.\nإلى ذلك أشار عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله: لا تختلفوا في القرآن،","vol":"1","page":186},{"text":"ولا تنازعوا فيه فإنه لا يختلف ولا يتساقط: ألا ترون أن شريعة الإسلام واحدة حدودها وقراءتها وأمر الله فيها واحد. لو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء وينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف. ولكنه جامع ذلك كله. ومن قرأ قراءة فلا يدعها رغبة عنها فإنه من كفر بحرف منه كفر به كله اهـ.\nالشبهة الثانية:\nيقولون: إن هذا الاختلاف في القراءات يوقع في شك وريب من القرآن خصوصا إذا لاحظنا في بعض الروايات معنى تخيير الشخص أن يأتي من عنده باللفظ وما يرادفه أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى كحديث أبي بكرة وفيه كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك: تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وعجل. جاء بهذا اللفظ من رواية أحمد بإسناد جيد ومثله حديث أبي بن كعب.\nوأكثر من ذلك ما جاء في فضائل أبي عبيد أن عبد الله بن مسعود أقرأ رجلا: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فقال الرجل: طعام اليتيم فردها عليه فلم يستقم بها لسانه. فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر قال: نعم. قال: فافعل اهـ.\nوالجواب: أن اختلاف القراءات لا يوقع في شك ولا ريب ما دام الكل نازلا من عند الله. وأما هذه الروايات التي اعتمدت عليها الشبهة فلا نسلم أنه يفهم منها معنى تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه باللفظ وما يرادفه أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى حتى يوقع ذلك في ريب من هذا التنزيل. بل قصارى ما تدل عليه هذه الروايات أن الله تعالى وسع على عباده خصوصا في مبدأ عهدهم بالوحي أن يقرؤوا القرآن بما تلين به ألسنتهم. وكان من جملة هذه التوسعة القراءة بمترادفات من اللفظ الواحد للمعنى الواحد مع ملاحظة أن الجميع نازل من عند الله نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ،","vol":"1","page":187},{"text":"وقرأه الرسول على الناس على مكث وسمعوه منه ثم نسخ الله ما شاء أن ينسخ بعد ذلك وأبقى ما أبقى لحكمة سامية تستقبلك في مبحث النسخ.\nيدل على أن الجميع نازل من عند الله تعالى قوله ﷺ لكل من المتنازعين المختلفين في القراءة من أصحابه: \"هكذا أنزلت\" وقول كل من المختلفين لصاحبه: أقرأنيها رسول الله ﷺ وقول الله تعالى لرسوله جوابا لمن سأله تبديل القرآن: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وليس بعد كلام الله ورسوله كلام. كذلك أجمعت الأمة على أنه لا مدخل لبشر في نظم هذا القرآن لا من ناحية أسلوبه ولا من ناحية ألفاظه بل ولا من ناحية قانون أدائه فمن يخرج على هذا الإجماع ويتبع غير سبيل المؤمنين يوله الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرا.\nوها نحن أولاء قد رأينا القرآن في تلك الآية يمنع الرسول من محاولة ذلك منعا باتا مشفوعا بالوعيد الشديد ومصحوبا بالعقاب الأليم. فما يكون لابن مسعود ولا لأكبر من ابن مسعود بعد هذا أن يبدل لفظا من ألفاظ القرآن بلفظ من تلقاء نفسه. انظر ما قررناه في الشاهدين: الرابع والسابع من هذا المبحث.\nأما هذه الرواية المنسوبة إلى ابن مسعود من أنه أقرأ الرجل بكلمة الفاجر بدلا من كلمة الأثيم في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فتدل على أن ابن مسعود سمع الروايتين عن رسول الله ﷺ. ولما رأى الرجل قد تعسر عليه النطق بالأولى أشار عليه أن يقرأ بالثانية وكلاهما منزل من عند الله.\nوكذلك حديث أبي بكرة السابق لا يدل على جواز تبديل الشخص ما شاء من القرآن بما لا يضاده كما زعم الواهم إنما ذلك الحديث وأشباهه من باب الأمثال التي يضربها الرسول ﷺ للحروف التي نزل عليها القرآن ليفيد أن تلك الحروف","vol":"1","page":188},{"text":"على اختلافها ما هي إلا ألفاظ متوافقة مفاهيمها متساندة معانيها لا تخاذل بينها ولا تهافت ولا تضاد ولا تناقض ليس فيها معنى يخالف معنى آخر على وجه ينفيه ويناقضه كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضدها\nوتلك الأحاديث بهذا الوجه تقرير لأن جميع الحروف نازلة من عند الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .\nوهاك برهانا آخر ذكره صاحب التبيان في مثل هذا المقام إذ يقول: إن النبي ﷺ علم البراء ابن عازب دعاء فيه هذه الكلمة ونبيك الذي أرسلت فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على رسول الله ﷺ قال: ورسولك الذي أرسلت فلم يوافقه النبي ﷺ على ذلك بل قال له: \"لا. ونبيك الذي أرسلت\". وهكذا نهاه ﵊ أن يضع لفظة رسول موضع لفظة نبي مع أن كليهما حق لا يحيل معنى إذ هو ﷺ رسول ونبي معا. ثم قال: فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا: إنه ﵊ كان يجيز أن يوضع في القرآن الكريم مكان عزيز حكيم غفور رحيم أو سميع عليم. وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا والله يقول مخبرا عن نبيه: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى اهـ بتصرف قليل.\nالشبهة الثالثة:\nيقولون: إن نزول القرآن على سبعة أحرف ينافي ما هو مقرر من أن القرآن نزل بلغة قريش وحدها ثم إنه يؤدي إلى ضياع الوحدة التي يجب أن تسود الأمة الواحدة بسبب اجتماعها على لسان واحد.\nوالجواب: أنه لا منافاة ولا ضياع للوحدة فإن الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن الكريم واقعة كلها في لغة قريش. ذلك أن قريشا كانوا قبل مهبط الوحي والتنزيل،","vol":"1","page":189},{"text":"قد داوروا بينهم لغات العرب جميعا وتداولوها وأخذوا ما استملحوه من هؤلاء وهؤلاء في الأسواق العربية ومواسمها ووقائعها وحجها وعمرتها ثم استعملوه وأذاعوه بعد أن هذبوه وصقلوه. وبهذا كانت لغة قريش مجمع لغات مختارة منتقاة من بين لغات القبائل كافة. وكان هذا سببا من أسباب انتهاء الزعامة إليهم واجتماع أوراع العرب عليهم.\nومن هنا شاءت حكمة الحكيم العليم أن يطلع عليهم القرآن من هذا الأفق وأن يطل عليهم من هذه السماء سماء قريش ولغتها التي أعطوها مقادتهم وولوا شطرها وجوههم فخاطبهم بهذا اللسان العام لهم ليضم نشرهم ولينظم نثرهم. وقد تم له ما أراد بهذه السياسة الرشيدة التي جاءتهم بالإعجاز البياني عن طريق اللغة التي انتهت إليها أفصح اللغات وباللسان الذي خضعت له وتمثلت فيه كافة الألسنة العربية.\nولو نزل القرآن بغير لغة قريش هذه لكان مثار مشاحنات وعصبيات ولذهب أهل كل قبيلة بلغتهم ولعلا بعضهم على بعض ولما اجتمع عليه العرب أبدا. بل لو نزل القرآن بغير لغة قريش لراجت شبهتهم وافتراؤهم عليه أنه سحر وكهانة وما إليها نظرا إلى أنه قد دخل عليهم من غير بابهم فلا يستطيعون القضاء فيه ولا إدراك الفوارق البعيدة بينه وبين الحديث النبوي مما يجعلهم يذوقون الإعجاز ويلمسونه كما تذوقوه بوضوح حين نزل بلسانهم. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ .\nالشبهة الرابعة:\nيقولون: إنه لا معنى للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إلا تلك القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة المعروفين عند القراء.\nوالجواب: أن هذه شبهة تعرض كثيرا للعامة ومن في حكمهم ممن لم يأخذوا من علوم","vol":"1","page":190},{"text":"القرآن والحديث بخط ولا نصيب. فإن ذلك المعنى الذي زعموه غير صحيح من وجهين:\nأحدهما: أن الأحرف التي نزل بها القرآن أعم من تلك القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة القراء عموما مطلقا وأن هذه القراءات أخص من تلك الأحرف السبعة النازلة خصوصا مطلقا. ذلك لأن الوجوه التي أنزل الله عليها كتابه تنتظم كل وجه قرأ به النبي ﷺ وأقرأه أصحابه وذلك ينتظم القراءات السبع المنسوبة إلى هؤلاء الأئمة السبعة القراء كما ينتظم ما فوقها إلى العشرة وما بعد العشرة وما كان قرآنا ثم نسخ ولم يصل إلى هؤلاء القراء جميعا ولهذا نصوا في المذهب المختار على أنه يشمل كل وجوه القراءات صحيحها وشاذها ومنكرها كما سبق.\nثانيهما: أن السبعة لم يكونوا قد خلقوا ولا وجدوا حين نطق الرسول ﷺ بهذا الحديث الشريف. ومحال أن يفرض الرسول على نفسه وعلى أصحابه ألا يقرؤوا بهذه الأحرف السبعة النازلة إلا إذا علموا أن هؤلاء القراء السبعة قد اختاروا القراءة بها على حين أن بين العهدين بضعة قرون وعلى حين أن هؤلاء القراء وسواهم إنما أخذوا عن النبي ﷺ من طريق أصحابه ومن أخذ عنهم إلى أن وصلوا إليهم. فهذه الشبهة تستلزم الدور الباطل فهي باطلة.\nوتستلزم أيضا أن يبقى قول الرسول ﷺ: \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف\" عاريا عن الفائدة غير نافذ الأثر حتى يولد القراء السبعة المعروفون وتؤخذ القراءة عنهم. وذلك باطل أيضا يكذبه الواقع من قراءة النبي صلوات الله وسلامه عليه وقراءة أصحابه وتابعيه بالأحرف السبعة من قبل أن يولد القراء السبعة المعروفون.","vol":"1","page":191},{"text":"قال المحقق ابن الجزري: فلو كان الحديث منصرفا إلى قراءات السبعة المشهورين أو سبعة غيرهم من القراء الذين ولدوا بعد التابعين لأدى ذلك إلى أن يكون الخبر عاريا عن الفائدة إلى أن يولد هؤلاء السبعة فتؤخذ عنهم القراءة وأدى أيضا إلى أنه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرأ إلا بما يعلم أن هؤلاء السبعة من القراء إذا ولدوا وتعلموا اختاروا القراءة به. وهذا باطل؟ إذ طريق أخذ القراءة أن تؤخذ عن إمام ثقة لفظا عن لفظ إماما عن إمام. إلى أن يتصل بالنبي ﷺ ا. هـ.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث السابع: في المكي والمدني من القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>مدخل</span>\n...\nالمبحث السابع في المكي والمدني من القرآن الكريم\nليس من غرضنا في هذا المبحث أن نستقصي بالتفصيل والتدليل آيات القرآن الكريم وسوره. وأن نحقق ما كان منها مكيا وما كان مدنيا فتلك محاولة كبيرة جديرة أن تفرد بالتأليف وقد أفردها فعلا بالتأليف جماعة منهم مكي والعز الدريني.\nولكن حسبنا هنا أن نتكلم على الاصطلاحات في معنى المكي والمدني وعلى فائدة العلم بالمكي والمدني وعلى الطريق الموصلة إليه وعلى الضوابط التي يعرف بها وعلى السور المكية والمدنية والمختلف فيها وعلى أنواع السور المكية والمدنية وعلى أوجه تتعلق بالمكي والمدني وعلى فروق أخرى بين المكي والمدني صيغت من بعضها مطاعن في القرآن وعلى دفع تلك المطاعن ونقضها.","vol":"1","page":192},{"text":"١-<span data-type=\"title\" id=toc-77> الاصطلاحات في معنى المكي والمدني</span>\nللعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات:\nالأول أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة. ويدخل في مكة ضواحيها كالمنزل على النبي ﷺ بمنى وعرفات والحديبية. ويدخل في المدينة ضواحيها أيضا كالمنزل عليه في بدر وأحد. وهذا التقسيم لوحظ فيه مكان النزول كما ترى. لكن يرد عليه أنه غير ضابط ولا حاصر لأنه لا يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة وضواحيهما كقوله سبحانه في سورة التوبة: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾ الخ فإنها نزلت بتبوك وقوله سبحانه في سورة الزخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الخ فإنها نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء. ولا ريب أن عدم الضبط في التقسيم يترك واسطة لا تدخل فيما يذكر من الأقسام وذلك عيب يخل بالمقصود الأول من التقسيم وهو الضبط والحصر.\nالاصطلاح الثاني أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة. وعليه يحمل قول من قال: إن ما صدر في القرآن بلفظ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو مكي وما صدر فيه بلفظ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني لأن الكفر كان غالبا على أهل مكة فخوطبوا بيا أيها الناس وإن كان غيرهم داخلا فيهم. ولأن الإيمان كان غالبا على أهل المدينة فخوطبوا بيا أيها الذين آمنوا وإن كان غيرهم داخلا فيهم أيضا. وألحق بعضهم صيغة يا بني آدم بصيغة يأيها الناس. أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن يأيها الناس أو يا بني آدم فإنه مكي وما كان يأيها الذين آمنوا فإنه مدني.","vol":"1","page":193},{"text":"وهذا التقسيم لوحظ فيه المخاطبون كما ترى لكن يرد عليه أمران: أحدهما ما ورد على سابقة من أنه غير ضابط ولا حاصر فإن في القرآن ما نزل غير مصدر بأحدهما نحو قوله سبحانه في فاتحة سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الخ ونحو قوله سبحانه في فاتحة سورة المنافقون: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الخ.\nثانيهما: أن هذا التقسيم غير مطرد في جميع موارد الصيغتين المذكورتين بل إن هناك آيات مدنية صدرت بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهناك آيات مكية صدرت بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . مثال الأولى سورة النساء فإنها مدنية وأولها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ وكذلك سورة البقرة مدنية وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ومثال الثانية سورة الحج فإنها مكية مع أن في أواخرها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ الخ.\nقال بعضهم: هذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر فإن سورة البقرة مدنية وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى آخر ما ذكرناه أمامك. غير أنه قال أخيرا ما نصه: فإن أريد أن الغالب كذلك فصحيح.\nأقول: ولكن صحة الكلام في ذاته لا تسوغ صحة التقسيم فإن من شأن التقسيم السليم أن يكون ضابطا حاصرا وأن يكون مطردا. وقيد الغالبية المراد لا يحقق الضبط والحصر وإن حقق الاطراد فيبقى التقسيم معيبا. على أنهم قالوا: المراد لا يدفع الإيراد.\nالاصطلاح الثالث وهو المشهور: أن المكي ما نزل قبل هجرته ﷺ إلى المدينة وإن كان نزوله بغير مكة والمدني ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة.\nوهذا التقسيم كما ترى لوحظ فيه زمن النزول وهو تقسيم صحيح سليم لأنه ضابط حاصر ومطرد لا يختلف بخلاف سابقيه ولذلك اعتمده العلماء واشتهر بينهم. وعليه فآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ","vol":"1","page":194},{"text":"الْأِسْلامَ دِينًا﴾ مدنية مع أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة في حجة الوداع. وكذلك آية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فإنها مدنية مع أنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم. وقل مثل ذلك فيما نزل بأسفاره ﵊ كفاتحة سورة الأنفال وقد نزلت ببدر فإنها مدنية لا مكية على هذا الاصطلاح المشهور.","vol":"1","page":195},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-78> فائدة العلم بالمكي والمدني</span>\nمن فوائد العلم بالمكي والمدني تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم في موضوع واحد وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفا للحكم في غيرها ثم عرف أن بعضها مكي وبعضها مدني فإننا نحكم بأن المدني منها ناسخ للمكي نظرا إلى تأخر المدني عن المكي.\nومن فوائده أيضا معرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم بوجه عام وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد. وسيستقبلك في هذا المبحث فروق بين المكي والمدني تلاحظ فيها جلال هذه الحكمة.\nومن فوائده أيضا الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالما من التغيير والتحريف.\nويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كل هذا الاهتمام حتى ليعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة وما نزل بعدها وما نزل بالحضر وما نزل بالسفر وما نزل بالنهار وما نزل بالليل وما نزل بالشتاء وما نزل بالصيف وما نزل بالأرض وما نزل بالسماء إلى غير ذلك. فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحدا يمسه ويعبث به وهم المتحمسون لحراسته وحمايته والإحاطة بكل ما يتصل به أو يحتف بنزوله إلى هذا الحد.","vol":"1","page":195},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-79> الطريق الموصلة إلى معرفة المكي والمدني</span>\nلا سبيل إلى معرفة المكي والمدني إلا بما ورد عن الصحابة والتابعين في ذلك لأنه لم يرد عن النبي ﷺ بيان للمكي والمدني. وذلك لأن المسلمين في زمانه لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان كيف وهم يشاهدون الوحي والتنزيل ويشهدون مكانه وزمانه وأسباب نزوله عيانا. وليس بعد العيان بيان.\nقال عبد الله بن مسعود ﵁ والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. وقال أيوب: سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل وأشار إلى سلع اهـ.\nولعل هذا التوجيه الذي ذكرته أولى مما ذكره القاضي أبو بكر في الانتصار إذ يقول ما نصه: ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول لأنه لم يأمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول اهـ.","vol":"1","page":196},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-80> الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني</span>\nقد عرفنا فيما مضى أن مرد العلم بالمكي والمدني هو السماع عن طريق الصحابة والتابعين بيد أن هناك علامات وضوابط يعرف بها المكي والمدني. وهاك ضوابط المكي:\n١- كل سورة فيها لفظ كلا فهي مكية وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثا","vol":"1","page":196},{"text":"وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن. قال الدريني ﵀:\nوما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى\nقال العماني: وحكمة ذلك أن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم بخلاف النصف الأول. وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم اهـ.\n٢- كل سورة فيها سجدة فهي مكية لا مدنية.\n٣- كل سورة في أولها حروف التهجي فهي مكية سوى سورة البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان بالإجماع\nوفي الرعد خلاف.\n٤- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكية سوى البقرة.\n٥- كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة أيضا.\n٦- كل سورة فيها يا أيها الناس وليس فيها يا أيها الذين آمنوا فهي مكية ولكنه ورد على هذا ما تقدم بين يديك من سورة الحج.\n٧- كل سورة من المفصل فهي مكية. أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: نزل المفصل بمكة فمكثنا حججا نقرؤه ولا ينزل غيره لكن يرد على هذا أن بعض سور المفصل مدني نزل بعد الهجرة اتفاقا كسورة النصر فإنها كانت من أواخر ما نزل بعد الهجرة بل قيل إنها آخر ما نزل كما سبق في مبحث أول ما نزل وآخر ما نزل. فالأولى أن يحمل كلام ابن مسعود هذا على الكثرة الغالبة من سور المفصل لا على جميع سور المفصل والمفصل على وزان معظم: هو السورة الأخيرة من القرآن الكريم مبتدأة من","vol":"1","page":197},{"text":"سورة الحجرات على الأصح وسميت بذلك لكثرة الفصل فيها بين السور بعضها وبعض من أجل قصرها.\nوقيل: سميت بذلك لقلة المنسوخ فيها فقولها قول فصل: لا نسخ فيه ولا نقض.\nأما ضوابط المدني: فكما يأتي:\n١- كل سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنية.\n٢- كل سورة فيها إذن بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد فهي مدنية.\n٣- كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ما عدا سورة العنكبوت. والتحقيق أن سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الإحدى عشرة الأولى منها فإنها مدنية. وهي التي ذكر فيها المنافقون.","vol":"1","page":198},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-81> السور المكية والمدنية والمختلف فيها</span>\nنقل السيوطي في الإتقان أقوالا كثيرة في تعيين السور المكية والمدنية من أوفقها ما ذكره أبو الحسن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ إذ يقول:\nالمدني باتفاق عشرون سورة والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة وما عدا ذلك مكي باتفاق ثم نظم في ذلك أبياتا رقيقة جامعة وهو يريد بالسور العشرين المدنية بالاتفاق: سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والنور والأحزاب ومحمد والفتح والحجرات والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والجمعة والمنافقون والطلاق والتحريم والنصر.\nويريد بالسور الاثنتي عشرة المختلف فيها: سورة الفاتحة والرعد والرحمن والصف والتغابن والتطفيف والقدر ولم يكن وإذا زلزلت والإخلاص والمعوذتين.","vol":"1","page":198},{"text":"ويريد بالسور المكية باتفاق ما عدا ذلك وهي اثنتان وثمانون سورة. وإلى هذا القسم المكي يشير في منظومته بقوله:\nوما سوى ذاك مكي تنزله ... فلا تكن من خلاف الناس في حصر\nفليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر\nوقد جرى هذا البيت مجرى الأمثال عند أهل العلم.","vol":"1","page":199},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-82> أنواع السور المكية والمدنية</span>\nقد تكون السورة كلها مكية وقد تكون كلها مدنية وقد تكون السورة مكية ما عدا آيات منها وقد تكون مدنية ما عدا آيات منها فتلك أربعة أنواع:\nمثال النوع الأول سورة المدثر فإنها كلها مكية. ومثال الثاني سورة آل عمران فإنها كلها مدنية ومثال الثالث سورة الأعراف فإنها مكية. ما عدا آية ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قاله قتادة. واستثنى غيره هذه الآية المذكورة وما بعدها من الآيات إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ وقال: إن تلك الآيات مدنية. ومثال النوع الرابع سورة الحج فإنها مدنية ما عدا أربع آيات منها تبتدئ بقوله سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ إلى قوله ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ .\nواعلم أن وصف السورة بأنها مكية أو مدنية يكون تبعا لما يغلب فيها أو تبعا لفاتحتها فقد ورد أنه إذا نزلت فاتحة سورة بمكة مثلا كتبت مكية ثم يزيد الله فيها ما يشاء. ولعل الأنسب بالاصطلاح المشهور في معنى المكي والمدني أن يقال: إذا نزلت فاتحة سورة قبل الهجرة كتبت مكية وإذا نزلت فاتحة سورة بعد الهجرة كتبت مدنية ثم يذكر المستثنى من تلك السور إن كان هناك استثناء فيقال: سورة كذا مكية إلا آية كذا فإنها مدنية أو سورة كذا مدنية إلا آية كذا فإنها مكية أو نحو ذلك كما تراه في كثير من المصاحف عنوانا للسورة.","vol":"1","page":199},{"text":"وقد بذل العلماء همة جبارة في استقصاء حال ما نزل من السور والآيات حتى لقد قال أبو القاسم النيسابوري في كتاب التنبيه على فضل علوم القرآن ما نصه: من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة والمدينة وما نزل بمكة وحكمه مدني وما نزل بالمدينة وحكمه مكي وما نزل بمكة في أهل المدينة وما نزل بالمدينة في أهل مكة وما يشبه نزول المكي في المدني وما يشبه نزول المدني في المكي وما نزل بالجحفة وما نزل ببيت المقدس وما نزل بالطائف وما نزل بالحديبية وما نزل ليلا وما نزل نهارا وما نزل مشيعا وما نزل مفردا والآيات المدنيات في السور المكية والآيات المكيات في السور المدنية وما حمل من مكة إلى المدينة وما حمل من المدينة إلى مكة وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة وما نزل مجملا وما نزل مفسرا وما اختلفوا فيه فقال بعضهم: مكي وبعضهم مدني فهذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى ا. هـ.\nقال السيوطي بعد أن أورد هذا: وقد أشبعت الكلام على هذه الأوجه فمنها ما أفردته بنوع ومنها ما تكلمت عليه في ضمن بعض الأنواع. اهـ وجزاهم الله أحسن الجزاء.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>وجوه تتعلق بالمكي والمدني</span>\nنبه السيوطي عند كلامه في هذا المبحث إلى أن هناك وجوها في المكي والمدني. منها ما تستطيع أن تفهمه مما قصصناه عليك آنفا. ومنها ما يشبه تنزيل المدني في السور المكية في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال السيوطي في توجيهه ما نصه: فإن الفواحش كل ذنب فيه حد والكبائر كل ذنب عاقبته النار واللمم ما بين الحدين من الذنوب ولم يكن بمكة حد ولا نحوه اهـ لكن فيه نظر من وجهين: أحدهما أن تفسير الفواحش بما ذكر غير متفق عليه،","vol":"1","page":200},{"text":"بل فسرها غيره بأنها الكبائر مطلقا. وفسرها آخر بما يكبر عقابه دون تخصيص بحد. وفسرها السيوطي نفسه في سورة الأنعام بأنها الكبائر. والثاني أن بعضهم يستثني هذه الآية من سورة النجم المكية وينص على أنها مدنية.\nومنها: ما يشبه تنزيل المكي في السور المدنية نحو سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ وكقوله سبحانه في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الخ. وفي هذا نظر أيضا فإن المعروف أن سورة والعاديات من السور المكية كما سبق وأن آية ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ الخ منصوص على أنها نزلت بمكة كما نقل السيوطي نفسه عن مقاتل وقال: إنها مستثناة من سورة الأنفال المدنية. بل نص بعضهم على أن هذه الآية مع آيتين قبلها وأربع بعدها كلها مكيات مستثنيات من سورة الأنفال المدنية.\nومنها: ما حمل من مكة إلى المدينة نحو سورة يوسف وسورة الإخلاص وسورة سبح.\nومنها: ما حمل من المدينة إلى مكة نحو آية الربا في سورة البقرة المدنية وصدر سورة التوبة المدنية.\nومنها: ما حمل إلى الحبشة نحو سورة مريم فقد صح أن جعفر بن أبي طالب قرأها على النجاشي.\nومنها: ما حمل إلى الروم كقوله ﷾ في سورة آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية.\nوأنت خبير بأن الاصطلاح المشهور في المكي والمدني ينتظم كل ما نزل سواء أكان بمكة والمدينة أم بغيرهما كالجحفة والطائف وبيت المقدس والحديبية ومنى وعرفات وعسفان وتبوك وبدر وأحد وحراء وحمراء الأسد. وتفصيل ذلك يخرج بنا إلى حد الإطالة فناهيك ما ذكرنا. واللبيب تكفيه الإشارة.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>فروق أخرى بين المكي والمدني</span>\nتوجد فروق أخرى بين المكي والمدني غير ما قدمناه في ضوابطهما وهذه الفروق فيها دقة عن تلك لتعلقها في مجموعها بأمور معنوية وبلاغية. ثم إن أعداء الإسلام قد صاغوا عن طريق بعضها شبهات سددوا سهامها إلى القرآن الكريم لذلك أفردناها بعنوان توطئة لنقض تلك الشبهات وقبل الرمي يراش السهم.\nونذكر من خواص القسم المكي أنه قد كثر فيه ما يأتي:\nأولا: أنه حمل حملة شعواء على الشرك والوثنية وعلى الشبهات التي تذرع بها أهل مكة للإصرار على الشرك والوثنية ودخل عليهم من كل باب وأتاهم بكل دليل وحاكمهم إلى الحس وضرب لهم أبلغ الأمثال حتى انتهى بهم إلى أن تلك الآلهة المزيفة لا تقدر أن تخلق مجتمعة أقل نوع من الذباب بل لا تستطيع أن تدفع عن نفسها شر عادية الذباب وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .\nولما عاندوا واحتجوا بما كان عليه آباؤهم نعى عليهم أن يمتهنوا كرامة الإنسان إلى هذا الحضيض من الذلة للأحجار والأصنام وسفه أحلامهم وأحلام آبائهم الذين أهملوا النظر في أنفسهم وفي آيات الله في الآفاق وقبح إليهم الجمود على هذا التقليد الأعمى للآباد والأجداد ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . وناقشهم كذلك في عقائدهم الضالة التي نجمت عن تلك الوثنية من جحود الإلهيات والنبوات وإنكار البعث والمسؤولية والجزاء.\nثانيا: أنه فتح عيونهم على ما في أنفسهم من شواهد الحق وعلى ما في الكون من أعلام الرشد ونوع لهم في الأدلة وتفنن في الأساليب وقاضاهم إلى الأوليات","vol":"1","page":202},{"text":"والمشاهدات ثم قادهم من وراء ذلك قيادة راشدة حكيمة إلى الاعتراف بتوحيد الله في ألوهيته وربوبيته والإيمان بالبعث ومسؤوليته والجزاء العادل ودقته ثم التسليم بالوحي وبكل ما جاء به الوحي من هدي الله في الإلهيات والنبوات والسمعيات في العقائد على سواء.\nثالثا: أنه تحدث عن عاداتهم القبيحة كالقتل وسفك الدماء ووأد البنات واستباحة الأعراض وأكل مال الأيتام. فلفت أنظارهم إلى ما في ذلك من أخطار وما زال بهم حتى طهرهم منها ونجح في إبعادهم عنها.\nرابعا أنه شرح لهم أصول الأخلاق وحقوق الاجتماع شرحا عجيبا كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وفوضى الجهل وجفاء الطبع وقذارة القلب وخشونة اللفظ وحبب إليهم الإيمان والطاعة والنظام والعلم والمحبة والرحمة والإخلاص واحترام الغير وبر الوالدين وإكرام الجار وطهارة القلوب ونظافة الألسنة إلى غير ذلك.\nخامسا: أنه قص عليهم من أنباء الرسل وأممهم السابقة ما فيه أبلغ المواعظ وأنفع العبر من تقرير سننه تعالى الكونية في إهلاك أهل الكفر والطغيان وانتصار أهل الإيمان والإحسان مهما طالت الأيام وامتد الزمان ما داموا قائمين بنصرة الحق وتأييد الإيمان.\nسادسا: أنه سلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز في خطابه حتى جاءت السور المكية قصيرة الآيات صغيرة السور. لأنهم كانوا أهل فصاحة ولسن صناعتهم الكلام وهمتهم البيان فيناسبهم الإيجاز والإقلال دون الإسهاب والإطناب.\nكما أن قانون الحكمة العالية قضى بأن يسلك سبيل التدرج والارتقاء في تربية الأفراد وأن يقدم الأهم على المهم. ولا ريب أن العقائد والأخلاق والعادات،","vol":"1","page":203},{"text":"أهم من ضروب العبادات ودقائق المعاملات لأن الأولى كالأصول بالنسبة للثانية لذلك كثر في القسم المكي التحدث عنها والعناية بها كما علمت في الخواص الماضية جريا على سنة التدرج من ناحية وتقديما للأهم على المهم من ناحية أخرى.\nأما خواص القسم المدني فنذكر منها أنه قد كثر فيه ما يأتي:\nأولا: التحدث عن دقائق التشريع وتفاصيل الأحكام وأنواع القوانين المدنية والجنائية والحربية والاجتماعية والدولية والحقوق الشخصية وسائر ضروب العبادات والمعاملات. انظر إن شئت في سورة البقرة والنساء والمائدة والأنفال والقتال والفتح والحجرات ونحوها.\nثانيا: دعوة أهل الكتاب من يهود ونصارى إلى الإسلام ومناقشتهم في عقائدهم الباطلة وبيان جناياتهم على الحق وتحريفهم لكتب الله ومحاكمتهم إلى العقل والتاريخ. اقرأ إن شئت سورة البقرة وآل عمران والمائدة والفتح ونحوها.\nثالثا: سلوك الإطناب والتطويل في آياته وسوره. وذلك لأن أهل المدينة لم يكونوا يضاهئون أهل مكة في الذكاء والألمعية وطول الباع في باحات الفصاحة والبيان فيناسبهم الشرح والإيضاح وذلك يستتبع كثيرا من البسط والإسهاب لأن دستور البلاغة لا يقوم إلا على رعاية مقتضيات الأحوال وخطاب الأغبياء بغير ما يخاطب به الأذكياء. ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>نقض الشبهات التي أثيرت حول هذا الموضوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>مدخل</span>\n...\nنقض الشبهات التي أثيرت حول هذا الموضوع\nقلنا ونقول: إن أعداء الإسلام كثيرون وإنهم يتربصون به الدوائر وينتهزون كل فرصة ليسددوا إليه سهام المطاعن. وإن من واجبنا أن نحمي العرين ونقوم بواجب الدفاع في هذا المعمعان ولن يتسنى ذلك إلا إذا تسلحنا بجميع الأسلحة وفي مقدمتها دراسة تلك الشبهات التي يحرقون بخورها في مصر وغير مصر حتى لشبابنا المتعلم في بعض الدروس والكتب التي يزعمون أنها أدبية. وقد شهدت مصر وقتا ما معركة حامية الوطيس دارت رحاها حول أمثال هذه الشبهات التي نسوقها إليك فاقتحمها عنوة وخذها بقوة. ولا حول ولا قوة إلا بالله وما أجمل أن نردد قول الشاعر:\nأنا لا ألوم المستبد ... د إذا تعنت أو تعدى\nفسبيله أن يستبد ... د وشأننا أن نستعدا","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الشبهة الأولى </span>وفي طيها شبهات\nيقولون: إن الباحث الناقد يلاحظ أن في القرآن أسلوبين متعارضين لا تربط الأول بالثاني صلة ولا علاقة مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الكتاب قد خضع لظروف مختلفة وتأثر ببيئات متباينة فنرى أن القسم المكي منه يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة كما نشاهد القسم المدني منه تلوح عليه أمارات الثقافة والاستنارة. فالقسم المكي يتفرد بالعنف والشدة والقسوة والحدة والغضب والسباب والوعيد والتهديد مثل سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وسورة ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وسورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ومثل ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .\nوالجواب: أن هذه الشبهة تتألف من شبهات أربع وإن شئت فقل: تتألف من مقدمات ثلاث كواذب تتأدى أو يريد صاحبها أن يتأدى بها إلى نتيجة هي الأخرى كاذبة.\nفأما المقدمات الثلاث الكواذب فهي أن القسم المكي تفرد بالعنف والشدة وأن فيه سبابا وإقذاعا وأنه يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة. وأما النتيجة أو الهدف الذي يرمي إليه فهو أن القرآن مفكك الأجزاء غير متصل الحلقات وأنه خاضع للظروف متأثر بالبيئة.\nوغرضهم من هذا معروف طبعا وهو أن القرآن ليس كلام الله وليس معجزا إنما هو كلام محمد الذي تأثر أولا بأهل مكة فكان كلامه خشنا بعيدا عن المعارف العالية التي اكتسبها من أهل الكتاب في المدينة.\nذلك كله ما يجب أن نحمل عليه انتقاد أولئك المضللين فإن قرينة عداوتهم للحق","vol":"1","page":206},{"text":"وخصومتهم للإسلام ونقدهم للقرآن تبعد كلامهم عن كل تأويل حسن وتحمله على أسوأ فروضه.\nولنأت لك على بنيان هذه الشبهة من القواعد لتعلم إغراقها في البطلان وإغراق ذويها في الكذب والإسفاف.\n١- فأما قولهم: إن القسم المكي قد تفرد بالعنف والشدة فينقضه أن في القسم المدني شدة وعنفا فدعوى تفرد القسم المكي بذلك باطلة قال تعالى في سورة البقرة وهي مدنية: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وقال فيها أيضا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وقال فيها أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .\nوقال سبحانه في سورة آل عمران وهي مدنية كتلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ .\nوإنما اشتمل القرآن الكريم بقسميه المكي والمدني على الشدة والعنف لأن ضرورة التربية الرشيدة في إصلاح الأفراد والشعوب وسياسة الأمم والدول تقضي أن يمزج المصلح في قانون هدايته بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد والشدة واللين.\nثم إن دعواهم انفراد المكي بالعنف والشدة يفهم منه دعوى انفراد المدني","vol":"1","page":207},{"text":"باللين والصفح ودعوى خلو المكي من ذلك اللين والصفح. وهذا المفهوم باطل كمنطوقه أيضا. ودليل ذلك أن بين السور المكية آيات كريمة تفيض لينا وصفحا وتقطر سماحة وعفوا بل تنادي أن تقابل السيئة بالحسنة كما في قوله سبحانه في سورة فصلت المكية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .\nوكما في قوله سبحانه في سورة الشورى المكية: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ .\nوكذلك قوله سبحانه في سورة الحجر المكية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى آخر السورة. ومثله قول الله جلت قدرته في سورة الزمر المكية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .","vol":"1","page":208},{"text":"٢- وأما زعمهم أن في القسم المكي سبابا ويريدون من السباب معناه المعروف عندهم من القحة والبذاءة والخروج عن حدود الأدب واللياقة فقد ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ . ونحن نتحداهم أن يأتوا بمثال واحد في القرآن كله مكيه ومدنيه يكون من هذا اللون القذر الرخيص. وهل يعقل أن القرآن الذي جاء يعلم الناس أصول الآداب يخرج هو عن أصول الآداب إلى السباب؟ كيف وقد حرم على أتباعه المسلمين أن يسبوا أعداءه المشركين؟ فقال في سورة الأنعام: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .\nنعم إن في القرآن كله لا في القسم المكي وحده تسفيها لأحلام المتنطعين الذين يصمون آذانهم ويغمضون أعينهم عن الحق ويهملون الحجج والبراهين وهو في ذلك شديد عنيف بيد أنه في شدته وعنفه لم يخرج عن جادة الأدب ولم يعدل عن سنن الحق ولم يصدف عن سبيل الحكمة. بل الحكمة تتقاضاه أن يشتد مع هؤلاء لأنهم يستحقون الشدة ومن مصلحتهم هم ومن الرحمة بهم والخير لهم أن يشتد عليهم ليرعووا عن باطلهم ويصيخوا إلى صوت الحق والرشد ويسيروا على هدى الدليل والحجة على حد قول القائل:\nفقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم\nأضف إلى ذلك أن هذا التفريع الحكيم تجده في السور المدنية كما تجده في السور المكية. وإن كان في المكي أكثر من المدني لأن أهل مكة كانوا أشداء العارضة صعاب المراس مسرفين في العناد والإباء لم يتركوا بابا من الشر إلا دخلوه على الرسول وأصحابه ولم يكفهم أن يخرج من بلده وأهله بليل بل وجهوا إليه الأذى في مهاجره.","vol":"1","page":209},{"text":"والشاهد على أن في السور المدنية تنويعا عنيفا أيضا عند المناسبات قوله سبحانه من سورة البقرة المدنية في شأن المشركين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقوله من سورة البقرة أيضا في شأن المنافقين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إلى تمام ثلاث عشرة آية مليئة بالتوبيخ والتعنيف لتلك الحشرات الآدمية الذين ينفثون سمومهم ويفسدون المجتمع بسلاح خطير ذي حدين هو سلاح النفاق والذبذبة. وكذلك تقرأ في هذه السورة المدنية نفسها في شأن اليهود آيات كثيرة من هذا الطراز تنقدهم وتنعي جرائمهم وتحمل عليهم حملة شعواء تقبيحا لجناياتهم وجنايات آبائهم من قبلهم. مثل قوله سبحانه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ومثل قوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .\nومثل قوله تعالى في شأن النصارى من سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ الخ. وقوله فيهم أيضا من هذه السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ الخ.","vol":"1","page":210},{"text":"أما السور والآيات التي اعتمدت عليها الشبهة فلا تدل على ذلك السباب الذي زعموه ووصموا به القرآن الكريم لأن سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ غاية ما اشتملت عليه أنها إنذار ووعيد لأبي لهب وامرأته جزاء ما أساءا إلى الرسول ﷺ وصحبه كما يدل على ذلك سبب نزولها: أخرج الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: \"يا بني فهر يا بني عدي\" لبطون قريش حتى اجتمعوا. فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال ﷺ: \"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي\" قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\". فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا؟ فنزلت.\nوأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن زيد أن امرأة أبي لهب كانت تأتي بأغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق الرسول ﷺ.\nوروي عن مجاهد أنها كانت تمشي بالنميمة.\nفهذه الأسباب مجتمعة تفيد أن السورة نزلت لمقابلة أبي لهب بما يستحق من إنذاره بالهلاك والقطيعة وأن ماله لا ينفعه ولا كسبه وأنه خاسر هو وامرأته وأن مصيرهما إلى النار وبئس القرار.\nولا ريب أن في هذا الوعيد العنيف ردعا له ولأمثاله وتسلية لمن أصيب بأذاهم من الرسول ﷺ وأصحابه. وذلك هو اللائق بالعدالة الإلهية والتربية الحكيمة الربانية.\nووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى\nوأما سورة والعصر فليس فيها سباب ولا ما يشبه السباب. وكل ما عرضت له","vol":"1","page":211},{"text":"أنها جعلت الناس قسمين: قسما غريقا في الخسران وقسما فاز ونجا من هذا الخسران وهم الذين جمعوا عناصر السعادة الأربعة. اقرأ قوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فهل ترى فيها ظلا للسباب والإقذاع؟ ولكن القوم لا يستحون.\nوأما سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: فمبلغ ما تشير إليه أن المخاطبين شغلتهم الدنيا عن الدين وألهتهم الأموال عن رب الأموال حتى انتهت أعمارهم وهم على هذه الحال. وغدا يسألون عن هذا النعيم ويعاقبون على إهمال شكره بعذاب الجحيم.\nوأما قوله سبحانه: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ فهي حكاية لما حل بالأمم السابقة كثمود وعاد حين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ليكون من هذا القصص والخبر عبرة لأولئك الكفار ومزدجر فلا يقعوا فميا وقع فهي أسلافهم لأن سنة الله واحدة في الأمم وميزان عدالته قائم في كل جيل وقبيل. ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ .\nالخلاصة\nوالخلاصة أن القرآن كله قام على رعاية حال المخاطبين فتارة يشتد وتارة يلين تبعا لما يقتضيه حالهم سواء منهم مكيهم ومدنيهم بدليل أنك تجد بين ثنايا السور المكية والمدنية ما هو وعد ووعيد وتسامح وتشديد وأخذ ورد وجذب وشد كما سبق لك في الأمثلة والشواهد الكثيرة. وإذا لوحظ أن أهل مكة كثر خطابهم بالشدة والعنف فذلك لما مردوا عليه من أذى الرسول وأصحابه والكيد لهم حتى أخرجوهم من أوطانهم. ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا إليهم الأذى في مهاجرهم.","vol":"1","page":212},{"text":"وكان القرآن في حملته عليهم وعلى أمثالهم بالقول بعيدا عن كل معاني السباب والإقذاع متذرعا بالحكمة والأدب الكامل في الإرشاد والإقناع حاثا على الصبر والعفو والإحسان حتى ليخاطب الله رسوله في سورة الأنعام المكية بقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ .\nظاهرة مسكتة\nعلى أننا نلاحظ في آفاق الآيات والسور المكية ظاهرة باهرة تسكت كل معاند وتفحم كل مكابر في هذا الموضوع. وهي أن القسم المكي خلا خلوا تاما من تشريع القتال والجهاد والمخاشنة كما خلت أيامه في مكة على طولها من مقاتلة القوم بمثل ما يأتون من التنكيل والمصاولة فلم يسمع للمسلمين فيها صلصلة لسيف ولا قعقعة لسلاح ولا زحف على عدو. إنما هو الصبر والعفو والمجاملة والمحاسنة بالرغم من إيغال الأعداء في أذاهم ولجاجهم في عتوهم وأساهم سبا وطعنا وقتلا ونهبا ومقاطعة ومهاترة ومصاولة ومكابرة.\n٣- وأما زعمهم أن القسم المكي يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة فهو مردود عليهم باطل من كل باب دخلوه وعلى أي وجه أرادوه لأنهم إن أرادوا بذلك ما توهموه من انفراده بالشدة والعنف أو السباب والإقذاع فقد علمت مبلغ","vol":"1","page":213},{"text":"ما فيه من كذب وافتراء وجهالة بما جاء في القرآن من ترغيب وترهيب في شطريه المكي والمدني على السواء.\nوإن أرادوا بانحطاطه الإشارة إلى قصر آياته أو إلى خلوه من التشريعات التفصيلية العملية فهذا لا يدل على الانحطاط بل قصر الآيات والخلو من تفاصيل التشريع لهما وجه آخر يظهر عند الكلام عليهما في الشبهات الآتية:\nوإن أرادوا بما ذكروا أن أهل مكة كانوا منحطين في الفصاحة والبيان والذكاء والألمعية فتلك ثالثة الأثافي لأن التاريخ شاهد عدل بأن قريشا كانت في مركز الزعامة من جميع قبائل العرب يصدرون عن رأيها ويرجعون إلى حكمها ويأخذون عنها ويركبون ظهور الإبل إليها وينزلون على قولها فيما يعلو وينزل من منظوم ومنثور ويذعنون لها بالسبق في مضمار الفصاحة والبلاغة والذكاء والألمعية والشرف والنبل. وكان لها هذا الامتياز من قبل الإسلام. ثم دام لها وزاد عليها في الإسلام. واعترف لها به أهل المدينة وغيرهم من عرب وأعجام.\nثم إن وصف القسم المكي بميزات الأوساط المنحطة تهمة جريئة وطعنة طائشة وأكذوبة مكشوفة ما رضيها لأنفسهم أعداء الإسلام في فجر دعوته من مشركين وأهل كتاب وعرب وعجم وأميين ومثقفين على حين أن أولئك العرب كانوا على أميتهم أعرف الناس بانحطاط الكلام ورقيه وعلوه ونزوله. كما كانوا أحرص الناس على إحراج محمد ودحض حجته ونقض دينه والقضاء على الإسلام في مهده. ولكن سجيتهم لم تسمح بهذا الهراء الذي يهرف به الملاحدة في القسم المكي من القرآن. بل نعلم بجانب هذا أن القرآن كان له سلطان على نفوسهم إلى حد خارق مدهش يقودهم بقوته إلى الإسلام ويدفع المعاند منهم إذا استمع إليه أن يسجد لبلاغته ويهتز لفصاحته وأن يأخذ نفسه بالتشاغل عنه مخافة أن يؤمن عن طريق تأثره بسماعه.","vol":"1","page":214},{"text":"وأما زعمهم انقطاع الصلة بين القسم المكي والمدني والتعارض بين أسلوبيهما فهو زعم ساقط مبني على الاعتبارات الخاطئة الماضية التي أثبتنا بطلانها. ثم هو دعوى ماجنة يكذبها الواقع ويفندها الذوق البلاغي المنصف. وأدل دليل على ذلك أن أساطين البلاغة من أعداء الإسلام في مكة نفسها أيام نزول القرآن لم يستطيعوا أن يتهموا أساليب التنزيل بمثل هذا الاتهام ولا كذبا لأنهم كانوا أعقل من ملاحدة اليوم يرون أن هذا الاتهام يكون كذبا مكشوفا وافتراء مفضوحا. بل هذا وحيدهم الوليد بن المغيرة يقول للملأ من قريش: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو وما يعلى.\nولما قالت قريش عندئذ: صبأ والله الوليد واحتالوا عليه أن يطعن في القرآن لم يجد حيلة إلا أن يقول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ . ولم يستطع أن يرمي القرآن بالتهافت والتخاذل وانقطاع الصلة بين أجزائه وانحطاط شيء من أساليبه على نحو ما يرجف أولئك الخراصون. والله أعلم بما يبيتون.\n٤- وإذا بطل هذا وما سبقه بطل ما زعموه من تأثر القرآن بالوسط والبيئة وما رتبوه عليه من أنه كلام محمد لا كلام رب العزة. ثم إنها اتهامات سخيفة لا تستحق الرد ما دام إعجاز القرآن قائما يتحدى كل جيل وقبيل ويفحم كل معارض ومكابر. ولمبحث إعجاز القرآن مجال آخر عسى أن يكون قريبا.\nولولا أن الشبيبة الحاضرة من أنصاف المتعلمين وأشباههم ينخدعون بمثل هذه الترهات ما أتعبنا أنفسنا في علاجها ولا أتعبناك فاصبر معنا على دفع هذا المصاب والله يتولى هدانا وهداك.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الشبهة الثانية</span>\nيقولون: إن قصر السور والآيات المكية مع طول السور والآيات المدنية يدل على انقطاع الصلة بين القسم المكي والقسم المدني ويدل على أن القسم المكي يمتاز بمميزات الأوساط المنحطة ويدل على أن القرآن في نمطه هذا نتيجة لتأثر محمد بالوسط والبيئة فلما كان في مكة أميا بين الأميين جاءت سور المكي وآياته قصيرة ولما وجد في المدينة بين مثقفين مستنيرين جاءت سور المدني وآياته طويلة وغرضهم من إلقاء هذه الشبهة التشكيك في أن القرآن من عند الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .\nوننقض شبهتهم هذه بما يأتي:\nأولا- أن في القسم المكي سورا طويلة مثل سورة الأنعام وفي القسم المدني سورا قصيرة مثل سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فكلاهما لا يسلم على عمومه.\nثانيا - إذا أرادوا الكثرة الغالبة لا الكلية الشاملة فهذا نسلمه لهم بيد أنه لا يدل على ما افتروه ورتبوه عليه لأن قصر معظم السور المكية وآياتها وطول معظم السور المدنية وآياتها لا يقطع الصلة بين قسمي القرآن: مكية ومدنية ولا بين سور القرآن وآياته جميعا. بل الصلة كما يحسها كل صاحب ذوق في البلاغة محكمة وشائعة بين كافة أجزاء التنزيل. وقد تفنن العلماء وأشبعوا الحديث عن هذه المناسبات في غضون تفسيرهم لكتاب الله. وتقدم تقرير هذا التناسب البارع في صفحة ٨١.\nعلى أنك تلاحظ آيات مكية منبثة بين آيات سور مدنية وتلاحظ آيات مدنية منبئة بين آيات سور مكية. وبرغم ذلك لا يكاد أحد يحس التفاوت أو التفكك","vol":"1","page":216},{"text":"والانقطاع بل يروعك ما بين الجميع من جلال الوحدة وكمال الاتصال وجمال التناسق والانسجام مما يجعل القرآن كله على طوله سلسلة واحدة محكمة متصلة الحلقات أو عقدا رائعا أخاذا منتظم الحبات أو قانونا رصينا مترابط المبادئ والغايات.\nثالثا - أن قصر السور والآيات المكية لا يدل على ما زعموه من امتياز القسم المكي بمميزات الأوساط المنحطة بل القصر مظهر الإيجاز والإيجاز مظهر رقي المخاطب وآية فهمه وذكائه بحيث يكفيه من الكلام موجزه ومن الخطاب أقصره. أما من كان دونه ذكاء وفهما فلا سبيل إلى إفادته إلا بالإسهاب والبسط إن لم يكن بالمساواة والتوسط.\nولهذا المعنى جاء قسم القرآن المكي قصيرا موجزا في معظمه وجاء قسم المدني طويلا مسهبا في أكثره. ويرجع ذلك إلى ما أشرنا إليه قبلا من أن القرشيين في مكة كانوا في الذؤابة من قبائل العرب ذكاء وألميعة وفصاحة وبلاغة وشرفا وشجاعة فلا بدع أن يخاطبهم القرآن بالقصير من سوره وآياته رعاية لحق قانون البلاغة والبيان في خطاب الذكي النابه بغير ما يخاطب به من كان دونه. ولا يقدح في مزايا المكيين هذه أنهم كانوا أميين لم يستنيروا بثقافة المدنيين فللثقافة والاستنارة ميدان وللذكاء والتمهر في البيان ميدان وأهل المدينة لم يكونوا على استنارتهم ليبلغوا شأن قريش في تلك الخصائص والمزايا وكان منهم أهل كتاب درجوا على ألا يستفيدوا إلا بالتطويل ولا يقنعوا إلا ببسط الكلام.\nومن هنا تعرف مبلغ ما في هذه الشبهة من زيف وكذب فيما رتبوه على هذا من أن القرآن كان نتيجة لتأثر محمد بانحطاط أهل مكة في القسم المكي وباستنارة أهل المدينة في القسم المدني حتى جاء قرآنه قصيرا في الأول طويلا في الثاني.","vol":"1","page":217},{"text":"رابعا - أن القرآن قد تحدى الناس جميعا مكيهم ومدنيهم وعربيهم وعجميهم أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة من تلك السور القصيرة فعجزوا أجمعين وأسلم المنصفون منهم لله رب العالمين. فلو كان القصر أثرا للانحطاط كما يقول أولئك المرجفون لكان في مقدور الممتاز غير المنحط أن يأتي بمثل ذلك المنحط بل بأرقى منه ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .\nوإذا أراد أولئك المتقولون أن يعللوا القصر والطول بأن المكي لم يتعرض لتفاصيل التشريع بخلاف المدني فإليك هذه الشبهة وتمحيصها فيما يليك.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الشبهة الثالثة</span>\nيقولون: إن القسم المكي خلا من التشريع والأحكام بينما القسم المدني مشحون بتفاصيل التشريع والأحكام\nوذلك يدل على أن القرآن من وضع محمد وتأليفه تبعا لتأثره بالوسط الذي يعيش فيه فهو حين كان بمكة بين الأميين جاء قرآنه المكي خاليا من العلوم والمعارف العالية ولما حل بالمدينة بين أهل الكتاب المثقفين جاء قرآنه المدني مليئا بتلك العلوم والمعارف العالية.\nوننقض هذه الشبهة: أولا - بأن القسم المكي لم يخل جملة من التشريع والأحكام بل عرض لها وجاء عليها ولكن بطريقة إجمالية فإن مقاصد الدين خمسة: ١- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ٢ - وحفظ النفس. ٣ - وحفظ العقل. ٤ - وحفظ النسل. ٥ - وحفظ المال. وقد تحدث القسم المكي عنها إجمالا. اقرأ إن شئت قوله تعالى من سورة الأنعام المكية: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى تمام ثلاث آيات بعدها جمعت الوصايا العشر لهذه المقاصد الخمسة. ولا يخفى عليك أن آيات العقائد في القسم المكي ظاهرة واضحة وكثيرة شائعة،","vol":"1","page":218},{"text":"ليست من موضوع الاشتباه ولا يختلف اثنان في أنها أكثر من مثيلاتها في السور المدنية بأضعاف الأضعاف.\nثانيا - أن كثرة التفاصيل في تشريع الأحكام بالمدينة ليس نتيجة لما زعموه. إنما هو أمر لا بد منه في سياسة الأمم وتربية الشعوب وهداية الخلق. ذلك أن الطفرة حليفة الخيبة والفشل والتدرج حليف التوفيق والنجاح وتقديم الأهم على المهم واجب في نظر الحكمة. لهذا بدأ الله عباده في مكة بما هو أهم: بدأهم بإصلاح القلوب وتطهيرها من الشرك والوثنية وتقويمها بعقائد الإيمان الصحيح والتوحيد الواضح حتى إذا استقاموا على هذا المبدأ القويم وشعروا بمسؤولية البعث والجزاء وتقررت فيهم هذه العقائد الراشدة فطمهم عن أقبح العادات وأرذل الأخلاق وقادهم إلى أصول الآداب وفضائل العادات ثم كلفهم ما لا بد منه من أمهات العبادات. وهذا ما كان في مكة. ولما مرنوا على ذلك وتهيأت نفوسهم للترقي والكمال بتطاول الأيام والسنين وكانوا وقتئذ قد هاجروا إلى المدينة جاءهم بتفاصيل التشريع والأحكام وأتم عليهم نعمته ببيان دقائق الدين وقوانين الإسلام.\nونظير ذلك ما تواضع عليه الناس قديما وحديثا في سياسة التعليم من أنهم يلقنون البادئين في مراحل التعليم الأولى أخف المسائل وأوجزها فيما يشبه قصار السور ومختصر القصص حتى إذا تقدمت بهم السن وعظم الاستعداد تلاطم بحر التعليم وزاد على حد قولهم: الإمداد على قدر الاستعداد.\nأما ما زعموه من أن ذلك كان نتيجة لاختلاط محمد بأهل المدينة المستنيرين فينقضه أن القرآن جاء يصلح عقائد أهل الكتاب وأخطاءهم في التشريع وفي التحليل والتحريم وفي الأخبار والتواريخ فكيف يأخذ المصيب من المخطئ؟ وهل","vol":"1","page":219},{"text":"يستمد الحي حياته من ميت اقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الخ. وقوله جل ذكره: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾؟ الخ وقوله عز اسمه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ الخ وهذه الآيات من سورة آل عمران. وقوله تعالت قدرته من سورة المائدة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ الخ.\nثالثا: أن ما زعموه لو كان صحيحا لظهر أثر أهل الكتاب المدنيين فيمن معهم من عرب أهل المدينة وفيمن حولهم من أهل مكة وآفاق الجزيرة ولكانوا هم الأحرياء بهذه النبوة والرسالة ولسبق محمدا إليها كثير غيره من فصحاء العرب وتجار قريش الذين كانوا يختلطون بأهل الكتاب في المدينة والشام أيما اختلاط.\nرابعا: أن القرآن تحدى الكافة من مكيين ومدنيين بل من جن وإنس فهلا كان أساتذته أولئك يستطيعون أن يجاروه ولو في مقدار سورة قصيرة واحدة يا لها فرية ثم يا لها صفاقة.\nهذا كلام له خبئ ... معناه ليست لنا عقول","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الشبهة الرابعة</span>\nيقولون: إن القرآن أقسم كثيرا بالضحى والليل والتين والزيتون وطور سينين وكثير من المخلوقات. ولا ريب أن القسم بالأشياء الحسية يدل على تأثر القرآن بالبيئة في مكة لأن القوم فيها كانوا أميين لا تعدو مداركهم حدود الحسيات. أما بعد الهجرة واتصال محمد بأهل المدينة وهم قوم مثقفون مستنيرون،","vol":"1","page":220},{"text":"فقد تأثر القرآن بهذا الوسط الراقي الجديد وخلا من تلك الأيمان الحسية الدالة على البساطة والسذاجة.\nوهذه الشبهة مدفوعة أولا: بما قدمنا من أن أهل مكة كانوا أرقى ذوقا وأعلى كعبا وأعظم ذكاء من أهل المدينة وأن الخطاب معهم كان ملحوظا فيه اشتماله على أسرار وخصائص لا يدركها إلا المتفوقون والمتمهرون في صناعة البيان. فلا يستقيم إذن ما زعموه من أن مدارك أهل مكة كانت لا تعدو حدود الحسيات. والتاريخ خير شاهد وأعدل حاكم بامتياز العرب في مكة عن سائر القبائل على عهد نزول القرآن.\nثانيا: أن القسم بالأمور الحسية في القرآن كالضحى والليل ليس منشؤه انحطاط القوم كما يزعمون إنما منشؤه رعاية مقتضى الحل فيما سبق القسم لأجله وذلك أن القرآن كان بصدد علاج أفحش العقائد فيهم وهي عقيدة الشرك. ولا سبيل إلى استئصال هذه العقيدة وإقامة صرح التوحيد على أنقاضها إلا بلفت عقولهم إلى ما في الكون من شؤون الله وخلق الله وإلا بفتح عيونهم على طائفة كبيرة من نعم الخلق المحيطة بهم ليصلوا من وراء ذلك إلى أن يؤمنوا بالله وحده ما دام هو الخالق وحده لأنه لا يستحق العبادة عقلا إلا من كان له أثر الخلق في العالم فعلا. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾؟.\nفعرض بعض المخلوقات على أنظار الجاحدين بالتوحيد بعد إقرارهم أن ليس لها خالق إلا الله إلزام لهم بطرح الشرك وتوحيد الخالق. وهذا مطمح نبيل أجاد القرآن في أساليب عرض نعم الله عليهم من أجله وكان في إجادته هذه موفيا على الغاية وأصلا إلى قمة الإعجاب كعادته متفننا في ذكر النعم منوعا في سردها وبيانها\nفمرة يحدث عن خلق السماء ومرة عن خلق الأرض وثالثة عن أنفسهم ورابعة عن أنواع الحيوان والنبات والجماد وهلم جرا. وتارة يختار القرآن في عرضه طريقة السرد والشرح،","vol":"1","page":221},{"text":"وتارة يختار طريقة الحلف والقسم لأن في الحلف والقسم معنى العظمة التي أودعها الله في هذه النعم دالة على توحيده وعظمته حتى صح أن يدور القسم عليها وأن يجيء الحلف بها.\nومن هنا أقسم الله بما أقسم من الأمور الحسية والمعنوية فالأمور الحسية كما ذكرنا والمعنوية مثل القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لينبههم إلى مدى إنعامه عليهم بتلك الأقسام كلها حسيها ومعنويها فيرعووا عن شركهم بتلك الآلهة المزيفة التي لا تملك ضرا ولا نفعا وليس لها أي شأن في هذا الخلق. على حد قوله سبحانه في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ .\nوأنت خبير بأن المصاب بداء الشرك لا سبيل إلى إنقاذه منه إلا بمثل هذه الطريقة المثلى التي سلكها القرآن بعرض دلائل التوحيد من آيات الله في الآفاق على أنظار المشركين وهذا سبيل متعين في خطاب كل مشرك ولو كان واحد الفلاسفة ووحيد العباقرة وأستاذ المثقفين والمستنيرين. فحلف القرآن بأمثال هاتيك المخلوقات والحسيات ليس دالا على سذاجة المخاطبين وانحطاطهم وليس بالتالي سبيلا إلى الطعن في القرآن بأنه كلام محمد المتأثر بانحطاط البيئة المكية كما يرجفون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ .\nثالثا: أن في مضامين تلك الأقسام بالحسيات أسرارا تنأى بها عن السذاجة والبساطة وتشهد ببراعة المخاطبين بها وتفوقهم في الفهم والذكاء والفصاحة والبيان.","vol":"1","page":222},{"text":"ذلك أن القسم بها كما قلنا إشارة إلى الأسرار العظيمة التي وضعها الله في تلك الأمور التي أقسم بها. حتى صح أن يكون مقسما بها. وتلك الأسرار لا يدركها إلا اللبيب لأنها غير مشروحة ولا مفسرة في القرآن الكريم فلا يفهمها إلا من كمل عقله وسلم ذوقه. ولنشرح لك بعض الأسرار ليتبين الحال ولا يبق للشبهة مجال.\nالمثال الأول: أقسم الله سبحانه بالضحى والليل في قوله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وسبب نزول هذه الآيات: أن النبي ﷺ فتر عنه الوحي مرة لا ينزل بقرآن فرماه أعداؤه بأن ربه ودعه وقلاه أي تركه وأبغضه فنزلت هذه الآيات مصدرة بهذا القسم مشيرة إلى أن ما كان من سطوع الوحي على قلبه ﷺ بمنزلة الضحى تقوى به الحياة وتنمى به الناميات وما عرض بعد ذلك من فترة الوحي فهو بمنزلة الليل إذا سجى لتستريح فيه القوى وتستعد فيه النفوس لما يستقبلها من العمل. ومن المعلوم أن النبي ﷺ لاقى من الوحي شدة أول أمره حتى جاء إلى خديجة ﵂ ترجف بوادره كما هو معروف في حديث الصحيحين. فكانت فترة الوحي لتثبيته ﵊ وتقوية نفسه على احتمال ما يتوالى عليه منه حتى تتم به حكمة الله في إرساله إلى الخلق. ولهذا قال له: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ أي إن كرة الوحي ثانيا سيكمل بها الدين وتتم بها نعمة الله على أهله وأين بداية الوحي من نهايته؟ وأين إجمال الدين الذي جاء في قوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ الخ من تفصيل العقائد والأحكام الذي جاء في مثاني القرآن ثم زاد الأمر تأكيدا بقوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ .\nفمن هذا نعلم أن الحلف بالضحى والليل في هذا المقام ليس مجرد تذكير","vol":"1","page":223},{"text":"بآياته ونعمه فحسب. بل هو أيضا إقامة دليل على أن تنزل الوحي أشبه بضحوة النهار وأن فترة الوحي أشبه بهدأة الليل فإذا كانوا يتقبلون الضحى والليل بالرضا والتسليم لما فيهما من نفع الإنسان بالسعي والحركة والحياة بالنهار والنوم والاستجمام بالليل يجب أن يتقبلوا أيضا ما يجري على محمد ﷺ من نزول الوحي وفترته للمعنى الذي سلف.\nالمثال الثاني: أقسم الله سبحانه بالتين والزيتون في قوله جل ذكره: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده عند تفسيره لهذه السورة ما نصه:\nوقد يرجح أنهما أي التين والزيتون النوعان من الشجر ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا بل لما يذكران به من الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر. قال صاحب هذا القول: إن الله تعالى أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطويل فإنه كان يستظل في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين وعندما بدت له ولزوجته سوآتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التين. والزيتون إشارة إلى عهد نوح ﵇ وذريته وذلك أنه بعد أن فسد البشر وأهلك من أهلك منه بالطوفان ونجى نوح في سفينته واستقرت السفينة نظر نوح إلى ما حوله فرأى المياه لا تزال تغطي وجه الأرض فأرسل بعض الطيور لعله يأتي إليه بخبر انكشاف الماء عن بعض الأرض فغاب ولم يأت بخبر فأرسل طيرا آخر فرجع إليه يحمل ورقة من شجر الزيتون فاستبشر وسر وعرف أن غضب الله قد سكن وقد أذن للأرض أن تعمر ثم كان منه ومن أولاده تجديد القبائل البشرية العظيمة في الأرض التي امحى عمرانها فعبر عن ذلك الزمن بزمن الزيتون. والإقسام هنا بالزيتون للتذكير بتلك الحادثة وهي من أكبر ما يذكر من الحوادث.\n﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية وظهور نور التوحيد في العالم،","vol":"1","page":224},{"text":"بعد ما تدنست جوانب الأرض بالوثنية وقد استمر الأنبياء بعد موسى يدعون قومهم إلى التمسك بتلك الشريعة إلى أن كان آخرهم عيسى ﷺ جاء مخلصا لروحها مما عرض عليه من البدع. ثم طال الأمد على قومه فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الاختلاف في الدين وحجب نوره بالبدع وإخطاء معناه بالتأويل وإحداث ما ليس منه بسبيل فمن الله على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ ويفصل بين ما سبق من أطوار الإنسانية وبين ما يلحق وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة. وإليه أشار بذكر البلد الأمين. وعلى هذا القول الذي فصلنا بيانه يتناسب القسم والمقسم عليه. ا. هـ ما أردنا نقله.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الشبهة الخامسة</span>\nيقولون إن القسم المكي من القرآن قد اشتمل على لغو من الكلام في كثير من فواتح السور مثل الم وكهيعص. وذلك يبطل دعوى المسلمين أن القرآن بيان للناس وهدى وأنه كلام الله. وأي بيان وأي هدى في قوله: ﴿الم﴾ وقوله: ﴿كهيعص﴾؟ بل هذه الأحرف وأمثالها في غاية البعد عن الهدى بدليل أنه لم يهتد أحد منهم ولا الراسخون في العلم لإدراك معناها فالخطاب بها كالخطاب بالمهمل وإنما هذه الألفاظ من وضع كتبه محمد من اليهود تنبيها على انقطاع كلام واستئناف آخر ومعناها أوعز إلي محمد أو أمرني محمد يشيرون بذلك إلى براءتهم من الإيمان بما يأمرهم بكتابته. وقريب من هذا قول بعضهم: إن الحروف العربية غير المفهومة المفتتح بها أوائل بعض السور إما أن يكون قصد منها التعمية أو التهويل أو إظهار القرآن في مظهر عميق مخيف أو هي رمز للتمييز بين المصاحف المختلفة ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن فصارت قرآنا.","vol":"1","page":225},{"text":"وننقض هذه الشبهة بأمور: أولها: أنه لم يكن للرسول ﷺ كتبة من اليهود أبدا. وها هو التاريخ حاكم عدل لا يرحم ولا يحابي فليسألوه إن كانوا صادقين.\nثانيا: أنه لا دليل لهم أيضا على أن فواتح هذه السور تستعمل في تلك المعاني التي زعموها وهي أوعز إلي محمد أو أمرني محمد لا عند اليهود ولا عند غيرهم في أية لغة من لغات البشر.\nثالثها: أن اليهود لم يعرف عنهم الطعن في القرآن بمثل هذا. ولو كان هذا مطعنا عندهم لكانوا أول الناس جهرا به وتوجيها له لأنهم كانوا أشد الناس عداوة النبي ﷺ والمسلمين يتمنون أن يجدوا في القرآن مغمزا من أي نوع يكون ليهدموا به دعوة الإسلام. كيف وهم يكفرون به حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق؟\nرابعها: أن اشتمال القرآن على كلمات غير ظاهرة المعنى لا ينافي وصف القرآن بأنه بيان للناس وهدى ورحمة فإن هذه الأوصاف يكفي في تحققها ثبوتها للقرآن باعتبار جملته ومجموعة لا باعتبار تفصيله وعمومه الشامل لكل لفظ فيه. ولا ريب أن الكثرة الغامرة في القرآن كلها بيان للتعاليم الإلهية وهداية للخلق إلى الحق ورحمة للعالم من وراء تقرير أصول السعادة في الدنيا والآخرة.\nوهذا الجواب مبني على أحد رأيين للعلماء في فواتح تلك السور وهو أن المعنى المقصود غير معلوم لنا بل هو من الأسرار التي استأثر الله بعلمها ولم يطلع عليها أحد من خلقه. وذلك لحكمة من حكمة تعالى السامية وهي ابتلاؤه سبحانه وتمحيصه لعباده حتى يميز الخبيث من الطيب وصادق الإيمان من المنافق بعد أن أقام لهم أعلام بيانه ودلائل هدايته وشواهد رحمته في غير تلك الفواتح من كتابه بين آيات وسور كثيرة لا تعتبر تلك الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر أو غيضا من فيض.","vol":"1","page":226},{"text":"فأما الذين آمنوا فيعلمون أن هذه الفواتح حق من عند ربهم ولو لم يفهموا معناها ولم يدركوا مغزاها ثقة منهم بأنها صادرة من لدن حكيم عليم عمت حكمته ما خفي وما ظهر من معاني كتابه ووسع علمه كل شيء عرفه الخلق أو لم يعرفوه من أسرار تنزيله. ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ .\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .\nونظير ذلك أن يكون لك أصدقاء تريد أن تعرفهم أو تعرف منهم مدى صداقتهم لك فتبتليهم بأمور يزل عندها المزيفون ويظهر الصادقون.\nعلى حد قول القائل:\nوعلى حد المثل القائل: إن أخاك من واساك.\nابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن فعالهم وتفقد\nفإذا ظفرت بذي اللبانة والتقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد\nونظير ذلك أيضا أن تكون أستاذا معلما وتريد أن تقف على مدى انتباه تلاميذك ومبلغ ثقتهم فيك وفي علمك بعد أن زودتهم منك بدراسات واسعة وتعاليم واضحة فإنك تختبرهم في بعض الأوقات بكلمات فيها شيء من الإلغاز والخفاء ليظهر الذكي من الغبي والواثق بك الوامق لك من المتشكك فيك المتردد في علمك وفضلك. فأما الواثق فيك فيعرف أن تلك الألغاز والمعميات صدرت عن علم منك بها وإن لم يعلم هو تفسيرها ويعرف أن لك حكمة في إيرادها على هذه الصورة من الخلفاء وهي الاختبار والابتلاء. وأما المتشكك فيك فيقول: ماذا أراد بهذا؟ وكيف ساغ له أن يورده؟ وما مبلغ العلم الذي فيه؟ ثم ينسى تلك المعارف الواسعة الواضحة التي زودته بها من قبل ذلك وكلها من أعلام العلم وآيات الفضل.","vol":"1","page":227},{"text":"ولا يفوتنك في هذا المقام أن تعرف أن إبتلاء الله لعباده ليس المراد منه أن يعلم سبحانه ما كان جاهلا منهم حاشاه حاشاه فقد وسع كل شيء علما. إنما المقصود منه إظهار مكنونات الخلق وإقامة الحجج عليهم من أنفسهم فلا يتهمون الله في عدله وجزائه إذا جعل من الناس أهلا لثوابه وآخرين لعقابه. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ .\nالرأي الثاني في فواتح السور أن لها معنى مقصودا معلوما. قالوا: لأن القرآن كتاب هداية والهداية لا تتحقق إلا بفهم المعنى خصوصا أننا أمرنا بتدبر القرآن والاستنباط منه وهذا لا يكون إلا إذا فهم المعنى أيضا.\nغير أن أصحاب هذا الرأي تشعبت أقوالهم في بيان هذا المعنى المقصود بفواتح تلك السور فذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التي افتتحت بها واستدلوا بآثار تفيد ذلك منها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"يس قلب القرآن\" وقوله: \"من قرأ السجدة حفظ إلى أن يصبح\". ومنها اشتهار بعض السور بالتسمية بها. ثم إن ورودها في فواتح سور مختلفة بلفظ واحد ينافي كونها أسماء للسور. بل شأنها في ذلك شأن الأعلام المشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ محمد المسمى به أشخاص كثيرون. فيضم إلى اسم كل منهم ما يميز مسماه عن غيره فيقال: محمد المصري ومحمد الشامي مثلا. وكذلك فواتح السور يقال فيها: الم البقرة والم آل عمران وحم السجدة وهلم جرا.\nوبعضهم ذهب إلى أنها للحروف الهجائية التي وضعت بإزائها. وهؤلاء منهم من قال: إن المقصود من ذلك هو إفهام المخاطبين أن الذي سيتلى عليهم من الكلام الذي عجزوا عن معارضته والإتيان بمثله إنما تركب من مثل هذه الحروف التي في الفواتح وهي معروفة لهم يتخاطبون بما يدور عليها ولا يخرج عنها.","vol":"1","page":228},{"text":"ومنهم من قال: إن المقصود منها هو الدلالة على انتهاء سورة والشروع في أخرى. ومنهم من قال: إن المقصود منها القسم بها لإظهار شرفها وفضلها إذ هي مبنى كتبه المنزلة. ومنهم من قال: إن المقصود منها بيان نبوة محمد ﷺ من ناحية أنه ينطق بأسامي الحروف مع أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب والمعروف أن النطق بأسامي الحروف من شأن القارئ وحده لا سبيل للأمي إلى معرفتها ولا النطق بها فإتيانه بها وترديده لها دليل مادي أمامهم على أنه لا يأتي بهذا القرآن من تلقاء نفسه إنما يتلقاه من لدن حكيم عليم.\nومنهم من قال: إن المقصود منها هو تنبيه السامعين وإيقاظهم. وذلك أن قرع السمع في أول الكلام بما يعيي النفوس فهمه أو بالأمر الغريب دافع لها أن تصغي وتتيقظ وتتأمل وتزداد إقبالا: فهي كوسائل التشويق التي تعرض في مقدمة الدرس على منهج التربية الحديثة في التعليم.\nومنهم من قال: إن المقصود منها سياسة النفوس المعرضة عن القرآن واستدراجها إلى الاستماع إليه. والمعروف أن أعداء الإسلام في صدر الدعوة كان يقول بعضهم لبعض: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ . فلما أنزلت السور المبدوءة بحروف الهجاء وقرع أسماعهم ما لم يألفوا التفتوا وإذا هم أمام آيات بينات استهوت قلوبهم واستمالت عقولهم فآمن من أراد الله هدايته وشارف الإيمان من شاء الله تأخيره وقامت الحجة في وجه الطغاة المكابرين وأخذت عليهم الطرق فلا عذر لهم في الدنيا ولا يوم الدين.\nوقال العلامة المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره لسورة آل عمران ما نصه:","vol":"1","page":229},{"text":"اعلم أن القرآن كتاب سماوي. والكتب السماوية تصرح تارة وترمز تارة أخرى. والرمز والإشارة من المقاصد السامية والمعاني والمغازي الشريفة. وقديما كان ذلك في أهل الديانات ألم تر إلى اليهود الذين كانوا منتشرين في المدينة وفي بلاد الشرق أيام النبوة كيف كانوا يصطلحون فيما بينهم على أعداد الجمل المعروفة اليوم في الحروف العربية فيجعلون الألف بواحد والباء باثنين والجيم بثلاثة والدال بأربعة وهكذا مارين على الحروف الأبجدية إلى الياء بعشرة والكاف بعشرين وهكذا إلى القاف بمائة والراء بمائتين وهكذا إلى الغين بألف كما ستراه في هذا المقام.\nكذلك ترى أن النصارى في إسكندرية ومصر وبلاد الروم وفي سوريا قد اتخذوا الحروف رموزا دينية معروفة فيما بينهم أيام نزول القرآن. وكانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية في مصر. وكانوا يرمزون بلفظ إكسيس لهذه الجملة: يسوع المسيح ابن الله المخلص فالألف من إكسيس هي الحرف الأول من لفظ إيسوس يسوع.\nوالكاف منها هي الحرف الأول من كرستوس المسيح. والسين منها هي حرف الثاء التي تبدل منها في النطق في لفظ ثبو الله. والياء منها تدل على ايوث ابن. والسين الثانية منها تشير إلى ثوتير المخلص. ومجموع هذه الكلمات: يسوع المسيح ابن الله المخلص. ولفظ إكسيس اتفق أنه يدل على معنى سمكة فأصبحت السمكة عند هؤلاء رمزا لإلههم.\nفانظر كيف انتقلوا من الأسماء إلى الرمز بالحرف ومن الرمز بالحرف إلى الرمز بحيوان دلت عليه الحروف.\nقال الحبر الإنجليزي صموئيل موننج: إنه كان يوجد كثيرا في قبور رومة صور أسماك صغيرة مصنوعة من الخشب والعظم. وكان كل مسيحي يحمل سمكة إشارة للتعارف فيما بينهم اهـ.\nفإذا كان ذلك من طبائع الأمم التي أحاطت بالبلاد العربية وتغلغلت فيها ونزل","vol":"1","page":230},{"text":"القرآن لجميع الناس من عرب وعجم كان لا بد أن يكون على منهج يلذه الأمم ويكون فيه ما يألفون\nوستجد أنه لا نسبة بين الرموز التي في أوائل السور وبين الجمل عند اليهود ورموز النصارى إلا كالنسبة بين علم الرجل العاقل والصبي أو بين علم العلماء وعلم العامة. وبهذا تبين لك أن اليهود والنصارى كان لهم رموز وكانت رموز اليهود هي حروف الجمل.\nقال ابن عباس ﵄ مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله ﷺ وهو يتلو سورة البقرة: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثم أتى أخوه حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن ﴿الم﴾ وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء؟ فقال النبي ﷺ: \"نعم كذلك نزلت\". فقال حيي: إن كنت صادقا إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين. ثم قالوا: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة فضحك النبي ﷺ. فقال حيي: فهل غير هذا؟ فقال: \"نعم ﴿المص﴾ \". فقال حيي: هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة فهل غير هذا؟ قال: \"نعم ﴿الر﴾ \" فقال حيي: هذا أكثر من الأولى والثانية فنحن نشهد إن كنت صادقا ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة. فهل غير هذا؟ فقال: \"نعم ﴿المر﴾ \". قال حيي: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ. فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون؟ فإن كان محمد صادقا فيما يقول إني لأراه سيجتمع له هذا كله. فقام اليهود وقالوا اشتبه علينا أمرك كله فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟\nفبهذا تعرف أيها الذكي أن الجمل كانت للتعارف عند اليهود وهو نوع من","vol":"1","page":231},{"text":"الرموز الحرفية فكانت هذه الحروف لا بد من نزولها في القرآن ليأخذ الناس في فهمها كل مذهب ويتصرف الفكر فيها.\nولأقتصر لك مما قرأته على ثلاث طرائق فيما ترمز إليه هذه الحروف:\nالطريقة الأولى: أن تكون هذه الحروف مقتطعات من أسماء الله كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه. وعنه أن آلر وحم ون مجموعها الرحمن. وعنه أن آلم معناه أنا الله أعلم ونحو ذلك في سائر الفواتح. وعنه أن الألف من الله واللام من جبريل والميم من محمد أي القرآن منزل من الله بلسان جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام. أقول: إنما أراد ابن عباس بذلك أن تكون الحروف مذكرة بالله ﷿ في أكثر الأحوال وذكر الله أجل شيء. ويرجع الأمر إلى أنها أسماء مرموز لها بالحروف كما تقدم عن الأمم السالفة من النصارى في اسكندرية ورومة. ولكن لا بد أن يكون هناك ما هو أعلى وأجل.\nالطريقة الثانية: أن هذه الحروف من أعجب المعجزات والدلالات على صدق النبي ﷺ. وهذا مما ترضاه النفوس. ألا ترى أن حروف الهجاء لا ينطق بها إلا من تعلم القراءة. وهذا النبي ﷺ الأمي قد نطق بها. والذي في أول السور أربعة عشر حرفا منها وهي كلها ثمانية وعشرون حرفا إن لم تعد الألف حرفا برأسه فالأربعة عشر نصفها. وقد جاءت في تسع وعشرين سورة وهي عدد الحروف الهجائية إذا عدت فيها الألف. وقد جاءت من الحروف المهموسة العشرة وهي فحثه شخص سكت بنصفها وهي الحاء والهاء والصاد والسين والكاف.\nومعلوم أن الحروف إما مهموسة أي يضعف الاعتماد عليها وهي ما تقدم وإما مجهورة وهي ثمانية عشر نصفها وهو تسعة ذكرت في فواتح السور ويجمعها \"لن يقطع أمر\".","vol":"1","page":232},{"text":"والحروف الشديدة ثمانية وهي أجدت طبقك أربعة منها في الفواتح وهي \"أقطك\".\nوالحروف الرخوة عشرون وهي الباقية نصفها عشرة وهي في هذه الفواتح. يجمعها \"حمس على نصره\".\nوالحروف المطبقة أربعة الصاد والضاد والطاء والظاء. وفي الفواتح نصفها: الصاد والطاء.\nوبقية الحروف وهي أربعة وعشرون حرفا تسمى منفتحة نصفها وهو اثنا عشر في الفواتح المذكورة.\nفانظر كيف أتى في هذه الفواتح بنصف الحروف الهجائية إن لم تعد الألف وجعلها في تسع وعشرون سورة عدد الحروف وفيها الألف؟ وكيف أتى بنصف المهموسة ونصف المجهورة ونصف الشديدة ونصف الرخوة ونصف المطبقة ونصف المنفتحة؟.\nولقد ذكرت لك قلا من كثر مما ذكره العلماء في هذا المقام ولا أطيل عليك خيفة السآمة والملل وكفاك ما أمليته عليك في هذه الطريقة الثانية لتعرف كيف أتى بهذه الأوصاف؟ وكيف وضعت الحروف على هذا النظام؟.\nوإني موقن أن المتعلم لو طلب منه أن يأتي بهذه الحروف منصفة على هذا الوجه ما استطاع إلى ذلك سبيلا فإنه إن راعى نصف الحروف المطبقة فكيف يراعي الحروف الشديدة؟ وكيف يراعي نصف المجهورة في نفس العدد؟.\nإن ذلك دلائل على صدق صاحب الدعوة ﷺ. ففائدة هذا الوجه أهم من الوجه الأول فالأول فائدته تذكير الإنسان بأسماء الله تعالى. وأما الوجه الثاني ففيه إعجاز للعقول وحيرة. فيقال: كيف تنصف الحروف الهجائية وتنصف أنواعها من مهموسة","vol":"1","page":233},{"text":"وشديدة الخ. وهذه الأنواع لم يدرسها أحد في العالم أيام النبوة. ثم لما ظهرت تلك الدراسات وافقت تلك الحروف بأنصافها.\nإن ذلك ليعطي العقول مثلا من الغرابة الدالة على أن هذا لا يقدر عليه المتعلمون فإذا هو من الوحي. وهذا الوجه على قوته يفضله ما بعده.\nالطريقة الثالثة: أن الله تعالى خلق العالم منظما محكما متناسقا متناسبا. والكتاب السماوي إذا جاء مطابقا لنظامه موافقا لإبداعه سائرا على منهاجه دل ذلك على أنه من عنده. وإذا جاء الكتاب السماوي مخالفا لنهجه منافرا لفعله منحرفا عن سننه كان ذلك الكتاب مصطنعا مفتعلا منقولا مكذوبا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .\nوالعالم المشاهد فيه عدد الثمانية والعشرين. وذلك فيما يأتي:\n١- مفاصل اليدين في كل يد أربعة عشر.\n٢- خرزات عمود ظهر الإنسان منها أربع عشرة في أسفل الصلب وأربع عشرة في أعلاه.\n٣- خرزات العمود التي في أصلاب الحيوانات التامة الخلقة كالبقر والجمال والحمير والسباع وسائر الحيوانات التي تلد أولادها منها أربع عشرة في مؤخر الصلب وأربع عشرة في مؤخر البدن.\n٤- عدد الريشات التي في أجنحة الطير المعتمدة عليها في الطيران أربع عشرة ريشة ظاهرة في كل جناح.\n٥- عدد الخرزات التي في أذناب الحيوانات الطويلة الأذناب كالبقر والسباع.\n٦- عمود صلب الحيوانات الطويلة الخلقة كالسمك والحيات وبعض الحشرات.\n٧- عدد الحروف التي في لغة العرب التي هي أتم اللغات ثمان وعشرون حرفا.","vol":"1","page":234},{"text":"منها أربعة عشرة يدغم فيها لام التعريف وهي: ت ث د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ل ن. وأربعة عشر لا تدغم اللام فيها وهي: أب ج ح خ ع غ ف ق ك م هـ وي.\n٨- والحروف التي تخط بالقلم قسمان: منها أربعة عشر معلمة بالنقط وهي: ب ت ث ج خ ذ ز ش ض ظ غ ف ق ن وأربعة عشر غير معلمة وهي: اح د ر س ص ط ع ك وهـ ل م لا. وهذا الحرف هو الألف التي هي من حروف العلة. أما الأولى فهي الهمزة. فهذه أربعة عشر حرفا. وبقيت الياء وهي تنقط في وسط الكلمة ولا تنقط في آخرها. فأصبحت الحروف المعلمة أربعة عشر وغير المعلمة أربع عشر والحرف التاسع والعشرون معلم وغير معلم لتكون القسمة عادلة. والفضل في هذا العدل للحكيم الذي وضع حروف الهجاء العربية فإنه كان حكيما والحكيم هو الذي يتشبه بالله بقدر الطاقة البشرية. وهذا جعل ثمانية وعشرين حرفا مقسمة قسمين كل منها أربعة عشر كما في مفاصل اليدين وفقرات بعض الحيوانات.\n٩- منازل القمر ثمان وعشرون منزلة في البروج الشمالية أربع عشرة وفي الجنوبية أربع عشرة. فهذا يفيد أن الموجودات التي عددها ثمانية وعشرون تكون قسمين كل منهما أربعة عشر. فهكذا هنا في القرآن جاءت الحروف العربية مقسمة قسمين قسم منهما أربعة عشر منطوق به في أوائل السور وقسم منهما أربعة عشر غير منطوق به في أوائلها. وكأنه تعالى يقول أي عبادي إن منازل القمر ثمان وعشرون وهي قسمان ومفاصل الكف ثمانية وعشرون وهي قسمان وهكذا. والحروف التي تدغم في حرف التعريف والتي هي معلمة كل منها أربعة عشر. وضدها أربعة عشر فلتعلموا أن هذا القرآن هو تنزيل مني لأني نظمت حروفه على هذا النمط الذي أخترته في صنع المنازل والأجسام الإنسانية والأجسام الحيوانية ونظام الحروف الهجائية فمن أين لبشر كمحمد أو غيره","vol":"1","page":235},{"text":"أن ينظم هذا النظام ويجعل هذه الأعداد موافقة للنظام الذي وضعته والسنن الذي رسمته والنهج الذي سلكته؟ إن القرآن تنزيل مني وقد وضعت هذه الحروف في أوائل السور لتستخرجوا منها ذلك فتعلموا أني ما خلقت السموات والأرض وما بينهما باطلا بل جعلت النظام في العالم وفي الوحي متناسبا. وهذا الكتاب سيبقى إلى آخر الزمان ولغته ستبقى معه إلى آخر الأجيال. إن اللغات متغيرة وليس في العالم لغة تبقى غير متغيرة إلا التي حافظ عليها دين. وهل غير اللغة العربية حافظ عليها دين؟.\nهذا ولا يخفى عليك أن ذاك الرأي الثاني في فواتح السور أبلغ في نقض الشبهة من الرأي الأول لأنه ينفي ما زعموه من أساس الاتهام وهو أنه ليس لهذه الفواتح معنى مفهوم ويقرر أن معانيها مفهومة على ما تبين في تلك الوجوه السابقة. وإذا كان بعض الناس لا يفهم تلك المعاني فليس ذلك عيبا في القرآن إنما هو عيب في استعداد بعض أفراد الإنسان. وكتاب الله خوطب به الخواص كما خوطب به العوام فلا بدع أن يكون فيه ألفاظ لا يفهمها إلا الخاصة دون العامة.\nوعلى كلا هذين الرأيين يتضح لك أن اشتمال القرآن على هذه الألفاظ ليس من قبيل اشتماله على لغو الكلام أو إظهار القرآن بمظهر عميق مخيف ولا يفهم منه أنها رموز للمصاحف ألحقها مرور الزمن بالقرآن إلى غير ذلك من الهذيان. بل ثبوت هذه الفواتح لا يقدح في كون القرآن من عند الله سواء أفادت معنى ظاهرا أم لم تفد على ما بيناه من حكمة الله البالغة في إيرادها. والله هو الحكيم العليم.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الشبهة السادسة</span>\nيقولون: إن القرآن في قسمه المكي قد خلا من الأدلة والبراهين بخلاف قسمه المدني فإنه مليء بالأدلة مدعم بالحجة وهذا برهان جديد على تأثر القرآن بالوسط الذي كان فيه محمد.\nوننقض شبهتهم: أولا: بما أسلفنا من أن القرآن لو كان نتيجة تأثر محمد بالوسط الذي يعيش فيه لكان الوسط أولى بتوجيه هذا المطعن عليه ولكان أعرف بهذا النقض فيه فيظفر عليه ويدخل إلى إبطال دعوته من هذا الباب الواسع لا سيما أن الرسول في مكة والمدينة كان له أعداء ألداء ليس لعداوتهم دواء.\nثانيا: أنه لو صح هذا لبطلت نبوته ولصح أن تكون النبوة لهم باعتبار أنهم مصدرها وأنهم أساتذته فيها. وهذا النقض يقال في رد شبهاتهم الماضية الساقطة التي تدل على فساد فطرتهم وعلى مقدار تبجحهم وتجنبهم على الحقيقة والتاريخ والاستخفاف بعقول الناس.\nثالثا: أن كذبهم في هذه الشبهة صريح مكشوف لأن القسم المكي حافل بأقوى الأدلة وأعظم الحجج على عقيدة الإسلام في الإلهيات والنبوات والسمعيات. استمع إليه في سورة المؤمنون المكية وهو يرفع قواعد التوحيد ويزلزل بنيان الشرك إذ يقول: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .\nوإذ يقول في سورة الأنبياء المكية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ. لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ","vol":"1","page":237},{"text":"آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ. هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ .\nوأنصت إليه في سورة العنكبوت المكية وهو يدلل على نبوة محمد ﷺ إذ يقول: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ. وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . وتدبر حجته التي أقامها لتقرير اقتداره على البعث بعد الموت في قوله سبحانه من سورة ق المكية: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ وقوله فيها أيضا: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .\nوانظر إليه يقيم الدليل العقلي على البعث والجزاء في سورة المؤمنون المكية إذ يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ وفي سورة السجدة إذ يقول: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ. وفي سورة الجاثية المكية إذ يقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ. وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ .\nوتأمل مناقشته ونقضه بالحجة أوهام المشركين في احتجاجهم لأباطيلهم بالمشيئة الإلهية إذ يقول في سورة الأنعام المكية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ","vol":"1","page":238},{"text":"مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . إلى غير ذلك من أدلة ساطعة وبراهين بارعة لا تكاد تخلو منها سورة من السور المكية. ولكن القوم استحبوا العمى على الهدى فاستمرؤوا هذا الكذب والافتراء. نسأل الله أن يكفينا شر الفتنة وأن يثبتنا على الحق فإن قلوب الخلق بيديه والأمر كله منه وإليه. ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ. وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الثامن: في جمع القرآن وتاريخه والرد على ما يثار حوله من شبه ونماذج من الروايات الواردة في ذلك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>مدخل</span>\n...\nالمبحث الثامن: في جمع القرآن وتاريخه والرد على ما يثار حوله من شبه ونماذج من الروايات الواردة في ذلك\nكلمة جمع القرآن تطلق تارة ويراد منها حفظه واستظهاره في الصدور. وتطلق تارة أخرى ويراد منها كتابته كله حروفا وكلمات وآيات وسورا. هذا جمع في الصحائف والسطور وذاك جمع في القلوب والصدور\nثم إن جمعه بمعنى كتابته حدث في الصدر الأول ثلاث مرات: الأولى في عهد النبي ﷺ والثانية في خلافة أبي بكر والثالثة على عهد عثمان وفي هذه المرة الأخيرة وحدها نسخت المصاحف وأرسلت إلى الآفاق. وقد أثيرت في هذا الموضوع شبه باردة لا مناص لنا من أن نكشف عنها اللثام ثم نعرضها لحرارة الحقائق العلمية الصحيحة حتى تذوب وتنماع،","vol":"1","page":239},{"text":"أو تذهب وتتبخر فأما الزبد فيذهب جفاء ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ .","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور</span>\nنزل القرآن على النبي ﷺ فكانت همته بادئ ذي بدء منصرفة إلى أن يحفظه ويستظهره ثم يقرأه على الناس على مكث ليحفظوه ويستظهروه ضرورة أنه نبي أمي بعثه الله في الأميين. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ اهـ من سورة الجمعة. ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره ويعنيه استحضاره وجمعه. خصوصا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار. وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن وهي متمتعة بخصائص العروبة الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم وحوافظهم دواوين أشعارهم ومفاخرهم. ثم جاء القرآن فبهرهم بقوة بيانه وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه وأستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة.\nأما النبي ﷺ فبلغ من حرصه على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشد حالات حرجه وشدته وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته وجبريل في هبوطه عليه بقوته. يفعل الرسول كل ذلك استعجالا لحفظه وجمعه في قلبه مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف. وما زال ﷺ كذلك حتى طمأنه ربه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له في سورة القيامة ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وقال له في سورة طه ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى","vol":"1","page":240},{"text":"إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ . ومن هنا كان ﷺ جامع القرآن في قلبه الشريف وسيد الحفاظ في عصره المنيف. ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن. وكان ﷺ يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة. وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة. وعارضه إياه في العام الأخير مرتين. قالت عائشة وفاطمة ﵄: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: \"إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي\".\nوأما الصحابة رضوان الله عليهم فقد كان كتاب الله في المحل الأول من عنايتهم. يتنافسون في استظهاره وحفظه. ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه. ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه. وربما كانت قرة عين السيدة منهم أن يكون مهرها في زواجها سورة من القرآن يعلمها إياها زوجها. وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إيثارا للذة القيام به في الليل والتلاوة له في الأسحار والصلاة به والناس نيام حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويا كدوي النحل بالقرآن وكان الرسول ﷺ يذكي فيهم روح هذه العناية بالتنزيل يبلغهم ما أنزل إليه من ربه. ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلمهم ويقرئهم كما بعث مصعب بن عمير وابن ام مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته يعلمانهم الإسلام ويقرئانهم القرآن وكما أرسل معاذ بن جبل إلى مكة بعد هجرته للتحفيظ والإقراء.\nقال عبادة بن الصامت ﵁: كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا.","vol":"1","page":241},{"text":"ومن هنا كان حفاظ القرآن في حياة الرسول ﷺ جما غفيرا منهم الأربعة الخلفاء وطلحة وسعد وابن مسعود وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس وعمرو بن العاص وابنه عبد الله ومعاوية وابن الزبير وعبد الله ابن السائب وعائشة وحفصة وام سلمة وهؤلاء كلهم من المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين.\nوحفظ القرآن من الأنصار في حياته ﷺ أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو الدرداء ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك وأبو زيد الذي سئل عنه أنس فقال أنه أحد عمومتي ﵃ أجمعين. وقيل إن بعض هؤلاء إنما أكمل حفظه للقرآن بعد وفاة النبي ﷺ. وأيا ما تكن الحال فإن الذين حفظوا القرآن من الصحابة كانوا كثيرين حتى كان عدد القتلى منهم ببئر معونة ويوم اليمامة أربعين ومائة. قال القرطبي قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء. وقتل في عهد رسول الله ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد.\nقال المحقق ابن الجزري: ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب. وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: \"إن ربي قال لي قم في قريش فأنذرهم فقلت له: أي رب إذن يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة. فقال: إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان فابعث جندا أبعث مثلهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك. وأنفق ينفق عليك\" فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرأ في كل حال كما جاء في صفة أمته أناجيلهم صدورهم وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرؤونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب. اهـ ما أردنا نقله.","vol":"1","page":242},{"text":"ولا يشكلن عليك في هذا المقام ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد.\nقال: ونحن ورثناه وأبو زيد هذا أسمه قيس بن السكن كما رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين. وإنما قلنا لا يشكلن عليك هذا الحديث لأن الحصر الذي تلمحه فيه حصر نسبي وليس حصرا حقيقيا حتى ينفي أن يكون غير هؤلاء الأربعة قد جمعه على عهد رسول الله ﷺ.\nوالدليل على أن هذا الحصر إضافي لا حقيقي هو ما رواه البخاري عن أنس نفسه أيضا وقد سأله قتادة عمن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ فقال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد اهـ. فأنت ترى أن أنسا في هذه الرواية ذكر من الأربعة أبي بن كعب بدلا من أبي الدرداء في الرواية السابقة. وهو صادق في كلتا الروايتين لأنه ليس بمعقول أن يكذب نفسه فتعين أنه يريد من الحصر الذي أورده الحصر الإضافي بأن يقال إن أنسا ﵁ تعلق غرضه في وقت ما بأن يذكر الثلاثة ويذكر معهم أبي بن كعب دون أبي الدرداء حاصرا الجمع فيهم ثم علق غرضه في وقت آخر بأن يذكر الثلاثة ويذكر معهم أبا الدرداء دون أبي بن كعب.\nوهذا التوجيه وإن كان بعيدا إلا أنه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين وبينهما وبين روايات أخرى ذكرت غير هؤلاء. ومن هنا قال الماوردي: لا يلزم من قول أنس ﵁ لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع كذلك في نفس الأمر لأنه لا يمكن الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد ولا يتم له ذلك إلا إذا كان قد لقي كل واحد منهم وأخبر عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي ﷺ. وهذا في غاية البعد في العادة. وكيف يكون الواقع ما ذكر وقد جاء في صحيح البخاري أيضا من طريق حفص بن عمر أن النبي ﷺ يقول: \"خذوا","vol":"1","page":243},{"text":"القرآن عن أربعة: عن عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب\" والأربعة المذكورون منهم اثنان من المهاجرين وهما الأولان واثنان من الأنصار وهما الأخيران. اهـ. ولعل مراد الماوردي بهذا نفي الحصر الحقيقي وتوجيه الحصر الإضافي على نحو ما بينا مستدلين بحديث أنس نفسه كما رأيت وبالروايات الأخرى التي حكى بعضهم فيها التواتر وهي تصرح بأسماء أخرى غير أسماء هؤلاء الأربعة المذكورين في رواية أنس هذه. من تلك الروايات ما أخرجه النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي ﷺ فقال له: \"اقرأه في شهر\" إلى آخر الحديث. ومنها ما أخرجه ابن أبي داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري.\nوذهب بعضهم إلى أن الجمع في حديث أنس المذكور مراد به الكتابة لا الحفظ. وبعضهم ذهب إلى أن المراد به الجمع بوجوه القراءات كلها أو تلقيا ومشافهة عن الرسول أو الجمع شيئا فشيئا حتى تكامل نزوله.\nوللإمام أبي بكر الباقلاني أجوبة ثمانية يحاول بها دفع إشكال هذا الحديث. لكن ابن حجر ضعفها وغيره فندها. والخطب سهل على كل حال وفيما ذكرناه كفاية للخروج من هذا الإشكال.\nغير أنه لا يفوتني أن أقضي لك على هذا الإشكال بكلمة أعجبتني عن المازري إذ يقول ما نصه: وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه فإنا لا نسلم حمله على ظاهره: سلمناه. ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله ألا يكون حفظ مجموعه","vol":"1","page":244},{"text":"الجم الغفير. وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى وقال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون وقتل في عهد النبي ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد.\nقال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم اهـ.\nثم إن ما ذكرناه في هذا المقام لا يتجاوز دائرة الصحابة الذين جمعت صدورهم كتاب الله في حياة رسول الله ﷺ. أما بعد وفاته ﵊ فقد أتم حفظ القرآن آلاف مؤلفة من الصحابة واشتهر بإقراء القرآن من بينهم سبعة: عثمان وعلي وأبي بن كعب وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري. كلهم جمعوا التنزيل بين حنايا صدورهم وأقرؤوه لكثير غيرهم. جازاهم الله أحسن الجزاء. آمين.\nولعلك أيها القارئ الكريم لا تستكثر منا هذا المجهود الطويل في حديث أنس السابق فإن بعض الملاحدة قد أتخذ منه مثارا للطعن في تواتر القرآن. ومن وظيفتنا أن نرد المطاعن ونفحم الطاعن. فأردنا أن نشبع الكلام في هذا الموضوع عند هذه المناسبة أداء للواجب من ناحية ولنستغني عن إيراده في الشبهات الآتية من ناحية أخرى. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد رسول الله ﷺ</span>\nقلنا: إن همة الرسول وأصحابه كان متصرفة أول الأمر إلى جمع القرآن في القلوب بحفظه واستظهاره ضرورة أنه نبي أمي بعثه الله في الأميين. أضف إلى ذلك أن أدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم في ذلك العهد\nومن هنا كان التعويل على الحفظ في الصدور يفوق التعويل على الحفظ بين السطور. على عادة العرب أيامئذ من جعل صفحات صدورهم وقلوبهم دواوين لأشعارهم وأنسابهم ومفاخرهم وأيامهم.\nولكن القرآن حظي بأوفى نصيب من عناية النبي ﷺ وأصحابه فلم تصرفهم عنايتهم بحفظه واستظهاره عن عنايتهم بكتابته ونقشه ولكن بمقدار ما سمحت به وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم.\nفها هو ذا رسول الله ﷺ قد اتخذ كتابا للوحي كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته مبالغة في تسجيله وتقييده. وزيادة في التوثق والضبط والاحتياط في كتاب الله تعالى حتى تظاهر الكتابة الحفظ ويعاضد النقش اللفظ.\nوكان هؤلاء الكتاب من خيرة الصحابة فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد ابن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغيرهم. وكان ﷺ يدلهم على موضع المكتوب من سورته. ويكتبونه فيما يسهل عليهم من العسب١ واللخاف٢،\n_________\n١ العسب بضم العين والسين- جمع عسيب- وهو جريد النخل، كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض.\n٢ اللخاف- بكسر اللام- جمع لخفة بفتح اللام وسكون الخاء وهي الحجارة الرقيقة. وقال الخطابي: صفائح الحجارة.","vol":"1","page":246},{"text":"والرقاع١ وقطع الأديم٢ وعظام الأكتاف والأضلاع. ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله ﷺ. وهكذا انقضى العهد النبوي السعيد والقرآن مجموع على هذا النمط بيد أنه لم يكتب في صحف ولا في مصاحف. بل كتب منثورا كما سمعت بين الرقاع والعظام ونحوها مما ذكرنا.\nروي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: \"ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا\". وعن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع.\nوكان هذا التأليف عبارة عن ترتيب الآيات حسب إرشاد النبي ﷺ وكان هذا الترتيب بتوقيف من جبريل ﵇ فقد ورد أن جبريل ﵇ كان يقول: ضعوا كذا في موضع كذا.\nولا ريب أن جبريل كان لا يصدر في ذلك إلا عن أمر الله ﷿.\nأما الصحابة رضوان الله عليهم فقد كان منهم من يكتبون القرآن ولكن فيما تيسر لهم من قرطاس أو كتف أو عظم أو نحو ذلك بالمقدار الذي يبلغ الواحد عن رسول الله ﷺ. ولم يلتزموا توالي السور وترتيبها وذلك لأن أحدهم كان إذا حفظ سورة أنزلت على رسول الله ﷺ أو كتبها ثم خرج في سرية مثلا فنزلت في وقت غيابه سورة فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته ثم يستدرك ما كان قد فاته في غيابه فيجمعه ويتتبعه على حسب ما يسهل له فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير بسبب ذلك. وقد كان من الصحابة من يعتمد على حفظه فلا يكتب\n_________\n١ الرقاع: جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد.\n٢ الأديم: الجلد.","vol":"1","page":247},{"text":"جريا على عادة العرب في حفظ أنسابها واستظهار مفاخرها وأشعارها من غير كتابة.\nصفوة المقال:\nوصفوة المقال أن القرآن كان مكتوبا كله على عهد الرسول ﷺ وكانت كتابته ملحوظا فيها أن تشمل الأحرف السبعة التي نزل عليها غير أن بعض الصحابة كان قد كتب بعض منسوخ التلاوة وبعض ما هو ثابت بخبر الواحد وربما كتبه غير مرتب ولم يكن القرآن على ذلك العهد مجموعا في صحف ولا مصاحف عامة.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>لماذا لم يجمع القرآن أيامئذ في صحف ولا مصاحف</span>؟\nوإنما لم يجمع القرآن في صحف ولا مصاحف لاعتبارات كثيرة:\nأولها: أنه لم يوجد من دواعي كتابته في صحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر حتى كتبه في صحف. ولا مثل ما وجد على عهد عثمان حتى نسخه في مصاحف. فالمسلمون وقتئذ بخير والقراء كثيرون والإسلام لم يستبحر عمرانه بعد والفتنة مأمونة والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة وأدوات الكتابة غير ميسورة وعناية الرسول باستظهار القرآن تفوق الوصف وتوفي على الغاية حتى في طريقة أدائه على حروفه السبعة التي نزل عليها.\nوثانيها: أن النبي ﷺ كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله من آية أو آيات.\nثالثها: أن القرآن لم ينزل مرة واحدة بل نزل منجما في مدى عشرين سنة أو أكثر.\nرابعها: أن ترتيب آياته وسوره ليس على ترتيب نزوله فقد علمت أن نزوله كان على حسب الأسباب أما ترتيبه فكان لغير ذلك من الاعتبارات.\nوأنت خبير بأن القرآن لو جمع في صحف أو مصاحف والحال على ما شرحنا","vol":"1","page":248},{"text":"لكان عرضة لتغيير الصحف أو المصاحف كلما وقع نسخ أو حدث سبب. مع أن الظروف لا تساعد وأدوات الكتابة ليست ميسورة والتعويل كان على الحفظ قبل كل شيء. ولكن لما استقر الأمر بختام التنزيل ووفاة الرسول وأمن النسخ وتقرر الترتيب ووجد من الدواعي ما يقتضي نسخه في صحف أو مصاحف وفق الله الخلفاء الراشدين فقاموا بهذا الواجب حفظا للقرآن وحياطة لأصل التشريع الأول مصداقا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>جمع القرآن على عهد أبي بكر ﵁</span>\nألقت الخلافة قيادها إلى أبي بكر ﵁ بعد غروب شمس النبوة وواجهت أبا بكر في خلافته هذه أحداث شداد ومشاكل صعاب. منها موقعة اليمامة سنة ١٢ اثنتي عشرة للهجرة. وفيها دارت رحى الحرب بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب وكانت معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن ينتهي عددهم إلى السبعين وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة من أجلهم سالم مولى أبي حذيفة. ولقد هال ذلك المسلمين وعز الأمر على عمر فدخل على أبي بكر وأخبره الخبر وأقترح عليه أن يجمع القرآن خشية الضياع بموت الحفاظ وقتل القراء. فتردد أبو بكر أول الأمر لأنه كان وقافا عند حدود ما كان عليه الرسول ﷺ يخاف أن يجره التجديد إلى التبديل أو يسوقه الإنشاء والاختراع إلى الوقوع في مهاوي الخروج والابتداع.\nولكنه بعد مفاوضة بينه وبين عمر تجلى له وجه المصلحة فاقتنع بصواب الفكرة وشرح الله لها صدره وعلم أن ذلك الجمع الذي يشير به عمر ما هو إلا وسيلة من أعظم الوسائل النافعة إلى حفظ الكتاب الشريف والمحافظة عليه من الضياع والتحريف وأنه ليس من محدثات الأمور الخارجة ولا من البدع","vol":"1","page":249},{"text":"والإضافات الفاسقة. بل هو مستمد من القواعد التي وضعها الرسول بتشريع كتابة القرآن واتخاذ كتاب للوحي وجمع ما كتبوه عنده حتى مات صلوات الله وسلامه عليه. قال الإمام أبو عبد الله المحاسبي في كتاب فهم السنن ما نصه: كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشرا فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء اهـ.\nتنفيذ أبي بكر للفكرة:\nاهتم أبو بكر بتحقيق هذه الرغبة ورأى بنور الله أن يندب لتحقيقها رجلا من خيرة رجالات الصحابة هو زيد بن ثابت ﵁ لأنه اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن ما لم يجتمع في غيره من الرجال إذ كان من حفاظ القرآن ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ وشهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته ﷺ. وكان فوق ذلك معروفا بخصوبة عقله وشدة ورعه وعظم أمانته وكمال خلقه واستقامة دينه. فاستشار أبو بكر عمر في هذا فوافقه. وجاء زيد فعرض أبو بكر عليه الفكرة ورغب إليه أن يقوم بتنفيذها فتردد زيد أول الأمر ولكن أبا بكر ما زال به يعالج شكوكه ويبين له وجه المصلحة حتى اطمأن واقتنع بصواب ما ندب إليه وشرع يجمع وأبو بكر وعمر وكبار الصحابة يشرفون عليه ويعاونونه في هذا المشروع الجلل حتى تم لهم ما أرادوا ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .\nوفي ذلك يروي البخاري في صحيحه أن زيد بن ثابت ﵁ قال:\nأرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة أي عقب استشهاد القراء السبعين","vol":"1","page":250},{"text":"في واقعة اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده. قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد أستحر أي اشتد يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر اهـ.\nفهذا الحديث كما ترى يدل على مبلغ اهتمام كبار الصحابة بالمحافظة على القرآن وعلى مبلغ ثقة أبي بكر وعمر بزيد بن ثابت وعلى جدارة زيد بهذه الثقة لتوافر تلك المناقب التي ذكرها فيه أبو بكر. ويؤيد ورعه ودينه وأمانته قوله: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن ويشهد بوفرة عقله تردده وتوقفه أول الأمر ومناقشته لأبي بكر حتى راجعه أبو بكر وأقنعه بوجه الصواب.\nوينطق بدقة تحريه قوله: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال اهـ. ﵁ وأرضاه ورضي عنهم وعنا أجمعين.","vol":"1","page":251},{"text":"دستور أبي بكر في كتابة الصحف:\nوانتهج زيد في القرآن طريقة دقيقة محكمة وضعها له أبو بكر وعمر فيها ضمان لحياطة كتاب الله بما يليق به من تثبت بالغ وحذر دقيق وتحريات شاملة فلم يكتف بما حفظ في قلبه ولا بما كتب بيده ولا بما سمع بأذنه.\nبل جعل يتتبع ويستقصي آخذا على نفسه أن يعتمد في جمعه على مصدرين اثنين: أحدهما ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ. والثاني: ما كان محفوظا في صدور الرجال. وبلغ من مبالغته في الحيطة والحذر أنه لم يقبل شيئا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كتب بين يدي رسول الله ﷺ.\nيدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان.\nويدل عليه ما أخرجه أبو داود أيضا ولكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه اهـ وهو حديث رجاله ثقات وإن كان منقطعا. قال ابن حجر: المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة.\nوقال السخاوي في جمال القراء ما يفيد أن المراد بهما رجلان عدلان إذ يقول ما نصه: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ. ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده ولذلك قال في الحديث الذي رواه البخاري سابقا إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة. أي لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري مع أن زيدا كان يحفظها وكان كثيرا من الصحابة يحفظونها. ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة زيادة في التوثق ومبالغة في الاحتياط. وعلى هذا","vol":"1","page":252},{"text":"الدستور الرشيد تم جمع القرآن بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمة عليه دون نكير. وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف ولعمر في الاقتراح ولزيد في التنفيذ وللصحابة في المعاونة والإقرار.\nقال علي كرم الله وجهه: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله أخرجه ابن أبي داود في المصاحف بسند حسن.\nوقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بما تستحق من عناية فائقة فحفظها أبو بكر عنده. ثم حفظها عمر بعده. ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة عمر. حتى طلبها منها خليفة المسلمين عثمان ﵁ حيث اعتمد عليها في استنساخ مصاحف القرآن. ثم ردها إليها كما يأتيك بيانه إن شاء الله.\nمزايا هذه الصحف:\nوامتازت هذه الصحف: أولا: بأنها جمعت القرآن على أدق وجوه البحث والتحري وأسلم أصول التثبيت العلمي كما سبق شرحه لك في الدستور السابق.\nثانيا: أنه أقتصر فيها على ما لم تنسخ تلاوته.\nثالثا: أنها ظفرت بإجماع الأمة عليها وتواتر ما فيها. ولا يطعن في ذلك التواتر ما مر عليك من أن آخر سورة براءة لم يوجد إلا عند أبي خزيمة فإن المراد أنه لم يوجد مكتوبا إلا عنده وذلك لا ينافي أنه وجد محفوظا عند كثرة غامرة من الصحابة بلغت حد التواتر وقد قلنا غير مرة: إن المعول عليه وقتئذ كان هو الحفظ والاستظهار. وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر زيادة في الاحتياط ومبالغة في الدقة والحذر. ولا يعزبن عن بالك أن هذا الجمع كان شاملا للأحرف","vol":"1","page":253},{"text":"السبعة التي نزل بها القرآن تيسيرا على الأمة الإسلامية كما كانت الأحرف السبعة في الرقاع كذلك.\nملاحظة:\nجمع القرآن في صحف أو مصحف على ذلك النمط الآنف بمزاياه السابقة التي ذكرناها بين يديك لم يعرف لأحد قبل أبي بكر ﵁. وذلك لا ينافي أن الصحابة كانت لهم صحف أو مصاحف كتبوا فيها القرآن من قبل. لكنها لم تظفر بما ظفرت به الصحف المجموعة على عهد أبي بكر من دقة البحث والتحري ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته ومن بلوغها حد التواتر ومن إجماع الأمة عليها ومن شمولها للأحرف السبعة كما تقدم. وإذن لا يضيرنا في هذا البحث أن يقال إن عليا ﵁ أول من جمع القرآن بعد رسول الله ﷺ ولا يعكر صفو موضوعنا أن يستدلوا على ذلك بما نقله السيوطي عن ابن الغرس من حديث محمد بن سيرين عن عكرمة قال: لما كان بدء خلافة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته فقيل لأبي بكر: قد كره بيعتك. فأرسل إليه فقال: أكرهت بيعتي؟ فقال: رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي ألا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه. قال له أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت. قال محمد: فقلت لعكرمة: ألفوه كما أنزل الأول فالأول؟ قال: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا. اهـ وأخرج ابن أشته من وجه آخر عن ابن سيرين هذا الأثر وفيه أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ وأن ابن سيرين قال: فطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه. اهـ.\nنقول إن هذه الرواية وأشباهها لا تغير بحثنا ولا تعكر صفو موضوعنا فقصاراها","vol":"1","page":254},{"text":"أنها تثبت أن عليا أو بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف. لكنها لا تعطي هذا المصحف تلك الصفة الإجماعية ولا تخلع عليه تلك المزايا التي للصحف أو المصحف المجموع في عهد أبي بكر. بل هي مصاحف فردية ليست لها تلك الثقة ولا هذه المزايا. وإذا كانت قد سبقت في الوجود وتقدم بها الزمان فإن جمع أبي بكر هو الأول من نوعه على كل حال. وقد اعترف علي بن أبي طالب نفسه بهذه الحقيقة في الحديث الذي أخرجه ابن أبي داود في المصاحف بسند حسن آنفا إذ قال: أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله.\nفهذا اعتراف صريح من أبي الحسن بالأولية لجمع أبي بكر على النحو الآنف رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>جمع القرآن على عهد عثمان ﵁</span>\nاتسعت الفتوحات في زمن عثمان واستبحر العمران وتفرق المسلمون في الأمصار والأقطار ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن. وطال عهد الناس بالرسول والوحي والتنزيل. وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري. فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف بل كان هذا الشقاق أشد لبعد عهد هؤلاء بالنبوة وعدم وجود الرسول بينهم يطمئنون إلى حكمه ويصدرون جميعا عن رأيه. واستفحل الداء حتى كفر بعضهم بعضا وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير. ولم يقف هذا الطغيان عند حد،","vol":"1","page":255},{"text":"بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز والمدينة وأصاب الصغار والكبار على سواء.\nأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل والمعلم يعلم قراءة الرجل فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بعضا فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: أنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا.\nوصدق عثمان فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافا ونزاعا من المدينة والحجاز. وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع أو التقوا على جهاد أعدائهم يعجبون من ذلك\nوكانوا يمعنون في التعجب والإنكار كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن. وتأدى بهم التعجب إلى الشك والمداجاة ثم إلى التأثيم والملاحاة. وتيقظت الفتنة التي كادت تطيح فيها الرؤوس وتسفك الدماء وتقود المسلمين إلى مثل اختلاف اليهود والنصارى في كتابهم. كما قال حذيفة لعثمان في الحديث الآتي قريبا.\nأضف إلى ذلك أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار ولم يكن من السهل عليهم أن يعرفوها كلها حتى يتحاكموا إليها فيما يختلفون. إنما كان كل صحابي في إقليم يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن. ولم يكن بين أيديهم مصحف جامع يرجعون إليه فيما شجر بينهم من هذا الخلاف والشقاق البعيد.\nلهذه الأسباب والأحداث رأى عثمان بثاقب رأيه وصادق نظره أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الراقع وأن يستأصل الداء قبل أن يعز الدواء فجمع أعلام","vol":"1","page":256},{"text":"الصحابة وذوي البصر منهم وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة ووضع حد لذلك الاختلاف وحسم مادة هذا النزاع. فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يرسل منها إلى الأمصار وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها وألا يعتمدوا سواها. وبذلك يرأب الصدع ويجبر الكسر وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية نورهم الهادي في ظلام هذا الإختلاف ومصباحهم الكشاف في ليل تلك الفتنة وحكمهم العدل في ذاك النزاع والمراء وشفاءهم الناجع من مصيبة ذلك الداء.\nتنفيذ عثمان لقرار الجمع:\nوشرع عثمان في تنفيذ هذا القرار الحكيم حول أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين من الهجرة فعهد في نسخ المصاحف إلى أربعة من خيرة الصحابة وثقات الحفاظ وهم زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وهؤلاء الثلاثة الأخيرون من قريش.\nوأرسل عثمان إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر فبعثت إليه بالصحف التي عندها وهي الصحف التي جمع القرآن فيها على عهد أبي بكر ﵁. وأخذت لجنة الأربعة هؤلاء في نسخها وجاء في بعض الروايات أن الذين ندبوا لنسخ المصاحف كانوا اثني عشر رجلا. وما كانوا يكتبون شيئا إلا بعد أن يعرض على الصحابة ويقروا أن رسول الله ﷺ قرأ على هذا النحو الذي نجده الآن في المصاحف.\nدستور عثمان في كتابة المصاحف:\nومما تواضع عليه هؤلاء الصحابة أنهم كانوا لا يكتبون في هذه المصاحف إلا ما تحققوا أنه قرآن وعلموا أنه قد استقر في العرضة الأخيرة وما أيقنوا صحته عن النبي ﷺ مما لم ينسخ. وتركوا ما سوى ذلك نحو قراءة فامضوا إلى ذكر الله بدل كلمة ﴿فَاسَعَوْا﴾ ونحو ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾","vol":"1","page":257},{"text":"بزيادة كلمة صالحة إلى غير ذلك. وإنما كتبوا مصاحف متعددة لأن عثمان ﵁ قصد إرسال ما وقع الإجماع عليه إلى أقطار بلاد المسلمين وهي الأخرى متعددة وكتبوها متفاوتة في إثبات وحذف وبدل وغيرها لأنه ﵁ قصد اشتمالها على الأحرف السبعة. وجعلوها خالية من النقط والشكل تحقيقا لهذا الاحتمال أيضا. فكانت بعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل نحو ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ من قوله تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فإنها تصلح أن تقرأ فتثبتوا عند خلوها من النقط والشكل وهي قراءة أخرى وكذلك كلمة ننشرها من قوله تعالى ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ فإن تجردها من النقط والشكل كما ترى يجعلها صالحة عندهم أن يقرؤوها ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي وهي قراءة واردة أيضا وكذلك كلمة ﴿أُفٍّ﴾ التي ورد أنها تقرأ بسبعة وثلاثين وجها.\nأما الكلمات التي لا تدل على أكثر من قراءة عند خلوها من النقط والشكل مع أنها واردة بقراءة أخرى أيضا فإنهم كانوا يرسمونها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة وفي بعض آخر برسم آخر يدل على القراءة الثانية كقراءة وصى بالتضعيف وأوصى بالهمز وهما قراءتان في قوله سبحانه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾\nوكذلك قراءة تحتها الأنهار وقراءة ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بزيادة لفظ ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وهما قراءتان أيضا.\nوصفوة القول: أن اللفظ الذي لا تختلف فيه وجوه القراءات كانوا يرسمونه بصورة واحدة لا محالة. أما الذي تختلف فيه وجوه القراءات فإن كان لا يمكن رسمه في الخط محتملا لتلك الوجوه كلها فإنهم يكتبونه برسم يوافق بعض الوجوه في مصحف ثم يكتبونه برسم آخر يوافق بعض الوجوه الأخرى في مصحف آخر. وكانوا يتحاشون أن","vol":"1","page":258},{"text":"يكتبوه بالرسمين في مصحف واحد خشية أن يتوهم أن اللفظ نزل مكررا بالوجهين في قراءة واحدة وليس كذلك. بل هما قراءتان نزل اللفظ في إحداهما بوجه واحد وفي الثانية بوجه آخر من غير تكرار في واحدة منهما.\nوكذلك كانوا يتحاشون أن يكتبوا هذا اللفظ في مصحف واحد برسمين: أحدهما في الأصل والآخر في الحاشية لئلا يتوهم أن الثاني تصحيح للأول. أضف إلى ذلك أن كتابة أحدهما في الأصل والآخر في الحاشية دون العكس تحكم أو ترجيح بلا مرجح وذلك نحو كلمة وصى بالتضعيف وأوصى بالهمز كما سبق.\nأما اللفظ الذي تختلف فيه القراءات ويدل عليه الرسم بصورة واحدة تحتمل هذا الاختلاف ويساعدهم عليه ترك الإعجام والشكل نحو ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وننشرها كما سلف بيانه فتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين شبيهة بدلالة المشترك اللفظي على كلا المعنيين المعقولين. والذي دعا الصحابة إلى انتهاج هذه الخطة في رسم المصاحف وكتابتها أنهم تلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ بجميع وجوه قراءاته وبكافة حروفه التي نزل عليها فكانت هذه الطريقة أدنى إلى الإحاطة بالقرآن على وجوهه كلها حتى لا يقال: إنهم أسقطوا شيئا من قراءاته أو منعوا أحدا من القراءة بأي حرف شاء على حين أنها كلها منقولة نقلا متواترا عن النبي ﷺ. ورسول الله ﷺ يقول: \"فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا\" وكان من الدستور الذي وضعه عثمان ﵁ لهم في هذا الجمع أيضا أنه قال لهؤلاء القرشيين إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.","vol":"1","page":259},{"text":"وفي ذلك يروي البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق اهـ.\nتحريق عثمان للمصاحف والصحف المخالفة:\nبعد أن أتم عثمان نسخ المصاحف بالصورة السابقة عمل على إرسالها وإنقاذها إلى الأقطار وأمر أن يحرف كل ما عداها مما يخالفها سواء كانت صحفا أم مصاحف. وذلك ليقطع عرق النزاع من ناحية وليحمل المسلمين على الجادة في كتاب الله من ناحية أخرى فلا يأخذوا إلا بتلك المصاحف التي توافر فيها من المزايا ما لم يتوافر في غيرها.\nوهذه المزايا هي:\n١- الاقتصار على ما ثبت بالتواتر دون ما كانت روايته آحادا.\n٢- وإهمال ما نسخت تلاوته ولم يستقر في العرضة الأخيرة.","vol":"1","page":260},{"text":"٣- وترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن. بخلاف صحف أبي بكر ﵁ فقد كانت مرتبة الآيات دون السور.\n٤- وكتابتها بطريقة كانت تجمع وجوه القراءات المختلفة والأحرف التي نزل عليها القرآن على ما مر بك من عدم إعجامها وشكلها ومن توزيع وجوه القراءات على المصاحف إذا لم يحتملها الرسم الواحد.\n٥- وتجريدها من كل ما ليس قرآنا كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة شرحا لمعنى أو بيانا لناسخ ومنسوخ أو نحو ذلك.\nوقد استجاب الصحابة لعثمان فحرقوا مصاحفهم واجتمعوا جميعا على المصاحف العثمانية. حتى عبد الله بن مسعود الذي نقل عنه أنه أنكر أولا مصاحف عثمان وأنه أبى أن يحرق مصحفه رجع وعاد إلى حظيرة الجماعة حين ظهر له مزايا تلك المصاحف العثمانية واجتماع الأمة عليها وتوحيد الكلمة بها.\nوبعدئذ طهر الجو الإسلامي من أوبئة الشقاق والنزاع وأصبح مصحف ابن مسعود ومصحف أبي بن كعب ومصحف عائشة ومصحف علي ومصحف سالم مولى أبي حذيفة. أصبحت كلها وأمثالها في خبر كان مغسولة بالماء أو محروقة بالنيران. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ .\nورضي الله عن عثمان فقد أرضى بذلك العمل الجليل ربه وحافظ على القرآن وجمع كلمة الأمة وأغلق باب الفتنة ولا يبرح المسلمون يقطفون من ثمار صنيعه هذا إلى اليوم وما بعد اليوم.\nولن يقدح في عمله هذا أنه أحرق المصاحف والصحف المخالفة للمصاحف العثمانية فقد علمت وجهة نظره في ذلك. على أنه لم يفعل ما فعل من هذا الأمر الجلل إلا بعد أن استشار الصحابة واكتسب موافقتهم بل وظفر بمعاونتهم وتأييدهم وشكرهم.","vol":"1","page":261},{"text":"روى أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: \"يا معشر الناس: اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان وقولكم: حراق مصاحف فوالله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول الله ﷺ\".\nوعن عمر بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: \"لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان\" رضي الله عن الجميع وجزاهم أحسن الجزاء على هذا الصنيع.\nفذلكة:\nتستطيع مما سبق أن تفرق بين مرات جمع القرآن في عهوده الثلاثة: عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعهد عثمان ﵄ فالجمع في عهد النبي ﷺ كان عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها ووضعها في مكانها الخاص من سورها ولكن مع بعثرة الكتابة وتفرقها بين عسب وعظام وحجارة ورقاع ونحو ذلك حسبما تتيسر أدوات الكتابة وكان الغرض من هذا الجمع زيادة التوثق للقرآن وإن كان التعويل أيامئذ كان على الحفظ والاستظهار.\nأما الجمع في عهد أبي بكر ﵁ فقد كان عبارة عن نقل القرآن وكتابته في صحف مرتب الآيات أيضا مقتصرا فيه على ما لم تنسخ تلاوته مستوثقا له بالتواتر والإجماع. وكان الغرض منه تسجيل القرآن وتقييده بالكتابة مجموعا مرتبا خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه.\nوأما الجمع في عهد عثمان ﵁ فقد كان عبارة عن نقل ما في تلك الصحف في مصحف واحد إمام واستنساخ مصاحف منه ترسل إلى الآفاق الإسلامية ملاحظا فيها تلك المزايا السالف ذكرها مع ترتيب سوره وآياته جميعا. وكان الغرض منه إطفاء الفتنة","vol":"1","page":262},{"text":"التي اشتعلت بين المسلمين حين اختلفوا في قراءة القرآن وجمع شملهم وتوحيد كلمتهم والمحافظة على كتاب الله من التغيير والتبديل. ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الرد على ما يثار حول جمع القرآن من شبه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الشبهة الأولى</span>\n...\nالرد على ما يثار حول جمع القرآن من شبه\nكان القرآن ولا يزال هدفا لأعداء الإسلام يسددون إليه سهام المطاعن ويتخذون من علومه مثارا للشبهات يلفقونها زورا وكذبا ويروجونها ظلما وعدوانا. من ذلك ما نقصه عليك في موضوعنا هذا مشفوعا بالتفنيد فيما يأتي:\nالشبهة الأولى وهي تعتمد على سبع شبه\nيقولون إن في طريقة كتابة القرآن وجمعه دليلا على أنه قد سقط منه شيء وأنه ليس اليوم بأيدينا على ما زعم محمد أنه أنزل عليه. واعتمدوا في هذه الشبهة على المزاعم الآتية:\nأولا: أن محمدا قال: رحم الله فلانا لقد أذكرني كذا وكذا آية. كنت أسقطتهن ويرى أنسيتهن. فهذا الحديث فيه اعتراف من النبي نفسه بأنه أسقط عمدا بعض آيات القرآن أو أنسيها.\nثانيا: أن ما جاء في سورة الأعلى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الأعلى يدل بطريق الاستثناء الواقع فيه على أن محمدا قد أسقط عمدا أو أنسي آيات لم يتفق له من يذكره إياها:\nثالثا: أن الصحابة حذفوا من القرآن كل ما رأوا المصلحة في حذفه فمن ذلك","vol":"1","page":263},{"text":"آية المتعة أسقطها علي بن أبي طالب بتة وكان يضرب من يقرؤها. وهذا مما شنعت عائشة به عليه فقالت: إنه يجلد على القرآن وينهى عنه وقد بدله وحرفه.\nرابعا: أن أبي بن كعب حذف من القرآن ما كان يرويه ولا نجده اليوم في المصحف وهو: اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله. نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخاف عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق.\nخامسا: أن كثيرا من آياته لم يكن لها قيد سوى تحفظ الصحابة وكان بعضهم قد قتلوا في مغازي محمد وحروب خلفائه الأولين وذهب معهم ما كانوا يتخطفونه من قبل أن يوعز أبو بكر إلى زيد بن ثابت بجمعه فلذلك لم يستطع زيد أن يجمع سوى ما كان يتحفظه الأحياء.\nسادسا: أن ما كان مكتوبا منه على العظام وغيرها فإنه كان مكتوبا عليها بلا نظام ولا ضبط وقد ضاع بعضها. وهذا ما حدا العلماء إلى الزعم أن فيه آيات نسخت حرفا لا حكما. وهو من غريب المزاعم. وحقيقة الأمر فيها أنها سقطت بتة بضياع العظم الذي كانت مكتوبة عليه ولم يبق منها سوى المعنى محفوظا في صدورهم.\nسابعا: لما قام الحجاج بنصرة بني أمية لم يبق مصحفا إلا جمعه وأسقط منه أشياء كثيرة قد نزلت فيهم وزاد فيه أشياء ليست منه وكتب ستة مصاحف جديدة بتأليف ما أراده ووجه بها إلى مصر والشام ومكة والمدينة والبصرة والكوفة","vol":"1","page":264},{"text":"وهي القرآن المتداول اليوم. وعمد إلى المصاحف المتقدمة فلم يبق منها نسخة إلا أغلى لها الخل وطرحها فيه حتى تقطعت. وإنما رام بما فعله أن يتزلف إلى بني أمية فلم يبق في القرآن ما يسوءهم.\nنقض هذه المزاعم الباطلة\nملخص هذه الشبهة أن القرآن الذي بأيدينا ناقص سقط منه ماسقط بدليل المزاعم السبعة التي سقناها أمامك. وإذن فلنمحص بين يديك هذه المزاعم لنأتي بنيان هذه الشبهة من القواعد.\n١- أما احتجاجهم الأول وهو الحديث الذي أوردوه فإنه لا ينهض حجة لهم فيما زعموا من الشك في الأصل الذي قامت عليه كتابة القرآن وجمعه. بل الأصل سليم قويم وهو وجود هذه الآيات مكتوبة في الوثائق التي استكتبها الرسول ووجودها محفوظة في صدور أصحابه الذين تلقوها عنه والذين بلغ عددهم مبلغ التواتر وأجمعوا جميعا على صحته. كما عرف ذلك في دستور جمع القرآن.\nإنما قصارى هذا الخبر أنه يدل على أن قراءة ذلك الرجل ذكرت النبي ﷺ إياها وكان قد أنسيها أو أسقطها أي نسيانا.\nوهذا النوع من النسيان لا يزعزع الثقة بالرسول ولا يشكك في دقة جمع القرآن ونسخه فإن الرسول ﷺ كان قد حفظ هذه الآيات من قبل أن يحفظها ذلك الرجل ثم استكتبها كتاب الوحي وبلغها الناس فحفظوها عنه ومنهم رجل الرواية عباد بن بشار ﵁ على ما روي.\nوليس في ذلك الخبر الذي ذكروه رائحة أن هذه الآيات لم تكن بالمحفوظات التي كتبها كتاب الوحي وليس فيه ما يدل على أن أصحاب الرسول كانوا قد نسوها جميعا حتى يخاف عليها وعلى أمثالها الضياع ويخشى عليها السقوط عند الجمع واستنساخ المصحف الإمام،","vol":"1","page":265},{"text":"كما يفتري أولئك الخراصون. بل الرواية نفسها تثبت صراحة أن في الصحابة من كان يقرؤها وسمعها الرسول منه.\nثم إن دستور جمع القرآن وقد مر آنفا يؤيد أنهم لم يكتبوا في المصحف إلا ما تظاهر الحفظ والكتابة والإجماع على قرآنيته: ومنه هذه الآيات التي يدور عليها الكلام هنا من غير ما شك.\nولا يفوتنك في هذا المقام أمران: أحدهما: أن كلمة أسقطتهن في بعض روايات هذا الحديث معناها أسقطتهن نسيانا كما تدل على ذلك كلمة أنسيتهن في الرواية الأخرى. ومحال أن يراد بها الإسقاط عمدا لأن الرسول ﷺ لا ينبغي له ولا يعقل منه أن يبدل شيئا في القرآن بزيادة أو نقص من تلقاء نفسه وإلا كان خائنا أعظم الخيانة. والخائن لا يمكن أن يكون رسولا.\nهذا هو حكم العقل المجرد من الهوى وهو أيضا حكم النقل في كتاب الله إذ يقول سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وإذ يقول جل ذكره: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ .\nالأمر الثاني: أن روايات هذا الخبر لا تفيد أن هذه الآيات التي سمعها الرسول من عباد بن بشار قد امحت من ذهنه الشريف جملة غاية ما تفيده أنها كانت غائبة عنه ثم ذكرها وحضرت في ذهنه بقراءة عباد. وغيبة الشيء عن الذهن أو غفلة الذهن عن الشيء غير محوه منه. بدليل أن الحافظ منا لأي نص من النصوص يغيب عنه هذا النص إذا اشتغل ذهنه بغيره وهو يوقن في ذلك الوقت بأنه مخزون في حافظته بحيث إذا دعا إليه داع استعرضه واستحضره ثم قرأه. أما النسيان التام المرادف لامحاء الشيء من الحافظة فإن الدليل قام على استحالته على النبي ﷺ فيما يخل بوظيفة الرسالة والتبليغ. وإذا عرض له نسيان فإنه سحابة صيف لا تجيء إلا لتزول. ولا ريب أن نسيان الرسول هنا كان بعد","vol":"1","page":266},{"text":"أن أدى وظيفته وبلغ الناس وحفظوا عنه. فهو نسيان لم يخل بالرسالة والتبليغ. قال البدر العيني في باب نسيان القرآن من شرحه لصحيح البخاري ما نصه:\nوقال الجمهور: جاز النسيان عليه أي على النبي ﷺ فيما ليس طريقه البلاغ والتعليم بشرط ألا يقر عليه بل لا بد أن يذكره. وأما غيره فلا يجوز قبل التبليغ وأما نسيان ما بلغه كما في هذا الحديث فهو جائز بلا خلاف اهـ.\nهذا. ولقد كنت في الطبعة الأولى تابعت بعض الكاتبين هنا في اتهام هذه الرواية بالدس والوضع ولكن تبين لي بعد إعادة النظر وتنبيه بعض ذوي الفطن أن الخبر صحيح رواه الشيخان ففي صحيح البخاري عن هشام عن عروة عن عائشة ﵂ قالت سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد. فقال: \"يرحمه الله. لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا\". زاد في رواية أخرى وقال: \"أسقطتهن من سورة كذا وكذا\".\nوفي صحيح مسلم عن هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ سمع رجلا يقرأ من الليل فقال: \"يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا\".\nوقال النووي في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن ما نصه: وثبت في الصحيحين أيضا عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سمع رجلا يقرأ فقال: \"﵀ لقد أذكرني آية كنت أسقطتها\". وفي رواية في الصحيح \"كنت أنسيتها\" اهـ. سبحان ربي ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ .\n٢- وأما احتجاجهم الثاني وهو الاسثناء الذي في قوله سبحانه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فلا يدل على ما زعموا لأنه استثناء صوري لا حقيقي. والحكمة فيه أن يعلن الله عباده أن عدم نسيانه ﷺ الذي وعده الله إياه في قوله: ﴿فَلا تَنْسَى﴾ إنما هو محض فضل من الله وإحسان ولو شاء سبحانه أن ينسيه لأنساه. وفي ذلك","vol":"1","page":267},{"text":"الاستثناء الصوري فائدتان: إحداهما ترجع إلى النبي ﷺ حيث يشعر دائما أنه مغمور بنعمة الله وعنايته ما دام متذكرا للقران لا ينساه والثانية تعود على أمته حيث يعلمون أن نبيهم ﷺ فيما خصه الله به من العطايا والخصائص لم يخرج عن دائرة العبودية فلا يفتنون فيه كما فتن النصارى في المسيح ابن مريم.\nوالدليل على أن هذا الاستثناء صوري لا حقيقي أمران: أحدهما ما جاء في سبب النزول وهو أن النبي ﷺ كان يتعب نفسه بكثرة قراءة القرآن حتى وقت نزول الوحي مخافة أن ينساه ويفلت منه فاقتضت رحمة الله بحبيبه أن يطمئنه من هذه الناحية وأن يريحه من هذا العناء فنزلت هذه الآية. كما نزلت آية ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ وآية ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .\nثانيهما أن قوله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ يعلق وقوع النسيان على مشيئة الله إياه. والمشيئة لم تقع بدليل ما مر بك من نحو قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ . وإذا فالنسيان لم يقع للعلم بأن عدم حصول المعلق عليه يستلزم عدم حصول المعلق. فالذي عنده ذوق لأساليب اللغة ونظر في وجوه الأدلة لا يتردد في أن الآية وعد من الله أكيد بأن الرسول يقرئه الله فلا ينسى وعدا منه على وجه التأييد من غير استثناء حقيقي لوقت من الأوقات.\nوإلا لما كانت الآية مطمئنة له ﵊ ولكان نزولها أشبه بالعبث ولغو الكلام.\nقال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده عند تفسيره للاستثناء في هذه الآية ما نصه: ولما كان الوعد على وجه التأبيد واللزوم ربما يوهم أن قدرة الله لا تسع غيره وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه جاء بالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئا لم يعجزه ذلك فالقصد هو نفي النسيان رأسا. وقالوا: إن ذلك","vol":"1","page":268},{"text":"كما يقول الرجل لصاحبه أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله لا يقصد استثناء شيء وهو من استعمال القلة في معنى النفي. وعلى ذلك جاء الاستثناء في قوله تعالى في سورة هود ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غير مقطوع. فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد بكرم من الله وسعة جود لا بتحتيم عليه وإيجاب وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع.\nوما ورد من أنه ﷺ نسي شيئا كان يذكره فذلك إن صح فهو في غير ما أنزل الله من الكتاب والأحكام التي أمر بتبليغها. وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين التي جازت على عقول المغفلين فلوثوا بها ما طهره الله فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة ﷺ ويؤمن بكتاب الله أن يتلق بشيء من ذلك اهـ.\nذلك رأي في معنى الاستثناء وثمة وجه آخر فيه وهو أنه استثناء حقيقي غير أن المراد به منسوخ التلاوة دون غيره ويكون معنى الآية أن الله تعالى يقرئ نبيه فلا ينسيه إلا ما شاءه وهو ما نسخت تلاوته لحكمة من الحكم التي بينها العلماء في مبحث النسخ. والدليل على هذا قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ قال العلامة أبو السعود في تفسيره: وقرئ ما ننسخ من آية أو ننسكها وقرئ ما ننسك من آية أو ننسخها والمعنى أن كل آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير بدل ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أي نوع آخر هو خير للعباد بحسب الحال في النوع والثواب من الذاهبة. وقرئ بقلب الهمزة ألفا أو مثلها أي فيما ذكر من النفع والثواب اهـ ما أردنا نقله.\nوأيا ما يكن معنى الاستثناء في آية ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فإنه لا يفهم منه أن الرسول ﷺ نسي حرفا واحدا مما أمر بتلاوته وتبليغه للخلق،","vol":"1","page":269},{"text":"وإبقاء التشريع على قراءته وقرآنيته من غير نسخ. وذلك على أن المراد من النسيان المحو التام من الذاكرة\nأما إن أريد به غيبة الذهن عنه فقد سبق القول فيه قريبا. ولا تحسبن أن دواعي سهو الرسول ونسيانه تنال من مقامه فإنه دواع شريفة على حد ما قيل:\nياسائلي عن رسول الله كيف سها؟ ... والسهو من كل قلب غافل لاهي\nسها عن كل شيء سره فسها ... عما سوى الله فالتعظيم لله\n٤،٣- وأما احتجاجهم الثالث والرابع بأن الصحابة قد حذفوا من القرآن عند جمعه ما رأوا المصلحة في حذفه ومنه آية المتعة وصيغة القنوت فهو احتجاج باطل قائم على إهمال النصوص الصحيحة المتضافرة على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أحرص الناس على الاحتياط للقرآن وكانوا أيقظ الخلق في حراسة القرآن ولهذا لم يعتبروا من القرآن إلا ما ثبت بالتواتر وردوا كل ما لم يثبت تواتره لأنه غير قطعي ويأبى عليهم دينهم وعقلهم أن يقولوا بقرآنية ما ليس بقطعي. وقد سبق لك ما وضعوه من الدساتير المحكمة الرشيدة في كتابة الصحف على عهد أبي بكر وكتابة المصاحف على عهد عثمان. فارجع إليها إن شئت لتعرف مدى إمعان هؤلاء المبطلين في التجني والضلال.\nوإذا كان هؤلاء الطاعنون يريدون أن يلمزوا الصحابة ويعيبوهم بهذه الحيطة البالغة لكتاب الله حتى أسقطوا ما لم يتواتر وما لم يكن في العرضة الأخيرة وما نسخت تلاوته وكان يقرؤه من لم يبلغه النسخ نقول: إذا كانوا يريدون أن يلمزوا الصحابة والقرآن بذلك فالأولى لهم أن يلمزوا أنفسهم وأن يواروا سوأتهم. لأن المسلمين كانوا ولا يزالون أكرم على أنفسهم من أن يقولوا في كتاب الله بغير علم وأن ينسبوا إلى الله ما لم تقم عليه حجة قاطعة وأن يسلكوا بالقرآن مسلك الكتب المحرفة والأناجيل المبدلة.","vol":"1","page":270},{"text":"وإننا نذكر هؤلاء بتلك الكلمة التي يرددونها هم وهي: من كان بيته من زجاج فلا يرجمن الناس بالحجارة.\nوكلمة الفصل في هذا الموضوع: أن آية المتعة التي يزعمون وصيغة القنوت التي يحكمون لم يثبت قرآنيتهما حتى يكونا في عداد القرآن وإن ادعوا قرآنيتهما فعليهم البيان: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .\nقال صاحب الانتصار ما نصه: إن كلام القنوت المروي أن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم الحجة بأنه قرآن منزل بل هو ضرب من الدعاء وأنه لو كان قرآنا لنقل إلينا نقل القرآن وحصل العلم بصحته ثم قال ويمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ وأبيح الدعاء به وخلط بما ليس بقرآن. ولم يصح ذلك عنه إنما روي عنه إنما روي عنه أنه أثبته في مصحفه وقد أثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء أو تأويل اهـ. وهذا الدعاء هو القنوت الذي أخذ به السادة الحنفية. وبعضهم ذكر أن أبيا ﵁ كتبه في مصحفه وسماه سورة الخلع والحفد لورود مادة هاتين الكلمتين فيه وقد عرفت توجيه ذلك.\nوالخلاصة أن بعض الصحابة الذين كانوا يكتبون القرآن لأنفسهم في مصحف أو مصاحف خاصة بهم ربما كتبوا فيها ما ليس بقرآن مما يكون تأويلا لبعض ما غمض عليهم من معاني القرآن أو مما يكون دعاء يجري مجرى أدعية القرآن في أنه يصح الإتيان به في الصلاة عند القنوت أو نحو ذلك وهم يعلمون أن ذلك كله ليس بقرآن. ولكن ندرة أدوات الكتابة وكونهم يكتبون القرآن لأنفسهم وحدهم دون غيرهم هون عليهم ذلك لأنهم أمنوا على أنفسهم اللبس واشتباه القرآن بغيره. فظن بعض قصار النظر أن كل ما كتبوه فيها إنما كتبوه على أنه قرآن مع أن الحقيقة ليست كذلك إنما هي ما علمت. أضف إلى ذلك أن النبي ﷺ أتى عليه حين من الدهر نهى","vol":"1","page":271},{"text":"عن كتابة غير القرآن إذ يقول فيما يرويه مسلم: \"لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه\" وذلك كله مخافة اللبس والخلط والاشتباه في القرآن الكريم.\n٥- وأما احتجاجهم الخامس بأن كثيرا من آيات القرآن لم يكن لها قيد سوى تحفظ الصحابة وقد قتل بعضهم وذهب معهم ما كانوا يتحفظونه فلا يسلم لهم لأن نفس ما كان يتحفظه الشهداء من القراء كان يتحفظه كثير غيرهم أيضا من الأحياء الذين لم يستشهدوا ولم يموتوا بدليل قول عمر: وأخشى أن يموت القراء من سائر المواطن ومعنى هذا أن القراء لم يموتوا كلهم. إنما المسألة مسألة خشية وخوف. ومعلوم أن أبا بكر كان من الحفاظ وكذلك عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم وهؤلاء عاشوا حتى جمع القرآن في الصحف وعاش منهم من عاش حتى نسخ في المصاحف وحينئذ فكتابة زيد ما كتبه هي كتابة لكل القرآن لم تفلت منه كلمة ولا حرف.\nوكان القرآن كله مكتوبا كما سبق شرحه وبيانه حتى إن الصحابة في جمعه كانوا يستوثقون له بأن يعتمدوا على الحفظ والكتابة معا دون الاكتفاء بأحدهما وكانوا فيما يعتمدون عليه من الكتابة يتأكدون من أنه كتب بين يدي النبي ﷺ ويطلبون على ذلك شاهدين كما سلف إيضاحه.\n٦- وأما احتجاجهم السادس بأن ما كان مكتوبا من القرآن على العظام ونحوها كان غير منظم ولا مضبوط الخ فينقضه ما أثبتناه آنفا في جمع القرآن من أن ترتيب آياته كان توقيفيا وأن الرسول ﷺ كان يرشد كتاب الوحي أن يضعوا آية كذا في مكان كذا من سورة كذا. وكان يقرئها أصحابه كذلك ويحفظها الجميع ويكتبها من ساء منهم لنفسه على هذا النحو حتى صار ترتيب القرآن وضبط آياته معروفا مستفيضا بين الصحابة حفظا وكتابة. ووجدوا ما كتب عند الرسول من القرآن،","vol":"1","page":272},{"text":"مرتب الآيات كذلك في كل رقعة أو عظمة وإن كانت العظام والرقاع منتشرة وكثيرة مبعثرة. على أننا قررنا غير مرة أن التعويل كان على الحفظ والتلقي قبل كل شيء ولم يكن التعويل على المكتوب وحده فلا جرم كان في الحفظ والكتابة معا ضمان للنظام والترتيب والضبط والحصر.\nوأما قولهم في هذا الاحتجاج: وقد ضاع بعضها فيظهر أنهم استندوا في ذلك إلى ما ورد من أنه فقدت آية من آخر سورة براءة فلم يجدوها إلا عند خزيمة بن ثابت فظن هؤلاء أن هذا اعتراف منا بضياع شيء من مكتوب القرآن. وليس الأمر كما فهموا بل المعنى أن الصحابة لم يجدوا تلك الآية مكتوبة إلا عند خزيمة بخلاف غيرها من الآيات فقد كانت مكتوبة عند عدة من الصحابة ومع ذلك فقد كان الصحابة يقرؤونها ويحفظونها ويعرفونها بدليل قولهم: فقدت آية. وإلا فما أدراهم أنها فقدت من الكتابة لو لم يحفظوها؟\nوأما قولهم في هذا الاحتجاج أيضا: إن ضياع ذلك البعض دعا الصحابة إلى دعوى النسخ وهو من غريب المزاعم فهو قول أثيم أرادوا به الطعن على النسخ وإنكاره وسيأتيك الكلام على النسخ وحكمته ودفع الشبه عنه في مبحث خاص إن شاء الله.\n٧- وأما احتجاجهم السابع بما نسبوه إلى الحجاج فهي نسبة كاذبة لا برهان لهم بها ولا دليل عليها. وها هو التاريخ فليأتوا لنا منه بسلطان مبين على أن الحجاج جمع المصاحف فضلا عن أنه نقص منها أو زاد فيها\nولو أنه فعل ذلك لنقل إلينا متواترا لأن هذا مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره وكيف يفعل ذلك والأمة كلها تقره وأئمة الدين الموجودون في عهده كالحسن البصري يسكتون ولا ينكرون ولا يدافعون ولا يستقتلون؟ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ .","vol":"1","page":273},{"text":"ثم إن الحجاج كان عاملا من العمال على بعض أقطار الإسلام فأنى له أن يجمع المصاحف ويحرقها فيما عدا ولايته التي هو عامل عليها؟\nوإذا فرضنا أن الحجاج كان له من القوة والشوكة ما أسكت به كل الأمة في زمانه على هذا الخرق الواسع في الإسلام والقرآن فما الذي أسكت المسلمين بعد انقضاء عهد الحجاج؟ وإذا كان الحجاج قد استطاع التحكم في المصاحف والتلاعب فيها بالزيادة والنقص فكيف استطاع أن يتحكم في قلوب الحفاظ وهم آلاف مؤلفة في ذلك العهد حتى يمحو منها ما شاء ويثبت ما أراد؟.\nهذه دعاوى ساقطة تحمل أدلة سقوطها في ألفاظها وتدل على جرأة القوم وإغراقهم في الجهل والضلال.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . نسأل الله السلامة بمنه وكرمه. آمين.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الشبهة الثانية</span>\nيقولون: إن القرآن كما حصل فيه نقص عند الجمع حصلت فيه زيادة. والدليل على ذلك إنكار ابن مسعود أن المعوذتين من القرآن وأن في القرآن ما هو من كلام أبي بكر وكلام عمر.\nوننقض هذه الشبهة أولا: بأن ابن مسعود لم يصح عنه هذا النقل الذي تمسكتم به من إنكاره كون المعوذتين من القرآن. والمسألة مذكورة في كثير من كتب التفسير وعلوم القرآن مع تمحيصها والجواب عليها.\nوخلاصة ما قالوه: أن المسلمين أجمعوا على وجوب تواتر القرآن. ويشكل على هذا ما نقل من إنكار ابن مسعود قرآنية الفاتحة والمعوذتين. بل روي أنه حك من مصحفه المعوذتين زعما منه أنهما ليستا من القرآن.\nوقد أجابوا عن ذلك بمنع صحة النقل قال النووي في شرح المهذب ما نصه: أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد شيئا منها كفر. وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح اهـ وقال ابن حزم في كتاب القدح المعلى: هذا كذب على ابن مسعود وموضوع. بل صح عن ابن مسعود نفسه قراءة عاصم وفيها المعوذتان والفاتحة. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر أنه ﷺ قرأهما في الصلاة. زاد ابن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر أيضا: فإن استطعت ألا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة أن النبي ﷺ أقرأنا المعوذتين وقال له: \"إذا أنت صليت فاقرأ بهما\". وإسناده صحيح.\nثانيا: يحتمل أن إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين والفاتحة على فرض صحته،","vol":"1","page":275},{"text":"كان قبل علمه بذلك فلما تبين له قرآنيتهما بعد تم التواتر وانعقد الإجماع على قرآنيتهما كان في مقدمة من آمن بأنهما من القرآن.\nقال بعضهم: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي ﷺ ولم تتواترا عنده فتوقف في أمرهما. وإنما لم ينكر ذلك عليه لأنه كان بصدد البحث والنظر والواجب عليه التثبت في هذا الأمر اهـ.\nولعل هذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس لأن قراءة عاصم عن ابن مسعود ثبت فيها المعوذتان والفاتحة وهي صحيحة ونقلها عن ابن مسعود صحيح وكذل إنكار ابن مسعود للمعوذتين جاء من طريق صححه ابن حجر. إذا فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود جمعا بين الروايتين.\nوما يقال في نقل إنكاره قرآنية المعوذتين يقال في نقل إنكاره قرآنية الفاتحة بل نقل إنكاره قرآنية الفاتحة أدخل في البطلان وأغرق في الضلال باعتبار أن الفاتحة أم القرآن وأنها السبع المثاني التي تثنى وتكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة على لسان كل مسلم ومسلمة. فحاشى لابن مسعود أن يكون قد خفي عليه قرآنيتها فضلا عن إنكاره قرآنيتها. وقصارى ما نقل عنه أنه لم يكتبها في مصحفه وهذا لا يدل على الإنكار. قال ابن قتيبة ما نصه: وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن معاذ الله ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان اهـ ومعنى هذا أن عدم كتابة ابن مسعود للفاتحة في مصحفه كان سببه وضوح أنها من القرآن وعدم الخوف عليها من الشك والنسيان والزيادة والنقصان.\nثالثا: أننا إن سلمنا أن ابن مسعود أنكر المعوذتين وأنكر الفاتحة بل أنكر القرآن كله فإن إنكاره هذا لا يضرنا في شيء لأن هذا الإنكار لا ينقض تواتر القرآن ولا يرفع العلم القاطع بثبوته القائم على التواتر. ولم يقل أحد في الدنيا:","vol":"1","page":276},{"text":"إن من شرط التواتر والعلم اليقيني المبني عليه ألا يخالف فيه مخالف. وإلا لأمكن من هدم كل تواتر وإبطال كل علم قام عليه بمجرد أن يخالف فيه مخالف ولو لم يكن في العير ولا في النفير. قال ابن قتيبة في مشكل القرآن: ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن. لأنه رأى النبي ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين فأقام على ظنه ولا نقول إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار اهـ.\nرابعا أن ما زعموه من أن آية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الخ من كلام أبي بكر فهو زعم باطل لا يستند إلى دليل ولا شبه دليل. وقد جاء في الروايات الصحيحة أنها نزلت في واقعة أحد لعتاب أصحاب رسول الله ﷺ على ما صدر منهم وأنها ليست من كلام أبي بكر. وذلك أنه لما أصيب المسلمون في غزوة أحد بما أصيبوا به وكسرت رباعية١ النبي ﷺ وشج٢ وجهه الشريف وجحشت٣ ركبته وشاع بين المقاتلة أن رسول الله ﷺ قد قتل. هنالك قال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم.\nوقال أناس من المنافقين: إن كان محمد قد قتل فألحقوا بدينكم الأول فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل. وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء يعني المسلمين وأبرأ إليك مما قال هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ﵁.\nوروي أن أول من عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك فقد ورد أنه قال:\n_________\n١ الرباعية: هي السن التي بين الناب والثنية.\n٢ شج الوجه: جرحه.\n٣ جحش الركبة: خدشها.","vol":"1","page":277},{"text":"عرفت عينيه تحت المغفرة تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا: هذا رسول الله ﷺ. فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه ﵃ ينافحون عنه. ثم لام النبي ﷺ أصحابه على الفرار. فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأبنائنا. أتانا الخبر أنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ الخ من سورة آل عمران.\nوالظاهر أن هؤلاء الطاعنين بزيادة هذه الآية وأنها من كلام أبي بكر يعتمدون فيما طعنوا على ما كان من عمر يوم وفاة رسول الله ﷺ ومن رد أبي بكر عليه بهذه الآية فزعموا أنها من كلام أبي بكر وما هي من كلام أبي بكر. إنما هي من كلام رب العزة أنزلها قبل وفاة الرسول ﷺ ببضع سنين والمسلمون جميعا ومنهم أبو بكر وعمر يحفظونها ويعرفونها. غير أن منهم من ذهب عنها كعمر لهول الحادث وشدة الصدمة وتصدع قلبه بموت رسول الرحمة وهادي الأمة ﷺ.\nوكان من آثار ذلك أن عمر ﵁ غفل عن هذه الآية يوم توفي رسول الله ﷺ فقام يومئذ وقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي. وإن رسول الله ﷺ ما مات. ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران. فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: مات. والله ليرجعن رسول الله ﷺ كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ مات.\nهنالك نهض أبو بكر ينقذ الموقف فقال: على رسلك يا عمر أنصت فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان","vol":"1","page":278},{"text":"يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى آخرها. قال الراوي: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ فأخذها الناس من أبي بكر. وقال عمر: ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت١ حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات اهـ.\nوهذه الآية كما ترى لا يشم منها رائحة أنها من كلام أبي بكر بلى هي تحمل في طيها أدلة كونها من كلام الله وأن الصحابة يعلمون أنها من كلام الله نزلت قبل أن ينزل بهم هذا الخطب الفادح ببضع سنين. ولكن ما الحيلة فيمن أعماهم الهوى والتعصب؟ ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .\nخامسا: أن ما ادعوه من أن آية ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ من كلام عمر مردود أيضا بمثل ما رددنا به زعمهم السابق في آية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الخ. بل زعمهم هذا أظهر في البطلان لأن الثابت عن عمر أنه قال للنبي ﷺ لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ في سورة البقرة. وهناك فرق بين كلمة عمر في تمنيه الذي هو سبب النزول وبين كلمة القرآن النازلة بذلك السبب فأنت ترى أن الآية جاء فيها الفعل بصيغة الأمر ولم يقرن بلفظ لو. أما تمني عمر فجاء الفعل فيه بصيغة الماضي وقرن بلفظ لو. وتحقيق القرآن أمنية أو أمنيات لعمر لا يدل على أن ما نزل تحقيقا لهذه التمنيات يعتبر من كلام عمر. بل البعد بينهما شاسع والبون بعيد.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الشبهة الثالثة</span>\nيزعم بعض غلاة الشيعة أن عثمان ومن قبله أبو بكر وعمر أيضا حرفوا القرآن وأسقطوا كثيرا من آياته وسوره. ورووا عن هشام بن سالم من أبي عبد الله: أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد كان سبعة عشر ألف آية١. وروى محمد بن نصر عنه أنه قال: كان في سورة لم يكن اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. وروى محمد بن جهم الهلالي وغيره عن أبي عبد الله أن لفظ ﴿أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ في سورة النحل ليس كلام الله بل هو محرف عن موضعه وحقيقة المنزل أئمة هي أزكى من أئمتكم.\nومنهم من قال: إن القرآن كانت فيه سورة تسمى سورة الولاية وأنها أسقطت بتمامها وأن أكثر سورة الأحزاب سقط إذ أنها كانت مثل سورة الأنعام فأسقطوا منها فضائل أهل البيت. وكذلك ادعوا أن الصحابة أسقطوا لفظ ﴿وَيْلَكَ﴾ من قبل ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وأسقطوا لفظ عن ولاية علي من بعد ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ وأسقطوا لفظ بعلي بن أبي طالب من بعد ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وأسقطوا لفظ آل محمد من بعد ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إلى غير ذلك.\nفالقرآن الذي بأيدي المسلمين اليوم شرقا وغربا أشد تحريفا عند هؤلاء الشيعيين من التوراة والإنجيل وأضعف تأليفا منهما وأجمع للأباطيل ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؟.\nوننقض هذه الشبهة بما يأتي:-\nأولا: أنها اتهامات مجردة عن السند والدليل وكانت لا تستحق الذكر لولا\n_________\n١ مع العلم بأن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية ومئتا آية وكسور كما يأتي.","vol":"1","page":280},{"text":"أن رددها بعض الملاحدة وربما يخدع بها بعض المفتونين. ويكفي في بطلانها أنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يقيموا عليها برهانا ولا شبه برهان.\nوالدعاوى ما لم يقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء\nولكن هكذا شاءت حماقتهم وسفاهتهم ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ .\nثانيا: أن بعض علماء الشيعة أنفسهم تبرأ من هذا السخف ولم يطق أن يكون منسوبا إليهم وهو منهم فعزاه إلى بعض من الشيعة جمع بهم التفكير وغاب عنهم الصواب قال الطبرسي١ في مجمع البيان ما نصه: أما الزيادة فيه أي القرآن فمجمع على بطلانها. وأما النقصان فقد روي عن قوم من أصحابنا وقوم من الحشوية. والصحيح خلافه. وهو الذي نصره المرتضى واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء اهـ.\nوقال الطبرسي أيضا في مجمع البيان ما نصه: أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانها وأما النقصان فهو أشد استحالة. ثم قال: إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم يبلغه شيء فيما ذكرناه لأن القرآن مفخرة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟ اهـ.\nثالثا: أن التواتر قد قام والإجماع قد انعقد على أن الموجود بين دفتي المصحف كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير ولا تبديل. والتواتر طريق\n_________\n١ الطبرسي من رؤساء الشيعة، وكتابه مجمع البيان هو المرجع عندهم.","vol":"1","page":281},{"text":"واضحة من طرق العلم. والإجماع سبيل قويم من سبل الحق. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ .\nرابعا: أن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو الذي يزعمون أنهم يناصرونه ويتشيعون له بهذه الهذيانات صح النقل عنه بتحبيذ جمع القرآن على عهد أبي بكر ثم عهد عثمان. ولعلك لم تنس أنه قال في جمع أبي بكر ما نصه: أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله. وكذلك قال في جمع عثمان ما نصه: يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان وقولكم: حراق مصاحف فوالله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول الله ﷺ وقوله: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان وبهذا قطع الإمام ألسنة أولئك المفترين ورد كيدهم في نحورهم مخذولين. فأين يذهبون؟ ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾؟.\n﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .\nخامسا: أن الخلافة قد انتهت إلى علي كرم الله وجهه بعد أبي بكر وعمر وعثمان فماذا منعه أن يجهر وقتئذ بالحق في القرآن وأن يصحح للناس ما أخطأ فيه أسلافه على هذا الزعم والبهتان؟ مع أنه الإمام المعصوم في عقيدة أولئك المبطلين ومع أنه كان من سادات حفظة القرآن ومن أشجع خلق الله في نصرة الدين والإسلام.\nولقد صار الأمر بعده إلى ابنه الحسن ﵁ فماذا منعه الآخر من انتهاز هذه الفرصة كي يظهر حقيقة كتاب الله للأمة. هذه مزاعم لا يقولها إلا مجنون ولا يصدق بها إلا مأفون!!","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الشبهة الرابعة</span>\nيقولون: ورد أن عبد الله بن مسعود قال: يا معشر المسلمين. أعزل عن نسخ المصاحف ويتولاه رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر؟ اهـ.\nقالوا: وهو يعني بهذا الرجل زيد بن ثابت ويريد بذلك الكلام الطعن على جمع القرآن. وهذا يدل بالتالي على أن القرآن الموجود بين أيدينا ليس موضع ثقة ولم يبلغ حد التواتر.\nوننقض شبهتهم هذه. أولا: بأن كلام ابن مسعود هذا إذا صح لا يدل على الطعن في جمع القرآن إنما يدل على أنه كان يرى في نفسه أنه هو الأولى أن يسند إليه هذا الجمع لأنه كان يثق بنفسه أكثر من ثقته بزيد في هذا الباب. وذلك لا ينافي أنه كان يرى في زيد أهلية وكفاية للنهوض بما أسند إليه وإن كان هو في نصر نفسه أكفأ وأجدر. غير أن المسألة تقديرية ولا ريب أن تقدير أبي بكر وعمر وعثمان لزيد أصدق من تقدير ابن مسعود له. كيف وقد عرفت فيما سبق مجموعة المؤهلات والمزايا التي توافرت فيه حتى جعلته الجدير بتنفيذ هذه الغاية السامية. أضف إلى ذلك أن عثمان ضم إليه ثلاثة ثم كان هو وجمهور الصحابة مشرفين عليهم مراقبين لهم وناهيك في عثمان أنه كان من حفاظ ومعلمي القرآن!\nوخلاصة هذا الجواب أن اعتراض ابن مسعود على فرض صحته كان منصبا على طريقة تأليف لجنة الجمع لا على صحة نفس الجمع. مع أن كلمة ابن مسعود السالفة لا تدل على أكثر من أنه كان يكبر زيدا بزمن طويل إذ كان عبد الله مسلما وزيد لا يزال ضميرا مستترا في صلب أبيه. وليس هذا بمطعن في زيد فكم ترك الأول للآخر. ولو كان الأمر بالسن لاختل كثير من نظام الكون. ثم إن كلمة","vol":"1","page":283},{"text":"ابن مسعود ربما يفهم منها الطعن في زيد من ناحية أن أباه كان كافرا ولكن هذا ليس بمطعن فكثير من أكابر الصحابة كانوا في مبدأ أمرهم كفارا وخرجوا من أصلاب آباء كافرين. والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ويقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ .\nثانيا: أننا إذا سلمنا صحة ما نقل عن ابن مسعود وسلمنا أنه أراد الطعن في صحة جمع القرآن لا نسلم أنه دام على هذا الطعن والإنكار بدليل ما صح عنه أنه رجع إلى ما في مصحف عثمان وحرق مصحفه في آخرة الأمر حين تبين له أن هذا هو الحق وبدليل ما صح عنه من قراءة عاصم عن زرعة وقد تقدم.\nثالثا: أن كلام ابن مسعود هذا على تسليم صحته وأنه أراد به الطعن في صحة الجمع وأنه دام عليه ولم يرجع عنه لا نسلم أنه يدل على إبطال تواتر القرآن فإن التواتر كما أسلفنا يكفي في القطع بصحة مرويه أن ينقل عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب بشروطه وليس من شروطه ألا يخالف فيه مخالف حتى يقدح في تواتر القرآن أن يخالف فيه ابن مسعود أو غير ابن مسعود ما دام جم غفير من الصحابة قد أقروا جمع القرآن على هذا النحو في عهد أبي بكر مرة وفي عهد عثمان مرة أخرى.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الشبهة الخامسة</span>\nيقولون: كيف يكون القرآن متواترا. مع ما يروى عن زيد بن ثابت أنه قال في الجمع على عهد أبي بكر ما نصه: فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره وهما ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر السورة.","vol":"1","page":284},{"text":"ثم كيف يكون القرآن متواترا مع ما يروى أيضا عن زيد بن ثابت أنه قال في الجمع على عهد عثمان ما نصه: فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؟.\nوالجواب على هذه الشبهة: أولا: أن كلام زيد بن ثابت هذا لا يبطل التواتر. وبيان ذلك أن الآيتين ختام سورة التوبة لم تثبت قرآنيتهما بقول أبي خزيمة وحده. بل ثبتت بأخبار كثرة غامرة من الصحابة عن حفظهم في صدورهم وإن لم يكونوا كتبوه في أوراقهم. ومعنى قول زيد: حتى وجدت من سورة التوبة آيتين لم أجدهما عند غيره أنه لم يجد الآيتين اللتين هما ختام سورة التوبة مكتوبتين عند أحد إلا عند أبي خزيمة فالذي انفرد به أبو خزيمة هو كتابتهما لا حفظهما وليس الكتابة شرطا في المتواتر بل المشروط فيه أن يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب ولو لم يكتبه واحد منهم فكتابة أبي خزيمة الأنصاري كانت توثقا واحتياطا فوق ما يطلبه التواتر ويقتضيه فكيف نقدح في التواتر بانفراده بها.\nثانيا: يقال مثل ذلك فيما روي عن زيد في آية سورة الأحزاب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فإن معناه أن زيدا لم يجدها مكتوبة عند أحد إلا عند خزيمة بن ثابت الأنصاري. ويدل على أن هذا هو المعنى الذي أراده زيد بعبارته تلك قول زيد نفسه فقدت آية من سورة الأحزاب الخ فإن تعبيره بلفظ فقدت يشعر بأنه كان يحفظ هذه الآية وأنها كانت معروفة له غير أنه فقد مكتوبها فلم يجده إلا مع خزيمة وإلا فمن الذي أنبأ زيدا أنه فقد آية؟\nثالثا: أن كلام زيد فيما مضى من ختام التوبة وآية الأحزاب لا يدل على","vol":"1","page":285},{"text":"عدم تواترهما حتى على فرض أنه يريد انفراد أبي خزيمة وخزيمة بذكرهما من حفظهما. غاية ما يدل عليه كلامه أنهما انفردا بذكرهما ابتداء ثم تذكر الصحابة ما ذكراه وكان هؤلاء الصحابة جمعا يؤمن تواطؤهم على الكذب فدونت تلك الآيات في الصحف والمصحف بعد قيام هذا التواتر فيها.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الشبهة السادسة</span>\nيقولون: كانت الآيات تكتب على الحجارة وسعف النخل والعظام خوفا عليها من الضياع وبقي جانب كبير منها محفوظا في صدور الرجال. وقد نشأ عن ذلك عدة مشاكل يعتبرها الباحثون فيه كافية لإثبات كون القرآن الحالي لا يحتوي جميع الآيات التي نطق بها محمد وبعضها يختلف في القراءة واللفظ والمعنى.\nويقولون بعبارة أخرى إنه من المستحيل أن يكون القرآن الحالي حاويا لجميع ما أنزل إذ من المؤكد أنه ذهب منه جانب ليس بقليل وأنسي منه جانب آخر قال ابن عمر: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله. قد ذهب منه كثير. ولكن ليقل: قد أخذت ما ظهر منه. فهذا يثبت ان القرآن الحالي لا يتضمن جميع ما كان مسطورا في اللوح المحفوظ. ولا هو طبق ما نطقت به شفتا محمد سيما أن في آيات عديدة منه اختلافات مدهشة ولا يعلم نصها الصحيح أحد اهـ.\nوننقض هذه الشبهة بما يأتي:\nأولا: أن كتابة القرآن على الحجارة والسعف والعظام وبقاء جانب كبير منه محفوظا في صدور الرجال لا يلزم منه مشكلة واحدة فضلا عن عدة مشاكل إنما هو وهم من الأوهام تخيلوه فخالوه وبدليل أنهم لم يذكروا سندهم فيما ذهبوا إليه من هذا الشطط.","vol":"1","page":286},{"text":"ثانيا: أن الحجارة وسعف النخل والعظام التي كتب عليها بعض آيات القرآن لم تكن بحيث يمكن أن يتخيل أولئك الطاعنون أو يخيلوا إلى الناس أنها لا تصلح للكتابة عليها بل كانت العرب لبداوتها ولبعدها عن وسائل الحضارة والعمران تصطفي من أنواع الحجارة الموفورة عندها نوعا رقيقا يكون كالصحيفة يصلح للكتابة وللبقاء أشبه بما نراه اليوم من الكتابة الجميلة المنقوشة على صفحات مصنوعة مما نسميه الجبس.\nوكذلك سعف النخل يكشطون الخوص عنه ويكتبون في الجزء العريض منه بعد أن يصقلوه ويهذبوه فيكون أشبه بالصحيفة. وقل مثل هذا في العظام بدليل أن الروايات الواردة في ذلك نصت على نوع خاص منه وهو عظام الأكتاف وذلك لأنها عريضة رقيقة ومصقولة صالحة للكتابة عليها بسهولة.\nثالثا: أن استنتاجهم من هذا كون القرآن الحالي لا يحتوي جميع الآيات التي نطق بها محمد استنتاج معكوس وفهم منكوس لأن كتابة القرآن وحفظه في آن واحد في صدور آلاف مؤلفة من الخلق أدعى إلى بقاء ذلك القرآن وأدل على أنه لم تفلت منه كلمة ولا حرف. كيف وأحد الأمرين من الكتابة والحفظ كاف في هذه الثقة فما بالك إذا كان القرآن كله مكتوبا بخطوط أشخاص كثيرين ومحفوظا في صدور جماعات كثيرين.\nرابعا: قولهم: وبعضها يختلف في القراءة واللفظ والمعنى إن أرادوا به الطعن في تعدد القراءات واختلاف وجوه الأداء فقد سبق في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف ما يكفيك في الرد عليهم وسيأتيك في مبحث القراءات ما يزيدك تنورا في هذا الموضوع وإن أرادوا به شيئا آخر فعليهم البيان. وحسبك أن تعرف أن اختلاف حروف القرآن أمر تقتضيه الحكمة ويوجبه عموم الدعوة الإسلامية. خصوصا لمن شافههم الرسول ﵊ وهم على اختلاف قبائلهم وتنوع","vol":"1","page":287},{"text":"لهجاتهم وتباين وجوه نطقهم عرب تؤلف بينهم العروبة الواحدة ويجمعهم اللسان العربي العام. فأي عيب على القرآن إذا اختلفت حروف أدائه وكيفيات النطق بكلماته ليسع القبائل العربية جميعا وليتسنى لها تلاوة ألفاظه وتفهم معانيه؟ ولئلا يقول أحد منها: لو جاء القرآن بلغتنا لكان لنا معه شأن ولأتينا بمثله وعارضنا بلاغته! ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nخامسا: قولهم إنه من المستحيل أن يكون القرآن الحالي حاويا لجميع ما أنزل الخ كلام مجرد من السند والحجة لا يستحق الرد فإن استندوا فيه إلى ما سبق فقد استندوا إلى أوهن من بيت العنكبوت وقد عرفت وجوه الوهن التي فيه. وإن استندوا إلى ما ذكروه بعد مما نسبوه لابن عمر فقد زادوا الطين بلة لأن هذه النسبة إلى ابن عمر نسبة خاطئة كاذبة وعلى فرض صحتها فهي موقوفة وليست بمرفوعة إلى النبي ﷺ وعلى فرض رفعها فهي معارضة للأدلة القاطعة المتوافرة في تواتر القرآن وسلامته من التغيير والزيادة والنقصان ومعارض القاطع ساقط مهما كانت قيمة سنده في خبر الواحد.\nسادسا: أن نهايتهم التي ختموا بها هذه الشبهة أقبح من بدايتهم لأنهم رتبوها على تلك الأكاذيب والمهاترات ثم زادوا فيها اتهاما جديدا مجردا من السند والحجة أيضا وهو أن في آيات عديدة من القرآن اختلافات مدهشة ولا يعلم نصها الصحيح أحد وهكذا خرجوا من اتهام إلى اتهام واحتجوا بكذب على كذب وهانت عليهم كرامتهم وعقولهم فقالوا ما شاء لهم الهوى والتعصب إلى هذا الحد وأنت خبير بأن القرآن الحالي وصل إلينا محفوظا من كل عبث كما نطق به الرسول ﷺ وكما خطه الله تعالى بقلمه في\nلوحه. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .","vol":"1","page":288},{"text":"أما زعمهم أن فيه اختلافات مدهشة فقد علمت في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف مدى اختلاف وجوه القراءات وحكمته وأنه لا يؤدي إلى تخاذل وتناقض حتى يكون مدهشا.\nوأما نصوص القرآن الصحيحة فقد علمها وحفظها جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الأمة. من لدن رسول الله ﷺ إلى اليوم.\nفادعاء هؤلاء الجهلة الدجالين أنه لا يعلم نصوص القرآن الصحيحة أحد ادعاء مفضوح وكذب مكشوف.\nقال صاحب مسلم الثبوت وهو من أشهر الكتب في أصول الفقه الإسلامي: ما نقل آحادا فليس بقرآن قطعا ولم يعرف في هذا خلاف لواحد من أهل المذاهب. والدليل على ذلك أن القرآن مما تتوافر الدواعي على نقله لتضمنه التحدي ولأنه أصل الأحكام باعتبار المعنى واللفظ جميعا ولذلك علم جهد الصحابة في حفظه بالتواتر القاطع وكل ما تتوافر الدواعي على نقله ينقل متواترا عادة فوجوده ملزوم التواتر عند الكل عادة فإذا انتفى اللازم وهو التواتر انتفى الملزوم قطعا. والمنقول آحادا ليس متواترا فليس قرآنا اهـ بتصرف قليل.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>خط منيع من خطوط الدفاع عن الكتاب والسنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>مدخل</span>\n...\nخط منيع من خطوط الدفاع عن الكتاب والسنة\nأو الدواعي والعوامل التي توافرت في الصحابة حتى استظهروا القرآن والحديث النبوي وتثبتوا فيهما\nإن الناظر في الشبهات السالفة وأمثالها يبدو له في وضوح أن القوم يحاولون الطعن في القرآن عن طريق النيل من الصحابة فطورا يقولون: إن الصحابة حين جمع القرآن لم يكونوا يستظهرونه وإن الذين استظهروه منهم ماتوا قبل جمعه واستشهدوا وطورا يقولون: إن الصحابة لم يتثبتوا في جمع القرآن بل حطبوا فيه بليل وزادوا فيه ونقصوا منه ما شاءوا.","vol":"1","page":289},{"text":"وقد كثرت هجمات أعداء الإسلام من هذه الناحية كثرة فاحشة بحيث إذا استقصينا شبهاتهم كلها ضاق بنا نطاق هذا التأليف وخرجنا جملة من الجو العلمي الهادىء اللذيذ إلى ميدان صاخب بالقيل والقال والصيال والجدال والدفاع والنضال.\nوكذلك كثرت هجمات أعداء الإسلام على السنة النبوية من ناحية الصحابة أيضا فتارة يستكثرون عليهم أن يكونوا قد حفظوا الحديث الشريف وهو موسوعات كبيرة وتارة يتهمونهم بالخيانة والتزيد وعدم التثبت والتحري ويبنون على ذلك مفتريات ما أنزل الله بها من سلطان.\nيريدون بهذه الاتهامات الجريئة للصحابة أن يزعزعوا ثقة الناس بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ حتى يفتنوا المسلمين عن دينهم وحتى يقيموا الحواجز والعواثير في طريق غير المسلمين مخافة أن يجتذبهم الإسلام إليه بمحاسنه الأخاذة وقوته المحولة وتعاليمه الوضاءة.\nوبرغم أن شبهات القوم كلها متشابهة وطرق دفعها هي الأخرى متشابهة فإن واجب الحيطة والحذر يقتضينا بعد ما تقدم أن نقيم خطا منيعا من خطوط الدفاع عن الكتاب والسنة وأن نؤلف هذا الخط من جبهتين قويتين الجبهة الأولى تطاول السماء بتجلية الدواعي والعوامل التي توافرت في أصحاب رسول الله ﷺ حتى جعلت منهم كثرة غامرة يحفظون القرآن والحديث وينقلونهما نقلا متواترا مستفيضا. والجبهة الثانية تفاخر الجوزاء بنظم الدواعي والعوامل التي توافرت فيهم رضوان الله عليهم حتى جعلتهم يتثبتون أبلغ تثبت وأدقه في القرآن وجمع القرآن وكل ما يتصل بالقرآن وفي الحديث الشريف وكل ما يتصل بالحديث الشريف.\nوإني أستمنح الله فتوحا وتوفيقا في هذه المحاولة الجليلة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .","vol":"1","page":290},{"text":"ا-<span data-type=\"title\" id=toc-109> الجبهة الأولى: أو الدواعي والعوامل في حفظ الصحابة للكتاب والسنة ونقلهم لهما</span>\nولنبدأ بشرح العوامل والدواعي التي يسرت للصحابة حفظ الكتاب والسنة ونقلهما حتى لا يستبعد ذلك عليهم أحد ولا يطعن في الكتاب والسنة عن هذا الطريق أحد:\nالعامل الأول\nأنهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة ولا يحذقون الخط والكتابة اللهم إلا نزر يسير لا يصاغ منهم حكم على المجموع. وترجع هذه الأمية السائدة فيهم إلى غلبة البداوة عليهم وبعدهم عن أسباب المدنية والحضارة وعدم اتصالهم اتصالا علميا وثيقا بالأمتين المتحضرتين في العالم لذلك الحين: أمة الفرس في الشرق وأمة الروم في الغرب. ومعلوم أن الكتابة والقراءة وامحاء الأمية في أية أمة رهين بخروجها من عهد السذاجة والبساطة إلى عهد المدنية والحضارة.\nثم إن هذه الأمية تجعل المرء منهم لا يعول إلا على حافظته وذاكرته فيما يهمه حفظه وذكره. ومن هنا كان تعويل الصحابة على حوافظهم يقدحونها في الإحاطة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لأن الحفظ هو السبيل الوحيدة أو الشبيهة بالوحيدة إلى إحاطتهم بهما.\nولو كانت الكتابة شائعة فيهم لاعتمدوا على النقش بين السطور بدلا من الحفظ في الصدور.","vol":"1","page":291},{"text":"نعم. عمل الرسول على كتابة القرآن وكان له كتاب يكتبون الوحي كما سبق وكان بعض الصحابة يكتبون القرآن لأنفسهم كذلك غير أن هؤلاء وهؤلاء كانوا فئة قليلة بجانب الجم الغفير من سواد الأمة الكثير. ولعلك لم تنس أن كتابة القرآن في عهد الرسول كان الغرض منها زيادة التوثق والاحتياط للقرآن الكريم بتقييده وتسجيله بالنقش فوق تقييده وتسجيله بالحفظ.\nأما السنة النبوية فقد نهى النبي ﷺ أصحابه عن كتابتها أول الأمر مخافة اللبس بالقرآن إذ قال ﵊: \" لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني فلا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\" رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري.\nنعم. خشي الرسول ﷺ أن يختلط القرآن بالسنة إذا هم كتبوا السنة كما كانوا يكتبون القرآن أو أن تتوزع جهودهم وهي لا تحتمل أن يكتبوا جميع السنة وجميع القرآن فقصرهم على الأهم أولا وهو القرآن. خصوصا إذا لاحظنا أن أدوات الكتابة كانت نادرة لديهم إلى حد بعيد حتى كانوا يكتبون في اللخاف والسعف والعظام كما علمت.\nفرحمة بهم من ناحية وأخذا لهم بتقديم الأهم على المهم من ناحية ثانية وحفظا للقرآن أن يشتبه بالسنة إذا هم كتبوا السنة بجانب القرآن نظرا إلى عزة الورق وندرة أدوات الكتابة رعاية لهذه الغايات الثلاث نهى الرسول عن كتابة السنة.\nأما إذا أمن اللبس ولم يخش الاختلاط وكان الأمر سهلا على الشخص فلا عليه أن يكتب الحديث الشريف كما يكتب القرآن الكريم. وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الإذن بكتابة السنة آخر الأمر والواردة في الإذن لبعض الأشخاص","vol":"1","page":292},{"text":"كعبد الله بن عمرو ﵁ ولهذا الموضوع مبحث خاص به فاطلبه إن شئت في علوم الحديث.\nوأيا ما تكن كتابة القرآن والسنة النبوية فإن التعويل قبل كل شيء كان على الحفظ والاستظهار ولا يزال التعويل حتى الآن على التلقي من صدور الرجال ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي ﷺ.\nغير أن الرجل الأمي والأمة الأمية يكونان أسبق من غيرهما إلى الحفظ للمعنى الذي أسلفناه لك.\nالعامل الثاني\nأن الصحابة كانوا أمة يضرب بها المثل في الذكاء والألمعية وقوة الحافظة وصفاء الطبع وسيلان الذهن وحدة الخاطر وفي التاريخ العربي شواهد على ذلك يطول بنا تفصيلها ولعلها على بال منك. حتى لقد كان الرجل منهم ربما يحفظ ما يسمعه لأول مرة مهما كثر وطال وربما كان من لغة غير لغته ولسان سوى لسانه وحسبك أن تعرف أن رؤوسهم كانت دواوين شعرهم وأن صدورهم كانت سجل أنسابهم وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم وأيامهم كل أولئك كانت خصائص كامنة فيهم وفي سائر الأمة العربية من قبل الإسلام ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صقل ونفوسهم من طهر وعقولهم من سمو خصوصا إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب الله ولخير الهدى وهو هدي محمد ﷺ.","vol":"1","page":293},{"text":"العامل الثالث\nبساطة هذه الأمة العربية واقتصارها في حياتها على ضروريات الحياة من غير ميل إلى الترف ولا إنفاق جهد أو وقت في الكماليات. فقد كان حسب الواحد منهم لقيمات يقمن صلبه وكان يكفيه من معيشته ما يذكره شاعرهم في قوله:-\nوما العيش إلا نومة وتبطح ... وتمر على رأس النخيل وماء\nومثلك يعلم أن هذه الحياة الهادئة الوادعة وتلك العيشة الراضية القاصدة توفر الوقت والمجهود وترضي الإنسان بالموجود ولا تشغل البال بالمفقود. ولهذا أثره العظيم في صفاء الفكرة وقوة الحافظة وسيلان الأذهان خصوصا أذهان الصحابة في اتجاهها إلى حفظ القرآن وحديث النبي ﵊ وذلك على حد قول القائل:-\n\".... فصادف قلبا خاليا فتمكنا\".\nالعامل الرابع\nحبهم الصادق لله ولرسوله حبا ملك مشاعرهم واحتل مكان العقيدة فيهم. وأنت تعرف من دراسة علم النفس أن الحب إذا صدق وتمكن حمل المحب حملا على ترسم آثار محبوبه والتلذذ بحديثه والتنادر بأخباره ووعي كل ما يصدر عنه ويبدر منه. ومن هنا كان حب الصحابة لله ورسوله من أقوى العوامل على حفظهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على حد قول القائل:\nلها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nلها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد","vol":"1","page":294},{"text":"إذا شكت من كلال السير واعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد\nأما حب الصحابة العميق لله تعالى فلا يحتاج إلى شرح وبيان ولا إلى إقامة دليل وبرهان فهم خير القرون بنص حديث الرسول ﷺ خير القرون قرني ثم الذين يلونهم وهم الذين بذلوا نفوسهم ونفائسهم رخيصة في سبيل رضاه وهم الذين باعوا الدنيا بما فيها يبتغون فضلا من الله وهم الذين حملوا هداية الإسلام إلى الشرق والغرب وأتوا بالعجب العجاب في نجاح الدعوة الإسلامية بالحضر والبدو وكانوا أحرياء بامتداح الله إياهم غير مرة في القرآن وبثناء الرسول ﷺ عليهم في أحاديث عظيمة الشأن!\nوأما مظاهر حبهم للرسول ﷺ فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحد يحب أحدا مثل ما كان يحب أصحاب محمد محمدا. دم الرجل منهم رخيص في سبيل أن يفدى رسول الله ﷺ من شوكة يشاكها في أسفل قدمه. وماء وضوئه يبتدرونه في اليوم الشديد البرد يتبركون به وأب الواحد منهم وأبناؤه من ألد أعدائه ما داموا يعادون محمدا وحديث محمد موضع التنافس من رجالهم ونسائهم حتى إذا أعيا الواحد منهم طلابه تناوب هو وزميل له الاختلاف إلى رسول الله ﷺ على أن يقوم أحدهما بعمل الآخر عند ذهابه ويقوم الآخر برواية ما سمعه وعرفه من الرسول بعد إيابه١.\nوهذه وافدة النساء تقول لرسول الله ﷺ يا رسول الله غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله إلى غير ذلك من شواهد ومظاهر تدل على مبلغ هذا الحب السامي الشريف ويرحم الله القائل:-\n_________\n١ انظر باب التناوب في طلب العلم من صحيح البخاري.","vol":"1","page":295},{"text":"أسرت قريش مسلما في غزوة ... فمضى بلا وجل إلى السياف\nسألوه هل يرضيك أنك سالم ... ولك النبي فدى من الإتلاف\nفأجاب كلا لا سلمت من الردى ... ويصاب أنف محمد برعاف\nولقد كان من مظاهر هذا الحب كما رأيت تسابقهم إلى كتاب الله يأخذونه عنه ويحفظونه منه. ثم إلى سنته الغراء يحيطون بأقوالها وأفعالها وأحوالها وتقريراتها. بل كانوا يتفننون في البحث عن هديه وخبره والوقوف على صفته وشكله كما تجد ذلك واضحا من سؤال الحسن والحسين عن حلية رسول الله ﷺ وما أجيبا به من تجلية تلك الصور المحمدية الرائعة ورسمها بريشة المصور الماهر والصناع القادر على يد أبيهما علي بن أبي طالب وخالهما هند بن أبي هالة ﵃ أجمعين١.\nالعامل الخامس\nبلاغة القرآن الكريم إلى حد فاق كل بيان وأخرس كل لسان وأسكت كل معارض ومكابر وهدم كل مجادل ومهاتر حتى قام ولا يزال يقوم في فم الدنيا معجزة من الله لحبيبه وآية من الحق لتأييد رسوله. وبعد كلام الله في إعجازه وبلاغته كلام محمد ﷺ في إشراقه وديباجته وبراعته وجزالة ألفاظه وسمو معانيه وهدايته. فقد كان ﷺ أفصح الناس وأبلغ الناس وكان العرب إلى جانب ذلك مأخوذين بكل فصيح بليغ متنافسين في حفظ أجود المنظوم والمنثور. فمن هنا هبوا هبة واحدة يحفظون القرآن ويفهمون القرآن ويعملون بالقرآن وينامون ويستيقظون على القرآن. وكذلك\n_________\n١ انظر في ذلك ما يرويه محمد أبو عيسى الترمذي متفرقا في كتاب الشمائل من طريق سفيان بن وكيع، ﵃.","vol":"1","page":296},{"text":"السنة النبوية كانت عنايتهم بحفظها والعمل بها تلي عنايتهم بالقرآن الكريم يتناقلونها ويتبادرونها كما سمعت.\nوالكلام في أسرار بلاغة القرآن ووجوه إعجازه وفي بلاغة كلام النبوة وامتيازه وفي تنافس العرب في ميدان البيان كل ذلك مما لا يحتاج إلى شرح ولا تبيان فهذا كتاب الله ينطق علينا بالحق ويتحدى بإعجازه كافة الخلق. وهذا بحر النبوة يفيض بالدراري واللآلئ ويزخر بالهدايات البالغة والحكم الغوالي. وهذا تاريخ الأدب العربي يسجل لأولئك العرب فوقهم في صناعة الكلام وسبقهم في حلبة الفصاحة كافة الأنام وامتيازهم في تذوق أسرار البلاغة خصوصا بلاغة القرآن!!.\nالعامل السادس\nالترغيب في الإقبال على الكتاب والسنة علما وعملا وحفظا وفهما وتعليما ونشرا وكذلك الترهيب من الإعراض عنهما والإهمال لهما.\nنقرأ في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ . فتأمل كيف قدم تلاوة القرآن على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؟ ونقرأ قوله جل ذكره: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ . فانظر كيف حث بهذا الأسلوب البارع على تدبر القرآن والتذكر والاتعاظ به؟ ونقرأ قوله عز اسمه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . فتدبر كيف يكون وعيد من كتم القرآن وهدي القرآن؟.","vol":"1","page":297},{"text":"ثم نقرأ في السنة النبوية قوله ﷺ: \"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده\".رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.\nونقرأ في صحيح البخاري ومسلم قوله ﷺ: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\".\nونقرأ لأبي داود والترمذي وابن ماجه قوله ﷺ: \" عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها\".\nأليس ذلك وأمثال ذلك وهو كثير يحفز الهمم ويحرك العزائم إلى حفظ القرآن واستظهاره والمداومة على تلاوته مخافة الوقوع في وعيد نسيانه وهو وعيد كما سمعت شديد؟.\nأما السنة النبوية فقد جاء في شأنها عن الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .\nوجاء ترغيبا في السنة النبوية من الحديث الشريف قوله ﷺ: \"نضر الله أمرأ أسمع منا حديثا فأداه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع\" وهو حديث متواتر وقوله ﷺ في خطبة حجة الوداع: \"ألا: فليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه\" رواه الشيخان. وجاء ترهيبا من","vol":"1","page":298},{"text":"الإعراض عن السنة قوله ﷺ: \"من رغب عن سنتي فليس مني\". رواه مسلم وقوله ﷺ: \"ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه. وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرمه الله\" أخرجه أبو داود والترمذي. زاد أبو داود في أوله: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه \". فأنت ترى في أمثال هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ما يحفز همة المؤمن الضعيف إلى الإقبال على روائع النبوة يستهديها وبدائع النبي ﷺ يستظهرها فكيف أنت والصحابة الذين كانوا لا يضارعون طول باع ولا علو همة في هذا الميدان!!.\nالعامل السابع\nمنزلة الكتاب والسنة من الدين فالكتاب هو أصل التشريع الأول والدستور الجامع لخير الدنيا والآخرة والقانون المنظم لعلاقة الإنسان بالله وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه. ثم السنة هي الأصل الثاني للتشريع وهي شارحة للقرآن الكريم مفصلة لمجمله مقيدة لمطلقه مخصصة لعامه مبينة لمبهمه مظهرة لأسراره كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ومن هنا يقول يحيى بن كثير: السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضيا على السنة يريد بهذه الكلمة ما وضحه السيوطي بقوله: والأصل أن معنى احتياج القرآن إلى السنة أنها مبينة له ومفصلة لمجملاته لأن لو جازته كنوزا تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها وذلك هو المنزل عليه ﷺ","vol":"1","page":299},{"text":"وهو معنى كون السنة قاضية على الكتاب وليس القرآن مبينا للسنة ولا قاضيا عليها لأنها بينة بنفسها إذ لم تصل إلى حد القرآن في الإعجاز والإيجاز لأنها شرح له وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح اهـ.\nولا ريب أن الصحابة كانوا أعرف الناس بمنزلة الكتاب والسنة فلا غرو أن كانوا أحرص على حذقهما وتحفظهما والعمل بهما.\nالعامل الثامن\nارتباط كثير من كلام الله ورسوله بوقائع وحوادث وأسئلة من شأنها أن تثير الاهتمام. وتنبه الأذهان وتلفت الأنظار إلى قضاء الله ورسوله فيها وحديثهما عنها وإجابتهما عليها وبذلك يتمكن الوحي الإلهي والكلام النبوي في النفوس فضل تمكن وينتقش في الأذهان على مر الزمان.\nتجول مرة في رياض القرآن الكريم تجده يساير الحوادث والطوارئ في تجددها ووقوعها فتارة يجيب السائلين على أسئلتهم بمثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وتارة يفصل في مشكلة قامت ويقضي على فتنة طغت بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهن ست عشرة آية من سورة النور نزلن في حادث من أروع الحوادث هو اتهام أم المؤمنين السيدة الجليلة عائشة زوج رسول الله ﷺ. وبنت الصديق أبي بكر ﵂ وعن أبيها. وفي هذه الآيات دروس اجتماعية قرئت ولا تزال تقرأ على الناس إلى يوم الساعة ولا تزال تسجل براءة هذه الحصان الطاهرة من فوق سبع سموات. وتارة يلفت القرآن أنظار المسلمين إلى تصحيح","vol":"1","page":300},{"text":"أغلاطهم التي وقعوا فيها ويرشدهم إلى شاكلة الصواب. كقوله سبحانه في سورة آل عمران ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى آيات كثيرة بعدها. وكلها نزلت في غزوة أحد تدل المسلمين على خطئهم في هذا الموقف الرهيب وتحذرهم أن يقعوا حينا آخر في مثل ذاك المأزق العصيب.\nوعلى هذا النمط نزلت سور في القرآن وآيات تفوت العدد وتجاوز الإحصاء.\nوإذا تجولت في رياض الحديث النبوي الشريف يطالعك منه العجب العاجب في هذا الباب. انظر قصة المخزومية التي سرقت وقول الرسول ﷺ لمن شفع فيها: \"وايم الله لو أن بنت محمد سرقت لقطعت يدها\" رواه أصحاب الكتب الستة. ثم تأمل حادث تلك المرأة الجهنية التي أقرت بزناها بين يدي رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا كيف أمر الرسول فكفلها وليها حتى وضعت حملها ثم أتى بها فرجمت ثم صلى رسول الرحمة عليها. ولما سئل صلوات الله وسلامه عليه كيف تصلي عليها وهي زانية. قال: \"إنها تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم\". وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ﷿؟ رواه مسلم. وتدبر الحديث المعروف بحديث جبريل وفيه يسأل جبريل رسول الله ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها على مرأى ومسمع من الصحابة. وقد قال لهم أخيرا: \"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\". أخرجه الخمسة غير البخاري. والناظر في السنة يجدها في كثرتها الغامرة تدور على مثل تلك الوقائع والحوادث والأسئلة.\nوقد قرر علماء النفس أن ارتباط المعلومات بأمور مقارنة لها في الفكر تجعلها أبقى على الزمن وأثبت في النفس فلا بدع أن يكون ما ذكرنا داعية من دواعي حفظ الصحابة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ على حين أنهم هم المشاهدون لتلك الوقائع والحوادث المشافهون بخطاب الحق المواجهون بكلام سيد الخلق في هذه المناسبات الملائمة والأسباب","vol":"1","page":301},{"text":"القائمة التي تجعل نفوسهم مستشرفة لقضاء الله فيها متعطشة إلى حديث رسوله عنها فينزل الكلام على القلوب وهي متشوفة كما ينزل الغيث على الأرض وهي متعطشة تنهله بلهف وتأخذه بشغف وتمسكه وتحرص عليه بيقظة وتعتز به وتعتد عن حقيقة وتنتفع به وتنفع بل تهتز به وتربو وتنبت من كل زوج بهيج!!.\nالعامل التاسع\nاقتران القرآن دائما بالإعجاز واقتران بعض الأحاديث النبوية بأمور خارقة للعادة تروع النفس وتشوق الناظر وتهول السامع. وإنما اعتبرنا ذلك الإعجاز وخرق العادة من عوامل حفظ الصحابة لأن الشأن فيما يخرج على نواميس الكون وقوانينه العامة أن يتقرر في حافظة من شاهده وأن يتركز في فؤاد كل من عاينه فردا كان أو أمة حتى لقد يتخذ مبدأ تؤرخ بحدوثه الأيام والسنون وتقاس بوجوده الأعمار والآجال.\nأما القرآن الكريم فإعجازه سار فيه سريان الماء في العود الأخضر لا تكاد تخلو سورة ولا آية منه. وأعرف الناس بوجوه إعجازه وأعظمهم ذوقا لأسرار بلاغته هم أصحاب محمد ﷺ لأنهم يصدرون في هذه المعرفة وهذا الذوق عن فطرتهم العربية الصافية وسليقتهم السليمة السامية وتمهرهم في فنون البيان وصناعة اللسان. ومن هذا كان القرآن حياتهم الصحيحة به يقومون ويقعدون وينامون ويستيقظون ويعيشون ويتعاملون ويلتذون ويتعبدون. وهذا هو معنى كونه روحا في قول الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وليست هناك طائفة في التاريخ تمثل فيها القرآن روحا كما تمثل في هذه الطبقة العليا الكريمة طبقة الصحابة الذين وهبوه حياتهم فوهبهم الحياة وطبعهم طبعة جديدة حتى صاروا","vol":"1","page":302},{"text":"أشبه بالملائكة وهكذا سواهم الله بكتابه خلقا آخر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ !!.\nوأما السنة النبوية فقد اقترن بعضها بمعجزات خارقة وأمامك أحاديث المعجزات وهي كثيرة فيها المعجب والمطرب. غير أن نربأ بك أن تكون فيها كحاطب ليل على حين أن بين أيدينا في الصحيح منها ألجم الغفير والعدد الكثير ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .\nوهاك نموذج واحدا رواه البخاري ومسلم عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: \"لأعطين هذه الراية غدا رجل يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله\" فبات الناس يدوكون أي يخوضون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجوا أن يعطاها. فقال: \"أين علي بن أبي طالب\"؟ فقيل يا رسول الله هو يشتكي مرضا بعينيه قال: \"فأرسلوا إليه\". فأتي به فبصق رسول الله ﷺ بعينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الراية فقال علي ﵁: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: \"أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم\".\nوهذه الوصية من الرسول ﷺ لعلي في هذا المقام جديرة وحدها أن تقطع ألسنة أولئك الأفاكين الذين يزعمون ان الإسلام قام على السيف والقوة واعتمد على البطش والقسوة ولم ينتشر بالدليل والحجة ولم يجيء بالسلام والرحمة. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ !.","vol":"1","page":303},{"text":"العامل العاشر\nحكمة الله ورسوله في التربية والتعليم وحسن سياستهما في الدعوة والإرشاد مما جعل الكتاب والسنة يتقرران في الأذهان ويسهلان على الصحابة في الحفظ والاستظهار.\nأما القرآن الكريم فحسبك أن تعرف من حكمة الله به في التربية والتعليم أنه أنزله على الأمة الإسلامية باللغة الحبيبة إلى نفوسهم وبالأسلوب الخلاب والنظم المعجز الآخذ بقلوبهم وأنه تدرج بهم في نزوله فلم ينزل جملة واحدة يرهقهم به ويعجزون عنه بل أنزله منجما في مدى عشرين أو بضع وعشرين سنة ثم ربطه بالحوادث والأسباب الخاصة في كثير من سوره وآياته ودعمه بالدليل والحجة وخاطب به العقول والضمائر وناط به مصلحتهم وخيرهم وسعادتهم وصدر في ذلك كله عن رحمة واسعة بهم يكادون يلمسونها باليد ويرونها بالعين! ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .\nوأما السنة النبوية فقد ضربت الرقم القياسي في باب هذه السياسة التعليمية الراشدة حتى إذا كان علماء التربية في العصور الحديثة قد عدوا من الحكمة في التعليم والتربية الاستعانة بوسائل الإيضاح وألوان التشويق فإن محمدا ﷺ النبي الأمي كان من قبل أربعة عشر قرنا ومن قبل أن يولد علم التربية وعلم النفس كان هو المعلم الأول في رعاية تلك الوسائل الموضحة وهاتيك المشوقات الرائعة حتى تفتحت قلوب سامعيه للهداية وامتلأت صدور أصحابه بتعاليمه كأنما كتبت فيها كتابا بالكلمة والحرف.","vol":"1","page":304},{"text":"ذلك لأنه كان ﷺ أفصح الناس لسانا وأوضحهم بيانا وأجودهم إلقاء ينتقي عيون الكلام وهو الذي أوتي جوامع الكلم ويفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه ويفصله تفصيلا يراعي فيه المقام والأفهام ولا يسرد الحديث سردا يزري برونقه أو يذهب بشيء منه بل يتكلم كلاما لو عده العاد لأحصاه. وكان يعيد الكلمة ثلاثا أو أكثر من ثلاث عند الحاجة كيما تحفظ عنه كما جاء في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: \"هلك المتنطعون\" قالها ثلاثا. وكما جاء في حديث البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر\" ثلاثا قلنا: بلى يا رسول الله قال: \"الإشراك بالله وعقوق الوالدين ألا وقول الزور وشهادة الزور\" - وكان متكئا فجلس- فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.\nومن هديه ﷺ أنه كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: \"أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\". ثم يقول: \"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا١ فإلي وعلي\" رواه مسلم.\nومن وسائل إيضاحه ﷺ أنه كان يضرب لهم الأمثال الرائعة التي تجلي لهم المعاني كأنها العروس بارعة ليلة الزفاف أو الشمس ساطعة ليس دونها سحاب. تأمل قوله وهو يضرب المثل في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطر إهمالهما ثم قل لي بربك: هل يبارح ذاكرتك هذا التمثيل البديع؟.\n_________\n١ الضياع بفتح الضاد: يستعمل مصدرا لضاع، ويستعمل اسما بمعنى العيال أو الضائعين منهم. قال في القاموس: والضياع أيضا العيال، أو ضيعهم ا. هـ ولا يخفى أن المعنى المصدري غير مراد هنا.","vol":"1","page":305},{"text":"يروي البخاري عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: \"مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. وكان الذي في أسفلها إذا استقو من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا. وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا\".\nومن وسائل إيضاحه ﷺ أسئلته التي كان يلقيها على أصحابه فيوقظ بها انتباههم ويرهف بسببها شعورهم حتى يستقبلوا هديه بنفوس عطاش وقلوب ظماء فيستقر فيها أثبت استقرار ويعلق بها علوق الروح بالأجسام.\nوإليك مثلا واحدا: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أتدرون من المفلس؟ \" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ولا متاع. فقال: \"إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار\" رواه مسلم.\nومن العجائب في وسائل إيضاحه ﵊ أنه كان يستعين برسم يديه الكريمتين على توضيح المعاني وتقريبها إلى الأذهان مع أنه النبي الأمي الذي لم يقرأ كتابا ولم يجلس إلى أستاذ ولم يذهب إلى مدرسة ولم يدرس الرسم ولا الهندسة.\nنقرأ في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطا مربعا وخط وسطه خطا وخط خطوطا إلى جنب الخط أي الذي في الوسط وخط خطا خارجا. فقال: \"أتدرون ما هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: \"هذا الإنسان يريد الخط الذي في الوسط وهذا الأجل محيط به يريد الخط المربع","vol":"1","page":306},{"text":"وهذه الأعراض تنهشه يشير إلى الخطوط التي حوله إن أخطأه هذا نهشه هذا وهذا الأمل يعني الخط الخارج\".\nومن سياسته الحكيمة في التعليم والتربية أنه كان ينتهز فرصة الخطأ في أفهامهم فيصحح لهم الفكرة في حينها ويلقنهم تعاليمه السامية ونفوسهم مستشرفة لها.\nمن ذلك ما يقصه علينا البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها أي رأوها قليلة وقالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدا. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم لله ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني\".\nوكان من وسائل إيضاحه تمثيله ﷺ بالعمل. يصلي ويقول: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" ويحج ويقول: \"خذوا عني مناسككم\" ويشير بأصبعيه السبابة والوسطى ويقول: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" كما تقدم في رواية مسلم.","vol":"1","page":307},{"text":"العامل الحادي عشر\nالترغيب والترهيب اللذان يفيض بهما بحر الكتاب والسنة ولا ريب أن غريزة حب الإنسان لنفسه تدفعه إلى أن يحقق لها كل خير وأن يحميها من كل شر سواء ما كان فيهما من عاجل وما كان من آجل ومن هنا تحرص النفوس الموفقة على وعي هداية القرآن وهدي الرسول وتعمل جاهدة على أن تحفظ منهما ما وسعها الإمكان.\nأما النفوس الضالة المخذولة فإنها مصروفة عن هذه السعادة بصوارف الهوى والشهوة أو محجوبة عن هذا المقام بحجاب التعصب والجمود على الفتنة أو مرتطمة بظلام الجهل في أوحال الضلال والنكال.\nولسنا بحاجة أن نلتمس شواهد الترغيب والترهيب من الكتاب والسنة فمددها فياض بأوفى ما عرف العلم من ضروب الترغيب والترهيب وفنون الوعد والوعيد وأساليب التبشير والإنذار على وجوه مختلفة واعتبارات متنوعة في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق على سواء.\nوهاك نموذجا من ترغيبات القرآن وترهيباته على سبيل التذكير والذكرى تنفع المؤمنين.\nيقول تبارك اسمه في سورة واحدة هي سورة السجدة ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي","vol":"1","page":308},{"text":"لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا؟ لا يَسْتَوُونَ، أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ .\nفانظر بعين بصيرتك في أساليب هذه الترغيبات وفنون تلك الترهيبات التي احتوتها هذه الآيات والقرآن مليء كله من هذه الأنوار على هذا الغرار.\nولا تحسبن السنة النبوية إلا بحرا متلاطم الأمواج في هذا الباب. وهاك نموذجا بل نماذج منها تدلك على مدى ما تتأثر به النفوس البشرية عند ما يمر بها الوعد والوعيد وما يتركه هذا التأثر من ثبات الأوامر والنواهي واستقرارها في الذهن وانتقاشها في صحيفة الفكر ثم اندفاع الإنسان من ورائها إلى العمل والاتباع.\nها هو ﷺ يبشر واصل رحمه بسعة الرزق والبركة في العمر فيقول: \"من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه\" أخرجه البخاري والترمذي.\nوها هو ﷺ يتحدث بالوعد لمن جعل الآخرة همه وبالوعيد لمن جعل الدنيا همه","vol":"1","page":309},{"text":"فيقول: \"من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همه جعل الله الفقر بين عينيه وفرق الله عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له\" رواه الترمذي.\nوها هو ﷺ يحرض المؤمنين على القتال ويحثهم على الدفاع والنضال فيقول: \"تضمن الله لمن خرج في سبيل الله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله ﷿ أبدا. ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل\" أخرجه الثلاثة والنسائي.\nفأنت ترى في هذه الكلمات النبوية قوة هائلة محولة تجعلها ماثلة في الأذهان كما تجعل النفوس رخيصة هينة في سبيل الدفاع عن الدين والأوطان. حتى لقد كان الرجل يستمع إلى هذه المرغبات والمشوقات وهو يأكل فما يصبر حتى يتم طعامه بل يرمي بما في يده ويقوم فيجاهد متشوقا إلى الموت متلهفا على أن يستشهد في سبيل الله. كذلك أخرج مالك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله ﷺ رغب في الجهاد وذكر الجنة ورجل من الأنصار يأكل تمرات فقال: إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن فرمى ما في يده وحمل بسيفه فقاتل حتى قتل\".","vol":"1","page":310},{"text":"العامل الثاني عشر\nاهتداء الصحابة رضوان الله عليهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ يحلون ما فيهما من حلال ويحرمون ما فيهما من حرام ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد ويتعهدون ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية دستورهم القرآن وإمامهم الرسول ﵊.\nوما من شك أن العمل بالعلم يقرره في النفس أبلغ تقرير وينقشه في صحيفة الفكر أثبت نقش على نحو ما هو معروف في فن التربية وعلم النفس من أن التطبيق يؤيد المعارف والأمثلة تقيد القواعد ولا تطبيق أبلغ من العمل ولا مثال أمثل من الاتباع خصوصا المعارف الدينية فإنها تزكو بتنفيذها وتزيد باتباعها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ الأنفال أي هداية ونورا تفرقون به بين الحق والباطل وبين الرشد والغي كما جاء في بعض وجوه التفاسير. وذلك أن المجاهدة تؤدي إلى المشاهدة والعناية بطهارة القلوب وتزكية النفوس تفجر الحكمة في قلب العبد. قال الغزالي ﵀: أما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك أي بالحكمة تتفجر في القلب بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع الله ﷿ في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى الله ﷿ عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف؟ فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة. وكم من مقتصر على المهم في التعليم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب. ولذلك قال ﷺ: \"من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم\" ١.\n_________\n١ قال الحافظ العراقي في هذا الحديث: رواه أبو نعيم في الحلية لكن بسند ضعيف.","vol":"1","page":311},{"text":"العامل الثالث عشر\nوجود الرسول ﷺ بين ظهرانيهم يحفظهم من الكتاب والسنة ما لم يحفظوه ويعلمهم ما جهلوه ويجيبهم إذا سألوه ويريهم شاكلة الصواب فيما أخطؤوه ويقفهم على حقيقة الأمر إذا تشككوه في صبر وأناة وسعة صدر وكرم نفس وطيب قلب.\nولا ريب أن هذا عامل مهم ييسر لهم الحفظ ويهون عليهم الاستظهار ضرورة أنه ﷺ مرجع واضح ومنهم عذب لا سيما إذا لاحظنا أنه ﷺ كان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب وأن من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس علم وحياء وأمانة وصبر يدرس فيه القرآن وتذاع فيه السنة ويعبق منه أريج الهداية.\nعوامل خاصة بالقرآن الكريم.\nتلك العوامل التي ذكرناها عوامل مشتركة بين الكتاب والسنة طوعت للصحابة حفظهما واستظهارهما والإحاطة بهما وحذقهما.\nبيد أن هناك عوامل خاصة توافرت في حفظ الصحابة للقرآن دون السنة.\nأولها: أن الله تعالى تحدى بالقرآن أمة العرب بل كافة الخلق فقال سبحانه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ولما عجزوا قال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ ولما عجزوا أيضا قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ولما عجزوا الثالثة سجل عليهم","vol":"1","page":312},{"text":"هزيمتهم وأعلن فلج القرآن بالإعجاز في هذا الميدان إذ قال عز اسمه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .\nهذا التحدي الذي امتاز به القرآن فتح عيون الناس جميعا ولفتهم بقوة إليه لا فرق بين أوليائه وأعدائه. أما أولياؤه ومتبعوه فقرؤوه من هذه الناحية ليفحموا به أعداءهم ويؤيدوا بإعجازه دينهم ونبيهم. وأما أعداؤه ومخالفوه فاقتفوا أثره وتتبعوه أملا في أن يجدوا فيه مغمزا ويأخذوا عليه مطعنا. فلا جرم كان هذا التحدي من الدواعي التي توافرت على نقل القرآن وتواتره وجريانه على كل لسان.\nثانيها: عنايته ﷺ بكتابة القرآن فيما تيسر من أدوات الكتابة إذ اتخذ كتابا للوحي من أصحابه. وأقر كل من يكتب القرآن لنفسه في الوقت الذي نهى فيه عن كتابة السنة في الحديث الذي أسلفناه من رواية مسلم لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه.\nوغني عن البيان أن الكتابة من عوامل تيسير الحفظ والاستظهار.\nثالثها: تشريع قراءة القرآن في الصلاة فرضا كان أو نفلا سرا أو جهرا ليلية أو نهارية حتى صلاة الجنازة\nومثل الصلاة في ذلك خطبة الجمعة. وتلك وسيلة فعالة جعلت الصحابة يقرؤونه ويسمعونه ثم جعلتهم عن هذا الطريق يتحفظونه ويستظهرونه لا فرق بين رجل وامرأة وصغير وكبير وغني وفقير على قدر ما سمح به استعداد كل منهم.\nرابعها: الترغيب في تلاوة القرآن ولو في غير صلاة ومن غير وضوء. اقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ","vol":"1","page":313},{"text":"سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .\nويقول النبي ﷺ: \"الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة. والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران\" رواه البخاري ومسلم. ويقول ﷺ: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن وهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار\" رواه الشيخان أيضا.\nويقول ﷺ: \"من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: آلم حرف. ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف\" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.\nويقول ﷺ: \"يقال لقارئ القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؟ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها\" رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ويقول ﷺ: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" رواه البخاري.\nفهل يعقل أن أصحاب محمد ﷺ الذين سمعوا ذلك وأمثال ذلك يتوانون لحظة عن قراءة القرآن؟ ثم ألا تكون تلك التلاوة سبيلا إلى أن يحذقوه ويحرزوه؟.\nخامسها: عناية الرسول ﷺ بتعليم القرآن وإذاعته ونشره إذ كان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره الله. وكان يسمعهم إياه في الخطبة والصلاة وفي الدروس والعظات وفي الدعوة والإرشاد وفي الفتوى والقضاء وكان يرغب في تعليمه ونشره كما سمعت. وكان يرسل بعثات القراء إلى كل بلد يعلمون أهله كتاب الله كما أرسل مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته ﷺ إليها وكما أرسل","vol":"1","page":314},{"text":"معاذ بن جبل إلى مكة بعد الفتح للإقراء. قال عبادة بن الصامت: كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن.\nسادسها: القداسة التي امتاز بها كتاب الله عن كل ما سواه حيث اجتمع فيه من المزايا ما قصصنا عليك وما لم نقصص عليك. كنسبته إلى الله تعالى وكحرمة قراءته على الجنب والحائض والنفساء وكحرمة مس مصحفه وحمله على أولئك جميعا وعلى المحدث حدثا أصغر أيضا إلى غير ذلك.\nولا شك أن هذه القداسة تلفت الأنظار إليه وتخلع همم المؤمنين به عليه فيحيطون به علما ويخضعون لتعاليمه عملا. وذلك ما حدا المسلمين في كل عصر ومصر أن يعنوا بحفظ كتاب الله حتى عصرنا الذي نعيش فيه فما بالك بعصر الصحابة وهو عصر العلم والنور والتقوى والهداية والنشر والدعوة؟.\nأما بعد:\nفهذه بضعة عشر عاملا توافرت في أصحاب الرسول الأكرم حتى حفظوا الكتاب والسنة وقد جمعناها لك هذا الجمع معتقدين أن من ورائها عوامل شخصية توافرت في بعض القراء وبعض المحدثين منهم دون بعض.\nوالسبيل إلى تلك العوامل الشخصية دراسة تراجم أولئك القراء والمتصدرين لرواية الحديث من الصحابة فارجع إليها إن شئت واحرص على ما ذكرنا لك وصغ منها أسلحة علمية مرهفة تشهرها في وجه أولئك الخونة الذين يخوضون في الصحابة بغير علم ويطعنون في الكتاب والسنة عن طريق الطعن فيهم بعد الحفظ والضبط.\nونحن نتحدى أمم العالم بهذه الدواعي التي توافرت في الصحابة حتى نقلوا الكتاب والسنة وتواتر عنهم ذلك خصوصا القرآن الكريم.\nأولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع!\nغمرهم الله برحمته ورضوانه وصب عليهم شآبيب جوده وإحسانه. آمين.","vol":"1","page":315},{"text":"ب-<span data-type=\"title\" id=toc-110> الجبهة الثانية: أو عوامل تثبت الصحابة في الكتاب والسنة</span>\nالآن وقد فرغنا من عوامل حفظ الصحابة للكتاب والسنة نعرج على عوامل تثبتهم رضوان الله عليهم فيهما\nفنذكر أن الناظر في تاريخ الصحابة يروعه ما يعرفه عنهم في تثبتهم أكثر مما يروعه عنهم في حفظهم لأن التثبت فضيلة ترجع إلى الأمانة الكاملة والعقل الناضج من ناحية ثم هو في الصحابة بلغ القمة من ناحية أخرى إذ كان تثبتا بالغا وحذرا دقيقا وحيطة نادرة وتحريا عميقا لكتاب الله تعالى وهدى رسوله ﷺ في كل ما يتصل بهما عن قرب أو بعد.\nولهذا التثبت النادر في دقته واستقصائه بواعث ودواع أو أسباب وعوامل يجمل بنا أن نقدمها إليك كأسلحة ماضية تنافح بها عن الكتاب والسنة وعن الصحابة في أدائهم للكتاب والسنة.\nالعامل الأول\nأن الله تعالى أمر في محكم كتابه بالتثبت والتحري وحذر من الطيش والتسرع في الأنباء والأخبار بله القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ .\nوكذلك نهى الله عن اتباع ما لا دليل عليه إلا أن تسمع الأذن أو ترى العين أو يعتقد القلب عن برهان فقال عز من قائل: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ .","vol":"1","page":316},{"text":"وقد عاب القرآن على من يأخذون بالظن فيما لا يكفي فيه الظن فقال الله جل شأنه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ إلى غير ذلك من أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تأمر بالنظر وكان الصحابة هم المخاطبين بهذه التعاليم والمشافهين بها فلا ريب أن تكون تلك الآداب الإسلامية من أهم العوامل في تثبتهم وحذرهم خصوصا فيما يتصل بكتاب ربهم وسنة نبيهم. وبعيد كل البعد بل محال كل الاستحالة أن يكونوا قد أهملوا هذا النصح السامي وهم خير طبقة أخرجت للناس.\nالعامل الثاني\nما سمعوه من الترهيب الشديد ومن التهديد والوعيد لمن يكذب على الله أو يفتري على رسوله ومصطفاه.\nقال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؟ فانظر كيف سلك الله من افترى الكذب عليه في سلك من ﴿قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ثم انظر كيف قدمه عليهما في الذكر وصدره في الوعيد ونعته أول من نعت بالإغراق في الظلم.\nوقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ﴾ وقال سبحانه: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾؟.\nونقرأ في السنة النبوية أنه ﷺ قال: \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\". وهو حديث مشهور بل متواتر ورد أنه قد رواه اثنان وستون صحابيا منهم العشرة المبشرون بالجنة ولا يعرف حديث اجتمع عليه العشرة المبشرون بالجنة إلا","vol":"1","page":317},{"text":"هذا ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا.\nولقد سمع الصحابة هذه الترهيبات وأمثالها. وما أمثالها في القرآن والسنة بقليل بل لقد سمع الأصحاب نهي رسول الله ﷺ عما دون الكذب وما كان أقل من التزيد إذ حذرهم رواية الضعفاء والمدخولين فقال: \"سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم\" رواه مسلم. بل حذرهم ﷺ رواية المجهولين فقال: \"إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم الكذب فيتفرقون فيقول الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أعرف اسمه يحدث كذا وكذا\". رواه مسلم.\nفهل يستبيح عاقل منصف لنفسه أن يقول: إن الصحابة الذين سمعوا هذه النصائح وتلك الزواجر عن التزيد والافتراء يقدمون على كذب في القرآن والسنة أو يقصرون في التثبت والتحري والاحتياط في نقل الذكر الحكيم والهدي النبوي الكريم؟.\nالعامل الثالث\nأن الإسلام أمرهم بالصدق ونهاهم عن الكذب إطلاقا فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وأنت خبير بأن هذا الخطاب بهذه الصيغة في هذا المقام مع تقديم الأمر بالتقوى فيه إشارة إلى أن الصدق المأمور به من مقتضيات الإيمان ومن دعائم التقوى ويفهم من هذا أن من كذب وافترى فسبيله سبيل من كفر وطغى. كما صرح سبحانه بذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ .","vol":"1","page":318},{"text":"ويقول النبي ﷺ: \"عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة. وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار\" رواه ابن ماجه.\nوعن صفوان بن سليم ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا؟ قال: \"نعم\". قلنا: أفيكون بخيلا؟ قال: \"نعم\". قلنا: أفيكون كذابا؟ قال: \"لا\" أخرجه مالك. فانظر إلى الحديث الأول كيف جعل الصدق هاديا إلى البر وإلى الجنة وجعل الكذب هاديا إلى الفجور وإلى النار. ثم انظر إلى الحديث الثاني كيف اعتبر الكذب أفحش من الجبن والبخل وأخرجه في هذه الصورة الشنيعة التي لا تجتمع هي والإيمان في نفس واحدة أبدا.\nوستقضي العجب حين تعلم أن الرسول ﷺ بالغ في تقبيح الكذب حتى في توافه الأشياء ومحقرات الأمور استمع إليه ﷺ وهو ينهى عن الكذب في المزاح بهذه الطريقة الرادعة فيقول: \"ويل للذي يحدث ليضحك منه القوم فيكذب ويل له ويل له\" رواه أبو داود والترمذي. ثم استمع إليه وهو يتوعد من يكذب في منامه ويقول من كذب في حلم كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد بينهما أبدا.\nقل لي بربك: هل تلك الطبقة الأولى الممتازة التي سمعت ذلك وأضعاف ذلك بآذانها من فم رسولها والتي اعتنقت الإيمان بعد البحث والنظر واعتقدته طريقا إلى سعادتها وعزها والتي باعت أنفسها وأموالها لله بأن لها الجنة في نعيمها وخلودها. نقول: هل تلك الطبقة الكريمة ترضى بعد ذلك كله أن تركب رأسها وتنكص على أعقابها؟ فتكذب على الله ورسوله أو لا تتحرى الصدق في كتاب الله وسنة رسوله ذلك شطط بعيد لا يجوز إلا على عقول المغفلين.","vol":"1","page":319},{"text":"العامل الرابع\nأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مغرمين بالتفقه والتعلم مولعين بالبحث. والتنقيب مشغوفين بكلام الله وكلام رسول الله يعقدون المجالس لمدارسة القرآن وفهمه ويركبون ظهور المطايا لطلب العلم وأخذه. وكانت عناية الرسول بتعليمهم القرآن تفوق كل عناية يقرؤه عليهم ويخطبهم به ويزين إمامته لهم بقراءته في صلاته وفي دروسه وعظاته. وكان فوق ذلك يحب أن يسمعه منهم كما يحب أن يقرأه عليهم. روى البخاري ومسلم أن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ علي القرآن\". قلت: يا رسول الله. أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: \"إني أحب أن أسمعه من غيري\". فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قال: \"حسبك الآن\" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.\nوكذلك كان الصحابة همتهم أن يقرؤوا القرآن ويستمعوه. روى الشيخان عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار\".\nوروى الدارمي وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا فيقرأ عنده القرآن. قال النووي: وقد مات جماعات من الصالحين بسبب قراءة من سألوه القراءة.\nوقد سبق في عوامل حفظ الصحابة للسنة مدى عنايتهم بالإقبال عليها والاهتمام بلقاء","vol":"1","page":320},{"text":"رسول الله ﷺ للتعلم منه والأخذ عنه. وروى مكحول عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال: حدثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: كنا ندرس العلم في مسجد قباء إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"تعلموا ما شتئم أن تعلموا فلن يأجركم الله حتى تعملوا\". رواه الدارمي موقوما على معاذ بسند صحيح. وكلمة العلم في هذا الحديث شاملة لعلم الكتاب وعلم السنة.\nأليس هذا الولوع بالكتاب والسنة من دواعي تثبتهم فيهما كما هو من دواعي حفظهم لهما لأن اشتهار الشيء وذيوعه ولين الألسنة به يجعله من الوضوح والظهور بحيث لا يشوبه لبس ولا يخالطه زيف ولا يقبل فيه دخيل.\nالعامل الخامس\nيسر الوسائل لدى الصحابة إلى أن يتثبتوا وسهولة الوصول عليهم إلى أن يقفوا على جلية الأمر فيما استغلق عليهم معرفته من الكتاب والسنة. وذلك لمعاصرتهم رسول الله ﷺ يتصلون به في حياته فيشفي صدورهم من الريبة والشك ويريح قلوبهم بما يشع عليهم من أنوار العلم وحقائق اليقين.\nأما بعد غروب شمس النبوة وانتقاله ﷺ إلى جوار ربه. فقد كان من السهل عليهم أيضا أن يتصلوا بمن سمعوا بآذانهم من رسول الله ﷺ والسامعون يومئذ عدد كثير وجم غفير يساكنونهم في بلدهم ويجالسونهم في نواديهم فإن شك أحدهم في آية من كتاب الله أو خبر عن رسول الله أمكنه التثبت من عشرات سواه دون عنت ولا عسر.","vol":"1","page":321},{"text":"العامل السادس\nشجاعة الأصحاب شجاعة فطرية وصراحتهم صراحة طبيعية نشؤوا عليهما منذ حداثتهم وطبعوا عليهما بفطرتهم وبيئتهم كأمة متبدية لا تعرف ختل الحضارة الملوثة ولا تألف نفاق المدنية المذبذبة. ثم جاء الإسلام فعزز فيهم هذا الخلق الفاضل وزادهم منه وبنى حضارته الصحيحة ومدنيته الطاهرة عليه بمثل ما سمعت في أصدق الحديث وخير الهدى. حتى لقد كان الرجل منهم يقف في وسط الجمهور يرد على أمير المؤمنين وهو يلقي خطاب عرشه ردا قويا صريحا خشنا. بل كانت المرأة تقف في بهرة المسجد الجامع فتقاطع خليفة المسلمين وهو يخطب وتعارض رأيه برأيها وتقرع حجته بحجتها فيما تعتقد أنه أخطأ فيه شاكلة الصواب وأمير المؤمنين في الحالين يغتبط بهاتيك الصراحة ويسر بتلك الشجاعة ويعلن اغتباطه بموقف ذلك العربي الخشن الذي رد عليه كما يعلن رجوعه عن رأيه إلى رأي هذه السيدة التي حاجته بين يديه وما أمر عمر ببعيد عنكم ولا مجهول لكم لا عند ولايته الخلافة وهو قائم يلقي خطاب عرشه ولا عند ما وقف على منبره ينهى عن التغالي في مهور النساء.\nفهل يرضى العقل والمنطق أن تجرح هذه الأمة الصريحة القوية وتتهم بالكذب أو بالسكوت على الكذب في كلام الله وفي سنة رسول الله؟.\nثم ألا يحملهم هذا الخلق المشرق فيهم على كمال التثبت ودقة التحري في كتاب الله وسنة رسول الله؟ لقد أسفر الصبح لذي عينين.","vol":"1","page":322},{"text":"العامل السابع\nتكافل الصحابة تكافلا اجتماعيا فرضه الإسلام عليهم فجعل عيونهم مفتحة لكل من يكذب على الله أو يفتري على رسول الله أو يخوض في الشريعة بغير علم أو يفتي في الدين بغير حجة.\nأجل لقد كان كل واحد منهم يعتقد أنه عضو في جسم الأمة عليه أن يتعاون هو والمجموع في المحافظة على الملة ويعتقد أنه لبنة في بناء الجماعة عليه أن يعمل على سلامتها من الدغل والزغل والافتراء والكذب خصوصا في أصل التشريع الأول وهو القرآن وأصله الثاني وهو سنة الرسول ﵊.\nوبين يديك الكتاب والسنة فاقرأ فيهما إن شئت أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجدها كثيرة متآخذة تقرر ذاك التكافل الاجتماعي الإسلامي بين آحاد الأمة بما لا يدع مجالا لمفتر على الله ولا يترك حيلة لحاطب ليل في حديث رسول الله.\nاستمع إلى كلام الحق وهو يحض على دعوة الخير وفضيلة النصح إذ يقول ﷾ في سورة آل عمران: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى أن قال جل ذكره: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . وهكذا قدم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان به تنويها بجلالتهما. وحثا على التمسك بحبلهما وإشارة إلى أن الإيمان بالله لا يصان ولا يكون إلا بهما.","vol":"1","page":323},{"text":"وتدبر قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .\nثم تأمل حكم الله على بني الإنسان جميعا بأنهم غريقون في الخسران إلا من جمع عناصر السعادة الأربعة وهي الإيمان والعمل الصالح والتوصية بالحق والتوصية بالصبر في قوله سبحانه: ﴿والعصر إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .\nسمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك وشوفهوا بخطابه من فم رسول الله عن جبريل عن الله ثم سمعوا بعد ذلك من كلام رسول الله أمثال ما يأتي:-\n١- يقول ﷺ: \"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن أن يبعث الله عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم\". رواه الترمذي بسند حسن عن حذيفة ﵁.\n٢- وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا أي ظاهرا عندكم من الله تعالى فيه برهان وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم رواه الشيخان.\nفهل بعد هذا كله يعقل أن يعبث الصحابة أو يقروا من يعبث بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ؟.","vol":"1","page":324},{"text":"العامل الثامن\nتعويدهم الصدق وترويضهم عليه عملا كما أرشدوا إليه وأدبوا به فيما سمعت علما. وأنت خبير بأن التربية غير التعليم وأن العلم غير العمل وأن نجاح الفرد والأمة مرهون بمقدار ما ينهلان من رحيق التربية وما يقطفان من ثمرات الرياضة النفسية والقوانين الخلقية.\nأما العلم وحده فقد يكون سلاح شقاء ونذير فناء كما نرى ونسمع ويا لهول ما نرى وما نسمع.\nولقد أدرك الإسلام هذه الناحية الجليلة في بناء الأمم فأعارها كل اهتمام وعني بالتنفيذ والعمل أكثر مما عني بالعلم والكلام. ولعلك لم تنس أنه ﷺ قال لمن يدرسون العلم في مسجد قباء تلك النصيحة الذهبية الحكيمة: \"تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله حتى تعملوا\".\nولعلك لم تنس أيضا أن الإسلام شرع عقوبة من أشنع العقوبات لمن أقترف نوعا من الكذب وهو نوع الخوض في الأعراض تلك العقوبة هي حد القذف الذي يقول الحق جل شأنه فيه من سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .\nفتأمل كيف عاقب هذا القاذف الكاذب بالجلد ثمانين ورد شهادته وحكم بأنه من الفاسقين بل قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي لا فاسق سواهم ولا خارج عن حدود الدين والأدب إلا هم.\nثم شنف مسمعيك بما يرويه أبو داود في سننه من أن عبد الله بن عامر قال:","vol":"1","page":325},{"text":"جاء رسول الله ﷺ إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي: تعال حتى أعطيك. فقال ﷺ. \"وما أردت أن تعطيه؟ قالت: تمرا. فقال: أما إنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة\" تصور في هذه التربية السامية كيف لم يسمح الرسول ﷺ لأم أن تعد طفلها الصغير وعدا غير صادق بل يسائلها: ما الذي كانت تعطيه لو جاء؟ ثم يقرر أنها لو خاست بعهدها هذا لكتبها الله عليها كذبة وهكذا يكتفي بذكر كلمة كذبة في هذا المقام ردعا لها وزجرا ومنه تعلم أن لفظ الكذب كان سوط عذاب يخيف الصحابة رجالا ونساء. وذلك لما يسمعون عنه من شناعة ولما يعرفون فيه من بشاعة ولما تأصل في نفوسهم من فضيلة الصدق وشرف الحق أفبعد هذه التربية العالية يصح أن يقال: إن الصحابة يكذبون على الله ورسوله ولا يتثبتون ألا إن هؤلاء من إفكهم ليهرفون بما لا يعرفون ويسرفون في تجريح الفضلاء واتهام الأبرياء ولا يستحون فويل لهم من يومهم الذي يوعدون.\nالعامل التاسع\nالقدوة الصالحة والأسوة الحسنة التي كانوا يجدونها في رسول الله ﷺ ماثلة كاملة جذابة أخاذة. ولا يعزبن عن بالك أن القدوة الصالحة خير عامل من عوامل التعليم والتربية والتأديب والتهذيب خصوصا بين نبي ومتبعيه وأستاذ ومتعلميه ورئيس ومرؤوسيه وراع ورعيته.\nوها نحن أولاء نرى علماء النفس والاجتماع وأقطاب التربية والتعليم وبناة الأخلاق والأمم: نراهم لا يزالون يتحدثون في القدوة الصالحة ويوصون بالقدوة الصالحة ويبحثون عن القدوة الصالحة وذلك لمكانتها من التأثير والإصلاح والتقويم والنجاح في الأفراد والأمم على سواء.","vol":"1","page":326},{"text":"ولم يعرف التاريخ ولن يعرف قدوة أسمى ولا أسوة أعلى ولا إمامة أسنى من محمد ﷺ في كافة مناحي الكمال البشري خصوصا خلقه الرضي وأدبه السني ولا سيما صدقه وأمانته وتحريه ودقته.\nأجل فقد كان ﷺ مشهورا بالصدق معروفا بالأمانة حتى من قبل بعثته ورسالته فكان إذا سار أشاروا إليه بالبنان وقالوا هذا هو الصادق وإذا حكم رضوا حكومته وقالوا هذا هو الأمين.\nوكانت هذه الفضائل المشرقة فيه من بواعث إيمان المنصفين من أهل الجاهلية به. ولقد اضطر أن يشهد له بها أعداؤه الألداء كما آمن بها أتباعه الأوفياء.\nفهذا أبو سفيان بن حرب زعيم حزب المعارضة له يقر بين يدي قيصر الروم بصدق محمد وأنهم لم يحفظوا عليه كذبة واحدة قبل رسالته ويكاد يؤمن القيصر متأثرا في جملة ما تأثر بهذه الشهادة التي انطلق بها لسان ألد خصوم محمد يومئذ ثم يقول في التعليق على كلام أبي سفيان والتنويه بصدق محمد ﵊: ما كان أي محمد ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله والحديث طويل مشهور يرويه البخاري في صحيحه. فراجعه إن شئت.\nوهذا قائل قريش يقول للنبي ﷺ في معرض من المعارض: \"إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به\". وبسبب ذلك أنزل الله تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .\nومما يذكر بالإعجاب والفخر لنبي الإسلام أنه عرض الإسلام ﷺ على بني عامر بن صعصعة وذلك قبل الهجرة وقبل أن تقوم للدين شوكة فقال كبيرهم: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فأجابه ﷺ بتلك الكلمة الحكيمة الخالدة:","vol":"1","page":327},{"text":"\"الأمر لله يضعه حيث يشاء\" فقال له كبيرهم أفتهدف١ نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك.\nوهنا تتجلى سياسة الإسلام وأنها سياسة صريحة مكشوفة ورشيدة شريفة لا تعرف اللف والدوران\nولا تعتمد الكذب والتضليل كما تتجلى صراحة نبي الإسلام وصدق نبي الإسلام وشرف نبي الإسلام ﵊.\nنعم لقد كان محمد ﷺ في ضيق أي ضيق يحتاج إلى أقل معاونة من عدو أو صديق وهذا حي من العرب يستطيع أن يكتسبه ويتقوى به ولكنه ﵊ لا يستطيع أن يعد فيخلف ولا أن يحدث فيكذب ولا أن يعاهد فيغدر.\nيسألونه أن يكونوا الخلفاء من بعده إذا أسلموا فيقول بملء فيه: \"الأمر لله يضعه حيث يشاء\" ولو أنه قال: إن شاء الله مثلا لدانوا له أجمعين وأصبحوا من حزبه وجنده المسلمين.\nمرحى مرحى لسياسة الإسلام. وأخلاق نبي الإسلام.\nوإذا كانت هذه الأخلاق العليا هي منار القدوة للصحابة في رسول الله فكيف لا يقتبسون من هذه الأنوار ولا يضربون في حياتهم على هذه الأوتار؟ فضلا\n_________\n١ في القاموس: أهدف له الشيء عرض اهـ.\nوقال في لسان العرب، الإهداف: الدنو. أهدف له القوم أي قربوا.. وكل شيء قد استقبلك استقبالا فهو مهدف ومستهدف. اهـ. وقال الزمخشري في أساس البلاغة: أهدف له الشيء واستهدف: انتصب وعرض. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: لقد أهدفت لي يوم بدر فصغت عنك اهـ فالفعل لازم غير متعد. ومعنى صغت عنك: ملت وأعرضت. تدبر.","vol":"1","page":328},{"text":"عن أن يقال عنهم: إنهم يكذبون أو لا يتحرون في كتاب الله وسنة رسول الله ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .\nالعامل العاشر\nسمو تربية الصحابة على فضائل الإسلام كلها وكمال تأدبهم بآداب هذا الدين الحنيف وشده خوفهم من الله وصفاء نفوسهم إلى حد لا يتفق والكذب خصوصا الكذب على الله تعالى والتجني على أفضل الخليقة صلوات الله وسلامه عليه.\nيقول علماء الأخلاق والمشتغلون بعلم النفس وعلوم الاجتماع إن الكذب جناية قبيحة لا يمكن أن يصدر إلا عن نفس ساقطة لم تتأدب ولا يتصور أن يفشوا إلا في شعب شاذ لم يتهذب.\nونحن إذا استعرضنا تاريخ الصحابة رضوان الله عليهم نشاهد العجب في عظمة تأديب الإسلام لهم وتربيته إياهم تربية سامية جعلتهم أشباه الملائكة يمشون على الأرض لا سيما ناحية الصدق والأمانة والتثبت والتحري والاحتياط. وذلك من كثرة ما قرر القرآن فيهم لهذه الفضائل ومن عناية الرسول ﷺ بهم علما وعملا ومراقبة حتى أصبحوا بنعمة من الله وفضل منطبعة قلوبهم على هذه الجلائل متشبعة نفوسهم بمبادىء الشرف والنبل تأبى عليهم كرامتهم أن يقاربوا الكذب أو يقارفوا التهجم. لا سيما التهجم على مقام الكتاب العزيز وكلام صاحب الرسالة ﷺ.\nقالت عائشة ﵂: \"ما كان خلق أشد على أصحاب رسول الله ﷺ من الكذب. ولقد كان رسول الله ﷺ يطلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه أحدث توبة لله ﷿\" رواه مسلم في مقدمة صحيحه.","vol":"1","page":329},{"text":"عوامل أخرى\nإذا استعرضت بعض العوامل السابقة في حفظ الصحابة للكتاب والسنة تجد منها عوامل صالحة أيضا لأن تكون دواعي تثبتهم في الكتاب والسنة ولهذا اكتفي بالإشارة إليها دون إعادتها:\n١- فذكاء العرب وقوة حوافظهم وصفاء طبعهم إلى آخر ما ذكرنا في العامل الثاني هناك. لا شك أنه داعية من دواعي تثبتهم أيضا لأن الشأن فيمن نشأ على هذه الصفات أن يكون واثقا مما حفظ فلا يحتاج إلى تزيد ولا يقع في تهجم.\n٢- وحب الصحابة لله ولرسوله عامل كذلك من عوامل التثبت لأن المحب الصادق لا يقنع إلا بما يثق أنه كلام حبيبه من غير لبس ولا شك ولا يرضى أن يفتري الكذب على حبيبه ولا يقبل أن يتقول عليه أو يتهجم في كلامه خصوصا إذا عرف أنه يكره ذلك منه. انظر العامل الرابع من عوامل الحفظ.\n٣- وموقف الصحابة في محراب الفصاحة والبيان وعلو كعبهم في نقد الكلام وكمال ذوقهم في إدراك إعجاز القرآن وبلاغة النبي ﷺ ﵊ كل أولئك ييسر عليهم التثبت ويهون عليهم أن يردوا ما ليس من كلام الله وكلام رسوله ضرورة أنهم يدركون الفوارق بين الأساليب الفاضلة والمفضولة ويزنون كلامهم بموازينهم البلاغية الصادقة. انظر العامل الخامس من عوامل الحفظ.\n٤- وعلم الصحابة بمنزلة الكتاب والسنة من الدين يجعلهم بلا شك يهتمون بالتثبت منهما والحيطة لهما. انظر العامل السابع من عوامل الحفظ.\n٥- واقتران الكتاب بالإعجاز واقتران السنة ببعض المعجزات والغرائب ثم ارتباط كثير من آيات القرآن وأحاديث الرسول بالحوادث والوقائع كل أولئك مما يجعل","vol":"1","page":330},{"text":"النفوس تتوثق منهما ولا تشتبه فيهما ولا تقبل التزيد والكذب عليهما. انظر العامل الثامن والتاسع من عوامل الحفظ.\nإذا جمعت هذه العوامل وأمثالها إلى العشرة المسطورة بين يديك رأيت بضعة عشر عاملا من الدواعي المتوافرة والأدلة القائمة على أمانة الصحابة وتثبتهم من الكتاب والسنة.\nمظاهر هذا التثبت\nوهكذا نتصفح تاريخ الصحابة ونقتفي آثارهم فإذا هي شواهد حق على تغلغل فضيلة الصدق فيهم وشدة نفورهم ونقاء ساحتهم من الكذب وما يشبه الكذب. هذا عمر ﵁ يقول: أحبكم إلينا ما لم نركم أحسنكم اسما فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقا فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثا.\nوهذا علي كرم الله وجهه يقول: أعظم الخطايا عند الله ﷿ اللسان الكذوب. ويقول مرة أخرى: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه.\nوإن شئتم فاعجبوا من سعيد بن المسيب وهو أحد من رباهم الصحابة: رمدت عيناه مرة حتى بلغ الرمد خارجهما والرمد وسخ أبيض من مجرى الدمع من العين فقيل له: لو مسحت عينيك. فقال: وأين قول الطبيب: لا تمس عينيك فأقول: لا أفعل؟.\nوتدبروا ما رواه مسلم بسنده عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ. فجعل ابن عباس","vol":"1","page":331},{"text":"لا يأذن له ولا ينظر إليه. فقال يا بن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ: ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.\nومن هذا الورع البالغ والحذر الدقيق تحرج كثير من أكابر الصحابة عن الرواية والتحديث فلم يسمع منهم إلا النزر اليسير مع أن لديهم من رسول الله الغمر الكثير. يحدث ابن الزبير ﵁ فيقول: قلت لأبي: ما لي لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان؟ فقال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت ولكني سمعته يقول: \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\". رواه البخاري وأبو داود.\nوإذا كان هذا مظهرا من مظاهر حذرهم واحتياطهم للسنة النبوية فماذا تقدر من مظاهر حذرهم واحتياطهم لكتاب الله العزيز؟ إني أعتقد أنك إذا رجعت إلى أدلة نزول القرآن على سبعة أحرف تشاهد العجب العاجب من روائع هذه المظاهر.\nفهذا عمر يأخذ بخناق هشام بن حكيم ويسوقه إلى النبي ﷺ وما نقم عليه إلا أنه قرأ سورة الفرقان على وجه لم يقرأه عمر ولم يكن يعرف عمر أنه هكذا نزل ولم يرسل عمر هشاما حتى انتهى به إلى رسول الله ﷺ وأمره الرسول أن يرسله ثم استقرأهما ﵊ وقال في قراءة كليهما: \"هكذا أنزلت\". وقال: \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه\" هذا ملخص ما كان بين عمر وهشام ومثل ذلك وقع من أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهما مع أصحابهم مما تعرضه عليك الروايات المبسوطة هناك في هذا الموضوع.","vol":"1","page":332},{"text":"أضف إلى هذا تلك الدقة البالغة التي أجملناها لك في دستور أبي بكر ودستور عثمان ﵄ في جمع القرآن بالصحف والمصاحف وهي على مقربة منك. فارجع إليها إن شئت.\nويشبه هذين الدستورين في جمع القرآن دستور أبي بكر في حماية السنة والحيطة لها والتثبت منها إذ جمع أصحاب رسول الله ﷺ وشاورهم في الأمر ثم انتهوا إلى اتباع ما يأتي:-\nأن ينظروا في خبر الواحد نظرة فاحصة يعرضونه على كتاب الله تعالى وما تواتر أو اشتهر من حديث رسول الله ﷺ فإن خالف شيئا منها زيفوه وردوه وإن لم يخالف نظروا نظرة ثانية فيمن جاء به فلا يقبلون إلا ممن عرف بالعدالة والضبط والصدق والتحري وإلا طالبوه بالتزكية من طريق آخر يشهد معه ويروي ما رواه وبرغم هذا وذاك فقد التزموا التقليل من الرواية لأن الإكثار مظنة الخطأ ومثار الاشتباه.\nنعم: حداهم ورعهم وشدة خوفهم من الله أن يحصنوا حديث رسول الله بهذا الدستور الدقيق الرشيد القائم على رعاية هذه القواعد الثلاث: النظر في الخبر والنظر في المخبر والإقلال من الرواية.\nويرحم الله ابن الخطاب فقد أخذ بالأسس التي وضعها أبو بكر لحياطة الكتاب والسنة ثم بنى عليها وشمخ بها وزاد فيها حتى تشدد مع الأمناء الموثقين وضيق الخناق على الصحابة المكثرين حتى روي أنه حبس ثلاثة من مشاهير الصحابة سنة كاملة وما نقم منهم إلا أنهم أكثروا الرواية. وإذا صح هذا فهو درس قاس من الفاروق لعامة الشعب في الاحتياط لأصول التشريع والتبصر والتدقيق في الرواية تحملا وأداء على حد قول الشاعر:","vol":"1","page":333},{"text":"إني وقتلى سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر\nثم جاء دور عثمان وعلي فحذوا حذو أبي بكر وعمر إذ أوى الكتاب في كنفهما إلى ركن ركين وظل ظليل وبقيت السنة في عهدهما رفيعة العماد قوية السناد حتى تلقاها بنو أمية على ما تركها الخلفاء بيضاء مشرقة ليلها كنهارها.\nولبثت السنة في العهد الأموي معتصمة بعزتها ومنعتها حتى طلع نجم الملك العادل عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الثانية فردد صدى جده عمر بن الخطاب في ضرورة صون السنة ووعيها ولكن رأى أن يكون ذلك عن طريق الكتابة والنقش في السطور بعد أن وعيت في العهد الماضي عن طريق الحفظ في القلوب والصدور. وبذلك انتقل الحديث النبوي إلى دور جديد سعيد هو دور التأليف والكتابة والتقييد مما كان له أبلغ الأثر في وصوله إلينا موزونا بأدق موازين العلم والبحث الدقيق.\nنتيجة ذلك\nولقد كان من نتيجة ذلك كله أن أحيط الكتاب والسنة بسياج من الفولاذ والحديد وأن حفظ الدين من العبث بأصول التشريع وأن أخذ خلف الأمة درسا قيما عن سلفهم الصالح في ضرورة الاستبراء للدين واليقظة في حراسة الكتاب والسنة ووجوب نقد الرواة وفحص المرويات. وبهذا أيضا أخذ الطريق على الدس والدساسين وحيكت الشباك للدجالين والوضاعين وأصبح الدين الإسلامي منيع الحوزة محفوظ الذمار إلى درجة تفاخر بها شعوب العالم وأمم الأرض وأديان الدنيا مما لا يكاد يوجد مثله ولا قريب منه في تاريخ أية شريعة من الشرائع السماوية والوضعية منذ خلق الله السموات والأرض إلى يوم الناس هذا.","vol":"1","page":334},{"text":"الموقف خطير\nولا تحسبن أيها القارئ الكريم أني بالغت أو أسرفت وإن كنت قد أطلت وأكثرت فإن هذا البحث جليل وخطير يتصل في جلالته وخطورته بتلك الطائفة الممتازة التي اختارها الله لتلقي كتابه ومعاصرة رسوله ﷺ وحسن النيابة عنه في نشر هداية الإسلام والدفاع عن حمى الدين الحنيف.\nأولئك هم حجر الزاوية في بناء هذه الأمة المسلمة عنهم قبل غيرهم تلقت الأمة كتاب الله وحذقت سنة رسول الله وعرفت تعاليم الإسلام فالغض من شأنهم والتحقير لهم بل النظر إليهم بالعين المجردة من الاعتبار لا يتفق والمركز السامي الذي تبوؤوه ولا يوائم المهمة الكبرى التي انتدبوا لها ونهضوا بها كما أن الطعن فيهم والتجريح لهم يزلزل بناء الإسلام ويقوض دعائم الشريعة ويشكك في صحة القرآن ويضيع الثقة بسنة سيد الأنام.\nومن أشد ما يجرح به الصحابة اتهامهم بسوء الحفظ وعدم الضبط ولمزهم بالكذب والافتراء على الله ورسوله ونبزهم بعدم التثبت والتحري في نقلهم كتاب الله وسنة رسوله إلى الأمة.\nلذلك عني علماء الإسلام قديما وحديثا بالدفاع عن عرين الصحابة لأنه كما رأيت دفاع عن عرين الإسلام\nولم يكن ذلك الدفاع نزوة هوى ولا نبوة عصبية بل كان نتيجة لدراسات تحليلية وأبحاث تاريخية وتحقيقات بارعة واسعة أحصتهم عددا ونقدتهم فردا فردا وعرضتهم على أدق موازين الرجال مما تباهي به الأمة الإسلامية كافة الأمم والأجيال.\nوبعد هذا التحقيق والتدقيق خرج الصحابة ﵃ من بوتقة هذا البحث وإذا هم خير أمة أخرجت للناس وأسمى طائفة عرفها التاريخ وأنبل","vol":"1","page":335},{"text":"أصحاب لنبي ظهر على وجه الأرض وأوعى وأضبط جماعة لما استحفظوا عليه من كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ.\nوقد اضطر أهل السنة والجماعة أن يعلنوا رأيهم هذا كعقيدة وقرروا أن الصحابة عدول. ولم يشذ عن هذا الرأي إلا المبتدعة والزنادقة قبحهم الله.\nقال أبو زرعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق وذلك لأن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى ذلك إلينا كله الصحابة. وهؤلاء يعني الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة اهـ.\nشهادة عليا من الله للصحابة\nوفوق ما تقدم نجد الحق ﷾ يمتدح أصحاب محمد ﷺ غير مرة ونرى الرسول ﷺ يطري صحابته في غير موضع. اقرأ إن شئت قوله ﷻ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخر سورة الفتح. ثم اقرأ إن شئت قوله عز اسمه: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ في سورة الحشر. وتأمل قوله عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الخ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ولا ريب أن الصحابة هم المشافهون بهذا الخطاب فهم داخلون في مضمونة بادئ ذي بدء متحققون بمزاياه أول الأمر.","vol":"1","page":336},{"text":"شهادة الرسول لأصحابه\nوكذلك نقرأ في صحيح السنة ما يشهد بفضل الصحابة وكمال امتيازهم على الثقلين سوى النبيين والمرسلين. روى الترمذي وابن حبان في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: \"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله فيوشك أن يأخذه\".\nوروى البزار في مسنده برجال كلهم موثقون أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين\" وجاء في صحيح البخاري ومسلم أنه ﷺ قال في شأن أصحابه: \"لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه\". وتواتر عنه أنه قال: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم\".\nفأنت ترى من هذه الشهادات العالية في الكتاب والسنة ما يرفع مقام الصحابة إلى الذروة وما لا يترك لطاعن فيهم دليلا ولا شبه دليل.\nحكمة الله في اختيار الصحابة\nوالواقع أن العقل المجرد من الهوى والتعصب يحيل على الله في حكمته ورحمته أن يختار لحمل شريعته الختامية أمة مغموزة أو طائفة ملموزة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ومن هنا كان توثيق هذه الطبقة الكريمة طبقة الصحابة يعتبر دفاعا عن الكتاب والسنة وأصول الإسلام من ناحية ويعتبر إنصافا أدبيا لمن يستحقونه من ناحية ثانية ويعتبر تقديرا لحكمة الله البالغة في اختيارهم لهذه المهمة العظمى من ناحية ثالثة. كما أن توهينهم","vol":"1","page":337},{"text":"والنيل منهم يعد غمزا في هذا الاختيار الحكيم ولمزا في ذلك الاصطفاء والتكريم فوق ما فيه من هدم الكتاب والسنة والدين.\nعلى أن المتصفح لتاريخ الأمة العربية وطبائعها ومميزاتها يرى من سلامة عنصرها وصفاء جوهرها وسمو مميزاتها ما يجعله يحكم مطمئنا بأنها صارت خير أمة أخرجت للناس بعد أن صهرها الإسلام. وطهرها القرآن ونفى خبثها سيد الأنام ﵊.\nولكن الإسلام قد ابتلي حديثا بمثل أو بأشد مما ابتلي به قديما فانطلقت ألسنة في هذا العصر ترجف في كتاب الله بغير علم وتخوض في السنة بغير دليل وتطعن في الصحابة دون استحياء وتنال من حفظة الشريعة بلا حجة وتتهمهم تارة بسوء الحفظ وأخرى بالتزيد وعدم التثبت وقد زودناك وسلحناك فانزل في الميدان ولا تخش عداك.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ نصرنا الله بنصرة الإسلام وثبت منا الأقدام والأقلام والحمد لله في البدء وفي الختام وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحابته الأعلام آمين.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المبحث التاسع: في ترتيب آيات القرآن وسوره</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>معنى الآية:</span>\nآيات القرآن جمع آية والآية تطلق في لسان اللغة بإطلاقات:\nأولها: المعجزة. ومنه قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ أي معجزة واضحة.","vol":"1","page":338},{"text":"ثانيها: العلامة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي علامة ملكه.\nثالثها: العبرة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أي عبرة لمن يعتبر.\nرابعها: الأمر العجيب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ .\nخامسها: الجماعة. ومنه قولهم: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم. والمعنى أنهم لم يدعوا وراءهم شيئا.\nسادسها: البرهان والدليل نحو قوله جل ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ والمعنى أن من براهين وجود الله واقتداره واتصافه بالكمال خلق عوالم السموات والأرض واختلاف الألسنة والألوان تلك كلها إطلاقات لغوية وقد يستلزم بعضها بعضا. ثم خصت الآية في الاصطلاح بأنها طائفة ذات مطلع ومقطع مندرجة في سورة من القرآن والمناسبة بين هذا المعنى الاصطلاحي والمعاني اللغوية السالفة واضحة لأن الآية القرآنية معجزة ولو باعتبار انضمام غيرها إليها ثم هي علامة على صدق من جاء بها ﷺ وفيها عبرة وذكرى لمن أراد أن يتذكر وهي من الأمور العجيبة لمكانها من السمو والإعجاز وفيها معنى الجماعة لأنها مؤلفة من جملة كلمات وحروف وفيها معنى البرهان والدليل على ما تضمنته من هداية وعلم وعلى قدرة الله وعلمه وحكمته وعلى صدق رسوله في رسالته.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>طريقة معرفة الآية:</span>\nلا سبيل إلى معرفة آيات القرآن إلا بتوقيف من الشارع لأنه ليس للقياس والرأي مجال فيها إنما هو محض تعليم وإرشاد بدليل أن العلماء عدوا ﴿المص﴾ آية ولم يعدوا نظيرها وهو ﴿المر﴾ آية وعدوا ﴿يس﴾ آية ولم يعدوا نظيرها وهو ﴿طس﴾ آية وعدوا ﴿حم عسق﴾ آيتين ولم يعدوا نظيرها وهو ﴿كهيعص﴾ آيتين بل آية واحدة فلو كان الأمر مبنيا على القياس لكان حكم المثلين واحدا فيما ذكر ولم يجيء هكذا مختلفا.\nذلك مذهب الكوفيين لأنهم عدوا كل فاتحة من فواتح السور التي فيها شيء من حروف الهجاء آية سوى حمعسق فإنهم عدوها آيتين وسوى طس. ولم يعدوا من الآيات ما فيه ر وهو الر والمر وما كان مفردا وهو ق ص ن أي لم يعدوا شيئا منها آية.\nوغير الكوفيين لا يعتبرون شيئا من الفواتح آية إطلاقا. وحيث قلنا: إن المسألة توقيفية فلا يشتبهن عليك هذا الخلاف. لأن كلا وقف عند حدود ما بلغه أو علمه. ولا تقولن كيف عدوا ما هو كلمة واحدة آية؟ لأن الوارد عن الشارع هو هذا كما عدت كلمة ﴿الرَّحْمَنُ﴾ في صدر سورة الرحمن آية وكما عدت كلمة ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ آية وقوفا عند الوارد.\nأخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي. فقال: \"ألم يقل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ . ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد\" ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل:","vol":"1","page":340},{"text":"لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: \"الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\" اهـ. فهذا الحديث يدل على أن الفاتحة سبع آيات وعلى أنها هي المرادة بالسبع المثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ .\nوأخرج الترمذي والحاكم عن أبي هريرة أنه قال: قال النبي ﷺ: \"إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي\" اهـ.\nوأخرج مسلم والترمذي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم\"؟ قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم فضرب في صدري وقال: \"ليهنك العلم أبا المنذر\" اهـ.\nوأخرج الخمسة إلا النسائي عن أبي مسعود البدري أنه قال: قال النبي ﷺ: \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" اهـ.\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين من آل حم قال: يعني الأحقاف لأن السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين.\nوقال ابن العربي ذكر النبي ﷺ: أن الفاتحة سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية اهـ.\nرأي آخر:\nوبعض العلماء يذهب إلى أن معرفة الآيات منه ما هو سماعي توقيفي ومنها ما هو قياسي ومرجع ذلك إلى الفاصلة وهي الكلمة التي تكون آخر الآية نظيرها قرينة السجع في النثر وقافية البيت في الشعر. يقولون: فما ثبت أن النبي ﷺ","vol":"1","page":341},{"text":"وقف عليه دائما تحققنا أنه فاصلة وما وصله دائما تحققنا أنه ليس فاصلة وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة واحتمل الوصل أن يكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها وفي هذا مجال للقياس وهو ما ألحق غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه لأمر يقتضي ذلك. ولا محظور فيه لأنه لا يؤدي إلى زيادة ولا نقصان في القرآن وإنما غايته تعيين محل الفصل أو الوصل.\nوقد يلاحظ في الكلمة الواحدة من القرآن أمران يقتضي أحدهما عدها من الفواصل والآخر يقتضي خلاف ذلك. مثال ذلك كلمة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الأولى في سورة الفاتحة منهم من يعتبرها رأس آية ومنهم من لا يراها كذلك. وسبب هذا أنهم اختلفوا في البسملة أهي آية من الفاتحة أم لا؟ مع اتفاقهم على أن عدد آيات الفاتحة سبع. فالذين ذهبوا إلى أن البسملة آية من الفاتحة جعلوا ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر السور آية واحدة. والذين ذهبوا إلى أن البسملة ليست آية منها جعلوا الآية السابعة ما بعد كلمة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الأولى واعتبروا هذه الكلمة فاصلة لوقوعها في آخر الآية السادسة. ومن المرجحات لعدها فاصلة تحقق التناسب بين الآيات في المقدار بخلاف ما إذا لم يعتبر فاصلة فإن هذه الآية الأخيرة تطول وتزيد على ما سواها كثيرا. ومن المرجحات لعدم عدها فاصلة أنها لا تشاكل فواصل الفاتحة فإنه جاء في كل واحدة منها قبل الحرف الأخير ياء مد بخلاف هذه. أضف إلى ذلك أنه لم تجيء فاصلة على هذا النمط في سورة من السور.\nواعلم أنه قد تطلق الآية القرآنية ويراد بعضها أو أكثر. ولكن على ضرب من المجاز والتوسع فلا تتوقفن فيه.\nمثال إطلاق الآية على بعضها قول ابن عباس: أرجى آية في القرآن: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ فإن هذه","vol":"1","page":342},{"text":"الجملة الكريمة بعض آية باتفاق. ومثال إطلاق الآية على أكثر منها قول ابن مسعود: أحكم آية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . فإنهما آيتان باتفاق.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>عدد آيات القرآن:</span>\nقال صاحب التبيان ما نصه: وأما عدد آي القرآن فقد اتفق العادون على أنه ستة آلاف ومائتا آية وكسر إلا أن هذا الكسر يختلف مبلغه باختلاف أعدادهم:\nففي عدد المدني الأول سبع عشرة وبه قال نافع.\nوفي عدد المدني الأخير أربع عشرة عند شيبة وعشر عند أبي جعفر.\nوفي عدد المكي عشرون.\nوفي عدد الكوفي ست وثلاثون. وهو مروي عن حمزة الزيات.\nوفي عدد البصري خمس وهو مروي عن عاصم الجحدري. وفي رواية عنه أربع وبه قال أيوب بن المتوكل البصري وفي رواية عن البصريين أنهم قالوا: تسع عشرة وروي ذلك عن قتادة.\nوفي عدد الشامي ست وعشرون وهو مروي عن يحيى بن الحارث الذماري اهـ.\nوقال صاحب التبيان أيضا قبل ذلك ما نصه: عدد المكي منسوب إلى عبد الله بن كثير أحد السبعة وهو يروي ذلك عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب.\nوعدد المدني على ضربين: عدد المدني الأول وعدد المدني الأخير. فعدد المدني الأول غير منسوب إلى أحد بعينه. وإنما نقله أهل الكوفة عن أهل المدينة مرسلا ولم يسموا في ذلك أحدا وكانوا يأخذون به وإن كان لهم عدد مخصوص. وعدد المدني الأخير منسوب إلى أبي جعفر بن يزيد بن القعقاع أحد العشرة وشيبة بن نصاح. وقد رواه عنهما إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري بواسطة","vol":"1","page":343},{"text":"سليمان بن جماز. وقد وهم من نسب عدد المدني الأول إلى أبي جعفر وشيبة وعدد المدني الأخير إلى إسماعيل ابن جعفر. وكأن الذي أوقعه في ذلك ما ذكر في بعض الكتب من أن نافعا روى عنهما عدد المدني الأول وأن أبا عمرو عرض العدد المذكور على أبي جعفر فإن رواية ذلك عنهما لا تقتضي نسبته إليهما. وأما نسبة عدد المدني الأخير إليهما فهو مما لا ريب فيه اهـ. ما أردنا نقله تنويرا في هذا الموضوع الذي اضطربت فيه بعض النقول.\nسبب هذا الاختلاف:\nسبب هذا الاختلاف أن النبي ﷺ كان يقف على رؤوس الآي تعليما لأصحابه أنها رؤوس آي حتى إذا علموا ذلك وصل ﷺ الآية بما بعدها طلبا لتمام المعنى فيظن بعض الناس أن ما وقف عليه النبي ﷺ ليس فاصلة فيصلها بما بعدها معتبرا أن الجميع آية واحدة والبعض يعتبرها آية مستقلة فلا يصلها بما بعدها. وقد علمت أن الخطب في ذلك سهل لأنه لا يترتب عليه في القرآن زيادة ولا نقص.\nوآيات القرآن مختلفة في الطول والقصر فأطول آية هي الدين في سورة البقرة التي هي أطول سورة وأقصر آية كلمة ﴿يس﴾ الواقعة في صدر سورة يس.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>فوائد معرفة الآيات:</span>\nيزعم بعض الناس أنه لا فائدة من معرفة آيات القرآن. وللرد عليهم نذكر لهذه المعرفة ثلاث فوائد لا فائدة واحدة:\nالفائدة الأولى: العلم بأن كل ثلاث آيات قصار معجزة للنبي ﷺ. وفي حكمها الآية الطويلة التي تعدل بطولها تلك الثلاث القصار. ووجه ذلك أن الله تعالى أعلن التحدي بالسورة الواحدة فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى","vol":"1","page":344},{"text":"عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ والسورة تصدق بأقصر سورة كما تصدق بأطول سورة. وأقصر سورة في القرآن هي سورة الكوثر وهي ثلاث آيات قصار. فثبت أن كل ثلاث آيات قصار معجزة وفي قوتها الآية الواحدة الطويلة التي تكافئها.\nالفائدة الثانية: حسن الوقف على رؤوس الآي عند من يرى أن الوقف على الفواصل سنة بناء على ظاهر الحديث الذي استدلوا به فيما يرويه أبو داود عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول بسم الله الرحمن الرحيم ثم يقف. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف.\nقال صاحب التبيان في موضع آخر ما نصه: قال بعض العلماء: وفي الاستدلال به أي بذلك الحديث على ما ذكر نظر وذلك لأنه حديث غريب غير متصل الإسناد. رواه يحيى بن سعد الأموي وغيره عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة. والأصح ما رواه الليث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مالك أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته فقالت: ما لكم وصلاته؟ ثم نعتت قراءته مفسرة حرفا حرفا. ذكر ذلك الترمذي اهـ.\nأقول: ويمكن الجمع بين هذين الحديثين بأن النبي ﷺ كان تارة يقف على كل فاصلة ولو لم يتم المعنى بيانا لرؤوس الآي. وكان تارة يتبع في الوقف تمام المعنى فلا يلتزم أن يقف على رؤوس الآي لتكون قراءته مفسرة حرفا حرفا. وعلى هذا يمكن أن يقال: حيثما كان الناس في حاجة إلى بيان الآيات حسن الوقف على رؤوس الآي ولو لم يتم المعنى وحيثما كان الناس في غنى عن معرفة رؤوس الآي لم يحسن الوقف إلا حيث يتم المعنى.","vol":"1","page":345},{"text":"ويحتمل أن كلمة مفسرة حرفا حرفا في الحديث الآنف يراد بها الترتيل وإخراج الحروف من مخارجها فلا تعارض الحديث الأول.\nالفائدة الثالثة: اعتبار الآيات في الصلاة والخطبة قال السيوطي ما نصه: يترتب على معرفة الآي وعددها وفواصلها أحكام فقهية منها اعتبارها فيمن جهل الفاتحة فإنه يجب عليه بدلها سبع آيات. ومنها اعتبارها في الخطبة فإنه يجب فيها قراءة آية كاملة ولا يكفي شطرها إن لم تكن طويلة وكذا الطويلة على ما حققه الجمهور. ثم قال: ومنها اعتبارها في السورة التي تقرأ في الصلاة أو ما يقوم مقامها وفي الصحيح أنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة. ومنها اعتبارها في قراءة قيام الليل إلى آخر ما قال. أ. هـ.\nما أردنا نقله. بيد أنه نقل عن الهذلي في كامله ما نصه: اعلم أن قوما جهلوا العدد وما فيه من الفوائد حتى قال الزعفراني: إن العدد ليس بعلم وإنما اشتغل به بعضهم ليروج به سوقه. قال: وليس كذلك ففيه من الفوائد معرفة الوقف ولأن الإجماع انعقد على أن الصلاة لا تصح بنصف آية. وقال جمع من العلماء: تجزيء بآية وآخرون بثلاث آيات وآخرون لا بد من سبع. والإعجاز لا يقع بدون آية. فللعدد فائدة عظيمة في ذلك اهـ غير أنا لا ندري ما الذي أراده الهذلي على التعيين من كلامه هذا؟ ولا عن أي مذهب يتحدث؟.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>ترتيب آيات القرآن</span>\nانعقد إجماع الأمة على أن ترتيب آيات القرآن الكريم على هذا النمط الذي نراه اليوم بالمصاحف كان بتوقيف من النبي ﷺ عن الله تعالى وأنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه. بل كان جبريل ينزل بالآيات على الرسول ﷺ ويرشده إلى موضع كل آية من سورتها. ثم يقرؤها النبي ﷺ على أصحابه،","vol":"1","page":346},{"text":"ويأمر كتاب الوحي بكتابتها معينا لهم السورة التي تكون فيها الآية وموضع الآية من هذه السورة. وكان يتلوه عليهم مرارا وتكرارا في صلاته وعظاته وفي حكمه وأحكامه. وكان يعارض به جبريل كل عام مرة وعارضه به في العام الأخير مرتين. كل ذلك كان على الترتيب المعروف لنا في المصاحف. وكذلك كان كل من حفظ القرآن أو شيئا منه من الصحابة حفظه مرتب الآيات على هذا النمط. وشاع ذلك وذاع وملأ البقاع والأسماع يتدارسونه فيما بينهم ويقرؤونه في صلاتهم ويأخذه بعضهم عن بعض ويسمعه بعضهم من بعض بالترتيب القائم الآن فليس لواحد من الصحابة والخلفاء الراشدين يد ولا تصرف في ترتيب شيء من آيات القرآن الكريم. بل الجمع الذي كان على عهد أبي بكر لم يتجاوز نقل القرآن من العسب واللخاف وغيرها في صحف والجمع الذي كان على عهد عثمان لم يتجاوز نقله من الصحف في مصاحف. وكلا هذين كان وفق الترتيب المحفوظ المستفيض عن النبي ﷺ عن الله تعالى. أجل: انعقد الإجماع على ذلك تاما لا ريب فيه. وممن حكى هذا الإجماع جماعة منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر في المناسبات إذ يقول ما نصه: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين.\nواستند هذا الإجماع إلى نصوص كثيرة منها ما سبق لك قريبا ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: \"أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ \" إلى آخرها.\nومنها ما ثبت في السنن الصحيحة من قراءة النبي ﷺ بسور عديدة كسورة البقرة وآل عمران والنساء ومن قراءته لسورة الأعراف في صلاة المغرب وسورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وسورة الروم في صلاة الصبح وقراءة سورة السجدة وسورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى","vol":"1","page":347},{"text":"الْأِنْسَانِ﴾ في صبح يوم الجمعة وقراءته سورة الجمعة والمنافقون في صلاة الجمعة وقراءته سورة ق في الخطبة وسورة اقتربت وق في صلاة العيد كان يقرأ ذلك كله مرتب الآيات على النحو الذي في المصحف على مرأى ومسمع من الصحابة.\nومنها ما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال قلت لعثمان بن عفان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها والمعنى لماذا تكتبها؟ أو قال لماذا تتركها مكتوبة؟ مع أنها منسوخة قال يا بن أخي لا أغير شيئا من مكانه.\nفهذا حديث أبلج من الصبح في أن إثبات هذه الآية في مكانها مع نسخها توقيفي لا يستطيع عثمان باعترافه أن يتصرف فيه لأنه لا مجال للرأي في مثله.\nومنها: ما رواه مسلم عن عمر قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: \"تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء\".\nفأنت ترى أنه ﷺ دله على موضع تلك الآية من سورة النساء وهي قوله سبحانه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الخ.\nملاحظة:\nذكر بعضهم أن كلمات القرآن ٧٧٩٣٤ أربع وثلاثون وتسعمائة وسبعة وسبعون ألف كلمة وذكر بعضهم غير ذلك. قيل وسبب الاختلاف في عدد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ولفظ ورسم واعتبار كل منها جائز وكل من العلماء اعتبر أحد ما هو جائز قال السخاوي: لا أعلم لعدد الكلمات والحروف من فائدة لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان. والقرآن لا يمكن فيه ذلك اهـ ولكن","vol":"1","page":348},{"text":"ورد من الأحاديث في اعتبار الحروف ما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: \" من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة. والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف\" وأخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب مرفوعا: \"القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف فمن قرأه صابرا محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين\". قال السيوطي بعد أن أورده: رجاله ثقات إلا شيخ الطبراني محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس تكلم فيه الذهبي ثم قال: وقد حمل ذلك أي العدد المذكور في هذا الحديث على ما نسخ رسمه من القرآن إذ الموجود الآن لا يبلغ هذا العدد وهو يريد أن هذا الرقم الكبير الذي روي في هذا الحديث ملحوظ فيه جميع الحروف النازلة من القرآن ما نسخ منها وما لم ينسخ والله تعالى أعلم.\nشبهة وتفنيدها\nيقولون: إن ابن أبي داود أخرج بسنده عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين في آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله ووعيتهما. فقال عمر: أنا أشهد لقد سمعتهما ثم قال: لو كانتا ثلاث آيات لجعلتها على حدة فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوهما في آخرها يقولون: هذا الحديث يدل على أن ترتيب الآيات لم يكن في القرآن كله بتوقيف إنما كان عن هوى من الصحابة وعن تصرف منهم ولو في البعض.\nونجيب: أولا: بأن هذا الخبر معارض للقاطع وهو ما أجمعت عليه الأمة. ومعارض القاطع ساقط عن درجة الاعتبار فهذا خبر ساقط مردود على قائله.\nثانيا: أنه معارض لما لا يحصى من الأخبار الدالة على خلافه وقد تقدم كثير منها. بل لابن أبي داود مخرجه خبر يعارضه ذلك أنه أخرج أيضا عن أبي أنهم","vol":"1","page":349},{"text":"جمعوا القرآن فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ظنوا أن هذه آخر ما نزل فقال أبي: إن رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر السورة.","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>ترتيب السور</span>\nمعنى السورة:\nالسورة في اللغة تطلق على ما ذكره صاحب القاموس بقوله: والسورة: المنزلة ومن القرآن معروفة لأنها منزلة بعد منزلة: مقطوطة عن الأخرى والشرف وما طال من البناء وحسن والعلامة وعرق من عروق الحائط اهـ.\nويمكن تعريفها اصطلاحا بأنها طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع. قالوا: وهي مأخوذة من سور المدينة. وذلك إما لما فيها من وضع كلمة بجانب كلمة وآية بجانب آية كالسور توضع كل لبنة فيه بجانب لبنة ويقام كل صف منه على صف.\nوإما لما في السورة من معنى العلو والرفعة المعنوية الشبيهة بعلو السور ورفعته الحسية وإما لأنها حصن وحماية لمحمد ﷺ وما جاء به من كتاب الله القرآن ودين الحق الإسلام باعتبار أنها معجزة تخرس كل مكابر ويحق الله بها الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. أشبه بسور المدينة يحصنها ويحميها غارة الأعداء وسطوة الأشقياء. وسور القرآن مختلفة طولا وقصرا. فأقصر سورة فيه سورة الكوثر وهي ثلاث آيات قصار. وأطول سورة فيه سورة البقرة وهي خمس وثمانون أو ست وثمانون ومائتا آية. وأكثر آياتها من الآيات الطوال. بل فيها آية الدين التي هي أطول آية في القرآن كما سبق. وبين سورة البقرة وسورة الكوثر سور كثيرة تختلف طولا وتوسطا وقصرا ومرجع الطول","vol":"1","page":350},{"text":"والقصر والتوسط وتحديد المطلع والمقطع إلى الله وحده لحكم سامية علمها من علمها وجهلها من جهلها.\nحكمة تسوير السور:\nلتجزئة القرآن إلى سور فوائد وحكم:\nمنها: التيسير على الناس وتشويقهم إلى مدارسة القرآن وتحفظه لأنه لو كان سبيكة واحدة لا حلقات بها لصعب عليهم حفظه وفهمه وأعياهم أن يخوضوا عباب هذا البحر الخضم الذي لا يشاهدون فيه عن كثب مرافئ ولا شواطئ.\nومنها: الدلالة على موضوع الحديث ومحور الكلام فإن في كل سورة موضوعا بارزا تتحدث عنه كسورة البقرة وسورة يوسف وسورة النمل وسورة الجن.\nومنها: الإشارة إلى أن طول السورة ليس شرطا في إعجازها بل هي معجزة وإن بلغت الغاية في القصر كسورة الكوثر.\nقال صاحب الكشاف في فوائد تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة ما نصه: منها: أي الفوائد أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا.\nومنها: أن القارئ إذا أتم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله ومثله المسافر إذا قطع ميلا أو فرسخا نفس ذلك عنه ونشط للسير ومن ثم جزيء القرآن أجزاء وأخماسا.\nومنها: أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيعظم عنده ما حفظه ومنه حديث أنس: كان الرجل","vol":"1","page":351},{"text":"إذ قرأ البقرة وآل عمران جد فينا\". ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة أفضل.\nومنها: أن التفصيل بحسب تلاحق الأشكال والنظائر وملائمة بعضها لبعض وبذلك تتلاحق المعاني والنظم إلى غير ذلك من الفوائد اهـ.\nأقسام السور:\nقسم العلماء سور القرآن إلى أربعة أقسام خصوا كلا منها باسم معين وهي: الطوال والمئين والمثاني والمفصل.\nفالطوال سبع سور: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف. فهذه ستة واختلفوا في السابعة أهي الأنفال وبراءة معا لعدم الفصل بينهما بالبسملة أم هي سورة يونس؟؟.\nوالمئون: هي السور التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها.\nوالمثاني: هي التي تلي المئين في عدد الآيات. وقال الفراء: هي السور التي آيها أقل من مائة آية لأنها تثنى أي تكرر أكثر مما تثنى الطوال والمئون.\nوالمفصل: هو أواخر القرآن واختلفوا في تعيين أوله على اثني عشر قولا فقيل أوله ق وقيل غير ذلك وصحح النووي أن أوله الحجرات. وسمي بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة وقيل لقلة المنسوخ منه ولهذا يسمى المحكم أيضا كما روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم.\nوالمفصل ثلاثة أقسام: طوال وأوساط وقصار. فطواله من أول الحجرات إلى سورة البروج. وأوساطه من سورة الطارق إلى سورة لم يكن. وقصاره من سورة إذا زلزلت إلى آخر القرآن.","vol":"1","page":352},{"text":"المذاهب في ترتيب السور:\nاختلف في ترتيب السور على ثلاثة أقوال: الأول أن ترتيب السور على ما هو عليه الآن لم يكن بتوقيف من النبي ﷺ إنما كان باجتهاد من الصحابة. وينسب هذا القول إلى جمهور العلماء منهم مالك والقاضي أبو بكر فيما اعتمده من قوليه. وإلى هذا المذهب يشير ابن فارس في كتاب المسائل الخمس بقوله: جمع القرآن على ضربين: أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا هو الذي تولته الصحابة ﵃. وأما الجمع الآخر وهو الآيات في السور فذلك شيء تولاه النبي ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه ﷿.\nوقد استدلوا على رأيهما هذا بأمرين: أحدهما أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة في ترتيب السور قبل أن يجمع القرآن في عهد عثمان فلو كان هذا الترتيب توقيفيا منقولا عن النبي ﷺ ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجازوه ويختلفوا فيه ذلك الاختلاف الذي تصوره لنا الروايات. فهذا مصحف أبي بن كعب روي أنه كان مبدوءا بالفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام. وهذا مصحف ابن مسعود كان مبدوءا بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران الخ على اختلاف شديد. وهذا مصحف علي كان مرتبا على النزول فأوله اقرأ ثم المدثر ثم ق ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكي والمدني.\nالدليل الثاني: ما أخرجه ابن أشته في المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس عن حبان بن يحيى عن أبي محمد القرشي قال: أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال فجعل سورة الأنفال وسورة التوبة في السبع ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم اهـ ولعله يشير بهذا إلى ما رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من","vol":"1","page":353},{"text":"المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا أنزل عليه شيء دعا بعض من يكتب فيقول: \" ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا\". وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا. وكانت قصتها شبيهة بقصتها. فظننت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما. ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتهما في السبع الطوال ا. هـ.\nويمكن أن يناقش هذا المذهب بالأحاديث الدالة على التوقيف وستأتيك في الاحتجاج للقول الثاني. ويمكن أيضا مناقشة دليلهم الأول باحتمال أن اختلاف من خالف من الصحابة في الترتيب إنما كان قبل علمهم بالتوقيف أو كان في خصوص ما لم يرد فيه توقيف دون ما ورد فيه. ويمكن مناقشة دليلهم الثاني بأنه خاص بمحل وروده وهو سورة الأنفال والتوبة ويونس فلا يصح أن يصاغ منه حكم عام على القرآن كله.\nالقول الثاني:\nأن ترتيب السور كلها توقيفي بتعليم الرسول ﷺ كترتيب الآيات وأنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر منه ﷺ. واستدل أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد. وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم. لكنهم لم يتمسكوا بها بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم وعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعا. ثم ساقوا روايات لمذهبهم كأدلة يستند إليها الإجماع.","vol":"1","page":354},{"text":"منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن حذيفة الثقفي قال كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف. إلى أن جاء في هذه الرواية ما نصه:\nفقال لنا رسول الله ﷺ: \"طرأ علي حزب من القرآن فأردت ألا أخرج حتى أقضيه\" فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة وحزب المفصل من ق حتى نختم. قالوا: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ.\nلكن هذه الدلالة غير ظاهرة فيما نفهم اللهم إلا في ترتيب حزب المفصل خاصة بخلاف ما سواه.\nواحتجوا لمذهبهم أيضا بأن السور المتجانسة في القرآن لم يلتزم فيها الترتيب والولاء ولو كان الأمر بالاجتهاد للوحظ مكان هذا التجانس والتماثل دائما لكن ذلك لم يكن بدليل أن سور المسبحات لم ترتب على التوالي بينما هي متماثلة في افتتاح كل منها بتسبيح الله. بل فصل بين سورها بسورة قد سمع والممتحنة والمنافقين وبدليل أن طسم الشعراء وطسم القصص لم يتعاقبا مع تماثلهما بل فصل بينهما بسورة أقصر منهما وهي طس.\nوقد أيد هذا المذهب أبو جعفر النحاس فقال: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث واثلة: ﴿أعطيت مكان التوراة السبع الطوال﴾ .\nوكذلك انتصر أبو بكر الأنباري لهذا المذهب فقال: أنزل الله القرآن إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين سنة فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابا لمستخبر ويقف جبريل النبي ﷺ على موضع السورة والآيات والحروف. كله من النبي ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها أفسد نظم القرآن.\nوأخرج ابن أشته في كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل لم قدمت البقرة وآل عمران وقد أنزل قبلهما بضع وثمانون","vol":"1","page":355},{"text":"سورة بمكة وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به. إلى أن قال: فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه اهـ.\nويمكن مناقشة هذا المذهب أولا: بأن الرواية التي ساقوها وأمثالها خاصة بمحالها فلا ينسحب حكم التوقيف على الكل. ثم هي ظنية في إفادة كون الترتيب عن توقيف.\nثانيا: أن حديث ابن عباس السابق في القول الأول صريح في أن عثمان كان قد اجتهد في ترتيب الأنفال والتوبة ويونس.\nثالثا: أن الإجماع الذي استندوا إليه لا يدل على توقيف في ترتيب جميع السور لأنه لا يشترط أن يستند الإجماع إلى نص في ترتيب جميع السور فحسب الصحابة أن يحملهم الاجتهاد الموفق على أن يجمعوا على ترتيب عثمان للسور ويتركوا ترتيب مصاحفهم توحيدا لكلمة الأمة وقطعا لعرق النزاع والفتنة إذا ترك كل ورأيه في هذا الترتيب.\nالقول الثالث:\nأن ترتيب بعض السور كان بتوقيف من النبي ﷺ وترتيب بعضها الآخر كان باجتهاد من الصحابة وقد ذهب إلى هذا الرأي فطاحل من العلماء. ولعله أمثل الآراء لأنه وردت أحاديث تفيد ترتيب البعض كما مر بك من الرأي الثاني القائل بالتوقيف وخلا البعض الآخر مما يفيد التوقيف. بل وردت آثار تصرح بأن الترتيب في البعض كان عن اجتهاد كالحديث الآنف في القول الأول المروي عن ابن عباس.\nبيد أن المؤيدين لهذا المذهب اختلفوا في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد. فقال القاضي أبو محمد بن عطية: إن كثيرا من السور","vol":"1","page":356},{"text":"قد علم ترتيبها في حياة النبي ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل. وأما ما سوى ذلك فيمكن أن يكون فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده.\nوقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى فيها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف كقوله ﷺ: \"اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران\" رواه مسلم.\nوكحديث سعيد بن خالد: قرأ رسول الله ﷺ بالسبع الطوال في ركعة رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. وفيه أنه ﵊ كان يجمع المفصل في ركعة وروى البخاري عن ابن مسعود أنه قال ﷺ في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: \"إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي\"١\nفذكرها نسقا كما استقر ترتيبها. وفي صحيح البخاري أنه ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين.\nوقال السيوطي ما نصه: الذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال. ولا ينبغي أن يستدل بقراءة سور أولا على أن ترتيبها كذلك. وحينئذ فلا يرد حديث قراءة النساء\n_________\n١ العتاق: جمع عتيق، وهو القديم من كل شيء، والمراد بالعتاق هنا ما نزل أولا. والتلاد- بكسر التاء وفتحها- ضد الطارف وهو المستحدث من المال ونحوه. والمراد بالتلاد هنا، ما نزل أولا أيضا. قال في المختار: وفي الحديث هن من تلادي يعني السور، أي من الذي أخذته من القرآن قديما.","vol":"1","page":357},{"text":"قبل آل عمران لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب. ولعله فعل ذلك لبيان الجواز اهـ.\nوالأمر على كل حال سهل حتى لقد حاول الزركشي في البرهان أن يجعل الخلاف من أساسه لفظيا فقال: والخلاف بين الفريقين أي القائلين بأن الترتيب عن اجتهاد والقائلين بأنه عن توقيف لفظي لأن القائل بالثاني يقول: إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور كان باجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد إسناد فعلي بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر وسبقه في ذلك جعفر بن الزبير اهـ.\nاحترام هذا الترتيب:\nوسواء أكان ترتيب السور توقيفيا أم اجتهاديا فإنه ينبغي احترامه خصوصا في كتابة المصاحف لأنه عن إجماع الصحابة والإجماع حجة. ولأن خلافه يجر إلى الفتنة ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب.\nأما ترتيب السور في التلاوة فليس بواجب إنما هو مندوب. وإليك ما قاله الإمام النووي في كتابه التبيان إذ جاء في هذا الموضوع بما نصه: قال العلماء: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب سواء أقرأ في الصلاة أم في غيرها حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ في الركعة الأولى سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ يقرأ في الثانية بعد الفاتحة من البقرة.","vol":"1","page":358},{"text":"قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها. ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الأولى سورة السجدة وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ﴾ . وصلاة العيد في الأولى ﴿ق﴾ وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ . وركعتي الفجر في الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وركعات الوتر في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.\nولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى أو خالف الترتيب فقرأ سورة قبلها جاز فقد جاءت بذلك آثار كثيرة. وقد قرأ عمر بن الخطاب ﵁ في الركعة الأولى من الصبح بالكهف وفي الثانية بيوسف.\nوقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف. وروى ابن أبي داود عن الحسن أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف. وبإسناده الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قيل له: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال: ذلك منكوس القلب.\nوأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعا متأكدا لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز ويزيل حكمة ترتيب الآيات. وقد روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي الجليل وعن الإمام مالك بن أنس أنهما كرها ذلك وأن مالكا كان يعيبه ويقول: هذا عظيم. وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن وليس هذا من الباب فإن ذلك قراءة متفاضلة في أيام متعددة على ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم والله أعلم اهـ ﵀.","vol":"1","page":359},{"text":"شبهتان خفيفتان:\nالشبهة الأولى يقولون: كيف كان ترتيب القرآن توقيفيا مع أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة؟.\nوالجواب أن هذه الشبهة لا ترد على القائلين بأن ترتيب السور كلها اجتهادي أما القائلون بأن منه اجتهاديا ومنه توقيفيا فمن السهل الجواب عنهم بأن الاختلاف بين الصحابة وقع في القسم الاجتهادي لا التوقيفي. وأما القائلون بأن ترتيب السور كله توقيفي فيمكن الجواب عنهم بأنهم اختلفوا فيما اختلفوا قبل أن يعلموا التوقيف فيه. ولما جمع عثمان القرآن على هذا الترتيب علموا ما لم يكونوا يعلمونه ولذلك تركوا ترتيب مصاحفهم وأخذوا بترتيب عثمان. ويهون الأمر في اختلاف مصاحفهم أنها كانت مصاحف فردية لم يكونوا يكتبونها للناس إنما كانوا يكتبونها لأنفسهم فبدهي أن الواحد منها لم يثبت فيها إلا ما وصل إليه بمجهوده الفردي وقد يفوته ما لم يفت سواه من تحقيق أدق أو علم أوسع. ولهذا كان يوجد بتلك المصاحف الفردية بعض آيات قد تكون منسوخة وربما لم يبلغ صاحب ذاك المصحف نسخها. وقد يهمل صاحب المصحف إثبات صورة لشهرتها وغناها بهذه الشهرة عن الإثبات كما ورد أن مصحف ابن مسعود لم تكن به الفاتحة. وقد يكتب صاحب المصحف ما يرى أنه بحاجة إليه من غير القرآن في نفس المصحف كما تقدم ذلك في قنوت الحنفية الذي روى أن بعض الصحابة كان قد كتبه بمصحفه وسماه سورة الخلع والحفد.\nالشبهة الثانية يقولون: كيف يكون ترتيب القرآن توقيفيا على حين أن رواية ابن عباس السابقة تصرح بأن عثمان لم يسمع في شأن ترتيب الأنفال مع براءة شيئا إنما هو اجتهاد ونظر منه؟.","vol":"1","page":360},{"text":"والجواب: أن هذه الشبهة لا ترد على القول بأن الترتيب اجتهادي ولا على القول بأن منه اجتهاديا ومنه توقيفيا. أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن اجتهاد عثمان كان فيما لم يرد فيه توقيف من الشارع.\nأما القول بأن ترتيب السور كله توقيفي فقد أجابوا على هذه الشبهة بجوابين:\nأولهما: أن حديث ابن عباس هذا غير صحيح لأن الترمذي وهو راويه قال في تخريجه: إنه حسن غريب لا يعرف إلا من طريق يزيد الفارسي عن ابن عباس. ويزيد هذا مجهول الحال فلا يصح الاعتماد على حديثه الذي انفرد به في ترتيب القرآن.\nثانيهما: أنه على فرض صحته يجوز أن جواب عثمان لابن عباس كان قبل أن يعلم بالتوقيف ثم علمه بعد ذلك. لكن يرد على هذا الجواب ان الرواية تفيد أن جواب عثمان هذا كان بعد جمع القرآن وترتيب سوره فكيف كان توقيفيا وعثمان هو الجامع والمرتب ولا يعلم دليل التوقيف؟.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المبحث العاشر: في كتابة القرآن ورسمه ومصاحفه وما يتعلق بذلك</span>\n١-<span data-type=\"title\" id=toc-119> الكتابة</span>\nمعروف أن الأمة العربية كانت موسومة بالأمية مشهورة بها لا تدري ما الكتابة ولا الخط. وجاء القرآن يتحدث عن أميتها هذه فقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .\nولن يشذ عن هذه القاعدة إلا أفراد قلائل في قريش تعلموا الخط ودرسوه قبيل الإسلام","vol":"1","page":361},{"text":"وكأن ذلك كان إرهاصا من الله وتمهيدا لمبعث النبي ﷺ وتقرير دين الإسلام وتسجيل الوحي المنزل عليه بالقرآن لأن الكتابة أدعى إلى حفظ التنزيل وضبطه وأبعد عن ضياعه ونسيانه.\nوكادت تتفق كلمة المؤرخين على أن قريشا في مكة لم تأخذ الخط إلا عن طريق حرب بن أمية بن عبد شمس. لكنهم اختلفوا فيمن أخذ عنه حرب. فرواية أبي عمرو الداني تذكر أنه تعلم الخط من عبد الله بن جدعان وفيها يقول زياد بن أنعم قلت لابن عباس معاشر قريش هل كنتم تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي تجمعون فيه ما اجتمع وتفرقون فيه ما افترق هجاء بالألف واللام والميم والشكل والقطع وما يكتب به اليوم؟ قال ابن عباس: نعم. قلت: فمن علمكم الكتابة؟ قال حرب بن أمية قلت: فمن علم حرب بن أمية؟ قال عبد الله بن جدعان قلت: فمن علم عبد الله بن جدعان؟ قال: أهل الأنبار قلت: فمن علم أهل الأنبار؟ قال: طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن من كندة قلت: فمن علم ذلك الطارئ؟ قال: الخلجان بن الموهم كان كاتب هود نبي الله ﷿.\nأما رواية الكلبي فتقص علينا أن حربا تعلم الكتابة من بشر بن عبد الملك وفيها يقول عوانة: أول من كتب بخطنا هذا وهو الجزم مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وكذا عامر بن جدرة وهم من عرب طيىء تعلموه من كاتب الوحي لسيدنا هود ﵇ ثم علموه أهل الأنبار ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرهما. فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل وكان له صحبة بحرب بن أمية لتجارته عندهم في بلاد العراق فتعلم حرب منه الكتابة ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان فتعلم منه جماعة من أهل مكة اهـ.","vol":"1","page":362},{"text":"ومن هنا وجد عدد يحذق الخط والكتابة قبيل الإسلام ولكنهم نزر يسير بجانب تلك الكثرة الغامرة من الأميين. وفي ذلك يمتن رجل من أهل دومة الجندل على قريش فيقول:\nلا تجحدوا نعماء بشر عليكمو ... فقد كان ميمون النقيبة أزهرا\nأتاكم بخط الجزم١ حتى حفظتمو ... من المال ما قد كان شتى مبعثرا\nفأجريتم الأقلام عودا وبدأة ... وضاهيتمو كتاب كسرى وقيصرا\nوأغنيتمو عن مسند الحي حمير ... وما زبرت في الصحف أقلام حميرا\nأولئك أهل مكة. أما أهل المدينة فكان بينهم أهل الكتاب من اليهود وقد دخل النبي ﷺ المدينة وفيها يهودي يعلم الصبيان الكتابة وكان فيها بضعة عشر رجلا يحذقون الكتابة منهم المنذر بن عمرو وأبي بن وهب وعمرو بن سعيد وزيد بن ثابت الذي تعلم كتابة اليهود بأمر من النبي ﷺ.\nشأن الكتابة في الإسلام:\nثم جاء الإسلام فحارب فيما حارب أمية العرب وعمل على محوها وطفق يرفع من شأن الكتابة ويعلي من مقامها. وإن كنت في شك فهذه أوائل آيات نزلن من القرآن الكريم يشيد الحق فيها بالقلم وما يعلم الله عباده بوساطة القلم إذ يقول جلت حكمته: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .\nوهذه سورة ن يحلف العلي الأعلى فيها بالقلم وما يسطرون إذ يقول: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . وهذا من أروع ألوان التنبيه إلى جلال الخط والكتابة ومزاياهما.\n_________\n١ سمي بالجزم لأنه جزم- أي قطع- من الخط المسمى بالمسند، وهو خط حمير.","vol":"1","page":363},{"text":"وهذا رسول الله ﷺ يدفع أصحابه دفعا إلى أن يتعلموا الخط ويحذقوا الكتابة ويهيىء لهم السبل بكل ما يستطيع من وسيلة مشروعة.\nحتى لقد ورد أن المسلمين في غزوة بدر أسروا ستين مشركا فكان مما يقبل الرسول ﷺ في فداء الواحد منهم أن يعلم عشرة من أصحابه الكتابة والخط. وهكذا أعلن الرسول بعمله هذا أن القراءة والكتابة عديلان للحرية وهذا منتهى ما تصل إليه الهمم في تحرير شعب أمي من رق الأمية.\nوبمثل هذه الطريقة أخذت ظلمات الأمية تتبدد بأنوار الإسلام شيئا فشيئا وحل محلها العلم والكتابة والقراءة.\nوهذا من أدل الأدلة على أن الإسلام دين العلم والحضارة والمدنية.\nالنبي ﷺ يقرأ ويكتب:\nحتى لقد قيل: إن النبي ﷺ عرف القراءة والكتابة في آخر أمره بعد أن قامت حجته. وعلت كلمته وعجز العرب في مقام التحدي عن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الذي جاء به وكأن الحكمة في ذلك هي الإشارة إلى شرف الخط والكتابة. وأن أمية الرسول ﷺ في أول أمره إنما كانت حالا وقتية اقتضاها إقامة الدليل والإعجاز واضحا على صدق محمد في نبوته ورسالته وأنه مبعوث الحق إلى خليقته ولو كان وقتئذ كاتبا قارئا وهم أميون لراجت شبهتهم في أن ما جاء به نتيجة اطلاع ودرس وأثر نظر في الكتب وبحث.\nوفي هذا المعنى يقول سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ","vol":"1","page":364},{"text":"الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ .\nقال العلامة الألوسي بعد تفسيره لهذه الآية ما نصه: واختلف في أنه ﷺ أكان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم لا فقيل إنه ﵊ لم يكن يحسن الكتابة واختاره البغوي في التهذيب وقال: إنه الأصح. وادعى بعضهم أنه ﷺ صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب١ تعرف الكتابة حينئذ. وروى ابن أبي شيبة وغيره: ما مات ﷺ حتى كتب وقرأ ونقل هذا للشعبي فصدقه وقال: سمعت أقواما يقولونه وليس في الآية ما ينافيه. وروى ابن ماجه عن أنس قال: قال ﷺ: \"رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر\".\nثم قال: ويشهد للكتابة أحاديث في صحيح البخاري وغيره كما ورد في صلح الحديبية: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث.\nوممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة وحكاه عن السمناني. وصنف فيه كتابا وسبقه إليه ابن منية. ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا بما يوافقه ومعرفة الكتاب بعد أميته ﷺ لا تنافي المعجزة بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم.\n_________\n١ لعل مراده بهذه الكلمة، ظهور فساد الارتياب وأنه لا قيمة له.","vol":"1","page":365},{"text":"وقد رد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله كتب فمعناه أمر بالكتابة كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلان. وتقديم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ على قوله سبحانه: ﴿وَلا تَخُطُّهُ﴾ كالصريح في أنه ﵊ لم يكتب مطلقا.\nوكون القيد المتوسط راجعا لما بعده غير مطرد. وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده فقال: يفهم من ذلك أنه ﵊ كان قادرا على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلوا عن الفائدة. وأنت تعلم أنه لو سلم ما ذكره من الرجوع لا يتم أمر الإفادة إلا إذا قيل بحجية المفهوم والظان ممن لا يقول بحجيته.\nثم قال الألوسي في تفنيد هذه الردود ما نصه:\nولا يخفى أن قوله ﵊: \"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب\" ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه ﵊. ولعل ذلك باعتبار أنه بعث ﵊ وهو وأكثر من بعث إليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب أميون لا يكتبون ولا يحسبون فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد. وأما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالمكاتبة فخلاف الظاهر. وفي شرح صحيح مسلم للنووي عليه الرحمة نقلا عن القاضي عياض إن قوله في الرواية التي ذكرناها: ولا يحسن يكتب فكتب كالنص في أنه ﷺ كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا. فالله تعالى أعلم اهـ.\nوأقول إن التشنيع ليس من دأب العلماء ولا من أدب الباحثين. والمسألة التي نحن بصددها مسألة نظرية. والحكم في أمثالها يجب أن يكون لما رجح من الأدلة لا للهوى","vol":"1","page":366},{"text":"والشهوة. ونحن إذا استعرضنا حجج هؤلاء وهؤلاء نلاحظ أن أدلة أميته ﷺ قطعية يقينية.\nوأن أدلة كونه كتب وخط بيمينه ظنية غير يقينية ولم يدع أحد أنها قطعية يقينية. ثم إن التعارض ظاهر فيما بين هذه وتلك. غير أنه تعارض ظاهري يمكن دفعه بأن نحمل أدلة الأمية على أولى حالاته ﷺ وأن نحمل أدلة كتابته على أخريات حالاته وذلك جمعا بين الأدلة. ولا ريب أن الجمع بينها أهدى سبيلا من إعمال البعض وإهمال البعض ما دام في كل منها قوة الاستدلال وما دام الجمع ممكنا على أية حال. أما لو لم يمكن الجمع فلا مشاحة حينئذ في قبول القطعي ورد الظني لأن الأول أقوى من الثاني ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ . هذا هو الميزان الصحيح لدفع التعارض والترجيح فاحكم به عند الاختلاف والاشتباه ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .\nكتابة القرآن:\nبعد ما قصصنا عليك من تلك الفذلكة التاريخية في الخطوط والكتابة العربية نلفت نظرك إلى أن كتابة القرآن وفيناها بحثها في مبحث جمع القرآن من ص ٢٣٢ إلى ص ٢٥٦ وذكرنا هناك كيف كتب القرآن؟ وفيم كتب؟ على عهد النبي ﷺ ثم على عهد عثمان ﵄.\nومنه تعلم أن عناية الرسول ﷺ وأصحابه بكتابة القرآن كانت عناية فائقة يدلك على هذه العناية أن النبي ﷺ كان له كتاب يكتبون الوحي منهم الأربعة الخلفاء ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وأرقم بن أبي وحنظلة بن الربيع وغيرهم. فكان ﷺ إذا أنزل عليه شيء يدعو أحد كتابه هؤلاء ويأمره بكتابة ما نزل عليه ولو كان كلمة كما روي أنه","vol":"1","page":367},{"text":"لما نزل عليه قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ قال ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش: يا رسول الله إنا أعميان فهل لنا رخصة؟ فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ . قال رسول الله ﷺ: \"ائتوني بالكتف والدواة\" وأمر زيدا أن يكتبها. فكتبها فقال زيد كأني أنظر إلى موضعها عند صدع الكتف. ورواية البخاري اقتصرت هنا على عبد الله بن أم مكتوم وليس فيها ابن جحش.\nولعلك لم تنس حديث ابن عباس: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: \"ضعوا هذه في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا\". وقوله ﷺ: \"من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه\" وقول أبي بكر لزيد بن ثابت: إنك رجل شاب لا نتهمك. وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ.\nأضف إلى ذلك أن الصحابة كانوا يكتبون القرآن فيما يتيسر لهم حتى في العظام والرقاع وجريد النخل ورقيق الحجارة ونحو ذلك مما يدل على عظيم بلائهم في هذا الأمر الجلل ﵃ أجمعين.","vol":"1","page":368},{"text":"ب -<span data-type=\"title\" id=toc-120> رسم المصحف</span>\nرسم المصحف يراد به الوضع الذي ارتضاه عثمان ﵁ في كتابة كلمات القرآن وحروفه. والأصل في المكتوب أن يكون موافقا تمام الموافقة للمنطوق من غير زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تغيير. لكن المصاحف العثمانية قد أهمل فيها هذا الأصل فوجدت بها حروف كثيرة جاء رسمها مخالفا لأداء النطق وذلك لأغراض شريفة ظهرت وتظهر لك فيما بعد.\nوقد عني العلماء بالكلام على رسم القرآن وحصر تلك الكلمات التي جاء خطها على غير مقياس لفظها. وقد أفرده بعضهم بالتأليف منهم الإمام أبو عمرو الداني إذ ألف فيه كتابه المسمى المقنع. ومنهم العلامة أبو عباس المراكشي إذ ألف كتابا أسماه: عنوان الدليل في رسوم خط التنزيل. ومنهم العلامة الشيخ محمد بن أحمد الشهير بالمتولي إذ نظم أرجوزة سماها اللؤلؤ المنظوم في ذكر جملة من المرسوم ثم جاء العلامة المرحوم الشيخ محمد خلف الحسيني شيخ المقارىء بالديار المصرية فشرح تلك المنظومة وذيل الشرح بكتاب سماه مرشد الحيران إلى معرفة ما يجب اتباعه في رسم القرآن.\nقواعد رسم المصحف:\nوللمصحف العثماني قواعد في خطه ورسمه حصرها علماء الفن في ست قواعد وهي الحذف والزيادة والهمز والبدل والفصل والوصل وما فيه قراءتان فقرئ على إحداهما. وهاك شيئا عنها بالإجمال ليكون الفرق بينها وبين مصطلح الخطوط في عصرنا على بال منك:-\nقاعدة الحذف: خلاصتها أن الألف تحذف من ياء النداء نحو ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾","vol":"1","page":369},{"text":"ومن ها التنبيه نحو ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ ومن كلمة نا إذا وليها ضمير نحو ﴿أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ ١ ومن لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ ومن كلمة ﴿إِلَهَ﴾ ومن لفظي ﴿الرَّحْمَنِ وَسُبْحَانَ﴾ وبعد لام نحو كلمة ﴿خَلائِفَ﴾ وبين اللامين في نحو ﴿الْكَلالَةِ﴾ ومن كل مثنى نحو ﴿رَجُلانِ﴾ ومن كل جمع تصحيح لمذكر أو لمؤنت نحو ﴿سَمَّاعُونَ﴾ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ومن كل جمع على وزن مفاعل وشبهه نحو ﴿الْمَسَاجِدِ﴾ ﴿وَالنَّصَارَى﴾ ومن كل عدد نحو ﴿ثَلاثَ﴾ . ومن البسملة ومن أول الأمر من سأل وغير ذلك إلا ما استثني من هذا كله.\nوتحذف الياء من كل منقوص منون رفعا وجرا نحو ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ .\nومن هذه الكلمات ﴿وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُونِ، وَخَافُونِ، فَارْهَبُونِ، فَأَرْسِلُونِ، فَاعْبُدُونِ﴾ إلا ما استثني.\nوتحذف الواو: إذا وقعت مع واو أخرى في نحو: ﴿لا يَسْتَوُونَ، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ .\nوتحذف اللام: إذا كانت مدغمة في مثلها نحو: الليل والذي إلا ما استثني.\nوهناك حذف لا يدخل تحت قاعدة كحذف الألف من كلمة مالك وكحذف الياء من إبراهيم وكحذف الواو من هذه الأفعال الأربعة: ويدعو الإنسان ويمحو الله الباطل يوم يدعو الداع سندعو الزبانية.\nقاعدة الزيادة. خلاصتها أن الألف تزاد بعد الواو في آخر كل اسم مجموع أو في حكم المجموع نحو: ملاقوا ربهم بنوا إسرائيل أولوا الألباب وبعد الهمزة المرسومة واوا نحو ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ فإنها ترسم هكذا: تالله تفتؤا. وفي كلمات مائة ومائتين والظنون والرسول والسبيل في قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ . ﴿وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ . ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ .\n_________\n١ كل هذه الأمثلة ترسم بدون ألف هكذا: أنجينكم. الله. إله. الرحمن. الخ.","vol":"1","page":370},{"text":"وتزاد الياء في هذه الكلمات: ﴿نَبَأَ، آنَاءَ، مِنْ تِلْقَاءِ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ، بِأَيْدٍ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ .\nوتزاد الواو في نحو ﴿أُولُو، أُولَئِكَ، أُولاءِ، أُولاتِ﴾ .\nقاعدة الهمز خلاصتها أن الهمزة إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها نحو ﴿ائْذَنْ، اؤْتُمِنَ، الْبَأْسَاءِ﴾ إلا ما استثني. أما الهمزة المتحركة فإن كانت أول الكلمة واتصل بها حرف زائد كتبت بالألف مطلقا سواء أكانت مفتوحة أم مكسورة نحو ﴿أَيُّوبَ، أُولُو، إِذَا، سَأَصْرِفُ، سَأُنْزِلُ، فَبِأَيِّ﴾ إلا ما استثني.\nوإن كانت الهمزة وسطا فإنها تكتب بحرف من جنس حركتها نحو ﴿سَأَلَ، سُئِلَ، تَقْرَأَهُ﴾ إلا ما استثني. وإن كانت متطرفة كتبت بحرف من جنس حركة ما قبلها نحو ﴿سَبَأٍ، شَاطِئِ، لُؤْلُؤٌ﴾ إلا ما استثني وإن سكن ما قبلها حذفت١ نحو ﴿مِلءُ الْأَرْضِ، يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ إلا ما استثني. والمستثنيات كثيرة في الكل.\nقاعدة البدل: خلاصتها أن الألف تكتب واوا للتفخيم في مثل الصلاة والزكاة والحياة إلا ما استثني وترسم ياء إذا كانت منقلبة عن ياء نحو ﴿يَتَوَفَّاكُمْ يَا حَسْرَتَى يَا أَسَفَىْ﴾ . وكذلك ترسم الألف ياء في هذه الكلمات: ﴿إِلَى، عَلَى، أَنَّى -بمعنى كيف- مَتَى، بَلَى، حَتَّى، لَدَى﴾ ما عدا ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ في سورة يوسف فإنها ترسم ألفا.\nوترسم النون ألفا في نون التوكيد الخفيفة وفي كلمة إذن.\nوترسم هاء التأنيث تاء مفتوحة في كلمة ﴿رَحْمَتَ﴾ بالبقرة والأعراف وهود ومريم والروم والزخرف. وفي كلمة ﴿نِعْمَةَ﴾ بالبقرة وآل عمران والمائدة وإبراهيم والنحل ولقمان وفاطر والطور. وفي كلمة ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ . وفي كلمة\n_________\n١ أي حذفت من الحرف ورسمت مفردة.","vol":"1","page":371},{"text":"معصية بسورة قد سمع. وفي هذه الكلمات: إن شجرة الزقوم قرة عين جنة نعيم بقية الله وفي كلمة امرأة أضيفت إلى زوجها نحو امرأة عمران امرأة نوح وفي غير ذلك.\nقاعدة الوصل والفصل: خلاصتها أن كلمة أن بفتح الهمزة توصل بكلمة لا إذا وقعت بعدها. ويستثنى من ذلك عشرة مواضع. منها: أن لا تقولوا أن لا تعبدوا إلا الله.\nوكلمة من توصل بكلمة ما إذا وقعت بعدها. ويستثنى ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في النساء والروم و﴿مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ في سورة المنافقين.\nوكلمة من توصل بكلمة من مطلقا.\nوكلمة عن توصل بكلمة ما. إلا قوله سبحانه ﴿عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ .\nوكلمة إن بالكسر توصل بكلمة ما التي بعدها إلا قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ .\nوكلمة أن بالفتح توصل بكلمة ما مطلقا من غير استثناء.\nوكلمة كل توصل بكلمة ما التي بعدها إلا قوله سبحانه ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ .\nوتوصل كلمات ﴿نِعِمَّا، ورُبَمَا، وكَأَنَّمَا، وَيْكَأَنَّهُ﴾ ونحوها.\nقاعدة ما فيه قراءتان: خلاصتها أن الكلمة إذا قرئت على وجهين تكتب برسم أحدهما كما رسمت الكلمات الآتية بلا ألف في المصحف وهي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ، وَوَاعَدْنَا مُوسَى، تُفَادُوهُمْ﴾ ونحوها وكلها مقروءة بإثبات الألف وحذفها. وكذلك رسمت الكلمات الآتية بالتاء المفتوحة وهي غيابة الجب أنزل عليه آية في العنكبوت ثمرة من أكمامها في فصلت وهم في الغرفة آمنون","vol":"1","page":372},{"text":"في سبأ. وذلك لأنها جمعاء مقروءة بالجمع والإفراد. وغير هذا كثير وحسبنا ما ذكرناه للتمثيل والتنوير.\nمزايا الرسم العثماني:\nلهذا الرسم مزايا وفوائد:\nالفائدة الأولى: الدلالة في القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة بقدر الإمكان وذلك أن قاعدة الرسم لوحظ فيها أن الكلمة إذا كان فيها قراءتان أو أكثر كتبت بصورة تحتمل هاتين القراءتين أو الأكثر. فإن كان الحرف الواحد لا يحتمل ذلك بأن كانت صورة الحرف تختلف باختلاف القراءات جاء الرسم على الحرف الذي هو خلاف الأصل وذلك ليعلم جواز القراءة به وبالحرف الذي هو الأصل. وإذا لم يكن في الكلمة إلا قراءة واحدة بحرف الأصل رسمت به. مثال الكلمة تكتب بصورة واحدة وتقرأ بوجوه متعددة قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ رسمت في المصحف العثماني هكذا: إن هدان لساحران من غير نقط ولا شكل ولا تشديد ولا تخفيف في نوني إن وهذان ومن غير ألف ولا ياء بعد الذال من هذان.\nومجيء الرسم كما ترى كان صالحا عندهم لأن يقرأ بالوجوه الأربعة التي وردت كلها بأسانيد صحيحة.\nأولها: قراءة نافع ومن معه إذ يشددون نون إن ويخففون هذان بالألف.\nثانيها: قراءة ابن كثير وحده إذ يخفف النون في إن ويشدد النون في هذان.\nثالثها: قراءة حفص إذ يخفف النون في إن وهذان بالألف.","vol":"1","page":373},{"text":"رابعها: قراءة أبي عمرو بتشديد إن وبالياء وتخفيف النون في هذين فتدبر هذه الطريقة المثلى الضابطة لوجوه القراءة لتعلم أن سلفنا الصالح كان في قواعد رسمه للمصحف أبعد منا نظرا وأهدى سبيلا.\nالفائدة الثانية:\nإفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة وذلك نحو قطع كلمة أم في قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ووصلها في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إذ كتبت هكذا أمن بإدغام الميم الأولى في الثانية وكتابتهما ميما واحدة مشددة فقط أم الأولى في الكتابة للدلالة على أنها أم المنقطعة التي بمعنى بل ووصل أم الثانية للدلالة على أنها ليست كتلك.\nالفائدة الثالثة:\nالدلالة على معنى خفي دقيق كزيادة الياء في كتابة كلمة أيد من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ إذ كتبت هكذا ﴿بِأَيْدٍ﴾ وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.\nومن هذا القبيل كتابة هذه الأفعال الأربعة بحذف الواو وهي:\nويدعو الإنسان ويمحو الله الباطل يوم يدعو الداع سندعوا الزبانية فإنها كتبت في المصحف العثماني هكذا: ﴿وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ، وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ، يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع.","vol":"1","page":374},{"text":"قالوا: والسر في حذفها من ﴿وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ﴾ هو الدلالة على أن هذا الدعاء سهل على الإنسان يسارع فيه كما يسارع إلى الخير بل إثبات الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير. والسر في حذفها من ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ الإشارة إلى سرعة ذهابه واضمحلاله.\nوالسر في حذفها من ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ الإشارة إلى سرعة الدعاء وسرعة إجابة الداعين. والسر في حذفها من ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ الإشارة إلى سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش ويجمع هذه الأسرار قول المراكشي:\nوالسر في حذفها من هذه الأربعة سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود اهـ.\nالفائدة الرابعة:\nالدلالة على أصل الحركة مثل كتابة الكسرة ياء في قوله سبحانه ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ إذ تكتب هكذا وإيتاءى ذي القربى ومثل كتابة الضمة واوا في قوله سبحانه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ إذ كتبت هكذا سأوريكم ومثل ذلك الدلالة على أصل الحرف نحو الصلاة والزكاة إذ كتبا هكذا: الصلوة الزكوة ليفهم أن الألف فيهما منقلبة عن واو. من غير نقط ولا شكل كما سبق.\nالفائدة الخامسة:\nإفادة بعض اللغات الفصيحة مثل كتابة هاء التأنيث تاء مفتوحة دلالة على لغة طيىء وقد تقدمت الأمثلة لهذا النوع. ومثل قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ كتبت بحذف الياء هكذا يأت للدلالة على لغة هذيل.","vol":"1","page":375},{"text":"الفائدة السادسة:\nحمل الناس على أن يتلقوا القرآن من صدور ثقات الرجال ولا يتكلوا على هذا الرسم العثماني الذي جاء غير مطابق للنطق الصحيح في الجملة. وينضوي تحت هذه الفائدة مزيتان إحداهما التوثق من ألفاظ القرآن وطريقة أدائه وحسن ترتيله وتجويده. فإن ذلك لا يمكن أن يعرف على وجه اليقين من المصحف مهما تكن قاعدة رسمه واصطلاح كتابته. فقد تخطئ المطبعة في الطبع وقد يخفى على القارئ بعض أحكام تجويده كالقلقلة والإظهار والإخفاء والإدغام والروم والإشمام ونحوها فضلا عن خفاء تطبيقها.\nولهذا قرر العلماء أنه لا يجوز التعويل على المصاحف وحدها. بل لا بد من التثبت في الأداء والقراءة بالأخذ عن حافظ ثقة. وإن كنت في شك فقل لي بربك: هل يستطيع المصحف وحده بأي رسم يكون أن يدل قارئا أيا كان على النطق الصحيح بفواتح السور الكريمة؟ مثل ﴿كهيعص، حم، عسق طسم﴾؟ ومن هذا الباب الروم والإشمام في قوله سبحانه ﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ من كلمة ﴿لا تَأْمَنَّا﴾ .\nالمزية الثانية اتصال السند برسول الله ﷺ وتلك خاصة من خواص هذه الأمة الإسلامية امتازت بها على سائر الأمم.\nقال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل. وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من كتب اليهود ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ. بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا. إنما يبلغون إلى شمعون ونحوه. ثم قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق. وأما","vol":"1","page":376},{"text":"النقل المشتمل على طريق فيه كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى. وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا صاحب نبي أو تابعي ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص. اهـ.\nهل رسم المصحف توقيفي؟\nللعلماء في رسم المصحف آراء ثلاثة:\nالرأي الأول: أنه توقيفي لا تجوز مخالفته. وذلك مذهب الجمهور. واستدلوا بأن النبي ﷺ كان له كتاب يكتبون الوحي وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم وأقرهم الرسول على كتابتهم ومضى عهده ﷺ والقرآن على هذه الكتبة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل. بل ورد أنه ﷺ كان يضع الدستور لكتاب الوحي في رسم القرآن وكتابته. ومن ذلك قوله لمعاوية وهو من كتبة الوحي: \"ألق الدواة وحرف القلم وأنصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك\".\nثم جاء أبو بكر فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف ثم حذا حذوه عثمان في خلافته فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف على تلك الكتبة وأقر أصحاب النبي ﷺ عمل أبي بكر وعثمان ﵃ أجمعين وانتهى الأمر بعد ذلك إلى التابعين وتابعي التابعين فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم ولم ينقل أن أحدا منهم فكر أن يستبدل به رسما آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف ونشاط التدوين وتقدم العلوم. بل بقي الرسم العثماني محترما متبعا في كتابة المصاحف لا يمس استقلاله ولا يباح حماه.\nوملخص هذا الدليل أن رسم المصاحف العثمانية ظفر بأمور كل واحد منها يجعله","vol":"1","page":377},{"text":"جديرا بالتقدير ووجوب الاتباع. تلك الأمور هي إقرار الرسول ﷺ عليه وأمره بدستوره.\nوإجماع الصحابة وكانوا أكثر من اثني عشر ألف صحابي عليه ثم إجماع الأمة عليه بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين.\nوأنت خبير بأن اتباع الرسول واجب فيما أمر به أو أقر عليه لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ والاهتداء بهدي الصحابة واجب خصوصا الخلفاء الراشدين لحديث العرباض بن سارية وفيه يقول ﷺ: \"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ\" ولا ريب أن إجماع الأمة في أي عصر واجب الاتباع خصوصا العصر الأول. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ .\nوممن حكى إجماع الأمة على ما كتب عثمان صاحب المقنع إذ يروي بإسناده إلى مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقق عثمان ﵁ المصاحف فأعجبهم ذلك ولم يعبه أحد وكذلك يروي شارح العقيلة عن أنس بن مالك ﵁ أن عثمان أرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفا وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أرسل إليهم. ولم يعرف أن أحدا خالف في رسم هذه المصاحف العثمانية.\nوانعقاد الإجماع على تلك المصطلحات في رسم المصحف دليل على أنه لا يجوز العدول عنها إلى غيرها. ويرحم الله الإمام الخراز إذ يقول:\nوبعده جرده الإمام ... في مصحف ليقتدي الأنام\nولا يكون بعده اضطراب ... وكان فيما قد رأى صواب","vol":"1","page":378},{"text":"وقصة اختلافهم شهيره ... كقصة اليمامة العسيره\nفينبغي لأجل ذا أن نقتفي ... مرسوم ما أصله في المصحف\nونقتدي بفعله وما رأى ... في جعله لمن يخط ملجأ\nأقوال العلماء في التزام الرسم العثماني:\nروى السخاوي بسنده أن مالكا ﵀ سئل: أرأيت من استكتب مصحفا أترى أن يكتب على ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم. فقال: لا أرى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الأولى. قال السخاوي: والذي ذهب إليه مالك هو الحق إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى ولا شك أن هذا هو الأحرى بعد الأخرى. إذ في خلاف ذلك تجهيل الناس بأولية ما في الطبقة الأولى.\nوقال أبو عمرو الداني: لا مخالف لمالك من علماء الأمة في ذلك. وقال أبو عمرو الداني أيضا: سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟ قال: لا. قال أبو عمرو: يعني الألف والواو المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو أولوا.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك.\nوجاء في حواشي المنهج في فقه الشافعية ما نصه: كلمة الربا تكتب بالواو والألف كما جاء في الرسم العثماني ولا تكتب في القرآن بالياء أو الألف لأن رسمه سنة متبعة.\nوجاء في المحيط البرهاني في فقه الحنفية ما نصه: إنه ينبغي ألا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني.","vol":"1","page":379},{"text":"وقال العلامة نظام الدين النيسابوري ما نصه: وقال جماعة من الأئمة إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتابة أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف فإنه رسم زيد بن ثابت وكان أمين رسول الله ﷺ وكاتب وحيه.\nوقال البيهقي في شعب الإيمان: من كتب مصحفا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئا فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم اهـ.\nويمكن مناقشة هذا الرأي الأول بأن الأدلة التي ساقوها لا تدل على تحريم كتابة القرآن بغير هذا الرسم إذ ليس فيها زجر الإثم ووعيده ولا نهي الحرام وتهديده. إنما قصاراها الدلالة على جواز الكتابة بالرسم العثماني ووجاهته ودقته. وذلك محل اتفاق وتسليم.\nالرأي الثاني:\nأن رسم المصاحف اصطلاحي لا توقيفي وعليه فتجوز مخالفته. وممن جنح إلى هذا الرأي ابن خلدون في مقدمته. وممن تحمس له القاضي أبو بكر في الانتصار إذ يقول ما نصه:\nوأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف.\nوليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود لا يجوز تجاوزه ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك ولا دلت عليه القياسات الشرعية.","vol":"1","page":380},{"text":"بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه ولم يبين لهم وجها معينا ولا نهى أحدا عن كتابته. ولذلك اختلفت خطوط المصاحف فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم الحال. ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول وأن يجعل اللام على صورة الكاف وأن تعوج الألفات وأن يكتب على غير هذه الوجوه وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة وجاز أن يكتب بين ذلك.\nوإذا كانت خطوط المصاحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة وكان الناس قد أجازوا ذلك وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته وما هو أسهل وأشهر وأولى من غير تأثيم ولا تناكر علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص كما أخذ عليهم في القراءة والأذان.\nوالسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز فكل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به على أي صورة كانت.\nوبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه. وأنى له ذلك؟ اهـ بتلخيص.\nونوقش هذا المذهب:\nأولا: بالأدلة التي ساقها جمهور العلماء لتأييد مذهبهم. وها هي بين يديك عن كثب بعضها من السنة وبعضها من إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم.\nثانيا: أن ما ادعاه من أنه ليس في نصوص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه مردود بما سبق من إقرار الرسول كتاب الوحي على هذا الرسم ومنهم زيد بن ثابت الذي كتب","vol":"1","page":381},{"text":"المصحف لأبي بكر وكتب المصاحف لعثمان والحديث الآنف وفيه يقول الرسول لمعاوية: \"ألق الدواة وحرف القلم\" الخ. فإنه حجة على أنه ﷺ كان واضع دستور الرسم لهم.\nثالثا: أن قول القاضي أبي بكر: ولذلك اختلفت خطوط المصاحف الخ لا يسلم له بعد قيام الإجماع وانعقاده ومعرفة الناس بالرسم التوقيفي وهو رسم عثمان على ما قرروه هناك.\nونزيدك هنا ما ذكره العلامة ابن المبارك نقلا عن العارف بالله شيخه عبد العزيز الدباغ إذ يقول في كتابه الإبريز ما نصه: رسم القرآن سر من أسرار الله المشاهدة وكمال الرفعة قال ابن المبارك فقلت له: هل رسم الواو بدل الألف في نحو \"الصلاة، والزكاة، والحياة، ومشكاة\". وزيادة الواو في \"سأوريكم، وأولئك، وأولاء، وأولات\". وكالياء في نحو \"هديهم، وملائه، وبأبيكم، وبأييد\". هذا كله صادر من النبي ﷺ أو من الصحابة؟ فقال: هو صادر من النبي ﷺ وهو الذي أمر الكتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي ﷺ فقلت له: إن جماعة من العلماء ترخصوا في أمر الرسم وقالوا: إنما هو اصطلاح من الصحابة مشوا فيه على ما كانت قريش تكتب عليه في الجاهلية. وإنما صدر ذلك من الصحابة لأن قريشا تعلموا الكتابة من أهل الحيرة وأهل الحيرة ينطقون بالواو في الربا فكتبوا على وفق منطقهم. وأما قريش فإنهم ينطقون فيه بالألف وكتابتهم له بالواو على منطق غيرهم وتقليد لهم حتى قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه فإنه ليس في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ما يدل على ذلك؟. فقال:-\nما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة وإنما هو توقيف من النبي وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار","vol":"1","page":382},{"text":"لا تهتدي إليها العقول وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية. وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في مائة دون فئة. وإلى سر زيادة الياء في \"بأييد وبأبيكم\"؟ أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الألف في \"سعوا\" بالحج ونقصانها من \"سعو\" بسبأ؟ وإلى سر زيادتها في \"عتوا\" حيث كان ونقصانها من \"عتو\" في الفرقان؟ وإلى سر زيادتها في \"آمنوا\" وإسقاطها من \"باؤ، جاؤ، تبوؤ فاؤ\" بالبقرة؟ والى سر زيادتها في ﴿يَعْفُوا الذي﴾ ونقصانها من ﴿يَعْفُو عنهم﴾ في النساء؟ أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض كحذف الألف من \"قرءانا\" بيوسف والزخرف وإثباتها في سائر المواضع؟ وإثبات الألف بعد واو \"سموات\" في فصلت وحذفها من غيرها. وإثبات الألف في \"الميعاد\" مطلقا وحذفها من الموضع الذي في الأنفال وإثبات الألف في \"سراجا\" حيثما وقع وحذفه من موضع الفرقان وكيف تتوصل إلى فتح بعض التاءات وربطها في بعض؟ فكل ذلك لأسرار إلهية وأغراض نبوية. وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني فهي بمنزلة الألفاظ والحروف المتقطعة التي في أوائل السور فإن لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة. وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهية التي أشير إليها فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف.\nوأما قول من قال: إن الصحابة اصطلحوا على أمر الرسم المذكور فلا يخفى ما في كلامه من البطلان لأن القرآن كتب في زمان النبي ﷺ وبين يديه. وحينئذ فلا يخلو ما اصطلح عليه الصحابة إما أن يكون هو عين الهيئة أو غيرها فإن كان عينها","vol":"1","page":383},{"text":"بطل الاصطلاح لأن أسبقية النبي ﷺ تنافي ذلك وتوجب الاتباع. وإن كان غير ذلك فكيف يكون النبي ﷺ كتب على هيئة كهيئة الرسم القياسي مثلا والصحابة خالفوا وكتبوا على هيئة أخرى فلا يصح ذلك لوجهين: أحدهما نسبة الصحابة إلى المخالفة وذلك محال ثانيهما: أن سائر الأمة من الصحابة وغيرهم أجمعوا على أنه لا يجوز زيادة حرف في القرآن ولا نقصان حرف منه. وما بين الدفتين كلام الله ﷿ فإذا كان النبي ﷺ أثبت ألف الرحمن والعالمين مثلا ولم يزد الألف في مائة ولا في ولأوضعوا ولا الياء في بأيد ونحو ذلك والصحابة عاكسوه في ذلك وخالفوه لزم أنهم وحاشاهم من ذلك تصرفوا في القرآن بالزيادة والنقصان ووقعوا فيما أجمعوا هم وغيرهم على ما لا يحل لأحد فعله ولزم تطرق الشك إلى جميع ما بين الدفتين لأنا مهما جوزنا أن تكون فيه حروف ناقصة أو زائدة على ما في علم النبي ﷺ وعلى ما عنده وأنها ليست بوحي ولا من عند الله ولا نعلمها بعينها شككنا في الجميع. ولئن جوزنا لصحابي أن يزيد في كتابته حرفا ليس بوحي لزمنا أن نجوز لصاحبي آخر نقصان حرف من الوحي إذ لا فرق بينهما وحينئذ تنحل عروة الإسلام بالكلية.\nثم قال ابن المبارك بعد كلام.. فقلت له: فإن كان الرسم توقيفيا بوحي إلى النبي ﷺ وأنه كألفاظ القرآن فلم لم ينقل تواترا حتى ترتفع عنه الريبة وتطمئن به القلوب كألفاظ القرآن؟ فإنه ما من حرف إلا وقد نقل تواترا لم يقع فيه اختلاف ولا اضطراب. وأما الرسم فإنه إنما نقل بالآحاد كما يعلم من الكتب الموضوعة فيه. وما نقل بالآحاد وقع الاضطراب بين النقلة في كثير منه. وكيف تضيع الأمة شيئا من الوحي؟. فقال: ما ضيعت الأمة شيئا من الوحي والقرآن بحمد الله محفوظ ألفاظا ورسما. فأهل العرفان والشهود والعيان حفظوا ألفاظه ورسمه ولم يضيعوا منها شعرة واحدة وأدركوا ذلك بالشهود والعيان الذي هو فوق التواتر. وغيرهم حفظوا ألفاظه الواصلة إليهم بالتواتر واختلافهم","vol":"1","page":384},{"text":"في بعض حروف الرسم لا يقدح ولا يصير الأمة مضيعة كما لا يضر جهل العامة بالقرآن وعدم حفظهم لألفاظه اهـ.\nالرأي الثالث:\nيميل صاحب التبيان ومن قبله صاحب البرهان إلى ما يفهم من كلام العز ابن عبد السلام من أنه يجوز بل تجب كتابة المصحف الآن لعامة الناس على الاصطلاحات المعروفة الشائعة عندهم ولا تجوز كتابته لهم بالرسم العثماني الأول لئلا يوقع في تغيير من الجهال. ولكن يجب في الوقت نفسه المحافظة على الرسم العثماني كأثر من الآثار النفيسة الموروثة عن سلفنا الصالح فلا يهمل مراعاة لجهل الجاهلين بل يبقى في أيدي العارفين الذي لا تخلو منهم الأرض. وهاك عبارة التبيان في هذا المقام إذ يقول ما نصه:\nوأما كتابته أي المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء فقد جرى عليه أهل المشرق بناء على كونها أبعد من اللبس وتحاماه أهل المغرب بناء على قول الإمام مالك وقد سئل. هل يكتب المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء؟ فقال: لا: إلا على الكتبة الأولى. قال في البرهان: قلت: وهذا كان في الصدر الأول والعلم حي غض. وأما الآن فقد يخشى الالتباس ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسم الأول باصطلاح الأئمة لئلا يوقع في تغيير من الجهال. ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدي إلى دروس العلم. وشيء قد أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين. ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة اهـ.\nأقول: وهذا الرأي يقوم على رعاية الاحتياط للقرآن من ناحيتين: ناحية كتابته في كل عصر بالرسم المعروف فيه إبعادا للناس عن اللبس والخلط في القرآن وناحية إبقاء","vol":"1","page":385},{"text":"رسمه الأول المأثور يقرؤه العارفون ومن لا يخشى عليهم الالتباس. ولا شك أن الاحتياط مطلب ديني جليل خصوصا في جانب حماية التنزيل.","vol":"1","page":386},{"text":"ج -<span data-type=\"title\" id=toc-121> الشبهات التي أثيرت حول كتابة القرآن ورسمه</span>\nالشبهة الأولى:\nيقولون: روي عن عثمان أنه حين عرض عليه المصحف قال: أحسنتم وأجملتم إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها.\nويقولون: روي عن عكرمة أنه قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال: ستعربها بألسنتها. لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف.\nأورد أعداء الإسلام هاتين الروايتين وقالوا: إنهما طعنان صريحان في رسم المصحف فكيف يكون مصحف عثمان وجمعه للقرآن موضع ثقة وإجماع من الصحابة؟ وكيف يكون توقيفيا؟ وهذا عثمان نفسه يقول بملء فيه: إن فيه لحنا.\nونجيب على هذه الشبهة أولا: بأن ما جاء في هاتين الروايتين ضعيف الإسناد وأن فيهما اضطرابا وانقطاعا..\nقال العلامة الألوسي في تفسيره: إن ذلك لم يصح عن عثمان أصلا اهـ ولعلك تلمح معي دليل سقوط هاتين الروايتين ماثلا فيهما","vol":"1","page":386},{"text":"من جراء هذا التناقض الظاهر بين وصفهما نساخ المصحف بأنهم أحسنوا وأجملوا ووصفهما المصحف الذي نسخوه بأن فيه لحنا. وهل يقال للذين لحنوا في المصحف: أحسنتم وأجملتم؟.\nاللهم إلا إذا كان المراد معنى آخر.\nثانيا: أن المعروف عن عثمان في دقته وكمال ضبطه وتحريه يجعل صدور أمثال هاتين الروايتين من المستحيل عليه. انظر إلى ما سبق من دستوره في جمع القرآن. ثم انظر إلى ما أخرجه أبو عبيد عن عبد الرحمن بن هانئ مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها لم يتسن وفيها لا تبديل للخلق وفيها فأمهل الكافرين فدعا بدواة فمحا أحد اللامين وكتب لخلق الله ومحا فأمهل وكتب فمهل وكتب لم يتسنه فألحق فيها الهاء.\nقال ابن الأنباري: فكيف يدعى عليه أنه رأى فسادا فأمضاه؟ وهو يوقف على ما يكتب ويرفع الخلاف الواقع من الناسخين فيه فيحكم بالحق ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده اهـ.\nثالثا: على فرض صحة ما ذكر يمكن أن نؤوله بما يتفق والصحيح المتواتر عن عثمان من نسخ المصاحف وجمع القرآن ومن نهاية التثبت والدقة والضبط.\nوذلك بأن يراد بكلمة لحنا في الروايتين المذكورتين قراءة ولغة. والمعنى أن في القرآن ورسم مصحفه وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعا ولكنها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعا بالمران وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه. وقد ضرب بعض أجلاء العلماء لذلك مثلا كلمة \"الصراط\" بالصاد المبدلة من السين فتقرأ العرب بالصاد عملا بالرسم وبالسين عملا بالأصل.","vol":"1","page":387},{"text":"الشبهة الثانية:\nيقولون: روي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ ويقول هو من لحن الكتاب.\nوالجواب: على غرار ما سبق أي أن ابن جبير لا يريد بكلمة لحن الخطأ. إنما يريد بها اللغة والوجه في القراءة على حد قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ . والدليل على هذا التوجيه أن سعيد بن جبير نفسه كان يقرأ: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ فلو كان يريد باللحن الخطأ ما رضي لنفسه هذه القراءة. وكيف يرضى ما يعتقد أنه خطأ؟\nوهذه الكلمة في آية من سورة النساء ونصها: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فكلمة ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ قرأها الجمهور بالياء منصوبا كما ترى. وقرأها جماعة بالواو منهم أبو عمرو في رواية يونس وهارون عنه. ولكل من القراءتين وجه صحيح فصيح في اللغة العربية فالنصب مخرج على المدح والتقدير وأمدح المقيمين الصلاة. والرفع مخرج على العطف والمعطوف عليه مرفوع كما ترى.\nالشبهة الثالثة:\nيقولون: ألا يكفي في الطعن على جمع القرآن ورسمه ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى. ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ أنه قال: إن الكاتب أخطأ والصواب: حتى تستأذنوا.","vol":"1","page":388},{"text":"ونجيب: أولا: بما أجاب به أبو حيان إذ يقول ما نصه: إن من روي عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس بريء من ذلك القول اهـ.\nثانيا: بما أخرجه ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه فسر ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ فقال: أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها يعني أصحاب البيوت.\nثالثا: أن القراء لم يرووا غير قراءة ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ فلو كان ذاك النقل صحيحا عن ابن عباس لنقلوا عنه أنه قرأ تستأذنوا.\nرابعا: إذا سلمنا للحاكم أن هذا الخبر صحيح عن ابن عباس فإننا نرده برغم دعوى هذه الصحة لأنه معارض للقاطع المتواتر وهو قراءة ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ والقاعدة أن معارض القاطع ساقط وأن الرواية متى خالفت رسم المصحف فهي شاذة لا يلتفت إليها ولا يعول عليها.\nالشبهة الرابعة:\nيقولون: ألا يكفي في الطعن على جمع القرآن ورسمه ما روي عن ابن عباس أيضا أنه قرأ \"أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا\". فقيل له: إنها في المصحف ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس.\nونجيب: بأنه لم يصح ذلك عن ابن عباس. قال أبو حيان: بل هو قول ملحد زنديق. وقال الزمخشري: ونحن ممن لا يصدق هذا في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكيف يخفى هذا؟ حتى يبقى ثابتا بين دفتي الإمام أي المصحف الإمام وهو مصحف عثمان وكان متقلبا بين أيدي أولئك الأعلام المحتاطين","vol":"1","page":389},{"text":"لدين الله المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه خصوصا عن القانون الذي إليه المرجع والقاعدة التي أقيم عليها البناء؟ هذا والله فرية ما فيها مرية اهـ. وقال الفراء: لا يتلى إلا كما أنزل: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ اهـ. وعلى ذلك تكون رواية ذلك في الدر المنثور وغيره عن ابن عباس رواية غير صحيحة. ومعنى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أفلم يعلموا قال القاسم بن معن: هي لغة هوازن. وجاء بها الشعر العربي في قول القائل:\nأقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تيأسوا إني ابن فارس زهدم١\nأي ألم تعلموا.\nالشبهة الخامسة:\nيقولون: من وجوه الطعن أيضا ما روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إنما هي ووصى ربك التزقت الواو بالصاد وكان يقرأ: ووصى ربك ويقول: أمر ربك إنهما واوان التصقت إحداهما بالصاد وروي عنه أنه قال: أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيكم. ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. فلصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ الناس: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ ولو نزلت على القضاء ما أشرك أحد.\nونجيب: عن ذلك كله أولا بما أجاب به ابن الأنباري إذ يقول: إن هذه الروايات ضعيفة.\n_________\n١ قال في القاموس: زهدم كجعفر: فرس لعنترة، وفرس لبشر بن عمرو الرياحي- إلى أن قال- والزهدمان أخوان من عبس: زهدم، وكردم.","vol":"1","page":390},{"text":"ثانيا: أن هذه الروايات معارضة للمتواتر القاطع وهو قراءة وقضى ومعارض القاطع ساقط.\nثالثا: أن ابن عباس نفسه وقد استفاض عنه أنه قرأ: وقضى وذلك دليل على أن ما نسب إليه في تلك الروايات من الدسائس الرخيصة التي لفقها أعداء الإسلام. قال أبو حيان في البحر: والمتواتر هو ﴿وَقَضَى﴾ وهو المستفيض عن ابن عباس والحسن وقتادة بمعنى أمر. وقال ابن مسعود وأصحابه بمعنى وصى اهـ\nإذن رواية وقضى هي التي انعقد الإجماع عليها من ابن عباس وابن مسعود وغيرهما فلا يتعلق بأذيال مثل هذه الرواية الساقطة إلا ملحد ولا يرفع عقيرته بها إلا عدو من أعداء الإسلام.\nالشبهة السادسة:\nيقولون: إن ابن عباس روي عنه أيضا أنه كان يقرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً١﴾ ويقول خذوا هذه الواو واجعلوها في ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ . وروي عنه أيضا أنه قال: انزعوا هذه الواو واجعلوها في ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ .\nونجيب: أولا: بأن هذه الروايات ضعيفة؟ لم يصح شيء منها عن ابن عباس.\nثانيا: أنها معارضة للقراءة المتواترة المجمع عليها فهي ساقطة.\nثالثا: أن بلاغة القرآن قاضية بوجود الواو لا بحذفها لأن ابن عباس نفسه فسر الفرقان في الآية المذكورة بالنصر وعليه يكون الضياء بمعنى التوراة أو الشريعة. فالمقام للواو لأجل هذا التغاير.\n_________\n١ الآية في سورة الأنبياء- لكن اتصال الواو بكلمة ﴿ضِيَاءً﴾ . ونص الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ .","vol":"1","page":391},{"text":"الشبهة السابعة:\nيقولون: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ أنه قال: هي خطأ من الكاتب. هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة. إنما هي: مثل نور المؤمن كمشكاة.\nونجيب: أولا: بأنها رواية معارضة للقاطع المتواتر فهي ساقطة.\nثانيا: أنه لم ينقل عن أحد من القراء أن ابن عباس قرأ: مثل نور المؤمن فكيف يقرأ ﵁ بما يعتقد أنه خطأ ويترك ما يعتقد أنه صواب؟ ألا إنها كذبة مفضوحة ولو أنهم نسبوها لأبي بن كعب لكان الأمر أهون لأنه روي في الشواذ أن أبي بن كعب قرأ: مثل نور المؤمن. والذي ينبغي أن تحمل عليه هذه الروايات أن أبيا ﵁. أراد تفسير الضمير في القراءة المعروفة المتواترة وهي مثل نوره. فهي روايات عنه في التفسير لا في القراءة بدليل أنه كان يقرأ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ .\nدفع عام عن ابن عباس\nكل ما روي عن ابن عباس في تلك الشبهات يمكن دفعه دفعا عاما بأن ابن عباس قد أخذ القرآن عن زيد بن ثابت وأبي بن كعب وهما كانا في جمع المصاحف. وزيد بن ثابت كان في جمع أبي بكر أيضا. وكان كاتب الوحي وكان يكتب ما يكتب بأمر النبي ﷺ وإقراره. وابن عباس كان يعرف ذلك ويوقن به فمحال إذن أن ينطق لسانه بكلمة تحمل رائحة اعتراض على جمع القرآن ورسم القرآن وإلا فكيف بأخذ عن زيد وابن كعب ثم يعترض على جمعهما ورسمهما؟.","vol":"1","page":392},{"text":"الشبهة الثامنة:\nيقولون: روي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وعن قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وعن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ . فقالت: يا بن أخي هذا من عمل الكتاب قد أخطئوا في الكتاب. قال السيوطي في هذا الخبر إسناده صحيح على شرط الشيخين. ويقولون أيضا: روي عن أبي خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة فقال: جئت أسألك عن آية في كتاب الله كيف كان رسول الله ﷺ يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أو \"الّذِينَ يَأتُون مَا أَتوا\". قالت: أيهما أحب إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعا. قالت: أيهما؟ قلت: \"الذين يأتون ما أتوا\". فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ كذلك كان يقرؤها وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف.\nونجيب: أولا: بأن هذه الروايات مهما يكن سندها صحيحا فإنها مخالفة للمتواتر القاطع ومعارض القاطع ساقط مردود فلا يلتفت إليها ولا يعمل بها.\nثانيا: أنه قد نص في كتاب إتحاف فضلاء البشر على أن لفظ هذان قد رسم في المصحف من غير ألف ولا ياء ليحتمل وجوه القراءات الأربع فيها كما شرحنا ذلك سابقا في فوائد رسم المصحف. وإذن فلا يعقل أن يقال أخطأ الكاتب فإن الكاتب لم يكتب ألفا ولا ياء. ولو كان هناك خطأ تعتقده عائشة ما كانت تنسبه للكاتب بل كانت تنسبه لمن يقرأ بتشديد إن وبالألف لفظا في هذان. ولم ينقل عن عائشة ولا عن غيرها تخطئة من قرأ بما ذكر وكيف تنكر هذه القراءة وهي متواترة مجمع عليها؟ بل هي قراءة الأكثر ولها وجه فصيح في العربية لا يخفى على مثل عائشة. ذلك هو إلزام المثنى الألف في جميع حالاته. وجاء منه قول الشاعر العربي:-","vol":"1","page":393},{"text":"واها لسلمى ثم واها واها ... يا ليت عيناها لنا وفاها\nوموضع الخلخال من رجلاها ... بثمن يرضى به أباها\nإن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها\nفبعيد عن عائشة أن تنكر تلك القراءة ولو جاء بها وحدها رسم المصحف.\nثالثا: أن ما نسب إلى عائشة ﵂ من تخطئة رسم المصحف في قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ بالياء مردود بما ذكره أبو حيان في البحر إذ يقول ما نصه: وذكر عن عائشة ﵂ وعن أبان بن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف. ولا يصح ذلك عنهما لأنها عربيان فصيحان وقطع النعوت مشهور في لسان العرب. وهو باب واسع ذكر عليه شواهد سيبويه وغيره. وقال الزمخشري: لا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه خطأ في خط المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب يريد كتاب سيبويه ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان وخفي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة يسدها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحقهم.\nرابعا: أن قراءة والصابئون بالواو لم ينقل عن عائشة أنها خطأت من يقرأ بها ولم ينقل أنها كانت تقرأ بالياء دون الواو. فلا يعقل أن تكون خطأت من كتب بالواو.\nخامسا: أن كلام عائشة في قوله تعالى: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ لا يفيد إنكار هذه القراءة المتواترة المجمع عليها. بل قالت للسائل: أيهما أحب إليك؟ ولا تحصر المسموع عن رسول الله ﷺ فيما قرأت هي به. بل قالت: أنه مسموع ومنزل فقط.","vol":"1","page":394},{"text":"وهذا لا ينافي أن القراءة الأخرى مسموعة ومنزلة كتلك. خصوصا أنها متواترة عن النبي ﷺ. أما قولها: ولكن الهجاء حرف فكلمة حرف مأخوذة من الحرف بمعنى القراءة واللغة والمعنى أن هذه القراءة المتواترة التي رسم بها المصحف لغة ووجه من وجوه الأداء في القرآن الكريم. ولا يصح أن تكون كلمة حرف في حديث عائشة مأخوذة من التحريف الذي هو الخطأ وإلا كان حديثا معارضا للمتواتر ومعارض القاطع ساقط.\nالشبهة التاسعة:\nيقولون: روي عن خارجة بن زيد بن ثابت أنه قال: قالوا لزيد يا أبا سعيد أوهمت إنما هي ثمانية أزواج من الضأن اثنين١ اثنين ومن المعز اثنين اثنين ومن الإبل اثنين اثنين ومن البقر اثنين اثنين. فقال: لا. إن الله تعالى يقول: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ فهما زوجان كل واحد منهما زوج. الذكر زوج والأنثى زوج اهـ. قال أعداء الإسلام: فهذه الرواية تدل على تصرف نساخ المصحف واختيارهم ما شاءوا في كتابة القرآن ورسمه.\nوالجواب أن كلام زيد هذا لا يدل على ما زعموا. إنما يدل على أنه بيان لوجه ما كتبه وقرأه سماعا وأخذا عن النبي ﷺ لا تصرفا وتشهيا من تلقاء نفسه.\nوكيف يتصور هذا من الصحابة في القرآن وهم مضرب الأمثال في كمال ضبطهم وتثبتهم في الكتاب والسنة. لا سيما زيد بن ثابت وقد عرفت فيما سبق من هو زيد في حفظه\n_________\n١ يريدون آية سورة الأنعام ونصها: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ﴾ الخ.","vol":"1","page":395},{"text":"وأمانته ودينه وورعه؟ وعرفت دستوره الدقيق الحكيم في كتابة الصحف والمصاحف فأنى يؤفكون؟\nالشبهة العاشرة:\nيقولون: إن مروان هو الذي قرأ ملك يوم الدين من سورة الفاتحة بحذف الألف من لفظ مالك. ويقولون: إنه حذفها من تلقاء نفسه دون أن يرد ذلك عن النبي ﷺ فضلا عن أن يتواتر عنه قراءة ولفظا أو يصح كتابة ورسما.\nوالجواب: أن هذا كذب فاضح أولا لأنه ليس لهم عليه حجة ولا سند.\nثانيا أن الدليل قام والتواتر تم والإجماع انعقد على أن النبي ﷺ قرأ لفظ مالك يوم الدين بإثبات الألف وحذفها وأخذ أصحابه عنه ذلك. فممن قرأ بهما علي وابن مسعود وأبي بن كعب. وممن قرأ بالقصر أي حذف الألف أبو الدرداء وابن عباس وابن عمر. وممن قرأ بالمد أي إثبات الألف أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين. وهؤلاء كلهم كانوا قبل أن يكون مروان وقبل أن يولد مروان وقبل أن يقرأ مروان. وقصارى ما في الأمر أن مروان اتفق أن روايته كانت القصر فقط. وذلك لا يضرنا في شيء. كما اتفق أن رواية عمر بن عبد العزيز كانت المد فقط.\nثالثا أن كلمة مالك رسمت في المصحف العثماني هكذا ملك كما سبق.\nخلاصة الدفاع:\nوالخلاصة أن تلك الشبهة وما ماثلها مدفوعة بالنصوص القاطعة والأدلة الناصعة على أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثباته ورسمه ولم ينسخه ناسخ في تلاوته وهو هذا الذي حواه مصحف عثمان بين الدفتين لم ينقص منه شيء ولم يزد فيه شيء بل","vol":"1","page":396},{"text":"إن ترتيبه ونظمه كلاهما ثابت على ما نظمه الله ﷾ ورتبه رسوله من آي وسور. لم يقدم من ذلك مؤخر ولم يؤخر منه مقدم. وقد ضبطت الأمة عن النبي ﷺ ترتيب آي كل سورة ومواقعها كما ضبطت منه نفس القراءات وذات التلاوة على ما سبق وما سيجيء في الكلام على القراءات إن شاء الله.\nفليلاحظ دائما في الرد على أمثال تلك الشبهات أمران: أولهما: تلك القاعدة الذهبية التي وضعها العلماء: وهي أن خبر الآحاد إذا عارض القاطع سقط عن درجة الاعتبار وضرب به عرض الحائط مهما تكن درجة إسناده من الصحة.\nثانيهما: خط الدفاع الذي أقمناه في المبحث الثامن حصنا حصينا دون النيل من الصحابة واتهامهم بسوء الحفظ أو عدم التثبت والتحري خصوصا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nشبهة على التزام الرسم العثماني في هذا العصر:\nيقولون: إن كثيرا من المتعلمين لا يحفظون القرآن ولا يحسنون قراءته في المصحف لعدم معرفتهم الرسم العثماني. فلماذا نتقيد بهذا الرسم ولا نكتب المصاحف اليوم باصطلاح الكتابة المعروف تسهيلا على الناشئة وتيسيرا على الناس؟\nوالجواب: أولا: أن للعلماء آراء في ذلك بالجواز بل قال بعضهم وهو العز بن عبد السلام بوجوب كتابة المصحف للعامة باصطلاح كتابتهم الحديث خشية الالتباس كما يجب كتابته بالرسم العثماني محافظة على هذا التراث العزيز. وقد سبق شرح آراء العلماء قريبا. وما هي منك ببعيد.\nثانيا: أن في الرسم العثماني مزايا وفوائد ذكرناها سابقا.\nثالثا: أن مذهب الجمهور قائم على أدلة متوافرة على وجوب التزام هذا الرسم عندهم. وقد تقدمت تلك الأدلة أيضا.","vol":"1","page":397},{"text":"رابعا: أن مصطلح الخط والكتابة في عصرنا عرضة للتغيير والتبديل. ومن المبالغة في قداسة القرآن حمايته من التغيير والتبديل في رسمه.\nخامسا: أن إخضاع المصحف لمصطلحات الخط الحديثة ربما يجر إلى فتنة أشبه بالفتنة التي حدثت أيام عثمان وحملته على أن يجمع القرآن. فربما يقول بعض الناس لبعض أو بعض الشعوب لبعض عند اختلاف قواعدهم في رسم المصحف: رسمي خير من رسمك أو مصحفي خير من مصحفك أو رسمي صواب ورسمك خطأ. وقد يجر ذلك إلى أن يؤثم بعضهم بعضا أو يقاتل بعضهم بعضا. ومن المقرر أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\nسادسا: أن الرسم العثماني أشبه بالرسم العام الذي يجمع الأمة على كتابة كتاب ربها في سائر الأعصار والأمصار كاللغة العربية فإنها اللسان العام الذي يجمع الأمة على قراءة كتاب ربها في سائر الأعصار والأمصار. وما يكون لنا أن نفرط في أمر هذا شأنه يجمع الشتات وينظم الأمة في سلك واحد لا فرق بين ماض وحاضر وآت.\nسابعا: أنه يمكن تسهيل القراءة على الناس بإذاعة القرآن كثيرا إذاعة مضبوطة دقيقة وبإذاعة من التجويد في المدارس وفي أوساط المتعلمين وأخيرا يمكن -كما قالت مجلة الأزهر- أن ننبه في ذيل كل صفحة من صفحات المصحف على ما يكون فيها من الكلمات المخالفة للرسم المعروف والاصطلاح المألوف. لا سيما أن رسم المصاحف العثمانية لا يخالف قواعدنا في الخط والإملاء إلا قليلا وفي كلمات معدودة: أضف إلى ذلك أن الفرق بين الرسمين لا يوقع القارئ اليقظ في لبس عند تأمله وإمعانه غالبا.","vol":"1","page":398},{"text":"ولقد مرت على الأمة أجيال وقرون وما شعرت بغضاضة في التزامها الرسم العثماني. على أن المعول عليه أولا وقبل كل شيء هو التلقي من صدور الرجال. وبالتلقي يذهب الغموض من الرسم كائنا ما كان. وليس بعد العيان بيان.","vol":"1","page":399},{"text":"د -<span data-type=\"title\" id=toc-122> المصاحف تفصيلا</span>\nلعلك لم تنس ما ذكرناه في المباحث السابقة عن نشأة المصاحف العثمانية وكتابتها ورسمها وتحريق عثمان ما سواها من المصاحف الفردية التي كانت لبعض الصحابة والتي كان يخالف بعضها بعضا على مقدار ما وصل إليه علم الواحد منهم بأحرف القراءات وبما نسخ وما لم تنسخ تلاوته في العرضة الأخيرة. ولأجل الإحاطة بما يتصل بالمصاحف العثمانية يجدر بنا أن نتحدث عما يأتي:\nالحروف السبعة في المصاحف العثمانية:\nالمصاحف التي نسخها عثمان ﵁ كان مجموعها مشتملا على الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن كما بينا ذلك أو في بيان تحت عنوان خاص في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف فارجع إليه إن شئت. ويؤيده هنا أن هذه المصاحف نسخت من الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر وكانت عند حفصة.\nومن المتفق عليه أن هذه الصحف كتب فيها القرآن بحروفه السبعة التي نزل عليها ولم يرد أن عثمان أمرهم أن يتركوا ستة أحرف منها ويبقوا حرفا واحدا كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء. فلنستمسك بالمتفق عليه حتى يثبت لدينا ما ينفيه. فما يكون لنا أن نترك اليقين للشك. ثم إن دفع الفتنة وتوحيد الكلمة بين المسلمين لا يتوقف على ترك ستة","vol":"1","page":399},{"text":"أحرف وإبقاء حرف واحد من الأحرف التي نزل عليها القرآن بل إن الذي يدفع الفتنة ويوحد الكلمة هو إقرار النازل كما نزل من تعدد حروفه إلى سبعة رحمة بهذه الأمة. غاية ما يجب في هذا الباب هو إحاطة المسلمين علما بهذه الحروف حتى يتركوا ما عداها ولا يعتمدوا سواها وحتى يعتمد كل منهم صواب قراءة غيره ما دامت قراءته لا تتعداها. ومن هنا تجتمع كلمتهم وتنطفئ فتنتهم على نمط ما فعل الرسول ﷺ حين اشتعلت مثل هذه الفتنة بين بعض الصحابة فعالجهم بأن أفهمهم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف وقرر فيهم هذا المعنى وحكم بأن كلا من المختلفين على صواب في قراءته وأنها هكذا أنزلت. وما كان لعثمان وجمهور الصحابة وجميع الأمة أن يتركوا هدي الرسول في هذا وإن خير الهدي هدي محمد ﷺ.\nبقي أن نفسر لك معنى قول عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا فقد فهم بعضهم من هذه الجملة أن عثمان أمر أن يتركوا ستة أحرف ويقتصروا في نسخ المصاحف على حرف قريش ولغتهم وحدهم. وهذا مردود بوجوه:\nأحدها: أن اللفظ لا يؤدي ذلك المعنى.\nثانيها: أن القرآن فيه كلمات كثيرة من لغات قبائل أخرى وليست من لغة قريش: انظر في ذلك ما قدمناه في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف أيضا وما ذكره السيوطي في الإتقان في النوع السابع والثلاثين.\nثالثها: أن المصاحف العثمانية كانت مشتملة على الأحرف السبعة كما بينا آنفا.\nرابعها: أنه لم ينقل إلينا نقلا صحيحا صريحا أنهم تركوا من الأحرف السبعة شيئا","vol":"1","page":400},{"text":"فضلا عن أن يتركوها ما عدا واحدا ولو فعلوا ذلك لنقل متواترا لأن هذا الأمر الجلل مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره. وقصارى ما وصلنا من بعض الطرق أنهم اختلفوا في كلمة التابوت في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الخ أيكتبونها بالتاء المفتوحة أم بالهاء فأمرهم عثمان أن يكتبوها بالتاء المفتوحة لأنها كذلك في لغة قريش.\nوهذا يوضح لنا أن عثمان في كلمته تلك إنما يريد الاختلاف في الكتابة والرسم لا في الألفاظ واللغات والحروف. أو يريد أن لغة قريش متوافر فيها التواتر أكثر من غيرها فليأخذوا بها عند الاختلاف لهذا الغرض وحده وهو التواتر الذي شرطوه في دستور كتابتهم وجمعهم. أضف إلى ذلك أن المصاحف نقلت من الصحف التي جمع أبو بكر ﵁ القرآن فيها والتي ظفرت بالتواتر وإجماع الأمة كما قدمنا. فهل يرضى عثمان ويوافقه الصحابة جميعا على أن يخرقوا هذا الإجماع ويعبثوا بذلك التواتر في أمر جعل الله تعدد الوجوه والحروف فيه رحمة بالأمة إلى هذا اليوم؟ ذلك فهم بعيد.\nالصحف والمصاحف\nقلنا: إن أبا بكر ﵁ جمع القرآن في صحف وإن عثمان جمعه ونسخه في مصاحف. والفرق بين الصحف والمصاحف في الأصل أن الصحف جمع صحيفة وهي القطعة من الورق أو الجلد يكتب فيها.\nأما المصحف فهو بزنة اسم المفعول من أصحفه أي جمع فيه الصحف. فكأن المصحف ملحوظ في معناه اللغوي دفتاه وهما جانباه أو جلداه اللذان يتخذان جامعا لأوراقه ضابطا لصحفه حافظا لها.","vol":"1","page":401},{"text":"ولا يلحظ هذا في معنى الصحف وإن كان يصح استعمال كلا اللفظين في كلا المعنيين استعمالا متوسعا فيه.\nهذا في أصل اللغة أما في الاصطلاح فالمراد بالصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر وكانت سورا مرتبة آياتها فقط كل سورة على حدة لكن لم يترتب بعضها إثر بعض. والمراد بالمصحف اصطلاحا الأوراق التي جمع فيها القرآن مع ترتيب آياته وسوره جميعا على الوجه الذي أجمعت عليه الأمة أيام عثمان ﵁. وقد أطلق بعضهم لفظ المصحف على صحف أبي بكر وتوجيهه لا يخفى.\nولقد بقيت الصحف عند أبي بكر حتى حضرته الوفاة فدفعها إلى عمر لأنه وصى له بالعهد ولما مات عمر انتقلت إلى ابنته أم المؤمنين حفصة بوصية من عمر ثم طلبها عثمان ونسخ المصاحف منها وردها إليها وبقيت عندها حتى توفيت ﵂.\nوقد حضر جنازتها مروان والي المدينة وقتئذ ورغب إلى أخيها عبد الله بن عمر أن يبعث إليه بالصحف فبعثها إليه وكان مروان قد طلبها من السيدة حفصة من قبل فأبت ﵂. أخرج ابن أبي داود في رواية أن مروان أحرق هذه الصحف؟ وفي رواية أنه غسلها وفي رواية شققها. ولا مانع من الجمع بين هذه الروايات الثلاث بأنه غسلها أولا ثم شققها ثانيا ثم أحرقها أخيرا مبالغة في التكريم والمحو كما روي أنه قال: إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب أي يظن أن فيها ما يخالف المصاحف فإنها كانت صحفا منثورة لا تأخذ شكل المصاحف المجموعة المنظومة.\nعدد المصاحف\nاختلفوا في عدد المصاحف التي استنسخها عثمان ﵁ فصوب ابن عاشر","vol":"1","page":402},{"text":"أنها ستة: المكي والشامي والبصري والكوفي والمدني العام الذي سيره عثمان ﵁ من محل نسخه إلى مقره والمدني الخاص به الذي حبسه لنفسه وهو المسمى بالإمام. وقال صاحب زاد القراء: لما جمع عثمان القرآن في مصحف سماه الإمام ونسخ منه مصاحف فأنفذ منها مصحفا إلى مكة ومصحفا إلى الكوفة ومصحفا إلى البصرة ومصحفا إلى الشام وحبس مصحفا بالمدينة وهذا القول كسابقه في أنها ستة وذهب السيوطي وابن حجر إلى أنها خمسة. ولعلمهما أرادا بالخمسة ما عدا المصحف الإمام فيكون الخلاف لفظيا بينه وبين سابقيه.\nوقيل إنها ثمانية خمسة متفق عليها وهي الكوفي والبصري والشامي والمدني العام والمدني الخاص وثلاثة مختلف فيها وهي المكي ومصحف البحرين ومصحف اليمن. وقيل إن عثمان ﵁ أنفذ إلى مصر مصحفا.\nولعل القول بأن عددها ستة هو أولى الأقوال بالقبول. والمفهوم على كل حال أن عثمان ﵁ قد استنسخ عددا من المصاحف يفي بحاجة الأمة وجمع كلمتها وإطفاء فتنتها. ولا يتعلق بتعين العدد كبير غرض فيختلفوا في هذا التعيين وما وسعتهم أدلة ذاك الاختلاف. والله تعالى أعلم بالحقيقة.\nكيف أنفذ عثمان المصاحف العثمانية؟\nكان الاعتماد في نقل القرآن - ولا يزال- على التلقي من صدور الرجال ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي ﷺ. لذلك اختار عثمان حفاظا يثق بهم وأنفذهم إلى الأقطار الإسلامية واعتبر هذه المصاحف أصولا ثواني مبالغة في الأمر وتوثيقا للقرآن ولجمع كلمة المسلمين. فكان يرسل إلى كل إقليم مصحفه مع من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب روي أن عثمان ﵁ أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني وبعث عبد الله بن السائب","vol":"1","page":403},{"text":"مع المكي والمغيرة بن شهاب مع الشامي وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي وعامر بن عبد القيس مع البصري. ثم نقل التابعون عن الصحابة فقرأ أهل كل مصر بما في مصحفهم تلقيا عن الصحابة الذين تلقوه من فم النبي ﷺ فقاموا في ذلك مقام الصحابة الذين تلقوه من فم النبي ﷺ. ثم تفرغ قوم للقراءة والأخذ والضبط حتى صاروا في هذا الباب أئمة يرحل إليهم ويؤخذ عنهم وأجمع أهل بلدهم على تلقي قراءتهم واعتماد روايتهم. ومن هنا نسبت القراءة إليهم وأجمعت الأمة - وهي معصومة من الخطأ في إجماعها- على ما في هذه المصاحف وعلى ترك كل ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال لأنه لم يثبت عندهم ثبوتا متواترا أنه من القرآن.\nأين المصاحف العثمانية الآن؟\nوليس بين أيدينا دليل قاطع على وجود المصاحف العثمانية الآن فضلا عن تعيين أمكنتها. وقصارى ما علمناه أخيرا أن ابن الجزري رأى في زمانه مصحف أهل الشام ورأى في مصر مصحفا أيضا.\nأما المصاحف الأثرية التي تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر ويقال عنها إنها مصاحف عثمانية فإننا نشك كثيرا في صحة هذه النسبة إلى عثمان ﵁ لأن بها زركشة ونقوشا موضوعة كعلامات للفصل بين السور ولبيان أعشار القرآن ومعلوم أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا ومن النقط والشكل أيضا كما علمت.\nنعم إن المصحف المحفوظ في خزانة الآثار بالمسجد الحسيني والمنسوب إلى عثمان ﵁ مكتوب بالخط الكوفي القديم مع تجويف حروفه وسعة حجمه جدا. ورسمه يوافق رسم المصحف المدني أو الشامي حيث رسم فيه كلمة من يرتدد من سورة المائدة بدالين اثنين","vol":"1","page":404},{"text":"مع فك الإدغام وهي فيها بهذا الرسم. فأكبر الظن أن هذا المصحف منقول من المصاحف العثمانية على رسم بعضها. وكذلك المصحف المحفوظ بتلك الخزانة ويقال إن علي بن أبي طالب ﵁ كتبه بخطه يلاحظ فيه أنه مكتوب بذلك الخط الكوفي القديم. بيد أنه أصغر حجما وخطه أقل تجويفا من سابقه ورسمه يوافق غير المدني والشامي من المصاحف العثمانية حيث رسمت فيه الكلمة السابقة من يرتد بدال واحدة مع الإدغام وهي في غيرهما كذلك. فمن الجائز أن يكون كاتبه عليا أو يكون قد أمر بكتابته في الكوفة.\nثم إن عدم بقاء المصاحف العثمانية قاطبة لا يضرنا شيئا ما دام المعول عليه هو النقل والتلقي ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي ﷺ. وذلك متواتر مستفيض على أكمل وجه في القرآن حتى الآن.\nعلى أن المصاحف العثمانية نسخت على غرارها الآلاف المؤلفة في كل عصر ومصر مع المحافظة على الرسم العثماني كما سيجيء إن شاء الله فاصبر ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ .\nالمصاحف في دور التجويد والتحسين:\nكانت المصاحف العثمانية أشبه بماء نزل من السماء فأصاب أرضا خصبة صالحة ولكنها ظامئة متعطشة. فما كاد يصل إليها الماء حتى اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج كذلك المصاحف الشريفة ما كاد عثمان يرسلها إلى الآفاق الإسلامية حتى أقبلت عليها الأمة من كل صوب وحدب وحتى اجتمعت عليها الكلمة في الشرق والغرب وحتى نسخت على غرارها آلاف مؤلفة من المصاحف المقدسة في كل جيل وقبيل.","vol":"1","page":405},{"text":"ومما يلفت النظر أن يد التجويد والصقل والتحسين أخذت تتناول المصاحف على ألوان شتى وضروب متنوعة فهناك تحسينات مادية أو شكلية ترجع إلى النسخ والطبع والحجم والورق والتجليد والتذهيب ونحو ذلك. وهذه لا تعنينا كثيرا لأن أمرها هين وإن كان فيها بعض التيسير أو التشويق إلى القرآن الكريم. وهناك تحسينات معنوية أو جوهرية ترجع إلى تقريب نطق الحروف وتمييز الكلمات وتحقيق الفروق بين المتشابهات عن طريق الإعجام والشكل ونحوهما. وفي هذه نسوق الحديث.\nالإعجام:\nإعجام الكتاب: نقطه. قال في القاموس: أعجم فلان الكلام: ذهب به إلى العجمة والكتاب: نقطه كعجمه وعجمه أي بتخفيف الجيم وتضعيفها.\nوالمعروف أن المصحف العثماني لم يكن منقوطا وذلك للمعنى الذي أسلفناه وهو بقاء الكلمة محتملة لأن تقرأ بكل ما يمكن من وجوه القراءات فيها. بيد أن المؤرخين يختلفون فمنهم من يرى أن الإعجام كان معروفا قبل الإسلام ولكن تركوه عمدا في المصاحف للمعنى السابق. ومنهم من يرى أن النقط لم يعرف إلا من بعد على يد أبي الأسود الدؤلي.\nوسواء أكان هذا أم ذاك فإن إعجام المصاحف لم يحدث على المشهور إلا في عهد عبد الملك بن مروان إذ رأى أن رقعة الإسلام قد اتسعت واختلط العرب بالعجم وكادت العجمة تمس سلامة اللغة وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف يلح بالناس حتى ليشق على السواد منهم أن يهتدوا إلى التمييز بين حروف المصحف وكلماته وهي غير معجمة. هنالك رأى بثاقب نظره أن يتقدم للإنقاذ فأمر الحجاج أن يعنى بهذا الأمر الجلل وندب الحجاج - طاعة لأمير المؤمنين- رجلين يعالجان هذا المشكل هما نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر العدواني. وكلاهما كفء قدير على ما ندب له،","vol":"1","page":406},{"text":"إذ جمعا بين العلم والعمل والصلاح والورع والخبرة بأصول اللغة ووجوه قراءة القرآن. وقد اشتركا أيضا في التلمذة والأخذ عن أبي الأسود الدؤلي.\nويرحم الله هذين الشيخين فقد نجحا في هذه المحاولة وأعجما المصحف الشريف لأول مرة ونقطا جميع حروفه المتشابهة والتزما ألا تزيد النقط في أي حرف على ثلاث. وشاع ذلك في الناس بعد فكان له أثره العظيم في إزالة الإشكال واللبس عن المصحف الشريف.\nوقيل إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي وإن ابن سيرين كان له مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر. ويمكن التوفيق بين هذه الأقوال بأن أبا الأسود أول من نقط المصحف ولكن بصفة فردية ثم تبعه ابن سيرين وأن عبد الملك أول من نقط المصحف ولكن بصفة رسمية عامة ذاعت وشاعت بين الناس دفعا للبس والإشكال عنهم في قراءة القرآن.\nشكل المصاحف:\nشكل الكتاب في اللغة رديف لإعجامه. وقد عرفت أن الإعجام هو النقط. قال صاحب القاموس ما نصه:. . والكتاب أي وشكل الكتاب: أعجمه كأشكله كأنه أزال عنه الإشكال اهـ. ثم شاع استعمال الشكل في خصوص ما يعرض للحروف من حركة أو سكون. والمناسبة بين المعنيين ظاهرة لأن في كل منهما إزالة لإشكال الحرف ودفعا للبس عنه.\nواتفق المؤرخون على أن العرب في عهدهم الأول لم يكونوا يعرفون شكل الحروف والكلمات فضلا عن أن يشكلوها. ذلك لأن سلامة لغتهم وصفاء سليقتهم وذلاقة ألسنتهم","vol":"1","page":407},{"text":"كل أولئك كان يغنيهم عن الشكل. ولكن حين دخلت الإسلام أمم جديدة منهم العجم الذي لا يعرفون العربية بدأت العجمة تحيف على لغة القرآن. بل قيل إن أبا الأسود الدؤلي سمع قارئا يقرأ قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ . فقرأها بجر اللام من كلمة رسوله. فأفزع هذا اللحن الشنيع أبا الأسود وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله. ثم ذهب إلى زياد والي البصرة وقال له وقد أجبتك إلى ما سألت. وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب الله فتباطأ في الجواب حتى راعه هذا الحادث.\nوهنا جد جده وانتهى به اجتهاده إلى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف وجعل علامة الكسر نقطة أسفله وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف وجعل علامة السكون نقطتين.\nطفق الناس ينهجون منهجه ثم امتد الزمان بهم فبدؤوا يزيدون ويبتكرون حتى جعلوا للحرف المشدد علامة كالقوس ولألف الوصل جرة فوقها أو تحتها أو وسطها على حسب ما قبلها من فتحة أو كسرة أو ضمة. ودامت الحال على هذا حتى جاء عبد الملك بن مروان فرأى بنافذ بصيرته أن يميز ذوات الحروف من بعضها وأن يتخذ سبيله إلى ذلك التمييز بالإعجام والنقط على نحو ما تقدم تحت العنوان السابق. وهنالك اضطر أن يستبدل بالشكل الأول الذي هو النقط شكلا جديدا هو ما نعرفه اليوم من علامات الفتحة والكسرة والضمة والسكون. والذي اضطره إلى هذا الاستبدال أنه لو أبقى العلامات الأولى على ما هي عليه نقطا ثم جاءت هذه الأخرى نقطا كذلك لتشابها واشتبه الأمر. فميز بين الطائفتين بهذه الطريقة. ونعما فعل.\nحكم نقط المصحف وشكله\nكان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله مبالغا منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف وخوفا من أن يؤدي ذلك إلى التغيير فيه.","vol":"1","page":408},{"text":"ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء. وما روي عن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم إلى غير ذلك.\nولكن الزمان تغير- كما علمت- فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف وخوفا من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه.\nفمعقول حينئذ أن يزول القول بكراهة ذينك الإعجام والشكل ويحل محله القول بوجوب أو باستحباب الإعجام والشكل. لما هو مقرر من أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. قال النووي في كتابه التبيان ما نصه: قال العلماء: ويستحب نقط المصحف وشكله فإنه صيانة من اللحن فيه. وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه. وقد أمن ذلك اليوم فلا يمنع من ذلك لكونه محدثا فإنه من المحدثات الحسنة فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك. والله أعلم اهـ.\nتجزئة القرآن:\nكانت المصاحف العثمانية مجردة من التجزئة التي نذكرها كما كانت مجردة من النقط والشكل. ولما امتد الزمان بالناس جعلوا يفتنون في المصاحف وتجزئتها عدة تجزئات مختلفة الاعتبارات. فمنهم من قسم القرآن ثلاثين قسما وأطلقوا على كل قسم منها اسم الجزء بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره حتى إذا قال قائل: قرأت جزءا من القرآن تبادر إلى الذهن أنه قرأ جزءا من الثلاثين جزءا التي قسموا المصحف إليها. وجرى على ذلك أصحاب الربعات إذ طبعوا كل جزء نسخة مستقلة ومجموع النسخ الجامعة للقرآن كله يسمونه ربعة ويوجد من هذا القبيل أجزاء مستقلة بالطبع بأيدي صغار التلاميذ في المدارس وغيرهم.","vol":"1","page":409},{"text":"ومن الناس من قسموا الجزء إلى حزبين ومن قسموا الحزب إلى أربعة أجزاء سموا كل واحد منها ربعا.\nومن الناس من وضعوا كلمة خمس عند نهاية كل خمس آيات من السورة وكلمة عشر عند نهاية كل عشر آيات منها فإذا انقضت خمس أخرى بعد العشر أعادوا كلمة خمس فإذا صارت هذه الخمس عشرا أعادوا كلمة عشر وهكذا دواليك إلى آخر السورة.\nوبعضهم يكتب في موضع الأخماس رأس الخاء بدلا من كلمة خمس ويكتب في موضع الأعشار رأس العين بدلا من كلمة عشر. وبعض الناس يرمز إلى رؤوس الآي برقم عددها من السورة أو من غير رقم. وبعضهم يكتب فواتح للسور كعنوان ينوه فيه باسم السورة وما فيها من الآيات المكية والمدنية إلى غير ذلك.\nوللعلماء في ذلك كلام طويل بين الجواز بكراهة والجواز بلا كراهة ولكن الخطب سهل على كل حال ما دام الغرض هو التيسير والتسهيل وما دام الأمر بعيدا عن اللبس والتزيد والدخيل. ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ .\nاحترام المصحف:\nليس فيما نرى ونسمع كتاب أحيط بهالة من الإجلال والتقديس كالقرآن الكريم. حتى لقد وصفه الحق جل شأنه بأنه كتاب مكنون وحكم بأنه لا يمسه إلا المطهرون وأقسم على ذلك إذ يقول: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .\nوحتى نهى الرسول ﷺ عن السفر به إلى أرض العدو إذا خيف وقوع المصحف في أيديهم.\nوالحديث مروي في الصحيحين.","vol":"1","page":410},{"text":"وحتى أفتى العلماء بكفر من رمى به في قاذورة وبحرمة من باعه لكافر ولو ذميا وقالوا بوجوب الطهارة لمسه وحمله وكذلك ما يتصل به من خريطة وغلاف وصندوق على الصحيح.\nواستحبوا تحسين كتابته وإيضاحها وتحقيق حروفها.\nقال النووي: ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه لأن القيام يستحب للعلماء والأخيار فالمصحف أولى اهـ.\nرزقنا الله الأدب معه ومع كتابه ومع كافة من اصطفاهم من عباده آمين.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>المبحث الحادي عشر: في<span data-type=\"title\" id=toc-124> القراءات </span>والقراء والشبهات التي أثيرت في هذا المقام</span>\n-١ القراءات\nالقراءات جمع قراءة وهي في اللغة مصدر سماعي لقرأ. وفي الاصطلاح مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها. قال السيوطي عند كلامه على تقسيم الإسناد إلى عال ونازل ما نصه: ومما يشبه هذا التقسيم الذي لأهل الحديث تقسيم القراء أحوال الإسناد إلى قراءة ورواية وطريق ووجه. فالخلاف إن كان لأحد الأئمة السبعة أو العشرة أو نحوهم واتفقت عليه الروايات والطرق عنه فهو قراءة. وإن كان للراوي عنه فرواية. أو لمن بعده فنازلا فطريق. أو لا على هذه الصفة مما هو راجع إلى تخيير القارئ فيه فوجه. اهـ.\nوفي منجد المقرئين لابن الجزري ما نصه: القراءات علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة١ ... والمقرئ: العالم بها رواها مشافهة فلو حفظ التيسير مثلا ليس له أن يقرئ بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة. والقارئ المبتدئ من شرع في الإفراد إلى أن يفرد ثلاثا من القراءات. والمنتهي من نقل من القراءات أكثرها وأشهرها اهـ.\nنشأة علم القراءات:\nقلنا غير مرة: إن المعول عليه في القرآن الكريم إنما هو التلقي والأخذ ثقة\n_________\n١ في القاموس: الناقلة: ضد القاطنين.","vol":"1","page":412},{"text":"عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي ﷺ وإن المصاحف لم تكن ولن تكون هي العمدة في هذا الباب. إنما هي مرجع جامع للمسلمين على كتاب ربهم ولكن في حدود ما تدل عليه وتعينه دون ما لا تدل عليه ولا تعينه. وقد عرفت أن المصاحف لم تكن منقوطة ولا مشكولة وأن صورة الكلمة فيها كانت لكل ما يمكن من وجوه القراءات المختلفة وإذا لم تحتملها كتبت الكلمة بأحد الوجوه في مصحف ثم كتبت في مصحف آخر بوجه آخر وهلم جرا. فلا غرو أن كان التعويل على الرواية والتلقي هو العمدة في باب القراءة والقرآن.\nوقلنا: إن عثمان ﵁ حين بعث المصاحف إلى الآفاق أرسل مع كل مصحف من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب وهذه القراءة قد تخالف الذائع الشائع في القطر الآخر عن طريق المبعوث الآخر بالمصحف الآخر.\nثم إن الصحابة رضوان الله عليهم قد اختلف أخذهم عن رسول الله ﷺ فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف واحد ومنهم من أخذه عنه بحرفين ومنهم من زاد. ثم تفرقوا في البلاد وهم على هذه الحال فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم وأخذ تابع التابعين عن التابعين وهلم جرا حتى وصل الأمر على هذا النحو إلى الأئمة القراء المشهورين الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات يضبطونها ويعنون بها وينشرونها كما يأتي: هذا منشأ علم القراءات واختلافها وإن كان الاختلاف يرجع في الواقع إلى أمور يسيرة بالنسبة إلى مواضع الاتفاق الكثيرة كما هو معلوم: لكنه - على كل حال- اختلاف في حدود السبعة الأحرف التي نزل عليها القرآن كلها من عند الله لا من عند الرسول ولا أحد من القراء أو غيرهم.\nوللنويري كتاب مخطوط بدار الكتب في مصر وضعه شرحا للطيبة في القراءات العشر يجمل بي أن أنقل إليك منه هنا الكلمة الآتية:","vol":"1","page":413},{"text":"والاعتماد في نقل القرآن على الحفاظ. ولذلك أرسل أي عثمان ﵁ كل مصحف مع من يوافق قراءته في الأكثر وليس بلازم. وقرأ كل مصر بما في مصحفهم وتلقوا ما فيه من الصحابة الذين تلقوه عن النبي ﷺ. ثم تجرد للأخذ عن هؤلاء قوم أسهروا ليلهم في ضبطها وأتعبوا نهارهم في نقلها حتى صاروا في ذلك أئمة للاقتداء وأنجما للاهتداء وأجمع أهل بلدهم على قبول قراءتهم ولم يختلف عليهم اثنان في صحة روايتهم ودرايتهم. ولتصديهم للقراءة نسبت إليهم وكان المعول فيها عليهم.\nثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا وفي البلاد انتشروا وخلفهم أمم بعد أمم وعرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم فكان منهم المتقن للتلاوة المشهورة بالرواية والدراية ومنهم المحصل لوصف واحد. ومنهم المحصل لأكثر من واحد فكثر بينهم لذلك الاختلاف وقل منهم الائتلاف.\nفقام عند ذلك جهابذة الأمة وصناديد الأئمة فبالغوا في الاجتهاد بقدر الحاصل وميزوا بين الصحيح والباطل وجمعوا الحروف والقراءات وعزوا الأوجه والروايات وبينوا الصحيح والشاذ والكثير والفاذ بأصول أصلوها وأركان فضلوها الخ اهـ.\nطبقات الحفاظ المقرئين الأوائل:\nولقد اشتهر في كل طبقة من طبقات الأمة جماعة بحفظ القرآن وإقرائه.\nفالمشتهرون من الصحابة بإقراء القرآن عثمان وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري وسائر أولئك الذين أرسلهم عثمان بالمصاحف إلى الآفاق الإسلامية.\nوالمشتهرون من التابعين ابن المسيب وعروة وسالم وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار وأخوه عطاء وزيد بن أسلم ومسلم بن جندب وابن شهاب الزهري،","vol":"1","page":414},{"text":"وعبد الرحمن بن هرمز ومعاذ بن الحارث المشهور بمعاذ القارئ. وكل هؤلاء كانوا بالمدينة.\nوعطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وابن أبي مليكة وعبيد بن عمير وغيرهم وهؤلاء كانوا بمكة.\nوعامر بن عبد القيس وأبو العالية وأبو رجاء ونصر بن عاصم ويحيى بن يعمر١ وجابر بن زيد والحسن وابن سيرين وقتادة وغيرهم. وهؤلاء كانوا بالبصرة.\nوعلقمة والأسود ومسروق وعبيدة والربيع بن خيثم والحارث بن قيس وعمر بن شرحبيل وعمرو بن ميمون وأبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش وعبيد بن نضلة وأبو زرعة بن عمرو وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي. وهؤلاء كانوا بالكوفة.\nوالمغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب مصحف عثمان وخليد بن سعيد صاحب أبي الدرداء وغيرهما\nوهؤلاء كانوا بالشام.\nثم تفرغ قوم للقراءات يضبطونها ويعنون بها. فكان بالمدينة أبو جعفر يزيد بن القعقاع ثم شيبة بن نصاح٢ ثم نافع بن أبي نعيم.\nوكان بمكة عبد الله بن كثير وحميد بن قيس الأعرج ومحمد بن محيصن.\nوكان بالكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود وسليمان الأعمش ثم حمزة ثم الكسائي.\n_________\n١ قال في القاموس: يعمر كيفعل أسماء.\n٢ قال في القاموس: ونصاحه والد شيبة القارى هكذا بالتاء المربوطة. ولكن الذي في كتب القراء كالنشر وطبقات القراء نصاح من غير تاء مربوطة.","vol":"1","page":415},{"text":"وكان بالبصرة عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمرو وأبو عمرو بن العلاء وعاصم الجحدري ثم يعقوب الحضرمي.\nوكان بالشام عبد الله بن عامر وعطية بن قيس الكلابي وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر. ثم يحيى بن الحارث الذماري ثم شريح بن يزيد الحضرمي.\nوقد لمع في سماء هؤلاء القراء نجوم عدة مهروا في القراءة والضبط حتى صاروا في هذا الباب أئمة يرحل إليهم ويؤخذ عنهم.\nأعداد القراءات:\nثم اشتهرت عبارات تحمل أعداد القراءات فقيل القراءات السبع والقراءات العشر والقراءات الأربع عشرة.\nوأحظى الجميع بالشهرة ونباهة الشأن القراءات السبع.\nوهي القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة المعروفين وهم: نافع وعاصم وحمزة وعبد الله بن عامر وعبد الله بن كثير وأبو عمرو بن العلاء وعلي الكسائي. والقراءات العشر هي هذه السبع وزيادة قراءات هؤلاء الثلاثة: أبي جعفر ويعقوب وخلف.\nوعلم القراءات أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا. ثم أهل عهد التدوين للقراءات ولم يكن لهذه السبعة بهذا العنوان وجود أيضا بل كان أول من صنف في القراءات أمثال أبي عبيد القاسم بن سلام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبري وإسماعيل القاضي. وقد ذكروا في القراءات شيئا كثيرا وعرضوا روايات تربي على أضعاف قراءة هؤلاء السبعة.\nثم اشتهرت قراءات هؤلاء السبعة بعد ذلك على رأس المائتين في الأمصار الإسلامية. فكان الناس في البصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم وبالشام على قراءة ابن عامر وبمكة على قراءة ابن كثير وبالمدينة على قراءة نافع.","vol":"1","page":416},{"text":"ومكثت القراءات السبع على هذه الحال دون أن تأخذ مكانها من التدوين حين خاتمة القرن الثالث إذ نهض ببغداد الإمام ابن مجاهد أحمد بن موسى بن عباس فجمع قراءات هؤلاء الأئمة السبعة غير أنه أثبت اسم الكسائي وحذف يعقوب.\nوجاء اقتصاره على هؤلاء السبعة مصادفة واتفاقا من غير قصد ولا عمد. ذلك أنه أخذ على نفسه ألا يروي إلا عمن اشتهر بالضبط والأمان وطول العمر في ملازمة القراءة واتفاق الآراء على الأخذ عنه والتلقي منه. فلم يتم له ما أراده هذا إلا عن هؤلاء السبعة وحدهم. وإلا فأئمة القراءة لا يحصون كثرة وفيهم من هو أجل من هؤلاء قدرا وأعظم شأنا.\nوإذن فليس اقتصار ابن مجاهد على هؤلاء السبعة بحاصر للقراء فيهم ولا بملزم أحدا أن يقف عند حدود قراءاتهم. بل كل قراءة توافرت فيها الأركان الثلاثة للضابط المشهور وجب قبولها١.\nومن هنا كانت القراءات العشر بزيادة قراءات: يعقوب وأبي جعفر وخلف. على قراءات أولئك السبعة.\nوكانت القراءات الأربع عشرة بزيادة أربع على قراءات هؤلاء العشرة وهي قراءات الحسن البصري وابن محيصن ويحيى اليزيدي والشنبوذي.\n_________\n١ أي إن وجدت الآن. ولكن هيهات أن توجد، بعد أن استقر الأمر في الواقع وعرف أنه ليس في القراءات العشر التي بين أيدينا قراءة أخرى متواترة. وسيستقبلك حقيقه فيما بعد فانتظره.","vol":"1","page":417},{"text":"فوائد اختلاف القراءات:\nاستوفينا هذه النقطة بيانا في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف من ص ١٣٨- ص١٤٢.\nأنواع اختلاف القراءات:\nتكلمنا على هذا الموضوع في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف أيضا من ص ١٧٨- ص١٨٠.\nضابط قبول القراءات:\nلعلماء القراءات ضابط مشهور يزنون به الروايات الواردة في القراءات فيقول: كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا ووافقت العربية ولو بوجه وصح إسنادها ولو كان عمن فوق العشرة من القراء فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن.\nوهذا الضابط نظمه صاحب الطيبة فقال:\nوكل ما وافق وجه النحو ... وكان للرسم احتمالا يحوي\nوصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان\nوحيثما يختل ركن أثبتِ ... شذوذه لو أنه في السبعة\nوالمراد بقولهم: ما وافق أحد المصاحف العثمانية أن يكون ثابتا ولو في بعضها دون بعض. كقراءة ابن عامر: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ من سورة البقرة بغير واو. وكقراءته: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ بزيادة الباء في الاسمين فإن ذلك ثابت في","vol":"1","page":418},{"text":"المصحف الشامي. وكقراءة ابن كثير ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في الموضع الأخير من سورة التوبة بزيادة كلمة من فإن ذلك ثابت في المصحف المكي.\nوالمراد بقولهم: ولو تقديرا أنه يكفي في الرواية أن توافق رسم المصحف ولو موافقة غير صريحة نحو: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإنه رسم في جميع المصاحف بحذف الألف من كلمة مالك. فقراءة الحذف تحتمله تحقيقا كما كتب ملك الناس وقراءة الألف تحتمله تقديرا كما كتب: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ فتكون الألف حذفت اختصارا كما حذفت في حالات كثيرة ألمعنا إليها سابقا في قواعد رسم المصحف. أما الموافقة الصريحة فكثيرة نحو قوله سبحانه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ فإنها كتبت في المصحف بدون نقط. وهنا وافقت قراءة ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي وقراءة ننشرها بالراء.\nومن بعد نظر الصحابة في رسم المصحف أن الكلمة التي رويت على الأصل وعلى خلاف الأصل كانوا يكتبونها بالحرف الذي يخالف الأصل ليتعادل مع الأصل الذي لم يكتب في دلالة الصورة الواحدة على القراءتين إذ يدل على إحداهما بالحروف وعلى الثانية بالأصل. نحو كلمتي الصراط والمصيطرون بالصاد المبدلة بالسين فإنهم كتبوهما بالصاد وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين وإن خالفت الرسم قد أتت على الأصل فيعتدلان وتكون قراءة الإشمام أيضا محتملة. ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات هذا الاحتمال وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل كليهما. ولذلك كان الخلاف المشهور في بصطة الأعراف دون بسطة البقرة لكون حرف البقرة كتب بالسين وحرف الأعراف كتب بالصاد.\nوللعلامة النويري على الطيبة كلمة نفيسة في هذا الموضوع إذ يقول ما نصه:","vol":"1","page":419},{"text":"اعلم أن الرسم هو تصوير الكلمة بحروف هجائها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها والعثماني هو الذي رسم في المصاحف العثمانية. وينقسم إلى قياسي وهو ما وافق اللفظ وهو معنى قولهم: تحقيقا. وإلى سماعي وهو ما خالف اللفظ وهو معنى قولهم: تقديرا وإلى احتمالي وسيأتي.\nومخالفة الرسم اللفظ محصورة في خمسة أقسام وهي الدلالة على البدل نحو: ﴿الصِّرَاطَ﴾ وعلى الزيادة نحو: ﴿مَالِكِ﴾ وعلى الحذف نحو: ﴿لَكِنَّا هُوَ﴾ وعلى الفصل نحو: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ﴾ وعلى أن الأصل الوصل نحو: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ فقراءة الصاد والحذف والإثبات والفصل والوصل خمستها وافقها الرسم تحقيقا وغيرها تقديرا لأن السين تبدل صادا قبل أربعة أحرف منها الطاء كما سيأتي وألف ﴿مَالِكِ﴾ عند المثبت زائدة وأصل ﴿لَكِنَّا﴾ الإثبات وأصل ﴿فَمَالِ﴾ الفصل وأصل ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ الوصل. فالبدل في حكم المبدل منه وكذا الباقي. وذلك ليتحقق الوفاق التقديري لأن اختلاف القراءتين إذا كان يتغاير دون تضاد ولا تناقض فهو في حكم الموافق وإذا كان بتضاد أو تناقض ففي حكم المخالف. والواقع الأول فقط وهو الذي لا يلزم من صحة أحد الوجهين فيه بطلان الآخر.\nوتحقيقه: أن اللفظ تارة يكون له جهة واحدة فيرسم على وفقها فالرسم هنا حصر جهة اللفظ فمخالفه مناقض. وتارة يكون له جهات فيرسم على إحداها فلا يحصر جهة اللفظ فاللافظ به موافق تحقيقا وبغيره تقديرا لأن البدل في حكم المبدل منه. وكذا بقية الخمسة.\nوالقسم الثالث ما وافق الرسم احتمالا. ويندرج فيه ما وقع الاختلاف فيه بالحركة والسكون نحو ﴿الْقُدُسِ﴾ وبالتخفيف والتشديد نحو ينشرلكم بيونس وبالقطع والوصل المعبر عنه بالشكل نحو ﴿ادْخُلُوا﴾ بغافر وباختلاف الإعجام نحو ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و﴿يَفْتَحُ﴾ وبالإعجام والإهمال نحو ﴿نُنْشِزُهَا﴾ وكذا المختلف في كيفية لفظها","vol":"1","page":420},{"text":"كالمدغم والمسهل والممال والمرقق والمدور فإن المصاحف العثمانية هكذا كلها لتجردها عن أوصافها.\nفقول الناظم: وكان للرسم احتمالا دخل فيه ما وافق الرسم تحقيقا بطريق الأولى وسواء وافق كل المصاحف أو بعضها كقراءة ابن عامر ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ﴾ فإنه ثابت بالشامي وكابن كثير في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بالتوبة فإنه ثابت في الكوفي إلى غير ذلك.\nوقوله احتمالا يحتمل أن يكون جعله مقابلا للتحقيقي. فتكون القسمة عنده ثنائية وهو التحقيقي والاحتمالي ويكون قد أدخل التقديري في الاحتمالي وهو الذي فعله في نشره. ويحتمل أن يكون ثلث القسمة ويكون حكم الأولين ثابتا بالأولوية. ولولا تقدير موافقة الرسم للزم الكل مخالفة الكل في نحو ﴿السَّمَاوَاتِ والصَّالِحَاتِ واللَّيْلِ﴾ .\nثم إن بعض الألفاظ يقع فيه موافقة إحدى القراءتين أو القراءات تحقيقا والأخرى تقديرا نحو ملك وبعضها يقع فيه موافقة القراءتين أو القراءات تحقيقا نحو أنصارا لله ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ، ويَغْفِرْ لَكُمْ، وهَيْتَ لَكَ﴾ .\nواعلم أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة. ألا ترى أنهم يعدون إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء ﴿تَسْأَلْنِي﴾ بالكهف وقراءة وأكون من الصالحين ونحو ذلك من مخالف الرسم غير مردود لرجوعه لمعنى واحد وتمشيه مع صحة القراءة وشهرتها. بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرف معنى فإن له حكم الكلمة ولا نسوغ مخالفة الرسم فيه. وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته اهـ.","vol":"1","page":421},{"text":"وقولهم في الضابط المذكور: وافق العربية ولو بوجه يريدون وجها من وجوه قواعد اللغة سواء أكان أفصح أم فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاها الأئمة بالإسناد الصحيح وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية.\nهاك الحافظ أبا عمرو الداني في كتابه جامع البيان بعد ذكره إسكان كلمة ﴿بَارِئْكُمْ﴾ و﴿يَأمُرْكُمْ﴾ في قراءة أبي عمرو وبعد حكاية إنكار سيبويه لذلك يقول ما نصه: والإسكان أصح في النقل وأكثر في الأداء. وهو الذي أختاره وآخذ به إلى أن قال: وأئمة القراء لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل. والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها ا. هـ.\nقلت وهذا كلام وجيه فإن علماء النحو إنما استمدوا قواعده من كتاب الله تعالى وكلام رسوله وكلام العرب فإذا ثبتت قرآنية القرآن بالرواية المقبولة كان القرآن هو الحكم على علماء النحو وما قعدوا من قواعد ووجب أن يرجعوا هم بقواعدهم إليه لا أن نرجع نحن بالقرآن إلى قواعدهم المخالفة نحكمها فيه وإلا كان ذلك عكسا للآية وإهمالا للأصل في وجوب الرعاية.\nوقولهم في ذلك الضابط: وصح إسناده يريدون به أن يروي تلك القراءة عدل ضابط عن مثله وهكذا إلى الرسول ﷺ من غير شذوذ ولا علة قادحة. بل شرطوا فوق هذا أن تكون الرواية مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط ولا مما شذ به بعضهم. والمحقق ابن الجزري يشترط التواتر ويصرح به في هذا الضابط ويعتبر أن ما اشتهر واستفاض موافقا الرسم والعربية في قوة المتواتر في القطع بقرآنيته وإن كان غير متواتر.","vol":"1","page":422},{"text":"منطوق هذا الضابط ومفهومه:\nيدل هذا الضابط بمنطوقه على أن كل قراءة اجتمع فيها هذه الأركان الثلاثة يحكم بقبولها بل لقد حكموا بكفر من جحدها١. سواء أكانت هذه تلك القراءة مروية عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين. ويدل هذا الضابط بمفهومه على أن كل قراءة لم تتوافر فيها هذه الأركان الثلاثة. يحكم بعدم قبولها. وبعدم كفر من يجحدها. سواء أكانت هذه القراءة مروية عن الأئمة السبعة أم عن غيرهم ولو كان أكبر منهم مقاما وأعظم شأنا. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف كما صرح به الداني ومكي والمهدوي وأبو شامة. وناهيك بهؤلاء الأربعة أنهم أئمة في قراءات القرآن وعلوم القرآن.\nقال أبو شامة في كتابه المرشد الوجيز ما نصه: فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وأنها كذلك أنزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط. وحينئذ فلا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره ولا يختص ذلك بنقلها عنهم بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه. والقراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ. غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءاتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما نقل عن غيره ا. هـ. لكن رأى أبي شامة وأضرابه في القراءات السبع غير سديد كما سيجيء.\n_________\n١ قد يقال: لا يسلم لهم ذلك إلا إن كانت القراءة متواترة معلومة من الدين بالضرورة، ويمكن أن يجاب بأن هذه الأركان الثلاثة أمارة التواتر والعلم من الدين بالضرورة. كما يأتي تفصيله. وإذن يكون الحكم صحيحا.","vol":"1","page":423},{"text":"ثم إن مفهوم هذا الضابط المحكوم عليه بما ترى تنضوي تحته بضع صور يخالف بعضها حكم بعض تفصيلا وإن اشتركت كلها في الحكم عليها إجمالا بعدم قبولها كما علمت.\nذلك أن الضابط المذكور يصدق مفهومه بنفي الأركان الثلاثة ويصدق بنفي واحد واثنين منها. ولكل حالة حكم خاص تعلمه من عبارة الإمام مكي التي نسوقها إليك ونصها: فإن سأل سائل: ما الذي يقبل من القراءات الآن فيقرأ به؟ وما الذي يقبل ولا يقرأ به؟ وما الذي لا يقبل ولا يقرأ به فالجواب أن جميع ما روي من القراءات على أقسام: قسم يقرأ به اليوم: وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال وهن أن ينقل عن الثقات عن النبي ﷺ ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغا ويكون موافقا لخط المصحف.\nفإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به وقطع على تعينه وصحته وصدقه لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المصحف وكفر من جحده. قال: والقسم الثاني: ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف. فهذا يقبل ولا يقرأ به١ لعلتين: إحداهما أنه لم يؤخذ عن إجماع إنما أخذ أخبار الآحاد ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد. والعلة الثانية أنه مخالف لما قد أجمع عليه فلا يقطع على تعينه وصحته وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به ولا يكفر من جحده،\n_________\n١ ومعنى هذا أنه يقبل على اعتبار أنه خبر شرعي يصح الاحتجاج به عند من يرى ذلك وهم الحنفية دون الشافعية، ولا يقرأ به على أنه قرآن، ولا ليوم القارئ أحدا أنه قرآن. قال النويري: اعلم أن الذي استقرت عليه المذاهب وآراء العلماء أن من قرأ بها أي الشواذ غير معتقد أنها قرآن ولا موهم أحدا ذلك لما فيها من الأحكام الشرعبة عند من يحتج بها أو الأحكام الأدبية؛ فلا كلام في جواز قراءتها. وعلى هذا يحمل حال من قرأ بها عند المتقدمين. وكذلك أيضا يجوز تدوينها في الكتب والتكلم على ما فيها. وإن قرأها باعتقاد قرآنيتها أو لإيهام قرآنيتها حرم ذلك. ونقل ابن عبد البر في تمهيده إجماع المسلمين عليه اهـ.","vol":"1","page":424},{"text":"ولبئس ما صنع إذا جحده. والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف. قال: ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصارا اهـ.\nثم انبرى المحقق ابن الجزري لذاك التمثيل الذي تركه مكي اختصارا فقال:-\nمثال القسم الأول: ملك ومالك ويخدعون ويخادعون وأوصى ووصى ويطوع وتطوع ونحو ذلك من لقراءات المشهورة.\nومثال الثاني قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء: والذكر والأنثى في قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ بحذف لفظ ما خلق. وقراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا بإبدال كلمة أمام من كلمة وراء وبزيادة كلمة صالحة وأما الغلام فكان كافرا بزيادة كلمة كافرا ونحو ذلك مما ثبت برواية الثقات إلى أن قال:\nومثال القسم الثالث مما نقله غير ثقة كثير كما في كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف كقراءة ابن السميفع وأبي السمال وغيرهما في ﴿نُنَجِّيكَ١ بِبَدَنِكَ﴾ بالجيم المعجمة ولمن خلفك آية بفتح اللام أي من قوله خلفك بسكونها. وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ﵁ والتي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي وغيره إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ\n_________\n١ هنا سقط. والصواب ننحيك بالحاء المهملة في ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ الخ.","vol":"1","page":425},{"text":"الْعُلَمَاءُ برفع الهاء ونصب الهمزة يعني برفع لفظ الجلالة ونصب لفظ العلماء.\nوقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه فتكلف توجيهها فإنها لا أصل لها وإن أبا حنيفة لبريء منها.\nومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية- ولا يصدر هذا إلا على وجه السهو والغلط وعدم الضبط يعرفه الأئمة المحققون والحفاظ الضابطون وهو قليل جدا بل لا يكاد يوجد.\nوقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع معائش بالهمز ثم قال: ويدخل في هذين القسمين ما يذكره بعض المتأخرين من شراح الشاطبية في وقف حمزة نحو: أسمائهم وأولئك بياء خالصة ونحو شركاؤهم وأحباؤهم بواو خالصة. ونحو بدأكم وأخاه بألف خالصة ونحو را في رأى وترى في تراءى واشمزت في اشمأزت وفاداراتم في فادارأتم بحذف الهمزة في ذلك كله مما يسمونه التخفيف الرسمي ولا يجوز في وجه من وجوه العربية فإنه إما أن يكون منقولا عن ثقة - ولا سبيل إلى ذلك- فهو مما لا يقبل إذ لا وجه له. وإما أن يكون منقولا عن غير ثقة فمنعه أحرى ورده أولى. مع أني تتبعت ذلك فلم أجده منصوصا لحمزة لا بطريق صحيحة ولا ضعيفة.\nثم قال: ويبقى قسم مردود أيضا وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة. فهذا رده أحق ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر. وقد ذكر جواز ذلك عن محمد بن الحسن بن مقسم البغدادي المقرئ النحوي وكان بعد الثلاثمائة.\nقال الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم في كتابه البيان: وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها. فابتدع بدعة ضل بها قصد السبيل قلت: وقد عقد له بسبب ذلك","vol":"1","page":426},{"text":"مجلس ببغداد حضره الفقهاء والقراء وأجمعوا على منعه وأوقف للضرب ورجع وكتب عليه محضر بذلك. كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد وأشرنا إليه في الطبقات اهـ.\nملاحظة:\nإنما اكتفى القراء في ضابط القراءة المشهورة بصحة الإسناد مع الركنين الآخرين ولم يشترطوا التواتر: مع أنه لا بد منه في تحقق القرآنية لأسباب ثلاثة:-\nأحدها: أن هذا ضابط لا تعريف والتواتر قد لوحظ في تعريف القرآن على أنه شطر أو شرط على الأقل. ولم يلحظ في الضابط لأنه يغتفر في الضوابط ما لا يغتفر في التعاريف. فالضوابط ليست لبيان الماهية والحقيقة.\nثانيها: التيسير على الطالب في تمييز القراءات المقبولة من غيرها فإنه يسهل عليه بمجرد رعايته لهذا الضابط أن يميز القراءات المقبولة من غير المقبولة. أما إذا اشترط التواتر فإنه يصعب عليه ذلك التمييز لأنه يضطر في تحصيله إلى أن يصل إلى جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية. وهيهات أن يتيسر له ذلك.\nثالثها: أن هذه الأركان الثلاثة تكاد تكون مساوية للتواتر في إفادة العلم القاطع بالقراءات المقبولة. بيان هذه المساواة أن ما بين دفتي المصحف متواتر ومجمع عليه من الأمة في أفضل عهودها وهو عهد الصحابة فإذا صح سند القراءة ووافقت قواعد اللغة ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم القاطع وإن كانت آحادا.\nولا تنس ما هو مقرر في علم الأثر من أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفت به قرينة توجب ذلك.","vol":"1","page":427},{"text":"فكأن التواتر كان يطلب تحصيله في الإسناد قبل أن يقوم المصحف وثيقة متواترة بالقرآن. أما بعد وجود هذا المصحف المجمع عليه فيكفي في الرواية صحتها وشهرتها ما وافقت رسم هذا المصحف ولسان العرب.\nقال صاحب الكواكب الدرية نقلا عن المحقق ابن الجزري ما نصه: قولنا: وصح سندها نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله وهكذا حتى ينتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم.\nوقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر١. وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن. وهذا مما لا يخفى ما فيه فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من موافقة الرسم وغيره. إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي ﷺ وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم خالفه اهـ.\nوبهذا التوجيه الذي وجهنا به الضابط المذكور يهون اعتراض العلامة النويري في شرحه على الطيبة إذ يقول ما نصه: وقوله: وصح إسنادا ظاهره أن القرآن يكتفي في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط ولا يحتاج إلى تواتر. وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم كما ستراه إن شاء الله تعالى. ولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرؤون أحرفا لا يصح لها سند أصلا ويقولون: التواتر\n_________\n١ أي في هذا الضابط الذي لوحظ فيه وجود الركنيين الآخرين مع هذا الركن. وإنما فسرنا كلامه بذلك لأن التواتر مجرد شرط أو شطر في القرآن كما هو التحقيق. ولأن موضوع حديثه هنا إنما هو اشتراط التواتر في هذا الركن الذي هو جزء من الضابط، كما صرح به أولا، كما يرشد إليه كلامه آخرا.","vol":"1","page":428},{"text":"ليس بشرط. وإذا طولبوا بسند صحيح لا يستطيعون ذلك. ولا بد لهذه المسألة من بعض بسط فلذلك لخصت فيها مذاهب القراء والفقهاء الأربعة المشهورين وما ذكر الأصوليون والمفسرون وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وذكرت في هذا التعليق المهم من ذلك لأنه لا يحتمل التطويل فأقول:\nالقرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة منهم الغزالي وصدر الشريعة وموفق الدين المقدسي وابن مفلح والطوفي هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا. وقال غيرهم: هو الكلام المنزل على رسول الله ﷺ للإعجاز بسورة منه. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر كما قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله. والقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة لأن التواتر عندهم جزء من الحد فلا تتصور ماهية القرآن إلا به. وحينئذ فلا بد من التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة ولم يخالف منهم أحد فيما علمت بعد الفحص الزائد. وصرح به جماعات لا يحصون كابن عبد البر وابن عطية وابن تيمية والتونسي في تفسيره والنووي والسبكي والإسنوي والأذرعي والزركشي والدميري وابن الحاجب والشيخ خليل وابن عرفة وغيرهم رحمهم الله تعالى.\nوأما القراء فأجمعوا في أول الزمان على ذلك وكذلك في آخره لم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكي وتبعه بعض المتأخرين. وهذا كلامهم الخ اهـ. ثم ساق نقولا كثيرة عزاها إليهم يقصر المقام هنا عن عرضها. وفيما ذكرناه كفاية. وهذا التوجيه الذي وجهنا به الضابط السالف يجعل الخلاف كأنه لفظي ويسير بجماعات القراء على جدد الطريق في تواتر القرآن ومن سلك الجدد أمن العثار.\nأنواع القراءات من حيث السند:\nينقل السيوطي عن ابن الجزري أن أنواع القراءات ستة:-","vol":"1","page":429},{"text":"الأول المتواتر: وهو ما رواه جمع عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم: مثاله ما اتفقت الطرق في نقله عن السبعة. وهذا هو الغالب في القراءات.\nالثاني المشهور: هو ما صح سنده بأن رواه العدل الضابط عن مثله وهكذا ووافق العربية ووافق أحد المصاحف العثمانية سواء أكان عن الأئمة السبعة أم العشرة أم غيرهم من الأئمة المقبولين واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ إلا أنه لم يبلغ درجة المتواتر. مثاله: ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض. ومن أشهر ما صنف في هذين النوعين التيسير للداني والشاطبية وطيبة النشر في القراءات العشر. وهذان النوعان هما اللذان يقرأ بهما مع وجوب اعتقادهما ولا يجوز إنكار شيء منهما.\nالنوع الثالث: ما صح سنده وخالف الرسم أو العربية أو لم يشتهر الاشتهار المذكور. وهذا النوع لا يقرأ به ولا يجب اعتقاده. من ذلك ما أخرجه الحاكم من طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قرأ: متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان. ومنه قراءة لقد جاءكم رسول من أنفسكم بفتح الفاء.\nالرابع الشاذ: وهو ما لم يصح سنده كقراءة ابن السميفع: فاليوم ننحيك ببدنك بالحاء المهملة \"لتكون لمن خلفك آية\" بفتح اللام من كلمة ﴿خَلَفَكَ﴾ .\nالخامس الموضوع: وهو ما نسب إلى قائله من غير أصل. مثال ذلك القراءات التي جمعها محمد بن جعفر الخزاعي ونسبها إلى أبي حنيفة. وقد سبق الكلام عليها في شرح الضابط الآنف.","vol":"1","page":430},{"text":"النوع السادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث. وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير كقراءة سعد ابن أبي وقاص \"وله أخ أو أخت من أم\" بزيادة لفظ \"من أم\". وقراءة: \"ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج\" بزيادة لفظ \"في مواسم الحج\" وقراءة الزبير: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم بزيادة لفظ ويستعينون بالله على ما أصابهم.\nوإنما كان شبيها ولم يكن مدرجا لأنه وقع خلاف فيه. قال عمر ﵁: فما أدري أكانت قراءاته يعني الزبير أم فسر أخرجه سعيد بن منصور وأخرجه ابن الأنباري وجزم بأنه تفسير. وكان الحسن يقرأ: \"وإن منكم إلا واردها\" الورود: الدخول قال ابن الأنباري: قوله الورود: الدخول تفسير من الحسن لمعنى الورود. وغلط فيه بعض الرواة فأدخله في القرآن.\nقال ابن الجزري في آخر كلامه: وربما كانوا يدخلون التفسير في الكلام إيضاحا لأنهم متحققون لما تلقوه عن رسول الله ﷺ قرآنا. فهم آمنون من الالتباس انتهى بتصرف تبعنا فيه صاحب الكواكب الدرية.\nتواتر القرآن:\nأكتفي في هذا الموضوع بأن أسوق إليك نقولا ثلاثة فوق ما نقلته عن النويري من قبل:\nأولها: يقول الإمام الغزالي في المستصفى ما نصه: حد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا. ونعني بالكتاب القرآن المنزل. وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله حتى كرهوا التعاشير والنقط،","vol":"1","page":431},{"text":"وأمروا بالتجريد كيلا يختلط بالقرآن غيره ونقل إلينا متواترا فنعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن وأن ما هو خارج عنه فليس منه إذ يستحيل في العرف والعادة مع توافر الدواعي على حفظه أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه. ثم قال: فإن قيل: لم شرطتم التواتر؟ قلنا ليحصل العلم به لأن الحكم بما لا يعلم جهل وكون الشيء كلام الله تعالى أمر حقيقي ليس بوضعي حتى يتعلق بظننا فيقال: إذا ظننتم كذا فقد حرمنا عليكم فعلا أو حللناه لكم فيكون التحريم معلوما عند ظننا ويكون ظننا علامة لتعلق التحريم به. إلى أن قال:\nويتشعب عن حد الكلام مسألتان: إحداهما مسألة التتابع في صوم كفارة اليمين: فإنه ليس بواجب على قول وإن قرأ ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات لأن هذه الزيادة لم تتواتر فليست من القرآن فتحمل على أنه ذكرها في معرض البيان لما اعتقده مذهبا فلعله اعتقد التتابع حملا لهذا المطلق على المقيد بالتتابع في الظهار. وقال أبو حنيفة: يجب التتابع لأنه وإن لم يثبت كونه قرآنا فلا أقل من كونه خبرا والعمل يجب بخبر الواحد. وهذا ضعيف لأن خبر الواحد لا دليل على كذبه وهو١ إن جعله من القرآن فهو خطأ قطعا لأنه وجب على رسول الله ﷺ أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به. وإن لم يجعله من القرآن احتمل أن يكون ذلك مذهبا له لدليل قد دله عليه واحتمل أن يكون خبرا. وما تردد بين\n_________\n١ كذا بالأصل الذي نفلت عنه. ولعل الواو في لفظ وهو زادتها المطبعة خطأ. وجملة لا دليل على كذبه حالية من لفظ الواحد، والمعنى هكذا: لأن خبر الواحد هنا حال كونه لا دليل على كذبه، ولفظ هو ضمير فصل أو عائد على خبر الواحد، إن جعله أبو حنيفة من القرآن الخ. ويمكن أن تكون كلمة وهو كلها مدرجة في الطبع أو النسخ فتدبر.","vol":"1","page":432},{"text":"أن يكون خبرا أو لا يكون فلا يجوز العمل به وإنما يجوز العمل بما يصرح الراوي بسماعه من رسول الله ﷺ.\nأما المسألة الثانية فهي أن البسملة آية من القرآن لكن هل هي آية من أول كل سورة؟ فيه خلاف. وميل الشافعي -﵀- إلى أنها آية من سورة الحمد وسائر السور لكنها في أول كل سورة آية برأسها أو هي مع أول آية من سائر السور آية هذا مما نقل عن الشافعي فيه تردد. وهذا أصح من قول من حمل تردد قول الشافعي على أنها هل هي من القرآن في أول كل سورة؟ بل الذي يصح أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن فهي من القرآن اهـ ما أردنا نقله بتصرف طفيف.\nثانيها: يقول صاحب مسلم الثبوت وشارحه ما نصه: ما نقل آحادا فليس بقرآن قطعا ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب واستدل بأن القرآن مما تتوافر الدواعي على نقله لتضمنه التحدي ولأنه أصل الأحكام باعتبار المعنى والنظم جميعا حتى تعلق بنظمه أحكاما كثيرة ولأنه يتبرك به في كل عصر بالقراءة ولذا علم جهد الصحابة من حفظه بالتواتر القاطع. وكل ما تتوافر دواعي نقله ينقل متواترا عادة. فوجوده ملزوم التواتر عند الكل عادة فإذا انتفى اللازم وهو التواتر انتفى الملزوم قطعا. والمنقول آحادا ليس متواترا فليس قرآنا اهـ.\nثالثها: يقول الحافظ جلال الدين في الإتقان ما نصه: لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله وأجزائه. وأما في محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السنة للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله لأن هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم مما تتوافر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن.","vol":"1","page":433},{"text":"وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله. وليس بشرط في محله ووضعه وترتيبه. بل يكثر فيها نقل الآحاد. قيل وهو الذي يقتضيه صنع الشافعي في إثبات البسملة من كل سورة. ورد هذا المذهب بأن الدليل السابق يقتضي التواتر في الجميع ولأنه لو لم يشترط لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر وثبوت كثير مما ليس بقرآن منه. أما الأول فلأنا لو لم نشترط التواتر في المحل جاز ألا يتواتر كثير من المكررات الواقعة في القرآن. ﴿مثل فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . وأما الثاني فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض في الموضع بنقل الآحاد. وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة. وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا في العربية وإن لم يثبت أن النبي ﷺ قرأ بها. وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطؤوا من قال به. اهـ.\nوقد بنى المالكية وغيرهم ممن قال بإنكار البسملة قولهم على هذا الأصل وقرروا أنها لم تتواتر في أوائل السور وما لم يتواتر فليس بقرآن. وأجيب من قبلنا بمنع كونها لم تتواتر فرب متواتر عند قوم دون آخرين وفي وقت دون آخر. ويكفي في تواترها إثباتها في مصاحف الصحابة فمن بعدهم بخط المصحف مع منعهم أن يكتب في المصحف ما ليس منه كأسماء السور وآمين والأعشار. فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخطه من غير تمييز لأن ذلك يحمل على اعتقاد كونها قرآنا. فيكونون مغررين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا وهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة. فإن قيل: لعلها أثبتت للفصل بين السور. أجيب بأن هذا فيه تغيير،","vol":"1","page":434},{"text":"ولا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل ولو كانت له لكتبت بين براءة والأنفال. اهـ كلام السيوطي.\nوهذه النقول الثلاثة كافية في الموضوع كما ترى لأن عبارتي المستصفى ومسلم الثبوت يقيمان الدليل واضحا على تواتر القرآن وإن اختلف طريقهما في الاستدلال. وعبارة السيوطي تذكر الخلاف في عموم هذا التواتر لما كان أصلا وغير أصل وتؤيد هذا العموم وترد على من قصر التواتر على أصل القرآن دون محله ووضعه وترتيبه.\nالآراء في القراءات السبع:\nهنا يجد الباحث نفسه في معترك مليء بكثرة الخلافات واضطراب النقول واتساع المسافة بين المختلفين إلى حد بعيد.\nوإليك صورة مصغرة تشهد فيها حرب الآراء والأفكار مشبوبة بين الكاتبين في هذا الموضوع:\n١- يبالغ بعضهم في الإشادة بالقراءات السبع ويقول: من زعم أن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر لأنه يؤدي إلى عدم تواتر القرآن جملة. ويعزى هذا الرأي إلى مفتي البلاد الأندلسية الأستاذ أبي سعيد فرج بن لب وقد تحمس لرأيه كثيرا وألف رسالة كبيرة في تأييد مذهبه والرد على من رد عليه.\nولكن دليله الذي استند إليه لا يسلم له فإن القول بعدم تواتر القراءات السبع لا يستلزم القول بعدم تواتر القرآن. كيف؟ وهناك فرق بين القرآن والقراءات السبع بحيث يصح أن يكون القرآن متواترا في غير القراءات السبع أو في القدر الذي اتفق عليه القراء جميعا أو في القدر الذي اتفق عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب قراء كانوا","vol":"1","page":435},{"text":"أو غير قراء بينما تكون القراءات السبع غير متواترة وذلك في القدر الذي اختلف فيه القراء ولم يجتمع على روايته عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة وإن كان احتمالا ينفيه الواقع كما هو التحقيق الآتي.\n٢- يبالغ بعضهم في توهين القراءات السبع والغض من شأنها فيزعم أنه لا فرق بينها وبين سائر القراءات ويحكم بأن الجميع روايات آحاد. ويستدل على ذلك بأن القول يتواترها منكر يؤدي إلى تكفير من طعن في شيء منها مع أن الطعن وقع فعلا من بعض العلماء والأعلام.\nونناقش هذا الدليل بأنا لا نسلم أن إنكار شيء من القراءات يقتضي التكفير على القول بتواترها. وإنما يحكم بالتكفير على من علم تواترها ثم أنكره. والشيء قد يكون متواترا عند قوم غير متواتر عند آخرين وقد يكون متواترا في وقت دون آخر فطعن من طعن منهم يحمل على ما لم يعلموا تواتره منها وهذا لا ينفي التواتر عند من علم به ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .\nويمكن مناقشة هذا الدليل أيضا بأن طعن الطاعنين إنما هو فيما اختلف فيه وكان من قبيل الأداء. أما ما اتفق عليه فليس بموضع طعن. ونحن لا نقول إلا بتواتر ما اتفق عليه دون ما اختلف فيه.\n٣- يقول ابن السبكي في جمع الجوامع وشارحه ومحشيه: القراءات السبع متواترة تواترا تاما أي نقلها عن النبي ﷺ جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم وهلم جرا.\nولا يضر كون أسانيد القراء آحادا إذ تخصيصها بجماعة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم بل هو الواقع فقد تلقاها عن أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم وهلم جرا. وإنما أسندت إلى الأئمة المذكورين ورواتهم المذكورين في أسانيدهم لتصديهم","vol":"1","page":436},{"text":"لضبط حروفها وحفظ شيوخهم الكمل فيها اهـ.\nوقد يناقش هذا بأنها لو تواترت جميعا ما اختلف القراء في شيء منها لكنهم اختلفوا في أشياء منها فإذا لا يسلم أن تكون كلها متواترة.\nويجاب عن هذا بأن الخلاف لا ينفي التواتر بل الكل متواتر وهم فيه مختلفون فإن كل حرف من الحروف السبعة التي نزل بها القرآن بلغه الرسول ﷺ إلى جماعة يؤمن تواطئهم على الكذب حفظا لهذا الكتاب وهم بلغوه إلى أمثالهم وهكذا. ولا شك أن الحروف يخالف بعضها بعضا فلا جرم تواتر كل حرف عند من أخذ به وإن كان الآخر لم يعرفه ولم يأخذ به. وهنا يجتمع التخالف والتواتر. وهنا يستقيم القول بتواتر القراءات السبع بل القراءات العشر كما يأتي.\n٤- ويذهب ابن الحاجب إلى تواتر القراءات السبع غير أنه يستثني منها ما كان من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة. قال البناني على جمع الجوامع: وكأن وجه ذلك أن ما كان من قبيل الأداء بأن كان هيئة للفظ يتحقق اللفظ بدونها كزيادة المد على أصله وما بعده من الأمثلة وما كان من هذا القبيل لا يضبطه السماع عادة لأنه يقبل الزيادة والنقصان بل هو أمر اجتهادي. وقد شرطوا في التواتر ألا يكون في الأصل عن اجتهاد. فإن قيل قد يتصور الضبط في الطبقة الأولى للعلم بضبطها ما سمعته منه ﷺ على الوجه الذي صدر منه من غير تفاوت بسبب تكرر عرضها ما سمعته منه ﷺ. قلنا إن سلم وقوع ذلك لم يفد إذ لا يأتي نظيره في بقية الطبقات فإن الطبقة الأولى لا تقدر عادة على القطع بأن ما تلقته الثانية جار على الوجه الذي نطق به النبي ﷺ. وبما تقرر علم أن الكلام فيما زاد على أصل المد وما بعده لا في الأصل فإنه متواتر.\nالحاصل أنه إن أريد بتواتر ما كان من قبيل الأداء تواتره باعتبار أصله كأن يراد تواتر المد من غير نظر لمقداره وتواتر الإمالة كذلك فالوجه خلاف ما قال","vol":"1","page":437},{"text":"ابن الحاجب للعلم بتواتر ذلك. وإن أريد تواتر الخصوصيات الزائدة على الأصل فالوجه ما قاله ابن الحاجب\nقاله ابن قاسم اهـ بقليل من التصرف.\nلكننا إذا رجعنا لعبارة ابن الحاجب نجدها كما يقول في مختصر الأصول له: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه اهـ وهذا زعم صريح منه بأن المد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوها من قبيل الأداء وأنها غير متواترة. وهذا غير صحيح كما يأتيك نبؤه في مناقشة ابن الجزري له طويلا.\n٥- يذهب أبو شامة إلى أن القراءات السبع متواترة فيما اتفقت الطرق على نقله عن القراء أما ما اختلفت الطرق في نقله عنهم فليس بمتواتر سواء أكان الاختلاف في أداء الكلمة كما ذهب ابن الحاجب أم في لفظها. فالاستثناء هنا أعم مما استثناه ابن الحاجب. وعبارة أبي شامة في كتابه المرشد الوجيز نصها ما يأتي: ما شاع على ألسنة جماعة من متأخري المقرئين وغيرهم من أن القراءات السبع متواترة ونقول به فيما اتفقت الطرق على نقله عن القراء السبعة دون ما اختلفت فيه بمعنى أنه نفيت نسبته إليهم في بعض الطرق. وذلك موجود في كتب القراءات لا سيما كتب المغاربة والمشارقة فبينهما تباين في مواضع كثيرة. والحاصل أنا لا نلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء. أي بل منها المتواتر وهو ما اتفقت الطرق على نقله عنهم وغير المتواتر وهو ما اختلفت فيه بالمعنى السابق. وهذا بظاهره يتناول ما ليس من قبيل الأداء وما هو من قبيله اهـ. نقلا عن الجلال المحلي في شرح جمع الجوامع بتذييل منه.\nورأي أبو شامة هذا كنت أقول في الطبعة الأولى إنه أمثل الآراء فيما أرى وذلك لأمور أربعة:\nأولها: أنه رأي سليم من التوهينات التي نوقشت بها الآراء السابقة.","vol":"1","page":438},{"text":"ثانيها: أن يستند إلى الواقع في دعواه وفي دليله. ذلك أن القراءات السبع وقع اختلاف بعضها حقيقة في النطق بألفاظ الكلمات تارة وبأداء تلك الألفاظ تارة أخرى. ومن هنا كانت الدعوى مطابقة للواقع\nثم إن دليله يقوم على الواقع أيضا في أن بعض الروايات مضطربة في نسبتها إلى الأئمة القراء فبعضهم نفاها وبعضهم أثبتها. وذلك أمارة انتفاء التواتر لأن الاتفاق في كل طبقة من الجماعة الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب لازم من لوازم التواتر. وقد انتفى هذا الاتفاق هنا فينتفي التواتر لما هو معلوم من أنه كلما انتفى اللازم انتفى الملزوم.\nثالثها: أن هذا الرأي صادر عن إخصائي متمهر في القراءات وعلوم القرآن وهو أبو شامة وصاحب الدار أدرى بما فيها.\nرابعها: أن هذا الرأي يتفق وما هو مقرر لدى المحققين من أن القراءات قد تتوافر فيها الأركان الثلاثة المذكورة في ذلك الضابط المشهور وقد تنتفي هذه الأركان الثلاثة كلا أو بعضا لا فرق في هذا بين القراءات السبع وغير السبع على نحو ما تقدم. ويتفق هذا الرأي أيضا وما صرحوا به من تقسيم القراءات باعتبار السند إلى ستة أقسام كما سبق.\nاستدراك:\nلكني بعد معاودة البحث والنظر واتساع أفق اطلاعي فيما كتب أهل التحقيق في هذا الشأن تبين لي أن أبا شامة أخطأه الصواب أيضا فيمن أخطأ وأنني أخطأت في مشايعته وتأييده.\nويضطرني إنصاف الحق أن أكر على الوجوه التي أيدته بها بين يديك فأنقضها وجها وجها. والرجوع إلى الحق فضيلة.","vol":"1","page":439},{"text":"١- فرأي أبي شامة المسطور لم يسلم من مثل تلك التوهينات التي نوقشت بها الآراء السابقة وسترى قريبا شدة مناقشته الحساب في كلام ابن الجزري.\n٢- ثم إن الغطاء قد انكشف عن أن القراءات السبع بل القراءات العشر كلها متواترة في الواقع وأن الخلاف بينها لا ينفي عنها التواتر فقد يجتمع التواتر والتخالف كما بينا عند عرض رأي ابن السبكي وكما يستبين لك الأمر فيما يأتي من تحقيق ابن الجزري.\n٣- أما أن أبا شامة أخصائي متمهر فسبحان من له العصمة والكمال لله تعالى وحده. على أن الذي رد عليه واخترنا رأيه -وهو ابن الجزري- أخصائي متمهر أيضا وإليه انتهت الزعامة في هذا الفن حتى إذا أطلق لقب المحقق لم ينصرف إلا إليه وكم ترك الأول للآخر.\n٤- وأما ما قرره المحققون من تقسيم القراءات إلى متواتر وغير متواتر فهو تقسيم لا يغني عن أبي شامة شيئا في رأيه هذا لأن كلامهم هناك كان في مطلق القراءات أما كلامنا وكلام أبي شامة هنا فهو في خصوص القراءات السبع. وبينهما برزخ لا يبغيان.\nالآراء في القراءات الثلاث المتممة للعشر:\nلقد علمت فيما سبق ما قيل في القراءات السبع من أنها متواترة أو غير متواترة. أما القراءات الثلاث المكملة للعشر فقيل فيها بالتواتر ويعزى ذلك إلى ابن السبكي. وقيل فيها بالصحة فقط ويعزى ذلك إلى الجلال المحلي. وقيل فيها بالشذوذ ويعزى ذلك إلى الفقهاء الذين يعتبرون كل ما وراء القراءات السبع شاذا.","vol":"1","page":440},{"text":"التحقيق تواتر القراءات العشر كلها:\nوالتحقيق الذي يؤيده الدليل هو أن القراءات العشر كلها متواترة وهو رأي المحققين من الأصوليين والقراء كابن السبكي وابن الجزري والنويري بل هو رأي أبي شامة في نقل آخر صححه الناقلون عنه وجوزوا أن يكون الرأي الآنف مدسوسا عليه أو قاله أول أمره ثم رجع عنه بعد. ولعل من الصواب والحكمة أن أترك الكلام هنا للمحقق ابن الجزري يصول فيه ويجول ويسهب ويطرب واضعا للحق في نصابه دافعا للخطأ وشبهاته. فاقرأه واصبر على الإكثار والتطويل فإن المقام دقيق وجليل ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .\nقال -﵀- في كتابه منجد المقرئين ابتداء من الصفحة السابعة والخمسين ما نصه:\nالفصل الثاني في أن القراءات العشر متواترة فرشا وأصولا حال اجتماعهم وافتراقهم وحل مشكل ذلك اعلم أن العلماء بالغوا في ذلك نفيا وإثباتا وأنا أذكر أقوال كل ثم أبين الحق من ذلك. أما من قال بتواتر الفرش١ دون الأصول فابن الحاجب. قال في مختصر الأصول له: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه اهـ. فزعم أن المد والإمالة وما أشبه ذلك من الأصول كالإدغام وترقيق الراءات وتفخيم اللامات ونقل الحركة وتسهيل الهمزة من قبيل الأداء وأنه غير متواتر. وهذا قول غير صحيح كما سنبينه.\n_________\n١ يراد بالفرش الجزئيات التي يقع الخلاف في قراءتها ولا يقاس عليها. كقراءة يخدعون في سورة البقرة لا يقاس عليها ما جاء في سورة النساء من كلمة ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ مع أن الخلاف وقع في قراءة الأولى. ويراد بالأصول الكليات التي تندرج تحتها الجزئيات المتماثلة، كقواعد المد والهمز والإمالة.","vol":"1","page":441},{"text":"أما المد فأطلقه وتحته ما يسكب العبرات فإنه إما أن يكون طبيعيا أو عرضيا. والطبيعي هو الذي لا تقوم ذات حروف المد بدونه كالألف من قال والواو من يقول والياء من قيل. وهذا لا يقول مسلم بعدم تواتره إذ لا تمكن القراءة بدونه. والمد العرضي هو الذي يعرض زيادة على الطبيعي لموجب إما سكون أو همز.\nفأما السكون فقد يكون لازما كما في فواتح السور وقد يكون مشددا نحو آلم ق ن ولا الضالين ونحوه فهذا يلحق بالطبيعي لا يجوز فيه القصر لأن المد قام مقام حرف توصلا للنطق بالساكن. وقد أجمع المحققون من الناس على مده قدرا سواء. وأما الهمز فعلى قسمين: الأول إما أن يكون حرف المد في كلمة والهمز في أخرى وهذا تسميه القراء منفصلا واختلفوا في مده وقصره وأكثرهم على المد فادعاؤه عدم تواتر المد فيه ترجيح بلا مرجح ولو قال العكس لكان أظهر لشبهته لأن أكثر القراء على المد. الثاني أن يكون حرف المد والهمز في كلمة واحدة وهو الذي يسمى متصلا. وقد أجمع القراء سلفا وخلفا من كبير وصغير وشريف وحقير على مده لا خلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن بعض من لا يعول عليه بطريق شاذة فلا تجوز القراءة به. حتى إن إمام الرواية أبا القاسم الهذلي - الذي دخل المشرق والمغرب وأخذ القراءة عن ثلاثمائة وخمسة وستين شيخا وقال: رحلت من آخر المغرب إلى فرغانة يمينا وشمالا وجبلا وبحرا وألف كتابه الكامل الذي جمع فيه بين الذرة وأذن الجرة من صحيح وشاذ ومشهور ومنكر- قال في باب المد في فصل المتصل: لم يختلف في هذا الفصل أنه ممدود على وتيرة واحدة فالقراء فيه على نمط واحد وقدروه بثلاث ألفات- إلى أن قال- وذكر العراقي أن الاختلاف في مد كلمة واحدة كالاختلاف في مد كلمتين ولم أسمع هذا لغيره. وطالما مارست الكتب والعلماء فلم أجد من يجعل مد الكلمة الواحدة كمد الكلمتين إلا العراقي. قلت: والعراقي هو منصور بن أحمد المقرئ كان بخراسان. ولقد أخطأ","vol":"1","page":442},{"text":"في ذلك وشيوخه الذين قرأ عليهم نعرفهم الإمام أبو بكر بن مهران وأبو الفرج الشنبوذي وإبراهيم بن أحمد المروزي ولم يرو عنهم شيء من ذلك في طريق من الطرق.\nفإذا كان ذلك يجسر ابن الحاجب أو من هو أكبر منه على أن يقدم على ما أجمع عليه فيقول: هو غير متواتر فهذه أقسام المد العرضي أيضا متواترة: لا يشك في ذلك إلا جاهل. وكيف يكون المد غير متواتر وقد أجمع عليه الناس خلفا عن سلف؟\nفإن قيل: قد وجدنا القراء في بعض الكتب كالتيسير للحافظ الداني وغيره جعل لهم فيما مد للهمز مراتب في المد إشباعا وتوسطا وفوقه ودونه وهذا لا ينضبط إذ المد لا حد له. وما لا ينضبط كيف يكون متواترا؟ قلت: نحن لا ندعي أن مراتبه متواترة وإن كان قد ادعاه طائفة من القراء والأصوليين. بل نقول: إن المد العرضي من حيث هو متواتر مقطوع به قرأ به النبي ﷺ وأنزل الله تعالى عليه وأنه ليس من قبيل الأداء فلا أقل من أن نقول القدر المشترك متواتر. وأما ما زاد على القدر المشترك كعاصم وحمزة وورش فهو إن لم يكن متواترا فصحيح مستفاض١ متلقى بالقبول. ومن ادعى تواتر الزائد على القدر المشترك فليبين.\nوأما الإمالة على نوعيها فهي وضدها لغتان فاشيتان من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن مكتوبتان في المصاحف متواترتان وهل يقول أحد في لغة أجمع الصحابة والمسلمون على كتابتها في المصاحف إنها من قبيل الأداء؟ وقد نقل الحافظ الحجة أبو عمرو الداني في كتابه إيجاز البيان الإجماع على أن الإمالة لغة لقبائل العرب دعاهم إلى الذهاب إليها التماس الخفة. وقال الإمام أبو القاسم الهذلي في كتاب الكامل: إن الإمالة والتفخيم لغتان ليست إحداهما أقدم من الأخرى: بل نزل القرآن بهما جميعا - إلى أن قال- والجملة\n_________\n١ كذا بالأصل. ولعل صوابه مستفيض.","vol":"1","page":443},{"text":"بعد التطويل أن من قال إن الله تعالى لم ينزل القرآن بالإمالة أخطأ وأعظم الفرية على الله تعالى وظن بالصحابة خلاف ما هم عليه من الورع والتقى.\nقلت: كأنه يشير إلى كونهم كتبوا بالإمالة في المصاحف نحو يحيى وموسى وهدى ويسعى والهدى ويغشيها وجليها وآسى وآتينكم وما أشبه ذلك مما كتبوه بالياء على لغة الإمالة وكتبوا مواضع تشبه هذا بالألف على لغة الفتح منها قوله ﷿ في سورة إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حتى إنهم كتبوا ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ في البقرة بالياء وكتبوا ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ بالألف وأي دليل أعظم من ذلك؟\nقال الهذلي: وقد أجمعت الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على الأخذ والقراءة والإقراء بالإمالة والتفخيم. وذكر أشياء ثم قال: وما أحد من القراء إلا رويت عنه إمالة قلت أو كثرت إلى أن قال وهي يعني الإمالة لغة هوازن وبكر بن وائل وسعد بن بكر.\nوأما تخفيف الهمزة ونحوه من النقل والإدغام وترقيق الراءات وتفخيم اللامات فمتواتر قطعا معلوم أنه منزل من الأحرف السبعة ومن لغات العرب الذين لا يحسنون غيره وكيف يكون غير متواتر أو من قبيل الأداء؟ وقد أجمع القراء في مواضع على الإدغام في مثل ﴿مُدَّكِرٍ، أَثْقَلَتْ١ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا، مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ وكذلك أجمع القراء في مواضع على تخفيف الهمز نحو ﴿آلْآنَ، آللَّهُ، آلذَّكَرَيْنِ﴾ في الاستفهام وفي مواضع على النقل نحو ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ويرى ونرى وعلى ترقيق الراءات في مواضع نحو ﴿فِرْعَوْنَ، مِرْيَةٍ﴾ وعلى تفخيم اللامات في مواضع نحو اسم الجلالة بعد الضمة والفتحة.\n_________\n١ لعله يريد إدغام التاء في الدال.","vol":"1","page":444},{"text":"وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على كتابة الهمزة الثانية من قوله تعالى في آل عمران ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بواو. قال أبو عمرو الداني وغيره: إنما كتبوا ذلك على إرادة تسهيل الهمزة بين بين اهـ. وكيف يكون ما أجمع عليه القراء أمما عن أمم غير متواتر. وإذا كان المد وتخفيف الهمز والإدغام غير متواتر على الإطلاق فما الذي يكون متواترا؟ أقصر آلم ودابة وأولئك الذي لم يقرأ به أحد من الناس؟ أم تخفيف همزة ﴿آلذَّكَرَيْنِ، آللَّهُ﴾ الذي أجمع الناس على أنه لا يجوز وأنه لحن؟ أم إظهار ﴿مُدَّكِرٍ﴾ الذي أجمع الصحابة والمسلمون على كتابته وتلاوته بالإدغام؟ فليت شعري من الذي تقدمه قبل بهذا القول فقفى أثره والظاهر أنه لما سمع قول الناس: إن التواتر فيما ليس من قبيل الأداء ظن أن المد والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه من قبيل الأداء فقال غير مفكر فيه.\nوإلا فالشيخ أبو عمرو لو فكر فيه لما أقدم عليه أو لو وقف على كلام إمام الأصوليين من غير مدافعة القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني في كتاب الانتصار حيث قال: جميع ما قرأ به قراء الأمصار مما اشتهر عنهم استفاض نقله. ولم يدخله في حكم الشذوذ بل رآه سائغا جائزا من همز وإدغام ومد وتشديد وحذف وإمالة أو ترك ذلك كله أو شيء منه أو تقديم أو تأخير فإنه كله منزل من عند الله تعالى ومما وقف الصحابة على صحته وخير بينه وبين غيره وصوب للجميع القراءة به قال: ولو سوغنا لبعض القراء إمالة ما لم يمله الرسول ﷺ والصحابة أو غير ذلك لسوغنا لهم جميع قراءة الرسول ﷺ ثم أطال -﵀- الكلام على تقدير ذلك وجوز أن يكون النبي ﷺ أقرأ واحدا بعض القرآن بحرف وبعضه بحرف آخر على ما قد يراه أيسر على القارئ اهـ.\nقلت: وظهر من هذا إن اختلاف القراء في الشيء الواحد مع اختلاف المواضع قد أخذه الصحابي كذلك من رسول الله ﷺ وأقرأه كذلك إلى أن اتصل بالقراء.\nنحو قراءة حفص مجريها بالإمالة فقط ولم يمل في القرآن غيره وقراءة ابن عامر","vol":"1","page":445},{"text":"إبراهام في مواضع محصورة وقراءة أبي جعفر يحزن في الأنبياء فقط بضم الياء وكسر الزاي وفي باقي القرآن بفتح الياء وضم الزاي وقراءة نافع عكسه في جميع القرآن بضم الياء وكسر الزاي إلا في الأنبياء فإنه فتح الياء وضم الزاي وشبه ذلك مما يقول القراء عنه: جمع بين اللغتين.\nوليت الإمام ابن الحاجب أخلى كتابه من ذكر القراءات وتواترها كما أخلى غيره كتبهم منها. وإذ قد ذكرها فليته لم يتعرض إلى ما كان من قبيل الأداء. وإذ قد تعرض فليته سكت عن التمثيل فإنه إذا ثبت أن شيئا من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواترا عن النبي ﷺ كتقسيم وقف حمزة وهشام وأنواع تسهيله فإنه وإن تواتر تخفيف الهمز في الوقف عن رسول الله ﷺ فلم يتواتر أنه وقف على موضع بخمسين وجها ولا بعشرين ولا بنحو ذلك. وإنما إن صح شيء منها فوجه والباقي لا شك أنه من قبيل الأداء١.\nولما قال ابن السبكي في كتابه جمع الجوامع: والسبع متواترة قيل: فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه وسئل عن زيادته على ابن الحاجب قيل المقتضية لاختياره أن ما هو من قبيل الأداء كالمد والإمالة إلى آخره متواتر فأجاب -﵀- في كتابه منع الموانع: أعلم أن السبع متواترة والمد متواتر والإمالة متواترة كل هذا بين لا شك فيه. وقول ابن الحاجب: فيما ليس من قبيل الأداء صحيح لو تجرد عن\nقوله: كالمد والإمالة. لكن تمثيله بهما أوجب فساده كما سنوضحه من بعد فلذلك قلنا: قيل ليتبين أن القول بأن المد والإمالة والتخفيف غير متواترة\n_________\n١ لعلك فهمت أن مرادهم بكلمة من قبيل الأداء ما يتصل بتقدير الأصول المتواترة. مثلا المد للهمز أصل جاء متواترا. أما تقديره بأربع حركات أو ست فليس بمتواتر، لأنه لا يسهل ضبطه. وقيل فيه بالتواتر أيضا.","vol":"1","page":446},{"text":"ضعيف عندنا بل هي متواترة. ثم أخذ يذكر المد والإمالة والتخفيف - إلى أن قال- فإذا عرفت ذلك فكلامنا قاض بتواتر السبع. ومن السبع مطلق المد والإمالة وتخفيف الهمز بلا شك.\nأما من قال: إن القراءات متواترة حال اجتماع القراء لا حال افتراقهم فأبو شامة قال في المرشد الوجيز في الباب الخامس منه: فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما نقل عن غيرهم. فمما نسب إليهم وفيه إنكار أهل اللغة وغيرهم الجمع بين الساكنين في تاءات البزي وإدغام أبي عمرو وقراءة حمزة فما \"استطاعوا\" وتسكين من أسكن \"بارئكم\" ونحوه \"وسبأ ويا بني ومكر السيئ\" وإشباع الياء في \"يرتقي ويتقي ويبصر١ وأفئدة من الناس\" وقراءة ملائكة بفتح الهمزة وهمز ساقها٢ وخفض والأرحام في أول النساء ونصب كن فيكون والفصل بين المتضايفين في الأنعام وغير ذلك إلى أن قال: فكل ذلك محمول على قلة ضبط الرواة فيه ثم قال: إن صح النقل فيه فهو من بقايا الأحرف السبعة التي كانت القراءة المباحة عليه على ما هو جائز في العربية فصيحا كان أو دون ذلك. وأما بعد كتابة المصاحف على اللفظ المنزل فلا ينبغي قراءة ذلك اللفظ إلا على اللغة الفصحى من لغة قريش وما نسبها حملا لقراءة النبي ﷺ والسادة من أصحابه على ما هو اللائق فإنهم إنما كتبوه على لغة قريش فكذا قراءتهم به. قال: وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين: أن القراءات السبع كلها متواترة أي في\n_________\n١ كذا بالأصل فتأمله.\n٢ لعل الصواب سوقه من قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ فتدبر.","vol":"1","page":447},{"text":"كل فرد فرد ممن روى عن هؤلاء الأئمة السبعة. قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله تعالى واجب. قال: ونحن بهذا نقول لكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها.\nفانظر يا أخي إلى هذا الكلام الساقط الذي خرج من غير تأمل المتناقض في غير موضع في هذه الكلمات اليسيرة أوقفت عليه شيخنا الإمام ولي الله تعالى أبا محمد بن محمد بن محمد الجمالي ﵁ فقال: ينبغي أن يعدم هذا الكتاب من الوجود ولا يظهر ألبتة وإنه طعن في الدين. قلت: ونحن يشهد الله أننا لا نقصد إسقاط الإمام أبي شامة إذ الجواد قد يعثر ولا يجهل قدره. بل الحق أحق أن يتبع. ولكن نقصد التنبيه على هذه الزلة المزلة ليحذر منها من لا معرفة له بأقوال الناس ولا اطلاع له على أحوال الأئمة.\nأما قوله: فمما نسب إليهم وفيه إنكار أهل اللغة الخ فغير لائق بمثله أن يجعل ما ذكره منكرا عند أهل اللغة.\nوعلماء اللغة والإعراب الذين عليهم الاعتماد سلفا وخلفا يوجهونها ويستدلون بها. وأنى يسعهم إنكار قراءة تواترت أو استفاضت عن رسول الله ﷺ إلا نويس لا اعتبار بهم لا معرفة لهم بالقراءات ولا بالآثار جمدوا على ما علموا من القياسات وظنوا أنهم أحاطوا بجميع لغات العرب أفصحها وفصيحها حتى لو قيل لأحدهم شيء من القرآن على غير النحو الذي أنزل الله يوافق قياسا ظاهرا عنده ولم يقرأ بذلك أحد لقطع له بالصحة. كما أنه لو سئل عن قراءة متواترة لا يعرف لها قياسا لأنكرها ولقطع بشذوذها حتى إن بعضهم قطع في قوله ﷿: ﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا﴾ بأن الإدغام الذي أجمع عليه الصحابة ﵃ والمسلمون لحن وأنه لا يجوز عند العرب لأن الفعل الذي هو تأمن مرفوع فلا وجه لسكونه حتى يدغم في النون التي تليه.","vol":"1","page":448},{"text":"فانظر يا أخي إلى قلة حياء هؤلاء من الله تعالى. يجعلون ما عرفوه من القياس أصلا والقرآن العظيم فرعا حاشا العلماء المتقدى بهم من أئمة اللغة والإعراب من ذلك. بل يجيئون إلى كل حرف مما تقدم ونحوه يبالغون في توجيهه والإنكار على من أنكره. حتى إن إمام اللغة والنحو أبا عبد الله محمد بن مالك قال في منظومته الكافية الشافية في الفصل بين المتضايفين:\nوعمدتي قراءة ابن عامر ... فكم لها من عاضد وناصر\nولولا خوف الطول وخروج الكتاب عن مقصوده لأوردت ما زعم أن أهل اللغة أنكروه وذكرت أقوالهم فيها ولكن إن مد الله في الأجل لأضعن كتابا مستقلا في ذلك يشفي القلب ويشرح الصدر أذكر فيه جميع ما أنكره من لا معرفة له بقراءة السبعة والعشرة.\nولله در الإمام أبي نصر الشيرازي حيث حكى في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ كلام الزجاجي في تضعيف قراء الخفض. ثم قال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ واستقبح ما قرأ به. وهذا مقام محظور لا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو. ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح وإن كان غيره أفصح منه فإنا لا ندعي أن كل ما في القراءات على أرفع الدرجات من الفصاحة.\nوقال الإمام الحافظ أبو عمرو الداني في كتابه جامع البيان عند ذكر إسكان بارئكم ويأمركم لأبي عمرو بن العلاء: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية. بل على الأثبت في الأثر والأصح في","vol":"1","page":449},{"text":"النقل. والرواية إذا ثبتت عندهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة فلزم قبولها والمصير إليها.\nقلت: ثم لم يكف الإمام أبا شامة حتى قال: فكل ذلك يعني ما تقدم محمول على قلة ضبط الرواة لا والله. بل كله محمول على كثرة الجهل ممن لا يعرف لها أوجها وشواهد صحيحة تخرج عليها كما سنبينه إن شاء الله تعالى في الكتاب الذي وعدنا به آنفا إذ هي ثابتة مستفاضة ورواتها أئمة ثقات. وإن كان ذلك محمولا على قلة ضبطهم فليت شعري أكان الدين قد هان أهله؟ حتى يجيء شخص في ذلك الصدر يدخل في القراءة بقلة ضبطه ما ليس منها فيسمع منه ويأخذ عنه ويقرأ به في الصلاة وغيرها ويذكره الأئمة في كتبهم ويقرؤون به ويستفاض ولم يزل كذلك إلى زماننا هذا لا يمنع أحد من أئمة الدين القراءة به مع أن الإجماع منعقد على أن من زاد حركة أو حرفا في القرآن أو نقص ما تلقاء نفسه مصرا على ذلك يكفر والله جل وعلا تولى حفظه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ .\nوأعظم من ذلك تنزله إذ قال: وعلى تقدير صحتها وأنها من الأحرف السبعة لا ينبغي قراءتها حملا لقراء النبي ﷺ وأصحابه على ما هو اللائق بهم. فإذا كان النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم لم يقرؤوا بها مع تقدير صحتها وأنها من الأحرف السبعة فمن أوصلها إلى هؤلاء الذين قرؤوا بها.\nثم يقول: فلا أقل من اشتراط ذلك يعني اشتراط الشهرة والاستفاضة. قلت: ألا تنظرون إلى هذا القول؟ ثم أأحد في الدنيا يقول: إن قراءة ابن عامر وحمزة وأبي عمرو ومن اجتمع عليه أهل الحرمين والشام أبي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وقراءة","vol":"1","page":450},{"text":"البزي وقنبل وهشام إن تلك غير مشهورة ولا مستفاضة وإن لم تكن متواترة؟ هذا كلام من لم يدر ما يقول حاشا الإمام أبا شامة منه. وأنا من فرط اعتقادي فيه أكاد أجزم بأنه ليس من كلامه في شيء. ربما يكون بعض الجهلة المتعصبين ألحقه بكتابه أو أنه ألف هذا الكتاب أول أمره كما يقع لكثير من المصنفين. وإلا فهو في غيره من مصنفاته كشرحه على الشاطبية بالغ في الانتصار والتوجيه لقراءة حمزة والأرحام بالخفض والفصل بين المتضايفين. ثم قال في الفصل: ولا التفات إلى قول من زعم أنه لم يأت في الكلام مثله لأنه ناف ومن أسند هذه القراءة مثبت والإثبات مرجح على النفي بالإجماع. قال: ولو نقل إلى هذا الزاعم عن العرب أنه استعمله في النثر لرجع عن قوله. فما باله ما يكتفي بناقلي القراءة من التابعين عن الصحابة ﵃ ثم أخذ في تقرير ذلك. قلت: هذا الكلام مباين لما تقدم وليس منه في شيء. وهو الأليق بمثله ﵀.\nثم قال أبو شامة في المرشد بعد ذلك القول: فالحاصل أنا لسنا ممن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها. قلت: ونحن كذلك لكن في القليل منها كما تقدم في الباب الثاني١.\nقال: وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها كإدغام أبي عمرو ونقل الحركة لورش وصلة ميم الجمع وها الكناية لابن كثير أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلا أنه بقي عليه التواتر\n_________\n١ يشير بذلك إلى مثل قراءة هشام ﴿أَفْئِدَةُ﴾ بياء بعد الهمز. فإنه اعتبره صحيحا مقطوعا به وإن لم يتواتر، لأن استفاضته وموافقته الرسم والعربية قرائن مثلها يفيد العلم في غير المتواتر. انظر المنجد ص ١٩.","vol":"1","page":451},{"text":"من ذلك الإمام إلى النبي ﷺ في كل فرد فرد من ذلك. ومن ثم تسكب العبرات فإنها من ثم لم ينقلها إلا آحاد إلا اليسير منها.\nقلت: هذا من جنس ذلك الكلام المتقدم. أوقفت عليه شيخنا الإمام واحد زمانه شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب بيبرود الشافعي فقال لي: معذور أبو شامة حيث إن القراءات كالحديث مخرجها كمخرجه إذا كان مدارها على واحد كانت آحادية وخفي عليه أنها نسبت إلى ذلك الإمام اصطلاحا وإلا فكل أهل بلدة كانوا يقرؤونها أخذوها أمما عن أمم. ولو انفرد واحد بقراءة دون أهل بلده لم يوافقه على ذلك أحد بل كانوا يجتنبونها ويأمرون باجتنابها.\nقلت: صدق. ومما يدل على هذا ما قال ابن مجاهد: قال لي قنبل: قال القواس في سنة سبع وثلاثين ومائتين. الق هذا الرجل يعني البزي فقل له: هذا الحرف ليس من قراءتنا. يعني ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ مخففا. وإنما يخفف من الميت من قد مات ومن لم يمت فهو مشدد. فلقيت البزي فأخبرته فقال له: قد رجعت عنه وقال محمد ابن صالح: سمعت رجلا يقول لأبي عمرو: كيف تقرأ ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾؟ فقال: ﴿لا يُعَذِّبُ﴾ بالكسر. فقال له الرجل: كيف؟ وقد جاء عن النبي ﷺ لا يعذب بالفتح. فقال له أبو عمرو: لو سمت الرجل الذي قال: سمت النبي ﷺ ما أخذته عنه. أو تدري ما ذاك؟ لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة. قال الشيخ أبو الحسن السخاوي: وقراءة الفتح أيضا ثابتة بالتواتر. قلت: صدق لأنها قراءة الكسائي. قال السخاوي: وقد تواتر الخبر عند قوم دون قوم. وإنما أنكرها أبو عمرو لأنها لم تبلغه على وجه التواتر.\nقلت: وهذا كان من شأنهم على أن تعيين هؤلاء القراء ليس بلازم ولو عين غير","vol":"1","page":452},{"text":"هؤلاء لجاز. وتعيينهم إما لكونهم تصدو للإقراء أكثر من غيرهم أو لأنهم شيوخ المعين كما تقدم. ومن ثم كره من كره من السلف أن تنسب القراءة إلى أحد. روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكوهون سند فلان وقراءة فلان. قلت: وذلك خوفا مما توهمه أبو شامة من القراءة إذا نسبت إلى شخص تكون آحادية. ولم يدر أن كل قراءة نسبت إلى قارئ من هؤلاء كان قراؤها زمن قارئها وقبله أكثر من قرائها في هذا الزمن وأضعافهم. ولو لم يكن انفراد القراء متواترا لكان بعض القرآن غير متواتر لأنا نجد في القرآن أحرفا تختلف القراء فيها وكل منهم على قراءة لا توافق الآخر كأرجه وغيرها فلا يكون شيء منها متواترا. وأيضا قراءة من قرأ مالك ويخادعون فكثير من القرآن غير متواتر لأن التواتر لا يثبت باثنين ولا بثلاثة.\nقال الإمام الجعبري في رسالته: وكل وجه من وجوه قراءته كذلك يعني متواترا لأنها أبعاضه. ثم قال: فظهر من هذا فساد قول من قال: هو متواتر دونها إذ هو عبارة عن مجموعها.\nثم قال ابن الجزري: ومما يحقق لك أن قراءة أهل كل بلد متواترة بالنسبة إليهم أن الإمام الشافعي ﵁ جعل البسملة من القرآن مع أن روايته عن شيخه مالك تقتضي عدم كونها من القرآن لأنه من أهل مكة وهم يثبتون البسملة بين السورتين ويعدونها من أول الفاتحة آية وهو قرأ قراءة ابن كثير على إسماعيل القسط عن ابن كثير فلم يعتمد في روايته عن مالك في عدم البسملة لأنها آحاد واعتمد على قراءة ابن كثير لأنها متواترة وهذا لطيف فتأمله فإنني كنت أجد في كتب أصحابنا يقولون: إن الشافعي ﵁ روى حديث عدم البسملة عن مالك ولم يعول عليه فدل على أنه ظهرت له فيه علة وإلا لما ترك العمل به. قلت: ولم أر أحدا من أصحابنا","vol":"1","page":453},{"text":"بين العلة فبينا أنا ليلة مفكر إذ فتح الله تعالى بما تقدم - والله تعالى أعلم- أنها هي العلة مع أني قرأت القرآن برواية إمامنا الشافعي عن ابن كثير كالبزي وقنبل. ولما علم بذلك بعض أصحابنا من كبار الأئمة الشافعية قال لي: أريد أن أقرأ عليك القرآن بها.\nومما يزيدك تحقيقا ما قاله أبو حاتم السجستاني قال: أول من تتبع بالبصرة وجوه القراءات وألفها وتتبع الشاذ منها هارون بن موسى الأعور. قال: وكان من القراء. فكره الناس ذلك وقالوا: قد أساء حين ألفها. وذلك أن القراءة إنما يأخذها قرون وأمة عن أفواه أمة ولا يلتفت منها إلا ما جاء من راو راو. قلت: يعني آحادا آحادا.\nوقال الحافظ العلامة أبو سعيد خليل كيكلدي العلائي في كتابه المجموع المذهب: وللشيخ شهاب الدين أبي شامة في كتابه المرشد الوجيز وغيره كلام في الفرق بين القراءات السبع١ والشاذة منها. و٢كلام غيره من متقدمي القراء ما يوهم أن القراءات السبع ليست متواترة كلها وأن أعلاها ما اجتمع فيه صحة السند وموافقة خط المصحف الإمام والفصيح من لغة العرب وأنه يكفي فيها الاستفاضة وليس الأمر كما ذكر هؤلاء. والشبهة دخلت عليهم مع انحصار أسانيدها في رجال معروفين وظنوها كاجتهاد الآحاد٣.\n_________\n١ كذا بالأصل. ولعله قد سقطت هنا كلمة المتواتر، ولعل كلمة والشاذة أصلها والشاذ بدون تاء مربوطة. فتدبر.\n٢ كذا بالأصل. ولعله قد سقطت هنا كلمة في ويكون الصواب: وفي كلام غيره فتأمل.\n٣ لعل أصله: فظنوها كأخبار الآحاد.","vol":"1","page":454},{"text":"قلت: وقد سألت شيخنا إمام الأئمة أبا المعالي رحمه الله تعالى عن هذا الموضع فقال: انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القرآن عن غيرهم. فلقد كان يتلقاه أهل كل بلد يقرؤه منهم الجم الغفير عن مثلهم وكذلك دائما. والتواتر حاصل لهم. ولكن الأئمة الذين تصدوا لضبط الحروف وحفظوا شيوخهم منها وجاء السند من جهتهم١.\nوهذه الأخبار الواردة في حجة الوداع ونحوها أجلى٢ ولم تزل حجة الوداع منقولة فمن٣ يحصل بهم التواتر عن مثلهم في كل عصر فهذه كذلك. وقال هذا موضع ينبغي التنبه له. انتهى والله أعلم.\nذلك ما قاله العلامة ابن الجزري في هذا المقام من كتابه المنجد ولعله فصل الخطاب في هذا الموضوع ولذلك آثرنا أن ننقله إليك محاولين حسن عرضه وضبطه والتعليق عليه مختصرا بقدر الإمكان. ولقد كنت أود أن تكون النسخة التي نقلت منها أكثر تحريرا مما رأيت ولكن ما الحيلة؟ وهي أول طبعة عن نسخة مخطوطة برواق المغاربة من الأزهر الشريف ومن شأن البدايات أن يكون فيها نقص ثم تصير إلى الكمال في النهاية إن شاء الله.\n_________\n١، ٢ لعل في هذين الموضعين سقطا.\n٣ صواب هذه الفاء أن تكون عينا أو ميما أو باء.","vol":"1","page":455},{"text":"ب -<span data-type=\"title\" id=toc-125> القراء</span>\nالقراء جمع قارئ وهو في اللغة اسم فاعل من قرأ. ويطلق في الاصطلاح على أمام من الأئمة المعروفين الذين تنسب إليهم القراءات السابقة. وقد سردنا عليك أسماءهم. ونتحفك هنا بنبذة قصيرة عن كل واحد من مشهوريهم وعن بعض من اشتهر بالرواية عنه لتطلع على لمحة من فضلهم ولتتصل اتصالا علميا بهذه الفئة الكريمة التي لها هذا الأثر الرائع في المحافظة على أداء القرآن الكريم بتلك الطرق المدوية في جميع أنحاء العالم الإسلامي مدى تلك القرون الطويلة.\nونحن لا نريد بهذه الكلمات استقصاء تاريخهم ولا الأدوار التي مرت قراءاتهم. فذلك شوط واسع. أفرده بالتأليف جماعة منهم الذهبي وابن الجزري في طبقات القراء١.\nالقراء السبعة ﵏:\n١- ابن عامر\nاسمه عبد الله اليحصبي نسبة إلى يحصب وهو فخذ من حمير ويكنى أبا نعيم وأبا عمران. وهو تابعي جليل لقى وائلة بن الأسقع والنعمان بن بشير وقد أخذ القراءة عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان عن رسول الله ﷺ وقيل إنه\n_________\n١ طبقات القراء لابن الجزري عولت عليها في تراجم القراء خصوصا عند الاختلاف بين المراجع، لأنه هو المعروف بالمحقق. وبهذه المناسبة أريد أن تقضى العجب أو الأسف معي على أن الذي عنى بطبع هذا الكتاب ونشره هو المستشرق الألماني ج. برجستراسر كما سمعت أنه طبع كتابا بمصر أيضا في القراءات لابن خالويه، ثم نقله إلى بلاده، ومصر كلها محرومة منه.","vol":"1","page":456},{"text":"قرأ على عثمان نفسه وقد توفي بدمشق سنة ١١٨ ثماني عشرة ومائة وقد اشتهر برواية قراءته هشام وابن ذكوان ولكن بواسطة أصحابه.\nفأما هشام فقد أخذ القراءة عن عراك بن خالد المزي عن يحيى بن الحارث الذماري عن ابن عامر. وكان هشام قاضيا فقيها محدثا ثقة ضابطا توفي بدمشق سنة خمس وأربعين ومائتين.\nوأما ابن ذكوان فهو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشي الدمشقي. أخذ القراءة عن أيوب بن تميم عن يحيى بن الحارث الذماري عن ابن عامر يقول أبو زرعة فيه: إنه الحافظ الدمشقي لم يكن بالعراق ولا بالحجاز ولا بالشام ولا بمصر ولا بخراسان في زمن ابن ذكوان عندي أقرأ منه توفي سنة ٢٤٢ اثنتين وأربعين ومائتين.\nوفي ابن عامر وراوييه يقول صاحب الشاطبية:-\nوأما دمشق الشام دار ابن عامر ... فتلك بعبد الله طابت محللا\nهشام وعبد الله وهو انتسابه ... لذكوان بالإسناد عنه تنقلا\n٢- ابن كثير\nهو أبو محمد أو أبو معبد عبد الله بن كثير الداري. كان إمام الناس في القراءة بمكة تحفه السكينة ويحوطه الوقار. لقى من الصحابة عبد الله بن الزبير وأبا أيوب الأنصاري وأنس بن مالك.\nوروي عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ. وقرأ على عبد الله بن السائب المخزومي. وقرأ عبد الله هذا على أبي بن كعب وعمر بن الخطاب. وكلاهما قرأ على رسول الله ﷺ. وتوفي سنة ١٢٠ عشرين ومائة بمكة المكرمة. وقد اشتهر بالرواية عنه ولكن بواسطة أصحابه البزي وقنبل.","vol":"1","page":457},{"text":"أما البزي فهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة. فالبزي نسبة إلى بزة هذا وهو جده الأعلى. كان إماما ضابطا ثقة انتهت إليه مشيخة الإقراء بمكة روي عن عكرمة بن سليمان عن شبل بن عباد وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين عن ابن كثير. وكان إمام المسجد الحرام ومقرئه ومؤذنه توفي سنة ٢٥٠ خمسين ومائتين.\nوأما قنبل فهو محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن محمد المخزومي المكي يكنى أبا عمر ويلقب بقنبل لشدته١. كان إماما في القراءة ضابطا ثقة يؤمه الناس من أقطار الأرض. أخذ القراءة عن أبي الحسن أحمد القواس عن وهب عن القسط عن شبل ومعروف وكلاهما قرأ على ابن كثير. توفي سنة ٢٩١ إحدى وتسعين ومائتين. وفي ابن كثير وراوييه يقول صاحب الشاطبية:\nومكة عبد الله فيها مقامه ... هو ابن كثير كاثر القوم معتلا\nروى أحمد البزي له ومحمد ... على سند وهو الملقب قنبلا\n٣- عاصم\nهو أبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي والنجود بفتح النون وضم الجيم مأخوذ من نجدت الثياب إذا سويت بعضها ببعض.\nكان قارئا متقنا آية في التحرير والإتقان والفصاحة وحسن الصوت بقراءة القرآن قرأ على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود على رسول الله ﷺ. وقرأ أيضا على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي معلم الحسن والحسين.\nوقرأ عبد الرحمن هذا على الإمام علي وأخذ الإمام علي قراءته عن رسول الله ﷺ. توفي بالكوفة أو بالسماوة سنة ١٢٧ سبع وعشرين ومائة.\nروى عنه شعبة وحفص كلاهما بدون واسطة.\n_________\n١ قنبل كقنفذ: الغلام الحاد الرأس الخفيف الروح. ذلك أصل معناه، ثم سمى به محمد بن عبدا لرحمن القارئ. انظر القاموس إن شئت.","vol":"1","page":458},{"text":"أما شعبة فهو المشهور بابن عياش بن سالم الأسدي وقيل اسمه محمد وقيل مطرق ويكنى أبا بكر لأن شعبة اسم مشترك بينه وبين أبي بسطاط شعبة بن الحجاج البصري. كان إماما عالما كبيرا. توفي بالكوفة سنة ١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة.\nوأما حفص فهو أبو عمرو حفص بن سليمان بن المغيرة البزاز كان ربيب عاصم: تربى في حجره وقرأ عليه وتعلم منه كما يتعلم الصبي من معلمه فلا جرم كان أدق إتقانا من شعبة. توفي سنة ١٨٠ ثمانين ومائة.\nوفي عاصم وراوييه يقول صاحب الشاطبية:\nوبالكوفة الغراء منهم ثلاثة ... أذاعوا فقد ضاعت شذى وقرنفلا\nفأما أبو بكر وعاصم اسمه ... فشعبة راويه المبرز أفضلا\nوذاك ابن عياش أبو بكر الرضا ... وحفص وبالإتقان كان مفضلا\n٤- أبو عمرو\nهو أبو عمرو زبان بن العلا عمار البصري. كان من أعلم الناس بالقراءة مع صدق وأمانة وثقة في الدين. روى عن مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ. وأقرأ على جماعة منهم أبو جعفر وزيد بن القعقاع والحسن البصري. وقرأ الحسن على حطان وأبي العالية. وقرأ أبو العالية على عمر بن الخطاب. توفي سنة ١٥٤ أربع وخمسين ومائة.\nوممن اشتهر بالرواية عنه الدوري والسوسي ولكن بواسطة اليزيدي أبي محمد يحيى بن المبارك العدوي المتوفى سنة ٢٠٢ اثنتين ومائتين. وسمي باليزيدي نسبة إلى يزيد بن منصور خال الخليفة المهدي لأنه كان يؤدب ولده.","vol":"1","page":459},{"text":"أما الدوري فهو أبو عمر حفص بن عمر المقري الضرير ولقب بالدوري نسبة إلى الدور وهو موضع بالجانب الشرقي من بغداد كان ثقة ضابطا أول من جمع القراءات. روي عن اليزيدي عن أبي عمرو وتوفي سنة ٢٤٦ ست وأربعين ومائتين.\nوأما السوسي فهو أبو شعيب صالح بن زياد روي عن اليزيدي عن أبي عمرو. وكان ثقة ضابطا. توفي سنة ٢٦١ إحدى وستين ومائتين.\nوفي أبي عمرو وراوييه يقول صاحب الشاطبية:\nوأما الإمام المازني صريحهم ... أبو عمرو البصري فوالده العلا\nأفاض على يحيى اليزيدي سيبه ... فأصبح بالعذب الفرات معللا\nأبو عمر الدوري وصالحهم أبو ... شعيب هو السوسي عنه تقبلا\n٥- حمزة\nهو أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الكوفي مولى عكرمة بن ربيع التيمي. قرأ على أبي محمد سليمان بن مهران الأعمش على يحيى بن وثاب على زر بن حبيش على عثمان وعلي وابن مسعود على النبي ﷺ. كان ورعا بكتاب الله مجودا له عارفا بالفرائض والعربية حافظا للحديث. توفي بحلوان سنة ١٥٦ ست وخمسين ومائة.\nوممن اشتهر بالرواية عنه خلف وخلاد لكن بواسطة أبي عيس سليم بن عيسى الحنفي الكوفي المتوفى سنة ١٨٨ ثمان وثمانين ومائة.\nأما خلف فهو أبو محمد خلف بن هشام بن طالب بن البزار. كان زاهدا عابدا. روى عن سليم بن عيسى الحنفي عن حمزة. وتوفي سنة ٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين.\nوأما خلاد فهو أبو عيسى خلاد بن خالد الأحول الصيرفي. روى عن سليم بن","vol":"1","page":460},{"text":"عيسى عن حمزة. وكان أضبط أصحاب سليم وأجلهم عرفانا وتحقيقا. توفي بالكوفة سنة ٢٢٠ عشرين ومائتين.\nوفي ذلك يقول صاحب الشاطبية:\nوحمزة ما أزكاه من متورع ... إماما صبورا للقرآن مرتلا\nروى خلف عنه وخلاد الذي ... رواه سليم متقنا ومحصلا\n٦- نافع\nهو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني. أخذ القراءة عن أبي جعفر القاري وعن سبعين من التابعين وهم أخذوا عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ.\nوانتهت إليه رياسة الإقراء بالمدينة المنورة. توفي سنة ١٦٩ تسع وستين ومائة.\nوممن اشتهر بالرواية عنه قالون وورش:\nأما قالون فهو أبو موسى عيسى بن مينا النحوي. ولقب بقالون لجودة قراءته لأن قالون معناه الجيد في أصل وضعها. قرأ على نافع واختص به كثيرا وقال: قرأت على نافع غير مرة وكتبت عنه. توفي سنة ٢٢٠ عشرين ومائتين.\nوأما ورش فهو عثمان بن سعيد المصري يكنى أبا سعيد ويلقب بورش لشدة بياضه١. رحل إلى المدينة فقرأ على نافع ختمات سنة ١٥٥ خمس وخمسين ومائة ثم رجع إلى مصر فانتهت إليه رياسة الإقراء بها وكان حسن الصوت جيد القراءة. توفي سنة سبع وتسعين ومائة.\nوفي ذلك يقول صاحب الشاطبية:\n_________\n١ الورش في أصل اللغة: يطلق على شيء يصنع من اللبن. فيصح أن يضرب به المثل في البياض. انظر القاموس.","vol":"1","page":461},{"text":"فأما الكريم السر في الطيب١ نافع ... فذاك الذي أختار المدينة منزلا\nوقالون عيسى ثم عثمان ورشهم ... بصحبته المجد الرفيع تأثلا\n٧- الكسائي\nهو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي. لقب بالكسائي لأنه كان في الإحرام لابسا كساء قال أبو بكر الأنباري: اجتمعت في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو وأوحدهم بالغريب وكان أوحد الناس بالقرآن فكانوا يكثرون عليه حتى يضطر أن يجلس على الكرسي ويتلوا القرآن من أوله إلى آخره وهم يسمعون منه ويضبطون عنه. توفي سنة ١٨٩ تسع وثمانين ومائة.\nوقد اشتهر بالرواية عنه أبو الحارث والدوري.\nأما أبو الحارث فهو الليث بن خالد المروزي. كان من أجلاء أصحاب الكسائي ثقة وضبطا. توفي سنة ٢٤٠ أربعين ومائتين.\nوأما الدوري فهو أبو عمر حفص بن عمر الدوري الذي ألمعنا إليه في الرواية عن أبي عمرو.\nوفي الكسائي وراوييه يقول صاحب الشاطبية:\nوأما علي فالكسائي نعته ... لما كان في الإحرام فيه تسربلا\nروى ليثهم عنه أبو الحارث الرضا ... وحفص هو الدوري وفي الذكر قد خلا\n_________\n١ يشير بهذه الكلمة إلى ما روى عنه أنه كان إذا تكلم يشم من فيه ريح المسك بسبب قراءة النبي ﷺ في فيه مناما؛ كما أخبر نافع بذلك.","vol":"1","page":462},{"text":"تمام القراء العشرة:\nوهاك كلمة عن الثلاثة الذين إذا أضيفوا إلى السبعة السابقين تكمل بهم عدة القراء العشرة أصحاب القراءات العشر المعروفة والتي سبق الكلام عليها قريبا.\n٨- أبو جعفر\nهو يزيد بن القعقاع القاري نسبة إلى موضع بالمدينة يسمى قارا. وقد سبق أنه أخذ عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ. توفي أبو جعفر سنة ١٣٠ ثلاثين ومائة وكان تابعيا جليل القدر رفيع المنزلة.\nوقد اشتهر بالرواية عنه أبو موسى عيسى بن وردان الحذاء وأبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز.\nأما ابن وردان فهو أبو موسى عيسى بن وردان المدني الحذاء من أصحاب نافع في القراءة على أبي جعفر. كان مقرئا ضابطا ثقة. وتوفي سنة ١٦٠ ستين ومائة.\nوأما ابن جماز فهو أبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز. قرأ على أبي جعفر وشيبة بن نصاحة ونافع. وتوفي بعد سنة ١٧٠ سبعين ومائة بالمدينة المنورة.\n٩- يعقوب\nهو أبو محمد يعقوب بن إسحاق الحضرمي. قرأ على أبي المنذر سلام بن سليمان الطويل. وقرأ سلام على عاصم وعلى أبي عمرو. توفي يعقوب سنة ٢٠٥ خمس ومائتين.\nوممن اشتهر بالرواية عنه روح بن عبد المؤمن ومحمد بن المتوكل اللؤلؤي الملقب برويس وغيرهما.","vol":"1","page":463},{"text":"أما روح فهو أبو الحسن روح بن عبد المؤمن بن عبدة بن مسلم الهذلي النحوي قرأ على إمام البصرة أبي محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي وكان إماما جليلا ثقة روى عنه البخاري. وتوفي سنة ٢٣٤ أربع أو خمس وثلاثين ومائتين.\nوأما رويس فهو أبو عبد الله محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري المعروف برويس. كان من أحذق أصحاب يعقوب. وتوفي بالبصرة سنة ٢٣٨ ثمان وثلاثين ومائتين.\n١٠- خلف\nهو أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب بن خلف بن ثعلب قرأ على سليم عن حمزة وعلى يعقوب بن خليفة الأعشى وعلى أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري صاحب المفضل الضبي وعلى أبان العطار وهم عن عاصم. وتوفي خلف سنة ٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين كما سبق في ترجمة حمزة.\nوممن اشتهر بالرواية عنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله المروزي ثم البغدادي الوراق المتوفى سنة ٢٨٦ ست وثمانين ومائتين.\nوممن اشتهر بالرواية عنه أيضا أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم الحداد البغدادي المتوفى سنة ٢٩٢ اثنتين أو ثلاث وتسعين ومائتين.\nتمام القراء الأربعة عشر:\nوهاك كلمة مختصرة عن الأربعة الذين إذا أضيفوا إلى العشرة السابقين كملت عدة القراء الأربعة عشر الذين تنسب إليهم القراءات المعروفة بالقراءات الأربع عشرة.","vol":"1","page":464},{"text":"١١- الحسن البصري\nهو السيد الإمام الحسن بن أبي الحسن يسار أبو سعيد البصري الغني بشهرته عن تعريفه. المتوفى سنة ١١٠ عشر ومائة.\n١٢- ابن محيصن\nهو محمد بن عبد الرحمن السهمي المكي مقرئ أهل مكة مع ابن كثير. المتوفى سنة ١٢٣ ثلاث وعشرين ومائة.\n١٣- يحيى اليزيدي\nهو يحيى بن المبارك بن المغيرة الإمام أبو محمد العدوي البصري المعروف باليزيدي. المتوفى سنة ٢٠٢ اثنتين ومائتين.\n-١٤ الشنبوذي\nهو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يوسف بن العباس بن ميمون أبو الفرج الشنبوذي الشطوي البغدادي. المتوفى سنة ٣٨٨ ثمان وثمانين وثلاثمائة.\nهؤلاء الأئمة وأضرابهم هم الذين خدموا الأمة والملة وحافظوا على الكتاب والسنة وفيهم يقول السيوطي بإتقانه: ثم لما اتسع الخرق وكاد الباطل يلتبس بالحق قام جهابذة الأمة وبالغوا في الاجتهاد وجمعوا الحروف والقراءات وعزوا الوجوه والروايات وميزوا الصحيح والمشهور والشاذ بأصول أصلوها وأركان فصلوها.\nفأول من صنف في القراءات أبو عبيد القاسم بن سلام ثم أحمد بن جبير الكوفي ثم إسماعيل","vol":"1","page":465},{"text":"ابن إسحاق المالكي صاحب قالون ثم أبو جعفر بن جرير الطبري ثم أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الدجوني ثم أبو بكر مجاهد ثم قام الناس في عصره وبعده بالتأليف في أنواعها جامعا ومفردا موجزا ومسهبا. وأئمة القراءات لا تحصى. وقد صنف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد الله الذهبي ثم حافظ القرآن أبو الخير بن الجزري اهـ.\nأسأل الله تعالى أن يغمر الجميع بواسع رحماته وأن يجزيهم أفضل الجزاء على خدمتهم لكتابه. آمين.\nحكم ما وراء العشر:\nوقع الخلاف أيضا في القراءات الأربع التي تزيد على العشر وتكمل الأربع عشرة: فقيل بتواتر بعضها. وقيل بصحتها. وقيل: بشذوذها إطلاقا في الكل. وقيل: إن المسألة ليست مسألة أشخاص ولا أعداد بل هي قواعد ومبادئ. فأيما قراءة تحققت فيها الأركان الثلاثة لذلك الضابط المشهور فهي مقبولة وإلا فهي مردودة. لا فرق بين قراءات القراء السبع والقراء العشر والقراء الأربعة عشر وغيرهم فالميزان واحد في الكل والحق أحق أن يتبع.\nقال صاحب الشافي: التمسك بقراء سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشروا. ووهم من قال: إنه لا تجوز الزيادة على ذلك. وذلك لم يقل به أحد اهـ بشيء من التصرف.\nوقال الكواشي: كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة. يريد السبعة الأحرف في الحديث النبوي المعروف ثم قال: وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في التيسير والشاطبية اهـ.","vol":"1","page":466},{"text":"وهذا رأي قريب من الصواب لولا أنه لم يقصر نظره على ما هو الواقع القائم بيننا اليوم من القراءات ولم يطبق الحكم ولم يفصله فيه بل ساق الكلام عاما كما ترى.\nوالتحقيق هو ما ذهب إليه أبو الخير بن الجزري من أن القراءات العشر التي بين أيدينا اليوم متواترة دون غيرها. قال في منجد المقرئين ما يفيد أن الذي جمع في زمننا هذه الأركان الثلاثة أي في ذلك الضابط المشهور مع ملاحظة إبدال شرط صحة الإسناد بتواتره هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول. أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت إلى زماننا. فقراءة أحدهم كقراءة الباقين في كونها مقطوعا بها. أما قول من قال: إن القراءات المتواترة لا حد لها فإن أراد القراءات المعروفة في زماننا فغير صحيح لأنه لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء القراءات العشر. وإن أراد ما يشمل قراءات الصدر الأول فمحتمل.\nثم إن غير المتواتر من القراء على قسمين:\nالقسم الأول ما صح سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ووافق العربية والرسم. وهذا ضربان ضرب استفاض نقله وتلقته الأمة بالقبول كما انفرد به الرواة وبعض الكتب المعتبرة أو كمراتب القراء في المد ونحو ذلك فهذا صحيح مقطوع به وبأنه منزل من عند الله على النبي ﷺ من الأحرف السبعة. وهذا الضرب يلحق بالقراءة المتواترة وإن لم يبلغ مبلغها لأنه من قبيل أخبار الآحاد التي احتفت بها قرائن تفيد العلم. والضرب الثاني لم تتلقه الأمة بالقبول ولم يستفض. وهذا فيه خلاف العلماء: منهم من يجوز القراءات والصلاة به ومنهم من يمنع القراءة بما وراء العشر منع تحريم لا كراهة. قال ابن السبكي في جمع الجوامع: ولا تجوز القراءة بالشاذ: والصحيح أن ما وراء العشر فهو شاذ وفاقا للبغوي والشيخ الإمام. ويريد بالشيخ الإمام والده مجتهد العصر أبا الحسن علي بن عبد الكافي السبكي.","vol":"1","page":467},{"text":"القسم الثاني من القراءة الصحيحة ما وافق العربية وصح سنده وخالف الرسم كالذي يرد عن طريق صحيح من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأخرى مما جاء عن أبي الدرداء وعمر وابن مسعود وغيرهم فهذه القراءة تسمى اليوم شاذة لكونها شذت عن رسم المصحف المجمع عليه وإن كان إسنادها صحيحا. فلا تجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا في غيرها. قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد: وقال مالك إن من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه. وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك إلا قوما شذوا لا يعرج عليهم.\nوحكى ابن عبد البر الإجماع أيضا على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ.\nوقال ابن الجزري: قال أصحابنا من الشافعية وغيره: لو قرأ بالشاء في صلاته بطلت صلاته إن كان عالما. وإن كان جاهلا لم تبطل ولكن لا تحسب له تلك القراءة.\nواتفق علماء بغداد على تأديب الإمام ابن شنبوذ واستتابته على قراءته وإقرائه بالشاذ. ذلك كله فيما صح فيه النقل والعربية ولكنه خالف الرسم.\nأما ما لم يصح فيه نقل فهو أقل من أن يسمى شاذا ولو وافق العربية والرسم. بل هو قراءة مكذوبة يكفر متعمدها.\nحكى المحقق ابن الجزري ان استفتاء رفع من العجم إلى دمشق في حدود الأربعين والستمائة صورته: هل تجوز القراءة بالشاذ؟ وهل يجوز أن يقرأ القارئ عشرا كل آية بقراءة ورواية؟. فأجاب عليه الإمامان: أبو عمرو بن الصلاح وأبو عمرو بن الحاجب.\nأما ابن الصلاح فقال: يشترط أن يكون المقروء به تواتر نقله عن رسول الله ﷺ قرآنا واستفاض نقله كذلك. وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع لأن المعتبر","vol":"1","page":468},{"text":"في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في الأصول. فما لم يوجد فيه ذلك كما عدا السبع أو كما عدا العشر فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة وممنوع من عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك وواجب على من قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم بواجب ذلك. وإنما نقلها من نقلها من العلماء لفوائد فيها تتعلق بعلم العربية لا للقراءة بها. هذا طريق من استقام سبيله. -ثم قال- والقراءة الشاذ ما نقل قرآنا من غير تواتر ولا استفاضة متلقاة بالقبول من الأمة كما اشتمل عليه المحتسب لابن جنى وغيره. وأما القراءة بالمعنى من غير أن ينقل قرآنا فليس ذلك من القراءات الشاذة أصلا. والمجترئ على ذلك مجترئ على عظيم وضال ضلالا بعيدا فيعزر ويمنع بالحبس ونحوه ولا يخلى ذو ضلالة ولا يحل ذلك للمتمكن من ذلك إمهاله. ويجب منع القارئ بالشاذ وتأثيمه بعد تعريفه وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه.\nوإذا شرع القارئ بقراءة ينبغي ألا يزال يقرأ بها ما بقي للكلام تعلق بما ابتدأ به. وما خالف هذا فمنه جائز وممتنع. وعذر المرض مانع من بيانه بحقه. والعلم عند الله تعالى. اهـ.\nوأما ابن الحاجب فقال: لا يجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا غيرها عالما كان بالعربية أو جاهلا. وإذا قرأ بها قارئ فإن كان جاهلا بالتحريم عرف به وأمر بتركها وإن كان عالما أدب بشرطه وإن أصر على ذلك أدب على إصراره وحبس إلى أن يرتدع عن ذلك. وأما تبديل آتنا بأعطنا وسولت بزينت ونحوه فليس هذا من الشواذ وهو أشد تحريما والتأديب عليه أبلغ والمنع منه أوجب اهـ.","vol":"1","page":469},{"text":"فذلكة البحث.\nيخلص لنا من هذا البحث بعد تحقيق وجوه الخلاف فيه أمور مهمة يجدر بنا أن نوليها الالتفات والانتباه الخاص:\nأولها - أن القراءة لا تكون قرآنا إلا إن كانت متواترة لأن التواتر شرط في القرآنية.\nثانيها - أن القراءات العشر الذائعة في هذه العصور متواترة على التحقيق الآنف. وإذن هي قرآن. وكل واحدة منها يطلق عليها أنها قرآن.\nثالثها - أن ما وراء القراءات العشر مما صحت روايته آحادا ولم يستفض ولم تتلقه الأمة بالقبول شاذ وليس بقرآن وإن وافق رسم المصحف وقواعد العربية.\nرابعها - أن ركن صحة الإسناد المذكور في ضابط القرآن المشهور لا يراد بالصحة فيه مطلق صحة بل المراد صحة ممتازة تصل بالقراءة إلى حد الاستفاضة والشهرة وتلقي الأمة لها بالقبول حتى يكون هذا الركن بقرينة الركنين الآخرين في قوة التواتر الذي لا بد منه في تحقق القرآنية. كما فصلنا ذلك من قبل.\nخامسها - أن القراءة قد تكون متواترة عند قوم غير متواترة عند آخرين. والمأمور به ألا يقرأ المسلم إلا بما تواتر عنده ولا يكتفي بما روي له آحادا وإن كان متواترا عند الراوي له كما رد الشافعي رواية مالك مع صحتها لمخالفتها ما تواتر عنده. ولا تنس ما قاله ابن الجزري في ذلك آنفا.\nسادسها - أن هذا الذي روي من طريق الآحاد المحضة ولم يصل إلى حد الاستفادة والشهرة هو أصل الداء ومثار كثير من الشبهات والخلاف. أما الشبهات فقد مر عليك منها نماذج وأما الخلافات فقد شاهدت منها في هذا البحث ما شاهدت وستشاهد ما تشاهد وإني أسترعي نظرك إلى أمرين:","vol":"1","page":470},{"text":"أولهما - أن طريق الآحاد المحضة هذا هو الذي فتح باب المطاعن لبعض الأئمة في بعض الروايات الواردة في القراءات السبع كابن جرير الطبري الذي ذكر في تفسيره شيئا من ذلك وألف كتابا كبيرا في القراءات وعللها وضمنه بعض تلك المطاعن.\nوثانيهما - أن وجود هذه الروايات على ندرتها جعل البعض يشتط ويسرف فسحب حكمها على الجميع وقال: إن القراءات السبع وغيرها كلها قراءة آحاد. وهذا قول في نهاية الإسفاف والخطر أما إسفافه فلأنه لا يليق مطلقا أن يسحب حكم الأقل الضئيل على الأكثر الجليل وأما خطره فلأنه يؤدي إلى نقض تواتر القرآن أو إلى عدم وجود القرآن الآن ما دام القرآن مشروطا فيه التواتر ولا تواتر على رأيهم. ولا يعقل أن يكون القرآن المفروض فيه التواتر موجودا على حين أن وجوه قراءاته كلها غير متواترة ضرورة أنه لا يتحقق قرآن بدون أوجه للقراءة.\nذلك ما وصلنا إليه بعد إعادة النظر في هذا الموضوع. والحمد لله الذي هدانا لهذا ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ .","vol":"1","page":471},{"text":"ج -<span data-type=\"title\" id=toc-126> نقض الشبهات التي أثيرت في هذا المقام</span>\nهناك شبهات أثيرت حول القراءات في اختلافها وتعددها ثم في صحتها وتواتر المتواتر منها وفي القرآن الكريم وتواتره وإجماع الأمة عليه. من تلك الشبهات ما تجده مذكورا في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف. ومنها ما تجده مذكورا في مبحث جمع القرآن. فارجع إليها ان شئت ولا داعي إلى التطويل بإعادتها.\nبيد أن الرواية التي نسبوها لابن مسعود في إنكاره قرآنية المعوذتين تكاد تكون أقوى هذه الشبهات من جهة أنها وردت بأسانيد صححها بعض","vol":"1","page":471},{"text":"أعلام الحديث كابن حجر. وقد سبق عرضها من توجيهها وتمحيصها حتى على هذا الاحتمال.\nونزيدك هنا في توهين هذه الشبهة أمورا:\nأولها: أن عاصما وهو أحد القراء السبعة قرأ القرآن كله وفيه المعوذتان بأسانيد صحيحة بعضها يرجع إلى ابن مسعود نفسه. ذلك أن عاصما قرأ على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب وقرأ على أبي مريم زر بن حبيش الأسدي وعلى سعيد بن عياش الشيباني.\nوقرأ هؤلاء على ابن مسعود نفسه وقرأ ابن مسعود على رسول الله ﷺ.\nثانيها: أن حمزة وهو من القراء السبعة أيضا قرأ القرآن كله بأسانيده الصحيحة وفيه المعوذتان عن ابن مسعود نفسه. ذلك أن حمزة قرأ على الأعمش أبي محمد سليمان بن مهران وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب وقرأ يحيى على علقمة الأسود وعبيد بن نضلة الخزاعي وزر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي. وهم قرؤوا على ابن مسعود على النبي ﷺ.\nولحمزة سند آخر بهذه القراءة إلى ابن مسعود أيضا. ذلك أنه قرأ على أبي إسحاق السبيعي وعلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعلى الإمام جعفر الصادق. وهؤلاء قرؤوا على علقمة بن قيس وعلى زر بن حبيش وعلى زيد بن وهب وعلى مسروق. وهم قرؤوا على المنهال وغيره وهم على ابن مسعود وأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وهما على النبي ﷺ.\nثالثها: أن الكسائي قرأ القرآن وفيه المعوذتان بسنده إلى ابن مسعود أيضا. ذلك أنه قرأ على حمزة الذي انتهى بين يديك سنده إلى ابن مسعود من طريقين.","vol":"1","page":472},{"text":"رابعها: أن خلفا يقرأ المعوذتين في ضمن القرآن الكريم بسنده إلى ابن مسعود أيضا. وذلك أنه قرأ على سليم وهو على حمزة.\nوهذه القراءات كلها التي رويت بأصح الأسانيد وبإجماع الأمة فيها المعوذتان والفاتحة على اعتبار أن هذه السور الثلاث أجزاء من القرآن وداخلة فيه.\nفالقول ببقاء ابن مسعود على إنكار قرآنية هذه السورة محض افتراء عليه.\nوكل ما في الأمر أنه لم يكتب الفاتحة في مصحفه اتكالا على شهرتها وعدم الخوف عليها من النسيان حتى تكتب. وكذلك القول في المعوذتين. وقيل إنه لم يكن يعلم أول الأمر أن المعوذتين من القرآن بل كان يفهم أنهما رقية يعوذ بهما الرسول الحسن والحسين.\nومن هنا جاءت روايات إنكاره أنهما من القرآن. ثم علم بعد ذلك قرآنيتهما. ومن هنا جاءت الروايات عنه بقرآنيتهما. كما سقناه بين يديك عن أربعة من القراء السبعة بأسانيد هي من أصح الأسانيد المؤيدة بما تواتر واستفاض وبما أجمعت الأمة عليه من قرآنية الفاتحة والمعوذتين منذ عهد الخلافة الراشدة إلى يوم الناس هذا.\nأما بعد فيصح أن نعتبر ما كتب في هذا الموضوع هنا كلاما عن الشبهة الأولى التي أثيرت فيه.\nالشبهة الثانية:\nيقولون: إن التواتر في جميع القرآن غير مسلم لأن الدواعي التي ذكرتموها في دليل تواتره لا تتوافر في جميع أجزاء القرآن. وآية ذلك أن البسملة على رأي من يجعلها من القرآن لا يجري فيها التحدي ولا يتحقق فيها أنها أصل لأحكام حتى يكون ذلك من الدواعي المتوافرة على نقلها وتواترها.","vol":"1","page":473},{"text":"ونجيب أولا بأن التحدي يجري فيها باعتبار انضمامها إلى غيرها من آيتين أخريين ليتألف من الجميع ثلاث آيات يقوم بهن الإعجاز. وذلك كاف في أن يكون من دواعي الاعتناء بها ونقلها تواترا.\nثانيا أنه يتعلق بنظمها تلك الأحكام المعروفة من أن لقارئها أجرا عظيما إن كان طاهرا ووعيدا شديدا إن كان جنبا وقرأها بقصد القرآنية أو مسها ونحو ذلك. وهذا من الدواعي المتوافرة على نقلها وتواترها.\nالشبهة الثالثة:\nيقولون: لو كان القرآن متواترا لوقع التكفير في البسملة على معنى أن من يقول بقرآنيتها يحكم بكفر منكرها ومن لا يقول بقرآنيتها يحكم بكفر مثبتها. وعلى ذلك يكفر المسلمون بعضهم بعضا.\nوالجواب: أن قرآنية البسملة في أوائل السور اجتهادية مختلف فيها. وكل ما كان من هذا القبيل لا يكفر منكره ولا مثبته شأن كل أمر اجتهادي. إنما يكفر من أنكر متواترا معلوما من الدين بالضرورة. وقرآنية البسملة في أوائل السور ليست متواترة معلومة من الدين بالضرورة.\nأما منكر البسملة التي في قصة كتاب سليمان من سورة النمل. فهو كافر قطعا لأن قرآنيتها متواترة معلومة من الدين بالضرورة ولا خلاف بين المسلمين في قرآنيتها حتى يكفر بعضهم بعضها كما يزعم أولئك المعترضون.\nالشبهة الرابعة:\nيقولون: إن استدلالكم على تواتر القرآن بتوافر الدواعي على نقله منقوض","vol":"1","page":474},{"text":"بالسنة النبوية فإنها غير متواترة مع ذلك تتوافر الدواعي على نقلها فإنها أصل الأحكام كما أن القرآن أصل الأحكام.\nونجيب: أولا: بأن توافر الدواعي على نقل القرآن متواترا لم يجئ من ناحية أصالة الأحكام فحسب. بل جاء منها ومن نواحي الإعجاز والتحدي والتعبد بتلاوته والتبرك به في كل عصر وقراءته في الصلاة ونحو ذلك.\nوالسنة النبوية لا يجتمع فيها كل هذا. بل يوجد فيها بعضه فقط وذلك لا يكفي في توافر الدواعي على نقلها متواترة.\nثانيا: أن المراد بأصالة الأحكام الفرد الكامل الذي لا يوجد إلا في القرآن. ذلك لأن أصالة الأحكام فيه ترجع إلى اللفظ والمعنى جميعا. أما المعنى فواضح. وأما اللفظ فمن ناحية الحكم بإعجازه وبثواب من قرأه. وبالوعود الكريمة والعطايا العظيمة لمن حفظه وبالوعيد الشديد لمن نسيه بعد حفظه ولمن مسه أو قرأه جنبا إلى غير ذلك والسنة النبوية ليس للفظها شيء من هذه الأحكام. ولهذا تجوز روايتها بالمعنى. أما معناها فإن كان مما تتوافر الدواعي على نقله وجب تواتره وإلا فلا. ولهذا يقطع بكذب نقل الروافض ما نسبوه إلى رسول الله ﷺ من أنه نص على أن الإمامة العظمى من بعده محصورة في علي وولده.\n﵃. بيان ذلك أنه لو صح ما زعموه لنقل متواترا فإنه مما تتوافر الدواعي على نقله لتعلقه بأمر يتصل بمستقبل الحكم الأعلى والولاية العظمى في الإسلام لجميع بلاد الإسلام.\nالشبهة الخامسة:\nيقولون: إن تواتر القرآن منقوض بأن ابن مسعود وهو من أجلاء الصحابة لم يوافق على مصحف عثمان بدليل الروايات الآتية وهي:","vol":"1","page":475},{"text":"١- أن شقيق بن سلمة يقول: خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . غلوا مصاحفكم. أي اخفوها حتى لا تحرق وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت من في رسول الله ﷺ مثله؟ رواه النسائي وأبو عوانة وابن أبي داود.\n٢- أن خير بن مالك يقول: لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن مسعود فقال: من استطاع أن يغل مصحفه أي يخفيه حتى لا يحرق فليفعل. وقال في آخره: أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ؟\n٣- أن الحاكم يروي من طريق أبي ميسرة قال: رحت فإذا أنا بالأشعري وحذيفة وابن مسعود. فقال ابن مسعود: والله لا أدفعه يعني مصحفه. أقرأني رسول الله ﷺ فذكره.\nونجيب: أولا: بأن هذه الروايات لا تدل أبدا على عدم تواتر القراءات ولا على عدم تواتر ما جاء في مصحف عثمان. غاية ما تدل عليه أن ابن مسعود لم يوافق أول الأمر على إحراق مصحفه. وهذا لا ينقض تواتر ما جاء في مصحف عثمان. لأنه ليس من شرط التواتر على ما في مصحف عثمان أن يحرق ابن مسعود مصحفه ولا أن يحرق أحد مصحفه. بل المحقق للتواتر أن يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة. وهذا موجود في مصحف عثمان لأن ما فيه رواه ووافق عليه جموع عظيمة من الصحابة محال أن تكذب وحسبك عثمان ودستوره في جمع القرآن. فارجع إليه إن شئت.\nثانيا: أنه على فرض مخالفة ابن مسعود لمصحف عثمان فإن هذه المخالفة لا تذهب بتواتر القرآن. لأن أركان التواتر متحققة في المصحف العثماني على رغم هذه المخالفة المفروضة ولم يقل أحد في الدنيا: إن من شرط التواتر ألا يخالف فيه مخالف حتى تكون مخالفة ابن مسعود لمصحف عثمان ناقضة لتواتر القرآن.","vol":"1","page":476},{"text":"ثالثا: أن هذه الروايات التي ساقوها طعنا في تواتر القرآن لا تدل على أن ابن مسعود يخالف في القراءة بمصحف عثمان. بل هو يقرأ به كما يقرأ بروايته التي انفرد بها وسمعها وحده من فم النبي ﷺ. ألا ترى إلى قوله: وقد قرأت من في رسول الله ﷺ مثله فإن كلمة مثله فيها اعتراف منه بأن زيد بن ثابت قرأ مثله من رسول الله ﷺ. ولكن ما انفرد ابن مسعود به تعتبر روايته آحادية. وأنت خبير بأن رواية الآحاد لا تكفي في ثبوت القرآنية. لذلك لم يوافق الصحابة على ما انفرد به ابن مسعود بخلاف مصحف عثمان فقد وافقه عدد التواتر وظفر بإجماع الأمة ولم يكتب فيه إلا ما استقر في العرضة الأخيرة من غير نسخ لتلاوته على ما سبق بيانه هناك في مبحث جمع القرآن.\nرابعا: أن عدم دفع ابن مسعود مصحفه ليحرق كان توقفا منه في أول الأمر. ثم عاد بعد ذلك وحرقه حين بلغه أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ كرهوا ذلك في مقالته كما جاء في حديث شقيق من رواية ابن أبي داود عن طريق الزهري. وبهذا اتحدت الصفوف واتفقت الكلمة وتم للمصاحف العثمانية الظفر من كل وجه بإجماع الأمة حتى ابن مسعود. والحمد لله على هذا الكرم والجود. حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ويستنزل رضاه آمين.","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المجلد الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>المبحث الثاني عشر: في<span data-type=\"title\" id=toc-129> التفسير </span>والمفسرين وما يتعلق بهما</span>\nالتفسير\n...\nالمبحث الثاني عشر في التفسير والمفسرين وما يتعلق بهما\n١ - التفسير\nالتفسير في اللغة: الإيضاح والتبيين ومنه قوله تعالى: في سورة الفرقان: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ .\nوالتفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.\nوالمراد بكلمة علم المعارف التصورية قال عبد الحكيم على المطول: إن علم التفسير من قبيل التصورات لأن المقصود منه تصور معاني ألفاظه وذلك من قبيل التعاريف لكن أكثرها بل كلها من قبيل التعاريف اللفظية وذهب السيد إلى أن التفسير من قبيل التصديقات لأنه يتضمن حكما على الألفاظ بأنها مفيدة لهذه المعاني التي تذكر بجانبها في التفسير.\nوخرج بقولنا يبحث فيه عن أحوال القرآن العلوم الباحثة عن أحوال غيره.\nوخرج بقولنا من حيث دلالته على مراد الله تعالى العلوم التي تبحث عن أحوال القرآن من جهة غير جهة دلالته كعلم القراءات فإنه يبحث عن أحوال القرآن من حيث ضبط ألفاظه وكيفية أدائها ومثل علم الرسم العثماني فإنه يبحث عن أحوال القرآن الكريم من حيث كيفية كتابة ألفاظه.\nوخرج بهذه الحيثية أيضا المعارف التي تبحث عن أحوال القرآن من حيث إنه مخلوق أو غير مخلوق فإنها من علم الكلام وكذلك المعارف الباحثة عن أحوال القرآن من حيث حرمة قراءته على الجنب ونحوها فإنها من علم الفقه.\nوقولنا بقدر الطاقة البشرية لبيان أنه لا يقدح في العلم بالتفسير عدم العلم بمعاني المتشابهات ولا عدم العلم بمراد الله في الواقع ونفس الأمر.","vol":"2","page":3},{"text":"وعرفوا علم التفسير أيضا بأنه علم يبحث فيه عن أحوال الكتاب العزيز من جهة نزوله وسنده وأدائه وألفاظه ومعانيه المتعلقة بالألفاظ والمتعلقة بالأحكام.\nوالمراد بكلمة نزوله ما يشمل سبب النزول ومكانه وزمانه.\nوالمراد بكلمه سنده ما يشمل كونه متواترا وآحادا أو شاذا.\nوالمراد بكلمة أدائه ما يشمل كل طرق الأداء كالمد والإدغام.\nوالمراد بكلمة ألفاظه ما يتعلق باللفظ من ناحية كونه حقيقة أو مجازا أو مشتركا أو مرادفا أو صحيحا أو معتلا أو معربا أو مبنيا.\nوالمراد بمعاينه المتعلقة بألفاظه ما يشبه الفصل الموصل.\nوالمراد بمعاينه المتعلقة بأحكامه ما هو من قبيل العموم والخصوص والإحكام والنسخ.\nوهذا التعريف كما ترى يشمل كثيرا من جزئيات ما يندرج في قواعد علم القراءات وعلم الأصول وعلم قواعد اللغة من نحو وصرف ومعان وبيان وبديع.\nوعرفوا التفسير تعريفا ثالثا بأنه علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب وغير ذلك كمعرفة النسخ وسبب النزول وما به توضيح المقام كالقصة والمثل.\nوهذا تعريف وسط بين التعريفين ومن السهل رجوعه إلى التعريف الأول لأن ما ذكر هنا بالتفصيل يعتبر بيانا لمراد الله من كلامه بقدر الطاقة البشرية في شيء من التفصيل.\nالتأويل:\nوالتأويل مرادف للتفسير في أشهر معانيه اللغوية قال صاحب القاموس أول الكلام تأويلا وتأوله دبره وقدره وفسره ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا","vol":"2","page":4},{"text":"يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وكذلك جاءت آيات كثيرة فيها لفظ التأويل ومعناه في جميعها البيان والكشف والإيضاح.\nأما التأويل في اصطلاح المفسرين١ فإنه يختلف معناه فبعضهم يرى أنه مرادف للتفسير وعلى هذا فالنسبة بينهما التساوي ويشيع هذا المعنى عند المتقدمين ومنه قول مجاهد إن العلماء يعلمون تأويله يعني القرآن وقول ابن جرير في تفسيره القول في تأويل قوله تعالى: كذا واختلف أهل التأويل في هذه الآية.\nوبعضهم يرى أن التفسير يخالف التأويل بالعموم والخصوص فقط ويجعل التفسير أعم مطلقا وكأنه يريد من التأويل بيان مدلول اللفظ بغير المتبادر منه لدليل ويريد من التفسير بيان مدلول اللفظ مطلقا أعم من أن يكون بالمتبادر أو بغير المتبادر.\nوبعضهم يرى أن التفسير مباين للتأويل فالتفسير هو القطع بأن مراد الله كذا والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون قطع وهذا هو قول الماتريدي أو التفسير بيان اللفظ عن طريق الرواية والتأويل بيان اللفظ عن طريق الدراية أو التفسير هو بيان المعاني التي تستفاد من وضع العبارة والتأويل هو بيان المعاني التي تستفاد بطريق الإشارة وقد اشتهر هذا عند المتأخرين كما نبه إليه العلامة الألوسي إذ قال بعد استعراضه للآراء في هذا الموضوع ما نصه كل ما قيل مما ذكرنا وما لم نذكر مخالف للعرف اليوم إذ قد تعورف عند المؤلفين من غير نكير أن التأويل معان قدسية ومعارف ربانية تنهل من سحب الغيب على قلوب العارفين والتفسير غير ذلك اهـ بتصرف فأنت\n_________\n١ وإنما قلنا في الاصطلاح المفسرين ليخرج اصطلاح المتكلمين ومن جارهم فإنهم يريدون من التأويل ما ذهب إليه الخلف من صرف نصوص ما تشابه من الكتاب والسنة عن ظاهره إلى معان تتفق وتنزيه الله تعالى عن المشابهة والمماثلة. بخلاف ما ذهب إليه السلف من التفويض والإمساك عن تعيين معنى خاص.","vol":"2","page":5},{"text":"ترى أنه جعل التأويل خاصا بما كان مأخوذا بالإشارة والتفسير بما كان مفهوما من العبارة\nالتفسير تفسيران:\nلكن التفسير على نوعين بالإجمال أحدهما تفسير جاف لا يتجاوز حل الألفاظ وإعراب الجمل وبيان ما يحتويه نظم القرآن الكريم من نكات بلاغية وإشارات فنية وهذا النوع أقرب إلى التطبيقات العربية منه إلى التفسير وبيان مراد الله من هداياته.\nالنوع الثاني تفسير يجاوز هذه الحدود ويجعل هدفه الأعلى تجلية هدايات القرآن وتعاليم القرآن وحكمه الله فيما شرع للناس في هذا القرآن على وجه يجتذب الأرواح ويفتح القلوب ويدفع النفوس إلى الاهتداء بهدي الله وهذا هو الخليق باسم التفسير وفيه يساق الحديث إذا تكلمنا عن فضله والحاجة إليه.\nفضل التفسير والحاجة إليه:\nنهضة الأفراد والأمم لا يمكن أن تكون صحيحة عن تجربة ولا سهلة متيسرة ولا رائعة مدهشة إلا عن طريق الاسترشاد بتعاليم القرآن ونظمه الحكيمة التي روعيت فيها جميع عناصر السعادة للنوع البشري على ما أحاط به علم خالقه الحكيم وبدهي أن العمل بهذه التعاليم لا يكون إلا بعد فهم القرآن وتدبره والوقوف على ما حوى من نصح ورشد والإلمام بمبادئه عن طريق تلك القوة الهائلة التي يحملها أسلوبه البارع المعجز وهذا لا يتحقق إلا عن طريق الكشف والبيان لما تدل عليه ألفاظ القرآن وهو ما نسميه بعلم التفسير خصوصا في هذه العصور الأخيرة التي فسدت فيها ملكة البيان العربي وضاعت فيها خصائص العروبة حتى من سلائل العرب أنفسهم.\nفالتفسير هو مفتاح هذه الكنوز والذخائر التي احتواها هذا الكتاب المجيد النازل لإصلاح البشر وإنقاذ الناس وإعزاز العالم","vol":"2","page":6},{"text":"وبدون التفسير لا يمكن الوصول إلى هذه الكنوز والذخائر مهما بالغ الناس في ترديد ألفاظ القرآن وتوفروا على قراءته كل يوم ألف مرة بجميع وجوهه التي نزل عليه. ا\nوهنا تلمح السر في تأخر مسلمة هذا الزمن على رغم وفرة المصاحف في أيديهم ووجود ملايين الحفاظ بين ظهرانيهم وعلى رغم كثرة عددهم واتساع بلادهم في حين أن سلفنا الصالح نجحوا بهذا القرآن نجاحا مدهشا كان وما زال موضع إعجاب التاريخ والمؤرخين مع أن أسلافنا أولئك كانوا في قلة من العدد وضيق من الأرض وخشونة من العيش ومع أن نسخ القرآن ومصاحفه لم تكن ميسورة لهم ومع أن حفاظه لم يكونوا بهذه الكثرة الغامرة.\nأجل إن السر في ذلك هو أنهم توفروا على دراسة القرآن واستخراج كنوز هداياته يستعينون على هذه الثقافة العليا بمواهبهم الفطرية وملكاتهم السليمة العربية من ناحية وبما يشرح رسول الله ﷺ ويبينه لهم بأقواله وأعماله وأخلاقه وسائر أحواله كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .\nوعلى ذلك كان همهم الأول هو القرآن الكريم يحفظونه ويفهمونه قبل أن يحفظوه ثم يعملون بتعاليمه بدقة ويهتدون بهدية في يقظة.\nبهذا وحده صفت أرواحهم وطهرت نفوسهم وعظمت آثارهم لأن الروح الإنساني هو أقوى شيء في هذا الوجود فمتى صفا وتهذب وحسن توجيهه وتأدب أتى بالعجب العجاب ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ .\nوكذلك أتت الأمة العربية بالعجب العاجب في الهداية والإرشاد وإنقاذ العالم وإصلاح البشر وكتب الله لهم النصر والتأييد والدولة والظفر حتى على أقوى الدول","vol":"2","page":7},{"text":"المعادية لدعوة الحق والإصلاح في ذلك العهد ودولة الفرس في الشرق ودولة الرومان في الغرب تلك محوها من لوح الوجود بهدم طغيانها وإسلام شعبها وهذه سلبوها ما كان في حوزتها من ممالك الشرق وشعوبه الكثيرة ثم دانت لهم فاستولوا على بعض بلاد أوربة وأقاموا فيها دولة عربية شامخة البنيان كانت بهجة الدنيا وزينة الحياة ومنها شع النور على الشعوب الأوربية وكانت النواة الناجحة في نهضتهم الحديثة الحاضرة تلك هي فردوس الأندلس المفقود.\nأما غالب مسلمة اليوم فقد اكتفوا من القرآن بألفاظ يرددونها وأنغام يلحنونها في المآتم والمقابر والدور وبمصاحف يحملونها أو يودعونها تركة في البيوت ونسوا أن بركة القرآن العظمى إنما هي في تدبره وتفهمه وفي الجلوس إليه والاستفادة من هديه وآدابه ثم في الوقوف عند أوامره ومراضيه والبعد عن مساخطه ونواهيه والله تعالى يقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ويقول سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ويقول جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ .\nفما أشبه المسلمين اليوم بالعطشان يموت من الظمأ والماء بين يديه والحيوان يهلك من الإعياء والنور من حوله يهديه السبيل لو فتح عينيه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .\nألا إن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها وهو أن يعودوا إلى كتاب الله يستلهمونه الرشد ويستمنحونه الهدى ويحكمونه في نفوسهم وفي كل ما يتصل بهم كما كان آباؤنا الأولون يتلونه حق تلاوته بتدبر وتفكر في مجالسهم ومساجدهم وأنديتهم وبيوتهم وفي صلواتهم المفروضة والنافلة وفي تهجدهم بالليل","vol":"2","page":8},{"text":"والناس نيام حتى ظهرت آثاره الباهرة عاجلا فيهم فرفع نفوسهم وانتشلها من حضيض الوثنية وأعلى هممهم وهذب أخلاقهم وأرشدهم إلى الانتفاع بقوى الكون ومنافعه وكان من وراء ذلك أن مهروا في العلوم والفنون والصناعات كما مهروا في الأخلاق والآداب والإصلاح والإرشاد ووصلوا إلى غاية تروا فيها كل أمم الدنيا حتى قال بعض فلاسفة الغرب في كتابه تطور الأمم ما نصه إن ملكة الفنون لا تستحكم في أمة من الأمم إلا في ثلاثة أجيال جيل التقليد وجيل الخضرمة وجيل الاستقلال وبذ العرب وحدهم فاستحكمت فيهم ملكة الفنون في جيل واحد اهـ.\nقال السيوطي في بيان الحاجة إلى التفسير ما ملخصه القرآن إنما أنزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب فكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه.\nأما دقائق باطنه فلا تظهر لهم إلا بعد البحث والنظر وسؤالهم النبي ﷺ مثل قولهم: \"وأينا لم يظلم نفسه؟\" حينما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ففسره النبي ﷺ بالشرك واستدل بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .\nوكذلك حين قال النبي ﷺ: \"من نوقش الحساب عذب\" سألته عائشة أم المؤمنين ﵂ عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ وينقلب إلى أهله مسرورا فقال ﷺ ذلك العرض وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض والخيط الأسود ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه بل نحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير لقصورنا عن مدارك اللغة وأسرارها بغير تعلم اهـ.\nمما تقدم يتبين أن فائدة التفسير هي التذكر والاعتبار ومعرفة هداية الله في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق ليفوز الأفراد والمجاميع بخير العاجلة والآجلة.","vol":"2","page":9},{"text":"ويتبين أيضا أن هذا العلم من أشرف العلوم الدينية والعربية إن لم يكن أشرفها جميعا وذلك لسمو موضوعه وعظم فائدته.\nوسمي علم التفسير لما فيه من الكشف والتبيين واختص بهذا الاسم دون بقية العلوم مع أنها كلها مشتملة على الكشف والتبيين لأنه لجلالة قدره واحتياجه إلى زيادة الاستعداد وقصده إلى تبيين مراد الله من كلامه كان كأنه هو التفسير وحده دون ما عداه.","vol":"2","page":10},{"text":"ب -<span data-type=\"title\" id=toc-130> أقسام التفسير</span>\nورد عن ابن عباس ﵄ أن التفسير أربعة حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العرب بألسنتها وتفسير تفسره العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله اهـ.\nقال الزركشي في البرهان ما ملخصه هذا تقسيم صحيح فأما الذي تعرفه العرب بألسنتها فهو ما يرجع إلى لسانهم من اللغة والإعراب فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها ومسميات أسمائها ولا يلزم ذلك القارئ ثم إن كان ما يتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفى فيه خبر الواحد والاثنين والاستشهاد بالبيت والبيتين وإن كان يوجب العلم أي الاعتقاد لم يكف ذلك بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه ليوصل المفسر إلى معرفة الحكم ويسلم القارئ من اللحن وإن لم يكن محيلا للمعنى وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن ولا يجب على المفسر لوصوله إلى المقصود بدونه\nوأما ما لا يعذر أحد بجهله فهو ما تبادر إلى الأفهام معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا يعلم","vol":"2","page":10},{"text":"أنه مراد الله تعالى فهذا القسم لا يلتبس تأويله إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أنه لا شريك له في الألوهية وإن لم يعلم أن لا موضوعة في اللغة للنفي وإلا موضوعة للإثبات وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ونحوه طلب إيجاب المأمور به وإن لم يعلم أن صيغة افعل للوجوب.\nوأما ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهو ما يجري مجرى الغيوب كالآيات التي تذكر فيها الساعة والروح والحروف المقطعة وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف بنص من القرآن أو الحديث أو إجماع الأمة على تأويله.\nوأما مما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم فهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل وذلك باستنباط الأحكام وبيان المجمل وتخصيص العموم وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه اعتمادا على الدلائل والشواهد دون مجرد الرأي اهـ المقصود منه لكنه لم يلتزم فيه ترتيب الأقسام على ما روي عن ابن عباس ولا ضير في ذلك ما دام أنه قد استوعب عدتها الأربعة كما رأيت.\nوقسم بعضهم التفسير باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام: تفسير بالرواية ويسمى التفسير بالمأثور وتفسير بالدراية ويسمى التفسير بالرأي وتفسير بالإشارة ويسمى التفسير الإشاري وسنتحدث عن كل واحد منها إن شاء الله","vol":"2","page":11},{"text":"ج -<span data-type=\"title\" id=toc-131> التفسير المأثور</span>\nهو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة بيانا لمراد الله تعالى من كتابه.\n١ - مثال ما جاء في القرآن قوله سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فإن كلمة من الفجر بيان وشرح للمراد من كلمة الخيط الأبيض التي قبلها وكذلك قوله سبحانه: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فإنها بيان للفظ كلمات من قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمت فتاب عليه على بعض وجوه التفاسير وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية فإنها بيان للفظ ما يتلى عليكم من قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية فإنها بيان للعهدين في قوله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الأول للأول والثاني للثاني وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ فإن كلمة ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ بيان لكلمة الطارق التي قبلها وغير ذلك كثير يعلم بالتدبر لكتاب الله تعالى.\n٢ - ومثال ما جاء في السنة شرحا للقرآن أنه فسر الظلم بالشرك في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وأيد تفسيره هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وفسر الحساب اليسير بالعرض حين قال: \"من نوقش الحساب عذب\" فقالت له السيدة عائشة أو ليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ","vol":"2","page":12},{"text":"حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ فقال ﷺ: \"ذلك العرض\" بيانا للحساب اليسير وكذلك فسر الرسول ﷺ: \"القوة بالرمي\" في قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وفي صحيح كتب السنة من ذلك شيء كثير.\nوكلا هذين القسمين لا شك في قبوله أما الأول فلأن الله تعالى أعلم بمراد نفسه من غيره وأصدق الحديث كتاب الله تعالى وأما الثاني فلأن خير الهدي هدي سيدنا محمد ﷺ ووظيفته البيان والشرح مع أنا نقطع بعصمته وتوفيقه قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ .\n٣ - بقي القسم الثالث وهو بيان القرآن بما صح وروده عن الصحابة رضوان الله عليهم قال الحاكم في المستدرك إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع كذلك أطلق الحاكم وقيده بعضهم بما كان في بيان النزول ونحوه مما لا مجال للرأي فيه وإلا فهو من الموقوف.\nووجهة نظر الحاكم ومن وافقه أن الصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا وعاينوا من أسباب النزول ما يكشف لهم النقاب عن معاني الكتاب ولهم من سلامة فطرتهم وصفاء نفوسهم وعلو كعبهم في الفصاحة والبيان ما يمكنهم من الفهم الصحيح لكلام الله وما يجعلهم يوقنون بمراده من تنزيله وهداه.\nأما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف العلماء منهم من اعتبره من المأثور لأنهم تلقوه من الصحابة غالبا ومنهم من قال إنه من التفسير بالرأي.\nوفي تفسير ابن جرير الطبري كثير من النقول عن الصحابة والتابعين في بيان القرآن الكريم.\nبيد أن الحافظ ابن كثير يقول إن أكثر التفسير المأثور قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب قال بعضهم وجل ذلك في قصص الرسل","vol":"2","page":13},{"text":"مع أقوامهم وما يتعلق بكتبهم ومعجزاتهم وفي تاريخ غيرهم كأصحاب الكهف ومدينة إرم ذات العماد وسحر بابل وعوج بن عنق وفي أمور الغيب من أشراط الساعة وقيامتها وما يكون فيها وبعدها وجل ذلك خرافات ومفتريات صدقهم فيها الرواة حتى بعض الصحابة ﵃ ولذلك قال الإمام أحمد \"ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي\"١ وكان الواجب جمع الروايات المفيدة في كتب مستقلة كبعض كتب الحديث وبيان قيمة أسانيدها ثم يذكر في التفسير ما يصح منها بدون سند كما يذكر الحديث في كتب الفقه لكن يعزى إلى مخرجه اهـ ما أردنا نقله.\n_________\n١ لعل مراد الإمام أحمد المبالغة تنبيها للأذهان إلى الصحيح قليل بالنسبة إلى غير الصحيح. وليس مراده عموم النفي فإن هناك روايات في التفسير التي رواها علي بن أبي طالب عن ابن عباس.","vol":"2","page":14},{"text":"د -<span data-type=\"title\" id=toc-132> المفسرون من الصحابة</span>\nقال السيوطي في الإتقان اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والرواية عن الثلاثة قليلة جدا وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم اهـ.\nومعنى هذا السبب في إقلال الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان من التفسير أنهم كانوا في وسط أغلب أهله علماء بكتاب الله واقفون على أسرار التنزيل عارفون بمعانيه وأحكامه مكتملة فيهم خصائص العروبة أما الإمام علي ﵁ فقد عاش بعدهم حتى كثرت حاجة الناس في زمانه إلى من يفسر لهم القرآن وذلك من اتساع رقعة الإسلام ودخول عجم في هذا الدين الجديد كادت تذوب بهم خصائص العروبة ونشأ جيل من","vol":"2","page":14},{"text":"أبناء الصحابة كان في حاجة إلى علم الصحابة فلا جرم كان ما نقل عن علي أكثر مما نقل عن غيره أضف إلى ذلك ما امتاز به الإمام من خصوبة الفكر وغزارة العلم وإشراق القلب ثم أضف أيضا سبق اشتغالهم بمهام الخلافة وتصريف الحكم دونه.\nروى معمر عن وهب بن عبد الله بن أبي الطفيل قال شهدت عليا ﵁ يخطب ويقول سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أفي سهل أم في جبل.\nوفي رواية عنه قال والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين أنزلت إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا اهـ.\nوقد كثرت الروايات أيضا عن ابن مسعود وحسبك في معرفة خطره وجلالة قدره ما رواه أبو نعيم عن أبي البحتري قال قالوا لعلي أخبرنا عن ابن مسعود قال علم القرآن والسنة ثم انتهى وكفى بذلك علما.\nوأما ابن عباس فهو ترجمان القرآن بشهادة رسول الله ﷺ فعن مجاهد قال قال ابن عباس قال لي رسول الله ﷺ: \"نعم ترجمان القرآن أنت\" وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود ﵁ قال: \"نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس\" وقد دعا له النبي ﷺ بقوله: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" وروي أن رجلا أتى ابن عمر يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما أي من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ فقال اذهب إلى ابن عباس ثم تعال أخبرني فذهب فسأله فقال كانت السماوات رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات فرجع","vol":"2","page":15},{"text":"إلى ابن عمر فأخبره فقال قد كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن فالآن قد علمت أنه أوتي علما اهـ.\nلكن يجب الحيطة فيما عزي إلى ابن عباس من التفسير فقد كثر عليه فيه الدس والوضع كما سيأتي.\nوكذلك أبي بن كعب ﵁ ابن قيس الأنصاري أحد كتاب الوحي فقد كان ﵁ من المكثرين في التفسير المبرزين فيه كما اشتهر في القراءة وبرز فيها روى له في التفسير أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب وإسناده صحيح.\nوأما الباقي من العشرة وهم زيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير فمع شهرتهم في التفسير كانوا أقل من الأربعة الذين قبلهم\nوقد ورد عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء العشرة شيء من التفسير بيد أنه قليل منهم أنس وأبو هريرة وابن عمر وجابر وعمرو بن العاص وعائشة أم المؤمنين ﵃ أجمعين.","vol":"2","page":16},{"text":"هـ -<span data-type=\"title\" id=toc-133> تفسير ابن عباس</span>\nالرواية عنه واختلاف الرواة فيها\nأكثر الصحابة تفسيرا ابن عباس ذلك لما عرفت من أنه ترجمان القرآن ولتأخر الزمان به حتى اشتدت حاجة الناس إلى الأخذ عنه بعد اتساع الإسلام واستبحار العمران ولانقطاعه وتفرغه للنشر والدعوة والتعليم دون أن تشغله خلافة أو تصرفه سياسية وتدبير لشؤون الرعية غير أن الرواية عنه مختلفة الدرجات.\nقال السيوطي في الإتقان ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة بروايات","vol":"2","page":16},{"text":"وطرق مختلفة فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه قال أحمد بن حنبل بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا أسنده أبو جعفر النحاس.\nقال ابن حجر وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن أبي صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه كثيرا فيما يعلق عن ابن عباس وقال قوم لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير ثم قال ابن حجر بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك اهـ.\nوأخرج منها ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيرا ولكن بوسائط بينهم وبين أبي صالح.\nومن جيد الطرق عن ابن عباس طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين وكذا طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه هكذا بالترديد وإسنادها حسن وقد أخرج فيها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرا.\nوأوهى طرقه طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وكذا طريق مقاتل بن سليمان وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطعة فإن الضحاك لم يلقه وبالجملة فقد روي عن الشافعي أنه قال لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث.","vol":"2","page":17},{"text":"و-<span data-type=\"title\" id=toc-134> الرواية عن غير ابن عباس من الصحابة</span>\nنحدثك عن ثلاثة أعلام من الصحابة في التفسير غير ابن عباس:\nأولهم عبد الله بن مسعود ﵁ كان سادس ستة ما على وجه الأرض مسلم سواهم وكان خادم رسول الله ﷺ يلبسه نعليه ويمشي معه وأمامه فكان له من هذه الصلة النبوية خير مثقف ومؤدب لذلك عدوه من أعلم الصحابة بكتاب الله ومعرفة محكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه قال في الإتقان قد روي عن ابن مسعود في التفسير أكثر مما روي عن علي كرم الله وجهه وأخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته روى عنه كثيرون ولكن تتبعهم العلماء بالنقد والتجريح.\nثانيهم علي بن أبي طالب ﵁ هو ابن عم رسول الله ﷺ وصهره على ابنته السيدة فاطمة الزهراء ﵂ والخليفة الرابع من بعده ولد ﵁ وشب ودرج في الإسلام فلم يسجد لصنم قط وكان لصلته الوثيقة برسول الله ﷺ أثر عظيم في استنارة نفسه وغزارة مادته وسعة علمه بله ما وهبه الله من فطرة صافية وذكاء نادر وعقل موهوب حتى ضرب به المثل في حل المشاكل فقيل قضية ولا أبا حسن لها قال ابن عباس ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب اهـ وحسبك هذه الشهادة من ترجمان القرآن\nلكن ابتلي علي ﵁ بشيعة أسرفوا في حبه وجاوزوا الحد في تقديره فنسبوا إليه ما هو منه بريء وقولوه ما لم يقل لذلك يلاحظ أن المروي عن علي فيه دس","vol":"2","page":18},{"text":"كثير تصدى له صيارفة النقد من رجال الرواية حتى مازوا ما صح مما لم يصح ولا ينبئك مثل خبير.\nثالثهم أبي بن كعب الأنصاري كان من أعلام القراء ومن كتاب الوحي وممن شهد بدرا ورد فيه: وأقرؤهم لكتاب الله ﷿ أبي بن كعب روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب نسخة كبيرة في التفسير أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كثيرا وكذا أخرج الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده.","vol":"2","page":19},{"text":"ز -<span data-type=\"title\" id=toc-135> المفسرون من التابعين</span>\nطبقاتهم ونقد المروي عنهم\nنستطيع أن نعتبر التابعين طبقات ثلاثا طبقة أهل مكة وطبقة أهل المدينة وطبقة أهل العراق\nطبقة أهل مكة:\nأما طبقة أهل مكة من التابعين فقد كانوا أعلم الناس بالتفسير نقل السيوطي عن ابن تيمية أنه قال أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس.\nأما مجاهد فقد كان أوثق من روى عن ابن عباس ولذا يعتمد على تفسير الشافعي والبخاري وغيرهما من أقطاب العلم وأئمة الدين قال النووي إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وقال الفضيل بن ميمون سمعت مجاهدا يقول عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة وعنه أيضا قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات","vol":"2","page":19},{"text":"أقف عند كل آية منه أسأله عنها فيم أنزلت وكيف كانت؟.\nولا تعارض بين هاتين الروايتين فالإخبار بالقليل لا ينافي الإخبار بالكثير ويحتمل أن عرضه القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة كان طلبا لضبطه وتجويده وحسن أدائه وأما عرضه إياه ثلاث مرات فكان طلبا لتفسيره ومعرفة أسراره وحكمه وأحكامه كما يدل عليه قوله اقف عند كل آية منه أسأله عنها فيم أنزلت وكيف أنزلت؟؟.\nوأما عطاء وسعيد فقد كان كل منهما ثقة ثبتا في الرواية عن ابن عباس.\nقال سفيان الثوري خذوا التفسير عن أربعة عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك وقال قتادة أعلم التابعين أربعة كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير الخ وقال أبو حنيفة ما لقيت أحدا أفضل من عطاء.\nوأما عكرمة مولى ابن عباس فقد قال الشافعي فيه ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة اهـ وقال عكرمة كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل١ ويعلمني القرآن والسنة وكان يقول لقد فسرت ما بين اللوحين لعله يريد ما بين دفتي المصحف وكل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس اهـ.\nوأما طاوس بن كيسان اليماني فقد كان من رجال العلم والعمل وأدرك من أصحاب النبي ﷺ نحو الخمسين ورد أنه حج بيت الله الحرام أربعين مرة وكان مجاب الدعوة قال فيه ابن عباس إني لأظن طاوسا من أهل الجنة اهـ ﵃ أجمعين.\n_________\n١ الكبل \"بقتح الكاف وكسرها مع سكون الباء\": القيد، انظر القاموس.","vol":"2","page":20},{"text":"طبقة أهل المدينة:\nمنهم زيد بن أسلم وقد أخذ عنه ابنه عبد الرحمن ومالك بن أنس إمام دار الهجرة.\nومنهم أبو العالية وهو من رواة أبي بن كعب وقد روى عن الربيع بن أنس.\nمنهم محمد بن كعب القرظي الذي قال فيه ابن عون ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي.\nطبقة أهل العراق:\nمنهم مسروق بن الأجدع كان ورعا زاهدا صحب ابن مسعود قال ابن معين فيه ثقة لا يسأل عنه وكان القاضي شريح يستشيره في معضلات المسائل روى عنه الشعبي وأبو وائل وآخرون لصدق روايته وأمانته.\nومنهم قتادة بن دعامة هو من رواة ابن مسعود شهد له ابن سيرين بالضبط والحفظ وقال فيه ابن المسيب ما رأيت عراقيا أحفظ من قتادة غير أنه كان يخوض في القضاء والقدر فتحرج بعض الناس من الرواية عنه وقد احتج به أرباب الكتب الصحيحة.\nمنهم أبو سعيد الحسن البصري قال ابن سعد فيه كان ثقة مأمونا وعالما جليلا وفصيحا جميلا وتقيا نقيا حتى قيل إنه سيد التابعين.\nومنهم عطاء بن أبي مسلم الخراساني أصله من البصرة لكنه أقام بخراسان بعد أن دخلها لذلك نسب إليها كان من أجلاء العلماء غير أنه كان مصابا بسوء الحفظ لذلك اختلفوا في توثيقه.\nومنهم مرة الهمذاني الكوفي لكثرة عبادته قيل له مرة الطيب ومرة الخير","vol":"2","page":21},{"text":"أخذ عن أبي كعب وعمر بن الخطاب وغيرهما من الصحابة وروى عنه الشعبي وغيره.\nهؤلاء هم أعلام المفسرين من التابعين استمدوا آرائهم وعلومهم مما تلقوه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\nوعنهم أخذ تابعو التابعين وهكذا حتى وصل إلينا دين الله وكتابه وعلومه ومعارفه سليمة كاملة عن طريق التلقي والتلقين جيلا عن جيل مصداقا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾\nولقوله ﷺ: \"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين\".\nنقد المروي عن التابعين:\nيلاحظ على ما روي عن التابعين اعتبارات مهمة تثير الطعن فيه وتوجه النقد إليه:\nمنها أنهم لم يشاهدوا عهد النبوة ولم يتشرفوا بأنوار الرسول فيغلب على الظن أن ما يروى عنهم من تفسير القرآن إنما هو من قبيل الرأي لهم فليس له قوة المرفوع إلى النبي ﷺ\nومنها أنه يندر فيه الإسناد الصحيح.\nومنها اشتماله على إسرائيليات وخرافات انسابت إليه تارة من زنادقة الفرس وأخرى من بعض مسلمة أهل الكتاب إما بحسن نية وإما بسوء نية.","vol":"2","page":22},{"text":"ح -<span data-type=\"title\" id=toc-136> ضعف الرواية بالمأثور وأسبابه</span>\nعلمنا أن الرواية بالمأثور تتناول ما كان تفسيرا للقرآن بالقرآن وما كان تفسيرا للقرآن بالسنة وما كان تفسيرا للقرآن بالموقوف على الصحابة أو التابعين على رأي.\nأما تفسير بعض القرآن ببعض وتفسير القرآن بالسنة الصحيحة المرفوعة إلى النبي ﷺ فلا خلاف في وجاهته وقبوله وأما تفسير القرآن بما يعزى إلى الصحابة والتابعين فإنه يتطرق إليه الضعف من وجوه:\nأولها ما دسه أعداء الإسلام مثل زنادقة اليهود والفرس فقد أرادوا هدم هذا الدين المتين عن طريق الدس والوضع حينما أعيتهم الحيل في النيل منه عن طريق الحرب والقوة وعن طريق الدليل والحجة.\nثانيها ما لفقه أصحاب المذاهب المتطرفة ترويجا لتطرفهم كشيعة علي المتطرفين الذين نسبوا إليه ما هو منه بريء وكالمتزلفين الذين حطبوا في حبل العباسيين فنسبوا إلى ابن عباس ما لم تصح نسبته إليه تملقا لهم واستدرارا لدنياهم.\nثالثها اختلاط الصحيح بغير الصحيح ونقل كثير من الأقوال المعزوة إلى الصحابة أو التابعين من غير إسناد ولا تحر مما أدى إلى التباس الحق بالباطل زد على ذلك أن من يرى رأيا يعتمده دون أن يذكر له سندا ثم يجيء من بعده فينقله على اعتبار أن له أصلا ولا يكلف نفسه البحث عن أصل الرواية ولا من يرجع إليه هذا القول.\nرابعها أن تلك الروايات مليئة بالإسرائيليات ومنها كثير من الخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها ومنها ما يتعلق بأمور العقائد التي لا يجوز الأخذ فيها بالظن ولا برواية","vol":"2","page":23},{"text":"الآحاد بل لا بد من دليل قاطع فيها كالروايات التي تتحدث عن أشراط الساعة وأهوال القيامة وأحوال الآخرة تذكر على أنها اعتقاديات في الإسلام.\nخامسها أن ما نقل نقلا صحيحا عن الكتب السابقة التي عند أهل الكتاب كالتوارة والإنجيل أمرنا الرسول ﷺ أن نتوقف فيه فلا نصدقهم لاحتمال أنه مما حرفوا في تلك الكتب ولا نكذبهم لاحتمال أنه مما حفظوه منها فقد قال تعالى فيهم:إنهم ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والاختلاف في التفسير على نوعين منه ما مستنده النقل فقط ومنه ما يعلم بغير ذلك والمنقول إما عن المعصوم أو غيره ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره ومنه ما لا يمكن ذلك وهذا القسم أي الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامته ما لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته وذلك كاختلافهم في لون كلب أهل الكهف واسمه وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة وفي قدر سفينة نوح وخشبها وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك فهذه الأمور طريقة العلم بها النقل فما كان منها منقولا نقلا صحيحا عن النبي ﷺ قبل وما لا بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب وقف عن تصديقه وتكذيبه لقوله إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو من بعض من سمعه منه أقوى ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم.\nوأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود كثيرا ولله الحمد","vol":"2","page":24},{"text":"وإن قال الإمام أحمد ثلاثة ليس لها أصل التفسير والملاحم والمغازي وذلك لأن الغالب عليها المراسيل.\nوأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ... ثم ذكر الجهتين اللتين هما مثار الخطأ فقال إحداهما حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها لتأييدها به والثانية التفسير بمجرد دلالة اللغة العربية من غير مراعاة المتكلم بالقرآن وهو الله ﷿ والمنزل عليه والمخاطب به اهـ أردنا نقله بتصرف قليل.\nقال بعضهم هذا وإن كلام ابن تيمية لا ينقض قول الإمام أحمد فإنه لم يعن به أنه لا يوجد في تلك الثلاثة رواية صحيحة ألبتة وإنما يعني أن أكثرها لا يصح له سند متصل وما صح سنده إلى بعض الصحابة يقل فيه المرفوع الذي يحتج به.\nإلى أن قال: ثم إن أكثر ما روي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية المزكية للأنفس المنورة للعقول فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التي لا قيمة لها سندا ولا موضوعا اهـ ما أردنا نقله.\nوكلمة الإنصاف في هذا الموضوع أن التفسير بالمأثور نوعان أحدهما ما توافرت الأدلة على صحته وقبوله وهذا لا يليق بأحد رده ولا يجوز إهماله وإغفاله ولا يجمل أن نعتبره من الصوارف عن هدي القرآن بل هو على العكس عامل من أقوى العوامل على الاهتداء بالقرآن.\nثانيهما ما لم يصح لسبب من الأسباب الآنفة أو غيرها وهذا يجب رده لا يجوز قبوله ولا الاشتغال به اللهم إلا لتمحيصه والتنبيه إلى ضلاله وخطئه حتى لا يغتر به أحد ولا يزال كثير من أيقاظ المفسرين كابن كثير يتحرون الصحة فيما ينقلون ويزيفون ما هو باطل أو ضعيف ولا يحابون ولا يجبنون.","vol":"2","page":25},{"text":"ولعل الذين أطلقوا القول في رد المأثور إنما أرادوا المبالغة كما علمت في توجيه كلمة الإمام أحمد بن حنبل وعذرهم أن الصحيح منه قليل نادر ونزر يسير حتى لقد قال الإمام الشافعي ﵁ لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث أي مع كثرة ما روي عنه وقد أشار ابن خلدون إلى أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم إلى أن قال وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم وتلقيت بالقبول لما كان لهم من المكانة السامية ولكن الراسخين في العلم قد تحروا الصحة وزيفوا ما لم تتوافر أدلة صحته اهـ بتصرف.\nملحوظة:\nإياك أن تفهم هنا من عبارة ابن خلدون أو ابن تيمية أو غيرهما ما يجعلك تخوض مع الخائضين في هؤلاء الأعلام الثلاثة عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار فقد ضل بعض الأدباء والمؤرخين من كبار الكتاب في هذا العصر حين زعموا ذلك حتى لقد سلكوا عبد الله بن سلام الصحابي الجليل في سلك واحد مع عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث الذي تظاهر بالإسلام ثم كاد له شر الكيد فتشيع لعلي وزعم أن الله حل فيه وطعن على عثمان وأظهر الرفض عند حكم الحكمين بصفين ودعا الناس إلى ضلاله الأثيم حتى نفي مرارا.\nوالحقيقة أن ثلاثتنا هؤلاء عدول ثقات:\nأما ابن سلام فحسبك أنه صحابي من خيرة الصحابة ومن المبشرين بالجنة يروي الترمذي عن معاذ ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنه","vol":"2","page":26},{"text":"عاشر عشرة في الجنة\" وفيه نزلت آية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ وآية: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ على ما جاء في بعض الروايات.\nوأما وهب بن منبه فقد كان تابعا ثقة واسع العلم روى عن أبي هريرة كثيرا وله حديث في الصحيحين عن أخيه همام بلغ من تنسكه وصلاحه أنه لبث عشرين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء ﵁.\nوأما كعب فقد كان تابعا جليلا أسلم في خلافة أبي بكر وناهيك أن الصحابة أخذوا عنه كما أخذ هو عن الصحابة وروى عنه جماعة من التابعين مرسلا وله شيء في صحيح البخاري وغيره.\nولكن يجب أن نفرق في هذا المقام بين ما يصح أن يقال فيهم وما يصح أن ينقل عنهم فأما ما يصح أن يقال فيهم فهو الثقة والتقدير على نحو ما ألمعناه وأما الذي ينقل عنهم فمنه الصحيح وغير الصحيح لكن عدم صحة ما لم يصح لا يعلل باتهامهم وجرحهم فقد علمت من هم إنما يعلل بأحد أمرين:\nأولهما رجال السند الذين ينقلون عنهم فقد يكون بينهم متهم في عدالته أو ضبطه ولهذا يجب النظر في سلسلة الرواة عنهم رجلا رجلا ولدينا من كتب الجرح والتعديل ما يفي بهذه الغاية ولا يكفي الاعتماد على ذكر السند في كتاب كبير كتفسير ابن جرير فقد يذكر ابن جرير أو غيره أشياء غير صحيحة ويسوق أسانيدها ثم لا يبين المجروح من رجال السند ولا المعدل فيهم وعذرة في ذلك أن أحوال الرجال كانت معروفة لأهل ذلك الزمان فيستطيعون أن يحكموا في ضوء هذه المعرفة بقبول الخبر أو برده أما نحن في هذا الزمان المتأخر فقد أهملنا هذا الميزان ولم نعن بمعرفة حال الأسانيد والرجال فاللوم علينا لا على أولئك الأعلام ولا معدى لنا عن الاسترشاد بكتب الجرح والتعديل في هذا المقام.\nالأمر الثاني أن يكون أولئك الثلاثة قد رووا ما رووه على أنه مما كان في","vol":"2","page":27},{"text":"الإسرائيليات فتقبلها الآخذون على أنها من الإسلاميات ولهذا يجب النظر في هذه المرويات فإن كانت مما يقرره الإسلام قبلناها وإن كانت مما يرده رددناها وإن كانت مما سكت عنه سكتنا عنها عملا بقوله ﷺ: \"إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهمولا تكذبوهم\" رواه البخاري بهذا اللفظ ورواه أحمد والبزار من حديث جابر بلفظ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي\" وسبب هذا الحديث أن النبي ﷺ علم أن عمر كتب شيئا من التوراة عن اليهود فغضب ﷺ وقاله.","vol":"2","page":28},{"text":"ط -<span data-type=\"title\" id=toc-137> تدوين التفسير بالمأثور </span>وخصائص الكتب المؤلفة في ذلك\nجاء قرن تابعي التابعين وفيه ألفت تفاسير كثيرة جمعت من أقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وإسحاق بن راهوية وروح بن عبادة وعبد بن حميد وأبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن أبي طلحة والبخاري وآخرين ومن بعدهم ألف ابن جرير الطبري كتابه المشهور وهو من أجل التفاسير ثم ابن أبي حاتم وابن ماجه والحاكم وابن مردويه وابن حبان وغيرهم.\nوليس في تفاسير هؤلاء إلا ما هو مسند إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم ما عدا ابن جرير فإنه تعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وذكر الإعراب والاستنباط.","vol":"2","page":28},{"text":"١ - تفسير ابن جرير:\nابن جرير هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ولد سنة ٢٢٤ أربع وعشرين ومائتين وتوفي سنة ٣١٠ عشر وثلاثمائة كان فريد عصره ووحيد دهره علما وعملا وحفظا لكتاب الله وخبرة بمعانيه وإحاطة بالآيات ناسخها ومنسوخها وبطرق الرواية صحيحها وسقيمها وبأحوال الصحابة والتابعين.\nلذلك كان تفسيره من أجل التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها لما ورد عن الصحابة والتابعين عرض فيه لتوجيه الأقوال ورجح بعضها على بعض وذكر فيه كثيرا من الإعراب واستنباط الأحكام وقد شهد العارفون بأنه لا نظير له في التفاسير:\nقال النووي في تهذيبه: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله وقال أبو حامد الأسفراييني شيخ الشافعية لو رحل أحد إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا عليه.\nومن مزاياه أنه حرر الأسانيد وقرب البعيد وجمع ما لم يجمعه غيره غير أنه قد يسوق أخبارا بالأسانيد غير صحيحة ثم لا ينبه على عدم صحتها وقلنا إن عذره في ذلك هو ذكر السند في زمن توافر الناس فيه على معرفة حال السند من غير توقف على تنبيه منه وهذا التفسير موجود إلى اليوم ومنتشر مطبوع وهو عمدة لأكثر المفسرين.\n٢ - تفسير أبي الليث السمرقندي:\nهو تفسير بالمأثور يذكر فيه كثيرا من أقوال الصحابة والتابعين غير أنه لا يذكر الأسانيد وهو مخطوط في مجلدين وموجود في مكتبة الأزهر","vol":"2","page":29},{"text":"٣ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور\nهو للإمام جلال الدين السيوطي قال في مقدمته إنه لخصه من كتب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند إلى رسول الله ﷺ وهو مطبوع بمصر وقد ذكر في كتابه الإتقان أنه شرع في تفسير جامع لما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة والأقوال المعقولة والاستنباط والإشارات والأعاريب واللغات ونكت البلاغة ومحاسن البديع وسماه مجمع البحرين ومطلع البدرين وذكر أنه جعل كتاب الإتقان مقدمة له وذكر في خاتمة كتاب الإتقان نبذة صالحة من التفسير بالمأثور المرفوع إلى النبي ﷺ من أول الفاتحة إلى سورة الناس.\n٤ - تفسير ابن كثير\nابن كثير هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر القرشي الدمشقي الشافعي المولود سنة ٧٠٥المتوفي سنة ٧٧٤ وتفسيره هذا من أصح التفاسير بالمأثور إن لم يكن أصحها جميعا نقل فيه عن النبي ﷺ وكبار الصحابة والتابعين وقد أخرجته مطبعة المنار بمصر في تسعة أجزاء ومعه بأسفل الصفحات تفسير البغوي الآتي ذكره وبآخره كتاب فضائل القرآن الذي يعتبر متمما له.\n٥ - تفسير البغوي\nهو العلامة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الفقيه الشافعي كان إماما في التفسير والحديث له التصانيف المفيدة ومنها معالم التنزيل أتى فيه بالمأثور ولكن مجردا عن الأسانيد.\n٦ - تفسير بقي بن مخلد\nذكر الإمام السيوطي في طبقات المفسرين أن بقي بن مخلد بن يزيد بن عبد الرحمن","vol":"2","page":30},{"text":"الأندلسي القرطبي أحد الأعلام وصاحب التفسير والسند أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ورحل إلى المشرق ولقي الكبار بالحجاز ومصر وبغداد وسمع من أحمد بن حنبل وسمع بالكوفة أبا بكر بن أبي شيبة وسمع بمصر يحيى بن بكير وسمع بالحجاز أبا مصعب الزهري وسمع بدمشق هشام بن عمار وشيوخه مائتان وأربعة وثمانون رجلا وكان إماما زاهدا صواما صادقا مجاب الدعوة قليل المثل بحرا في العلم مجتهدا لا يقلد أحدا عني بالأثر وليس لأحد مثل سنده في الحديث ولا في التفسير.\nقال ابن حزم: أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره لا تفسير ابن جرير ولا غيره ولد سنة ٢٠٤ أربع ومائتين للهجرة وتفسيره الموصوف بما ترى يؤسفنا أنه لم يكتب له البقاء ولم يظفر بما ظفر به تفسير ابن جرير من هذا الخلود\nوكم في الخدر أبهى من عروس ... ولكن للعروس الدهر ساعد\n٧ - أسباب النزول للواحدي\nهو أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري اقتصر في تفسيره على بيان أسباب النزول بالمأثور وهذا نوع من التفسير لا مجال للتأويل فيه وهو من أعظم ما ألف في موضوعه على رغم توسط حجمه.\n٨ - الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس:\nهو كتاب نفيس تحدث فيه مؤلفه عن الناسخ وذكر أقوال العلماء في ذلك مسندة وقد استوعب ما قيل في النسخ ولو لم يكن عنده صحيحا وهذا نوع لا مجال للرأي فيه أيضا بل سبيله الوحيدة هي الرواية وهو معدود هنا من التفسير بالمأثور على ضرب التوسع كما لا يخفى.\nطريق المفسرين بعد العصر الأول:\nثم إن كتب التفسير بالمأثور موسوعات كبيرة لا نستطيع الإحاطة بها ولا بأسماء","vol":"2","page":31},{"text":"جميع مؤلفيها ولا بطرق كل مؤلف فيها غير أنا نستطيع أن نجمل القول في طرق المفسرين بعد العصر الأول فنقول:\nبعد عصر الأولين الذين ألفوا في التفسير بالمأثور والتزموا ذكر السند بجملته جاء قوم صنفوا في التفسير واختصروا الأسانيد ولم ينسبوا الأقوال لقائليها فالتبس بذلك الصحيح وغيره وصار الناظر في تلك الكتب يظنها كلها صحيحة بينما هي مفعمة بالقصص وبالإسرائيليات على وجه لا تمييز فيه كأنها كلها حقائق ومن هنا استهدفت رواياتهم للتجريح والطعن ولولا ما يقوم به المحققون في كل عصر من إحقاق الحق ودحض الباطل لانطمست المعالم واختلط الحابل بالنابل ولكان ذلك مثار مطاعن توجه بلا حساب إلى الإسلام والمسلمين فقد ذكروا في قصص الأنبياء وفي بدء الخليقة والزلازل ويأجوج ومأجوج وبرودة الماء الذي في الآبار زمن الصيف وحرارته في الشتاء ذكروا في ذلك كله ما يندى له الجبين خجلا وما لا يتفق والحقائق العلمية أبدا ويا ليتهم نبهوا على وضعه لو أنهم فعلوا لكان الأمر هينا ولكنهم لم يذكروا السند كما ذكر الأولون ليستطيع المطلع عليه نقده بالرجوع إلى كتب الجرح والتعديل ثم لم يكلفوا أنفسهم الحكم على السند بعد محاكمته إلى كتب العدل والتجريح وتلك ثالثة الأثافي.\nوقد عني بعض المفسرين بأن يسرد شتات الأقوال حتى أنه ذكر في تفسير قوله سبحانه: غير المغضوب عليهم ولا الضالين نحو عشرة أقوال مع أن الوارد الصحيح تفسير المغضوب عليهم باليهود وتفسير الضالين بالنصارى ولكن الولوع بكثرة النقول نأى بهم عن الاقتصار على التفسير المقبول.\nوكذلك نلاحظ أن كل بارع في فن يقتصر غالبا في تفسيره على الفن الذي برع فيه فالمبرز في العلوم العقلية كالفخر الرازي أغرم باستعراض أقوال الحكماء والفلاسفة وشبههم والرد عليها في تفسيره والمبرز في الفقه كالقرطبي أولع بتقرير الأدلة للفروع الفقهية والرد على المخالفين والمبرز في النحو كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر يهتم أعظم الاهتمام بالإعراب ووجوهه ونقل قواعد النحو وفرعها.","vol":"2","page":32},{"text":"وأصحاب المذاهب المتطرفة والنحل الضالة يقصدون إلى تأويل الآيات على ما يروج مذاهبهم في التطرف والضلال.\nوالأخباريون يعنيهم أن يستقصوا القصص والأخبار عمن سلف صحيحة كانت أو باطلة.\nوالإشاريون وأرباب التصوف تهمهم ناحية الترغيب والترهيب والزهد والقناعة والرضا فيفسرون القرآن بما يوافق مشاربهم وأذواقهم وعلى الإجمال نرى كل نابغة في فن أو داعية إلى مذهب أو فكرة يجتهد في تفسير الآيات بما يوافق فنه ويلائم مشربه ويناصر مذهبه ولو كان بعيدا كل البعد عن المقصد الذي نزل من أجله القرآن ولقد غالى بعضهم فجعل القرآن مشتملا على العلوم الكونية كالطبيعة والكيمياء والحساب والجبر وما إلى ذلك وقد سبق أن حققنا ذلك في المبحث الأول فارجع إليه إن شئت وربما نعود إلى القول في هذا الموضوع مرة أخرى.\nوالخلاصة هنا: أنه يجب على المفسر ملاحظة أن القرآن كتاب هداية وإعجاز وأن يجعل هدفه الأعلى ومقصده الأسمى إظهار هدايات الله من كلامه وبيان وجوه إعجازه في كتابه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾\nالتفسير المحمود والتفسير المذموم\nتفسير الصحابة والتابعين وتفسير الذين اعتمدوا على أقوال الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحيحة وتفسير أهل الرأي الموفق الذين جمعوا بين المأثور الصحيح مع حذف","vol":"2","page":33},{"text":"أسانيده وبين آرائهم العلمية المعتدلة كل هذه الثلاثة من التفسير المحمود ويغلب هذا النوع الثالث في عصرنا الحاضر إذ تجمع التفاسير لدينا بين معان مأثورة ومعان توسعوا في ذكرها عن طريق الرأي والاجتهاد المعتمد على العلم والاعتدال.\nوهناك نوع رابع هو تفسير أهل الأهواء والبدع وحكمه أنه مذموم قالوا وأشهر الغارقين في هذا الضلال الرماني والجبائي والقاضي عبد الجبار ثم اختلفوا في الزمخشري فمنهم من عد تفسيره من هذا النوع لما فيه من مناحي الاعتزال ومنهم من قال إن فيه فوائد مهمة يريد بذلك أن يلتمس له المعاذير وأن يغلب جانب الفوائد التي فيه على جانب الاعتزال الذي يحتويه ولكن عدالة الأحكام تقضي بأن نسوي بين جميع التفاسير وأن نحاكمها إلى مبدأ واحد فما وافق منها وجه الصواب وكان بمنأى عن البدع والأهواء فهو محمود وما تورط منها في الخطأ وتخبط في الهوى والبدعة فهو مذموم لا فرق بين الزمخشري وغير الزمخشري ولا بين معتزلي وغير معتزلي.\nميزان المدح والذم\nثم إن هناك ميزانا لما يحمد من التفسير وما يذم وهو الفيصل الذي يجب أن نحكمه ونزن كل تفسير به فما رجح في هذا الميزان قبلناه وحمدناه وما طاش رفضناه وذممناه والمدح والذم درجات بعضها فوق بعض على حسب استيفاء التفسير لوجوه المدح والذم أو نقصها قليلا أو كثيرا وسنضع هذا الميزان بين يديك تحت عنوان منهج المفسرين بالرأي فانتظره رويدا.\nغير أنا نسترعي نظرك هنا إلى كلمة أهل البدع والأهواء ونريد أن تكون موفقا في حكمك على أية طائفة أو أي شخص ببدعة أو هوى وإلا خيف عليك أن تكون أنت صاحب البدعة والهوى في حكمك ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ","vol":"2","page":34},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ .\nغلطة التعصب للرأي:\nواعلم أن هناك أفرادا بل أقواما تعصبوا لآرائهم ومذاهبهم وزعموا أن من خالف هذه الآراء والمذاهب كان مبتدعا متبعا لهواه ولو كان متأولا تأويلا سائغا يتسع له الدليل والبرهان كان رأيهم ومذهبهم هو المقياس والميزان أو كأنه الكتاب والسنة والإسلام وهكذا استزلهم الشيطان وأعماهم الغرور.\nولقد نجم عن هذه الغلطة الشنيعة أن تفرق كثير من المسلمين شيعا وأحزابا وكانوا حربا على بعضهم وأعداء وغاب عنهم أن الكتاب والسنة والإسلام أوسع من مذاهبهم وآرائهم وأن مذاهبهم وآرائهم أضيق من الكتاب والسنة والإسلام وأن في ميدان الحنيفية السمحة متسعا لحرية الأفكار واختلاف الأنظار ما دام الجميع معتصما بحبل من الله ثم غاب عنهم أن الله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ويقول جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ويقول تقدست أسماؤه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ﴾ .\nلمثل هذا أربأ بنفسي وبك أن نتهم مسلما بالكفر أو البدعة والهوى لمجرد أنه خالفنا في رأي إسلامي نظري فإن الترامي بالكفر والبدعة من أشنع الأمور ولقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجها ثم احتملت الإيمان من وجه واحد حملت على أحسن المحامل وهو الإيمان وهذا موضوع","vol":"2","page":35},{"text":"مفروغ منه ومن التدليل عليه لكن يفت في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين عن هذا الأدب الإسلامي العظيم الذي يحفظ الوحدة ويحمي الأخوة ويظهر الإسلام بصورته الحسنة ووجهه الجميل من السماحة واليسر واتساعه لكافة الاختلافات الفكرية والمنازع المذهبية والمصالح البشرية ما دامت معتصمة بالكتاب والسنة على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد والتأويل الرشيد.\nولقد حدث مثل هذا الاختلاف على عهد رسول الله ﷺ بين أصحابه فما تنازعوا من أجله بل أخذ كل برأيه وهو يحترم الآخر ورأيه وأقرهم الرسول ﷺ على ذلك ولم يعب أحدا منهم على رغم أنه يترتب على بعض هذه الاختلافات أن ترك بعضهم الصلاة في وقتها اجتهادا منه إذ قال الرسول ﷺ الله يوما لفئة من أصحابه: \"لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة\" فسافروا وجدوا ولكن الغزالة تدلت للغروب وهم لا يزالون ضاربين في الأرض ولما يصلوا هنالك اجتهدوا فمنهم من وقف عند ظاهر النص فترك العصر حتى خرج وقته ما دام لم يصل إلى بني قريظة ومنهم من تأول النص وحمله على الكناية في الإسراع فصلى حين خاف على الوقت من قبل أن يصل إلى بني قريظة.\nنقول إن مثل هذا الخلاف حدث على عهد صاحب الرسالة وأقره تيسيرا على المسلمين وإعلاما بأن الإسلام دين الكافة يسع جميع البشر في كل العصور والأحوال وشهد المسلمون بعد ذلك عصرا سعيدا كان أئمة الدين فيه يختلفون فيما بينهم كثيرا ولكنهم كانوا بجانب هذا يتكارمون ويتعاونون ويتراحمون كثيرا.\nوإن كنت في شك فاسأل التاريخ عن إكرام مالك للشافعي واحترام الشافعي لأحمد بن حنبل حتى ورد أنه كان يتبرك بغسالة قميصه أي يتبرك الأستاذ الإمام","vol":"2","page":36},{"text":"بغسالة قميص تلميذه المخالف له في الرأي والاجتهاد ثم سل التاريخ عن معاونة صاحب أبي حنيفة للشافعي ودفعه إليه كتبه في كرم وحسن ضيافة وصدق محبة ولا تنس إباء مالك على الرشيد أن يحمل الناس في بلاد الإسلام كلها على موطئه ومذهبه ويعتذر إليه بأن الإسلام أوسع من موطئه ومذهبه وأن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد ولكل وجهة.\nأرأيت هذا النبل: والطهر أجل أجل ولكنك ستقضي الأسف حين ترى بجانبه فئات من المسلمين أيضا تراشقوا بالكفر وتراموا بالشرك وتقاذفوا بالتبدع والهوى لمجرد تأويل يستسيغه النظر ويتسع له صدر الاستدلال ثم اتسع الخرق على الراقع في بعض الظروف حتى دارت معارك طاحنة بين صفوف كلها مسلمة وأريقت دماء زكية كلها إسلامية ولا نزال نشهد من مثل هذا الصراع القائم على التنطع مشاهد ما كان أغنانا عنها وما كان أحرانا بالحذر منها خصوصا بعد ما سمعنا من الآيات وبعد أن أقر الرسول ﷺ أمثال هذه الخلافيات وبعد أن قال في حديث واحد ثلاث مرات: \"هلك المتنطعون\" وهي كلمة صغيرة ولكنها كبيرة تحذر وتنذر وتمثل الهلاك جاثما في التنطع بأشكاله وألوانه في الأنفس والأعراض والأموال وفي الجماعات والأفراد على سواء.\nلا أريد أن أطيل في هذا ولكني أريد أن أقرر وأكرر أن الحكم على فرد أو جماعة بالبدعة والهوى لا يجوز أن يكون مبنيا على غير بدعة أو هوى.\nونرى أن من أمثلة هذا التعصب والسير مع الهوى أن يرمي بعض المغالين في الاعتزال إخوانهم من أهل السنة بأنهم حمير في جهالتهم وبأنهم على هوى في عقيدتهم ولم يكفهم أن يقولوا ذلك نثرا بل رددوه شعرا وأنشدوا سامحهم الله\nلجماعة سموا هواهم سنة ... وجماعة حمر لعمري موكفه\nالخ","vol":"2","page":37},{"text":"وكذلك نرى من أمثلة هذا التعصب والسير مع الهوى أن يرمي بعض المغالين من أهل السنة إخوانهم المعتزلة بالشرك والوثنية لاعتقادهم أن العبد خالق لأفعال نفسه الاختيارية.\nونعتقد أن كلتا الطائفتين لو أنصتت إلى وجهة نظر صاحبتها في هدوء ونصفة لاجتمعنا على الإنسانية التي تجمع الجميع وعلى الإسلام الذي يؤلف بين الجميع وعلى الاحترام الذي يجب أن يسود الجميع فإن لكل شرعة ومنهاجا في حدود الإسلام وأدلة الإسلام.\nولنقف برهة بجانب هذا المثال مثال خلق الأفعال ليتضح الحال ولنقيس عليه النظائر والأشباه عند الاختلاف والاشتباه ولنعلم أن المتخالفين في ذلك ما زالوا مع خلافهم إخوانا مسلمين تظلهم راية القرآن ويضمهم لواء الإسلام.\nفي القرآن الكريم والسنة النبوية نصوص كثيرة على أن الله تعالى خالق كل شيء وأن مرجع كل شيء إليه وحده وأن هداية الخلق وضلالهم بيده سبحانه مثل قوله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إنا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ","vol":"2","page":38},{"text":"يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ .\nوكذلك يقول النبي ﷺ: \"إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل\" ويقول: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره\" ويقول: \"يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك\" إلى غير ذلك.\nهذه النصوص وأمثالها إذا نظر العبد إليها لا يسعه إلا أن يرد الأمور كلها إلى الله معتقدا أنه الواحد الأحد لا شريك له في ملكه ولا في ناحية من ملكه وهي أفعال التكليف من عباده وكأن نسبة الأفعال إلى العباد هي الأخرى محض فضل من الله على حد ما قال إبن عطاء الله من فضله وكرمه عليك أن خلق العمل ونسبه إليك.\nويظاهر هذه الأدلة النقلية أدلة أخرى عقلية ناطقة بوحدانية الله في كل شيء وبأن العبد لا يعقل أن يكون خالقا لما اختاره من أفعاله لأنه لو كان خالقا لها لكان عالما بتفاصيلها ولكنه يشعر من نفسه بأنه تصدر عنه أشياء كثيرة جدا من عمله الاختياري دون أن يعرف تفاصيلها كخطوات المشي وحركات المضغ في الأكل ونحوها وإذا فليس العبد هو الخالق لها ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ .\nبجانب هذا توجد نصوص كثيرة أيضا من الكتاب والسنة تنسب أعمال العباد إليهم وتعلن رضوان الله وجبه للمحسنين فيها كما تعلن غضبه وبغضه للمسيئين منهم ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ","vol":"2","page":39},{"text":"أَنْ يَسْبِقُونَا أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .\nوكذلك نقرأ في السنة النبوية: \"اعلموا فكل ميسر لما خلق له بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت يا عباس بن عبد المطلب اعمل لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد اعملي لا أغني عنك من الله شيئا\" إلى غير ذلك.\nوهذه نصوص إذا نظر العبد إليها لا يسعه إلا أن يرد أعمال العباد الاختيارية إليهم معتقدا أنهم يستحقون ثوابها إن أحسنوا وعقابها إن أساؤوا ويظاهر هذه الأدلة النقلية أدلة عقلية أيضا شاهدة بعدالة الله وحكمته لأن العبد لو لم يكن موجدا لما اختار من أعماله لما كان ثمة وجه لاستحقاقه المثوبة أو العقوبة وكيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له ولم يصدر منه.\nغيري جنى وأنا المعذب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم","vol":"2","page":40},{"text":"أهل السنة بهرتهم النصوص الأولى والأدلة العقلية التي بجانبها فرجحوها وقالوا إن العبد لا يخلق أفعال نفسه الاختيارية إنما هي خلق الله وحده وإذا قيل لهم كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده هو وكيف يتفق هذا وما هو مقرر من عدالة الله وحكمته في تكليف خلقه قالوا إن العباد وإن لم يكونوا خالقين لأعمالهم كاسبون لها وهذا الكسب هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب وبه يتحقق عدل الله وحكمته فيما شرع للمكلفين.\nوهكذا حملوا النصوص الأولى على الخلق وحملوا الثانية على الكسب جمعا بين الأدلة ثم إذا قيل لهم ما هذا الكسب اختلف الأشعري والماتريدي في تحديده أهو مقارنة القدرة القديمة للحادثة أم هو العزم المصمم ولكل وجهة نظر يطول شرحها وتوجيهها.\nأما المعتزلة فقد بهرتهم النصوص الثانية وما يظاهرها من برهان النقل فرجحوها وقالوا إن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية وإذا قيل لهم أليس الله خالق كل شيء ومنها أعمال العباد قالوا بلى إنه خالق كل شيء حتى أعمال عباده الاختيارية بيد أنه خلق بعض الأشياء بلا واسطة وخلق بعضها الآخر بواسطة وأعمال المكلفين من القبيل الثاني خلقها الله بوساطة خلق آلاتها فيه وآلاتها هي القدرة الكلية والإرادة الكلية الصالحتان للتعلق بكل من الطرفين وليس لنا من حول ولا قوة سوى أننا استعملناها على أحد وجهيها إما بحسن الاختيار وإما بسوء الاختيار ثم لا مانع عندنا من القول بأنه سبحانه خالق لأفعال عباده ولكن على سبيل المجاز باعتبار أنه خالق أسبابها ووسائلها.\nوإذا قيل لهم إن مذهبكم يستلزم أن يكون لله شركاء كثيرون في فعله وهم عباده المكلفون وهذا يناقض عقيدة التوحيد وبرهان الوحدانية قالوا لا نسلم هذا","vol":"2","page":41},{"text":"ولا نقول به فإن الوحدانية ليس معناها نفي وجود ذوات أو صفات أو أفعال لغيره إنما معناها نفي أن يكون لغيره شبه به في ذاته أو صفاته أو أفعاله وأنتم يا أهل السنة لا تمنعون وجود ذوات لا تشبه ذاته ولا تمنعون وجود صفات لا تشبه صفاته فلم تمنعون وجود أفعال من العباد لا تشبه أفعاله وهو ما نقول به في خلق العباد لأعمالهم فإنها لا تشبه أفعال الله بحال.\nهكذا تجد لكلتا الطائفتين وجهة نظر قوية وتأويلا سائغا فيما تؤوله من النصوص المقابلة للنصوص التي بهرتها فرجحتها ونجد أيضا أن كلتا الطائفتين لا تلتزم المحظور التي تحاول الأخرى أن تلزمها إياه في مقام الحجاج والجدال بل توجه رأيها توجيها ينأى بها عن الوقوع في المحظور ثم نجد كلتا الطائفتين يتلاقيان أخيرا بعد طول المطاف عند نقطة الاعتقاد السديد بوحدانية الله وحكمة الله ولكن على الوجه الذي استبان لها وراج عندها.\nفكيف يرضى منصف إذا بتجريح إحداهما ورميها بأشنع التهم من كفر أو شرك أو هوى وماذا علينا أن نرجح ما نرجح من غير تسفيه للجانب الآخر بل ماذا علينا أن نلوذ بالصمت ونعتصم بالسكون فلا نخوض في أمثال هذه الدقائق العويصة والمسالك الملتوية البعيدة لا سيما أن الرحمن الرحيم لم يكلفنا بها ولم يفرضها علينا.\nولقد كان سلفنا الصالح يؤمنون بوحدانية الله وعدله ويؤمنون بقدره وأمره ويؤمنون بهذه النصوص وتلك النصوص ويؤمنون بأن العبد يعمل ما يعمل وأن الله خالق كل شيء ويؤمنون بأنه تعالى تنزه في قدره عن أن يكون مغلوبا أو عاجزا وتنزه في أمره وتكليفه عن أن يكون ظالما أو عابثا ثم بعد ذلك يصمتون فلا يخوضون في تحديد نصيب عمل الإنسان الاختياري من قدرة الله ونصيبه من قدرة العبد ولا يتعرضون لبيان مدى ما يبلغ فعل الله في قدره ولا لبيان مدى ما يبلغ","vol":"2","page":42},{"text":"فعل العبد في أمثال أمره ذلك ما لم يعلموه ولم يحاولوه لأنهم لم يكلفوه وكان سبحانه أرحم بعباده من أن يكلفهم إياه لأنه من أسرار القدر أو يكاد والعقل البشري محدود التفكير ضعيف الاستعداد ومن شره العقول طلب ما لا سبيل لها إليه وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.\nلم يمتحنا بما تعيا العقول به ... حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم\nواجبنا إزاء الخلافيات\nليس من شأني هنا أن أفصل القول في هذه المسألة ولا في أشباهها فلهذا التفصيل علم آخر إنما هو ضرب من التمثيل يجتزئ فيه بالقليل لنخلص منه بعظة مهمة هي أن المسلمين لا يجوز لهم أن ينقسموا شيعا وأحزابا لأمر ليس من الدين فضلا عن أن يكون من أصول الدين وإذا التمسنا المعاذير لخوض من خاضوا أو يخوضون فيه دفعا لشبهات المشتبهين أو ضلال المضللين فلن نستطيع التماس عذر واحد لمن شنوها حربا شعواء بينهم وبين إخوانهم في الدين وما كان لهم أن يخرجوا من مثل هذا البحث أعداء متخاذلين وقد كانوا بالأمس إخوانا متفاهمين متعاونين.\nوإذا فلنستمسك بالعروة الوثقى ولنفسح صدورنا للخلافيات ما دام صدر الإسلام قد وسعها ولنعلم أن الإسلام أوسع من المذاهب والآراء ولئن ضقت ذرعا برأي أخيك اليوم فقد ترى أنت رأيه غدا عندما تقتنع بوجهة نظره فقد رجع كثير من أعلام الأئمة عن آراء رأوها بل عن مذاهب كانوا قد ذهبوا إليها ولعلك لا تجهل أن للشافعي مذهبا قديما ومذهبا جديدا وأن الخلاف في لواحق العقائد والأصول كثير الشبه بالخلاف في الأحكام والفروع.\nلهذا كله تراني لا أذهب مع الذاهبين في تضليل المعتزلة وتسفيه أحلامهم ونبزهم","vol":"2","page":43},{"text":"بألقاب الكفر والفسوق كما لا أذهب مع الذاهبين في تجهيل أهل السنة وتحقيرهم ونبزهم بالجهالة والجمود والهوى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .\nتحذير:\nوأحب ألا يفهم القاريء الكريم أنني أريدها فوضى لكل متأول في القرآن متلاعب بالنصوص عابث بتعاليم الدين بل الذي أريده وأرجوه أن نفرق بين متأول ومتأول ثم ننظر أهذا التأويل سائغ أم غير سائغ أي تساعد عليه قوانين اللغة العربية ومقررات الإسلام المقطوع بها المعلومة من الدين بالضرورة وبراهين العقل والمنطق أم لا.\nفالسائغ نقبله ونرحب به وإن خالف رأينا وغير السائغ نرده في غير تردد ونحاربه في غير هوادة لأن تاريخ الإسلام لم يشهد أعداء كانوا أخطر عليه من أولئك العابثين الذين تلاعبوا بنصوصه وعبثوا بمقرراته سواء منهم من ذهب به الماضي كالباطنية ومن برم به الحاضر كالبهائية وقد تسمع قريبا شيئا عن أمثالهم.\nسماحة الإسلام ويسر تعاليمه\nبان لك مما ذكرنا أن الإسلام دين سمح وأن الله تعالى لم يكلف الخلق من تعاليم دينه إلا ما جاء به كتابه الكريم وشرحه نبيه العظيم على تلك الطريقة السهلة الواضحة البعيدة عن التدقيقات الفلسفية والتعقيدات الفنية.\nولعل من تمام الفائدة في هذا الموضوع الخطير أن نقتطف لك كلمة قالها حجة","vol":"2","page":44},{"text":"الإسلام الغزالي في الإحياء عند بيانه لما بدل الناس من ألفاظ العلوم إذ قال تغمده الله برحمته.\nاللفظ الثالث أي من الأسماء المحمودة التي نقلت بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول التوحيد وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد وسمي المتكلمون بعلماء التوحيد مع أن جميع ما هو خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تستبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع فقد كان ذلك معلوما للكل وكان العلم بالقرآن هو العلم كله وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين وإن فهموه لم يتصفوا به وهو أن يرى الأمور كلها من الله ﷿ رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط فلا يرى الخير والشر كله إلا منه ﷻ إلى أن قال:\nوالتوحيد جوهر نفيس وله قشران أحدهما أبعد عن اللب من الآخر فخصص الناس الاسم بالقشر وبصنعة الحراسة للقشر وأهملوا اللب بالكلية فالقشر الأول هو أن تقول بلسانك لا إله إلا الله وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث الذي صرح به النصارى ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره والقشر الثاني ألا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده والتصديق به وهو توحيد عوام الخلق والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن","vol":"2","page":45},{"text":"تشويش المبتدعة والثالث وهو اللباب أن يرى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط وأن يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبد غيره ويخرج عن هذا التوحيد أتباع الهوى فكل متبع هواه فقد اتخذ هواه معبوده قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم١: \"أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى هو الهوى\" وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم وإنما يعبد هواه إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى ويخرج من هذا التوحيد التسخط على الخلق والالتفات إليهم فإنه من يرى الكل من الله ﷿ كيف يتسخط على غيره فلقد كان التوحيد عبارة عن هذا المقام وهو مقام الصديقين فانظر إلى ماذا حول وبأي قشر قنع منه وكيف اتخذوا هذا معتصما في التمدح والتفاخر بما اسمه محمود مع الإفلاس عن المعنى الذي يستحق الحمد الحقيقي وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجه إلى القبلة ويقول: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ وهو أول كذب يفاتح الله به كل يوم إن لم يكن توجه قلبه توجها إلى الله تعالى على الخصوص فإنه إن أراد بالوجه وجه الظاهر فما وجهه إلا إلى الكعبة وما صرفه إلا عن سائر الجهات والكعبة ليست جهة للذي فطر السماوات والأرض حتى يكون المتوجه إليها متوجها إليه تعالى عن أن تحده الجهات والأقطار وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب التعبد به فكيف يصدق في قوله وقوله متردد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ومتصرف في طلب الحيل في جمع الأموال والجاه واستكثار الأسباب ومتوجه بالكلية إليها فمتى وجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض وهذه الكلمة خبر عن حقيقة التوحيد فالموحد\n_________\n١ قال العراقي في تخريج هذا الحديث: رواه الطبراني من الحديث أبي أمامة بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":46},{"text":"هو الذي لا يرى إلا الواحد ولا يوجه وجهه إلا إليه وهو امتثال قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ وليس المراد به القول باللسان فإنما اللسان ترجمان يصدق مرة ويكذب أخرى وإنما موقع نظر الله المترجم عنه وهو القلب وهو معدن التوحيد ومنبعه اهـ.\nوإياك أن تفهم منه الغض من علم التوحيد خصوصا بعد أن صرح هنا بأنه يحمي قشرة العقيدة عن تشويش المبتدعة ولكن نقده ينصب على الإسراف في القشور وإهمال اللباب كما سمعت.\nتحقيق للأستاذ الإمام\nوللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كلام في هذه المسألة بحاشيته على العقائد العضدية توسع فيه كثيرا مع الفرق المخالفة حين عرض لحديث الترمذي أنه ﷺ: \"ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فزقة كلها في النار إلا واحدة\" قيل ومن هم؟ قال: \"الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي\" ثم ختم الشيخ بحثه فقال:\nوالحق الذي يرشد إليه الشرع والعقل أن يذهب الناظر المتدين إلى إقامة البراهين الصحيحة على إثبات صانع واجب الوجود ثم منه إلى إثبات النبوات ثم يأخذ كل ما جاءت به النبوات بالتصديق والتسليم بدون فحص فيما تكنه الألفاظ إلا فيما يتعلق بالأعمال على قدر الطاقة ثم يأخذ طريق التحقيق في تأسيس جميع عقائده بالبراهين الصحيحة كان ما أدت إليه ما كان لكن بغاية التحري والاجتهاد.\nثم إذا فاء من فكره إلى ما جاء من عند ربه فوجده بظاهره ملائما لما حققه فليحمد الله على ذلك وإلا فليطرق عن التأويل ويقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾","vol":"2","page":47},{"text":"فإنه لا يعلم مراد الله ونبيه إلا الله ونبيه على هذا المنوال يكون نسجه فيبوء من الله برضوان حيث أسس عقائده على السديد من البراهين واستقبل الأخبار الإلهية بالقبول والتسليم وتناولها بقلب سليم.\nوإن أراد التأويل لغرض كدفع معاند أو إقناع جاحد فلا بأس عليه إذا سلم برهانه من التقليد والتشويش وهذا هو دأب مشايخنا كالشيخ الأشعري والشيخ أبي منصور ومن مائلهم لا يأخذون قولا حتى يسددوه ببراهينهم القوية على حسب طاقتهم وهذا ما يعني باسم السني والصوفي والحكيم وكل متحزب مجادل فإنما يبغي العنت وتشتيت الكلمة فهو في النار وكل مقصر فعليه العار والشنار فاسلك سبيل السلف واحذر فقد خلف من بعدهم خلف.\nولا بد في كمال النجاة ونيل العادة الأبدية من أن ينضم إلى ذلك التخلي عن الرذائل والتحلي بالأخلاق الكاملة والأعمال الفاضلة ومن تلك الأخلاق والأعمال تكميل قوة النظر وارتكاب طريق العدل في كل شيء إذ لا ريب أن كل من خالف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من الهمة والسداد والعدل والأنصاف وسلوك طريق الاستقامة في جميع الأخلاق والأعمال ونور البصيرة فيما يأخذ ويعطي فهو في النار ومن كان على ما كانوا عليه فهو في أعلى غرف الجنان.\nوسالك هذا الطريق إما أن يكون سلوكه من قبل الالتفات إلى ما جاء في الكتاب والسنة وكلام أولي الفضل من الراشدين قديما وحديثا فذلك هو الحكيم العلي والمؤمن المتوسط وإما أن يكون مع ذلك قد سلك بنفسه مدارج الأنوار ووقف على ما في ذلك من دقائق الأسرار حتى جلس في حياته هذه في مقعد صدق عند مليك مقتدر فهو الصوفي وهو صاحب المقصد الأسنى والمطلوب الأعلى وفي هذا مراتب لا تحصى ومراق لا تستقصى وهذا وما قبله يشملها اسم المؤمن الصادق.","vol":"2","page":48},{"text":"فمن تحقق بهذا النور فله النجاة والحبور كان ما كان فإن هذا هو المتحقق فيه ما كان النبي عليه وأصحابه.\nولنمسك القلم حيث أن المقصود هو الإيجاز والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب فاسلك بنفسك طريق السداد وانظر فيما يكون لك بعين الرشاد اهـ.\nوهنا أمسك أنا القلم أيضا مؤملا أن أكون قد وفيت هذا المقام المهم حقه وأن أكون قد نجحت في تجلية مبدأ من المبادئ الإسلامية الرشيدة عند اختلاف وجهات الأنظار وتباين منازع الأفكار كفانا الله شر العناد والغرور والفتنة وجمع صفوف الأمة على حقائق الكتاب والسنة آمين.","vol":"2","page":49},{"text":"ي -<span data-type=\"title\" id=toc-138> التفسير بالرأي </span>الجائز منه وغير الجائز\nالمراد بالرأي هنا الاجتهاد فإن كان الاجتهاد موفقا أي مستندا إلى ما يجب الاستناد إليه بعيدا عن الجهالة والضلالة فالتفسير به محمود وإلا فمذموم والأمور التي يجب استناد الرأي إليها في التفسير نقلها السيوطي في الإتقان عن الزركشي فقال ما ملخصه للناظر في القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة:\nالأول: النقل عن رسول الله ﷺ مع التحرز عن الضعيف والوضوع.\nالثانية: الأخذ بقول الصحابي فقد قيل إنه في حكم المرفوع مطلقا وخصه بعضهم بأسباب النزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه.\nالثالثة: الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلا ما لا يدل عليه الكثير من كلام العرب.","vol":"2","page":49},{"text":"الرابعة: الأخذ بما يقتضيه الكلام ويدل عليه قانون الشرع وهذا النوع الرابع هو الذي دعا به النبي ﷺ لابن عباس في قوله: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\".\nفمن فسر القرآن برأيه أي باجتهاده ملتزما الوقوف عند هذه المآخذ معتمدا عليها فيما يرى من معاني كتاب الله كان تفسيره سائغا جائزا خليقا بأن يسمى التفسير الجائز أو التفسير المحمود ومن حاد عن هذه الأصول وفسر القرآن غير معتمد عليها كان تفسيره ساقطا مرذولا خليقا بأن يسمى التفسير غير الجائز أو التفسير المذموم.\nفالتفسير بالرأي الجائز يجب أن يلاحظ فيه الاعتماد على ما نقل عن الرسول ﷺ وأصحابه مما ينير السبيل للمفسر برأيه وأن يكون صاحبه عارفا بقوانين اللغة خبيرا بأساليبها وأن يكون بصيرا بقانون الشريعة حتى ينزل كلام الله على المعروف من تشريعه.\nأما الأمور التي يجب البعد عنها في التفسير بالرأي فمن أهمها التهجم على تبيين مراد الله من كلامه على جهالة بقوانين اللغة أو الشريعة ومنها حمل كلام الله على المذاهب الفاسدة ومنها الخوض فيما استأثر الله بعلمه ومنها القطع بأن مراد الله كذا من غير دليل ومنها السير مع الهوى والاستحسان.\nويمكن تلخيص هذه الأمور الخمسة في كلمتين هما الجهالة والضلالة.\nوينبغي أن يعلم أن في القرآن علوما تتنوع إلى ثلاثة:\nالأول: علم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه بل استأثر به وحده كمعرفة حقيقة ذاته وصفاته وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو وهذا النوع لا يجوز الكلام فيه لأحد إجماعا.\nالثاني: ما أطلع الله عليه نبيه واختص به وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له ﵊ ولمن أذن له الرسول ﷺ قيل ومنه أوائل السور.","vol":"2","page":50},{"text":"الثالث: العلوم التي علمها الله تعالى لنبيه مما أمر بتبليغه وهذا النوع قسمان قسم لا يجوز الكلام فيه بطريق السمع كالكلام في الناسخ والمنسوخ والقراءات وقصص الأمم الماضية وأسباب النزول وأخبار الحشر والنشر المعاد وقسم يعرف بطريق النظر والاستدلال وهذا منه المختلف في جوازه وهو ما يتعلق بالآيات المتشابهات ومنه المتفق على جوازه وهو ما يتعلق بآيات الأحكام والمواعظ والأمثال والحكم ونحوها لمن له أهلية الاجتهاد.","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>العلوم التي يحتاجها المفسر</span>\nوقد بين العلماء أنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر فقالوا هي اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة وعلم أصول الفقه وعلم التوحيد ومعرفة أسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم وعلم الموهبة وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم ولا يناله من في قلبه بدعة أو كبر أو حب دنيا أو ميل إلى المعاصي قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وقال الإمام الشافعي.\nشكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\nوأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي\nملاحظة:\nهذه الشروط التي ذكرناها وهذه العلوم كلها إنما هي لتحقيق أعلى مراتب التفسير مع إضافة تلك الاعتبارات المهمة المسطورة في الكلمات القيمة الآتية أما المعاني العامة التي يستشعر منها المرء عظمة مولاه والتي يفهمها الإنسان عند إطلاق اللفظ الكريم فهي قدر يكاد يكون مشتركا بين عامة الناس وهو المأمور به للتدبر والتذكر لأنه سبحانه سهله ويسره وذلك أدنى مراتب التفسير.","vol":"2","page":51},{"text":"قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده ما خلاصته:\nللتفسير مراتب: أدناها أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله وتنزيهه ويصرف النفس عن الشر ويجذبها إلى الخير وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ .\nوأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلا بأمور:\nأحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة غير مكتف بقول فلان وفهم فلان فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد ومن ذلك لفظ التأويل اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص ولكنه جاء في بمعان أخرى كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ . فإن المراد به العاقبة وما يعد به القرآن من المثوبة والعقوبة أي ما يؤدي إليه الأمر في وعده ووعيده فعلى المحقق المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره ويحقق كيف يتفق معناه مع جملته من الآية فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه وقد قالوا إن القرآن يفسر بعضه بعضا وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سبق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.\nثانيها: الأساليب فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته مع التفطن لنكته ومحاسنه والوقوف على مراد المتكلم منه نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كله على وجه الكمال","vol":"2","page":52},{"text":"والتمام ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة ويحتاج في هذه إلى علم الإعراب وعلم الأساليب المعاني والبيان ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب ترون في كتب العربية ان العرب كانوا مسددين في النطق يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع أتحسبون ان ذلك كان طبيعيا لهم كلا وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة لذلك صار أبناء العرب أشد عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم لو كان طبيعيا ذاتيا لهم لما فقدوه في مدة خمسين سنة من بعد الهجرة.\nثالثها: علم أحوال البشر فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبين فيه ما لم يبينه في غيره وبين فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعه وسننه الإلهية في البشر وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها فلا بد للنظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشىء اختلاف أحوالهم من قوة وضعف وعز وذل وعلم وجهل وإيمان وكفر ومن العلم بأحوال العالم الكبير علويه وسفليه ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه.\nأجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية وعن آياته في السموات والأرض وفي الآفاق والأنفس وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علما وأمرنا بالنظر والتفكر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمة.\nرابعها: العلم يوجه هداية البشر كلهم القرآن فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال وأن النبي ﷺ بعث به لهدايتهم وإسعادهم وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة","vol":"2","page":53},{"text":"أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه.. يروى عن عمر ﵁ أنه قال إن أجهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذي يخشى ان ينقض عرى الإسلام عروة عروة اهـ بالمعنى والمراد أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيرا لأحوال البشر ومخرجا لهم من الظلمات إلى النور.\nومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادي كما ترى بعض الذين يتربون في النظافة والنعيم يعدون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو لأنه من ضروريات الحياة عندهم ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر وتأثير تلك الآداب من اين جاء؟.\nخامسها العلم بسيرة النبي ﷺ وأصحابه وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها انتهى من تفسير المنار بتصرف قليل.\nالاختلاف في جواز التفسير بالرأي:\nيختلف العلماء في التفسير بالرأي بين مجيز ومانع والتحقيق ما قدمناه بين يديك من الجواز بشروطه والمنع عند عدم توافر شروطه وأن ذلك في غير أدنى مراتب التفسير أما هذا الأدنى فهو جائز من غير اعتبار تلك الشروط لأن الله يسره حتى للعامة كما أسلفنا ونسوق إليك هنا أدلة المانعين والمجيزين لتزداد بصيرة وتنورا في هذا الموضوع:\nأدلة المعانعين:\nيستدل المانعون بأدلة الأول أن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم والقول على الله بغير علم منهي عنه فالتفسير بالرأي منهي عنه.","vol":"2","page":54},{"text":"دليل الصغرى أن المفسر بالرأي ليس متيقنا أنه مصيب وقصارى أمره أنه يظن والقائل بالظن قائل على الله بغير علم ودليل الكبرى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ المعطوف على ما قبله من المحرمات في قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ .\nلكن أجاب المجيزون عن هذا الدليل بمنع الكبرى لأن القائل بالظن فيما لا يوجد عليه نص قاطع ولا دليل عقلي إنما يستند إلى علم الله أي إلى دليل قطعي منه سبحانه على صحة العمل بهذا الظن كقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وكقوله ﷺ ما معناه \"من اجتهد وأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران\".\nالدليل الثاني الحديثان الآتيان:\n١ - ما يرويه الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"اتقوا الحديث علي إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\".\n٢ - ما يرويه أبو داود عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ\".\nوأجيب عن هذين الحديثين بأجوبة ثلاثة:\nأولها أنهما محمولان على من قال برأيه في نحو مشكل القرآن ومتشابهه مما لا يعلم إلا من طريق النقل عن النبي ﷺ وأصحابه","vol":"2","page":55},{"text":"ثانيها أنهما محمولان على من قال في القرآن قولا وهو يعلم أن الحق خلافه كأصحاب المذاهب الفاسدة الذي يتأولون القرآن على وفق هواهم ليحتجوا به على صحة آرائهم.\nثالثها أنهم محمولان على قول من يأخذ بظاهر الكلام من غير أن يستند إلى نقل أو يكلف نفسه البحث عن مبهمات القرآن وما فيه من حذف وإضمار وتقديم وتأخير ونحو ذلك فالنقل لا بد منه بكل مفسر كيلا يقع في الخطأ أما التوسع في الفهم واستنباط صحيح الآراء فهو خطوة أخرى بعد النقل لأن الأخذ بظاهر العربية وحده غير كاف ولا سديد تأمل قوله سبحانه: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ فإن معناه وآتينا ثمود الناقة معجزة واضحة وبينة لائحة تدلهم على صدق صالح ﵊ وصدق ما جاء به فظلموا بعقرها أنفسهم.\nوالواقف عند ظاهر اللغة العربية يظن أن المراد من الإبصار نظر العين ولا يدري بماذا ظلموا أظلموا أنفسهم بعقرها أم غيرهم؟.\nهذه احتمالات في الحديثين والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ويجاب عن حديث جندب زيادة على سابقه بأنه حديث لم يثبت صحته وعلى فرض فإنه يحتمل أن يكون معناه فقد أخطأ طريق التماس المعنى ذلك لأن السبيل في معرفة ألفاظ القرآن إنما هي اللغة وعلومها والسبيل إلى معرفة أسباب نزوله وتمييز ناسخه ومنسوخه ونحو ذلك إنما هو النقل الصحيح والسبيل إلى القطع بمراد الله إنما هو الوارد عن النبي ﷺ فإن لم يظفر بوارد فلا بأس من أن يقيس ويجتهد ويستدل بما ورد على ما لم يرد.\nالدليل الثالث: ما ورد عن الصحابة والتابعين من أنهم كانوا يتحرجون عن القول في القرآن بآرائهم ومن ذلك ما روي عن الصديق ﵁ أنه قال:","vol":"2","page":56},{"text":"أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن برأيي أو بما لا أعلم وما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال أنا لا أقول في القرآن شيئا وروي عن الشعبي أنه قال ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت القرآن والروح والرؤى أي تأويل الأحلام إلى غير ذلك من الأخبار التي تدل على امتناعهم من أن يقولوا في القرآن بآرائهم.\nوأجيب عن ذلك أولا: بأن إحجامهم عن القول ورعا خشية ألا يصيبوا عين اليقين والورع ترك ما لا بأس به حذرا من الوقوع فيما به بأس.\nثانيا: أن إحجامهم يحتمل أنه مقيد بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه أما إذا عرفوا وجه الصواب فإنهم لا يمتنعون ولو كان وجه الصواب ظنيا لا قطيعا هذا أبو بكر نفسه يفتي في الكلالة حين سئل عنها من الآية الكريمة، َ ﴿سْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الخ ويقول أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان الكلالة كذا وكذا ومثل هذا ورد عن علي وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.\nثالثا: أن إحجامهم يحتمل أيضا التقييد بما كان من التفسير على وجه قاطعا فيما لم يقم دليل قاطع.\nرابعا: ان إحجامهم يحتمل أيضا التقييد بما إذا قام غيرهم عنهم بواجب تفسير القرآن وبيانه أما إذا انحصرت المسؤولية فيهم فمعقول أنهم لا يمتنعون وقتئذ وإلا كانوا كاتمين للعلم وآثمين حاشاهم من ذلك حاشاهم ﵏ وأحسن جزاءهم ومثواهم.\nأدلة المجيزين للتفسير بالرأي:\nاستدل المجيزون للتفسير بالرأي استدلالات عدة أيضا:","vol":"2","page":57},{"text":"أولها أن الله تعالى يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ويقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ويقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وجه الاستدلال أن الله تعالى حث على تدبر القرآن والاعتبار بآياته والاتعاظ بمواعظه وهذا يدل على أن أولي الألباب بما لهم من العقل السليم واللب الصافي عليهم أن يتأولوا ما لم يستأثر الله بعلمه إذا التدبر والاتعاظ فرع الفهم والتفقه في كتاب الله والآية الكريمة تدل على أن في القرآن ما يستنبطه أي يستخرجه أولو الألباب والفهم الثاقب.\nثانيها: أن الرسول ﷺ قال في دعائه لابن عباس: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" فلو كان التأويل مقصورا على السماع والنقل للفظ التنزيل لما كان هناك فائدة لتخصيصه فدل على أن التأويل خلاف النقل وإذن فهو التفسير بالاجتهاد والرأي.\nثالثها: لو كان التفسير بالرأي غير جائز لتعطل كثير من الأحكام واللازم باطل ووجه الملازمة أن النبي ﷺ لم يذكر تفسير كل آية والمجتهد مأجور وإن أخطأ ما دام أنه قد استفرغ وسعه ولم يهمل الوسائل الواجبة في الاجتهاد وكان غرضه الوصول إلى الحق والصواب.\nويمكن أن يجعل الخلاف لفظيا بأن يحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأي على التفسير بالرأي المستوفي لشروطه الماضية فإنه يكون حينئذ موافقا لكتب الله وسنة رسوله كلام العرب وهذا جائز ليس بمذموم ولا منهي عنه ثم يحمل كلام المانعين للتفسير بالرأي على ما فقدت شروطه السابقة فإنه يكون حينئذ مخالفا للأدلة الشرعية واللغة العربية وهذا غير جائز بل هو محط النهي ومصب الذم. وعليه","vol":"2","page":58},{"text":"يحمل كلام ابن مسعود إذا قال ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتقطع وكذلك يحمل قول عمر أيضا إنما أخاف عليكم رجلين رجلا يتأول القرآن على غير تأويله ورجلا ينافس الملك على أخيه.\nوقول عمر أيضا ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ولا من فاسق بين فسقه ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله.\nفكل هذا محمول على ما لم يوافق تفسيره الأدلة الشرعية ولا قواعد اللغة العربية ولا يخفى أن القول في القرآن بالرأي معناه ان الله أراد بكلامه كذا وهذا أمر له خطره الخطير ومسؤوليته الجسيمة نسأل الله تعالى السلامة.","vol":"2","page":59},{"text":"ل -<span data-type=\"title\" id=toc-140> منهج المفسرين بالرأي</span>\nوخلاصة ما مضى أنه يجب على من يحاول أعلى مراتب التفسير بالرأي أن يأخذ حذره وأن يتذرع بكل العلوم التي نوهنا بها ليكون قد أصاب المراد أو كاد ووجب عليه أن ينهج منهج الصواب والسداد باتباع ما يأتي:\nأولا: أن يطلب المعنى من القرآن فإن لم يجده طلبه من السنة لأنها شارحة للقرآن فإن أعياه الطلب رجع إلى قول الصحابة فإنهم أدرى بالتنزيل وظروفه وأسباب نزوله شاهدوه حين نزل فوق ما امتازوا به من علم وعمل وخير ما فسرته بالوارد.\nثانيا: إن لم يظفر بالمعنى في الكتاب والسنة ومأثورات الصحابة وجب عليه أن يجتهد وسعه متبعا ما يأتي:","vol":"2","page":59},{"text":"١ - البدء بما يتعلق بالألفاظ المفردة من اللغة والصرف والاشتقاق ملاحظا المعاني التي كانت مستعملة زمن نزول القرآن الكريم.\n٢ - إرداف ذلك بالكلام على التراكيب من جهة الإعراب والبلاغة على أن يتذوق ذلك بحاسته البيانية.\n٣ - تقديم المعنى الحقيقي على المجازي بحيث لا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة.\n٤ - ملاحظة سبب النزول فإن لسبب النزول مدخلا كبيرا في بيان المعنى المراد كما سبق تحقيقه في مبحث أسباب النزول.\n٥ - مراعاة التناسب بين السابق واللاحق بين فقرات الآية الواحدة وبين الآيات بعضها وبعض.\n٦ - مراعاة المقصود من سياق الكلام.\n٧ - مطابقة التفسير للمفسر من غير نقص ولا زيادة.\n٨ - مطابقة التفسير لما هو معروف من علوم الكون وسنن الاجتماع وتاريخ البشر العام وتاريخ العرب الخاص أيام نزول القرآن.\n٩ - مطابقة التفسير لما كان عليه النبي ﷺ في هديه وسيرته لأنه هو الشارح المعصوم للقرآن بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله وشمائله وتقريراته.\n١٠ - ختام الأمر ببيان المعنى والأحكام المستنبطة منه في حدود قوانين اللغة والشريعة والعلوم الكونية.\n١١ - رعاية قانون الترجيح عند الاحتمال وهو ما يأتي:","vol":"2","page":60},{"text":"م -<span data-type=\"title\" id=toc-141> قانون الترجيح عند الاحتمال</span>\nقال السيوطي في الإتقان ما نصه كل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه وعليهم اعتماد الدلائل دون مجرد الرأي.\nفإن كان أحد المعنيين أوضح وجب الحمل عليه إلا أن يقوم الدليل على إرادة غيره.\nوإذا تساويا والاستعمال فيهما حقيقة لكن في أحدهما لغوية أو عرفية وفي الآخر شرعية فالحمل على الشرعية أولى إلا أن يدل الدليل على إرادة اللغوية كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وإن كانت في أحدهما عرفية والآخر لغوية فالحمل على العرفية أولى.\nوإن اتفقا في ذلك أيضا فإن تنافى اجتماعهما ولم يكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء للحيض والطهر اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه فما ظنه فهو مراد الله تعالى في حقه.\nوإن لم يظهر له شيء فهل يتخير أو يأخذ بالأغلظ أو بالأخف أقوال وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة إلا إن دل دليل على إرادة أحدهما اهـ.","vol":"2","page":61},{"text":"ن -<span data-type=\"title\" id=toc-142> أوجه بيان السنة للقرآن</span>\nسبق غير مرة أن بينا أن السنة شارحة للقرآن لأن الرسول ﷺ وظيفته التبليغ والبيان بمثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ومثل قوله ﷺ: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته - وجاء في رواية - متكىء على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه.. الخ\".\nومعنى قوله ﷺ: \"لقد أوتيت الكتاب ومثله معه\" أنه أوتي من الوحي غير المتلو مثل الوحي المتلو تبينا له وتوضيحا وكل من عند الله قال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .\nوقوله في هذا الحديث يوشك رجل الخ يدل على أنه سيأتي قوم يتمسكون بظاهر القرآن كالروافض والخوارج ويتركون الاستدلال بالسنة المبينة للقرآن فضلوا وأضلوا.\nوالمراد بقوله على أريكته وهي السرير أنه ممن أطغته النعمة وألهته عن السعي في طلب العلم والبحث عن أحاديث الرسول ﷺ.\nوهذا الحديث يدل على أن ما صح ثبوته عن النبي ﷺ قولا أو فعلا فهو حجة بنفسه كالقرآن الكريم.\nثم إن بيان السنة على وجوه شتى:\nأحدها بيان المجمل في القرآن كبيان مواقيت الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وكيفية ركوعها وسجودها وغير ذلك وبيان مقادير الزكاة وأوقاتها وأنواعها","vol":"2","page":62},{"text":"وبيان مناسك الحج ونحوها مما ورد في القرآن مجملا وبينته السنة ولذا قال ﷺ \"خذوا عني مناسككم\"، وقال: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\".\nقال أحمد بن حنبل السنة تفسير الكتاب وتبينه.\nثانيها بيان أحكام زائدة على ما جاء به القرآن كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وتحريم أكل الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع والقضاء باليمين والشاهد وغير ذلك مما هو مقرر في علم الأصول والفقه.\nثالثها بيان معنى لفظ أو متعلقة كتفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى وبيان قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ بأنها مطهرة من الحيض والغائط والنخامة والبزاق وتفسير قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بأنهم يزحفون على أستاههم ويقولون: حبة في شعيرة بدلا من امتثال قوله تعالى لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ وقولوا حطة وغير ذلك مما خصص به العام أو قيد به المطلق وهو كثير في كتب السنة.","vol":"2","page":63},{"text":"س -<span data-type=\"title\" id=toc-143> التعارض بين التفسير بالرأي </span>والتفسير بالمأثور وما يتبع في الترجيح بينهما\nينبغي أن يعلم ان التفسير بالرأي المذموم ليس مرادا هنا لأنه ساقط من أول الأمر فلا يقوى على معارضة المأثور.\nثم ينبغي أن يعلم أن التعارض بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود معناه التنافي بينهما بأن يدل أحدهما على إثبات والآخر على نفي كأن كلا من المتنافيين وقف في عرض الطريق فمنع الآخر من السير فيه.\nوأما إذا لم يكن هناك تناف فلا تعارض وإن تغايرا كتفسيرهم الصراط المستقيم","vol":"2","page":63},{"text":"بالقرآن أو بالسنة أو بطريق العبودية أو طاعة الله ورسوله فهذه المعاني غير متنافية وإن تغايرت وكذا ما قيل في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ مما هو مذكور في كتب التفسير فليس بمتناف فلا يكون متعارضا ولا متناقضا.\nقيل في تفسير هذه الآية: الظالم هو المرجأ إلى أمر الله والمقتصد هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا والسابق للخيرات بإذن الله هو الذي تمحض للخير وقيل: السابق المخلص والمقتصد المرائي والظالم كافر النعمة غير الجاحد لها وقيل: السابق من رجحت حسناته والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته والظالم من رجحت سيئاته وقيل: السابق العالم والمقتصد المتعلم والظالم الجاهل وقيل: الظالم الذي يعبده على الرغبة والرهبة والسابق الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق وقيل: الظالم من أخذ الدنيا حلالا كانت أو حراما والمقتصد من يجتهد ألا يأخذها إلا من حلال والسابق من أعرض عنها جملة وقيل الظالم طالب الدنيا والمقتصد طالب العقبي والسابق طالب المولى وقيل غير ذلك وفي دار الكتب المصرية بمصر مجلد مخطوط لعلي بن محمد بن عمر التونسي اسمه تحفة الأحباب في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ .\nإذا تقرر هذا فإن التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض بالتفسير بالرأي لأن الرأي إما ظني وإما قطعي أي مستند إلى دليل قطعي من عقل أو نقل فإن كان قطعيا فلا تعارض بين قطعيين بل يؤول المأثور ليرجع إلى الرأي المستند إلى القطعي إن أمكن تأويله جمعا بين الدليلين وإن لم يكن تأويله حمل اللفظ الكريم على ما يقتضيه الرأي والاجتهاد تقديما للأرجح على المرجوح.","vol":"2","page":64},{"text":"أما إذا كان الرأي ظنيا بأن خلا من الدليل القاطع واستند إلى الأمارات والقرائن الظاهرة فقط فإن المأثور القطعي يقدم على الرأي الظني ضرورة أن اليقين أقوى من الظن.\nهذا كله فيما إذا كان المأثور قطعيا أما إذا كان المأثور غير قطعي في دلالته لكونه ليس نصا أو في متنه لكونه خبر آحاد ثم عارضه التفسير بالرأي فلا يخلو الحال إما أن يكون ما حصل فيه التعارض مما لا مجال للرأي فيه وحينئذ فالمعول عليه المأثور فقط ولا يقبل الرأي.\nوإن كان للرأي فيه مجال فإن أمكن الجمع فبها ونعمت وإن لم يكن قدم المأثور عن النبي ﷺ أو عن الصحابة لأنهم شاهدوا الوحي وبعيد عليهم ان يتكلموا في القرآن بمجرد الهوى والشهوة.\nأما المأثورعن التابعين فإذا كان منقولا عن أهل الكتاب قدم التفسير بالرأي عليه وأما إذا لم ينقل عنهم رجعنا به إلى السمع فما أيده السمع حمل النظم الكريم عليه فإن لم يترجح أحدهما بسمع ولا بغيره من المرجحات فإننا لا نقطع بأن أحدهما هو المراد بل ننزل اللفظ الكريم منزلة المجمل قبل تفصيله والمشتبه أو المبهم قبل بيانه.","vol":"2","page":65},{"text":"ع -<span data-type=\"title\" id=toc-144> أهم كتب التفسير بالرأي</span>\nقد علم مما سبق منه الممدوح الجائز ومنه المذموم غير الجائز وهاك بيانا بأشهر من ألف في القسم الأول من أهل السنة ومؤلفاتهم:\n١ - الإمامان الجليلان جلال الدين محمد المحلي وجلال الدين عبد الرحمن السيوطي.","vol":"2","page":65},{"text":"وهما صاحبا التفسير المعروف بتفسير الجلالين.\n٢ - الإمام البيضاوي ناصر الدين بن سعيد صاحب التفسير المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل.\n٣ - الإمام فخر الدين الرازي محمد ابن العلامة ضياء الدين عمر المشهور بخطيب الري صاحب التفسير المسمى مفاتيح الغيب.\n٤ - أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى الطحاوي صاحب التفسير المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم.\n٥ - العلامة شهاب الدين الألوسي صاحب التفسير المسمى روح المعاني.\n٦ - نظام الدين الحسن محمد النيسابوري صاحب التفسير المسمى غرائب القرآن ورغائب الفرقان.\n٧ - العلامة الشيخ محمد الشربيني الخطيب صاحب التفسير المسمى السراج المنير في الإعانة على معرفة كلام ربنا الخبير.\n٨ - أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي صاحب التفسير المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأويل.\n٩ - علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي صاحب التفسير المعروف بتفسير الخازن.\nتفسير الجلالين:\nأما تفسير الجلالين فكتاب قيم سهل المأخذ إلى حد ما مختصر العبارة كثيرا يكون أعظم التفاسير انتشارا ونفعا وإن كان أصغرها أو من أصغرها شرحا وحجما تداولته طبقات مختلفة من أهل العلم وغيرهم وطبع طبعات كثيرة متنوعة.","vol":"2","page":66},{"text":"طبع مرة وحده مجردا وأخرى بحاشية المصحف وثالثة مع حاشية الصاوي ورابعة مع حاشية الجمل وأوسع حواشيه حاشية الجمل والعجيب أن كثيرا من فطاحل العلماء كانوا يختارونه لأعلى دراسة عرفت في التفسير كمادة أساسية يدورون حولها ويستلهمون وحيها حتى إن دروس التفسير الشهيرة للعلامة المرحوم الشيخ محمد عبده كانت مادته فيها تفسير الجلالين على ما سمعت.\nتفسير البيضاوي:\nوأما تفسير البيضاوي فهو كتاب جليل دقيق جمع بين التفسير والتأويل على قانون اللغة العربية وقرر الأدلة على أصول أهل السنة وقد التزم أن يختم كل سورة بما يروى في فضلها من الأحاديث غير أنه لم يتحر فيها الصحيح وأحسن حواشيه المتداولة حاشية الشهاب الخفاجي وإن كان له حواش أخرى كثيرة منها حاشية سعدي أفندي وحاشية الروشني وحاشية الششتري وحاشية الشيرواني وحاشية السمرقندي على تفسير الفاتحة وحاشية الإسفرايني على جزء عم وحاشية ابن أمير خان على سورة الملك.\nتفسير الفخر الرازي:\nسيأتي الكلام عليه تحت عنوان تفاسير أهل الكلام.\nتفسير أبي السعود:\nتفسير رائع ممتاز يستهويك حسن تعبيره ويروقك سلامة تفكيره ويروعك ما أخذ نفسه به من تجلية بلاغة القرآن والعناية بهذه الناحية المهمة في بيان إعجازه،","vol":"2","page":67},{"text":"مع سلامة في الذوق وتوفيق في التطبيق ومحافظة على عقائد أهل السنة وبعد عن الحشو والتطويل.\nتفسير النيسابوري:\nيمتاز بسهولة عبارته وبتحقيق ما يحتاج إلى تحقيق مع قصد وخلو من الحشو وقد عني بأمرين يلتزمهما الكلام على القراءات والأوقف في أول كل مرحلة من مراحل التفسير والكلام على التأويل الإشاري في آخر كل مرحلة من تلك المراحل وهو مطبوع طبعة شهيرة على هامش تفسير ابن جرير وهو مختصر لتفسير الفخر الرازي مع تهذيب كبير.\nتفسير الألوسي:\nسيأتي الكلام عليه عند التفسير الإشاري.\nتفسير النسفي:\nكتاب جليل متداول مشهور سهل ودقيق قال فيه صاحب كشف الظنون هو كتاب وسط في التأويلات جامع لوجوه الإعراب والقراءات متضمن لدقائق علم البديع والإشارات مرشح لأقاويل أهل السنة والجماعة خال من أباطيل أهل البدع والضلالة ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل اهـ.\nتفسير الخطيب:\nكتاب عظيم يعني بثلاثة أشياء تقرير الأدلة وتوجيهها والكلام على المناسبات بين السور والآيات وسرد كثير من القصص والروايات.","vol":"2","page":68},{"text":"تفسير الخازن:\nمشهور يعنى بالمأثور بيد أنه لا يذكر السند وله ولوع بالتوسع في الروايات والقصص ومن مزاياه أن يتبع القصة ببيان ما فيها من باطل حتى لا ينخدع بها غر ولا يفتن جاهل.","vol":"2","page":69},{"text":"ف -<span data-type=\"title\" id=toc-145> تفاسير الفرق المختلفة</span>\nكالتفسير الإشاري وتفاسير أهل الكلام وأشهر الكتب في ذلك\nمنيت الأمة بأن تفترق أكثر من سبعين فرقة وأن يلبسها الله شيعا ويذيق بعضها بأس بعض وإن كانت لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وقد تناولت كل طائفة كتاب الله تفسره بما ارتضته لنفسها من اعتدال أو تطرف فظهرت مجموعة التفاسير كالمرايا المجلوة تنطبع فيها صور المفسرين لها على اختلاف مشاربهم وتباين منازعهم ولا غرو فكل إناء بما فيه ينضح وكل يغني على ليلاه.\nومن هنا تجد تفاسير أهل السنة تظهر فيها عقيدة أهل السنة وتفاسير المعتزلة تظهر فيها عقيدة الاعتزال والشيعة تظهر في تفاسيرهم عقيدة التشيع وهلم وهلم وقد تكلمنا تحت العنوان السابق على نماذج من تفاسير أهل السنة فلنتكلم هنا على نماذج من تفاسير الفرق المختلفة.","vol":"2","page":69},{"text":"ص -<span data-type=\"title\" id=toc-146> تفاسير المعتزلة</span>\nولنبدأ بكتاب الكشاف للزمخشري ثم كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار وهما نموذجان من تفاسير أهل الكلام من المعتزلة.\nكتاب الكشاف:\nأما كتاب الكشاف فصاحبه هو محمود بن عمر بن محمد بن عمر النحوي اللغوي المعتزلي الملقب بجار الله ولد سنة ٤٦٧ هـ سبع وستين وأربعمائة وتوفي سنة ٥٣٨ ثمان وثلاثين وخمسمائة بعد أن برع في اللغة والأدب والنحو ومعرفة أنساب العرب حتى فاق أقرانه ثم تظاهر بالاعتزال ودعا إليه وكتابه خير كتاب أو من خير الكتب التي يرجع إليها في التفسير من ناحية البلاغة رغم نزعته الاعتزالية وأغلب التفاسير من بعده أخذت منه واعتمدت عليه.\nويمتاز الكشاف بأمور منها خلوه من الحشو والتطويل ومنها سلامته من القصص والإسرائيليات ومنها اعتماده في بيان المعاني على لغة العرب وأساليبهم ومنها عنايته بعلمي المعاني والبيان والنكات البلاغية تحقيقا لوجوه الإعجاز ومنها سلوكه فيما يقصد إيضاحه طريق السؤال والجواب كثيرا ويعنون السؤال بكلمة إن قلت بفتح التاء ويعنون الجواب بكلمة قلت بضم التاء وللكشاف حواش كثيرة منها حاشية ابن كمال باشا زادة وحاشية علاء الدين المعروف بالبهلوان وحاشية الشيخ حيدر وحاشية الرهاوي.\nوإليك مواضع من كتابه ينحو فيها نحو الاعتزال ويقرر عقيدة القول بالمنزلة بين المنزلتين وبأن أفعال العباد مخلوقة لهم وبأن رؤية الله في الدار الآخرة مستحيلة.","vol":"2","page":70},{"text":"١ - يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الخ ما نصه فإن قلت ما الإيمان الصحيح قلت أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعمله فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق ومن أخل بالشهادة فهو كافر ومن أخل بالعمل فهو فاسق اهـ فأنت تراه فسر الإيمان بما يثبت به المنزلة بين المنزلتين ... وهي منزلة الفاسق بين منزلة المؤمن ومنزلة الكافر فينفي الإيمان عن سليم العقيدة ما دام أنه قد أخل بواجب العمل وهو محجوج من أهل السنة بأن هذا التفسير لا يوافق اللغة ولا الشرع أما اللغة فلأن معنى الإيمان التصديق لا غير وكذا الشرع بدليل عطف العمل عليه والعطف يقتضي المغايرة بين المتعاطفين.\n٢ - ويقول في تفسير قوله سبحانه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ما نصه وإسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله اهـ وهذا منه إيماء ورمز إلى أن الرزق الحلال من الله وأن الرزق الحرام من العبد.\nويرد عليه أهل السنة بقوله سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فالله هو الخالق الرازق لا غيره سواء أكان الرزق حلالا أم حراما.\n٣ - في تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الخ ما نصه:\nفإن قلت لم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح والله تعالى منزه عن فعل القبيح بدليل: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ . ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الخ ما قال: ثم أول إسناد الختم إلى الله بأن الكلام","vol":"2","page":71},{"text":"استعارة أو مجاز على معنى أن الشيطان هو الخاتم أو الكافر وأسند إلى الله تعالى لأنه هو الذي أقدره ومكنه وهذا المذهب يلزمه في نظر أهل السنة أمور كلها باطلة:\nمنها مخالفة الدليل العقلي القائم على وحدانية الله تعالى وأنه لا شيء من الكائنات إلا وهو أثر من آثار القادر لا غيره.\nومنها مخالفة الدليل النقلي كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .\nومنها القول بأن هذه الأشياء نفذ فيها مراد الشيطان أو الكافر بخلاف مراد الله وهذا أشنع ما يقال.\nومنها قياس الغائب على الشاهد إذ جعلوا المنع من قبول الحق قبيحا من الله قياسا على قبحه منا.\nومنها الجهل بحقيقة الظلم وحقيقته أنه التصرف في ملك الغير بغير إذنه ولا ملك إلا الله ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فلا ظلم في فعله تعالى على أي وجه كان.\nومنها أن ما تمسكوا به من أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله تعالى لما نعاها عليهم ولما عاقبهم بها ولما قامت له حجة عليهم كل ذلك مبني على قاعدتهم الخاطئة من التحسين والتقبيح العقليين وعلى قياسهم الغائب على الشاهد كما سبق وكلا هذين لا يسلم لهم ثم يرد عليهم بالمثل فيقال لهم يقبح من الشاهد أن يمكن غيره من فعل شيء ثم يعاقبه عليه فكذلك الغائب وأنتم تقولون إن القدرة التي يخلق بها العبد فعله في زعمكم هي مخلوقة لله تعالى مع علمه بما سيفعله العبد بها ولا يخفى أن ذلك بمثابة إعطاء سيف لمن يبغي به على الناس وذلك قبيح في الشاهد فهو قبيح في الغائب وما تجيبون به عن هذه نجيبكم به عن تلك فالجواب هو الجواب.","vol":"2","page":72},{"text":"٤ - ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ما نصه: ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمدي رضوان الله والنعيم المخلد اهـ وأنت ترى أن في ذلك تعريضا بإنكار رؤية الله إذ يصرح بأن النجاة والرضوان والنعيم لا غاية للفوز وراءها مع أنه لم يذكر الرؤية وقد صرح بإنكارها في سورة الأنعام إذ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ما نصه البصر هو الجوهر اللطيف الذي ركبه الله في حاسة النظر به تدرك المبصرات فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه لأنه متعال عن أن يكون مبصرا في ذاته إذ الأبصار إنما يتعلق بما كان في جهة أصالة أو تبعا وذلك كالأجسام والهيئات اهـ.\nويرد عليه أهل السنة أولا بأن الإدراك المنفي عبارة عن الإحاطة ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أي أحاط به وقوله سبحانه حكاية عن قوم موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أي محاط بنا فالمنفي إذن عن الأبصار إحاطتها به ﷿ لا مجرد الرؤية ومن المعلوم أنه تعالى لا تحيط به الأفهام وهذا لا يمنع أن تعرفه فالإحاطة للعقل منفية كنفي الإحاطة للبصر وما دون الإحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للبصر ثابت غير منفي.\nثانيا أن الزمخشري لم يذكر على إحاطة الرؤية عقلا دليلا ولا شبه دليل سوى أنه يكون المرئي لا في جهة وهذا نعارضه بالمثل فنقول يلزمكم استبعاد أن يكون الموجود لا في جهة إذ الاتباع للوهم ببعدهما جميعا والانقياد للعقل يبطل هذا الوهم ويجيزهما معا.\nوحسبنا هذا فحبل النقاش بين أهل السنة والمعتزلة طويل وميدان الأخذ والرد بينهما علم الكلام فارجع إليه إن شئت المزيد عصمني الله وإياك من الزلل ووفقنا للقصد في الاعتقاد والعمل آمين.","vol":"2","page":73},{"text":"كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن:\nمؤلفه هو القاضي عبد الجبار بن أحمد بن الخليل وكنيته أبو الحسن البغدادي برع في علم الكلام وفاق أهل زمانه ووضع كتبا جليلة وإليه انتهت رياسة المعتزلة ومشيختها فصاروا يأخذون برأيه ويعتمدون على كتبه إلى أن توفى سنة ٤١٥ خمس عشرة وأربعمائة وله مصنفات كثيرة من أهمها كتابه هذا تنزيه القرآن عن المطاعن.\nوهو مرتب على مسائل تتضمن سؤالا وجوابه ولم تكن همته تفسير القرآن بل كان كل همه موجها نحو تأييد مذهبه لذلك تراه لم يفسر جميع القرآن بل يذكر من السورة الآية التي يستطيع أن يؤولها على مقتضى عقيدته ويؤيد بها مذهب المعتزلة على نمط ما فعل الزمخشري في الأمثلة التي بين يديك وهذا الكتاب يحتوي كثيرا من الفوائد على رغم تعصبه المذهبي وعدم عنايته بالتفسير كما يجب.","vol":"2","page":74},{"text":"ق -<span data-type=\"title\" id=toc-147> تفاسير الباطنية</span>\nالباطنية قوم رفضوا الأخذ بظاهر القرآن وقالوا للقرآن ظاهر وباطن والمراد منه باطنه دون ظاهره ويستدلون بقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وهم فرق متعددة على المثال الآتي:\n١ – القرامطة: نسبة إلى حمدان قرمط إحدى قرى واسط وهو الذي تزعمهم فيما ذهبوا إليه.\n٢ – الإسماعيلية: نسبة إلى إسماعيل أكبر أولاد جعفر الصادق وذلك لأنهم كانوا يعتقدون الإمامة فيه وقيل إنهم سموا إسماعيلية لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل.","vol":"2","page":74},{"text":"٣ – السبعية: نسبة إلى عدد السبعة ذلك لأنهم يعتقدون أن في كل سبعة إماما يقتدى به.\n٤ - الحرمية نسبة إلى الحرمة وذلك لأنهم يستبيحون الحرمات.\n٥ - البابكية نسبة إلى زعيمهم بابك الخرمي الذي خرج بأذربيجان.\n٦ - المحمرة سموا بذلك للبسهم الحمرة.\nومذهب الباطنية على عمومه وباء انتقل إليهم بطريق العدوى من المجوس ومن تأويلاتهم الفاسدة في القرآن أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ إن الإمام عليا ورث النبي في علمه.\nويقولون معنى الجنابة أنها مبادرة المستجيب بإفشاء السر قبل أن ينال رتبة الاستحقاق ومعنى الغسل تجديد العهد على من فعل ذلك ومعنى الطهارة التبري من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام ومعنى التيمم الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي الإمام ومعنى الصيام الإمساك عن كشف السر.\nويقولون إن الكعبة هي النبي ﷺ والباب علي والصفا هو النبي ﷺ والمروة علي ونار إبراهيم هي غصب النمروذ عليه وعصا موسى هي حجته إلى غير ذلك من الخرافات التي لا يقبلها عقل ولا يؤيدها نقل.\nوهذه التأويلات الفاسدة من أشد وأنكى ما يصاب به الإسلام والمسلمون لأنها تؤدي إلى نقص بناء الشريعة حجرا حجرا وإلى الخروج من ربقة الإسلام وحل عراه عروة عروة ولأنها تجعل القرآن والسنة فوضى فاحشة يقال فيهما ما شاء الهوى أن يقال كأنهما لغو من الكلام أو كلأ مباح للبهائم والأنعام وأخيرا ينفرط عقد المسلمين ويكون بأسهم بينهم من جراء هذا العبث بتلك الضوابط الدينية الكبرى","vol":"2","page":75},{"text":"والحوافظ الأدبية العظمى وما دام لكل واحد أن يفهم من القرآن ما شاء له الهوى والشهوة دون اعتصام بالشريعة ولا التزام لقواعد اللغة لم يعد القرآن قرآنا وإنما هما الهوى والشهوة فحسب.\nلهذا شرطنا في التفسير ما شرطنا وفي مقدمة شروطه التزام قوانين الشريعة والتزام قواعد اللغة العربية أما التزام قوانين الشريعة فلكيلا تتهافت النصوص وتتناقض التعاليم.\nوأما التزام قواعد اللغة فلأن القرآن نزل بلسان عربي مبين ويقول منزله جل شأنه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقضية عروبته هذه أن يفهم على قوانين لغة العرب وإلا فلا يرجى أن يعقل ما فيه ولا أن يفهم ما يحويه وذلك معنى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ بعد قوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾","vol":"2","page":76},{"text":"ر -<span data-type=\"title\" id=toc-148> تفاسير الشيعة</span>\nالشيعة طائفة كبيرة بالغت في حبها للإمام علي وتقديرها إياه والمبالغة والإسراف حتى في الفضائل يعود بما إلى الرذائل.\nولهذا يقول علماء الأخلاق الفضيلة وسط بين رذيلتين ويقولون إذا خرج الشيء عن حده عاد إلى ضده.\nومن هنا أمر الإسلام بالاعتدال حتى في حب النبي ﷺ وتقديره.\nيقول الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ويقول النبي ﷺ لأمته: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله\".","vol":"2","page":76},{"text":"ولكن الشيعة بالغوا وأسرفوا في حب الإمام وتقديره وهم فرق فمنهم من أغرق في نفس التشيع حتى كفر وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن سبأ اليهودي عدو الله الذي ما أظهر الإسلام إلا بقصد الكيد له والإفساد فيه ولهذا كانت تلك الفرقة في موقف خصومة وحرب من المسلمين حتى ورد أن الإمام عليا نفسه شن الغارة عليهم وحاربهم وطاردهم.\nومنهم قوم معتدلون لم يسقطوا في هاوية الكفر وإن خالفوا أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وتقديمهم على الإمام علي في الخلافة ﵃ أجمعين ولهؤلاء مذاهب ودراسات وكتب وتفسيرات وأدلة وتأويلات.\nومن تفاسير الشيعة كتاب يسمى:\nمرآة الأنوار ومشكاة الأسرار.\nمؤلفه يدعى المولى عبد اللطيف الكازلاني من النجف وهذا التفسير مشتمل على تأويلات تشبه تأويلات الباطنية السابقة فالأرض يفسرها بالدين وبالأئمة ﵈ وبالشيعة وبالقلوب التي هي محل العلم وقراره وبأخبار الأمم الماضية الخ فيقول في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ المراد دين الله وكتاب الله ويقول في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ المراد أو لم ينظروا في القرآن الخ فأنت ترى أنه قد حمل اللفظ الذي لا يجهله أحد على معان غريبة من غير دليل وما حمله على ذلك إلا مركب الهوى والتعصب الأعمى لمذهبه وذلك لا شك ضلال لا يقل عن ضلال الباطنية ولا البهائية.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .","vol":"2","page":77},{"text":"ش -<span data-type=\"title\" id=toc-149> التفسير الإشاري</span>\nهو تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر والمراد أيضا.\nوقد اختلف العلماء في التفسير المذكور فمنهم من أجازه ومنهم من منعه وإليك شيئا من أقوال العلماء لتعرف وجه الحق في ذلك:\nقال الزركشي في البرهان كلام الصوفية في تفسير القرآن قيل إنه ليس بتفسير وإنما هو معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة كقول بعضهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ إن المراد النفس يريدون أن علة الأمر بقتال من يلينا هي القرب وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه.\nوقال ابن الصلاح في فتاويه: وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق في التفسير فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر قال ابن الصلاح وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية وإنما ذلك منهم تنظير لما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والالتباس.\nوقال النسفي في عقائده النصوص على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل البطل إلحاد اهـ قال التفتازاني في شرحه سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها بل لها معان لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم بذلك نفي الشريعة","vol":"2","page":78},{"text":"بالكلية قال وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان.\nومن هنا يعلم الفرق بين تفسير الصوفية المسمى بالتفسير الإشاري وبين تفسير الباطنية الملاحدة فالصوفية لا يمنعون إرادة الظاهر بل يحضون عليه ويقولون لا بد منه أولا إذ من ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم الظاهر كمن ادعى بلوغ سطح البيت قبل أن يجاوز الباب.\nوأما الباطنية فإنهم يقولون: إن الظاهر غير مراد أصلا وإنما المراد الباطن وقصدهم نفي الشريعة.\nونقل السيوطي في الإتقان عن ابن عطاء الله في لطائف المنن ما نصه اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان ولهم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه وقد جاء في الحديث لكل آية ظهر وبطن فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله ﷺ فليس ذلك بإحالة وإنما يكون إحالة لو قالوا لا معنى للآية إلا هذا وهم يقولون ذلك بل يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ويفهمون عن الله ما ألهمهم اهـ.\nملحوظة:\nلعل من المناسب هنا أن نسوق إليك عبارة عن السيوطي في بيان معنى ظهر الآية وبطنها وحد الحرف ومطلع الحد قال نور الله ضريحة فإن قلت فقد قال الفريابي حدثنا سفيان عن يونس بن عبيد عن الحسن قال قال رسول الله ﷺ","vol":"2","page":79},{"text":"لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع قلت أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه:\nأحدها أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها.\nالثاني أنه ما من آية إلا عمل بها قوم ولها قوم سيعلمون بها كما قال ابن مسعود.\nالثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها.\nالرابع قال أبو عبيدة وهو أشبهها بالصواب إن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين وحديث حدث به عن قوم وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم فيحل بهم مثل ما حل بهم.\nوحكى ابن النقيب قولا خامسا أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق.\nومعنى قوله ولكل حرف حد أي منتهى فيما أراد الله من معناه وقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب.\nومعنى قوله ولكل حد مطلع لكل غاية من المعاني والأحكام مطلع يتوصل به إلى معرفته ويوقف على المراد به وقيل كل ما يستحق من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة وقال بعضهم الظاهر التلاوة والباطن الفهم والحد أحكام الحلال والحرام والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قلت يؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته فمن أوغل فيه برفق نجا ومن أوغل فيه بعنف هوى أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن فظهره التلاوة وبطنه التأويل","vol":"2","page":80},{"text":"فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء اهـ غير أن الوجه الأول الذي نقله السيوطي في معنى الظهر والبطن ليس بواضح وإذا التمسنا له بعض الاحتمالات تشابه أو اتحد بما بعده من الأقوال والقول الخامس متحد كذلك مع الثالث أو قريب منه فتأمل.\nشروط قبول التفسير الإشاري:\nمما تقدم يعلم أن التفسير الإشاري لا يكون مقبولا إلا بشروط خمسة وهي:\nألا يتنافى وما يظهر من معنى النظم الكريم.\nألا يدعى أنه المراد وحده دون الظاهر.\nألا يكون تأويلا بعيدا سخيفا كتفسير بعضهم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بجعل كلمة ﴿لَمَعَ﴾ ماضيا وكلمة ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مفعوله.\nألا يكون له معارض شرعي أو عقلي.\nأن يكون له شاهد شرعي يؤيده.\nكذلك اشترطوا بيد أن هذه الشروط متداخلة فيمكن الاستغناء بالأول عن الثالث وبالخامس عن الرابع ويحسن ملاحظة شرطين بدلهما أحدهما بيان المعنى الموضوع له اللفظ الكريم أولا ثانيهما ألا يكون من وراء هذا التفسير الإشاري تشويش على المفسر له وسيأتيك في نصيحتي وفي كلام الغزالي ما يقرر هذين الشرطين.\nثم إن هذه شروط لقبوله بمعنى عدم رفضه فحسب وليست شروطا لوجوب اتباعه والأخذ به ذلك لأنه لا يتنافى وظاهر القرآن ثم إن له شاهدا يعضده من الشرع وكل ما كان كذلك لا يرفض وإنما لم يجب الأخذ به لأن النظم الكريم لم يوضع للدلالة عليه بل هو من قبيل الإلهامات التي تلوح لأصحابها غير منضبطة بلغة ولا مقيدة بقوانين.","vol":"2","page":81},{"text":"أهم كتب التفسير الإشاري\nوأهم كتب التفسير الإشاري أربعة تفسير النيسابوري وتفسير الألوسي وتفسير التستري وتفسير محيي الدين بن عربي.\n١ - أما تفسير النيسابوري فقد تقدم الكلام عليه وبقي أن نذكر لك عنه أنه بعد أن يوفي الكلام على ظاهر معنى الآية أو الآيات يقول قال أهل الإشارة أو يقول التأويل ثم يسوق المعنى الإشاري لتلك الآية أو الآيات تحت هذا العنوان مثال ذلك أنه قال بعد التفسير الظاهر لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآيات قال ما نصه التأويل ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا.\nاقتلوني يا ثقاتي ... إن في قتلي حياتي\nوحياتي في مماتي ... ومماتي في حياتي\nمت بالإرادة تحي بالطبيعة وقال بعضهم مت بالطبيعة تحي بالحقيقة ما هي إنها بقرة نفس تصلح للذبح بسيف الصدق ﴿لا فَارِضٌ﴾ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل الصوفي بعد الأربعين بارد ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره عوان بين ذلك لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضات ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيما الصالحين ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ ولا يسقى حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ بمقتضى الطبيعة","vol":"2","page":82},{"text":"لولا فضل الله وحسن توفيقه:\n﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ يعني القلب ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أم من النفس ﴿الأمارة فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ضرب لسان البقرة المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله وقال ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ .\n﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ مراتب القلب في القسوة مختلفة فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها لغليان أنوار الروح بترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرف العادات كما يكون لبعض الرهبان والهنود والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية.\nوهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدون في قربهم وقلوبهم ودرجاتهم ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم والمسلمون مختصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه.\nفإراءة الآيات للخواص ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ . ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما جاء في حق يوسف ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ .\nسئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال واردات ترد على القلوب فتعجز القلوب عن تكذيبها والله أعلم اهـ.","vol":"2","page":83},{"text":"مثال ثان قال النيسابوري أيضا بعد تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ما نصه التأويل مساجد الله التي يذكر فيها اسمه عند أهل النظر النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة وذكر مسجد الروح بالشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات وذكر مسجد الخفي وهو سر السر بذل الوجود وترك الموجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات الخ ما قال\n٢ - وأما تفسير الألوسي فاسمه روح المعاني ومؤلفه العلامة المحقق شهاب الدين السيد محمد الألوسي البغدادي مفتي بغداد المتوفي سنة ١٢٧٠ سبعين ومائتين وألف وهذا التفسير من أجل التفاسير وأوسعها وأجمعها نظم فيه روايات السلف بجانب آراء الخلف المقبولة وألف فيه بين ما يفهم بطريق العبارة وما يفهم بطريق الإشارة ﵀ وتجاوز عنه.\nومما قاله في التفسير الإشاري بعد أن فسر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى آخر الآيات بعدها قال ما نصه:\nومن مقام الإشارة في الآيات وإذا قلتم يا موسى القلب لن نؤمن الإيمان الحقيقي حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان فأخذتكم صاعقة الموت الذي هو الفناء في التجلي الذاتي وأنتم تراقبون أو تشاهدون ثم بعثناكم بالحياة الحقيقة والبقاء بعد الفناء","vol":"2","page":84},{"text":"لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله ﷿ وظللنا عليكم غمام تجلي الصفات لكونها حجبت شمس الذات الخ ما قال.\nمثال ثان قال بعد تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ خذوا ما ءاتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون قال ما نصه.\nوإذ أخذنا ميثاقكم المأخوذ بدلائل العقل بتوحيد الأفعال والصفات ورفعنا فوقكم طور الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها أو أشار سبحانه بالطور إلى موسى القلب وبرفعه إلى علوه واستيلائه في جو الإرشاد والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق ثم أعرضتم بإقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك فلولا حكمة الله بإمهاله وحكمه بإفضاله لعاجلتكم العقوبة ولحل بكم عظيم المصيبة.\nإلى الله يدعى بالبراهين من أبى ... فإن لم يجب بادته بيض الصوارم\nفهذه الإشارة إنما يعرفها ذو الوجد والمشاهدة وهي لأصحابها رياض يانعة وأنوار لامعة اهـ.\n٣ - تفسير التستري هو أبو محمد سهل بن عبد الله التستري المتوفي سنة ٣٨٣ ثلاث وثمانين وثلثمائة وتفسيره هذا لم يستوعب كل الآيات وإن استوعب السور وقد سلك في مسلك الصوفية مع موافقته لأهل الظاهر وإليك نموذجا منه إذ يقول في تفسير البسملة ما نصه:\nالباء بهاء الله ﷿ والسين سناء الله ﷿ والميم مجد الله ﷿ والله هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها وبين الألف واللام","vol":"2","page":85},{"text":"منه حرف مكنى غيب إلى غيب وسر من سر إلى سر وحقيقة من حقيقة إلى حقيقة لا ينال فهمه إلا الطاهر من الأدناس الآخذ من الحلال قواما ضرورة الإيمان.\nوالرحمن اسم فيه خاصة من الحرف المكنى بين الألف واللام والرحيم هو العاطف على عباده بالرزق في الفرع والابتداء في الأصل رحمة لسابق علمه القديم قال أبو بكر أي بنسيم روح الله اخترع من ملكه ما شاء رحمة لأنه رحيم وقال علي بن أبي طالب ﵁ الرحمن الرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر فنفى الله بهما القنوط عن المؤمنين من عباده اهـ.\nومن تفسيره بما هو قريب من المعنى الظاهر قوله في تفسير الآية الكريمة.\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ الخ ما نصه:\nأفكان شاكا في إيمانه حتى سأل ربه أن يريه آية معجزة ليصح معها إيمانه فقال سهل لم يكن سؤاله ذلك عن شك وإنما كان طالبا زيادة اليقين يقينا في قدرة الله وتمكينا في خلقه ألا تراه كيف قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فلو كان شاكا لم يجب ببلى ولو علم الله منه الشك وهو أخبر ببلى وستر الشك لكشف الله ذلك إذ كان مثله مما لا يخفى اهـ.\nوهذا الكتاب صغير الحجم غير أنه غزير المادة في موضوعه مشتمل على كثير من علاج الشبهات ودفع الإشكالات يقع في نحو من ٣١٤ أربع عشرة وثلاثمائة صفحة وهو مطبوع بمصر.\n٤ - تفسير ابن عربي هو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله محيي الدين بن عربي الحاتمي الصوفي الفقيه المحدث ولد بمرسية سنة ٥٦٠ ستين وخمسمائة وتوفي في دمشق سنة ٦٣٨ ثمان وثلاثين وستمائة.","vol":"2","page":86},{"text":"ومن مصنفاته كتاب الجمع والتفصيل في إبداء معاني التنزيل ومنها إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن وقد طبع تفسيره في جزأين بالمطبعة الأميرية سنة ١٢٨٧ سبع وثمانين ومائتين بعد الالف وقد قال في خطبته ما نصه:\nقد تذكرت خبرا قد أتاني فازدهاني مما وراء المقاصد والأماني قول النبي الأمي الصادق عليه أفضل الصلوات من كل صامت وناطق: \"ما من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع\" وفهمت منه أن الظهر هو التفسير والبطن هو التأويل والحد ما يتناهى إليه المفهوم من معنى الكلام والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام.\nوقد نقل عن الإمام المحقق السابق جعفر بن محمد الصادق ﵇ أنه قال: لقد تجلى الله تعالى لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون. وروى عنه ﵇ أنه خر مغشيا عليه وهو في الصلاة فسئل عن ذلك فقال: \"ما زلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها\".\nقال: فرأيت أن أعلق بعض ما يسنح لي في الأوقات من أسرار حقائق البطون وأنوار شوارق الكائنات دون ما يتعلق بالظواهر والحدود فإنها قد عين لها حد محدود وقد قيل من فسر القرآن برأيه فقد كفر وأما التأويل فلا يبقى ولا يذر فإنه باختلاف أحوال المستمع وأوقاته في مراتب سلوكه وتفاوت درجاته كلما ترقى عن مقام انفتح له باب فهم جديد واطلع به على لطيف معنى عتيد إلى أن قال وكل ما لا يقبل التأويل عندي أو لا يحتاج إليه فما أوردته أصلا الخ اهـ.\nومن تفسيره الإشاري لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ما نصه:","vol":"2","page":87},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ هي النفس الحيوانية وذبحها قمع هواها الذي هو حياتها ومنبعها من الأفعال الخاصة بها بشفرة سكين الرياضة وقال في تفسير آية ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ من سورة الأنبياء قال ما نصه:\n﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ أي سخرنا لسليمان العقل العملي والمتمكن على عرش النفس في الصدر ريح الهوى ﴿عَاصِفَةً﴾ في هبوبها ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ مطيعة له ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ أرض البدن المتدرب بالطاعة والأدب ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بتمييز الأخلاق والملكات الفاضلة والأعمال الصالحة ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من أسباب الكمال ﴿عَالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾ شياطين الوهم والتخييل ﴿مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في بحر الهيولي الجثمانية ويستخرجون درر المعاني الجزئية ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ من التركيب والتفصيل والمصنوعات وتهييج الدواعي المكسوبات وأمثالها ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ عن الزيغ والخطأ والتسويل الباطل والكذب ﴿وَأَيُّوبَ﴾ النفس المطمئنة الممتحنة بأنواع البلاء في الرياضة البالغة كمال الزكاء في المجاهدة ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ند شدة الك رب في الجد وبلوغ الطاقة والوسع في الجهد ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ من الضعف والانكسار والعجز ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ بالتوسعة والروح ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ بروح الأحوال عن كد الأعمال عند كمال الطمأنينة ونزول السكينة ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ من ضر الرياضة بنور الهداية ونفسنا عنه ظلمة الكرب بإشراق نور القلب ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ القوى النفسية التي ملكناها وأمتناها بالرياضة بإحيائها بالحياة الحقيقة ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ من إمداد القوى الروحانية وأنوار الصفات القلبية ووفرنا عليهم أسباب الفضائل الخلقية وأحوال العلوم النافعة الجزئية ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ اهـ.","vol":"2","page":88},{"text":"ت -<span data-type=\"title\" id=toc-150> نصيحة خالصة</span>\nبيد أن هذا التفسير كما ترى جاء كله على هذا النمط دون أن يتعرض لبيان المعاني الوضعية للنصوص القرآنية وهنا الخطر كل الخطر فإنه يخاف على مطالعه أن يفهم أن هذه المعاني الإشارية هي مراد الخالق إلى خلقه في الهداية إلى تعاليم الإسلام والإرشاد إلى حقائق هذا الدين الذي ارتضاه لهم.\nولعلك تلاحظ معي أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات والخواطر فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة بل الإسلام كله ما هي إلا سوانح وواردات على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات وزعموا أن الأمر ما هو إلا تخييلات وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح فلم يتقيدوا بتكاليف الشريعة ولم يحترموا قوانين اللغة العربية في فهم أبلغ النصوص العربية كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.\nوالأدهى من ذاك أنهم يتخيلون ويخيلون إلى الناس أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله إتصالا أسقط عنهم التكليف وسما بهم عن حضيض الأخذ بالأسباب ما داموا في زعمهم مع رب الأرباب وهذا لعمر الله هو المصاب العظيم الذي عمل له الباطنية وأضرابهم من أعداء الإسلام كما يهدموا التشريع من أصوله ويأتوا بنيانه من قواعده ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .\nفواجب النصح لإخواننا المسلمين يقتضينا أن نحذرهم الوقوع في هذه الشباك ونشير عليهم أن ينفضوا أيديهم من أمثال تلك التفاسير الإشارية الملتوية ولا يعولوا على أشباهها مما ورد في كلام القوم بالكتب الصوفية لأنها كلها أذواق ومواجيد خارجة","vol":"2","page":89},{"text":"عن حدود الضبط والتقليد وكثيرا ما يختلط فيها الخيال بالحقيقة والحق بالباطل وإذا تجردت من ذلك فقلما يظهر منها مراد القائل وإذا ظهر فقد يكون من الكفريات الفاحشة التي نستبعد صدورها من العلماء والمتصوفة بل من صادقي عامة المسلمين والتي نرى الطعن فيها بالدس والوضع أقرب وأسلم من الطعن فيمن عزيت إليه بالكفر والفسق.\nفالأحرى بالفطن العاقل أن ينأى بنفسه عن هذه المزالق وأن يفر بدينه من هذه الشبهات وأمامه في الكتاب والسنة وشروحهما على قوانين الشريعة واللغة رياض وجنات.\n﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟!.\nقال ﷺ: \"فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\".\nوقال ﷺ: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" وبالله تعالى توفيقي وتوفيقك نسأله تعالى أن يخرجنا من ظلمات الأوهام وأن يحققنا بحقائق الدين وتعاليم الإسلام آمين\nكلمة لحجة الإسلام الغزالي:\nوأختم نصيحتي هذه بكلمة قيمة تتصل بموضوعنا اتصالا ماسا وهي مدبجة ببراعة الإمام الغزالي حين عرض في كتابة الإحياء للذكر والتذكير وما أدخله الناس فيهما فقال بلل الله ثراه:\nوأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثهما بعض الصوفية:\nأحدهما الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المغنى عن الأعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب فيقولون قيل لنا كذا وقلنا كذا ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس","vol":"2","page":90},{"text":"ويستشهدون بقوله: أنا الحق وربما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: سبحاني سبحاني! وهذا فن من الكلام عظيم ضرره على العوام حتى لقد ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوي فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا هذا إنكار مصدره العلم والجدل والعلم حجاب والجدل عمل النفس وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة وأما أبو يزيد البسطامي ﵀ فلا يصح عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه فعله كان يحكيه عن الله ﷿ في كلام يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.\nالصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل وتلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان أو يحمل على أن يفهم منها معان ما أريدت ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه وقد قال ﷺ: \"ما حدث أحدكم قوما بحديث لا يفقهونه إلا كان","vol":"2","page":91},{"text":"فتنة عليهم١\" وقال ﷺ: \"كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله٢\" وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع فكيف فيما لا يفهمه قائله فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره وقال: عيسى ﵇ لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء وفي لفظ آخر من وضع الحكمة في غير أهلها فقد جهل ومن منعها أهلها فقد ظلم إن للحكمة حقا وإن لها أهلا فأعط كل ذي حق حقه.\nوأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة كدأب الباطنية في التأويلات فهذا أيضا حرام وضرره عظيم فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها من غير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى وهذا أيضا من البدع الشائعة العظيمة الضرر وإنما قصد أصحابها الإغراب لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذة له وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم كما حكيناه من مذاهبهم في كتاب المستظهري المصنف في الرد على الباطنية.\n_________\n١ هذا الحديث رواه مسلم في مقدمة صحيحة، موقوفا على ابن مسعود. ورواه العقيلي في الضعفاء.\n٢ هذا الحديث رواه البخاري موقوفا على علي ورفعه أبو منصور الدليمي في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم.","vol":"2","page":92},{"text":"ومثال تأويل أهل الطامات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ إنه إشارة إلى قلبه وقال هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ أي كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله ﷿ فينبغي أن يلقيه وفي قوله ﷺ: \"تسحروا فإن في السحور بركة\"١ أراد به الاستغفار في الأسحار وأمثال ذلك حتى ليحرفون القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس وسائر العلماء وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانها قطعا كتنزيل فرعون على القلب فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا النقل بوجوده ودعوة موسى له كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفار وليس من جنس الشياطين والملائكة مما لم يدرك بالحس حتى يتطرق التأويل إلى ألفاظه وكذلك حمل السحور على الاستغفار فإنه كان ﷺ يتناول الطعام ويقول: \"تسحروا٢\" \"وهلموا إلى الغذاء المبارك\"٣ فهذه أمور يدرك بالتواتر والحس بطلانها نقلا وبعضها يعلم بغالب الظن وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد للدين على الخلق ولم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إكبابه على دعوة الخلق ووعظهم فلا يظهر لقوله ﷺ: \"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" ٤ معنى إلا هذا\n_________\n١ هذ الحديث رواه البخاري زمسلم.\n٢ هذا الحديث رواه البخاري.\n٣ هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث العباش بن ساؤية. زضعفه ابن القطان.\n٤ روه البخاري ومسلم وقيل بتواتره.","vol":"2","page":93},{"text":"النمط وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه فيستجر شهادة القرآن إليه ويحمله عليه من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية.\nولا ينبغي أن يفهم منه أنه يجب ألا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان وستة وسبعة وعلم أن جميعها غير مسموع من النبي ﷺ فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع فيكون ذلك مستنبطا بحسن الفهم وطول الفكر ولهذا قال ﷺ لابن عباس ﵁: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\".\nومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول ﷺ لما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به. كمن يضع في كل مسألة يراها حقا حديثا عن النبي ﷺ فذلك ظلم وضلال ودخول في الوعيد المفهوم من قوله ﷺ: \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\". بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم لأنه مبطل للثقة بالألفاظ وقاطع طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق عن القوانين المحمودة إلى المذمومة فكل ذلك من تلبيس علماء السوء بتبديل الأسامي فإن اتبعت هؤلاء اعتمادا على الاسم المشهور من غير التفات إلى ما عرف في العصر الأول كنت كمن طلب شرف الحكمة باتباع من يسمى حكيما فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر وذلك بالغفلة عن تبديل الألفاظ.\nثم قال اللفظ الخامس أي من الألفاظ التي وقع فيها التلبيس لفظ الحكمة فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم حتى على الذي يدحرج القرعة","vol":"2","page":94},{"text":"على أكف السوادية في شوارع الطرق والحكمة هي التي أثنى الله ﷿ عليها فقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وقال ﷺ: \"كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها١\" فانظر ما الذي كانت الحكمة عبارة عنه؟ وإلى ماذا نقل وقس به من بقية الألفاظ واحترز عن الاغترار بتلبيسات علماء السوء فإن شرهم على الدين أعظم من شر الشياطين إذ الشياطين بواسطتهم يتدرج إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق ولهذا لما سئل رسول الله ﷺ عن شر الخلق أبى وقال: \"اللهم غفرا٢\" حتى كرروا عليه فقال: \"هم علماء السوء\".\nفقد عرفت العلم المحمود والعلم المذموم ومثار الالتباس وإليك الخيرة في أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف أو تتدلى بحبل الغرور وتتشبه بالخلف فكل ما ارتضاه السلف من العلم قد اندرس وما أكب الناس عليه فأكثره مبتدع ومحدث وقد صح عن رسول الله ﷺ: \"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء\" فقيل يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: \"الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي والذي يحيون ما أماتوه من سنتي٣\" وفي خبر آخر: \"هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم٤\" وفي حديث آخر: \"الغرباء ناس قليل صالحون بين ناس كثير من يبغضهم في الخلق أكثر ممن يحبهم٥\".\n_________\n١ هذ الحديث روى ابن المبارك في الزهد والرقائق مرسلا، وفي مسند الفردوس بسند ضعيف.\n٢ هذا الحديث رواه البزار في مسنده بسند ضعيف.\n٣ هذا الحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة مختصرا. وهو بتمامه عند الترمذي من حديث عمرو بن عوف وحسنه.\n٤ هذا الحديث يقول الحافظ العراقي في تخريجه: لم أر له أصلا.\n٥ هذا الحديث رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو.","vol":"2","page":95},{"text":"وقد صارت تلك العلوم غريبة بحيث يمقت ذكراها ولذلك قال الثوري ﵀: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط لأنه إن نطق بالحق أبغضوه انتهى كلام الإمام الغزالي ضاعف الله أجره وأحسن ذخره ووهبنا السلامة والعافية بمنه وكرمه آمين.","vol":"2","page":96},{"text":"ت -<span data-type=\"title\" id=toc-151> تفاسير أهل الكلام</span>\nكل إنسان تغلب عليه نزعته في كتابته وتلوح عقيدته من خلال تأليفه وتحديثه كما قلنا وذلك هو الشأن في علماء الكلام حين تصدوا لتفسير كتاب الله فالسني لاحت على تفسيره أنوار أهل السنة والمعتزلي فاحت من جوانب بيانه روائح الاعتزال والشيعي هبت من نواحي تأويله ريح التشيع وهكذا.\nبيد أن الفرق بينهم كبير في التعصب أو القصد وفي الإيجاز أو البسط.\nوقد مضى بك الحديث في تفاسير المعتزلة والشيعة ورأيت كيف كان الزمخشري في اعتزاله مقتصدا مستخفيا وكيف كان القاضي عبد الجبار متعصبا مستعلنا وكيف كان المولى عبد اللطيف متشيعا مسرفا.\nوكذلك تجد في أهل السنة أنفسهم من هو قاصد في تأييد عقيدته بتفسيره كأولئك الذين ترجمناهم وترجمنا تفاسيرهم من قبل عند الكلام على أشهر كتب التفسير بالرأي المحمود.\nومن أهل السنة من استبسل في الدفاع عن عقيدتهم في تفسيره وعلى رأس هؤلاء الإمام فخر الدين الرازي الذي شنها حربا شعواء في كل مناسبة على أهل الزيغ","vol":"2","page":96},{"text":"والانحراف في العقيدة وقد سلك في تفسيره مفاتيح الغيب المشهور بتفسير الفخر مسلك الحكماء الإلهيين فصاغ أدلته في مباحث الإلهيات على نمط استدلالاتهم العقلية ولكن مع تهذيبها بما يوافق أصول أهل السنة وكذلك تعرض لشبههم بالنقض والتفنيد في كثير من المواضع.\nكما أنه سلك طريقة الطبيعيين في الكونيات فتكلم في الأفلاك والأبراج وفي السماء والأرض وفي الحيوان والنبات وفي أجزاء الإنسان وغير ذلك مما جر إليه الاستدلال على وجود الله ﷻ غفر الله له وشكر صنيعه والله خير الشاكرين.","vol":"2","page":97},{"text":"خ -<span data-type=\"title\" id=toc-152> مزج العلوم الأدبية والكونية</span>\nوغيرها بالتفسير وسبب ذلك وأثره\nالقرآن كتاب هداية وإعجاز وهدايته وإعجازه يصورهما المفسر ويشرحهما في تفسيره على قدر ما فيه من استعداد ومقدرة وعلى قدر ما عند الناس من علوم ومعارف وأفكار.\nولقد مرت على القرآن الكريم منذ نزوله إلى الآن عصور وقرون وأمم وأجيال والقرآن كما كان وكما سيبقى كتاب ينشر نور الهداية ويرفع لواء الإعجاز وكان الذين شوفهوا به لأول مرة عربا اكتملت فيهم خصائص العروبة وإن كانوا مع ذلك أميين لا إلمام لهم بالقراءة والكتابة ولا شأن لهم بعلوم تدرس ولا بكتب تقرأ.\nلهذا وذاك كان فهمهم لهداية هذا الكتاب وإعجازه وتصويرهم لهما بالتفسير والبيان من الأمور الهينة السهلة الجارية على الفطرة والبساطة لا يحتاجون في ذلك إلى اصطلاحات فنية ولا إلى قواعد نحوية وبلاغية ولا إلى نظريات علمية.\nأما إعجازه فكان معروفا لهم بمحض السليقة العربية السليمة والذوق البلاغي الرقيق وأما هدايته فكانوا يفهمونها كذلك بعقولهم الصافية وذكائهم الموهوب ولغتهم العربية الفصحى التي نزل بها القرآن.","vol":"2","page":97},{"text":"وإذا استعانوا فبالنظر في كتاب الكون وآيات الله في الآفاق وبما خلق الله فيهم وحولهم من عجائب السماوات والأرض ثم بما يسمعون من بيان رسول الله ﷺ.\nمضى الأمر على ذلك مدة ثم جاء نصر الله والفتح ووطأت الأرض أكنافها للمسلمين وأظلت راية الإسلام أمما وشعوبا لم تكن تعرف العربية ولكنها كانت على ثقافة في العلوم والفنون والفلسفة وقد اختلطت هذه الأمم المفتوحة بتلك الأمم الفاتحة فكان من نتائج هذا الاتصال مع امتداد الزمان أمران.\nأحدهما أن فسدت اللغة العربية وأصبح الجميع بحاجة إلى ضوابط تضبطها وتضمن سلامتها وتعصم الناس من الخطأ في فهم الكتاب والسنة فنشأت بسبب ذلك العلوم الأدبية أو علوم اللغة العربية.\nثانيهما أن ترجمت علوم هذه الأمم الداخلة في الإسلام وهذبت ونقحت وذاعت ثقافتها بين المسلمين على اختلاف أجناسهم فكان من مقتضيات الحكمة التوفيق بينها وبين القرآن من ناحية وفهم القرآن في ضوئها من ناحية أخرى وإنما كان ذلك من مقتضيات الحكمة لأن الإسلام ليس عدوا للعلم كما يزعم الأفاكون بل هو صديق العلم وحليفه إن لم نقل كأنه هو!.\nبهذه الأسباب بدأت العلوم الأدبية والعلوم الكونية تتدخل في تفسير القرآن وتمتزج به على اعتبار أن هدايته وإعجازه لا يفهمان فهما صحيحا كاملا بالنسبة إليهم إلا عن طريق هذه العلوم والمعارف.\nأما علوم اللغة والأدب فلأن بها يعرف ضبط الكلمات أبنيتها وهيئاتها وأواخرها ومدلولات الألفاظ على اختلاف أنواعها والإحاطة بمعاني التراكيب والتمييز بين","vol":"2","page":98},{"text":"العالي والنازل من الأساليب ولا ريب أن إدراك معاني القرآن وذوق بلاغته وإعجازه لا يتأتي لغير العرب الخلص إلا عن هذا الطريق.\nوأما العلوم الكونية فلأن الله تعالى دعا الناس كثيرا أن ينظروا في هذا الكون وحضهم بقوة أن يقرؤوا صحيفة هذا الوجود ليصلوا من الكون إلى مكونه وليستدلوا بالوجود على موجده ولينتفعوا أبلغ انتفاع بتلك القوى العظيمة التي خلقها لأجلهم وسخرها لنفعهم قال تعالى في سورة الجاثية: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .\nفلا عجب إذا فهموا تلك الألفاظ الكونية التي في القرآن على النحو الذي هداهم إليه العلم والثقافة التي تثقفوها في علوم الكون.\nومعلوم أن المفسر لا يفسر لنفسه إنما يفسر للناس فكان من الواجب أن يساير أفكارهم ويشرح ألفاظ القرآن في الظواهر الطبيعية والعلمية وسنن الله الكونية وقوانين الاجتماع والسياسة وقواعد الاقتصاد والأخلاق وسائر التشريعات الشخصية والمدنية والجنائية والحربية، نقول يجب على المفسر أن يشرح ألفاظ القرآن في ذلك كله وفيما يشبهه بالطريقة العلمية المألوفة لهم وبالأفكار الغالبة عليهم الملائمة لأذواقهم وإلا فما بلغ رسالته ولا أدى أمانته وكيف يخاطب العالم بغير ما يفهمون ويدخل إليهم من غير الباب الذي يدخلون.\nهذه هي الأسباب التي جعلت التفسير يمتزج بالعلوم الأدبية والكونية وغيرها وجعلت العلوم الأدبية والكونية تحتل مكانها في كتب التفسير وإن كان هذا الامتزاج يختلف","vol":"2","page":99},{"text":"ضعفا وقوة وقلة وكثرة وتوفيقا وخذلانا باختلاف مواهب المفسرين واستعداد الجمهور وتقدم الزمان وتأخره في هذه العلوم.\nفتفاسير الزجاج وأبي حبان وأضرابهما مليئة بالمباحث النحوية وتفاسير الزمخشري وأبي السعود وأشباههما مليئة بالمباحث البلاغية وتفسير الخازن ومن لف لفه مليء بالأخبار والقصص وتفسير الجواهر للعلامة المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري مليء بالعلوم الكونية وهو تفسير حديث يشتمل كما قال صاحبه على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات يقع في خمسة وعشرين مجلدا وقد تم طبعه بمصر عام ١٣٥٢ اثنين وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة رحم الله مؤلفه وجزاه خيرا.\nآثار هذا الامتزاج:\nأما آثار امتزاج العلوم الأدبية بالتفسير فيمكن تلخيصها فيما يأتي:\n١ - بيان معاني القرآن وهداياته.\n٢ - إظهار فصاحة القرآن وبلاغته.\n٣ - الدلالة على وجوه إعجاز القرآن من ناحية الأسلوب والبيان.\nوأما آثار امتزاج العلوم الكونية بالتفسير فيمكن تلخيصها فيما يلي:\n١ - مسايرة أفكار الناس ومعارفهم وتفسير القرآن لهم تفسيرا يشبع حاجتهم من الثقافة الكونية.\n٢ - إدراك وجوه جديدة للإعجاز في القرآن من ناحية ما يحويه أو يرمز إليه من علوم الكون والاجتماع.\n٣ - دفع مزاعم القائلين بأن هناك عداوة بين العلم والدين.\n٤ - استمالة غير المسلمين إلى الإسلام من هذا الطريق العلمي الذي يخضعون له دون سواه في هذه الأيام.","vol":"2","page":100},{"text":"٥ - الحث على الانتفاع بقوى الكون ومواهبه.\n٦ - امتلاء النفس إيمانا بعظمة الله وقدرته حينما يقف الإنسان في تفسير كلام الله على خواص الأشياء ودقائق المخلوقات حسب ما تصورها علوم الكون.\nهذا وإن لامتزاج العلوم الكونية والأدبية بالتفسير آثارا أخرى مشتركة بينهما نجملها فيما يأتي:\n١ - زيادة الثقة بالقرآن وعروبته ومعارفه وإعجازه.\n٢ - والإيمان بأنه كتاب غني بكل ما يحتاج إليه البشر من ألوان السعادة.\n٣ - والإيمان بأنه كتاب الساعة ودستور الناس إلى يوم القيامة يصلح لكل زمان ومكان ولا يستغني عن كنوزه وذخائره إنسان.\nشروط لا بد منها:\nتلك الآثار الجليلة التي ألمعنا إليها لا تتحقق جلالتها إلا إذا روعيت فيها الأمور الآتية:\n١ - ألا تطغى تلك المباحث عن المقصود الأول من القرآن وهو الهداية والإعجاز أما إن أسرف المفسر واشتغل بتفريعات العلوم الأدبية ونظريات الفنون الكونية فقد انعكست الآية ولم يعد التفسير تفسيرا بل يكون أشبه بكتب العلوم والفنون منه بكتب التفسير كما قال بعض العلماء الظرفاء يصف تفسيرا مشهورا بالاستطراد والتطويل والضرب في كثير من العلوم قال لقد حوى هذا التفسير كل شيء إلا التفسير.\n٢ - أن يلاحظ في امتزاج التفسير بتلك العلوم ما يلائم العصر ويوائم الوسط","vol":"2","page":101},{"text":"لأن تلك الأبحاث الكونية والأدبية قد تكون ضرورية ومفيدة أيما فائدة إذا شرح بها القرآن في عصر من عصور الثقافة أو لجمهور من المفتونين بالمادة وعلوم الكون أو لطائفة من المتأدبين المشغوفين بفنون البلاغة في القول بينما تكون هذه الأبحاث نفسها نكبة وفتنة إذا شرح بها القرآن في عصر من عصور الجهالة أو لفئة أخرى من فئات الناس وما من أحد يخاطب قوما بغير ما تسعه عقولهم إلا كان فتنة عليهم.\n٣ - أن تذكر تلك الأبحاث على وجه يدفع المسلمين إلى النهضة ويلفتهم إلى جلال القرآن ويحركهم إلى الانتفاع بقوى هذا الكون العظيم الذي سخره الله لنا انتفاعا بعيد لأمة الإسلام نهضتها ومجدها.\nوهاك نموذجا على سبيل التمثيل وإن أسرف في هذا السبيل إسرافا أنساه نفس التفسير والتأويل.\nقال العلامة المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري في كتابه القرآن والعلوم العصرية ما نصه:\nقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ عبر الله تعالى بكاف الخطاب ست مرات فجعل الماء لنا وتسخير الشمس والقمر لنا وتسخير الليل والنهار لنا وقد آتانا من كل ما سألناه في ضمائرنا وما تمنته نفوسنا.\nفهل هذا الخطاب استثنى منه المسلمون فهل جعل الله الثمرات في الأرض خاصة بغير المسلمين أم الخطاب عام وهل الفلك التي تجري في البحر ما بين آسيا وإفريقيا وأوروبة في المحيط الهندي والهادي والبحر الأحمر وبحر الظلمات بين أوروبة وأمريكا هل هذه","vol":"2","page":102},{"text":"السفن خاصة بالإفرنج وكيف نام المسلمون عن علوم التجارة فأصبحت بأيدي غيرهم من الفرنجة وأهل أمريكا وهم صفر اليدين فالسفن التي تمخر عباب الأنهار والبحار في سائر أنحاء كرتنا الأرضية بيد الفرنجة وهم هم الذي يدرسون علوم المعادن والكهرباء والبخار والتلغراف البرق الذي له سلك والبرق الذي بلا سلك أليس من العار عليكم أيها المسلمون أن تكونوا ٣٥٠ مليونا١ ولا سفن لكم في البحار كما لغيركم وقد خاطبكم الله تعالى فقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ على قواعد علمية بعد معرفة صناعة الحديد لبنائها والخشب لتكميلها والبخار لتسييرها والكهرباء والمغناطيس لمعرفة الأخبار فيها وقراءة علم الفلك والكواكب السيارة والثابتة للاهتداء بها في طرق البحار ودرس علوم البحار وطرقها ومناطقها وما فيها من مسالك حتى لا تضل السفن سواء السبيل فتغرق ويهلك ما فيها وبعد دراسة علوم السحب والرياح والعواصف حتى يلبس الربان لكل حال لبوسها وينهج النهج الذي ينجي السفينة ثم قال ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ ولا جرم أن الأنهار تسقي الزروع ولها في جريانها قوة تستخرج منها الكهرباء فتغني عن الفحم والبترول والمسلمون في بقاع الأرض غافلون عن أنهارهم وتكاد تصبح بيد غيرهم ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ والليل والشمس والقمر لها حساب دقيق لا يهتدى إليه إلا بعلم الحساب والهندسة والجبر ثم الفلك فلا تطلع الشمس ولا تغرب ولا يشرق النجم ولا يغرب ولا يطلع سيار ولا يأفل إلا بمواعيد موقوتة لا تنقص ثانية بل كل ذلك بمقدار ولو حرم البشر ذلك يوما واحدا لاختل أمر حياتهم فها هي سفن البحار وقطرات اليابسة كلها تسير بحساب الشمس والكواكب ولو أغفل الناس بعض ذلك لاختلت مواعيدهم،\n_________\n١ جاء في بعض الصادر الموثوق بها أن عدد المسلمين يزيد الآن كثيرا على أربعمائة مليون.","vol":"2","page":103},{"text":"ولتصادمت قطراتهم ولمات كثير منهم ويعرف ذلك كل من اطلع على طرف من علم الفلك في هذه الأيام انتهى ما أردنا نقله بقليل من التصرف.","vol":"2","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>كلمة ختامية</span>\nلا تحسبن أن ما نوهنا به في هذا الحديث قد أحاط بما كتب من تفاسير القرآن ولا تحسبن أن ما كتب من جميع التفاسير قد أحاط بكل ما أودعه الله القرآن من أحكام وحكم ومعارف وأسرار بل إن ما ذكرناه هنا من التفسير قل من كثر ثم إن ما حوته تلك الموسوعات التفسيرية على كثرتها لم تأخذ من القرآن إلا كما يأخذ المخيط إذا أدخل البحر ويروقني ما قاله بعض الأعلام حين سئل ما خير تفسير للقرآن فأجاب الدهر يعني أن العلوم والمعارف والأفكار والحوادث والتجارب التي تجد في الزمن عوامل مهمة في شرح القرآن وكل حقبة من سلسلة هذه الأزمان الطويلة تكشف عن بعض مخبوءات أسراره التي لم تكن معروفة من قبل.\nوإن كنت في شك فهاك دور الكتب ومكتبات العالم فإنها لا تزال على كثرة ما ضاع واندثر زاخرة بأمواج كالجبال من التفاسير مما لا يمكن أن يحيط به إلا العليم الخبير وإنه ليعييك استقصاء أسمائها فضلا عن استقراء مسمياتها وإنك لتجد فيها فنونا وألوانا وشؤونا مما فتح الله على العلماء في بيان كتابه منها تفاسير بالمأثور وتفاسير بالرأي ومنها تفاسير ظواهر العبارة وتفاسير غوامض الإشارة ومنها تفاسير يغلب عليها صنعة الكلام وأخرى يغلب عليها صنعة البلاغة وثالثة يغلب عليها النحو والإعراب ورابعة يغلب عليها تفاريع الأحكام وخامسة يغلب عليها علوم الكون إلى غير ذلك ومنها تفاسير كل القرآن وتفاسير جزء منه أو سورة أو آية.\nولقد اطلعت وأنا قصير الباع قليل الاطلاع على فهارس تفاسير خاصة بكل مما يأتي وقد يكون مع ذلك تنوع التأليف وتعدد المؤلفين في الشيء الواحد:","vol":"2","page":104},{"text":"منها تفاسير لجزء عم ولجزء تبارك ولسورة الفاتحة ولسورة يوسف ولسورة الرعد ولسورة الكهف ولسورة يس ولسورة الحجرات ولسورة الحديد ولسورة القدر ولسورة الفيل ولسورة التكاثر ولسورة الكوثر ولسورة الإخلاص وحدها ولسورة الإخلاص مع المعوذتين.\nومنها تفاسير للبسملة ولآية الكرسي ولأول سورة الأنبياء ولأول سورة الفتح ولحروف المعجم في فواتح السور ولآية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ ولآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ . ولآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ولآية ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ولآية ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ ولآية ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ولآية ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ولآية ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ولآية ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ولآية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ ولآية ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ولآية ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ولآية ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ ولآية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ ولآية ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ولآية ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ بغير ما قاله المفسرون من قبل وهو تفسير للعلامة الجليل الشيخ يوسف الدجوي وإن تعجب فهناك رسالة في معنى حرف الواو أو وجه ثبوت الواو في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ من أواخر سورة الزمر.\nأرأيت ذلك وأضعاف ذلك إنه قبس من نور القرآن وشعاع من شمس الحقيقة الكبرى وبصيص من تجليات هدايات الله لبعض عباده!.","vol":"2","page":105},{"text":"أما النور كله والهدى كله فذلك سر من أسرار الربوبية وكنز من كنوز الألوهية وشتان ما بين علم الخالق وعلم الخلق وأين كمال السيد من نقص العبد؟!.\nنهاية القول:\nونهاية القول أن هذا فن جديد أيضا من فنون إعجاز القرآن حيث أقام الله كتابه آيات بينات للناس في معارفه ومعانيه كما أقامه آيات بينات لهم في ألفاظه ومبانيه!.\n﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ .\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ اللهم أتمم علينا نعمتك ولا تحرمنا هدايتك واسلكنا بالقرآن في سلك المهديين الهادين وارفعنا به إلى أعلى عليين آمين آمين.\nو﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا﴾، والصلاة والسلام على أشرف الخلق ومبعوث الحق سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>المبحث الثالث عشر: في ترجمة القران وحكمها تفصيلا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>مدخل</span>\n...\nالمبحث الثالث عشر: في ترجمة القرآن وحكمها تفصيلا\nأهمية هذا المبحث.\nنوجه الأذهان في فاتحة هذا المبحث إلى أهميته وخطره من نواح ثلاث:\nأولاها دقته وغموضه إلى حد جعل علماءنا يختلفون فيه قديما وحديثا وجعل مصرنا العزيزة منذ أعوام ميدانا لتطاحن الأفكار والآراء فيه منعا وتجويزا.\nثانيها أن كثيرا من الناس قاموا في زعمهم بنقل القرآن إلى لغات كثيرة وترجمات متعددة بلغت بإحصاء بعض الباحثين مائة وعشرين ترجمة في خمس وثلاثين لغة ما بين شرقية وغربية وتكرر طبع هذه الترجمات حتى إن ترجمة واحدة هي ترجمة جورج سيل الانجليزي طبعت أربعا وثلاثين مرة.\nوأوفر هذه الترجمات وأكثرها طبعا هي الترجمات الانكليزية فالفرنسية فالألمانية فالإيطالية وهناك خمس ترجمات في كل من اللغتين الفارسية والتركية وأربع ترجمات باللغة الصينية وثلاث باللاتينية واثنتان بالأفغانية وواحدة بالجاوية وأخرى بالأوردية.\nومن هؤلاء الذين ترجموه من يحمل للإسلام عداوة ظاهرة ومنهم من يحمل حبا له ولكنه جاهل به وعدو عاقل خير من صديق جاهل.\nثالثتها وقوع أغلاط فاحشة في هذه التي سموها ترجمات وكان وجودها معولا هداما لبناء مجد الإسلام ومحاولة سيئة لزلزلة الوحدة الدينية واللغوية والاجتماعية لأمتنا الإسلامية صانها الله.\nأمام هذه الوقائع القائمة والحقائق الماثلة والمحاولات الخطيرة ما كان ينبغي لنا أن نقف مكتوفي الأيدي مكممي الأفواه كأن الأمر لا يعنينا في قليل ولا كثير على حين أن الذي وضع منهم فكرة هذه الترجمات وتولي كبر هذه المؤامرة رجل من رجال","vol":"2","page":107},{"text":"دينهم ومطران من مطارنتهم يدعى يعقوب بن الصليبي إذ خيل إلى قومه أنه ترجم آيات جمة من القرآن باللسان السرياني في القرن الثاني عشر الميلادي ثم نشرت خلاصتها في هذا القرن سنة ١٩٢٥ خمس وعشرين وتسعمائة وألف ميلادية نقلا عن نسخة مخطوطة بالمتحف البريطاني بلندن مشفوعة بترجمة إنكليزية لها وتابع هذا المطران أحبار ورهبان كانوا أسبق من غيرهم في هذا الميدان.\nوأنت خبير بما يريدون والله أعلم بما يبيتون.\nراجع في ذلك محاضرات الفيكنت دي طرازي١ ثم انظر ما كتبه العلامة أبو عبد الله الزنجاني في كتابه تاريخ القرآن إذ يقول:\nربما كانت أول ترجمة إلى اللغة اللاتينية لغة العلم في أوربا وذلك سنة ١١٤٣ بقلم كنت الذي استعان في عمله ببطرس الطليطلي وعالم ثان عربي فيكون القرآن قد دخل أوربا عن طريق الأندلس وكان الغرض من ترجمته عرضه على دي كلوني بقصد الرد عليه ونجد فيما بعد أن القرآن ترجم ونشر باللاتينية ١٥٠٩ ولكن لم يسمح للقراء أن يقتنوه ويتداولوه لأن طبعته لم تكن مصحوبة بالردود وفي عام ١٥٩٤ أصدر هنكلمان ترجمته وجاءت على الأثر ١٥٩٨ طبعة مراتشي مصحوبة بالردود انتهى ما أردنا نقله أفلا ترى معي أنه يجب علينا بإزاء ذلك أن ندلي برأي سديد في هذا الأمر الجلل لنعلم ما يراد بنا وبقرآننا ولننظر إلى أي طريق نحن مسوقون عسى أن يدفعنا هذا التحري والتثبت إلىاتخاذ إجراء حازم نتصف فيه للحق من الباطل ونؤدي به رسالتنا في نشر هداية الإسلام والقرآن على بصيرة ونور.\nثم ألا ترى معي أنه يجب علينا بإزاء ذلك أيضا أن نتجرد في هذا البحث عن العصبية\n_________\n١ هي محاضرات ظفرت بها عليننا في نسخة مخطوطة تحت عنوان \"القرآن: محاضرات علمية تاريخية\" ألقاها سنة ١٩٤١م الفيكنت فليب طرازي مؤسس دار الكتب في بيروت. والعضو في عدة مجامع علمية شرقية وغربية.","vol":"2","page":108},{"text":"والغايات الشخصية فنمسه مسا رفيقا هادئا وندرسه دراسة واسعة منظمة ونلتزم فيه أدب البحث وإنصاف الباحث ونجعل الله وحده غايتنا فيما نحاول ونعالج؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\nولنبدأ الكلام ببيان معنى الترجمة لغة وعرفا ثم بتقسيمها إلى حرفية وتفسيرية ثم ببيان الفرق بين الترجمة والتفسير فإن تحديد معاني الألفاظ وتحقيق المراد منها مجهود مهم ومفيد لا سيما ما كان من الأبحاث الخلافية كهذا البحث الذي نعانيه فلقد هدانا الاستقراء إلى أن تحديد معاني الأمور الخلافية أو تحرير محل النزاع بعبارة فنية أزهرية كثيرا ما قرب بين وجهات النظر المختلفة وطالما أظهر أن خلاف المختلفين كان لفظيا لا حقيقيا لأن النفي والإثبات بينهم لم يتواردا على أمر واحد بل إن ما أثبته بعضهم لم يخالف أحد في إثباته بالمعنى الذي أراده وما نفاه البعض الآخر لم يخالف أحد في نفيه بالمعنى الذي أراده كذلك ورجع الأمر أخيرا إلى مجرد اختلاف في العبارات لاختلاف في الاعتبارات ولو أنهم اتفقوا بادئ ذي بدء على هذه الاعتبارات لما اختلفت العبارات ولما حدث خلاف ألبتة.\nإذن فإننا نستميح قارئنا الكريم عذرا إذا أطنبنا في توضيح المعنى المراد الذي يدور عليه الكلام في هذا الموضوع وإذا استطردنا ببيان ما اشتبه به وكان سببا في النزاع فنذكر أن لفظ ترجمة يطلق على معان متعددة بعضها لغوي وبعضها عرفي عام.\nالترجمة في اللغة:\nوضعت كلمة ترجمة في اللغة العربية لتدل على أحد معان أربعة:\nأولها تبليغ الكلام لمن لم يبلغه ومنه قول الشاعر:\nإن الثمانين - وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان\nثانيها تفسير الكلام بلغته التي جاء بها ومنه قيل في ابن عباس إنه ترجمان القرآن ولعل الزمخشري في كتابه أساس البلاغة يقصد هذا المعنى إذ يقول: كل ما ترجم","vol":"2","page":109},{"text":"عن حال شيء فهو تفسرته.\nثالثها تفسير الكلام بلغة غير لغته وجاء في لسان العرب وفي القاموس أن الترجمان هو المفسر للكلام وقال شارح القاموس ما نصه وقد ترجمه وترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر قاله الجوهري اهـ.\nوجاء في تفسير ابن كثير والبغوي أن كلمة ترجمة تستعمل في لغة العرب بمعنى التبيين مطلقا سواء اتحدت اللغة أم اختلفت.\nرابعها نقل الكلام من لغة إلى أخرى قال في لسان العرب الترجمان بالضم والفتح١ هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى أخرى والجمع تراجم٢ اهـ وشارح القاموس بعد أن أورد المعنى السابق في ترجمه وترجم عنه قال وقيل نقله من لغة إلى أخرى اهـ.\nولكون هذه المعاني الأربعة فيها بيان جاز على سبيل التوسع إطلاق الترجمة على كل ما فيه بيان مما عدا هذه الأربعة فقيل ترجم لهذا الباب بكذا أي عنون له وترجم لفلان أي بين تاريخه وترجم حياته أي بين ما كان فيها وترجمة هذا الباب كذا أي بيان المقصود منه وهلم جرا.\nالترجمة في العرف:\nنريد بالعرف هنا عرف التخاطب العام لا عرف طائفة خاصة ولا أمة معينة جاء هذا العرف الذي تواضع عليه الناس جميعا فخص الترجمة بالمعنى الرابع اللغوي في إطلاقات اللغة السابقة وهو نقل الكلام من لغة إلى أخرى ومعنى نقل الكلام من لغة إلى أخرى التعبير عن معناه بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده كأنك نقلت الكلام نفسه من لغته الأولى إلى اللغة الثانية.\n_________\n١ عبارة القاموس تدل على أنه يضبط بضم التاء والجيم وبفتحهما، وبفتح التاء وضم الجيم.\n٢ وهذا خلاف ماذاع على الألسنة من استعمال تراجم جمعا لترجمة. فاحفظ ذلك.","vol":"2","page":110},{"text":"وهذا هو السر في تعبيرهم بنقل الكلام مع العلم بأن الكلام نفسه لا ينقل من لغته بحال\nويمكننا أن نعرف الترجمة في هذا العرف العام بعبارة مبسوطة فنقول هي التعبير من معنى كلام في لغة بكلام آخر في لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده فكلمة التعبير جنس وما بعده من القيود فصل وقولنا عن معنى كلام يخرج به التعبير عن المعنى القائم بالنفس حين يخرج في صورة اللفظ أول مرة وقولنا بكلام آخر يخرج به التعبير عن المعنى بالكلام الأول نفسه ولو تكرر ألف مرة.\nوقولنا من لغة أخرى يخرج به التفسير بلغة الأصل ويخرج به أيضا التعبير بمرادف مكان مرادفة أو بكلام بدل آخر مساو له على وجه لا تفسير فيه واللغة واحدة في الجميع.\nقولنا مع الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده يخرج به تفسير الكلام بلغة غير لغته فإن التفسير لا يشترط فيه الوفاء بكل معاني الأصل المفسر ومقاصده بل يكفي فيه البيان ولو من وجه وسنوافيك قريبا بتفصيل ذلك.\nتفسير الترجمة:\nوتنقسم الترجمة بهذا المعنى العرفي إلى قسمين حرفية وتفسيرية فالترجمة الحرفية هي التي تراعى فيها محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه فهي تشبه وضع المرادف مكان مرادفه وبعض الناس يسمي هذه الترجمة لفظية وبعضهم يسميها مساوية.\nوالترجمة التفسيرية هي التي لا تراعى فيها تلك المحاكاة أي محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه بل المهم فيها حسن تصوير المعاني والأغراض كاملة ولهذا تسمى أيضا بالترجمة المعنوية وسميت تفسيرية لأن حسن تصوير المعاني والأغراض فيها جعلها تشبه التفسير وما هي بتفسير كما يتبين لك بعد.\nفالمترجم ترجمة حرفية يقصد إلى كل كلمة في الأصل فيفهمها ثم يستبدل بها كلمة تساويها في اللغة الأخرى مع وضعها موضعها وإحلالها محلها وإن أدى ذلك إلى خفاء المعنى المراد","vol":"2","page":111},{"text":"من الأصل بسبب اختلاف اللغتين في مواقع استعمال الكلام في المعاني المرادة إلفا واستحسانا.\nأما المترجم ترجمة تفسيرية فإنه يعمد إلى المعنى الذي يدل عليه تركيب الأصل فيفهمه ثم يصبه في قالب يؤديه من اللغة الأخرى موافقا لمراد صاحب الأصل من غير أن يكلف نفسه عناء الوقوف عند كل مفرد ولا استبدال غيره به في موضعه.\nولنضرب مثالا للترجمة بنوعيها على فرض إمكانها في آية من الكتاب الكريم قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فإنك إذا أردت ترجمتها ترجمة حرفية أتيت بكلام من لغة الترجمة يدل على النهي عن ربط اليد في العنق وعن مدها غاية المد مع رعاية ترتيب الأصل ونظامه بأن تأتي بأداة النهي أولا يليها الفعل المنهي عنه متصلا بمفعوله ومضمرا فيه فاعله وهكذا ولكن هذا التعبير الجديد قد يخرج في أسلوب غير معروف ولا مألوف في تفهيم المترجم لهم ما يرمي إليه الأصل من النهي عن التقتير والتبذير بل قد يستنكر المترجم لهم هذا الوضع الذي صيغ به هذا النهي ويقولون ما باله ينهى عن ربط اليد بالعنق وعن مدها غاية المد وقد يلصقون هذا العيب بالأصل ظلما وما العيب إلا فيما يزعمونه ترجمة للقرآن من هذا النوع.\nأما إذا أردت ترجمة هذا النظم الكريم ترجمة تفسيرية فإنك بعد أن تفهم المراد وهو النهي عن التقتير والتبذير في أبشع صورة منفرة منها تعمد إلى هذه الترجمة فتأتي منها بعبارة تدل على هذا النهي المراد في أسلوب يترك في نفس المترجم لهم أكبر الأثر في استبشاع التقتير والتبذير ولا عليك من عدم رعاية الأصل في نظمه وترتيبه اللفظي.\nوإنما قلنا عند عرض هذا المثال على فرض إمكانها لما ستعرفه بعد من استحالة الترجمة بهذا المعنى العرفي في القرآن الكريم والمثال لا يشترط صحته كما هو معلوم.","vol":"2","page":112},{"text":"ما لا بد منه في الترجمة مطلقا:\nلا بد لتحقيق معنى الترجمة مطلقا حرفية كانت أو تفسيرية من أمور أربعة:\nأولها معرفة المترجم لأوضاع اللغتين لغة الأصل ولغة الترجمة!.\nثانيها معرفته لأساليبهما وخصائصهما.\nثالثها وفاء الترجمة بجميع معاني الأصل ومقاصده على وجه مطمئن.\nرابعها أن تكون صيغة الترجمة مستقلة عن الأصل بحيث يمكن أن يستغني بها عنه أن تحل محله كأنه لا أصل هناك ولا فرع وسيأتي بيان ذلك في الفروق بين الترجمة والتفسير.\nما لا بد منه في الترجمة الحرفية:\nثم إن الترجمة الحرفية تتوقف بعد هذه الأربعة على أمرين آخرين:\nأحدهما وجود مفردات في لغة الترجمة مساوية للمفردات التي تألف منها الأصل: حتى يمكن أن يحل كل مفرد من الترجمة محل نظيره من الأصل كما هو ملحوظ في معنى الترجمة الحرفية.\nثانيهما تشابه اللغتين في الضمائر المستترة والروابط التي تربط المفردات لتأليف التراكيب سواء في هذا التشابه ذوات الروابط وأمكنتها وإنما اشترطنا هذا التشابه لأن محاكاة هذه الترجمة لأصلها في ترتيبه تقتضيه ثم إن هذين الشرطين عسيران وثانيهما أعسر من الأول فهيهات أن تجد في لغة الترجمة مفردات مساوية لجميع مفردات الأصل ثم هيهات هيهات أن تظفر بالتشابه بين اللغتين المنقول منها والمنقول إليها في الضمائر المستترة وفي دوام الروابط بين المفردات لتأليف المركبات","vol":"2","page":113},{"text":"ومن أجل هذه العزة والندرة قال بعضهم إن الترجمة الحرفية مستحيلة وقال آخرون إنها ممكنة في بعض الكلام دون بعض ولقد علمت أنها بعد هذه الصعوبات يكتنفها الغموض وخفاء المعنى المقصود كما مر في المثال السابق أما الترجمة التفسيرية فميسورة فيما لا يعجز عنه البشر والمعاني المرادة من الأصل واضحة فيها غالبا ولهذا اعتمدوا عليها في الترجمات الزمنية وفضلها التراجم والمشتغلون بالترجمات على قسيمتها الترجمة الحرفية.\nفروق بين الترجمة والتفسير:\nومهما تكن الترجمة حرفية أو تفسيرية فإنها غير التفسير مطلقا سواء أكان تفسيرا بلغة الأصل أم تفسيرا بغير لغة الأصل وقد أشرنا إلى ذلك إجمالا في شرح تعريف الترجمة آنفا ولكن كثيرا من الكاتبين اشتبه عليهم الأمر فحسبوا أن الترجمة التفسيرية هي التفسير بغير لغة الأصل أو هي ترجمة تفسير الأصل.\nثم رتبوا على ذلك أن خلعوا حكمها على ترجمة الأصل نفسه وكان لهذا اللبس والاشتباه مدخل في النزاع والخلاف لهذا نستبيح لأنفسنا أن نقف هنا وقفة طويلة نرسم فيها فروقا أربعة لا فرقا واحدا بين هذين المشتبهين في نظرهم.\nالفارق الأول أن صيغة الترجمة صيغة استقلالية يراعى فيها الاستغناء بها عن أصلها وحلولها محله ولا كذلك التفسير فإنه قائم أبدا على الارتباط بأصله بأن يؤتى مثلا بالمفرد أو المركب ثم يشرح هذا المفرد أو المركب شرحا متصلا به اتصالا يشبه اتصال المبتدأ بخبره إن لم يكن إياه ثم ينتقل إلى جزء آخر مفرد أو جمله وهكذا من بداية التفسير إلى نهايته بحيث لا يمكن تجريد التفسير وقطع","vol":"2","page":114},{"text":"وشائج اتصاله بأصله مطلقا ولو جرد لتفكك الكلام وصار لغوا أو أشبه باللغو فلا يؤدي معنى سليما فضلا عن أن يحل في جملته وتفصيله محل أصله.\nالفارق الثاني أن الترجمة لا يجوز فيها الاستطراد أما التفسير فيجوز بل قد يجب فيه الاستطراد وذلك لأن الترجمة مفروض فيها أنها صورة مطابقة لأصلها حاكية له فمن الأمانة أن تساويه بدقة من زيادة ولا نقص حتى لو كان في الأصل خطأ لوجب أن يكون الخطأ عينه في الترجمة بخلاف التفسير فإن المفروض فيه أنه بيان لأصله وتوضيح له وقد يقتضي هذا البيان والإيضاح أن يذهب المفسر مذاهب شتى في الاستطراد توجيها لشرحه أو تنويرا لمن يفسر لهم على مقدار حاجتهم إلى استطراده ويظهر ذلك في شرح الألفاظ اللغوية خصوصا إذا أريد بها غير ما وضعت له وفي المواضع التي يتوقف فهمها أو الاقتناع بها على ذكر مصطلحات أو سوق أدلة أو بيان حكمة.\nوهذا هو السر في أن أكثر تفاسير القرآن الكريم تشتمل على استطرادات متنوعة في علوم اللغة وفي العقائد وفي الفقه وأصوله وفي أسباب النزول وفي الناسخ والمنسوخ وفي العلوم الكونية والاجتماعية وغير ذلك.\nومن ألوان هذا الاستطراد تنبيهه على خطأ الأصل إذا أخطأ كما نلاحظ ذلك في شروح الكتب العلمية ويستحيل أن تجد مثل هذا في الترجمة وإلا كان خروجا عن واجب الأمانة والدقة فيها.\nالفارق الثالث أن الترجمة تتضمن عرفا دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده ولا كذلك التفسير فإنه قائم على كمال الإيضاح كما قلنا سواء أكان هذا الإيضاح بطريق إجمالي أو تفصيلي متناولا كافة المعاني والمقاصد أو مقتصرا على بعضها دون بعض طوعا للظروف التي يخضع لها المفسر ومن يفسر لهم.","vol":"2","page":115},{"text":"والدليل على هذا الفارق هو حكم العرف العام الذي نتحدث الآن بلسانه وإليك مثلا من أمثاله.\nرجل عثر في مخلفات أبيه على صحيفتين مخطوطتين بلغة أجنبية وهو غير عالم بهذا اللسان الأجنبي فدفعهما إلى خبير باللغات يستفسره عنهما وإذا الخبير يجيبه قائلا إن الصحيفة الأولى خطاب تافه من معوز أجنبي يستجدي أباك فيه ويستعينه أما الثانية فوثيقة بدين كبير لأبيك على أجنبي هناك مزق الرجل خطاب الاستجداء ولم يحفل به أما الوثيقة فاعتد بها وطلب من هذا المتمكن في اللغات أن يترجمها له ليقاضي المدين أمام محكمة لغتها لغة الترجمة.\nأليس معنى هذا أن التفسير لم يكفه بدليل أنه طلب الترجمة من المترجم علما بأنها هي التي تفي بكل ما تضمنته تلك الوثيقة وبكل ما يقصد منها فلا تضعف له بها حجة ولا يضيع عليه حق؟.\nثم ألست ترى في هذا المثال أيضا أن العرف يحكم بأن التفسير لا يشترط أن يعرض لجميع التفاصيل بل يكفي فيه بيان المضمون على حين أنه يرى الترجمة صورة مطابقة لأصلها وافية بكافة معانيه ومقاصده؟.\nالفارق الرابع أن الترجمة تتضمن عرفا دعوى الاطمئنان إلى أن جميع المعاني والمقاصد التي نقلها المترجم هي مدلول كلام الأصل وأنها مرادة لصاحب الأصل منه ولا كذلك التفسير بل المفسر تارة يدعي الاطمئنان وذلك إذا توافرت لديه أدلته وتارة لا يدعيه وذلك عندما نعوزه تلك الأدلة ثم هو طورا يصرح بالاحتمال ويذكر وجوها محتملة مرجحا بعضها على بعض وطورا يسكت عن التصريح أو عن الترجيح وقد يبلغ به الأمر أن يعلن عجزه عن فهم كلمة أو جملة ويقول رب الكلام أعلم بمراده على نحو ما نحفظه لكثير من المفسرين إذا عرضوا لمتشابهات القرآن ولفواتح السور المعروفة.","vol":"2","page":116},{"text":"ودليلنا على أن الترجمة تتضمن دعوى الاطمئنان إلى ما حوت معان ومقاصد هو شهادة العرف العام أيضا بذلك وجريان عمل الناس جميعا في الترجمات على هذا الاعتبار فهم يحلونها محل أصولها إذا شاؤوا ويستغنون بها عن تلك الأصول بل قد ينسون هذه الأصول جملة ويغيب عنهم أن الترجمات ترجمات فيحذفون لفظ ترجمة من الاسم ويطلقون عليها اسم الأصل نفسه كأنما الترجمة أصل أو كأنه لا أصل هناك ولا فرع.\nوإن كنت في ريب فاسأل ما بين أيدينا من ترجمات عربية لطائفة من كتبهم التي يقدسونها ويطلقون على بعضها اسم توراة وعلى بعضها اسم إنجيل وما هما بالتوارة ولا بالإنجيل إنما هما ترجمتان عربيتان لأصلين عبريين١ باعترافهم ولكنهم أسقطوا وأسقط العرف العام معهم لفظ ترجمة من العنوانين الاثنين وما ذاك إلا لما وقر في النفوس من أن الترجمة صورة مطابقة للأصل مطمئنة إلى أنها تؤدي جميع مؤداه لا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية وقل مثل ذلك فيما نعرفه من ترجمات للقوانين والوثائق الدولية والشخصية ومن ترجمات للكتب العلمية والفنية والأدبية وهي كثيرة غنية عن التنويه والتمثيل.\nيقال كل هذا في الترجمات ولا يمكن أن يقال مثله في التفسير فإننا ما سمعنا ولا سمع الدهر أن كلمة تفسير أسقطت من عنوان كتاب من كتبه بل المعروف عكس ذلك فكثيرا ما يسقط في الاستعمال اسم الأصل المفسر على حين أن لفظ التفسير لا يسقط بحال ويدل على هذا تلك الإطلاقات الشائعة تفسير البيضاوي تفسير النسفي تفسير الجلالين وما أشبهها من تفسيرات القرآن الكريم ألم يكن بهذا سندا على\n_________\n١ صوبه: غير عربيين وذلك لأن إنجيل مرقس ولوقا ويوحنا أصلها يوناني، أما إنجيل متى فأصله عبري.","vol":"2","page":117},{"text":"أن التفسير مراعى فيه أنه بيان لا يمكن أن يقوم مقام المبين ولا أن يدعى فيه الاطمئنان إلى أنه واف بجميع أغراضه ومعانيه.\nالترجمة والتفسير الإجمالي بغير لغة الأصل:\nبيد أن هنا دقيقة نرشدك إليها هي أن التفسير بغير لغة الأصل يشبه الترجمة التفسيرية شبها قريبا إذا كان هذا التفسير إجماليا قائما على اختيار معنى واحد من المعاني المحتملة ولعل هذا التشابه هو الذي أوقع بعضهم في الاشتباه ودعوى الاتحاد بين الترجمة التفسيرية وترجمة التفسير أو التفسير بغير لغة الأصل ولكن النظر الصحيح لا يزال يقضي بوجود الفوارق الأربعة السابقة بين هذين النوعين أيضا فالمفسر يقتضيه واجب البيان ألا يسوق المعنى الإجمالي المختار من بين عدة معان محتملة حتى يوجه هذا الاختيار وهذا التوجيه محقق للاستطراد الزائد على مدلول الأصل ثم إن صنيعه هذا سيشعر القارئ أن للأصل معاني أخرى قد يكون هذا الذي اختير من بينها غير سديد وقد يتوقف المفسر جملة ويعلن عجزه إذا ما أشكل عليه المعنى ورأى أن يلوذ بالصمت هذا محقق لعدم الوفاء بجميع معاني الأصل ولعدم الاطمئنان الذي نوهنا به ثم إن صيغة هذا التفسير لا بد من أن ترتبط بالأصل ولو بالإشارة والتلويح فيقال معنى هذه الآية أو الجملة هو كذا أو يقال معنى الآية المرقومة برقم كذا من سورة كذا هو كذا وكذا وذلك محقق لعدم استقلال الصيغة بخلاف الترجمة في ذلك كله.\nفإن افترضت أن هذا المفسر سيترك وجه الاختيار وسيقطع الصلة قطعا بين التفسير وأصله أجبناك بأن هذا التصرف في الحقيقة لا تفسير ولا ترجمة بل هو ذبذبة خرج بها الكلام عما يجب في التفسير وفي الترجمة جميعا لأنه لم يشرح ولم يبين حتى يكون مفسرا كما يجب ولم يصور معاني الأصل ومقاصده كلها حتى يكون مترجما كما يجب فإن أدى ذلك إلى الناس بعنوان أنه ترجمة للأصل فإما أن يكون صادرا في هذا الأداء عن قصور أو عن تقصير فإن كان عن قصور فهو العجز والجهالة وإن كان عن تقصير فهو تضليل","vol":"2","page":118},{"text":"للناس وإيهام لهم أن ما أتاه ترجمة وما هو بترجمة وتلك خيانة لهم ولما زعم ترجمته والله لا يهدي كيد الخائنين.\nتنبيهان مفيدان:\nأولهما أنه لا فرق بين الترجمة الحرفية والتفسيرية من حيث الحقيقة فكلتاهما تعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده وما الفرق بينهما إلا شكلي وهو أن يحل كل مفرد في الترجمة الحرفية محل مقابله من الأصل بخلاف التفسيرية كما بينا فلا تظن بعد هذا أن كلمة ترجمة تنصرف إلى الحرفية أكثر مما تنصرف إلى التفسيرية كما يظن بعض الناس بل التفسيرية أثبت قدما وأعرق وجودا وأقرب إلى الأذهان عند الإطلاق لأنها هي الميسورة وهي الواضحة وهي التي يتداولها المترجمون والقراء جميعا أما الحرفية فإنها تكاد تكون نظرية بحتة وذلك من تعسرها أو تعذرها ومن غموضها وخفائها أحيانا ومن ندرة إقبال التراجم والقراء عليها كما سبق.\nثانيهما أن تفسير الأصل بلغته يساوي تفسيره بغير لغته فيما عدا القشرة اللفظية ألا ترى أنك إذا قرأت درس تفسير للخاصة كاشفا فيه عن معان معينة باللغة العربية ثم قرأت هذا الدرس عينه للعامة كاشفا عن هذه المعاني نفسها ولكن بلغة المخاطبين العامية فهل تشك في مساواة هذا التفسير لذلك في بيان المعاني المعينة التي فهمتها من الأصل وهل تجد بينهما خلافا إلا في لغة التعبير وقشرة اللفظ؟.\nإذا لاحظنا ذلك أمنا الاشتباه من هذه الناحية وأمكن أن نستغني في بحثنا هذا بذكر المساوي عن ذكر مساويه ثقة بأن ما يقال في أحدهما يقال مثله في الآخر فتنبه إلى ذلك دائما وبالله توفيقي وتوفيقك.","vol":"2","page":119},{"text":"الترجمة ليست تعريفا منطقيا:\nأوجس بعض الباحثين خيفة من أن يظن أحد أن الترجمة من قبيل التعريف اللفظي ولكنا إذا أمعنا النظر رأينا أن الترجمة بالمعنى العرفي الذي قررناه لا يمكن أن تكون تعريفا لفظيا ولا حقيقيا وذلك من وجهين.\nأحدهما أن التعاريف كلها من قبيل التصورات أما الترجمة فكلام تام وقضايا كاملة وهي بلا شك من قبيل التصديقات.\nثانيهما أن صيغة التعريف مرتبطة دائما بالمعرف لأنها قول شارح له والشرح والبيان مرتبط في صيغته بالمشروح والمبين أما الترجمة فقد فرغنا من أن صيغتها مستقلة عن الأصل المترجم لأن الغرض منها أن تقوم به بدلا منه وأن يستغني بها عنه فلا معنى لأن يجتمع فيها البدل والمبدل منه.\nنعم إن تفسير المفرد بلغة غير لغته يكون من قبيل التعريف الحقيقي إن أفاد حصول صورته في ذهن المفسر له ويكون من قبيل التعريف اللفظي إن أفاد حضور صورته الحاصلة من قبل على نمط قولهم في تعريف الإنسان لمن لا يعرف حقيقته الإنسان حيوان ناطق وقولهم في تعريف البشر لمن يعرف حقيقة الإنسان ولا يعرف دلالة لفظ البشر عليه البشر هو الإنسان ولكننا لسنا هنا بصدد المفردات وتفسيرها فبحثنا في الترجمة لا في التفسير وفي الكلام المفيد لا الكلمات المفردة.","vol":"2","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>القرآن ومعانيه ومقاصده</span>\nالآن وقد انتهينا من الكلام على أول المتضايفين في لفظ ترجمة القرآن نقف معك وقفة أخرى بجانب ثاني هذين المتضايفين وهو القرآن نفسه لنستبين المراد به هنا ولنعرف أنواع معانيه ومقاصده تمهيدا للحكم الصحيح عليه بأنه تمكن ترجمته أو لا تمكن","vol":"2","page":120},{"text":"المراد بالقرآن هنا:\nولقد سبقت كلمتنا في بيان مدلول القرآن وعرض الآراء والمذاهب فيه عرضا واسعا بالمبحث الأول في الجزء الأول من هذا الكتاب فارجع إليه إن شئت.\nبيد أنا نلفت نظرك إلى أن المراد هنا في مبحث الترجمة هو اللفظ المعجز لا الصفة القديمة صفة الكلام ولا الكلمات النفسية الحكمية ولا النقوش المكتوبة على ما قررناه ثمة وإنما كان المراد بالقرآن خصوص اللفظ المعجز لأن الترجمة أضيفت إليه وبدهي أن الترجمة لا تتناول إلا ما كان لفظا حقيقيا مصورا بصورة الحرف والأصوات ولا تتناول الصفة القديمة ولا الكلمات الحكمية الغيبية ولا النقوش المكتوبة اللهم إلا بضرب من التأويل.\nمعاني القرآن نوعان:\nوبما أن الترجمة ملحوظ فيها الإحاطة بمعاني الأصل كلها نحيطك علما بأن القرآن الكريم بل أي كلام بليغ لا بد أن يحتوي ضربين من المعاني هما المعاني الأولية والمعاني الثانوية أو المعاني الأصلية والمعاني التابعة فالمعنى الأولي لأي كلام بليغ هو ما يستفاد من هذا الكلام ومن أي صيغة تؤديه سواه ولو بلغة أخرى كمجرد إسناد محكوم به إلى محكوم عليه وسمي معنى أوليا لأنه أول ما يفهم من اللفظ وسمي أصليا لأنه ثابت ثبات الأصول لا يختلف باختلاف المتكلمين ولا المخاطبين ولا لغات التخاطب بل هو مما يستوي فيه العربي والعجمي والحضري والبدوي والذكي والغبي.\nأما المعنى الثانوي فهو ما يستفاد من الكلام زائدا على معناه الأولي وسمي ثانويا لأنه متأخر في فهمه عن ذلك وسمي تابعا لأنه أشبه بقيد فيه والقيد تابع للمقيد","vol":"2","page":121},{"text":"أو لأنه يتغير بتغير التوابع فيختلف باختلاف أحوال المخاطبين وبإختلاف مقدرة المتكلمين وباختلاف الألسنة واللغات عكس ما تقدم ولنضرب لك أمثالا توضح دقائق هذين النوعين.\nإذا أردت أن تخبر عن حاتم بالجود قلت جاد حاتم إن كنت تخاطب خالي الذهن من هذا الخبر وقلت حاتم جواد إذا كنت تخاطب شاكا مترددا فيه وقلت إن حاتما جواد إذا كنت تخاطب منكرا غير مسرف في إنكاره وقلت والله إن حاتما لجواد إذا كان مخاطبك مسرفا في الإنكار وقلت حاتم سخي جواد كريم معطاء إذا كان المقام مقام مدح وقلت ما جواد إلا حاتم إذا كان مخاطبك يعتقد العكس وأن غير حاتم هو الجواد وقلت حاتم ممدود السماط أو كان في بني طيء بحر كثير الفيضان إذا كان على شيء من الذكاء وقلت حاتم مهزول الفصيل أو غمر حاتم بإنعامه الأنام إذا كان مخاطبك على جانب عظيم من الذكاء.\nفأنت ترى أن هذه الأمثلة كلها دارت على معنى واحد إستوت جميعها في أدائه هو نسبة الجود إلى حاتم فذلك هو المعنى الأولي أو الأصلي ثم أنت ترى بعد ذلك أن المعنى الأولي زيدت وعليه خصوصيات مختلفة ومزايا متغايرة هذه الأمثلة ففي المثال الأول تجرد من مؤكدات الحكم لأن المخاطب خالي الذهن وفي الثاني تأكيد باسمية الجملة استحسانا لأن المخاطب شاك وفي الثالث تأكيد بمؤكدين اسمية الجملة وإن لأن المخاطب منكر إنكارا يقتضيهما وفي الرابع تأكيد بمؤكدات أربعة اسمية الجملة وإن واللام والقسم لأن المخاطب مسرف في الإنكار وفي الخامس إطناب لأن المقام للمدح وهو يقتضي الإطناب وفي السادس قصر للجود على حاتم لأن المخاطب يعتقد العكس فقصرت انت قصر قلب لتعكس مراده عليه وفي السابع تجوز في التعبير بكناية قريبة واستعارة تصريحية لأن المخاطب على شيء من الذكاء وفي الثامن تجوز في التعبير بكناية بعيدة واستعارة مكنية لأن المخاطب على جانب عظيم من الذكاء بحيث تكفيه الإشارة الخفية واللمحة القصية.","vol":"2","page":122},{"text":"ثم إن هذه النكات البلاغية والاعتبارات الزائدة يختص بها اللسان العربي كما أن لكل لغة خصائصها.\nوهذه الاعتبارات مع فصاحة المفردات هي مناط بلاغة الكلام والمتكلم وعلوم البلاغة على سعتها ووفرة مباحثها وحسن بلاء الباحثين فيها لا تكفي وحدها لتصل بدارسها إلى مصاف البلغاء وذوي اللسن والبيان بل غايتها أن يعرف بها أن هذه الحال تقتضي هذا الاعتبار وأن تلك الحال تقتضي ذلك الاعتبار وهكذا أما التطبيق والقدرة على الصياغة البلاغية فشأو بعيد يتوقف على أمور كثيرة منها الإلمام بظروف الكلام وأحوال المخاطبين ومنها الإحاطة بدرجة تلك الأحوال قوة وضعفا ومنها الإتيان بالخصوصيات المناسبة لهذه الأحوال والمقامات ومنها الذوق البلاغي أو الحاسة البيانية التي تكتسب بممارسة كلام البلغاء وأساليبهم وترويض النفس على محاكاتهم وتقليدهم وإلا فكم رأينا من مهرة في علوم اللسان لا يحسنون صناعة الكلام ولا يستطيعون حيلة إلى أقل درجات البيان فضلا عن أن يبرزوا في هذا الميدان.\nوالكلام البليغ يتفاوت تفاوتا بعيد المدى تبعا لدرجة توافر هذه الأمور فيه كلا أو بعضا ولم تعرف الدنيا ولن تعرف كلاما بلغ الطرف الأعلى والنهاية العظمى في الإحاطة بكل الخواص البلاغية سوى القرآن الكريم الذي انقطعت دونه أعناق الفحول من البلغاء في حلبته أنفاس الموهوبين من الفصحاء حتى شهدوا على أنفسهم بالعجز حين شاهدوا روائع الإعجاز ورأوا أن كلامهم وإن علا فهو طبعة الخلق أما القرآن فهو طبعة الخلاق!.\n﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾","vol":"2","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>مقاصد القرآن الكريم</span>\nبما أن الترجمة عرفا لا بد أن تتناول مقاصد الأصل جميعا فإنا نقفك على أن تعالى","vol":"2","page":123},{"text":"في إنزال كتابه العزيز ثلاثة مقاصد رئيسية أن يكون هداية للثقلين وأن يقوم آية لتأييد النبي ﷺ وأن يتعبد الله خلقه بتلاوة هذا الطراز الأعلى من كلامه المقدس.\nهداية القرآن:\nوهداية القرآن تمتاز بأنها عامة وتامة وواضحة.\nأما عمومها فلأنها تنتظم الإنس والجن في كل عصر ومصر وفي كل زمان ومكان قال الله سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقال جلت حكمته: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وقال عز اسمه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقال عمت رحمته: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .\nوأما تمام هذه الهداية فلأنها احتوت أرقى وأوفى ما عرفت البشرية وعرف التاريخ من هدايات الله والناس وانتظمت كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها وجمعت بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة ونظمت علاقة الإنسان بربه وبالكون الذين يعيش فيه ووفقت بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والجسد اقرأ إن شئت قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ","vol":"2","page":124},{"text":"وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وقال ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقال تعالت حكمته: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى غير ذلك من آيات كثيرة.\nوأما وضوح هذه الهداية فلعرضها عرضا رائعا مؤثرا توافرت فيه كل وسائل الإيضاح وعوامل الإقناع أسلوب فذ معجز في بلاغته وبيانه واستدلال بسيط عميق يستمد بساطته وعمقه من كتاب الكون الناطق وأمثال خلابة تخرج أدق المعقولات في صورة أجلى الملموسات وحكم بالغات تبهر الألباب بمحاسن الإسلام وجلال التشريع وقصص حكيم مختار يقوي الإيمان واليقين ويهذب النفوس والغرائز ويصقل الأفكار والعواطف ويدفع الإنسان دفعا إلى التضحية والنهضة ويصور له مستقبل الأبرار والفجار تصويرا يجعله كأنه حاضر تراه الأبصار في رابعة النهار والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن يخرجنا استعراضها عما نحن بسبيله الآن.\nوالمهم أن نعلم في هذا المقام أن الهدايات القرآنية الكريمة منها ما استفيد من معاني القرآن الأصلية ومنها ما استفيد من معانيه التابعة أما القسم الأول فواضح لا يحتاج إلى تمثيل وهو موضع اتفاق بين الجميع وأما القسم الثاني ففيه دقة جعلت بعض الباحثين يجادل فيه وإنا نوضحه لك بأمثلة نستمدها من فاتحة الكتاب العزيز:\nمنها استفادة أدب الابتداء بالبسملة في كل أمر ذي بال أخذا من ابتداء الله كتابه بها ومن افتتاحه كل سورة من سورة بها عدا سورة التوبة.","vol":"2","page":125},{"text":"ومنها: استفادة أن الاستعانة في أي شيء لا تستمد إلا من اسم الله وحده أخذا من إضافة الاسم إلى لفظ الجلالة موصوفا بالرحمن الرحيم ومن القصر المفهوم من البسملة على تقدير عامل الجار والمجرور متأخرا ومن تقدير هذا العامل عاما لا خاصا.\nومنها: استفادة الاستدلال على أن الحمد مستحق لله بأمور ثلاثة تربيته تعالى للعوالم كلها ورحمته الواسعة التي ظهرت آثارها وتأصل اتصافه تعالى بها وتصرفه وحده بالجزاء العادل في يوم الجزاء وذلك أخذا من جريان هذه الأوصاف على اسم الجلالة في مقام حمد بقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾\nومنها: استفادة التوحيد بنوعيه توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية من القصر الماثل في قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .\nومنها: استفادة دليل هذا التوحيد من الآيات السابقة عليه ووقوعه هو في سياقها عقيبها كما تقع النتيجة عقب مقدماتها.\nومنها استفادة أن الهداية إلى الصراط المستقيم هي المطمع الأسمى الذي يجب أن يرمي إليه الناس ويتنافس فيه المتنافسون يدل على ذلك اختيارها والاقتصار على طلبها والدعاء بها ثم انتهاء سورة الفاتحة بها كما تنتهي البدايات بمقاصدها.\nومنها: استفادة أن الهداية لا يرجى فيها إلا الله وحده لأنها انتظمت مع آيات التوحيد قبلها في سمط واحد.\nومنها: استفادة أدب من الآداب هو أن يقدم الداعي ثناء الله على دعائه استنتاجا من ترتيب هذه الآيات الكريمة حيث تقدم فيها ما يتصل بحمد الله وتمجيده وتوحيده على ما يتصل بدعائه واستهدائه.\nهذه أمثلة اقتبسناها من سورة الفاتحة ونحن لا نظن أن أحدا يخاصم فيها هاك مثالين مما وقع فيه خلاف العلماء.:","vol":"2","page":126},{"text":"المثال الأول استفادة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء في الطهارة أخذا من مخالفة مقتضى الظاهر في ذكر هذه الأعضاء بآية الوضوء إذ يقول الله سبحانه يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين فأنت ترى أنه تعالت حكمته ذكر الرأس وهو ممسوح بين الأعضاء الأخرى وهي مغسولة وكان مقتضى الظاهر أن تتصل المغسولات بعضها ببعض وتذكر قبل الممسوح أو بعده لأن المغسولات متماثلة والعرب لا تفصل بين المتماثلات إلا لحكمة والحكمة هنا هي إفادة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء في الطهارة على نمط الترتيب الماثل في هذه الآية.\nوثمة وجه آخر لاستفادة حكم هذا الترتيب أيضا ذلك أن الآية المذكورة لم تعرض فيها أعضاء الوضوء مرتبة ترتيبا تصاعديا ولا ترتيبا تنازليا فلم يبدأ فيها بالأعالي متبوعة بالأسافل ولا بالأسافل متبوعة بالأعالي بل ذكر فيها عال ثم سافل ثم أعلى ثم أسفل وذلك خلاف مقتضى الظاهر ومثله لا يصدر في لغة العرب إلا لحكمة وما الحكمة هنا فيما نفهم إلا إفادة وجوب الترتيب في الوضوء وبهذا قال الشافعية والحنابلة وإن خالفهم الحنفية والمالكية.\nالمثال الثاني استفادة وجوب مسح ربع الرأس في الوضوء أخذا من مخالفة مقتضى الظاهر أيضا في قوله سبحانه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ حيث دخلت باء على الرؤوس وهي الممسوحة مع أن الظاهر كان يقتضي دخولها على آلة المسح وهي راحة اليد ولكن مخالفة هذا الظاهر في كلام عربي بليغ دلتنا على أنه نزل الرأس منزلة آلة المسح إرشادا إلى أن اليد توضع على الرأس وتحرك كأننا مسحنا اليد بالرأس وبهذه الطريقة تنمسح الناصية عادة وهي تقدر بربع الرأس فالواجب إذن هو مسح ربع الرأس وبهذا أخذ الحنفية وإن خالفهم الأئمة الثلاثة رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"2","page":127},{"text":"ولسنا هنا بصدد مقارنات فقهية أو موازنات مذهبية حتى نناصر رأيا على رأي أو نرجح فهما على فهم فسحبنا في هذا الموضوع بيان دلالة نظم القرآن الكريم باعتبار معانيه الثانوية على هدايات متنوعة من عقائد وأحكام وآداب وأدلة ولطائف وإن اختلف الناس في إدراكها على مقدار اختلاف مواهبهم واستعدادهم لأن هذه المعاني الثانوية دقيقة الطرق لطيفة المسالك ومن شأن الدقائق واللطائف أن يكون مجال التفاوت بين الفاهمين لها بعيدا بخلاف دلالة نظم القرآن الكريم على هداياته باعتبار معانيه الأصلية فإنها واضحة قل أن يقع فيها تفاوت أو خلاف لأن هذه المعاني كما قررنا يستوي فيها العربي والعجمي والحضري والبدوي والذكي والغبي.\nواعلم أن قرآنية القرآن وامتيازه ترتبط بمعانيه الثانوية وما استفيد منها أكثر مما ترتبط بمعانيه الأصلية وما استفيد منها للاعتبارات الآنفة ولأن المعاني الأصلية ضيقة الدائرة محدودة الأفق أما المعاني الثانوية فبحر زاخر متلاطم الأمواج تتجلى فيها علوم الله وحكمته وعظمته الإلهية وتظهر منها فيوضات الله وإلهاماته العلوية على من وهبهم هذه الفيوضات والإلهامات من عباده المصطفين وورثة كلامه المقربين وأهل الذوق والصفاء من العلماء العاملين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه آمين.\nإعجاز القرآن:\nالمقصد الثاني من نزول القرآن الكريم أن يقوم في فم الدنيا آية شاهدة برسالة سيدنا محمد وأن يبقى على جبهة الدهر معجزة خالدة تنطق بالهدى ودين الحق ظاهرا على الدين كله ووجوه إعجاز القرآن كثيرة نفصلها في مبحثها إن شاء الله بيد أنا ننبهك هنا إلى أن بلاغته العليا وجه بارز من هذه الوجوه بل هي أبرز وجوهه وجودا وأعظمها أفرادا لأن كل مقدار ثلاث آيات قصار معجز ولو كان هذا","vol":"2","page":128},{"text":"المقدار من آية واحدة طويلة فقد تحدى الله أئمة البيان أن يأتوا بسورة من مثله وأقصر سورة هي سورة الكوثر وآياتها ثلاث قصار وإذا كان أئمة البيان في عصر ازدهاره والنباغة فيه قد عجزوا فسائر الخلق أشد عجزا ولقد فرغنا من أن بلاغة القرآن منوطة بما اشتمل عليه من الخصوصيات والاعتبارات الزائدة وأنت خبير بأنها سارية فيه سريان الماء في العود الأخضر أو سريان الروح في الجسم وأن نظم القرآن الكريم مصدر لهداياته كلها سواء منها ما كان طريقه هيكل النظم وما كان طريقه تلك الخصوصيات الزائدة عليه وهنا يطالعك العجب العاجب حين تجد دليل صدق الهداية الإسلامية قد آخاها واتحد مطلعهما في سماء القرآن فأداه وأداها!!.\nالتعبد بتلاوة القرآن:\nالمقصد الثالث من نزول القرآن أن يتعبد الله خلقه بتلاوته ويقربهم إليه ويأجرهم على مجرد ترديد لفظه ولو من غير فهمه فإذا ضموا إلى التلاوة فهما زادوا أجرا على أجر قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .\nوقال رسول الله ﷺ: \"من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف\" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح وروى الحاكم مثله مرفوعا وقال صحيح الإسناد وجاء في حديث آخر عن أنس أنه قال أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن وسنده ضعيف غير أنه يتقوى بغيره ثم إن هذه خصيصة امتاز بها القرآن هي عماد الدين أما غيرها فلا أجر على مجرد تلاوته بل لا بد من التفكر فيه وتدبره حتى الصلاة هي عماد الدين ليس للمرء من ثوابها إلا بمقدار ما عقل منها..","vol":"2","page":129},{"text":"وإنما انفرد القرآن بهذه المزية لحكم وسامية وفوائد ذات شأن:\nأولها توفير عامل مهم من عوامل المحافظة على القرآن وبقائه مصونا من التغيير والتبديل اللذين أصابا كتب الله من قبل ذلك أن هذا الأجر العظيم الذي وعده الله من يتلو كتابه العزيز ولو غير متفهم لمعانيه من شأنه أن يحبب الناس في قراءة القرآن ويدفعهم إلى الإكثار منها ويحركهم إلى استظهاره وحفظه ولا ريب أن انتشار القراءة والقراء والحفاظ يجعل القرآن كثير الدوران على الألسنة واضح المعالم في جميع الأوساط والطبقات وهنا لا يجرؤ أحد على تغيير شيء فيه وإلا لقي أشد العنت من عارفيه كما حدث لبعض من حاولوا هذا الإجرام من أعداء الإسلام.\nثانيها إيجاد وحدة للمسلمين لغوية تعزز وحدتهم الدينية وتيسر وسائل التفاهم والتعاون فيما بينهم فتقوى بذلك صفوفهم وتعظم شوكتهم وتعلو كلمتهم\nوتلك سياسة إلهية عالية فطن لها الإسلام على يد هذا النبي ﷺ الأمي في عهد قديم من عهود التاريخ ونجحت هذه السياسة نجاحا باهرا حتى انضوى تحت اللسان العربي أمم كثيرة مختلفة اللغات ونبغ منهم نابغون سبقوا كثيرا من العرب في علوم القرآن وعلوم لغة القرآن بينما أمم كبيرة في هذا العصر الحديث الذي يزعمونه عصر العلم والنور قد حاولت مثل هذه المحاولة بتقرير لسان عام ولغة عالمية مشتركة أسموها لغة الاسبرنتو فكانت محاولة فاشلة فضلا عن أنها جاءت مسبوقة متأخرة.\nثالثها استدراج القارئ إلى التدبر والاهتداء بهدي القرآن عن طريق هذا الترغيب المشوق وبوساطة هذا الأسلوب الحكيم.\nفإن من يقرأ القرآن في يومه وهو غافل عن معانيه يقرؤه في غده وهو ذاكر لها ومن قرأه في غده وهو ذاكر لها أوشك أن يعمل بعد غد بهديها وهكذا ينتقل القارئ من درجة إلى درجة أرقى منها حتى يصل إلى الغاية بعد تلك البداية كل من سار على","vol":"2","page":130},{"text":"الدرب وصل ويرحم الله ابن عطاء الله السكندري إذ يقول في حكمه لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>حكم ترجمة القرآن تفصيلا</span>\nعلى ضوء هذه المعلومات التي سقناها في تجلية معنى المتضايفين من لفظ ترجمة القرآن يسهل علينا أن ندرك أن لهذا المركب الإضافي أربعة معان رئيسية ثلاثة منها ترجع إلى اللغة وحدها والرابع تشترك فيه اللغة والعرف العام الذائع بين الأمم ولا ريب أن هذا المعنى الرابع هو الجدير بالعناية والاهتمام لأنه المتبادر إلى الأفهام والمقصود في لسان التخاطب العام.\nوها نحن أولاء نستعرض تلك المعاني الأربعة مشفوعا كل معنى منها بحكمة المناسب له عسى أن تكون هذه الطريقة أبعد عن الخطأ والشطط وأهدى إلى الصواب والاعتدال.\n١ - ترجمة القرآن بمعنى تبليغ ألفاظه\nتطلق ترجمة القرآن إطلاقا مستندا إلى اللغة ويراد بها تبليغ ألفاظه وحكمها حينئذ أنها جائزة شرعا والمراد بالجواز هنا ما يقابل الحظر فيصدق بالوجوب وبالندب وإن شئت دليلا فها هو كان يقرأ القرآن ويسمعه أولياءه وأعداءه ويدعو إلى الله به في مولده ومهاجره وفي سفره وحضره والأمة من ورائه نهجت نهجه فبلغت ألفاظ القرآن وتلقاها بعضهم عن بعض فردا عن فرد وجماعة عن جماعة وجيلا عن جيل","vol":"2","page":131},{"text":"حتى وصل إلينا متواترا.. ثم ها هو القرآن نفسه يتوعد كاتميه ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .\nوالنبي ﷺ يقول: \"بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\" رواه البخاري والترمذي وأحمد ويقول ﷺ: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" رواه الشيخان.\n٢ - ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغته العربية\nهذا هو الإطلاق الثاني المستند إلى اللغة أيضا كما مر ويراد به تفسير القرآن بلغته العربية لا بلغة أخرى وغني عن البيان أن حكمة الجواز بالمعنى الآنف وإن كنت في شك فهاك القرآن نفسه يقول الله فيه لنبيه ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ولقد قام الرسول صلوات الله وسلامه عليه ببيانه العربي خير قيام حتى اعتبرت السنة النبوية كلها شارحة له ونقل منها في التفسير بالمأثور شيء كثير ولقد تأثر العلماء برسول الله في ذلك منذ عهد الصحابة إلى اليوم وها هي المكتبات العامة والخاصة زاخرة بالتفاسير العربية للقرآن الكريم على رغم ما اندثر منها وعلى رغم ما يأتي به المستقبل من تفاسير يؤلفها من لا يقنعون بقديم ويتلقاها عنهم من يجدون في أنفسهم حاجة إلى عرض جديد لعلوم القرآن والدين ومما يدل على أن القرآن بحر الله الخضم وأن العلماء جميعا من قدامى ومحدثين لا يزالون وقوفا بساحله يأخذون منه على قدر قرائحهم وفهومهم والبحر بعد ذلك هو البحر في فيضانه وامتلائه والقرآن هو القرآن في ثروته وغناه بعلومه وبأسراره: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .","vol":"2","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغة أجنبية</span>\nهذا هو الإطلاق الثالث المستند إلى اللغة أيضا ويراد به تفسير القرآن بلغة غير لغته أي بلغة عجمية لا عربية ولا ريب عندنا في أن تفسير القرآن بلسان أعجمي لمن لا يحسن العربية يجري في حكمة تفسيره بلسان عربي لمن يحسن العربية فكلاهما عرض لما يفهمه المفسر من كتاب الله بلغة يفهمها مخاطبه لا عرض لترجمة القرآن نفسه وكلاهما حكاية لما يستطاع من المعاني والمقاصد لا حكاية لجميع المقاصد وتفسير القرآن الكريم يكفي في تحققه أن يكون بيانا لمراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية ولو جاء على احتمال واحد لأن التفسير في اللغة هو الإيضاح والبيان وهما يتحققان ببيان المعنى ولو من وجه ولأن التفسير في الاصطلاح علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية وهذا يتحقق أيضا بعرض معنى واحد من جملة معان يحتملها التنزيل وإذا كان تفسير القرآن بيانا لمراد الله بقدر الطاقة البشرية فهذا البيان يستوي فيه ما كان بلغة العرب وما ليس بلغة العرب لأن كلا منهما مقدور للبشر وكلا منهما يحتاجه البشر بيد أنه لا بد من أمرين أن يستوفي هذا النوع شروط التفسير باعتبار أنه تفسير وأن يستوفي شروط الترجمة باعتبار أنه نقل لما يمكن من معاني اللفظ العربي بلغة غير عربية وشروط التفسير ذكرناها في الجزء الأول بالمبحث الثاني عشر من هذا الكتاب وشروط الترجمة ذكرناها بهذا المبحث عن كثب.\nأمور مهمة:\nونسترعي نظرك إلى أمور مهمة أولها أن علماءنا حظروا كتابه القرآن بحروف غير عربية وعلى هذا يجب عند ترجمة القرآن بهذا المعنى إلى أية لغة أن تكتب","vol":"2","page":133},{"text":"الآيات القرآنية إذ كتبت بالحروف العربية كيلا يقع إخلال وتحريف في لفظه فيتبعهما تغير وفساد في معناه.\nسئلت لجنة الفتوى في الأزهر عن كتابة القرآن بالحروف اللاتينية فأجابت بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله بما نصه١ لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية فلا تؤدي جميع ما تؤديه الحروف العربية فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربي كما يفهم من الاستفتاء لوقع الإخلال والتحريف في لفظه ويتبعهما تغير المعنى وفساده وقد قضت نصوص الشريعة بأن يصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل والتحريف وأجمع علماء الإسلام سلفا وخلفا على أن كل تصرف في القرآن يؤدي إلى تحريف في لفظه أو تغيير في معناه ممنوع منعا باتا ومحرم تحريما قاطعا وقد التزم الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم إلى يومنا هذا كتابة القرآن بالحروف العربية.\nالأمر الثاني أن تفاسير القرآن المتداولة بيننا تتناول المفرد من الأصل وبجانبه شرحه ثم تتناول الجملة أو الآية وشرحها متصل بها كذلك غالبا ومعنى هذا أن ألفاظ القرآن منبثة في ثنايا التفسير على وجه من الارتباط والإحكام بحيث لو جردنا التفاسير من ألفاظ الأصل لعادت التفاسير لغوا من القول وضربا من السخف ونحن لا نريد هنا في تفسير القرآن بلغة أجنبية أن تذكر مفردات القرآن وجملة مكتوبة بتلك اللغة الأجنبية أو مترجمة بهذه اللغة ثم تشفع بتفسيرها المذكور فلقد قررنا أن كتابة القرآن بغير العربية ممنوعة وسنقرر أن ترجمته بالمعنى العرفي مستحيلة إنما نريد هنا نوعا من التفسير يجوز أن يصدر بطائفة من ألفاظ الأصل على ما هي عليه في عروبتها رسما ولفظا إذا وضع لطائفة من المسلمين ثم يذكر عقبها المعنى الذي فهمه المفسر غير مختلط بشيء من\n_________\n١ أنظر المجلد السابع من مجلة الأزهر صفحة ٤٥.","vol":"2","page":134},{"text":"ألفاظ الأصل ولا ترجمته بل يكون هذا المعنى كله من كلام المفسر ويصاغ بطريقة تدل على أنه تفسير لا ترجمة كأن يقال معنى الآية المرقومة برقم كذا من سورة كذا هو كذا وكذا أو يقال في أول كل نوبة من نوبات التفسير معنى هذه الجملة أو الآية كذا ثم يبين في كلتا الطريقتين أن هذا المعنى مقطوع به أو أنه محتمل ويستطرد بما يظن أن حاجة المخاطبين ماسة إليه من التعريف بالمصطلحات الإسلامية والأسرار والحكم التشريعية والتنبيه على الأخطاء التي وقعت فيها الترجمات المزعومة ونحو ذلك مما يوقع في روع القارئ أن ما يقرؤه ليس ترجمة للأصل محيطة بجميع معانيه ومقاصده إنما هو تفسير فحسب لم يحمل من معاني القرآن ومقاصده إلا قلا من كثر وقطرة من بحر أما القرآن نفسه فأعظم من هذا التفسير بكثير كيف وهو النص المعجز في ألفاظه ومعانيه من كلام العليم الخبير؟!.\nالأمر الثالث أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مساوية لترجمة تفسيره العربي لأن الترجمة هنا لم تتناول في الحقيقة إلا رأي هذا المفسر وفهمه لمراد الله على قدر طاقته خطأ كان فهمه أو صوابا ولم تتناول كل مراد الله من كلامه قطعا فكأن هذا المفسر وضع أولا تفسيرا عربيا ثم ترجم هذا التفسير الذي وضعه وإن شئت فقل إنه ترجم تفسيرا للقرآن قام هو به غير أنه لم يدونه وأنت خبير بأن التفسير هو التفسير سواء أدونه صاحبه أم لم يدونه.\nالأمر الرابع ذهب بعضهم إلى تسمية هذا النوع وما يشبهه ترجمة تفسيرية للقرآن بالمعنى العرفي ونحن مع علمنا بأن الخلاف في التسمية تافه لا نستطيع أن نرى رأيهم لشهادة العرف التي أقمناها ثم اعتمدنا عليها في رسم الفوارق الأربعة بين أي ترجمة وأي تفسير فترجمة القرآن على فرض إمكانها تصوير لكل ما أراد منزله من معانيه ومقاصده وترجمة التفسير تصوير لكل ما أراد المفسر من معانيه ومقاصده والقرآن لا يمكن أن يكون في معانيه المرادة لله خطأ أبدا فإذا صحت ترجمته على فرض إمكانها وجب ألا","vol":"2","page":135},{"text":"تحمل ولا تصور خطأ أما التفسير فيمكن أن يكون في معانيه المرادة للمفسر خطأ أي خطأ وعلى هذا فترجمة هذا التفسير ترجمة صحيحة لا بد أن تحمل هذا الخطأ وتصوره وإلا لما صح أن تكون ترجمة له لأن الترجمة صورة مطابقة للأصل ومرآة حاكية له على ما هو عليه من صواب أو خطأ إيمان أو كفر حق أو باطل.\nوالقرآن مليء بالمعاني والأسرار الجلية والخفية إلى درجة تعجز المخلوق عن الإحاطة بها فضلا عن قدرته على محاكاتها وتصويرها بلغة عربية أو أعجمية أما التفسير فمعانيه محدودة لأن قدرة صاحبه محدودة مهما حلق في سماء البلاغة والعلم وعلى هذا فعدسه أي مصور له تستطيع التقاطه وتصويره بالترجمة إلى أي لغة.\nالأمر الخامس يجب أن تسمى مثل هذه الترجمة ترجمة تفسير القرآن أو تفسير القرآن بلغة كذا ولا يجوز أن تسمى ترجمة القرآن بهذا الإطلاق اللغوي المحض لما علمت من أن لفظ ترجمة القرآن مشترك بين معان أربعة وأن المعنى الرابع هوالمتبادر إلى الأذهان عند الإطلاق نظرا إلى أن العرف الأممي العام لا يعرف سواه ولا يجوز أيضا أن تسمى ترجمة معاني القرآن لأن الترجمة لا تضاف إلا إلى الألفاظ ولأن هذه التسمية توهم أنها ترجمة للقرآن نفسه خصوصا إذا لاحظنا أن كل ترجمة لا تنقل إلا المعاني دون الألفاظ.\nالأمر السادس يحسن أن يدون التفسير العربي وتشفع به ترجمته هذه ليكون ذلك أنفى للريب وأهدى للحق وأظهر في أنه ترجمة تفسير لا ترجمة قرآن ومن عرف قدر القرآن لم يبخل عليه بهذا الاحتياط لا سيما في هذا الزمن الذي تنمر فيه أعداء الإسلام وحاربونا فيه بأسلحة مسمومة من كل مكان.\nالأمر السابع يجب أن يصدر هذا التفسير المترجم بمقدمة تنفي عنه في صراحة أنه ترجمة للقرآن نفسه وتبين أن ترجمة القرآن نفسه بالمعنى المتعارف أمر دونه خرط","vol":"2","page":136},{"text":"القتاد لأن طبيعة تأليف هذا الكتاب تأبى أن يكون لها نظير يحاكيه لا من لغته ولا من غير لغته وذلك هو معنى إعجازه البلاغي ومن أراد أن يتصور هذا اللون من ألوان إعجازه فلينتقل هو إلى هذا الكتاب ولغته فيتذوقه بها وبأساليبها ومن المحال أن ينتقل هذا الكتاب العزيز تاركا عرشه الذي بوأه الله إياه وهو عرش اللغة العربية وماذا يبقى للملك من عزة وسلطان إذا هو تخلى عن عرشه وملكه وهذا القرآن جعله الله ملك الكلام وتوجه بتاج الإعجاز واختار لغته العربية مظهرا لهذا الإعجاز والاعتزاز!: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .","vol":"2","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>فوائد الترجمة بهذا المعنى</span>\nلترجمة القرآن بهذا المعنى فوائد كنا في غنى عن بيانها بما أشرنا إليه من أنها كالتفسير العربي الذي اتفق الجميع على جوازه بشرطه ولكن بعض الباحثين توقفوا في جواز هذه الترجمة كما توقفوا في جواز الترجمة بالمعنى الآتي مع بعد ما بينهما ثم تذرعوا بأنه لا فائدة ترجى منها وأثاروا شبهات حولها لهذا نبسط القول ببيان فوائد هذه الترجمة ثم بدفع الشبهات عنها أما فوائدها فنشرحها فيما يأتي:\nالفائدة الأولى رفع النقاب عن جمال القرآن ومحاسنه لمن لم يستطع أن يراها بمنظار اللغة العربية من المسلمين الأعاجم وتيسير فهمه عليهم بهذا النوع من الترجمة ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ويعظم تقديرهم للقرآن ويشتد شوقهم إل يه فيهتدوا بهديه ويغترفوا من بحره ويستمتعوا بما حواه من نبل في المقاصد وقوة في الدلائل وسمو في التعاليم ووضوح وعمق في العقائد وطهر ورشد في العبادات ودفع قوى إلى مكارم الأخلاق وردع زاجر عن الرذائل والآثام وإصلاح معجز للفرد وللمجموع واختيار موفق لأحسن القصص وإخبار عن كثير من أنباء الغيب وكشف عن معجزات","vol":"2","page":137},{"text":"أكرم الله بها رسوله وأمته إلى غير ذلك مما من شأنه أن يسمو بالنفوس الإنسانية ويملأ العالم حضارة صحيحة ومدنية.\nوإنك لتستطيع أن ترى هذه الفائدة ماثلة بين عينيك إذا ما شاهدت أستاذا ممتازا يلقي درسا من دروس التفسير على العامة يجلي معاني القرآن لهم بمهارته ويتنزل إلى مستواهم فيخاطبهم ويتخير من المعاني أصحها وأمسها بحاجتهم ويعالج عند المناسبة ما يعرف من جهالتهم وشبهتهم والله لكأني بهذا المدرس اللبق وقد نفخ فيهم من روح القرآن فأحيا مواتهم وداوى أمراضهم وقادهم إلى النهضة وجعلهم يؤمنون بهذا الكتاب عن علم وذوق وشعور ووجدان بعد أن كانوا يؤمنون به إيمانا أشبه بالتقليد الأعمى أو بمحاكاة الصبيان.\nولقد دلتنا التجارب على أن كثيرا من هؤلاء الذين أحسوا جلال القرآن عن طريق تفسيره فكروا في حفظه واستظهاره ودراسة لغته وعلومه ليرتشفوا بأنفسهم من منهله الروي ويشبعوا نهمتهم من غذائه الهني ما دام هذا التفسير وغيره لا يحمل كل معاني الأصل وما دام ثواب الله يجزي على كل من نظر في الأصل أو تلا نفس ألفاظ الأصل.\nالفائدة الثانية دفع الشبهات التي لفقها أعداء الإسلام وألصقوها بالقرآن وتفسيره كذبا وافتراء ثم ضللوا بها هؤلاء المسلمين الذين لا يحذقون اللسان العربي في شكل ترجمات مزعومة للقرآن أو مؤلفات علمية وتاريخية للطلاب أو دوائر معارف للقراء أو دروس ومحاضرات للجمهور أو صحف ومجلات للعامة والخاصة.\nالفائدة الثالثة تنوير غير المسلمين من الأجانب في حقائق الإسلام وتعاليمه خصوصا في هذا العصر القائم على الدعايات وبين نيران هذه الحروب التي أوقدها أهل الملل والنحل الأخرى حتى ضل الحق أو كاد يضل في سواد الباطل وخفت صوت الإسلام أو كاد يخفت بين ضجيج غيره من المذاهب المتطرفة والأديان المنحرفة.","vol":"2","page":138},{"text":"الفائدة الرابعة إزالة الحواجز والعواثير التي أقامها الخبثاء الماكرون للحيلولة بين الإسلام وعشاق الحق من الأمم الأجنبية وهذه الحواجز والعواثير ترتكز في الغالب على أكاذيب افتروها تارة على الإسلام وتارة أخرى على نبي الإسلام وكثيرا ما ينسبون هذه الأكاذيب إلى القرآن وتفاسيره وإلى تاريخ الرسول ﷺ وسيرته ثم يدسونها فيما يزعمونه ترجمات للقرآن وفيما يقرأ الناس ويسمعون بالوسائل الأخرى فإذا نحن ترجمنا تفسير القرآن أو فسرنا القرآن بلغة أخرى مع العناية بشروط التفسير وشروط الترجمة ومع العناية التامة بدفع الشبهات والأباطيل الرائجة فيهم عند كل مناسبة تزلزلت بلا شك تلك القصور التي أقاموها من الخرافات والأباطيل وزالت العقبات من طريق طلاب الحق وعشاقه من كل قبيل.\nوهاك كلمة يؤيدنا بها الكاتب الإنجليزي الشهير برناردشو إذ يقول لقد طبع رجال الكنيسة في القرون الوسطى دين الإسلام بطابع أسود حالك إما جهلا وإما تعصبا إنهم كانوا في الحقيقة مسوقين بعامل بغض محمد ودينه فعندهم أن محمدا كان عدوا للمسيح ولقد درست سيرة محمد الرجل العجيب وفي رأيي أنه بعيد جدا من أن يكون عدوا للمسيح إنما ينبغي أن يدعى منقذ البشرية الخ ما قال بمجلة ذي مسلم رفيوبلكنو الهند في جزء مارس سنة ١٩٣٣.\nالفائدة الخامسة براءة ذمتنا من واجب تبليغ القرآن بلفظه ومعناه فإن هذه الترجمة جمعت بين النص الكريم بلفظه ورسمه العربيين وبين معاني القرآن على ما فهمه المفسر وشرحه باللغة الأجنبية قال السيوطي وابن بطال والحافظ ابن حجر وغيرهم من العلماء إن الوحي يجب تبليغه ولكنه قسمان قسم تبليغه بنظمه ومعناه وجوبا وهو القرآن وقسم يصح أن يبلغ بمعناه دون لفظه وهو ما عدا القرآن وبذلك يتم التبليغ.","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>دفع الشبهات عن هذه الترجمة</span>\nالشبهة الأولى ودفعها:\nيقولون إن المترجم للتفسير مضطر إلى الترجمة العرفية الممنوعة وهي ترجمة كل ما يسوقه في كل نوبة للتفسير من آية أو آيات لأن التفسير بيان فلا بد أن يعرف المبين أولا ثم يعرف البيان ولأنه إذا ترجم التفسير بدون الآية كانت الترجمة غير مؤدية للمطلوب لعدم التئامها مع ما قبلها.\nونجيب على هذا بأننا شرطنا ألا تكون ألفاظ الأصل ولا ترجمتها العرفية منبثة بين ثنايا التفسير بلغة أجنبية بل قلنا إن التفسير يجزأ أجزاء وتساق الآية أو الآيات في كل نوبة من نوبات هذه التجزئة باللفظ والرسم العربيين إن كنا نترجم هذه الترجمة لطائفة من إخواننا المسلمين ثم يشار إليها في تفسيرها فيقال معنى هذه الآية أو الآيات كذا.. أو يقال الآية المرقومة برقم كذا من سورة كذا معناها كذا وكذا.. بعبارة مجردة من ألفاظ الأصل وترجمتها ترجمة عرفية ويكفي في ارتباط المبين ببيانه أن يكون بأي وجه من وجوه الارتباط وهو هنا قد ذكر أولا بلفظه ورسمه العربيين ثم أشير إليه باسم إشارة أو ببيان رقمه من السورة واسم سورته من القرآن.\nأما الالتئام فمن السهل رعاية الانسجام بين جمل التفسير بعضها مع بعض في كل نوبة في نوباته وأما انسجام هذه النوبات كلها بعضها ببعض بحيث يتألف منها كلام واحد مترابط كأنه سبيكة واحدة فشيء لم يشترطه أحد في التفسير ولا يضيرنا فقده شيئا ما دام التفسير كلاما منجما على نوبات متفرقة لا كلاما واحدا في نوبة واحدة وأما التئام الآيات بعضها ببعض فهو حاصل لا محالة ولكن ليس من الواجب أن يعرض له هذا التفسير ولا غيره من التفاسير.","vol":"2","page":140},{"text":"الشبهة الثانية ودفعها:\nيقولون إن تفسير القرآن يشتمل عادة على كيفية نطق ألفاظه ومدلولات مفرداته وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب واختلاف المعاني عند الوقف على بعض الكلمات والابتداء بما بعدها وعند وصل الأولى بالثانية ويشتمل أيضا على معرفة السنة لأنها بيان للقرآن وعلى أقوال الصحابة والأئمة المجتهدين وغير ذلك وترجمة مثل هذا مع الاستيفاء أمر متعذر.\nونجيب على هذا بأن استيفاء الأمور المذكورة لم يشرطه أحد في أصل التفسير العربي فبدهي ألا يشترط ذلك في ترجمته وهي صورة له كيف وقد علمنا أن التفسير هو البيان ولو من وجه وكل ما على المفسر أن يكون حكيما يلاحظ حال من يفسر لهم على قدر طاقته فيضمن تفسيره ما يحتاجون إليه ويعفيهم مما لا تسعه عقولهم وإلا كان فتنة عليهم ولعل ذلك سر من أسرار تنوع التفاسير العربية التي بين أيدينا ما بين مختصر ومتوسط ومطول وما بين تفسير بالمأثور وتفسير بالمعقول وما بين تفسير معني بالناحية البلاغية وآخر معني بالناحية النحوية وثالث معني بالناحية الكلامية ورابع معني بالناحية الفقهية إلى غير ذلك.\nوإذا كان هذا ماثلا أمام أعيننا في التفاسير العربية فكيف نذهب إلى إنكاره إذا وقع مثله في التفاسير بلغة أجنبية؟!.\nالشبهة الثالثة ودفعها:\nيقولون لا حاجة إلى هذا التفسير بلسان غير عربي ولا إلى ترجمة أي تفسير من التفاسير لإمكان الاستغناء عنهما بترجمة تعاليم الإسلام وهداياته.\nوالجواب أنا بينا وجه الحاجة إليه في الفوائد التي ذكرناها آنفا ثم إن ترجمة تفسير القرآن وتفسير القرآن بلغة أجنبية كلاهما مثل ترجمة تعاليم الإسلام وهداياته فكلها","vol":"2","page":141},{"text":"معارف دينية وكلها من كلام البشر لا من كلام الله المعجز وقد جوزتم ترجمة تعاليم الإسلام وهداياته فلتجوزوا ترجمة التفسير بلغة أجنبية أيضا لأن ما جاز على أحد المثلين يجوز على الآخر قطعا.\nثم إن الرسائل المتحدثة عن الإسلام وتعاليمه بلغات أجنبية قد تكون ضرورية لابد منها في بعض الظروف والمناسبات ولكنها لا تغني عن هذا التفسير الذي نحن بصدده الآن للفوائد التي شرحناها قريبا فيه فوجوده شاهد من مشاهد الحق على بطلان ما جاء في تلك الترجمات الخاطئة ييسر على المنصفين وطلاب الحقائق أن يحاكموا تلك الترجمات إلى ما جاء في هذا التفسير خصوصا إذا صدر من هيئة إسلامية موثوق بها وعرض عند كل مناسبة كما قلنا لنقض الشبهات التي ضلت فيها الترجمات الزائغة.\nيضاف إلى هذا أن المسلم الأعجمي يستعين بهذا التفسير على تدبر كتاب الله وتفهمه لأية آية من أية سورة يريد والرسائل المقترحة لا يمكن أن تفي بذلك كله.\nوإن أبيت إلا مثلا مما قرره علماؤنا في ذلك فاستمع إلى جار الله الزمخشري عند تفسيره لقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ إذ يقول ما نصه فإن قلت لم يبعث رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا قل يا أيها الناس إني رسول الله ﷺ إليكم جميعا بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة قلت لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فبقي أن ينزل بلسان واحد فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول ﷺ لأنهم اقرب إليه وإذا فهموا عنه وبينوه وتنوقل عنهم وانتشر قامت التراجم كذا ببيانه وتفهيمه كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد","vol":"2","page":142},{"text":"واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه وما يتشعب عن ذلك من جليل الفوائد وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكد القرائح فيه من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب ولأنه أبعد من التحريف والتبديل وأسلم من التنازع والاختلاف ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها مع وكثرتها وكان مستقلا بصفة الإعجاز في كل واحد منها وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها كما كلم أمته التي هو منها يتلوه عليهم معجزا لكان ذلك أمرا قريبا من الإلجاء اهـ باختصار طفيف.\nوقوله قامت التراجم ببيانه وتفهيمه يشعر بأن مراده تفاسير القرآن بلغات أجنبية لا ترجمات القرآن نفسه بالمعنى العرفي وذلك لأن التفسير هو الذي يبين القرآن ويفهمه أما الترجمة فتصوير للأصل فحسب وليس من وظيفتها البيان والتفهيم ولو كان مراده بالترجمات ترجمات القرآن نفسه لم يستقم كلامه لأن الذين فهموا القرآن عن الرسول والذين نقلوه عنه لم يقوموا بترجمة القرآن الكريم إلى الأمم المختلفة إنما شرحوه لهم بعد أن بلغوهم نفس ألفاظه العربية.\nومما يؤيد ذلك قوله مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة الخ لأن اجتماع الجميع على كتاب واحد لا يتأتى مع وجود ترجمات لنفس الكتاب بل هو مدعاة إلى الانصراف عن الأصل اكتفاء بالترجمات كما تقدم تفصيل ذلك فتأمل.","vol":"2","page":143},{"text":"٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-162> ترجمة القرآن بمعنى نقله إلى لغة أخرى</span>\nهذا هو الإطلاق الرابع المستند إلى اللغة ثم هو الإطلاق الوحيد في عرف التخاطب الأممي العام.\nويمكننا أن نعرف ترجمة القرآن بهذا الإطلاق تعريفا مضغوظا على نمط تعريفهم فنقول هي نقل القرآن من لغته العربية إلى لغة أخرى ويمكننا أن نعرفها تعريفا","vol":"2","page":143},{"text":"مبسوطا فنقول ترجمة القرآن هي التعبير عن معاني ألفاظه العربية ومقاصدها بألفاظ غير عربية مع الوفاء بجميع هذه المعاني والمقاصد.\nثم إن لوحظ في هذه الترجمة ترتيب ألفاظ القرآن فتلك ترجمة القرآن الحرفية أو اللفظية أو المساوية وإن لم يلاحظ فيها هذا الترتيب فتلك ترجمة القرآن التفسيرية أو المعنوية.\nوالناظر فيما سلف من الكلام على معنى الترجمة وتقسيمها والفروق بينها وبين التفسير يستغني هنا عن شرح التعريف والتمثيل للمعرف في قسميه كما يستغني عن التدليل على أن هذا المعنى وحده هو المعنى الاصطلاحي الفريد في لسان التخاطب العام بين الأمم ويعلم أن ترجمة القرآن بهذا المعنى خلاف تفسيره بلغته العربية وخلاف تفسيره بغير لغته العربية وخلاف ترجمة تفسيره العربي ترجمة حرفية أو تفسيرية فارجع إلى هذا الذي أسلفناه إن شئت.\nالحكم على هذه الترجمة بالاستحالة العادية:\nأما حكم ترجمة القرآن بهذا المعنى فالاستحالة العادية والشرعية أي عدم إمكان وقوعها عادة وحرمة محاولتها شرعا ولنا على استحالتها العادية طريقان في الاستدلال:\nالطريق الأول أن ترجمة القرآن بهذا المعنى تستلزم المحال وكل ما يستلزم المحال محال والدليل على أنها تستلزم المحال أنه لا بد في تحققها من الوفاء بجميع معاني القرآن الأولية والثانوية وبجميع مقاصده الرئيسية الثلاثة وكلا هذين مستحيل أما الأول فلأن المعاني الثانوية للقرآن مدلولة لخصائصه العليا التي هي مناط بلاغته وإعجازه كما بينا من قبل وما كان لبشر أن يحيط بها فضلا عن أن يحاكيها في كلام له وإلا لما تحقق هذا الإعجاز وأما الثاني فلأن المقصد الأول من القرآن وهو كونه هداية إن","vol":"2","page":144},{"text":"أمكن تحقيقه في الترجمة بالنسبة إلى كل ما يفهم من معاني القرآن الأصلية فهو لا يمكن تحقيقه بالنسبة إلى كل ما يفهم من معاني القرآن التابعة لأنها مدلولة لخصائصه العليا التي هي مناط إعجازه البلاغي كما سبق.\nوكذلك مقصد القرآن الثاني وهي كونه آية لا يمكن تحقيقه فيما سواه من كلام البشر عربيا كان أو عجميا وإلا لما صح أن يكون أية خارقة ومعجزة غير ممكنة حين تتناول هذا المقصد قدرة البشر كيف والمفروض أن القرآن آية بل آيات ومعجزة بل معجزات لا يقدر عليها إلا الله وحده جل وعلا؟!.\nويجري هذا المجرى مقصد القرآن الثالث وهو كونه متعبدا بتلاوته فإنه لا يمكن أن يتحقق في الترجمة لأن ترجمة القرآن غير القرآن قطعا والتعبد بالتلاوة إنما ورد في خصوص القرآن وألفاظه عينها بأساليبها وترتيباته نفسها دون أي ألفاظ أو أساليب أخرى ولو كانت عربية مرادفة الألفاظ الأصل وأساليبه.\nالطريق الثاني أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مثل للقرآن وكل مثل للقرآن مستحيل أما أنها مثل له فلأنها جمعت معانيه كلها ومقاصده كلها لم تترك شيئا والجامع لمعاني القرآن ومقاصده مثل له أي مثل وأما أن كل مثل للقرآن مستحيل فلأن القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فعجزوا عن المعارضة والمحاكاة وهم يومئذ أئمة البلاغة والبيان وأحرص ما يكونون على الغلبة والفوز في هذا الميدان وإذا كان هؤلاء قد عجزوا وانقطعوا فغيرهم ممن هم دونهم بلاغة وبيانا أشد عجزا وانقطاعا وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صدقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين وإذا كان الإنس والجن قد حقت عليهم كلمة العجز عن أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه بلغته العربية فأحرى أن يكون عجزهم أظهر لو حاولوا هذه المعارضة بلغة غير عربية لأن اتحاد اللغة في المساجلة بين كلامين من شأنه أن يقرب","vol":"2","page":145},{"text":"التشابه والتماثل إذا كانا ممكنين نظرا إلى أن الخصائص البلاغية واحدة فيما به التحدي وما به المعارضة أما إذا اختلفت لغة التحدي ولغة المعارضة فهيهات أن يتحقق التشابه والتماثل بدقة لأن الخصائص البلاغية في أحد اللسانين غير الخصائص البلاغية في اللسان الآخر ويوجد منها في أحدهما ما يوجد في الآخر فيتعين التفاضل ويتعذر التماثل قطعا ولهذا يصرح كثير من المتمكنين في اللغات بأن ترجمة النصوص الأدبية في أية لغة ترجمة دقيقة أمر مستحيل وأن ما يتداوله الناس مما يزعمونة ترجمات لبعض كتب أدبية فهو مبني على ضرب من التسامح في نقل معاني الأصل وأغراضه بالتقريب لا بالتحقيق وذلك غير الترجمات الدقيقة لمثل العلوم والقوانين والوثائق المنضبطة فإنها ترجمات حقيقية مبنية على نقل معاني الأصل وأغراضه كلها بالتحقيق لا بالتقريب.\nولكي نوضح لك معنى المثلية المستحيلة في ترجمة القرآن بهذا المعنى نرشدك إلى أن هذه الترجمة لا تتحقق إلا بأمور بعضها مستحيل وبعضها ممكن ذلك أنه لا بد فيها على ضوء ما تقدم من أن تكون وافية بجميع معاني القرآن الأصلية والتابعة على وجه مطمئن وأن تكون وافية كذلك بجميع مقاصده الثلاثة الرئيسية وتلك أمور مستحيلة التحقق كما سبق بيانه ثم لا بد فيها أيضا من أن تكون صيغتها صيغة استقلالية خالية من الاستطراد والتزيد وتلك أمور ممكنة الوقوع في ذاتها لكنها إذا أضيفت إلى سابقتها كان المجموع مستحيلا لأن المؤلف من الممكن والمستحيل مستحيل.\nفإذا أريد بعد ذلك أن تكون ترجمة القرآن هذه حرفية وجب أن يعتبر فيها أمران زائدان وجود مفردات في لغة الترجمة مساوية لمفردات القرآن ووجود ضمائر وروابط في لغة الترجمة مساوية لروابط القرآن حتى يمكن أن يحل كل مفرد من الترجمة محل نظيرة من الأصل كما هو المشروط في الترجمة الحرفية وهذا لعمر الله مما يزيد التعذر استفحالا والاستحالة إيغالا ويجعل هذه الترجمة لو وجدت مثلا للقرآن يا له من مثل وشبيها لا يطاوله شبيه ومعارضا لا يغالبه معارض وقد عرفت دليل","vol":"2","page":146},{"text":"بطلان كل ما يصدق عليه أنه مثل للقرآن وفي هذا يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ فنفي المثلية عن القرآن كما نفى المثلية عن نفسه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وبالغ في النفي وفي التحدي فجمع الإنس والجن على هذا العجز ثم أكد هذا النفي وهذا التحدي مرة أخرى بتقرير عجز الثقلين عن المثلية على فرض معاونة بعضهم لبعض فيها واجتماع قواهم البيانية والعلمية عليها.\nالحكم على هذه الترجمة بالاستحالة الشرعية:\nالآن وقد تقرر أن ترجمة القرآن بهذا المعنى العرفي من قبيل المستحيل العادي لا نتردد أن نقرر أيضا أنها من قبيل المستحيل الشرعي أي المحظور الذي حرمه الله وذلك من وجوه ثمانية:\nالوجه الأول أن طلب المستحيل العاجي حرمه الإسلام أيا كان هذا الطلب ولو بطريق الدعاء وأيا كان هذا المستحيل ترجمة أو غير ترجمة لأنه ضرب من العبث وتضييع للوقت والمجهود في غير طائل والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ والنبي ﷺ يقول: \"لا ضرر ولا ضرار\" رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم يضاف إلى ذلك أن طلب المستحيل العادي غفلة أو جهل بسنن الله الكونية وبحكمته في ربط الأسباب بمسبباتها العادية تطمينا لخلقه ورجمة بعباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .\nولقد يعذر بعض الجهلة إذا ظنوا أن بعض المحالات أمور ممكنة فطلبوها ولكن الذي يحاول ترجمة القرآن بهذا المعنى لا يعذر بحال لأن القرآن نفسه أعذر حين أنذر بأنه لا يمكن أن يأتي الجن والإنس بمثله وإن اجتمعوا له وكان بعضهم لبعض ظهيرا وبذلك قطعت جهيزة قول كل خطيب.","vol":"2","page":147},{"text":"الوجه الثاني أن محاولة هذه الترجمة فيها ادعاء عمل لإمكان وجود مثل أو أمثال للقرآن وذلك تكذيب شنيع لصريح الآية السابقة ولقوله سبحانه: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .\nفإن المتأمل في هاتين الآيتين يجد فيهما وجوها دالة على التحريم حيث عنون الله عن طلاب التبديل بأنهم لا يرجون لقاءه وأمر الرسول أن ينفى نفيا عاما إمكانه تبديله من تلقاء نفسه كما أمره أن يعلن أن اتباعه مقصور على ما يوحى إليه نسخا أو إحكاما ومعنى هذا أن التبديل هو هوى من الأهواء الباطلة والرسول لا يتبع أهواءهم ولا هوى نفسه ولا هوى أحد: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وفي ختام الآية الأولى إشارة إلى أن هذه المحاولة التي يحاولونها عصيان لله وأنه يخاف منها عذاب يوم عظيم وفي الآيه الثانية إعلام بأن القرآن من محض فضل الله وأن الرسول ما كان يستطيع تلاوته عليهم ولا كان يعلمهم به على لسان رسوله لولا مشيئة الله وإيحاؤه به ثم حاكمهم إلى الواقع وهو أن الرسول نشأ بينهم وعاش عمرا طويلا فيهم حتى عرفوا حديثه وأسلوبه وأنه مهما حلق في سماء البلاغة فبينه وبين حديث القرآن وأسلوبه بعد ما بين مكانة الخالق وأفضل الخلق وأنه ما كان ينبغي أن يفتري الكذب على الله ويدعي أنه أوحى إليه ولم يوح إليه على حين أنه معروف بينهم بأنه الصادق الأمين فما كان ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله ثم أعلن القرآن أخيرا أن هذا الطلب إهمال منهم لمقتضى العقل والنظر وانحطاط إلى دركة الحيوان والحجر إذ قال لهم: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .","vol":"2","page":148},{"text":"وإذا كان هذا مبلغ نعي القرآن على طلاب بدل للقرآن أو مثيل له من الرسول ﷺ الأعظم وهو أفصح الناس لسانا وبيانا وأعلمهم بمعاني القرآن ومقاصده وأعرفهم بإسرار الإسلام وروح تشريعه فما بالك بطلاب هذه الترجمة والساعين إليها ممن هل أقل شأنا من الرسول ﷺ مهما قيل في علمهم وفضلهم وجلالة قدرهم؟.\nالوجه الثالث أن محاولة هذه الترجمة تشجع الناس على انصرافهم عن كتاب ربهم مكتفين ببدل أو أبدال يزعمونها ترجمات له وإذا امتد الزمان بهذه الترجمات فسيذهب عنها اسم الترجمة ويبقى اسم القرآن وحده علما عليها ويقولون هذا قرآن بالانجليزية وذاك قرآن بالفرنسية وهكذا ثم يحذفون هذا المتعلق بعد يجتزئون بإطلاق لفظ القرآن على الترجمة ومن كان في شك فليسأل متعارف الأمم فيما بين أيديهم من ترجمات وما لنا نذهب بعيدا فلنسائل أنفسنا نحن ما بالنا نقول بملء فمنا هذه رواية ماجدولين لترجمتها العربية والأصل فرنسي وهذا إنجيل برنابا أو يوحنا لترجمتهما العربية والأصل غير عبري إلى غير ذلك من إطلاقاتنا الكثيرة على ترجمات شتى في الدين والعلم والأدب والقوانين والوثائق ونحوها.\nوهاك شاهدا أبلغ من ذلك كله جاء في ملحق لمجلة الأزهر أن أهالي جاوه المسلمين يقرؤون الترجمة الإفرنجية ويقرئونها أولادهم ويعتقدون أن ما يقرؤون هو القرآن الصحيح اهـ فقل لي بربك ما الذي يمنع كل قطر من الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية إذن أن يكون له قرآن من هذا الطراز لو ذهبنا إلى القول بجواز هذه الترجمة وهل تشك بعد ذلك في حرمة كل ما يؤدي إلى صرف الناس عن كتاب الله وإلى تفرقهم عنه وضلالهم في مسماه؟.\nالوجه الرابع أننا لو جوزنا هذه الترجمة ووصل الأمر إلى حد أن يستغني الناس عن القرآن بترجمانه لتعرض الأصل العربي للضياع كما ضاع الأصل العبري للتوراة","vol":"2","page":149},{"text":"والإنجيل وضياع الأصل العربي نكبة كبرى تغري النفوس على التلاعب بدين الله تبديلا وتغييرا ما دام شاهد الحق قد ضاع ونور الله قد أنطفأ والمهيمن على هذه الترجمات قد زال لا قدر الله ولا ريب أن كل ما يعرض الدين للتغيير والتبديل وكل مل يعرض القرآن للإهمال والضياع حرام بإجماع المسلمين.\nالوجه الخامس أننا إذا فتحنا باب هذه الترجمات الضالة تزاحم الناس عليها بالمناكب وعملت كل أمة وكل طائفة على أن تترجم القرآن في زعمها بلغتها الرسمية والعامية ونجم عن ذلك ترجمات كثيرات لا عداد لها وهي بلا شك مختلفة فيما بينها فينشأ عن ذلك الاختلاف في الترجمات خلاف حتمي بين المسلمين أشبه باختلاف اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل وهذا الخلاف يصدع بناء المسلمين ويفرق شملهم ويهيء لأعدائهم فرصة للنيل منهم ويوقظ بينهم فتنة عمياء كقطع الليل المظلم فيقول هؤلاء لأولئك قرآننا خير من قرآنكم ويرد أولئك على هؤلاء تارة بسب اللسان وأخرى بحد الحسام ويخرون ضحايا هذه الترجمات بعد أن كانوا بالأمس إخوانا يوحد بينهم القرآن ويؤلف بينهم الإسلام وهذه الفتنة لا أذن بها الله أشبه بل هي أشد من الفتنة التي أوجس خيفة منها أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأمر بسببها أن تحرق جميع المصاحف الفردية وأن يجتمع المسلمون على تلك المصاحف العثمانية الإجماعية.\nالوجه السادس أن قيام هذه الترجمات الآثمة يذهب بمقوم كبير من مقومات وجود المسلمين الاجتماعي كأمة عزيزة الجناب قوية السناد ذلك أنهم سيقنعون غدا بهذه الترجمات كما قلنا ومتى قنعوا بها فسيستغنون لا محالة عن لغة الأصل وعلومها وآدابها وأنت تعلم التاريخ يشهد أنها رباط من أقوى الروابط فيما بينها وكان لهذا الرباط أثره الفعال العظيم في تدعيم وحدة الأمة وبنائها حين كانوا يقرؤون القرآن نفسه ويدرسون من أجله علوم لغته العربية وآدابها تذرعا إلى حسن أدائه وفهمه حتى خدموا هذه العلوم ونبغوا فيها ولمع في سمائها رجال من الأعجام بزوا كثيرا من أعلام","vol":"2","page":150},{"text":"العرب في خدمتها وخدمة كتاب الله وعلومه بها وبهذا قامت اللغة العربية لسانا عاما للمسلمين ورابطا مشتركا بينهم على اختلاف أجناسهم ولغاتهم الإقليمية بل ذاب كثير من اللغات الإقليمية في هذه اللغة الجديدة لغة القرآن الكريم.\nوإن كنت في ريب فسائل التاريخ عن وحدة المسلمين وعزتهم يوم كانت اللغة العربية صاحبة الدولة والسلطان في الأقطار الإسلامية شرقية وغربية عربية وعجمية يوم كانت لغة التخاطب بينهم ولغة المراسلات ولغة الأذان والإقامة والصلوات ولغة الخطابة في الجمع والأعياد والجيوش والحفلات ولغة المكاتبات الرسمية بين خلفاء المسلمين وأمرائهم وقوادهم وجنودهم ولغة مدارسهم ومساجدهم وكتبهم ودواوينهم.\nونحن في هذا العصر الذي زاحمتنا فيه اللغات الأجنبية وصارت جربا على لغتنا العربية حتى تبلبلت ألسنتنا وألسنة أبنائنا وخاصتنا وعامتنا يتأكد علينا أمام هذا الغزو اللغوي الجائح أن نحشد قوانا لحماية لغتنا والدفاع عن وسائل بقائها وانتشارها وفي مقدمة هذه الوسائل إبقاء القرآن على عربيته والضرب على أيدي العاملين على ترجمته وما ينبغي لنا أن نحطب في حبلهم ولا أن نسايرهم في قياس ترجمة القرآن بهذا المعنى على ترجمة غيره في الجواز والإمكان فأين الثرى من الثريا وأين كلام العبد العاجز من كلام الله المعجز وما أشبه هؤلاء بالمفتونين من أمة موسى حين جاوز الله بهم البحر وأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ نَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ !.\nجاء في كتاب الرسالة للشافعي ما خلاصته إنه يجب على غير العرب أن يكونوا تابعين للسان العرب وهو لسان رسول الله ﷺ جميعا كما يجب أن يكونوا تابعين له دينا وأن الله تعالى قضى أن ينذروا بلسان العرب خاصة ثم قال فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويتلو به كتاب الله وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير","vol":"2","page":151},{"text":"وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك وكلما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرا له.\nوجاء في كتاب الرسالة أيضا أن المسور بن مخرمة رأى رجلا أعجمي أراد أن يتقدم للصلاة فمنعه المسور بن مخرمة وقدم غيره ولما سأله عمر ﵁ في ذلك قال له إن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج فخشيت أن يسمع بعض الحاج قراءته فيأخذ بعجمته فقال له عمر أصبت وقال الشافعي لقد أحببت ذلك اهـ قال في الكشاف الأعجمي من لا يفهم كلامه للكنته أو لغرابة لغته فجاز أن يكون لسانه ألكن أو تكون لغته غريبة.\nالوجه السابع أن الأمة أجمعت على عدم جواز رواية القرآن بالمعنى وأنت خبير بأن ترجمة القرآن بهذا المعنى العرفي تساوي روايته بالمعنى فكلتاهما صيغة مستقلة وافية بجميع معاني الأصل ومقاصده لا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية فالرواية بالمعنى لغتها لغة الأصل وهذه الترجمة لغتها غير لغة الأصل وعلى هذا يقال إذا كانت رواية القرآن بالمعنى في كلام عربي ممنوعة إجماعا فهذه الترجمة ممنوعة كذلك قياسا على هذا المجمع عليه بل هي أحرى بالمنع للاختلاف بين لغتها ولغة الأصل.\nالوجه الثامن أن الناس جميعا مسلمين وغير مسلمين تواضعوا على أن الأعلام لا يمكن ترجمتها سواء أكانت موضوعة لأشخاص من بني الإنسان أم لأفراد من الحيوان أم لبلاد وأقاليم أم لكتب ومؤلفات حتى إذا وقع علم من هذه الأعلام أثناء ترجمة ما ألفيته هو هو ثابتا لا يتغير عزيزا لا ينال متمتعا بحصانته العلمية لا ترزؤه الترجمة شيئا ولا تنال منه منالا وما ذاك إلا لأن واضعي هذه الأعلام قصدوا ألفاظها بذاتها واختاروها دون سواها للدلالة على مسمياتها فكذلك القرآن الكريم علم رباني قصد الله سبحانه ألفاظه دون غيرها وأساليبه دون سواها لتدل على هداياته وليؤيد بها","vol":"2","page":152},{"text":"رسوله وليتعبد بتلاوتها عباده وكان سبحانه حكيما في هذا التخصيص والاختيار لمكان الفضل والامتياز في هذه الأساليب والألفاظ المختارة.\nومن تفقه في أساليب اللغة العربية وعرف أن لخفة الألفاظ على الأسماع وحسن جرسها في فصاحة الكلام وبلاغته أيقن أن القرآن فذ الأفذاذ في بابه وعلم الأعلام في بيانه لأن ما فبه من الأساليب البلاغية والموسيقى اللفظية أمر فاق كل فوق وخرج عن كل طوق: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ فأنى لمخلوق بعد هذا أن يحاكيه بترجمة مساوية أو مماثلة: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .","vol":"2","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>دفع الشبهات الواردة على منع هذه الترجمة</span>\nالشبهة الأولى ودفعها:\nيقولون: إن تبليغ هداية القرآن إلى الأمم الأجنبية واجب لما هو معروف من أن الدعوة إلى الإسلام عامة لا تختص بجيل ولا بقبيل وهذا التبليغ الواجب يتوقف على ترجمة القرآن لغير العرب بلغاتهم لأنهم لا يحذقون لغة العرب بينما القرآن عربي وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ونجيب على هذه الشبهة\nأولا بأن هذا التبليغ لا يتوقف على ترجمة القرآن لهم تلك الترجمة العرفية الممنوعة بل يمكن أن يحصل بترجمته على المعنى اللغوي السالف وهو تفسيره بغير لغته على ما شرحناه آنفا ويمكن أن يكون بتبليغهم هداية القرآن وتعاليمه ومحاسن الإسلام ومزاياه ودفع الشبهات التي تعترضهم في ذلك إما بمحادثات شفهية وإنما بمؤلفات على شكل رسائل تنشر أو مجلات تذاع أو كتب تطبع يختار الداعي من ذلك ما هو أنسب بحال المدعوين وما هو أيسر له وأنجح لدعوته فيهم.","vol":"2","page":153},{"text":"ثانيا أن الله تعالى لم يكلفنا بالمستحيل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقد أشبعنا القول في بيان استحالة ترجمة القرآن بذلك المعنى العرفي استحالة عادية فواضح ألا يكلفنا الله إياها.\nثالثا أن القول بوجوب هذه الترجمة يستلزم المحال وهو التناقض في أحكام الله تعالى ذلك أن الله حرمها كما تقرر من قبل فكيف يستقيم القول بأنه أوجبها مع أن الحاكم واحد وهو الله ومحل الحكم واحد وهو الترجمة والمحكوم عليه واحد وهم المكلفون في كل زمان ومكان.\nرابعا أن الرسول ﷺ وهو أعرف الناس بأحكام الله وأنشط الخلق في الدعوة إلى الله لم يتخذ هذه الترجمة وسيلة إلى تبليغ الأجانب مع أنه قد دعا العرب والعجم وكاتب كسرى وقيصر وراسل المقوقس والنجاشي وكانت جميع كتبه لهم عربية العبارة ليس فيها آية واحدة مترجمة فصلا عن ترجمة القرآن كله وكان كل ما في هذه الكتب دعوة صريحة جريئة إلى نبذ الشرك واعتناق التوحيد والاعتراف برسالته ﷺ ووجوب طاعته واتباعه وكان ﷺ يدفع كتبه هذه إلى سفراء يختارهم من أصحابه فيؤدونها على وجهها وهؤلاء الملوك والحكام قد يدعون تراجم يفسرونها لهم وقد يسألون السفراء ومن يتصل بهم عن تعاليم الإسلام وشمائل نبي الإسلام وصفات الذين اتبعوه ومدى نجاح هذه الرسالة مما عساه أن يلقي ضوءا على حقيقة الداعي ودعوته.\nانظر حديث هرقل في أوائل صحيح البخاري\nخامسا أن الصحابة رضوان الله عليهم وهم مصابيح الهدى وأفضل طبقة في سلف هذه الأمة الصالح وأحرص الناس على مرضاة الله ورسوله وأعرفهم بأسرار الإسلام وروح تشريعه ولم يفكروا يوما ما في هذه الترجمة فضلا عن أن يحاولوها أو يأتوها بل كان شأنهم شأن الرسول ﷺ الأعظم يدعون بالوسائل التي دعا بها على نشاط رائع","vol":"2","page":154},{"text":"عجيب في النشر والدعوة والفتح فلو كانت هذه الترجمة العرفية من مواجب الإسلام لكان أسرع الخلق إليها رسول الله وأصحابه ولو فعلوه لنقل وتواتر لأن مثله مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره.\nالشبهة الثانية ودفعها:\nيقولون إن كتبه إلى العظماء من غير العرب يدعوهم إلى الإسلام تستلزم إقراره على ترجمتها لأنها مشتملة على قرآن وهم أعجام ولأن الروايات الصحيحة ذكرت في صراحة أن هرقل وهو من هؤلاء المدعوين دعا ترجمانه فترجم له الكتاب النبوي وفيه قرآن.\nوالجواب أن هذه الكتب النبوية لا تستلزم إقرار الرسول ﷺ على تلك الترجمة العرفية الممنوعة بل هي إذا استلزمت فإنما تستلزم الإقرار على نوع جائز من الترجمة وهو التفسير بغير العربية لأن التفسير بيان ولو من وجه وهو كاف في تفهم مضمون الرسائل المرسلة على أن هذه الرسائل الكريمة لم تشتمل على القرآن كله ولا على آيات كاملة منه بل كل ما فيها مقتبسات نادرة جدا ولا ريب أن المقتبسات من القرآن ليس لها حكم القرآن.\nوهاكم نماذج تتبينون منها مبلغ هذه الحقيقة:\n١ - فكتابه ﷺ الذي أرسله مع دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل هذا نصه: \"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم.\nسلام على من أتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسين - أي الفلاحين- ويأهل الكتاب","vol":"2","page":155},{"text":"تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون\".\nفأنت ترى أن ما في هذا الكتاب من القرآن لم يبلغ آية تامة لأن الآية مبتدأة بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ولكن الكتاب حذف منه لفظ: ﴿قُلْ﴾ وزيد فيه حرف الواو والحذف والزيادة دليلان ماديان على الاقتباس\".\n٢ - وكتابه الذي بعث به مع عبد الله بن حذافة إلى كسرى هذا نصه: \"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس:\nسلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين أسلم تسلم فأن توليت فعليك إثم المجوس\".\nفأنت ترى في هذه الرسالة النبوية أنها اشتملت على كلمة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين على حين أن نص الآية في القرآن الكريم: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ وهذا دليل الاقتباس.\n٣ - وقل مثل ذلك في سائر رسائله ﷺ فإن كتابه إلى المقوقس هو نص كتابه إلى هرقل لا فرق بينهما إلا في كلمة الأريسيين إذا أبدلت بها كلمة القبط وإلا في اسم المرسل إليه ومكانته كما هو واضح.\n٤ - وكذلك كتابه إلى جيفر وعبد ملكي عمان ليس فيه إلا كلمة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين وهي التي في رسالته إلى كسرى١\n_________\n١ راجع ذلك ما كتبه الزرقاني على المواهب \"ص ٢٢٦ – ٣٦٩ ج ٣\" والسيرة الحلبية \"ص ٣٦٢ – ٣٧٨ ج ٢\". وكتاب العلم من صحيح البخاري.","vol":"2","page":156},{"text":"الشبهة الثالثة ودفعها:\nيقولون إن جميع المحذورات التي تخشى من الترجمة موجودة في التفسير باللفظ العربي نفسه وقد أجمعت الأمة على عدم التحاشي عن هذه المحذورات فيجب ألا يتحاشى عنها في الترجمة أصلا إذ لا فرق بين التعبير باللفظ العربي والتعبير بالفظ العجمي عن المراد بالآيات بعد أن يكون المعبر والمفسر والمترجم مستكملا للشروط والمؤهلات الواجبة لمن يعرض نفسه للتفسير والترجمة.\nوالجواب: أنهم إن أرادوا بالترجمة في كلامهم تلك الترجمة العرفية فقد بسطنا من وجوه المحذورات فيها ما جعلها حجرا محجورا وإثما محظورا ورسمنا من الفروق ما جعل بينها وبين التفسير بونا بعيدا سواء أكانت هي ترجمة حرفية أم تفسيرية وسواء أكان هو تفسيرا بلغة الأصل أم بغير لغة الأصل.\nوإن أرادوا بالترجمة في كلامهم تلك الترجمة اللغوية على معنى التفسير بلغة أجنبية فكلامهم في محل التسليم والقبول ولكن لا يجوز أن تخاطب العرف العالمي العام بهذا الإطلاق اللغوي الخاص بنا لأنه لا يعرفه.\nالشبهة الرابعة ودفعها:\nيقولون إن الترجمة العرفية للقرآن إذا تعذرت بالنسبة إلى معانيه التابعة فإنها تمكن بالنسبة إلى معانيه الأصلية وعلى هذا فلنترجم القرآن بمعنى أننا ننقل معانيه الأصلية وحدها لا سيما أنها هي المشتملة على الهداية المقصودة منه دون معانية التابعة.\nونجيب على هذه الشبهة أولا بأن نقل معاني القرآن الأصلية لا يسمى ترجمة للقرآن عرفا لأن مدلول ألفاظ القرآن مؤلف من المعاني الأصلية والتابعة فترجمته نقل معانية كلها لا فرق بين ما كان منها أوليا وما كان ثانويا ونقل مقاصده كلها كذلك ومحال","vol":"2","page":157},{"text":"نقل جميع هذا كما سبق وعلى هذا لا يجوز أن يعتبر مجرد نقل المعاني الأصلية دون التابعة ودون بقية مقاصده ترجمة له اللهم إلا إذا جاز أن تسمى يد الإنسان إنسانا ورجل الحيوان حيوانا.\nثم إن إطلاق الترجمة على هذا المعنى المراد لو كان مقصورا على قائليه ولم يتصل بالعرف العام لهان الخطب وسهل الأمر وأمكن أن يلتمس وجه للتجوز ولو بعيدا ولكن العرف الذي نخاطبه لا يفهم من كلمة ترجمة إلا أنها صورة مطابقة للأصل وافية بجميع معانيه ومقاصده لا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية فإذا نحن نقلنا المعاني الأصلية للقرآن وحدها ثم قلنا لأهل هذا العرف العالمي العام هذه هي ترجمة القرآن نكون قد ضللنا أهل هذا العرف من ناحية ثم نكون قد بخسنا القرآن حقه من الإجلال والإكبار من ناحية أخرى فزعمنا أن له مثلا يناصيه وشبيها يحاكيه على حين أن الذي جئنا به ما هو إلا صورة مصغرة لجزء منه وبين هذه الصورة وجلال الأصل مراحل شتى كالذي يصور الجزء الأسفل من إنسان عظيم ثم يقول للناس هذه صورة فلان العظيم.\nثانيا أن تلك المعاني التابعة الثانوية فياضة بهدايات زاخرة ومعارف واسعة فلا نسلم أن معاني القرآن الأولية وحدها هي مصدر هداياته وارجع إلى ما ذكرناه سابقا في هذا الصدد فإن فيه الكفاية.\nالشبهة الخامسة ودفعها:\nيقولون إن الذين ترجموا القرآن إلى اللغات الأجنبية غيروا معانيه وشوهوا جماله وأخطأوا أخطاء فاحشة فإذا نحن ترجمنا القرآن بعناية أمكن أن نصحح لهم تلك الأخطاء وأن نرد إلى القرآن الكريم اعتباره في نظر أولئك الذين يقرؤون تلك الترجمات الضالة وأن نزيل العقبات التي وضعت في طريقهم إلى هداية الإسلام وبذلك نكون قد أدينا رسالتنا في النشر والدعوة إلى هذا الدين الحنيف.","vol":"2","page":158},{"text":"ونجيب على هذا بأن الذين زعموا ترجموا القرآن ترجمة عربية شوهوا جماله وغضوا من مقامه باعترافكم فإن أنتم ترجمتم ترجمتهم وحاولتم محاولتهم فستقعون لا محالة في قريب مما وقعوا فيه وستمسون بدوركم عظمة هذا القرآن وجلاله مهما بالغتم في الحيطة وأمعنتم في الدقة ونبغتم في العلم وتفوقتم في الفهم لأن القرآن أعز وأمنع من أن تناله ريشة أي مصور كان من إنس أو جان كما بينا ذلك أوفى بيان.\nأما إذا حاولتم ترجمة القرآن على معنى تفسيره بلغة أجنبية فذلك موقف آخر نؤيدكم فيه ونوافقكم عليه وندعو القادرين إليه.\nالشبهة السادسة ودفعها:\nيقولون: جاء في صريح السنة ما يؤيد القول بجواز ترجمة القرآن فقد قال الشربنلالي في كتابهة النفحة القدسية ما نصه:\nروي أن أهل فارس كتبوا إلى سلمان أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكتب لهم: \"بسم الله الرحمن الرحيم بنام يزدان يحشايند\" فكانوا يقرؤون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم وبعد ما كتب عرضه على النبي ﷺ كذا في المبسوط قاله في النهاية والدراية.\nونجيب على هذا من وجوه أولها أن هذا خبر مجهول الأصل لا يعرف له سند فلا يجوز العمل به ثانيها أن الخبر لو كان لنقل وتواتر لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره ثالثها أنه يحمل دليل وهنه فيه ذلك أنهم سألوه أن يكتب لهم ترجمة الفاتحة فلم يكتبها لهم إنما كنب لهم ترجمة البسملة ولو كانت الترجمة ممكنة وجائزة لأجابهم إلى ما طلبوا وجوبا وإلا كان كاتما وكاتم العلم ملعون رابعها أن المتأمل في الخبر يدرك أن البسملة نفسها لم تترجم لهم كاملة لأن هذه","vol":"2","page":159},{"text":"الألفاظ التي ساقتها الرواية على أنها ترجمة للبسملة لم يؤت فيها بلفظ مقابل للفظ الرحمن وكأن ذلك لعجز اللغة الفارسية عن وجود نظير فيها لهذا الاسم الكريم. وهذا دليل مادي على أن المراد بالترجمة هنا الترجمةة اللغوية لا العرفية على فرض ثبوت الرواية خامسها أنه قد وقع اختلاف في لفظ هذا الخبر بالزيادة والنقص وذلك موجب لاضطرابه ورده والدليل على هذا الاضطراب أن النووي في المجموع نقله بلفظ آخر هذا نصه: \"إن قوما من أهل فارس طلبوا من سلمان أن يكتب لهم شيئا من القرآن فكتب لهم الفاتحة بالفارسية\".\nوبين هذه الرواية وتلك مخالفة ظاهرة إذ إن هذه ذكرت الفاتحة وتلك ذكرت البسملة بل بعض البسملة ثم إنها لم تعرض لحكاية العرض على النبي ﷺ أما تلك فعرضت له.\nسادسها أن هذه الرواية على فرض صحتها معارضة للقاطع من الأدلة السابقة القائمة على استحالة الترجمة وحرمتها ومعارض القاطع ساقط.","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>حكم قراءة الترجمة والصلاة بها</span>\nتكاد كلمة الفقهاء تتفق على منع قراءة ترجمة القرآن بأي لغة كانت فارسية أو غيرها وسواء أكانت قراءة هذه الترجمة في صلاة أم في غير صلاة لولا خلاف واضطراب في بعض نقول الحنفية.\nوإليك نبذا من أقوال الفقهاء على اختلاف مذاهبهم تتنور بها في ذلك.\nمذهب الشافعية:\n١ - قال في المجموع \"ص ٣٨٩ ج ٣\": مذهبنا أي – الشافعية - أنه لا تجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب سواء أمكنته العربية أم عجز عنها وسواء أكان في","vol":"2","page":160},{"text":"الصلاة أم في غيرها فإن أتى بترجمته في صلاة بدلا عنها لم تصح صلاته سواء أحسن القراءة أم لا وبه قال جماهير العلماء منهم مالك وأحمد وأبو داود.\n٢ - وقال الزركشي في البحر المحيط: لا تجوز ترجمة القرآن بالفارسية ولا بغيرها بل تجب قراءته على الهيئة التي يتعلق بها الإعجاز لتقصير الترجمة عنه ولتقصير غيره من الألسن عن البيان الذي خص به دون سائر الألسن.\n٣ - وجاء في حاشية ترشيح المستفيدين \"ص ٥٢ ج ١\": من جهل الفاتحة لا تجوز له أن يترجم عنها لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ والعجمي ليس كذلك وللتعبد بألفاظ القرآن.\n٤ - وجاء في الإتقان للسيوطي: لاتجوز قراءة القرآن بالمعنى لأن جبريل أداه باللفظ ولم يبح له إيحاؤه بالمعنى.\nمذهب المالكية:\n١ - جاء في حاشية الدسوقي على شرح الدردير للمالكية \"ص ٢٣٢ – ٢٣٦ ج ١\" لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية بل لا يجوز التكبير في الصلاة بغيرها ولا بمرادفه من العربية فإن عجز عن النطق بالفاتحة بالعربية وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها فإن أمكنه الائتمام ولم يأتم بطلت صلاته وإن لم يجد إماما سقطت عنه الفاتحة وذكر الله تعالى وسبحه بالعربية وقالوا على كل مكلف أن يتعلم الفاتحة بالعربية وأن يبذل وسعه في ذلك ويجهد نفسه في تعلمها وما زاد عليها إلا أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذر.\n٢ - وجاء في المدونة سألت ابن القاسم عمن افتتح الصلاة بالأعجمية وهو لا يعرف العربية ما قول مالك فيه فقال سئل مالك عن الرجل يحلف بالعجمية فكرة ذلك وقال أما يقرأ أما يصلي إنكار لذلك أي ليتكلم بالعربية","vol":"2","page":161},{"text":"لا بالعجمية قال وما يدريه الذي قال أهو كما قال أي الذي حلف به أنه هو الله ما يدريه أنه هو أم لا قال مالك أكره أن يدعو الرجل بالعجمية في الصلاة ولقد رأيت مالكا يكره العجمي أن يحلف ويستثقله قال ابن القاسم وأخبرني مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى عن رطانة الأعاجم وقال إنها خب أي خبث وغش.\nمذهب الحنابلة:\n١ - قال في المغني \"ص ٥٢٦ ج ١\" ولا تجزئه القراءة بغير العربية ولا إبدال لفظ عربي سواء أحسن القراءة بالعربية أم لم يحسن ثم قال فإن لم يحسن القراءة بالعربية لزمه التعلم فإن لم يفعل مع القدرة عليه لم تصح صلاته.\n٢ - وقال ابن حزم الحنبلي في كتابه المحلى \"ص ٢٥٤ ج ٣\" من قرأ أم القرآن أو شيئا مها أو شيئا من القرآن في صلاته مترجما بغير العربية أو بألفاظ عربية غير الألفاظ التي انزل الله تعالى عامدا لذلك أو قدم كلمة أو أخرها عامدا لذلك بطلت صلاته وهو فاسق لأن تعالى قال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وغير العربي ليس عربيا فليس قرآنا وإحالة عربية القرآن تحريف لكلام الله وقد ذم الله تعالى من فعلوا ذلك فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ .\nومن كان لا يحسن العربية فليذكر الله تعالى بلغته لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ولا يحل له أن يقرأ أم القرآن ولا شيئا من القرآن مترجما على أنه الذي افترض عليه أن يقرأه لأنه غير الذي افترض عليه كما ذكرنا فيكون مفتريا على الله.\nمذهب الحنفية\nاختلفت نقول الحنفية في هذا المقام واضطرب النقل بنوع خاص عن الإمام ونحن نختصر لك الطريق بإيراد كلمة فيها تلخيص للموضوع وتوفيق بين النقول اقتطفناها من","vol":"2","page":162},{"text":"مجلة الأزهر \"ص ٣٢ و٣٣ و٦٦ و٦٧ من المجلد الثالث\" بقلم عالم كبير من علماء الأحناف إذ جاء فيها باختصار وتصرف ما يلي:\nأجمع الأئمة على أنه لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية خارج الصلاة ويمنع فاعل ذلك أشد المنع لأن قراءته بغيرها من قبيل التصرف في قراءة القرآن بما يخرجه عن إعجازه بل بما يوجب الركاكة.\nوأما القراءة في الصلاة بغير العربية فتحرم إجماعا للمعنى المتقدم لكن لو فرض وقرأ المصلي بغير العربية أتصح صلاته أم تفسد؟.\nذكر الحنفية في كتبهم أن الأمام أبا حنيفة كان يقول أولا إذا قرأ المصلي بغير العربية مع قدرته عليها اكتفى بتلك القراءة ثم رجع عن ذلك وقال متى كان قادرا على العربية ففرضه قراءة النظم العربي ولو قرأ بغيرها فسدت صلاته لخلوها من القراءة مع قدرته عليها والإتيان بما هو من جنس كلام الناس حيث لم يكن المقروء قرآنا ورواية رجوع الإمام هذه تعزى إلى الأقطاب في المذهب ومنهم نوح ابن مريم وهو من أصحاب أبي حنيفة ومنهم علي بن الجعد وهو من أصحاب أبي يوسف ومنهم أبو بكر الرازي وهو شيخ علماء الحنفية في عصره بالقرن الرابع.\nولا يخفى أن المجتهد إذا رجع عن قوله لا يعد ذلك المرجوع عنه قولا له لأنه لم يرجع عنه إلا بعد أن ظهر له أنه ليس بصواب وحينئذ لا يكون في مذهب الحنفية قول بكفاية القراءة بغير العربية في الصلاة للقادر عليها فلا يصخ التمسك به ولا النظر إليه لا سيما أن إجماع الأئمة ومنهم أبو حنيفة صريح في أن القرآن اسم للفظ المخصوص الدال على المعنى لا للمعنى وحده.\nأما العاجز عن قراءة القرآن بالعربية فهو كالأمي في أنه لا قراءة عليه ولكن إذا فرض أنه خالف وأدى القرآن بلغة أخرى فإن كان ما يؤديه قصة أو أمرا أو نهيا فسدت","vol":"2","page":163},{"text":"صلاته لأنه متكلم بكلام وليس ذكرا وإن كان ما يؤديه ذكرا أو تنزيها لا تفسد صلاته لأن الذكر بأي لسان لا يفسد الصلاة لا لأن القراءة بترجمة القرآن جائزة فقد مضى القول بأن القراءة بالترجمة محظورة شرعا على كل حال.","vol":"2","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>توجيهات وتعليقات</span>\nجاء في كلام بعض الأئمة وأقطاب علماء الأمة ما أوقع بعض كبار الباحثين في اشتباه لذلك نرى إتماما للبحث وتمحيصا للحقيقة أن نسوق نماذج من هذا الكلام ثم نتبعها بما نعتقد توجيها لها أو تعليقا عليها.\n١ - كلمة للإمام الشافعي\nجاء في كتاب الأم للشافعي ﵀ تحت عنوان إمامة الأعجمي \"ص ١٤٧ ج ١\" ما نصه وإذا ائتموا به فإن أقاما معا أم القرآن ولحن أو نطق أحدهما بالأعجمية أو لسان أعجمي في شيء من القرآن غيرها أجزأته ومن خلفه صلاتهم إذا كان أراد القراءة لما نطق به من عجمة ولحن فإن أراد به كلاما غير القراءات فسدت صلاته اهـ.\nقالوا في بيان مراد الشافعي من كلمته هذه ومراده أن الإمام والمؤتم إذا أحسسنا قراءة الفاتحة ثم لحن أو نطق أحدهما بلهجة أعجمية أو لغة أعجمية في شيء من القرآن غير الفاتحة لا تبطل صلاتهما والمراد من الأعجمية اللهجة ومن اللسان اللغة كما هو استعماله في هذه المواطن فهذا النص يدل على أن اللسان الأعجمي بعد قراءة المفروض عنده وهو الفاتحة لا يبطل الصلاة وهو موافق للحنفية في هذا اهـ.","vol":"2","page":164},{"text":"ونقول توجيها لكلام الشافعي وتأييدا لما ذهبنا إليه قد أسلفنا الكلام في مذهب الحنفية فلا نعيده أما الذي ذكروه من أن هذا هو مراد الشافعي ﵀ فمسلم بيد أنه يحتاج إلى تكملة لا بد منها وهي أن عدم بطلان الصلاة في هذه الصورة مشروط بأن تقصد القراءة أما إذا كان المقصود كلاما غير القراءة فإنها تبطل ثم إن منشأ عدم البطلان ليس هو جواز قراءة غير الفاتحة بالأعجمية كما فهموا إنما منشؤه أن هذه القراءة، بالأعجمية وقعت في غير ركن وفي غير واجب للصلاة لما هو مقرر في مذهب الشافعية من أن قراءة ما زاد على الفاتحة ليس واجبا في الصلاة بحال وهذا لا ينافي أن القرءاة بالأعجمية محرمة كما سبق في نصوص الشافعية بين يديك وكما عرف من كلام الشافعي نفسه وقد أسلفناه قريبا ولهذه المسألة نظائر منها الصلاة في الأرض المغصوبة فإنها محرمة ومع حرمتها فإنها صحيحة ويؤيد حرمة القرءاة بالأعجمية أن الشافعي في كلامه هنا قد سوى بين اللحن والقراءة بالأعجمية ونظمهما في سلك واحد مع ما هو معلوم من أن اللحن في القرآن حرام بإجماع المسلمين.\n٢ - كلمة للمحقق الشاطبي\nقال الشاطبي وهو من أعلام المالكية \"في ص ٤٤، ٤٥ ج ٢\" من كتابه الموافقات تحت عنوان منع ترجمة القرآن ما نصه للغة العرب من حيث هي ألفاظ دالة على معان نظران أحدهما من جهة كونها ألفاظ وعبارات دالة على معان مطلقة وهي الدلالة الأصلية والثاني من جهة كونها ألفاظ وعبارات مقيدة دالة على معان خادمة وهي الدلالة التابعة فالجهة الأولى هي التي تشترك فيها الألسنة وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين ولا تختص بأمة دون أخرى فإنه إذا حصل في الوجود فعل لزيد مثلا كالقيام ثم أراد كل صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام تأتى له ما أراد من غير كلفة ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأولين ممن ليسوا من أهل اللغة العربية وحكاية كلامهم ويتأتى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها وهذا إشكال","vol":"2","page":165},{"text":"فيه وأما الجهة الثانية فهي التي يختص بها لسان العرب في تلك الحكاية وذلك الإخبار فإن كل خبر يقتضي في هذه الحالة أمورا خادمة لذلك الإخبار بحسب المخبر والمخبر عنه والمخبر به ونفس الإخبار في الحال والمساق ونوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء والإيجاز والإطناب وغير ذلك وبعد أن مثل الشاطبي لهذا بنحو ما مثلنا سابقا قال وبهذا النوع الثاني اختلفت العبارات وكثير من أقاصيص القرآن لأنه يأتي مساق القصة في بعض السور على وجه وفي بعضها على وجه آخر وفي ثالثة على وجه ثالث وهكذا ما تقرر فيه من الإخبار لا بحسب النوع الأول إلا إذا سكت عن بعض التفاصيل في بعض ونص عليه في بعض وذلك أيضا لوجه اقتضاه الحال والوقت وما كان ربك نسيا.\nثم قال إذا ثبت هذا فلا يمكن من اعتبر هذا الوجه الأخير أي الدلالة التابعة من الكلام أن يترجم كلاما العربي بكلام العجم فضلا عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربي إلا مع فرض استواء اللسانين في استعمال ما تقدم تمثيله ونحوه فإذا ثبت ذلك في اللسان المنقول إليه مع لسان العرب أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر وإثبات مثل هذا بوجه بين عسير.\nوقد نفي ابن قتيبة إمكان الترجمة في القرآن يعني على هذا الوجه الثاني فأما على الوجه الأول فهو ممكن ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معناه وكان ذلك جائزا باتفاق أهل الإسلام فصار هذا الاتفاق حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي اهـ ما أردنا نقله بتصرف طفيف.\nقالوا: هذا كلام مدلل وبحث موجه من عالم جليل محقق وأصولي نظار مدقق وهو ينطق بجواز ترجمة القرآن مع الدليل والبرهان.","vol":"2","page":166},{"text":"ونحن نقول إن كلام الشاطبي صريح في أن الممكن هو نقل المعاني الأصلية للقرآن دون التابعة وعلى هذا بإطلاقه لفظ ترجمة القرآن على ما أدى تلك المعاني الأصلية وحدها إطلاق لغوي محض لا نخالف فيه بل ندعو إليه ونشجع عليه مع التحفظات التي بسطناها فيما سلف.\nأما الترجمة العرفية وفيها يساق الحديث فإن الشاطبي لا يريدها قطعا ولا يذهب إلى القول بها لا في القرآن ولا في غير القرآن من النصوص الأدبية ولنا على ذلك أدلة خمسة نسوقها إليك.\nأولها أنه قال في لغة الواثق تلك الكلمة الصريحة إذا ثبت فلا يمكن من اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاما من الكلام العربي بكلام العجم فضلا عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربي.\nثانيها انه نقل في كلمته المذكورة عن ابن قتيبة أنه نفى إمكان الترجمة في القرآن على هذا الوجه الثاني ثم أقره على هذا النفي بهذا التوجيه.\nثالثها أنه مالكي المذهب والمالكية من أشد الناس تحرجا من الترجمة على ما علمت من نصوصهم السابقة.\nرابعها أنه تردد أثناء بحثه في الترجمة ترددا يدل على أنه لم يقطع برأي يخالف مذهبه إنما هو مجرد بحث فحسب أما الحكم فمسلم على حد قولهم البحث وارد والحكم مسلم والدليل على تردده ما جاء في الجزء الثاني من كتابه الموافقات إذ يقول إذا ثبت أن للكلام من حيث دلالته على المعنى جهتين كان من الواجب أن ينظر في الوجه الذي تستفاد منه الأحكام هل يختص بجهة المعنى الأصلي أو يعم الجهتين أما استفادتها من الجهة الأولى فلا خلاف فيه وأما استفادتها من الجهة الثانية فهو محل تردد ولكل واحد من الطرفين وجهة من النظر ثم قال قد تبين تعارض الأدلة في المسألة وظهر","vol":"2","page":167},{"text":"ان الأقوى من الجهتين جهة المانعين استفادة الأحكام منها لكن بقي فيها نظر آخر ربما إخال أن لها دلالة على معان زائدة على المعنى الأصلي هي آداب شرعية وتخلقات حسنه فيكون لها اعتبار في الشريعة فلا تكون الجهة الثانية خالية الدلالة جملة وعند ذلك يشكل القول بالمنع مطلقا اهـ مختصرا.\nأرأيت هذا التردد كله ثم أرأيت كيف أخطأه التوفيق في أن يجزم كما جزمنا باستفادة أنواع الهدايات الإسلامية من جهة المعاني الثانوية للقرآن الكريم على نحو ما فصلناه تفصيلا ومثلنا له تمثيلا والكمال لله وحده.\nخامسها أنه قال في الجزء الثاني من كتابه الموافقات أيضا \"ص ٤٢\" إن القرآن أنزل بلسان العرب فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة ثم قال فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهمه ولا سبيل إلى تفهمه من غير هذه الجهة.\nوذلك برهان يدل على أن ترجمة القرآن في نظره لا يمكن أن تفي بهداياته ومقاصده وأن طالب فهمه لا طريق له إلا أن ينتقل هو إلى القرآن ولغته فيدرسه على ضوء ما تقرر من قواعد هذه اللغة وأساليبها ولا سبيل إلى هذه الدراسة طبعا إلا بحذق هذه اللغة وعلومها.\n٣ - كلمة لحجة الإسلام الغزالي\nجاء في حديث المستصفى للغزالي \"١٦٩ ج ١\" ما نصه ويدل على جوازه أي جواز رواية الحديث بالمعنى للعالم الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم فإذا جاز إبدال العربية بعجمية ترادفها فلأن يجوز إبدال عربية بعربية ترادفها وتساويها أولى وكذلك كان سفراء رسول الله ﷺ في البلاد يبلغونهم أوامره بلغتهم وهذا لأنا نعلم ألا تعبد في اللفظ وإنما المقصود فهم المعنى وإيصاله إلى الخلق وليس بذلك كالتشهد والتكبير وما تعبد فيه باللفظ. اهـ.","vol":"2","page":168},{"text":"قالوا إن هذه العبارة بعمومها تتناول القرآن والسنة لأنهما أساس الشرع فترجمتهما إذن جائزة والكتاب كالسنة في هذا الجواز.\nونحن نقول إن عبارة الغزالي هذه تأبى هذا الاستنتاج من وجوه أولها ما حكاه من الإجماع في هذا المقام ومعلوم أن الإجماع لم ينعقد أبدا على جواز ترجمة القرآن بل كاد ينعقد على عدم الجواز كما مر بك قريبا.\nثانيها أن سفراء الرسول ﷺ وهم الذين ساقهم الغزالي هنا مساق الاستدلال لم يترجموا القرآن للأعاجم ولو ترجموه لنقل تواترا لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره إنما كانوا يترجمون تعاليم الإسلام وأوامر الرسول ﷺ كما ذكر الغزالي نفسه.\nثالثها أن الغزالي في عبارته المسطورة قد صرح بأن ما تعبدنا الله فيه باللفظ لا تجوز روايته بالمعنى وعلى هذا لا يجوز أن يترجم بالأولى ولا ريب أن القرآن الكريم متعبد بلفظه إجماعا فلا يجوز أن يروى بالمعنى ولا أن يترجم أبدا.\nأن عبارة الغزالي في كتابه الوجيز \"ص ٢٦ ٢٧\" موافقة بالنص لما جاء في كتب الشافعية إذ يقول لا تقوم ترجمة الفاتحة مقامها ولا تجزئ الترجمة للعاجز عن العربية وعبارته في كتابه إلجام العوامو \"ص ١٤ – ١٩\" يذهب فيها مذهب المتشددين فيقول بوجوب إبقاء أسماء الله وصفاته والمتشابه من الحديث على ما هي عليه وعدم النطق بها وبألفاظ القرآن بغير العربية.","vol":"2","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>موقف الأزهر من ترجمة القرآن الكريم</span>\nمنذ بضع سنوات اتجه الأزهر اتجاها قويا إلى بحث موضوع ترجمة القرآن الكريم وانتهى الأمر بعد طول النقاش والحوار إلى أن وقررت مشيخته الجليلة ترجمة تفسيره","vol":"2","page":169},{"text":"وتألفت بالفعل لجنة من خيره علمائه ورجالات وزارة المعارف لوضع تفسير عربي دقيق للقرآن تمهيدا لترجمته ترجمة دقيقة بزساطة لجنة فنية مختارة وقد اجتمعت لجنة التفسير بضع مرات برياسة العلامة الباحث مفتي مصر الأكبر وكان نمن أثر هذه الاجتماعات أن وضعت دستورا تلتزمه في عملها العظيم ثم بعثت بهذا الدستور إلى كبار العلماء والجماعات الإسلامية في الأقطار الأخرى لتستطلعم آراءهم في هذا الدستور رغبة منها في أن يخرج هذا التفسير العربي في صورة ما أجمع عليه إلا يكنه.\nوبما أن هذا الدستور قد حوى من ألوان الحيطة والحذر ما يتفق وجلال الغاية فإنا نعرض عليك هنا مواده وقواعده لتضيفها أنت إلى ما أبديناه من التحفظات السابقة وها هي تلك القواعد كما جاءت في مجلة الأزهر \"٦٤٨،٦٤٩.من المجلد السابع\":\n١ - أن يكون التفسير خاليا ما أمكن من المصطلحات والمباحث العلمية إلا ما استدعاه فهم الآية.\n٢ - ألا يتعرض فيه للنظريات العلمية فلا يذكر مثلا التفسير العلمي للرعد والبرق عند آية فيها رعد وبرق ولا رأي الفلكيين في السماء والنجوم عند آية فيها سماء ونجوم إنما تفسير الآية بما يدل عليه اللفظ العربي ويوضح موضع العبرة والهداية فيها.\n٣ - إذا مست الحاجة إلى التوسع في تحقيق بعض المسائل وضعته اللجنة في حاشية التفسير.\n٤ - ألا تخضع اللجنة إلا لما عليه الآية الكريمة فلا تتقيد بمذهب معين من المذاهب الفقهية ولا مذهب معين من المذاهب الكلامية وغيرها ولا تتعسف في تأويل آيات المعجزات وأمور الآخرة ونحو ذلك.","vol":"2","page":170},{"text":"٥ - أن يفسر القرآن بقراءة حفص ولا يتعرض لتفسير قراءات أخرى إلا عند الحاجة إليها.\n٦ - أن يجتنب التكلف في ربط الآيات والسور بعضها ببعض.\n٧ - أن يذكر من أسباب النزول ما صح بعد البحث وأعان على فهم الآية.\n٨ - عند التفسير تذكر الآية كاملة أو الآيات إذا كانت كلها مرتبطة بموضوع واحد ثم تحرر معاني الكلمات وفي دقة ثم تفسر معاني الآية أو الآيات مسلسلة في عبارة واضحة قوية ويوضع سبب النزول والربط وما يؤخذ من الآيات في الوضع المناسب.\n٩ - ألا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الآيات.\n١٠ - يوضع في أوائل كل سورة ما تصل إليه اللجنة من بحثها في السورة أمكية هي أم مدينة وماذا في السورة المكية من آيات مدنية والعكس.\n١١ - توضع للتفسير مقدمة في التعريف بالقرآن وبيان مسلكه في كل ما يحتويه من فنونه كالدعوة إلى الله وكالتشريع والقصص والجدل ونحو ذلك كما يذكر فيها منهج اللجنة في تفسيرها\nطريقة التفسير:\nورأت اللجنة بعد ذلك أن تضع قواعد خاصة بالطريقة التي تتبعها في تفسير معاني القرآن الكريم ننشرها فيما يلي:\n١ - تبحث أسباب النزول والتفسير بالمأثور فتفحص مروياتها وتنقد ويدون الصحيح منها بالتفسير مع بيان وجه قوة القوي وضعف الضعيف من ذلك.","vol":"2","page":171},{"text":"٢ - تبحث مفردات القرآن الكريم بحثا لغويا وخصائص التراكيب القرآنية بحثا بلاغيا وتدون.\n٣ - تبحث آراء المفسرين بالرأي والتفسير بالمأثور ويختار ما تفسر الأية به مع بيان وجه رد المردود وقبول المقبول.\n٤ - وبعد ذلك كله يصاغ التفسير مستوفيا ما نص على استيفائه في الفقرة الثانية من القواعد السابقة وتكون هذه الصياغة بأسلوب مناسب لإفهام جمهرة المتعلمين خال من الإغراب والصنعة.","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>فذلكة المبحث</span>\nلقد انتهى بنا هذا المبحث كما ترى إلى حقائق مهمة اعتقد أنها إذا روعيت بإنصاف أزالت خلاف المختلفين في هذا الموضوع أو جعلته خلافا لفظيا لا يليق أن يكون مثارا لجدال ولا مجالا لنزاع فترجمة القران حرفية كانت أو تفسيرية غير تفسيره بلغة عربية أو أجنبية وتفسير القرآن بلغة أجنبية يساوي ترجمة التفسير العربي للقران الكريم وترجمة القران بالمعنى العرفي العام لا بد لتحقيقها من الوفاء بجميع معاني القران ومقاصده سواء أكانت ترجمه حرفية أم تفسيرية وما الفرق بين الحرفية والتفسيرية إلا شكلي هو مراعاة ترتيب الأصل ونظامه في الأولى دون الثانية وترجمه القران مشترك لفظي بين معان أربعة منها ما اتفقوا على جوازه وهو ترجمته بمعنى تبليغ ألفاظه وترجمته بمعنى تفسيره بلغة عربية ومنها ما يجب أن يتفقوا على منعه وهو ترجمته بمعنى نقله إلى لغة أجنبية مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده ومنها ما اختلف فيه ولكن الأدلة متضافرة على جوازه وهو ترجمته بمعنى تفسيره بلغة أجنبية مع استيفاء شروط التفسير والترجمة فيه ومع التحفظات التي أبديناها وأبدتها لجنة التفسير الأزهرية من قبل.","vol":"2","page":172},{"text":"وتعجبني لهذه المناسبة كلمة للزركشي في كتابه البحر المحيط أسوقها إليك في الختام إذ قال:\nمسألة لا يجوز ترجمة القرآن بالفارسية وغيرها بل يجب قراءته على هيئته التي يتعلق بها الإعجاز لتقصير الترجمة عنه ولتقصير غيره من الألسن عن البيان الذي خص به دون سائر الألسن قال الله تعالى: بلسان عربي مبين هذا لو لم يكن متحدى بنظمه وأسلوبه وإذا لم تجز قراءته بالتفسير العربي المتحدي بنظمه فأحرى ألا تجوز بالترجمة بلسان غيره ومن هنا قال القفال في فتاويه عندي أنه لا يقدر أحد أن يأتي بالقرآن بالفارسية قيل له فإذن لا يقدر أحد أن يفسر القرآن قال ليس كذلك لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن البعض أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله.\nوفرق غيره بين الترجمة والتفسير فقال يجوز تفسير الألسن بعضها ببعض لأن التفسير عبارة عما قام في النفس من المعنى للحاجة والضرورة والترجمة هي إبدال اللفظة بلفظة تقوم مقامها في مفهوم المعنى للسامع المعتبر لتلك الألفاظ فكأن الترجمة إحالة فهم السامع على الاعتبار والتفسير تعريف السامع بما فهم المترجم وهذا فرق حسن اهـ.\nأحسن الله لنا الخاتمة وجمعنا جميعا على الحق والرشد وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الرابع عشر: في النسخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>أهمية هذا المبحث:</span>\nلهذا المبحث أهمية خاصة وذلك من وجوه خمسة أولها أنه طويل الذيل كثير التفاريع متشعب المسالك.","vol":"2","page":173},{"text":"ثانيها أنه تناول مسائل دقيقة كانت مثارا لخلاف الباحثين من الأصوليين الأمر الذي يدعو إلى اليقظة والتدقيق وإلى حسن الاختيار مع الإنصاف والتوفيق.\nثالثها أن أعداء الإسلام من ملاحدة ومبشرين ومستشرقين قد اتخذوا من النسخ في الشريعة الإسلامية أسلحة مسمومة طعنوا بها في صدر الدين الحنيف ونالوا من قدسية القرآن الكريم ولقد أحكموا شراك شبهاتهم واجتهدوا في ترويج مطاعنهم حتى سحروا عقول بعض المنتسبين إلى العلم والدين من المسلمين فجحدوا وقوع النسخ وهو واقع وأمعنوا في هذا الجحود الذي ركبوا له أخشن المراكب من تمحلات ساقطة وتأويلات غير سائغة.\nرابعها أن الإلمام بالناسخ والمنسوخ بكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي ويطلع الإنسان على حكمة الله في تربيته للخلق وسياسته للبشر وابتلائه للناس مما يدل دلالة واضحة على أن نفس محمد النبي الأمي لا يمكن أن تكون المصدر لمثل هذا القرآن ولا المنبع لمثل هذا التشريع إنما هو تنزيل من حكيم حميد.\nخامسها أن معرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الإسلام وفي الاهتداء إلى صحيح الأحكام خصوصا إذا ما وجدت أدلة متعارضة لا يندفع التناقض بينها إلا بمعرفة سابقها من لاحقها وناسخها من منسوخها ولهذا كان سلفنا الصالح يعنون بهذه الناحية يحذقونها ويلفتون أنظار الناس إليها ويحملونهم عليها حتى لقد جاء في الأثر أن ابن عباس ﵄ فسر الحكمة في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ بمعرفة ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وورد أن عليا كرم الله وجهه دخل المسجد فإذا رجل يخوف الناس فقال ما هذا قالوا رجل يذكر الناس فقال ليس برجل يذكر الناس ولكنه يقول أنا فلان ابن فلان فاعرفوني فأرسل إليه فقال أتعرف الناسخ ومن المنسوخ قال لا قال فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه وروي أنه كرم الله وجهه مر على قاص","vol":"2","page":174},{"text":"فقال أتعرف الناسخ من المنسوخ قال لا قال هلكت وأهلكت يريد أنه عرض نفسه وعرض الناس للهلاك ما دام أنه لا يعرف الناسخ من المنسوخ.\nلهذه الوجوه الخمسة التي بسطناها يقتضينا الواجب أن نعنى بهذا المبحث وأن نسير فيه بقدر على حذر متوسعين فيما ينبغي التوسيع فيه مقتصدين فيما وراء ذلك وحسبنا الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>ما هو النسخ</span>؟\nالنسخ في اللغة:\nيطلق النسخ في لغة العرب على معنيين أحدهما إزالة الشيء وإعدامه ومنه قول الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ومنه قولهم نسخت الشمس الظل ونسخ الشيب الشباب ومنه تناسخ القرون والأزمان.\nوالآخر نقل الشيء وتحويله مع بقائه في نفسه وفيه يقول السجستاني من أئمة اللغة والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم وتناسخ الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك ومنه نسخ الكتاب لما فيه من مشابهة النقل وإليه الإشارة بقوله تعالى: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف ومن الصحف إلى غيرها اهـ.\nوقد اختلف العلماء بعد ذلك في تعيين المعنى الذي وضع له لفظ النسخ فقيل إن لفظ النسخ وضع لكل من المعنيين وضعا أوليا وعلى هذا يكون مشتركا لفظيا وهو الظاهر من تبادر كلا المعنيين بنسبة واحدة عند إطلاق لفظ النسخ وقيل إنه وضع المعنى الأول","vol":"2","page":175},{"text":"وحده فهو حقيقة فيه مجاز في الآخر وقيل عكس ذلك وقيل وضع للقدر المشترك بينهما ولكن هذه الآراء الأخيرة يعوزها الدليل ولا يخلو توجيهها من تكلف وتأويل\nالنسخ في الاصطلاح:\nلقد عرف النسخ في الاصطلاح بتعاريف كثيرة مختلفة لا نرى من الحكمة استعراضها ولا الموازنة بينها ونقدها وما دام الغرض منها كلها هو تصوير حقيقة النسخ في لسان الشرع فإننا نجتزئ بتعريف واحد نراه أقرب وأنسب وهو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي.\nومعنى رفع الحكم الشرعي قطع تعلقه بأفعال المكلفين لا رفعه هو فإنه أمر واقع والواقع لا يرتفع والحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين إما على سبيل الطلب أو الكف أو التخيير وإما على سبيل كون الشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا والدليل الشرعي هو وحي الله مطلقا متلوا أو غير متلو فيشمل الكتاب والسنة أما القياس والإجماع ففي نسخهما والنسخ بهما كلام تستقبله في موضع آخر.\nوقولنا رفع جنس في التعريف خرج عنه ما ليس برفع كالتخصيص فإنه لا يرفع الحكم وإنما يقصره على بعض أفراده وسيأتي بسط الفروق بين النسخ والتخصيص فانتظره.\nوقولنا الحكم الشرعي قيد أول خرج به ابتداء إيجاب العبادات في الشرع فإنه يرفع حكم العقل ببراءة الذمة وذلك كإيجاب الصلاة فإنه رافع لبراءة ذمة الإنسان منها قبل ورود الشرع بها ومع ذلك لا يقال له نسخ وإن رفع هذه البراءة لأن هذه البراءة حكم عقلي لا شرعي بمعنى أنه حكم يدل عليه العقل حتى من قبل مجيء الشرع ولا يقدح في كونه حكما عقليا أن الشرع جاء يؤيده بمثل قوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا.","vol":"2","page":176},{"text":"وقولنا بدليل شرعي قيد ثان خرج به رفع حكم شرعي بدليل عقلي وذلك كسقوط التكليف عن الإنسان بموته أو جنونه أو غفلته فإن سقوط التكليف عنه بأحد هذه الأسباب يدل عليه العقل إذ الميت والمجنون والعاقل لا يعقلون خطاب الله حتى يستمر تكليفهم والعقل يقضي بعدم تكليف المرء إلا بما يتعقله وأن الله تعالى إذا أخذ ما وهب أسقط ما وجب ولا يقدح في كون هذا الدليل عقليا مجيء الشرع معززا له بمثل قوله: \"رفع القلم عن ثلاث النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق\".\nتوجيهات أربعة:\nوإني أوجه نظرك في هذا التعريف إلى نقاط أربع:\nأولاها أن التعبير برفع الحكم يفيد أن النسخ لا يمكن أن يتحقق إلا بأمرين أحدهما أن يكون هذا الدليل الشرعي متراخيا عن دليل ذلك الحكم الشرعي المرفوع والآخر أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقي بحيث لا يمكن الجمع بينهما وإعمالهما معا أما إذا انتفى الأمر الأول ولم يكن ذلك الدليل الشرعي متراخيا عن دليل الحكم الأول فلا نسخ وذلك كقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإن الغاية المذكورة وهي قوله إلى الليل تفيد انتهاء حكم الصوم وهو وجوب إتمامه بمجرد دخول الليل ولكن لا يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء هذا الحكم إنها نسخ وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول وهو قوله ثم أتموا الصيام بل تعتبر الغاية المذكورة بيانا أو إتماما لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط فلا يكون رافعا وإنما يكون رافعا إذا ورد الدليل الثاني بعد أن ورد الحكم مطلقا واستقر من غير تقييد بحيث يدوم لولا الناسخ ولهذا زاد بعضهم تقييد الدليل الشرعي في تعريف الناسخ بالتراخي وزاد بعضهم كلمة على وجه لولاه","vol":"2","page":177},{"text":"لكان الحكم الأول ثابتا وقد علمت من هذا الذي ذكرناه أنه لا حاجة إلى هاتين الزيادتين بل هما تصريح بما علم من التعبير في التعريف بكلمة رفع وأما إذا انتفى الأمر الثاني بأن لم يكن بين الدليلين تعارض حقيقي فإنه لا نسخ لأن النسخ ضرورة لا يصار إليها إلا إذا اقتضاها التعارض الحقيقي دفعا للتناقض في تشريع الحكيم العليم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وحيث لا تعارض هناك على الحقيقة فلا حاجة إلى النسخ لأنه لا تناقض ولا ريب أن إعمال الدليلين ولو بنوع تأويل خير من إعمال دليل وإهدار آخر ولهذا حكم الغزالي في كتابه المستصفى بغلط من زعموا تعارضا وتوهموا نسخا بين قوله سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وبين الخبر الوارد بقبول شهادة الواحد واليمين معتمدين على ما ظهر لهم في الآية من أنها تدل على أنه لا حجة للحكم سوى المذكور فيها من شهادة اثنين مع أن هذا الظاهر لهم غير صحيح لأن الآية لا تدل إلا على كون الشاهدين حجة وعلى جواز الحكم بقولهما أما امتناع الحكم بحجة أخرى كما فهموا فلا تدل الآية عليه حتى يكون تعارض بينها وبين الخبر المذكور بل هو كالحكم بالإقرار وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود حجة أخرى.\nثانيتها أن التعريف المذكور يفيد أن النسخ لا يتوجه إلا إلى الحكم وهو كذلك في الواقع ونفس الأمر وتقسيمهم النسخ إلى نسخ تلاوة ونسخ حكم تقسيم صوري للإيضاح فحسب لأن ما أسموه نسخ تلاوة لم يخرج عن كونه نسخ حكم إذ أن نسخ تلاوة الآية لا معنى له في الحقيقة إلا نسخ حكم من أحكامها وهو رفع الإثابة على مجرد ترتيلها وصحة الصلاة بها ونحوهما.\nثالثتها أن هذا التعريف يشمل النسخ الواقع في الكتاب وفي السنة جميعا","vol":"2","page":178},{"text":"سواء أكانت السنة قولية أم فعلية أو وصفية أم تقريرية وسواء منها ما كان نبويا وما كان قدسيا لأنها كلها وحي بالفعل أو بالقوة والرسول ﷺ أقامه الله في محراب الإمامة لخلقه وجعله الأسوة الحسنة لعباده وأمر الجميع باتباعه فهو إذن لا يمكن أن يصدر فيما يشرع لأمته ابتداء أو نسخا إلا عن إيحاء الله إليه تصريحا أو تقريرا.\nمثال نسخ الكتاب بالكتاب قوله سبحانه: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ فإنها نسخت بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .\nومثال نسخ السنة بالسنة نسخ الوضوء مما مست النار بأكله ﷺ من الشاة ولم يتوضأ.\nرابعتها أن الإضافة في كلمة رفع الحكم الشرعي الواردة في تعريف النسخ من قبيل إضافة المصدر لمفعوله والفاعل مضمر وهو الله تعالى وذلك يرشد إلى أن الناسخ في الحقيقة هو الله كما يدل عليه قوله سبحانه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ ويرشد أيضا إلى أن المنسوخ في الحقيقة هو الحكم المرتفع وقد يطلق الناسخ على الحكم الرافع فيقال وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء وقد يطلق النسخ على دليله كذلك فيقال آية المواريث نسخت آية الوصية للوالدين والأقربين ويقال خبر أكل الرسول ﷺ من الشاة ولم يتوضأ ناسخ لخبر وضوئه مما مست النار وهلم والخطب في ذلك جد يسير.","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>ما لا بد منه في النسخ</span>\nولعلك تدرك مما سبق أنه لا بد في تحقق النسخ من أمور أربعة:\nأولها أن يكون المنسوخ حكما شرعيا.\nثانهيا أن يكون دليل رفع الحكم دليلا شرعيا.\nثالثها أن يكون هذا الدليل الرافع متراخيا عن دليل الحكم الأول غير متصل به كاتصال القيد بالمقيد والتأقيت بالمؤقت.\nرابعها أن يكون بين ذينك الدليلين تعارض حقيقي.\nتلك أربعة لا بد منها لتحقيق النسخ باتفاق جمهرة الباحثين وثمة شروط اختلفوا في شرطيتها منها أن يكون ناسخ القرآن قرآنا وناسخ السنة سنة ومنها كون النسخ مشتملا على بدل للحكم المنسوخ ومنها كون الناسخ مقابلا للمنسوخ مقابلة الأمر للنهي والمضيق للموسع ومنها كون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين إلى غير ذلك مما يطول شرحه وقد يأتيك نبؤه.","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>الفرق بين النسخ والبداء</span>\nالبداء بفتح الباء يطلق في لغة العرب على معنيين متقاربين.\nأحدهما الظهور بعد الخفاء ومنه قوله الله سبحانه: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ ومنه قولهم بدا لنا سور المدينة.\nوالآخر نشأة رأي جديد لم يك موجودا قال في القاموس وبدا له في الأمر بدوا وبداء وبداة أي نشأ له فيه رأي ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ","vol":"2","page":180},{"text":"بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي نشأ لهم في يوسف رأي جديد هو أن يسجن سجنا وقتيا بدليل قوله: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ولعل هذا المعنى الثاني هو الأنسب والأوفق بمذهب القائلين به قبحهم الله ولأن عباراتهم المأثورة عنهم جرت هذا المجرى في الاستعمال دون الاستعمال الأول كتلك الكلمة التي نسبوها كذبا إلى جعفر الصادق ﵁ ما بدا لله تعالى في شيء كما بدا له في إسماعيل.\nذانك معنيان متقاربان للبداء وكلاهما مستحيل على الله تعالى لما يلزمهما من سبق الجهل وحدوث العلم والجهل والحدوث عليه محالان لأن النظر الصحيح في هذا العالم دلنا على أن خالقه ومدبره متصف أزلا وأبدا بالعلم الواسع المطلق المحيط بكل ما كان وما سيكون وما هو كائن كما هدانا هذا النظر الصحيح إلى أنه تعالى لا يمكن أن يكون حادثا ولا محلا للحوادث وإلا لكان ناقصا يعجز عن أن يبدع هذا الكون ويدبره هذا التدبير المعجز ذلك إجمال لدليل العقل.\nأما أدلة النقل فنصوص فياضة ناطقة بأنه تعالى أحاط بكل شيء علما وأنه لا تخفى عليه خافية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ .\nإلى غير ذلك من مئات الآيات والأحاديث.\nولكن على رغم أنف هذه البراهين الساطعة من عقلية ونقلية ضل أقوام سفهوا أنفسهم فأغمضوا عيونهم عن النظر في كتاب الكون الناطق وصموا آذانهم عن","vol":"2","page":181},{"text":"سماع كلام الله وكلام نبيه الصادق وزعموا أن النسخ ضرب من البداء أو مستلزم للبداء وهكذا اشتبهوا أو شبهوا على الناس الأمر لولا ظهور مصلحة لله ونشوء رأي جديد له ما نسخ أحكامه وبدل تعاليمه ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض ما ظهر له أمر كان خافيا عليه وما نشأ له رأي جديد كان يفقده من قبل إنما كان سبحانه يعلم الناسخ والمنسوخ أزلا من قبل أن يشرعهما لعباده بل من قبل أن يخلق الخلق ويبرأ السماء والأرض إلا أنه جلت حكمته علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة وبمصلحة أخرى ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس وتتجدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم وأن الأحكام وحكمها والعباد ومصالحهم والنواسخ والمنسوخات كانت كلها معلومة لله من قبل ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى ما علم لعباده لا ظهور ذلك له على حد التعبير المعروف شؤون يبديها ولا يبتديها وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ .\nاجتمعت اليهود والرافضة على هذه الضلالة ضلالة استلزام النسخ للبداء لكنهم افترقوا بعد ذلك إلى ناحيتين خطيرتين فاليهود أنكروا النسخ وأسرفوا في الإنكار لاستلزامه في زعمهم البداء وهو محال وسنناقشهم الحساب فيما بعد إن شاء الله أما الرافضة فأثبتوا النسخ ثم أسرفوا في إثبات هذا البداء اللازم له في زعمهم ونسبوه إلى الله في صراحة ووقاحة: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ولقد رأيت كيف أبطلنا مزاعمهم بأدلة عقلية ونقلية ورأيت كيف فندنا شبهتهم التي زعموها دليلا وما هي بدليل إن هي إلا خلط في أوهام ومشي في غير سبيل وشتان شتان بين النسخ القائم على الحكمة ورعاية المصلحة وبين البداء المستلزم لسبق الجهل وطرو العلم!.\nبقي أنهم تمسحوا في أمرين أولهما قوله سبحانه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ","vol":"2","page":182},{"text":"وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ والجواب أنه لا مستند لهم في الآية الكريمة بل هي ترد عليهم كما ردت على أشباههم ممن عابوا النسخ على النبي ﷺ.\nومعناها أن الله يغير ما شاء من شرائعه وخلقه على وفق علمه وإرادته وحكمته وعلمه سبحانه لا يتغير ولا يتبدل إنما التغير في المعلوم لا في العلم بدليل قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي وعنده المرجع الثابت الذي لا محو فيه ولا إثبات وإنما يقع المحو والإثبات على وفقه فيمحو سبحانه شريعة ويثبت مكانها أخرى ويمحو حكما ويثبت آخر ويمحو مرضا ويثبت صحة ويمحو فقرا ويثبت غنى ويمحو حياة ويثبت موتا وهكذا تعمل يد الله في خلقه وتشريعاته تغييرا وتبديلا وهو الحق وحده لا يعروه تغيير ولا تبديل ولا يتطرق إلى علمه محو ولا إثبات.\nوخلاصة هذا التوجيه أن النسخ تبديل في المعلوم لا في العلم وتغيير في المخلوق لا في الخالق وكشف لنا وبيان عن بعض ما سبق به علم الله القديم المحيط بكل شيء ولهذا ذهب كثير من علمائنا إلى تعريف النسخ بأنه بيان انتهاء الحكم الشرعي الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي ثم قالوا توجيها لهذا الاختيار إن هذا التعريف دفعا ظاهرا للبداء وتقريرا لكون النسخ تبديلا في حقنا بيانا محضا في حق صاحب الشرع.\nالأمر الثاني أنهم تشبثوا بآثار نسبوها إلى أئمة طاهرين منها أن عليا كرم الله وجهه كان يقول لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة ومنها أن جعفر الصادق ﵁ قال: ما بدا الله تعالى في شيء كما بدا له في إسماعيل ومنها أن موسى بن جعفر قال: البداء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية.\nوندفع هذا بأنها مفتريات وأكاذيب كان أول من حاك شباكها الكذاب الثقفي الذي كان ينتحل لنفسه العصمة وعلم الغيب فإذا ما افتضح أمره وكذبته الأيام قال إن الله وعدني ذلك غير أنه بدا له فإذا أوجس في نفسه خيفة","vol":"2","page":183},{"text":"من أن يؤاخذه الناس وينتقموا منه على هذا الكفر الشنيع نسب تلك الكفريات إلى أعلام بيت النبوة وهم منها براء وهكذا كان اللعين وأشياعه يحتجون بكفر على كفر ويستدلون بكذب على كذب ويعالجون داء بداء ومن يضلل الله فما له من هاد نسأل الله السلامة بمنه وكرمه آمين.","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الفرق بين النسخ والتخصيص</span>\nقد عرفنا النسخ بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي وقد عرفوا التخصيص بأنه قصر العام على بعض أفراده وبالنظر في هذين التعريفين نلاحظ أن هناك تشابها قويا بين المعرفين فالنسخ فيه ما يشبه تخصيص الحكم ببعض الأزمان والتخصيص فيه ما يشبه رفع الحكم عن بعض الأفراد ومن هذا التشابه وقع بعض العلماء في الاشتباه فمنهم من أنكر وقوع النسخ في الشريعة زاعما أن كل ما نسميه نحن نسخا فهو تخصيص ومنهم من أدخل صورا من التخصيص في باب النسخ فزاد بسبب ذلك في عداد المنسوخات من غير موجب.\nلهذا نقيم لك فروقا سبعة بين النسخ والتخصيص تهديك في ظلمات هذا الاشتباه وتعصمك من أن تتورط فيما تورط فيه سواك.\nأولها أن العام بعد تخصيصه مجاز لأن مدلوله وقتئذ بعض أفراده مع أن لفظه موضوع للكل والقرينة هي المخصص وكل ما كان كذلك فهو مجاز أما النص المنسوخ فما زال كما كان مستعملا فيما وضع له غايته أن الناسخ دل على أن إرادة الله تعلقت أزلا باستمرار هذا الحكم إلى وقت معين وإن كان النص المنسوخ متناولا جميع الأزمان ويظهر ذلك جليا فيما إذا قال الشارع مثلا افعلوا كذا أبدا ثم نسخه بعد زمن قصير فإنه لا يعقل أن يكون مدلوله ذلك الزمن القصير دون غيره بل هو","vol":"2","page":184},{"text":"ما زال كما كان مستعملا في جميع الأزمان نصا بدليل قوله: ﴿أَبَدًا﴾ غير أن العمل بهذا النص الشامل لجميع الأزمان لفظا قد أبطله الناسخ لأن استمرار العمل بالنص مشروط بعدم ورود ناسخ ينسخه أيا كان ذلك النص وأيا كان ناسخه.\nفإن سأل سائل ما حكمة تأبيد النص لفظا بينما هو مؤقت في علم الله أزلا أجبناه بأن حكمته ابتلاء الله لعباده أيخضعون لحكمه مع تأبيده عليهم هذا التأبيد الظاهري أم لا فإذا ماز الله الخبيث من الطيب والمطمئن إلى حكمه من التمرد عليه جاء النسخ لحكمة أخرى من التخفيف ونحوه.\nثانيها أن حكم ما خرج بالتخصيص لم يك مرادا من العام أصلا بخلاف ما خرج بالنسخ فإنه كان مرادا من المنسوخ لفظا.\nثالثها أن التخصيص لا يتأتى أن يأتي على الأمر لمأمور واحد ولا على النهي لمنهي واحد أما النسخ فيمكن أن يعرض لهذا كما يعرض لغيره ومن ذلك نسخ بعض الأحكام الخاصة به ﷺ.\nرابعها أن النسخ يبطل حجية المنسوخ إذا كان رافعا للحكم بالنسبة إلى جميع أفراد العام ويبقى على شيء من حجيته إذا كان رافعا للحكم عن بعض أفراد العام دون بعض أما التخصيص فلا يبطل حجية العام أبدا بل العمل به قائم فيما بقي من أفراده بعد تخصيصه.\nخامسها أن النسخ لا يكون إلا بالكتاب والسنة بخلاف التخصيص فإنه يكون بهما وبغيرهما كدليل الحس والعقل هذا قوله الله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ قد خصصه قوله ﷺ: \"لا قطع إلا في ربع دينار\" وهذا قوله سبحانه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ قد خصصه ما شهد به الحس من سلامة السماء والأرض","vol":"2","page":185},{"text":"وعدم تدمير الريح لهما وهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قد خصصه ما حكم به العقل من استحالة تعلق القدرة الإلهية بالواجب والمستحيل العقليين.\nسادسها أن النسخ لا يكون إلا بدليل متراخ عن المنسوخ أما التخصيص فيكون بالسابق واللاحق والمقارن وقال قوم لا يكون التخصيص إلا بمقارن فلو تأخر عن وقت العمل بالعام كان هذا المخصص ناسخا للعام بالنسبة لما تعارضا فيه كما إذا قال الشارع: اقتلوا المشركين وبعد وقت العمل به قال ولا تقتلوا أهل الذمة ووجهة نظر هؤلاء أن المقصود بالمخصص بيان المراد بالعام فلو تأخر وقت العمل به لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك لا يجوز فلم يبق إلا اعتباره ناسخا.\nسابعها أن النسخ لا يقع في الأخبار بخلاف التخصيص فإنه يكون في الأخبار وفي غيرها.","vol":"2","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>النسخ بين مثبتيه ومنكريه</span>\nيذهب أهل الأديان مذاهب ثلاثة في النسخ:\nأولها: أنه جائز عقلا وواقع سمعا وعليه إجماع المسلمين من قبل أن يظهر أبو مسلم الأصفهاني ومن شايعه وعليه أيضا إجماع النصارى ولكن من قبل هذا العصر الذي خرقوا فيه إجماعهم وركبوا فيه رؤوسهم وهو كذلك رأي العيسوية وهم طائفة من طوائف اليهود الثلاث.\nثانيها أن النسخ ممتنع عقلا وسمعا وإليه جنح النصارى جميعا في هذا العصر وتشيعوا له تشيعا ظهر في حملاتهم المتكررة على الإسلام وفي طعنهم على هذا الدين القويم من هذا الطريق طريق النسخ وبهذه الفرية أيضا يقول الشمعونية وهم طائفة ثمانية من اليهود.","vol":"2","page":186},{"text":"ثالثها أن النسخ جائز عقلا ممتنعا سمعا وبه تقول العنانية وهي الطائفة الثالثة من طوائف اليهود ويعزى هذا الرأي إلى أبي مسلم الأصفهاني من المسلمين ولكن على اضطراب في النقل عنه وعلى تأويل يجعل خلافه لجمهرة المسلمين شبيها بالخلاف اللفظي إلا يكنه.\nذلك إجمالا لآراء المتدينين في النسخ وسنفصل القول فيها بما نعرضه عليك ففرغ له بالك ووجه إليه انتباهك ولنبدأ بتأييد المذهب الحق وعرض أدلته ثم لنبين حكمة الله فيه وبعد ذلك نستعرض المذاهب الأخرى وما استندت إليه على أنها شبهات ندفعها عن عرين الحق وأغشية نرفعها عن وجه الصواب.","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>أدلة ثبوت النسخ عقلا وسمعا</span>\nلأجل أن نثبت النسخ في مواجهة منكريه جميعا نقيم أدلة على جوازه العقلي وأدلة أخرى على وقوعه السمعي.\nأ - أدلة جواز النسخ عقلا.\nأما أدلة جوازه العقلي فأربعة إجمالا ولا يضير بعضها أن يكون دليلا على الجواز والوقوع معا.\nالدليل الأول أن النسخ لا محظور فيه عقلا وكل ما كان كذلك جائز عقلا أما الكبرى فمسلمة وأما الصغرى فيختلف دليلها عند أهل السنة عن دليلها عند المعتزلة تبعا لاختلاف الفرقتين في أن أحكام الله تعالى يجب أن تتبع المصلحة لعبادة أو لا يجب أن تتبعها.\nفأهل السنة يقولون إنه لا يجب على الله تعالى لعباده شيء بل هو سبحانه الفاعل المختار والكبير المتعال وله بناء على اختياره ومشيئته وكبريائه وعظمته أن يأمر عباده بما شاء وينهاهم عما شاء وأن يبقي من أحكامه على ما شاء وأن ينسخ منها ما شاء","vol":"2","page":187},{"text":"لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا ملزم يلزمه برعاية مصالح عباده ولكن ليس معنى هذا انه عابث أو مستبد أو ظالم بل إن أحكامه وأفعاله كلها ﷻ لا تخلو عن حكمة بالغة وعلم واسع وتنزه عن البغي والظلم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .\nوالمعتزلة يقولون إنه تعالى يجب أن يتبع في أحكامه مصالح عباده فما كان فيه مصلحة لهم أمرهم به وما كان فيه مضرة عليهم نهاهم عنه وما دار بين المصلحة تارة والمفسدة أخرى أمرهم به تارة ونهاهم عنه أخرى.\nإذا تقرر هذا فإن صغرى ذلك الدليل نستدل عليها من مذهب أهل السنة هكذا النسخ تصرف في التشريع من الفاعل المختار الكبير المتعال الذي لا يجب عليه رعاية مصالح عباده في تشريعه وإن كان تشريعه لا يخلو من حكمة وكل ما كان كذلك لا محظور فيه عقلا.\nوما على مذهب أهل الاعتزال فننظم الدليل هكذا النسخ مبني على أن الله تعالى يعلم مصلحة عباده في نوع من أفعالهم وقتا ما فيأمرهم به في ذلك الوقت ويعلم ضرر عباده في هذا النوع نفسه من أفعالهم ولكن في وقت آخر فينهاهم عنه في ذلك الوقت الآخر وكل ما كان كذلك لا محظور فيه عقلا.\nوكيف يكون محظور عقلا ونحن نشاهد أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال فالطبيب يأمر مريضه بتناول الدواء ما دام مريضا ثم ينهاه عنه إذا أبل من مرضه وعاد سليما والمربية تقدم إلى طفلها أخف الأغذية من لبن ونحوه دون غيره فإذا ترعرع ودرج حرمت عليه المراضع ثم انتقلت به إلى غذاء غير اللبن ونحوه وهكذا تنتقل به من الخفيف إلى الثقيل ومن الثقيل إلى الأثقل تبعا لتدرجه في مدارج القوة والنضج.","vol":"2","page":188},{"text":"والمعلم يتعهد تلاميذه البادئين بأسهل المعلومات ثم يتدرج بهم من الأسهل إلى السهل ومن السهل إلى الصعب ومن الصعب إلى الأصعب حتى يصل بهم إلى أدق النظريات مقتفيا في ذلك آثار خطاهم إلى السمو الفكري والكمال العقلي.\nكذلك الأمم تتقلب كما يتقلب الأفراد في أطوار شتى فمن الحكمة في سياستها وهدايتها أن يصاغ لها من التشريعات ما يناسب حالها في الطور الذي تكون فيه حتى إذا انتقلت منه إلى طور آخر لا يناسبه ذلك التشريع الأول حق أن يصاغ لها تشريع آخر يتفق وهذا الطور الجديد وإلا لاختل ما بين الحكمة والأحكام من الارتباط والإحكام ولم يجر تدبير الخلق على ما نشهده من الإبداع ودقة النظام!.\nوإلى هذا الدليل تشير الآية الكريمة: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فإنه يفهم منها أن كل آية يذهب بها الله تعالى على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير بدل فإنه جلت حكمته يأتي عباده بنوع آخر هو خير لهم من الآية الذاهبة أو مثلها والخيرية قد تكون في النفع وقد تكون في الثواب وقد تكون في كليهما أما المثلية فلا تكون إلا في الثواب فقط وذلك لأن المماثلة في النفع لا تتصور لأنه على تقدير ارتفاع الحكم الأول فإن المصلحة المنوط بها ذلك الحكم ترتفع ولا تبقى إلا مصلحة الآية المأتي بها فتكون خيرا من الذاهبة في نفعها لا محالة وإذا قدر بقاء الحكم الأول وكان النسخ للتلاوة وحدها فالمصلحة الأولى باقية على حالها لم يجد غيرها حتى يكون خيرا منها أو مثلها.\nالدليل الثاني وهو دليل إلزامي للمنكرين أن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا لما جوزوا أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته لكنهم يجوزون هذا عقلا ويقولون بوقوعه سمعا فليجوزوا هذا لأنه لا معنى","vol":"2","page":189},{"text":"للنسخ إلا انتهاء الحكم الأول لميقات معلوم عند الله بيد أنه لم يكن معلوما لنا من قبل ثم أعلمنا الله إياه بالنسخ وهذا ليس بفارق مؤثر.\nفقول الشارع مثلا أول يوم من رمضان \"صوموا إلى نهاية هذا الشهر\" مساو لأن يقول أول يوم من رمضان \"صوموا\" من غير تقييد بغاية حتى إذا ما انتهى شهر رمضان قال أول يوم من شوال \"أفطروا\" وهذا الأخير نسخ لا ريب فيه وقد جوز منكروه المثال الأول فليجوزوا هذا المثال الثاني لأنه مساويه والمتساويات يجب أن يتحد حكمهما وإلا لما كانا متساويين.\nالدليل الثالث أن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا لما ثبتت رسالة سيدنا محمد ﷺ إلى الناس كافة لكن رسالته العامة للناس ثابتة بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي يطول شرحها إذن فالشرائع السابقة ليست باقية بل هي منسوخة بهذه الشريعة الختامية وإذن فالنسخ جائز وواقع أما ملازمة هذا الدليل فنبرهن عليها بأن النسخه لو لم يكن جائزا وواقعا لكانت الشرائع الأولى باقية ولو كانت باقية ما ثبتت رسالته ﷺ إلى الناس كافة.\nالدليل الرابع ما يأتي من أدلة الوقوع السمعي لأن الوقوع يستلزم الجواز وزيادة.\nب - أدلة وقوع النسخ سمعا:\nالأدلة السمعية على وقوع النسخ نوعان أحدهما تقوم به الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى من غير توقف على إثبات نبوة الرسول ﷺ لهم والآخر تقوم به الحجة على من آمن بنبوته كأبي مسلم الأصفهاني من المسلمين وكالعيسوية من اليهود فإنهم يعترفون برسالته ﵊ ولكن يقولون إلى العرب خاصة وهؤلاء","vol":"2","page":190},{"text":"تلزمهم بأنهم متى سلموا برسالته وجب أن يصدقوه في كل ما جاء به ومن ذلك عموم دعوته والنسخ الوارد في الكتاب والسنة.\nالنوع الأول:\nأما النوع الأول فآحاده كثيرة تفيض بها كتبهم الدينية ونحن نجتزئ منها بما يلي إلزاما لهم وإن كنا لا نؤمن بكل ما آمنوا به.\nأولا جاء في السفر الأول من التوارة أن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من السفينة إني جعلت كل دابة حية مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ثم اعترفوا بعد ذلك بأن الله حرم كثيرا من الدواب على أصحاب الشرائع من بعد نوح ومنهم موسى نفسه كما جاء في السفر الثالث من توراتهم.\nثانيا جاء في التوراة أن الله تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه وورد أنه كان يولد له في كل بطن من البطون ذكر وأنثى فكان يزوج توأمه هذا للآخر ويزوج توأمه الآخر لهذا وهكذا إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات والأنساب ثم حرم الله ذلك بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.\nثالثا أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ﵉ ثم قال الله له لا تذبحه وقد اعترف منكرو النسخ بذلك.\nرابعها أن عمل الدنيا كان مباحا يوم السبت ومنه الاصطياد ثم حرم الله الاصطياد على اليهود باعترافهم\nخامسا أن الله أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم.","vol":"2","page":191},{"text":"سادسا أن الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب ثم حرم في شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام.\nسابعا أن الطلاق كان مشروعا في شرعة موسى ثم جاءت شريعة عيسى فحرمته إلا إذا ثبت الزنى على الزوجة.\nثامنا أنهم نقلوا عن عيسى في إنجيل متى أنه قال لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة فهذا يدل على أن رسالة عيسى رسالة محلية خاصة بالإسرائيليين ثم نقلوا عن عيسى نفسه في إنجيل مرقس أنه قال اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها فإذا أحسنا النية بالإنجيلين كان لا مناص لنا من القول بنسخ النص الأول بالثاني وإلا فإن النصين يتناقضان ويتساقطان ويسقط بسقوطهما الإنجيلان بل تسقط الأناجيل كلها لأنها متماثلة وما جاز على أحد الأمثال يجوز على الآخر.\nتاسعا أن الختان كان فريضة في دين إبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم ولكن الحواريين جاؤوا بعد رفع عيسى فنهوا عن الختان كما ثبت ذلك في رسائل الحواريين فإما أن يكون هذا نسخا وإما أن يكون افتراء وكذبا لأنه لم يؤثر عن عيسى كلمة واحدة تدل على نسخ الختان.\nعاشرا أن أكل لحم الخنزير محرم في اليهودية ومضى عهد عيسى دون أن يعرف عنه ما يدل على إباحته ولكن الحورايين جاؤوا بعد عروج عيسى أيضا فأباحوا لحم الخنزير على زعم المسيحيين فإما أن يكون هذا نسخا وإما أن يكون افتراء وكذبا نحو ما سبق.\nالنوع الثاني:\nذلك هو النوع الأول من أدلة النسخ السمعية أما النوع الثاني فمنه ما يأتي:","vol":"2","page":192},{"text":"أولا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ .\nثانيا قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وقد أسلفنا الكلام على هاتين الآيتين ونزيدك أن دلالتهما على وقوع النسخ ملحوظ فيهما أنهما نزلتا ردا على طعن الطاعنين على الإسلام ونبي الإسلام بوقوع النسخ في الشريعة المطهرة.\nثالثا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nووجه الدلالة في هذه الآية أن التبديل يتألف من رفع لأصل وإثبات لبدل وذلك هو النسخ سواء أكان المرفوع تلاوة أم حكما.\nرابعا قوله تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ووجه الدلالة فيها أنها تفيد تحريم ما أحل من قبل وما ذلك إلا نسخ وكلمة أحلت لهم يفهم منها أن الحكم الأول كان حكم شرعيا لا براءة أصلية.\nخامسا أن سلف الأمة أجمعوا على أن النسخ وقع في الشريعة الإسلامية كما وقع بها.\nسادسا أن في القرآن آيات كثيرة نسخت أحكامها.\nوهذا دليل في طيه أدلة متعددة لأن كل آية من هذه الآيات المنسوخة تعتبر مع ناسخها دليلا كاملا على وقوع النسخ إذا الوقوع يكفي في إثباته وجود فرد واحد وسنتحدث فيها بعد إن شاء الله عن هذه الآيات المنسوخة وما نسخها.","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>حكمة الله في النسخ</span>\nالآن وقد عرفنا النسخ وفرقنا بينه وبين ما يلتبس به وأيدناه بالأدلة يجدر بنا أن نبين حكمة الله تعالى فيه لأن معرفة الحكمة تريح النفس وتزيل اللبس وتعصم من الوسوسة والدس خصوصا في مثل موضوعنا الذي كثر منكروه وتصيدوا لإنكاره الشبهات من هنا وهناك.\nولأجل تفصيل القول في الحكمة نذكر أن النسخ وقع بالشريعة الإسلامية ووقع فيها على معنى أن الله نسخ بالإسلام كل دين سبقه ونسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض.\nأما حكمته سبحانه في أنه نسخ به الأديان كلها فترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع يفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها بعد أن بلغت أشدها واستوت.. وبيان ذلك أن النوع الإنساني تقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره فالبش ر أول عهدهم بالوجود كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة وبساطة وضعفا وجهالة ثم أخذوا يتحولون من هذا العهد رويدا رويدا ومروا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متباينة من ضآلة العقل وعماية الجهل وطيش الشباب وغشم القوة على تفاوت في ذلك بينهم اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه جاء هذا الدين الحنيف ختاما للأديان ومتمما للشرائع وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية ومرونة القواعد جمعا وفق بين مطالب الروح والجسد وآخى بين العلم والدين ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات وأمم","vol":"2","page":194},{"text":"وشعوب وحيوان ونبات وجماد مما جعله بحق دينا عاما خالدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!.\nهذا إجمال له تفاصيله التي ألمعنا إليها في مناسبات سابقة وسنعرض لها إن شاء الله في مناسبات آتية.\nوأما حكمة الله في أنه نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض فترجع إلى سياسة الأمة وتعهدها بما يرقيها ويمحصها وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها حين صدعها الرسول بدعوته كانت تعاني فترة انتقال شاق بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها وموروثاتها وعادتها خصوصا مع ما هو معروف عن العرب الذين شوفهوا بالإسلام من التحمس لما يعتقدون أنه من مفاخرهم وأمجادهم فلو أخذوا بهذا الدين الجديد مرة واحدة لأدى ذلك إلى نقيض المقصود ومات الإسلام في مهده ولم يجد أنصارا يعتنقونه ويدافعون عنه لأن الطفرة من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان من هنا جاءت الشريعة إلى الناس تمشي على مهل متألفة لهم متلطفة في دعوتهم متدرجة بهم إلى الكمال رويدا رويدا صاعدة بهم في مدارج الرقي شيئا فشيئا منتهزة فرصة الألف والمران والأحداث الجادة عليهم لتسير بهم من الأسهل إلى السهل ومن السهل إلى الصعب ومن الصعب إلى الأصعب حتى تم الأمر ونجح الإسلام نجاحا لم يعرف مثله في سرعته وامتزاج النفوس به ونهضة البشرية بسببه!.\nتلك الحكمة على هذا الوجه تتجلى فيما إذا كان الحكم الناسخ أصعب من المنسوخ كموقف الإسلام في سموه ونبله من مشكلة الخمر في عرب الجاهلية بالأمس وقد كانت مشكلة معقدة كل التعقيد يحتسونها بصورة تكاد تكون إجماعية ويأتونها لا على أنها عادة مجردة بل على أنها أمارة القوة ومظهر الفتوة وعنوان الشهامة فقل لي","vol":"2","page":195},{"text":"بربك هل كان معقولا أن ينجح الإسلام في فطامهم عنها ولو لم يتألفهم ويتلطف بهم إلى درجة أن يمتن عليهم بها أول الأمر كأنه يشاركهم في شعورهم وإلى حد أنه أبى أن يحرمها عليهم في وقت استعدت فيه بعض الأفكار لتسمع كلمة تحريمه حين سألوه ﷺ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؟.\nأما الحكمة في نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه فالتخفيف على الناس ترفيها عنهم وإظهارا لفضل الله عليهم ورحمته بهم وفي ذلك إغراء لهم على المبالغة في شكره وتمجيده وتحبيب لهم فيه وفي دينه.\nوأما الحكمة في نسخ الحكم بمساويه في صعوبته أو سهولته فالابتلاء والاختبار ليظهر المؤمن فيفوز والمنافق فيهلك ليميز الخبيث من الطيب.\nيبقى الكلام في حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم وفي حكمة نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.\nأما حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم فتسجل تلك الظاهرة الحكيمة ظاهرة سياسة الإسلام للناس حتى يشهدوا أنه هو الدين الحق وأن نبيه نبي الصدق وأن الله هو الحق المبين العليم الحكيم الرحمن الرحيم يضاف إلى ذلك ما يكتبونه من الثواب على هذه التلاوة ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها.\nوأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فحكمته تظهر في كل آية تناسبها وإنه لتبدو لنا حكمة رائعة في مثال مشهور من هذا النوع.\nذلك أنه صح في الرواية عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب أنهما قالا كان فيما أنزل من القرآن: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة\" أي كان هذا النص آية تتلى ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولا به إلى اليوم والسر في ذلك أنها كانت تتلى","vol":"2","page":196},{"text":"أولا لتقرير حكمها ردعا لمن تحدثه نفسه أنه يتلطخ بهذا العار الفاحش من شيوخ وشيخات حتى إذا ما تقرر هذا الحكم في النفوس نسخ الله تلاوته لحكمة أخرى هي الإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل وسار بها في طريق يشبه طريق المستحيل الذي لا يقع كأنه قال نزهوا الأسماع عن سماعها والألسنة عن ذكرها فضلا عن الفرار منها ومن التلوث برجسها كتب الله لنا الحفظ والعصمة إنه ولي كل نعمة وتوفيق.","vol":"2","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>شبهات المنكرين للنسخ ودفعها</span>\nنستطيع أن ننوع المنكرين للنسخ أنواعا فنوع ينكر جوازه عقلا ووقوعه سمعا وهم نصارى هذا العصر وفرقة الشمعونية من اليهود ونوع ينكره سمعا ويجوزه عقلا وهم العنانية من اليهود أيضا ونوع يجوزه ع قلا ويقول بوقوعه سمعا بيد أنه ينكر أن الشريعة الإسلامية ناسخة لليهودية وهم العيسوية تمام فرق اليهود الثلاث ونوع يجوزه عقلا وينكره سمعا ولكن إنكاره صوري يتأول فيه بما يجعل خلافه لجمهرة المسلمين خلافا لفظيا أو شبيها باللفظي وهو أبو مسلم الاصفهاني ومن تبعه.\nفبين أيدينا إذن من انفردوا بإنكار النسخ عقلا وهم نصارى هذا العصر وشمعونية اليهود ومن توفقوا على إنكاره سمعا وإن اختلفوا في مدى هذا الإنكار وفي كيفيته وهم نصارى هذا العصر وعنانية اليهود والعيسويون منهم وأبو مسلم الأصفهاني وأتباعه من المسلمين.\nولكل من هؤلاء جميعا شبهات حسبوها أدلة وليست أدلة كما يتبين لك ذلك في هذا الاستعراض الجامع.","vol":"2","page":197},{"text":"١ - شبهات المنكرين لجوازه عقلا\nلا ريب أن مذهب المنكرين لجواز النسخ عقلا هو أخطر المذاهب وأشنعها وأبعدها عن الحق وأوغلها في الباطل ومجرد إنكاره الجواز العقلي يستلزم إنكار الوقوع الشرعي وهل يقع في الوجود ما أحاله العقل لهذا نبدأ بتفنيد هذا المذهب ودفع شبهاته.\nالشبهة الأولى ودفعها:\nيقولون لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكما من أحكامه لكان ذلك إما لحكمة ظهرت له كانت خافية عليه وإما لغير حكمة وكل هذين باطل أما الأول فلأنه يستلزم تجويز البداء والجهل بالعواقب على علام الغيوب وأما الثاني فلأنه يستلزم تجويز العبث على الحكيم العليم اللطيف الخبير والبداء والعبث مستحيلان عليه سبحانه بالأدلة العقلية والنقلية فما أدى إليهما وهو جواز النسخ محال.\nوندفع هذه الشبهة بأن نسخ الله تعالى ما شاء من أحكامه مبني على حكمة كانت معلومة له أولا ظاهرة لم تخف عليه ولن تخفى عليه أبدا غاية الأمر أن مصالح العباد تتجدد بتجدد الأزمان وتختلف باختلاف الأشخاص والأحوال وأسراره وحكمه سبحانه لا تتناهى ولا يحيط بها سواه فإذا نسخ حكما بحكم لم يخل هذا الحكم الثاني من حكمة جديدة غير حكمة الحكم الأول هي مصلحة جديدة للعباد في الحكم الجديد أو هي غير تلك وسبحان من أحاط بكل شي علما وإذن فلا يستلزم نسخ الله لأحكامه بداء ولا عبثا.\nولكن هؤلاء الجاحدين غفلوا أوتغالفوا عن هذا حتى جاء الترديد في شبهتهم ناقصا لم يستوف وجوه الاحتمالات كما ترى ولو استوفوه لقالوا النسخ إما أن يكون لحكمة ظهرت لله كانت خافية عليه أو لحكمة كانت معلومة له لم تكن خافية عليه أو لغير","vol":"2","page":198},{"text":"حكمة وأكبر الظن أنهم لم يفطنوا إلى هذا ولو فطنوا له ما اشتبهوا ولو اشتبهوا بعد فطنتهم له لاخترنا الشق الثاني من هذا الترديد ثم أيدناه بتوافر أدلة العقل والنقل عليه كما قررنا.\nالشبهة الثانية ودفعها:\nيقولون لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكما بحكم للزم على ذلك أحد باطلين جهله جل وعلا وتحصيل الحاصل وبيان ذلك أن الله تعالى إما أن يكون قد علم الحكم الأول المنسوخ على أنه مؤبد وإما أن يكون قد علمه على أنه مؤقت فإن كان قد علمه على أنه مستمر إلى الأبد ثم نسخه وصيره غير مستمر انقلب علمه جهلا والجهل عليه تعالى محال وإن كان قد علمه على أنه مؤقت بوقت معين ثم نسخه عند ذلك الوقت ورد عليه أن المؤقت ينتهي بمجرد انتهاء وقته فإنهاؤه بالنسخ تحصيل للحاصل وهو باطل.\nوندفع هذه الشبهة بأن الله تعالى قد سبق في علمه أن الحكم المنسوخ مؤقت لا مؤبد ولكنه علم بجانب ذلك أن تأقيته إنما هو بورود الناسخ لا بشيء آخر كالتقييد بغاية في دليل الحكم الأول وإذن فعلمه بانتهائه بالناسخ لا يمنع النسخ بل يوجبه وورود الناسخ محقق لما في علمه لا مخالف له شأنه تعالى في الأسباب ومسبباتها وقد تعلق علمه بها كلها ولا تنس ما قررناه ثمة من أن النسخ بيان بالنسبة إلى الله رفع بالنسبة إلينا.\nالشبهة الثالثة ودفعها:\nيقولون لو جاز النسخ للزم أحد باطلين تحصيل الحاصل وما هو في معناه وبيان ذلك أن الحكم المنسوخ إما أن يكون دليله قد غياه بغاية ينتهي عندها أو يكون قد أبده نصا فإن كان قد غياه بغاية فإنه ينتهي بمجرد وجود هذه الغاية وإذن لا سبيل إلى إنهائه بالنسخ وإلا لزم تحصيل الحاصل وإن كان دليل الحكم الأول قد نص على تأبيده ثم جاء الناسخ على رغم هذا التأبيد لزم المحال من وجوه ثلاثة:","vol":"2","page":199},{"text":"أولها التناقض لأن التأبيد يقتضي بقاء الحكم ولا ريب أن النسخ ينافيه.\nثانيها تعذر إفادة التأبيد من الله للناس لأن كل نص يمكن أن يفيد تبطل إفادته باحتمال نسخه وذلك يفضي إلىالقول بعجز الله وعيه عن بيان التأبيد لعباده فيما أبده لهم تعالى الله عن ذلك.\nثالثها استلزام ذلك لجواز نسخ الشريعة الإسلامية مع أنها باقية إلى يوم القيامة عند القائلين بالنسخ.\nوندفع هذه الشبهة أولا بأن حصر الحكم المنسوخ في هذين الوجهين اللذين ذكرهما المانع غير صحيح لأن الحكم المنسوخ يجوز ألا يكون مؤقتا ولا مؤبدا بل يجيء مطلقا عن التأقيت وعن التأبيد كليهما وعليه فلا يستلزم طرو النسخ عليه شيئا من المحالات التي ذكروها وإطلاق هذا الحكم كاف في صحة نسخه لأنه يدل على الاستمرار بحسب الظاهر وإن لم يعرض له النص.\nثانيا أن ما ذكروه من امتناع نسخ الحكم المؤبد غير صحيح أيضا وما استندوا إليه منقوض بوجوه ثلاثة:\nأولها أن استدلالهم بأنه يؤدي إلىالتناقض مدفوع بأن الخطابات الشرعية مقيدة من أول الأمر بألا يرد ناسخ كما أنها مقيدة بأهلية المكلف لتكليف وألا يطرأ عليه جنون أو غفلة أو موت وإذن فمجيء الناسخ لا يفضي إلى تناقض بينه وبين المنسوخ بحال.\nثانيها أن استدلالهم بأنه يؤدي إلى أن يتعذر على الله بيان التأبيد لعباده مدفوع بأن التأبيد يفهمه الناس بسهولة من مجرد خطابات الله الشرعية المشتملة على التأبيد وهو ما يشعر به كل واحد منا وذلك لأن الأصل بقاء الحكم الأول وما اتصل به من تأقيت","vol":"2","page":200},{"text":"أو تأبيد وطرو الناسخ احتمال مرجوح واستصحاب الأصل أمر يميل إليه الطبع كما يؤيده العقل والشرع.\nثالثها أن جواز نسخ الشريعة الإسلامية إن لزمنا معاشر القائلين بالنسخ فإنه يلزمنا على اعتبار أنه احتمال عقلي لا شرعي بدليل أننا نتكلم في الجواز العقلي لا الشرعي أما نسخ الشريعة الإسلامية بغيرها من الناحية الشرعية فهو من المحالات الظاهرة لتظافر الأدلة على أن الإسلام دين عام خالد ولا يضير المحال في حكم الشرع أن يكون من قبيل الجائز في حكم العقل.\nالشبهة الرابعة ودفعها:\nيقولون إن النسخ يستلزم اجتماع الضدين واجتماعهما محال وبيان ذلك أن الأمر بالشيء يقتضي أنه حسن وطاعة ومحبوب لله والنهي عنه يقتضي أنه قبيح ومعصية ومكروه له تعالى فلو أمر الله بالشيء ثم نهى عنه او نهى عن الشيء ثم أمر به لاجتمعت هذه الصفات المتضادة في الفعل الواحد الذي تعلق به الأمر والنهي.\nوندفع هذه الشبهة بأن الحسن والقبح وما اتصل بهما ليست من صفات الفعل الذاتية حتى تكون ثابتة فيها لا تتغير بل هي تابعة لتعلق أمر الله ونهيه بالفعل وعلى هذا يكون الفعل حسنا وطاعة ومحبوبا لله ما دام مأمورا به من الله ثم يكون هذا الفعل نفسه قبيحا ومعصية ومكروها له تعالى ما دام منهيا عنه منه تعالى والقائلون بالحسن والقبح العقليين من المعتزلة يقرون بأنهما يختلفان باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال وبهذا التوجيه ينتفي اجتماع الضدين لأن الوقت الذي يكون فيه الفعل حسنا غير الوقت الذي يكون فيه ذلك الفعل قبيحا فلم يجتمع الحسن والقبح في وقت واحد على فعل واحد.","vol":"2","page":201},{"text":"ب - شبهات المنكرين للنسخ سمعا\nلقد نوعنا هؤلاء فيما سبق إلى أنواع وقلنا إن لكل منهم طريقة خاصة في تكييف دعواه وفي صياغة شبهته وها هي ذي دعاويهم وشبهاتهم تلقى حتفها بين يديك فيما نسوقه إليك.\n١ - شبهة العنانية والشمعونية:\nيقولون إن التوارة التي أنزلها الله على موسى لم تزل محفوظة لدينا منقولة بالتواتر فيما بيننا وقد جاء فيها هذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض وجاء فيها أيضا الزموا يوم السبت أبدا وذلك يفيد امتناع النسخ لأن نسخ شيء من أحكام التوراة لا سيما تعظيم يوم السبت إبطال لما هو من عنده تعالى\nوندفع هذه الشبهة بوجوه خمسة:\nأولها أن شبهتهم هذه أقصر من مدعاهم قصورا بينا لأن قصارى ما تقتضيه إن سلمت هو امتناع نسخ شريعة موسى ﵇ بشريعة أخرى أما تناسخ شرائع سواها فلا تدل هذه الشبهة على امتناعه بل يبعد أن ينكر اليهود انتساخ شرائع الإسرائيليين قبل اليهودية بشريعة موسى فكان المنظور أن تجيء دعواهم اقصر مما هو محكى عنهم بحيث تتكافأ ودليلهم الذي زعموه أو أن يجيء دليلهم الذي زعموه أعم من هذا حتى يتكافأ ودعواهم التي ادعوها.\nثانيها أنا لا نسلم لهم ما زعموه من أن التوراة لم تزل محفوظة في أيديهم حتى يصح","vol":"2","page":202},{"text":"استدلالهم بها بل الأدلة متضافرة على أن التوراة الصحيحة لم يعد لها وجود وأنه أصاب من التغيير والتبديل ما جعلها في خبر كان.\nمن تلك الأدلة أن نسخة التوراة التي بأيدي السامريين تزيد في عمر الدنيا نحوا من ألف سنة على ما جاء في نسخة العنانيين وأن نسخة النصارى تزيد ألفا وثلاثمائة سنة.\nومنها أنه جاء في بعض نسخ التوراة ما يفيد أن نوحا أدرك جميع آبائه إلى آدم وأنه أدرك من عهد آدم نحوا من مائتي سنة وجاء في بعض نسخ أخرى ما يفيد أن نوحا أدرك من عمر إبراهيم ثمانيا وخمسين سنة وكل هذا باطل تاريخيا.\nومنها أن نسخ التوراة التي بأيديهم تحكي عن الله وعن أنبيائه وملائكته أمورا ينكرها العقل ويمجها الطبع ويتأذى بها السمع مما يستحيل معه أن يكون هذا الكتاب صادرا عن نفس بشرية مؤمنة طاهرة فضلا عن أن ينسب إلى ولي فضلا عن أن ينسب إلى نبي فضلا عن أن ينسب إلى الله رب العالمين.\nمن ذلك أن الله ندم على إرسال الطوفان إلى العالم وأنه بكى حتى رمدت عيناه وأن يعقوب صارعه جل الله عن ذلك كله.\nون ذلك أن لوطا شرب الخمر حتى ثمل وزنى بابنتيه\nومنه أن هارون هو الذي اتخذ العجل لبني إسرائيل ودعاهم إلى عبادته من دون الله.\nومن الأدلة أيضا على فساد دعوى بقاء التوراة وحفظها ما ثبت بالتواتر عند المؤرخين بل عند اليهود أنفسهم من أن بني إسرائيل وهم حملة التوراة وحفاظها قد ارتدوا عن الدين مرات كثيرة وعبدوا الأصنام وقتلوا أنبياءهم شر تقتيل ولا ريب أن هذه","vol":"2","page":203},{"text":"مطاعن شنيعة جارحة لا تبقى لأي واحد منهم أي نصيب من عدالة أو ثقة ولا تحمل لهذه النسخ التي زعموا أنها التوراة أقل شيء من القيمة أو الصحة ما داموا هم رواتها وحفاظها وما دامت هي لم تعرف إلا عن طريقهم وبروايتهم.\nثالثها أن هذا التواتر الذي خلعوه على التوراة لا يسلم لهم أيضا لأنها لو كانت متواترة لحاجوا بها أفضل الرسل ولعارضوا دعواه عموم رسالته بقول التوراة التي يؤمن بها ولا يجحدها بل يجهر بأنه جاء مصدقا لها ويدعو المسلمين أنفسهم إلى الإيمان بها ولكن ذلك لم يكن ولو كان لنقل واشتهر بل الذي نقل واشتهر هو أن كثيرا من أخبار اليهود وعلمائهم كعبد الله بن سلام وأضرابه قد القوا القياد لرسول الله ﷺ مؤمنين ودنوا لشريعته مسلمين واعترفوا بأنه الرسول ﷺ الذي بشرت به التوراة والإنجيل.\nرابعها أن لفظ التأبيد الذي اعتمدوا عليه فيما نقلوه لا يصلح حجة لهم لأنه يستعمل كثيرا عند اليهود معدولا به عن حقيقة من ذلك ما جاء في البقرة التي أمروا بذبحها هذه سنة لكم أبدا وما جاء في القربان قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما مع أن هذين الحكمين منسوخان باعتراف اليهود أنفسهم على رغم التصريح فيهما بما يفيد التأبيد كما ترى.\nخامسها أن نسخ الحكم المؤبد لفظا جائز على الصحيح كما أشرنا إلى ذلك قبلا فلتكن هاتان العبارتان اللتان اعتمدوا عليهما منسوختين أيضا وشهبة التناقض تندفع بأن التأبيد مشروط بعدم ورود ناسخ فإذا ورد الناسخ انتفى ذلك التأبيد وتبين أنه كان مجرد تأبيد لفظي للابتلاء والاختبار فتأمل.\n٢ - شبهة النصارى:\nيقولون إن المسيح ﵇ قال السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول وهذا يدل على امتناع النسخ سمعا.","vol":"2","page":204},{"text":"وندفع هذه الشبهة أولا بأنا لا نسلم أن الكتاب الذي بأيديهم هو الإنجيل الذي نزل على عيسى إن هو إلا قصة تاريخية وضعها بعض المسيحيين يبين فيها حياة المسيح وولادته ونشأته ودعوته والأماكن التي تنقل فيها والآيات التي ظهرت على يديه ومواعظه ومناظراته كما يتحدث فيها عن ذلك الحادث الخيالي حادث الصلب وعلى رغم أنها قصة فقد عجزوا عن إقامة الدليل على صحتها وعدالة كاتبها وأمانته وضبطه كما أعياهم اتصال السند وسلامته من الشذوذ والعلة بل ثبت علميا تناقض نسخ هذه القصة التي أسموها الإنجيل مما يدل على أنها ليست من عند الله ولو كانت من عند الله ما أتاها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وصدق الله في قوله عن القرآن: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .\nثانيا أن سياق هذه الكلمة في إنجليهم يدل على أن مراده بها تأبيد تنبؤاته وتأكيد أنها ستقع لا محالة أما النسخ فلا صلة لها به نفيا ولاإثباتا وذلك لأن المسيح حدث أصحابه بأمور مستقبلة وبعد أن انتهى من حديثه هذا أتى بهذه الجملة التي تشبثوا بها السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول ولا ريب أن لسياق الكلام تأثيره في المراد منه وهكذا شرحها المفسرون منهم للإنجيل وقالوا إن فهمها على عمومها لا يتفق وتصريح المسيح بأحكام ثم تصريحه بما يخالفها من ذلك أنه قال لأصحابه كما جاء في إنجيل متى إلى طريق أمم لا تمضوا ومدينة للسامريين لا تدخلوا بل اذهبوا بالجري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة وهذا اعتراف بخصوص رسالته لنبي إسرائيل ثم قال مرة أخرى كما في إنجيل مرقس:\nاذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة فالقول الثاني ناسخ للأول.","vol":"2","page":205},{"text":"ثالثا أن هذه الجملة على تسليم صحتها وصحة رواته وكتابها الذي جاءت فيه لا تدل على امتناع النسخ مطلقا إنما تدل على امتناع نسخ شيء من شريعة المسيح فقط فشبهتهم على ما فيه قاصرة قصورا بينا عن مدعاهم.\n٣ - شبهة العيسوية:\nيقول هؤلاء اليهود أتباع أبي عيسى الأصفهاني لا سبيل إلى إنكار نبوة محمد لأن الله تعالى قد أيده بالمعجزات الكثيرة القاهرة ولأن التوراة قد بشرت بمجيئه ولا سبيل أيضا إلى القول بعموم رسالته لأن ذلك يؤدي إلى انتساخ شريعة إسرائيل بشريعته وشريعة إسرائيل مؤبدة بدليل ما جاء في التوراة من مثل هذه شريعة مؤبدة عليكم ما دامت السموات والأرض وإنما هو رسول إلى العرب خاصة وعلى هذا فالخلاف بينهم وبين من سبقهم أن دعواهم مقصورة على منع انتساخ شريعة موسى بشريعة محمد وشبهتهم التي ساقوها متكافئة مع دعواهم هذه ويفهم من اقتصارهم على هذا أنهم يجوزون أن تتناسخ الشرائع سمعا فيما عدا هذه الصورة.\nوندفع شبهتهم هذه بأمرين:\nأولهما أن دليلهم الذي زعموه هو دليل العنانية والشمعونية من قبلهم ولقد أشبعناه تزييفا وتوهينا بالوجوه الستة التي أسلفناها آنفا فالدفع هنا هو عين الدفع هناك فيما عدا الوجه الأول.\nثانيهما أن اعترافهم بأن محمدا رسول أيده الله بالمعجزات وجاءت البشارة به في التوراة يقضي عليهم لا محالة أن يصدقوه في كل ما جاء به ومن ذلك أن رسالته عامة وأنها ناسخة للشرائع قبله حتى شريعة موسى نفسه الذي قال فيه بخصوصه لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي","vol":"2","page":206},{"text":"أما أن يؤمنوا برسالته ثم لا يصدقوه في عموم دعوته فذلك تناقض منهم لأنفسهم ومكابرة للحجة الظاهرة لهم يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون!.\n٤ - شبهة أبي مسلم:\nالنقل عن أبي مسلم مضطرب فمن قائل إنه يمنع وقوع النسخ سمعا على الإطلاق ومن قائل إنه ينكر وقوعه في شريعة واحدة ومن قائل إنه ينكر وقوعه في القرآن خاصة ورجحت هذه الرواية الأخيرة بأنها أصح الروايات وبأن التأويلات المنقولة عنه لم تخرج عن حدود ما نسخ من القرآن وأبعد الروايات عن الرجل هي الرواية الأولى لأنه لا يعقل أن مسلما فضلا عن عالم كأبي مسلم ينكر وقوع النسخ جملة اللهم إلا إذا كانت المسألة ترجع إلى التسمية فقط فإنها تهون حينئذ على معنى أن ما نسميه نحن نسخا يسميه هو تخصيصا بالزمان مثلا وإلى ذلك ذهب بعض المحققين قال التاج السبكي إن أبا مسلم لا ينكر وقوع المعنى الذي نسميه نحن نسخا ولكنه يتحاشى أن يسميه باسمه ويسميه تخصيصا اهـ.\nاحتج أبو مسلم بقوله سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وشبهته في الاستدلال أن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا والنسخ فيه أبطال لحكم سابق.\nوندفع مذهب أبي مسلم وشبهته بأمور أربعة:\nأولها أنه لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته لكان دليله قاصرا عن مدعاه لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ","vol":"2","page":207},{"text":"وهو نسخ الحكم دون التلاوة فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن أما نسخ التلاوة مع الحكم أو مع بقائه فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل.\nثانيها أن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق والنسخ حق ومعنى الآية أن عقائد القرآن موافقة للعقل وأحكامه مسايرة للحكمة وأخباره مطابقة للواقع ألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ .\nولعلك تدرك معي أن تفسير الآية بهذا المعنى يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه منها إلى نفيه وامتناعه لأن النسخ كما قررنا تصرف إلهي حكيم تقتضيه الحكمة وترتبط به المصلحة.\nثالثها أن أبا مسلم على فرض أن خلافه مع الجمهور لفظي لا يعدو حدود التسمية نأخذ عليه أنه أساء الأدب مع الله في تحمسه لرأي قائم على تحاشي لفظ اختاره جلت حكمته ودفع عن معناه بمثل قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وهل بعد اختيار الله اختيار وهل بعد تعبير القرآن تعبير قَالُوا ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ .\nرابعها أن هناك فروقا بين النسخ والتخصيص وقد فصلناها فيما سبق فارجع إليها إن شئت حتى تعلم شطط صاحبنا فيما ذهب إليها جنبنا الله الشطط وطريق العوج.\nملاحظة\nتشيع لأبي مسلم بعض الباحثين من قدامى ومحدثين وحطبوا في حبله قليلا أو كثيرا وذاعت شبهات حديثه فاسدة حول تشريع الإسلام للنسخ ولكنها لا تخرج عند","vol":"2","page":208},{"text":"الإمعان عن نطاق الشبهات الآنفة التي دحضناها لهذا نكتفي بما ذكرناه عما لم نذكره فرارا من التكرار وتجنبا لإثارة الخصام وحبا في الوصول إلى الحقيقة بسلام.","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>طرق معرفة النسخ</span>\nلا بد في تحقيق النسخ كما علمت من ورود دليلين عن الشارع وهما متعارضان تعارضا حقيقيا لا سبيل إلى تلافيه بإمكان الجمع بينهما على أي وجه من وجوه التأويل وحينئذ فلا مناص من أن نعتبر أحدهما ناسخا والآخر منسوخا دفعا للتناقض في كلام الشارع الحكيم ولكن أي الدليلين يتعين أن يكون ناسخا وأيهما يتعين أن يكون منسوخا هذا ما لا يجوز الحكم فيه بالهوى والشهوة بل لا بد من دليل صحيح يقوم على أن أحدهما متأخر عن الآخر وإذن فيكون السابق هو المنسوخ واللاحق هو الناسخ ولنا إلى هذا الدليل مسالك ثلاثة:\nأولها أن يكون في أحد النصين ما يدل على تعيين المتأخر منهما نحو قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ونحو قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ونحو قوله ﷺ: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا\".\nثانيها أن ينعقد إجماع من الأمة في أي عصر من عصورها على تعيين المتقدم من النصين والمتأخر منهما.\nثالثها أن يرد من طريق صحيحة عن أحد من الصحابة ما يفيد تعيين أحد النصين المتعارضين للسبق على الآخر أو التراخي عنه كأن يقول نزلت هذه الآية","vol":"2","page":209},{"text":"بعد تلك الآية أو نزلت هذه الآية قبل تلك الآية أو يقول نزلت هذه عام كذا وكان معروفا سبق نزول الآية التي تعارضها أو كان معروفا تأخرها عنها.\nأما قول الصحابي هذا ناسخ وذاك منسوخ فلا ينهض دليلا على النسخ لجواز أن يكون الصحابي صادرا في ذلك عن اجتهاد أخطأ فيه فلم يصب فيه عين السابق ولا عين اللاحق خلافا لابن الحصار وكذلك لا يعتمد في معرفة الناسخ والمنسوخ على المسالك الآتية:\n١ - اجتهاد المجتهد من غير سند لأن اجتهاده ليس بحجة.\n٢ - قول المفسر هذا ناسخ أو منسوخ من غير دليل لأن كلامه ليس بدليل.\n٣ - ثبوت أحد النصين قبل الآخر في المصحف لأن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول.\n٤ - أن يكون أحد الروايين من أحداث الصحابة دون الراوي للنص الآخر فلا يحكم بتأخر حديث الصغير عن حديث الكبير لجواز أن يكون الصغير قد روى المنسوخ عمن تقدمت صحبته ولجوز أن يسمع الكبير الناسخ من الرسول ﷺ بعد أن يسمع الصغير منه المنسوخ إما إحالة على زمن مضى وإما لتأخر تشريع الناسخ والمنسوخ كليهما.\n٥ - أن يكون أحد الروايين أسلم قبل الآخر فلا يحكم بأن ما رواه سابق الإسلام منسوخ وما رواه المتأخر عنه ناسخ لجواز أن يكون الواقع عكس ذلك.\n٦ - أن يكون أحد الراويين قد انقطعت صحبته لجواز أن يكون حديث من بقيت صحبته سابقا حديث من انقطعت صحبته.\n٧ - أن يكون أحد النصين موافقا للبراءة الأصلية دون الآخر فربما يتوهم أن لها هو السابق والمتأخر عنها هو اللاحق مع أن ذلك غير لازم لأنه لا مانع من تقدم ما خالف البراءة الأصلية على ما وافقها مثال ذلك قوله ﷺ: \"لا وضوء مما مست","vol":"2","page":210},{"text":"النار\" فإنه لا يلزم أن يكون سابقا على الخبر الوارد بإيجاب الوضوء مما مست النار ولا يخلو وقوع هذا من حكمة عظيمة هي تخفيف الله من عباده بعد أن ابتلاهم بالتشديد.\nقانون التعارض:\nوعلى ذكر التعارض في هذا الباب نبين لك أن النصين المتعارضين إما أن يتفقا في أنهما قطعيان أو ظنيان وإما أن يختلفا فيكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا أما المختلفان فلا نسخ بينهما لأن القطعي أقوى من الظني فيؤخذ به وما كان اليقين ليترك بالظن وأما المتفقان فإن علم تأخر أحدهما بطريق من تلك الطرق الثلاث المعتمدة فهو الناسخ والآخر المنسوخ وإن لم يدل عليه واحد منها وجب التوقف وقيل يتخير الناظر بين العمل بهما.\nهذا كله إذا لم يكن الجمع بين النصين بوجه من وجوه التخصيص والتأويل وإلا وجب الجمع لأن إعمال الدليلين أولى من إعمال دليل وإهدار آخر ولأن الأصل في الأحكام بقاؤها وعدم نسخها فلا ينبغي أن يترك استصحاب هذا الأصل إلا بدليل بين.","vol":"2","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>ما يتناوله النسخ</span>\nإن تعريف النسخ بأنه رفع حكم شرعي بدليل شرعي يفيد في وضوح أن النسخ لا يكون إلا في الأحكام وذلك موضع اتفاق بين القائلين بالنسخ لكن في خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة فلا نسخ فيها على الرأي السديد الذي عليه جمهور العلماء.\nأما العقائد فلأنها حقائق صحيحة ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل فبدهي ألا يتعلق بها نسخ.\nوأما أمهات الأخلاق فلأن حكمة الله في شرعها ومصلحة الناس في التخلق بها.","vol":"2","page":211},{"text":"أمر ظاهر لا يتأثر بمرور الزمن ولا يختلف باختلاف الأشخاص والأمم حتى يتناولها النسخ بالتبديل والتغيير.\nوأما أصول العبادات والمعاملات فلوضوح حاجة الخلق إليهما باستمرار لتزكية النفوس وتطهيرها ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق والخلق على أساسهما فلا يظهر وجه من وجوه الحكمة في رفعها بالنسخ.\nوأما مدلولات الأخبار المحضة فلأن نسخها يؤدي إلى كذب الشارع في أحد خبريه الناسخ والمنسوخ وهو محال عقلا ونقلا أما عقلا فلأن الكذب نقص والنقص عليه تعالى محال وأما نقلا فمثل قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ . ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ .\nنعم إن نسخ لفظ الخبر دون مدلوله جائز بإجماع من قالوا بالنسخ ولذلك صورتان إحداهما أن تنزل الآية مخبرة عن شيء ثم تنسخ تلاوتها فقط والأخرى أن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شيء ثم ينهانا أن نتحدث به.\nوأما الخبر الذي ليس محضا بأن كان في معنى الإنشاء ودل على أمر أو نهي متصلين بأحكام فرعية عملية فلا نزاع في جواز نسخه والنسخ به لأن العبرة بالمعنى لا باللفظ.\nمثال الخبر بمعنى الأمر قوله تعالى: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ فإن معناه ازرعوا.\nومثال الخبر بمعنى النهي قوله سبحانه: ﴿لزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فإن معناه لا تنكحوا مشركة ولا زانية بفتح التاء ولا تنكحوهما بضم التاء لكن على بعض وجوه الاحتمالات دون بعض.\nوالفرق بين أصول العبادات والمعامالات وبين فروعها أن فروعها هي ما تعلق بالهيئات والأشكال والأمكنة والأزمنة والعدد أو هي كمياتها وكيفياتها وأما أصولها فيه ذوات العبادات والمعاملات بقطع النظر عن الكم والكيف.","vol":"2","page":212},{"text":"واعلم أن ما قررناه هنا من قصر النسخ على ما كان من قبيل الأحكام الفرعية العلمية دون سواها هو الرأي السائد الذي ترتاح إليه النفس ويؤيده الدليل وقد في نازع في ذلك قوم لا وجه لهم فلنضرب عن كلامهم صفحا:\nوليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلاخلاف له خط من النظر\nويتصل بما ذكرنا أن الأديان الإلهية لا تناسخ بينها فيما بيناه من الأمور التي لا يتناولها النسخ بل هي متحدة في العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات وفي صدق الأخبار المحضة فيها صدقا لا يقبل النسخ والنقض وإن شئت أدلة فهاك ما يأتي من القرآن الكريم:\n١ – ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .\n٢ – ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .\n٣ – ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .\n٤ – ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ .\n٥ – ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ .\n٦ – ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ .","vol":"2","page":213},{"text":"٧ – ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ .\n٨ – ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ .\n٩ – ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ .\n١٠ – ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ .","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>أنواع النسخ في القرآن</span>\nالنسخ الواقع في القرآن يتنوع إلى أنوع ثلاثة نسخ التلاوة والحكم معا ونسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دون الحكم.\n١ - أما نسخ الحكم والتلاوة جميعا فقد أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين ويدل على وقوعه سمعا ما ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات وتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن وهو حديث صحيح وإذا كان موقوفا على عائشة ﵂ فإن له حكم المرفوع لأن مثله لا يقال بالرأي بل لا بد فيه من توقيف وأنت خبير بأن جملة عشر رضعات معلومات يحرمن ليس لها وجود في المصحف حتى تتلى وليس العمل بما تفيده من الحكم باقيا وإذن يثبت وقوع نسخ التلاوة والحكم جميعا وإذا ثبت وقوعه ثبت جوازه لأن الوقوع أول دليل على الجواز وبطل مذهب المانعين لجوازه شرعا كأبي مسلم وأضرابه.\n٢ - وأما نسخ الحكم دون التلاوة فيدل على وقوعه آيات كثيرة:","vol":"2","page":214},{"text":"منها أن آية تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول ﷺ وهي قوله تعالى: َ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ منسوخة بقوله سبحانه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ على معنى أن حكم الآية الأولى منسوخ بحكم الآية الثانية مع أن تلاوة كلتيهما باقية.\nومنها أن قول سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ منسوخ بقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ على معنى أن حكم تلك منسوخ بحكم هذه مع بقاء التلاوة في كلتيهما كما ترى.\n٣ - وأما نسخ التلاوة دون الحكم فيدل على وقوعه ما صحت روايته عن عمر ابن الخطاب وأبي بن كعب أنهما قالا كان فيما أنزل من القرآن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة اهـ وأنت تعلم أن هذه الآية لم يعد لها وجود بين دفتي المصحف ولا على ألسنة القراء مع أن حكمها باق على إحكامه لم ينسخ.\nويدل على وقوعه أيضا ما صح عن أبي بن كعب أنه قال كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة أو أكثر مع أن هذا القدر الكبير الذي نسخت تلاوته لا يخلو في الغالب من أحكام اعتقادية لا تقبل النسخ.\nويدل على وقوعه أيضا الآية الناسخة في الرضاع وقد سبق ذكرها في النوع الأول.\nويدل على وقوعه أيضا ما صح عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرؤون سورة على عهد رسول الله ﷺ في طول سورة براءة وأنها نسيت إلا آية منها وهي لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.","vol":"2","page":215},{"text":"وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى ثبت جوازهما لأن الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرر وإذن بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع كأبي مسلم ومن لف لفه ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل وهم فريق من المعتزلة شذ عن الجماعة فزعم أن هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلا.\nويمكنك أن تفحم هؤلاء الشذاذ من المعتزلة بدليل على الجواز العقلي الصرف لهذين النوعين فتقول إن ما يتعلق بالنصوص القرآنية من التعبد بلفظها وجواز الصلاة بها وحرمتها على الجنب في قراءتها ومسها شبيه كل الشبه بما يتعلق بها من دلالتها على الوجوب والحرمة ونحوهما في أن كلا من هذه المذكورات حكم شرعي يتعلق بالنص الكريم وقد تقتضي المصلحة نسخ الجميع وقد تقتضي نسخ بعض هذه المذكورات دون بعض وإذن يجوز أن تنسخ الآية تلاوة وحكما ويجوز أن تنسخ تلاوة لا حكما ويجوز أن تنسخ حكما لا تلاوة وإذا ثبت هذا بطل ما ذهب إليه أولئك الشذاذ من الاستحالة العقلية للنوعين الأخيرين.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>شبهات أولئك المانعين ودفعها</span>\nوتتميما للفائدة نعرض عليك شبهاتهم مفندين لها شبهة شبهة.\nالشبهة الأولى ودفعها:\nيقولون إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم فلا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر.\nوالجواب أن التلازم بين الآية وحكمها مشروط فيه انتفاء المعارض وهو الناسخ أما إذا وجد الناسخ فلا تلازم والأمر حينئذ للناسخ إن شاء رفع الحكم وأبقى على التلاوة وإن شاء عكس وإن شاء رفعهما معا على حسب ما تقتضيه الحكمة أو المصلحة ونظير","vol":"2","page":216},{"text":"ذلك أن التلازم بين منطوق اللفظ ومفهومه مشروط فيه انتفاء المعارض أما إذا وجد منطوق معارض للمفهوم فإن المفهوم حينئذ يعطل ويبقى العمل بالمنطوق وحده.\nالشبهة الثانية ودفعها:\nيقولون إن نسخ الحكم دون التلاوة يستلزم تعطيل الكلام الإلهي وتجريده من الفائدة وهذا عيب لا يرضى به عاقل لأقل نوع من كلامه فكيف يرضى به الله لأفضل كلامه؟.\nوالجواب أنا لا نسلم هذا اللزوم بل الآية بعد نسخ حكمها دون تلاوتها تبقى مفيدة للإعجاز وتبقى عبادة للناس وتبقى تذكيرا بعناية الله ورحمته بعباده حيث سن لهم في كل وقت ما يساير الحكمة والمصلحة من الأحكام يضاف إلى ذلك أن الآية بعد نسخ حكمها لا تحلو غالبا من دعوة إلى عقيدة أو إرشاد إلى فضيلة أو ترغيب في خير ومثل ذلك لا ينسخ بنسخ الحكم بل تبقى الآية مفيدة له لأن النسخ لا يتعلق به كما مر.\nالشبهة الثالثة ودفعها:\nيقولون إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم يوقع في روع المكلف بقاء هذا الحكم وذلك تلبيس وتوريط للعبد في اعتقاد فاسد ومحال على الله أن يشكك أو يورط عبده.\nوالجواب أن ذلك التلبيس وهذا التوريط كان يصح ادعاوهما واستلزام نسخ الحكم دون التلاوة لهما لو لم ينصب الله دليلا على النسخ أما وقد نصب عليه الدلائل فلا عذر لجاهل ولا محل لتوريط ولا تلبيس لأن الذي أعلن الحكم الأول بالآية وشرعه هو الذي أعلن بالناسخ أنه نسخه ورفعه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .","vol":"2","page":217},{"text":"اللهم اهدنا بهداك يا رب العالمين فإنه لا هادي إلا أنت: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .\nالشبهة الرابعة ودفعها:\nيقولون إن الآية دليل على الحكم فلو نسخت دونه لأشعر نسخها بارتفاع الحكم وفي ذلك ما فيه من التلبيس على المكلف والتوريط له في اعتقاد فاسد.\nوندفع هذه الشبهة بان تلك اللوازم الباطلة تحصل لو لم ينصب الشارع دليلا على نسخ التلاوة وعلى إبقاء الحكم أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها وعلى إبقاء الحكم وتقرير استمراره كما في رجم الزناة المحصنين فلا تلبيس من الشارع على عبده ولا توريط.\nالشبهة الخامسة ودفعها:\nيقولون إن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عبث لا يليق بالشارع الحكيم لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة.\nوندفع هذه الشبهة بجوابين:\nأحدهما أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردا من الحكمة ولا خاليا من الفائدة حتى يكون عبثا بل فيه فائدة أي فائدة وهي حصر القرآن في دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه وذلك سور محكم وسياج منيع يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع ثم حاول أحد تحريفه سرعان ما يعرف وشد","vol":"2","page":218},{"text":"ما يقابل بالإنكار وبذلك يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل مصداقا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .\nوالخلاصة أن حكمة الله قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط رجوعا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال وطردا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال تيسيرا لحفظه وضمانا لصونه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .\nثانيهما أنه على فرض عدم علمنا بحكمة ولا فائدة في هذا النوع من النسخ فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجة على العلم بعدم ذلك الشيء وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم ثم إن الشان في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم أن يصدر لحكمة أو لفائدة نؤمن بها وإن كنا لا نعلمها على التعيين وكم في الإسلام من أمور تعبدية استأثر الله بعلم حكمتها أو أطلع عليها بعض خاصته من المقربين منه والمحبوبين لديه ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .\nولا بدع في هذا فرب البيت قد يأمر أطفاله بما لا يدركون فائدته لنقص عقولهم على حين أنه في الواقع مفيد وهم يأتمرون بأمره وإن كانوا لا يدركون فائدته والرئيس قد يأمر مرؤوسيه بما يعجزون عن إدراك سره وحكمته على حين أن له في الواقع سرا وحكمة وهم ينفذون أمره وإن كانوا لا يفهمون سره وحكمته.\nكذلك شأن الله مع خلقه فيما خفي عليهم من أسرار تشريعه وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>النسخ ببدل وبغير بدل</span>\nالحكم الشرعي الذي ينسخه الله إما أن يحل سبحانه محله آخر أو لا فإذا أحل محله حكما آخر فذلك هو النسخ ببدل وإذا لم يحل محله حكما آخر فذلك هو النسخ بغير بدل وكلاهما جائز عقلا وواقع سمعا على رأي الجمهور.\nمثال النسخ ببدل أن الله تعالى نهى المسلمين أول الأمر عن قتال الكفار ورغبهم في العفو والصفح بمثل قوله سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .\nثم نسخ الله هذا النهي وأذنهم بالجهاد فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .\nثم شدد الله وعزم عليهم في النفير للقتال وتوعدهم إن لم ينفروا فقال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .","vol":"2","page":220},{"text":"ومثال النسخ بلا بدل أن الله تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ثم رفع هذا التكليف عن الناس من غير أن يكلفهم بشيء مكانه بل تركهم في حل من ترك الحكم الأول دون أن يوجه حكما آخر فقال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ .","vol":"2","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>شبهة ودفعها</span>\nذلك مذهب الجمهور من العلماء ولكن بعض المعتزلة والظاهرية يقولون إن النسخ بغير بدل لا يجوز شرعا وشبهتهم في هذا أن الله تعالى يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ووجه اشتباههم أن الآية تفيد أنه لا بد أن يؤتى مكان الحكم المنسوخ بحكم آخر هو خير منه أو مثله ولكنها شبهة مدفوعة بما ذكرنا من النصين السابقين في تقديم الصدقة بين يدي الرسول ﷺ واحتجاجهم بآية ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ على الوجه الذي ذكروه احتجاج داحض لأن الله تعالى إذا نسخ حكم الآية بغير بدل فهمنا بمقتضى حكمته أو رعايته لمصلحة عباده أن عدم الحكم صار خيرا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس وصح أن يقال حينئذ إن الله نسخ حكم الآية السابقة وأتى بخير منها في الدلالة على عدم الحكم الذي بات في وقت النسخ أنفع للناس وخيرا لهم من الحكم المنسوخ ومعنى آية ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ لا يأبى هذا التأويل بل يتناوله كما يتناول سواه والنسخ فيها أعم من نسخ التلاوة والحكم مجتمعين ومنفردين ببدل وبغير بدل والخيرية والمثلية فيها أعم من الخيرية والمثلية في الثواب وفي النفع وقد مر بيان ذلك فيما سبق عند الكلام على أدلة النسخ عقلا.","vol":"2","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>نسخ الحكم ببدل أخف أو مساو أو أثقل</span>\nالنسخ إلى بدل يتنوع إلى أنواع ثلاثة:\nأولها النسخ إلى بدل أخف على نفس المكلف من الحكم السابق كنسخ تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم في ليل رمضان بإباحة ذلك إذ قال سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ .\nثانيها النسخ إلى بدل مساو للحكم الأول في خفته أو ثقله على نفس المكلف كنسخ وجوب استقبال بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة في قوله سبحانه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ .\nوهذان النوعان لا خلاف في جوازهما عقلا ووقوعهما سمعا عند القائلين بالنسخ كافة.\nثالثها النسخ إلى بدل أثقل من الحكم المنسوخ وفي هذا النوع يدب الخلاف فجمهور العلماء يذهبون إلى جوازه عقلا وسمعا كالنوعين السابقين ويستدلون على هذا بأمثلة كثيرة تثبت الوقوع السمعي وهو أدل دليل على الجواز العقلي كما علمت من تلك الأمثلة أن الله تعالى نسخ إباحة الخمر بتحريمها ومنها أنه تعالى نسخ ما فرض من مسالمة الكفار المحاربين بما فرض من قتالهم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ . ومنها أن حد الزنى كان في فجر الإسلام لا يعدو التعنيف والحبس في البيوت ثم نسخ","vol":"2","page":222},{"text":"ذلك بالجلد والنفي في حق البكر وبالرجم في حق الثيب ومنها أن الله تعالى فرض على المسلمين أولا صوم يوم عاشوراء ثم نسخه بفرض صوم شهر رمضان كله مع تخيير الصحيح المقيم بين صيامه والفدية ثم نسخ سبحانه هذا التخيير بتعيين الصوم على هذا الصحيح المقيم إلزاما.","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>شبهات المانعين ودفعها</span>\nذلك ما ارتآه الجمهور ولكن قوما شطوا فمنعوا هذا النوع الثالث عقلا وآخرون أسرفوا فمنعوه سمعا وكلهم محجوجون بما ذكرنا من الأدلة غير أنا لا نكتفي بذلك بل نعرض عليك شبهاتهم ونفندها بين يديك لئلا تنخدع ولا نسمح لأحد أن ينخدع!؟\nالشبهة الأولى ودفعها:\nيقول المانعون لهذا النوع عقلا إن تكليف الله لعباده لا بد أن يكون لمصلحة راجعة إلى العباد لا إليه ومحال أن يكون لغير مصلحة وإلا كان الله سبحانه عابثا ومحال أن يكون لمصلحة تعود على الله لأنه تعالى هو الغني عن خلقه جميعا وإذا كان التكليف راجعا لمصلحة العباد وحدهم فلا بد أن يكون على حالة تدعو إلى امتثالهم وليس في نقل العباد من الأخف إلى الأشد داعية إلى امتثالهم بل هو العكس من ذلك فيه تزهيد لهم في الطاعة وتثبيط لهم عن الواجب وكل ما كان كذلك يمتنع أن يصدر من الله عقلا\nوندفع هذه الشبهة أولا بأن هذه سفسطات مفضوحة ومغالطات مكشوفة عمي فيها هؤلاء أو تعاموا عن الحقائق الواقعة في التشريع وهي نقل العباد فعلا من أحكام خفيفة إلى أحكام أشد منها كما مثلنا آنفا.\nثانيا أننا نقلب حجة هؤلاء عليهم ونرد كيدهن في نحرهم ونعمل سلاحهم","vol":"2","page":223},{"text":"في أعناقهم ونقول لهم إن مصلحة العباد التي هي مقصود الشارع الحكيم الرحيم تقضي أن يكون تكليفه إياهم على حالة تدعو إلى امتثالهم وذلك بأن يتدرج بهم فيمهد ويمهد للتكليف الخفيف بتكليف أخف منه ويمهد للتكليف الثقيل بتكليف خفيف وللتكليف الأثقل بتكليف ثقيل لأن الناس لو بوغتوا من أول الأمر بالثقيل مثلا لعجزوا ونفروا وانعكس المقصود من هدايتهم ولذلك نشاهد حكماء المربين وساسة الأمم القادرين يبتدئون في تربيتهم وسياستهم بأيسر الأمور ثم بعد ذلك يتدرجون ولا يطفرون.\nثالثا أن دليلهم هذا منقوض بما لا يسعهم إنكاره وهو تكليف الله عباده ابتداء ونقلهم من الإباحة المطلقة أو البراءة الأصلية إلى مشقة التكاليف المتنوعة فما يكون جوابا لهم عن هذه يكون جوابا لنا عما منعوه هنا.\nرابعا أنهم متناقضون فإن مصلحة العباد التي جعلوها مناط شبهتهم تأبى مفاجأة الناس بالأشد من غير تمهيد بالأخف ومذهبهم لا يأبى التكليف من أول الأمر بالأشد دون تمهيد بالأخف!.\nخامسا أننا لا نسلم أن مقصود الشارع من التكاليف هو مجرد مصالح الناس بل تارة يكون المقصد هو المصلحة وتارة يكون المقصد هو الابتلاء والاختبار ليميز الله الخبيث من الطيب حتى لا يكون لأحد بعد تمايز الناس بابتلائه حجة وقد أعلن الله هذا المقصد الثاني في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ومنها قوله عز اسمه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ومنها قوله جلت حكمته: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ .\nوإذن فنسخ الحكم بأشد قد يكون ابتلاء للعباد إن لم يكن مصلحة لهم وتلك حكمة بالغة تلغي عن الله العبث.","vol":"2","page":224},{"text":"سادسا أن الحكم الأشد الناسخ قد يكون هو المصلحة للعباد دون الحكم الأخف المنسوخ لأنه على رغم شدته وثقله يشتمل على داعية لامتثاله لا توجد في الحكم الأول وقت النسخ من ترغيب أو ترهيب أو تجلية لمزايا وفوائد من وراء الحكم الجديد في الدنيا أو في الآخرة تأمل آيتي التحريم النهائي للخمر وما انطوتا عليه من هذه الألوان ثم تأمل آيات مشروعية الجهاد وما فيها من ضروب الترغيب والترهيب وتحريك العزائم إلى السخاء بالنفوس والأموال إلى غير ذلك مما تدركه في الأحكام الناسخة بأقل تبصر وإمعان.\nالشبهة الثالثة ودفعها:\nيقول المانعون لنسخ الأخف بالأثقل سمعا فقط إن الله تعالى يقول: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ومعنى هذا أن الشدائد التي كانت على من قبلنا رفعها الله عنا ونسخ الأخف بالأشد مخالف لهذا الوعد الصريح فهو ممنوع سمعا.\nوندفع هذه الشبهة بأن قصارى ما تفيده هذه الآية أن الله تعالى أعفى هذه الأمة المحمدية من أن يكلفها بما يصل في شدته إلى تلك الأحكام القاسية التي فرضها على الأمم الماضية والتي ألزمهم بها إلزاما كأنها أغلال في أعناقهم وهذا لا ينفي أن تكون بعض الأحكام في الشريعة الإسلامية أشد من بعض وأن ينسخ الله فيها حكما اخف بحكم أثقل منه ولكن لا يصل في شدته وصرامته إلى مثل أحكام الماضين في شدتها وصرامتها فوعد الله بالتخفيف على هذه الأمة حق ونسخه حكما بما هو أثقل منه حق وخلاصة الجواب أن شدة بعض الأحكام الإسلامية إنما هو بالنسبة إلى بعضها الآخر أما بالنسبة إلى أحكام الشرائع الأخرى فهي أخف منها قطعا.","vol":"2","page":225},{"text":"الشبهة الثالثة ودفعها:\nيقول هؤلاء أيضا إن الله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ولا تيسير ولا تخفيف في نقلنا من الأخف إلى الأثقل.\nوندفع هذه الشبهة أولا بأن قصارى ما يدل عليه هذان النصان الكريمان هو أن الأحكام الشرعية كلها ميسرة مخففة في ذاتها لا إرهاق فيها للمكلفين وإن كانت فيما بينها متفاوتة فبعضها أثقل أو أخف بالنسبة إلى بعض.\nثانيا أنه لو كان مفهوم الآية هو ما فهموا من التيسير والتخفيف المطلقين لانتقض ذلك بأصل التكليف لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة.\nثالثا أن النص الأول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قد سيق في معرض خاص هو الترخيص للمرضى والمسافرين أن يفطروا ويقضوا عدة من أيام أخر وعلى هذا يكون معناه يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر في ترخيصه للمرضى والمسافرين أن يفطروا رمضان ويقضوا عدة ما افطروا وكذلك النص الثاني يريد الله أن يخفف عنكم قد سيق في معرض خاص هو إباحة الله لعباده أن يتزوجوا الفتيات المؤمنات من الإماء إذا لم يستطيعوا طولا أن يتزوجوا الحرائر من المحصنات المؤمنات وبشرط أن يخشوا العنت أي يخافوا الوقوع في الزنى.\nوعلى هذا فالتخفيف المذكور في هذا السياق معناه التخفيف بالترخيص لهؤلاء الفقراء الخائفين من العنت أن يتزوجوا إماء الله المؤمنات.\nالشبهة الرابعة ودفعها:\nيقول هؤلاء أيضا إن قوله سبحانه: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها يفيد أن النسخ لا يكون إلا بالأخف لأنه الخير أو بالمساوي لأنه المثل أما الأثقل فلا.","vol":"2","page":226},{"text":"وندفع هذه الشبهة بأن الخيرية والمثلية في الآية الكريمة ليس المراد منهما ما فهموا من الخفة عن الحكم الأول أو المساواة به بل المراد بها الخيرية والمثلية في النفع والثواب على ما مر تفصيله وعلى هذا فما المانع من أن يكون الأثقل الناسخ أكثر فائدة في الدنيا وأعظم أجرا في الآخرة من الأخف المنسوخ أو يكون مساويا له في الثواب ومماثلا له في الأجر.","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>نسخ الطلب قبل التمكن في امتثاله</span>\nعلماؤنا اتفقوا على أن نسخ الطلب قبل التمكن من العلم به ممتنع كما اتفقوا على أن نسخه بعد تمكن المكلف من امتثاله جائز لم يخالف في ذلك إلا الكرخي فيما روي عنه امتناع النسخ قبل تحقق الامتثال بالفعل أما نسخ الطلب بعد التمكن من العلم وقبل التمكن من الامتثال ففيه اختلاف العلماء ذهب جمهور أهل السنة ومن وافقهم إلى جوازه وذهب جمهور المعتزلة ومن وافقهم إلى منعه مثال ذلك قوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فإن جمهورنا يجوزون نسخ وجوب الوصية المذكور في هذه الآية بعد التمكن من العلم به وقبل أن يحضر الموت أحد المكلفين أما جمهور المعتزلة فيقولون باستحالة نسخ هذا التشريع إلا بعد احتضار أحد المكلفين وتمكنه من الوصية ولا يكتفي الكرخي فيما روي عنه بمجرد تمكن المكلف من الوصية بل لا بد عنده من أن يوصي بالفعل حتى يجوز النسخ بعده.\nأدلة المثبتين لهذا النوع من النسخ:\nإن الذين أجازوا هذا النوع من النسخ استدلوا له بثلاثة أدلة:","vol":"2","page":227},{"text":"أحدها: أن نسخ الطلب قبل التمكن من امتثاله لا يترتب على وقوعه محال عقلي وكل ما كان كذلك فهو جائز عقلا.\nثانيها: أن النسخ قبل التمكن من الفعل مانع كسائر الموانع التي تمنع العبد منه إذ لا فارق بينه وبينها يؤثر فلو لم يجز هذا النوع من النسخ لم يجز أن يأمر الله عبده بفعل في مستقبل زمانه ثم يعوقه عنه بمرض أو نوم أو نحوهما لكن المشاهد غير ذلك باعتراف المانعين أنفسهم فكثيرا ما تحول الحوائل بين المرء وما أمره الله في مستقبله فليجز هذا النوع من النسخ أيضا.\nثالثها: أن هذا النوع من النسخ قد وقع فعلا والوقوع دليل الجواز وزيادة.\nثم إن لهم على وقوع هذا النوع من النسخ دليلين:\nالدليل الأول أن الله تعالى حين حدثنا عن إبراهيم وولده إسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فلما فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأنت ترى في هذا العرض الكريم لقصة إبراهيم الخليل وولده الذبيح إسماعيل ما يفيد أنه سبحانه قد أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخ ما أمره به قبل أن يتمكن من تنفيذه وفعله.","vol":"2","page":228},{"text":"أما أنه أمره بالذبح فيرشد إليه:\nأولا قول إبراهيم لولده أني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى لأن رؤيا الأنبياء حق من ناحية ولأن مفاوضة إبراهيم لولده في هذا الأمر الجلل تدل على أن هذا أمر لا بد منه من ناحية أخرى وإلا لما فاوضه تلك المفاوضة الخطيرة المزعجة التي هي أول مراحل السعي إلى التنفيذ.\nثانيا أن إسماعيل أجاب أباه بإعلان خضوعه وامتثاله لأمر ربه: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ .\nثالثا أن إبراهيم اتخذ سبيله إلى مباشرة الأسباب القريبة للذبح حيث أسلم ولده وأسلم إسماعيل نفسه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ .\nرابعا أن الله ناداه بأنه قد صدق الرؤيا أي فعل فعل من صدقها وحققها ولو لم يكن هذا أمرا من الله واجب الطاعة ما مدحه الله على تصديقه لرؤياه وسعيه إلى تحقيق ما أمره مولاه.\nخامسا أن الله فدى إبراهيم يذبح عظيم فلو لم يكن ذبح إسماعيل مطلوبا لما كان ثمة داع يدعو إلى الفداء.\nسادسا أن الله امتدح إبراهيم بأنه من المؤمنين ومن المحسنين المستحقين لإكرام الله إياه بالفرج بعد الشدة وقرر سبحانه أن هذا هو البلاء المبين وكافأه بأنه ترك عليه في الآخرين ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ وكل ذلك يدل على أن الله أمره فأطاع وابتلاه أشد الابتلاء فاستسلم وانصاع.\nوأما أن الله نسخ هذا الأمر قبل تمكن إبراهيم من امتثاله فيرشد إليه محاولة إبراهيم للتنفيذ بالخطوات التي خطاها والمحاولات التي حاولها وهي مفاوضة ولده حتى يستوثق منه أو يتخذ إجراء آخر ثم استسلامهما بالفعل لحادث الذبح وصرعه فلذة كبده وقرة عينه على جبينه كيما يضع السكين ويذبحه كما أمره رب العالمين ولكن جاء النداء بالفداء قبل التمكن","vol":"2","page":229},{"text":"من الامتثال وتنفيذ الذبح وبعيد كل البعد بل محال في مجرى العادة أن يكون إبراهيم قد وجد فرصة يتمكن فيها من الامتثال قبل ذلك ثم تركها حتى يقال إن النسخ بالفداء حصل بعد التمكن من الذبح فثبت أن أمره بالذبح قد نسخ بالفداء قبل التمكن من الامتثال ووقع هذا دليل الجواز بل هو أول دليل على الجواز.\nالدليل الثاني أنه جاء في السنة المطهرة ما يفيد أن الله فرض ليلة المعراج على النبي ﷺ وعلى أمته خمسين صلاة ثم نسخ الله في هذه الليلة نفسها خمسا وأربعين منها بعد مراجعات تسع من النبي ﷺ بين موسى وربه وواضح أن هذا النسخ في تلك المرات التسع كان قبل أن يتمكن النبي وأمته من الامتثال وهذا الوقوع أول دليل على الجواز كما هو مقرر.","vol":"2","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>شبهات المنكرين ودفعها</span>\nللمنكرين شبهات كثيرة منها ما صاغوه في صورة أدلة على إنكارهم ومنها ما وجهوه إلى أدلة المثبتين السابقة في صورة مناقشة لها وإبطال لدلالتها وها هي ذي نضعها بين يديك مشفوعة بما يدحضها.\nالشبهة الأولى ودفعها:\nيقولون لو نسخ الطلب قبل التمكن من امتثاله لكن طلبا مجردا من الفائدة ومثل هذا يكون عبثا والعبث على الله محال.\nوندفع هذه الشبهة بأن الطلب في هذه الصورة لم يتجرد من الفائدة كما يزعمون بل إن من فوائده وحكمته ابتلاء الله لعباده أيقبلون أم يرفضون فإن قبلوه وأذعنوا له وآمنوا به ووطنوا أنفسهم على امتثاله فلهم أجر كبير وظهر فضلهم كما ظهر فضل إبراهيم في ابتلائه بذبح ولده إسماعيل مع أنه لم يتمكن من تنفيذ ما أمر به ومن أبى من عباد الله مثل هذا الطلب بأن ضلاله وخذلانه واستحق الحرمان والهوان عن عدل وإنصاف ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .","vol":"2","page":230},{"text":"الشبهة الثانية ودفعها:\nيقولون إن الفعل الذي ينسخ طلبه قبل التمكن من امتثاله إما أن يكون مطلوبا وقت ورود النسخ أو لا فإن كان مطلوبا وقت ورود النسخ أدى ذلك إلى توارد النفي والإثبات على شيء واحد وهو محال وإن لم يكن الفعل مطلوبا وقت ورود النسخ فلا نسخ لأن النسخ لا بد لتحققه من حكم سابق يرد عليه ويرفعه والفرض هنا أنه ورد والحكم مرتفع وندفع هذه الشبهة أولا بأن الفعل لم يكن مطلوبا وقت ورود الناسخ ولكن هذا لا ينفي حقيقة النسخ كما زعموا بل هو المحقق له لأن النسخ كالعلة في ارتفاع الحكم والمعلوم مقارن للعلة في الزمن وإن تأخر عنها في التعقل فالحكم إذن لا بد أن يرتفع عند ورود الناسخ بسبب وروده وإلا لم يعقل النسخ.\nثانيا أن هذه الشبهة تجري في كل صورة من صور النسخ وحينئذ لا مفر لهم من إحدى اثنتين أن يمنعوا النسخ مطلقا مع أنهم لا يقولون به أو يكونوا في شبهتهم هذه مبطلين.\nالشبهة الثالثة ودفعها:\nيقولون إذا قال الشارع صوموا غدا لزم أن يكون صوم الغد حسنا وفيه مصلحة فإذا نهى عنه قبل مجيء الغد لزم أن يكون قبيحا فيه مفسدة واجتماع الحسن والقبح في شيء واحد في آن واحد محال.\nوندفع هذه الشبهة أولا بأنها قامت على أساس باطل هو قاعدة الحسن والقبح العقليين وتقرير بطلان هذه القاعدة معروف عند الأشاعرة من أهل السنة.\nثانيا أن نهي الشارع عن الشيء المطلوب قبل التمكن من أدائه يتبين منه أن ذلك الشيء قبيح عقلا متى نهى الله عنه أما طلبه قبل ذلك فلا يدل على حسنه هو إنما يدل على حسن ما اتصل به مما استلزمه ذلك الطلب وهو إيمان العباد به واطمئنان","vol":"2","page":231},{"text":"نفوسهم إليه وعزمهم على تنفيذه وفي ذلك ما فيه من ترويضهم على الطاعة وتعويدهم الامتثال وإثابتهم على حسن نياتهم وكأن المأمور به في هذه الصورة هو المقدمات التي تسبق الفعل لا نفس الفعل بدليل نسخ الفعل قبل التمكن من امتثاله لكنهم أمروا بالفعل نفسه لأن عزمهم عليه والإتيان بمقدماته لا يتأتى إلا بالأمر على هذه الصورة فتأمل.\nالشبهة الرابعة ودفعها:\nيقولون إن استدلالكم بقصة إبراهيم وولده الذبيح استدلال لا يسلم من جملة مؤخذات.\nأولها أن رؤيا إبراهيم ما هي إلا رؤيا رآها فخيل إليه أنه مأمور بالذبح والحقيقة أنه لم يؤمر به.\nوالجواب أن رؤيا الأنبياء وحي حق لا باطل فيه ولا تخييل والوحي يصحبه علم ضروري في الموحى إليه بأن ما أوحي إليه حق والأنبياء لا يتمثل لهم الشيطان ولا سلطان له عليهم لا في اليقظة ولا في المنام.\nومن ذا الذي يهمل عقله ويسفه نفسه فيصدق أن شيخا كبيرا في جلالة إبراهيم خليل الرحمن يتأثر بخيال فاسد ويصدر عن وهم كاذب في أن يقدم على أكبر الكبائر وهو قتل ولده وذبح وحيده وفلذة كبده بعد أن بشره مولاه بأنه غلام حليم ورزقه إياه على شيخوخة وهرم وحقق فيه ما بشره به فشب الوليد وترعرع حتى بلغ مع أبيه السعي فكان إبراهيم يراه وهو يسعى معه فيملأ عينه نورا وقلبه بهجة وحبورا.\nثانيا قالوا إن إبراهيم على فرض كون رؤياه حقا لم يك مأمورا بذبح ولده إنما كان مأمورا بالعزم على الذبح فحسب امتحانا له بالصبر على هذا العزم ولا ريب أن إبراهيم بمحاولته التي حاولها وصورها القرآن قد عزم وأدى ما وجب عليه فلا نسخ.","vol":"2","page":232},{"text":"والجواب من وجهين أحدهما أن الامتحان الذي ذكروه لا يتحقق إلا بالعزم على ما أوجبه عليه لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب وإذن فإبراهيم كان قد وجب عليه ذبح ولده حتى يكون عزمه على ذلك واجبا يتحقق به معنى الابتلاء والاختبار والآخر أن المأمور به لو كان هو العزم دون الذبح لما كان هناك معنى للفداء لأن إبراهيم قد فعل كل ما أمره به ربه لم يترك شيئا ولم يخفف الله عنه شيئا على زعمهم.\nثالثها قالوا إن الأمر في الحقيقة كان بمقدمات الذبح من إضجاع إبراهيم لولده وصرعه إياه على جبينه وإمراره لسكينه وما أمر إبراهيم بالذبح والجواب أن إبراهيم قد جاء بهذه المقدمات فإذا كانت هي المأمور به دون الذبح فقد أدى إبراهيم كل ما عليه فأي معنى للفداء إذن؟.\nرابعها قالوا أن إبراهيم على فرض أنه كان مأمورا بالذبح نفسه قد بذل وسعه في الامتثال والتنفيذ ولكن الله تعالى قلب عنق الذبيح نحاسا أو حديدا حتى لا ينقطع فسقط التكليف عن إبراهيم لهذا العذر المانع لا لوجود الناسخ.\nوالجواب من ثلاثة أوجه الأول أن ما ذكروه من انقلاب عنقه حديدا أو نحاسا خبر موضوع ورواية هازلة لا أصل لها الثاني أن وجوب الذبح لو سقط لهذا العذر لما كان هناك معنى للفداء الثالث أنهم إذا جوزوا أن يأمرنا الله تعالى بالشيء ثم يحول بيننا وبينه بالناسخ لأنه ليس بين الحيلولتين فارق مؤثر.\nخامسها قالوا إن إبراهيم قد أدى الواجب وذبح ولده فعلا ولكن الجرح قد اندمل وعنق الذبيح قد اتصل والتأم فلا نسخ.","vol":"2","page":233},{"text":"والجواب أولا أن هذه الرواية موضوعة أيضا بل هي أدخل في الكذب وأبعد عن ظاهر آيات القصة من الرواية السابقة ولو حصل ذلك لحدثنا القرآن به لأنه ليس أقل شأنا من أمر الفداء أو لحدثنا الرسول ﷺ به على الأقل ولو كان النقل متواترا لأن مثله مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره.\nثانيا أن هذا الواجب إذا كان قد أدى على أتم وجوهه وذبح إبراهيم ولده بالفعل ولم يحدث مانع ولم يوجد ناسخ فأي معنى للفداء؟.\nسادسها قالوا لا نسلم أن وجوب الذبح قد سقط عن إبراهيم بورود الفداء بل هو باق حتى يذبح الفداء فلو قصر في ذبحه لأثم إثم من كلف بذبح ولده ولم يذبحه ولو كان وجوب ذبح الولد مرتفعا بورود الفداء ما صح تسمية الفداء فداء كما لم يصح تسمية استقبال الكعبة بعد استقبال بيت المقدس فداء وذلك لأن حقيقة الفداء لا بد فيها من أمرين يقوم أحدهما مقام الآخر في تلقي المكروه وعلى هذا لا نسخ.\nوالجواب أن هذا كلام أشبه باللغو فإنهم لا يستطيعون أن ينكروا أن إبراهيم لو ذبح ولده بعد نزول الفداء كان آثما فيكون ذبحه إياه وقتئذ حراما وقد كان قبل نزول الفداء واجبا وينطبق عليه تمام الانطباق أنه رفع حكم شرعي بدليل شرعي ولا معنى للنسخ إلا ذلك.\nالشبهة الخامسة ودفعها:\nيقولون إن استدلالكم بنسخ فرضية الصلوات الخمسين في ليلة المعراج استدلال باطل لأنه خبر غير ثابت وجمهور المعتزلة ينكرون المعراج جملة ومن أثبته منهم نفى خبر فرضية الصلوات الخمسين وما ورد عليها من نسخ وقال إن ذلك من وضع القصاص واستدل على أنها زيادة موضوعة بأنها تقتضي نسخ الحكم قبل التمكن من العلم به وهو ممنوع بالإجماع ووجه هذا الاقتضاء أن فرض الخمسين صلاة لم يكن على النبي ﷺ خاصة بل","vol":"2","page":234},{"text":"كان عليه وعلى أمته معه وقد نسخ قبل أن تعلم به الأمة وعلى تسليم صحة هذه الزيادة لا نسلم أن ذلك كان فرضا على العزم والتعيين بل فوض الله تعالى ذلك إلى اختيار الرسول ومشيئته فإن اختار الخمسين فرضها وإن اختار الخمس فرض الخمس.\nوندفع هذه الشبهة أولا بأن خبر المعراج ثابت من طرق صحيحة متعددة لا من طريق واحد وإنكار أهل الأهواء والبدع له لا يغض من قيمة ثبوته بل يغض من قيمتهم هم قال بعد الظاهر البغدادي وليس إنكار القدرية خبر المعراج إلا كإنكارهم خبر الرؤية والشفاعة وعذاب القبر والحوض والميزان والخبر الصحيح لا يرد بطعن أهل الأهواء كما لم يرد خبر المسح على الخفين بطعن الروافض فيه وكما لم يرد خبر الرجم بإنكار الخوارج له.\nثانيا أن هذه الزيادة ثابتة في الصحيحين وغيرهما وعلى فرض خلو بعض الروايات منها فإن ذلك لا يضيرها لأن زيادة الثقة مقبولة وهذه رواية ثقات عدول ضابطين بلغوا شأوا بعيدا من الثقة والعدالة والضبط حتى روى البخاري ومسلم عنهم في صحيحهما وحسبك برجال البخاري ومسلم في الصحيحين.\nثالثا أن قولهم هذا نسخ للحكم قبل تمكن الأمة من العلم به لا يفيدهم شيئا لأن الرسول ﷺ فرض الله عليه الخمسين صلاة في كل يوم وليلة كما فرضها على أمته وقد علم الرسول بذلك طبعا ونسخ الله هذا الفرض بعد علم الرسول به وقبل تمكنه من امتثاله وذلك كاف في إثبات ما نحن بسبيله من نسخ الطلب قبل التمكن من الامتثال.\nرابعا أن قولهم إن فرض الخمسين لم يكن فرضا عزما كلام فاسد لا برهان لهم به بل نفس الرواية ترد عليهم وتثبت أن الأمر لم يوكل إلى مشيئة الرسول إن اختار الخمسين فرضها الله خمسين وإن اختار الخمس فرضها الله خمسا كما يزعمون ذلك أن الله قال له في هذا المعرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة وقبل الرسول","vol":"2","page":235},{"text":"ذلك طائعا مختارا وهبط على اسم الله حتى إذا لقي موسى سأله موسى ما فعل ربك قال فرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة فقال له موسى ارجع إلى ربك واسأله التخفيف وذكر له أنه خبر بني إسرائيل من قبله فعجزوا وما زال به حتى رجع إلى مقام المناجاة وسأل التخفيف من مولاه فحط عنه خمسا وعاد إلى موسى فراجعه وما زال يرجع بين موسى وربه وفي كل مرة يحط الله عنه خمسا حتى لم يبق إلا خمس من الخمسين وأشار عليه موسى أيضا أن يرجع ويسأل التخفيف فاعتذر بأنه سأل حتى استحيى فهل بعد ذلك كله يصح في الأذهان أن يقال أو أن يفهم أن فرض الخمسين لم يكن فرضا عزما وأن الله فرض الأمر في اختيار الخمسين أو الخمس إلى مشيئة رسوله؟ ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>النسخ في دورانه بين الكتاب والسنة</span>\nالنسخ في الشريعة الإسلامية قد يرد به القرآن وقد ترد به السنة والمنسوخ كذلك قد يرد به القرآن وقد ترد به السنة فالأقسام أربعة.\n١ - نسخ القرآن بالقرآن\nالقسم الأول نسخ القرآن بالقرآن وقد أجمع القائلون بالنسخ من المسلمين على جوازه ووقوعه أما جوازه فلأن آيات القرآن متساوية في العلم بها وفي وجوب العمل بمقتضاها وأما وقوعه فلما ذكرنا وما سنذكر من الآيات الناسخة والمنسوخة وهذا القسم يتنوع إلى أنواع ثلاثة نسخ التلاوة والحكم معا ونسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دون الحكم وقد أشبعنا الكلام عليها فيما سبق.","vol":"2","page":236},{"text":"٢ - نسخ القرآن بالسنة\nالقسم الثاني نسخ القرآن بالسنة وقد اختلف العلماء في هذا القسم بين مجوز ومانع ثم اختلف المجوزون بين قائل بالوقوع وقائل بعدمه وإذن يجري البحث في مقامين اثنين مقام الجواز ومقام الوقوع.\nأ - مقام الجواز\nالقائلون بالجواز هم مالك وأصحاب أبي حنيفة وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وحجتهم أن نسخ القرآن بالسنة ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن السنة وحي من الله كما أن القرآن كذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ولا فارق بينهما إلا أن ألفاظ القرآن من ترتيب الله وإنشائه وألفاظ السنة من ترتيب الرسول وإنشائه والقرآن له خصائصه وللسنة خصائصها وهذه الفوارق لا أثر لها فيما نحن بسبيله ما دام أن الله هو الذي ينسخ وحيه بوحيه وحيث لا أثر لها فنسخ أحد هذين الوحيين بالآخر لا مانع يمنعه عقلا كما أنه لا مانع يمنعه شرعا أيضا فتعين جوازه عقلا وشرعا.\nهذه حجة المجيزين أما المانعون وهم الشافعي وأحمد في إحدى روايتين عنه وأكثر أهل الظاهر فيستدلون على المنع بأدلة خمسة وها هي ذي مشفوعة بوجوه نقضها:\nدليلهم الأول أن الله تعالى يقول لنبيه ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وهذا يفيد أن وظيفة الرسول منحصرة في بيان القرآن والسنة إن نسخت القرآن لم تكن حينئذ بيانا له بل تكون رافعة إياه.","vol":"2","page":237},{"text":"وننقض هذا الاستدلال أولا بأن الآية لا تدل على انحصار وظيفة السنة في البيان لأنها خالية من جميع طرق الحصر وكل ما تدل عليه الآية هو أن سنة الرسول ﷺ مبينة للقرآن وذلك لا ينفي أن تكون ناسخة له ونظير هذه الآية قول سبحانه تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا فإنه يفيد أنه نذير للعالمين ولا تنفي عنه أنه بشير أيضا للعالمين.\nثانيا أن وظيفة السنة لو انحصرت في بيان القرآن ما صح أن تستقل بالتشريع من نحو إيجاب وتحريم مع أن إجماع الأمة قائم على أنها قد تستقل بذلك كتحريمه ﷺ كل ذي مخلب من الطيور وكل ذي ناب من السباع وكحظره أن يورث بقوله: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\".\nثالثها أن السنة نفسها نصت على أنها قد تستقل بالتشريع وإفادة الأحكام يحدثنا العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قام فقال: \"أيحسب أحدكم متكئا على أريكة يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا إني قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إلا إذا أعطوكم الذي فرض عليهم\".\nرابعا أنه على فرض دلالة الآية على الحصر فالمراد بالبيان فيها التبليغ لا الشرح وقد بلغ الرسول كل ما أنزله الله إلى الناس وهذا لا ينافي أنه نسخ ما شاء الله نسخه بالسنة.\nخامسا أنه على فرض دلالة الآية على الحصر ودلالة البيان على خصوص الشرح فإن المراد بما أنزل إلى الناس هو جنسه الصادق ببعضه وهذا لا ينافي","vol":"2","page":238},{"text":"أن تكون السنة ناسخة لبعض آخر فيكون الرسول مبينا لما ثبت من الأحكام وناسخا لما ارتفع منها.\nدليلهم الثاني أن القرآن نفسه هو الذي أثبت أن السنة النبوية حجة فلو نسخته السنة لعادت على نفسها بالإبطال لأن النسخ رفع وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع والدليل على أن القرآن هو الذي أثبت حجية السنة ما نقرؤه فيه من مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾\nوننقض هذا الاستدلال أولا بأن كلامنا ليس في جواز نسخ السنة لنصوص القرآن الدالة على حجيتها حتى ترجع على نفسها بالإبطال بل هو في جواز نسخ ما عدا ذلك مما يصح أن يتعلق به النسخ.\nثانيا أن ما استدلوا به حجة عليهم لأن وجوب طاعة الرسول وابتاعه يقضي بوجوب قبول ما جاء به على أنه ناسخ.\nدليلهم الثالث أن قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ قد جاء ردا على من أنكروا النسخ وعابوا به الإسلام ونبي الإسلام بدليل قوله سبحانه قبل هذه الآية: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ومعلوم أن روح القدس إنما ينزل بالقرآن وإذن فلا ينسخ القرآن إلا بقرآن.\nوننقض هذه الاستدلال بأن الكتاب والسنة كلاهما وحي من الله وكلاهما نزل به روح القدس بدليل قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فالذهاب إلى أن ما ينزل به روح القدس هو خصوص القرآن باطل\nدليلهم الرابع أن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ وهذا يفيد أن السنة لا تنسخ القرآن لأنها نابعة من نفس الرسول ﷺ.","vol":"2","page":239},{"text":"وندفع هذا الاستدلال بمثل ما دفعنا به سابقه وهو أن السنة ليست نابعة من نفس الرسول على أنها هوى منه وشهوة بل معانيها موحاة من الله تعالى إليه وكل ما استقل به الرسول ﷺ أنه عبر عنها بألفاظ من عنده فهي وحي يوحى وليست من تلقاء نفسه على هذا الاعتبار وإذن فليس نسخ القرآن بها تبديلا له من تلقاء نفسه إنما هو تبديل يوحى.\nدليلهم الخامس أن آية ما ننسخ من آية أو ننسها تدل على امتناع نسخ القرآن بالسنة من وجوه ثلاثة أولها أن الله تعالى قال نأت بخير منها أو مثلها والسنة ليست خيرا من القرآن ولا مثله.\nثانيها أن وقوله نأت يفيد أن الآتي هو الله والسنة لم يأت بها الله إنما الذي أتى بها رسوله.\nثالثها أن قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ يفيد أن النسخ لا يصدر إلا عمن له الاقتدار الشامل والملك الكامل والسلطان المطلق وهو الله وحده.\nوندفع الوجه الأول من هذا الاستدلال بأن النسخ في الآية الكريمة أعم من أن يكون في الأحكام أو في التلاوة والخيرية والمثلية أعم من أن تكونا في المصلحة أو في الثواب وقد سبق بيان ذلك وإذن فقد تكون السنة الناسخة خيرا من القرآن المنسوخ من هذه الناحية وإن كان القرآن خيرا من السنة من ناحية امتيازه بخصائصه العليا دائما.\nوندفع الوجه الثاني بأن السنة وحي من الله وما الرسول ﷺ إلا مبلغ ومعبر عنها فقط فالآتي بها على الحقيقة هو الله وحده.","vol":"2","page":240},{"text":"وندفع الوجه الثالث بانا نقول بموجبه وهو أن الناسخ في الحقيقة هو الله وحده والسنة إذا نسخته فإنما تنسخه من حيث إنها وحي صادر منه سبحانه.\nشبهتان ودفعهما\n١ - لقائل أن يقول إن من السنة ما يكون ثمرة لاجتهاده ﷺ وهذا ليس وحيا أوحي إليه به بدليل العتاب الذي وجهه القرآن إلى الرسول في لطف تارة وفي عنف أخرى فكيف يستقيم بعد هذا أن نقول إن السنة وحي من الله؟.\nوالجواب أن مرادنا هنا بالسنة ما كانت عن وحي جلي أو خفي أما السنة الاجتهادية فليست مرادة هنا ألبتة لأن الاجتهاد لا يكون إلا عند عدم النص فكيف يعارضه ويرفعه وقد شرحنا أنواع السنة في كتابنا المنهل الحديث في علوم الحديث فارجع إليه إن شئت.\n٢ - ولقائل أن يقول إن من السنة ما كان آحاديا وخبر الواحد مهما صح فإنه لا يفيد القطع والقرآن قطعي المتن فكيف ينسخ بالسنة التي لا تفيد القطع ومتى استطاع الظن أن يرفع اليقين؟.\nوالجواب أن المراد بالسنة هنا السنة المتواترة دون الآحادية والسنة المتواترة قطيعة الثبوت أيضا كالقرآن فهما متكافئان من هذه الناحية فلا مانع أن ينسخ أحدهما الآخر أما خبر الواحد فالحق عدم جواز نسخ القرآن به للمعنى المذكور وهو أنه ظني والقرآن قطعي والظني أضعف من القطعي فلا يقوى على رفعه.\nوالقائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة الأحادية اعتمادا على أن القرآن ظني للدلالة حجتهم داحضة لأن القرآن إن لم يكن قطعي الدلالة فهو قطعي","vol":"2","page":241},{"text":"الثبوت والسنة الآحادية ظنية الدلالة والثبوت معا فهي أضعف منه فكيف ترفعه؟.\nب - مقام الوقوع:\nما أسلفناه بين يديك كان في الجواز أما الوقوع فقد اختلف المجوزون فيه منهم من أثبته ومنهم من نفاه ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ وهاك وجهة كل من الفريقين لتعرف أن الحق مع النافين.\nاستدل المثبتون على الوقوع بأدلة أربعة:\nالدليل الأول أن آية الجلد وهي: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ تشمل المحصنين وغيرهم من الزناة ثم جاءت السنة فنسخت عمومها بالنسبة إلى المحصنين وحكمت بأن حزاءهم الرجم.\nوقد ناقش النافون هذا الدليل بأمرين أحدهما أن الذي ذكروه تخصيص لا نسخ والآخر أن آية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة هي المخرجة لصور التخصيص وإن جاءت السنة موافقة لها وقد سبق الكلام على آية الشيخ والشيخة في عداد ما نسخت تلاوته وبقي حكمه فلا تغفل.\nالدليل الثاني أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ منسوخ بقوله ﷺ: \"لا وصية لوارث\".\nوقد ناقشه النافون بأمرين:\nأولهما أن الحديث المذكور خبر آحاد وقد تقرر أن الحق عدم جواز نسخ القرآن بخبر الآحاد.","vol":"2","page":242},{"text":"ثانيهما أن الحديث بتمامه يفيد أن الناسخ هو آيات المواريث لا هذا الحديث وإليك النص الكامل للحديث المذكور: \"إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\".\nويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود في صحيحه ونصه عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية المواريث.\nالدليل الثالث أن قوله سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ منسوخ بقوله ﷺ: \"خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\".\nوقد ناقشه النافون أولا بأن الناسخ هنا هو آية الجلد وآية الشيخ والشيخة وإن جاء الحديث موافقا لهما.\nثانيا بأن ذلك تخصيص لا نسخ لأن الحكم الأول جعل الله له غاية هو الموت أو صدور تشريع جديد في شأن الزانيات وقد حققنا أن رفع الحكم ببلوغ غايته المضروبة في دليله الأول ليس نسخا.\nالدليل الرابع أن نهيه عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور ناسخ لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ .\nوقد ناقشه النافون بأن الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا الذي ذكر فيها","vol":"2","page":243},{"text":"إنما هو مباح بالبراءة الأصلية والحديث المذكور ما رفع إلا هذه البراءة الأصلية ورفعها لا يسمى نسخا كما سلف بيانه.\nمن هذا العرض يخلص لنا أن نسخ القرآن بالسنة لا مانع يمنعه عقلا ولا شرعا غاية الأمر أنه لم يقع لعدم سلامة أدلة الوقوع كما رأيت.\n٣ - نسخ السنة بالقرآن\nهذا هو القسم الثالث وفيه خلاف العلماء أيضا بين تجويز ومنع على نمط ما مر في القسم الثاني بيد أن صوت المانعين هنا خافت وحجتهم داحضة أما المثبتون فيؤيدهم دليل الجواز كما يسعفهم برهان الوقوع ولهذا نجد في صف الإثبات جماهير الفقهاء والمتكلمين ولا نرى في صف النفي سوى الشافعي في أحد قوليه ومعه شرذمة من أصحابه ومع ذلك فنقل هذا عن الشافعي فيه شيء من الاضطراب أو إرادة خلاف الظاهر.\nدليل الجواز:\nاستدل المثبتون على الجواز هنا بمثل ما استدلوا على القسم السالف فقالوا إن نسخ السنة بالقرآن ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن السنة وحي كما أن القرآن وحي ولا مانع من نسخ وحي بوحي لمكان التكافؤ بينهما من هذه الناحية.\nأدلة للوقوع والجواز:\nواستدلوا على الوقوع بوقائع كثيرة كل واقعة منها دليل على الجواز كما هي دليل على الوقوع لما علمت من أن الوقوع يدل على الجواز وزيادة.","vol":"2","page":244},{"text":"من تلك الوقائع أن استقبال بيت المقدس في الصلاة لم يعرف إلا من السنة وقد نسخه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ .\nومنها أن الأكل والشرب والمباشرة كان محرما في ليل رمضان على من صام ثم نسخ هذا التحريم بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ .\nومنها أن النبي ﷺ أبرم مع أهل مكة عام الحديبية صلحا كان من شروطه أن من جاء منهم مسلما رده عليهم وقد وفى بعده في أبي جندل وجماعة من المكيين جاؤوا مسلمين ثم جاءته امرأة فهم أن يردها فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ﴾ الآية.\nشبهة للمانعين ودفعها:\nأورد المانعون على هذا الاستدلال المعتمد على تلك الوقائع شبهة قالوا في تصويرها يجوز أن يكون النسخ فيما ذكرتم ثابتا بالسنة ثم جاء القرآن موافقا لها وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ السنة بالسنة ويجوز أن الحكم المنسوخ كان ثابتا أولأ بقرآن نسخت تلاوته ثم جاءت السنة موافقة له وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ قرآن بقرآن.\nوندفع هذه الشبهة بأنها قائمة على مجرد احتمالات واهية لا يؤيدها دليل ولو فتحنا بابها وجعلنا لها اعتبارا لما جاز لففيه أن يحكم على نص بأنه ناسخ لآخر إلا إذا ثبت ذلك صريحا عن رسول الله ﷺ ولكن ذلك باطل بإجماع الأمة على خلافه واتفاقها على أن الحكم إنما يسند إلى دليله الذي لا يعرف سواه بعد الاستقراء الممكن.","vol":"2","page":245},{"text":"أدلة المانعين ونقضها:\n١ - قالوا إن قوله ﷾: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يفيد أن السنة ليست إلا بيانا للقرآن فإذا نسخها القرآن خرجت عن كونها بيانا له.\nوننقض هذا بأن الآية ليس فيها طريق من طرق الحصر وعلى فرض وجود الحصر فالمراد بالبيان في الآية التبليغ لا الشرح ولا ريب أن التبليغ إظهار وعلى فرض أن الآية حاصرة للسنة في البيان بمعنى الشرح لا التبليغ فبيانها بعد النسخ باق في الجملة وذلك بالنسبة لما لم ينسخ منها وأنت تعلم أن بقاء الحكم الشرعي مشروط بعدم ورود ناسخ فتدبر ولاحظ التفصيل الذي ذكرناه هناك في نقض الدليل لمانعي نسخ القرآن بالسنة فإنه يفيدك هنا.\n٢ - قال المانعون أيضا إن نسخ السنة بالقرآن يلبس على الناس دينهم ويزعزع ثقتهم بالسنة ويوقع في روعهم أنها غير مرضية لله وذلك يفوت مقصود الشارع من وجوب اتباع الرسول ﷺ وطاعته واقتداء الخلق به في أقواله وأفعاله ولا ريب أن هذا باطل فما استلزمه وهو نسخ السنة بالقرآن باطل.\nوننقض هذا الاستدلال أولا بأن مثله يمكن أن يقال في أي نوع آخر من أنواع النسخ التي تقولون بها فما يكون جوابا لكم يكون مثله جوابا لنا.\nثانيا أن ما ذكروه من استلزام نسخ السنة بالقرآن لهذه الأمور الباطلة غير صحيح لأن أدلة القرآن متوافرة على أن الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وذلك يمنع لزوم هذه المحاولات الفاسدة ويجعل نسخ السنة بالقرآن كنسخ السنة بالسنة والقرآن بالقرآن في نظر أي منصف كان.","vol":"2","page":246},{"text":"٤ - نسخ السنة بالسنة\nنسخ السنة بالسنة يتنوع إلى أنواع أربعة نسخ سنة متواترة بمتواترة ونسخ سنة آحادية بآحاديه ونسخ سنة آحادية بسنة متواترة ونسخ سنة متواترة بسنة آحادية أما الثلاثة الأول فجائزة عقلا وشرعا وأما الرابع وهو نسخ سنة متوارترة بآحادية فاتفق علماؤنا على جوازه عقلا ثم اختلفوا في جوازه شرعا فنفاه الجمهور وأثبته أهل الظاهر\nأدلة الجمهور:\nاستدل الجمهور على مذهبهم بدليلين:\nأولهما أن المتواتر قطعي الثبوت وخبر الواحد ظني والقطعي لا يرتفع بالظني لأنه أقوى منه والأقوى لا يرتفع بالأضعف.\nثانيهما أن عمر ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى مع أن زوجها طلقها وبت طلاقها وقد أقر الصحابة عمر على رده هذا فكان إجماعا وما ذاك إلا لأنه خبر آحادي لا يفيد إلا الظن فلا يقوى على معارضة ما هو أقوى منه وهو كتاب الله إذ يقول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وسنة رسوله المتواترة في جعل السكن حقا من حقوق المبتوتة.\nملاحظة:\nروت كتب الأصول في هذا الموضوع خبر فاطمة بنت قيس بصيغة مدخولة فيها أن عمر قال حين بلغه الخبر لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت حفظت أم نسيت وعزا بعضهم هذه الرواية المدخولة إلى الإمام مسلم في صحيحة والحقيقة أن الرواية بهذا الصورة غير صحيحة كما أن عزوها إلى مسلم غير صحيح.","vol":"2","page":247},{"text":"والرواية الصحيحة في مسلم وغيره ليس فيها كلمة أصدقت أم كذبت بل اقتصرت على كلمة أحفظت أم نسيت ومثلك حماك الله يعلم أن الشك في حفظ فاطمة ونسيانها لا يقدح في عدالتها وصدقها فإياك أن تخوض مع الخائضين من المستشرفين وأذنابهم فتطعن في الصحابة وتجرحهم في تثبتهم لمثل هذا الخبر المردود.\nوإن شئت المزيد من التعليق على هذا الخبر وما شابهه فاقرأ ما كتبناه تحت عنوان دفع شبهات في هذا المقام من كتابنا المنهل الحديث في علوم الحديث.\nأدلة الظاهر:\nاعتمد أهل الظاهر في جواز نسخ المتواتر بالآحاد شرعا على شبهات ظنوها أدلة وما هي بأدلة.\nمنها أن النسخ تخصيص لعموم الأزمان فيجوز بخبر الواحد وإن كان المنسوخ متواترا كما أن تخصيص عموم الأشخاص يجوز بخبر الواحد وإن كان العام المخصوص متواترا.\nوندفع هذا أولا بأن المقصود من النص المنسوخ جميع الأزمان وليس المقصود منه استمرار الحكم إلى وقت النسخ فقط وإذن فالنسخ رفع لمقتضى العموم لا تخصيص للعموم فكيف يقاس النسخ على التخصيص الذي هو بيان محض للمقصود من اللفظ.\nثانيا أننا نمنع جواز تخصيص المتواتر بخبر الواحد كما هو رأي الحنفية.\nومنها أن أهل قباء كانوا يصلون متجهين إلى بيت المقدس فأتاهم آت يخبرهم بتحويل القبلة إلى الكعبة فاستجابوا له وقبلوا خبره واستداروا وهم في صلاتهم وبلغ ذلك رسول الله فأقرهم وهذا دليل على أن خبر الواحد ينسخ المتواتر.\nوندفع هذا بأن خبر الواحد في هذه الحادثة احتفت به قرائن جعلته يفيد القطع وكلامنا","vol":"2","page":248},{"text":"في خبر الواحد الذي لا يفيد القطع وهذه القرائن التي تفيد القطع هنا نعلمها من أن الحادثة المروية حادثة جزئية حسية لا تحتمل الخطأ ولا النسيان وأنها تتصل بأمر عظيم هو صلاة جمع من المسلمين وأن الراوي لها صحابي جليل وأنه لا واسطة بينه وبين الرسول وأنه واثق من أنه إن كذب فسيتفتضح أمره لا محالة وسيلاقي من العنت والعقاب ما يحيل العقل عادة معه تسبب هذا الراوي العظيم له يضاف إلى هذا أن التوجه إلى بيت المقدس كان متوقع الانتساخ لما هو معروف من حب العرب وحب الرسول معهم لاستقبال الكعبة التي هي مفخرتهم ومفخرة آبائهم وأجدادهم فكان ﵊ يرفع وجهه إلى السماء انتظارا لنزول الوحي بذلك ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ .","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>نسخ القياس والنسخ به</span>\nينطوي تحت نسخ القياس والنسخ به صور ثلاث أولاها أن ينسخ القياس حكما دل عليه قياس ومثلوا لذلك بأن يوجب الشارع إكرام زيد لسخائه فنقيس عليه عمرا لوجود علة السخاء فيه ثم بعد ذلك يوجب الشارع إهانة بكر لكونه سكيرا فنقيس عليه عمر المذكور لوجود علة السكر فيه وبذلك ينتسخ وجوب إكرام عمر وبوجوب إهانته عند ترجيح هذا القياس الثاني على الأول.\nثانيتها أن ينسخ القياس حكما دل عليه نص كأن ينص الشارع على إباحة النبيذ ثم بعد ذلك يحرم الخمر لإسكاره فنقيس النبيذ عليه لوجود علة الإسكار فيه وبذلك ينتسخ حكم الإباحة الثابت نصا بحكم التحريم الثابت قياسا.\nثالثتها أن ينسخ النص قياسا كأن يحرم الشارع الخمر لكونه مسكرا فنحمل عليه النبيذ لإسكاره ثم بعد ذلك ينص الشارع على إباحة النبيذ فتنسخ حرمة النبيذ الثابتة قياسا بإباحته الثابتة نصا.","vol":"2","page":249},{"text":"وقد اختلف علماؤنا فمنهم من منع نسخ القياس والنسخ به مطلقا ومنهم من جوزه مطلقا ومنه من فصل والجمهور على جواز نسخه والنسخ به إن كان قطعيا وعلى منعه إن كان ظنيا والقطعي ما قطع فيه بنفي الفارق كقياس صب البول في الماء الراكد على البول فيه فيأخذ حكمه وهو الكراهة.\nأدلة المانعين مطلقا:\nوقد استدل القائلون بمنع نسخ القياس مطلقا بأن نسخه يقتضي ارتفاع حكم الفرع مع بقاء حكم الأصل وهذا لا يقبله العقل لأن العلة التي رتب عليها الشارع حكم الأصل موجودة في الفرع وهي قاضية ببقاء الحكم في الفرع ما دام باقيا في الأصل.\nونوقش هذا الاستدلال بأمرين أحدهما أن نسخ القياس لا يقتضي ما ذكروه بل يقتضي ارتفاع حكم الأصل تبعا لارتفاع حكم الفرع على معنى أن نسخ حكم الفرع يدل على أن الشارع قد ألغى العلة التي رتب عليها حكم الأصل وإلغاؤها يقتضي ارتفاع حكمه.\nوالآخر أنه لا مانع عقلا من أن ينسخ الشارع الفرع بناء على أنه اعتبر قيدا في العلة لم يكن معتبرا من قبل وهذا القيد موجود في الأصل وليس موجودا في الفرع.\nهذا دليل المانعين لجواز نسخ القياس مطلقا مع مناقشته أما الدليل على منعهم جواز النسخ به مطلقا فيتلخص في أن المنسوخ به إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لأن دلالته أقوى من دلالة القياس والضعيف لا يرفع ما هو أقوى منه ولا جائز أن يكون المنسوخ به إجماعا لأن الإجماع لا يصلح أن يكون ناسخا ولا منسوخا كما سيأتي تحقيقه ولا جائز أن يكون قياسا لأنه يشترط لصحة القياس أن يسلم من المعارض المساوي له والأرجح منه وهذا القياس المتأخر مفروض أنه أرجح من الأول وإذن يتبين بظهوره بطلان القياس الأول وإذا تبين بطلانه بطل القول بنسخه لأن النسخ رفع","vol":"2","page":250},{"text":"لحكم ثابت من قبل وهذا قد تبين خطؤه وعدم ثبوته\nونوقش هذا الاستدلال بأن إطلاق القول بأن النص أقوى دلالة من القياس غير مسلم فإن هناك من النصوص ما تخفي دلالته حتى لا يفقهها إلا الخواص على حين أن هناك من الأقيسة ما تظهر دلالته لكل باحث منصف.\nدليل المجوزين مطلقا:\nواستند المجوزون لنسخ القياس والنسخ به مطلقا إلى أن القياس دليل شرعي لم يقم دليل عقلي ولا نقلي على امتناع نسخه أو النسخ به.\nونوقش هذا الاستدلال بأن إطلاقهم هذا يستلزم التسوية بين ظني القياس وقطعيه ويستلزم جواز ارتفاع القطعي منه بالظني وكلاهما غير مقبول عقلا ولا نقلا.\nدليل الجمهور:\nواستدل الجمهور على جواز نسخه والنسخ به إن كان قطعيا بأن القياس القطعي لا يستلزم نسخه ولا النسخ به محالا عقليا ولا شرعيا واستدلوا على عدم جواز نسخه والنسخ به إن كان ظنيا بأن جواز ذلك يستلزم المحال أما بيانه بالنسبة لعدم جواز نسخه فهو أن الناسخ له إما أن يكون قطعيا أو ظنيا لا جائز أن يكون قطعيا لأن الظن لا يقوى على رفع اليقين ولا جائز أن يكون ظنيا وكلا هذين مبطل للقياس الأول والباطل لا ثبوت له حتى ينتسخ ويستدلون على أن كلا هذين مبطل للقياس الأول بأن اقتضاء القياس للحكم مشروط بألا يظهر له معارض مساو له أو أرجح منه ولا ريب أن القياس القطعي المتأخر أقوى من الأول وأن الظني أرجح منه حتى يعقل نسخه له فبظهور أحدهما يتبين بطلان ذلك القياس الأول وإذن فلا نسخ ودليلهم على عدم جواز النسخ به هو أن المنسوخ بالقياس الظني إما أن يكون قطعيا أو ظنيا لأن اقتضاء القياس الظني للحكم مشروط بألا يظهر له معارض مساو له أو أرجح منه وفي هذه الصورة قد ظهر له معارض وهو القياس المتأخر عنه الذي لا بد أن يكون","vol":"2","page":251},{"text":"أرجح منه حتى يعقل نسخه له وعلى هذا يكون القياس المتأخر مبينا بطلان اقتضاء القياس المتقدم للحكم لا ناسخا له.","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>نسخ الإجماع والنسخ به</span>\nجمهور الأصوليين على أن الإجماع لا يجوز أن يكون ناسخا ولا منسوخا واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون ناسخا بأن المنسوخ به إ ما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لأن الإجماع لا بد أن يكن له نص يستند إليه خصوصا إذا انعقد على خلاف النص وإذن يكون الناسخ هو ذلك النص الذي استند إليه الإجماع لا نفس الإجماع ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع إجماعا لأن الإجماع لا يكون إلا عن مستند يستند إليه من نص أو قياس إذ الإجماع بدون مستند قول على الله بغير علم والقول على الله بغير علم ضلالة والأمة لا تجتمع على ضلالة ومستند الإجماع الثاني لا بد أن يكون نصا حدث بعد الإجماع الأول لأن ذلك النص لو تحقق قبل الإجماع الأول ما أمكن أن ينعقد الإجماع على خلافه ولا ريب أن حدوث نص بعد رسول الله ﷺ محال فما أدى إليه وهو نسخ الإجماع بالإجماع محال ولا جائز أن يكن المنسوخ بالإجماع قياسا لأن الإجماع على خلاف القياس يقتضي أحد أمرين إما خطأ القياس وإما انتساخه بمستند الإجماع وعلى كلا التقديرين فلا يكون الإجماع ناسخا واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون الإجماع منسوخا بأن الإجماع لا يعتبر حجة إلا بعد رسول الله ﷺ وإذن فالناسخ له إما أن يكون نصا أو قياسا أو إجماعا لا جائز أن يكون نصا لأن الناسخ متأخر عن المنسوخ أو لا يعقل أن يحدث نص بعد رسول الله ﷺ ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع قياسا لأن نسخ الإجماع بالقياس يقتضي أن يكون الحكم الدال على الأصل حادثا بعد الرسول وهو باطل ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع إجماعا لما سبق وأما قولهم هذا الحكم منسوخ إجماعا فمعناه أن الإجماع انعقد على أنه نسخ بدليل من الكتاب أو السنة لا أن الإجماع هو الذي نسخه.","vol":"2","page":252},{"text":"المجوزون ومناقشتهم:\nما تقدم هو مذهب الجمهور ولكن بعض المعتزلة وآخرون جوزوا أن يكون الإجماع ناسخا لكل حكم صلح النص ناسخا له واستدلوا بأدلة منها أن نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكوات ثابت بصريح القرآن وقد نسخ بإجماع الصحابة في زمن الصديق على إسقاطه.\nونوقش هذا بوجوه أولها أن الإجماع المذكور لم يثبت بدليل اختلاف الأئمة المجتدين في سقوط نصيب هؤلاء.\nثانيها أن العلة في اعتبار المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة هي إعزاز الإسلام بهم وفي عهد أبي بكر اعتز الإسلام فعلا بكثرة أتباعه واتساع رقعته فأصبح غير محتاج إلى إعزاز وسقط نصيب هؤلاء المؤلفة لسقوط علته\nثالثها أنه على فرض صحة هذا الإجماع فإن الإجماع لا بد له من مستند وإذن فالناسخ هو هذا المستند لا الإجماع نفسه.","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>موقف العلماء من الناسخ والمنسوخ</span>\nالعلماء في موقفهم من الناسخ والمنسوخ يختلفون بين مقصر ومقتصد وغال فالمقصرون هم الذين حاولوا التخلص من النسخ إطلاقا سالكين به مسلك التأويل بالتخصيص ونحوه كأبي مسلم ومن وافقه وقد بينا الرأي في هؤلاء سابقا.\nوالمقتصدون هم الذين يقولون بالنسخ في حدوده المعقولة فلم ينفوه إطلاقا كما نفاه أبو مسلم وأضرابه ولم يتوسعوا فيه جزافا كالغالين بل يقفون به موقف الضرورة التي يقتضيها وجود التعارض الحقيقي بين الأدلة مع معرفة التقدم منها والمتأخر.\nوالغالون هم الذين تزيدوا فأدخلوا في النسخ ما ليس منه بناء على شبه ساقطة ومن هؤلاء أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ وهبة الله بن سلامة،","vol":"2","page":253},{"text":"وأبو عبد الله محمد بن حزم وغيرهم فإنهم ألفوا كتبا في النسخ أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ اشتباها منهم وغلطا ومنشأ تزيدهم هذا أنهم انخدعوا بكل ما نقل عن السلف أنه منسوخ وفاتهم أن السلف لم يكونوا يقصدون بالنسخ هذا المعنى الاصطلاحي بل كانوا يقصدون به ما هو أعم منه مما يشمل بيان المجمل وتقييد المطلق ونحوها.","vol":"2","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>منشأ غلط المتزيدين تفصيلا</span>\nونستطيع أن نرد أسباب هذا الغلط إلى أمور خمسة:\nأولها ظنهم أن ما شرع لسبب ثم زال سببه من المنسوخ وعلى هذا عدوا الآيات التي وردت في الحث على الصبر وتحمل أذى الكفار أيام ضعف المسلمين وقلتهم منسوخة بآيات القتال مع أنها ليست منسوخة بل هي من الآيات التي دارت أحكامها على أسباب فالله أمر المسلمين بالصبر وعدم القتال في أيام ضعفهم وقلة عددهم لعلة الضعف والقلة ثم أمرهم بالجهاد في أيام قوتهم وكثرتهم لعلة القوة والكثرة وأنت خبير بأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما وأن انتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخا بدليل أن وجوب التحمل عند الضعف والقلة لا يزال قائما إلى اليوم وأن وجوب الجهاد والدفاع عند القوة والكثرة لا يزال قائما كذلك إلى اليوم.\nثانيها توهمهم أن إبطال الإسلام لما كان عليه أهل الجاهلية من قبيل ما نسخ الإسلام فيه حكما بحكم كإبطال نكاح نساء الآباء وكحصر عدد الطلاق في ثلاث وعدد الزواج في أربع بعد أن لم يكونا محصورين مع أن هذا ليس نسخا لأن النسخ رفع حكم شرعي وما ذكروه من هذه الأمثلة ونحوها رفع الإسلام فيه البراءة الأصلية وهي حكم عقلي لا شرعي.\nثالثها اشتباه التخصيص عليهم بالنسخ كالآيات التي خصصت باستثناء أو غاية مثل قوله سبحانه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ","vol":"2","page":254},{"text":"يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ومثل قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ .\nرابعها اشتباه البيان عليهم بالنسخ في مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإن منهم من توهم أنه ناسخ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ مع أنه ليس ناسخا له وإنما هو بيان لما ليس بظلم وببيان ما ليس بظلم يعرف الظلم وبضدها تتميز الأشياء.\nخامسها توهم وجود تعارض بين نصين على حين أنه لا تعارض في الواقع وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فإن بعضهم توهم أن كلتا الآيتين منسوخة بآية الزكاة لتوهمه أنها تعارض كلا منهما على حين أنه لا تعارض ولا تنافي لأنه يصح حمل الإنفاق في كلتا الآيتين الأوليين على ما يشمل الزكاة وصدقة التطوع ونفقة الأهل والأقارب ونحو ذلك وتكون آية الزكاة معهما من قبيل ذكر فرد من أفراد العام بحكم العام ومثل هذا لا يقوى على تخصيص العام فضلا عن أن ينسخه وذلك لعدم وجود تعارض حقيقي لا بالنسبة إلى كل أفراد العام حتى يكون ناسخا ولا بالنسبة إلى بعضها حتى يكون مخصصا.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الآيات التي اشتهرت بأنها منسوخة</span>\nقد عرفت أن المتزيدين أكثروا القول بالآيات المنسوخة غلطا منهم واشتباها ونزيدك هنا أن بعض فطاحل العلماء تعقب هؤلاء المتزيدين بالنقد كالقاضي أبي بكر بن العربي وكجلال الدين السيوطي الذي حصر ما يصح لدعوى النسخ من آيات القرآن في اثنتين وعشرين آية ثم ذكر أن الأصح في آيتي الاستئذان والقسمة الإحكام لا النسخ وها هي ذي مشفوعة بالتعليق عليها مرتبة بترتيب المصحف الشريف:","vol":"2","page":255},{"text":"الآية الأولى\n﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قيل إنها منسوخة بقوله سبحانه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ لأن الآية الأولى تفيد جواز استقبال غير المسجد الحرام في الصلاة ما دامت الآفاق كلها لله وليست له جهة معينة والثانية تفيد عدم جواز استقبال غيره فيها ما دامت تحتم استقبال المسجد الحرام في أي مكان نكون فيه.\nوقيل إن الآية المذكورة ليست منسوخة وإنما هي محكمة وهذا ما نرجحه لأنها نزلت ردا على قول اليهود حين حولت القبلة إلى الكعبة: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إذن فهي متأخرة في النزول عن آية التحويل كما قال ابن عباس وليس بمعقول أن يكون الناسخ سابقا على المنسوخ ثم إن معناها هكذا إن الآفاق كلها لله وليس سبحانه في مكان خاص منها وليس له جهة معينة فيها وإذن فله أن يأمر عباده باستقبال ما يشاء من الجهات في الصلاة وله أن يحولهم من جهة إلى جهة وهذا المعنى كما ترى لا يتعارض وأن يأمر الله عباده وجوبا باستقبال الكعبة دون غيرها بعد أن أمرهم باستقبال بيت المقدس وحيث لا تعارض فلا نسخ بل الآيتان محكمتان ويؤيد إحكام هذه الآية أن جملة ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وردت بنصها في سياق الآيات النازلة في التحويل إلى الكعبة ردا على من طعنوا فيه اقرأ إن شئت قوله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وبعضهم يمنع التعارض ويدفع النسخ بأن آية ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ تفيد جواز التوجه إلى غير الكعبة في خصوص صلاة النافلة سفرا على الدابة ويقول إن هذا الحكم باق لم ينسخ أما الآية الثانية فتفيد وجوب استقبال الكعبة في الفرائض وبعضهم يحمل الآية الأولى على التوجه في الدعاء والثانية على التوجه في الصلاة وإذن","vol":"2","page":256},{"text":"لا تعارض على هذين الاحتمالين وحيث لا تعارض فلا نسخ ولكن هذين الرأيين وإن وافقا الرأي السابق في إحكام الآية فهما مبنيان على تأويل في معنى الآية يخالف الظاهر كما هو ظاهر نعم إن آية ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ناسخة لما كان واجبا بالسنة من وجوب استقبال بيت المقدس على رأي من لا يمنع نسخ السنة بالقرآن.\nالآية الثانية\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فإنها تفيد أن الوصية للوالدين والأقربين فرض مكتوب وحق واجب على من حضرهم الموت من المسلمين وقد اختلف في نسخ هذه الآية وفي ناسخها فالجمهور على أنها منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث وقيل إنها منسوخة بالسنة وهي قوله ﷺ: \"لا وصية لوارث\" وقيل منسوخة بإجماع الأمة على عدم وجوب الوصية للوالدين والأقربين وقيل إنها محكمة لم تنسخ ثم اختلف هؤلاء القائلون بالإحكام فبعضهم يحملها على من حرم الإرث من الأقربين وبعضهم يحملها على من له ظروف تقضي بزيادة العطف عليه كالعجزة وكثيري العيال من الورثة.\nورأيي أن الحق مع الجمهور في أن الآية منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث أما القول بإحكامها فتكلف ومشي في غير سبيل لأن الوالدين وقد جاء ذكرهما في الآية لا يحرمان من الميراث بحال ثم إن أدلة السنة متوافرة على عدم جواز الوصية لوارث محافظة على كتلة الوارثين أن تتفتت وحماية للرحم من القطعية التي نرى آثارها السيئة بين من زين الشيطان لمورثهم أن يزرع لهم شجرة الضغينة قبل موته بمفاضلته بينهم في الميراث عن طريق الوصية.","vol":"2","page":257},{"text":"وأما القول بأن الناسخ السنة فيدفعه أن هذا الحديث آحادي والآحادي ظني والظني لا يقوى على نسخ القطعي وهو الآية وأما القول بأن الناسخ هو الإجماع فيدفعه ما بيناه من عدم جواز نسخ الإجماع والنسخ به نعم إن نسخ آية الوصية بآيات المواريث فيه شيء من الخفاء والاحتمال ولكن السنة النبوية أزالت الحفاء ورفعت الاحتمال حين أفادت أنها ناسخة إذ قال ﷺ بعد نزول آية المواريث إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وفي هذا المعنى ينقل عن الشافعي ما خلاصته إن الله تعالى أنزل آية الوصية وأنزل آية المواريث فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع المواريث واحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية وقد طلب العلماء ما يرجح أحد الاحتمالين فوجدوه في سنة رسول الله ﷺ: \"لا وصية لوارث\" وهذا الخبر وإن كان آحاديا لا يقوى على نسخ الآية فإنه لا يضعف عن بيانها وترجيح احتمال النسخ على احتمال عدمه فيها.\nهذا ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الشعبي والنخعي ذهبا إلى عدم نسخ آية الوصية مستندين إلى أن حكمها هو الندب لا الوجوب فلا تعارض بينها وبين آية المواريث كما لا تعارض بينها وبين حديث لا وصية لوارث لأن معناه لا وصية واجبة وهو لا ينافي ندب الوصية وحيث لا تعارض فلا نسخ ولكن هذا الرأي سقيم فيما نفهم لأنه خلاف الظاهر المتبادر من لفظ كتب المعروف في معنى الفرضية ومن لفظ حقا على المتقين المعروف في معنى الإلزام ومن شواهد السنة الناهية عن الوصية لوارث.\nالآية الثالثة\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فإنها تفيد تخيير من يطيق الصوم بين الصوم","vol":"2","page":258},{"text":"والإفطار مع الفدية وقد نسخ ذلك بقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ المفيد لوجوب الصوم دون تخيير على كل صحيح مقيم من المسلمين.\nوقيل إ ن الآية محكمة لم تنسخ لأنها على حذف حرف النفي والتقدير ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ويدل على هذا الحذف قراءة ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ بتشديد الواو وفتحها والمعنى يطيقونه بجهد ومشقة وإذن لا تعارض ولا نسخ ويرد هذا الرأي أولا بأنه مبني على أن في الآية حذفا ولا ريب أن الحذف خلاف الأصل أما قراءة يطوقونه بالتشديد فلا تدل على مشقة تصل بصاحبها إلى جواز الفطر بعد إيجاب الصوم من غير تخيير بل تدل على مشقة ما ولا شك أن كل صوم فيه مشقة ما خصوصا أول مشروعيته ثانيا أن أبا جعفر النحاس روى في كتابه الناسخ والمنسوخ عن أبي سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من شاء منا صام ومن شاء أن يفتدي فعل حتى نسختها الآية بعدها.\nالآية الرابعة\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فإن هذا التشبيه يقتضي موافقة من قبلنا فيما كانوا عليه من تحريم الوطء والأكل بعد النوم ليلة الصوم وقد نسخ ذلك بقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كذلك قالوا ولكنك تعلم أن التشبيه لا يجب أن يكون من كل وجه وإذن فالتشبيه في الآية الأولى لا يقضي بما ذكروه من وجوب موافقة أهل الكتاب فيما كانوا عليه في صومهم استدلالا بالتشبيه في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين وحيث انتفى التعارض انتفى النسخ.","vol":"2","page":259},{"text":"الآية الخامسة\n﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ فإنها تفيد حرمة القتال في الشهر الحرام وقد روى ابن جرير عن عطاء بن ميسرة أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ونقل أبو جعفر النحاس إجماع العلماء ما عدا عطاء على القول بهذا النسخ ووجه ذلك أن آية ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أفادت الإذن بقتال المشركين عموما والعموم في الأشخاص يستلزم العموم في الأزمان وأيدوا ذلك بأن رسول ﷺ قاتل هوزان بحنين وثقيفا بالطائف في شوال وذي القعدة سنة ثمان من الهجرة ولا ريب أن ذا القعدة شهر حرام وقيل إن النسخ لم يقع بهذه الآية إنما وقع بقوله سبحانه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فإن عموم الأمكنة يستلزم عموم الأزمنة.\nذلك رأي الجمهور وهو محجوج فيما نفهم بما ذهب إليه عطاء وغيره من أن عموم الأشخاص في الآية الأولى وعموم الأمكنة في الآية الثانية ولا يستلزم واحد منهما عموم الأزمنة وإذن فلا تعارض ولا نسخ بل الآية الأولى نهت على العموم في الأشخاص والثانية نبهت على العموم في الأمكنة وكلاهما غير مناف لحرمة القتال في الشهر الحرام لأن عموم الأشخاص وعموم الأمكنة يتحققان في بعض الأزمان الصادق بما عدا الأشهر الحرم ويؤيد ذلك أن حرمة القتال في الشهر الحرام لا تزال باقية اللهم إلا إذا كان جزاء لما هو أشد منه فإنه يجوز حينئذ لهذا العارض كما دل عليه قول الله في الآية نفسها: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .","vol":"2","page":260},{"text":"الآية السادسة\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإنها منسوخة بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لأن الآية الأولى أفادت أن من توفي عنها زوجها يوصي لها بنفقة سنة وبسكنى مدة حول ما لم تخرج فإن خرجت فلا شيء لها وأما الثانية فقد أفادت وجوب انتظارها أربعة أشهر وعشرا ولازم هذا أنه لا يجوز لها أن تخرج في هذه المدة أو تتزوج.\nوقيل إن ذلك تخصيص لا نسخ فإن المرأة قد تكون عدتها سنة كاملة إذا كانت حاملا ويرد هذا بأن الآية الأولى تفيد اعتداد المرأة حولا كاملا إذا كانت غير حامل أو كانت حاملا ولم يمكث حملها سنة والآية الثانية قد رفعت هذا جزما وذلك محقق للنسخ على أن الاعتداد حولا كاملا فيما إذا كانت المرأة حاملا ليس لدلالة الآية الأولى عليه بل لآية وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وهذا لا يتقيد بعام بل ربما يزيد أو ينقص.\nوقيل إن الآية الأولى محكمة ولا منافاة بينها وبين الثانية لأن الأولى فيما إذا كان هناك وصية للزوجة بذلك ولم تخرج ولم تتزوج أما الثانية ففي بيان العدة والمدة التي يجب عليها أن تمكثها وهما مقامان مختلفان ويرد هذا بأن الآية الأولى تجعل للمتوفى عنها حق الخروج في أي زمن وحق الزواج ولم تحرم عليها شيئا منهما قبل أربعة أشهر وعشر أما الثانية فقد حرمتهما وأوجبت عليها الانتظار دون خروج وزواج طوال هذه المدة فالحق هو القول بالنسخ وعليه جمهور العلماء.","vol":"2","page":261},{"text":"الآية السابعة\n﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإنها منسوخة بقوله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لأن الآية الأولى تفيد أن الله يكلف العباد حتى بالخطرات التي لا يملكون دفعها والآية الثانية تفيد أنه لا يكلفهم بها لأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها والذي يظهر لنا أن الآية الثانية مخصصة للأولى وليست ناسخة لأن إفادة الأولى لتكليف الله عباده بما يستطيعون مما أبدوا في أنفسهم أو أخفوا لا تزال هذه الإفادة باقية وهذا لا يعارض الآية الثانية حتى يكون ثمة نسخ.\nوقال بعضهم: إن الآية محكمة لأنها خاصة بكتمان الشهادة وإظهارها ويرده أنه لا دليل على هذا التخصيص.\nوقال بعضهم: إنها محكمة مع بقائها على عمومها والمعنى أن الله يحاسب المؤمنين والكافرين بما أبدوا وبما أخفوا فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين والمنافقين ويرده أن هذا العموم لا يسلم بعد ما تقرر من أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها سواء أكانت نفسا مؤمنة أم كافرة لأن لفظ ﴿نَفْسًا﴾ نكرة في سياق النفي فيعم.\nالآية الثامنة\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال السيوطي ليس في آل عمران آية يصح فيها دعوى النسخ إلا هذه الآية فقد قيل إنها منسوخة بقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .اهـ.\nوالذي يبدو لنا أنها غير منسوخة لأن الآيتين غير مسلم فإن تقوى الله حق تقوه المأمور بها في الآية الأولى معناها الإتيان بما يستطيعه المكلفون من هداية الله دون ما خرج عن استطاعتهم وقد ورد تفسيرها بأن يحفظ الإنسان رأسه وما وعى،","vol":"2","page":262},{"text":"وبطنه وما حوى ويذكر الموت والبلى ولا ريب أن ذلك مستطاع بتوفيق الله فإذن لا تعارض بينها وبين قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وحيث لا تعارض فلا نسخ.\nالآية التاسعة\n﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قيل إنها منسوخة بآيات المواريث والظاهر أنها محكمة لأنها تأمر بإعطاء أولي القربى والمساكين الحاضرين لقسمة التركة شيئا منها وهذا الحكم باق على وجه الندب ما دام المذكورون غير وارثين ولا تعارض ولا نسخ.\nنعم لو كان حكم إعطاء هؤلاء هو الوجوب ثم رفع بآيات المواريث وتقرر الندب بدليل آخر بدلا من الحكم الأول فلا مفر من القول بالنسخ ولكن المأثور عن ابن عباس أن الآية محكمة غير أن الناس تهاونوا بالعمل بها وهذا يجعلنا نرجع أن في الآية كان للندب لا للوجوب من أول الأمر حتى يتأتى القول بإحكامها فتأمل.\nالآية العاشرة\n﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ نسخها قوله الله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وقيل إنها على توريث الموالاة وتوريثهم باق غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة ذوي الأرحام وبذلك يقول فقهاء العراق.","vol":"2","page":263},{"text":"الآية الحادية عشرة\n﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ فإنها منسوخة بآية النور وهي ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك بالنسبة إلى البكر رجلا كان أو امرأة أما الثيب من الجنسين فقد نسخ الحكم الأول بالنسبة إليهما وأبدل بالرجم الذي دلت عليه تلك الآية المنسوخة التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة دلت عليه السنة أيضا.\nوبعضهم يقول بالإحكام وعدم النسخ ذاهبا إلى أن الآية الأولى جاءت فيمن أتين مواضع الريب والفسوق ولم يتحقق زناهن أما الثانية فإنها فيمن تحقق زناهن ولكن هذا مردود من وجهين أحدهما أنه تأويل يصادم الظاهر بدون دليل لأن قوله يأتين الفاحشة يتبادر منه مقارفتهن نفس الفاحشة لا مجرد غشيان مكانها والأخذ بأسبابها: والآخر قوله خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب جلد مائة والرجم.\nالقربى واليتامى والمساكين الحاضرين لقسمة التركة شيئا منها وهذا الحكم باق على وجه الندب ما دام المذكورون غير وارثين ولا تعارض ولا نسخ.\nنعم لو كان حكم إعطاء هؤلاء هو الوجوب ثم رفع بآيات المواريث وتقرر الندب بدليل آخر بدلا من الحكم الأول فلا مفر من القول بالنسخ ولكن المأثور عن ابن عباس أن الآية محكمة غير أن الناس تهاونوا بالعمل بها وهذا يجعلنا نرجح أن في الأمر الآية كان للندب لا للوجوب من أول الأمر حتى يتأتى القول بإحكامها فتأمل\nالآية الثانية عشرة\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ قيل إن قوله ولا الشهر الحرام منسوخ بمقتضى عموم قوله وقاتلوا المشركين كافة وقد سبق القول في هذا فالحق عدم النسخ.","vol":"2","page":264},{"text":"الآية الثالثة عشرة\n﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فإنها منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقد قيل بعدم النسخ وأن الآية الثانية متممة للأولى فالرسول مخير بمقتضى الآية الأولى بين أن يحكم بينهم وأن يعرض عنهم وإذا اختار أن يحكم بينهم وجب أن يحكم بما أنزل الله بمقتضى الآية الثانية وهذا ما نرجحه لأن النسخ لا يصح إلا حيث تعذر الجمع.\nالآية الرابعة عشرة\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فإن قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقيل إنه لا نسخ لأن الآية الأولى خاصة بما إذا نزل الموت بأحد المسافرين وأراد أن يوصي فإن الوصية تثبت بشهادة اثنين عدلين من المسلمين أو غيرهم توسعة على المسافرين لأن ظرف السفر ظروف دقيقة قد يتعسر أو يتعذر وجود عدلين من المسلمين فيها فلو لم يبح الشارع إشهاد غير المسلمين لضاق الأمر وربما ضاعت الوصية أما الآية الثانية فهي القاعدة العامة في غير ظروف السفر.\nالآية الخامسة عشرة\n﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ منسوخة بقوله سبحانه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ووجه النسخ أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة وأن الثانية أفادت وجوب ثبات الواحد للاثنين وهما حكمان متعارضان","vol":"2","page":265},{"text":"فتكون الثانية ناسخة للأولى وقيل لا تعارض بين الآيتين ولا نسخ لأن الثانية لم ترفع الحكم الأول بداهة أنه لم يقل فيها لا يقاتل الواحد العشرة إذا قدر على ذلك بل هي مخففة فحسب على معنى أن المجاهد إن قدر على قتال العشرة فله الخيار رخصة من الله له بعد أن اعتز المسلمون ولكنك ترى أن النسخ على هذا الوجه لا مفر منه أيضا لأن الآية الأولى عينت على المجاهد أن يثبت لعشرة والثانية خيرته بين الثبات لعشرة وعدم الثبات لأكثر من اثنين ولا ريب أن التخيير يعارض الإلزام على وجه التعيين.\nالآية السادسة عشرة\n﴿نْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فإنها نسخت بآيات العذر وهي قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ وقيل إن الآية الأخيرة في النفر للتعليم والتفقه لا للحرب والآيتان قبلها مخصصتان لا ناسختان للآية الأولى كأنه قال من أول الأمر لينفر منكم خفافا وثقالا كل من احتيج إليه وهو قادر لا عذر له.\nالآية السابعة عشرة\n﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فإنها منسوخة بقوله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ لأن الآية خبر بمعنى النهي بدليل قراءة ﴿لا يَنْكِحُ﴾ بالجزم والقراءات يفسر بعضها بعضا وقيل بعدم النسخ تفسير للآية الأولى بأن الزاني المعروف بالزنى لا يستطيع أن ينكح إلا زانية أو مشركة لنفور المحصنات المؤمنات من زواجه وكذلك المرأة المعروفة بالزنى لا يرغب في نكاحها إلا زان أو مشرك لنفور المؤمنين الصالحين من زواجها","vol":"2","page":266},{"text":"والحق أن الآية منسوخة لأنها خبر بمعنى النهي كما سبق ولأن الأمر بالنسبة للمشرك والمشركة لا يستقيم إلا مع القول بالنسخ.\nالآية الثامنة عشرة\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ قيل إن هذه الآية منسوخة لكن لا دليل على نسخها فالحق أنها محكمة وهي أدب عظيم يلزم الخدم والصغار البعد عن مواطن كشف العورات حماية للأعراض من الانتهاك وحفظا للأنظار أن ترى ما لا تليق رؤيته في أوقات التبذل.\nالآية التاسعة عشرة\n﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ نسخها قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .\nواعلم أن هذا النسخ لا يستقيم إلا على أن هذه الآية متأخرة في النزول عن الآية الأولى وأن الله قد أحل للرسول في آخر حياته ما كان قد حرمه عليه من قبل في قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الخ.\nوذلك مروي عن علي كرم الله وجهه وعن ابن عباس ﵁ وعن أم سلمة رضوان الله عليها وعن الضحاك ﵀ وعن الصديقة بنت الصديق ﵄ أخرج أبو داود في ناسخه والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه أيضا،","vol":"2","page":267},{"text":"وابن المنذر وغيرهم عن عائشة ﵂ قالت: \"لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله تعالى له أن يتزوج من النساء إلا ذات محرم\" الخ.\nوالسر في أن الله حرم على الرسول أولا ما عدا أزواجه ثم أحل له ما حرمه عليهن هو أن التحريم الأول فيه تطبيب لقلوب نسائه ومكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن نزلت آيات التخيير في القرآن ثم إن إحلال هذا الذي حرم على رسوله مع عدم زواج الرسول ﷺ من غيرهن بعد هذا الإحلال كما ثبت ذلك فيه بيان ﷺ لفضله ومكرمته عليهن حيث قصر نفسه ولم يتزوج بغيرهن مع إباحة الله له ذلك.\nوقد جاءت روايات أخرى في هذا الموضوع تخالف ما ذكرناه لكن لم يثبت لدينا صحة شيء منها ولهذا رجحنا ما بسطناه ولا يعكر صفو القول بالنسخ هنا ما نلاحظه من تأخر الآية المنسوخة عن الناسخة في المصحف لأن المدار على ترتيب النزول لا على ترتيب المصحف كما تعلم.\nالآية العشرون\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ذلك خير فإنها نسخت بقوله سبحانه: عقب تلك الآية: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قيل لا نسخ بحجة أن الآية الثانية بيان للصدقة المأمور بها في الأولى وأنه يصح أن تكون صدقة غير مالية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله وأنت خبير بأن هذا ضرب من التكلف في التأويل يأباه ما هو معروف من معنى الصدقة حتى أصبح لفظها حقيقة عرفية في البذل المالي وحده وقيل إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال بزوال سببه وهو تمييز المنافق من غيره وهذا مردود بأن كل حكم منسوخ فإنما نسخه الله لحكمة من نحو مصلحة أو سبب كان يرتبط به الحكم الأول ثم زالت تلك المصلحة أو ذلك السبب.","vol":"2","page":268},{"text":"الآية الحادية والعشرون\n﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ نسختها آية الغنيمة وهي قوله سبحانه: واعملوا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وبيان ذلك أن الآية الأولى تفيد أن زوجات المسلمين اللاتي ارتددن ولحقن بدار الحرب يجب أن يدفع إلى أزواجهن مثل مهورهن من الغنائم التي يغنمها المسلمون ويعاقبون العدو بأخذها والآية الثانية تفيد أن الغنائم تخمس أخماسا ثم تصرف كما رسم الشارع ولكنك بالتأمل تستظهر معنا أنه لا نسخ لأن الآيتين لا تتعارضان بل يمكن الجمع بينهما بأن يدفع من الغنائم أولا مثل مهور هذه الزوجات المرتدات اللاحقات بدار الحرب ثم تخمس الغنائم بعد ذلك أخماسا وتصرف في مصارفها الشرعية.\nالآية الثانية والعشرون\n﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ فإنها منسوخة بقوله سبحانه في آخر هذه السورة: ﴿اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ الخ وبيان ذلك أن الآية الأولى أفادت وجوب قيامه من الليل نصفه أو أنقص منه قليلا أو أزيد عليه أما الثانية فقد أفادت أن الله تاب على النبي وأصحابه في هذا بأن رخص لهم في ترك هذا القيام المقدر ورفع عنهم كل تبعة في ذلك الترك كما رفع التبعات عن المذنبين بالتوبة إذا تابوا.","vol":"2","page":269},{"text":"ولا ريب أن هذا الحكم الثاني رافع للحكم الأول فتعين النسخ.\nوقد قيل في تفسير هذه الآيات كلام كثير لا نرى حاجة إلى ذكره والله يكفينا كثرة القيل والقال ويتوب علينا من النزاع والخلاف ويجمع صفوفنا على دينه وحبه آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.","vol":"2","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>المبحث الخامس عشر: في محكم القرآن ومتشابهه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>معنى محكم القران ومتشابه</span>\n...\nالمبحث الخامس عشر في محكم القرآن ومتشابهه\nالمعنى اللغوي:\nلهذين اللفظين إطلاقات في اللغة وإطلاقات في الاصطلاح فاللغويون يستعملون مادة الإحكام بكسر الهمز في معان متعددة لكنها مع تعددها ترجع إلى شيء واحد هو المنع فيقولون أحكم الأمر أي أتقنه ومنعه عن الفساد ويقولون أحكمه عن الأمر أي رجعه عنه ومنعه منه ويقولون حكم نفسه وحكم الناس أي منع نفسه ومنع الناس عما لا ينبغي ويقولون أحكم الفرس أي جعل له حكمة بفتحات ثلاث والحكمة ما أحاط بحنكي الفرس من لجامة تمنعه من الاضطراب وقيل: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي العدل أو العلم أو الحلم أو النبوة أو القرآن لما في هذه المذكورات من الحوافظ الأدبية عما لا يليق.\nوكذلك يستعمل اللغويون مادة التشابه فيما يدل على المشاركة في المماثلة والمشاكلة المؤدية إلى الالتباس غالبا يقال تشابها واشتبها أي أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا ويقال أمور مشتبهة ومشبهة على وزان معظمة أي مشكلة والشبهة بالضم الالتباس ويقال شبه عليه الأمر تشبيها أي لبس عليه بضم الأول وتشديد الثاني مع كسره في الفعلين ومنه قول الله سبحانه وصفا لرزق الجنة ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ ومنه قول حكاية عن بني إسرائيل: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ انظر القاموس في هاتين المادتين.","vol":"2","page":270},{"text":"القرآن محكم ومتشابه:\nولقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه كله محكم إذ قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه إذ قال جل ذكره: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه إذ قال عز اسمه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة لأن معنى إحكامه كله أنه منظم رصين متقن متين لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي كأنه بناء مشيد محكم يتحدى الزمن ولا ينتابه تصدع ولا وهن ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه حتى أنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز كأنه حلقة مفرغة لا يدري أين طرفاها.\nوأما أن بعضه حكم وبعضه متشابه فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم فالأول هو المحكم والثاني هو المتشابه على خلاف يأتي بين العلماء في ذلك بيد أن الذي اتفقوا عليه ولا يمكن أن يختلفوا فيه هو أنه لا تنافي بين كون القرآن كله محكما أي متقنا وبين كونه كله متشابها أي يشبه بعضه بعضا في هذا الإتقان والإحكام وبين كونه منقسما إلى ما اتضحت دلالته على مراد الله وما خفيت دلالته بل إن انقسامه هذا الانقسام محقق لما فيه كله من إحكام وتشابه بالمعنى السابق وسيأتيك نبأ ذلك في بيان الحكمة من وجود متشابهات خفية إلى جانب واضحات ظاهرة في القرآن الكريم.\nويمكنك أن ترجع هذه التأويلات إلى الإطلاقات اللغوية السالفة فالقرآن كله محكم أي متقن لأن الله صاغه صياغة تمنع أن يتطرق إليه خلل أو فساد في اللفظ أو المعنى والقرآن متشابه لأنه يماثل بعضه بعضا في هذا الإحكام مماثلة مفضية إلى التباس التمييز بين آياته وكلماته في ذلك والقرآن منه محكم أي واضح المعنى المراد وضوحا يمنع الخفاء عنه ومنه متشابه فيه وجوه مختلفة من المماثلة مستلزمة لخفاء هذا المعنى المراد.","vol":"2","page":271},{"text":"المعنى الاصطلاحي:\nيطلق المحكم في لسان الشرعيين على ما يقابل المنسوخ تارة وعلى ما يقابل المتشابه تارة أخرى فيراد به على الاصطلاح الأول الحكم الشرعي الذي لم يتطرق إليه نسخ ويراد به على الثاني ما ورد من نصوص الكتاب أو السنة دالا على معناه بوضوح لا خفاء فيه على ما سيأتي تفصيله وموضوع بحثنا هنا هو هذا الاصطلاح الثاني أما الأول فقد بيناه في المبحث السابق حيث عرفنا النسخ وبسطنا أدلته وأحكامه وما قيل فيه ومنه يعرف مقابله وهو المحكم وبضدها تتميز الأشياء وعلى هذا الاصطلاح يحمل ما أخرج عبد بن عمير عن الضحاك قال المحكمات ما لم ينسخ والمتشابهات ما قد نسخ.","vol":"2","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>آراء العلماء في معنى المحكم والمتشابه</span>\nيختلف العلماء في تحديد معنى المحكم والمتشابه اختلافات كثيرة:\n١ - منها أن المحكم هو الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ أما المتشابه فهو الخفي الذي لا يدرك معناه عقلا ولا نقلا وهو ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة والحروف المقطعة في أوائل السور وقد عزا الألوسي هذا الرأي إلى السادة الحنفية.\n٢ - ومنها أن المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل أما المتشابه فهو ما استأثر تعالى بعمله كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور وينسب هذا القول إلى أهل السنة على أنه هو المختار عندهم.\n٣ - ومنها أن المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا من التأويل أما المتشابه فهو ما احتمل أوجها ويعزى هذا الرأي إلى أن ابن عباس ويجري عليه أكثر الأصوليين.\n٤ - ومنها أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان أما المتشابه فهو الذي لا يستقل بنفسه بل يحتاج إلى بيان فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا لحصول الاختلاف في تأويله ويحكى هذا القول عن الإمام أحمد ﵁.","vol":"2","page":272},{"text":"٥ - ومنها أن المحكم هو السديد النظم والترتيب الذي يفضي إلى إثارة المعنى المستقيم من غير مناف أما المتشابه فهو الذي لا يحيط العلم بمعناه المطلوب من حيث اللغة إلا أن تقترن به أمارة أو قرينة ويندرج المشترك في المتشابه بهذا المعنى وهو منسوب إلى إمام الحرمين.\n٦ - ومنها أن المحكم هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان أما المتشابه فنقيضه وينتظم المحكم على هذا ما كان نصا وما كان ظاهرا وينتظم المتشابه ما كان من الأسماء المشتركة وما كان من الألفاظ الموهمة للتشبيه في حقه سبحانه وقد نسب هذا القول إلى بعض المتأخرين ولكنه في الحقيقة رأي الطيبي إذ قال فيما حكى السيوطي عنه:\nالمراد بالمحكم ما اتضح معناه والمتشابه بخلافه لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أو لا الثاني النص والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير ارجح أو لا الأول الظاهر والثاني إما أن يكون مساويه أو لا الأول هو المجمل والثاني المؤول فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه.\nويؤيد هذا التقسيم أنه تعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله ويعضد ذلك أسلوب الآية وهو الجمع مع التقسيم لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء فقال أولا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وكان يمكن أن يقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ استقامة فيتبعون المحكم لكنه وضع موضع ذلك ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لإتيان لفظ الرسوخ لأنه لا يحصل إلا بعد التثبت العام والاجتهاد البليغ فإذا استقام القلب على طريق الرشاد ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق وكفى بدعاء","vol":"2","page":273},{"text":"الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ شاهدا على أن ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مقابل لقوله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ وفيه إشارة إلى أن الوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وإلى أن علم بعض المتشابه مختص بالله تعالى وأن من حاول معرفته فهو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ اهـ.\nوهو كلام نفيس كما تراه والحديث الذي نوه به أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم\".\n٧ - ومنها أن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر أما المتشابه فما كانت دلالته غير راجحة وهو المجمل والمؤول والمشكل ويعزى هذا الرأي إلى الإمام الرازي واختاره كثير من المحققين وقد بسطه الإمام فقال ما خلاصته.\nاللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى إما إلا يكون محتملا لغيره أو يكون محتملا لغيره الأول النص والثاني إما أن يكون احتماله لأحد المعاني راجحا ولغيره مرجوحا وإما أن يكون احتماله لهما بالسوية واللفظ بالنسبة للمعني الراجح يسمى ظاهرا بالنسبة للمعنى المرجوح يسمى مؤولا وبالنسبة للمعنيين المتساويين أو المعاني المتساوية يسمى مشتركا وبالنسبة لأحدهما على التعيين يسمى مجملا وقد يسمى اللفظ مشكلا إذا كان معناه الراجح باطلا ومعناه المرجوح حقا.\nإذا عرفت هذا فالمحكم ما كان دلالته راجحة وهو النص والظاهر لاشتراكهما في حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من الغير والظاهر راجح غير مانع منه.","vol":"2","page":274},{"text":"أما التشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة وهو المجمل والمؤول والمشكل لاشتراكها في أن دلالة كل منها غير راجحة وأما المشترك فإن أريد منه كل معانيه فهو من قبيل الظاهر وإن أريد بعضها على التعيين فهو مجمل.\nثم إن صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيا وإما أن يكون عقليا والدليل اللفظي لا يكون قطعيا لأنه موقوف على نقل اللغات ونقل وجوه النحو والتصريف وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم الإضمار وعدم التخصيص وعدم المعارض العقلي والنقلي وكل ذلك مظنون والموقوف على المظنون مظنون.\nوعلى ذلك فلا يمكن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معنى مرجوح بدليل لفظي في المسائل الأصولية الاعتقادية ولا يجوز صرفه إلا بواسطة قيام الدليل القطعي العقلي على أن المعنى الراجح محال عقلا وإذا عرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى فعند ذلك لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح ما هو لأن طريقه إلى تعيينه إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وبترجيح تأويل على تأويل وذلك الترجيح لا يكون إلا بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد إلا الظن والتعويل عليها في المسائل القطعية لا يفيد لذا كان مذهب السلف عدم الخوض في تعيين التأويل في المتشابه بعد اعتقاد أن ظاهر اللفظ محال لقيام الأدلة العقلية القطعية على ذلك اهـ.\nنظرة في هذه الآراء:\nنحن إذا نظرنا في هذه الآراء لا نجد بينها تناقضا ولا تعارضا بل نلاحظ بينها تشابها وتقاربا بيد أن رأي الرازي أهداها سبيلا وأوضحا بيانا لأن أمر الإحكام والتشابه يرجع فيما نفهم إلى وضوح المعنى المراد للشارع من كلامه وإلى عدم وضوحه وتعريف الرازي جامع مانع من هذه الناحية لا يدخل في المحكم ما كان خفيا ولا في","vol":"2","page":275},{"text":"المتشابه ما كان جليا لأنه استوفى وجوه الظهور والخفاء استيفاء تاما في بيان تقسيمه الذي بناه على راجح ومرجوح والذي أعلن لنا منه أن الراجح ما كان واضحا لا خفاء فيه وأن المرجوح ما كان خفيا لا جلاء معه.\nوقريب منه رأي الطيبي الذي قبله حتى كأنه هو غير أنه لم يستوف وجوه الظهور والخفاء استيفاء الرازي أما رأي إمام الحرمين ففيه شيء من الإبهام.\nوكذلك رأي الإمام أحمد لا ندري ما مراده بالبيان الذي يحتاج إليه المتشابه ولا يحتاج إليه المحكم؟.\nورأي ابن عباس يخرج الظاهر من المحكم ويدخله في المتشابه مع أنه من الواضحات واحتماله لغير معناه الراجح احتمال ضعيف لا يقدح في ظهوره ووضوحه.\nوالرأي الثاني بعكس الآية فيدخل في المحكم كثيرا من الخفيات ويقصر المتشابه\nعلى نوع واحد منها فيكون تعريف المحكم فيه غير مانع وتعريف المتشابه غير جامع بالنسبة إلى المذهب المختار وهو مذهب الرازي.\nوالرأي الأول المنسوب إلى الأحناف يقصر تعريف المحكم على النص وتعريف المتشابه ما استأثر الله بعلمه ويلزم عليه وجود واسطة لا تدخل في المحكم ولا في المتشابه ويكون تعريفهما غير جامع بالنسبة للمذهب المختار أيضا.\nآراء أخرى:\nواعلم أن وراء هذه الآراء آراء أخرى:\n١ - منها أن المحكم هو الذي يعمل به أما المتشابه فهو الذي يؤمن به ولا يعمل به","vol":"2","page":276},{"text":"وقد روى السيوطي هذا القول عن عكرمة وقتادة وغيرهما وفيه أن ذلك قصر للمحكم على ما كان من قبيل الأعمال وقصر للمتشابه على ما كان من قبيل العقائد وإطلاق القول فيهما على هذا الوجه غير سديد فإن أرادوا بالمحكم أنه هو الواضح الذي يؤخذ بمعناه على التعيين وبالمتشابه ما كان خفيا يجب الإيمان به دون تعيين لمعناه نقول إن أرادوا ذلك فالعبارة قاصرة عن أداء هذا المراد والمراد منها لا يدفع الإيراد عليها.\n٢ - ومنها أن المحكم ما كان معقول المعنى والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات واختصاص الصيام برمضان دون شعبان وفيه أن هذا التفسير قاصر عن الوفاء بكل ما كان واضحا وكل ما كان خفيا.\n٣ - ومنها أن المحكم ما لم يتكرر لفظه والمتشابه ما تكرر لفظه وفيه أن هذا المعنى بالنسبة إلى المتشابه أقرب إلى اللغة منه إلى الاصطلاح الذي عليه الجمهور وفيه إهمال لما اعتبر هنا من أمر الخفاء والظهور.\n٤ - ومنها أن المحكم ما لم ينسخ والمتشابه ما نسخ وفيه أن هذا اصطلاح آخر نوهنا به سابقا\nونظرا إلى أن هذه الآراء أضعف من تلك الآراء التي قدمناها وأبعد عنها في ملحظها ومغزاها افردناها بالذكر ولم نسلكها مع تلك في سمط واحد.\nوعلى كل حال فالأمر سهل وهين لأنه يرجع إلى الاصطلاح أو ما يشبه الاصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ولولا أن تفسير آية آل عمران التي مرت في كلامنا وكلام الطيبي لا يتمشى بسهولة على هذه الآراء المرجوحة لما أتعبنا أنفسنا في مناقشتها ونقدها وفي اختيار رأي الرازي من بينها.","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>منشأ التشابه وأقسامه وأمثلته</span>\nنعلم مما سبق أن منشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع من كلامه أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى ومنه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ والمعنى معا.\nفالقسم الأول وهو ما كان التشابه فيه راجعا إلى خفاء في اللفظ وحده منه مفرد ومركب والمفرد قد يكون الخفاء فيه ناشئا من جهة غرابته أو من جهة اشتراكه والمركب قد يكون الخفاء فيه ناشئا من جهة اختصاره أو من جهة بسطه أو من جهة ترتيبه.\nمثال التشابه في المفرد بسبب غرابته وندرة استعماله لفظ الأب بتشديد الباء في قوله سبحانه: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ وهو ما ترعاه البهائم بدليل قوله بعد ذلك: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ .\nومثال التشابه في المفرد بسبب اشتراكه بين معان عدة لفظ اليمين في قوله سبحانه: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي فأقبل إبراهيم على أصنام قومه ضاربا لها باليمين من يديه لا بالشمال أو ضاربا لها ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين أو ضاربا لها بسبب اليمين التي حلفها ونوه بها القرآن إذ قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ كل ذلك جائز ولفظ اليمين مشترك بينها.\nومثال التشابه في المركب بسبب اختصاره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه والأصل وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء ومعناه أنكم إذا تحرجتم من زواج اليتامى مخافة أن تظلموهن فأمامكم غيرهن فتزوجوا","vol":"2","page":278},{"text":"منهن ما طاب لكم وقيل إن القوم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى ولا يتحرجون من الزنى فأنزل الله الآية ومعناه إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنى أيضا وتبدلوا به الزواج الذي وسع الله عليكم فيه فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.\nومثال التشابه يقع في المركب بسبب بسطه والإطناب فيه قوله جلت حكمته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فإن حرف الكاف لو حذف وقيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع من هذا التركيب الذي ينحل إلى ليس مثل مثله شيء وفيه من الدقة ما يعلو على كثير من الأفهام.\nومثال التشابه يقع في المركب لترتيبه ونظمه قوله جل ذكره ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾ فإن الخفاء هنا جاء من جهة الترتيب بين لفظ ﴿قَيِّمًا﴾ وما قبله ولو قيل أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا لكان أظهر أيضا.\nواعلم أن مقدمة هذا القسم فواتح السور المشهورة لأن التشابه والخفاء في المراد منها جاء من ناحية ألفاظها لا محالة.\nوالقسم الثاني هو ما كان التشابه فيه راجعا إلى خفاء المعنى وحده مثاله كل ما جاء في القرآن الكريم وصفا لله تعالى أو لأهوال القيامة أو لنعيم الجنة وعذاب النار فإن العقل البشري لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق ولا بأهوال القيامة ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار وكيف السبيل إلى أن يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه وما يكن فينا مثله ولا جنسه؟.\nواعلم أن في مقدمة هذا القسم المشكلات المعروفة بمتشابهات الصفات فإن التشابه","vol":"2","page":279},{"text":"والخفاء لم يجيء ناحية غرابة في اللفظ أو اشتراك فيه بين عدة معان أو إيجاز أو إطناب مثلا فتعين أن يكون من ناحية المعنى وحده.\nالقسم الثالث وهو ما كان التشابه فيه راجعا في اللفظ والمعنى معا له أمثلة كثيرة منها قوله عز اسمه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ فإن من لا يعرف عادة العرب في الجاهلية لا يستطيع أن يفهم هذا النص الكريم على وجهه ورد أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته يدخل ويخرج منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فنزل قول الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى، وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .\nفهذا الخفاء الذي في هذه الآية يرجع إلى اللفظ بسبب اختصاره ولو بسط لقيل وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة ويرجع الخفاء إلى المعنى أيضا لأن هذا النص على فرض بسطه كما رأيت لا بد معه من معرفة عادة العرب في الجاهلية وإلا لتعذر فهمه.\nقال الراغب في مفردات القرآن المتشابه بالجملة ثلاثة أضرب متشابه من جهة اللفظ فقط ومن جهة المعنى فقط ومن جهتهما فالأول ضربان أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة إما من جهة الغرابة نحو الأب ويزفون أو الاشتراك كاليد واليمين وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب ضرب لاختصار الكلام نحو ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ وضرب لبسطه نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع وضرب لنظم الكلام نحو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾ تقديره أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا.","vol":"2","page":280},{"text":"والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة فإن تلك الأوصاف لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه.\nوالمتشابه من جهتهما خمسة أضرب الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو اقتلوا المشركين والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو فانكحوا ما طاب لكم من النساء والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو اتقوا الله حق تقاته والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية الخامس من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد كشروط الصلاة والنكاح وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم اهـ.\nوهو كلام جيد غير أن في بعضه شيئا.","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>أنواع المتشابهات</span>\nيمكننا أن ننوع المتشابهات على ضوء ما سبق ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول ما لا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات الله وحقائق صفاته وكالعلم بوقت القيامة ونحوه من الغيوب التي استأثر الله تعالى بها ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .\nالنوع الثاني ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس كالمتشابهات التي نشأ التشابه فيها من الإجمال والبسط والترتيب ونحوها مما سبق.","vol":"2","page":281},{"text":"النوع الثالث ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم ولذلك أمثلة كثيرة من المعاني العالية التي تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب الله.\nقال الراغب المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام المغلقة وضرب متردد بين الأمرين يختص به بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم وهو المشار إليه بقوله لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.","vol":"2","page":282},{"text":"ثالثتها ما ذكره الفخر الرازي بقوله إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام وطبائع العوام تنبوا في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي محض فيقع في التعليل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابه والقسم الثاني وهو الذي يكشف عن الحق الصريح هو المحكم اهـ وهذه الحكمة ظاهرة في متشابه الصفات.\nرابعتها إقامة دليل على عجز الإنسان وجهالته مهما عظم استعداده وغزر علمه وإقامة شاهد على قدرة الله الخارقة وأنه وحده هو الذي أحاط بكل شيء علما وأن الخلق جميعا لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وهناك يخضع العبد ويخشع ويطامن من كبريائه ويخنع ويقول ما قالت الملائكة بالأمس: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ .\nقال بعض العارفين العقل مبتلى باعتقاد أحقية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره وقيل لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد فبذلك يستأنس إلى التذلل بذل العبودية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها ولهذا ختم الآية يريد آية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ بقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ تعريضا للزائغين ومدحا للراسخين ويعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من أولي العقول","vol":"2","page":283},{"text":"ومن ثم قال الراسخون في العلم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فخضعوا لباريهم لاستنزال العلم اللدني بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني اهـ.\nخامستها ما ذكره الفخر الرازي أيضا بقوله لو كان أي القرآن كله محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد وكان بصريحه مبطلا لجميع المذاهب المخالفة له وذلك منفر لأرباب المذاهب الأخرى عن النظر فيه أما وجود المتشابه والمحكم فيه فيطمع كل ذي مذهب أن يجد فيه كل ما يؤيد مذهبه فيضطر إلى النظر فيه وقد يتخلص المبطل عن باطله إذا أمعن فيه النظر فيصل إلى الحق.\nيضاف إلى هذه الحكم الخمس ما ذكرناه عند الكلام على فواتح السور ودفع الشبهات عنها بالجزء الأول من هذا الكتاب \"ص ٢١٩ – ٢٣٠\" بالطبعة الثانية.\nوأما النوع الثاني والثالث من المتشابهات فتلوح لنا في ذكره واشتمال القرآن عليه حكم خمس أيضا.\nأولاها تحقيق إعجاز القرآن لأن كل ما استتبع فيه شيئا من الخفاء المؤدي إلى التشابه له مدخل عظيم في بلاغته وبلوغه الطرف الأعلى في البيان ولو أخذنا في شرح هذا لضاق بنا المقام وخرجنا جملة من هذا الميدان إلى ميدان علوم البلاغة وما حوت من خواص وأسرار للإيجاز والإطناب والمساواة والتقديم والتأخير والذكر والحذف والحقيقة والمجاز ونحو ذلك.","vol":"2","page":284},{"text":"ثانيتها تيسير حفظ القرآن والمحافظة عليه لأن كل ما احتواه من تلك الوجوه المستلزمة للخفاء دال على معان كثيرة زائدة على ما يستفاد من أصل الكلام ولو عبر عن هذه المعاني الثانوية الكثيرة بألفاظ لخرج القرآن في مجلدات واسعة ضخمة يتعذر معها حفظه والمحافظة عليه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .\nوكذلك يدرك القارئ لدقة القرآن وعلو أسلوبه روعة ولذة تغريه على قراءته وتشجعه على استظهاره وحفظه.\nثالثتها ما ذكره الفخر الرازي بقوله متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ .\nرابعتها ما ذكره الفخر أيضا بقوله باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى تحصيل علوم كثيرة مثل اللغة والنحو وأصول الفقه مما يعينه على النظر والاستدلال فكان وجود المتشابه سببا في تحصيل علوم كثيرة.\nخامستها ما ذكره أيضا بقوله باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى الاستعانة بالأدلة العقلية فيتخلص من ظلمة التقليد وفي ذلك تنويه بشأن العقل والتعويل عليه ولو كان كله محكما لما احتاج إلى الدلائل العقلية ولظل العقل مهملا اهـ.\nملاحظة:\nيمكن اعتبار بعض هذه الحكم في النوع الأول كما يمكن اعتبار بعض حكم النوع الأول هنا لكن بشيء من التكليف ولقد راعينا ما يجب أن تراعيه من أن بعض هذه الحكم لا تتأتى إلا في أنواع خاصة من المتشابهات ولكن المجموع يتحقق في المجموع وذلك كاف في صحة هذا العرض فاكتف أنت به ولاحظه وبالله تعالى التوفيق.","vol":"2","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>متشابه الصفات</span>\nعرفنا أن المتشابهات تجمع ألوانا مختلفة ونزيدك هنا أن من بينها لونين كثر الكلام فيهما أولهما فواتح السور نحو آلم ق طس وما أشبهها وقد أفضنا القول فيها بالمبحث السابع من الجزء الأول من هذا الكتاب ثانيهما الآيات المشكلة الواردة في شأن الله تعالى وتسمى آيات الصفات أو متشابه الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد سماه رد المتشابهات إلى الآيات المحكمات مثل قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وما أشبهه وإنما أفرد هذا النوع بالذكر وبالتأليف لأنه كثر فيه القيل والقال وكان فتنة ارتكس فيها كثير من القدامى والمحدثين.\nالرأي الرشيد في متشابه الصفات\nعلماؤنا أجزل الله مثوبتهم قد اتفقوا على ثلاثة أمور تتعلق بهذه المتشابهات ثم اختلفوا فيما وراءها.\nفأول ما اتفقوا عليه صرفها عن ظواهرها المستحيلة واعتقاد أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعا كيف وهذه الظواهر باطلة بالأدلة القاطعة وبما هو معروف عن الشارع نفسه في محكماته؟.\nثانيه أنه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ويدر طعن الطاعنين.\nثالثه أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه فهما قريبا وجب القول به إجماعا وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعا وليس لها بعد ذلك إلا تأويل واحد هو الكينونة معهم بالإحاطة علما وسمعا وبصرا وقدرة وإرادة.","vol":"2","page":286},{"text":"وأما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول مذهب السلف ويسمى مذهب المفوضة بكسر الواو وتشديدها وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة ويستدلون على مذهبهم هذا بدليلين.\nأحدهما عقلي وهو أن تعيين المراد من هذه المتشابهات إنما يجري على قوانين اللغة واستعمالات العرب وهي لا تفيد إلا الظن مع أن صفات الله من العقائد التي لا يكفي فيها الظن بل لا بد فيها من اليقين ولا سبيل إليه فلنتوقف ولنكل التعيين إلى العليم الخبير.\nوالدليل الثاني نقلي يعتمدون فيه على عدة أمور منها حديث عائشة السابق وفيه: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم\nومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الحديث.\nومنها ما أخرجه ابن مردويه عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: \"إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا وما تشابه فآمنوا به\".\nومنها ما أخرجه الدارمي عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له ابن صبيغ١ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال له:\n_________\n١ كذلك جاء اسم ابن صبيغ في كتاب الإتقان للسيوطي، بلفظ ابن، ويالغين المجمعة في صبيغ مع صورة التصغير.\nولكني رأيت شيخ الإسلام المالكي بتونس وهو السيد محمد الطاهر بن عاشور، يصوب في بحث له أن اسمه صبغ بن شريك أو ابن عسل التميمي من غير كلمة ابن وبصاد مهملة مفتوحة، وباء مكسورة، وغين معجمة. ثم ذكر بعد هذا التصويت أن كثيرا من الناس يحرفونه فيقولون ضبيع بضاد مجمعة، وعين مهملة، وبصيغة التصغير ثم قال: ويقولون: أبو ضيبغ.","vol":"2","page":287},{"text":"من أنت فقال: أنا عبد الله بن صبيغ فأخذ عمر عرجونا فضربه حتى دمى رأسه وجاء في رواية أخرى فضربه حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ثم عاد ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين اهـ والدبرة بفتحات ثلاثة هي قرحة الدابة في أصل الوضع اللغوي والمراد هنا أنه صير في ظهره من الضرب جرح داميا كأنه قرحة في دابة ورضي الله عن عمر فإن هذا الأثر يدل على أن ابن صبيغ فتح أو حاول أن يفتح باب فتنة بتتبعه متشابهات القرآن يكثر الكلام فيها ويسأل الناس عنها.\nومنها ما ورد من أن الإمام مالكا ﵁ سأل عن الاستواء في قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني يريد رحمة الله عليه أن الاستواء معلوم الظاهر بحسب ما تدل عليه الأوضاع اللغوية ولكن هذا الظاهر غير مراد قطعا لأنه يستلزم التشبيه المحال على الله بالدليل القاطع والكيف مجهول أي تعيين مراد الشارع مجهول لنا لا دليل عندنا عليه ولا سلطان لنا به والسؤال عنه بدعة أي الاستفسار عن تعيين هذا المراد اعتقاد أنه مما شرعه الله بدعة لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكمات وعدم اتباع المتشابهات وما جزاء المبتدع","vol":"2","page":288},{"text":"إلا أن يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم لأنه رجل سوء وذلك سر قوله: وأظنك رجل سوء أخرجوه عني اهـ.\nقال ابن الصلاح على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها اهـ.\nالمذهب الثاني مذهب الخلف ويسمى مذهب المؤولة بتشديد الواو وكسرها وهم فريقان فريق يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين ثابتة له تعالى زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين وينسب هذا إلى أبي الحسن الأشعري وفريق يؤولها بصفات أو بمعان نعلمها على التعيين فيحمل اللفظ الذي استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغة ويليق بالله عقلا وشعرا وينسب هذا الرأي إلى ابن برهان وجماعة من المتأخرين قال السيوطي وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها اهـ.\nأما حجة أصحاب هذا المذهب فيما ذهبوا إليه فهو أن المطلوب صرف اللفظ عن مقام الإهمال الذي يوجب الحيرة بسبب ترك اللفظ لا مفهوم له وما دام في الإمكان حمل كلام الشارع على معنى سليم فالنظر قاض بوجوبه انتفاعا بما ورد عن الحكيم العليم وتنزيها له عن أن يجري مجرى العجوز العقيم.\nالمذهب الثالث مذهب المتوسطين وقد نقل السيوطي هذا المذهب فقال وتوسط ابن دقيق العيد فقال إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد مع التنزيه وما كان معناه من هذه الألفاظ","vol":"2","page":289},{"text":"ظاهرها مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف كما في قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فنحمله على حق الله وما يجب له اهـ.\nتطبيق وتمثيل:\nولنطبق هذه المذاهب على قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فنقول يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال ليس كمثله شيء وقال: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا.\nثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم فرأى السلفيون أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به ولا دليل عندهم على هذا التعيين ورأى الخلف أن يؤولوا لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل وجب التأويل بيد أنهم افترقوا في هذا التأويل فرقتين فطائفة الأشاعرة يؤولون من غير تعيين ويقولون إن المراد من الآية إثبات أنه تعالى متصف بصفة سمعية لا نعلمها على التعيين تسمى صفة الاستواء وطائفة المتأخرين يعينون فيقولون إن المراد بالاستواء هنا هو الاستيلاء والقهر من غير معاناة ولا تكلف لأن اللغة تتسع لهذا المعنى ومنه قول الشاعر العربي:\nقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\nأي استوى وقهر أو دبر وحكم فكذلك يكون معنى النص الكريم الرحمن","vol":"2","page":290},{"text":"استولى على عرش العالم وحكم العالم بقدرته ودبره بمشيئته وابن دقيق العيد يقول بهذا التأويل إن رآه قريبا ويتوقف إن رآه بعيدا.\nومثل ذلك في نحو ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ فالسلف يفوضون في معانيها تفويضا مطلقا بعد تنزيه الله عن ظواهرها المستحيلة والأشاعرة يفسرونها بصفات سمعية زائدة على الصفات التي نعلمها ولكنهم يفوضون الأمر في تعيين هذه الصفات إلى الله فهم مؤولون من وجه مفوضون من وجه والمتأخرون يفسرون الوجه بالذات ولفظ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ بتربية موسى ملحوظا بعناية الله وجميل رعايته ولفظ اليد بالقدرة ولفظ اليمين بالقوة والفوقية بالعلو المعنوي دون الحسي والمجيء في قوله وجاء ربك بمجيء أمره والعندية في قوله ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ بالإحاطة والتمكن أو بمثل ذلك في الجميع.\nإرشاد وتحذير:\nلقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية وله من الجهات الست جهة الفوق ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته","vol":"2","page":291},{"text":"ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ويقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف.\nثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز فكأنهم يقولون إنه مستو غير مستو ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر","vol":"2","page":292},{"text":"من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء وقد مر بك هذا وذاك.\nلو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده وبذلك يكونوه سلفيين حقا لكنها شبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرضها عليك مع ما أشبهها والله يتولى هدانا وهداهم ويجمعنا جميعا على ما يحبه ويرضاه آمين.","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>دفع الشبهات الواردة في هذا المقام</span>\nالشبهة الأولى ودفعها:\nيقولون إن القول بأن الله لا جهة له وأنه ليس فوقا ولا تحتا ولا يمينا ولا شمالا إلى غير ذلك يستلزم أن الله غير موجود أو هو قول بأن الله غير موجود فإن التجرد من الإنصاف بهذه المتقابلات جملة أمر لا يوسم به إلا المعدوم ومن لم يتشرف بشرف الوجود.\nوندفع هذه الشبهة بأمور:","vol":"2","page":293},{"text":"أولها أن هذا قياس للغائب على الشاهد وقياس الغائب على الشاهد فاسد ذلك أن الله تعالى ليس يشبه خلقه حتى يكون حكمه كحكمهم في وجوب أن يكون له جهة من الجهات الست ما دام موجودا وكيف يقاس المجرد عن المادة بما هو مادي ثم كيف يستوي الخلق وخلقه في جريان أحكام الخلق على خالقه إن المادي هو الذي يجب أن يتصف بشيء من هذه المتقابلات وأن تكون له جهة من تلك الجهات أما عين المادي فترتفع عنه هذه الصفات كلها ولا يمكن أن تكون له أية جهة من هذه الجهات جميعها ونظير ذلك أن الإنسان لا بد أن يكون له أحد الوصفين فإما جاهل وإما عالم أما الحجر فلا يتصف بواحد منها ألبتة فلا يقال إنه جاهل ولا إنه عالم بل العلم والجهل مرتفعان عنه بل هما ممتنعان عليه لا محالة لأن طبيعته تأبى قابليته لكليهما وهكذا تنتفي المتقابلات كلها بانتفاء قابلية المحل لها أيا كانت هذه المتقابلات وأيا كان هذا المحل الذي ليس قابلا لها فيمتنع مثلا أن توصف الدار بأنها سمعية أو صماء وأن توصف الأرض بأنها متكلمة أو خرساء وأن توصف السماء بأنها متزوجة أو أيم وهلم جرا.\nثانيا نقول لهؤلاء أين كان الله قبل أن يخلق العرش والفرش والسماء والأرض وقبل أن يخلق الزمان والمكان وقبل أن تكون هناك جهات ست فإن قالوا لم يكن له جهة ولا مكان نقول قد اعترفتم بما نقول نحن به وهو الآن على ما عليه كان لا جهة له ولا مكان وإن زعموا أن العالم قديم بقدم فقد تداووا من داء بداء واستجاروا من الرمضاء بالنار ووجب أن ننتقل بهم إلى إثبات حدوث العالم والله هو ولي الهداية والتوفيق.\nثالثا نقول لهؤلاء إذا كنتم تأخذون بظواهر النصوص على حقيقتها فماذا تفعلون بمثل قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ مع قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ أتقولون إنه في السماء حقيقة أم في الأرض حقيقة أم فيهما معا حقيقة وإذا كان في الأرض وحدها حقيقة فكيف تكون له جهة فوق وإذا كان فيهما معا حقيقة فلماذا يقال","vol":"2","page":294},{"text":"له جهة فوق ولا يقال له جهة تحت ولماذا يشار إليه فوق ولا يشار إليه تحت ثم ألا يعلمون أن الجهات أمور نسبية فما هو فوق بالنسبة إلينا يكون تحتا بالنسبة إلى غيرنا فأين يذهبون!\nرابعا نقول لهؤلاء ماذا تقولون في قوله تعالى: يد الله فوق أيديهم بإفراد اليد مع قوله لما خلقت بيدي بتثنيتها ومع قوله والسماء بنيناها بأييد بجمعها فإذا كنتم تعلمون النصوص على ظواهرها حقيقة فأخبرونا أله يد واحدة بناء على الآية الأولى أم له يدان اثنتان بناء على الآية الثانية أما له أيد أكثر من اثنتين بناء على الآية الثالثة؟!\nخامسا نقول لهؤلاء قد ورد في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما تقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يمارى فيه إلا جهول مأفون!\nسادسا نقول لهؤلاء ما قاله حجة الإسلام الغزالي ونصه نقول للمتشبث بظواهر الألفاظ إن كان نزوله من السماء الدنيا ليسمعنا نداءه فما أسمعنا نداءه فأي فائدة في نزوله ولقد كان يمكنه أن ينادينا كذلك وهو على العرش أو على السماء العليا فلا بد أن يكون ظاهر النزول غير مراد وأن المراد به شيء آخر غير ظاهره وهل هذا إلا مثل من يريد وهو بالمشرق إسماع شخص في المغرب فتقدم إلى المغرب بخطوات معدودة وأخذ يناديه وهو يعلم أنه لا يسمع نداءه فيكون نقله الأقدام عملا باطلا وسعيه نحو المغرب عبثا صرفا لا فائدة فيه وكيف يستقر مثل هذا في قلب عاقل اهـ.","vol":"2","page":295},{"text":"الشبهة الثانية ودفعها:\nقال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ﵀ في حاشيته على العقائد العضدية فإن قلت إن كلام الله وكلام النبي ﷺ مؤلف من الألفاظ العربية ومدلولاتها معلومة لدى أهل اللغة فيجب الأخذ بمدلول اللفظ كائنا ما كان.\nقلت حينئذ لا يكون ناجيا إلا طائفا المجسمة الظاهريون القائلون بوجوب الأخذ بجميع النصوص وترك طريق الاستدلال رأسا مع أنه لا يخفى ما في آراء هذه الطائفة من الضلال والإضلال مع سلوكهم طريقا ليس يفيد اليقين بوجه فإن للتخاطبات مناسبات ترد بمطابقتها فلا سبيل إلا الاستدلال العقلي وتأويل ما يفيد بظاهره نقصا إلى ما يفيد الكمال وإذا صح التأويل للبرهان في شيء صح في بقية الأشياء حيث لا فرق بين برهان وبرهان ولا لفظ ولفظ.\nوقال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ إن الوحي من الله للنبي تنزيلا وإنزالا ونزولا لبيان علو مرتبة الربوبية لا أن هناك نزولا حسيا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض ومن الغريب أنهم يقولون في الرد على هذا إن علو الله على خلقه حقيقة أثبتها لنفسه في كتابه لا حاجة لتأويله بعلو مرتبة الربوبية وليت شعري إذا لم نؤوله بعلو مرتبة الربوبية فماذا نريد منه وهل بقي بعد ذلك شيء غير العلو الحسي الذي يستلزم الجهة والتحيز ولا يمكن نفي ذلك اللازم عنه متى أردنا العلو الحسي فإن نفي التحيز عن العلو الحسي غير معقول ولا معنى للاستلزام إلا هذا أما هم فينفون اللوازم ولا أدري كيف ننفي اللوازم مع فرضها لوازم هذا خلف ولكن القول ليسوا أهل منطق والمتتبع لكلامهم يجد فيه العبارات الصريحة في إثبات الجهة لله تعالى وقد كفر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى وهو واضح لأن معتقد الجهة لا يمكنه","vol":"2","page":296},{"text":"إلا أن يعتقد التحيز والجسمية ولا يتأتى غير هذا فإن سمعت منهم سوى ذلك فهو قول متناقض وكلامهم لا معنى له اهـ.\nالشبهة الثالثة ودفعها:\nنقل السيوطي عن بعضهم أنه قال إن قيل ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى قلنا إن كان أي المتشابه مما يمكن علمه فله فوائد منها الحث للعلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب ومنها ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات إذ لو كان كله محكما لا يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق ولم يظهر فضل العالم على غيره وإن كان أي المتشابه مما لا يمكن علمه أي بأن استأثر الله به فله فوائد منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوقف فيه والتفويض والتسليم والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ وإن لم يجز العمل بما فيه وإقامة الحجة عليهم لأنه لما نزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عن الوقوف اهـ على معناه مع بلاغتهم وأفهامهم دل على أنه نزل من عند الله وأنه هو الذي أعجزهم عن الوقوف.\nونسترعي نظرك هنا إلى ما أسلفناه في الحكم الماضية ثم إلى ما ذكره ابن اللبان في مقدمة كتابه رد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات إذ قال ما خلاصته ليس في الوجود فاعل إلا الله وأفعال العباد منسوبة الوجود إليه تعالى بلا شريك ولا معين فهي في الحقيقة فعله وله بها عليهم الحجة ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ .\nومن المعلوم أن أفعال العباد لا بد فيها من توسط الجوارح مع أنها منسوبة إليه تعالى وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياته مظهرين مظهر عبادي منسوب لعباده وهو الصور والجوارح الجثمانية ومظهر حقيقي منسوب إليه وقد أجرى عليه أسماء المظاهر العبادية","vol":"2","page":297},{"text":"المنسوبة لعباده على سبيل التقريب لأفهامهم والتأنيس لقلوبهم ولقد نبه في كتابه تعالى على القسمين وأنه منزه عن الجوارح في الحالين فنبه على الأول بقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فهذا يفيد أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه تعالى ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه ﷺ في صحيح مسلم: \"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها\" وقد حقق الله ذلك لنبيه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ وبقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وبهذا يفهم ما جاء من الجوارح منسوبا إليه تعالى فلا يفهم من نسبتها إليه تشبيه ولا تجسيم ولكن الغرض من ذلك التقريب للأفهام والتأنيس للقلوب والواجب سلوكه إنما هو رد المتشابه إلى المحكم على القواعد اللغوية وعلى مواضعات العرب وعلى ما كان يفهمه الصحابة والتابعون من الكتاب والسنة اهـ ما أردنا نقله.\nالشبهة الرابعة ودفعها:\nنقل السيوطي أيضا عن الإمام فخر الدين الرازي أنه قال من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات وقال إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه فالجبري متمسك بآيات الجبر كقوله تعالى: َ ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ والقدري يقول هذا مذهب الكفار بدليل أنه تعالى حكى عنهم ذلك في معرض الذم في قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ وفي موضع آخر ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ومنكر الرؤية متمسك بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ١ ومثبت الجهة متمسك بقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ\n_________\n١ يظهر أن هنا سقط لعله هكذا: ومثبن الرؤية متمسك بقوله تالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .","vol":"2","page":298},{"text":"عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ والثاني متمسك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ثم يسمي كل واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات المخالفة متشابهة وإنما آل في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية ووجوه ضعيفة فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا؟.\nوالجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فيه فوائد منها أنه يوجب مزيد المشقة في الوصول إلى المراد وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب إلى آخر ما نقلناه عنه فيما سبق من بيان حكم الله وأسراره في ذكر المتشابهات فاجعلها على بال منك في رفع هذه الشبهة وأضف إليها ما نقلنا آنفا عن ابن اللبان وما بسطناه في دفع الشبهات السالفة وارجع إلى ما كتبناه في مثل هذا المقام بالمبحث السابع من هذا الكتاب.\nالشبهة الخامسة ودفعها:\nقال السيوطي في كتابه الإتقان أورد بعضهم سؤالا وهو أنه هل للمحكم مزية على المتشابه أو لا فإن قلتم بالثاني فهو خلاف الإجماع وإلا فقد نقضتم أصلكم في أن جميع كلامه سبحانه سواء وإنه منزل بالحكمة.\nوأجاب أبو عبد الله النكرباذي بأن المحكم كالمتشابه من وجه ويخالفه من وجه فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع وأنه لا يختار القبيح ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد فمن سمعه أمكنه أن يستدل به في الحال والمتشابه يحتاج إلى فكرة ونظر ليحمله على الوجه المطابق ولأن المحكم أصل والعلم بالأصل أسبق ولأن المحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا اهـ.","vol":"2","page":299},{"text":"أقول: ويمكن دفع هذه الشبهة بوجه أقرب وهو أن المحكم له مزية على المتشابه لأنه بنص القرآن هو أم الكتاب على ما سلف بيانه والاعتراض بأن هذا ينقض الأصل المجمع عليه وهو أن جميع كلامه سبحانه سواء وأنه منزل بالحكمة الاعتراض بهذا ساقط من أساسه لأن المساواة بين كلام الله إنما هي في خصائص القرآن العامة ككونه منزلا على النبي ﷺ بالحق وبالحكمة وكونه متعبدا بتلاوته ومتحدي بأقصر سورة منه ومكتوبا في المصاحف ومنقولا بالتواتر ومحرما حمله ومسه على الجنب ونحو ذلك والمساواة في هذه الخصائص لا تنافي ذلك الامتياز الذي امتازت به المحكمات وكيف يتصور التنافي على حين أن كلا من المحكم والمتشابه له حكمه وله مزاياه فمزية المحكم أنه أم الكتاب إليه ترد المتشابهات ومزية المتشابه أنه محك الاختبار والابتلاء ومجال التسابق والاجتهاد إلى غير ذلك من الفوائد التي عرفتها ثم كيف يتصور هذا التنافي والقرآن كله مختلف باختلاف موضوعاته وأحواله فمنه عقائد وأحكام وأوامر ونواه وعبادات وقصص وتنبؤات ووعد ووعيد وناسخ ومنسوخ وهلم مما يستنفد ذكره وقتا طويلا ولا ريب أن كل نوع من هذه الأنواع له مزيته أو خاصته التي غاير بها الآخر وإن اشترك الجميع بعد ذلك في أنها كلها أجزاء للقرآن متساوية في القرآنية وخصائصها العامة وخلاصة هذا الجواب أن اميتاز المحكم على المتشابه في أمور ومساواته إياه في أمور أخرى فلا تناقض ولا تعارض كما أن كل عضو من أعضاء جسم الإنسان له مزيته وخاصته التي صار بها عضوا والكل بعد ذلك يساوي الآخر في أنه جزء للإنسان في خصائصه العامة من حسن وحياة.\nالشبهة السادسة ودفعها:\nيقولون إن الناظر في موقف السلف والخلف من المتشابه يجزم بأنهم جميعا مؤولون لأنهم اشتركوا في صرف ألفاظ المتشابهات عن ظواهرها وصرفها عن ظواهرها تأويل لها","vol":"2","page":300},{"text":"لا محالة وإذا كانوا جميعا مؤولين فقد وقعوا جميعا فيما نهى الله عنه وهو اتباع المتشابهات بالتأويل إذ وصف سبحانه هؤلاء بأن في قلوبهم زيغا فقال في الآية السابقة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ .\nوندفع هذه الشبهة أولا بأن القول بكون السلف والخلف مجمعين على تأويل المتشابه قول له وجه من الصحة لكن بحسب المعنى اللغوي أو ما يقرب من المعنى اللغوي أما بحسب الاصطلاح السائد فلا لأن السلف وإن وافقوا الخلف في التأويل فقد خالفوهم في تعيين المعنى المراد باللفظ بعد صرفه عن ظاهره وذهبوا إلى التفويض المحض بالنسبة إلى هذا التعيين أما الخلف فركبوا متن التأويل إلى هذا التعيين كما سبق تفصيله.\nثانيا أن القول بأن السلف واخلف جميعا وقعوا بتصرفهم السابق فيما نهى الله عنه قول خاطئ واستدلالهم عليه بالآية المذكورة استدلال فاسد لأن النهي فيها إنما هو عن التأويل الآثم الناشئ عن الزيغ واتباع الهوى بقرينة قوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ميل عن الاستقامة والحجة إلى الهوى والشهوة أما التأويل القائم على تحكيم البراهين القاطعة واتباع الهداية الراشدة فليس من هذا القبيل الذي حظره الله وحرمه وكيف ينهانا عنه وقد أمرنا به ضمنا بإيجاب رد المتشابهات إلى المحكمات إذ جعل هذه المحكمات هي أم الكتاب على ما سبق بيانه ثم كيف يكون مثل هذا التأويل الراشد محرما وقد دعا به الرسول ﷺ لابن عباس فقال في الحديث المشهور اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل؟.\nويتلخص من هذا أن الله أرشدنا في الآية إلى نوع من التأويل وهو ما يكون به رد المتشابهات إلى المحكمات ثم نهانا عن نوع آخر منه وهو ما كان ناشئا عن الهوى والشهوة لا على البرهان والحجة قصدا إلى الضلال والفتنة وهما لونان مختلفان وضربان بعيدان بينهما برزخ لا يبغيان.","vol":"2","page":301},{"text":"وإذن فمن لم يصرف لفظ المتشابه عن ظاهره الموهم للتشبيه أو المحال فقد ضل كالظاهرية والمشبهة ومن فسر لفظ المتشابه تفسيرا بعيدا عن الحجة والبرهان قائما على الزيغ والبهتان فقد ضل أيضا كالباطنية والإسماعيلية وكل هؤلاء يقال فيهم إنهم متبعون للمتشابه ابتغاء الفتنة أما من يؤول المتشابه أي يصرفه عن ظاهره بالحجة القاطعة لا طلبا للفتنة ولكن منعا لها وتثبيتا للناس على المعروف من دينهم وردا لهم إلى محكمات الكتاب القائمة وأعلامه الواضحة فأولئك هم الهادون المهديون حقا وعلى ذلك درج سلف الأمة وخلفها وأئمتها وعلماؤها روي عن البخاري عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس إنني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال ما هو قال: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وقال: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وقال: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال ابن عباس ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى ﴿وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ثم في النفخة الثانية ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول ما كنا مشركين فيختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك ﴿لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ إلى آخر الحديث نسأل الله أن يسلمنا وأن يهدينا سواء الصراط وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آهل وصحبه وسلم آمين.","vol":"2","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>المبحث السادس عشر: في اسلوب القران الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>معنى الاسلوب</span>\n...\nالمبحث السادس عشر: في أسلوب القرآن الكريم\nالأسلوب في اللغة:\nيطلق الأسلوب في لغة العرب إطلاقات مختلفة فيقال للطريق بين الأشجار وللفن وللوجه وللمذهب وللشموخ بالانف ولعنق الأسد ويقال لطريقة المتكلم في كلامه","vol":"2","page":302},{"text":"أيضا وأنسب هذه المعاني بالاصطلاح الآتي هو المعنى الأخير أو هو الفن أو المذهب لكن مع التقييد.\nالأسلوب في الاصطلاح:\nتواضع المتأدبون وعلماء العربية على أن الأسلوب هو الطريقة الكلامية التي يسلكها المتكلم في تأليف كلامه واختيار ألفاظه أو هو المذهب الكلامي الذي انفرد به المتكلم في تأدية معانيه ومقاصده من كلامه او هو طابع الكلام أو فنه الذي انفرد به المتكلم كذلك.\nمعنى أسلوب القرآن:\nوعلى هذا فأسلوب القرآن الكريم هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه ولا غرابة أن يكون للقرآن الكريم أسلوب خاص به فإن لكل كلام إلهي أو بشري أسلوبه الخاص به وأساليب المتكلمين وطرائقهم في عرض كلامهم من شعر أو نثر تتعدد بتعدد أشخاصهم بل تتعدد في الشخص الواحد بتعدد الموضوعات التي يتناولها والفنون التي يعالجها.\nالأسلوب غير المفردات والتراكيب:\nونلفت نظرك إلى أن الأسلوب غير المفردات والتراكيب التي يتألف منها الكلام وإنما هو الطريقة التي انتهجها المؤلف في اختيار المفردات والتراكيب لكلامه.\nوهذا هو السر في أن الأساليب مختلفة باختلاف المتكلمين من ناثرين وناظمين مع أن المفردات التي يستخدمها الجميع واحدة والتراكيب في جملتها واحدة وقواعد صوغ المفردات وتكوين الجمل واحدة وهذا هو السر أيضا في أن القرآن لم يخرج عن معهود العرب في لغتهم العربية من حيث ذوات المفردات والجمل وقوانينها العامة بل جاء كتابا عربيا جاريا على مألوف العرب من هذه الناحية فمن حروفهم تألفت كلماته ومن كلماتهم","vol":"2","page":303},{"text":"تألفت تراكيبه وعلى قواعدهم العامة في صياغة هذه المفردات وتكوين التراكيب جاء تأليفه ولكن المعجز والمدهش والمثير لأعجب العجب أنه مع دخوله على العرب من هذا الباب الذي عهدوه ومع مجيئه بهذه المفردات والتراكيب التي توافروا على معرفتها وتنافسوا في حلبتها وبلغوا الشأو الأعلى فيها نقول إن القرآن مع ذلك كله وبرغم ذلك كله قد أعجزهم بأسلوبه الفذ ومذهبه الكلامي المعجز ولو دخل عليهم من غير هذا الباب الذي يعرفونه لأمكن أن يلتمس لهم عذر أو شبه عذر وأن يسلم لهم طعن أو شبه طعن ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ولهذا المعنى وصف الله كتابه بالعروبة في غير آية فقال جل ذكره في سورة يوسف ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقال في سورة الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقال في سورة الزمر: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .\nمثال لهذا الفارق:\nوبما أن الأمر قد اشتبه على بعض الناس حتى ضلوا فيه أو كادوا نمثل للفرق ين الأسلوب وبين المفردات والتركيب بمثالين حسيين أحدهما صناعة الخياطة والآخر صناعة الصيدلة أو تحضير العقاقير والأدوية فالخياطون يختلفون فيما بينهم اختلافا بعيدا ما بين خامل ونابه في صنعته وضعيف وبارع في حرفته وهذا الاختلاف لم يجيء من ناحية مواد الثياب المخيطة ولا من ناحية الآلات والأدوات والطرق العامة التي تستخدم في الخياطة إنما جاء الاختلاف من جهة الطريقة الخاصة التي اتبعت في اختيار هذه المواد وتأليفها واستخدام قواعد هذه الصناعة في شكلها وهندستها وكذلك الصيادلة يختلفون فيما بينهم نباهة وخمولا وبراعة وقصورا لا من حيث مواد الأدوية وعناصرها ولا من حيث القواعد الفنية العامة في تركيبها بل من حيث حسن اختيار هذه المواد ودقة تطبيق هذه القواعد في تحضير العقاقير والأدوية حتى لقد نشاهد أن مزاج الجيد منها وأثره ونفعه يختلف بوضوح عن مزاج الرديء منها وأثره وضرره وقل مثل هذا في كل ما حولك من صناعات يختلف فيها الصناعون ومصنوعاتهم جودة ورداءة مع اتحاد مواد الصناعة الأولى وقواعدها العامة في الجميع","vol":"2","page":304},{"text":"لذالكم البيان اللغوي في أية لغة ما هو إلا صناعة موادها وقواعدها واحدة في المفردات والتراكيب ولكن البيان يختلف بعد ذلك باختلاف الطرائق والأساليب وإن شئت فقل يختلف باختلاف الأذواق والمواهب التي انتقت هذه المفردات اللغوية واصطفت تلك الجمل التركيبية حتى إنك لترى أهل اللغة الواحدة يؤدون الغرض الواحد بوجوه مختلفة من المفردات ومذاهب شتى من التراكيب يتفاوت حظها من الجودة والرداءة ومن الحسن والدمامة ومن القبول والرد بمقدار ما بينهم من اختلاف في طرائق اختيارهم لما اختاروه من مواد اللغة إفرادا وتركيبا ولما لاحظوه من المناسبات مع هذا الاختيار فإذا سلم ذوق المتكلم وسمت حاسته البيانية حسن اختياره وسما كلامه سموا قد يأخذ عليك حسك ويملك قلبك ولبك وإذا فسد ذوق المتكلم وانحطت حاسته البيانية ساء اختياره ونزل كلامه نزولا قد تتقزز منه نفسك ويتأذى به سمعك وربما فررت منه وأنت تتمثل بقول الشاعر:\nعوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير\nبيان ذلك في اللغة العربية:\nبيان ذلك في لغتنا المحبوبة العربية أن مفرداتها منها متآلف في حروفه ومتنافر وواضح مستأنس وخفي غريب ورقيق خفيف على الأسماع وثقيل كرية تمجه الأسماع وموافق لقياس اللغة ومخالف له ثم من هذه المفردات عام وخاص ومطلق ومقيد ومجمل ومبين ومعرف ومنكر وظاهر ومضمر وحقيقة ومجاز وكذلك التراكيب العربية منها ما هو حقيقة ومجاز ومنها متآلف الكلمات ومتنافرها وواضح المعاني ومعقدها وموافق للقياس اللغوي والخارج عليه ومنها الاسمية والفعلية والخبرية والإنشائية وفيها النفي والإثبات والإيجاز والإطناب والتقديم والتأخير والفصل والوصل إلى غير ذلك مما هو مفصل في علوم اللغة وكتبها.","vol":"2","page":305},{"text":"ثم إن ما يؤيده معهود اللغة من المتنوعات المذكورة وما أشبهها هو المسلك العام الذي ينفذ منه المتكلمون إلى أغراضهم ومقاصدهم ولكن ليس شيء من هذه المتنوعات بالذي يحسن استعماله إطلاقا ولا شيء منها بالذي يسوء استعماله إطلاقا أي في كافة الأحوال وجميع المقامات بل لكل مقام مقال فما يجعل في موطن قد يقبح في موطن آخر وما يجب في مقام قد يمتنع في مقام آخر ولولا هذا لكان الوصول إلى الطرف الأعلى من البلاغة هينا ولأصبح كلام الناس لونا واحدا وطعما واحدا ولكن الأمر يرجع إلى حسن الاختيار من هذه المتنوعات بحسب ما يناسب الأحوال والمقامات فخطاب الأذكياء غير خطاب الأغبياء وموضوع العقائد التي يتحمس لها الناس غير موضوع القصص وميدان الجدل الصاخب غير مجلس التعليم الهادئ ولغة الوعد والتبشير غير لغة الوعيد والإنذار إلى غير ذلك مما يجعل اختيار المناسبات عسيرا ضرورة أن الإحاطة بجميع أحوال المخاطبين قد تكون متعسرة أو متعذرة ومما يجعل اللفظ الواحد في موضع من المواضع كأنه نجمة وضاءة لامعة وفي موضع آخر كأنه نكتة سوداء مظلمة.\nولعلمائنا أكرمهم الله أذواق مختلفة في استنباط الفروق الدقيقة بين استعمال حرف أو كلمة مكان حرف أو كلمة ومن السابقين في حلبة هذا الاستنباط الخطيب الإسكافي المتوفى سنة ٤١٢هـ في كتابه درة التنزيل وغرة التأويل وهاك مثالا منه يفيدنا فيما نحن فيه إذ يتحدث عن سر التعبير بالفاء في لفظ ﴿كُلُوا﴾ من قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وعن سر التعبير بالواو لا بالفاء في لفظ ﴿كُلُوا﴾ أيضا لكن من قوله سبحانه في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ مع أن القصة واحدة ومدخول الحرف واحد قال ﵀ الأصل أن كل فعل عطف عليه ما تعلق به تعلق الجواب بالابتداء وكان الأول مع الثاني بمعنى الشرط والجزاء فالأصل فيه عطف الثاني على الأول بالفاء ومنه ﴿وَإِذْ قُلْنَا","vol":"2","page":306},{"text":"ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا﴾ فإن وجود الأكل متعلق بالدخول والدخول موصل إلى الأكل فالأكل وجوده معلق بوجوده بخلاف ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا﴾ لأن السكنى مقام مع طول لبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من يدخل بستانا قد يأكل منه مجتازا فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجواب بالابتداء وجب العطف بالواو دون الفاء اهـ.\nتفاوت القوى والقدر:\nولا ريب أن القوى والقدر تتفاوت تفاوتا بعيدا فيما نعرف من الأحوال ومناسباتها وأن ميدان الاختيار فسيح مليء بشتى الألوان والصور للمفردات ومركباتها فماذا عسى أن تبلغ قدرة الإنسان في استعراض كل هذه الألوان والصور وفي إقامة ميزان دقيق بينها تمهيدا لحسن الاختيار على ضوء تلك الأحوال المقتضية لما ينبغي أن يكون منها هنا ينفسح المجال ثم ينفسح فما يهتدي إليه متكلم قد يغفل عنه متكلم وما يتيقظ له كاتب قد يغفل عنه كاتب وما يدركه شاعر قد يفوت شاعرا آخر بل ما يدركه الإنسان الواحد في موضع قد يخطئه في موضع سواه وهكذا.\nوليس من غرضنا هنا أن نستقصي الأحوال والمناسبات ولا أن نضرب الأمثال والشواهد لكل حال وما يناسبها فلذلك محله من علوم اللغة وكتبها كما قلنا ولكن الذي نريد أن نضع يدك عليه في هذا المقام هو أن أسلوب أي كلام بليغ معناه صورته الفنية أو طابعه الخاص أو مزاجه الشخصي الذي تهيأ له برعاية صاحبه لجملة الأحوال ومناسباتها في هذا الكلام وأنه على حسب ما تحتوي أساليب الكلام من الأحوال والمناسبات يتفاوت هذا الكلام في درجات البلاغة علوا ونزولا وفي حظه عند السامعين ردا وقبولا وأنه لم يظفر الوجود بكلام إلهي ولا بشري بلغ الطرف الأعلى في البلاغة ووصل إلى قمة الإعجاز من هذه الناحية غير القرآن الكريم لأن منشئ هذا الكتاب هو وحده الذي تعلقت إرادته بأن تكون معجزة نبي الإسلام من هذا الطراز لحكمة شرحناها وقد تعرض لها فيما يأتي ولأنه سبحانه هو الذي انتهت إليه الإحاطة بجميع أحوال الخلق وحده","vol":"2","page":307},{"text":"ولأنه عز سلطانه هو القادر وحده على تضمين كلامه كل المناسبات التي اقتضتها تلك الأحوال الكثيرة التي لم يحط ولن يحيط بها سواه ومن الذي يستطيع أن يحيط بكل أحوال الخلق وفيها الخفي الذي لا يعلمه إلا من يعلم السر وأخفي ثم من ذا الذي يستطيع أن يحيط بكل أحوال الخلق وهم أجيال متعددة منهم من لم يخلقوا وقت نزول القرآن ومنهم من لم يعرفوا لنا إلى الآن بعد بضعة عشر قرنا من نزول هذا القرآن وأنت خبير بأن القرآن هو كتاب الساعة الذي يخاطب الأجيال كافة حتى يرث الله الأرض ومن عليها فلا غرو أن يضمنه منزله كل ما تحتاج إليه الأمم على اختلاف أجيالها من المناسبات الملائمة لأحوالهم وليس ذلك في قدرة أحد إلا العليم بأسرار الخلق وخفيات السموات والأرض ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ .\nومن شواهد ما نذكر أننا نلاحظ في كثير من ألفاظ القرآن أنها اختيرت اختيارا يتجلى فيه وجه الإعجاز من هذا الاختيار وذلك في الألفاظ التي نمر بها على القرون والأجيال منذ نزل القرآن إلى اليوم فإذا بعض الأجيال يفهم منها ما يناسب تفكيره ويلائم ذوقه ويوائم معارفه وإذا أجيال أخرى تفهم من هذه الألفاظ عينها غير ما فهمته تلك الأجيال ولو استبدلت هذه الألفاظ بغيرها لم يصلح القرآن لخطاب الناس كافة وكان ذلك قدحا في أنه كتاب الدين العام الخالد ودستور البشرية في كل عصر ومصر فسبحان من أنزل هذا القرآن مشبعا لحاجات الجميع وافيا تجارب الجميع ملائما لأذواق الجميع متفقا ومعارف الجميع مما يدل دلالة واضحة على أنه كلام الله وحده أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا.\nولعل لنا عودة لمثل هذا الكلام في فرصة أخرى فلنمسك القلم عن الجولان في هذا الميدان ولنرجع عودا على بدء إلى أسلوب القرآن ولنذكر شيئا من خصائص","vol":"2","page":308},{"text":"أسلوب القرآن ومزاياه التي انفرد بها وكانت هي السر في إعجازه اللغوي أو البلاغي أو الأسلوبي.","vol":"2","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>خصائص أسلوب القرآن:</span>\nإن الخصائص التي امتاز بها أسلوب القرآن والمزايا التي توافرت فيه حتى جعلت له طابعا معجزا في لغته وبلاغته أفاض العلماء فيها بين مقل ومكثر ولكنهم بعد أن طال بهم المطاف وبعد أن دميت أقدامهم وحفيت أقلامهم لم يزيدوا على أن قدموا إلينا قلا من كثره وقطرة من بحر معترفين بأنهم عجزوا عن الوفاء وأن ما خفي عليهم فلم يذكروه أكثر مما ظهر لهم فذكروه وأنهم لم يزيدوا على أن قربوا لنا البعيد بضرب من التمثيل رجاء الإيضاح والتبيين أما الاستقصاء والإحاطة بمزايا الأسلوب القرآني وخصائصه على وجه الاستيعاب فأمر استأثر به منزله الذي عنده علم الكتاب.\nوإذن فلنذكر نحن بدورنا شيئا من خصائص أسلوب القرآن على وجه التمثيل والتقريب أيضا وما لا يدرك كله لا يترك أقله.\nالخاصة الأولى:\nمسحة القرآن اللفظية فإنها مسحة خلابة عجيبة تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوي.\n١ - ونريد بنظام القرآن الصوتي اتساق القرآن وائتلافه في حركاته وسكناته ومداته وغناته واتصالاته وسكتاته اتساقا عجيبا وائتلافا رائعا يسترعي الأسماع ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور وبيان ذلك أن من ألقى سمعه إلى مجموعة القرآن الصوتية وهي مرسلة على وجه السذاجة","vol":"2","page":309},{"text":"في الهواء مجردة من هيكل الحروف والكلمات كأن يكون السامع بعيدا عن القارئ المجود بحيث لا تبلغ إلى سمعه الحروف والكلمات متميزا بعضها عن بعض بل يبلغه مجرد الأصوات الساذجة المؤلفة من المدات والغنات والحركات والسكنات والاتصالات والسكتات نقول إن من ألقى سمعه إلى هذه المجموعة الصوتية الساذجة يشعر من نفسه ولو كان أعجميا لا يعرف العربية بأنه أمام لحن غريب وتوقيع عجيب يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع الموسيقى وترنيم الشعر لأن الموسيقى تتشابه أجراسها وتتقارب أنغامها فلا يفتأ السمع أن يملها والطبع أن يمجها ولأن الشعر تتحد فيه الأوزان وتتشابه القوافي في القصيدة الواحدة غالبا وإن طالت على نمط يورث سامعه السأم والملل بينما سامع لحن القرآن لا يسأم ولا يمل لأنه يتنقل فيه دائما بين ألحان متنوعة وأنغام متجددة على أوضاع مختلفة يهز كل وضع منها أوتار القلوب وأعصاب الأفئدة.\nوهذا الجمال الصوتي أو النظام التوقيعي هو أول شيء أحسته الآذان العربية أيام نزول القرآن ولم تكن عهدت مثله فيما عرفت من منثور الكلام سواء أكان مرسلا أم مسجوعا حتى خيل إلى هؤلاء العرب أن القرآن شعر لأنهم أدركوا في إيقاعه وترجيعه لذة وأخذتهم من لذة هذا الإيقاع والترجيع هزة لم يعرفوا شيئا قريبا منها إلا في الشعر ولكن سرعان ما عادوا على أنفسهم بالتخطئة فيما ظنوا حتى قال قائلهم وهو الوليد بن المغيرة وما هو بالشعر معللا ذلك بأنه ليس على أعاريض١ الشعر في رجزه٢ ولا في قصيدة بيد انه تورط في خطأ أفحش من هذا الخطأ حين زعم في ظلام العناد\n_________\n١ جمع عروض على غير قياس كأنهم جمعوا عريضا. وهو ميزان الشعر أو الجزء الذي في آخر النصف الأول من البيت؟ مختار.\n٢ الرجز ضرب من الشعر وزنه مستفعلن ست مرات. وزعم الخليل أمه ليس بشعر وإنما هو أنصاف أبيات أو ثلاثة؟ قاموس.","vol":"2","page":310},{"text":"والحيرة أنه سحر لأنه اخذ من النثر جلاله وروعته ومن النظم جماله ومتعته ووقف منهما في نقطة وسط خارقة لحدود العادة البشرية بين إطلاق النثر وإرساله وتقييد الشعر وأوزانه ولو أنصف هؤلاء لعلموا أنه كلام منثور لكنه معجز ليس كمثله كلام لأنه صادر من متكلم قادر ليس كمثله شيء وما هو بالشعر ولا بالسحر لأن الشعر معروف لهم بتقفيته ووزنه وقانونه ورسمه والقرآن ليس منه ولأن السحر محاولات خبيثة لا تصدر إلا من نفس خبيثة ولقد علمت قريش أكثر من غيرهم طهارة النفس المحمدية وسموها ونبلها إذ كانوا أعلم الناس به وأعرفهم بحسن سيرته وسلوكه وقد نشأ فيه وشب وشاب بينهم هذا إلى أن القرآن كله ما هو إلا دعوة طيبة لأهداف طيبة لا محل فيها إلى خبث ورجس بل هي تحارب السحر وخبثه ورجسه وتسمه بأنه كفر إذ قال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ .\nثم إن السحر معروف المقدمات والوسائل فليس بمعجز ولا يمكنه ولن يمكنه أن يأتي في يوم من الأيام بمثل هذا الذي جاء به القرآن\nعن ابن عباس ﵄ أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله ﷺ فلما قرأ عليه القرآن كأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال له يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله بكسر القاف وفتح الباء قال الوليد لقد علمت قريش أني من أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له وكاره قال وماذا أقول فوالله ما فيكم من رجل أعلم مني بالشعر لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا ووالله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمنير أعلاه مشرق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى وإنه ليحطم ما تحته قال أبو جهل للوليد لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه فقال الوليد دعني أفكر فلما فكر قال هذا سحر يأثره عن غيره وفي ذلك نزل","vol":"2","page":311},{"text":"قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثم قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ رواه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري فانظر إلى الرجل حين أرسل نفسه على سجيتها العربية وبديهتها الفطرية كيف أنصف في حكمه حين تجرد ساعة من عناده وكفره وقال والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا إلى أن قال وإنه ليحطم ما تحته ثم انظر إلى الرجل حين غلبت عليه شقوته وعاوده عناده وتعصبه كيف قاوم فطرته وأكره نفسه على مخالفة شعوره ووجدانه وقال ما قال بعد أن حار وذهب كل مذهب في ضلاله وحيرته على نحو ما يصور القرآن تلك الحيرة والمقاومة والاستكراه بقوله إنه فكر وقدر الخ نسأل الله الحماية والهداية بمنه وكرمه آمين.\n٢ - ونريد بجمال القرآن اللغوي تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن في رصف حروفه وترتيب كلماته ترتيبا دونه كل ترتيب ونظام تعاطاه الناس في كلامهم وبيان ذلك أنك إذا استمعت إلى حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة تشعر بلذة جديدة في رصف هذه الحروف بعضها بجانب بعض في الكلمات والآيات هذا ينقر وذاك يصفر وهذا يخفى وذاك يظهر وهذا يهمس وذاك يجهر إلى غير ذلك مما هو مقرر في باب مخارج الحروف وصفاتها في علم التجويد ومن هنا يتجلى لك جمال لغة القرآن حين خرج إلى الناس في هذه المجموعة المختلفة المؤتلفة الجامعة بين اللين والشدة والخشونة والرقة والجهر والخفية على وجه دقيق محكم وضع كلا من الحروف وصفاتها المتقابلة في موضعه بميزان حتى تألف من المجموع قالب لفظي مدهش وقشرة سطحية أخاذة امتزجت فيها جزالة البداوة في غير خشونة برقة الحضارة من غير ميوعة وتلاقت عندها أذواق القبائل العربية على اختلافها بكل يسر وسهولة ولقد وصل هذا الجمال اللغوي إلى قمة الإعجاز بحيث","vol":"2","page":312},{"text":"لو داخل في القرآن شيء من كلام الناس لاعتل مذاقه في أفواه قارئيه واختل نظامه في آذان سامعيه.\nومن عجيب أمر هذا الجمال اللغوي وذاك النظام الصوتي أنهما كما كانا دليل إعجاز من ناحية كانا سورا منيعا لحفظ القرآن من ناحية أخرى وذلك أن من شأن الجمال اللغوي والنظام الصوتي أن يسترعي الأسماع ويثير الانتباه ويحرك داعية الإقبال في كل إنسان إلى هذا القرآن الكريم وبذلك يبقى أبد الدهر سائدا على ألسنة الخلق وفي آذانهم ويعرف بذاته ومزاياه بينهم فلا يجرؤ أحد على تغييره وتبديله مصداقا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .\nالخاصة الثانية:\nإرضاؤه العامة والخاصة ومعنى هذا أن القرآن الكريم إذا قرأته على العامة أو قرئ عليهم أحسوا جلاله وذاقوا حلاوته وفهموا منه على قدر استعدادهم ما يرضي عقولهم وعواطفهم وكذلك الخاصة إذا قرؤوه أو قرئ عليهم أحسوا جللاه وذاقوا حلاوته وفهموا منه أكثر مما يفهم العامة ورأوا أنهم بين يدي كلام ليس كمثله كلام لا في إشراق ديباجته ولا في امتلائه وثروته ولا كذلك كلام البشر فإنه إن أرضى الخاصة والأذكياء لجنوحه إلى التجوز والإغراب والإشارة لم يرض العامة لأنهم لا يفهمونه وإن أرضى العامة لجنوحه إلى التصريح والحقائق العارية المكشوفة لم يرض الخاصة لنزوله إلى مستوى ليس فيه متاع لأذواقهم ومشاربهم وعقولهم.\nالخاصة الثالثة:\nإرضاؤه العقل والعاطفة ومعنى هذا أن أسلوب القرآن يخاطب العقل والقلب معا","vol":"2","page":313},{"text":"ويجمع الحق والجمال معا انظر إليه مثلا وهو في معمعان الاستدلال العقلي على البعث والإعادة في مواجهة منكريهما كيف يسوق استدلاله سوقا يهز القلوب هزا ويمتع العاطفة إمتاعا بما جاء في طي هذه الأدلة المسكتة المقنعة إذ قال الله سبحانه في سورة فصلت ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وإذا قال في سورة ق: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ تأمل في الأسلوب البارع الذي أقنع العقل وأمتع العاطفة في آن واحد حتى في الجملة التي هي بمثابة النتيجة من مقدمات الدليل إذ قال في الآية الأولى إن الذي أحياها لمحي الموتى وفي الآيات الأخيرة كذلك الخروج يا للجمال الساحر ويا للإعجاز الباهر الذي يستقبل عقل الإنسان وقلبه معا بأنصع الأدلة وأمتع المعروضات في هذه الكلمات المعدودات!.\nثم انظر إلى القرآن وهو يسوق قصة يوسف مثلا كيف يأتي في خلالها بالعظات البالغة ويطلع من خلالها بالبراهين الساطعة على وجوب الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة إذ قال في فصل من فصول تلك الرواية الرائعة ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ فتأمل في هذه الآية كيف قوبلت دواعي الغواية الثلاث بدواعي العفاف الثلاث مقابلة صورت من القصص الممتع جدالا عنيفا بين جند الرحمن وجند الشيطان ووضعتها أمام العقل المنصف في كفتي ميزان! وهكذا تجد القرآن كله مزيجا حلوا سائغا يخفف على النفوس أن تجرع الأدلة العقلية ويرفه عن العقول باللفتات العاطفية ويوجه العقول والعواطف معا جنبا إلى جنب لهداية الإنسان وخير الإنسان!.","vol":"2","page":314},{"text":"وهل تسعد بمثل هذا في كلام البشر؟ لا ثم لا بل كلامهم إن وفى بحق العقل بخس العاطفة حقها وإن وفى بحق العاطفة بخس العقل حقه وبمقدار ما يقرب من أحدهما يبعد عن الآخر حتى لقد بات العرف العام يقسم الأساليب البشرية إلى نوعين لا ثالث لهما أسلوب علمي وأسلوب أدبي فطلاب العلم لا يرضيهم أسلوب الأدب وطلاب الأدب لا يرضيهم أسلوب العلم وهكذا تجد كلام العلماء والمحققين فيه من الجفاء والعري ما لا يهز القلوب ويحرك النفوس وتجد في كلام الأدباء والشعراء من الهزال والعقم العلمي ما لا يغذي الأفكار ويقنع العقول ذلك لأن القوى العاقلة والقوى الشاعرة في بني الإنسان غير متكافئة وعلى فرض تكافئها في شخص فإنهما لا تعملان دفعة واحدة بل على سبيل البدع والمناوبة فكلام الشخص إما وليد فكرة وإما وليد عاطفة وإما ثوب مرقع يتألف من جمل نظرية تكون ثمرة للتفكير ومن جمل عاطفية تكون ثمرة للشعور أما إن تأتي كل جملة من جملة جامعة للغايتين معا فدون ذلك صعود السماء وكيف يتسنى ذلك للإنسان وهو لم يوهب القوتين متكافئتين ولو تكافأتا لديه فإنه لا يستطيع أن يوجههما اتجاها واحدا في آن واحد متقارنتين ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ أما القرآن فإنه انفرد بهذه الميزة بين أنواع الكلام لأنه تنزيل من القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن والذي جمع بين الروح والجسد في قران ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .\nالخاصة الرابعة:\nجودة سبك القرآن وإحكام سرده١ ومعنى هذا أن القرآن بلغ من ترابط أجزائه وتماسك كلماته وجملة وآياته وسورة مبلغا لا يداينه فيه أي كلام آخر مع طول نفسه\n_________\n١ يقال درع مسردة أي منسوجة متداخلة حلفها بعضها في بعض فالمراد هنا أن القرآن مترابط الأجزاء متناسب تناسب قويا.","vol":"2","page":315},{"text":"وتنوع مقاصده وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد وآية ذلك أنك إذا تأملت في القرآن الكريم وجدت منه جسما كاملا تربط الأعصاب والجلود والأغشية بين أجزائه ولمحت فيه روحا عاما يبعث الحياة والحس على تشابك وتساند بين أعضائه فإذا هو وحدة متماسكة متآلفة على حين أنه كثرة متنوعة متخالفة فبين كلمات الجملة السورة الواحدة من والتناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب وبين حمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها وحدة صغيرة متآخذة الأجزاء متعانقة الآيات وبين سور القرآن من التناسب ما جعله كتابا سوي الخلق حسن السمت ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ فكأنما هو سبيكة واحدة تأخذ بالأبصار وتلعب بالعقول والأفكار على حين أنها مؤلفة من حلقات لكل حلقة منها وحدة مستقلة في نفسها ذات أجزاء ولكل جزء موضع خاص من الحلقة ولكل حلقة وضع خاص من السبيكة لكن على وجه من جودة السبك وإحكام السرد جعل من هذه الأجزاء المنتشرة المتفرقة وحدة بديعة متآلفة تريك كمال الانسجام بين كل جزء وجزء ثم بين كل حلقة وحلقة ثم بين أوائل السبيكة وأواخرها وأواسطها.\nيعرف هذا الإحكام والترابط في القرآن كل من ألقى باله إلى التناسب الشائع فيه من غير تفكك ولا تخاذل ولا انحلال ولا تنافر بينما الموضوعات مختلفة متنوعة فمن تشريع إلى قصص إلى جدل إلى وصف إلى غير ذلك وكتب التفسير طافحة ببيان المناسبات فنحيلك عليها ونكتفي بمثل واحد نضربه مع الاختصار والاقتصار.\nهذه سورة الفاتحة تأمل كيف تترابط وتتناسق في حسن تخلص من معنى إلى معنى ومن مقصد إلى مقصد لقد افتتحت متوجة \"باسم الله\" كما يتوج القاضي كل حكم من أحكامه باسم جلالة الملك لإعلان الجهة التي يستمد منها نفوذه في صدور أحكامه ثم انتقل الكلام فيها سريعا إلى الاستدلال على أن الاستعانة إنما هي به تعالى وحده وذلك بإضافة الاسم إلى لفظ الجلالة الذي هو اسم الذات الجامع لصفات الكمال وبوصف لفظ الجلالة","vol":"2","page":316},{"text":"بأنه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم انتقل الكلام إلى إعلان أنه تعالى مستحق للمحامد كلها ما دام أنه المستعان وحده بالدليل ثم انتقل الكلام إلى تدعيم هذا الاستحقاق بأدلة ثلاثة جرت على اسم الجلالة مجرى الأوصاف في مقام حمده ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثم انتقل الكلام إلى إعلان وحدانيته في ألوهيته وربوبيته ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ما دام أنه هو المعين وحده ومستحق المحامد كلها وحده ثم انتقل الكلام في براعة إلى بيان المطمح الأعلى للإنسان وأن هذا المطمح الأعلى هو الهداية إلى الصراط المستقيم وأنه لا سبيل إلى الوصول إلى هذا المطمح عن طريق أحد إلا عن طريق الله وحده بقرينة ما سبق من أدلة التوحيد والتمجيد قبله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ثم انتقل الكلام من حيث لا تشعر أو من حيث تشعر إلى تقسيم الخلق بالنسبة إلى هذه الهداية ثلاثة أقسام تنبيها وإغراء على المقصود وتحذيرا وتنفيرا من الوقوع في نقيض هذا المقصود ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ وإذا الناس أمام عينيك بين منعم عليه بمعرفة الحق واتباعه ومغضوب عليه بمخالفة الحق مع العلم به وضال رضي أن يعيش عيشة الأنعام في متاهة الجهالة والحيرة والضلال لا يكلف نفسه عناء البحث عن الحق ليتشرف بمعرفته ويسعد باتباعه ثم تنظر في سورة البقرة فإذا هي وما بعدها ترتبط بالفاتحة ارتباط المفصل بالمجمل فالهداية إلى الصراط المستقيم صراط من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين تشرحها سور البقرة وما وليها من سورة القرآن حيث جاءتنا بتفاصيل هذه الهداية في بيان كامل وعرض شامل.\nأما بعد فقد يظن بعض الجهلة أن هذه الوحدة الفنية البيانية في القرآن أمر تافه هين لا يسمو إلى حد التنويه به فضلا عن أن ينظم في عداد ما هو مناط للإعجاز ولأجل الرد على هؤلاء نطلب منهم أن ينظروا نظرة فاحصة في كلام البلغاء وحملة الأقلام فإن لم يكن عندهم نظر ولا ذوق فليستمعوا إلى حكم نقدة البيان وصيارفته عليهم بأنهم","vol":"2","page":317},{"text":"كثيرا ما يخطئون في تنظيم أغراضهم إذا قالوا بل يأتون بها شتيتا مفككا غير متماسك ولا متجاذب مما يعاب الشعراء من أجله بسوء التخلص حين ينتقلون من غرض إلى غرض في القصيدة الواحدة ومما يضطر الكاتب والعلماء والمؤلفين إلى تلافي هذا النقص بما يستخدمون في تنقلاتهم بين أغراضهم من أسماء الإشارة وأدوات التنبيه والحديث عن النفس وكثرة التقسيم والترقيم والتبويب والعنونة ولفظ أما بعد نحو هذا وان ألا وإن قلنا كذا ونقول كذا ينقسم الكتاب إلى مباحث المبحث الأول في كذا الخ ينقسم هذا المبحث إلى نقاط أولها كذا الخ ملاحظة تنبيه فذلكة أما بعد الخ.\nهذا في كلام البشر أما كلام مالك القوى والقدر فإنه على تنوع أغراضه وطول نفسه في سوره وآياته ينتقل من مقصد إلى مقصد وينقلك أنت معه بين هذه المقاصد غير مستعين بوسائل العجز المذكورة بل بطريقة سحرية قد تشعر بها وقد لا تشعر وحسبك أن تنظر في المثال الآنف الذي قدمناه لك في سورة الفاتحة وحبذا أن تنظر في أطول سور القرآن وهي سورة البقرة فإنك ستطرب وتعجب وسيذهب بك الطرب والعجب إلى حد الذوق البالغ لهذا اللون من الإعجاز القاهر وأدلك على كتاب النبأ العظيم فقد أجاد في بيان هذا اللون وأبدع وأشبع العقول والقلوب وأمتع بما عرض من التناسب والترابط بين آحاد هذه السورة!.\nالخاصة الخامسة:\nبراعته في تصريف القول وثروته في أفانين الكلام ومعنى هذا أنه يورد المعنى الواحد بألفاظ وبطرق مختلفة بمقدرة فائقة خارقة تنقطع في حلبتها أنفاس الموهوبين من الفصحاء والبلغاء ولسنا هنا بسبيل الاستيعاب والاستقراء ولكنها أمثلة تهديك ونماذج تكفيك.","vol":"2","page":318},{"text":"أ - منها تعبيره عن طلب الفعل من المخاطبين بالوجوه الآتية:\n١ - الإتيان بصريح مادة الأمر نحو قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾\n٢ - والأخبار بأن الفعل مكتوب على المكلفين نحو ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ .\n٣ - والإخبار بكونه على الناس نحو ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .\n٤ - والإخبار عن المكلفين بالفعل المطلوب منه نحو ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قروء أي مطلوب منهن أن يتربصن.\n٥ - والإخبار عن المبتدأ بمعنى يطلب تحقيقه من غيره نحو ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ أي مطلوب من المخاطبين تأمين دخل الحرم.\n٦ - وطلب الفعل بصيغة فعل الأمر نحو حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أو بلام الأمر نحو ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ .\n٧ - والإخبار عن الفعل بأنه خير ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ .\n٨ - ووصف الفعل وصفا عنوانيا بأنه بر نحو ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ .\n٩ - ووصف الفعل بالفريضة نحو ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ أي من بذل المهور والنفقة\n١٠ - وترتيب الوعد والثواب على الفعل نحو مَنْ ﴿ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .\n١١ - وترتيب الفعل على شرط قبله نحو ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .","vol":"2","page":319},{"text":"١٢ - وإيقاع الفعل منفيا معطوفا عقب استفهام نحو ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي تذكروا.\n١٣ - وإيقاع الفعل عقب ترج نحو ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .\n١٤ - وترتيب وصف شنيع على ترك الفعل نحو ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .\nب - ومنها تعبيره عن النهي بالوسائل الآتية:\n١ - الإتيان في جانب الفعل بمادة الفعل بمادة النهي نحو ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ .\n٢ - والإتيان في جانبه بمادة التحريم نحو ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ .\n٣ - ونفي الحل عنه نحو ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ .\n٤ - والنهي عنه بلفظ لا نحو ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .\n٥ - ووصفه بأنه ليس برا نحو ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ .\n٦ - ووصفه بأنه شر نحو ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ .\n٧ - وذكر الفعل مقرونا بالوعيد نحو ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الخ.\n٨ - وذكر الفعل منسوبا إليه الإثم نحو ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ .","vol":"2","page":320},{"text":"٩ – ١٥ ونظم الأمر في سلك ما هو بالغ الإثم والحرمة والإخبار عن الفعل بأنه رجس ووصفه بأنه من عمل الشيطان والأمر باجتنابه ورجاء الفلاح في تركه وترتيب مضار مؤذية على فعله والأمر بالانتهاء عنه في صورة الاستفهام ونمثل لهذه الطرق كلها بتحريم الخمر والميسر في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .\nج - ومنها تعبيره عن إباحة الفعل بالطرق الآتية:\n١ - التصريح في جانبه بمادة الحل نحو ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ .\n٢ - والأمر به مع قرينه صارفة عن الطلب نحو ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ .\n٣ - ونفي الإثم عن الفعل نحو ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ .\n٤ - ونفي الحرج عنه نحو ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي في ترك القتال أو في الأكل من البيوت١.\n٥ - ونفي الجناح عنه في غير ما ادعى فيه الحرمة نحو ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الخ٢ أما ما ادعى\n_________\n١ تجد هذا النص الكريم في سورة الفتح عقب توعد من يتخلف عن القتال في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ﴾ إلخ. ثم تجد هذا النص الكريم أيضا في سورة النور نازلا بسبب وهو أن المسلمين كانوا إذا خرجوا إلى الغزو ووضعوا مفاتح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج وعند أقاربهم ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون ويقولون.. نخشى ألا تكون نفوسهم بذلك طيبة.\n٢ نزلت فيمن تعاطى شيئا من الخمر والميسر قبل التحريم. فقرر لهم أن ذلك مباحا لهم","vol":"2","page":321},{"text":"فيه الحرمة فإن نفى الجناح عنه يصدق بوجوبه نحو ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ .\n٦ - وإنكار تحريمه في صورة استفهام نحو ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ .\n٧ - والامتنان بالشي ووصفه بأنه رزق حسن نحو ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ .\nوهكذا تجد القرآن يفتن في أداء المعنى الواحد بألفاظ وطرق متعددة بين إنشاء وإخبار وإظهار وإضمار وتكلم وغيبة وخطاب ومضي وحضور واستقبال واسمية وفعليه واستفهام وامتنان ووصف ووعد ووعيد إلى غير ذلك ومن عجب أنه في تحويله الكلام من نمط إلى نمط كثيرا ما تجده سريعا لا يجاري في سرعته ثم هو على هذه السرعة الخارقة لا يمشي مكبا على وجهه مضطربا أو متعثرا بل هو محتفظ دائما بمكانته العليا من البلاغة ﴿يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .\nولقد خلع هذا التصرف والافتنان لباسا فضفاضا من الجدة والروعة على القرآن ومسحه بطابع من الحلاوة والطلاوة حتى لا يمل قارئه ولا يسأم سامعه مهما كثرت القراءة والسماع بل ينتقل كل منهما من لون إلى لون كما ينتقل الطائر في روضة غناء من فنن إلى فنن ومن زهر إلى زهر.\nواعلم أن تصريف القول في القرآن على هذا النحو كان فنا من فنون إعجازه الأسلوبي كما ترى وكان في الوقت نفسه منة يمنها الله على الناس ليستفيدوا عن طريقها كثرة النظر في القرآن والإقبال عليه قراءة وسماعا وتدبرا وعملا وأنه لا عذر معها لمن أهمل هذه النعمة وسفه نفسه اقرأ إن شئت قوله سبحانه: في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾","vol":"2","page":322},{"text":"وقوله سبحانه: في سورة الكهف: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ وقوله سبحانه: في سورة الرعد: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ .\nالخاصة السادسة:\nجمع القرآن بين الإجمال والبيان مع أنهما غايتان متقابلتان لا يجتمعان في كلام واحد للناس بل كلامهم إما مجمل وإما مبين١. لأن الكلمة إما واضحة المعنى لا تحتاج إلى بيان وإما خفية المعنى تحتاج إلى بيان ولكن القرآن وحده هو الذي انحرقت له العادة فتسمع الجملة منه وإذا هي بينة مجملة في آن واحد أما أنها بينة أو مبينة بتشديد الياء وفتحها فلأنها واضحة المغزى وضوحا يريح النفس من عناء التنقيب والبحث لأول وهلة فإذا أمنعت النظر فيها لاحت منها معان جديدة كلها صحيح أو محتمل لأن يكون صحيحا وكلما أمنعت فيها النظر زادتك من المعارف والأسرار بقدر ما تصيب أنت من النظر وما تحمل من الاستعداد على حد قول القائل:\nيزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا\nولهذا السر وسع كتاب الله جميع أصحاب المذهب الحضر من أبناء البشر ووجد أصحاب هذه المذاهب المختلفة والمشارب المتباينة شقاء أنفسهم وعقولهم فيه وأخذت الأجيال المتعاقبة من مدده الفياض ما جعلهم يجتمعون عليه ويدينون به ولا كذلك البشر\n_________\n١ المجمل ما له درلة واضحة فخرج المهمل والمبين. والمبين ما لا خفاء فيه لا ما وقع إليه السياق. مثال الأول لفظ القرء ولفظ مختار وقوقله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ لأن الأول متردد بين الحيض والطهر والثاني بين الفاعل والمفعول والثالث مجهول معناه قبل نزول آية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ . والمبين نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ – و– ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ .","vol":"2","page":323},{"text":"في كلامهم فإنهم إذا قصدوا إلى توضيح أغراضهم ضاقت ألفاظهم ولم تتسع لاستنباط وتأويل وإذا قصدوا إلى إجمالها لم يتضح ما أرادوه وربما التحق عندئذ بالألغاز وما لا يفيد.\nوالأمر في هذه الخاصة ظاهر غني بظهوره عن التمثيل وحسبك أن ترجع إلى كتب التفسير ففيها من ذلك الشيء الكثير ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .\nالخاصة السابعة:\nقصد القرآن في اللفظ مع وفائه بالمعنى ومعنى هذا إنك في كل من جمل القرآن تجد بيانا قاصدا مقدرا على حاجة النفوس البشرية من الهداية الإلهية دون أن يزيد اللفظ على المعنى أو يقصر عن الوفاء بحاجات الخلق من هداية الخالق ومع هذا القصد اللفظي البريء من الإسراف والتقتير تجده قد جلى لك المعنى في صورة كاملة لا تنقص شيئا يعتبر عنصرا أصليا فيها أو حلية مكملة لها كما أنها لا تزيد شيئا يعتبر دخيلا فيها وغريبا عنها بل هو كما قال الله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .\nولا يمكن أن تظفر في غير القرآن بمثل هذا الذي تظفر به في القرآن بل كل منطيق بليغ مهما تفوق في البلاغة والبيان تجده بين هاتين الغايتين كالزوج بين ضرتين بمقدار ما يرضي إحداهما يغضب الأخرى فإن ألقى البليغ باله إلى القصد في اللفظ وتخليصه مما عسى أن يكون من الفضول فيه حمله ذلك في الغالب على أن يغض من شأن المعنى فتجيء صورته ناقصة خفية ربما يصل اللفظ معها إلى حد الإلغاز والتعمية وإذا ألقى البليغ باله إلى الوفاء بالمعنى وتجلية صورته كاملة حمله ذلك على أن يخرج عن حد القصد في اللفظ راكبا متن الإسهاب والإكثار حرصا على أن يفوته شيء من المعنى الذي يقصده ولكن ينذر حينئذ أن يسلم هذا اللفظ من داء التخمة في إسرافه وفضوله تلك التخمة التي تذهب ببهائه ورونقه وتجعل السامع يتعثر في ذيوله لا يكاد يميز بين زوائد المعنى وأصوله.","vol":"2","page":324},{"text":"وإذا افترضنا أن بليغا كتب له التوفيق بين هاتين الغايتين وهما القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى في جملة أو جملتين من كلامه فإن الكلال والإعياء لا بد لاحقا به في بقية هذا الكلام وندر أن يصادفه هذا التوفيق مرة ثانية إلا في الفينة بعد الفينة كما تصادف الإنسان قطعة من الذهب أو الماس في الحين بعد الحين وهو يبحث في التراب أو ينقب بين الصخور.\nوإن كنت في شك فسائل أئمة البيان وصيارفته هل ظفرتم بقطعة من النثر أو بقصيدة من الشعر كانت كلها أو أكثرها جامعا بين وفاء المعنى وقصد اللفظ؟ ها هم أولاء يعلنون حكمهم صريحا بأن أبرع الشعراء لم يكتب له التبريز والإجادة والجمع بين المعنى الناصع واللفظ الجامع إلا في أبيات معدودة من قصائد محدودة أما سائر شعرهم بعد فبين متوسط ورديء وها هم أولاء يعلنون حكمهم هذا نفسه أو أقل منه على الناثرين من الخطباء والكتاب.\nوإن أردت أن تلمس بيدك هذه الخاصة فافتح المصحف الشريف مرة واعمد إلى جملة من كتاب الله وأحصها عددا ثم خذ بعدد تلك الكلمات من أي كلام آخر وقارن بين الجملتين ووازن بين الكلامين وانظر أيهما أملأ بالمعاني مع القصد في الألفاظ ثم انظر أي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها بما هو خير منها في ذلك الكلام الإلهي وكم كلمة يجب أن تسقطها أو تبدلها في ذلك الكلام البشري؟ إنك إذا حاولت هذه المحاولة فستنتهي إلى هذه الحقيقة التي أعلنها ابن عطية فيما يحكي السيوطي عنه وهو يتحدث عن القرآن الكريم إذ يقول لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد اهـ وذلك بخلاف كلام الناس مهما سما وعلا حتى كلام رسول الله ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم وأشرقت نفسه بنور النبوة والوحي وصيغ على أكمل ما خلق الله فإنه مع تحليقه في سماء البيان وسموه على كلام كل إنسان لا يزال هناك بون بعيد بينه وبين القرآن وسبحان الله وبحمده سبحانه الله العظيم!.","vol":"2","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>تعليق وتمثيل:</span>\nيحلو لي أن أسوق إليك هنا كلمة قيمة فيها تعليق وتمثيل لما نحن بصدده وهي لصديقنا العلامة الجليل الشيخ محمد عبد الله دارز في كتابه النبأ العظيم الذي اقتبسنا منه فيما يتصل بإعجاز القرآن كثيرا.\nقلنا إن القرآن الكريم يستثمر دائما برفق أقل ما يمكن من اللفظ في توليد أكثر ما يمكن من المعاني أجل تلك ظاهرة بارزة فيه كله يستوي فيها مواضع إجماله التي يسميها الناس مقام الإيجاز ومواضع تفصيله التي يسمونها مقام الإطناب ولذلك نسميه إيجازا كله لأننا نراه في كلا المقامين لا يجاوز سبيل القصد ولا يميل إلى الإسراف ميلا ما ونرى أن مراميه في كلا المقامين لا يمكن تأديتها كاملة العناصر والحلي بأقل من ألفاظه ولا بما يساويها فليس فيه كلمة إلا هي مفتاح لفائدة جليلة وليس فيه حرف إلا جاء لمعنى.\nدع عنك قول الذي يقول في بعض الكلمات القرآنية إنها مقحمة وفي بعض حروفة إنها زائدة زيادة معنوية ودع عنك قول الذي يستخف كلمة التأكيد فيرمي بها في كل موطن يظن فيها الزيادة لا يبالي أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد عليه فتصلح لتأكيده أو لا تكون ولا يبالي أن يكون بالموضع حاجة إلى هذا التأكيد أو لا حاجة له به أجل دع عنك هذا وذاك فإن الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها إنما هو ضرب من الجهل مستورا أو مكشوفا بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن وخذ نفسك أنت بالغوص في طلب أسراره البيانية على ضوء هذا المصباح فإن عمي عليك وجه الحكمة في كلمة منه أو حرف فإياك أن تعجل كما يعجل هؤلاء الظانون ولكن قل قولا سديدا هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف قل الله أعلم بأسرار كلامه ولا علم لنا إلا بتعليمه ثم إياك أن تركن إلى راحة اليأس فتقعد عن استجلاء تلك الأسرار","vol":"2","page":326},{"text":"قائلا: أين أنا من فلان وفلان كلا فرق صغير مفضول قد فظن إلى ما يفطن له الكبير الفاضل ألا ترى إلى قصة عمر في الأحجية المشهورة ١فجد في الطلب وقل رب زدني علما فعسى الله أن يفتح لك بابا من الفهم تكشف به شيئا مما عمي على غيرك والله ولي الذين آموا يخرجهم من الظلمات إلى النور.\nولنضرب لك مثلا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .\nأكثر أهل العلم قد ترادفت كلمتهم على زيادة الكاف بل على وجوب زيادتها في هذه الجملة فرارا من المحال العقلي الذي يفضي إليه بقاؤها على معناها الأصلي من التشبيه إذ رأوا أنها حينئذ تكون نافية التشبيه عن مثل الله فتكون تسليما بثبوت المثل له سبحانه أو على الأقل محتملة لثبوته وانتفائه لأن السالبة كما يقول علماء المنطق تصدق بعدم الموضع أو لأن النفي كما يقول علماء النحو قد يوجه٢ إلى المقيد وقيده جميعا تقول ليس لفلان ولد يعاونه إذا لم يكن له ولد قط أو كان له ولد لا يعاونه وتقول ليس محمد أخا لعلي إذ كان أخا لغير علي أو لم يكن أخا لأحد وقليل منهم من ذهب إلى انه لا بأس ببقائها على أصلها إذ رأى أنها لا تؤدي إلى ذلك المحال لا نصا\n_________\n١ قرأ النبي ﷺ. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية ٢٤ سورة إبراهيم \"١٤\" وقال: \"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها لمثل المسلم. فحدثوني ما هي؟ \" فخفى على القوم علمها وجعلوا يذكرون أنواعا من شجر البادية. وفهم ابن عمر أنها النخلة وكان عاشر عشرة هو أحدثهم سنا وفيهم أبو بكر وعمر فقال ﷺ: \"هي النخلة\" الحديث رواه الشيخان. وفي القرآن: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الآية ٧٩ من سورة الأنبياء \"٢١\".\n٢ لعل تمام الكلام: أو ل، النفي – كما يقول علماء النحو – قد يوجه إلى القيد وحده وقد يوجه إلى المقيد وقيده جميعا إلخ.","vol":"2","page":327},{"text":"ولا احتمالا لأن نفي مثل المثل يتبعه في العقل نفي المثل أيضا وذلك أنه لو كان هناك مثل لله لكان لهذا المثل مثل قطعا وهو الإله الحق نفسه فإن كل متماثلين يعد كلاهما مثلا لصاحبه وإذا لا يتم انتفاء مثل المثل إلا بانتفاء المثل وهو المطلوب.\nوقصارى هذا التوجيه لو تاملته أنه مصحح لا مرجح أي أنه ينفي الضرر عن هذا الحرف ولكنه لا يثبت فائدته ولا يبين مسيس الحاجة إليه ألست ترى أن مؤدي الكلام معه كمؤداه بدونه سواء وأنه إن كان قد ازداد به شيئا فإنما ازداد شيئا من التكلف والدوران وضربا من التعمية والتعقيد وهل سبيله إلا سبيل الذي أراد أن يقول هذا أخو فلان فقال هذا ابن أخت خالة فلان فماله إذا إلى القول بالزيادة التي يسترونها باسم التأكيد ذلك الاسم الذي لا نعرف له مسمى ها هنا فإن تأكيد المماثلة ليس مقصودا ألبتة وتأكيد النفي بحرف يدل على التشبيه هو من الإحالة بمكان.\nولو رجعت إلى نفسك قليلا لرأيت هذا الحرف في موقعه محتفظا بقوة دلالته قائما بقسط جليل من المعنى المقصود في جملته وأنه لو سقط منها لسقطت معه دعامة المعنى أو لتهدم ركن من أركانه ونحن نبين لك هذا من طريقين أحدهما أدق مسلكا من الآخر الطريق الأول وهو أدنى الطريقين إلى فهم الجمهور أنه لو قيل ليس مثله شيء لكان ذلك نفيا للمثل المكافئ وهو المثل التام المماثلة فحسب إذ إن هذا المعنى هو الذي ينساق إليه الفهم من لفظ المثل عند إطلاقه وإذا لدب إلى النفس دبيب الوساوس والأوهام أن لعل هنالك رتبة لا تضارع رتبة الألوهية ولكنها تليها وأن عسى أن تكون هذه المنزلة للملائكة والأنبياء أو للكواكب وقوى الطبيعة أو للجن والأوثان والكهان فيكون لهم بالإله الحق شبه ما في قدرته أو علمه وشرك ما في خلقه أو أمره فكان وضع هذا الحرف في الكلام إقصاء للعالم كله عن المماثلة وعما يشبه المماثلة وما يدنو منها كأنه قيل ليس هناك شيء يشبه أن يكون مثلا لله فضلا عن أن يكون مثلا له على الحقيقة وهذا باب من التنبيه بالأدنى على الأعلى على حد قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ نهيا عن يسير الأذى صريحا وعما فوق اليسير بطريق الأحرى.","vol":"2","page":328},{"text":"الطريق الثاني وهو أدق مسلكا أن المقصود الأول من هذه الجملة وهو نفي الشبيه وإن كان يكفي لأدائه أن يقال ليس كالله شيء أو ليس كمثله شيء لكن هذا القدر ليس هو كل ما ترمي إليه الآية الكريمة بل إنها كما تريد أن تعطيك هذا الحكم تريد في الوقت نفسه أن تلفتك إلى وجه حجتك وطريق برهانه العقلي.\nألا ترى أنك إذا أردت أن تنفي عن امرئ نقيصة في خلقه فقلت فلان لا يكذب ولا يبخل أخرجت كلامك عنه مخرج الدعوى المجردة عن دليلها فإذا زدت فيه كلمة فقلت مثل فلان لا يكذب ولا يبخل لم تكن بذلك مشيرا إلى شخص آخر يماثله مبرأ من تلك النقائص بل كان هذا تبرئة له هو ببرهان كلي وهو أن من يكون على مثل صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك لوجود التنافي بين طبيعة هذه الصفات وبين ذلك النقص الموهوم.\nعلى هذا المنهج البليغ وضعت الآية الكريم الحكيمة قائلة مثله تعالى لا يكون له مثل تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه فلا جرم جيء فيها بلفظين كل واحد منهما يؤدي معنى المماثلة ليقوم أحدهما ركنا في الدعوى والآخر دعامة لها وبرهانا فالتشبيه المدلول عليه بالكاف لما تصوب إليه النقي تأدى به أصل التوحيد المطلوب ولفظ المثل المصرح به في مقام لفظ الجلالة أو ضميره نبه على برهان ذلك المطلوب.\nواعلم أن البرهان الذي ترشد إليه الآية على هذا الوجه برهان طريف في إثبات وحده الصانع لا نعلم أحدا من علماء الكلام حام حوله فكل براهينهم في الوحدانية قائمة على إبطال التعدد بإبطال لوازمه وآثاره العلمية حسب ما أرشد إليه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ .\nأما آية الشورى المذكورة فإنها ناظرة إلى معنى وراء ينقض فرض التعدد من","vol":"2","page":329},{"text":"أساسه ويقرر استحالته الذاتية في نفسه بقطع النظر عن تلك الآثار فكأننا بها تقول لنا:\nإن حقيقة الإله ليس من تلك الحقائق التي تقبل التعدد والاشتراك والتماثل في مفهومها كلا فإن الذي يقبل ذلك إنما هو الكمال الإضافي الناقص أما الكمال التام المطلق الذي هو قوام معنى الإلهية فإن حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنينية لأنك مهما حققت معنى الإلهية حققت تقدما على كل شيء وإنشاء لكل شيء ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وحققت سلطانا على كل شيء وعلوا فوق كل شيء ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضت إذ تجعل كل واحد منهما سابقا مسبوقا ومنشئا ومنشأ ومستعليا مستعلى عليه أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيد فيهما إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقا ولا مستعليا فأنى يكون كل منهما إلها وللإله المثل الأعلى؟!.\nأرأيت كم أفدنا من هذه الكاف وجوها من المعاني كلها شاف كاف فاحفظ هذا المثال وتعرف به دقة الميزان الذي وضع عليه النظام الحكيم حرفا حرفا اهـ وهو كلام جد نفيس فاحرص عليه.","vol":"2","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>الشبهات الواردة على أسلوب القرآن</span>\nتنمر أعداء الله على القرآن وألقوا في طريق الإيمان به حبالا وعصيا من التخييلات والأوهام من ذلك شبهات لفقوها ووجهوها إلى أسلوبه وهي مع التوائها وخبثها تراها مفضوحة منقوضة في هذا الكتاب \"بالجزء الأول، من ص ٧٢ – ٧٤ ومن صفحة ١٩٩ – ٢٣٢ بالطبعة\" فارجع إلى ذلك هناك والله يتولى بتوفيقه هدانا وهداك وهو حسبنا ونعم الوكيل.","vol":"2","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المبحث السابع عشر: في إعجاز القرآن وما يتعلق به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>مدخل</span>\n...\nالمبحث السابع عشر: في إعجاز القرآن وما يتعلق به\nإعجاز القرآن مركب إضافي معناه بحسب أصل اللغة إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به فهو من إضافة المصدر لفاعله والمفعول وما تعلق بالفعل محذوف للعلم به والتقدير إعجاز القرآن خلق الله عن الإتيان بما تحداهم به ولكن التعجيز المذكور ليس مقصودا لذاته بل المقصود لازمه وهو إظهار أن هذا الكتاب حق وأن الرسول ﷺ الذي جاء به رسول صدق وكذلك الشأن في كل معجزات الأنبياء ليس المقصود بها تعجيز الخلق لذات التعجيز ولكن للأزمة وهو دلالتها على أنهم صادقون فيما يبلغون عن الله فينتقل الناس من الشعور بعجزهم إزاء المعجزات إلى شعورهم وإيمانهم بأنها صادرة عن الإله القادر لحكمة عالية وهي إرشادهم إلى تصديق من جاء بها ليسعدوا باتباعه في الدنيا والآخرة\nولقد تناولنا في المبحث الثالث من هذا الكتاب الكلام على المعجزة ما هي وعلى الفرق بينهما وبين السحر وغير وعلى وجه دلالتهما على تأييد الحق وتصديق الرسل مع ضرب الأمثال ونقض الشبهات فارجع إلى ذلك هناك \"ص ٥٦ – ٨٤ من الجزء الأول\".\nوقبل أن نخوض في موضوعنا هذا ننبهك إلى أننا سنختص سيدنا محمدا ﷺ بالذكر في نفي نسبة القرآن إليه وذلك للتنصيص من أول الأمر على ما يشبه محل النزاع أو موضع الاشتباه عند كثير من أشباه الناس ولأنه إذا كانت طبيعة القرآن تأبى أن ينسب إلى أفضل الخلق على أنه من تأليفه فأحر بها أن تأبى نسبته إلى غيره بالطريق الأولى ومتى سلم الدليل على أن القرآن كلام الله وحده سلمت نبوة نبي الإسلام وسلم كل ما جاء به القرآن وسلم الإسلام كله بل سلمت الأديان الصحيحة والكتب الإلهية كلها؛","vol":"2","page":331},{"text":"لأنه لم يبق على وجه الأرض شاهد مقبول الشهادة إلا هذا الكتاب الذي أنزله الله مقررا لنبوة الأنبياء السابقين وأديانهم ومصححا لأغلاط اللاغطين فيها والمحرفين لها ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ .\nالله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أهدى وأقوم قيلا\nلا تذكروا الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفئ القنديلا","vol":"2","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>وجوه إعجاز القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>الوجه الأول لغته وأسلوبه</span>\nالناظر في هذا الكتاب الكريم بإنصاف تتراءى له وجوه كثيرة مختلفة من الإعجاز كما تتراءى للناظر إلى قطعة من الماس ألوان عجيبة متعددة بتعدد ما فيها من زوايا وأضلاع ومختلفة باختلاف ما يكون عليه الناظر وما تكون عليه قطعة الماس من الأوضاع وسنبدأ بما نراه سليما من المطاعن ثم نقفي بما لا يسلم في نظرنا من طعن.\nأما الوجه الأول فلغته وأسلوبه على نحو ما فصلناه في المبحث السابق وبيان ذلك أن القرآن جاء بهذا الأسلوب الرائع الخلاب الذي اشتمل على تلك الخصائص العليا التي تحدثنا عنها والتي لم تجتمع بل لم توجد خاصة واحدة منها في كلام على نحو ما وجدت في القرآن وكل ما كان من هذا القبيل فهو لا شك معجز خصوصا أن النبي ﷺ تحدى به فأعجز أساطين الفصحاء وأعيا مقاويل البلغاء وأخرس ألسنة فحول البيان من أهل صناعة اللسان وذلك في عصر كانت القوى فيه قد توافرت على الإجادة والتبريز في هذا الميدان وفي أمة كانت مواهبها محشودة للتفوق في هذه الناحية وإذا كان أهل الصناعة هؤلاء قد عجزوا عن معارضة القرآن فغيرهم أشد عجزا وأفحش عيا.\nوها قد مرت على اللغة العربية من عهد نزول القرآن إلى عصرنا هذا أدوار مختلفة","vol":"2","page":332},{"text":"بين علو ونزول واتساع وانقباض وحركة وجمود وحضارة وبداوة والقرآن في كل هذه الأدوار واقف في عليائه يطل على الجميع من سمائه وهو يشع نورا وهداية ويفيض عذوبة وجلالة ويسيل رقة وجزالة ويرف جدة وطلاوة ولا يزل كما كان غضا طريا يحمل راية الإعجاز ويتحدى أمم العالم في يقين وثقة قائلا في صراحة الحق وقوته وسلطان الإعجاز وصولته ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .\nالقدر المعجز من القرآن\nومن عجيب أمر هذا القرآن وأمر هؤلاء العرب أنه طاولهم في المعارضة وتنازل لهم عن التحدي بجميع القرآن إلى التحدي بعشر سور مثله ثم إلى التحدي بسورة واحدة من مثله وهم على رغم هذه المطاولة ينتقلون من عجز إلى عجز ومن هزيمة إلى هزيمة وهو في كل مرة من مرات هذا التحدي وهذه المطاولة ينتقل من فوز إلى فوز ويخرج من نصر إلى نصر.\nتصور أنه قال لهم في سورة الطور أول ما تحداهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ؟ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ فلما انقطعوا مد لهم في الحبل وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فلما عجزوا هذه المرة أيضا طاولهم مرة أخرى وأرخى لهم الحبل إلى آخره وقال في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ فكان عجزهم بعد ذلك أشنع وأبشع وسجل الله عليهم الهزيمة أبد الدهر فلم يفعلوا ولن يفعلوا ودحضت","vol":"2","page":333},{"text":"حجتهم وافتضح أمرهم وظهر أمر الله وهم كارهون.\nبهذا يتبين لك أن القدر المعجز من القرآن هو ما يقدر بأقصر سورة منه وأن القائلين بأن المعجز هو كل القرآن لا بعضه وهم المعتزلة والقائلين بأن المعجز كل ما يصدق عليه أنه قرآن ولو كان أقل من سورة كل أولئك بمنأى عن الصواب وهم محجوجون بما بين يديك من الآيات.\nمعارضة القرآن\nوهل أتاك نبأ الخصم إذ هموا أن يعارضوا القرآن؟ فكان ما أتوا به باسم المعارضة لا يخرج عن أن يكون محاولات مضحكة مخجلة أخجلتهم أمام الجماهير وأضحكت الجماهير منهم فباؤوا بغضب من الله وسخط من الناس وكان مصرعهم هذا كسبا جديدا للحق وبرهانا ماديا على أن القرآن كلام الله القادر وحده لا يستطيع معارضته إنسان ولا جان ومن ارتاب فأمامه الميدان.\nيذكر التاريخ أن مسيلمة الكذاب رغم أنه أوحي إليه بكلام كالقرآن ثم طلع على الناس بهذا الهذر إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر وبهذا السخف والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا وأنت خبير بأن مثل ذلك الإسفاف ليس من المعارضة في قليل ولا كثير وأين محاكاة الببغاء من فصاحة الإنسان وأين هذه الكلمات السوقية الركيكة من ألفاظ القرآن الرفيعة ومعانيه العالية وهل المعارضة إلا الإتيان بمثل الأصل في لغته وأسلوبه ومعانيه أو بأرقى منه في ذلك؟\nيقول حجة الأدب العربي فقيدنا الرافعي عليه سحائب الرحمة إن مسيلمة لم يرد أن يعرض للقرآن من ناحية الصناعة البيانية إذ كانت هذه الناحية أوضح من أن يلتبس أمرها عليه أو أن يستطيع تلبيسها على أحد من العرب وإنما أراد أن يتخذ سبيله إلى استهواء قومه من ناحية أخرى ظنها أهون عليه وأقرب تأثيرا في نفوسهم ذلك أنه رأى معرب تعظم","vol":"2","page":334},{"text":"الكهان في الجاهلية وكانت عامة أساليب الكهان من هذا السجع القلق الذي يزعمون أنه من كلام الجن كقولهم يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله البخاري في المناقب إسلام عمر فكذلك جعل يطبع مثل هذه الأسجاع في محاكاة القرآن ليوهمهم أنه يوحى إليه كما يوحى إلى محمد كأنما النبوة والكهانة ضرب واحد على أنه لم يفلح في هذه الحيلة أيضا فقد كان كثيرون من أشياعه يعرفونه بالكذب والحماقة ويقولون إنه لم يكن في تعاطيه الكهانة حاذقا ولا في دعوى النبوة صادقا وإنما كان اتباعهم إياه كما قال قائلهم كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر.\nويروي التاريخ أن أبا العلاء المعري وأبا الطيب المتنبي وابن المقفع حدثتهم نفوسهم مرة أن يعارضوا القرآن فما كادوا يبدؤون هذه المحاولة حتى انتهوا منها بتكسير أقلامهم وتمزيق صحفهم لأنهم لمسوا بأنفسهم وعورة الطريق واستحالة المحاولة وأكبر ظني وظن الكاتبين من قبلي أنهم كان يعتقدون من أعماق قلوبهم بلاغة القرآن وإعجازه من أول الأمر وإنما أرادوا أن يضموا دليلا جديدا إلى ما لديهم من أدلة ذاقوها بحاستهم البيانية من باب ولكن ليطمئن قلبي ويا ليت شعري إن لم يتذوق أمثال هؤلاء بلاغة القرآن وإعجازه فمن غيرهم؟!\nوتحدثنا الأيام القريبة أن زعماء البهائية والقاديانية وضعوا كتبا يزعمون أنهم يعارضون بها القرآن ثم خافوا وخجلوا أن يظهروها للناس فأخفوها ولكن على أمل أن تتغير الظروف ويأتي على الناس زمان تروج فيه أمثال هذه السفاسف إذ ما استحر فيهم الجهل باللغة العربية آدابها والدين الإسلامي وكتابه ألا خيبهم الله وخيب ما يأملون.\nفي القرآن آلاف المعجزات\nعلمنا من قبل أن القرآن يزيد على مائتي آية وستة آلاف آية وعلمنا اليوم أن حبل التحدي قد طال حتى صار بسورة وان السورة تصدق بسورة الكوثر وهي ثلاث آيات","vol":"2","page":335},{"text":"قصار وأن مقدارها من آية أو آيات طويلة له حكم السورة وان لأسلوب التنزيل سبع خواص لا توجد واحدة منها على كمالها في أي كلام آخر كما بسطنا القول في ذلك بالمبحث الآنف فيخلص لنا في ضوء هذه الحقائق أن القرآن مشتمل على آلاف من المعجزات لا معجزة واحدة كما يبدو لبعض السذج والسطحيين وإذا أضفنا إلى هذا ما يحمل القرآن من وجوه الإعجاز التالية تراءت لنا معجزات متنوعات شتى تجل عن الإحصاء والتعداد وسبحان من يجعل من الواحد كثرة ومن الفرد أمة! ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ أي لكان هذا القرآن!.\nمعجزات القرآن خالدة\nوهنا نلفت النظر إلى أن القرآن بما اشتمل عليه من هذه المعجزات الكثيرة قد كتب له الخلود فلم يذهب بذهاب الأيام ولم يمت بموت الرسول ﵊ بل هو قائم في فم الدنيا يحاج كل مكذب ويتحدى كل منكر ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من هداية الإسلام وسعادة بني الإنسان ومن هذا يظهر الفرق جليا بين معجزات نبي الإسلام ﷺ ومعجزات إخوانه الأنبياء عليهم أزكى الصلاة وأتم السلام فمعجزات محمد في القرآن وحده آلاف مؤلفة وهي متمتعة بالبقاء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم حتى يرث الله الأرض ومن عليها أما معجزات سائر الرسل فمحدودة العدد قصيرة الأمد ذهبت بذهاب زمانهم وماتت بموتهم ومن يطلبها الآن لا يجدها إلا في خبر كان ولا يسلم له شاهد بها إلا هذا القرآن وتلك نعمة يمنها القرآن على سائر الكتب والرسل وما صح من الأديان كافة قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ وقال عز اسمه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ .","vol":"2","page":336},{"text":"حكمة بالغة في هذا الاختيار\nوهنا نقف هنيهة لنعلم أن حكمة الله البالغة قضت أن تكون معجزة الإسلام باقية بجانبه تؤيده وتعززه إلى قيام الساعة حتى لا يكون لأحد عذر في ترك هذا الدين الأخير الذي هو خاتمة الأديان والشرائع لذلك اختار سبحانه أن تكون معجزة الإسلام شيئا يصلح للبقاء فكانت دون سواها كلاما يتلى في أذن الدهر وحديث يقرأ على سمع الزمان وكان من أسرار الإعجاز فيه بلوغه من الفصاحة والبيان مبلغا يعجز الخلق أجمعين وكان من عدله تعالى ورحمته أن اللغة التي صيغت بها هذه المعجزة هي اللغة العربية دون غيرها من اللغات لأن اللغة العربية حين مبعث الرسول ﷺ كانت قد بلغت لدى الشعب العربي أوج عظمتها من الاعتناء بها والاعتداد بالنابغين فيها والاعتزاز بالجيد منها وكان هذا الشعب العربي قد استكملت له حينذاك ملكة في النقد والمفاضلة تؤهله بسهولة ويسر للحكم على جيد الكلام وزيفه ووضع كل كلام في درجته من العلو أو النزول وترجع براعتهم في هذه الناحية إلى أنهم كانوا قد وقفوا عليها حياتهم والتمسوا من ورائها عظمتهم وعلقوا عليها آمالهم.\nولا يغيبن عنك أن هذا الشعب العربي كان مطبوعا أيامئذ على الصراحة في الرأي لا يعرف النفاق ولا الذبذبة وكانوا فوق ذلك شجعانا يأنفون الذل ويعافون الضيم مهما كلفتهم سجاياهم هذه من بذل مال وسفك دم فلما نزل القرآن لم يسع هذا الشعب الحر الصريح الأبي المتمهر في لغته إلا أن يلقي السلاح من يده ويخضع لسلطان هذا التنزيل وبلاغته ويدين له ويؤمن به عن إدراك ووجدان بعد أن ذاق حلاوته ولمس إعجازه وحكم بملكته العربية الناقدة وصراحته المعروفة السافرة وشجاعته النادرة الفائقة أن هذا الذكر الحكيم لا يمكن أن يكون كلام مخلوق من البشر ولا غير البشر إنما هو تنزيل من حكيم حميد","vol":"2","page":337},{"text":"بهذه الشهادة ينجح العالم كله\nشهادة هذا شانها وهذا شان من شهد بها جديرة أن ينجح بها العالم حين يتلقاها بالقبول كما يتلقى بالقبول شهادة لجان التحكيم في هذا العصر ثقة منه بأنهم فنيون يحسنون المقارنة والموازنة واطمئنانا إلى انهم عادلون لا يعرفون المحاباة والمداهنة بل شهادة أولئك العرب أزكى وأطهر وأحكم وأقوم لأنها صدرت عن أعداء القرآن حين نزوله بعد محاولات ومصاولات مخضتهم مخضا عنيفا وأفحمتهم إفحاما مريرا والفضل ما شهدت به الأعداء.\nأسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي\nومما يفيد في هذا المقام ويدفع التلبيس أن تعرف بعد ما بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي الشريف ولا أدل على ذلك من أن بين يدي التاريخ إلى يوم الناس هذا آلافا مؤلفة من كتب السنة تملأ دون الكتب في الشرق والغرب وتنادي كل من له إلمام وذوق في البيان العربي أن هلم لتحس بحاستك البيانية المدى البعيد بين أسلوبي القرآن والحديث ولتؤمن عن وجدان بأن أسلوب التنزيل أعلى وأجل من أسلوب الأحاديث النبوية علوا خارقا للعادة خارجا عن محيط الطاقة البشرية وإن بلغ كلام الرسول ﷺ في جودته وروعته وجلالته ما جعله خير بيان لخير إنسان.\nغير أن هذه الفوارق كما قلنا فوارق فنية لا يدركها إلا الذين أوتوا حظا عظيما من معرفة اللسان العربي والذوق العربي ولقد نزل القرآن أول ما نزل على أمة العرب وهم مطبوعون على اللغة الفصحى منقطعون لإحيائها وترقيتها وكانوا يتفاضلون بينهم بالتفوق في علو البيان وفصاحة اللسان حتى بلغ في تقديسهم لهذا أنهم كانوا يقيمون المعارض العامة للتفاخر والتفاضل بفصيح المنظوم وبليغ المنثور وحتى إن القبيلة كان يرفعها بيت","vol":"2","page":338},{"text":"واحد من الشعر يكون رائعا في مدحها ويضعها بيت يكون لاذعا في ذمها ولقد كان هؤلاء العرب يعرفون نبي الإسلام ويعرفون مقدرته الكلامية من قبل أن يوحى إليه فلم يخطر ببال منصف منهم أن يقول إن هذا القرآن كلام محمد وذلك لما يرى من المفارقات الواضحة بين لغة القرآن ولغة الرسول ﷺ ﵊.\nيضاف إلى هذا أنه لم يعرف في نشأته بينهم بالخطابة ولا بالكتابة ولا بالشعر ولم يؤثر أنه شاركهم في معارضهم وأسواقهم العامة التي كانوا يقيمونها للتسابق في البيان بل كان مقبلا على شأنه زاهدا في الظهور ميالا إلى العزلة وكل ما اشتهر به قبل النبوة أنه كان صادقا لم يجربوا عليه كذبا أمينا ما خان أبدا ميمون النقيبة عالي الأخلاق علوا ممتازا فهل يعقل أن رجلا سلخ عهد شبابه وكهولته على هذا النمط يجيء في سن الشيخوخة فينافس العالم كله ويتحداه بشيء من لدنه وهو الذي ما نافس أحدا قبل ذلك ولا تحداه بل كان من خلقه الحياء والتواضع وعدم الاستطالة على خلق الله ثم هل يتصور أن هذا الإنسان الكامل يتورع عن الكذب على الناس في صباه وشبابه وكهولته ثم يجيء في سن الشيخوخة فيكذب أفظع الكذب على الله؟ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ .\nألا إن وجود القرآن كلاما متلوا لم ينقص كلمة ولا حرفا لرحمة واسعة من الله بعباد لم تتسن لأي كتاب في أمة غير هذا الكتاب الذي ينهل الظامئون من بحره الروي في كل عصر ويأوي المنصفون إلى هدية الرباني في كل مصر ويكتسب بما فيه من سمات الألوهية أتباعا في كل أفق مصداقا لقوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ولقوله ﷺ: \"ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما","vol":"2","page":339},{"text":"كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة\" رواه الشيخان.","vol":"2","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>الوجه الثاني: طريقة تأليفه</span>\nوبيان ذلك أن القرآن لم ينزل جملة واحدة وإنما نزل مفرقا منجما على أكثر من عشرين عاما على حسب الوقائع والدواعي المتجددة كما تقدم بيانه في المبحث الثالث من هذا الكتاب وكان الرسول ﷺ كلما نزل عليه نجم من تلك النجوم قال ضعوه في مكان كذا من سورة كذا وهو بشر لا يدري طبعا ما ستجيء به الأيام ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث فضلا عما سينزل فيها ثم مضى العمر الطويل والرسول على هذا العهد وإذا القرآن كله بعد ذلك يكمل ويتم وينتظم ويتآخى ويأتلف وينسجم ولا يؤخذ عليه شيء من التخاذل والتفاوت بل كان من ضروب إعجازه ما فيه من انسجام ووحده وترابط حتى إن الناظر فيه دون أن يعلم بتنجيم نزوله لا يخطر على باله أنه نزل منجما وحتى إنك مهما أمعنت النظر وبحثت لا تستطيع أن تجد فرقا بين السور التي نزلت جملة والسور التي نزلت منجمة من حيث إحكام الربط في كل منهما فسورة البقرة مثلا وقد نزلت بضعة وثمانين نجما في تسع سنين١ لا تجد فرقا بينها وبين سورة الأنعام التي نزلت دفعة واحدة كما.\nيقول الجمهور٢ من حيث\n_________\n١ وجه نزولها في تسع سنين أنها جمعت بين ما نزل في مبادئ السنة الثانية للهجرة كآيات تحويل القبلة وآيات تشريع صوم رمضان وبين آخر القرآن نزولا على الإطلاق وهو آية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ التي ورد أنها نزلت قبل وفاته ﷺ بتسع ليالي فقط.\n٢ رواه الطبراني موقوفا على ابن عباس ورواه أبي بن كعب مرفوعا بسند ضعيف.","vol":"2","page":340},{"text":"نظام المبنى ودقة المعنى وتمام الوحدة الفنية وإذا قرأت سورة الضحى وسورة اقرأ وسورة الماعون لا تشعر بفارق بينها وبين كثير من السور القصار مثلها من حيث الإحكام والوحدة والانسجام كذلك على حين أن تلك السور الثلاث نزلت كل واحدة منها مفرقة على نجمين فقل لي بربك هل يجوز في عقل عاقل أن يكون هذا القرآن كلام محمد أو غير محمد مع ما علمت من هذا الانفصال الزماني البعيد بين أول ما نزل وآخره ومع ما علمت من ارتباط كل نجم بحادثة من أحداث الزمن ووقائعه ومع ما علمت من أن ترتيب هذه النجوم في القرآن ليس على ترتيب هذا النزول الخاضع للحدثان بدليل أن أول ما نزل من القرآن إطلاقا وهو صدر سورة اقرأ مدون بالمصحف في أواخره وبدليل أن آخر ما نزل منه إطلاقا وهو آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ مدون بالمصحف في أوائله؟؟\nإن كنت في شك من أن هذا الكتاب المحكم الرصين قد جاء في طريقة تأليفه معجزة فاجمع أهل الدنيا يظاهر بعضهم بعضا واطلب إليهم أن يؤلفوا لك كتابا في حجم سورة البقرة لا في حجم سورة القرآن كله لكن على شرط أن تكون طريقة تأليفه هي الطريقة التي خضعت لها سورة البقرة من الارتباط بأحداث الزمن ووقائعه ومن وضع هذه النجوم مبعثرة غير مرتبة في الكتاب بترتيب الأحداث والوقائع ثم من تمام هذا الكتاب أخيرا على وحدة فنية تربط بين بداياته ونهاياته وأوساطه وسائر أجزائه؟ فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا فاطلب إليهم أن يعمدوا مثلا إلى حديث النبي ﷺ وهو ما هو في روعته وبلاغته وطهره وسموه وقد قاله الرسول ﷺ في أوقات مختلفة واسألهم بعد ذلك هل في مكنتهم أن ينظموا من هذا السرد الشتيت الماثل أمامهم كتابا واحدا يصقله الاسترسال والوحدة كالقرآن من غير أن ينقصوا منه أو يتزيدوا عليه أو يتصرفوا فيه؟؟ ذلك ما لن يكون ولا يمكن أن يكون ومن حاوله من الخلق فإنما يحاول العبث العابث وسيخرج إلى","vol":"2","page":341},{"text":"الناس من هذه المحاولة بثوب مرقع وكلام مشوش ينقصه الترابط والانسجام وتعوزه الوحدة والاسترسال وتمجه الأسماع والأفهام!\nإذن فالقرآن الكريم تنطق طريقة تأليفه بأنه لا يمكن أن يكون صادرا إلا ممن له السلطان الكامل على الفلك ودورته والعلم المحيط بالزمن وحوادثه والبقاء السرمدي حتى يبلغ مراده وينفذ مشيئته ذلكم الله وحده الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض والذي يعلم الغيب في السموات وفي الأرض والذي لا يذوق الموت ولا تأخذه سنة ولا نوم لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الوجه الثالث: علومه ومعارفه</span>\nبيان ذلك أن القرآن قد اشتمل على علوم ومعارف في هداية الخلق إلى الحق بلغت في نباله القصد ونصاعة الحجة وحسن الأثر وعموم النفع مبلغا يستحيل على محمد وهو رجل أمي نشأ بين الأميين أن يأتي بها من عند نفسه بل يستحيل على أهل الأرض جميعا من علماء وأدباء وفلاسفة ومشترعين وأخلاقيين أن يأتوا من تلقاء أنفسهم بمثلها هذا هو التنزيل الحكيم تقرؤه فإذا بحر العلوم والمعارف متلاطم زاخر وإذا روح الإصلاح فيه قوي قاهر ثم إذا هو يجمع الكمال من أطرافه فبينا تراه يصلح ما أفسده الفلاسفة بفلسفتهم إذ تراه يهدم ما تردى فيه الوثنيون بشركهم وبينا تراه يصحح ما حرفه أهل الأديان في دياناتهم إذ تراه يقدم للإنسانية مزيجا صالحا من عقيدة راشدة ترفع همة العبد وعبادة قويمة تطهر نفس الإنسان وأخلاق عالية تؤهل المرء لأن يكون خليفة الله في الأرض وأحكام شخصية ومدنية واجتماعية تكفل حماية المجتمع من الفوضى والفساد وتضمن له حياة الطمأنينة والنظام والسلام والسعادة دينا قيما يساوق الفطرة ويوائم الطبيعة ويشبع حاجات القلب والعقل ويوفق بين مطالب الروح والجسد ويؤلف بين مصالح الدين والدنيا ويجمع بين عز الآخرة والأولى كل ذلك في قصد واعتدال،","vol":"2","page":342},{"text":"وببراهين واضحة مقنعة تبهر العقل وتملك اللب والكلام على هذه التفاصيل يستنفد مجلدا بل مجلدات فلنجتزئ هنا بأمثلة وإشارات ولنخترها في موضوع العقائد التي هي واحدة في جميع أديان الله بحسب أصلها قبل التعريف ولنتعرض في هذه الأمثلة إلى شيء من المقارنة بين تعاليم الإسلام تعاليم واليهود والنصارى على عهد نزوله ثم إلى شيء من رد القرآن عليهم وتصحيحه لأغلاطهم وفضحه لأباطيلهم ومقصدنا من هذا قطع ألسنة خراصة زعم أصحابها أن تعاليم القرآن استمدها محمد من بعض أهل الكتاب في عصره ثم نسبها إلى ربه ليستمد من هذه النسبة قدسيتها ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .\nأ - أمثلة من عقيدة الإيمان بالله:\n١ - جاء في القرآن بالعقيدة في الله بيضاء نقية نزهة فيها عن جميع النقائص نص على استحالة الولد وكل ما يشعر بمشابهة الخالق بالمخلوق ووصف الله بالكمال المطلق ونص على وحدانيته في ربوبيته ووحدانيته في ألوهيته بمعنى أنه أحد في تدبير خلقه وأحد في استحاقة العبادة دون غيره أم تر أنه يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ويقول: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ويقول: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ ويقول: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ويقول: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ويقول: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ويقول: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ويقول ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾","vol":"2","page":343},{"text":"﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ويقول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ . ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ إلى غير ذلك وهو جد كثير.\n٢ - وضل اليهود بعد موسى فعبدوا بعلا وزعموا في عهد من عهودهم ما زعمت النصارى من أن لله ابنا وشبهوا الله تعالى بالإنسان فنعتوه بأنه تعب من خلق السماوات والأرض فاستراح يوم السبت وركبوا رؤوسهم فقالوا إنه سبحانه ظهر في شكل إنسان وصارع إسرائيل فلم يقدر على التفلت منه حتى باركه فأطلقه إلى غير ذلك من أغلاطهم وفضائحهم.\n٣ - وضل النصارى بعد عيسى فذهبوا إلى عقيدة معقدة من التثليث وصارت كنائسهم من عهد قسطنطين كهياكل الوثنية الأولى وخلعوا على رجال كهونتهم ما هو حق الله وحده من التشريع والتحليل والتحريم حتى تعزى بهم وثنيو العرب ورأوا أنهم امثل من هؤلاء المسيحيين في الوثنية ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ وقالوا ءألهتنا خير أم هو ثم احتجوا على شركهم بأنهم ما سمعوا دعوة التوحيد الذي جاء به الإسلام في الملة الآخرة ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي النصرانية.\n٤ - فانظر مدى البون الشاسع بين الحق الذي جاء به القرآن في هذا الباب وبين الباطل الذي جاء به هؤلاء وهؤلاء على أن كتاب الله لم يكتف بذلك بل رد على المبطلين ببراهينه الساطعة وأدلته القاطعة استمع إليه وهو يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ويقول:","vol":"2","page":344},{"text":"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ويقول: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ويقول: ﴿َبدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ويقول في نفي التعب الذي افتراه اليهود على الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ويقول نعيا عليهم في عبادة بعل: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ ويقول: نعيا عليهم في فرية أخرى: ﴿َقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ويقول في نفي البنوة التي زعموها لله هم والنصارى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .\nب - أمثلة من عقيدة البعث والجزاء:\n١ - جاء القرآن بعقيدة البعث بعد الموت واضحة شاملة للروح والجسد عادة لا ظلم","vol":"2","page":345},{"text":"فيها ولا محاباة مقسطة لا شفاعة هتاك بالمعنى الفاسد ولا فداء عامة لا فضل لجنس ولا لطائفة ولا لشخص إلا بالتقوى اقرأ إن شئت قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا وقوله: أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .\n٢ - وضل اليهود فزعموا أنهم الشعب المختار من بين شعوب الأرض وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة هي مدة عبادتهم العجل أربعين يوما.\n٣ - وضل النصارى فزعموا أيضا أنهم أبناء الله وأحباؤه وذهبوا مذهب الهنود في كرشنة أنه قتل وصلب ليخلص الإنسان ويفديه من الخطيئة فهو المخلص الفادي الذي يخلص الناس من عقوبة الخطايا ويفديهم بنفسه وهو الأقنوم الثاني من الثالوث الإلهي الذي هو عين الأول والثالث وكل منهما عين الآخر كذلك قال الهنود في كرشنة ثم جاء مخرفة النصارى فتابعوهم على هذا الخيال الفاسد الذي تأباه العقول والطباع ولا يتفق وعدل الله وحكمته في الجزاء والمسؤولية ولم يستطع الخابطون في الضلال أن يروجوه في ضحاياهم إلا بترويضهم عليه من عهد الصغر وتنشئتهم على سماعه واعتقاده من غير بحث ولا نظر بل قالوا اعتقد وأنت أعمى.\n٤ - وضل نساك النصارى فتابعوا الهنود أيضا في احتقار اللذات المادية وفي","vol":"2","page":346},{"text":"تربية النفوس على الحرمان وتعذيب الجسد وزادوا الطين بلة فقالوا إن البعث روحاني مجرد عن إعادة الجسم مخدوعين بتلك النظرية الفلسفية الخاطئة وهي احتقار اللذات المادية وذمهم إياها بأنها حيوانية وغاب عنهم أنها لا تكون نقصا إلا إذا سخر الإنسان عقله وقواه لها وأسرف فيها إسرافا يشغله عن اللذات العقلية والروحية القائمة على العلم النافع والعمل الصالح أما إذا اعتدل فيها ووفق بين المطالب الروحية والجسمية فتلك مفخرة للإنسان وميزة لنوع الإنسان بها صار عالما عجيبا جمع بين روحانية الملائكة وجثمانية الحيوان والنبات وقد خلقه الله في الدنيا مظهرا من مظاهر إبداعه واقتداره فكيف ينقص ملكوت الآخرة هذا المظهر العجيب على حين أن الآخرة هي دار العجائب والغرائب فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟! \" ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .\n٥ - وكذلك ضل متطرفة اليهود فعكسوا الأمر وأفرطوا في حب المادة حتى أحلوا لأنفسهم جمعها من أي طريق وبالغوا في استنزاف دماء العالم بالربا وأكل أموال الناس بالباطل وظنوا أن لا جناح عليهم إذا رزؤوا أي عنصر غريب عنهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ .\n٦ - ولكن القرآن قد جاء يرد هؤلاء وهؤلاء إلى جادة الاعتدال ووقف موقفا وسطا يرجع إليه المغالي وينتهي إليه المقصر فأعلن عقيدته في وضوح على نحو ما ذكرنا وتناول أخطاءهم المذكورة بالإصلاح والتقويم فقال في معرض الرد على أنهم الشعب المختار: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وقال في هذا المعرض أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وقال أيضا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ","vol":"2","page":347},{"text":"مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ قال في معرض الرد على فرية أنهم أبناء الله وأحباؤه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وقال في تفنيد ما زعموه من أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وقال في تكذيب ما زعموا من قتل عيسى وصلبه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ . وقال في دحض عقيدة الفداء: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ .\nوقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ونزلت سورة المسد تسجل العذاب على عم من أعمام أفضل الخلق محمد ﷺ وذكر القرآن ما ذكر في ابن نوح ولم يطب القرآن نفسا بضلالة اعتقد وأنت أعمى بل حث على النظر والتفكر وحاكم العقائد والتعاليم الإسلامية إلى العقول السليمة ونعى على المقلدين تقليدا أعمى والأمر في هذا أظهر من أن تساق له أمثلة.\nوعالج القرآن شبهة احتقار اللذات المادية بالمعنى الذي أرادوه فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ وذم الرهبانية ومبتدعيها فقال:","vol":"2","page":348},{"text":"﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ وعاب على اليهود خيانتهم وظلمهم للشعوب فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين، إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ﴿وقالوَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى غير ذلك من آيات كثيرة في هذه المواضيع.\nوالذي نريد أن تفطن له هنا هو أن هداية القرآن كما رأيت هداية تامة عامة صححت معارف الفلاسفة المكبين على البحث والنظر كما صححت معارف الأميين ومن لا ينتمي إلى العلم بسبب وصححت أغلاط أهل الكتاب من يهود ونصارى كما صححت أغلاط مؤلهة الحجر وعبدة الوثن وإذن فليس يصح في الأذهان شيء إذا قيل إن هذه الهدايات القرآنية ليست وحيا من الله وإنما هي نابغة من نفس محمد الأمي الناشئ في الأميين وليس يصح في الأذهان شيء إذا قيل إنه ﷺ قد استقى هذه الهدايات من بعض أهل الكتاب الذين لقيهم في الجزيرة العربية ولو صح هذا لكانوا هم أولى منه بدعوى الرسالة والنبوة وكيف يصح هذا والقرآن هو الذي علمهم ما جهلوا من حقائق دينهم؟ وهل فاقد الشيء يعطيه؟. وحسبك ما قدمناه لك من تلك الأمثلة التي تتصل بأساس الأديان وصميم العقائد والتي تريك بالمنظار المكبر أن القرآن جالس على كرسي الأستاذية العليا للعالم كله يعلم اليهود والنصارى وغير اليهود والنصارى لا على مقعد التلمذة الدنيا يتلقف من هؤلاء وهؤلاء.","vol":"2","page":349},{"text":"فإن لم يكفك ما سمعت فدونك القرآن تصفحه وتجول في آفاقه وناهيك مثل قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومثل قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .\nوإن شئت أكثر من هذا فتأمل كيف أعلن الحق في صراحة أن بيانه لأهل الكتاب ما اختلفوا فيه هو من مقاصده الأولى إذ قال في سورة النحل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ هكذا قدم أنه بيان لما اختلف فيه الكتابيون قبل أن يقول: ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .\nوكذلك قال في سورة النمل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ .\nلقد لفت القرآن نفسه أنظار الناس إلى هذه الناحية من الإعجاز وأقام الدليل على أنه كلام الله ولا يمكن أن يكون كلام محمد إذ قال جلت حكمته في سورة العنكبوت: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ، وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ وإذ قال سبحانه مرة أخرى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ .","vol":"2","page":350},{"text":"ويرحم الله البوصيري في قوله:\nكفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم\nﷺ ومجد وعظم وشرف وكرم ورزقنا كمال الإيمان به وكمال اتباعه آمين.","vol":"2","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الوجه الرابع: وفاؤه بحاجات البشر</span>\nومعنى هذا أن القرآن الكريم جاء بهدايات تامة كاملة تفي بحاجات البشر في كل عصر ومصر وفاء لا تظفر به في أي تشريع ولا في أي دين آخر ويتجلى لك هذا إذا استعرضت المقاصد النبيلة التي رمى إليها القرآن في هدايته والتي نعرض عليك من تفاصيلها ما يأتي:\nأولا: إصلاح العقائد عن طريق إرشاد الخلق إلى حقائق المبدأ والمعاد وما بينهما تحت عنوان الإيمان بالله تعالى وملائكته ورسله واليوم الآخر.\nثانيا: إصلاح العبادات عن طريق إرشاد الخلق إلى ما يزكي النفوس ويغذي الأرواح ويقوم الإرادة ويفيد الفرد والمجموع منها.\nثالثا: إصلاح الأخلاق عن طريق إرشاد الخلق إلى فضائلهم وتنفيرهم من رذائلها في قصد واعتدال وعند حد وسط لا إفراط فيه ولا تفريط.\nرابعا: إصلاح الاجتماع عن طريق إرشاد الخلق إلى توحيد صفوفهم ومحو العصبيات وإزالة الفوارق التي تباعد بينهم وذلك بإشعارهم أنهم جنس واحد من نفس واحدة ومن عائلة واحدة أبوهم آدم وأمهم حواء وأنه لا فضل لشعب على شعب ولا لأحد على أحد إلا بالتقوى وأنهم متساوون أمام الله ودينه وتشريعه متكافئون في الأفضلية وفي الحقوق والتبعات من غير استثناءات ولا امتيازات وأن الإسلام عقد إخاء بينهم أقوى من إخاء النسب والعصب وأن لسانهم العام هو لسان هذا الدين ولسان كتابه لغة العرب وأنهم أمة واحدة يؤلف بينها المبدأ ولا تفرقها الحدود الإقليمية ولا الفواصل","vol":"2","page":351},{"text":"السياسية والوضعية ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ .\nخامسا: إصلاح السياسة أو الحكم الدولي عن طريق تقرير العدل المطلق والمساواة بين الناس ومراعاة الفضائل في الأحكام والمعاملات من الحق والعدل والوفاء بالعهود والرحمة والمواساة والمحبة واجتناب الرذائل من الظلم والغدر ونقض العهود والكذب والخيانة والغش وأكل أموال الناس بالباطل كالرشوة والربا والتجارة بالدين والخرافات.\nسادسا: الإصلاح المالي عن طريق الدعوة إلى الاقتصاد وحماية المال من التلف والضياع ووجوب إنفاقه في وجوه البر وأداء الحقوق الخاصة والعامة والسعي المشروع.\nسابعا الإصلاح النسائي عن طريق حماية المرأة واحترامها وإعطائها جميع الحقوق الإنسانية والدينية والمدنية.\nثامنا: الإصلاح الحربي عن طريق تهذيب الحرب ووضعها على قواعد سليمة لخير الإنسانية في مبدئها وغايتها ووجوب التزام الرحمة فيها والوفاء بمعاهداتها وإيثار السلم عليها والاكتفاء بالجزية عند النصر والظفر فيها.\nتاسعا: محاربة الاسترقاق في المستقبل وتحرير الرقيق الموجود بطرق شتى منها الترغيب العظيم في تحرير الرقاب وجعله كفارة للقتل وللظهار ولإفساد الصيام بطريقة فاحشة ولليمين الحانثة ولإيذاء المملوك باللطم أو الضرب.\nعاشرا: تحرير العقول والأفكار ومنع الإكراه والاضطهاد والسيطرة الدينية القائمة على الاستبداد والغطرسة ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ .\nدليل على هذا الوجه من الإعجاز:\nوالدليل على هذا الوجه من إعجاز القرآن أن غير المسلمين كانوا ولا يزالون حائرين يبحثون عن النور وينقبون عما يفي بحاجتهم في كثير من نواحي حياتهم حتى اضطروا تحت ضغط هذه الحاجة وبعد طول المطاف وقسوة التجارب أن يرجعوا إلى هداية القرآن من حيث يشعرون أو لا يشعرون وإليك شواهد على ذلك:","vol":"2","page":352},{"text":"١ - أمريكا حرمت الخمر أخيرا ولكنها فشلت ولم تنجح لأنها لم توفق إلى الطريقة الحكيمة التي اتبعها الإسلام في تحريم الخمر.\n٢ - أمريكا أباحت الطلاق وإن كانت قد أسرفت فيه إلى درجة ضارة.\n٣ - أسبانيا أصدرت حكومتها قانونا بمنع البغاء الرسمي في بلادها وبمنع النساء من البروز على الشواطئ في ثياب الاستحمام.\n٤ - مصلحو أوروبا يرفعون أصواتهم بضرورة الرجوع إلى مبدأ تعدد الزوجات حتى بعض نسائهم طالبن بهذا.\n٥ - اليهود يطالبون أيضا بتعدد الزوجات وقد تزعم هذه الحركة يهودي اسمه مورشه ليكفر مان وبرهن على أن ذلك من أحكام الدين اليهودي وطلب إلى اليهود إلغاء قرار الحاخام غرشون الذي تعدى حدود الدين اليهودي بإبطاله الزواج بأكثر من واحدة وأصبح له أتباع كثيرون.\n٦ - زعيم فرنسا نادى غداة هزيمتها في الحرب القائمة الآن يقول إن سبب انهيار دولتهم هو انغماسهم في الشهوات الجنسية وإسرافهم في المفاسد والمفاتن.","vol":"2","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>الوجه الخامس: موقف القرآن من العلوم الكونية</span>\nومعنى هذا أن القرآن روعيت فيه بالنسبة إلى العلوم الكونية اعتبارات خمسة لا يصدر مثلها عن مخلوق فضلا عن رجل أمي نشأ في الأميين وهو محمد ﷺ\nأولها أنه لم يجعل تلك العلوم الكونية من موضوعه وذلك لأنها خاضعة لقانون النشوء والارتقاء وفي تفاصيلها من الدقة والخفاء ما يعلو على أفهام العامة ثم إن أمرها بعد","vol":"2","page":353},{"text":"ذلك هين بإزاء ما يقصده القرآن من إنقاذ الإنسانية العاثرة وهداية الثقلين إلى سعادة الدنيا والآخرة فالقرآن كما أسلفنا في المبحث الأول كتاب هداية وإعجاز وعلى هذا فلا يليق أن نتجاوز به حدود الهداية والإعجاز حتى إذا ذكر فيه شيء من الكونيات فإنما ذلك للهداية ودلالة الخلق على الخالق ولا يقصد القرآن مطلقا من ذكر هذه الكونيات أن يشرح حقيقة علمية في الهيئة والفلك أو الطبيعة والكيمياء ولا أن يحل مسألة حسابية أو معادلة جبرية أو نظرية هندسية ولا أن يزيد في علم الطب بابا ولا في علم التشريح فصلا ولا أن يتحدث عن علم الحيوان أو النبات أو طبقات الأرض إلى غير ذلك.\nولكن بعض الباحثين طاب لهم أن يتوسعوا في علوم القرآن ومعارفه فنظموا في سلكها ما بدا لهم من علوم الكون وهم في ذلك مخطئون ومسرفون وإن كانت نيتهم حسنة وشعورهم نبيلا ولكن النية والشعور مهما حسنا لا يسوغان أن يحكي الإنسان غير الواقع ويحمل كتاب الله على ما ليس من وظيفته خصوصا بعد أن أعلن الكتاب نفسه هذه الوظيفة وحددها مرات كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ومنها قوله جلت حكمته: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .\nومما يجب التفطن له أن عظمة القرآن لا تتوقف على أن ننتحل له وظيفة جديدة ولا أن نحمله مهمة ما أنزل الله بها من سلطان فإن وظيفته في هداية العالم أسمى وظيفة في الوجود ومهمته في إنقاذ الإنسانية أعلى مهمة في الحياة وما العلوم الكونية بإزاء الهدايات القرآنية؟ أليس العالم الآن يشقى بهذه العلوم ويحترب وينتحر؟ ثم أليست العلوم الكونية هي التي ترمي الناس في هذه الأيام بالمنايا وتقذفهم بالحمم وتظهر لهم على أشكال مخيفة مزعجة من مدافع رشاشة ودبابات فتاكة وطائرات أزازة وقنابل مهلكة وغازات","vol":"2","page":354},{"text":"محرقة ومدمرات في البر والبحر وفي الهواء والماء وما أشبه هذه العلوم للإنسان بعد تجرده من هدى الله ووحي السماء بالأنياب والمخالب للوحوش الضارية والسباع الواغلة في أديم الغبراء!!.\nثانيها أن القرآن دعا إلى هذه العلوم ما دعا إليه من البحث والنظر والانتفاع بما في الكون من نعم وعبر قال سبحانه قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وقال جل شأنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .\nثالثها أن القرآن حين عرض لهذه الكونيات أشعرنا أنها مربوبة له تعالى ومقهورة لمراده ونفى عنها ما علق بأذهان كثير من الضالين الذين توهموها آلهة وهي مألوهة وزعموها ذات تأثير وسلطان بينما هي خاضعة لقدرة الله وسلطانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وكذلك أشعرنا القرآن أنها هالكة: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ .\nرابعها أن القرآن حين يعرض لآية كونية في معرضة من معارض الهداية يتحدث عنها حديث المحيط بعلوم الكون الخبير بأسرار السموات والأرض الذي لا تخفى عليه خافية في البر والبحر ولا في النجوم والكواكب ولا في السحاب والماء ولا في الإنسان والحيوان والنبات والجماد وذلك هو الذي بهر بعض المشتغلين بالعلوم الكونية وأوقع من أوقع منهم في الإسراف واعتبار هذه العلوم من علوم القرآن.\nخامسها أن الأسلوب الذي اختاره القرآن في التعبير عن آيات الله الكونية أسلوب بارع جمع بين البيان والإجمال في سمط واحد بحيث يمر النظم القرآني الكريم","vol":"2","page":355},{"text":"على سامعيه في كل جيل وقبيل فإذا هو واضح فيما سبق له من دلالة الإنسان وهدايته إلى الله ثم إذا هو مجمل التفاصيل يختلف الخلق في معرفة تفاريعه ودقائقه باختلاف ما لديهم من مواهب ومسائل وعلوم وفنون.\nولنضرب لذلك مثلا تلك الآية الحكيمة وهي قوله عز اسمه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فإنها مرت على بني الإنسان منذ نزلت إلى الآن ففهموا منها جميعا أن الله تعالى يدل على قدرته وإبداعه وكماله بأنه خلق من الأشياء متنوعات مختلفة الأشكال والخصائص لكنهم اختلفوا بعد ذلك فالأوائل يؤثر عنهم أن الزوجين في الآية الكريمة هما الأمران المتقابلان تقابلا ما لا بخصوص الذكورة والأنوثة روي عن الحسن أنه فسر الزوجين بالليل والنهار والسماء والأرض والشمس والقمر والبر والبحر والحياة والموت وهكذا عدد أشياء وقال كل اثنين منها زوج الله تعالى فرد لا مثيل له أما المتأخرون ففهموا أن الزوجين في الآية هما الأمران المتقابلان بالذكورة والأنوثة ويقولون إنه ما من شيء في الوجود إلا منه الذكر والأنثى سواء في ذلك الإنسان والحيوان والجماد وغيرها مما لا نعلم ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ ويقولون إن أحدث نظرية في أصول الأكوان تقرر أن أصول جميع الكائنات تتكون من زوجين اثنين وبلسان العلم الحديث إلكترون وبروتون.\nولا أحب أن نتوسع في هذا فبين أيدينا أمثلة كثيرة ومؤلفات جمة تموج وتضطرب باستنباط علوم الكون من القرآن أو بتفسير القرآن وشرحه بعلوم الكون وأحداثها فيما أعلم كتاب تحت الطبع الآن ألفه شاب فاضل مثقف وسماه بين القرآن والعلم وضمنه شتيتا من الأبحاث المختلفة في الاجتماع وعلم النفس وعلم الوارثة والزراعة والتغذية وفيما وراء الطبيعة مما لا يتسع المقام لذكره ومما لا نرى حاجة إليه خصوصا بعد أن تبين لنا أن العلوم الكونية خاضعة لطبيعة الجزر والمد وأن أبحاثا كثيرة منها لا تزال قلقة حائرة بين","vol":"2","page":356},{"text":"إثبات ونفي فما قاله علماء الهيئة بالأمس ينقضه علماء الهيئة اليوم وما قرره علماء الطبيعة في الماضي يقرر غيره علماء الطبيعة في الحاضر وما أثبته المؤرخون قديما ينفيه المؤرخون حديثا وما أنكره الماديون وأسرفوا في إنكاره باسم العلم أصبحوا يثبتونه ويسرفون في إثباته باسم العلم أيضا إلى غير ذلك مما زعزع ثقتنا بما يسمونه العلم ومما جعلنا لا نطمئن إلى كل ما قرروه باسم هذا العلم حتى لقد ظهر في عالم المطبوعات كتاب خطير من مصدر علمي محترم عندهم له خطورته وجلالته وشأنه فصدع هذا الكتاب بناء علمهم وزلزل أركانه الثقة به بعد أن نقض بالدليل والبرهان كثيرا من المقررات والمسلمات التي يزعمونها يقينية ثم انتهى بقارئه إلى أن هذا الكون غامض متغلغل في الغموض والخفاء ومن هنا سمى تأليفه الكون الغامض وهذا المؤلف هو السير جيمس جينز.\nفهل يليق بعد ذلك كله أن نبقى مخدوعين مغرورين بعلمهم الذي اصطلحوا عليه وتحاكموا إليه وقد سجنوه وسجنوا أنفسهم معه في سجن ضيق هو دائرة المادة تلك الدائرة المسجونة هي أيضا في حدود ما تفهم عقولهم وتصل تجاربهم وقد تكون عقولهم خاطئة وتجاربهم فاشلة؟؟! ثم هل يليق بعد ذلك كله أن نحاكم القرآن إلى هذه العلوم المادية القلقة الحائرة بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية القارة الثابتة المتنزلة من أفق الحق الأعلى الذي يعلم السر وأخفى؟!\nألا إن القرآن لا يفر من وجه العلم ولكنه يهفوا إلى العلم ويدعو إليه ويقيم بناءه عليه فأثبتوا العلم أولا ووفروا له الثقة وحققوه ثم اطلبوه في القرآن فإنكم لا شك يومئذ واجدوه وليس من الحكمة ولا الإنصاف في شيء أن نحاكم المعارف العليا إلى المعارف الدنيا ولا أن نحبس القرآن في هذا القفص الضيق الذي انحبست فيه طائفة مخدوعة من البشر بل الواجب أن نتحرر من أغلال هذه المادة المظلمة وأن نطير في سموات القرآن حيث نستشرف المعارف النورانية المطلقة والحقائق الإلهية المشرقة وأن نوجه اهتمامنا دائما إلى استجلاء عظات هذا التنزيل وهداياته الفائقة وألا نقطع برأي في تفاصيل","vol":"2","page":357},{"text":"ما يعرض له القرآن من الكونيات إلا إن كان لنا عليه دليل وبرهان لا شك فيه ولا نكران وإلا وجب أن نتوقف عن هذه التفاصيل ونكل علمها إلى العالم الخبير قائلين ما قالت الملائكة حين أظهر الله لهم على لسان آدم ما لم يكونوا يحتسبون ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ .\nكلمة في الموضوع:\nوالآن يروقني أن أنقل لك مقتطفات قيمة للعلامة المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش في هذا الموضوع لكن بتصرف قليل:\n١ - ليست مهمة القرآن كسائر الكتب السماوية البحث في الشؤون الكونية والمسائل العلمية والفنية على النحو المألوف في الكتب الخاصة الموضوعة فيها.\n٢ - لما جاء القرآن الكريم كان في جزيرة العرب من العقائد الفاسدة والعلم الخاطئ بالكونيات أضعاف ما كان منها لدى بني إسرائيل عندما أخرجهم موسى ﷺ من مصر فكان من الحكمة الإلهية أن يتنزل على محمد ﷺ في سبيل تصحيح تلك العقائد والمعلومات أضعاف ما تنزل على موسى في سفر التكوين والحكمة البالغة في ذلك أن الدعوة إلى توحيد الخلق وتقرير الحق من العقائد وقبول ما يلي ذلك من الشرائع والأخلاق ما كانت لتجد سبيلها إلى قلوب عرفت للأجرام العلوية في ألوهيتها وتزاوجها وما كان من أثرها في تكوين هذه الكائنات ونظامها ما قررته العقلية القديمة في بلاد مصر والإغريق وما يثبته في جزيرة العرب وما حولها أساطير الأشوريين والبابليين والكلدانيين إذن كان لزاما أن يسترعي القرآن انتباه الناس إلى وجه الخطأ في عقائدهم وأن يشككهم في الباطل الذي اتبعوه لأنهم وجدوا عليه آباءهم وأن يطلقهم بذلك من الحجر الذي أشقاهم وألحقهم بالأنعام من الحيوان.","vol":"2","page":358},{"text":"٣ - كانت إذن مهمة القرآن الحكيم التي أرادها لتمهيد السبيل إلى التعريف بالخالق جل شأنه أن يعين العقول بضرب الأمثال لم تفكر؟ وفيم تفكر؟ وكيف تفكر؟ فهو في جهاده هذا كان يخطط أرض العلم لتقيم العقول البشرية عليها صروحه الشامخة المتينة ويرسم الخطوط الأساسية للصور كي يملأها الرسام بما يلزم لها من الألوان والظلال ومعالم الجمال.\n٤ - لم يقف القرآن الكريم عند هذا الحد فيما ضرب لنا من الأمثال في بيان بعض غوامض الحقائق الكونية بل جاء في ذلك بحقائق أمر الأميين وغير المحصلين بالتسليم بها والتفويض فيها كما أمر العقول الناضجة المقتدرة بطلابها والوقوف على دقائقها والعلم بوجوه الصواب فيها ثم نصح الفريقين أن يعترفا بعجز عقولهم وألا يقطعا بشيء فيما لا تبلغه أبحاثهم وسعيهم بل يتهمون أنفسهم بالعجز والقصور ويسألون أهل الذكر فيما لا يعلمون أو يكلون أمر لا يدركون إلى من يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.\n٥ - أن المسيحين حينما ثاروا في وجه العلم ونظام الحكم ثوراتهم التجديدية في أوروبة لم يكونوا ليشبهوا في شيء من مواقفهم تلك أحدا من الشعوب الإسلامية فإنما كان مبعث حركتهم العنيفة ومصدر ثورتهم الدموية أن رجال الكنيسة باسم الدين حجروا على العقول والوجدان وقرروا للكنيسة فلسفة حرموا على الناس حتى استيضاح ما غمض عليهم منها ثم قرروا تكفير من يقول بغيرها ولو اعتمد في رأيه على الحس والمعاينة حتى لقد كان منهم ميلانشتون وكيرمونيني اللذان رفضا أن ينظرا إلى السماء بالآلة المقربة تلسكوب وقد روي عن غاليلو أن من تلاميذ المذهب الارسطاطالي من كانوا ينكرون وجود أجسام علوية مرئية بالفعل وأنهم كانوا يعتبرون فلسفة أرسطو كتلة واحدة لا تقبل التفكيك إذا نقض منها حجر انهار سائر بنيانها على أثره فكان ذلك سبب مغالاتهم في التمسك بها والحرص عليها مجتمعة.","vol":"2","page":359},{"text":"ثم قال في تعدد الأرضين:\nلم يذكر القدماء شيئا في أمر تعدد الأرضين سوى ما نقله ابن سينا عن قدماء حكماء الفرس من أن هنالك أراضي كثرة غير أرضنا وما زال الرأي السائد بين سائر الحكماء والفلاسفة يقول بعدم تعددها حتى جاء غاليلو المتوفى سنة ١٦٤٢ بمناظيره المكبرة والمقربة وكذلك من جاؤوا بعده فأثبتوا بمشاهداتهم العينية الصادقة أن السيارات جميعها أراض كأرضنا وقد يكون بها ما بأرضنا من الجبال والوهاد والماء والهواء والخلائق والعمران ولم يعتمدوا في هذا التجويز إلا على الحدس والظن فإن مناظيرهم لم تثبت لهم ذلك بعد.\nأما القرآن فقد صرح بتعدد الأرضين في آية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ففي تفسير أبي السعود من مفسري القرن التاسع للهجرة أن الجمهور على أنها سبع أرضين بعضها فوق بعض وفي تفسير النيسابوري أنها سبع أرضين ما بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة١ عام وفي كل أرض منها خلق إلى أن قال وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويشهدون الضياء منها ومن أصرح الآيات في أن السيارات أرض مأهولة آية الشورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ إذ المراد بالسموات هنا السيارات على ما يأتي لنا من التأويل ومن الآيات\n_________\n١ مسألة تقدير المسافات التي مثلا بمسيرة خمسمائة عام يفسرها الشهر ستاني بالدابة تسير فرسخا إسلاميا في كل ساعة على ما هو المعروف وومصطلح عليه في سائر المكتب الإسلامية، مما يبلغ مجموعة نحو ١٦ ميلا تقريبا وهو قريب جدا من تقديرات المتأخرين للمسافات الفاصلة بين سيارات كما يقول ذلك الأستاذ الشرستاني في كتابه المسمى \"الهيئة والإسلام\" ص ٩٠ ج أول.\n\"ومما يجدر ذكره أن الشرستاني هذا ليس هو صاحب الملل والنحل بل هو أحد مجتهدي الشيعة المعاصرين لنا. واسمه هبة الله\".","vol":"2","page":360},{"text":"البينة في هذا الموضوع قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾:\nومن قصرت عقولهم استبعدوا وجود الحيوان في الأجرام السماوية ولكن نفى الزمخشري والبيضاوي وغيرها استبعاد أن يخلق الله فيها صنوفا من الحيوان يمشون فيها مشي الإنسان على الأرض فالله خلق كما قالوا ما نعلم وما لا نعلم اهـ ما أردنا نقله.","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>الوجه السادس: سياسته في الإصلاح</span>\nومعنى هذا أن القرآن انتهج طريقا عجيبا في إصلاحه وسلك سياسة حكيمة وصل بها من مكان قريب إلى ما أراد من هداية الخلق فتذرع بجميع الوسائل المؤدية إلى نجاح هذا الإصلاح الوافي بكل ما يحتاج إليه البشر مما يدل بوضوح على أن القرآن في سياسته هذه لا يمكن أن يصدر عن نفس محمد ولا غير محمد.\nوبيان ذلك من وجوه:\nأولها مجيء هذا الكتاب منجما ومخالفته بذلك سائر كتب الله الإلهية بعدا بالناس عن الطفرة وتيسيرا لتلقيهم إياه وقبولهم ما جاء به على نحو ما بينا في أسرار التنجيم بالمبحث الثالث من هذا الكتاب.\nثانيها مجيء هذا الكتاب بذلك الأسلوب الشائق الرائع الحبيب إلى نفوسهم ليكون لهم من هذا الأسلوب دافع إلى الإقبال عليه والاستئناس بما جاء من تعاليمه وإن كانت مخالفة لما مردوا عليه من قبل.\nثالثها مجيء هذا الكتاب على غير المعهود في تأليف القوانين والعلوم والفنون والآداب من بناء تقسيمها وتبويبها على الموضوعات بحيث يختص كل باب من الكتاب بموضوع معين ويختص كل فصل من فصول هذا الباب بمسألة أو مسائل وهكذا","vol":"2","page":361},{"text":"فأنت تجد في الغالب كل سورة من سور القرآن جامعة لمزيج من مقاصد وموضوعات يشعر الناظر فيها بمتعة ولذة كما تنقل بين هذه المقاصد في السورة الواحدة كما يشعر الآكل باللذة والمتعة كلما وجد ألوانا شتى من الأطعمة على المائدة الواحدة وإذن ففي هذا النمط الذي اختاره القرآن فائدتان دفع السأم والملل عن الناظر في هذا الكتاب وانقياد النفوس إلى هدايته بلباقة من حيث لا تحس بغضاضة يضاف إلى هذا ما نلمحه من الوحدة الفنية في السورة أو القطعة الواحدة ومن وفاء القرآن بجميع الاصطلاحات البشرية على رغم هذا الانتشار القاضي في العادة بعدم الانسجام وبفوات شيء أو أشياء من مقاصد التأليف وأغراض المؤلفين حتى ليبدو ذلك وجها جديدا من وجوه الإعجاز يؤمن به عن خبرة وإحساس كل من ابتلى بتأليف أو مزاولة آثار المؤلفين!.\nرابعها تكرار ما يستحق التكرار من الأمور المهمة حتى يجد سبيله إلى النفوس النافرة والطباع العصية فتسلس له القيادة وتلقى إليه السلم مثال ذلك تقرير القرآن لعقيدة التوحيد واستئصاله لشأفة الشرك بوساطة الحديث عنهما مرارا وتكرارا تارة يصرح وأخرى يلوح وتارة يوجز وأخرى يطنب وتارة يذكر العقيدة مرسلة وأخرى يذكرها مدللة وتارة يشفعها بدليل واحد وأخرى بجملة أدلة وتارة يضرب لها الأمثال وأخرى يسوق فيها القصص وتارة يقرنها بالوعد وأخرى بالوعيد وهلم.\nخامسها مخاطبة العقول والأفكار ودعوته إلى إعمال النظر وطلب الدليل والبرهان ونعيه على من أهملوا العقول واستمرؤوا التقليد الأعمى وركنوا إلى الجمود اقرأ قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ .","vol":"2","page":362},{"text":"وهكذا كثيرا ما نسمع في القرآن أمثال قوله سبحانه: ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى غير ذلك مما يرفع كرامة الإنسان ويحاكم أهم الأمور حتى العقيدة في الله تعالى إلى العقول ليصل المرء من وراء ذلك إلى اقتناع الضمير واطمئنان القلب وبرد اليقين وحرارة الإيمان!.\nسادسها استغلاله الغرائز النفسية استغلالا صالحا بعد أن يهذبها بالدليل ويصقلها بالبرهان هذه غريزة التقليد والمحاكاة في الإنسان مثلا قد نأى بها القرآن عن احتذاء الأمثلة السيئة من الجهلة والفسقة وذهب بها إلى مقام أمين من وجوب اتباع الأمثلة الطيبة والتأسي بمن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ .\nوهذه غريزة حب البقاء والعلو في الإنسان قد نأى بها القرآن أيضا عن الظلم والبغي وذهب بها إلى حيث الدفاع عن النفس والعرض والدين والوطن وقاد بهم عباد الله إلى الحق والخير إذا وعدهم حياة ثانية في الخلود والبقاء وفيها الملك الواسع والاستعلاء العادل ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ .\nوهكذا دخل القرآن على الناس من هذا الباب فقادهم من غرائزهم حتى ناط أوامره بمصالحهم ونواهيه بمفاسدهم وجعل ذلك قاعدة عامة قال فيها ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ .\nوأن أردت تفصيلا وتمثيلا فانظر إلى تلك المقارنة الرائعة بين المؤمن والمشرك إذ يقول سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ","vol":"2","page":363},{"text":"هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فأنت ترى في هذه الآية الكريمة أن المشرك مع معبوديه مثله مثل عبد اشترك فيه شركاء متنازعون مختلفون كل واحد منهم يدعي أيهم عبده فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في أعمال شتى وهو متحير متعب مجهود لا يدري أيهم يرضى بخدمته وعلى أيهم يعتمد في حاجاته؟ ولا يدري ممن يطلب رزقه وممن يلتمس رفقه فهمه شعاع وقلبه أوزاع أما المؤمن فمثله مثل عبد له سيد واحد فهمه وقلبه مجتمع وضميره مستريح وعمله مريح ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار﴾ !.\nوإن أردت مثالا ثانيا فاستمع إلى القرآن وهو يقول في فريضة الصلاة: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ وقوله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ .\nوإن أردت أمثلة أخرى فاقرأ قول سبحانه في فرض الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وفي فرض الصيام كتب عليكم الصيام: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وفي فرض الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ إلخ وفي عموم الإيمان والعمل الصالح: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .\nسابعها ترتيبه الأوامر والنواهي ترتيبا يسع جميع الناس على تفاوت استعدادهم ومواهبهم فالأوامر الدينية درجات هذا إيمان وهذا إسلام وهذا ركن وهذا فرض وهذا واجب وهذا مندوب مؤكد وهذا مندوب غير مؤكد والمناهي كذلك درجات هذا نفاق وهذا شرك وهذا كفر وهذه كبيرة وهذه صغيرة وهذا مكروه تحريما وهذا مكروه تنزيها وما وراء هذه الأوامر والنواهي فمباحات لكل أن يأخذ وأن يدع منها ما شاء.","vol":"2","page":364},{"text":"ولا ريب أن وضع التشريع على هذا الوجه فيه متسع للجميع وفيه إغراء للنفوس الضعيفة أن تتشرف باعتناق الإسلام ولو في أدنى درجة من درجاته حتى إذا أنست به وذاقت حلاوته تدرجت في مدارج الرقي فمن إيمان إلى إسلام إلى أداء ركن إلى أداء فرض إلى أداء واجب إلى أداء مندوب غير مؤكد ومن ترك نفاق إلى ترك شرك وكفر إلى ترك كبيرة إلى ترك صغيرة إلى ترك مكروه تحريما إلى ترك مكروه تنزيها إلى ترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس ومن مجرد أداء للنوافل إلى زيادة فيها وإكثار منها حتى يصل العبد إلى ذلك المقام الذي جاء فيه عن الله تعالى: \"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى احبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه\" رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه.\nعلى ضوء هذه السياسة الشرعية الحكيمة التي نزل بها القرآن كان ﷺ يتدرج بالأقوام رويدا رويدا كما كان يتساهل معهم تأليفا لقلوبهم واستمالة لهم إلى اعتناق الدين على أي وجه ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد بسنده عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم انه أتى النبي ﷺ فأسلم على أن يصلي صلاتين لا خمسا فقبل منه وجاء في رواية أخرى على ألا يصلي إلا صلاة فقبل وعن وهب قال سألت جابر عن شأن ثقيف إذ بايعت فقال اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع النبي ﷺ يقول بعد ذلك سيتصدقون ويجاهدون رواه أبو داود وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال لرجل: \"أسلم\" قال أجدني كارها قال: \"أسلم وإن كنت كارها\" رواه أحمد قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد أن سرد هذه الأحاديث فيها دليل على أنه يجوز مبايعة الكافر وقبول الإسلام منه وإن شرط شرطا باطلا.\nوالمراقب لنزول القرن وسير التشريع الإسلامي يرى من مظاهر هذه السياسة","vol":"2","page":365},{"text":"البارعة المعجزة شيئا كثيرا وحسبك ان يبتدئ الأمر بتقرير عقيدة التوحيد وألا تفرض الصلوات الخمس إلا بعد عشر سنوات تقريبا من البعثة ثم سائر العبادات بعضها تلو بعض أما المعاملات فلم يستبحر الأمر فيها إلا بعد الهجرة وقل مثل ذلك في المنهيات ولعلك لم تنس التدرج الإلهي الحكيم في تحريم الخمر.\nثامنها مجيء القرآن بمطالب الروح والجسد جميعا بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر وفي ذلك آيات كثيرة تقدم التنويه بها في مناسبات أخرى ومن أجلها كان المسلمون أمة وسطا بين من تغلب عليهم المادية والحظوظ الجسدية كاليهود ومن تغلب عليهم النواحي الروحية وتعذيب الجسد وإذلال النفس كالهندوس والنصارى في تعاليمهم وإن خالفتها الكثرة الغامرة منهم.\nتاسعها مجيء القرآن بمطالب الدنيا والآخرة جميعا عن طريق التزام تعاليمه وهداياته التي أجملنا مقاصدها فيما سبق لا عن طريق الاعتقادات الخاطئة والأماني الكاذبة والتواكل وترك العمل والآيات في هذا المعنى أظهر من أن تذكر.\nعاشرها مجيء القرآن بالتيسير ورفع الحرج عن الناس: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .\n﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ وهذا باب واسع وضع منه علماؤنا قواعد عامة كقولهم المشقة تجلب التيسير والضرورات تبيح المحظورات ثم فرعوا عليها فروعا وسعت ولا تزال تسع الناس أجمعين والحمد لله رب العالمين.","vol":"2","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>الوجه السابع: أنباء الغيب فيه</span>\nومعنى هذا أن القرآن قد اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد ﷺ بها ولا سبيل لمثله أن يعلمها مما يدل دلالة بينة على أن هذا القرآن المشتمل على تلك الغيوب لا يعقل أن يكون نابعا من نفس محمد ولا غير محمد من الخلق بل هو كلام علام الغيوب وقيوم الوجود الذي يملك زمام العالم ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ .\nمن ذلك قصص عن الماضي البعيد المتغلغل في أحشاء القدم وقصص عن الحاضر الذي لا سبيل لمحمد إلى رؤيته ومعرفته فضلا عن التحدث به وقصص عن المستقبل الغامض الذي انقطعت دونه الأسباب وقصرت عن إدراكه الفراسة والألمعية والذكاء وسر الإعجاز في ذلك كله أنه وقع كما حدث وما تخلف وجاء على النحو الذي أخبر به في إجمال ما أجمل وتفصيل ما فصل وأنه إن اخبر عن غيب الماضي صدقه ما شهد به التاريخ وإن أخبر عن غيب الحاضر صدقه ما جاء به الأنبياء وما يجد في العالم من تجارب وعلوم وإن أخبر عن غيب المستقبل صدقه ما تلده الليالي وما تجيء به الأيام.\nغيب الماضي:\nأما غيوب الماضي في القرآن فكثيرة تتمثل في تلك القصص الرائعة التي يفيض بها التنزيل ولم يكن لعلم محمد بها من سبيل.\nمنها قصة نوح التي قال الله فيها: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ .\nومنها قصة موسى التي يقول الله فيها: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا","vol":"2","page":367},{"text":"إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ َلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .\nومنها قصة مريم وفيها يقول الله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ .\nغيب الحاضر:\nأما غيب الحاضر فنزيد به ما يتصل بالله تعالى والملائكة والجن والجنة والنار ونحو ذلك مما لم يكن للرسول سبيل إلى رؤيته ولا العلم به فضلا عن أن يتحدث عنه على هذا الوجه الواضح الذي أيده ما جاء به الأنبياء وكتبهم عليهم الصلاة والسلام وأمثلة هذا الضرب كثيرة في القرآن لا تحتاج إلى عرض ولا بيان.\nومنه أيضا ما فضح الله به المنافقين في عصر الرسول ﷺ مما كان قائما بهم وخفي أمره عليه كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ وكقوله في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًَا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ .\nوسورة التوبة فيها من هذا الضرب شيء كثير.\nومن غيب الحاضر أو الماضي ما جاء في طي القرآن من حقائق ومنافع ومبادئ لم يكشف عنها إلا العلم الحديث وسيأتي التمثيل له.","vol":"2","page":368},{"text":"غيب المستقبل:\nوأما غيب المستقبل فنمثل له بأمثلة عشرة:\nالمثال الأول إخبار القرآن عن الروم بأنهم سينتصرون في بضع سنين من إعلان هذا النبأ الذي يقول الله فيه: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ،فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nوبيان ذلك أن دولة الرومان وهي مسيحية كانت قد انهزمت أمام دولة الفرس وهي وثنية في حروب طاحنة بينهما سنة ٦١٤م فاغتم المسلمون بسبب أنها هزيمة لدولة متدينة أمام دولة وثنية وفرح المشركون وقالوا للمسلمين في شماتة العدو إن الروم يشهدون أنهم أهل كتاب وقد غلبهم المجوس وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل عليكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم فنزلت الآيات الكريمة يبشر الله فيها المسلمين بأن هزيمة الروم هذه سيعقبها انتصار في بضع سنين أي في مدة تتراوح بين ثلاثة سنوات وتسع ولم يك مظنونا وقت هذه البشارة أن الروم تنتصر على الفرس في مثل هذه المدة الوجيزة بل كانت المقدمات والأسباب تأبى ذلك عليها لأن الحروب الطاحنة أنهكتها حتى غزيت في عقر دارها كما يدل عليه النص الكريم ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ولأن دولة الفرس كانت قوية منيعة وزادها الظفر الأخير قوة ومنعة حتى إنه بسبب استحالة أن ينتصر الروم عادة أو تقوم لهم قائمة راهن بعض المشركين أبا بكر على تحقق هذه النبوءة ولكن الله تعالى أنجز وعده وتحققت نبوءة القرآن سنة ٦٢٢ م الموافقة للسنة الثانية من الهجرة المحمدية.\nومما هو جدير بالذكر أن هذه الآية نفسها حملت نبوءة أخرى وهي البشارة بأن المسلمين سيفرحون بنصر عزيز في هذه الوقت الذي ينتصر فيه الروم ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ","vol":"2","page":369},{"text":"بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ ولقد صدق الله وعده في هذه كما صدقه في تلك وكان ظفر المسلمين في غزوة بدر الكبرى واقعا في الظرف الذي صدر فيه الرومان وهكذا تحققت النبوءتان في وقت واحد مع تقطع الأسباب في انتصار الروم كما علمت ومع تقطع الأسباب أيضا في انتصار المسلمين على المشركين على عهد هذه البشارة لأنهم كانوا أيامئذ في مكة في صدر الإسلام والمسلمون في قلة وذلة يضطهدهم المشركون ولا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة ولكن على رغم هذا الاستبعاد أو هذه الاستحالة العادية نزلت الآيات كما ترى تؤكد البشارتين وتسوقهما في موكب من التأكيدات البالغة التي تنأى بهما عن التكهنات والتخرصات وإن كنت في شك فأعد على سمعك هذه الكلمات: ِ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nثم ألست ترى معي أن هذه العبارة الكريمة في بضع سنين قد حاطت هاتين النبوءتين بسياج من الدقة والحكمة لا يترك شبهة لمشتبه ولا فرصة لمعاند لأن البضع كما علمت من ثلاثة إلى تسع والناس يختلفون في حساب الأشهر والسنين فمنهم من يؤقت بالشمس ومنهم من يؤقت بالقمر ثم إن منهم من يجبر الكسر ويكمله إذا عد وحسب ومنهم من يلغيه يضاف إلى ذلك أن زمن الانتصار قد يطول حبله فتبتدئ بشائره في عام ولا تنتهي مواقعه الفاصلة إلا بعد عام أو أكثر ونظر الحاسبين يختلف تبعا لذلك في تعيين وقت الانتصار فمنهم من يضيفه إلى وقت تلك البشائر ومنهم من يضيفه إلى يوم الفصل ومنهم من يضيفه إلى ما بينهما لذلك كله جاء التعبير بقوله جلت حكمته: ﴿سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ من الدقة البيانية والاحتراس البارع بحيث لا يدع مجالا لطاعن ولا حاسب وظهر أمر الله وصدق وعده على كل اعتبار من الاعتبارات وفي كل اصطلاح من الاصطلاحات ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ .!\nالمثال الثاني إنباء القرآن بأن الله عاصم رسوله وحافظه من الناس لا يصلون إليه بقتل ولا يتمكنون من اغتيال حياته الشريفة بحال وذلك في قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ","vol":"2","page":370},{"text":"يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ولقد تحققت نبوءة القرآن هذه ولم يتمكن أحد من أعداء الإسلام أن يقتله ﵊ مع كثرة عددهم ووفرة استعدادهم ومع أنهم كانوا يتربصون به الدوائر ويتحينون الفرص للإيقاع به والقضاء عليه وعلى دعوته وهو أضعف منهم استعدادا وأقل جنودا فمن الذي يملك هذا الوعد وتنفيذه إذن إلا الله الذي يغلب ولا يغلب والذي لا يقف شيء في سبيل تنفيذ مراده ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وإن لم تصدقني فسل التاريخ والمؤرخين كم من الملوك والأمراء والفراعين ضرجت الأرض بدمائهم وهم بين جنودهم وخدمهم وحشمهم!؟\nفهل يمكن بعد هذا أن يكون القرآن الذي احتوى ذلك الضمان من كلام محمد وهو من قد علمت ضعفه وقوة أعدائه يومئذ؟ حتى لقد كان يتخذ الحراس قبل نزول هذه الآية فلما نزلت إذا ثقته واعتداده بها أعظم من ثقته واعتداده بمن كانوا يحرسونه وسرعان ما صرف حراسه وسرحهم عند نزول الآية قائلا: \"أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله\" كما رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري وكذلك روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: كنا إذا أتينا في سفرنا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ فلما كنا بذات الرقاع نزل نبي الله تحت شجرة وعلق سيفه فيها فجاء رجل من المشركين فأخذ السيف فاخترطه وقال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أتخافني؟ قال: \"لا\"، قال: من يمنعك مني؟ قال: \"الله يمنعني منك ضع السيف\" فوضعه ومما يجدر التنبيه له أن هذا الأمن كان في الغزوة التي شرعت فيها صلاة الخوف!\nومن شواهد حماية الله لرسوله وإنجازه له هذا الوعد ما ورد عن علي ﵁ قال: كنا إذا احمر البأس وحمي الوطيس اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد منا أقرب إلى العدو منه.\nومن أبلغ الشواهد على ذلك أيضا ما ثبت من أنه ﷺ في يوم حنين حين أعجبت المسلمين كثرتهم وأدبهم الله بالهزيمة حتى ولوا مدبرين أنزل سبحانه سكينته على رسوله","vol":"2","page":371},{"text":"حتى لقد جعل يركض بغلته إلى جهة العدو والعباس بن عبد المطلب آخذ بلجامها يكفها إرادة ألا تسرع فأقبل المشركون إلى رسول الله ﷺ فلما غشوه لم يفر ولم ينكص بل نزل عن بغلته كأنما يمكنهم من نفسه وجعل يقول: \"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب\" كأنما يتحداهم ويدلهم على مكانه فوالله ما نالوا منه نيلا بل أيده الله بجنده وكيف أيديهم عنه بيده رواه الشيخان.\nالمثال الثالث ما جاء في معرض التحدي بالقرآن من قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ فإن ما تراه في هاتين الآيتين من القطع بانتفاء قدرة المخاطبين وجميع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن قد تناول أطواء المستقبل والمستقبل غيب لا يملكه محمد ولا مخلوق غيره ومع ذلك فقد تحققت نبوءة القرآن ولا تزال متحققة حيث انقرضت طبقة المخاطبين به دون أن يستطيعوا معارضة أقصر سورة منه ومضت بعدهم أجيال وأجيال من عرب وأعجام وكلهم قد باؤوا بالعجز ولم يستطيعوا المعارضة إلى اليوم مع وجود أعداء للإسلام في هذه العصور المتأخرة أكثر وأقدر وأحرص على هدم بناء هذا الدين من أولئك الأعداء الأولين.\nلاحظ مع هذا ما يثيره مثل هذا التحدي الطويل العريض الجريء من الحمية الأدبية التي تبعث روح المنافسة على أشدها في نفوس من يتحداهم ثم لاحظ أن المتأخرين من الناقدين لا يعيبهم في العادة أن يستدركوا على السابقين إما نقصا يعالجونه بالكمال أو كمالا يعالجونه بما هو أكمل منه وإذا فرضنا أن واحدا قد عجز عن هذا فمن البعيد أن تعجز عنه جماعة وإذا عجزت جماعة فمن البعيد أن تعجز أمة وإذا عجز أمة فمن البعيد أن يعجز جيل وإذا عجز جيل فمن البعيد أن تعجز أجيال فكيف يصدر إذن مثل هذا التحدي عن رجل يعرف ما يقول فضلا عن رجل عظيم فضلا عن رسول كريم فضلا عن محمد أفضل المرسلين وهل يمكن أن يفسر هذا التحدي الجريئ الطويل العريض","vol":"2","page":372},{"text":"إلا بأنه استمداد من وحي السماء واستناد إلى من يملك السمع والأبصار وحديث عمن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه؟!\nالمثال السابع ما جاء من التنبؤ بمستقبل الإسلام ونجاحه نجاحا باهرا فقد أخبر القرآن والمسلمون في مكة قليل مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس بأن الإسلام سيظهر ويبقى وأن كتابه سيكتب له الحفظ والخلود منفردا بهذه الميزة عن سائر كتب الله اقرأ إن شئت قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وفي سورة إبراهيم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، ُتؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ وفي سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .\nأجل في هذه السور الثلاث المكية قطع القرآن هذه العهود المؤكدة بتلك اللغة الواثقة والإسلام يومئذ في مكة مدفوع مضطهد والمسلمون قليل مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس وليس هناك من بواسم الآمال ما يلقي ضوءا على نجاح هذا الدين الوليد ولئن التمست هذه الآمال في نفس الداعي من طبيعة دعوته فما كانت لتصل إلى هذا الحد من اليقين والتأكيد ولئن وصلت إلى هذا الحد ما دام صاحبها حيا يتعهدها بنفسه ويغذيها بنشاطه فليس لديه من العوامل ما يجعله يثق بهذا النجاح بعد موته مع ما هو معروف بأن المستقبل مليء بتشتيت المفاجآت والليالي من الزمان حبالى مثقلات والتاريخ لا يزال يقص علينا وعلى الناس نبأ من قتل من الأنبياء وما ضاع أو حرف من كتب الله ووحي السماء وما حبط من دعوات الحق ونهض من دعوات الباطل كل ذلك فقد كان ومحمد ﷺ لم يكن في يوم من الأيام بالرجل الأخرق الذي يسير مع الأوهام أو يطير مع الخيال أو يطلب المجد عن طريق الأحلام المكذوبة والآمال المعسولة بل كان معروفا منذ نشأته بتواضعه ورجاحة عقله واتزانه ودقته حتى لقد كان يثبت في كلامه ويتحرى إلى أن لقب واشتهر بأنه ﷺ الصادق الأمين وجاء القرآن نفسه يشهد بأنه كان قبل نبوته","vol":"2","page":373},{"text":"لا يطمع في نبوة ولا يأمل وفي ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ وكذلك لم يكن بعد نبوته بالذي يضمن بقاء هذا الوحي ﴿وحفظه وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ .\nفلا مناص إذن من أن تكون تلك البشارات المؤكدة والعهود الموثقة صادرة من أفق غير أفقه آتية من مالك قاهر لا راد لحكمة معبرة عن مراد من يملك العالم ويحكمه في ماضيه وحاضره ومستقبله!\nومما يؤيد صدق هذه التنبؤات أن الإسلام لقي من ضروب النعت مرارا وتكرارا في أزمان متطاولة وعهود مختلفة ما كان بعضه كافيا في محوه وزواله ولكنه على رغم أنف هذه الأعاصير العاتية بقي ثابتا يسامي الجبال شامخا يطاول السماء وكذلك لقي كتابه العزيز ولا يزال يلقى من الهمز واللمز والطعن والسباب والمحاولات القاتلة ما لا يتصوره إنسان في أي زمان وما لم يلق كتاب قبله من الكيد والتضليل والبهتان ومع ذلك كله فالقرآن هو القرآن لا يزال جالسا على عرشه في سمائه يمد العالم كله بحرارته وضيائه ولم تنل منه هذه المحاولات إلا كما ينال نباح الكلاب من عاليات السحاب.\nالمثال الخامس تنبؤ القرآن بأن المستقبل السعيد يتنظر المسلمين في وقت لم تكن عوامل هذا المستقبل السعيد مواتية ثم إذا تأويل هذا النبأ يأتي على نحو ما أخبر القرآن في أقصر ما يكون من الزمان أجل إننا لنقرأ في سورة الصافات المكية: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وفي سورة غافر المكية أيضا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وكذلك نقرأ في سورة النور المدنية ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ على حين أن سجلات التاريخ لا تزال تحفظ بين طياتها ما يشيب الوليد من ألوان الاضطهاد والأذى الذي أصاب الرسول وأتباعه","vol":"2","page":374},{"text":"في مكة والمدينة على عهد نزول هذه الوعود المؤكدة الكريمة حتى لقد كان أكبر أماني المسلمين بعد هجرتهم وتنفسهم الصعداء قليلا أن يسلم لهم دينهم ويعيشوا آمنين في مهاجرهم كما يدل على ذلك ما صححه الحاكم عن أبي بن كعب قال لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت الآية وكذلك روى ابن أبي حاتم عن البراء قال نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد أي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الخ هكذا كان حال الصحابة أيام أن وعدهم الله ما وعد وما أعجل تحقق هذا الوعد الإلهي رغم هذه الحال المنافية في العادة لما وعد فدالت الدولة لهم واستخلفهم في أقطار الأرض وأورثهم ملك كسرى وقيصر ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا يا لها نبوءة تأبى عادة أن يتحدث بها إلا من يملك تحقيقها ومن يخرق إن شاء عادات الكون ونواميسه من أجلها. ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .\nالمثال السادس تنبؤ القرآن بأن الرسول وأصحابه وقد كانوا بالمدينة سيدخلون مكة آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين إذ قال سبحانه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ ثم وقع هذا التنبؤ كما أخبر مع أن ظروفه لم تكن تسمح به في مجرى العادة فدل ذلك على أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون كلام محمد ولا مخلوق سواه بل هو كلام القادر على أن يبلغ مراده ويخرق العادة.\nولزيادة البيان نذكر أن الرسول ﷺ رأى في نومه كأنه هو وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين فقص رؤياه على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها من عامهم ثم خرجوا محرمين يسوقون الهدي إلى مكة لا يقصدون حربا وإنما يقصدون عمرة ونسكا ولكنهم ما كادوا يبلغون الحديبية حتى صدتهم قريش وأبت","vol":"2","page":375},{"text":"عليهم ما أرادوا وكادت تكون حرب لولا أن الرسول رضي بصلح بينه وبينهم وإن كان قاسيا إيثارا منه للمسألة وحبا للسلام العام ثم قفل راجعا على أن يؤدي نسكه في العام القابل نزولا على مواد هذا الصلح القاسي وعز ذلك على أصحابه واتخذ المنافقون منه حطبا لنفاقهم ومادة لدسهم ولمزهم فقال عبد الله بن أبي رأسهم والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام ولكن على رغم هذا وعلى رغم ما هو معروف من غدر قريش ونكثهم العهود وتقطيعهم الأرحام نزلت الآية الكريمة تحمل هذا الوعد بل تلك الوعود الثلاثة المؤكدة وهي دخول مكة وأداء النسك والأمن على أنفسهم من قريش حتى يتحللوا ويقفلوا راجعين إلى المدينة وقد أنجز الله وعده فتم الأمر على أكمله في العام الذي بعد عام الحديبية ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ !.\nالمثال السابع تنبؤ القرآن بهزيمة جموع الأعداء في وقت لا مجال فيه لفكرة الحرب فضلا عن التقاء الجمعين وانتصار المسلمين وانهزام المشركين وذلك قوله سبحانه في سورة القمر المكية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وأنت خبير بأن الجهاد لم يشرع إلا في السنة الثانية للهجرة فأين ما يتنبأ به القرآن إذن إنه لا بد أن يكون كلاما تنزل ممن يعلم الغيب في السموات والأرض أما محمد الرجل الأمي فأنى له ذلك إن لم يكن تلقاه من لدن حكيم عليم روى ابن أبي حاتم وابن مردويه أن عمر ﵁ جعل يقول حين نزلت هذه الآية أي جمع هذا فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يقولها.\nالمثال الثامن تنبؤ القرآن في مكة بهذا المستقبل الأسود الذي ينتظر كفار قريش ثم وقوع ذلك كما تنبأ اقرأ قوله سبحانه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ، إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ، وسبب نزول هذه","vol":"2","page":376},{"text":"الآيات أن أهل مكة لما تمردوا على رسول الله ﷺ واستعصوا دعا عليهم بسنين كسني يوسف أي بالجوع والقحط الشديدين عسى أن يتوبوا ويؤمنوا بالله ورسوله فأجابه الله بهذه الآيات وفيها عند التأمل خمسة تنبؤات:\nأولها الإخبار بما يغشاهم من القحط وشدة الجوع حتى ينظر الرجل إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان.\nثانيها الإخبار بأنهم سيضرعون إلى الله حين تحل بهم هذه الأزمة هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.\nثالثها الإخبار بأن الله سيكشف عنهم ذلك العذاب قليلا.\nرابعها الإخبار بأنهم سيعودون إلى كفرهم وعتوهم.\nخامسها الإخبار بأن الله سينتقم منهم يوم البطشة الكبرى وهو يوم بدر.\nولقد حقق الله ذلك كله ما انخرم منه ولا نبوءة واحدة فأصيبوا بالقحط حتى أكلوا العظام وجعل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من شدة جوعه وجهده ثم قالوا متضرعين ذلك الذي حكاه الله عنهم: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ ثم كشف الله عنهم هذا العذاب قليلا ثم عادوا إلى كفرهم وعتوهم ثم انتقم الله منهم يوم بدر فبطش بهم البطشة الكبرى حيث قتل منهم سبعون وأسر سبعون وأديل للمسلمين منهم!.\nأرأيت ذلك كله؟ وهل يمكن أن يصدر مثله من مخلوق؟ كلا بل هو الله العزيز الحكيم.\nالمثال التاسع تنبؤ القرآن بهذا المستقبل المظلم الأسود المضروب على اليهود بوجه مؤكد مؤبد ثم تحقق هذا النبأ كاملا عاما يتناول القرون والأجيال من عهد نزول القرآن","vol":"2","page":377},{"text":"لم ينخرم مرة من المرات في يوم واحد من الأيام اقرأ ما نزل في شأنهم من قوله سبحانه في سورة آل عمران: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ ثم انظر كم تنبؤا في هذا النظم الكريم وضعه الله كأنه الأغلال في عنق هذا الشعب الماكر اللئيم ألست ترى فيه أنهم لا يستطيعون أن ينالوا من المسلمين بالحرب والقتل والأسر؟ إنما ضررهم أذى بالغدر وبسوء الاستغلال والمكر وعلى فرض أنهم يقاتلونهم المسلمين فسيلوذون حينئذ بالفرار ويولون الأدبار ولا سبيل لهم في المستقبل إلى الانتصار ثم إن الذلة قد ضربت عليهم كما ضرب الحجر على السفهاء لا يستطيعون الفكاك إلا أن دخلوا في عهد من الله أو عهد من الناس ثم إن المسكنة وهي خوف الفقر قد ضربت عليهم كذلك فهم أشد الشعوب خوفا من الفقر ولذلك كانوا أشدها طمعا وشرها في جمع الدنيا لا يعرفون القناعة وإن غرقوا في المال إلى أم رؤوسهم ولا يتورعون عن الجري وراء الدنايا بأحط الوسائل وإن كانوا يملكون الآن ما يقرب من نصف ثروة العالم!.\nثم اقرأ في شأن هذه الطائفة قول الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ وخبرني ألست تقرأ في هذا النص الكريم صكا مسجلا بعبودية هؤلاء وذلتهم إلى الأبد ثم ألست ترى أن تداول القرون والأحقاب من لدن نزول القرآن إلى اليوم لم يزد هذا التنبؤ إلا تصديقا وتحقيقا ما خرمه مرة وإنما أشبعه إعجازا وتأييدا؟ إن كنت في شك فسل التاريخ قديمه وحديثه أو فاستمع إلى صوت المآسي الماثلة القريبة ثم قل صدق الله ما القرآن إلا كلامه وما محمد إلا عبده ورسوله!.\nوإليك مثالا آخر في شأن هؤلاء أبدع في الإعجاز وأروع.\nالمثال العاشر تحدي القرآن لأعداء الله اليهود في شيء يظهر أنه سهل بسيط وأنه","vol":"2","page":378},{"text":"كان في متناول قدرتهم وفي دائرة استطاعتهم ومع ذلك انصرفوا عنه وعجزوا فدل هذا التحدي مع الانصراف والعجز على أن القرآن كلام من يستطيع تصريف القلوب وتحريك الألسنة وهو الله وحده أما محمد صلوات الله وسلامه عليه فمحال أن يقامر بنفسه وبدعوته ويتحدى بهذا الأمر الظاهرة سهولته وهو بشر لا يعلم الغيب ولا يستطيع أن يقلب القلوب ولا أن يعقد الألسنة.\nوبيان ذلك أن اليهود زعموا أنهم هم الشعب المختار من بين شعوب الخلق وادعوا أن الدار الآخرة وقف عليهم وخالصة لهم من دون الناس فخاطب الله رسوله في سورة البقرة يرد عليهم ويتحداهم بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فأنت ترى هذا النظم الكريم يبطل مزاعم اليهود بطلب يبدو لكل ناظر أنه هين وهو أن يتمنوا الموت لو كانوا صادقين في ادعائهم أن نعيم الآخرة وقف عليهم ولقد كان بمقدور اليهود في العادة أن يقولا ولو بألسنتهم نحن نتمنى الموت كي تنهض حجتهم على محمد ويكنوه لكنهم صرفوا فلم يقولوا ولم يستطع أحد أن يقول إني أتمنى الموت وعلى ذلك قامت الحجة عليهم وبان كذبهم في كبريائهم وغرورهم وبلغ من أمر القرآن معهم أنه نفى عنهم هذا التمني نفيا يشمل آباد المستقبل فقال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ .\nوها قد مضى على نزول القرآن قريب من أربعة عشر قرنا وما تمنى أحد منهم الموت لو كانوا صادقين بل أعلن القرآن في السورة نفسها مبلغ حرصهم على الحياة وأملهم فيها فقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فكان ذلك علما جديدا من أعلام النبوة لأنه تنويه بغيب حاضر لم يكن يعلمه محمد ولا قومه.","vol":"2","page":379},{"text":"خبرني بربك هل يتصور عاقل أن محمدا وهو في موقف الخصومة الشديدة من اليهود تطوع له نفسه أن يتحداهم هذا التحدي من عنده في لغة الواثق الذي لا يتردد والآمن الذي لا يخاف المستقبل؟ وهل كان يأمن أن يرد عليه واحد منهم فيقول إني أتمنى الموت وهنا تكون القاضية فتنقطع لا قدر الله حجة الرسول ويظهر عجزه وتفشل دعوته أمام قوم هم من أشد الناس عداوة للذين آمنوا ومن أحرصهم على إفحام الرسول وتعجيزه.\nفصدور هذا التحدي من رجل عظيم كمحمد ثم استخذاء هؤلاء وانصرافهم عن الرد عليه وعن إسكاته وهو في مقدور أقل رجل منهم ثم تسجيل هذا الاستخذاء عليهم في الحال بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ وفي الاستقبال بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ كل أولئك أدلة ساطعة على أن القرآن كلام علام الغيوب قاهر الألسنة ومقلب القلوب وهي أيضا براهين قاطعة على أن محمدا لا يمكن أن يكون مصدر هذا الكتاب ولا منبع هذا الفيض بل قصاراه أنه مهبط هذا التنزيل وأنه يتلقاه من لدن حكيم عليم.\nالمثال الحادي عشر وهو من عجائب هذا الباب أن القرآن عرض لتعيين بعض أحداث جزئية تقع في المستقبل لشخص معين ثم تحقق الأمر كما أخبر هذا هو الوليد ابن المغيرة المخزومي يقول الله فيه: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ أي سنجعل له علامة على أنفه يعرف بها وقد كان ففي غزوة بدر الكبرى خطم ذلك الرجل بالسيف أي ضرب به أنفه وبقي أثر هذه الضربة سمة فيه وعلامة له ولعلك لم تنس أن الوليد هو الذي نزل فيه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وما بعدها من الآيات التي ذكرناها قبلا وهو أيضا الذي نزلت فيه هنا هذه الآيات من سورة القلم: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ نعوذ به تعالى من الكفر والعناد وسوء الأخلاق ونسأله الإيمان الكامل والعمل الصالح والخلق الفاضل آمين.","vol":"2","page":380},{"text":"على هامش الوجه السابع\nفي هذا الوجه من الإعجاز على ما شرحنا ومثلنا معجزات كثيرة لا معجزة واحدة لأن كل نبأ من أنباء الغيب معجزة فانظر ما عدة تلك الأنباء يتبين لك عدد تلك المعجزات.\nوإنه ليروعك هذا الإعجاز إذا لاحظت أن هذه الكثرة الغامرة لم تتخلف منها قط نبوءة واحدة بل وقعت كما أنبأ على الحال الذي أنبأ ولو تخلفت واحدة لقامت الدنيا وقعدت وطبل أعداؤه ورقصوا فرحا بالعثور على سقطة لهذا الذي جاءهم من فوقهم وتحداهم بما ليس في طوقهم وسفه معبوداتهم ومعبودات آبائهم ولو كان ذلك لنقل وتواتر ما دامت هذه الدواعي متوافرة على نقله وتواتره كما ترىز\nويزيد في أمر هذا الإعجاز أن المتحدث بهذه الأنباء الغيبية أمي نشأ في الأميين وأن من هذه الأنباء ما كان تحديا وإجابة لسؤال العلماء من أهل الكتاب كما سألوه ﷺ عن أصحاب الكهف وذي القرنين عن الروح ونحوها وأجابهم عما سألوا وهم يعلمون أنه غيب بالنسبة إليه ليست لديه وسيلة عادية للعلم به ولم يؤثر عنهم أنهم كذبوه في شيء مما أخبر تكذيبا يستندون فيه إلى دليل بل هو الذي كان يكذبهم فيما حرفوه ويرشدهم إلى حقيقة ما بدلوه ويتحداهم بما في أيديهم إذا جادلوه وإليك شاهدا على ذلك:\nقالت اليهود مرة للنبي ﷺ إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال ﵇ كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله فقالت اليهود إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح ﵉ فنزل تكذيبا لهم وتحديا بالتوراة التي عندهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ","vol":"2","page":381},{"text":"الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، ُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .\nيضاف إلى ما ذكرنا أن النبي ﷺ كان يخفى عليه وجه الصواب في بعض ما يعنيه من الشؤون ويهمه من الأمور فكان يتوقف تارة كما توقف في حديث الإفك مدة حتى نزل الوحي ببراءة عائشة زوجه وبنت صديقه وكان يجتهد ويخطئ تارة أخرى كما حدث في أسرى بدر على ما سيأتي فلو كانت هذه الأنباء الغيبية نابعة من نفسه ولم تكن من ربه لكان الأحرى به أن يعرف وجه الصواب في أمثال تلك الشؤون والمهام مع أن أسباب العلم فيها أقرب إلى اليسر والسهولة من تلك الغيبيات التي تقطعت أسبابها العادية جملة ومع أن الرسول قد آلمه ما أصابه من جراء عدم علمه بأمثال تلك الشؤون والمهام وإلى ذلك يشير القرآن في قوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .\nمعجزات يكشف عنها العلم الحديث\nويتصل بما ذكرنا من أنباء الغيب نوع طريف لم يكشف عنه إلا العلم في العصر الحديث وكان قبل ذلك مخبوءا في ضمير الزمن خفيا على المعاصرين لنزول القرآن حتى صاغ أعداء الله من هذا الخفاء شبهة ولفقوا منه تهمة وما علموا أن جهلهم لا يصح أن يكون حجة: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ وإليك أمثلة ثلاثة من هذا النوع:\n١ - معجزة يكشف عنها التاريخ الحديث:\nقال العلامة صاحب مجلة الفتح الغراء: في سورة التوبة نقرأ هذه الآية الكريمة:","vol":"2","page":382},{"text":"﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ فصدر هذه الآية وهو جملة ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ يتضمن من وقائع التاريخ وحقائق العلم أمرا لم يكن أحدا يعرفه على وجه الأرض في عصر نزول القرآن.\nذلك أن اسم عزير لم يكن معروفا عند بني إسرائيل إلا بعد دخولهم مصر واختلاطهم بأهلها واتصالهم بعقائد ووثنيتها واسم عزير هو أوزيرس كما ينطق به الإفرنج أو عوزر كما ينطق به قدماء المصريين وقدماء المصريين منذ تركوا عقيدة التوحيد وانتحلوا عبادة الشمس كانوا يعتقدون في عوزر أو أوزيرس أنه ابن الله وكذلك بنو إسرائيل في دور من أدوار حلولهم في مصر القديمة استحسنوا هذه العقيدة عقيدة أن أوزيرس ابن الله وصار اسم أوزيرس أو عوزر عزير من الأسماء المقدسة التي طرأت عليهم من ديانة قدماء المصريين وصاروا يسمون أولادهم بهذا الاسم الذي قدسوه كفرا وضلالا فعاب الله عليهم ذلك في القرآن الحكيم ودلهم على هذه الوقائع من تاريخهم الذي نسيه البشر جميعا.\nإن اليهود لا يستطيعون أن يدعوا في وقت من الأوقات أن اسم عزير كان معروفا عندهم قبل اختلاطهم بقدماء المصريين وهذا الاسم في لغتهم من مادة عوزر وهي تدل على الألوهية ومعناه الإله المعين وكانت بالمعنى نفسه عند قدماء المصريين في اسم عوزر أو أوزيرس الذي كان عندهم في الدهر الأول بمعنى الإله الواحد ثم صاروا يعتقدون أنه ابن الله عقب عبادتهم للشمس واليهود أخذوا منهم هذا الاسم في الطور الثاني عندما كانوا يعتقدون أن أوزيرس ابن الله.\nفهذا سر من أسرار القرآن لم يكتشف إلا بعد ظهور حقيقة ما كان عليه قدماء المصريين في العصر الحديث وما كان شيء من ذلك معروفا في الدنيا عند نزول القرآن حتى إن أعداء الإسلام كانوا يصوغون من جهلهم بهذه الحقيقة التاريخية شبهة يلطخون بها وجه الإسلام ويطعنون بها في القرآن فقال اليهود منهم إن القرآن يقولنا ما لم نقل","vol":"2","page":383},{"text":"في كتبنا ولا في عقائدنا وأتى دعاة النصرانية منهم بما شاء لهم أدبهم من السب والطعن والزراية بالقرآن ودين الإسلام ونبي الإسلام اهـ بتصرف طفيف\n٢ - معجزة يكشف عنها الطب الحديث\nكتب العلامة المرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا في مجلة الأزهر الغراء يقول في مقال له تحت عنوان الطب وصيام شهر رمضان من الناس من يتوهم أن في صيام رمضان وهو من أركان الإسلام مضرة تلحق بالصائم لما يصيب الجهاز الهضمي خاصة وغيره عامة ولما يكون من بعض الصائمين من انفعال وغضب وهذا خطأ لأن ما ذهبوا إليه ليس من الصيام في شيء ولكنه من ترك الاعتدال في طعام الإفطار والسحور ولأنهم لم يراعوا ما يتناسب مع خلو المعدة النهار كله في وقت الإفطار لأن السحور يجب أن يقتصر على بضع لقيمات لأنه لا ضرر من الجوع في حد ذاته وبما أن الصيام يستعمل طبيا في حالات كثيرة ووقاية في حالات أكثر وأن كثيرا من الأوامر الدينية لم تظهر حكمتها وستظهر مع تقدم العلوم رأيت من الواجب على أن أكتب عما ظهر طبيا للآن من فوائده هذه الأوامر وإيضاح آيات قرآنية لأبين معناها الذي لا يظهر إلا لمن بحث عنها في نور الطب الحديث وسأبدأ بالصيام.\nالصيام:\nللصيام فوائد في ثلاث جهات أولاها وأهمها الجهة الروحية وهذه أتركها لعلماء الدين والمتصوفة منهم ثانيها الجهة الأخلاقية وهذه أتركها لعلماء الأخلاق ومن السهل البرهنة على أن الصيام يعود الإنسان النظام والقناعة وطاعة الرؤساء والصبر وكبح شهوات النفس وحب الخير والصدقة وغير ذلك من الفضائل وثالثها وأقلها أهمية الجهة المادية أو الصحية وهي محل بحثنا.","vol":"2","page":384},{"text":"لقد ظهر أن الصيام يفيد في حالات كثيرة وهو العلاج الوحيد في أحوال أخرى وهو أعم علاج إن لم يمكن العلاج الوحيد للوقاية من أمراض شتى.\nفللعلاج يستعمل في:\n١ - اضطرابات الأمعاء المزمنة المصحوبة بتخمر في المواد الزلالية والنشوية وهنا ينجح الصيام وخصوصا عدم شرب الماء بين الأكلتين وأن تكون بين الأكلة والأخرى مدة طويلة كما في صيام رمضان ويمكن أخذ الغذاء المناسب حسب حالة التخمر وهذه الطريقة هي أنجع طريقة لتطهير الأمعاء.\n٢ - زيادة الوزن الناشئ من كثرة الغذاء وقلة الحركة فالصيام أنجع من كل علاج مع الاعتدال وقت الإفطار في الطعام والاكتفاء بالماء في السحور.\n٣ - زيادة الضغط الذاتي وهو آخذ في الانتشار بازدياد الترف والانفعالات النفسية ففي هذه الحالة يكون شهر رمضان نعمة وبركة خصوصا إذا كان وزن الشخص أكثر من الوزن الطبيعي لمثله.\n٤ - البول السكري وهو منتشر انتشار الضغط ويكون في مدته الأولى وقبل ظهوره مصحوبا غالبا بزيادة الوزن فهنا يكن الصيام علاجا نافعا إذ إن السكر يهبط مع قلة السمن ويهبط السكر في العادة بعد الأكل بخمس ساعات إلى أقل من الحد الطبيعي في حالات البول السكري الخفيف وبعد عشر ساعات إلى أقل من الحد الطبيعي بكثير ولا يزال الصيام مع بعض الملاحظات في الغذاء أهم علاج لهذا المرض حتى بعد ظهور الأنسولين خصوصا إذا كان الشخص يزيد على الوزن الطبيعي ولم يكن هناك علاج لهذا المرض قبل الأنسولين غير الصيام.\n٥ - التهاب الكلى الحاد والزمن المصحوب بارتشاح وتورم.","vol":"2","page":385},{"text":"٦ - أمراض القلب المصحوبة بتورم.\nالتهاب المفاصل المزمنة خصوصا إذا كانت مصحوبة بسمن كما يحصل عند السيدات غالبا بعد سن الأربعين وقد شوهدت حالات تتمشى في شهر رمضان بالصيام فقط أكثر مما تتمشى مع علاج سنوات بالكهرباء والحقن والأدوية وكل الطب الحديث.\nوب سائل يقول ولكن الصيام في كل هذه الحالات يحتاج إلى إرشاد طبيب في كل مرض على حدته والصيام الذي كتب على المسلمين إنما كتب على الأصحاء وهذا صحيح ولكن فائدة الصيام للأصحاء ... هي الوقاية من هذه الأمراض وخصوصا الأمراض التي مر ذكرها تحت رقم ١و٢و٣و٧.\nوهذه الأمراض كلها تبتدئ في الإنسان تدريجا بحيث لا يمكن الجزم بأول المرض فلا الشخص ولا طبيبه يمكنهما أن يعرفا أول المرض لأن الطب لم يتقدم بعد إلى الحد الذي يعرف فيه أسباب هذه الأمراض كلها ولكن من المؤكد طبيا أن الوقاية من كل هذه الأمراض هي في الصيام بل إن الوقاية فعالة جدا قبل ظهور أعراض المرض بوضوح وقد ظهر بإحصاءات لا تقبل الشك أن زيادة السمن يصحبها استعداد للبول السكري وزيادة الضغط الذاتي للدم والتهاب المفاصل المزمن وغير ذلك ومع قلة الوزن الاستعداد لهذه الأمراض بالنسبة نفسها وهذا هو السر في أن شركات التأمين لا تقبل تأمينا على الأشخاص الذين يزيد وزنهم إلا بشروط تثقل كلما زاد الوزن والصيام مدة شهر كل سنة هو خير وقاية من كل هذه الأمراض.\nوهذه الأمراض تنتشر بزيادة الحضارة والترف فقد انتشرت في أوروبا أكثر من الأول وفي مصر يكاد يكون البول السكري وزياد ضغط الدم مقتصرين على الطبقات الوسطى والعليا وهو قليل جدا في الفقراء.\nويغلب على الظن أن ذلك هو السر في الصيام في الإسلام أشد منه في الأديان","vol":"2","page":386},{"text":"السابقة لأن الإسلام وهو آخر الشرائع السماوية جاء في زمن نحتاج فيه إلى الوقاية من أمراض تزداد كلما ازداد الترف اهـ ﵀ عليه.\n٣ - معجزة يكشف عنها علم الاجتماع\nكتب العلامة مدير مجلة الأزهر الغراء تحت عنوان معجزات القرآن العلمية القرآن يضع أصول علم الاجتماع قبل العلم بأكثر من ألف سنة مقالا ضافيا نقتطف منه ما يلي:\nلما جاء الإسلام وشرع أهله في إحياء موات العلم ونقل كتبه القيمة إلى لغتهم نظروا في كل شيء مستهدين بالأصول الأولية للقرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فأدركوا على وجه عام أن لكل شيء في هذا الوجود نظاما يجري عليه كما فعل بعض المؤرخين وخاصة ابن خلدون ولكن المعارف التي كانت قد جمعت عن الأمم لم تكن تكفي لتكوين علم خاص بها وتلت هذا الدور نهضة أوروبا فادخر الله هذا السبق للفيلسوف الفرنسي الكبير \"أوجست كومت ١٧٩٨ – ١٨٥٣\" واضع أصول الفلسفة الوضعية فإنه أول من جعل للاجتماع علما ووضعه في رأس جميع العلوم البشرية لشرف موضوعه من ناحية ولأنه لا يتسنى إلا لمن يأخذ من كل علم بطرف لتشعب بحوثه واستنادها على جملة المعارف البشرية.\nفعلم الاجتماع البشري أحدث العلوم وضعا ولكنه أشرفها موضوعا إذ يعرفنا على أي الأصول تقوم الجماعات وبأيها تحفظ وجودها وترتقي وما هي عوامل التأليف التي تقوي وجودها وعوامل التحليل التي تفصم عرى ألفتها وهذه كلها معارف عالية ضرورية للمجتمع ضرورة على قوانين الصحة والطب لآحاده.\nثم ذكر من قواعد علم الاجتماع أن الإنسان لا يستطيع أن يؤثر في المجتمع لمجرد رأي","vol":"2","page":387},{"text":"يبدو له في إصلاحه ولكن ذلك لا يكون إلا إذا فهم الكافة سداد هذا الرأي وعملوا به عند ذاك يوجد في المجتمع ميل جديد للتحول عن الجهة التي يراد تحويله منها إلى الوجهة التي يريده على أن يكون عليها وهذا كله مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فمعنى الآية أن الأمة التي تريد أن يحول الله عنها حالا لا ترضاه لمجتمعها يجب عليها أن تغير من نفسيتها أولا فإن فعلت حول الله عنها ما تكره ووجه إليها من نعمه ما تحب وهذا وحده معجزة علمية للقرآن كان يجب أن يعقد لها فصل خاص وأن يشاد بذكرها أعظم إشادة فكشف هذا السر يجعلنا ندرك سر تنبيه القرآن على وجوب الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر وبعد أن ساق أدلة عن الكتاب والسنة على ذلك قال:\nالقرآن أثبت أن للاجتماع نواميس ثابتة قبل أن يتخيلها أعلم علماء الأرض تخيلا وقد رأيت أن تعيين تلك النواميس والتحسس مما خفي منها هو الشغل الشاغل اليوم لفلاسفة الاجتماع فقال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ .\nولم يكتف الكتاب بهذا وحده ولكنه قرر أيضا أن الجماعات كالآحاد لها آجال لا نستطيع أن نتعداها وهو ما هدى إليه علم الاجتماع بعد أن وجد أن وجوه الشبه بين الفرد والمجتمع واحدة فقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وقد تكرر مثلها في سور كثيرة من القرآن الكريم.\nفالذي يتامل في سبق القرآن الكريم العالم كله أكثر من عشرة قرون في وضع أصول العلم الاجتماعي ويكون من غير أهل هذا الدين يدهش كل الدهش ولا يكاد يصدق عينيه وسندأب نحن من جهتنا على تجلية الأصول العلمية مستخرجين إياها من","vol":"2","page":388},{"text":"الكتاب الكريم ليتحقق العالم أنه على ما يقوله موحيه ﷾: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .\nوبذلك يتضح سر نهضة المسلمين التي حصلت لهم زعامة العلم والحكمة في العالم في سنين معدودة فإنهم لو كانوا بدؤوا حياتهم العلمية على النحو الذي تبدؤها به كل أمة ما استطاعوا أن يبزوا الأمم التي تقدمتهم في هذا السبيل بقرون كثيرة ولكنهم لبدئهم إياها مستنيرين بهذه الأصول القرآنية العالية بلغوا منها أوجا في مدى قصير لم تبلغه أمة في آماد طويلة وعلى المسلمين اليوم أن يدركوا هذا الأمر الجلل وأن يجعلوا كتابهم نبراسا لهم في اقتباسهم العلم عن الأمم الغربية ليبلغوا منه ما بلغه أسلافهم في عهدهم الأول ويزيدوا عليه ما هدى إليه البشر في العصور الأخيرة اهـ.","vol":"2","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>الوجه الثامن آيات العتاب</span>\nومعنى هذا أن القرآن سجل في كثير من آياته بعض أخطاء في الرأي على الرسول ﷺ ووجه إليه بسببها عتابا نشعر بلطفه تارة وبعنفه أخرى ولا ريب أن العقل المنصف يحكم جازما بأن هذا القرآن كلام الله وحده ولو كان كلام محمد ما سجل على نفسه هذه الأخطاء وهذا العتاب يتلوهما الناس بل ويتقربون إلى الله بتلاوتهما حتى يوم المآب.\nالخطأ في الاجتهاد ليس معصية:\nوننبهك في هذه المناسبة إلى أن هذا الخطأ ليس معصية حتى يقدح ذلك في عصمة الرسول ﷺ إنما هو خطأ فحسب بل هو من نوع الخطأ الذي يستحق صاحبه أجرا لأنه صادر عن اجتهاد منه والاجتهاد الصالح وهو بذل الجهد في الاطلاع والبحث والموازنة والاستنتاج مجهود شاق يبذله صاحبه لغرض شريف فليس من الإنصاف حرمانه من المكافأة متى كان أهلا للاجتهاد وإن أخطأ لأن الإنسان ليس في وسعه أن يكون معصوما","vol":"2","page":389},{"text":"من الخطأ بل المجتهد يخطئ بعد أن يبذل وسعه في طلب الصواب وهو يتمنى ألا يخطئ بل وهو يخشى أشد الخشية أن يخطئ والله تعالى يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وعلى هذا قررت شريعتنا السمحة أن المجتهد له أجر إن أخطأ وأجران إذا أصاب روى الجماعة كلهم حديث \"إذا حكم الحاكم في شيء فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد\" بل كان النبي ﷺ يعطي أمراء الجيوش والسرايا حق الحكم بما يرون فيه المصلحة ويقول للواحد منهم \"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا\" رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه.\nولا ريب أن الرسول ﷺ كان في موضع الإمامة الكبرى للخلق فكان من حكمة الله أن يجتهد ليقلده الخلق في الاجتهاد وأن يخطئ في بعض الأمور لئلا يصرفهم خوف الخطأ في الاجتهاد عن الاجتهاد ما دام أفضل الخلق على الإطلاق قد أخطأ ومع خطئه لم يمتنع عن الاجتهاد بل عاش طوال حياته يجتهد في كل ما لم ينزل عليه فيه وحي حتى يتقرر في الناس مبدأ الانتفاع بمواهب العقول وثمار القرائح ويتحرر الفكر البشري من رق الجمود والركود ثم كان من حكمة الله أيضا أن يقف رسوله على وجه الصواب فيما أعوزه فيه الصواب ليعلم الناس أنه ليس كأحدهم ولا أن اجتهاده كاجتهادهم بل اجتهاده حجة دونهم لأنه مؤيد من لدن ربه يتولاه مولاه دائما حتى لا يقره على خطأ في الأمور الاجتهادية وهنا يزداد الذين آمنوا إيمانا به وثقة بكل ما صدر عنه ثم يقتدون به في وجوب الخضوع للحق إذا ظهر كما كان الرسول ﷺ يخضع له ويعلنه ويعلن خطأه فيما أخطأ فيه لا تأخذه العزة بالإثم ولا تلويه العظمة عن حق بل هنا سر العظمة وسر النهضة وسر تربية الأمة بالقدوة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .","vol":"2","page":390},{"text":"إنما العار الجارح لكرامة البشر أن يجمد الإنسان فلا يجتهد وهو أهل للاجتهاد أو يجمد المجتهد على رأيه وإن كان عظيما بعد أن يستعلن له خطؤه مع أن الرجوع إلى الحق فضيلة والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والكمال المطلق لله وحده وفي الحديث \"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون\".\nيضاف إلى ما ذكرنا من الحكم والأسرار في أخطاء الرسول الاجتهادية أمر آخر له قيمته وخطره وهو إقامة أدلة مادية ناطقة على بشرية الرسول وعبوديته وأنه وهو أفضل خلق الله لم يخرج عن أن يكون عبدا من عبيد الله يصيبه من أعراض العبودية ما يصيب العباد ومن ذلك خطؤه في الاجتهاد وبذلك لا يضل المسلمون في إطرائه ولا يغلون في إجلاله كما ضل النصارى في ابن مريم ولقد نبه الرسول ﷺ إلى ذلك فقال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله\" رواه البخاري وقال: \"إنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما قلت لكم قال الله فلن أكذب على الله\" رواه أحمد وابن ماجه وقال ﷺ \"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها\" رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن.\nوخلاصة القول أن في هذا المقام أمورا ثلاثة:\nأولها أن خطأ الرسول ﷺ لم يكن من جنس الأخطاء المعروفة التي يتردى فيها كثير من ذوي النفوس الوضيعة كمخالفة أمر من الأوامر الإلهية الصريحة أو ارتكاب فعل من الأفعال القبيحة إنما كان خطؤه ﵊ في أمور ليس لديه فيها نص صريح فأعمل نظره وأجال فكره وبذل وسعه ولكن على رغم ذلك كله أخطأ.","vol":"2","page":391},{"text":"ثانيها أن الله تعالى لم يقر رسوله على خطأ أبدا لأنه لو أقره عليه لكان إقرارا ضمنيا بمساواة الخطأ للصواب والحق للباطل ما دامت الأمة مأمورة من الله باتباع الرسول ﷺ فيما يقول ويفعل ولكان في ذلك تلبيس على الناس وتضليل لهم عن الحق الذي فرض الله عليهم اتباعه ولكان ذلك مدعاة إلى التشكك فيما يصدر عن الرسول ﷺ ضرورة أنه على هذا الفرض قد يجتهد ويخطئ ولا يرشده الله إلى وجه الصواب فيما أخطأ وهذه اللوازم كلها باطلة لا محالة فبطل ملزومها وثبت أن الحكيم العليم لا يمكن أن يقر القدوة العظمى على خطأ أبدا بل يبين له وجه الصواب وقد يكون مع هذا البيان لون من ألوان العتاب لطيفا أو عنيفا توجيها له وتكليما لا عقوبة وتنكيلا.\nثالثها أن الرسول ﷺ كان يرجع الصواب الذي أرشده مولاه دون أن يبدي غضاضة ودون أن يكتم شيئا مما أوحي إليه من تسجيل الأخطاء عليه وتوجيه العتاب إليه وفي ذلك لا ريب أنصع دليل على عصمته وأمانته وعلى صدقه في كل ما يبلغ عن ربه وعلى أن القرآن ليس من تأليفه ووضعه ولكن تنزيل العزيز الرحيم\nآيات العتاب نوعان:\nأما بعد فإن العتاب الموجه للرسول في القرآن على نوعين نوع لطيف لين ونوع عنيف خشن ولنمثل لها بأمثله ثلاثة:\nالمثال الأول قوله تعالى: في سورة التوبة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ وذلك أنه ﵇ كان قد أذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك حين جاؤوا يستأذنون ويعتذرون فقبل منهم تلك الأعذار أخذا بظواهرهم ودفعا لأن يقال إنه لا يقبل العذر من أصحاب الأعذار ولكن الله تعالى عاتبه كما ترى وأمره بكمال التثبت والتحري وألا ينخدع بتلك الظواهر فإن من وارثها أسفل المقاصد والله أعلم بما يبيتون ولعله لم يخف عليك لطف هذا العتاب بتصدير العفو فبه خطابا للرسول من رب الأرباب!.","vol":"2","page":392},{"text":"المثال الثاني قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وذلك أنه وقع في أسر المسلمين يوم بدر سبعون من أشراف قريش فاستشار الرسول أصحابه فيهم فمنهم من اشتد وأبى عليهم إلا السيف ومنهم من رق لحالهم وأشار بقبول الفداء منهم وكان الرسول ﷺ مطبوعا على الرحمة ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فرجح بمقتضى طبعه الكريم ورحمته الواسعة رأى من أشار بقبول الفداء عسى أن يسلموا أو يخرج الله من أصلابهم من يعبده ويمجده ولينتفع المسلمون بمال الفدية في شؤونهم الخاصة والعامة ولكن ما لبث حتى نزلت الآيات الكريمة المذكورة وفيها تسجيل لخطأ ذلك الإجتهاد المحمدي فلو كان القرآن كلامه ما سجل على نفسه ذلك الخطأ!\nأمر آخر في هذه الآيات ظاهرة عجيبة هي الجمع بين متقابلات لا تجتمع في نفس بشر على هذا الوجه فصدرها استنكار للفعل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن وعقب هذا الاستنكار عتاب قاس مر وتخويف من العذاب تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وفي أثر هذا الاستنكار والعتاب والتخويف إذن بالأكل ووصف له بالطيب والحل وبشارة بالمغفرة والرحمة لمن أكل فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ومثلك يعلم أن نظم هذه المتقابلات في سلك واحد بهذه الصورة لآمر واحد ومأمور واحد لا يمكن أن يصدر من نفس بشرية هكذا من غير فاصل بين الإنكار والإذن ولا بين المدح والذم ولا بين الوعيد والوعد لأن من طبيعة البشر أن يشغلهم شأن عن شأن ولا يجتمع لهم في أمر واحد ووقت واحد خاطران متقابلان ولا حالان متنافيان كالغضب والرضا والإستهجان","vol":"2","page":393},{"text":"والاستحسان بل إذا تواردا على النفس فإنما يرادن متعاقبين في زمنين وإذا تعاقب فاللاحق منهما يمحو السابق وإذا محاه لم يبق معنى لإثباته وتسجيله بل من الطبيعي تركه والإضراب عنه خصوصا إذا كان هذا الخاطر الأول وإعلانا لتخطئة المتكلم ونقده ولومه كقبول الفداء في هذا المقام وأكله.\nفلا جرم أن هذه الظاهرة تأبى هي الأخرى إلا أن تكون دليل إعجاز وبرهان صدق على أن هنا نفسيتين مختلفتين نفسية لا يشغلها شأن ولا تتأثر ببواعث الغضب والرضا كما يتأثر الإنسان ونفسية نسبتها إلى الأخرى نسبة المأمور من آمره والمسود من سيده ولكن مع الحب والقرب فهذه الآيات الكريمة ليست إلا كلام سيد عزيز يقول لعبده الحبيب أخطأت فيما مضى وما كان لك أن تفعل ولكني عفوت وغفرت وأذنت لك بمثله في المستقبل!\nالمثال الثالث قول ﷿: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ وذلك أن النبي ﷺ كان مشتغلا ذات يوم بدعوة أشراف من قريش إلى الإسلام وإذا عبد الله بن أم مكتوم يجيء ويسأل الرسول ﷺ وكان عبد الله رجلا أعمى تشرف بهداية الإسلام من قبل ولم يقدر تشاغله بدعاية هؤلاء الصناديد الذين كان النبي ﷺ حريصا على هدايتهم كل الحرص وكان يستمليهم ويتألفهم إليه طمعا في أن يسلموا فلا يلبث جماهير العرب أن تقتدي بهم في إسلامهم وفي أي شيء جاء هذا الصحابي يسأل أنه مسلم فطبيعي انه لم يسأله عن الإسلام بل جاء يستزيده من الهداية والعلم ويقول: \"يا رسول الله علمني مما علمك الله\".\nوجد الرسول ﷺ نفسه بين قوم غلاظ مشركين يدعوهم إلى الإسلام ورجل وديع مسلم يستزيده من العلم فآثر الإقبال على أولئك الصناديد وعبس في وجه ابن أم مكتوم هذا واعرض عنه لا احتقارا له وغضا من شأنه ولكن حرصا على هداية هؤلاء خوفا","vol":"2","page":394},{"text":"من أن تفوت هذه الفرصة السانحة لدعوتهم فأنزل الله على رسوله تلك الآيات السالفة يعاتبه فيها ذلك العتاب القاسي الخشن ويفهمه أن حرصه على الهداية ما كان ينبغي أن يصل به إلى حد الإقبال الشديد على هؤلاء الصناديد وهم عنه معرضون ولا إلى حد الإعراض العابس في وجه هذا الضعيف الأعمى وهو عليه مقبل.\nوكأني بك تحسن حرارة هذا العتاب وذلك لتقرير مبدأ من المبادئ العالية هو الإعراض عن المعرضين مهما عظم شانهم والإقبال على المقبلين مهما رق حالهم واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ولعلك تلمح معي من وراء هذا العتاب رحمة الرسول بأعدائه وإخلاصه لدعوته وتفانيه في وظيفته وحرصه على هداية الناس أجمعين زاده الله شرفا على شرفه وعزا على عزه آمين.","vol":"2","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>الوجه التاسع: ما نزل بعد طول انتظار</span>\nومعنى هذا أن القرآن آيات كثيرة تناولت مهمات الأمور ومع ذلك لم تنزل إلا بعد تلبث وطول انتظار فدل هذا على أن القرآن كلام الله لا كلام محمد لأنه لو كان كلام محمد ما كان معنى لهذا الانتظار فإن الانتظار في ذاته شاق وتعلقه بمهمات الأمور يجعله أشق خصوصا على رجل عظيم يتحدى قومه بل تحدى العالم كله!.\nولبيان هذا الوجه نمثل بأمثلة خمسة:\nأولها حادث تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة نزل فيه قول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فأنت تفهم معي من هذه الآية أن محمدا ﷺ","vol":"2","page":395},{"text":"كان يتحرق شوقا إلى تحويل القبلة إلى الكعبة ومن أجل ذلك كان يقلب وجهه في السماء تلهفا إلى نزول الوحي بهذا التحويل ولقد طال به الأمر سنة ونصف سنة وهو يستقبل بيت المقدس فلو كان القرآن من وضعه لنفس عن نفسه وأسعفها بهذا الذي تهفو إليه نفسه ويصبو إليه قومه لأن الكعبة في نظرهم هي مفخرتهم ومفخرة آبائهم من قبلهم.\nثانيها حادث الإفك وهو من أخطر الأحداث وأشنعها لم ينزل القرآن فيه إلا بعد أن مضى على الحادث قرابة أربعين يوما على حين أنه يتصل بعرض الرسول وعرض صديقه الأول أبي بكر وقام على اتهام أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ورميها بأقذر العار وهو عار الزنى فلو كان القرآن كلام محمد ما بخل على نفسه بتلك الآيات التي تنقذ سمعته وسمعة زوجه الحصان الطاهرة ولما انتظر يوما واحدا في القضاء على هذه الوشايات الحقيرة الآثمة التي تولى كبرها أعداء الله المنافقون اقرأ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في سورة النور ثم حدثني بعد قراءتها ألم يكن الواجب على محمد ﷺ أن يعجل الحكم بهذه البراءة لو كان الأمر إليه خصوصا أنه قد علم الناس وجوب الدفاع عن العرض ولو بالنفس؟ ثم أخبرني ألا ترى فارقا كبيرا بين هذه اللغة الجريئة القاطعة المنذرة والمبسرة التي صيغت بها آيات البراءة وبين لغة الرسول الحذرة المتحفظة التي رويت عنه في هذه الحادثة إن كنت في شك فأمامك آيات البراءة وهاك كلمتين مما أثر عنه في هذا الأمر الجلل ورد أنه قال حين طال الانتظار وبلغت القلوب الحناجر إني لا أعلم إلا خيرا وورد أنه قال قبيل الساعة التي نزلت فيها آيات البراءة يا عائشة أما إنه قد بلغني كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله.\nفهل يجوز في عقل عاقل أن يكون صاحب هذا الكلام هو صاحب آيات البراءة؟","vol":"2","page":396},{"text":"دع عنك الأسلوبين ولكن تأمل النفسيتين المتميزتين في الكلامين تميز السيد من المسود والعابد من المعبود!\nثالثها ما ورد من أن النبي ﷺ سئل عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فقال لسائليه ائتوني غدا أخبركم ولم يقل إن شاء الله فأبطأ عليه الوحي حتى شق ذلك عليه وكذبته قريش وقالوا ودعه ربه وقلاه أي تركه ربه وأبغضه فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ثم نهاه مولاه أن يترك المشيئة مرة أخرى إذ قال له في سورة الكهف: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ولما نزل جبريل بعد هذا الإبطاء والتمهل قال له ما حكاه الله عنه في سورة مريم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ يعني أن عدم الإسراع بالنزول لم يكن سببه إعراض الله عنه كما يزعمون بل كان لعدم الإذن به لحكم بالغة قد عرضنا لبعضها في الكلام على أسرار تنجيم القرآن بالجزء الأول وحسبك هنا أن يستدل المنصف بهذا الإبطاء والتراخي على أن القرآن تنزيل العزيز الرحيم لا كلام النبي الكريم.\nرابعها ما ورد من أنه لما نزل قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ انخلعت قلوب الصحابة وذعروا ذعرا شديدا لأنهم فهموا من هذه الآية أن الله تعالى سيحاسبهم على كل ما يجول بخاطرهم ولو كانت خواطر رديئة ثم سألوا فقالوا يا رسول الله أنزلت علينا هذه الآية ولا نطيقها فقال لهم النبي ﷺ: \"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير\" فجعلوا يقولونها ويضرعون إلى الله بها حتى أنزل تقدست أسماؤه الآية الأخيرة من سورة البقرة وهي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة فسكنت نفوسهم واطمأنت قلوبهم وفهموا أنهم لا يحاسبون إلا على ما يقع تحت اختيارهم","vol":"2","page":397},{"text":"وفي دائرة طاقتهم من نية وعزم وقول وعمل أما خلجات الضمائر العابرة وخطرات السوء ولو كانت كافرة فلا يتعلق بها تكليف لأنها ليست في مقدور العبد والقرآن يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .\nفأنت ترى أن النبي ﷺ لم يبين لهم هذا البيان حين سألوه لأنه لم يوح وقتئذ إليه ولو كان من وحي نفسه كما يقول الأفاكون لأسعف أصحابه بالآية الأخيرة وأنقذهم من هول هذا الخوف الذي أكل قلوبهم لا سيما أنهم أصحابه وهو نبيهم ومن خلقه الرحمة خصوصا بهم ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وأيضا لو كان يملك هذا الكلام لعاجلهم بالبيان وإلا كان كاتما للعلم وكاتم العلم ملعون فأين يذهبون؟.\nخامسها ورد أن كبير المنافقين عبد الله بن أبي لما توفي قام إليه النبي ﷺ فكفنه في ثوبه وأراد أن يستغفر له فقال له عمر أتستغفر له وتصلي عليه وقد نهاك ربك فقال إنما خيرني ربي فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وسأزيده على السبعين ثم صلى عليه فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فترك الصلاة عليهم.\nاقرأ الرواية بتمامها في الصحيحين ثم نبئني هل يعقل أن يكون القرآن كلام محمد مع ما ترى من أنه ﷺ فهم في الآية الأولى غير ما فهم عمر ثم جاءت الآية الثانية صارفة للرسول عن فهمه ومؤيده لعمر أفما كان الأجدر به لو كان القرآن كلامه أن يكون هو أدرى الناس بمراده منه وأعرفهم بحقيقة المقصود من ألفاظه وأن يجيء آخر الكلام مؤيدا لما فهمه هو لا لما فهمه غيره لكن الواقع غير ذلك فقد سبق إلى فهمه أن كلمة ﴿أَوْ﴾ في الآية الأولى للتخيير وفهم عمر أنها للمساواة وفهم الرسول ﷺ أن المراد بكلمة ﴿سَبْعِينَ﴾ حقيقة العدد المعروف في العشرات بين الستين والثمانين وفهم عمر أنها للمبالغة للتحديد فلا مفهوم لها ولما كان ما فهمه الرسول ﷺ جاريا على أصل الوضع في معنى ﴿أَوْ﴾ وفي معنى ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾","vol":"2","page":398},{"text":"تمسك برأيه خصوصا أن فيه رحمة برجل من الناس وإن كان منافقا وكان ﷺ مطبوعا على الرحمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .","vol":"2","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>الوجه العاشر: مظهر النبي ﷺ عند هبوط الوحي عليه</span>\nوبيان ذلك أن النبي ﷺ كان في أول عهده بالوحي يتعجل في تلقفه ويحرك لسانه بالقرآن من قبل أن يفرغ أمين الوحي من إيحائه إليه وذلك للإسراع بحفظه والحرص على استظهاره حتى يبلغه للناس كما أنزل وكان ﵊ يجد من ذلك شدة على نفسه فوق الشدة العظمى التي يحسها من نزول الوحي عليه حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد وحتى إن جسمه ليثقل بحيث يحس ثقله من بجواره وحتى أن وجهه ليحمر ويسمع له غطيط روى مسلم \"أنه ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه الشريف\" فاقتضت رحمة الله بمصطفاه أن يخفف عنه هذا العناء فأنزل عليه في سورة القيامة: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وبهذا اطمأن الرسول ﷺ ثقة بأن الله قد تكفل له بأن يجمع القرآن في صدره وأن يقرأه على الناس كاملا لا ينقص كلمة ولا حرفا وأن يبين له معناه فلا تخفى عليه خافية منه كذلك قال الله في سورة الأعلى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ وقال له مرة ثالثة في سورة طه: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .\nألا ترى في هذا كله نورا يهدي إلى أن القرآن كلام الله وحده ومحال أن يكون كلام محمد وإلا لما احتاج إلى هذا العناء الذي كان يعانيه في نزول القرآن عليه ولكان الهدوء والسكون والصمت أجدى في إنضاج الفكرة وانتقاء ألفاظها لديه ولما كان ثمة من داع إلى أن يطمأن على حفظه وتبليغه وبيان معانيه أضف إلى ذلك أن هذه الحال","vol":"2","page":399},{"text":"التي كانت تعروه ﷺ عند الوحي لم تكن من عادته في تحضير كلامه لا قبل النبوة ولا بعدها ولم تكن من عادة أحد من قومه بل كان ديدنهم جميعا تحضير الكلام في نفوسهم وكفى!","vol":"2","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>الوجه الحادي عشر: آية المباهلة</span>\nوذلك أن القرآن دعا إلى المباهلة وهي مفاعلة من الابتهال والضراعة إلى الله بحرارة واجتهاد فأبى المدعوون وهم النصارى من أهل نجران أن يستجيبوا لها وخافوها ولاذوا بالفرار منها مع أنها لا تكلفهم شيئا سوى أن يأتوا بأبنائهم ونسائهم ويأتي الرسول بأبنائه ونسائه ثم يجتمع الجميع في مكان واحد يبتهلون إلى الله ويضرعون إليه بإخلاص وقوة أن ينزل لعنته وغضبه على من كان كاذبا من الفريقين قال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .\n\"ورد أنه ﵇ لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى ننظر فقال العاقب وكان ذا رأيهم والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل وما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله ﷺ وقد غدا متحضنا للحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول: \"إذا أنا دعوت فآمنوا\" فقال أسقف نجران يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني فقالوا: يا أبا القاسم رأينا ألا نباهلك فصالحهم النبي ﷺ على ألفي حلة كل سنة فقال ﵇: \"والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير\".","vol":"2","page":400},{"text":"وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كان المباهلة مختصة به وبمن يكذبه لأن ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحالة واستيفائه بصدقه حتى جرؤ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم وفيه دليل على صحة نبوة النبي ﷺ لأنه لو لم يرو أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك اهـ من تفسير النسفي.\nونقول: أليس هذا دليلا ماديا على أن القرآن كلام القادر على إنزال اللعنة وإهلاك الكاذب ثم أليس قبول محمد لهذه المبالهة مع امتناع أعدائه دليلا على أن صدقه في نبوته كان أمرا معروفا مقررا حتى في نفوس مخالفيه من أهل الكتاب وإلا فلماذا نكصوا على أعقابهم ولاذوا بالفرار من المباهلة تأمل كلمة العاقب وأسقف نجران في الرواية الآنفة لكنه الحقد والكبرياء أكلا قلوبهم فحسدوه أن آتاه الله النبوة دونهم مع أنه أمي وهم أهل كتاب وكبر عليهم أن يؤمنوا به ويدينوا له فتضيع رياستهم وتنحط منزلتهم في نفوس العامة والحسد والكبر من الحجب الكثيفة التي تحول بين المرء وسعادته فالحسود لا يسود والمتكبر مخذول لا يسترشد ولا يتوب؛ ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ معاذا بك اللهم من مقتك وغضبك ومن كل ما يؤدي إلى مقتك وغضبك آمين.","vol":"2","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>الوجه الثاني عشر: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له</span>\nوذلك أن أعداء الإسلام طلبوا النبي ﷺ أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن أو أن","vol":"2","page":401},{"text":"يبدله فلم يفعل وما ذاك إلا لأن القرآن ليس كلامه بل هو خارج عن طوقه آت من فوقه ولو كان كلامه لاستطاع أن يأتي بغيره وأن يبدله حين اقترحوا عليه وحينئذ يكتسب أنصارا إلى أنصاره ويضم أعوانا إلى أعوانه ويكون ذلك أروج لدعوته التي يحرص على نجاحها لكنه أعلن عجزه عن إجابة هذه المقترحات وأبدى مخاوفه إن هو أقدم على هذا الذي سألوه وتنصل من نسبة القرآن إليه مع أنه الفخر كل الفخر وألقمهم حجرا في أفواههم بتلك الحجة التي أقامها عليهم وهي أنه نشأ فيهم لا يعرف ولا يعرفون عنه ذلك الذي جاء به وهو القرآن.\nاقرأ - إن شئت - هاتين الآيتين في سورة يونس: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ والمعنى أن القرآن فوق طاقتي وليس من مقدوري وما أنا إلا ناقل له أتبع ما يوحى إلي منه وإني أخاف سطوة صاحب هذا الكتاب إذا أنا تلاعبت بنصوصه أو غيرت فيه فالقرآن كلامه ولو أراد ألا أكون رسولا بينه وبينكم ما كانت لي حيلة إلى أن أتلو هذا الكتاب عليكم وتأخذوه عني فقد نشأت بينكم ومكثت أكثر من أربعين سنة قبل نزوله - وهو عمر طويل - وأنتم لا تعرفون مني هذا الاستعداد الأعلى ولا تسمعون مني مطلقا مثل هذا الكلام المعجز ولم تأخذوا علي قط أني كذبت مرة على عبد من عباد الله فكيف أكذب على الله بعد هذا العمر الطويل ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يا لها كلمة فيها من لذعة التعنيف والتخجيل بمقدار ما فيها من لفت النظر إلى قوة الدليل!!","vol":"2","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>الوجه الثالث عشر: الآيات التي تجرد الرسول من نسبتها إليه</span>\nوذلك أنك تقرأ القرآن فتجد فيه آيات كثيرة تجرد الرسول محمدا ﷺ من أن يكون له فيها حرف أو كلمة وتصفه بأنه كان قبل نزول القرآن لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان وتمتن عليه بأن الله آتاه الكتاب والحكمة بعد أن كان بعيدا عنهما وغير مستعد لهما ولم يكن عنده رجاء من قبل لأن يكون منهل هذا الفيض ولا مشرق ذلك النور اقرأ قوله سبحانه في سورة النساء: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ وقوله في ختام سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ وقوله في سورة القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ .\nبل كان ﷺ يخاف انقطاع هذا المدد الفياض عنه فإذا فتر الوحي عراه من الحزن على فترته والتلهف على عودته ما يجعله يمشي في الشعاب والجبال كأنه يتلمسه حتى لقد كاد يتردى مرة من شاهق وهو يطلبه وأكثر من هذا أنه كان يخشى أن يتلفت منه شيء أثناء إيحائه إليه لولا أن طمأنه الله عليه كما تقدم شرحه في الوجه العاشر وأكثر من هذا وذاك أنه كان يخاف أن ينزع الله من قبله ما أنزل عليه وحفظه إياه، ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ .\nقل لي - وربك هل يتصور - منصف على وجه الأرض أن القرآن كلام محمد بعد ما قصصنا عليك من هذه الآيات التي تجرده من إنشائه ووضعه بل تجرده من رجاء نزوله عليه قبل مبعثه ومن رجاء بقائه لديه بعد نزوله عليه وهل يصح في الأذهان أن أحدا","vol":"2","page":403},{"text":"يبتكر بعبقريته أمرا هو مفخرة المفاخر ومعجزة المعجزات ثم يقول للعالم في صراحة ليس هذا الفخر فخري وما هو من صنعي وما كان لدي استعداد أن آتي بشيء منه وأنتم تعرفونني وتعرفون استعدادي من قبل؟\nألا إن هذا يخالف العقل والمنطق ويجافي العرف والعادة وينافي مقررات علم النفس وعلم الاجتماع فإن النفوس البشرية مجبولة على الرغبة في جلائل الأمور ومعاليها مطبوعة على حب كل ما يخلد ذكرها ويرفع شأنها لا سيما إذا كان ذلك نابعا منها وصادرا عنها وكان صاحب هذه النفس صدوقا ما كذب قط رافعا عقيرته بزعامة الناس ودعوتهم إلى الحق وليس شيء أجل شأنا ولا أخلد ذكرا من القرآن الكريم الذي جمع الله به شمل أمة وأقام به خير ملة وأسس به أعظم دولة فما كان لمحمد أن يزهد في هذا المجد الخالد ولا أن يتنصل من نسبته إليه لو كان من وصفه وصنعه وهو يدعو الخلق إلى الإيمان به وبما جاء به!\nوأي وجه لمحمد في أن يتنصل من نسبة القرآن إليه وهو صاحبه إنه إن كان يطلب الوجاهة والعلو والمجد فليس شيء أوجه له ولا أعلى ولا أمجد من أن يكون هذا القرآن كلامه وإن كان يطلب هداية الناس فالناس يسرهم أن يأخذوا الهداية مباشرة ممن يعجز الجن والإنس بكلامه ويتحدى كل جيل وقبيل ببيانه ويقهر كل معارض ومكابر ببرهانه ولو كان القرآن من تأليف محمد لأثبت به ألوهيته بدلا من نبوته لأن هذا القرآن لا يمكن أن يصدر إلا عن إله كما بينا في الوجوه السالفة للإعجاز وإذن لكانت تلك الألوهية أبلغ في نجاح دعوته وأرجى في ترويج ديانته لأن الناس تبهرهم الألوهية أكثر مما تبهرهم النبوة ويشرفهم أنهم أتباع إله أكثر من أن يشرفهم أنهم أتباع رسول لم يخرج ولن يخرج يوما من أرض العبودية ولم يرتق ولن يرتقي يوما إلى سماء الربوبية.","vol":"2","page":404},{"text":"فلو كان محمد صاحب هذا التنزيل لخرج عن مستوى الخلق جملة ولظهر في أفق الألوهية يطل على العالم بعظمه تنقطع دونها الأعناق وتخضع لها الرقاب وأن يحقق كل ما اقترحه معارضوه من الآيات ولكنه اعترف بعبوديته حينذاك وتبرأ من حوله وقوته إزاء هذا الكتاب وغيره من المعجزات وخوارق العادات اقرأ في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾؟.","vol":"2","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>الوجه الرابع عشر: تأثير القرآن ونجاحه</span>\nومعنى هذا أن القرآن بلغ في تأثيره ونجاحه مبلغا خرق به العادة في كل ما عرف من كتب الله والناس وخرج عن المعهود في سنن الله من التأثير النافع بالكلام وغير الكلام وبيان ذلك أن الإصلاح العام الذي جاء به القرآن والانقلاب العالمي الذي تركه هذا الكتاب ما حدث ولم يكن ليحدث في أي عهد من عهود التاريخ قديمه وحديثه إلا على أساس من الإيمان العميق القائم على وجدان قوي بحيث يكون له من السلطان القاهر على النفوس والحكم النافذ على العواطف والميول ما يصد الناس عن نهجهم الأول في عقائدهم التي توارثوها وعبادتهم التي ألفوها وأخلاقهم التي نشؤوا عليها وعاداتهم التي امتزجت بدمائهم وما يحملهم على اعتناق هذا الدين الجديد الذي هدم تلك الموروثات فيهم وحارب تلك الأوضاع المألوفة لديهم.\nوهذا الأساس الذي لا بد منه تقصر عنه في العادة جميع الكتب التعليمية التي يؤلفها العلماء والمصلحون وتعجز عن إيجاده كافة القوانين البشرية التي يضعها القادة والمشترعون لأن قصارى هذه الكتب والقوانين إذا وفقت أن تشرح الحقائق وتبين الواجهات","vol":"2","page":405},{"text":"لا أن تحمل على الإيمان والإذعان وتدفع إلى العمل بوحي هذا الإيمان وإذا فرض أن يؤمن بها أصحاب الاستعداد السليم فإيمان مجرد حينئذ من قوة الدفع ودفعة التحويل ولا سبيل في العادة إلى التأثير بها على الجماهير ونجاحها فيهم نجاحا عاما إلا بأمرين أحدهما تربية الأحداث وترويضهم عليها علما وعملا من عهد الطفولة والآخر قوة حاكمة تحمل الكبار على احترامها حملا بالقوة والقهر ومع هذا وذاك فتربية الصغار على هذا الغرار هيهات أن تكون تربية استقلالية بل هي تقليدية تفقد الدليل والبرهان وكذلك إجبار الكبار هيهات أن يصل إلى موضع الإذعان والوجدان!.\nلكن القرآن الكريم وحده وهو الذي نفخ الإيمان في الكبار والصغار نفخا وبثه روحا عاما وأشعر النفوس بما جاء فيه إشعارا ودفعها إلى التخلي عن موروثاتها ومقدساتها جملة وحملها على التحلي بهدية الكريم علما وعملا على حين أن الذي أتى بهذا القرآن رجل أمي لا دولة له ولا سلطان ولا حكومة ولا جند ولا اضطهاد ولا إجبار إنما هو الاقتناع والرغبة والرضا والإذعان ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.\nهذا الأساس الذي وضعه القرآن وحده هو سر نهضته وإن شئت فقل هو نار ثورته بل هو نور هدايته والروح الساري لإحياء العالم بدعوته وذلك عن طريق أسلوبه المعجز الذي هو النفوس والمشاعر وملك القلوب والعقول وكان له من السلطان ما جعل أعداءه منذ نزوله إلى اليوم يخشون بأسه وصولته ويخافون تأثيره وعمله أكثر مما يخافون الجيوش الفاتحة والحرب الجائحة لأن سلطان الجيوش والحروب لا يعدو هياكل","vol":"2","page":406},{"text":"الأجسام والأشباح أما سلطان هذا الكتاب فقد امتد إلى حرائر النفوس وكرائم الأرواح بما لم يعهد له نظير في أية نهضة من النهضات!.\nولقد أشار القرآن نفسه إلى هذه الوجه من وجوه إعجازه حين سمى الله كتابه روحا من أمره بقوله ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وحين سماه نورا بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ وحين وصف بالحياة والنور من آمن به في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ وفي قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ .\nهذا التأثير الخارق أو النجاح الباهر الذي نتحدث فيه أدركه ولا يزال يدركه كل من قرأ القرآن في تدبر وإمعان ونصفه حاذقا لأساليبه العربية ملما بظروفه وأسباب نزوله أما الذين لم يحذقوا لغة العرب ولم يحيطوا بهذه الظروف والأسباب الخاصة فيكفيهم أن يسألوا التاريخ عما حمل هذا الكتاب من قوة محولة غيرت صورة العالم ونقلت حدود الممالك وعن طريق استيلائها على قلوب المخاطبين به لأول مرة استيلاء أشبه بالقهر وما هو بالقهر وأفعل من السحر وما هو بالسحر سواء في ذلك أنصاره وأعداؤه ومحالفوه ومخالفوه وما ذاك إلا لأنهم ذاقوا بسلامة فطرتهم العربية بلاغته ولمسوا بحاستهم البيانية إعجازه فوجد تياره الكهربائي موضعا في نفوسهم لشرارة ناره أو لهطول غيثه وانبلاج أنواره!.\nتأثيره في أعدائه:\nأما أعداؤه المشركين فقد ثبت أنه جذبهم إليه بقوته في مظاهر كثيرة نذكر بعضها على سبيل التمثيل:","vol":"2","page":407},{"text":"الأجسام والأشباح أما سلطان هذا الكتاب فقد امتد إلى حرائر النفوس وكرائم الأرواح بما لم يعهد له نظير في أية نهضة من النهضات!.\nولقد أشار القرآن نفسه إلى هذه الوجه من وجوه إعجازه حين سمى الله كتابه روحا من أمره بقوله ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وحين سماه نورا بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ وحين وصف بالحياة والنور من آمن به في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ وفي قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ .\nهذا التأثير الخارق أو النجاح الباهر الذي نتحدث فيه أدركه ولا يزال يدركه كل من قرأ القرآن في تدبر وإمعان ونصفه حاذقا لأساليبه العربية ملما بظروفه وأسباب نزوله أما الذين لم يحذقوا لغة العرب ولم يحيطوا بهذه الظروف والأسباب الخاصة فيكفيهم أن يسألوا التاريخ عما حمل هذا الكتاب من قوة محولة غيرت صورة العالم ونقلت حدود الممالك وعن طريق استيلائها على قلوب المخاطبين به لأول مرة استيلاء أشبه بالقهر وما هو بالقهر وأفعل من السحر وما هو بالسحر سواء في ذلك أنصاره وأعداؤه ومحالفوه ومخالفوه وما ذاك إلا لأنهم ذاقوا بسلامة فطرتهم العربية بلاغته ولمسوا بحاستهم البيانية إعجازه فوجد تياره الكهربائي موضعا في نفوسهم لشرارة ناره أو لهطول غيثه وانبلاج أنواره!.\nتأثيره في أعدائه:\nأما أعداؤه المشركين فقد ثبت أنه جذبهم إليه بقوته في مظاهر كثيرة نذكر بعضها على سبيل التمثيل:","vol":"2","page":408},{"text":"في المدينة هما مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم ﵄ وقد نجح هذان في مهمتهما أكثر نجاح وأحدثا في المدينة ثورة فكرية أو حركة تبشيرية جزع لها سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس حتى قال لابن أخيه أسيد بن حضير ألا تذهب إلى هذين الرجلين اللذين أتيا يسفهان ضعفاءنا فتزجرهما فلما انتهى إليهما أسيد قال لهما ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا ثم هددهما وقال اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة رضي الله عن مصعب فقد تغاضى عن هذه التهديد وقال لأسيد في وقار المؤمن وثباته أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كفننا عنك ما تكره ثم قرأ مصعب القرآن وأسيد يسمع فما قام من مجلسه حتى أسلم ثم كر راجعا إلى سعد فقال له والله ما رأيت بالرجلين بأسا فغضب سعد وذهب هو نفسه ثائرا مهتاجا فاستقبله مصعب بما استقبل به أسيدا وانتهى الأمر بإسلامه أيضا ثم كر راجعا فجمع قبيلته وقال لهم ما تعدونني فيكم قالوا سيدنا وابن سيدنا فقال سعد كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا فأسلموا أجمعين!.\nتأثير القرآن في نفوس أوليائه:\nتلك مظاهر لفعل القرآن بنفوس شانئيه فهل تدري ماذا فعل بهم بعد أن دانوا له وآمنوا به وأصبحوا من تابعيه ومحبيه لعلك لم تنس ما فعل القرآن بعمر وسعد وأسيد الذين نوهنا بهم بين يديك ألم يعودوا من خيرة جنود الإسلام ودعاته من يوم أسلموا بل من ساعة أسلموا وهناك مظاهر أربعة لهذا الضرب أيضا.\nالمظهر الأول تنافسهم في حفظه وقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة حتى لقد طاب لهم أن يهجروا لذيد منامهم من أجل تهجدهم به في الأسحار ومناجاتهم العزيز الغفار وما كان هذا حالا نادرا فيهم بل ورد أن المار على بيوت الصحابة بالليل كان يسمع لها دويا كدوي النحل بالقرآن وكان التفاضل بينهم بمقدار ما يحفظ أحدهم من القرآن وكانت","vol":"2","page":409},{"text":"المرأة ترضى بل تغتبط أن يكون مهرها سورة يعلمها إياها زوجها من القرآن؟.\nالمظهر الثاني: عملهم به وتنفيذهم لتعاليمه في كل شأن من شؤونهم تاركين كل ما كانوا عليه مما يخالف تعاليمه ويجافي هداياته طيبة بذلك نفوسهم طيعة أجسامهم سخية أيديهم وأرواحهم حتى صهرهم القرآن في بوتقته وأخرجهم للعالم خلقا آخر مستقيم العقيدة قويم العبادة طاهر العادة كريم الخلق نبيل المطمح!.\nالمظهر الثالث: استبسالهم في نشر القرآن والدفاع عنه وعن هدايته فأخلصوا له وصدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه وهو مدافع عنه ومنهم من انتظر حتى أتاه اليقين وهو مجاهد في سبيله مضح بنفسه ونفيسه ولقد بلغ الأمر إلى حد أن الرسول ﷺ كان يرد بعض من يتطوع بالجندية من الشباب لحداثة أسنانهم وكان كثير من ذوي الأعذار يؤلمهم التخلف عن الغزو حتى يضطر الرسول ﷺ أن يتخلف معهم جبرا لخاطرهم ويرسل سراياه وبعوثه بعد أن ينظمها ويزودها بما تحتاجه ولا يخرج معهم روى مالك والشيخان أن رسول الله ﷺ قال: \"والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل\"!.\nالمظهر الرابع: ذلك النجاح الباهر الذي أحرزه القرآن في هداية العالم فقد وجد قبل النبي ﷺ أنبياء ومصلحون وعلماء ومشترعون وفلاسفة وأخلاقيون وحكام ومتحكمون فما تسنى لأحد من هؤلاء بل ما تسنى لجميعهم أن يحدثوا مثل هذه النهضة الرائعة التي أحدثها محمد في العقائد والأخلاق وفي العبادات والمعاملات وفي السياسة والإدارة وفي كافة نواحي الإصلاح الإنساني وما كان لمحمد ولا لألف رجل غير محمد أن يأتوا بمثل هذا الدستور الصالح الذي أحيا موات الأمة العربية في أقل من عشرين سنة ثم نفخ فيهم من روحه فهبوا بعد وفاته ينقذون العالم ففتحوا ملك كسر وقيصر ووضعوا رجلا","vol":"2","page":410},{"text":"في الشرق ورجلا في الغرب وخفقت رايتهم على نصف المعمور في أقل من قرن ونصف قرن من الزمان.\nأفسحر هذا؟ أم هو برهان عقلي لمحه المنصفون من الباحثين فاكتفوا من محمد ﷺ بهذا النجاح الباهر دليلا على أنه رسول من رب العالمين.\nهذا فيلسوف من فلاسفة فرنسا يذكر في كتاب له ما زعمه دعاة النصرانية من أن محمدا لم يأت بآية على نبوته كآيات موسى وعيسى ثم يفند هذا الزعم ويقول إن محمدا كان يقرأ القرآن خاشعا أواها متألها فتفعل قراءته في جذب الناس إلى الإيمان به ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين!\nأجل لقد صدق الرجل فإن فعل القرآن في نفوس العرب كان أشد وأرقى وأبلغ مما فعلت معجزات جميع الأنبياء وإن شئت مقارنة بسيطة فهذا موسى ﵇ قد أتى بني إسرائيل بآيات باهرة من عصا يلقيها فإذا هي ثعبان مبين ومن يد يخرجها فإذا هي بيضاء للناظرين ومن انفلاق البحر فإذا هو طريق يابسة يمشون فيها ناجين آمنين إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في مصر وفي طور سينا مدة التيه فهل تعلم مدى تأثير هذه الهدايات في إيمانهم بالله ووحدانيته وإخلاصهم لدينه ونصرة رسوله إنهم ما كادوا يخرجون من البحر بهذه المعجزة الإلهية الكبرى ويرون بأعينهم عبدة الأصنام والأوثان حتى كان منهم ما حكاه الله في القرآن: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ .\nثم لما ذهب موسى إلى مناجاة ربه واستخلف عليهم أخاه هارون ﵉ نسوا الله تعالى وحنوا إلى ما وقر في نفوسهم من الوثنية المصرية وخرافاتها فعبدوا العجل كما تحدثت سورة الأعراف بذلك: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ","vol":"2","page":411},{"text":"خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ولما دعاهم موسى إلى قتال الجبارين ودخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم أبوا وخالفوا وفضلوا القعود والاستخذاء على الجلاد والنزول إلى ميادين الجهاد ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ !.. هؤلاء أصحاب موسى فانظر إلى أصحاب محمد كيف تأثروه بالقرآن حتى ليحدث التاريخ عنهم أنهم قطعوا شجرة الرضوان وهي تلك الشجرة التاريخية المباركة التي ورد ذكرها في القرآن وما هذا إلا لأن الناس تبركوا بها فخاف عمر إن طال الزمان بالناس أن يعودوا إلى وثنيتهم ويعبدوها فأمر بقطعها ووافقه الصحابة على ذلك!.\nوكذلك يذكر التاريخ أن محمدا ﷺ استشار أصحابه حين عزم على قتال المشركين في غزوة بدر فقالوا: والله لو استعرضت بنا هذا البحر يريدون البحر الأحمر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد إنا لا نقول لك ما قال قوم موسى لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾: ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون هكذا كانوا يفضلون مصافحة المنايا في ميادين الجهاد ويتهافتون على الغزو طمعا في الاستشهاد وهكذا حرصوا على الموت فوهبهم الله الحياة وأتقنوا صناعة الموت فدانت لهم الملوك وعنت الكماة ﴿وََمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ . ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .","vol":"2","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>وجوه معلولة</span>\nذكر بعضهم وجوها أخرى للإعجاز ولكنها لا تسلم في نظرنا من طعن لأن منها ما يتداخل بعضه في بعض ومنها ما لا يجوز أن يكون وجها من وجوه الإعجاز بحال ونمثل لهذا الذي ذكروه بتلك الأوجه العشرة التي عدها القرطبي وهي:\n١ - نظمه البديع المخالف لكل نظم معهود.\n٢ - أسلوبه العجيب المخالف لجميع الأساليب.\n٣ - جزالته التي لا تمكن لمخلوق.\n٤ - التصرف في الألفاظ العربية على وجه لا يستقل به عربي.\n٥ - الوفاء بالوعد المدرك بالحسن والعيان كوعد المؤمنين بالنصر وغير ذلك.\n٦ - الأخبار عن المغيبات المستقبلة التي لا يطلع عليها إلا بالوحي.\n٧ - ما تضمنه القرآن من العلوم المختلفة التي بها قوام الأنام.\n٨ - اشتماله على الحكم البالغة.\n٩ - عدم الاختلاف والتناقض بين معانيه.\n١٠ - الإخبار عن الأمور التي تقدمت من أول الدنيا إلى وقت نزوله بما لم تجر العادة بصدوره ممن لم يقرأ الكتاب ولم يتعلم ولم يسافر إلى حيث يختلط بأهل الكتاب.\nفإن المتأمل في هذه الأوجه يلاحظ أن أسلوب القرآن العجيب يشمل جزالته التي لا تمكن لمخلوق ويشمل التصرف في الألفاظ العربية على وجه لا يستقل به عربي ويلاحظ أيضا أن الوفاء بالوعد المدرك بالحس والعيان كوعد المؤمنين بالنصر ينضوي تحت مضمون الإخبار بالمغيبات وكذلك الأمور التي تقدمت من أول الدنيا إلى وقت نزوله تنتظم في سلك الإخبار بالغيبات ويلاحظ كذلك أن الاشتمال على الحكم البالغة وعدم الاختلاف والتناقض بين معانيه لا يصلح واحد منها أن يكون وجها من وجوه الإعجاز لأنهما لا يخرجان عن حدود الطاقة بل كثيرا ما نجد كلام الناس مشتملا على حكم وسليما من التناقض والاختلاف.\nوبعضهم جعل وجه الإعجاز في القرآن هو الفصاحة وحدها وذلك غير سديد أيضا","vol":"2","page":413},{"text":"لأن مجرد الفصاحة دون مراعاة لمقتضى الحال أمر لا يخرج بالكلام عن المعهود في مقدور البشر فكثيرا ما يكون الكلام البشري فصيحا لكن تعوزه الخصائص والنكات الزائدة التي هي مناط بلاغته في أقل درجاته فضلا عن إعجازه.","vol":"2","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>شبهة القول بالصرفة</span>\nومن الباحثين من طوعت له نفسه أن يذهب إلى القول بأن وجه إعجاز القرآن هو الصرفة أي صرف الله العرب عن معارضته على حين أنه لم يتجاوز في بلاغته مستوى طاقتهم البشرية وضربوا لذلك مثلا فقالوا إن الإنسان كثيرا ما يترك عملا هو من جنس أفعاله الاختيارية ومما يقع مثله في دائرة كسبه وقدرته إما لأن البواعث على هذا العمل لم تتوافر وإما لأن الكسل أو الصدود أصابه فأقعد همته وثبط عزيمته وإما لأن حادثا مفاجئا لا قبل له به قد اعترضه فعطل آلاته ووسائله وعاق قدرته قهرا عنه على رغم انبعاث همته نحوه وتوجه إرادته إليه فكذلك انصراف العرب عن معارضتهم للقرآن لم ينشأ من أن القرآن بلغ في بلاغته حد الإعجاز الذي لا تسمو إليه قدرة البشر عادة بل لواحد من ثلاثة:\nأولها أن بواعث هذه المعارضة ودواعيها لم تتوافر لديهم.\nثانيها أن صارفا إليها زهدهم في المعارضة فلم تتعلق بها إرادتهم ولم تنبعث إليها عزائمهم فكسلوا وقعدوا على رغم توافر البواعث والدواعي.\nثالثها أن عارضا مفاجئا عطل مواهبهم البيانية وعاق قدرهم البلاغية وسلبهم أسبابهم العادية إلى المعارضة على رغم تعلق إرادتهم بها وتوجه همتهم إليها.\nبهذا التوجيه أو نحوه يعزى القول بالصرفة إلى أبي إسحاق الإسفراييني من أهل السنة والنظام من المعتزلة والمرتضى من الشيعة وأنت إذا تأملت هذه الفروض الثلاثة التي التمسوها أو التمست لهم علمت أن عدم معارضة العرب للقرآن لم تجيء من ناحية إعجازه البلاغي في زعمهم بل جاءت على الفرضين الأولين من ناحية عدم اكتراث العرب بهذه","vol":"2","page":414},{"text":"المعارضة ولو أنهم حاولوها لنالوها وجاءت على الفرض الأخير من ناحية عجزهم عنه لكن بسبب خارجي عن القرآن وهو وجود مانع منعهم منها قهرا ذلك المانع هو حماية الله لهذا الكتاب وحفظه إياه من معارضة المعارضين وإبطال المبطلين ولو أن هذا المانع زال لجاء الناس بمثله لأنه لا يعلو على مستواهم في بلاغته ونظمه.\nتفنيد هذا القول\nوهذا القول بفروضه التي افترضوها أو بشبهاته التي تخيلوها لا يثبت أمام البحث ولا يتفق والواقع.\nأما الفرض الأول فينقضه ما سجل التاريخ وأثبت التواتر من أن دواعي المعارضة كانت قائمة موفورة ودوافعها كانت مائلة متآخذة وذلك لأدلة كثيرة:\nمنها أن القرآن تحداهم غير مرة أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه ثم سجل العجز عليهم وقال بلغة واثقة إنهم لا يستطيعوا أن يفعلوا ولن يفعلوا ولو ظاهرهم الإنس والجن فكيف لا تثور حميتهم إلى المعارضة بعد هذا ولو كانوا أجبن خلق الله؟.\nومنها أن العرب الذين تحداهم القرآن كانوا مضرب المثل في الحمية والأنفة وإباء الضيم فكيف لا يحركهم هذا التحدي والاستفزاز؟.\nومنها أن صناعتهم البيان وديدنهم التنافس في ميادين الكلام فكيف لا يطيرون بعد هذه الصيحة إلى حلبة المساجلة؟.\nومنها أن القرآن أثار حفائظهم وسفه عقولهم وعقول آبائهم ونعى عليهم الجمود والجهالة والشرك فكيف يسكتون بعد هذا التقريع والتشنيع؟.\nومنها أن القرآن أقام حربا شعواء على أعز شيء لديهم وهي عقائدهم المتغلغة فيهم وعوائدهم المتمكنة منهم فأي شيء يلهب المشاعر ويحرك الهمم إلى المساجلة أكثر من هذا ما دامت هذه المساجلة هي السبيل المتعين لإسكات خصمهم لو استطاعوا.","vol":"2","page":415},{"text":"وأما الفرض الثاني فينقضه الواقع التاريخي أيضا ودليلنا على هذا ما تواترت به الأنباء من أن بواعث العرب إلى المعارضة قد وجدت سبيلها إلى نفوسهم ونالت منالها من عزائمهم فهبوا هبة رجل واحد يحاولون القضاء على دعوة القرآن بمختلف الوسائل فلم يتركوا طريقا إلا سلكوه ولم يدعوا بابا إلا دخلوه.\nلقد آذوه ﷺ وآذوا أصحابه فسبوا من سبوا وعذبوا من عذبوا وقتلوا من قتلوا.\nولقد طلبوا إلى عمه أبي طالب أن يكفه وإلا نازلوه وإياه.\nولقد قاطعوه وقاطعوا أسرته الكريمة لا يبيعون لهم ولا يبتاعون ولا يتزوجون منهم ولا يزوجون واشتد الأمر حتى أكلت الأسرة الكريمة ورق الشجر.\nولقد فاوضوه أثناء هذه المقاطعة التي تلين الحديد مفاوضات عدة وعرضوا عليه عروضا سخية مغرية منها أن يعطوه حتى يكون أكثرهم مالا وأن يعقدوا له لواء الزعامة فلا يقطعوا أمرا دونه وأن يتوجوه ملكا عليهم إن كان يريد ملكا وأن يلتمسوا له الطب إن كان به مس من الجن كل ذلك في نظير أن يترك هذا الذي جاء به ولما أبي عليهم ذلك عرضوا عليه أن يهادنهم ويداهنهم فيعبد آلهتهم سنة ويعبدون إلهه سنة فأبى أيضا ونزل قول الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ونزلت كذلك سورة الكافرون.\nولقد صادروه وصادروا أصحابه في عبادتهم وانبعث شقي منهم فوضع النجاسة على ظهره ﷺ وهو يصلي وخنقه طاغية من طواغيتهم لولا أن جاء أبو بكر فدفعه وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ .\nولقد اتهموه ﷺ مرة بالسحر وأخرى بالشعر وثالثه بالجنون ورابعة بالكهانة وكانوا يتعقبونه وهو يعرض نفسه على قبائل العرب أيام الموسم فيبهتونه ويكذبونه أمام من لا يعرفونه ولقد شدوا وطأتهم على أتباعه حتى اضطروهم أن يهاجروا من وطنهم ويتركوا أهلهم وأولادهم وأموالهم فرارا إلى الله بدينهم\nولقد تآمروا على الرسول ﷺ أن يثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه لولا أن حفظه الله وحماه من مكرهم وأمره بالهجرة من بينهم.","vol":"2","page":416},{"text":"ولقد أرسلوا إليه الأذى بعد ذلك في مهاجره فشبت الحرب بينه وبينهم في خمس وسبعين موقعة منها سبع وعشرون غزوة وثمان وأربعون سرية.\nفهل يرضى عاقل لنفسه أن يقول بعد ذلك كله إن العرب كانوا مصروفين عن معارضة القرآن ونبي القرآن وإنهم كانوا مخلدين إلى العجز والكسل زاهدين في النزول إلى هذا الميدان؟\nوهل يصح مع هذا كله أن يقال إنهم كانوا في تشاغل عن القرآن غير معنيين به ولا آبهين له؟\nوإذا كان أمر القرآن لم يحركهم ولم يسترع انتباههم فلماذا كانت جميع هذه المهاترات والمصاولات مع أن خصمهم الذي يزعمون خصومته قد قصر لهم المسافة ودلهم على أن سبيلهم إلى إسكاته هو أن يأتوا بمثل أقصر سورة مما جاءهم به أليس ذلك دليلا ماديا على أن قعودهم عن معارضة القرآن ليست إلا بسبب شعورهم بعجزهم عن هذه المعارضة واقتناعهم بإعجاز القرآن وإلا فلماذا آثروا الملاكمة على المكالمة والمقارعة بالسيوف على المعارضة بالحروف؟!\nوقد يظن جاهل أن حماستهم في خصومتهم هذه ليس مبعثها شعورهم بقوة القرآن وإعجازه وإنما مبعثها بغضهم لمحمد وأصحابه ولكن هذا الظن يكذبه ما هو مقرر تاريخيا وثابت ثبوتا قطعيا من أن محمدا ﷺ وأصحابه لم تكن بينهم وبين هؤلاء عداوة قبل نزول القرآن بل كانوا أمة واحدة وقبيلة واحدة وكان الرسول ﷺ وأصحابه من أحب الناس إليهم لدماثه أخلاقهم وللرحم الماسة التي بينهم.\nوقد يظن آخر أنت حماسة قريش في خصومتهم للنبي وأتباعه إنما كان مبعثها مجرد المخالفة في الدين بقطع النظر عن إعجاز هذا القرآن الكريم وهذا ظن خاطئ أيضا","vol":"2","page":417},{"text":"لأمرين أحدهما أنه كان بين المشركين في جزيرة العرب يهود وأهل كتاب يخالفونهم في الدين فما أرث ذلك بينهم حربا ولا أوقد لخصومتهم نارا على مثل ما كان بينهم وبين محمد والآخر أنه كان يوجد بين العرب حنفاء من مقاويل الخطباء وفحول الشعراء كأمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة فما كان هذا ليثير حفائظهم ولا ليقفهم موقف الخصومة منهم بل رضوا بتحنفهم ومخالفتهم لدينهم ودين آبائهم وزادوا على ذلك أن سجلوا كلامهم في التوحيد وشعرهم في التنزيه والتمجيد لأنهم لم يجدوا في هذا المنظوم والمنثور مثل ما وجدوا في القرآن من شدة التأثير وقوة الدفع ذلك الكتاب الذي جاءهم من فوقهم وكان له شأن غير شأنهم ورأوا فيه من مسحة الألوهية ما جعله روحا من أمر الله يتحرك به كل من سمع صوته ويهتز له كل من شام برقه ولا سبيل إلى وقف تياره وأثره إلا بالوقوف في وجهه والحيلولة بين الناس وبينه روى أبو داود والترمذي أن الرسول ﷺ قال: \"ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي\" فتأمل كلمة \"أن أبلغ كلام ربي\" ولم يقل منعوني أن أتلو أو أعمل في نفسي بكلام ربي لأن التلاوة والعمل من غير استعلان بالقرآن ونشر له كان لا يؤثر على قريش كثيرا إنما الذي كان يحز في نفوسهم ويقض من مضاجعهم هو نشر هذا النور الذي يكاد يخطف الأبصار وإعلان هذا الكتاب الذي يجذب القلوب والأفكار وكان من تأثيره وفتحه وعزوة للنفوس ما ألمعنا إليه في إسلام عمر وسعد وأسيد!\nوأما الفرض الثالث فينقضه ما هو معروف من أن العرب حين خوطبوا بالقرآن قعدوا عن معارضته اقتناعا بإعجازه وعجزهم الفطري عن مساجلته ولو أن عجزهم هذا كان لطارئ مباغت عطل قواهم البيانية لأثر عنهم أنهم حاولوا المعارضة بمقتضى تلك الدوافع القوية التي شرحناها ففوجئوا بما ليس في حسبانهم ولكان ذلك مثار عجب لهم ولأعلنوا ذلك في الناس ليلتمسوا العذر لأنفسهم وليقللوا من شأن القرآن في ذاته ولعمدوا إلى كلامهم القديم فعقدوا مقارنة بينه وبين القرآن يغضون بها من مقام القرآن وإعجازه ولكانوا بعد","vol":"2","page":418},{"text":"نزول القرآن أقل فصاحة وبلاغة منهم قبل نزوله ولأمكننا نحن الآن وأمكن المشتغلين بالأدب العربي في كل عصر أن يتبينوا الكذب في دعوى إعجاز القرآن وكل هذه اللوازم باطلة؟ فبطل ما استلزمها وهو القول بالصرفة بناء على هذه الشبهة الهازلة.\nثم ألم يكف هؤلاء شهادة أعداء القرآن أنفسهم في أوقات تخليهم من عنادهم كتلك الشهادة التي خرجت من فم الوليد والفضل ما شهدت به الأعداء؟\nثم ألم يكفهم ما في القرآن من وجوه الإعجاز الكثيرة التي دللنا عليها فيما سبق؟ والتي لا تزال قائمة ماثلة ناطقة إلى يومنا هذا ولا تزيدها الأيام وما يجد في العالم من علوم ومعارف وتجارب إلا وضوحا وبيانا؟!.\nإني لأعجب من القول بالصرفة في ذاته ثم ليشتد عجبي وأسفي حين ينسب إلى ثلاثة من علماء المسلمين الذي نرجوهم للدفاع عن القرآن ونربأ بأمثالهم أن يثيروا هذه الشبهات في إعجاز القرآن!.\nعلى أنني أشك كثيرا في نسبة هذه الآراء السقيمة إلى أعلام من العلماء ويبدو لي أن الطعن في نسبتها إليهم والقول بأنها مدسوسة من أعداء الإسلام عليهم أقرب إلى العقول وأقوى في الدليل لأن ظهور وجوه الإعجاز في القرآن من ناحية وعلم هؤلاء من ناحية أخرى قرينتان مانعتان من صحة عزو هذا الرأي الآثم إليهم.\nولقد عودنا أعداء الإسلام أن يفتروا على رسول الله وعلى أصحابه وعلى الأئمة والعلماء فلم لا يكون هذا منه؟\nعلى أن الحق لا يعرف بالرجال إنما يعرف الحق بسلامة الاستدلال وها قد طاش هذا الرأي في الميزان فلنرده على قائله أيا كان.\nوليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر","vol":"2","page":419},{"text":"وأحب أن تلتفت إلى أن هذه الشبهة قد أثارها أعداء الإسلام فيما أثاروا وصوبوا منها سهما طائشا إلى القرآن وإعجازه فلنكتف بنقضنا لها هنا عن إعادتها بين ما سنذكره في دفع الشبهات هناك إن شاء الله.","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>دفع الشبهات الواردة في هذا المقام</span>\nلقد كان ما ذكرناه من وجوه الإعجاز الأربعة عشر كافيا للقضاء على كل شبهة ولرد كل فرية ومحو كل تهمة لولا أن المخذولين من أعداء الإسلام وجدوا آذانا صاغية من نفوس عزيزة علينا وفئات متعلمة تعلما مدنيا فتأثروا بدجلهم ثم رضوا أن يكونوا أبواقا لهم يرددون شبهاتهم على تلاميذنا في الجامعات والمدارس ويطلقون بخورهم على جماهيرنا في المطبوعات والأندية والمجالس لهذا كان من واجبنا أن نحشد قوانا لتطهير الجو الإسلامي من هذه الجراثيم الفتاكة والمطاعن الجارية الهدامة وألا نكتفي عند المناسبة بذكر أحد المتلازمين عن الآخر اللهم إلا إذا كان الأمر ظاهرا لا يحتاج إلى تنبيه أما عند الحاجة فقد نكرر ما سبق لنا ذكره ولكن بمقدار الحاجة من غير إكثار.\nونلفت نظرك إلى ما أسلفناه من الكلام على الوحي بين مثبتيه ومنكريه بالمبحث الثالث من هذا الكتاب \"ص ٥٧ – ٨٤\" من الجزء الأول وإلى ما حواه هذا الكلام من أدلة علمية عقلية ومن تفنيد شبهات عشر تتصل بإعجاز القرآن عن قرب أو بعد.\nثم نلفت نظرك أيضا إلى نقض تلك الشبهات الست التي أثيرت حول المكي والمدني من القرآن \"ص ١٩٨ - ٢٣٢ بالجزء الأول\".\nونرشدك إلى أننا راعينا عند كلامنا على أسلوب القرآن وإعجازه تفصيلات","vol":"2","page":420},{"text":"وتوجيهات نعتقد أن فيها غناء عن دفع كثير من الشبهات فاحرص عليها ثم اشدد يديك على ما يلقى إليك.\nالشبهة الأولى ودفعها:\nيقولون إن محمدا لقي بحيرا الراهب فأخذ عنه وتعلم منه وما تلك المعارف التي في القرآن إلا ثمرة هذا الأخذ وذاك التعلم.\nوندفع هذا أولا بأنها دعوى مجردة من الدليل خالية من التحديد والتعيين ومثل هذه الدعاوى لا تقبل ما دامت غير مدللة وإلا فليخبرونا ما الذي سمعه محمد من بحيرا الراهب ومتى كان ذلك وأين كان؟.\nثانيا أن التاريخ لا يعرف أكثر من أنه ﷺ سافر إلى الشام في تجارة مرتين مرة في طفولته ومرة في شبابه ولم يسافر غير هاتين المرتين ولم يجاوز سوق بصرى فيهما ولم يسمع من بحيرا ولا من غيره شيئا من الدين ولم يك أمره سرا هناك بل كان معه شاهد في المرة الأولى وهو عمه أبو طالب وشاهد في الثانية وهو ميسرة غلام خديجة التي خرج الرسول بتجارتها أيامئذ وكل ما هنالك أن بحيرا الراهب رأى سحابة تظلله من الشمس فذكر لعمه أن سيكون لهذا الغلام شأن ثم حذره عليه من اليهود وقد رجع به عمه خوفا عليه ولم يتم رحلته كذلك روي هذا الحادث من طرق في بعض أسانيدها ضعف ورواية الترمذي ليس فيها اسم بحيرا وليس في شيء من الروايات أنه ﷺ سمع من بحيرا أو تلقى منه درسا واحدا أو كلمة واحدة لا في العقائد ولا في العبادات ولا في المعاملات ولا في الأخلاق فأنى يؤفكون؟.\nثالثا أن تلك الروايات التاريخية نفسها تحيل أن يقف هذا الراهب موقف المعلم المرشد لمحمد لأنه بشره أو بشر عمه بنبوته وليس بمعقول أن يؤمن","vol":"2","page":421},{"text":"رجل بهذه البشارة التي يزفها ثم ينصب نفسه أستاذا لصاحبها الذي سيأخذ عن الله ويتلقى عن جبريل ويكون هو أستاذ الأستاذين وهادي الهداة والمرشدين وإلا كان هذا الراهب متناقضا مع نفسه.\nرابعا أن بحيرا الراهب لو كان مصدر هذا الفيض الإسلامي المعجز لكان هو الأحرى بالنبوة والرسالة والانتداب لهذا الأمر العظيم.\nخامسها أنه يستحيل في مجرى العادة أن يتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته ثم ينضج النضج الخارق للمعهود فيما تعلم وتثقف بحيث يصبح أستاذ العالم كله لمجرد أنه لقي مصادقة واتفاقا راهبا من الرهبان مرتين على حين أن التلميذ كان في كلتا المرتين مشتغلا عن التعليم بالتجارة وكان أميا لا يعرف القراءة والكتابة وكان صغيرا تابعا لعمه في المرة الأولى وكان حاملا لأمانة ثقيلة في عنقه لا بد أن يؤديها كاملة في المرة الثانية وهي أمانة العمل والإخلاص في مال خديجة وتجارتها.\nسادسا أن طبيعة الدين الذي ينتمي إليه الراهب بحيرا تأبى أن تكون مصدرا للقرآن وهداياته خصوصا بعد أن أصاب ذلك الدين ما أصابه من تغيير وتحريف.\nوحسبك أدلة على ذلك ما أقمناه من المقارنات السابقة بين تعاليم القرآن وتعاليم غيره وما قررناه من الوفاء في تعاليم القرآن دون غيره وما أشرنا إليه من أن القرآن قد صور علوم أهل الكتاب في زمانه بأنها الجهالات ثم تصدى لتصحيحها وصور عقائدهم بأنها الضلالات ثم عمل على تقويمها وصور أعمالهم بأنها المخازي والمنكرات ثم حض على تركها فارجع إلى ما أسلفناه ثم تذكر أن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه وأن الخطأ لا يمكن أن يكون مصدرا للصواب وأن الظلام لا يمكن أن يكون مشرقا للنور.\nسابعا أن أصحاب هذه الشبهة من الملاحدة يقولون إن القرآن هو الأثر التاريخي","vol":"2","page":422},{"text":"الوحيد الذي يمثل روح عصره أصدق تمثيل فإذا كانوا صادقين في هذه الكلمة فإننا نحاكمهم في هذه الشبهة إلى القرآن نفسه وندعوهم أن يقرؤوه ولو مرة واحدة بتعقل ونصفه ليعرفوا منه كيف كانت الأديان وعلماؤها وكتابها في عصره وليعلموا أنها ما كانت تصلح لأستاذية رشيدة بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة إنهم إن فعلوا ذلك فسيستريحون ويريحون الناس من هذا الضلال والزيغ ومن ذلك الخبط والخلط هدانا وهداهم الله فإن الهدي هداه. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .\nثامنا أن هذه التهمة لو كان لها نصيب من الصحة لفرح بها قومه وقاموا لها وقعدوا لأنهم كانوا أعرف الناس برسول الله ﷺ وكانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه وإحباط دعوته بأية وسيلة لكنهم كانوا أكرم على أنفسهم من هؤلاء الملاحدة فحين أرادوا طعنه بأنه تعلم القرآن من غيره لم يفكروا بأن يقولوا إنه تعلم من بحيرا الراهب كما قال هؤلاء لأن العقل لا يصدق ذلك والهزل لا يسعه بل لجؤوا إلى رجل في نسبة الأستاذية إليه شيء من الطرافة والهزل حتى إذا مجت العقول نسبة الأستاذية إليه لاستحالتها قبلتها النفوس لهزلها وطرافتها فقالوا إنما يعلمله بشر وأرادوا بالبشر حدادا روميا منهمكا بين مطرقته وسندانه ضالا طول يومه في خبث الحديد وناره ودخانه غير أنه اجتمع فيه أمران حسبوهما مناط ترويج تهمتهم أحدهما أنه مقيم بمكة إقامة تيسر لمحمد الاتصال الدائم الوثيق به والتلقي عنه والآخر غريب عنهم وليس منهم ليخيلوا إلى قومهم أن عند هذا الرجل علم ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم فيكون ذلك أدنى إلى التصديق بأستاذيته لمحمد وغاب عنهم أن الحق لا يزال نوره ساطعا يدل عليه لأن هذا الحداد الرومي أعجمي لا يحسن العربية فليس بمعقول أن يكون مصدرا لهذا القرآن الذي هو أبلغ نصوص العربية بل هو معجزة المعجزات ومفخرة العرب واللغة العربية. ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ !.","vol":"2","page":423},{"text":"الشبهة الثانية ودفعها:\nيقولون نحن لا نشك في صدق محمد في إخباره عما رأى وسمع ولكنا نعتقد أن نفسه هي منبع هذه الأخبار لأنه لم يثبت علميا أن هناك غيبا وراء المادة يصح أن يتنزل منه قرآن أو يفيض عنه علم أو يأتي منه دين ثم ضربوا لذلك مثلا فقالوا إن الفتاة الفرنسية جان دارك الناشئة في القرن الخامس عشر الميلادي قد حدث التاريخ عنها أنها اعتقدت وهي في بيت أهلها بعيدة عن التكاليف السياسية أنها مرسلة من عند الله لإنقاذ وطنها ودفع العدو عنه واعتقدت أنها تسمع صوت الوحي الإلهي يحضها على القتال والجهاد وانطلقت تحت هذا التأثير فجردت حملة على أعداء وطنها وقادت الجيش بنفسها فقهرتهم ثم دارت الدائرة فوقعت أسيرة وماتت ميتة الأبطال في ميدان النزال ولا يزال ذكرها يتلألأ نورا ويعبق أريجا حتى لقد قررت الكنيسة الكاثوليكية قداستها بعد موتها بزمن.\nوندفع هذه الشبهة بأمور:\nأولها تلك الأدلة العلمية التي أقمناها هناك على إثبات الوحي الإلهي الحقيقي لا الوحي النفسي الخيالي مع دفع الشبهات الواردة عليها بالمبحث الثالث من هذا الكتاب.\nثانيها هذه الأدلة الأربعة عشر التي أقمناها وجوها لإعجاز القرآن في هذا المبحث ففي كل وجه منها دفع كاف لهذه الشبهة عند التأمل والإنصاف لأن الإنسان محدود القوى والمواهب فلا يستطيع أن يخرق النواميس الكونية العادية وما ذكرناه من وجوه إعجاز القرآن فيه أربعة عشر دليلا على حرف القرآن للنواميس الكونية المعتادة وخرقها لا يملكها إلا من قهر الكون ونواميسه وكان له السلطان المطلق على العالم وما فيه وهو الله وحده لا محمد ولا غير محمد لا بالعقل الباطن ولا الظاهر لا بالوحي النفسي ولا الانفعال العصبي.","vol":"2","page":424},{"text":"ثالثها أن الدراس لتاريخ هذه الفتاة يعلم أن أعصابها كانت ثائرة لتلك الانقسامات الداخلية التي مزقت فرنسا والتي كانت تراها وتسمعها كل يوم بين أهلها وفي بلدها جوارد ورمي مع ما شاع في عهدها من خرافات كان لها أثرها في نفسها وعقلها ومخها من تلك الخرافات أن فتاة عذراء ستبعث في هذا الزمن تخلص فرنسا من عدوها يضاف إلى هذا أن الفتاة كانت بعيدة الخيال تسبح فيه يقظة ومناما وتتوهم منذ حداثتها بأنها ترى وتسمع ما لم تر ولم تسمع حتى خيل إليها أنها دعيت لتخلص بلادها وتتوج ملكها ولما تعدى البرغنيور على قريتها التي ولدت فيها قوي عندها هذا الخيال حتى صار عقيدة إلى غير ذلك مما يدل على أن الفتاة كانت أعصابها متهيجة تهيجا ناشئا عن تألمها من الحال السياسة السيئة في بلادها وعن تأثرها بالاعتقادات الخرافية التي سادت زمنها.\nوليس هذا بدعا فكم رأينا وسمعنا أصحاب دعايات عريضة يعتمدون فيها على مثل هذه الخيالات الباطلة كالذين قاموا باسم المهدي المنتظر يدعون ويحاربون وكغلام أحمد القادياني والباب البهائي الذين أقام كل منهما نحلته الباطلة على أوهام فارغة.\nلكن محمدا لم يك عصبيا ثائرا مهتاجا بل كان وقورا متزن العقل ثابت الفؤاد قوي الأعصاب يثور الشجعان من حوله وهو لا يثور ويشطح الناس ويسرفون في الخيال وهو واقف مع الحجة يكره الشطح والإسراف في الخيال بل يحارب الإسراف في الخيال وما يستلزمه ويرد هؤلاء المسرفين إلى حظيرة الحقائق ويحاكمهم إلى العقل ألم تر إلى القرآن كيف يذم الشعراء الذين يركبون مطايا الخيال إلى حد الغواية ويقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ .","vol":"2","page":425},{"text":"وانظر كيف ينفي القرآن أنه شعر وأن الرسول شاعر فيقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .\nوتأمل ما جاء في صحيح مسلم وغيره من أنه ﷺ أبى على عائشة أم المؤمنين أن تقول في شأن صبي من الأنصار جيء به ميتا ليصلي عليه طوبى لهذا لم يعمل شرا فقال ﷺ: \"أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم\". مع أن أطفال المسلمين يعلم الله أنهم في الجنة لكن توقف الرسول ﷺ وإباءه على عائشة أن تقول هذا كان قبل أن يعلمه الله ذلك فلم يسمح لها أن تسير مع الوهم أو الظن ما دام الأمر غيبا ولا يعلم الغيب إلا الله.\nوتدبر ما رواه البخاري من أنه لما توفي عثمان بن مظعون ﵁ قالت أم العلاء امرأة من الأنصار ﵀ عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال صلى عليه وسلم: \"وما يدريك أن الله أكرمه؟ \" فقالت: بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ الله قال: \"أما هو فقد جاءه اليقين. والله إني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي\"، قالت: فوالله لا أزكى أحدا بعده أبدا وكذلك يقول القرآن الكريم: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .\nفهل يعقل أن يقاس صاحب هذه الدقة البالغة والتثبت الدقيق بفتاة خفيفة سابحة في أوهامها غريقة في أحلامها؟!.\nرابعها: أن تلك الفتاة جان دارك لم تأت ولا بدليل واحد معقول على صدق أوهامها وتخيلاتها التي تزعمها وحيا وحديثا من الله إليها لكن محمدا ﷺ له على وحيه","vol":"2","page":426},{"text":"الذي يدعيه ألف دليل ودليل كما سبق بيانه فأين الثرى من الثريا وأين الظلام من النور؟.\nخامسها أن هذه الفتاة الهائجة الثائرة لم تكن صاحبة دعوة إلى إصلاح ولا ذات أثر باق في التاريخ إنما كانت صاحبة سيف ومسعرة حرب في فترة من الزمن لغرض مشترك بين الإنسان والحيوان وهو الدفاع عن النفس والوطن بمقتضى غريزة حب البقاء ثم لم تلبث جذوتها أن بردت وحماستها أن خمدت.\nكأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر\nفأين هذه الآنسة الثائرة من أفضل الخلق في دعوته الكبرى وأثره الخالد في إصلاح أديان البشر وشرائعهم وأعمالهم وأخلاقهم وفي إنقاذ الإنسانية العانية وتجديد دمها بدينه الجديد الذي قلب به أوضاع الدنيا ونقل بسببه العالم إلى طور سعيد بل إلى الطور السعيد الذي لولاه لدام يتخبط في الظلمات ولبات في عداد الأموات أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟!\nالشبهة الثالثة ودفعها:\nيقولون إنه: ﷺ كان يلقى ورقة بن نوفل فيأخذ عنه ويسمع منه وورقة لا يبخل عليه لأنه قريب لخديجة زوج محمد يريدون بهذا أن يوهموا قراءهم وسامعيهم بأن هذا القرآن استمد علومه من هذا النصراني الكبير الذي يجيد اللغة العبرية ويقرأ بها ما شاء الله.\nوندفع هذه الشبهة بمثل ما دفعنا به ما قبلها ونقرر أنه لا دليل عندهم على هذا الذي يتوهمونه ويوهمون الناس به بل الدليل قائم عليهم فإن الروايات الصحيحة تثبت أن خديجة ذهبت بالنبي حين بدأه الوحي إلى ورقة ولما قص الرسول قصصه قال:","vol":"2","page":427},{"text":"هذا هو الناموس الذي أنزل الله على موسى ثم تمنى أن يكون شابا فيه حياة وقوة ينصر بهما الرسول ﷺ ويؤازره حين يخرجه قومه ولم تذكر هذه الروايات الصحيحة أنه ألقى إلى الرسول ﷺ عظة أو درس له درسا في العقائد أو التشريع ولا أن الرسول ﷺ كان يتردد عليه كما يتوهمون أو يوهمون فأنى لهم ما يقولون وأي منصف يسمع كلمة ورقة هذه ولا يفهم منها أنه كان يتمنى أن يعيش حتى يكون تلميذا لمحمد وجنديا مخلصا في صفه ينصره ويدافع عنه في وقت المحنة ولكن القوم ركبوا رؤوسهم على رغم ذلك وحاولوا قلب الأوضاع وإيهام أن ورقة هو الأستاذ الخصوصي الذي استقى منه محمد دينه وقرآنه ألا ساء ما يحكمون؟.\nالشبهة الرابعة ودفعها:\nيقولون: إن إعجاز القرآن للبشر عن أن يأتوا بمثله لا يدل على قدسيته وأنه كلام الله وشاهد ذلك أن لكل متأدب أسلوبا خاصا به يتبع استعداده الأدبي ومزاجه الشخصي وهذا الأسلوب الخاص يستحيل على غيره أن يأتي بمثله ضرورة اختلاف مواهب المتأدبين وأمزجتهم ومع هذا فإعجاز كل أسلوب لغير صاحبه وعجز كل متأدب عن الإتيان بأسلوب غيره لم يضف على الأساليب البشرية شيئا من القدسية وأنها كلام الله فكذلك القرآن يزعمون أنه كلام محمد ويعترفون بإعجازه على هذا النحو.\nوندفع هذه الشبهة أولا بوجوه الإعجاز التي بسطناها سابقا غير وجه الإعجاز بالأسلوب.\nثانيا أن هذه الشبهة مغالطة فإن التحدي بالقرآن ليس معناه مطالبة الناس أن يجيئوا بنفس صورته الكلامية ومنهاجه المعين الذي انفرد به أسلوبه حتى ترد هذه الشبهة بل معناه مطالبة الناس أن يجيئوا بكلام من عندهم أيا كانت صورته ومزاجه وأيا كان نمطه ومنهاجه ولكن على شرط ألا يطيش في الميزان إذا قيس هو والقرآن","vol":"2","page":428},{"text":"بمقياس واحد من البيان بل يظهر أنه يماثله أو يقاربه في خصائصه وإن كان على صورة بيانية غير صورته هذا هو ما يتحداهم به الرسول ﷺ وهو الذي يتنافس فيه البلغاء عادة فيتماثلون أو يتفاضلون مع احتفاظ كل منهم بمنهاجه الخاص ونمطه المعين.\nومثال ذلك أن يتبارى قوم في العدو والجري إلى هدف واحد ويرسم لكل واحد من هؤلاء المتبارين طريق معين بحيث لا يمشي أحدهم من طريق صاحبه ولا يضع قدمه في موضع قدم أخيه بل يمشي في طريقه هو غير مزاحم ولا مزاحم ويسير موازيا لقرنه في المبدأ وفي الاتجاه ثم يمضون جميعا إلى الهدف المشترك الذي إليه يتسابقون وإذا هم بعد ذلك بين سابق مبرز ولاحق متخلف ومساو متكافئ دون أن يكون اختلاف طرقهم قادحا فيما يكون بينهم من هذا التفاضل أو التماثل بل يعرف التناسب بينهم بمعرفة نسبة ما قطعه كل من طريقه إلى ذلك الهدف المشترك كذلك المتنافسون في ميدان البيان يختار كل منهم طريقته التي يستمدها من مزاجه الشخصي واستعداده الخاص للوصول إلى الغاية البيانية العامة ثم هم بعد ذلك يتفاوتون أو يتعادلون بمقدار وفائهم بخصائص البيان أو نقصهم منها فالمدعوون إلى معارضة القرآن إن افترضتهم أكفاء لنبي القرآن فسيأتون بمثل ما جاء به وإن افترضتهم أعلى منه كعبا فسيأتون بأحسن مما جاء به وإن افترضتهم دونه فلن يشق عليهم أن يأتوا بقريب مما جاء به مع احتفاظ كل منهم بنمطه في الكلام ومنهجه في البيان لكن شيئا من هذه المراتب الثلاث لم يكن فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثل القرآن ولا بما يعلوه ولا بما يقرب منه لا بالنسبة إليه كله ولا بالنسبة لعشر سور ولا بالنسبة لسورة واحدة من مثله لا منفردين ولا مجتمعين ولو كان معهم الإنس والجن وكان بعضهم لبعض ظهيرا يضاف إلى ذلك أنهم كانوا أئمة البيان ونقدة الكلام وكانوا أهل إباء وضيم يحرصون على الغلبة في هذه الحلبة من معارضة القرآن.\nأليس ذلك بدليل كاف على أن هذا الكتاب تنزيل العزيز الرحيم ولا يمكن أن يكون كلام محمد ولا غير محمد من المخلوقين؟!","vol":"2","page":429},{"text":"الشبهة الخامسة ودفعها:\nيقولون إن عجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن ما هو إلا نظير عجزهم عن الإتيان بمثل الكلام النبوي وإذن فلا يتجه القول بقدسية القرآن وأنه كلام الله كما لا يتجه القول بقدسية الحديث النبوي وأنه كلام الله!.\nوندفع هذه الشبهة أولا بأن الحديث النبوي إن عجز عامة الناس عن الإتيان بمثله فلن يعجز أحد خاصتهم عن الإتيان ولو بمقدار سطر واحد منه وإذا عجز أحد هؤلاء الممتازين عن مقدار سطر واحد منه نفسه فلن يعجز عن مقدار سطر واحد من مماثله القريب منه وإن عجز أن يأتي بسطر من هذا المثل وهو وحده فلن يعجز عنه إذا انضم إليه ظهير ومعين أيا كان ذلك الظهير والمعين وإن عجز عن هذا مع الظهير والمعين أيا كان فلن يعجز الإنس والجن جميعا أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا كما قال القرآن.\nذلك شأن الحديث النبوي مع معارضيه أما القرآن الكريم فله شأن آخر لأن أحدا لا يستطيع الإتيان بمثل أقصر سورة منه لا هو وحده ولا مع غيره ولو اجتمع من بأطرافها من الثقلين.\nوإنما قلنا إن الحديث النبوي لا يعجز بعض الخواص الممتازين أن يأتي بمثله لأن التفاوت بين الرسول وبلغاء العرب مما يتفق مثله في مجاري العادة بين بعض الناس وبعض في حدود الطاقة البشرية كالتفاوت بين البليغ والأبلغ والفصيح والأفصح والحسن والأحسن وليس هذا التفاوت بالأمر الشاذ الخارق للنواميس العادية جملة بحيث تنقطع الصلة بين الرسول وسائر البلغاء جميعا لاختصاصه من بينهم بفطرة شاذة لا تمت إلى سائر الفطر بنسب إلا كما ينتسب النقيض إلى النقيض والضد إلى الضد كلا بل إن هذا القول باطل من وجهين:\nأحدهما أنه يخالف المعقول والمشاهد لما هو معروف من أن الطبيعة الإنسانية","vol":"2","page":430},{"text":"العامة واحدة ومن أن الطبائع الشخصية يقع بينها التشابه والتماثل في شيء أو أشياء في واحد أو أكثر في زمن قريب أو أزمنة متطاولة في كل فنون الكلام او في بعض فنونه والآخر انه يخالف المنقول في الكتاب والسنة من أن البشرية قدر مشترك بين الرسول وجميع آحاد الأمة ولا ريب أن هذه البشرية المشتركة وجه شبه يؤدي لا محالة إلى المماثلة بين كلامه وكلام من تجمعه بهم رابطة أو روابط خاصة على نحو ما قررنا أليس الله يقول: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ويقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى﴾ إلي ثم أليس الرسول يقول في الحديث الآنف: \"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي\" الخ ويقول لرجل رآه فامتلأ منه فرقا ورعبا: هون عليك فإني لست بملك إنا أنت ابن امرأة من قريش تأكل القديد!.\nثانيا أننا نجد تشابها بين كلام النبوة وكلام بعض الخواص من الصحابة والتابعين حتى لقد نسمع الحديث فيشتبه علينا أمره أهو مرفوع ينتهي إلى النبي ﷺ أم موقوف عند الصحابي أم مقطوع عند التابعي؟ إلى أن يرشدنا السند إلى عين قائله.\nومن أوتي حاسة بيانية يدرك هذا الشبه كثيرا كلما كان صاحب البيان المشابه تصله بالرسول صلات قوية كتلك الصلات أو العوامل المتآخذة التي توافرت في علي بن أبي طالب حتى مسحت بيانه مسحة نبوية وجعلت نفسه في الكلام من أشبه الأنفاس بكلام رسول الله إن لم يكن أشبهها.\nأما القرآن وما أدراك ما القرآن فلن تستطيع أن تجد له شبيها أو ندا لأن الذي صنعه على عينه لن نستطيع أن تجد له شبيها أو ندا! فكيف يقاس القرآن بالحديث في هذا المقام أم كيف يجمع بينهما في قران.\nثالثا أن القرآن لو كان كلام محمد كالحديث الشريف لكان أسلوبهما واحدا ضرورة أنهما على هذا الفرض صادران عن شخص واحد استعداده واحد ومزاجه واحد ولكن الواقع غير ذلك فأسلوب القرآن ضرب وحده تظهر عليه سمات الألوهية التي تجل عن المشابهة","vol":"2","page":431},{"text":"والمماثلة وأسلوب الحديث النبوي ضرب آخر لا يجل عن المشابهة والمماثلة بل هو محلق في جو البيان يعلو أساليب الناس في جملته دون تفصيله ولا يستطيع بحال أن يصعد إلى سماء إعجاز القرآن! فإن افترضت أنه كان له أسلوبا مختلفان أحدهما يحضره ويتعمل له وهو ما سماه بالقرآن والآخر يرسله ولا يحضره وهو ما سمي بالحديث إن افترضت ذلك فانظر علاج الشبهة العاشرة في المبحث الثالث من هذا الكتاب من \"ص ٧٨ – ٨٤ الجزء الأول\" فإن فيه شفاء ما في نفسك والله يكتب العافية لي ولك.\nالشبهة السادسة ودفعها:\nيقولون إن أنباء القرآن الغيبية لا تستقيم أن تكون وجها من وجوه الإعجاز الدالة على أنه كلام الله بل هو كلام محمد استقى أبناءه من أهل الكتاب في الشام وغيرها أو رمى فيه الكلام على عواهنه فصادف الحقيقة اتفاقا أو استنبط الأنباء برأيه استنباطا ثم نسبها إلى الله.\nوندفع هذه الشبهة أولا بأن أكثر أنباء الغيب التي في القرآن لم يكن لأهل الكتاب علم بها على عهده.\nثانيا أنه صحح أغلاطهم في كثير من هذه الأنباء فليس بمعقول أن يأخذها عنهم وهو الذي صححها لهم!.\nثالثا أن أهل الكتاب في زمنه كانوا أبخل الناس بما في أيديهم من علم الكتاب.\nرابعا أنه لو كان لهذه الشبهة ظل من الحقيقة لطار بها أهل الكتاب فرحا وطعنوا بها في محمد وقرآنه ولطبل لها المشركون ورقصوا لكن شيئا من ذلك لم يكن بل إن جلة من علماء أهل الكتاب آمنوا بهذا القرآن ثم لم يمض زمن طويل حتى أعطت قريش مقادتها لها عن إيمان وإذعان.","vol":"2","page":432},{"text":"خامسا أن محمدا كان رجلا عظيما بشهادة هؤلاء الطاعنين وصاحب هذه العظمة البشرية يستحيل أن يكون ممن يرمي الكلام على عواهنه خصوصا أنه رجل مسؤول في موقف الخصومة بينه وبين أعداء ألداء فما يكون له أن يرجم بالغيب ويقامر بنفسه وبدعوته وهو لا يضمن الأيام وما تأتي به مما ليس في الحسبان.\nسادسا أنه على فرض رجمه بالغيب جزافا من غير حجة يستحيل في مجرى العادة أن يتحقق كل ما جاء به مع هذه الكثرة بل كان يخطئ ولو مرة واحدة إما في غيوب الماضي أو الحاضر أو المستقبل لكنه لم يخطئ في واحدة منها على كثرتها وتنوعها.\nسابعا أن هذه الأنباء الغيبية ليست في كثرتها مما يصلح أن يكون مجالا للرأي ثم إن ما يصلح أن يكون مجالا للرأي أخبر محمد ﷺ في بعضه بغير ما يقضي به ظاهر الرأي والاجتهاد انظر ما ذكرناه تحت عنوان أنباء الغيب من هذا المبحث وتأمل نبوءة انتصار الروم على الفرس وانتصار المسلمين على المشركين في وقت لم تتوافر فيه عوامل هذا الانتصار كما بينا سابقا.\nالشبهة السابعة ودفعها:\nيقولون إن ما تذكرونه من علوم القرآن ومعارفه وتشريعاته الكاملة لا يستقيم أن يكون وجها من وجوه الإعجاز فهذا سولون اليوناني وضع وحده قانونا وافيا كان موضع التقدير والإجلال والطاعة وما قال أحد إنه أتى بذلك معجزة ولا إنه صار بهذا التشريع نبيا.\nوندفع هذه الشبهة أولا بأن البون شاسع بين ما جاء به القرآن وما جاء به هذا القانون السولوني اليوناني ونحن نتحداهم أن يثبتوا لنا كماله ووفاءه بكافة ضروب الإصلاح البشري على نحو ما شرحنا سابقا بالنسبة إلى القرآن الكريم.","vol":"2","page":433},{"text":"ثانيا أن الفرق بعيد بين ظروف محمد ﷺ التي جاء فيها بالقرآن وظروف سولون التي وضع فيها القانون وهذا الفرق البعيد له مدخل كبير في إثبات هذا الوجه من الإعجاز بالنسبة إلى محمد ﷺ دون سولون فمحمد كان أميا نشأ في الأميين أما سولون فكان فيلسوفا نشأ بين فلاسفة ومتعلمين بل هو أحد الفلاسفة السبعة الذين كان يشار إليهم بالبنان في القرن السابع قبل الميلاد المسيحي ...\nومحمد ﷺ لم يتقلد قبل القرآن أعمالا إدارية ولا عسكرية بل جاءه القرآن بعد أن حببت إليه الخلوة والعزلة أما سولون فقد تولى قبل وضعه القانون أعمالا إدارية وعسكرية وانتخب في عام ٥٩٤ قبل الميلاد أرجونا أي رئيسا على الأمة بإجماع أحزابها وقلدوه سلطة مطلقة ليغير ما شاء من نظم البلاد وقانونها الذي وضعه زراكوت من قبله فوضع لها نظاما جديدا أقرته الأمة حكومة وشعبا وقررت اتباعه والعمل به عشر سنين.\nفهل يجوز حتى في عقول المغفلين أن تقام موازنة ويصاغ قياس مع هذه المفارقات الهائلة بين محمد الأمي الناشئ في الأمين وسولون الفيلسوف والحاكم والقائد والزعيم والناشئ في أعظم أمة من أمم الحكمة والحضارة؟!\nثالثا أين ذلك القانون الذي وضعه أو عدله سولون؟ وما أثره وما مبلغ نجاحه بجانب قانون القرآن الجامع ودستوره الخالد وأثره البارز ونجاحه المعجز ثم ما قيمة قانون وضع تحت تأثير تلك الظروف ومات وأصبح في خبر كان بجانب القرآن الذي جاء في ظروف مضادة جعلته معجزة بل معجزات ثم حي حياة دائمة لا مؤقتة ولا يزال يزداد مع مرور العصور والقرون جدة وحياة وثباتا واستقرارا حتى أصبح كثير من الأمم المتحضرة تستمد منه وقررت مؤتمرات دولية اعتباره مصدرا من مصادر القانون المقارن في هذا العصر إلى غير ذلك مما أشرنا إليه قبلا؟!","vol":"2","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>خلاصة</span>\nوالخلاصة أن القرآن من آية ناحية أتيته لا ترى فيه إلا أنوارا متبلجة وأدلة ساطعة على أنه كلام الله ولا يمكن أن تجد فيه نكتة من كذب ولا وصمة من زور ولا لطخة من جهل وإني لأقضي العجب من هؤلاء الذين أغمضوا أعينهم عن هذه الأنوار وطوعت لهم أنفسهم اتهام محمد ﷺ بالكذب وزعموا أن القرآن من تأليفه هو لا من تأليف ربه مع أن الكاذب لا بد أن تكشف عن خبيئته الأيام والمضلل لا مناص له من أن يفتضح أمره ويتهتك ستره.\nثوب الرياء يشف عما تحته ... فإن التحفت به فإنك عار\nفيا أيها اللاعبون بالنار الهازئون بقوانين العقل والمنطق العابثون بمقررات علم النفس وعلم الاجتماع الغافلون عن نواميس الكون وأوضاع التاريخ الساخرون بدين الله وكتابه ورسوله كلمة واحدة أقولها لكم فاعقلوها معقول أن يكذب الكاذب ليجلب إلى نفسه أسباب العظمة والمجد وليس بمعقول أبدا حتى عند البهائم أن يكذب الصادق الأمين ليبعد عن نفسه أعظم عظمة وأمجد مجد ولا شئ أعظم من القرآن ولا أمجد فكيف يتنصل محمد ﷺ منه ولا يتشرف بنسبته إليه لو كان من تأليفه ووضعه؟!\nيمينا لا حنث فيها لو أن محمدا كان كاذبا لكذب في أن ينسب هذا القرآن إلى نفسه على حين أنه ليس من إنشائه ورصفه كيما يحرز به الشرف الأعلى ويدرك به المقام الأسمى لو كان ينال شرف ويعلو مقام بالافتراء والكذب ولكن كيف يكذب الصادق الأمين ومولاه يتوعد ويقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ","vol":"2","page":435},{"text":"لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ، وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ .\nومن أعجب العجب أن نسمع أمثال تلك الشبهات الساقطة في محيطنا الإسلامي على حين أن طوائف كثيرة من علماء الإفرنج في هذه العصور الأخيرة قد أعلنوا بعد دراستهم للقرآن ونبي القرآن إن محمدا كان سليم الفطرة وكامل العقل كريم الأخلاق صادق الحديث عفيف النفس قنوعا بالقليل من الرزق غير طموع في المال ولا جنون إلى الملك ولم يعن بما كان يعنى به قومه من الفخر والمباراة في تحبير الخطب وقرض الشعر وكان يمقت ما كانوا عليه من الشرك وخرافات الوثنية ويحتقر ما يتنافسون فيه من الشهوات البهيمة كالخمر والميسر وأكل أموال الناس بالباطل وبهذا كله وبما ثبت من سيرته ويقينه بعد النبوة جزموا بأنه كان صادقا فيما ادعاه بعد استكمال الأربعين من سنه من رؤية ملك الوحي ومن إقرائه إياه هذا القرآن ومن إنبائه بأنه رسول من الله لهداية قومه وسائر الناس ولقد وصل الأمر ببعض هؤلاء الباحثين الأجانب أن أعلن هذه الحقيقة لو وجدت نسخة من القرآن ملقاة في فلاه ولم يخبرنا أحد عن اسمها ومصدرها لعلمنا بمجرد دراستها أنها كلام الله ولا يمكن أن تمون كلام سواه.","vol":"2","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>كلمة الختام</span>\nأما بعد الكلام في إعجاز جميع الشبهات التي لفقها أعداء الإسلام أطول حتى لقد اطلعت على رسالة خبيثة أسموها حسن الإيجاز في إبطال الإعجاز فوجدتها قد حملت من الأكاذيب والأراجيف ومن اللف والدوران أشكالا وألوانا في الصفيحة الواحدة وعقيدتي أن ما بسطناه في هذا المبحث وما يتصل به فيه الكفاية لمن أراد الهداية ولو أننا استقصينا وجوه الرد على مثل هذه الرسالة لاقتضينا الأمر كتابا كبيرا كاملا على حين أنها هي لا تزيد على اثنتين وعشرين صفحة من القطع الصغير ثم أنى لنا ذلك الرد المسهب الآن وأزمة الورق طاحنه وأدوات الطباعة عزيزة حتى لقد اضطررنا من أجل هذا أن نقف في الكتابة عند هذا الحد بالطبع ولقد كنا نود أن نمضي قدما حتى نأتي على قصص القرآن وأمثاله وجدله ولكن الضرورات تبيح المحظورات وعسى أن يكون خيرا.\nنحمده سبحانه أن كتب لنا التوفيق في هذه المحنة حتى انتهينا إلى هذه الغاية ونستغفره ونتوب إليه من كل خطأ ونسأله القبول والمزيد والتعجيل بتفريج الكروب وأن يصلح الحال والمآل لنا وللمسلمين جميعا في مشارق الأرض ومغاربها.","vol":"2","page":437}]}