{"ً":{"ٌ":7254,"ٍ":"منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/mnaelh/mnaelh.pdf"]},"ّ":"الكتاب: منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث\nالمؤلف: بشير علي عمر\nأصل الكتاب: أطروحة دكتوراة، قسم علوم الحديث بكلية الحديث والدراسات الإسلامية - الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ١٤٢٥ هـ\nالناشر: وقف السلام الخيري\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ هـ\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":1024,"ٕ":10,"ٖ":1770155411,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"أهمية الموضوع والسبب في اختياره","level":2,"page":4},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":5},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":14},{"title":"كلمة شكر وتقدير","level":2,"page":17},{"title":"الباب الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد وببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلامه في إعلال الأحاديث","level":1,"page":19},{"title":"الفصل الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد.","level":2,"page":20},{"title":"المبحث الأول: اسمه ونسبه وأسرته ومولده ونشأته.","level":3,"page":21},{"title":"ولادته","level":4,"page":21},{"title":"المبحث الثاني: حياته العلمية.","level":3,"page":22},{"title":"بداية طلبه للعلم","level":4,"page":22},{"title":"رحلاته العلمية","level":4,"page":23},{"title":"وأما رحلاته خارج العراق فقد كان منها","level":4,"page":24},{"title":"شيوخه وتلاميذه","level":4,"page":26},{"title":"وأما تلاميذه","level":4,"page":29},{"title":"المبحث الثالث: إمامته ومكانته عند علماء الحديث","level":3,"page":32},{"title":"المبحث الرابع: محنته","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الخامس: آثاره العلمية","level":3,"page":37},{"title":"المبحث السادس: وفاته","level":3,"page":38},{"title":"الفصل الثاني: التعريف ببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلام الإمام أحمد في إعلال الأحاديث","level":2,"page":39},{"title":"المبحث الأول: كتاب العلل ومعرفة الرجال - برواية ابنه عبد الله.","level":3,"page":40},{"title":"المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.","level":4,"page":40},{"title":"موضوع الكتاب","level":5,"page":41},{"title":"خصائص الكتاب","level":5,"page":42},{"title":"قيمة الكتاب عند العلماء","level":5,"page":42},{"title":"روايات الكتاب","level":5,"page":43},{"title":"المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب","level":4,"page":45},{"title":"المبحث الثاني: كتاب العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره","level":3,"page":46},{"title":"المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته","level":4,"page":46},{"title":"موضوعه","level":5,"page":46},{"title":"خصائصه","level":5,"page":47},{"title":"قيمته عند العلماء","level":5,"page":47},{"title":"رواياته","level":5,"page":48},{"title":"المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب","level":4,"page":49},{"title":"المبحث الثالث: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله","level":3,"page":50},{"title":"المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته","level":4,"page":50},{"title":"موضوعه","level":5,"page":50},{"title":"خصائصه","level":5,"page":50},{"title":"قيمته العلمية","level":5,"page":51},{"title":"رواياته","level":5,"page":52},{"title":"المطلب الثاني: منهجه في عرض المادة العلمية في الكتاب","level":4,"page":54},{"title":"المبحث الرابع: مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني","level":3,"page":55},{"title":"المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته","level":4,"page":55},{"title":"موضوعه","level":5,"page":55},{"title":"خصائصه","level":5,"page":55},{"title":"قيمته عند العلماء","level":5,"page":56},{"title":"رواياته","level":5,"page":56},{"title":"المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب","level":4,"page":58},{"title":"المبحث الخامس: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح","level":3,"page":59},{"title":"المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته","level":4,"page":59},{"title":"موضوعه","level":5,"page":59},{"title":"خصائصه","level":5,"page":59},{"title":"قيمته العلمية","level":5,"page":60},{"title":"رواياته","level":5,"page":61},{"title":"المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب","level":4,"page":63},{"title":"المبحث السادس: مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن إبراهيم ابن هانئ","level":3,"page":65},{"title":"المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته","level":4,"page":65},{"title":"موضوعه","level":5,"page":65},{"title":"خصائصه","level":5,"page":65},{"title":"قيمته عند العلماء","level":5,"page":66},{"title":"رواياته","level":5,"page":66},{"title":"المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب","level":4,"page":67},{"title":"المبحث السابع: سؤالات الإمام أبي داود السجستاني للإمام أحمد في جرح الرواة وتعدليهم","level":3,"page":68},{"title":"المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته","level":4,"page":68},{"title":"موضوعه","level":5,"page":68},{"title":"خصائصه","level":5,"page":68},{"title":"قيمته العلمية","level":5,"page":69},{"title":"رواياته","level":5,"page":70},{"title":"المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب","level":4,"page":71},{"title":"المبحث الثامن: المنتخب من العلل للخلال - لموفق الدين ابن قدامة","level":3,"page":72},{"title":"المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته","level":4,"page":72},{"title":"موضوعه","level":5,"page":72},{"title":"خصائصه","level":5,"page":72},{"title":"قيمته العلمية","level":5,"page":73},{"title":"روايته","level":5,"page":74},{"title":"المطلب الثاني: منهج عرض مادة العلمية للكتاب","level":4,"page":75},{"title":"الباب الثاني: إعلال الأحاديث بالطعن في رواتها","level":1,"page":76},{"title":"الفصل الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالجهالة","level":2,"page":77},{"title":"المبحث الأول: ضابط الجهالة عند الإمام أحمد.","level":3,"page":78},{"title":"١. جلالة الراوي عن الرجل وإن لم يكن له راو سواه.","level":4,"page":83},{"title":"٢. أن يتفرد عن الرجل من كان معروفا بأنه لا يروي إلا عن ثقة","level":4,"page":88},{"title":"٣. استقامة حديث الرجل وموافقته لروايات الثقات.","level":4,"page":89},{"title":"٤. تقدم طبقة الراوي إذا كان حديثه غير منكر.","level":4,"page":91},{"title":"٥. كونه معروفا عند أهل العلم ببلده","level":4,"page":93},{"title":"المبحث الثاني: جهالة الصحابي ليست بعلة","level":3,"page":94},{"title":"المبحث الثالث: ما رواه المجهول مخالفا للثابت المعروف عند الإمام أحمد","level":3,"page":96},{"title":"المبحث الرابع: نماذج من إعلال الإمام أحمد للأحاديث بجهالة بعض رواتها","level":3,"page":107},{"title":"المبحث الخامس: إعلال حديث الراوي المكثر من الرواية عن المجهولين","level":3,"page":124},{"title":"الفصل الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بعدالته","level":2,"page":127},{"title":"المبحث الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالكذب أو التهمة به.","level":3,"page":128},{"title":"المطلب الأول: إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال الراوي","level":4,"page":131},{"title":"١. كون الراوي ممن وصف بأنه كذاب أو يروي الموضوعات","level":5,"page":131},{"title":"٢. ومن القرائن التي تعود إلى حال الراوي رميه بسرقة الحديث","level":5,"page":141},{"title":"٣. ومن قرائن إثباث الوضع والتي تعود إلى حال الراوي كون الراوي يروي عن شيخ ويصرح بالسماع منه مع كونه لم يسمع منه","level":5,"page":145},{"title":"٤. ومنها كون الراوي ممن يوضع له الأحاديث فيحدث بها","level":5,"page":146},{"title":"المطلب الثاني: إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المروي","level":4,"page":152},{"title":"١. كون الحديث لا يشبه ما خرج من مشكاة النبوة لركاكة ألفاظه ومعانيه، أو اشتماله على المجازفة في الترغيب والترهيب، أو الفضائل، وكان مناقضا للأصول","level":5,"page":152},{"title":"٢. ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي أن لا يكون للحديث أصل من حديث أي راو ممن ذكر في الإسناد، ولا يعرف الحديث إلا من طريق من لا يحتمل تفرده","level":5,"page":155},{"title":"٣. ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي كون الحديث منكر الإسناد، مما يدل على احتمال وقوع تركيب الإسناد في روايته","level":5,"page":157},{"title":"٤. ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي أن يروي الراوي حديثا بإسناد روي به أحاديث معروفة جمعت في نسخة ثم لا يكون حديث ذلك الراوي موجودا في تلك النسخة، فيحكم عليه بالوضع","level":5,"page":160},{"title":"٥. من القرائن التي تعود إلى حال المروي كون الحديث المروي أصله يعود إلى نسخة موضوعة","level":5,"page":163},{"title":"٦. من القرائن التي تعود إلى حال المروي أن يكون المتن أصله كلام غير النبي ﷺ صحابي أو غيره - فيضاف إلى النبي ﷺ عمدا أو خطأ","level":5,"page":166},{"title":"المطلب الثالث: لا منافاة بين ثقة الراوي والحكم على حديثه بالوضع","level":4,"page":174},{"title":"المطلب الرابع: تعدد طرق الحديث المعل بكذب راويه","level":4,"page":178},{"title":"المطلب الخامس: بعض مصطلحات الإمام أحمد في هذا الباب","level":4,"page":191},{"title":"المطلب السادس: موقفه من الرواية عن الكذابين والمتهمين بالكذب","level":4,"page":205},{"title":"المطلب السابع: مخالفة حكمه حكم غيره في آحاد المسائل في هذا الباب","level":4,"page":208},{"title":"المبحث الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي ببدعة فيه","level":3,"page":217},{"title":"المطلب الأول: تعريف البدعة وأهلها","level":4,"page":217},{"title":"المطلب الثاني: التمييز بين البدعة التي ترد بها رواية الراوي المتصف بها من غيرها","level":4,"page":219},{"title":"مذهب الإمام أحمد","level":5,"page":220},{"title":"التجهم","level":5,"page":220},{"title":"التشيع","level":5,"page":221},{"title":"القدر","level":5,"page":226},{"title":"الإرجاء","level":5,"page":228},{"title":"المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من الرواية عمن أجاب في محنة خلق القرآن","level":4,"page":236},{"title":"الفصل الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه","level":2,"page":238},{"title":"المبحث الأول: الإعلال بسوء الحفظ الملازم للراوي.","level":3,"page":239},{"title":"المطلب الأول: سوء الحفظ المطلق والإعلال به عند الإمام أحمد","level":4,"page":241},{"title":"كتابة أحاديثهم للاعتبار","level":5,"page":242},{"title":"قبول أحاديثهم في الرقائق","level":5,"page":243},{"title":"نماذج من إعلال الإمام أحمد لأحاديث من وصفهم بسوء الحفظ لتفردهم بها","level":5,"page":243},{"title":"يزيد بن أبي زياد","level":6,"page":243},{"title":"يحيى بن أيوب الغافقي","level":6,"page":254},{"title":"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى","level":6,"page":262},{"title":"عطاء بن مسلم الخفاف","level":6,"page":264},{"title":"من نهى عن الكتابة عنهم وأمر بالضرب على حديثهم","level":5,"page":266},{"title":"موسى بن عبيدة الربذي","level":6,"page":266},{"title":"المطلب الثاني: الحالات التي لا يعل فيها حديث الراوي المتصف بسوء الحفظ","level":4,"page":279},{"title":"الحالة الأولى: أن يكون الراوي السيء الحفظ له كتاب صحيح.","level":5,"page":279},{"title":"الحالة الثانية: أن تأتي الرواية عن طريق من عرف بصحة روايته عنه.","level":5,"page":280},{"title":"الحالة الثالثة: أن يروي الراوي السيء الحفظ عن شيخ عرف بضبطه لحديثه.","level":5,"page":282},{"title":"الحالة الرابعة: أن يكون في الحديث قصة ويذكرها الراوي في سياقه لروايته.","level":5,"page":283},{"title":"المطلب الثالث: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن بعض شيوخه والإعلال به عند الإمام أحمد","level":4,"page":285},{"title":"إسحاق بن يوسف الأزرق \"ت (١٩٥) هـ\"","level":5,"page":286},{"title":"جرير بن حازم","level":5,"page":289},{"title":"جعفر بن برقان ت (١٥٤) هـ","level":5,"page":294},{"title":"حماد بن سلمة ت (١٦٧) هـ","level":5,"page":295},{"title":"ومن الشيوخ الذين تكلم الإمام أحمد في حديثه عنهم","level":6,"page":296},{"title":"١. أيوب بن أبي تميمة السختياني","level":7,"page":296},{"title":"٢. قيس بن سعد ت (١١٩) هـ","level":7,"page":299},{"title":"٣. حماد بن أبي سليمان ت (١٢٠) هـ","level":7,"page":301},{"title":"الحسن بن بشر الهمداني الكوفي ت (٢٢١) هـ","level":5,"page":303},{"title":"عكرمة بن عمار اليمامي","level":5,"page":306},{"title":"عمر بن إبراهيم العبدي، أبو حفص البصري","level":5,"page":311},{"title":"عمرو بن الحارث المصري","level":5,"page":314},{"title":"قبيصة بن عقبة السوائي الكوفي ت (٢١٥) هـ","level":5,"page":315},{"title":"مغيرة بن مقسم ت (١٣٦) هـ","level":5,"page":324},{"title":"المطلب الرابع: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن أهل بعض البلدان، والإعلال به عند الإمام أحمد","level":4,"page":337},{"title":"١. إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي الحمصي","level":5,"page":337},{"title":"٢. سفيان بن عيينة","level":5,"page":347},{"title":"المطلب الخامس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا جمع الشيوخ في الإسناد، والإعلال به عند الإمام أحمد","level":4,"page":349},{"title":"المطلب السادس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي حين يروي بالمعنى","level":4,"page":359},{"title":"المبحث الثاني: الإعلال بسوء الحفظ الطارئ على الراوي","level":3,"page":379},{"title":"المطلب الأول: الإعلال باختلاط الراوي لكبر سنه","level":4,"page":379},{"title":"١ - صالح مولى التوأمة ت (١٢٥) هـ","level":5,"page":383},{"title":"٢ - عطاء بن السائب ت (١٢٦) هـ","level":5,"page":387},{"title":"٣ - أبو إسحاق السبيعي ت (١٢٦) هـ","level":5,"page":391},{"title":"٤ - سعيد بن أبي عروبة ت (١٥٦) هـ","level":5,"page":396},{"title":"٥ - عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي (١٦٠) هـ","level":5,"page":414},{"title":"٦ - أبان بن صمعة البصري ت (١٥٣) هــ","level":5,"page":420},{"title":"فرع: إذا كان الراوي صحيح السماع من المختلط ووجد الخطأ في روايته عنه كان وجه الخطأ سببا آخر غير الاختلاط.","level":5,"page":420},{"title":"فرع آخر: ما حدث به المختلط من كتاب لا يدخله الإعلال بالاختلاط","level":5,"page":426},{"title":"المطلب الثاني: ما يلحق بالاختلاط من أسباب سوء الحفظ الطارئ على الراوي - ذهاب بصر الراوي","level":4,"page":428},{"title":"الرواة الذين كف بصرهم فتأثر ضبطهم","level":5,"page":443},{"title":"أبو حمزة السكري","level":6,"page":443},{"title":"المطلب الثالث: ما يلحق بالاختلاط من أسباب سوء الحفظ الطارئ على الراوي - ذهاب كتب الراوي بسبب من الأسباب","level":4,"page":444},{"title":"١ - عبد الله بن لهيعة الغافقي المصري ت (١٧٤) هـ","level":5,"page":444},{"title":"٢ - محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري.","level":5,"page":450},{"title":"٣ - عبد الله بن رجاء المكي","level":5,"page":453},{"title":"٤. عبد الرحمن بن عمروالأوزاعي الإمام ت (١٥٧) هـ","level":5,"page":455},{"title":"المبحث الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بشدة الغفلة وعدم التيقظ","level":3,"page":464},{"title":"المبحث الرابع: ما يخل بضبط الراوي بسبب طريقته في التحمل","level":3,"page":467},{"title":"من روى عن شيخه بالإجازة","level":4,"page":467},{"title":"من روى عن شيخه بالإجازة ولم يكن من أهل الحديث","level":4,"page":468},{"title":"بشر بن شعيب عن أبيه","level":5,"page":468},{"title":"وممن ذكر الإمام أحمد أنه روى عن شيخه بالمكاتبة بلا سماع","level":4,"page":475},{"title":"١. يزيد بن أبي حبيب عن الزهري","level":5,"page":475},{"title":"٢. محمد بن كثير المصيصي عن معمر","level":5,"page":476},{"title":"من روى عن شيخه بالوصية","level":4,"page":477},{"title":"عبد العزيز بن أبي حازم فيما رواه عن سليمان بن بلال","level":5,"page":478},{"title":"وممن تكلم في حديثه عن شيخه بأنه كتاب بلا سماع","level":4,"page":484},{"title":"١. الحكم بن عتيبة عن مقسم","level":5,"page":484},{"title":"٢. أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي عن أبي إسحاق السبيعي","level":5,"page":486},{"title":"٣. عمرو بن شعيب عن أبيه","level":5,"page":488},{"title":"المبحث الخامس: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه لكتابه","level":3,"page":498},{"title":"المطلب الأول: أهمية حفظ الكتاب وتقديمه على حفظ الصدر عند الإمام أحمد","level":4,"page":498},{"title":"المطلب الثاني: من كانت كتبه غير منقوطة ولا مشكولة","level":4,"page":505},{"title":"المطلب الثالث: من وقف على لحق في كتابه","level":4,"page":510},{"title":"المبحث السادس: من لا يحدث من كتابه فيهم في حديثه","level":3,"page":513},{"title":"١. إبراهيم بن سعد الزهري أبو إسحاق المدني","level":4,"page":513},{"title":"٢. عبد الله بن يزيد القرشي، أبو عبد الرحمن المقرئ","level":4,"page":520},{"title":"٣. عبد الرزاق بن همام الصنعاني","level":4,"page":522},{"title":"٤. عبد العزيز بن محمد الدراوردي","level":4,"page":529},{"title":"٥. عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي","level":4,"page":533},{"title":"٦. محمد بن بشر العبدي","level":4,"page":534},{"title":"٧. همام بن يحيى العوذي","level":4,"page":536},{"title":"٨. أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي","level":4,"page":538},{"title":"٩. يونس بن يزيد الأيلي","level":4,"page":540},{"title":"١٠. عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج","level":4,"page":543},{"title":"المبحث السابع: من حدث في مكان لم تكن معه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط","level":3,"page":545},{"title":"١. معمر بن راشد الأزدي","level":4,"page":545},{"title":"٢. هشام بن عروة","level":4,"page":553},{"title":"٣. يزيد بن هارون","level":4,"page":557},{"title":"٤. جزير بن حازم","level":4,"page":558},{"title":"٥. الوليد بن مسلم","level":4,"page":563},{"title":"المبحث الثامن: من لم يضبط أهل إقليم حديثه","level":3,"page":565},{"title":"الباب الثالث: إعلال الأحاديث بما يخل باتصال أسانيدها","level":1,"page":570},{"title":"الفصل الأول: ما يثبت به الاتصال","level":2,"page":571},{"title":"تمهيد","level":3,"page":572},{"title":"المبحث الأول: اشتراط ثبوت السماع بين الرواة عند الإمام أحمد لثبوت الاتصال في الإسناد المعنعن","level":3,"page":574},{"title":"المطلب الأول: الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم باتصال الإسناد المعنعن","level":4,"page":576},{"title":"١. نفيه للسماع بين الراويين مع وجود اللقاء بينهما","level":5,"page":576},{"title":"أ- قوله في عبد الله بن عون وعدم سماعه من أنس","level":6,"page":576},{"title":"ب- قوله في سماع يحي بن أبي كثير من أنس بن مالك ﵁","level":6,"page":576},{"title":"ج- عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر","level":6,"page":577},{"title":"د- عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن ابن عمر","level":6,"page":577},{"title":"هـ- ابن شهاب الزهري عن أبان بن عثمان بن عفان","level":6,"page":577},{"title":"و- حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير","level":6,"page":578},{"title":"٢. البحث عن التصريح بالسماع بين الرواة","level":5,"page":581},{"title":"٣. الاحتجاج بثبوت السماع لإثبات صحة الإسناد وعدم الاكتفاء بإمكان اللقاء","level":5,"page":585},{"title":"٤. إعلاله الأحاديث بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم","level":5,"page":586},{"title":"المطلب الثاني: ما يدل على اكتفاء الإمام أحمد بالمعاصرة وإمكان السماع والجواب عنه","level":4,"page":593},{"title":"المبحث الثاني: وسيلة إثبات السماع وذكر شروطها وموانعها","level":3,"page":604},{"title":"المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند","level":4,"page":604},{"title":"المطلب الثاني: شروط قبول التصريح بالسماع في السند","level":4,"page":606},{"title":"الشرط الأول: صحة السند.","level":5,"page":606},{"title":"١. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل","level":6,"page":606},{"title":"٢. قال ابن هانئ","level":6,"page":606},{"title":"٣. قال أبو داود","level":6,"page":607},{"title":"الشرط الثاني: عدم معارضته بمعارض راجح.","level":5,"page":607},{"title":"الشرط الثالث: ألا يكون من ذكر السماع ممن لا يرجع إلى التحقيق في ذكره،","level":5,"page":608},{"title":"المطلب الثالث: قرائن تمنع من الحكم بثبوت السماع","level":4,"page":611},{"title":"١. تصريح الراوي بأنه لم يسمع ممن روى عنه","level":5,"page":611},{"title":"٢. الرواية بصيغة تدل على عدم السماع","level":5,"page":611},{"title":"٣. ذكر الوسائط بين راويين لم يثبت التقاؤهما","level":5,"page":612},{"title":"٤. عدم إمكان اللقاء بين الراويين","level":5,"page":619},{"title":"المبحث الثالث: صيغ الأداء وعلاقتها بإثبات الاتصال","level":3,"page":626},{"title":"الفصل الثاني: الإعلال بما يخل باتصال الأسانيد","level":2,"page":633},{"title":"المبحث الأول: الإعلال بالإرسال","level":3,"page":634},{"title":"المطلب الأول: معنى الإرسال عند الإمام أحمد","level":4,"page":634},{"title":"المطلب الثاني: الإعلال بإسقاط الصحابي","level":4,"page":640},{"title":"المسألة الأولى: الصحبة وما تثبت به عند الإمام أحمد.","level":5,"page":640},{"title":"المسألة الثانية: ما يقدح في ثبوت الصحبة.","level":5,"page":649},{"title":"المسألة الثالثة: التفريق بين الصحبة المقترنة بالسماع من النبي ﷺ والمجردة منه.","level":5,"page":657},{"title":"المسألة الرابعة: ما أعله بعدم ثبوت صحبة راويه عن النبي ﷺ.","level":5,"page":668},{"title":"المطلب الثالث: الإرسال الخفي والإعلال به عند الإمام أحمد","level":4,"page":670},{"title":"المطلب الرابع: المزيد في متصل الأسانيد والإعلال به عند الإمام أحمد","level":4,"page":679},{"title":"المبحث الثاني: التدليس والإعلال به عند الإمام أحمد","level":3,"page":686},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالتدليس والمدلسين عند الإمام أحمد","level":4,"page":686},{"title":"تدليس العطف","level":5,"page":699},{"title":"الحكم على رواية المدلس","level":5,"page":700},{"title":"المطلب الثاني: وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد","level":4,"page":703},{"title":"الوجه الأول: عدم تصريح المدلس بالسماع في السند.","level":5,"page":703},{"title":"الوجه الثاني: رواية الحديث عن الراوي المدلس من وجه آخر بالتصريح بواسطة بينه وبين شيخه.","level":5,"page":709},{"title":"الوجه الثالث: أن يذكر الراوي المدلس أنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه.","level":5,"page":721},{"title":"الوجه الرابع: تنصيص الإمام على عدم سماع الراوي لحديث معين من شيخه.","level":5,"page":723},{"title":"الوجه الخامس: تنصيص الإمام على عدم سماع المدلس من شيخه إلا أحاديث معينة.","level":5,"page":727},{"title":"الوجه السادس: الإعلال بالنكارة وسببها التدليس.","level":5,"page":732},{"title":"المطلب الثالث: تدليس الشيوخ والإعلال به عند الإمام أحمد","level":4,"page":737},{"title":"الباب الرابع: إعلال الأحاديث بالشذوذ وبالعلل الخفية","level":1,"page":740},{"title":"الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة","level":2,"page":741},{"title":"المبحث الأول: التفرد والإعلال به عند الإمام أحمد","level":3,"page":742},{"title":"المطلب الأول: معنى التفرد والغرابة عند الإمام أحمد","level":4,"page":742},{"title":"الأول: التفرد المطلق.","level":5,"page":743},{"title":"الثاني: إطلاق هذه اللظفة على الفرد النسبي","level":5,"page":744},{"title":"المطلب الثاني: حد المنكر عند الإمام أحمد","level":4,"page":749},{"title":"المسألة الأولى: حد المنكر لغة.","level":5,"page":749},{"title":"المسألة الثانية: إطلاق المنكر لدى الإمام أحمد.","level":5,"page":749},{"title":"١. إطلاق المنكر بمعنى خلاف المعروف","level":6,"page":750},{"title":"٢. المنكر بمعنى الحديث الفرد الذي ليس له متابع","level":6,"page":754},{"title":"٣. المنكر بمعنى ما ليس له أصل","level":6,"page":757},{"title":"٤. المنكر بمعنى الخطأ","level":6,"page":759},{"title":"المسألة الثالثة: تفسير بعض أهل العلم لمعنى \"المنكر\" عند الإمام أحمد.","level":5,"page":763},{"title":"الأثرم","level":6,"page":763},{"title":"ابن رجب","level":6,"page":763},{"title":"ابن حجر","level":6,"page":766},{"title":"المسألة الرابعة: التعريف الاصطلاحي للمنكر عند الإمام أحمد.","level":5,"page":767},{"title":"المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الثقة","level":4,"page":769},{"title":"المطلب الرابع: موقف الإمام أحمد من زيادات الثقات","level":4,"page":794},{"title":"المطلب الخامس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الصدوق","level":4,"page":813},{"title":"المطلب السادس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الموصوف بسوء الحفظ","level":4,"page":828},{"title":"المطلب السابع: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي المجهول","level":4,"page":836},{"title":"المبحث الثاني: الإعلال بالمخالفة عند الإمام أحمد","level":3,"page":839},{"title":"المطلب الأول: مخالفة الراوي لرواية الأحفظ","level":4,"page":841},{"title":"المطلب الثاني: مخالفة الراوي لرواية الأكثر عددا","level":4,"page":852},{"title":"المطلب الثالث: إعلال حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه","level":4,"page":885},{"title":"المطلب الرابع: نماذج من نقد الإمام أحمد للمتون لمخالفتها للثابت المعروف","level":4,"page":900},{"title":"الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية","level":2,"page":917},{"title":"المبحث الأول: نماذج من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات","level":3,"page":918},{"title":"المطلب الأول: أخطاء الحفاظ في الأسماء","level":4,"page":919},{"title":"المطلب الثاني: أخطاء الثقات في الألفاظ","level":4,"page":934},{"title":"المطلب الثالث: التصحيف","level":4,"page":938},{"title":"المطلب الرابع: القلب","level":4,"page":944},{"title":"النوع الأول من القلب: إبدال صحابي بأخر","level":5,"page":945},{"title":"النوع الثاني من القلب: إبدال راو بآخر","level":5,"page":950},{"title":"النوع الثالث من القلب: إبدال إسناد بآخر","level":5,"page":954},{"title":"النوع الرابع من القلب: القلب في المتن","level":5,"page":963},{"title":"المطلب الخامس: رفع الموقوف ووصل المرسل","level":4,"page":966},{"title":"المطلب السادس: الإدراج","level":4,"page":973},{"title":"المطلب السابع: ذكر بعض القرائن يتوصل بها إلى معرفة أخطاء الثقات في الأحاديث كما وردت عن الإمام أحمد","level":4,"page":995},{"title":"١. التفرد ممن لا يحتمل تفرده وبخاصة عن حافظ مكثر ذي تلاميذ كثر","level":5,"page":995},{"title":"٢. المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عددا","level":5,"page":999},{"title":"٣. مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه","level":5,"page":1002},{"title":"٤. معرفة مخالفة الرواية للثابت المعروف","level":5,"page":1003},{"title":"٥. سلوك الجادة","level":5,"page":1003},{"title":"٦. معرفة الملابسات المتعلقة بمجالس التحمل والأداء","level":5,"page":1007},{"title":"٧. معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند","level":5,"page":1010},{"title":"٩. معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المكثرين في الرواية وعدد التلاميذ","level":5,"page":1013},{"title":"١٠. الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان","level":5,"page":1014},{"title":"المبحث الثاني: مراتب الرواة عن الأعلام عند الإمام أحمد ومن يرجح قوله منهم عند الاختلاف","level":3,"page":1019},{"title":"أصحاب عبد الله بن عمر","level":4,"page":1020},{"title":"أصحاب نافع مولى ابن عمر","level":4,"page":1022},{"title":"أصحاب نافع مولى ابن عمر","level":4,"page":1022},{"title":"أصحاب ابن شهاب الزهري","level":4,"page":1025},{"title":"أصحاب ابن شهاب الزهري","level":4,"page":1025},{"title":"أصحاب سعيد بن أبي سعيد المقبري","level":4,"page":1033},{"title":"أصحاب أبي إسحاق السبيعي","level":4,"page":1035},{"title":"أصحاب أبي إسحاق السبيعي","level":4,"page":1035},{"title":"أصحاب إبراهيم بن يزيد النخعي","level":4,"page":1040},{"title":"أصحاب ثابت البناني","level":4,"page":1042},{"title":"أصحاب قتادة","level":4,"page":1044},{"title":"أصحاب قتادة","level":4,"page":1044},{"title":"أصحاب يحيى بن أبي كثير","level":4,"page":1045},{"title":"مثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد","level":5,"page":1046},{"title":"أصحاب ابن جريج","level":4,"page":1047},{"title":"أصحاب حصين","level":4,"page":1047},{"title":"أصحاب ابن جريج","level":4,"page":1047},{"title":"أصحاب حصين","level":4,"page":1047},{"title":"مثال لما اختلف أصحاب حصين فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد","level":5,"page":1048},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1050},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":1053}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,25":20,"1,27":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,45":37,"1,47":38,"1,49":39,"1,51":40,"1,52":41,"1,53":42,"1,54":43,"1,55":44,"1,56":45,"1,57":46,"1,58":47,"1,59":48,"1,60":49,"1,61":50,"1,62":51,"1,63":52,"1,64":53,"1,65":54,"1,67":55,"1,68":56,"1,69":57,"1,70":58,"1,71":59,"1,72":60,"1,73":61,"1,74":62,"1,75":63,"1,76":64,"1,77":65,"1,78":66,"1,79":67,"1,81":68,"1,82":69,"1,83":70,"1,84":71,"1,85":72,"1,86":73,"1,87":74,"1,88":75,"1,89":76,"1,91":77,"1,93":78,"1,94":79,"1,95":80,"1,96":81,"1,97":82,"1,98":83,"1,99":84,"1,100":85,"1,101":86,"1,102":87,"1,103":88,"1,104":89,"1,105":90,"1,106":91,"1,107":92,"1,108":93,"1,109":94,"1,110":95,"1,111":96,"1,112":97,"1,113":98,"1,114":99,"1,115":100,"1,116":101,"1,117":102,"1,118":103,"1,119":104,"1,120":105,"1,121":106,"1,123":107,"1,124":108,"1,125":109,"1,126":110,"1,127":111,"1,128":112,"1,129":113,"1,130":114,"1,131":115,"1,132":116,"1,133":117,"1,134":118,"1,135":119,"1,136":120,"1,137":121,"1,138":122,"1,139":123,"1,141":124,"1,142":125,"1,143":126,"1,145":127,"1,147":128,"1,148":129,"1,149":130,"1,150":131,"1,151":132,"1,152":133,"1,153":134,"1,154":135,"1,155":136,"1,156":137,"1,157":138,"1,158":139,"1,159":140,"1,160":141,"1,161":142,"1,162":143,"1,163":144,"1,164":145,"1,165":146,"1,166":147,"1,167":148,"1,168":149,"1,169":150,"1,170":151,"1,171":152,"1,172":153,"1,173":154,"1,174":155,"1,175":156,"1,176":157,"1,177":158,"1,178":159,"1,179":160,"1,180":161,"1,181":162,"1,182":163,"1,183":164,"1,184":165,"1,185":166,"1,186":167,"1,187":168,"1,188":169,"1,189":170,"1,190":171,"1,191":172,"1,192":173,"1,193":174,"1,194":175,"1,195":176,"1,196":177,"1,197":178,"1,198":179,"1,199":180,"1,200":181,"1,201":182,"1,202":183,"1,203":184,"1,204":185,"1,205":186,"1,206":187,"1,207":188,"1,208":189,"1,209":190,"1,210":191,"1,211":192,"1,212":193,"1,213":194,"1,214":195,"1,215":196,"1,216":197,"1,217":198,"1,218":199,"1,219":200,"1,220":201,"1,221":202,"1,222":203,"1,223":204,"1,224":205,"1,225":206,"1,226":207,"1,227":208,"1,228":209,"1,229":210,"1,230":211,"1,231":212,"1,232":213,"1,233":214,"1,234":215,"1,235":216,"1,237":217,"1,238":218,"1,239":219,"1,240":220,"1,241":221,"1,242":222,"1,243":223,"1,244":224,"1,245":225,"1,246":226,"1,247":227,"1,248":228,"1,249":229,"1,250":230,"1,251":231,"1,252":232,"1,253":233,"1,254":234,"1,255":235,"1,256":236,"1,257":237,"1,259":238,"1,261":239,"1,262":240,"1,263":241,"1,264":242,"1,265":243,"1,266":244,"1,267":245,"1,268":246,"1,269":247,"1,270":248,"1,271":249,"1,272":250,"1,273":251,"1,274":252,"1,275":253,"1,276":254,"1,277":255,"1,278":256,"1,279":257,"1,280":258,"1,281":259,"1,282":260,"1,283":261,"1,284":262,"1,285":263,"1,286":264,"1,287":265,"1,288":266,"1,289":267,"1,290":268,"1,291":269,"1,292":270,"1,293":271,"1,294":272,"1,295":273,"1,296":274,"1,297":275,"1,298":276,"1,299":277,"1,300":278,"1,301":279,"1,302":280,"1,303":281,"1,304":282,"1,305":283,"1,306":284,"1,307":285,"1,308":286,"1,309":287,"1,310":288,"1,311":289,"1,312":290,"1,313":291,"1,314":292,"1,315":293,"1,316":294,"1,317":295,"1,318":296,"1,319":297,"1,320":298,"1,321":299,"1,322":300,"1,323":301,"1,324":302,"1,325":303,"1,326":304,"1,327":305,"1,328":306,"1,329":307,"1,330":308,"1,331":309,"1,332":310,"1,333":311,"1,334":312,"1,335":313,"1,336":314,"1,337":315,"1,338":316,"1,339":317,"1,340":318,"1,341":319,"1,342":320,"1,343":321,"1,344":322,"1,345":323,"1,346":324,"1,347":325,"1,348":326,"1,349":327,"1,350":328,"1,351":329,"1,352":330,"1,353":331,"1,354":332,"1,355":333,"1,356":334,"1,357":335,"1,358":336,"1,359":337,"1,360":338,"1,361":339,"1,362":340,"1,363":341,"1,364":342,"1,365":343,"1,366":344,"1,367":345,"1,368":346,"1,369":347,"1,370":348,"1,371":349,"1,372":350,"1,373":351,"1,374":352,"1,375":353,"1,376":354,"1,377":355,"1,378":356,"1,379":357,"1,380":358,"1,381":359,"1,382":360,"1,383":361,"1,384":362,"1,385":363,"1,386":364,"1,387":365,"1,388":366,"1,389":367,"1,390":368,"1,391":369,"1,392":370,"1,393":371,"1,394":372,"1,395":373,"1,396":374,"1,397":375,"1,398":376,"1,399":377,"1,400":378,"1,401":379,"1,402":380,"1,403":381,"1,404":382,"1,405":383,"1,406":384,"1,407":385,"1,408":386,"1,409":387,"1,410":388,"1,411":389,"1,412":390,"1,413":391,"1,414":392,"1,415":393,"1,416":394,"1,417":395,"1,418":396,"1,419":397,"1,420":398,"1,421":399,"1,422":400,"1,423":401,"1,424":402,"1,425":403,"1,426":404,"1,427":405,"1,428":406,"1,429":407,"1,430":408,"1,431":409,"1,432":410,"1,433":411,"1,434":412,"1,435":413,"1,436":414,"1,437":415,"1,438":416,"1,439":417,"1,440":418,"1,441":419,"1,442":420,"1,443":421,"1,444":422,"1,445":423,"1,446":424,"1,447":425,"1,448":426,"1,449":427,"1,450":428,"1,451":429,"1,452":430,"1,453":431,"1,454":432,"1,455":433,"1,456":434,"1,457":435,"1,458":436,"1,459":437,"1,460":438,"1,461":439,"1,462":440,"1,463":441,"1,464":442,"1,465":443,"1,466":444,"1,467":445,"1,468":446,"1,469":447,"1,470":448,"1,471":449,"1,472":450,"1,473":451,"1,474":452,"1,475":453,"1,476":454,"1,477":455,"1,478":456,"1,479":457,"1,480":458,"1,481":459,"1,482":460,"1,483":461,"1,484":462,"1,485":463,"1,487":464,"1,488":465,"1,489":466,"1,491":467,"1,492":468,"1,493":469,"1,494":470,"1,495":471,"1,496":472,"1,497":473,"1,498":474,"1,499":475,"1,500":476,"1,501":477,"1,502":478,"1,503":479,"1,504":480,"1,505":481,"1,506":482,"1,507":483,"1,508":484,"1,509":485,"1,510":486,"1,511":487,"1,512":488,"1,513":489,"1,514":490,"1,515":491,"1,516":492,"1,517":493,"1,518":494,"1,519":495,"1,520":496,"1,521":497,"1,523":498,"1,524":499,"1,525":500,"1,526":501,"1,527":502,"1,528":503,"1,529":504,"1,530":505,"1,531":506,"1,532":507,"1,533":508,"1,534":509,"1,535":510,"1,536":511,"1,537":512,"1,539":513,"1,540":514,"1,541":515,"1,542":516,"1,543":517,"1,544":518,"1,545":519,"1,546":520,"1,547":521,"1,548":522,"1,549":523,"1,550":524,"1,551":525,"1,552":526,"1,553":527,"1,554":528,"1,555":529,"1,556":530,"1,557":531,"1,558":532,"1,559":533,"1,560":534,"1,561":535,"1,562":536,"1,563":537,"1,564":538,"1,565":539,"1,566":540,"1,567":541,"1,568":542,"1,569":543,"1,570":544,"1,571":545,"1,572":546,"1,573":547,"1,574":548,"1,575":549,"1,576":550,"1,577":551,"1,578":552,"1,579":553,"1,580":554,"1,581":555,"1,582":556,"1,583":557,"1,584":558,"1,585":559,"1,586":560,"1,587":561,"1,588":562,"1,589":563,"1,590":564,"1,591":565,"1,592":566,"1,593":567,"1,594":568,"1,595":569,"2,598":570,"2,600":571,"2,601":572,"2,602":573,"2,603":574,"2,604":575,"2,605":576,"2,606":577,"2,607":578,"2,608":579,"2,609":580,"2,610":581,"2,611":582,"2,612":583,"2,613":584,"2,614":585,"2,615":586,"2,616":587,"2,617":588,"2,618":589,"2,619":590,"2,620":591,"2,621":592,"2,622":593,"2,623":594,"2,624":595,"2,625":596,"2,626":597,"2,627":598,"2,628":599,"2,629":600,"2,630":601,"2,631":602,"2,632":603,"2,633":604,"2,634":605,"2,635":606,"2,636":607,"2,637":608,"2,638":609,"2,639":610,"2,640":611,"2,641":612,"2,642":613,"2,643":614,"2,644":615,"2,645":616,"2,646":617,"2,647":618,"2,648":619,"2,649":620,"2,650":621,"2,651":622,"2,652":623,"2,653":624,"2,654":625,"2,655":626,"2,656":627,"2,657":628,"2,658":629,"2,659":630,"2,660":631,"2,661":632,"2,663":633,"2,665":634,"2,666":635,"2,667":636,"2,668":637,"2,669":638,"2,670":639,"2,671":640,"2,672":641,"2,673":642,"2,674":643,"2,675":644,"2,676":645,"2,677":646,"2,678":647,"2,679":648,"2,680":649,"2,681":650,"2,682":651,"2,683":652,"2,684":653,"2,685":654,"2,686":655,"2,687":656,"2,688":657,"2,689":658,"2,690":659,"2,691":660,"2,692":661,"2,693":662,"2,694":663,"2,695":664,"2,696":665,"2,697":666,"2,698":667,"2,699":668,"2,700":669,"2,701":670,"2,702":671,"2,703":672,"2,704":673,"2,705":674,"2,706":675,"2,707":676,"2,708":677,"2,709":678,"2,710":679,"2,711":680,"2,712":681,"2,713":682,"2,714":683,"2,715":684,"2,716":685,"2,717":686,"2,718":687,"2,719":688,"2,720":689,"2,721":690,"2,722":691,"2,723":692,"2,724":693,"2,725":694,"2,726":695,"2,727":696,"2,728":697,"2,729":698,"2,730":699,"2,731":700,"2,732":701,"2,733":702,"2,734":703,"2,735":704,"2,736":705,"2,737":706,"2,738":707,"2,739":708,"2,740":709,"2,741":710,"2,742":711,"2,743":712,"2,744":713,"2,745":714,"2,746":715,"2,747":716,"2,748":717,"2,749":718,"2,750":719,"2,751":720,"2,752":721,"2,753":722,"2,754":723,"2,755":724,"2,756":725,"2,757":726,"2,758":727,"2,759":728,"2,760":729,"2,761":730,"2,762":731,"2,763":732,"2,764":733,"2,765":734,"2,766":735,"2,767":736,"2,768":737,"2,769":738,"2,770":739,"2,771":740,"2,773":741,"2,775":742,"2,776":743,"2,777":744,"2,778":745,"2,779":746,"2,780":747,"2,781":748,"2,782":749,"2,783":750,"2,784":751,"2,785":752,"2,786":753,"2,787":754,"2,788":755,"2,789":756,"2,790":757,"2,791":758,"2,792":759,"2,793":760,"2,794":761,"2,795":762,"2,796":763,"2,797":764,"2,798":765,"2,799":766,"2,800":767,"2,801":768,"2,802":769,"2,803":770,"2,804":771,"2,805":772,"2,806":773,"2,807":774,"2,808":775,"2,809":776,"2,810":777,"2,811":778,"2,812":779,"2,813":780,"2,814":781,"2,815":782,"2,816":783,"2,817":784,"2,818":785,"2,819":786,"2,820":787,"2,821":788,"2,822":789,"2,823":790,"2,824":791,"2,825":792,"2,826":793,"2,827":794,"2,828":795,"2,829":796,"2,830":797,"2,831":798,"2,832":799,"2,833":800,"2,834":801,"2,835":802,"2,836":803,"2,837":804,"2,838":805,"2,839":806,"2,840":807,"2,841":808,"2,842":809,"2,843":810,"2,844":811,"2,845":812,"2,846":813,"2,847":814,"2,848":815,"2,849":816,"2,850":817,"2,851":818,"2,852":819,"2,853":820,"2,854":821,"2,855":822,"2,856":823,"2,857":824,"2,858":825,"2,859":826,"2,860":827,"2,861":828,"2,862":829,"2,863":830,"2,864":831,"2,865":832,"2,866":833,"2,867":834,"2,868":835,"2,869":836,"2,870":837,"2,871":838,"2,873":839,"2,874":840,"2,875":841,"2,876":842,"2,877":843,"2,878":844,"2,879":845,"2,880":846,"2,881":847,"2,882":848,"2,883":849,"2,884":850,"2,885":851,"2,886":852,"2,887":853,"2,888":854,"2,889":855,"2,890":856,"2,891":857,"2,892":858,"2,893":859,"2,894":860,"2,895":861,"2,896":862,"2,897":863,"2,898":864,"2,899":865,"2,900":866,"2,901":867,"2,902":868,"2,903":869,"2,904":870,"2,905":871,"2,906":872,"2,907":873,"2,908":874,"2,909":875,"2,910":876,"2,911":877,"2,912":878,"2,913":879,"2,914":880,"2,915":881,"2,916":882,"2,917":883,"2,918":884,"2,919":885,"2,920":886,"2,921":887,"2,922":888,"2,923":889,"2,924":890,"2,925":891,"2,926":892,"2,927":893,"2,928":894,"2,929":895,"2,930":896,"2,931":897,"2,932":898,"2,933":899,"2,934":900,"2,935":901,"2,936":902,"2,937":903,"2,938":904,"2,939":905,"2,940":906,"2,941":907,"2,942":908,"2,943":909,"2,944":910,"2,945":911,"2,946":912,"2,947":913,"2,948":914,"2,949":915,"2,950":916,"2,951":917,"2,953":918,"2,954":920,"2,955":921,"2,956":922,"2,957":923,"2,958":924,"2,959":925,"2,960":926,"2,961":927,"2,962":928,"2,963":929,"2,964":930,"2,965":931,"2,966":932,"2,967":933,"2,968":934,"2,969":935,"2,970":936,"2,971":937,"2,972":938,"2,973":939,"2,974":940,"2,975":941,"2,976":942,"2,977":943,"2,978":944,"2,979":945,"2,980":946,"2,981":947,"2,982":948,"2,983":949,"2,984":950,"2,985":951,"2,986":952,"2,987":953,"2,988":954,"2,989":955,"2,990":956,"2,991":957,"2,992":958,"2,993":959,"2,994":960,"2,995":961,"2,996":962,"2,997":963,"2,998":964,"2,999":965,"2,1000":966,"2,1001":967,"2,1002":968,"2,1003":969,"2,1004":970,"2,1005":971,"2,1006":972,"2,1007":973,"2,1008":974,"2,1009":975,"2,1010":976,"2,1011":977,"2,1012":978,"2,1013":979,"2,1014":980,"2,1015":981,"2,1016":982,"2,1017":983,"2,1018":984,"2,1019":985,"2,1020":986,"2,1021":987,"2,1022":988,"2,1023":989,"2,1024":990,"2,1025":991,"2,1026":992,"2,1027":993,"2,1028":994,"2,1029":995,"2,1030":996,"2,1031":997,"2,1032":998,"2,1033":999,"2,1034":1000,"2,1035":1001,"2,1036":1002,"2,1037":1003,"2,1038":1004,"2,1039":1005,"2,1040":1006,"2,1041":1007,"2,1042":1008,"2,1043":1009,"2,1044":1010,"2,1045":1011,"2,1046":1012,"2,1047":1013,"2,1048":1014,"2,1049":1015,"2,1050":1016,"2,1051":1017,"2,1052":1018,"2,1053":1019,"2,1054":1020,"2,1055":1021,"2,1056":1022,"2,1057":1023,"2,1058":1024,"2,1059":1025,"2,1060":1026,"2,1061":1027,"2,1062":1028,"2,1063":1029,"2,1064":1030,"2,1065":1031,"2,1066":1032,"2,1067":1033,"2,1068":1034,"2,1069":1035,"2,1070":1036,"2,1071":1037,"2,1072":1038,"2,1073":1039,"2,1074":1040,"2,1075":1041,"2,1076":1042,"2,1077":1043,"2,1078":1044,"2,1079":1045,"2,1080":1046,"2,1081":1047,"2,1082":1048,"2,1083":1049,"2,1087":1050,"2,1088":1051,"2,1089":1052,"2,1167":1053,"2,1168":1054,"2,1169":1055,"2,1170":1056,"2,1171":1057,"2,1172":1058,"2,1173":1059,"2,1174":1060,"2,1175":1061,"2,1176":1062,"2,1177":1063,"2,1178":1064,"2,1179":1065,"2,1180":1066,"2,1181":1067,"2,1182":1068,"2,1183":1069,"2,1184":1070,"2,1185":1071,"2,1186":1072,"2,1187":1073,"2,1188":1074,"2,1189":1075,"2,1190":1076,"2,1191":1077,"2,1192":1078,"2,1193":1079},"ٜ":{"1":[5,595],"2":[598,1193]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,27","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,45","1,47","1,49","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,141","1,142","1,143","1,145","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,259","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,487","1,488","1,489","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","2,598","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,663","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,773","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,953","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1087","2,1088","2,1089","2,1167","2,1168","2,1169","2,1170","2,1171","2,1172","2,1173","2,1174","2,1175","2,1176","2,1177","2,1178","2,1179","2,1180","2,1181","2,1182","2,1183","2,1184","2,1185","2,1186","2,1187","2,1188","2,1189","2,1190","2,1191","2,1192","2,1193"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"5":[3],"14":[4],"17":[5],"19":[6],"20":[7],"21":[8,9],"22":[10,11],"23":[12],"24":[13],"26":[14],"29":[15],"32":[16],"34":[17],"37":[18],"38":[19],"39":[20],"40":[21,22],"41":[23],"42":[24,25],"43":[26],"45":[27],"46":[28,29,30],"47":[31,32],"48":[33],"49":[34],"50":[35,36,37,38],"51":[39],"52":[40],"54":[41],"55":[42,43,44,45],"56":[46,47],"58":[48],"59":[49,50,51,52],"60":[53],"61":[54],"63":[55],"65":[56,57,58,59],"66":[60,61],"67":[62],"68":[63,64,65,66],"69":[67],"70":[68],"71":[69],"72":[70,71,72,73],"73":[74],"74":[75],"75":[76],"76":[77],"77":[78],"78":[79],"83":[80],"88":[81],"89":[82],"91":[83],"93":[84],"94":[85],"96":[86],"107":[87],"124":[88],"127":[89],"128":[90],"131":[91,92],"141":[93],"145":[94],"146":[95],"152":[96,97],"155":[98],"157":[99],"160":[100],"163":[101],"166":[102],"174":[103],"178":[104],"191":[105],"205":[106],"208":[107],"217":[108,109],"219":[110],"220":[111,112],"221":[113],"226":[114],"228":[115],"236":[116],"238":[117],"239":[118],"241":[119],"242":[120],"243":[121,122,123],"254":[124],"262":[125],"264":[126],"266":[127,128],"279":[129,130],"280":[131],"282":[132],"283":[133],"285":[134],"286":[135],"289":[136],"294":[137],"295":[138],"296":[139,140],"299":[141],"301":[142],"303":[143],"306":[144],"311":[145],"314":[146],"315":[147],"324":[148],"337":[149,150],"347":[151],"349":[152],"359":[153],"379":[154,155],"383":[156],"387":[157],"391":[158],"396":[159],"414":[160],"420":[161,162],"426":[163],"428":[164],"443":[165,166],"444":[167,168],"450":[169],"453":[170],"455":[171],"464":[172],"467":[173,174],"468":[175,176],"475":[177,178],"476":[179],"477":[180],"478":[181],"484":[182,183],"486":[184],"488":[185],"498":[186,187],"505":[188],"510":[189],"513":[190,191],"520":[192],"522":[193],"529":[194],"533":[195],"534":[196],"536":[197],"538":[198],"540":[199],"543":[200],"545":[201,202],"553":[203],"557":[204],"558":[205],"563":[206],"565":[207],"570":[208],"571":[209],"572":[210],"574":[211],"576":[212,213,214,215],"577":[216,217,218],"578":[219],"581":[220],"585":[221],"586":[222],"593":[223],"604":[224,225],"606":[226,227,228,229],"607":[230,231],"608":[232],"611":[233,234,235],"612":[236],"619":[237],"626":[238],"633":[239],"634":[240,241],"640":[242,243],"649":[244],"657":[245],"668":[246],"670":[247],"679":[248],"686":[249,250],"699":[251],"700":[252],"703":[253,254],"709":[255],"721":[256],"723":[257],"727":[258],"732":[259],"737":[260],"740":[261],"741":[262],"742":[263,264],"743":[265],"744":[266],"749":[267,268,269],"750":[270],"754":[271],"757":[272],"759":[273],"763":[274,275,276],"766":[277],"767":[278],"769":[279],"794":[280],"813":[281],"828":[282],"836":[283],"839":[284],"841":[285],"852":[286],"885":[287],"900":[288],"917":[289],"918":[290],"919":[291],"934":[292],"938":[293],"944":[294],"945":[295],"950":[296],"954":[297],"963":[298],"966":[299],"973":[300],"995":[301,302],"999":[303],"1002":[304],"1003":[305,306],"1007":[307],"1010":[308],"1013":[309],"1014":[310],"1019":[311],"1020":[312],"1022":[313,314],"1025":[315,316],"1033":[317],"1035":[318,319],"1040":[320],"1042":[321],"1044":[322,323],"1045":[324],"1046":[325],"1047":[326,327,328,329],"1048":[330],"1050":[331],"1053":[332]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أعظم نعم الله تعالى على البشرية نعمة النبوة والرسالة، بها أنقذهم من الضيق في هذه الحياة والدنيا والهلاك والخذلان في العقبى، وهداهم بها إلى الحياة الطيبة في الأولى، والسعادة الأبدية في الأخرى. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].","vol":"1","page":5},{"text":"وقد أتم الله هذه النعمة ببعثة خاتم النبيين وإمام المرسلين وخليله وخيرته من خلقه محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فأكمل به الدين وأتمّ به النعمة، وقضى جلّ في عُلاه بحكمته ولطفه وكرمه ألا ينقطع فضلُه ومنُّه على عباده، فتكفل سبحانه بحفظ ذلك النور الذي أرسله به، فببقائه تبقى النعمة وتزول النقمة، فحفظ الكتاب في الصدور والصحف ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. وقيض للأمة من يحفظ السنة من الحملة الصادقين الموثوقين والعلماء الربانيين المؤيدين بالتأييد الرباني، الذين رزقهم من الحفظ والذكاء ما مكنهم به من حفظ السنة النبوية وتدوينها، ووضْعِ سياجٍ عليها يصونها من أن تكون فريسةً لأباطيل من رام الخلط على الأمة في سنة نبيها من الوضّاعين والملاحدة، أو لأوهامِ وأغلوطاتِ من لم يُحكم ضبطَ المرويات. وقد بذل هؤلاء الجهابذةُ من العلماء أقصى الجُهد في وضع علم هو من مبتكرات هذه الأمة وخاصيتها التي خصها الله بها، ألا وهو علم الحديث رواية ودراية، فرد الله بهؤلاء الفرسان وبسهام هذا العلم الذي ابتكروه أعنف غارة عرفها تاريخ البشرية، فردوا كيد الكائدين وحُفظتْ سنةُ سيد المرسلين.\nوالغاية القُصوى من هذا العلم هي معرفة صحة الحديث وسقمه، وجميع فنونه ومباحثه مسخرة لتحصيل هذه الغاية، واستمداده من نقد العلماء الجهابذة للمرويات ولنقلة الأخبار بما خصهم الله به من فضيلة المعرفة والعدالة والورع، وهؤلاء العلماء لم يزالوا في كل دهر وزمان، من لدن عهد الصحابة إلى أن دونت السنن وتم وضع معالم علم السنة رواية ودراية. فصحابة رسول الله ﷺ كان لهم قصب السبق في نقد المرويات والرواة، ومواقف أم المؤمنين عائشة ﵂ في نقدها","vol":"1","page":6},{"text":"لمنقول أقرانها من الصحابة معروفة، وكذلك طلبها لعرض مرويات الراوي عليه من حين إلى آخر لاختبار حفظه وضبطه وسلامة مرويه من زيادة أو نقصان (^١)، وهذا ابن عباس ﵁ لما فطن لوقوع الكذب على رسول الله يدع رواية أهل التهمة والريبة، وكذلك نقده للمروي عن علي بن أبي طالب ﵁ من القضاء والعلم ورده للأباطيل المروية عنه في ذلك أيضًا معروف ومشهور (^٢). وقد درج على هذا النهج أئمة التابعين، فتابعيهم، فتبع أتباعهم إلى أن شب هذا العلم وترعرع.\nومن أهم مباحث هذا العلم وأشدها تعلقًا بتحصيل الغاية المنشودة من علم الحديث معرفة علل الأحاديث، وهو فن دقيق إذ به ينكشف مداخل الوهم والخطأ في مرويات الثقات الغالب على منقولهم السلامة والاستقامة، ولدقته لم يتحقق إلا لزمرة يسيرة من العلماء صاروا بذلك أئمة يقتدى بهم، وحجة يرجع إليهم. وإن استمداد هذا العلم الشريف من كلام هؤلاء الأئمة ومناهجهم، وبمطالعة ذلك وتدبّره يحصل لطالب علم الحديث أهلية الكلام في هذا الفن الدقيق. قال الحافظ ابن رجب ﵀: \"ولا بدّ في هذا العلم من طول ممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدمت المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين، كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد، وعلي بن المديني وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقُهتْ نفسُه فيه، وصارت له قوةُ نفسٍ وملَكةٌ، صلُح له أن يتكلّم فيه\" (^٣).\nوإن من جهابذة هذا العلم بلا نزاع ومحققيه بلا مِراء الإمام أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وكلامه في الإعلال ومسالك العلة مبثوث فيما نقل عنه في كتب شتى ككتابه العلل ومعرفة الرجال، وبعض كتب مسائله،\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري ١٣/ ٢٨٢ مع فتح الباري.\n(^٢) صحيح مسلم ١/ ١٣ - ١٤.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٦٤.","vol":"1","page":7},{"text":"وكتب تلاميذه في العلل، ككتاب العلل عن الإمام أحمد للحافظ أبي بكر الخلال وغير ذلك من الكتب الكثيرة. ولما رأيت شخصية هذا الإمام العَلم في هذا العِلم، وموقع كلامه في باب إعلال الأحاديث، وما لمعرفة منهجه في هذا العلم من أهمية، اخترت أن يكون موضوع بحثي في أطروحة الدكتوراه دراسة الأحاديث التي تكلم عليها هذا الإمام بالإعلال، ودراسة كلامه في مسالك الإعلال لاستخلاص منهجه في العلل، وبالله تعالى أستعين وعليه التكلان. وجعلت عنوان البحث: منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-2>أهمية الموضوع والسبب في اختياره:</span>\nفأهمية هذا الموضوع والسبب في اختياري له يرجع إلى أمور هي:\n١ - شخصية الإمام أحمد في علم الحديث عمومًا وفي علم علل الحديث خصوصًا، فقد كان من أكثر الأئمة كلامًا في إعلال الأحايث.\n٢ - أهمية معرفة مناهج الأئمة في باب العلل، ولقلة معرفة بعض المعاصرين لمنهاجهم اضطربوا في باب التصحيح والتضعيف، فيصححون ما قد أجمع الأئمة على إعلاله، أو يضعفون بعلة قد اطلع الأئمة عليها ولم يروها قادحة.\n٣ - كون هذا الإمام الكبير مع شهرته وتقدمه في هذا العلم لم يفرد منهجه في باب إعلال الأحاديث بالدراسة حسب علمي.\n٤ - إيجاد خدمة علمية بإبراز الأحاديث المعلّة عند هذا الإمام.\n٥ - إن دراسة منهج هذا الإمام تبرز دقة هذا العلم وما يحتاج إليه دارسه من سعة المعرفة، فيكون في ذلك إسهام في تنبيه الباحثين المشتغلين بهذا العلم على أهمية التروي وطول النظر قبل إصدار الحكم على الأحاديث.","vol":"1","page":8},{"text":"٦ - إن تتبع كلام الأئمة في علم العلل ودراسة مناهجهم هو أفضل طريق إلى اكتساب المعرفة بهذا العلم كما تقدم قول الحافظ ابن رجب ﵀ في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-3>خطة البحث:</span>\nجعلت البحث في مقدمة، وأربعة أبواب، وخاتمة.\nالمقدمة: وفيها بيان أهمية الموضوع، والسبب في اختياره، وذكر خطة البحث ومنهجه.\nالباب الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد وببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلامه في علل الحديث، وفيه فصلان:\nالفصل الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد، وفيه خمسة مباحث.\nالمبحث الأول: اسمه، ونسبه، وأسرته، ومولده، ونشأته.\nالمبحث الثاني: حياته العلمية - طلبه للعلم، أشهر شيوخه، وأشهر تلاميذه.\nالمبحث الثالث: إمامته ومكانته عند علماء الحديث.\nالمبحث الرابع: آثاره العلمية.\nالمبحث الخامس: وفاته.\nالفصل الثاني: التعريف ببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلام الإمام أحمد في العلل، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: كتاب العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله.\nالمطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.\nالمطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.\nالمبحث الثاني: كتاب العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره.\nالمطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.","vol":"1","page":9},{"text":"المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.\nالمبحث الثالث: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله.\nالمطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.\nالمطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.\nالمبحث الرابع: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني.\nالمطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.\nالمطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.\nالمبحث الخامس: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح.\nالمطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.\nالمطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.\nالمبحث السادس: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ.\nالمطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.\nالمطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.\nالمبحث السابع: سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم.\nالمطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.\nالمطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.\nالمبحث الثامن: المنتخب من العلل للخلال.\nالمطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.\nالمطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.","vol":"1","page":10},{"text":"الباب الثاني: إعلال الأحاديث بالطعن في رواتها، وفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالجهالة، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: ضابط الجهالة عند الإمام أحمد.\nالمبحث الثاني: جهالة الصحابي لا تضر.\nالمبحث الثالث: رواية الراوي المجهول حديثًا مخالفًا للثابت المعروف.\nالمبحث الرابع: نماذج من إعلال الإمام أحمد للأحاديث بجهالة بعض رواتها.\nالمبحث الخامس: إعلال حديث الراوي المكثر من الرواية عن المجهولين.\nالفصل الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بعدالته، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالكذب أو التهمة به، وفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الثاني: إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المروي.\nالمطلب الثالث: لا منافاة بين ثقة الراوي والحكم على حديثه بالوضع.\nالمطلب الرابع: تعدد طرق الحديث المعل بكذب راويه.\nالمطلب الخامس: بعض مصطلحات الإمام أحمد في الحكم على حديث الراوي المطعون بالكذب.\nالمطلب السادس: موقف الإمام أحمد من الرواية عن الكذّابين والمتهمين بالكذب.\nالمطلب السابع: مخالفة حكمِه حكمَ غيره في آحاد المسائل في هذا الباب.\nالمبحث الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي ببدعة فيه، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: التمييز بين البدعة التي ترد معها رواية الراوي المتصف بها من غيرها.","vol":"1","page":11},{"text":"المطلب الثاني: موقف الإمام أحمد من الرواية عمن أجاب في محنة خلق القرآن.\nالفصل الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه، وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: الإعلال بسوء الحفظ الملازم للراوي، وفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: سوء الحفظ المطلق والإعلال به عند الإمام أحمد.\nالمطلب الثاني: الحالات التي لا يعلّ بها حديث الراوي المتصف بسوء الحفظ.\nالمطلب الثالث: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن بعض شيوخه والإعلال به عند الإمام أحمد.\nالمطلب الرابع: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن أهل بعض البلدان والإعلال به عند الإمام أحمد.\nالمطلب الخامس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا جمع الشيوخ في الإسناد والإعلال به عند الإمام أحمد.\nالمطلب السادس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي حين يروي بالمعنى.\nالمبحث الثاني: الإعلال بسوء الحفظ الطارئ على الراوي، وفيه ثلاثة مطالب.\nالمطلب الأول: الإعلال باختلاط الراوي لكبر سنه، فرعان لهذا المطلب:\nالفرع الأول: من كان صحيح السماع عن المختلط يحمل خطأ روايته على أمر آخر غير الاختلاط.\nالفرع الثاني: ما حدث به المختلط من كتاب لا يدخله الإعلال بالاختلاط.\nالمطلب الثاني: الإعلال بما يلحق بالاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي.\nالمطلب الثالث: الإعلال بما يلحق بالاختلاط بسب ذهاب كتب الراوي بسبب من الأسباب.","vol":"1","page":12},{"text":"المبحث الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بشدة الغفلة وعدم التيقظ.\nالمبحث الرابع: ما يخل بضبط الراوي بسبب طريقة التحمل.\nالمبحث الخامس: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه لكتابه، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أهمية حفظ الكتاب وتقديمه على حفظ الصدر عند الإمام أحمد:\nالمطلب الثاني: من كانت كتبه غير منقوطة ولا مشكولة:\nالمطلب الثالث: من وقف على لَحَقٍ في كتابه:\nالمبحث السادس: من لا يحدّث من كتابه فيهِم في حديثه:\nالمبحث السابع: من حدّث في مكان لم تكن معه كتبه فوهِم، وحدّث في مكان آخر كانت معه كتبه فضبط:\nالمبحث الثامن: من لم يضبط أهل إقليم حديثه:\nالباب الثالث: إعلال الأحاديث بما يخل باتصال أسانيدها، وفيه فصلان\nالفصل الأول: ما يثبت به الاتصال، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: اشتراط ثبوت السماع بين الرواة عند الإمام أحمد لثبوت الاتصال، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم باتصال الإسناد المعنعن.\nالمطلب الثاني: ما يدل على اكتفاء الإمام أحمد بالمعاصرة وإمكان السماع والجواب عنه.","vol":"1","page":13},{"text":"المبحث الثاني: وسيلة إثبات السماع وذكر شروطها وموانعها عند الإمام أحمد، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند.\nالمطلب الثاني: شروط قبول التصريح بالسماع في السند.\nالمطلب الثالث: قرائن تمنع من الحكم بثبوت السماع.\nالمبحث الثالث: صيغ الأداء وعلاقتها بإثبات الاتصال.\nالفصل الثاني: الإعلال بما يخل باتصال الأسانيد، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الإرسال والإعلال به، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: معنى الإرسال عند الإمام أحمد.\nالمطلب الثاني: الإعلال بإسقاط الصحابي، وفيه أربع مسائل:\nالمسألة الأولى: الصحبة وما تثبت به عند الإمام أحمد.\nالمسألة الثانية: ما يقدح في ثبوت الصحبة.\nالمسألة الثالثة: التفريق بين الصحبة المقترنة بالرواية عن النبي ﷺ والمجردة منها.\nالمسألة الرابعة: ما أعله بعدم ثبوت صحبة راويه عن النبي ﷺ.\nالمطلب الثالث: الإرسال الخفي والإعلال به عند الإمام أحمد.\nالمطلب الرابع: المزيد في متصل الأسانيد والإعلال به عند الإمام أحمد.\nالمبحث الثاني: التدليس والإعلال به عند الإمام أحمد، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: التعريف بالتدليس والمدلسين عند الإمام أحمد.\nالمطلب الثاني: وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد.\nالوجه الأول: عدم تصريح المدلس بالسماع في السند.","vol":"1","page":14},{"text":"الوجه الثاني: رواية الحديث عن الراوي المدلس من وجه آخر بالتصريح بالواسطة بينه وبين شيخه.\nالوجه الثالث: أن يذكر الراوي أنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي روى عنه.\nالوجه الرابع: تنصيص الإمام على عدم سماع الراوي لحديث معين من شيخه.\nالوجه الخامس: تنصيص الإمام على عدم سماع المدلس من شيخه إلا أحاديث معينة.\nالوجه السادس: الإعلال بالنكارة التي سببها التدليس.\nالمطلب الثالث: كشف من كان يدلس الأسماء تدليس الشيوخ.\nالباب الرابع: إعلال الأحاديث بالشذوذ وبالعلل الخفية، وفيه فصلان\nالفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التفرد والإعلال به عند الإمام أحمد، وفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: معنى التفرد والغرابة عند الإمام أحمد.\nالمطلب الثاني: حد المنكر عند الإمام أحمد، وفيه أربع مسائل:\nالمسألة الأولى: حد المنكر لغة.\nالمسألة الثانية: إطلاقات المنكر عند الإمام أحمد.\nالمسألة الثالثة: تفسير بعض أهل العلم لمعنى المنكر عند الإمام أحمد.\nالمسألة الرابعة: التعريف الإصطلاحي للمنكر عند الإمام أحمد.\nالمطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الثقة.\nالمطلب الرابع: موقف الإمام أحمد من زيادات الثقات.","vol":"1","page":15},{"text":"المطلب الخامس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الصدوق الذي خف ضبطه.\nالمطلب السادس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الموصوف بسوء الحفظ.\nالمطلب السابع: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي المجهول.\nالمبحث الثاني: الإعلال بالمخالفة عند الإمام أحمد، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: مخالفة الراوي لرواية الأحفظ.\nالمطلب الثاني: مخالفة الراوي لرواية الأكثر عددًا.\nالمطلب الثالث: إعلال حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه.\nالمطلب الرابع: نماذج من نقد الإمام أحمد للمتون لمخالفتها للثابت المعروف.\nالفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: نماذج من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات، وفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: أخطاء الحفاظ في الأسماء.\nالمطلب الثاني: أخطاء الثقات في الألفاظ.\nالمطلب الثالث: التصحيف.\nالمطلب الرابع: القلب.\nالمطلب الخامس: رفع الموقف ووصل المرسل.\nالمطلب السادس: الإدراج.\nالمطلب السابع: ذكر بعض القرائن يتوصل بها إلى معرفة أخطاء الثقات في الأحايث كما وردت عن الإمام أحمد.\nالمبحث الثاني: طبقات الرواة عن الأعلام والترجيح بينهم عند الاختلاف.","vol":"1","page":16},{"text":"الخاتمة: وفيها ذكر أبرز سمات منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث والأصول التي بنى عليها كلامه في الإعلال، وهي خلاصة البحث.\nالفهارس العلمية، وتتضمن ما يلي:\n١ - فهرس الآيات القرآنية.\n٢ - فهرس الأحاديث المرفوعة.\n٣ - فهرس الآثار الموقوفة والمقطوعة.\n٤ - فهرس الرجال المترجم لهم.\n٥ - قائمة المصادر والمراجع.\n٦ - فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>منهج البحث:</span>\nويتلخص منهجي في هذا البحث في النقاط التالية:\n١. جمع الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد، وأقواله في الرجال مما لها صلة بالإعلال ووجوهه من خلال كتاب \"العلل ومعرفة الرجال\" - رواية عبد الله، ورواية المروذي وغيره - وكتب مسائله المطبوعة، وهي: رواية عبد الله، وأبي داود، وصالح، وابن هانئ، ومن كتاب \"سؤالات أبي داود للإمام أحمد في جرح الرواة وتعديلهم\"، وكتاب \"المنتخب من العلل للخلال\" - انتخاب ابن قدامة المقدسي ـ. وهذه المصادر هي التي اعتمدتها بالأصالة لجمع المادة العلمية للموضوع، وإنما اعتمدتها بالأصالة لكون موضوع كل واحد من هذه الكتب أقوال الإمام أحمد مجردة عن أقوال غيره من أئمة الحديث، وقد حوت على جملة كثيرة من كلام هذا الإمام في العلل وفي جرح الرواة وتعديلهم.\n٢. تتبعت كلام الإمام أحمد في الإعلال من مصادر ثانوية نقلت كلام الإمام أحمد مع كلام غيره، أو نقلت كلامه من مصادر أصلية هي الآن في حكم المفقود مثل مسائل الأثرم في العلل والجرح والتعديل، وكتاب العلل للخلال، ومن هذه المصادر الثانوية: \"التاريخ\" لأبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، فقد سمع من أحمد مسائل في الحديث وعلم الرجال وذكر بعضها في هذا الكتاب. ومنها ما رواه أبو بكر الأثرم عن الإمام أحمد، ومسائله في حكم المفقود إلا الجزء الصغير في مسائله للإمام أحمد في الفقه. وقد نقلت مما رواه عن الإمام أحمد في العلل وعلم الرجال من كتاب \"تاريخ بغداد\"، وكتاب \"التمهيد\" لابن عبد البر، ومن \"تهذيب الكمال\". ونقلت من كتاب \"الكامل في ضعفاء الرجال\" لابن عدي ما رواه أبو طالب أحمد بن حميد عن أحمد، ومن كتاب \"المعرفة والتاريخ\" للفسوي ما رواه الفضل بن زياد عن أحمد. ومن","vol":"1","page":18},{"text":"المصادر الثانوية التي استفدت منها وأخذت منها مادة الموضوع: كتاب \"تنقيح التحقيق\" للحافظ ابن عبد الهادي، وكتاب \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\" للحافظ ابن رجب - رحمة الله عليهم أجمعين، فقد تتبعت ما في الكتابين من كلام الإمام أحمد في الأحاديث. وأما مسند الإمام أحمد فلم أجد فيه إلا بضعة وعشرين نصًا يتعلق بموضوع الإعلال، ولم أقف على الرسالة التي ذكرها د. علي بن عبد الله الصباح في \"الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد في مسنده\" في مقاله المنشور في مجلة \"البيان\" عدد ١٧٦ ربيع الآخر ١٤٢٣ هـ.\n١. تخريج الأحاديث ودراستها بما يفي بمقصود البحث.\n٢. الاستعانة بأقوال الإمام أحمد في الرجال ذات الصلة بموضوع الإعلال.\n٣. مقارنة كلامه بكلام غيره من خلال دراسة الأحايث والأقوال.\n٤. استخلاص منهج الإمام أحمد من خلال دراسة الأحاديث التي أعلها وأقواله في الرجال. واستخلاص المنهج يتطلب الاستقراء التام لأقوال الإمام، وهو أمر لست أدّعيه، بل يقصر عن بلوغه من كان مثلي في قلة البضاعة وقصر الباع في هذا المجال بالرغم من المحاولة التي بذلتها في الاستقصاء في الجمع والدراسة لما جمعت، ولكن هذا لا يشكل خللًا في العمل الذي قمت به، فقد اعتمدت على كلام أهل الاستقراء التام في رسم أبرز معالم منهج الإمام أحمد، وعلى مقدمة هؤلاء العلماء الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي رحمة الله عليه، فقد كان من أهل الاستقراء التام حقًا لكلام الإمام أحمد في علم العلل وعلم الجرح والتعديل، ويشهد لذلك كتاباه \"شرح علل الترمذي\"، و\"فتح الباري شرح صحيح البخاري\". وقد أفدت من الكتابين كثيرًا، كما أفدت من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في \"المسودة في أصول الفقة\" في كثير من مسائل أصول الحديث وتحرير موقف الإمام أحمد منها،","vol":"1","page":19},{"text":"وقد كان ﵀ أيضًا من أهل الاستقراء التام لمنهج الإمام أحمد. وقد أفدت أيضًا من بعض الدراسات التي سبقت في بعض الجزئيات المتعلقة بهذا الموضوع، ومن أهمها رسالة: \"موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين\"، للشيخ خالد منصور عبد الله الدريس، ورسالة: \"منهج المتقدمين في التدليس\" للشيخ ناصر بن حمد الفهد.\nوصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>كلمة شكر وتقدير:</span>\nالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد الذي أنقذنا به من الضلالة وأبصرنا به سبل النجاة والسعادة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nوبعد، فأحمد الله ﷾ وأشكره على ما منّ عليّ من إتمام كتابة هذه الرسالة، وما كان ذلك ليتم لولا التيسير والتوفيق من المولى ﷿، فله الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده وكما يحب ربُّنا ويرضا.\nثم انطلاقًا من قول الرسول ﷺ: \"لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناسَ\"، يحق لي في هذا الموضع أن أتوجه بالشكر الجزيل والثناء الجميل لمن جعله الله سببًا في إنجاز عملي هذا، وذلك ابتداء بالجامعة الإسلامية على ما أتاحت لي من فرصة الدراسة فيها، والاستفادة من جهودها المبذولة في بث علوم الكتاب والسنة على نهج سلف الأمة، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء، وأجزل لهم المثوبة والعطاء.\nكما أتوجه بالشكر وخالص الامتنان إلى فضيلة شيخي ومشرفي على هذه الرسالة الأستاذ الدكتور محمد بن مطر الزهراني، الذي قد تتلمذت عليه من أول قدومي إلى هذا الصرخ العلمي، وأشرف علي في رسالة الماجستير. وقد تجشَّم عناءَ المتابعة الدؤوبة حتى تم عملي هذا في هذه المرحلة العلمية، ولم يأل جهدًا في إرشادي وتوجيهي ومتابعتي في جميع خطوات عملي، ولقد استفدت من توجيهاته وآرائه القيمة مما كان له أثر كبير في مباحث هذه الرسالة، وتعلمت من أدبه وخلقه وكرمه قبل علمه وفهمه، وعاملني بصدر رحب وخُلُق كريم عال، ولم يقيدني بوقت ولا زمن، فأسأل الله العلي القدير أن يجزيه عني خير الخزاء وأن يبارك له في علمه وعمره وعقبه، وأن ينفع به المسلمين وينصر به الدين، إنه قريب مجيب.","vol":"1","page":21},{"text":"كما أتوجه بالشكر إلى سائر المشايخ الذين تعلمت منهم، وبخاصة أساتذتي في كلية الحديث التي كانت هي المَورِد الذي عَللتُ منه عللًا بعد نهلٍ، وأشكرهم وجميع القائمين عليها وأسأل الله العظيم أن يجزيهم خير الجزاء ويجعل عملهم في ميزان حسناتهم.\nولا يفوتني في هذا الموضع أن أتوجه إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتغمد برحمته الواسعة شيخنا الدكتور عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل عبد اللطيف ﵀، وأن يغفر له ويرفع في المهديين منزلته وأن يفسح له في قبره وينور له فيه، فقد استفدت منه في وضع أولى لبنات هذا العمل قبل أن ينزل به ما كتب الله عليه من عناء المرض ثم حالت المنية بيننا وبينه، فرحمة الله عليه رحمة واسعة.\nثم أتوجّه بالشكر إلى صاحبي الفضيلة: شيخنا الدكتور وصي الله بن محمد عباس، وشيخنا الدكتور مرزوق بن هياس الزهراني حفظهما الله على ما حظيَت به رسالتي منهما من آراء قيمة وملحوظات علمية مسددة أثْرَت مادة البحث وقوّمت اعواجاجَه، فأسأل الله ﵎ أن يجزيهما عني خير الجزاء، وأن يُبارك لهما في حياتهما وذرياتهما، وأن يجعل عملهما في ميزان حسانتهما.\nوختامًا أسأل الله العظيم أن يكتب القبول لعملي هذا، وأن ينفعني به وينفع به المسلمين، وقد بذلت فيه قصارى جهدي - وإن كان جُهدَ المُقلّ - وأتيت فيه بمبلغ علمي، فما أصبت فيه فبمحض الفضل والتوفيق من الله، وما أخطأت فيه، فأسأل الله أن يتجاوز عني ويغفر لي زلتي وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.\nوصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>الباب الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد وببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلامه في إعلال الأحاديث</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد.\nالفصل الثاني: التعريف الموجز ببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلام الإمام أحمد في العلل.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>الفصل الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد</span>.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>المبحث الأول: اسمه ونسبه وأسرته ومولده ونشأته</span>.\nهو الإمام حقاًّ وشيخ الإسلام صدقًا (^١) أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل ابن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله ابن يروي بن عوف ابن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر وائل الذهلي الشيباني المروزي، ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام.\nهكذا ساق نسبه ولده عبد الله، واعتمده أبو بكر الخطيب في تاريخه (^٢) وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>ولادته:</span>\nكانت ولادة الإمام أحمد ﵀ على الصحيح المشهور في ربيع الأول سنة (١٦٤) هـ، قدمت أمه بغداد وهي حامل، وولد بها (^٣).\nقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: \"ولدت في سنة أربع وستين ومائة، في أولها، في ربيع الأول، وجي به حمل من مرو\" (^٤).\nوقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: \"ولدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة … \" (^٥).\nكان أبوه من أجناد مرو، مات شابا له ثلاثون سنة، ونشأ الإمام أحمد تحت رعاية والدته وتربيتها (^٦).\n_________\n(^١) حلاّه بذلك الحافظُ الذهبي ١١ لتلتبحلاة بذلك الحافظ الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٧.\n(^٢) تاريخ بغداد ٤/ ٤١٤.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله - رواية عبد الله ١/ ٥١٨ رقم ١٢١٧، وتاريخ بغداد ٤/ ٤١٢، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٢٤ - ٣٥.\n(^٤) سيرة الإمام أحمد، لابنه صالح ص ٢٩.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٦٦/رقم ٥١٧٨.\n(^٦) تاريخ بغداد ٤/ ٤١٥، وسير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٩.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المبحث الثاني: حياته العلمية</span>.\n<span data-type='title' id=toc-11>بداية طلبه للعلم:</span>\nبَكَّر الإمام أحمد ﵀ في الطّلب، وقد بدأ بالاختلاف إلى الكُتّاب، ثم إلى الدّيوان وهو لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره، وطلب الحديث وأكثر منه.\nقال المرّوذي: قال لي أبو عبد الله: \"اختلفت إلى الكتّاب ثم اختلفت إلى الديوان، وأنا ابن أربع عشرة سنة\" (^١).\nقال عبد الله بن أحمد ﵀: \"وأول شيء طلب الحديث في سنة تسع وسبعين، في السنة التي مات فيها مالك وحماد بن زيد\" (^٢).\nوقال المرّوذي: \"طلبت الحديث سنة تسع وسبعين، فسمعت بموت حماد بن زيد وأنا في مجلس هشيم، وقال: سمعت من علي بن هاشم بن البريد (^٣) سنة تسع وتسعين (^٤) في أول سنة طلبت الحديث\".\nوكذلك كتب في هذه السنة عن علي بن ثابت الجزري (^٥)، فقد قال عبد الله ابنه: سمعت أبي يقول في سنة تسع وعشرين ومائتين: \"كتب عن علي بن ثابت منذ خمسين سنة\" (^٦).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٥.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله - رواية عبد الله - ١/ ٥١٨/رقم ١٢١٧.\n(^٣) علي بن هاشم بن البريد - بفتح الموحدة وبعد الراء تحتانية ساكنة - أبو الحسن الخزاز الكوفي. قال الحافظ ابن حجر: صدوق يتشيع، من صغار الثامنة. وقال الإمام أحمد: مات سنة ١٨٩ هـ التاريخ الكبير ٦/ ٣٠٠، تقريب التهذيب ترحمة ٤٨٤٤.\n(^٤) وانظر أيضا: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله - رواية عبد الله ١/ ٥١٨ رقم ١٢١٧.\n(^٥) هو أبو أحمد الهاشمي مولاهم. وثقه الإمام أحمد وغيره انظر: تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٣٧.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٢ رقم ٢٦٠٦.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>رحلاته العلمية:</span>\nلقد كان من نشاط الإمام أحمد في طلب العلم رحلاتٌ علميةٌ إلى عديد من البلدان الإسلامية آنذاك، والتي عرفت بأنها ملتقى لكبار المحدثين وفطاحل الفقهاء، وأول رحلاته كانت داخل بلاده العراق؛ فقد رحل إلى الكوفة سنة ثلاث وثمانين، وعمره تسع عشرة سنة، بعد موت شيخه هشيم بن بشير الواسطي؛ وكان هدفه السماع من عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، لكنه لم يظفر ببغيته؛ إذ كان عيسى حاجًا في تلك السنة، وأصيب الإمام أحمد بمرض ألجأه للعودة إلى بغداد، قال ﵀: \"حج عيسى بن يونس سنة ثلاث وثمانين في السنة التي مات فيها هشيم، … وخرجت إلى الكوفة في تلك السنة، فمرضت ورجعت، وقدم عيسى الكوفة بعد ذلك بأيام ولم أسمع منه، ولم يحج عيسى بعد تلك السنة، وعاش بعد ذلك سنين\" (^١).\nكما كانت أولى رحلاته إلى البصرة في رجب سنة ست وثمانين ومائتين، وهو في الثانية والعشرين من عمره، ثم خرج منها في رمضان من تلك السنة، وسمع من سهل بن يوسف الأنماطي بها (^٢)، ثم عاد إليها في ذي القعدة سنة أربع وتسعين ومائتين، وهو في الثلاثين من عمره، فأقام عند يحيى بن سعيد القطان ستة أشهر، وخرج منها سنة خمس وتسعين، ثم رجع إليها أيضا وهو في السادسة والثلاثين من عمره في سنة مائتين، وحضر عدة مجالس للحديث، سمع من كبار علمائها، وهي آخر مرة يدخل فيها البصرة، وفي هذا السياق يقول:\n\"دخلت البصرة في أول رجب سنة ست وثمانين ومائة، ومات المعتمر في سنة سبع وثمانين في أولها، ودخلت الثانية سنة تسعين، ودخلت الثالثة في سنة\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٥٩ رقم ١٣٣٤.\n(^٢) المصدر نفسه ٢/ ١٨٤ رقم ١٩٤٤، والتاريخ الكبير ٤/ ١٠٢.","vol":"1","page":30},{"text":"أربع وتسعين وخرجت في سنة خمس وتسعين، أقمت على يحيى بن سعيد ستة أشهر، ودخلت سنة مائتين ولم أدخلها بعد ذلك وقدمت البصرة سنة أربع وتسعين وقد مات غندر بلغني أن غندر مات سنة ثلاث وتسعين والثقفي عبد الوهاب وابن أبي عدي سنة أربع وتسعين\" (^١).\nوكان يقول أيضا: \"قدمت في السنة الثالثة في سنة أربع وتسعين في ذي القعدة فأقمت على يحيى بن سعيد إلى سنة خمس فأقمت بقية ذي القعدة وذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وخرجت في جمادى الأولى في آخرها … وقد مات محمد بن جعفر غندر وابن أبي عدي والثقفي قبل أن أقدم، فأخبرت أن محمد بن جعفر مات سنة ثلاث وتسعين، ومات ابن أبي عدي وعبد الوهاب الثقفي سنة أربع وتسعين قبل أن أقدم … وقدمت في السنة الرابعة سنة مائتين، فأقمنا على أبي داود (^٢) وكان يحدث مجالس، ثم تحولنا إلى عبد الصمد، وكنا نختلف أيضا إلي البرساني، وقد سمعت منه قبل ذلك في سنة أربع وتسعين، ما أردت من حديث ابن جريج، وكنت أختلف إلى عبد الرحمن وبهز وأنا مقيم على يحيى بن سعيد وكنت أختلف إلى عثمان بن عمر سنة مائتين … \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-13>وأمّا رحلاته خارج العراق فقد كان منها:</span>\n- رحلته إلى مكة شرفها الله تعالى لأداء شعائر حجته الأولى ولقاء العلماء بها، ثم توالت حججه بعدها، فحج خمس مرات ثلاث منها ماشيا على رجليه (^٤)،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٧٤/رقم ١١٨، وانظر أيضا: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٦١/رقم ١٣٣٩.\n(^٢) هو سليمان بن داود أبو داود الطيالسي.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٤٨/رقم ٥٩٠٤، ٥٩٠٥، ٥٩٠٦.\n(^٤) انظر: تقدمة الجرح والتعديل ص ٣٠٤، وحلية الأولياء ٩/ ١٨٣.","vol":"1","page":31},{"text":"يلتقي بسفيان بن عيينة في أربعة مواسم منها، وقد أقام عنده سنة في أول حجّته وكان ذلك في سنة (١٨٧) هـ وعمره لم يتجاوز ثلاثا وعشرين سنة؛ وفاته السماع من فضيل بن عياض؛ إذ مات فضيل قبل وصوله مكة؛ قال عبد الله ابنه: سمعته يقول: \"وافيت سفيان أربعة مواسم، كل ذلك أسمع منه، وأقمت بمكة سنة، وأول سنة حججت سنة سبع وثمانين سنة مات فضيل، قدمنا وقد مات فضيل، والثانية سنة إحدى وتسعين ومائة\" (^١).\nوكان في أمنيته أن يدخل المدينة في أول عام يحج فيه، ويسمع من علمائها، وقد جاء ومعه أطراف أحاديث أبي علقمة الفروي لعرضها عليه، وسماعها منه لكن لم يكتب الله له ذلك؛ وكان يقول: \"أول سنة حججت سنة سبع وثمانين، كنت أمشي ولم يقدر لي دخول المدينة يعني تلك السنة، وكانت معي أطراف لأبي علقمة الفروي (^٢)، فلم يقدر أن أسمع منه شيئا\" (^٣).\nكما رحل أيضا إلى اليمن للقاء عبد الرزاق بن همام الصنعاني سنة تسع وتسعين، وجاءهم نعي القطان وابن مهدي وهم عند عبد الرزاق الصنعاني، قال ﵀: \" … وجاءنا موت سفيان بن عيينة ونحن عند عبد الرزاق في سنة ثمان وتسعين ومات يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ونحن عند عبد الرزاق سنة ثمان وتسعين\" (^٤).\nكما كانت له الرحلة إلى عديد من بلاد الشام سمع خلالها من محدثيها الكبار، قال ابن عساكر: \"كان قد خرج إلى الشام قاصدا لمحمد بن يوسف\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله - رواية عبد الله - ٣/ ١٣٩/رقم ٤٦١١. وانظر أيضا المصدر نفسه ١/ ٥٦١/رقم ١٣٣٨.\n(^٢) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة الأموي مولاهم، أبو علقمة الفروي المدني. صدوق من الثامنة، مات سنة ١٩٠ تقريب التهذيب ٣٦١٢.\n(^٣) المصدر نفسه ١/ ٥٦٠/رقم ١٣٣٨.\n(^٤) المصدر نفسه ٣/ ٤٤٨/رقم ٥٩٠٤، ٥٩٠٥، ٥٩٠٦.","vol":"1","page":32},{"text":"الفريابي، إلى قيسارية، فبلغته وفاته في الطريق، فعدل إلى حمص، فسمع بها أبا اليمان الحكم بن نافع، ويزيد بن عبد ربه، وبشر بن شعيب بن حمزة … واجتاز بدمشق، وسمع من أهل دمشق؛ من الوليد بن مسلم، وزيد بن يحيى بن عبيد\" (^١).\nوقال الإمام أحمد: \"كتبت عن مبشر الحلبي، خمسة أحاديث بمسجد حلب، كنا خرجنا إلى طَرسوس، على أرجلنا\" (^٢).\nوكان خروجه إلى طَرَسوس (^٣) ماشيًا (^٤) للرباط بثغورها، بصحبة خَلَف المخرّمي (^٥)؛ قال عبد الله بن محمود بن الفرج: سمعت عبد الله بن أحمد يقول: \"خرج أبي إلى طَرَسُوس، ورابط بها وغزا، ثم قال أبي: رأيت العلم بها يموت\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>شيوخه وتلاميذه:</span>\nكتب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن خلق كثير من الشيوخ، وتخرج على أيدي كبار المحدثين وأئمة أعلام، اعتنى غير واحد ممن ترجم له بذكرهم كابن الجوزي، والخطيب البغدادي، وقال هذا الأخير بعد ذكر جملة كبيرة منهم: \"وخلق سواهم يطول ذكرهم ويشق إحصاء أسمائهم\" (^٧)، كما عدّ له المزي في \"تهذيب الكمال\" سبعة وعشرين ومائة شيخٍ (^٨).\n_________\n(^١) تاريخ دمشق ٥/ ٢٥٣.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٠٨.\n(^٣) طرسوس: بفتح أوله وثانيه، وسينين مهملتين، بينمهما واو ساكنة، بلدة مشهورة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. انظر: معجم البلدان ٤/ ٣١.\n(^٤) انظر: حلية الأولياء ٩/ ١٨٣.\n(^٥) انظر: السنة للخلال ٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤/رقم ٨٠٥.\n(^٦) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣١١.\n(^٧) تاريخ بغداد ٤/ ٤١٣.\n(^٨) تهذيب الكمال ١/ ٤٣٧ - ٤٤٠.","vol":"1","page":33},{"text":"قال الحافظ الذهبي ﵀: \"فعدة شيوخه الذين روى عنهم في \"المسند\" مائتان وثمانون ونيف\" (^١).\nوقد كان الإمام أحمد ملازما لبعض شيوخه أكثر من غيرهم، وحافظًا لأحاديث بعضهم أكثر من حفظه لأحاديث غيره، كما أن له اختصاصا في كثرة الرواية عن بعضهم، فمن هؤلاء:\n١) هشيم بن بشير الواسطي ت (١٨٣) هـ كان من شيوخه الأوائل الذين أخذ عنهم الحديث (^٢)، وقد لازمه نحوا من أربع سنين؛ وأكثر عنه وجوّد (^٣). قال صالح بن أحمد، عن أبيه: \"أول سماعي من هشيم، سنة تسع وسبعين … إلا أني لم أعتمد بعض سماعي، ولزمناه سنة ثمانين، وإحدى وثمانين، وثنتين، وثلاث، ومات في سنة ثلاث ثمانين، فكتبنا عنه كتاب الحج، نحو من ألف حديث، وبعض التفسير، والقضاء، وكتبًا صغارًا. قلت: يكون ثلاثة آلاف؟ قال: أكثر\" (^٤).\n٢) عبد الرحمن بن مهدي ت (١٩٨) هـ، فقد أخذ عنه وأكثر، حتى قال هو بنفسه: \"يكون ما كتبنا عن عبد الرحمن مع ما عرضت عليه من حديث مالك عشرة آلاف أو أكثر\" (^٥).\n٣) وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ت (١٩٧) هـ، فقد كتب عنه وأكثر، بل كان يقول: \"ما كتبت عن أحد أكثر من وكيع\" (^٦).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨١.\n(^٢) انظر: حلية الأولياء ٩/ ١٦٢، ١٦٣، وتاريخ بغداد ٤/ ٤١٦.\n(^٣) كما قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٠.\n(^٤) سيرة الإمام أحمد لابن صالح ص ٣٣.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٩٨/رقم ١٦٨٦.\n(^٦) سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":34},{"text":"وقال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: \"خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام\" (^١).\n١) إسماعيل بن إبراهيم بن علية البصريّ ت (١٩٣) هـ، كتب عنه الإمام أحمد في حياة هشيم ثم لزمه بعد موت هشيم عشر سنين؛ وكان يقول: \"لزمنا ابن علية بعد موت هشيم عشر سنين، إلا أن تغيب إلى موضع، ومات هشيم سنة ثلاث وثمانين، ومات إسماعيل سنة ثلاث وتسعين، وكتبنا عنه أيضا في حياة هشيم\" (^٢).\n٢) عفان بن مسلم الصفّار البصريّ ت (٢٢٠) هـ، وقد لزمه أيضا عشر سنين؛ قال عبد الله: سمعت أبي يقول: \"لزمنا عفان عشر سنين - يعني ببغداد\" (^٣).\n٣) يحيى بن سعيد القطان البصري ت (١٩٨) هـ قال الحافظ الذهبي معددًا مَن سمع منهم من شيوخه: \" … ويحيى القطان، فبالغ\" (^٤). وقد حزن يحيى القطان يوم خرج الإمام أحمد من البصرة، وتوجه إلى واسط للسماع من يزيد بن هارون، قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: \"شق على يحيى\nابن سعيد يوم خرجت من البصرة - يعني اغتم بخروجه من عنده - قال: وسأل يحيى بن سعيد عني وأنا بواسط مقيم على يزيد بن هارون، فقالوا: هو بواسط، فقال: أَيْشٍ يصنع بواسط؟ فقالوا: عند يزيد بن هارون، فقال: وَأَيْشٍ يصنع عند يزيد بن هارون؟ \" أو كما قال أبي (^٥).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٦.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٣/رقم ٢٦٠٨.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٣٥/رقم ٥٨٤٨.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٠.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٠٢/رقم ٢٣٣٩. وليس في كلام القطان هذا غمز ليزيد بن هارون، وإنما فيه تأسفه على فراق الإمام أحمد.","vol":"1","page":35},{"text":"١) سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي المكي ثم الكوفي ت (١٩٨) هـ، وافاه الإمام أحمد مكة في أربعة مواسم للسماع منه والأخذ عنه (^١).\n٢) محمد بن جعفر غندر البصري ت (١٩٣) هـ فقد كتب الكثير عنه على الوجه ونسخ عدة من نسخ كتبه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>وأما تلاميذه</span>، فمن البَدهي في حق إمام مثل أحمد بن حنبل الذي سمع وأكثر وجوّد أن يتاكثر عليه القاصدون، وأن يسعى للسماع منه الداني والقاصي، فقد كتب وسمع عنه عدد لا يكاد يأتي عليه إحصاء أو يحويهم استقصاء، بل ذُكر أنه يجتمع في مجلس من مجالسه العلمية زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت (^٣).\nوقد جمع الخلال جزءًا في تسمية الرواة عنه قال الحافظ الذهبي: \"سمعناه من الحسن بن علي، عن جعفر، عن السلفي، عن السراج، عنه، فعد فيهم: وكيعَ ابن الجراح، ويحيى بن آدم\" (^٤).\nوهذان من شيوخه، وقد سمع منه أيضا من شيوخه: عبد الرزاق والحسن بن موسى الأشيب، وأبو عبد الله الشافعي لكنه لم يسمه بل قال: حدثني الثقة (^٥).\nكما سمع منه من أقرانه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهما.\n_________\n(^١) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٣٩/رقم ٤٦١١.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٠٨.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣١٦.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٣.\n(^٥) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٩.","vol":"1","page":36},{"text":"ومن أصحاب الستة: حدّث عنه البخاريّ بحديث واحدٍ (^١)، وعن أحمد ابن الحسن، عنه حديثًا آخر في المغازي (^٢)، وحدث عنه مسلم (^٣)، وأبو داود (^٤) بجملة وافرة، وروى أبو داود (^٥)، والنسائي (^٦)، والترمذي (^٧)، وابن ماجة (^٨) عنه بواسطة.\nوحدث عنه ولداه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق (^٩).\nوممن روى عنه غير من تقدم، واشتهر نقل كلامه في العلل والرجال من طريقه، وكذا مسائله الفقهية: أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم الإسكافي (^١٠)، وأبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المرُّوذي (^١١)، وأبو طالب أحمد بن حميد (^١٢)، وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري (^١٣)،\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر ح ٥٨٧٩.\n(^٢) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب كم غزا النبي ﷺ ح ٤٤٧٣.\n(^٣) انظر على سبيل المثال: صحيح مسلم، الأرقام التالية: ح ١٦٦، ٢١٥، ٥٠٢، ٥٨١، ٧١٠، ١٢٨٤.\n(^٤) انظر على سبيل المثال: سنن أبي داود، الأرقام التالية ح ٢٧، ٣٨، ٦٠، ٧٤، ٨٩، ٩٣، ١٢١.\n(^٥) انظر: سنن أبي داود - كتاب الصيد - باب الصيد ح ٢٨٥٠.\n(^٦) انظر: سنن النسائي ح ٩٥٨، ١٤٣١، ١٨٨٤، ٢٢٥٢.\n(^٧) انظر: سنن الترمذي - كتاب التفسير - باب ومن سورة المؤمنون ح ٣١٧٣.\n(^٨) انظر: سنن ابن ماجة ح ٣٨٨، ١٤٦٥، ١٥٣١.\n(^٩) انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨١.\n(^١٠) قال ابن أبي يعلى: نقل عن إمامنا مسائل كثيرة، وصنفها ورتبها أبوابًا طبقات الحنابلة ١/ ٦٦. وقد أكثر الخطيب وابن عبد البر نقل كلام الإمام أحمد في علل الحديث من طريقه.\n(^١١) كان المقدم من أصحاب أحمد لورعه وفضله، وكان الإمام أحمد يأنس إليه وينبسط إليه، وقد روى عنه مسائل كثيرة طبقات الحنابلة ١/ ٥٦. منها في العلل ومعرفة الرجال، وهي مطبوعة في العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره.\n(^١٢) كان متخصصًا بصحبة الإمام أحمد، وروى عنه مسائل كثيرة طبقات الحنابلة ١/ ٣٩. روى ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال كثيرًا من تلك المسائل مما يتعلق بالرجال وعلل الحديث.\n(^١٣) نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وهي مطبوعة.","vol":"1","page":37},{"text":"وعبد الملك بن عبد المجيد أبو بكر الميموني (^١)، والفضل بن زياد البغدادي (^٢)، ومهنّا بن يحيى السلمي الشامي (^٣)، وخلق سواهم.\n_________\n(^١) ذكر أنه صحب الإمام أحمد ٢٢ سنة من سنة ٢٠٥ هـ إلى سنة ٢٢٧ هـ. روى عنه مسائل كثيرة المصدر نفسه ١/ ٢١٣. ومسائله في الرجال وعلل الحديث أيضًا في العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره.\n(^٢) ذكر الخلال أنه كان من المتقدمين عند الإمام أحمد، وكان يصلي به، ووقع له عنه مسائل كثيرة المصدر نفسه ١/ ٢٥١. وقد أكثر يعقوب الفسوي من نقل كلام الإمام أحمد في الرجال وعلل الحديث من طريقه، ورواه الخطيب من طريق الفسوي في تاريخ بغداد.\n(^٣) رحل مع الإمام أحمد إلى عبد الرزاق، وصحبه إلى أن مات، وذكر الخلال أن مسائله أكثر من أن تحد من كثرتها، وأن عبد الله بن أحمد كتب عنه مسائل كثيرة عن أبيه لم تكن عند عبد الله المصدر نفسه ١/ ٣٤٥.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>المبحث الثالث: إمامته ومكانته عند علماء الحديث</span>\nكان الإمام إمام الدنيا - كما نعته عبد الله بن محمد بن عبد العزيز (^١)، وكان رحمه الله تعالى \"عظيم الشأن، رأسًا في الحديث، وفي الفقه، وفي التألُّه، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأقرانه\" (^٢).\nوثناء الأئمة النقاد عليه كثير موفور استفاضت كتب التراجم بنقله وروايته، بما يغني عن تكراره في هذا التعريف (^٣)، وفيما يلي نماذج دالة على حفظه ومعرفته بالعلل وصحيح الآثار من سقيمها واعتماد الحفاظ على قوله ورجوعه إلى رأيه:\n١ - صالح بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبى يقول: \"مات هشيم وأنا ابن عشرين سنة، وأنا أحفظ ما سمعت منه، ولقد جاء إنسان إلى باب ابن علية ومعه كتب هشيم، فجعل يلقيها عليّ وأنا أقول: إسناد هذا كذا … فجاء المعيطي، وكان يحفظ، فقال له: أجبه فبقي، ولقد عرفت من حديثه ما لم أسمعه\" (^٤).\n٢ - قال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن مسلم بن وارة، وسئل عن على ابن المديني ويحيى بن معين أيهما كان أحفظ؟ قال: \"على كان أسرد وأتقن،\n_________\n(^١) انظر: مقدمة الكامل في ضعفاء الرجال ص ١١٨.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٠٣ ص.\n(^٣) انظر: تقدمة الجرح والتعديل ص ٢٩٢ - فما بعد، ومقدمة الكامل في الضعفاء، ص ١١٨ - ١١٩، وحلية الأولياء ٩/ ١٦٣، وتاريخ بغداد ٤/ ٤١٦ فما بعد، وسير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٥ - ٢٠٥.\n(^٤) تقدمة الجرح والتعديل ص ٢٩٥ - ٢٩٦.","vol":"1","page":39},{"text":"١ - ويحيى أفهم بصحيح الحديث وسقيمه، وأجمعهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل، كان صاحب فقه، وصاحب حفظ، وصاحب معرفة\" (^١).\n٢ - وقال أبو حاتم: \"كان أحمد بن حنبل بارع الفهم لمعرفة الحديث بصحيحه وسقيمه، وتعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث منه، وكان الشافعي يقول لأحمد: حديث كذا وكذا قوي الإسناد محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم، جعله أصلا وبنى عليه\" (^٢).\n٣ - وقد كان الإمام أحمد أحد أولئك الأفذاذ الذين تكلموا في الرجال جرحا وتعديلا صيانة لسنة المصطفى ﷺ وأداء لواجب أمانة العلم في إنصاف واعتدال وورع، قال عنه الحافظ الذهبي: \"وكذلك أحمد بن حنبل، سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وجوابه بإنصاف واعتدال، وورع في المقال\" (^٣).\nومباحث هذه الرسالة شاهدة على تبحره في معرفة علل الحديث، وناطقة بتضلعه من دراية صحيح الحديث وسقيمه، وتنبهه إلى مواضع الخلل من طرقه، ووجوه اتصاله وانقطاعه، وتبحره في معرفة طرق الحديث.\n_________\n(^١) تقدمة الجرح والتعديل ص ٢٩٤.\n(^٢) تقدمة الجرح والتعديل ص ٣٠٢.\n(^٣) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٨٧ ضمن أربع رسائل، وانظر أيضا: سير أعلام النبلاء ٩/ ١٤٩، والموقظة ص ٦٣.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>المبحث الرابع: محنته</span>.\nللحافظ الذهبي ﵀ استعراض بديع موجز لتاريخ الفتن التي نزلت بهذه الأمة وتفرقت بسببها كلمتُها وتمّ لأعداء الدين ما يريدون من تشويه عقول بعض المسلمين، يقول ﵀:\n\"كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائما في خلافة أبي بكر وعمر. فلما استشهد قفل باب الفتنة عمر ﵁ وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرا. وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين، فظهرت الخوارج، وكفرت سادة الصحابة ثم ظهرت الروافض والنواصب. وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة والجهمية والمجسمة بخراسان في اثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين، فظهر المأمون الخليفة - وكان ذكيا متكلما، له نظر في المعقول - فاستجلب كتب الأوائل وعرّب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخبّ ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها، بل والشيعة فإنه كان كذلك. وآل به الحال أن حمل الأمة على القول بخلق القران، وامتحن العلماء، فلم يمهل، وهلك لعامه وخلى بعده شرا وبلاء في الدين. فإن الأمة ما زالت على أن القران العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأنه كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله. فأنكر ذلك العلماء ولم تكن الجمهية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما ولي المأمون، كان منهم، وأظهر المقالة\" (^١).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٣٦.","vol":"1","page":41},{"text":"لقد صمد الإمام أحمد أمام رياح هذه الفتنة العاتية - فتنة خلق القرآن - و\"صار مثلًا سائرًا، يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق، فإنه لم يكن تأخذه في الله لومة لائم، حتى صارت الإمامة مقرونه باسمه في لسان كل أحد، فيقال: قال الإمام أحمد، وهذا مذهب الإمام أحمد … لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فإنه أعطي من الصبر واليقين ما نال به الإمامة في الدين، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها، ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والأمراء والولاة ما لا يحصيه إلا الله، فبعضهم تسلط عليه بالحبس، وبعضهم بالتهديد الشديد، وبعضهم يعده بالقتل وبغيره من الرعب، وبعضهم بالترغيب في الرياسة والمال، وبعضهم بالنفي والتشريد من وطنه، وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون، وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة مما طلبوا منه، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة، ولا كتم العلم، ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله ﷺ وآثاره ما دفع به البدع المخالفة لذلك ما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه\" (^١).\nوقد ارتفع قدر الإمام أحمد ﵀، وعلت منزلته وصار كالنجم بسبب صموده أمام تلك العاصفة، وصبره على الفتنة والمحنة، فعرف العالم له ذلك كله، وأثنى عليه أئمة عصره ومن بعدهم من ذلك:\n١ - قال علي بن المديني: \"إن الله أعز هذا الدين برجلين، ليس لهما ثالث، أبو بكر الصديق، يوم الردة، وأحمد بن حنبل، يوم المحنة\" (^٢).\n_________\n(^١) من كلام محقق سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٣٢ الهامش رقم ١.\n(^٢) تاريخ بغداد ٤/ ٤١٨.","vol":"1","page":42},{"text":"٢ - وقال قتيبة بن سعيد: \"لولا أحمد بن حنبل لأحدثوا في الدين\" (^١).\n٣ - وقال أبو زرعة الرازي: \"لم أزل أسمع الناس يذكرون أحمد بن حنبل بخير، ويقدمونه على يحيى بن معين، وأبي خيثمة، غير أنه لم يكن من ذكره ما كان … فلما امتحن ارتفع ذكره في الآفاق\" (^٢).\n٤ - وقيل لبشر بن الحارث حين ضرب الإمام أحمد بن حنبل: لو قمت فتكلمت كما تكلم أحمد بن حنبل، فقال: \"لا أقوى عليه، إن أحمد قام مقام الأنبياء\" (^٣).\nوقال عنه أبو عمير بن النحاس الرملي: \"﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدينا فأباها، والبدع فنفاها\" (^٤).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٤/ ٤١٧.\n(^٢) تقدمة الجرح والتعديل ص ٣٠٩.\n(^٣) تقدمة الجرح والتعديل ص ٣١٠.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٩٨.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>المبحث الخامس: آثاره العلمية</span>.\nعلى الرغم من أن الإمام أحمد كان يكره وضع الكتب وينهى عن كتابة كلامه، فإن دوره واضحًا في إثراء المكتبة الإسلامية وأسهم في الحركة العلمية بمؤلفاته الكثيرة، حفظها لنا تلاميذه من بعده. وقد أسهم كثير ممن أفردوا دراسات حول الإمام أحمد في بيان آثاره العلمية، وكذلك في الدراسات التي رافقت كثيرا من تحقيقات كتبه في الحديث وعلله والجرح والتعديل وغير ذلك، فلذلك سأقتصر هنا في سرد المطبوع من آثاره العلمية المتعلقة بالعلل والجرح والتعديل وهي كالتالي:\n١ - العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي.\n٢ - العلل ومعرفة الرجال - رواية الميموني.\n٣ - العلل ومعرفة الرجال - رواية صالح بن الإمام أحمد.\n٤ - العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله بن أحمد.\n٥ - المنتخب من العلل للخلال - انتخاب موفق الدين ابن قدامة.\n٦ - سؤالا أبي داود السجستاني للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم.\n٧ - مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه عبد الله.\n٨ - مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه صالح.\n٩ - مسائل الإمام أحمد - رواية أبي داود السجستاني.\n١٠ - مسائل الإمام أحمد - رواية ابن هانئ.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المبحث السادس: وفاته</span>.\nكانت وفاة الإمام أحمد ﵀ في العاشر من شهر ربيع الآخر، سنة (٢٤١) هـ، وله ثمان وسبعون سنة:\nقال ابنه عبد الله ﵀: سمعت أبي يقول: \"استكملت سبعا وسبعين، ودخلت في ثمان وسبعين\". فحم من ليلته ومات يوم العاشر يوم الجمعة ﵀ (^١).\nوقال عبد الله أيضا: \"مات في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين وهو في ثمان وسبعين سنة\" (^٢).\nوكانت جنازته مشهودة؛ فقد حرز من حضرها من الرجال بثمان مئة ألف، ومن النساء بستين ألف امرأة، ونظروا فيمن صلى العصر يومئذ في مسجد الرصافة فكانوا نيفا وعشرين ألفا (^٣)، وهذا مصداق لقوله ﵀: \"قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز\" (^٤).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٤٥/رقم ١٨١٥.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٦٦/رقم ٥١٧٨.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٣٩.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٤٠، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٤٢.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>الفصل الثاني: التعريف ببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلام الإمام أحمد في إعلال الأحاديث</span>","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>المبحث الأول: كتاب العلل ومعرفة الرجال - برواية ابنه عبد الله</span>.\n<span data-type='title' id=toc-22>المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته</span>.\nهذا الكتاب رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وقد ذكره من ترجم لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال ابن أبي يعلى: \"وقع لعبد الله عن أبيه مسائل جياد كثيرة، يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام، فأما العلل فقد جود عنه، وجاء عنه بما لم يجئ به غيره\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فأما عبد الله فلم يكن في الدنيا أحد روى عن أبيه أكثر منه، لأنه سمع المسند … وسمع الناسخ والمنسوخ، والتاريخ\" (^٢).\nويدل على أنه من تأليف الإمام أحمد ما ذكره العقيلي أنه قرأ على عبد الله بن أحمد \"كتاب العلل\" عن أبيه (^٣). فأضاف الكتاب للإمام أحمد وأضاف روايته لعبد الله ابنه.\nوالكتاب مشتمل على زيادات من عبد الله منها مسائل سألها أباه في العلل ومعرفة الرجال، ووجادات وما أخذه عن بعض مشايخه غير أبيه كتابة ووجادة.\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة ١/ ١٨٣.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٩٦٢ في ترجمة علي بن المديني. واهتديت إليه بواسطة الدكتور وصي الله عباس في تحقيقه لكتاب العلل ومعرفة الرجال برواية عبد الله ١/ ٨٧.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>موضوع الكتاب:</span>\nأما موضوع الكتاب فيكاد يشمل جميع أبواب علوم الحديث، فأما من حيث علل الحديث، فإنه يذكر الأحاديث من كل باب من أبواب العلم، ويشير إلى نوع العلة، من نكارة، أو غرابة، أو إرسال، أو تدليس، أو تصحيف، أو إدراج، أو قلب، أو بطلان، أو وضع. وأما من حيث الكلام في الرجال فيتكلم عن الثقات، والضعفاء، ومن رمي بالابتداع، والمتروكين، والمتهمين، والوضاعين، يذكر ما يتعلق بجرحهم وتعديلهم، وذكر أسمائهم، وألقابهم وكناهم، وكنى المعروفين بالأسماء، وأسماء المعروفين بالكنى، وأنسابهم، والمؤتلف والمختلف، والمتشابه، والمبهمات، ومواليد الرواة ووفايتهم، ومواطنهم، وإثبات سماع بعضهم من بعض ونفيه حيث لم يثبت. وأما القسم الأكبر من الكتاب فهو في الكلام عن الأسانيد والمتون وما فيها من العلل.\nفذكر على سبيل المثال علل أحاديث هشيم فسردها (^١) مع ذكر علة كل حديث، وأغلبها مما لم يثبت سماعه فيها من شيخه.\nومن أمثلة مادة الكتاب في هذا الموضوع أحاديث سئل عنها الإمام أحمد مما أخطأ فيها الفريابي على سفيان الثوري، وهي من كتاب ابن زنجويه عن الفريابي، وجُملتها (١٣) حديثًا (^٢).\nوأما في الرجال، فأفرد على سبيل المثال من روى عن رسول الله ﷺ من النساء (^٣)، فسردهم أحيانًا مع الإشارة إلى ما يثبت سماعهن من النبي ﷺ، خاصة في غير المشهورات منهن.\n_________\n(^١) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٣ رقم ٢١٦١ إلى ٢/ ٢٨٤ رقم ٢٢٦٨.\n(^٢) المصدر نفسه من ٤١٥١ إلى ٤١٦٤.\n(^٣) رقم ٥٧٨٤.","vol":"1","page":52},{"text":"كما ذكر الرواة عن عمر، من أهل مكة، ثم من أهل المدينة، ثم من أهل البصرة، ثم من روى عن علي من أهل البصرة، ثم من روى عن عثمان من أهل المدينة (^١).\nوذكر من روى عن شعبة ولم يسمع منهم الثوري، ومن روى عنهم سفيان ولم يحدث عنهم شعبة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>خصائص الكتاب:</span>\nمن أهم خاصية الكتاب أنه أكثر الكتب الموجودة عن الإمام أحمد جمعًا للأحاديث التي أعلّها الإمام أحمد، وهو من أئمة هذا الشأن بلا نزاع، وكلامه يشكل جزء كبيرًا من مادة هذا العلم، كما أنه من الأئمة الذين يعتمد قولهم في الجرح والتعديل.\nويختص هذا الكتاب بأنه من رواية ابنه عبد الله، وهو ممن قد شهد له الإمام أحمد بأنه قد وعى علمًا كثيرًا (^٣)، مما يؤتي قيمة لنوعية الأسئلة التي يسألها الإمام أحمد سواء في علل الأحايث أو في الرجال.\nوقد خُصِّص الكتاب بمسائل في علوم الحديث جُرد من غيرها، فلا توجد فيه مسائل فقهية كما هو الحال في بعض كتب مسائله، وهذا مما يزيد من أهمية الكتاب لدى أهل الاختصاص.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>قيمة الكتاب عند العلماء:</span>\nتظهر قيمة هذا الكتاب عند العلماء من استفادة الفحول الأجلاء منه من لدن عهد عبد الله بن الإمام أحمد، فالعقيلي اعتمد عليه كثيرًا في مصنفه \"كتاب\n_________\n(^١) المصدر نفسه ١/ ٢٨٨ إلى ١/ ٢٩١.\n(^٢) المصدر نفسه ١/ ٤٧٢ - ٤٧٧.\n(^٣) تاريخ بغداد ٩/ ٣٧٦.","vol":"1","page":53},{"text":"الضعفاء\" في نقل كلام الإمام أحمد في الرجال وفي علل الأحاديث، وكان العقيلي من تلاميذ عبد الله، وقد تقدم أنه سمع الكتاب منه. وكذلك ابن أبي حاتم اعتمد عليه في نقل كثير من كلام الإمام أحمد في الرجال، وذكر أن عبد الله كتب إليه بمسائل أبيه وبعلل الحديث (^١)، وهو كتابنا هذا، وكان ابن أبي حاتم من أقرانه. وهذان الكتابان من أكثر الكتب اعتمادًا على كتاب العلل برواية عبد الله.\nوتتابع العلماء في الاستفاد من الكتاب، فنقل الخطيب منه في الرجال وفي العلل، فذكر على سبيل المثال في باب علل حديث: \"تبنى مدينة بين دجلة ودُجيل\" ما رواه عبد الله عن أحمد من علة هذا الحديث (^٢). وكذلك له نقولات كثيرة عنه في الرجال.\nوكذلك نقل عنه البيهقي رواية حديث من كتاب العلل (^٣).\nوقال ابن الصلاح: \"ومن كتب علل الحديث ومن أجودها كتاب العلل عن أحمد بن حنبل، وكتاب العلل عن الدراقطني\" (^٤).\nومما يدل على أهمية الكتاب كثرة السماعات الموجودة على النسخة الخطية للكتاب (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>روايات الكتاب:</span>\nوقع في عنوان الجزء الأول من الكتاب: \"الجزء الأول من كتاب العلل ومعرفة الرجال، عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، رواية أبي علي محمد\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٥/ ٧.\n(^٢) تاريخ بغداد ١/ ٣٤، ٣٥.\n(^٣) السنن الكبرى ٨/ ٣٧.\n(^٤) معرفة علوم الحديث ص ٢٢٧.\n(^٥) انظر: مقدمة د. وصي الله عباس العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٠٢ - ١٠٧.","vol":"1","page":54},{"text":"ابن أحمد بن الحسن الصواف، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه أبي عبد الله، سماع عبيد الله بن أحمد\" (^١). وتوجد منه نسخة كاملة في مكتبة أيا صوفيا تحت رقم (٣٣٨٠)، وتشمل على (١٨٠) ورقة مجزأة في ثمانية أجزاء. وقد قام الدكتور طلعت فوج ييكيت، والدكتور إسماعيل جراح أوغلوا بتحقيق الجزء الأول من الكتاب (^٢). ثم قام بتحقيق الكتاب كاملًا الدكتور وصي الله بن محمد عباس، فصدر في ثلاث مجلدات (^٣).\nثم صدر الكتاب أيضًا من مطبوعات مؤسسة الكتب الثقافية (^٤). وليس فيها خدمة النص، لكن ضبطت الأصل ضبطًا جيدًا.\nوذكر د. همام عبد الرحيم سعيد أنه وجد في خزانة المكتبة الظاهرية بدمشق الجزء الثاني عشر من العلل ومعرفة الرجال من رواية أبي بكر مكرم بن أحمد ابن مكرم عن عبد الله، وعليه سماع ابن أبي يعلى (^٥).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله - برواية عبد الله ١/ ١٢٧.\n(^٢) صدر الكتاب سنة ١٩٦٣ م بأنقرة.\n(^٣) صدرت الطبعة الأولى منه من مطبوعات المكتب الإسلامي سنة ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n(^٤) صدر سنة ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n(^٥) شرح علل الترمذي ١/ ٧٢. ورقم هذه النسخة: ٢٢٢/ق ٩٨ - ١٠٧.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب</span>.\nفي هذا الكتاب أسئلة وسماعات يقول فيها عبد الله: سألت أبي، وسمعت أبي، وحدثني أبي. وكذلك توجد وجادات يقول فيها عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخط يده، وأغلبها تواريخ عن الأمم السالفة، والأنبياء وغير ذلك من الأخبار، وهو مما يرجح أنها من كتاب الإمام أحمد \"التاريخ\".\nومادة الكتاب عرضت غير مرتبة ولا مصنفة على نسق واحد، وما ذلك إلا لأن معظم الكتاب إجابات عن أسئلة معروضة على الإمام أحمد في أوقات ومناسبات مختلفة، بعضها من عبد الله، وبعضها مما سئل الإمام أحمد بحضرة عبد الله.\nوكذلك ما يتعلق بمادة التاريخ من الكتاب لم ترتب على ترتيب معين، لا على أسماء الرواة ولا على طبقاتهم أو غير ذلك من الأنواع المختلفة المنقولة عن علماء الحديث في ترتيب مادتهم العلمية عند التصنيف.\nوكذلك يوجد في كثير من الأسئلة نوع من الخفاء في السؤال أو في الجواب أو في كليهما، وذلك لأن السائل إمام يسأل ما أشكل عليه في بعض الأسانيد والعلل الواقعة فيها، أو في حالة بعض الرواة ومنزلتهم، فيجيبه الإمام أحمد بإشارات يلزم من يروم فهمها بحث طويل في طرق الحديث حتى يفهم السؤال والجواب، إلا إذا كان له علم وإلمام بموضوع المسألة. وقد يسأل عن الحديث بذكر كلمة منه، أو بذكر بابه، وهو موضوعه العام، أو يسأل عن الرجل بذكر اسمه دون اسم أبيه، أو بذكر كنيته، أو لقبه، على ما كان في الأسماء والكنى والألقاب من الاشتباه والاشتراك، وقد يكون الجواب كذلك. وكل هذه الأمور كانت معروفة عند السائل والمجيب بخلاف الناظر في ذلك خصوصا في هذا العصر.\nوكان عرض السؤال والجواب بلغة النطق والتخاطب ولم يكن بلغة التصنيف، وبينهما فرق قليل تحتاج المواضع التي وقع ذلك فيها إلى نوع من التأمل.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>المبحث الثاني: كتاب العلل ومعرفة الرجال - برواية المرُّوذي وغيره</span>.\n<span data-type='title' id=toc-29>المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته</span>.\n<span data-type='title' id=toc-30>موضوعه:</span>\nهذا الكتاب جمع مسائل في علل الحديث ومعرفة الرجال برواية ثلاثة من تلاميذ الإمام أحمد، وهم: أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المرُّوذي ت (٢٧٥) هـ، وأبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني ت (٢٧٤) هـ، وأبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل ﵏.\nوموضوعه شامل لمعظم أبواب علوم الحديث، كما يشمل أحاديث وحكايات من أمور التاريخ. وليس فيه أحاديث مسندة عن الإمام أحمد.\nومعظم الكتاب برواية المرّوذي (^١)، وهو من تلاميذ الإمام أحمد المذكورين برواية مسائل كثيرة عن الإمام أحمد (^٢)؛ ثم تأتي رواية الميموني في الدرجة الثانية (^٣)، وقد كان كثير السؤال للإمام أحمد، وذكر ابن أبي يعلى أن مسائله عن الإمام أحمد في ستة عشر جزءًا (^٤)، مما يدل على أن هذا جزء صغير من مسائله. ومما يدل على ذلك أن الخلال ذكر أن في مسائله شيئًا كثيرًا يقول فيها: \"قرأت على أبي عبد الله كذا وكذا، فأملى علي كذا، يعني الجواب\" (^٥) وليس في هذا الكتاب من رواية الميموني شيء مما قرأه على الإمام أحمد.\n_________\n(^١) من أول الكتاب إلى نص رقم ٣١٠.\n(^٢) تاريخ بغداد ٤/ ٤٢٣.\n(^٣) من النص رقم ٣٣٦ إلى رقم ٥١٤.\n(^٤) طبقات الحنابلة ١/ ٢١٣.\n(^٥) المصدر نفسه ١/ ٢١٤.","vol":"1","page":57},{"text":"والجزء الذي رواه صالح هو أقل الأجزاء الثلاثة (^١)، والباقي من الكتاب هو ما رواه أبو عوانة الإسفراييني، الراوي عن تلاميذ أحمد الثلاثة، مما رواه عن شيوخه، وهي حكايات والجرح والتعديل.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>خصائصه:</span>\nاختص الكتاب بإيراد كثير من أقوال الإمام أحمد في جرح الرواة وتعديلهم، وفي علل الحديث.\nويختص هذا الكتاب بأنه من رواية المروذي الذي وصف بأنه المقدم من أصحاب الإمام أحمد (^٢)، والميموني الذي اختص برواية مسائل كثيرة عن الإمام أحمد كما تقدم، وصالح بن أحمد، وقد كانت له مسائل كثيرة عن الإمام أحمد أيضًا، وكان الناس يراسلونه من خراسان من مواضع نائية يسأل لهم أباه عن المسائل، فوقعت له مسائل جياد (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>قيمته عند العلماء:</span>\nاعتمد كثير من العلماء ممن صنف في الجرح والعديل على رواية هؤلاء التلاميذ الثلاثة في نقل كلام الإمام أحمد في جرح الرواة وتعديلهم، منهم ابن أبي حاتم (^٤)، والعقيلي (^٥)، والمزي (^٦)، وكذلك من اعتنى بعلل الحديث، كابن أبي حاتم في\n_________\n(^١) من نص رقم ٣١١ إلى ٣٢٧.\n(^٢) طبقات الحنابلة ١/ ٥٦.\n(^٣) انظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٧٣.\n(^٤) في كتابه الجرح والتعديل، وانظر على سبيل المثال: ١/ ١٧، ١/ ٣٠٢، ٣/ ١٤١ كلها عن الميموني.\n(^٥) في كتابه الضعفاء. انظر على سبيل المثال: ترحمة إسماعيل الخلقاني، وأحوص بن حكم، جابر الجعفي، كلها عن الميموني\n(^٦) تهذيب الكمال ١/ ٢٦٤، ٢/ ١٤٨، ٣/ ١٠٠، ١٩/ ١٦٨.","vol":"1","page":58},{"text":"\"المراسيل\" (^١)، وابن دقيق العيد (^٢)، وابن رجب، وابن حجر في شرحهما على \"صحيح البخاري\" (^٣). وكذلك من صنف في علوم الحديث كالخطيب (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>رواياته:</span>\nهذا الكتاب توجد منه نسخة من مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق ضمن مجموع رقم (٤٠)، وهو من رواية الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفراييني. وطبع بتحقيق الدكتور وصي الله محمد عباس (^٥)، وصدر أيضًا في الطبعة التي نشرتها مؤسسة الكتب الثقافية مع كتاب العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله.\n_________\n(^١) المراسيل ٨٢٩.\n(^٢) في كتاب الإمام. انظر على سبيل المثال ٤/ ٧٥ - ٧٦.\n(^٣) انظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ٢٢٨، ٤/ ١١٣، ٤/ ١٥٦، ٦/ ١١١، وفتح الباري لابن حجر ١/ ٣٠٠.\n(^٤) انظر: الكفاية في علم الرواية ص ١٣٤، ٣٠٩.\n(^٥) صدر عن الدارالسلفية بالهند سنة ١٤٠٨ هـ، ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب</span>.\nالمادة العلمية في هذا الكتاب لم تكن مرتبة لا على الأبواب، ولا على الرواة، وإنما عرضت على شكل أسئلة يسألها التلميذ الإمام أحمد بدون ترتيب معين، وكذلك لا يوجد تفصيل بين ما سئل عنه في جرح الرواة وتعديلهم وما سئل في علل الحديث. فهو يشبه من هذه الناحية كتاب العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>المبحث الثالث: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله</span>.\n<span data-type='title' id=toc-36>المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته:</span>\n<span data-type='title' id=toc-37>موضوعه:</span>\nأغلب مادة هذا الكتاب في المسائل الفقهية، وفي آخره تفسير الأحاديث عن النبي ﷺ، وباب صغير في طاعة الرسول ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>خصائصه:</span>\nوكتاب المسائل لعبد الله عن أبيه يتميز بعدة خصائص منها (^١):\n١) اهتمامه بالنقل عن الإمام أحمد لبعض الأحاديث التي استدل بها في المسائل التي سأل عنها.\n٢) كثرة زيادة مروياته هو عن غير أبيه، تكميلا للفائدة وبيانا لمستند المسألة.\n٣) أن أغلب المسائل المذكورة في كتابه عليها العمل في المذهب، وقدرها محقق الكتاب د. علي المهنا بنسبة التسعين في المائة من مجموع هذا الكتاب.\n٤) تتميز هذه المسائل بأنها أيضا عرضت لنا جانبا من أخلاق الإمام أحمد وأفعاله في عباداته ومعاملاته وما يفعله في خاصة نفسه، ويوجد شيء من هذا أيضا في مسائل ابن هانئ.\n٥) تجمع مسائل عبد الله عن أبيه مع ما سأله هو بنفسه أو سمعه منه بعض مسائل الآخرين - منها بعض مسائل الكوسج - ومسائل فاته سماعها عن أبيه فأخذها من مهنّا الشامي، ومسائل أعطاها إياه بعض أصحابه.\n_________\n(^١) يراجع: دراسة محقق الكتاب ص ١٦٠.","vol":"1","page":61},{"text":"١) كما تتميز هذه المسائل أيضا بأنها أكثر وضوحا من كتب المسائل الأخرى التي وصلت إلينا.\n٢) ترتيبها ووضع النصوص في أبوابها أدق من كتب المسائل الأخرى.\n٣) امتازت بذكر احتجاج الإمام بالأحاديث في مسائل فقهية - وإن لم تكن كثيرة - فيستفاد من ذلك تصحيحه أو تحسينه للأحاديث والآثار، وربما ورد ذكر مراجعة بعض التلاميذ له فيذكر وجه حكمه على الحديث، وهذه فائدة جليلة يتسفيد الباحث من هذا الكتاب في مثل موضوع هذه الرسالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>قيمته العلمية:</span>\nهذا الكتاب شأنه شأنه غيره من كتب المسائل التي تمت إلى الإمام أحمد بصلة علمية وثيقة فقد اهتم العلماء بروايته؛ لأن مكانة كتب كهذا إنما تبرز من مكانة هذا الإمام نفسه، والمنزلة العلمية التي يتبوأها بين أئمة الحديث والفقه والتفسير. ولذلك نجد اهتمام العلماء قديما بسماع هذه المسائل، ومن ذلك:\nأن ابن أبي حاتم يقول في ترجمة عبد الله بن الإمام أحمد: \"كتب إلى بمسائل أبيه وبعلل الحديث\" (^١).\nورواها عنه أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي كما في \"تاريخ بغداد\" (^٢)، ووصفها الخلال بأنها مسائل جياد، فقال: \"وقع لعبد الله عن أبيه مسائل جياد كثيرة يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام\" (^٣).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٥/ ٧.\n(^٢) تاريخ بغداد ٤/ ٧٣.\n(^٣) طبقات الحنابلة ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":62},{"text":"كما يصور لنا قيمتها العلمية كذلك مدى اهتمام كتب المذهب الحنبلي بالنقل منها والتعويل عليها في مواضع كثيرة لا تكاد تحصى، يلاحظها القارئ في هوامش تحقيق الكتاب؛ حيث يشير المحقق إلى أن المسألة المذكورة نقلها فلان في كتابه، أو أشار إليها فلان.\nكل هذا وغيره يؤكد لنا المنزلة الرفيعة والقيمة العلمية العلية التي يتصف بها هذا السفر القيم، والمكانة التي بتبوأها بين كتب التراث الأصيلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>رواياته:</span>\nيذكر محقق الكتاب د. علي سليمان بأن النسخ الثلاث للكتاب التي وقف عليها لم يذكر من هو الراوي للكتاب، ولم يجد بعد البحث في عديد الكتب ذات الصلة ما يرشده إلى ذلك.\nوصرح ابن أبي يعلى في كتابه \"طبقات الحنابلة\" عن أناس أنهم رووا المسائل عن عبد الله، ورجح د. علي بن سليمان أن الذي يمكن أن يكون راوي هذه النسخة المطبوعة هو أبو بكر القطيعي؛ وأن من رواة المسائل عنه أبو بكر الخلال، ومن المعروف أنه سمع منه المسائل، ثم فرقها في الأبواب المناسبة، لكتابه العظيم \"الجامع لمسائل - أو علوم - الإمام أحمد ﵀\" ونراها الآن متفرقة في الأبواب المختلفة لهذا الكتاب … لكن لم يجد الباحث أن أحدا صرح بأنه روى مسائل عبد الله عن أبيه بشكل كتاب مستقل.\nومن رواة المسائل عن عبد الله غلام الخلال عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، لكن الراوي لهذا الكتاب عن عبد الله قد صرح في مواضع عديدة في الكتاب أنه سمع منه سنة خمس وثمانين ومائتين في شهر رجب (^١)، بينما غلام الخلال قد ولد\n_________\n(^١) انظر: بداية كتاب الحيض رقم ١٩٩، وكتاب الصلاة - باب المواقيت رقم ٢٢١، وكتاب الزكاة رقم ٦٩٥، وكتاب الذبائح رقم ١١٥٣.","vol":"1","page":63},{"text":"سنة اثنتين أو خمس وثمانين ومائتين (^١)، فلا يمكن أن يقال إنه روى هذا الكتاب عنه ولم ينقل عن أحد غيرهما - حسب ما توصل إليه الباحث - أنه روى المسائل عنه إلا القطيعي، وهو رواية لعبد الله بن أحمد، فقد روى عنه المسند، والزهد، وفضائل الصحابة. وعليه فقد رجح الباحث د. علي سليمان بأنه هو راوي هذه النسخة المحققة من قبله، ثم ذكر مؤيدات أخرى لترجيحه واختياره (^٢).\n_________\n(^١) انظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٤٦٠، طبقات الحنابلة ٢/ ١٢٦.\n(^٢) انظر: دراسته لكتاب مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ص ١٥٠ - ١٥٣.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>المطلب الثاني: منهجه في عرض المادة العلمية في الكتاب:</span>\nيمكن تلخيص طريقة عرض عبد الله بن الإمام أحمد لمادة كتابه في النقاط التالية:\n١) رتب المسائل ترتيبا فقهيا دقيقا يسهل للباحث فيه عملية الاستفادة والمراجعة.\n٢) استعمل عبارات السؤال والتحمل، مثل: سألت أبي، وسمعت أبي وسئل أبي وأنا أسمع (^١)، وقرأت على أبي (^٢)، والعبارتان الأوليان أكثر استعمالا من غيرهما. وأحيانا يستعمل أسلوب الحوار مثل قال - قلت (^٣).\n٣) يحرص على رواية ما فاته من مسائل أبيه، بواسطة غيره، كروايته عن أبي عبد الله مهنا السلمي (^٤)، وغيره (^٥).\n٤) يزيد أحاديث من رواياته عن غير أبيه، لبيان مستند أبيه في المسالة المسؤولة عنها.\n_________\n(^١) انظر مثلا: رقم ٨.\n(^٢) انظر مثلا: رقم ٢، ٩.\n(^٣) انظر مثلا: رقم ٢، ٣، ٤.\n(^٤) انظر مثلا: رقم ٨٣٩، ٨٤٠.\n(^٥) انظر: رقم ١٦٥٨.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>المبحث الرابع: مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني</span>.\n<span data-type='title' id=toc-43>المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته</span>.\n<span data-type='title' id=toc-44>موضوعه:</span>\nهذا الكتاب يحتوي على أسئلة من الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني مما سألها الإمام أحمد في جميع أبواب العلم، في الفقه، والآداب، ومسائل الاعتقاد، والإمامة، وفي الحديث، من تفسير لغريبه، وتأويل لمختلفه، وفي علل الحديث وجرح الرواة وتعديلهم، وأصول علم الرواية.\nوكذلك يورد جملة من الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصحابة والتابعين في المسائل من أبواب الفقه، كلها مما رواها عن الإمام أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>خصائصه:</span>\nهذا الكتاب يختص بكونه جامعًا لأسئلة سألها الإمام أبو داود للإمام أحمد في جميع أبواب العلم، فمنزلته ومنزلة الإمام أحمد تعطي الكتاب ميزة عالية، فالإمام أبو داود إضافة إلى إمامته في الحديث، كان من كبار الفقهاء، يشهد له على ذلك كتابه السنن، حيث ذكر أصول الأحاديث التي يُستدل بها في مسائل الفقه.\nوالكتاب يمتاز بذكر آراء الإمام أحمد في شتى مسائل العلم، أما في باب علل الحديث وعلم الجرح والتعديل، فكلامه في إعلال الأحاديث كثير، لا يفوقه في الكثرة إلا ما حواه كتاب العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله.\nومن خصائص الكتاب أيضًا أنه أفرد بابًا سأل الإمام أحمد فيه عن مسائل في علم رواية الحديث وضبطه.","vol":"1","page":67},{"text":"وكذلك يزيد من أهمية الكتاب كون النسخة الموجودة من الكتاب سمعت وكتبت في عصر المؤلف، وقد سمع النسخة المحفوظة من الكتاب في \"الظاهرية\" سنة (٢٦٦) هـ، ووفاة أبي داود سنة (٢٧٥) هـ.\nوقد أفرد المادة المتعلقة بعلل الحديث وشيء من الكلام في الجرح والتعديل في آخر الكتاب، مما يسهل من الاستفادة من الكتاب للمتخصص في علم الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-46>قيمته عند العلماء:</span>\nقال الذهبي: \"كان أبو داود من نُجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وسأله عن دِقاق المسائل في الفروع والأصول\" (^١). وهذه المسائل هي المروية في هذا الكتاب.\nومن قيمة الكتاب عند العلماء أن بعض العلماء قد قام باختصاره كما ذكره ابن رجب (^٢).\nوكذلك استفاد من الكتاب الخطيب البغدادي فنقل عنه جملة من كلامه في جرح الرواة وتعديلهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>رواياته:</span>\nالنسخة العتيقة من الكتاب محفوظة في المكتبة الظاهرية، وهناك نسختان أخريان، منها نسخة محفوظة في مكتبة \"اسكوريال\"، وأخرى من مخطوطات المكتبة \"المحمودية\" بالمدينة.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢١٥.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ص ٢٠١ في شرح حديث إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى.\n(^٣) انظر على سبيل المثال: تاريخ بغداد ٧/ ٢٨، ٨/ ٢٦٩، ٨/ ٢٧٩.","vol":"1","page":68},{"text":"وروى الكتاب عن أبي داود أبو بكر ابن داسة راوية كتابه \"السنن\"، وهو محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق التمار البصري (٣٤٠) هـ. وقد اعتنى به الشيخ رشيد رضا، فطبع بتحقيق الشيخ محمد بهجة البيطار (^١) عن نسخة \"المحمودية\"، وقوبل على نسخة \"الظاهرية\".\nثم صدَر الكتاب بتحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد عن النسخ الثلاث (^٢).\n_________\n(^١) صدر في سنة ١٣٥٣ هـ من نشر مطبعة المنار بمصر.\n(^٢) صدر سنة ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م من نشر مكتبة ابن تيمية.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب</span>.\nهذا الكتاب مرتب على أبواب الفقه في المسائل الفقهية، وخصص أبوابًا أخرى للآداب، والإيمان، والسير، وعلم رواية الحديث، وتفسير الأحاديث، والجمع بين مختلف الأحاديث، وذكر المختلطين، وبابًا للأحاديث أورد فيه أسئلته التي سألها الإمام أحمد في إعلال الأحاديث، وأردفه بباب آخر في الموضوع نفسه بعنوان: \"بيان أحاديث فيها ضعف وخطأ ونكارة\"، ثم بيان أحاديث يختلف فيها، وكلها أحاديث معلّة، ثم ذكر بابًا في الأحاديث المرسلة، ويعني بها التي أعلت بالإرسال وبه ختم الكتاب. وقد يسأل عن علل بعض الأحاديث أثناء أسئلته في المسائل الفقهية، كأن يذكر الإمام أحمد مسئلة ويكون فيها حديث مخالف لما قاله فيسأله عن ذلك الحديث كما فعل معه في مسئلة الرمل في الطواف من الحَجر إلى الحجر، فذكر له رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه مشى ما بين الركن والحجر فأجابه (^١).\nوالعرض للمادة في الكتاب على شكل أسئلة سألها الإمام أحمد أو سئل بحضرته. وقد يورد بعض مسموعاته عن الإمام أحمد من الأحاديث والآثار.\nوقد تقدمت الإشارة إلى أن لغة المسائل والأجوبة في هذا الكتاب هي لغة النطق وليست لغة التصنيف، فوقع فيها عدم التزام حركات الإعراب في مواضع، كأن ذلك جاري على لغة ربيعة في بعضها من الوقوف على المنصوب بالسكون (^٢).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ١٨٠.\n(^٢) انظر: مقدمة الشيخ محمد رشيد رضا للكتاب.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>المبحث الخامس: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح</span>.\n<span data-type='title' id=toc-50>المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته</span>.\n<span data-type='title' id=toc-51>موضوعه:</span>\nتمتاز مسائل صالح بن الإمام أحمد ﵀ بكونها شاملة لمختلف أنواع العلوم من عقيدة، وفقه، وحديث، وأثر، وتفسير، وتاريخ، وعلل، وبيان لأحوال الرواة جرحا وتعديلا، بل تتناول أيضًا شرحًا لبعض غرائب النّصوص ومصطلحات، فهي باختصار ديوان شامل لشتى العلوم والمباحث يلقي الضوء على موسوعية هذا الإمام وسعة معارفه وتنوع علومه رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>خصائصه:</span>\nيتميز هذا الكتاب عن غيره من كتب المسائل عن الإمام الأحمد بما يلي:\n١) من أهم أهذه الخصائص كونه كتابًا مشتملًا على عدة موضوعات متنوعة ومعارف متعددة يفوق بذلك مسائل إسحاق بن منصور الكوسج، ومسائل ابن هانئ ومسائل أبي داود؛ فمعظم موضوعات هذه المسائل دائرة في المسائل الفقهية، وقليل منها تطرق إلى شيء من باقي العلوم الإسلامية.\n٢) ومما تختص به مسائل صالح ﵀ أنها غير مرتبة على الأبواب الفقهية، بخلاف باقي كتب المسائل التي وضعت عليها أبواب وعناوين تسهل عملية الاستفادة منها، وتقرب مادتها العلمية للباحثين.\n٣) ومن ناحية عدد المسائل المتضمنة فيها نجد أن مسائل الإمام صالح ﵀ تحتل الدرجة الثانية - حسب تقدير الباحث د. فضل الرحمن المحقق للكتاب ـ","vol":"1","page":71},{"text":"حيث حرز مسائلها وقدرها بحوالي ثلاثة آلاف مسألة، أي أنها تأتي بعد مسائل الكوسج في كثرة المسائل المطروقة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-53>قيمته العلمية:</span>\nتبرز قيمة هذا الكتاب العلمية عند العلماء من المكانة التي يحتلها الإمام أحمد ﵀ بين الأئمة؛ فقد كان أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، وشهرته بينهم بكثرة الروايات، ومعرفته الواسعة بالآثار، والوقوف عند السنن والأخبار، وصبره على نشر السنة وتمسكه بها كل أولئك جعل لكلامه موقعًا كبيرا في نفوس العلماء المعاصرين له والذين جاءوا من بعده، واحتفلوا بسماع ما روي عنه، وهذا أبو الحسن علي بن محمد بن بشار العالم الزاهد يسمع هذه المسائل من صالح، ويحدث بها جماعة من العلماء، قال القاضي محمد بن أبي يعلى في ترجمته: \"وكان قد سمع جميع مسائل صالح لأبيه من صالح، وحدث بها فسمعها منه جماعة، منهم: أبو حفص بن بدر المغازلي وأحمد البرمكي\"، ثم نقل قول أحمد البرمكي: \"كنت يومًا واقفًا بين يديه - يعني ابن بشار - بعد العصر، وكان يوم الثلاثاء، وبيدي جزء من مسائل صالح لأقرأه عليه … \" وذكر واقعة حصلت له (^٢).\nوقال في ترجمة أبي بكر غلام الخلال: \"وحدث عنه بمسائل الأثرم وصالح، وعبد الله وغير ذلك\" (^٣).\nكما أن لابنه صالح نفسه مكانة بارزة عند العلماء، فهو الذي يكتب عنه اابن أبي حاتم الإمام المشهور في الجرح والتعديل ويوثقه قائلا: \"وهو صدوق ثقة\" (^٤).\n_________\n(^١) دراسة مسائل صالح، للدكتور فضل الرحمن ص ١٠٢.\n(^٢) طبقات الحنابلة ٢/ ٥٨ - ٦١.\n(^٣) المصدر السابق ٢/ ١١٩.\n(^٤) الجرح والتعديل ٤/ ٣٩٤.","vol":"1","page":72},{"text":"وهذه الثقة هي التي جعلت العلماء يعتمدون عليه في علم أبيه حتى صاروا \"يكتبون إليه من خراسان ومن مواضع أخرى؛ ليسأل لهم أباه عن المسائل ويرسل إليهم بالأجوبة التي يتلقاها عنه\" (^١).\nواعتبروه أحد النقلة عن الإمام في المذهب: قال ابن أبي يعلي الحنبلي ﵀: \"أما نقلة الفقه عن إمامنا فهم أعيان البلدان، وأئمة الزمان، منهم ابناه: صالح وعبد الله\" (^٢).\nوكل هذا وغيره مما حظي به هذا الابن العالم من الثناء الجميل والمدح الجليل جعل الاهتمام بمسائله والنقل منها والتعويل عليها موفورا في كتب علماء الحنابلة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>رواياته:</span>\nطبع كتاب \"مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه أبي الفضل صالح\" في طبعتين، الأولى: ط. الدار العلمية - بالهند، بتحقيق د. فضل الرحمن دين محمد، والثانية ط. دار الوطن، بإشراف طارق بن عوض الله بن محمد. وفي كلتا الطبعتين لم يظهر راوي الكتاب، ويعلق على هذا د. فضل الرحمن قائلا:\n\"لم يرد إسناد الكتاب في بدايته، ولا في الصفحة الأولى حيث كتب عنوان الكتاب بخط جلي، لكن ذكر ابن أبي يعلى والشيرازي في ترجمة ابن بشار … أنه كان سمع جميع مسائل صالح لأبيه من صالح، وحدث بها، فسمعها منه جماعة. ولم أجد عن أحد غيره أنه كان يروي مسائل صالح عنه، مع العلم أن ابن أبي حاتم\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة ١/ ١٧٣.\n(^٢) المصدر السابق ١/ ٧.\n(^٣) انظر على سبيل المثال: الآداب الشرعية، لابن مفلح ١/ ٦١، ٣٢٤، ٣٥٨ - ٣٥٩، ٢/ ٢٨٥، ٣٣٨، والاستخراج لأحكام الخراج لابن رجب ص ٧، ٩٨، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، لابن القيم، ص ٢٢٢، ٣٩٤.","vol":"1","page":73},{"text":"والخرائطي وغيرهما من تلامذته سمعوا منه المسائل، ونقلوا منها في كتبهم، لكن لم أجد صراحة أنهم كانوا يروون مسائل صالح، فأغلب الظن أن راوي هذا الكتاب عن صالح هو أبو الحسن علي بن محمد بن بشار الزاهد العارف (^١). والله أعلم … \" (^٢).\n_________\n(^١) قال أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء: عن ابن بشار: كان يروي مسائل صالح بن أحمد … تاريخ بغداد ٢٢/ ٦٦.\n(^٢) دراسة محقق مسائل صالح ص ٩٠.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب</span>.\nيمكن للناظر في كتاب مسائل صالح بن الإمام أحمد رحمهما الله أن يلخص منهجه فيما يلي (^١):\n١) لم يعتن صالح بترتيب مسائله ترتيبًا مبوبًا، ولعل هذا عائد إلى كونه يحضر مجلس الإمام أحمد ويسمع منه مسائل متفرقة - سواء كان هو السائل أو غيره - ويسجلها كما سمعها.\n٢) المادة العلمية في الكتاب معروضة على شكل أسئلة سألها صالح أباه، وروايات رواها عن أبيه، فأحيانا يقول: سألت أبي عن كذا (^٢) أو يقول: سألت: إلى أي شيء تذهب؟ فقال: كذا .. (^٣) أو: سألته عن كذا؟ (^٤) وأحيانا يقول: قال كذا وكذا دون صيغة السؤال (^٥). وأحيانا يقول: كتب رجل إلى أبي يسأله عن كذا فأملى علي جوابه بكذا … (^٦)، وتارة: قرأت على أبي كذا وكذا (^٧)، وعبارات أمثال ذلك.\n٣) وأحيانا يذكر أقوال الإمام أحمد من غير ذكر شيء من ألفاظ التحمل والرواية، كأنه سجلها في مجلس الإمام أحمد على عجلة، فلخصها كيلا يفوته بعض النكات (^٨).\n_________\n(^١) يراجع أيضًا: دراسة د. فضل الرحمن لمسائل الإمام أحمد - رواية ابنه صالح ص ٩٩.\n(^٢) انظر مثلا الأرقام التالية: ١، ١١، ٣٦، ٥٦، ٥٧، ٥٩، ٦٦، ٧٠، وغير ذلك.\n(^٣) انظر مثلا: رقم ٣، ٢٣.\n(^٤) انظر مثلا الأرقام التالية: ٤، ١٣، ١٤، ١٧، ١٨، ٢٠، ٢٥، ٢٩، ٣٠، ٣٥.\n(^٥) انظر مثلا الأرقام التالية: ٣١، ٣٢، ١٦٠، ١٦٣، وغير ذلك.\n(^٦) انظر مثلا: رقم ٧٣٤.\n(^٧) انظر مثلا: رقم ٧٣٣، ٧٤٣.\n(^٨) انظر مثلا الأرقام التالية ١٤٤٠، ١٤٤٢، ١٤٤٣، ١٤٤٦، ١٤٥٢، ١٤٥٤.","vol":"1","page":75},{"text":"١) أما الرواي عن صالح، فإنه عند رواية الأحاديث والآثار يقول: حدثنا صالح ملتزما بذلك. أما عند رواية المسائل الفقهية والمسائل المتعلقة بالرجال ونحوها أحيانا يقول: حدثنا صالح، وغالبا لا يذكر صيغة التحديث.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>المبحث السادس: مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن إبراهيم ابن هانئ</span>.\n<span data-type='title' id=toc-57>المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته</span>.\n<span data-type='title' id=toc-58>موضوعه:</span>\nموضوع الكتاب هو أسئلة سألها الإمامَ أحمد تلميذُه إسحاق بن إبراهيم ابن هانئ النيسابوري ت (٢٧٥) هـ، وأجاب عنها. وتشمل الأسئلة جميع أبواب الفقه، وأضاف إلى ذلك أسئلة في باب الآداب، وباب السنة والرد على أهل الأهواء، وباب الإيمان، وباب الرأي والعلم، وباب التفضيل، وباب الأمر والنهي، وباب تفسير الأحاديث، وكتاب التاريخ، وكتاب العلل، وباب قراءة الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>خصائصه:</span>\nامتاز هذا الكتاب بكون راوي المسائل كان مرافقًا للإمام أحمد خادمًا له (^١)، فاستفاد القرب منه والاطلاع على أمور قلّ أن يطلع عليها تلميذ.\nوقد أفرد المادة المتعلقة بعلل الحديث وشيء من الكلام في الجرح والتعديل في آخر الكتاب، مما يسهل للمتخصص في الحديث الاستفادة من الكتاب.\nكما امتاز الكتاب بذكر أحاديث احتج بها في مسائل الفقه، أو ترك القول بها في بعض المسائل فروجع فيها فذكر عللها (^٢).\nويمتاز الكتاب أيضًا بذكر مادة غريزة في جرح الرواة وتعديلهم.\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة ١/ ١٠٨.\n(^٢) انظر على سبيل المثال: مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ مسئلة رقم ١٧، ٤٢، ١٠٩، ١١٢، ٧٩٦، ٨٠٦، ١١٧٤، ١١٩٤، ١٥٨١.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>قيمته عند العلماء:</span>\nاعتمده العلماء مصدرًا لنقل أقوال الإمام أحمد في الرواة جرحًا وتعديلًا، منهم الخطيب (^١)، والحافظ المزي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-61>رواياته:</span>\nطبع الكتاب بتحقيق زهير الشاويش، عن نسخة فريدة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٤١٧.\n(^٢) انظر على سبيل المثال: تهذيب الكمال ٢٦/ ٦٢٣، ٢٨/ ٢٣٢.\n(^٣) صدر الكتاب سنة ١٤٠٠ هـ ببيروت، من المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب</span>.\nالكتاب مرتب على الكتب والأبواب ابتداء بكتاب الطهارة، وشمل جميع أبواب الفقه. وهو كله مسائل سألها ابن هانئ الإمام أحمد أو سئل الإمام عنها بحضرته. وقد يذكر أثناء كلامه في المسائل الفقهية بعض الأحايث بالإعلال، كما قال في التسمية في الوضوء: لا يثبت حديث النبي ﷺ فيه، وقال أيضًا: ليس إسناده بقوي (^١).\nوأما المادة الحديثيه وكلامه في الجرح والتعديل فخصص ذلك ابتداء بباب تفسير الأحايث، وأتبعه بكتاب التاريخ، ثم كتاب العلل، وأورد في الكتابين جل الكلام الذي رواه عن الإمام أحمد في الجرح والتعديل وإعلال الأحاديث.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ٣.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>المبحث السابع: سؤالات الإمام أبي داود السجستاني للإمام أحمد في جرح الرواة وتعدليهم</span>.\n<span data-type='title' id=toc-64>المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته</span>.\n<span data-type='title' id=toc-65>موضوعه:</span>\nحوى هذا الكتاب مادة غنية في جرح الرواة وتعديلهم، لا يكاد يخرج بمضمونه عن هذا الجانب النقدي من علم الرجال (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>خصائصه:</span>\n١) يعتبر هذا الكتاب من أقدم المؤلفات التي وصلت إلينا في نقد الرجال، وحوت ألفاظا في بيان حال الرواة جرحا وتعديلا.\n٢) كون مادة الكتاب مما اجتمع على صياغتها إمامان جليلان في النقد والرواية، وهما الإمام أبو داود وشيخه الإمام أحمد، وخاصية الجلالة مثل هذه قل أن تتوافر في كتاب مطبوع.\n٣) غزارة المادة النقدية التي انفرد بها عن غيره من كتب الجرح والتعديل، حيث لم تتناقل تلك الكتب سوى أربعة وأربعين ومائة نص من نصوصه، وهي تمثل أقل من ربع الكتاب، ويعد الباقي من إضافاته إلى كتب الفن (^٢).\n٤) ما يمتاز به من فوائد أخرى ندرت في غيره بل لا تكاد توجد في كتب متخصصة دونه (^٣).\n_________\n(^١) دراسة محقق الكتاب ص ١٢٧.\n(^٢) انظر دراسة محقق الكتاب ص ١٣٦.\n(^٣) انظر: نماذج منها في دراسة محقق الكتاب ص ١٣٧.","vol":"1","page":81},{"text":"١) استقل هذا الكتاب بمادة نقدية من أقوال الإمام أحمد متمثلة في ٢٦٢ قول في نقد الرجال، وهي على ضربين: الضرب الأول منها ١٦٧ لم تنقل من هذا المصدر، وإن جاءت نحوها في غيره. والضرب الثاني: أقوال له في بعض الرواة لم يُرو عنه في أولئك الرواة غيرها، ثم أقوال له في بعض الرواة لم تنقل في كتب التراجم الأخرى، وإنما انفرد بذكرها هذا السفر العظيم وتمثل ٩٤ قولا.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>قيمته العلمية:</span>\nيستمد هذا السفر العظيم قيمته العلمية من عظيم مكانة الإمامين: أبي داود التلميذ وأحمد بن حنبل الشيخ وتضلعهما في هذا الشأن، وتقدمها في معرفة الجرح والتعديل والسبر لأحوال رواة الأخبار ما يجعل المادة العلمية التي يعرضها هذا الكتاب غاية في الدقة والإتقان.\nكما تتضح هذه القيمة من اعتماد عديد من الأئمة النقاد على هذا الكتاب في مصنفاتهم في هذا الشأن، من هولاء:\n١) الإمام أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي ت ٣٢٢ هـ في كتابه \"الضعفاء\".\n٢) الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ت ٤٦٣ هـ في كتابه \"تاريخ بغداد\".\n٣) الحافظ عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني ت ٥٦٢ هـ في كتابه \"الأنساب\".\nوكذا اعتمده كثير من النقاد المتأخرين كأمثال أبي الحجاج المزي ت ٧٤٢ هـ في كتابه \"تهذيب الكمال\"، والحافظ شمس الذهبي ت ٧٤٨ هـ في كتبه العديدة","vol":"1","page":82},{"text":"كـ \"سير أعلام النبلاء\" و\"ميزان الاعتدال\" و\"الكاشف\" وغيرها، وغير هؤلاء، مما يدل بجلاء مدى قيمة هذا الكتاب عندهم - رحمهم الله تعالى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>رواياته:</span>\nالنسخة الخطية المطبوعة منها هذا السفر العظيم لم تحمل إسنادا في أولها؛ وذلك لحصول سقط من بدايتها، لكن ما وقف عليه محقق الكتاب د. زياد محمد منصور من نقولات في تاريخ بغداد للخطيب توافق معظمها ما في هذه النسخة من طريق الحسين بن إدريس بن المبارك بن الهيثم الهروي (^٢)، عن سليمان بن الأشعث أبي داود، عن الإمام أحمد - يرويها كلها الخطيب بإسناد واحد وهو: عن شيخه أبي بكر البرقاني (^٣)، عن أحمد بن محمد بن حسنويه (^٤)، عن الحسين به، كل ذلك جعله يقطع \"بأنه إن لم تكن هذه النسخة برواية البرقاني إلى أحمد، من طريق الحسين؛ فإنها برواية أحمد بن محمد بن حسنويه عن الحسين به\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: دارسة محقق الكتاب ص ١٣٤.\n(^٢) حدث عن سعيد بن منصور، وعثمان بن أبي شيبة، وحدث عنه ابن حبان البستي وغيره. ووثقه الدارقطني والذهبي. مات سنة ٣٠١ هـ سير أعلام النبلاء ١٤/ ١١٣.\n(^٣) شيخ الخطيب البغدادي المشهور، وراوية مستخرج الإسماعيلي على صحيح البخاري، وسؤالات البرقاني للدارقطني، وهو ثقة مشهور. توفي سنة ٤٢٥ هـ سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٦٤.\n(^٤) ذكر الذهبي أنه وثقه أبو نصر الفامي، وتوفي في رمضان سنة ٣٦٩ هـ سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٩١ - ٢٩٢.\n(^٥) انظر: دراسة المحقق ص ١٢٣ - ١٢٤.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب</span>.\nيتلخص منهج المؤلف في عرض مادة كتابه فيما يلي (^١):\n١) صنف المؤلف مادة كتابه وجعل المعلومات ذات الموضوع الواحد تحت باب متسقل، فجاء الكتاب - عدا القسم المفقود من أوله - مقسما إلى سبعة وعشرين بابًا.\n٢) يوجد تكرار لبعض الرواة في أكثر من موضع من الكتاب؛ وهذا راجع إلى الأسلوب الذي بني عليه الكتاب، وهو أسلوب الأسئلة في تدوين المعلومات، وهو نهج يؤدي إلى اتساع المادة العلمية وتنوعها، كما أدت بعض الأسباب أيضا إلى وقوع التكرار في الكتاب مثل الاهتمام بذكر بعض شيوخ الراوي، أو العناية بنفي تحديث بعض الناس عنه، أو غير ذلك.\n٣) ليس كل ما دونه أبو داود في هذا الكتاب ورد على صيغة السؤال، بل أورد أكثره على غير ذلك؛ حيث كان يسأله تارة، ويصغي إلى سؤال غيره تارة أخرى، وكثيرا ما كان يجلس إليه، ويتلقى عنه من غير مسألة، وربما كتب عنه ذلك كله، وأغلب نصوصه بلفظ: سمعت أحمد.\n٤) قد يعلق الإمام أبو داود على بعض النصوص التي يرويها عن الإمام أحمد، وبعض التعليقات إنما هي من راوي الكتاب الحسين بن إدريس، لكن معظم مادة الكتاب فهي من إفادة الإمام أبي داود عن شيخه الإمام أحمد ﵀.\n_________\n(^١) يراجع: دراسة المحقق للكتاب ص ١٤٠ - ١٤٦.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>المبحث الثامن: المنتخب من العلل للخلال - لموفق الدين ابن قدامة</span>.\n<span data-type='title' id=toc-71>المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته</span>.\n<span data-type='title' id=toc-72>موضوعه:</span>\nتتضمن مادة هذا المنتخب أحاديث تكلم عليها الإمام أحمد بالتعليل والتضعيف، وتضمن شيئا من كلامه على الجرح والتعديل، كما أن في آخره ملحقًا عرج فيه على طبقات أصحاب سفيان الثوري (^١)، والأعمش (^٢) وإبراهيم النخعي (^٣).\nوالكتاب المطبوع جزء من انتخاب الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي لعلل الخلال الكبير، وهو يشتمل على الجزءين العاشر والحادي عشر منه. وقد ذكر الحافظ الذهبي وأيضًا الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمة الله عليهما أن من مصنفات ابن قدامة \"مختصر العلل للخلال\" (^٤). وزاد ابن رجب أنه مجلد ضخم.\n\n<span data-type='title' id=toc-73>خصائصه:</span>\nيمتاز الكتاب بما يلي:\n١) أن أصل الكتاب قد اشتمل على مجموعة روايات عن الإمام أحمد نقلها تلاميذه عنه، وجمعها أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في كتابه: \"العلل\"،\n_________\n(^١) المنتخب من العلل ص ٣٢٠.\n(^٢) المصدر السابق ص ٣٢٢.\n(^٣) المصدر السابق ص ٣٢٥.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٨، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ١٣٩.","vol":"1","page":85},{"text":"وهو في ثلاث مجلدات (^١)، وقد سرد ابن أبي يعلى أسماء أولئك التلاميذ ممن سمع منهم الخلال مسائلهم للإمام أحمد فبلغ عددهم ثلاثة وعشرين (^٢)، وذكر أنه رحل إلى أقصى البلاد في جمع مسائل أحمد. وذكر الخطيب البغدادي أنه لم يكن ممن ينتحل مذهب الإمام أحمد أحد أجمع لعلوم أحمد منه (^٣). فهذه ميزة عظيمة لهذا السفر.\n١) أن الكتاب يشتمل على أحاديث معللة تكلم إمام من أئمة العلل وناقد من نقاد الحديث وهو الإمام أحمد عليها بالتعليل مع بيان وجوه التعليل.\n٢) تنوع موضوعات الكتاب، فهي أشبه ما تكون بموضوعات ما يوسم بالكتاب الجامع، فإنه لم يتقصر على أبواب معينة أو موضوعات محددة، بل تناول جوانب علمية كثيرة، ففيه ما يتعلق بالزهد وذم الدنيا (^٤)، وما يتعلق بالشبع (^٥) وفي البنات والأخوات (^٦)، وفي السباحة والمغزل (^٧)، وفي عدن والزنج والبربر (^٨)، وحول أحاديث الخلافة وفضائل الصحابة (^٩)، وغير ذلك من موضوعات شتى.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>قيمته العلمية:</span>\nيستمد هذا المنتخب قيمته العلمية من قيمة أصله الذي هو العلل للخلال، والذي صنفه في ثلاث مجلدات (^١٠)، وهو عمل جبار لم يدانيه فيه\n_________\n(^١) ذكر ذلك الذهبي سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(^٢) طبقات الحنابلة ٢/ ١٢ - ١٣.\n(^٣) تاريخ بغداد ٥/ ١١٢ - ١١٣.\n(^٤) انظر: الأرقام التالية ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦.\n(^٥) انظر: رقم ٧، ٨.\n(^٦) انظر: رقم ٩.\n(^٧) انظر: رقم ١٣.\n(^٨) انظر مثلا: رقم ١٤.\n(^٩) انظر مثلا: الأرقام التالية رقم ٨٧، ٨٨، ٨٩، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ٢٠٦.\n(^١٠) انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨.","vol":"1","page":86},{"text":"أحد، حتى قال الحافظ الخطيب: \"وكان ممن صرف عناية إلى الجمع لعلوم أحمد ابن حنبل، وطلبها وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتبا، ولم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أجمع منه لذلك\" (^١).\nكما تظهر قيمة المنتخب العلمية من اهتمام العلماء بسماعه، كما يظهر من السماعات الموجودة على النسخة الخطية للكتاب، حيث اعتنى بعض العلماء بسماعه، ومنهم الحافظ يوسف بن عبد الهادي تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>روايته:</span>\nيظهر من طرة الجزء العاشر لهذا المنتخب - وهو الجزء المطبوع منه - أن راوي هذا الكتاب هو الفخر بن علي بن أحمد بن البخاري المقدسي، عن موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي (^٣).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٥/ ١١٢.\n(^٢) انظر: مقدمة تحقيق الكتاب ص ٣١.\n(^٣) انظر: مقدمة محقق الكتاب ص ٣٦.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>المطلب الثاني: منهج عرض مادة العلمية للكتاب</span>.\nيتلخص منهج المنتخِب فيما يلي:\n١) لم يصنف المنتخِب كتابه على ترتيب معين، وإنما اختار من الأصل أحاديث مختلفة المواضيع، وأثبتها في الكتاب، دون أي تنظيم أو ترتيب محدد.\n٢) يوجد على كل حديث أو مجموعة أحاديث عنوانا يناسب فحواها، ولا يمكننا أن نعرف إن كانت هذه العناوين من وضع صاحب الأصل، أو من المنتخِب، وذلك لغياب الأصل عنا.\n٣) ينقل مادة الكتاب مسندة - ابتداء من شيخ الخلال إلى نهاية السند - محافظا على طريق الأصل في العرض.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>الباب الثاني: إعلال الأحاديث بالطعن في رواتها</span>\nوفيه ثلاثة:\nالفصل الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالجهالة.\nالفصل الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي بما يُخل بعدالته.\nالفصل الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بما يُخل بضبطه.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>الفصل الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالجهالة</span>.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>المبحث الأول: ضابط الجهالة عند الإمام أحمد</span>.\nمن الأمور التي تشترط لقبول الخبر أن يكون مَن حدّث به ثقة كما قال سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: \"لا يحدث عن رسول الله ﷺ إلا الثقات\" (^١). وقال الشافعي: \"لا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا ثم ذكر منها كون من حدث به معروفا بالصدق في حديثه … \" (^٢). فتقرر لدى المحدِّثين ردُّ حديث من لم يعرف بالثقة في روايته. وكان ممن درج على هذا المنوال من أئمة الحديث في رد رواية الراوي المجهول الثقة وإعلال حديثه بسبب تلك الجهالة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ومنهجه في ذلك واضح المعالم.\nوإذا كان الإمام أحمد كغيره من الأئمة يعتبر الجهالة علة توجب رد الحديث أو على أقل الأحوال التوقف في قبوله فما هو حد الجهالة عنده؟ وبما ترتفع؟.\nفأولًا، تقرّر لدى العلماء المتأخرين أنهم وضعوا حدًا فاصلًا للجهالة وما ترتفع به مبنيًا على رواية عدد من الرواة عن الرجل، فحددوا ذلك برواية رجلين عنه فصاعدا، واتبعوا في ذلك الإمام محمد بن يحيى الذُّهلي (^٣).\nقال الخطيب: \"أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم كذلك\"، ثم ذكر بإسناده عن أبي زكريا يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي أنه سمع أباه يقول: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الخطيب بإسناده في الكفاية ص ٧٣.\n(^٢) الرسالة ص ٧٧٠.\n(^٣) انظر شرح علل ابن رجب ١/ ٣٧٨.\n(^٤) الكفاية في علم الرواية ١٥٠.","vol":"1","page":93},{"text":"فجعلوا حد الجهالة رواية أقل من اثنين عن الراوي وارتفاعها برواية اثنين عنه فأكثر.\nوأما الإمام أحمد فمنهجه في ذلك يختلف، فالنظر في صنيعه في هذا المضمار يدل على أنه ﵀ لا يعتبر رواية عدد معين من الرواة عن الراوي حداًّ فاصلًا لما ترتفع به جهالتُه عنده، ويدل على ذلك أمور، منها:\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: \"قلت لأبي: سعيد بن جمهان (^١) هذا، هو رجل مجهول؟ قال: لا، روى عنه غير واحد: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والعوام بن حوشب، وحشرج بن نباتة\" (^٢).\nفاعتل ﵀ لعدم جهالته براوية جماعة من الرواة عنه - وعددهم أربعة - مما يدل على أن من روى عنه جماعة بهذا العدد لا يوصف بالجهالة.\nوسأله عبد الله أيضًا عن نافع مولى أبي قتادة (^٣) فقال: \"معروف، روى عنه صالح بن كيسان وأظن الزهري\" (^٤).\nفجعله معروفًا مع أنه لم يذكر له راويًا غير صالح بن كيسان والزهري.\n_________\n(^١) سعيد بن جمهان - بمضمومةٍ وسكون ميم - الأسلمي البصري أبو حفص. ذكر له المزي ستة من الرواة، وروى عن سفينة مولى رسول الله رسول الله ﷺ.\nتهذيب الكمال ١٠/ ٣٧٦، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٤، المغني في ضبط أسماء الرجال ص ٦٢.\nوقد وثقه أحمد في رواية المروزي العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٠٦ رقم ١٧٣، وأبو داود وغيرهم. وقال فيه ابن حجر: صدوق له أفراد تقريب التهذيب ٣٩٢٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣١٤ رقم ٢٣٩٠.\n(^٣) هو نافع بن عباس - ويقال له: الأقرع - أبو محمد مولى أبي قتادة. روى له الجماعة، وذكر المزي جماعة رووا عنه غير صالح بن كيسان، والزهري، ووثقه غير واحد.\nانظر: تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٧٣٢ رقم ٤٥٧١.","vol":"1","page":94},{"text":"وقال في عمار العبسي (^١): \"رجل معروف روى عنه شعبة\" (^٢).\nوهذا لم يذكر له راويًا غير شعبة وإن كان لم ينص على تفرده بالرواية عنه، ولم أقف على من ذكر له راويًا آخر.\nفي حين قال في حُصين بن عبد الرحمن الحارثي (^٣): \"ليس يُعرف، ما روى عنه غير حجاج بن أرطأة، وإسماعيل بن أبي خالد روى عنه حديثًا واحدًا، أحاديثه أحاديث مناكير، كل شيء روى عنه حجاج منكر\" (^٤).\nفهذا جعله مجهولًا مع رواية اثنين عنه.\nوقال في حصين بن عبد الرحمن (^٥) آخر: \"لا يعرف، روى عنه حفص ابن غِياث عن الشعبي، ما سمعت روى عنه غير حفص\" (^٦).\nوقال في مروان بن عثمان (^٧): \"مجهول\" (^٨). وقد روى عنه ثلاثة: سعيد\n_________\n(^١) هو عمار بن عتبة، وقيل عقبة العبسي. ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر عنه راويًا غير شعبة. ووثقه ابن معين. وقال فيه أبو حاتم: هو صالح الحديث، وهو صدوق الجرح والتعديل ٦١/ ٣٩٠.\nوذكره ابن معين في التاريخ - رواية الدوري ٣/ ٤٢٣ في جماعة من الكوفيين سمع منهم شعبة ولم يسمع منهم سفيان الثوري.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٧٣٢ رقم ٤٥٧١.\n(^٣) روى عن الشعبي وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وحجاج بن أرطأة: قال عنه الذهبي: صدوق إن شاء الله ميزان الإعتدال ترجمة ٢٠٨٢.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٣٥ رقم ٣٠١.\n(^٥) وهو النخعي أخو سلم بن عبد الرحمن الجرح والتعديل ٣/ ١٩٤.\nقال عنه الذهبي وابن حجر: مجهول ميزان الإعتدال ٢/ ٢٧٥، التقريب ١٣٨٣.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٣٦ رقم ٣٠٢، ١/ ٢٣٨ رقم ٣٠٩. روى عن الشعبي قوله.\n(^٧) مروان بن عثمان الأنصاري الزرقي أبوعثمان المدني. ضعفه أبو حاتم، وابن حجر الجرح والتعديل ٨/ ٢٧٢، التقريب ٦٦١٦.\n(^٨) المنتخب من علل الخلال رقم ١٨٣.","vol":"1","page":95},{"text":"ابن أبي هلال، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري.\nوقال في إبراهيم بن عبيد بن رفاعة: \"ليس بمشهور\" (^١)، وقد روى عنه جماعة (^٢).\nوقال في عبد الرحمن بن وعلة (^٣): إنه مجهول، مع أنه روى عنه جماعة (^٤).\nوكذلك قال في رُبيح بن عبد الرحمن (^٥): \"رجل ليس بمعروف\" (^٦). وقد روى عنه جماعة.\nوالذي يستنتج من هذا هو أنه لا عبرة بتعدد الرواة عند الإمام أحمد في تحديد ما ترتفع به الجهالة، وإنما العبرة بشهرة الراوي وانتشار حديثه بين العلماء،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٩٦ رقم ٦٥٠.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ١١٤.\n(^٣) عبد الرحمن بن وعلة المصري. روى عن ابن عباس عند مسلم والأربعة، وعن ابن عمر أيضًا، وعنه جعفر بن ربيعة، وزيد بن أسلم، والقعقاع بن حكيم، وأبو الخير مرشد بن عبد الله اليزني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن قديده الازدي، ويعمر بن خالد المدلجي.\nووثقه ابن معين، والنسائي، والعجلي، وابن عبد البر. وقال عنه ابن حجر: صدوق.\nتهذيب الكمال ١٧/ ٢٤٧٨، التمهيد ٤/ ١٤٠، تقريب التهذيب ٤٠٦٦\n(^٤) نقله ابن رجب في شرح علل الترمذي ١/ ٣٧٩. وذكر الذهبي أنه نقل عن الإمام أحمد أنه ذُكر له حديث ابن وعلة: أيما إهاب دبغ فقد طهر، قال: من ابن وعلة؟ ميزان الإعتدال ٣/ ٣١٠.\n(^٥) رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري المدني. روى عنه الدراوردي، وكثير بن زيد، والزبير بن عبد الله، وفليح بن سليمان وغيرهم تهذيب الكمال ٩/ ٥٩.\nقال عنه أبو زرعة: شيخ الجرح والتعديل ٣/ ٥١٨.\nوقال النجاري: منكر الحديث العلل الكبير للترمذي ١/ ١١٣.\nوقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به الكامل ٣/ ١٠٣٤.\nوقال ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب ١٨٩١.\n(^٦) قال ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٠٣٤: حدثنا أحمد بن حفص السعدي قال: سُئل أحمد بن حنبل - يعنى وهو حاضر - عن التسمية في الوضوء فقال: لا أعلم فيه حديثًا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن يزيد عن رُبيح، ورُبيح رجل ليس بمعروف.","vol":"1","page":96},{"text":"وعلى العكس من ذلك عدم شهرته بالعلم والرواية تقتضي الحكم عليه بالجهالة، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد عند ما سأله أبو داود عن حديث عاصم بن لقيط ابن صبرة (^١) عن أبيه أن النبي ﷺ قال: \"ولنا غنم مائة\" قال: \"أتثبته؟ فقال عاصم: لم نسمع عنه حديثًا كذا - يعني لم نسمع عنه بكثير رواية - أي ليس عاصم بن لقيط بمشهور في الروايات عنه\" (^٢). فلم يثبت حديثه لأنه ليس مشهورًا بالرواية، وذلك أنه لم يرو عنه سوى إسماعيل بن كثير أبو هاشم المكي، وليس له عنه إلا حديث واحد. وأبو هاشم ثقة (^٣)، لكن لم يعتبر الإمام أحمد روايته عنه مرقِّية له إلى رتبة الشهرة رافعة عنه وسم الجهالة، لأنه لما لم يكن له إلا حديث واحد دل ذلك على عدم شهرته برواية العلم.\nوشهرة الراوي تعرف عند الإمام أحمد بأمور، وهذه الأمور هي الأوصاف المعتبرة عنده لرفع الجهالة، وهي كالتالي:\n_________\n(^١) عاصم بن لقيط بن صبرة العقيلي، روى عن أبيه وافِد بني المنبثق، وروى عنه إسماعيل بن كثير المكي أبو هاشم، ووثقه النسائي، والعجلي، وابن حجر، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة والبخاري في \"الأدب المفرد\". وقال الذهبي: ماروي عنه سواه، روى حديثًا واحدًا.\nتهذيب الكمال ٩/ ٥٣٩ - ٥٤٠، ميزان الإعتدال ٤٠٦٥، التقريب ٣٠٩٣.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٠٩ رقم ١٩٢٤.\nوالحديث أخرجه أبوداود السنن ١/ ٩٧ ح ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤، والترمذي الجامع ١/ ٥٦ ح ٣٨، والنسائي السنن ١/ ٦٦، وأحمد ٢٦/ ٣٠٦ - ٣١٠ ح ١٦٣٨٠، ١٦٣٨٣ مطولًا ومختصرًا. وفيه قال ﵊: \"لنا غنم مائه لا نريد أن تزيد فإذا ولّد الراعي بهمه ذبحنا مكانها شاة\". وفيه أيضًا: [يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء قال: \"خلل بين الأصابع، وبالغ في الإستنشاق إلا أن تكون صائمًا\". وكلهم رووه من طرق عن إسماعيل ابن كثير عن عاصم به.\n(^٣) وثقه أحمد في رواية أبي طالب الجرح والتعديل ٢/ ١٩٤، وفي رواية أبي داود سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ١/ ٢٣٣ رقم ٢٢٧. وكذلك وثقه ابن سعد الطبقات الكبرى ٥/ ٣٥٦، والنسائي تهذيب الكمال ٣/ ١٨٢.","vol":"1","page":97},{"text":"١.<span data-type='title' id=toc-80> جلالة الراوي عن الرجل وإن لم يكن له راوٍ سواه</span>.\nإذا لم يرو عن الرجل إلا راوٍ واحد وكان ذلك الراوي من أجلة أهل العلم اعتبرت روايته عنه رافعة لجهالته، يدل على ذلك ما يلي:\nأ. ماذكره الحافظ ابن رجب قال: \"وقد صحح - يعني الإمام أحمد - حديث بعض من روى عنه واحد ولم يجعله مجهولا. قال في خالد بن سمير (^١): لا أعلم أحدًا روى عنه سوى الأسود بن شيبان، ولكنه حسن الحديث. وقال مرة أخرى: حديثه عندي صحيح (^٢). قال ابن رجب: وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات\".\nوالأسود بن شيبان الذي تفرد بالرواية عن خالد هذا قال عنه الإمام أحمد في رواية الأثرم: \"ثقة ثقة\" (^٣). وقال في رواية الميموني: \"كان من خيار عباد الله\" (^٤). وقال عبد الرحمن بن مهدي: \"نظر سفيان - وهو الثوري - وهو مختف عندنا بالبصرة إلى رقعة فيها حديث الأسود بن شيبان فقال إذا ذهبتَ إلى هذا\n_________\n(^١) خالد بن سمير - تصحف في علل ابن رجب إلى شمير بالتصغير - السدوسي البصري البصر حدث عن أنس وابن عمر وعبد الله بن رباح الأنصاري وبشير بن نهيك ومضارب بن حزن وعنه الأسود بن شيبان. وثقه النسائي والعجلي وغيرهم. وقال ابن حجر: صدوق يهم قليلًا.\nالإكمال لابن ماكولا ٤/ ٣٧٢، المؤتلف والمختلف ٣/ ١٢٥١، تهذيب الكمال ٨/ ٩٠، التقريب ١٦٥٢. انظر: تنقيح التحقيق ٢/ ٦٥٨. وما أدري ما وجه قول الحافظ فيه صدوق يهم قليلًا، ولم أجد من وافقه عليه.\n(^٢) شرح علل الترمذي ١/ ٣٨٠. والحديث الذي أشار إليه ابن رجب هو ما أخرجه أبو داود ٣٢٣٠، والنسائي ٤/ ٩٦/٢٠٤٧، وابن ماجه ١٥٦٨، وأحمد ٥/ ٣٨، ميزان الإعتدال ٣٤/ ٣٨٠/٢٠٧٨٤ من حديث بشير بن الخَصاصية: أن النبي ﷺ قال لرجل يمشي بين المقابر بنعليه: \"ويحك يا صاحب السبتين ألق سبتيك\" مرتين أو ثلاثًا. قال ابن عبد الهادي: قال الإمام أحمد: إسناده جيد. تنقيح التحقيق ٢/ ١٥٩.\n(^٣) تنقيح التحقيق ٢/ ١٥٦.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٠٤ رقم ٣٧٠.","vol":"1","page":98},{"text":"الشيخ فأعلمني حتى أنطلق معك\" (^١). فهذا يدل على جلالة الأسود بن شيبان، حيث حرص الثوري على الأخذ عنه، وتجشم الخروج إليه بالرغم مما كان فيه من حالة الخوف والاختفاء.\nب. قال الإمام أحمد في هشام بن عمرو الفزاري: \"هو من الثقات\" (^٢). وما روى عنه غير حماد بن سلمة، وإنما روى عنه حديثًا واحدًا وهو حديث علي بن أبي طالب في الدعاء بعد الوتر (^٣).\nج. قال الإمام أحمد في أشعث بن عبد الرحمن الجرمي: \"ليس به بأس\" (^٤).\n_________\n(^١) إكمال تهذيب الكمال ٢/ ٢١٣. وانظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٨٢ رقم ٦٠٦٣.\n(^٢) ذكره في رواية أبي طالب عنه الجرح والتعديل ٩/ ٦٤، وانظر: بحر الدم ٤٤٠.\n(^٣) ذكره البخاري عن أبي جعفر أحمد بن سعيد الدارمي أنه قيل له: روى عن هذا الشيخ غير حماد بن سلمة؟ فقال: لا أعلمه وليس لحماد عنه إلا هذا التاريخ الكبير ٦/ ١٩٥.\nوالحديث المذكور أخرجه أبو داود السنن ٢/ ١٣٤ ح ١٤٢٧، والترمذي الجامع ٥/ ٥٢٤ ح ٣٥٦٦، والنسائي السنن ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وابن ماجه السنن ١/ ٣٧٣ ح ١١٧٩، وأحمد المسند ٢/ ١٤٧ ح ٧٥١ من طرق عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عمرو الفزاري، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن علي أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: \"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمُعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\".\nقال أبو عبد الله المقدسي في المختارة ٢/ ٢٥٢: إسناده حسن.\nوقد وثق هشام بن عمرو - غير الإمام أحمد - ابن معين، وأبو حاتم الرازي، وقال أبو داود: كان أقدم شيخ لحماد بن سلمة. وقال عنه ابن حجر: مقبول!! التاريخ - برواية الدوري ٢/ ٦١٩، الجرح والتعديل ٩/ ٦٤، سنن أبي داود، الموضع نفسه.\n(^٤) وقد وثقه أيضًا ابن معين الجرح والتعديل ٢/ ٢٧٤، وقال عنه أبوداود: حسن الحديث سؤالات الآجري لأبي داود السجستاني ١/ ٣٦٤ رقم ٦٥٧، وقال عنه ابن حجر: صدوق تقريب التهذيب ٥٣٤.\nانظر حديثه عند أبي داود ح ٤٦٣٧، والترمذي ح ٢٨٨٢، والنسائي السنن الكبرى ح ١٠٨٠٣، وهما حديثان ما رأيت له غيرهما.","vol":"1","page":99},{"text":"وهو ممن ذكره الإمام مسلم في \"المنفردات والوحدان\" (^١) ضمن من تفرد عنهم حماد بن سلمة بالرواية.\nفتوثيقه لهذين الراوين مع أنه ليس لكل واحد منهما إلا راوٍ واحد، ومع قلة حديثهما مبني على جلالة الراوي عنهما، وهو حماد بن سلمة. قال الفضل بن زِياد: \"وحدثنا أبو طالب عن أبي عبد الله قال: سألته عن حماد بن سلمة فقال: حماد بن سلمة من خيار عباد الله الصالحين، ومَن جمع من السنة ما جمع! وقال أيوب: هاتوا مثل فتانا حماد. وقال الفضل: سمعت أبا عبد الله يقول: قال رجل يومًا: العلم عند شعبة، وسفيان، وحماد، فأنكرت عليه حماد أن يكون مثل شعبة وسفيان، ولم أكن بحديثه عالمًا، فلما كتبت حديثه علمت أنه قد صدَق، فإن حمادًا عالم\" (^٢)، فهذا يدل على جلالة حماد بن سلمة عند الإمام أحمد.\nد. نقل مغلطاي من كتاب الساجي عن أحمد بن حميد - وهو أبو طالب - قال: \"قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فالحارث بن عبد الرحمن الذي يروي عنه ابن أبي ذئب؟ قال: لا أرى به بأسًا\" (^٣). وقد قال ابن سعد، وابن المديني، وأبو أحمد الحاكم: \"لا نعلم أحدًا روى عنه - أي الحارث بن عبد الرحمن - إلا ابن أخته محمد ابن عبد الرحمن ابن أبي ذئب\" (^٤). وذكره الإمام مسلم في \"المنفردات والوحدان\" فيمن تفرد عنهم ابن أبي ذئب بالرواية (^٥). ولعل من أجل هذا قال فيه ابن المديني: مجهول، نقله ابن حجر (^٦).\n_________\n(^١) ترجمة ١٢٦٩.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٥.\n(^٣) إكمال تهذيب الكمال ٣/ ٣٠٣.\n(^٤) الطبقات الكبرى - القسم المتمم - ١/ ٢٧٠، تهذيب الكمال ٥/ ٢٥٦.\n(^٥) ترجمة ١١٦٢.\n(^٦) تهذيب التهذيب ٢/ ١٤٩، وقال عنه ابن معين: هو يروى عنه وهو مشهور الجرح والتعديل ٣/ ٨٠. هذا وقد قال النسائي في الحارث بن عبد الرحمن هذا: ليس به بأس، وقال عنه الذهبي: صدوق صالح الكاشف ٨٦١. وقال عنه ابن حجر: صدوق التقريب ١٠٣٨.","vol":"1","page":100},{"text":"روى عنه ابن أبي ذئب عدة أحاديث مما يدل على أنه لا يوصف بقلة الرواية (^١).\nهـ. وقال الإمام أحمد في عبد العزيز بن عياش فيما رواه عنه ابن شاهين (^٢): \"صالح، وهوشيخ لابن أبي ذئب\" (^٣).\nفلم يجعلهما الإمام أحمد مجهولين مع تفرد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالرواية عنهما، وذلك لجلالته، ويدل على ذلك ما ذكره أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: \"كان ابن أبي ذئب يُشبّه بسعيد بن المسيب، قيل له: خلف مثله ببلاده؟ قال: لا، ولا بغير بلاده\" (^٤). وقال يحيى بن معين: \"كل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة إلا أبا جابر البياضي\" (^٥)، ونقل أبو داود عن أحمد بن صالح المصري مثل هذا (^٦).\nلكن يعكر على هذا أن أبا داود روى عن أحمد أنه قال: \"كان ابن أبي ذئب ثقة صدوقًا، أفضل من مالك بن أنس إلا أن مالكًا أشد تنقية للرجال منه، ابن أبي ذئب لا يُبالي عن من يحدث\" (^٧). فهذا لا يمنع أن يقبل الإمام أحمد من تفرد\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال لا الحصر: الترمذي ح ١١٨٩، ١٣٣٧، ٣٣٦٦، والنسائي السنن الكبرى ح ٩٠٠، ٣٠٦٠، ٥١٧٢، ٨٨٩٦، ١١٤٣٢، وابن الجارود المنتقى ح ٥٦٨، ٨٣١، وابن خزيمة ح ١٦٠٦، وابن حبان ح ٤٢٦، ١٨١٧، ٤٤٤٧.\n(^٢) سقط النص من النسخة المطبوعة من تاريخ أسماء الثقات ص ١٦٢/ ١٩٣ ونقله الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٦/ ٣٥٢.\n(^٣) أشار الذهبي إلى أنه تفرد بالرواية عنه ابن أبي ذئب، ولم يذكره الإمام مسلم فيمن تفرد عنهم ابن أبي ذئب بالرواية في كتابه عن الوحدان.\nقال عنه الذهبي: لا يعرف ميزان الإعتدال ٥١٢١، وقال عنه ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب ٤١٤٣.\n(^٤) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢١٩ رقم ١٩٢.\n(^٥) تاريخ بغداد ٢/ ٢٩٨. وانظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٣٤.\n(^٦) تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٣٥.\n(^٧) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢١٨ رقم ٢١٩.","vol":"1","page":101},{"text":"عنهم لجلالته، وإن كان لا يجعلهم في مرتبة الثقات كما يفعل بمن تفرد الإمام مالك بالرواية عنهم كما سيأتي، وهذا يوضحه قوله في كلٍّ من الراويين اللذين تقدم ذكرهما حيث قال في الأول - وهو الحارث بن عبد الرحمن: \"لا أرى به بأسًا\". وقال في الثاني: \"صالح\". على أن هناك ما يدل على أن شهرة الأول، وهو كثرة حديثه بخلاف الثاني.\nووجه اعتبار جلالة الراوي وصفًا رافعًا لجهالة من تفرد بالرواية عنه والحكم عليه بالشهرة هو أنه يبعد مع جلالة الحافظ المعتني بهذا الشأن أن يأخذ العلم عمن ليس بأهل أن يؤخذ عنه. قال ابن معين في عُمارة بن أكيمة الليثي (^١) الذي تفرد الزهري بالرواية عنه: \"كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب. قال ابن عبد البر: إصغاء سعيد بن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم\" (^٢). وذكره ابن البرقي في \"باب من لم تشتهر عنه الرواية واحتُملت روايته لرواية الثقات عنه\" وقال: لم يغمز (^٣).\nلكن يستثنى من هذا من كان مع جلالته معروفًا بالرواية عن كل ضرب من الرواة، ولا ينتقي شيوخه، فقد قال الإمام أحمد في جون بن قتادة: \"شيخ\nلا يُعرف، لم يحدث عنه غير الحسن\" (^٤). فلم يعتبره الإمام أحمد معروفًا برواية الحسن البصري عنه مع جلالته كما فعله علي بن المديني (^٥). والذي يظهر لي أن\n_________\n(^١) عمارة بن أُكيمة الليثي المدني، روى عن أبي هريرة، وعن ابن أبي رهم الغِفاري، وروى عنه الزهري وحده. قال ابن سعد: روى عنه الزهري حديثًا، ومنهم من لا يحتج بحديثه يقول: هو شيخ مجهول. ا. هـ. انظر: تهذيب الكمال ٢١/ ٢٢٨ - ٢٢٩.\nوذكر ابن معين أن محمد بن عمرو بن علقمة روى عنه أيضًا التاريخ - برواية الدوري ٣/ ١٧٦ رقم ٧٨٢.\n(^٢) تهذيب التهذيب ٧/ ٤١١.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٧ رقم ١٩١٦.\n(^٥) قال علي بن المديني: وجون لم يرو عنه غير الحسن، إلا أنه معروف تهذيب الكمال ٥/ ١٦٥.","vol":"1","page":102},{"text":"ذلك راجع إلى ما ذكر الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه كان يروي عن كلٍّ، أي سواءٌ كان معروفًا بالعلم والرواية أم لا. قال أحمد في رواية الفضل بن زياد والميموني: \"ليس في المرسلات أضعف من مراسيل الحسن وعطاء بن أبي رباح فإنهما يأخذان عن كل\" (^١). وقال أيضًا: \"حدثنا أبو أسامة، عن وُهيب، عن خالد الحذاء قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: كان أربعة يُصدِّقون من حدثهم: أبو العالية، والحسن، وحُميد بن هلال، ورجل آخر سماه\" (^٢).\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-81> أن يتفرد عن الرجل من كان معروفًا بأنه لا يروي إلا عن ثقة</span>\nمن الأمور التي تعرف بها شهرة الراوي عند الإمام أحمد وقبوله عنده مع كونه ممن لم يرو عنه إلا واحد كون الذي روى عنه ممن عرف عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة.\nقال الحافظ ابن رجب: \"المنصوص عن أحمد يدل على أنه من عُرف عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان تعديل له ومن لم يعرف عنه ذلك فليس بتعديل\" (^٣).\nوهناك طائفة نصّ الإمام أحمد على أن كل من رووا عنه فهو ثقة، منهم:\nأ- مالك بن أنس: قال في رواية ابن هانئ: \"ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة، كل من روى عنه مالك فهو ثقة\" (^٤).\nوروى أبو زرعة الدمشقي عن أحمد أنه قال: \"مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة\" (^٥).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي لإبن رجب ١/ ٥٣٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٤٢ رقم ٩٨٩.\n(^٣) شرح علل الترمذي ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٤ رقم ٢٣٦٧، وانظر: شرح علل الترمذي ١/ ٣٧٧.\n(^٥) لم أقف عليه في تاريخ أبي زرعة الدمشقي، وانظر: شرح علل الترمذي ١/ ٣٧٧.","vol":"1","page":103},{"text":"وقال الميموني: \"سمعت أحمد غير مرة يقول: كان مالك من أثبت الناس، ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولاسيما مدني\" (^١).\nب- يحيى بن سعيد القطان: قال أبو داود: قلت لأحمد: \"إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول يحتج بحديثه؟ قال يحتج بحديثه\" (^٢).\nج- عبد الرحمن بن مهدي: قال أحمد في رواية الأثرم: \"إذا حدّث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة\" ثم قال: \"كان عبد الرحمن أولًا يتساهل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعدُ وكان يروي عن جابر (^٣) ثم تركه\" (^٤).\nد- أيوب بن أبي تميمة السختياني: قال أبو داود: \"قلت لأحمد: أبو زيد المدني؟ قال: أي شيء يُسأل عن رجل روى عنه أيوب\" (^٥).\nوذكر ابن رجب في عباس بن عبيد الله بن عباس أنه روى عنه أيوب مع جلالته وانتقاده للرجال حتى قال أحمد فذكره (^٦).\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-82> استقامة حديث الرجل وموافقته لروايات الثقات</span>.\nمن الأمور التي تعرف بها شهرة الراوي عند الإمام أحمد أيضًا استقامة أحاديثه وعدم مخالفتها لروايات الثقات، يدل على ذلك ما يلي:\nقال الإمام أحمد في عُمارة بن عبد: \"مستقيم الحديث، لا يروي عنه غير\n_________\n(^١) انظر: شرح علل الترمذي، الموضع السابق.\n(^٢) سؤالات أبو داود للإمام أحمد ص ١٩٨/ ١٩٧.\n(^٣) هو ابن يزيد الجعفي.\n(^٤) تاريخ بغداد ١٠/ ٢٤٩.\n(^٥) المصدر السابق ص ٢١٠ رقم ١٦٣.\nوأبو زيد المدني - وقيل أبو يزيد - وثقه ابن معين وروى عنه أيوب وغيره الجرح والتعديل ٩/ ٤٥٩، تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٨٠.\n(^٦) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٧١١.","vol":"1","page":104},{"text":"أبي إسحاق السبيعي\" (^١)؛ فلم يجعله الإمام أحمد مجهولًا مع تفرد أبي إسحاق السبيعي بالرواية عنه، لأنه كان مستقيم الحديث. وعلى العكس من قول الإمام أحمد قال فيه أبو حاتم: \"شيخ مجهول لا يحتج بحديثه\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد في هُبيرة بن يَريم كما في رواية عبد الله (^٣): \"هُبيرة رجل صالح، ما أعلم من حدث عنه غير أبي إسحاق\".\nوقال في رواية الأثرم: \"هُبيرة بن يَريم لا بأس بحديثه، هو أحسن استقامة من غيره - يعني الذين روى عنهم أبو إسحاق وتفرد بالرواية عنهم\" (^٤).\nوقد قال عنه أبو حاتم حين سئل: \"يحتج بحديثه؟ قال: هو شبيه بالمجهولين\" (^٥). وقال عنه ابن معين: \"مجهول\" (^٦).\nوقد روى عنه أبو إسحاق أحاديث ذكرها ابن عدي ثم قال: \"لهبيرة هذا غير ما ذكرت، ويحدث عنه أبو إسحاق بأحاديث، وهذه الأحاديث التي ذكرتها هي مستقيمة ورواها عن أبي إسحاق الثوري وشعبة ونظائرهما\" (^٧).\nوهذا الذي أشار إليه الإمام أحمد - أعني استقامة حديثه.\nومما يدل على اعتبار الإمام أحمد استقامة حديث الراوي لإثبات شهرته ونفي الجهالة عنه ما ذكره ابن هانئ قال: \"سمعت أبا عبد الله يقول: ما أعلم أن\n_________\n(^١) رواه الجوزجاني عن الإمام أحمد الجرح والتعديل ٦/ ٣٦٧.\n(^٢) الموضع نفسه، وقال: سمع عليًا، وذكره العجلي في الثقات ٢/ ١٦٢، وكذلك ابن حبان الثقات ٥/ ٢٤٤ وقال عنه الحافظ: مقبول من الثالثة.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١١٨ رقم ٤٥٠٤.\n(^٤) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٩ - ١١٠.\n(^٥) الموضع نفسه.\n(^٦) تهذيب التهذيب ١١/ ٢٤.\n(^٧) الكامل ٧/ ٢٥٩٤.","vol":"1","page":105},{"text":"أحدًا روى عن سَلْم بن أبي الذيال إلا المعتمر، وسلم ثقة\" (^١).\nوإنما وثقه مع تفرد معتمر بن سليمان بالرواية عنه لأن أحاديثه مستقيمة، فدل ذلك على أنه معروف بطلب العلم حيث روى ما يُقارب حديث الثقات. قال أبو داود: \"سمعت أحمد ذكر سَلْم فقال: حديثه مقارب\" (^٢).\nوقال عباس الدوري: \"قال أحمد بن حنبل: سلم بن أبي الذيّال أحاديثه متقاربة، لم يرو عنه غير معتمر\" (^٣).\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-83> تقدم طبقة الراوي إذا كان حديثه غير منكر</span>.\nيدل على هذا موقف الإمام أحمد من عمرو بن راشد الأشجعي، فإنه روى حديث وابِصة بن معبَد أن رجلًا صلى خلف الصف وحده فأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة (^٤)، فقال الإمام أحمد: حديث وابصة حديث حسن (^٥)، وقال: عمرو ابن راشد معروف (^٦). وإنما روى عن عمرو بن راشد هذا هلال بن يَساف، ونسير ابن دغلوق (^٧). وهلال بن يَساف من التابعين، وقد أدرك علي بن أبي طالب (^٨)، فدل على أن عمرو بن راشد متقدم في طبقته، ويكون من طبقة كبار التابعين، وقد روى عن عمر وعلي. وهذا الحديث الذي رواه قد قال فيه أحمد: \"لا أعرف\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٧ رقم ٢٣٨١.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٣٦ رقم ٤٩٣.\n(^٣) الجرح والتعديل ٤/ ٢٦٥.\n(^٤) خرجه أبو داود السنن ح ٦٨٢، والترمذي الجامع ح ٢٣١، وأحمد المسند ٢٩/ ٥٢٤ ح ١٨٠٠٠، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٣٩٣، وابن حبان الإحسان ٥/ ٥٧٥ ح ٢١٩٨، والبيهقي السنن الكبرى ٣/ ١٠٤ وغيرهم.\n(^٥) تنقيح التحقيق ٢/ ٣٣.\n(^٦) فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢٤.\n(^٧) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٨ رقم ١٣٦٩، تهذيب الكمال ٢٢/ ١٧.\n(^٨) تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٥٣.","vol":"1","page":106},{"text":"لحديث وابصة مخالفًا\" (^١) قال ابن رجب: \"يعني لا يعرف له حديثًا يخالفه، فإن حديث أبي بكرة يمكن الجمع بينه وبينه بما تقدم، والجمع بين الأحاديث والعمل بها أولى من معارضة بعضها ببعض، واطرادها واطراحها بعضها، إذا كان العمل بها كلها لا يؤدي إلى مخالفة ما عليه السلف الأول\" (^٢) فدل على عدم نكارة حديثه عند الإمام أحمد.\nواحتج الإمام أحمد أيضًا بالأثر الذي رواه سفيان، عن نسير بن ذُعْلُوق، عن عمرو بن راشد، أن رجلًا اشترى ناقة وهي مريضة فاستثنى البائع جلدها فبرئت، فرغب فيها، فخاصمه إلى عمر، فأرسلهم إلى علي فقال: تقوَّمّ ثم يكون له شراؤه (^٣). قال الإمام أحمد: \"أنا أذهب إلى هذا، فقال له أبو ثور: يا أبا عبد الله، من عمرو بن راشد؟ فقال: سبحان الله، أما سمعت حديث شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن هِلال بن يَساف، عن عمرو بن راشد، عن وابِصة، أن رجلًا صلى خلف الصف وحده؟ ثم قال أبي: هو رجل معروف أو مشهور\" (^٤) وقال في موضع آخر: \"عمرو بن راشد روى عنه هلال بن يساف\" (^٥).\nفاعتبره الإمام أحمد معروفًا مع قلة عدد من روى عنه، واعتبر في ذلك قدم طبقته وعدم مخالفة حديثه لما هو أثبت منه، والله أعلم.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢٥.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق المصنف ٨/ ١٩٤ ح ١٤٨٥٠، وعبد الله في مسائل الإمام أحمد بروايته ٣/ ٩١٥ رقم ١٢٣٣، وفي العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٨ رقم ١٣٦٩.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله الموضع نفسه.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٩ رقم ١٣٦٩.","vol":"1","page":107},{"text":"٥.<span data-type='title' id=toc-84> كونه معروفًا عند أهل العلم ببلده:</span>\nومن الأمور التي تعرف بها شهرة الراوي عند الإمام أحمد كونه معروفًا عند أهل العلم ببلده وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد.\nقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن عبد العزيز بن عبيد الله (^١) الذي روى عنه إسماعيل بن عياش فقال: كنت أظن أنه مجهول حتى سألت عنه بحمص فإذا هو عند هم معروف، ولا أعلم أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن عياش قال: وقالوا هو من ولد صهيب (^٢).\nفأطلق عليه أنه معروف ونفى عنه الجهالة مما يدل على أنه يقصد أنه معروف في باب الرواية، واعتمد في ذلك على معرفته لدى أهل العلم بحمص، إذ لا يسوغ للإمام أحمد أن يسأل عن الراوي إلا أهل العلم والاختصاص، والعلم عند الله.\n_________\n(^١) عبد العزيز بن عبيد الله الحمصي. ضعفه ابن معين، ويعقوب الفسوي، والدارقطني، وقال أبو زرعة: مضطرب الحديث، واهي الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، يكتب حديثه، يروي أحاديث مناكير، ويروي أحاديث حسانًا. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.\nالتاريخ - برواية الدوري ٢/ ٣٦٦ رقم ٥١٢٧، المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٥٠، سنن الدارقطني ٤/ ٢٦٨، الجرح والتعديل ٥/ ٣٨٧، تهذيب الكمال ١٨/ ١٧٢.\n(^٢) تهذيب الكمال الموضع نفسه.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>المبحث الثاني: جهالة الصحابي ليست بعلة</span>.\nوالذي تقدم من منهج الإمام أحمد من إعلال الحديث بالجهالة خاص بمن وصف بذلك ممن دون الصحابة، أما الصحابة فجهالة أي واحد منهم ليست بعلة. وقد جاء ذلك عن الإمام أحمد صريحًا، فذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر عن الأثرم قال: \"قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم\" (^١).\nونقل عنه أيضًا ﵀ أنه صحّح حديث رجل من الصحابة لم يُسمّ، فقيل له في الحديث الذي رواه إبراهيم بن أبي العباس، قال: حدثنا بقية، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ \"أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء\" (^٢).\nقال الأثرم: قلت لأحمد هذا إسناد جيد؟ قال: نعم. نقله عنه ابن عبد الهادي وقال: وقد احتج به الإمام أحمد أيضًا في رواية غير واحد من أصحابه (^٣).\nفقال الإمام أحمد إن إسناد الحديث جيد مع كون الصحابي في السند مجهولًا غير مسمى، مما يدل على أن ذلك ليست بعلة عنده.\nوقد اعتمد ابن التركماني هذا الصنيع من الإمام أحمد في الرد على البيهقي حيث قال إثر روايته للحديث: هو مرسل (^٤)، فقال ابن التركماني: تسمية هذا\n_________\n(^١) التمهيد ٤/ ٩٤. وانظر: الجوهر النقي بحاشية السنن الكبرى ١/ ٨٣ - ٨٤.\n(^٢) المسند ٢٤/ ٢٥١ ح ١٥٤٩٥. وأخرجه أبو داود ١/ ١٢١ ح ١٧٥ - ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٨٣ - من طريق حيوة بن شريح، عن بقية به، وزاد: والصلاة.\n(^٣) تنقيح التحقيق ١/ ١٣٠.\n(^٤) السنن الكبرى ١/ ٨٣.","vol":"1","page":109},{"text":"مرسلًا ليس بجيد لأن خالدًا هذا أدرك جماعة من الصحابة وهم عدول فلا يضرهم الجهالة ثم ذكر سؤال الأثرم المذكور سابقًا (^١).\n_________\n(^١) الجوهر النقي بحاشية السنن الكبرى ١/ ٨٣.\nهذا، وقد أعلّ هذا الحديث بعلة أخرى، وهي تدليس بقية وتسويته حيث لم يصرح بالسماع في جميع طبقات الإسناد كما قال محقق المسند ٢٤/ ٢٥٢: وهذه العلة معارضة بتصحيح الإمام أحمد لإسناد الحديث، وقد صرح بقية بالتحديث في إسناد الإمام أحمد بينه وبين شيخه بحير بن سعد، وإن كان لم يذكر السماع بين شيخه وشيخ شيخه - وهو خالد بن معدان ـ، لكن هل مناهج الأئمة في تصحيح أحاديث من وصف بالتسوية تدل على اشتراط تصريحه بالسماع في جميع السند؟.\nفتصحيح الإمام أحمد لهذا الإسناد مع عدم تصريح بقية بالسماع في جميع السند يدل على عدم الإشتراط، ويؤيده ما ذكره ابن التركماني قال: إن في سند الحديث بقية وهو مدلس، وقد عنعن، والحاكم أورد الحديث في المستدرك من طريقة ولفظه قال: حدثني بحيرالجوهر النقي ١/ ٨٤ ولم أجده في المستدرك ولم يرمز الحافظ للحاكم عندما ذكر الحديث في اتحاف المهرة ١٦/ ٤١٣.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>المبحث الثالث: ما رواه المجهول مخالفا للثابت المعروف عند الإمام أحمد</span>\nإذا روى الراوي المجهول حديثًا مخالفًا للثابت المعروف عند الإمام أحمد قوي عنده ردّ حديثه بسبب جهالته وما تضمنته روايته من المخالفة. ويدل على هذا صنيعه في أحاديث وهي:\nالحديث الأول:\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: \"قلت لأبي: ما تقول في هذا الحديث، حديث مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمِّه، عن عائشة أن النبي ﷺ رخص أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دبغت؟ قلت لأبي: ما تقول في هذا الحديث؟ قال: فيه أمه، من أمه؟ كأنه أنكره من أجل أمه\" (^١).\nرواه أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥) وغيرهم من طرق عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه عن عائشة زوج النبي ﷺ، وهو عند مالك في \"الموطأ\" (^٦).\nفهذا الحديث أعله الإمام أحمد بجهالة أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حيث قال: فيه أمه، ومن أمه؟\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١٩٢ رقم ٤٨٢٧ و٣/ ٤٨ رقم ٤١٠٨.\n(^٢) السنن ٤/ ٣٦٨ ح ٤١٢٤.\n(^٣) السنن ٧/ ١٧٦ ح ٤٢٦٣.\n(^٤) السنن ٢/ ١١٩٤ ح ٣٦١٢.\n(^٥) المسند ٤٠/ ٥٠٣ ح ٢٤٤٤٧.\n(^٦) رواية الليثي ٢/ ٤٩٨، وانظر: التمهيد ٢٣/ ٧٥.","vol":"1","page":111},{"text":"وتبع الإمام أحمد تلميذه الأثرم في إعلال الحديث بالعلة نفسها فقال: \"أما حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه فإن أمه غير معروفة ولم نسمع أنه روى عن غيرها هذا الحديث\" (^١).\nوأم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان روت عن عائشة، وروى عنها ابنُها وعلى حسب ما قاله الأثرم ما روى عنها غير هذا الحديث. وابنها محمد بن عبد الرحمن من التابعين، لا يسأل عن مثله كما قال أبوحاتم (^٢)، ووثقه ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حجر (^٣). وذكر الحافظ ابن حجر (^٤) أن ابن حبان ذكرها في \"الثقات\"، ولم أقف عليها في \"كتاب الثقات\".\nوهناك قرائن تؤيد جانب القبول لرواية أم محمد بن عبد الرحمن غير أن الإمام أحمد لم يعتبرها. وهذه القرائن هي:\nأولًا: كون أم محمد بن عبد الرحمن من طبقة التابعين إذ إن ابنها نفسه من طبقة التابعين، ونص البخاري (^٥) على أنه سمع ابن عمر، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وزيد بن ثابت.\nوكون الراوي المجهول من طبقة كبار التابعين أو أوساطهم مما يجعل حديثه محتملًا ويتلقى لحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول كما قال الحافظ الذهبي (^٦) وقال نحوه ابن كثير (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ١/ ٣٠٢.\n(^٢) الجرح والتعديل ٧/ ٣١٢. وانظر اهذيب الكمال ٢٥/ ٥٩٨.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ٥/ ٢٨٣، الجرح والتعديل الموضع السابق، تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٩٨، تقريب التهذيب ٦١٠٨.\n(^٤) تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٨٤.\n(^٥) التاريخ الكبير ١/ ١٤٥.\n(^٦) ديوان الضعفاء ص ٢٧٤.\n(^٧) اختصار علوم الحديث ص ٩٧.","vol":"1","page":112},{"text":"الثاني: كون الراوي عنها ثقة مشهورًا بالعلم والرواية.\nالثالث: أنها توبعت في رواية هذا الحديث عن عائشة، تابعها الأسود ابن يزيد، وعطاء بن يسار كلاهما عن عائشة بمعناه.\nأما حديث الأسود بن يزيد فأخرجه النسائي (^١) وأحمد (^٢)، والطحاوي (^٣)، وابن حبان (^٤)، والدارقطني (^٥) من طريق شريك القاضي، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن الأسود، عن عائشة قالت: \"سُئل النبي ﷺ عن جلود الميتة، فقال: \"دِباغها ذكاتها\". وهذا لفظ النسائي.\nوشريك في إسناد الحديث هو ابن عبد الله النخعي القاضي، صدوق يخطئ، وقد تغير حفظه لما ولي القضاء (^٦)، وقد اختلف عليه الثقات في رواية هذا الحديث. رواه عنه على الوجه المذكور حجاج بن محمد المصيصي، وحسين بن محمد بن بهرام المروذي، أخرج الروايتين الامام أحمد، وأخرج الرواية الثانية النسائي، وابن حبان، والطحاوي.\nورواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن شريك، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. أخرج هذه الرواية النسائي (^٧)، وكذلك قال أبو أيوب بن محمد الوزان (^٨)، وعبد الرحمن بن يونس\n_________\n(^١) السنن ٧/ ١٧٤ ح ٤٢٥٥، والسنن الكبرى ٣/ ٨٤ ح ٤٥٧٠.\n(^٢) المسند ٤٢/ ١١٩ ح ٢٥٢١٤.\n(^٣) شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٠.\n(^٤) الإحسان ٤/ ١٠٥ ح ١٢٩٠\n(^٥) السنن ١/ ٤٤.\n(^٦) الكواكب النيرات ٢٥٤ - ٢٥٥، تقريب التهذيب ٢٨٠٢.\n(^٧) السنن ٧/ ١٧٤ ح ٤٢٥٦، والسنن الكبرى ٣/ ٨٤ ح ٤٥٧١.\n(^٨) وثقه النسائي، وابن حجر تهذيب التهذيب ١/ ٤١١، تقريب التهذيب ٦٢٧. أخرج روايته النسائي السنن ح ٤٢٥٧، والسنن الكبرى ح ٤٥٧٢.","vol":"1","page":113},{"text":"السرّاج (^١) كلاهما عن حجاج الأعور عن شريك عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.\nوهذا الاختلاف سببه سوء حفظ شريك إذ الرواة عنه كلهم ثقات فاختلافهم يدل على سوء حفظ الراوي الذي رووا عنه.\nوقد روى الحديث إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. أخرج الحديث النسائي (^٢)، والطحاوي (^٣). قال الدارقطني بعد أن ساق الاختلاف: \"وأشبهها بالصواب قول إسرائيل ومن تابعه عن الأعمش\" (^٤).\nوتبقى علة أخرى في هذا الإسناد وهي عنعنة الأعمش، وهو معروف بالتدليس، وقد روى حفص بن غياث ما يدل على أنه دلس هذا الخبر. فروى عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه عن الأعمش قال: حدثنا أصحابنا عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ به. أخرجه الطحاوي (^٥). وهذه العلة لا تمنع من اعتبار الرواية في المتابعات.\nوالمتابعة الثانية هي رواية عطاء بن يسار، أخرجها الدارقطني (^٦)، والبيهقي (^٧) من طريق إبراهيم بن الهيثم: حدثنا علي بن عيّاش، قال: حدثنا محمد بن مطرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: \"طهور كل أديم دباغه\". قال الدارقطني: إسناد حسن، كلهم ثقات. وقال البيهقي: رواته كلهم ثقات.\n_________\n(^١) قال عنه ابن حجر: لا بأس به تقريب التهذيب ٤٠٧٦. أخرج روايته الدارقطني السنن ١/ ٤٤.\n(^٢) السنن ح ٤٢٥٨، السنن الكبرى ح ٤٥٧٣.\n(^٣) شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٠.\n(^٤) علل الدارقطني ٥/ق ٦٣. وانظر: تعليق محقق مسند الإمام أحمد ٤٢/ ١٢٠.\n(^٥) شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٠.\n(^٦) السنن ١/ ٤٩.\n(^٧) السنن الكبرى ١/ ٢١.","vol":"1","page":114},{"text":"قال ابن عبد الهادي (^١) في سنده: \"إبراهيم بن الهيثم (^٢) تُكلم فيه، والمحفوظ حديث زيد عن ابن وعلة\".\nوتوجيه كلام ابن عبد الهادي أن الاختلاف وقع على زيد بن أسلم في رواية الحديث حيث رواه مالك (^٣)، وسفيان بن عيينة (^٤)، وسليمان بن بلال (^٥)، وعبد العزيز الدراوردي (^٦)، وفليح بن سليمان (^٧)، وسفيان الثوري (^٨)، وحماد بن سلمة (^٩)، وهشام بن سعد (^١٠)، كلهم رووه عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس، فرواية محمد بن مطرف، وهو أبو غسان المدني (^١١) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة مخالفة لرواية الجماعة عن زيد بن أسلم، وهي قطعًا خطأ، على أنه قد روي عن أبي غسان مثل رواية الجماعة. فروى الطحاوي (^١٢) من\n_________\n(^١) تنقيح التحقيق ١/ ٧٠.\n(^٢) قال الذهبي: وثقة الدارقطني، والخطيب ميزان الاعتدال، ترجمة ٢٤٥، ورمز له بـ[صح]. وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة سوى حديث الغار الذي أنكروه عليه. وقد فتشت عن حديثه الكثير فلم أر له منكرًا يكون من جهته إلا أن يكون من جهة من روى عنه الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٧٣.\n(^٣) الموطأ ٢/ ٤٩٨.\n(^٤) حديثه عند مسلم ١/ ٢٧٧/٣٦٦ مكرر، وأبو داود السنن ح ٤١٢٣، والترمذي حديث رقم ١٧٢٨، والنسائي السنن ح ٤٢٥٢، والسنن الكبرى ح ٤٥٦٧، وابن ماجه السنن ح ٣٦٠٩.\n(^٥) أخرج حديثه مسلم الموضع السابق.\n(^٦) وحديثه عند مسلم الموضع السابق، والترمذي الموضع السابق.\n(^٧) حديثه عند الدارقطني في السنن ١/ ٤٦٩.\n(^٨) وحديثه عند أحمد المسند ٤/ ٢٥٤ ح ٤٣٥، ٥/ ٢٧٣ ح ٣١٩٨.\n(^٩) حديثه عند أحمد المسند ٤/ ٣١٧ ح ٢٥٢٢.\n(^١٠) ذكره البيهقي ولم أقف على روايته السنن الكبرى ١/ ١٦.\n(^١١) وثقه يزيد بن هارون، وأحمد، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة وإبراهيم الجوزجاني وغيرهم تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٧٢.\n(^١٢) شرح معاني الاثار ١/ ٤٧٠","vol":"1","page":115},{"text":"طريق سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس به. فالحافظ ابن عبد الهادي ما رآى الحمل في هذا الحديث على علي ابن عياش الراوي عن أبي غسان في الرواية الشاذة - لثقته (^١)، فإنه ثقة حجة كما قال الدارقطني (^٢)، بل جعل الحمل على إبراهيم بن الهيثم لأنه متكلم فيه.\nفقد تبين أن كلا المتابعتين - أعنى رواية الأسود عن عائشة، ورواية عطاء بن سيار عن عائشة - لم تسلم من علة.\nويبقى النظر فيما يشهد لحديث عائشة، وهو حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرّ بشاة ميتة وفيه أنه قال: \"هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ \"\nـ الحديث (^٣)، فهذا أيضًا أعلّه الامام أحمد بالاضطراب (^٤).\nوشاهد ثان هو حديث سلمة بن المحبّق - وسيأتي في هذا المطلب، وهو معلول عنده أيضًا.\nفتبين من هذا كله أن حديث أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ليس له عند الامام أحمد شيء سالم من العلة يشهد له، وقد عارضه ما هو أثبت منه عنده، وهو حديث عبد الله بن عُكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ وأنا غلام شاب قبل موته بشهر أو شهرين: \"أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب\" أخرجه أبو داود (^٥)، وابن ماجه (^٦)، والترمذي (^٧)،\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٢١/ ٨٤، وقال ابن حبان: كان متقنًا الثقات ٨/ ٤٦٠.\n(^٢) ذكره البيهقي السنن الكبرى ١/ ١٦.\n(^٣) أخرجه مسلم ١/ ٢٧٦/٣٦٣ وغيره.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ١/ ٣٨، مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ٢٢.\n(^٥) السنن ٤/ ٣٧٠ ح ٤١٢٨، ٤١٢٧.\n(^٦) السنن ٢/ ١١٩٤ ح ٣٦١٣.\n(^٧) الجامع ٤/ ١٩٤ ح ١٧٢٩.","vol":"1","page":116},{"text":"والنسائي (^١)، وأحمد (^٢) وغيرهم. قال الإمام أحمد: \"أذهب إلى حديث ابن عُكيم\" (^٣).\nوقال في رواية صالح - بعد أن ذكر اضطراب حديث ابن عباس - قال: \"وليس عندي في دباغ الميتة حديث صحيح، وحديث ابن عُكيم هو أصحها\"، ثم قال: \"الله قد حرّم الميتة، فالجلد هو من الميتة، وأذهب إلى حديث ابن عُكيم، أرجو أن يكون صحيحًا\" (^٤).\nوقال أيضًا: إسناد جيد يرويه يحي بن سعيد، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكيم. وقال مرة: ماأصلح إسناده (^٥).\nفجهالة أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان علة توجب ردّ حديثها عند الامام أحمد، وكونها من طبقة التابعين مع رواية الراوي الثقة المشهور عنها لا يجدي شيئًا لمعارضة ذلك بما هو أقوى عند الامام أحمد، وهو مخالفته لحديث عبد الله بن عُكيم الذي هو معارِضٌ راجحٌ عند الإمام أحمد لكل ما عارضه من الأحاديث في هذا الباب، مع مايؤيده من ظاهر القرآن - وهو تحريم الميتة، وكون جلدها منها كما بينه ﵀ في رواية ابنه صالح، والله أعلم.\n_________\n(^١) السنن ٧/ ١٧٥ ح ٤٢٦١، ٤٢٦٢.\n(^٢) المسند ٣١/ ٧٤ ح ١٨٧٨٠.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - رواية عبد الله ١/ ٣٦ ورواية صالح.\n(^٤) مسائل الامام أحمد - برواية صالح ٣/ ٩٥ - ٩٦ رقم ١٤١٦، ١٤١٧.\n(^٥) تنقيح التحقيق ١/ ٦٤. وقد ذكر الترمذي الجامع ٤/ ١٩٤ - ١٩٥ أن الإمام أحمد كان يذهب إلى هذا الحديث ثم تركه لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عُكيم، عن أسياخ لهم من جُهينة. ا. هـ. قال ابن عبد الهادي مستضعفًا هذا النقل عن الإمام أحمد: هو خلاف المشهور المستفيض عن أحمد تنقيح التحقيق، الموضع نفسه.","vol":"1","page":117},{"text":"الحديث الثاني:\nقال أبو طالب أحمد بن حميد: \"سألت - يعني أحمد بن حنبل - عن جون\nابن قتادة فقال: لا يُعرف قلت: روى غير هذا الحديث قال: لا\" (^١).\nوالمقصود بالحديث هو حديث سلمة بن المحبِّق (^٢): أن رسول الله ﷺ مرّ ببيت بفنائه قِربة معلَّقة فاستقى، فقيل: إنها ميتة، فقال: \"ذكاة الأديم دباغه\" أخرجه أبو داود (^٣)، والنسائي (^٤)، وأحمد (^٥)، والطحاوي (^٦)، وابن حبان (^٧)، والدارقطني (^٨)، والحاكم (^٩)، والبيهقي (^١٠) من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن جَوْن بن قتادة، عن سلمة بن المحبق به، واللفظ لأحمد.\nوظاهر صنيع الامام أحمد في هذا الحديث أيضًا إعلاله بجهالة جون، ويزاد عليه معارضة الحديث لما هو أرجح منه عند الامام أحمد، وهو حديث عبد الله بن عُكيم.\nووجه جهالة جون كونه ليس له راوٍ غير الحسن البصري، وهو وإن كان إمامًا جليلًا إلا أنه معروف بكثرة الرواية عن المجهولين، فلعدم تحريه في\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٠٠، وانظر: تنقيح التحقيق ١/ ٦٧.\n(^٢) سلمة بن المحبق - بصيغة اسم الفاعل على ما رجحه العسكري - الهذلي أبو سنان، له صحبة وسكن البصرة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه تهذيب الكمال ١١/ ٣١٨، وانظر: الإصابة ٢/ ٦٧.\n(^٣) السنن ٤/ ٣٦٨ ح ٤١٢٥.\n(^٤) السنن ٧/ ١٧٣ ح ٤٢٥٤.\n(^٥) المسند ٢٥/ ٢٤٩ ح ١٥٩٠٨، ١٥٩٠٩.\n(^٦) شرح معاني الآثار ١/ ٤٧١، وتحرف جون بن قتادة فيه إلى الحارث بن قتادة.\n(^٧) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٠/ ٣٨١ ح ٤٥٢٢.\n(^٨) السنن ١/ ٤٥.\n(^٩) المستدرك ٤/ ١٤١.\n(^١٠) السنن الكبرى ١/ ١٧.","vol":"1","page":118},{"text":"الرواية عن المشهورين لم يعدّ الامام أحمد مَن تفرّد بالرواية عنه في عِداد الرواة المعروفين.\nالحديث الثالث:\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: \"قلت لأبي: فحديث الحارث بن بلال ابن الحارث المزني في فسخ الحج؟ قال: لا أقول به. قال أبي: لا نَعرف هذا الرجل، ولم يروه إلا الدراوردي، هذه الأحاديث أحب إليّ\" (^١).\nوحديث الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه قال: [قلت يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: \"بل لنا خاصة\" أخرجه أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥)، والطحاوي (^٦)، والدارقطني (^٧)، والحاكم (^٨)، والبيهقي (^٩) كلهم من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن ربيعة الرأي عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه به.\nقال ابن هانئ: \"قيل له - يعني أحمد بن حنبل - في الفسخ، فقال: نعم، هذا عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ. قيل: فحديث بلال بن الحارث؟ قال: ومَن بلال بن الحارث؟ ومن روى عنه؟ أما أبوه فمِن أصحاب النبي ﷺ فأما هو فأنكره. فقيل له إنه روى حديثًا! فقال: من رواه؟ وأنكره. قلت: ترى فسخ\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ٢/ ٦٩٣ رقم ٩٣٤.\n(^٢) السنن ٢/ ٣٩٩ ح ١٨٠٨.\n(^٣) السنن ٥/ ١٧٩ ح ٢٨٠٧.\n(^٤) السنن ٢/ ٩٩٤ ح ٢٩٨٤.\n(^٥) المسند ٢٥/ ١٨٣ ح ١٥٨٥٣، ١٥٨٥٤.\n(^٦) شرح معاني الآثار ٢/ ١٩٤.\n(^٧) السنن ٢/ ٢٤١.\n(^٨) المستدرك ٣/ ٥١٧.\n(^٩) السنن الكبرى ٥/ ٤١.","vol":"1","page":119},{"text":"الحج؟ قال: نعم، إن شاء هو فسخ، أذهب إلى حديث جابر: [أنهم أهلوا بالحج فأمرهم النبي ﷺ أن يُحلّوا] (^١).\nوقال أبو داود: \"قلت لأحمد: حديث بلال بن الحارث في فسخ الحج؟ قال: ومن بلال بن الحارث؟ أو قال: الحارث بن بلال؟ ومن روى عنه؟ ليس يصِحّ حديث في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى يُفتي به في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر\" (^٢).\nوقال البغوي: وحكي عن أحمد أنه كان يُجوِّز فسخ الحج لغيرهم من الناس، وضعّف حديث الحارث بن بلال، وقال: \"ليس الحارث بن بلال بمعروف، وقد روى فسخ الحج جماعة منهم ابن عباس، وجابر، وعائشة وغيرهم\" (^٣).\nوقال المجد ابن تيمية: قال أحمد بن حنبل: \"حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثب، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرجل، وقال: أرأيت لو عُرف الحارث بن بلال إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يرون ما يرون من الفسخ أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ \" (^٤).\nوهذه الروايات كلها متفقة على أن الإمام أحمد ضعّف حديث الحارث ابن بلال، عن أبيه لأجل جهالة الحارث بن بلال، ولمخالفته لما روي عن عدد كثير من الصحابة. والحارث بن بلال بن الحارث المزني المدني روى عن أبيه ولأبيه\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ١٤٧ - ١٤٨ رقم ٧٣٢.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٧ رقم ١٩١٨.\n(^٣) شرح السنة ٦/ ٧٦ وعدد ابن القيم أربعة عشر صحابيًا الذين رووا الفسخ. انظر: تهذيب السنن ٣/ ٣١٢.\n(^٤) المنتقى مع نيل الأوطار ٤/ ٥٣٦٩.","vol":"1","page":120},{"text":"صحبة (^١) وفد على النبي ﷺ في وفد مزينة سنة خمس من الهجرة (^٢)، وروى عن الحارث بن بلال ربيعةُ الرأي وحده، قاله الذهبي (^٣). وابنه يزيد بن الحارث بن بلال رأى علي بن أبي طالب (^٤)، فالظاهر أن الحارث بن بلال تابعي كبير، حيث إن ابنه رأى علي بن أبي طالب (^٥)، إلا أنه تفرد برواية هذا الحديث، ولا يعرف إلا به وقد خالف رواية جماعة من الصحابة. قال أحمد: عندي ثمانية عشر حديثًا صحيحًا في فسخ الحج (^٦). فهذه المخالفة كافية في رد الحديث حتى لو كان الحارث بن بلال معروفًا كما قال الإمام أحمد، فكيف وهو غير معروف؟.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٢/ ٣٩٥ وانظر: تهذيب الكمال ٥/ ٢١٥.\n(^٢) الاستيعاب ١/ ١٨٣.\n(^٣) ميزان الإعتدال ترجمة ١٦١٠.\n(^٤) الطبقات الكبرى ٢/ ٣٠.\n(^٥) أما الحافظ ابن حجر فجعله في الطبقة الثالثة - وهي الطبقة الوسطى من التابعين، ولعله لم يعتبر ما ذكره ابن سعد.\n(^٦) تنقيح التحقيق ٢/ ٤٢٥.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>المبحث الرابع: نماذج من إعلال الإمام أحمد للأحاديث بجهالة بعض رواتها</span>.\nأعل الإمام أحمد أحاديث رواة تفردوا برواية أصل ليس لهم فيه متابع\nولا شاهد، ردها لأن رواتها غير معروفين لديه، فدل على أن الراوي المجهول لا يحتج بما تفرد به، فمن نماذج الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بتفرد الراوي المجهول:\nالحديث الأول:\nقال أبو داود: \"رأيت أحمد يتهيّب ويجبن أن يقول بحديث عَوْسَجة مولى ابن عباس: [أن النبي ﷺ أعطى الميراث المولى من أسفل]، وقال: عوسجة لا أعرفه\" (^١).\nوقال أيضًا: \"سمعت أحمد ذكر حديث عَوْسَجة عن ابن عباس، فقال: عوسجة لا أعرفه\" (^٢).\nوهذا الحديث رواه أبو داود (^٣)، والترمذي (^٤)، والنسائي (^٥)، وابن ماجه (^٦)، وأبو داود الطيالسي (^٧)، وأحمد (^٨)، والطحاوي (^٩)، والحاكم (^١٠)،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٢٩٦ رقم ١٤١٨.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣٥ رقم ٢٣٥.\n(^٣) السنن ٣/ ٣٢٤ ح ٢٩٠٥.\n(^٤) الجامع ٤/ ٣٦٨ ح ٢١٠٦.\n(^٥) السنن الكبرى ٤/ ٨٨ ح ٦٤٠٥.\n(^٦) السنن ٢/ ٩١٥ ح ٢٧٤١.\n(^٧) مسند الطيالسي ح ٢٧٣٨.\n(^٨) المسند حديث ٣/ ٤٠٥ ح ١٩٣٠، ٥/ ٣٦٥ ح ٣٣٦٩.\n(^٩) شرح معاني الآثار ٤/ ٤٠٣.\n(^١٠) المستدرك ٤/ ٣٤٧.","vol":"1","page":123},{"text":"والبيهقي (^١) كلهم من طرق عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس، عن ابن عباس [أن رجلًا مات على عهد النبي ﷺ ولم يدَعْ وارثًا إلا عبدًا هو أعتقه فأعطاه النبي ﷺ ميراثه]. وهذا لفظ الترمذي.\nفهذا الحديث تضمن إثبات أصل شرعي في ميراث الرجل إذا مات ولم يدع وارثًا إلا مولى من أسفل، وقد تفرد به (^٢) عوسجة مولى ابن عباس (^٣)، ولم يوجد له متابع ولا شاهد يشهد له، فلم يقبله الإمام أحمد لحال عوسجة حيث وصفه بأنه غير معروف عنده، أي ليس له من الشهرة والرواية ما يحتمل منه مثل هذا التفرد. وعوسجة من طبقة التابعين (^٤) ولم يرو عنه غير عمرو بن دينار (^٥). وعمرو إمام ثقة ثبت (^٦)، وهذان الأمران - كونه من طبقة التابعين، ورواية إمام ثقة عنه - من القرائن التي تقوي جانب القبول لحديثه، والحكم عليه بالشهرة، لكنهما معارضان بقرينة أخرى هي أقوى منهما - وهي: عدم العمل بهذا الحديث عند العلماء. قال الإمام الترمذي ﵀ بعد تحسينه للحديث - \"والعمل عند أهل العلم في هذا الباب إذا مات الرجل ولم يترك عصبة أن ميراثه يجعل في بيت مال المسلمين\" (^٧).\n_________\n(^١) السنن الكبرى ٦/ ٢٤٢.\n(^٢) قال النسائي: لم نجد هذا الحديث إلا عند عوسجة السنن الكبرى ٤/ ٩٨ ح ٦٤٠٩.\n(^٣) هو عوسجة المكي مولى ابن عباس، روى عن مولاه ابن عباس وروى عنه عمرو بن دينار. وقال أبو زرعة: ثقة الجرح والتعديل ٧/ ٢٤. وقال البخاري لم يصح حديثه التاريخ الكبير ٧/ ٧٦.\nوقال أبو حاتم والنسائي: ليس بمشهور الجرح والتعديل الموضع السابق، السنن الكبرى للنسائي ٤/ ٨٨. وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٢٨١. وقال الذهبي: مجهول ديوان الضعفاء ٣٢٥٨. وقال ابن حجر: ليس بمشهور، وقد وثق تقريب التهذيب ٥٢٤٩. وانظر: تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٣٢ - ٤٣٥.\n(^٤) ذكره ابن حبان في كتاب الثقات في طبقة التابعين ٥/ ٢٨١.\n(^٥) قال النسائي: لا نعلم أحدًا يروي عنه غير عمرو بن دينار الموضع نفسه.\n(^٦) انظر: تقريب التهذيب ص ٧٣٤.\n(^٧) الجامع ٤/ ٣٦٩.","vol":"1","page":124},{"text":"وقال الإمام ابن قتيبة ﵀: \"الفقهاء على خلاف حديث عوسجة هذا إما لاتهامهم عوسجة، فإنه ممن لا يثبت به فرض ولا سنة إما لتحريف في التأويل وإما النسخ\" (^١).\nوقال الموفق ابن قدامة ﵀: \"لا يرث المولى من أسفل في قول عامة أهل العلم، وحكي عن شريج وطاووس أنهما ورثاه\" (^٢).\nفإذا انضم إلى هذه القرينة قلة حديثه (^٣) قوي جانب رد ما تفرد به بسبب عدم شهرته بالعلم.\nوممن سلك هذا المسلك من الائمة في هذا الحديث وردَّه بعلة عدم شهرة راويه أبو حاتم الرازي (^٤)، والنسائي (^٥)، وكذلك قال البخاري: لم يصح حديثه (^٦).\nالحديث الثاني:\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: \"سألت أبي قلت: يصح حديث سمرة عن النبي ﷺ: \"من ترك الجمعة عليه دينار أونصف دينار يتصدق به؟ \" فقال: قُدامة بن وبرة يرويه، لا يعرف\" (^٧).\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث ص ٢٦٢.\n(^٢) المغني ٩/ ٢٥٣. وروى سعيد ابن منصور، وعبد الرزاق عن سفيان عن عمرو عن عطاء قال: مات في خط بني جمح ولم يترك قرابة إلا عبدًا هو أعتقه فأمر عمر أن يعطى المال سنن سعيد بن منصور ١/ ٩٨، مصنف عبد الرزاق ٩/ ١٧ ح ١٦١٩٥.\nوهذا منقطع، عطاء لم يُدرك عمر لأنه ولد في خلافة عثمان بن عفان تهذيب الكمال ٢٠/ ٧٠.\nورواه عبد الرزاق من طريق عكرمة بن خالد المخزومي، عن عمر المصنف ٩/ ١٧ ح ١٦١٩٣. وهذا أيضًا منقطع، قال أحمد: عكرمة بن خالد لم يسمع من عمر جامع التحصيل ٢٣٩.\n(^٣) لم أجد له غير هذا الحديث وحديثًا آخر: لا خير في الحبش إذا جاعوا سرقوا وإذا شبعوا زنوا، وإن فيهم لخلتين حسنتين: إطعام الطعام، وبأس عند البأس رواه الطبراني المعجم الكبير ١١/ ٤٢٨، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ٢٠٢٠. وهذا متن موضوع سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٢/ ١٥٨ ح ٧٢٨.\n(^٤) قيل له يصح هذا الحديث؟ قال: عوسجة ليس بالمشهور علل ابن أبي حاتم ٢/ ٥٢.\n(^٥) السنن الكبرى ٤/ ٩٨.\n(^٦) التاريخ الكبير ٧/ ٧٦.\n(^٧) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٥٦ رقم ٣٦٧.","vol":"1","page":125},{"text":"هذا الحديث أخرجه أبو داود (^١)، والنسائي (^٢)، وأحمد (^٣)، وابن خزيمة (^٤)، وابن حبان (^٥)، والحاكم (^٦)، والبيهقي (^٧) من طرق عن همام بن يحيى العوذي، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة به مرفوعًا.\nقال الإمام مسلم أيضًا: \"قيل لأحمد بن حنبل: يصح حديث سمرة عن النبي ﷺ: \"من ترك الجمعة عليه نصف دينار\"؟ فقال: قدامة يرويه، لا نعرفه\" (^٨).\nوهذا الراوي الذي أعلّ الإمام أحمد الحديث به لم يذكر له راويًا سوى قتادة بن دعامة السدوسي (^٩) الإمام التابعي، ولم ترفع رواية قتادة عنه الجهالة عند الإمام أحمد، والحديث الذي رواه في كفارة من ترك الجمعة غريب ليس له أصل يشهد له (^١٠).\n_________\n(^١) السنن ١/ ٦٣٨ ح ١٠٥٣.\n(^٢) السنن ٣/ ٨٩، السنن الكبرى ١/ ٥١٧ ح ١٦٦١.\n(^٣) المسند ٣٣/ ٢٧٧ ح ٢٠٠٨٧، ٣٣/ ٣٣٠ ح ٢٠١٥٩.\n(^٤) صحيح ابن خزيمة ١٣/ ١٧٧ ح ١٨٦١.\n(^٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٦/ ٢٨ ح ٢٧٨٨ - ٢٧٨٩.\n(^٦) المستدرك ١/ ٢٨٠.\n(^٧) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٨.\n(^٨) انظر: تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٥٦.\n(^٩) هذا ما ذكره الأئمة: البخاري التاريخ الكبير ٧/ ١٧٨، وأبو حاتم الجرح والتعديل ٧/ ١٢٧، وابن حبان الثقات ٥/ ٣٢٠، والمزي تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٥٦. وقد ذكره الإمام مسلم في كتابه \"المنفردات والوحدان\" ب رقم ٢٥٢ ضمن الرواة الذين\nلم يرو عنهم غير قتادة، وكذلك النسائي في كتابه \"تسمية من لم يرو عنه غير رجل\nواحد\" ص ١٢٢.\n(^١٠) وممن أطلق الجهالة على قدامة بن وبرة الحافظ أبو بكر ابن خزيمة فقال: لست أعرف قدامة بعدالة ولا جرح صحيح ابن خزيمة، الموضع نفسه.\nوأطلق الإمام البخاري الحكم على الحديث بعدم الصحة فقال: لا يصح حديث قدامة في الجمعة التاريخ الكبير ٤/ ١٧٦.\nوأما ابن معين فروى عنه الدارمي أنه قال في قدامة: ثقة الجرح والتعديل ٧/ ١٢٧.\nوقال أبو حاتم عن هذا الحديث: هو حديث صالح الإسناد العلل ١/ ١٩٦.\nفأما توثيق ابن معين لقدامة بن وبرة فهو محمول على ما عُرف من منهجه من توثيق المجاهيل من القدماء كما قال الشيخ المعلمي - ﵀ - التنكيل ١/ ٦٩ حيث قال: وابن معين، والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد. ثم قال: وروى همام، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب حديثًا ولا يُعرف قدامة إلا في هذه الرواية فوثقه ابن معين مع أن الحديث غريب وله علل أخرى.\nوللحديث علة أخرى أشار إليها الإمام أحمد في تكملة جوابه عن هذا السؤال فقال: رواه أيوب أبو العلاء فلم يصل إسناده كما وصله همام قال: نصف درهم أو درهم، خالفه في الحكم وقصر في الإسناد.","vol":"1","page":126},{"text":"الحديث الثالث:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد سُئل عن حديث سلمة بن المحبِّق: [أن رجلًا وطئ جارية امرأته]، فقال: جون بن قتادة شيخ لا يعرف، لم يحدث عنه غير الحسن\" (^١).\nهذا الحديث أخرجه أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥) عن الحسن عن سلمة بن المحبق قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يواقع جارية امرأته قال: \"إن أكرهها فهي حرة، ولها عليه مثلها وإن طاوعته فهي أمة ولها عليه مثلها\" وهذا لفظ أحمد (^٦).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٠٧/ ١٩١٦.\n(^٢) السنن ٤/ ٦٠٥ - ٦٠٧ ح ٤٤٦٠، ٤٤٦١.\n(^٣) السنن ٦/ ١٢٤ - ١٢٥ ح ٣٣٦٣، ٣٣٦٤ السنن الكبرى ح ٧٢٣١، ٧٢٣٣.\n(^٤) السنن ح ٢٥٥٢.\n(^٥) المسند ٢٥/ ٢٥٢ ح ١٥٩١١.\n(^٦) والحديث اختلف فيه على الحسن البصري فقيل عنه: عن قبيصة بن حُريث، عن سلمة. وقيل: عن الحسن، عن سلمة من غير ذكر قبيصة، وقيل: عن الحسن عن جَون بن قتادة عن سلمة. وقيل: عن الحسن عن رجل عن سلمة.\nقال النسائي: ليس في هذا الباب شيء يُحتج به السنن الكبرى ٤/ ٢٩٨. وانظر: العلل لعلي بن المديني ص ٥٧ - ٥٩، التاريخ الكبير ٤/ ٧٢، السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٤٠، السنن للدارقطني ٣/ ٨٥، مع التعليق المغني، تهذيب الكمال ٥/ ١٦٤.","vol":"1","page":127},{"text":"فأعل الإمام أحمد هذا الحديث بجون بن قتادة (^١)، وقال عنه: \"شيخ لا يعرف، لم يحدث عنه غير الحسن\".\nوكذلك روى أبو طالب أحمد بن حميد قال سألت أحمد بن حنبل عن جون ابن قتادة فقال: لا أعرفه (^٢).\nفقد أعل الإمام أحمد الحديث بمطلق الجهالة والراوي الموصوف بها من طبقة كبار التابعين على ما صنفه الحافظ بن حجر، وقد تفرد عنه بالرواية راوٍ واحد، وهو ثقة إمام ولم ترفع رواية هذا الإمام عنه الجهالة، وذلك راجع إلى ما تقدمت الإشارة إليه أن الإمام الحسن البصري كان يأخذ عن كل أحد.\n_________\n(^١) له ترجمة في تهذيب الكمال، وذكر المزي أنه يقال أن له صحبة ولم يثبت ذلك وذكر أنه شهد الجمل مع الزبير بن العوام وذكر المزي ممن حدث عنه قرة ين الحارث البصري وقتادة إن كان محفوظًا.\nونص الإمام أحمد وعلي بن المديني على أنه لم يرو عنه إلا الحسن البصري، كذلك لم يذكر أبو حاتم من الرواة عنه غير الحسن.\nهذا وقد عارض حكم علي بن المديني على جون بن قتادة حكم الإمام أحمد فقال: جون معروف وجون لم يرو عنه غير الحسن إلا أنه معروف. ثم قال في موضع آخر: الذين روى عنهم الحسن من المجهولين، فذكرهم وذكر فيهم جون بن قتادة.\nوذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ١١٩.\nونقل ابن عساكر عن البرديجي في الأسماء المفردة أنه قال إنه ثقة. تاريخ دمشق، ١١/ ٣٣٨.\nوقال الحافظ بن حجر: مقبول من الثانية، وهي طبعة كبار التابعين.\nوذكره أبو داود من مشايخ الحسن الذين لقيهم في الغزو والذين لم يحدث عنهم غيره إكمال تهذيب الكمال ٣/ ٢٥٦.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ٥٤٢، الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٠٠. وانظر: بحر الدم ٩٨/ ١٥٦. وفي نسخة أخرى للجرح والتعديل: لا يُعرف.","vol":"1","page":128},{"text":"وقد روي عن أحمد أنه أفتى بمقتضى هذا الحديث (^١)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ليس ببعيد عن الأصول، وحسّن الحديث\" (^٢).\nوهذا محمول على ما ذكر من منهج الإمام أحمد أنه يرى العمل بالحديث الضعيف وأنه أحب إليه من الرأي (^٣).\nالحديث الرابع:\nقال مُهنَّا: \"سألت أحمد ويحيى عن الحديث الذي رواه رفدة بن قضاعة، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده عمير بن حبيب قال: [كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة] فقالا جميعًا: ليس بصحيح. قال أحمد: لا يُعرف رفدة بن قضاعة\" (^٤).\nهذا الحديث رواه ابن ماجه (^٥)، وابن أبي عاصم (^٦)، والطبراني (^٧)، والعقيلي (^٨)، وابن عدي (^٩)، والخطيب (^١٠)، وأبو نعيم (^١١) كلهم من طريق هشام\n_________\n(^١) ص ٢٨٤/ ١٨٣.\n(^٢) الإنصاف ١٠/ ٢٤٤.\n(^٣) انظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٧٠، والنكت ١/ ٤٣٧.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٣٢٨.\n(^٥) السنن ١/ ٢٨٠ ح ٨٦١. ووقع عنده: عن جده عمير بن حبيب، وهو خطأ، والصواب عمير ابن قتادة، فإنه معروف بأنه جد عبد الله بن عبيد بن عمير، وعند سائر من روى الحديث: عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن أبيه، عن جده، ولم يقل أحد منهم: ابن حبيب. انظر: تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٧٧، ٣٨٤، الإصابة في تمييز الصحابة ٣/ ١٨٠ - ١٨١.\n(^٦) الآحاد والمثاني ٢/ ١٧٣ ح ٩١٠.\n(^٧) المعجم الكبير ١٧/ ١٤٨ ح ١٠٤.\n(^٨) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٤١٩.\n(^٩) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٠٣٦.\n(^١٠) تاريخ بغداد ٢/ ٢٥٣.\n(^١١) حلية الأولياء ٣/ ٣٥٨.","vol":"1","page":129},{"text":"ابن عمّار، عن رفدة بن قضاعة به. ورواه ابن الجوزي (^١) من طريق ابن حبان، عن العباس، عن هشام بن عمار به بلفظ: [كان يرفع يديه في كل خفض ورفع].\nوالحديث قال فيه الإمام أحمد: ليس بصحيح، وعلته جهالة رفدة بن قضاعة فإنه لا يُعرف كما قال الإمام أحمد في هذا السؤال.\nورِفدة بن قضاعة روى عنه هشام بن عمار، ومروان بن محمد الطاطري (^٢)، وليس له من الحديث إلا شيء يسير، فاعتبره الإمام أحمد غير معروف. قال ابن عدي: \"رفدة بن قضاعة هذا لم أر له إلا حديثًا يسيرًا، وعند هشام بن عمار عنه مقدار خمسة أو ستة أحاديث\" (^٣).\nوقد وثقه هشام بن عمار (^٤)، وقال البخاري: في حديثه المناكير (^٥). وقال أبو حاتم: منكر الحديث (^٦). وقال النسائي: ليس بالقوي (^٧). وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه (^٨). وقال الذهبي: واهٍ (^٩). وقال ابن حجر: ضعيف (^١٠).\nوأما يحيى بن معين فضعف الحديث بناء على ضعف رفدة، فقد قال فيه: هو شيخ ضعيف (^١١).\n_________\n(^١) العلل المتناهية ١/ ٤٢٦.\n(^٢) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٥٢٣.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٠٣٦.\n(^٤) تهذيب الكمال ٩/ ٢١٢.\n(^٥) التاريخ الكبير ٢/ ٣٤٢.\n(^٦) الجرح والتعديل الموضع نفسه.\n(^٧) الضعفاء والمتروكون رقم ١٩٥.\n(^٨) الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.\n(^٩) الكاشف ١٥٨٤.\n(^١٠) تقريب التهذيب ١٩٦٣.\n(^١١) فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.","vol":"1","page":130},{"text":"وأحاديث رفع اليدين في الصلاة ثابتة عن النبي ﷺ من طرق صحاح، وليس فيها أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة، ولا يعرف إلا من حديث رِفدة هذا (^١). قال ابن حبان: \"وأخبار الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك بين السجدتين\" (^٢).\nوللحديث إسناد آخر عن رِفدة، ذكره الدارقطني (^٣)، فقال: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ورواه غيره عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنه كان يكبر في كل تكبيرة، ولم يذكر الرفع. قال الدارقطني: وهذا هو الصواب (^٤).\nالحديث الخامس:\nقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري - بالنون - الدمشقي: \"سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أُبيّ بن عِمارة ليس بمعروف الإسناد. ثم قال أبو زرعة: فناظرت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في حديثه عن رسول الله ﷺ في المسح فلم يقنع به. قلت له: فحديث عطاء بن يسار، عن ميمونة - حدثت به أبا عبد الله - أعني في المسح أيضًا؟ قال: ذاك من كتاب. قلت لأبي عبد الله: أي شيء ذهب أهل المدينة في المسح أكثر من ثلاث ويوم وليلة؟ قال: لهم فيه أثر، وقال لي أبو عبد الله أحمد بن حنبل: حديث خُزيمة بن ثابت مما لعله أن يدل على - يعني حجة لهم، قوله: ولو استزدته لزادني\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.\n(^٢) المجروحين ١/ ٣٠٤.\n(^٣) علل الدارقطني ٩/ ٢٨٢.\n(^٤) الموضع نفسه.\n(^٥) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٦٣١ رقم ١٨٢٤، ١٨٢٦ - ١٨٢٧. وانظر: الإمام في أحاديث الأحكام ٢/ ١٩٤، تنقيح التحقيق ١/ ١٨٨ - ١٨٩.","vol":"1","page":131},{"text":"حديث أُبي بن عِمارة - بكسر العين - الذي ضعفه الإمام أحمد في هذه الرواية رواه أبو داود (^١) قال: \"حدثنا يحيى بن معين، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أُبي بن عِمارة - قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين - أنه قال: يا رسول الله! أمسح على الخُفّين؟ قال: \"نعم\"، قال: يومًا؟ قال: \"يومًا\"، قال: ويومين؟ قال: \"ويومين\"، قال: وثلاثة؟ قال: \"نعم وما شئت\".\nورواه ابن ماجه (^٢)، والفسوي (^٣) وابن أبي عاصم (^٤) والطحاوي (^٥)، والطبراني (^٦)، والدارقطني (^٧) والحاكم (^٨)، والبيهقي (^٩). وقد وقع اختلاف في إسناد الحديث أشار أبو داود إلى بعضه، وفصّله أبو الحسن بن القطان (^١٠). وقال أبو داود: ليس هو بالقوي.\nوأعلّ الإمام أحمد هذا لحديث بجهالة رجال الإسناد، فإن قوله: ليس بمعروف الإسناد، فسره ابن الجوزي بأن رجاله لا يعرفون (^١١). وقد بين الدارقطني المجهولين في الإسناد، وهم: عبد الرحمن بن رزين، ومحمد بن يزيد ابن أبي زياد، وأيوب بن قطن (^١٢).\n_________\n(^١) السنن ١/ ١٠٩ ح ١٥٨.\n(^٢) السنن ١/ ١٨٥ ح ٥٥٧.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ١/ ٣١٦.\n(^٤) الآحاد والمثاني ٤/ ١٦٣ ح ٢١٤٥.\n(^٥) شرح معاني الآثار ١/ ٧٩.\n(^٦) المعجم الكبير ١/ ٢٠٢ ح ٥٤٥، ٥٤٦، والمعجم الأوسط ٣/ ٣٦٣ ح ٣٤٠٨.\n(^٧) السنن ١/ ١٩٨.\n(^٨) المستدرك ١/ ١٧٠.\n(^٩) السنن الكبرى ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(^١٠) بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٥.\n(^١١) التحقيق في أحايث الخلاف مع تنقيح التحقيق ١/ ١٨٨.\n(^١٢) سنن الدراقطني الموضع نفسه. وعبد الرحمن بن رَزِين الغافقي المصري، لقي سلمة بن الأكوع وقبله يده ميزان الاعتدال ٤٨٦٢، وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٨٢، ولم يذكر له المزي من الرواة غير العطاف بن خالد، ويحيى بن أيوب الغافقي تهذيب الكمال ١٧/ ٩١. وقال فيه الذهبي: وثق الكاشف ٣١٩٢. وقال ابن حجر: صدوق تقريب التهذيب ٣٨٨٤.\nومحمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي الفلسطيني، حدث عنه جماعة. ونقل الحافظ عن الخلال عن أحمد أنه قال في حديث رواه - وهو حديث الصور - رجاله لا يعرفون تهذيب التهذيب ٩/ ٥٢٤. وقال أبو حاتم: مجهول الجرح والتعديل ٨/ ١٢٦، وكذلك قال الذهبي ميزان الاعتدال ٨٣٢٢. وقال ابن حجر: مجهول الحال تقريب التهذيب ٦٤٣٨.\nوأيوب بن قطن بن سنان الفلسطيني، لم يذكر له المزي راويًا غير محمد بن يزيد بن أبي زياد. قال عنه أبو حاتم: محدث. وقال أبو زرعة: لا يعرف. وقال الأزدي، والدارقطني وغيرهما مجهول الجرح والتعديل ٢/ ٢٥٤، تهذيب الكمال ٣/ ٤٨٩، تهذيب التهذيب ٤١٠.","vol":"1","page":132},{"text":"وأما حديث عطاء بن يسار، عن ميمونة فسيأتي إن شاء الله في الكلام على الوجادة.\nومما حكم عليه الإمام أحمد بالنكارة لتفرد راويه المجهول ما ذكره المرُّوذي:\nقال المرّوذي: \"وألقيت على أبي عبد الله حديثًا رواه الفضل بن موسى، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: [عارض رسول الله صلى الله عليه جنازة أبي طالب] فقال: هذا منكر، هذا رجل مجهول\" (^١).\nوالمقصود بالرجل المجهول هو إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمي، وهو إبراهيم بن بيطار أبو إسحاق. قال ابن عدي: يروي عنه الفضل بن موسى الشيباني، وعيسى بن موسى الغنجار، ومحمد بن سلام البيكندي، وقال عنه: \"ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى ليست بمستقيمة\" (^٢).\nوالحديث رواه ابن عدي (^٣)، وذكره الذهبي (^٤) ومتنه: أن النبي ﷺ عارض جنازة عمه أبي طالب فقال: \"وصلتك رحم، وجزيت خيرًا يا عمّ\".\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٥٥ رقم ٢٧٢.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٥٩.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.\n(^٤) ميزان الاعتدال ١٣٦.","vol":"1","page":133},{"text":"وإنما حكم عليه الإمام بالنكارة لأنه لا أصل له من حديث ابن عباس، ولا من حديث عطاء، ولا من حديث ابن جريج، وإنما جاء من طريق إبراهيم ابن بيطار هذا، فحري به أن يكون منكرًا. وقد قال الذهبي أيضًا: هذا خبر منكر (^١).\nوقد روي من وجه آخر عن عطاء، رواه معاوية بن عبيد الله كاتب المهدي، عن المهدي الخليفة، عن أبيه أبي جعفر المنصور قال: حدثني عطاء، قال: سمعت ابن عباس فذكره، أخرجه الخطيب (^٢). ومعاوية بن عبيد الله قد ذكر بالخير والعبادة (^٣)، ولم أر من ذكر فيه جرحًا أو تعديلًا من حيث الرواية، وكذلك المهدي والمنصور، فلا يثبت الحديث بروايتهم، ويبقى حكم الإمام أحمد على الحديث بالنكارة ثابتًا بدون معارض.\nومما أنكره الإمام أحمد بالجهالة رفع حديث عائشة برواية عبد العزيز بن النعمان عنها: [كان رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان اغتسل] (^٤)، فقال: عبد العزيز بن النعمان لا يعرف. ا. هـ (^٥). وذلك أنه قد روي هذا الحديث عنها من وجوه كثيرة موقوفًا عليها (^٦).\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) تاريخ بغداد ١٣/ ١٩٦.\n(^٣) تاريخ بغداد الموضع نفسه، سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٨.\n(^٤) أخرجه أحمد المسند ٤١/ ٣٩٧ ح ٢٤٩١٤، ٤٣/ ٧٧ ح ٢٥٩٠٢، ٤٣/ ١٥١ ح ٢٦٠٢٥، وإسحاق بن راهويه المسند ٣/ ٧٤٤ ح ١٣٥٤، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٥٥، وابن حبان الإحسان ٣/ ٤٥٣ ح ١١٧٧، وابن عبد البر التمهيد ٢٣/ ١٠٣ كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن عبد العزيز بن النعمان، عن عائشة به. ولفظ ابن حبان: [إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل].\n(^٥) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٦٩.\n(^٦) منها: عند مالك الموطأ ١/ ٤٥ ح ١٠٢، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٥٧ من طريق ابن المسيب، عن عمر، وعثمان، عائشة. وعند مالك الموطأ ١/ ٤٦ ح ١٠٣ من طريق أبي سلمة عنها. وعنده أيضًا الموطأ ١/ ٤٦ ح ١٠٤، وعند عبد الرزاق المصنف ١/ ٢٤٨ ح ٩٥٤ من طريق ابن المسيب في قصة سؤال أبي موسى الأشعري إياها فذكرتْه موقوفًا. ومن طريق عطاء عنها عند عبد الرزاق المصنف ١/ ٢٤٧ ح ٩٤٥، ومن طريق ميمون ابن مهران عنها عند الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٦٠، ومن أوجه آخرى أيضًا يطول المقام بذكرها.","vol":"1","page":134},{"text":"وقد ثبت عنها مرفوعًا عند مسلم (^١) وغيره من أوجه كثيرة أيضًا. ومعظم من روى عنها موقوفًا قد جاء عنهم الرواية بالرفع إلى النبي ﷺ من طريقها. وقد قال ابن عبد البر عن رواية الوقف: \"وهذا الحديث يدخل في المسند بالمعنى والنظر، لأنه محال أن ترى عائشة نفسها في رأيها حجة على غيرها من الصحابة في حين اختلافهم في هذه المسألة النازلة بينهم، ومحال أن يسلم أبو موسى لعائشة قولها من رأيها في مسألة قد خالفها فيها من الصحابة غيرها برأيه، لأن كل واحد ليس بحجة على صاحبه عند التنازع، وهذا يدلك على أن تسليم أبي موسى لعائشة في هذه المسألة إنما كان من أجل أن علم ذلك كان عندها عن رسول الله ﷺ فلذلك سلم لها إذ هي أولى بعلم مثل ذلك من غيرها\"، ثم ذكر من روى الحديث عنها مسندًا (^٢).\nوبهذا يتبين أن رواية عبد العزيز بن النعمان - وإن كان في نفسه غير معروف - لها أصل من حديث عائشة ﵁ مرفوعًا، مما يدل على أن في إنكار الإمام أحمد لروايته نظرًا، والله أعلم.\nومما رده الإمام أحمد من الآثار بعلة الجهالة أثر عثمان بن عفان أن الخلع تطليقة (^٣)،\n_________\n(^١) صحيح مسلم ١/ ٢٧١ ح ٣٤٩.\n(^٢) التمهيد ٢٣/ ١٠٠ - ١٠١.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ - رواية أبي مصعب الزهري ١/ ٦٢٠ ح ١٦١٣، ورواية محمد بن الحسن الشيباني ١٨٩ ح ٥٦٣ عن هشام بن عروة، عن أبيه عن جُمهان مولى الأسلميين عن أم بكرة الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد ثم أتيا عثمان بن عفان &gt; في ذلك فقال: هي تطليقة إلا أن تكون سمّت شيئًا فهو ما سمّت.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف ٦/ ٤٨٣ ح ١١٧٦٠ من طريق ابن جريج، عن هشام به. وأخرجه ابن أبي شيبة من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جمهان به مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١١٧ ح ١٨٤٢٩، ١٨٤٣٠، ١٨٤٣١.","vol":"1","page":135},{"text":"ردّه بجهالة الراوي عن عثمان وهو جمُهان (^١)، وذهب إلى قول ابن عباس أن الخلع تفريق وليس هو بطلاق. قال عبد الله: \"قال أبي في حديث عثمان: إسناده ما أدري ما هو: جمهان عن أم بكرة! هو كأنه لم يرض إسناده. قلت لأبي: تذهب إلى قول ابن عباس؟ قال: فيه اختلاف، ورأيته كأنه يذهب إلى قول ابن عباس\" (^٢).\nوقال أبو داود: \"قلت لأحمد: حديث عثمان: [أن الخلع تطليقة] لا يصح؟ فقال: ما أدري، جُمهان لا أعرفه\" (^٣).\nومن الآثار أيضًا ما ذكره أبو داود قال: \"سمعت أحمد ذكر أبا شيبة الذي روى عنه عبّاد ابن العوّام، عن عِكرمة [أن ابن عباس كان ينام بين جاريتين]، قال: أبو شيبة هذا شيخ مجهول\" (^٤)، وقال في رواية عبد الله: \"أبو شيبة الذي حدثنا عنه عباد بن العوام لا أدري من هو، ما روى عنه أعلم غير عباد\" (^٥)، ثم ذكر هذا الأثر. وهذا يدل على إنكاره لهذا الأثر لجهالة راويه.\n_________\n(^١) جُمهان مولى الأسلميين - بضم أوله - روى عن عثمان وسعد بن أبي وقاص، وعنه عروة بن الزبير، وعمرو بن نبيه الكعبي، وموسى بن عبيدة الجرح والتعديل ٢/ ٥٤٦.\nوقال الحافظ ابن حجر: ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة تهذيب التهذيب ٢/ ٩٥، وانظر: الطبقات للإمام مسلم ١/ ٢٥٢ رقم ٩١٤، ولم يسم الإمام مسلم هذه الطبقة بالطبقة الأولى، بل ذكرها بعد ذكر طبقة من يُشبه من قيل فيه إنه ولد في عهد النبي ﷺ في العلو والدرجة. وذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ١١٨. وقال في تقريب التهذيب ٩٧٣: مدني قديم، مقبول من الثالثة.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ٣/ ١٠٥٢ رقم ١٤٤٤. وكذلك ذكر ابن المنذر أن الإمام أحمد ضعف حديث عثمان هذا انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٣١٦.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٧ رقم ١٩١٥.\n(^٤) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣١٧ رقم ٤٢٧.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٠١ رقم ١٧٠٠.","vol":"1","page":136},{"text":"وأبو شيبة لا يعرف اسمه، وروى عنه أيضًا زكريا بن أبي زائدة على ما ذكره أبو زرعة الرازي (^١).\nوكان الإمام أحمد ﵀ ينكر حديث الراوي المجهول إذا تفرد به عن حافظ مكثر، فقد ورد في علل الخلال كما في \"المنتخب من علله\" (^٢).\nقال مهنا: \"سألت أحمد عن إبراهيم بن قعيس يحدث عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"سيكون أمراء من بعدي\" قال لا أعرفه. ولكن العلاء بن المسيب يحدث عنه هذا الحديث ولا نعرف هذا، ولم يروه أصحاب نافع قال: ولا أعرف إبراهيم بن قعيس ولا أدري من هو\".\nفهذا الحديث أنكره الامام أحمد لأنه غريب من حديث نافع إذ لم يحدث به أصحاب نافع كمالك وعبيد الله وأيوب وغيرهم، ونافع إمام حافظ مكثر وكان له أصحاب كُثًر، والذي تفرد بالحديث عن نافع وهو إبراهيم بن قُعيس (^٣) ليس\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٩/ ٣٩٠.\n(^٢) ص ١٧٠ رقم ٩٠.\n(^٣) ويقال إبراهيم قعيس، قال الحافظ ابن حجر: قُعيس لقب إبراهيم وهو إبراهيم بن إسماعيل لسان الميزان ١/ ٩٣. قال أبو حاتم: ضعيف الحديث الجرح والتعديل ٢/ ١٥١.\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير ولم يجرحه كما قال الحافظ ابن حجر التاريخ الكبير ١/ ٣١٤، لسان الميزان، الموضع السابق. وذكره ابن حبان في الثقات ٦/ ٢١ - ٢٢. وقال الحافظ: وأخرج حديثه في صحيحه.\nروى عن نافع، وأبي وائل شقيق بن سلمة، وروى عنه العلاء بن المسيب، وسليمان بن طرخان التيمي، وكلاهما ثقة انظر الجرح والتعديل ٢/ ٥١.\nولإبراهيم قُعيس حديث آخر عن نافع، رواه عنه العلاء بن المسيب، وأنكره ابن خزيمة كما قال الحافظ في اتحاف المهرة ٩/ ٩ ولفظه: [أن النبي ﷺ كان إذا خرج في غزوة كان أول عهده بفاطمة وأنه خرج في غزوة تبوك ومعه علي …]. أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان الإحسان ٢/ ٤١، والحاكم المستدرك ١/ ٤٩٩، ٣/ ١٥٦. وقال الإمام ابن خزيمة: أنا بريء من عهدة هذا الخبر، لأن فيه لفظة تدل على أنه غير ثابت، وهي قوله: ومعه علي وعلي لم يشهد غزوة تبوك.","vol":"1","page":137},{"text":"بمعروف عند الامام أحمد ولا يدري من هو، فلا يحتمل منه مثل هذا التفرد. والظاهر أن رواية الثقة عنه - وهو العلاء بن المسيب (^١) - لم تكسبه تلك المعرفة التي يحتمل معها قبول خبر تفرد به عن مثل نافع. والله أعلم.\nهذا الحديث رواه أحمد (^٢) قال: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر - يعني ابن عياش، عن العلاء بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا يفعلون، فمن صدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض\".\nوذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (^٣)، وأخرج نحوه الطحاوي (^٤).\nوقد أشار البخاري إلى وقوع اختلاف في رواية هذا الحديث فذكر أن محمد بن يوسف البيكندي روى عن سفيان، عن زُبيد، عن رجل يقال له: إبراهيم، عن كعب بن عجرة قال: قال النبي ﷺ: \"سيكون أمراء … \" (^٥). هكذا أخرجه الترمذي (^٦)، والنسائي (^٧) كلاهما من طريق محمد بن يوسف، فذكراه عن إبراهيم وليس بالنخعي. وكان البخاري يشير إلى احتمال أن إبراهيم في هذا الإسناد هو قعيس، ونفى المعلمي أن يكون إبراهيم في هذا الإسناد هو قعيس (^٨)، والحديث\n_________\n(^١) وثقة ابن سعدون، وابن معين، وابن عمار الموصلي، والذهبي، وابن حجر. انظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٣٤٨، الجرح والتعديل ٦/ ٣٦١، المعرفة والتاريخ ٣/ ٩٣، تهذيب الكمال ٢٢/ ٥٤٣، الميزان ٤/ ٢٥، التقريب.\n(^٢) المسند ٩/ ٥١٤ ح ٥٧٠٢.\n(^٣) ١/ ٣١٤.\n(^٤) شرح مشكل اللآثار ح ١٣٤٦.\n(^٥) التاريخ الكبير ١/ ٣١٥.\n(^٦) الجامع ٤/ ٥٢٥ ح ٢٢٥٩.\n(^٧) السنن الكبرى ٧٨٣٣.\n(^٨) حاشية التاريخ الكبير ١/ ٣١٥.","vol":"1","page":138},{"text":"معروف لكعب بن عجرة من طرق أخرى عن عاصم العدوي، عن كعب بن عجرة صححه الترمذي، وابن حبان (^١).\n_________\n(^١) انظر: جامع الترمذي ح ٢٢٥٩، سنن النسائي ح ٤٢١٨، ٤٢١٩، السنن الكبرى ح ٧٣٨٠ - ح ٧٨٣٣، المسند ٣٠/ ٥٠ ح ١٨١٢٦، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ٥١٧ ح ٢٨٢.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>المبحث الخامس: إعلال حديث الراوي المكثر من الرواية عن المجهولين</span>.\nمن الأمور المنتقدة على بعض الرواة كثرة روايتهم عن المجهولين، لأن ذلك يدل على عدم عنايته بانتقاء الشيوخ، وعدم التمكن من الوقوف على حال المجهولين. ويظهر أثر ذلك في ترحيح مرسل من ينتقي شيوخه على مرسل من لا ينتقيهم (^١).\nوقد كان الإمام أحمد ينكر على الرواة عدم انتقاء الشيوخ. قال محمد بن عبد الله: \"كنت عند أحمد بن حنبل فقال له إبراهيم بن خرزاذ: يا أبا عبد الله، إن ابن عرعرة يحدث، فقال: أف، لا يُبالون عمن كتبوا - يعني إبراهيم بن عرعرة\" (^٢).\nومن أمثلة ما أعله الإمام أحمد من أحاديث الثقات لكون شيخهم في الإسناد مجهولًا:\nقال أبو طالب: \"سألت أحمد بن حنبل في السجن عن حديث يزيد بن هارون، عن بقية، عن أبي أحمد، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ قال: \"إذا كتبت كتابًا فتربه، فإنه أنجح للحاجة والتراب مبارك\" فقال: هذا حديث منكر، وما روى بقية عن بحير بن سعيد، وصفوان والثقات يكتب، وما روى عن المجهولين لا يكتب\" (^٣).\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (^٤)، وابن أبي شيبة (^٥) بلفظ: [تربوا صحفكم أنجح لها، إن التراب مبارك] من طريق بقية به.\n_________\n(^١) انظر: ضوابط الجرح والتعديل ص ١٢٩.\n(^٢) تاريخ بغداد ٦/ ١٤٨.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٣.\n(^٤) السنن ٢/ ١٢٤٠ ح ٣٧٧٤.\n(^٥) المصنف ٥/ ٣٠٨ ح ٢٦٣٦٧.","vol":"1","page":141},{"text":"وقد رواه بقية من وجه آخر: عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. قال أبو حاتم: هذا حديث باطل (^١).\nوذُكر ليحيى بن معين قال: ذاك لا يساوي حديثه شيئًا (^٢).\nقال الذهبي: هذه بواطيل (^٣).\nقال أبو طالب: \"سألت أبا عبد الله: قلت: شُريح حدثنا عن محمد بن إسماعيل - يعني ابن أبي فديك، عن عبد الملك بن زيد، عن مصعب بن مصعب، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ترفع زينة الدنيا بعد خمس وعشرين ومائة سنة\". قال أبو عبد الله: لا تخرجه، هذا منكر جدًا، كان ابن أبي فُديك لا يُبالي عمن روى\" (^٤).\nهذا الحديث أخرجه ابن عدي (^٥)، والبزار (^٦) وقال البزار: \"هذا الحديث لا نعرفه إلا عن عبد الرحمن بن عوف، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق\".\nقال ابن عدي: \"هذا حديث منكر بهذا الإسناد، لم يروه غير عبد الملك بن زيد، وعن عبد الملك بن ابن أبي فُديك\".\nوعبد الملك بن زيد، ضعفه ابن الجنيد، وقال النسائي: ليس به بأس (^٧).\nوابن أبي فُديك هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك، أبو إسماعيل المدني. قال عنه الإمام أحمد في رواية أبي داود: ابن أبي فُديك لا يُبالي أي شيء\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٣٠٩ ح ٢٤٤٢.\n(^٢) كشف الخفاء ١/ ١٠٠.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٢٤.\n(^٤) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٩١ رقم ١٨٩.\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ٣٠٨.\n(^٦) البحر الزخار ح ١٠٢٧.\n(^٧) تهذيب التهذيب ٦/ ٣٩٣ - ٣٩٤.","vol":"1","page":142},{"text":"روى (^١). وقال في رواية الفضل بن زياد: لا بأس به، قيل له: أهو أحب إليك أو أبو ضمرة؟ قال: لا أدري (^٢). وقال عنه الذهبي وابن حجر: صدوق (^٣).\nوضعف الإمام أحمد حديث ابن عمر مرفوعًا: \"من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام لم تقبل له صلاة ما دام عليه\" (^٤) في رواية أبي طالب وقال: \"هذا ليس بشيء، ليس له إسناد\" (^٥).\nقال ابن رجب: \"يشير إلى ضعف إسناده، فإنه من رواية بقية، عن يزيد ابن عبد الله الجهني، عن هاشم الأوقص، عن نافع. وقال أحمد في رواية مهنَّا: لا أعرف يزيد بن عبد الله، ولا هاشمًا الأوقص\" (^٦).\nفيزيد بن عبد الله الجهني من شيوخ بقية المجهولين، فضعف الحديث من أجله.\n_________\n(^١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد رقم ٢١٠.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٥.\n(^٣) انظر: تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٨٨، وميزان الاعتدال ترجمة ٧٢٣٦، تقريب التهذيب ترجمة ٥٧٧٣.\n(^٤) أخرجه أحمد ١٠/ ٢٤ ح ٥٧٣٢، وعبد بن حميد المنتخب من مسنده ص ٢٦٧ ح ٨٤٩، والبيهقي شعب الإيمان ٥/ ١٤٢ ح ٦١١٤، والخطيب تاريخ بغداد ١٤/ ٢١ من طريق بقية بن الوليد، عن يزيد بن عبد الله، عن هاشم الأوقص، عن نافع، عن ابن عمر.\n(^٥) ذكره الخلال، ونقله عنه الزيلعي نصب الراية ٢/ ٣٢٥، وانظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ٢١٥.\n(^٦) فتح الباريخ لابن رجب الموضع نفسه.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>الفصل الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي بما يُخلُّ بعدالته</span>","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>المبحث الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالكذب أو التهمة به</span>.\nمن الأمور التي تعود إلى الإعلال بالطعن في عدالة الراوي الإعلالُ بالكذب، ولماّ كان عماد الرواية هو الصدق كان أشدَّ موجِبات ردّ رواية الراوي كذبُه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي.\nفكذب الراوي في الحديث النبوي هو أن يروي عن النبي ﷺ ما لم يقلْه ولم يفعلْه ولم يُقرَّه متعمدًا لذلك (^١). ويُسمّى الحديث الذي رواه \"الموضوع\". وبعض العلماء لم ير التقييد بقيد التعمّد، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فعرّف الموضوع بأنه ما يُعلم انتفاء خبره وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب بل أخطأ فيه (^٢). والناظر في مناهج النّقّاد المتقدمين ومصطلحاتهم في هذا الباب يرى أنهم يطلقون الحكم بالوضع على حديث من وقع ذلك منه عمدًا أو خطأً، كما يصفون الراوي بالكذب وإن كان لم يتعمد اختلاق المتون، وكذلك جامعوا كتب الموضوعات كما أفاده الشيخ المعلمي ﵀ حيث قال: \"إذا قام عند الناقد من الأدلة ما غلب على ظنه معه بطلان نسبة الخبر إلى النبي ﷺ فقد يقول: باطل أو موضوع، وكلا اللفظين يقتضي أن الخبر مكذوب عمدًا أو خطأ، إلا أن المتبادر من الثاني الكذب عمدًا غير أن هذا المتبادر لم يَلتفِت إليه جامعو كتب الموضوعات، بل يوردون فيها ما يجدون قيام الدليل على بطلانه وإن كان الظاهر عدم التعمد\" (^٣).\nوكذلك يُطلق المتقدمون الكذب على من يدّعي سماع حديث من شيخ لم\n_________\n(^١) ضوابط الجرح والتعديل ص ١٠٨، وانظر: نزهة النظر ص ٤٣ - ٤٤.\n(^٢) المصعد الأحمد ص ٣٤ - ٣٥، وانظر: الوضع في الحديث ١/ ١٠٨.\n(^٣) مقدمة تحقيقه لكتاب الفوائد المجموعة ص ١١.","vol":"1","page":147},{"text":"يسمع منه، أو من يتعمد قلب الإسناد، أو من يسرق الحديث، أو يقبل التلقين، أو يلزق أحاديث الضعفاء على الثقات، وحكموا على أحاديث هؤلاء وأمثالهم بالوضع، كما ستأتي أمثلة ذلك عند الإمام أحمد، بينما المتأخرون قد خصصوا لأحاديث هؤلاء أسماءً خاصة نظرًا لكونهم لم يتعمدوا الكذب (^١)، ولكن الشأن في الأئمة المتقدمين - كما سوف يظهر من منهج الإمام أحمد - أن استعمالهم للمصطلحات أشد شمولًا من استعمال المتأخرين لها، الذين عُرفوا بتحرّي التحديد في المصطلحات، على غِرار ما بين منهج الفريقين من الفرق في استعمال ألفاظ الجرح والتعديل (^٢).\nوأما التهمة بالكذب فهو أن يتفرد الراوي برواية ما يخالف القواعد المعلومة إذا لم يكن في الإسناد من يُتّهم بذلك غيره، ومنه أيضًا أن يُعرف عنه الكذب في كلامه وإن كان لا يُتّهم أن يَكذِب على رسول الله ﷺ (^٣). ويدخل في هذا من يصرّح بالسماع من شيخ ثبت أنه لم يسمع منه (^٤). وكل هذه الأقسام داخلة في الإعلال بكذب الراوي في هذه الدراسة.\nومن خلال دراسة الأحاديث التي أعلّها الإمام أحمد بكذب رواتها أو حكم عليها بالوضع أو الكذب أو البطلان يظهر بعض معالم منهجه في هذا الباب، وذلك في سبعة مطالب:\n_________\n(^١) انظر: الوضع في الحديث ١/ ١٠٩.\n(^٢) انظر: ضوابط الجرح والتعديل ص ٦٥.\n(^٣) ضوابط الجرح والتعديل ص ١٠٧، وانظر: نزهة النظر ص ٤٤.\n(^٤) قال الذهبي: أما سرقة السماع وادِّعاء ما لم يَسمع من الكتب والأجزاء فهذا كذبٌ مجرد، ليس من الكذب على الرسول ﷺ، بل من الكذب على الشيوخ، ولن يفلح من تعاناه، وقل من ستر الله عليه منهم، فمنهم من يفتضح في حياته ومنهم من يفتضح بعد وفاته، فنسأل الله الستر والعفو الموقظة ص ٦٠.","vol":"1","page":148},{"text":"١. إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال الراوي.\n٢. إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المروي.\n٣. لا منافاة بين ثقة الراوي والحكم على حديثه بالوضع.\n٤. تعدد طرق الحديث المعلّ بكذب راويه.\n٥. مصطلحات الإمام أحمد في هذا الباب.\n٦. موقفه من الرواية عن الكذّابين والمتَّهمين بالكذب.\n٧. مخالفة حكمِه حكمَ غيره في آحاد المسائل في هذا الباب.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>المطلب الأول: إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال الراوي</span>.\nإن الحكم بالوضع على حديث من الأحاديث عمل مبني على غلبة الظن، وللأئمة في هذا طرق متعددة، وإدراك قوي تضيق عنه عباراتهم من جنس ما يؤتاه الصيرفي الجِهبِذ في نقد الذهب والفضة، أو الجوهري لنقد الجواهِر والفُصوص لتقويمها (^١). وهناك قرائن تظهر للباحث من مناهج الأئمة يستعين بها على إدراك الأحكام التي توصل إليها هؤلاء الأئمة في هذا الباب، بعضها تعود إلى حال الراوي، وبعضها تعود إلى حال المروي. وسأذكر في هذا المطلب ما وقفت عليه عند الإمام أحمد من القرائن التي تعود إلى حال الراوي، وذلك من خلال دراسة بعض الأحاديث التي حكم عليها بالوضع أو ما في معناه، وهذه القرائن كالتالي:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-92> كون الراوي ممن وصف بأنه كذّاب أو يروي الموضوعات:</span>\nفمن ذلك ما رواه ابنه عبد الله:\nقال عبد الله: \"عرضتُ على أبي أحاديث سمعتها من إسماعيل بن عبد الله ابن زرارة السُّكَّري الرقّي عن شيخ يقال له عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي كان ينزل بالس (^٢)، منها: عن خصيف عن أبي صالح عن أسماء بنت يزيد الأنصارية عن خزيمة بن ثابت الأنصاري قال: [إني لقائم تحت جِران (^٣) ناقة رسول الله ﷺ تَقصع عليّ بجِرَّتها (^٤) ويذوب عليّ لعابُها] فذكر الحديث وفيه\n_________\n(^١) انظر: الموقظة ص ٣٦ - ٣٧، التنكيل ١/ ٣٨.\n(^٢) بلدة بالشام بين حلب والرقة، كانت تحسب من أعمال الشام لوقوعها في يمين الفرات - أي في جانبه الغربي، وكانت في غرب الرقة عند حد أرض صفين حيث يتجه الفرات شرقًا بعد جريانه إلى الجنوب، وقد امتد عليها الخراب انظر: معجم البلدان ١/ ٣٢٨، بلدان الخلافة الشرقية ص ١٣٩.\n(^٣) هو باطن العنق النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٦٣.\n(^٤) شدة المضغ وضم بعض الأسنان على البعض النهاية ٤/ ٧٢.","vol":"1","page":150},{"text":"\"لا وصية لوارث، الولد للفراش، والعارية مردودة، والمِنحَة مردودة، والدَّيْن مقضي، والزَّعيم غارم - وهو الكفيل\"، وله أيضا غير هذا بأسانيد مختلفة. فقال أبي: عبد العزيز وهو الذي يروي عن خُصيف، اضرب على أحاديثه هي كذب أو قال: موضوعة أو كما قال أبي. فضربت على أحاديث عبد العزيز بن عبد الرحمن\" (^١).\nروى ابن عدي (^٢) والعقيلي (^٣) هذه الرواية من طريق عبد الله بن الإمام أحمد.\nوجه علة الحديث:\nأوضحه العقيلي حيث قال: \"وإنما أنكر أبوعبد الله الإسناد لا المتن، أما المتن فمعروف بغير هذا الإسناد عن عمرو بن خارجة الجنبي، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجماعة من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: \"الولد للفراش\" وليس فيه: \"وحسابهم على الله\" (^٤).\nومعنى هذا أن الحديث ليس له أصل من حديث خزيمة بن ثابت، والبلاء من عبد العزيز هذا ومن أجل ذلك أمر الإمام أحمد بالضرب على حديثه وسماه موضوعًا. وأيضًا قد انفرد بزيادة لفظة: \"وحسابهم على الله\".\nوعبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي قال فيه النسائي: ليس بثقة (^٥).\nوقال ابن عدي: وعبد العزيز هذا يروي عن خصيف أحاديث بواطيل يرويها عنه إسماعيل بن زرارة، وإسحاق بن خلدون البالسي، وفيها غير حديث خصيف عن أنس وسائر ذلك كله، ليس لها أصول ولا يتابعه الثقات\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣١٨ رقم ٥٤١٩.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩٢٧.\n(^٣) الضعفاء ٣/ ٧٧٠/٩٦٤.\n(^٤) الموضع السابق.\n(^٥) الضعفاء والمتروكون ٢١١/ ٣٩٤","vol":"1","page":151},{"text":"عليها. ا. هـ. (^١)، ونصّ في موضع آخر على أن البلاء في رواية خصيف منه لا من خصيف، قال: وإذا حدّث عن خصيف ثقة فلا بأس بحديثه وبرواياته إلا أن يروى عنه عبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي يكنى أبا الأصبغ، فإن رواياته عنه بواطيل، والبلاء من عبد العزيز لا من خصيف، ويروي عنه نسخة عن أنس بن مالك، وعن جماعة من التابعين. ا. هـ (^٢).\nوقال ابن حبان: يأتي بالمقلوبات عن الثقات فيكثر والملزقات بالأثبات فيفحش، وقال: كتبنا عنه عن عمر بن سنان، عن إسحاق بن خالد البالسي عنه نسخة شبيهًا بمائة حديث مقلوبة منها ما لا أصل له، ومنها ما هو ملزق بإنسان لم يرو ذلك البتة، لا يحل الاحتجاج به بحال. ا. هـ (^٣).\nوقال الحاكم أبو عبد الله: \"روى عن خصيف بن عبد الرحمن وعبد الكريم بن مالك أحاديث موضوعة\" (^٤).\nوقد رُويتْ هذه القصة التي وردت في هذا الحديث من حديث عمرو ابن خارجة الجنبي وأنه هو الذي وقعت له القصة المذكورة وليس لخزيمة بن ثابت كما في حديث البالسي هذا، فروى الإمام الترمذي في جامعه قال: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة أن النبي ﷺ خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها وإن لعابها يسيل بين كتفيّ فسمعته يقول: \"إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادّعى إلى غير أبيه أو\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩٢٧.\n(^٢) المصدر نفسه ٣/ ٩٤٢.\n(^٣) المجروحين.\n(^٤) المدخل إلى الصحيح ١/ ١٧٢.","vol":"1","page":152},{"text":"انتمى إلى غير مواليه رغبة عنهم فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا\". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (^١) ورواه النسائي (^٢)، وابن ماجه (^٣)، وأحمد (^٤)، والدارمي (^٥)، والدارقطني (^٦).\nفاتضح أن رواية عبد العزيز البالسي مقلوبة، لا أصل لها من حديث خزيمة بن ثابت البتة، والله أعلم. وفي هذا أيضًا إطلاق الوضع على إلزاق متن معروف بإسناد مختلق.\nومثال آخر لهذه القرينة:\nقال عبد الله: \"ذكرتُ لأبي حديث عبد الصمد، عن أبيه عبد الوارث، عن أبيه، عن الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يمشي الرجل في نعلٍ واحدةٍ أو خُفٍّ واحد. قال أبي: هذا حديث منكر. قيل له: إن غير عبد الصمد يقول: عن عبد الوارث، عن الحسن، عن عمرو بن خالد، عن حبيب. قال أبي: نُرى عمرو بن خالد ليس يسوى حديثه [شيئًا] ليس بشيء\" (^٧).\nوقال عبد الله في وجاداته على المسند (^٨): \"وكان في كتاب أبي - فذكر الحديث بهذا الإسناد - ثم قال: فلم يُحدثّنا به، ضرب عليه في كتابه، فظننت أنه\n_________\n(^١) الجامع ٤/ ٣٧٥/٢١٢١.\n(^٢) السنن ٦/ ٢٤٧/٣٦٤٤.\n(^٣) السنن ٢/ ٩٠٥/٢٧١٢.\n(^٤) المسند ٢٩/ ٦٢٢ - ٦٢٥ ح ١٨٠٨١ - ١٨٠٨٧.\n(^٥) السنن ٢/ ٤١٩.\n(^٦) السنن ٤/ ١٥٢.\n(^٧) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٥٩ رقم ٣٦٤٣ - ٣٦٤٤. وما بين المعكوفتين زيادة يقتضيها الكلام، وهي مثبتة فيما رواه العقيلي عن عبد الله كتاب الضعفاء ٣/ ٩٨٧.\n(^٨) المسند ٥/ ١٠٦ رقم ٢٩٤٨.","vol":"1","page":153},{"text":"ترك حديثه من أجل أنه روى عن عمرو بن خالد الذي يُحدّث عن زيد بن علي، وعمرو بن خالد لا يساوي شيئًا\".\nوهذا الحديث رواه عبد الله في زياداته على المسند كما تقدم، ورواه ابن عدي (^١) من طريق عمر بن شبة عن عبد الصمد بن عبد الوارث بمثل إسناد عبد الله، ليس فيه: عمرو بن خالد. ورواه الطبراني (^٢) من طريق الحسين بن علي الحلواني، عن عبد الصمد، عن أبيه، عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت به (^٣).\nوجه علة الحديث:\nأعلّه الإمام أحمد بأنه حديث منكر، وآفته عمرو بن خالد، وهو القرشي مولاهم، أصله من الكوفة ثم انتقل إلى واسط، وهو المتَّهم بهذا الحديث، ومن أجله ضرب الإمام أبو عبد الله على الحديث ولم يحدث به كما قال عبد الله. وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم: \"عمرو بن خالد الواسطي كذّاب، قلت: الذي يروي عنه إسرائيل؟ قال: نعم، الذي يروي حديث الزَّنديْن (^٤) ويروي عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب\" (^٥).\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٧٧.\n(^٢) المعجم الكبير ١٢/ ٢٣/١٢٣٥٩.\n(^٣) وكلاهما ذكرا الحديث بزيادة في متنه. ولفظ الحديث عند الطبراني: [أن النبي ﷺ نهى أن يمشي في نعل واحدة أو خف واحد ويبيت في دار وحده أو ينتقض في براز من الأرض إلا أن ينحني أو يلقى عدوا إلا أن ينحني عن نفسه].\nولفظ حديث ابن عدي: [نهى رسول الله ﷺ أن يمشي في خف واحد أو في نعل واحدة، وأن ينام على طريق، وأن ينتفض في براز وحده حتى يتنحنح، أو يلقى عدوا له وحده إلا أن يضطر فيدفع عن نفسه].\n(^٤) وقع في كتاب الضعفاء للعقيلي: الزيدين، وهو تصحيف، والصواب كما في الحديث المذكور ما أثبتُّ، وسيأتي ذكر الحديث.\n(^٥) كتاب الضعفاء ٣/ ٩٨٧، وانظر: تهذيب الكمال ٢١/ ٦٠٥.","vol":"1","page":154},{"text":"وقال الأثرم أيضًا: \"لم أسمع أبا عبد الله يصرّح في أحد ما صرّح في عمرو بن خالد من التكذيب\" (^١).\nوقال وكيع: \"كان في جِوارنا، يضع الحديث فلما فُطن له تحوّل إلى واسط\" (^٢).\nوقال عباس الدُّوري عن ابن معين: \"كذاّب غير ثقة ولا مأمون، يروي عن زيد بن علي، عن آبائه\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: \"كان واسطياًّ، وكان يضع الحديث، ولم يقرأ علينا حديثه وقال: اضربوا عليه\" (^٤).\nوقال الدارقطني: \"كذاب\" (^٥).\nوقال البيهقي: \"كان معروفًا بوضع الحديث\" (^٦).\nوقال الذهبي: \"كذبوه\" (^٧).\nوقال ابن حجر: \"متروك، رماه وكيع بالكذب\" (^٨)، وحالته أشد من المتروك.\nوقد دلّس الحسن بن ذكوان في الإسناد الذي في زيادات المسند وعند ابن عدي، فلم يذكر عمرو بن خالد في الإسناد، وأشار عبد الله إلى أن بعض\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب ٨/ ٢٧.\n(^٢) ميزان الاعتدال الترجمة ٦٣٥٩.\n(^٣) التاريخ ٢/ ٤٤٢.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ٢٣٠.\n(^٥) الضعفاء والمتروكون الترجمة ٤٠٣.\n(^٦) السنن الكبرى ١/ ٢٢٨.\n(^٧) الكاشف الترجمة ٤١٥٠.\n(^٨) التقريب الترجمة ٥٠٥٦.","vol":"1","page":155},{"text":"تلاميذ عبد الوارث بن سعيد رووه بذكر عمرو بن خالد بين الحسن بن ذكوان وحبيب بن أبي ثابت. وقد جاء هذا مصرَّحًا عن الإمام أحمد، ذكره العقيلي في ترجمة الحسن بن ذكوان من طريق الأثرم أنه قال:\n\"قلت لأبي عبد الله: الحسن بن ذكوان ما تقول فيه؟ فقال: أحاديثه أباطيل، يروي عن حبيب بن أبي ثابت … وهو لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي\" (^١).\nوإنكار الإمام أحمد موجه إلى إسناد الحديث لا المتن، ووجه ذلك أن الحديث لا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، وأما متنه - أي النهي عن الانتعال في نعل واحدةٍ (^٢) - فصحيح من حديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله. فحديث أبي هريرة في الصحيحين (^٣) بلفظ: \"لا يشمي أحدكم في نعل واحدة، ليَنعلْهما جميعًا أو ليَخْلَعهما جميعًا\"، وهذا لفظ مسلم. وحديث جابر في صحيح مسلم بلفظ: [أن رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله، أو يمشي في نعل واحدة، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه] (^٤).\nوفي هذا إطلاق الوضع على تركيب الإسناد لا على اختلاق المتن، وهو مثل الذي قبله، فدل على أن إلزاق متن معروف بسند مختلق يعتبر وضعًا، والعلم عند الله.\nوفيه أيضًا إثبات الوضع بقرينة وجود راوٍ معروفٍ بالوضع في سند الحديث، وهو المطلوب من هذا المطلب. وفيه أيضًا إطلاق النكارة على ما هو وضع في الحقيقة، وسيأتي.\n_________\n(^١) كتاب الضعفاء ١/ ٢٤٢.\n(^٢) ما عدا الزيادات التي في الحديث والتي لم يذكرها عبد الله في زيادات المسند.\n(^٣) صحيح البخاري ح ٥٨٥٥، وصحيح مسلم ح ٢٠٩٧٦٨.\n(^٤) صحيح مسلم ٢٠٩٩٧٠.","vol":"1","page":156},{"text":"وقد أمر الإمام أحمد بالضرب على حديث آخر لعمرو بن خالد سيأتي في مطلب موقفه من الرواية عن الكذّابين والمتهمّين بالكذب، وأنكر له حديثًا آخر سيأتي في مطلب قرائن تعود إلى حال المروي إن شاء الله.\nومثال ثالث لإثبات الوضع بقرينة وجود راوٍ وُصف بالكذب ما ذكره عبد الله:\nقال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: يعقوب بن الوليد من أهل المدينة، وكان من الكذّابين الكبار، فحدّث عن أبي حازم، عن سهل بن سعد [أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب] \" (^١).\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في السنن (^٢) قال: حدثنا محمد بن الصباح، وعمرو بن رافع، ثنا يعقوب بن الوليد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد به.\nوأخرجه الطبراني (^٣) من طريق عبد الرحمن بن نافع عن يعقوب به.\nوجه علة الحديث:\nأعلّه الإمام أحمد بيعقوب بن الوليد الذي وصفه هنا بأنه كان من الكذّابين الكبار.\nوقال عنه أيضًا: \"يعقوب بن الوليد المديني أبو يوسف كتبت عنه وخرقنا حديثه منذ دهر، وكان من الكذّابين وكان يضع الحديث، يحدث عن أبي حازم، وهشام بن عروة، وابن أبي ذئب. وقال عبد الله: سمعت أبي يقول غير مرّة: كان\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٤٨ رقم ١٣٠٥. ورواه ابن أبي حاتم عن عبد الله في ترجمة يعقوب بن الوليد. انظر: الجرح والتعديل ٩/ ٢١٦.\n(^٢) كتاب الأطعمة - باب القثاء والرطب يجمعان ٢/ ١١٠٤/٣٣٢٦.\n(^٣) المعجم الكبير ٦/ ١٦٢/٥٨٥٩.","vol":"1","page":157},{"text":"كذّابًا يضع الحديث\" (^١).\nوهكذا أطلق الجرح على يعقوب غير واحد من الأئمة، فقال ابن معين كما في رواية عباس الدوري: \"لم يكن بشيء\" (^٢) وقال الجوزجاني: \"غير ثقة ولا مأمون، هو صاحب حديث سهل بن سعد في الرطب والقثّاء\" (^٣) وقال أبو حاتم: \"منكر الحديث ضعيف الحديث كان يكذب، والحديث الذي رواه موضوع، وهو متروك الحديث\". وقال أبو زرعة: \"ليس بشيء وترك حديثه\" (^٤) واتهمه ابن عدي بسرقة الحديث (^٥). وقال ابن حبان: \"كان ممن يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب\" (^٦).\nومتن الحديث صحيح من حديث عبد الله بن جعفر ﵁ بلفظ: [رأيت النبي ﷺ يأكل الرطب بالقثاء]. أخرجه الأئمة الستة إلا النسائي (^٧). ومن حديث عائشة ﵂ بلفظ: \"أن النبي ﷺ كان يجمع البطيخ بالرطب\" أخرجه أبو داود (^٨)،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٣٢ رقم ٣٥١٨.\n(^٢) التاريخ ٢/ ٦٨١.\n(^٣) أحوال الرجال ١٣٤ ترجمة ٢٢٦.\n(^٤) الجرح والتعديل ٩/ ٢١٦، وعنى أبو حاتم بالحديث الذي رواه يعقوب هذا الحديث الذي تحت الدراسة فإن ابن أبي حاتم ذكر قول الإمام أحمد في هذا الحديث من طريق عبد الله في صدر ترجمة يعقوب بن الوليد.\n(^٥) الكامل ٧/ ٢٦٠٥.\n(^٦) المجروحين ٣/ ١٣٨. وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ٣١/ ٣٧٢ - ٣٧٤.\n(^٧) البخاري كتاب الأطعمة - باب القثاء بالرطب ٩/ ٥٦٤ ح ٥٤٤٠، ومسلم كتاب الأشربة - باب أكل القثاء بالرطب ٤/ ١٦١٦ ح ٢٠٤٣، وأبو داود الأطعمة - باب في الجمع بين لونين في الأكل ٣/ ١١٧٦ ح ٣٨٣٥، والترمذي باب ما جاء في أكل القثاء بالرطب برقم ١٨٤٤، وابن ماجه الأطعمة - باب القثاء بالرطب يجمعان ٢/ ١١٠٤ ح ٣٣٢٥.\n(^٨) السنن ح ٣٨٣٩.","vol":"1","page":158},{"text":"والترمذي (^١)، والنسائي (^٢)، وابن حبان (^٣). ومن حديث أنس بن مالك ﵁ عند الترمذي في \"الشمائل\" (^٤)، وأحمد (^٥)، والنسائي (^٦)، وابن حبان (^٧)، ولفظه: [أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب].\nومن هذا يفهم أن كلام الإمام أحمد في الحديث هو من حيث إسناده إلى سهل بن سعد، فكأن يعقوب بن الوليد ركّب له هذا الإسناد: أبو حازم، عن سهل بن سعد، وهذا من سرقة الحديث، وهو نوع من الوضع في الحديث.\nوقد وافق الإمام أحمد على إعلال هذا الحديث الإمامان أبو حاتم، والجوزجاني؛ الأول صريحًا في قوله: \"والحديث الذي رواه موضوع\"، والثاني إيماءً في قوله: \"وهو صاحب حديث سهل بن سعد في الرطب والقثّاء\". وقد تقدم أقوالهما. وقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عن أحاديث ثلاثة رواها أبو يوسف المديني، منها: حديث أبي يوسف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: [رأيت النبي ﷺ يأكل البطيخ بالرطب]، قال أبي: أبو يوسف هذا اسمه يعقوب بن الوليد ضعيف الحديث، وحديث سهل هو باطل وهذه الاحاديث الثلاثه بواطيل\" (^٨).\nوليعقوب هذا حديث آخر أعلّه الإمام أحمد بقوله: ليس يثبت، وهو حديث ابن عمر مرفوعًا: \"الوقت الأول من الصلاة رضوان الله والوقت الآخر عفو الله\"\n_________\n(^١) الجامع ح ١٨٤٣.\n(^٢) السنن الكبرى ٤/ ١٦٦ ح ٦٧٢٢، ٦٧٢٣.\n(^٣) الإحسان ١٢/ ٥٢ ح ٥٢٤٧.\n(^٤) برقم ٢٠٠.\n(^٥) المسند ١٩/ ٤٣٤ ح ١٢٤٤٩.\n(^٦) السنن الكبرى ٤/ ١٦٧ ح ٦٧٢٦.\n(^٧) الإحسان ١٢/ ٥٣/٥٢٤٨.\n(^٨) علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٤ ح ١٥١٥، وانظر الحديثين الباقيين برقم ١٢٣٥، ٢٤٢٣ من الكتاب نفسه.","vol":"1","page":159},{"text":"رواه الترمذي (^١)، والدارقطني (^٢)، والبيهقي (^٣) كلهم من طريق أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره.\nفقال الخلال: أخبرنا الميموني قال: سمعت أبا عبد الله يقول: \"لا أعرف شيئًا يثبت في أوقات الصلوات: أولها كذا، وأوسطها كذا، وآخرها كذا - يعني مغفرة ورضوانًا. وقال له رجل: ما ترى: أول الوقت كذا وأوسطها كذا رضوان ومغفرة؟ فقال له أبو عبد الله: من يروي هذا؟ ليس هذا يثبت\" (^٤).\nوقال ابن عدي: \"هذا الحديث بهذا الإسناد - أي إسناد يعقوب بن الوليد - باطل\" (^٥).\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-93> ومن القرائن التي تعود إلى حال الراوي رميه بسرقة الحديث:</span>\nوسرقة الحديث هو تعمّد تركيب متن على إسناد ليس له، وقد تقدمت بعض أمثلة ذلك، ومنه أيضًا أن يسرق حديثًا لم يسمعه فيدّعي سماعَه من رجل (^٦)، وحديث الموصوف بهذه الصفة يُطلق عليه الإمام أحمد الكذب والبطلان. ومن أمثلة ذلك:\nقال عبد الله: \"قلت لأبي: بلغني أن ابن الحِمَّاني حدّث عن شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة \"أن النبي ﷺ كان يُعجبه النظر إلى الحمام\".\n_________\n(^١) الجامع ح ١٧٢.\n(^٢) السنن ١/ ٢٤٩.\n(^٣) السنن الكبرى ١/ ٤٣٥.\n(^٤) الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٤/ ٧٥ - ٧٦.\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٦٠٦.\n(^٦) الموقظة ص ٦٠.","vol":"1","page":160},{"text":"فأنكروه عليه فرجع عن رفعه وقال: عن عائشة مرسلًا. فقال أبي: هذا كذب، إنما كنا نعرف به حسين بن علوان، ويقولون إنما وضعه على هشام. قلت له: إن بعض أصحاب الحديث زعم أن أبا زكريا السَّيْلحيني رواه عن شريك، قال كَذِبٌ هذا على السَّيْلحيني، السيلحيني لا يحدث بمثل هذا، هذا حديث باطل\" (^١).\nلم أقف على هذا الإسناد الذي ذكره عبد الله، ولا رواية حسين بن علوان التي أشار إليها الإمام أحمد رحمة الله عليهما جميعًا. وقد أخرج ابن الجوزي في الموضوعات (^٢) من طريق الحاكم بإسناده عن أبي حفص عمرو بن شمر، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عائشة قالت: [كان رسول الله ﷺ يحب النظر إلى الخضرة، وإلى الأترج، وإلى الحمام الأحمر]. ثم قال: عمرو بن شمر متروك.\nوجه علة الحديث:\nأعل الإمام أحمد الإسناد الذي ذكره عبد الله بيحيى الحِمّاني بأنه سرقه من حسين بن علوان الذي قام بوضعه على هشام بن عروة. وقد ركّب له يحيى الحِمّاني إسنادًا فجعله من حديث شريك؛ سرقه من حسين بن علوان هذا، وليس له أصل من حديث شريك، ولو ثبت أن السيْلحيني حدّث به عن شريك لكان له أصل، لأن السيْلحيني - وهو يحيى بن إسحاق البجلي السيْلحيني، ويقال: السيْلحوني والسالحيني - شيخ صدوق، ووثقه ابن سعد، والذهبي (^٣). لكن ذلك لم يثبت، فقد ذكر عبد الله كما في رواية الخلال عنه للمسألة: \"أن فضل\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٤ رقم ١٤٩٩، والمنتخب من علل الخلال ص ٨٢ رقم ٢٣، وانظر: كتاب الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٢٢.\n(^٢) ٣/ ٩ ح ١٢٠٣. وانظر: التلخيص للذهبي ٣٢٩ رقم ٨٣١، واللآلي ٢/ ٢٣٠.\n(^٣) انظر: تهذيب الكمال ٣١/ ١٩٧، والطبقات لابن سعد ٧/ ٣٤٠، والكاشف ٦١٢٧.","vol":"1","page":161},{"text":"الأعرج قال: سمعت يحيى بن معين يقول: قد حدّث به السيْلحيني، فأنكره أبي وقال لي: اذهب إلى يحيى وقلْ: قال لك أبي: سمعتَه من السيْلحيني؟ قال: فلقيت يحيى فذكرتُ له إنكارَ أبي عبد الله فقال: قل له: لا، والله ما سمعتُهُ، ورفع عبدُ الله صوتَه كأنه يُحاكي كلامَ يحيى\" (^١).\nويحيى الحِمّاني هو يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني أبو زكريا الكوفي. ذكر الإمام البخاري أن الإمام أحمد رماه (^٢)، وروى غير واحدٍ من تلاميذ الإمام أحمد وجه هذا الرمي وأن ذلك راجعٌ إلى سرقة الحديث، وليس بمعنى اختلاق المتون، ومن أجمع ما رُوي في ذلك ما رواه ابنه عبد الله قال: \"قلت لأبي: إن ابنيْ أبي شيبة ذكرا أنهما يقدمان بغداد فما ترى فيهم؟ فقال: قد جاء ابنُ الحِمّاني إلى ههنا فاجتمع عليه الناس وكان يَكذِب جِهارًا فاجتمع عليه الناس، ابنُ أبي شيبة على حال يصدق … قلت لأبي: ابن الحماني حدّث عنك، عن إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ \"أبردوا بالصلاة\" فقال: كذَب، ما حدثتُه به. فقلت: إنهم حكوا عنه أنه قال: سمعتُه منه في المذاكرة على باب إسماعيل بن عُليّة. فقال: كذَب، إنما سمعتُه بعد ذلك من إسحاق الأزرق وأنالم أعلم تلك الأيام أن هذا الحديث غريب حتى سألوني عنه بعد ذلك هؤلاء الشباب أو قال: هؤلاء الأحداث. قال أبي: وقتَ التقيْنا على باب ابنِ عُليّة إنما كنا نتذاكر الفقه والأبواب، لم نكن تلك الأيام نتذاكر المسند، كنا نتذاكر الصغار وأحاديث الفقه والأبواب. وقال أبي: كان وقع إلينا كتاب الأزرق، عن شريك فانتخبت منه فوقع هذا الحديث فيها. قلت لأبي: أخبرني رجلٌ أنه سمع ابنَ الحِماني يحدث عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] قال: كانوا يكرهون أن يستدلوا، فقال رجل: هذا الحديث في كتب ابن المبارك عن\n_________\n(^١) المنتخب من علل الخلال ٨٢ - ٨٣.\n(^٢) التاريخ الكبير ٨/ ٢٩١.","vol":"1","page":162},{"text":"شريك، عن الحكم البصري، عن منصور. فقال ابن الحماني: حدثناه شريك عن الحكم البصري، عن منصور. فقال أبي: ما كان أجرأَه، هذه جرأةٌ شديدةٌ ولم يعُجبه ذلك، وقال: ما زِلنا نعرفه أنه يسرق الأحاديث أو يتلقَّطُها أو يتلقَّفُها\" (^١).\nقال: \"وسمعت أبي مرة أخرى وذكر ابن الحِمّاني فقال: قد طلب وسمع، ولو اقتصر على ما سمع لكان له فيه كفاية. قال عبد الله بن أحمد: وهذا أحسن ما سمعت من أبي فيه\" (^٢).\nوقد تواتر توثيق يحيى الحماني عن يحيى بن معين كما قال الذهبي، وكان له مسند كبير وكان يزعم أنه أول من جمع المسند من أهل الكوفة، قال الذهبي: \"لا ريب أنه كان مبرزًا في الحفظ كما كان سليمان الشاذكوني، ولكنه أصون من الشاذكوني، ولم يقل أحدٌ قط إنه وضع حديثًا، بل ربما كان يتلقّط أحاديث ويدّعي روايتها، فيرويها على وجه التدليس ويُوهم أنه سمعها، وهذا قد دخل فيه طائفة، وهو أخف من افتراء المتون\" (^٣).\nوالحديث الذي في هذه المسألة مثال على تركيب متن على إسناد ليس له، الأمر الذي جعل الإمام أحمد يرمي يحيى الحماني بالكذب، وهذا أشد من ادعاء السماع، وإن كان كلا الأمرين داخلين في سرقة الحديث. والإمام أحمد لم يخرج ليحيى الحماني شيئًا في المسند (^٤).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٠ رقم ٤٠٧٧ - ٤٠٤٩.\n(^٢) المصدر نفسه ١/ ١٧٢ رقم ١١٢، وزيادة قول عبد الله من تهذيب الكمال ٢١/ ٤٢٥.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٣٦ - ٥٣٧.\n(^٤) هذا حسب البحث والتتبع، وكذلك فهرس الرواة في المسند ج ٥٠.","vol":"1","page":163},{"text":"٣.<span data-type='title' id=toc-94> ومن قرائن إثباث الوضع والتي تعود إلى حال الراوي كون الراوي يروي عن شيخ ويصرح بالسماع منه مع كونه لم يسمع منه</span>\nمن أمثلة ذلك ما رواه الخلال عن حنبل:\nقال حنبل: \"قلت لأبي عبد الله: حدثنا عاصم، عن محمد بن زياد الجزري، عن ميمون، عن يزيد بن الأصمّ قال: قال [إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذونه]. قال أبو عبد الله: اضرب عليه، فضربت عليه وسمعت أبا عبد الله يقول: محمد بن زياد الجزري يقال: إنه يضع الحديث\" (^١).\nأنكر الإمام أحمد هذه الرواية وأمر بالضرب عليها لحال محمد بن زياد الجزري، وهو محمد بن زياد الطحان اليشكري الكوفي المعروف بالميموني - نسبة إلى ميمون بن مهران (^٢). قال عنه هنا: \"يضع الحديث\". وقال عبد الله: \"سألت أبي عن محمد بن زياد يقال له الميموني كان يحدث عن ميمون بن مهران، قال: كذاب خبيث أعور يضع الحديث\" (^٣).\nوبين وجه هذا الكذب في رواية أبي دواد: قال: سمعت أحمد بن حنبل قال: \"ما كان أجرأَه! يقول حدثنا ميمون بن مهران\" (^٤).\nفالظاهر من هذه العبارة أنه يصرّح بالسماع من ميمون بن مهران مع كونه لم يسمع منه، وهذا من أوضح القرائن على كذب الراوي. ومما يدل على عدم سماعه من ميمون ما ذكره هارون بن مرّة ويحيى بن معين يسمع قال: \"جاء كتاب البغداديين إلى أبي المليح وأنا حاضر يسألونه عن محمد بن زياد الطحان فقال:\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ١٥٢ رقم ٧٤.\n(^٢) انظر عن هذه النسبة اللباب في تهذيب الأنساب ٣/ ٢٨٤.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٢٩٧/٥٣٢٢.\n(^٤) سؤالات أبي عبيد أبا داود السجستاني ٣٢١/ ٤٩٣.","vol":"1","page":164},{"text":"جاءنا محمد بن زياد الطحان الأعور بعد ما مات ميمون بن مهران\" (^١) وأبو المليح هو الحسن بن عمر الرّقّي الفزاري مولاهم، وكان راوية لميمون بن مهران. قاله ابن سعد عن عبد الله بن جعفر الرقي (^٢).\nوسائر الأئمة أيضًا على تكذيب محمد بن زياد. قال الحافظ ابن حجر: كذبوه (^٣).\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-95> ومنها كون الراوي ممن يُوضع له الأحاديث فيحدث بها</span>\nفمن ذلك من كان هذا وصفه لكونه ليس من أهل الحديث فلا يتفطنّ لما يوضع له من الأحاديث، مثال ذلك ما ذكره المرُّوذي:\nقال المرُّوذي: \"وعرضت عليه - أي أبي عبد الله - حديثًا رووه عن محمد ابن الجرّاح، عن شعبة، عن سفيان الثوري، عن علي مرفوعًا: \"من صلى كذا فله كذا، ومن قرأ كذا فله كذا\"، فقال: هذا باطل موضوع، قد رأيت ابن الجراح فرأيت عنده أحاديث وضعت له، لم يكن يدري ما الحديث\" (^٤).\nوذكر الحافظ ابن حجر عن علل الخلال: سئل أحمد عن حديث محمد ابن الجراح، عن شعبة مرفوعًا: \"من عمل كذا فله كذا\" فقال: \"هذا باطل موضوع، وقد رأيت ابن الجراح فرأيت عنده أحاديث وضعت له ولم يكن يدري ما الحديث\" (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٢٥.\n(^٢) الطبقات الكبرى ٧/ ٤٨٤. ووصفه أحمد بأنه ضابط لحديث ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم تهذيب الكمال ٦/ ٢٨٢.\n(^٣) التقريب الترجمة ٥٩٢٧، وانظر أقوال بقية الأئمة في تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٢٣ - ٢٢٥.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ١٥٤/ ٢٧١.\n(^٥) لسان الميزان ٥/ ١٠٠.","vol":"1","page":165},{"text":"ولم أقف على هذا الحديث، ومحمد بن الجراح قد بيّن الإمام أحمد حالَه، وقال أبو حاتم: مجهول (^١)، ولم أر السيوطي أشار إلى هذا الحديث عند ما ذكر الباطل من أحاديث فضائل القرآن سورة سورة، فإنه أشار إلى حديث ابن عباس، وحديث أبي أمامة الباهلي فقط (^٢).\nومنهم من بُلي بمن يُوضع له الحديث في آخر عمره وهو لا يدري، ومثال ذلك ما رواه الخلال عن الأثرم قال:\nقال الأثرم: \"قال أبو عبد الله في الحديث الذي رواه كاتب الليث، عن نافع بن يزيد، عن زَهرة بن مَعبد، عن سعيد بن المُسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله اختار لي أصحابًا\" قال: ذاك عندي موضوع\" (^٣).\nهذا الحديث أخرجه البزار (^٤)، وابن حبان في المجروحين (^٥)، والخطيب في تاريخه (^٦). وتمام لفظ الحديث: \"إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين إلا النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - وفي كل أصحابي خير، واختار أمتي على جميع الأمم فبعثني في خير قرن، ثم الثاني، ثم الثالث تترى ثم الرابع فرادى\".\nوجه علة الحديث:\nحكم الإمام أحمد على الحديث بالوضع، ولم يبين وجه علته، وبالنظر في كلامه في رواة الحديث يظهر أن علة الحديث راجعة إلى أبي صالح عبد الله بن صالح\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٧/ ٢٢٤.\n(^٢) تدريب الراوي ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ١٨٩/ ١٠٥.\n(^٤) كشف الأستار ٣/ ٢٨٨ ح ٢٧٦٣، وانظر: مجمع الزوائد ١٠/ ١٦.\n(^٥) ٢/ ٤١.\n(^٦) في تاريخ بغداد ٣/ ١٦٢، وفي موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٢٨٠.","vol":"1","page":166},{"text":"كاتب الليث بن سعد. قال عنه الإمام أحمد: \"كان أولَ أمره متماسكًا ثم فسد بأخرةٍ، وليس هو بشيء\" (^١) وبيّن الحفاظ أبو حاتم، وأبو زرعة وابن خزيمة كيف جاءه هذا الفساد في آخره.\nفقال أبو حاتم: \"الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخر عمره التي أنكروا عليه نرى أن هذه مما افتعل خالد بن نجيح، وكان أبو صالح يصحبه، وكان سليم الناحية، وكان خالد بن نجيح يفتعل الحديث ويضعه في كتب الناس، ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب، وكان رجلًا صالحًا\" (^٢).\nوقال أبو زرعة - في أثناء كلامه في عثمان بن صالح السُّهمي - \"لم يكن عندي عثمان ممن يكذب، ولكنه كان يكتب حديث خالد بن نجيح، وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ أملى عليهم مالم يسمعوا فبُلوا به، وقد بُلي به أبو صالح أيضا في حديث زهرة بن معبد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، ليس له أصل وإنما هو عن خالد بن نجيح\" (^٣). والحديث الذي أشار إليه هو هذا الحديث الذي أعله الإمام أحمد بالوضع.\nوأما ابن خزيمة فقال: \"كان له جار بينه وبينه عداوة فكان يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح ويكتب في قرطاس بخط يُشبه خط عبد الله بن صالح ويطرح في داره في وسط كتبه، فيجده عبد الله فيحدث به فيتوهّم أنه خطه وسماعه، فمن ناحيته وقع المناكير في أخباره\" (^٤).\nفتبين بهذا كيف جاءت العلة في هذا الحديث، وأنه من وضع خالد بن نجيح، وضعه على أبي صالح فحدّث به، وهذا يدل على غفلة وعدم التيقظ، وهي علة\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٢١٢ - ٢١٣/ ٤٩١٩.\n(^٢) الجرح والتعديل ٥/ ٨٧.\n(^٣) سؤالات البرذعي ٤١٧ - ٤١٨.\n(^٤) المجروحين ٢/ ٤٠.","vol":"1","page":167},{"text":"جاءته في آخر عمره. قال الذهبي في أبي صالح: \"كان صدوقًا في نفسه، من أوعية العلم، أصابه داء شيخه ابن لهيعة، وتهاون بنفسه حتى ضعُف حديثُه، ولم يُترَك بحمد الله، والأحاديث التي نقموها عليه معدودة في سعة ما روى\" (^١).\nلكن يشكل على هذا الحمل على أبي صالح ما رواه الخطيب في (^٢) من طريق أبي العباس محمد بن أحمد بن الأثرم - قال الذهبي: صدوق - حدثنا علي ابن داود القنطري - قال الذهبي: ثقة - حدثنا ابن أبي مريم، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا نافع بن يزيد، عن زهرة بن معبد فذكره بمثل الإسناد الأول. ورواه أيضًا محمد بن الحارث العسكري عن سعيد بن أبي مريم عن نافع به (^٣). فهاتان المتابعتان تخلصان أبا صالح من التهمة بهذا الحديث فيما يظهر.\nفأما أبو زرعة فموقفه من متابعة ابن أبي مريم هو تكذيب راويها عن ابن مريم، وهو محمد بن الحارث العسكري. فروى الحاكم بإسناده إلى أحمد ابن محمد بن سليمان التستري قال: سألت أبا زُرعة الرازي … فمن رواه عن ابن أبي مريم؟ قال هذا كذّاب. قال التستري: وقد كان محمد بن الحارث العسكري حدثني به عن كاتب الليث وابن أبي مريم (^٤).\nوأما الذهبي فبرّأ ساحة أبي صالح من الحمل بسبب هذه المتابعة، وقال: فلعله مما أدخل على نافع مع أن نافع بن يزيد صدوق يقِظ (^٥). فكأنه يبعد حصول ذلك.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٠٥.\n(^٢) موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٢٨٠، وكلام الذهبي من ميزان الاعتدال ٣/ ١٥٦.\n(^٣) انظره في تهذيب الكمال ١٥/ ١٠٥.\n(^٤) تهذيب الكمال ١٥/ ١٠٥.\n(^٥) ميزان الاعتدال ٣/ ١٥٧.","vol":"1","page":168},{"text":"وبالرجوع إلى ترجمة خالد بن نجيح ظهر أن سعيد ابن أبي مريم أيضًا لم يسلم من دسّه، فقال أبو حاتم: \"خالد بن نجيح المصري كان يصحب عثمان بن صالح المصري، وأبا صالح كاتب الليث، وابن أبي مريم … وهو كذاب، كان يفتعل الأحاديث ويضعها في كتب ابن أبي مريم، وأبي صالح، وهذه الأحاديث التي أنكرت على أبي صالح يتوهم أنه من فعله\" (^١).\nومثل هذا بعينه قد وقع لقتيبة بن سعيد من خالد - وهو ابن نجيح - المدائني هذا كما ذكره الحاكم بإسناده عن البخاري في الحديث الذي أنكره البخاري على قتيبة بن سعيد في جمع التقديم بين الصلاتين في السفر قال: \"قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني، قال البخاري: وكان خالد المدائني يُدخل الأحاديث على الشيوخ\" (^٢).\nفبناء على هذا يظهر لي أن خالد بن نجيح أدخل الأحاديث المفتعلة على ابن أبي مريم كما أدخلها على أبي صالح، لكن لكثرة ما حدّث أبو صالح بهذه المناكير بالنسبة لابن أبي مريم تبادر الحمل في هذا الحديث عليه دونه. وهذا يُمثّل القاعدة التي ذكرها المعلمي في مقدمة تحقيقه لكتاب \"الفوائد المجموعة\"، قال ﵀:\n\"إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر - ثم ذكر أمثلة على ذلك: منها قال: فمن ذلك إعلالهم بظن أن الحديث أدخل على الشيخ كما ترى في لسان الميزان في ترجمة الفضل بن الحُباب وغيرها، وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٣/ ٣٥٥.\n(^٢) معرفة علوم الحديث ص ١٢٠ - ١٢١.","vol":"1","page":169},{"text":"العلة مطلقًا إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد تحق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها، وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقّب بأن تلك العلة غير قادحة وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يُثبت المتعقب أن الخبر غير منكر\" (^١).\nوممن حكم على هذا الحديث بالوضع الإمام النسائي، والظاهر أنه يرى الحمل في ذلك على أبي صالح فإنه شديد القول فيه. قال فيه: ليس بثقة (^٢).\nهذا، وقرينة معرفة أن الراوي ممن أدخلت عليه الأحاديث المفتعلة ليست كافية في حد ذاتها لإثبات الوضع، ولا بد أن ينضمّ إلى ذلك قرينة كون الحديث منكرًا سندًا أو متنًا أو هما معًا، وهي من القرائن التي تعود إلى حال المروي، الآتية في المطلب القادم. وهذا بخلاف غيرها من القرائن التي تعود إلى حال الراوي المتقدمة مثل كونه وضاعًا أو متهمًا بسرقة الحديث فهي كافية بوحدها في إثبات الوضع، والله أعلم.\n_________\n(^١) مقدمة الفوائد المجموعة ص ١١ - ١٢.\n(^٢) تهذيب الكمال ١٥/ ١٠٤.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>المطلب الثاني: إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المَروي</span>\nحكم الإمام أحمد بناء على هذه القرائن على أحاديث بأنها باطلة أو موضوعة أو لا أصل لها، وحكمه في ذلك غير متوقف على حال رواتها، بل يتوقف على النظر في المرويات ومدى سلامتها واستقامتها متنًا وسندًا، سواء بلغ رواتها إلى حد الترك أو لا، ونظره في ذلك منصب على نوع الخطأ في الرواية سندًا أو متنًا أو هما معًا.\nفمن تلك القرائن:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-97> كون الحديث لا يشبه ما خرج من مشكاة النبوة لركاكة ألفاظه ومعانيه، أو اشتماله على المجازفة في الترغيب والترهيب، أو الفضائل، وكان مناقضًا للأصول </span>(^١)، فلكثرة ممارسة الحفاظ للألفاظ النبوية يحكمون بأن هذا مختلق، وقد تقصر عباراتهم عن الإفصاح بوجه العلة. فمن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:\nقال الخلال: \"أخبرني يوسف بن موسى (^٢) أن أبا عبد الله سُئل عن محدّثٍ بنصبين يقال له: محمد بن نعيم روى عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ: \"منْ لَذَّذ أخاه بما يَشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة\". فقال: هذا كذب، هذا باطل (^٣).\n_________\n(^١) ذكر السيوطي أن معنى مناقضته للأصول أن يكون خارجًا عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة تدريب الراوي ١/ ٢٧٧.\n(^٢) يوسف بن موسى العطار الحربي. قال ابن أبي يعلى: روى عن أحمد أشياء، وحدث عنه الخلال وأثنى عليه ثناء حسنًا. كان يوسف هذا يوهديًا، أسلم على يدي أبي عبد الله أحمد بن حنبل وهو حدث فحسن إسلامه … طبقات الحنابلة ١/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ٨٨ رقم ٣٢.","vol":"1","page":171},{"text":"هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات اعتمادًا على هذه الرواية عن الإمام أحمد (^١). ونقل الشيخ الألباني عن السُّبكي أنه لم يجد له إسنادًا (^٢). ولم يذكر لهذا الراوي - محمد بن نعيم - غير هذا الحديث، كأنه لا يعرف إلا به (^٣). فمثل هذا الوعد العظيم على فعل حقير راجع إلى الركة (^٤)، وإذا انضم إليه كون الحديث عن أبي الزبير عن جابر، وأحاديثه في نسخة معروفة ولا يعرف هذا الحديث فيها قوي الظن باختلاقه.\nومن أمثلته أيضًا:\nقال مهنّا: \"قلت لأحمد: حدثني الوليد بن الفضل العنزي، أخبرني إسماعيل بن عبيد بن نافع العجلي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمّار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتاني جبريل آنفًا فقلت له: يا جبريل حدِّثني بفضائل عمر في السماء. فقال: يا محمد، لو حدَّثتُك بفضائل عمر في السماء ما لبث نوحٌ في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا ما نفدت فضائل عمر، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر\" فقال أحمد: لا أعرف إسماعيل بن نافع، هذا حديث موضوع\" (^٥).\nهذا الحديث أخرجه الروياني (^٦)، والطبراني (^٧)، وابن عدي في ترجمة الوليد ابن الفضل (^٨)، وهو في جزء\n_________\n(^١) الموضوعات ح ٩١٠، وتلخيص الموضوعات ح ٦٤٢، واللآلي ٢/ ٨٧.\n(^٢) السلسلة الضعيفة ح ١٠٧.\n(^٣) انظر: ميزان الاعتدال ٥/ ١٨١، ولسان الميزان ٥/ ٤٠٧.\n(^٤) انظر: تدريب الراوي ٢/ ٢٧٦.\n(^٥) المنتخب من العلل للخلال ١٩٥ - ١٩٦/ ١٠٨.\n(^٦) مسند الروياني ٢/ ٣٦٧/١٣٤٢.\n(^٧) المعجم الأوسط ٢/ ١٥٨/١٥٧٠.\n(^٨) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٥٤١.","vol":"1","page":172},{"text":"ابن عرفة (^١) كلهم من طريق الوليد بن الفضل العنزي به.\nوهو من رواية الوليد بن الفضل العنزي، قال عنه ابن حبان: يروي الموضوعات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد (^٢). وقد تفرد بهذا الحديث. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حماد إلا إسماعيل، تفرد به الوليد (^٣). وقال ابن عدي: ما أظن أن للوليد بن الفضل غير هذا الحديث، وإن كان اليسير من الحديث عنده (^٤). فمن كان بهذه المثابة في قلة الحديث ثم روى عن مجهول خبرًا لا يعرف إلا به قوي القول برده.\nوأما إسماعيل بن عبيد بن نافع فقال الإمام أحمد: لا أعرفه، وكذلك قال الأزدي (^٥).\nوالخبر مثال على المجازفة في ذكر الفضائل وهو أمر غير معهود في الأحاديث النبوية، فإذا انضم إلى هذا كون راويه ليس له من الحديث إلا قليل، وتفرد عن راوٍ مجهول بخبر لا يعرف إلا به، قويت الدلائل لإثبات الوضع فيه، والله أعلم.\nوممن حكم على الحديث بالوضع الإمام أبو حاتم الرازي فقال مجيبًا على سؤال ابنه له عن الحديث: \"هذا حديث باطل موضوع، اضرب عليه\" (^٦).\n_________\n(^١) جزء الحسن بن عرفة ح ٣٥.\n(^٢) المجروحين ٣/ ٨٢.\n(^٣) المعجم الأوسط ٢/ ١٥٩.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٥٤١.\n(^٥) انظر لسان الميزان ١/ ٤٢٠.\n(^٦) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٣٨٥.","vol":"1","page":173},{"text":"٢.<span data-type='title' id=toc-98> ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي أن لا يكون للحديث أصل من حديث أي راوٍ ممن ذكر في الإسناد، ولا يعرف الحديث إلا من طريق من لا يحتمل تفرده</span>. فمن ذلك:\nقال المروذي: \"وسئل عن حديث ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن ابن المنكدر، عن أنس عن النبي ﷺ: \"من جلس إلى قَينة صُبَّ في أُذنه الآنُك (^١) يومَ القيامة\" وقيل له: رواه رجل بحلَب وحسَّنوا الثناء عليه فقال: هذا باطل\" (^٢).\nالحديث أخرجه ابن حزم (^٣) من طريق أحمد بن الغمر بن أبي حماد بحمص، ويزيد بن عبد الصمد، نا عبيد بن هشام الحلبي - هو أبو نعيم - نا عبد الله بن المبارك، عن مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"من جلس إلى قينة فسمع منها صَبَّ الله في أذنيْه الآنك يوم القيامة\". وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق محمد بن إبراهيم أبي بكر الصوري عن أبي نعيم الحلبي به ولفظه: [من استمع إلى قينة …]، ومن طريق سعيد بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو نعيم به ولفظه: [من قعد إلى قينة …] (^٤) وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك على ما ذكره الحافظ ابن حجر في اللسان وفي التهذيب (^٥).\nوهذا الحديث آفته أنه غير معروف ولا أصل له من حديث ابن المبارك،\nولا من حديث مالك، ولا من حديث ابن المنكدر. قال الحافظ ابن حجر نقلًا عن\n_________\n(^١) على وزن أفعُل أو فاعُل، وهو الرصاص الأبيض، وقيل الأسود، وقيل هو الخالص منه النهاية في غريب الحديث ١/ ٧٧.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٤٣ رقم ٢٥٥، ورواه الخلال عن المروذي. انظر: المنتخب من علل الخلال برقم ٤٢. وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٧٨٦.\n(^٣) المحلى ٩/ ٥٧.\n(^٤) تاريخ دمشق ٥١/ ٢٦٣ ح ١٠٨٨٣، ١٠٨٨٤ في ترجمة محمد بن إبراهيم أبي بكر الصوري.\n(^٥) لسان الميزان ٥/ ٣٤٩، تهذيب التهذيب ٧/ ٧٧.","vol":"1","page":174},{"text":"الدارقطني أنه قال: \"تفرد به أبو نعيم عن ابن المبارك، ولا يثبت هذا عن مالك ولا عن ابن المنكدر\" (^١). وقال ابن حزم: \"هذا حديث موضوع مركب فضيحة ما عرف قط من طريق أنس ولا من رواية ابن المنكدر، ولا من حديث مالك، ولا من جهة ابن المبارك، وكل من دون ابن المبارك إلى ابن شعبان مجهولون … \" (^٢)، وأبو نعيم هو عبيد بن هشام الحلبي - وهو الذي عناه عبد الله حين ذكره للإمام أحمد: \"رواه رجل بحلَب وحسَّنوا الثناء عليه. قال عنه أبو زرعة: صدوق (^٣)، وكذا وثقه الخليلي في الإرشاد (^٤). وقال أبو داود: ثقة تغير في آخر أمره لقِّن أحاديث ليس لها أصل. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو أحمد الحاكم: روى ما لا يتابع عليه (^٥). وقال الحافظ ابن حجر: صدوق تغير في آخر عمره فلقِّن (^٦). وذكره عبد القيوم في الملحق الأول لكتاب \"الكواكب النيرات\" (^٧).\nوجه علة الحديث:\nنقد الإمام أحمد لهذا الحديث منصب على الرواية لا على حال الراوي، حيث لم يلتفت ﵀ إلى كون راويه قد حسِّن الثناء عليه، وتوضيح ذلك أن كلاًّ من ابن المبارك، ومالك، وابن المنكدر، وأنس من أوعية الرواية وممن جُمع حديثُهم وانتشر، وسعة معرفة الإمام أحمد بمرويات من تدور عليهم الرواية وكثرة اطلاعه عليها جعلته ينفي أن يكون هذا الحديث من حديث أحد هؤلاء الأعلام، ولم يشر ﵀\n_________\n(^١) انظر: لسان الميزان، وتهذيب التهذيب المواضع نفسها.\n(^٢) المحلى ٩/ ٥٧.\n(^٣) الجرح والتعديل ٦/ ٥.\n(^٤) قال فيه: ثقة مرضي عندهم. ٢/ ٤٧٧ وقال في موضع آخر ١/ ٢٦٨: صالح.\n(^٥) انظر: تهذيب الكمال ١٩/ ٢٤٤.\n(^٦) تقريب التهذيب رقم ٤٤٣٠.\n(^٧) ص ٤٨٧.","vol":"1","page":175},{"text":"إلى المتهم به ولا من الحمل فيه عليه كما فعل في غيره من الأحاديث، وبالنظر في كلام النقاد في أبي نعيم الحلبي يتبيّن للناظر أن الحمل في هذه الرواية على أبي نعيم، لا لأنه متهم بالكذب لكن لتغيره في آخر عمره وقبوله التلقين، وهو مظنة وقوع الكذب في المرويات، وقد قالوا: \"إذا سرّك أن يكذبك الرجل فلقنه\" (^١).\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-99> ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي كون الحديث منكرَ الإسناد، مما يدل على احتمال وقوع تركيب الإسناد في روايته</span>، مثاله:\nقال عبد الله: \"حدّثتُ أبي بحديث حدثنا خالد بن إبراهيم أبو محمد المؤذِّن، قال: حدثنا سلاّم ابن رُزيْن قاضي أنطاكية، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا والنبي ﷺ في بعض طُرُقات المدينة إذا أنا برجل قد صُرع فدَنوتُ منه فقرأتُ في أذنه اليسرى فاستوى جالسًا فقال النبي ﷺ: \"ماذا قرأت في أذنه يا بن أم عبد؟ \" قلت: فِداك أبي وأمي قرأتُ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فقال لي النبي ﷺ: \"والذي بعثني بالحق لو قرأها موقن على جبل لزال\". قال أبي هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين منكر الإسناد\" (^٢).\nالحديث أخرجه العقيلي من طريق عبد الله (^٣)، وابن الجوزي (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن عدي في الكامل ١/ ٤٥ عن أبي الأسود الدؤلي، وقتادة، وعن ابن سيرين وأيوب بمعناه.\nهذا، ولأبي نعيم حديث آخر باطل رواه بمثل هذا الإسناد. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه عبيد بن هشام أبو نعيم الحلبي عن ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: [رأيت النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد]. قال: قال أبي: هذا حديث باطل غلط فيه عبيد بن هشام علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ١٤٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٦٣ رقم ٥٩٧٩.\n(^٣) كتاب الضعفاء للعقيلي ٢/ ١٦٣ رقم ٦٧٣.\n(^٤) الموضوعات ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦ ح ٢٧٤.","vol":"1","page":176},{"text":"وجه علة الحديث:\nحكم الإمام أحمد على الحديث بالوضع وقال: هذا حديث الكذابين منكر الإسناد. ووجه الكذب فيه النكارة في إسناده، فإن الحديث ذُكر عن سلاّم بن رُزين عن الأعمش، وسلاّم مجهول لا يعرف وروى عن الأعمش _وهو من بحور الرواية - ما لم يرويه المعروفون عن الأعمش، ثم ساق إسنادًا يسهل إلى الأذهان ذكره الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود. قال الذهبي عن سلاّم أبي رزين: لا يعرف وحديثه باطل (^١). وقال في \"تلخيص الموضوعات\": فيه سلام بن رزين عن الأعمش - مجهول، ثم ذكر ما نقله عبد الله عن الإمام أحمد أن الحديث موضوع (^٢). وفي موضع آخر من الكتاب نفسه (^٣) قال: كأنه - أي سلام بن رزين - وضعه.\nوهذا أيضًا مما حكم عليه الإمام أحمد بالوضع لحال إسناده، وأما المتن فقد روي بإسناد آخر هو أمثل من هذا. فروى أبو يعلى (^٤) قال: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبيرة، عن حَنَش الصنعاني، عن عبد الله أنه قرأ في أذن مبتلى فأفاق فقال له رسول الله ﷺ: \"ما قرأتَ؟ \". قال: قرأت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ حتى فرغ آخر السورة، فقال رسول الله ﷺ: \"لو أن رجلًا موقنًا قرأ بها على جبل لزال\". ومن طريق أبي يعلى رواه أبو نعيم (^٥).\n_________\n(^١) الميزان ٣٣٤٩. وانظر: المغني في الضعفاء ١/ ٢٧٠.\n(^٢) تلخيص الموضوعات ص ١١١ رقم ٢٠١.\n(^٣) تلخيص الموضوعات ٤٤٨/ ١١٥٠.\n(^٤) مسند أبي يعلى ٨/ ٤٥٨ ح ٥٠٤٥.\n(^٥) حلية الأولياء ١/ ٧.","vol":"1","page":177},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم (^١) من طريق ابن وهب، والخطيب في التاريخ (^٢) من طريق عفيف بن سالم الموصلي، والبغوي (^٣) من طريق بشر بن عمر، وذكر السيوطي (^٤) أن ابن مردويه رواه من طريق أبي الأسود النضر بن عبد الجبار، والحكيم الترمذي من طريق القعنبي، كل هؤلاء الخمسة - وكلهم ثقات - عن ابن لهيعة به.\nقال الهيثمي: رواه أبو يعلى وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح (^٥). وتعقب أبو الحسن الكناني (^٦) والألباني (^٧) الحكم على الحديث بالوضع بطريق أبي يعلى هذه، غير أن الألباني أعله بالإرسال، وذلك أن رواية ابن وهب، وعفيف بن سالم، وبشر بن عمر عن ابن لهيعة كلها بالإرسال - عن حنش أن رجلًا مصابًا مُرَّ به على عبد الله بن مسعود، وخالف الوليد بن مسلم فذكره عن حنش عن عبد الله أنه قرأ في أذن مبتلى … وأما رواية أبي الأسود، والقعنبي فلم يسق السيوطي إسنادهما بل عطف على سائر الروايات بدون تمييز بين المسندة منها والمرسلة.\nورواية ستة من الثقات تقتضي أن للحديث أصلًا من حديث ابن لهيعة، وإن حكمنا عليه بالضعف إذ العمل على تضعيف حديث عبد الله بن لهيعة كما قال الذهبي (^٨).\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥١٣ رقم ١٤٠٧.\n(^٢) تاريخ بغداد ٣/ ٣١٢ - ٣١٣.\n(^٣) تفسير البغوي ٣/ ٣٢٠.\n(^٤) اللآلي المصنوعة ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(^٥) مجمع الزوائد ٥/ ١١٨.\n(^٦) تنزيه الشريعة المرفوعة ١/ ٢٩٤.\n(^٧) السلسلة الضعيفة ٥/ ٢١٢.\n(^٨) الكاشف ٢٩٣٤. وذلك راجع إما إلى التخليط في حديث المتأخرين عنه الذين رووا عنه بعد احتراق كتبه، وإما للتدليس في حديث المتقدمين عنه كما قال ابن حبان: قد سبرت أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه فرأيت التخليط في رواية المتأخيرين عنه موجودًا، وما لا أصل له من رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار فرأيته كان يدّلس عن أقوام ضعفى عن أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات فالتزقت تلك الموضوعات به المجروحين ٢/ ١٢.","vol":"1","page":178},{"text":"وإذا تبين وجه إعلال الإمام أحمد للحديث فلا وجه للتعقّب عليه، لأنه حكم عليه بالوضع لنكارة إسناده، وأن هذا المتن بهذا الإسناد منكر، ولم يتكلم عن المتن، وهذا موجود في منهجه وقد تقدمت أمثلة ذلك.\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-100> ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي أن يروي الراوي حديثًا بإسناد رُوي به أحاديث معروفة جمعت في نسخة ثم لا يكون حديث ذلك الراوي موجودًا في تلك النسخة، فيحكم عليه بالوضع</span>. مثال ذلك:\nروى الخلال قال: \"حدثنا مهنّا قال: قلت لأحمد: ثنا إبراهيم بن موسى المروزي، قال: عرضت على مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم\". قال أحمد: هذا كذب (^١).\nوقد اختلفوا في تسمية هذا الراوي عن مالك، وكلهم يروونه من طريق مهنّا: فقيل: إبراهيم بن موسى كما في هذا النقل من طريق الخلال. وإبراهيم بن موسى لم أجد له ترجمة إلا عند الذهبي في \"الميزان\" وتبعه الحافظ ابن حجر في \"اللسان\" (^٢)، اعتمادًا على هذا النقل عن الخلال.\nوقيل أحمد بن إبراهيم بن موسى: قاله ابن حبان، وابن عدي، والدارقطني كلهم عن مهناّ، ووهمّ الدارقطني مهناّ في هذه التسمية.\nقال ابن حبان: \"أحمد بن إبراهيم بن موسى، شيخ يروي عن مالك ما لم يحدّث به قط، لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاحتجاج به كذا!، روى\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ١٢٨/ ٦١.\n(^٢) ميزان الاعتدال ١/ ٦٩، لسان الميزان ١/ ١١٦.","vol":"1","page":179},{"text":"عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم\"، ثم ذكره بإسناده وقال: وهذا حديث لا أصل له من حديث ابن عمر، ولا من حديث نافع، ولا من حديث مالك، إنما هو من حديث أنس بن مالك، وليس بصحيح\" (^١).\nوقال ابن عدي: \"أحمد بن إبراهيم بن موسى منكر الحديث وليس بمعروف، وروى عن مالك وعن غيره بمناكير. ثم قال عن هذا الحديث: وهذا الحديث منكر بهذا الإسناد ولا يرويه إلا أحمد بن إبراهيم بن موسى وهو غير معروف\" (^٢).\nوقيل: موسى بن إبراهيم المروزي. وهذا الذي صوبّه الدارقطني كما نقله الحافظ ابن حجر (^٣) عنه، وساق الدارقطني هذا الحديث من طريق مهنّا ابن يحيى عنه - أي أحمد بن إبراهيم بن موسى - ثم قال: \"أحسب مهنّا وهم فيه، وإنما روى هذا عن مالك موسى ابن إبراهيم المروزي\"، ثم ساقه من طريق موسى به. وكذلك رواه الخطيب من طريق محمد بن بيان عن مهناّ فقال: عن موسى بن إبراهيم.\nوأعاد ابن عدي ذكر هذا الحديث في ترجمة موسى بن إبراهيم، لكن رواه من طريق موسى بن هارون الجمال: سمعت موسى بن إبراهيم: ثنا الليث بن سعد، وقرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وقال عنه ابن عدي: \"شيخ مجهول، وله أحاديث عن ثقات الناس، وهو بيّن الضعف على رواياته وحديثه\" (^٤).\n_________\n(^١) المجروحين ١/ ١٤١.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٨٣.\n(^٣) لسان الميزان ١/ ١٣٢ ترجمة أحمد بن موسى بن إبراهيم.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٣٤٧.","vol":"1","page":180},{"text":"والذي أراه راجحًا من هذه الأقرال أنه موسى بن إبراهيم لمتابعة موسى ابن هارون الجمال لمهناّ في اسمه، وأرى أن الاختلاف في اسمه عن مهنّا راجع إلى جهالته، والله أعلم.\nوموسى بن إبراهيم هذا له ترجمة في تاريخ بغداد، وقال يحيى بن معين عنه: ذاك كذاب. وقال الدارقطني: متروك (^١). ولم يذكر الخطيب مالكًا من الذين روى عنهم، لكن ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمته في \"لسان الميزان\" (^٢). وذكر الخطيب عن إبراهيم الحربي أن موسى بن إبراهيم هذا كان صاحب شرطة، ثم ترك الشرطية فجاء إلى مسجد الجامع فقعد مع قوم يدعون، ثم جاء بكتاب معه يقرأ فيه في مسجد الجامع في أصحاب الحديث فقالوا له: أملِ علينا، فأملى عليهم عن ابن لهيعة وغيره شيئًا لم يسمعه قط ولم يسمع هو قط حديثًا، لا أدري أيش قصة ذاك الكتاب اشتراه أو استعاره أو وجده. ا. هـ. (^٣).\nوأحاديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر معروفة في نسخة مشهورة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه زاد جماعة عدة أحاديث ليست من هذه النسخة، منها القوي والسقيم، وأن الإمام الدارقطني ذكر جلَّها في غرائب مالك (^٤). ويغلب على الظن من خلال حكم الإمام أحمد وكلام الحفاظ أن هذا الحديث الذي رواه موسى بن إبراهيم من تلك الأحاديث التي زِيدت على النسخة وليس منها.\nوإطلاق الإمام أحمد الكذب على هذا الحديث يعني به كذِب بهذا الإسناد، وإلا فالمتن له طرق ضعيفة، قاله الذهبي (^٥)، وهو كما قال. فوجود\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٨ - ٣٩.\n(^٢) ٦/ ١١١.\n(^٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٩.\n(^٤) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٨٦٦.\n(^٥) ميزان الاعتدال ١/ ٦٩.","vol":"1","page":181},{"text":"حديث بهذا الإسناد - مالك، عن نافع، عن ابن عمر - وعدم وجود أصل له من أحاديث هذه النسخة قرينة دالة على أن ذلك الحديث ركّب له هذا الإسناد (^١).\n\n٥.<span data-type='title' id=toc-101> من القرائن التي تعود إلى حال المروي كون الحديث المروي أصله يعود إلى نسخة موضوعة</span>. ومثال ذلك:\nقال المرُّوذي: \"سألته - أي الإمام أحمد - عن حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي عن النبي ﷺ [أنه مسح على الجبائر] فقال: باطل، ليس من هذا شيء، من حدّث بهذا؟ قلت: ذكروه عن صاحب الزهري، فتكلم فيه بكلام غليظ\" (^٢).\nأطلق الإمام أحمد الحكم بالبطلان على هذا الحديث وأنكر على من حدّث به عن عبد الرزاق عن معمر، وذلك لأن الإمام أحمد أدرك أن أصل الحديث حديث عمرو بن خالد الواسطي عن زيد بن علي عن آبائه، وهذه نسخة موضوعة، فأصبح الحديث يعود إلى نسخة موضوعة، يدل على ذلك ما تقدم في ترجمة عمرو بن خالد الواسطي (^٣) أن الأثرم ذكر عن الإمام أحمد أنه قال: \"عمرو بن خالد الواسطي كذّاب، قلت: الذي يروي عنه إسرائيل؟ قال: نعم، الذي يروي حديث الزَّنديْن ويروي عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب\" (^٤).\n_________\n(^١) وهذه القرينة اتبعها الحافظ ابن عدي في الحكم على أحاديث الحسن بن علي بن صالح بالوضع، فمثلًا قال في حديث [ما أحسن الله خلق رجل وخلُقُه فأطعمه النار] قال: هذا الحديث باطل بهذا الإسناد، وعندنا نسخة الليث، عن نافع، عن ابن عمر عن غير واحد وما فيه شيء من هذا الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٥١، وانظر: الوضع في الحديث ١/ ٢٩٤.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ١٥٣/ ٢٧٠.\n(^٣) انظر: ص ١٥٣.\n(^٤) كتاب الضعفاء ٣/ ٩٨٧، وانظر: تهذيب الكمال ٢١/ ٦٠٥.","vol":"1","page":182},{"text":"وحديث الزَّنديْن هو هذا الحديث، فقد رواه ابن ماجه (^١)، والدارقطني (^٢)، والعقيلي (^٣)؛ الأول من طريق محمد بن أبان البلخي، والثاني والثالث من طريق الدبري، كلاهما عن عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن عمرو بن خالد، عن زيد ابن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب قال: [انكسرتْ إحدى زنديَّ (^٤) فسألت النبي ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر]. وهو في مصنف عبد الرزاق (^٥). قال العقيلي: لا يعرف هذا الحديث إلا من طريق عمرو بن خالد هذا.\nورواه الدارقطني (^٦) أيضًا من طريق محمد بن أبان البلخي، عن سعيد بن سالم - وهو القداح - عن إسرائيل. ورواه من هذا الطريق ابن عدي (^٧)، ومن طريقه البيهقي (^٨).\nفتبيّن أن أصل الحديث حديث عمرو بن خالد مما رواه عن زيد بن علي ابن الحسين، وهي نسخة موضوعة وهي التي أشار إليها الإمام أحمد بقوله: روى عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، ونصّ المزي على أنها نسخة (^٩). ومن أجل هذا أنكر الإمام أحمد على من روى الحديث عن عبد الرزاق، عن\n_________\n(^١) السنن ١/ ٢١٥ ح ٦١٧.\n(^٢) السنن ١/ ٢٢٦.\n(^٣) كتاب الضعفاء ٣/ ٩٨٧.\n(^٤) في لسان العرب: الزندان عظما الساعد أحدهما أدق من الآخر، فطرف الزند الذي يلي الإبهام هو الكوع، وطرف الزند الذي يلي الخنصر كرسوع، والرسغ مجتمع الزندين ومن عندهما تقطع يد السارق لسان العرب، مادة \"ز ن د\" ٣/ ١٩٦.\n(^٥) المصنف ١/ ١٦١/٦٢٣.\n(^٦) الموضع نفسه.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٧٥ - ١٧٧٦.\n(^٨) السنن الكبرى ١/ ٢٢٨.\n(^٩) تهذيب الكمال ٢١/ ٦٠٤.","vol":"1","page":183},{"text":"معمر، وتعين أن يكون الحمل فيه على ذلك الراوي عن عبد الرزاق، وبرئت ساحة عبد الرزاق لمعرفة الإمام أحمد بحديثه، فهو يعرف أنه لم يحدث بالحديث عن معمر فلم يبق إلا الراوي عنه. والشاهد من هذا أن الإمام أحمد أنكر الحديث قبل السؤال عن راويه المتهم به؛ توصل إلى معرفة هذا بقرينة في متن الحديث المروي من غير التفات إلى حال راويه.\nوالمقصود بالبطلان في جواب الإمام أحمد عن هذا السؤال هو إسناد الحديث - أعني عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي - أما متنه فهو موضوع عنده بمقتضى حكمه على نسخة عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه.\nوممن أنكر أن يكون عبد الرزاق حدّث بهذا الحديث عن معمر يحيى بن معين. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: \"سمعت رجلًا يقول ليحيى: تحفظ عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي ﷺ أنه مسح على الجبائر؟ فقال: باطل، ما حدّث به معمر قط. سمعت يحيى يقول: عليه بدنة مقلدة مجلّلة إن كان معمر حدّث بهذا قط، هذا باطل، ولو حدّث بهذا عبد الرزاق كان حلالَ الدم، من حدّث بهذا عن عبد الرزاق؟ قالوا له: فلان. فقال: لا والله، ما حدّث به معمر، وعليه حجة من ههنا - يعني المسجد - إلى مكة إن كان معمر حدث بهذا. ثم قال عبد الله: وهذا الحديث يروونه عن إسرائيل، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي فذكره وقال: وعمرو بن خالد لا يسوى حديثه شيئًا\" (^١).\nوفي رواية الخلال عن عبد الله لهذه القصة التصريح بالذي حدّث به عن\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال ٣/ ١٥ - ١٦/ ٣٩٤٤ - ٣٩٤٥.","vol":"1","page":184},{"text":"عبد الرزاق وأنه محمد بن يحيى - وهو الذهلي (^١). وهو صاحب الزهري الذي ورد في سؤال المرّوذي.\nوقال أبو حاتم في الحكم على هذا الحديث من رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه: هذا حديث باطل لا أصل له (^٢).\n\n٦.<span data-type='title' id=toc-102> من القرائن التي تعود إلى حال المروي أن يكون المتن أصله كلامُ غير النبي ﷺ صحابيٍّ أو غيرِه - فيضاف إلى النبي ﷺ عمدًا أو خطأً</span>، فتعلُّ بذلك الرواية المرفوعة إلى النبي ﷺ بما ثبت عن الصحابي أو غيره، وهذا بشرط أن لا يكون للحديث أصل عن النبي ﷺ من وجه صحيح، وذلك بأن ينفي الحديث حافظ جهبذ مثلًا، أو يكون الكلام معروفًا عند الحفاظ من كلام غير النبي ﷺ.\nومن أمثلة ما روي عن الإمام أحمد من هذا النوع:\nقال مهنَّا: \"سألتُ أبا عبد الله: أتعرف عن النبي ﷺ أنه قال: \"قيلوا فإن الشياطين لا تقيل\"؟ فقال: لا أعرفه، إنما هذا عن منصور، عن مجاهد، عن عمر\" (^٣).\nقال الإمام أحمد في هذا الحديث: لا أعرفه، وهذا يعتمد في نفي الحديث كما قال الحافظ ابن حجر: \"إذا قال الحافظ المطلع الناقد في حديث: لا أعرفه اعتمد ذلك في نفيه\" (^٤). وقال الإمام أحمد: \"كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث\" (^٥). فالمعروف في متن هذا الحديث عند الإمام أحمد ما ذكره\n_________\n(^١) انظر: الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٣/ ١٧٧، وتلخيص الحبير ١/ ١٤٦.\n(^٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٦.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ٨٤ رقم ٢٦.\n(^٤) تدريب الراوي ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(^٥) طبقات الحنابلة ص ٢٢٠ في ترجمة محمد بن رافع، طبعة مكتبة شبكة المشكاة الإسلامية.","vol":"1","page":185},{"text":"عن عمر، وأما عن النبي ﷺ فليس بمعروف.\nوقد روي الحديث عن النبي ﷺ من حديث أنس &gt;. رواه أبو نعيم (^١)، وأبو حيان (^٢) من طرق عن أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. وفي سنده عمران القطان، وهو عمران بن دوّار العمي. ضعفه ابن معين (^٣)، والنسائي (^٤). وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث (^٥). وقال البخاري، وابن حجر: صدوق يهم. وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم. وأورد له العقيلي عن قتادة عن سعيد ابن أبي الحسن عن أبي هريرة حديث: \"ليس شيء أكرم على الله من الدعاء\"، قال: لا يتابع عليه ولا يعرف بهذا اللفظ إلا عن عمران (^٦). ومثل هذا لا يحتمل التفرد بمثل هذا الحديث عن مثل قتادة.\nوقد روي من طريق آخر عن أنس. أخرجه الطبراني من طريق علي بن عياش، عن معاوية بن صالح الطرابلسي، عن كثير بن مروان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي خالد الدالاني إلا كثير، ولا عن كثير\nإلا معاوية بن يحيى، تفرد به علي بن عياش (^٧).\n_________\n(^١) أخبار إصبهان ١/ ١٩٥، ٣٥٣، ٢/ ٦٩. ط العلمية ١/ ٢٣٦، ٢/ ٣٠.\n(^٢) طبقات المحدثين بأصبهان ٤/ ١٧٦.\n(^٣) في رواية عبد الله بن الإمام أحمد. انظر: العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٢٤/٣٩٨٩.\n(^٤) كتاب الضعفاء والمتروكين الترجمة ٤٧٧.\n(^٥) الجرح والتعديل ٦/ ٢٩٨.\n(^٦) كتاب الضعفاء ٣/ ١٠١٥، تهذيب التهذيب ٨/ ١٣٢، وتقريب التهذيب الترجمة ٥١٨٩.\n(^٧) المعجم الأوسط ١/ ١٢/٢٨. روى ابن حبان هذا الحديث بمثل إسناد الطبراني لكن قال بدل كثير بن مروان: عباد بن كثير البصري، وهو متروك.","vol":"1","page":186},{"text":"وكثير بن مروان هو المقدسي، ضعفه ابن معين، والدارقطني. وفي رواية قال ابن معين: كذّاب. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بكثيرة ومقدار ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه (^١). ومن أجل ذلك قال عنه الحافظ: متروك (^٢).\nوخالفه إسماعيل بن عياش فرواه عن عباد بن كثير - وهو البصري كما قال ابن حبان (^٣) - عن سيار الواسطي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به. رواه الخطيب (^٤) والقزويني في أخبار قزوين (^٥). ونقل الخطيب عن الدارقطني أنه قال: تفرد به أبو الحكم سيار بن وردان، عن إسحاق، وتفرد به عنه عباد بن كثير، ولم يروه عنه غير إسماعيل بن عياش.\nوسيار بن وردان وثقه أحمد، وابن معين (^٦). وأما عباد بن كثير فهو البصري. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: متروك (^٧).\nفالطرق الثلاثة لا تسلم من ضعيف أو متروك تفرد عن راوٍ مشهور، ففي الأول عمران القطان عن قتادة، وعمران ضعيف؛ وفي الثاني: كثير بن مروان، عن أبي خالد الدالاني عن إسحاق بن أبي طلحة؛ وفي الثالث: عباد بن كثير، عن سيار الواسطي، عن إسحاق بن أبي طلحة، وكثير وعباد متروكان، ولا يعرف حديث إسحاق بن أبي طلحة هذا إلا من طريقهما.\n_________\n(^١) ميزان الاعتدال ٤/ ٣٢٩، الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٩٠.\n(^٢) فتح الباري ١١/ ٧٠.\n(^٣) المجروحين ٢/ ١٦٨.\n(^٤) موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ١٥٥.\n(^٥) ٣/ ١٩٨.\n(^٦) الجرح والتعديل ٤/ ٢٥٤.\n(^٧) ميزان الاعتدال ٣/ ٨٦.","vol":"1","page":187},{"text":"أما الإمام أحمد فذكر أن المعروف من هذا المتن قول عمر. وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد قال بلغ عمر أن عاملا له لم يَقِل فكتب إليه عمر: [قِلْ فإني حُدِّثت أن الشيطان لا يقيل] (^١).\nفيفهم من صنيع الإمام أحمد إعلال الرواية المرفوعة بهذا المروي عن عمر، أي إن أصل الكلام لعمر فأضيف إلى النبي ﷺ غلطًا، وهو من أسباب الوضع في الحديث (^٢).\nواعتبر الشيخ الألباني أثر عمر شاهدًا لحديث أنس فحسّن الحديث وقال: \"وهو وإن كان موقوفًا فمثله لا يقال من قبل الرأي، بل فيه إشعار بأن هذا الحديث كان معروفًا عندهم، ولذلك لم يجد عمر ﵁ ضرورة التصريح برفعه، والله أعلم\" (^٣). وقول الإمام أحمد عن الحديث: لا أعرفه يقدح في قول الشيخ: إن هذا الحديث كان معروفًا عندهم، وهو وجه علته، إذ لو كان معروفًا لما كان قول عمر كاشفًا عن علته، والعلم عند الله.\nوقد أَعل الحديث ابن حجر، والسخاوي، والعجلوني، ورد المناوي على السيوطي في تحسينه له (^٤).\nومثال آخر لإضافة كلام غير النبي ﷺ إلى النبي ﷺ:\nقال مُهنَّا: سألتُ أحمد قلت: حدثني أبو خيثمة: ثنا محمد بن الحسن\n_________\n(^١) المصنف ٥/ ٣٣٩، وهو في مختصر قيام الليل للمرزوي ص ١٠٤، بدون قول عمر: حدِّثت. وانظر: كشف الخفاء ١/ ١٣١.\n(^٢) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٨٥٦.\n(^٣) السلسلة الصحيحة ٤/ ٢٠٣.\n(^٤) انظر: جميع ذلك في السلسلة الصحيحة ٤/ ٢٠٣.","vol":"1","page":188},{"text":"المديني، ثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: [فُتحت المدائن بالسيف، وفُتحتْ المدينة بالقرآن]. فقال: هذا منكر. قلت: لم تسمع هذا من حديث مالك، ولا من حديث هشام؟ قال: لا.\nوسألت يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بصحيح، قد رأيت أنا هذا الشيخ - يعني محمد بن الحسن، وكان كذّابًا وكان رجلًا سخيًا. قلت: يُروى عنه الحديث؟ قال: لا، هو كذّاب. وقال: إنما كان هذا قول مالك، ولم يكن يرويه عن أحد (^١).\nهذا الحديث رواه أبو يعلى في \"معجمه\" (^٢)، ومن طريقه ابن عدي (^٣)، والعقيلي (^٤)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (^٥) من طريق محمد بن الحسن المديني، حدثني مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: فذكره.\nوجه علة الحديث:\nحكم عليه الإمام أحمد بالنكارة، وأوضح مهنّا وجه تلك النكارة بسؤاله الآخر: لم تسمع هذا من حديث مالك ولا من حديث هشام؟ فقال: لا. أي ليس لمحمد بن الحسن هذا متابع عن مالك، ولا عن هشام، وحيث إنه لا يحمل منه هذا التفرد عن مالك عن هشام، ومالك إمام حافظ مكثر صاحب أصحاب اعتنوا بحديثه وجمعوه وضبطوه، فدل ذلك على نكارة الحديث واتهامه به.\n_________\n(^١) المنتخب من علل الخلال ١٤٠ رقم ٦٨.\n(^٢) معجم أبي يعلى ١٥٧/ ١٧٣.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٨٠.\n(^٤) كتاب الضعفاء ٤/ ١٢٢٠.\n(^٥) شعب الإيمان ٢/ ١٤٥.","vol":"1","page":189},{"text":"ووجه آخر من علة هذا الحديث هو ما ذكره ابن معين أن هذا قول من قول مالك فجعله ابن زبالة من قول النبي ﷺ. وقد نقل مثل هذا الوجه ابن الجوزي عن الإمام أحمد أنه قال في هذا الحديث: \"هذا منكر، لم يُسمع من حديث مالك، ولا من حديث هشام، إنما هذا قول مالك، لم يروه عن أحد، قد رأيت هذا الشيخ - يعني محمد بن الحسن - كان كذّابًا\" (^١).\nومحمد بن الحسن المديني هو المعروف بمحمد بن الحسن بن زبالة المخزومي. وقد قال يحيى بن معين كما في هذه الرواية إنه كذّاب. وعنه أيضًا: \"ليس بثقة، كان يسرق الحديث\" (^٢). وقال البخاري: \"عنده مناكير\" (^٣). وقال أحمد بن صالح المصري: \"كتبتُ عنه مئة ألف حديث ثم تبين لي أنه كان يضع الحديث فتركت حديثه\" (^٤). وأما أبو حاتم فقال: \"واهي الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده مناكير، وليس بمتروك الحديث\" (^٥). وقال الحافظ ابن حجر: كذبوه (^٦).\nوهذا الحديث قد تفرد به ابن زبالة. قال العقيلي: لا يتابعه إلا من هو مثله أو دونه (^٧).\nوقد ذكر الخليلي (^٨) هذا الحديث مثالًا لما تفرد به غير حافظ يُضعَّف من\n_________\n(^١) الموضوعات ٢/ ٢١٧، تحقيق أحاديث التعليق ٣/ ٣٥٨ مع التنقيح. وانظر: المطالب العالية ١/ ٣٦٩.\n(^٢) تاريخ يحيى بن معين - رواية عباس الدوري ٢/ ٥١٠.\n(^٣) الضعفاء الصغير الترجمة ٣١٤.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٥.\n(^٥) الجرح والتعديل ٧/ ٢٢٨.\n(^٦) تقريب التهذيب الترجمة ٥٨٥٢.\n(^٧) كتاب الضعفاء ٤/ ١٢٢٠.\n(^٨) الإرشاد ١/ ١٦٩ - ١٧٠.","vol":"1","page":190},{"text":"أجله، وإن لم يُتَّهم بالكذب. قال: \"لم يروه عن مالك إلا محمد بن الحسن بن زبالة، وليس بالقوي، لكن أئمة الحديث قد رووا عنه وقالوا: هذا من كلام مالك بن أنس نفسه، فعساه قُرئ على مالك حديث آخر عن هشام بن عروة فظن هذا أن ذلك من كلام النبي ﷺ فحمله على ذلك. ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن ولا إتقان\".\nوكلام الخليلي هذا يستقيم لو كانت حالة ابن زبالة على ما ذكر من أنه ليس بالقوي فحسب، أما وقد اتهم بالكذب وبسرقة الحديث فالذي يظهر هو ما قاله الحافظ ابن حجر: \"إنما هذا قول مالك فجعله محمد بن الحسن مرفوعًا وأبرز له إسنادًا\" (^١)، وهذا الصنيع نوع من الوضع، ولو استقام ما قاله الخليلي لكان مثالًا للمدرج، والله أعلم.\nوقد أشار ابن رجب إلى هذين المسلكين حيث قال: \"ومن الناس من اتهمه بوضعه، ومنهم من قال: وهم فيه، هذا من كلام مالك نفسه فجعله مرفوعًا لسوء حفظه وعدم ضبطه، ومثل ذلك وقع كثيرًا لأهل الغفلة وسوء الحفظ غلطًا لا تعمدًا\" (^٢).\nتتمة:\nويُلاحظ في هذين المطلبين أن الغالب في هذه القرائن - سواء التي تعود إلى حال الراوي أو إلى حال المروي - التوصل بها إلى معرفة صدق الراوي أو كذبه فيما رواه من الأخبار تحقيقًا أو على الظن الراجح، وهو أمر يحصل في الغالب بتتبع الروايات والنظر في حال رواتها، أي بنقد الأسانيد، وقلَّ أن تعود\n_________\n(^١) المطالب العالية ١/ ٣٦٩، وانظر: اللآلي المصنوعة ١/ ١٢٧.\n(^٢) السلسلة الضعيفة ٤/ ٣٢٧ نقلًا عن هداية الإنسان لابن عبد الهادي ٢/ ٢١/٢.","vol":"1","page":191},{"text":"تلك القرائن إلى نقد ما يرويه من وجه مخالفته المعقول أو معارضته ما هو أولى منه، أي نقد المتون، وما ذلك إلا للاكتفاء بذلك من دون الالتجاء إلى الوجه الثاني من النقد. وقد نبه الإمام الشافعي على هذا من منهج المحدثين حيث قال: \"ولا يُستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المُخبِر وكذبِه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدلَّ على الصدق والكذب فيه بأن يُحدِّثَ ما لا يجوز أن يكون مثلُه (^١)، أو ما يُخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالاتٍ بالصدق منه\" (^٢).\n_________\n(^١) وكان هنا تامة ومن أجل ذلك استُغني بمرفوعها، والمعنى: أن يقع مثلُه.\n(^٢) الرسالة ص ٣٩٩.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>المطلب الثالث: لا منافاة بين ثقة الراوي والحكم على حديثه بالوضع</span>.\nوقد تقدم حديث الزَّنديْن وهو يصلح مثالا لهذا، وذلك أن محمد بن يحيى ثقة وقد روى حديثًا حكم عليه الإمام بأنه باطل بالإسناد الذي رواه.\nومثال آخر:\nقال مهنّا: \"وقلت: حدثنا يزيد بن هارون، أنا محمد بن عبد الرحمن بن مجبِّر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"اطلبوا الخير عند حسان الوجوه\" فقال أحمد: محمد بن عبد الرحمن بن مجبِّر ثقة، وهذا الحديث كذب\" (^١).\nهذا الحديث رواه عبد بن حميد (^٢)، والخطيب (^٣) كلاهما من طريق يزيد ابن هارون به. ورواه القضاعي في \"مسند الشهاب\" (^٤)، والجرجاني (^٥) من طريق الحجاج بن المنهال، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن مجبِّر به.\nفهذا الحديث حكم عليه الإمام أحمد بأنه كذب مع توثيقه لمحمد بن عبد الرحمن ابن مجبر راوي الحديث، ووجه ذلك أنه نظر إلى الرواية ورأى أنها باطلة، ولا منافاة بين توثيقه للراوي وحكمه على حديثه بأنه كذب، لأن ذلك محمول على أنه غلِط في الرواية إذ جائزٌ أن يكون قد وقع منه الغلط ثم رجع عنه.\nومحمد بن عبد الرحمن بن مجبر قال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال أبو زرعة: واهي الحديث (^٦). وقال الفلاّس:\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ٨٦/ ٢٨.\n(^٢) المنتخب من المسند ٢٤٣/ ٧٥١.\n(^٣) تاريخ بغداد ١١/ ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(^٤) ١/ ٣٨٤/٦٦١.\n(^٥) تاريخ جرجان ١/ ٣٨٥.\n(^٦) الجرح والتعديل ٧/ ٣٢٠.","vol":"1","page":193},{"text":"ضعيف. وقال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه (^١). وقال ابن حبان: لا يحتج به (^٢). وقال الحاكم أبو عبد الله: ثقة (^٣).\nومن أمثلة ذلك ما ذكره عبد الله:\nقال عبد الله: \"وعرضتُ على أبي حديثًا حدثنا عثمان عن جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة بنت حسين عن فاطمة الكبرى عن النبي ﷺ في العُصبة (^٤)، وحديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر [أن النبي ﷺ شهِد عيدًا للمشركين] (^٥)، فأنكرها جدًا وعدة أحاديث من هذا النحو فأنكرها جدًا وقال: هذه أحاديث موضوعة أو كأنها موضوعة، وقال: ما كان أخوه - يعني عبد الله بن أبي شيبة تطنَّف (^٦) نفسه لشيء من هذه الأحاديث. ثم قال:\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٩٧.\n(^٢) المجروحين ٢/ ٢٦٣.\n(^٣) المستدرك ١/ ٢٠٥.\n(^٤) ولفظه: [كل بني آدم ينتمون إلى عصبتهم إلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وأنا عصبتهم] رواه أبو يعلى في مسنده ١٢/ ١٠٩/٦٧٤١، والطبراني في الكبير ٣/ ٤٤/٢٦٣٢، والخطيب في تاريخ بغداد ١١/ ٢٨٥ كلهم من طرق عن عثمان بن أبي شيبة به. وذكر الخطيب متابعين لعثمان وهما أبو العوام - وهو أحمد بن يزيد بن دينار ـ، وحسين الأشقر، كلاهما روياه عن جرير بن عبد الحميد الضبي به. وأبو العوام قال عنه الحافظ ابن حجر: مجهول لسان الميزان ١/ ٣٢٥، وحسين بن الحسن الأشقر صدوق يهم ويغلو في التشيع التقريب الترجمة ١٣٢٧.\n(^٥) ولفظه: [كان النبي ﷺ في أول الأمر يشهد مع المشركين أعيادهم حتى نهي عنه] رواه الخطيب في تاريخ بغداد ١١/ ٢٨٥ - ٢٨٦. قال الذهبي: تفرد به جرير، وما أتى به سوى شيخ البخاري عثمان بن أبي شيبة، وهو منكر سير أعلام النبلاء السيرة النبوية ١/ ٧٤.\nقال القاوقجي في اللؤلؤ المرصوع نقلًا من الوضع في الحديث ١/ ١١٦: المعروف عن النبي ﷺ خلافه من قوله: \"أبغضت إلي الأصنام\"، وأنه لم يشهد مشاهدهم، نعم أخرجه عمه إلى بعض أعيادهم فرجع مرعوبًا. ا. هـ.\n(^٦) الطنف التهمة لسان العرب، مادة: \"ط ن ف\" ٩/ ٢٢٤. وفي تهذيب الكمال ١٩/ ٤٨٣: تتطنَّف. وفي القاموس: تطنف نفسه إلى كذا: أدناه إلى الطمع القاموس المحيط، مادة: \"ط ن ف\" ص ١٠٧٧.","vol":"1","page":194},{"text":"نسأل الله السلامة في الدين والدنيا، وقال: نراه يتوهّم هذه الأحاديث نسأل الله السلامة، اللهم سلِّمْ سلِّمْ\" (^١).\nوقال في موضع آخر:\n\"سمعتُ أبي يقول - حين نعي له - عثمان بن أبي شيبة فقال: تلك الأحاديث التي حدّث بها وأنكرها جدًا، وذكر منها حديثَ جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة، وحديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر: شهد النبي ﷺ عيدًا للمشركين، فقال ما كان أخوه تطنف نفسه لمثل هذه الأحاديث. والحديث حدثناه عثمان عن جرير عن سفيان، وإنما كان يحدث به جرير عن سفيان عن عبد الله بن جرير بن زياد القُمِّي مرسل\" (^٢).\nفأنكر الإمام أحمد هذه الأحاديث ووصفها بأنها موضوعة أو شبه موضوعة، والذي رواها هو عثمان بن أبي شيبة وقد قال فيه: ما علمت إلا خيرًا وأنثى عليه كما في رواية الأثرم (^٣). فعثمان ليس بمتهم عنده ولا رماه بالكذب، لكن وصف أحاديثه هذه بأنها موضوعة لتحقق وقوع الخطأ فيها، ثم بيّن عذره في ذلك بأنه يتوهّم هذه الأحاديث أي يحدّث بها على التوهم والغلط. والشاهد أنه وصف أحاديث رواها راوٍ ثقة بالوضع.\nومن هذا المنطلق أخذ الشيخ المعلمي ﵀ القاعدة التي ذكرها حيث\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٥٩ رقم ١٣٣٣.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٦٤ رقم ٥١٦٧.\n(^٣) تاريخ بغداد ١١/ ٢٨٧. ووثقه ابن معين، والعجلي وقال الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ وله أوهام تهذيب الكمال ١٩/ ٤٨٢، التقريب الترجمة ٤٥٤٥.\nوقد ذكر الحافظ الذهبي أن عثمان تفرد بهذين الخبرين، فكأن المتابعتبين اللتين ذكرهما الخطيب لم تصحا عنده انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ١٥٢.","vol":"1","page":195},{"text":"قال: \"قد تتوفّر الأدلة على البطلان مع أن الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يتّهم بتعمد الكذب، بل قد يكون صدوقًا فاضلًا، ولكن يرى الناقد أنه غلط أو أُدخل عليه الحديث\" (^١).\n_________\n(^١) مقدمة الفوائد المجموعة ص ١٢.\nوهناك مثال آخر على ما ذكر في هذا المطلب من عدم المنافاة بين ثقة الراوي والحكم على حديثه بالوضع، وذلك عن ابن معين. رُوي عنه في الحديث الذي رواه نعيم بن حماد، عن عيسى بن يونس، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ: [تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم، إنهم يحلون الحرام ويحرمون الحلال]، قال محمد بن علي بن حمزة: قلت ليحيى بن معين عن هذا فقال: ليس له أصل، ونعيم ثقة. قلت: كيف يحدّث ثقة بالباطل؟ قال: شبّه له سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦٠٠.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>المطلب الرابع: تعدد طرق الحديث المعلّ بكذب راويه</span>.\nذكر المرُّوذي عن الإمام أحمد أنه ذُكر له الفوائد فقال: \"الحديث عن الضعفاء قد يُحتاج إليه في وقتٍ، والمنكر أبدًا منكر\" (^١).\nوقال ابن هانئ: \"قيل له - أي أبي عبد الله - فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبدًا منكر. قيل له الضعفاء؟ قال: قد يُحتاج إليهم في وقتٍ، كأنه لم ير بالكتاب عنهم بأسًا\" (^٢).\nومعنى هذا أن الحديث المنكر لا يزال منكرًا مهما تعددت طرقه، وذلك لأن المنكر قد تحقق للناقد أو غلب على ظنه من وقوع الخطأ فيه، فتعدد الطرق لا يزيل خطأه، وإنما ينفع تعدد الطرق في أحاديث الضعفاء التي يتردد الناقد فيها بين إصابة الراوي وخطئه، فإذا رُويتْ من طرق أخرى ترجّح لديه جانب الإصابة. وإذا كان هذا في الحديث المنكر ففي حديث الكذاّب والمتَّهم بالكذب كان الأمر أشد وأعظم، وكثرة الطرق وتعددها لا تفيد معه إلا كشف ما وقع فيه من سرقة الحديث، فلا تزيده إلا وهنًا.\nومن أمثلة هذا ما ذكره عبد الله قال:\n\"ذكر أبي حديث المُحاربي، عن عاصم، عن أبي عثمان، حديث جرير: [تبنى مدينة بين دِجلة ودُجَيل …] فقال: كان المُحاربي جليسًا لسيف بن محمد بن أخت سفيان، وكان سيف كذّابًا، فأظن المحاربي سمع منه. قيل له: إن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان، فقال: كل من حدّث به فهو كذاّب - يعنى عن سفيان.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٦٣ رقم ٢٨٧.\n(^٢) مسائل ابن هانئ ٢/ ١٦٧ رقم ١٩٢٥، ١٩٢٦.","vol":"1","page":197},{"text":"قلت له: إن لوينًا حدثناه عن محمد بن جابر فقال: كان محمد ربما ألحق في كتابه، أو يلحق في كتابه - يعني الحديث. وقال: هذا حديث ليس بصحيح أو قال: كذب (^١).\nوقال: وسُئل عن حديث جرير: [تبنى مدينة …] فقال: ما حدّث به إنسان ثقة. وذكر له أن عبد العزيز بن أبان رواه عن الثوري فقال: تركته لما حدّث بحديث المواقيت (^٢).\nهذا الحديث روي من حديث جرير بن عبد الله البجلي ولفظه: [تُبنى مدينة بين دِجلَةَ ودُجيْل (^٣) وقطربُّل (^٤) والصَّراة (^٥) تُجْبى إليها خزائنُ الأرضِ وجبابرتُها يُخسَف بأهلها، فلَهي أسرع هوياًّ بأهلها من الوَتَدِ الحديد في الأرض الرِّخوة].\nوالحديث روي من عدة طرق وقد توسع الخطيب البغدادي في تاريخه من سردها وذكر عللها (^٦). وملخص هذه الطرق أربعة، سأذكرها مع عللها:\nالطريق الأول: المحاربي، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن جرير.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٧٠ رقم ٢٦٤٤. وانظر: المنتخب من العلل للخلال ٢٩٨ رقم ١٩٧.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٠ رقم ١٥١٩.\n(^٣) دُجيل اسم نهر في مخرجه من أعلى بغداد بين تكريت وبينها مقابل القادسية دون سامرا، وهو غير نهر دجيل المعروف بنهر كارون. معجم البلدان ٢/ ٤٤٣، بلدان الخلافة الشرقية ص ٧٣.\n(^٤) قطربل، بالضم ثم السكون ثم فتح الراء وباء موحدة مشددة مضمومة ولام وقد روي بفتح أوله وطائه وأما الباء فمشددة مضمومة في الروايتين وهي كلمة أعجمية اسم قرية بين بغداد وعُكبرا. وقال البخاري: موضع عند باب بغداد معجم البلدان ٤/ ٣٧١، التاريخ الصغير ٢/ ٢٤٧.\n(^٥) الصراة، بالفتح وهو نهر يأخذ من نهر عيسى من عند بلدة يقال لها المحول بينها وبين بغداد فرسخ ويسقي ضياع بادوريا ويتفرع منه أنهار إلى أن يصل إلى بغداد معجم البلدان ٣/ ٣٩٩.\n(^٦) انظر: تاريخ بغداد ١/ ٣٧ - ٣٨.","vol":"1","page":198},{"text":"وهو الطريق الذي ذكره الإمام أحمد، ولم أقف عليه مسندًا.\nوعلة هذا الطريق ما رواه العقيلي (^١)، والخطيب (^٢) ومن طريقه ابن الجوزي (^٣) وذكره البخاري تعليقًا (^٤) من طريق سيف بن محمد - وهو ابن أخت سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي قال كنت مع جرير بن عبد الله بقطربل فقال … الحديث.\nقال الإمام أحمد كما في رواية عبد الله في هذه المسألة: \"كان المُحاربي جليسًا لسيف بن محمد بن أخت سفيان، وكان سيف كذّابًا، فأظن المحاربي سمع منه\". فتبين أن أصل الحديث لسيف بن محمد فدلسه المحاربي.\nوسيف بن محمد رماه الإمام أحمد بالكذب كما في رواية عبد الله هذه. وقال عبد الله أيضًا: \"سمعت أبي يقول: لا يكتب حديث سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري، ليس سيف بشيء، وكان سيف يضع الحديث\" (^٥). ورماه أيضًا يحيى بن معين وأبو داود، ونسبه الساجي للوضع. أما غيرهم من الأئمة فلم يوصلوه إلى الكذب، إنما أطلقوا عليه أنه متروك (^٦).\nوأما المُحاربي فهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفي: وثقه ابن معين، والنسائي (^٧). وقال أبو حاتم: \"صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن\n_________\n(^١) كتاب الضعفاء ٢/ ٥٤٦.\n(^٢) تاريخ بغداد ١/ ٣٠.\n(^٣) انظر: اللآلي ١/ ٤٧٥.\n(^٤) التاريخ الكبير ٤/ ١٧٢.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٤٥ رقم ٣٢٦.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٢٦٨، وانظر: تهذيب الكمال ١٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(^٧) تهذيب الكمال ١٧/ ٣٨٨ - ٣٨٩.","vol":"1","page":199},{"text":"المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بروايته عن المجهولين\" (^١). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: \"بلغنا أن المحاربي كان يدلس. وقد روى حديثًا عن معمر وأنكره الإمام أحمد جدًا وقال عبد الله: ولم نعلم أن المحاربي سمع من معمر شيئًا\" (^٢).\nالطريق الثاني: عبد العزيز بن أبان، عن سفيان، عن عاصم به.\nذكر هذا الطريق عبد الله في سؤاله للإمام أحمد، وأخرجه الخطيب مسندًا في التاريخ (^٣) ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (^٤).\nوعلة هذا الطريق عبد العزيز بن أبان: قال أحمد كما في هذه الرواية: \"تركته لما حدث بحديث المواقيت\". وقال عبد الله في موضع آخر: \"سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان، قال: لم أخرج عنه في المسند شيئًا، وقد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، لما حدّث بحديث المواقيت حديث سفيان عن علقمة بن مرثد تركته\" (^٥). وقال ابن معين: \"وضع أحاديث عن سفيان، لم يكن بشيء\" (^٦). وقال في رواية أخرى: \"عبد العزيز بن أبان كذاب يدعي ما لم يسمع وأحاديث لم يخلقها الله قطُّ\" (^٧). وقيل له: \"من أين جاء ضعفه؟ قال: كان يأخذ\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٥/ ٢٨٢.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٦٤ رقم ٥٥٩٧.\n(^٣) ١/ ٣٢ - ٣٣.\n(^٤) ٢/ ٦٦.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٩٨ رقم ٥٣٢٦. وحديث سفيان، عن علقمة في المواقيت رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح ٦١٣، وهو عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أن رجلًا سألة عن وقت الصلاة فقال: \"صل معنا هذين - يعني اليومين\" الحديث، وهو عند الترمذي ح ١٥٢، والنسائي ح ٥١٨، وابن ماجه ح ٦٦٧ من طرق عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سلميان بن بريدة، عن أبيه به. وروي عن شعبة عن علقمة أيضًا، وهو عند مسلم.\n(^٦) الجرح والتعديل ٥/ ٣٧٧.\n(^٧) الكامل في معرفة ٥/ ١٩٢٦.","vol":"1","page":200},{"text":"حديث الناس فيرويه\" (^١). وقال عبد الله بن نمير: \"ما رأيت أحدًا أبين أمرًا منه، وقال: هو كذاب\" (^٢). وقال أيضًا: \"ما مات حتى قرأ ما ليس من حديثه\" (^٣). فهذا متهم بسرقة الحديث بنوعيها: ادعاء السماع واختلاق المتون.\nويوضحه ما ذكره الخطيب عن يحيى بن معين: قال أبو زكريا - يعني يحيى ابن معين: \"عبد العزيز بن أبان كذاب خبيث. قلت له: بأي شيء استدللت على كذبه؟ قال حدّث عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير في دجلة ودجيل. فقلت له فقد حدّث به عمّار بن سيف عن سفيان. قال: عمار كان رجلا مغفلا لا يدري من سفيان سمعه أو من عاصم\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد في هذه المسألة: \"كل من حدّث به عن الثوري فهو كذّاب\"، وكان أعلم الناس بحديث سفيان الثوري كما قال عبد الرحمن بن مهدي (^٥).\nوقد ذكر الخطيب الذين رووه عن الثوري، ورواياتُهم كلهم في تاريخه (^٦) وهم:\n١. عمار بن سيف: رواه عن سفيان عن عاصم، ورواه عن عاصم مباشرة وزعم أنه حضر الثوري يسأل عاصمًا عنه (^٧). وقد تقدم عن يحيى بن معين أن هذا من غفلته.\n_________\n(^١) المصدر نفسه.\n(^٢) تهذيب الكمال ١٨/ ١١٢.\n(^٣) الجرح والتعديل ٥/ ٣٧٧.\n(^٤) تاريخ بغداد ١/ ٣٤ - ٣٥.\n(^٥) الجرح والتعديل ١/ ٢٩٢.\n(^٦) ١/ ٣١ - ٣٣.\n(^٧) رواه المحاملي عن عمار عن عاصم الأمالي ١/ ٣٥٠ - ٣٥١، وكذلك الداني في السنن الواردة في الفتن ٤/ ٩٠٤. وروياه من طريق سفيان عن عاصم أيضًا الأمالي برقم ٣٨٦، والسنن الواردة في الفتن ٣/ ٧١٨. ورواه الخلال المنتخب من العلل ٢٩٨/ ١٩٧، والعقيلي ٣/ ١٠٣٥، وابن عدي الكامل ٥/ ١٧٢٦.","vol":"1","page":201},{"text":"وعمار بن سيف كان عابدًا صالحًا (^١). قال أبو حاتم: \"وكان ضعيف الحديث منكر الحديث\" (^٢). وقال أبو داود: \"كان مغفلًا\" (^٣). وقال ابن حبان: \"كان ممن يروي المناكير عن المشاهير حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها، فبطل الاحتجاج به لما أتى من المعضلات عن الثقات\" (^٤). وقال أبو نعيم: \"روى عن إسماعيل بن أبي خالد والثوري المناكير لا شيء\" (^٥).\nوذكر الإمام البخاري رواية عمار بن سيف قال: \"يروى عنه عن سفيان عن عاصم عن أبى عثمان في قطربل وصراة، قطربل موضع عند باب بغداد وصراة نهر: لا يتابع عليه منكر ذاهب\" (^٦).\nوقد روى الخلال عن المخرمي: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن آدم يقول: \"إنما أصاب عمار هذا الحديث على ظهر كتاب فرواه\" (^٧).\n٢. إسماعيل بن أبان: هو أبو إسحاق الغنوي على ما قاله الخطيب (^٨). قال عنه البخاري: متروك، تركه أحمد (^٩). وعن أحمد أيضًا: \"كتبتُ عنه ثم حدّثَ بأحايث موضوعة فتركناه\" (^١٠). وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين:\n_________\n(^١) الكاشف ٢/ ٥١/٣٩٩١.\n(^٢) الجرح والتعديل ٦/ ٣٩٣.\n(^٣) تهذيب الكمال ٢١/ ١٩٦.\n(^٤) المجروحين ٢/ ١٩٥.\n(^٥) كتاب الضعفاء ١٢١/ ١٧٢.\n(^٦) التاريخ الأوسط ٢/ ١٧٧، وذكره في الحاشية وهو في المطبوع من التاريخ الصغير ٢/ ٢٤٧.\n(^٧) المنتخب من العلل ص ٢٩٨، كتاب الضعفاء للعقيلي ٣/ ١٠٣٥، تاريخ بغداد ١/ ٣٤. ونسب الخطيب هذا القول ليحيى بن معين.\n(^٨) التاريخ ١/ ٣٦.\n(^٩) التاريخ الكبير ١/ ٣٤٧.\n(^١٠) كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ١/ ١٠٧. وانظر: العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٢١١.","vol":"1","page":202},{"text":"\"وضع أحاديث على سفيان لم تكن\" (^١). وقال أبو حاتم: \"متروك الحديث وكان كذابًا\" (^٢).\nفهذا حاله، فإما أن يكون وضع الحديث على سفيان أو سرقه من عمار ابن سيف، فقد ذكر المخرمي عن يحيى بن آدم أنه قال: ما رواه أحد إلا عمار بن سيف.\n٣. إسماعيل بن نجيح: ذكر الخطيب أنه صاحب غرائب ومناكير عن سفيان الثوري وعن غيره، وذكر عن ابن عقدة أنه قال فيه: ضعيف ذاهب (^٣).\n٤. أبو سفيان عبيد الله بن سفيان الغداني ويقال له أبو سفيان الصوّاف: حديثه أيضًا عند الخطيب في التاريخ (^٤). قال عباس عن ابن معين: أبو سفيان الصواّف كان كذابًا (^٥). قال أبو حاتم: هو شيخ ليس بالقوي (^٦). وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه (^٧). وقال ابن عدي: وفي بعض حديثه بعض النكرة (^٨).\n٥. عبد الرزاق بن همام الصنعاني: ذكر حديثه الخطيب بإسناده إلى أحمد ابن محمد ابن عمر بن يونس قال: قلت لعبد الرزاق أحدثك سفيان الثوري هذا الحديث؟ قال: نعم عن عاصم الأحول … (^٩) الراوي عن عبد الرزاق هو أحمد ابن محمد بن عمر أبو سهل اليمامي. قال أبو حاتم: \"قدم علينا وكان كذابًا،\n_________\n(^١) المجروحين ١/ ١٢٨.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ١٦٠.\n(^٣) تاريخ بغداد ١/ ٣٧.\n(^٤) ١/ ٣٢.\n(^٥) التاريخ ٢/ ٣٨٢.\n(^٦) الجرح والتعديل ٦/ ٣١٨.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٦٣٩.\n(^٨) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٦٣٩.\n(^٩) تاريخ بغداد ١/ ٣٢ - ٣٣.","vol":"1","page":203},{"text":"وكتبت عنه ولا أحدث عنه\" (^١). قال ابن عدي: \"حدث بأحاديث مناكير عن الثقات وجدته ينسخ عن الثقات العجائب. وذكر عن القاسم المطرز أنه كان يقول: كتبت عن اليمامي هذا خمسمائة حديث … ليس عند الناس منها حرف\" (^٢). وقال عنه الذهبي: هالك (^٣).\nهؤلاء الذين ذكرهم الخطيب أنهم رووا الحديث عن الثوري، وبذكر أحوالهم من حيث الجرح والتعديل تبين صحة ما قاله الإمام أحمد أن كلَّ من حدّث به عن الثوري فهو كذّاب.\nالطريق الثالث: لُوين، عن محمد بن جابر الحنفي، عن عاصم الأحول به. هذا الطريق ذكره عبد الله في هذه المسألة أن لوينًا حدثهم به، ورواه الخطيب بإسناده (^٤).\nوعلته: ما ذكره الإمام أحمد أن محمد بن جابر - الراوي عن عاصم الأحول - ربما ألحق في كتابه أو يلحق في كتابه الحديث.\nومحمد بن جابر هو السحيمي الحنفي أبو عبد الله اليمامي. ضعفه ابن معين، والنسائي. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: من كتب عنه كتب عنه باليمامة وبمكة وهو صدوق، إلا أن في حديثه تخاليط، وأما أصوله فهي صحاح. وقال أبو حاتم: \"ذهبت كتبه في آخر عمره وساء حفظه، وكان يلقنّ وكان عبد الرحمن ابن مهدي يحدث عنه ثم تركه بعد، وكان يروي أحاديث مناكير وهو معروف بالسماع جيد اللقاء رأوا في كتبه لحقًا وحديثه عن حماد فيه اضطراب روى عنه\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٢/ ٧١.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٨٢.\n(^٣) ميزان الاعتدال - في ترجمة عمرو بن مخرم البصري ٤/ ٢٠٧.\n(^٤) تاريخ بغداد ١/ ٣٠.","vol":"1","page":204},{"text":"عشرة من الثقات\" (^١). وقال ابن حبان: \"كان أعمى يُلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذُوكر به فيحدّث به. ثم روى عن إسحاق بن عيسى بن الطباع أنه قال: ذاكرتُ محمد بن جابر ذات يوم بحديث شرِيك عن أبي إسحاق فرأيته في كتابه قد ألحقه بين السَّطريْن كتابًا طرياًّ\" (^٢).\nالطريق الرابع: أبو شهاب الحنّاط، عن عاصم الأحول به. ذكره الخطيب من طريق الحسن بن الربيع عنه به (^٣).\nعلته: لم يذكر الإمام أحمد علة هذا الطريق، وأما الخطيب فأعله بأبي شهاب الحناط، قال: وأما أبو شهاب الحناط فقد كان صدوقًا إلا أن يحيى بن سعيد القطان لم يكن يرضى أمره، وكان يقول: لم يكن بالحافظ، وأحسب أنه وقع إليه حديث عاصم من جهة عمار بن سيف، أو سيف بن محمد، أو محمد بن جابر فرواه عن عاصم مرسلًا، لأن الحسن بن الربيع لم يذكر عنه الخبر فيه، والله أعلم.\nوأبو شهاب الحناط هو عبد ربه بن نافع. قال يحيى القطان: لم يكن أبو شهاب الحناط بالحافظ ولم يرض أمره. قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبى عن أبى شهاب الحناط؟ فقال: ما بحديثه بأس. فقلت له: إن يحيى بن سعيد يقول ليس هو بالحافظ، فلم يرض بذلك ولم يقرَّبه. قال ابن أبى خيثمة عن يحيى بن معين: أبو شهاب الحناط ثقة. وقال أبو حام: أبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع صالح الحديث (^٤) وقال الساجي صدوق يهم في حديثه (^٥). قال الذهبي: احتج به\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٧/ ٢١٩ - ٢٢٠، تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٦٨.\n(^٢) المجروحين ٢/ ٢٧٠.\n(^٣) تاريخ بغداد ١/ ٣٠.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ٤٢.\n(^٥) تهذيب التهذيب ٦/ ١١٧.","vol":"1","page":205},{"text":"البخاري ومسلم وهو صدوق وغيره أقوى منه (^١). ذكره ابن حجر في طبقات المدلسين من أجل كلام الخطيب الذي أشار فيه إلى تدليسه (^٢).\nفالحاصل أن الحديث لا أصل له. لما ذكر هذا الحديث لأحمد بن منيع ذهب إلى الإمام أحمد فسأله فقال له: يا أبا جعفر! ليس لهذا الحديث أصل (^٣)، وكذلك قال يحيى بن معين (^٤). وهذا ما يقصده الإمام أحمد لما قال: ما حدث به إنسان ثقة، كما في سؤال عبد الله الثاني. فهذا الحديث على اختلاف طرقه ليس له أصل، لأن أصل الحديث حديث كذب، تلقَّطَتْه الرواةُ إما بالسرقة أو التدليس، وهو يوضّح أن تعدد الطرق لا تجعل الحديث الموضوع صحيحًا أبدًا.\nومثال آخر يدل على أن الحديث المعلّ بكذب راويه لا يرتقي بتعدد طرقه:\nقال عبد الله: \"سألته عن قول الناس: [أول ما خلق اللهُ العقْل قال له: أَقبِل فأَقبلَ …]، فقال: هذا موضوع ليس له أصل\" (^٥).\nروي هذا الكلام في أحاديث منها:\nعن عائشة ﵂ قالت: حدثني النبي ﷺ أن \"أول ما خلق الله العقل قال: أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر، ثم قال: ما خلقت شيئًا أحسن منك، بك آخذ، وبك أعطي\". رواه أبو نعيم في الحلية (^٦) من طريق سهل بن المرزبان بن محمد أبي الفضل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الزهري، عن\n_________\n(^١) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد ١٢١/ ٥٠.\n(^٢) تعريف أهل التقديس ٤١/ ١٨. ذكره في المرتبة الأولى.\n(^٣) تاريخ بغداد ١/ ٣٤.\n(^٤) المنتخب من العلل ص ٢٩٨.\n(^٥) المنتخب من العلل للخلال ٨٧/ ٢٩.\n(^٦) ٧/ ٣١٧، وانظر: اللآلي ١/ ١٣٠.","vol":"1","page":206},{"text":"عروة، عن عائشة به. قال أبو نعيم: \"غريب، لا أعلم له راويًا عن الحميدي إلا سهلًا وأراه واهمًا فيه\" ولم أقف على ترجمة له.\nومنها عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لما خلق الله العقل قال له: قم فقام، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: اقعد فقعد. فقال: ما خلقت خلقًا هو خير منك ولا أفضل منك ولا أحسن منك ولا أكرم منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أُعرَف، وبك أعاقب، لك الثواب وعليك العقاب\". رواه الطبراني في المعجم الأوسط (^١) وابن عدي (^٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (^٣) وابن الجوزي في الموضوعات (^٤)، من طريق حفص بن عمر حدثنا الفضل بن عيسى الرقاشي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة به. قال ابن حبان في حفص بن عمر، وهو قاضي حلب: \"يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به\" (^٥) والفضل بن عيسى الرقاشي قال فيه الإمام أحمد: ضعيف (^٦) وقال ابن معين: كان رجل سوء. وقال ابن حبان: \"ممن يروي المناكير عن الشاهير\" (^٧).\nوروي من وجه آخر عن سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري، عن الثوري، عن الفضيل بن عثمان عن أبي هريرة به. رواه ابن الجوزي في الموضوعات (^٨). وقد تقدم الكلام في سيف بن محمد.\n_________\n(^١) ٢/ ٢٣٥/١٨٤٥.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٩٨، ٦/ ٢٠٤٠.\n(^٣) ٤/ ١٥٤.\n(^٤) رقم ١٣٧، وانظر: اللآلي ١/ ١٢٩.\n(^٥) المجروحين ٢/ ٢٥٩.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٣٩.\n(^٧) المجروحين ٢/ ٢١١. وروى قول ابن معين من طريق ابن أبي خيثمة.\n(^٨) وذكره السيوطي في اللآلي ١/ ١٢٩.","vol":"1","page":207},{"text":"ومنها عن أبي أمامة: رواه الطبراني (^١)، والعقيلي (^٢) بمثل لفظ حديث أبي هريرة. من طريق أبي همام الوليد بن شجاع، عن سعيد بن الفضل القرشي، عن عمر بن صالح العتكي، عن أبي غالب، عن أبي أمامة. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي أمامة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو همام. وقال العقيلي: حديثه منكر، وعمر هذا وسعيد بن الفضل الراوي عنه مجهولين جميعًا ولا يتابع على حديثه ولا يثبت في هذا المتن شيء.\nومنها ما روي عن الحسن - وهو البصري - مرفوعًا رواه عبد الله في زوائد الزهد (^٣) ومن طريقه ابن أبي عاصم في كتاب الزهد (^٤): حدثنا علي بن مسلم، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن يرفعه، فذكره بمثل لفظ حديث أبي هريرة. فيه سيار بن حاتم العنزي. قال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير. وقال الأزدي: عنده مناكير (^٥) وشيخه جعفر بن سليمان الضبعي: صدوق زاهد يتشيع (^٦) وقال ابن عدي: \"أحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان منها منكر فلعل البلاء فيه من الراوي\" (^٧) على أن هذا قد روي من قول الحسن. رواه البيهقي في شعب الإيمان (^٨) وقال: \"هذا من قول الحسن وغيره مشهور\" فلعله انقلب على راويه فجعله من قول النبي ﷺ.\n_________\n(^١) المعجم الكبير ٨/ ٢٨٣، والمعجم الأوسط ٧/ ١٩٠/٧٢٤١.\n(^٢) كتاب الضعفاء ٣/ ٩١٦.\n(^٣) انظر: اللآلي ١/ ١٣٠.\n(^٤) ص ٣٢٠.\n(^٥) تهذيب التهذيب ٤/ ٢٥٤.\n(^٦) تقريب التهذيب ٩٤٥.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥٧٢.\n(^٨) ٤/ ١٥٤.","vol":"1","page":208},{"text":"وبالجملة هذا الحديث وإن تعددت طرقه لا يصح، ولا أصل له كما قال الإمام أحمد. قال ابن الجوزي: \"وقد رويت في العقل أحاديث كثيرة ليس فيها شيء يثبت - ثم ذكر بعض رواته - وكلهم متروكون، وقد كان بعضهم يضع الحديث ويسرقه الآخر يغير إسناده\" (^١). وروى الخطيب بإسناده إلى أبي الحسن الدارقطني قال: \"كتاب العقل وضعه أربعة، أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه داود بن المحبر، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر\" (^٢) وهذا مثال آخر على أن الحديث الذي قال فيه إمام من أئمة هذا الشأن: لا أصل له، لا يرتقي بتعدد طرقه، والله أعلم.\n_________\n(^١) الموضوعات ١/ ١٧٧ وانظر: بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة ص ١٧٣.\n(^٢) تاريخ بغداد ٨/ ٣٦٠.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>المطلب الخامس: بعض مصطلحات الإمام أحمد في هذا الباب</span>.\nتقدم أن استعمال الأئمة المتقدمين ﵏ للمصطلحات أشد شمولًا من استعمال المتأخرين، فيلاحظ عند المتقدمين وجود عدة إطلاقات للمصطلح الواحد، ومن أجل هذا يحسن الوقوف على ما عند الإمام أحمد من مصطلحات في هذا الباب وما وقع فيها من إطلاقات، فإن ذلك وثيق الصلة بمعرفة منهجه.\nوالمصطلحات التي يدور عليها كلام الإمام أحمد في هذا الباب هي: موضوع، كذب، باطل، ليس له أصل، منكر.\nوالظاهر من المصطلحات الثلاثة الأولى - موضوع، كذب، باطل - أنها بمعنى واحد، ويوضّح ذلك سؤال عبد الله الذي تقدم، قال عبد الله: قلت لأبي: بلغني أن ابن الحِمَّاني حدّث عن شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة [أن النبي ﷺ كان يُعجبه النظر إلى الحمام]. فأنكروه عليه فرجع عن رفعه وقال: عن عائشة مرسلًا. فقال أبي: هذا كذب، إنما كنا نعرف به حسين بن علوان، ويقولون إنما وضعه على هشام. قلت له: إن بعض أصحاب الحديث زعم أن أبا زكريا السَّيْلحيني رواه عن شريك، قال كَذِبٌ هذا على السَّيْلحيني، السيلحيني لا يحدث بمثل هذا، هذا حديث باطل (^١).\nفهنا حكم على الحديث أولًا بأنه كذب، ثم بيّن وجه ذلك بأن حسين ابن علوان وضعه، ثم حكم عليه آخرًا بأنه باطل. فالحديث موضوع: وضعه حسين بن علوان، فسماه مرة: كذبًا، ومرة: باطلًا، فهذا صريح في أن هذه الألفاظ الثلاثة عنده بمعنى واحد. ويطلق الإمام أحمد هذه الألفاظ على معان متشابهة، وبالتتبع جاءت كالتالي:\n_________\n(^١) ص ١٦١.","vol":"1","page":210},{"text":"١. إطلاقها على الحديث المختلق المصنوع على رسول الله ﷺ، وإطلاقها على هذا المعنى هو الغالب، فمن ذلك قوله في حديث علي: [من صلى كذا فله كذا، ومن قرأ كذا فله كذا] (^١) قال: باطل موضوع، وقال في راويه محمد بن الجراح: \"قد رأيت ابن الجراح، فرأيت عنده أحاديث وضعت له، لم يكن يدري مالحديث\"؛ وكقوله في حديث العقل (^٢) أيضًا: موضوع؛ وكقوله في حديث أبي صالح كاتب الليث بإسناده إلى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ: \"إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين إلا النبيّين والمرسلين … \" (^٣): قال: ذاك عندي موضوع. وقال في حديث: \"من لذّذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة\" (^٤): كذب، باطل. وقال في حديث: \"اطلبوا الخير عند حسان الوجوه\" (^٥): هذا كذب. والوصف المشترك بين هذه الأحاديث أنها كلها متون مختلقة على رسول الله ﷺ.\n٢. إطلاق هذه الألفاظ على تركيب الأسانيد، وهو أن يعمد الراوي إلى حديث معروف بإسناد واحد فيرويه بإسناد آخر ليس له، وهذا نوع من أنواع ما استقرّ تسميته في المصطلح بالمقلوب (^٦) فمن ذلك قوله في حديث ابن مسعود في قراءته على المصروع (^٧): \"هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين منكر الإسناد\". فأوضح أن وجه الوضع هو نكارة الإسناد، واستدل بذلك على وقوع إلزاق متن لإسناد ليس له. وقال في الحديث الذي رواه عبد العزيز بن عبد الرحمن\n_________\n(^١) ص ١٦٥.\n(^٢) ص ٢٠٦.\n(^٣) ص ١٦٦.\n(^٤) ص ١٧١.\n(^٥) ص ١٩٣.\n(^٦) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٨٦٤.\n(^٧) انظر: ص ١٧٦.","vol":"1","page":211},{"text":"البالسي عن خزيمة بن ثابت مرفوعا: \"لا وصبة لوارث إلخ\" (^١) قال: أحاديثه كذب أو موضوعة، وتقدم قول العقيلي في إيضاح وجه إنكار الإمام أحمد للحديث أنه أنكر الإسناد لا المتن، لأن المتن معروف بغير الإسناد الذي ذكره هذا الراوي. وقال في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم\"، قال فيه: هذا كذب (^٢) وتقدم قول الذهبي أنه يعني كذب بهذا الإسناد، لأن المتن له طرق ضعيفة.\nوكذلك أطلق الكذب على سرقة الحديث كما في السؤال عن يحيى الحماني حيث أسند عن شريك عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعجبه النظر إلى الحمام (^٣) فجعل إلزاق هذا الحديث بشريك من الكذب، وهذا أيضًا مما استقرّ تسميته في المصطلح على نوع من المقلوب.\n٣. إطلاق الموضوع على حديث المتروك. فمن ذلك ما رواه مهناّ:\nقال مهنّا: \"قلتُ لأحمد: حدّثوني عن محمد بن بكّار، عن حفص بن عمر، عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تأْخُذوا العلمَ إلا عن من تُجيزون شهادتَه\". قال: ليس بصحيح، هذا حديث موضوع من قبل صالح بن حسان، هذا رجل مديني متروك الحديث\" (^٤).\nفهذا الحديث أطلق عليه الوضع، واتّهَم به صالح بن حسان، وهو عنده متروك الحديث، ولم يرمِه بالكذب. وقال عنه مرة: ليس بشيء (^٥). وقال ابن معين:\n_________\n(^١) ص ١٥٠.\n(^٢) ص ١٧٩.\n(^٣) انظر: ص ١٦١.\n(^٤) المنتخب من العلل للخلال ١٥١ رقم ٧٣. والحديث رواه ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٣٦٩، والخطيب في الكفاية ١٥٩ - ١٦٠، وفي تاريخ بغداد ٩/ ٣٠١.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٥٤٠/١٢٧٩.","vol":"1","page":212},{"text":"ليس حديثه بشيء (^١). وقال البخاري: منكر الحديث (^٢). وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث (^٣). قال الخطيب عن هذا الحديث: \"تفرد بروايته صالح بن حسان، وهو ممن اجتمع نقاد الحديث على ترك الاحتجاج به لسوء حفظه وقلة ضبطه … \" (^٤).\nوكذلك أطلق البطلان على حديث المتروك:\nقال ابن هانئ: \"عرضتُ على أبي عبد الله: يحيى بن سعيد العطار، عن سعد - أبو حبيب - عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"دعاء الوالد لولده مثل دعاء النبي ﷺ لأمته\". قال أبو عبد الله: حديث باطل منكر\" (^٥).\nوزاد في رواية الخلال عن محمد بن أبي هارون، عن ابن هانئ قال: وسمعته يقول: سعد أبو حبيب ليس حديثه بشيء (^٦).\nهذا الحديث رواه أبو نعيم في أخبار إصفهان (^٧)، ومن طريقه ابن عساكر في\n_________\n(^١) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ١٦٠/٦٨٢.\n(^٢) التاريخ الكبير ٤/ ٢٧٥.\n(^٣) الجرح والتعديل ٤/ ٣٩٧.\n(^٤) الكفاية ص ١٥٩. ولم أر من رماه بالكذب إلا ما ذكره ابن الجوزي عن ابن طاهر أنه قال: صالح كذاب الضعفاء والمتروكون ٢/ ٤٧.\n(^٥) مسائل ابن هانئ ٢/ ٢٤٥.\n(^٦) المنتخب من علل الخلال رقم ٢٠٧.\n(^٧) ١/ ٢٢٦ في ترجمة إبراهيم بن معمر. وقع الإسناد فيه وفي تاريخ دمشق هكذا: إبراهيم بن معمر، ثنا أبو أيوب بن أ خي زريق الحمصي، ثنا يحيى بن سعيد الأموي، ثنا خلف بن حبيب الرقاشي، سمعت أنس بن مالك … نبّه الشيخ الألباني على احتمال وقوع التحريف في السند مستندًا على ما جاء عن ابن هانئ في المنتخب من علل الخلال، وكذلك اللآلي، وترجمة سعد أبي حبيب عند الذهبي في الميزان انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ح ٧٨٦.","vol":"1","page":213},{"text":"تاريخ دمشق (^١) والديلمي في مسند الفردوس (^٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (^٣).\nوصف الحديث بالبطلان وجعل المتّهمَّ به سعدًا أبا حبيب ووصفه بأنه ليس حديثه بشيء، وهذه العبارة، إذا لم توجد قرينة رمي الراوي بالكذب، فإن الإمام أحمد ﵀ يطلقها على الراوي المتروك (^٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"يقول أهل الحديث عن بعض المحدّثين: \"ليس بشيء\"، أو عن بعض الأحاديث: \"ليس بشيء\" إذا لم يكن ممن ينتفع به في الرواية لظهور كذبه عمدًا أو خطأ\" (^٥).\nوقد عرّف الحافظ ابن حجر حديث من فحُش غلطه، أو كثرت غفلتُه، أو\n_________\n(^١) ٧/ ٢٢٧ في ترجمة إبراهيم بن معمر.\n(^٢) على ما ذكره المناوي في فيض القدير ٣/ ٥٢٥.\n(^٣) ٣/ ٨٧، وانظر اللآلي المصنوعة ٢/ ٢٩٥.\n(^٤) قال الإمام أحمد في سعيد بن سنان أبو مهدي الشامي: ليس بشيء العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٥٨ رقم ٢٧٦. وقال عنه في رواية ابن أبي يحيى: ضعيف تهذيب الكمال ١٠/ ٤٩٦. وقال في صدقة بن عبد الله السمين الدمشقي: ليس بشيء ضعيف الحديث العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٢٠ رقم ٢٠٣. وقال في أبي سفيان السعدي، وهو طريف بن سفيان: ليس بشيء لا يكتب عنه العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥١٥ رقم ١٢٠٩. وهذا ما رمي بالكذب إنما وصف بشدة الغفلة حتى خرج عن حد الاعتبار المجروحين ١/ ٣٨١. وقال في عبد الله بن مسلم بن هرمز: ضعيف الحديث ليس بشيء العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٤١ رقم ١٨٠٩، ٢/ ٣٥٠ رقم ٤١١٣. وقال عنه في رواية ابن أبي عصمة: صالح الحديث الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٤٧٥. وقال عنه ابن عدي: له أحاديث ليست كثيرة وأحاديثه بمقدار ما يرويه لا يتابع عليه. ا. هـ. ومثل هذا متروك الحديث.\nومن مجيئها بمعنى اتهام الراوي بالوضع لقرينة التصريح بذلك قوله في طلحة بن زيد: ليس بشيء يضع الحديث العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي ص ١٥٧ رقم ٢٧٥، وقال مثل ذلك في مبشر بن عبيد العلل ومعرفة الرجال - براوية عبد الله ٢/ ٣٨٠ رقم ٢٦٩٦. وقال في محمد بن القاسم: يكذب، أحاديثه أحاديث موضوعة، ليس بشيء المصدر نفسه ٢/ ١٧١ رقم ١٨٩٩.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢٥/ ١٥٦.","vol":"1","page":214},{"text":"ظهر فسقُه بالمنكر على رأي من لا يشترط في المنكر المخالفة (^١)، والراوي الذي فحُش غلطه أو كثرت غفلتُه هو المتروك. وعرفّه الذهبي بالمطروح وقال: هو ما انحط عن رتبة الضعيف - ثم مثّل له برواية بعض الرواة - وقال: وأشباههم من المتروكين والهلكى (^٢) فهذا يدل على أن لحديث المتروك تسمية خاصة لدى الأئمة المتأخرين، فهو فوق الضعيف ودون الموضوع (^٣).\n٤. إطلاق الكذب والبطلان على ما هو خلاف المعروف. جاء مثال لذلك في مسائل صالح:\nقال صالح: \"قال أبي\": حديث عائشة: [أن النبي ﷺ نهى عن صلاتين] كذب، ليس بشيء (^٤).\nويقصد بذلك الحديث الذي أخرجه الطحاوي حدثنا فهد، قال: ثنا علي ابن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن سعد بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ نهى عن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (^٥).\nقال الحافظ ابن رجب: قاعدة في تضعيف أحاديث رُويت عن بعض الصحابة، والصحيح عنهم رواية ما يخالفها، فمن ذلك حديث سعد بن سعيد، عن عمرة عن عائشة، عن النبي ﷺ في النهي عن صلاتين: صلاة بعد العصر … الحديث. أنكره أحمد والدارقطني وغيرهما. وقال الدارقطني: المحفوظ عنها أنها\n_________\n(^١) نزهة النظر ص ٤٥.\n(^٢) الموقظة ص ٣٤.\n(^٣) انظر: فتح المغيث ١/ ٣١٨.\n(^٤) مسائل صالح ٣/ ١٩٤/١٦٣٦ ط دار الوطن ٣٣٥/ ١٢٩٧.\n(^٥) شرح معاني الآثار ١/ ٣٠٣.","vol":"1","page":215},{"text":"قالت: ما دخل عليّ النبي ﷺ بعد العصر إلا صلى ركعتين. ا. هـ (^١).\nومن إطلاق البطلان على هذا النوع - أعني خلاف المعروف - ما رواه أبو زرعة الدمشقي:\nقال أبو زرعة الدمشقي: \"وسألت أحمد بن حنبل عن حديث أنس بن مالك: [دخل رسول الله ﷺ مكة وعبد الله بن رواحة آخذ بغَرزِه؟] قال: لو قلت إنه باطل، وردّه رداًّ شديدًا. قال أبو زرعة: فأما حديث أنس الأول الذي أنكره أحمد بن حنبل فحدّثني أحمد بن شبُّويه قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: [دخل رسول الله ﷺ مكة وابن رواحة آخذ بغرزه وهو يقول: \"خلوا بني الكفار عن سبيله\"] (^٢).\nأنكره الإمام أحمد لأن المعروف أن عبد الله بن رواحة قُتل في مؤتة وكانت قبل دخول النبي ﷺ مكة عام الفتح، هذا إذا حُمل حديثُ أنس بن مالك على أن ذلك كان عامَ الفتح، ولم أر التصريح بذلك في شيء من طرق الحديث، بل الذي ورد أن ذلك كان في عمرة القضاء؛ جاء مصرحًا في رواية الترمذي، وابن حبان (^٣) وغيرهما للحديث الذي ذكره أبو زرعة الدمشقي بإسناده، وإذا كان كذلك فلا اعتراض على الحديث، والله أعلم. اللهم إلا أن يقال وقع ذلك غلطًا كما وقع للإمام الترمذي حيث جعل المؤْتة قبل عمرة القضاء ذهولًا منه وغلطًا،\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٩١. والحديث الذي أشار إليه الدارقطني هو ما رواه الأسود ومسروق عن عائشة أنها قالت: [ما كان النبي ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين]. صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٦٤/٥٩٣، وصحيح مسلم ١/ ٥٧٢/٣٠١.\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص ٤٥٥ - ٤٥٦ رقم ١١٥٢، ١١٥٣. وذكر الذهبي هذا السؤال في ترجمة ابن رواحة في سير أعلام النبلاء ١/ ٢٣٦، وذكر أن الإمام أحمد قال: ليس له أصل.\n(^٣) الجامع للترمذي ٥/ ١٢٧ ح ٢٨٤٧، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٠/ ٣٧٩ ح ٤٥٢١.","vol":"1","page":216},{"text":"وقد ردّ عليه الحافظ ابن حجر رحمة الله على الجميع (^١).\nففي هذين المثالين إطلاق الكذب والبطلان على الحديث المخالف للمعروف، وهو المسمى المنكر، وهو نوع من الضعيف.\nفإطلاق الإمام أحمد هذه الألفاظ المرادفة للحديث الموضوع على تركيب الإسناد، وسرقة الحديث، والحديث المقلوب، والمطروح أو المنكر على رأي، والمنكر يدل على ما أشير إليه من توسّع المتقدمين في استعمال المصطلحات. وإنما ساغ تسمية هذه الأنواع بالموضوع، والباطل، والكذب لأن بينها وبين الحديث المختلق المصنوع وصف مشترك، وهو بطلان نسبة الكلام إلى من أضيف إليه تحقيقًا أو في الظن الغالب، وإنما الفرق بينها كون ذلك وقع عمدًا أو خطأً؟ وهل أُضيف الكلام إلى النبي ﷺ أو إلى غيره؟ ومن هذا الوجه لم ير بعض الأئمة التقييد بالتعمّد في تعريف الحديث الموضوع كما سبقت الإشارة إليه.\nوأما قوله: \"ليس له أصل\"، فهذا لغة يعني نفي وجود أي أصل للحديث على وجه العموم، لأن \"أصل\" نكرة في سياق النفي بـ\"ليس\" فتعمّ. والأصل هو ما انبنى عليه غيره. وذكر السيوطي أن شيخ الإسلام ابن تيميه يقول معنى قولهم: \"ليس له أصل\" أو \"لا أصل له\": ليس له إسناد (^٢) فكأن الأصل المنفي في عبارتهم هو الإسناد الذي يتوصل به إلى إثبات المتن.\nووَرَدَ عن الإمام أحمد إطلاق هذه العبارة على الحديث الموضوع المختلق\n_________\n(^١) انظر قول الترمذي في الجامع حيث ذكر إثر الحديث أنه روي في غير هذا الحديث أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه، قال: وهذا أصح عند بعض أهل الحديث، لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك، وانظر رد الحافظ ابن حجر عليه فتح الباري ٧/ ٥٠٢.\n(^٢) تدريب الراوي ١/ ٢٩٧.","vol":"1","page":217},{"text":"كما قال في حديث العقل: هذا موضوع، ليس له أصل (^١) وهو حديث رُوي بأسانيد وكلها واهية وموضوعة كما تقدم، فكأن تلك الأسانيد ليست بشيء، وهذا يعكس المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام لعبارة: \"ليس له أصل\". وقد أطلقها الإمام أحمد على معانٍ أخرى منها:\n١. ما لم يثبت متنه لمخالفته الثابت المعروف من هدي النبي ﷺ كما في المسألة التالية:\nقال عبد الله: \"سألتُ أبي عن حديث ميمونة بنت الحارث أنها جعلتْ أمرَها بيد العباس فزوّجها من النبي ﷺ صحيح هذا الحديث؟ قال أبي: هذا حديث ليس له أصل وقال: النبيُّ ﷺ خطب حفصةَ إلى عمر فزوَّجه، الزهري عن سالم عن ابن عمر عن عمر خطبها النبي ﷺ يعني حفصة فزوّجه، والنبي ﷺ خطب إلى أبي بكر فزوّجه قال أبي: وقال شعبة: ولم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ليس هذا فيها\" (^٢).\nوقال في مسائله: \"سألتُ أبي عن حديث ميمونة بنت الحارث: إنما جعلتْ أمرَها بيد العباس فزوَّجها من النبي ﷺ، صحيح هذا الحديث؟ فقال أبي: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مِقسَم إلا أربعة أحاديث ليس هذا فيها، قال أبي: هذا حديث ليس له أصل\" (^٣).\nأنكر الإمام أحمد هذا الحديث وقال فيه: ليس له أصل، وعلته عنده مخالفته للثابت المعروف عن النبي ﷺ أنه يخطت المرأة إلى أهلها، وذكر خطبته حفصة إلى عمر، وعائشة إلى أبي بكر أجمعين، وأما العباس فإنما كان زوجَ أخت ميمونة،\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٣٥/٤٠٥٢.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد بن حنبل - برواية عبد الله ٣/ ١٠١٦.","vol":"1","page":218},{"text":"وهي أم الفضل بنت الحارث، ولم يكن ولياًّ لها ولاية خاصة، ثم أبان وجه دخول العلة على الحديث المذكور وهو عدم سماع الحكم من مسقم لهذا الحديث. ففي هذا إطلاق لفظزة: \"ليس له أصل\" على الحديث المنكر متنًا (^١).\n_________\n(^١) وحديث خطبة النبي ﷺ ميمونة إلى العباس أخرجه الإمام أحمد عن سريج، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج - وهو ابن أرطاة - عن الحكم عن أبي القاسم مقسم، عن ابن عباس [أن النبي ﷺ خطب ميمونة بنت الحارث، فجعلت أمرها إلى العباس فزوجها النبي ﷺ] المسند ٤/ ٢٥٧ ح ٢٤٤١، وأخرجه أبو يعلى في مسنده ح ٢٤٨١، والطبراني في المعجم الكبير ح ١٢٠٩٣ كلاهما من طرق عن عباد بن العوام به. وقد توبع الحكم عن مقسم متابعة قاصرة، فرواه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام قال: حدثني أبان بن صالح، وعبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، ومجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس [أن رسول الله ﷺ تزوّج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام]، وكان الذي زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٧٢. وهذا إسناد حسن من أجل ابن إسحاق، ورواه الدارقطني من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عكرمة، عن ابن عباس [أن رسول الله ﷺ بعث محميّة بن جزء ورجلين آخرين إلى ميمونة يخطبها وهي بمكة، فردت أمرها إلى أختها أم الفضل فردت أم الفضل إلى العباس فأنكحها رسول الله ﷺ] السنن ٣/ ٢٦٣. وقد روى ابن جرير ثنا ابن بشّار، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] قال: هي ميمونة بنت الحارث، وهذا إسناد صحيح جامع البيان ١٠/ ٢٣. وذكر ابن سعد مثل هذا عن عكرمة، وعمرة الطبقات الكبرى ٨/ ١٣٧. وروى ابن جرير أيضا من طريق أبي كريب، عن يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها جامع البيان ١٠/ ٢٣. وعنبسة بن الأزهر صدوق ربما أخطأ التقريب الترجمة ٥٢٣٢. ويؤيد روايته ما روي من أن التي وهبت نفسها زينب بنت جحش، وقيل غير ذلك انظر الأقوال في جامع البيان الموضع نفسه.\nوإذا أمعناّ النظر في الاختلاف الذي وقع بين ابن عباس من جهة، وبين أبي رافع ويزيد ابن الأصم من جهة أخرى في زواج النبي ﷺ بميمونة هل كان ذلك وهو محرم أو حلال، ظهر أن هناك نوعًا من الغموض في رواية زواج النبي ﷺ بميمونة، وإذا انضم إلى هذا الاختلافُ عن ابن عباس: هل ميمونة هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ أو غيرها، لم يقو هذا الحديث على معارضة المعروف الثابت من هدي النبي ﷺ من اشتراط الولاية الخاصة في النكاح، وقوي وجه إعلال الإمام أحمد للحديث، والله أعلم.","vol":"1","page":219},{"text":"٢. أطلقها على ما لم يثبت لغرابة إسناده وعدم مجيئه من وجه صحيح ومحفوظ.\nقال عبد الله: \"سئل عن حديث أبي الزبير عن جابر عن فاطمة بنت قيس في المستحاضة، قال: ليس بصحيح أو ليس له أصل يعني حديث جعفر بن سليمان عن ابن جريج\" (^١).\nوفي المسائل برواية صالح:\nقلتُ: \"حديث فاطمة بنت أبي حبيش في المستحاضة رواه أبو الزبير، عن جابر، عن فاطمة بنت قيس في المستحاضة؟ قال أبي: ليس هذا بشيء\" (^٢).\nأعلّه الإمام أحمد بقوله: ليس بصحيح أو ليس له أصل، وأوضحت رواية صالح وجه علة الحديث، وهو أن الحديث حديث فاطمة بنت أبي حبيش، فرواه جعفر بن سليمان الضبعي من حديث فاطمة بنت قيس (^٣)، وقال أحمد عن هذه\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٥٢ رقم ٤١٢٢.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٩٠/٦٤١.\n(^٣) أخرج هذه الرواية أبو العباس السراج في مسنده عن وهب بن بقية الواسطي عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن فاطمة بنت قيس قالت: سألت رسول الله ﷺ عن المستحاضة فقال: \"تقعد أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلى عند كل طهر تم تحتشي وتصلي\" ذكره ابن دقيق العيد في الإمام ٣/ ٣٣٠.\nورواه ابن عدي من طريق الحسن بن عمر عن جعفر بن سليمان به. وقال: وهذا الحديث لم يحدث به عن ابن جريج بهذا الإسناد غير جعفر بن سليمان، ويقال إنه أخطأ فيه، أراد به إسنادًا آخر عن ابن جريج، لعله يروه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فلعل جعفر أراد هذا الحديث فأخطأ عليه فقال: عن أبي الزبير عن جابر الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١.\nوأخرجه الدارقطني في السنن ١/ ٢١٩ وقال: تفرد به جعفر بن سليمان، ولا يصح عن ابن جريج عن أبي الزبير، وهم فيه، وإنما هي فاطمة بنت أبي حبيش. ا. هـ. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٥٥ من طريق الدارقطني. ورواه من طريق أبي بكر أحمد بن إسحاق الضبعي أيضًا وذكر عنه أنه قال: جعفر بن سليمان فيه نظر، ولا يعرف هذا الحديث لابن جريج، ولا لأبي الزبير من وجه غير هذا. ا. هـ.\nوقال أبو حاتم لما سئل عن هذا الحديث: ليس يشيء علل ابن أبي حاتم ١/ ٥٠ ح ١٢٠.\nوأما جعفر بن سليمان الضبعي فأجمع ما رأيت فيه من الأقوال قول الذهبي: صدوق صالح ثقة مشهور، ضعفه يحيى القطان وغيره، فيه تشيع وله ما يُنكر المغني في الضعفاء ١/ ١٣٢.","vol":"1","page":220},{"text":"الرواية: ليس بشيء، يشير إلى خطأ جَعلِها من مسند فاطمة بنت قيس، لأن جعفر بن سليمان تفرد بذلك من بين أصحاب ابن جريج الكثيرين.\nومثال آخر لإطلاقه هذه العبارة على ما أنكره لغرابته وعدم مجيئه من وجه صحيح:\nقال أبو زرعة الدمشقي: \"وسألت أحمد بن حنبل عن حديث سعيد ابن المسيب، عن أبي ثعلبة: \"كُلْ ما رَدَّتْ عليك قوسُك\": رواه ضمرة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ثعلبة؟ فقال: ما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ قلت له: أتخاف أن لا يكون له أصل؟ قال: نعم. قال أبو زرعة: وإنما رواه الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب؛ أخبرني به محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي\" (^١).\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجه من طريق ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعي به (^٢)، وقد اختلف على الأوزاعي فيه: قال الدارقطني: وغير ضمرة بن ربيعة يرويه عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن أبي ثعلبة مرسلًا قال: والمرسل\n_________\n(^١) تاريخ أي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥٩ رقم ١١٦٦ - ١١٦٧، وفي ٢/ ٧١٨ رقم ٢٢٩٢ - ٢٢٩٣ قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث حدثّنيه محمد بن أسامة، عن ضمرة، عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ: \"كل ما ردّتْ عليك قوسك\" فقال: ما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ ولم يعجبه، قال: وليس هذا بشيء. قال أبو زرعة: وأصل هذا الحديث بالشام عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب. حدثّنيه محمد بن خالد عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي.\n(^٢) السنن ح ٣٢١١.","vol":"1","page":221},{"text":"أصح (^١)، وذكر أبو زرعة الدمشقي هنا أن أهل الشام إنما يروون الحديث عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب - يعني عن أبي ثعلبة (^٢).\nوأما وجه إعلال الإمام أحمد للحديث فهو من حيث أنه ذكر لسعيد ابن المسيب رواية عن أبي ثعلبة، فإنه أنكره بقوله: وما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ فإن هذا استفهام إنكار، وأوضحه أبو زرعة باستفهام آخر: تخاف أن لا يكون له أصل؟ فقال: نعم. أي ما جاءت رواية لسعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة من وجه صحيح سالم من العلة. وقد تبيّن أن هذه الرواية غير محفوظة حيث أن الصحيح من رواية الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن أبي ثعلبة ليس فيه سعيد بن المسيب كما قاله الدارقطني، ووجه آخر عنه: عن عمرو بن شعيب، عن أبي ثعلبة كما قال أبو زرعة أنه المحفوظ عن أهل الشام.\nوهناك قرينة أخرى تؤيد إنكار الإمام لرواية سعيد عن أبي ثعلبة، وهو أن أبا ثعلبة الخشني سكن الشام، والظاهر أن ذلك كان إثر فتحها - قبل أن يولد سعيد بن المسيب لأنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، بينما فتحُ الشام كان في السنة الأولى من خلافة عمر - فقد روى الإمام أحمد في المسند قال: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة الخشني قال [أَتيتُ النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله اكتُب لي بأرض كذا وكذا - بأرض بالشام لم يظهر عليها\n_________\n(^١) علل الدارقطني ٦/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(^٢) ذكره البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ٢٥٠ قال: وروى الأوزاعي، وحبيب المعلّم، وعبيد الله ابن الأخنس، عن عمرو بن شعيب في حديثه أن أبا ثعلبة سأل النبي ﷺ في قصة الصيد. وذكره الدارقطني تعليقًا في العلل ٦/ ٣٢٣. وقد روي حديث حبيب المعلم وعبيد الله بن الأخنس موصولًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا ثعلبة سأل النبي ﷺ. ذكره الدارقطني في العلل ٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣، وذكر اختلافًا آخر على عمرو بن شعيب. وانظر: السنن الكبرى للنسائي ٣/ ١٥١، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢٣٧.","vol":"1","page":222},{"text":"النبي ﷺ حينئذ فقال النبي ﷺ: \"ألا تسمعون إلى ما يقول هذا؟ \" فقال أبو ثعلبة: والذي نفسي بيده لتظهرن عليها، قال: فكتب له بها] (^١) فيبعد مع هذا لقاء سعيد، وهو مدني لأبي ثعلبة الخشني (^٢).\nوالشاهد من هذا إطلاق عبارة \"ليس له أصل\" على ما لم يثبت من وجه صحيح سالم من العلة.\nوأما قول الإمام أحمد: \"منكر\" فقد أفردتُ له مطلبًا خاصًا سيأتي إن شاء الله، ويكفي أن أشير هنا إلى تفسير الأثرم لهذه العبارة عند الإمام أحمد:\nقال الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله ذكر حديث الفضل بن دَلْهم عن الحسن، عن قبيصة بن حُرَيْث، عن سَلَمة بن المُحبّق عن النبي ﷺ: \"خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا\" فقال: هذا حديث منكر، يعني خطأ\" (^٣).\nفقد فسّر الأثرم معنى المنكر عند الإمام أحمد بأنه الخطأ، وهذا وجه إطلاقه المنكر على الحديث الموضوع في حديث: \"فتحت المدائن بالسيف وفتحت المدينة بالقرآن\" (^٤)، حيث تحقق من وقوع الخطأ في الحديث بإضافة قول غير النبي ﷺ إلى النبي ﷺ.\n_________\n(^١) المسند ٢٩/ ٢٧٣ - ٢٧٤ ح ١٧٧٣٧. وانظر: تاريخ دمشق ٦٦/ ١٠١ - ١٠٢. والإسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع بين أبي قلابة وأبي ثعلبة الخشني، لم يسمع منه انظر: تهذيب الكمال ٣٣/ ١٦٨.\n(^٢) لم يذكر العلائي ولا أبو زرعة العراقي أن سعيد بن المسيب لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، وأرى أن يستدرك عليهما بناء على ما ورد عن الإمام أحمد هنا من إنكار رواية سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة. وقد ذكر المزي سعيد بن المسيب في الرواة عن أبي ثعلبة الخشني ورمز لابن ماجه لوقوع تلك الرواية في سننه، ولم يستثن بقوله: إن كان محفوظًا على عادته فيمن لم تثبت الرواية بينهما. وسيكون هناك عودة لهذا الموضوع في مبحث طرق إثبات اللقاء والسماع بين الرواة إن شاء الله.\nانظر: جامع التحصيل ١٨٤ - ١٨٥، تحفة التحصيل ص ١٢٨، تهذيب الكمال ٣٣/ ١٦٧.\n(^٣) تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٢١.\n(^٤) انظر: ص ١٤٣.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>المطلب السادس: موقفه من الرواية عن الكذّابين والمتَّهمين بالكذب</span>.\nتقدم أن الإمام أحمد أمر بالضرب على أحاديث عبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي، لأنها كذب أو موضوعة (^١).\nوتقدم النقل عن عبد الله بن الإمام أحمد أن الإمام أبا عبد الله ضرب على حديث عمرو بن خالد ولم يحدث به (^٢)، وذلك لأن عمرًا عنده كذّاب. وروى عبد الله حديثًا آخر في زياداته على المسند (^٣)، وهو حديث علي عن النبي ﷺ: أتاني جبريل ﵇ فلم يدخلْ عليّ فقال له النبي ﷺ: \"ما منعك أن تدخل\"؟ قال: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا بول\"، وفي رواية أخرى \"ولا كلب\" (^٤)، وقال عبد الله بعد رواية الحديث: وكان أبي لا يحدّث عن عمرو بن خالد، يعني كان حديثه لا يسوى عنده شيئًا. ا. هـ.\nوتقدم أيضًا أنه قال في يعقوب بن الوليد: كتبت عنه وخرقنا حديثه منذ دهر، وكان من الكذّابين وكان يضع الحديث (^٥).\nوقال في إسماعيل بن أبان: كتبتُ عنه ثم حدّثَ بأحايث موضوعة فتركناه (^٦).\nوتقدم أيضًا أنه ترك حديث عبد العزيز بن أبان كما نقله عبد الله: وقال عبد الله في موضع آخر: \"سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان، قال: لم أخرج عنه في المسند شيئًا، وقد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، لما حدّث بحديث المواقيت\n_________\n(^١) انظر: ص ١٥٠.\n(^٢) انظر: ص ١٥٣.\n(^٣) المسند ٢/ ٤٠٥ ح ١٢٤٧، ١٢٤٨.\n(^٤) المسند ح ١٢٧٠.\n(^٥) انظر: ص ١٥٧.\n(^٦) انظر: ص ٢٠٢.","vol":"1","page":224},{"text":"حديث سفيان عن علقمة بن مرثد تركته\" (^١) يشير بهذا إلى أنه المتَّهم به.\nوقال حنبل كما في المسألة التي رواها الخلال:\nأخبرني موسى بن حمدون، نا حنبل، حدثني أبو عبد الله، ثنا يزيد بن هارون، أخبرني أبو أمية بن يعلى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى تواضع أبي ذر\" قال لي أبو عبد الله: اضرب على حديث أبي ذر. قال: تركتُ حديثه لأنه منكر الحديث، فضربت عليه (^٢).\nفذكر الإمام أحمد أنه ترك حديث أبي أمية بن يعلى لأنه منكر الحديث عنده. وأبو أمية بن يعلى هو إسماعيل بن يعلى أبو أمية الثقفي البصري. قال عنه يحيى بن معين: ليس بثقة (^٣). وقال البخاري: سكتوا عنه (^٤). وقال النسائي والدارقطني: متروك (^٥). وروى ابن عدي بإسناده عن شعبة أنه قال: اكتبوا عن أبي أمية بن يعلى فإنه شريف لا يكذب (^٦). ونقل الحافظ ابن حجر عن أبي داود أنه كذّب هذه الحكاية عن شعبة (^٧)، فهذا الراوي متروك، وبه يتبين أن وصف الإمام أحمد لهذا الراوي بأنه منكر الحديث وصف له بأن حديثه يستحق الترك.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٩٨ رقم ٥٣٢٦. وانظر: ص ٢٠٠.\n(^٢) المنتخب من علل الخلال ٢١٤ رقم ١٢٥. والحديث رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٤/ ٢٢٨، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٣٨٨ ح ٣٢٢٦٧ كلاهما عن يزيد بن هارون به.\n(^٣) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال - رواية أبي خالد الدقاق ص ٩٤/ ٢٩٥.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٣٠٩. ومعنى هذه العبارة عند الإمام البخاري كما قال الذهبي: تركوه الموقظة ص ٨٣.\n(^٥) ميزان الاعتدال ١/ ٢٥٥.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٣٠٩.\n(^٧) لسان الميزان ١/ ٤٤٥.","vol":"1","page":225},{"text":"فهؤلاء الرواة ما بين من رمي بالكذب والوضع، وبين المتّهم بالكذب، ومن تُرك حديثه لكثرة المناكير التي يرويها، ومن خلال ما نقلت عن الإمام أحمد يتبيّن أن موقفه من الرواية عنهم هو ترك الرواية عنهم وعدم الاعتداد بحديثهم.\nوقد ذكر بعض الحفاظ مثل هذا عن الإمام أحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما من عُرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروي عن هذا شيئًا، وهذه طريقة أحمد بن حنبل وغيره، لم يرو في مسنده عمن يعرف أنه يتعمد الكذب، لكن يروي عمن عرف منه الغلط للاعتبار والاعتضاد. ومن العلماء من كان يسمع حديث من يكذب ويقول: إنه يميز بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه، ويذكر عن الثوري أنه كان يأخذ عن الكلبي وينهى عن الأخذ عنه ويذكر أنه يعرف … \" (^١).\nوقال الحافظ ابن رجب: \"وأحمد خرق حديث خلق ممن كتب حديثهم، ولم يحدث به، وأسقط من المسند حديث خلق من المتروكين لم يخرجه فيه مثل فائد أبي الورقاء، وكثير بن عبد الله المزني، وأبان بن أبي عياش وغيرهم، وكان يحدث عمن دونهم في الضعف … والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ، ويحدث عمن دونهم في الضعف مثل من في حفظه شيء ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه\" (^٢).\nوقد استدل الإمام مسلم على عدم جواز الرواية عن أهل التهم بحديث الذي رواه المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حدَّث عني بحديثٍ يُرى أنه كذبٌ فهو أحد الكاذِبِين\" (^٣)، ويُرى مضبوطة بضم الياء بمعنى يظن (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٨/ ٢٦.\n(^٢) شرح علل الترمذي ١/ ٣٨٤ - ٣٨٦.\n(^٣) مقدمة صحيح مسلم ص ٩.\n(^٤) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٨٣٩.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>المطلب السابع: مخالفة حكمِه حكمَ غيره في آحاد المسائل في هذا الباب</span>.\nإن مبنى هذا العلم كما قال الحافظ ابن حجر على غلبة الظن (^١)، فقد يختلف الحفاظ في الحكم على حديث واحد بالوضع أو عدمه، لأن ذلك دائر مع القرائن التي تلوح لكل واحد منهم، وإن كان الغالب أن تتواطأ أحكامهم في هذا الباب (^٢). وحيث وقع خلاف بينهم فالمرجع في ذلك إلى الترجيح بين أوجه الخلاف.\nوقد رأينا من خلال المطالب التي تقدمت أن الغالب أن يوافِق الإمامَ أحمد غيرُه من الأئمة في حكمه على الأحاديث بالوضع، ونادرًا ما يخالفه غيره، ومن ذلك النادر ما رواه محمد بن أبي يحيى (^٣) كما رواه الخلال حيث قال:\nأخبرنا محمد بن علي، ثنا محمد بن أبي يحيى قال: سألت أحمد عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها\". فقال أحمد: قبَّح الله أبا الصلت، ذاك ذكر عن عبد الرزاق حديثًا ليس له أصل.\nأخبرني منصور بن الوليد، ثنا إبراهيم بن الجنيد، قال: سئل يحيى بن معين عن عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد؟ فقال: كذاب يحدث أيضًا بحديث أبي معاوية، عن الأعمش بحديث: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\" وهذا حديث كذبٌ ليس له أصل.\nوسألته عن أبي الصلت الهروي؟ فقال: قد سمع وما أعرفه بالكذب. قلت: فحديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس؟ قال: ما سمعته قط، وما\n_________\n(^١) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٨٧٥ - ٨٧٦.\n(^٢) انظر: الموقظة ص ٣٧.\n(^٣) هذا الراوي لم أهتد إلى من هو، ولم أجده في طبقات الحنابلة.","vol":"1","page":227},{"text":"بلغني إلا عنه. وقال محمد بن أبي يحيى عن يحيى بن معين أنه قال: حدثني به ثقة: محمد بن الطفيل عن أبي معاوية (^١).\nفالظاهر من هذه المسألة وقوع خلاف بين حكم الإمام أحمد على الحديث المذكور وحكم الإمام يحيى بن معين.\nحكم الإمام أحمد: أما الإمام أحمد فرواية المروذي عنه تزيد حكمه على الحديث وعلى راويه أبي الصلت إيضاحًا:\nقال المروذي: \"وسُئل أبو عبد الله عن أبي الصلت (^٢) فقال: روى أحاديث مناكير، قيل له: روى حديث مجاهد عن علي (^٣): \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\". قال: ما سمعنا بهذا، قيل له: هذا الذي تنكر عليه؟ قال: غير هذا، أما هذا فما سمعنا به، وروى عن عبد الرزاق أحاديث (^٤) لا نعرفها ولم نسمعها. قيل لأبي عبد الله: قد كان عند عبد الرزاق من هذه الأحاديث الرديئة؟ قال: لم أسمع منها شيئًا\" (^٥).\nوجه إعلاله للحديث: إعلال الإمام أحمد للحديث من وجهين:\n١. استنكره من حديث أبي معاوية حيث قال: ما سمعنا به، وهذه العبارة تقرب من عبارة: لا أعرفه، وقد تقدم أن هذه العبارة الثانية من الحافظ المطلّع تُعتمد\n_________\n(^١) المنتخب من علل الخلال ٢٠٨ - ٢٠٩/ ١٢٠، ١٢١.\n(^٢) هو عبد السلام بن صالح الهروي، وستأتي ترجمته مفصلة إن شاء الله.\n(^٣) كذا ذكر هنا: عن علي، وكذا هو في تاريخ بغداد من طريق المروذي ١١/ ٤٨. أما الحافظ ابن حجر فلم يذكر: علي، وهذا يشعر أنه يرى ذكر علي خطأ تهذيب التهذيب ٦/ ٣٢٠. وهذا الذي يغلب على ظني، لأن هذا الحديث وإن روي من حديث علي إلا أنني لم أقف عليه من رواية مجاهد عن علي، والله أعلم.\n(^٤) عند المروذي في العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٧٣: \"واحدًا\"، والمثبت من تاريخ بغداد ١١/ ٤٨.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٧٢ - ١٧٣ رقم ٣٠٨.","vol":"1","page":228},{"text":"في نفي الحديث (^١)، فإذا كان يدّعي أن الحديث من حديث مجاهد، أو الأعمش، أو أبي معاوية ثم لا يعرفه الإمام أحمد وهو حافظ مطلع، دل على أن الحديث لا أصل له من حديث هؤلاء الأعلام، وأن هذا الراوي - أبو الصلت - هو المتفرد به.\n٢. اعتمد على قرينة رواية أبي الصلت عن عبد الرزاق أحاديث لا أصل لها في إنكار هذا الحديث، حيث كان البلاء في تلك الروايات عن عبد الرزاق من أبي الصلت فكذلك في هذه الرواية عن أبي معاوية البلاء منه، ومن أجل ذلك قال في أبي الصلت هذا القول الشديد.\nحكم الإمام يحيى بن معين: اختلفت الرويات عن يحيى بن معين في حكمه على هذا الحديث، فقال هنا في رواية ابن الجنيد: هذا حديث كذب ليس له أصل، لكنه أنكره من حديث عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد عن أبي معاوية، وقال عن عمر هذا: كذاب (^٢). ولما ذكر أبو زرعة الرازي له رواية عمر بن إسماعيل لهذا الحديث قال له: \"قل له: يا عدو الله متى كتبتَ أنت هذا عن أبي معاوية، إنما كتبتَ أنت عن أبي معاوية ببغداد، ولم يحدث أبو معاوية هذا الحديث ببغداد\" (^٣).\nوقال عن أبي الصلت الهروي كما في رواية ابن الجنيد المذكورة آنفًا: \"قد سمع وما أعرفه بالكذب\"، فذكر له هذا الحديث من روايته فقال: \"ما سمعته قط، وما بلغني إلا عنه\"، وقال ابن الجنيد مرة أخرى: سمعت يحيى وذكر أبا الصلت الهروي فقال: \"لم يكن عندنا من أهل الكذب، وهذه الأحاديث التي يرويها ما نعرفها\" (^٤).\n_________\n(^١) ص ١٨٥.\n(^٢) وانظر أيضًا: الضعفاء للعقيلي ٣/ ٨٩٦، تهذيب الكمال ٢١/ ٢٧٦.\n(^٣) الجرح والتعديل ٦/ ٩٩، وانظر: تهذيب الكمال ٢١/ ٢٧٧.\n(^٤) سؤالات ابن الجنيد ٢٥، وانظر: تهذيب الكمال ١٨/ ٧٨.","vol":"1","page":229},{"text":"وكذلك أنكره في رواية ابن زياد: قال يحيى بن أحمد بن زياد (^١): سألت يحيى بن معين عن حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: \"أنا مدينة العلم\" فأنكره جدًا (^٢)، وفي رواية محمد بن عبد الله بن خميرويه (^٣) عن ابن زياد: سألته عن حديث أبي معاوية الذي رواه عبد السلام الهروي عنه عن الأعمش، فذكره (^٤).\nوقال عبد الخالق بن منصور: \"سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت فقال: ما أعرفه، قلت له: إنه يروي حديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: أنا مدينة العلم وعلي بابها فقال: ما هذا بشيء\" (^٥).\nفهذه الروايات عن يحيى كلها تفيد إنكاره للحديث.\nوفي رواية القاسم بن عبد الرحمن الأنباري قال يحيى عن هذا الحديث: هو صحيح. قال الخطيب: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه (^٦).\nوقال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت - أو قيل له ـ: إنه حدّث عن أبي معاوية، عن الأعمش: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\" فقال: ما تريدون من هذا المسكين؟ أليس قد حدّث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية، هذا أو نحوه (^٧)،\n_________\n(^١) لم أقف على ترجمته.\n(^٢) تاريخ بغداد ١١/ ٢٠٥.\n(^٣) قال الذهبي: مسنِد الهراه، وثقه أبو بكر السمعاني سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣١١.\n(^٤) تاريخ بغداد ١١/ ٤٩.\n(^٥) تاريخ بغداد ١١/ ٤٩.\n(^٦) تاريخ بغداد ١١/ ٤٩ - ٥٠.\n(^٧) تاريخ بغداد ١١/ ٥٠.","vol":"1","page":230},{"text":"وزاد الحاكم في روايته: قال يحيى: وهو - أي محمد بن جعفر الفيدي - ثقة مأمون (^١)، ولم يذكر الخطيب هذا التوثيق وقد روى الكلام من طريق الحاكم، عن أبي العباس الأصم، عن الدوري.\nوفي رواية أبي علي صالح بن محمد جزرة أنه سئل عن أبي الصلت فقال: دخل يحيى بن معين ونحن معه على أبي الصلت فسلم عليه، فلما خرج تبعته فقلت له: ما تقول رحمك الله في أبي الصلت؟ فقال: هو صدوق، فقلت له إنه يروي حديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتي بابه\"! فقال: قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما راه أبو الصلت (^٢).\nوقال ابن محرز: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي فقال: \"ليس ممن يكذب، فقيل له في حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\" فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير قال: حدّث به أبو معاوية قديمًا ثم كفّ عنه، وكان أبو الصلت رجلًا موسرًا يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ وكانوا يحدثونه بها\" (^٣).\nقال الخطيب محاوِلًا الجمع بين هذه الأقوال عن ابن معين: أحسب عبد الخالق سأل يحيى بن معين عن حال أبي الصلت ولم يكن يحيى إذ ذاك يعرفه، ثم عرفه بعدُ فأجاب إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن حاله، وأما حديث الأعمش فإن أبا الصلت كان يرويه عن أبي معاوية عنه، فأنكره أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من حديث أبي معاوية، ثم بحث يحيى عنه فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن\n_________\n(^١) المستدرك ٣/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(^٢) المستدرك ٣/ ١٢٧، وانظر نحو هذه الحكاية في تاريخ بغداد ١١/ ٥٠.\n(^٣) جزء معرفة الرجال - رواية ابن محرز ١/ ٧٩ رقم ٢٣١.","vol":"1","page":231},{"text":"أبي معاوية. ا. هـ (^١).\nوالملاحظ أن يحيى بن معين لم يصحح الحديث مطلقًا، إنما صححه من حديث أبي معاوية، وكذلك ما ذكره من المتابعة لأبي الصلت إنما ذكرها لينفي التهمة عن أبي الصلت. واعتبر ابن معين محمد بن جعفر الفيدي متابعًا لا سارقًا بقرينة الحكاية التي ذكرها عن ابن نمير أن أبا الصلت كان رجلًا موسرًا فكان يتتبع هذه الأحاديث عند الشيوخ ويكرمهم فيحدثونه بها، والتي تدل على أن الحديث حديث أبي معاوية وقد كان حدّث أبا الصلت به. وعلى نفي التهمة بالكذب يحمل ما ورد عنه من توثيق أبي الصلت، فقد كان هذا منهجًا عنده. قال المعلمي: ابن معين ربما يطلق كلمة \"ثقة\" لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب. ا. هـ (^٢).\nوقد يقال: إذا كان يحيى ينفي التهمة عن أبي الصلت بناء على وجود من تابعه في الحديث عن أبي معاوية مما يدل على أن أبا معاوية قد حدّث بالحديث لماذا اتهمّ عمر بن إسماعيل بن مجالد؟ والجواب أن عمر بن إسماعيل إنما سمع من أبي معاوية ببغداد حيث سمع منه يحيى بن معين، وأبو معاوية لم يحدث بهذا الحديث ببغداد، إنما حدّث به قبل ذلك ثم كفّ عنه كما أفادته رواية ابن معين عن ابن نمير، فهذا وجه اتهامه لعمر بن إسماعيل، بخلاف أبي الصلت الذي سمع الحديث من أبي معاوية قديمًا.\nفهذا تحرير موقف ابن معين من هذا الحديث ومن أبي الصلت راويه. وبقي الآن النظر في موقف الإمامين أحمد وابن معين والموازنة بينهما. فالإمام أحمد حكم على الحديث بالنكارة بناء على أنه لا يُعرف عن أبي معاوية، والأمر الثاني\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١١/ ٤٩.\n(^٢) التنكيل ١/ ٧٢.","vol":"1","page":232},{"text":"أن الذي تفرد به عن أبي معاوية معروف برواية أحاديث منكرة عن عبد الرزاق، فيحمل هذا الحديث على أنه من مناكيره. وقد وافق الإمامَ أحمد على جرح أبي الصلت غيرُ واحد من الأئمة: فأبو حاتم قال عنه: \"لم يكن عندي بصدوق، وهو ضعيف ولم يحدث عنه\" وأمر أبو زرعة أن يُضرب على حديث أبي الصلت وقال: \"لا أحدّث عنه ولا أرضاه\" (^١). وقال أحمد بن سيار المروزي الحافظ: \"كان يعرف بكلام الشيعة وناظرته في ذلك لأستخرج مما عنده فلم أره يُفرط، ورأيته يقدم أبا بكر وعمر ويترحم على علي وعثمان، ولا يذكر أصحاب النبي ﷺ إلا بالجميل، وسمعته يقول: هذا مذهبي الذي أدين الله به، إلا أن ثم أحاديث يرويها في المثالب\" (^٢). وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الساجي: يحدث بمناكير، هو عندهم ضعيف. وقال الدارقطني: \"كان رافضيًا خبيثًا. روى عن جعفر عن آبائه عن النبي ﷺ أنه قال: \"الإيمان إقرار بالقلب وعمل بالجوارح … \" الحديث، وهو متهم بوضعه لم يحدث به إلا من سرقه منه فهو الابتداء في هذا الحديث\" (^٣). وقال ابن حبان: \"يروي عن حماد بن زيد وأهل العراق العجائب في فضائل علي وأهل بيته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد\" (^٤). وقال ابن عدي: \"ولعبد السلام هذا عن عبد الرزاق أحاديث مناكير في فضائل علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وهو متهم في هذه الأحاديث\" (^٥). وذكر ابن حبان أحاديث منكرة لعلي بن موسى الرِّضا فقال الحافظ ابن حجر: هي من رواية أبي الصلت هي وغيرها (^٦).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٦/ ٤٨.\n(^٢) تهذيب الكمال ١٨/ ٧٦.\n(^٣) انظر هذه الأقوال: تاريخ بغداد ١١/ ٥١.\n(^٤) المجروحين ٢/ ١٥١.\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩٦٨.\n(^٦) تهذيب التهذيب ٧/ ٣٨٨ - ٣٨٩. وانظر الأحاديث المجروحين ٢/ ١٠٦.","vol":"1","page":233},{"text":"وقد يقال إن المناكير التي رواها أبو الصلت عن عبد الرزاق كانت من الأحاديث الرديئة التي عند عبد الرزاق والتي أشار إليها المروزي في سؤاله، فتبرأ ساحة أبي الصلت منها، وقد كان الإمام أحمد ينكر ذلك ويقول: لم أسمع منها شيئًا. أما الإمام يحيى بن معين فكان يرى أن تلك الأحاديث قد كانت عند عبد الرزاق. فروى ابن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين وقيل له: إن أحمد ابن حنبل قال: إن عبيد الله بن موسى يُردّ حديثُه للتشيع فقال: كان والله الذي لا إله إلا هو عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مئة ضعف، ولقد سمعتُ من عبد الرزاق أضعاف أضعاف ما سمعتُ من عبيد الله (^١). فيرى يحيى أن آفة هذه الأحاديث الرديئة عن عبد الرزاق منه لا من غيره، فتبرأ ساحة أبي الصلت منها كما برئت عنده من عهدة هذا الحديث عن أبي معاوية بما أثبته من تحديث أبي معاوية به. فإن سلّمنا هذا من الإمام يحيى بن معين فالسؤال هو ما الجواب عن المناكير التي رواها عن علي بن موسى الرضا؟ ومن أجل هذا قال المعلمي: من يأبي أن يكذّب أبا الصلت يلزمه أن يكذّب علي بن موسى الرضا وحاشاه. ا. هـ (^٢).\nوهناك إشكال في المتابعة التي ذكرها يحيى بن معين، وهو هل محمد بن جعفر الفيدي الذي تابع أبا الصلت روى هذا الحديث عن أبي معاوية مباشرة أو بواسطة؟ فقد ذكر ابن محرز عن يحيى بن معين أنه قال: حدثنا محمد بن جعفر العلاف الذي كان ينزل بفيد كوفي، قال: حدثنا محمد بن الطفيل، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فذكره (^٣). ويؤيد هذا ما رواه محمد بن أبي يحيى كما في المسألة التي ذكرها الخلال في صدر هذا المطلب أن\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ١٨/ ٥٩ - ٦٠.\n(^٢) من تعليقات المعلمي في تحقيقه لكتاب الفوائد المجموعة ص ٣٠٨.\n(^٣) جزء معرفة الرجال - رواية ابن محرز ٢/ ٢٤٢ رقم ٨٣٢.","vol":"1","page":234},{"text":"يحيى بن معين ذكر أنه حدثه به ثقة: محمد بن الطفيل عن أبي معاوية، وهذا ظاهره مغاير لهذا الإسناد الذي ذكره ابن محرز. ومحمد بن أبي يحيى لم أدر من هو، ويروي في هذه المسألة عن الإمام أحمد وابن معين، ولم يذكره أبو يعلى في طبقات الحنابلة.\nوروى الحاكم بإسناده عن محمد بن يحيى بن الضريس، ثنا محمد بن جعفر الفيدي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ فذكره (^١). ويؤيد هذا رواية صالح جزرة عن ابن معين أنه قال: قد روى هذا ذاك الفيدي، عن أبي معاوية، عن الأعمش كما رواه أبو الصلت. لكن في إسناد الحاكم محمد بن يحيى بن الضريس، وهو فيدي أيضًا وكوفي، ويروي عن محمد بن الطفيل ولم يُذكر محمد بن جعفر من الذين روى عنهم (^٢). ومع هذا الإشكال فالذي يعتمد في متابعة أبي الصلت هو الحكاية التي ذكرها ابن نمير أن أبا معاوية كان يحدّث بالحديث ثم كفّ عنه.\n_________\n(^١) المستدرك ٣/ ١٢٧.\n(^٢) انظر: ترجمته في الجرح والتعديل ٨/ ١٢٤. وانظر ترجمة محمد بن جعفر الفيدي في تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٨٧.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>المبحث الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي ببدعة فيه</span>.\n<span data-type='title' id=toc-109>المطلب الأول: تعريف البدعة وأهلها</span>.\nالمعنى اللغوي: كل من أحدث شيئًا فقد ابتدعه، والاسم البِدْعة، والجمع البدع، ذكره في \"جمهرة اللغة\" (^١).\nوقال الجوهري: \"ابدعْتُ الشيء، اخترعته لا على مثال، والله تعالى بديع السموات والأرض. والبديع: المبتدِع، والبديع: المبتدَع … البدعة الحدث في الدين بعد الإكمال\" (^٢).\nالمعنى الشرعي: قال ابن رجب: \"المراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه\" (^٣).\nويقال للمنتسبين والمنسوبين إلي شيء منها أهل البدع وأهل الأهواء. قال الجرجاني: \"أهل الأهواء أهل القبلة الذين لا يكون معتقدُهم معتقدَ أهل السنة وهم الجبرية والقدرية والروافض والخوارج والمعطِّلة والمشبِّهة\" (^٤).\nوقال اليماني: \"أهل البدع والأهواء سموا بهذا الاسم لابتداعهم لأشياء ليست من الشريعة، وهوايتهم لأمور استحسنوها فدَعَوُا الناس إلى الدُّخول فيها وهي بعيدة من الحق الأنور والشرع الأظهر\" ثم ذكر أصنافهم (^٥).\n_________\n(^١) ١/ ٢٤٥.\n(^٢) الصحاح ٣/ ١١٨٣ - ١١٨٤.\n(^٣) جامع العلوم والحِكم ٢/ ١١٨.\n(^٤) التعريفات ص ٥٧.\n(^٥) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ١٠.","vol":"1","page":237},{"text":"ووجه ذكر هذا المبحث في فصل الطعن في الراوي بما يخل بعدالته، أن الراوي الموصوف ببدعة إما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق (^١)، وكلا الأمرين منافٍ لصفة العدالة.\n_________\n(^١) هدي الساري ص ٣٨٥.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>المطلب الثاني: التمييز بين البدعة التي تردّ بها رواية الراوي المتصف بها من غيرها</span>.\nاختلف أهل العلم قديمًا وحديثًا في مسألة السماع من أهل البدع والأهواء والاحتجاج بمروياتهم، فمنعت طائفة من قبول روايتهم، وهو مروي عن ابن سيرين، وحكي نحوه عن الحسن البصري، ومالك، وابن عيينة، والحميدي وغيرهم (^١).\nومأخذ هذا المذهب هو أن أهل الأهواء إما أن يكونوا ممن يكفرون أو يفسقون، وأيضًا في الرواية عنهم ترويج لمذهبهم، والمطلوب مع أهل الأهواء هجرانهم وإخماد ذكرهم؛ ثم إن الهوى والبدعة لا يؤمن معهما الكذب، لا سيما إذا كان ظاهر الرواية تعضد مذهب المبتدع (^٢)، وقد صرح بعض أهل الأهواء بعد التوبة بأنهم كانوا إذا هووا أمرًا صيروه حديثًا (^٣).\nوالمذهب الثاني: قبول روايتهم إذا لم يتَّهموا بالكذب واستحلاله، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، ويحيى القطان، وعلي بن المديني. قال ابن المديني: \"لو تركت أهل البصرة للقدر، وتركت أهل الكوفة للتشيع لخرِبتِ الكتب\" (^٤).\nوالمذهب الثالث: التفريق بين الداعية وغيره، فيقبل رواية غير الداعية إلى بدعته، وترد رواية الداعية، وقد نسب هذا القول إلى ابن المبارك، وابن مهدي،\n_________\n(^١) انظر: الكفاية في علم الرواية ص ١٩٤ وما بعدها، وشرح علل الترمذي ١/ ٣٥٦.\n(^٢) انظر: شرح علل الترمذي ١/ ٣٥٧، ضوابط الجرح والتعديل ص ٩٧.\n(^٣) الجرح والتعديل ٢/ ٣٢ - ٣٣.\n(^٤) الكفاية في علم الرواية ص ٢٠٢، ٢٠٦، وشرح علل الترمذي ١/ ٣٥٦.","vol":"1","page":239},{"text":"وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-111>مذهب الإمام أحمد:</span>\nاختلف العلماء في التخريج على النصوص الواردة عن الإمام الإمام في هذا الموضوع: فبعضهم يخرج كلامه على التفريق بين أنواع البدع، وعلى التفريق بين الحاجة إلى الرواية وعدمها، وعلى التفريق بين الداعي والساكت، وبعضهم يقصر على أمر واحد من هذه فقط. سأورد النصوص التي وقفت عليها عن الإمام أحمد ثم تخريجات أصحابه في هذه المسئلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>التجهم:</span>\nويدل على أنها من البدع المغلظة تكفير الإمام أحمد لمن يقول بقولهم.\nقال الميموني: \"قال سألته - يعني أبا عبد الله - فيما بيني وبينه واستفهمته واستثبته فقلت: يا أبا عبد الله، قد بُلينا بهؤلاء الجهمية، ما تقول فيمن قال: إن الله ليس على العرش؟ قال: كلامهم كلهم يدور على الكفر. قلت: ما تقول فيمن قال إن الله لم يُكلِّمْ موسى؟ قال: كافر لا شكَّ فيه. قلت: من قال إن أسماء الله مُحدَثَة؟ قال: كافر. ثم قال لي: الله من أسمائه، فمن قال إنها محدثة فقد زعم أن الله مخلوق. وأقبل يُعظِّم أمرَهم ويُكفِّرهم وقرأ: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]. وذكر آية أخرى. قلت: من قال: إن الله كان ولا علم؟ فتغيّر وجهُهُ في هذا كلُّه وكان في هذا أشدَّ تَغيرًا وأكثر غَيْظًا ثم قال لي: كافر وقال في كل يوم أزداد في القوم بصيرة\" (^٢).\nوأما كلامه فيمن يقول من الرواة بقول جهم:\nقال عبد الله: \"سألت أبي عن الحكم بن عبد الله أبي مطيع البلخي فقال: لا\n_________\n(^١) انظر: شرح علل الترمذي ١/ ٣٥٦.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٩٧ رقم ٣٤٩.","vol":"1","page":240},{"text":"ينبغي أن يُروى عنه، حكوا عنه أنه كان يقول: الجنة والنار خلقتا، فستفنيان، هذا كلام جهم، لا يُروى عنه شيء\" (^١).\nوقال عبد الله أيضًا: \"سألت أبي عن سليم بن مسلم؟ فقال: قد رأيته بمكة ليس يسوى حديثه شيئًا، ليس بشيء قال أبي: وكان يتهم برأي جهم\" (^٢). فهذا جمع بين رأي جهم ونكارة الحديث، يدل عليه قوله: ليس يسوى حديثه شيئًا.\nفقد عمّم النهي عن الرواية عمن نسب إلى رأي جهم، ولم يقيّد بالداعية. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لم أقف له على تقييد بالداعية في الجهمي\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>التشيّع:</span>\nجاء عنه أنه ترك أحاديث قوم من المنتسبين إلى التشيع، منهم:\nأبو مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري الكوفي (^٤).\nقال محمد بن عوف الحمصي: \"ذكر لأحمد بن حنبل أبو مريم فقال: ليس بثقة، كان يحدث ببلايا في عثمان &gt;، وعامة حديثه بواطيل\" (^٥).\nفتكلم فيه لهواه ومن أجل حديثه، فقال: عامة حديثه بواطيل.\nلكن ذكر الأثرم قال: \"قلت لأبي عبد الله: أبو مريم من أين جاء ضعفه؟ من قِبل رأيه، أو من قبل حديثه؟ قال: من قِبل رأيه، ثم قال: وقد حدّث ببلايا في\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٩٩ رقم ٥٣٣١.\n(^٢) المصدر نفسه ٣/ ٣٩٣ رقم ٥٧٢٦.\n(^٣) المسودة ص ٢٣٩.\n(^٤) قال ابن معين ليس بشيء التاريخ - برواية الدوري ٣/ ٣٦٦ رقم ١٧٧٨.\nقال أبو حاتم: متروك الحديث، كان من رؤساء الشيعة، وذكر أن شعبة كان حسن الرأي فيه. وقال أبو زرعة: لين الجرح والتعديل ٦/ ٥٣.\nقال الدارقطني: متروك سؤالات البرقاني ٣١٦.\n(^٥) الجرح والتعديل ٦/ ٥٣.","vol":"1","page":241},{"text":"عثمان، أحاديث سوء\" (^١).\nفجعل علة ضعفه سوء مذهبه.\nومنهم: يونس بن خباب الأسيدي (^٢).\nقال عبد الله: \"سألته عن يونس بن خباب؟ فقال: كان خبيث الرأي. فقلت له: كيف هو في الحديث؟ فقال حدثنا عنه عباد\" (^٣).\nقال المرُّوذي: \"وذكر - يعني لأبي عبد الله - يُونُس بن خبّاب فتكلم فيه ولم يرضه وقال: هذا كان يقع في عثمان\" (^٤).\nومنهم عبيد الله بن موسى العبسي (^٥):\nقال المروذي: \"وسألته عن عبيد الله بن موسى، أخرجتَ عنه شيئًا؟ قال: ربما أخرجت عنه، وربما ضربت عليه، حدّث عن قوم غير ثقات، فإن كان من حديث الأعمش فعلى ذاك\" (^٦).\nوقال الميموني: \"ذكر عنده عبيد الله بن موسى فرأيته كالمنكر له، قال: كان صاحب تخليط، وحدث بأحاديث سوء، أخرج تلك البلايا فحدث بها. قيل له: فابن فُضيل؟ قال: لم يكن مثله، كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية\" (^٧).\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٨٥٣.\n(^٢) لم يحدث عنه يحيى ولا عبد الرحمن. وقال ابن معين: لا شيء، وعنه أيضًا: رجل سوء، كان يشتم عثمان. وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث ليس بالقوي. وقال البخاري: منكر الحديث تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٠٦.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤١٩ رقم ٩١٠.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٨٠ رقم ١٠٨.\n(^٥) وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٨.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٧٤ رقم ٣٠٩.\n(^٧) تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٨.","vol":"1","page":242},{"text":"فتكلم فيه الإمام أحمد في حديثه عن غير الأعمش، وأنه روى أحاديث ردية تدل على سوء مذهبه، وذكر أنه ربما أخرج حديثه وربما تركه، وهذا في خاصة نفسه، أما في غيره فقد روي عنه أنه كان ينهى عنه.\nقال العقيلي: \"سمعت محمد بن إسماعيل يقول: سمعت أبي يقول: أردت الخروج إلى كوفة، فأتيت أحمد بن حنبل أودِّعه فقال لي: يا أبا محمد، لي إليك حاجة: لا تأت عبيد الله بن موسى، فإنه بلغني عنه غلوٌ. قال أبي: فلم آته\" (^١).\nفهؤلاء كلهم فيهم غلوٌ في التشيع، لأنهم تعرضوا لعثمان &gt;، واعتبر الإمام أحمد هذا من الغلو في التشيع، وهكذا هو في عرف المتقدمين (^٢).\nوقد جاء سبب آخر لتركه الرواية عن عبيد الله بن موسى، فروى ابن أبي يعلى من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: \"قيل لأبي: لم كتبت عن عبيد الله بن موسى ثم تركت الرواية عنه، وكتبت عن عبد الرزاق ورويت عنه، وهما على مذهب واحد؟ فقال: أما عبد الرزق فما سمعنا منه مما قيل عنه شيئًا، ولم يبلغنا أنه كان يدعو إلى مذهبه. وأما عبيد الله فإنه كان يدعو إلى مذهبه ويُجاهر به، فتركت الرواية عنه لذلك\" (^٣).\nفعلل بكونه داعية ومجاهرًا بمذهبه.\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٨٧٦.\n(^٢) قال الذهبي: الشيعي الغالي في زمان السلف وعُرفهم هو من تكلم في عثمان، والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب عليًا &gt; وتعرض لسبهم ميزان الاعتدال ١/ ٦.\n(^٣) طبقات الحنابلة ١/ ١٨٢.","vol":"1","page":243},{"text":"وممن حسّن حاله ولم يتكلم فيه بجرحة في الرواية:\nتليد بن سليمان المحاربي (^١):\nقال المروذي: قال أبو عبد الله: \"تليد بن سليمان كان مذهبه التشيّع، ولم ير به بأسًا\" (^٢).\nوقال الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله، وهو أحمد بن حنبل، ذكر تليد بن سليمان فقال: كتبت عنه حديثًا كثيرًا عن أبي الجحاف\".\nومنهم علي بن بَذِيمة السُّوائي (^٣):\nقال عبد الله: \"سألته - يعني أباه - عن علي بن بذيمة؟ فقال: صالح الحديث، ولكن كان رأسًا في التشيُّع\" (^٤)، فذكر حسن حديثه مع تشيّعه. ولم يرد عنه ما يبين هل هو غالي أو لا؟\nومنهم فطر بن خليفة المخزومي مولاهم الكوفي (^٥):\nقال عبد الله: \"سألت أبي عن فطر بن خليفة، فقال: ثقة صالح الحديث، حديثه حديث رجل كيِّس، إلا أنه يتشيّع\" (^٦).\n_________\n(^١) قال ابن معين: ليس بشيء. وقال في موضع آخر: كذاب يشتم عثمان، وكل من شتم عثمان، أو طلحة، أو أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ دجال لا يكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ا. هـ. وقال أبو داود، ويعقوب الفسوي: رافضي خبيث. وقال صالح الجزرة: لا يحتج بحديثه، وليس عنده كبير شيء. وضعفه النسائي تاريخ بغداد ٧/ ١٣٨، تهذيب الكمال ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١١٥ رقم ١٨٩.\n(^٣) وثقه ابن معين، وابن سعد، وأبو زرعة، والعجلي، والنسائي تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٢٩.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١١٦ رقم ٤٤٩٠.\n(^٥) وثقه ابن معين، والنسائي، والعجلي. وقال أبو حاتم: صالح الحديث تهذيب الكمال ٢٣/ ٣١٤ - ٣١٥.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٤٣ رقم ٩٩٣.","vol":"1","page":244},{"text":"وقال عبد الله أيضًا: \"قال أبي: كان فطر عند يحيى ثقة، ولكنه خشبي (^١) مفرط\" (^٢).\nوقال أبو طالب: \"وسئل أبو عبد الله عن فطر ومحل، فقال: فطر كان يغلو في التشيع، ومحل قليل الحديث، فطر أكثر حديثًا، ومحل كان مكفوفًا ثقة\" (^٣).\nفهذا قد وثقه مع غلوه في التشيع وإفراطه فيه، وصنيعه يدل على أن توثيقه من أجل استقامة حديثه، فإنه كان له حديث كثير، فيمكن سبر مروياته واستبانة أمره في الرواية، فحكم بأن حديثه حديث رجل كيّس.\nومنهم عبد الرحمن بن صالح الأزدي (^٤):\nروى الخلال عن يعقوب بن يوسف المطوعي قال: \"كان عبد الرحمن ابن صالح الأزدي رافضيًا، وكان يغشى أحمد بن حنبل فيقرِّبه ويُدنيه، فقيل له: يا أبا عبد الله، عبد الرحمن رافضي، فقال: سبحان الله! رجلٌ أحب قومًا من أهل بيت النبي ﷺ نقول له: لا تحبهم؟ هو ثقة\" (^٥).\nويقال في هذا لم يتبين للإمام أحمد حالته في الرفض، وإنما عرفه بصدق\n_________\n(^١) أوله خاء معجمة مفتوحة وبعد الشين المعجمة باء معجمة بواحدة، صنف من الرافضة يقال لهم الخشبية. الإكمال لابن ماكولا ٣/ ٢٦٢.\n(^٢) المصدر نفسه ٢/ ٣٣٨ رقم ٢٤٩٧، وانظر: الضعفاء للعقيلي ٣/ ١١٥٠.\n(^٣) المعرفة التاريخ ٢/ ١٧٩، الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٥٦.\n(^٤) قال عنه ابن معين: لا بأس به. وقال أيضًا: ثقة، صدوق شيعي، لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يكذب في نصف حرف. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد: صدوق. وقال أبو القاسم البغوي: سمعته يقول: أفضل أو خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.\nوقال الآجري عن أبي داود: لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله ﷺ. وقال موسى بن هارون: كان ثقة، وكان يحدث بمثالت أزاوج النبي ﷺ وأصحابه. وقال في موضع آخر: شيعي محترق تهذيب الكمال ١٧/ ١٨١ - ١٨٢.\n(^٥) تاريخ بغداد ١٠/ ٢٦٢.","vol":"1","page":245},{"text":"حديثه، ومحبته لأهل بيت النبي ﷺ، فحكم بموجب ذلك.\nفهؤلاء وثقهم بناء على حسن حديثهم واستقامته، مع أن في بعضهم غلوًا في التشيع، مثل فطر بن خليفة، وكذا تليد. أما تليد فلم يوافق الإمام أحمد على توثيقه، ولعله ممن لم يتبين له أمره، فقد اقتصر على وصفه بالتشيع، مما يدل على أنه لم يتبين له غلوه في ذلك، وقد عرف ذلك غيره. وأما فطر بن خليفة فقد وثقه غير الإمام أحمد كما تقدم، ولم يوصف لدى أحد منهم بالغلو في التشيع، إلا ما جاء عن الإمام أحمد. والذي يظهر أن العبرة فيه استقامة حديثه بغض النظر عن رأيه، فإن ذلك دليل على صدقه وتحريه، ومن أجل ذلك قبل الإمام أحمد حديثه ووثقه ووصف حديثه بأنه حديث رجل كيّس.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>القدر:</span>\nأما القدرية فقد وثق ثور بن يزيد الكلاعي (^١) وقال: \"كان يرى القدر وهو ثقة في الحديث\" (^٢).\nوقيل له: إبراهيم بن نافع (^٣)؟ قال: \"ثقة، وشبل (^٤) ثقة … أصحاب ابن أبي نجيح (^٥)، ولكن كان رأيهم القدر\" (^٦).\n_________\n(^١) قال القطان: ما رأيت شاميًا أوثق من ثور بن يزيد. وقال وكيع: كان ثور صحيح الحديث. ووثقه أيضًا ابن معين، والنسائي. وقال أبو حاتم: صودق حافظ. وقال ابن عدي: مستقيم الحديث تهذيب الكمال ٤/ ٤٢٢، ٤٢٣، ٤٢٧، ٤٢٨.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨٥ رقم ١٥٩٤.\n(^٣) إبراهيم بن نافع المخزومي المكي. قال ابن عيينة: كان حافظًا. وثقه أحمد وابن معين. تهذيب الكمال ٢/ ٢٢٨.\n(^٤) شبل بن عباد المقرئ المكي. وثقه أحمد، وابن معين، وقال أبو داود: ثقة إلا أنه يرى القدر. وأخرج له البخاري ١٢/ ٣٥٨.\n(^٥) عبد الله بن أبي نجيح أبو يسار المكي. وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي. قال أبو حاتم إنما يقال في ابن أبي نجيح القدر، وهو صالح الحديث تهذيب الكمال ١٦/ ٢١٧.\n(^٦) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣٤ رقم ٢٢٩.","vol":"1","page":246},{"text":"وقال في بُرد بن سنان (^١): \"ليس به بأس، ولكن كان يرى القدر، زعموا أنهم طلبوا القدرية بدمشق، ففرّ إلى البصرة فسمع البصريون منه\" (^٢).\nوقال في أبي قطن عمرو بن الهيثم البصري (^٣): \"ما كان به بأس\"، وحدث عنه يومًا فقال له رجل: إن هذا بعد ما رجع من عندكم بالبصرة تكلم بالقدر وناظر عليه، فقال أحمد: \"نحن نحدث عن القدرية، لو فتشت أهل البصرة وجدت ثلثهم قدرية\" (^٤).\nوفي رواية أخرى: قيل لأحمد بن حنبل: سمعت من أبي قطن القدري؟ قال: \"لم أره داعية، ولو كان داعية لم أسمع منه\" (^٥).\nوقال أبو داود: \"قلت لأحمد: يُكتب عن القدري؟ قال: إذا لم يكن داعية\" (^٦).\nفيؤخذ من هاتين الروايتين التفريق في القدرية بين الداعية وغيره.\nوالجمع بين هاتين الروايتين وما تقدم عنه في أبي قطن من الإطلاق في\n_________\n(^١) برد بن سنان الشامي، سكن البصرة. وثقه ابن معين، والنسائي. وقال يزيد بن زريع: ما رأيت شاميًا أوثق من بُرد. وقال أبو زرعة: كان صدوقًا في الحديث. وضعفه علي بن المديني تهذيب الكمال ٤/ ٤٦.\n(^٢) المصدر نفسه ص ٢٥٦ رقم ٢٧٤.\n(^٣) وثقه ابن معين، وابن المديني. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الجرح والتعديل ٦/ ٢٦٨.\nوكذلك وثقه الشافعي، وقال أحمد: كان ثبتًا تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٨١ - ٢٨٢.\n(^٤) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٠٠.\n(^٥) الكفاية في علم الرواية ص ٢٠٤، وهي تخالف الرواية الأولى، وكلاهما من طريق إبراهيم الحربي، لكن هذه من طريق عثمان بن عبدويه، وقد وثقه الخطيب تاريخ بغداد ١١/ ٢٩٩. والرواية الأولى من طريق محمد بن أيوب بن المعافى، قال فيه الخطيب: كان صالحًا زاهدًا، ولم يذكر حاله في الرواية تاريخ بغداد ٢/ ٨٤.\n(^٦) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٩٨ رقم ١٣٥.","vol":"1","page":247},{"text":"التحديث عن القدرية أن الحاجة إلى الرواية هي التي تقتضي التحديث عنهم في هذه الحالة، وأما ترك الرواية عن الداعية منهم فمن باب هجران المبتدع المعلن بالبدعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>الإرجاء:</span>\nمعنى الإرجاء هو التأخير، وهو على قسمين: تأخير القول في الحكم في تصويب إحدى الطائفتين اللذين تقاتلوا بعد عثمان، ومنهم من أراد تأخير القول في الحكم على من أتى الكبائر وترك الفرائض بالنار، لأن الإيمان عندهم الإقرار والاعتقاد، ولا يضر العمل مع ذلك (^١). وذكر شيخ الإسلام أن المرجئة ثلاثة أصناف: فالصنف الأول هم القائلون بأن الإيمان مجرد ما في القلب، ومنهم من يدخل فيه أعمال القلوب كأكثر فرق المرجئة، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم بن صفوان وأتباعه. والصنف الثاني هم القائلون بأن الإيمان مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والصنف الثالث: من يقول الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهو المشهور عن أهل الفقه والعبادة من المرجئة (^٢).\nفمن المرجئة من ترك الإمام أحمد حديثه مثل محمد بن أبان الجُعفي. قال أحمد في رواية أبي طالب: \"كان يقول بالإرجاء، وكان رئيسًا من رؤسائهم، فترك الناس حديثه من أجل ذلك\" (^٣).\nومنهم من كان ينهى عنه، مثل معلّى بن منصور الرازي (^٤). قال ابن هانئ:\n_________\n(^١) هدي الساري ص ٤٥٩.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى ٧/ ١٩٥.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٣٩. وضعفه ابن معين، والنسائي. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه، ليس بالقوي الموضع نفسه.\n(^٤) وثقه ابن معين، ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا في الحديث، وكان صاحب رأي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به لأني لم أجد له حديثًا منكرًا تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٩٥ - ٢٩٦.","vol":"1","page":248},{"text":"\"سمعت أبا عبد الله يقول: كان معلّى معاندًا، كان مرجئًا، لا يحل لأحد أن يُحدِّث عن معلَّى\" (^١). وسئل: هل كتبت عنه شيئًا؟ فقال: \"لا، ولا حرفًا\" (^٢). وقال عنه: \"كان يحدِّث بما يُوافق الرأي\" (^٣)، فأشار إلى جرحه في حديثه بالإضافة إلى رأيه.\nووثق طائفة أخرى، منهم سالم الأفطس (^٤)، وعثمان بن غِياث الراسبي، قال فيه: \"ثقة ثبت، ثبت الحديث، إلا أنه كان مرجئًا\" (^٥). وقال في إبراهيم بن طهمان: \"هو صحيح الحديث مقارب إلا أنه كان يرى الإرجاء\" (^٦).\nوكتب عن طائفة أخرى، منهم محمد بن مُيسِّر الجعفي، قال فيه: \"هو صدوق، ولكن كان مرجئًا، قيل له كتبت عنه؟ قال: نعم\" (^٧).\nوظاهر هذه الرواية أنه لا يفرق في المرجئة بين الداعية وغير الداعية، لكن ترك حديث المعاندين منهم، والرؤساء منهم.\nقد روى أبو داود أنه سمع أحمد يقول: \"احتملوا المرجئة في الحديث\" (^٨).\nفهنا أطلق ولم يفرق بين الداعية وغيره، ولا بين الغالي وغيره. فيجمع بين هذا وما تقدم عنه من ترك حديث الغالي منهم بأن الترك من باب هجران المبتدع\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ رقم ٢٣٠١.\n(^٢) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٣٦٠ - ١٣٦١.\n(^٣) تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٩٣.\n(^٤) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٠٥ رقم ٣٩٠، العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٠٩ رقم ٢٠٣٦.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨٦ رقم ١٩٤٨.\n(^٦) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٥٩ رقم ٥٥٩.\n(^٧) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٥٩ رقم ٥٦٠.\n(^٨) المصدر نفسه ص ١٩٨ رقم ١٣٦.","vol":"1","page":249},{"text":"وإخماد ذكره.\nلكن روى المرّوذي قال: \"سألته عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد، كيف هو؟ قال: كان مرجئًا، قد كتبت عنه … وكان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية أو مخاصمًا\" (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا إذا كان رواية أخرى في المرجئة، وإلا فهو إخبار عن حاله نفسه، وليس كل من لم يأخذ عنه هو نهى غيره عنه، ولا منع كون روايته حجة\" (^٢).\nويؤيد كون ذلك رواية أخرى عن الإمام أحمد ما رواه الخطيب من طريق محمد بن عبد العزيز البيوردي قال: \"سألت أحمد بن حنبل: أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: نعم، يكتب عنه إذا لم يكن داعيًا\" (^٣). فخالف رواية أبي داود. وقد قال الخلال فيه: روى عن أبي عبد الله مسائل صالحة حِسانًا أغرب فيها. ا. هـ (^٤). فيحتمل أن تكون هذه من غرائبه، والله أعلم.\nأما تخريجات أصحاب الإمام أحمد فقال الحافظ ابن رجب: \"البدع الغليظة كالتجهم يرد بها الرواية مطلقًا، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء هل تقبل معها الرواية مطلقًا أو ترد عن الداعية؟ على روايتين\" (^٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وكلام أحمد يفرّق بين أنواع البدع، ويفرق بين الحاجة إلى الرواية عنهم\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٢٤ رقم ٢١٣.\n(^٢) المسودة ص ٢٣٩.\n(^٣) الكفاية في علم الراوية ص ٢٠٥.\n(^٤) طبقات الحنابلة ١/ ٣٠٥.\n(^٥) شرح علل الترمذي ١/ ٣٥٨.","vol":"1","page":250},{"text":"وعدمها، كما يفرق بين الداعي والساكت، مع أن نهيه لا يتقضي كون روايتهم ليست بحجة، لما ذكرته من أن العلة الهجران، ولهذا نهى عن السماع من جماعة في زمنه ممن أجاب في المحنة، وأجمع المسلمون على الاحتجاج بهم، وهو في نفسه قد روى عن بعضهم؛ لأنه كان قد سمع منهم قبل الاتبداع، ولم يطعن في صدقهم وأمانتهم، ولا أنكر الاحتجاج بروايتهم، وكذلك الخلال ترك الرواية عن أقوام لنهي المرّوذي، وروى عنهم بعد موته، وذلك أن العلة استحقاق الهَجر عند التارك، واستحقاق الهجر يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، كما ترك النبي ﷺ الصلاة على من أمر أصحابه بالصلاة عليه، وكذلك لما قدم عليه أبو سفيان بن الحارث، وابن أبي أمية أعرض عنهما، ولم يأمر بقية أصحابه بالإعراض عنهما، بل كانوا يكلمونهما، والثلاثة الذين خُلِّفوا لما أمر المسلمين بهجرهم، لم يأمرهم بفراق أزواجهم إلا بعد ذلك، وهذا باب واسع … وما علمت لأحمد كلامًا بالنهي عن جميع أنواع المبتدعة حتى المرجئة إذا لم يكونوا دُعاة، كما يقتضيه تعميم أبي الخطاب، كما أنه في الجهمي لم أقف له بعدُ على تقييد بالداعية\" (^١).\nوكلامه هذا في غاية الحسن، رحمة الله عليه.\nومما يشهد لكون نهيه عن الرواية لا يقتضي كون روايتهم ليست بحجة، وأن ذلك من باب الهجران أن كثيرًا ما يسأله تلاميذه إذا قال في الراوي إنه متروك الحديث: أتركته لهوى فيه؟ فيقول: لا، بل كان منكر الحديث، كما حصل ذلك في كلامه في أبان بن أبي عياش (^٢)، وفي الحسن بن عمارة (^٣). وعليه فلا يحمل نهيه عن الرواية عن شخص لبدعة فيه على عدم الاحتجاج بروايته إلا إذا\n_________\n(^١) المسودة ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٥.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٠٠.","vol":"1","page":251},{"text":"وجدت قرينة تدل على ضعف حديثه.\nإعلاله لأحاديث الرواة الموصوفين ببدعة فيهم:\nفمنها:\nقال مهنا: \"سألت أحمد عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، أن معاوية لعب بالأصنام. فقال: ما أغلظ أهل الكوفة على أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يصحح الحديث، وقال: تكلم به رجلٌ من الشيعة\" (^١).\nلم أقف على هذا الأثر، والشاهد فيه أن الإمام أحمد لم يصححه، لأنه يرجع أصله إلى رواية رجل من الشيعة، ولا يؤتمن على ما يرويه مما يقوي به مذهبه الخبيث.\nقال الأثرم: \"وحدثنا أبو عبد الله بحديث جسر كذا، عن رباح كذا، عن أبي أيوب أنه جاء إلى عليّ ومعه رهط من الأنصار فقالوا: السلام عليك يا مولانا فلما فرغ منه قال: الكوفيون يجيئون بالعجائب\" (^٢).\nوهذا الحديث أخرجه أحمد في المسند (^٣) قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا حَنَش بن الحارث بن لقيط النخعي الأشجعي، عن رياح بن الحارث قال: جاء رهطٌ إلى علي بالرَّحبَة فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قومٌ عرب. قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يومَ غدير خُمٍّ يقول: \"من كنتُ مولاه فإن هذا مولاه\"، قال رياح: \"فلما مضوا تبعتُهم فسألت: من هؤلاء؟ قالوا: نفرٌ من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري\".\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٢٧ ح ١٣٤.\n(^٢) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٠٦ رقم ١١٦.\n(^٣) ٣٩/ ٥٤١ - ٥٤٢ ح ٢٣٥٦٣.","vol":"1","page":252},{"text":"ورواه ابن أبي عاصم (^١)، والطبراني (^٢)، من طريق شريك، عن حنش ابن الحارث به. ورواه الطبراني من وجه آخر عن شريك، عن الحسن بن الحكم، عن رياح بن الحارث به. قال الهيثمي: ورجاله ثقات (^٣). وقال الألباني: هذا إسناد جيد رجاله ثقات (^٤).\nوأشار الإمام أحمد إلى استنكاره، فإن قوله: يجيئون بالعجائب إشارة إلى أنه منكر. وأشار إلى أن علة النكارة كونه من رواية الكوفيين وهم معروفون بالتشيّع، وهذا الحديث مما يقوي مذهبهم.\nورياح بن الحارث النخعي الكوفي تابعي، سمع عليًا وابنه الحسن بن علي. ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجلي، والذهبي، وابن حجر (^٥).\nومنها:\nقال الأثرم: وحدثنا بحديث عبد الملك، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: \"إني قد تركت فيكم الثقلين\". فلما فرغ منه قال: أحاديث الكوفيين هذه مناكير (^٦).\nهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد (^٧) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله ﷿ حبل ممدود من\n_________\n(^١) السنة ٢/ ٥٩٠ ح ١٣٥٥.\n(^٢) المعجم الكبير ٤/ ١٧٣ ح ٤٥٠٢.\n(^٣) مجمع الزوائد ٩/ ١٠٤.\n(^٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ٣٤٠.\n(^٥) الثقات ٤/ ٢٣٨، معرفة الثقات ١/ ٣٦٥، الكاشف ١٥٩٩، تقريب التهذيب ١٩٨٣.\n(^٦) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٠٦ رقم ١١٧.\n(^٧) المسند ١٧/ ٣٠٨ ح ١١٢١١.","vol":"1","page":253},{"text":"السماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، إلا أنهما لن يفترقا حتى يرِدا عليّ الحوض\". وأخرجه ابن أبي عاصم (^١)، وأبو يعلى (^٢)، والطبراني (^٣).\nورواه الإمام أحمد وغيره من طرق أخرى عن عطية العوفي به (^٤).\nوربما استدل بوجود الراوي الموصوف بالبدعة في الإسناد لرد الحديث من وجه آخر، وهو أن يكون متن الحديث يناقض مذهب الراوي، فيستدل بذلك على استبعاد أن يكون قد روى ذلك الحديث، مثال ذلك:\nقال الخلال: \"أخبرنا محمد بن ياسين بن بشير بن أبي طاهر المديني، قال: كتب إليّ إبراهيم بن يماني، أن سل لي أحمد بن حنبل عن حديث رواه عبيد الله ابن موسى، عن الثوري، عن الأجلح، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من أحب معاوية فقد أحبني، ومن أبغض معاوية فقد أبغضني\" فكتب إلي أني سألت أحمد فقال: الأجلح يتشيع، كيف يروي مثل هذا؟ وقال: لو رواه شامي لكان، فأما أهل الكوفة فلا\" (^٥).\nلم أقف على هذا الحديث، وفي إعلال الإمام أحمد له من هذا الوجه الذي ذكره إبراز لدقة نظره، حيث استدل على براءة ساحة الأجلح من رواية هذا الخبر بأنه حديث جاء في فضل معاوية، ويُستبعد أن يروي مثل هذا راوٍ شيعي مثل الأجلح، لأن المعروف أن الرواة الشيعة يروون ما فيه مدح وفضيلة لأهل البيت عادة، وما فيه ذم ونقيصة لمعاوية وأتباعه. فهو يرى بهذا أن الحديث ليس من\n_________\n(^١) السنة ح ١٥٥٣.\n(^٢) مسند أبي يعلى ح ١١٤٠.\n(^٣) المعجم الكبير ح ٢٦٧٨.\n(^٤) انظر: ح ١١١٠٤، ح ١١١٣١، وكذا ابن أبي عاصم ح ١٥٥٤، وابن الجعد ح ٢٧١١، وأبو يعلى ح ١٠٢١، ١٠٢٧، والطبراني ح ٢٦٧٩.\n(^٥) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٣٢ رقم ١٤٠.","vol":"1","page":254},{"text":"حديث الأجلح، وإنما أخطأ فيه أحد الرواة ممن فوقه فألصقه به خطأ ووهمًا.\nويبدو أن ذلك ممن دون عبيد الله بن موسى العبسي، لأن عبيد الله أيضًا شيعي، بل غالٍ في التشيع كما سلف، فيبعد أن يرويه للتعليل المذكور نفسه.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من الرواية عمن أجاب في محنة خلق القرآن</span>.\nقال أبو زرعة الرازي: \"كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمّار (^١)، ولا أبي معمر (^٢)، ولا يحيى بن معين، ولا أحد ممن امتحن فأجاب\" (^٣).\nوكان الإمام أحمد قد روى عن علي بن المديني، لكنه لم يحدث عنه بعد المحنة. قال عبد الله - إثر حديث رواه أحمد من طريق ابن المديني ـ: \"وحدثناه أبي عن علي قبل أن يُمتحن بالقرآن\" (^٤).\nوتبعه على ذلك تلميذه أبو زرعة الرازي، فذكر ابن أبي حاتم أنه ترك الرواية عن علي بن المديني بعد المحنة، وأما أبو حاتم، فكان يروي عنه لنزوعه عما كان منه. قال أبو زرعة في علي بن المديني: لا نرتاب من صدقه (^٥).\nفهذا يدل على أن ترك الرواية عن هؤلاء ليس من باب عدم الاحتجاج بمروياتهم ولا باب الإنكار لحديثهم، وإنما هو من باب الهجران. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن نهي الإمام أحمد عن الرواية عن الذين أجابوا في محنة\n_________\n(^١) عبد الملك بن عبد العزيز أبو نصر التمّار ت ٢١٨ هـ. وثقه أبو داود، والنسائي. قال الخطيب: كان عابدًا زاهدًا تاريخ بغداد ١٠/ ٤٢٠.\n(^٢) إسماعيل بن إبراهيم بن معمر الهذلي أبو معمر القطيعي ت ٢٣٦ هـ. قال ابن سعد: صاحب سنة وفضل وخير، وهو ثقة ثبت. ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق الطبقات الكبرى ٧/ ٩٥، الجرح والتعديل ٢/ ١٥٧، تهذيب الكمال ٣/ ٢١ - ٢٣.\n(^٣) تاريخ بغداد ٦/ ٢٧١.\n(^٤) المسند ٣٩/ ٤٤١.\n(^٥) الجرح والتعديل ٦/ ١٩٣.","vol":"1","page":256},{"text":"خلق القرآن كان من باب الهجران، وليس من باب إنكار الاحتجاج بروايتهم، فقد أجمع المسلمون على الاحتجاج بهم، وهو في نفسه قد روى عن بعضهم؛ لأنه كان قد سمع منهم قبل الابتداع، ولم يطعن في صدقهم وأمانتهم (^١).\n_________\n(^١) انظر: المسودة ص ٢٣٨.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>الفصل الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بما يُخلُّ بضبطه</span>","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>المبحث الأول: الإعلال بسوء الحفظ الملازم للراوي</span>.\nإن أهل الاستقراء لمناهج أئمة هذا الشأن قد قسموا رواة الأخبار من حيث قبول مروياتهم وردها إلى أربعة أقسام (^١):\nالقسم الأول: المتهمون بالكذب، الذين لا تجوز الرواية عنهم، والمحكوم على مروياتهم بالوضع والبطلان، وقد سبق الكلام في أحاديث هذا النوع من الرواة.\nالقسم الثاني: من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، وغلب على روايته مخالفة روايات أهل الحفظ والرضا، ولا تكاد توافقها، وذلك لغفلته وشدة سوء حفظه، وسيأتي الكلام على هذا القسم في مبحث خاص (^٢).\nالقسم الثالث: أهل الصدق والحفظ، والغالب عليهم الاستقامة في الحديث والإتقان لما نقلوا، ويندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل، فهؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وسيأتي الكلام على ما يقع في أحاديثهم من العلل الخفية في باب خاص.\nالقسم الرابع: أهل صدق وحفظ أيضًا، ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرًا، لكن ليس هو الغالب عليهم، فهذا القسم هو الذي سيكون الحديث فيهم بالأصالة في هذ المبحث.\n_________\n(^١) انظر تقسيم الحافظ ابن رجب شرح علل الترمذي ١/ ٣٩٧. وتكلم الإمام مسلم في أقسام الرواة في مقدمة صحيحه ١/ ٥ - ٧، وكذلك الإمام الترمذي في كتاب العلل في آخر الجامع ٥/ ٦٩٤ - ٧٠٥.\n(^٢) المبحث الثالث من هذا الفصل ص ٤٨٧.","vol":"1","page":261},{"text":"وهذا القسم إنما جاء الضعف عليهم من قبل حفظهم، فهو أمر راجع إلى الإخلال بصفة الضبط المشترط توفرها لقبول الأحاديث، فقد كان يقع الاختلاف في حديثهم، فيحدثون مرة هكذا ومرة هكذا، فيضطربون في رواية الحديث الواحد، وما ذلك إلا لأن أهل العلم وحملته فيما مضى كانوا لا يكتبون، ومن كتب منهم إنما كان يكتب لهم بعد السماع، فمع كثرة المرويات وأسانيدها لا بد لمن لم يوصف بقوة الحفظ وشدة التيقظ أن تقع الأغلاط والأخطاء في مروياته، لكن العبرة بالغالب، فمن كان الغالب على حديثه السلامة والاستقامة فهو من أهل الاحتجاج المطلق، ومن كان الغالب على حديثه الغلط والخطأ كان من المتروكين، ومن كان دون ذلك فهو محل التردد.\nفهذه الصفة - أعني سوء الحفظ - وجودها في الراوي يعدُّ من أسباب إعلال الأحاديث. ثم هي إما لازمة للراوي أو طارئة عليه، واللازمة له إما مطلقًا، وإما مقيدة بروايته عن بعض شيوخه، أو عن أهل بعض البلدان، أو في رواية أهل بعض البلدان عنه، أو كان ذلك إذا جمع الشيوخ دون ما إذا أفردهم. والطارئ عليه هو الذي يأتي بسبب السنّ - وهو الاختلاط - أو العمى، أو ذهاب الكتب.\nوهذا المبحث سيتناول الإعلال بسوء الحفظ الملازم للراوي بأقسامه في مطالب، وأما سوء الحفظ الطارئ على الراوي فستكون دراسته في المبحث الثاني إن شاء الله.","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>المطلب الأول: سوء الحفظ المطلق والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\nمنهج الإمام أحمد في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ المطلق هو جواز الرواية عنهم وعدم تركهم لسوء حفظهم، لكن إذا انفرد واحد منهم بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به، فيكون حديثه ذلك معلولًا غير مقبول. قال الإمام أحمد في محمد بن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا يحتج بحديثه (^١). قال الترمذي: \"وإنما عنى إذا تفرَّد بالشيء، وأشد ما يكون هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد، أو نقص، أو غير الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى\" (^٢).\nوكذلك قال في علي بن عاصم الواسطي وقد كان يخطئ ويغلط، وكان فيه لِجاج (^٣) - أي لا يرجع عن الخطأ ـ، ولما ذُكر له خطؤه قال: \"كان حماد بن سلمة يخطئ، وأومأ أحمد بيده: خطأ كثيرًا، ولم ير بالرواية عنه بأسًا\" (^٤). فكان يقول فيه: \"يُكتب حديثه، أخطأ؟ يترك خطؤه ويكتب صوابه، قد أخطأ غيرُه\" (^٥).\nوكذلك حدث عن أبي سعيد مولى بني هاشم ولم يترك حديثه، وقد قال فيه: \"كان كثير الخطأ\" (^٦).\nوإنما يعرف خطأ الراوي بعدم موافقة الحفاظ له (^٧)، أو أن يأتي بشيء يخالفهم (^٨)، وهو الذي يقع في غالب ما تفرد به هذا الصنف من الرواة.\n_________\n(^١) جامع الترمذي ٢/ ١٩٩.\n(^٢) جامع الترمذي كتاب العلل ٥/ ٧٠١.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٥٦ رقم ٧٠.\n(^٤) تاريخ بغداد ١١/ ٤٤٩.\n(^٥) الجرح والتعديل ٦/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(^٦) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٧٥١، وانظر: شرح علل الترمذي ١/ ٤٠١.\n(^٧) وهو التفرد بدون مخالفة.\n(^٨) وهو التفرد مع المخالفة.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>كتابة أحاديثهم للاعتبار:</span>\nوربما كتب الإمام أحمد حديث هؤلاء للاعتبار، فيقوي بروايتهم رواية أهل الصدق والحفظ، ويستدل بها لإزالة التفرد عنهم. فقد أثبت الإمام أحمد رفع رواية معمر لحديث جابر في الشفعة الذي أوقفه مالك، واستدل لذلك برواية صالح بن أبي الأخضر الموافقة لرواية معمر فقيل له: \"وصالحٌ يُحتج به؟ قال: يُستدل به ويُعتبر به\" (^١).\nوقد نقل المرُّوذي عن الإمام أحمد أنه لم يرض صالح بن أبي الأخضر، لأنه حدث بأحاديث ثم قال: لم أسمعها (^٢)، وأكثر الأئمة على تضعيفه (^٣).\nوقال الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله: أبو معشر المديني يكتب حديثه؟ فقال: عندي حديثه مضطرب، لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به\" (^٤).\nفقد ضعف الإمام أحمد أبا معشر المديني - وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي - لاضطرابه وكونه لا يقيم الإسناد، وهذه دلالة على سوء حفظه، وكتب حديثه للاعتبار.\nوقال أحمد في رواية ابن القاسم (^٥) في عبد الله بن لهيعة: \"ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، أنا قد أكتب حديث الرجل كأن أستدلُّ به مع حديث غيره يَشدُّه، لا أنه حجة إذا انفرد\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التاريخ لأبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٤ رقم ١١٨٧ - ١١٨٨. وسيأتي دراسة هذا الحديث في مطلب: مخالفة الراوي لرواية الأكثر عددًا ص ٧٥٦.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٩٠ رقم ١٣٠.\n(^٣) انظر: تهذيب الكمال ١٣/ ١٣ - ١٥.\n(^٤) تاريخ بغداد ١٣/ ٤٦١.\n(^٥) هو أحمد بن القاسم، صاحب أبي عبيد القاسم بن سلاّم. حدث عن أبي عبيد، وعن الإمام أحمد بمسائل كثيرة طبقات الحنابلة ١/ ٥٥.\n(^٦) المسودة في أصول الفقه ص ٣٤٧.","vol":"1","page":264},{"text":"وضابطه في ذلك أن الحديث إذا لم يكن منكرًا، فإنه يستفاد بروايته لأنه قد يحتاج إليه، يدل على ذلك مقولته المشهورة:\nقال ابن هانئ: \"فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبدًا منكر. قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يُحتاج إليهم في وقت، كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسًا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>قبول أحاديثهم في الرقائق:</span>\nوجاء عن الإمام أحمد أيضًا ما يدل على أنه يقبل حديث هذا الصنف من الرواة الضعفاء بسوء الحفظ في الرقائق، حتى وإن كثر خطؤهم لسوء حفظهم وغفلتهم.\nفقد ضعّف الإمام أحمد رشدين بن سعد المصري، وقدّم ابن لهيعة عليه (^٢)، وقد كان موصوفًا بالغفلة (^٣) فقال الإمام أحمد فيه: \"ليس به بأس في الأحاديث الرقاق\" (^٤).\n\nوفيما يلي<span data-type='title' id=toc-122> نماذج من إعلال الإمام أحمد لأحاديث من وصفهم بسوء الحفظ لتفردهم بها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-123>يزيد بن أبي زِياد:</span>\nقال عبد الله: سألت أبي عن حديث البراء بن عازب في الرفع فقال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، قال:\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ١٦٧ رقم ١٩٢٥، ١٩٢٦.\n(^٢) الجرح والتعديل ٣/ ٥١٣.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) قاله في رواية الميموني العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٤٢ رقم ٤٨١.","vol":"1","page":265},{"text":"سمعت ابن أبي ليلى يقول: سمعت البراء يحدث قومًا فيهم كعب بن عجرة قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ حين فتح الصلاة رفع يديْه، قال أبي: وكان سفيان بن عيينة يقول: سمعناه من يزيد هكذا، قال سفيان: ثم قدِمتُ الكوفة قدمة فإذا هو يقول: ثم لم يَعُد. حدثني أبي عن محمد بن عبد الله بن نميْر قال: نظرت في كتاب ابن أبي ليلى فإذا هو يرويه عن يزيد بن أبي زياد قال أبي: وحدثناه وكيع سمعه من ابن أبي ليلى، عن الحكم وعيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أبي يذكر حديث الحكم وعيسى يقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد كما رآه ابن نمير في كتاب بن أبي ليلى قال أبي: ابن أبي ليلى كان سيء الحفظ ولم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ (^١).\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت أحمد بن حنل عن هذا الحديث فقال: لا يصح عنه هذا الحديث (^٢).\nحديث البراء بن عازب يرويه يزيد بن أبي زياد، وقد اضطرب فيه كما أشار إليه الإمام أحمد، فرواه شعبة كما ذكره أحمد في هذه الرواية عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ حين فتح الصلاة رفع يديه، ورواه من هذا الطريق الفسوي (^٣)، والدارقطني (^٤)، كلاهما من طريق شعبة بمثل هذا اللفظ. وكذلك رواه هشيم (^٥)، والثوري (^٦)، وأسباط\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٦٨ رقم ٧٠٨.\n(^٢) السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٧٦.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٨٠.\n(^٤) السنن ١/ ٢٩٣.\n(^٥) حديثه عند أحمد ٣٠/ ٤٤١ رقم ١٨٤٨٧، وأبي يعلى المسند ٢/ ٢٨٠ رقم ١٦٥٤، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٩٤.\n(^٦) روى حديثه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ٧٠ رقم ٢٥٣٠ ومن طريقه أحمد المسند ٣٠/ ٦٣١ رقم ١٨٧٠٢، ورواه البخاري في جزء رفع اليدين ص ٨٨ رقم ٧٦ عن الفريابي، ويعقوب الفسوي المعرفة والتاريخ ٣/ ٧٩ من طريق قبيصة، والدارقطني ١/ ٢٩٤ من طريق إبراهيم بن خالد كلهم عن الثوري به. وخالفهم عن الثوري معاوية بن عمرو، وخالد بن عمرو، وأبو حذيفة كلهم عن الثوري إلا أنهم اختلفوا في اللفظ: فقال بعضهم: فرفع يديه في أول أمره، وقال بعضهم: مرة واحدة. رواه أبو داود في السنن ١/ ٤٧٩ رقم ٧٥١.","vol":"1","page":266},{"text":"ابن محمد (^١)، وخالد بن عبد الله (^٢)، وصالح بن عمر (^٣)، وحمزة الزيات (^٤)، وجرير الضبي (^٥)، وعبد الله بن إدريس (^٦)، والجراح والد وكيع (^٧) كلهم بمثل لفظ حديث شعبة.\nوخالفهم شريك (^٨)، وإسماعيل بن زكريا (^٩) كلاهما عن يزيد بن أبي زياد به وزادا: ثم لا يعود. ورواه سفيان بن عيينة عن يزيد بمثل اللفظ الأول ثم قال\n_________\n(^١) روى حديثه أحمد المسند ٣٠/ ٦١٤ رقم ١٨٦٧٤، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٢٦. وأسباط بن محمد هو القرشي. وثقه ابن معبن، ويعقوب بن شبية، وقال أبو حاتم فيه: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال ٢/ ٣٥٦.\n(^٢) هو الطحان، وكان ثقة صحيح الحديث تهذيب الكمال ٨/ ١٠٢. روى حديثه الدارقطني السنن ١/ ٢٩٤. وذكر أن عدي بن ثابت قد حدثه عن البراء بمثله.\n(^٣) روى حديثه أبو يعلى ٢/ ٢٩٣ ح ١٦٩٦. وصالح بن عمر هو الواسطي نزيل حلوان، ثقة تقريب التهذيب ٢٨٩٧. وذكر في روايته أن عدي بن ثابت قد تابع يزيد بن أبي زياد على هذه الرواية.\n(^٤) روى حديثه الخطيب في تاريخ بغداد ٥/ ٤٠. وحمزة بن حبيب الزيات هو القاري، وثقه أحمد، وابن معين، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام تهذيب الكمال ٧/ ٣٢٠، تقريب التهذيب ١٥٢٦.\n(^٥) روى حديثه الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ٢٥٤.\n(^٦) ذكره أبو داود تعليقًا السنن ١/ ٤٧٩، ورواه أبو يعلى المسند ٢/ ٢٩١ ح ١٦٨٨، لكن زاد فيها: ثم لم يرفعهما.\n(^٧) أخرج حديثه أحمد كما رواه عنه عبد الله في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٧٢ ح ٧١٥.\n(^٨) هو القاضي، روى حديثه أبو داود السنن ٢/ ٤٧٨ ح ٧٤٩، وأبو يعلى المسند ٢/ ٢٩٠ ح ١٦٨٦.\n(^٩) هو الحُلُقاني، صدوق يخطئ قليلًا تقريب التهذيب ٤٤٩. وحديثه عند الدارقطني السنن ١/ ٢٩٣.","vol":"1","page":267},{"text":"ابن عيينة: فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به فزاد: ثم لا يعود، فظننت أنهم لقّنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه أو ساء حفظه. ا. هـ (^١). ورواه علي بن عاصم (^٢) عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى بهذا الإسناد وقال: ثم لم يعد، قال علي: فلما قدمت الكوفة قيل لي إن يزيد حي، فأتيته فحدثني بهذا الحديث فقال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قام إلى الصلاة فكبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أُذنيه فقلت له: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد قال: لا أحفظ هذا، فعاوته فقال: ما أحفظه. رواه الدارقطني (^٣).\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام أحمد بيزيد بن أبي زياد وقال: يزيد ليس بالحافظ، يشير إلى سبب علة الحديث وهو سوء حفظ يزيد، وقلة ضبطه، وقد ظهر ذلك جليًا في روايته لهذا الحديث حيث اضطرب فيه، فكان يرويه قديمًا ولا يقول: ثم لا يعود، ثم حدث به بعد وزاد: ثم لا يعود، ثم لما سئل عن الزيادة قال إنه لم يحفظها. ولم يحمل الإمام أحمد اضطرابه هذا على الاختلاط، إذ لم يرد عنه أنه نسب يزيد إلى الاختلاط كما فعله ابن عيينة (^٤)، بل يزيد بن أبي زياد كان عنده في الأصل ضعيفًا\n_________\n(^١) رواه الحميدي في مسنده ٢/ ٣١٦. ورواه عن ابن عيينة الشافعي في المسند ص ١٧٦، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٧٦، ورواه أبو داود من طريق عبد الله بن محمد الزهري عن ابن عيينة السنن ١/ ٤٧٨ ح ٧٥٠.\n(^٢) قال أحمد: قال وكيع: خذوا من حديثه ما صح ودعوا ما غلط أو ما أخطأ فيه، وكان أحمد يحتج بهذا ويقول: كان يغلط ويخطئ وكان فيه لجاج، ولم يكن متهمًا بالكذب العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٥٦ رقم ٧٠. وهذا يدل على أنه كان يصرّ على الخطأ. قال ابن حجر: صدوق يخطئ ويصر ورمي بالتشيع تقريب التهذيب ٤٧٥٨.\n(^٣) السنن ١/ ٢٩٤.\n(^٤) وممن نسب يزيد بن أبي زياد إلى الاختلاط ابن سعد في الطبقات ٦/ ٣٤٠، والعجلي معرفة الثقات ٢/ ٣٦٤، ويعقوب الفسوي المعرفة والتاريخ ٣/ ٨١، وابن حبان المجروحين ٣/ ١٠٠. وذكره محقق كتاب الكواكب النيرات في الملحق الثاني الخاص بالمختلطين من الضعفاء ٥٠٩، وصنيعه هذا يجمع أقوال الحفاظ فيه، والله أعلم.","vol":"1","page":268},{"text":"من أجل سوء الحفظ. قال عبد الله: قال أبي: يزيد بن أبي زياد حديثه ليس بذاك (^١). وقال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: يزيد بن أبي زياد أحب إليك أو ليث هو ابن أبي سُليم؟ قال أحمد: يزيد عنه اختلاف، مرة طاووس، مرة مِقسَم، مرة مجاهد (^٢). وروى ابن حبان عن أحمد أنه سئل عن يزيد بن أبي زياد فضعفه وحرك رأسه (^٣). ويوافق موقفَ الإمام أحمد من يزيد موقفُ غيرِ واحدٍ من الحفاظ منهم شعبة، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة (^٤). وذكر الإمام مسلم يزيد بن أبي زياد في القسم الثاني من الروة الذين لا يوصفون بالحفظ والإتقان وإن كان اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم (^٥).\nوقد روى البيهقي عن الحاكم بإسناده عن يحيى بن محمد بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهي قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يذكر فيه: ثم لا يعود، فلما لُقن أخذه فكان يذكر فيه (^٦). فأشار الإمام أحمد إلى أن يزيد لقّن هذا الحرف، وقبول التلقين لا يختص بالمختلطين.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٨٤ رقم ٣١٨٠.\n(^٢) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ٢٩٤ رقم ٣٥٠.\n(^٣) المجروحين ٣/ ١٠١.\n(^٤) قال شعبة عن يزيد بن أبي زياد: كان رفاعًا. وقال يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه. وفي موضع آخر قال: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه ولا يحتج به انظر: أقوالهم في الجرح والعديل ٩/ ٢٦٥، تهذيب الكمال ٣٢/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(^٥) انظر: مقدمة صحيح مسلم ١/ ٥.\n(^٦) معرفة السنن والآثار ١/ ٥٤٨.","vol":"1","page":269},{"text":"ومما أنكره الإمام أحمد على يزيد بن أبي زياد حديثه في الرايات السود:\nقال العقيلي: حدثنا عبد الله، قال: سمعت أبي يقول: حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ليس بشيء يعني حديث يزيد بن أبي زياد، قلت لعبد الله: الرايات السود؟ قال: نعم (^١).\nقال العقيلي: وهذا الحديث حدثناه محمد بن إسماعيل حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا خلف عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن عبد الله قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ جاءه فتيةٌ من قريْش فتغيّر لونه فقلنا: يا رسول الله إنا لا نزال نرى في وجهك الشيء تكرهه، قال: \"إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيَلقَون بعدي تطريدًا وتشريدًا حتى يجيء قوم من ها هنا - وأومأ بيده نحو المشرق - وأصحاب رايات سود يسألون الحق ولا يُعطَونه مرتين أو ثلاثًا فيُقاتلون فيُعطَون ما سألوا فلا يقبلون حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي يملأها عدلًا كما مُلِئتْ ظلمًا وجورًا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتها ولو حبوًا على الثلج\" (^٢).\nوقد روى هذا الحديث ابن ماجه (^٣)، ونعيم بن حماد (^٤)، وأبو بكر بن أبي شيبة (^٥)، وأبو يعلى (^٦)، وابن أبي عاصم (^٧) والشاشي (^٨)، والبزار (^٩)، والطبراني (^١٠)،\n_________\n(^١) كتاب الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٤٩٤.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) السنن ٢/ ١٣٦٦ ح ٤٠٨٢\n(^٤) الفتن ١/ ٣١١ ح ٨٩٥.\n(^٥) المصنف ٧/ ٥٢٧ ح ٣٧٧٢٧.\n(^٦) مسند أبي يعلى ٥/ ٥٢ ح ٥٠٦٢ مختصرًا.\n(^٧) السنة لابن أبي عاصم ٦١٨ ح ١٤٩٩.\n(^٨) مسند الشاشي ١/ ٣٤٧ ح ٣٢٩، ١/ ٣٦٢ ح ٣٥١.\n(^٩) مسند البزار ٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥ ح ١٥٥٦، ١٥٥٧.\n(^١٠) المعجم الأوسط ٦/ ٢٩ ح ٥٦٩٩.","vol":"1","page":270},{"text":"وابن عدي (^١)، والحاكم (^٢)، وأبو عمرو الداني (^٣) كلهم من طرق عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم - وهو النخعي - عن علقمة بن قيس النخعى، عن ابن مسعود به.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث\nأعل الإمام أحمد هذا الحديث فقال: ليس بشيء، وهذا منه ﵀ رد للحديث من أصله، وعدم الاعتداد به، والذي يظهر أن ذلك منبي على تفرد يزيد بن أبي زياد به، ولا يحتج بما ينفرد به لسوء حفظه. وقد ذكر البزار بعد رواية الحديث من طريق الحكم عن إبراهيم، أن هذا الحديث إنما يعرف من حديث يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم (^٤). وقد روي الحديث من طرق عن إبراهيم غير طريق يزيد بن أبي زياد، ذكرها الدارقطني في العلل (^٥)، وهذه الطرق هي طريق الحكم، عن إبرهيم، وطريق عمارة بن القعقاع عن إبراهيم. أما طريق الحكم فرواه عنه عمرو بن قيس الملائي (^٦) من رواية يزيد بن محمد الثقفي، عن حنان ابن سدير (^٧) فقال: عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس وعبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود. أخرجه الحاكم (^٨). وقال غيره عن حنان، عن عمرو بن قيس، عن الحكم، عن عبيدة، عن عبد الله. وقيل عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله. ذكرهما الدارقطني في العلل. وقيل عن حنان،\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٨٣ في ترجمة عمرو بن قاسم التمار مختصرًا.\n(^٢) المستدرك ٤/ ٤٦٤.\n(^٣) السنن الواردة في الفتن ٥/ ١٠٣٢ ح ٥٤٧.\n(^٤) انظر البحر الزخار ٤/ ٣١٠.\n(^٥) علل الدارقطني ٥/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(^٦) وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠١.\n(^٧) قال الدارقطني هو من شيوخ الشيعة. علل الدراقطني ٥/ ١٨٤.\n(^٨) المستدرك ٤/ ٤٦٤.","vol":"1","page":271},{"text":"عن عمرو بن قيس، عن الحسن - وهو البصري - عن عبيدة، عن عبد الله (^١). ورواه داهر بن يحيى الرازي عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله. ذكره أيضًا الدارقطني. ورواه عبد الله بن داهر عن أبيه، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أخرجه البزار (^٢). وعبد الله بن داهر قال عنه ابن معين: ليس بشيء ما يكتب عنه إنسان فيه خير. وقال العقيلي: رافضي خبيث (^٣). وأبوه قال فيه العقيلي: رافضي يغلو في الرفض ولا يتابع على حديثه (^٤).\nوأما طريق عمارة بن القعقاع فرواه الطبراني (^٥)، والخطيب (^٦) من طريقين عن محمد بن فضيل، عن المغيرة بن مقسم، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله به. قال الدارقطني بعد ذكره لهذا الطريق: هو أصحها - يعني حتى من طريق يزيد ابن أبي زياد (^٧) ـ. وهذا واضح، فإن عمارة بن القعقاع ثقة (^٨)، وأما طريق الحكم ففيه اختلاف واضح يشعر بضعفه، ثم لا يخلوا الطريق من شيعي أو رافضي، وأما طريق يزيد بن أبي زياد فمن أجله ردّ الإمام أحمد\n_________\n(^١) رواه الأزدي على ما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٣٨، وانظر اللآلي المصنوعة ١/ ٣٤٧.\n(^٢) البحر الزخار ٤/ ٣١٠ ح ١٤٩١.\n(^٣) الكامل ٤/ ١٥٤٣، الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٤٥.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٣٩٩.\n(^٥) المعجم الكبير ١٠/ ٨٨ ح ١٠٠٤٣، من طريق عبد الرحمن بن عمرو الحراني عن محمد بن فضيل به، وعبد الرحمن قال فيه أبو زرعة: شيخ الجرح والتعديل ٥/ ٢٦٧.\n(^٦) الرحلة في طلب الحديث ص ١٤٥ - ١٤٧. وفي إحدى طرق حديث الخطيب محمد بن إبراهيم بن زياد. قال فيه الدارقطني متروك. وأشار أبو أحمد الحاكم إلى أنه يدعي سماع ما لم يسمع ميزان الاعتدال ٤/ ٣٦٨.\n(^٧) علل الدارقطني ٥/ ١٨٥.\n(^٨) وثقه ابن معين، وابن سعد، والنسائي، ويعقوب الفسوي وغيرهم تهذيب التهذيب ٧/ ٣٧١.","vol":"1","page":272},{"text":"الحديث. يبقى النظر في رواية عمارة بن القعقاع عن إبراهيم، وذلك أن عمارة ليس مشهورًا بالراوية عن إبراهيم حيث لم يذكره المزي من تلاميذه وإن ورد عن الترمذي ما يدل على سماعه منه (^١)، وكذلك الراوي عن محمد بن فضيل - وهو عبد الرحمن بن عمرو الحراني - لا يحتمل تفرده بمثل هذا الحديث، وقد خالفه نعيم بن حماد الخزاعي (^٢)، وموسى بن داود (^٣) فرويا الحديث عن محمد بن فضيل عن يزيد بن أبي زياد كما رواه الثقات عن يزيد، وهما أشهر بطلب العلم من عبد الرحمن الحراني، وكل هذا يدل على عدم الاعتداد برواية عمارة بن القعقاع، والله أعلم. فقد عاد الأمر إلى تفرد يزيد بن أبي زياد بهذا الحديث، وهو ممن لا يحتج أحمد بما تفرد به فاتضح أن الحديث غير معتدّ به عنده.\nوقد أبدى أبو أسامة - وهو من شيوخ الإمام أحمد - وجهًا آخر لرد الحديث فقال أبو قدامة كما رواه العقيلي: \"سمعت أبا أسامة يقول في حديث يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله في الرايات السود فقال: لو حلف عندي خمسين يمينًا قسامة ما صدقته، أهذا مذهب إبراهيم! أهذا مذهب علقمة! أهذا مذهب عبد الله! \" (^٤). فنقد الحديث من جهة متنه، وهو مخالفته للمعروف من هدي إبراهيم، وعلقمة، وعبد الله بن مسعود إذ كانوا يمنعون\n_________\n(^١) روى الترمذي عن عمارة أنه قال: قال لي إبراهيم النخعي إذا حدثتني فحدثني عن أبي زرعة يعني بن عمرو بن جرير … الجامع ٤/ ١٧٧ ح ١٦٩٨.\n(^٢) ونعيم بن حماد قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا. ا. هـ. وقد روى عنه البخاري مقرونًا بغيره تهذيب الكمال ٢٩/ ٤٦٧، تقريب التهذيب ٧٢١٥ حديثه عنه في كتاب الفتن له ١/ ٣١١ ح ٨٩٥.\n(^٣) وهو الضبي قاضي طرسوس، وثقه محمد بن عبد الله بن نمير وغيره، وقال عنه أبو حاتم: شيخ، في حديثه اضطراب تهذيب الكمال ٢٩/ ٥٩ - ٦٠. وحديثه في مسند الشاشي ١/ ٣٦٢ ح ٣٥١.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٤٩٤.","vol":"1","page":273},{"text":"الخروج على من استبدّ بالأمر. قال الذهبي - معلقًا على كلام أبي أسامة ـ: \"معذور والله أبو أسامة، وأنا قائل كذلك، فإن من قبله ومن بعده أئمة أثبات، فالآفة منه عمدًا أو خطأ\" (^١). وقال في تلخيص المستدرك إنه حديث موضوع (^٢).\nوقد ورد ما يشهد لبعض ألفاظ الحديث من حديث ثوبان ﵁، أخرجه الإمام أحمد عن وكيع، عن شريك، عن علي بن زيد - وهو ابن جدعان - عن أبي قلابة عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قِبل خُراسان فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي\" (^٣). وعدّه البيهقي والذهبي من منكرات علي بن زيد (^٤).\nوقد خالفه خالد الحذاء عن أبي قلابة (^٥)، إلا أنه اختلف عليه بالرفع والوقف. وذكر الإمام أحمد أنه قيل لابن علية في هذا الحديث فقال: كان خالد يرويه فلم يلتفت إليه، ضعف ابن علية أمره، قال عبد الله: يعني حديث خالد عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان عن النبي ﷺ في الرايات (^٦). فالظاهر أن الإمام أحمد لم يعتد بهذا الشاهد أيضًا (^٧).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٦/ ١٣٢.\n(^٢) تلخيص المستدرك بحاشية المستدرك ٤/ ٤٦٤. وقال في ميزان الاعتدال ٦/ ٩٨: هذا ليس بصحيح.\n(^٣) المسند ٣٧/ ٧٠ ح ٢٢٣٨٧.\n(^٤) دلائل النبوة ٦/ ٥١٥، ميزان الاعتدال ٤/ ٤٨.\n(^٥) فرواه عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. وأما الاختلاف في الرفع والوقف فانظر الحديث في سنن ابن ماجه ٢/ ١٣٦٧ ح ٤٠٨٤، والمستدرك ٤/ ٤٦٣، والسنن الواردة في الفتن ٥/ ١٠٣٢ ح ٥٤٨ مرفوعًا. وانظره في كتاب الفتن لنعيم بن حماد ١/ ٣١١ ح ٨٩٦، والمستدرك ٤/ ٥٠٢، ودلائل النبوة للبيهقي ٦/ ٥١٦ موقوفًا.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٢٥ رقم ٢٤٤٣.\n(^٧) وقد اعتمده الشيخ الألباني، فحسن حديث يزيد بن أبي زياد بحديث ثوبان دون قوله في حديث ثوبان: فإن فيها خليفة الله المهدي سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ١٩٧، ورأى أن ما يستنكر من هذا الحديث هو هذه اللفظة وحدها. وصحح حديث ثوبان ابن كثير في الفتن والملاحم ١/ ٣١، والبوصيري في مصباح الزجاجة ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وتبعهم الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي في كتابه المهدي المنتطر في ضوء الأحديث والآثار الصحيحة ١/ ١٩٢.","vol":"1","page":274},{"text":"وورد أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"يخرج من خراسان راياتٌ سودٌ لا يردُّها شيء حتى تُنصب بإيلياء\" رواه الترمذي (^١)، وأحمد (^٢)، والطبراني (^٣)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (^٤). تفرد به رشدين بن سعد، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن قبيصة، عن أبي هريرة به. ورشدين بن سعد قال فيه ابن معين: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه غير واحد (^٥). وقال الجوزجاني: عنده مناكير كثيرة (^٦). فتفرد هذا بحديث من حديث الزهري لا يروى إلا من طريقه مما لا يحتمل. وقد رواه البيهقي عن كعب الأحبار قوله، وفي سنده جهالة ومع ذلك رجحه على المرفوع (^٧). فهذا أيضًا لا يصلح شاهدًا.\nوورد أيضًا من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مرفوعًا: \"يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي - يعني سلطانه\" أخرجه ابن ماجه (^٨)، والطبراني (^٩). وفي سنده عمرو بن جابر وهو الحضرمي، قال أحمد: بلغني أنه كان\n_________\n(^١) الجامع ٤/ ٤٦٠ ح ٢٢٦٩ وقال: حديث غريب.\n(^٢) المسند ١٤/ ٣٨٣ ح ٨٧٧٥.\n(^٣) المعجم الأوسط ٤/ ٣١ ح ٣٥٣٦ وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، تفرد به رِشدين.\n(^٤) دلائل النبوة ٦/ ٥١٦.\n(^٥) تهذيب الكمال ٩/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(^٦) الشجرة في أحوال الرجال ص ١٥٦ ترجمة ٢٧٥.\n(^٧) دلائل النبوة ٦/ ٥١٦.\n(^٨) سنن ابن ماجه ٢/ ١٣٦٨ ح ٤٠٨٨.\n(^٩) المعجم الأوسط ١/ ٩٤ ح ٢٨٥.","vol":"1","page":275},{"text":"يكذب (^١). وقال ابن حبان: كان سحابيًا - يزعم أن عليًا في السحاب (^٢). وقال ابن عدي: كان الناس برمونه من وجهين جميعًا: من قوله في علي ومن ضعفه في رواياته (^٣). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن جابر وهو كذاب. ا. هـ (^٤). فهذا أيضًا لا يصلح أن يستشهد به.\nهذا وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: سألت عبد الرحمن بن مهدي: أي حديث أصح في المهدي؟ قال: أصح شيء فيه عندي حديث أبي معبد عن ابن عباس (^٥). وهذا يتضمن عدم تصحيحه لما سواه من الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>يحيى بن أيوب الغافقي:</span>\nقال عبد الله: سئل أبي وأنا أسمع: عن حيوة بن شريح، وسعيد بن أبي أيوب، ويحيى بن أيوب فقال: حيوة أعلى القوم، ثقة … وكان يحيى بن أيوب سيء الحفظ وهو دون هؤلاء (^٦).\nونقل الساجي عن أحمد أنه كان يخطئ خطأً كثيرًا (^٧).\nقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يحي بن أيوب المصري، فقال:\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٤٦ رقم ٤٦٤٤.\n(^٢) المجروحين ٢/ ٦٨.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٦٦.\n(^٤) مجمع الزوائد ٧/ ٣١٨.\n(^٥) المنتخب من علل الخلال ص ٣٠٥. ولفظه: [إني لأرجو أن لا تذهب الأيام والليالي حتى يبعث الله منا أهل البيت غلامًا لم يلبس الفتن ولم تَلبسْه الفتن، كما فتح الله بنا هذا الأمر فأرجو أن يختمه بنا] رواه الخلال. وحديث ابن عباس رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٥١٣ ح ٣٧٦٤١، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن ٥/ ١٠٤٣ ح ٥٥٨، ٥٥٩، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس به.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٤١٢٣، ٤١٢٥.\n(^٧) تهذيب التهذيب ١١/ ١٨٧.","vol":"1","page":276},{"text":"كان يحدث من حفظه، وكان لا بأس به، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر الحديث، فقال: ها، من يحتمل هذا، وقال مرة: كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا، وأنكر حديث يحيى خاصة (^١).\nهذا الحديث رواه الطحاوي (^٢)، والعقيلي (^٣)، وابن حبان (^٤)، وابن عدي (^٥)، والدارقطني (^٦)، والحاكم (^٧)، والبيهقي (^٨) من طرق عن يحيى بن أيوب المصري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة به، ولفظه: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الركعتين اللتين كان يوتر بعدهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ويقرأ في التي في الوتر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام بتفرد يحيى بن أيوب المصري برواية هذا الحديث من حديث عائشة، وجعل هذا شاهدًا على سوء حفظه، فقال: \"ها، من يحتمل هذا\" وتوضيح ذلك أن كل من فوقه من المكثرين في الرواية، فيبعد أن يكون الحديث عندهم ولا يعرفه ألصق الناس بهم وأعرفهم بمروياتهم، فتفرده عنهم وعدم\n_________\n(^١) تنقيح التحقيق ١/ ٥١٦، وانظر: الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٠٤.\n(^٢) شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٥.\n(^٣) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٠٥.\n(^٤) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٦/ ١٨٨ ح ٢٤٣٢.\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٦٧١.\n(^٦) سنن الدارقطني ٢/ ٢٤، ٣٤ - ٣٥.\n(^٧) المستدرك ١/ ٣٠٥، ٢/ ٥٢٠، ٥٢١.\n(^٨) السنن الكبرى ٣/ ٣٧.","vol":"1","page":277},{"text":"مشاركة بعض الرواة له في رواية الحديث يقضي بخطئه ويدل على خفة ضبطه لما تحمله عن شيوخه.\nومما يؤيد ما ذهب إليه الإمام أحمد ما رواه الخلال في العلل بإسناده عن ابن أبي مريم قال: \"أخبرني عثمان بن الحكم (^١) - وكان من أفضل من بمصر - قال: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث فقال: لا أعرفه - يعني حديث الوتر\" (^٢). ورواه ابن عدي من طريق آخر عن ابن أبي مريم وفيه: \"فلم يعرفه وأنكره\" (^٣). فإنكار يحيى بن سعيد الأنصاري للحديث - وهو شيخ يحيى بن أيوب في إسناد الحديث - علة يعل بها روايته، ويستدل بها على سوء حفظه، وهو ما أشار إليه الإمام أحمد.\nوقد رُوي الحديث من وجهين آخرين عن عائشة:\nالأول: رواه محمد بن سلمة، عن خُصيف، عن عبد العزيز بن جُريج، قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان يُوتِر رسول الله ﷺ؟ قالت: كان يقرأُ في الركعة الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعوِّذتين. رواه أبو داود (^٤)، والترمذي (^٥)، وابن ماجه (^٦)، والحاكم (^٧)، ومن طريقه البيهقي (^٨). وفي الإسناد\n_________\n(^١) عثمان بن الحكم الجذامي المصري، وثقه أحمد بن صالح المصري، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمتقن. الجرح والتعديل ٦/ ١٤٨، تهذيب التهذيب ٧/ ١١١\n(^٢) تنقيح التحقيق ١/ ٥١٦.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٦٧١.\n(^٤) السنن ٢/ ١٣٣ ح ١٤٢٤.\n(^٥) الجامع ٢/ ٣٢٦ ح ٤٦٣.\n(^٦) السنن ١/ ٣٧١ ح ١١٧٣.\n(^٧) المستدرك ٢/ ٥٢٠.\n(^٨) السنن الكبرى ٣/ ٣٨.","vol":"1","page":278},{"text":"خُصيف، هو ابن عبد الرحمن الجزري. قال عنه أحمد: ليس بحجة ولا قوي في الحديث. وعنه: ضعيف الحديث. ووثقه ابن سعد وأبو زرعة وغيره. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يعتبر به يهم (^١). وعبد العزيز بن جريج هو والد ابن جريج. قال البخاري: لا يتابع في حديثه (^٢). ولم يلق عائشة، قاله أحمد (^٣)، وقال ابن حبان: روى عن عائشة ولم يسمع منها (^٤). وقد وقع التصريح في هذا الحديث بسماعه من عائشة، قال الترمذي: سماع عبد العزيز من عائشة خطأ (^٥). وكذلك العلائي لم يعتمد هذا التصريح (^٦). ولعل هذا ما جعل ابن جريج يرسل الحديث عن عائشة، فرواه عبد الرزاق عنه قال: أُخبرتُ عن عائشة فذكره (^٧). وقد قال الدارقطني: يترك هذا الحديث (^٨).\nالثاني: رواه حيوة بن شريح، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، ذكره العقيلي بإسناده في ترجمة سليمان بن حسان المصري وأعله به، وقال: لا يتابع على حديثه (^٩). وذكر الحافظ ابن حجر أنه رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل (^١٠). وسليمان بن حسان قال عنه أبو حاتم: صحيح\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٤٢٧، الجرح والتعديل ٣/ ٤٠٣، تهذيب الكمال ٨/ ٢٥٩، سؤالات البرقاني للدارقطني ص ٢٧ ترجمة ١٢٥.\n(^٢) التاريخ الكبير ٦/ ٢٣.\n(^٣) المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٣١.\n(^٤) الثقات ٧/ ١١٤.\n(^٥) الجامع ٢/ ٣٢٧.\n(^٦) جامع التحصيل ص ٢٢٨.\n(^٧) المصنف ٢/ ٣٣ ح ٤٦٩٨.\n(^٨) سؤالات البرقاني ص ٤٤ ترجمة ٢٩٧.\n(^٩) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٤٩٠.\n(^١٠) تنايج الأفكار ١/ ٥١٤. وقد حسنه الحافظ ابن حجر، وكذا حسن حديث يحيى بن سعيد الأنصاري.","vol":"1","page":279},{"text":"الحديث (^١)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٢). لكن يبقى النظر هل يحتمل تفرد هذا عن عروة بن الزبير، وهو الأمر الذي أشار إليه العقيلي بقوله: لا يتابع على حديثه.\nقال العقيلي: وقد روي عن ابن عباس، وأبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وإسناديهما كذا أصلح من هذين، على أن في حديث أبي بن كعب اختلاف كذا، وحديث ابن عباس صالح الإسناد. ا. هـ (^٣).\nوممن أنكر زيادة المعوذتبين غير الإمام أحمد الإمام يحيى بن معين، قاله ابن الجوزي (^٤).\nحديث آخر ليحيى بن أيوب:\nقال الخلال: أخبرنا زكريا بن يحيى: نا أبو طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن حديث ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: نهى النبي ﷺ عن شرى المُغنِّيَّات؟ قال: يحيى بن أيوب ضعيف، كان يخطئ كثيرًا (^٥).\nأخرج هذا الحديث الطبراني من طريق سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب به مرفوعًا بلفظ: \"لا يحل شِرى المُغَنيَّات ولا بيعُهن ولا تجارةٌ فيهن وثَمنُهن حرامٌ\" وتلا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٤/ ١٠٧.\n(^٢) كتاب الثقات ٨/ ٢٨٠.\n(^٣) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٤٩٠.\n(^٤) التحقيق في أحاديث الخلاف ١/ ٥١٦.\n(^٥) المنتخب من العلل للخلال ص ١٠٤/ ٤٣.","vol":"1","page":280},{"text":"عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] الآية (^١).\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله بيحيى بن أيوب لضعفه الراجع إلى سوء حفظه، أعله به مع أنه لم يتفرد بالحديث، وفي السند من هو أضعف منه. فأما من روى الحديث متابعًا ليحيى بن أيوب فهم جماعة:\nوهم: خلاد الصفار (^٢)، ومطرّح بن يزيد (^٣)، وبكر بن مضر (^٤)، وليث ابن أبي سليم (^٥). ورواه فرج بن فضالة عن علي بن يزيد به (^٦) فتابع عبيد الله بن زحر، وهي متابعة قاصرة ليحيى بن أيوب. وكذلك توبع عن القاسم أيضًا: حيث\n_________\n(^١) المعجم الكبير ٨/ ٢١٢ ح ٧٨٥٥.\n(^٢) هو خلاد بن عيسى الصفار أبو مسلم الكوفي. قال العقيلي: مجهول بالنقل. قال الذهبي: بل هو ثقة مشهور حسن الحديث الضعفاء للعقيلي ٢/ ٣٦٦، المغني في الضعفاء ١/ ٢١١/١٩٢٦. وحديثه عند أحمد المسند ٣٦/ ٥٠٢ ح ٢٢١٦٩، ومن طريقه البيهقي ٦/ ١٤ - ١٥ - ووقع فيهما: خالد الصفار، قال الحافظ هو تحريف صوابه خلاد الصفار تعجيل المنفعة ص ٧٩ - والطبري في التفسير ٢١/ ٦٠، والطبراني في المعجم الكبير ٨/ ٢١٤ ح ٧٨٦٢.\n(^٣) يكنى أبا المهلب. قال الذهبي: مجمع على ضعفه ميزان الاعتدال ٥/ ٢٤٨، وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢٨/ ٦٠. وحديثه عند ابن ماجه السنن ٢/ ٧٣٣ ح ٢١٦٨ - لكن وقع الحديث فيه معضلًا ليس فيه علي بن يزيد ولا القاسم - والحميدي المسند ح ٩١٠، والطبري التفسير ٢١/ ٦٠، والطبراني المعجم الكبير ٨/ ١٩٩ ح ٧٨٠٥.\n(^٤) قال فيه ابن حجر: ثقة ثبت التقريب ٧٥٩. وحديثه عند الترمذي الجامع ٣/ ٥٧٩ ح ١٢٨٢، وأحمد المسند ٣٦/ ٦١١ ح ٢٢٢٨٠، والبيهقي السنن الكبرى ٦/ ١٤.\n(^٥) قال فيه أحمد: ضعيف الحديث جدًا كثير الخطأ المجروحين ٢/ ٢٣١. وتركه يحيى القطان، وابن مهدي، وأحمد، وابن معين. قاله ابن حبان المجروحين ٢/ ٢٣٠. وحديثه عند الطبراني ٨/ ٢١٣ ح ٧٨٦١، والروياني المسند ٢/ ٢٧٦ ح ١١٩٢ لكن قال فيه: عن عائشة أو أبي أمامة. وقد رواه عن عبد الرحمن بن سابط عن عائشة عن النبي ﷺ، أشار إليه البيهقي وذكر أن هذا من تخليط ليث بن أبي سليم السنن الكبرى ٦/ ١٤.\n(^٦) أخرجه المسند ٣٦/ ٥٥١ ح ٢٢٢١٨، والطبراني ٨/ ١٩٦ ح ٧٨٠٢، والقعيلي ٣/ ٩٧٥.","vol":"1","page":281},{"text":"رواه يحيى بن الحارث عن القاسم (^١)، وهي رواية غير صالحة للاعتبار بها لعدم صحة الإسناد إلى يحيى بن الحارث (^٢).\nأما وفي الإسناد من هو أضعف من يحيى فيظهر ذلك بالرجوع إلى من فوقه: وهو عبيد الله بن زحر (^٣)، عن علي بن يزيد (^٤)، عن القاسم بن عبد الرحمن (^٥)، وهذه سلسلة روي بها أحاديث مناكير تكلم عليها الإمام أحمد وجعل ذلك من قبل القاسم. قال أبو داود: \"سمعت أحمد قال: القاسم أبو عبد الرحمن، هو ابن عبد الرحمن، هو مولى لعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية. قال: يُروى له أحاديث مناكير، كان جعفر بن الزبير أولًا رواها بالبصرة، فترك الناس حديثه، ثم جاء بشر بن نُمير فروى بعض تلك الأحاديث، فترك أهل البصرة حديثه … يجيئنا بعد من عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني المعجم الكبير ٨/ ١٨٠ ح ٧٧٤٩، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣١٥.\n(^٢) لأن في إسناد الطبراني الوليد بن الوليد وهو العنسي، قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به، وقال الدارقطني: منكر الحديث المجروحين ٣/ ٨١، المغني في الضعفاء ٢/ ٧٢٦. وفي إسناد ابن عدي: مسلمة بن علي الخشني، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث. قال الذهبي: تركوه الكامل في الضعفاء الرجال ٦/ ٢٣١٤، المغني في الضعفاء ٢/ ٦٥٧. ولذلك قال العقيلي: لا يعرف الحديث إلا به الضعفاء ٣/ ٩٧٥.\n(^٣) ضعفه أحمد في رواية حرب، وقال ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: لين الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق الجرح والعديل ٥/ ٣١٥.\n(^٤) هو الألهاني. قال البخاري: ذاهب الحديث علل الترمذي الكبير ١/ ٥١٢. وقال النسائي: متروك الحديث الضعفاء والمتروكون ٧٧/ ٤٣٢. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، فلا أدري التخليط في روايته ممن؟ المجروحين ٢/ ١١٠. وفي رواية حرب عن أحمد: كأنه ضعفه الجرح والتعديل ٦/ ٢٠٩.\n(^٥) القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الشامي، تكلم فيه الإمام أحمد كما سيأتي. ووثقه البخاري، والترمذي، ويعقوب الفسوي. وقال ابن حبان: يروي عن الصحابة المعضلات ويأتي عن الثقات بالأشياء المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها علل الترمذي الكبير ١/ ٥١٢، المجروحين ٢/ ٢١٢، تهذيب التهذيب ٨/ ٣٢٣ - ٣٢٤.\n(^٦) سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ص ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"1","page":282},{"text":"وقال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: وذكر القاسم أبا عبد الرحمن، فقال: قال بعض الناس: هذه الأحاديث المناكير التي يرويها عنه جعفر بن زبير، وبشر بن نمير، ومطرح قال أبي: علي بن يزيد من أهل دمشق حدّث عنه مطرح، ولكن يقولون هذه من قبل القاسم، في حديث القاسم مناكير مما يرويها الثقات يقولون من قبل القاسم\" (^١).\nوقال الأثرم: سمعت أحمد حمل على القاسم وقال: \"يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب، وتكلم فيها، وقال: ما أرى هذا إلا من قبل القاسم\" (^٢).\nوقال جعفر بن أبان: سمعت أحمد بن حنبل وذُكر القاسم مولى يزيد بن معاوية فقال: منكر الحديث، ما أرى البلاء إلا من قبل القاسم. ا. هـ (^٣).\nوتكلم ابن حبان على هذه السلسلة أيضًا، قال: \"وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية عبيد الله بن زحر على الأحوال أوْلى\" (^٤).\nوبعد هذا يتضح أن ما ذكره الإمام أحمد في هذه المسألة من إعلال الحديث بيحيى بن أيوب الغافقي مع وجود هذه السلسلة التي قد تكلم عليها وجعل الحمل فيها على القاسم بن عبد الرحمن يدل على أنه لم يستحضر كلامه عليه حين سئل عن الحديث، وأما الإمام البخاري فجعل الحمل على الراوي عن القاسم وهو علي ابن يزيد الألهاني، لأنه وثق كلًا من عبيد الله بن زحر، والقاسم بن عبد الرحمن،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٦٥ رقم ١٣٥٣.\n(^٢) الجرح والتعديل ٧/ ١١٣، الضعفاء للعقيلي ٣/ ١١٦١، وانظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣٢٣.\n(^٣) المجروحين ٢/ ٢١٢.\n(^٤) المصدر نفسه ٢/ ٦٢.","vol":"1","page":283},{"text":"وجرّح علي بن يزيد فتعين أن الحمل عليه، وكلام أبي حاتم يحتمل ذلك أيضًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-125>محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى:</span>\nقال عبد الله: \"سألته - أي أحمد - عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فقال: مضطرب الحديث. قال أبي: فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب\" (^٢).\nوقال عبد الله بن أحمد: \"سمعت أبي يقول: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مضطرب الحديث سيء الحفظ\" (^٣).\nوعن أحمد بن أصرم المزني (^٤): \"سمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن أبي ليلى مضطرب الحديث جدًا\" (^٥).\nوقال أحمد بن حفص السعدي عن أحمد بن حنبل: \"ابن أبي ليلى ضعيف، وعن عطاء أكثر خطأ\" (^٦).\nقال العقيلي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي، قال: سمعت أحمد بن حنبل احتج بحديث ابن أبي ليلى؟ فقال: لا، قال: وسألته عن حديث ابن أبي ليلى حديث البراء أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم\n_________\n(^١) فإنه قال: علي بن يزيد ضعيف الحديث، حديثه منكر، فإن كان ما روى على بن يزيد عن القاسم على الصحة فيحتاج أن ننظر في أمر علي بن يزيد. ا. هـ الجرح والتعديل ٦/ ٢٠٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤١١ رقم ٨٦٢.\n(^٣) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٢٥٦.\n(^٤) أحمد بن أصرم بن خزيمة المزني ت ٢٨٥ هـ. سمع أحمد بن حنبل، وابن معين وغيرهما، وحدث عنه أبو عوانة، وابن أبي حاتم. قال ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق يعظم شأنه ويرفع منزلته. ووثقه أبو بكر الخلال طبقات الحنابلة ١/ ٢٢، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(^٥) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٢٥٦.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٩١.","vol":"1","page":284},{"text":"لا يعود، فقال: ليس هذا بشيء، قد رواه وكيع عن ابن ليلى، فيكون مثل هذا عن الحكم ولا يرويه الناس عن الحكم! (^١).\nهذا الحديث قد سبق وأن أشار إليه الإمام أحمد في كلامه على يزيد بن أبي زياد المتقدم، وقال: روى وكيع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى ابن أبي ليلى، والحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء فذكره، وقد رواه من هذا الوجه أبو داود (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، وأبو يعلى (^٤)، والطحاوي (^٥)، وذكره البخاري تعليقًا في \"جزء رفع اليدين\" (^٦).\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام أحمد بسوء حفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال ابن أبي ليلى سيء الحفظ (^٧). وبيّن خطأه من وجهين:\nالأول: ذكر الإمام أحمد أن محمد بن عبد الله بن نمير قد رأى كتاب محمد\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٢٥٦.\n(^٢) السنن ١/ ٤٧٩ ح ٧٥٢. لكن وقع عنده: عن عيسى عن الحكم، وكذلك في تحفة الأشراف ٢/ ٢٩ ح ١٧٨٦. وذكر ابن التركماني أن أبا داود رواه من جهة عيسى والحكم الجوهر النقي بهامش السنن الكبرى ٢/ ٧٧، فلعل ذلك من اختلاف نسخ الكتاب. وقد ذكر البيهقي أن الحديث قد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، ورواه أيضًا عن الحكم، عن ابن أبي ليلى انظر: السنن الكبرى ٢/ ٧٧. فقد يكون هذا الاختلاف راجعًا إلى اختلاف نسخ السنن، وإلا فاجتماع رواية أحمد، وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، والطحاوي يقضي بخطأ ما في نسخة سنن أبي داود. ومن أجل هذا لما ذكر المزي الحكم بن عتيبة في شيوخ عيسى بن أبي ليلى قال: إن كان محفوظًا تهذيب الكمال ٢٢/ ٦٣٠، و٧/ ١١٦.\n(^٣) المصنف ١/ ٢١٣ ح ٢٤٤٠.\n(^٤) مسند أبي يعلى ٢/ ٢٩٠ ح ١٦٨٥.\n(^٥) شرح معاني الآثار ١/ ٢٩٤.\n(^٦) رفع اليدين في الصلاة ص ٨٩ ح ٧٧.\n(^٧) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٦٨.","vol":"1","page":285},{"text":"ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ورأى أنه يروي الحديث عن يزيد بن أبي زياد لا عن عيسى والحكم، يعنى أنه حدّث بالحديث من حفظه فحدّث به مخالفًا لما في أصل كتابه لسوء حفظه. قال البخاري: وإنما روى ابن أبي ليلى هذا من حفظه، فأما من حدّث عن ابن أبي ليلى من كتابه فإنه عن ابن أبي ليلى عن يزيد فرجع الحديث إلى تلقين يزيد (^١). وهذا الوجه هو الذي ورد ذكره في رواية عبد الله المتقدمة.\nالثاني: أن الحديث لو كان عند الحكم بن عتيبة لرواه الناس عنه، فلا يحتمل تفرد محمد بن أبي ليلى عنه لسوء حفظه. وذكر هذا الوجه العقيلي عن الحسن بن علي عن أحمد كما في هذه المسألة.\nوفائدة هذا الإعلال أن رواية ابن أبي ليلى هذه لا تصلح للاعتبار بها، فلا يقال إن عيسى بن أبي ليلى، والحكم بن عتيبة قد تابعا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حتى يتقوى الحديث بذلك، لأن الخطأ فيها متحقق.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>عطاء بن مسلم الخفاف:</span>\nقال المرُّوذي: قلت تعرف عن عطاء بن مسلم الخفاف عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"يحشر المتكبرون في صور الذُّر يطأهم الناس\"، فأنكره وقال: ما أعرفه، عطاء بن مسلم مضطرب الحديث (^٢).\nهذا الحديث أخرجه البزار قال: حدثنا محمد بن عثمان العقيلي، حدثنا محمد بن راشد، عن محمد بن عمر كذا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. وقال البزار: لم أسمعه إلا من العقيلي عن محمد بن راشد (^٣). قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه (^٤).\n_________\n(^١) رفع اليدين في الصلاة ص ٨٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٥٢ ح ٢٦٩.\n(^٣) كشف الأستار ٤/ ١٥٥ ح ٣٤٣٠.\n(^٤) مجمع الزوائد ١٠/ ٣٣٤.","vol":"1","page":286},{"text":"وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد على ما ذكره المباركفوري (^١). وينظر في سنده.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام أحمد بالنكارة، لأنه من رواية عطاء بن مسلم الذي وصفه بأنه مضطرب الحديث، وهذا أمر ناشئ من سوء الحفظ، وفي قوله في الجواب: ما أعرفه، إشارة إلى تفرد عطاء بن مسلم بالحديث، لأنه نفى معرفته بالحديث من غير طريقه، وكونه مع سوء حفظه يتفرد بحديث من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ولا يعرف إلا من طريقه، مع شهرة هذا الإسناد وكثرة دواعي الناس إلى روايته دليل على نكارة الحديث، فأنكره الإمام أحمد من أجل هذا، والله أعلم.\nوعطاء بن مسلم وثقه ابن معين في رواية الدارمي (^٢)، وقال في رواية معاوية بن صالح: ليس به بأس، وأحاديثه منكرات (^٣). وقال أبو حاتم: كان شيخًا صالحًا، وكان دفن كتبه وليس بقوي فلا يثبت حديثه. وقال أبو زرعة: دفن كتبه ثم روى من حفظه فيهم فيه، وكان رجلًا صالحًا (^٤). وقال أبو داود: ضعيف. وقال الطبراني: تفرد بأحاديث (^٥). وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به (^٦). وقال ابن حبان: كان شيخًا صالحًا، دفن كتبه ثم جعل يحدث، فكان يأتي بالشيء على التوهم فيخطيء، فكثر المناكير في أخباره وبطل\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي ٧/ ١٦٣.\n(^٢) الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٦.\n(^٣) الضعفاء للعقيلي ٣/ ١١٠٠.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ٣٦٦.\n(^٥) انظر القولين في تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٢.\n(^٦) الضعفاء للعقيلي ٣/ ١١٠٠.","vol":"1","page":287},{"text":"الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>من نهى عن الكتابة عنهم وأمر بالضرب على حديثهم:</span>\nفمنهم:\n\n<span data-type='title' id=toc-128>موسى بن عُبيدة الربذي:</span>\nقال أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا يكتب حديث موسى بن عُبيدة، ولم أخرج عنه شيئًا، حديثه منكر (^٢).\nوقال البخاري: قال أحمد بن حنيل: هو منكر الحديث (^٣).\nوقال أبو داود: سمعت أحمد غير مرة يقول: موسى بن عُبيدة ليس بشيء (^٤).\nوقال عباس الدوري سمعت أحمد يقول: أما موسى بن عُبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدّث بأحاديث منكرة عن عبد الله بن دينار … أما إذا جاء الحلال أردنا قومًا هكذا، فضمّ عباس على أصابع يديه الأربع من كل يدٍ ولم يضمّ الإبهام (^٥).\nوقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: موسى بن عبيدة لا يُشتغل به، وذلك أنه يروي عن عبد الله بن دينار شيئًا لا يرويه الناس (^٦).\nوقال أبو طالب أحمد بن حميد: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل لما مر حديث موسى بن عُبيدة عن محمد بن كعب عن ابن عباس، قال: هذا متاع موسى بن عُبيدة وضمَّ فمَه وعوَّجه ونفض يدَه وقال: كان لا يحفظ الحديث (^٧).\n_________\n(^١) المجروحين ٢/ ١٣١.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٣٣٤.\n(^٣) التاريخ الكبير ٧/ ٢٩١.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢٩/ ١١٢.\n(^٥) التاريخ - برواية الدوري ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤.\n(^٦) الجرح والتعديل ٨/ ١٥٢.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٣٣٤.","vol":"1","page":288},{"text":"قال الفضل بن زياد: وسمعت أبا عبد الله وسأله أبو جعفر: أيما أحب إليك موسى بن عبيدة، أو محمد بن إسحاق؟ قال: لا محمد بن إسحاق، قلت له: روى شعبة عن موسى بن عبيدة؟ قال: نعم، فقال أبو جعفر: يقول شعبة عن أبي عبد العزيز الربذي، قال: نعم، لم يرو عنه شعبة حديثًا منكرًا. فقال أبو جعفر: روى عنه الثوري أيضًا؟ قال: نعم (^١).\nقال الجوزجاني: قلت لأحمد: إن موسى قد روى عنه سفيان وشعبة يقول: أبو عبد العزيز الرَّبذي، قال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه (^٢).\nفهذه الرواية تفيد أن الإمام أحمد ضعف موسى بن عبيدة وفسر هذا التضعيف بسوء الحفظ المنجلي في روايته عن الثقات الأعلام ما لا يرويه غيره، فمن ثَم وصفه بأنه منكر الحديث، وما ورد عنه أنه قال فيه: ليس به بأس فهو محمول على أنه ليس من أهل التهمة فلا يطرح حديثه، ولكن لا يروى عنه في الحلال والحرام. ومما يدل على شدة ضعفه عنده أنه لم يخرج له في المسند (^٣).\nمما أعله من حديثه:\nقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تعرف عن عمار عن النبي ﷺ: \"الحلال بيّن والحرام بيّن\"؟ فقال: لا، من رواه؟ فقلت موسى بن عُبيدة، فقبض يده ثم قال: موسى يُحتمل؟ وحمل عليه، وقال: ليس حديثه عندي بشيء، حديثه عن عبد الله بن دينار كأنه ليس عبد الله بن دينار ذلك، وعن أبي حازم. ا. هـ (^٤).\n_________\n(^١) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٩.\n(^٢) الشجرة في أحوال الرجال ص ٢٠٧.\n(^٣) وقد وقع في المسند في موضع واحد حديث لموسى بن عُبيدة، لكن جاء في نسخ المسند بالتضبيب فوق اسم عبيدة، ونبه الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة ص ٢٧١ أن الصواب موسى بن عبيد - ليس فيه هاء - انظر: المسند ٤٥/ ٤٥٥ ح ٢٧٤٦٣.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٣١٣، وانظر: تهذيب الكمال ٢٩/ ١٠٨. ووقع في تهذيب الكمال: عمثان مكان عمار، والصواب ما في كتاب العقيلي؛ لأن الحديث يرويه موسى بن عبيدة من حديث عمار كما سيأتي في التخريج.","vol":"1","page":289},{"text":"حديث عمّار أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده: أنبأنا يحيى بن واضح الانصاري، ثنا موسى بن عبيدة الربذي، عن عبد الله بن عبيدة وغيره، عن عمار بن ياسر، عن رسول الله ﷺ قال: \"الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات فمن توقاهن كان أتقى لدينه، ومن واقعهن أوشك أن يواقع الكبائر كالمرتع إلى جنب الحمى، أوشك أن يُواقعَه، ولكل ملِكٍ حِمى، وحِمى الله حدودُه\" (^١)، ورواه الطبراني (^٢)، وأبو نعيم (^٣) كلاهما من طريق إسحاق. وقال الطبراني: لا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد. وأخرجه أبو يعلى حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان، حدثنا موسى بن عبيدة قال: أخبرني سعد بن إبراهيم، عمّن أخبره، عن عمّار بن ياسر فذكره (^٤).\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعل الإمام أحمد هذا الحديث بموسى بن عبيدة وقال: موسى يحتمل؟ وهذا استفهام إنكار لتفرد موسى بن عبيدة بهذا الحديث، إذ الحديث معروف لنعمان بن بشير (^٥)، فتفرده بالحديث عن عمّار بن ياسر يدل على عدم ضبطه إذ لا يتصور أن يكون الحديث عند عمّار ثم لا يرويه أحد في طبقة التابعين ولا طبقة أتباعهم إلا موسى بن عبيدة مع توفر الدواعي عندهم لرواية الأحاديث وجمعها\n_________\n(^١) المطالب العالية ٧/ ٣٣٣ ح ١٤٢٠/ ١، وإتحاف الخيرة المهرة ٣/ ٢٩٨ ح ٢٧٧١/ ١.\n(^٢) المعجم الأوسط ٢/ ٢٠٤ ح ١٧٣٥.\n(^٣) حلية الأولياء ٩/ ٢٣٦.\n(^٤) مسند أبي يعلى ٢/ ٢٧٨ ح ١٦٤٩.\n(^٥) أخرجه الشيخان صحيح البخاري ١/ ١٢٦ ح ٥٢ - فتح الباري، صحيح مسلم ٣/ ١٢١٩ ح ١٥٩٩.","vol":"1","page":290},{"text":"وتتبع طرقها، وأيضًا لا يجوز أن يقال إن حديث النعمان بن بشير يشهد له، لأن هذا مما تحقق خطؤه فلا ينجبر، ثم قد ظهر جليًا أثر سوء حفظه حيث اضطرب في رواية الحديث، ففي طريق إسحاق رواه عن عبد الله بن عبيدة وغيره عن عمار، وفي طريق أبي يعلى رواه عن سعد بن إبراهيم، عمن أخبره عن عمار. وعبد الله بن عبيدة هو الربذي أخو موسى بن عبيدة، قال أحمد في رواية صالح: موسى بن عبيدة وأخوه لا يشتغل بهما. وقال ابن معين: لم يرو أحد عنه إلا موسى بن عبيدة، وحديثهما ضعيف. ا. هـ (^١).\nوحديث آخر:\nقال عباس بن محمد الدوري: سمعت أحمد بن حنبل وسُئل على باب أبي النضر هاشم بن القاسم، فقيل له: يا أبا عبد الله، ما تقول في موسى بن عُبيدة الرَّبْذي ومحمد بن إسحاق؟ فقال: أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث - كأنه يعني المغازي ونحوها - وأما موسى بن عُبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدّث بأحاديث منكرة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن النبي ﷺ في الكالي بالكالي وأشباه هذا، وأما إذا جاء الحلال أردنا قومًا هكذا - فضمّ عباس على أصابع يديه الأربع من كل يد ولم يضمَّ الإِبْهام (^٢).\nهذا الحديث رواه البزار (^٣)، والطحاوي (^٤)، والدارقطني (^٥)، وابن عدي (^٦)،\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٥/ ١٠١.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢٩/ ١٠٩.\n(^٣) كشف الأستار ٢/ ٩٢ ح ١٢٨٠.\n(^٤) شرح معاني الآثار ٤/ ٢١.\n(^٥) السنن ٣/ ٧٢، ووقع فيه: موسى بن عقبة مكان موسى بن عبيدة. قال الحافظ ابن حجر: وقد جزم الدارقطني في العلل بأن موسى بن عبيدة تفرد به فهذا يدل على أن الوهم في قوله موسى ابن عقبة من غيره تلخيص الحبير ٣/ ٢٦.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٣٣٥.","vol":"1","page":291},{"text":"والعقيلي (^١)، والبيهقي (^٢) من طرق عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nذكر أنه من الأحاديث المنكرة التي رواها موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار، ولسوء حفظه لا يقبل تفرده عن عبد الله بن دينار. وروى ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: \"ولا يحل الرواية عن موسى بن عبيدة ولا أعرف هذا الحديث موسى؟، وليس في هذا حديث صحيح وإنما إجماع الناس على أنه لا يجوز دين بدين\" (^٣). ومن أجل هذا التفرد وعدم الاعتماد عليه كان الإمام أحمد يرى أن عبد الله بن دينار الذي روى عنه موسى بن عبيدة كأنه ليس عبد الله بن دينار ذلك المعروف كما سلف فيما رواه عباس الدوري عنه. ونقل ابن حجر عن الخلال في العلل أن أحمد سئل عن عبد الله بن دينار الذي روى عنه موسى بن عبيدة النهي عن بيع الكالئ بالكالئ فقال: ما هو الذي روى عنه الثوري، قيل فمن هو؟ قال: لا أدري. ا. هـ (^٤). وهذا محمول على مثل ما ذكره عباس عن أحمد، وإلا فقد جزم العقيلي بأنه هو عبد الله بن دينار المعروف، وقال: روى عنه موسى بن عبيدة ونظراؤه أحاديث مناكير الحمل فيها عليهم (^٥).\nما حسنه من أحاديث هذا الصنف من الرواة:\nقد جاء عن الإمام أحمد إطلاق الحسن على بعض أحاديث هذا الصنف\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٣١٤.\n(^٢) السنن الكبرى ٥/ ٢٩٠.\n(^٣) العلل المتناهية ٢/ ٦٠١.\n(^٤) تهذيب التهذيب ٥/ ٢٠٢.\n(^٥) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٤٤.","vol":"1","page":292},{"text":"من الرواة، وذلك أن هؤلاء الرواة قد يتردد الناقد في حديثهم أحيانًا، هل هو محفوظ أو غير محفوظ، وذلك لأن الراوي الموصوف بسوء الحفظ قد يضبط ما يرويه أحيانًا، فإذا جاءت ملامح ضبطه لما يرويه فقد يطلق الناقد ما يدل على قبوله لحديثه مع لين ما، وهو الذي يدل عليه مصطلح الحسن.\nومصطلح الحسن مأثور عن الإمام أحمد، وإن كان هو كغيره من الأئمة المتقدمين أكثر ما كانوا يقولون في الحديث أنه صحيح، أو ضعيف، ويقولون: منكر، موضوع، وباطل (^١)، وإطلاقهم الحسن على الأحاديث قليل نسبيًا. وإطلاق الإمام أحمد الحسن في الأحاديث يدل على أن الحديث الحسن حديث مقبول محتج به عنده، لكن مع لينٍ ما فيه في الغالب. فقد سبق أنه قال في حديث وابصة بن معبد في الذي صلى خلف الصف وحده: إنه حسن، وقد احتج به، وإنما قال فيه: حسن لما فيه من رواية عمرو بن راشد الذي لم يشتهر بكثرة الحديث وبالثقة (^٢).\nوكذلك قال في حديث علي بن شيبان مرفوعًا: \"لا صلاة لفرد خلف الصف\" (^٣) إنه حسن (^٤)، وهو من حديث ملازم بن عمرو، ومع توثيق الإمام أحمد له فقد قال فيه الإمام أحمد: حاله مقارب (^٥)، وقدم عليه عكرمة بن عمّار العجلي (^٦)،\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٧٥.\n(^٢) انظر: ص ١٠٦.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه ح ٨٧١، وأحمد المسند ٢٦/ ٢٢٤ ح ١٦٢٩٧، وابن خزيمة ح ٥٩٣، ١٥٦٩، وابن حبان الإحسان ح ١٨٩١، والبيهقي السنن الكبرى ٣/ ١٠٥.\n(^٤) تنقيح التحقيق ٢/ ٣٤، فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢٥.\n(^٥) قال فيه رواية أبي طالب: هو من الثقات. وقال في رواية صالح: حاله مقارب الجرح والتعديل ٨/ ٤٣٦.\n(^٦) قدمه عليه في رواية الفضل بن زِياد تاريخ بغداد ١٢/ ٢٥٩.","vol":"1","page":293},{"text":"وخالف شيخه القطان في تقديمه ملازمًا عليه. وعكرمة عند الإمام أحمد مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة (^١).\nوسئل الإمام أحمد في الرجل يأتي امرأته وهي حائض فقال: \"ما أحسن حديث عبد الحميد فيه! قال له أبو داود: تذهب إليه؟ قال: نعم، إنما هو كفارة\" (^٢). وحديث عبد الحميد بن عبد الرحمن، رواه شعبة عن الحكم، عنه، عن مِقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: \"يتصدق بدينار أو بنصف دينار\" (^٣)، وهو حديث اختلف في رفعه ووقفه. ورواه أحمد عن يحيى القطان، وعن غندر كلاهما عن شعبة مرفوعًا ثم قال: ولم يرفعه عبد الرحمن، ولا بهز (^٤). فذهب الإمام أحمد إلى القول به لأنه في الكفارة، وليس فيه تحليل ولا تحريم. ومع ذلك في قبوله للحديث بعض اللين للعلة التي أشار إليها، فلذلك حسنه ولم يصححه.\nومن إطلاق الحسن على ما هو صحيح ثابت قوله في حديث حنظلة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"إذا استأذنت نساؤكم بالليل إلى المسجد فأدنوا لهن\"، وهو حديث متفق عليه (^٥)، رجاله كلهم ثقات عند الإمام أحمد، وقال الإمام أحمد في الحديث: إسناده حسن (^٦).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٨٠ رقم ٧٣٣.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩ رقم ١٧٧.\n(^٣) أخرجه أبو داود ح ٢٦٤، والنسائي السنن ١/ ١٥٣، وابن ماجه السنن ح ٦٤٠، وأحمد المسند ٣/ ٤٧٤ ح ٢٠٣٢.\n(^٤) المسند ٣/ ٤٧٦. وانظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ٥٠ - ٥١.\n(^٥) أخرجه البخاري صحيح البخاري ٢/ ٣٤٧ ح ٨٦٥ - مع فتح الباري، ومسلم صحيح مسلم ١/ ٣٢٧ ح ٤٤٢.\n(^٦) فتح الباري لابن رجب ٥/ ٣٠٦.","vol":"1","page":294},{"text":"وقال في حديث أم حبيبة في مس الذكر (^١) هو حسن الإسناد، وذلك في رواية أبي زرعة الدمشقي (^٢)، وذكر ابن عبد الهادي أن الإمام أحمد قال: حديث أم حبيبة حديث صحيح (^٣). وذكر ابن حجر عن الخلال أنه قال: صحح أحمد حديث أم حبيبة (^٤). فأطلق الحسن والصحة على الحديث، مما يدل على أنه قد يطلق الحسن بمعنى الصحة، والله أعلم.\nومما حسنه من أحاديث هذا الصنف من الرواة غير من تقدم:\nحديث عبد الله بن محمد بن عقيل الهاشمي:\nقال الإمام أحمد في رواية حنبل بن إسحاق: ابن عقيل منكر الحديث (^٥).\nوقال أبو داود: قال أحمد: علي بن زيد، وجعفر بن محمد، وعاصم بن عبيد الله، وعبد الله بن محمد بن عقيل ما أقربهم من السواء (^٦).\nوقال أبو داود أيضًا: سمعت أحمد وقيل له: حسين بن عبيد الله صاحب عكرمة، منكر الحديث؟ فقال برأسه أي نعم، فقيل له: هو أحب إليك أو عاصم ابن عبيد الله قال: ما أقربتهما وعبد الله بن محمد بن عقيل (^٧).\nوقال يعقوب بن شيبة: سمعت أحمد بن حنبل وذكر عاصمًا - يعني ابن عبيد الله - فقال: حديثه وحديث ابن عقيل إلى الضعف ما هو (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه السنن ح ٤٨١، وابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٥٠ ح ١٧٢٤، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٧٥، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ١٣٠.\n(^٢) ذكرها ابن عبد البر التمهيد ١٧/ ١٩٢.\n(^٣) تنقيح التحقيق ١/ ١٥٥.\n(^٤) تلخيص الحبير ١/ ١٢٤.\n(^٥) تهذيب الكمال ١٦/ ٨٢.\n(^٦) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ٢٠٦/ ١٥٢.\n(^٧) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ٣٦١/ ٥٦٦.\n(^٨) تهذيب الكمال ١٣/ ٥٠٣.","vol":"1","page":295},{"text":"وقال أحمد في عاصم أيضًا: ليس بذاك (^١).\nفقد دلت هذه الروايات عن الإمام أحمد على ضعف ابن عقيل وأنه منكر الحديث، وأن حديثه قريب إلى الضعف، وقد قرنه بعدد من الرواة كلهم ممن تكلم فيهم من قبل حفظهم - وهم علي بن زيد، وجعفر بن محمد، وعاصم بن عبيد الله، فعلي بن زيد هو ابن جدعان، ضعيف الحديث عند الإمام أحمد، وقد سئل الإمام أحمد: هل سمع الحسن من سراقة؟ قال: لا، هذا علي بن زيد، يعني يرويه، كأنه لم يقنع به (^٢). وكذلك جعفر بن محمد ضعفه بأنه مضطرب الحديث (^٣)، وقد تقدم قوله في عاصم.\nلكن روى الترمذي عن البخاري أنه قال: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل (^٤).\nفمن ثم اختلف قول الإمام أحمد في الاحتجاج بحديثه، وهو الحديث الذي رواه ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جَحْش قالت: كنت أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره - فذكرت الحديث إلى أن قالت: قال النبي ﷺ: \"إنما ذلك من الشيطان، فتَحَيَّضي ستةَ أيامٍ أو سبعة أيامٍ في علم الله ﷿ ثم اغتسلي\" - وذكر الحديث (^٥).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٦/ ٣٤٧ من طريق عبد الله بن الإمام أحمد.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٨/١٥١١. وانظر تضعيفه عن أحمد في تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٣٧.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٠١ رقم ٣٦٠.\n(^٤) الجامع ١/ ٩.\n(^٥) جاء هذا الحديث من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، منها: =","vol":"1","page":296},{"text":"فذكر أبو داود أنه سمع أحمد ﵀ يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء (^١). وعنه أيضًا: سمعت أحمد قال: يروى في الحيض حديث ثالث، حديث عبد الله ابن محمد بن عقيل، في نفسي منه شيء (^٢).\nوقال ابن هانئ: قيل لأحمد: حديث حمنة عندك قوي؟ قال: ليس هو عندي بذلك، حديث فاطمة أقوى عندي وأصح إسنادًا منه (^٣). يشير إلى حديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي رواه الشيخان وغيرهما (^٤).\n_________\n= ١. من طريق زهير بن محمد الخراساني: أخرجه أبو داود السنن ١/ ١٩٩ - ٢٠٢ ح ٢٨٧، والترمذي الجامع ١/ ٢٢١ ح ١٢٨. وزهير بن محمد ثقة إلا في رواية أهل الشام عنه، فهي غير مستقيمة. والراوي عنه عند أبي داود والترمذي هو أبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، وهو بصري انظر: تقريب التهذيب ٢٠٥٩.\n٢. من طريك شريك بن عبد الله النخعي القاضي: أخرجه وأحمد المسند ٤٥/ ١٢١ ح ٢٧١٤٤، وابن أبي شيبة ١/ ١٢٨، وابن ماجه السنن ١/ ٢٠٥ ح ٦٢٧. وشريك ابن عبد الله القاضي صدوق يخطئ كثيرًا تقريب التهذيب ٢٨٠٢.\n٣. من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي: أخرجه الدارقطني السنن ١/ ٢١٤، والحاكم المستدرك ١/ ١٧٢ - ١٧٣، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩. وعبيد الله وثقه ابن معين، والنسائي، وأبو حاتم وقال: لا أعرف له حديثًا منكرًا تهذيب الكمال ١٩/ ١٣٨.\n٤. من طريق عبد الملك بن جريج: أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٠٦ ح ١١٧٤، وابن ماجه السنن ١/ ٢٠٣ ح ٦٢٢. وابن جريج إمام ثقة فاضل مشهور.\n٥. من طريق عمرو بن ثابت: أخرجه الدارقطني السنن ١/ ٢١٥. ضعيف رمي بالرفض تقريب التهذيب ٤٩٩٥. وقال أبو داود: رجل سوء ولكنه كان صدوقًا السنن ١/ ٢٠٢. وفي روايته جعل قوله في آخر الحديث: \"هذا أعجب الأمرين إليّ\" من كلام حمنة ولم يجعله من قول النبي ﷺ ذكره أبو داود تعليقًا ١/ ٢٠٢.\n(^١) السنن ١/ ٢٠٢.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود السجستاني ص ٣٥ رقم ١٦٠.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ٣٣ رقم ١٦٤.\n(^٤) البخاري ح ٣٠٦، ومسلم ٣٣٣ من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"1","page":297},{"text":"وقال ابن رجب: المعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه ولم يأخذ به (^١)، وقال أيضًا: نقل عنه أكثر أصحابه أنه ضعفه (^٢).\nوذكر الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: هو حديث حسن صحيح (^٣).\nوذكر ابن رجب أن حرب بن إسماعيل الكرماني نقل عن الإمام أحمد أنه قال: نذهب إليه، ما أحسنه من حديث (^٤).\nواحتج بالحديث كما في مسائله برواية ابنه عبد الله (^٥). وقال في رواية ابن هانئ: \"الحيض عندنا على ثلاثة أحاديث: حديث حمنة قالت: إني أثجّ ثجاًّ، وأنها استُحِيضتْ حيضةً منكرة قال: \"تحيّضي في علم الله ﷿ ستًا أو سبعًا\" (^٦).\nوقال ابن رجب: ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة وتقويته والأخذ به، والله أعلم (^٧).\nفهذه الرواية إن ثبتت فإنها تدل على القول الفصل عن الإمام أحمد وتقضي على الاختلاف الوارد عنه.\nوالذي يظهر أن احتجاج الإمام أحمد بهذا الحديث عن ابن عقيل لا يدل على إطلاق الاحتجاج بحديثه عمومًا، وذلك لأنه قد يكون هذا الحديث\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ١/ ٤٤٣.\n(^٢) المصدر السابق ١/ ٥٢٦.\n(^٣) الجامع ١/ ٢٢٦.\n(^٤) المصدر السابق ١/ ٤٤٣.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ١/ ١٥٤.\n(^٦) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ٣٥/١٦٩، كذا جاءت الرواية بدون ذكر الحديثين الآخرين. وذكرهما ابن قدامة في المغني فقال: قال أحمد - ﵀ -: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة. وفي رواية أم سلمة المغني ١/ ٣٨٨.\n(^٧) فتح الباري لابن رجب ١/ ٤٤٤، ٥٢٦.","vol":"1","page":298},{"text":"احتف بقرائن ترجح لدى الإمام أحمد جانب القبول فيه وإن لم يفصح هو عن تلك القرائن، ومما يلوح للناظر في أسانيد الحديث من القرائن التي قد تدل على ترجيح جانب القبول على جانب الرد أن الرواة عن ابن عقيل - وأغلبهم ثقات كما تقدم - لم يختلفوا في الحديث، وهذا يدل على ضبط ابن عقيل للحديث، وما نقم عليه من سوء الحفظ كان يرجع إلى أن الرواة كانوا يختلفون عليه في الأسانيد (^١)، اللهم إلا ما كان من ابن جريج - أحد الرواة عنه - حيث خالف بقية الرواة في اسم ابن عقيل واسم راوية الحديث. فروى عبد الله قال: \"قال أبي في حديث حبيبة بنت جحش، قال: ابن جريج حدّث عن ابن عقيل محمد ابن عبد الله بن عقيل، وهو خطأ، وقال: إنما هو عبد الله بن محمد بن عقيل، وقال عن حبيبة بنت جحش، خالف الناس\" (^٢). قال ابن رجب: يشير إلى أنها حمنة ليست حبيبة (^٣).\nوالشاهد من هذا أن الإمام أحمد حمّل ابن جريج الخطأ في هذا الحديث، ولو لم تكن عنده قرائن تدل على ضبط ابن عقيل لروايته لكان أولى الناس بأن يحمّل الخطأ هو ابن عقيل لسوء حفظه الذي يجعله يضطرب في الرواية، لكن لما رواه عنه عدد من الثقات على نسق واحد ولم يخالف إلا ابن جريج حمله الخطأ وقوي عنده ضبط ابن عقيل للحديث فاحتج به، والله أعلم.\nوقد يقال إن الإمام أحمد يرى الاحتجاج بالحديث الضعيف إذا لم يكن في\n_________\n(^١) قال أبو زرعة: قال لي ابن نمير: عاصم بن عبيد الله أحب إليك أم ابن عقيل؟ فقلت: ابن عقيل يختلف عنه في الأسانيد، وعاصم منكر الحديث في الأصل الجرح والتعديل ٥/ ١٥٤.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٥١/٤١٢٠.\n(^٣) فتح الباري له ١/ ٥٢٦.","vol":"1","page":299},{"text":"الباب غيره كما هو معروف من منهجه (^١)، فقد يكون هذا من هذا النوع فلا يلزم منه أنه حسّن الحديث ولا احتج بعبد الله بن محمد بن عقيل، والجواب أن الرواية التي ذكرت الاحتجاج صريحة في أنه حسّن الحديث مثل رواية الترمذي وكذلك رواية حرب الكرماني، فلا يصح الاعتراض.\n_________\n(^١) قال في رواية أبي طالب: وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخدنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه المسودة ص ٢٤٩.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>المطلب الثاني: الحالات التي لا يُعلّ فيها حديث الراوي المتصف بسوء الحفظ</span>.\nسبق أن الأصل عند الإمام أحمد عدم الاحتجاج بحديث الراوي المتصف بسوء الحفظ إذا انفرد به، وهناك حالات لا يعلّ فيها حديثه بل يقبل ولا يردّ، وقد جاء عن الإمام أحمد إشارة إلى بعض تلك الحالات، وهي كالتالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-130>الحالة الأولى: أن يكون الراوي السيء الحفظ له كتاب صحيح</span>.\nوذلك أن الضبط عند المحدثين ضبطان: ضبط صدر، وضبط كتاب (^١)، فمن اختل ضبط صدره لسوء حفظ فيه، لكن كان له كتاب صحيح، لم يزل موصوفًا بمطلق الضبط، فيصحح له حديثه، ولا يعلّ إذا كان تحديثه به من كتابه، فلم يؤثر سوء حفظه إلا في ضبط صدره فقط.\nوقد اعتبر الإمام أحمد هذه الحالة من الحالات التي لا تعل معها حديث الراوي الموصوف بسوء الحفظ، فقد قال أحمد في رواية الأثرم في حاتم بن إسماعيل المدني: \"حاتم بن إسماعيل أحب إلي من الدراوردي، زعموا أنه كان فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح\" (^٢). فحسن حاله لأن له كتاب صالح، حتى إنه قدمه على الدراوردي مع أنه وصفه بغفلة في نفسه، وهي تدل على خفة الضبط. ولعل من أجل هذا كان العمل عند بعض الأئمة على توثيق حاتم بن إسماعيل.\nفقال يحيى بن معين في رواية إسحاق بن منصور: ثقة (^٣).\nوقال في رواية عباس الدوري: ثقة يحدث بالمناكير (^٤).\n_________\n(^١) نزهة النظر ص ٢٩.\n(^٢) الجرح والتعديل ٣/ ٢٥٨.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ١٧٤ رقم ٧٧٧.","vol":"1","page":301},{"text":"وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث (^١).\nويحمل كلام من تكلم فيه على ما حدث به من حفظه. فتقدم أن ابن معين قال: يحدث بالمناكير. وكذلك قال ابن المديني: روى عن جعفر، عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها (^٢).\nوقال الإمام أحمد في الدراوردي، وقد كان ممن يحدث من حفظه فيقع في أوهام لأن في حفظه شيئًا، فقال فيه: \"إذا حدث من كتابه فهو صحيح\" (^٣). وقال في رواية الفضل بن زياد: \"كان الدراوردي كتابه أصح من حفظه\" (^٤).\nوقال الإمام أحمد في أبي عبيدة عبد الواحد بن واصل الحداد: \"لم يكن صاحب حفظ، إلا أن أبا عبيدة كان كتابه صحيحًا\" (^٥).\nوقد عبّر الإمام الشافعي عن هذا الأصل حيث قال: \"ومن كثُر غلطُه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم تقبل شهادته\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-131>الحالة الثانية: أن تأتي الرواية عن طريق من عُرف بصحة روايته عنه</span>.\nإذا كان الراوي موصوفًا بسوء الحفظ، فليس معنى ذلك أنه لا يصيب أبدًا في الرواية، فقد يصيب ويخطئ، وإن كان الخطأ منه كثيرًا فقد تكون له ولا بد حالات يصيب الوجه الصحيح في روايته، فمن سمع منه في تلك الحالة يكون\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى ٥/ ٤٢٥.\n(^٢) تهذيب التهذيب ٢/ ١٢٩.\n(^٣) المصدر نفسه ٥/ ٣٩٥.\n(^٤) المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٨.\n(^٥) تاريخ بغداد ١١/ ٥.\n(^٦) الكفاية في علم الرواية ص ٢٢٨.","vol":"1","page":302},{"text":"عنده شيء من صحيح حديثه، وقد استطاع الأئمة أن يتعرفوا على بعض التلاميذ عن شيوخ ضعفاء حديثهم عنهم صحيح، فإذا جاء الحديث من رواية أمثالهم قُبل ولم يعلّ بسوء حفظ الشيخ.\nفمن ذلك: موسى بن عُبيدة الرَّبذي ورواية شعبة عنه.\nقد تقدم كلام الإمام أحمد في موسى بن عُبيدة، وأنه ضعفه بكثرة المناكير التي يرويها عن شيوخه، لكن روى الفضل بن زِياد أنه قيل للإمام أحمد: إن شعبة روى عن موسى بن عبيدة الربذي فيقول عن أبي عبد العزيز الربذي فقال: \"نعم، لم يرو عنه شعبة حديثًا منكرًا\" (^١). فهذا يفيد أن حديث شعبة عن موسى بن عبيدة ليس فيه منكر، فهو من صحيح حديثه.\nومن ذلك أيضًا: شهر بن حوشب ورواية عبد الحميد بن بهرام عنه\nوشهر بن حوشب ممن تُكلّم فيه، وإن كان كثير من الأئمة قد وثقوه (^٢). فقال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: \"عبد الحميد بن بَهرام حديثه عن شهر مقارِب، كان يحفظها كأنه سورة من القرآن، وهى سبعون حديثًا طوال\" (^٣).\nوشاهد ذلك أن الإمام أحمد، والطبراني رويا من حديث قتادة، عن شهر ابن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري أنه صلى بهم صلاة رسول الله ﷺ، فصلى الظهر فقرأ بفاتحة الكتاب يُسمع من يليه - وذكر الحديث (^٤).\nورواه عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب وذكر في حديثه: فقرأ\n_________\n(^١) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٩.\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال ٥٨٤ - ٥٨٥.\n(^٣) الجرح والتعديل ٦/ ٨.\n(^٤) مسند الإمام أحمد ٣٧/ ٥٣٢ ح ٢٢٨٩٨، ح ٢٢٩٠١، والمعجم الكبير ٣/ ٢٨١ ح ٣٤١٤، وهذا اللفظ له. وأخرجه أيضًا ب رقم ٣٤١١، ٣٤١٢، ٣٤١٣.","vol":"1","page":303},{"text":"بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، وذكر حديثًا طويلًا. أخرجه الإمام أحمد من طريقه (^١).\nقال ابن رجب: وهو أصح، وعبد الحميد أحفظ لحديث شهر بن حوشب بخصوصه من غيره. ا. هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>الحالة الثالثة: أن يروي الراوي السيء الحفظ عن شيخ عُرف بضبطه لحديثه</span>.\nوهذه الحالة الثالثة التي لا يعلّ فيها رواية الراوي الموصوف بسوء الحفظ، وذلك إذا روى عن شيخ عُرف بأنه ضابط لحديثه، فلا يؤثر حينئذ سوء حفظه في عدم صحة حديثه عن ذلك الشيخ.\nفمن ذلك: سلمة بن صالح الأحمر في حديثه عن أبي إسحاق السبيعي\nوسلمة بن الأحمر ممن أطلقوا الضعف عليه. قال الإمام أحمد في رواية عبد الله: ليس بشيء (^٣). وكذلك قال فيه يحيى بن معين (^٤). وقال في رواية أخرى: ليس بثقة (^٥). وقال النسائي: متروك الحديث (^٦). وقال ابن عدي: هو حسن الحديث، لم أر له متنًا منكرًا، إنما أرى ربما يهم في بعض الأسانيد (^٧).\nوقال حنبل بن إسحاق: \"سمعت أبا عبد الله يقول: سلمة الأحمر يحدث عن أبي إسحاق أحاديث صحاح، إلا أنه عن حماد مختلط الحديث\" (^٨).\n_________\n(^١) المسند ٣٧/ ٥٤٠ ح ٢٢٩٠٦.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٤٨٠ - ٤٨١.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٣ رقم ١٥٣٢.\n(^٤) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ٤٠١ رقم ١٩٥٣.\n(^٥) المصدر نفسه ٤/ ٣٨٢ رقم ٤٨٩٤.\n(^٦) كتاب الضعفاء والمتروكين رقم ٢٤٣.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٧٨.\n(^٨) تاريخ بغداد ٩/ ١٣١ - ١٣٢.","vol":"1","page":304},{"text":"فذكر أن أحاديثه عن أبي إسحاق صحاح، وهذا مع ضعفه البين، وما ذلك إلا لأنه ضبط حديث أبي إسحاق، فضعفه لم يؤثر في روايته عنه، والله أعلم.\nومن أمثلة ذلك أيضًا: يحيى بن سُليم الطائفي في روايته عن عبد الله بن عثمان بن خثيم.\nقال الإمام أحمد في يحيى بن سُليم: \"كذا وكذا، والله إن حديثه يعني فيه شيء وكأنه لم يحمده\" (^١). وقوله في الراوي: كذا وكذا عبارة تليين (^٢).\nوقال في رواية أبي داود: \"يحيى بن سُليم مضطرب الحديث\" (^٣).\nوقال في رواية المرُّوذي: \"كان يُكثر الخطأ\" (^٤).\nومع ذلك فقد روى عبد الله عنه أنه قال: \"كان قد أتقن حديث ابن خُثيم، كانت عنده في كتاب، فقلنا له أعطِنا كتابك، فقال: أعطوني مصحفًا رهنًا. قلنا: مِن أَين لنا مصحفٌ ونحن غُرباء\" (^٥).\nفهذا يفيد أنه في حالة رواية يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم يخرج عن الأصل الذي هو إعلال ما تفرد به من حديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>الحالة الرابعة: أن يكون في الحديث قصة ويذكرها الراوي في سياقه لروايته</span>.\nذكر هذا الضابط الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه قال: \"إذا كان في\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٨٠ رقم ٣١٥٠.\n(^٢) انظر: تعليق د. وصي الله عباس على العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٦١.\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣٦.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٤٢ رقم ٢٥٢.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٨٠ رقم ٣١٥٠.","vol":"1","page":305},{"text":"الحديث قصة دل على أن راويه حفظه\" (^١). والظاهر أنه لم يفصل بين أن يكون الراوي من الحفاظ أو لا، فتعمم الحالة حتى في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ، ويدل على صحة هذا الضابط أن تذكُّر الراوي للقصة وسبب ورود الحديث يدل على ضبطه له، والله أعلم.\n_________\n(^١) هدي الساري ص ٣٦٣.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>المطلب الثالث: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن بعض شيوخه والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\nهناك صنف من الرواة هم في أنفسهم ثقات إلا أن أحاديثهم عن بعض شيوخهم ضُعِّفت لكونهم لم يضبطوها كما ضبطوا غيرها، وأخطؤوا فيها أخطاء بينة، فوصفوا بسوء الحفظ أو الضعف أو الاضطراب في أولئك الشيوخ، فإذا روى واحد من هؤلاء الرواة الثقات الموصوفين بهذا الوصف حديثًا فلا يحكم عليه بالصحة والاستقامة إلا بعد النظر في شيخه في الإسناد، فإن كان ممن ضعِّف فيه أو وصف بالاضطراب أو سوء الحفظ لحديثه فلا يصحح له، ومعرفة هذا من دقائق علم العلل الذي اختص به الأئمة النقاد، ولأهميته أشاد الإمام مسلم بدور أئمة الحديث (^١)، حيث أدركوا هذا النوع من العلل الخفية، وأثبت أن كل من نابذهم وخالفهم في المذهب فلا سبيل له إلى معرفة الحديث ورجاله.\nومما يدل على أهمية هذا النوع من العلل أن الجهل به أو الغفلة عنه أوقع كثيرًا من الناس في الغلط حيث حكموا على أحاديث بعض الرواة بأنها على شرط الشيخين لمجرد كون الشيخين قد احتجا بكل واحد من رجال الإسناد، وفات إدراكهم أنه لا يستقيم الحكم على الإسناد بأنه على شرطهما إلا إذا احتجا بكل واحد من رجال الإسناد على صورة الاجتماع، بخلاف ما لو كان احتجاجهما بهم على صورة الانفراد كسفيان بن حسين، عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما على الانفراد، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري لضعف سماعه من الزهري دون بقية مشايخه (^٢).\n_________\n(^١) كتاب التمييز ص ٢١٨.\n(^٢) انظر تحرير الحافظ ابن حجر لهذه المسئلة في: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٣١٤.","vol":"1","page":307},{"text":"وقد تكلم الإمام أحمد في أحاديث بعض الرواة الثقات عن بعض شيوخهم، وفيما يلي نماذج من ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-135>إسحاق بن يوسف الأزرق \"ت (١٩٥) هـ</span>\":\nقال أبو داود: قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ قال: إي والله، ثقة (^١).\nوكان إسحاق الأزرق من شيوخ الإما م أحمد.\nوتكلم في روايته عن سفيان الثوري.\nقال عبد الله: سمعت أبي يقول: ما كان بمحمد بن يزيد الواسطي بأس، كتبه صحاح، وأصله شامي، روى عن النعمان بن المنذر، وداود بن عمرو. ومحمد بن يزيد (^٢) أثبت من إسحاق الأزرق، الأزرق كثير الخطأ عن سفيان، وكان الأزرق حافظًا، إلا أنه كان يخطئ (^٣).\nولم يرد عنه ما يوضح نسبة هذه الكثرة، وهل ألحقته بالضعفاء عن الثوري مثل أبي حذيفة أم لا؟\nوقد روى الشيخان لإسحاق الأزرق حديثه عن الثوري (^٤)، مما يدل على أنهما انتقيا حديثه وتجنبا أخطاءه. ولذلك لما أخرج البخاري حديثه عن الثوري، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أنس أنه سأله: أخبرني بشيء علِقتَه عن النبي ﷺ، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى … الحديث (^٥)، وهو حديث فرد تفرد\n_________\n(^١) سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ٣٢٢/ ٤٣٩.\n(^٢) قال عنه أحمد: كان ثبتًا في الحديث، وكان يزيد بن هارون إذا قيل له في الحديث هو في كتاب محمد بن يزيد كذا، فإنه يخاف ويتوقاه. ا. هـ تاريخ بغداد ٣/ ٣٧٢. وليس له رواية عن الثوري فيما ذكره المزي تهذيب الكمال ٢٧/ ٣١.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٤/١٤٦٨.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢/ ٣٩٥.\n(^٥) صحيح البخاري ٣/ ٥٠٧، ٥٩٠ - مع فتح الباري.","vol":"1","page":308},{"text":"به إسحاق عن الثوري كما قال الترمذي (^١)، فأردفه بطريق أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز، وهي متابعة قوية لطريق إسحاق كما قال الحافظ ابن حجر (^٢).\nما ذكره الإمام أحمد مما أخطأ فيه الأزرق في حديثه عن الثوري:\n١. قال عبد الله: سألت أبي عن حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما رأيت أحدًا قط أشدَّ تعجيلًا لصلاة الظهر من رسول الله ﷺ، فقال: الحديث حديث حكيم بن جبير، ليس هذا من حديث منصور، وحدثناه الأزرق عن سفيان، عن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، أخطأ لنا فيه، وقال مرة: الأزرق، عن سفيان عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وأنكر أبي أن يكون هذا من حديث منصور (^٣).\nهذا الحديث رواه أصحاب الثوري، عنه عن حكيم بن جُبير، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. هكذا رواه وكيع (^٤)، وعبد الرزاق (^٥)، والحسين بن حفص (^٦)، ويحيى القطان (^٧)، وأبو حذيفة، ومؤمل بن إسماعيل (^٨).\n_________\n(^١) الجامع ٣/ ٢٩٦.\n(^٢) فتح الباري ٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٠٣/٥٣٤٩.\n(^٤) روايته عند الترمذي الجامع ١/ ٢٩٢ ح ١٥٥٥، وأحمد المسند ٤١/ ٤٨٧ ح ٢٥٠٣٨، وابن أبي شيبة المصنف ١/ ٢٨٥ ح ٣٢٦٤.\n(^٥) وهو في مصنفه ١/ ٥٤٣ ح ٢٠٥٤.\n(^٦) قال أبو حاتم: صالح محله الصدق، وأخرج له مسلم عن الثوري الجرح والتعديل ٣/ ٥٠، تهذيب الكمال ٦/ ٣٧٠.\nوروايته عند البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٣٦.\n(^٧) وروايته عند ابن عدي في الكامل ٢/ ٦٣٥.\n(^٨) روايتهما عند الطحاوي في شرح معاني الآثار مقرونين ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":309},{"text":"فخالفهم إسحاق الأزرق فرواه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم به كما ذكره عبد الله في هذا السؤال، ورواه البيهقي من هذا الطريق (^١)، فوهم فيه ومن أجل ذلك أنكره الإمام أحمد، وأيضًا نفى أن يكون من حديث منصور، بمعنى أنه لم يرد من وجه معتبر عن منصور. وذكر أيضًا أن الأزرق اضطرب في رواية هذا الحديث، فمرة رواه مثل رواية الجماعة (^٢)، ومرة رواه من حديث منصور كما تقدم، ومرة رواه عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، وتابعه الفريابي على هذا الوجه الأخير، وهو مما أخطأ فيه الفريابي عن الثوري (^٣). فهذا المثال يوضح ما ذكره الإمام أحمد من خطأ الأزرق عن الثوري.\nوقد ذكر البخاري أن الحديث فيه اضطراب (^٤)، والظاهر أن الاضطراب منفي عن هذا الحديث، لأن الوجوه الأخرى التي رويت منها الحديث تبين خطؤها فانتفت علة الاضطراب، ولذلك لم يعلّه الإمام أحمد بهذه العلة.\nوالحديث في سنده حكيم بن جبير، وقد قال فيه الإمام أحمد: ضعيف الحديث مضطرب (^٥).\n٢. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن منصور، عن هلال، عن وهب بن الأجدع، عن علي، عن النبي ﷺ: \"لا تُصلُّوا بعد العصر إلا أن تصلُّوا والشمس مرتفعة\" (^٦)، ثم قال:\n_________\n(^١) السنن الكبرى ١/ ٤٣٦.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤٣/ ١٢ ح ٢٥٨٠٩.\n(^٣) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٥٨/٤١٥٩، حيث ذكر الحديث في سلسلة ما أخطأ فيها الفريابي من الأحاديث.\n(^٤) علل الترمذي الكبير ١/ ٢٠٤.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٧٩٨.\n(^٦) المسند ٢/ ٣٢٢ ح ١٠٧٣.","vol":"1","page":310},{"text":"وحدثناه إسحاق بن يوسف، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة\" قال سفيان: فما أدري بمكة يعني أو بغيرها؟ (^١).\nوالظاهر من هذا التصرف من الإمام أحمد الإشارة إلى خطأ الأزرق - وإن لم يصرح بذلك - حيث خالف عبد الرحمن بن مهدي، وخالف رواية شعبة فجعل الحديث من رواية أبي إسحاق. ولذلك قال الدارقطني لما ذكر الحديث في كتابه العلل (^٢): \"حدث بهذا الحديث إسحاق الأزرق، عن الثوري بإسناد آخر: عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ولم يتابع عليه، والصحيح حديث منصور عن هلال بن يساف\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>جرير بن حازم:</span>\nعن قتادة:\nقال الفسوي: حدثني الفضل، سئل - يعني أبا عبد الله - عن جرير بن حازم وأبي هلال … قال: إن جرير وهم في أحاديث عن قتادة (^٤).\nوقال أحمد أيضًا: جرير كان يحدثهم بالتوهم أشياء عن قتادة يسندها بواطيل (^٥).\nوقال أيضًا: كأن حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يسند أشياء ويوقف الناس (^٦).\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٢/ ٣٢٤ ح ١٠٧٦.\n(^٢) علل الدارقطني ٤/ ١٤٧.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٧.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٨٤.\n(^٦) الموضع نفسه.","vol":"1","page":311},{"text":"وقال المروذي: سألته عن جرير بن حازم فقال: في بعض حديثه شيء وليس به بأس (^١).\nوقال أيضًا: وذكر جرير بن حازم فقال: كان حافظًا، وقال مرة: في حديثه شيء (^٢).\nوقال ابن رجب: روايات جرير عن قتادةَ خاصة فيها منكراتٌ كثيرة، لا يُتابع عليها، ذكر ذلك أئمة الحفاظ منهم أحمد، وابن معين وغيرهما (^٣).\nمثال لما أعله من حديث جرير عن قتادة:\nوقال عبد الله: سمعت أبي يقول قال عفان جاء أبو جُزيْ - واسمه نصر بن طريف - إلى جرير بن حازم يشفع لرجل يحدثه جرير، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة، قال: فقال أبو جُزي كذَب والله، ما حدثنا قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن، قال: أبي وهو قول أبي جُزي - يعني أصاب - وأخطأ جرير (^٤).\nهذا الحديث رواه أبو داود (^٥)، والترمذي (^٦)، والدارمي (^٧)، والبيهقي (^٨) كلهم من حديث جرير، عن قتادة، عن أنس. ورواه النسائي (^٩)، وابن سعد (^١٠)\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ٥٦/ ٧٥.\n(^٢) المصدر السابق ٧٢/ ١٣٦.\n(^٣) فتح الباري لابن رجب ٢/ ١٢٥.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢٣٩١/ ٣١٢، ١/ ٥٤٣/١٢٨٨.\n(^٥) السنن ٣/ ٣٠ ح ٢٥٨٣.\n(^٦) الجامع ٤/ ٢٠١ ح ١٦٩١.\n(^٧) السنن ٢/ ٢٢١.\n(^٨) السنن الكبرى ٤/ ١٤٣.\n(^٩) السنن ٨/ ٢١٩ ح ٥٢٧٤، وفي الكبرى ٥/ ٥٠٨ ح ٩٨١٣.\n(^١٠) الطبقات الكبرى ١/ ٤٨٧.","vol":"1","page":312},{"text":"من طريق عمرو بن عاصم، عن جرير وهمام، عن قتادة عن أنس به، فهذه متابعة لجرير من همام، لكن عمرو بن عاصم، وهو الكلابي، تكلم فيه من قبل حفظه (^١)، وقال النسائي: ما رواه عن همام غير عمرو بن عاصم (^٢). ا. هـ. فلا يحمل منه هذا التفرد عن همام.\nوقد خولف جرير في رواية هذا الحديث كما أشار الإمام أحمد، خالفه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، فرواه عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا. أخرجه أبو داود (^٣)، والنسائي (^٤)، وابن أبي شيبة (^٥)، والبيهقي (^٦). وذكر العقيلي أن شعبة رواه أيضًا هكذا مرسلًا عن سعيد (^٧). وكذلك أبو جزي - واسمه نصر بن طريف الباهلي (^٨) - كما في هذه الحكاية عن أحمد. وأبو جزي متكلم فيه، بل هو متهم بالوضع (^٩). لكن صوّبه الإمام أحمد وخطّأ جريرَ بن حازم، لأنه\n_________\n(^١) وثقه ابن سعد الطبقات الكبرى ٧/ ٣٠٥. وقال عنه ابن معين: صالح الجرح والتعديل ٦/ ٢٥٠، وقال النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال ٢٢/ ٨٩. وقال أبو داود: لا أنشط لحديثه الآجري ٢٣٥/ ٢٩٢. وقال أبو حاتم: لا يحتج بعمرو نقله الذهبي في الميزان ٥/ ٣٢٦. وقال ابن حجر: صدوق في حفظه شيء التقريب ٥٠٩٠.\n(^٢) تحفة الأشراف ١/ ٣٠١ نقلًا من السنن الكبرى، وليس هذا القول موجودًا في نسخة السنن الكبرى المطبوعة.\n(^٣) السنن ٣/ ٦٩ ح ٢٥٨٤.\n(^٤) السنن الكبرى ٥/ ٥٠٨ ح ٩٨١٤.\n(^٥) المصنف ٥/ ١٩٧ ح ٢٥١٨٠.\n(^٦) السنن الكبرى ٤/ ١٤٣.\n(^٧) الضعفاء للعقيلي ١/ ٢١٦، ولم أقف على حديث شعبة.\n(^٨) قاله أحمد كما في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٤٣/١٢٨٨، وكذلك الإمام مسلم الكنى والأسماء ١/ ١٨٩.\n(^٩) قال أحمد: لا يكتب حديثه. وقال يحيى بن معين - في رواية ابن أبي مريم: من المعروفين بالكذب وبوضع الحديث الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٣١. وقال البخاري: سكتوا عنه، ذاهب التاريخ الكبير ٨/ ١٠٥. وقال مسلم أيضًا ذاهب الحديث الكنى والأسماء، الموضع السابق.","vol":"1","page":313},{"text":"حفظ الوجه الصحيح في هذه الرواية عن قتادة، لأنه وافق هشامًا.\nوجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث:\nأعل الإمام أحمد رواية جرير المسندة وحكم للرواية المرسلة التي ذكرها أبو جزي، وهذا الحديث يمثل ما ذكره الإمام أحمد من أن جرير بن حازم يروي عن قتادة أشياء مسندة، ويخالفه الناس ويوقفونها. والذين خالفوا جريرًا في هذا الحديث هم: هشام الدستوائي، وشعبة، وأبو جزي، وهذا الأخير وإن كان ممن لا يكتب حديثه عند الإمام أحمد إلا أنه حفظ الوجه الصحيح، بدليل رواية هشام وشعبة، أما متابعة همام لجرير فلم يرد ما يدل على اعتداده بها، ولعل ذلك راجع إلى تفرد عمرو بن عاصم بها عن همام.\nوقد تابع جريرًا أيضًا أبو عوانة فرواه الطحاوي (^١) من طريق هلال بن يحيى الرأي، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس. وذكره أيضًا ابن حبان في ترجمة هلال في المجروحين (^٢)، وقال في هلال بن يحيى: كان يخطئ كثيرًا على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. ا. هـ. فالذي يخطئ كثيرًا على قلة روايته يكون متروكًا كما قال الذهبي (^٣)، فلا يعتد بهذه المتابعة.\nوقد وافق الإمام أحمد على إعلال حديث جرير هذا جمع من الحفاظ منهم: الدارمي، قال - بعد ذكر رواية جرير - هشام الدستوائي خالفه، فقال: قتادة عن سعيد بن أبي الحسن، عن النبي ﷺ، وزعم الناس أنه هو المحفوظ. ا. هـ (^٤). ووافقه النسائي أيضًا قال: هذا حديث منكر، والصواب\n_________\n(^١) شرح مشكل الآثار ح ١٣٩٨.\n(^٢) المجروحين ٣/ ٨٨.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٢٩.\n(^٤) سنن الدارمي ٢/ ٢٢١.","vol":"1","page":314},{"text":"قتادة عن سعيد ابن أبي الحسن. ا. هـ (^١). ووافقه أيضًا أبو داود، فقال - بعد أن ساق حديث جرير، ثم رواية سعيد بن أبي الحسن، ورواية أخرى عن أنس - قال: \"أقوى هذه الأحاديث حديث سعيد بن أبي الحسن، والباقية ضعاف\" (^٢).\nوقد أخرج الشيخان لجرير بن حازم عن قتادة، لكن قال الحافظ ابن حجر: ما أخرج له البخاري إلا أحاديث يسيرة توبع عليها (^٣).\n٢ - أيوب:\nقال ابن رجب: قال الأثرم: قال أحمد: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب (^٤).\nوهذا يفيد وجود ما يستنكر في حديثه عن أيوب. واعتمده الأثرم فأنكر حديثًا لجرير عن أيوب عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة. قال الأثرم: هذا حديث مرسل (^٥)، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جريرُ بن حازِم يروي عن أيوب عجائب. ا. هـ. ذكره ابن رجب عنه (^٦). وهذا الحديث الذي ذكره أخرجه البزار في مسنده (^٧).\n_________\n(^١) تحفة الأشراف ١/ ٣٠١، نقلًا من السنن الكبرى، وانظر: نصب الراية ٤/ ٢٣٢.\n(^٢) سنن أبي داود ٣/ ٦٩.\n(^٣) هدي الساري ص ٣٩٥.\nوقد أنكر أبو حاتم أحاديث لجرير عن قتادة، وهي في العلل لابن أبي حاتم ١/ ٢٧٠/٧٩٦، ١/ ٢٨٥/٨٤٨، ٢/ ٤٩/١٥٢٣، ٢/ ٣٩٣/٢٦٨٩، والأخير في البخاري. وذكر ابن رجب أن ابن عدي ذكر له أحاديث أخر عن قتادة، عن أنس، أنه لا يتابع عليها شرح علل الترمذي ٢/ ٧٨٦.\n(^٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٠٢، ٧٨٦.\n(^٥) يشير بذلك إلى عدم سماع أيوب من أنس بن مالك. قاله أحمد وأبو حاتم جامع التحصيل ص ١٤٨.\n(^٦) فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢١٠.\n(^٧) كشف الأستار ١/ ٢٧٤ ح ٥٦٦.","vol":"1","page":315},{"text":"ورواه ابن أبي شيبة (^١) عن يونس بن محمد، عن جرير، عن أيوب، عن أنس به، وليس فيه ذكر أبي بكر وعمر.\n\n<span data-type='title' id=toc-137>جعفر بن بُرقان ت (١٥٤) هـ:</span>\nومن هؤلاء الرواة جعفر بن بُرقان الكلابي أبو عبد الله الرَّقِّي.\nقال عبد الله: \"سألت أبي عن جعفر بن برقان، فقال: إذا حدّث عن غير الزهري فلا بأس، ثم قال: في حديثه عن الزهري يخطئ\" (^٢).\nوقال الميموني: \"قال أبو عبد الله: جعفر بن بُرقان ثقة ضابط لحديث ميمون، وحديث يزيد بن الأصمّ، وهو في حديث الزهري يضطرب ويختلف فيه\" (^٣).\nقال البرقاني: \"قلت لأبي الحسن الدارقطني وأبو الحسين بن المظفر حاضر: جعفر بن بُرقان؟ فقالا جميعًا: قال أحمد بن حنبل: يؤخذ من حديثه ما كان عن غير الزهري، فأما عنه فلا. قلت: لقد لقيه، فما بلاؤه؟ قال الدارقطني: ربما حدّث الثقة عن ابن بُرقان، عن الزهري، ويحدّث الآخر عن ابن بُرقان، عن رجل، عن الزهري، أو يقول: بلغني عن الزهري، فأما حديثه عن ميمون بن مهران، ويزيد بن الأصم فثابت صحيح\" (^٤).\nوقد ضعفه عن الزهري غير واحد من الحفاظ، منهم يحيى بن معين (^٥)، وابن نمير (^٦)، ومسلم (^٧)، والنسائي (^٨)،. . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٦٧ ح ٣٠٧٢.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٠٣ رقم ٤٣٩٥.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٠٠ رقم ٣٥٥.\n(^٤) سؤالات البرقاني للدارقطني ص ٢١ رقم ٨١، وانظر: تهذيب الكمال ٥/ ١٧.\n(^٥) التاريخ - برواية الدوري ٤/ ٤٤٦ رقم ٥٢٢٥، تهذيب الكمال ٥/ ١٤ - ١٥.\n(^٦) الجرح والتعديل ٢/ ٤٧٤.\n(^٧) التمييز ص ٢١٨.\n(^٨) السنن الكبرى ٢/ ٢٥١، عمل اليوم والليلة ص ٢٣٣.","vol":"1","page":316},{"text":"والعقيلي (^١)، وابن عدي (^٢).\nولم أقف على حديث لجعفر بن برقان عن الزهري ضعفه الإمام أحمد به، وقد ذكر أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، والعقيلي، والدارقطني بعض ما أخطأ فيه من حديثه عن الزهري (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>حماد بن سلمة ت (١٦٧) هـ:</span>\nقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن حماد بن سلمة فقال: حماد بن سلمة من خيار عباد الله الصالحين، ومن جمع من السنة ما جمع! وقال أيوب: هاتوا مثل فتانا حماد (^٤).\nوقال أيضًا: سمعت أبا عبد الله يقول: قال رجل يومًا: العلم عند شعبة، وسفيان، وحماد، فأنكرت عليه حماد أن يكون مثل شعبة وسفيان، ولم أكن بحديثه عالمًا، فلما كتبت حديثه علمت أنه قد صدق، فإن حمادًا عالم (^٥).\nقال ابن عدي: ثنا أحمد بن حفص سئل أحمد بن حنبل يعني وهو حاضر عن حديث لأبي سعيد الخدري فقال: قد رواه حماد بن سلمة، وجعل يُثبته ويَقنع به (^٦).\nفهذا يدل على أن حمادًا عنده حجة.\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٠١.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥٦٤.\n(^٣) انظر: سنن أبي داود ٤/ ١٤٤، السنن الكبرى ٢/ ٢٥١، علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٤ ح ٧٥٤، ١/ ٤٠٢ ح ١٢٠٥، ١/ ٤٣٣ ح ١٣٠٢، ١/ ٤٩١ - ٤٩٢ ح ١٤٧٤، الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، علل الدارقطني ٣/ ٢١. وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٠ - ٧٩٣، الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٢٠٩ - ٢١٢.\n(^٤) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٥.\n(^٥) الموضع نفسه.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٧١.","vol":"1","page":317},{"text":"وذكر ابن عدي أيضًا من طريق محمد بن مطهر المصيصي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حماد بن سلمة عندنا ثقة (^١).\nوأما ما رواه البرذعي من طريق محمد بن يحيى النيسابوري قال: قلت لأحمد بن حنبل في علي بن عاصم - وذكرت له خطؤه - فقال أحمد: كان حماد بن سلمة يخطئ - وأومأ بيده - خطأ كثيرًا، ولم ير بالرواية عنه بأسًا. ا. هـ (^٢)، فهذا ليس محمولًا على الكثرة المعروفة، بدليل ما تقدم من إطلاق التوثيق عليه والاحتجاج بما تفرد به، فتحمل على كثرة نسبية بالمقارنة بغيره من أهل طبقته من الحفاظ وبالمقارنة بكثرة حديثه.\nومع أنه ثقة عنده إلا أنه تكلم في حديثه عن بعض الشيوخ.\nوقال ابن رجب: وفصل القول في رواياته أنه من أثبت الناس في بعض شيوخه الذين لزمهم كثابت البناني، وعلي بن زيد، ويضطرب في بعضهم الذين لم يكثر ملازمتهم كقتادة، وأيوب وغيرهما (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-139>ومن الشيوخ الذين تكلم الإمام أحمد في حديثه عنهم:</span>\n١.<span data-type='title' id=toc-140> أيوب بن أبي تميمة السختياني:</span>\nذكر ابن رجب أن الإمام أحمد قال في رواية حنيل: حماد بن سلمة يسند عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه (^٤). وهذا أمر إذا كثر دلّ على اختلال في ضبط الراوي (^٥).\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) سؤالات البرذعي ١/ ٣٩٤، وانظر: تاريخ بغداد ١١/ ٤٤٩.\n(^٣) شرح علل الترمذي ١/ ٤١٤.\n(^٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٨٢، وانظر: فتح الباري لابن رجب ٣/ ٥١٣.\n(^٥) انظر: فتح المغيث ٢/ ١٠١.","vol":"1","page":318},{"text":"وقد أنكر الإمام أحمد على حماد بن سلمة الحديث الذي رواه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن بلالًا أذّن قبل طلوع الفجر فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: \"ألا إن العبد قد نام، ألا إن العبد قد نام\". ذكره ابن رجب (^١).\nوالحديث رواه أبو داود (^٢)، وعبد بن حميد (^٣)، والبيهقي (^٤)، والدارقطني (^٥)، من طرق عن حماد بن سلمة به. وقال أبو داود: وهذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة (^٦)، وقال أبو حاتم مثل ذلك (^٧).\nوقد بين غير واحد من الحفاظ وجه الخطأ، قال الحافظ ابن حجر: \"اتفق أئمة الحديث: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدارقطني على أن حمادا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأن حمادًا انفرد برفعه، ومع ذلك فقد وجد له متابع، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زَرْبِىّ - وهو بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة ثم ياء كياء النسب - فرواه عن أيوب موصولًا، لكن سعيد ضعيف، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب أيضا لكنه أعضله فلم يذكر نافعًا ولا ابن عمر … \" (^٨).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ٣/ ٥١٢.\n(^٢) السنن ١/ ٣٦٣ ح ٥٣٢.\n(^٣) المنتخب من مسنده ص ٢٥٠ ح ٧٨٢.\n(^٤) السنن الكبرى ١/ ٣٨٣.\n(^٥) السنن ١/ ٢٤٤.\n(^٦) السنن ١/ ٣٦٤.\n(^٧) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ١١٤ ح ٣٠٨.\n(^٨) فتح الباري ٢/ ١٠٣. وانظر أقوالهم في إعلال الحديث عند ابن رجب في فتح الباري ٣/ ٥١٣ - ٥١٤.","vol":"1","page":319},{"text":"والرواية الموقوفة التي أشاروا إليها هي ما رواه أبو داود من طريق شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رواد، أخبرنا نافع، عن مؤذن لعمر يقال له مسروح أذن قبل الفجر فأمره عمر فذكر نحوه (^١).\nووجه آخر لإعلال حديث حماد هو ما ذكره الإمام أحمد قال: ثنا شعيب بن حرب، قال: قلت لمالك بن أنس: أليس قد أمر النبي ﷺ بلالًا أن يعيد الأذان فقال: قال رسول الله ﷺ: \"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا وشربوا\" قلت: أليس قد أمره أن يعيد الأذان؟ قال: لا، لم يزل الأذان عندنا بليل. ذكره ابن الجوزي في التحقيق (^٢).\nومع ذلك فليس في هذا إشارة إلى تضعيف حماد بن سلمة في أيوب مطلقًا، وإنما هو تضعيف نسبي بالمقارنة بغيره من أهل الطبقة الأولى من أصحاب أيوب الذين كثرت ملازمتهم له ومعرفتهم لحديثه مثل حماد بن زيد، فقد روى الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله وقيل له: حماد بن سلمة وحماد بن زيد إذا اجتمعا في حديث أيوب أيهما أحب إليك؟ قال: ما فيهما إلا ثقة، إلا أن ابن سلمة أقدم سماعًا، كتب عن أيوب في أول أمره، وحماد بن زيد أشد له معرفة لأنه كان يكثر مجالسته، ومات أيوب وحماد بن زيد سنُّه أربع وثلاثون، وكان حماد كثير المجالسة لأيوب، وكان ألزم الناس له وأطولهم مجالسة. ا. هـ (^٣).\nولذلك لما روى حماد بن سلمة عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: \"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" (^٤)، أنكروه\n_________\n(^١) سنن أبي داود ١/ ٣٦٤ ح ٥٣٣.\n(^٢) تنقيح التحقيق ١/ ٢٨٤، ٢٨٥.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٣٣.\n(^٤) أخرجه أبو داود السنن ٢/ ٦٠١ ح ٢١٣٤، والترمذي الجامع ٣/ ٤٤٦ ح ١١٤٠، والنسائي ٧/ ٦٤ ح ٣٩٥٣، وابن ماجه ١/ ٦٣٣ ح ١٩٧١، وأحمد المسند ٤٢/ ٤٦ ح ٢٥١١١، وابن حبان الإحسان ١٠/ ٥ ح ٤٢٠٥ وغيرهم.","vol":"1","page":320},{"text":"عليه، لأن حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية روياه عن أيوب مرسلًا (^١). قال الترمذي: حديث حماد بن زيد أصح من حديث حماد بن سلمة.\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-141> قيس بن سعد ت (١١٩) هـ </span>(^٢):\nقال عبد الله: سمعته - يعني أبا عبد الله - يقول: قال يحيى بن سعيد القطان: إن كان ما يروي حماد بن سلمة عن قيس بن سعد حقًا فهو … قلت له: ماذا؟ قال: ذكر كلامًا، قلت: ما هو؟ قال: كذاب. قلت لأبي: لأي شيءٍ هذا؟ قال: لأنه روى عنه أحاديث رفعها إلى عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ. قال أبي: ضاع كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد فكان يحدثهم من حفظه فهذه قضيته (^٣).\nقال أبو داود: قلت لأحمد: قيس بن سعد؟ قال: ثقة، ولكن زعموا أن كتابَ حماد بن سلمة عنه ضاع، فصار يروي عنه أحاديث يجعلها … وذكر أحمد: قال يحيى: إن كان ما يروي حماد بن سلمة عن قيس بن سعد قال فتكلم بكلام كأنه ينكره على حماد (^٤).\nوقال البيهقي: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو بكر محمد بن المؤمل\n_________\n(^١) انظر: الجامع للترمذي ٣/ ٤٤٦، علل الترمذي الكبير ١/ ٤٤٨، علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٢٥ ح ١٢٧٩.\n(^٢) قيس بن سعد المكي الحبشي. خلف عطاء بن أبي رباح في مجلسه، وكان يفتي بقوله. ووثقه أحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٩.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٢٧/٤٥٤٢ - ٤٥٤٤، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٨٢.\n(^٤) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ١/ ٢٣٠.","vol":"1","page":321},{"text":"ثنا الفضل بن محمد ثنا أحمد بن حنبل ثنا عفان قال: قال حماد بن سلمة: استعار مني حجاج الأحول كتاب قيس فذهب إلى مكة فقال ضاع (^١).\nولم أقف على حديث لحماد بن سلمة عن قيس بن سعد أعله الإمام أحمد به. وقد نسب حماد بن سلمة إلى الخطأ في روايته لحديث صحيفة عمرو بن حزم من طريق قيس بن سعد، واعتبر البيهقي هذا الخطأ شاهدًا على ضعفه في حديث قيس بن سعد، وهذا الحديث هو ما أخرجه أبو داود في المراسيل من طريق حماد بن سلمة قال: [قلت لقيس بن سعد خُذ لي كتاب محمد بن عمرو ابن حزم، فأعطاني كتابًا أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب لجده فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الأبل - فقص الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومئة، فإذا كانت أكثر من ذلك فعُد في كل خمسين حقّة، وما فضل فإنه يُعاد إلى أول فريضة الأبل، وما كان أقل من خمسٍ وعشرين ففيه الغنم في كل خمس ذودٍ شاةٌ، ليس فيها ذكر ولا هرمةٌ ولا ذات عوار من الغنم] (^٢). فقوله: [وما فضُل يعاد إلى أول فريضة الإبل] مخالف لسائر روايات صحيفة عمرو بن حزم، فإن الذي ورد فيها أن الإبل إذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقّة. هكذا رواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ولم يختلف عليه إلا بالوصل والإرسال (^٣). وهذا الذي ورد في كتاب أبي بكر الصديق في فريضة صدقة\n_________\n(^١) السنن الكبرى ٤/ ٩٤.\n(^٢) المراسيل لأبي داود ١٢٨ ح ١٠٦. وأخرجه الطحاوي شرح معاني الآثار ٤/ ٣٧٥، والبيهقي السنن الكبرى ٤/ ٩٤.\n(^٣) انظر: سنن النسائي ٨/ ٥٨ - ٥٩، مصنف عبد الرزاق ٤/ ٤ ح ٦٧٩٣، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٤/ ٥٠٢ - ٥٠٣ ح ٦٥٥٩، شرح معاني الآثار ٤/ ٣٧٤، المستدرك ١/ ٣٩٣ - ٣٩٥، السنن الكبرى ٤/ ٨٩ - ٩٠.","vol":"1","page":322},{"text":"رسول الله ﷺ (^١)، وكذلك في كتاب عمر (^٢)، وفي حديث أبي سعيد الخدري (^٣). فذكر البيهقي من علل هذه الرواية كونها من طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد، وأن الحفاظ يجتنبون ما ينفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله. ا. هـ (^٤).\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-142> حماد بن أبي سليمان ت (١٢٠) هـ </span>(^٥):\nقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حماد بن سلمة عنده عنه تخليط - يعني حماد بن أبي سليمان (^٦).\nلكنه لم يبلغ عنده إلى حد الساقط فيه.\nقال الخلال بإسناده عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله قيل له: حماد ابن أبي سليمان؟ قال: أما حماد فرواية القدماء عنه مقاربة: شعبةُ، والثوري، وهشام - يعني الدستوائي - قال: وأما غيرهم فقد جاءوا عنه بأعاجيب. قلت له: حجاج، وحماد بن سلمة؟ قال: حماد على ذاك لا بأس به. قال أبو عبد الله: وقد سقط فيه غير واحد مثل محمد بن جابر، وذاك - وأشار بيده، فظننت أنه عنى سلمة الأحمر (^٧) - قال الأثرم: ولعله قد عنى غيره (^٨).\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري - مع فتح الباري ٣/ ٣١٧.\n(^٢) انظر: الموطأ ١/ ٢٥٧.\n(^٣) أخرجه أحمد المسند ١٧/ ٤١٠ ح ١١٣٠٧ مطولًا، وأخرجه مسلم صحيح مسلم ٢/ ٧٨٩ ح ١١٢٠ وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٥٧ ح ٢٠٢٣ مختصرًا، بذكر ما يتعلق بالصوم فقط دون الزكاة.\n(^٤) السنن الكبرى ٤/ ٩٤.\n(^٥) قال فيه الحافظ ابن حجر: فقيه صدوق له أوهام ورمي بالإرجاء تقريب التهذيب ١٥٠٨.\n(^٦) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ٢٩١/ ٣٣٨.\n(^٧) وستأتي ترجمته وكلام الإمام أحمد في حديثه عن حماد بن أبي سليمان إن شاء الله.\n(^٨) تهذيب الكمال ٧/ ٢٧٢.","vol":"1","page":323},{"text":"ولعل ذلك من قبل حماد بن أبي سليمان، حيث كان بأخرة غلب عليه الفقه ولم يعد يحفظ الآثار كما ينبغي. فقد قال حماد بن سلمة: \"كنت أسأل حماد بن أبي سليمان عن أحاديث مسندة، وكان الناس يسألونه عن رأيه، فكنت إذا جئت قال: لا جاء الله بك\" (^١). وذكر أبو حاتم أنه غلب عليه الفقه، وإذا جاء الآثار شوّش (^٢).\nويدل على ذلك أيضًا ما ذكره موسى بن إسماعيل - وهو التبوذكي - قال: حدثنا حماد بن سلمة أنه قال لابن حماد بن أبي سليمان: كلّم أباك يحدثني. قال: فكلمه قال: فقال حماد: ما يأتيني أحد أثقل علىّ منه. قال: فكنت أقول له: قل سمعت إبراهيم. فكان يقول: إن العهد قد طال بإبراهيم (^٣).\nوأما الذهبي فعلق على تلك الرواية بقوله: إنما التخليط فيها من سوء حفظ الراوي عنه (^٤).\nومهما يكن من أمر فلم يبلغ حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان مبلغ الساقط عند الإمام أحمد كما نص على ذلك، فيحمل ما ذكره من تخليطه عنه على أنه دون القدماء من أصحابه الذين حملوا عنه قديمًا قبل أن يغلب عليه الفقه فيقدَّمون عليه عند الاختلاف، والله أعلم.\nولم أر حديثًا لحماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أعله الإمام أحمد من أجله. وقد أعل حديثًا لحماد بن أبي سليمان، رواه عنه حماد بن سلمة، لكن الخطأ فيه من حماد بن أبي سليمان وليس من حماد بن سلمة.\nقال عبد الله: \"حدثني أبي قال: حدثنا عفّان قال: أخبرنا حماد بن سلمة\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٥٤، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٥.\n(^٢) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٥٤، وانظر: تهذيب الكمال ٢/ ٢٧٦.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٣٦.","vol":"1","page":324},{"text":"قال: أخبرنا عاصم بن بهدلة، وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، عن المغيرة\nابن شعبة أن رسول الله ﷺ أتى سُباطة قوم فبال قائمًا. قال حماد بن أبي سليمان: ففحج رجليه. قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم\" (^١).\nوحديث حماد بن سلمة أخرجه أحمد (^٢)، وعبد بن حميد (^٣)، وابن خزيمة (^٤)، والطبراني (^٥). وقد تابعه أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان (^٦). وحديث منصور والأعمش عند الشيخين، كلاهما عن أبي وائل عن حذيفة (^٧). وفي قول الإمام أحمد: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم، ترجيح لروايتهما وإسناد الخطأ إلى حماد وعاصم. وقد وافق الإمام أحمد على تخطئتهما كل من الترمذي (^٨)، والدارقطني (^٩).\nفالخطأ في هذه الرواية إذًا من حماد بن أبي سليمان، وليس من حماد بن سلمة، ويؤيد ذلك متابعة أبي حنيفة له.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>الحسن بن بشر الهمداني الكوفي ت (٢٢١) هـ </span>(^١٠):\nتكلم الإمام أحمد في حديثه عن زُهير بن معاوية الجعفي.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٢١/٤٥١١ - ٤٥١٢.\n(^٢) المسند ٣٠/ ٨٣ ح ١٨١٥٠.\n(^٣) المنتخب من مسنده ص ١٥٢ ح ٣٩٦.\n(^٤) صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٦ ح ٦٣.\n(^٥) المعجم الكبير ٢٠/ ٤٠٥ ح ٩٦٦.\n(^٦) مسند أبي حنيفة ص ٨٤.\n(^٧) صحيح البخاري ١/ ٣٢٨، ٣٢٩ ح ٢٢٤، ٢٢٥ - مع فتح الباري، وصحيح مسلم ١/ ٢٢٨ رقم ٢٧٣ (٧٣، ٧٤).\n(^٨) ذكر رواية عا صم ثم رواية حماد ثم قال: والصحيح ما روى منصور والأعمش علل الترمذي الكبير ١/ ٩٣، وانظر: الجامع ١/ ٢٠.\n(^٩) علل الدارقطني ٧/ ٩٥. قال عن رواية عاصم وحماد: وهِما فيه على أبي وائل، وقال رواية الأعمش ومنصور هي الصواب.\n(^١٠) صدوق يخطئ، روى له البخاري، والترمذي، والنسائي تقريب التهذيب ١٢٢٥.","vol":"1","page":325},{"text":"أما هو في نفسه فقد تردد فيه الإمام أحمد، ثم جزم بأنه لا بأس به (^١).\nقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الحسن بن بشر بن سالم الكوفي فقال: ما أدري أخبرك، قد روى عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر في الجنين (^٢).\nوقال الأثرم أيضًا: سمعت أبا عبد الله سُئل عن الحسن بن بشر بن سلم الكوفي فقال: ما أرى به بأسًا في نفسه، روى عن زهير أشياء مناكير (^٣).\nما أعله من حديثه عن زهير:\nأشار إليه في رواية الأثرم المتقدمة، حيث قال: قد روى عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر في الجنين، وهذا استنكار منه للحديث.\nوحديث الجنين هو حديث: [ذكاة الجنين ذكاة أمه]، أخرجه ابن الجعد (^٤)، وابن عدي (^٥)، وأبو الشيخ (^٦)، والحاكم (^٧)، والبيهقي (^٨) من طرق عن الحسن ابن بشر، عن زهير بن معاوية، به. وقال ابن عدي: هذا حديث زهير عن أبي الزبير ليس يرويه غير الحسن. ا. هـ.\n_________\n(^١) وأما غير الإمام أحمد، فقال فيه أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة، وأحاديثه تقرب بعضها من بعض، وليس هو بمنكر الحديث. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٣٣، تهذيب الكمال ٦/ ٦١، التقريب ١٢٢٤.\n(^٢) تاريخ بغداد ٧/ ٢٩٠.\n(^٣) الجرح والتعديل ٣/ ١٠.\n(^٤) مسند ابن الجعد ٣٨٨ ح ٢٨٥٣.\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٣٣.\n(^٦) طبقات المحدثين بإصبهان ٢/ ٣٦٠ ح ٢١٢.\n(^٧) المستدرك ٤/ ١١٤.\n(^٨) السنن الكبرى ٩/ ٣٣٤.","vol":"1","page":326},{"text":"وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nذكره الإمام أحمد كشاهد على المناكير التي يرويها الحسن بن بشر عن زهير، ووجه نكارته أن الحسن بن بشر تفرد به عن زهير، ولا يحتمل من مثله هذا التفرد عن حافظ مكثر مثل زهير. ورواية الراوي الذي لم يشتهر بالحفظ والإتقان عن حافظ مكثر ما لا يرويه غيره من أصحاب ذلك العَلم دليل على ضعفه. ووافق أبو داود الإمام أحمد على إنكار هذا الحديث على الحسن بن بشر (^١).\nوالحديث رُوي عن أبي الزبير من وجوه أخرى: منها عن حماد بن شعيب (^٢)، أخرجه أبو يعلى (^٣)، وابن عدي (^٤). ومنها عن عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي (^٥)، أخرجه أبو داود (^٦)، والدارمي (^٧)، والحاكم (^٨).\nوذكر ابن حبان أن الحسن بن بشر سمع هذا الخبر عن حماد بن شعيب فرواه عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير ووهم فيه (^٩). فإن ثبت هذا ظهر جليًا كيف جاءت النكارة في حديث الحسن بن بشر عن زهير بن معاوية.\n_________\n(^١) سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني ١/ ١٤٩ - ١٥٠. وأنكر عليه حديثًا آخر عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: \"لا تدخلوا الحمام إلا بمئزر\".\n(^٢) ضعفه ابن معين، وقال فيه البخاري: فيه نظر. وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ويرويها على غير جهتها الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٦٠، المجروحين ١/ ٢٥١.\n(^٣) مسند أبي يعلى ٢/ ٣٢٨ ح ١٨٠٢.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٦٠.\n(^٥) قال عنه أحمد وابن معين: ليس به بأس. وعن ابن معين أيضًا: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ولا بالمتين، هو صالح الحديث يكتب حديثه، ويحول من كتاب الضعفاء الذي صنفه البخاري. وقال أبو داود: أحاديثه مناكير. وقال ابن حجر: ليس بالقوي تهذيب الكمال ١٩/ ٤٣، التقريب ٤٣٢١. وقال في تلخيص الحبير: ضعيف ٤/ ١٥٧.\n(^٦) السنن ٣/ ٢٥٣ ح ٢٨٢٨.\n(^٧) السنن ٢/ ١١٥ ح ١٩٧٩.\n(^٨) المستدرك ٤/ ١١٤.\n(^٩) المجروحين ١/ ٢٥١.","vol":"1","page":327},{"text":"ومتن الحديث معروف من وجوه أخرى منها عن أبي سعيد الخدري (^١)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن جابر، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة. ا. هـ (^٢)، وصححه ابن حبان أيضًا.\nوالحسن بن بشر من رجال البخاري، لكن لم يخرج له عن زهير بن معاوية، وقال الحافظ ابن حجر: لم يخرج عنه من أفراده شيئًا، ولا من أحاديثه عن زهير التي استنكرها أحمد (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>عكرمة بن عماّر اليمامي:</span>\nقال أحمد في رواية حرب: هو في غير يحيى ثبت. ذكره ابن رجب (^٤). وذكر الساجي توثيقه عن الإمام أحمد (^٥).\nوقد قدمه الإمام أحمد على ملازم بن عمرو، مع أن الأخير ثقة عنده (^٦)، واحتج لذلك بأن شعبة روى عنه أحاديث (^٧). وأما أبو داود فذكر أن الإمام أحمد قدم ملازم بن عمرو عليه (^٨)، والظاهر أن المقصود أنه مقدم عليه في يحيى بن أبي كثير خاصة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد المسند ١٧/ ٤٤٢ ح ١١٣٤٣، وأبو داود السنن ٣/ ٢٥٢ ح ٢٨٢٧، والترمذي الجامع ٤/ ٦٠ ح ١٤٧٦، وابن ماجه السنن ٢/ ١٠٦٧ ح ٣١٩٩، وابن حبان الإحسان ١٣/ ٢٠٦ ح ٥٨٨٩.\n(^٢) الجامع ٤/ ٦٠.\n(^٣) هدي الساري ص ٣٩٧.\n(^٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٥.\n(^٥) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٦٠.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٨٠/٧٣٣.\n(^٧) انظر: المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧١ - ١٧٢.\n(^٨) سؤالات أبي عبيد الآجري أبا دواد السجستاني ١/ ٣٧٩/٧٠٧.","vol":"1","page":328},{"text":"وتكلم الإمام أحمد في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، ووصفه بالاضطراب فيه (^١).\nقال عبد الله: قال أحمد: أحاديث عكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف ليس بصحاح. قلت له: من عكرمة أو مِن يحيى؟ قال: لا، إلا من عكرمة. وقال في موضع آخر: أتقن حديث إياس بن سلمة (^٢) - يعني عكرمة (^٣).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أحمد بن حنبل يضعف رواية أيوب ابن عتبة وعكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين (^٤).\nوقد ذكر يحيى القطان أيضًا تضعيف عكرمة بن عمار في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، وكذلك علي بن المديني، والبخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي (^٥).\nما أعله الإمام أحمد من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير (^٦):\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٤/ ١١٧/٤٤٩٢.\n(^٢) إياس بن سلمة بن الأكوع، يروي عن أبيه. وثقه ابن معين، وابن سعد، والنسائي وغيرهم، وروى له الجماعة انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٤٠٤.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٩٤ رقم ٣٢٥٥.\n(^٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥٣ رقم ١١٤٣.\n(^٥) انظر أقوالهم في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(^٦) ومما أنكره غير الإمام أحمد من حديثه عن يحيى بن أبي كثير حديث عائشة مرفوعًا: \"ويل للأعقاب من النار\" عند مسلم ١/ ٢١٣ ح ٢٤٠ في الشواهد. أعله ابن عمار الشهيد بأن عكرمة بن عمار خالف أصحاب يحيى بن أبي كثير فرواه عنه عن أبي سلمة عن سالم مولى المهري، عن عائشة، بينما رواه علي بن المبارك، وحرب بن شداد، والأوزاعي، وحسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني سالم - يعني ليس فيه أبو سلمة ـ، وهذا الذي رجحه أبو زرعة أيضًا انظر: علل الحديث لابن عمار الشهيد ص ٥٠ - ٥٢، علل الحديث لابن أبي حاتم برقم ١٤٨، و١٧٨.\nوثم حديث آخر وهو ما أخرجه الدراقطني السنن ١/ ٣٧٤ من رواية عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في سجود السهو وفيه: [فليسجد سجدتين وهو جالس ثم يسلم]. وذكر الدارقطني أن شيبان، وعلي بن المبارك، والأوزاعي وغيرهم رووه عن يحيى ولم يذكروا فيه التسليم قبل ولا بعد علل الدارقطني ٩/ ٢٧٩ - ٢٨٠، ثم ذكر متابعًا لعكرمة متابعة قاصرة وقال: هذان ثقتان، وزيادة الثقة مقبولة - يشير إلى قبول هذه الزيادة ـ. ومال إلى ذلك الحافظ ابن حجر فقال: إسناده قوي فتح الباري ٣/ ١٠٤. وأما ابن رجب فأعل الزيادة بناء على أن رواية عكرمة عن يحيى بن أبي كثير مضطربة عند القطان وأحمد وغيرهما من الأئمة انظر: فتح الباري لابن رجب ٦/ ٥٠٣.","vol":"1","page":329},{"text":"١. ذكر ابن رجب أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله في استفتاح النبي ﷺ الصلاة بالليل. ا. هـ (^١). والحديث لفظه: [قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: سألت عائشة أم المؤمنين بأي شء كان نبي الله ﷺ يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: \"اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السموات والأرض عالمَ الغيب والشَّهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\" (^٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والظاهر أنه يشير إلى تفرد عكرمة بن عمار\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٦.\n(^٢) أخرجه مسلم صحيح مسلم ١/ ٥٣٤ ح ٧٧٠، وأبو داود السنن ١/ ٤٨٧ ح ٧٦٧، والترمذي الجامع ٥/ ٤٥١ ح ٣٤٢٠، والنسائي السنن ٣/ ٢١٢ ح ١٦٢٤، وفي الكبرى ١/ ٤١٧ ح ١٣٢٢، وابن ماجه السنن ١/ ٤٣١ ح ١٣٥٧، وابن خزيمة ٢/ ١٨٥ ح ١١٥٣، وابن حبان ٦/ ٣٣٥ ح ٢٦٠٠ كلهم من طريق عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار به، وأخرجه أحمد المسند ٤٢/ ١٢٧ ح ٢٥٢٢٥، وكذلك أبو داود برقم ٧٦٨ من طريق قراد أبي نوح - وهو عبد الرحمن بن غزوان ـ، وأبو عوانة ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، والمروزي في قيام الليل مختصر قيام الليل ص ١١٣ كلاهما من طريق النضر بن محمد، وكذلك أخرجه أبو عوانة وابن عدي الكامل ٥/ ١٩١٢ من طريق عاصم بن علي، وابن المنذر الأوسط ٣/ ٨٤ ح ١٢٧٢ من طريق أبي حذيفة كلهم عن عكرمة به. وعمر بن يونس ثقة، وكذلك كل من عبد الرحمن بن غزوان، والنضر بن محمد - وهو الجرشي - ثقة له أفراد. وأما عاصم بن علي، وأبو حذيفة موسى بن مسعود فقد تكلم في حفظهما وكل واحد منهما صدوق انظر تراجمهم جميعًا في تقريب التهذيب.","vol":"1","page":330},{"text":"به، وهو وجه علة الحديث، إذ لم يوجد لعكرمة متابع عن يحيى.\nقال الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد: \"هو حديث تفرد به عكرمة بن عمار عن يحيى، وهو مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، يقال: إنه ليس عنده كتاب، وحدثني أحمد بن أبي الفضل المكي: حدثنا صالح بن أحمد، ثنا علي، قال: سألت يحيى - يعنى القطان - عن أحاديث عكرمة بن عمار - يعني عن يحيى بن أبي كثير - فضعفها وقال: ليست بصحاح\"، ثم ذكر ما رواه أبو زرعة الدمشقي عن أحمد في هذا المعنى (^١).\nوكلام ابن عمار في هذا الحديث موافق لإنكار الإمام أحمد للحديث، وفيه انتقاد للإمام مسلم في تخريجه للحديث في الأصول، ولعل وجه إخراج الإمام مسلم له اجتماع عدد من الرواة - وهم خمسة ثلاثة منهم ثقات - على رواية الحديث على وجه واحد، مما يدل على عدم اضطراب عكرمة في رواية هذا الحديث وضبطه له. وكونه يضطرب عن يحيى بن أبي كثير لا يدل على عدم إصابته مطلقًا فيما رواه عنه، إنما يدل على اجتناب ما ظهر خطؤه فيه، وأما ما ظهرت فيه ملامح الإصابة فإنه مقبول، ولا مطعن له فيه. ويؤيد ذلك أن الإمام النسائي أيضًا لما أخرج الحديث سكت عليه، مما يقتضي أنه لا علة له عنده كما ذكر ذلك ابن حجر من منهجه (^٢).\n٢. وذكر ابن رجب أيضًا أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن يحبى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: \"لا يقبل الله صلاة بغير طهور\" (^٣).\n_________\n(^١) علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج ص ٨٢ - ٨٣.\n(^٢) نتائج الأفكار ١/ ٤١٣.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٦.","vol":"1","page":331},{"text":"هذا الحديث رواه أبو حذيفة (^١)، وغسان بن عبيد (^٢) كلاهما عن عكرمة ابن عمار، عن يحيى به.\nولم يذكر ابن رجب هنا وجه إعلال الحديث عند الإمام أحمد، وإنما ذكره في أول شرحه على الترمذي. واختلف العقيلي وابن عدي في وجه إعلال الحديث، فقال العقيلي: لا يتابع عليه عكرمة، ثم أسند من طريق سليمان بن بلال، وعبد العزيز بن أبي حازم وغيرهما عن كثير بن زيد، عن وليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وقال: هذا أصلح من حديث عكرمة (^٣). وحديث سليمان بن بلال وابن أبي حازم أخرجهما أبو عوانة (^٤).\nوأما ابن عدي فأعل الحديث بأن غير اللذين رويا الحديث على هذا الوجه عن عكرمة أوقفوه على أبي هريرة (^٥)، فجعل العلة ممن دون عكرمة. ولم أقف على رواية الوقف التي أشار إليها.\nومتن الحديث معروف من حديث ابن عمر عند مسلم (^٦)، ومن حديث أبي المليح عن أبيه عند أبي داود وغيره (^٧)، وصحح ابن حجر حديث أبي المليح (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه من طريقه أبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٢٠٠ ح ٦٤٠، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ١٠٧٩.\n(^٢) أخرجه من طريقه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ٢٠٣٧.\n(^٣) الضعفاء للعقيلي ٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠.\n(^٤) مسند أبي عوانة ١/ ١٩٩ ح ٦٤٠.\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٣٧.\n(^٦) صحيح مسلم ١/ ٢٠٤ ح ٢٢٤.\n(^٧) سنن أبي داود ١/ ٤٨ ح ٥٩، وسنن النسائي ٥/ ٥٦ ح ٢٥٢٤، وسنن ابن ماجه ١/ ١٠٠ ح ٢٧١.\n(^٨) فتح الباري ١/ ٢٧٨.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>عمر بن إبراهيم العبدي، أبو حفص البصري:</span>\nوثقه أحمد في رواية حرب بن إسماعيل، وقال: ثقة، لا أعلم إلا خيرًا (^١). وكذلك وثقه ابن معين، وعبد الصمد بن عبد الوارث (^٢). وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به (^٣).\nوقد تكلم الإمام أحمد في حديثه عن قتادة، قال العقيلي: قال أبو عبد الله: يروي عن قتادة أحاديث مناكير ويخالف (^٤)، ورواه عن أحمد يعقوب بن شيبة (^٥).\nوكذلك قال ابن عدي (^٦)، وابن حبان (^٧).\nأما يحيى بن معين فوثقه في قتادة. قال عثمان بن سعيد الدارمي: فعمر ابن إبراهيم في قتادة؟ قال: ثقة (^٨).\nوذكر العقيلي عن الإمام أحمد أن عباد بن العوامّ روى عن عمر بن إبراهيم حديثًا منكرًا. قال العقيلي: وهذا الحديث حدثناه محمد بن أيوب، وجعفر بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الفرّاء، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخِّروا المغربَ حتى تشتبك النُّجومُ\" (^٩).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٦/ ٩٨.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢١/ ٢٧١.\n(^٣) الجرح والتعديل الموضع نفسه.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٨٩٣.\n(^٥) تهذيب الكمال ٢١/ ٢٧٠.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٠١.\n(^٧) المجروحين ٢/ ٨٩.\n(^٨) الجرح والتعديل الموضع نفسه.\n(^٩) الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.","vol":"1","page":333},{"text":"والحديث رواه من هذا الوجه ابن ماجه (^١)، وابن خزيمة (^٢)، والطبراني (^٣) والبيهقي (^٤).\nووجه نكارة الحديث أنه لا يرويه عن قتادة بهذا الإسناد إلا عمر بن إبراهيم. قال ابن عدي: \"وهذا لا أعلم رواه عن قتادة بهذا الإسناد غير عمر ابن إبراهيم … \" (^٥). أما المتن فقد روي بأسانيد أصلح منه كما قال العقيلي.\nومن تلك الأسانيد ما رواه أبو داود (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن خزيمة (^٨)، والطبراني (^٩)، والحاكم (^١٠)، والبيهقي (^١١) من طرق عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أيوب الأنصاري بمثل هذا اللفظ. وصححه الحاكم (^١٢)، والألباني (^١٣). إلا أنه معلول، فقد رواه حيوة ابن شريح، وابن لهيعة، وعبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ أنه قال: \"بادروا بصلاة المغرب طلوع النجوم\". ذكره ابن أبي حاتم من طريق حيوة وابن لهيعة (^١٤). وأخرجه\n_________\n(^١) السنن ١/ ٢٢٥ ح ٦٨٩.\n(^٢) صحيح ابن خزيمة ١/ ١٧٥ ح ٣٤٠.\n(^٣) المعجم الأوسط ٢/ ٢١٤ ح ١٧٧٠.\n(^٤) السنن الكبرى ١/ ٤٤٨.\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.\n(^٦) السنن ح ٤١٨.\n(^٧) المسند ٢٨/ ٥٦٥ ح ١٧٣٢٩.\n(^٨) صحيح ابن خزيمة ١/ ١٧٤ ح ٣٣٩.\n(^٩) المعجم الكبير ٤/ ١٨٣ ح ٤٠٨٣.\n(^١٠) المستدرك ١/ ١٩٠.\n(^١١) السنن الكبرى ١/ ٣٧٠.\n(^١٢) الموضع نفسه.\n(^١٣) صحيح الجامع الصغير ٧٢٨٥.\n(^١٤) علل ابن أبي حاتم ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":334},{"text":"أحمد (^١)، والطبراني (^٢)، والدارقطني (^٣) من طريق ابن لهيعة. وأخرجه الطبراني من طريق عبد الحميد بن جعفر، وحيوة بن شريح (^٤)، لكن لفظ حديث حيوة: كنا نصلي المغرب حين تجب الشمس. قال أبو زرعة الرازي: \"حديث حيوة أصح\" (^٥). وهذه العلة ليست قادحة، فإن غايتها إبدال راوٍ ثقة بآخر ثقة مثله، فإن كلًا من مرثد بن عبد الله اليزني الراوي عن أبي أيوب في إسناد ابن إسحاق، وأسلم أبي عمران الراوي في إسناد حيوة ومن معه، كل منهما ثقة (^٦).\nوروي الحديث من حديث السائب بن يزيد أيضًا، أخرجه أحمد (^٧)، والطبراني (^٨)، والبيهقي (^٩)، ولفظه: \"لا نزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم\". وفي سنده عبد الله بن الأسود القرشي، قال أبو حاتم: لا أعلم روى عنه غير ابن وهب (^١٠)، فهو في حكم المجهول.\nوكلا الإسنادين أصلح من إسناد عمر بن إبراهيم العبدي عن قتادة.\nوذكر ابن عدي والعقيلي أحاديث أخرى لعمر بن إبراهيم عن قتادة مما لم يوافقه عليها أحد (^١١).\n_________\n(^١) المسند ٣٨/ ٥٠٣ ح ٢٣٥٢١.\n(^٢) المعجم الكبير ٤/ ١٧٦ ح ٤٠٥٨.\n(^٣) السنن ١/ ٢٦٠.\n(^٤) المعجم الكبير ح ٤٠٥٧، ٤٠٥٩.\n(^٥) علل ابن أبي حاتم الموضع نفسه.\n(^٦) انظر: تقريب التهذيب ٤٠٨، ٦٥٩١.\n(^٧) المسند ٢٤/ ٤٩٣ ح ١٥٧١٧.\n(^٨) المعجم الكبير ح ٦٦٧١.\n(^٩) السنن الكبرى ١/ ٤٤٨.\n(^١٠) الجرح والتعديل ٥/ ٢.\n(^١١) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٠٠، والضعفاء للعقيلي ٣/ ٨٩٤.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>عمرو بن الحارث المصري </span>(^١):\nأثنى عليه الإمام أحمد في رواية أبي داود.\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: ليس فيهم - يعني أهل مصر - أصح حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه\" (^٢).\nوقال الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله يقول: ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث بن سعد، لا عمرو بن الحارث ولا أحد، وقد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير\" (^٣).\nوالمقصود بالمناكير هي في روايته عن قتادة.\nقال الأثرم: \"عمرو بن الحارث حمل عليه - يعني الإمام أحمد - حملًا شديدًا، قال: يروي عن قتادة أحاديث يضطرب فيها ويخطئ\" (^٤).\nونقل العيني عن الإسماعيلي أنه قال: \"تكلم أحمد في حديث عمرو، عن قتادة، أن أنس بن مالك ﵁ حدثه \"أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمُحَصَّب، ثم ركب إلى البيت فطاف به\" (^٥).\nوالحديث رواه البخاري (^٦)، من طريق عمرو بن الحارث، عن قتادة به، ثم قال البخاري: \"تابعه الليث: حدثني خالد، عن سعيد، عن قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثه عن النبي ﷺ\"، فلم ينفرد عمرو بن الحارث به عن قتادة، فهو مما يدفع\n_________\n(^١) روى له الجماعة، وهو ثقة فقيه حافظ. مات قبل الخمسين ومائة تقريب التهذيب ٥٠٣٩.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٧٣ رقم ٥٩١.\n(^٣) تاريخ بغداد ١٣/ ١٢.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢١/ ٥٧٣.\n(^٥) عمدة القاري ١٠/ ٩٥.\n(^٦) صحيح البخاري ٣/ ٥٨٥ ح ١٧٥٦.","vol":"1","page":336},{"text":"الإنكار عنه في روايته له عن قتادة.\nقال الدكتور صالح الرفاعي: \"وما تقدم عن الإمام أحمد في رواية عمرو بن الحارث عن قتادة إنما هو من قبيل التضعيف النسبي، وذلك أن الإمام أحمد كان يرى أن عمرو بن الحارث أثبت المصريين كما تقدم، ثم لما رأى له بعض الأخطاء قدّم الليث بن سعد عليه، فذكر ما تقدم في مجال تِعداد أخطاء عمرو التي جعلته يقدم الليث بن سعد عليه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-147>قبيصة بن عُقبة السُّوائي الكوفي ت (٢١٥) هـ:</span>\nتلكم الإمام أحمد في حديثه عن سفيان الثوري.\nقال حنبل بن إسحاق: \"قال أبو عبد الله: كان يحيى بن آدم أصغر من سمع من سفيان عندنا، قال: وقال يحيى: قبيصة أصغر مني بستنين. قلت له: فما قصة قبيصة في سفيان؟ فقال أبو عبد الله: كان كثير الغلط قلت له: فغير هذا؟ قال: كان صغيرًا لا يضبط. قلت له: فغير سفيان؟ قال: كان قبيصة رجلًا صالحًا ثقة، لا بأس به في بدنه، وأي شيء لم يكن عنده في الحديث، يذكر أنه كثير الحديث\" (^٢).\nفذكر وجهين لطعنه في حديثه عن الثوري: استصغاره حين سمع منه، وكثرة غلطه في حديثه عنه. والظاهر أن الإمام أحمد ذكر صغر سنه للتعليل به لكثرة غلطه في حديثه عن الثوري، وإلا فسماعه من الثوري كان بعد سن التمييز، فذكر هارون بن عبد الله الحمَّال أنه سمع قبيصة يقول: \"جالست الثوري وأنا ابن ست عشرة سنة ثلاثَ سنين\" (^٣).\n_________\n(^١) الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ١٠٩.\n(^٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٤٧٤، وانظر: تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٤.\n(^٣) تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٨.","vol":"1","page":337},{"text":"وقد ردّ محمد بن عبد الله بن نمير على من استصغر قبيصة في الثوري، فقال أبو زرعة الدمشقي: \"حدثني أحمد بن أبي الجواري قال: قلت للفريابي: رأيت قبيصة عند سفيان؟ قال: نعم، رأيته صغيرًا. قال أبو زرعة: فذكرته لمحمد بن عبد الله بن نمير فقال: لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه\" (^١).\nوممن تكلم في حديث قبيصة عن الثوري يحيى بن معين؛ قال في رواية ابن أبي خيثمة: \"قبيصة ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان، ليس بذاك القوي\" (^٢).\nوقال يعقوب بن شيبة: \"كان ثقة صدوقًا فاضلًا، تكلموا في روايته عن سفيان خاصة، وكان ابن معين يضعف روايته عن سفيان\" (^٣).\nوقال صالح بن محمد الحافظ: \"كان رجلًا صالحًا إلا أنهم تكلموا في سماعه من سفيان\" (^٤).\nوقد ذكر الإمام أحمد بعض ما غلط فيه قبيصة من حديثه عن الثوري، منها:\nقال عبد الله: \"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا قبيصة، قال أخبرنا سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سُويْد بن علقمة، قال سمعت عمر يقول: لو استطعت الأذان مع الخِلِّيفِي (^٥) لفعلتُ. فحدثت أبي هذا الحديث، فقال: ليس هذا من حديث عمران بن مسلم إنما هو من حديث إسماعيل أو بيان عن قيس، توهمَّه قبيصة\" (^٦).\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٥٨٠ رقم ١٦٢٥، ١٦٢٦.\n(^٢) الجرح والتعديل ٧/ ١٢٦.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٨١٢.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٦.\n(^٥) قال ابن الأثير: الخليفى - بالكسر والتشديد والقصر - الخلافة، كالرِّمِّيا والدِّلِّيلا مصدر يدل على معنى الكثرة، يريد به كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة وتصريف أعنتها النهاية ٢/ ٦٩.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣١٧ رقم ٥٤١٥.","vol":"1","page":338},{"text":"هذا الأثر رواه محمد بن فُضيل، عن بيان بن بشر، عن قيس، عن عمر؛ ورواه يزيد بن هارون، ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عمر. أخرج الطريقين ابن أبي شيبة (^١). فخطّأ الإمام أحمد رواية قبيصة، حيث وهِم على الثوري فذكر الحديث من طريق عمران بن مسلم، وليس بصحيح.\nومنها:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد سئل عن حديث قبيصة، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيل، عن مسلم البطّين، عن أبي العُبيدَين، عن عبد الله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] قال: السَّفّاكين الدماء. قال أحمد: ليس من هذا شيء، يُنكره على قبيصة\" (^٢).\nأبو العبيدين هو معاوية بن ميسرة السوائي الكوفي، سمع ابن مسعود، روى عنه مسلم البطين، ويحيى بن الجزار (^٣). والأثر أخرجه البخاري في ترجمته (^٤).\nولم يتبين لي وجه إنكار الإمام أحمد لهذه الرواية إلا أن يكون قبيصة تفرد بها عن الثوري، وليس ممن يقبل تفرده عن الثوري. وهذا التفسير قد روي من أوجه أخرى عن مجاهد بن جبر (^٥).\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٠٣ ح ٢٣٣٤، ١/ ٢٠٤ ح ٢٣٤٥.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٠ رقم ١٩٢٦.\n(^٣) التاريخ الكبير ٧/ ٣٢٩. ووثقه ابن معين، والعجلي الجرح والتعديل ٨/ ٣٧٨، معرفة الثقات ٢٢٠٣، تهذيب الكمال ٢٨/ ١٧٣.\n(^٤) الموضع نفسه.\n(^٥) انظر: جامع البيان ٢٤/ ٦٩.\nومن أخطائه في حديثه عن الثوري ما ذكره الإمام مسلم في: كتاب التمييز ص ١٨٩ - ١٩٠ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد قال: [كنا نورثه على عهد رسول الله ﷺ يعني الجد]. قال الإمام مسلم: هذا خبر صحف فيه قبيصة، وإنما كان الحديث بهذا الإسناد عن عياض، قال: [كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ يعني في الطعام وغيره في زكاة الفطر]، فلم يقر قراءته فقلب قوله إلى أن قال: نورثه، ثم قلب له معنى فقال: يعني الجد.","vol":"1","page":339},{"text":"وكثرة غلط قبيصة في روايته عن الثوري أمر نسبي، وليس تضعيفًا مطلقًا لروايته عن الثوري، فقد ذكر للإمام أحمد كما في رواية ابنه عبد الله قبيصة وأبا حذيفة فقال: \"قبيصة أثبت منه جداًّ - يعني في حديث سفيان - أبو حذيفة شبه لا شيء، وقد كتبتُ عنهما جميعًا\" (^١). فكثرة غلطه لم يوصله إلى حد التضعيف في الثوري الذي يفهم من قول أحمد في أبي حذيفة: شبه لا شيء، فيحمل ذلك على كثرة الغلط بالنسبة للحفاظ من أصحاب الثوري مثل يحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع، وقد سمع أحمد منهم جميعًا (^٢).\nوقد كان قبيصة من الحفاظ، قال أبو حاتم: \"لم أر من المحدثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحماني في حديث شريك، وعلي بن الجعد في حديثه\" (^٣).\nوقال الفضل بن سهل الأعرج: \"كان قبيصة يحدث بحديث الثوري على الولاء درسًا درسًا حفظًا\" (^٤). فمن كان بهذه المثابة في تحديثه من حفظه، لا يستبعد أن يقع في بعض الأغلاط بالنسبة لغيره ممن هو أحفظ منه، لا سيما وقد كان كثير الحديث عن الثوري. فذكر الحافظ ابن حجر عن الحسن بن معاوية بن هشام أنه كان عند قبيصة عن الثوري سبعة آلاف حديث (^٥).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٨٦ رقم ٧٥٨.\n(^٢) انظر: هدي الساري ص ٤٣٦، وتحرير الدكتور صالح الرفاعي: الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٩٢ - ٩٣.\n(^٣) الجرح والتعديل ٧/ ١٢٦.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٧.\n(^٥) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٨، واهتديت إلى هذا النقل بواسطة د/صالح الرفاعي الثقات ص ٩٣.","vol":"1","page":340},{"text":"وقد أخرج الشيخان لقبيصة عن الثوري، لكن قال الحافظ ابن حجر: \"أخرج عنه البخاري أحاديث عن سفيان الثوري وافقه عليها غيره\" (^١).\nمحمد بن عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزبيري ت (٢٠٣) هـ:\nقال أحمد: \"يأتي بما لا يرويه عامة الناس، وما به بأس\" (^٢).\nوتكلم في حديثه عن الثوري:\nقال حنبل بن إسحاق: \"قال أبو عبد الله: أبو أحمد الزبيري كان كثير الخطأ في حديث الثوري\" (^٣).\nومع ذلك فقد قدّمه الإمام أحمد في سفيان الثوري على معاوية بن هشام القصّار، وزيد بن الحُباب، وكل واحد منهما ثقة لكن موصوف بكثرة الخطأ (^٤).\nوقد وثق أبا أحمد الزبيري ابن معين وقال فيه أبو زرعة وابن خراش: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس (^٥)، وقد أخرج له الشيخان عن الثوري، لكن قال ابن حجر: ما أظن البخاري أخرج له شيئًا من أفراده عن سفيان (^٦).\nولم أقف على ما أعله الإمام أحمد من حديثه عن الثوري.\n_________\n(^١) هدي الساري الموضع نفسه.\n(^٢) بحر الدم ٩٠٢.\n(^٣) تاريخ بغداد ٥/ ٤٠٣.\n(^٤) انظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٢٠، سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ٤٣٢، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٨، ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤.\n(^٥) تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٨٠.\n(^٦) هدي الساري ص ٤٤٠.","vol":"1","page":341},{"text":"أبو معاوية محمد بن خازم التميمي الضرير ت (١٩٥) هـ (^١):\nكان من شيوخ الإمام أحمد. وقال أحمد: أبو معاوية من أحفظ أصحاب الأعمش (^٢).\nوتكلم الإمام أحمد في حديثه عن هشام بن عروة.\nقال أبو داود: \"قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ\" (^٣).\nومما أخطأ فيه من حديثه عن هشام بن عروة:\nقال عبد الله: \"ذكرت لأبي حديث أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه يوم النحر صلاة الصبح بمكة. قال أبي: فذكرت ذلك ليحيى بن سعيد فقال: هشام قال: أخبرني أبي مرسلًا، وقال: تُوافي، لأن أبا معاوية قال: توافيه، وأخطأ فيه، فقال لي يحيى: سَل عبد الرحمن، فسألته، فحدثني، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وقال: تُوافي مثل ما قال يحيى عن هشام، وابن عيينة مثل يحيى وعبد الرحمن، وأخطأ وكيع فيه: قال: توافي بمنى، أخطأ لأن الحديث قال: توافي يوم النحر، فقال وكيع: بمنى، وأخطأ فيه\" (^٤).\nوروى الأثرم قريبًا من هذا، قال: \"قال لي أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل ﵀ حدثنا أبو معاوية، عن هِشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة أن رسول الله\n_________\n(^١) أخرج له الجماعة. وقال الحافظ ابن حجر فيه: ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حدث غيره تقريب التهذيب ٥٨٧٨.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٤١ رقم ١٢٨١.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد بن حنبل - برواية أبي داود ص ٣٠١.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٨ رقم ٢٦٣٧.","vol":"1","page":342},{"text":"ﷺ أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة، ولم يُسند ذلك، وهو خطأ، قال أحمد: وقال وكيع، عن هشام، عن أبيه مرسلًا أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة (^١) أو نحو هذا، قال: وهذا أيضًا عجيب، ما يفعل النبي ﷺ يوم النحر بمكة، قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد القطان فسألته فقال: عن هشام، عن أبيه أن النبي ﷺ أمرها أن توافي ليس فيه هاء. قال أحمد: وبين هذين فرق قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن، هو ابن مهدي، فسألته فقال: هكذا عن سفيان، عن هشام، عن أبيه: توافي. ثم قال لي أبو عبد الله: رحم الله يحيى، ما كان أضبطه، وأشدّه، كان محدثًا، وأثنى عليه فأحسن الثناء عليه\" (^٢).\nرواية أبي معاوية أخرجها مسلم (^٣)، وإسحاق (^٤)، والطحاوي (^٥)، والطبراني (^٦)، والبيهقي (^٧)، وذكرها البخاري تعليقًا (^٨)، كلهم عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: [أمرها رسول الله ﷺ يوم النحر أن توافي معه صلاة الصبح بمكة]. وذكر الإمام أحمد أن أبا معاوية أخطأ في روايته هذه عن هشام بن عروة في موضعين: الأول في وصلها، والثاني في لفظها حيث قال: [توافيه يوم النحر صلاة الصبح\n_________\n(^١) كذا وقع، وإنما هو: بمنى، كما أفاد ذلك رواية أبي عبد الله، وهكذا روى وكيع هذا الحديث عن هشام. أخرجه ابن أبي شيبة المصنف ٣/ ٢٣٤ ح ١٣٧٥٦، ومسلم التمييز ص ١٨٧، والبخاري تعليقًا التاريخ الكبير ١/ ٧٥.\n(^٢) شرح معاني الآثار ٢/ ٢٢١، وانظر: فتح الباري ٣/ ٤٨٧.\n(^٣) كتاب التمييز ص ١٨٦.\n(^٤) مسند إسحاق بن راهويه ١/ ٦٢ ح ١٠.\n(^٥) شرح معاني الآثار ٢/ ٢١٩.\n(^٦) المعجم الكبير ٢٣/ ٣٤٣ ح ٧٩٩.\n(^٧) السنن الكبرى ٥/ ١٣٣. ولم يقل البيهقي في روايته: معه. ولعل سقطت من الناسخ.\n(^٨) التاريخ الكبير ١/ ٧٤.","vol":"1","page":343},{"text":"بمكة]. وإنما حكم الإمام أحمد على روايته بالخطأ لأن غيره ممن هو أحفظ منه في هشام قد خالفه، فرواه يحيى القطان، عن هشام عن أبيه مرسلًا، وقال في لفظه: [توافي يوم النحر صلاة الصبح بمكة]. ذكر الإمام أحمد هذه الرواية، وذكرها مسلم أيضًا تعليقًا، وذكر أنها رواية عبدة بن سليمان عن هشام (^١). وكذلك روى الحديث عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن هشام فيما ذكره الإمام أحمد. ورواه ابن عيينة، عن هشام. أخرج روايته مسلم (^٢). ورواه حماد بن سلمة (^٣)، وعبد العزيز الدراوردي (^٤)، وعبد الله بن جعفر الزهري (^٥) كلهم عن هشام، عن أبيه قال: [دار رسول الله ﷺ إلى أم سلمة يوم النحر فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح، وكان يومها فأحب أن توافقه]، وفي لفظ حماد بن سلمة: [فرمت جمرة العقبة وصلت الفجر بمكة].\nوهناك وجه من النظر قاض بخطأ رواية أبي معاوية، وهو أن النبي ﷺ صلى الصبح في حجته يوم النحر بالمزدلفة، وتلك سنة رسول الله ﷺ، فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وهو حينئذ يصلي بالمزدلفة؟ (^٦).\nفهذا مثال لما أخطأ فيه أبو معاوية في حديثه عن هشام بن عروة.\nوحديث أبي معاوية عن هشام مخرج عند الجماعة (^٧)، لكن قال ابن حجر: لأبي معاوية عند البخاري عن هشام بن عروة عدة أحاديث توبع عليها (^٨).\n_________\n(^١) التمييز الموضع نفسه.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) أخرج حديثه الطحاوي ٢/ ٢١٨.\n(^٤) أخرج حديثه البيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٣٣.\n(^٥) أخرج حديثه ابن أبي شيبة مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٩.\n(^٦) انظر: التمييز ص ١٨٦.\n(^٧) انظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ١٢٥.\n(^٨) هدي الساري ص ٤٣٨.","vol":"1","page":344},{"text":"والظاهر أن الإمام مسلمًا أيضًا تجنب تلك الأحاديث التي أخطأ فيها عن هشام، بدليل ما ذكره في \"كتاب التمييز\" من خطئه في حديث هشام بن عروة، والعلم عند الله.\nوتكلم الإمام أحمد أيضًا في حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر العمري.\nقال أحمد: \"هو يضطرب في أحاديث عبيد الله - يعني ابن عمر\" (^١).\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: كان أبو معاوية يخطئ في غير شيء عن عبيد الله، ذكر منها في المطلقة والمتوفى عنها في العدة، قال أحمد: ليس أحد يقول المطلقة غيره\" (^٢).\nوهذا الأثر الذي ذكره الإمام أحمد لم أهتد إليه، وقد روى أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في المرأة يطلقها زوجها ثم يموت عنها قال: [عدتها من يوم طلقها، ومن يوم يموت عنها]. أخرجه ابن أبي شيبة (^٣). فلعله يقصده.\nولم أقف على مثال آخر عن الإمام أحمد لما أخطأ فيه أبو معاوية عن عبيد الله العمري (^٤).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨١٢.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٠١.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٦٠ ح ١٨٩١٧.\n(^٤) وقد ذكر ابن أبي حاتم قال: سألت أبا زرعة عن حديث رواه أبو معاوية عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"لايلبس المحرم ثوبًا مسه الورس ولا الزَّعفران إلا ان يكون غسيلًا\" قال أخطأ أبو معاوية في هذه اللفظة إلا ان يكون غسيلا علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٧١ ح ٧٩٨.\nوانظر أيضًا مثالًا آخر عند الدارقطني: علل الدارقطني ٢/ ١٣ - ١٤، ٢/ ٥١.","vol":"1","page":345},{"text":"معمر بن راشد الأزدي ت (١٥٤) هـ:\nتكلم الإمام أحمد في حديثه عن الأعمش، قال: \"أحاديث معمر عن الأعمش التي يغلط فيها، ليس هو من عبد الرزاق، إنما هو من معمر، يعني الغلط\" (^١).\nوأما غير الإمام أحمد كابن معين، والأثرم، الدارقطني، فذكروا أنه سيئ الحفظ جداًّ عن الأعمش (^٢).\nوقد روى الفسوي ما يدل على سبب ذلك: قال: سمعت زيد بن المبارك، يذكر عن محمد بن ثور، عن معمر قال: سقطت مني صحيفة الأعمش، فإنما أتذكر حديثه، وأحدث من حفظي\" (^٣). فمن هذا السبب وقعت الأخطاء في روايته عن الأعمش. ولم يخرج الأئمة الستة شيئًا من حديثه عن الأعمش (^٤). قال ابن حجر: لم يخرج له البخاري من روايته عن الأعمش شيئًا (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>مُغيرة بن مِقسَم ت (١٣٦) هـ:</span>\nقال عبد الله: وسمعته - أبا عبد الله - وذكر مُغيرة بن مِقسَم الضبي، فقال: كان صاحب السنة ذَكِيًّا حافظًا، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد ومن يزيد بن الوليد والحارث العكلي وعن عبيدة وعن غيره، وجعل يضعف حديث المغيرة عن إبراهيم وحده (^٦).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢٠.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٩.\n(^٤) لم يرمز المزي لأحد من الأئمة الستة أنه أخرج لمعمر عن الأعمش تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٠٤، وقد أخرج له ابن ماجه حديثًا ح ١٠٩٤.\n(^٥) هدي الساري ص ٤٤٤.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٠٧/٢١٨.","vol":"1","page":346},{"text":"كان أحمد يضعف حديث مغيرة بن مِقسَم عن إبراهيم النخعي وحده (^١). ونقل ابن حجر عن أحمد أنه قال: كان يدلسها كان سمعها من حماد (^٢).\nأبو بكر بن عياش:\nقال أحمد: قد اختلفوا في اسمه وغلبت عليه كنيته (^٣).\nوقد وثقه أحمد في رواية ابنه صالح فقال: صدوق ثقة صاحب قرآن وخير (^٤). وقال في رواية عبد الله: ثقة ربما غلط (^٥).\nيشير بهذا إلى أنه دون الحفاظ المتقنين، ومن أجل ذلك قال: ليس هو مثل زائدة، وزهير، وسفيان (^٦) يعني من الحفاظ الكوفيين ممن هم في طبقته. وكذلك قدم عليه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق.\nقال مهنا بن يحيى: سألت أحمد بن حنبل أيهما أحب إليك: إسرائيل أو أبو بكر ابن عياش؟ فقال: إسرائيل. قلت لم؟ قال: لأن أبا بكر كثير الخطأ جدًا. قلت: كان في كتبه خطأ؟ قال: لا، كان إذا حدّث من حفظه (^٧).\nوهذه الرواية تشير إلى أن أبا بكر بن عياش عند الإمام أحمد كان كثير الخطأ إذا حدّث من حفظه، وأما كتابه فهو صحيح، ومع ذلك فقد جعله مقارب الحديث عن بعض الشيوخ، وجعله عن البعض الآخر مضطرب الحديث،\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٩٩.\n(^٢) هدي الساري ص ٤٤٥.\n(^٣) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٧٢.\n(^٤) الجرح والتعديل ٩/ ٣٤٢.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٨٠/٣١٥٥.\n(^٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧٢.\n(^٧) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٧٩.","vol":"1","page":347},{"text":"فجعله مضطرب الحديث عن:\n١. صغار الشيوخ دون كبارهم:\nقال الفسوي: حدثني الفضل - يعني ابن زياد - قال: سألت أبا عبد الله قلت: \"الأسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"لم تُحبس - أو تردّ - الشمسُ على أحد إلا يوشع بن نون\" قال: نعم هكذا أو نحو هذا. قلت: رواه غير الأسود عن أبي بكر؟ قال: لم أسمعه إلا من الأسود. ثم قال أبو عبد الله: أبو بكر يضطرب في حديث هؤلاء الصغار، فأما حديثه عن أولئك الكبار ما أقربه، عن أبي حصين، وعاصم، وإنه يضطرب عن أبي إسحاق أو نحو ذا\" (^١).\nفذكر أن من كبار شيوخه أبي حَصين - عثمان بن عاصم - وعاصم ابن أبي النجود، ومن صغارهم هشامًا وهو ابن حسّان القردوسي البصري. وأبو حصين وعاصم من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة عند خليفة بن خياط (^٢)، وفي هذه الطبقة من شيوخ أبي بكر بن عياش يوجد: حصين بن عبد الرحمن السلمي (^٣)، وأبو إسحاق السبيعي (^٤)، وعبد العزيز بن رُفيع (^٥)، وكذلك سفيان\n_________\n(^١) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧٢، وانظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٣٧٩، والمنتخب من علل الخلال ص ١٨١/ ١٠١.\n(^٢) طبقات خليفة بن خياط ص ١٥٩. وهما في الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة عند ابن سعد الطبقات الكبرى ٦/ ٣٢٠، ٣٢١. وقد اعتمدت هذين الكتابين في تصنيف شيوخ أبي بكر بن عياش على الطبقات لأن الكتابين كليهما جعلا أساس تقسيم الطبقات - فيما عدا الصحابة - قائمًا على اعتبار اللقي بين الصحابة والتابعين انظر: علم الرجال نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع ص ٧٠.\n(^٣) المصدر نفسه ص ١٦٠، وهو في الثالثة عند ابن سعد الطبقات الكبرى ٦/ ٣٢٤.\n(^٤) طبقات خليفة بن خياط ص ١٦٢، الطبقات الكبرى ٦/ ٣١٣.\n(^٥) الطبقات الكبرى ٦/ ٣٢٣. وجعله خليفة في الطبقة الخامسة ص ١٦٥، والظاهر أن تصنيف ابن سعد له في الطبقة الثالثة أولى فإنه قد روى عن ابن عمر، وابن عباس، وروى عنه حصين بن عبد الرحمن السلمي انظر: تهذيب الكمال ١٨/ ١٣٤.","vol":"1","page":348},{"text":"ابن دينار التّمّار (^١)، وغيرهم.\nوفي طبقة الصغار: حميد الطويل (^٢)، والأعمش (^٣)، وإسماعيل بن أبي خالد (^٤)، وأبو إسحاق الشيباني (^٥) وغيرهم.\nوبناء على ما ذهب إليه الإمام أحمد من تضعيف حديث أبي بكر بن عياش عن صغار شيوخه فقد أنكر بعض ما تفرد به عن هؤلاء الشيوخ أو خالف فيه غيره ممن هو أولى منه. فمما أنكره مما تفرد به عن بعض صغار شيوخه ما تقدم ذكره في رواية الفضل بن زياد عن الإمام أحمد أنه أنكر الحديث الذي رواه بلفظ: \"لم تُحبس - أو تردّ - الشمسُ على أحد إلا يوشع بن نون\".\nوهذا الحديث أخرجه أحمد في المسند (^٦)، والطحاوي (^٧)، والخطيب (^٨) كلهم من طريق الأسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام بن حسان،\n_________\n(^١) فقد أدرك محمد بن الحنفية، وسعيد بن جبير، والشعبي، وأبي صالح السمان وطائفة ممن روى عنهم أهل هذه الطبقة، وذكر المزي عن أبي بكر بن عياش أنه قال: قال لي سفيان التمار: أتتني أم الأعمش بالأعمش فأسلمته إلي وهو غلام، قال: فذكرت ذلك للأعمش فقال: ويل أمه، ما أكبره! تهذيب الكمال ١١/ ١٤٤.\n(^٢) ذكره خليفة مع هشام بن حسان في الطبقة السادسة من أهل البصرة ص ٢١٩، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة ٧/ ٢٥٢.\n(^٣) جعله خليفة رأس الطبقة الخامسة من أهل الكوفة ص ١٦٤، وهو في الطبقة الرابعة عند ابن سعد ٦/ ٣٤٢.\n(^٤) جعله خليفة في الطبقة السادسة من أهل الكوفة ص ١٦٧، وهو عند ابن سعد في الطبقة الرابعة طبقة الأعمش ٦/ ٣٤٤.\n(^٥) جعله خليفة في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة ص ١٦٥، وجعله ابن سعد في الطبقة الرابعة منهم ٦/ ٣٤٥.\n(^٦) المسند ١٤/ ٦٥ رقم ٨٣١٥.\n(^٧) شرح مشكل الآثار برقم ١٠٦٩، ١٠٧٠.\n(^٨) تاريخ بغداد ٩/ ٨٩.","vol":"1","page":349},{"text":"عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليُوشع لياليَ سار إلى بيت المقدس\". وقد أعله الإمام أحمد في هذه الرواية عن الفضل بن زياد بأنه من رواية أبي بكر بن عياش عن هشام بن حسان، وهو من صغار شيوخه وروايته عنهم فيها اضطراب.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nوالذي يظهر أن ذلك راجع إلى تفرد أبي بكر بن عياش برواية الحديث من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة بهذا اللفظ الذي تضمن ذكر يوشع بن نون، فالحديث قد روي من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة بغير هذا اللفظ. أخرجه الشيخان من هذا الوجه بلفظ: \"غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعْني رجل ملك بُضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يَبنِ بها، ولا أحدٌ بنى بيوتًا لم يرفع سقوفها، ولا آخر اشترى غنمًا أو خَلِفات وهو ينتظر وِلادَها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس: إنكِ مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحُبست حتى فتح الله عليهم … \" (^١).\nوروي أيضًا من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ رواه النسائي (^٢)، وأبو عوانة (^٣)، وابن أبي عاصم (^٤) وابن حبان (^٥) كلهم من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه عن قتاة، عن سعيد به بمثل لفظ حديث همام بن منبه. فليس في الروايتين تسمية النبي الذي حبست له الشمس، وإنما ورد هذا من\n_________\n(^١) صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/ ٢٢٠ برقم ٣١٢٤، صحيح مسلم ٣/ ١٣٦٦ رقم ١٧٤٧.\n(^٢) السنن الكبرى ٥/ ٢٧٧ رقم ٨٨٧٨.\n(^٣) مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم ٤/ ٢٢٧ رقم ٦٦٠٥.\n(^٤) الجهاد برقم ١١.\n(^٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١١/ ١٣٥ رقم ٤٨٠٧.","vol":"1","page":350},{"text":"رواية أبي بكر بن عياش، عن هشام، عن ابن سيرين، وكذلك ورد في حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة لكنه من قول كعب الأحبار وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ. أخرجه الطبراني (^١)، والحاكم (^٢) بمثل حديث همام وابن المسيب وفيه في آخر الحديث: [فقال كعب - وهو عند أبي هريرة ـ: صدق الله ورسوله، هكذا في كتاب الله يا أبا هريرة، هل حدثكم نبي الله ﷺ أي نبي كان؟ قال: لا، قال كعب: يوشع بن نون، صاحب موسى، فأخبركم أي مدينة هي؟ قال: لا، قال: هي مدينة أَريحا]. فإضافة تسمية النبي صاحب القصة إلى كعب الأحبار أولى من إضافتها إلى رسول الله ﷺ، إذ لم يرد ذلك من طريق سالم من العلة، فأبو بكر بن عياش وإن كان ثقة، فإنه يضطرب في حديثه عن صغار شيوخه مثل هشام بن حسان شيخه في هذا الحديث ولا يضطبه جيدًا، فلا يقبل ما يتفرد به، وخاصة أن ما ذكره معروفٌ من وجه آخر أنه ليس من قول النبي ﷺ، وهذا في نظري هو وجه إعلال الإمام أحمد لحديث أبي بكر بن عياش، حيث جعل ما كان أصله قولًا لكعب مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nوقد اعتمد الحافظ ابن حجر إسناد أبي بكر بن عياش هذا فقال: وقد ورد أصل تسمية هذا النبي من طريق مرفوعة صحيحة، وقال: رجال الإسناد محتج بهم في الصحيح (^٣)، ومن قبله قال ابن كثير عن الإسناد: هو على شرط البخاري (^٤). والحديث ليس على شرط البخاري، لأن البخاري ما أخرج لأبي بكر بن عياش عن هشام بن حسان، وليس الإسناد من شرط الصحيح، لأن\n_________\n(^١) المعجم الأوسط ٦/ ٣٥٢ رقم ٦٦٠٠.\n(^٢) المستدرك ٢/ ١٣٩.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ٢٢١.\n(^٤) البداية والنهاية ٢/ ٢٣٦.","vol":"1","page":351},{"text":"رجاله وإن كانوا محتجًا بهم في الصحيح لكن ليس ذلك على صورة الاجتماع.\nوكذلك صحح الشيخ الألباني هذا الإسناد (^١)، واعتمد على التفصيل الذي ذكره ابن حبان في حالة أبي بكر بن عياش حيث قال ابن حبان: \"كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، يروى عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقد روى عنه ابن المبارك وأهل العراق، وكان يحيى القطان وعلى بن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر سنه ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر فلو كثر خطؤه حتى كان الغالب على صوابه لا يستحق مجانبة رواياته، فأما عند الوهم يهم أو الخطأ يخطئ لا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته وصحة سماعه … والصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه والاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم لأنه داخل في جملة أهل العدالة ومن صحت عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بالجرح وهكذا حكم كل محدث ثقة صحت عدالته وتبين خطاؤه\" (^٢). فقوله: الاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم، يدل على قبول ما تفرد به، لكن الإمام أحمد بسبره لحديث أبي بكر بن عياش عن شيوخه قد ذكر جرحًا مفسرًا، فيقدم على هذا التعديل المبهم.\nوكذلك لم يقبل الإمام أحمد حديثًا آخر لأبي بكر بن عياش عن بعض صغار شيوخه لتفرده به فذكر الخلال عن الفضل بن زياد:\nقال الفضل بن زياد: قلت: الحديث الذي رواه أبو بكر بن عيّاش، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: [أن رجلًا جاء إلى بيته، فرأى ما بهم من\n_________\n(^١) سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٣٤٨.\n(^٢) الثقات لابن حبان ٦/ ٦٦٩ - ٦٧٠.","vol":"1","page":352},{"text":"الحاجة، فخرج إلى الصحراء، فلما رأتْ ذلك امرأتُه قامتْ إلى الرّحى فوضعتها، وإلى التَّنُّور فسجرتْه، ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت، وذهبت إلى التنور فوجدته مُمتلئًا، فلما جاء الزوج قال: أصبتُم بعدي شيئًا؟ قالت امرأتُه: نعم، من ربِّنا. قال: قام إلى الرحى فرفعها فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: \"أما إنه لو لم يرفعها لم تزل إلى يوم القيامة\". قال: ما أدري أيش هذا، أبو بكر يضطرب عن هؤلاء (^١).\nهذا الحديث أخرجه أحمد (^٢) عن الأسود بن عامر عن أبي بكر بن عياش به، وأخرجه البزار (^٣)، والطبراني (^٤)، والعقيلي (^٥)، والبيهقي (^٦) كلهم من طرق عن أحمد ين يونس، عن أبي بكر بن عياش به.\nقال البزار: لا نعلم رواه عن هشام إلا أبو بكر بن عياش. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا هشام بن حسّان، ولا عن هشام بن حسان إلا أبو بكر بن عياش، تفرد به: أحمد بن يونس. ا. هـ.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام أحمد بقوله: ما أدري أيش هذا، أبو بكر يضطرب عن هؤلاء. ا. هـ. هذا يدل على عدم قبوله للحديث لتفرد أبي بكر بروايته عن شيخ يضطرب في حديثه، وهو هشام بن حسّان. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار هذا\n_________\n(^١) المنتخب من علل الخلال ص ١٨٢.\n(^٢) المسند ١٦/ ٣٨٤ رقم ١٠٦٥٨.\n(^٣) كشف الأستار ٤/ ٢٦٧ رقم ٣٦٨٧.\n(^٤) المعجم الأوسط ٥/ ٣٧٠ رقم ٥٥٨٨.\n(^٥) كتاب الضعفاء ٢/ ٥٦٨.\n(^٦) شعب الإيمان ٢/ ١١٦ رقم ١٣٣٩، وفي دلائل النبوة ٦/ ١٠٥.","vol":"1","page":353},{"text":"الحديث العقيلي فقال بعد روايته للحديث: يروي أبو بكر عن البصريين، عن حميد وهشام، غير حديث منكر. ا. هـ (^١). وقد أوضح العقيلي وجه علة هذا الحديث فروى عن محمد بن إسماعيل - هو الصائغ - قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة [أن رجلًا مؤمنًا كانت تحته امرأة مؤمنة، وذلك في بني إسرائيل، وأنهم أصبحوا يومًا وليس عندهم طعام، فغسلت الخواز وغسلت الجفنة، وسجرت التنور وجعلت تعلل زوجها حتى نام، فقامت إلى جفنتها فوجدتها ملآة تدفق عجينًا قد اختمر، فذهبت إلى التنور فإذا فيه حنب لحم، فقال زوجها: من تصدق علينا؟ فقالت: الرب ﵎ تصدق علينا]. قال العقيلي: وهذا أولى من حديث أبي بكر بن عياش (^٢). أي ليس فيه شيء مرفوع إلى النبي ﷺ.\nفتبين بهذا أن أصل الحديث موقوف على أبي هريرة وأنه من الإسرائيليات، وليس فيه قول النبي ﷺ، فرواه أبو بكر بن عياش بزيادة قول النبي ﷺ في آخر الحديث، وأُسند الخطأ إليه لأنه معروف بقلة ضبطه لحديث هشام بن حسان (^٣).\n_________\n(^١) كتاب الضعفاء ٢/ ٥٦٨.\n(^٢) كتاب الضعفاء ٢/ ٥٦٩، وأفاد المحقق بأن هذا مأخوذ من النسخة الناقصة. ا. هـ. وليس موجودًا في بعض نسخ الضعفاء المطبوعة.\n(^٣) وقد روى الإمام أحمد الحديث من طريق عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة بمثل رواية أبي بكر عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة وفيه: قال أبو هريرة: [فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد ﷺ: \"لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة\"]. المسند ١٥/ ٢٧٦ رقم ٩٤٦٤.\nوفيه شهر بن حوشب وقد تركوه انظر: تهذيب الكمال ١٢/ ٥٨٢، لكن رواية عبد الحميد ابن بهرام عنه مقاربة كما قال الإمام أحمد الموضع السابق.\nورواه البيهقي في دلائل النبوة ٦/ ١٠٥ - ١٠٦ من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بنحوه. قال ابن كثير: وهذا الحديث غريب سندًا ومتنًا البداية والنهاية ٦/ ١١٩. وعبد الله بن صالح وإن كان صدوقًا لكن له مناكير كثيرة وأحاديث يخالف فيها انظر: المجروحين ٢/ ٤٠، تهذيب التهذيب ٥/ ٢٦٠","vol":"1","page":354},{"text":"وقال الذهبي: هذا حديث منكر (^١).\nومن صغار شيوخ أبي بكر بن عياش الذين تكلم الإمام أحمد في أحاديثه عنهم: إسماعيل بن أبي خالد، فروى أبو داود في مسائله قال: سمعت أحمد حدّث عن أبي بكر بن عياش، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي في المفقود قال: ليس هذا من حديث إسماعيل … (^٢).\nولم أقف على هذه الرواية التي ذكرها الإمام أحمد، لكن روى سعيد بن منصور عن هشيم، نا إسماعيل بن أبي خالد، والشيباني، عن الشعبي أنه قال في امرأة المفقود: [إذا تزوجت فحملت من زوجها الآخر ثم بلغها أن زوجها الأول حي يفرق بينها وبين زوجها الآخر، فإن مات زوجها الأول فإنها تعتد من هذا الآخر بقية حملها فإذا وضعت اعتدتْ من الأول أربعة أشهر وعشرًا وورثته] (^٣). فرواه من قول الشعبي وليس عن علي، فلعل هذا ما يقصده الإمام أحمد في كلامه على رواية أبي بكر بن عياش، حيث جعل الحديث من قول علي، ببينما هو من قول الشعبي، والمعروف عن علي في المفقود هو ما رواه سعيد بن منصور أيضًا، عن جرير الضبي، عن منصور، عن الحكم قال: قال علي: [إذا فقدت المرأة زوجها فلا تتزوج حتى تستبين أمره] (^٤). ورواه عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور به\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٠٦.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - رواية أبي داود ٤٣٣ رقم ١٩٩٨.\n(^٣) سنن سعيد بن منصور ١/ ٤٠٣ رقم ١٧٦٢، ورواه ابن حزم من طريقه. المحلى ١٠/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(^٤) سنن سعيد بن منصور ١/ ٤٠٢ رقم ١٧٥٨.","vol":"1","page":355},{"text":"نحوه (^١). ورواه ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش، عن الحكم عن علي (^٢) نحوه، وهذا منقطع، أبو بكر لم يلق الحكم. فالمعروف عن علي في المفقود هو رواية الحكم، وأما حديث إسماعيل بن أبي خالد فهو عن الشعبي قوله، وهذا وجه إنكار الإمام أحمد لرواية أبي بكر بن عياش، والعلم عند الله.\nوقد أخرج البخاري لأبي بكر بن عياش من حديثه عن صغار شيوخه حديثه عن حميد الطويل، فإنه من صغار شيوخه كما تقدم، وقد أخرج له البخاري حديثًا واحدًا، وهو حديث أنس في الشفاعة مختصرًا (^٣)، وهو معروف لأنس من وجوه أخرى مطولًا (^٤). ولم أقف على غيره. وكذلك أخرج له من حديثه عن أبي إسحاق الشيباني، وهو حديثه عن عبد الله بن أبي أوفى: \"إذا رأيت الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم\" (^٥)، وهو متابع (^٦). ولم أقف على غيره.\n٢. وممن ذكره الإمام أحمد أن أبا بكر بن عياش يضطرب في حديثه أبو إسحاق السبيعي، وهو في طبقة كبار شيوخه، فقال كما تقدم في رواية الفضل ابن زياد عنه: إنه يضطرب عن أبي إسحاق (^٧).\nومما أنكره الإمام أحمد من حديثه عن أبي إسحاق، ونسبه إلى الوهم فيه ما ذكره عبد الله:\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٩٠ رقم ١٢٣٣١.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٢١ رقم ١٦٧٠٩.\n(^٣) انظر: فتح الباري ١٣/ ٤٧٥ رقم ٧٥٠٩.\n(^٤) انظر: الحديث الذي بعده.\n(^٥) فتح الباري ٤/ ١٩٨ رقم ١٩٥٨.\n(^٦) انظر: فتح الباري ٤/ ١٧٩ رقم ١٩٤١.\n(^٧) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧٢.","vol":"1","page":356},{"text":"قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي قال حدثنا أبو بكر بن عياش، قال حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، قال ذكر عند عبد الله امرأة فقالوا إنها تغتسل يا أبا عبد الرحمن وتتوضأ. فقال: [أما إنها لو كانت عندي لم تفعل ذلك]. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد ينكر هذا الحديث جدًا. قال أبي: لم يروه عن أبي إسحاق غير أبي بكر بن عياش، نراه وهم إنما هذا يرويه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة (^١).\nفأشار في هذه الرواية إلى وهم أبي بكر بن عياش في هذا الحديث لتفرده به عن أبي إسحاق ومخالفة الأعمش له، حيث رواه عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. فلم يقبل الإمام أحمد هذا التفرد منه بل عدّه وهمًا.\nومما ذكره الإمام أحمد من أوهامه في روايته عن أبي إسحاق ما رواه عبد الله أيضًا:\nقال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا أبو إسحاق، عن سعد بن إياس البجلي قال: [رأيت عبد الله يُخرج النساء من المسجد يومَ الجمعة ويقول: أخرجن، فإن هذا ليس لكُنّ. سمعت أبي يقول: سعد بن إياس هو أبو عمرو الشيباني، ولكن أبا بكر قال: البجلي كأنه يرى أنه وهم (^٢).\nفذكر الإمام أحمد أن أبا بكر وهم في نسبة سعد بن إياس، حيث ذكر أنه بجلي بينما هو شيباني.\nوقد وافق الإمام أحمد أبو حاتم في نسبة أبي بكر بن عياش إلى الاضطراب عن أبي إسحاق السبيعي، فأعل حديثًا لأبي بكر عن أبي إسحاق أخطأ فيه ثم\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٠/٣٠٨٠ - ٣٠٨١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٠/٣٠٨٢ - ٣٠٨٣.","vol":"1","page":357},{"text":"قال: وسماع أبي بكر من أبي إسحاق ليس بذاك القوي (^١). ولم يخرج الإمام البخاري لأبي بكر بن عياش شيئًا من حديثه عن أبي إسحاق.\nوهؤلاء الأعلام ذكروا على سبيل المثال لا الحصر للرواة الثقات الذين تكلم الإمام أحمد في حفظهم لحديث بعض شيوخهم واقتضى ذلك إعلال مروياتهم عن أولئك الشيوخ.\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٣٤/٦٩. وقد ذكر أبو حاتم وأبو زرعة غير حديث لأبي بكر بن عياش أخطأ فيه عن أبي إسحاق انظر: علل ابن أبي حاتم: ١/ ٥٦/١٤٤، ١/ ٨٨/٢٣٤، ١/ ١٣٩/٣٨٦، ٢/ ٤٢/١٦٠٦، ٢/ ١٧٧/٢٠٢٦.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>المطلب الرابع: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن أهل بعض البلدان، والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\nومن مجال غوامض علل الحديث الذي كشفه النقاد ما يقع لبعض رواة الأخبار من أوهام واضطراب في رواياتهم عن أهل بعض البلدان مع كونهم في أنفسهم ثقات، لكنهم بسبب من الأسباب لم يضبطوا أحاديث شيوخ تلك البلدان ووصفوا بسوء الحفظ فيهم، فيكون ذلك من دواعي التمييز والتمحيص فيما رووا، فلا يصحح لهم بإطلاق، بل إضافة على حالهم من حيث الجرح والتعديل ينظر إلى بلد من رووا عنه من الشيوخ، فيصحح أحاديثهم عن أهل البلدان الذين هم فيهم ضابطون ويتوقف في مروياتهم عمن وصفوا بسوء الحفظ فيهم، فلا يقبل ما تفردوا به أو ما خالفوا فيه غيرهم، وبهذا يجتنب مواطن الوهم والغلط في مروياتهم.\nوالإمام أحمد ﵀ من النقاد الذين انبروا لكشف هذه العلة في أحاديث هذا الصنف من الرواة، فميّزهم وأعلّ بعض مروياتهم بهذه العلة، منهم:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-150> إسماعيل بن عيّاش بن سُليم العنسي الحمصي:</span>\nوصفه الإمام أحمد بأنه هو والوليد بن مسلم أروى الناس لحديث الشاميين (^١).\nولما سأل عن حفظه فأُخبر بذلك عجب من حفظه وجعله مثل وكيع في سعة الحفظ، فروى الخطيب من طريق عبد الله بن الإمام أحمد قال: \"قال أبي لداود بن عمرو الضبي وأنا أسمع: يا أبا سليمان، كان يحدثكم إسماعيل بن عياش\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٦/ ٢٢٢.","vol":"1","page":359},{"text":"هذه الأحاديث بحفظه؟ قال: نعم! ما رأيت معه كتابًا قط. فقال له: لقد كان حافظًا، كم كان يحفظ؟ قال: شيئًا كثيرًا. قال له: كان يحفظ عشرة آلاف؟ قال: عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، فقال له أبي: هذا كان مثل وكيع\" (^١).\nوقد صحح الإمام أحمد أحاديث إسماعيل بن عيّاش عن الشاميين خاصة، وضعّف حديثه عن غيرهم من أهل المدينة، وأهل العراق، لأنه يغلط فيهم وله عنهم مناكير.\nقال أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: \"إسماعيل بن عياش، ما روى عن الشاميين فهو صحيح، وما روى عن أهل المدينة وأهل العراق ففيه ضعف يغلط\" (^٢).\nوقال في رواية أبي طالب: \"إسماعيل بن عيّاش، ما روى عن الشاميين صحيح، وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح\" (^٣).\nوقال أبو حاتم: \"سألت أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن عيّاش فقال: في روايته عن أهل العراق وأهل الحجاز بعض الشيء، وروايته عن أهل الشام كأنه أثبت وأصح\" (^٤).\nوقال في رواية أبي داود: \"ما حدّث عن مشايخهم، قلت: الشاميين؟ قال: نعم، فأما حديث غيرهم عنده مناكير\" (^٥).\nوأما في رواية المروذي فحسّن حديثه عن أهل الشام، فكأن حديثه عنهم\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٦/ ٢٢٤.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٨٩.\n(^٣) المصدر نفسه ١/ ٢٨٨.\n(^٤) الجرح والتعديل ٢/ ١٩٢.\n(^٥) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ٢٦٤/ ٣٠٠ ج.","vol":"1","page":360},{"text":"متردد بين الصحيح والحسن عنده (^١). قال المروذي: \"سألته يعني أبا عبد الله عن إسماعيل بن عيّاش، فحسّن روايته عن الشاميين وقال: هو فيهم أحسن حالًا مما روى عن المدنيين وغيرهم\" (^٢).\nوقد أجمع على هذا القول في إسماعيل بن عياش جمعٌ من الأئمة الحفاظ، منهم يحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو زرعة، وابن عدي، وروي أيضًا عن علي بن المديني (^٣).\nما أعله من حديث إسماعيل بن عياش عن غير أهل الشام:\n١. قال عبد الله: سألت أبي عن حديث حدّثناه الفضل بن زياد الذي يقال له: الطسّي قال: حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: \"لا يقرأ الجُنْب والحائض شيئًا من القرآن\" فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عيّاش، يعني أنه وهمٌ من إسماعيل بن عيّاش (^٤).\nهذا الحديث رواه الترمذي (^٥)، وابن ماجه (^٦)، والطحاوي (^٧)، والدارقطني (^٨)، والبيهقي (^٩)، من طرق عن إسماعيل بن عياش به.\n_________\n(^١) قال الذهبي: حديث إسماعيل عن الحجازيين والعراقيين لا يحتج به، وحديثه عن الشاميين صالح من قبيل الحسن، ويحتج به إن لم يعارضه أقوى منه سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٢١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٤١.\n(^٣) انظر أقوالهم في تاريخ بغداد ٦/ ٢٢٤ - ٢٢٧، وتهذيب الكمال ١٧٦ - ١٨٠، وكذلك شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٣.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٨١ رقم ٥٦٧٥، وكذا العقيلي عن عبد الله الضعفاء ١/ ١٠٥، وكذا الخلال عن عبد الله ذكره ابن دقيق العيد في الإمام ٣/ ٧١.\n(^٥) الجامع ١/ ٢٣٦ ح ١٣١.\n(^٦) السنن ١/ ١٩٥ ح ٥٩٥.\n(^٧) شرح معاني الآثار ١/ ٨٨.\n(^٨) السنن ١/ ١١٧.\n(^٩) السنن الكبرى ١/ ٨٩، ٣٠٩.","vol":"1","page":361},{"text":"أنكره الإمام أحمد على إسماعيل بن عيّاش، مما يدل على أنه علة الحديث، وفسر عبد الله وجه النكارة بأن الحديث وهمٌ من إسماعيل، وشيخه في هذا الحديث هو موسى بن عقبة إمام المغازي، وهو حجازي من ثقات أهل المدينة. وهذا الوهم يحتمل أحد وجهين: الأول: أن يكون ذلك راجعًا إلى تفرد إسماعيل ابن عياش عن موسى بن عقبة بهذه الرواية، وهو ممن لا يحتمل تفرده لعدم ضبطه لحديث أهل الحجاز، وهذا وجه إعلال الإمام البخاري للحديث.\nقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: \"إن إسماعيل بن عيّاش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به\" (^١). ونقل عنه أيضًا أنه قال: \"لا أعرفه من حديث ابن عقبة، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق\" (^٢). وممن نص على تفرد إسماعيل عن موسى بن عقبة بهذه الرواية الترمذي (^٣)، والبزار (^٤).\nالوجه الثاني: أن يكون ذلك راجعًا إلى ما ذكره أبو جاتم قال: \"هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله\" (^٥)، فيكون الوهم في رفعه للحديث. ولم أقف على رواية الوقف إلا ما ذكره أبو حاتم هنا.\nوقد يقال إن إسماعيل بن عياش لم ينفرد بهذا عن موسى بن عقبة بدليل ما رواه الدارقطني من ثلاث طرق أخرى عن موسى بن عقبة، وعليه فلا يستقيم\n_________\n(^١) الجامع ١/ ٢٣٧.\n(^٢) علل الترمذي الكبير ١/ ١٩٠.\n(^٣) الجامع الموضع السابق.\n(^٤) نقل ابن دقيق العيد عن البزار أنه قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن موسى بن عقبة إلا إسماعيل بن عياش، ولا نعلم يُروى عن ابن عمر من وجه إلا من هذا الوجه، ولا يروى عن النبي ﷺ في الحائض إلا من هذا الوجه الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ١/ ٧٠.\n(^٥) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٩ ح ١١٦.","vol":"1","page":362},{"text":"الإعلال بالوجه الذي ذكره الإمام البخاري من توهيم إسماعيل بن عياش من أجل التفرد، وهذه الطرق هي:\n١. طريق عبد الملك بن مسلمة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى ابن عقبة به (^١).\n٢. طريق أبي معشر، عن موسى بن عقبة به. رواه الدارقطني أيضًا من طريق محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل عنه (^٢).\n٣. طريق إبراهيم بن العلاء، وسعيد بن يعقوب الطالقاني كلاهماعن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، عن نافع به (^٣).\nأما الطريق الأول ففيه عبد الملك بن مسلمة، قال ابن حبان: شيخ يروي عن أهل المدينة المناكير الكثيرة. وقال ابن يونس: منكر الحديث (^٤). وأما المغيرة ابن عبد الرحمن المخزومي فقيه أهل المدينة، فوثقه ابن معين، ويعقوب بن شيبة، وقال أبو زرعة: لا بأس به (^٥). واغتر به ابن سيد الناس فصحح الحديث من أجله، وذهل عن وجود عبد الملك بن مسلمة في السند، فخطّأه ابن حجر (^٦).\nوأما الطريق الثاني ففيه رجل مبهم في السند، وفيه أيضًا أبو معشر نجيح ابن عبد الرحمن المديني، قال أحمد: كان صدوقًا، لكنه لا يقيم الإسناد، ليس بذاك (^٧)\n_________\n(^١) سنن الدارقطني ١/ ١١٧.\n(^٢) سنن الدارقطني ١/ ١١٨.\n(^٣) أخرج الطريقين الدارقطني السنن ١/ ١١٧، وأخرج ابن عدي طريق إبراهيم بن العلاء الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٩٤، وذكر ابن عدي طريق الطالقاني تعليقًا.\n(^٤) المجروحين ٢/ ١٣٤، المغني في الضعفاء ٢/ ٤٠٨.\n(^٥) تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٨٢.\n(^٦) تلخيص الحبير ١/ ١٣٨.\n(^٧) الجرح والتعديل ٦/ ٤٩٤.","vol":"1","page":363},{"text":"وقال ابن معين: ضعيف، يكتب من حديثه الرقاق، وكان رجلًا أميا، يتقى أن يروى من حديثه المسند (^١). وقال البخاري: منكر الحديث (^٢). فمثل هذا لا يعتبر به في غير الرقاق من المسند، والأمر الآخر هو أن الرجل المبهم يحتمل أن يكون مجروحًا جرحًا شديدًا. وبهذا ينتفي صحة متابعة إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة.\nوأما الطريق الثالث، ففيه إبراهيم بن العلاء أبو هارون الغنوي، لم يحدث عنه يحيى القطان وابن مهدي (^٣)، لكن قال عنه الذهبي: بصري صدوق (^٤)، إلا أن الراوي عنه، وهو محمد بن جعفر بن رزين لم أجد له ترجمة. وإبراهيم بن العلاء مقرون بسعيد بن يعقوب الطالقاني، وهو ثقة، وثقه أبو زرعة، والنسائي، والذهبي (^٥). وهذا السند ظاهره الصحة، إلا أنه معلول، فإن الشيخ الثاني لإسماعيل ابن عيّاش، وهو عبيد الله بن عمر حجازي أيضًا فروايته عنه ضعيفة أيضًا، ولذلك قال ابن عدي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله (^٦)، يشير إلى تفرد إسماعيل بن عيّاش به عن عبيد الله، وهو ممن لا يحتمل منه هذا التفرد.\nوقد ضعف الحافظ ابن حجر هذا الحديث من جميع طرقه (^٧).\n٢. قال أبو طالب: سألت أحمد عن حديث ابن عياّش، عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: \"من قاء، أو رعَف، أو أَحدث\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٢٦.\n(^٢) التاريخ الكبير ٨/ ١١٤.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢١٢.\n(^٤) ميزان الاعتدال ١/ ترجمة ١٥٢.\n(^٥) تهذيب الكمال ١١/ ١٢٣، الكاشف ١/ ٤٤٧ ترجمة ١٩٨٣.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٩٤.\n(^٧) فتح الباري ١/ ٤٠٩.","vol":"1","page":364},{"text":"في صلاته فلْيذهب فلْيتوضأ، ثم ليَبْنِ على صلاته\" فقال: هكذا رواه ابن عيّاش، إنما رواه ابن جريج فقال: عن أبي، إنما هو عن أبيه، ولم يُسنده عن أبيه، ليس فيه ذكر عائشة (^١).\nوفي رواية أبي داود:\n\"سمعت أحمد قيل له: حديث ابن عيّاش - وهو إسماعيل - عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ في البناء - يعنى من الحدث في الصلاة؟ قال: ليس هذا بشيء، إنما هو عن ابن جريج، عن أبيه، ولم يسمعه أيضًا من أبيه، قلت: يجمعهما - أعني إسماعيل بن عياش؟ قال: ليس هذا بشيء\" (^٢).\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجة (^٣)، وابن عدي (^٤)، والدارقطني (^٥)، والبيهقي (^٦) من طرق عن ابن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به مرفوعًا.\nوقد رواه ابن عيّاش بإسناد آخر فقال: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ، رواه أبو الربيع موسى بن عامر، عن الوليد بن مسلم، عن إسماعيل به (^٧)،\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٤٢. رواه من طريق ابن عدي، والذي في أصل الرواية كما في الكامل لابن عدي ١/ ٢٨٨: عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، والصواب ما ذكره البيهقي من طريق ابن عدي بذكر عائشة مكان ابن عباس، لأن الحديث حسب مصادر التخريج إنما ورد عن عائشة، وليس عن ابن عباس، وأيضًا نسخة الكامل المطبوعة معروفة بكثرة الأخطاء فيها.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٩٩/ ١٨٨٩.\n(^٣) سنن ابن ماجة ١/ ٣٨٥ ح ١٢٢١.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٩٢، ٥/ ١٩٢٨.\n(^٥) سنن الدارقطني ١/ ١٥٤ ح ١٥.\n(^٦) السنن الكبرى ١/ ١٤٢، ٢/ ٢٥٥.\n(^٧) أخرجه البيهقي من هذا الوجه السنن الكبرى ٢/ ٢٥٥. والوليد بن مسلم ثقة معروف، وإنما عيب عليه كثرة التدليس التقريب ٧٥٠٦.","vol":"1","page":365},{"text":"وتابعه مروان بن محمد الطاطري عن إسماعيل به (^١).\nورواه داود بن رُشيد، عن إسماعيل، عن ابن جريج، عن أبيه، وعن عبد الله ابن أبي مليكة، عن عائشة به (^٢).\nوقد أعلّ الإمام أحمد الإسناد الأول كما في هذه الرواية من طريق أبي طالب عنه، ووجه ذلك أن الحفاظ من أصحاب ابن جريج رووا الحديث عنه، عن أبيه مرسلًا. رواه كذلك: عبد الرزاق (^٣)، وأبو عاصم النبيل، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الوهاب ابن عطاء الخفاف (^٤). فهؤلاء مقدّمون على إسماعيل ابن عياش في ابن جريج وخاصة أن إسماعيل معروف بعدم ضبطه لحديث شيوخه الحجازيين، وابن جريج منهم.\nوقد وافق الإمام أحمد على إعلال الحديث من هذا الوجه محمد بن يحيى الذهلي - وقد روى الحديث بالوجهين مسندًا من طريق ابن عياش، ومرسلًا من طريق أبي عاصم النبيل - فقال: \"هذا هو الصحيح عن ابن جريج، وهو مرسل، وأما حديث ابن جريج، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة الذي يرويه إسماعيل بن عياش فليس بشيء\" (^٥).\nوتبعهما البيهقي، قال: \"وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي ﷺ … \" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه من هذا الوجه ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩٢٨. ومروان بن محمد الطاطري ثقة انظر: تهذيب الكمال ٢٧/ ٤٠١ - ٤٠٢.\n(^٢) أخرجه الدارقطني ١/ ١٥٣ ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٥٥. وداود بن رُشيد ثقة التقريب ترجمة ١٧٩٤.\n(^٣) انظره في منصنفه ٢/ ٣٤١ ح ٣٦٧١.\n(^٤) والأربعة رواياتهم عند الدارقطني في السنن ١/ ١٥٥.\n(^٥) سنن الدارقطني ١/ ١٥٥.\n(^٦) السنن الكبرى ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"1","page":366},{"text":"وأما أبو حاتم وأبو زرعة فرجحا أيضًا رواية الإرسال لكن من وجه آخر فقالا: \"الصحيح عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسل\" (^١). وهذه الرواية لم أقف عليها، والظاهر أنها غريبة، ومن أجل ذلك قال ابن دقيق العيد: \"هذا لون آخر ينبغي أن يتتبع بالكشف\" (^٢).\nوقد يعترض على هذا الإعلال بثلاثة أمور، سأوردها مع الجواب عليها.\nالأول: أن إسماعيل بن عياش توبع عن ابن جريج: تابعه سليمان بن أرقم قال: حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ بهذا الحديث (^٣). قال الدارقطني: \"تابعه سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وأصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج، عن أبيه مرسلًا، والله أعلم\" (^٤)، يشير إلى أنه مع هذه المتابعة، حتى ولو صلحت، فإنها لا تقارن برواية أصحاب ابن جريج الحفاظ.\nالثاني: أن بعض الرواة روى الحديث عن إسماعيل بن عيّاش، عن عباد ابن كثير، وعطاء بن عجلان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بمثله مرفوعًا. رواه الدارقطني، وقال: عباد بن كثير، وعطاء بن عجلان ضعيفان (^٥). وعباد بن كثير الذي يروي عنه إسماعيل بن عياش هو الثقفي البصري (^٦)، وهو أسوأ حالا من الرملي، فقد قال فيه غير واحد: لا يكتب حديثه (^٧)، وقال الإمام أحمد: روى\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٣١ ح ٥٧، و١/ ١٧٩ ح ٥١٢.\n(^٢) الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٢/ ٣٤٥.\n(^٣) أخرجه الدارقطني ١/ ١٥٥.\n(^٤) سنن الدارقطني ١/ ١٥٤.\n(^٥) الموضع نفسه.\n(^٦) انظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٦٣ - ١٦٤.\n(^٧) تهذيب الكمال ١٤/ ١٤٧ - ١٤٨.","vol":"1","page":367},{"text":"أحاديث كاذبة لم يسمعها (^١). وأما عطاء بن عجلان فمتروك أيضًا، وأطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب (^٢). فروايته ساقطة أيضًا كالتي قبلها.\nالثالث: أن إسماعيل بن عياش قد روى الحديث من وجهين: مرسلًا كما رواه الجماعة، ومسندًا بذكر عائشة؛ رواه عنه بالإسنادين معًا: محمد بن المبارك، ومحمد بن الصباح، والربيع بن نافع (^٣). وهذا يُشعر بأنه ضابط للحديث، فتقبل روايته المسندة ولا تعلّ، وهذا الذي مال إليه ابن دقيق العيد، وتبعه ابن التركماني. قال ابن دقيق العيد: \"وهذه الروايات التي جمع فيها إسماعيل بن عيّاش بين الإسنادين جميعًا - أعني المرسل والمسند في حالة واحدة - مما يبعد الخطأ على إسماعيل، فإنه لو اقتصر على رفع ما وقفه الناس لتطرّق الوهم إلى خطئه تطرقًا قريبًا، فأما وقد وافق الناس في روايتهم المرسل، وزاد عليهم بالمسند، فهذا يُشعر بتحفظ وتثبت فيما زاده عليهم، وإسماعيل قد وثقه يحيى بن معين، وقال يزيد بن هارون: ما رأيب شاميًا ولا عراقيًا أحفظ من إسماعيل بن عيّاش\" (^٤).\nوالجواب على هذا أن إسماعيل قد روى الحديث من وجه آخر عن ابن جريج غير الوجهيْن المذكوريْن، وهو: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة، ولم يتابع على هذا الوجه كما لم يتابع على الرواية المسندة من طريق ابن أبي مليكة من وجه معتبر. والذين رووا الحديث عنه من هذه الوجوه الثلاثة كلهم ثقات، واختلافهم عليه يدل على اضطرابه لا على مزيد تثبت، فالوجه الذي توبع عليه من قبل ثقات\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٦/ ٨٤.\n(^٢) قاله الحافظ في التقريب ٦٧٨ ترجمة ٤٦٢٧.\n(^٣) ورواياتهم كلهم عند الدارقطني في سننه ١/ ١٥٤. وكلهم ثقات انظر: التقريب: ١٩١٢، ٦٠٠٤، ٦٣٠٢.\n(^٤) الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٢/ ٣٤٥، وانظر: الجوهر النقي بحاشية السنن الكبرى حيث نقل كلام ابن دقيق العيد بدون عزو ١/ ١٤٢.","vol":"1","page":368},{"text":"أصحاب شيخه ابن جريج يكون هو المحفوظ والوجهان الآخران يكونان غير محفوظيْن، وهذا ما ذكره ابن عدي عن الوجهين المسندين (^١)، والله أعلم.\nوقد ردّ الإمام أحمد على احتجاج أبي داود برواية إسماعيل للحديث من الوجهين - أعني مسندًا ومرسلًا ليدل على قبوله عنده - فقال: ليس هذا بشيء (^٢).\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-151> سفيان بن عيينة:</span>\nذكر الإمام أحمد أن حديثه عن الكوفيين فيه غلط كثير، فقال كما جاء في رواية الفضل بن زياد: \"كان سفيان بن عيينة حافظًا، إلا أنه كان إذا صار في حديث الكوفيين كان له غلط كثير، وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء\" (^٣).\nولا يدل هذا في الحقيقة على سوء حفظ سفيان لحديث الكوفيين، وذلك أن كلام الإمام أحمد ورد في معرض مقارنة حفظ الثوري بابن عيينة، فالرواية كما جاءت عن الفضل بن زياد هي:\n\"سئل أحمد بن حنبل، قيل له: سفيان الثوري كان أحفظ أو ابن عيينة؟ فقال: كان الثوري أحفظ وأقل الناس غلطًا، وأما ابن عيينة فكان حافظًا، إلا أنه إذا صار في حديث الكوفيين كان له غلط كثير، وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء. قيل له: فإن فلانًا يزعم أن سفيان بن عيننة كان أحفظهما؟ فضحك ثم قال: فلان حسن الرأي في ابن عيينة فمن ثَمّ\" (^٤).\nوالأمر الآخر أن هذه الرواية أشارت إلى غلط ابن عيينة في حديث الحجازيين أيضًا، وهذا أيضًا ليس على إطلاقه بدليل أن شيخ الإمام أحمد وهو\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٩٣.\n(^٢) تقدم في صدر المسألة ص ٢٩٣.\n(^٣) تاريخ بغداد ٩/ ١٧٠.\n(^٤) تاريخ بغداد ٩/ ١٧٠.","vol":"1","page":369},{"text":"عبد الرحمن بن مهدي قد قال في ابن عيينة: إنه من أعلم الناس بحديث أهل الحجاز (^١). فكثرة الغلط المشار إليها في رواية ابن عيينة عن الكوفيين هي بالمقارنة برواية الثوري عنهم، فالثوري أحفظ لحديث الكوفيين من ابن عيينة وأقل غلطًا، وأما بالنسبة لرواية ابن عيينة عن الحجازيين فإنما يقصد به الغلط الذي لا يسلم منه أحد حتى وإن كان ثقة، والله أعلم.\nولم يجتنب أصحاب الصحاح رواية ابن عيينة عن الكوفيين كالأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر الأحمسي، وأبي إسحاق الشيباني وغيرهم (^٢).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٨٢ رقم ٦٠٦٢.\n(^٢) تهذيب الكمال ٧/ ١٧٩ - ١٨٢.","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>المطلب الخامس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا جمع الشيوخ في الإسناد، والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\nومن العلل التي تعلّ بها الروايات في حالة دون أخرى أن يكون الراوي ليس له من الضبط ما يقبل منه أن يروي حديثًا واحدًا عن عدد من الشيوخ ثم يسوقه سياقًا واحدًا، وذلك أن الحديث الواحد إذا رواه عدد من الشيوخ فلا بد أن يقع بطبيعة الحال بعض الاختلافات في ألفاظهم بين شيخٍ وآخر لتصرفهم في لفظ الحديث، فإذا جاء راوٍ وروى الحديث عنهم ولم يميز لفظ هذا من ذاك، فإن ذلك مشعر بأنه قد حمل لفظ بعضهم على بعض، وبالتالي يقع في الخطأ والوهم لا محالة، ولكن هذا ليس في جميع الرواة، ولا هو في جميع الحالات، فبعض الرواة قد يكون له من الحفظ والإتقان ما يجعله يميز الألفاظ فيقبل من مثله جمع الشيوخ، كما أن في حالة الرواية بالمعنى ممن توفرت فيه شروطها، يسوغ له أن يروي عن عدد من الشيوخ ما اتحد فيه معنى حديثهم وإن اختلفت ألفاظهم.\nوقد بيّن الحافظ ابن رجب هذا الوجه من الإعلال فقال: \"ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره\" (^١).\nوالمسئلة في الحقيقة ذات شقين:\nالشق الأول: أن يروي الراوي الحديث عن عدد من الشيوخ اختلفوا في\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨١٦.","vol":"1","page":371},{"text":"اللفظ لكن المعنى واحد، فيروي عنهم بلفظ واحد ولا يشير إلى اختلاف ألفاظهم اعتمادًا على اتحاد المعنى، فهذا يرجع إلى مبحث الرواية بالمعنى، فيتقيد جواز هذا الصنيع بشروط الرواية بالمعنى. لكن الاتقان يقتضي من الراوي أن يبين صاحب اللفظ، وفي حالة عدم علمه بما يميز لفظ بعضهم عن البعض، يبين كذلك (^١). وقد كان الإمام أحمد حريصًا على تمييز الألفاظ في السند والمتن، ومنه أخذ الإمام مسلم هذا الصنيع كما قال السخاوي (^٢). فإن قيل إن هذا يقتضي حمل حديث بعض الشيوخ على البعض، يجاب بأن المحذور في هذا حيث كان بين الأحاديث اختلاف في المعنى، أو بالزيادة والنقصان، وهو خارج عن صورة المسألة.\nالشق الثاني: أن يكون متن الحديث مجموعه من جماعة من الشيوخ ملفقًا بأن يكون عن كل شيخ قطعة منه، فيخلط ألفاظهم ويسوق الحديث سياقًا واحدًا بلا تمييز لما عند كل واحد منهم (^٣)، فهذا لا يقبل إلا من حافظ متقن لحديثه عارف بمواضع الاتفاق والاختلاف بين شيوخه كما تقدمت إشارة ابن رجب لصنيع الإمام الزهري في روايته لحديث الإفك، فإنه رواه عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقّاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم عن عائشة ﵂، قال: \"وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد وعيْتُ عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، وإن كان بعضهم\n_________\n(^١) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٨١.\n(^٢) المصدر السابق ٣/ ١٨٣. وانظر المثال الذي ذكره عن الإمام أحمد في المسند ١٩/ ٣٣٩: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض - قال حجاج: رجل من بني عامر - عن أنس بن مالك قال: \"كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة\".\n(^٣) انظر: فتح المغيث ٣/ ٢١١ - ٢١٢.","vol":"1","page":372},{"text":"أوعى له من بعض\" (^١). فذكر أنهم اختلفوا في الحديث، وكل واحد حدثه بجزء منه، وأنه حافظ لرواية كل واحد منهم على حدة، فلم يؤثر ذلك في الجمع بين ألفاظهم. على أنه قد انتقد على الإمام الزهري هذا الصنيع منه، كما نقله القاضي عياض قال: \"انتقدوا على الزهري ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفقًا عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الاخر\" (^٢).\nويزاد على هذا شرط آخر، وهو أن يكون الشيوخ كلهم ثقات، وأما حيث كان بعضهم يُستضعف فإنه يقع احتمال اختصاص الضعيف بشيء من الحديث عن الآخرين، ولأجل هذا المحذور كان يكره الإمام أحمد أن يروي الراوي حديثًا عن رجلين أحدهم مجروح، فيسقط اسم المجروح من السند ويقتصر على حمل الحديث عن الثقة وحده، فقد روى الخطيب من طريق الخلال عن حرب الكرماني أن أبا عبد الله قيل له: \"فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتًا وأترك أبانًا؟ قال: لا، لعل في حديث أبان شيئًا ليس في حديث ثابت، وقال: إن كان هكذا فأحب أن يسميهما\" (^٣).\nوهناك صورة أخرى لهذا الشق، وهي ما إذا كان بين أولئك الشيوخ تباين في أوجه رواية الحديث، كأن يكون عند بعضهم مرفوعًا وعند الآخرين موقوفًا، أو يكون عند بعضهم بزيادة رجل في الإسناد، ولا يكون كذلك عند الآخرين، أو غير ذلك من أوجه الاختلاف في السند، فالجمع بينهم في هذه الحالة أيضًا لا يكون مقبولًا إلا من حافظ متقن. وقد ذكر ابن رجب عن يعقوب بن شيبة أنه قال: \"كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين، فيسند الكلام عن\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٧/ ٤٣١ ح ٤١٤١ - مع فتح الباري.\n(^٢) لم أقف عليه في الإلماع في تقييد السماع للقاضي عياض ونقلته بواسطة فتح الباري ٨/ ٤٥٦.\n(^٣) الكفاية في علم الرواية ص ٥٣٧.","vol":"1","page":373},{"text":"أحدهما، فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله\" (^١).\nوحيث لم يكن لدى الراوي من الحفظ والاتقان ما يجعله يميز الألفاظ أو أوجه الرواية فجمعه للشيوخ في الإسناد يكون موضع الانتقاد لما يقع من حمل حديث بعضهم على بعض، وإدخال حديث في آخر.\nومما تقدم تتلخص الصور المحذورة لجمع الشيوخ في الإسناد عند رواية الحديث الواحد في ثلاث صور:\n١. أن لا يكون لدى الراوي من الحفظ والمعرفة ما يؤهله للرواية بالمعنى، في حالة روايته لحديث تتفاوت ألفاظ شيوخه فيه مع اتحاد معنى ما رووه.\n٢. أن لا يكون الراوي من الحفاظ المتقنين العارفين بمواضع الاتفاق والاختلاف في مرويات شيوخه.\n٣. أن يكون بعض الشيوخ ضعيفًا، فإنّ جمع الشيوخ في هذه الصورة يؤدي إلى حمل حديث الضعيف على حديث الثقة.\nوقد كان الإمام أحمد ينتقد على الرواة جمعهم بين الشيوخ في الأسانيد، وتكلم فيهم من أجل ذلك، والظاهر أن ذلك راجع إلى هذه المحاذير. وهذا أحد أوجه جرحه لمحمد بن عمر الواقدي وتركه لحديثه. قال إبراهيم الحربي: \"سمعت أحمد - وذكر الواقدي - فقال: ليس أُنكر عليه شيئًا إلا جمعه الأسانيد ومجيئه بمتن واحد على سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا. قال إبراهيم: ولم؟ وقد فعل هذا ابن إسحاق، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر، وفلان، وفلان، والزهري أيضًا قد فعل هذا\"، وفي رواية أخرى ذكر معهم حماد بن سلمة أيضًا (^٢). وما ذكره الحربي من الاستدراك\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٦٦.\n(^٢) تاريخ بغداد ٣/ ١٦.","vol":"1","page":374},{"text":"بمحمد بن إسحاق وحماد بن سلمة، فقد ورد عن الإمام أحمد إنكاره عليهم بالعلة نفسها كما سيأتي، وأما الزهري فقد تقدم أنه بلغ من الحفظ والاتقان ما يسوغ له ذلك.\nومن هؤلاء الرواة أيضًا محمد بن إسحاق إمام المغازي. قال المروذي: \"سألته يعني الإمام أحمد عن محمد بن إسحاق، كيف هو؟ قال: هو حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجليْن. قلت: كيف؟ قال: يحدّث عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا \" (^١). فإذا جمع بين الرجلين فقد يكون الرجل الآخر ضعيفًا، أو يكون في نفسه ثقة لكن بين حديثه وحديث الزهري مثلًا تفاوتًا فيحمل حديث أحدهما على الآخر بلا تمييز، ويقع بسبب ذلك في الوهم والغلط.\nوروى الخطيب من طريق أيوب بن إسحاق بن سافري قال: \"سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله! ابن إسحاق إذا انفرد بحديثه تقبله؟ قال: لا والله! إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا\" (^٢).\nوقال ابن هانئ عن الإمام أحمد أنه سمعه يقول: \"إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثًا عن محمد بن إسحاق، فإذا جمع بين رجلين، يقول: حدثني فلان وفلان، لم يحكمه\" (^٣). يقصد ابن إسحاق إذا جمع بين رجلين، ولا يقصد إبراهيم بن سعد، إذ لم يرد عن الإمام أحمد تضعيفه بحال. وقوله: \"لم يحكمه\" يدل بمفهومه على أن من يُحكم هذا الجمع لما له من مزيد الضبط والاتقان يكون ذلك منه مقبولًا.\nفهذه من الأمور التي اعتمدها الإمام أحمد لتقرير خفة ضبط ابن إسحاق\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ٦١ رقم ٥٥.\n(^٢) تاريخ بغداد ١/ ٢٣٠.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٢٥ رقم ٢٢٢٦.","vol":"1","page":375},{"text":"عنده، حيث لم يكن يحكم أن يميز بين ألفاظ الشيوخ إذا اشتركوا في رواية حديث واحد، فمن أجل ذلك لم يكن يحتج به إذا انفرد بالحديث، وإنما يحتج به في المغازي، ولم يكن يحتج به في السنن كما قال عبد الله (^١).\nولم أقف على حديث لابن إسحاق أعله من أجل جمعه للشيوخ في الإسناد.\nوذكر منهم أيضًا أبا بكر بن عبد الله أبي مريم الحمصي الغساني:\nقال عبد الله: \"سئل أبي عن حريز وأبي بكر بن أبي مريم، فقال: أبو بكر ضعيف، كان يجمع فلان وفلان\" (^٢).\nقال ابن هانئ: \"وسئل: أيما أحب إليك: صفوان أو أبو بكر بن أبي مريم؟ قال: صفوان أحب إليّ، وهو صالح الحديث، وأبو بكر ضعيف، كان يجمع الرجال فيقول: حدثني فلان، وفلان، وفلان\" (^٣).\nفضعفه الإمام أحمد من أجل جمعه للشيوخ لأنه ليس له من الحفظ ما يضبط هذا.\nوكذلك قال في حماد بن سلمة، مع أنه ثقة عنده كما تقدم، فقال كما في رواية الأثرم: \"في حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي ﷺ في آنية المشركين: قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال، ثم يجعله إسنادًا واحدًا، وهم يختلفون\" (^٤).\nوهذا الحديث عن حماد بن سلمة رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن محمد القرشي، عن حماد، عن أيوب وقتادة به، ولفظه: \"قال أبو ثعلبة الخشني:\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١/ ٢٣٠، وانظر: الجرح والتعديل ٧/ ١٩٣.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٩ رقم ١٤٨٤.\n(^٣) المصدر السابق ٢/ ٢٢٩ رقم ٢٢٥٨.\n(^٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٨١٥.","vol":"1","page":376},{"text":"[يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب فنطبخ في قُدورهم ونشرب في آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن لم تجدوا غيرها فارحَضوها بالماء\" ثم قال: يا رسول الله! إنا بأرض صيدٍ فكيف نصنع؟ قال: \"إذا أرسلتَ كلبَك المُكلَّب وذكرت اسم الله فقتل فكُلْ، وإن كان غير مُكلّب فذُكِّي فكُلْ، وإذا رميت بسهمك وذكرتَ اسم الله فقتل فكُل\"، وقال الترمذي: حسن صحيح (^١). ورواه الطبراني (^٢)، والدارقطني في العلل (^٣). ورواه حماد بن سلمة عن أيوب وحده، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة به. أخرجه أحمد (^٤)، وابن أبي عاصم (^٥)، والحاكم (^٦). ولم أر من تابع حمادًا عن قتادة إلا ما ذكره الدارقطني في العلل تعليقًا أن أبا حنيفة رواه عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة - ليس بينهما أبو أسماء (^٧).\nوقد خولف حماد بن سلمة عن أيوب: خالفه شعبة (^٨)، ومعمر (^٩)، وحماد ابن زيد (^١٠)، وسعيد بن أبي عروبة (^١١)، وابن جريج (^١٢)، وعبد الوهاب الثقفي (^١٣)،\n_________\n(^١) الجامع ٤/ ٢٥٥ ح ١٧٩٧.\n(^٢) المعجم الكبير ٢٢/ ٢١٧ ح ٥٨٠.\n(^٣) علل الدارقطني ٦/ ٣٢١.\n(^٤) المسند ٢٩/ ٢٨٤ ح ١٧٧٥٠.\n(^٥) الآحاد والمثاني ٥/ ٨٩ ح ٢٦٣١.\n(^٦) المستدرك ١/ ١٤٤ بذكر الآنية فقط.\n(^٧) علل الدارقطني ٦/ ٣٢٢.\n(^٨) وحديثه عند الترمذي الجامع ٤/ ١٠٩ ح ١٥٦٠، وأحمد المسند ٢٩/ ٢٦٦ ح ١٧٧٣١، وابن الجعد ص ١٨٤ ح ١١٩٣، والحاكم المستدرك ١/ ١٤٣.\n(^٩) وحديثه عند عبد الرزاق المصنف ٤/ ٤٧١ ح ٨٥٠٣، وأحمد المسند ٢٩/ ٢٧٣ ح ١٧٧٣٧.\n(^١٠) وحديثه عند أبي داود الطيالسي مسند الطيالسي ص ١٣٦ ح ١٠١٤، والحاكم المستدرك ١/ ١٤٣.\n(^١١) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٠ ح ٦٠٤.\n(^١٢) وحديثه عند الطبراني أيضًا المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣١ ح ٦٠٥.\n(^١٣) ذكره الدارقطني تعليقًا علل الدارقطني ٦/ ٣٢١.","vol":"1","page":377},{"text":"وابن عيينة (^١)، فكلهم رووه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة، لم يذكروا فيه أبا أسماء.\nوتابع هشيمٌ حمادَ بن سلمة في ذكر أبي أسماء، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة. أخرج حديثه الحاكم، والبيهقي (^٢). ولكن الثوري خالفه، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة، كرواية الجماعة عن أيوب. أخرجه الطبراني (^٣)، والحاكم (^٤).\nورجح الدارقطني قول من أرسل الحديث عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة بدون ذكر أبي أسماء.\nووجه إعلال الإمام أحمد للحديث هو من حيث جمع حماد بن سلمة للإسنادين، الأول عن أيوب، والثاني عن قتادة، فجعلهما إسنادًا واحدًا وحمل أحدهما على الآخر، والواقع أنهما مختلفان، فإسناد حديث أيوب وقع عنده بذكر أبي أسماء، وأما إسناد قتادة فتدل رواية أبي حنيفة أنه بدون ذكر أبي أسماء، فحيث جعل الإسنادين واحدًا وقع في الغلط فحمل إسناد قتادة على إسناد أيوب والواقع أن بينهما اختلافًا، فلذلك قال أحمد: \"كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال ثم يجعله إسنادًا واحدًا وهم يختلفون\"، كما تقدم.\nوهذا يدل على أن الجمع بين الرواة في الأسانيد لا يقبله الإمام أحمد من كل أحد، حتى ولو كان ثقة.\nوقد ذكر الخليلي أن سبب تجنب البخاري لحديث حماد بن سلمة هو من\n_________\n(^١) ذكره الدارقطني تعليقًا أيضًا الموضع نفسه.\n(^٢) المستدرك ١/ ١٤٤، والسنن الكبرى ١/ ٣٣.\n(^٣) المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٠ ح ٦٠٣.\n(^٤) المستدرك ١/ ١٤٣.","vol":"1","page":378},{"text":"أجل هذه العلة - أعني جمعه للرجال في إسناد واحد. قال الخليلي: \"ذاكرتُ يومًا بعضَ الحفاظ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح، وهو زاهد ثقة؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك! فقلت: أليس ابنُ وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد فيقول: حدثنا مالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم (^١)؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه، وأحفظ له\" (^٢).\nوحتى كبار الحفاظ البارزين في الحفظ والاتقان قد يقعون في الخطأ والغلط من جراء هذا الصنيع، ومن ذلك ما ذكره الترمذي عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، وشعبة - غير مرة - عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، عن النبي ﷺ: \"خيركم من تعلم القرآن وعلّمه\" (^٣). فحكم الحفاظ على يحيى القطان بالوهم في هذا الحديث. قال ابن عدي: \"وذِكرُ سعد بن عبيدة في هذا الإسناد عن الثوري غيرُ محفوظ، وإنما يُذكر هذا عن يحيى القطان، جمع بين الثوري وشعبة فذكر عنهما جميعًا في الإسناد في هذا الحديث: سعد بن عبيدة، وسعد إنما يذكره شعبة،\n_________\n(^١) وقد يجمع بين الثقة والضعيف كما روى البخاري من طريقه في كتاب الاعتصام عن عبد الرحمن بن شريح وغيره، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عبد الله بن عمرو حديث: \"إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا\" الحديث. فالغير هنا هو عبد الله بن لهيعة، أبهمه البخاري لضعفه فتح الباري ١٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣. ونبه الحافظ على أنه ليس بين معنى حديثهما كبير أمر، وهو ما يسوغ مثل هذا الصنيع. وذكر السخاوي عدة أمثلة أخرى للجمع بين الثقة والضعيف خصوصًا عن ابن وهب انظر: فتح المغيث ٣/ ٢١٠.\n(^٢) الإرشاد في معرفة علماء الحديث ١/ ٤١٧ - ٤١٨.\n(^٣) الجامع ٥/ ١٦٠.","vol":"1","page":379},{"text":"والثوري لا يذكره، فحمل يحيى حديث شعبة على حديث الثوري، فذكر عنهما جميعًا سعدًا، ويقال: لا يُعرف ليحيى بن سعيد خطأ غيره\" (^١).\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٢٣٤، وانظر: فتح الباري ٩/ ٧٥. واهتديت إلى هذا المثال من كتاب الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات للشيخ طارق بن عوض الله ص ٢٦٥.","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>المطلب السادس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي حين يروي بالمعنى</span>.\nدرج كثير من رواة الآثار من لدن عهد الصحابة على رواية الأحاديث بالمعنى، ولم يروا ضرورة الالتزام باللفظ المسموع في الرواية إذا كان المعنى المؤدّى صحيحًا، قال الإمام الشافعي: \"وقد قال بعض التابعين: لقيت أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاجتمعوا في المعنى، واختلفوا عليّ في اللفظ، فقلت لبعضهم ذلك، فقال: لا بأس ما لم يُحيل المعنى\" (^١)، أي يُعدله عن وجهه. وعن ابن سيرين بإسناد صحيح قال: \"كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد واللفظ مختلف\" (^٢).\nوذهب معظم أهل العلم إلى جواز ذلك، لكن اشترطوا في الذي يروي بالمعنى أن يكون عالمًا بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، وما يحيل معناها (^٣). قال الإمام الشافعي في بيان من تقوم بخبره الحجة: \"إذا حدّث به أي الحديث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام\" (^٤).\nوكان الإمام أحمد ممن ذهب إلى جواز الرواية بالمعنى، ويستدل لذلك بفعل السلف، قال: \"ما زال الحفاظ يحدّثون بالمعنى، وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب، بصير بالمعاني، عالم بما يحيل المعنى وما لا يحيله\" (^٥). ومما يدل على تقريره للرواية بالمعنى إذا لم تحصل الإحالة في المعنى ما ذكره أبو داود في مسائله قال: \"سمعت أحمد بن محمد بن حنبل قال: قال عبد الرحمن: سألت سفيان عنه - يعني عن حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: \"للفارس\n_________\n(^١) الرسالة ص ٢٧٥/ ٧٥٥.\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٣٤٤ رقم ٤٦٤، ٤٦٥.\n(^٣) انظر: شرح علل الترمذي ١/ ٤٢٧، وفتح المغيث ٣/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(^٤) الرسالة ص ٣٧٠ - ٣٧١.\n(^٥) شرح علل الترذي ١/ ٤٢٧.","vol":"1","page":381},{"text":"ثلاثة أسهم\" فقال: خالفوني فيه. قال أحمد: وإنما قالوا: للفرس سهمان، أي بأنه ليس اختلاف، لأن للفرس سهمين، ولفارسه سهم فذلك ثلاثة أسهم\" (^١). فلم ير هناك اختلافًا بين من روى الحديث بلفظ: [أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا] (^٢)، وباللفظ الذي رواه سفيان والذي وقع السؤال عليه، لأن المعنى واحد.\nوكذلك قال لما سأله الأثرم عن حديث ابن أبي زائدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ \"بادروا الصبح بالوِتر\" (^٣)، قال: \"هذا أُراه اختصره من حديث \"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة\" (^٤)، وهو بمعناه. قال: فقلت له: رواه أحد غيره؟ قال: لا\" (^٥).\nومع تجويزه للرواية بالمعنى فقد كان يفضل اتباع اللفظ والتقيد به، ويقدم رواية من كان يلتزم اللفظ على رواية من كان يروي بالمعنى، لأن احتمال دخول الخطأ والغلط في الرواية بالمعنى أقوى منه من الرواية باللفظ إذا قورنت بها. وهذا الاعتبار كان أحد أوجه تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر عند الإمام\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٤٤/ ٢٠٢٩. وحديث سفيان رواه ابن حبان الإحسان ١١/ ١٣٩ - ١٤٠ ح ٤٨١١، والدارقطني ٤/ ١٠٢، والبيهقي ٦/ ٣٢٥ كلهم من طرق عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر به بلفظ: [أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ثلاثة أسهم، للرجل سهم ولفرسه سهمان]. ولم أقف على رواية ابن مهدي عن الثوري.\n(^٢) رواه غير واحد عن عبيد الله. انظر: صحيح البخاري ٦/ ٦٧ ح ٢٨٦٣، ٧/ ٤٨٤ ح ٤٢٢٨ مع فتح الباري، صحيح مسلم ٣/ ١٣٨٣ ح ١٧٦٢، ومسند الإمام أحمد ٨/ ١١ ح ٤٤٤٨. وقد وافق أبو معاوية سفيان في اللفظ الذي رواه بعض الرواة عنه كما في مسند الإمام أحمد.\n(^٣) أخرجه أبو داود ح ١٤٣٦، والترمذي الجامع ٢/ ٣٣١ ح ٤٦٧، وأحمد المسند ٩/ ١٧ ح ٤٩٥٢، وابن خزيمة ٢/ ١٤٦ ح ١٠٨٧، وابن حبان ٦/ ١٩٨ ح ٢٤٤٥، والحاكم المستدرك ١/ ٣٠١.\n(^٤) هذا حديث عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر. أخرجه مسلم ١/ ٥١٧ ح ١٤٨ وغيره.\n(^٥) فتح الباري لابن رجب ٦/ ٢٣٧.","vol":"1","page":382},{"text":"أحمد كما سيأتي في موضعه إن شاء الله، فإن الاعتماد على الكتاب في التحمل والأداء من أفضل أسباب التزام الراوي باللفظ دون المعنى عند الرواية، ومن ثمّ يقل أوجه احتمال دخول الخلل عليه في مروياته. ومن أجل هذا أيضًا كان ﵀ يقدّم عبد الرحمن بن مهدي على وكيع عند اختلافهما. قال صالح بن أحمد: \"قلت لأبي: عبد الرحمن أثبت عندك أو وكيع؟ قال: عبد الرحمن أقل سقطًا من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثًا من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها … \" (^١).\nقال حنبل بن إسحاق: قال أبو عبد الله: \"إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن فعبد الرحمن أثبت، لأنه أقرب عهدٍ بالكتاب\" (^٢).\nوقال الأثرم: \"قيل لأبي عبد لله: كان عبد الرحمن حافظًا؟ فقال: كان حافظًا، وكان يتوقى كثيرًا، وكان يحب أن يحدث بالألفاظ\" (^٣).\nوأما وكيع فلم يكن صاحب كتاب حتى قال الإمام أحمد: \"ما رأيت مع وكيع كتابًا قط ولا رقعة\" (^٤). وقال أيضًا: \"من حدّث من كتاب لا يكاد يكون سقط كثير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! \" (^٥).\nوقد كان الإمام أحمد حريصًا على التزام باللفظ في خاصة نفسه عند الرواية حتى إنه ليميز اختلاف الرواة في حرف من متن الحديث وإن كان لا\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٥/ ٢٨٩.\n(^٢) تاريخ بغداد ١٠/ ٢٤٣.\n(^٣) الكفاية في علم الرواية ص ٢٥٩.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٥٢ رقم ٥٨.\n(^٥) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٧.","vol":"1","page":383},{"text":"يتغير به المعنى، وما ذكر عن الإمامين مسلم وأبي داود من عنايتهما باللفظ والتزامهما به فعن الإمام أحمد أخذا ذلك، فإنه كان شيخهما، ومن أمثلة ذلك ما ذكره السخاوي (^١) من صنيعه ﵀ في المسند أنه قال: حدثنا يزيد، وعباد بن عباد، قالا: أخبرنا هشام بن أبي هشام - قال: عباد: ابن زياد - عن أمه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم ولا مسلمة يُصاب بمصيبة، فيذكرها، وإن طال عهدُها - قال: عباد: قدُم عهدُها - فيُحدث لذلك استرجاعًا، إلا جدّد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها\" (^٢). فلا فرق في المعنى بين: \"طال عهدُها\"، و\"قدُم عهدُها\"، لكنه ﵀ اعتنى بذكر الاختلاف بين اللفظين اتباعًا للفظ، ولم يكتف بالإشارة بناءً على حصول التوافق في المعنى.\nوالرواية بالمعنى أحد أسباب دخول الخلل في أحاديث الثقات، خاصة في متونها، ويكون ذلك من أحد وجهين:\nالأول: أن يقع الخطأ عند الرواية بالمعنى بسبب حمل ألفاظ الأحاديث على آراء فقهية للراوي، وهذا في الغالب يقع من الفقهاء المعتنين بالرأي، فإنهم يروون الأحاديث بالمعنى ويخالفون في ألفاظه حتى يغلب على الظن أنهم يحملون ألفاظ الأحاديث على الألفاظ الفقهية المتداولة بينهم.\nالثاني: أن يتصرف الراوي في اللفظ فيخطئ المعنى، وهذا غالبًا ما يقع بسبب نوع من الخفاء في المعنى ولا يهتدي إليه الراوي - كما سيأتي من خلال\n_________\n(^١) فتح المغيث ٣/ ١٤١.\n(^٢) المسند ٣/ ٢٥٦ ح ١٧٣٤، وهو حديث ضعيف، فإن هشام بن أبي هشام، وهو هشام بن زياد ضعيف الحديث عند الإمام أحمد وغيره العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٠٨ رقم ٣٣٤٤، تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٠٢. وأمه مجهولة.","vol":"1","page":384},{"text":"الأمثلة التي ذكرها الإمام أحمد - وكثيرًا ما يقع من الرواة الذين لم يشتهروا بالفقه وإن كانوا حفاظًا عندما يتركون الرواية باللفظ إلى المعنى.\nفالوجه الأول: هو الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب ﵀ في القاعدة التي ذكرها ضمن قواعده في العلل حيث قال: \"الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيرًا، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم\" (^١). وأشار إليه ابن حبان من قبل في الجنس الخامس من أجناس أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها، لكن قصر وجه رد الأحاديث في أخطائهم في الأسماء والأسانيد فقال: \"الفقيه إذا حدث من حفظه وهو ثقة في روايته لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأنه إذا حدث من حفظه فالغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد … فإذا حدث الفقيه من حفظه ربما صحّف الأسماء، وقلب الأسانيد، ورفع الموقوف، وأوقف المرسل، وهو لا يعلم لقلة عنايته به، وأتى بالمتن على وجهه، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب، أو يوافق الثقات في الأسانيد\" (^٢). فاستدرك عليه ابن رجب فقال: \"هذا إن كان الفقيه حافظًا للمتن، فأما من لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها من الفقهاء، وإنما يروي الحديث بالمعنى فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون، إلا بما يوافق الثقات في المتون، أو يحدث به من كتاب موثوق به\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٤.\n(^٢) المجروحين ١/ ٩٣ - ٩٤.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٦.","vol":"1","page":385},{"text":"فهذه القاعدة التي ذكرها ابن رجب تقتضي أن الراوي الفقيه الذي لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها وإنما يروي بالمعنى فإنه يوصف بسوء الحفظ في حالة روايته بالمعنى، فيتوقف عن الاحتجاج بما يرويه من المتون حتى يوجد له موافق أو يثبت أنه حدّث من كتاب لا من حفظ. ولم أجد من كلام الإمام أحمد سواء في الرجال أو في الأحاديث ما يصلح أن يستنبط له منهجًا في هذا. وموقفه من معلى بن منصور أبي يعلى الرازي قد يصلح أن يكون من أدلة هذه القاعدة، فإنه قال عنه: \"كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم يخطئ في حديثين أو ثلاثة\" (^١). وكان معلى فقيهًا من أصحاب الرأي، وكان من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد بن الحسن (^٢)، فأشار الإمام أحمد إلى أنه كان يحمل الأحاديث على ما يوافق رأيه في الفقه، وهذا إنما يحصل بسبب الرواية بالمعنى.\nوموقف الإمام أحمد من سائر أصحاب الرأي من عدم الرواية عنهم، يحتمل أن يكون ناتجًا عن هذا السبب، فيكون دليلًا آخر على هذه القاعدة وبالتالي يعتبر مقتضى تلك القاعدة منهجًا للإمام أحمد، لكن ذكر ابن هاني عن أحمد أنه قال: \"تركنا أصحاب الرأي، وكان عندهم حديث كثير، فلم نكتب عنهم، لأنهم معاندون للحديث … \" (^٣)، فهذا يدل على أن تركه لأحاديث أهل الرأي هو من أجل معاندتهم للحديث عنده، أي مخالفتهم له. وحمله القاضي أبو يعلى على أهل الرأي من المتكلمين كالقدرية وغيرهم، ورده أبو المحاسن والد شيخ الإسلام\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٣/ ١٨٩.\n(^٢) المصدر نفسه ١٣/ ١٨٨، ١٩١. وقد وثق معلى بن منصور ابن معين - في رواية الدارمي - ويعقوب بن شيبة، وقال عنه ابن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: صدوق. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس بحديثه لأني لم أجد له حديثًا منكرًا فأذكره الجرح والتعديل ٨/ ٣٣٤، الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٣٧٢، تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - رواية ابن هانئ ٢/ ١٦٨ رقم ١٩٣٠.","vol":"1","page":386},{"text":"ابن تيمية فذكر أنه نوع من الهجر، بدليل أنه قد صرّح بتوثيق بعض من ترك الرواية عنه - يعني من أصحاب الرأي - كأبي يوسف ونحوه (^١)، يعني إن ترك الإمام أحمد لأحاديث أهل الرأي كان من أجل هجرة المخالف للسنة، وليس من أجل ضعف حديثهم، وعليه فلا يؤخذ من موقفه هذا دليل على سوء حفظ أهل الاختصاص بالفقه والرأي (^٢).\nوأما من حيث الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بهذا الوجه من وجهي دخول الخطأ من أجل الرواية بالمعنى، فلم أقف إلا على حديث واحد ذكره ابن رجب في شرحه على صحيح البخاري (^٣) عند الكلام على حديث هشام ابن عروة، عن أبيه عن عائشة في حديثها عن حجها وفيه: قالت عائشة: وكنت أنا ممن أهلّ بعمرةٍ، فأدركني يومُ عرفةَ وأنا حائضٌ فشكوتُ إلى النبي ﷺ فقال: \"دعي عمرتَك وانقُضي رأسَك وامتَشِطي وأهلِّي بحَجٍّ\" (^٤) فقال أحمد: \"من رواه [انقُضي عمرتَك] فقد أخطأ، ورواه بالمعنى الذي فهمه\".\nولم أقف على تلك الرواية التي أشار إليها الإمام أحمد، لكن الظاهر أنه من بعض من يرى رأي أهل الكوفة. قال ابن رجب: وذلك أن قول أبي حنيفة\n_________\n(^١) المسودة في أصول الفقه ص ٢٣٩.\n(^٢) وحتى موقف الإمام أحمد من معلى بن منصور الذي ذُكر أنه يصلح مثالًا أو دليلًا عن أحمد لهذه القاعدة قد ورد ما يدل على أن تركه له كان أيضًا من باب هجران المخالف لا من باب الضعف في الرواية، فقد روى أبو زرعة الرازي قال: رحم الله أحمد بن حنبل، بلغني أنه كان في قلبه غصص من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور، كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم - يعني أصحاب الرأي - بأهل العلم، وذلك أنه كان طلابة للعلم، ورحل وعُني به فتصبّر أحمد عن تلك الأحاديث، ولم يسمع منه حرفًا، وأما علي بن المديني وأبو خيثمة وعامة أصحابنا فسمعوا منه، المعلى صدوق تاريخ بغداد ١٣/ ١٨٩.\n(^٣) فتح الباري لابن رجب ١/ ٤٧٨.\n(^٤) أخرجه البخاري صحيح البخاري ١/ ٤١٧ ح ٣١٧، ومسلم ٢/ ٨٧٢ ح ١٢١١.","vol":"1","page":387},{"text":"والكوفيين أن المرأة الحائض إذا أهلت بعمرة وخافت فوات الحج فإنها ترفُض العمرة، ثم تُحرم بالحج، ثم تقضي العمرة بعد الحج، وتأولوا حديث عائشة على ذلك. ا. هـ (^١).\nومثل ابن رجب لتلك الأحاديث برواية شريك القاضي لحديث أنس: [أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين من ماء]. أخرجه أبو داود (^٢) - واللفظ له - والترمذي (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن أبي شيبة (^٥). قال ابن رجب: رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث: [أنه كان يتوضأ بالمد] والمد عند أهل الكوفة رطلان (^٦). يشير إلى رواية الجماعة لحديث أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، أخرجاه من حديث عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أنس (^٧).\nالوجه الثاني: وهو الذي يقع بسبب تصرف الراوي في اللفظ وفيه نوع من الخفاء في المعنى فيروي الراوي بالمعنى الذي فهمه فيقلبه، فهذا لم يسلم منه حتى الرواة الثقات، حتى إن ابن حبان اعتبر هذا جنسًا من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها، قال ﵀: \"الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأن الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون … فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقيهًا\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.\n(^٢) سنن أبي داود ١/ ٧٢ ح ٩٥.\n(^٣) الجامع ٢/ ٥٠٧ ح ٦٠٩.\n(^٤) المسند ٢٠/ ٢١٦ ح ١٢٨٣٩، ٢٠/ ٢١٨ ح ١٢٨٤٣.\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٦٨ ح ٧٣٥.\n(^٦) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٤.\n(^٧) صحيح البخاري ١/ ٣٠٤ ح ٢٠١ - مع فتح الباري، صحيح مسلم ١/ ٢٥٨ ح ٣٢٥ (٥١).","vol":"1","page":388},{"text":"وحدث من حفظه، فربما قلب المتن، وغيّر المعنى حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلب إلي شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي الاحتجاج بخبر من هذا نعته إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار\" (^١). وهذا لا يؤخذ على إطلاقه كما قال ابن رجب، وإنما يختص بمن عرف منه عدم حفظ المتون وضبطها، لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن حفظ الإسناد والمتن، إلا أن يوقف منه على ذلك (^٢)، أي فلا يقبل منه إلا ما وافقه الثقات على لفظه أو كان تحديثه به من كتابه.\nوالنماذج التي وقفت عليها من إعلال الإمام أحمد للأحاديث من أجل الرواية بالمعنى ترجع إلى هذا الوجه الثاني، وهي كما يلي:\n١. قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عَسال قال: قال رجل من اليهود: انطلق بنا إلى هذا النبي، قال: لا تقل النبي، فإنه لو سمعها كان له أربعة أعين … وقصّ الحديث، فقالا: نشهد أنك رسول الله ﷺ. سمعت أبي يقول: خالف يحيى بن سعيد غيرُ واحدٍ، قالوا: نشهد أنك نبي. قال أبي: لو قالوا: نشهد أنك رسول الله كانا قد أسلما، ولكن يحيى أخطأ فيه خطأً قبيحًا (^٣).\nحديث يحيى بن سعيد هذا أخرجه أحمد في المسند (^٤)، والطحاوي (^٥)، عنه عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلِمة، عن صفوان بن عسَال، ولفظه\n_________\n(^١) المجروحين ١/ ٩٣.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٧.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٨٣ - ٨٤ رقم ٤٢٨٦.\n(^٤) المسند ٣٠/ ٢٢ ح ١٨٠٩٧.\n(^٥) شرح مشكل الآثار ح ٦٣.","vol":"1","page":389},{"text":"كما في المسند: [قال رجل من اليهود لآخر: انطلِق بنا إلى هذا النبي، قال: لا تقل هذا، فإنه لو سمعها كان له أربعة أعين، قال: فانطلقا إليه فسألاه عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] قال: \"لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تَسرِقوا، ولا تَزنوا، ولا تَفِرُّوا من الزَّحف، ولا تسحَروا، ولا تأكلوا الرِّبا، ولا تُدلُوا ببريءٍ إلى ذي سُلطان ليقتُلَه، وعليكم خاصة يهود أن لا تعتدوا في السَّبت\"، فقال: نشهد أنك رسول الله ﷺ].\nوخالف يحيى بنَ سعيد غيرُ واحد من أصحاب شعبة، والذين وقفت عليهم هم:\n١. غندر محمد بن جعفر، وحديثه عند أحمد (^١)، ومن طريقه الحاكم (^٢)، والمقدسي (^٣)، ورواه الطبري أيضًا من طريق غندر (^٤).\n٢. عبد الرحمن بن مهدي، وحديثه عند الطبري في التفسير (^٥).\n٣. يزيد بن هارون، وحديثه عند أحمد (^٦)، والترمذي (^٧).\n٤. أبو داود الطيالسي (^٨)، وأخرج الحديث من طريقه الترمذي (^٩)، والطبري (^١٠)، والطحاوي (^١١)، والبيهقي (^١٢).\n_________\n(^١) المسند ٣٠/ ١٢ ح ١٨٠٩٢.\n(^٢) المستدرك ١/ ٩.\n(^٣) الأحاديث المختارة ٨/ ٢٩.\n(^٤) جامع البيان ١٥/ ١٧٢.\n(^٥) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٥/ ١٧٣.\n(^٦) الموضع السابق مقرونًا بغندر.\n(^٧) الجامع ٥/ ٢٨٦ ح ٣١٤٤ مقرونًا بغير يزيد.\n(^٨) والحديث في مسنده ص ١٦٠ ح ١١٦٤.\n(^٩) الموضع السابق.\n(^١٠) جامع البيان ١٥/ ١٧٣.\n(^١١) شرح معاني الآثار ٣/ ٢١٥.\n(^١٢) السنن الكبرى ٨/ ١٦٦.","vol":"1","page":390},{"text":"٥. أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وحديثه عند الترمذي (^١)، وابن أبي عاصم (^٢)، وابن قانع (^٣)، والعقيلي (^٤)، والطبراني (^٥)، ومن طريقه المقدسي (^٦).\n٦. عبد الله بن إدريس، وحديثه عند الترمذي (^٧)، والنسائي (^٨).\n٧. أبو أسامة حماد بن أسامة، وحديثه عند الترمذي (^٩).\n٨. وهب بن جرير، وحديثه عند الحاكم (^١٠).\n٩. آدم بن أبي إياس، وحديثه عند الحاكم أيضًا (^١١).\n١٠. عمرو بن مرزوق، وحديثه عند الطحاوي (^١٢).\n١١. حجاج بن محمد المصيصي، وحديثه عند الطحاوي أيضًا (^١٣).\n١٢. سهل بن يوسف، وحديثه عند الطبري (^١٤).\nوكلهم قالوا: [نشهد أنك نبي]. وقال الطحاوي: هذا الحرف: [نشهد أنك رسول الله] لم يقله أحد من أصحاب شعبة إلا يحيى بن سعيد. ا. هـ (^١٥).\n_________\n(^١) الموضع السابق، مقرونًا بأبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون.\n(^٢) الآحاد والمثاني ٤/ ٤١٤ ح ٢٤٦٥.\n(^٣) معجم الصحابة ٢/ ١١.\n(^٤) الضعفاء ٢/ ٦٥٧.\n(^٥) المعجم الكبير ٨/ ٦٩ ح ٧٣٩٦.\n(^٦) الأحاديث المختارة ٨/ ٢٨ وقال: إسناده صحيح.\n(^٧) الجامع ٥/ ٧٢ ح ٢٧٣٣.\n(^٨) السنن ٧/ ١١١، وفي الكبرى ٢/ ٣٠٦ ح ٣٥٤١، ٥/ ١٩٨ ح ٨٦٥٦.\n(^٩) الجامع ٥/ ٧٢ ح ٢٧٣٣.\n(^١٠) المستدرك ١/ ٩.\n(^١١) الموضع نفسه، مقرونًا بوهب بن جرير.\n(^١٢) شرح معاني الآثار ٣/ ٢١٥.\n(^١٣) الموضع نفسه.\n(^١٤) جامع البيان ١٥/ ١٧٣.\n(^١٥) شرح مشكل الآثار ١/ ٦٤.","vol":"1","page":391},{"text":"وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام أحمد بأن يحيى القطان قد أخطأ في رواية الحديث حيث رواه بالمعنى، وذلك أنه قال مكان \"نبي\": \"رسول الله\"، واللفظان يختلف مدلولهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية \"النبى هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أُنبأ به فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليُبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسله هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول\" (^١).\nفأوضح الإمام أحمد بأنهم لو قالوا: [نشهد أنك رسول الله] كما قال يحيى كانا قد أسلما، لأن ذلك يتضمن شهادتهم بصدق بعثته وقبول رسالته، بخلاف ما لو قالوا: نشهد أنك نبي، فإن ذلك لا يدل إلا على شهادتهم بأنه منبَّأ ومُوحى إليه، ولا يقتضي إقرارهم برسالته، ولا يدخلون في الإسلام بمجرد ذلك. وفي الحديث أنهما لم يُسلما، لأنه ورد في رواية الجماعة: \"فما يمنعكما أن تتبعاني؟ \" قالا: إن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبيٌّ، وإنا نخشى إن أسلمنا أن يقتلَنا يهود (^٢)، فدل على خطأ لفظة: [نشهد أنك رسول الله] التي ذكرها القطان، وهذا ما نص عليه الإمام أحمد. وفي هذا الإعلال من الإمام أحمد نكتة بديعة، وهي أن الشخص لا يحكم بدخوله في الإسلام بالإقرار بنبوته ﷺ فحسب، بل لا بد أن ينضم إلى ذلك الإقرار برسالته ﵊، ولم أهتد إلى مزيد بيان حول هذه المسئلة في كتب العقيدة، وهي تحتاج إلى مزيد بحث في مسائل العقيدة.\nواستبدال النبي بالرسول في هذا الموضع ليس مثل ما وقع في حديث\n_________\n(^١) النبوات ٢/ ٧١٤.\n(^٢) المسند ٣٠/ ١٣.","vol":"1","page":392},{"text":"البراء بن عازب في الصحيحين (^١): \"وبرسولك الذي أرسلت\"، فرده ﵊ على البراء فقال: \"لا، وبنبيك الذي أرسلت\"، لأن الحكمة في رده ﵊ استبدال أحد اللفظين بالآخر هنا هي كون ألفاظ الأذكار توقيفية (^٢)، وأما في حديث يحيى هذا فالرد كان من أجل اختلاف مدلول اللفظين وما يقتضي كل واحد منهما من الأحكام، فلا يسوغ معه الاستبدال والحالة هذه عند الرواية بالمعنى.\nوهذا الحديث قد صححه الترمذي، والحاكم، والضياء (^٣). وقال النسائي: هذا حديث منكر، وذكر أنه حكي عن شعبة أنه قال: سألت عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة فقال: تعرف وتنكر. ا. هـ (^٤). وقال أحمد عن عبد الله بن سلمة هذا رواية عن شعبة أنه قال: كان قد كبر، فكان يحدثنا فتعرف وتنكر (^٥). وقال البخاري: عبد الله بن سلمة أبو العالية الهمداني، ولا يتابع في حديثه (^٦)، وذكر\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١١/ ١٠٩ ح ٦٣١١ - مع فتح الباري، وصحيح مسلم ٤/ ٢٠٨١ ح ٢٧١٠.\n(^٢) انظر: فتح الباري ١١/ ١١٢.\n(^٣) انظره في مواضع التخريج.\n(^٤) السنن الكبرى ٢/ ٣٠٧. وذهب النسائي إلى أن عبد الله بن سلمة في هذا الحديث هو الأفطس، وقال أنه متروك، والصواب أنه غيره. فالذي روى هذا الحديث هو عبد الله بن سلمة الهمداني أبو العالية. قال أحمد: عبد الله بن سلمة كنيته أبو العالية، ما أعلم حدّث عنه غير عمرو بن مرة، وأبي إسحاق الهمداني العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٨٢ رقم ١١٠٦. وقد جعل غير الإمام أحمد عبد الله بن سلمة الذي روى عنه عمرو بن مرة غير الذي روى عنه أبو إسحاق السبيعي، أجمل ابن حجر ذكر هذا الاختلاف في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٤٢، وانظر أيضًا: موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٣٣٢ - ٣٣٥. والذي يهم في هذا الموقع أن الذي روى هذا الحديث هو الراوي عن عمرو بن مرة، وهو الذي قال فيه شعبة هذا القول الذي ذكره النسائي.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٤٧ رقم ١٨٢٤.\n(^٦) التاريخ الكبير ٥/ ٩٩.","vol":"1","page":393},{"text":"العقيلي أنه يقصد هذا الحديث (^١). وقد وثقه العجلي ويعقوب بن شيبة (^٢). وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به (^٣). فالحديث ضعيف لحالة عبد الله بن سلمة، فإنه وإن كان صدوقًا إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وقد تفرد بالحديث، والله أعلم.\n٢. في حديث عمران بن حصين: [دخلتُ على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبَلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: بشرتنا فأعطنا - مرتين - ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: \"اقبلوا البشرى يا أهل اليمن أنْ لم يَقبلْها بنوا تميم\"، قالوا: قد قبِلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال: \"كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرَه وكان عرشُه على الماءِ، وكَتب في الذِّكر كلَّ شيء، وخلق السماوات والأرضَ\" (^٤)، رواه الطبراني من طريق محمد ابن عبيد، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران ابن حصين عن النبي ﷺ، وزاد فيه: \"وخلق الذكر\". قال أبو القاسم: هذا الحرف كان محمد بن عبيد يخطئ فيه وينهاه أحمد بن حنبل أن يحدث به، والصواب ما روى أبو بكر بن عياش وغيره: \"وكتب الذكر\". ا. هـ (^٥).\nهذا الحديث سيأتي في مطلب الإعلال باختلاط الراوي (^٦)، وكل من رواه من أصحاب الأعمش قال: \"وكتب في الذكر كلَّ شيء\"، وجاءت رواية محمد ابن عبيد - وهو الطنافسي - عن الأعمش فقال: \"وخلق الذكر\"، فأنكره عليه الإمام أحمد وكان ينهاه عنه كما نقل ذلك الطبراني، ووجه ذلك أنه رواه بالمعنى\n_________\n(^١) الضعفاء ٢/ ٦٥٧.\n(^٢) تهذيب الكمال ١٥/ ٥٢.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٤٨٧.\n(^٤) هذا لفظ البخاري صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/ ٢٨٦ ح ٣١٩١، ١٣/ ٤٠٣ ح ٧٤١٨.\n(^٥) المعجم الكبير للطبراني ١٨/ ٢٠٤.\n(^٦) ص ٣٥٥.","vol":"1","page":394},{"text":"وأخطأ فيه، فإن قوله: خلق الذكر، يختلف في المعنى عن: كتب الذكر، لأن الأول يقتضي أن القرآن مخلوق، لأن القرآن هو الذكر، وقد احتج بهذه الرواية على خلق القرآن بعضُ من ناظر الإمام أحمد أمام المعتصم زمن المحنة، فقال أحمد: هذا خطأ، حدثنا غير واحد: \"إن الله كتب الذكر\". ا. هـ (^١).\n٣. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حُميد، عن أنس أن بني سلِمة أرادوا أن يتحولوا من ديارهم إلى قُرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ أن يُعرى المسجدُ، فقال: \"يا بني سلِمة، ألا تحتسبون آثاركم؟ \" فأقاموا. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: أخطأ فيه يحيى بن سعيد، وإنما هو: أن تُعرى المدينةُ، فقال يحيى: المسجد، وضرب عليه أبي هاهنا، وقد حدثنا به في كتاب يحيى بن سعيد (^٢).\nهذا الحديث رواه الإمام أحمد من غير حديث يحيى بن سعيد القطان، فرواه من حديث محمد بن أبي عدي (^٣)، ومن حديث عبد الله بن بكر السهمي (^٤)، وهو عند البخاري (^٥)، وابن ماجه (^٦)، وابن أبي شيبة (^٧)، والبيهقي (^٨)، كلهم بلفظ: \"فكره أن تُعرى المدينة\".\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعلّ الإمام أحمد رواية شيخه يحيى بن سعيد القطان لهذا الحديث حيث\n_________\n(^١) حلية الأولياء ٩/ ١٩٩، سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٥.\n(^٢) المسند ٢٠/ ٢٣٨ - ٢٣٩ ح ١٢٨٧٦. وذكر عبد الله هذه الرواية في العلل أيضًا ٣/ ٨٢ - ٨٣ رقم ٤٢٨٠، ٤٢٨٣.\n(^٣) المسند ١٩/ ٩٠ ح ١٢٠٣٣.\n(^٤) المسند ٢١/ ٢٩٦ ح ١٣٧٧٠.\n(^٥) صحيح البخاري مع فتح الباري ٢/ ١٣٩ ح ٦٥٥، ٦٥٦، ٤/ ٩٩ ح ١٨٨٧.\n(^٦) سنن ابن ماجه ١/ ٢٥٨ ح ٧٨٤.\n(^٧) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢ ح ٦٠٠٧.\n(^٨) السنن الكبرى ٣/ ٦٤.","vol":"1","page":395},{"text":"قال: \"فكره رسول الله ﷺ أن يُعرى المسجد\" مكان: \"أن تعرى المدينة\"، وهذا يحتمل أن يكون الخطأ يرجع إلى الرواية بالمعنى، فإن معنى كراهية أن تعرى المدينة هو أن تُترك خالية، لأن العراء هي الفضاء من الأرض (^١)، فكأنه حرص أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنها (^٢). وهذا المعنى لا يوجد في \"أن يعرى المسجد\". ويحتمل أن يكون هذا مجرد وهم من يحيى في لفظ الحديث حيث قال: المسجد مكان: المدينة، وليس من أجل الرواية بالمعنى، والله أعلم.\nاختصار الحديث:\nوهو رواية بعض الحديث الواحد دون بعض (^٣)، وهو من فروع الرواية بالمعنى، فمَن منعها أطلق المنع على الاختصار، ومن أجازها أجازه بالشرط الذي اشترطه في الرواية بالمعنى. قال الخطيب: \"وإن كان النقصان من الحديث شيئًا لا يتغير به المعنى كحذف بعض الحروف والألفاظ، والراوي عالم واعٍ محصل لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان، فإن ذلك سائغ له على قول من أجاز الرواية على المعنى دون من لم يجز ذلك\" (^٤). ومن أجل الإخلال بهذا الشرط يقع بعض الرواة في الخطأ عند اختصار الحديث، فيكون ذلك سببًا لإعلال حديثهم، وقد أنكر إسماعيل بن علية على شعبة اختصاره للحديث الذي رواه عنه، قال إسماعيل بن علية: \"روى عني شعبة حديثًا واحدًا، فأوهم فيه، حدثتُه عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: أن النبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل (^٥)، فقال\n_________\n(^١) النهاية ٣/ ٢٢٦.\n(^٢) فتح الباري ٢/ ١٤٠.\n(^٣) تدريب الراوي ٢/ ١٠٣.\n(^٤) الكفاية في علم الرواية ص ٢٩٣.\n(^٥) أخرجه مسلم ٣/ ١٦٦٣ ح ٢١٠١، وأبو داود ٤/ ٤٠٤ ح ٤١٧٩، والنسائي ٥/ ١٤١ ح ٢٧٠٥، وأحمد المسند ١٩/ ٤٠ ح ١١٩٧٨.","vol":"1","page":396},{"text":"شعبة: إن النبي ﷺ نهى عن التزعفر (^١) \" (^٢)، فشعبة لماّ اختصر الحديث أوهم أن النهي فيه عام، والواقع أنه خاص بالرجال، ووقع في هذا الوهم من أجل الاختصار. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن شعبة اختصر الحديث، لكنه جوز أن يكون ابن علية اختصره لما حدّثه به (^٣)، ولعله لم يستحضر إنكار ابن علية على شعبة، وهو ينفي هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ.\nووجه دخول الخطأ على الاختصار هو عين وجه دخوله على الرواية بالمعنى، أي التصرف في اللفظ الذي يؤدي إلى تخطئة المعنى بسبب نوع من الخفاء فيه.\nقال إسحاق بن هانئٍ: وسئل عن حديث وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قصة الحيض؟ قال: هذا باطل (^٤).\nوحديث عائشة الذي رواه وكيع أخرجه ابن ماجه في \"باب الحائض كيف تغتسل\" قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها، وكانت حائضًا: \"انقضي شعرك واعتسلي\" (^٥)، وهو عند ابن أبي شيبة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي ٥/ ١٤١ ح ٢٧٠٦، وفي الكبرى ٢/ ٣٤١ ح ٣٦٨٧، والترمذي ٥/ ١١٢، وابن حبان الإحسان ١٢/ ٢٧٨ ح ٥٤٦٤، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ٥/ ٢٧١ ح ٨٧٠٠، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٨،\n(^٢) المحدث الفاصل ص ٣٨٩، والكفاية في علم الرواية ص ٢٦٠.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٣٠٤.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - رواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٠ رقم ٢٣٣١.\n(^٥) سنن ابن ماجه ١/ ٢١٠ ح ٦٤١.\n(^٦) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٧٨ ح ٨٦٥.","vol":"1","page":397},{"text":"وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nجاء توضيح ذلك في رواية المروذي كما نقلها ابن رجب، قال: \"وقد ذُكر هذا الحديث للإمام أحمد، عن وكيع فأنكره، قيل له: كأنه اختصره من حديث الحج؟ قال: ويحل له أن يختصر؟ نقله عنه المروذي\" (^١). قال ابن رجب: هذا الحديث يوهم أنه - أي النبي ﷺ قال لها ذلك في غسلها من الحيض، وهذا مختصر من حديث عائشة الذي خرجه البخاري. ا. هـ (^٢).\nوحديث عائشة في الحج أخرجه غير واحد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: [خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله ﷺ: \"من أحبّ أن يُهلّ بعمرةٍ فليُهلّ، ومن أحبّ أن يُهلّ بحجةٍ فليُهلّ، فلولا أني أهديتُ أهللت بعمرة\". قالت: فمنهم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهل بحجة، وكنت ممن أهلّ بعمرة، فحِضتُ قبل أن أدخل مكة، فأدركني يومُ عرفة وأنا حائضٌ، فشكوْتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: \"دعي عمرتَك وانقُضي رأسَك وامتشطي، وأهَلّي بالحج\" ففعلتُ، فلما كانت ليلةُ الحَصبة أَرسلَ معي عبدَ الرحمن إلى التّنعِيم فأَردفها فأهلّت بعمرة مكانَ عمرتها فقضى الله ﷿ حجَّها وعمرتَها ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ ولا صومٌ ولاصدقةٌ]. هكذا رواه يحيى القطان عن هشام، أملاه عليهم هشام إملاءً (^٣). والحديث عند الشيخين وغيرهما من طرق عن هشام به (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب ١/ ٤٧٦.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) المسند ٤٢/ ٣٧٦ ح ٢٥٥٨٧. وإنما سقت هذه الرواية لتنصيص القطان على أن تحملهم للحديث عن هشام كان بإملاء منه، لأنه أرفع أقسام طرق تحمل الحديث عند الجماهير كما قال النووي التقريب مع تدريب الراوي ٢/ ٨.\n(^٤) انظر: صحيح البخاري ١/ ٤١٧ ح ٣١٧ مع فتح الباري، وصحيح مسلم ٢/ ٨٧٢ ح ١٢١١ (١١٥).","vol":"1","page":398},{"text":"ولما اختصره وكيع أوهم أن يكون قال لها ذلك في غسلها من الحيض، بينما قال لها ذلك وهي في الحيض، ولماّ ينقطع عنها، ولكن أمرها أن تغتسل للإحرام في حال الحيض، فأخل الاختصار بمعنى أصل الحديث، واستدل به على حكم لا يدل عليه، وهو امتشاط المرأة ونقضها شعرها عند غسلها من الحيض. فالإمام أحمد أنكر مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى أويحيله، قال الخلال: \"إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يُخل بالمعنى، لا أصل الاختصار\" (^١).\nوالدليل على أن وكيعًا هو الذي اختصر الحديث وليس أبو بكر بن أبي شيبة الراوي عنه كما ذهب إليه أبو بكر الخلال (^٢)، كون ابن أبي شيبة قد توبع عن وكيع بمثل هذا اللفظ المختصر، فتابعه علي بن محمد وهو الطنافسي عند ابن ماجه كما تقدم، وتابعه أيضًا إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في \"كتاب الطهور\" كما قال ابن رجب (^٣). وقد رواه الإمام أحمد، وأبو كريب كلاهما عن وكيع بدون اختصار (^٤). وكذلك نقل المروذي عن الإمام أحمد يدل على أن إنكاره هذا الاختصار كان موجهًا إلى وكيع.\nفهذا الاختصار المخل بالمعنى هو وجه بطلان الحديث عند الإمام أحمد وإنكاره على راويه، وإنما وقع فيه الراوي بتصرفه في اللفظ وحمله على المعنى الذي فهمه. فالإمام أحمد ﵀ يعتبر مثل هذا الاختصار سببا من أسباب إعلال الأحاديث.\nفالخلاصة أن الرواية بالمعنى أحد أسباب وقوع العلل في الروايات، وإنما\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ١/ ٤٧٧.\n(^٢) انظر: الموضع السابق.\n(^٣) الموضع السابق.\n(^٤) مسند الإمام أحمد ٤٢/ ٣٧٨ ح ٢٥٥٨٨، صحيح مسلم ٢/ ٨٧٢ ح ١٢١١ (١١٧).","vol":"1","page":399},{"text":"يقع ذلك عند وجود الاختلاف في الألفاظ، فإن لم يؤد ذلك الاختلاف إلى اختلاف في المعنى، دل على أن بعض الرواة تصرف في الألفاظ فروى بالمعنى، وأنه قد أصاب فلا وجه لإعلال ما رواه، مثل ما وقع من الاختلاف بين الثوري ومن خالفه في حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في سهم الفارس والراجل من الغنيمة كما تقدم. وإن أدى الاختلاف إلى اختلاف في المعنى كان ذلك موردًا من موارد الإعلال، فينظر في الذي ينفرد بلفظ مخالف لرواية أكثر أو أحفظ الرواة فيحكم عليه بالخطأ، ويُرجع سبب الخطأ إلى الرواية بالمعنى إن وجدت قرائن تدل عليها (^١)، ثم إن كان المتفرد من الفقهاء المعتنين بالرأي فيقوى الظن بأنه حمل لفظ الحديث على رأيه الفقهي، أو كان ممن يحدث من حفظه لا سيما إذا لم يشتهر بالفقه، يقوى الظن بأنه تصرف في اللفظ فأخطأ وأحال المعنى. ولا شك أن الذي يكثر منه الوقوع في الخطأ من أجل الرواية بالمعنى تتأثر بذلك منزلته في الجرح والتعديل من حيث الضبط، وعليه يحمل ترك الإمام أحمد لمعلى بن منصور الذي كان يحدث بما يوافق الرأي ويقع في الأخطاء. وأما ما ورد عن أهل الإتقان من الخطأ بسبب الرواية بالمعنى كيحيى القطان، ووكيع فيحمل على الأوهام والأخطاء التي لا يسلم منها أحد مهما بلغ في الحفظ والإتقان إلا المعصوم، ولا يحكم عليهم بسوء الحفظ، والله أعلم.\n_________\n(^١) قد يقع الاختلاف في اللفظ والمعنى ولا يكون ذلك بسبب الخطأ في الرواية بالمعنى، ويكون بسبب مجرد الوهم أو مطلق سوء الحفظ حيث بدل الراوي لفظة بأخرى، كما يحتمله حديث يحيى القطان في كراهية أن يعرى المسجد بدل أن تعرى المدينة.","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>المبحث الثاني: الإعلال بسوء الحفظ الطارئ على الراوي</span>.\n<span data-type='title' id=toc-155>المطلب الأول: الإعلال باختلاط الراوي لكبر سِنِّه</span>.\nالاختلاط في اللغة فساد العقل. قال ابن المنظور: واختلط فلان أي فسد عقله، ورجل خِلْطٌ بيّن الخَلاطة: أحمق مخالِط العقل … وقد خُولط في عقله خِلاطًا واختلط، ويقال: خُولط الرجل فهو مخالِط، واختلط عقله فهو مختلِط إذا تغير عقله (^١).\nوهو في عرف المحدثين سوء الحفظ الطارئ على الراوي إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه، أو عدمها بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء (^٢).\nفالاختلاط إذًا من أسباب الطعن في رواية الراوي الراجع إلى خلل في الضبط، وعليه فلا يعلّ من روايته إلا ما تُحقّق عدم ضبطه فيه أو اشتبه الأمر فيه، فحديث المختلط لا يخلو من ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: ما ثبت أنه حدّث به قبل الاختلاط، وله صورتان:\nالأولى: ما جاء من طريق مَن تحمّل عنه قبل الاختلاط فقط كقدماء أصحابه والرواة الذين لم يدركوا زمن اختلاطه، أو أدركوه ولم يرووا عنه في تلك الحالة.\nالثانية: ما جاء من طريق من تحمّل عنه في الحالتين - قبل الاختلاط وبعده - لكنهم ميزوا هذا من ذاك.\n_________\n(^١) لسان العرب ٧/ ٢٩٤ - ٢٩٥ مادة \"خلط\".\n(^٢) نزهة النظر ص ٥١.","vol":"1","page":401},{"text":"الحالة الثانية: ما ثبت أنه حدّث به بعد الاختلاط.\nالحالة الثالثة: ما اشتبه الأمر فيه، وهو ما رواه من طريق من لم يُعرف زمنُ تحمّله عنه، أهو قبل الاختلاط أم بعده، وكذلك مَن تحمّل عنه في الحالتين ولم يتميز هذا من ذاك.\nوإنما تُردّ روايةُ المختلط في الحالتين الثانية والثالثة دون الأولى، وهذا أيضًا بشرط ألا يوجد له متابع أو شاهد معتبر. قال ابن حبان: \"وأما المختلطون في أواخر أعمارهم مثل الجُريري، وسعيد بن أبي عروبة وأشباههما فإنا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا إلا أنا لا نعتمد من حديثهم إلا على ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، أو ما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى، لأن حكمهم - وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم، وحُمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدّم عدالتهم - حكمُ الثقة إذا أخطأ أن الواجب ترك أخطائه إذا علم والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطئ فيه، وكذلك حكم هؤلاء: الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء\" (^١).\nوأما في الحالة الأولى - بكلا صورتيها - فلا وجه لردها. وقد قال يحيى ابن معين لوكيع بن الجراح: \"تحدّث عن سعيد بن أبي عروبة وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ قال: رأيتَني حدّثت عنه إلا بحدث مستوٍ؟ \" (^٢).\nوقال وكيع: كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحًا طرحناه (^٣).\n_________\n(^١) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ١٦١.\n(^٢) الكفاية في علم الرواية ص ٢١٧.\n(^٣) تهذيب الكمال ١١/ ١٠.","vol":"1","page":402},{"text":"فهذا يوضّح أن حديث المختلط عندهم إذا كان معروفًا ومستويًا فهو مقبول وإن حدّث به في حال الاختلاط. ولذلك قال السخاوي - بعد أن ذكر قول وكيع المتقدم - إذا حدّث في حال اختلاطه بحديث واتفق أنه كان حدّث به في حال صحته فلم يخالفه أنه يقبل، فليحمَل أطلاقهم عليه (^١).\nولتمييز هذه الحالات اهتمّ الأئمة الحفاظ بمعرفة زمن اختلاط المختلط بالتحديد لكي يجعلونه ضابطًا يميِّزون به بين التحمّل في الصحة والتحمّل بعد الاختلاط، فقسموا الرواة عن المختلط أقسامًا:\n١. من كان سماعه قبل الاختلاط.\n٢. من كان سماعه بعد الاختلاط.\n٣. من كان سماعه قبل الاختلاط وبعده وتميّز الأول من الثاني.\n٤. من كان سماعه قبل الاختلاط وبعده ولم يتميّز الأول من الثاني.\n٥. من لا يعرف زمن تحمله عنه.\nوكذلك اهتم الحفاظ في هذا الباب بأمور أخرى منها:\n١. التفريق بين الاختلاط والتغيّر: قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي قال: سألتُ ابن عليّة عن الجُريري فقلت له: يا أبا بِشر أكان الجُريري اختلط؟ قال: لا، كبر الشيخ فرقّ (^٢). وجاء ما يدل على اعتماد الإمام أحمد هذا فقد ذكر له علة حديث بأن سماع راويه من الجريري بعد الاختلاط فلم يجب، وقال: لا أدري (^٣). وهذا يدل على أن الاختلاط والتغير أمران متباينان، فالتغير\n_________\n(^١) فتح المغيث ٤/ ٣٧١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤٢.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ص ١٦٦.","vol":"1","page":403},{"text":"هو رقة في الحفظ كما يحصل من أجل الشَّيْخُوخة وكِبَر السِّن، ولازم هذا التفريق أن الذي أصابه التغير لا يعامل معاملة المختلط، ووجه ذلك أن التغير لا يؤثِّر على مرويات الرَّاوي لقلة ما يحصل بسببه من الأوهام والأغلاط، حاله حال الثقة الذي قد يهم، فيُتَجنَّب ما تُحُقِّق أنه وهِم فيه وأخطأ، ويقبل باقي حديثه ولا يتوقف في قبولها، بخلاف الاختلاط الذي يجعل المتصف به لا يعقل ما يحدّث به، فيُجيب فيما سُئل، ويحدِّث كيف شاء فيختلط حديثه الصحيح بحديثه السقيم (^١). وقال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة: \"أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكِبَر تناقَص حفظُه، ولم يختلط أبدًا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطّان من أنه وسُهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، نعم الرجلُ تغيّر قليلًا ولم يبق حفظُه كهو في حال الشَّبيبة فنسِيَ بعضَ محفوظِه أو وهم فكان ماذا؟ أهو معصوم من النسيان؟ ولما قدم العراق في آخر عمره حدّث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك، ولشعبة، ولوكيع، ولكبار الثقات، فدعْ عنك الخَبْط وذَرْ خَلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمُخلِّطين\" (^٢) وكأن الإمام أحمد لاحظ هذا الفرق واعتمده في الجريري فلم يهتمّ بتمييز الرواة عنه ولا بذكر ضابطٍ للسَّماع الصَّحيح من السماع المختلط كما فعل مع سائر المختلطين.\n٢. قد يختلط الراوي ولا يؤثر ذلك على مروياته، وذلك لأحد أمرين:\nالأول: أن يكون لم يحدّث بشيء حال اختلاطه، كما حصل لعبد الوهاب الثقفي، وجرير بن حازم. قال أبو داود: \"جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي تغيرا فحُجِب الناس عنهما\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: ما ذكره ابن حبان عن المختلطين المجروحين ١/ ٦٨.\n(^٢) ميزان الاعتدال ٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧ النص ٩٢٣٣.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٩.","vol":"1","page":404},{"text":"الثاني: أن لا يُؤْثَر عنه حديثٌ منكرٌ، كما قال ابن عدي في أبان بن صمعة أنه مع اختلاطه لم يجد له حديثًا منكرًا (^١) وأشار الإمام أحمد إلى أن أبان بن صمعة وإن تغير بأخرة فهو صالح الحديث كما سيأتي في آخر المطلب.\nوسأذكر في هذا المطلب جمعًا من الرواة نص الإمام أحمد على أنهم اختلطوا، وحيث وجد أذكر ما أعلّه من حديثهم، وهم كأنموذج يتبين من خلاله أن الإمام أحمد يعتبر الاختلاط في الأحوال التي ترد بها الرواية علةً يُعتلّ بها ما يستنكر من رواية المختلطين، وأقتصر في هذا المطلب على من اختلط لكبر سنّه وذلك لكثرتهم، وأما من كان اختلاطه لأسباب أخرى كالعمى، واحتراق الكتب وغيرهما فسأفردهم بالذكر في مطلب خاص إن شاء الله.\n\n١ -<span data-type='title' id=toc-156> صالح مولى التوأمة ت (١٢٥) هـ</span>:\nهو صالح بن نبهان مولى التوأمة بنت أمية بن خلف أبو محمد المدني قال عنه الإمام أحمد: صالح الحديث (^٢).\nوقد وردت عن الإمام أحمد روايات تشير إلى اختلاط صالح، منها:\nقال عبد الله: قلت لأبي إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالك بن أنس عن صالح مولى التوأمة فقال: ليس بثقة. قال أبي: مالك كان قد أدرك صالحًا وقد اختلط أو هو كبير، ما أعلم به بأسًا من سمع قديمًا وقد روى عنه أكابر أهل المدينة (^٣).\nوقال عبد الله أيضًا: قال أبي: صالح مولى التوأمة ما أرى به بأسًا من سمع\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٠.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٣٩١/٣٢٣٤.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٣١١/٢٣٨٢.","vol":"1","page":405},{"text":"منه قديما (^١).\nوقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن صالح مولى التوأمة فقال: قال مالك: قد رأيته مختلِطًا، ولم يحمل عنه. ثم قال: من سمع قبل الاختلاط فكأنه (^٢).\nوقال البخاري: كان أحمد يقول: من سمع من صالح قديما فسماعه حسن ومن سمع منه أخيرًا فكأنه يضعف سماعه (^٣).\nوقال أبو داود: قلت لأحمد: صالح مولى التَّوْأَمة؟ قال: لقيه مالك - زعموا - بعد ما كبر. قلت لأحمد: هو مُقارِب الحديث؟ قال: أما أنا فأحتمله وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع مجد فلا؟ (^٤).\nفهذه الرويات عن الإمام أحمد أثبتت أن صالح مولى التوأمة كان قد اختلط، وذكرت التمييز بين سماع من سمع منه قديمًا ومن سمع منه بأخرة، وهذا التفصيل لا يكون إلا في راوٍ مختلطٍ. ولم تبين الروايات زمن الاختلاط ولم تنص على أعيان من سمع منه قبله، ولكن نصت على أن الإمام مالكًا ممن سمع منه بعد الاختلاط. ولا يمكن أن يؤخذ من هذا ضابطًا للسماع الصحيح من السماع في حالة الاختلاط.\nما أعله الإمام أحمد من حديثه:\nوقد ورد عن الإمام أحمد إعلال حديث رواه صالح مولى التوأمة، إلا أنه لم يتبين تمامًا هل أعله بإختلاط صالح فيكون شاهدًا للباب، أو أعله بأمر آخر.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ١١٥/٤٤٧٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٦٩/ ٦٩.\n(^٣) علل الترمذي الكبير بترتيب القاضي ١/ ٣٤ ط بيروت بتحقيق صبحي سامرائي وليس هذا النص في طبعة دار الأقصى بتحقيق حمزة ديب مصطفى.\n(^٤) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٠٨ - ٢٠٩/م ١٥٩.","vol":"1","page":406},{"text":"فروى ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلّى على جنازة في المسجد فليس له شيءٌ\" (^١).\nقال عبد الله: سألت أبي عن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له\" فقال: حديث عائشة: أن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد ثم قال: حتى يثبت حديث صالح مولى التوأمة، كان عنده ليس يثبت أو ليس صحيحًا (^٢).\nوهذه الرواية ليست صريحة في إعلال الحديث باختلاط صالح، إذ غاية ما فيها التنصيص على عدم ثبوت الحديث، ويحتمل أن يكون الحديث قد رواه قبل الاختلاط لكنه تفرد به وهو ممن لا يحتمل تفرده خاصة مع مخالفته لحديث عائشة ﵂. ويؤيد هذا الوجه ما نقله الحافظ ابن عبد البر قال: وسئل أحمد بن حنبل - وهو إمام أهل الحديث والمتقدم في معرفة علل النقل فيه - عن الصلاة على الجنازة في المسجد فقال: لا بأس بذلك، وقال بجوازه، فقيل: فحديث أبي هريرة؟ فقال: لا يثبت أو قال: حتى يثبت. ثم قال: رواه صالح مولى التوأمة، وليس بشيء فيما انفرد به. ا. هـ (^٣). وذكر النووي عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف (^٤). واعتمد ابن عبد الهادي\n_________\n(^١) رواه أبو داود السنن ٣/ ٥٣١/٣١٩١، وابن ماجه السنن ١/ ٤٨٦/١٥١٧، وأبو داود الطيالسي ٣٠٤/ ٢١٣١، وعبد الرزاق المصنف ٣/ ٥٢٧/٦٥٧٩، وأحمد المسند ٢/ ٤٤٤ - ١٥/ ٤٥٤/٩٧٣٠، ٢/ ٤٥٥ - ١٥/ ٥٣٥/٩٨٦٥، ٢/ ٥٠٥ - ١٦/ ٣٣٠/١٠٥٦١، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٤٩٣، والبيهقي السنن الكبرى ٤/ ٥٢ بألفاظ متقاربة، إلا أبا دواد رواه بلفظ: فلا شيء عليه.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ٢/ ٤٨١ - ٤٨٢.\n(^٣) الاستذكار ٨/ ٢٧٣.\n(^٤) شرح صحيح مسلم ٧/ ٤٠.","vol":"1","page":407},{"text":"هذا النقل عن النووي (^١)، واعتماد ابن عبد الهادي هذا النقل عن النووي يدل على عدم وقوفه على رواية عن الإمام أحمد في المسئلة من طريق أصحابه.\nويؤيد أن علة الحديث هو اختلاط صالح ما ذكره أبو الحسن ابن القطان قال: \"حكى الترمذي عن البخاري عن أحمد بن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيرًا وروى عنه منكرًا\" (^٢). وهذا الحديث من رواية محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، فحيث كان سماعه من صالح أخيرًا تحمل نكارته على اختلاط صالح. لكن هذا النقل مخالف لما في نسخة \"علل الترمذي الكبير\" التي بأيدينا وما نقله البيهقي من الكتاب نفسه، وفيه: \"قال قلت كيف صالح مولى التوأمة؟ قال - أي البخاري - قد اختلط في آخر أمره، من سمع منه قديمًا سماعه مقارب وابن أبي ذئب ما أرى أنه سمع منه قديمًا يروي عنه مناكير\" (^٣). وفي موضع آخر: قال: \"قال محمد: وابن أبي ذيب سماعه منه أخيرًا، يروي عنه مناكير\" (^٤). فالظاهر أن القائل بأن سماع ابن أبي ذيب في زمن الاختلاط هو البخاري ولم ينسبه إلى الإمام أحمد، ولذلك استغرب الحافظ ابن حجر نقل ابن القطان هذا (^٥). وقد نص جمع من الأئمة على أن سماع ابن أبي ذيب من صالح مولى التوأمة قبل الاختلاط (^٦)، ولم يَرِد عن الإمام أحمد شيءٌ عن سماع ابن أبي ذيب من صالح إلا هذا النقل من ابن القطان، والله أعلم.\n_________\n(^١) تنقيح التحقيق ٢/ ١٤٤.\n(^٢) بيان الوهم والإيهام ٤/ ٢٥٧. ونقله ابن حجر في تهذيب التهذيب ٤/ ٤٠٦. وقال الحافظ ابن حجر: حكاه ابن القطان عن الترمذي هكذا.\n(^٣) علل الترمذي بترتيب القاضي ١/ ٢٩٢.\n(^٤) علل الترمذي بترتيب القاضي ١/ ٣٤. وانظر: نقل البيهقي في معرفة السنن والآثار ٥/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(^٥) انظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٤٠٦.\n(^٦) انظر: الكواكب النيرات ص ٢٦١.","vol":"1","page":408},{"text":"فإيراد هذا الحديث مما أعله الإمام أحمد بعلة اختلاط صالح مولى التوأمة هو على الاحتمال فقط.\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-157> عطاء بن السائب ت (١٢٦) هـ:</span>\nهو عطاء بن السائب بن مالك الثقفي أبو السائب الكوفي.\nقال عبد الله: سمعت أبي يقول: عطاء بن السائب ثقة ثقة رجل صالح (^١).\nوقال المروذي: قيل له - أي أحمد بن حنيل: عطاء بن السائب أحب إليك أو حصين؟ فقال: كلاهما ثبتان (^٢).\nوقال عبد الله: سألته عن عطاء بن السائب فقال: صالح، من سمع منه يعني قديمًا وقد تغير فإنه ليس بذاك إنه ليرفع إلى بن عباس (^٣).\nوقال أبو طالب: سألت أحمد يعني ابن حنبل عن عطاء بن السائب قال: من سمع منه قديمًا كان صحيحًا، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا شعبة، وسفيان، وسمع منه حديثًا جرير، وخالد بن عبد الله، وإسماعيل يعني ابن علية، وعلي بن عاصم، فكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها، وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة قال: كتبتُ عن عَبيدة ثلاثين حديثًا ولم يسمع من عَبيدة شيئًا، فهذا اختلاط شديد (^٤).\nوقال أبو داود: قلت لأحمد: عطاء بن السائب - أعني كيف حديثه؟ قال: من سمع منه بالبصرة فسماعه مضطرب، قلت: وُهيْب؟ قال: نعم (^٥).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٤.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٥١/ ٣٣. وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٤١٤/٨٨٢.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٣/ ١٨٥١.","vol":"1","page":409},{"text":"فهذه النصوص عن الإمام أحمد أثبتت الأمور التالية:\n١. إن عطاء بن السائب قد تغيّر في الآخر، وأن هذا التغيّر ليس بتغيّر خفيف، بل هو اختلاط شديد، حيث إنه يزعم أنه سمع من عَبيدة ثلاثين حديثًا والواقع أنه لم يسمع منه شيئًا، وبالتالي اعتبر الإمام أحمد سماع من سمع منه في زمن التغيّر لا شيء.\n٢. إن عطاءَ بن السائب قبل التغيّر ثقةٌ صالحٌ صحيحُ الحديث عند الإمام أحمد.\n٣. ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده: الظاهر من رواية أبي داود عن أحمد أن ذلك يرجع إلى مكان السماع، فمن سمع منه بالكوفة فهو قبل الاختلاط، ومن سمع منه بالبصرة فهو بعد الاختلاط (^١). فكأن قدومه البصرة كان في آخر حياته.\n٤. ذكرُ من سمع من عطاء قبل الاختلاط ومن سمع منه بعده، فذكر ممن سمع منه قبل الاختلاط: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري. ومما يدل على صحة سماعهما ما ذكره أبو داود قال: قلت لأحمد: يُشاكل أحدٌ سفيانَ وشعبةَ في عطاء؟ قال: لا، قلما يختلف عنه سفيان وشعبة (^٢). وهذا يدل على ضبط عطاء لحديثه حال الصحة حيث قل أن يختلف عنه هذان الحافظان.\nومنهم أيضًا سفيان بن عيينة:\nقال أبو داود: سمعتُ أحمد قال: سماعُ ابن عيينة عنه مقاربٌ - يعني من\n_________\n(^١) وانظر أيضًا: شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٧٣٧. وممن وافق الإمام أحمد على هذا الحافظ أبو حاتم الرازي، فيرى أن حديث البصريين عن عطاء فيه تخاليط كثيرة لأنه قدم عليهم في آخر عمره الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٤.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٨٤٩.","vol":"1","page":410},{"text":"عطاء بن السائب، سمع بالكوفة (^١).\nوذكر ممن سمع منه بعد الاختلاط: جرير بن عبد الحميد الضبي، وخالد ابن عبد الله الطحان، وإسماعيل بن عُليّة، وعلي بن عاصم، ووُهيْب بن خالد.\nوذكر أن أبا عوانة ممن سمع منه قبل وبعد الاختلاط، فقال أبو داود: سمعت أحمد قال: أبو عوانة سمع منه بالكوفة وبالبصرة جميعًا - يعني من عطاء (^٢)، والظاهر أنه لم تتميز أحدها عن الآخر كما قال هو في نفسه أن ذلك اختلط عليه (^٣).\n٥. إن من مظاهر العلة في حديث عطاء بن السائب والناشئة من الاختلاط رفعه أشياء إلى ابن عباس وهي في الواقع موقوفة على سعيد بن جبير. قال أبو داود: قال أحمد: هذا الذي يروي خالد الطحّان، عن سعيد، عن ابن عباس في التفسير إنما هو عن سعيد - يعني خالد عن عطاء بن السائب (^٤).\nوقال عبد الله: سئل أبي عن عطاء بن السائب وسماك قال: ما أقربَهما وسماك يرفعها عن عكرمة عن ابن عباس، وعطاء عن سعيد عن ابن عباس، ما أقربَهما (^٥).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٨٤٧.\nوفي المعرفة والتاريخ للبسوي ٢/ ٧٠٨ قال سفيان في حديث ابن عمر مرفوعًا: \"إن استلام الركنين يحط الخطايا كما تتحات ورق الشجر\" قال سفيان: حدثني بهذا عطاء وأنا وهو في الطواف قال: فكأنه لم يرني أعجبت به فقال: أتزهد في هذا يا ابن عيينة؟ … وقال أيضًا: سمعت عطاء يكثر التلبية في الطواف، وكان يحرم من الكوفة، وسمعت منه قديمًا ثم قدم علينا قدمة فسمعته يحدث بعض ما كنت سمعت منه فيخلط فيه فاتقيته واعتزلته. ا. هـ. فلعل سماعه القديم كان بالكوفة كما قال الإمام أحمد ولما قدم عطاء مكة كان قد اختلط ومن أجل ذلك لم يعجب ابن عيينة بما حدثه به من حديث ابن عمر، والله أعلم.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٣/ ١٨٥٠.\n(^٣) قال أبو عوانة: كتبت عن عطاء قبل وبعد فاختلط علي كتاب الضعفاء للعقيلي ٣/ ١٠٩٥.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٨٤٨.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٣٩٥/٧٩٢.","vol":"1","page":411},{"text":"ما أعله الإمام أحمد من حديث عطاء بن السائب بالاختلاط:\nقال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرَم الُمزني أن أبا عبد الله سُئل عن حديث شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، قال: [بينهن نبيٌّ كنبيكم، ونوحٌ كنوحكم، وآدمُ كآدمِكم]. قال أبو عبد الله: هذا رواه شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس لا يذكر هذا، إنما يقول: [يتنزّل العلمُ والأمرُ بَيْنهنّ] وعطاء بن السائب اختلط، وأنكر أبو عبد الله الحديث. وعن قتادة قال: [في كل سماءٍ وكل أرضٍ خلقٌ من خلقه، وأمر من أمره، وقضاءٌ من قضائه] (^١).\nهذا الأثر رواه الحاكم (^٢)، ومن طريقه البيهقي (^٣)، وقد أنكره الإمام أحمد وجعل علته اختلاط عطاء بن السائب، والراوي عنه شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، ولم ينص على زمن سماعه من عطاء، وإعلال الإمام أحمد الحديث باختلاط عطاء يدل على احتمال أن يكون شريك عنده ممن سمع من عطاء بعد الاختلاط، أو ممن لم يعرف وقت سماعه منه، أو ممن سمع منه قبل وبعد الاختلاط، إذ هذه هي حالات الإعلال بالاختلاط.\nوقد قوّى إعلاله للحديث بأن شعبة خالفه، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس بغير هذا اللفظ، وبما رُوي عن قتادة في تفسير الآية. وهذا التفسير عن قتادة رواه ابن جرير في التفسير (^٤).\nولم أقف على رواية شعبة هذه التي أعل بها الإمام أحمد رواية عطاء بن السائب،\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ١٢٥/ ٥٨.\n(^٢) المستدرك ٢/ ٤٩٣، وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٣) الأسماء والصفات ٣٨٩.\n(^٤) جامع البيان ٢٨/ ١٥٤.","vol":"1","page":412},{"text":"وصحة الإعلال باختلاط عطاء متوقف على ثبوت تلك الرواية عن شعبة.\nوقد روى ابن جرير من طريق غندر، والحاكم من طريق آدم بن أبي إياس، كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: [في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق]. وقال ابن المثنى عن غندر: في كل سماء إبراهيم (^١). فهذا اللفظ ظاهره نحو لفظ عطاء بن السائب، مما يدل على أنه توبع من قبل شعبة، وقد صحح البيهقي الإسناد إلى ابن عباس وقال: إلا أنه شاذ بمرة ولا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا والله أعلم اه (^٢) والظاهر من صنيع البيهقي أنه لا يرى أن العلة فيه اختلاط عطاء بن السائب لمتابعة شعبة له، كأنه لم يقف على رواية شعبة التي ذكرها الإمام أحمد المخالفة لروايةِ عطاء والمخالفة لروايةِ غندر وآدم بن أبي إياس عن شعبة التي ذكرت آنفًا.\n\n٣ -<span data-type='title' id=toc-158> أبو إسحاق السَّبِيعي ت (١٢٦) هـ:</span>\nوهو عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، أبو إسحاق السَّبِيعي. قال أحمد: أبو إسحق رجل ثقة صالح، لكن هؤلاء الذين حملوا عنه بأخرة (^٣).\nفهذه إشارة إلى أن أبا إسحاق تغير بأخرة. وأصرح من ذلك ما رواه الميموني:\n_________\n(^١) جامع البيان ٢٨/ ١٥٣، المستدرك ٢/ ٤٩٣.\n(^٢) الأسماء والصفات ٣٩٠. وقد اعتمد السيوطي كلام البيهقي هذا فذكر هذا الحديث مثالًا للحديث الشاذ عند الحاكم - وهو ما سماه بما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل عليه - تدريب الراوي ١/ ٢٣٣. ولمحمد بن عبد الحي اللكنوي رسالة في تصحيح الحديث سماها: \"زجر الناس عن إنكار أثر ابن عباس\" ذكرها الشيخ أبو غدة في تحقيقه على الرفع والتكميل ص ١٨٨. ولم أطلع عليها.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٣٦٣/٢٦١١، الجرح والتعديل ٦/ ٢٤٣.","vol":"1","page":413},{"text":"قال: قلت: لأبي عبد الله: وكان أبو إسحاق قد تأخّر؟ قال: إي والله، هؤلاء الصغار زهير وإسرائل يزيدون في الإسناد وفي الكلام (^١).\nفذكر من آثار هذا التغيرّ الزيادة في الإسناد، وذلك برفع الموقوف، ووصل المرسل، وزيادة رجل في الإسناد، وبمثل هذا ينحط الثقة عن رتبة الاحتجاج به كما قال الذهبي (^٢). إلا أن هذا الصنيع ليس من قبل هؤلاء الرواة عن أبي إسحاق، بل كان من قبل أبي إسحاق نفسه، وهو دليل على اختلاطه.\nقال أبو داود: سمعت أحمد قال: زهير، وزكريا، وإسرائيل ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أراه إلا من أبي إسحاق، هو السَّبيعي. قال: قلت لأحمد: شريك منهم؟ قال: شريك سمع قديمًا (^٣).\nوقال صالح عن أحمد: زهير، وإسرائيل، وزكريا في حديثهم عن أبي إسحاق لين، سمعوا منه بأخرة، وشريك كان أثبت في أبي إسحاق منهم، سمع قديمًا. وزهير فيما روى عن المشايخ ثبت بخ بخ (^٤).\nوقال أبو داود أيضًا: قلت لأحمد: إسرائيل أحب إليك أو زهير في أبي إسحاق؟ قال: ما فيهما بحمد الله إلا يُخطئ، وما أراه إلا من أبي إسحاق (^٥).\nوقال في رواية عبد الله: وفي حديث إسرائيل اختلاف عن أبي إسحاق، أحسب ذاك من أبي إسحاق (^٦).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧١٠.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥١٣.\n(^٣) سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ص ٣١٠/ ٤٠٥ أ.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٤٥٧/١١٥٨.\n(^٥) سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ص ٣١٠/ ٤٠٥ ب.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٥٥٩/١٣٣٥.","vol":"1","page":414},{"text":"فنصّ ﵀ في هذه الروايات على أن ما في حديث هؤلاء الحفاظ عن أبي إسحاق - وهم زهير بن معاوية الجعفي، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل ابن يونس بن أبي إسحاق - من الخطأ والاختلاف إنما هو من قبل أبي إسحاق وليس من قبلهم، وأن ذلك راجع إلى كونهم سمعوا منه بأخرة. وقدّم شريكًا عليهم في أبي إسحاق مع أنه دونهم في الحفظ والإتقان، لأنه أقدم سماعًا منهم.\nوقد أنكر الذهبي أن أبا إسحاق اختلط، وقال: كبر وتغيَّر حفظُه تغيُّرَّ السن، ولم يختلط (^١).\nومما يدل على أن أبا إسحاق اختلط ما رواه أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبيد الله بن عمرو قال: جئت محمد بن سوقة معي شفيعًا عند أبي إسحاق فقلت لإسرائيل: استأذن لنا الشيخ، فقال لنا: صلى بنا الشيخ البارحةَ فاختلط قال: فدخلنا عليه، فسلمنا وخرجنا (^٢).\nوقال الفسوي: قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو إسحاق في مسجده، ليس معنا ثالث. فقال بعض أهل العلم: كان قد اختلط فإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن زهير بن معاوية فقال: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط (^٤).\nوقال الذهبي: ما اختلط أبو إسحاق أبدًا، وحمل كلام أبي زرعة هذا على التغيُّر ونقص الحفظ (^٥). وقد تقدم من كلام الإمام أحمد أن تغير أبي إسحاق كان\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٩٥.\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٩.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٧٥.\n(^٤) الجرح والتعديل ٣/ ٥٨٩.\n(^٥) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣٣.","vol":"1","page":415},{"text":"من آثاره أن وقعت أخطاء في مرويات من روى عنه بأخرة من زيادة في الأسانيد والمتون، والتغير إذا تضمن مثل هذا فلا يقال فيه إنه تغير يسير، بل الظاهر أنه من الاختلاط. وقد تقدم مثل هذا عن عطاء بن السائب أن من آثار اختلاطه أنه كان يرفع إلى ابن عباس ما كان موقوفًا على سعيد بن جبير (^١). وذكر ابن حبان عن عبد الله بن عبد العزيز الليثي أنه كان ممن اختلط بأخرة حتى كان يقلب الأسانيد وهو لا يعلم، ويرفع المراسيل من حيث لا يفهم (^٢).\nوإذا ثبت أن أبا إسحاق اختلط، فقد سمع منه قبل الاختلاط على ما ذكره أحمد: سفيان، وشعبة، وشريك. قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أجد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري، وشعبة أقدم سماعًا من سفيان (^٣).\nوقال عبد الله: سمعت أبي يقول: قال شريك عن أبي إسحاق فقال: كان ثبتًا فيه (^٤). وقد تقدم أنه قال إنه قديم السماع من أبي إسحاق.\nوذكر الإمام أحمد أربعة ممن سمع من أبي إسحاق بأخرة، وهم: زهير، وزكريا، وإسرائيل، وزائدة بن قدامة. قال في حديث زائدة عن أبي إسحاق: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق (^٥).\nولم يرد عن الإمام أحمد ضابط التمييز بين السماع القديم والسماع المتأخر.\n_________\n(^١) انظر: ص ٤١١. وانظر: العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٤١٤/٨٨٢.\n(^٢) المجروحين ٢/ ٨.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧١٠.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٢٥١/٣٤٨.\n(^٥) الكواكب النيرات ص ٣٥٠.","vol":"1","page":416},{"text":"ما أعله من حديث أبي إسحاق بالاختلاط:\nقال أبو داود: قلت لأحمد: كُدير الضبي له صحبة؟ فقال: لا، قلت: زهير يقول: إنه أتى النبيَّ ﷺ أو إن أعرابياًّ أتى النبيَّ ﷺ، أعني في حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن كدير الضبي؟ فقال: زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة (^١).\nهذا الحديث سيأتي في مسئلة ما يقدح في ثبوت الصحية، وسيأتي هناك أن رواية زهير عن أبي إسحاق، عن كُدير الضبي أنه أتى النبيَّ ﷺ فأتاه أعرابي فقال: [يا رسول الله، ألا تحدّثني عما يُقربّني من الجنة ويُباعدني من النار؟ قال: \"تقول العدلَ، وتُعطي الفضلَ\" …] الحديث. أخرجه أبو القاسم البغوي (^٢)، وعنه ابن قانع (^٣). وظاهر هذه الرواية أن لكُدير الضبي وفادةً على النبي ﷺ فتَثبُتُ له صحبة، وأنكر الإمام أحمد أن تكون له صحبة، لأن الرواية التي تفيد ذلك جاءت من طريق زهير بن معاوية الجعفي، عن أبي إسحاق، وسماعه من أبي إسحاق كان بأخرة، فرد الرواية من أجل هذا.\nوقد روى الحديث القدماء من أصحاب أبي إسحاق مخالفًا لرواية زهير، فروى شعبة عن أبي إسحاق، سمعت كدير الضبي منذ خمسين سنة قال: أتى النبيَّ ﷺ أعرابي فذكر الحديث. أخرجه أبو داود الطيالسي (^٤). وهذه الرواية لا تقتضي أن لكدير الضبي صحبةً. وتابع شعبةَ الثوري، والأعمش، ومعمر، وفطر ابن خليفة، وإسرائيل، وزيد بن أبي أنيسة كلهم عن أبي إسحاق كما سيأتي. ومخالفة زهير لهؤلاء ليست من أجل عدم ضبطه لحديث أبي إسحاق فإنه كان ثقة ثبتًا متقنًا،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤١٠/ ١٩٢٥.\n(^٢) معجم الصحابة ٥/ ١٦٤.\n(^٣) معجم الصحابة ٢/ ٣٨٤.\n(^٤) مسند أبي داود الطيالسي ١٩٤/ ٣٦١.","vol":"1","page":417},{"text":"بل ذلك راجع إلى اختلاط أبي إسحاق، فسمع هذا الحديث منه على الوجه الخطأ.\nفقد ظهر من هذا المثال أن لسماع زهير من أبي إسحاق أثرًا في وقوع الخطأ في روايته عن أبي إسحاق، وذلك الخطأ تضمن وصل حديث مرسل، واقتضى ذلك اعتبارَ منْ ليس بصحابي صحابياًّ، وهذا مما يقوي أن إبا إسحاق كان قد اختلط، ولم يكن ما أصابه من قبل التغير اليسير، وأن الاختلاط من أسباب ردّ رواية الراوي.\n\n٤ -<span data-type='title' id=toc-159> سعيد بن أبي عروبة ت (١٥٦) هـ:</span>\nهو سعيد بن أبي عروبة - واسمه مهران - العدوي مولاهم البصري، يكنى أبا النضر.\nقال أحمد: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتب (^١)، إنما كان يحفظ ذلك كله (^٢)، وذكر عن سعيد أنه كان يقول: دقَّك بالمنحاز حبَّ الفُلْفُل، وذلك لما قدم الكوفة، قال أحمد: يعني بذلك شدة الحفظ (^٣).\nوأثبت الإمام أحمد أن سعيد اختلط. قال عبد الله: قلت لأبي: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم (^٤) وكذلك روى المروذي عنه (^٥).\n_________\n(^١) أي لم يكن يكتب حديثه، وإلا فقد كان له مصنفات رويت عنه. قال الذهبي: كان أول من صنف السنن النبوية سير أعلام النبلاء ٦/ ٤١٢. وكان الإمام أحمد يعلل بعض أحاديثه بأنها مخالفة لما في كتبه انظر على سبيل المثال مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٠٠/ ١٨٩٣. وقال الذهبي عن ابن عدي: روى جميع مصنفات سعيد بن أبي عروبة عبد الوهاب الخفاف سير أعلام النبلاء ٦/ ٤١٧.\n(^٢) الجرح والتعديل ٤/ ٦٥.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٤٣٨/٩٧٨، ٣/ ١٤٨/٤٦٥٣. والمنحاز هو ما يدقّ فيه، وهذه العبارة مثل يضرب في الإلحاح على الشحيح لسان العرب، مادة: \"نحز\" ٥/ ٤١٥، القاموس المحيط، المادة نفسها ص ٦٧٧، فكأن سعيد بشدة إحاحه على الحفظ ما كان يترك شيئًا إلا حفظه.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٦٣/٨٦.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٥٧ - ٥٨/ ٤٧.","vol":"1","page":418},{"text":"وأما حالته قبل الاختلاط فعلى ما ذكر من قوة حفظه.\nضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط:\nوأما ضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط فقد كان الإمام أحمد يحدد ذلك بالهزيمة، ويعني بها هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي خرج على أبي جعفر، وكانت سنة خمس وأربعين ومائة.\nقال عبد الله: قال أبي: كانت الهزيمة في سنة خمس وأربعين ومائة، قال: ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة كان أبي ضعّفهم (^١).\nوكان هذا مذهب يحيى بن سعيد القطان أيضًا قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد يوقِّت فيمن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه صالح، والهزيمة كانت سنة خمس وأربعين ومائة. قال: قال أبي: وهذه هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن الذي كان خرج على أبي جعفر (^٢).\nوقال المروذي: قال أحمد: أما يحيى فكان يقول: من سمع قبل سنة خمس وأربعين (^٣).\nولعل الإمام أحمد أخذ هذا الضابط عن يحيى بن سعيد فإنه كان شيخَه وكان قد لقي ابن أبي عروبة.\nمن سمع من ابن عروبة قبل الاختلاط:\nذكر الإمام أحمد أن من سمع من سعيد بالكوفة فسماعه جيد.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٦٣/٨٦.\n(^٢) المصدر نفسه ١/ ٣٥٥/٦٧٧.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٥٩/ ٤٧.\nوانظر الخلاف في ضابط السماع الجيد من السماع بعد الاختلاط في فتح المغيث ٤/ ٣٧٦.","vol":"1","page":419},{"text":"قال المروذي: قلت: سعيد بن أبي عروبة حين قدم الكوفة سمعوا منه وهو مختلط؟ قال: لا، سماعهم جيد، لم يكن مختلطًا (^١).\nقال عبد الله: قال أبي: من سمع منه - يعني سعيد بن أبي عروبة - بالكوفة مثل محمد بن بشر وعبْدَة فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة (^٢).\nوقال المروذي: قد كان ابن بشر جيد الكتاب عن سعيد، سماعهم متقدم (^٣).\nفذكر ممن سمع منه بالكوفة محمد بن بشر العبدي أبو عبد الله الكوفي (^٤)، وعبدة بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي (^٥).\nوذكر منهم أيضًا أسباط بن محمد القرشي مولاهم أبو محمد الكوفي (^٦).\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أسباط بن محمد أحب إليك في سعيد أو الخفاف (^٧)؟ فقال: أسباط أحب إليّ، لأنه سمع منه بالكوفة (^٨).\nوذكر منهم أيضًا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي (^٩).\nقال أبو داود: قلت لأحمد: سماع عيسى من ابن أبي عروبة؟ قال: سماعه جيد بالكوفة (^١٠).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ١٤٣/ ٢٥٤.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٦٣/٨٦.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٥٧/ ٤٧.\n(^٤) ثقة حافظ ع تقريب التهذيب ٥٧٩٢.\n(^٥) ثقة ثبت ع تقريب التهذيب ٤٢٩٧.\n(^٦) ثقة، ضعف في الثوري، ع تقريب التهذيب ٣٢٢.\n(^٧) هو عبد الوهاب بن عطاء الخفاف البصري.\n(^٨) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤٣.\n(^٩) ثقة مأمون ع تقريب التهذيب ٥٣٧٦.\n(^١٠) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٧٤٥.","vol":"1","page":420},{"text":"ومن أهل البصرة يحيى بن سعيد، وهذا ظاهر لاعتماد الإمام أحمد على ما ذكره من ضابط التمييز بين السماع الصحيح من السماع بعد الاختلاط، فلو لم يكن يحيى سمع منه قبل الاختلاط لما أدرك هذا الضابط.\nومنهم يزيد بن زريع. قال أبو طالب عن أحمد بن حنيل: كل شيء رواه يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة فلا تُبال أن لا تسمعه من أحدٍ، سماعُه من سعيد قديم، وكان يأخذ الحديث بنية (^١).\nوقال ابن رجب عن الإمام أحمد: قد أكثر الأئمة السماع منه - يعني سعيد بن أبي عروبة - قبل الاختلاط منهم يزيد بن زريع (^٢).\nومنهم محمد بن بكر البرساني البصري (^٣).\nقال عبد الله: قال أبي: قلت لمحمد بن بكر البرساني: متى سمعتَ من سعيد بن أبي عروبة؟ قال: قبل الهزيمة (^٤).\nومنهم إسماعيل بن عليّة. قال عبد الله: حدثني أبي قال: قلت لإسماعيل ابن علية: متى جالستَ سعيدًا؟ أو سمعت من سعيد قبل الطاعون وبعده؟ قال: نعم. قلت: وقبل الهزيمة؟ قال: نعم، قلت: وبعد الهزيمة؟ ثم قال: لا أدري لا أدري، إلا أني كنت آتيه أنا وأصحاب لي فيُملي علينا أو عليّ، وكان لا يفعل ذلك بكل أحد. قال أبي: \"والطاعون قبل الهزيمة بأربع عشرة سنة، فسماع ابن علية من سعيد قديم\" (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٣٠/ ١٢٧ - ١٢٨، وانظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٢٣٠.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٣.\n(^٣) صدوق قد يخطئ ع تقريب التهذيب ٥٧٩٧.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ١٤٨/٤٦٥٣.\n(^٥) المصدر نفسه ٣/ ٢٩٥/٥٣١٤.","vol":"1","page":421},{"text":"ومنهم عبد الله بن بكر بن حبيب السَّهمي البصري (^١). قال عبد الله: حدثني أبي: قال: قلت للسَّهمي: متى جالستَ سعيد بن أبي عروبة؟ قال: قبل الهزيمة بسنتين أو ثلاث (^٢).\nوذكر ابن رجب عن الإمام أحمد أنه قال: السهمي فوق هؤلاء، يعني فوق محمد بن بكر وغيره في سماعه من سعيد (^٣).\nومنهم روح بن عبادة. قال عبد الله: وجدتُ في كتاب أبي بخط يده قال: قلت لروح بن عبادة: متى سمعت التفسير من سعيد، قبل الهزيمة؟ قال: إي والله (^٤). وقال ابن رجب عن الإمام أحمد قال: وروح حديثه عنه صالح (^٥).\nومنهم محمد بن سواء السدوسي، فقد سأل عبد الله الإمام أحمد عن محمد ابن سواء وروح بن عبادة في سعيد بن أبي عروبة فقال: ما أقربهما (^٦)، مما يدل على أن سماعه من ابن عروبة قريب من سماع روح بن عبادة عنه، أي كان ذلك قبل الهزيمة.\nفهؤلاء الذين وقفت على تنصيص الإمام أحمد على سماعهم من سعيد قبل الاختلاط.\nمن سمع من ابن عروبة بعد الاختلاط:\nفمنهم شعيب بن إسحاق البصري ثم الدمشقي (^٧). قال أبو داود:\n_________\n(^١) ثقة حافظ ع تقريب التهذيب ٣٢٥١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٢٩٦/٥٣١٥.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٤.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٢١/٥٤٢٧. وكذلك قال أبو داود إن سماع روح من سعيد قبل الهزيمة سؤالات الآجري أبا داود السجستاني ص ٢٢٤.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٤.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٢ رقم ٣٠٩٣.\n(^٧) ثقة رمي بالإرجاء خ م د س ق تقريب التهذيب ٢٨٠٨.","vol":"1","page":422},{"text":"ذكرت لأحمد عن شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي عروبة، قال: شعيب سمع منه بآخر رمق (^١).\nومنهم محمد بن أبي عدي وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أبو عمرو البصري (^٢). قال عبد الله: قال أبي: كان يحيى بن سعيد يقول: جاء ابن أبي عدي إلى سعيد بن أبي عروبة - يعني وهو مختلط (^٣).\nمن سمع من ابن عروبة في الحالتين أو توقف الإمام أحمد في زمن سماعه منه:\nفمنهم يزيد بن هارون الواسطي، قال عبد الله: قال أبي: سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي عروبة في الصحة إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة (^٤) وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ذكر سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي عروبة فضعفه وقال: كذا وكذا حديث خطأ (^٥).\nوالظاهر أن عبد الوهاب بن عطاء الخفّاف (^٦) ممن سمع قبل الاختلاط عند\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٧٤٤. وخالفه في هذا ابن حبان فقال: كان سماع شعيب بن إسحاق منه سنة أربع وأربعين ومائة قبل أن يختلط بسنة الثقات ٦/ ٣٦٠. ويؤيد ما ذكره ابن حبان ما رواه هشام بن عمار عن شعيب بن إسحاق أنه قال: سمعت من سعيد بن أبي عروبة سنة أربع وأربعين ومائة التقييد والإيضاح ص ٣٩٩. وجمع بينهما العراقي بأن ابتداء سماعه من سعيد قبل الاختلاط ثم إنه سمع منه بآخر رمق الموضع نفسه. ويؤيد هذا الجمع أن وكيعًا لما سئل عن شعيب بن إسحاق عرفه فقال: الأشقر الضخم، رأيته عند ابن عروبة الجرح والتعديل ٤/ ٣٤١. وسماع وكيع من ابن عروبة كان بعد الاختلاط. قاله ابن عمار الموصلي انظر: فتح المغيث ٤/ ٣٧٧. فدل على أن شعيب بن إسحاق قد سمع من سعيد في حال الاختلاط.\nوالرمق - محركة - بقية الحياة القاموس المحيط الرمق ص ١١٤٦.\n(^٢) ثقة ع تقريب التهذيب ٥٧٣٣.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٣٥٣/٦٧١.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤١.\n(^٥) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٨، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٦.\n(^٦) صدوق ربما أخطأ عخ م ٤ تقريب التهذيب ٤٢٩٠.","vol":"1","page":423},{"text":"الإمام أحمد. سئل أبو داود عن السهمي والخفاف في حديث ابن أبي عروبة فقال: عبد الوهاب أقدم، فقيل له عبد الوهاب سمع في زمن الاختلاط فقال: من قال هذا؟ سمعت أحمد بن حنيل سئل عن عبد الوهاب في سعيد بن أبي عروبة فقال: عبد الوهاب أقدم (^١). فظاهر هذا أنه سمع قبل الاختلاط.\nوأما ما ورد عنه أنه سُئل عن الموازنة بين أسباط بن محمد والخفاف في سعيد بن أبي عروبة فقال: أسباط أحب إليّ، لأنه سمع منه بالكوفة (^٢) حيث قدم أسباطًا لأن سماعه بالكوفة ينفي احتمال كونه سمع من سعيد في حال الاختلاط بخلاف الخفاف الذي كان سماعه بالبصرة، فإنه يحتمل أن يكون سمع في الصحة والاختلاط، فلو تمحض سماع الخفاف قبل الاختلاط لما قدّم الإمام أحمد أسباطًا عليه، وخاصة أنه كان يقول في الخفاف: كان من أعلم الناس بحديث سعيد بن أبي عروبة (^٣)، فهذا يقوّي احتمال كون الخفاف سمع من سعيد في الصحة والاختلاط عند الإمام أحمد، ويتعارض مع الرواية الصريحة المتقدمة والتي تنفي سماعه في الاختلاط. وهناك احتمال آخر للجمع بين القولين، وهو أقوى الاحتمالين، وهو أن تقديم الإمام أحمد لأسباط بن محمد في سعيد على الخفاف مبنى على مطلق قدم سماعه من سعيد، فإن قدم سماع الراوي من شيخه من عوامل تقديم الرواة بعضهم على بعض عند الأئمة، فهذا يجمع بين القولين وهو أولى من ترجيح الرواية الثانية على الرواية الأولى الصريحة في نفي الإمام أحمد لسماع الخفاف من ابن أبي عروبة في الاختلاط، والله أعلم.\nوتوقف الإمام أحمد في سماع خالد بن الحارث أبي عثمان البصري (^٤). فروى\n_________\n(^١) سؤلات الآجري أبا داود ص ٢٢٣.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤٣.\n(^٣) تاريخ بغداد ١١/ ٢٢ ذكره من رواية أبي طالب عن أحمد.\n(^٤) ثقة ثبت ع تقريب التهذيب ١٦٢٩.","vol":"1","page":424},{"text":"ابن رجب: قيل لأحمد: يقولون سماع خالد منه بعد الاختلاط قال: لا أدري (^١).\nوكذلك توقف في سماع عباد بن العوام الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي (^٢). قال أبو داود عن أحمد قال: عند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بآخرة أم لا؟ (^٣).\nما أعله الإمام أحمد من حديث سعيد بن أبي عروبة بالاختلاط:\nقال أبو داود: سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنّا نمسح ونحن مع نبينا؟ قال: أسأل الله العافية. فقلت: شعيب بن إسحاق؟ قال: شعيب سمع بآخر رمق. قال الحسين: يعني أن شعيب بن إسحاق سمع من سعيد بن أبي عروبة هذا الحديث بآخر رمق (^٤).\nلم أقف على رواية شعيب بن إسحاق هذه، وقد روى ابن ماجه (^٥)، وابن خزيمة (^٦)، كلاهما من طريق محمد بن سواء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه [رأى سعد بن مالك وهو يمسح على الخُفين فقال: إنكم لتفعلون ذلك؟ فاجتمعا عند عمر فقال سعدٌ لعمر: أفتِ ابن أخي في المسح على الخفيْن فقال عمر: كنا ونحن مع رسول الله ﷺ نمسح على خِفافنا لا نرى بذلك بأسًا، فقال ابن عمر: وإن جاء من الغائط؟ قال نعم].\nورواه أحمد عن عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وعنده:\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٤.\n(^٢) ثقة ع تقريب التهذيب ٣١٥٥.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٠٠/ ١٨٩٣.\n(^٤) سؤالات أبي داود للإمام أحمد م ٢.\n(^٥) السنن ١/ ١٨١/٥٤٦.\n(^٦) صحيح ابن خزيمة ١/ ٩٣/١٨٤.","vol":"1","page":425},{"text":"[فقال ابن عمر: وإن جاء من الغائط والبول؟ قال عمر: نعم، وإن جاء من الغائط والبول. قال نافع: فكان ابن عمر بعد ذلك يمسح عليهما ما لم يَخلعْهما، وما يوقِّت لذلك وقتًا. قال عبد الرزاق: فحدثتُ به معمرًا فقال: حدثنيه أيوب عن نافع مثله\" (^١). وهو في مصنف عبد الرزاق (^٢). فهذه متابعة قاصرة لمحمد بن سواء.\nورواه مالك عن نافع وعبد الله بن دينار أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص وهو أميرها فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سل أباك إذا قدمت عليه، فقدم عبد الله فنسي أن يسأل عمرَ عن ذلك حتى قدم سعد، فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الحفين وهما طاهرتان فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال عمر: نعم، وإن جاء أحدكم من الغائط (^٣). هكذا رواه غير مرفوع عند عمر.\nوقول الإمام أحمد في سؤال أبي داود: \"أسأل الله العافية\" نوع إنكار منه للحديث، ووجه ذلك أن رواية شعيب بن إسحاق جعلت الحديث من مسند ابن عمر، فأنكر الإمام أحمد ذلك، إذ كيف يكون عند ابن عمر علم بأنهم كانوا يمسحون مع النبي ﷺ ثم ينكر المسح على سعد كما جاءت بذلك بقية الروايات؟ ثم علّل ذلك ﵀ بأن شعيب بن إسحاق سمع من ابن عروبة في آخر حياته - يعني في حال اختلاطه، وهو مظان أن يروي الخطأ منْ تحمّل عن شيخه في تلك الحالة، ومما يؤكد أن شعيب بن إسحاق روى الخطأ أنه قد خولف عن شيخه سعيد بن أبي عروبة:\n_________\n(^١) المسند ١/ ٣٥٧/٢٣٧.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ١٩٧٦/٧٦٣، ووقع فيه: عن عبد الله بن عمر مكان عبيد الله بن عمر، فإن لم يكن خطأ من الناسخ فالأولى ما في المسند لأن أحمد مقدم في عبد الرزاق على الدبري راوية المصنف المطبوع، الله أعلم.\n(^٣) الموطأ ١/ ٣٦/٤٢.","vol":"1","page":426},{"text":"خالفه محمد بن سواء بن عنبر السدوسي. قال فيه الإمام أحمد: هو أحلى من الخفاف - يعني عبد الوهاب بن عطاء الخفاف - إلا أن الخفاف أقدم سماعًا (^١)، وسأله عبد الله عن محمد بن سواء وروح بن عبادة في سعيد بن أبي عروبة، فقال: ما أقربهما (^٢). وقد تقدم عن الإمام أحمد أن روح كتب التفسير عن ابن أبي عروبة قبل الهزيمة، أي قبل الاختلاط، وأن حديثه عن سعيد صالح، فهذا يدل على أن سماع محمد بن سواء أيضًا قبل الهزيمة، فروايته عن سعيد مقدمة على رواية شعيب ابن إسحاق. ثم إنه قد توبع محمد بن سواء متابعة قاصرة كما تقدم: تابعه عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، وعن معمر، عن نافع، كما تابعه مالك عن نافع.\nففي هذه المسألة إعلال الإمام أحمد الحديث بسماع الراوي عن المختلط في حال اختلاطه.\nحديث آخر:\nقال أبو داود: ذكرتُ لأحمدَ حديثَ عباد بن العواّم، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: [أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه] فلم يعرفْه، وقال: عند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بآخرة أم لا؟ يعني عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قصة أم سليم، وإنما هي في كتب سعيد، عن عكرمة، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة. ويحدث عكرمة، عن الفضل بن عباس (^٣)، وذكر شيئًا، وإنما هو في كتب سعيد: عن رجل، عن الحكم (^٤).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٣٥٦/٢٥٧٦.\n(^٢) المصدر نفسه ٢/ ٤٧٢/٣٠٩٣.\n(^٣) هكذا ذكره، وهكذا هو في نسخة مطبعة المنار ص ٢٩٩، ولعل الصواب: وبحديث حتى تستقيم الجملة، والله أعلم.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٠ رقم ١٨٩٣.","vol":"1","page":427},{"text":"ذكر في هذه المسألة ثلاثة أحاديث:\nالحديث الأول: حديث أنس أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه.\nهذه رواية عباد بن العوام، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس. رواه النسائي (^١)، والترمذي في الشمائل (^٢)، وأبو يعلى (^٣)، وأبو الشيخ (^٤) من طريق محمد بن عيسى بن الطباع، عن عباد به. ورواه ابن عبد البر (^٥) من طريق موسى بن داود، عن عباد به، وزاد: [ونقشه: محمد رسول الله].\nوقد رُوي عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن سعيد بن أبي عروبة به مثله. رواه عنه ابنه محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، أخرجه ابن عدي (^٦). وقال: هذا إنما يعرف من رواية عباد بن العوام، عن سعيد، ويرويه عن عباد موسى بن داود، وأما عن خالد، عن سعيد فمنكر، لا يرويه عن خالد غيرُ محمد ابنه هذا. ا. هـ (^٧)، ومحمد بن خالد بن عبد الله الواسطي قال عنه ابن معين: لا شيء، وأنكر روايته عن أبيه، عن ابن أبي عروبة، والأعمش (^٨). وقال أبو حاتم: هو على يديْ عدلٍ، أي قريب من الهلاك (^٩).\n_________\n(^١) السنن ٨/ ١٩٣/٥٢٩٨، وفي الكبرى ٥/ ٤٥١/٩٥١٩.\n(^٢) مختصر الشمائل برقم ٨٣.\n(^٣) المسند ٣/ ٢٨٤/٣١٠٧.\n(^٤) أخلاق النبي ﷺ ص ١٣٢.\n(^٥) التمهيد ١٧/ ١١٠.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٢٧٦.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٢٧٦.\n(^٨) التاريخ الكبير ١/ ٧٤. وانظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ١٤٢.\n(^٩) تهذيب التهذيب ٩/ ١٤٢.","vol":"1","page":428},{"text":"وجه علة الحديث:\nذكر الإمام أحمد أنه لم يعرف الحديث، وهذه إشارة إلى تفرد عباد بن العوام بالحديث عن سعيد، ثم ذكر أن عند عباد عن سعيد غيرَ حديث خطأ، وهي إشارة منه إلى خطأ هذه الرواية، وهذا الخطأ يرجع عند الإمام إلى عدم معرفة هل كان سماع عباد بن العوام من سعيد بآخرة أم لا؟ وهذا أحد أوجه عدم قبول رواية الراوي عن المختلط. وبالرجوع إلى رواية سائر الرواة عن سعيد لهذا الحديث يتبين وجه الخطأ بوضوح. فقد روى الحديث جمعٌ من الرواة عن سعيد، منهم من سمع منه قديمًا قبل الاختلاط، ومنهم من سمع في الحالتين. فممن رواه وكان سماعه من سعيد قبل الاختلاط:\n١. يزيد بن زريع: أخرج روايته البخاري في الصحيح (^١). وقد نص الإمام أحمد كما تقدم (^٢) على أن سماع يزيد بن زريع من سعيد قديم وقبل الاختلاط.\n٢. عيسى بن يونس بن أبي إسحاق: أخرج روايته أبو داود (^٣)، وابن حبان (^٤). وقال الإمام أحمد: سماع عيسى بن يونس من سعيد جيد بالكوفة (^٥).\n٣. محمد بن بشر العبدي: أخرج روايته أحمد (^٦). وتقدم أن الإمام أحمد قال: سماع محمد بن بشر من سعيد متقدم (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري مع فتح الباري ١٠/ ٣٢٣/٥٨٧٢.\n(^٢) ص ٤٢١.\n(^٣) السنن ٤/ ٤٢٣/٤٢١٤.\n(^٤) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١٤/ ٣٠٣/٦٣٩٢.\n(^٥) انظر: ص ٤٢٠.\n(^٦) المسند ٢٠/ ٣٤٢/١٣٠٤٦.\n(^٧) ص ٤٢٠.","vol":"1","page":429},{"text":"٤. محمد بن بكر البرساني: أخرج روايته أحمد (^١). تقدم أيضًا عن الإمام أحمد أنه سمع من سعيد قبل الهزيمة (^٢).\nورواه ممن سمع من سعيد في الحالتين، أو لا يعرف وقت سماعه جمعٌ أيضًا، منهم:\n١. عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: أخرج روايته ابن سعد (^٣)، والطحاوي (^٤)، وابن عبد البر (^٥). وسماع عبد الوهاب الخفاف من سعيد في الحالتين كما تقدم عن الإمام أحمد (^٦).\n٢. خالد بن الحارث: أخرج روايته أبو يعلى (^٧). وقد تقدم أن الإمام أحمد ذكر أنه لا يدري عن وقت سماعه من سعيد (^٨). وذكر غيره أنه سمع منه في الصحة (^٩).\n٣. محمد بن عبد الله الأنصاري: أخرج روايته ابن سعد (^١٠) لم أجد التنصيص على وقت سماعه من سعيد.\n٤. محمد بن جعفر غندر: أخرج روايته أحمد (^١١). لم أجد عن الإمام أحمد التنصيص على وقت سماعه من سعيد. وقد ذكر ابن مهدي أن سماعه منه بعد\n_________\n(^١) المسند ٢٠/ ١٥١/١٢٧٣٨.\n(^٢) ص ٤٢١.\n(^٣) الطبقات ١/ ٤٧١.\n(^٤) شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٤.\n(^٥) التمهيد ١٧/ ١٠٥.\n(^٦) انظر: ص ٤٢٣.\n(^٧) المسند ٣/ ٢٩٣/٣١٤٢.\n(^٨) انظر: ص ٤٢٤.\n(^٩) انظر: فتح المغيث ٤/ ٣٧٦.\n(^١٠) الطبقات ١/ ٤٧١.\n(^١١) المسند ٢٠/ ١٥١/١٢٧٣٨.","vol":"1","page":430},{"text":"الاختلاط، وأنكر ذلك الفلاس (^١).\n٥. خالد بن عبد الله الطحان الواسطي: أخرج روايته أبو داود (^٢). ولم أجد من نص على وقت سماعه.\n٦. عبد الرحمن بن حماد (^٣): أخرج روايته ابن عبد البر (^٤).\nفهؤلاء - وعددهم عشرة، منهم أربعة سمعوا من سعيد قبل الاختلاط - كلهم رووا الحديث بلفظ: [أن رسول الله ﷺ أراد أن يكتب إلى ناس من الأعاجم فقيل: إنهم لا يقبلون كتابًا إلا بخاتم، فاتخذ رسول الله ﷺ خاتَمًا من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله. فكأني أنظر إلى بصيصه أو وبيصه في يد رسول الله ﷺ]. هكذا رووه بدون تعيين اليد التي فيها الخاتم.\nوتابعهم شعبة وهشام الدستوائي، عن قتادة به. رواه البخاري (^٥) ومسلم (^٦) من حديث شعبة، ومسلم (^٧) من حديث هشام الدستوائي. ولفظ حديث شعبة كما رواه البخاري: [لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لن يقرءوا كتابك إذا لم يكن مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة ونقشه: محمد رسول الله. فكأنما أنظر إلى بياضه في يده]. ولفظ حديث هشام: [أن نبي الله ﷺ\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٤.\n(^٢) السنن ٤/ ٤٢٤/٤٢١٥. جاء في السنن: عن خالد، مهملًا وصرح المزي بأنه الطحان. انظر: تحفة الأشراف ١/ ٣١٢.\n(^٣) قال عنه الحافظ: صدوق ربما أخطأ تقريب التهذيب ٣٨٧٠. أخرج له البخاري مقدمة فتح الباري ص ٤١٧.\n(^٤) التمهيد ١٧/ ١٠٦.\n(^٥) صحيح البحاري - مع فتح الباري ١/ ١٥٥/٦٥، ٦/ ١٠٨/٢٩٣٨، ١٠/ ٣٢٥/٥٨٧٦.\n(^٦) صحيح مسلم ٣/ ١٦٥٧/ ٢٠٩٢ (٥٦).\n(^٧) صحيح مسلم ٣/ ١٦٥٧/٢٠٩٢ (٥٧).","vol":"1","page":431},{"text":"كان أراد أن يكتب إلى العجم، فقيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه خاتم، فاصطنع خاتمًا من فضة. قال: كأني أنظر إلى بياضه في يده]. وهؤلاء الثلاثة\nـ سعيد، وشعبة، وهشام - هم الحفاظ من أصحاب قتادة. قال البرديجي: إذا أردت أن تعلم صحيح حديث قتادة فانظر إلى رواية شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، فإذا اتفقوا فهو صحيح، وإذا اختلفوا في حديث واحد فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة إلخ (^١). فرواية شعبة، وهشام، وكذلك رواية الجماعة عن سعيد بن أبي عروبة ليس فيها ذكر موضع الخاتم من يده، هل كان في يده اليسرى أو اليمني كما أفادت رواية عباد بن العوام عن سعيد بن أبي عروبة، وتفرده عنهم يقضي بخطئه، ولو جوزنا أن يكون ممن يحتمل منه التفرد عن الحافظيْن المكثريْن - أعني ابن عروبة، وقتادة - إلا أن عدم ثبوت كون سماعه من سعيد في حال الصحة يقضي بعدم صحة روايته.\nولا يعترض على هذا بأنه روي عن شعبة أيضًا بتعيين اليد، فتكون متابعة قاصرة لعباد، لأن تلك الرواية خطأ. قال ابن عدي: \"وقد روي عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، يرويه عن شعبة سلم بن قتيبة، وعن سلم الحسن بن عيسى البسطامي، وقد اختلف على الحسين بن عيسى، عن سلم بن قتيبة في هذا الحديث، فرواه عنه الجرجانيون فحدثناه عنه أبو زرعة محمد بن عبد الوهاب فقال فيه: [فكأني أنظر إلى بياض خاتمه في يده اليسرى]، وثناه عبد الرحمن بن سليمان بن عدي\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٩٥، ٦٩٧.\nوقد تابعهم عن قتادة: خالد بن قيس عند مسلم ٣/ ١٦٥٧/٢٠٩٢ (٥٨)، وسعيد بن بشير عند ابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ١٠٥، وقرة بن خالد عند النسائي في الكبرى ٥/ ٤٥١/٩٥٢٢، كلهم بمثل لفظ الجماعة إلا أن سعيد بن بشير زاد: [ولبس أبو بكر خاتم النبي ﷺ فلما توفي أبو بكر لبس الخاتم عمر، فلما توفي عمر لبس الخاتم عثمان فسقط من عثمان في بئر بالمدينة].","vol":"1","page":432},{"text":"الجرجاني بمكة عن الحسين بن عيسى فلم يقل فيه يسار ولا يمين، وهو الصواب، وقال الجرجاني علي بن أحمد رواه عن الحسين بن عيسى فقال: [كان النبي ﷺ بتختم في يمينه] (^١) فنص ابن عدي على أن الصواب عدم تعيين اليد كما رواه غير واحد عن سعيد، وشعبة، وهشام، وغيرهم عن قتادة\".\nالحديث الثاني: قصة أم سليم، وقد روى المروذي المسألة بأصرح من هذا:\nقال المروذي: وذكرتُ حديثَ عباد، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس أن صفية حاضت بعد ما طافت، فقال: أخطأ فيه عباد، إنما هو عن قتادة، عن عكرمة (^٢).\nهذا الحديث رواه أبو يعلى (^٣) من هذا الوجه، قال: حدثنا زهير، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أم سُليم أنها حاضت بعد ما أفاضتْ يومَ النحر، فأمرها النبي ﷺ أن تنفر. رواه الطحاوي عن ابن أبي داود، عن سعيد بن سليمان به (^٤).\nوجه علة الحديث:\nقال الإمام أحمد في رواية المروذي: أخطأ فيه عبّاد، إنما هو عن قتادة، عن عكرمة. وقال في رواية أبي داود: إنما هو في كتب سعيد، عن عكرمة، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة. أي إن الرواية الصحيحة عن سعيد كما هي في أحاديثه المحفوظة في كتب أصحابه: عن قتادة، عن عكرمة، وليس عن قتادة عن أنس. هكذا رواه روح بن عبادة - وهو ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط كما\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٨٨٢.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ١٤٩/ ٢٦٥.\n(^٣) مسند أبي يعلى ٣/ ٢٧٥/٣٠٧١.\n(^٤) شرح معاني الآثار ٢/ ٢٣٣.","vol":"1","page":433},{"text":"تقدم عن الإمام أحمد - وكذلك محمد بن جعفر غندر - وهو ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط عند الفلاس. أخرج حديثهما الإمام أحمد قال: حدثنا محمد بن جعفر، وورح المعنى قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة أنه كان بين ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة تحيض بعدما تطوف يومَ النحر مقاولةٌ في ذلك، فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخرُ عهدِها بالبيت، وقال ابن عباس: إذا طافت يوم النحر وحلّت لزوجها نفرَتْ إن شاءت، ولا تنتظر. فقالت الأنصار: يا ابنَ عباس إنك إذا خالفت زيدًا لم نتابعك فقال ابن عباس: سلُوا أم سليم، فسألوها عن ذلك فأخبرت أن صفية بنت حُييّ ابن أخطب أصابها ذلك فقالت عائشة: الخيبة لك حبستنا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تنفر، وأخبرت أم سليم أنها لقيت ذلك فأمرها رسول الله ﷺ أن تنفر (^١) ورواه البيهقي من حديث روح وحده (^٢).\nوتابعهما عبدة بن سليمان عن سعيد عند إسحاق بن راهويه (^٣). وسماع عبدة بن سليمان من سعيد كان جيدًا، سمع منه بالكوفة (^٤) وذكر الحافظ ابن حجر أن عبد الأعلى - وهو بن عبد الأعلى السامي - أيضًا رواه عن سعيد بن أبي عروبة هكذا، وهو في كتاب المناسك من طريق محمد بن يحيى القطعي (^٥).\nوقد تابعهم هشام الدستوائي متابعة قاصرة عن قتادة، عن عكرمة بمثله. رواه أحمد (^٦)، والطحاوي (^٧). كما تابعهم أيوب، وخالد الحذاء عن عكرمة به.\n_________\n(^١) المسند ٤٥/ ٤١٥/٢٧٤٢٧.\n(^٢) السنن الكبرى ٥/ ١٦٤.\n(^٣) مسند إسحاق بن راهوية ١/ ٧٩؟\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٦٣/٨٦.\n(^٥) فتح الباري ٣/ ٥٨٨.\n(^٦) المسند ٤٥/ ٤١٩/٢٧٤٣٢.\n(^٧) شرح معاني الآثار ٢/ ٢٣٣.","vol":"1","page":434},{"text":"رواه البخاري (^١) وغيره.\nوقد نسب الإمام أحمد عباد بن العوام إلى الخطأ في روايته لهذا الحديث مخالفًا لما ثبت في كتب سعيد، وهذا من القرائن الدالة على قوة احتمال كون سماعه من سعيد بآخرة. وتردد الإمام أبو حاتم الرازي فقال لما سأله ابنه: الخطأ ممن هو؟ قال: لا أدري من عباد هو أو من سعيد (^٢). وحكم على خطأ الرواية بناء على رواية هشام، ولعله لو استحضر ﵀ رواية من رواه عن سعيد بمثل رواية هشام كما فعل الإمام أحمد لما تردد في نسبة الخطأ إلى عباد، والله أعلم.\nالحديث الثالث: حديث عكرمة عن الفضل بن عباس، وقال: وإنما هو في كتب سعيد: عن رجل، عن الحكم.\nلم أهتد إلى هذا الحديث، ولم أقف على رواية لسعيد عن عكرمة، عن الفضل بن العباس، ولعل سقطًا وقع هنا عند قوله: وذكر شيئًا.\nوقد اختلف على سعيد في حديث رواه عن رجل عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي: \"أردتُ أن أفرّق بين امرأة وولدها - وفي لفظ: أن أبيع غلامين أخوين - فنهاني رسول الله ﷺ عن ذلك\". أورده الدارقطني، إلا أنه لم يذكر لعباد بن العوام رواية لهذا الحديث عن سعيد (^٣)، لعل الإمام أحمد عنى هذا الحديث، وأن عباد بن العوام كان ممن رواه عن سعيد، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى بدون واسطة، وهو مخالف لما في كتب سعيد، لأن عبد الوهاب الخفاف - وكان راوية لكتب سعيد بن أبي عروبة - رواه عن سعيد، عن رجل، عن الحكم به. أخرجه أحمد في المسند (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري مع فتح الباري ٣/ ٥٨٦/١٧٥٨، ١٧٥٩.\n(^٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٧٤/٨٠٩.\n(^٣) علل الدارقطني ٣/ ٢٧٢.\n(^٤) المسند ٢/ ٣٠٨/١٠٤٥.","vol":"1","page":435},{"text":"وهذه الأخطاء - وغيرها - من عباد بن العوام في حديثه عن سعيد ابن أبي عروبة هي التي جعلت الإمام أحمد يقول في رواية الأثرم: عباد بن العوام مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة (^١). وهذا يوحي في ظاهره أن عباد كان ضعيفًا في سعيد بن أبي عروبة لعدم ضبطه لحديثه فيكون الاضطراب من قبله هو لا من قبل سعيد وهو أمر محتمل، لكن رواية أبي داود المتقدمة التي ذكر فيها الإمام أحمد عدم معرفة وقت سماع عباد من سعيد تقوي احتمال كون ذلك الضعف راجعًا إلى عدم معرفة هل كان سماعه من سعيد في الصحة أو في الاختلاط. ولم يخرج الشيخان شيئًا من رواية عباد بن العوام عن سعيد بن أبي عروبة (^٢).\n\n٥ -<span data-type='title' id=toc-160> عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي (١٦٠) هـ:</span>\nهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي.\nقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أبي عُميس (^٣) والمسعودي أيهما أحب إليك؟ قال: كلاهما ثقة، المسعودي عبد الرحمن أكثرهما حديثًا (^٤).\nقال الميموني: قال أبو عبدالله: المسعودي صالح الحديث ومن أخذ عنه أولُ فصالح الأخذ (^٥).\nوقال الميموني أيضًا عن أبي عبد الله أنه قال: والمسعودي من سمع منه بأخرة يُطعن في سماعهم منه (^٦).\nفهذا إشارة منه ﵀ إلى أن المسعودي اختلط.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٦/ ٨٣.\n(^٢) تهذيب الكمال ١٤/ ١٤١، هدي الساري ص ٤١٢.\n(^٣) هو أخوه، واسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٣٤/١٣.\n(^٤) تهذيب الكمال ١٧/ ٢٢٢.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٢٠٤/ ٣٧٢.\n(^٦) المصدر نفسه ٢٤٥/ ٤٩٠.","vol":"1","page":436},{"text":"وأما ضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط فعن الإمام أحمد كما رواه عبد الله قال: سمعت أبي يقول: كل من سمع المسعودي بالكوفة فهو جيد، مثل وكيع وأبي نعيم، وأما يزيد بن هارون وحجاج ومن سمع منه ببغداد وهو في الاختلاط إلا من سمع منه بالكوفة (^١).\nوقال عبد الله أيضًا: سمعت أبي يقول: سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديمًا، وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد (^٢).\nفهذا يدل على أن سماع من سمع منه ببغداد كان بعد الاختلاط، وأما من سمع قبل ذلك بالكوفة أو بالبصرة فهو قبل الاختلاط. وقد قدِم المسعودي بغداد في آخر حياته وبها كانت وفاته (^٣).\nونصّ الإمام أحمد على أن وكيعًا وأبا نعيم سمعا منه قبل الاختلاط، وأن يزيد بن هارون، وحجاج بن محمد المصيصي سمعا منه بعد الاختلاط.\nوسمع منه بعد الاختلاط أيضًا عاصم بن علي، وأبو النضر هاشم بن القاسم البغدادي. قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول سماع أبي النضر وعاصم وهؤلاء من المسعودي بعد ما اختلط إلا أنهم احتملوا السماع منه فسمعوا (^٤).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٥٠/٤١١٤.\n(^٢) المصدر نفسه ١/ ٣٢٥/٥٧٥.\n(^٣) تاريخ بغداد ١٠/ ٢١٨.\n(^٤) تهذيب الكمال ١٧/ ٢٢٣.","vol":"1","page":437},{"text":"ما أعله من حديث المسعودي بالاختلاط:\nقال عبد الله: سألت أبي عن حديث عمرانَ بن حُصين أن قومًا قدِموا على النبي ﷺ فقالوا: [قد بشّرتنا فأعْطِنا …] فإن الأعمش، وسفيان جميعًا يقولان عن جامع بن شدّاد، عن صَفوان بن مُحرز، عن عمران بن حُصين، ورواه يزيد ابن هارون، عن المسعودي، عن جامع، عن ابن بُريدة بن حُصيب، عن أبيه. قلت: أيما الصواب؟ فقال: الصواب ما رواه الأعمش وسفيان، وسماع يزيد من المسعودي بأخرة. قال أبي: وقال يحيى بن معين: لم أسمعه من أبي معاوية. قال أبي: وإنما حدثناه أبو معاوية ببغداد، وكان يحيى ربما فاته الشيء (^١).\nهذا الحديث رواه البخاري من حديث سفيان الثوري من طريق محمد ابن كثير، وأبي نعيم الفضل بن دُكين كلاهما عن الثوري، عن جامع بن شداد، عن أبي ضمرة صفوان بن مُحرِز، عن عمران بن حُصين، ولفظه: [جاء نفرٌ من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال: \"يا بني تميم أبشروا\"، فقالوا: بشّرتَنا فأعطنا، فتغيّر وجهُه. فجاءه أهلُ اليمن، فقال: \"يا أهلَ اليَمن اقبَلوا البُشرى إذْ لم يقبلْها بنو تميم\". قالوا: قبِلنا، فأخذ النبي ﷺ يحدِّث بدء الخلق والعرش، فجاء رجل فقال: يا عمران، راحلتك تفلّتتْ، ليتني لم أقم] (^٢). ورواه الترمذي (^٣) وأحمد (^٤)، وابن حبان (^٥) من طرق عن الثوري به.\nورواه الإمام البخاري أيضًا من حديث الأعمش من طريق حفص بن غياث،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤٥ - ٥٣٤٧.\n(^٢) صحيح البخاري - مع فتح الباري ٦/ ٢٨٦/٣١٩٠، و٨/ ٨٣/٤٣٦٥.\n(^٣) الجامع ٥/ ٦٨٨/٣٩٥١.\n(^٤) المسند ٣٣/ ١١٦/١٩٨٨٦، ٣٣/ ١٤١/١٩٩١٠.\n(^٥) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١٦/ ٢٨١/٧٢٩٢.","vol":"1","page":438},{"text":"وأبي حمزة السكري كلاهما عن الأعمش، عن جامع بن شداد به (^١) ورواه أحمد (^٢) عن أبي معاوية، وابنُ حبان (^٣) من طريق شيبان النحوي، وأبو الشيخ في العظمة (^٤) عن أبي كريب، عن أبي معاوية، والطبراني من طريق أبي بكر ابن عياش (^٥)، ومن طريق محمد بن عبيد (^٦)، ومن طريق أبي إسحاق الفزاري (^٧)، والطبري من طريق أبي معاوية (^٨)، والبيهقي من طريق شيبان النحوي (^٩) كلهم عن الأعمش به. ولفظه كما هو في البخاري عن عمران بن حصين: [دخلتُ على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: \"اقبَلوا البشرى يا بني تميم\"، قالوا: بشرتنا فأعطنا - مرتين - ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: \"اقبلوا البشرى يا أهل اليمن أنْ لم يَقبلْها بنوا تميم\"، قالوا: قد قبِلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال: \"كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرَه وكان عرشُه على الماءِ، وكَتب في الذِّكر كلَّ شيء، وخلق السماوات والأرضَ\"، فنادى منادٍ: ذهبتْ ناقتُك يا ابن الحُصين، فانطلقتُ فإذا هي يقطع دونها السرابُ، فوالله لَوَدِدتُ أني كنتُ تركتُها].\n_________\n(^١) صحيح البخاري - مع فتح الباري ٦/ ٢٨٦ ح ٣١٩١، ١٣/ ٤٠٣ ح ٧٤١٨.\n(^٢) المسند ٣٣/ ١٠٧/١٩٨٧٦.\n(^٣) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١٤/ ١٠ ح ٦١٤٢.\n(^٤) العظمة ٢/ ٥٧١ ح ١٨.\n(^٥) المعجم الكبير ١٨/ ٢٠٣ ح ٤٩٧.\n(^٦) المعجم الكبير ١٨/ ٢٠٤ ح ٤٩٨.\n(^٧) المعجم الكبير ١٨/ ٢٠٤ ح ٥٠٠.\n(^٨) التاريخ ١/ ٣١.\n(^٩) السنن الكبرى ٩/ ٢.","vol":"1","page":439},{"text":"وجه علة الحديث:\nذكر عبد الله بن الإمام أحمد في هذه المسألة أن يزيد بن هارون روى الحديث عن المسعودي، عن ابن بريدة بن حصيب، عن أبيه. رواه أبو الشيخ من هذا الوجه (^١). فأعل الإمام أحمد هذه الرواية بأنها خطأ، وأنها مما روى المسعودي بعد الاختلاط، وذلك أن راويها عنه - وهو يزيد بن هارون - كان سماعه منه بأخرة كما تقدم.\nومما يؤيد أن علة هذا الإسناد هو اختلاط المسعودي أن القدماء من أصحاب المسعودي رووا الحديث عنه بمثل رواية سفيان والأعمش التي حكم عليها الإمام أحمد بأنها الصواب. وهذا يدل إلى أن المسعودي كان يُحدِّث بالحديث في الصحة على الصواب، وإنما حدّث بالخطأ لما أصابته علة الاختلاط. فروى خالد بن الحارث البصري، عن المسعودي، عن جامع بن شدّاد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين - بمثل رواية الثوري والأعمش. أخرج حديثه النسائي (^٢) من طريق محمد بن عبد الأعلى عنه به. وكذلك رواه النضر بن شُميل البصري، عن المسعودي بمثل رواية خالد بن الحارث. أخرج حديثَه الطبري في التفسير (^٣) عن خلاد بن أسلم عنه به. وقد نصّ الإمام أحمد فيما تقدم على أن من سمع من المسعودي بالبصرة والكوفة فسماعُه جيد، وكلٌّ من خالد بن الحارث، والنضر بن شميل بصري، ولم يُذكر لهما ترجمةٌ في تاريخ بغداد، مما يدل على عدم دخولهما مدينة السلام حيث طرأ الاختلاط على المسعودي، فيكون احتمال سماعهما منه بالبصرة قوياًّ جدًا، وقد ذكرهما الأبناسي\n_________\n(^١) كتاب العظمة ٢/ ٥٧٥ ح ١٩.\n(^٢) السنن الكبرى ٦/ ٣٦٣ ح ١١٢٤.\n(^٣) جامع البيان ١٢/ ٤.","vol":"1","page":440},{"text":"من الذين سمعوا من المسعودي بالبصرة (^١).\nوقد روى الحديث بمثل رواية يزيد بن هارون - التي حُكم بخطئها - عبد الله بن يزيد المقرئ، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن رجل، عن بريدة ابن الحصيب، فذكره، فقال في موضع \"ابن بريدة الأسلمي\": \"رجل\". أخرج روايته أبو الشيخ (^٢). ورواه روح بن عبادة، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز عن بريدة الأسلمي. أخرج روايته ابن خزيمة (^٣) والحاكم (^٤). وكل من عبد الله بن يزيد المقرئ، وروح بن عبادة لم يتميز وقتُ سماعهما من المسعودي، ويغلب على الظن أن سماعهما بعد الاختلاط، أما روح بن عبادة فهو من أهل البصرة، وقدم بغداد وحدث بها مدة طويلة، ثم انصرف إلى البصرة ومات بها كما قال الخطيب (^٥). وأما المقرئ فأصله بصري ثم انتقل إلى مكة. ولم يذكرهما ابن الكيال في الكواكب النيرات، وروايتهما لهذا الحديث على الوجه المعلول قرينة على احتمال كون تحملهما من المسعودي بعد الاختلاط، إذ لو كان الاضطراب من المسعودي في وقت الصحة لما رواه القدماء من أصحابه على الصواب كما تقدم في رواية خالد بن الحارث والنضر بن شميل، والله أعلم.\n_________\n(^١) الكواكب النيرات ٢٩٣ - ٢٩٥.\n(^٢) العظمة ٢/ ٥٧٧ ح ٢٢.\n(^٣) كتاب التوحيد ٢/ ٨٨٤. وتصرف المحقق حفظه الله، فقال موضع بريدة: عمران بن الحصين، مع أن في النسخ الخمس التي اعتمد عليها في تحقيق الكتاب والمطبوع من الكتاب قديما ص ٣٧٦: بريدة بن الحصيب، ولم يذكر مستنده في التصحيح. والخطأ في ذكر بريدة ليس من الناسخ، بل هو من الرواية، والحديث معلول. وقد ذكر الحديث الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة ٢/ ٥٦٢ في مسند بريدة وذكر أنه معلول، وأن الصواب عن صفوان، عن عمران بن حصين، وهذا أيضًا يدل على أن المثبت في كتاب التوحيد هو بريدة بن الحصيب.\n(^٤) المستدرك ٢/ ٣٤١.\n(^٥) تاريخ بغداد ٨/ ٤٠١.","vol":"1","page":441},{"text":"٦ ـ<span data-type='title' id=toc-161> أبان بن صمعة البصري ت (١٥٣) هـ</span>ـ:\nقال عبد الله: سألته - أي أبا عبد الله - عن أبان بن صمعة فقال: صالح، فقلت له: أليس تغير بأخرة؟ قال نعم (^١).\nفهذا يدل على أن الإمام أحمد يرى أن أبان بن صمعة كان قد تغيّر، ولم يرد عنه تحديد زمن اختلاطه (^٢)، ولا ضابط التمييز بين السماع الصحيح من السماع بعد الاختلاط، وقد أخرج حديثه في المسند من رواية وكيع، ويحيى بن سعيد القطان، وروح بن عبادة عنه (^٣).\nويحتمل أن يكون اختلاط أبان بن صمعة لم يؤثر في روايته، وهو وجه يحتمله سؤال عبد الله للإمام أحمد وردّه له، فكأنه يقول: أبان بن صمعة وإن تغيّر بآخره فهو مع ذلك صالح الحديث. ويؤيد هذا الوجه ما ذكره ابن عدي من أن أحاديث أبان، وهي قليلة، كلها مستقيمة غير منكرة (^٤)، وكذلك لم أقف على إعلال من الإمام أحمد لشيء من حديثه. وهذا الوجه إن ثبت يدل على أن الراوي قد يختلط ثم لا يؤثر ذلك في شيء من روايته.\nوهناك أمر متعلق بالإعلال بالاختلاط وهو فرع لهذا المطلب:\n\n<span data-type='title' id=toc-162>فرع: إذا كان الراوي صحيحَ السماع من المختلط ووجد الخطأ في روايته عنه كان وجهُ الخطأ سببًا آخر غير الاختلاط</span>.\nيدل على هذا الضابط ما رواه أبو بكر الأثرم عن الإمام أحمد:\nقال أبو بكر الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله أجد في حديث سعيد عن قتادة عن\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٤٩٨/٣٢٩٢.\n(^٢) وجاء عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قبل موته بزمان الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٧.\n(^٣) انظر: المسند ٣٣/ ١٤، ٤٣/ ٢٥٤.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٣٨٣، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٠.","vol":"1","page":442},{"text":"أبي المليح عن أبيه أن رجلًا أعتق شِقصًا قال فيه أحد: عن أبيه فقال: قاله السهمي وما أُراه محفوظًا، روى عدةٌ منهم إسماعيل وغيره ليس فيه عن أبيه، وأظن هذا من حفظ سعيد، وأثنى أبو عبد الله على السهمي خيرًا، قيل لأبي عبد الله: أين سماعُه عندك من سماع محمد بن بكر عن سعيد؟ فقال أبو عبد الله: هو عندي فوق هؤلاء كلِّهم، قلت لأبي عبد الله: السهمي فوق هؤلاء؟ فقال: نعم، قال أبو عبد الله: قال السهمي: سمعتُ من سعيد سنة اثنتين أو إحدى وأربعين (^١).\nهذا الحديث الذي وقع عليه سؤال الأثرم أخرجه الإمام أحمد (^٢)، ومن طريقه وأبو نعيم (^٣)، والمقدسي (^٤) عن عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أبي المليح، عن أبيه أن رجلًا من قومه أعتَقَ شَقيصًا له من مملوكٍ فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ فجعل خَلاصَه عليه في ماله وقال: [ليس لله شريكٌ].\nوأعلّ الإمام أحمد هذه الروايةَ بأنها غيرُ محفوطة، واعتلّ برواية من روى الحديث مرسلًا، منهم إسماعيل بن عليّة وغيره، فرووه عن سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح عن النبي ﷺ، ليس فيه: عن أبيه. ورواية إسماعيل بن عليّة أخرجها النسائي (^٥)، والطحاوي (^٦). وتابعه عباد بن العوّام عن سعيد، أخرج روايته ابن أبي شيبة (^٧)، والبيهقي (^٨).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٩/ ٤٢١، وانظر: تهذيب الكمال ١٤/ ٣٤٣.\n(^٢) المسند ٣٤/ ٣١٤ رقم ٢٠٧٠٩.\n(^٣) معرفة الصحابة برقم ٧٧٦.\n(^٤) الأحاديث المختارة ٤/ ١٩٤ رقم ١٤٠٩.\n(^٥) السنن الكبرى ٣/ ١٨٦ رقم ٤٩٧١.\n(^٦) شرح مشكل الآثار برقم ٥٣٧٣.\n(^٧) المصنف ٤/ ٣٢٩ رقم ٢٠٧٠٤.\n(^٨) السنن الكرى ١٠/ ٢٧٤.","vol":"1","page":443},{"text":"وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nحكم الإمام أحمد على رواية السهمي عن سعيد الموصولة بأنها خطأ، وأن الصحيح رواية ابن علية وغيره عن سعيد المرسلة، وجعل هذا الخطأ من حفظ سعيد وليس من السهمي، بمعنى أن سعيدًا لما كان يعتمد على حفظه ولم يكن له كتاب يسهل عليه أن يقع في الخطأ، ووجه ذلك أن كلًا من ابن علية وعبد الله بن بكر السهمي ممن سمع من سعيد في الصحة، فانتفى أن يكون الخطأ راجعًا إلى اختلاط سعيد، وكلًا منهما ثقة، فإذا اختلافا توجه أن يكون الخطأ من شيخهما إذ المترجّح أن كلًا منهما حافظٌ لما رواه لثقته فتعين أن يكون من حدّثهما هو المخطئ، وإن ترجّح أن الخطأ من سعيد فرواية السهمي ليست بأولى بالخطأ من رواية ابن علية، فما وجه ترجيح رواية ابن علية إذًا؟ أشار الإمام أحمد إلى ذلك بأن غير ابن علية روى الحديث بالإرسال وأنهم عدةٌ، والظاهر أنه لا يقصد عباد بن العوام الذي روى الحديث عن سعيد، فإن روايته لا تؤثر في الترجيح لكونها عن سعيد نفسه، وإنما عنا بذلك رواية هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي المليح عن النبي ﷺ، ورواية بهز بن أسد، ومحمد بن كثير كلاهما عن همام، عن قتادة به مرسلًا أيضًا. فرواية هشام الدستوائي أخرجها النسائي من طريق أبي عامر العقدي عنه (^١)، ورواية بهز بن أسد عن همام أخرجها الإمام أحمد في المسند (^٢)، وأخرج أبو داود (^٣) رواية محمد بن كثير عن همام. فهتان الروايتان عن قتادة ترجحان رواية سعيد الموافقة لهما. وقد وافق الإمامَ أحمد على ترجيح رواية الإرسال الإمامُ النسائي (^٤).\n_________\n(^١) السنن الكبرى للنسائي ٣/ ١٨٦ رقم ٤٩٧٢.\n(^٢) المسند ٣٤/ ٣١٥ رقم ٢٠٧١٠\n(^٣) السنن ٤/ ٢٥١ رقم ٣٩٣٣.\n(^٤) انظر: السنن ٤/ ١٩٥.","vol":"1","page":444},{"text":"فالشاهد أن عبد الله بن بكر السهمي لو كان ممن سمع من سعيد بعد الاختلاط لكان المتبادر إلى الذهن أن الخطأ راجع إلى سماعه من سعيد بعد الاختلاط، وأما حيث إنه ممن سمع قبل الاختلاط توجه أن يكون الخطأ راجعًا إلى سبب آخر غير اختلاط شيخه، وذلك السبب هو حفظ شيخه، وقد قيل للإمام أحمد: روى الكوفيون عن سعيد غيرَ شيءٍ خلافِ ما روى عنه البصريون، فقال: هذا من حفظ سعيد، كان يحدّث من حفظه (^١).\nمثال آخر:\nقال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عَرفَجة قال كنا عند عُتبة بن فَرقَد فذكروا شهرَ رمضانَ فقال: ما سمعتم رسول الله ﷺ يقول: \"تفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبوابُ النار وتُغلُّ فيه الشياطيُن ويُنادِي منادٍ: يا باغيَ الخير هلمَّ، ويا باغيَ الشر أَقصِر\". سمعت أبي يقول: كان سفيان يخطئ في هذا الحديث لم يسمعه عُتبة من النبي ﷺ، رجل حدّث عتبة عن النبي ﷺ (^٢).\nهذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد رواه النسائي (^٣)، وعبد الرزاق (^٤)، ومن طريقه الطبراني (^٥). والرواية التي أشار أنها هي الصحيحة رواها النسائي أيضًا: أخبرنا محمد بن بشّار، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن عَرفَجة قال: كنتُ في بيتٍ فيه عُتبة بن فَرقَد فأردتُّ أن أحدّث بحديث وكان\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٦.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ١٦٥ رقم ٤٧٣٨.\n(^٣) السنن ٤/ ١٢٩ رقم ٢١٠٦.\n(^٤) المصنف ٤/ ١٧٦ رقم ٧٣٨٦.\n(^٥) المعجم الكبير ١٧/ ١٣٢ رقم ٣٢٥.","vol":"1","page":445},{"text":"رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ كأنه أولى بالحديث مني، فحدّث الرجلُ عن النبي ﷺ قال في رمضان: تُفتح فيه أبوابُ السماء وتُغلق فيه أبوابُ النار ويُصفّد فيه كلُّ شيطانٍ مَريدٍ ويُنادي منادٍ كلَّ ليلة: يا طالبَ الخير هلمَّ، ويا طالبَ الشر أَمسك (^١). ورواه في الكبرى أيضًا (^٢)، ورواه أحمد (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤) وتابع شعبة على رواية الحديث من هذا الوجه:\n١. إسماعيل بن علية فقال: أخبرنا عطاء، عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (^٥).\n٢. حماد بن سلمة، رواه عن عطاء بن السائب، عن عرفجة: كنا عند عتبة بن فرقد وهو يحدثنا عن رمضان إذ دخل علينا رجل من أصحاب النبي ﷺ، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (^٦).\n٣. محمد بن فضيل، أخرج حديثه ابن أبي شيبة (^٧) وابن أبي عاصم (^٨).\n٤. إبراهيم بن طهمان، أخرج حديثه الحارث في مسنده (^٩).\n٥. عبيدة بن حُميد، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة: كنت عند عتبة بن فرقد وهو يحدّثنا عن فضل رمضان فدخل علينا رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ فسكت\n_________\n(^١) السنن ٤/ ١٣٠ رقم ٢١٠٧.\n(^٢) السنن الكبرى ٢/ ٦٧ رقم ٢٤١٨.\n(^٣) المسند ٣١/ ٩١ رقم ١٨٧٩٤.\n(^٤) المصنف ٢/ ٢٧٠ رقم ٨٨٦٨.\n(^٥) المسند ٣٨/ ٤٧٦ رقم ٢٣٤٩١.\n(^٦) ٣/ ٣٠٢ رقم ٣٦٠١.\n(^٧) المصنف ٢/ ٢٧٠ رقم ٨٨٦٨.\n(^٨) الآحاد والمثاني ٥/ ٣٠٥ رقم ٢٩٢٨.\n(^٩) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ١/ ٤١١ رقم ٣٢٠.","vol":"1","page":446},{"text":"عتبة وكأنه هابه … الحديث. أخرجه أحمد (^١).\nوتابع ابن عيينة على روايته عبد السلام بن حرب، وهو وإن وُثق إلا أنه له ما ينكر. قال أحمد: كنا ننكر من عبد السلام شيئًا (^٢) أخرج حديثه الطبراني (^٣).\nوجه علة الحديث:\nحكم الإمام أحمد على رواية سفيان بن عيينة عن عطاء بن السائب بأنها خطأ، حيث جعل الحديث من مسند عتبة بن فرقد، وإنما هو من رواية رجلٌ من الصحابة حدّث به في مجلس فيه عتبة بن فرقد، وقد خالف ابن عيينة جمعًا من الرواة عن عطاء بن السائب ومن بينهم من كان حديثه عن عطاء مقدمًا على حديث غيره، وهما شعبة، وحماد بن سلمة (^٤)، والعدد أولى بالحفظ من واحد، ثم إن ابن عيينة بروايته الحديث على الوجه الذي رواه قد سلك الجادة - وهي رواية الصحابي عن النبي ﷺ وفي رواية غيره زيادة علم يدلّ على ضبطهم للحديث.\nولما كان سماع ابن عيننة من عطاء في زمن الصحة (^٥) لم يحمّل الإمام أحمد الخطأ على اختلاط عطاء وإنما حمّله ابنَ عيينة، وهو الأمر المطلوب الاستشهاد له في ذكر هذا المثال.\n_________\n(^١) المسند ٣١/ ٩٣ رقم ١٨٧٩٥.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٤٨٥/٦٠٧٥. وقال ابن حجر: ثقة حافظ له مناكير تقريب التهذيب ص ٦٠٨.\n(^٣) المعجم الكبير ١٧/ ١٣٢ رقم ٣٢٦.\n(^٤) قاله ابن معين انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٣٥.\n(^٥) تقدم هذا عن الإمام أحمد ص ٣١١، وانظر: مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٨٤٧.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>فرع آخر: ما حدث به المختلط من كتاب لا يدخله الإعلال بالاختلاط:</span>\nإن الذي يعل من حديث المختلط هو ما حدّث به المختلط حفظًا من غير كتاب، أما ما ثبت أنه في كتبه فلا يدخله الإعلال بالاختلاط، مثل ما جاء من طريق من أجاز له رواية أصوله المضبوطة (^١) لأن الخلل الذي يأتي بسبب الاختلاط لا يؤثر إلا فيما حدث به المختلط حفظًا دون ما في كتابه. ويدل على ذلك أن الإمام أحمد يعتمد رواية الراوي المختلط الثابتة في كتبه، ويخطأ بها ما خالفها مما رواه عنه الراوي الثقة عنه وإن كان ممن سمع منه قبل الاختلاط، مما يدل على اعتمادها عنده.\nقال عبد الله: قرأت على أبي: عبدة بن سليمان الكلابي قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر قال: [عدة الأمة إذا طُلّقت حيضتان، فإن كانت لا تحيض فشهر ونصف]، قرأت على أبي: عبدة قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن علي مثله. سمعت أبي يقول: هذا خطأ، إنما هو سعيد، عن حبيب، عن عطاء، عن عمر، وحبيب، عن الحسن عن علي، في الكتب كذا هو يعني كتب سعيد بن أبي عروبة (^٢).\nروى عبدة هذا الأثر عن ابن عمر، وعن علي، كلاهما من طريق سعيد ابن أبي عروبة، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة (^٣)، عن عبدة، عن سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر به. فحكم الإمام أحمد بخطأ عبدة لأن أثر ابن عمر هو في كتب سعيد بن أبي عروبة عن حبيب المعلم، عن عطاء عن عمر، وليس هو عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر؛ وأثر علي هو عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن\n_________\n(^١) الحافظ الذهبي يرى أن الراوي إذا اختلط وخرف فإنه يمتنع من أخذ الإجازة منه، ولا بأس بذلك حال تغيره قبل اختلاطه، لأن أصوله ما تغيرت، وإنما فقد وعي ما أجاز الموقظة ص ٦٦.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٢٨ رقم ٢٨٩١، ٢٨٩٢.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٦ ح ١٨٧٧٤.","vol":"1","page":448},{"text":"علي، وليس هو عن قتادة، عن الحسن، عن علي كما رواه عبدة في الموضعين. وقد تابع سعيدًا أبو إسحاق الشيباني في رواية أثر علي، فرواه الشيباني عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي: رواه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عنه (^١). وخطّأ الإمام أحمد رواية عبدة بن سليمان عن سعيد مع أن سماع عبدة من سعيد كان جيدًا وقبل اختلاط سعيد (^٢) لمخالفته لما في كتب سعيد بن أبي عروبة.\nوهذا يدل على أن حديث المختلط الثابت روايته في كتابه لا يدخله الإعلال بالاختلاط.\n_________\n(^١) المصدر السابق ٤/ ١٤٦ ح ١٨٧٦٨.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٦٣ رقم ٨٦.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>المطلب الثاني: ما يلحق بالاختلاط من أسباب سوء الحفظ الطارئ على الراوي - ذهاب بصر الراوي</span>\nهناك أمورٌ أخرى غيُر كبر السن تكون سببًا لطروءِ سوء الحفظ على الراوي الثقة فيقع تخليط في حديثه، فيلتحق من هذا الوجه بالمختلطين لكبر السن الذين طرأ عليهم سوء الحفظ. وهؤلاء الرواة صنفان:\nالصنف الأول: من عمي في آخر عمره.\nالصنف الثاني: من ذهبت كتبه باحتراق أو غيره.\nوفي هذا المطلب ستتناول الدراسة الصنف الأول، ويأتي الصنف الثاني في المطلب الذي بعده إن شاء الله.\nمما يطرأ على الراوي الثقة من أسباب سوء الحفظ ذهاب بصره، حيث كان قبل ذلك يعتمد على كتابه ولا يحفظ جيدًا فيحدّث بعد تلك العلة من حفظه فيغلط، أو يُلقّن فيتلقّن، فمثل هذا يجري في حديثه الذي حدّث به بعد العلة مثل ما يجري في حديث المختلِط بكبر السن: يُقبل ما حدّث به قبل ذَهاب بصره، ويُتوقف عما حدّث به بعد ذلك أو أشكل أمره. فهو إذًا سبب يُعلّ به حديث المتصِّف به لاقتضائه وجود خللٍ في ضبطه.\nولا يَدخل في هذا الصنف من ذهب بصرُه ولكنه كان قبل ذلك يحفظ مثل وُهيب بن خالد الباهلي مولاهم، أحد ثِقات البصريين. قال ابن سعد: كان وُهيب قد سُجن فذهب بصرُه، وكان ثقة كثير الحديث حجة، وكان يُملي حفظًا (^١). وكذلك من كان له شخص أمين يعتني بمسموعاته فيلقّنه إياها من كتابه مثل يزيد بن هارون، فقد قال أبو خيثمة: كان يُعاب على يزيد حيث ذهب\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى ٧/ ٢٨٧.","vol":"1","page":450},{"text":"بصره أنه ربّما سُئل عن الحديث لا يعرفه فيأمرُ جاريةً له تُحفِّظه إياه من كتابه (^١). قال الذهبي: ما بهذا الفعل بأسٌ مع أمانة من يُلقِّنه، ويزيد حجّة بلا مثْنَويَّة (^٢).\nومن الرواة الذين تكلم الإمامُ أحمد فيهم ممن ذهب بصرُه وأعلّ حديثَهم بهذه العلة:\nعبد الرزاق بن همام الصنعاني:\nأحد أئمة الحديث المشهورين وعالم اليمن.\nقال إسحاق بن هاني: سألت أبا عبد الله: من سمع من عبد الرزاق سنةَ ثمانٍ؟ - يعني سنة ثمانٍ ومائتين - قال: لا يُعبأُ بحديث من سمِع منه وقد ذهب بصرُه، كان يُلقّن أحاديثَ باطلةً، وقد حدّث عن الزهري أحاديث كتبناها من أصل كتابه وهو يَنظُر جاءو بخلافها. ا. هـ (^٣).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد بن حنبل قال: \"أتينا عبدَ الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعد ما ذهب بصرُه فهو ضعيفُ السَّماع\" (^٤).\nونقل الحافظ ابن حجر عن الأثرم عن أحمد: \"من سمع من عبد الرزاق بعد ما عمِي فليس بشيء، وما كان في كتبه فهو صحيح، وما ليس في كتبه فإنه كان يُلقّن فيَتلقَّن\" (^٥).\nوقيل لأحمد إن معمرًا روى عن ابن أخي عمرو بن دينار فسأل من رواه\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٢.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٦٣.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية إسحاق بن هاني ٢/ ٢٣٣ رقم ٢٢٨٥.\n(^٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥٧ رقم ١١٦٠.\n(^٥) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٤١٩.","vol":"1","page":451},{"text":"فقيل له عبد الرزاق فقال: ليس بشيء كانوا يلقنونه بعد ما ذهب بصره (^١).\nفهذه الأقوال عن الإمام أحمد تدل على أمرين:\n١. أن عبد الرزاق قد كفّ بصره وأصبح يقبل التَّلقين، وسماع من سمع منه بعد ذلك لا شيء.\n٢. يتميز حديثه الصحيح من الذي فيه علة بأحد أمرين:\nالأول: أن يكون من رواية من سمع منه قبل ذهاب بصره، وضابطه أن يكون سماعه منه قبل سنة مائتين.\nالثاني: أن يكون الحديث ثابتًا في أصل كتبه (^٢).\nما أعله الإمام أحمد من حديثه بكونه من رواية من سمع منه بعد ما عمي\nقال الأثرم: سمعت أبا بعد الله يُسال عن حديث: النار جبار، فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، ثم قال: من يُحدِّث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شبويه. قال: هؤلاء سمعوا بعد ما عمي، كان يُلقّن فلقِّنه، وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه، كان يُلقَّنُها بعد ما عمي (^٣).\n_________\n(^١) مسائل الإمام - برواية إسحاق بن هانئ ٢/ ٢٠٤ رقم ٢١٠٦.\n(^٢) وهذا وجه التفصيل الذي ذكره ابن حجر في حديث الدبري عن عبد الرزاق، وكان سماعه منه بعد الاختلاط قال: المناكير الواقعة في حديث الدبري إنما سببها أنه سمع من عبد الرزاق بعد اختلاطه، فما يوجد من حديث الدبري عن عبد الرزاق في مصنفات عبد الرزاق فلا يلحق الدبري منه تبعة إلا إن صحّف أو حرّف، وقد جمع القاضي محمد بن أحمد بن مفرج القرطبي الحروف التي أخطأ فيها الدبري وصحفها في مصنف عبد الرزاق، إنما الكلام في الأحاديث التي عند الدبري في غير التصانيف فهي التي فيها المناكير، وذلك لأجل سماعه منه في حال اختلاطه فتح المغيث ٤/ ٣٨٣، فمفاده أن الأحاديث التي في تصانيف عبد الرزاق ليس فيها الكلام، وهذا ما أفاده قول الإمام أحمد: ما كان في كتبه فهو صحيح، وما ليس في كتبه فإنه كان يلقّن فيتلقّن.\n(^٣) تهذيب الكمال ١٨/ ٥٧، وانظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٦٨، وشرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٢.","vol":"1","page":452},{"text":"وقال ابن هانئ: وسمعت أبا عبد الله يقول: حديث عبد الرزاق حديث أبي هريرة: [النار جُبار] إنما هو: [البئر جُبار] وإنما كتبنا كتبه على الوجه، وهؤلاء الذين كتبوا عنه سنة ست ومائتين، إنما ذهبوا إليه وهو أعمى فلقِّن فقبله ومرّ فيه (^١).\nوقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق في حديث أبي هريرة: والنار جبار، ليس بشيء لم يكن في الكتب، باطل ليس هو بصحيح (^٢).\nحديث [النار جبار] رُوي عن عبد الرزاق مِن حديث معمر، عن همام ابن مُنبِّه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. وذكر الأثرم أنه حدّث به عن عبد الرزاق على هذا الوجه أحمدُ بن شبُّوَيه، وهو أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المروزي، وثقه النسائي وغيره (^٣). ولم أقف على من أخرج الحديث من طريقه من أصحاب الكتب المصنفة.\nورواه غير أحمد بن شبُّوَيه من هذا الوجه عن عبد الرزاق، منهم: الحسن بن أبي الربيع الجرجاني (^٤)، وأحمد بن يوسف السلمي (^٥) كلاهما رواه بلفظ: \"العَجْماء جُرحها جبار، والمَعْدِن جبار، والنَّار جبار، وفي الرِّكاز الُخمس\".\nورواه مختصرًا عن عبد الرزاق أيضًا: محمد بن المتوكِّل العسقلاني (^٦)،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية إسحاق بن هاني ٢/ ٢٠٢ رقم ٢١٠١.\n(^٢) سنن الدارقطني ٣/ ١٥٣، السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٣٤٤.\n(^٣) انظر: تهذيب الكمال ١/ ٤٣٥، تهذيب التهذيب ١/ ٧١.\n(^٤) وحديثه عند أبي عوانة في مسنده ٤/ ١٥٨ رقم ٦٣٦٥ مقرونا بأحمد بن يوسف السلمي.\n(^٥) وحديثه عند أبي عوانة الموضع نفسه، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٣٤٤. وقال أبو عوانة: لم يذكر السلمي: النار وهي مثبتة عند البيهقي.\n(^٦) حديثه عند أبي داود في السنن ٤/ ٧١٦ رقم ٤٥٩٤.","vol":"1","page":453},{"text":"وأحمد بن منصور الرمادي (^١)، وأحمد بن سعيد الرباطي أبو عبد الله المروزي (^٢)، وأبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري (^٣)، ومحمد بن إسحاق بن شبويه (^٤)، وزهير بن محمد بن قُمير المروزي (^٥)، محمد بن عبيد الله الماسوراباذي (^٦)، ولفظه عند هؤلاء كلهم: [النار جبار]، إلا أحمد بن سعيد المروزي وأبا الأزهر - عند ابن ماجه - فزادا: [والبئر جبار].\nوفيما يلي تراجم هؤلاء الرواة العشرة:\nأحمد بن محمد بن شبويه، وثقه النسائي وغيره كما تقدم، وتوفي سنة (٢٢٩) هـ (^٧). ونص الإمام أحمد على أنه سمع من عبد الرزاق سنة (٢٠٦) هـ يعني بعد ما عمي.\nالحسن بن أبي الربيع الجرجاني، سكن بغداد، قال عنه أبو حاتم: شيخ، وقال ابنه: صدوق. وتوفي سنة (٢٦٣) هـ. وقد بلغ ثلاثًا وثمانين سنة (^٨).\nأحمد بن يوسف السلمي أبو الحسن النيسابوري، وثقه مسلم، وأخرج حديثه عن عبد الرزاق، وكذلك وثقه الدارقطني، وقال عنه النسائي: ليس به بأس. وتوفي سنة (٢٦٤) هـ، وقيل (٢٦٣) هـ. وقد جاوز الثمانين (^٩). وهو راوية\n_________\n(^١) حديثه عند الدارقطني في السنن ٣/ ١٥٢، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى ٨/ ٣٤٤.\n(^٢) حديثه عند النسائي في السنن الكبرى ٣/ ٤١٣ رقم ٥٧٨٩.\n(^٣) وحديثه عند ابن ماجه في السنن ٢/ ٨٩٢ رقم ٢٦٧٦، وأبي عوانة في مسنده ٤/ ١٥٨ رقم ٦٣٦٦ مقرونًا بغيره.\n(^٤) حديثه عند أبي عوانة مقرونًا بأبي الأزهر مسند أبي عوانة ٤/ ١٥٨ رقم ٦٣٦٦.\n(^٥) حديثه عند الدارقطني مقرونًا بالرمادي السنن ٣/ ١٥٢.\n(^٦) حديثه في تاريخ جرجان ١/ ٣٧٨ رقم ٦٣٢.\n(^٧) تهذيب الكمال ١/ ٤٣٥.\n(^٨) الجرح والتعديل ٣/ ٤٤، تهذيب الكمال ٦/ ٣٣٥.\n(^٩) تهذيب الكمال ١/ ٥٢٣ - ٥٢٥.","vol":"1","page":454},{"text":"صحيفة همام بن منبه المطبوعة، والحديث في الصحيفة بهذا اللفظ (^١).\nمحمد بن المتوكل العسقلاني، هو ابن أبي السري. وثقه ابن معين (^٢). وقال عنه أبو حاتم: لين الحديث (^٣). وقال ابن عدي: كثير الغلط (^٤)، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة (٢٣٨) هـ (^٥). وقال الذهبي: له أحاديث تستنكر (^٦).\nأحمد بن منصور الرَّمادي، هو أحمد بن منصور بن سيار البغدادي، كان أبو حاتم يوثقه (^٧)، وكذلك وثقه الدارقطني. وقال ابن حبان: مستقيم الأمر في الحديث. وتوفي سنة (٢٦٥) هـ، وقد استكمل (٨٣) سنة (^٨). وذكر الرمادي في تاريخه أنه سمع من عبد الرزاق سنة (٢٠٤) هـ (^٩).\nأحمد بن سعيد الرباطي أبو عبد الله المروزي: وثقه النسائي، وابن خراش، والخطيب. مات سنة (٢٤٣) هـ (^١٠).\nأبو الأزهر أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوري، قال عنه أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي والدارقطني: لا بأس به، وتوفي سنة (٢٦١) هـ. وقيل بعد ذلك (^١١). وفي ترجمة عبد الرزاق في \"سير أعلام النبلاء\" (^١٢) حكاية تدلّ على أن أبا الأزهر\n٤٤٦ الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه\n_________\n(^١) صحيفة همام بن منبه ٦٧٩ رقم ١٣٨.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٥٨.\n(^٣) الجرح والتعديل ٨/ ١٠٥.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٥٨.\n(^٥) الثقات ٩/ ٨٨.\n(^٦) ميزان الاعتدال ٥/ ١٤٩ ترجمة ٨١١٤.\n(^٧) الجرح والتعديل ٢/ ٧٨.\n(^٨) انظر: الثقات لابن حبان ٨/ ٤١، تاريخ بغداد ٥/ ١٥٣، تهذيب الكمال ١/ ٤٩٣.\n(^٩) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩٠.\n(^١٠) تهذيب الكمال ١/ ٣١١ - ٣١٢.\n(^١١) انظر: الجرح والتعديل ٢/ ٤١، تهذيب الكمال ١/ ٢٥٨.\n(^١٢) ٩/ ٥٧٦.","vol":"1","page":455},{"text":"أدركه وهو بصير.\nمحمد بن إسحاق بن شبويه السجزي. قال ابن أبي حاتم: صدوق من العُبَّاد (^١). قال ابن عدي: ضعيف، يُقلِّب الأحاديث ويَسرقها، وذكر له أحاديث عن عبد الرزاق، عن معمر والثوري وقال: كلها غير محفوظة (^٢). وذكر ابن حجر أنه روى صحيفة همّام بن مُنبّه (^٣).\nزهير بن محمد بن قُمير المروزي، وثقه السرّاج، والخطيب، وقال ابن أبي حاتم: كان صدوقًا، مات سنة (٢٥٠) هـ (^٤).\nمحمد بن عبيد الله الماسوراباذي، له ترجمة في تاريخ جرجان (^٥) ولم أقف على حاله من حيث الجرحُ والتعديلُ.\nوقد خالف هؤلاء كلَّهم الإمامُ أحمدُ بن حنبل فرواه عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام بن منبِّه، عن أبي هريرة - وهو آخر حديث في صحيفة همام بن منبه كما رواها الإمام أحمد عن عبد الرزاق - بلفظ: \"العجماء جُرحها جُبار، والمعدن جُبار، والبئر جُبار، وفي الرِّكاز الخمس\" (^٦)، ليس فيه ذكر: [النار جبار].\nوجه علة الحديث:\nأعل الإمام أحمد هذا الحديث من وجهين:\nالأول: أن الذين رووه عن عبد الرزاق إنما سمعوا منه سنة (٢٠٦) هـ بعد ما عمي فلقّنوه وقبل ومرّ في الحديث. وقد بيّن ﵀ كيف وقع التلقين، فروى\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٧/ ٢٦٠.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٢٨٣ - ٢٢٨٤.\n(^٣) لسان الميزان ٥/ ٦٧.\n(^٤) تهذيب الكمال ٩/ ٤١٠ - ٤١١.\n(^٥) تاريخ جرجان ١/ ٣٧٨ رقم ٦٣٢.\n(^٦) المسند ١٣/ ٥٤٧ رقم ٨٢٥٢.","vol":"1","page":456},{"text":"الدارقطني عن محمد بن مخلد، عن إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن يكتبون النار: النير، ويكتبون البير يعني مثل ذلك، وإنما لقن عبد الرزاق النار جبار (^١). قال البيهقي: يعني فهو تصحيف (^٢).\nالثاني: أن الحديث ليس في أصل كتب عبد الرزاق، ودليل ذلك أن الإمام أحمد كتب كتب عبد الرزاق على الوجه وهو بصير، فحيث جاء شيءٌ مخالفٌ لما عنده فلا بد أن يكون مما أُدخل على عبد الرزاق وليس هو من حديثه. ويؤيد ذلك أن الحديث لا يوجد في مصنفه المطبوع، فالدبري - وهو راوية كتابه المصنف - روى الحديث من طريق آخر عن عبد الرزاق، عن معمر وابن جريج، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"العجماءُ جبار والبئر جبار، والمعدن جرحه جبار، وفي الرِّكاز الخمس\" (^٣). وتابعه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن عبد الرزاق، عن معمر وحده، عن الزهري، به (^٤) وليس فيه \"النار جبار\". وإسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - ممن سمع من عبد الرزاق قبل الاختلاط (^٥).\nوأولئك الرواة الذين رووا هذا الحديث عن عبد الرزاق منهم من لا يعتد بروايته لضعفه، كمحمد بن المتوكل الذي كان يغلط وله من الحديث ما يستنكر، وكمحمد بن إسحاق بن شبويه الذي وصفه ابن عدي بأنه يسرق الحديث وأن\n_________\n(^١) سنن الدارقطني ٣/ ١٥٣.\n(^٢) السنن الكبرى ٨/ ٣٤٤.\n(^٣) المصنف ١٠/ ٦٦ رقم ١٨٣٧٣.\n(^٤) أخرجه النسائي في السنن ٥/ ٤٥ رقم ٢٤٩٤.\n(^٥) الكواكب النيرات ص ٢٧٦. واعتمده الشيخان فيما روياه عن عبد الرزاق. انظر: تهذيب الكمال ١٨/ ٥٤.","vol":"1","page":457},{"text":"أحاديثه عن عبد الرزاق غير محفوظة؛ ومنهم من ثبت أن سماعه من عبد الرزاق كان بعد ذهاب بصره كأحمد بن شبويه، وأحمد بن منصور الرمادي؛ والباقون لم يتبيّن زمنُ تحمّلهم من عبد الرزاق فيتوقف فيما رووه، إلا أن كون الحديث ليس في أصول عبد الرزاق مما يُرجِّح جانبَ الردّ، فردَّه الإمامُ أحمد وقال: هو باطل وليس بصحيح.\nوقد يُقال إن عبد الرزاق قد تُوبع عن معمر في رواية هذا اللفظ. قال الخطابي: \"لم أزل أسمعُ أصحابَ الحديث يقولون غلِط فيه عبدُ الرزاق: إنما هو البئر جبار حتى وجدته لأبي داود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر، فدل على أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق\" (^١)، يشير إلى رواية أبي داود للحديث عن زيد ابن المبارك، حدثنا عبد الملك الصنعاني - مقرونًا بعبد الرزاق - عن معمر به بلفظ: النار جبار (^٢). وعبد الملك الصنعاني هو عبد الملك بن محمد الصنعاني الحميري من صنعاء الشام. قال عنه أبو حاتم: يُكتب حديثه (^٣). وقال ابن حبان: كان يُجيب فيما يُسأل عنه ينفرد بالموضوعات لا يجوز الاحتجاج بروايته (^٤). وقال الأزدي: ليس بالمرضي في حديثه (^٥). وقال الذهبي: ليس بحجة (^٦). وقال ابن حجر: ضعيف (^٧).\nفهذا الراوي ممن يصح الاعتبارُ به، فيستفاد من ذلك أن الخطأ وقع ممن فوق عبد الرزاق. ولعل هذا مستند ابن معين حيث قال: إن الذي صحّف هذا الحرف\n_________\n(^١) معالم السنن بهامش سنن أبي داود ٤/ ٧١٦.\n(^٢) سنن أبي داود ٤/ ٧١٦ رقم ٤٥٩٤.\n(^٣) الجرح والتعديل ٥/ ٣٦٩.\n(^٤) المجروحين ٢/ ١٣٦.\n(^٥) تهذيب التهذيب ٦/ ٤٢٢.\n(^٦) الكاشف ١/ ٦٦٩.\n(^٧) فتح الباري ١١/ ٥٤٤.","vol":"1","page":458},{"text":"هو معمر. نقله ابن عبد البر عنه (^١). لكن قد بيّن معمر أن هذا الحرف وهم، فروى الدارقطني (^٢) من طريق أحمد بن منصور الرمادي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همّام بن منبِّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"النار جبار\". قال الرمادي: قال عبد الرزاق: قال معمر: لا أراه إلا وهمًا. فهذا يدل على أمرين:\n١. إن صح هذا فنسبة التصحيف إلى معمر ضعيف.\n٢. فيه تأييد لما قاله الإمام أحمد أن عبد الرزاق لُقَّن هذا الحرف، وإلا فكيف يرويه وعنده علم بأنه وهم! وهذا ما يبين وجه عدم وجود الحديث في أصول عبد الرزاق كما رواها الإمام أحمد.\nإذا ثبت هذا فيقال في الجواب على الاعتراض برواية عبد الملك بن محمد الذي تابع عبد الرزاق: إن معمرًا قد حدث بالحديث لكنه نصّ على أنه يراه وهمًا، وحفظ ذلك عبد الرزاق، فلم يذكر الحديث في كتبه كما رواها القدماء من أصحابه، ولم يحفظه عبد الملك بن محمد إما لضعفه أو لقلة ملازمته لمعمر. فمن روى الحديث عن عبد الرزاق على أنه من حديثه من دون بيان أنه وهم كما فعله الرمادي يتعين أنه أخطأ، والله أعلم.\nحديث آخر:\nجاء في حديث محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق: أنا ابنُ جُريْج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"إذا طلعَ الفجرُ فقد ذهب كلُّ صلاةِ الليل والوِترُ، فأَوتِروا قبل طلوعِ الفجر\" (^٣):\nفقال المرّوذي عن أحمد أنه قال: لم يسمعه ابن جريج من سليمانَ بن موسى\n_________\n(^١) التمهيد ٧/ ٢٦.\n(^٢) السنن ٣/ ١٥٣.\n(^٣) الجامع ٢/ ٣٣٢ رقم ٤٦٩.","vol":"1","page":459},{"text":"إنما قال: \"قال سليمان\" قيل له: إن عبد الرزاق قد قال: عن ابن جريج: أنا سلميان؟ فأنكره وقال: نحن كتبنا من كتب عبد الرزاق، ولم يكن بها، وهؤلاء كتبوا عنه بأخرة (^١).\nالحديث أخرجه الترمذي من هذا الوجه، وهو في المصنف لعبد الرزاق (^٢)، ورواه ابن حزم (^٣) من طريق الدبري عن عبد الرزاق، ورواه أيضًا ابن عدي من طريق محمد بن مسعود العجمي عن عبد الرزاق به (^٤).\nوجه علة الحديث:\nأنكر الإمام أحمد رواية من روى هذا الحديث بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وشيخه سليمان بن موسى، واعتلّ لذلك بأن تلك الرواية لم تكن في كتب عبد الرزاق، والذين رووها عن عبد الرزاق من هذا الوجه إنما كتبوا عنه بأخرة، يعني في زمن الاختلاط بعد ذهاب بصره. ولم أقف على هؤلاء الرواة الذين أشار إليهم الإمام أحمد، فرواية الترمذي جاءت بالعنعنة، وكذلك الرواية التي في المطبوع من مصنف عبد الرزاق، وفي المحلى من طريق الدبري عن عبد الرزاق، وفي الكامل لابن عدي كما تقدم، فلعلّ الإمامَ أحمد يشير إلى غير هؤلاء ممن روى عن عبد الرزاق أيضًا بأخرة.\nوقد جاءت رواية عن عبد الرزاق فيها التصريح بالتحديث بين ابن جريج وسليمان بن موسى، لكنّ لفظها مغاير للفظ هذا الحديث. فروى الإمام أحمد عن عبد الرزاق وابن بكر - وهو محمد بن بكر البرساني - قالا: أخبرنا ابن جريج،\n_________\n(^١) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن رجب ٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ٣/ ١٣ رقم ٤٦١٣.\n(^٣) المحلى ٣/ ١٠١.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١١٦.","vol":"1","page":460},{"text":"حدثني سليمان بن موسى، حدثنا نافع أن ابن عمر كان يقول: من صلى بالليل فليجعل آخرَ صلاته وِترًا، فإن رسول الله ﷺ أمر بذلك، فإذا كان الفجرُ فقد ذهبتْ كلُّ صلاة لليل والوترُ، فإن رسول الله ﷺ قال: \"أَوْتِروا قبلَ الفجر\" (^١). وتابعه محمد بن رافع عن عبد الرزاق وحده عند ابن خزيمة (^٢). ومحمد بن رافع هو النيسابوري، وثقه مسلم والنسائي وغيرهم، (^٣) وقال أبو رزعة: كان رَحَلَ مع أحمد ابن حنيل. ا. هـ (^٤). يعني إلى عبد الرزاق فقد كان هو وأحمد، وإسحاق بن راهويه عند عبد الرزاق في وقت واحد (^٥).\nورواه عن ابن جريج على هذا الوجه حجاج بن محمد المصيصي، وهو عند أبي عوانة في مسنده (^٦)، وابن الجارود في المنتقى (^٧)، والحاكم (^٨)، والبيهقي (^٩) كلهم من طرق عن حجاج قال: قال ابن جريج: حدثني سليمان بن موسى: نا نافع به بمثل هذا اللفظ.\nفهذه الرواية تفيد أن قوله: \"إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر\" قول ابن عمر، وليس بمرفوع، وأما قوله: \"أوتروا قبل الفجر\" فمرفوع إلى النبي ﷺ. فرواية ابن جريج عن سليمان بن موسى بالعنعنة أدخلت الموقوف في\n_________\n(^١) المسند ١٠/ ٤٣٨ رقم ٦٣٧٢.\n(^٢) صحيح ابن خزيمة ٢/ ١٤٨ رقم ١٠٩١.\n(^٣) تهذيب التهذيب ٩/ ١٦١ - ١٦٢.\n(^٤) الجرح والتعديل ٧/ ٢٥٤.\n(^٥) انظر: القصة التي رواها الحاكم في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢١٦، وفيها قال محمد بن رافع: كنت مع أحمد بن حنبل وإسحاق عند عبد الرزاق.\n(^٦) مسند أبي عوانة ٢/ ٣١٠.\n(^٧) المنتقى ١/ ٢٤٠ رقم ٢٧٤ غوث المكدود.\n(^٨) المستدرك ١/ ٣٠٢.\n(^٩) السنن الكبرى ٢/ ٤٧٨.","vol":"1","page":461},{"text":"المرفوع، بينما هذه الرواية التي فيها التصريح بالتحديث بينهما قد ميّزتْ بين اللفظيْن: الموقوف والمرفوع، فهي أولى لأمور:\n١. من رواها عن عبد الرزاق كان من قدماء الرواة عنه.\n٢. تابع عبدَ الرزاق حجاجُ بن محمد المصيصي، وكان يقال إنه أثبت أصحاب ابن جريج (^١).\n٣. التمييز بين الموقوف والمرفوع يشعر بزيادة علم راويها وحفظه.\nفبالنظر في هاتين الروايتين وكلام الإمام أحمد يظهر أن الرواية التي جاءت بالعنعنة والتي فيها إدخال الموقوف في الموفوع مدلّسة - لأن ابن جريج معروف بالتّدليس عن المجهولين - ومن أجل ذلك أنكر الإمام أحمد على من روى الحديث من هذا الوجه بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وسليمان بن موسى، فإن مقتضى ذلك أن يلتصق الخطأ بسليمان دون الواسطة - المُسقَطة بالتَّدليس - بينه وبين ابن جريج، والرواية التي ميّزت بين الموقوف والمرفوع، قد برّأت ساحة سليمان بن موسى من الخطأ (^٢)، لأن ابن جريج قد صرح بالتحديث من سليمان.\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٨٢.\n(^٢) وقد لمّح ابن رجب بأن الخطأ من سليمان بن موسى لأنه مختلف في توثيقه كما قال ابن رجب فتح الباري لابن رجب ٦/ ٢٣٨.\nوسليمان بن موسى هو الأشدق القرشي الشامي. وثقه ابن معين في الزهري. ووثقه دحيم مطلقًا. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث. وقال ابن عدي: هو عندي ثبت صدوق. وقال الذهبي: والغرائب التي تستنكر له يجوز أن يكون حفظها. وقال ابن حجر: صدوق فقيه في حديثه بعض لين وخولط قبل موته بقليل. انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١١٩، تهذيب الكمال ١٢/ ٩٦ - ٩٧، ميزان الاعتدال ترجمة ٣٥٢١، تقريب التهذيب ص ٤١٥ ترجمة ٢٦٣١. =","vol":"1","page":462},{"text":"فالشاهد من هذا أن الإمام أحمد أنكر على من روى هذا الحديث - في الرواية التي جعلت قول ابن عمر مرفوعًا - بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وشيخه سليمان بن موسى بناء على كون سماعهم من عبد الرزاق بأخرة بعد ما عمي، وبناء على عدم وجود تلك الرواية في كتب عبد الرزاق كما رواها من رواها عنه إذ كان بصيرًا، وهذا مما يدل على أن الأخطاء وقعت في المرويات التي رُويت عن عبد الرزاق وهي ليست في كتبه كما رواها القدماء من أصحابه، بل جاءت من طريق من تحمّل عنه بعد ذهاب بصره.\nوقد تقدم في مطلب إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المروي أن الإمام أحمد أنكر حديث علي الذي روي من طريق عبد الرزاق بلفظ: \"إن النبي ﷺ مسح على الجبائر\"، وقال: إنه باطل، وسأل عمّن حدّث به عن عبد الرزاق - منكِرًا عليه - فقيل له: محمد بن يحيى الذهلي (^١)، وقد قال الإمام أحمد في الذهلي: إنه قدم على عبد الرزاق مرتين: إحداهما بعدما عمي (^٢). فلعل هذا مما سمعه في القدمة الثانية.\n_________\n= وأما أحمد شاكر فقال: يحتمل أن يكون سليمان بن موسى وهم فأدخل الموقوف من كلام ابن عمر في المرفوع، ويتحمل أن يكون حفظ، وأن ابن عمر يذكره مرة هكذا ومرة هكذا تعليقه على جامع الترمذي ٢/ ٣٣٣.\nوالاحتمال الأول الذي ذكره ﵀ بعيد، فكيف ينسب سليمان بن موسى إلى الوهم في إدخال الموقوف في المرفوع وقد ميّز بينهما في الرواية التي صرّح ابن جريج بالسماع منه، إلا إذا حكمنا برجحان الرواية التي ليس فيها التمييز، وقد تقدم وجه كونها مرجوحة. ثم حتى وإن حكمنا برجحانها فكونها وردت بالعنعنة من مدلس يقوي احتمال وجود واسطة بين سليمان وابن جريج وأن تلك الواسطة هي التي لم تميز بين اللفظين، فبرأ سليمان بن موسى، والله أعلم.\nوأما الاحتمال الثاني فإنما يقبل لو صحت الرواية التي جعلت اللفظ الموقوف مرفوعًا، لأن الجمع فرع عن التصحيح، وحيث لم تصح فلا وجه لهذا الجمع.\n(^١) انظر: ص ١٤٠.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٢.","vol":"1","page":463},{"text":"ومن الرواة الذين ذهب بصرهم فأثّر ذلك في ضبطهم لحديثهم:\nعلي بن مسهر:\nوهو القرشي الكوفي أبو الحسن قاضي الموْصل. قال عنه الإمام أحمد: صالح الحديث صدوق (^١). وروى العقيلي بإسناده عن الأثرم أنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أما علي بن مسهر فلا أدري كيف أقول، ثم قال: إن علي بن مسهر قد ذهب بصره وكان يحدثهم من حفظه (^٢).\nوذكر الحافظ ابن رجب (^٣) أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: \"وأنا وأنا\". وقال: \"إنما هو عن هشام، عن أبيه مرسل. وقال: علي بن مسهر له مفاريد\".\nوهذا الحديث أخرجه أبو داود (^٤)، عن إبراهيم بن مهدي، عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ فذكره. ومن طريقه أخرجه البيهقي (^٥)، وابن عبد البر (^٦). ولم أقف على رواية الإرسال التي أعلّ بها الإمام أحمد روايةَ الوصل. ولم ينفرد علي بن مسهر برواية الحديث موصولًا، فقد تابعه حفص بن غياث عند ابن حبان (^٧)، والحاكم (^٨)، وأبي الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (^٩)، والقزويني (^١٠). وتابعه أيضًا أبو معاوية ووكيع\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٤٧٧/٣١٣٢.\n(^٢) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٩٧١ رقم ١٢٥٢. وذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٥.\n(^٣) شرح علل الترمذي الموضع نفسه.\n(^٤) السنن ١/ ٣٦١ رقم ٥٢٦.\n(^٥) السنن الكبرى ١/ ٤٠٩.\n(^٦) التمهيد ١٠/ ١٤١.\n(^٧) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٥٨٠ رقم ١٦٨٣.\n(^٨) المستدرك ١/ ٣٢١.\n(^٩) ٢/ ١٢٠.\n(^١٠) التدوين في أخبار قزوين ٢/ ٢٨.","vol":"1","page":464},{"text":"كلاهما عند ابن أبي شيبة (^١). فهؤلاء الثلاثة ثقات أثبات، إلا أبا معاوية فقد تكلّم الإمامُ أحمدُ في حديثه عن غير الأعمش، وخاصةً في أحاديثه عن هشام بن عروة فقال - لما سئل عنها: فيها أحاديث مضطربة يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ. ا. هـ (^٢). وكلهم رووا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة موصولًا كما رواه علي بن مسهر. ولم أقف على رواية الإرسال حتى يظهر وجه إعلال الإمام أحمد للحديث بعد الموازنة بين الروايتين - الموصولة والمرسلة.\n\nومن هؤلاء<span data-type='title' id=toc-165> الرواة الذين كُف بصرهم فتأثّر ضبُطهم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-166>أبو حمزة السكري:</span>\nوهو محمد بن ميمون المرزوي. قال ابن رجب: ثقة مشهور من أهل مرو (^٣).\nقال أبو داود: سمعت أحمد قال: من سمع من أبي حمزة السكري - وهو مروزي - قبل أن يذهب بصره فهو صالح، سمع منه علي بن الحسن قبل أن يذهب بصره، وسمع عتاب بن زياد بعد ما ذهب بصره (^٤).\nوقال في رواية ابن هانئ: كان قد ذهب بصرُه، وكان ابنُ شقيق قد كتب عنه وهو بصير، قال: وابن شقيق أصح حديثًا ممن كتب عنه مِن غيره (^٥).\nولم أر له حديثًا أنكره الإمام أحمد.\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٠٦ رقم ٢٣٦٢.\n(^٢) تهذيب التهذيب ٩/ ١٣٩.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٤.\n(^٤) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ١/ ٣٥٩ رقم ٥٦١.\n(^٥) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٤.\nوقد ذكر النسائي أيضًا مثل ما ذكره أحمد في أبي حمزة السكري، فقال في السنن الكبرى ٢/ ١٢٢: محمد بن ميمون مروزي لا بأس به إلا أنه كان ذهب بصره في آخر عمره فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد. ا. هـ. وذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري لم يخرج له إلا من رواية عبدان عنه وهو من قدماء أصحابه هدي الساري ص ٤٤٢.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>المطلب الثالث: ما يلحق بالاختلاط من أسباب سوء الحفظ الطارئ على الراوي - ذهاب كتب الراوي بسبب من الأسباب</span>\nهؤلاء قوم ثقات ذهبت أصولهم التي كانوا يحدثون منها، فحدثوا من حفظهم فوقعت الأخطاء في مروياتهم بسبب ذلك، أو تلقنوا ما لقّن لهم مما ليس من حديثهم، وهذا خلل طرأ عليهم في ضبطهم أُعلّ بسببه بعضُ مروياتهم.\nقال أبو حاتم ابن حبان تحت أنواع الجرح في الضعفاء: \"ومنهم من كتب الحديث ورحَل فيه إلا أن كتبه قد ذهبت، فلما احتيج إليه صار يحدث من كتب الناس من غير أن يحفظها كلها أو يكون له سماع فيها كابن لهيعة وذويه\" (^١).\nفهؤلاء أمرهم يجري على تفصيل ما سبق في الصنف الذي قبل هذا: من سمع منهم قديمًا قبل ذهاب كتبهم فحديثه صحيح، ومن سمع منهم بعد ذلك فحديثه ليس بذاك.\nومن هذا الصنف من ذهبت كتبه عن جميع المشايخ، ومنهم من ذهبت كتبه عن بعض المشايخ، فذكر الإمام أحمد من الصنف الأول: عبد الله بن لهيعة، ومحمد ابن عبد الله ابن المثني الأنصاري، وعبد الله بن رجاء المكي. ومن الصنف الثاني: الإمام الأوزاعي.\n\n١ -<span data-type='title' id=toc-168> عبد الله بن لهيعة الغافقي المصري ت (١٧٤) هـ:</span>\nأثنى عليه الإمام أحمد وقال: من كان بمصر يشبه ابن لهيعة في ضبط الحديث وكثرته وإتقانه (^٢).\nونقل الإمام أحمد خبر احتراق كتبه ومتى كان ذلك.\n_________\n(^١) المجروحين ١/ ٧٥.\n(^٢) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٤٦.","vol":"1","page":466},{"text":"قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطَّبَّاع قال: أُحرقتْ كتبُ ابن لهيعة سنةَ تسعٍ وستين، قال: ولقيتُه أنا سنةَ أربع وستين يعني ابن لهيعة. قال إسحاق: ومات ابن لهيعة في سنةِ أربعٍ وسبعين أو ثلاثٍ وسبعين (^١).\nقال أبو داود: سمعت أحمد قال: قال ابن المبارك سنةَ تسع وسبعين: من سمع ابن لهيعة منذ عشرين سنة فإن سماعه صالح. وسمعته قال: احترقتْ كتبُ ابن لهيعة - زعموا - في سنة أربع وستين (^٢).\nفهذا اختلاف في تحديد زمن احتراق كتبه (^٣).\nوقد اعتمد الإمام أحمد حادثة احتراق كتب ابن لهيعة (^٤) فأصبح يُميّز بين حديثه القديم وحديثه بعد الاحتراق، فقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وسئل عن ابن لهيعة فقال: من كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح (^٥).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٦٧ - ٦٨ رقم ١٥٧٢.\n(^٢) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ١٧٠\n(^٣) وقال البخاري عن ابن بكير: احترق منزل ابن لهيعة وكتبه سته سبعين ومائة التاريخ الكبير ٥/ ١٨٣. وهذا ما ذهب إليه ابن حبان المجروحين ٢/ ١١، وهو قريب من قول إسحاق ابن الطباع الذي ذكره الإمام أحمد.\n(^٤) وقد أنكر بعض الناس أن تكون كتب ابن لهيعة احترقت، وهو سعيد بن أبي مريم، تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٣. لكن ابن مريم كان سيئ الرأي في ابن لهيعة كما قال يحيى بن معين تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٨. ولعله هو الذي عناه يحيى بن معين حين قال: قال أهل مصر: ما احترق لابن لهيعة كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين رقم ٤٩٩، وكأن يحيى اعتمد هذا فاعتبر سماع القدماء والآخرين من ابن لهيعة سواء، وضعفه مطلقًا سؤالات ابن الجنيد رقم ٥٠٢، وانطر: تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٨ - ٤٩٩ الموضع نفسه.\nويعارض هذا ما رواه العقيلي عن كتاب أبي الوليد بن أبي الجارود عن ابن معين قال: ابن لهيعة يكتب عنه ما كان قبل احتراق كتبه ضعفاء العقيلي ٢/ ٦٩٦.\nوكذلك أنكر عثمان بن صالح السهمي أن تكون أصوله احترقت وقال: إنما احترق بعض ما كان يقرأ منه تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٦.\n(^٥) المعرفة والتاريخ ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":467},{"text":"وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن ابن لهيعة فليّن أمرَه وقال: من سمع منه متقدمًا (^١).\nوإنما ميّز الإمام أحمد بين حديث ابن لهيعة القديم من حديثه المتأخر لأنه كان بعد احتراق كتبه يقبل التلقين. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: احترقت كتب ابن لهيعة - زعموا - كان رشدين بن سعد قد سمع منه كتبه، فكانوا يأخذون كتبه، فلا يأتونه بشيء إلا قرأ (^٢).\nوقال الميموني: سمعت أحمد يقول: ابن لهيعة كانوا يقولون احترقت كتبه فكان يؤتى بكتب الناس فيقرأها (^٣).\nوروي عن الإمام أحمد أنه قال: سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح، عبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن المبارك (^٤).\nوممن نصّ الإمام أحمد على صحة حديثه عن ابن لهيعة عبد الله بن يزيد المقرئ. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أصحَّ حديثه - يعني المقرئ - عن ابن لهيعة (^٥).\nومنهم قتيبة بن سعيد. قال جعفر بن محمد الفريابي: سمعت بعض أصحابنا يذكر أنه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح. قال: قلت: لأنَّا كنَّا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة (^٦). وهذا الإسناد فيه جهالة الواسطة بين الفريابي وقتيبة. على أنه\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ص ٧١ رقم ٧٦.\n(^٢) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٥٦.\n(^٣) كتاب الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٩٦.\n(^٤) شرح علل الترمذي ١/ ٤٢٠.\n(^٥) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٢.\n(^٦) تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٤.","vol":"1","page":468},{"text":"قد ذكر الأثرم عن الإمام أحمد أن قتيبة هو آخر من سمع من ابن لهيعة (^١). فإن ثبت ما نقله الفريابي دل ذلك على أن صحة حديث قتيبة عن ابن لهيعة كان من أجل اعتماده على كتاب ابن وهب فلم يتأثر باختلاط ابن لهيعة.\nوقد قال حنبل بن إسحاق سمعت أبا عبد الله يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضُه ببعض (^٢).\nوقال حرب بن إسماعيل الكرماني: سألت أحمد بن حنبل عن ابن لهيعة فضعفه (^٣).\nوهذا محمول على ما جاء من طريق من سمع منه بأخرة، بدليل أنه صحح حديث بعض تلاميذ ابن لهيعة كقتيبة بن سعيد. وأيضًا لما ليّن أمر ابن لهيعة كما في رواية المروذي استثنى من سمع منه متقدمًا.\nومما يدل على أن حديثه في الآخر قد دخله تخليط ما رواه عبد الله عن الإمام أحمد:\nقال عبد الله: حدثني أبي قال حدثنا خالد بن خداش قال: قال لي ابن وهب - ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة - إني لستُ كغيري في ابن لهيعة فأكتبَها، وقال لي: حديثه عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: \"لو كان القرآن في إهاب ما مسَّتْه النَّارُ\" ما رفعه لنا ابن لهيعة قط أوَّلَ عُمُرِهِ (^٤).\nهذا الحديث أخرجه أحمد (^٥)، والدارمي (^٦)،\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٢٨، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٦.\n(^٢) تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٣.\n(^٣) الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ١٣١ رقم ١٧٨٤.\n(^٥) المسند ٢٨/ ٦٢٧ رقم ١٧٤٠٩.\n(^٦) سنن الدارمي ٢/ ٥٢٢ رقم ٣٣١٠.","vol":"1","page":469},{"text":"وأبو يعلى (^١)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (^٢) كلهم من طريق عبد الله ابن يزيد المقرئ (^٣)؛ وأبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (^٤)، ومن طريقه القزويني في أخبار قزوين (^٥) عن أبي الأسود المصري (^٦)، وأحمد (^٧) عن أبي سعيد (^٨)؛ والفريابي (^٩)، ومن طريقه ابن عدي (^١٠) عن قتيبة بن سعيد (^١١)؛ والطبراني (^١٢) من طريق يحيى بن كثير الناجي (^١٣)، وسعيد بن عفير (^١٤)؛\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٣٠٧ رقم ١٧٣٩.\n(^٢) كتاب فضائل القرآن وما جاء فيه من الفضل وفي كم يقرأ والسنة في ذلك ص ١١٠ رقم ٢.\n(^٣) عبد الله بن يزيد القرشي أيو عبد الرحمن المقرئ. ثقة كثير الحديث، وثقه غير واحد انظر: تهذيب الكمال ١٦/ ٣٢٣. وقال الإمام أحمد: إلا أنه كان يحدث من كتب الناس المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٢. وتقدم عن الإمام أحمد أنه قال في حديثه عن ابن لهيعة: ما أصحَّهُ.\n(^٤) كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلاّم الهروي ص ٥٤.\n(^٥) التدوين في أخبار قزوين ١/ ٢٢٥.\n(^٦) النضر بن عبد الجبار المرادي مولاهم أبو الأسود المصري. ثقة التقريب رقم ١٠٠٢ رقم ٧١٩٣. وقال ابن معين: كان راوية عن ابن لهيعة تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٩٢. وقال أحمد بن صالح المصري: ظننت أن أبا الأسود كتب - يعني حديث ابن لهيعة - من كتاب صحيح فحديثه صحيح يشبه حديث أهل العلم المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(^٧) المسند ٢٨/ ٥٩٥ رقم ١٧٣٦٥.\n(^٨) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد، أبو سعيد مولى بني هاشم. وثقه أحمد وابن معين. وعن أحمد: كان كثير الخطأ. وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ الجرح والتعديل ٥/ ٢٥٤، ضعفاء العقيلي ٢/ ٧٥١، التقريب ص ٥٨٦ رقم ٣٩٤٣.\n(^٩) كتاب فضائل القرآن ص ١٠٩ رقم ١.\n(^١٠) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٤٦٠.\n(^١١) وثقه غير واحد. وتقدم أن الإمام أحمد قال هو آخر من سمع من ابن لهيعة، وأنه رأى حديثه عن ابن لهيعة وقال إنها صحيحة انظر: تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٢٨.\n(^١٢) المعجم الكبير ١٧/ ٣٠٨ رقم ٨٥٠.\n(^١٣) لم أقف عليه.\n(^١٤) هو سعيد بن كثير بن عفير - بالمهملة والفاء. قال الدارقطني: كان من الحفاظ الثقات العلل ١/ ١٨٢. وقال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق الجرح والتعديل ٤/ ٥٦. وقال ابن حجر: صدوق التقريب ٣٨٦ رقم ٢٣٩٥.","vol":"1","page":470},{"text":"والروياني (^١) من طريق موسى بن داود (^٢)، وأبو الشيخ (^٣) من طريق مجاشع ابن عمرو (^٤)، كلهم عن ابن لهيعة، عن مِشْرَح بن هاعان (^٥)، عن عقبة بن عامر الجهني، أن النبي ﷺ قال: فذكره.\nفهؤلاء الرواة - وعددهم ثمانية - كلهم رووا الحديث عن ابن لهيعة على هذا الوجه مرفوعًا. وقال ابن وهب: ما رفع ابنُ لهيعة الحديثَ قط أول عمره. فهذه علة هذا الحديث، لأن كون ابن وهب حفظ أن ابن لهيعة كان لا يرفع الحديث في أول عمره دليل على قدم سماعه من ابن لهيعة، وقد قال أحمد: من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح. وقال أحمد عن ابن وهب: كان صحيح الكتب عن مشايخه الذين روى عنهم (^٦)، وكان هو وابن المبارك يتتبعان أصول ابن لهيعة\n_________\n(^١) مسند الروياني ١/ ١٧٢ رقم ٢١٦.\n(^٢) الضبي أبو عبد الله الطرسوسي الحُلْقاني. وثقه ابن نمير، وابن سعد، وابن عمار الموصلي، والعجلي، والذهبي. وقال أبو حاتم: شيخ في حديثه اضطراب. وقال ابن حجر: صدوق فقيه زاهد له أوهام انظر: تهذيب الكمال ٢٩/ ٥٩ - ٦٠، الكاشف ٢/ ٣٠٣ رقم ٥٦٩٢، التقريب ص ٩٧٩ رقم ٧٠٠٨.\n(^٣) طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ٥٩٤.\n(^٤) قال ابن معين: قد رأيته، أحد الكذابين. قال العقيلي: حديثه منكر غير محفوظ الضعفاء ٤/ ١٤٠٣. قال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث على الثقات، ويروي الموضوعات عن قوم ثقات لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه … المجروحين ٣/ ١٨.\n(^٥) مشرح بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وتخفيف الراء وفتحها الإكمال لابن ماكولا ٧/ ١٩٤. وهو مشرح بن هاعان المعافري أبو مصعب المصري. حدث عن عقبة بن عامر، وروى عنه الليث، وابن لهيعة، والوليد بن المغيرة. قال الإمام أحمد: معروف. ووثقه ابن معين في رواية الدارمي وكذلك الذهبي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قال ابن حبان: عداده في أهل مصر يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها روى عنه ابن لهيعة والليث وأهل مصر والصواب في أمره ترك ما انفرد من الروايات والاعتبار بما وافق الثقات. وقال ابن حجر: مقبول الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٤٦٠، المجروحين ٣/ ٢٨، تهذيب الكمال ٢٨/ ٧، الكاشف ٢/ ٢٦٥ رقم ٥٤٥٦، التقريب ص ٩٤٤ رقم ٦٧٢٤.\n(^٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٣.","vol":"1","page":471},{"text":"فيكتبان منه كما قال أبو زرعة الرازي (^١). فالصحيح في رواية الحديث أنه موقوف، وهذا يدل على اعتماد ما رواه ابن لهيعة في أول عمره وتقديمه على غيره. وإن قيل إن ممن رواه عن ابن لهيعة مرفوعًا عبد الله بن يزيد المقرئ، وقتيبة بن سعيد، وأبا الأسود المصري وقد قيل بصحة حديث كل واحد منهم عن ابن لهيعة، فالجواب أن ابن وهب حفظ وجه الحديث عند ابن لهيعة في أول عمره، وأما أولئك الرواة فيحتمل أن يكون سماعهم للحديث كان في أخر عمر ابن لهيعة خارج كتبه الأصول، فلا يترك حفظُ من حفِظ لأمر محتمل.\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-169> محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري </span>(^٢).\nذكر الإمام أحمد أن كتبه ذهبت فكان بعدُ يحدِّث من كتب غلامه، وعدّ ﵀ هذا سببًا للوهم الذي وقع فيه فأدخل إسناد حديث في حديث آخر.\nقال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله ذكر الحديث الذي رواه الأنصاري - محمد\nابن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك - عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون، عن\nابن عباس \"أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم\" فضعفه وقال: كانت ذهبتْ للأنصاري كتبٌ فكان بعدُ يحدّث من كتب غلامه أبي حكيم، أُراه قال: فكان هذا من تلك (^٣).\nهذا الحديث رواه الترمذي (^٤)، والنسائي (^٥)، وأحمد (^٦)، والطحاوي في\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧.\n(^٢) وثقه ابن معين، وأبو حاتم وغيرهما. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: تغير تغيرًا شديدًا. وقال الساجي: رجل جليل عالم لم يكن عندهم من فرسان الحديث مثل يحيى القطان ونظرائه، غلب عليه الرأي الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٥، تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٤٢.\n(^٣) تاريخ بغداد ٥/ ٤١٠.\n(^٤) الجامع ٣/ ١٤٧ رقم ٧٧٦.\n(^٥) السنن الكبرى ٢/ ٢٣٥ رقم ٣٢٣١ بلفظ: هو محرم صائم.\n(^٦) المسند ٥/ ٦٨ رقم ٢٨٨٨ بلفظ: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم.","vol":"1","page":472},{"text":"شرح معاني الآثار (^١)، والطبراني (^٢)، والخطيب (^٣) كلهم من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري بالإسناد الذي ذُكر في السؤال. وقال الخطيب: لم يروه عن حبيب هكذا غير الأنصاري.\nإنما روي بهذا الإسناد حديث آخر، فأخرج أبو داود (^٤)، وأحمد (^٥)، والدارمي (^٦)، وابن الجارود (^٧)، وأبو يعلى (^٨)، والطحاوي (^٩)، وابن حبان (^١٠)، والطبراني (^١١)، والدارقطني (^١٢)، والبيهقي (^١٣) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: \"تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلال بعد ما رجعنا من مكة\". وهذا لفظ أحمد. وقد روى الأنصاري هذا الحديث أيضًا من هذا الوجه بهذا الإسناد، قاله الخطيب (^١٤)، والذهبي (^١٥).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار ٢/ ١٠١.\n(^٢) المعجم الأوسط ٣/ ٤٨ رقم ٢٤٣٤.\n(^٣) تاريخ بغداد ٥/ ٤٠٩.\n(^٤) السنن ٢/ ٤٢٢ رقم ١٨٤٣.\n(^٥) المسند ٤٤/ ٣٩٥ رقم ٢٦٨١٥ و٤٤/ ٤١٩ رقم ٢٦٨٤١.\n(^٦) السنن ٢/ ٣٨.\n(^٧) المنتقى ١/ ١١٧ رقم ٤٤٥، ١/ ١٧٤ رقم ٦٩٥.\n(^٨) مسند أبي يعلى ٦/ ٣٢١ رقم ٧٠٧٠.\n(^٩) شرح معاني الآثار ٢/ ٢٦٩.\n(^١٠) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٩/ ٤٤٣ رقم ٤١٣٧.\n(^١١) المعجم الكبير ٢٤/ ٢٠ رقم ٤٤، وفي المعجم الأوسط ٨/ ٣٧٢ رقم ٨٩٠٧.\n(^١٢) السنن ٣/ ٢٦١.\n(^١٣) السنن الكبرى ٧/ ٣١٠.\n(^١٤) تاريخ بغداد ٥/ ٤١٠\n(^١٥) ميزان الاعتدال ٥/ ٤٧ ترجمة ٧٧٦٥.","vol":"1","page":473},{"text":"وتابعه سفيان بن حبيب (^١)، عن حبيب بن الشهيد به، إلا أنه أرسله عن يزيد بن الأصم بدون ذكر ميمونة. أخرجه النسائي في الكبرى (^٢).\nفالأنصاري أراد أن يحدث بحديث زواج النبي ﷺ بميمونة فحدث بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ احجم وهو صائم محرم، وركب إسناد الحديث الأول له، فدخل عليه هذا في ذاك، وبيّن الإمام أحمد السبب في ذلك، وهو كون الأنصاري قد ذهبت كتبه فصار يعتمد على كتب غلامه، وليس ذلك عن سوء الحفظ. ولم يرد عن الإمام أحمد ولا عن غيره من الأئمة ما يدل على اطّراح الأنصاري بهذا السبب، والظاهر أن ذلك راجع إلى قلة ما وقع له من الخطأ بسبب هذه الآفة، فيقتصر على ردّ ما تبين أنه أخطأ فيه من الأحاديث (^٣).\nوقد وافق الإمامَ أحمدَ غيرُه من الأئمة على إعلال هذا الحديث وإنكاره على الأنصاري وبيان أنه دخل عليه حديث في حديث، منهم معاذ بن معاذ، ويحيى القطان، فروى عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال أبي وقال أبو خيثمة أنكر معاذ - يعني ابن معاذ العنبري - ويحيى بن سعيد - يعني القطان - حديث الأنصاري - يعني محمد بن عبد الله - عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران،\n_________\n(^١) البصري. وثقه الفلاس، وأبو حاتم. وقال يعقوب بن شبية والنسائي: ثقة ثبت تهذيب الكمال ١١/ ١٣٨.\n(^٢) السنن الكبرى ٢/ ٢٣٦ رقم ٣٢٣٢. وليس هذا مجال الكلام حول الاختلاف على حبيب ابن الشهيد بالوصل والإرسال في رواية هذا الحديث.\n(^٣) قال الذهبي: ما ينبغي أن يتكلم في مثل الأنصاري لأجل حديث تفرد به فإنه صاحب حديث.\nوروى الفسوي عن الأنصاري أنه قال: كتبت عن داود بن أبي هند أحاديث كثيرة وسمع مني بعض أصحابنا وأخذ كتابي أو غاب عني غيبة طويلة، فلم أر أن أحدث منها بشيء المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٥٣. ولم يذكر المزي داود بن أبي هند ضمن شيوخ الأنصاري، مما يقوي ما ذكر من أنه لم يحدث عنه بعد ما ذهبت كتبه بشيء، وهذا يدل على تثبته. ولعل ما ذكره الإمام أحمد من ذهاب كتبه وتحديثه من كتب غلامه كان في آخر عمره ولأجل ثقته بغلامه ذاك. ولم أر لغلامه أبي حكيم ترجمة فيما وقفت عليه من الكتب.","vol":"1","page":474},{"text":"عن بن عباس: احتجم النبي ﷺ وهو محرم وصائم (^١).\nوقال مهنّا: وسألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس \"أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم\"، فقال: ليس بصحيح، قد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري (^٢)، إنما كانت أحاديث ميمون ابن مهران عن ابن عباس نحو خمسة عشر حديثًا (^٣).\nوقال يعقوب الفسوي: سُئل علي بن المديني عن حديث الأنصاري عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، قال: ليس من ذاك شيء، إنما أراد حديث حبيب عن ميمون عن يزيد بن الأصم: تزوج النبي ﷺ ميمونة محرمًا. ا. هـ (^٤).\nوقال النسائي - بعد روايته لحديث الأنصاري في الحجامة: هذا منكر، ولا أعلم رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي ﷺ تزوج ميمونة (^٥).\n\n٣ -<span data-type='title' id=toc-170> عبد الله بن رجاء المكي </span>(^٦):\nقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٣٢٠ رقم ٥٥٦.\n(^٢) كذا قال، وإنما هو القطان كما تقدم في رواية عبد الله.\n(^٣) زاد المعاد ٢/ ٥٩.\n(^٤) المعرفة والتاريخ ٣/ ٧ - ٨. وهكذا جاءت الرواية: محرمًا، وهكذا وقتعت في تاريخ بغداد ٥/ ٤١٠ من طريق الفسوي، وأما الذهبي فرواها من طريق الفسوي فلم يذكر هذه اللفظة، وهو يشعر بأنها وقعت عنده أيضًا هكذا وأن ذكرها خطأ، لأن حديث يزيد بن الأصم في تزويج النبي ﷺ بميمونة وهو حلال.\n(^٥) السنن الكبرى ٢/ ٢٣٦.\n(^٦) هو أبو عمران البصري سكن مكة. حسّن الإمام أحمد أمره ووثقه ابن معين، والفسوي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: شيخ صالح. وقال الساجي: عنده مناكير، اختلف أحمد ويحيى فيه، قال أحمد: زعموا أن كتبه ذهبت فكان يكتب من حفظه فعنده مناكير. مات في حدود التسعين ومائة انظر: تاريخ ابن معين - رواية الدوري - ٢/ ٣٠٦، المعرفة التاريخ ٣/ ٥٢، ١٤٠، الجرح والتعديل ٥/ ٥٤ - ٥٥، تهذيب التهذيب ٥/ ٢١١.","vol":"1","page":475},{"text":"عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"الحلال بيِّنٌ والحَراَم بيِّنٌ … \"؟ فقال: هذا حديث منكر، ما أرى هذا بشيء، وقال لي أبو عبد الله: ابن رجاء هذا زعم أن كتبه كانت ذهبت فجعل يكتب من حفظه، ولعله توهَّم هذا (^١).\nهذا الحديث أخرجه الطبراني (^٢)، والعقيلي (^٣)، والرامهرمزي (^٤)، كلهم من طريق إبراهيم بن محمد بن الشافعي (^٥)، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله ابن عمر به. وأخرجه البيهقي (^٦) من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد (^٧) عن عبد الله ابن رجاء به. قال الطبراني: لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا عبد الله بن رجاء، وقد رواه عبد الله بن رجاء عن عبد الله بن عمر. ورواية عبد الله بن رجاء عن عبد الله ابن عمر - وهو العمري - رواها أيضًا أحمد بن شبيب بن سعيد. قال ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي حدثنا عن أحمد بن شبيب بن سعيد، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"الحلال بين والحرام بين … \" الحديث. قال أبي: ثم كتب إلينا أحمد بن شبيب بن سعيد: اجعلوا هذا الحديث عن عبد الله بن عمر\" (^٨). وقال أبو زرعة في هذا الحديث: هكذا حدثنا أحمد من حفظه، ثم رجع أحمد بن شبيب عنه فقال: عن عبد الله بن عمر،\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٤٨، وانظر: ميزان الاعتدال ٣/ ١٣٥ ترجمة ٤٣٠٨.\n(^٢) المعجم الصغير ١/ ٤١ رقم ٣٢.\n(^٣) كتاب الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٤٨.\n(^٤) أمثال الحديث ١/ ١٦ رقم ٤.\n(^٥) أحسن الإمام أحمد الثناء عليه، ووثقه النسائي، والدارقطني، والذهبي تهذيب التهذيب ١/ ١٥٤، الكاشف ١/ ٢٢١ رقم ١٩١.\n(^٦) كتاب الزهد الكبير ٢/ ٣٢١ رقم ٨٦٦.\n(^٧) قال عنه أبو حاتم: ثقة الجرح والتعديل ٢/ ٥٥. وقال ابن حجر: صدوق التقريب ص ٩٠ ترجمة ٤٦. وقال الأزدي: منكر الحديث غير مرضي. ورد عليه الذهبي بتوثق أبي حاتم له ميزان الاعتدال ١/ ١٠٣ ترجمة ٤٠٤. وذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته.\n(^٨) علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٣٢ رقم ١٨٨٧.","vol":"1","page":476},{"text":"وهو الصحيح. ا. هـ (^١).\nفعاد الحديث إلى حديث عبد الله بن عمر العمري وضعفه مشهور، وتفرده بالحديث عن حافظ مكثر مثل نافع مما يزيد الحديث ضعفًا.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأنكر الإمام أحمد هذا الحديث أن يكون من رواية عبيد الله بن عمر، وحمّل الخطأ على عبد الله بن رجاء لذهاب كتبه واعتماده على حفظه. ويؤيد هذا الإعلال رجوع أحمد بن شيبب عن ذكر عببيد الله بن عمر في الإسناد، واستبداله بعبد الله بن عمر العمري، وأن ذلك كان لأجل تحديثه بالحديث في أول الأمر من حفظه. وإنما لم يُحمَّل أحمدُ بن شيبب هذا الخطأَ لأن إبراهيم بن محمد الشافعي قد تابعه على ذكر عبيد الله بن عمر، فدل على أن عبد الله بن رجاء كان هو الذي حدث به هكذا، ثم رجع أحمد بن شيبب إلى الكتب فتبين له الخطأ فعاد إلى الصواب، وهذا يدل أيضًا على أن عبد الله بن رجاء قد حدث به سابقًا على الصواب - والظاهر أن الصواب كان هو المثبت في كتبه - ثم لما حدّث بالحديث من حفظه وقع في الخطأ، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد من أن كتبه قد ذهبت فصار يحدث من حفظه فتوهمّ.\nوممن ذهبت كتبه عن بعض مشائخه فتُكلِّم في حديثه عن أولئك المشايخ:\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-171> عبد الرحمن بن عمروالأوزاعي الإمام ت (١٥٧) هـ:</span>\nذهبت كتبُه عن يحيى بن أبي كثير فتكلم الإمام أحمد في حديثه عنه.\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: زعموا أن كتبه - يعني الأوزاعي - عن يحيى بن أبي كثير ضاعت\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٢/ ١٤٢ رقم ١٩٢٣.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٩ رقم ١٩٥٢. وكان ضياعها بسبب احتراق. قال أبو عوانة: حدثنا محمد بن عوف، قال: سمعت هاشم بن عمار يقول: سمعت الوليد بن مسلم يقول: احترقت كتب الأوزاعي من الرجفة ثلاث عشر قنداقًا مسند أبي عوانة ١/ ٣٢١. وقال الفسوي: سمعت عباس بن الوليد بن مزيد يذكر عن شيوخهم قالوا: قال الأوزاعي: فجالسته - أي يحيى بن أبي كثير - وكتبت عنه أربعة عشر كتابًا أو ثلاثة عشر فاحترق كله المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٠٩.","vol":"1","page":477},{"text":"وقال مهنّا: \"سألت أحمد عن حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال أحمد: كان كتاب الأزواعي عن يحيى بن أبي كثير قد ضاع منه، فكان يحدّث عن يحيى بن أبي كثير حفظًا\" (^١).\nوقال يعقوب بن شيبة: \"قال أحمد بن حنبل: حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب\" (^٢).\nوكلام الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير لا يعني تضعيفه في يحيى، ولا يعني إلحاقه بسائر من ذهبت كتبه عن شيخه فضعِّف بسببه عن ذلك الشيخ، بل كلام الإمام أحمد كان لبيان أن له أحاديث عن يحيى ابن أبي كثير أخطأ فيها بسبب ذهاب كتبه، وهو أمر غير مستغرب، لأن الأوزاعي كان من المكثرين عن يحيى بن أبي كثير، فلا يستغرب أن تقع بعض الأخطأ في حديثه عنه (^٣). والدليل على ما ذكرت أن الإمام الأوزاعي كان يحفظ، وذهاب كتب الراوي عن شيخ معين إنما يؤثر على حديثه عن ذلك الشيخ إذا كان ممن لا يحفظ وكان جلّ اعتماده عليها قبل ذهابها أو أصبح بعد ذهابها يقبل التلقين، وكلا الأمرين منفي عن الأوزاعي. قال ابن عدي عن الإمام أحمد - وذَكر أصحابَ يحيى بن أبي كثير - فقال: \"هشام يرجع إلى كتاب، والأوزاعي حافظ\" (^٤). وقد\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٩.\n(^٢) مسند يعقوب بن شيبة ص ٦٨ بواسطة كتاب الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٦٤.\n(^٣) انظر ما ذكره د. صالح بن حامد الرفاعي في الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٦٥.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٠٠.","vol":"1","page":478},{"text":"قال الوليد بن مسلم: \"احترقتْ كتبُ الأوزاعي فقيل له: يا أبا عمرو، نسختُها عند ابن الأسود؟ فقال: نتحدّث بما حفِظنا منها\" (^١).\nوإذا كان الأمر كذلك فكلام الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير محمول على ما عرف من منهجه من تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر كما سيأتي، ومن أجل ذلك جعل أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير هشام الدستوائي وأخّر الأوزاعي، فقال كما روى أبو داود: \"ليس أحدٌ أثبت في يحيى ابن أبي كثير من هشام الدَّستوائي\" (^٢). وقال أبو زرعة الدمشقي: \"سألت أحمد ابن حنبل عن أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام، قلت: ثم من؟ قال: ثم أبان، قلت: ثم من؟ فذكر آخر، قلت: له فالأوزاعي؟ قال: الأوزاعي إمام\" (^٣). وقال صالح: قال أحمد: \"وحرب بن شداد، وأبان، وشيبان ثبت في كل المشايخ، وهمام. قلت: الأوزاعي؟ قال: هؤلاء أثبت من الأوزاعي\" (^٤). وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: \"شيبان أحب إلي من الأوزاعي في يحيى بن أبي كثير وهو صاحب كتاب صحيح، حديثه صالح\" (^٥).\nوعلى هذا فيجتنب تلك المواضع التي أخطأ فيها الأوزاعي في حديث يحيى بن أبي كثير، وإذا خالفه غيره ممن هو أثبت منه في يحيى فإنه يُقدم عليه (^٦).\nوممن اتخذ مثل موقف الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٩ - ٤٢٠، وانظر: مسند أبي عوانة ١/ ٣٢١.\n(^٢) سؤالات أبي داود السجستاني للإمام أحمد بن حنبل ص ٣٣٤ رقم ٤٨٩.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٠٠.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ٤٢ م ١٢٩٨، ١٢٩٩.\n(^٥) الجرح والتعديل ٤/ ٣٥٦.\n(^٦) وهذا صنيع الشيخين في إخراجهما لحديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير كما يظهر للمتتبع لها.","vol":"1","page":479},{"text":"الإمام أبو زرعة الرازي فقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبا زرعة قلت: في حديث يحيى بن أبي كثير من أحب إليك، هشام أو الأوزاعي؟ قال: هشام أحب إليّ، لأن الأوزاعي ذهبت كتبه\" (^١).\nولم يتميّز من سمع من الأوزاعي حديثه عن يحيى قبل احتراق كتبه من الذين سمعوا منه بعد ذلك حتى يعامل حديثه معاملة حديث مَنْ تقدم من الرواة من هذا الصنف فيقبل حديث من سمع قبل ذهاب الكتب ويتوقف في حديث من سمع بعد ذلك، ومقتضى عدم هذا التمييز أن ينزل جميع الرواة عن الأوزاعي منزلة واحدة من حيث زمن السماع منه، وهو الذي يظهر من صنيع الإمام أحمد في إعلاله لحديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، من دون تفصيل بين حالة الراوي عنه، والله أعلم.\nما أعله الإمام أحمد من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير.\nقال المرُّوذي: قلتُ له: فتعرف عن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"متى كنتَ نبياًّ؟ \"، قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيرًا ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلّب (^٢).\nحديث \"متى كنتَ نبياًّ\" أخرجه الترمذي (^٣)، وابن حبان في مقدمة كتابه الثقات (^٤)، والحاكم (^٥)، وأبو نعيم (^٦)، والخطيب البغدادي (^٧) من طرق عن\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٩/ ٦١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ص ١٥٠ - ١٥١ رقم ٢٦٨.\n(^٣) الجامع ٥/ ٥٤٥ رقم ٣٦٠٩. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وأما المزي فقال عن الترمذي: حديث حسن غريب تحفة الأشراف ١١/ ٧٤.\n(^٤) الثقات ١/ ٤٧.\n(^٥) المستدرك ٢/ ٦٠٩.\n(^٦) أخبار إصبهان ٢/ ١٩٧.\n(^٧) تاريخ بغداد ٣/ ٧٠، ١٠/ ١٤٦.","vol":"1","page":480},{"text":"الوليد بن مسلم به. ولفظه كما عند الترمذي: متى وجبت لك النبوة؟ قال: \"وآدم بين الروح والجسد\" (^١).\nوالحديث أنكره الإمام أحمد وجعله من خطأ الأوزاعي. والظاهر إنما أنكره من حديث يحيى بن أبي كثير، إذ لم يروه عنه غيره (^٢)، كأنه لم يعتدّ بتفرد الأوزاعي بالحديث عن يحيى بن أبي كثير للعلة التي تقدم ذكرها من احتراق كتبه عن يحيى واعتماده على حفظه.\nوأما ما ذكره الإمام أحمد من خطأ الأوزاعي في اسم أبي المهلب حيث يقول فيه: أبو المهاجر فقد وقع ذلك في عدة أحاديث. قال الإمام البخاري: \"وروى الأوزاعي أيضًا أحاديث عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، ولا يصح من أبي قلابة عن أبي المهاجر شيء\" (^٣). وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث في ترجمة أبي المهاجر في تهذيب التهذيب (^٤) فقال: \"أبو المهاجر عن بريدة الأسلمي حديث: \"بكّروا بالصلاة في الغيم\" (^٥)، وعن عمرو بن أمية الضمري حديث: \"انتظروا\n_________\n(^١) قال إسحاق بن راهويه: أي قبل أن تنفخ فيه الروح السنة للخلال ١/ ١٨٨.\n(^٢) ولما سأل الترمذي الإمام البخاري عن الحديث لم يعرفه. وأما الترمذي فاستغربه من حديث الوليد بن مسلم، وقال: رواه رجل واحد من أصحاب الوليد علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٢٦. وقد رواه أربعة آخرين عن الوليد، فزالت الغرابة عن الوليد.\n(^٣) التاريخ الكبير ٦/ ٤٤٩.\n(^٤) تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩. وانظر أصل الكلام للمزي في تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(^٥) حديث بريدة أخرجه ابن ماجه في السنن ١/ ٢٢٧ رقم ٦٩٤، وأحمد في المسند ٣٨/ ١٥٧ رقم ٢٣٠٥٥، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٠١ رقم ٣٤٤٩، ٢/ ٤٦ رقم ٦٢٩٠، ٦/ ١٦٧ رقم ٣٠٣٩٩، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٨١ رقم ١٠٦٧، ٢/ ٣٦٦ رقم ١٠٢٦، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٣٣٢ رقم ١٤٧٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٤٤ من طرق عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: \"بكّروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله\". هذا لفظ ابن ماجه ووقع في تفسير الطبري ٢/ ٥٦٧ من طريق أيوب بن سويد فقال: عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة فذكر الحديث. فظاهر هذه الرواية وجود متابع للأوزاعي، وليس كذلك فإن الإسناد وقع فيه سقط حيث أسقط الأوزاعي، ويحيى بن أبي كثير، فإن أيوب بن سويد معروف بالرواية عن الأوزاعي، ولا يمكن أن يروي عن أبي قلابة الجرمي انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٤٧٤ - ٤٧٧. وللحديث علة أخرى سيأتي ذكرها إن شاء الله.","vol":"1","page":481},{"text":"الغداء\" (^١)، وعن عمران بن الحصين حديث الجهنية التي أقرت بالزنا (^٢)، وعنه أبو قلابة الجرمي، كذا يقول الأوزاعي في هذه الأحاديث الثلاثة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة، فأما حديث بُريدة فرواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن بريدة، وهو المحفوظ، وأما حديث أبي أمية فاختلف فيه على الأوزاعي (^٣)، وأما حديث عمران فرواه هشام وغير واحد عن يحيى بن أبي كثير،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في السنن ٤/ ١٧٩ رقم ٢٢٦٨، ٢٢٦٩، وفي الكبرى ٢/ ١٠٢ رقم ٢٥٧٨، ٢٥٧٩، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٣/ ١٥٥ رقم ١٤٨٦، ١٤٨٧، والطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ ٣٦١ رقم ٩٠٧ من طرق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن أبي أمية الضمري قال: \"قدمت على رسول الله ﷺ من سفر فسلمت عليه فلما ذهبت لأخرج قال: \"انتظر الغداء يا أبا أمية\"، قلت: إني صائم يا نبي الله، قال: \"تعال أخبرك عن المسافر، إن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة\". هذا لفظ النسائي.\n(^٢) أخرجه من هذا الوجه ابن ماجه في السنن ٢/ ٨٥٤ رقم ٢٥٥٥، والنسائي في السنن الكبرى ٤/ ٢٨٦ رقم ٧١٨٨، ٧١٩٥، وابن حبان في صحيحه الإسحان ١٠/ ٢٥٠ - ٢٥١ رقم ٤٤٠٣ وقال فيه: عن أبي قلابة عن عمه، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ١٢٩ كلهم من طرق عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن عمران بن الحصين قال: اشتكت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًا فأقمه عليه … الحديث إلى آخره.\n(^٣) ذكر هذا الاختلاف على الأوزاعي النسائيُ في السنن وفي الكبرى المواضع السابقة. والذين اختلفوا عليه ثقات، وهم: محمد بن شعيب شابور قال أبو داود: هو ثبت في الأوزاعي. تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٧٤، والوليد بن مسلم، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني وثقه العجلي والدارقطني، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال ١٨/ ٢٣٩، ومحمد بن حرب الخولاني وثقه النسائي وغيره. تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٦. واختلاف الثقات على الراوي مشعر باضطرابه في تلك الرواية.","vol":"1","page":482},{"text":"عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران (^١)، وهو المحفوظ\".\nوممن ذكر أن الإمام الأوزاعي أخطأ على يحيى بن أبي كثير في قوله أبي المهاجر، يحيى بنُ معين، فقال: \"الذي يروي الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر إنما هو أبو المهلب، ولكن الأوزاعي قلب كنيته، والذي يروي عن أبي المهلب أثبت من الأوزاعي\" (^٢).\nوقال النسائي: \"لا نعلم أحدًا تابع الأوزاعي على قوله: عن أبي المهاجر، إنما هو أبو المهلب\" (^٣). وقال أيضًا: \"أبو المهاجر خطأ، والصواب أبو المهلب\" (^٤).\nوقال ابن حبان: \"وهم الأوزاعي في كنية عم أبي قلابة، إذ الجواد يعثر فقال: عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب، اسمه عمرو ابن معاوية بن زيد الجرمي من ثقات التابعين وسادات أهل البصرة\" (^٥).\nوقد أعلّ الإمام أحمد الحديث الأول من تلك الأحاديث التي قال فيها الأوزاعي عن أبي المهاجر من وجه آخر في الإسناد والمتن، والحديث هو\n_________\n(^١) أخرجه من هذا الوجه مسلم ٣/ ١٣٢٤ رقم ١٦٩٦ من طريق هشام الدستوائي عن يحيى، ومن طريق أيان بن يزيد العطار عن يحيى مثله. وأخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٥٨٧ رقم ٤٤٤٠ من طريق هشام وأبان مقرونين، والنسائي في السنن ٤/ ٦٣ رقم ١٩٥٦ من طريق هشام، والترمذي في الجامع ٤/ ٣٣ رقم ١٤٣٥ من طريق معمر، وأحمد في المنسد ٣٣/ ٩٣ رقم ١٩٨٦١ من طريق معمر، وفي ٣٣/ ١٥٢ رقم ١٩٩٢٦ من طريق هشام، وفي ٣٣/ ١٧٣ رقم ١٩٩٥٤ من طريق أبان العطار، والدارقطني في السنن ٣/ ١٠٢ من طريق علي بن المبارك، أربعتهم - وهم هشام الدستوائي، ومعمر، وأبان العطار، وعلي بن المبارك - عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين.\n(^٢) التاريخ - برواية الدوري ٤/ ٤٦٧.\n(^٣) السنن الكبرى ٤/ ٢٨٤.\n(^٤) المصدر السابق ٤/ ٢٨٥.\n(^٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٠/ ٢٥٢.","vol":"1","page":483},{"text":"حديث بريدة السالف الذكر، حيث رواه الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: \"بكّروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله\" ورواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: كنا مع بُريدة في غزوة في يوم ذي غيمٍ فقال: بكّروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: \"من ترك العصر فقد حبط عمله\" (^١).\nفقال الإمام أحمد في رواية مهنّا عن هذا الحديث - كما قال ابن رجب: \"هو خطأ من الأوزاعي، والصحيح حديث هشام الدستوائي، وذكر أيضًا أن أبا المهاجر لا أصل له، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأً، وذِكرُه في هذا الإسناد من أصله خطأ، فإنه ليس من روايته، إنما هو من رواية أبي المليح، كذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله\" (^٢).\nثم قال ابن رجب: \"وقيل: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح كما رواه هشام عن يحيى. وخرجه من هذا الوجه الإسماعيلي في \"صحيحه\". وقيل عن الأوزاعي، عن يحيى، عن ابن بريدة. وقيل عن الثوري، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن بُريدة بغير واسطة بينهما. وهذا كله يدل على اضطراب الأوزاعي فيه، وعدم ضبطه للحديث. وأما متنه فقال الأوزاعي فيه: إن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: \"بكّروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاةُ العصر فقد حبط عملُه\". كذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم. فخالف هشامًا في ذلك، فإن هشامًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٢/ ٣١ رقم ٥٥٣ مع فتح الباري، والنسائي السنن ١/ ٢٣٦ رقم ٤٧٣، وأحمد في المسند ٣٨/ ٥٤ رقم ٢٢٩٥٧.\n(^٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن رجب ٣/ ١٢٦.","vol":"1","page":484},{"text":"قال في روايته: إن أبا المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم فقال: بكروا بصلاة العصر، فإن رسول الله ﷺ قال: \"من ترك صلاة العصر فقد حبط عملُه\". فلم يرفع منه غير هذا القدر، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم، والذي أمر بالتبكير بصلاة العصر هو بُريدة، وهو الصحيح\" (^١).\nوقد تابع هشام الدستوائي على ذكر أبي المليح ورفع القدر المذكور من الحديث كل من شيْبان النحوي (^٢)، ومعمر (^٣).\nوممن ذهبت كتبه يوسف بن أسباط بن واصل الشيباني الكوفي من خيار أهل زمانه من عباد أهل الشام وقرائهم (^٤). قال شعيب بن حرب: ما أقدّم على يوسف بن أسباط أحدًا (^٥).\nقال أبو داود: \"قلت لأحمد: يوسف بن أسباط؟ قال: ثقة. قلت: فدفن كتبه؟ قال: قد علمت يُقال، ثم قال: ومن مثل يوسف! \" (^٦).\nوذكر غيرُ واحد خبرَ دفنِ كتبه (^٧).\nوله أحاديث أخطأ فيها (^٨)، وحُمل سببُ وقوع تلك الأخطاء على ذهاب كتبه. ولم أقف على كلام الإمام أحمد في حديثه بل أطلق القول بتوثيقه وأثنى عليه ثناء حسنًا، وهذا الثناء راجع إلى فضله في زهده وعبادته، والله أعلم.\n_________\n(^١) المصدر السابق ٣/ ١٢٧.\n(^٢) وحديثه عند أحمد في المسند ٣٨/ ٥٧ رقم ٢٢٩٥٩.\n(^٣) وحديثه عند أحمد أيضًا المسند ٣٨/ ١٥٢ رقم ٢٣٠٤٥. لكن زاد معمر: متعمدًا.\n(^٤) الثقات لابن حبان ٧/ ٦٣٨.\n(^٥) سير أعلام النبلاء ٩/ ١٧٠.\n(^٦) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٨٦ رقم ٣٣٠.\n(^٧) انظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢٦٥، الجرح والتعديل ٩/ ٢١٨، الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٦١٤، كتاب الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٥٦.\n(^٨) انظر: علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٨٥، والضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٥٦، والكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٦١٤.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>المبحث الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بشدة الغفلة وعدم التيقظ</span>.\nهذا الصنف من الرواة هم الذين كان الغالب على حديثهم المنكر والغلط، وذلك لشدة غفلتهم، فليس لهم من التيقط ما يميزون به الصواب من الخطأ. وقد عرف الحميدي الغفلة التي ترد بها حديث الرضا الذي لا يعرف بكذب فقال: \"هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم، لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف ذلك تصحيفًا فاحشًا يقلب المعنى لا يعقل ذلك، فيكف عنه\" (^١).\nوقد قال الإمام أحمد في أبي قتادة الحراني عبد الله بن واقد: \"ما كان به بأس، رجل صالح يشبه أهل النسك والخير، إلا أنه ربما أخطأ\"، فقيل له: إنهم يقولون: لم يكن يفصل بين سفيان ويحيى بن أبي أُنيسة. فقال: \"باطل، لعله اختلط، أما هو فكان ذكيًا\" (^٢) فنفى الإمام أحمد الغفلة لفطنته، فدل على أن الغفلة سببها قلة الفطنة.\nوقد كان الإمام أحمد لا يرى الكتابة عمن هذا حاله. قال لأبي طالب أحمد بن حميد: \"لا تكتب عن أبان بن أبي عياش شيئًا، فقال له: كان له هوى؟ قال: كان منكر الحديث\" (^٣) وأبان بن عياش كما قال أحمد في موضع آخر: \"متروك الحديث، ترك الناس حديثه مُذ دهر من الدهور\" (^٤).\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية ص ٢٣٣.\n(^٢) الجرح والتعديل ٥/ ١٩١.\n(^٣) الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٥.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤١٢ رقم ٨٧٢.","vol":"1","page":487},{"text":"وقال أبو طالب: \"سمعت أحمد بن حنبل يقول: \"الحسن بن عمارة متروك الحديث، قلت: كان له هوى؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، أحاديثه موضوعة ولا يُكتب حديثه\" (^١) وقوله أحاديثه موضوعة ليس بمعنى أنه كذاب، بل هو من إطلاق الموضوع على حديث المتروك لثبوت الخطأ فيه كما تقدم توضيح ذلك في مصطلحات الإمام أحمد في مبحث الإعلال بكذب الراوي (^٢)، فالغالب على حديث الحسن بن عمارة مناكير، وقد قال شعبة: \"أفادني الحسن بن عمارة عن الحكم - قال: أحسب - سبعين حديثًا فلم يكن لها أصل\" (^٣).\nفأحاديث هؤلاء الرواة عند الإمام دومًا معلولة، لأن الغالب على حديثهم الخطأ والغلط، فمن أجل ذلك كان ينهى عن الرواية عنهم والتحديث بحديثهم. وقد ذكر الإمام أبو عيسى الترمذي قال: \"سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا من تجب عليه الجُمعة، فذكروا فيه عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم، فقلت: فيه عن النبي ﷺ حديث. فقال: عن النبي ﷺ؟ قلت: نعم. حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا حجاج بن نُصير، حدثنا المبارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الجُمعة على من آواه الليل إلى أهله\". قال: فغضب أحمد بن حنبل وقال: استغفر ربَّك، استغفر ربَّك، مرتين\" (^٤).\nقال الترمذي: \"وإنما فعل هذا أحمد بن حنبل لأنه لم يصدِّق هذا عن النبي ﷺ لضعف إسناده، لأنه لم يعرفه عن النبي ﷺ. والحجاج بن نُصير يضعّف في\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٠٠.\n(^٢) ص ٢١٢.\n(^٣) المصدر نفسه ٢/ ٦٩٨.\n(^٤) جامع الترمذي كتاب العلل، ٥/ ٦٩٧.","vol":"1","page":488},{"text":"الحديث، وعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان جدًا\" (^١).\nوقول أحمد في عبد الله بن سعيد هو أنه منكر الحديث، متروك الحديث (^٢).\nفلما كان الحديث مما تفرد به هذا الراوي، ولم يسمع به أحمد إلا بهذا الإسناد، عظُم ذلك عنده واشتد نكيره على الذي حدثه به، فدل على أن ما تفرد به الراوي الموصوف بشدة الغفلة لا يجوز الاحتجاج به ولا يجوز التحديث به.\nقال الترمذي معلِّقًا على هذا الموقف من الإمام أحمد: \"فكل من رُوي عنه حديث ممن يتهم، أو يضعّف لغفلته وكثرة خطئه، ولا يُعرف ذلك الحديثُ إلا من حديثه فلا يُحتج به\" (^٣).\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) الجرح والتعديل ٥/ ٧١.\n(^٣) جامع الترمذي الموضع نفسه.","vol":"1","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>المبحث الرابع: ما يُخل بضبط الراوي بسبب طريقته في التحمّل</span>.\nأرفع أقسام طرق نقل الحديث السماع من لفظ الشيخ، وهو أن يملي الشيخ أو يحدث من غير إملاء سواء من حفظه أو من كتابه، وتليه القراءة على الشيخ وهو المسمى عرضًا، وهذا بناء على ما صححه ابن الصلاح من تقديم السماع على العرض (^١). وكل ما عدا هذين الطريقين من طرق التحمل - من إجازة، ومناولة، ومكاتبة، وإعلام، ووصية، ووِجادة - لا تخلو من دخول الخلل على مرويات من اعتمدها في الرواية، وكلام من تكلم من الأئمة في بعض الرواة بسبب طرق تحملهم عائد إلى ذلك الخلل. قال الذهبي: \"ولا ريب أن الأخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه الخلل، ولا سيما في ذلك العصر حيثُ لم يكن بعدُ نقطٌ ولا شكلٌ فتتصحَّف الكلمة بما يُحيلُ المعنى، ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال\" (^٢). وقد تكلم الإمام أحمد في بعض الرواة بسبب طريقة نقلهم لأحاديث بعض شيوخهم أذكرهم على اختلاف طرق تحملهم:\n\n<span data-type='title' id=toc-174>من روى عن شيخه بالإجازة:</span>\nالإجازة إذن في الرواية لفظًا أو كتابة تفيد الإخبار الإجمالي في العرف (^٣)، وأرفعها أن يجيز لمعين في معين، كأن يقول: أجزت لك الكتاب الفلاني، وهذا في الإجازة المجردة عن المناولة، ومع كونها دون السماع والعرض لأنهما أبعد منها عن التصحيف والتحريف (^٤)، يتوقف الاحتجاج بها على ثقة المجيز وإتقانه\n_________\n(^١) انظر: علوم الحديث ص ١٤٠، ١٤٢.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ١١٤.\n(^٣) فتح المغيث ٢/ ٢١٤.\n(^٤) فتح المغيث ٢/ ٢١٦.","vol":"1","page":491},{"text":"وتثبته، وضبط الكتاب المجاز وإتقانه، وثقة الراوي المجاز له (^١). وقد تكلم الإمام أحمد في بعض الرواة رووا عن شيوخهم بالإجازة واحتج بروايتهم لبعض الاعتبارات. فمن ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-175>من روى عن شيخه بالإجازة ولم يكن من أهل الحديث</span>، ومنهم:\n<span data-type='title' id=toc-176>بشر بن شعيب عن أبيه:</span>\nتقدم أن الإمام أحمد روى عن بشر بن شعيب نحوًا من سبعين حديثًا مع أنه لم يكن بصاحب حديث، ولا كان سماعه من أبيه أمرًا محَقّقًا لدى الإمام أحمد، والمنقول عن الإمام أحمد أن روايته عن أبيه كانت بالإجازة.\nقال أبو حاتم الرازي: ذُكر لي أن أحمد بن حنبل سأله - يعني بشر ابن شعيب - سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا، قال فقرئ عليه وأنت حاضر؟ قال: لا، قال: فقرأت عليه؟ قال: لا، قال: فأجاز لك؟ قال نعم. وكتب عنه على معنى الاعتبار ولم يحدث عنه\" (^٢). هكذا ذكرها أبو حاتم بصيغة التمريض. فهذه الرواية تفيد أن بشر بن شعيب أخذ عن أبيه إجازة، وأن رواية الإمام أحمد عنه كان للاعتبار به ولم يكن يحدث عنه. لكن قال الذهبي: هذه القصة ليست بصحيحة، فإن أبا حاتم رواها بلا سماع من أحمد بل قال: ذُكر لي أن أحمد سأله. ا. هـ (^٣). وتعقب الحافظ ابن حجر قول أبي حاتم أن الإمام أحمد لم يحدث عنه وإنما كتب عنه على معنى الاعتبار بأن حديثه عنه ثابت في المسند (^٤).\n_________\n(^١) أشار إلى هذه الشروط الحافظ الذهبي سير أعلام النبلاء ٧/ ١٩٠.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ٣٥٩.\n(^٣) ميزان الاعتدال ١/ ٣١٨.\n(^٤) تهذيب التهذيب ١/ ٤٥٢.","vol":"1","page":492},{"text":"وقال أبو زرعة الرازي: قال لي محمد بن عوف الحمصي (^١): \"قال لي أحمد ابن حنبل عند ما قدم علينا: تأتي بشر بن شعيب فتسأله أن يخرج إلي كتب أبيه، فأتيته فعرفته مكان أحمد، وعظّمت مكانه عنده فقلت له: إنه يسألك أن تخرج إليه كتب أبيك للنظر فيها. فقال لي: أنا لم أسمع من أبي شيئًا، فأتيت أحمد فأخبرته فردّني إليه وقال: هؤلاء يرون الإجازة سماعًا ويروونه، فأنا أرى احتماله والسماع منه. فأتيت بشرًا فسألته أن يخرج ذلك إليه وأعلمته أني قد أعلمته أنك لم تسمع من أبيك شيئًا. فقال لي بشر: فليس الرجل إذًا كما وصفت، ولو كان كما وصفت لم ير الكتابة عني لأني لم أسمع من أبي شيئًا، فأعلمته ما احتج به أحمد وذهبت إليه حتى نظر في كتبه وسمع منه\" (^٢).\nفالإمام أحمد تبين عنده أن تحمل بشر من أبيه كان بالإجازة ومع ذلك اعتمدها، وذلك بناء على أمرين:\nالأول: ما ذكره في رواية أبي زرعة هذه من أن عادة أهل الشام أنهم يرون الإجازة سماعًا فلا يتهاونون بها.\nالثاني: ما ذكره الإمام أحمد في رواية أبي داود: \"كتبت عنه قدر سبعين حديثًا، ولم يكن صاحب حديث ولكن كتب أبيه كانت عنده\" (^٣)، فذكر علة روايته عنه، وهي كون كتب أبيه كانت عنده، وما دام المقصود من الرواية العلم بصحة نسبة المروي إلى المروي عنه فبأي صفة من صفات الأداء حصل هذا العلم حصل المطلوب، وكتب شعيب كانت معروفة ومضبوطة وكانت عند بشر كما قال الإمام أحمد: نظرت في كتب شعيب، كان ابنه يخرجها إليّ .... ا. هـ (^٤).\n_________\n(^١) أبو جعفر الحمصي. قال عنه الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ تقريب التهذيب ٦٢٤٢.\n(^٢) سؤالات البرذعي ضمن كتاب \"أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية\" ٢/ ٧٤٧ - ٧٤٨.\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٦٦ رقم ٣٠٦ ج.\n(^٤) تهذيب الكمال ١٢/ ٥١٨.","vol":"1","page":493},{"text":"وموقف الإمام أحمد هذا من أن رواية بشر عن أبيه كانت بالإجازة موافق لما قاله يحيى بن معين (^١)، وأبو زرعة الرازي. وقال أبو زرعة: سماع بشر بن شعيب بن أبي حمزة كسماع أبي اليمان إنما كان إجازة (^٢).\nوأما ما ذكره أبو اليمان، من أن بشر بن شعيب قد سمع من أبيه كتبه، وذلك بشهادة أبيه كما رواه أبو زرعة الدمشقي: \"أخبرني الحكم بن نافع قال: كان شعيب بن أبي حمزة عسرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة قال: هذه كتبي قد صححتها فمن أراد أن يأخذها فليأخذها، ومن أراد أن يعرض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني فليسمعها فقد سمعها مني\" (^٣)، وقريب منه ما رواه الفسوي عن أبي اليمان أيضًا (^٤)، فيمكن أن يجاب عنه بما ذكره الإمام أحمد من أن أهل الشام كانوا يرون الإجازة سماعًا، فتعبير شعيب عن تحمل ابنه بأنه سماع محمول على هذا جمعًا بينه وبين ما تقدم عن الإمام أحمد عن سماع بشر من أبيه.\nمن روى عن شيخه بالإجازة مع عدم إحضار الكتاب المجاز، منهم:\nأبو اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي وروايته عن شعيب بن أبي حمزة:\nقال أحمد عن أبي اليمان: صالح، وقد أكثر عنه (^٥). واختلفت أقوال الإمام أحمد في طريقة تحمله عن شيخه شعيب بن أبي حمزة، وهي راجعة إلى ثلاث روايات:\n_________\n(^١) ذكره عنه العلائي في جامع التحصيل ص ١٤٦.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ٣٥٩.\n(^٣) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٣٤ رقم ١٠٥٥.\n(^٤) انظره في سير أعلام النبلاء ٧/ ١٩٠.\n(^٥) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٧٧ رقم ٣٠٦/أ.","vol":"1","page":494},{"text":"الأولى: قال المروذي: \"قال أبو عبد الله: شعيب بن أبي حمزة كان لا يكاد يحدث، فلما حضرته الوفاة قال: اجمعوا لي فلانًا وفلانًا، فاجتمع بقية، ويقولون أبو اليمان، وقد ذكروا علي بن عياش، فلا أدري كان أم لا؟ فقال: هذه كتبي ارووها عني، فكان أبو اليمان يقول: حدثني شعيب، ولا أدري كان معهم أم لا؟ \" (^١).\nومثل هذا رواية ابنه عبد الله (^٢). وفي رواية أخرى لعبد الله: \"قلت كيف سماع أبي اليمان منه؟ قال: كان يقول: أخبرنا شعيب. قلت: فسماع ابنه؟ قال: كان يقول: حدثني أبي. قلت سماع بقية؟ قال شيء يسير … \" (^٣).\nفهتان الروايتان تفيدان أن شعيبًا أجاز للجماعة الحاضرين رواية كتبه الحاضرة وقت الإجازة، وهذه أعلى أنواع الإجازة المجردة من المناولة - أي إجازة لمعين في معين (^٤) - إلا أن الإمام أحمد نفى علمه بكون أبي اليمان مع هؤلاء الجماعة أم لا، كأنه لم يثبت عنده نقل الذين ذكروا أن أبا اليمان حضر ذلك المجلس. واختلف عنه في الصيغة التي يذكرها أبو اليمان عند الرواية عن شعيب: هل هي حدثنا أو أخبرنا؟\nالثانية: قال أبو بكر الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله وسُئل عن أبي اليمان، وكان الذي سأله قد سمع منه، فقال له: أي شيء تنبش على نفسك؟ ثم قال أبو عبد الله: هو يقول أخبرنا شعيب، واستحل ذلك بشيء عجيب. قال أبو عبد الله: كان أمر شعيب في الحديث عسرًا جداًّ، وكان علي بن عيّاش سمع منه، وذكر\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٣٢ رقم ٢٣٣.\n(^٢) المصدر نفسه ١/ ٩٩ رقم ٢٢٩.\n(^٣) المصدر نفسه ٢/ ٤٩٦ رقم ٣٢٧٧.\n(^٤) علوم الحديث ص ١٥١.","vol":"1","page":495},{"text":"قصة لأهل حمص أُراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا ترووا هذه الأحاديث عني. قال أبو عبد الله: ثم كلموه وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارووا تلك الأحاديث عني. قلت لأبي عبد الله: مناولة؟ فقال: لو كان مناولة، لم يعطهم كتبًا ولا شيئًا، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني فأخذ كتب شعيب مني بعد، وهو يقول: أخبرنا، فكأنه استحل ذلك بأن سمع شعيبًا يقول لقوم ارووه عني\" (^١).\nفهذه الرواية تفيد أن أهل حمص كلموا شعيبًا في أن يأذن لهم أن يرووا عنه كتبه في مجلسين، وحضور أبي اليمان كان في المجلس الثاني، حيث أذن لهم، وليس هناك مناولة للكتب وإنما أحال على كتبه التي سألوه في المجلس الأول الذي لم يحضره أبو اليمان، لكن لما كانت الكتب معروفة أخذها أبو اليمان من بشر بن شعيب فكان يرويها بالإجازة، وهذه الإجازة ظاهرها أنها في غير معين في حق أبي اليمان، وهذا وجه إنكار الإمام أحمد على أبي اليمان، فإن قوله: واستحل ذلك بشيء عجيب قاله على وجه الإنكار كما قال ابن رجب (^٢).\nالثالثة: قال صالح بن أحمد بن حنبل قال: سمعت القاسم بن أبي صالح يقول: سمعت إبراهيم بن الحسين - وهو ابن ديزيل - يقول: \"سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع يقول: قال لي أحمد بن حنبل كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأه عليّ، وبعضه أجازه لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كله: أخبرنا شعيب\" (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.\n(^٢) شرح علل الترمذي ١/ ٥٢٤.\n(^٣) الكفاية ص ٤٧٦، تهذيب الكمال ٧/ ١٥٠. ورواها الخطيب من وجه آخر عن إبراهيم ابن الحسين بن ديزيل.","vol":"1","page":496},{"text":"فهذه الرواية تفيد أن الإمام أحمد شافه أبا اليمان بالسؤال عن كيفية سماعه لكتب شعيب، فذكر أنه سماع، وعرض، وإجازة، ومناولة. ويؤيدها ما رواه أبو زرعة الدمشقي قال: \"أخبرني الحكم بن نافع قال: كان شعيب بن أبي حمزة عسرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة قال: هذه كتبي قد صححتها فمن أراد أن يأخذها فليأخذها، ومن أراد أن يعرض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني فليسمعها فقد سمعها مني\" (^١).\nوهذه الرواية تقضي على بقية الروايات لأنها من صاحب القصة، وغيرها أخذها الإمام أحمد بواسطة عن صاحب القصة، ثم إنها في الظاهر هي المتأخرة بدليل أنه لا يستقيم من الإمام أحمد سؤاله لأبي اليمان عن كيفية سماعه من شعيب إلا وقد تقدم منه عدم علمه بذلك، وقد كان يقول لا يدري هل كان أبو اليمان حاضرًا في مجلس إجازة شعيب أم لا؟ كما في الرواية الأولى فناسب أن تتأخر هذه - أي الثالثة - عنها. وكذلك ما ورد عنه في الرواية الثانية من إنكاره لأبي اليمان قوله: أخبرنا فيما تحمله من شعيب بإجازة مع عدم حضور الكتب المجازة، وكونه ما أخذ الكتب إلا من بشر بن شعيب، إنما جاء ذلك قَبل مشافهته أبا اليمان بالسؤال عن كيفية سماعه من شعيب أيضًا.\nفاتضح أن إنكار الإمام أحمد حين أنكر على أبي اليمان موجه إلى روايته عن شعيب بالإجازة التي لم يصحبها إحضار الكتاب المجاز، ثم تبين له بعدُ أن أبا اليمان قد كان بعض تحمله من شعيب سماعًا، وبعضه عرضًا إلخ كما تقدم.\nوأما الحافظ ابن رجب فأجاب بأن حديث شعيب كان معروفًا عندهم، وأذن لهم في روايته عنه، فلا حاجة إلى إحضاره ومناولته، وحديث أبي اليمان عن\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٣٤ رقم ١٠٥٥.","vol":"1","page":497},{"text":"شعيب متفق على تخريجه في الصحيحين (^١)، فظاهر ما ذهب إليه ابن رجب أن أبا اليمان لم يسمع من شعيب، كأنه لم يعتبر ما رواه ابن ديزيل عن أحمد من أن أبا اليمان قد سمع بعض حديث شعيب منه سماعًا وبعضه عرضًا، ويؤيد كونه سمع منه تصريح أبي اليمان بالتحديث في بعض ما يرويه عن شعيب (^٢).\nمن روى عن شيخه مكاتبة:\nوالمكاتبة من أقسام التحمل، وهي أن يكتب الشيخ حديثه بخطه أو يأذن لمن يثق به بكتبه ويرسله بعد تحريره إلى الطالب أو يكتب له ذلك وهو حاضر، وقد تكون مقرونة بالإجازة وقد تكون مجردة عنها، وأما الأولى فتشبه المناولة المقرونة بالإجازة - أي لا يتقدمها من صفات التحمل إلا السماع والعرض، وأما الثانية فقد أجازها كثير من المتقدمين والمتأخرين والقول بالجواز هو المشهور عند أهل الحديث (^٣). وهذه الصفة في التحمل يدخلها الخلل من الجهة التي يدخل على سائر صفات التحمل ما عدا السماع والعرض، وهو كثرة وقوع التصحيف بها، لأن الكتب كانت في الأولى غير منقوطة ولا مشكولة. ثم هي وإن قيل فيها إنها تشبة المناولة إلا أنها دونها في الحقيقة لأن اليقين غير حاصل في المكتابة بكون الكتاب كتاب المحدث، فقد يكون الخط غير خط المحدث ولا خط من كتبه بحضرته، لأن الخطوط تتشابه، فكلما قوي اليقين بكون الخط خطَ المحدث قوي اعتمادها، وكلما ضعُف هذا اليقين ضعُف الاعتماد. ومن ثم اشترط لصحة الرواية بها معرفة المكتوب إليه أن هذا كتاب فلان بمعرفة خط الكاتب تحقيقًا أو\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ١/ ٥٢٤.\n(^٢) انظر أمثلة ذلك فيما حرره د. صالح الرفاعي في مسئلة سماع أبي اليمان من شعيب الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ١٣٢ - ١٣٣.\n(^٣) علوم الحديث ص ١٦٥، فتح الباري ١/ ١٥٤، فتح المغيث ٣/ ٣ - ٦.","vol":"1","page":498},{"text":"على الظن الراجح (^١).\nوقد روى الإمام أحمد بالمكاتبة خارج المسند (^٢)، أما في المسند فلم أقف عليه واحتج أصحاب أحمد لصحة الرواية بها بأن أبا مسهر وأبا توبة كتبا إليه بأحاديث وحدث بها (^٣). وقد أشار إلى بعض الرواة بأن سماعهم من شيوخهم بالمكاتبة من غير سماع، وجعل هذا سبب وقوع المنكرات في مرويات بعض هؤلاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>وممن ذكر الإمام أحمد أنه روى عن شيخه بالمكاتبة بلا سماع:</span>\n١.<span data-type='title' id=toc-178> يزيد بن أبي حبيب عن الزهري:</span>\nقال عبد الله: قال أبي: ولم يسمع يزيد بن أبي حبيب من الزهري، إنما كتب إليه بكتاب، وكان يقول: كَتَب إليّ الزهري (^٤). وقال أحمد أيضًا: يزيد بن أبي حبيب عن الزهري كتاب، إلا ما سمى بينه وبين الزهري (^٥) أي إلا ما رواه عنه بواسطة.\nوقد روى الإمام أحمد في المسند من حديث يزيد بن أبي حبيب عن الزهري، وهو حديث كعب بن مالك \"أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يُسافر، لا يسافر إلا يوم الخميس\" (^٦)، وقد تابعه يونس عن الزهري (^٧). ولم أقف على غيره.\nوقد أخرج مسلم ليزيد بن أبي حبيب من حديثه عن الزهري، ولم يخرج له البخاري (^٨).\n_________\n(^١) المسودة ص ٢٥٩، شرح الكوكب المنير ٢/ ٥١٧.\n(^٢) انظر من أمثلة ذلك في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ١١٤٣، ١٦٩٥.\n(^٣) شرح الكوكب المنير ٢/ ٥١٦.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٥١ رقم ٤٦٧١.\n(^٥) المصدر نفسه ١/ ٥٣٨ رقم ١٢٧٣.\n(^٦) المسند ٤٥/ ١٥٩ ح ٢٧١٧٨.\n(^٧) انظر: المسند ٢٥/ ٥٩ ح ١٥٧٨١. وهو عند البخاري فتح الباري ٦/ ١١٣ ح ٢٩٤٩.\n(^٨) انظر: تهذيب الكمال ٣٢/ ١٠٤.","vol":"1","page":499},{"text":"ولم أقف عن الإمام أحمد أنه نسب يزيد بن أبي حبيب إلى رواية المناكير عن الزهري، فأثر تنصيص الإمام أحمد أنه روى عن الزهري مكاتبة يظهر عند الاختلاف بينه وبين سائر أصحاب الزهري، فرواية من روى عنه سماعًا أو عرضًا مقدمة على روايته (^١).\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-179> محمد بن كثير المصيصي (^٢) عن معمر:</span>\nقال صالح بن أحمد بن حنبل: \"قال أبي: محمد بن كثير لم يكن عندي ثقة، بلغنى أنه قيل له: كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إلي إنسان من اليمن\" (^٣).\nوقال عبد الله: ذكر أبي محمد بن كثير المصيصي، فضعّفه جداًّ وقال: سمع من معمر ثم بعث إلى اليمن فأخذها فرواها، وضعف حديثه عن معمر جداًّ، وقال: هو منكر الحديث أو قال: يروى أشياء منكرة\" (^٤).\nوأنكر الإمام البخاري له حديثًا وقال: \"وكان أحمد بن حنبل يحمل على\n_________\n(^١) وقد خطّأ أبو زرعة رواية ليزيد بن أبي حبيب عن الزهري خالف فيها رواية ابن المبارك عن يونس عن الزهري، فرجح رواية ابن المبارك عليه انظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ١٣٠.\n(^٢) ضعفه أحمد، وضعفه في معمر جدًا، وقال البخاري: لين جدًا، وقال أبو داود: لم يكن يفهم الحديث. ووثقه ابن معين، وابن سعد. وقال ابن عدي: له روايات عن معمر والأوزاعي خاصة عداد لا يتابعه عليها أحد تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٣١ - ٣٣٣. وذكر أبو زرعة الرازي أنه دُفع إليه كتاب الأزواعي في كل حديث كان مكتوب حدثنا محمد بن كثير، فقرأه إلى آخره يقول: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، وهو محمد بن كثير الجرح والتعديل ٨/ ٧٠. علق الذهبي على هذه الحكاية فقال: هذا تغفيل يسقط الراوي به ميزان الاعتدال ٥/ ١٤٤.\nوقال الذهبي: مختلف فيه صدوق اختلط بآخره الكاشف ٢/ ٢١٢ رقم ٥١٢٦. وقال ابن حجر: صدوق كثير الغلط تقريب التهذيب ٦٢٩١.\n(^٣) الجرح والتعديل ٨/ ٦٩.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٥١ رقم ٥١٠٩.","vol":"1","page":500},{"text":"محمد بن كثير، ويقول: كتب إلى اليمن حتى حُمل إليه كتاب معمر فرواه\" (^١).\nوعن أحمد أيضًا: \"ليس بشيء، يحدث بأحاديث مناكير ليس لها أصل\" (^٢).\nفهذه الروايات عن أحمد تدل على أن المصيصي سمع من معمر، ثم اعتمد في الرواية عنه ما بعث إليه من حديث معمر مكاتبة، فالنظر فيمن كتب له كُتب معمر، وهل صُححت بعد نقلها، وهل الذي حملها إليه ثقة يعتمد عليه في عدم العبث بها بالزيادة أو التغيير؟ وحيث إنه ليس له من الحفظ ما يجعله يميز صحيح حديث معمر فقد وقعت له مناكير وروايات لا أصل لها من حديث معمر، وذلك بسبب اعتماده على المكاتبة في نقله لحديث معمر مع ضعف اعتمادها في مثل هذه الحالة بسبب عدم معرفة الناقل والواسطة، والله أعلم.\nولم أقف عن الإمام أحمد على إعلال لحديث رواه المصيصي عن معمر.\n\n<span data-type='title' id=toc-180>من روى عن شيخه بالوصية:</span>\nوالرواية بها غير جائزة لأنها ليست بتحديث لا إجمالًا ولا تفصيلًا، ولا تتضمن الإعلام لا صريحًا ولا كناية (^٣)، إلا أن يروي بها على سبيل الوِجادة - يقول وجدت بخط فلان - أو يكون تقدمت من العالم إجازة لمن صارت الكتب له بالوصية (^٤). ومن الرواة الذين ذكر الإمام أحمد أنهم رووا عن بعض شيوخهم بالوصية:\n_________\n(^١) علل الترمذي الكبير ٢/ ٨١٨، وانظر: التاريخ الكبير ١/ ٢١٨.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٣١.\n(^٣) فتح المغيث ٣/ ١٩ - ٢٠.\n(^٤) الكفاية في علم الرواية ص ٥٠٤.","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>عبد العزيز بن أبي حازم فيما رواه عن سليمان بن بلال:</span>\nوصفه الإمام أحمد بالفقه وقال: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ولم يكن يعرف بطلب الحديث إلا كتب أبيه فإنهم يقولون إنه سمعها (^١)، وقال عنه: أرجو أنه لا بأس به، وقيل له: هو أحب إليك أو الدراوردي؟ فقال: لا، بل هو أحب إليّ، ولكن الدراوردي أعرف منه. ا. هـ (^٢).\nأما ما يتعلق بروايته بالوصية فقال أبو داود: قال أحمد: \"له بلية أخرى - يعني ابن أبي حازم - لم يكن بكثير الحديث، فلما مات سليمان بن بلال أوصى إليه فدفعت كتبه إليه، فأخرج أحاديث كثيرة للناس\" (^٣). وقال في رواية أبي طالب: يقال إن كتب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد روى عن أقوام لم يكن يعرف أنه سمع منهم. ا. هـ (^٤).\nوقال العقيلي عن الأثرم: \"قال سمعت أبا عبد الله يُسأل عن عبد العزيز ابن أبي حازم فقيل: كيف هو؟ قال: أما روايته فيرون أنه سمع من أبيه، وأما هذه الكتب التي عن غير أبيه فيقولون: إن كتب سليمان بن بلال صارت إليه. قلت: وكان يُدلّسها؟ قال: ما أدري أخبرك\" (^٥).\nفتلخص من هذه الروايات أن عبد العزيز بن أبي حازم إنما عرف بالسماع من أبيه، أما غير أبيه فلم يكن يعرف بالسماع منه لأنه لم يكن معروفًا بطلب الحديث، فلما أخذ يحدث عن شيوخ لم يكن معروفًا بالسماع منهم، وكان سليمان بن بلال قد\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ١٨/ ١٢٣.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٢١ رقم ١٩٧.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) الجرح والتعديل ٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣. وانظر: المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٩.\n(^٥) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٧٧٤.","vol":"1","page":502},{"text":"أوصى إليه كتبه دلّ ذلك على أنه روى عنهم من تلك الكتب الموصاة له، والرواية بالوصية غير صحيحة، فمن هذا الوجه وصف الإمام أحمد أمره بأنه بلية. لكن مستند الإمام فيما ذكره عن ابن أبي حازم هو بلاغ، ولذلك أجاب بلا أدري لسؤال الأثرم: هل كان ابن أبي حازم يروي تلك الأحاديث على سبيل التدليس؟\nوالسماع الذي نفاه الإمام أحمد قد أثبته غيره، والمثبت مقدّم على النافي. فروى ابن أبي خيثمة: \"قيل لمصعب الزبيري: ابن أبي حازم ضعيف إلا في حديث أبيه؟ فقال: أو قد قالوها؟ أما هو فسمع مع سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى إليه بكتبه، فكانت عنده فقد بال عليها الفأر، فذهب بعضها فكان يقرأ ما استبان له ويدَع ما لا يعرف منها، أما حديث أبيه فكان يحفظه\" (^١). فهذا مصعب الزبيري وهو بلدي ابن أبي حازم يثبت أن ابن أبي حازم سمع مع سليمان بن بلال من المشايخ، فحديثه عنهم بعد موت سليمان بن بلال مما سمع معه من هؤلاء الشيوخ لكن حفظه من كتب سليمان، فروايته لهذه الكتب ليست رواية لما لم يسمع، وحالته كحالة أيوب مع كتب أبي قلابة، فإنه أوصى بها له فجيئ بها إليه فسأل ابن سيرين: هل يرويها؟ قال له نعم، ثم قال بعد ذلك: لا آمرك ولا أنهاك (^٢) قال الخطيب: إن أيوب كان قد سمع تلك الكتب غير أنه لم يحفظها فلذلك استفتى محمد بن سيرين عن التحديث منها. ا. هـ (^٣).\nوقد احتج الجماعة برواية ابن أبي حازم عن غير أبيه كما قال ابن حجر (^٤).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٦٣، ميزان الاعتدال ٣/ ٣٤٠.\n(^٢) الكفاية في علم الرواية ص ٥٠٣ - ٥٠٤.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) هدي الساري ص ٤٣٠.","vol":"1","page":503},{"text":"من روى عن شيخه بالوجادة:\nوهو رواية الراوي ما وجده من كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه ولم يلقه هو أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده، ولا له منه إجازة ولا نحوها. قال ابن الصلاح: وهو من باب المنقطع والمرسل غير أنه أخذ شوبًا من الاتصال بقوله وجدت بخط فلان. ا. هـ (^١). فالرواية بها يدخلها ما يدخل المنقطعات من الآفة، ثم قد يكون ما وجده في كتاب الشيخ بخطه ليس هو من حديثه، وإنما ذوكر به ولو أخذ منه سماعًا لتبين له هل هو من حديثه أم لا؟ وقد أنكر يحيى بن معين مرة على علي بن عاصم حديثًا، وقال: ليس هذا من حديثك، إنما ذوكرت به فوقع في قلبك فظننت أنك سمعته ولم تسمعه، وليس هو من حديثك (^٢). وقال وكيع: لا ينظر الرجل في كتاب لم يسمعه، لا يأمن أن يعلق قلبه منه (^٣)، أي فيظنه من حديثه.\nوقد أعلّ الإمام أحمد حديثًا رواه راوٍ ثقة وعلته كونه أخذه الراوي من كتاب شيخه بلا سماع.\nقال الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة؟ فقال: كتبوه من كتاب معاذ ولم يسمعوه منه. قلت: ههنا إنسان يزعم أنه قد سمعه من معاذ، فأنكر ذلك. قال: من هو؟ قلت: إبراهيم بن عرعرة، فتغير وجهُه ونفض يدَه، وقال: كذب وزور، سبحان الله ما سمعوه منه! إنما قال فلان: كتبناه من كتابه، ولم يسمعه، سبحان الله واستعظم ذلك منه\" (^٤).\n_________\n(^١) علوم الحديث ص ١٦٨.\n(^٢) شرح علل الترمذي ١/ ٥٣٤.\n(^٣) الكفاية في علم الرواية ص ٥٠٥.\n(^٤) تاريخ بغداد ٦/ ١٤٩، تهذيب الكمال ٢/ ١٨٠.","vol":"1","page":504},{"text":"هذا الحديث رواه الطبراني (^١) من طريق المعمري، والرامهرمزي (^٢) من طريق سليمان بن أيوب الكحال، كلاهما عن إبراهيم بن عرعرة ثنا معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى. وهو حديث غريب من حديث قتادة.\nوقد أعله الإمام أحمد بأن الذين رووا الحديث عن معاذ بن هشام رووه وجادة من كتاب معاذ بن هشام، ولم يسمعوه، ومن هذا الوجه دخلته النكارة، واعتُرض على هذا الإعلال بأن إبراهيم بن عرعرة قد رواه عن معاذ سماعًا، كما صرّح بالتحديث في رواية الطبراني والرامهرمزي، فلم يقبل الإمام أحمد هذا الاعتراض لأن غير ابن عرعرة قد خالفه وقال: كتبناه من كتاب معاذ أي من غير سماع، ولم يسم هذا الغير ولم أقف على من رواه عن معاذ على الوجه الذي ذكره الإمام أحمد.\nوقد مال علي بن المديني إلى نحو هذا الإعلال قال: \"روى قتادة حديثًا غريبًا لا يحفظ عن أحد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ وهو حاضر، لم أسمعه منه عن قتادة. وقال لي معاذ: هاته حتى أقرأه، قلت: دعه اليوم، قال: حدثنا أبو حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى. قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه. قال علي بن المديني: هكذا هو في الكتاب\" (^٣).\nفذكر أنه نسخه من كتاب معاذ وهو حاضر، ولم يسمعه، وأشار إلى غرابته، ولعل ابن المديني لم يحرص على سماعه من معاذ لأن معاذًا نفسه إنما رواه\n_________\n(^١) المعجم الكبير ١٢/ ٢٠٥ رقم ١٢٩٠٤.\n(^٢) المحدث الفاصل ص ٤٩٩ في باب من قال: وجدت في كتاب فلان.\n(^٣) تاريخ بغداد ٦/ ١٤٩.","vol":"1","page":505},{"text":"عن أبيه وجادة، فإنه يقول: وجدت في كتاب أبي، ولم يذكر سماعًا.\nوقد اعترض الخطيب على إنكار عدم سماع ابن عرعرة لهذا الحديث من معاذ قال: وما الذي يمنع أن يكون إبراهيم بن محمد بن عرعرة سمع هذا الحديث من معاذ مع سماعه منه غيره؟ (^١). ووافقه الذهبي وقال: صدق أبو بكر، وإبراهيم من كبار طلبة الحديث المعنيين به (^٢).\nويندفع هذا الاعتراض ويتأيد ما ذهب إليه الإمام أحمد بأن البيهقي قد روى عن المعمري - أحد من روى الحديث عن ابن عرعرة - من غير طريق الطبراني، فقال فيه: ثنا ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابًا، وقال: سمعته من أبي ولم يقرأه قال: فكان فيه عن قتادة … فذكره (^٣). فظهر أن ابن عرعرة لم يسمع الحديث من معاذ، وإنما أخذه من كتابه كما قال الإمام أحمد، فاستقام وجه إعلاله للحديث، والله أعلم.\nوقد روي مثلُ متنِ الحديث من مرسل طاووس، رواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة (^٤)، وذكره البيهقي أنه في جامع الثوري عن ابن طاووس به مرسلًا أيضًا (^٥). وقد رواه الطبراني من طريق عمر بن رياح، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: [كان رسول الله ﷺ يزور البيت كل ليلة من ليالي منى، ثم يطوف ويصلي ركعتين لطوافه، ويرجع إلى منى قبل أن يدركه الصبح] (^٦).\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٨٢.\n(^٣) السنن الكبرى ٥/ ١٤٦.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٨ ح ١٤٢٨٤.\n(^٥) الموضع السابق.\n(^٦) المعجم الأوسط ٦/ ١٩٧ ح ٦١٧٦.","vol":"1","page":506},{"text":"وعمر بن رياح قال فيه الفلاس دجال، وقال ابن عدي: يروي عن ابن طاووس بالبواطيل ما لا يتابعه أحد عليه (^١). فالصحيح أنه مرسل.\nومثال آخر ما تقدم عن الإمام أحمد فيما رواه عنه أبو زرعة الدمشقي:\nقال أبو زرعة: قلت له - يعني أحمد بن حنبل ـ: فحديث عطاء بن يسار، عن ميمونة - حدثت به أبا عبد الله - أعني في المسح أيضًا؟ قال: ذاك من كتاب. قلت لأبي عبد الله: أي شيء ذهب أهل المدينة في المسح أكثر من ثلاث ويوم وليلة؟ قال: لهم فيه أثر، وقال لي أبو عبد الله أحمد بن حنبل: حديث خُزيمة بن ثابت مما لعله أن يدل على - يعني حجة لهم، قوله: ولو استزدته لزادني\" (^٢).\nوحديث عطاء بن يسار رواه أبو بكر الحنفي، عن عمر بن إسحاق بن يسار\nـ أخي محمد بن إسحاق بن يسار - قال: قرأت كتابًا لعطاء بن يسار مع عطاء بن يسار قال: سألت ميمونة زوج النبي ﷺ عن المسح، قالت: قلت: يا رسول الله! كل ساعة يمسح الإنسان على الخُفين ولا يخلعهما؟ قال: \"نعم\". أخرجه الدارقطني (^٣).\nوهذا الحديث لم يقبله الإمام أحمد لأنه من كتاب، أي هو وجادة، وإن كان قرئ بحضرة صاحب الكتاب، لكن ليس فيه أنه أجازه له، فقد يكون أصل الحديث أخذه مذاكرة فلم ير أن يجيز للحاضرين روايته. ففي صنيع الإمام أحمد هذا رد لما رواه الراوي بطريق الوجادة، وهو الشاهد.\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٠٧.\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٦٣١ رقم ١٨٢٤، ١٨٢٦ - ١٨٢٧. وانظر: الإمام في أحاديث الأحكام ٢/ ١٩٤، تنقيح التحقيق ١/ ١٨٨ - ١٨٩. وتقدم في ص ١٣١.\n(^٣) السنن ١/ ١٩٩.","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>وممن تكلم في حديثه عن شيخه بأنه كتاب بلا سماع:</span>\n١.<span data-type='title' id=toc-183> الحكم بن عُتيبة عن مِقسم:</span>\nجعله الإمام أحمد أثبت الناس في إبراهيم (^١)، وفي سماعه من مِقسم مولى ابن عباس كلام. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: \"الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث ثم ذكرها. قال عبد الله: فما روى غير هذا؟ قال: الله أعلم، يقولون كتاب، أرى حجاجًا روي عنه عن مقسم عن ابن عباس نحوًا من خمسين حديثًا\" (^٢).\nوقال أبو داود: \"ثنا أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: لم يسمع الحكمُ حديثَ مِقسم في الحجامة في الصيام - يعني حديث شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: \"أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم\" (^٣). قلت لأحمد: رواية الحكم عن مِقسم عمّن أخذه؟ قال: يقولون عن كتاب\" (^٤).\nوقال عبد الله: \"حدثني أبي قال: سمعت يحيى قال: قال شعبة: لم يسمع\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٥٢ رقم ٥٥٥٧.\n(^٢) المصدر نفسه ١/ ٥٣٦ رقم ١٢٦٩.\n(^٣) أخرجه النسائي السنن الكبرى ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥ ح ٣٢٢٦، ٣٢٢٧، والطيالسي ص ٣٥٣ ح ٢٦٩٨، وابن الجعد مسند ابن الجعد ٦٢ ح ٣١٨، وأحمد المسند ٤/ ٧١ ح ٢١٨٦، ٤/ ٣٢٤ ح ٢٥٣٦، ٤/ ٣٥٨ ح ٢٥٩٤، ٥/ ٢٧٩ ح ٣٢١١، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٨ ح ٩٣١٤،\nوابن الجارود ٢/ ٣٧ ح ٣٨٨. وتابعه يزيد بن أبي زياد عن مقسم، عن ابن عباس به. رواه النسائي السنن الكبرى ٢/ ٢٣٤ ح ٣٢٢٥، ٣٢٢٦، وأحمد المسند ٤/ ٢٥٦ ح ٢٥٨٩، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ١٠١، والطبراني المعجم الكبير ١١/ ٤٠٢ ح ١٢١٣٧. قال النسائي: يزيد بن أبي زياد لا يحتج به والحكم لم يسمعه من مقسم. وفي بعض الروايات عن الحكم وعن يزيد زيادة: محرم، أي وهو صائم محرم.\nولفظ الحديث ثابت من طريق آخر عن ابن عباس: أخرجه البخاري من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس فتح الباري ٤/ ١٧٤ ح ١٩٣٨، ١٩٣٩.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٦ رقم ٢٠٣٠.","vol":"1","page":508},{"text":"الحكم حديث مِقسم في الحجامة في الصيام عن مِقسم\" (^١).\nفهذا الحديث رواه الحكم عن مِقسم من كتاب، ولم يسمعه منه. وله عنه غير هذا الحديث كلها أخذها من كتاب ما عدا الأربعة التي ذكرها شعبة (^٢)، وقد تقدم عن الإمام أحمد أن حجاج بن أرطاة روى عن الحكم عن مقسم نحوًا من خمسين حديثًا، وخرّج عددًا منها أحمد في المسند (^٣) من طريق حجاج ومن طريق غيره عن الحكم.\nومع رواية الحكم لها وجادة فقد قدمه الإمام أحمد على يزيد بن أبي زياد في مِقسم لثقته وإتقانه.\nقال أبو داود: \"قلت لأحمد: يزيد - يعني ابن أبي زياد أحب إليك عن مِقسم أو الحكم؟ قال: الحكم في كل شيء. قلت لأحمد: ذكرتَ أن الحكم في\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٩٣ رقم ٤٣٣٣.\n(^٢) وقد ذكرها الإمام أحمد العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٣٦ رقم ١٢٦٩. وذكر علي بن المديني، عن القطان، عن شعبة قال: لم يسمع الحكم من مِقسم إلا خمسة أحاديث جامع الترمذي ٢/ ٤٠٦.\n(^٣) انظر: ح ١٩٥٩: ذكر الأرنؤوط ما يشهد له، ح ١٩٦٦: تفرد به من طريق حجاج عنه، وضعفه الأرنؤوط، ح ٢٠٥١: توبع عن ابن عباس متابعة قاصرة، ح ٢٠٧٩: تابعه منصور عن مقسم، ح ٢٠٩٩: توبع عن ابن عباس متابعة قاصرة، ح ٢١٨٥: له طرق عن ابن عباس ذكرها الأرنؤوط، ح ٢٢٢٧: توبع عن ابن عباس أيضًا، ح ٢٢٣٠: تفرد به وضعفه الأرنؤوط، ح ٢٢٣١: وله شواهد، ح ٢٢٣٢: ولم يتابع، ح ٢٢٥٣: له شاهد، ح ٢٢٥٥: تابع الحكم فيه ميمون بن مهران عن مقسم، ح ٢٢٨٤: تابع الحكم حسين بن عبد الله الهاشمي عن عكرمة عن ابن عباس ح ٢٣٥٧، ح ٢٣٠٦: توبع من طريق عطاء عن ابن عباس ح ٢٧٠١، ح ٢٣١٦: وله شواهد، ح ٢٥٠٧: توبع الحكم في بعضه من طريق سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس ح ٢٠٨٢، وفي رواية الحكم هذه تصحيف وهو من آثار الرواية من الصحف، ح ٢٦٢٠: وله شاهد، ح ٢٨٩٩: توبع الحكم انظر: ح ٢٠٩٥، ح ٣٢٨٦، ح ٣٢٨٨: وكلا الإسنادين مقرون بغيرهما، ح ٣٣٤٧: توبع في ح ٢٦٣٩.","vol":"1","page":509},{"text":"مقسم أحب إليك منه - يعني من يزيد، والحكم سمع من مِقسم أحاديث؟ قال: أربعةً سمع منه. قلت: فكيف تختار الحكم عليه؟ فقال: الحكم لا يُقاس إليه، يزيد يختلف عنه جداًّ\" (^١).\nولعل وجه تقديم الإمام أحمد للحكم على يزيد بن أبي زياد في مقسم مع كون روايته عنه كتاب وليست بسماع أن معظم أحاديث الحكم عن مِقسم لها أصل عن ابن عباس أو غيره، وما ذلك إلا لثقته وإمامته.\nولم يخرج الشيخان شيئًا من حديث الحكم بن عتيبة عن مقسم (^٢).\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-184> أبو الأحوص سلاّم بن سُليم الحنفي عن أبي إسحاق السبيعي:</span>\nوأبو الأحوص وثقه الإمام أحمد، قال عبد الله: كان أبي إذا رضي عن إنسان وكان عنده ثقة حدّث عنه وهو حي، فحدثنا عن أبي الأحوص وهو حي. ا. هـ (^٣). وربما قال: هو أثبت من عبد الرحمن بن مهدي في حديث شعبة (^٤).\nوذكر الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله: وروى - أي محمد بن معاوية المكي - عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﷺ: \"بدأ الإسلام غريبًا\" فتبسّم كالمتعجب، ثم قال: إنما هذا زعموا أن حفصًا رواه عن الأعمش، عن أبي إسحاق، وأرى الأعمش أخطأ فيه، وأبو الأحوص إنما هو كتاب عن أبي إسحاق، من أين يحتمل مثل هذا؟ \" (^٥).\nهذا الحديث رواه حفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال ٧/ ١١٥.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٣٨ رقم ٣١٠.\n(^٤) المصدر نفسه ٢/ ٣٦٢ رقم ٢٦٠٧.\n(^٥) تاريخ بغداد ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣.","vol":"1","page":510},{"text":"أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة الجشمي، عن عبد الله بن مسعود. أخرجه الترمذي (^١)، وابن ماجه (^٢)، وأحمد (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤)، والدارمي (^٥)، وأبو يعلى (^٦)، والبزار (^٧)، والطبراني (^٨) وغيرهم من طرق عن حفص به، ولفظه: \"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء\"، قيل ومن الغرباء؟ قال \"النزاع من القبائل\".\nوقال أحمد في رواية حنبل إن هذا الحديث منكر (^٩)، ولم يبين وجه النكارة. والرواية المسوقة هنا عن الأثرم وضحت ذلك حيث قال: \"وأُرى الأعمش أخطأ فيه\"، فجعل الخطأ من الأعمش، وذلك أنه تفرد به من بين أصحاب أبي إسحاق، وليس من المعروفين بكثرة الرواية عنه، وقد قال ابن المديني: الأعمش يضطرب في حديث أبي إسحاق (^١٠).\nوإنما جعل الإمام أحمد الخطأ من الأعمش ولم يجعله من حفص بن غياث، لأن حفصًا قد توبع عن الأعمش: تابعه أبو خالد الأحمر (^١١)، ويوسف بن خالد على ما ذكره البزار. قال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي إسحاق، عن\n_________\n(^١) الجامع ٥/ ١٨ ح ٢٦٢٩.\n(^٢) السنن ٢/ ١٣٢٠ ح ٣٩٨٨.\n(^٣) المسند ٦/ ٣٢٥ ح ٣٧٨٤.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٨٣ ح ٣٤٣٦٦.\n(^٥) سنن الدارمي ٢/ ٣١١.\n(^٦) مسند أبي يعلى ٥/ ٨ ح ٤٩٥٤.\n(^٧) مسند البزار ٥/ ٤٣٣ ح ٢٠٦٩.\n(^٨) المعجم الكبير ١٠/ ٩٩ ح ١٠٠٨١.\n(^٩) المنتخب من العلل للخلال ص ٥٧ رقم ١١.\n(^١٠) شرح علل الترمذي ٢/ ٧١١.\n(^١١) أخرجه ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٣٠، والسهمي تاريخ جرجان ١/ ٢١٦.","vol":"1","page":511},{"text":"أبي الأحوص مسندًا إلا الأعمش، ورواه عن الأعمش أبو خالد ويوسف بن خالد وغيرهما. ا. هـ (^١).\nوأما رواية أبي الأحوص سلام بن سليم عن أبي إسحاق فهي متابعة للأعمش، لكن أعلها الإمام أحمد بأن رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق إنما هي كتاب، فدل على أن التحمل من كتاب بدون سماع قد يعتبر علة عند الإمام أحمد. وهذا الإعلال إنما يستقيم على فرض صحة الرواية عن أبي الأحوص، فإن الراوي عنه - وهو محمد بن معاوية النيسابوري المكي سئل الإمام أحمد عنه فقال: \"نعم الرجل يحيى بن يحيى\"، يُورِّي ولا يريد التصريح بالطعن. وعن الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذُكر محمد بن معاوية النيسابوري فقال: رأيت أحاديثه أحاديث موضوعة. ا. هـ (^٢).\nوالشاهد أن الإمام أحمد نص على أن رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق إنما هي كتاب، وأن هذه قضية يمكن أن تعلّ بها الروايات التي جاءت من هذا الطريق. ولم أر هذا لغير الإمام أحمد، بل في صحيح البخاري تصريح أبي الأحوص بالتحديث من أبي إسحاق (^٣).\nوقد أخرج الشيخان حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق كما رمز لذلك المزي (^٤).\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-185> عمرو بن شعيب عن أبيه:</span>\nوقال عبد الملك بن عبد الحميد: \"سمعت أحمد بن حنبل يقول: عمرو\n_________\n(^١) مسند البزار ٥/ ٤٣٣.\n(^٢) الجرح والتعديل ٨/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(^٣) انظر: صحيح البخاري ١٣/ ٤٦٢ ح ٧٤٨٨، ٦/ ١٦٠ ح ٣٠٣٤ - مع فتح الباري.\n(^٤) تهذيب الكمال ١٢/ ٢٨٣.","vol":"1","page":512},{"text":"ابن شعيب له أشياء مناكير، إنما نكتب من حديثه نعتبره، فأما أن يكون حجة فلا\" (^١).\nوقال البخاري: \"رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه\" (^٢).\nوقال أبو داود: \"سمعت أحمد قال: ما أعلم أحدًا ترك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قلت لأحمد: يُحتج بحديث عمرو بن شعيب ما كان عن غير أبيه؟ قال: لا أدري\" (^٣).\nفنفى الإمام أحمد الاحتجاج به، ثم نقل عنه ما يفيد الاحتجاج به، وهذا يدل على تردده فيه، وقد جاء هذا التردد صريحًا في رواية الأثرم:\nقال الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن عمرو بن شعيب فقال: أنا أكتب حديثه، وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه، ومالك يروي عن رجل عنه\" (^٤). فالتردد في الاحتجاج به واضح، وفي هذه الرواية تقوية الإمام أحمد لعمرو بن شعيب بدليل رواية مالك عن رجل عنه، وهو من قرائن تقوية الرواة عنده (^٥).\nوقال أبو داود: \"سمعت أحمد ذكر له عمرو بن شعيب فقال: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه\" (^٦).\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٩٩١.\n(^٢) التاريخ الكبير ٦/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣١ رقم ٢١٨.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ٢٣٨.\n(^٥) شرح علل الترمذي ١/ ٩٧٧.\n(^٦) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣٠ رقم ٢١٦.","vol":"1","page":513},{"text":"قال الذهبي معلقًا على هذه الرواية: هذا محمول على أنهم يترددون في الاحتجاج به، لا أنهم يفعلون ذلك على التشهي. ا. هـ (^١).\nوأما ما يتعلق بسماعه من أبيه فروي عن الإمام أحمد روايتين:\nأولاهما: قال أبو داود: \"قلت لأحمد: عمرو بن شعيب عن أبيه، يقال كتاب؟ قال: نعم\" (^٢). فهذه تفيد أن روايته عن أبيه وجادة.\nالثانية: قال محمد بن علي الجوزجاني الورّاق: \"قلت لأحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئًا؟ قال: يقول: حدثني أبي. قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، أُراه سمع منه\" (^٣). فهذه تفيد أنه قد سمع من أبيه، ولكنها لا تنفي أن بعض حديثه عن أبيه وجادة. فيجمع بين الروايتين بأن حديثه عن أبيه بعضه سماع وبعضه وِجادة، فحيث صرّح بالتحديث فهو مما سمع، وحيث روى بـ \"عن\" احتمل أن يكون من الصحيفة (^٤).\nوهذا الجمع هو ما ذهب إليه أبو زرعة الرازي حيث قال: \"روى عنه الثقات مثل أيوب السخيتاني، وأبي حازم، والزهري، والحكم بن عتيبة، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده وقال: إنما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وقال: ما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير الذي كذا يروى عن عمرو بن شعيب إنما هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة والضعفاء\" (^٥).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٥/ ١٦٨.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٣.\n(^٣) تهذيب الكمال ٢٢/ ٦٨ - ٦٩.\n(^٤) انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٥١.\n(^٥) الجرح والتعديل ٦/ ٢٣٩. وتعقب الذهبي كلامه الأخير بأنه يأتي الثقات عنه أيضًا بما ينكر سير أعلام النبلاء ٥/ ١٦٩.","vol":"1","page":514},{"text":"وقد ذهب جمع من الحفاظ إلى أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه وجادة، منهم: ابن معين في رواية عباس عنه قال: إذا حدّث - أي عمرو بن شعيب - عن أبيه عن جده فهو كتاب، ويقول أبي عن جدي فمن هنا جاء ضعفه أو نحو هذا القول فإذا حدث عن سعيد بن المسيب، أو عن سليمان بن يسار، أو عن عروة فهو ثقة عن هؤلاء أو قريب من هذا الكلام (^١). لكن روى عنه ابن أبي خيثمة أنه أثبت له السماع بدليل حديث رواه أيوب عنه (^٢).\nومنهم علي بن المديني: قال ابن أبي شيبة: وسألت عليًا عن عمرو بن شعيب، فقال: ما روى عنه أيوب، وابن جريج فذلك كله صحيح، وما روى عمرو، عن أبيه، عن جده فذلك كتاب وجده، فهو ضعيف (^٣).\nومع كون روايته عن أبيه وجادة إلا أنهم ذكروا أن كتابه صحيح، وهو كتاب عبد الله بن عمرو بن العاص المسمي الصحيفة الصادقة (^٤)، فقد روى الساجي عن ابن معين: \"عمرو بن شعيب ثقة في نفسه، وما روى عن أبيه، عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل، وجَد شعيب كتب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها\" (^٥). وما نفاه من سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قد أثبته الإمام أحمد في رواية محمد بن علي الجوزجاني حيث\n_________\n(^١) تاريخ ابن معين - برواية الدوري ٢/ ٤٤٦.\n(^٢) انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٥٣.\n(^٣) سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني ص ١٠٤.\n(^٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ١٧٦.\n(^٥) تهذيب التهذيب ٨/ ٥٤.","vol":"1","page":515},{"text":"قال: أُراه سمع منه. وقد جاءت أحاديث ووقائع صريحة في أن شعيب قد سمع جده عبد الله، ذكرها الذهبي (^١)، وابن حجر (^٢). لكن الخلاف قائم في هل سمع منه جميع ما روى عنه أم سمع بعضه والباقي صحيفة، والوجه الثاثي هو الذي أظهره ابن حجر (^٣).\nوممن ذكر أن كتابه صحيح علي بن المديني. قال ابن حجر: فإذا ثبت أن كتبه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة وهو أحد وجوه التحمل والله أعلم. ا. هـ (^٤).\nومع صحة كتبه واعتبار تحمله وجادة صحيحة فقد انحط حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده لدى الحفاظ عن ربتة مطلق الاحتجاج من أجل الوجادة، لأن الرواية بالوجادة بلا سماع يدخلها التصحيف فإن الصحف في ذلك العصر لم تكن مشكولة ولا منقوطة، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال، وقد تكون المناكير التي أشار إليها الإمام أحمد في حديثه راجعة إلى هذا أيضًا، والله أعلم.\nولم أقف على حديث لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أعله الإمام أحمد من أجل الوجادة، كما لم أقف على شيء من مناكيره التي أشار إليها.\nمخرمة بن بكير عن أبيه:\nقال أبو طالب: \"سألته - يعني أحمد بن حنبل - عن مخرمة بن بكير بن عبد الله ابن الأشج، قال: هو ثقة، لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما روى من كتاب أبيه\" (^٥).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٥/ ١٧٠ - ١٧٤.\n(^٢) تهذيب التهذيب ٥/ ٥١ - ٥٢.\n(^٣) المصدر نفسه ٥/ ٥٢.\n(^٤) الموضع نفسه.\n(^٥) المراسيل ٨٣١.","vol":"1","page":516},{"text":"فروايته عن أبيه وِجادة، أو على أرفع الأحوال وصية. ولم أقف على حديث له عن أبيه أعله الإمام أحمد بأن سماعه من أبيه وجادة (^١).\nإذا كان الشيخ يحدث من كتاب غيره وهو غير حافظ لحديثه:\nالأصل في المحدث إذا رام أداء شيء مما تحمله بالسماع أو القراءة أو غيرهما أن يروي من أصله الذي تحمل منه أو من الفرع المقابَل المقابَلَة المتقَنَة (^٢)، وأما إذا حدث من كتاب غيره وهو غير حافظ لحديثه فقد اختلفوا، فروي عن أيوب أن جرير بن حازم كان يقرأ عليه كتابًا لأبي قلابة، والنسخة ليست نسخة أيوب بل هي لجرير، وكان أيوب يقول: فيه ما أحفظه وفيه ما لا أحفظه؛ ولما أخذ اللصوص كتب محمد بن بكر البرساني نسخ كتب محمد بن عمرو بن جبلة، وكذلك روي عن ابن جريج والإسماعيلي جوازه (^٣). وذكر الخطيب أن عامة أصحاب الحديث يمنعون من ذلك وإن كان كتاب الغير أصلًا لشيخه لكن ليس فيه سماعه، أو كان نسخة تسكن نفسه إلى صحتها. وذهب الخطيب إلى جوازه إذا\n_________\n(^١) لكن وقع عند النسائي في السنن الكبرى ٢/ ١٦٦ حديثًا أخطأ فيه، والخطأ راجع إلى نوع من التصحيف، وهو من آثار الرواية من الكتب.\nقال النسائي: بلغني عن ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سليمان بن يسار أنه سمع الحكم الزرقي يقول: حدثتني أمي \"أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ بمنى فسمعوا راكبًا يصرخ يقول: ألا، لا يصومنّ أحدٌ فإنها أيام أكْلٍ وشُربٍ\". قال أبو عبد الرحمن: ما علمت أن أحدًا تابع مخرمة على هذا الحديث: عن الحكم الزُّرَقي والصواب: مسعود بن الحكم. ثم قال النسائي: أنبأ أحمد بن الهيثم، قال: حدثنا حرملة، قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدثه عن سليمان بن يسار، أن مسعود بن الحكم حدثه عن أمه أنها قالت: \"مرّ بنا راكب ونحن بمنى مع رسول الله ﷺ ينادي في الناس: لا تصومن هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب، فقالت أختي: هذا علي بن أبي طالب قلت أنا: بل هو فلان].\n(^٢) فتح المغيث ٣/ ١٣٤.\n(^٣) الكفاية في علم الرواية ص ٣٧٧ - ٣٧٨.","vol":"1","page":517},{"text":"عرف الراوي أن الأحاديث التي تضمنتها النسخة هي التي سمعها من الشيخ وسكنت نفسه إلى صحة النقل بها وسلامتها من دخول الوهم فيها (^١).\nأما الإمام أحمد فقد رُوي عنه أنه قال: ينبغي للناس أن يتقوا هذا (^٢).\nوقد أنكر على بعض الرواة تحديثهم من كتب غيرهم، من ذلك ما ذكره المروذي: \"سمعت أبا عبد الله قال: ما بالكوفة مثل هنّاد بن السّري، وهو شيخهم، فقيل له: هو يحدث من كتب وراّقه. فحعل يسترجع ثم قال: إن كان هكذا لم يُكتب عن هنّاد شيء\" (^٣).\nوكذلك أنكر على عبد العزيز الدراوردي تحديثه من كتب الناس:\nقال أبو طالب: \"سُئل أحمد بن حنبل عن عبد العزيز الدراوردي فقال: كان معروفًا بالطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدّث من كتب الناس وهِم، كان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلَب حديث عبد الله العمري يرويه عن عبيد الله بن عمر\" (^٤). ويظهر أن هذا الذي وقع منه من قلب حديث عبيد الله العمري منشأه تحديثَه من كتب غيره، فإن تصحيف عبد الله بعبيد الله سهل، فهذا من الآثار السيئة للتحديث من كتب الغير.\nوكذلك ترك حفص بن سليمان الأسدي المقرئ، لأنه كان يستعير كتب الناس فينسخها. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: حفص بن سليمان - يعني أبا عمرو القارئ - متروك الحديث (^٥). وروى حنبل مثل ذلك عنه (^٦). ويظهر أن دليل تركه\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) الموضع نفسه، وانظر: شرح علل الترمذي ١/ ٥١٣.\n(^٣) شرح علل الترمذي ١/ ٥١٣.\n(^٤) الجرح والتعديل ٥/ ٣٩٥ - ٣٩٦، المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٩.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٨٠ رقم ٢٦٩٨.\n(^٦) تاريخ بغداد ٨/ ١٨٧.","vol":"1","page":518},{"text":"لحديثه هو ما رواه عن يحيى بن سعيد أن شعبة أخبره قال: أخذ مني حفص ين سليمان كتابًا فلم يرده، قال: وكان يأخذ كتب الناس فينسخها (^١).\nتتمة:\nقد يكون الراوي موصوفًا بسوء الأخذ عن مشايخه لكن لعدم وجود المناكير في أحاديثه لا يؤثر ذلك في حديثه ولا في ضبطه فلا تعل مروياته بسبب طريقته في التحمل، وموقف الإمام أحمد من عبد الله بن وهب ومن حديثه يعتبر نموذجًا لهذا الأمر، فقد كان عبد الله بن وهب موصوفًا بسوء الأخذ، يدل على ذلك عدة أمور، منها:\n١. أنه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم، فمن أجل ذلك تركه الإمام أحمد ولم يكتب عنه. وهذا النوع من التساهل في التحمل يجعل رواية المتصف به غير مقبولة (^٢). قال عبد الله: \"قال أبي: ورأيت عبد الله بن وهب بمكة رأيته رجلًا خفيفَ اللحية، قال أبي: فذكرتُ أنه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم فتركته. قال أبي: وبلغني أنه كان لا يدخل في مصنفه من ذاك العرض شيئًا قال أبي: ثم كتبت بعدُ عن رجل عنه\" (^٣).\nوقد روى الحميدي مثل هذا في طريقة أخذ ابن وهب عن جرير بن حازم الرازي فقال الحميدي: \"رأيت ابن وهب عند جرير الرازي وجرير يحتبي نائم مثقل، وابن وهب نائم مثقل، وكاتبه الأصبغ بن فرج يقرأ على جرير ويمر مر السهم في القراءة وجرير نائم وابن وهب نائم\" (^٤).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ١/ ١٤٠، وانظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٧٧ رقم ٤٢٥٧.\n(^٢) انظر: فتح المغيث ٢/ ٩٩.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٣٠ رقم ٤٥٥٦.\n(^٤) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٣.","vol":"1","page":519},{"text":"٢. أنه كان يروي بالإجازة بدون إحضار الكتاب المجاز وبدون اطلاع المجيز على المجاز. قال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: بلغني أن ابن وهب جاء إلى ابن عيينة فقال: يا أبا محمد! ما عرض عليك ابن أختي أول من أمس هو لي سماع\" (^١). ومثله للمروذي: قال أحمد: \"وأخبرني بعض أصحابنا أنه رأى ابن وهب عند ابن عيينة فقال له: الكتب التي عرضها عليك ابن أخي أرويها عنك؟ \" (^٢).\nوالذي أخبر الإمام أحمد هو يحيى بن معين، فقد ذكر أنه حضر القصة (^٣)، وذكر ابن أبي يحيى أنه سمع رجلًا يقول ليحيى بن معين: إن أحمد حدث عنك أنك رأيت ابن عيينة أتاه ابن وهب بكتب فقال: أحدث بها عنك؟ فقال برأسه أي نعم ولم يتكلم. وفي رواية: قال له: يا أبا محمد الذي عرض عليك أمس فلان أجزها لي قال: نعم. وفي رواية أخرى أن ابن معين قال: يا شيخ هذا والريح بمنزلة، ادفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه. ا. هـ (^٤).\n٣. أنه كان يأخذ الكتاب مما لم يسمعه، قاله المروذي عن أحمد (^٥). وهذه إذا كان هناك إذن بالرواية فهي إجازة وإلا فهي وجادة.\nفهذه الروايات عن أحمد وغيره تدل على نماذج من طريقة ابن وهب في التحمل والتي عيبت عليه، والتساهل واضح في مثل هذا التحمل، وهذا الذي أدّى الإمام أحمد إلى عدم الرواية عن ابن وهب، ثم لما تبين له أمره واستقامة حديثه، وأنه في هذا التساهل كان ماشيًا على مذهب أهل بلده في تجويزهم قول:\n_________\n(^١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٤٥ رقم ٢٥٥.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٤٩ رقم ٢٧.\n(^٣) التاريخ له - برواية الدوري ٢/ ٣٣٦.\n(^٤) أخرج الروايات كلها ابن عدي في الكامل ٤/ ١٥١٨.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٦٢ رقم ٢٨١.","vol":"1","page":520},{"text":"ثنا من غير صحة السماع (^١) روى عن رجل عنه.\nوقال أحمد في رواية أبي طالب الفضل بن زياد: \"عبد الله بن وهب صحيح الكتب عن مشايخه الذين روى عنهم، يفصل السماع من العرض، ما أصح حديثه وأثبته! قيل له: أليس كان يسيء الأخذ؟ قال: كان سيءَ الأخذ الحق، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا\" (^٢).\nفهذا يدل على أن طريقته في التحمل لم تؤثر في حديثه حيث لم توجد مناكير عنه، ولعل ذلك راجع إلى كونه لم يُدخل في مصنفه من العرض السيئ شيئًا كما ذكره أحمد بلاغًا، قال عبد الله: \"قال أبي: وبلغني أنه كان لا يدخل في مصنفه من ذاك العرض شيئًا\" (^٣). وأيضًا كان يقول فيما لم يسمعه: قال حيوة، قال فلان (^٤)، فيميزه من السماع.\nوفي هذا المعنى يقول الحافظ الذهبي في ترجمة ابن وهب: \"وقد تمَعقَل بعضُ الأئمة على ابن وهب في أخذه للحديث، وأنه كان يترخص في الأخذ، وسواء ترخص ورأى ذلك سائغًا، أو تشدّد، فمن يروي مئة ألف حديث ويَندُر المنكرُ في سعة ما روى فإليه المتنهى في الإتقان\" (^٥). وذلك أن أبا زرعة قال: نظرت في نحو ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر فلا أعلم أني رأيت حديثًا له لا أصل له (^٦). وقال ابن عدي: لا أعلم له حديثًا منكرًا إذا حدث عنه ثقة من الثقات (^٧).\n_________\n(^١) قاله الإسماعيلي عن أهل مصر فتح الباري لابن رجب ٥/ ٤٨٠، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٩٩.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٣، الجرح والتعديل ٥/ ١٨٩.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله الموضع نفسه\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره الموضع نفسه.\n(^٥) سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٢٨.\n(^٦) الجرح والتعديل ٥/ ١٩٠.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٢١.","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>المبحث الخامس: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه لكتابه</span>.\n<span data-type='title' id=toc-187>المطلب الأول: أهمية حفظ الكتاب وتقديمه على حفظ الصدر عند الإمام أحمد</span>.\nحرص رواة الحديث على كتابة مروياتهم وعولوا على تدوينها في الصحف خشية ضياعها ونسيانها خاصة بعد أن انتشرت الروايات وطالت الأسانيد، وكثرت أسماء الرجال وكناهم وأنسابهم، واختلفت ألفاظ الروايات، فاشتدت حاجتهم إلى تقييد هذه الأمور لصعوبة حفظها على القلوب (^١)، فشاعت لديهم الكتابة، وشجعوا تلاميذهم على تقييد المرويات وتدوينها، وحثوهم على ضبط ما دونوه وتحقيقه بما يُؤمَن معه اللبس وحثوها على صيانته من أن يدخله تغيير، كل هذا عناية بالسنن والآثار وحرصًا على حفظها من الضياع أو التبديل. ولحفظ المرويات في الكتاب أهمية أخرى، وهي أنه يتمكن معه صاحبه من معاهدة محفوظه بمطالعة الكتاب والنظر فيه، كما يمنعه من الوقوع في الوهم والغلط عند التحديث إذا كان يحدث منه ويعتمده وقت التحديث.\nولهذا الاعتبار كان من منهج الإمام أحمد تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر، سواء في حالة التحمل أو الأداء، فالرواة الذين يضبطون مسموعاتهم في الكتاب وقت التحمل مقدمون عنده على الذين يعتمدون على حفظ صدورهم. قال محمد بن مسلم بن وارة: \"قلت لأحمد بن حنبل: أبو الوليد أحب إليك في شعبة أو أبو النضر؟ قال: إن كان أبو الوليد يكتب عند شعبة فأبو الوليد\" (^٢). فلم يقدم الإمام أحمد أبا الوليد على أبي النضر إلا بشريطة أن يكون ممن يكتب عند شعبة\n_________\n(^١) هذا تعليل الخطيب لإباحة كتابة العلم انظر: تقييد العلم ص ٦٤.\n(^٢) تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٢٩.","vol":"1","page":523},{"text":"مع أنه قد قال في أبي الوليد: إنه أتقن حديث شعبة (^١)، لأن أبا النضر كان قد كتب عن شعبة إملاءً كما قال الإمام أحمد (^٢)، فلا يتقدم عليه أبو الوليد مع مزيد إتقانه إلا إذا كان يضبط ما تحمله عن شعبة في كتاب كما كان يفعله أبو النضر، فحيث استويا في الوصفين يحق لأبي الوليد التقدم لما له من مزيد الإتقان، وأما حيث كانت المسئلة الإتقان في مقابل حفظ الكتاب فلا يحق في هذه الحالة تقديم الإتقان على حفظ الكتاب.\nوقال حنبل: قال أبو عبد الله: \"إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن فعبد الرحمن أثبت، لأنه أقرب عهد بالكتاب\" (^٣). فكلٌ من وكيع وعبد الرحمن من الحفاظ المتقنين، بل إن وكيعًا أحفظ من عبد الرحمن عند الإمام أحمد، فقد قال في وكيع: ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع (^٤)، لكنه قدم عليه عبد الرحمن بن مهدي لأنه كان يتعاهد كتابه، لأنه صاحب كتاب.\nووجه تقديم الإمام أحمد لحفظ الكتاب على حفظ الصدر أن صاحب الكتاب أسلم من الوقوع في الغلط والوهم من الذي يعتمد على حفظه مهما بلغ في الحفظ. قال الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله يقول: كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئًا قليلًا، وربما وهم في الشيء\" (^٥)، فكأنه يجعل علة وهمه اعتماده على الحفظ وكونه لم يكتب من حديثه إلا شيئًا قليلًا.\nوكان يرُجع سبب أوهام بعض الرواة إلى كونهم لم يكونون يكتبون عند\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٩ رقم ٢٦٤١.\n(^٢) تاريخ بغداد ١٤/ ٦٥.\n(^٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ص ١١.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٢٣ رقم ٥٦٧.\n(^٥) تاريخ بغداد ٩/ ٢٥٩.","vol":"1","page":524},{"text":"التحمل، وإنما كانوا يحفظون.\nقال الميموني: سئل أحمد عن الحكم بن عطية فقال: لا أعلم إلا خيرًا، فقال له رجل: حدثني فلان عنه، عن ثابت، عن أنس قال: [كان مهر أم سلمة متاعًا قيمته عشرة دراهم] (^١)، فأقبل أبو عبد الله يتعجب، وقال: هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونُسبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهمّ فيه (^٢).\nوقد ذكر الأثرم هذا الحديث للإمام أحمد فقال: \"هؤلاء الشيوخ يخطئون على ثابت، وإنما يريد الحديث الذي رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، فقلت له: نعم، وسليمان أيضًا يرويه، فقال: نعم، ولكن حماد بن سلمة أحسن له حديثًا، قلت: وأسنده حماد ولم يسنده سليمان. قال: نعم\" (^٣). ولم أقف على حديث ابن عمر بن أبي سلمة الذي أشار إليه أحمد. فهذا الراوي أخطأ في هذا الحديث، وروى حديثًا آخر عن ثابت أنكره الإمام\n_________\n(^١) هذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن الحكم بن عطية ص ٢٧٠ ح ٢٠٢٣، ومن طريق أبي داود رواه الطبراني المعجم الكبير ٢٣/ ٢٤٧ ح ٤٩٨، وابن عدي الكامل ٢/ ٦٧٣، والخطيب موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢١٣.\nوهذا مما عناه الإمام أحمد حيث قال في الحكم بن عطية: لا بأس به إلا أن أبا داود الطيالسي روى عنه أحاديث منكرة الجرح والتعديل ٣/ ١٢٦. وقال في رواية الأثرم: صالح حتى وجدت له غرائب عن ثابت عن أنس فذكر هذا الحديث موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢١٨.\nوقد وثق الحكم بن عطية يحيى بن معين، وقال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بمنكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وضعفه أبو الوليد الطيالسي ولا يحتج به، وكذلك ضعفه الخطيب البغدادي انظر: الجرح والتعديل، والكامل لابن عدي، وموضح أوهام الجمع والتفريق - المواضع السابقة من الكتب.\n(^٢) تهذيب التهذيب ٢/ ٤٣٦.\n(^٣) موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢١٨، ورواها العقيلي أيضًا لكن وقع نقص في النسخة المخطوطة، أشار إلى ذلك محقق الكتاب الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٧٩.","vol":"1","page":525},{"text":"أحمد أيضًا (^١)، وذكر أن سبب وقوع هذه المنكرات في رواياته كونه يعتمد على الحفظ ولم يكن يكتب.\nوهناك وجه آخر لتقديمه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر، وهو كون صاحب الكتاب يأتي بالحديث أتم، ولا يقع منه الخلل الذي يقع ممن يكون تحمل من شيوخه حفظًا ويضطر آحيانًا إلى حفظ المعنى دون اللفظ أو عدم ذكر الإخبار في موضعه، وإن كان صاحب الكتاب دونه في الحفظ. قال عبد الله: \"كان أبي يتبع حديث قطبة بن عبد العزيز (^٢)، وسليمان بن قرم (^٣)، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه (^٤) وقال: هؤلاء قوم ثقات، وهم أتم حديثًا من سفيان وشعبة، هم أصحاب كتب، وإن كان سفيان وشعبة أحفظ منهم\" (^٥).\nوكان الإمام أحمد يقدم من كان يعتمد على كتابه وقت التحديث على من كان يحدث حفظًا، ولم يكن يُحمد فعل من كان يحدث من غير كتاب، والأفضل أن يكون المحدث أصله بيده أو بيد ثقة ضابط وقت التحديث وإن كان حافظًا لما\n_________\n(^١) وهو حديث [أن النبي ﷺ كان يدخل المسجد وفيه المهاجرون والأنصار ما منهم أحد يرفع رأسه ولا يحل حبوته إلا أبو بكر وعمر، يتبسم إليهم ويتبسمان إليه] موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢١٨.\n(^٢) وثقه أحمد في رواية عبد الله العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٣ رقم ٣٠٩٩. ووثقه ابن معبن، والترمذي تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٠٨. وقال البزار: صالح وليس بالحافظ تهذيب التهذيب ٨/ ٣٧٩.\n(^٣) قال أحمد: لا أرى به بأسًا، ولكنه كان يفرط في التشيع الضعفاء للعقيلي ٢/ ٥٠٢. وضعفه ابن معين، والنسائي. وقال أبو زرعة: ليس بذاك. وقال أبو جاتم: ليس بالمتين. وقال ابن حجر: سيء الحفظ يتشيع تهذيب التهذيب ٤/ ٢١٣، تقريب التهذيب ٢٦١٥.\n(^٤) وثقه أحمد أيضًا وجعله في التثبت مثل قطبة الموضع السابق. ووثقه ابن معين، وأبو داود، وابن حجر وغيرهم تهذيب التهذيب ١١/ ٣٤٧، تقريب التهذيب ٧٨٠١.\n(^٥) تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٠٩ - ٦١٠.","vol":"1","page":526},{"text":"يحدث به، وكان الإمام أحمد قد وصّى يحيى بن معين عندما طلب منه الوصية: \"لا تحدّث المسند إلا من كتاب\" (^١).\nومن النصوص المنقولة عنه في هذا المعنى ما رواه الفضل بن زياد قال: قال أحمد بن حنبل: \"ما كان أقلَّ سقطًا من ابن المبارك، كان رجلًا يحدّث من كتابه، ومن حدّث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كثير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! \" (^٢).\nوقال الميموني للإمام أحمد: قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل، قال: \"إذًا يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث، وقال: حدثونا قوم من حفظهم، وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن\" (^٣).\nولم يُحمد الإمام أحمد على أمية بن خالد الأزدي تحديثه من غير كتاب. قال ابن هانئ: \"سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أمية بن خالد فلم يُحمده في الحديث، وقال: إنما كان يُحدث من حفظه، لا يخرج كتابًا\" (^٤).\nوإذا روى الراوي الثقة عن شيخه ما يخالف ما في كتاب الشيخ فالمرجح عند الإمام أحمد هو ما ثبت في كتاب الشيخ، وهذا وجه آخر لتقديمه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر.\nقال عبد الله: قرأت على أبي: عبدة بن سليمان الكلابي قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر قال: [عدة الأمة إذا طُلّقت حيضتان، فإن كانت لا تحيض فشهر ونصف]، قرأت على أبي: عبدة قال: حدثنا سعيد، عن\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ١/ ١٦٥.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٧.\n(^٣) تقييد العلم ص ١١٥.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ١/ ١٤٦.","vol":"1","page":527},{"text":"قتادة، عن الحسن، عن علي مثله. سمعت أبي يقول: هذا خطأ، إنما هو سعيد، عن حبيب، عن عطاء، عن عمر، وحبيب، عن الحسن عن علي، في الكتب كذا هو يعني كتب سعيد بن أبي عروبة (^١).\nروى عبدة هذا الأثر عن ابن عمر، وعن علي، كلاهما من طريق سعيد ابن أبي عروبة، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة (^٢)، عن عبدة، عن سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر به. فحكم الإمام أحمد بخطأ عبدة لأن أثر ابن عمر هو في كتب سعيد بن أبي عروبة عن حبيب المعلم، عن عطاء، عن عمر، وليس هو عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر؛ وأثر علي هو عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي، وليس هو عن قتادة، عن الحسن، عن علي كما رواه عبدة في الموضعين. وقد تابع سعيدًا أبو إسحاق الشيباني في رواية أثر علي، فرواه الشيباني عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي: رواه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عنه (^٣). وخطّأ الإمام أحمد رواية عبدة بن سليمان عن سعيد مع أن سماع عبدة من سعيد كان جيدًا وقبل اختلاط سعيد (^٤) لمخالفته لما في كتب سعيد بن أبي عروبة، مما يدل على ترجيحه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر.\nوقد كان الإمام أحمد ينكر دفن الكتب وكان يرى عدم جدواها، قال ﵀: \"لا أعلم لدفن الكتب معنى\" (^٥).\nومع تقديم الإمام أحمد لحفظ الكتاب على حفظ الصدر، فقد كان يعل بعض\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٢٨ رقم ٢٨٩١، ٢٨٩٢. وتقدم مثله في آخر مطلب الإعلال بالاختلاط ص ٣٦٤.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٦ ح ١٨٧٧٤.\n(^٣) المصدر السابق ٤/ ١٤٦ ح ١٨٧٦٨.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٦٣ رقم ٨٦.\n(^٥) تقييد العلم ص ٦٣.","vol":"1","page":528},{"text":"أحاديث الرواة أصحاب الكتب إذا وجد ما يخل بضبطهم لكتابهم، فمن ذلك:\n١. أن يكون الكتاب غير منقوط ولا مشكول.\n٢. أن يوقف على لحق في الكتاب.\n٣. أن يترك الراوي كتابه عند الأداء ويحدث من حفظه.\n٤. أن يسافر الراوي إلى بلد آخر ولا يصطحب معه كتبه فيحدث في ذلك البلد من حفظه.\nفهذه الأمور يأتي بحثها في المطالب الآتية.","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>المطلب الثاني: من كانت كتبه غير منقوطة ولا مشكولة</span>.\nإن من تمام ضبط الراوي لكتابه عنايته بضبط ما كتبه شكلًا ونقطًا وبخاصة في الملتبس من الألفاظ والأسماء، ويتأكد ذلك في الأسماء بالذات لأنها لا تستدرك بالقياس ولا بالسياق. قال ابن الصلاح: \"ثم إن على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شكلًا ونقطًا، يؤمن معهما الالتباس، وكثيرًا ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه وتيُّقظه، وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان مُعرَّض للنسيان، وأول ناسٍ أول الناس، وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله\" (^١). وصاحب الكتاب الذي لا يعتني بهذا الجانب من الضبط لا يسلم من الوقوع في الأخطاء، وأكثر الأخطاء التي تعقب مثل هذا التفريط هو التصحيف.\nوقد كان الإمام أحمد يقدّم الرواة أصحاب الشكل والتقييد لكتبهم على غيرهم، ويلحقهم بأهل الضبط والإتقان، كما تكلم في بعض الرواة الذين كانت كتبهم غير منقوطة ولا مشكولة، وكلامه فيهم وإن لم يقتض تضعيفًا لهم أو لمروياتهم إلا أنه جعلهم دون غيرهم من أهل الإتقان، وهذا يقتضي تأخيرهم عند الاختلاف والترجيح.\nفمن ذلك رفعه لأمر شعيب بن أبي حمزة كما روى أبو زرعة الدمشقي قال: \"وأخبرني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب، فرأيت كتبًا مضبوطة مقيّدة، ورفع من ذكره، فقلت: فأين هو من يونس بن يزيد؟ قال: فوقه، قلت، فأين هو من عقيل بن خالد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من الزَّبيدي؟ قال: مثله\" (^٢).\n_________\n(^١) علوم الحديث ص ١٧١ وانظر أيضًا عن ضبط الكتاب وتحقيقه: فتح المغيث ٣/ ٤٠ - ٤٧، تدريب الراوي ٢/ ٦٨ - ٧٠.\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٣٣ رقم ١٠٥٢.","vol":"1","page":530},{"text":"وقال الأثرم: \"قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: نظرت في كتب شعيب، أخرجها إليّ ابنه، فإذا بها من الحسن والصحة والشكل ونحو هذا\" (^١).\nوقال أبو زرعة: \"حدثني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب بن أبي حمزة كتبًا مقيدة مضبوطة، ورفع من ذكره\" (^٢).\nفقد جعل الإمام أحمد شعيب بن أبي حمزة مع أهل الإتقان من أصحاب الزهري، وهو محمد بن الوليد الزبيدي، وقدمه على يونس وعقيل، وكلاهما من أهل المعرفة بحديث الزهري، وما ذلك إلا لصحة كتبه وجودتها.\nومن أجل صحة كتب شعيب وإتقانها صحح المحققون الرواية عنه بالإجازة. قال الذهبي: \"ومن روى شيئًا من العلم بالإجازة عن مثل شعيب بن أبي حمزة في إتقان كتبه وضبطه فذلك حجة عند المحققين، مع اشتراط أن يكون الراوي بالإجازة ثقة ثبتًا أيضًا، فمتى فُقد ضبطُ الكتاب المُجاز وإتقانُه وتحريره، أو إتقان المجيز أو المجاز له، انحط المروي عن رتبة الاحتجاج به، ومتى فقدت الصفات كلُّها لم تصح الرواية عند الجمهور\" (^٣). بل قال الذهبي رواية كتب شعيب بالوجادة كافٍ في الحجة، لأنها بالغة في الحسن والإتقان والإعراب.\nوهذا وجه كتابة الإمام أحمد عن بشر بن شعيب بن أبي حمزة لأحاديث أبيه مع أنه لم يكن عنده بصاحب حديث، ولا كان سماعُه من أبيه بأمر متحقّق عنده، ولكنّه كتب عنه لأن كتُبَ أبيه كانت عنده، وحسن ضبطها وجودتها كافيان في جبر هذا النقص الواقع في صفة تحمّله لها. قال أبو داود: \"سألت أحمد عن بشر مرة أخرى فقال: كتبت عنه قدر سبعين حديثًا، لم يكن صاحب حديث، ولكن\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٤/ ٣٤٥، وانظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ١٨٩.\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ٢/ ٧١٥ رقم ٢٢٧٧.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٩٠.","vol":"1","page":531},{"text":"كتب أبيه كانت عنده، وسمعت أحمد سئل عن كتب شعيب، هل سمعها بشر من أبيه؟ قال: ما يدريني؟ \" (^١).\nوقد أكثر الأمام أحمد أيضًا عن أبي اليمان كما قال لأبي داود أيضًا (^٢)، وأبو اليمان اختلف في طريقة تحمّله عن شعيب هل هو بالإجازة أم مناولة. قال المروذي: \"قال أبو عبد الله: شعيب بن أبي حمزة كان لا يكاد يحدث، فلما حضرته الوفاة قال: اجمعوا لي فلانًا وفلانًا، فاجتمع بقية، ويقولون أبو اليمان، وقد ذكروا علي بن عياش، فلا أدري كان أم لا؟ فقال: هذه كتبي ارووها عني، فكان أبو اليمان يقول: حدثني شعيب، ولا أدري كان معهم أم لا؟ \" (^٣). فقد أجاز شعيب الجماعة الحاضرين له في هذه الحادثة، فروايتهم عنه مناولة مقرونة بالإجازة، والإمام أحمد يتوقف في كون أبي اليمان معهم أم لا، ومع ذلك يروي عنه ويكثر من حديثه عن شعيب، وما ذلك إلا لجودة الكتب وإتقانها.\nوكذلك اعتبر جماعة من محدثي أهل البصرة في درجة أهل التثبت لأن كتبهم كانت منقوطة ومشكولة.\nقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: \"من يُفلت من التصحيف؟ كان يحيى بن سعيد يُشكل الحرف إذا كان شديدًا، وغير ذاك لا، وكان هؤلاء أصحاب الشكل والتقييد: عفان، وبهز، وحبان\" (^٤).\nوهؤلاء الثلاثة هم أهل التثبت عند الإمام أحمد. قال حنبل: \"سألت أبا عبد الله عن عفان، فقال: عفان، وحبان، وبهز، هؤلاء المتثبِّتون … قلت له:\n_________\n(^١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٦٦ رقم ٣٠٦. وانظر تعليق المحقق على سماع بشر بن أبيه واختلاف النقل عن أحمد مع ترجيحه في الحاشية رقم ٧ من الصفحة.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٣٢ رقم ٢٣٣.\n(^٤) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٢٧٠.","vol":"1","page":532},{"text":"فإذا اختلفوا في الحديث يرجع إلى من منهم؟ قال: إلى قول عفان، هو في نفسي أكبر، وبهز أيضًا، إلا أن عفان أضبط للأسامي، ثم حبان\" (^١). وقال في بهز: \"بهز بن أسد إليه المنتهى في التثبت\" (^٢). وقال في حبان أيضًا: \"حبّان بن هلال إليه المنتهى في التثبت بالبصرة\" (^٣). وجعلهم الإمام أحمد من أهل التثبت لصحة كتبهم وحسن تقييدهم لها.\nوعلى العكس من ذلك لما قيل لأبي عبد الله: \"كان أبو الوليد ثبتًا؟ قال: لا، ما كان كتابه منقوطًا ولا مشكولًا، ولكنه في حديث شعبة متقن، وقال مرة: أتقن حديث شعبة\" (^٤). وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، لم يجعله الإمام أحمد في طبقة أهل التثبت لأن كتبه لم تكن منقوطة ولا مشكولة، إلا في حديث شعبة الذي كان قد أتقنه لقدرته على الحفظ، ومع ذلك لم يقدمه الإمام أحمد في حديثه عن شعبة على أبي النضر الذي كان يكتب عن شعبة إملاء، إلا بشرط أن يكون ممن يكتب عند شعبة كما تقدم (^٥)، وقد ثبت أن أبا الوليد لم يكن يكتب عند شعبة؛ شهد بذلك ابن وارة للإمام أحمد قال: \"سمعت أبا الوليد يقول: بينا أكتب عند شعبة إذ بصُر بي فقال: وتكتب؟ فوضعت الألواح من يدي وجعلت أنظر إليه\".\nولعدم تشكيل كتبه وتنقيطه أُثر عن أبي الوليد تصحيف في غير شيء وبخاصة في حديثه عن شيخه أبي عوانة. قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: هما كثيرا الكتاب عن أبي عوانة: يحيى بن حماد، وهشام بن عبد الملك، إلا أن يحيى بن حماد كان أروى منه. قلت له: هشام كان ثبتًا؟ قال: في حديث شعبة، وقال: هشام\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٧٣.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ٤٣١.\n(^٣) الجرح والتعديل ٣/ ٢٩٧.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٩ رقم ٢٦٤١.\n(^٥) المطلب الأول من هذا المبحث ص ٥٢٣.","vol":"1","page":533},{"text":"صحّف في شيء من حديث أبي عوانة\" (^١). وقد حدث أبو الوليد لجماعة فيهم الإمام أحمد فأخطأ أو صحّف، قال أحمد: \"فرددنا عليه فرجع إلى ما قلنا له\" (^٢).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣١٥ رقم ٢٣٩٦، ووقع فيه: هشام صح في شيء … والتصويب من طبعة مؤسسة الكتب الثقافية بعناية محمد حسام بيضون ١/ ٣٠٧ رقم ٢٣٠٦.\n(^٢) انظر: المصدر نفسه ٢/ ٣٦٩ رقم ٢٦٤٢.","vol":"1","page":534},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>المطلب الثالث: من وُقف على لحق في كتابه</span>.\nاللَّحَق - بفتح الحاء - هو تخريج الساقط في الحواشي (^١). فإذا كان الإلحاق لما كان معلومًا جاز، كأن يكون في الأصل حديثٌ محفوظ معروف وقد سقط من إسناده رجل جاز أن يلحق بمكانه ويكتب في موضعه، لكن مع كلمة يعني ليشعر بالإلحاق، وعليه حُمل ما رواه الإمام أحمد عن وكيع: أنا أستعين على الحديث بـ \"يعني\" (^٢). وكذلك يجوز إلحاق ما درس من كتابه من بعض الإسناد أو المتن من كتاب غيره إذا عرف صحته وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط من كتابه، لكن من المحدثين من لا يستجيز ذلك وإن كان ما درس معروفًا ومحفوظًا (^٣). فيفهم من هذا أن المستنكر من اللحق هو إلحاق الراوي في أصله ما ليس منه مما لم يكن معروفًا ولا محفوظًا، فإن ذلك ينبئ عن إخلال الراوي بضبطه لكتابه، لأن معنى ضبط الكتاب صيانته لديه منذ سمع منه وصحّحهُ إلى أن يُؤدِّي منه (^٤).\nوالذي ورد عن الإمام أحمد من إنكاره اللحق على الراوي وتضعيفه لحديثه من أجله هو من قبيل هذا اللحق المستنكر. قال عبد الله: \"سئل عن محمد بن جابر، وأيوب بن جابر فقال: محمد بن جابر يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسماع، يقولون: رأو في كتُبهِ لحقًا، حديثه عن حماد فيه اضطراب\" (^٥). وقال في رواية\n_________\n(^١) علوم الحديث ص ١٧٧.\n(^٢) الكفاية في علم الرواية ص ٣٧١ - ٣٧٢، علوم الحديث الموضع نفسه.\n(^٣) الكفاية في علم الرواية ص ٣٧٣، وعلوم الحديث الموضع نفسه.\n(^٤) ضوابط الجرح والتعديل ص ١٣.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٦٢ رقم ٤١٧٦.","vol":"1","page":535},{"text":"ابن هانئ: \"أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لحوق\" (^١). ويشهد لهذا ما رواه\nابن حبان بإسناده عن محمد بن عيسى بن الطباع قال: قال لي أخي إسحاق بن عيسى: \"ذاكرتُ محمد بن جابر ذات يوم بحديث شريك، عن أبي إسحاق فرأيتُه في كتابه قد ألحقه بين السطرين كتابًا طرياًّ\" (^٢). فهذا يدل على أن إلحاقه كان لأحاديث ليست في أصوله ولا هي من حديثه.\nولما أنكر الإمام أحمد حديث جرير بن عبد الله البجلي: \"تبنى مدينة بين دجلة والدُّجَيل\" (^٣) قال له ابنه عبد الله: إن لُوينًا حدثناه عن محمد بن جابر، فقال: \"كان محمد بن جابر ربما ألحق في كتابه أو يلحق في كتابه - يعني الحديث وقال: هذا حديث ليس بصحيح، أو قال: كذب\" (^٤).\nوالظاهر أن هذا الصنيع يُسقط الراوي، ولعل هذا وجه ترك عبد الرحمن ابن مهدي لمحمد بن جابر، فقد قال الإمام أحمد: كان عبد الرحمن بن مهدي يُحدث عن محمد بن جابر ثم تركه بعدُ (^٥). وفي هذا المعنى يقول الخطيب: إسحاق بن الحسن الحربي كتب الناس عنه ثم كرهوه لإلحاقات بين السطور في المراسيل ظاهرة الصنعة لطراوتها. ا. هـ (^٦).\nومثل هذا في الرد من غُير كتبه ولم يكن له علمٌ بذلك واستمر يحدث منها، فقد قال الإمام أحمد في الوليد بن محمد المُوقَّري (^٧): ما أظنه، أي بثقة، ولم أره\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٣٠ رقم ٢٢٦٢.\n(^٢) المجروحين ٢/ ٢٧٠.\n(^٣) تقدم في الوضع ص ١٩٧ - ١٩٨.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٧٠ رقم ٢٦٤٤.\n(^٥) المصدر نفسه ٢/ ٦٠ رقم ٤١٧٠.\n(^٦) تاريخ بغداد ٦/ ٣٨٢.\n(^٧) قال ابن حجر: متروك تقريب التهذيب ٧٥٠٣.","vol":"1","page":536},{"text":"يحمده (^١). وبليته أنه غُيّر له في كتبه ولم يكن يعلم بذلك فهو يحدث بأحايث مناكير وهو لا يعلم، قال أبو بكر الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله سئل عن الوليد بن محمد الموقري فقال: ما أُخبره، إلا أنهم زعموا أن العسكر لما دخل الشام أتاه قوم فأفسدوا حديثه، فهو يروي أحاديث، كأنه يريد مناكير. قلت لأبي عبد الله: المُوقّري يكتب حديثه؟ فقال: ما أدري أخبرك، إلا أنه له أحاديث مناكير وما أخبره\" (^٢).\nوقال حنبل بن إسحاق: \"سألت أبا عبد الله أحمد عن المُوقري قال: ما رأيت أحدًا يحدث عنه، قلت له: كيف حديثه؟ قال: لا أدري. قلت: فهو في بدنه؟ قال: لا أدري، إلا أن رجلًا قدم عليه فغير كتبه وهو لا يعلم فمن ذلك\" (^٣).\nوقال عبد الله: قلت لأبي: المُوقري يجيء عنه - يعني عن الزهري - بعجائب؟ قال: ليس ذاك بشيء. ا. هـ (^٤).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٨٦ رقم ٣١٩٧.\n(^٢) تهذيب الكمال ٣١/ ٧٨.\n(^٣) المصدر نفسه ٣١/ ٧٧.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٤٩ رقم ٢٥٤٣.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>المبحث السادس: من لا يحدّث من كتابه فيَهِم في حديثه</span>.\nمما يخل بضبط الراوي لكتابه أن يدع الكتاب عند الأداء ويحدث من حفظه، وتوضيح ذلك أن الراوي عند الأداء إما أن يملي أو يحدث من حفظ أو من كتاب، أو يقرأ عليه غيرُه من حفظ أو من كتاب وهو يسمع، سواء كان حافظًا أم لا إذا كان كتابه بيده أو بيد ثقة عنده، والأرجح أن يحدث من كتاب ولا يتكل على حفظه لأن الحفظ خوّان (^١)، ولذلك قال الخطيب: \"الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه ليسلم من الوهم والغلط ويكون جديرًا بالبعد من الزلل\" (^٢). وقال علي بن المديني: \"عهدي بأصحابنا وأحفظهم أحمد بن حنبل، فلما احتاج أن يحدث لا يكاد يحدث إلا من كتاب\" وقال ابن المديني أيضًا: \"قال لي سيدي أحمد: لا تحدثني إلا من كتاب\" (^٣). وقد حدث بعض المحدثين وهم أصحاب كتب، واتكلوا على حفظهم ولم يراجعوا كتبهم فوقعوا في أوهام، ودخل الخلل في بعض مروياتهم وضُعفت بسبب ذلك تلك المرويات. وقد كشف الإمام أحمد عن هذا الجنس من الرواة وذكر بعض الأحاديث التي وهموا فيها بسبب روايتهم لها من حفظهم دون كتابهم، فمنهم:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-191> إبراهيم بن سعد الزهري أبو إسحاق المدني:</span>\nأحد الأعلام، وثقه أحمد في عدة روايات (^٤)، وأنكر على يحيى بن سعيد\n_________\n(^١) وهذان طريقان من طرق تحمل الحديث، وهما السماع والعرض انظر: تدريب الراوي ٢/ ٨، ١٢، فتح المغيث ٣/ ١٢٧.\n(^٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٠.\n(^٣) المصدر نفسه ٢/ ١٢.\n(^٤) انظر: مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ١٥٥ رقم ١٥٥١، سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٢٤ رقم ٢٠٢، تاريخ بغداد ٦/ ٨٣، تهذيب الكمال ٢/ ٩٠.","vol":"1","page":539},{"text":"القطان تضعيفه له (^١). لكن قال مهناّ عن أحمد: إبراهيم إنما كان يخطئ إذا حدّث من حفظه، فأما كتبه فكانت صحيحة (^٢). وذكر ابن رجب عن أحمد أنه قال: كان يحدث من حفظه فيخطئ، وفي كتابه الصواب (^٣).\nوقد أنكر عليه الإمام أحمد بعض الأحاديث وجعل سبب خطئه فيها روايته لها من حفظه دون كتابه. وفيما يلي ذكرها:\nما أعله الإمام أحمد من حديثه:\n١. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس عن النبي ﷺ قال: \"الأئمة من قُريش\" قال: ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصلٌ (^٤).\nهذا الحديث رواه ثلاثة من الرواة عن إبراهيم بن سعد، وهم:\n١. أبو داود الطيالسي، وهو في مسنده (^٥)، ومن طريقه البزار (^٦)، وأبو نعيم (^٧).\n٢. الحسنُ بن إسماعيل، رواه من طريقه أبو يعلى (^٨)، وعنه الضياء المقدسي (^٩).\n٣. عمرو بن مرزوق، رواه من طريقه البيهقي (^١٠).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥١٩ رقم ٣٤٢٢.\n(^٢) المنتخب من العلل للخلال ص ١٩٧.\n(^٣) شرح علل ابن رجب ٢/ ٧٦٣.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٦ رقم ١٨٦٠، والكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٤٦، ونقله المقدسي في الأحاديث المختارة ٦/ ١٤٣.\n(^٥) مسند أبي داود الطيالسي ص ٢٨٤ رقم ٢١٣٣.\n(^٦) كشف الأستار ٢/ ٢٢٨ رقم ١٥٧٨.\n(^٧) حلية الأولياء ٣/ ١٧١.\n(^٨) مسند أبي يعلى ٣/ ٤٥٩ رقم ٣٦٣٢.\n(^٩) الأحاديث المختارة ٦/ ١٤٣ رقم ٢١٣٨.\n(^١٠) السنن الكبرى ٨/ ١٤٤.","vol":"1","page":540},{"text":"وقد رواه البخاري تعليقًا (^١) عن إبراهيم بن سعد.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام أحمد من حديث إبراهيم بن سعد، ونفى أن يكون له أصل من حديثه، واستدل لذلك بعدم وجوده في كتب إبراهيم، مما يدل على أنه ما حدث به إلا من حفظه، ومن هذا الوجه دخل الخطأ عليه، لأنه كان يحدث من حفظه فيخطئ، فما حدث به ولم يوجد له أصل في كتابه يغلب على الظن أنه مما أخطأ فيه، خاصة مع التفرد. وقد أشار البزار إلى تفرد سعد به عن أنس، قال البزار: لا نعلم أسند سعد عن أنس إلا هذا. ا. هـ (^٢)، وقال أبو نعيم: لم يروه عن سعد إلا ابنه إبراهيم. ا. هـ (^٣).\nوقد روي الحديث من وجوه أخرى عن أنس وغيره من الصحابة، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في مصنف خاص (^٤)، وإنما أنكر الإمام أحمد الحديث من طريق إبراهيم بن سعد، ومعنى هذا أن الطريق لا تصلح للاعتبار بها في المتابعات والشواهد.\n٢. قال صالح بن أحمد بن حنبل: حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: \"إن كان في الأمم محدّثون، فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب، كان يُلهم الشيء من الحق\". وقوله: \"السكينة تنطق على لسان عمر\"، إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وابن عجلان يقول: عن سعد، عن أبي سلمة، عن عائشة فقال: هو في كتابه عن أبيه مرسل، وإنما حدّث به من حفظه، وهو عن عائشة (^٥).\n_________\n(^١) التاريخ الكبير ٢/ ١١٢.\n(^٢) كشف الأستار ٢/ ٢٢٨.\n(^٣) حلية الأولياء ٣/ ١٧١.\n(^٤) سماه لذة العيش بطرق الأئمة من قريش، ذكره في فتح الباري ٦/ ٥٣٠.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ١٦١ - ١٦٢ رقم ١٥٧١.","vol":"1","page":541},{"text":"هذا الحديث اختلف على إبراهيم بن سعد فيه على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة (^١)، عن أبي هريرة: رواه من هذا الوجه البخاري عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي (^٢)، وعن يحيى ابن قزعة (^٣) كلاهما عن إبراهيم بن سعد. وتابعهما: أبو داود الطيالسي (^٤)، وسليمان ابن داود الهاشمي عند النسائي (^٥)، وفزارة بن عمر عند أحمد (^٦)، ومحمد بن عثمان أبو مروان العثماني عند القطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (^٧)، ويعقوب ابن حميد عند ابن أبي عاصم في السنة (^٨)، وأبو مصعب الزهري عند العقيلي في الضعفاء (^٩)، وإبراهيم بن حمزة عند البغوي (^١٠)، وعباس بن الفضل البصري، ذكره الدارقطني في العلل (^١١)، وعبد الله بن وهب من طريق ابن أخيه أحمد ابن عبد الرحمن بن وهب عنه، وهو عند الطحاوي (^١٢)، فكل هؤلاء - وعددهم أحد عشر - رووه عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nويؤيد هذا الوجه ما رواه زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (^١٣)، ووصله\n_________\n(^١) وسقوطه في سؤال صالح خطأ، فإنه ثابت كما في مصادر التخريج.\n(^٢) صحيح البخاري ٦/ ٥١٢ ح ٣٤٦٩ - مع فتح الباري.\n(^٣) صحيح البخاري ٧/ ٤٢ ح ٣٦٨٩ - مع فتح الباري.\n(^٤) مسند الطيالسي ص ٣٠٨ ح ٣٢٤٨. وأخرجه من طريقه اللاكائي في كرامات الأولياء ٩٨ ح ٤١.\n(^٥) السنن الكبرى ٥/ ٤٠ ح ٨١٢٠، وفي فضائل الصحابة له ص ٨ ح ١٩.\n(^٦) المسند ١٤/ ١٧٦ ح ٨٤٦٨.\n(^٧) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ٣٦١ ح ٥٢٩.\n(^٨) السنة لابن أبي عاصم ٢/ ٥٨٣ ح ١٢٦١.\n(^٩) كتاب الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٥١.\n(^١٠) شرح السنة ح ٣٨٧٣.\n(^١١) علل الدارقطني ج ٥ ق ٨٥.\n(^١٢) شرح مشكل الآثار ح ١٦٥٠.\n(^١٣) صحيح البخاري ٧/ ٤٢ - مع فتح الباري.","vol":"1","page":542},{"text":"الحافظ ابن حجر من طريق أبي بكر الإسماعيلي، وأبي نعيم (^١). وقد اختلف على هذا الطريق بالوصل الإرسال أيضًا (^٢).\nالوجه الثاني: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة: رواه الإمام مسلم (^٣) من هذا الوجه عن أبي الطاهر أحمد بن أبي سرح، عن عبد الله ابن وهب، عن إبراهيم بن سعد به. وتابعه: يزيد بن عبد الله بن الهاد برواية شعيب ابن الليث بن سعد عن أبيه عنه، عن إبراهيم بن سعد به، الطحاوي (^٤)، والحاكم (^٥). وتابعه أيضًا الحكم بن أسلَم، ذكره الدراقطني في العلل (^٦). ورواه من هذا الوجه أيضًا عبد الله بن زياد بن سمعان، عن إبراهيم بن سعد، وهو عند العقيلي (^٧)، لكن ابن سمعان متهم فلا يعتبر بروايته (^٨). وفي هذه المتابعات استدراك لما قاله أبو مسعود: لا أعلم أحدًا تابع ابن وهب في قوله: عن إبراهيم ابن سعد عن عائشة، والمشهور من رواية إبراهيم بن سعد، عن أبي هريرة. ا. هـ (^٩).\nويؤيد هذا الوجه ما رواه مسلم (^١٠) من طريق محمد بن عجلان، عن سعد بن إبرهيم، عن أبي سلمة عن عائشة. وللحديث أصل من حديث عائشة من\n_________\n(^١) تغليق التعليق ٤/ ٦٤.\n(^٢) ذكره الدارقطني في علله ج ٥ ق ٧٥. فرواه موصولًا: داود بن عبد الحميد، ورواه مرسلًا يزيد بن هارون، وإسحاق الأزرق.\n(^٣) صحيح مسلم ٤/ ١٨٦٤ ح ٢٣٩٨.\n(^٤) شرح مشكل الآثار ح ١٦٥٢.\n(^٥) معرفة علوم الحديث ص ٢٢٠.\n(^٦) علل الدراقطني الموضع السابق.\n(^٧) كتاب الضعفاء ٢/ ٦٥١.\n(^٨) تقريب التهذيب ٣٢٤٦.\n(^٩) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٣٦٦، وانظر: فتح الباري ٧/ ٥٠.\n(^١٠) صحيح مسلم الموضع السابق. وهو عند الإمام أحمد المسند ٤٠/ ٣٢٩ ح ٢٤٢٨٥ وغيره.","vol":"1","page":543},{"text":"وجه آخر عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة. أخرجه ابن أبي عاصم (^١)، والقطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (^٢). وفي الإسناد عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو صدوق لكن تغير حفظه لما قدم بغداد (^٣)، ولا يضر هذا في الاعتبار به.\nالوجه الثالث: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلًا: رواه الإمام أحمد (^٤) من هذا الوجه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد به. وذكر الدارقطني (^٥) أن ابن الهاد، ويعقوب وسعد أبناء إبراهيم، وأبو صالح كاتب الليث وغيرهم رووه عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة قال: بلغني أن رسول الله ﷺ. ا. هـ. ولم أقف على هذه الطرق غير طريق يعقوب ابن إبراهيم بن سعد.\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nذكر الإمام أحمد أن الحديث في كتاب إبراهيم بن سعد عن أبيه مرسل، وأن تحديثه للحديث عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة إنما كان ذلك من حفظه، وأما الوجه الأول من رواية الحديث - وهو إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - فلعله داخل أيضًا في الإعلال حيث إنه مخالف لما في كتاب إبراهيم بن سعد، فيكون قد أعل كلا الوجهين - الأول والثاني - بالإرسال، وصنيعه هذا مثل صنيع الدارقطني حيث استدرك على الشيخين اللذين رويا الحديث - البخاري من حديث أبي هريرة، وهو الوجه الأول، ومسلم من حديث عائشة، وهو الوجه الثاني - بالرواية المرسلة وقال: المشهور عن\n_________\n(^١) السنة ٢/ ٥٦٩ ح ١٢٦٢.\n(^٢) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ٣٥٥ ح ٥١٨.\n(^٣) تفريب التهذيب ٣٨٨٧.\n(^٤) المسند ١٤/ ١٧٧ ح ٨٤٦٩.\n(^٥) الإلزامات والتتبع ص ١٦٧.","vol":"1","page":544},{"text":"إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلمة مرسلًا. والإمام أحمد تفرد بالإشارة إلى وجه هذه العلة حيث أوضح أن رواية الإرسال هي الثابتة في أصل إبراهيم، وأما رواية الوصل فهي مما حدث به من حفظه. وقد ثبت أن لرواية الوصل أصلًا من حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة، ولذلك لم يتردد كل واحد من صاحبا الصحيح من إخراج إحداهما. وكلام الإمام أحمد ليس صريحًا في الإعلال، وإن كان ذكر أن إبراهيم إذا حدث من حفظه فإنه كان يخطئ، أما كتبه فهي صحيحة، فقد يحدث من حفظه ويكون صحيحًا خاصة إذا لم يخالف، وهنا لم يخالف، فقد وافقه على ذكر أبي هريرة زكريا بن أبي زائدة، ووافقه على ذكر عائشة محمد بن عجلان، كما وافقه أيضًا على رواية الإرسال اثنان من أصحاب زكريا بن أبي زائدة كما تقدم، فلعل الحديث كان يحدث به سعد أو أبو سلمة على هذه الأوجه الثلاثة، والله أعلم.\n٣. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: شهدتُ إبراهيم بن سعد وذَكر عن الزهري: ﴿الْمَاعُونَ﴾: المال بلسان قريش، قيل له: إنك حدثتنا به عن الزهري، عن سعيد، قال: لا، وأنكره، إنما هو عن الزهري، قال أحمد: رواه عنه غير واحد عن سعيد، قال أحمد: ربما حدّث بالشي من حفظه (^١).\nهذه المسئلة روى عبد الله مثلها قال: \"حدثني أبي قال: سمعت إبراهيم ابن سعد يُحدث عن ابن شهاب قال: الماعون بلسان قريش المالُ، فقال له ابنُه سعدٌ: كنتَ حدّثت عن سعيد - يعني ابن المسيّب، فأبى وقال: لا، كأنه مِن رأي ابن شهاب. قال أبي: وهو الصواب\" (^٢).\nوهذا التفسير رواه ابن جرير الطبري في التفسير (^٣) من طريق موسى\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٥ رقم ١٩٠٨.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٣٣ رقم ٣٥٢٢.\n(^٣) جامع البيان ٣٠/ ٣١٩.","vol":"1","page":545},{"text":"ابن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب. وتقدم عن الإمام أحمد أنه قال: رواه عنه غير واحد على هذا الوجه، وأن الصواب في هذا التفسير أنه من رأي الزهري، وهي الرواية التي استقر عليها بأخرة وأنكر غيرها. وقد رواه ابن أبي ذئب عن الزهري، أخرجه ابن أبي شيبة (^١)، والطبري (^٢) كلاهما من طريق وكيع، عن ابن أبي ذئب عن الزهري.\nوفي قول الإمام أحمد: إن إبراهيم ربما حدث بالشيء من حفظه، إشارة إلى وجه دخول الخطأ في روايته لهذا التفسير عن سعيد بن المسيب، أي حينما رواه عن الزهري عن ابن المسيب ربما حدث به من حفظه فوقع في الخطأ، وهو وجه إيراد الأثر في هذا المطلب.\nولم أر لغير الإمام أحمد الكلام في حفظ إبراهيم بن سعد إذا حدث من حفظه دون كتابه.\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-192> عبد الله بن يزيد القرشي، أبو عبد الرحمن المقرئ:</span>\nأثنى الإمام أحمد على حديثه عن بعض شيوخه، فقال الفضل بن زياد: \"سمعت أبا عبد الله يقول: كان حديث المقرئ حسنًا عن سعيد بن أبي أيوب، وعن حيوة بن شُريح، ولكن كان يحدث من كتب الناس، وكان يحفظ حديث موسى ابن أيوب الغافقي، وحرملة بن عمران، وحبان، وما أصح حديثه عن ابن لهيعة\" (^٣).\nلكنه تلكم في حفظه وقال: كان حفظ المقرئ رديئًا وكنت لا أسمع منه إلا من كتاب، رواه ابنه عبد الله عنه (^٤).\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢١ رقم ١٠٦٣٥.\n(^٢) جامع البيان ٣٠/ ٣١٩.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٢.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٧٤ رقم ٦٠٢٦.","vol":"1","page":546},{"text":"وذكر الإمام أحمد أثرًا رواه من طريقه وعقّب عليه بأنه حدث به من حفظه خلافًا لما في كتابه.\nقال عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: حدثنا حيوة، قال: أخبرني الحجاج بن راشد الصنعاني، أن أبا صالح سعيد ابن عبد الرحمن الغفاري أخبره أن سُليم بن عتر التجيبي كان يقصُّ على الناس وهو قائم. فقال له صلة بن الحارث الغفاري: وهو من أصحاب النبي ﷺ … قال أبي: كان عندنا فيما قرأ علينا أبو عبد الرحمن من كتابه: سليمان بن عتر، فقال من حفظه: سُليم بن عتر (^١).\nهذا الأثر رواه البخاري في ترجمة صلة بن الحارث الغفاري (^٢)، والطبراني (^٣)، ومن طريقه الضياء المقدسي (^٤)، وفيه ذكر تكملة قول صلة بن الحارث: [ما تركنا عهد نبينا ولا قطعنا أرحامنا حتى قمتَ أنت وأصحابك بين أظهرنا]، يشير ﵁ إلى بني أمية، فإن سُليم بن عتر كان قاضيًا لأهل مصر في ولاية عمرو بن العاص (^٥). وذكر الحافظ ابن حجر أن البغوي، ومحمد بن الربيع الجيزي، وابن السكن رووه أيضًا من طريق سعيد بن عبد الرحمن الغفاري (^٦).\nوسُليم بن عتر من تابعي أهل مصر وقضاتهم، وكان من النساك، وسمع أبا الدرداء، وقد ترجم له الإمام البخاري (^٧)، وابن أبي حاتم (^٨)،\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٣/ ٤٧٤ رقم ٦٠٢٨.\n(^٢) التاريخ الكبير ٤/ ٣٢١.\n(^٣) المعجم الكبير ٨/ ٧٤.\n(^٤) الإحاديث المختارة ٨/ ٥٢.\n(^٥) مسند إسحاق بن راهويه ١/ ٣٤٧ رقم ٣٤٤.\n(^٦) الإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ١٩٣.\n(^٧) التاريخ الكبير ٤/ ١٢٥.\n(^٨) الجرح والتعديل ٤/ ٢١١.","vol":"1","page":547},{"text":"والعجلي (^١)، وابن حبان (^٢)، والأمير ابن ماكولا (^٣)، والحافظ الذهبي (^٤)، ولم يشر أحد منهم إلى أن اسمه سليمان كما ذكر الإمام أحمد أنه هو المثبت في كتاب المقرئ. وقد تابع المقرئ على تسميته سُليمًا عددٌ من الرواة المصريين منهم عبد الله بن وهب، ورشدين بن سعد في أثر عند نعيم بن حماد الخزاعي في الفتن (^٥)، وكذلك عبد الله ابن المبارك في كتاب الزهد له (^٦). فكأن ما حدث به المُقرئ من حفظه هنا أصح مما في كتابه، ولعل هذا وجه عدم تصريح الإمام أحمد بخطأ المقرئ في قوله: سُليم، واكتفى بالإشارة إلى الاختلاف بين ما كان في كتابه وما حدث به من حفظه، والله أعلم.\nولم أر لغير الإمام أحمد إشارة إلى هذه العلة في أحاديث أبي عبد الرحمن المقرئ إلا ما ذكره الخليلي أنه ثقة مخرج في الصحيح، وحديثه عن الثقات يحتج به ويتفرد بأحاديث (^٧)، والتفرد إذا كثر فهو مظنة لوقوع العلل في حديث الراوي، والله أعلم.\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-193> عبد الرزاق بن همام الصنعاني:</span>\nتقدم في مطلب الاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي أن عبد الرزاق، وكان أحد الثقات الأعلام، بعد ذهاب بصره كان يلقن فيتلقن، وأدى ذلك إلى وجود المناكير في مروياته عن طريق من سمع منه في تلك الفترة. وهناك وجه آخر لدخول المناكير في مروياته، وهو تحديثه من حفظه دون كتابه. وليس هناك عن الإمام أحمد التصريح بإطلاق التضعيف فيما حدث به عبد الرزاق من حفظه\n_________\n(^١) معرفة الثقات ١/ ٤٢٥ رقم ٦٥٨.\n(^٢) كتاب الثقات ٤/ ٣٢٩.\n(^٣) الإكمال ٦/ ٢٩٣.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٣١.\n(^٥) الفتن ٢/ ٤٧٤ رقم ١٣٣٢.\n(^٦) كتاب الزهد ص ١٣٣.\n(^٧) الإرشاد ١/ ٣٨٣.","vol":"1","page":548},{"text":"دون كتابه، لكن أعل بعض أحاديثه بسبب هذه العلة، ومن تلك الأحاديث:\n١. قال أبو داود: سمعتُ أحمد ذكر حديثَ عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي ﷺ رأى على عمر ثوبًا جديدًا قال: \"لبست جديدًا … \"؟ فقال: كان يحدث به عبد الرزاق من حفظه، فلا أدري هو في كتابه أم لا؟ وجعل أبو عبد الله ينكره. قال أبو عبد الله: وكان حديث أبي الأشهب عنده - يعني عبد الرزاق - عن سفيان، وكان يغلط فيه يقول: عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب (^١).\nهذا الحديث ذكر الإمام أحمد أن عبد الرزاق رواه بإسنادين، وكلاهما منكران:\nالأول: عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ وهو في منصف عبد الرزاق (^٢)، ورواه النسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥)، وعبد ابن حميد (^٦)، والبخاري (^٧)، والترمذي (^٨)، والبزار (^٩)، وأبو يعلى (^١٠)، وابن حبان (^١١)، والطبراني (^١٢)، وابن عبد البر (^١٣)، وابن حجر (^١٤) من طرق عن عبد الرزاق،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣٥ رقم ٢٠٠٤.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٢٣ ح ٢٠٣٨٢.\n(^٣) السنن الكبرى ٦/ ٨٥ ح ١٥١٤٣، وعمل اليوم والليلة ص ٢٧٥ ح ٣١١.\n(^٤) سنن ابن ماجه ٢/ ١١٧٨ ح ٣٥٥٨.\n(^٥) المسند ٩/ ٤٤٠ ح ٥٦٢٠.\n(^٦) المنتخب من مسنده ص ٢٣٧ ح ٧٢٣.\n(^٧) تعليقًا في التاريخ الكبير ٣/ ٣٥٦، وفي التاريخ الأوسط ٢/ ٣٣.\n(^٨) علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٣٧.\n(^٩) كشف الأستار ٣/ ١٧٥ ح ٢٥٠٤.\n(^١٠) مسند أبي يعلى ٩/ ٤٠٢ ح ٥٥٤٥.\n(^١١) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٥/ ٣٢٠ ح ٦٨٩٧.\n(^١٢) المعجم الكبير ١٢/ ٢٨٣ ح ١٣١٢٧، وفي الدعاء ح ٣٩٩.\n(^١٣) الاستيعاب ٣/ ١١٥٧.\n(^١٤) تنائج الأفكار ١/ ١٣٥.","vol":"1","page":549},{"text":"ولفظه كما عند أحمد: رأى النبي ﷺ على عمر ثوبًا أبيض فقال: \"أجديد ثوبك أم غسيل؟ \" فقال: لا أدري ما رد عليه، فقال النبي ﷺ: \"الْبَسْ جديدًا، وعِشْ حميدًا، ومُتْ شهيدًا\" أظنه قال: \"ويرزقك الله قُرّة عينٍ في الدُّنيا والآخرة\".\nوجه إعلال الإمام أحمد لهذا الطريق: أنكر الإمام أحمد الحديث من هذا الطريق، وعلّل ذلك بأن عبد الرزاق حدّث به من حفظه، وأنه لا يدري هل هو في كتابه أم لا؟ والذي يُجزم به أن عبد الرزاق قد حدّث به قبل ذهاب بصره بدليل رواية أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (^١) للحديث عنه، وكلاهما ممن سمع منه قبل ذهاب بصره، فعلى هذا لا يكون سبب علة الحديث قبول عبد الرزاق للتّلقين والذي سبق بحثه في الاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي، وتعين السبب الذي ذكره الإمام أحمد وهو تحديث عبد الرزاق بالحديث من حفظه دون كتابه، بغض النظر عن كون الحديث في أصل كتابه أو لا (^٢).\nالثاني: عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب. هكذا ذكره الإمام أحمد عن عبد الرزاق، ولم أره لغيره، ورواه حفص بن عمر المهرقاني (^٣)، وأبو مسعود الرازي (^٤)، وزهير بن محمد المروزي (^٥) ثلاثتهم عن\n_________\n(^١) رواه أبو يعلى من طريقه.\n(^٢) وقد جزم الشيخ ياسر بن فتحي المصري في تخريجه لأحاديث كتاب \"الذكر والدعاء والعلاج بالرقى من الكتاب والسنة\" ص ٨١ - ٨٢ أن هذا الحديث لم يكن في كتاب عبد الرزاق مستندًا إلى قول الإمام أحمد في رواية الأثرم أنه قال: هذا كان يحدث به من حفظه ولم يكن في الكتب. ا. هـ، ثم أحال على مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود في موضع هذا السؤال نفسه، والذي ورد في هذا الموضع هو ما تقدم نقله أن الإمام أحمد قال: لا أدري أهو في كتابه أو لا؟ وهو من رواية أبي داود، وأما ما ذكره الإمام أحمد في رواية الأثرم فهو في حديث آخر لعبد الرزاق، وهو حديث [النار جبار] الذي سبق وأن ذكرته في مطلب الاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي انظر: ص ٤٥٢.\n(^٣) قال فيه أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق الجرح والتعديل ٣/ ١٨٤.\n(^٤) أحمد بن الفرات ثقة حافظ تقريب التهذيب ترجمة ٨٨.\n(^٥) هو ابن قُمير المروزي، وثقه السراج تهذيب الكمال ٩/ ٤١١.","vol":"1","page":550},{"text":"عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر عن النبي ﷺ به. أخرجه الطبراني (^١)، وذكره الإمام البخاري تعليقًا عن عبد الرزاق (^٢).\nأما الطريق الذي ذكره الإمام أحمد عن عبد الرزاق، فذكر أنه كان يغلط فيه، ولم يبين وجه الغلط، وأما الطريق الذي رواه الطبراني فقال: وهم فيه عبد الرزاق، وحدث به بعد أن عمي، والصحيح عن معمر، عن الزهري، ولم يحدث به عن عبد الرزاق هكذا إلا هؤلاء الثلاثة. ا. هـ (^٣). والصحيح عن الثوري هو ما رواه أبو نعيم، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي الأشهب، أن النبي ﷺ رأى على عمر ثوبًا جديدًا مرسل. قاله البخاري (^٤)، وقال: وهذا أصح بإرساله. ا. هـ (^٥)، فإن أبا نعيم مقدم على عبد الرزاق في الثوري (^٦)، وقد تابعه ابن سعد، عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد به (^٧).\nوجه علة هذا الطريق عند الإمام أحمد:\nلم يبين الإمام أحمد وجه غلط عبد الرزاق في هذا الحديث ولا وجه دخول الغلط عليه، فأما وجه الغلط فظاهر في مخالفته لأبي نعيم عن الثوري وكذلك لرواية ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، وأما دخول الغلط عليه فذكر الطبراني أنه وهم فيه لأنه حدّث به بعد ما عمي، يعني حين كان يقبل التلقين، والذي يظهر لي أن هذا ليس وجه دخول الخطأ عليه، لأن الإمام أحمد أثبت أن\n_________\n(^١) كتاب الدعاء ح ٤٠٠.\n(^٢) التاريخ الكبير ٣/ ٣٥٦، والتاريخ الأوسط ٢/ ٣٣.\n(^٣) تنائج الأفكار ١/ ١٣٨.\n(^٤) علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٣٨.\n(^٥) التاريخ الكبير ٣/ ٣٥٦.\n(^٦) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢٢.\n(^٧) الطبقات الكبرى ٣/ ٣٢٩.","vol":"1","page":551},{"text":"الحديث عنده عن سفيان، وسماع أحمد من عبد الرزاق كان قبل ذهاب بصره، فليست العلة من أجل قبوله التلقين، وإنما دخل الوهم عليه لأنه كان يضطرب في بعض أحاديثه عن الثوري، وهي التي سمعها بمكة، قال أحمد في رواية الأثرم: \"سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدًا\" (^١)، فلذلك روي عنه هذا الحديث عن الثوري من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذكره أحمد، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب؛ والثاني ما رواه الطبراني عنه عن الثوري، عن عاصم، عن سالم عن أبيه؛ والثالث: أشار إليه ابن حبان بعد روايته للحديث من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، قال: قال عبد الرزاق: وزاد فيه الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد: \"ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة\" (^٢). فهذا التلون في رواية الحديث الواحد يدل على الاضطراب مما يقوي الظن بأنه من سماع مكة، والله أعلم.\nوقد وافق الإمام أحمد على إنكار هذا الحديث على عبد الرزاق من كلا الطريقين عدد من الحفاظ، فيما يلي أقوالهم:\nقال الإمام البخاري: وكلا الحديثين لا شيء، ورجح أن حديث أبي الأشهب من رواية أبي نعيم عن الثوري هو أصح مع إرساله.\nقال الإمام أبو حاتم: هذا حديث ليس له أصل من حديث الزهري، ولم يرض عبد الرزاق حتى أتبع هذا بشيء أنكر من هذا فقال: حدثنا الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله، وليس لشيء من هذين أصل … وإنما هو معمر عن الزهري مرسل أن النبي ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٠. وانظر: الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٨٧.\n(^٢) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٥/ ٣٢١.\n(^٣) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨. وانظر الكتاب نفسه ١/ ٤٩٠.","vol":"1","page":552},{"text":"وقال الإمام النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى بن سعيد القطان على عبد الرزاق، لم يروه عن معمر غير عبد الرزاق … (^١).\nوقال حمزة الكناني: لا أعلم أحدًا رواه عن معمر، وما أحسبه بالصحيح (^٢).\n٢. ومما ذكره الإمام أحمد من الأحاديث التي حدث بها عبد الرزاق من حفظه خارج كتابه فوهم فيها:\nقال أبو داود: سمعت أحمد قال: حديث عُكافٍ (^٣): كان عند عبد الرزاق، عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، قال: قال عبد الرزاق - من حفظه - قال: ثنا مَكحول، يعني عن سليمان بن موسى قال: ثنا مكحول، فلما أخرج - يعني الكتاب - لم يكن فيه: \"حدثنا\" قال: عن مكحول، عن رجل، عن أبي ذر (^٤).\nهذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه، وهو من رواية الدبري عنه (^٥)، عن محمد بن راشد: قال سمعت مكحولًا يحدث عن رجل، عن أبي ذر قال: [دخل على رسول الله ﷺ رجلٌ يقال له عكاف بن بشر التميمي فقال له النبي ﷺ: \"هل لك من زوجة؟ \" قال: لا، قال: \"ولا جارية؟ \" قال: ولا جارية، قال: \"وأنت موسرٌ بخير؟ \" قال: وأنا موسر بخير، قال: \"أنت إذا من أخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، وشراركم عزّابكم، وأراذل موتاكم\n_________\n(^١) السنن الكبرى ٥/ ٨٦.\n(^٢) مصباح الزجاجة ٤/ ٨٢.\n(^٣) عكاف بن وداعة الهلالي، ويقال: ابن بسر التميمي، ذكره ابن قانع في الصحابة، قال ابن عبد البر: يعد في الشاميين، روى عن عطية بن بسر المازني حديثه في الترغيب في النكاح ولا يعرف إلا به، وفي سنده مقال وهو مشهور عند أهل الشام معجم الصحابة ٢/ ٢٨٣، الاستيعاب ٣/ ١٢٤٤، تعجيل المنفعة ص ١٩١.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٠ رقم ٢٠٤٧.\n(^٥) كتاب النكاح من المصنف المطبوع من رواية الدبري عن عبد الرزاق انظر: المصنف ٦/ ١٣٣.","vol":"1","page":553},{"text":"عزّابكم، بالشياطين تتمرسون؟ ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجين، أوليك المطهّرون المبرّؤون من الخَنا، ويحك، ياعكاف! إنهن صواحب أيّوب، وداود، وكُرسف، ويوسف\". فقال له بشر بن عطية: ومن كُرسف يا رسول الله؟ قال: \"رجل كان يعبد الله من سواحل البحر ثلاث مئة عام، يصوم النهار ويقوم الليل، ثم إنه كفر بالله العظيم في سبب امرأة عشقها، وترك ما كان عليه من عبادة ربه، ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه، ويحك يا عكاف، تزوج! وإلا أنت من المذبذبين، \" قال: زوجني يا رسول الله، قال: \"فزوجه كريمة ابنةَ كُلثوم الحميري\" (^١). فوقع في الإسناد التصريح بالسماع بين محمد بن راشد ومكحول كما ذكر أبو داود في سؤاله هذا للإمام أحمد، وورواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق بالعنعنة بين محمد بن راشد ومكحول (^٢). وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن مندة رواه من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق، لكن لم يسق الإسناد حتى تتبين صيغة التحمل فيه، وفيه التصريح بأن الرجل المبهم في الإسناد هو غضيف بن الحارث (^٣).\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام أحمد بأن ذكر السماع في الإسناد بين محمد بن راشد ومكحول لم يكن في كتاب عبد الرزاق، وإنما حدث به من حفظه فوهم، ولذلك لما روى الإمام\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٧١ رقم ١٠٣٨٧. وورد في الإسناد في سؤال أبي داود أن محمد بن راشد يروي الحديث عن سليمان بن موسى، وذكر سليمان بن موسى هنا خطأ، فلم يذكر في إسناد عبد الرزاق في هذا الموضع ولا في مسند أحمد الذي رواه من طريق عبد الرزاق كما سيأتي، ولا في إتحاف المهرة ١٤/ ٢٣٢. وإنما ورد ذكره في إسناد الحديث كما رواه الشاميون: بقية بن الوليد، ووليد بن مسلم انظر: مسند أبي يعلى ١٢/ ٢٦٠ ح ٦٨٥٦، تاريخ واسط ص ٢١٣.\n(^٢) مسند الإمام ٣٥/ ٣٥٥ ح ٢١٤٥٠.\n(^٣) القول المسدد ص ٧٣.","vol":"1","page":554},{"text":"أحمد الحديث من طريق عبد الرزاق رواه على الوجه كما هو في أصل عبد الرزاق، لأنه كان لا يأخذ عنه إلا ما كان في أصل كتابه، فهذا يمثل ما كان عليه عبد الرزاق من الوقوع في الوهم إذا حدث من حفظه.\nوهذا الحديث رواه أهل الشام من طرق أخرى، وقال الحافظ ابن حجر عن طرق هذا الحديث: كلها لا تخلو من ضعف واضطراب (^١).\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-194> عبد العزيز بن محمد الدراوردي:</span>\nقال أبو طالب: \"سئل أحمد بن حنبل عن عبد العزيز الدراوردي؟ فقال: كان معروفًا بالحديث والطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس أوهم، وكان يقرأ على الناس من كتبهم فكان يخطئ، وربما قلب حديث عبد الله العمرى يرويه عن عبيد الله بن عمر، قيل له: لعل قد رواها عبيد الله؟ قال: عبيد الله كان أثبت من ذلك، وإذا قرأ في كتبه كان صحيحًا\" (^٢).\nذكر الإمام أحمد في هذه الرواية صحة حديث الدراوردي إذا روى من كتابه، وأنه معروف بطلب الحديث، وذكر وجهين آخرين يدخل الضعف في حديثه منهما، وهما: تحديثه من كتب الناس، وأن أحاديثه عن عبيد الله بن عمر مقلوبة.\nوأما يتعلق بما حدّث به الدراوردي من حفظه فقال أبو داود: \"سمعت أحمد ذكر الدراوردي فقال: كتابه أصح من حفظه\" (^٣).\nوعن أحمد قال: \"كان الدراوردي إذا حدّث من حفظه يهم، ليس هو\n_________\n(^١) الإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٤٩٦، وانظر: الضعفاء للعقيلي ٣/ ١٠٦٠، الاستيعاب ٣/ ١٢٤٤، العلل المتناهية ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠، تعجيل المنفعة ص ١٩٢.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٩، والجرح والتعديل ٥/ ٣٩٥.\n(^٣) سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ٢٢١ رقم ١٩٨.","vol":"1","page":555},{"text":"بشيء، وإذا حدث من كتابه فنعم\" (^١).\nومما أعله الإمام أحمد من حديث الدراوردي لكونه حدّث به من حفظه وليس في كتابه:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد ذكر حديث الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يُستعذب له الماءَ من بيوت السُّقيا؟ فقال: هذا أُواه ريح، وسمعت أحمد ذكر هذا الحديث فقال: ليس هذا - يعني هذا الحديث - في كتاب الدراوردي، وكان يحدّثه حفظًا، فقال أحمد: كتابُه أصح من حفظه (^٢).\nهذا الحديث رواه أبو داود (^٣)، وابن سعد (^٤)، وأحمد (^٥)، وإسحاق ابن راهويه (^٦)، وعمر بن شبة (^٧)، وابن حبان (^٨)، وأبو الشيخ (^٩)، والحاكم (^١٠)، وأبو نعيم (^١١)، والبيهقي (^١٢)، والخطيب (^١٣)، والبغوي (^١٤) كلهم من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٦٦.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٨ رقم ١٩٤٨.\n(^٣) سنن أبي داود ٤/ ١١٩ ح ٣٧٣٥.\n(^٤) الطبقات الكبرى ١/ ٥٠٦.\n(^٥) المسند ٤١/ ٢٢٣ ح ٢٤٦٩٣، ٤١/ ٢٨٨ ح ٢٤٧٧٠.\n(^٦) مسند إسحاق بن راهويه ٢/ ٣١٧ ح ٢٩٨، ٢/ ٣٦٤ ح ٣٦٢، ٣/ ١٠٠١ ح ١١٩٢.\n(^٧) تاريخ المدينة ١/ ١٥٨.\n(^٨) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٢/ ١٤٩ ح ٥٣٣٢.\n(^٩) أخلاق النبي ﷺ ص ٢٢٧.\n(^١٠) المستدرك ٤/ ١٣٨.\n(^١١) تاريخ إصبهان ٢/ ٨٩ في ترجمة الدراوردي.\n(^١٢) شعب الإيمان ٥/ ١٢٠ ح ٦٠٣٢.\n(^١٣) تاريخ بغداد ٣/ ١٣٠.\n(^١٤) شرح السنة ١١/ ٣٨٤ ح ٣٠٤٩.","vol":"1","page":556},{"text":"وزاد أبو داود في روايته تفسير قتيبة بن سعيد لبيوت السقيا بأنها عين بينها وبين المدينة يومان. وقال غيره إنها بئر بالمدينة (^١).\nوجه إعلال الإمام أحمد للحديث:\nأعله الإمام أحمد بقوله: هذا أُراه ريح، وهو إشارة إلى إنكاره للحديث وأنه ليس بشيء عنده، وجعل علة ذلك كون الحديث ليس في كتاب الدراوردي وإنما كان يحدث به من حفظه، وإذا حدث من غير كتابه فإنه ليس بشيء عنده.\nوقد توبع الدراوردي عن هشام بن عروة: تابعه عامر بن صالح بن عبد الله ابن عروة بن الزبير عند أبي الشيخ (^٢)، وابن عدي (^٣)، والبيهقي (^٤). وعامر بن صالح متروك الحديث (^٥)، وقال ابن عدي: هذا الحديث يعرف بعبد العزيز الدراوردي. ا. هـ. وخاصة وقد رماه ابن عدي بسرقة الحديث فلا يعتبر به.\nوتابعه أيضًا محمد بن المنذر (^٦)، عند\n_________\n(^١) معجم البلدان ٣/ ٢٢٨.\n(^٢) أخلاق النبي ﷺ ص ٢٢٧.\n(^٣) الكامل ٥/ ١٧٣٧.\n(^٤) شعب الإيمان ٥/ ١٢٠ ح ٦٠٣٣.\n(^٥) هكذا قال الحافظ ابن حجر فيه وتبع في ذلك الدارقطني. وقد كان يحيى بن معين يرميه بالكذب وكان أحمد يروي عنه، ويقول فيه: ثقة، لم يكن صاحب كذب. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ما أرى به بأسًا. قال الدارقطني: أساء ابن معين القول فيه، ولم يتبين أمره عند أحمد، وهو مدني يترك عندي. وقال ابن عدي: عامة حديثه مسروق من الثقات، وأفراد ينفرد بها. وقال أبو نعيم: روى عن هشام بن عروة مناكير لا شيء.\nانظر: الجرح والتعديل ٦/ ٣٢٤، تاريخ بغداد ١٢/ ٢٣٤، الكامل لابن عدي ٥/ ١٧٣٨، كتاب الضعفاء لأبي نعيم ص ١٢٤ ترجمة ١٨١، تقريب التهذيب ٣١١٣.\n(^٦) هو ابن عبيد الله، وليس محمد بن المنذر بن الزبير بن العوام، فإن كل واحد منهما يروي عن هشام، إلا أن الأول يروي عنه عتيق بن يعقوب الزبيري، وهو الراوي عنه في هذا الحديث. وقد قال عنه ابن حبان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات، لا يحل كتابة حديثه إلا علي سبيل الاعتبار المجروحين ٢/ ٢٥٩.","vol":"1","page":557},{"text":"البغوي (^١)، ومحمد بن المنذر أيضًا لا يصلح للاعتبار. قال عنه الحاكم: يروي عن هشام أحاديث موضوعة (^٢)، وقال أبو نعيم: روى عن هشام بن عروة أحاديث منكرة (^٣).\nوقد روى هذا الحديث عن الدراوردي نحو أربعةَ عشرَ راويًا من غير اختلاف فيما بينهم، مما يقوي جانب حفظ الدراوردي للحديث وإن كان حدّث به من حفظه، ولعل هذا ما جعل الحافظ ابن حجر يجوّد إسناد الحديث (^٤). أما الإمام أحمد فلم ير قبول تفرد الدراوردي بهذا الحديث لضعفه بسبب العلة التي ذكرها، وقد ذكر يعقوب الحموي بإسناده عن صالح جزرة عن أحمد أنه قال: \"عبد العزيز بن محمد الدراوردي ضعيف الحديث، روى عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة … \" فذكر هذا الحديث (^٥).\nوقد كان يحيى بن معين يذهب إلى مثل ما ذهب إليه الإمام أحمد في الدراوردي، فمع أنه كان يقول فيه: لا بأس به (^٦)، فقد قال في رواية أبي خالد الدقاق: الدراوردي ما روى من كتابه فهو أثبت من حفظه (^٧)، وأعل الحديث الذي رواه - أي الدراوردي - عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، \"عن أبي هريرة\" (^٨) أن النبي ﷺ قال لعمّار: \"تقتلك فئة باغية\"، قال ابن معين: \"لم يُوجد في كتاب\n_________\n(^١) شرح السنة ١١/ ٣٨٤ ح ٣٠٥٠.\n(^٢) لسان الميزان ٥/ ٣٩٤.\n(^٣) كتاب الضعفاء ص ١٣٩ ترجمة ٢١١.\n(^٤) فتح الباري ١٠/ ٧٤.\n(^٥) معجم البلدان ٣/ ٢٢٨.\n(^٦) تاريخ ابن معين - برواية الدارمي ص ١٧٤.\n(^٧) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال - رواية أبي خالد الدقاق ص ٩٣.\n(^٨) سقطت هذه الجملة من كتاب ابن طهمان، وهي مثبتة عند ابن رجب في شرح علل الترمذي حيث روى القصة عن ابن معين ٢/ ٧٥٨، وكذلك في مواضع تخريج الحديث.","vol":"1","page":558},{"text":"الدراوردي، وأخبرني من سمع كتاب العلاء - يعني من الدراوردي - إنما كانت صحيفة، ليس هذا فيها، وكانت قصة واحدة قال رسول الله ﷺ …، والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح\" (^١).\nومن الرواة الذين يجزم بأن سماعهم من الدراوردي كان من أصل كتابه الحميدي عبد الله بن الزبير، صاحب ابن عيينة، فقد روى الفضل بن زياد عن الحميدي قال: \"قدمت المدينة فبدأت بعبد العزيز بن محمد الدراوردي فجاء في جماعة من أهل المدينة يلومنني يقولون: تركت شيخنا أن تبدأ به وتأتيه. قال: تلومونني فيما فعلت، إنما أتيت الدراوردي لأسلم عليه وأكتب عنه شيئًا، ويكون اعتمادي على ابن أبي حازم إن شاء الله، وبلغ الدراوردي اجتماع من اجتمع إليّ فلما رجعتُ إليه قال: يا قرشي، قد بلغني الذي كان، وقد عزمتُ أن أُخرج إليك كتبي وأصولي لتكتبها وأقرأها عليك. قال: فأخرج إليّ أصوله، وإذا هي كتبٌ صحاح وأحاديث مستقيمة. قال: وقد كان يُؤتى بالأحاديث فتُقرأ عليه، فإن كان في حديثه الذي حملوا عنه خللًا فإنما جاء مما أعلمتكم أنه كان يقرأ من كتبه الناس، وقد كان يذاكر بالحديث مما ليس عنده فيتهاونون به ويقولون: هذا مما لم يكن في كتبه، ويذاكر بالشيء المرفوع فيقولون: هذا في أصل كتابه منقطع\" (^٢). فيؤخذ من هذا أن ما رواه الحيمدي عن الدراوردي فهو من صحيح حديثه.\n\n٥.<span data-type='title' id=toc-195> عبد الأعلى بن عبد الأعلى السَّامي:</span>\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد قيل له: عبد الأعلى السامي؟ قال: ما كان من حفظه ففيه تخليط، وما كان من كتابه فلا بأس به، وكان يحفظ حديث يونس\n_________\n(^١) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال - رواية أبي خالد الدقاق ص ١١٣ - ١١٤.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٨.","vol":"1","page":559},{"text":"مثل سورة من القرآن\" (^١).\nولم أقف على حديث أعلّه الإمام أحمد من هذا الوجه يصلح بأن يكون مثالًا لما ذكره ﵀. ولعل تضعيف من ضعف عبد الأعلى نسبيًا هو من هذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد، والعلم عند الله.\n\n٦.<span data-type='title' id=toc-196> محمد بن بشر العبدي:</span>\nقال الإمام أحمد في رواية أبي داود: \"محمد بن بشر كان صحيح الكتاب، وربما حدث من حفظه\" (^٢). فصحح حديثه إذا حدث من كتابه، وقوله: وربما حدث من حفظه، إشارة أن أنه قد يترك التحديث من الكتاب ويحدث من حفظه، وعليه فيحمل ما وقع في حديثه من الأوهام على أنه كان بسبب اعتماده على الحفظ. وقريب من هذا قول عثمان بن أبي شيبة فيه: \"محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه\" (^٣)، فإن مفهومه أنه إذا حدث من حفظه فليس بثقة ثبت. ولا يوجد في كلام الإمام أحمد ولا في كلام عثمان بن أبي شيبة ما يدل على تضعيفه مطلقًا إذا حدث من حفظه، بل الذي يفهم من كلامهما أن هذا الراوي أوثق وأثبت حين يحدث من كتابه.\nوقد أشار الإمام أحمد إلى حديث حدّث به محمد بن بشر من حفظه خلافًا لما في كتابه، وهو يدل على ما ذكره أحمد عنه:\nقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: محمد بن بشر كان صحيحَ الكتاب، وربما حدث من حفظه، فذكرت له: أنه حُدّث عنه بحديث علي بن صالح، عن أبي بكر، أعني حديث علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي جُحيْفة: قال\n_________\n(^١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٤٦ رقم ٥٣٠.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٣ رقم ١٨٧٨.\n(^٣) تهذيب التهذيب ٩/ ٧٥.","vol":"1","page":560},{"text":"أبو بكر: أراك قد شِبتَ يا رسول الله، فقال: \"شيّبتْني هودٌ وأخواتُها\"؟ فقال: قد كتبُه، يعني: عن ابن بشر، عن علي بن صالح، عن أبي جحيفة، وليس فيه: عن أبي بكر، وهو عندي وهمٌ، إنما هو أبو إسحاق، عن عكرمة (^١).\nهذا الحديث رواه محمد بن بشر من الطريق الذي ذكره أبو داود - علي ابن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن أبي بكر - واختلف عليه فيه:\nفرواه شهاب بن عباد (^٢)، ومحمد بن المهاجر القاضي (^٣)، عن محمد بن بشر، فذكرا فيه: أبا بكر الصديق، ذكر روايتهما الدارقطني بإسناده في العلل (^٤).\nورواه الإمام أحمد من كتابه كما قال في رواية أبي داود هذه، وكذلك حميد ابن الربيع عند الدارقطني في العلل (^٥)؛ ومحمد بن عبد الله بن نمير عند أبي يعلى (^٦)، والطبراني (^٧)، والدارقطني (^٨)، وأبي نعيم (^٩)، فلم يتجاوزا به أبا جحيفة ولم يذكروا أبا بكر الصديق. وذكر الإمام أحمد أنه كتب الحديث على هذا الوجه عن محمد بن بشر، فدل على أنه لما حدث به على الوجه الآخر حدّث به من حفظه\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود الموضع نفسه.\n(^٢) العبدي أبو عمر الكوفي، أخرج له الشيخان، ووثقه أبو حاتم وغيره تهذيب الكمال ١٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤. وفي الإسناد إليه القاسم بن محمد بن حميد الدلال، ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات ٩/ ١٩. وانظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٢٩٨ ترجمة ٦٨٣٥.\n(^٣) ذكر الحافظ ابن حجر أن الخطيب ذكره في المتفق، وهو ضعيف، وهو غير محمد بن المهاجر الطالقاني فذاك وضاع لسان الميزان ٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(^٤) علل الدراقطني ١/ ٢٠٧.\n(^٥) علل الدارقطني ١/ ٢٠٦.\n(^٦) مسند أبي يعلى ٢/ ١٨٤ ح ٨٨٠.\n(^٧) المعجم الكبير ٢٢/ ١٢٣ ح ٣١٨.\n(^٨) علل الدارقطني ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(^٩) حلية الأولياء ٤/ ٣٥٠.","vol":"1","page":561},{"text":"فأخطأ فزاد في الإسناد.\nوذكر الإمام أحمد أن الحديث من رواية أبي جحيفة وهم، وأن الصواب: عن أبي إسحاق، عن عكرمة مرسلًا.\n\n٧.<span data-type='title' id=toc-197> همام بن يحيى العَوْذي:</span>\nوثقه الإمام أحمد مطلقًا، فقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: همام ثبت في كل المشايخ (^١).\nوسأله الأثرم: أي شيء تقول في همام؟ فقال: كان عبد الرحمن بن مهدي يرضاه (^٢).\nوكان يحيى بن سعيد القطان يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ بن هشام نظروا في كتبه فوجدوه يوافق همامًا في كثير مما كان يحيى ينكره، فكف يحيى بعدُ عنه. قاله عمر بن شبة (^٣).\nلكن أشار الإمام أحمد إلى أن همامًا كان يخطئ إذا حدّث من حفظه، وأما إذا كان قريبَ عهدٍ بكتابه فقلما كان يخطئ. وكان في آخر أمره يقرب عهده بالكتاب، فسماع من سمع منه بأخرة أجود من غيره.\nقال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: قال عفان حدثنا يومًا همام، قال: فقلت له: إن يزيد بن زريع حدثنا عن سعيد عن قتادة ذكر خلاف ذلك الحديث، قال: فذهب فنظر في الكتاب، ثم جاء فقال: يا عفان، ألا تراني أخطئ وأنا لا أعلم. قال عفان: وكان همام إذا حدثنا بقرب عهده بالكتاب فقل ما كان يخطئ. قال أبي: ومن سمع من همام بآخره فهو أجود، لأن همامًا كان في آخر عمره أصابته\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٨.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٨.","vol":"1","page":562},{"text":"زمانة (^١) فكان يقرب عهده بالكتاب، فقل ما كان يخطئ\" (^٢).\nوذكر في رواية أبي داود بعض من سمع منه بأخرة.\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد قال: همام يضبط ضبطًا جيدًا. سمعت أحمد يقول سماع من سمع من همام بآخرة هو أصح، وذلك أنه أصابته مثل الزمانة فكان يحدثهم من كتابه، فسماع عفان، وحبان، وبهز أجود من سماع عبد الرحمن، لأنه كان يحدثهم يعني لعبد الرحمن - أي أيامهم - من حفظٍ. سمعت أحمد قال: قال عفان: ثنا همام يومًا بحديث، فقيل له فيه، فدخل فنظر في كتابه فقال: ألا أراني أخطئ وأنا لا أدري، فكان بعد يتعاهد كتابه\" (^٣).\nوقد أخرج الجماعة لهمام من حديث عفان وحبان بن هلال عنه، وأخرج له مسلم فقط دون البخاري من حديث عبد الرحمن بن مهدي عنه (^٤).\nوقد وافق الإمام أحمد على مثل هذا التفصيل في حديث همام بعض الحفاظ، فقال يزيد بن زريع: همام حفظه ردئ وكتابه صالح (^٥).\nوسئل أبو حاتم عن همام وأبان العطار من يقدم منهما؟ قال: همام أحب إليّ ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط (^٦). فأشارا إلى أنه إذا حدث من كتابه فهو أوثق منه إذا حدث من حفظه.\n_________\n(^١) الزمانة العاهة، يقال: زمِن يزمَن زَمَنًا وزُمنة وزَمانة لسان العرب، مادة: \"ز م ن\" ١٣/ ١٩٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٥٧ رقم ٦٨٢ - ٦٨٣.\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(^٤) انظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٠٣، ٣٠٤.\n(^٥) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٨.\n(^٦) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٩.","vol":"1","page":563},{"text":"٨.<span data-type='title' id=toc-198> أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي:</span>\nقدّمه الإمام أحمد إذا حدّث من كتابه على جرير الرازي (^١).\nوقال الفضل بن زياد: \"سئل - يعني أحمد بن حنبل - أبو عوانة أثبت أو شريك؟ فقال: إذا حدّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدّث من غير كتابه ربما وهِم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"أبو عوانة كتابه صحيح … وفي جميع حاله أصح حديثًا عندنا من هشيم، إلا أنه بأخرة كان يقرأ من كتب الناس فيقرأ الخطأ، فأما إذا كان من كتابه فهو ثبت\" (^٣).\nوهذا أيضًا ليس فيه تضعيف لأبي عوانة فيما حدّث به من حفظه، إنما يدل على أن ما حدث به من كتابه أصح مما حدث به من حفظه.\nمثال لما حدث به أبو عوانة من حفظه فأخطأ فيه:\nقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديثُ أبي صادقٍ، عن ربيعة بن ناجِذ. رواه أبو عوانة - يعني عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادقٍ، عن ربيعة بن ناجذ، عن عليٍّ أنه قيل له: [بما ورِثت ابنَ عمِّك؟] قال أبو عبد الله: وهذا مما أخطأ فيه، وقال لنا موسى بن إسماعيل: هكذا حدثنا به أبو عوانة من حفظه، وأخطأ فيه، وحدثنا به من كتابه، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ميسرة الكندي، عن علي (^٤).\n_________\n(^١) قال ذلك في رواية ابن هانئ مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٠٨ رقم ٢١٣٤، والفضل بن زياد المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٧.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٨.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٠٧ رقم ١١٩.","vol":"1","page":564},{"text":"هذا الحديث رواه النسائي (^١)، وأحمد (^٢)، وابن جرير (^٣)، والمقدسي (^٤)، والمزي (^٥) كلاهما من طريق أحمد كلهم من طريق عفان بن مسلم قال: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، أن رجلًا قال لعلي: يا أمير المؤمنين لم ورثتَ ابنَ عمك دون عمِّك، قال: [جمع رسول الله ﷺ أو قال: دعا رسول الله ﷺ بني عبد المطلب فصنع لهم مداًّ من طعام، قال: فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمسّ، ثم دعا بغُمَرٍ فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يُمسّ أولم يُشرب، فقال: \"يا بني عبد المطلب! إني بُعِثتُ إليكم بخاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما قد رأيتم، فأيُّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي\"، فلم يَقُم إليه أحدٌ، فقمتُ إليه وكنتُ أصغرَ القومِ، فقال: \"اجلِس\"، ثم قال: ثلاثَ مراتٍ كلَّ ذلك أقوم إليه، فيقول: \"اجلس\" حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي، ثم قال: \"أنت أخي وصاحبي ووارثي ووزيري\"، فبذلك ورثت ابنَ عمي دون عمي] وهذا لفظ النسائي وابن جرير. وليس عند أحمد: ووارثي، ولا قوله: لم ورثت ابن عمك دون عمك، وانتهى الحديث عنده بقوله: ضرب بيده على يدي.\nوفي هذا الإسناد ربيعة بن ناجذ، قال عنه الذهبي: لا يكاد يعرف (^٦)، ووثقه العجلي، وابن حجر، وذكره ابن حبان (^٧)، وليس له راوٍ سوى\n_________\n(^١) المسند ٢/ ٤٦٥ ح ١٣٧١، وفي فضائل الصحابة ٢/ ٧١٢ ح ١٢٢٠.\n(^٢) السنن الكبرى ٥/ ١٢٥ ح ٨٤٥١.\n(^٣) تاريخ الطبري ١/ ٥٤٣.\n(^٤) الأحاديث المختارة ٢/ ٧١ - ٧٢.\n(^٥) تهذيب الكمال ٩/ ١٤٦.\n(^٦) ميزان الاعتدال ٢/ ٢٣٥.\n(^٧) انظر: معرفة الثقات ١/ ٣٥٩، وثقات ابن حبان ٤/ ٢٢٩،","vol":"1","page":565},{"text":"أبي صادق (^١)، واسم أبي صادق مسلم بن يزيد الأزدي، وثقه يعقوب بن شيبة، وقال عنه أبو حاتم: مستقيم الحديث (^٢).\nوأما الإسناد الذي ذكره الإمام أحمد أن موسى بن إسماعيل حدث به عن أبي عوانة من كتابه، فلم أقف عليه. وميسرة الكندي في هذا الإسناد هو ميسرة أبو صالح مولى كندة، روى عن علي وشهد معه قتل الخوارج بالنهروان (^٣)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٤).\nوقد قال الذهبي عن حديث ربيعة بن ناجذ هذا إنه منكر (^٥)، وقول علي بن المديني: روى عثمان بن المغيرة أحاديث نكرة من حديث أبي عوانة (^٦) لعله يشير إلى هذا الحديث.\nوالشاهد أن أبا عوانة حدث بالحديث من حفظه خلافًا لما في كتابه وأخطأ.\n\n٩.<span data-type='title' id=toc-199> يونس بن يزيد الأيلي:</span>\nوثقه الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد، وذكر كثرة حديثه عن الزهري. قال أحمد: يونس أكثر حديثًا عن الزهري من عُقيل، وهما ثقتان (^٧).\nوقال أحمد في رواية أبي داود: عُقيل ويونس يُؤديان الألفاظ (^٨). وهذا ثناء عليهما في حسن الأداء.\n_________\n(^١) انظر: الكاشف ١/ ٣٩٤ رقم ١٥٥٧.\n(^٢) الجرح والتعديل ٨/ ١٩٩، تهذيب الكمال ٣٣/ ٤١٢.\n(^٣) تهذيب الكمال ٢٩/ ١٩٧.\n(^٤) الثقات ٥/ ٤٢٦، وقال عنه ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب ٧٠٨٩.\n(^٥) ميزان الاعتدال ٢/ ٢٣٥.\n(^٦) الضعفاء للعقيلي ١/ ١٢٣.\n(^٧) تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٥٥.\n(^٨) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ٢٦٩ رقم ٣١٠.","vol":"1","page":566},{"text":"لكن ذكر ابن رجب عن أحمد أن يونس إذا حدث من حفظه يخطئ (^١)، ومفهوم ذلك أنه إذا حدث من كتاب فهو أصح. وقد نص على ذلك اثنان من شيوخ الإمام أحمد، وهما ابن المبارك وابن مهدي. قال ابن المديني: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يونس بن يزيد الأيلي فقال: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، قال ابن مهدي: وأقول أنا: كتابه صحيح. ا. هـ (^٢)، وذكر ابن رجب عن ابن مهدي أنه قال: لم يكتب حديث يونس بن يزيد إلا عن ابن المبارك، فإنه أخبرني أنه كتبها عنه من كتابه (^٣).\nوأعلّ الإمام أحمد حديثًا ليونس، وجعل سبب علته احتمال كونه حدّث به من حفظه.\nقال أبو داود: سمعت أحمد ذُكر له حديثُ محمد بن بكر البرساني، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بن مالك: \"أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة\"؟ فقال: هذا - يعني الوهم - من يونس، لعله حدثه حفظًا (^٤).\nهذا الحديث رواه الترمذي (^٥) من طريق محمد بن بكر البرساني، ورواه ابن ماجه (^٦)، وأبو يعلى (^٧)، والطحاوي (^٨) كذلك. وأعله الإمام أحمد بأن يونس وهم فيه، وذلك حيث جعله من حديث أنس، وإنما هو من حديث الزهري\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٥.\n(^٢) الجرح والتعديل ٩/ ٢٤٨.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٥.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٨ رقم ١٩٢٠.\n(^٥) الجامع ٣/ ٣٣١ ح ١٠١٠.\n(^٦) سنن ابن ماجه ١/ ٤٧٥ ح ١٤٨٣.\n(^٧) مسند أبي يعلى ٦/ ٢٩١ ح ٣٦٠٨.\n(^٨) شرح معاني الآثار ١/ ٤٨٣.","vol":"1","page":567},{"text":"مرسلًا. رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم أن عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنائز، قال: وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك وأبو بكر وعمر وعثمان بن عفان. أخرجه الطحاوي (^١)، وتابعه شبيب بن سعيد من طريق ابنه أحمد بن شبيب، عن يونس به عند الخطيب (^٢). والقائل كان رسول الله ﷺ … هو الزهري، وقد بين ذلك الإمام أحمد في رواية عبد الله كما ذكره عنه الطبراني (^٣) قال: هذا الحديث أن رسول الله ﷺ إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر .... ا. هـ. وهكذا رواه الثقات من أصحاب الزهري - مالك، ومعمر، وعقيل، وغيرهم. وفيه اختلاف آخر على الزهري في الحديث سيأتي بحثه إن شاء الله في الكلام على الإدراج.\nفذِكر أنس في هذا الحديث وهم، وجعل الإمام أحمد الوهم من يونس، وأرجع السبب إلى احتمال كونه حدّث به من حفظه، بدليل أن ابن وهب، وشبيب رواياه عنه على الوجه الصحيح.\nأما الإمام البخاري فجعل الواهم في هذا الحديث محمد بن بكر البرساني الراوي عن يونس. قال الترمذي - بعد روايته للحديث - سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: \"هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري، أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. قال الزهري: وأخبرني سالم: أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: هذا أصح\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٩.\n(^٢) الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٣٥.\n(^٣) المعجم الكبير ١٢/ ٢٨٦.\n(^٤) الجامع ٣/ ٣٣١، وانظر: علل الترمذي الكبير ١/ ٤٠٦.","vol":"1","page":568},{"text":"والصواب ما ذهب إليه الإمام أحمد من أن الواهم هو يونس بن يزيد، بدليل أن البرساني قد توبع على هذه الرواية عن يونس: تابعه أبو رزعة وهب الله بن راشد المؤذن (^١)، وبكر بن مضر (^٢)، وأيوب بن سويد (^٣). فانتفى أن يكون الواهم هو البرساني لمتابعة غيره له عن يونس، وتعين أن يكون يونس هو الواهم.\n\n١٠.<span data-type='title' id=toc-200> عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج:</span>\nكان الإمام أحمد يقول: كان ابن جريج من أوعية العلم (^٤)، لكن تكلم فيما حدث به من حفظه. قال محمد بن موسى بن مشيش: قال أحمد بن حنبل: \"كان ابن جريج الذي يحدث من كتاب أصح، وكان في بعض حفظه إذا حدّث حفظًا شيء\" (^٥).\nوقريب من هذا قول يحيى بن سعيد القطان: \"لم يكن أحد أثبت في نافع من ابن جريج فيما كتب\" (^٦). فجعله أثبت الناس في نافع لكن مقيدًا بما تحمله كتابة لا حفظًا. وقال يحيى القطان أيضًا: \"وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم ينتفع به\" (^٧).\n_________\n(^١) قال أبو حاتم: محله الصدق. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. وذكر ابن يونس أن النسائي لم يكن يرضاه الجرح والتعديل ٩/ ٢٧، الثقات ٩/ ٢٢٩، لسان الميزان ٦/ ٢٣٥.\nوحديثه عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٨٤.\n(^٢) المصري، ثقة ثبت تقريب التهذيب ٧٥٩. وحديثه عند الطبراني في الأوسط ١/ ٤٠ ح ١٠٦، وقال: لم يرو هذا الحديث عن بكر بن مضر إلا محمد بن سفيان، وهو الحضرمي، ولم أجد له ترجمة.\n(^٣) هو الرملي، قال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ تقريب التهذيب ٦٢٠.\nوحديثه عند ابن حبان في المجروحين ٢/ ٣٠٤.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ٢٤١ رقم ٤٧٩.\n(^٥) تاريخ بغداد ١٠/ ٤٠٥.\n(^٦) الموضع نفسه.\n(^٧) المصدر نفسه ١٠/ ٤٠٤ - ٤٠٥.","vol":"1","page":569},{"text":"ووافق قول الإمام أحمد فيه ما نقله ابن أبي مريم عن ابن معين: \"ابن جريج ثقة في كل ما روي عنه من الكتاب\" (^١).\nولم أقف على حديث يصلح أن يكون مثالًا لما ذكره الإمام أحمد عن ابن جريج.\n_________\n(^١) الموضع السابق.","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type='title' id=toc-201>المبحث السابع: من حدّث في مكان لم تكن معه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط</span>.\nمن أسباب دخول الأوهام على أحاديث الرواة الذين ضبطوا مروياتهم في الكتب عدم اصطحابهم لكتبهم أو فقدانهم لها في بعض رحلاتهم، فيضطرون للتحديث اعتمادًا على الذاكرة، فيقع الوهم بسبب ذلك في مرويات من سمع منهم في تلك الأماكن، والحفاظ لا يحتجون بهذا الضرب من الأحاديث إلا ما توبع رواتها عليها، والفرق بين هذا الصنف من الرواة والذين تقدموا في المطلب السابق - وهم من لا يحدث من كتابه فيَهم في حديثه - أن هذا الصنف يمكن تحديد الذين سمعوا منهم في الأماكن التي ضعِّف حديثهم فيها بضابط، بخلاف الصنف الآخر الذي لا يمكن الوقوف عليهم إلا بتنصيص من إمام مطلع على من أخذ عن الراوي من حفظه دون كتابه، أو بقرينة أخرى تدل على ذلك.\nوقد نبه الإمام أحمد على عدد من الرواة هم أهل حفظ وإتقان لكن حدثوا في بعض البلدان من حفظهم دون كتاب فوقعوا في أوهام، فمنهم:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-202> معمر بن راشد الأزدي:</span>\nوكان أصله بصريًا ونزل اليمن، وأقام بها عشرين سنة (^١).\nقال أحمد في رواية الميموني: \"لا تضم إلى معمر أحدًا إلا وجدته يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم\" (^٢).\nوسأله المروذي عن معمر، كيف هو في الحديث؟ فقال: \"هو ثبت إلا أن\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٧/ ٥، ٨.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٠٧.","vol":"1","page":571},{"text":"في بعض حديثه شيئًا\" (^١).\nومن ذلك ما حدث به بالبصرة، فقد جاء في رواية أبي داود قال: \"قلت لأحمد: ما حدّث معمرٌ بالبصرة؟ قال: أخطأ بالبصرة في أحاديث\" (^٢).\nوالسبب في ذلك أن كتبه لم تكن معه بالبصرة كما ذكر الأثرم عن الإمام أحمد: \"حديث عبد الرزاق عن معمر أحبّ إليّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة\" (^٣).\nوذلك أنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه. قال عبد الله: حدثني أبي قال: \"قلت لإسماعيل بن علية: كان معمر يحدثكم من حفظه؟ قال: كان يحدثنا بحفظه\" (^٤). وكان إسماعيل بن علية بصريًا. وذكر الذهبي السبب في ذلك وهو أنه قدم البصرة لزيارة أمه بعد أن استقر باليمن، فلم تكن معه كتبه فحدث من حفظه فوقع للبصريين عنه أغاليط (^٥).\nوقد ذكر الإمام أحمد أن البصريين الذين سمعوا من معمر بالبصرة هم الغرباء الذين استوطنوها.\nقال الفضل بن زياد: \"سمعت أبا عبد الله قيل له: عبد الله - يعني\nابن المبارك - سمع من معمر؟ قال: سمع منه بمكة. قيل له: فلم يسمع منه بالبصرة شيئًا؟ قال: لا، لم يكتب عن معمر بالبصرة إلا الغرباء، مثل إسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع\" (^٦).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٤٩ رقم ٢٥.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٩ رقم ١٩٢١.\n(^٣) تهذيب الكمال ١٨/ ٥٧، شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٧.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٠٥ رقم ٥١٣.\n(^٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٢.\n(^٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٩.","vol":"1","page":572},{"text":"فذكر إسماعيل بن علية وكان كوفي الأصل (^١)، ويزيد بن زريع وكان أبوه واليًا على الأبلة (^٢)، فلعله نشأ بها ثم استوطن البصرة.\nووافق الإمام أحمد على إعلال حديث معمر بالبصرة عددٌ من الحفاظ:\nقال يعقوب بن شيبة: \"سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه\" (^٣).\nوقال أبو حاتم: \"ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط\" (^٤).\nقال الذهبي: \"ومع كون معمر ثقة ثبتًا فله أوهام، لا سيما لما قدم البصرة لزيارة أمه، فإنه لم يكن معه كتبه، فحدّث من حفظه، فوقع للبصريين عنه أغاليط، وحديث هشام - يعني ابن يوسف - وعبد الرزاق عنه أصح، لأنهم أخذوا عنه من كتبه، والله أعلم\" (^٥).\nمثال لما أعله الإمام أحمد من حديث معمر بالبصرة:\nقال صالح بن أحمد بن حنبل: حديث غيلان: أنه أسلم وله عشر نسوة فقال له النبي ﷺ: \"اختر منهن أربعًا\"، معمر أخطأ فيه بالبصرة في هذا الإسناد، ورجع باليمن جعله منقطعًا (^٦).\nهذا الحديث رواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن غيلان بن سلمة\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٧.\n(^٢) بالموحدة، بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة وهي أقدم من البصرة معجم البلدان ١/ ٧٧.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٧.\n(^٤) الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٧.\n(^٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٢.\n(^٦) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ١٧٩ رقم ١٦٠١، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٨.","vol":"1","page":573},{"text":"الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ: \"اختر منهنّ أربعًا\". هكذا حدث به معمر بالبصرة، ورواه عنه جماعة من أهل البصرة منهم: سعيد بن أبي عروبة (^١)، وإسماعيل بن علية (^٢)، ومحمد بن جعفر غندر (^٣)، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي (^٤)، ويزيد بن زريع (^٥). وكذلك رواه عنه جماعة من غير أهل البصرة منهم: سفيان الثوري (^٦)، وعيسى بن يونس (^٧)، وعبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي (^٨)، ومروان بن معاوية الفزاري (^٩) وأربعتهم من أهل الكوفة؛ ويحيى ابن أبي كثير (^١٠)، وهو يمامي، والفضل بن موسى (^١١)، وهو خراساني.\nوتابع معمرًا على هذه الرواية عن الزهري: بحر السقاء (^١٢)، وهو\n_________\n(^١) روي من طرق عنه: أخرجه الترمذي الجامع ٣/ ٤٣٥ ح ١١٢٣، وأحمد المسند ٩/ ٣٩٢ ح ٥٥٥٨، والدارقطني سنن الدراقطني ٣/ ٢٦٩، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩٢، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٤٩.\n(^٢) أخرج حديثه الإمام أحمد المسند ٨/ ٢٢٠ ح ٤٦٠٩، ٨/ ٢٥٣ ح ٤٦٣٢، وابن أبي شيبة مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٣ ح ١٧١٨٢، وأبو يعلى مسند أبي يعلى ٩/ ٣٢٥ ح ٥٤٣٧، ومن طريقه ابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٩/ ٤٦٣ ح ٤١٥٦، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨١.\n(^٣) أخرج حديثه ابن ماجه سنن ابن ماجه ١/ ٦٢٨ ح ١٩٥٣، وأحمد المسند ٩/ ٦٩ ح ٥٠٢٧، ومقرونًا بإسماعيل بن علية: ٨/ ٢٥٣ ح ٤٦٣٢، والبيهقي مقرونًا أيضًا بابن علية السنن الكبرى ٧/ ١٨١.\n(^٤) أخرج حديثه الروياني في مسنده ٢/ ٤٠٠ ح ١٣٩٩، والطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٢.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم تعليقًا علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠١، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩٢.\n(^٦) أخرج حديثه البيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨٢، وابن عبد البر التمهيد ١٢/ ٥٥.\n(^٧) أخرج حديثه ابن حبان الإحسان ٩/ ٤٦٦ ح ٤١٥٨، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩٣.\n(^٨) أخرج حديثه الحاكم المستدرك ٢/ ١٩٢.\n(^٩) أخرج حديثه ابن أبي شيبة مصنفه ٤/ ٣ ح ١٧١٨٢، والدارقطني السنن ٣/ ٢٦٩.\n(^١٠) أخرج حديثه الحاكم المستدرك ٢/ ١٩٣. وفي سنده أحمد بن محمد بن عمر بن يونس، وهو كذاب، قاله الذهبي في تلخيص المستدرك بهامش المستدرك ٢/ ١٩٣.\n(^١١) أخرج حديثه ابن حبان الإحسان ٩/ ٤٦٥ ح ٤١٥٧، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩٣.\n(^١٢) أخرج حديثه الطبراني المعجم الكبير ١٨/ ٢١٣ ح ٦٥٨، المعجم الأوسط ٧/ ٢٧٨ ح ٧٤٩٤.","vol":"1","page":574},{"text":"ضعيف، وعامة ما يرويه أسانيدها ومتونها مما لا يتابعه عليها أحد (^١). وتابعه أيضًا يحيى بن سلام (^٢)، عن مالك، عن الزهري (^٣). قال ابن عبد البر: \"أخطأ فيه يحيى بن سلام على مالك، ولم يتابع عنه على ذلك\" (^٤).\nوتابعه أيضًا سرار بن مجسّر العنزي (^٥) عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر به (^٦)، رواه عنه سيف بن عبيد الله الجرمي (^٧). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا سرار تفرد به سيف. ا. هـ. قال ابن القيم: ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته، بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرده علة (^٨). ا. هـ. يشير - ﵀ - إلى أن التفرد عن علَم كثير الحديث مثل أيوب علة يعل الحديث بسببها. فيتلخص أن المتابعات لمعمر في هذا الحديث لا يصح منها شيء.\nورواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلًا (^٩). لكن رواه أحمد بن يوسف السلمي عن عبد الرزاق بمثل رواية أهل البصرة، أخرجه\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٤٨٧، تهذيب الكمال ٤/ ١٣ - ١٤.\n(^٢) قال عنه أبو حاتم: صدوق، وقال أبو زرعة: ليس به بأس ربما وهم. وضعفه الدارقطني. الجرح والتعديل ٩/ ١٥٥، سؤالات البرذعي لأبي زرعة ص ٣٤٠، ميزان الاعتدال ٦/ ٥٤.\n(^٣) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٥٤.\n(^٤) الموضع نفسه.\n(^٥) وثقه أحمد وغيره الجرح والتعديل ٤/ ٣٢٥، تهذيب التهذيب ٣/ ٤٥٥.\n(^٦) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط ٢/ ١٩٠ ح ١٦٨٠، والدارقطني السنن ٣/ ٢٧١، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨٣.\n(^٧) ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما خالف ٨/ ٣٠٠، ووثقه عمرو بن يزيد الجرمي تهذيب الكمال ١٢/ ٣٢٣.\n(^٨) تهذيب السنن ٦/ ٢٣٥.\n(^٩) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٧/ ١٦٢ ح ١٢٦٢١، وأبو داود في المراسيل ص ١٩٨ ح ٢٣٤، والطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٣، والدارقطني السنن ٣/ ٢٧٠، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨٢ من طرق عن عبد الرزاق.","vol":"1","page":575},{"text":"ابن مندة في معرفة الصحابة (^١). قال الحافظ ابن حجر: استنكره أبو نعيم وقال: الأثبات رووه عن عبد الرزاق مرسلًا. ا. هـ. ويؤيده ما ذكره ابن عبد البر عن يعقوب بن شيبة عن أحمد بن شبويه، عن عبد الرزاق قال: لم يسند لنا معمر حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم وعنده عشر نسوة. ا. هـ (^٢). وسماع عبد الرزاق من معمر كان باليمن.\nوتابع عبدَ الرزاق ابنُ عيينة عن معمر به (^٣). وهكذا رواه مالك عن الزهري (^٤).\nورواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري: بلغني عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن النبي ﷺ قال لغيلان … الحديث (^٥) وروايتهم وكذلك رواية مالك تؤيد الرواية المرسلة عن معمر.\nوجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث:\nأعل الإمام أحمد الرواية الموصولة عن معمر بأنها مما أخطأ معمر فيها بالبصرة، وحكم للرواية المرسلة لأنها هي التي رجع إليها باليمن، بدليل أن عبد الرزاق ذكر أن معمرًا لم يكن يسند لهم هذا الحديث، ومعلوم أن سماعه من معمر كان باليمن. وهذا مثال لما ذكره الإمام أحمد أن معمرًا كان يحدث بخطأ بالبصرة،\n_________\n(^١) ذكره الحافظ ابن حجر عنه الإصابة ٣/ ١٩١.\n(^٢) التمهيد ١٢/ ٥٥.\n(^٣) أخرجه الطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٣.\n(^٤) الموطأ ٢/ ٥٨٦ ح ١٢١٨، وانظر: التمهيد ١٢/ ٥٤.\n(^٥) رواه الدارقطني من حديث يونس السنن ٣/ ٢٧٠، والطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٣، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨٢ من حديث عقيل، والبخاري تعليقًا التاريخ الكبير ٦/ ٢٤٩ - وتصحف شعيب إلى شعبة، وهو خطأ، وانظر أيضًا: جامع الترمذي ٣/ ٤٣٥ من حديث شعيب بن أبي حمزة، لكن قال: عن محمد بن سويد الثقفي. وهكذا قال عثمان بن عمر، عن يونس السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٨٢. الرواية الأولى عن يونس جاءت من رواية ابن وهب، والليث.","vol":"1","page":576},{"text":"وحديثه باليمن كان أحب إليه لأنه كان يتعاهد كتبه وينظر فيها.\nوقد وافق الإمام أحمد على إعلال هذا الحديث بهذه العلة عدد من الحفاظ، منهم: الإمام البخاري، قال: هذا حديث غير محفوظ، إنما روى هذا معمر بالعراق، وقد روي عن معمر، عن الزهري، هذا الحديث مرسلًا، ثم ذكر رواية شعيب بن أبي حمزة المرسلة عن الزهري وقال: وهذا أصح (^١). وكذلك رجح أبو زرعة وأبو حاتم الرواية المرسلة (^٢).\nوقال الإمام مسلم فيما رواه البيهقي بإسناده عنه من كتابه \"التمييز\": \"أهل اليمن أعرف بحديث معمر من غيرهم، فإنه حدث بهذا الحديث عن الزهري، عن سالم، عن أبيه بالبصرة، وقد تفرد بروايته عنه البصريون، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث صحيحًا، وإلا فالإرسال أولى\" (^٣). وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن حبان، والحاكم، والبيهقي بنوا على قول الإمام مسلم فأخرجوا الحديث من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة، وأهل خراسان، وأهل اليمامة، ثم رده بقوله: \"ولا يفيد ذلك شيئًا، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا من غير أهلها، وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدّث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل فحدّث من حفظه بأشياء وهم فيها … \" (^٤).\n_________\n(^١) علل الترمذي الكبير ١/ ٤٤٧، وانظر: الجامع ٣/ ٤٣٥.\n(^٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠٠ رقم ١١١٩، ١٢٠٠.\n(^٣) السنن الكبرى ٧/ ١٨٢.\n(^٤) تلخيص الحبير ٣/ ١٦٨.","vol":"1","page":577},{"text":"مثال آخر:\nقال عبد الله: حدثني أبي: قال حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: \"توضئوا مما غيرت النار\". حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: قرأت في كتاب معمر، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة، عن زيد، عن النبي ﷺ في الوضوء مما غيرت النار (^١).\nهذا الحديث لم يحكم فيه الإمام أحمد بشيء، وإنما أشار إلى الاختلاف على معمر بين عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي البصري، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، حيث رواه عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن خارجة بدون واسطة، ورواه عبد الرزاق من أصل كتاب معمر، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة. وبعد تتبع طرق الحديث ظهر أن عبد الأعلى قد وافقه أهل البصرة عن معمر، فرواه يزيد بن زريع (^٢)، وإسماعيل بن علية (^٣) كلاهما عن معمر بمثل رواية عبد الأعلى ليس فيه عبد الملك بن أبي بكر.\nوأما عبد الرزاق فنص الإمام أحمد على أن روايته للحديث من كتاب معمر، ومعلوم أن كتب معمر لم تكن معه في البصرة وإنما حدث بها من حظفه فرواية هي المرجحة على رواية أهل البصرة. ثم إن أصحاب الزهري رووا الحديث عن الزهري بمثل رواية عبد الرزاق عن معمر؛ فرواه عقيل بن خالد (^٤)،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٨ رقم ٥٢٨١ - ٥٢٨٢. وحديث عبد الأعلى عند أحمد في المسند ٣٥/ ٥١٢ ح ٢١٦٥٥، وحديث عبد الرزاق عنده أيضًا المسند ٣٥/ ٥٠٧ ح ٢١٦٤٧.\n(^٢) وحديثه عند الطبراني في المعجم الكبير ٥/ ١٢٩ ح ٤٨٣٩.\n(^٣) وحديثه عند ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٥٤ ح ٥٥٣.\n(^٤) وحديثه عند مسلم ١/ ٢٧٢ ح ٣٥١، وأحمد المسند ٣٥/ ٥٠٤ ح ٢١٦٤٢، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٦٢، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٨ ح ٤٨٣٦.","vol":"1","page":578},{"text":"والزبيدي (^١)، وشعيب بن أبي حمزة (^٢)، ويونس بن يزيد الأيلي (^٣)، ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب (^٤)، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر (^٥)، والأوزاعي (^٦) كلهم عن الزهري، قال: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره، أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ فذكره. واجتماع هؤلاء - وهم من أثبت أصحاب الزهري - على موافقة معمر في الوجه الذي رواه عبد الرزاق عنه يقضي بصوابه وخطأ ما يخالفه، وبخاصة أن الوجه المخالف جاء من الوجه الذي تدخل الأوهام على مرويات معمر، وهي رواية أهل البصرة عنه.\nوقد أخرج البخاري لمعمر من رواية جماعة من أهل البصرة منهم: عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، ومحمد بن جعفر غندر، ويزيد بن زريع، ومسلم من رواية ابن علية، وعبد الأعلى، ويزيد بن زريع (^٧). قال ابن حجر: لم يخرج له - يعني البخاري - من رواية أهل البصرة عنه إلا ما توبعوا عليه عنه (^٨).\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-203> هشام بن عروة:</span>\nوهو مدني ودخل العراق ومات ببغداد. قال وهيب: قدم علينا هشام ابن عروة، فكان فينا مثل الحسن وابن سيرين (^٩).\n_________\n(^١) وحديثه عند النسائي السنن ١/ ١٠٧ ح ١٧٩، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٩ ح ٤٨٤٠.\n(^٢) وحديثه عند أحمد المسند ٣٥/ ٥٢٣ ح ٢١٦٩٩، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٧ ح ٤٨٣٤.\n(^٣) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٨ ح ٤٨٣٧.\n(^٤) وحديثه عند أحمد المسند ٣٥/ ٤٧٦ ح ٢١٥٩٨، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٦٢، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٧ ح ٤٨٣٣.\n(^٥) وحديثه عند الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٦٢، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٨ ح ٤٨٣٥.\n(^٦) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٨ ح ٤٨٣٨.\n(^٧) تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٠٦ - ٣٠٧.\n(^٨) هدي الساري ص ٤٤٥، ويشهد لذلك أن الإمام البخاري لما خرج حديث يزيد بن زريع عن معمر في قصر الصلاة، قال: تابعه عبد الرزاق عن معمر فتح الباري ٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(^٩) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٨.","vol":"1","page":579},{"text":"قال أحمد في رواية الأثرم: كأن رواية أهل المدينة عنه أحسن، أو قال: أصح. ا. هـ (^١) يعني من رواية أهل العراق عنه. وحمل ذلك ابن رجب على أن كتبه لم تكن معه في العراق فيرجع إليها (^٢).\nوذكر ابن خراش أنه بلغه عن مالك أنه نقم على هشام حديثه لأهل العراق (^٣).\nولم أقف على حديث أعله الإمام أحمد مما حدث به هشام بالعراق.\nومما يصلح أن يكون مثالًا لما يقع في حديث العراقيين عن هشام ما رواه أهل العراق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: \"كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرِها\" رواه مسلم (^٤) من حديث عبد الله بن نمير، ووكيع، وعبدة بن سليمان، وأبي أسامة كلهم عن هشام. ورواه الدارمي (^٥)، وأبو عوانة (^٦)، والبيهقي (^٧) من حديث جعفر بن عون؛ وأبو داود (^٨) من حديث وهيب بن خالد؛ والطحاوي (^٩) من حديث شعبة؛ وهؤلاء كلهم من أهل العراق.\nوخالفهم مالك، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: \"كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم ينصرف، فإذا سمع النداء\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٨، ٧٦٩.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٩.\n(^٣) تاريخ بغداد ١٤/ ٤٠.\n(^٤) صحيح مسلم ١/ ٥٠٨ ح ٧٣٧.\n(^٥) سنن الدارمي ١/ ٣٧١.\n(^٦) مسند أبي عوانة ٢/ ٣٢٥.\n(^٧) السنن الكبرى ٣/ ٢٧.\n(^٨) سنن أبي داود ٢/ ٣٩ ح ١٣٣٨.\n(^٩) شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٤.","vol":"1","page":580},{"text":"بالصبح ركع ركعتين خفيفتين] أخرجه في الموطأ (^١)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (^٢)، وأبو داود (^٣)، والنسائي (^٤). فلم يذكر مالك الوتر بخمس ركعات لا يجلس في شيء إلا في آخرها.\nفذكر ابن رجب أنه قد تَكلم في حديث هشام هذا غيرُ واحد (^٥). قال ابن عبد البر عن الرواية المخالفة لرواية مالك: \"إنما حدث به عن هشام أهل العراق، وما حدث به هشام بالمدينة قبل خروجه إلى العراق أصح عندهم، ولقد حكى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدّث به عندنا - يعني بالمدينة قبل خروجه، فكأنه يصححه، وأما ما حدث به بعد خروجه من عندنا فكأنه يوهنه\" (^٦).\nولعل تخريج الإمام البخاري لحديث هشام من طريق مالك وإعراضه عما يخالفه من رواية أهل العراق عن هشام مبني على هذا الاعتبار.\nلكن قد روى الحديث جماعة ممن سمع من هشام بالمدينة بمثل رواية أهل العراق، منهم الليث بن سعد، وحديثه عند أحمد (^٧)، والطحاوي (^٨)؛ ويحيى بن سعيد القطان، وحديثه عند أحمد (^٩)، وابن خزيمة (^١٠)، وكان سماعه من هشام\n_________\n(^١) الموطأ ١/ ٢٢١ ح ٢٦٤، وانظر: التمهيد ٢٢/ ١١٩.\n(^٢) فتح الباري ٣/ ٤٦ ح ١١٧٠.\n(^٣) السنن ٢/ ٣٩ ح ١٣٣٩.\n(^٤) السنن الكبرى ١/ ١٦٦ ح ٤٢٠.\n(^٥) فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٤.\n(^٦) التمهيد ٢٢/ ١١٩ - ١٢٠.\n(^٧) المسند ٤٠/ ٤١٧ ح ٢٤٣٥٧.\n(^٨) شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٤.\n(^٩) المسند ٤٠/ ٢٨٥ ح ٢٤٢٣٩.\n(^١٠) صحيح ابن خزيمة ٢/ ١٤١ ح ١٠٧٧.","vol":"1","page":581},{"text":"بالمدينة (^١)؛ ومحمد بن إسحاق، وحديثه عند أحمد (^٢)، فهؤلاء منهم من كان من أهل المدينة - وهو ابن إسحاق - ومنهم من كان من غير أهلها لكن سماعه من هشام بها. فبناء على هذا تزول العلة التي أعل بها الحديث من أنه من رواية أهل العراق عن هشام، فلم يبق إلا الترجيح برواية الأحفظ على رواية الأكثر من حيث العدد، فترجح رواية مالك لمزيد حفظه وإتقانه، على رواية العدد الكثير وخاصة أن معظمهم ممن سمع من هشام بالعراق. وأيضًا لمعارضة روايتهم لحديث ابن عمر مرفوعًا: \"صلاة الليل مثنى مثنى\". قال ابن عبد البر: هذا من الأحاديث التي لم يختلف في إسنادها ومتنها، وهو حديث ثابت مجمتع على صحته، وهو قاض في الباب على ما كان ظاهره خلافه. ا. هـ (^٣).\nوأما الأثرم فأنكر الحديث من وجه آخر، وهو مخالفة هشام لما روي عن عائشة، قال الأثرم: وقد روى هذا الحديث عن عائشة غيرُ واحد، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه من سرد الخمس. ا. هـ (^٤).\nوقد يعترض عليه بمتابعة محمد بن جعفر بن الزبير (^٥) كما رواه ابن إسحاق عنه، عن عروة عن عائشة: [كان رسول الله ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتيه\n_________\n(^١) هذا مفاد الحكاية التي وردت في المعرفة والتاريخ ٢/ ١٥٠ عن يحيى قال: جرى بيني وبين مالك في حديث نافع شيء، فبلغ ذلك هشام بن عروة، فلما جئت قال: هيه يا عراقي! أي شيء وقع بينك وبين مالك؟ وكان ما بينهما ليس بذاك، فقلت: ما وقع بيني وبينه شيء. ا. هـ. لكن لا يمنع أن يكون سمع منه يحيى بالعراق أيضًا عند ما صار إليها هشام، والله أعلم.\n(^٢) المسند ٤٣/ ٣٧٧ ح ٢٦٣٥٨ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن هشام ومحمد بن جعفر بن الزبير عن عروة به، والظاهر أنه حمل لفظ حديث هشام على حديث محمد بن جعفر. انظر: لفظ حديث محمد بن جعفر سنن أبي داود ٢/ ٩٦ ح ١٣٥٩، السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ٢٨. وبين اللفظين مخالفة ظاهرة، كما سيأتي.\n(^٣) التمهيد ٢٢/ ١١٩.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٤.\n(^٥) وثقه النسائي وغيره تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٨٠.","vol":"1","page":582},{"text":"قبل الصبح، يصلي ستًا مثنى مثنى، ويوتر بخمس لا يقعد بينهن إلا في آخرهن\" (^١). لكن يحتمل أن ابن إسحاق دلسه عن شيخه، وهي على كل حال علة لا تمنع من الاعتبار بالحديث.\nوكذلك تابعه عمر بن مصعب بن الزبير، عن عروة، عن عائشة [كان النبي ﷺ يوتر بخمس، لا يقعد بينهن] (^٢). وعمر بن مصعب بن الزبير ذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٣)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٤)، وقال الذهبي: جاء في إسناد مظلم فيحرر أمره (^٥). فمثل هذا لا بأس به في المتابعات، والله أعلم.\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-204> يزيد بن هارون:</span>\nقال أحمد في رواية الفضل بن زياد: \"ما كان أجمع أمر يزيد! صاحب صلاة، حافظ متقن للحديث، صرامة وحسن مذهب \" (^٦).\nوقال أحمد في رواية صالح: \"يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو أصح ممن سمع ببغداد، لأنه كان بواسط يلقن فيرجع إلى ما في الكتب\" (^٧).\nوذلك أن يزيد بن هارون ساء حفظه لما كفّ بصره، فلذلك كان يأمر\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود السنن ٢/ ٩٦ ح ١٣٥٩، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٤، والبيهقي السنن الكبرى ٣/ ٢٨. ولم يصرح ابن إسحاق بالسماع عندهم، لكن رواه أحمد من طريقه قال: حدثني هشام بن عروة، ومحمد بن جعفر بن الزبير … فيحتمل أنه يكون سمع منهما جميعًا ويحتمل أنه سمع من هشام بن عروة فقط وهو الظاهر، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط ٧/ ٣٥٥ ح ٧٧١٤، والخطيب تاريخ بغداد ١/ ٣٨٨.\n(^٣) التاريخ الكبير ٦/ ١٩٦، الجرح والتعديل ٦/ ١٣٤.\n(^٤) الثقات ٥/ ١٤٦.\n(^٥) المغني في الضعفاء ٢/ ٤٧٤.\n(^٦) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٤٠.\n(^٧) مسائل الإمام أحمد - برواية صالح ٣/ ١٨١ رقم ١٦٠٥.","vol":"1","page":583},{"text":"جارية له فتُلقّنه من كتبه ويحفظ عنها (^١)، ويفهم من كلام أحمد في رواية صالح أن كتبه لم تكن معه ببغداد حتى يحفظ منها، فمن أجل ذلك قدّم من سمع منه بواسط على من سمع منه ببغداد.\nولم أقف على حديث يصلح أن يكون مثالًا لهذه العلة التي ذكرها الإمام أحمد في حديث شيخه يزيد بن هارون.\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-205> جزير بن حازم:</span>\nمن أجلة أهل البصرة، ووثقه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (^٢)، وقال في رواية ابن هانئ: كان يحفظ عن العلماء (^٣). وقال في رواية المروذي: كان حافظًا، وقال مرة: كان في بعض حديثه شيء (^٤).\nونقل ابن حجر عن الساجي عن الأثرم عن أحمد أنه قال عن جرير: حدث بمصر أحاديث وهم فيها، ولم يكن يحفظ. ا. هـ (^٥).\nوكان جرير قد ارتحل إلى مصر في الكهولة فسمع من المصريين وكتبوا عنه (^٦)، فأوهامه بمصر محمولة على أن كتبه لم تكن معه إذ أغلب أسباب دخول الأوهام على حديث الراوي إذا حدث في غير بلده ترجع إلى عدم وجود كتبه معه.\n_________\n(^١) ذكر أبو خيثمة أنه كان يعاب على يزيد بن هارون حيث ذهب بصره أنه ربما سئل عن الحديث لا يعرفه فيأمر جارية له فتحفظه من كتابه. ا. هـ تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٨.\nوأجاب عنه الذهبي بأن هذا الفعل لا بأس به مع أمانة من يلقنه سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٦٣، وانظر: الكفاية في علم الرواية ص ٣٧٩، فتح المغيث ٣/ ١٣٢.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥١٢ رقم ١١٩٧.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٢٨ رقم ٢٢٥٠.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ٩٥ رقم ١٤٣.\n(^٥) هدي الساري ص ٣٩٥.\n(^٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٦٦، وسير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٠.","vol":"1","page":584},{"text":"مثال لما أعله الإمام أحمد من حديث جرير بمصر:\nذكر الحافظ ابن حجر عن الإسماعيلي أنه قال عن أحمد في حديث عبد الله ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن سلمان بن عامر الضبي سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى\" قال: حديث جرير بن حازم كأنه على التوهم.\nفهذا الحديث أخرجه البخاري (^١) من رواية جرير بن حازم تعليقًا بصيغة الجزم، ووصله الطحاوي (^٢). ورواه البخاري (^٣) مسندًا من طريق أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب به موقوفًا على سلمان بن عامر، ورواه أحمد (^٤) عن يونس، عن حماد به موقوفًا أيضًا. فخالف جرير بن حازم حماد بن زيد في رفع الحديث عن أيوب، وهذا وجه توهيم الإمام أحمد لجرير، لأن الراوي عنه هو عبد الله بن وهب، وهو ممن سمع من جرير بمصر، قد خالف حماد بن زيد في رفع الحديث عن أيوب، وقد قال أحمد: ما عندي أحد أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد (^٥). لكن قد وافق جرير غيرُه على رفع الحديث عن أيوب، فرواه حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، وهشام، وحبيب، عن ابن سيرين، عن سلمان عن النبي ﷺ. علقه البخاري (^٦)، ووصله النسائي (^٧)، وأحمد (^٨). لكن حماد بن سلمة إذا جمع الشيوخ فإنه يضغف كما\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٩/ ٥٩٠ ح ٥٤٧٢ مع فتح الباري.\n(^٢) شرح مشكل الآثار ح ١٠٤٩، وانظر تغليق التعليق ٤/ ٤٩١.\n(^٣) الموضع السابق.\n(^٤) المسند ٢٦/ ١٧٤ ح ١٦٢٣٨.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢١٨ رقم ٤١٥ من رواية الميموني عن أحمد.\n(^٦) الموضع نفسه.\n(^٧) المجتبى ٧/ ١٦٤ ح ٤٢٢٥، والكبرى ٣/ ١٧٥ ح ٤٥٤٠.\n(^٨) المسند ٢٦/ ١٧٢ ح ١٦٢٣٦. ورواه أيضًا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة وحدهما","vol":"1","page":585},{"text":"تقدم (^١). ورواه الدبري عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر عن النبي ﷺ (^٢)، فخالف أصحاب أيوب في روايته عن حفصة بدل محمد، وهذا يحتمل أن يكون خطأ من الدبري، فإن سماعه من عبد الرزاق بأخرة، وهذه الرواية ليست عند أحمد، وهو ممن كتب عن عبد الرزاق على الوجه، وقد روى حديث سلمان من طريق عبد الرزاق من وجه آخر (^٣).\nوقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن جرير بن حازم تفرد بذكر التحديث بين محمد بن سيرين، وسلمان بن عامر، لأن الذين رووا الحديث رووه بالعنعنة بينهما، وهذا وجه آخر لوهم جرير بن حازم، ولم أقف على من روى الحديث عن جرير من غير أهل مصر حتى نتيقن وهم جرير في هذا الحديث.\nوقد ثبت رفع الحديث من طرق أخرى عن سلمان بن عامر. قال البخاري: وقال غير واحد: عن عاصم، وهشام، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر الضبي عن النبي ﷺ (^٤). ثم إن الاختلاف على محمد بن سيرين بالرفع والوقف ليس يضر، لأن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرًا ولا يرفعها والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها (^٥).\nمثال آخر:\nقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - تحفظه عن يحيى، عن\n_________\n= عن ابن سيرين به المسند ٢٦/ ١٧٥ ح ١٦٢٣٩.\n(^١) انظر: ص ٣٧٦.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ٤/ ٣٢٩ ح ٧٩٥٩، ومعجم الطبراني الكبير ٦/ ٢٧٣ ح ٦٢٠٠.\n(^٣) المسند ٢٦/ ١٦٩ ح ١٦٢٣٢.\n(^٤) صحيح البخاري ٩/ ٥٩٥ - مع فتح الباري.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٠٠.","vol":"1","page":586},{"text":"عمرة، عن عائشة: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فأنكره، وقال: من رواه؟ قلت جرير بن حازم، فقال: جرير كان يحدث بالتوهم (^١).\nهذا الحديث رواه النسائي (^٢)، والطحاوي (^٣)، وابن حبان (^٤)، والطبراني (^٥) من طرق عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوِّعتين، فأُهديَتْ لنا هديةٌ، فأكلناها فدخل علينا رسول الله ﷺ قالت عائشة: فبدرتني حفصة - وكانت بنتَ أبيها - فسألتْ رسول الله ﷺ فقال: \"لا عليكما، صُوما يومًا مكانَه\" وهذا لفظ الطبراني، وهو عند الباقين بأخصر منه. وقال الطبراني: لم ير هذا الحديث عن يحيى ابن سعيد إلا جريرُ بن حازم، تفرد به ابن وهب. ا. هـ (^٦).\nوأنكره الإمام أحمد على جرير بن حازم لتفرده به عن يحيى بن سعيد من هذا الوجه، وعلّل ذلك بأنه كان يحدث بالتوهم. وقد ذكر الذهبي هذه القصة عن الأثرم فزاد: قلت القائل الأثرم: أكان يحدثهم بالتوهم بمصر خاصة أو غيرها؟ قال: في غيرها وفيها. وقال أبو عبد الله: أشياء يسندها عن قتادة باطل. ا. هـ (^٧). فظاهر هذه الرواية أن أوهام جرير عند أحمد تعم حديثه بمصر وبغيرها، فإن ثبتت هذه الزيادة في رواية الأثرم فلا اختصاص لرواية أهل مصر\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٢٨١.\n(^٢) السنن الكبرى ٢/ ٢٤٨ ح ٣٢٩٩. ووقع في المطبوع: عن عروة مكان عمرة، وهو خطأ، والتصويب من تحفة الأشراف ١٢/ ٤٢٧، وكذلك رواية ابن عبد البر للحديث من طريق السنائي التمهيد ١٢/ ٧١.\n(^٣) شرح معاني الآثار ٢/ ١٠٩.\n(^٤) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨/ ٢٨٤ ح ٣٥١٧.\n(^٥) المعجم الأوسط ٦/ ٢٨٦ ح ٦٤٣٣.\n(^٦) الموضع السابق.\n(^٧) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٣.","vol":"1","page":587},{"text":"عن جرير بوقوع الأوهام فيها، ويكون وجه علة هذا الحديث مطلق وهم جرير.\nومما يدل على وهم جرير في هذا الحديث مخالفة حماد بن زيد له فيه، حيث رواه عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عائشة ليس فيه عمرة، وجعله منقطعًا بين الزهري وعائشة (^١). أخرجه من هذا الوجه الطحاوي (^٢)، والبيهقي (^٣) من طريق الرمادي عن علي بن المديني، عن حماد بن زيد. وقد اعتمد علي بن المديني هذه الرواية في إنكار رواية جرير، قال الرمادي: \"قلت لعلي بن المديني: يا أبا الحسن، تحفظ عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: قلت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فقال لي: من روى هذا الحديث؟ قلت ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، قال: فضحك، فقال: مثلك يقول مثل هذا! حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين\" (^٤).\nوأما الإمام مسلم فأنكره على جرير من وجه آخر، وهو عدم ضبطه لحديث يحيى بن سعيد الأنصاري، قال الإمام مسلم: \"وأما حديث يحيى ابن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فلم يسنده عن يحيى إلا جرير بن حازم، وجرير لم يُعنَ في الرواية عن يحيى، إنما روى من حديثه نزر، ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة، وقد يكون من ثقات المحدثين من يضعف روايته عن بعض رجاله الذي حمل عنهم للتثبت يكون له في وقت … \" (^٥).\nوممن وافق الإمام أحمد في توهيم رواية جرير بمصر الإمام النسائي، قال\n_________\n(^١) وقد اختلف أصحاب الزهري في هذا الحديث وأن الصواب عن الزهري مرسلًا عن عائشة، وقد تقدم في جعفر بن برقان عن الزهري في مطلب من ضعف في بعض شيوخه.\n(^٢) شرح معاني الآثار الموضع السابق.\n(^٣) السنن الكبرى الموضع السابق.\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٢٨١.\n(^٥) التمييز ص ٢١٧.","vol":"1","page":588},{"text":"الحافظ ابن حجر في الاختلاف على حديث علي بن أبي طالب: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستقيظ\" بالرفع والوقف، بعد ذكر رواية الرفع من طريق جرير بن حازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أعله النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر بأحاديث غلط فيها. ا. هـ (^١).\nوذكر الذهبي أن أوهام جرير بن حازم اغتفرت له في سعة ما روى (^٢)، وقد روى له من كبار المصريين غير ابن وهب يزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب الغافقي، وعبد الله بن لهيعة، ولم يخرج الشيخان من حديث أهل مصر عنه إلا من طريق ابن وهب عنه (^٣).\n\n٥.<span data-type='title' id=toc-206> الوليد بن مسلم:</span>\nقال أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشامين من إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم (^٤). وقال ابن رجب: طاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء (^٥)، ثم ذكر ما رواه أبو داود عن أحمد:\nسمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"عليكم بالباءة\" قال: هذا من الوليد، نخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحِمص، ليس هو عند أهل دمشق (^٦).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٢/ ١٢١. وحديث جرير بن حازم من رواية ابن وهب عنه انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٦٨. وقد رواه شعبة، ووكيع، وجرير بن عبد الحميد الضبي عن الأعمش موقوفًا.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٠.\n(^٣) انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٥٢٧.\n(^٤) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٥.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٢.\n(^٦) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٣ رقم ١٩٣٦.","vol":"1","page":589},{"text":"ولم أقف على هذا الحديث.\nوذكر ابن رجب عن أحمد أيضًا أنه تكلم فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة (^١).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي الموضع السابق.","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>المبحث الثامن: من لم يضبط أهل إقليم حديثه</span>.\nالمقصود بهم الرواة الذين روى عنهم أهل بلد أو إقليم فلم يقيموا حديثهم. وهؤلاء الرواة أمرهم قريب من أمر الرواة الذين حدّثوا في مكان لم تكن معهم كتبهم فوقعوا في الأوهام، والفرق بينهم أن أولئك عرف في أمرهم مصدر الخطأ، وهو كون كتبهم لم تكن معهم، وأما هؤلاء فقد يكون الخطأ غير راجع إليهم بل إلى تلاميذهم حيث لم يضبطوا عنهم.\nفمن هؤلاء الرواة زهير بن محمد الخراساني.\nوثقه الإمام أحمد ووصفه بأنه مستقيم الحديث (^١).\nوتكلم في رواية أهل الشام عنه. قال الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله وذكر رواية الشاميين عن زهير بن محمد قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء، ثم قال لي: ترى هذا زهير بن محمد الذي يروون عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمُستقيمة: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر، أحاديث مستقيمة صحاح، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التِّنِّيسيّ فتلك بواطيل موضوعة أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله\" (^٢).\nوهنا يستفهم الإمام أحمد استفهام تعجب: هل هذا الذي يروي عنه أهل الشام هو زهير بن محمد الذي روى عنه ابن مهدي وغيره؟ وقد روى البخاري مثل هذا عن أحمد، قال: قال أحمد: كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقُلب اسمُهُ. ا. هـ (^٣). وقال الترمذي: قال ابن حنبل: \"كأن زهير بن محمد الذي\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٣/ ٥٩٠، تهذيب الكمال ٩/ ٤١٦.\n(^٢) تهذيب الكمال ٩/ ٤١٧.\n(^٣) التاريخ الكبير ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨.","vol":"1","page":591},{"text":"وقع بالشام ليس هو الذي يُروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني لما يروون عنه من المناكير\" (^١).\nوهذا الذي قاله الإمام أحمد من أن زهير بن محمد قد يكون رجلًا آخر انقلب اسمه على أهل الشام له ما يشهد له، فروى ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث رواه معاذ بن خالد العسقلاني، عن زهير بن محمد، عن شرحبيل بن سعد، عن جبار ابن صخر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"إنا نُهينا أن تُرى عوراتنا\" قال أبي: هذا الحديث بعينه حدثنا معاذ بن حسّان قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن شرحبيل عن جبار بن صخر. ا. هـ (^٢). ومعاذ بن خالد العسقلاني قال فيه أبو حاتم: شيخ تُشبه أحاديثه عن زهير بن محمد أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: سمعت أبي وحدثنا عن محمد بن علي بن عمر العسقلاني، عن معاذ بن خالد، عن زهير بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن خشيم بن جبير، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: \"لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم، وتستسقوا فلا تُسقوا، وتستنصروا فلا تنصروا\" قال أبي: أخاف أن يكون أراد إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى بدل زهير بن محمد. ا. هـ (^٤).\nفهذا أحد الرواة الشاميين يرى أبو حاتم أنه ربما قلب عليه إبراهيم بن أبي يحيى فجعله زهير بن محمد، فلا يبعد أن ما يخافه الإمام أحمد من هذا القبيل.\nفهذا أحد الاحتمالات في سبب وقوع المناكير في حديث الشاميين عن زهير - أي أنه رجل آخر رووا عنه فقلبوا اسمه وجعلوه زهير بن محمد. والاحتمال الآخر\n_________\n(^١) جامع الترمذي ٥/ ٣٧٣.\n(^٢) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٧٦ ح ٢٣٢٧.\n(^٣) الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٠.\n(^٤) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٠١ ح ٢٠٩٣.","vol":"1","page":592},{"text":"هو ما ذكره أبو حاتم أن العلة من زهير نفسه، فإنه وصفه بسوء الحفظ وجعله سبب نكارة حديث بالشام وقال: ما حدث من كتبه فهو صالح، وما حدث من حفظه ففيه أغاليط (^١). فهذا يلحقه بالنوع الذي تقدم وهو: من حدث في مكان لم تكن معه كتبه فوهم. وهناك احتمال ثالث ذكره ابن عدي، وهو أن أهل الشام لما رووا عنه أخطأوا عليه (^٢)، فجعل الخطأ من الرواة عنه، وهذا يحتمل أن يكون خطؤهم في قلبهم رجلًا آخر به كما قاله أحمد على الاحتمال، ويحتمل أن يكون خطؤهم أنهم لم يحفظوا حديثه، لكن يبعد أن يتطابق أهل إقليم أجمع على عدم الضبط لحديث راوٍ معين، والعلم عند الله.\nوممن ذهب إلى إنكار أحاديث أهل الشام عن زهير بن محمد وتصحيح أحاديث أهل العراق عنه الإمام البخاري. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: \"أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة\" (^٣). وعن البخاري أيضًا: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح. ا. هـ (^٤).\nولما قال أحمد للأثرم: أحاديث التنيسي عن زهير بواطيل، ذكر له الحديث رواه في التسليمة الواحدة فقال: مثل هذا (^٥)، أي في كونه من بواطيل فهذا منه إنكار للحديث. والحديث هو ما أخرجه الترمذي (^٦) من طريق عمرو بن أبي سلمة التِّنِّيسيّ، عن زُهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٣/ ٥٩٠.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٠٧٨.\n(^٣) جامع الترمذي ٥/ ٣٧٣.\n(^٤) تهذيب الكمال ٩/ ٤١٨.\n(^٥) فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢٠٩.\n(^٦) جامع الترمذي ٢/ ٩٠ ح ٢٩٦.","vol":"1","page":593},{"text":"\"أن رسول الله ﷺ كان يُسلِّم في الصلاة تسليمة واحدة تِلقاءَ وجهه يَميل إلى الشق الأيمن شيئًا\" (^١)، وتابعه عبد الملك بن محمد الصنعاني، رواه ابن ماجه (^٢)، وابن عدي (^٣). وخالفهما الوليد بن مسلم، فرواه عن زهير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة موقوفًا رواه العقيلي (^٤)، وقال الوليد: فقلت لزهير بن محمد: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري أن رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمة. ا. هـ.\nوله أصل عن عائشة موقوفًا، رواه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة ﵂ أنها كانت تسلّم في الصلاة تسليمة واحدة قِبَل وجهها: \"السلام عليكم\" (^٥).\nورجح الحفاظ رواية الوقف منهم أبو حاتم، قال: \"هذا حديث منكر، هو عن عائشة موقوف\" (^٦). وقال العقيلي: رواية الوليد - أي الموقوفة - أولى (^٧). وقال الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وهم (^٨). وقال الطحاوي: \"هذا حديث أصله موقوف على عائشة ﵂، هكذا رواه الحفاظ، وزهير بن محمد وإن كان ثقة فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعّف جدًا\" (^٩).\n_________\n(^١) ورواه الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٧٠، وابن حبان ٥/ ٣٣٥ ح ١٩٩٥ الإحسان، والدارقطني السنن ١/ ٣٥٧، والحاكم المستدرك ١/ ٢٣٠، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ١٧٩.\n(^٢) السنن ١/ ٢٩٧ ح ٩١٩.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٠٧٥.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٩٩٠.\n(^٥) السنن الكبرى ٢/ ١٧٩.\n(^٦) علل ابن أبي حاتم ١/ ١٤٨ ح ٤١٤.\n(^٧) الموضع السابق.\n(^٨) انظر: فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢١٠، وتلخيص الحبير ١/ ٢٧٠.\n(^٩) شرح معاني الآثار ١/ ٢٧٠.","vol":"1","page":594},{"text":"وكون رواية الوليد بن مسلم لهذا الحديث عن زهير هي المحفوظة، والوليد شامي لا يدل على أن المناكير لا تقع إلا في رواية بعض أهل الشام عن زهير، بل المناكير تقع في رواية الوليد بن مسلم عنه كما تقع في رواية غيره من أهل الشام. قال البخاري: \"روى عن زهير بن محمد الوليدُ بن مسلم، وعمرُو بن أبي سلمة مناكير عن ابن المنكدر، وهشام بن عروة، وأبي حازم\" (^١).\nولزهير بن محمد غير هذا الحديث من رواية أهل الشام أنكره عليه الحفاظ (^٢)\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٨.\n(^٢) وعند ابن أبي حاتم عدد من ذلك، ذكرها في علله بإعلال كل من أبيه وأبي زرعة انظرها: ح ٨٩٥، ١٣٨١، ٢٠٩٣، ٢١٦٧، ٢٣٢٧، ٢٣٧٥ كلها من رواية أهل الشام عن زهير.","vol":"1","page":595},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>الباب الثالث: إعلال الأحاديث بما يخل باتصال أسانيدها</span>","vol":"2","page":598},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>الفصل الأول: ما يثبت به الاتصال</span>","vol":"2","page":600},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>تمهيد</span>\nالاتصال في اللغة مصدر اتّصل الشيءُ بالشيء بمعنى لم ينقطع (^١) وأما في الاصطلاح فقال الخطيب: \"واتصال الإسناد في الحديث أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي إلى آخره، وإن لم يبين السماع بل اقتصر على العنعنة\" (^٢)، ويقال للحديث الموصوف به: متصلًا وكذا مؤتصلًا وموتصلًا كما عزاه السخاوي للشافعي (^٣)، وهذا الأخير لغة لقريش \"حيث لا تدغم مثل هذه الواو وأشباهها في التاء، فتقول: موتصل، موتفق، وموتعد ونحو ذلك، وغيرهم يُدغم فيقول: متّصل، متّفق، متّعد\" (^٤).\nقال ابن عبد البر: وإنما سمي متصلًا لأن بعضهم صحت مجالسته ولقاؤه لمن بعده في الإسناد وصح سماعه منه (^٥).\nوالاتصال من أخص خصائص الإسناد الذي هو خاصية هذه الأمة، والأصل فيه قوله ﵊ في الحديث الذي رواه ابن عباس: \"تسمعون ويُسمعُ منكم ويُسمع ممن يَسمع منكم\" (^٦). فهذا الحديث وإن كان\n_________\n(^١) لسان العرب، مادة: \"وصل\" ١/ ٧٢٦.\n(^٢) الكفاية ص ٥٨.\n(^٣) فتح المغيث ١/ ١٢٢.\n(^٤) انظر: لسان العرب ١١/ ٧٢٧.\n(^٥) التمهيد ١/ ٢٤.\n(^٦) أخرجه أبو داود السنن ٤/ ٦٨ ح ٣٦٥٩، وأحمد المسند ٥/ ١٠٤ ح ٢٩٤٥، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ٢٦٣ ح ٦٢، وابن أبي حاتم الجرح والتعديل ٢/ ٨، والحاكم المستدرك ١/ ٩٥، والبيهقي السنن الكبرى ١٠/ ٢٥٠، والرامهرمزي في","vol":"2","page":601},{"text":"ظاهره خبرًا متضمنًا معنى الأمر بطلب العلم وتبليغه فقد تضمنّ أيضًا إخبارًا من النبي ﷺ ظاهره خبرًا معنى الأمر بطلب العلم وتبليغه فقد تضمن أيضًا إخبارًا من النبي ﷺ بما سيقع في أمته من اتباعهم لهذا الطريق في نقل العلم، وهو الرواية بالإسناد المتصل.\nوالعلة في الإعلال بعدم الاتصال هو الجهل بعدالة الراوي الساقط من الإسناد لجواز أن لا يكون عدلًا (^١).\n_________\nالمحدث الفاصل ص ٢٠٧، وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ح ٢٠٣، ح ١٩٣٢ وغيرهم من طرق عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وعبد الله بن عبد الله وثقه يعقوب بن شيبة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، العجلي، وقال\nابن حبان: ثقة كوفي. وكذلك قال الذهبي: وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حجر: صدوق تهذيب الكمال ١٥/ ١٨٤ - ١٨٥، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، الموضع السابق، الكاشف ٢٨٠٩، تقريب التهذيب ٣٤٤٠. ولم يصرح الأعمش بالخبر، ورواه\nابن مهدي عن سفيان، عن الأعمش عن ابن عباس ولم يرفعه الجرح والتعديل ٢/ ٨، والذين رووه عن الأعمش أكثر عددًا. ويشهد للحديث المرفوع حديث ثابت بن قيس بن شماس عند البزار كشف الأستار ١٤٦، والطبراني في المعجم الكبير ٢/ ١٣٢١/٧١، وابن أبي حاتم الجرح والتعديل ٢/ ٨، والرامهرمزي المحدث الفاصل ص ٢٠٦، وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ح ١٩٣١، والخطيب شرف أصحاب الحديث ص ٣٧ - ٣٨ من طرق عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ الحديث. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى موصوف بسوء الحفظ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من ثابت من قيس - قاله البزار ـ.\nوقد صحح الحاكم حديث ابن عباس على شرط الشيخين وقال: ليس له علة، ووافقه الذهبي. وحسنه العلائي جامع التحصيل ص ٥٢، وهو أقرب.\n(^١) جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص ٣٦.","vol":"2","page":602},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>المبحث الأول: اشتراط ثبوت السماع بين الرواة عند الإمام أحمد لثبوت الاتصال في الإسناد المعنعن</span>.\nلا خلاف أن ألفاظ الأداء الدالة على السماع في الأسانيد صريحًا أو ظاهرًا قويًا يقرب من الصريح تدل على الاتصال، لكونها صريحة في إفادة تحمل الراوي من المروي عنه بلا واسطة، ومن أمثلة هذه الألفاظ: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وقال لنا، وذكر لنا، وحضرت فلانا يقول كذا، وسألت فلانا عن كذا وما أشبه ذلك. وأرفعها كما قال الخطيب: سمعت فلانًا يقول كذا، لأنها لا تقبل التدليس، ولا تكاد تستعمل فيما كان بالإجازة أو المكاتبة، بخلاف أخبرنا وحدثنا فإن بعض أهل العلم جوزوا إطلاقها فيما كان بالإجازة (^١).\nوأما الأسانيد المعنعنة، وهي التي يقال فيها: \"فلان عن فلان\" من غير بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع (^٢)، فجمهور أهل العلم على ثبوت الاتصال بها لكن بشروط وقع بينهم فيها خلاف.\nأما الإمام أحمد فمقتضى كلامه كما قال ابن رجب يدل على اشتراط ثبوت السماع بين الراويين للحكم بالاتصال (^٣). وهناك شرط آخر يفهم من كلام الإمام أحمد، ألا وهو سلامة الراوي صاحب العنعنة من التدليس. يدل عليه ما رواه الأثرم قال: \"سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذَكر معاوية بن عبد الكريم فقال: ثقة، ما أثبتَ حديثَه، ما أصحَّ حديثَه، قيل له: بعض ما روى عن عطاء لم يسمعه،\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية ص ٤١٣.\n(^٢) فتح المغيث ١/ ١٨٩.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٠، ٥٩٢.","vol":"2","page":603},{"text":"فأنكره وقال: هو يروي بعضَها عن قيس، وبعضها يقول: سمعتُ عطاء - أي فلا يُدلِّس - وهو أحب إليه من إسماعيل بن مسلم\" (^١) لما ذكر الإمام أحمد صحة حديث معاوية اعترضوا عليه بعدم سماعه لبعض ما يروي عن عطاء، ومقتضى ذلك ألا يصحح ما رواه عن عطاء بدون ذكر الإخبار، فأجاب الإمام أحمد بما حاصله أنه ليس ممن يدلس، فلا يتوقف في قبول ما رواه بغير سماع - أي بالعنعنة. فمفهوم هذا أنه لو كان ممن يدلس لم تقبل عنعنته، فعدم تدليس الراوي إذًا شرط لقبول عنعنته، والعلم عند الله.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٨/ ٣٨١ - ٣٨٢.","vol":"2","page":604},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>المطلب الأول: الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم باتصال الإسناد المعنعن</span>.\nمن خلال تتبع النصوص المروية عن الإمام أحمد يظهر أنه يشترط ثبوت السماع في الحكم بالاتصال ولا يكتفي بإمكان اللقاء ولا حتى بحصوله، وفيما يلي أدلة ذلك:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-213> نفيه للسماع بين الراويين مع وجود اللقاء بينهما:</span>\nمما يدل على أن ثبوت السماع عند الإمام أحمد شرط للحكم بالاتصال أنه لم يحكم بالسماع بين راويين ثبت بينهما اللقاء بمجرد حصول اللقاء، فدل على أن هناك أمرًا زائدًا يشترطه فوق ثبوت اللقاء للحكم بالسماع، وهذه النصوص عنه توضح ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-214>أ- قوله في عبد الله بن عون وعدم سماعه من أنس:</span>\nقال المروذي: \"قلت: سمع ابن عون من أنس شيئًا؟ فقال: قد رآه، وأما سماع فلا أعلم، ثم قال: أيوب قد رآه، ولم يسمع، قلت: ويونس؟ قال: لا أدري\" (^١). فلم يحكم له بالسماع بمجرد الرؤية، وهي أبلغ من إمكان اللقاء، واستدل لذلك بأن أيوب السختياني قد رآى أنس بن مالك ولم يسمع منه، فكأنه يستدل بأن الرؤية لا تستلزم السماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>ب- قوله في سماع يحي بن أبي كثير من أنس بن مالك ﵁:</span>\nقال الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله: يحيى بن أبي كثير سمع من أنس؟ قال: قد رآه، قال: رأيت أنسًا، ولا أدري سمع منه أم لا؟ \" (^٢). ونفى أبو حاتم سماعه\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٤١ رقم ٧.\n(^٢) المراسيل ٨٩٤.","vol":"2","page":605},{"text":"من أنس، وقال: روى عنه مرسلًا، وقد رآه رؤية يصلي في المسجد الحرام (^١). وحديثه عنه في سنن النسائي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-216>ج- عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر:</span>\nقال حرب بن إسماعيل الكرماني: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: \"عطاء - يعني ابن أبي رباح - قد رأى ابن عمر ولم يسمع منه\" (^٣). وكذلك قال ابن معين: لم يسمع من ابن عمر رآه رؤية (^٤). وحديثه عنه في السنن الأربعة (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>د- عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن ابن عمر:</span>\nقال أبو طالب أحمد بن حميد: قال أحمد بن حنبل: \"عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس شيئًا، وقد رأى عطاء ابنَ عمر ولم يسمع منه شيئًا\" (^٦). فأثبت له الرؤية لابن عمر ونفى سماعه منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>هـ- ابن شهاب الزهري عن أبان بن عثمان بن عفان:</span>\nقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: \"الزهري سمع من أبان ابن عثمان؟ قال: ما أُراه سمع منه، وما أدري - أو نحو هذا - إلا أنه قد أدخل بينه وبينه: عبد الله بن أبي بكر\" (^٧)، لم يجزم له بالسماع منه مع أنه قد أدركه، بل\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٩/ ١٤١.\n(^٢) السنن الكبرى ٤/ ٢٠٢ ح ٦٩٠١، ٦/ ٨١ ح ١٠١٢٨، ١٠١٢٩، حديث إذا أفطر عند أهل بيت قال: \"أفطر عندكم الصائمون … \" الحديث. وقال النسائي: يحيى بن أبي كثير لم يسمعه من أنس، ثم ساق بإسناده عنه قال: حُدّثته عن أنس ح ١٠١٣٠.\n(^٣) المراسيل لابن أبي حاتم ٥٦٥.\n(^٤) تاريخ ابن معين - برواية الدوري ٢/ ٤٠٣.\n(^٥) تهذيب الكمال ٢٠/ ٧١.\n(^٦) المراسيل ٥٧٥.\n(^٧) المراسيل ٦٩٥.","vol":"2","page":606},{"text":"الزهري قد أدرك من هو أكبر من أبان بن عثمان: قال أبو حاتم: \"الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا، لا أنه لم يُدركه، قد أدركه، وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-219>و- حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير:</span>\nقال أحمد: \"لم يسمع من عروة\" (^٢) وحبيب قد أدرك من هو أكبر من عروة، أدرك ابن عمر، وابن عباس وسمع منهما (^٣). قال أبو حاتم: \"حبيب ابن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة\" (^٤).\nفكل هذه النصوص تدل على أن الإدراك لا يستلزم معه السماع بين المتداركيْن فإذا روى أحدهما عن الآخر فالظاهر أن تلك الرواية حصلت بواسطة آخرَ بينهما، وهذا هو واقع الإرسال. ونظير هذا من ثبتت له الصحبة بالرؤية للنبي ﷺ دون السماع منه، مثل عبد الرحمن بن غنم، قال عنه الإمام أحمد: قد أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه (^٥)، وكذلك طارق بن شهاب البجلي، فرواية مثلهم عن النبي ﷺ مرسلة، وإنما لم يضرَّ الإرسال في هذه الصورة لأن الواسطة في الغالب صحابي، والجهل به لا يضر لعدالة الصحابة، بخلافه في الصورة الأولى. فإذا ثبت هذا فلا بد للحكم بالاتصال من ثبوت السماع، ولا\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٧٠٣.\n(^٢) المصدر نفسه ٨١.\n(^٣) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٢٠ رقم ٤٩٥٧، ٤٩٥٨.\n(^٤) المراسيل ٧٠٣.\n(^٥) المصدر نفسه ٤٤٣.","vol":"2","page":607},{"text":"يُكتَفى بمجرد اللقاء فضلًا عن إمكانه.\nولهذا الاعتبار حكم الإمام أحمد بالإرسال على رواية سعيد بن السيب عن عمر، مع أنه أثبت أن سعيدًا قد رأى عمر وسمع منه لكنه ما سمع منه إلا شيئًا يسيرًا، فرواياته عنه زيادة على ذلك مرسلة (^١)؛ وكذلك جعل رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع مرسلة مع أنه أثبت دخوله عليه ورؤيته له، لكن أنكر سماعه له (^٢)، وقال: لم يصح له منه سماع (^٣).\nوقد يعترض على المثال الأول، وهو ابن المسيب عن عمر بما رواه أبو طالب أحمد بن حميد أنه قال لأحمد: \"سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ \" (^٤)، ويمكن أن يجاب عنه بأن اعتبار رواياته حجة لا يخرجها عن كونها مرسلة، لأن مراسيل ابن المسيب عند أحمد صحاح، وكان لا يرى أصح من مرسلاته (^٥)، وخاصة ما أرسله عن عمر، فإنه كان يسمى راويته لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته (^٦)، وهذا مما لا يخفى على الإمام أحمد.\nوهناك وجه آخر لعدم الحكم بالسماع والاتصال بمجرد اللقاء، وهو أنه قد يحصل اللقاء بين راوييْن مع الرواية لكن تكون الرواية من كتاب بلا سماع\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٠.\n(^٢) وقد روى أبو داود عن أحمد أنه سمع مكحول من أصحاب النبي ﷺ من أنس، وواثلة، وأبي هند. ا. هـ. مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٣. وكذلك أثبته ابن معين والترمذي وصالح الجزرة انظر: تاريخ دمشق ٦٠/ ٢٠٨ - ٢١٠.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٠ - ٥٩١.\n(^٤) الجرح والتعديل ٤/ ٦١.\n(^٥) تهذيب الكمال ١١/ ٧٣ برواية الميموني وحنبل عنه. وانظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٢٢، وشرح علل الترمذي ١/ ٥٥٥.\n(^٦) تهذيب الكمال ١١/ ٧٤.","vol":"2","page":608},{"text":"ولا عرض، بل ولا مناولة ولا إجازة، فإذا جاز أن يقع هذا فلا يصح أن يحكم بالاتصال بدون ثبوت السماع إذ يلزمه ذلك الحكم بالاتصال على الرواية بالوجادة، وهو خلاف الواقع. يوضح هذا ما رواه عبد الله قال: \"سمعت أبي ذكر جميل بن زيد (^١)، قال: قال أبو بكر بن عياش قلتُ لجميل بن زيد: هذه الأحاديث أحاديث ابن عمر؟ قال: أَمَا ما سمعتُ من ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدِمتَ المدينة فاكتُب أحاديث ابن عمر. قال: فقدمتُ فكتبتُها\" (^٢)، فقال هذا مع أنه جاء ما يدل على رؤيته لابن عمر كما في سنن سعيد بن منصور (^٣).\nومثال آخر هو خِلاس بن عمرو وروايته عن علي بن أبي طالب، قال أبو داود: \"قلت لأحمد: خِلاس سمع من علي؟ قال: قد سمع من عمارٍ وكان في الشرط مع علي، فلا يكون سمع من عمار إلا وقد أدرك عليًا\" (^٤). فظاهر هذه الرواية أنه ليس هناك ما يمنع سماعه من علي لإدراكه له. لكن روى العقيلي عن الإمام أحمد أنه قال: \"خِلاس عن علي كتاب\" (^٥). وذكر عبد الله عن أحمد: \"كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن قتادة عن خلاس عن علي شيئًا، وكان يحدث عن قتادة، عن خلاس، عن غير علي، كأنه يتوقى حديث خلاس عن علي وحده\n_________\n(^١) جميل بن زيد الطائي الكوفي، روى عن ابن عمر، وروى عنه الثوري وأبو بكر بن عياش وغيرهما. ضعيف. وروى سعيد بن منصور ما يدل على رؤيته لابن عمر تهذيب التهذيب ٢/ ١١٤.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٨٤ رقم ١١١١، ٢/ ٦٨ رقم ١٥٧٦. وانظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢١٥.\n(^٣) انظر: تغليق التعليق ٣/ ٧٥.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٦ رقم ١٩٧٢. وانظر: مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ١/ ٣٣٠ رقم ٢٧٩، والعلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٣٠ رقم ٩٥٤.\n(^٥) ضعفاء العقيلي ٢/ ٣٧٧.","vol":"2","page":609},{"text":"ـ يعني يقول: ليس هي صحاح، أو لم يسمع منه\" (^١). واعتمد الإمام أحمد نفسه مثل هذا الذي رواه عن شيخه يحيى القطان، فقال المروذي: سألته - أي أبا عبد الله - عن خلاس فقال: \"ما روى عن غير علي فلم ير به بأسًا، وأما ما روى عن علي فليس هي عندي\" (^٢). فضعفه عن علي لأنه لم يثبت له السماع منه مع إدراكه له وروايته عنه، لأنه أخذ الرواية من كتاب، وقد كان خلاس يوصف بأنه صحفي (^٣). وقال أبو حاتم: وقعت عنده صحف عن علي (^٤).\nوالجدير بالذكر أن معنى نفي السماع عدم وقوف الناقد على تصريح بالسماع يصح أن يحتج به لإثبات السماع، ومن أجل هذا ورد عن النقاد التفتيش والبحث عن السماع في الأسانيد، والعناية بمرويات الذين يعتنون بذكر الإخبار وغيره من ألفاظ الأداء في الأسانيد. قال أحمد في الموازنة بين شعبة وأبي معاوية في الأعمش: \"أبو معاوية في الكثرة والعلم - يعني علمه بالأعمش - شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والأخبار، أبو معاوية: عن عن\" (^٥). أي شعبة يعتني بذكر ألفاظ الأداء، بينما أبو معاوية يذكر الأسانيد بالعنعنة، وهذا ما سيأتي في الدليل الثاني من أدلة اشتراط ثبوت السماع للحكم بالاتصال.\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-220> البحث عن التصريح بالسماع بين الرواة:</span>\nالدليل الثاني من أدلة اشتراط ثبوت السماع بين الرواة للحكم على عنعنتهم بالاتصال عند الإمام أحمد هو بحثه عما يُثبت سماع الرواة بعضهم من\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٣١ رقم ١٢٤٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥٩ رقم ٤٩.\n(^٣) وصفه بذلك أيوب السختياني العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٦٤ رقم ٦٩٥.\n(^٤) الجرح والتعديل ٣/ ٤٠٢.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٧٧.","vol":"2","page":610},{"text":"بعض وعدم اكتفائه بالمعاصرة أو اللقاء بينهم، ولو لم يكن ذلك من أجل إثبات الاتصال لعدّ البحث عنه عبثًا أو عملًا لا طائل تحته. وفيما يلي أمثلة توضيحية:\nأ- قال الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل ـ: أبان بن عثمان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه! \" (^١). قال ابن رجب: مراده: من أين صحت الرواية بسماعه منه؟ وإلا فإن إمكان ذلك واحتماله غير مستبعد. ا. هـ (^٢). ومعنى هذا: أنه حيث لم تأت رواية صحيحة فيها التصريح بسماعه من أبيه فلا يثبت له السماع. وقد ورد تصريحه بالسماع من عثمان في مسند أحمد في حديث: \"أيكحل عينيه وهو محرم؟ أو بأي شيء يكحلها وهو محرم؟ فقال أبان: يضمدها بالصبر، فإني سمعت عثمان بن عفان يحدث ذلك عن رسول الله ﷺ \" (^٣)، وفي حديث: \"لا يَنكِح المحرم ولا يُنكَحُ ولا يَخطب\" عند مسلم (^٤)، وهو عند أحمد أيضًا بالتصريح بالسماع (^٥). ولذلك أثبت البخاري له السماع من أبيه (^٦). فنفيُ الإمام أحمد هنا يُحمل على ذهول منه ﵀.\nب- قال أبو داود: \"قلت لأحمد: أَسمِع أبو إسحاق السبيعي من\nأبي موسى الأشعري؟ فقال: من أين سمع منه؟ - أو كلمة نحوها، فذكرت له حديث أُنيس، عن أبي إسحاق: بعثني أبي إلى أبي موسى الأشعري فسقاني نبيذًا، فأنكر الحديث جداًّ\" (^٧).\n_________\n(^١) المراسيل ٤٨.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩١.\n(^٣) المسند ١/ ٤٨١ ح ٤٢٢.\n(^٤) صحيح مسلم ٢/ ١٠٣٠ ح ١٤٠٩.\n(^٥) المسند ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠ ح ٥٣٥.\n(^٦) التاريخ الكبير ١/ ٤٥٠.\n(^٧) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٠ رقم ١٨٩٢.","vol":"2","page":611},{"text":"أبو إسحاق السبيعي ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ورأى علي بن أبي طالب يخطب (^١)، فسماعه من أبي موسى الأشعري ت (٤٢) هـ ممكن، لكن الإمام أحمد أنكره لأنه لم تأت رواية صحيحة مصرِّحة بذلك، ولما ذكر له حديث أنيس أنكره. وسؤاله: \"من أين سمع منه؟ \" يدل على بحثه عن التصريح بالسماع. ولم أقف على الأثر الذي ذكره أبو داود.\nج- قال عبد الله: \"سئل عمّا روى سعيد بن جبير عن عائشة على السماع؟ قال: لا أُراه سمع منها، عن الثقة عن عائشة\" (^٢). قوله: عن الثقة عن عائشة يشير إلى ما رواه مالك عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن رجل عنده رضى أخبره أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: \"ما مِن امرئٍ تكونُ له صلاةٌ بليل فغلبه عليها نومٌ إلا كتب الله له أجرُ صلاتِه، وكان نومُه صدقةً عليه\" (^٣)، مما يدل على أن روايته عنها بواسطة، فلم يحكم له بالسماع منه إذ لم تأت رواية مصرِّحة بذلك.\nد- قال أبو طالب أحمد بن حميد: \"سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن علي، سمع من أم سلمة شيئًا؟ قال: لا يصح أنه سمع. قلت: فسمع من عائشة؟ فقال: لا! ماتت عائشة قبل أم سلمة\" (^٤). فقوله: لا يصح أنه سمع، إشارة إلى عدم وجود رواية صحيحة فيها ثبوت سماعه منها.\nهـ- قال حرب بن إسماعيل: \"قال أحمد بن حنبل: ابن سيرين لم يجيء عنه\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٩٣.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٤ رقم ٥٢٦١، وانظر: المراسيل ٢٦٢.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١١٧، ومن طريقه أحمد ٤٢/ ٢٩٢ ح ٢٥٤٦٤، وأبو داود السنن ٢/ ٧٦ ح ١٣١٤، والنسائي السنن ٣/ ٢٥٧ ح ١٧٨٣.\n(^٤) المراسيل ٦٧٢.","vol":"2","page":612},{"text":"سماع من ابن عباس\" (^١). فهذا نفي منه لوجود الرواية بالسماع بينهما.\nو- قال الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل: الزهري سمع من عبد الرحمن بن أزهر؟ قال: ما أُراه سمع من عبد الرحمن بن أزهر، ثم قال: إنما يقول الزهري: كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث (^٢)، كذا يقول معمر وأسامة: سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنعا عندي شيئًا، ما أُراه حفظ، وقد أدخل بينه وبينه طلحة بن عبد الله بن عوف\" (^٣). وأظن أن العبارة الصحيحة كالتالي: \"إنما يقول الزهري كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث، كذا يقول معمر، وأسامة: سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنع عندي شيئًا، ما أُراه حفظ\" لأن معمرًا يروي عن الزهري: كان عبد الرحمن ابن أزهر يحدث، بينما الذي يقول عن الزهري: أخبرنا عبد الرحمن بن أزهر هو أسامة بن زيد وحده (^٤)، وهو الذي عناه الإمام أحمد بقوله: ما أُراه حفظ. والشاهد أنه نفى وجود رواية صحيحة تصرح بسماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر، وجاءت رواية تفيد أنه يحدث عنه\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٦٨١.\n(^٢) يشير إلى رواية صالح بن كيسان، عن الزهري أن عبد الرحمن بن أزهر كان يحدث أنه حضر رسول الله ﷺ حين كان يحثي في وجهوههم التراب المسند ٣١/ ٤٣٢ ح ١٩٠٨٢، والسنن الكبرى للنسائي ٣/ ٢٥١ ح ٥٢٨٢. وكذلك رواية معمر عن الزهري كما رواها أحمد في المسند ٢٧/ ٣٦٦ ح ١٦٨١١، وهي عند عبد الرزاق في المصنف ٥/ ٣٨٠، ومن طريقه ابن حبان الإحسان ١٥/ ٥٦٤ ح ٧٠٩٠، ورواها أيضًا البخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٢٤٠.\n(^٣) المصدر نفسه ٧٠٠.\n(^٤) حديث أسامة بن زيد رواه أحمد المسند ٢٧/ ٣٦٤ ح ١٦٨٠٩، والبزار مسند البزار ٨/ ٣٧٥ ح ٣٤٥٤ عن الزهري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أزهر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين يتخلل الناس يسأل خالد بن الوليد فأتى بسكران فأمر رسول الله من كان عنده أن يضربوه بما كان في أيديهم وحثا عليه رسول الله التراب … الحديث. وقد رواه عقيل عن الزهري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه عبد الرحمن بن أزهر به. وأخرجه أبو داود ح ٤٤٨٨، والنسائي السنن الكبرى ٥٢٨٣.","vol":"2","page":613},{"text":"بواسطة فدل على عدم سماعه منه.\nفكل هذه النصوص تدل على اهتمام الإمام أحمد بالوقوف على ما يثبت سماع الرواة بعضهم من بعض، والغرض من ذلك التوصل إلى الحكم على مروياتهم بالاتصال، مما يدل على أن ثبوت السماع هو المعتبر عنده للحكم بالاتصال في الأسانيد المعنعنة.\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-221> الاحتجاج بثبوت السماع لإثبات صحة الإسناد وعدم الاكتفاء بإمكان اللقاء:</span>\nمن الأدلة على اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع للحكم بالاتصال أن من يُعلّ الأسانيد بعدم السماع لا يحتج عليه بإمكان اللقاء أو حتى بإمكان السماع، بل يُحاجّه بما فيه التصريح بثبوت السماع، فمن ذلك:\nقال الخلال: أخبرنا المروذي قال: \"قرئ على أبي عبد الله: عفان: ثنا عبد الصمد ابن كيسان، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيتُ ربيِّ\". قلت: إنهم يقولون إن قتادة لم يسمع من عكرمة. قال: هذا لا يدري الذي قال! وغضِب، وأخرج إليّ كتابَه فيه أحاديث مما سمع قتادةُ من عكرمةَ، فإذا هي ستة أحاديث: \"سمعت عكرمة\"، وقال\nأبو عبد الله: قد ذهب من يُحسن هذا، وعجِب من قوم يتكلمون بغير علمٍ، وعجِب من قول من قال: لم يسمع! وقال: سبحان الله! فهو قدِم إلى البصرة فاجتَمع عليه الخلقُ. وقال يزيد بن حازم: هذا رواه حماد بن زيد: إن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة\" (^١).\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٨٣ رقم ١٨٢.\nوحديث ابن عباس أخرجه أحمد بالإسناد المذكور هنا المسند ٤/ ٣٨٦ ح ٢٦٣٤ ومن طريق الأسود بن عامر عن حماد بن سلمة به المسند ٤/ ٣٥٠ ح ٢٥٨٠. وأخرجه ابن عاصم في =","vol":"2","page":614},{"text":"فردّ الإمامُ أحمد على من أعلّ حديث قتادة هذا بعلة عدم سماعه من عكرمة، رد عليه بتصريح قتادة بالسماع في عدة أحاديث غير هذا، وما ذكره من قدوم عكرمة البصرة واجتماع الخلق عليه، وكذا سؤاله قتادة عن شيء من التفسير إنما هي قرائن تؤيّد ما ذكره من ثبوت السماع، ولم يحتج أحمد بإمكان اللقاء، ولو كان يرى إمكان اللقاء كافيًا لإثبات الاتصال لاحتج به عليه.\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-222> إعلاله الأحاديث بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم:</span>\nومن الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم على الأسانيد المعنعنة بالاتصال أنه يعتبر عدم سماع الرواة ممن رووا عنهم علة تُعَلّ بها أحاديث أولئك الرواة، فهذا يدل على أن نقيضه - وهو وجود السماع بين الرواة - شرط من شروط صحة الأسانيد عنده، ولما كان هذا الشرط ليس له علاقة بثقة الرواة أو تجريحهم تعين أن يعود إلى اتصال الإسناد. ولم يأت عنه الإعلال بعدم المعاصرة، وحتى ولو أعل بعدم الإدراك فمراده الاستدلال بعدم الإدراك على\n_________\nالسنة ١/ ١٨٨ ح ٤٣٣ من طريق عفان، ومن طريق الأسود بن عامر ١/ ١٩١ ح ٤٤٠ وكذلك ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٧٧. ورواه الخطيب من طريق آخر عن عفان تاريخ بغداد ١١/ ٢١٤ بزيادة: [في صورة شاب أمرد]. وفيه: قال عفان: فسمعت\nحماد بن سلمة سئل عن هذا الحديث فقال: دعوه حدثني به قتادة وما في البيت غيري وغير آخر. ا. هـ. والراوي عن عفان في هذا الإسناد هو عمر بن موسى بن فيروز التوري، ولم أقف له على توثيق، وقد تفرد بهذه الزيادة عن عفان، وخالف عددًا من الحفاظ.\nوسئل الإمام أحمد: هل أحدث بهذا الحديث: قال حدّث به فقد حدّث به العلماء المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد ٢/ ١٩٥.\nوصححه الألباني في تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم وقال: هو مختصر من حديث الرؤيا، وأنها رؤيا منامية السنة ١/ ١٨٨ - ١٨٩. ومال شعيب الأرنؤوط إلى تصحيح وقف الحديث للاختلاف الواقع في رفع الحديث ووقفه، وما اشتهر به عن ابن عباس أنه كان يقول: رأى محمد ربه انظر: تحقيقه لمسند الإمام أحمد ٤/ ٣٥١ - ٣٥٣.","vol":"2","page":615},{"text":"عدم السماع (^١).\nفمن أمثلة ما أعلّه بعدم السماع:\nأ- قال عبد الله: سمعت أبي يقول حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور - يعني ابن زاذان (^٢) - عن نافع أن امرأةً صحِبتْ قومًا في سفرٍ. سمعت أبي يقول: لم يسمع منصور من نافع شيئا (^٣).\nلم أقف على هذا الأثر، والشاهد فيه أن الإمام أحمد أعله بعدم سماع منصور بن زاذان من نافع مولى ابن عمر.\nب- قال عبد الله: قلت لأبي: إن سفيان بن عيينة حدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر\"، فأنكره وقال: من حدّث به؟ قلت: يحيى بن معين حدثنا عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. قال يحيى: فقال رجل لسفيان: من ذكره؟ قال وائل. قال أبي: نرى وائل لم يسمع من الزهري، إنما روى وائل عن ابنه. وأنكره أبي أشدَّ الإنكار وقال: هذا خطأ، ثم قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر الحديث (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٩.\n(^٢) منصور بن زاذان الواسطي، ثقة ثبت عابد كبير الشأن ت ١٢٨ هـ وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٢٣، الكاشف ٥٦٣٩، تقريب التهذيب ٦٩٤٦.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٤٧ رقم ٢١٣٨.\n(^٤) المصدر نفسه ٢/ ٣٤٥ رقم ٢٥٣٢.\nوحديث عائشة أخرجه عبد الله في زوائده على فضائل الصحابة ٦٧ ح ٢٨، وابن عساكر تاريخ دمشق ٣٠/ ٥٨ من طريق يحيى بن معين، وفي آخره: قال رجل: يا أبا محمد سمعته من الزهري؟ فقال: حدثني وائل. ا. هـ. وأخرجه الحميدي مسند الحميدي ١/ ١٢١ ح ٢٥٠، وأبو يعلى مسند أبي يعلى ٤/ ٤٣٧ ح ٤٨٨٤، وابن أبي عاصم السنة ٢/ ٥٦٣ ح ١٢٣٠ كلهم من طريق ابن عيينة به.","vol":"2","page":616},{"text":"حديث عائشة هذا ظاهره الصحة، لكن تبينت علته لما كشف ابن عيينة عن تدليسه عن الزهري، وأنه ما رواه إلا عن وائل (^١)، عن الزهري. فأعلّ الإمام أحمد رواية وائل عن الزهري بعدم سماع وائل من الزهري، وأن روايته عنه بواسطة ابنه بكر بن وائل، فلعدم السماع وقعت النكارة في هذه الرواية وجاءت مخالفة للمحفوظ عن الزهري، والمحفوظ هي الرواية التي ذكرها أحمد: معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب مرسلًا. وقد تابع معمرًا إسحاقُ ابن راشد (^٢) كما سبقت الإشارة إليه.\n_________\n= وخالف سفيانَ معمرُ وإسحاقُ بن راشد، فروياه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ فذكراه مرسلًا. وذكر الإمام أحمد طريق معمر هذه، وأخرجها ابن عساكر تاريخ دمشق ٣٠/ ٥٩ من طريق أحمد بن منصور عن عبد الرزاق عن معمر. وأما طريق إسحاق بن راشد فأخرجها عبد الله في زوائده على فضائل الصحابة ٧٢ ح ٣٦.\nوأنكر الإمام أحمد حديث ابن عيينة لمخالفته لرواية معمر المرسلة، وحكم على رواية ابن عيننة بالخطأ.\nقال الخطيب: وحديث معمر هذا أصح من حديث ابن عيننة، وقد تابع معمرًا على روايته إسحاق بن راشد، وهو المحفوظ عن الزهري وإن كان مرسلًا تاريخ دمشق ٣٠/ ٥٩.\nوقد روى ابن عساكر رواية بكر بن وائل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به تاريخ دمشق ٣٠/ ٥٩. وبكر بن وائل قال عنه أبو حاتم صالح، وقال النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال ٤/ ٢٣١.\nفعادت الموازنة بين معمر وإسحاق بن راشد من جهة، وبكر بن وائل من جهة أخرى، ولا شك في ترجيح رواية معمر على رواية بكر بن وائل وإن انفرد، كيف وقد توبع!\nوقد قيل لسفيان في مخالفة معمر له فقال: ما سمعنا من الزهري إلا عن عروة عن عائشة. ا. هـ مسند الحميدي ١/ ١٢١، فلم يقبل أنه أخطأ ولم يرجع عن روايته.\nومتن الحديث مروي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، وهو عند أحمد المسند ١٢/ ٤١٤ ح ٧٤٤٦ وغيره.\n(^١) هو وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي. قال أحمد: وائل ثقة، سمع من إبراهيم وهو يحدث عن ابنه عن الزهري وقال أيضًا: وائل ثقة، ثقة. ثم نقل عن سفيان بن عيينة أنه قال: لم يجالس وائل الزهري، وجالس ابنُه الزهريَّ العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٥٠ رقم ٥١.\n(^٢) هو ثقة، لكن في حديثه عن الزهري بعض الوهم تقريب التهذيب ٣٥٣، وقد أخرج له البخاري من حديثه عن الزهري تهذيب الكمال ٢/ ٤١٩، هدي الساري ص ٣٨٩.","vol":"2","page":617},{"text":"فاتضح من هذا المثال أن عدم ثبوت السماع علة في الإسناد، فثبوته إذًا شرط من شروط صحته.\nج- قال عبد الله: قال أبي: كنا عند سليمان بن حَرب فذكرْنا المسحَ على الخفّيْن، فذكرْنا أحاديثَ، فجعل سليمان بن حرب يقول: ذا لا يُحتمل، وذا ما أدري، قلنا: أيشٍ عندك؟ قال: خالد، عن أبي عثمان، عن عمر قال: يمسح حتى يأوي إلى فراشه (^١). قلنا: خالد لم يسمع من أبي عثمان شيئًا، يقول ذلك بعض الناس، ويروى عن النبي ﷺ أنه كان يُوقِّت (^٢)، ويقول: خالد عن أبي عثمان! كأنه لم يرض منه بذلك (^٣).\nفي هذه المسئلة طعَن الإمامُ أحمد ومَن معه على الأثر الذي احتجّ به شيخُهم سليمانُ بن حرب في عدم التوقيت في المسح على الخفين، طعنوا فيه بعدم سماع خالد - وهو ابن مهران الحذاء - من أبي عثمان النهدي، فدل على أن عدم السماع\n_________\n(^١) أثر عمر رواه ابن المنذر من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي عوانة، عن خالد الحذاء، عن\nأبي عثمان النهدي، عن عمر أنه قال في المسح على الخفين: \"يمسح إلى الساعة التي توضأ فيها\". الأوسط ١/ ٤٤٣ ث ٤٦٩. وتابعه عاصم بن سليمان الأحول عن أبي عثمان: أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ٢٠٩ ح ٨٠٨، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ٢٧٦ بلفظ: \"يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته\".\nوهذان اللفظان يختلفان عن اللفظ الذي ذكره سليمان بن حرب في روايته، ولعل ذلك راجع إلى تصرف سليمان في اللفظ، فإنه كان كثير الرواية بالمعنى. قال الخطيب: كان سليمان يروي الحديث على المعنى فتتغير ألفاظه في روايته تاريخ بغداد ٩/ ٣٦، وانظر: تهذيب الكمال ١١/ ٣٩١.\n(^٢) من هذه الأحاديث حديث عوف بن مالك الأشجعي أن النبي ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم. أخرجه أحمد المسند ٣٩/ ٤٢٢ ح ٢٣٩٩٥. قال الإمام أحمد: هذا أجود حديث في المسح على الخفين لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها تنقيح التحقيق بحاشية التحقيق ١/ ١٨٧.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٤١ رقم ٣٥٦٥.","vol":"2","page":618},{"text":"علة تجعل الأثر غيرَ صالح للاحتجاج به، وهو الشاهد في إيراد المسئلة.\nوقد روى الشيخان لخالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي (^١). ولم أقف على تصريحه بالسماع من أبي عثمان إلا في حديث واحد عند الحاكم وحده (^٢).\nولخالد الحذاء رواية عن أبي عثمان بواسطة عاصم الأحول (^٣). وقال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: خالد ما أُرى سمع من أبي عثمان كبير شيء، إنما هي أحاديث عاصم\" (^٤) فكأنه يشير في هذه الرواية إلى أنه مدلس (^٥)، سمع من أبي عثمان شيئًا يسيرًا، ثم روى الأحاديث التي سمعها من عاصم عنه بإسقاط عاصم، وهذا هو التدليس.\nوالشاهد أن الإمام أحمد أعلّ الحديث بعدم سماع خالد الحذاء له من أبي عثمان، فدل على أن عدم السماع علة، فثبوت السماع إذًا شرط في الصحة.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٨/ ١٧٩. انظر على سبيل المثال صحيح البخاري ٦/ ١٨٩ ح ٣٠٧٨، ٧/ ١٨ ح ٣٦٦٢ - مع فتح الباري، صحيح مسلم ٤/ ٢٠٧٧ ح ٢٧٠٤.\n(^٢) المستدرك ٢/ ٣٩. وهو حديث: \"يرفع للرجل صحيفة يوم القيامة حتى يرى أنه ناج، فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حتى ما تبقى له حسنة … \". وقال الحاكم: حديث صحيح غريب كما في إتحاف المهرة ٥/ ٥٥٧. وقد أخرج الحديث من طريق الحاكم البيهقي في البعث والنشور ٢٥/ ٢٥٦.\nوقد روى بشار بن موسى الخفاف حديث عمرو بن العاص مرفوعًا: أي الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة … \" الحديث، عن خالد الطحان، عن خالد الحذاء تاريخ دمشق ٣/ ١٩٩، وفيه تصريح خالد الحذاء بالسماع من أبي عثمان. وهو مخالف لما رواه غير واحد عن خالد الطحان، وهو عند البخاري وغيره ٨/ ٧٤ ح ٤٣٥٨ - مع فتح الباري. وبشار الخفاف ضعيف كثير الغلط. قاله ابن حجر تقريب التهذيب ٦٨٠.\n(^٣) انظر: علل الدارقطني ٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٤.\n(^٥) ذكره ابن حجر في المرتبة الأولى من المدلسين تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ص ٣٥.","vol":"2","page":619},{"text":"د- قال عبد الله: سئل - أي أحمد - عن حديث الفريابي، عن سفيان، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عمر صلّى بهم - يعني بالناس - وهو جُنب (^١). فقال أبي: سفيان لم يسمع من القاسم بن عبد الرحمن، إنما روى عن أشعث - يعني ابن سوّار - عنه (^٢).\nذكر الإمام أحمد هذا الحديث ضمن الأحاديث التي رواها الفريابي عن الثوري وأخطأ فيها (^٣)، فبيّن وجه الخطأ بأنه عدم سماع الثوري من القاسم ابن عبد الرحمن المسعودي، وأن روايته عنه بواسطة أشعث بن سواّر، وأما روايته لهذا الأثر فبواسطة جابر الجعفي كما رواه عبد الرزاق عنه. فهذا أيضًا يدل\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن جابر، عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب أمّهم وهو جنب، أو علي غير وضوء، فأعاد الصلاة ولم يُعِدْ مَنْ وراءَه مصنف عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ ح ٣٦٤٩. وجابر هو الجعفي. والقاسم بن عبد الرحمن هو المسعودي حفيد عبد الله بن مسعود، ثقة عابد تقريب التهذيب ٥٥٠٤.\nورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد وأمرهم أن يعيدوا مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٨ ح ٤٥٧٠. وهذا منقطع بين إبراهيم - وهو النخعي وعمر ـ. قال أبو زرعة وأبو حاتم: إبراهيم النخعي عن عمر مرسل المراسيل ٢٣، ٢٤.\nورواه مالك في الموطأ ١/ ٤٩، من طريق سليمان بن يسار \"أن عمر صلى بالناس الصبح ثم غدا إلى أرضه بالجُرف فوجد في ثوبه احتلامًا فقال: إنا لما أصبنا الودَك لانَت العروق، فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد لصلاته\". وسليمان بن يسار عن عمر مرسل أيضًا، قاله أبو زرعة المراسيل ٢٩٥.\nوروى البيهقي نحوه من طريق عيسى بن طلحة عن مطيع بن الأسود عن عمر وزاد في آخره: ولم يأمر أحدًا بإعادة الصلاة السنن الكبرى ٢/ ٣٩٩. ومطيع بن الأسود له صحبة وهو\nابن عم عمر تهذيب الكمال ٢٨/ ٩١.\nورواه كذلك من طريق ابن المنكدر، عن الشريد بن سويد الثقفي، عن عمر السنن الكبرى ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠. والشريد أيضًا صحابي ومات في خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الطبقات الكبرى ٥/ ٥١٣.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٥٧ رقم ٤١٥٢.\n(^٣) وهي بضعة عشر حديثًا ذكرها عبد الله في العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٥٦ - ٥٩.","vol":"2","page":620},{"text":"على أن عدم ثبوت السماع علة يعل به الحديث.\nهـ- قال محمد بن يحيى الذهلي: سمعت أحمد بن حنبل - وذكر أحاديث سالم بن أبي الجعد عن ثوْبان - فقال: لم يسمع سالم من ثوبان، ولم يلقه، وبينهما معدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح (^١).\nنفى الإمام أحمد الصحة عن أحاديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان، وجعل العلة في ذلك عدم السماع بينهما، والشاهد عنده على عدم السماع هو عدم اللقاء، وأن سماعه منه كان بواسطة معدان بن أبي طلحة، وسالم وإن كان كوفيًا إلا أنه ذهب إلى الشام وحدث عن معدان (^٢)، وعن أم الدرداء الصغرى (^٣). وأما ثوبان وإن كان نزل الشام (^٤) إلا أن رواية سالم عن ثوبان بواسطة معدان بن أبي طلحة قرينة على عدم سماعه منه.\nفهذه النصوص أمثلة على إعلال الإمام أحمد للأسانيد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم، فدل على أنه يشترط ثبوت السماع لصحة الأسانيد.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٤/ ١٨١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٦٥ رقم ١٨٨٥.\n(^٣) تهذيب الكمال ١٠/ ١٣١.\n(^٤) ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله ﷺ الطبقات الكبرى ٧/ ٤٢٤. نزل الرملة ثم انتقل إلى الشام وبها مات تهذيب الكمال ٤/ ٤١٤.","vol":"2","page":621},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>المطلب الثاني: ما يدل على اكتفاء الإمام أحمد بالمعاصرة وإمكان السماع والجواب عنه</span>.\nبعد تقرير أن الإمام أحمد يذهب إلى اشتراط ثبوت السماع للحكم بالاتصال قد يعترض ببعض النصوص ظواهرها تدل على اكتفائه بالمعاصرة وإمكان اللقاء، فينتقض ما سبق تقريرُه، سأُورد ما وقفت عليه من تلك النصوص مع الجواب عليها إن شاء الله.\n١. قال الأثرم: \"سألت أحمد قلت: محمد بن سُوقة سمع من سعيد بن جُبير؟ قال: نعم، قد سمع من الأسود غير شيء\" (^١)\nوهذا ظاهره استدلال بسماعه من الأسود بن يزيد على سماعه من سعيد ابن جبير، فإن الأسود أقدم من سعيد، مات سنة (٧٤) هـ، وقد أدرك زمن النبي ﷺ وإن كان لم يره (^٢)، بينما مات سعيد بن جبير سنة (٩٥) هـ. فلا يكون محمد بن سوقة سمع من الأسود إلا وقد سمع من سعيد، لأن كلهم من أهل الكوفة. فهذا في الظاهر استدلال بإمكان السماع من غير الوقوف على التصريح به. لكن أجاب ابن رجب عن هذا الظاهر فقال: \"كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح لسماعه منه، وما ذكره من قِدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيرًا ما يرِدُ التصريح بالسماع ويكون خطأ\" (^٣)، وهذا تعليل واضح وصحيح، فإن التصريح بالسماع كثيرًا ما يكون خطأ، ومن الأمور التي تكشف خطأه عدم إمكان السماع، ومن أمثلة ذلك إنكار\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٩.\n(^٢) تحفة التحصيل ص ٣٠.\n(^٣) شرح علل الترمذي الموضع نفسه.","vol":"2","page":622},{"text":"الإمام أحمد لسماع قتادة من خلاد الجهني الذي رواه هدبة بن خالد، عن حماد، عن قتادة فقال أحمد: \"هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا\" (^١).\nويؤيد ما ذكره ابن رجب أن محمد بن سُوقة قد ثبت لقاؤه بسعيد بن جبير كما في الأثر الذي رواه ابن أبي شيبة (^٢) أنه قال: \"رأى عليّ سعيد بن جُبير طيلسانًا كان فيه أزرار ديباج نزعتها، فقال: لمَ نزعتَها؟ قلت له: قال لي أصحابي: أتلبس هذا وأنت محرِمٌ؟ قال: وما يضرّك! \"، بل ثبت تصريحه بالسماع منه أيضًا، وذلك فيما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن محمد بن سُوقة قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: [من أمّ هذا البيت يريد دُنيا أو آخرة أُعطيتْهُ] (^٣). وكذلك فيما رواه\nابن عبد البر من طريق روح بن عُبادة، حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة قال: سمعت سعيد بن جبير سئل: \"ما تمام عمرة؟ فقال: أن تحرم بها من أهلك\" (^٤). فما ذكره الإمام أحمد من سماعه من الأسود بن يزيد ذكره قرينة يستدل بها على صحة ما ورد من تصريحه بالسماع، لا أنه اعتمد ذلك في إثبات السماع.\n٢. قال ابن هانئ: \"قلت: ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال: نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق وقد سمع من عطاء بن أبي رباح\" (^٥).\nوهذا المثال على عكس الذي قبله، ففيه استدلال بسماع الصغير على سماع الأكبر منه من باب أولى وأحرى، وظاهره أيضًا اعتماد إمكان السماع لا التصريح به. والجواب عنه كالجواب عن الذي قبله، وهو أنه ذكره قرينةً للاستدلال به على\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٢/ ٥٩٣.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٣٢٩ ح ١٤٦٧١.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق ٥/ ١٨ ح ٨٨٣٤.\n(^٤) التمهيد ٥/ ١٤٥.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٣٩ رقم ٢٣٢٦.","vol":"2","page":623},{"text":"صحة ما رود من تصريح ابن إسحاق بالسماع من عطاء، فقد ورد تصريحه بالسماع من عطاء عند الإمام أحمد في حديث يعلى وسلمة ابني أمية في الرجل الذي عضّ آخر فاجتبذ يده من فيه فطرح ثنيّته وأبطل النبي ﷺ ديته (^١).\n٣. قال عبد الله: \"قلت لأبي: قتادة سمع من عبد الله بن سرجس؟ قال: ما أشبهه، قد روى عنه عاصم الأحول\" (^٢).\nوهذا أيضًا استدلال بإمكان السماع، وذلك أن عاصم بن سليمان الأحول أصغر من قتادة (^٣)، فإذا كان قد سمع من عبد الله بن سرجس فلأن يسمع قتادة من عبد الله بن سرجس من باب أولى وأحرى، فإن الثلاثة كلهم من أهل البصرة (^٤).\nوقد روى عبد الله هذه المسئلة في موضع آخر فقال: \"قيل: سمع قتادة من عبد الله بن سرجِس؟ قال: نعم، قد حدّث عنه هشام، يعني عن قتادة، عن\n_________\n(^١) المسند ٢٩/ ٤٧٣ ح ١٧٩٥٣ من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق. ورواه الحاكم أيضًا من طريق يونس بن بكير وفيه التصريح بالسماع المستدرك ٤/ ٤٢٤. وهو عند النسائي السنن ٨/ ٣٠ ح ٤٧٧٩، وابن ماجه السنن ٢/ ٨٨٦ ح ٢٦٥٦ بالعنعنة بين ابن إسحاق وعطاء.\nورواه رشدين عن يونس بن يزيد، عن ابن إسحاق، عن خالد بن كثير، عن عطاء بن أبي رباح به، فزاد في الإسناد خالد بن كثير. أخرجه الطبراني المعجم الكبير ٢٢/ ٢٥١ ح ٦٥٢. ورشدين هو ابن سعد المصري، وهو ضعيف تقريب التهذيب ١٩٥٣.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٨٦ رقم ٤٣٠٠.\n(^٣) ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل البصرة من التابعين، بينما ذكر قتادة في رأس الطبقة الثالثة. ومات عاصم الأحول بعد سنة ١٤٠، وقتادة سنة ١١٨ انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٢٢٩، ٢٣١، ٢٥٦.\nوقد ورد تصريح عاصم الأحول بالسماع من ابن سرجس في الأثر الذي رواه ابن سرجس: \"رأيت الأصيلع عمر بن الخطاب أتى الحجر الأسود فقبله ثم قال: إني أعلم أنك حجر … \". وهو عند الحميدي مسند الحميدي ١/ ٧ ح ٩، والطيالسي مسند الطيالسي ١/ ١٧ ح ٥٠.\n(^٤) ذكر ابن سعد عبد الله بن سرجس فيمن نزل البصرة من أصحاب رسول الله ﷺ الطبقات الكبرى ٧/ ٥٨.","vol":"2","page":624},{"text":"عبدالله بن سرجِس حديثًا واحدًا، وقد حدّث عنه عاصم الأحول\" (^١)، فدل على أن الإمام أحمد احتج بسماع عاصم من ابن سرجس لإثبات أن ما رواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس (^٢) محمول على السماع. وهذا استدلال بقرينة ثبوت سماع الأصغر على سماع الأكبر منه، إذا لم يكن هناك ما يدفعه كبعد البلدان، أو وجود رواية بالواسطة أو غير ذلك من الأسباب، ومع ذلك يبدو أن اعتماده على هذه القرينة هنا ليس بقويّ، لأننا رأينا فيما تقدم أنه كان يستأنس بمثل هذه القرينة في إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع، وأما في رواية قتادة عن ابن سرجس فليس ثَمّ رواية فيها هذا التصريح فيما أعلم، ولعلّ من أجل ذلك نفى الإمام أحمد سماعه منه في رواية حرب بن إسماعيل فإنه قال: قيل لأحمد في سماع قتادة من ابن سرجِس فكأنه لم يره سماعًا (^٣)، والله أعلم.\nوقد أثبت علي بن المديني سماع قتادة من ابن سرجس (^٤). ولم يخرج الشيخان حديث قتادة عن عبد الله بن سرجس (^٥).\n٤. قال عبد الله: \"سئل: هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال قُتل سليمانُ في فتنة ابن الزبير، وعمرو رجل قديم، قد حدّث عنه شعبة، عن\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٤ رقم ٥٢٦٤.\n(^٢) روى عنه حديث: \"لا يبولنّ أحدكم في الجُحر، وإذا نمتم فأطفئوا السِّراج، فإن الفأرة تأخذ الفتيلة فتحرق أهل البيت، وأوكوا الأسقية، وخمِّروا الشراب، وغلّقوا الأبواب بالليل\". أخرجه أحمد المسند ٣٤/ ٣٧٢ ح ٢٠٧٧٥، وهو عند أبي داود ١/ ٣٠ ح ٢٩، والنسائي ١/ ٣٣ - ٣٤ ح ٣٤ وغيرهما. وذكر ابن أبي حاتم أن الحديث ما يروى إلا من هذا الطريق المراسيل ٦١٩ ب.\nوالحديث في جميع طرقه مروي بالعنعنة بين قتادة وابن سرجس، حسب ما وقفت عليه من الطرق.\n(^٣) المراسيل ٦١٩.\n(^٤) ذكره ابن الملقن في تحفة المحتاج ١/ ١٦٢، وابن حجر في تلخيص الحبير ١/ ١٠٦.\n(^٥) تهذيب الكمال ١٥/ ١٣.","vol":"2","page":625},{"text":"عمرو، عن سليمان، وأُراه قد سمع منه\" (^١).\nاحتج الإمام أحمد لسماع عمرو بن دينار من سليمان بن قيس اليشكري (^٢) بإمكان السماع لأن عمرو بن دينار قديم، فقد أدرك من الصحابة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله وسمع منهم (^٣)، وكلهم أكبر من عبد الله ابن الزبير، وقد حدث عنه (^٤)، وكان يقول: ما رأيت مصليًا قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير (^٥). فهذا يدل على أنه أدركه.\nثم إن فتنة ابن الزبير وقعت سنة (٧٣) هـ (^٦)، وأما عمرو بن دينار فمات سنة (١٢٦) هـ وهو ابن ثمانين سنة (^٧)، فيكون عمره زمن الفتنة (٢٧) عامًا، وكان مكيًا، فإذا كان سليمان اليشكري قتل في الفتنة فسماع عمرو بن دينار منه شبه أمر ثابت، فقد ثبت رؤيته له، يدل على ذلك ما رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به عن ابن عيننة، عن عمرو: رأيت سليمان (^٨).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٤ رقم ٥٢٦٣.\n(^٢) سليمان بن قيس اليشكري البصري، وثقه أبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: جالس جابرًا وسمع منه وكتب عنه صحيفة وتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، وروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر وأكثره من الصحيفة وكذلك قتادة. ا. هـ تهذيب الكمال ١٢/ ٥٥ - ٥٦.\n(^٣) انظر: تهذيب الكمال ٢٢/ ١١، تحفة التحصيل ص ٢٤٢.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢٢/ ٦.\n(^٥) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٦٧، لكن في إسناده مسلم بن خالد الزنجي. مختلف فيه، وتكلم في حفظه. وقال الذهبي: صدوق يهم، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وجماعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث. قال ابن حجر: صدوق فقيه له أوهام. تهذيب الكمال ٢٧/ ٥١١ - ٥١٣، المغني في الضعفاء ٢/ ٦٥٥، تقريب التهذيب ٦٦٦٩.\n(^٦) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٧٩.\n(^٧) تهذيب الكمال ٢٢/ ١٢.\n(^٨) التاريخ الكبير ٤/ ٣١.","vol":"2","page":626},{"text":"فهذه القرائن ليست صريحة في إثبات السماع، ولم يحتج بها الإمام أحمد لإثباته، إنما ذكرها للاستدلال بها على إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع في رواية شعبة عن عمرو، عن سليمان التي ذكرها الإمام أحمد (^١)، فقد ورد التصريح بالسماع فيما رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن شعبة (^٢).\n٥. قال أبو داود: \"قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أُنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه\" (^٣).\nفهذا مثل ما تقدم ذكره في بعض الأمثلة أنه استدلال بسماع الأصغر على إمكان سماع الأكبر، وليس فيه اعتماده لإثبات السماع، لكنه هنا احتج به لعدم إنكار السماع، وإن لم يثبته.\nوسئل أحمد عما يدل على لقاء الحسن بعمران بن حصين، فلم ينكره ولم يثبته:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد قال: خثيمة بن أبي خيثمة (^٤) كان من أهل البصرة، سكن الكوفة وحدّث عنه الأعمش ومنصور. قلت لأحمد كيف حديثه؟\n_________\n(^١) روى عنه أثر أبي سعيد كما عند أحمد ١٧/ ٤٤٧ ح ١١٣٤٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٥ عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن سليمان اليشكري، عن أبى سعيد الخدري ﵁ أنه قال في الوهم: يتحرى. قال: قلت عن النبي ﷺ؟ قال: عن النبي ﷺ. ووقعت الرواية عندهما بالعنعنة.\n(^٢) التاريخ الكبير ٤/ ٣٢.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٨ رقم ٢٠٤٢.\n(^٤) خيثمة بن أبي خيثمة البصري، روى عن أنس بن مالك، والحسن البصري. قال عنه ابن معين: ليس بشيء الجرح والتعديل ٣/ ٣٩٤.\nوقال ابن المديني عن حديثه الذي رواه: إسناده ضعيف، وهو حديث منكر، وإنما أوتي من طريق خيثمة عن الحسن علل ابن المديني ص ٥٨.\nوذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ٢١٤، ثم ذكره في المجروحين ١/ ٢٨٧ وقال: منكر الحديث.\nوقد أثنى عليه أحمد كما في هذه الرواية من طريق أبي داود. والذين ضعفوه أكثر عددًا ومعهم زيادة علم.","vol":"2","page":627},{"text":"قال: ما أعلم إلا خيرًا. قلت: يقول عن الحسن: كنت أمشي مع عمران بن الحصين؟ قال: شريك كذا يقول (^١). قلت: وجرير قال هكذا؟ (^٢) قال: نعم\" (^٣).\nلكن قد جاء عن الإمام أحمد إنكار ذكر سماع الحسن من عمران بن الحصين. قال صالح بن أحمد بن حنبل قال: \"قال أبي: الحسن قال بعضهم: \"حدثني\" عمران بن الحصين! يعني إنكارًا عليه أنه لم يسمع من عمران بن حصين\" (^٤).\nكأن الإمام أحمد يشير إلى رواية مبارك بن فضالة حيث قال فيها عن الحسن: أخبرني عمران بن حُصين (^٥)، فإنه أنكره عليه.\nويؤيد ذلك أن رواية الحسن عن عمران بن حصين تأتي أحيانًا بواسطة\n_________\n(^١) وروى أحمد حديث شريك عن منصور، عن خيثمة، عن الحسن قال: كنت أمشي مع عمران\nابن حُصين فمررنا بسائل يقرأ القرآن فاحتبسني عمران، وقال: قف نستمع القرآن. فلما فرغ سأل، فقال عمران: انطلق بنا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اقرؤوا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قومًا يقرؤون القرآن يسألون الناس به\". المسند ٣٣/ ١٤٦ ح ١٩٩١٧.\nورواه الثوري عن الأعمش، عن خيثمة، عن الحسن عن عمران بن حصين، ولم يقل: كنت أمشي مع عمران بن حصين المسند ٣٣/ ١٦٧ ح ١٩٩٤٤.\n(^٢) رواه سعيد بن منصور في سننه عن جرير بن عبد الحميد الضبي عن منصور عن خيثمة بن أبي خيثمة الأنصاري البصري قال: كان رجل يطوف وهو يقرأ سورة يوسف ويجتمع الناس عليه فإذا فرغ سأل، فقال الحسن: كنت مع عمران بن الحصين فمر بهذا السائل فقام فاستمع لقراءته، فلما فرغ سأل فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون اذهب بنا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من قرأ القرآن … \" فذكر الحديث سنن سعيد بن منصور ١/ ١٨٧ ح ٤٥.\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٨٩ رقم ٣٣٥.\n(^٤) المراسيل ١٢٠. وكذلك قال علي بن المديني: قيل له: كان الحسن يقول: سمعت عمران\nابن حصين؟ فقال: أما عن ثقة فلا المراسيل ١١٩. ومثله عن يحيى بن سعيد القطان الجرح والتعديل ١/ ٢٤٣.\nوقال أبو حاتم: ليس يصح ذلك من وجه يثبت، يدخل قتادة عن الحسن: هياج بن عمران البرجمي، عن عمران بن حصين تحفة التحصيل ص ٧١.\n(^٥) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٣٦٩.","vol":"2","page":628},{"text":"هياج بن عمران البرجمي (^١) كما روى بعضها الإمام أحمد (^٢)، وذكر أبو داود عن أحمد أنه قال: وقتادة يدخل بينهما - يعني الحسن وعمران - هياج. ا. هـ (^٣).\nفالذي يتضح بعد جمع هذه النصوص عن الإمام أحمد أنه لا ينكر سماع الحسن من عمران إذا جاء التصريح به من وجه صحيح، ويكون ما ذكره من سماع ابن سيرين من عمران شاهدًا له ودليلًا لقبوله، وأما حيث لم يأت ذكر السماع من وجه صحيح فلم يثبته، وأنكر على من ذكره. فليس في هذه المسئلة إذًا احتجاج الإمام أحمد بإمكان السماع كدليل على إثباته، والله أعلم.\n٦. قال مهنّا: \"قلت لأحمد ويحيى: فسمع زيد بن وهب من حذيفة؟ فقالا: نعم، زيد بن وهب قديم\" (^٤). فهذا ظاهره استدلال بإمكان اللقاء على إثبات السماع، فإنهما قالا: زيد بن وهب قديم، فيمكن سماعه من حذيفة.\nوزيد بن وهب هو أبو سليمان الجهني الكوفي رحل إلى النبي ﷺ فقُبض وهو في الطريق (^٥)، فلقاء مثله بحذيفة بن اليمان ممكن جدًا. لكن ما ذكره أحمد ويحيى ليس من باب الاحتجاج بإمكان اللقاء على ثبوت السماع بل هو من جنس ما قبله، ذكراه قرينة لقبول ما ورد من التصريح بسماعه من حذيفة، فقد ورد ذلك في بعض حديثه عن حذيفة (^٦)، كما ورد تصريحه بلقائه فيما رواه البخاري (^٧): كنا عند حذيفة فقال: \"ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة … \"،\n_________\n(^١) قال عنه ابن المديني: مجهول. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(^٢) المسند ٣٣/ ٧٨ ح ١٩٨٤٤.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٩.\n(^٤) المنتخب من العلل للخلال ص ١٧١.\n(^٥) تهذيب الكمال ١٠/ ١١١.\n(^٦) في حديث رفع الأمانة في صحيح البخاري ١١/ ٣٣٣ ح ٦٤٩٧ - مع فتح الباري.\n(^٧) صحيح البخاري ٨/ ٣٢٢ ح ٤٦٥٨ - مع فتح الباري.","vol":"2","page":629},{"text":"وفيما رواه مسلم (^١): \"كنت جالسًا مع حذيفة وأبي موسى … \".\n٧. وذكر مغلطاي عن محمد بن موسى بن مشيش أنه قال للإمام أحمد: \"أبو ريحانة سمع من سفينة؟ فقال: ينبغي، وهو قديم، سمع من ابن عمر\" (^٢).\nوأبو ريحانة هو عبد الله بن مطر البصري، صحب عبد الله بن عمر (^٣)، واستدل الإمام أحمد بسماعه من ابن عمر على إمكان سماعه من سفينة مولى رسول الله ﷺ. وليس في كلامه إثبات السماع، قال ابن رجب: \"وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا\" (^٤).\nوقد ورد تصريحه بالسماع في الحديث الذي رواه سفينة: \"كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع\" عند أحمد (^٥)، وابن المنذر (^٦)، وابن عدي (^٧)، وهو عند مسلم وغيره بالعنعنة (^٨). وأثبت كلٌ من البخاري ومسلم سماعه منه (^٩).\nفاتضح أن الإمام أحمد إنما استدل بسماع أبي ريحانة من ابن عمر على صحة قول من روى التصريح بالسماع، كأنه يقول: الواقع لا يدفع صحة سماعه من سفينة.\nفهذه هي النصوص التي يمكن أن يستدل بظاهرها على أن الإمام أحمد يذهب إلى الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء لإثبات الاتصال، وقد احتج بعض\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٤/ ١٩١٢.\n(^٢) الإعلام بسنته ﵇ لمغلطاي ق ١/أ.\n(^٣) تهذيب الكمال ١٦/ ١٤٧. قال عنه ابن حجر: صدوق تغير بآخره تقريب التهذيب ٣٦٤٨.\n(^٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٩.\n(^٥) المسند ٣٦/ ٢٦٠ ح ٢١٩٣٠.\n(^٦) الأوسط ١/ ٣٥٩ ح ٣٢٧.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٦٧.\n(^٨) صحيح مسلم ١/ ٢٥٨ ح ٣٢٦.\n(^٩) انظر: التاريخ الكبير ٥/ ١٩٨، الكنى والأسماء ١/ ٣٢٥.","vol":"2","page":630},{"text":"الباحثين (^١) ببعضها لتقرير هذه الدعوى وبالتالي إثبات أن ما ذكره الإمام مسلم من أنها إجماع صحيح. وقد ذكرت الجواب عنها بالتفصيل، والأمر المشترك فيها كلها هو ما ذكره ابن رجب في قضية سماع محمد بن سوقة من سعيد بن جبير، وأعيد كلامه، قال: \"كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح لسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيرًا ما يرِدُ التصريح بالسماع ويكون خطأ\"، فلله درّ الحافظ ابن رجب! ما أتم استقرائه لكلام أحمد! وما أعرفه بمنهجه!\nوممن ذهب إلى اشتراط ثبوت السماع الإمام الشافعي، فقد ذكر في الرسالة: \"لم يعرف التدليس ببلدنا فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له. وكان قول الرجل: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا وقوله: حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع، فمن عرفناه بهذه الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان، ومن عرفناه دلّس مرة فقد أبان لنا عورتَه في روايته … فقلنا: لا نقبل من مدلّسٍ حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت\" (^٢). وكذلك أضاف الحافظ ابن رجب هذا القول إلى أبي حاتم وأبي زرعة (^٣).\nوهذا المذهب أشد من مذهب البخاري وعلي بن المديني، وهو اشتراط إمكان السماع، وذلك بأحد أمرين: السماع أو اللقاء (^٤).\n_________\n(^١) وهو الشريف حاتم بن عارف العوني في كتابه \"إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين\".\n(^٢) الرسالة ص ٣٧٨ - ٣٨٠، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٠.\n(^٤) المصدر نفسه ٢/ ٥٩٢.","vol":"2","page":631},{"text":"والمذهب الثالث لدى المتقدمين هو مذهب الإمام مسلم الذي انتصر له وانبرى لرد ما خالفه، وهو الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء. قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: \"القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والرويات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤُه والسماعُ منه لكونهما جميعًا كانا في عصرِ واحدِ، وإن لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتةٌ، والحُجّة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينةٌ أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا\" (^١).\n_________\n(^١) مقدمة صحيح مسلم ص ٢٩ - ٣٠.","vol":"2","page":632},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>المبحث الثاني: وسيلة إثبات السماع وذكر شروطها وموانعها</span>. المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند.\nوالمقصود بوسيلة إثبات السماع الأمر الذي يحتج به الناقد لإثبات سماع الراوي ممن روى عنه، ولما كان مذهب الإمام أحمد اشتراط ثبوت السماع فلا يُعتبر شيءٌ لإثبات السماع عنده دون التصريح به في السند، وذلك أيضًا يتقيد ببعض الشروط وانتفاء بعض الموانع.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند</span>.\nوذلك أن يرد في إسناد صالح للاحتجاج أن فلانًا قال: سمعت فلانًا، أو حدثني، أو قال لي، أو أخبرني، أو سألته عن كذا وما إلى ذلك، فكل هذه تدل على ثبوت السماع بين الراوي ومن روى عنه، ويحتج الإمام أحمد بذلك لحمل ما ورد بالعنعنة بين الراويين على الاتصال. فمن ذلك:\n١. قال صالح: \"قلت: ابن أبي ذئب سمع من الزهري؟ قال: نعم، سمع منه\"، وقال صالح: \"حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب قال: حدثني الزهري. وغير يحيى يقول: سألت الزهري، وهذا يحيى بن سعيد يقول: حدثني\" (^١). فاحتج الإمام أحمد بتصريح ابن أبي ذئب بقوله في الإسناد: حدثني الزهري، وبقوله: سألت الزهري. فإن كلتا العبارتين صريح في إثبات السماع.\n٢. قال ابن هانئ: \"سألت أبا عبد الله: قلت: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه؟ قال: نعم، في حديث إسرائيل يقول: سمعت أبي عبد الله\" (^٢).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨ رقم ١٠١٨، ١٠١٩.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٤ رقم ٢١٧٠.","vol":"2","page":633},{"text":"ومثله في رواية محمد بن علي بن شعيب: \"سمعت أحمد بن حنبل وقيل له: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: أما سفيان الثوري وشريك فإنهما لا يقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت\" (^١). فأثبت الإمام أحمد سماعه اعتمادًا على تصريح إسرائيل بذكر سماعه من أبيه في إسناد حديث الضب، وإن خالفه الثوري وشريك في عدم ذكر السماع.\n٣. وقال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: محمد بن سُوقة قد سمع من نافع بن جُبير، حدثناه ابن عيينة\" (^٢). أي ورد التصريح بسماعه من نافع بن جبير فيما حدثهم ابن عيينة (^٣).\nويبدو أن الإمام أحمد أخذ هذا المنهج عن شيخه يحيى بن سعيد القطان، فقد روى صالح ابنُه، عن علي بن المديني قال: قلت ليحيى: سمع زرارة بن أوفى من ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء: \"سمعت\" (^٤) فمفهومه عدم إثبات السماع إذا لم يرد التصريح به في إسناد ما.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ١٧/ ٢٤٠.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٣٦ رقم ٤٥٩٤.\n(^٣) وذلك في حديث أم سلمة في الجيش الذي يخسف بهم أنهم يبعثون على نياتهم. ورد عند ابن ماجه وغيره من طريق ابن عيينة عن محمد بن سوقة، سمع نافع بن جبير يخبر عن أم سلمة فذكره سنن ابن ماجه ٢/ ٧٤٦ ح ٤٠٦٥.\n(^٤) المراسيل ٢٢٠.","vol":"2","page":634},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>المطلب الثاني: شروط قبول التصريح بالسماع في السند</span>.\nليس كل ما ورد من تصريح بسماع راوٍ من شيخه في السند يكون مقبولًا، بل يتقيد ذلك ببعض الشروط.\n\n<span data-type='title' id=toc-227>الشرط الأول: صحة السند</span>.\nمما يدل على أن الإمام أحمد يشترط صحة الإسناد لقبول ما ورد فيه من تصريح بالسماع أنه يردّ ما ورد من ذلك بأسانيد غير صحيحة عنده. فمن ذلك:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-228> قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:</span> \"سئل أبي: هل سمع الحسن من سُراقة؟ قال: لا، هذا علي بن زيد يعني يرويه، كأنه لم يقنع به\" (^١)، فلم يقبله الإمام أحمد ولم يقنع به لأن الذي يرويه علي بن زيد بن جُدعان، وهو ممن لا تقوم الحجة بخبر مثله، فقد قال عنه الإمام أحمد: ليس بشيء (^٢). وقد وافق الإمام أحمد على رد هذا الإسناد علي بن المديني قال: \"وروى الحسن بن أبي الحسن أن سراقة حدّثهم في رواية علي بن زيد بن جُدعان، وهو إسناد ينبو عنه القلب أن يكون الحسن سمع من سراقة، إلا أن يكون معنى حدثهم حدث الناس، فهذا أشبه\" (^٣).\n٢.<span data-type='title' id=toc-229> قال ابن هانئ:</span> \"سمعت أبا عبد الله يُسأل: لقِي الضحاكُ ابنَ عباس؟ فقال: ما علمت. فقيل: فممن سمع التفسير؟ قال: يقولون سمعه من سعيد بن جبير. قيل له: فلقِي ابنَ عمر؟ قال: أبو سنان يروي شيئًا، ما يصح عندي. قلت: فأبو نعيم كان يقول في حكيم بن الدّيلَم عن الضحاك: سمعت ابن عمر. فقال\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٢/ ٤٨ رقم ١٥١١.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٨٤١.\n(^٣) علل ابن المديني ص ٥٤.","vol":"2","page":635},{"text":"أبو عبد الله: ليس بشيء\" (^١).\nوهذا النص أيضًا صريح في أن الإسناد الذي تضمن ذكر التصريح بالسماع لا يقبل إلا إذا كان صحيحًا، فلم يقبل الإمام أحمد سماع الضحاك بن مُزاحِم من ابن عمر لأن ذلك لا يصح عنده، مع أن الذي يرويه هو أبو سنان ضرار بن مرّة الشيباني، قال عنه: ثقة ثقة (^٢). وكذلك قال في رواية حكيم بن الديلم التي صرح فيها بسماع الضحاك من ابن عمر: ليس بشيء، أي لا يعتد بها لعدم صحتها، مع أنه قال في حكيم بن الديلم: شيخ صدق (^٣). وقد قال البخاري في إسناد حكيم ابن الديلم: لا أعلم أحدًا قال: سمعت ابن عمر إلا أبو نعيم (^٤).\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-230> قال أبو داود:</span> سمعت أبا عبد الله قال: \"قال عبد الرحمن بن مهدي: قال وُهيب لعطاء بن السائب: سمعتَ من عَبيدة؟ قال: نعم، أراد بذلك أن عطاء لقيه وُهيبٌ وقد تغيّر، لأن عطاء لا يُعرف له سماعٌ من عَبيدة ولا لقاءٌ\" (^٥)، فلم يقبل تصريح عطاء بالسماع لكون كلامه هذا صدر منه بعد تغيّره فلا يحكم بصحته، ولذلك لم يُقبل.\n<span data-type='title' id=toc-231>الشرط الثاني: عدم معارضته بمعارض راجح</span>.\nإن التصريح بالسماع في الإسناد يعتبر زيادة من الذي ذكره بالنسبة للذي روى الإسناد بدونها، فيخضع قبولها لشروط قبول زيادات الرواة - وهو ألا يعارض ذلك رواية من هو أولى منه، فإن عارضه فالزيادة تعتبر شاذة أو منكرة.\n_________\n(^١) المراسيل ٣٤٣.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٠٣ رقم ٣٣١٨.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٣٩.\n(^٤) تهذيب الكمال ١٣/ ٢٩٤.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٣ رقم ١٨٥٣.","vol":"2","page":636},{"text":"ومن أمثلة ما جاء عن الإمام أحمد من مراعاة هذا الشرط:\n١. ما تقدم من عدم قبوله لسماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر، وقد رواه أسامة بن زيد الليثي، لكن عارضه صالح بن كيسان وكذلك معمر، فلم يذكرا السماع، فقال الإمام أحمد عن رواية أسامة: ما أُراه حفظه، وذلك لمخالفته لمن هو أوثق منه (^١).\n٢. قال أبو داود: \"سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: قال حماد بن خالد: أخرج إليّ مخرمةُ كتبَ أبيه فقال هذه كتب أبي ولم أسمع منها شيئًا. قلت لأحمد: فقول ابن أبي أُويس؟ قال: ليس ذاك بشيء - يعني ما حدثنا أحمد بن صالح، عن ابن أبي أويس أنه قرأ في كتاب مالك: قلت لمخرمة: إن الناس يزعمون أنك لم تسمع من أبيك؟ فقال: ورب هذه البنية لقد سمعتها من أبي\" (^٢).\nلم يصحح الإمام أحمد سماع مخرمة من أبيه مع ورود ما يفيد ذلك في رواية ابن أبي أويس لمعارضتها لرواية حماد بن خالد، وهو أوثق عنده من ابن أبي أويس (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-232>الشرط الثالث: ألا يكون مَن ذكر السماع ممن لا يرجع إلى التحقيق في ذكره</span>، أو يكون له اصطلاح خاص في إطلاق التحديث في غير السماع، فإذا ورد التصريح بالسماع عن طريق مَن هذا وصفُه، وإن صح الإسناد إليه، فإنه يتوقف في قبوله. فمثال ذلك:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد عدّ من سمع منه الحسنُ من أصحاب النبي ﷺ\n_________\n(^١) انظر: ص ٦١٣.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٢ رقم ٢٠٥٣.\n(^٣) قال أحمد في حماد بن خالد: كان حافظًا تاريخ بغداد ٨/ ١٥٠. وقال في ابن أبي أويس: لا بأس به الجرح والتعديل ٢/ ١٨١.","vol":"2","page":637},{"text":"وعدّ منهم: أحمر. قيل لأحمد: عمرُو بن تغلِب؟ فجعل يجبُن أن يعدَّه فيمن سمع منه الحسن، وقال: ليس يقوله غيرُ جرير بن حازم - يعني ابن حازم عن الحسن قال: حدثني عمرو بن تغلب\" (^١).\nلم يعدّ الإمام أحمد عمرو بن تغلب فيمن سمع منه الحسن البصري لأن جرير بن حازم تفرد بذكره، وجرير له سجية في ذكر السماع من غير تحقيق.\nقال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: كان سجيةً في جرير بن حازم يقول: حدثنا الحسن، قال حدثنا: عمرو بن تغلب، وأبو الأشهب يقول: عن الحسن قال: بلغني أن النبي ﷺ قال لعمرو بن تغلب\" (^٢).\nقال ابن رجب: \"يريد أن قول جرير بن حازم: نا الحسن، نا عمرو بن تغلب كانت عادة له لا يرجع فيها إلى تحقيق\" (^٣).\nولم أقف على رواية أبي الأشهب - وهو جعفر بن حيان - التي أشار إليها الإمام أحمد.\nوقد جاء عن الإمام أحمد من طريق ابنه صالح أن الحسن سمع من عمرو بن تغلب أحاديث (^٤).\nوهذا محمول على تردده لتفرد جرير بن حازم بذكر السماع.\nوممن ذكره الإمام أحمد أنه كان يتساهل في إطلاق السماع مبارك بن فضالة.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٨ رقم ٢٠٤٢.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٦٧ رقم ٣٩٨.\n(^٣) فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.\n(^٤) المراسيل ١٤٦، وانظر: فتح الباري لابن رجب ٥/ ٤٧٩. وقد أثبته أيضًا البخاري، وأبو حاتم. ونفاه ابن المديني، وابن معين - واعتمد على تفرد جرير بن حازم بذكر السماع، وقال: ليس هو بشيء انظر: فتح الباري الموضع نفسه.","vol":"2","page":638},{"text":"قال أحمد: \"مبارك بن فضالة يرفع حديثًا كثيرًا ويقول في غير حديث عن الحسن قال: نا عمران، قال: نا ابن مغفل، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك\" (^١).\nوقد ذكر ابن رجب أن من الروة الذين يصرحون بالتحديث من غير حصول السماع: أصحاب بقية بن الوليد كما ذكره أبو حاتم عنهم، وكذلك فطر بن خليفة فيما ذكر القطان عنه. وكان القطان يهتم بهذا ولعله منه أخذ الإمام أحمد. فقد روى يحيى بن معين أنه قال ليحيى بن سعيد القطان في فطر بن خليفة: \"فتعمد على قوله: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان موصول؟ قال: لا، قلت: كانت منه سجية؟ قال: نعم\" (^٢).\nوذكر ابن رجب عن الإسماعيلي أن أهل الشام ومصر يتسامحون في قولهم: ثنا من غير صحة السماع (^٣). ويلحق بهم من كان يطلق لفظ السماع على ضرب من التأويل كقول الحسن البصري أن سراقة حدثهم، أي حدث الناس (^٤).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٨/ ٣٣٨.\n(^٢) الضعفاء للعقيلي ٣/ ١١٥١.\n(^٣) انظر: فتح الباري لابن رجب ٥/ ٤٧٩ - ٤٨٠. شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٤.\n(^٤) ذكره علي بن المديني علل ابن الديني ص ٥٤. وقد ذكر الشيخ طارق بن عوض الله أمثلة على ذلك. انظر: الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ص ٤١٥ - ٤١٦.","vol":"2","page":639},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>المطلب الثالث: قرائن تمنع من الحكم بثبوت السماع</span>.\nقد يرد ذكر سماع راوٍ من آخر في سند إلا أنه قد تكون هناك بعض القرائن تمنع الناقد من الحكم بثبوت السماع بينهما، وتصرف الإمام أحمد في هذا الباب يدل على مراعاة ما يلي من القرائن:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-234> تصريح الراوي بأنه لم يسمع ممن روى عنه:</span>\nتقدم أن الإمام أحمد روى أن جميل بن زيد الطائي قال: ما سمعتُ من ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدِمتَ المدينة فاكتُب أحاديث ابن عمر. قال: فقدمتُ فكتبتُها (^١)، مع أنه قد روى عن ابن عمر مصرّحًا بالتحديث (^٢).\nوقد تقدم قول مخرمة بن بكير أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، واعتمده الإمام أحمد في نفي سماعه من أبيه.\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-235> الرواية بصيغة تدل على عدم السماع:</span>\nوذلك كأن يقول: نُبئت، أو حُدّثتُ - بالبناء للمجهول - أو بلغني، فإن ذلك يدل على أنه لم يسمع ما رواه ممن روى عنه.\nومثال ذلك ما رواه صالح بن أحمد بن حنبل قال: \"قال أبي: محمد بن سيرين سمع من أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، ولم يسمع من ابن عباس شيئًا، كلها يقول: نُبَّئت عن ابن عباس، وقد سمع من عمران بن حُصين\" (^٣). ونقل عبد الله عنه مثل ذلك (^٤).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٨٤ رقم ١١١١، ٢/ ٦٨ رقم ١٥٧٦. وانظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢١٥.\n(^٢) التاريخ الأوسط ٢/ ٦٧.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٢٩٦ رقم ٩١٢.\n(^٤) المراسيل ٦٧٩.","vol":"2","page":640},{"text":"وقال حرب بن إسماعيل: قال أحمد بن حنبل: \"ابن سيرين لم يجيء عنه سماع من ابن عباس\" (^١).\nوقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: \"مكحول لم يسمع من زيد شيئًا، إنما هو بلغه\" (^٢) - يعني زيد بن ثابت.\nوهذا قريب من تصريح الراوي بنفيه للسماع ممن روى عنه.\nوإنما يحكم بعدم السماع جملة بين الراويين في مثل هذه الحالة إذا كان لم يرد تصريح بالسماع بينهما، فإن ورد ذلك في بعض الحالات يحمل ما قال من البلاغ على أنه لم يسمع تلك الأحاديث بعينها منه، ولا يحكم بعدم سماعه منه جملة. ولذلك لما حكم الإمام أحمد على عدم سماع ابن سيرين من ابن عباس قال: \"كلها يقول: نُبئت\"، فمفهومه لو قال في بعضها: سمعتُ أو حدّثنا، يقصر عدم السماع على ما قال فيه: نُبئت، ولا يحكم عليه بعدم السماع جملة من ذلك الشيخ.\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-236> ذكر الوسائط بين راويين لم يثبت التقاؤهما:</span>\nقال ابن رجب: \"فإن كان الثقة يروي عمّن عاصره أحيانًا ولم يثبت لقيه له، ثم يُدخل أحيانا بينه وبينه واسطة فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه\" (^٣)، والنصوص الواردة عن الإمام أحمد في هذا كثيرة جدًا، منها:\nأ. قال الأثرم: \"قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: عبد الله بن البَهِيّ (^٤) سمع\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٦٨١.\n(^٢) المصدر نفسه ٧٨٨.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٣. ذكره أيضًا ابن القطان الفاسي ضمن طرق معرفة عدم سماع الراوي عمن روى عنه، وذكر أربعة أمور اعتمدها الباحث خالد منصور عبد الله الديرس في رسالته: \"موقف الإمامين البخاري ومسلم في اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين\" ص ٣٤٦.\n(^٤) عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير. قال ابن سعد: كان ثقة معروفًا قليل الحديث الطبقات الكبرى ٦/ ٢٩٩. وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٣٣. وقال أبو حاتم: لا يحتج به هو مضطرب الحديث علل ابن أبي حاتم ١/ ٧٧. روى خبرًا منكرًا جدًا انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ١٦٠.","vol":"2","page":641},{"text":"عائشة! ما أرى في هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة. وقال في حديث زائدة، عن السدي، عن البهي قال: حدثتني عائشة في حديث الخمرة (^١)، وكان عبد الرحمن قد سمعه من زائدة، فكان يدع فيه: حدثتني عائشة، وينكره\" (^٢)، فلم يُثبت للبَهيّ السماع من عائشة لأنه يروي عنها بواسطة، وذكر أن شيخه عبد الرحمن ابن مهدي الذي روى تصريحه بالسماع كان ينكر ذلك.\nوقال أبو داود لأحمد: \"سمع البهي من عائشة؟ قال: لا، وقد قال قوم ذاك، وما أدري فيه شيء، البهي إنما يحدّث عن عروة\" (^٣).\nوقد أثبت البخاري التقاؤهما (^٤)، وصحح له حديثًا تفرد به (^٥). ومن أجل ذلك نص على سماعه من عائشة (^٦).\nوأما أبو حاتم فضعف حديث البهي هذا وقال: \"البهي يدخل بينه وبين عائشة عروة، وربما قال: حدثتني عائشة، ونفس البهي لا يحتج بحديثه وهو\n_________\n(^١) رواه أحمد المسند ٤١/ ٢٦٩ ح ٢٤٧٤٧ من طريق أبي سعيد، وابن حبان الإحسان ٤/ ١٩٠ ح ١٣٥٦ من طريق أبي الوليد الطيالسي كلاهما عن زائدة به بالتصريح بالتحديث، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال للجارية: \"ناوليني الخمرة\" - أراد أن يبسطها فيصلي عليها - فقلت إنها حائض، فقال: \"إن حيضتها ليست في يدها\".\nورواية عبد الرحمن التي أشار إليها الإمام أحمد بدون ذكر السماع، رواه عنه في المسند ٤٢/ ٢٩٠ ح ٢٥٤٦٠.\n(^٢) المراسيل ٤٢٠.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٥٤ رقم ٢٠٦٧.\n(^٤) روى البخاري من طريق عبد الأعلى ثنا أبو عوانة، عن السدي، عن عبد الله البهي: رأيت عائشة تأكل الجراد، وقال: تابعه عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي التاريخ الكبير ٢/ ١٣٥.\n(^٥) علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٠٥. والحديث نفسه قد ضعفه أبو زرعة لتفرد البهي به انظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ٥١.\n(^٦) المصدر السابق ٥/ ٥٦، علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٦٥.","vol":"2","page":642},{"text":"مضطرب الحديث\" (^١). وفيه إشارة إلى رده لقوله: حدثتني عائشة. ولهذا الدليل نفسه يقوى القول برد ما ورد مما يدل على لقيه بعائشة.\nب. قال ابن هانئ: \"سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: \"حولوا مقعدي إلى القبلة\"، فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂! فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء. فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه سمعت، وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه \"سمعت\"\" (^٢).\nوعراك بن مالك قد عاصر عائشة فقد سمع من أبي هريرة (^٣)، وكان بالمدينة حتى نفاه عنها يزيد بن عبد الملك المرواني بعد استخلافه في سنة إحدى ومئة (^٤)، وذلك بعد موت عائشة قطعًا، فلا يبعد التقاؤه بها وإن لم يرد شيءٌ يُثبته، ولكن الإمام أحمد نفى سماعه منها لأن المألوف عنه أنه يروي عنها بواسطة عروة.\nوقد أخرج له مسلم عن عائشة (^٥)، وذلك على قاعدته في حمل إمكان\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٧٧.\n(^٢) المراسيل ٦٠٦. والحديث كما قال الإمام أحمد رواه غير واحد عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت، منهم: وكيع المسند ٤١/ ٥١٠ ح ٢٥٠٦٣، وبهز بن أسد المسند ح ٢٥٨٣٧، وأبو كامل المسند ح ٢٥٨٩٩، ويزيد بن هارون المسند ح ٢٦٠٢٧، وأسد بن موسى شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤، ويحيى بن إسحاق سنن الدارقطني ١/ ٦٠، وأبو داود الطيالسي مسنده ص ٢١٧ ح ١٥٤١، وحجاج بن منهال الأوسط ١/ ٣٢٦ ح ٢٦١.\nوالذي رواه عن حماد بن سلمة بذكر السماع هو موسى بن إسماعيل التاريخ الكبير ٣/ ١٥٦. وتابعه علي بن عاصم عن خالد الحذاء، وهو عند الدارقطني في السنن ١/ ٦٠.\n(^٣) انظر: صحيح مسلم ١/ ٨٠ ح ٦٢، التاريخ الأوسط ١/ ٩١.\n(^٤) انظر: تهذيب الكمال ١٩/ ٥٤٨ - ٥٤٩.\n(^٥) انظر: صحيح مسلم ٤/ ٢٠٢٧ ح ٢٦٣٠، ولكن ليس ذلك في الأصول، فإنه ذكره متابعًا لعروة. ومعظم ما أخرج له كان بواسطة عروة عن عائشة.\nوانتقد مسلمًا ابنُ عمار الشهيد في روايته لهذا الحديث وأعله بالإرسال معتمدًا على هذه الرواية عن الإمام أحمد وكذلك قول موسى بن هارون الحافظ: وعراك بن مالك لا نعلم له سماعًا من عائشة علل الأحاديث في كتاب صحيح مسلم ص ١٢٥ - ١٢٧.","vol":"2","page":643},{"text":"اللقاء على الاتصال.\nج. قال أبو داود: \"سئل أحمد: سمع قتادة من أبي رافع (^١)؟ قال: لا يشبه، لأنه يدخل ببينهما رجلين: الحسن وخلاس\" (^٢).\nوجاءت هذه الرواية عند عبد الله، قال: \"سمعت أبي يقول: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئًا. قال أبي: أدخل بينه وبين أبي رافع خلاسًا والحسن. قال أبي: وقد سمع قتادة من خلاس، قال شعبة عن قتادة: سمعت خِلاسًا، وقال أبان عن قتادة: حدثنا خِلاس، وهمام عن قتادة قال: حدثني خِلاس\" (^٣).\nفذكر أحمد أن رواية قتادة عن أبي رافع بواسطة تدل على صحة ما ذكره شعبة من أن قتادة لم يسمع من أبي رافع، بل روى الميموني عن أحمد أن شعبة قال: لم يلق قتادة أبا رافع، إنما كتب عن خِلاس عنه (^٤). وما ورد من تصريحه بالسماع (^٥) محمول على عدم صحته عند الإمام أحمد لهذا المانع الذي ذكر هنا.\n_________\n(^١) هو نفيع بن رافع الصائغ أبو رافع المدني، نزيل البصرة، أدرك الجاهلية ولم ير النبي ﷺ، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة تهذيب الكمال ٣٠/ ١٤، طبقات ابن سعد ٧/ ١٢٢.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٢ رقم ٢٠٥٩.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٢٨ رقم ١٢٤١.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٩٧ رقم ٣٥٠. وكان شعبة يروي حديث أبي رافع من طريق قتادة عن خلاس عن أبي رافع، أو عن قتادة عن الحسن، عن أبي رافع نظر: سنن أبي داود ح ٢١٦، السنن الكبرى للنسائي ح ١٩٧، صحيح ابن خزيمة ح ١٥٥٥، مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم ح ٩٧٦، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٦٣ ولم أقف على رواية له عن قتادة عن أبي رافع مباشرة.\n(^٥) جاء ذلك عند البخاري صحيح البخاري ١٣/ ٥٢٢ ح ٧٥٥٤ مع فتح الباري من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، عن معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، حدثنا قتادة أن أبا رافع حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق أن رحمتي سبقت غضبي … \" الحديث. واعتمده الذهبي في رد ما قال أبو داود: إن قتادة لم يسمع من أبي رافع سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٨٢.\nوقد اختلف على معتمر بن سليمان في ذكر سماع قتادة من أبي رافع وعدمه، فالذين لم يذكروه: خليفة بن خياط عند البخاري ح ٧٥٥٣، وعلي بن بحر عند أحمد المسند ١٤/ ٥١٩ ح ٨٩٥٨، وعاصم بن النضر عند الطبراني في الأوسط ٣/ ١٨٩ ح ٢٨٨٩، ويحيى بن خلف عند ابن أبي عاصم في السنة ١/ ٢٧٠ ح ٦٠٨.\nولم أر من تابع ابن أبي سمينة على ذكر السماع.","vol":"2","page":644},{"text":"د. قال ابن هانئ: \"قلت لأحمد: فأبو البختري سمع من على؟ قال: لا بينهما عَبيدة\" (^١).\nفنفى سماعه من علي لوجود رواية عنه بالواسطة.\nوأبو البَختَري هو سعيد بن فيروز الطائي (^٢)، وذكر شعبة أنه لم يدرك عليًا ولم يره (^٣). روى أحمد حديثه من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي: \"بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السنّ … \" (^٤)، فرواه شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت أبا البختري الطائي قال: أخبرني من سمع عليًا فذكره (^٥).\nهـ. وسُئل الإمام أحمد عن سماع حُميد بن هِلال (^٦) من هشام بن عامر (^٧) فقال:\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٧ رقم ٢١٨٨ - ٢١٨٩.\n(^٢) وثقه الأئمة: ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يرسل حديثه ويروي عن أصحاب رسول الله ﷺ ولم يسمع من كبير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان عن فهو ضعيف تهذيب الكمال ١١/ ٣٣، الطبقات الكبرى ٦/ ٢٩٣.\n(^٣) المراسيل ٢٧٠.\n(^٤) المسند ٢/ ٦٨ ح ٦٣٦.\n(^٥) المصدر نفسه ٢/ ٣٥٦ ح ١١٤٥، وانظر: السنن الكبرى للنسائي ٥/ ١١٦، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٨٦.\n(^٦) البصري. وثقه غير واحد، وذكره ابن سعد في الطبقات الثانية من أهالبصرة، مع قتادة تهذيب الكمال ٧/ ٤٠٥، الطبقات الكبرى ٧/ ٢٣١.\n(^٧) ذكره ابن سعد ممن نزل البصرة من أصحاب رسول الله ﷺ بقات الكبرى ٧/ ٢٦.","vol":"2","page":645},{"text":"\"ما أُراه سمع منه، وذاك أنه يُدخَل بينهما رجلٌ، وبعضهم يقول: أبو الدّهماء (^١) \" (^٢).\nروى ابن سعد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن حُميد بن هلال أن هشام بن عامر قال: \"إنكم تجاوزوني إلى رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ما كانوا بألزم لرسول الله ﷺ مني ولا أحفظ مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما بين خلق آدم والقيامة فتنة أعظم من الدجّال\" (^٣).\nفرواه الإمام مسلم (^٤) من طريق عبد العزيز بن المختار، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رهط منهم أبو الدهماء، وأبو قتادة قالوا: كنا نمرّ على\nهشام بن عامر نأتي عمرانَ بنَ حُصين فقال ذاتَ يوم: إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال\". وفي رواية: \"أمرٌ أكبر من الدجال\".\nواستدل الإمام أحمد بروايته عن هشام بالواسطة على عدم سماعه منه.\nوالرويات عن الإمام أحمد في هذا المعنى كثيرة.\nوقد جاء عن الإمام أحمد التوقف في سماع قتادة من يحيى بن يعمر، فقال لما سئل عن سماعه منه: \"لا أدري، قد روى عنه، وقد روى عن رجل عنه\" (^٥). ومقتضى ما ذكر من الدليل هنا أن ينفي الإمام أحمد سماعه منه، لوجود الواسطة\n_________\n(^١) اسمه قرفة بن بهيس العدوي البصري، وثقه ابن معين، وابن سعد، وذكره في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٦٧، الطبقات الكبرى ٧/ ١٣٠.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٢ رقم ٢٠٥٦.\n(^٣) الطبقات الكبرى ٧/ ٢٦.\n(^٤) صحيح مسلم ٤/ ٢٢٦٦ ح ٢٩٤٦ - ١٢٦، ١٢٧.\n(^٥) المراسيل ٦٢٦.","vol":"2","page":646},{"text":"في الرواية بينهما، وقد روى الفضل بن زياد عن أحمد عدم سماعه منه (^١)، ويؤيد ذلك أن قتادة يدلس (^٢)، فروايته بواسطة عمن يروي عنه أحيانًا بدون واسطة تدل على احتمال إرساله عنه احتمالًا قويًا. وأما توقفه عن نفي السماع، فقد يرجع إلى قوة احتمال اللقاء بينهما، الأمر الذي يُقوي احتمالَ السماع، وذلك أن يحيى بن يعمر بصري وإنما خرج منها لما نفاه الحجاج بن يوسف إلى خراسان (^٣)، وأغلب الظن أن يكون ذلك بعد سنة (٧٨) هـ وهي السنة التي أضاف عبد الملك بن مروان إمرة خراسان إلى الحجاج (^٤)، فأقل ما يكون عمر قتادة إذ ذاك (١٨) سنة (^٥)، فاحتمال لقائه بيحيى بن يعمر قبل خروجه إلى خراسان قوي.\nوالشاهد من هذا النص أن العمل بهذه القرينة قد يضعف إذا ثبت اللقاء بين الراويين أو قوي احتمال وقوعه.\n_________\n(^١) قال عن أحمد: لم يسمع قتادة من يحيى بن يعمر شيئًا المعرفة والتاريخ ٢/ ١٤١.\n(^٢) أو بعبارة أدق يرسل، فلم أقف على نسبة قتادة إلى التدليس من كلام الإمام أحمد، لكن اشتهر عنه عدم إسناده لحديثه، فروى شعبة: كنت أعرف حديث قتادة ما سمع مما لم يسمع، فإذا جاء ما سمع قال: حدثنا أنس بن مالك، وحدثنا الحسن، وحدثنا سعيد، وحدثنا مطرف، وإذا جاء ما لم يسمع كان يقول: قال سعيد بن جُبير، وقال أبو قلابة الطبقات الكبرى ٧/ ٢٢٩. وروى أحمد عن وكيع عن شعبة قال: كان قتادة يغضب إذا وقفته على الإسناد، قال: حدثته يومًا بحديث فأعجبه فقال: من حدثك؟ فقلت: فلان عن فلان، قال: فكان بعد - يعني يسند المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٨٠. وانظر كلام الشيخ ناصر بن محمد الفهد في \"منهج المتقدمين في التدليس\" ص ٧٤ - ٨٣.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٢، وانظر: البداية والنهاية ١٢/ ٥٢٩.\n(^٤) انظر: البداية والنهاية ١٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(^٥) قال الذهبي: مولده سنة ستين سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧٠.\nوقد أثبت البخاري سماع قتادة من يحيى بن يعمر التاريخ الكبير ٨/ ٣١١، لكن لم يخرج من حديثه عنه في صحيحه ولا في جزء القراءة أو غيره من كتبه التي ألفها للاحتجاج انظر: تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٤.","vol":"2","page":647},{"text":"ومثله توقفه في أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب حيث قال: \"ما أدري كيف هي؟ قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال لا يُعرفون\" (^١)، ولقاء قتادة بسعيد بن المسيب ثابت عند الإمام أحمد (^٢)، فلم يجزم بالحكم على هذه الروايات عن قتادة عن سعيد بالإرسال بمقتضى قرينة وجود الواسطة بينهما، والعلم عند الله.\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-237> عدم إمكان اللقاء بين الراويين:</span>\nإذا ثبت أن الراوي لا يمكن أن يدرك شيخه الذي روى عنه - كأن يكون الشيخ مات قبل ولادته، أو كان الراوي صغير السن عند وفاة الشيخ - فإن ذلك دليل واضح على عدم سماعه منه. وقد استخدم الإمام أحمد هذا الدليل لنفي سماع بعض الرواة عمن رووا عنهم، فمن أمثلة ذلك مما يرجع إلى قدم طبقة الشيخ:\nأ- قال أحمد في رواية هدبة، عن حماد، عن قتادة ثنا خلاد الجهني: هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا (^٣).\n_________\n(^١) تحفة التحصيل ص ٢٦٥. وقد ذكر الإمام أحمد تلك الأحاديث التي رواها قتادة عن\nابن المسيب بالواسطة في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٢٢ رقم ٥٤٣٦ إلى ٣/ ٣٣٥ رقم ٥٤٨٣.\n(^٢) روى الإمام أحمد من طريق شعبة، عن قتادة قال: سمعت جري بن كليب يحدث عن علي قال: \"نهي رسول الله ﷺ عن عضب الأُذن والقرن\". قال - أي قتادة - فسألت سعيد بن المسيب: ما العضب؟ فقال: النصف فما فوق ذلك المسند ٢/ ٣١٨ - ٣١٩ ح ١٠٦٦.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٣.\nوهذا الإسناد روي به حديث الاستنجاء بثلاثة أحجار. رواه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٥/ ٥٣ ح ٢٥٨٩، والطبراني المعجم الكبير ٧/ ١٤١ ح ٦٦٢٣، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٦٢، وابن عبد البر التمهيد ٢٢/ ٣١٢ من طريق هدبة بن خالد ثنا\nحماد بن الجعد ثنا قتادة حدثني خلاد الجهني عن أبيه السائب أن النبي ﷺ قال: \"إذا دخل أحدكم الخلاء فليتمسح بثلاثة أحجار\".\nرواه البخاري التاريخ الكبير ٤/ ١٥١ تعليقًا قال لي هدبة: نا حماد بن الجعد، عن قتادة عن خلاد بن السائب الجهني عن أبيه عن النبي ﷺ الاستنجاء بثلاثة أحجار، وليس فيه تصريح قتادة بالسماع من خلاد.\nوحماد بن الجعد في الإسناد ضعفه ابن معين ضعفًا شديدًا، وضعفه النسائي أيضًا. وقال ابن عدي: هو حسن الحديث، ومع ضعفه يكتب حديثه الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٦١ - ٦٦٣. وقال البخاري عن هذا الحديث: لم أر أحدًا رواه عن قتادة غير حماد بن الجعد، وعبد الرحمن بن مهدي كان يتلكم في حماد بن الجعد علل الترمذي الكبير ١/ ٩٨.\nوقد ذكر ابن حجر أن النسائي رواه في شيوخ الزهري، وابن مندة في معرفة الصحابة، والطبراني من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب أخبرني خلاد بن السائب، عن أبيه فذكره تلخيص الحبير ١/ ١١٠. وتفرد ابن أخي الزهري عن عمه أمارة على ضعفه.","vol":"2","page":648},{"text":"أنكر الإمام أحمد ذكر سماع قتادة من خلاد، ودليله أن خلادًا قديم، أي فلا يمكن لقتادة إدراكه، ولا يعارض هذا التعليل بأن الزهري قد روى عن خلاد (^١) وقتادة والزهري قرينان، لأن الزهري وخلاد الجهني كلاهما مدني فلا يستبعد لقاؤه بخلاد بخلاف قتادة، والله أعلم.\nب- قال أبو بكر الأثرم: قال أحمد بن حنبل: \"قتادة لم يسمع من عبد الله\nابن الحارث الهاشمي شيئًا، لأنه قديم، سمع منه عوف\" (^٢).\nنفى الإمام أحمد سماع قتادة من عبد الله بن الحارث الهاشمي الملقب: بَبّة، وعلل ذلك بأنه قديم، فلا يمكن له لقاؤه، وذلك أن عبد الله بن الحارث ولد في عهد النبي ﷺ ثم تحول إلى البصرة، ولما خرج عنها عبيد الله بن زياد بايعه أهلها، وذلك في سنة أربع وستين، وأقره عبد الله بن الزبير عليها، ثم عزله بعد سنة، وذلك في سنة خمس وستين، فخرج إلى عمان فمات بها (^٣)، ومولد قتادة كان في\n_________\n(^١) انظر: التاريخ الكبير ٣/ ١٨٦، وانظر: الرواية التي ذكرها الحافظ ابن حجر في الحاشية التي مضت.\n(^٢) المراسيل ٦٢٦.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ٥/ ٢٥ - ٢٧، ٧/ ١٠٠ - ١٠١، البداية والنهاية ١١/ ٦٦٤، ٧١٧. وانظر: تاريخ دمشق ٢٧/ ٣٢٠.","vol":"2","page":649},{"text":"سنة ستين كما تقدم، فلا يمكن له إدراكه. وفي رواية أخرى لابن سعد أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق (^١): خرج عبد الله بن الحارث إلى عمان هاربًا من الحجاج ومات بها سنة (٨٤) هـ (^٢) عند انقضاء فتنة عبد الرحمن بن الأشعث. والرواية الأولى هي التي ذكرها ابن سعد في النسخة المطبوعة بأيدينا. وعلى الرواية الثانية يمكن لقتادة إدراك عبد الله بن الحارث والسماع منه، وذلك أن إمرة البصرة أضيفت إلى الحجاج سنة (٧٨) هـ تقريبًا كما تقدم (^٣)، فأقدم ما يكون خروج عبد الله بن الحارث في تلك السنة، وكان عمر قتادة إذ ذاك (١٨) سنة.\nوقد ذكر أحمد أن قتادة يروي عن ابنه إسحاق بن عبد الله بن الحارث (^٤)، وكذلك كان قرينه الزهري، لم يسمع منه، وإنما سمع من بنيه (^٥).\nوذكر أحمد أيضًا أن عوفًا الأعرابي قد سمع من عبد الله بن الحارث، أما ابن معين فقال سمع من عبد الله بن عبد الله بن الحارث - أي ابنه (^٦)، وقد يكون هذا أقرب، فإن عوف الأعرابي قرين قتادة، ولد سنة تسع وخمسين (^٧)، وكلاهما بصري فإذا كان قتادة لم يسمع من عبد الله بن الحارث لأن عبد الله قديم، فكذلك عوف الأعرابي، فلعله تصحف عبد بن عبد الله بن الحارث إلى عبد الله بن الحارث\n_________\n(^١) تاريخ دمشق ٢٧/ ٣١٨.\n(^٢) وذكر ابن كثير أنه كان من رؤساء أصحاب ابن الأشعث الذين قتلهم الحجاج البداية والنهاية ١٢/ ٣٥١.\n(^٣) ص ٦٤٧.\n(^٤) المراسيل الموضع نفسه.\n(^٥) قاله أبو داود. انظر: تهذيب الكمال ١٤/ ٣٩٩.\n(^٦) تاريخ دمشق ٢٧/ ٣١٨.\n(^٧) الثقات لابن حبان ٧/ ٢٩٦.","vol":"2","page":650},{"text":"عند أحمد، والله أعلم.\nومما يدل على عدم سماع قتادة من عبد الله بن الحارث غير ما ذكر هنا روايته عنه بواسطة، فإن بعض حديثه عنه بواسطة صالح أبي الخليل (^١)، ونص ابن معبن على أن روايته عنه بواسطة أبي الخليل (^٢).\nد- قال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل: \"ميمون بن مهران عن حكيم ابن حِزام؟ قال: لا، من أين لقيَه؟ لم يرو إلا عن ابن عباس وابن عمر\" (^٣).\nنفى الإمام أحمد سماع ميمون بن مهران من حكيم بن حزام لعدم إمكان اللقاء بينهما، فحكيم بن حزام توفي سنة (٥٤) هـ بالمدينة (^٤)، وميمون بن مهران ولد سنة أربعين (^٥)، ونشأته بالكوفة ثم نزل الرقة بالجزيرة (^٦)، فلا يمكن له إدراك حيكم بن حزام، ثم هو معروف بالرواية عمن تأخرت وفاتهم عن حكيم بنحو عشرين سنة نحو ابن عباس وابن عمر (^٧).\nهـ- قال أبو الحسن الميموني: \"سمعت أبا عبد الله يُسأل: رأى خلف\nابن خليفة عمرو بن حُريث؟ قال: لا، لكنه عندي شُبّه عليه حين قال: رأيت عمرو بن حُريث. قال أبو عبد الله: هذا ابن عيينة، وشعبة، والحجاج لم يروا عمرو بن حُريث، يراه خلف؟ ما هو عندي إلا شُبِّه عليه. وقال في موضع آخر: رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومئة قد حُمل، وكان لا\n_________\n(^١) المسند ٢٤/ ٤٣ ح ١٥٣٢٧، السنن الكبرى للنسائي ٤/ ٧ ح ٦٠٥٦.\n(^٢) تاريخ دمشق ٢٧/ ٣٢١.\n(^٣) المراسيل ٧٦٨.\n(^٤) تهذيب الكمال ٧/ ١٩٢.\n(^٥) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٢٤٨ رقم ٣٠٠.\n(^٦) تهذيب الكمال ٢٩/ ٢١١.\n(^٧) توفي ابن عباس سنة ٦٨، وابن عمر سنة ٧٣ انظر: تقريب التهذيب ٣٤٣١، ٣٥١٤.","vol":"2","page":651},{"text":"يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح\" (^١).\nوكان خلف بن خليفة يقول: رأيت عمرو بن حريث وأنا يومئذ ابن ست سنين (^٢). ومولد خلف بن خليفة على أبعد الاحتمالات سنة (٩١) هـ، لأنه يقول فرض له عمر بن عبد العزيز وهو ابن ثمان سنين وعمر بن عبد العزيز ولي الأمر سنة (٩٩) هـ (^٣). ووفاة عمرو بن حريث سنة (٨٥) هـ (^٤). فلا يمكن على هذا أن يكون قد رآه، لأنه مات قبل ولادته.\nوأما استدلال الإمام أحمد في نفي رؤيته له فهو مبني على أن قرناءه - وهم ابن عيينة (^٥)، وشعبة (^٦)، والحجاج (^٧) - لم يروه، فكيف يراه هو؟\nوقد روى الإمام أحمد إنكار رؤية خلف بن خليفة لعمرو بن حريث عن سفيان بن عيينة، قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان: يا أبا محمد عندنا رجلٌ يُقال له خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرَو بنَ حُريث فقال: كذَب، لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث\" (^٨). فهذا وجه كون الأمر شُبه عليه، أي رأي جعفر بن عمرو بن حريث فظنه عمرَو بن حريث، لا سيما وقد كان خلف ابن خليفة قد اختلط كما دلّت على ذلك آخر الرواية التي ذكرها الإمام أحمد.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٨/ ٢٨٧.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٧٦ رقم ٥٦٥١. وعن الخطيب: ابن سبع سنين، وعنه ابن خمس سنين تاريخ بغداد ٨/ ٣١٩.\n(^٣) انظر: تعليق بشار عواد في تحقيقه لكتاب تهذيب الكمال ٨/ ٢٨٥.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٧١ رقم ٤٢٢١.\n(^٥) مولده سنة ١٠٧ هـ بالكوفة، وطلب العلم وهو غلام سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٥٦.\n(^٦) مولده سنة ٨٠ هـ، وقيل ٨٢ هـ وهو بصري سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠٣.\n(^٧) هو ابن أرطأة. ولد في حياة أنس بن مالك، أي قبل سنة ٩٢ هـ، وهو كوفي وأفتى وهو حدث سير أعلام النبلاء ٧/ ٦٨، تهذيب الكمال ٥/ ٤٢٦.\n(^٨) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٧٥ رقم ٦٠٣٢.","vol":"2","page":652},{"text":"ومما يرجع إلى استصغار طبقة الراوي بالنسبة للشيخ:\nقال أحمد: \"العوام بن حوشب لم يلق ابن أبي أوفى، أكبر من لقيه سعيد ابن جبير إن كان لقيه، وهو يروي عنه وعن طاوس\" (^١).\nنفى الإمام أحمد لقاء العوام بن حوشب (^٢) بعبد الله بن أبي أوفى، لأن من هو في طبقته لا يمكنه لقاء أحد من الصحابة، وذكر أن أكبر من لقيه من كان في الطبقة الثانية من التابعين، وهم دون كبار التابعين، مثل سعيد بن جبير على خلاف في لقائه به.\nوقد يكون عدم إمكان اللقاء ليس من أجل كبر سن الشيخ بالنسبة للراوي عنه، بل يكون ذلك راجعًا إلى وقائع تاريخية تستوجب عدم لقائهما، مثال ذلك:\nأ. قال حرب بن إسماعيل: قال أحمد: \"لم يسمع الحسن من ابن عباس، إنما كان ابن عباس بالبصرة واليًا أيام علي ﵁\" (^٣) وكان الحسن بالمدينة أيام علي (^٤)، وكان ابن عباس بالبصرة واليًا لعلي ﵁، فلم يلتقيا. فالحسن قد سمع ممن هو أكبر من ابن عباس مثل عبد الله بن عمر، لكن المانع من اللقاء هنا ليس السنّ، بل هو هذه الواقعة التاريخية حيث كان بالمدينة أيام ما كان ابن عباس\n_________\n(^١) تحفة التحصيل ٢٥٠. وقد ذُكر للإمام أحمد حديثه الذي رواه حجاج بن فروخ، عنه، عن\nابن أبي أوفى قال: \"كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة نهض النبي ﷺ\" فأنكره، وقال: العوام لم يلق ابن أبي أوفى فتح الباري لابن رجب ٣/ ٥٩٠. والحديث أخرجه بحشل تارخ واسط ص ٤٣، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٥٠ وزاد: فكبر. وحجاج بن فروخ قال عنه ابن معين: ليس بشي الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.\n(^٢) أبو عيسي الواسطي. قال عنه أحمد: ثقة ثقة. توفي سنة ١٤٨ هـ تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٢٧ - ٤٣٠.\n(^٣) المراسيل ٩٨.\n(^٤) قاله علي بن المديني، ومن أجل ذلك نفى سماع الحسن من الأسود بن سريع، لأنه خرج من البصرة أيام علي ﵁ انظر: المراسيل ١٢٧.","vol":"2","page":653},{"text":"بالبصرة. قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من ابن عباس، ما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة (^١).\nوأحيانًا تكون قرينة عدم إمكان اللقاء راجعة إلى اختلاف البلدان بين الراوي ومن روى عنه. قال ابن رجب: \"ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه. نقل مهنّا عن أحمد قال: لم يسمع زُرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزُرارة بصري\" (^٢).\nوتميم الداري كان بالمدينة وتحول إلى الشام بعد قتل عثمان (^٣)، ولم يُعلم أن زرارة دخل الشام (^٤)، وهو بصري وحديثه عند أهل البصرة، ولم يذكر المزي من الرواة عنه من أهل المدينة أو الشام أو الكوفة أحدًا (^٥).\nوذكر البخاري إسناد الحديث الذي رواه زرارة عن تميم الداري (^٦) بسماعه منه (^٧). وأما الإمام أحمد فيرى عدم ثبوت ما ورد من التصريح بالسماع لهذا القرينة التي ذكرها.\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٩٧، وانظر: العلل لعلي بن المديني ص ٥١. وأما قول الحسن: خطبنا\nابن عباس فهو على المجاز أي خطب أهل البصرة، قاله أبو حاتم تحفة التحصيل ص ٦٩.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٢.\n(^٣) الطبقات الكبرى ٧/ ٤٠٨.\n(^٤) لم يذكره ابن عساكر فيمن دخل الشام من الأعلام.\n(^٥) تهذيب الكمال ٩/ ٣٤٠.\n(^٦) وهو حديث: \"أول ما يُحاسب به العبدُ يوم القيامة الصلاة\"، المسند ٢٨/ ١٦٩٥١، ١٦٩٥٤. وليس له في المسند غيره.\n(^٧) التاريخ الكبير ٣/ ٤٣٩.","vol":"2","page":654},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>المبحث الثالث: صيغ الأداء وعلاقتها بإثبات الاتصال</span>.\nتقدم أن الألفاظ الصريحة في الدلالة على السماع مثل سمعت وحدثنا نص في الاتصال والدلالة على رواية الراوي عن شيخه بلا واسطة، ويستثنى من ذلك إطلاقها ممن عرف منه عدم التحقيق في إطلاقها في غير السماع وكان ذلك سجية له، أو له اصطلاح خاص في إطلاقها في غير السماع كالإجازة مثلًا، وقد تقدم ذلك في شروط قبول التصريح بالسماع في السند.\nومن ألفاظ الأداء أيضًا \"عن\"، وهي ظاهرة في الدلالة على الاتصال حتى يثبت الانقطاع، ولذلك عاب الإمام أحمد على الوليد بن مسلم قوله: \"عن\" في إسناد منقطع ليُدخله في الاتصال. حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن حديث المغيرة بن شعبة: \"أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله\" فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك أنه قال عن ثور: حُدِّثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: أما الوليد فزاد فيه: عن المغيرة، وجعله ثور عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء، لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور: حُدِّثت عن رجاء. ا. هـ (^١).\nوقد تقدم الكلام فيما يُشترط لدلالتها على الاتصال وأنه وقع الخلاف بين الأئمة في تلك الشروط، وتقدم ذكر مذهب الإمام أحمد في ذلك، وكذلك مذهب غيره من الأئمة بإيجاز.\nوأما لفظة \"أن\" أو ما يسمى بالإسناد المؤَنَّن، وهو الذي يقول فيه\n_________\n(^١) التمهيد ١/ ١٤ - ١٥.","vol":"2","page":655},{"text":"الراوي: \"أنّ فلانًا قال\"، فالذي ورد عن الإمام أحمد يدل على أن هناك تفصيلًا في الحكم عليه بالاتصال.\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: كان مالكٌ - زعمهوا - يرى عن فلان وأنّ فلانًا سواء، ذكر أحمد مثل حديث جابر: \"أن سُليكًا جاء والنبي ﷺ يخطب\"، أو عن جابر، عن سُليك: \"أنه جاء والنبي ﷺ يخطب\" سمعت أحمد قيل له إن رجلًا قال: [عروة أنّ عائشة قالت: يا رسول الله]، وعن عروة عن عائشة سواء؟ فقال: كيف هو سواء؟ أي ليس هو بسواءٍ\" (^١)\nفهذه الرواية عن الإمام أحمد تدل على أن الإسناد المؤنن له صورتان، ولكل منهما حكم خاص، أوضحهما ابن رجب في شرح علل الترمذي (^٢):\nالصورة الأولى: أن يكون القول المحكي عن الراوي عن شيخه، أو الفعل المحكي عنه بالقول مما يمكن للراوي سماعه أو مشاهدته منه، فالحكم في هذه الحالة هو الاتصال إلا أن يكون الراوي معروفًا بالتدليس فلا يحكم حينئذ بالاتصال حتى يصرح بالسماع.\nوهذا ما أشار إليه الإمام أحمد فيما ذكره من رواية جابر لقصة سُليك، فإنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك وحضره، فقال: أن سليكًا جاء والنبي ﷺ يخطب؛ ويمكن أن يكون رواه عن سُليك، فقال: عن سُليك أنه جاء والنبي ﷺ يخطب. وهناك وجه آخر لقوله: عن سُليك، وهو أن يكون قصد حكاية قصته والتحديث عن شأنه، ولم يقصد الرواية عنه. وقد حكى الدارقطني عن موسى بن هارون الحافظ أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٧ رقم ١٩٧٨. وانظر: الكفاية في علم الراوية ص ٥٧٥، فقد رواه عن أبي داود.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٠١ - ٦٠٥، والكلام له نقلته عنه بتصرف كثير.","vol":"2","page":656},{"text":"وكذلك في طبقة ما بعد الصحابة، فالزهري، عن سعيد بن المسيب قال: كذا، أو الزهري أن سعيد بن المسيب قال: محمول على الاتصال دون الانقطاع، لأن سماع الزهري من ابن المسيب صحيح، وذكر ابن رجب أن مراد مالك في التسوية بين \"عن\" و\"أنّ\" لعله يعود إلى هذا الذي حكاه أحمد ولم يخالفه.\nونسب ابن عبد البر هذا القول إلى جمهور أهل العلم فقال: \"جمهور أهل العلم على أن عن وأنّ سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأي لفظ ورد محمولًا على الاتصال حتى يتبين فيه علة الانقطاع\" (^١).\nالصورة الثانية: أن يكون ذلك القول المحكي عن المروي عنه، أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، فهذه الصورة التي أنكر الإمام أحمد التسوية بين: \"عن عروة أنّ عائشة: \" و\"عن عروة عن عائشة: \" وذلك أن قوله: عن عروة أن عائشة:، ظاهره مرسل لعدم إتيانه بما يبين أنه رواه عن عائشة. ومنهم من يرى أنه متصل، لأن عروة قد عُرف بالرواية عن عائشة، وهو القول الذي حكاه أبو داود للإمام أحمد.\nوللحافظ ابن حجر تفصيل آخر قد يكون أقرب إلى مراد الإمام أحمد، وذلك أنه فصّل بين حكاية القول وحكاية الفعل، فذكر أن حكاية القول بـ \"أنّ\" إذا لم يتعد لمن لم يدركه - بأن يقول الراوي مثلًا أن فلانًا قال لي كذا - فحكمها حكم \"عن\" بلا خلاف. وإن كانت الحكاية عن فعل فحينئذ ينظر إن كان الراوي\n_________\n(^١) التمهيد ١/ ٢٦.","vol":"2","page":657},{"text":"أدرك ذلك التحقت بحكم \"عن\"، وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها (^١).\nفحين قال عروة: أن عائشة قالت: يا رسول الله، لم يسند ذلك عروة إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فلو قال: أن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، لكان ذلك متصلًا، لأنه أسند ذلك إليها. وأما في قول عروة: عن عائشة قالت: يا رسول الله، فهو متصل لأنه أسنده إلى عائشة (^٢).\nوصنيع الحفاظ حين يذكرون الفرق بين الرواية بـ \"أنّ\" و\"عن\" في باب الاختلاف في إرسال الحديث واتصاله محمول على هذا التفصيل.\nفمن أمثلة ذلك ما رواه الأثرم قال: \"قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - حديث سفيان، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حُذافة في أيام التشريق، أسنده سفيان، وقال مالك: أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حُذافة، فقال: نعم هو مرسل، وسليمان بن يسار لم يُدرك عبد الله بن حُذافة، وهم كانوا يتساهلون بين عن عبد الله بن حذافة وبين أنّ النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة، وهو مرسل، قلت لأبي عبد الله: وحديث أبي رافع أن النبي ﷺ بعثه يخطب ميمونة، قاله مالك، وقال مطر: عن أبي رافع. فقال: نعم وذاك أيضا\" (^٣).\nففرّق بين رواية سفيان الثوري (^٤)، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار،\n_________\n(^١) انظره في النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٥٩١، وذكر أنه زيادة إيضاح لتفصيل شيخه العراقي. وانظر ما ذكره العراقي التقييد والإيضاح ص ٦٨ - ٧٠.\n(^٢) انظر: التقييد والإيضاح ص ٦٩.\n(^٣) جامع التحصيل ص ٩١. وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥.\n(^٤) رواية الثوري عند النسائي السنن الكبرى ٢/ ١٦٦ ح ٢٨٧٦، عن العباس بن عبد العظيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان به. ورواه أحمد المسند ٢٥/ ١٠ ح ١٥٧٣٥، وابن أبي شيبة المصنف ٣/ ٣٩٤ ح ١٥٢٦٧ كلاهما عن ابن مهدي، عن الثوري، عن عبد الله بن أبي بكر وسالم أبي النضر، عن سليمان بن يسار به. وكذلك رواه ابن عبد البر من طريق محمد بن المثني عن ابن مهدي به التمهيد ٢١/ ٢٣١.","vol":"2","page":658},{"text":"عن عبد الله بن حذافة، وبين رواية مالك (^١)، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة؛ فجعل الأولى مسندة لأنه أسند القصة إلى عبد الله بن حُذافة، وجعل الثانية مرسلة لأنه لم يسندها ولم يشهدها قطعًا (^٢).\nوكذلك وافق الإمامُ أحمد الأثرمَ على اعتباره للاختلاف الذي بين رواية مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج (^٣)؛ وبين رواية مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: \"أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما\" (^٤) أنه من هذا الجنس: حيث تكون الأولى بـ \"أنّ\" مرسلة،\n_________\n(^١) رواية مالك في الموطأ ١/ ٣٧٦ ح ١٣٥ وانظر: التمهيد ٢١/ ٢٣١، وفيه: قال ابن مهدي: وما أُراه إلا أثبت من حديث سفيان - يعني رواية مالك المرسلة أثبت من رواية الثوري المسندة.\n(^٢) على أن كلا الروايتين على كل حال في حكم المرسل، لأن سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة. فإن عبد الله بن حُذافة السهمي توفي بمصر في خلافة عثمان بن عفان، وسليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، فلا يمكن أن يسمع منه انظر: تهذيب الكمال ١٤/ ٤١٣، التمهيد ٣/ ١٥١.\n(^٣) رواية مالك في الموطأ ١/ ٣٤٨ ح ٦٩، وانظر: التمهيد ٣/ ١٥١. وذكر الدارقطني أن بشر بن السري خالف أصحاب مالك، فرواه عن مالك، عن ربيعة عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع.\n(^٤) رواية مطر أخرجها الترمذي الجامع ٣/ ٢٠٠ ح ٨٤١، والنسائي السنن الكبرى ٢/ ٢٨٨ ح ٥٤٠٢، وأحمد المسند ٤٥/ ١٧٣ ح ٢٧١٩٧، وابن أبي شيبة المصنف ٣/ ١٥٢ ح ١٢٩٦٨، والدارمي سنن الدارمي ٢/ ٣٨، وابن حبان ٩/ ٤٣٨ ح ٤١٣٠، الدارقطني السنن ٣/ ٢٦٢، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ٦٦، وابن عبد البر التمهيد ٣/ ١٥٢.\nومال الدارقطني إلى تصحيح رواية مطر لمتابعة بشر بن السري له عن مالك، ولأنهما ثقتان عنده علل الدارقطني ٧/ ١٤.\nوأما ابن عبد البر فرجح رواية مالك، وذكر أن رواية مطر منقطعة بين سليمان بن يسار وأبي رافع لأن أبا رافع مات بالمدينة بعد مقتل عثمان بيسير، وكان قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ومولد سليمان بن يسار سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان بن يسار من أبي رافع، وأما سماعه من ميمونة فممكن وصحيح، لأن ميمونة مولاته ومولاة إخوته، أعتقتهم وولاؤهم لها، وتوفيت ميمونة سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس فغير نكير أن يسمع منها سليمان بن يسار ويستحيل أن يخفى عليه أمرها وهو مولاها وموضعه من الفقه موضعه. ا. هـ. بتصرف \"التمهيد ٣/ ١٥١\".","vol":"2","page":659},{"text":"والثانية بـ \"عن\" مسندة.\nوذكر الإمام أحمد أن المتقدمين كانوا يتساهلون في عدم التفرين بين العبارتين، مع أنهما عنده ليستا بسواء ولا حكمهما بواحد، فكأنهم يفعلون ذلك على وجه التسامح وعدم التحرير (^١).\nومثل هذا الإعلال إعلال الدارقطني لما أخرجه البخاري عن عبد الله ابن يوسف، عن الليث، عن يزيد، عن عِراك، عن عروة أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر (^٢)، قال الدارقطني: وهذا مرسل (^٣).\nووجه الإرسال واضح، حيث قال عروة: \"أن النبي ﷺ خطب عائشة\"، لأنه لم يشاهد القصة ولا أسندها عن عائشة، بخلاف ما لو قال: عن عائشة (^٤).\nومثله أيضًا ما ذكره ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي يقول وذكر حديثا روى هشيم عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرنا سيابة السلمي \"أن النبي ﷺ قال يوم حنين: أنا ابن العواتك\". قال أبي: حدثنا بعض أصحاب هشيم، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، قال\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٠٤.\n(^٢) انظر الحديث في صحيح البخاري ٩/ ١٢٣ ح ٥٠٨١ - مع فتح الباري.\n(^٣) الإلزامات والتتبع ص ٥١٤.\n(^٤) أجاب الحافظ ابن حجر أن القصة سياقها الإرسال، لكن الظاهر أن عروة حمل ذلك عن خالته عائشة أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر … ووقع التساهل فيها في صريح الاتصال لعدم اشتماله على حكم متأصل فتح الباري ٩/ ١٢٤.","vol":"2","page":660},{"text":"أخبرنا سيابة بن عاصم السلمي عن النبي ﷺ قال أبي: هذا أشبه، قال: وهذا الحديث دليل على أن سيابة ليس هو من أصحاب النبي ﷺ \" (^١).\n_________\n(^١) المراسيل ٢٤٢.","vol":"2","page":661},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>الفصل الثاني: الإعلال بما يُخل باتصال الأسانيد</span>","vol":"2","page":663},{"text":"<span data-type='title' id=toc-240>المبحث الأول: الإعلال بالإرسال</span>\n<span data-type='title' id=toc-241>المطلب الأول: معنى الإرسال عند الإمام أحمد</span>.\nذُكر للإرسال في اللغة عدة إطلاقات، وكلها تصلح أصلًا لمعنى الإرسال الاصطلاحي (^١): فقيل إن أصله من قولهم: أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف.\nالثاني: أنه من قولهم: جاء القوم أرسالًا، أي قطعًا متفرقين، فإن الرسل معناه القطيع من كل شيء، والجمع أرسال (^٢). فكأنه تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل مرسل، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها.\nالثالث: أنه من الاسترسال إلى الإنسان (^٣)، وهو الاستئناس والطمأنينة إليه، ومنه حديث: \"من استرسل إلى مؤمن فغبنه كان غبنه ربا\" (^٤)، فكأن المرسِل للحديث اطمأنّ إلى من أرسل عنه ووثِق به لمن يوصله إليه.\nالرابع: أنه من قولهم ناقة مِرسال، أي سريعة السير (^٥)، فكأن المرسِل للحديث أسرع فيه عجلًا فحذف بعض إسناده.\n_________\n(^١) هذه الإطلاقات مأخوذة من جامع التحصيل ص ٢٣ - ٢٤.\n(^٢) لسان العرب، مادة: \"رسل\" ١١/ ٢٨١.\n(^٣) المصدر نفسه ١١/ ٢٨٣.\n(^٤) أخرجه البيهقي السنن الكبرى ٦/ ٥٥٤، وأبو نعيم حلية الأولياء ٥/ ١٨٧. في سنده موسى بن عمير، قال أبو حاتم: ذاهب الحديث ميزان الاعتدال ٦/ ٥٥٤.\n(^٥) الموضع السابق.","vol":"2","page":665},{"text":"وأما في الاصطلاح فالذي ورد عن الإمام أحمد أن الإرسال هو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه، ويدل على ذلك أنه قال في صنيع ابن جريج في الأحاديث التي يرويها مصرِّحًا بإسقاط الواسطة إن ذلك إرسال. قال عبد الله: \"قال أبي: رأيت سنيدًا عند حجاج بن محمد وهو يسمع كتاب \"الجامع\" - يعني لابن جريج - فكان في الكتاب: ابنُ جُريج قال: أُخبرتُ عن يحيى بن سعيد، وأُخبرتُ عن الزهري، وأُخبرتُ عن صفوان بن سُليم. فجعل سُنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج، عن الزهري، وابن جُريج، عن يحيى بن سعيد، وابن جُريج، عن صفوان بن سُليم، فكان يقول له: هكذا ولم يَحمَدهُ أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمّه على ذلك. قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التي كان يُرسلها ابنُ جُريج أحاديث موضوعة، كان ابنُ جُريج لا يُبالي من أين يأخذه - يعني قوله: أُخبرت، وحُدِّثتُ عن فلان\" (^١)، فسمّى رواية ابن جُريج بقوله: أُخبرتُ، وحُدِّثتُ بأنه إرسال، والرواية بهذه الصورة صريحة في إسقاط الواسطة.\nوبالتتبع للنصوص التي وقفت عليها عن الإمام أحمد وجدت له عدة إطلاقات للإرسال، وهي ترجع إلى أربع معانٍ، تندرج كلها تحت معنى واحد، وهو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه.\nالأول: ما رواه التابعي بإسقاط الصحابي، ومن ذلك:\n١. قال الإمام أحمد: وحدثنا عفّان، حدثنا حمّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، مرسل ليس فيه ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لخديجة … فذكر عفان الحديث (^٢).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٥١ رقم ٣٦١٠.\n(^٢) المسند ٥/ ٤٤ ح ٢٨٤٥. ولفظه: إن النبي ﷺ قال لخديجة: \"إني أرى ضوءا، وأسمع صوتًا، وإني أخشى أن يكون بي جنن\" قالت: لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله … إلخ.","vol":"2","page":666},{"text":"وعمار بن أبي عمار تابعي قد رأى جابر بن عبد الله (^١)، فسمى الإمام أحمد روايته بإسقاط ابن عباس مرسلة.\n٢. وقال أيضًا: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، مرسل ليس فيه ابن الزبير (^٢)، يشير إلى إسناد حديث عبد الله بن الزبير: أن النبي ﷺ قال: \"لكل نبي حواريّ، والزبير حواري وابن عمّتي\" رواه يونس، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، ورواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه ليس فيه ابن الزبير، فسماه مرسلًا لإسقاط الصحابي من السند.\n٣. وقال عبد الله: \"حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي ﷺ: \"خمروا وجوه موتاكم، ولا تشبهوا بيهود\"، فحدّثت به أبي فأنكره وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء مرسل\" (^٣). فسمى رواية عطاء بإسقاط ابن عباس مرسلة، وفي هذا أيضًا إطلاق الرفع على الرواية الموصولة.\nالثاني: رواية الراوي عمّن لم يلقه سواء عاصره أو لم يُعاصره، ومن ذلك:\n١. قال الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - روى يزيد ابن يزيد بن جابر عن عبد الملك بن أبي بكر، عن عمر في زكاة الدين. قال: نعم، عبد الملك بن أبي بكر، عن عمر مرسل\" (^٤) عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام المخزومي لم يدرك عمر، لأن أباه أبو بكر بن عبد الرحمن\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٦٤٤ رقم ١٨٩٩.\n(^٢) المصدر نفسه ٢٦/ ٤٠ ح ١٦١١٥.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٨٣ رقم ٢٧٠٩.\n(^٤) المراسيل ٤٨١.","vol":"2","page":667},{"text":"ابن الحارث بن هشام - أحد الفقهاء السبعة - ولد في خلافة عمر (^١)، وجده عبد الرحمن بن الحارث تربى في حجر عمر (^٢)، فلم يعاصر عبد الملك عمر قطعًا، فسمى الإمام أحمد حديثه عنه مرسلًا.\n٢. تقدم أن الإمام أحمد قال في حديث عراك عن عائشة: إنه مرسل، وعراك أدرك عائشة لكن لم يثبت لقاؤه بها ولا سماعه منها، فقال في روايته عنها: مرسل.\nورواية الراوي عمن لم يعاصره من الانقطاع الجلي، وروايته عمّن لم يلقه من الانقطاع الخفي، وهو صورة الإرسال الخفي عند ابن القطان (^٣)، والحافظ ابن حجر (^٤)، فإن الإرسال الخفي يظهر بعدم اللقاء وكذا بعدم السماع (^٥)، وهو عند غيرهما إحدى صورتي التدليس (^٦).\nالثالث: رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه:\nذكر الخلال في العلل عن حنبل: \"ذكرت لأبي عبد الله - يعني أحمد - حديث الأعمش عن أنس فقال: لم يسمع الأعمش من أنس، لكن رآه، زعموا\n_________\n(^١) قاله الواقدي الطبقات الكبرى ٥/ ٢٠٧.\n(^٢) الطبقات الكبرى ٥/ ٥.\n(^٣) بيان الوهم والإيهام ٥/ ٤٩٣.\n(^٤) نزهة النظر ص ٤٣. وهو الذي يميل إليه رأي ابن عبد البر التمهيد ١/ ١٥ - ١٦، وانتصر له العلائي جامع التحصيل ص ٩٧، وحمل كلامهما الشريف العوني على خلاف ظاهره المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص.\nوقد قال الخطيب: لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه … . ا. هـ الكفاية في علم الرواية ص ٥٤٦.\n(^٥) فتح المغيث ٤/ ٧١.\n(^٦) انظر: معرفة علوم الحديث ص ١٠٩، مقدمة علوم الحديث ص ٧٨. وانظر: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص ٤٤ - ١٤٣.","vol":"2","page":668},{"text":"أن غياثًا حدث الأعمش بهذا (^١) عن أنس\" (^٢)\nوقال الخلال: حدثنا مهنّا قال: \"سألت أحمد: لم كرهتَ مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي عمّن حدّث. قلت له: كان رجلٌ ضعيف سوى يزيد الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم؟ قال: نعم، كان يحدّث عن غياث بن إبراهيم، عن أنس \"أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد]. سألته عن غياث بن إبراهيم فقال: كان كذوبًا\" (^٣).\nفسمى رواية الأعمش عن أنس مرسلة، مع رؤيته لأنس بن مالك، وأن العلة في ردها أنه يروي عنه بواسطة رواة ضعفاء ومتروكين مثل غياث بن إبراهيم، ويزيد الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم.\nوهذه هي الصورة الثانية للإرسال الخفي.\nالرابع: رواية الراوي عن شيخ لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه:\nقال عبد الله: \"قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد - يعني حديث الوضوء مما مسّت النارٌ - والباقي يرسلها عنه\" (^٤).\nوهذه صورة التدليس، فأطلق الإمام أحمد الإرسال على التدليس لما تضمن كلٌ منهما من إسقاط الواسطة. وقد جاء ذلك صريحًا في رواية الفضل بن زياد، عن أحمد قال: \"كان مبارك - أي ابن فضالة - يُرسل عن الحسن. قيل: يُدلِّس؟ قال: نعم. قال: وحدّث يومًا عن الحسن بحديث فوُقف عليه فقال: حدثنيه\n_________\n(^١) يعني حديث التكشف عند الحاجة.\n(^٢) تهذيب سنن أبي داود لابن القيم ١/ ٢١.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٨٦ رقم ٥٦٩٦.","vol":"2","page":669},{"text":"بعض أصحاب الحديث عن أبي حرب، عن يونس\" (^١) وإنما أطلق الإرسال على التدليس لأن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، فكل تدليس إرسال ولا ينعكس.\nوقد ذكر الخطيب أنه لا خلاف بين أهل العلم أن رواية الحديث بالصور الثلاث التي تقدم ذكرها بإدراج الصورة الثالثة في الصورة الثانية أنه إرسال (^٢).\n_________\n(^١) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٣٣.\n(^٢) الكفاية في علم الرواية ص ٥٤٦ - ٥٤٧.","vol":"2","page":670},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>المطلب الثاني: الإعلال بإسقاط الصحابي</span>.\nالإعلال بهذا من الإعلال بالإرسال الجلي، وتحته مسائل:\n\n<span data-type='title' id=toc-243>المسألة الأولى: الصحبة وما تثبت به عند الإمام أحمد</span>.\nذكر الحافظ ابن حجر أن التعريف المبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما هو أن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام (^١).\nوذكر عبدوس (^٢) في مسائله عن أحمد: \"كل من صحِبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعةً أو رآه فهو من أصحابه، له من الصُّحبة على قدر ما صحِبه … ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعةً أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير\" (^٣). قال المجد أبو البركات ابن تيمية: وإليه ذهب أصحابنا (^٤).\nومما يدل على اعتباره الرؤية مقتضية للصحبة ما رواه ابن هاني قال: \"سئل - يعني أبا عبد الله أحمد بن حنبل - هل سمع يحيى بن أبي كثير من أحد من أصحاب النبي ﷺ؟ فقال: نعم، قد سمع من السائب بن يزيد، والسائب قد رأى النبي ﷺ \" (^٥) فاستدل لصحبة السائب بن يزيد برؤيته للنبي ﷺ.\n_________\n(^١) الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٧. ونسب أصحاب أحمد مثل هذا التعريف إلى الإمام أحمد انظر: الكواكب النيرات ٢/ ٤٦٥.\n(^٢) هو عبدوس بن مالك أبو محمد العطار. قال القاضي أبو يعلى: ذكره الخلال وقال: كانت له عند أبي عبد الله منزلة في هدايا وغير ذلك وله به أنس شديد … وقد روى عن أبي عبد الله مسائل لم يروها غيره ولم تقع إلينا كلها. ا. هـ. طبقات الحنابلة ١/ ٢٤١.\n(^٣) طبقات الحنابلة ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(^٤) المسودة ص ٢٦٣.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ١٩٩ رقم ٢٠٧٧.","vol":"2","page":671},{"text":"وعبر باللقاء ليشمل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يعز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى (^١)\nولمعرفة الصحبة - في حق ما عدا من ثبتت صحبتُه بالتواتر أو الشهرة أو الاستفاضة - طرق ترجع إلى ثلاثة أمور:\nالأول: مجيء ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ، وهذا ما يدل عليه تصرف أئمة الحديث بما فيهم الإمام أحمد في تخريج أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم على أنهم صحابة.\nفمن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد إفراده لدُكين بن سعيد الخَثعَمي بمسند في كتابه المسند، وأورد حديثه الذي فيه دلالة على لقائه بالنبي ﷺ من طريق وكيع، ومحمد ويعلى ابني عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن دُكين بن سعيد الخَثْعَمي قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن أربعون وأربع مئة نسأله الطعام، فقال النبي ﷺ لعمر: \"قُمْ فأعطهم\" (^٢).\nوكذلك صدّر مسند معن بن يزيد السلمي بحديث يدل على لقائه بالنبي ﷺ، فقال: حدثنا مصعب بن المِقدَام، ومحمد بن سابق قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي الجويرية أن معن بن يزيد حدّثه قال: [بايعت رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدي، وخطب عليّ فأنكحني …] الحديث (^٣).\n_________\n(^١) الإصابة الموضع نفسه.\n(^٢) المسند ٢٩/ ١١٧ ح ١٧٥٧٦ - ١٧٥٨٠. ورواه البخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٢٥٥ من طريق سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد سمع قيسًا سمع دكين المزني فذكره. فصرح إسماعيل بالسماع من قيس، وهو من دكين.\n(^٣) المسند ٢٥/ ١٩١ ح ١٥٨٦٠.","vol":"2","page":672},{"text":"وكذلك أفرد لنُمير الخزاعي مسندًا وذكر له حديثًا واحدًا يدل على رؤيته للنبي ﷺ، رواه عن وكيع: حدثنا عصامُ بن قُدامة البجلي، عن مالك بن نُمير الخُزاعي، عن أبيه قال: \"رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يده اليُمنى على فخِذِهِ اليُمنى في الصلاة يشير بأصبعه\" (^١).\nولما ذُكر له حديث عَرْفجة (^٢) بن شُريح الأشجعي ذكر اختلاف الرواة في اسم أبيه، ثم ذكر رواية شعبة التي تدل على سماعه من النبي ﷺ، وأوردها في مسنده، وليس له غير تلك الرواية (^٣).\nوالحديث ذكره الخلال (^٤) قال: \"جعفر الصائغ، حدثنا حسين بن محمد المروذي، ثنا شيبان، عن زِياد بن عِلاقة، عن عرْفجة بن شريح الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ: \"ستكون بعدي هَناتٌ (^٥) وهَناتٌ - ممدودة - فمن رأيتموه يُفرِّق أمة محمد ﷺ وهي جميع فاقتلوه كائنًا من كان من الناس\" (^٦). قال الأثرم: ذُكر هذا الحديث عند أبي عبد الله فقال: كان أبو نُعيم يرويه عن شيبان يقول:\n_________\n(^١) المسند ٢٥/ ٢٠١ - ٢٠٢ ح ١٥٨٦٧.\n(^٢) هو بالفاء الإكمال لابن ماكولا ٦/ ١٩٦.\n(^٣) المسند ٣٠/ ٢٢٧ ح ١٨٢٩٥.\n(^٤) المنتخب من العلل للخلال ص ١٧١ رقم ٩٢.\n(^٥) أي شروو وفساد، يقال: في فلان هنات، أي خصال شر، واحدها هَنْتٌ، وقيل: هَنَةٌ تأنيث هن، وهو كناية عن كل اسم جنس النهاية ٥/ ٢٧٩.\n(^٦) أخرجه مسلم من طريق شيبان، ومن طريق شعبة، وإسرائيل، وعبد الله بن المختار وغيره كلهم عن زياد بن علاقة به. وفي حديث شعبة - وهو الذي صدر الإمام مسلم الباب به تصريح عرفجة بالسماع من النبي ﷺ، وكذلك اقتصر الإمام أحمد على إيراد طريق شعبة صحيح مسلم ٣/ ١٤٧٩ ح ١٨٥٢، مسند أحمد، الموضع نفسه.\nوكذلك اعتمد البخاري طريق شعبة هذه في جزمه بأن عرفجة سمع النبي ﷺ. التاريخ الكبير ٧/ ٦٤.","vol":"2","page":673},{"text":"ابن صُريح، وقال بعضهم: شُرَيح، وقال بعضهم: شُرْيح، وأما شعبة فلم ينسبه وقال فيه: سمعت النبي ﷺ \".\nوذكر عبد الله أنه وجد في كتاب أبيه (^١): من روى عن رسول الله ﷺ من النساء، فذكرهن على حسب أنسابهن وبلدانهن، واعتمد في إثبات صحبة بعضهن بما ورد في أحاديثهن مما يدل على لقائهن بالنبي ﷺ مثل قوله: وامرأة من الأنصار قالت: \"دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي\"؛ (^٢) وجدة عبدالرحمن بن أبي عمرو - ويقال لها: كُبيشة، ويقال: كبشة - أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها قِربة معلقة (^٣)؛ وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ كان يزورها كل جمعة (^٤).\nوأما من نفى عنه الصحبة ولم يرد ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ وإن كان له رواية فإنه لا يذكر له مسندًا (^٥)، وذلك مثل دَغْفَل بن حَنْظَلَة، فإنه قد روى حرب بن إسماعيل أنه قال لأحمد بن حنبل: \"دغفَل بن حنظَلة له صُحبة؟ قال: ما أعرفُهُ\" قال ابن أبي حاتم: يعني ما يعرف له صحبة أم لا (^٦).\nوقال الأثرم عن أحمد بن حنبل: \"قد سمعتُ منه - يعني معاذ بن هِشام - حديث دَغفَل بن حنظَلة أن النبي ﷺ قُبِض وهو ابنُ خمسٍ وستين. قلت\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٠٦ رقم ٥٧٨٤.\n(^٢) المصدر نفسه ٣/ ٤٠٨.\n(^٣) المصدر نفسه ٣/ ٤٠٩.\n(^٤) المصدر نفسه ٣/ ٤١٠.\n(^٥) وأما من كان له رواية وتوقف في ثبوت صحبته لعدم وجود ما يثبتها أو ينفيها فإنه يورده في المسند، كأن ذلك على احتمال صحبته. مثال ذلك عامر بن مسعود القرشي. أورده في المسند ٣١/ ٢٩٠ ح ١٨٩٥٩، وذكر حديثه، وقد سأله عنه أبو داود: هل له صحبة؟ فقال: لا أدري، قد روى عن النبي ﷺ سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٧٩ رقم ١٨٣.\n(^٦) الجرح والتعديل ٣/ ٤٤١.","vol":"2","page":674},{"text":"لأبي عبد الله: دغفَل بن حنظَلة له صُحبة؟ فقال: لا، ومن أين له صُحبة، هذا كان صاحب نسب. قيل لأبي عبد الله: رُوي عنه غير هذا الحديث؟ فقال: نعم، حديث آخر يرويه أبان العطار: \"كان على النصارى صوم\" قال أبو عبد الله: لا أعلمه رُوي عنه غيرُهما\" (^١).\nوليس في الحديثين اللذين رواهما ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ، فلم يذكره الإمام أحمد في مسنده.\nومثله أيضًا مطر بن عُكامِس، نقل إسحاق بن منصور عنه أنه قال: لا صحبة له (^٢). وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه: هل له صحبة؟ فقال: لا يُعرف. قلت: فله رواية؟ قال: لا أدري (^٣). ولم يخرج الإمام أحمد له في المسند، وأخرج عبد الله حديثه في زياداته على المسند (^٤)، وليس فيه ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ.\nوأما من نفى عنه الصحبة ثم ذكر حديثه في مسنده، فهو ممن قد ورد عنه ما يدل على رؤيته للنبي ﷺ، ونفيه لصحبته محمول على الصحبة الخاصة بالسماع والرواية. مثال ذلك مسلمة بن مخلَّد، فقد روى أبو طالب عنه أنه قال: ليست له صحبة. وروى حديثه في المسند، وجاء في روايته ما يدل على أن له لقيًّا، وهو ما قرأه عبد الله على أبيه: حدثنا عباد بن عباد، وابن أبي عدي، عن ابن عون، عن مكحول أن عقبة أتى مسلمة بن مُخلَّد، وكان بينه وبين البَّواب شيء، فسمع صوته فأذن له فقال: إني لم آتك زائرًا، ولكني جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٨/ ٤٨٧، وانظر: المراسيل ١٩٨.\n(^٢) المراسيل ٧٣٢، نقله عنه وعن يحيى بن معين.\n(^٣) ذكره ابن حجر في الإصابة ٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤.\n(^٤) وهو حديث: \"إذا قضى الله ميتة عبدٍ بأرض جعل له إليها حاجة\" المسند ٣٦/ ٣٠٨ ح ٢١٩٨٣، ٢١٩٨٤.","vol":"2","page":675},{"text":"رسول الله ﷺ: \"من علم من أخيه سيئة فسترها ستره الله ﷿ يوم القيامة؟ \" فقال: نعم. قال: لهذا جئت. قال ابن أبي عدي في حديثه: ركب عقبة بن عامر إلى مسلمة بن مُخلَّد وهو أمير على مصر\" (^١).\nوهناك حديث آخر يدل على أن له رؤية، رواه ابن أبي عاصم (^٢)، والطبراني (^٣) من طريق وكيع عن موسى بن علي عن أبيه عن مسلمة بن مخلَّد ﵁ قال: \"وُلِدتُ حين قدم النبي ﷺ ومات وأنا ابن عشر\" وخالفه عبد الرحمن ابن مهدي عن موسى بن علي بالإسناد نفسه وقال في لفظه: \"قدم النبي ﷺ وأنا\n_________\n(^١) المسند ٢٨/ ١٦٠ ح ١٦٩٦٠. وهذا الإسناد فيه انقطاع: مكحول لم يلق عقبة بن عامر تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٠٣.\nورواه الإمام أحمد في مسند عقبة بن عامر عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج: سمعت\nأبا سعيد يحدث عطاء قال: رحل أبو أيوب إلى عقبة بن عامر فأتى مسلمة بن مخلَّد وفيه: حدثنا ما سمعتَه من رسول الله ﷺ لم يبق أحدٌ سمعه، قال: سمعت رسول الله ﷺ فذكره المسند ٢٨/ ٦١٣ ح ١٧٣٩١. وأبو سعيد هو المكي الأعمى، مجهول تقريب التهذيب ٨١٨١.\nوخالفه الحميدي فرواه عن سفيان قال: ثنا ابن جريج قال: سمعت أبا سعد الأعمى يحدث عطاء بن أبي رباح يقول: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره وغير عقبة. فلما قدم مسلمةَ بن مخلد الأنصاري - وهو أمير مصر - فأُخبر به فعجّل فخرج إليه فعانقه ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيري وغير عقبة … مسند الحميدي ١/ ١٨٩ ح ٣٨٤. وتابعه محمد بن المثنى عند الروياني مسند الروياني ١/ ١٤٩ ح ١٥٩. فعلى هذه الرواية لم يسمع مسلمة هذا الحديث من النبي ﷺ، وإنما سمعه عقبة بن عامر، والذي ارتحل إليه هو أبو أيوب الأنصاري.\nويؤيده ما رواه أحمد المسند ٢٨/ ٦٥٦ ح ١٧٤٥٤ عن البرساني عن ابن جريج: ركب\nأبو أيوب إلى عقبة بن عامر إلى مصر فقال: إني سائلك عن أمر لم يبق ممن حضره من رسول الله ﷺ إلا أنا وأنت … فذكره، وليس لمسلمة بن مخلد فيه ذكر. وهذا معضل بين ابن جريج وأبي أيوب، لكنه يدل على أن الرواية الأولى معلولة.\nوالحديث قد حكم عليه أبو حاتم بالاضطراب علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٦٤ ح ١٩٨٤. وهو جدير به.\n(^٢) الآحاد والمثاني ٥/ ٣٢٤ ح ٢٨٦٥.\n(^٣) المعجم الكبير ١٩/ ٤٣٧ ح ١٠٦٠.","vol":"2","page":676},{"text":"ابن أربع ومات وأنا ابن أربع عشرة\" رواه أحمد (^١)، والطبراني (^٢). قال الطبراني: وحديث عبد الرحمن بن مهدي عندي الصواب والله أعلم.\nفنفيُ الإمام أحمد لصحبته مع روايته لهذا الحديث الذي يدل على أن له رؤية هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يُؤوِّل النفي بأن المنفي هو الصحبة الخاصة (^٣)، وليس أصل الصحبة.\nوقد ينفي عن الرجل سماعه من النبي ﷺ ثم يورده في مسنده ويذكر له أحاديث لمِا له من إدراك للنبي ﷺ، وذلك مثل عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أفرده الإمام أحمد بالذكر في مسنده (^٤) وذكر له أحاديث ليس في واحد منها تصريحه بالسماع من النبي ﷺ أو ما يدل على لقائه به، وقد نص على عدم سماعه من النبي ﷺ، ولكن ذكر أنه أدركه. قال حرب بن إسماعيل: \"سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبي ﷺ، ولم يسمع منه\" (^٥).\nومثال آخر هو طارق بن شهاب، أدخله في مسنده وأورد له عدة أحاديث منها ما يدل على أن له اللقيا، وهو حديث شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: [رأيت رسول الله ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب من طريقه في الكفاية في علم الرواية ص ١٠٨.\n(^٢) المعجم الكبير ١٩/ ٤٣٨ ح ١٠٦١.\n(^٣) الإصابة ٣/ ٤١٨.\n(^٤) المسند ٢٩/ ٥١٢ - ٥٢١. وقال الذهبي: روى له أحمد بن حنبل في مسنده أحاديث لكنها مرسلة، ويحتمل أن تكون له صحبة فقد ذكر يحيى بن بكير عن الليث وابن لهيعة أن عبد الرحمن صحابي وقال الترمذي له رؤية سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥.\nوذكره ابن حجر في القسم الأول، وهم من ثبتت صحبتهم، ثم أعاد ذكره في القسم الثالث، وهم المحضرمون - من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا مع النبي ﷺ الإصابة ٢/ ٤١٧، ٣/ ٩٧.\n(^٥) المراسيل ٤٤٣.","vol":"2","page":677},{"text":"وعمر بضعًا وأربعين أو بضعًا وثلاثين من بين غزوة وسرية\" (^١). وقد ذكر غير واحد عدم سماعه من النبي ﷺ (^٢)، والأحاديث التي رواها عنه الإمام أحمد في مسنده ليس في واحد منها التصريح بسماعه من النبي ﷺ.\nالثاني: من طرق إثبات الصحبة تصريح أحد الصحابة أو أحد التابعين أن فلانًا له صحبة، وهذا كما قال ابن حجر بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح. ومن أمثلة ذلك سنان ين سِنّة، ذكره الإمام أحمد في مسنده، وروى حديثه حكيم بن أبي حرة (^٣) فقال: عن سنان بن سنّة صاحب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: \"الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر\" (^٤).\nومن ذلك أيضًا شرحبيل بن أوس (^٥)، أفرد له مسندًا، وذلك أن نمران ابن مخمر (^٦) روى عنه وقال في حديثه: عن شرحبيل بن أوس وكان من\n_________\n(^١) المسند ٣١/ ١٢٥ ح ١٨٨٢٩.\n(^٢) منهم أبو داود: قال: طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ لم يسمع منه شيئًا سنن أبي داود ١/ ٦٤٤.\nوقال أبو حاتم: طارق بن شهاب له رؤية، وليست له صحبة، والحديث الذي رواه أن النبي ﷺ سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: \"كلمة حق عند سلطان جائر\"، قال هذا حديث مرسل. فقيل: له قد أدخلته في مسند الوحدان؟ فقال: إنما أدخلته في الوحدان لما يحكى من رؤيته للنبي ﷺ. المراسيل ٣٥١.\nقال ابن حجر: إذا ثبت أنه لقي النبي ﷺ فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح الإصابة ٢/ ٢٢٠.\n(^٣) روى عن عبد الله بن عمر، والحديث في صحيح البخاري تهذيب الكمال ٧/ ١٦٩. ذكره\nابن حبان في الثقات ٤/ ١٦١. وقال عنه ابن حجر: صدوق التقريب ١٤٧٧.\n(^٤) المسند ٣١/ ٣٥٤ ح ١٩٠١٤.\n(^٥) ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة الطبقات الكبرى ٧/ ٤٣١. وذكر ابن حجر عن البخاري وأبي حاتم أن له صحبة، وأن أبا زرعة ذكره في مسند الشاميين الإصابة ٢/ ١٤٣.\n(^٦) وقيل: ابن مخبر، ذكره البخاري في التاريخ الكبير ٨/ ١٢٠، وذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٥٤٥. روى عنه حريز بن عثمان، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات تعجيل المنفعة ص ٢٧٨.","vol":"2","page":678},{"text":"أصحاب النبي ﷺ (^١).\nوكذلك أفرد لحابس بن سعد الطائي (^٢) مسندًا، وروى من طريق عبد الله ابن غابر الألهاني (^٣) قال: \"دخل حابس بن سعد الطائي من السحر - وقد أدرك النبي ﷺ \".\nولم يورد له رواية (^٤).\nومما يدل على اعتبار الإمام أحمد هذا الطريق من طرق إثبات الصحبة احجاجه بقول رجل من التابعين: \"حدثني رجل من الصحابة\" قال الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ فالحديث صحيح؟ قال نعم\" (^٥) فإذا صحح قوله مع عدم تعيين وتعريف بالصحابي، فلأن يصححه معهما من باب أولى وأحرى، والله أعلم.\nالثالث: إخبار الرجل عن نفسه بأنه صحابي. ومن أمثلة ذلك عبد الله ابن عمرو بن أم حرام (^٦)، ذكره الإمام أحمد في مسنده (^٧)، وجاء في حديثه الذي\n_________\n(^١) المسند ٢٩/ ٥٩١.\n(^٢) وهو حابس اليماني. ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله ﷺ الطبقات الكبرى ٧/ ٤٣١. وذكر البخاري وابن أبي حاتم أنه أدرك النبي ﷺ التاريخ الكبير ٣/ ١٠٨، الجرح والتعديل ٣/ ٢٩٢. وأما يعقوب الفسوي فذكره في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام المعرفة التاريخ ٢/ ٣٠٨. وذكر له حديثًا رواه عن أبي بكر الصديق، ولعل ذلك هو قرينته لاعتباره من التابعين وانظر: تهذيب التهذيب ٢/ ١٢٧.\n(^٣) عبد الله بن غابر - بمعجمة ثم موحدة ـ. وثقه ابن حجر تقريب التهذيب ٣٥٤٩.\n(^٤) المسند ٢٨/ ١٧٦ ح ١٦٩٧٢.\n(^٥) الكفاية في علم الراوي ص ٥٨٥.\n(^٦) اسمه عبد الله بن عمرو بن قيس الأنصاري الخزرجي ابن امرأة عبادة بن الصامت، ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله ﷺ الطبقات الكبرى ٧/ ٤٠٢.\n(^٧) المسند ٢٩/ ٥٨٥.","vol":"2","page":679},{"text":"ذكره في مسنده قال: إبراهيم بن أبي عبلة (^١): [رأيت أبا أُبيّ الأنصاري - وهو ابن أبي حرام الأنصاري - فأخبرني أنه صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين جميعًا، وعليه كساءٌ خزٍّ أغبر]. فإخباره عن نفسه بأنه صلى القبلتين مع رسول الله ﷺ يدل على صحبته، فاعتمد ذلك الإمام أحمد فذكره في مسنده فدل على أنه يعتبره صحابيًا، ولم يذكر له حديثًا مسندًا غير هذا الذي يدل على صحبته.\n\n<span data-type='title' id=toc-244>المسألة الثانية: ما يقدح في ثبوت الصحبة</span>.\nقد يرِد ما يدل على ثبوت الصحبة للراوي، ومع ذلك يأتي عن الإمام أحمد التصريح بعدم ثبوت صحبته، مما يدل على أن هناك ما يقدح في ذلك الدليل. ومن الأمور التي يمكن أن تعتبر من القوادح لدى الإمام أحمد فيما يُثبت الصحبة ما يأتي:\nالقادح الأول: ورود ما يُثبت الصحبة بطريق معلول.\nمثال ذلك ما رواه أبو داود قال:\nقلت لأحمدَ: كُديرٌ الضَّبي له صُحبة؟ فقال: لا، قلت: زُهير يقول: إنه أتى النبيّ ﷺ، أو إن أعرابيًا أتى النبي ﷺ أعني في حديث زُهير، عن أبي إسحاق، عن كُدير الضَّبي؟ فقال: زُهير سمِع من أبي إسحاق بآخرَة (^٢).\nالحديث الذي يدل على صحبة كُدير الضبي هو ما رواه زهير بن معاوية الجعفي (^٣)، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن كُدير أنه أتى النبي ﷺ فأتاه أعرابي\n_________\n(^١) وثقه الجم الغفير: منهم ابن معين، وعلي بن المديني، ودحيم، والفسوي، والنسائي، والدارقطني. وأخرج له البخاري عن عكرمة، ومسلم عن عمر بن عبد العزيز تهذيب الكمال ٢/ ١٤٣.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٠ رقم ١٩٢٥. وقد تقدم في مطلب الإعلال بالاختلاط ص ٣٣٧.\n(^٣) قال الإمام أحمد: زهير فيما روى عن المشايخ ثبت، بخٍ بخٍ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين الجرح والتعديل ٣/ ٥٨٨، وانظر: مسائل صالح ٢/ ٤٥٧ رقم ١١٥٨.\nوقال أبو زرعة: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط الجرح والتعديل ٥/ ٥٨٩.","vol":"2","page":680},{"text":"فقال: يا رسول الله! دُلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة. قال: \"تقول العدلَ، وتُعطي الفضْلَ\". قال: يا رسول الله! فإن لم أستطع؟ قال: \"فهل لك من إبِل\"؟ قال: نعم. قال: \"فاعهَدْ إلى بعير من إبلك وسِقاء فانظر إلى أهل بيتٍ لا يَشربون الماء إلا غِباًّ فإنه لا يَعطُب بعيرُك ولا يَنحَر سِقاؤك حتى تجب لك الجنة\" (^١).\nومع ذلك لم يُثبت الإمام أحمد صحبة كدير الضَّبي لوجود قادح يقدح في صحة هذه الرواية، وهذا القادح هو سماع زهير من أبي إسحاق بآخرة، وكان أبو إسحاق قد تغير. قال الميموني: \"قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أحد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري. قال: وشعبة أقدم سماعًا من سفيان. قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: إي والله! هؤلاء الصغار، زهير وإسماعيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام\" (^٢).\nويشهد لصحة هذه العلة أن شعبة والأعمش قد رويا الحديث عن أبي إسحاق، عن كُدير الضبي: أتى رجل النبي ﷺ فقال … فذكراه (^٣) وتابعهما فطر بن خليفة (^٤)، ومعمر (^٥)، وإسرائيل بن يونس\n_________\n(^١) أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة ٥/ ١٦٤، وعنه ابن قانع معجم الصحابة ٢/ ٧٨٤ من طريق الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير به. وتابعه النفيلي عبد الله بن محمد ابن نفيل عند ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٥/ ٢٠٠.\n(^٢) شرح علل الحديث لابن رجب ٢/ ٧١٠.\n(^٣) حديث شعبة رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص ١٩٤ رقم ٣٦١، ومن طريقه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٥/ ٢٠٠، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٥/ ٢٤١٢. ورواه ابن أبي عاصم من طريق غندر عن شعبة الآحاد والمثاني ٥/ ١٩٩.\nوحديث الأعمش رواه ابن خزيمة في صحيحه ٤/ ١٢٥ ح ٢٥٠٣. قال ابن خزيمة: ولست أقف على سماع أبي إسحاق هذا الخبر من كُدير. ا. هـ وقد ورد التصريح بذلك في حديث شعبة.\n(^٤) حديثه عند هناد بن السري في الزهد ١/ ٢٤٩، ٢/ ٥١٥.\n(^٥) كما في جامعه ص ٤٥٦، ومن طريقه رواه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٤٨٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ١٨٦.","vol":"2","page":681},{"text":"ابن أبي إسحاق (^١)، وزيد بن أبي أنيسة (^٢)، وسفيان الثوري (^٣). ففي حديثهم أن الذي أتى النبي ﷺ هو رجل آخر، وليس كُدير الضبي، فالصحبة لذالك الرجل وليست لكُدير.\nوقد يُعترض على هذه العلة بأن الشيخين رويا لزُهير بن معاوية من روايته عن أبي إسحاق (^٤)، فلما ذا لا تُعتمد روايته هذه؟ فالجواب أن روايته جاءت مخالفة لرواية من ذُكر عن أبي إسحاق، ومنهم من كان سماعهم منه قبل الاختلاط كشعبة، وسفيان، وإخراج الشيخين له من روايته عن أبي إسحاق مما توبع عليها كلها (^٥).\nوممن يعتبر هذا القادح من القوادح في ثبوت الصحبة الإمام أبو حاتم الرازي. روى عنه ابنه أنه قال: سلامة بن قيصر الحضرمي الشامي ليس حديثه من وجه يصح ذكر صحبته. قال ابن أبي حاتم: قلت: وذلك أنه روى ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن لهيعة بن عُقبة، عن عمرو بن ربيعة، عن سلامة بن قيصر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"من صام يومًا ابتغاء وجه الله … \" (^٦)، فلم يثبت هذا الحديث لأنه من رواية ابن لهيعة، وبالتالي لم تثبت صحبته، لأن الطريق الذي يفيد ذلك معلول.\nالقادح الثاني: وجود قرينة خارجية مرجحة لنفي الصحبة، وذلك حيث وقع الاختلاف في الدليل الموجب للصحبة بما يقتضي إثباتها أو نفيها. مثال ذلك\n_________\n(^١) حديثه عند البيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٢١٩ ح ٣٣٧٤.\n(^٢) حديثه في تاريخ بغداد ١٣/ ٤٥٦.\n(^٣) ذكره مغلطاي في الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة ٢/ ١٨٥، وابن حجر في الإصابة ٣/ ٢٨٩.\n(^٤) انظر: الكواكب النيرات ص ٣٥١.\n(^٥) تتبعتها كلها وتوصلت إلى هذه النتيجة.\n(^٦) المراسيل ٢٣٣.","vol":"2","page":682},{"text":"صحبة الحكم بن سفيان الثقفي، قال الإمام أحمد:\nحدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي الحَكَم أو الحَكَم بن سفيان الثقفي قال: \"رأيتُ رسول الله ﷺ بالَ ثم توضأ ونضح فرجه\".\nحدثنا أسود بن عامر، قال: قال شرِيك: سألت أهل الحَكَم بن سفيان، فذكروا أنه لم يُدرِكِ النبي ﷺ (^١).\nهذا الحديث هو الذي استدل به من أثبت صحبة الحكم بن سفيان، ولكنه اختلف فيه، وأشار عبد الله بن أحمد بن حنبل إلى هذا الاختلاف في المسند حيث قال: ورواه شعبةُ ووُهيب، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ. وقال غيرهما: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان قال: رأيت النبي ﷺ .. ا. هـ (^٢). فوقع اختلاف هل الصحبة له أو لأبيه؟ فمن أثبت صحبته رجح رواية الحكم بن سفيان عن النبي ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) المسند ٢٤/ ١٠٤ - ١٠٦، ح ١٥٣٨٤، ١٥٣٨٥. وأورده عبد الله في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٤٨ رقم ٥٠٩٦، ٥٠٩٧.\n(^٢) المسند ٢٩/ ١٥٧.\n(^٣) رواه عدد كثير عن منصور، وكلهم لم يذكروا: عن أبيه، وهم:\n١. سفيان الثوري، وحديثه عند أبي داود السنن ١/ ١١٧ ح ١٦٦، والنسائي السنن ١/ ٩٣ ح ١٣٥، والبخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠، وعبد الرزاق المصنف ١/ ١٥٢ ح ٥٨٧، وأحمد ٢٩/ ١٥٧ ح ١٧٦٢٠، ٢٩/ ٣٩٧ ح ١٧٨٥٤، ٣٨/ ٤٥٥ ح ٢٣٤٦٩، ٢٣٤٧٠، ٢٣٤٧٢، ٢٣٤٧٣، والحاكم المستدرك ١/ ١٧١، وأبو نعيم معجم الصحابة ٢/ ٧١٨ ح ١٩١٩، رواه عنه عدد، ولم يختلف عليه في عدم ذكر أبيه إلا ما رواه مؤمل بن إسماعيل عنه وذكر فيه: عن أبيه. ذكره المزي في تحفة الأشراف ٣/ ٧١. ومؤمل بن إسماعيل ثقة كثير الغلط كما قال غير واحد، حتى إن البخاري وصفه بأنه منكر الحديث. وقال محمد بن نصر المروزي: إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف ويتثبت فيه لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط تهذيب الكمال ٢٨/ ١٧٨، تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٨١ وقد تفرد برواية هذا الوجه وخالف جميع من رواه عن الثوري بما فيهم أثبت الناس فيه: يحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع، وأبو نعيم. =","vol":"2","page":683},{"text":"ومن نفى صحبته رجح رواية الحكم بن سفيان، عن أبيه عن النبي ﷺ (^١).\n_________\n= ٢. جرير بن عبد الحميد الضبي - وهو والثوري، وشعبة أثبت أصحاب منصور كما قال الدارقطني شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢١ - وحديثه عند أحمد المسند ٢٤/ ١٠٤ ح ١٥٣٨٤، والبخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩، والبغوي معجم الصحابة ٢/ ١٠٥ ح ٤٨١، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٧٩.\n٣. أبو عوانة وضاح اليشكري، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩، وابن قانع معجم الصحابة ١/ ٢٠٥، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٨٤.\n٤. زكريا بن أبي زائدة، وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٥٥ ح ١٧٨١ ومن طريقه ابن ماجه السنن ١/ ١٥٧ ح ٤٦١، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٧ ح ٣١٨٠، ٣١٨١.\n٥. عبِيدة بن حُميد، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩.\n٦. قيس بن الربيع، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٧ ح ٣١٨٣.\n٧. سلاّم بن أبي مُطِيع، وحديثه عند البخاري في التاريخ الكبير الموضع نفسه، وابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٢٠٦، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٧٥.\n٨. عمّار بن رُزيق سنن النسائي ١/ ٩٣ ح ١٣٥.\n٩. مفضل بن مهلهل، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٧ ح ٣١٨١.\n١٠. معمر بن راشد، وحديثه عند عبد الرزاق المصنف ١/ ١٥٢، وعبد بن حميد في مسنده ١٧٦ ح ٤٨٦.\n١١. زائدة بن قُدامة، برواية عبد الرحمن بن مهدي وهي في مسند الإمام أحمد ٢٩/ ١٥٧ ح ١٧٦٢٠، وأبي الوليد الطيالسي وهي عند ابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٢٠٦، ويحيى\nابن أبي بُكير عند أبي نعيم في معرفة الصحابة ٢/ ٧١٧ ح ١٩١٨ كلهم عنه بدون ذكر أبيه.\n(^١) رواه عن منصور:\n١. شعبة برواية عدد كثير من أصحابه عنه، وحديثه عند النسائي السنن ١/ ٩٣ ح ١٣٤، والسنن الكبرى ١/ ٩٣ ح ١٣٥، والطيالسي في مسنده ١/ ١٧٩، والبخاري التاريخ الكبير ١/ ٣٣٠، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٧٦، ٣١٧٧، وابن قانع معجم الصحابة ١/ ٢٠٥، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ١٦١. وخالفهم علي بن الجعد، فرواه عن شعبة بدون ذكر: عن أبيه. أخرج حديثه في مسنده مسند ابن الجعد ١/ ٤٦٤ ح ٨٤٥، وعنه البغوي في معجم الصحابة ٢/ ١٠٥ ح ٤٨٠. وعلي بن الجعد =","vol":"2","page":684},{"text":"وأشار الإمام أحمد إلى قرينة خارجية ترجح نفي الصحبة، وذلك فيما ذكره عن شريك القاضي عن أهل الحكم أنه لم يدرك النبي ﷺ. ولم أقف عن أحمد على التصريح بنفي الصحبة عن الحكم، وإن كان الحافظ ابن حجر نسب إليه ذلك القول (^١)، وصنيعه بذكر تلك القرينة مؤيدة لما ذكره الحافظ. والإمام البخاري أيضًا\n_________\nقال عنه ابن معين: إنه أثبت البغداديين عن شعبة تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٤٩، لكن ذكره ابن المديني ضمن من تُرك حديثُه عن شعبة وقال: رأيت ألفاظه عن شعبة تختلف الضعفاء للعقيلي ٣/ ٩٥٤.\n٢. وُهيب بن خالد، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٧٨.\n٣. زائدة بن قُدامة، وذلك برواية معاوية بن عمرو عنه - وهو أحد الثقات وروى عن زائدة كتبَه ومصنفه الطبقات الكبرى ٧/ ٣٤١، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٦ - وحديثه عند أبي داود في السنن ١/ ١١٨ ح ١٦٨.\nوروى علي بن المديني عن ابن عيينة الوجهين، ورُوجع في ذلك فقيل له: منصور أيضًا عن أبيه؟ قال: نعم كلاهما عن أبيه التاريخ الكبير ٢/ ٣٣٠. وذكر متابعة لمنصور في ذكر أبيه، وهو عبدالله بن أبي نجيح: رواه عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه، عن النبي ﷺ الموضع نفسه. وهي ترجح رواية شعبة ووهيب القاضية بعدم صحبة الحكم بن سفيان.\nوالذي يترجح في رواية هذا الحديث أنه عند منصور على الوجهين، وذلك لأمرين:\n١. رواية ابن عيينة عن منصور على الوجهين وتأكيده أن الحديث رواه منصور على الوجهين، وكذلك رواية الوجهين عن زائدة بن قدامة.\n٢. التردد في الترجيح بين الوجهين، وذلك أن في رواية كل وجه عددًا من الحفاظ المتقنين - وإن كانوا في رواية الوجه الأول أكثر عددًا. وقد قال ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو يخطئ، ليس هم، منهم منصور بن المعتمر الجرح والتعديل ٨/ ١٧٧.\nفهذا مما يقوي أن هذا التلون في الرواية لم يكن اختلافًا على منصور، بل إنه حدّث بالوجهين.\nوقد حكم الحافظ الذهبي وابن حجر على هذا الحديث بالاضطراب ميزات الاعتدال ٢/ ٩٣، تهذيب التهذيب ٢/ ٤٢٦، وكذلك ابن عبد البر قبلهما، لكن ستأتي الإشارة إلى ما يوحي برجوعه عن ذلك وأنه رجح رواية الثوري بعدم ذكر أبيه.\nولعل من أجل هذا الاضطراب رجع الإمام أحمد إلى قرينة خارجية لنفي الصحبة عن الحكم.\n(^١) انظر: الإصابة ١/ ٣٤٥.","vol":"2","page":685},{"text":"استدل بالقرينة نفسها لنفي الصحبة عن الحكم بن سفيان (^١). وكذلك نقل الحافظ ابن حجر عن الخلال عن ابن عيينة أن الحكم ليست له صحبة (^٢). وقال أبو حاتم الرازي: الصحيح مجاهد عن الحكم بن سفيان، عن أبيه، ولأبيه صحبة (^٣).\nوأثبت صحبته أبو زرعة الرازي وقال: الصحيح: مجاهد، عن الحكم ابن سفيان وله صحبة (^٤). وكذلك إبراهيم الحربي (^٥)، وابن حبان (^٦)، وابن عبد البر (^٧).\nالقادح الثالث: أن يكون الراوي معروفًا بالرواية عن الصحابة.\nالأصل في رواية الصحابي أن تكون عن النبي ﷺ، ورواية التابعي عن الصحابة، فمن عرف بالرواية عن الصحابة قوي الظن بأنه من التابعين، فيعتبر ذلك قرينة لنفي الصحبة عمن عُرف ذلك منه. وقد استعمل الإمام أحمد هذه القرينة لنفي الصحبة عن بعض الأعلام، فمن ذلك ما رواه أبو داود:\nقال أبو داود: قلت لأحمد: عمرو بن الحارث خَتْنُ النبي ﷺ له صحبة؟ قال: لا، هو ابن المصطلق، يروي عن ابن مسعود (^٨).\nفي هذه الرواية ينفي الإمام أحمد صحبة عمرو بن الحارث، وعلل ذلك بأنه معروفٌ بالرواية عن ابن مسعود. وعمرو بن الحارث هو ابن أبي ضرار أخو\n_________\n(^١) التاريخ الكبير ٢/ ٣٣٠، علل الترمذي الكبير ١/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(^٢) تهذيب التهذيب ٢/ ٤٢٦.\n(^٣) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٤٦.\n(^٤) المصدر نفسه.\n(^٥) نسبه إليه الحافظ ابن حجر الإصابة ١/ ٣٤٥.\n(^٦) مشاهير علماء الأمصار ١/ ٥٨، الثقات ٣/ ٨٥.\n(^٧) الاستيعاب ١/ ٣٦١، بالرغم أنه حكم على الحديث بأنه مضطرب الإسناد. ولعله رجع عن ذلك لأنه بنى ثبوت صحبته على ترجيح رواية الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم عن النبي ﷺ.\n(^٨) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥١ رقم ٢٠٥٠.","vol":"2","page":686},{"text":"أم المؤمنين جُويرية بنت الحارث. ذكره الإمام أحمد في مسنده (^١)، وأورد له حديثين ليس في واحد منهما ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ. وله رواية عن ابن مسعود، وعن زينب امرأة ابن مسعود، وهذه القرينة التي اعتمدها الإمام أحمد لنفي صحبته. ويحتمل أن تكون الصحبة المنفية هي الصحبة المقترنة بالسماع، لكن لا يمكن الجزم بذلك، حيث لم أقف على ما يدل على أن له الإدراك.\nوقد ذكر ابن سعد عمرو بن الحارث في الطبقة الأولى من أهل الكوفة بعد أصحاب رسول الله ﷺ ممن له رواية عن عبد الله بن مسعود (^٢). وأثبت الإمام البخاري صحبته (^٣)، ولما سئل أبو حاتم: هل له صحبة؟ قال: يدخل في المسند (^٤). وهذه العبارة يستعملها أبو حاتم أيضًا فيمن ثبتت له الرؤية دون السماع.\nوممن ورد عنه اعتبار هذه القرينة من الأئمة للقدح في ثبوت الصحبة أبو حاتم الرازي. قال ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي يقول: حجاج بن حجاج ليست له صحبة، ومما يدل على ذلك أنه يروي عن أبي هريرة، وعن أبيه\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"سألت أبي عن خالد بن كثير، يروي عن النبي ﷺ، قال: ليست له صحبة. قلت: إن أحمد بن سنان أدخله في \"مسنده\"! فقال أبي: خالد بن كثير يروي عن الضحاك، وعن أبي إسحاق الهمداني\" (^٦).\n_________\n(^١) المسند ٣٠/ ٤٠٠ ح ١٨٤٥٧، ١٨٤٥٨.\n(^٢) الطبقات الكبرى ٦/ ١٩٦.\n(^٣) التاريخ الكبير ٦/ ٣٠٨ وأخرج حديثه في صحيحه ٥/ ٣٥٦ ح ٢٧٣٩.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ٢٢٥.\n(^٥) المراسيل ١٥٩.\n(^٦) المصدر نفسه ١٨٩.","vol":"2","page":687},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>المسألة الثالثة: التفريق بين الصحبة المقترنة بالسماع من النبي ﷺ والمجردة منه</span>.\nتقدم عن الإمام أحمد أن رؤية النبي ﷺ تقتضي عنده ثبوت صحبة الرائي، لكن ورد عنه نفيه للصحبة عن بعض من ثبتت لهم الرؤية، فأوجب ذلك طلب التوفيق بين الأمرين. ومن أمثلة من ورد عنه أنه أثبت صحبته ثم نفى سماعه من النبي ﷺ:\n١. عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي (^١).\nروى أبو داود قال: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: كان عبد الله بن يزيد - يعني الخَطْمي والي الكوفة - فقيل لأحمد: سمع من النبي ﷺ؟ قال: رؤية يقولون (^٢).\nوقال الأثرم: \"قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ليست لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما الصحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياّش، عن أبي حَصِين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت النبي ﷺ. وضعفه أبو عبد الله وقال: ما أرى ذاك بشيء\" (^٣).\nدل سؤال أبي داود للإمام أحمد على أنه كان يثبت لعبد الله بن يزيد الإدراك للنبي ﷺ دون السماع منه. ومما ورد عنه من تنصيص على أن له الإدراك ما رواه ابنه عبد الله (^٤) عنه قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري وكان قد أدرك النبي ﷺ. وقال أيضا: حدثنا\n_________\n(^١) بفتح المعجمة وسكون المهملة تقريب التهذيب ص ٥٥٢.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥١ رقم ٢٠٤٩.\n(^٣) المراسيل ٣٦٦.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٤٠ رقم ٥٨٧١.","vol":"2","page":688},{"text":"أبو كامل والحسن بن موسى، قالا: حدثنا زُهير، قال: حدثنا أبو إسحاق أن عبدالله بن يزيد الأنصاري قد رأى رسول الله ﷺ (^١). وهذان الإسنادان صحيحان.\nوهذا يدل على أن مجرد الإدراك للنبي ﷺ عند الإمام أحمد لا يقتضي ثبوت السماع منه وخاصة إذا وجدت قرائن تدل على أن ذلك الإدراك لا يمكن أن يكون معه سماع صحيح كالإدراك حال الصغر.\nولعل القرينة في عبد الله بن يزيد الخطمي هي ما ذكره مصعب الزبيري أن عبدالله بن يزيد هو الذي قتل الأعمى أمَّه وهي التي كانت تسبُّ النبي ﷺ، وهو الطفل الذي سقط بين رجليها (^٢).\nوخالفه الواقدي، فذكر أن الأعمى هو عُمير بن عدي، وأنه قتل عصماء بنت مروان، وكانت تحت يزيد بن حِصن، وهو والد عبد الله بن يزيد الخطمي وكانت تحض على المسلمين وتؤذيهم فجعل عُمير بن عدي نذرًا أنه لئن رد الله رسولَه ﷺ سالمًا من بدر ليقتلنّها، ثم ذكر قصة قتله ابنها (^٣)، وأنه كان لها من\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٣/ ٤٤٠ رقم ٥٨٧٣.\n(^٢) سؤالات أبي عبيد الآجري ابا داود السجستاني في الجرح والتعديل ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤ رقم ٥٧١.\nوهذه القصة رواها أبو داود السنن ح ٤٣٦١، والنسائي السنن ٧/ ١٠٧ ح ٤٠٨١ عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلم تنتهي ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه فأخذ المِعْوَل فوضعه في بطنها واتّكأ عليها فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم. فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول لله ﷺ فجمع الناس فقال: \"أنشد الله رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام\". فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلتْ تشتمك وتقع فيك فأخذت المِعول فوضعتُه في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتُها فقال النبي ﷺ: \"ألا اشهدوا أن دمها هدر\".\nولم أقف على مستند مصعب الزبيري في تعيينه للأعمى وولده.\n(^٣) انظر: مسند الشهاب ٢/ ٤٨، والطبقات الكبرى ٢/ ٢٧ - ٢٨.","vol":"2","page":689},{"text":"ولدها من ترضعه فنحى الصبي عنها ثم قتلها. وقد اعتمد هذا ابن بشكوال (^١)، فإن ثبت أن عبد الله بن يزيد هو الذي وقعت لأمه هذه القصة فلا شك من كونه صغيرًا حين مات النبي ﷺ ولا يصح سماعه منه.\nوأما النص الثاني الذي فيه سؤال الأثرم عن الإسناد الذي ورد فيه تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من رسول الله ﷺ، فإنه يدل على أن الإمام أحمد لا يعتمد التصريح بالسماع فيمن ليس له إدراك بيّن يمكن معه السماع وإن ورد ذلك في إسناد إلا إذا كان الإسناد صحيحًا سالمًا من العلة. وهذا الإسناد الذي سأل عنه الأثرم رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل (^٢)، والبخاري (^٣)، والبغوي (^٤)، والحاكم (^٥) من طرق عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي بُردة قال: كنتُ جالسًا عند عبيد الله بن زِياد فأُتي برؤوس الخوارج فقلت: إلى النار. فقال عبد الله بن يزيد الأنصاري: أولا تعلم يابن أخي أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن عذاب هذه الأمة جُعل في دُنياها؟ \".\nوهذا الإسناد رجاله ثقات حفاظ أعلام، إلا أن أبا حصين عثمان بن عاصم الكوفي ربما دلس كما ذكر الحافظ ابن حجر (^٦)، ومن أجل هذا دخلت العلة في هذا الإسناد، فقد اختلف فيه على أبي بُردة اختلافًا كثيرًا، ذكره البخاري في التاريخ (^٧)، ومن أوجه هذا الاختلاف ما رواه محمد بن فُضيل بن غزوان، حدثنا صدقة بن المثنى، عن رياح بن الحارث، عن أبي بردة قال: بينا أنا واقف في\n_________\n(^١) غوامض الأسماء المبهمة ٢/ ٥٢٠ - ٥٢١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٤٠ رقم ٥٨٧٣.\n(^٣) التاريخ الكبير ١/ ٣٨.\n(^٤) معجم الصحابة ٤/ ٨٥.\n(^٥) المستدرك ١/ ٤٩، ٤/ ٢٥٤.\n(^٦) تقريب التهذيب ٤٥١٦.\n(^٧) التاريخ الكبير ١/ ٣٨ - ٤٠.","vol":"2","page":690},{"text":"السوق في إمارة زياد إذ ضربت بإحدى يدي على الأخرى، فقال رجل من الأنصار وقد كانت لوالده صحبة مع رسول الله ﷺ وفيه: فإني سمعت والدي أخبرني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"أمتي أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب، إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن\" (^١).\nوروي عن بُريد، عن أبي بُردة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، عن النبي ﷺ بهذا (^٢).\nوعن محمد بن إسحاق بن طلحة التيمي، سمع أبا بُردة يحدث عمن سمع أباه سمع النبي ﷺ قال: \"إن أمتي أمة مرحومة جُعل عذابُها بأيديها في الدنيا\" (^٣).\nوعن علي بن مدرك، عن أبي بردة قال: حدثني رجل من الأنصار عن بعض أهله يرفعه: هذه أمة مرحومة (^٤).\nوقال غيرهم: عن أبي بُردة، عن أبيه - وهو أبو موسى الأشعري - سمعت النبي ﷺ (^٥).\nوقال حرملة بن قيس، عن أبي بردة مرسلًا. ذكره ابن معين وقال: من لم يُسنده أكيس ممن أسنده (^٦).\nفالخلاصة أن الطريق الذي فيه تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من النبي ﷺ لم تسلم من علة، فلم يثبت له الإمام أحمد السماع، وظهر أن معنى الصحبة الصحيحة عنده هي الصحبة المقترنة بالسماع والرواية الصحيحة عن النبي ﷺ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير تعليقًا ١/ ٣٩، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(^٢) التاريخ الكبير ١/ ٣٩.\n(^٣) المصدر نفسه ١/ ٣٨.\n(^٤) المصدر نفسه ١/ ٣٩ - ٤٠.\n(^٥) تهذيب التهذيب ٦/ ٧٩.\n(^٦) التاريخ - برواية عباس الدوري ٣/ ٥٣٨ رقم ٢٦٣٣.","vol":"2","page":691},{"text":"وروايته عن النبي ﷺ من قبيل مرسل الصحابي. ولا يقتضي هذا حكمه على روايته عن النبي ﷺ بالإرسال، فقد ذكر لعبد الله بن يزيد حديثين في المسند (^١)، رواهما عن النبي ﷺ، مما يدل على أن حديثه من قبيل المسند عنده غير مرسل. فيستفاد من هذا أن مرسل الصحابي من قبيل المسند عند الإمام أحمد.\n٢. محمود بن لبيد الأنصاري الأوسي الأشهلي:\nقال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: محمودُ بن لَبيد قال: كنا مع النبي ﷺ؟ فقال: \"ما أُرى من هذا شيء، محمودٌ يحدث عن رافع\" (^٢).\nنسب أبو نعيم إلى الإمام أحمد القول بأنه أدرك النبي ﷺ (^٣)، وفي هذا السؤال ينكر الإمام أحمد قول محمود بن لبيد: كنا مع النبي ﷺ، وقال: محمود يحدث عن رافع - وهو ابن خَدِيج، أي هو معروف بالرواية عنه لا عن النبي ﷺ. وقد ذكره في مسنده وأورد له عدة أحاديث عن النبي ﷺ (^٤).\nولم أر في شيء من حديثه ما يدل على سماعه من النبي ﷺ إلا في ثلاثة أحاديث يمكن أن يعود إليها إنكار الإمام أحمد الوارد في هذا السؤال:\nالأول منها:\nما رواه البخاري في التاريخ (^٥) قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن غسيل\n_________\n(^١) المسند ٣١/ ٣٧ - ٣٩.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥١ رقم ٢٠٤٨، وانظر: ص ٣٢٣ من الكتاب نفسه طبعة المنار عام ١٣٥٣ هـ. وهناك تكملة للعبارة، ومعناها غير واضح فتركت ذكرها.\n(^٣) معرفة الصحابة ١/ ٢٥٢٤. وكذلك قال البغوي عن ابن أبي خيثمة معجم الصحابة ٥/ ٤٢٧. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة ممن ولد على عهد النبي ﷺ الطبقات الكبرى ٥/ ٧٧. وقال الترمذي: أدرك النبي ﷺ ورآه وهو صغير، وجعل روايته عن النبي ﷺ مرسلة الجامع ٤/ ٣٣٤ ح ٢٠٣٦.\n(^٤) المسند ٣٩/ ٣١ - ٤٤.\n(^٥) التاريخ الكبير ٦/ ٤٠٢، والتاريخ الصغير ١/ ٩٩. والظاهر من صنيع الإمام البخاري حيث أورد هذا الحديث في ترجمته أنه يرى صحبته. قال ابن أبي حاتم: وكان البخاري قد كتب أن له صحبة فخط عليه أبي ﵀ المراسيل ٧٣٨. وذكر الشيخ المعلمي في تحقيقه لكتاب الجرح والتعديل ٨/ ٢٨٩ - ٢٩٠ أن البخاري لم يصرح بأن له صحبة. وقد نسب ابن عبد البر إلى البخاري القول بذلك وأيده، مما يزيد الوثوق بثبوت ذلك عنه الاستيعاب ٣/ ٤٢٤.","vol":"2","page":692},{"text":"ـ وهو عبد الرحمن - عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد قال: \"لما أُصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل حولوه عند امرأة يُقال لها رُفَيدة، حتى كانت الليلة التي نقله قومُه إلى بني عبد الأشهل دخل النبي ﷺ فقالوا: قد انطلقوا به، وخرجنا معه فأسرع المشي حتى تقطعت شسوع نعالنا وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، قالوا: يا رسول الله ما حملنا ميتًا أخفَّ من سعد. فقال: \"ما يمنعكم وقد هبط الملائكة كذا وكذا عدة كثيرة حملوه معكم\" (^١).\nوهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا ابن الغسيل، هو عبد الرحمن بن سليمان ابن عبد الله بن حنظلة الأنصاري. وثقه ابن معين في رواية الدوري، وأبو زرعة، والدارقطني، والنسائي (^٢). وعن أحمد: صالح (^٣). وقال ابن معين في رواية الدارمي: صويلح، وقال النسائي في رواية أخرى: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: هو ممن يعتبر بحديثه ويكتب (^٤). وقال الذهبي: صدوق (^٥). وقال ابن حجر: صدوق فيه لين (^٦).\n_________\n(^١) وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٤٢٧ عن أبي نعيم به.\n(^٢) التاريخ - رواية الدوري ٢/ ٣٤٩، الجرح والتعديل ٥/ ٢٣٩، تهذيب الكمال ١٧/ ١٥٦، تهذيب التهذيب ٦/ ١٩٠.\n(^٣) نقله ابن حبان في المجروحين ٢/ ٥٧.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٩٤.\n(^٥) الكاشف ١/ ٦٣٠.\n(^٦) تقريب التهذيب ٣٩١٢.","vol":"2","page":693},{"text":"الحديث الثاني:\nما رواه ابن عبد البر (^١) عن ابن أبي شيبة أنه قال: حدثنا يونس بن محمد، نا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لَبِيد الأنصاري قال: \"كُسِفت الشمسُ لموت إبراهيم بن النبي ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ من قولهم فخرج وخرجنا معه حتى أمّنا في المسجد فأطال القيام\" وذكر الحديث.\nوقد رواه ابن أبي شيبة وابن سعد كلاهما عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن ابن الغسيل به، وليس فيه: وخرجنا معه (^٢) ورواه الإمام أحمد (^٣) عن يحيى بن آدم عن ابن الغسيل وليس فيه قوله: \"فخرج وخرجنا معه\" أيضا.\nومدار الحديثين الأول والثاني على ابن الغسيل، وقد تقدم أن الإمام أحمد لينه، والظاهر أنه تفرد به، فلم أقف على متابع له، ثم إنه اختلف عليه في الحديث الثاني في ذكر موضع الشاهد وهو قوله: \"فخرج وخرجنا معه\" حيث ذكره يونس بن محمد المؤدب، ولم يذكره أبو نعيم ولا يحيى بن آدم، وهؤلاء الثلاثة كلهم ثقات أثبات، فاختلافهم على الراوي الذي لينه الأئمة يدل على أنه يضطرب في رواية الحديث.\nالحديث الثالث:\nما أخرجه الإمام أحمد (^٤) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لَبِيد أخي بني عبد الأشهل قال: أتانا رسول الله ﷺ فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما\n_________\n(^١) الاستيعاب ٣/ ٤٢٣ بحاشية الإصابة في تمييز الصحابة.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ١٩ ح ٣٣٩٧، الطبقات الكبرى ١/ ١٤٢.\n(^٣) المسند ٣٩/ ٣٨ ح ٢٣٦٢٩.\n(^٤) المسند ٣٩/ ٣٥ ح ٢٣٦٢٤.","vol":"2","page":694},{"text":"سلّم منها قال: \"اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم، للسُّبحة بعد المغرب\".\nفهذا يدل في الظاهر على أنه شهد القصة وسمع من النبي ﷺ، لكن في إسناد ابن ماجه (^١)، والطبراني (^٢) من طريق إسماعيل بن عيّاش، عن ابن إسحاق، عن عاصم ابن عمر، عن محمود، عن رافع بن خدِيج فذكره. وفي هذا الإسناد إسماعيل بن عياش، يروي عن محمد بن إسحاق، وروايته عن الحجازيين فيها تخليط كما تقدم (^٣).\nفهذه الرواية إن كان إسماعيل بن عياش حفظها تدل على أن محمود بن لبيد أرسل الحديث عن النبي ﷺ وقوله: \"أتانا رسول الله ﷺ يحمل\" على أن معناه أتى قومَه بني عبد الأشهل، وكذلك قوله: \"فصلى بنا المغرب\"، أي صلى بقومنا المغرب (^٤). على أن الإمام أحمد قد روى الحديث من طريق ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق وفيه: \"أتى رسول الله ﷺ بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب\" (^٥)، ورواه بمثل هذا اللفظ ابن أبي شيبة من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن ابن إسحاق به (^٦).\nوهذه هي الأحاديث التي يمكن أن يستدل بها على سماع محمود بن لبيد من النبي ﷺ، وقد ظهر أنها لا تنتهض للاستدلال بها، فثبت ما ذهب إليه الإمام أحمد من إنكاره لقول محمود: [كنا مع النبي ﷺ]. وقد أيّد ذلك الإمام\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه ١/ ٣٦٨.\n(^٢) المعجم الكبير ٤/ ٢٥١ ح ٤٢٩٥.\n(^٣) ص ٣٦٠. وانظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٧٤.\n(^٤) وبمثل هذا التأويل أجاب الحافظ ابن حجر عن الحديثين السابقين - الأول والثاني - فقال: يحتمل أنه أراد بقوله: نعالنا نعال من حضر ذلك من قومه بني عبد الأشهل الإصابة ٣/ ٣٨٧.\n(^٥) المسند ٣٩/ ٣٨ ح ٢٣٦٢٨.\n(^٦) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٥٣ ح ٦٣٧٣.","vol":"2","page":695},{"text":"أحمد بقرينة أخرى سبقت الإشارة إلى مثلها في قوادح ثبوت الصحبة، وهي قوله: محمود يحدث عن رافع، أي أن المعروف عن محمود بن لَبِيد أنه يروي عن رافع بن خدِيج، فمن كان معروفًا بالراوية عن الصحابة قوي الظن بكونه لم يسمع من النبي ﷺ (^١).\n_________\n(^١) وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن جل رواية محمود بن لَبِيد عن الصحابة التقريب ٦٥٦١. وبتتبع أحاديثه في المسند تبين أن جل الأحاديث التي يرويها عن النبي ﷺ قد رويت من أوجه أخرى عن بعض الصحابة مما يدل على أنه كان يرسلها. وبيان ذلك:\nالحديث الأول ح ٢٣٦١٩: فيه قصة أول لقاء أهل المدينة برسول الله ﷺ في مكة، وهذه قصة لا شك أنه أرسلها، وقد روى جزئها ابنُ سعد عن محمد بن مسلمة، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأبي الهيثم بن التيهان الطبقات الكبرى ٣/ ٤٣٨.\nالحديث الثاني ح ٢٣٦٢٢: حديث \"إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب تخافون عليه\". وقد رواه الترمذي من طريق محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان الجامع ٤/ ٣٣٤ ح ٢٠٣٦، والبخاري في التاريخ الكبير ٧/ ١٨٥، وأشار الترمذي إلى أنه قد روي عن محمود بن لبيد عن رسول الله ﷺ مرسلًا. ورواه الحاكم المستدرك ٤/ ٢٠٨ من مسند أبي سعيد الخدري وقتادة بن النعمان.\nالحديث الثالث ح ٢٣٦٢٣: \"إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع\" لم أجده عن محمود بن لَبِيد إلا من هذا الوجه. وقد روي معناه عن أنس بن مالك الترمذي ح ٢٣٩٦، البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ١٤٥، فتح الباري ١٠/ ١٠٨.\nالحديث الرابع ح ٢٣٦٢٤: \"أتانا رسول الله ﷺ فصلى بنا المغرب … \" تقدم أن ابن ماجه والطبراني روياه عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج.\nالحديث الخامس ح ٢٣٦٢٥: \"اثنان يكرههما ابن آدم: الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب\" لم أجده إلا من هذا الوجه.\nالحديث السادس ح ٢٣٦٢٩: \"كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ … \" وقد تقدم ذكر ما فيه في المتن.\nالحديث السابع ح ٢٣٦٣٠: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر … \" رواه الطبراني من طريق محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج المعجم الكبير ٤/ ٢٥٣ ح ٤٣٠١.\nالحديث الثامن ح ٢٣٦٣٥: \"أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر\" رواه الدارمي في سننه ١/ ٢٧٧، وأحمد في مسنده ٢٥/ ١٣٢ ح ١٥٨١٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار =","vol":"2","page":696},{"text":"فقد أثبت الإمام أحمد الإدراك لمحمود بن لبيد دون السماع، وأورد أحاديثه في مسنده، وهي مرسلة في الحقيقة لكنها مسندة عنده بدليل إيراده لها في المسند، وهذا أيضًا يدل على أن مرسل الصحابي عند الإمام أحمد من قبيل المسند. ومما يدل على ذلك أيضًا أنه أقر احتجاج من احتج بحديث من أحاديث محمود بن لبيد الذي أرسله عن النبي ﷺ، والاحتجاج فرع التصحيح، فذكر عبد الله بن أحمد (^١) قال: قلت لأبي: إن رجلًا قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تُجزه إلا أن يصليهما في بيته، لأن النبي ﷺ قال: \"هذه صلوات البيوت\". قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن. قال: ما أحسن ما قال، أو ما أحسن ما انتزع. ا. هـ.\nوقد تقدم أنه نفى عن عبد الرحمن بن غنم السماع من النبي ﷺ مع إثبات الإدراك له، وهو شاهد آخر على التفريق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة عنها.\nفهذه بعض الأمثلة التي توضح أن الإمام أحمد يفرق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة منها، فقد ينفي الصحبة وإنما يعني بذلك نفي الصحبة المقترنة\n_________\n= ١/ ١٧٨ عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبِيد، عن رافع بن خدئج. ورواه أحمد من وجه آخر من طريق زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن بعض أصحاب النبي ﷺ المسند ٢٨/ ٥١٨ ح ١٧٢٨٦ وذكره ضمن أحاديث رافع بن خديج.\nالحديث التاسع ح ٢٣٦٣٩: \"اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة … \". وهذه أيضًا ظاهرة في الإرسال إذ يبعد أن يشهد أُحدًا ثم يقع فيه هذا الاختلاف في سماعه من النبي ﷺ. وقد روى الواقدي القصة عن رافع بن خديج الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/ ٢٦٧.\nالحديث العاشر ح ٢٣٦٤٠: لما نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فقرأها حتى بلغ: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الحديث اختلف على محمد بن عمرو بن علقمة فيه على أوجه ذكرها محقق المسند.\nفظهر أن جل أحاديثه كان يرسلها بإسقاط من حدثه من الصحابة.\n(^١) المسند ٣٩/ ٣٨.","vol":"2","page":697},{"text":"بالسماع كما فعل في عبد الله بن يزيد الخطمي. ولم أقف على أن لهذه التفرقة أثرًا في حديث من لم يَثبت له السماعُ، فحديثه وإن كان من قبيل مرسل الصحابي فإن الظاهر أن الإمام أحمد يرى أنه من قبيل المسند، ولم أقف على ما يدل على إعلاله لمثل هذا الحديث بالإرسال. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أحاديث صغار الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي ﷺ ولم يبلغوا أن يسمعوا منه مراسيل، وأنها من قبيل مراسيل كبار التابعين، وليست من قبيل مراسيل الصحابة، وذكر أن هذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة (^١).\nوممن كان يفرق بين أصل الصحبة والصحبة المقترنة بالرواية أبو حاتم الرازي، فقد قال في طارق بن شهاب: له رؤية وليست له صحبة، وحكم على الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ بالإرسال، وأنه ما أدخله في المسند إلا لما يحكى عنه من رؤيته للنبي ﷺ (^٢). وكذلك قال في عبد الله بن عُكيم (^٣): ليس له سماع من النبي ﷺ إنما كُتب إليه وقال: من شاء أدخله في مسنده على المجاز. ا. هـ (^٤). وقال في يوسف بن عبد الله ابن سلام: له رؤية ولا صحبة له (^٥). فالصحبة المنفية عنده هي المقترنة بثبوت السماع من النبي ﷺ.\nوقد يرد نفيُ الصُّحبة ولا يكون المقصود بالنفي الصُّحبة بمعنى ثبوت السماع والرواية، ولكن الصحبة الخاصة العرفية مثل ما روى الإمام أحمد عن عاصم الأحول أنه قال: \"عبد الله بن سَرجِس قد رأى النبي ﷺ ولم تكن له\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري ٧/ ٤. وانظر: فتح المغيث ٤/ ٧٩.\n(^٢) انطر: المراسيل ٣٥١.\n(^٣) عبد الله بن عُكيم الجهني. قال البخاري: أدرك زمن النبي ﷺ ولا يعرف له سماع صحيح التاريخ الكبير ٥/ ٣٩.\n(^٤) المراسيل ٣٧٠.\n(^٥) المصدر نفسه ٨٧٢.","vol":"2","page":698},{"text":"صحبة\" (^١) مع كونه قد روى عنه عدة أحاديث من جملتها قوله: إن النبي ﷺ استغفر له، وأنه أكل معه وكلّمه (^٢). وقد تقدم مثل ذلك عن الإمام أحمد أنه نفى الصحبة عن مسلمة بن مخلّد (^٣)، وقد روى أحمد من وجه آخر أن مسلمة هذا قدِم على النبي ﷺ وكان عمره عند موت النبي ﷺ أربع عشرة سنة وذكر له أحاديث في المسند، فمن كان في مثل سنّه لا يستبعد سماعُه من النبي ﷺ، فالصحبة المنفية عنه ليست الصحبة المقترنة بالسماع بل هي صحبة خاصة عرفية، وهو تفسير الحافظ ابن حجر لكلام الإمام أحمد (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-246>المسألة الرابعة: ما أعله بعدم ثبوت صحبة راويه عن النبي ﷺ</span>.\nمما أعله الإمام أحمد من الحديث بسبب عدم ثبوت صحبة راويه حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب (^٥) الذي رواه الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تضربوا إماء الله\" فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئِرْنَ النساء على أزواجهن، فرخّص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن فقال النبي ﷺ: \"لقد طاف بآل محمد نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن، ليس أولئك بخياركم\" (^٦).\n_________\n(^١) المسند ٣٤/ ٣٧٢.\n(^٢) انظر: المسند ٣٤/ ٣٧٥ ح ٢٠٧٧٨، ٣٤/ ٣٦٩ ح ٢٠٧٧٠، وانظر: فتح الباري ٧/ ٤.\n(^٣) انظر: ص ٦٧٥.\n(^٤) انظر: الإصابة ٣/ ٤٨١.\n(^٥) إِياس بن عبد الله بن أبي ذُباب الدَّوسي، سكن مكة. قال البخاري: لا يُعرف لإياس صحبة. وقال ابن حبان: يقال: له صحبة وليس عندي يصح صحبتُه، وعنه أيضًا أن له صحبة. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: له صحبة التاريخ الكبير ١/ ٤٤٠، الجرح والتعديل ٢/ ٢٨٠، الثقات ٣/ ٣٤، مشاهير علماء الأمصار ص ٣٤، ٨٢، تهذيب الكمال ٣/ ٤٠٦.\n(^٦) رواه أبو داود السنن ٢/ ٦٠٨ ح ٢١٤٦، والنسائي السنن الكبرى ٥/ ٣٧١ ح ٩١٦٧، وابن ماجه السنن ١/ ٦٣٨ ح ١٩٨٥، وعبد الرزاق المصنف ٩/ ٤٤٢ ح ١٧٩٤٥، والحميدي مسند الحميدي ٢/ ٣٨٦ ح ٨٧٦، والدارمي السنن ٢/ ١٩٨، وابن حبان ٩/ ٤٩٩ ح ٤١٨٩، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩١ وصححه، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ٣٠٤ كلهم من طرق عن الزهري به.","vol":"2","page":699},{"text":"قال العلائي (^١): ذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن الحديث مرسل، وأن إياس بن عبد الله ليست له صحبة.\nوعبارة الأثرم كما رواها ابن أبي حاتم (^٢) قال: \"قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل: إِياس بن عبد الله هو إِياس بن عبد الله بن أبي ذُباب؟ قال: لا، وليست له صحبة، روى عنه أهل المدينة، وكذلك روى عنه أهل مكة\".\nوقد استدل الحافظ ابن حجر بعدم إخراج الإمام أحمد لحديثه في المسند على عدم ثبوت صحبته (^٣)، وهذا يدل على أن الحديث مرسل عند الإمام أحمد فمن أجل ذلك لم يخرجه في المسند.\n_________\n(^١) جامع التحصيل ص ١٤٧.\n(^٢) المراسيل ٢٥.\n(^٣) تهذيب التهذيب ١/ ٣٨٩.","vol":"2","page":700},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>المطلب الثالث: الإرسال الخفي والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\nتقدم أن من صور الإرسال عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، وكذلك روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، واستقر تسمية كلتا الصورتين بالإرسال الخفي، ووجه تسميتهما بذلك أن الانقطاع فيهما ليس بجلي، لأنه لا ينجلي بمعرفة التاريخ، وإنما يدركه الأئمة الحذاق المطَّلِعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد.\nوقد تقدم إيراد بعض الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم في معرض الاحتجاج لمسألة اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع لثبوت الاتصال.\nوفيما يلي أمثلة أخرى لما أعله الإمام أحمد بالإرسال الخفي بكلا صورتيه:\n١. قال الخلال: أخبرني عصمة، ثنا حنبل: حدثني أبو عبد الله: نا قراد (^١): ثنا شعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"استقِيموا لقُريْشٍ ما استقاموا لكم فإن لم يَستقيموا لكم فاحمِلو سُيُوفَكم على عواتِقِكم فأبِيدوا خَضَراءَهُم، فإن لم تفعَلوا فكونوا زرَّاعين أشقياءَ وكُلُوا من كَدِّ أيديكُم\". قال مهنّا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس بصحيح، سالمُ بن أبي الجعد لم يلقَ ثَوْبانَ (^٢).\nهذا الحديث أخرجه الخلال في السنة (^٣) بالإسناد نفسه، وأخرجه الطبراني\n_________\n(^١) وقع في نسخة المحقق: مردال، فكتب بياضًا مكانه، والتصويب من كتاب السنة للخلال، فقد أخرجه بالإسناد نفسه كما سيأتي. وقُرَاد لقب لعبد الرحمن غزوان أبو نوح الضبي، ثقة له أفراد تقريب التهذيب ٤٠٠٣.\n(^٢) المنتخب من العلل للخلال ص ١٦٢ - ١٦٣ رقم ٨٢. وانظر أيضًا: السنة للخلال ١/ ١٢٧.\n(^٣) السنة للخلال ١/ ١٢٥ ح ٨٠.","vol":"2","page":701},{"text":"في الصغير (^١)، وفي الأوسط (^٢)، وابن عدي (^٣)، والخطيب (^٤). وأخرجه أحمد (^٥) مختصرًا مقتصرًا على الجملة الأولى من الحديث، والروياني (^٦)، وابن عدي (^٧).\nوإسناد هذا الحديث رجاله ثقات، وقال الإمام أحمد: ليس بصحيح، وعلته عدم لقاء سالم بن أبي الجعد لثوبان مع معاصرته له (^٨)، وقد تقدم توضيح ذلك (^٩). وهذا أحد صورتي الإرسال الخفي: رواية الراوي عمن لم يلقه مع معاصرته له، فدل على أن ذلك من وجوه الإعلال عند الإمام أحمد (^١٠).\nوذكر الخلال في مسائله (^١١) عن حنبل قال: \"سمعت أبا عبد الله قال: الأحاديث خلاف هذا، قال النبي ﷺ: \"اسمَع وأطِع، ولو لعبد مجدَّع\" (^١٢)،\n_________\n(^١) المعجم الصغير ١/ ١٣٢ ح ٢٠١ من طريق أبي داود، عن شعبة.\n(^٢) المعجم الأوسط ٨/ ١٥ ح ٧٨١٥ من طريق ابن سالم بن أبي الجعد عن أبيه.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٣٣٧ من طريق شريك عن الأعمش.\n(^٤) تاريخ بغداد ١٢/ ١٤٦ - ١٤٧ من طريق عباد بن عباد المهلبي عن شعبة، ومن طريق سليمان بن قرم عن الأعمش تاريخ بغداد ٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧.\n(^٥) المسند ٣٧/ ٧١ ح ٢٢٣٨٨ من طريق وكيع عن الأعمش.\n(^٦) مسند الروياني ١/ ٤٠٨ ح ٦٢٤ من طريق علي بن مسهر عن الأعمش.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥١٧ من طريق تليد بن سليمان عن الأعمش وأبي الجحاف كلاهما عن سالم.\n(^٨) سالم بن أبي الجعد توفي سنة ١٠١، وقيل ٩٧ تهذيب الكمال ١٠/ ١٣٣، وثوبان توفي سنة ٥٤ تهذيب الكمال ٤/ ٤١٥.\n(^٩) انظر: ص ٦٢١. وممن نص على عدم سماع سالم من ثوبان الإمام البخاري التاريخ الأوسط ١/ ٢٥٥ وبذلك أعل حديثًا آخر رواه الأعمش، عن سالم، عن ثوبان. وكذلك نص يعقوب الفسوي على عدم سماع سالم من ثوبان، وقال: إنما هو تدليس المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٣٦.\n(^١٠) وقد ضعف الحديث الحافظ ابن حجر، قال: رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، لأن راويه\nسالم بن أبي الجعد لم سمع من ثوبان فتح الباري ١٣/ ١١٦. وضعفه الشيخ الألباني أيضًا سلسلة الأحاديث الضعيفة ح ١٦٤٣.\n(^١١) نقل ذلك الشيخ الألباني سلسلة الأحاديث الضعيفة ١٦٤٣.\n(^١٢) أخرجه البخاري ح ٦٩٦ من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال لأبي ذر …","vol":"2","page":702},{"text":"وقال: \"السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك وأَثَرةٍ عليك\" (^١)، فالذي يروى عن النبي ﷺ من الأحاديث خلاف حديث ثوبان، وما أدري ما وجهه؟ \".\nومن هذا الاعتبار قال في حديث أم هانئ، ولفظه مثل لفظ حديث ثوبان، هو منكر (^٢)، أي لمخالفته الأحاديث الصحيحة.\nففي هذا الحديث، الإرسال هو سبب النكارة، بمعنى أنه يحتمل أن الواسطة بين سالم بن أبي الجعد وثوبان منكر الحديث، وهو الذي روى هذا الحديث الذي أنكر لفظه، وإلا فالإرسال في ذاته ليس بعلة موجبة للحكم على الحديث بالنكارة.\n٢. قال الخلال: أخبرنا الميموني: ثنا ابن حنبل: ثنا أنس بن عِياض: أخبرني عمر بن عبد الله مولى غُفرَة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"إن لكل أمّةٍ مَجوسًا، وإن مجوس أمتي الذين يقولون: لا قَدَر، فإن مرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تَشْهَدُوهم\". قال أبو عبد الله: ما أُرى عمرَ بنَ عبد الله لقِي عبد الله بن عمر (^٣).\nهذا الحديث أخرجه أحمد في المسند (^٤) من هذا الطريق ومن طريقه ابنُه عبد الله (^٥)، وابن الجوزي (^٦). ورواه ابن أبي عاصم (^٧)، وابن عدي (^٨) كلاهما من طريق أنس بن عياض به.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ٣/ ١٤٦٧ ح ١٨٣٦، والبخاري ح ٧٠٥٥، ومسلم ٣/ ١٤٧٠ ح ١٧٠٩، وأحمد ٣٧/ ٤٠٣ ح ٢٢٧٣٥ حديث عبادة بن الصامت.\n(^٢) المنتخب من العلل للخلال رقم ٨٣.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٤١ رقم ١٥٥.\n(^٤) المسند ٩/ ٤١٥ ح ٥٥٨٤.\n(^٥) السنة ٢/ ٤١٨ ح ٩١٥.\n(^٦) العلل المتناهية ١/ ١٥٢ ح ٢٢٧.\n(^٧) السنة ١/ ١٥٠ ح ٣٣٩.\n(^٨) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٦٩٤.","vol":"2","page":703},{"text":"ووجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث هو عدم لقاء عمر مولى غُفرَة لعبد الله ابن عمر. ويدل على ذلك أن الإمام أحمد قد روى هذا الحديث من وجه آخر عن عمر مولى غُفرة عن نافع عن ابن عمر (^١). فذكره بواسطة، وهذا كما تقدم من القرائن التي تدل على عدم السماع، لأن الظاهر أنه لو كان عنده عن ابن عمر لم يدخل الواسطة إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلسة خصوصًا إذا كان الراوي مكثرًا عن الشيخ الذي روى عنه بالواسطة (^٢).\nوعمر بن عبد الله مولى غفرة قال عنه الإمام أحمد: ليس به بأس، ولكن حديثه مراسيل (^٣). وضعفه يحيى بن معين وقال: لم يسمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ (^٤). وقال عيسى بن يونس: قلت لعمر مولى غُفرة: سمعت من ابن عباس؟ فقال: أدركت زمانه. ا. هـ (^٥) وهذا يدل على أنه قد عاصر ابن عمر لكنه لم يلقه، فروايته عنه من قبيل المرسل الخفي (^٦).\n٣. قال أبو داود: قلت لأحمد: محمد بن خالد، عن أنس في تخليل اللحية، أعني عن النبي ﷺ؟ قال: ما أُرى سمع من أنس شيئًا. قلت: هو الذي يحدث\n_________\n(^١) المسند ١٠/ ٢٥٢ ح ٦٠٧٧.\n(^٢) انظر: ما ذكره العلائي في جامع التحصيل ص ١٣١ - ١٣٢.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٠٧ رقم ٤٤٢٤.\n(^٤) التاريخ - برواية الدوري ٢/ ٤٣١.\n(^٥) تهذيب الكمال ٢١/ ٤٢٢.\n(^٦) ومتن الحديث روي من طرق كثيرة، وقد حسنه الألباني في تحقيقه على كتاب السنة لابن أبي عاصم ١/ ١٥٠ ح ٣٣٨، ٣٣٩. وقال العقيلي: الرواية في هذا الباب فيها لين الضعفاء ٣/ ٩٨. وقال ابن الجوزي: هذا لا يصح العلل المتناهية ١/ ١٥١.\nوقد روي من وجه آخر عن أبي حازم، عن نافع، عن ابن عمر، فأنكره الإمام أحمد من حديث أبي حازم عن نافع مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠١ رقم ١٨٩٥.","vol":"2","page":704},{"text":"عنه أبو معاوية؟ قال: يشبه، يحدث عن عطاء (^١).\nحديث أنس رواه البيهقي (^٢) من طريق أبي حمزة السكري، عن إبراهيم الصائغ، عن أبي خالد، عن أنس بن مالك قال: \"وضّأت رسول الله ﷺ فخلل لحيته وعنفقته بالأصابع وقال هكذا أمرني ربي ﷿\". أبو خالد هو محمد بن خالد الضبي الكوفي (^٣)، يقال له: سؤر الأسد. وثقه ابن معين وقال: لم يسمع من أنس (^٤). وقال عنه أبو حاتم: ليس بحديثه بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه الذهبي وابن حجر: صدوق (^٥).\nوأعل الإمام أحمد هذا بعدم سماع محمد بن خالد من أنس، وهذا من الإرسال الخفي إن كان أدرك زمن أنس (^٦)، ونقل العلائي لعبارة الإمام أحمد تُوهم عدم إدراكه، فإنه نقل عن أحمد أنه قال: من أين أدرك محمد بن خالد أنسًا أو رآه (^٧)، وهي مخالفة لما رواه أبو داود عنه.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٥.\n(^٢) السنن الكبرى ١/ ٥٤. وحديث تخليل اللحية قد روي من أوجه أخرى عن أنس، وعن عثمان، وعمار، وابن عمر، وأبي أمامة وغيرهم. قال عبد الله عن أحمد: ليس يصح عن النبي ﷺ في التخليل شيء. وقال الخلال في كتاب العلل أخبرنا أبو داود قال قلت لأحمد: تخليل اللحية؟ قال: قد روي فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث، وأحسن شيء فيها حديث شقيق عن عثمان. وعن أحمد أيضًا: ليس في التخليل أصح من أثر ابن عمر موقوفًا فذكره نقلها ابن القيم في تهذيب السنن ١/ ١٧٠.\n(^٣) انظر: المعجم الأوسط ٦/ ٣١٦.\n(^٤) جامع التحصيل ص ٢٦٣.\n(^٥) الجرح والتعديل ٧/ ٢٤١، الثقات ٧/ ٣٧٠، تهذيب الكمال ٢٥/ ١٥٣ - ١٥٤، الكاشف ٤٨٢٦، تقريب التهذيب ٥٨٨٨.\n(^٦) ويحتمل أن يدركه لأنه يروي عن إبراهيم النخعي، ووفاته بعد وفاة أنس بثلاث سنوات مات أنس سنة ٩٣، ومات إبراهيم سنة ٩٦ - تقريب التهذيب ٢٧١، ٥٧٠.\n(^٧) جامع التحصيل الموضع نفسه.","vol":"2","page":705},{"text":"٤. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: عبدُ الله بن سعيد بن أبي هندٍ، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"من جُعل قاضيًا فقد ذُبِح بغير سكّين\". قال أحمد: ما أُرى سمعه من سعيد، هذا حديث عثمان الأخنَسي. حدثنا به محمد ابن عمر المقدّمي، عن صفوانَ، عن عبد الله بن سعيد، عن محمد بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وإنما هو عثمان بن محمد الأخنَسي، وهِم فيه صفوان. وكان عند أبي عبد الله عن صفوان، عن عبد الله بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة؛ وهو حدثنا به (^١).\nرواية عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري أخرجها الإمام أحمد في المسند (^٢)، من طريق صفوان بن عيسى، وهي التي أشار إليها أبو داود في آخر السؤال، وكذلك أخرجها السُّهمي (^٣) عن خارجة بن مصعب، عن عبد الله ابن سعيد به.\nوأعل الإمام أحمد هذه الرواية بأن عبد الله بن سعيد بن أبي هند لم يسمع الحديث من سعيد، وعلّل ذلك بأمرين:\nالأمر الأول: وجود الواسطة بينه وبين سعيد المقبري، وذلك فيما رواه محمد بن عمر المقدّمي (^٤)، ومحمد بن أبي بكر المقدمي (^٥)، وأحمد بن إبراهيم الدورقي (^٦)، كلهم عن صفوان بن عيسى، عن عثمان بن محمد الأخنسي (^٧)، عن\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٩ - ٤٥٠ رقم ٢٠٤٥.\n(^٢) المسند ١٢/ ٥٢ ح ٧١٤٥.\n(^٣) تاريخ جرجان ص ١٠١ ح ٨١.\n(^٤) هي الرواية التي ذكرها الإمام أحمد في سؤال أبي داود.\n(^٥) حديثه عند وكيع - محمد بن خلف - في أخبار القضاة ١/ ٩.\n(^٦) وحديثه عند أبي يعلى في المسند ١١/ ٤٩١ ح ٦٦١٣.\n(^٧) وقد نبه أحمد على أن صفوان كان يهم فيه ويقول: محمد بن عثمان الأخنسي، ورواه محمد بن أبي بكر المقدمي على الصواب عند وكيع في أخبار القضاة الموضع السابق. وقد نبه الدارقطني أيضًا على هذا الوهم من صفوان علل الدارقطني ١٠/ ٤٠٠.","vol":"2","page":706},{"text":"سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فروايته للحديث بواسطة الأخنسي قرينة على عدم سماعه من المقبري. وسماع عبد الله بن سعيد من المقبري ممكن، فإن كلًا منهما مديني، وقد روى عبد الله عن أقران المقبري مثل نافع مولى ابن عمر، وأبيه سعيد بن أبي هند (^١)، وكانت وفاته سنة ست أو سبع وأربعين ومئة (^٢)، ووفاة سعيد المقبري سنة ثلاث وعشرين ومائة (^٣)، فلقاؤه به ممكن جدًا وكذلك السماع، ولم أر من ذكر عبد الله بن سعيد بالتدليس، ولو ذُكر به لكان هذا من التدليس إن ثبت أنه سمع منه في الجملة، أو كان معروفًا بكثرة الرواية عنه، والظاهر أن كلا الأمرين منتفيان هنا في رواية عبد الله بن سعيد عن المقبري، حتى إن المزي لم يذكر عبد الله بن سعيد فيمن روى عن المقبري، وإن كان ذكر المقبري في شيوخ عبد الله بن سعيد في ترجمته (^٤).\nالأمر الثاني: أن هذا الحديث معروف بعثمان بن محمد الأخنسي، رواه عنه ابن أبي ذئب (^٥)، وعبد العزيز الدراوردي (^٦)، وكذلك عبد الله بن جعفر\n_________\n(^١) حديثه عنهما عند البخاري في الصحيح تهذيب الكمال ١٥/ ٣٨، وهما في طبقة واحدة مع سعيد المقبري عند الحافظ ابن حجر تقريب التهذيب ٢٣٣٤، ٢٤٢٢، ٧١٣٦.\n(^٢) الطبقات الكبرى القسم المتمم ص ٣٦٢.\n(^٣) المصدر نفسه ص ١٤٧.\n(^٤) انظر: تهذيب الكمال ١٠/ ٤٦٨ - ٤٦٩، ١٠/ ٣٨.\n(^٥) أخرج حديثه النسائي السنن الكبرى ٣/ ٤٦٦ ح ٥٩٢٤، والحاكم المستدرك ٤/ ٩١، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي السنن الكبرى ١٠/ ٩٦. وقال النسائي: عثمان بن محمد ليس بذاك القوي، وإنما ذكرناه لئلا يخرج عثمان من الوسط، وليس ابن أبي ذئب، عن سعيد. ا. هـ. أي لئلا يدلَّس فيسقط عثمان تهذيب السنن لابن القيم ٩/ ٣٥٢. وذلك أن\nابن أبي ذئب معروف بالرواية عن سعيد المقبري بل هو من الأثبات فيه شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٠، فلو رواه بإسقاط عثمان لعد ذلك تدليسًا.\n(^٦) وحديثه عند الدارقطني في السنن ٣/ ٢٠٣، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ٨ - ٩.","vol":"2","page":707},{"text":"المخرمي (^١) لكن قرن هذا الأخير الأعرج بسعيد المقبري في الإسناد.\n٥. قال أبو داود: قلت لأحمد: رجلٌ يقال له: صَبيح روى عن عبد العزيز ابن عبد الصَّمد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة وفاة النبي ﵇؟ فأنكره أحمد أن يكون عبد العزيز سمع من هشام شيئًا (^٢).\nحديث هشام، عن أبيه، عن عائشة في وفاة النبي ﷺ رواه مسلم وحده (^٣) من بين أصحاب الكتب الستة (^٤) من طريق عباد بن عباد المهلّبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحدٌ من أهله نفث عليه بالمُعوِّذات، فلما مرض مرضَه الذي مات فيه جعلتُ أنفُثُ عليه وأمسحُهُ بيد نفسه لأنها كانت أعظمَ بركةً من يدي]. ولم أقف على رواية عبد العزيز بن عبد الصمد (^٥) عن هشام التي أنكرها الإمام أحمد. والذي روى هذه الرواية عن عبد العزيز هو صَبيح بن عبد الله الفرغاني، ذكره الخطيب في التلخيص (^٦)، وذكر أنه روى عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّيّ. وقال عنه أبو حاتم: صدوق (^٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٨)، وقال الخطيب: صاحب المناكير.\n_________\n(^١) وحديثه عند أبي داود في السنن ح ٣٥٧٢، والنسائي في الكبرى ح ٥٩٢٥، وابن ماجه في السنن ح ٢٣٠٨، وأحمد في المسند ١٤/ ٣٨٤ ح ٨٧٧٧. وليس في إسناد ابن ماجه ذكر الأعرج. وعبد الله بن جعفر المخرمي وثقه أحمد، وابن المديني، والبخاري وغيرهم. وقال عنه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ليس به بأس تهذيب التهذيب ٥/ ١٧٢ - ١٧٣.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١١ رقم ١٩٣٢. وانظر: المنتخب من العلل للخلال ص ١٨٠ رقم ٩٨ ووقع فيه: في صفة النبي ﷺ مكان وفاة النبي ﵇.\n(^٣) صحيح مسلم ٤/ ١٧٢٣ ح ٢١٩٢.\n(^٤) انظر: تحفة الأشراف ١٢/ ١٦٠.\n(^٥) عبد العزيز بن عبد الصمد العمّي البصري من شيوخ الإمام أحمد، ووثقه في رواية الأثرم، وكذا وثقه أبو زرعة وأبو داود والنسائي تهذيب الكمال ١٨/ ١٦٧.\n(^٦) انظر: لسان الميزان ٣/ ١٨١.\n(^٧) الجرح والتعديل ٤/ ٤٥١.\n(^٨) الثقات ٦/ ٤٧٥.","vol":"2","page":708},{"text":"وإنكار الإمام أحمد للحديث مبني على عدم سماع عبد العزيز بن عبد الصمد من هشام شيئًا، وقد أدرك من هو في طبقته مثل داود بن أبي هند، ومنصور بن المعتمر، وحُصين بن عبد الرحمن السُّلمي، وكلهم وإن كانوا من أهل العراق إلا أن هشامًا في آخر عمره انتقل إلى العراق ومات ببغداد، فإدراكه له ممكن، لكنّ ذلك لم يثبت عند الإمام أحمد إلا من طريق صَبيح فلم يقبله، وأعلّ الحديث بالإرسال، وهو من النوع الخفي لأنه رواية الراوي عمن عاصره لكنه لم يسمع منه.","vol":"2","page":709},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>المطلب الرابع: المزيد في متصل الأسانيد والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\nتقدم أن الراوي إذا روى عن شيخه، ثم جاءت رواية أخرى عنه بواسطة بينهما فإن ذلك من الأدلة للحكم على الرواية الأولى بالإرسال، لأنه لو كان سمعه منه لما رواه عنه بواسطة بينهما. لكن لا بد أن يكون موضع الإرسال قد جاء فيه الراوي بلفظ \"عن\" ونحوها مما ليس نصًا صريحًا في إفادة الاتصال، فأما متى كان بلفظ التحديث، أو الإخبار، أو السماع أو غير ذلك مما يقتضي الاتصال، ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة واسطة بينهما فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد، ويكون الحكم للأول، ويحكم على الزيادة بالوهم، لكن بشرط أن يكون راوي السند الناقص أتقن ممن زاد (^١).\nفالحكم على الإسناد بأنه من المزيد في متصل الأسانيد إذًا ينبنى على:\nوقوع التصريح بالسماع بين الراوي وشيخه في الإسناد الناقص.\nكون رواة الإسناد الناقص أكثر عددًا أو أحفظ من رواة الزيادة.\nوجود قرينة تقوي الرواية الناقصة.\nوفيما يلي أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:\n١. ما حكم فيه بأنه من المزيد بدليل وقوع التصريح بالسماع في الإسناد الناقص وراويها أحفظ من الذي زاد الواسطة.\nقال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن حديث ابن عجلان، عن محمد بن كَعب، عن معاوية، عن النبي ﷺ: \"من يُرد اللهُ به خيرًا يُفقّهه في الدِّين\"؟ فقال: كان يحيى - يعني ابن سعيد يقول فيه: ابن عجلان، قال ابن عجلان: حدثني محمد بن كعب؛\n_________\n(^١) جامع التحصيل ص ١٢٥ - ١٢٦، فتح المغيث ٤/ ٧٣.","vol":"2","page":710},{"text":"قال أحمد: وبعضهم يُدخِل بين ابن عجلان ومحمد بن كعب ييدَ بنَ زيادٍ (^١).\nهذا الحديث أخرجه أحمد (^٢)، والطبراني (^٣)، وابن عبد البر (^٤) كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان قال: حدثني محمد بن كعب يعني القَرَظي، قال سمعت معاوية يخطب على هذا المنبر فذكره.\nوأما الطريق الذي ذكره الإمام أحمد المشتمل على زيادة يزيد بن زِياد بين ابن عجلان ومحمد بن كعب، فلم أقف عليه، وتصريح ابن عجلان بالسماع من محمد بن كعب في رواية يحيى القطان يقضي على تلك الرواية بالوهم وأن الإسناد الذي وردت فيه من المزيد في متصل الأسانيد.\n٢. ما حكم فيه بأنه من المزيد لوجود قرينة ترجح الرواية الناقصة.\nقال أبو داود: قلت لأحمد: حديثُ بُسر بن عبيد الله: سمعت واثِلة - أعني حديثه عن أبي مَرثَد الغنوي أن النبي ﷺ قال: \"لا تَصُفُّوا على القبور ولا تُصلوا إليها\"؟ قال: ليس واثلة بذاك القديم، ينبغي أن يكون هذا من ابن جابر، يعني رواية ابن المبارك، عن ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن واثِلَة - يعني إدخال أبي إدريس بين واثِلَة وبُسر (^٥).\nهذا الحديث روي بإسنادين، أحدهما: بُسر بن عبيد الله، عن واثلة، عن أبي مرثد؛ والثاني: بُسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن واثلة - أي بزيادة أبي إدريس بين واثلة وبُسر، وحكم الإمام أحمد على الرواية الزائدة بأنها من\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٨.\n(^٢) المسند ٢٨/ ١٠٤ ح ١٦٨٩٤.\n(^٣) المعجم الكبير ١٩/ ٣٣٩ ح ٧٨٤.\n(^٤) التمهيد ٢٣/ ٧٩، وجامع بيان العلم وفضله ١/ ٩٥ ح ٨٣.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣٨ رقم ٢٠١٢.","vol":"2","page":711},{"text":"المزيد في متصل الأسانيد، وأن الصواب عدم ذكر الزيادة، وعلل ذلك بقرينة: وهي كون واثلة بن الأسقع (^١) ليس بذاك القديم (^٢)، فمعنى ذلك أنه لا يُستبعد سماعُ بُسر بن عبيد الله (^٣) منه، فلا معنى إذا لذكر الواسطة. وأما جهة الوهم فذكر أنه من شيخ ابن المبارك، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.\nوقد خُولف الإمام أحمد في تعليله للوهم وفي تعيين الواهم بعد الاتفاق على الحكم بأن الزيادة وهم.\nأما التعليل فقد عُلّل الوهم في ذكر الزيادة بأن بُسر بن عبيد الله قد سمع من واثلة بن الأسقع في الجملة، بل قد صرّح بسماع هذا الحديث بعنيه منه، وذلك في رواية الوليد بن مسلم (^٤)، وبِشر بن بكر (^٥)، وصَدَقَة بن خالد (^٦)، وعيسى بن يونس (^٧). فالتعليل بهذا التصريح أولى من التعليل بقرينة إمكان اللقاء\n_________\n(^١) واثلة بن الأسقع الليثي، كان من أهل الصُّفّة وأسلم قبل تبوك وشهدها مع النبي ﷺ، ونزل الشام بعد وفاة رسول الله ﷺ تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٩٤ - ٣٩٥.\n(^٢) مات سنة ٨٣ وقيل بعدها، وكان آخر الصحابة موتًا بدمشق تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٩٥.\n(^٣) بسر بن عبيد الله الحضرمي الشامي، قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس عنه تهذيب الكمال ٤/ ٧٦.\n(^٤) قال ذلك عنه: الإمام أحمد نفسه المسند ٢٨/ ٤٥٠ ح ١٧٢١٥، ومحمد بن علي عند ابن المنذر الأوسط ١/ ١٨٦ ح ٧٦٥، والحسين بن حريث عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٢/ ٧ ح ٧٩٢، وأبو خيثمة عند أبي نعيم في المستخرج على صحيح مسلم ٣/ ٥١ ح ٢١٨٠، وداود بن مخراق الفريابي عند البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٧٩. رواه مسلم صحيح مسلم ٢/ ٦٦٨ ح ٩٧٢، والترمذي الجامع ٣/ ٣٦٨ ح ١٠٥١، والنسائي السنن الكبرى ١/ ٢٧٣ ح ٨٣٦ كلهم من طريق علي ابن حجر بالعنعنة بين بسر وواثلة.\n(^٥) وحديثه عند الحاكم في المستدرك ٣/ ٢٢١.\n(^٦) قال ذلك أبو مسهر عند الحاكم الموضع نفسه، وهشام بن عمار عند الطبراني في مسند الشاميين ١/ ٣٢٩ ح ٥٨٠ كلاهما عن صدقة.\n(^٧) وحديثه عند أبي داود ٣/ ٥٥٤ ح ٣٢٢٩.","vol":"2","page":712},{"text":"التي استدل بها الإمام أحمد، والعجيب أن الإمام أحمد قد روى رواية التصريح بالسماع في المسند، فكأنه لم يستحضرها حين الإجابة عن سؤال أبي داود.\nأما الواهم في ذكر الزيادة فقد ذكر غير واحد أنه عبد الله بن المبارك وليس شيخه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر كما ذهب إليه الإمام أحمد. قال ذلك البخاري (^١)، وأبو حاتم (^٢)، وابن خزيمة (^٣)، والدارقطني (^٤)، والحاكم (^٥). وذلك أنه تفرد بذكر أبي إدريس الخولاني بين بسر بن عبيد الله وواثلة بن الأسقع، وخالف جمعًا من أهل الشام الذين هم أعرف الناس بحديث أهل بلدهم.\nومما يدل على أن الغلط كان من ابن المبارك أنه قد رواه غير واحد (^٦) عنه بذكر سماع بسر بن عبيد الله من أبي إدريس، وهو من واثلة، ولو كان ذلك محفوظًا لقيل بصحة ذكر الزيادة وعدمها، فيكون بُسر سمع الحديث من واثلة بواسطة أبي إدريس ثم سمعه منه مباشرة، ولم أر أحدًا من الحفاظ يقول بذلك، مما يدل على ضعف هذا الجمع، وبالتالي يقوي أن الوهم من ابن المبارك لا كما ذكره الإمام أحمد أنه من ابن جابر.\n_________\n(^١) جامع الترمذي ٣/ ٣٦٩.\n(^٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٨٠.\n(^٣) صحيح ابن خزيمة ٢/ ٨.\n(^٤) علل الدارقطني ٧/ ٤٤.\n(^٥) المستدرك ٣/ ٢٢١.\n(^٦) قال ذلك عبد الرحمن بن مهدي عند ابن خزيمة في صحيحه ٢/ ٨ ح ٧٩٤، والحاكم في المستدرك ٣/ ٢٢١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٣٥، وعبدان عند الحاكم في المستدرك ٣/ ٢٢٠ - ٢٢١، وحبان بن موسى عند ابن حبان في صحيحه ٦/ ٩٠ ح ٢٣٢٠ الإسحان، وابن عائشة عند أبي نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم ٣/ ٥١ ح ٢١٧٩، وعتاب بن زياد، وعلي بن إسحاق كلاهما عند أحمد المسند ٢٨/ ٤٥١ ح ١٧٢١٦. ولم يذكر السماع حسن بن الربيع عند مسلم ٢/ ٦٦٨ ح ٩٧٣، وهناد بن السري عند الترمذي في الجامع ٣/ ٣٦٧ ح ١٠٥٠، وزكرياء بن عدي عند عبد بن حميد ١٧٢ ح ٤٧٣.","vol":"2","page":713},{"text":"وقد ذكر أبو حاتم كيف دخل الوهم على ابن المبارك، قال: \"بُسر قد سمع من واثلة وكثيرًا ما يُحدّث بُسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك فظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة وقد سمع هذا الحديث بسر من واثلة نفسه لأن أهل الشام أعرف بحديثهم\" (^١).\nوقد ترِدُ الزِّياد ويظهر كونُ الحديث بالوجهين، أي سمعه من شيخه الأدني، وشيخ شيخه أيضًا، وكيفما رواه كان متصلًا، وقد ذكر العلائي عدة أمثلة لذلك (^٢).\nوذكر عبد الله عن الإمام أحمد حديث بسرة بنت صفوان مرفوعًا: \"من مسّ ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة\"، ذكره من وجهين كأنه يشير إلى صحة الوجهين، فيمكن أن يكون مثالًا لهذا الأمر عند الإمام أحمد. قال عبد الله: قرأت على أبي: عبد الله بن الوليد قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن مروان، عن بُسرة بنت صفوان قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من مسّ ذكرَه فليتوضأ وضوءه للصلاة\". وقال قرأت على أبي وسمعته منه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: أخبرني أبي أن بُسرة بنت صفوان أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: \"من مسّ ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ\". وقال: قرأت على أبي وسمعته منه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مسّ الذّكر، قال يحيى: فسألت هشامًا فقال: أخبرني أبي (^٣). ا. هـ.\nوإنما لم يُحكم بخطأ من ذكر الزيادة - وهو مروان بن الحكم - مع تصريح عروة بالسماع من بسرة، لأن في رواية هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بُسرة،\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٨٠.\n(^٢) انظر: جامع التحصيل ص ١٣٤ - ١٣٦.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٧٩ رقم ٣٧٤٣ - ٣٧٤٥.","vol":"2","page":714},{"text":"قال عروة في آخره: سألت بُسرة فصدّقتْه (^١). فدل على صحة الوجهين.\nوقد يقتضي الموقف التوقف لكون كل واحد من الأمرين محتملًا (^٢).\nوقد يكون المحفوظ ذكر الزيادة والخطأ في عدم ذكرها، حتى إنه ليوهم أن في الإسناد إرسالًا. ومثال ذلك عند الإمام أحمد:\nقال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: ابن أبي زائدة ينقص من هذا الحديث - يعني حديث ابن أبي عرُوبَة، عن قتادة، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: \"كان النبي ﷺ لا يُسلم في الركعتين من الوِتْر من الثلاث\". قال أبي: فترك منه زُرارة\" (^٣).\nحديث عائشة رواه عدد من الرواة عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هِشام، أن عائشة حدثته: \"أن رسول الله ﷺ كان لا يُسلِّم في ركعتبي الوتر\".\nرواه بشر بن المفضل (^٤)، ويزيد بن زُريع (^٥)، وعبد الوهاب بن عطاء (^٦)، وأبو بدر شجاع بن الوليد بن قيس (^٧)، وعيسى بن يونس (^٨) والمطعِم بن المِقدَام (^٩) كلهم\n_________\n(^١) المنتقى لابن الجارود ١/ ١٨ ح ١٨، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٨ ح ١١١٣، ١١١٤.\n(^٢) انظر: أمثلة ذلك عند العلائي ص ١٣٦ - ١٣٧.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٠٢ رقم ٤٨٦٩.\n(^٤) حديثه عند النسائي المجتبى ٣/ ٢٣٥ ح ١٦٩٧، والسنن الكبرى ١/ ٤٠٠ ح ١٤٠٠.\n(^٥) وحديثه عند المروزي انظر: مختصر قيام الليل ص ٢٩١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٠، والخطيب في تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨٤.\n(^٦) وحديثه عند البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٣١.\n(^٧) وحديثه عند الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٠، والدراقطني السنن ٢/ ٣٢.\n(^٨) وحديثه عند الحاكم في المستدرك ١/ ٣٠٤.\n(^٩) هو الشامي، قال عنه ابن حجر: صدوق تقريب التهذيب ٦٧٥٣. وحديثه عند الطبراني في مسند الشاميين ٢/ ٥٩ ح ٩١٧.","vol":"2","page":715},{"text":"عن سعيد بن أبي عروبة بذكر زُرارة بين قتادة وسعد بن هشام. وذكر الإمام أحمد أن ذكر زرارة هو المحفوظ، وأن زكريا بن أبي زائدة (^١) نقص من الإسناد فأخطأ حين رواه بدون ذكره، وظاهر الإسنادين يوهم أن الإسناد الذي فيه الزيادة من المزيد في متصل الأسانيد، لكن بيان الإمام أحمد أوضح أنه ليس منه، بل الإسناد الناقص معلول، حيث أوهم وقوع الإرسال في إسناد متصل.\nوالحديث في الأصل مختصر من حديث سعد بن هشام الطويل في قدومه على عائشة وسؤاله إياها عن صلاة رسول الله ﷺ في الليل (^٢)، اختصره سعيد ابن أبي عروبة، قال ذلك المروزي (^٣)، وابن حجر (^٤). وقد ذكر ابن عبد الهادي أن الإمام أحمد ضعف إسناد هذا الحديث المختصر (^٥). واختصره أبان، عن قتادة بلفظ آخر، ونقل ابن رجب عن أحمد أنه قال: هذه الرواية خطأ (^٦).\n_________\n(^١) لم أقف على هذه الرواية مسندة.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصحيح ٢/ ٥١٢ ح ١٣٩ وغيره.\n(^٣) مختصر قيام الليل ص ٢٩٢.\n(^٤) إتحاف المهرة ١٦/ ٢ ص ١٠٨٦.\n(^٥) تنقيح التحقيق ٢/ ٥١٤.\n(^٦) فتح الباري لابن رجب ٥/ ١٩٦.","vol":"2","page":716},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>المبحث الثاني: التدليس والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\n<span data-type='title' id=toc-250>المطلب الأول: التعريف بالتدليس والمدلِّسين عند الإمام أحمد</span>.\nالتدليس لغة مأخوذ من الدَّلَس، بالتحريك، وهو الظلمة، ومنه أخذ: دلّس في البيع وفي كل شيء، إذا لم يبين عيبه. وقال الأزهري: من هذا أخذ التدليس في الإسناد (^١).\nوأما في الاصطلاح فلم يرد عن الإمام أحمد حد التدليس، لكن بتتبع إطلاقه لهذا اللفظ يظهر أنه يطلق التدليس على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، ووجه كونه سببًا لعدم صحة الحديث أنه ينافي شرط الاتصال، فإنه إذا روى عن شيخه ما لم يسمعه منه دل ذلك على أنه سمعه من غيره، وهذا الغير ساقط من الإسناد فصار الإسناد منقطعًا.\nوهذا أكثر ما وجد عن الإمام من إطلاقه للتدليس، وفيما يلي ما وقفت عليه من ذلك:\nأ - قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: هذان الحديثان سمعهما هُشيم من جابر الجُعفي، وكل شيء حدّث عن جابر مدلَّس إلا هذين … \"، فذكر الحديثين (^٢). فسمّى رواية هُشيم عن جابر بغير ذينك الحديثين مدلَّسة. فهذا صريح في تسميته رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه تدليسًا.\nب - قال عبد الله: \"حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، قال حدثنا عمرو\n_________\n(^١) لسان العرب، مادة: \"د ل س\" ٦/ ٨٦.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٠ رقم ٢١٤٩ - ٢١٥٠.","vol":"2","page":717},{"text":"ابن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المازني، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد [أن النبي ﷺ توضأ]، قال سفيان: حدثناه يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى منذ أربع وسبعين سنة، فسألت بعد ذلك بقليل، فكان يحيى أكبر منه، قال أبي: قال سفيان: سمعت منه ثلاثة أحاديث. قال أبي: وسمعت أنا هذا الحديث من سفيان ثلاثَ مِرارٍ قال أبي: قال سفيان: لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه عن النبي ﷺ في الحمام والمقبرة. قال أبي: قد حدثنا به سفيان، دلسه\". وهنا أيضًا سمى رواية سفيان بن عيينة، لحديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: \"الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة\" (^١) تدليسًا، وعمرو بن يحيى ممن قد سمع منه سفيان بعض الأحاديث.\nج - وصَف مبارك بن فضالة بالتدليس عن الحسن البصري، وهو من شيوخه، جالسه عشر سنين، وكان الإمام أحمد يرى الاحتجاج بحديثه عن الحسن. قال المروذي: \"سألته عن مبارك بن فَضَالة قال: ما روى عن الحسن يُحتج به\" (^٢). قال عبد الله: \"سُئل أبي عن مُبارك والربيع بن صَبِيح فقال: ما أقربهما، مبارك وهِشام (^٣) جالسا الحسن جميعًا عشرَ سنين، وكان المبارك يُدلِّس\" (^٤). وصرح بأنه كان يُدلِّس عن الحسن. قال في رواية أبي داود: \"مبارك كان يُدلِّس عن الحسن\" (^٥)، وقد تقدمت رواية الفضل بن زِياد عن أحمد قال: \"كان مبارك - أي ابن فضالة - يُرسل عن الحسن. قيل: يُدلِّس؟ قال: نعم. قال: وحدّث يومًا عن الحسن بحديث فوُقف عليه فقال: حدثنيه بعض أصحاب\n_________\n(^١) رواه الشافعي عن سفيان من هذا الوجه الأم ١/ ٩٢، ومسند الشافعي ص ٢٠.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١١١ رقم ١٨٢.\n(^٣) هو ابن حسان القردوسي.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٨ رقم ١٤٨٠.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٢٨ رقم ٤٦٤.","vol":"2","page":718},{"text":"الحديث عن أبي حرب، عن يونس\" (^١)، فجعل بينه وبين الحسن واسطتين.\nد - قال أبو داود: \"قال أحمد: أبو الأشهب (^٢) كانوا يرون أنه يُدلِّس عن الحسن، قلت لأحمد وذكر أبا الأشهب فقال: زعموا كان يأخذ عن أصحاب الحسن - يعني عن الحسن\" (^٣). وأبو الأشهب قد سمع من الحسن (^٤). والإمام أحمد يشير إلى ما رواه شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: \"كنا إذا وقَّفنا أبا الأشهب نقول له: قل: سمعتُ الحسن، يقول: سمعت الحسن أو غيره\" (^٥). فأسند إلى شيوخه القول بأن رواية الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه تدليس.\nهـ - قال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: هشيم عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي: ليس على من خلْف الإمام استعادةٌ. قال: دلّسه هشيم\" (^٦)، وقد أدرك هُشيم ابنَ أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسمع منه (^٧)، فأطلق التدليس على روايته عن ابن أبي ليلى بما لم يسمعه منه، وهو من شيوخه الذين قد سمع منهم.\nو- قال المروذي: \"قال أحمد: كان أبو حُرّة (^٨) صاحب تدليس عن\n_________\n(^١) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٣٣. ووقع في المعرفة: يرسل إلى الحسن، قيل: تدلس؟.\n(^٢) هو جعفر بن حيان السعدي العطاردي. قال عنه أحمد: لا يختلف فيه أنه ثقة العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٧٢ رقم ٨٠.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٢٨.\n(^٤) انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١٨٩.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٦٦ رقم ٣٩٦.\n(^٦) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٨ رقم ٢٠٤٠.\n(^٧) صرح بالخبر في بعض حديثه عنه انظر: سنن سعيد بن منصور ١/ ٥٥ ح ١٢، ١/ ٥٨ ح ٢٣، مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٩٠ ح ٢٩٧١٤.\n(^٨) بضم الحاء المهملة، هو واصل بن عبد الرحمن البصري. وثقه أحمد، وقال ابن معين: صالح الجرح والتعديل ٩/ ٣١، وانظر: الإكمال لابن ماكولا ٢/ ٤٣٤.","vol":"2","page":719},{"text":"الحسن، إلا أن يحيى روى عنه ثلاثة أحاديث يقول في بعضها: حدثنا الحسن، منها حديث سعد بن هشام حديث عائشة في الركعتين\" (^١)، فسمى روايته عن الحسن بما لم يسمعه منه تدليسًا، وكان قد سمع منه في الجملة، بدليل أنه يقول في بعض حديثه عن الحسن: حدثنا.\nز - قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول في حديث حفص عن الشيباني، عن عبد الله بن عُتبة: سئل عن امرأة تزوّجت ولها ولد رضِيع، قال: لا ترضَعه وإن مات. قال أبي: هذا مما لم يسمعه حفص من الشيباني، كان يدلسه، ليس فيه شكّ، والحديث حدثني به أبي، سمعه من حفص\" (^٢)، وأبو إسحاق الشيباني من شيوخ حفص بن غياث، وفي قول الإمام أحمد: لم يسمعه، نفي لسماعه ذلك الحديث منه، وليس فيه نفي للسماع في الجملة.\nي - قال المروذي أيضًا: \"قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها\" (^٣). وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: \"عامة حديث ابن إسحاق عن أبي الزناد حديث الأعرج لم يسمعها، قال: هي في كتب يعقوب: ذكر أبو الزناد، ذكر أبو الزناد\" (^٤). فذكر أن في رواية ابن إسحاق بدون ذكر السماع تدليسًا، وأما إذا كانت الرواية بذكر السماع فلا يكون فيها تدليس، وهذا لا يتأتى إلا في روايته عن شيخ لقيه وسمع منه ثم روى عنه ما لم يسمعه منه،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٣٨.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨٤ رقم ١٩٤١.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٤ رقم ٢٠٦٩.","vol":"2","page":720},{"text":"وذلك مثل أبي الزناد عبد الله بن ذكوان.\nوأما رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه - وهي صورة الإرسال الخفي على ما اصطلح عليه بعض الأئمة المتأخرين كابن حجر - فالذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال عليها كما سلف (^١)، وقد ورد عنه إطلاق التدليس على هذه الصورة، لكنه ليس كثيرًا كما في الصورة المتقدمة، ولا هو بصريح كما في الصورة المتقدمة، ومن ذلك ما يلي:\n١ - ما رواه عبد الله قال: \"حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: زعم مجالد، عن الشعبي قال: كان زِياد يَشتُو بالبصرة، ويحمل شُريحًا معه يَصيف بالكوفة، قال أبي: كان هُشيم أُرى هُشيمًا تلقّه - يعني دلَّسه - من هيثم بن عدي\" (^٢). وقد روى عبد الله عن أحمد أن هشيمًا لم يسمع من مُجالد (^٣)، فظاهر هذا أن الإمام أحمد أطلق التدليس على رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، لكنّ سماع هُشيم من مجالد ثابت في مسند أحمد في عدة مواضع (^٤)، فليست هذه إذا من رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، بل هي مثال من الأمثلة المتقدمة - أعني رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه.\n_________\n(^١) أو يقول: لم يسمع من فلان وقد حدّث عنه.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٤٧ رقم ٦٤٤. ومثله أيضًا ما رواه عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم عن مُجالِد، عن الشعبي أن عمر بن الخطاب أوصى في عمّاله ألا يُعزلوا سنة، قال: وأقرّوا الأشعري أربع سنين. سمعت أبي يقول: أُراه سمعه هُشيم من هيثم بن عدي ٢/ ٢٥٥ رقم ٢١٦٩.\n(^٣) المصدر نفسه ٢/ ٢٧٤ رقم ٢٢٣٠. وعبارة بشار حين نقلها: لم يسمع هشيم من مجالد شيئًا.\n(^٤) انظر: المسند ٢٣/ ٣٤٩ ح ١٥١٥٦، ٣٢/ ١١٤ ح ١٩٣٧١، ٣٢/ ١٢٧ ح ١٩٣٨٣، ٣٦/ ١٦١ ح ٢١٨٤٠، ٤٥/ ٣٣٠ ح ٢٧٣٤٢، والعلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٣٠ رقم ٤.","vol":"2","page":721},{"text":"٢ - قال صالح: \"سمعته - يعني أباه أحمد بن حنبل - يقول: لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم بن عتيبة، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي بشر، ولا من زيد بن أسلم، ولا من أبي الزناد. قال أبي: وحدث سعيد عن هؤلاء كلهم ولم يسمع منهم، وربما قال رجل عنهم. وقال: قد سمع سعيد من عاصم بن أبي النجود\" (^١). روى الذهبي هذه الحكاية عن الإمام أحمد فتصرف في العبارة فقال: \"وقد حدّث عن هؤلاء على التدليس، ولم يسمع منهم\" (^٢)، وقد اعتمد بعضُ الباحثين هذا النقل عن الذهبي فاستدل به على أن من صور التدليس عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه (^٣)، ووفيات هؤلاء الشيوخ تدل على إمكان لقاء سعيد بهم. وهذا الاستدلال لا يستقيم إلا على فهم الذهبي لعبارة الإمام أحمد، أما صريح عبارته فليس فيها ما يدل على ذلك. ثم هو أيضًا مبني على لقاء سعيد بن أبي عروبة بهم، وهو ظاهر من تواريخ وفاياتهم.\n٣ - قال عبد الله: \"قلتُ لأبي: حدّث هُشيم عن سفيان الثوري؟ فقال: دلّس عنه، ثم قال: قال هُشيم: جئنا إلى إسماعيل بن أبي خالد فلما رآه سفيان قام فخرج. قال أبي: كره أن يسمع مسائل هُشيم\" (^٤). فلقاء هُشيم بالثوري ثابت\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٤٣١ رقم ١١٠٦. وقد روى هذا عبد الله أيضًا عن أبيه العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٣١ رقم ٢٤٦٥ وقال: ولم يسمع منهم شيئًا، وذكره ابن أبي حاتم عن عبد الله في المراسيل ٢٨٠.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ٦/ ٤١٥ - ٤١٦.\n(^٣) انظر: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص ٤٥، ومنهج المتقدمين في التدليس ص ٦٠، لكن نبه مؤلف الكتاب الأخير وهو السيخ ناصر بن حمد الفهد على أن قوله: حدث عنهم على التدليس، من قول الذهبي، وأنها ليست في المصادر الأصلية التي نقلت العبارة عن الإمام أحمد، لكنه ذكر أن الاستدلال بها قائم على فهم الذهبي لتلك النصوص وعبارات السلف.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢١٠ رقم ٤٩٠٦.","vol":"2","page":722},{"text":"بهذه القصة، وكان الثوري أكبر منه (^١)، أما السماع فلم أقف عليه، ولم يذكر المزي أن لهشيم رواية عن الثوري (^٢)، وفي هذا السؤال ينفي الإمام أحمد سماعه منه إلا على وجه التدليس، فتضمن جوابه إطلاق التدليس على رواية الراوي عمّن لقيه ولم يسمع منه.\n٤ - قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان\". فقالا جميعًا: ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روّاد من عبيد الله شيئًا، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه، سمعه من إنسان فحدّث به (^٣)، وعبد المجيد بن أبي روّاد مكي توفي سنة ست ومئتين (^٤)، وقد سمع من مالك (^٥)، وابن جريج ومعمر (^٦)، وأما عبيد الله العمري فتوفي سنة سبع وأربعين ومئة (^٧)، ونص أحمد ويحيى على عدم سماع عبد المجيد من العمري، وقد أدركه، لأنه أدرك ابن جريج وبين وفاته ووفاة العمري نحو خمس سنين، وأما اللقاء فلم أقف على ما يدل عليه، إلا أنه ممكن لأنه لقي مالكًا وسمع منه.\nوهذا والذي قبله أقرب ما يستدل به على إطلاق الإمام أحمد للتدليس على رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن أدركه ولم يسمع منه، ويمكن توجيهه\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٦.\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٣ - ٢٧٥.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٢٧ رقم ١٣٥.\n(^٤) تهذيب الكمال ١٨/ ٢٧٥.\n(^٥) الإرشاد ١/ ٢٣٣.\n(^٦) تهذيب الكمال ١٨/ ٢٧١.\n(^٧) المصدر نفسه ١٩/ ١٢٩.","vol":"2","page":723},{"text":"بأن إطلاقه مبني على ما عرفُ به هشيم واشتهر به من التدليس عمن سمع منه ومن لم يسمع منه. قال المروذي: \"وذكر - يعني أحمد بن حنبل - هُشيمًا فقال: كان يدلِّس تدليسًا وحشًا، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر إذا انقطع الكلام يوصله\" (^١).\nوأما في عبد المجيد فقد اعتمد العلائي هذا النقل لجعله عبد المجيد بن أبي روّاد في المدلسين (^٢)، وتبعه عليه ابن حجر (^٣). وهذا من أظهر ما يستدل به على إطلاق التدليس على ما صورته الإرسال الخفي عند الإمام أحمد.\nوقد جاء عن بعض المتقدمين غير الإمام أحمد إطلاق التدليس على هذه الصورة، من ذلك ما رواه الدُّوري عن ابن معين أنه قال: \"دلّس هشيم عن زاذان ولم يسمع منه\" (^٤).\nوقال البخاري: \"لا أعلم لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلس ويروي عنه\" (^٥).\nوقال الفسوي: \"قد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمري إن ما روى عنهم مناكير\" (^٦).\nوقال الفسوي أيضًا: \"ولم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس\" (^٧).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥١ رقم ٣١.\n(^٢) جامع التحصيل ص ١٠٧.\n(^٣) تعريف أهل التقديس ص ٩٤.\n(^٤) التاريخ - برواية الدوري ٤/ ٣٨٠. وانظر أمثلة أخرى في كتاب الشريف العوني \"المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس\" ص ٤٥.\n(^٥) علل الترمذي الكبير ٢/ ٨٧٧.\n(^٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٢٣.\n(^٧) المصدر نفسه ٣/ ٢٣٦.","vol":"2","page":724},{"text":"وقال ابن عدي: \"كان سعيد بن أبي عروبة ثبتًا عن كل من روى عنه إلا من دلّس عنهم، وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم\" (^١).\nويلاحظ أن إطلاق هؤلاء الأئمة للتدليس على رواية الراوي عمن لم يسمع منه شيئًا كان في حق رواة عرفوا بالتدليس كما تقدم نحوه عن الإمام أحمد.\nوأما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، فلم أقف على إطلاق التدليس عليها لدى الإمام أحمد، وإن كان ذلك اشتهر لدى بعض المحدثين أنه من التدليس (^٢)، وقد يدل عليه ما رواه الدُّوري عن ابن معين قال: \"لم يلق يحيى ابن أبي كثير زيد بن سلاّم، وقدِم معاويةُ بن سلاّم عليهم فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه فدلسه عنه\" (^٣) على أن أبا حاتم قد أثبت سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلاّم (^٤)، وعليه يكون من نوع ما تقدم ذكره، لكن الاستدلال قائم على ما عند ابن معين، وهو أن يحيى بن أبي كثير لم يلق زيد بن سلام عنده وروى عنه فسمى روايته عنه تدليسًا.\nوالحاصل أن الانقطاع يكون بواحد من أمور أربعة: عدم المعاصرة، أو\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٢٣٣. والعبارة في الأصل مصحفة والتصحيح من حاشية الدكتور بشار عواد على تهذيب الكمال ١١/ ١١.\n(^٢) قال الحاكم: والجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لهم لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عالٍ ولا نازل معرفة علوم الحديث ص ١٠٩.\nوقال الخطيب: والمدلَّس رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه الكفاية في علم الراوية ص ٥٩.\nوقال ابن الصلاح: تدليس الإسناد هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه علوم الحديث ص ٧٨.\n(^٣) التاريخ - برواية الدوري ٤/ ٢٠٧.\n(^٤) المراسيل ٨٩٦.","vol":"2","page":725},{"text":"عدم اللقاء، أو عدم السماع، أو عدم سماع خبر بعينه. أما الصورة الأخيرة - وهي عدم سماع خبر بعينه - فهي التي كان أكثر إطلاق التدليس عليها لدى الإمام أحمد، ولا خلاف بين الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين أن هذه صورة للتدليس، لأن فيها إيهام السماع مع انتفائه في الواقع. وقد قصر بعض المحدثين التدليس على هذه الصورة منهم الإمام الشافعي (^١)، والبزار (^٢)، وابن عبد البر (^٣)، وأبي الحسن بن القطان (^٤)، وابن حجر (^٥)، خلافًا لما ذكره ابن الصلاح ونسبه العراقي إلى أنه المشهور عن أهل الحديث (^٦).\nأما الصورة الثالثة - وهي الرواية عمن لقيه ولم يسمع منه في الجملة ما لم يسمعه منه، وهي الأولى من صورتي الإرسال الخفي - فالذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال عليها وعدم السماع، وما ورد عنه من إطلاق التدليس عليها كان بالنسبة لراوٍ عُرِف واشتهر بالتدليس (^٧)، وهو شيخه هُشيم بن بشير،\n_________\n(^١) قال في الرسالة في تعريف المدلس: أن يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه ص ٣٧١. وعبّر باللقاء عن السماع، وهذا من تصرف المحدثين انظر: فتح المغيث ١/ ٢٠٨.\n(^٢) نقله عنه العراقي في التقييد والإيضاح ص ٨٠ وقال إنه في جزء له في معرفة من يترك حديثه أو يقبل، وحدَّه بأنه رواية الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه.\n(^٣) قال في التمهيد ١/ ١٥: التدليس هو أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه، وإنما سمعه من غيره عنه ممن ترضى حاله أو لا ترضى …\n(^٤) قال في أواخر بيان الوهم الإيهام ٥/ ٤٩٣: ونعني به أن يروي المحدث عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه. ا. هـ.\n(^٥) حيث أقر تعريف ابن القطان وقال: إن التدليس يختص بالرواية عمن له عنه سماع النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦١٥.\n(^٦) وهو أن التدليس أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه علوم الحديث ص ٧٨، التقييد والإيضاح ص ٨٠.\n(^٧) ومثله أيضًا حفص بن غياث الذي تقدم عن الإمام أحمد وصفه بالتدليس عن شيخه أبي إسحاق الشيباني ص ٥٩١، فقد روى أبو داود قال: قلت لأحمد: حفص أعني ابن غِياث لم يسمع من أشعث بن عبد الملك؟ قال: نعم، وأشعث بن سوّار، وربما لم يُبين سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٦٤ رقم ١١. ففي هذا أيضًا إطلاق التدليس فيما لم يكن فيه سماع في الجملة مع وجود اللقاء، إلا أن ذلك الإطلاق وقع في حق راوي معروف بالتدليس.\nوعند سائر من ذكر من الأئمة أيضًا يمكن توجيه ما ورد من إطلاقهم التدليس على ما صورته إرسال خفي بمثل ما ذكر عن الإمام أحمد: فابن معين قال ذلك في هشيم، والبخاري، والفسوي، وابن عدي قالوا ذلك في سعيد بن أبي عروبة، وكلاهما معروفان بالتدليس.","vol":"2","page":726},{"text":"أما ما عدا أمثال هشيم ممن روى عمن لقيه ما لم يسمع منه فلم يقل في روايته إنها تدليس أو وصفه بأنه مدلِّس، وذلك مثل أيوب وروايته عن أنس، وكذا ابن عون عن أنس، وعطاء بن أبي رباح عن ابن عمر (^١)، وأبان بن عثمان عن أبيه (^٢) وغيرهم كثير ممن أرسلوا عمن رووا عنهم وقد ثبت لقاؤهم بهم دون السماع.\nوأما ما ذكره في عبد المجيد بن أبي رواد أنه دلّس فيما صورته الإرسال الخفي فمحمول على التجوز في التسمية لما في صورة الإرسال الخفي من الإيهام لمن لم يكن له اطلاع على عدم لقاء الراوي لشيخه أو سماعه منه. وهذا الذي يجمع بين إطلاقه للتدليس في هذه الصورة أحيانًا وعدم إطلاقه له في حين آخر.\nوأما الصورة الثانية - وهي رواية من له إدراك والمعاصرة دون اللقاء، وهي الصورة الأخرى للإرسال الخفي - فلم أقف على إطلاق التدليس عليها عند الإمام أحمد، وقد جاء ذلك عن ابن معين، فإنه قال في رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلاّم - وليس بينهما لقاء عند ابن معين - إنها مدلسة. والذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال على هذه الصورة كما قال في رواية عراك بن مالك عن عائشة، وكان قد أدركها لكنه لم يلقها (^٣). وقد صرّح الخطيب بأن هذه\n_________\n(^١) انظر: ص ٦٠٥ - ٦٠٦.\n(^٢) المراسيل ٤٨.\n(^٣) انظر ما تقدم: ص ٦٤٣.","vol":"2","page":727},{"text":"الصورة من الإرسال الذي ليس بتدليس (^١)، وكذلك أنكر ابن عبد البر على من اعتبر هذا تدليسًا (^٢). واحتج ابن حجر لكون هذه الصورة إرسالًا لا تدليسًا بأن رواية المخضرمين مثل قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي ﷺ من قبيل المرسل لا من قبيل المدلَّس. ا. هـ (^٣). ولو كانت هذه صورة التدليس لعُدّ كل من عُرِف عنه الرواية عمّن أدركه ولم يلقه مدلِّسًا مثل محمد ابن سيرين وروايته عن ابن عباس (^٤)، وسعيد بن جبير عن عائشة (^٥)، والضحاك بن مُزاحم وروايته للتفسير عن ابن عباس (^٦).\nوأما الصورة الأولى - وهي الرواية عمن لم يدركه - فهي مطلق الإرسال (^٧)، ولا قائل بأنها من التدليس في شيء.\nفالخلاصة أن إطلاق التدليس عند الإمام أحمد يكاد يكون مقصورًا على حالة وجود السماع، أي على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أما روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه فإنما يطلق الإمام أحمد الإرسال عليهما، وهذا يكاد يكون مطّردًا عنده، وبهذا يظهر الفرق بين التدليس والإرسال الخفي، وبين الرواة الذين عُرفوا بالتدليس ومن وُصف منهم بالإرسال. وممن فرق بينهما أبو الحسن ابن القطان، قال: \"والفرق بين التدليس وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، ولما كان في هذا - أي\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية ص ٥٤٦.\n(^٢) التمهيد ١/ ١٥.\n(^٣) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٢٣.\n(^٤) انظر: المراسيل ٦٧٩ - ٦٨١.\n(^٥) المصدر نفسه ٢٦٢.\n(^٦) جامع التحصيل ١٩٩ - ٢٠٠.\n(^٧) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٢٣.","vol":"2","page":728},{"text":"التدليس - قد سمع منه جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سمِّي تدليسًا\" (^١)، وفرق بينهما أيضًا الحافظ ابن حجر (^٢)، وهو ظاهر كلام الخطيب حيث قال: \"لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه\" (^٣) فذكر الإرسال بنوعيه الجلي والخفي، وأنه يغاير التدليس.\nوأما ما ورد عن الإمام أحمد من إطلاق التدليس على رواية هشيم عن الثوري مع أنه لم يرد ما يدل على سماعه منه مع لقيّه إياه، فقد تقدم توجيه ذلك وأن الذي سوّغ ذلك الإطلاق كون هُشيم معروفًا بالتدليس، فيستنتج منه أن الراوي المعروف بالتدليس إذا روى عمن لقيه ولم يسمع منه ساغ تسمية ذلك بالتدليس، وأما إذا لم يكن معروفًا بالتدليس فهو إرسال، ولا يقال له تدليس إلا على سبيل التجوز لأنه ليس في روايته تلك إيهام بالسماع في الحقيقة، وإن كان فيها إيهام لمن ليس له معرفة باللقاء بينه وبين شيخه، وبهذا يتم توجيه ما ورد عن الإمام أحمد من إطلاق التدليس على رواية عبد المجيد بن أبي رواد عن عبيد الله العمري.\nوقد تقدم أيضًا أن الإمام أحمد يطلق الإرسال على ما صورته التدليس، وذلك فيما رواه عبد الله: \"قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد - يعني حديث الوضوء مما مسّت النارٌ - والباقي يرسلها عنه\" (^٤)، ولا يقتضي ذلك الترادف بين اللفظين، وإنما ساغ ذلك الإطلاق لأن بين التدليس والإرسال قدرًا مشتركًا وهو إسقاط الواسطة، كما أن بينهما عموم\n_________\n(^١) بيان الوهم والإيهام ٥/ ٤٩٣.\n(^٢) انظر: نزهة النظر ص ٤٣.\n(^٣) الكفاية في علم الرواية ص ٥٤٦.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٨٦ رقم ٥٦٩٦.","vol":"2","page":729},{"text":"وخصوص مطلق كما تقدم، فكل تدليس إرسال، وليس كل إرسال تدليسًا، فساغ إطلاق الإرسال على التدليس دون العكس. قال الخطيب: \"التدليس متضمن للإرسال لا محالة من حيث كان المدلِّس ممسكًا عن ذكر مَن بينه وبين من دلَّس عنه، وإنما يفارق حاله حال المرسَل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو المُوهن لأمره، فوجب كون هذا التدليس متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يَذمّ العلماء من أرسل الحديث، وذمُّوا من دلَّسه\" (^١).\nوكل ما مضى من الكلام في التدليس هو في النوع الذي اصطُلح عليه بتدليس الإسناد (^٢)، ومنه أيضًا:\n\n<span data-type='title' id=toc-251>تدليس العطف:</span>\nوقد ورد عن الإمام أحمد الإشارة إليه ووصفه بأنه تدليس وحش. قال المروذي: \"وذكر - يعني أحمد بن حنبل - هُشيمًا فقال: كان يدلِّس تدليسًا وحشًا، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر إذا انقطع الكلام يوصله\" (^٣)، فهذا النوع من التدليس اصطُلح عليه بتدليس العطف، وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدِهما دون الآخر، فيصرِّح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيُوهِم أنه حدّث عنه بالسماع أيضًا، وإنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: وفلان أي حدث فلان (^٤).\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية ص ٥١٠.\n(^٢) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦١٦.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥١ رقم ٣١.\n(^٤) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦١٧.","vol":"2","page":730},{"text":"ومثاله ما رواه عبد الله قال: \"حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا. حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ مثل ذلك. سمعت أبي يقول: لم يسمعه هُشيم من عبيد الله\" (^١)، فذكر الإمام أحمد أن هُشيمًا لم يسمعه من شيخه الثاني، وهو عبيد الله بن عمر، ولم يصرح بعدم السماع بل قطع الكلام ثم وصله في حديث آخر يُوهم أنه قد سمعه منه، وإنما عنى بذلك العطف: وحدّث عبيد الله بن عمر.\n\n<span data-type='title' id=toc-252>الحكم على رواية المدلِّس:</span>\nالذي ورد عن الإمام أحمد في الحكم على رواية من عرف بالتدليس إذا جاءت عنه بدون تصريح بالسماع هو التوقف. قال أبو داود: \"سمعت أحمد سُئل عن الرجل يُعرف بالتدليس، يحتجّ فيما لم يَقُلْ فيه: سمعتُ؟ قال: لا أدري، فقلت: الأعمش متى تُصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا، أي أنك تحتجّ به\" (^٢). واعتلّ لذلك بأن الأعمش - وهو ممن عُرف بالتدليس - يحتج بحديثه مع عدم الوقوف على تصريحه بألفاظ السماع، وأنه لو اشتُرط هذا لكان فيه تضييق.\nوهذا التعليل إن أُخذ على ظاهره فإنه يدل على الاحتجاج بما رواه المدلس بالعنعنة، لكن الإمام أحمد لم يقل بذلك، وإنما توقف في المسألة، والذي أوجب ذلك التوقف أن بعض المدلسين إذا لم يصرحوا بالسماع في مروياتهم جاءوا بالمناكير. قال الأثرم عن أحمد بن حنبل: \"إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأُخبرتُ، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٦١ رقم ٢١٩١ - ٢١٩٢.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٩٩ رقم ١٣٨.","vol":"2","page":731},{"text":"فحسبك\". وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: \"إذا قال ابن جُريج: قال فاحذره، وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء\" (^١). وقال أبو داود: \"إذا قال ابن جريج: أخبرني في كل شيء فهو صحيح\" (^٢).\nفهذا يدل على أن ما رواه المدلس بغير لفظ السماع يتوقف فيه، فإن مفهوم قوله: \"وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء\" أن ما لم يقل فيه ذلك ففي النفس منه شيء، لأنه مظان وجود المناكير.\nوالأمر الآخر الذي يُوجب التوقف هو أن الرواة قد يتصرفون في ألفاظ الأداء عن شيوخهم، فيذكرون العنعنة مكان السماع، وقد تقدم أن في كتاب إبراهيم بن سعد بيان الألفاظ عن ابن إسحاق، بينما في كتاب يزيد بن هارون كلها بالعنعنة. قال المروذي أيضًا: \"قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها\" (^٣).\nوقال عبد الله: \"قال أبي: كنت أسأل يحيى بن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شُريح وغيره، فكان في كتاب إسماعيل: قال: حدثنا عامر، عن شُريح؛ وحدثنا عامر عن شُريح، فجعل يحيى يقول: إسماعيل عن عامر. قلت: إن في كتابي: حدثنا عامر، حدثنا عامر! فقال يحيى: هي صِحاح، إذا كان شيء أخبرتُك - يعني مما لم يسمعه إسماعيل عن عامر\" (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ١٨/ ٣٤٨.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣١ رقم ٢٢٠.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٤٢ رقم ٣٥٦٧.","vol":"2","page":732},{"text":"فإذا كان الأمر كذلك فلا يرتبط الحكم على رواية المدلس بمجرد عنعنته لأن صدورها قد لا يكون منه بل ممِن دونه. ولعل هذا ما عناه أبو داود عند ما سمع توقف الإمام أحمد في المسألة فقال كالمعلِّل له: \"الأعمش متى تُصاد له الألفاظُ؟ \".\nوأما غير الإمام أحمد من الأئمة فجمهورهم على الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرّح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل (^١)، وطائفة منهم يفرق بين أن يُدلس عن الثقات فيُقبلُ حديثُه وإنْ عنعنَهُ، وبين أن يُدلس عن غير الثقات فلا يُقبل حديثُه حتى يصرِّحَ بالسَّماع، وعليه طائفة من فقهاء أصحاب الإمام أحمد كما قال ابن رجب (^٢).\nوأما التدليس من ناحية الحكم عليه في نفسه كفعل يمارسه بعض الرواة فالذي ورد عن الإمام أحمد هو القول بكراهته، ولما قيل له: قال شعبة: هو كذب، قال أحمد: لا، قد دلّس قوم ونحن نروي عنهم. ا. هـ (^٣). وقال ابن هانئ: \"سُئل - يعني الإمام أحمد - عن داود بن الزِّبِرقان؟ قال: إنما كتبت عنه حديثًا، وقال: ما أُراه يكذب، ولكن كان يدلِّس\" (^٤).\n_________\n(^١) جامع التصحيل ص ٩٨.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٣.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٤.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٣٠ رقم ٢٢٦٥.","vol":"2","page":733},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>المطلب الثاني: وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد</span>.\nتقدمت الإشارة إلى أن التدليس علة قادحة في صحة الحديث لأنه سبب من أسباب وقوع الانقطاع المنافي للاتصال المشروط لصحة الحديث. وهناك جملة من الأحاديث انتقدها الإمام أحمد بسبب تدليس بعض رواتها المعروفين بالتدليس، وهذه الأحاديث المنتقدة تكشف لنا وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد، وهي كالتالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-254>الوجه الأول: عدم تصريح المدلّس بالسماع في السند</span>.\nوذلك بأن يروي المدلّس حديثه بالعنعنة ولا يصرّح بالسماع، وهو أمر يرجح وقوع التدليس في روايته تلك، فيدل ذلك على وقوع التدليس في الإسناد فيعلّه الإمام أحمد لهذا السبب، ومن أمثلة ذلك:\n١. قال أبو داود: \"ذكرت لأحمد حديثَ بقية عن الزَّبِيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﵇ كان يُسلِّم تسليمتيْن. قال: يقول فيه: حدثنا - يعني بقية؟ قلت: لا يُنكرون أن يكون سمعه! قال: هذا أبطل باطل\" (^١).\nهذا الحديث رواه الطحاوي (^٢)، والطبراني (^٣) كلاهما من طريق حيوة ابن شريح، عن بقية عن الزَّبِيدي، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يُسلم في الصلاة تسليمتيْن، عن يمينه وعن شماله.\nوأعله الإمام أحمد لعدم تصريح بقية بالتحديث من شيخه، وأنكر على من يحمله على السماع المحتمل. فهذا صريح في أن رواية بقية بالعنعنة دالة على وقوع\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود رقم ٢٠٠٥.\n(^٢) شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٨.\n(^٣) المعجم الأوسط ٤/ ٤٤ ح ٣٥٦٩.","vol":"2","page":734},{"text":"التدليس منه، وبالتالي على عدم قبول الإمام أحمد لحديثه إذا لم يصرح بالسماع من شيخه. وبقية من الرواة المعروفين بالتدليس والمشهورين به.\nوممن أنكر هذا الحديث أبو حاتم الرازي لكنه لم يذكر وجه الإنكار (^١)، وأنكره الهيثمي بسبب عنعنة بقية بن الوليد (^٢).\n٢. قال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: هشيم لم يسمع حديث أبي صالح: [الإمام ضامِنٌ] من الأعمش، وذاك أنه قيل لأحمد إن هشيمًا قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. وسمعت أحمد مرة أخرى سئل عن هذا الحديث، فقال: حدث به سُهيل، عن الأعمش، ورواه ابن فُضيل، عن الأعمش، عن رجل. ما أُرى لهذا الحديث أصل. حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا ابن نُمير، عن الأعمش قال: نُبئت عن أبي صالح، ولا أُراني إلا قد سمعتُه منه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشُدِ الأئمة واغفر للمؤذنين\". حدثنا محمد بن مسلمة المصري، قال: حدثنا ابن وهب، عن جده، عن نافع بن سليمان أن محمد بن أبي صالح أخبره، عن أبيه أنه سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول مثله\" (^٣).\nهذا الحديث فيه إعلال بالتدليس من وجهين:\nالأول: إنكار الإمام أحمد رواية هُشيم عن الأعمش قوله: حدثنا أبو صالح (^٤)، لأن هشيمًا رواه بالعنعنة وهو مدلس، فلم تصح روايته ولم يعتمد الإمام أحمد صحة\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ١/ ١٨١ ح ٥١٨.\n(^٢) مجمع الزوائد ٢/ ١٤٦.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٩ رقم ١٨٧١.\n(^٤) أخرج رواية هشيم الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥/ ٤٣٢ ح ٢١٨٧، وذكره الدارقطني تعليقًا علل الدارقطني ١٠/ ١٩٥.","vol":"2","page":735},{"text":"تصريح الأعمش بالتحديث. وهذا هو الشاهد من إيراد المثال تحت هذا الوجه.\nالثاني: تدليس الأعمش حيث لم يقل في رواية الحديث: أنا أبو صالح، ووُجدت قرينة تدل على أن سماعه منه بواسطة، كما أفاد ذلك الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن رجل عن أبي صالح (^١)، فدل على أن الأعمش كان يدلِّسه حيث يرويه عن أبي صالح. ففي هذا إثبات التدليس لقرينة وجود الواسطة بين المدلس وشيخه، بالإضافة إلى روايته بالعنعنة.\nوذكر ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: ليس لهذا الحديث أصل، ليس يقول فيه أحد عن الأعمش أنه قال: أنا أبو صالح (^٢).\nوقد ذكر أبو داود أن ابنُ نُمير تابع ابنَ فُضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح، حيث رواه عن الأعمش قال: نُبئتُ عن أبي صالح، لكن ذكر أن الأعمش كان يقول: ولا أُراني إلا قد سمعته من أبي صالح. وهذه الرواية أيضًا عند الإمام أحمد (^٣)، لكن يبدو أنه لم يلتفت إلى هذا الاحتمال للسماع الذي ذكره الأعمش، بل اعتمد عدم السماع، ومن أجل ذلك حكم على الحديث بأنه لا أصل له.\nوممن تابع ابن فضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح أبو بدر شُجاع بن الوليد؛ رواه عن الأعمش فقال: حُدِّثتُ عن أبي صالح (^٤)، وكذلك قال أسباط بن محمد (^٥).\n_________\n(^١) أخرج هذه الرواية الإمام أحمد المسند ١٢/ ٨٩ ح ٧١٦٩، ومن طريقه أبو داود السنن ح ٥١٧، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى ١/ ٤٣٠.\n(^٢) العلل المتناهية ١/ ٤٣٣.\n(^٣) المسند ١٤/ ٥٢٦ ح ٨٩٧٠.\n(^٤) أخرجه الترمذي في العلل الكبير ١/ ٢٠٩.\n(^٥) ذكره الترمذي تعليقًا الجامع ١/ ٤٠٣.","vol":"2","page":736},{"text":"وجمهور الرواة عن الأعمش رووه عنه عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^١). وذكر علي بن المديني، عن القطان، عن الثوري قال: ما أُراه سمعه من أبي صالح (^٢)، وكان الثوري ممن رواه عن الأعمش، عن أبي صالح (^٣).\nوكذلك قال ابن معين عن الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح (^٤).\nوقال ابن المديني: لم يسمع الأعمش بيقين، لأنه يقول فيه نُبِّئتُ عن أبي صالح، نقله البيهقي عنه (^٥).\nوممن ضعف هذا الحديث من المتقدمين لهذه العلة: علي بن المديني، قال: لا يصح حديث عائشة، ولا حديث أبي هريرة (^٦).\nوأما ابن حبان فاعتمد قول الأعمش: ولا أُراني إلا سمعته منه، فحكم بصحة الوجهين عن الأعمش: سمعه عن رجل عن أبي صالح، ثم سمعه منه مباشرة، فصحح الحديث (^٧)، وهو أيضًا مسلك الشيخ الألباني (^٨).\nوأما الإمام البخاري فقال: حديث أبي صالح عن عائشة أصح من\n_________\n(^١) ذكرهم الدارقطني في العلل ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣،\n(^٢) الجرح والتعديل ١/ ٨١.\n(^٣) رواه أحمد عن عبد الرزاق، عن الثوري ومعمر، عن الأعمش به المسند ١٣/ ٢٢٢ ح ٧٨١٨، ورواه البيهقي من طريق القطان، عن الثوري، عن الأعمش به السنن الكبر ٣/ ١٢٧.\n(^٤) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ٤٩٧ رقم ٢٤٣٠.\n(^٥) معرفة السنن والآثار ١/ ٤٥١، وانظر: تلخيص الحبير ١/ ٢٠٧.\n(^٦) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.\n(^٧) وحكم كذلك بصحة رواية الحديث عن أبي صالح عن عائشة، وعن أبي صالح عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة موقوفًا وعنه مرفوعًا انظر: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٥٥٩.\n(^٨) إرواء الغليل ١/ ٢٣١ - ٢٣٥.","vol":"2","page":737},{"text":"حديث أبي صالح عن أبي هريرة (^١) وهذا الذي رجحه المعلمي أيضًا (^٢).\nورجح أبو زرعة، وأبو حاتم (^٣) رواية حديث أبي هريرة (^٤).\nوأما الدارقطني فحكم على الحديث بالاضطراب عن أبي صالح (^٥)، وكذلك أشار البزّار إلى أن أصحاب الأعمش اضطرابوا فيه (^٦).\nوفي إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث بتدليس الأعمش عن أبي صالح دلالة على أن ما ذكره الحافظ الذهبي أن رواية الأعمش بالعنعنة عن شيوخه الذين أكثر عنهم كالنخعي، وأبي وائل، وأبي صالح السمان محمولة على الاتصال (^٧)، ليس ذلك على إطلاقه، وإنما يكون من حيث الغالب فقط، وإلا فقد يدلس عن هؤلاء كما اتضح في هذا المثال، وفيما سيأتي في روايته عن\nأبي وائل، والله أعلم.\n٣. قال أبو داود: \"قلت لأحمد: هُشيم كان يقول في حديث المؤثر بن عفارة: حدثنا؟ قال: نعم، كان يقول أيضًا: حدثنا جبلة، حدثنا مؤثر بن عفارة، حدثنا عبد الله، وكان يرفعه - يعني حديث الشفاعة\" (^٨).\n_________\n(^١) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.\n(^٢) انظر تعليقه على موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢٧٠ - ٢٧١.\n(^٣) رجحه أبو حاتم بناء على الموازنة بين الأعمش ونافع بن سليمان الذي روى حديث أبي صالح عن عائشة، وقد تعقب ذلك المعلمي بأن الصحيح في الموازنة هو بين الراوي المجهول الذي روى الأعمش الحديث عنه عن أبي صالح، وبين نافع بن سليمان الذي رواه عن أبي صالح عن عائشة انظر: تعليقه على موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢٧١.\n(^٤) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه، علل ابن أبي حاتم ١/ ٨١.\n(^٥) علل الدارقطني ١٠/ ١٩٨.\n(^٦) كشف الأستار ١/ ١٨١.\n(^٧) ميزان الاعتدال ٢/ ٤١٥.\n(^٨) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣٠ رقم ١٩٩١.","vol":"2","page":738},{"text":"لم أقف على ذكر الشفاعة في الحديث الذي رواه هُشيم بهذا الإسناد، وقد رواه الإمام أحمد (^١) قال حدثنا هُشيم، أخبرنا العوام، عن جَبَلَة بن سُحَيم، عن مُؤثِّر بن عَفازَة، عن ابن مسعود، وليس فيه ذكر الشفاعة، والظاهر أنه هو الحديث المقصود في السؤال. ورواه ابن جرير (^٢) أيضًا من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا هُشيم بن بشير: قال: أخبرنا العوام، عن جَبلَة بن سُحَيْم عن مُؤثِّر وهو ابن عفارة العبدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقيتُ ليلةَ الإسراء إبراهيم، وموسى، وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة وردّوا الأمر إلى إبراهيم، فقال إبراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى فقال موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى قال عيسى: أما قيام الساعة لا يعلمه إلا الله، ولكنّ ربي قد عهِد إليّ بما هو كائنٌ دون وقتِها، عهِد إليّ أن الدَّجَّالَ خارجٌ، وأنه مُهبِطيَّ إليه، فذكر أن معه قصبتين فإذا رآني أَهلَكَهُ اللهُ قال: فيَذُوبُ كما يَذوب الرَّصاصُ حتى إن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم، هذا كافرٌ فاقْتُلْه، فيُهلِكُهُمُ اللهُ ويَرجِع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلُهُم يَأْجُوج ومَأْجُوج من كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلون، لا يأتون على شيءٍ إلا أكلوه، ولا يَمُرُّونَ على ماءٍ إلا شرِبوه، فيرجع الناسُ إليَّ فيَشكونَهم فأَدعوا اللهَ عليهم، فيُمِيتُهم حتى تجوَى الأرضُ من نَتْنِ رِيحِهِم فينْزِل المَطرُ فيجرُّ أجسادَهم فيُلقِيهم في البحر، ثم يَنسِف الجبالَ حتى تكونُ الأرضُ كالأدِيمِ، فعهِد إليّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعةَ منهم كالحامل المتمّ التي لا يَدري أهلُها متى تَفجؤُهم بوِلادِها ليلًا أو نهارًا\" (^٣)، وفي كلا الطريقين تصريح\n_________\n(^١) المسند ٦/ ١٩ ح ٣٥٥٦.\n(^٢) جامع البيان ١٦/ ٢٧ - ٢٨.\n(^٣) وقد رواه ابن ماجه سنن ابن ماجه ٢/ ١٣٦٥ ح ٤٠٨١، والحاكم المستدرك ٢/ ٣٨٤ وغيرهما عن يزيد بن هارون، عن العوام به، لكن ذكره موقوفًا على ابن مسعود. وقد ذكر الإمام أحمد أن هشيمًا كان يرفع الحديث. وتابع هشيمًا على رفعه أصبغ بن زيد عند الطبري في التفسير ١٧/ ٩١.\nوفي الإسناد مؤثر بن عفارة لم يوثقه إلا العجلي معرفة الثقات ٢/ ٣٠٣، وابن حبان الثقات ٥/ ٤٦٣. وقال الحاكم: ليس بمجهول، روى عنه جماعة. ا. هـ. ولم أر له راويًا غير جبلة.\nوقال عنه الذهبي: وُثّق الكاشف ٢/ ٣٠٠. وقال الحافظ ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب ٦٩٨٨.\nوصحح الحديث الحاكم، ووافقه الذهبي المستدرك، الموضع نفسه، والبوصيري مصباح الزجاجة ٤/ ٢٠٢. وضعفه شعيب الأرنؤوط بجهالة مؤثر انظر: تحقيقه على المسند ٦/ ٢٠.","vol":"2","page":739},{"text":"هُشيم بالخبر من شيخه العوام بن حوشب. ويفهم من البحث عن التصريح بالسماع التحقق من نفي التدليس، فدل على أن الرواية بالعنعنة من المدلِّس من الأمور الدالة على وقوع التدليس، والله أعلم.\n٤. قال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: حديث ابن شُبرُمة: قال رجلٌ للشعبي: نذرت أن أطلّق امرأتي، لم يقل فيه هشيمٌ: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا\" (^١).\nوفي هذا الأثر توقف الإمام أحمد عن قبول ما رواه هُشيم بالعنعنة، وتوقف أيضًا عن الحكم بوقوع التدليس أو عدمه. وهذا موافق لما تقدم عنه أنه توقف عن الحكم بالاحتجاج برواية من عُرف بالتدليس إذا لم يقل: حدثني أو سمعت (^٢).\nولكن يستفاد من هذا أن العنعنة ممن عرف بالتدليس علةٌ تُعلّ بها مروياتهم لا سيما إذا وجدت النكارة فيها، فيرجع سبب النكارة إلى العنعنة التي تقوي من احتمال وقوع التدليس في السند.\n\n<span data-type='title' id=toc-255>الوجه الثاني: رواية الحديث عن الراوي المدلِّس من وجه آخر بالتصريح بواسطة بينه وبين شيخه</span>.\nمن الأوجه التي ينكشف بها التدليس فيقع بسببها إعلال الحديث بالتدليس أن يروي الراوي المدلِّس حديثًا عن شيخه، ثم يروي الحديث من وجه\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٨ رقم ٢٠٣٩.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٩٩ رقم ١٣٨.","vol":"2","page":740},{"text":"آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ، فيدل على أنه لما رواه بدون واسطة فإنما رواه مدلَّسًا، ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:\n١. قال الإمام أحمد: \"حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رسول الله ﷺ ردَّ ابنته إلى أبي العاص بمهرٍ جديدٍ. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي في حديث حجاج: [ردّ زينب ابنته] قال: هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، ولم يسمعه الحجاجُ من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي لا يُساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي رُوي أن النبي ﷺ أقرّهما على النكاح الأول (^١) \" (^٢).\nوقد روى عبد الله مثل هذا في العلل (^٣): قال أبي: \"روى حجاج عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن النبي ﷺ ردها بنكاح جديد - يعني زينب ابنته ﷺ على أبي العاص بن الربيع. وسمعته يقول: قرأت في بعض الكتب عن حجاج قال: حدثني محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عن النبي ﷺ قال أبي: ومحمد بن عبيد الله ترك الناس حديثه\".\nفقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث بتدليس حجاج بن أرطأة، وكان من الرواة الذين ذكرهم الإمام أحمد بالتدليس. قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن حجاج بن أرطأة فقال: \"كان يُدلس، كان إذا قيل له: من حدثك، من\n_________\n(^١) رواه أحمد المسند ١/ ٣٦٩ ح ١٨٧٦ من طريق ابن إسحاق، عن داود بن حُصين، عن عكرمة عن ابن عباس قال: \"ردّ رسول الله ﷺ زينب ابنته على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدث شيئًا\". ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٨٧ من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني داود بن حصين به.\nوقال الدراقطني أيضًا: حديث حجاج لا يثبت والصواب حديث ابن عباس السنن ٣/ ٢٥٣.\n(^٢) المسند ١١/ ٥٢٩ - ٥٣٠.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣١٣ رقم ٥٣٨ - ٥٣٩.","vol":"2","page":741},{"text":"أخبرك؟ قال: لا تقولوا: من أخبرك، من حدثك؟ قولوا: من ذكره؟ \" (^١). وانكشف التدليس بروايته للحديث من وجه آخر عن شيخه عمرو بن شعيب بواسطة العرزمي، وهو متروك، فدل على أنه لما رواه بدون واسطة فقد دلّسه. ثم هو معارض بما هو أصح منه إسنادًا وهو حديث ابن عباس الذي ذكره الإمام أحمد.\n٢. قال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: أفسدوا علينا حديث الزهري - يعني حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: \"لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين\". قالوا: عن سليمان بن أرقم، يعني قالوا: عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. فقيل لأحمد: فيصح عندك إفساد الحديث، وإنما رواه - يعني ابنُ أبي أُويس؟ قال: أحمد: أيوب - أعني\nابن سليمان كان أمثل منه. قال أبو داود: قد رواه أيوب بن سليمان بن بلال\" (^٢).\nحديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي ﷺ: \"لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين\" رواه يعقوب الفسوي (^٣)، والبخاري (^٤)، والبيهقي (^٥) كلهم من طريق يونس بن يزيد الأيلي. وأعله الإمام أحمد بالتدليس، وكشف التدليس بدليل رواية من روى الحديث بذكر الواسطة بين الزهري وأبي سلمة. ولما قيل له إن تلك الرواية جاءت من طريق إسماعيل بن أبي أويس (^٦)، فهل تعتمد روايته في\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٤٣.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠١ - ٤٠٢ رقم ١٨٩٧.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٣.\n(^٤) التاريخ الأوسط ٢/ ١٤٤.\n(^٥) السنن الكبرى ١٠/ ٦٩.\n(^٦) رواية ابن أبي أويس أخرجها الفسوي المعرفة والتاريخ ٣/ ٤، والبخاري التاريخ الكبير ٤/ ٢، والتاريخ الأوسط ٢/ ١٤٤ تعليقًا، والطبراني المعجم الأوسط ٥/ ٣٦ ح ٤٦٠٤، والبيهقي السنن الكبرى ١٠/ ٦٩ كلهم من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر ابن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، كلاهما عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة، وذكره.","vol":"2","page":742},{"text":"إعلال رواية من روى الحديث بدون ذكر الواسطة؟ فذكر رواية أيوب بن سليمان ابن بلال (^١)، وأنه كان أحسن حالًا من ابن أبي أويس. وكلاهما رويا الحديث بواسطة سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. فذكر أن هذه الرواية الكاشفة للتدليس قد أفسدت الحديث أي حيث أبانت علته.\nومما يؤيد ذلك أن عبد الله بن عثمان قد روى الحديث أنه من أصل يونس بن يزيد، عن ابن المبارك قال: أخبرني يونس، عن الزهري، وبلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت فذكره (^٢)، ومثلها رواية عنبسة بن خالد عن يونس عن ابن شهاب قال: حدث أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت … (^٣).\nوممن قال إن الزهري لم يسمع هذا الحديث من ابن أبي كثير الإمام الترمذي فيما نقله عنه العلائي (^٤).\n٣. قال عبد الله: \"حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا لا نتوضأ من المَوطي. سمعت أبي يقول: هذا لم يسمعه هُشيم من الأعمش، ولا الأعمش سمعه من أبي وائل\" (^٥).\nأعله الإمام بالتدليس في موضعين، الأول: هشيم عن الأعمش، والثاني:\n_________\n(^١) أخرج روايته ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٠٣، والبيهقي السنن الكبرى الموضع نفسه، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال بمثل رواية ابن أبي أويس.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ٣/ ٣.\n(^٣) السنن الكبرى ١٠/ ٦٩. رواه من طريق يعقوب الفسوي. ووقع في المعرفة والتاريخ ٣/ ٤، مكان: حدث أبو سلمة: حدثني أبو سلمة، وهو تحريف شنيع محرف للمعنى.\n(^٤) انظر: جامع التحصيل ص ٢٧٠.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٢ ح ٢١٥٥.","vol":"2","page":743},{"text":"الأعمش عن أبي وائل. أما في الموضع الأول فلم أقف على طريقة الإمام أحمد في كشف التدليس، إلا أن يحمل على مجرد عنعنة هُشيم. وأما في الموضع الثاني فقد نقل العلائي عن الإمام أحمد أنه قال: \"كان الأعمش يدلس هذا الحديث، لم يسمعه من أبي وائل. قال مهنا: قلت له: وعمن هو؟ قال: كان الأعمش يرويه عن الحسن بن عمرو الفقيمي، وجعله عن أبي وائل، ولم يسمعه منه\" (^١).\nوقد أشار الدارقطني إلى القول بأن الأعمش أخذ هذا الحديث عن الحسن بن عمر الفقيمي عن أبي وائل، كما قال الإمام أحمد (^٢).\nويؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن ابن خزيمة قال: هذا الخبر له علة، لم يسمعه الأعمش عن شقيق، لم أكن فهمته في الوقت، ثم ذكر بإسناده رواية زياد بن أيوب ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، حدثني شقيق أو حدِّثتُ عنه عن عبد الله بنحوه\" (^٣).\nوالحديث أخرجه أبو داود (^٤)، وابن ماجه (^٥)، وابن خزيمة (^٦)، وغيرهم (^٧)، ولفظه: \"كنا لا نتوضأ من موْطئ، ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا\".\nوقد يقتصر الإمام أحمد على التنصيص بالواسطة من غير إسناد الرواية التي وردت بذكرها، ومثال ذلك:\n٤. قال عبد الله: \"قلت لأبي: علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قد طلقها زوجها! قال: لا\n_________\n(^١) جامع التحصيل ص ١٨٩ - ١٩٠.\n(^٢) علل الدارقطني ٥/ ١١١.\n(^٣) صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٦.\n(^٤) سنن أبي داود ١/ ١٤١ ح ٢٠٤.\n(^٥) سنن ابن ماجه ١/ ٣٣١ ح ١٠٤١.\n(^٦) صحيح ابن خزبمة ١/ ٢٥ ح ٣٧.\n(^٧) وانظر: علل الدارقطني ٥/ ١١٠ - ١١١.","vol":"2","page":744},{"text":"أُرى يحيى سمعه إلا من هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة. قلت له: فأبو ميمونة هو الذي روى عنه قتادة؟ قال: أُراه\" (^١).\nحديث يحيى بن أبي كثير هذا رواه الإمام أحمد (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، والطحاوي (^٤)، والبيهقي (^٥) كلهم من طريق وكيع بن الجراح، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: [جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قد طلقها زوجُها فأرادت أن تأخذ ولدها فقال رسول الله ﷺ: \"اسْتَهِما فيه\". فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني؟ فقال رسول الله ﷺ للابن: \"اختر أيَّهما شِئت\". فاختار أمَّه فذهبت به\".\nونص الإمام أحمد على أن يحيى بن أبي كثير لم يسمعه من أبي ميمونة، ويرى أنه سمعه من هلال بن أُسامة، عن أبي ميمونة، ولم يسند رواية تصرح بذلك. والحديث معروف من رواية هلال بن أسامة عن أبي ميمونة من وجه آخر. أخرجه ابن جريج (^٦)، وابن عيننة (^٧) كلاهما عن زِياد بن سعد، عن هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة به وفيه قصة.\nوقد يكون مستند الإمام أحمد رواية معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٤٠ رقم ٦٢٤.\n(^٢) المسند ١٥/ ٤٨٠ ح ٩٨٨١.\n(^٣) المصنف ٤/ ١٨٠ ح ١٩١٢١.\n(^٤) شرح مشكل الآثار ح ٣٠٨٨.\n(^٥) السنن الكبرى ٨/ ٣.\n(^٦) روى حديثه أبو داود السنن ٢/ ٧٠٨ ح ٢٢٧٧، والنسائي السنن الكبرى ٣/ ٣٨١ ح ٥٦٩٠، وعبد الرزاق المصنف ٧/ ١٥٧ ح ١٢٦١١، والحاكم المستدرك ٤/ ٩٧، والبيهقي السنن الكبرى ٨/ ٣.\n(^٧) روى حديثه الترمذي الجامع ٣/ ٦٣٨ ح ١٣٥٧، وابن ماجه السنن ٢/ ٧٨٧ ح ٢٣٥١، وأحمد المسند ١٢/ ٣٠٨ ح ٧٣٥٢، والحميدي ٢/ ٤٦٤ ح ١٠٨٣. وانظر: إتحاف المهرة ١٦/ ١ ص ٢٧٣.","vol":"2","page":745},{"text":"عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، أخرج هذه الرواية الطحاوي (^١). وهلال بن أسامة هو هلال بن علي بن أسامة، وهو هلال بن أبي ميمونة، ومن قال هلال بن أسامة فإنما نسبه إلى جده، ومن قال ابن أبي ميمونة فإنما ذكر كنية أبيه، وقد روى عنه يحيى بن أبي كثير (^٢)، لكن معاوية بن سلام ذكر الحديث منقطعًا بين هلال وأبي هريرة.\nوقد يكون ذكر الواسطة لا دلالة فيها على وقوع التدليس كما يقع مثله في الإرسال الخفي، وذلك إذا ورد التصريح بالسماع في الطريق الناقصة، فيقوى احتمال صحة الوجهين: وهو أنه رواه بواسطة عن شيخه، ورواه أيضًا مباشرة عنه. وقوة الاحتمال بحسب قوة الرواية التي فيها التصريح. والأمثلة الآتية وإن كان الظاهر أن الإمام أحمد أشار بوقوع التدليس فيها إلا أن في التحقيق احتمال صحة الوجهين فيها قائم.\n٥. قال ابن هاني: سألته عن حديث جابر بن عبد الله: أكلت مع النبي ﷺ خبزًا ولحمًا فقال أبو عبد الله: محمد بن المنكدر لم يسمعه من جابر، إنما هو حديث محمد بن عقيل، عن جابر، رواه ابن المنكدر، عن ابن عقيل، عن جابر (^٣).\nهذه المسألة روى مثلها أبو داود عن الإمام أحمد، قال: \"سمعت أحمد قال: قال سفيان - يعني ابن عيينة: سمعت ابنَ المنكدر يقول غير مرة: عن جابر قال: وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابرًا فظننت أنه سمعه من ابن عقيل حديث جابر: \"أن النبي ﷺ أكل ثم صلى ولم يتوضأ\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح مشكل الآثار ح ٣٠٨٧.\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٤٣. وانظر: موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٥٢٠.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٩ رقم ٢١٩٥.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٩ رقم ٢٠٤٣.","vol":"2","page":746},{"text":"روى عدد كثير من الرواة هذا الحديث عن محمد بن المنكدر، عن جابر ابن عبد الله بالعنعنة (^١)، واعتمد الإمام أحمد ما ذكره ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه قال مرة: أخبرني من سمع جابرًا كما ذكر ذلك في رواية أبي داود، وكذلك رواية من روى الحديث عنه بواسطة عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، ولم أقف على من رواه من هذا الوجه. وقد روى ابن عقيل هذا الحديث عن جابر، رواه عنه ابن عيينة (^٢)، وزائدة بن قدامة (^٣)، وعبيد الله بن عمرو الرقي (^٤)، ومحمد بن إسحاق (^٥). فحمل ابن عيينة قول ابن المنكدر: أخبرني من سمع جابرًا على أنه ابن عقيل، إذ الحديث كان معروفًا به من وجه آخر، والظاهر أن الإمام أحمد تبعه على ذلك، وهو أيضًا موقف الشافعي من هذه الرواية فقد روى البيهقي من طريق حرملة عنه أنه قال: \"لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر\" (^٦).\nوذكر البيهقي أن ما قاله الشافعي محتمل، لأن صاحبي الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابر في الصحيح، مع كون إسناده على شرطهما، وذكر أنه قد روى حجاج بن محمد المصيصي، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر البرساني عن ابن جريج، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر\n_________\n(^١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٦٥، صحيح ابن حبان الإحسان ٣/ ٤١٨ - ٤٢٠، السنن الكبرى ١/ ١٥٥.\n(^٢) سنن ابن ماجه ١/ ١٦٤ ح ٤٨٩، مسند الحميدي ٢/ ٥٣٣ ح ١٢٦٦، ومسند أبي يعلى ٤/ ١٤ ح ٢٠١٧.\n(^٣) شرح معاني الآثار ١/ ٦٥.\n(^٤) الموضع نفسه.\n(^٥) المسند ٢٣/ ٢٦٤ ح ١٥٠٢٠.\n(^٦) معرفة السنن والآثار ١/ ٢٥٠.","vol":"2","page":747},{"text":"ابن عبد الله فذكروا الحديث (^١)، ورواه أيضًا عبد الرزاق، عن ابن جريج، ومعمر قالا: أخبرنا محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله (^٢). قال البيهقي: فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهمًا من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح. ا. هـ (^٣). وعليه يصح رواية الوجهين ولا يكون فيه تدليس، ولم أقف على من نسب ابن المنكدر إلى تدليس.\n٦. قال أبو بكر الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله ذكر حديث هُشيم عن ابن شُبرُمَة، عن الشعبي في الذي يصوم في كفارة ثم يُوسِر، فقال: ما أُراه سمعه من ابن شُبرُمة. قيل لأبي عبد الله عن أبي جعفر محمد بن عيسى إنه يقول فيه: قال أخبرنا ابن شُبرُمة، فكأنه تعجّب، ثم قال: هذا قال لي إنسان إنه لم يسمعه، وإنه عن رجل عن ابن شُبرُمة. قلت لأبي عبد الله: إنهم يغلطون عليه ويقولون في كثير من حديثه، إلا أن أبا جعفر عالم بهذا؟ فقال: نعم، أبو جعفر كيس فهم (^٤).\nلم أقف على هذا الأثر عن الشعبي.\nوأشار الإمام أحمد إلى عدم سماع هُشيم هذا الأثر من شيخه عبد الله بن شُبرُمة الكوفي، مما يدل على أنه مدلَّس، واعتمد في إثبات ذلك على إخبار إنسان له بأن هشيمًا رواه عن رجل عن ابن شُبرُمة، بالإضافة إلى عدم تصريح هُشيم بالسماع في سند الأثر، ولما أُخبر أن محمد بن عيسى بن الطباع رواه عن هُشيم بتصريحه بالخبر قبِل ذلك منه لثقته ومعرفته بحديث هُشيم، فقد كان يرجع إليه الحفاظ عند\n_________\n(^١) الموضع نفسه. وانظر الرويات: سنن أبي داود ١/ ١٣٣ ح ١٩١، المسند ٢٢/ ٣٤٥ ح ١٤٤٥٣.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ١٦٥ ح ٦٣٩. وقد خالف عبد الله بن المبارك عبد الرزاق عن معمر فرواه بالعنعنة كرواية أكثر الرواة عن ابن المنكدر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٤١٥ ح ١١٣٢.\n(^٣) الموضع السابق.\n(^٤) تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٦١ - ٢٦٢، وانظر: تاريخ بغداد ٢/ ٣٩٥.","vol":"2","page":748},{"text":"اختلافهم في حديث هُشيم. قال أبو حاتم: سمعت محمد بن عيسى يقول: اختلف عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود في حديث لهُشيم فقال أحدهما: كان يُدلِّسه، وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا بي فأخبرتهما بما عندي فاقتصرا عليه (^١).\n٧. قال عبد الله: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال سهل بن سعد الأنصاري - وكان قد رأى النبي ﷺ وسمع منه وذكر أنه ابن خمس عشرة سنة يوم توفي رسول الله ﷺ، وقال: حدثني أُبيّ بن كعب أن الفُتيا التي يفتون بها أن الماء من الماء رُخصة كان النبي ﷺ رخّص فيها أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال. حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن غيْلان، قال: حدثنا رشدين بن سعد، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض من أرضى، عن سهل بن سعد الساعدي، أن أُبيّ بن كعب حدثه [أن رسول الله ﷺ جعلها رُخصة للمؤمنين لقلة ثيابهم، ثم إن رسول الله ﷺ نهى عنه - يعني قوله: \"الماء من الماء\" (^٢).\nبين الإمام أحمد أن الحديث لم يسمعه الزهري من سهل بن سعد، لأنه لم يذكر الخبر، ورواية رشدين بن سعد (^٣) عن عمرو بن الحارث كشفت أن الحديث عند الزهري بواسطة رجل رِضى عنده عن سهل بن سعد، وقد تابع ابنُ وهب رشدين ابن سعد على هذه الرواية (^٤). وقد سمع الزهري من سهل بن سعد جملة،\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٦٢.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥ رقم ٥٧٧٨ - ٥٧٨٠. وانظر الحديث بالإسنادين في المسند ٣٥/ ٣١ ح ٢١١٠٤، ٣٥/ ٣٢ ح ٢١١٠٥.\n(^٣) رشدين بن سعد المصري، قال عنه أحمد: أرجو أنه صالح الحديث، وضعفه في رواية حرب ابن إسماعيل، وقدم ابن لهيعة عليه. وكذلك لينه ابن معين، وضعفه جمع من الأئمة تهذيب الكمال ٩/ ١٩٣ - ١٩٥، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(^٤) رواه أبو داود السنن ١/ ٢٤٦ ح ٢١٤، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى ١/ ١٦٥، ورواه الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٥٧، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ١١٣ تعليقًا.","vol":"2","page":749},{"text":"وروايته للحديث عن سهل بن سعد بواسطة تدل على أن الرواية الأولى مدلَّسة، والزهري، وإن لم يرد عن الإمام التصريح بأنه كان يدلس، إلا أن صنيعه هذا يدل على أنه تدليس.\nوقد وافق الإمام أحمد على عدم سماع الزهري لهذا الحديث من سهل بن سعد موسى بن هارون الحافظ قال: \"كان الزهري إنما يقول في هذا الحديث: قال سهل ابن سعد، ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد، وقد سمع من سهل أحاديث إلا أنه لم يسمع هذا منه، رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن الزهري قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره، قال موسى: ولعمري إن كان الزهري سمعه من أبي حازم، فإن أبا حازم رِضَى، فقد روى أبو حازم هذا الحديث عن سهل بن سعد\" (^١)، وزاد على الإمام أحمد تعيين الواسطة (^٢)، وكذلك جزم الدارقطني بعدم سماع الزهري للحديث من سهل\nابن سعد (^٣).\nلكن ذكر الحافظ ابن حجر أن في رواية معمر عن الزهري قال: أخبرني سهل بن سعد، فيدفع القول بعدم سماع الزهري من سهل. أخرج هذه الرواية ابن خزيمة (^٤) من طريق محمد بن جعفر غندر عن معمر. وقال ابن خزيمة: في\n_________\n(^١) التمهيد ٢٣/ ١٠٧.\n(^٢) وهذا الحديث الذي ذكره موسى بن هارون الذي فيه تعيين الواسطة قد رواه أبو داود ١/ ٢١٧ ح ٢١٥، وابن خزيمة ١/ ١١٣ تعليقًا، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان والبيهقي ١/ ١٦٦ كلهم من طريق أبي غسان محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال حدثني أبي، فذكره وانظر: كلام ابن حبان في الإحسان ٣/ ٤٤٧.\nوالحديث أعله أبو حاتم وذكر أنه دخل على راويه حديث في حديث علل ابن أبي حاتم ١/ ٤١.\n(^٣) انظر: تلخيص الحبير ١/ ١٣٥.\n(^٤) صحيح ابن خزيمة ١/ ١١٣.","vol":"2","page":750},{"text":"القلب من هذه اللفظة التي ذكرها محمد بن جعفر - أعني قوله: أخبرني سهل ابن سعد - وأهاب أن يكون هذا وهمًا من محمد بن جعفر أو ممن دونه (^١). ا. هـ. ويؤيده أن عبد الرزاق رواه عن معمر عن الزهري بالعنعنة، وليس فيه التصريح بالخبر (^٢)، وكذلك رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى (^٣)، وعبد الواحد بن زياد (^٤) كلاهما عن معمر.\nومما قد يدل على سماع الزهري من سهل رواية ابن المبارك، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري قال: حدثني سهل بن سعد. قال ذلك عن ابن المبارك معلى بن منصور (^٥)، وأبو كريب محمد بن العلاء (^٦). وخالفهما علي بن إسحاق (^٧)، وأحمد بن منيع (^٨)، وحبان بن موسى (^٩)، ويحيى الحماني (^١٠)، والحسن ابن عرفة (^١١)، كلهم رووه عن ابن المبارك بالعنعنة. والثلاثة الأولون كلهم ثقات (^١٢)، وهم أكثر عددًا من اللذين رويا التصريح.\n_________\n(^١) وقد كان رواية أهل البصرة عن معمر أوهام كما تقدم ص ٤٦٨.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ٢٤٨ ح ٩٥١.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٨٦ ح ٩٥٢.\n(^٤) المعجم الكبير ٦/ ١٢١ ح ٥٦٩٦.\n(^٥) رواه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه ١/ ٤٢ ح ١٨، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٤٦٤.\n(^٦) رواه بقي بن مخلد على ما ذكره ابن حجر تلخيص الحبير ١/ ١٣٥، إتحاف المهرة ١/ ٢٠٨.\n(^٧) وحديثه عند أحمد المسند ٣٥/ ٢٩ ح ٢١١٠١.\n(^٨) حديثه عند الترمذي ١/ ١٨٤ ح ١١١، وابن خزيمة ١/ ١١٣\n(^٩) صحيح ابن حبان ١/ ٤٤٧ ح ١١٧٣ الإحسان.\n(^١٠) شرح معاني الآثار ١/ ٥٧.\n(^١١) عند الخطيب في تاريخ بغداد ١/ ٣٥٢.\n(^١٢) انظر: تقريب التهذيب ١١٥، ١٠٨٥، ٤٧٢١.","vol":"2","page":751},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>الوجه الثالث: أن يذكر الراوي المدلِّس أنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه</span>.\nومما يكشف التدليس تصريح الراوي المدلِّس بأنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه، سواء قال ذلك لما أُوقف عنده أو قاله من تلقاء نفسه.\nومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:\n١. قال أبو داود: \"ثنا أحمد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: كان ابنُ جُريج أخبرنا عنه - يعني عن كثير، قال: ثنا كثير، عن أبيه حديث الطواف والصَّلاة فسألته فقال: ليس من أبي سمعته ولكن من بعض أهلي، عن جدي\".\nحديث ابن جريج رواه النسائي (^١)، وابن ماجه (^٢)، وأحمد (^٣) وغيرهم من طرق عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وَداعة قال: \"رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد\". فسأل سفيان بن عيينة كثير ابن كثير عن الحديث فذكر الواسطة وانكشف تدليسه. ورواية ابن عيينة هذه في مسند الإمام أحمد (^٤) أيضًا (^٥).\n_________\n(^١) سنن النسائي ٢/ ٦٧ ح ٧٥٧.\n(^٢) سنن ابن ماجه ٢/ ٩٨٦ ح ٢٩٥٨.\n(^٣) المسند ٤٥/ ٢١٩ ح ٢٧٢٤٤.\n(^٤) المسند ٤٥/ ٢١٨ ح ٢٧٢٤٣.\n(^٥) وأما ما ورد عن الإمام أحمد من الاحتجاج برواية كثير بن كثير هذه كما ذكر ذلك ابن قدامة عن الأثرم أنه قال: قلت لأحمد: الرجل يصلي بمكة ولا يستتر بشيء؟ فقال قد روي عن النبي ﷺ أنه صلى وليس بينه وبين الطوَّاف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأن مكة مخصوصة. وذلك لما روى كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده المطلب قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي حيال الحجر والناس يمرون بين يديه رواه الخلال بإسناده. ا. هـ المغني ٣/ ٨٩، فهو محمول على ما عرف عنه من الاحتجاج بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره انظر: المسودة ص ٢٤٦ - ٢٤٧.","vol":"2","page":752},{"text":"٢. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: \"قال يزيد لم يسمع سليمان التيمي حديث سجود النبي ﷺ في الظهر من أبي مِجلِز\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"سمعت أحمد سئل عن الإمام يقرأ في الظهر السجدة؟ قال: لا، فذُكر له حديثُ ابن عمر؟ فقال: لم يسمعه سليمان التيمي من أبي مِجلِز، بعضهم لا يقول فيه: عن ابن عمر\" (^٢).\nوهذا الحديث رواه أحمد في مسنده (^٣)، عن يزيد بن هارون أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابُه أنه قد قرأ: \"تنزيل السجدة\". قال: - القائل سليمان التيمي - لم أسمعه من أبي مِجلِز. ا. هـ. قال ذلك سليمان من غير أن يوقفه أحد. فاحتج الإمام أحمد بذلك على وقوع التدليس في السند وأعلّ الحديث بذلك، حتى إنه روي عنه في موضع آخر أنه قال في الحديث: ليس له إسناد (^٤).\nوقد رواه معتمر بن سليمان، عن أبيه فذكر الواسطة. رواه أبو داود (^٥)، والبيهقي (^٦) من طريق معتمر، عن أبيه، عن أمية، عن أبي مجلز، عن ابن عمر. وذكر ابن حجر أن أبا داود ذكر في رواية الرملي عنه أن أمية هذا لا يعرف، ولم يذكره إلا المعتمر (^٧)، وذكر الدارقطني أنه روي عن سليمان، عن أبي أمية، عن أبي مجلز،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٧.\n(^٢) المصدر نفسه ص ٥٧ رقم ٢٦٧.\n(^٣) المسند ٩/ ٣٩٠ ح ٥٥٥٦، وكذلك رواه ابن أبي شيبة بالإسناد نفسه مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٨١ ح ٤٣٨٦.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٤٤٤.\n(^٥) السنن ١/ ٥٠٧ ح ٨٠٧.\n(^٦) السنن الكبرى ٢/ ٣٢٢.\n(^٧) تهذيب التهذيب ١/ ٣٧٣.","vol":"2","page":753},{"text":"قال: ويشبه أن يكون عبد الكريم أبو أمية، وقال ابن رجب: كذا قاله إبراهيم ابن عرعرة (^١). وذكر ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: إن كان ذكر الواسطة محفوظًا فالمراد به عبد الكريم بن أبي المخارق، فإنه يكنى أبا أمية، وهو بصري (^٢).\nوأما قول الإمام أحمد أن بعضهم لا يقول فيه: عن ابن عمر، فإشارة إلى رواية معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: بلغني عن أبي مجلز أن النبي ﷺ فذكره. أخرجه ابن أبي شيبة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>الوجه الرابع: تنصيص الإمام على عدم سماع الراوي لحديث معينٍ من شيخه</span>.\nوهو وجه يكشف تدليس الراوي المدلس ويتم به إعلال حديثه بالتدليس، وذلك بأن يذكر الإمام حديثًا من حديث الراوي المدلس فينص على أنه لم يسمعه من شيخه. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:\n١. قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: حدثنا هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلًا قال: يا رسول الله، وقد قال هُشيم: قلت: يا رسول الله، مُرني بأمر الإسلام أمرًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال أبي: لم يسمعه هشيم من يعلى بن عطاء\" (^٤).\nوهذا الحديث أخرجه أحمد (^٥) من طريق هشيم، وكذلك البيهقي (^٦) من طريق النفيلي، والخطيب (^٧) من طريق محمد بن أبي الدنيا، وعبيد الله بن عمر\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.\n(^٢) تهذيب التهذيب ١/ ٣٧٤.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٨١ ح ٤٣٨٥.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٦ رقم ٢١٧١.\n(^٥) المسند ٣٢/ ١٧٠ ح ١٩٤٣١.\n(^٦) شعب الإيمان ٤/ ٢٣٨ ح ٤٩٢٤.\n(^٧) تاريخ بغداد ٢/ ٣٧٠.","vol":"2","page":754},{"text":"الجشمي، كلهم عن هشيم عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي \"أن رجلًا قال: يا رسول الله - وقد قال هشيم: قلت: يا رسول الله - مرني في الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدًا بعدك قال: \"قل آمنتُ بالله ثم استقِم\". قال: قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه. وهذا لفظ أحمد، وكلهم رووه عن هشيم بالعنعنة عن يعلى بن عطاء. فنص الإمام أحمد على أن هُشيمًا لم يسمعه من شيخه يعلى، وقد سمع منه أحاديث. قال عبد الله: قال أبي: قال هشيم: فارقنا يعلى بن عطاء سنة عشرين ومائة (^١). وقال يحيى بن معين: قد سمع هشيم من يعلى بن عطاء، وكان صغيرًا جدًا (^٢).\nوالحديث ثابت عن يعلى بن عطاء، حدث به شعبة عنه (^٣) فتدليس هشيم هنا لا يضر، ولعله أخذه عن ثقة عن يعلى بن عطاء.\n٢. قال عبد الله: سمعت أبي يقول في حديث هُشيم عن أبي بِشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عن ذراري المشركين. قال أبي: لم يسمعه هُشيم من أبي بشر (^٤).\nحديث هُشيم عند أحمد (^٥)، والنسائي (^٦)، وأبي يعلى (^٧)، ولم يصرح هشيم بالتحديث. وأبو بِشر جعفر بن إياس بن أبي وحْشية من شيوخ هشيم، وأخرج\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١١٤ رقم ٤٤٦٩.\n(^٢) التاريخ عن ابن معين - برواية الدوري ٤/ ٣٨٦ رقم ٤٩١٤.\n(^٣) رواه من طريق شعبة النسائي السنن الكبرى ٦/ ٤٥٨ ح ١١٤٩٠، وأحمد المسند ٢٤/ ١٤٢ ح ١٥٤١٧، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" ٥/ ١٠٠.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٧٠ رقم ٢٢١٩.\n(^٥) المسند ٣/ ٣٤٣ ح ١٨٤٥\n(^٦) سنن النسائي ٤/ ٥٩ ح ١٩٥١.\n(^٧) مسند أبي يعلى ٤/ ٣٦٢ ح ٢٤٧٩.","vol":"2","page":755},{"text":"الجماعة حديثه عنه (^١)، وتنصيص الإمام أحمد على عدم سماع هُشيم لهذا الحديث منه يدل على أن هشيمًا قد دلّسه، ولم أقف على الواسطة بينهما.\nوالحديث ثابت من طرق أخرى عن أبي بشر؛ رواه عنه شعبة (^٢)، وأبو عوانة (^٣).\n٣. وقال أبو داود: وسمعت أحمد ذكر حديث هُشيم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ جعل يوم خيْبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا. قال لم يسمعه يعني هشيم\" (^٤).\nوتقدم أن الإمام أحمد أشار إلى أن هُشيمًا دلّسه تدليس العطف عن عبيد الله ابن عمر العمري (^٥)، وقد سمعه من الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ولما روى الإمام أحمد الحديث في المسند قرن هُشيمًا في الإسناد بأبي معاوية عن عبيد الله العمري من أجل التدليس في رواية هشيم (^٦).\nوالأمثلة في هذا النوع كثيرة جدًا في الأحاديث والآثار، وقد ذكر عبد الله ابن أحمد بن حنبل عن أحمد جملة من روايات هشيم عن بعض شيوخه هي من هذا القبيل (^٧).\nوقد يكون نفي السماع خفيًا جدًا، وذلك بأن يكون الراوي المدلس قد سمع الحديث جملة من شيخه إلا جزءًا منه، فينص الإمام أحمد وينبه على الجزء الذي لم يسمعه المدلس. مثال ذلك:\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٦/ ٧.\n(^٢) المسند ٥/ ٢٥١ ح ٣١٦٥، ٥/ ٣٦٤ ح ٣٣٦٧.\n(^٣) سنن أبي داود ح ٤٧١١، والمسند ٥/ ١٦١ ح ٣٠٣٤.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٥ رقم ١٩٧٠.\n(^٥) انظر: ص ٦٠١.\n(^٦) المسند ٨/ ١١ ح ٤٤٤٨.\n(^٧) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٤٥ - ٢٨٤.","vol":"2","page":756},{"text":"قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: لم يسمع هشيم هذه الكلمة من يعلى ابن عطاء في حديث جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه [أن النبي ﷺ صلى بهم الغداة فانحرف] (^١).\nروى حديث يزيد بن الأسود عدد من الرواة عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: [صلى رسول الله ﷺ الفجر بمنى فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس، فدعا بهما فجيء بهما تُرعد فرائصُهما فقال: \"ما منعكما أن تُصلِّيا مع الناس؟ \" فقالا: قد كنا صلينا في الرحال، قال: \"فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة\"، ومن هؤلاء الرواة غير هشيم، شعبة (^٢)، والثوري (^٣)، وشريك (^٤)، وهشام بن حسان (^٥)، وأبي عوانة (^٦)، وحماد بن سلمة (^٧) وغيرهم.\nورواه الإمام أحمد من حديث هشيم، فلم يذكر قوله: فانحرف، وذكر في هذا السؤال أن قوله في الحديث: فانحرف، لم يسمعه هشيم من يعلى. قال أحمد في المسند (^٨) بعد أن أورد الحديث: \"وربما قيل لهشيم: فلما قضى صلاته يحرف، فيقول: يحرف\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٦٨ رقم ٢٢١٣.\n(^٢) وحديثه عند أبي داود ح ٥٧٥، وأحمد المسند ٢٩/ ٢٣ ح ١٧٤٧٨، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٣/ ٦٧ ح ١٦٣٨، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٤٣٤ ح ١٥٦٥، والطحاوي شر معاني الآثار ١/ ٣٦٣.\n(^٣) وحديثه عند عبد الرزاق المصنف ٢/ ٤٢١ ح ٣٩٣٤، وأحمد المسند ح ١٧٤٧٥، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة الموضع نفسه.\n(^٤) وحديثه عند ابن خزيمة الموضع نفسه.\n(^٥) وحديثه عند عبد الرزاق الموضع نفسه، وابن خزيمة الموضع نفسه، والطبراني المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٢ ح ٦٠٩.\n(^٦) وحديثه عند أحمد ٢٩/ ٢١ ح ١٧٤٧٦.\n(^٧) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٣ ح ٦١٢.\n(^٨) المسند ٢٩/ ١٨ ح ١٧٤٧٤.","vol":"2","page":757},{"text":"عن مكانه\" وهذا اللفظ رواه الثوري في حديثه، وكذلك أبو عوانة، ووقع أيضًا عند بعض من رواه عن هشيم منهم أحمد بن منيع (^١)، وأبو الربيع (^٢)، وأبو بكر ابن أبي شيبة (^٣). ولم يذكر ذلك الإمام أحمد كما تقدم، وكذلك زياد بن أيوب (^٤)، ومحمد الدولابي (^٥) كلهم عن هشيم. فنصّ الإمام أحمد على أن هذه الكلمة لم يسمعها هشيم من يعلى، ومن القرائن المؤيدة لذلك كون بعض من روى الحديث عن هشيم لم يذكرها، وكأنه أخذها عن الحاضرين الذين ذكرهم الإمام أحمد أنهم ربما قالوا له: [فلما قضى صلاته يحرف]، وهذا من دقائق العلل نبه عليه الإمام أحمد ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>الوجه الخامس: تنصيص الإمام على عدم سماع المدلِّس من شيخه إلا أحاديث معينة</span>.\nوذلك بأن ينص الإمام على أن أحاديث معينة هي المسموعة للراوي المدلِّس من شيخه، فيحكم على ما زاد عنها بأنها مدلَّسة. ومن ذلك:\n١. أحاديث هشيم عن الزهري: قال أبو طالب: \"قال أبو عبد الله: ما صحّ من سماع هشيم عن الزهري أربعة أحاديث يقول: حدثنا الزهري، الحديث الطويل حديث الرجم (^٦)، وحديث صفية، وحديث المجادلة (^٧)، وحديث ابن عمر: [ما استيسر من الهدي] (^٨)، وما كان غير ذلك يقول: لا أدري من سفيان بن حسين\n_________\n(^١) حديثه عند الترمذي ١/ ٤٢٥ ح ٢١٩.\n(^٢) حديثه عند البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٣٠١.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٧٥ ح ٦٦٤٢.\n(^٤) وحديثه عند النسائي السنن ٢/ ١١٢ ح ٨٥٧، وابن خزيمة الموضع نفسه.\n(^٥) وحديثه عند ابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٤٣٤ ح ١٥٦٥.\n(^٦) انظره في: المسند ١/ ٣٢٧ ح ١٩٧، وفيه تصريح هشيم بالخبر من الزهري.\n(^٧) لم أقف عليهما.\n(^٨) انظره في تفسير الطبري ٢/ ٢١٨، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].","vol":"2","page":758},{"text":"سمعته أو الزهري. قلت: يقولون إن شعبة رضي بكتابه؟ قال: لا، ليس هذا بشيء إنما سمع بالموسم فنسي\" (^١).\nفحكم الإمام أحمد على جملة من الأحاديث رواها هشيم عن الزهري بأنه لم يسمعها منه، وهذه الرواية تدل على أن الواسطة ببينه وبين الزهري هو سفيان ابن حُسين. قال عنه أحمد: ليس بذاك، في حديثه عن الزهري شيء (^٢). وقال ابن معين: حديثه عن الزهري قط ليس بذاك، إنما سمع من الزهري بالموسم (^٣). ومن تلك الأحاديث:\nأ. قال ابن هاني: سألته عن حديث هشيم، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ: \"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم\". قال لي أبو عبد الله: لم يسمعه هُشيم من الزهري، وكتبته\" (^٤).\nورواه عبد الله قال: \"سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من الزهري حديث علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ: \"لا يتوارث أهل ملتين شتَّى\"، قال أبي: وقد حدثنا به هُشيم\" (^٥).\nهذا الحديث أخرجه الترمذي (^٦)، والنسائي (^٧) وغيرهما. وقد روى الحديث سفيان بن عيينة، عن الزهري (^٨)، وتابع ابنَ عيينة غيرُ واحدٍ من\n_________\n(^١) المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٠١. وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٥.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥٠ رقم ٢٨.\n(^٣) الجرح والتعديل ٤/ ٢٢٨.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٠٩ رقم ٢١٤٠.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٦٥ رقم ٢٢٠٢.\n(^٦) الجامع ٤/ ٤٢٣ ح ٢١٠٧.\n(^٧) السنن الكبرى ٤/ ٨٢ ح ٦٣٨٢.\n(^٨) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ٦/ ٢٨٣ ح ٣١٤٣٧، والدارمي السنن ٢/ ٤٦٧ ح ٣٠٠١.","vol":"2","page":759},{"text":"أصحاب الزهري (^١)، ولذلك حكم عليه الترمذي بأنه: حسن صحيح.\nلكن أشار ابن عبد البر إلى أن هشيمًا تفرد برواية الحديث بلفظ: لا يتوارث أهل ملتين شتّى، وقال: هشيم ليس في ابن شهاب بحجة (^٢).\nب. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من الزهري حديث سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ \"أنه كان يرفع يديه إذا كبّر\".\nأخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة (^٣)، ولفظه: \"أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح وإذا ركع وإذا رفع رأسه ولا يجاوز بهما أذنيه\". والحديث مشهور للزهري، لكن قوله: ولا يجاوز بهما أذنيه لم أره لأحد من أصحاب الزهري، وإنما قالوا: يرفعهما حذوَ منكبيه (^٤). وقد رواه هُشيم، عن الفضل بن عطية، عن سالم، عن أبيه به (^٥)، ولم أر لفضل بن عطية رواية عن الزهري، وقد يكون هشيم حمل حديث الزهري على حديث الفضل بن عطية لعدم ضبطه لحديث الزهري، والعلم عند الله.\n٢. أحاديث هُشيم عن جابر الجُعفي: قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: هذان الحديثان سمعهما هُشيم من جابر الجُعفي، وكل شيء حدّث عن جابر\n_________\n(^١) ذكرهم ابن عبد البر ٩/ ١٦٢.\n(^٢) التمهيد ٩/ ١٧١.\nوالذين رووا هذا الحديث عن هشيم بهذا اللفظ: هم أسد بن موسى عند الطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٦٦، ويحيى الحماني عند الطبراني المعجم الكبير ١/ ١٦٣ ح ٣٩١، ومسعود بن الجويرية، وعلي بن حجر كلاهما عند النسائي السنن الكبرى ٤/ ٨٢ ح ٦٣٨١، ٦٣٨٢، والحسين بن سوار عند ابن عبد البر الموضع نفسه.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢١٢ ح ٢٤٢٨.\n(^٤) انظر: صحيح البخاري ٢/ ٢١٨ - مع فتح الباري مثلًا.\n(^٥) المعجم الكبير ١٢/ ٣٢٣ ح ١٣٢٤٣.","vol":"2","page":760},{"text":"مدلّس إلا هذين:\nحدثني أبي قال: حدثنا هُشيم، قال: أخبرنا جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن ابن عباس \"أن النبي ﷺ مرّ بقِدرٍ يغلي فأخذ منها عرقًا أو كتفًا فأكله ثم صلى ولم يتوضأ\".\nحدثني أبي، قال: حدثنا هُشيم، عن جابر - قال: أبي وهو مما سمعه منه - عن الحسن بن مسافر، عن أبي سبرة النخعي قال: \"لما قدم عمر الشَّام أُتي بطعام فلما فرغ أُتي بثوب كتّان أو قال: سابري، فقالوا: امسح به يدك، فقال: إن كان ذلك ليكفي رجلًا من المسلمين، وأبى أن يمسح به يده، قال: فلما حضرت الصلاةُ صلى ولم يتوضأ\" (^١).\nوقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: \"هُشيم سمع من جابر الجعفي؟ قال: سمع منه حديثيْن فقط، ولكن كان يحدّث عنه مراسيل، أحد الحديثين حديث ابن عباس في الكتف\" (^٢).\nوقال الخطيب: قد دلّس هُشيم عن جابر الجُعفي وعن غيره من شيوخه أحاديث كثيرة (^٣).\n٣. أحاديث هُشيم عن أيوب السختياني: قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من أيوب إلا حديثًا واحدًا\" (^٤). وأما ابن معين فقال: قد سمع منه حديثًا أو حديثين (^٥).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٠ رقم ٢١٤٩ - ٢١٥٠.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٢ رقم ٢٠٥٧.\n(^٣) تاريخ بغداد ١٤/ ٨٦ - ٨٧.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢١٠ رقم ٤٩٠٧.\n(^٥) التاريخ عن ابن معين - برواية الدوري ٤/ ٤١٠ رقم ٥١٠٩.","vol":"2","page":761},{"text":"٤. الحكم بن عُتيبة عن مِقسم: تقدم أن الإمام أحمد قال: لم يصحّ سماعُ الحكم من مِقسم إلا في أربعة أحاديث. قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث: حديث الوتر أن النبي ﷺ كان يُوتر، وحديث عزيمة الطلاق عن مقسم عن ابن عباس في عزيمة الطلاق، والفي الجماع (^١)، وعن مقسم عن ابن عباس أن عمر قنت في الفجر، هو حديث القنوت، وأيضا عن مقسم رأيه في محرم أصاب صيدًا قال: عليه جزاؤه، فإن لم يكن عنده قُوِّم الجزاء دراهم ثم تُقوَّم الدراهمُ طعامًا. قلت: فما روي غير هذا؟ قال: الله أعلم يقولون هي كتاب، أرى حجاجًا روي عنه عن مِقسم عن ابن عباس نحوا من خمسين حديثًا، وابن أبي ليلى يغلط في أحاديث من أحاديث الحكم، وسمعت أبي مرة يقول: قال شعبة هذه الأربعة التي يصححها الحكم سماع من مقسم\" (^٢). وقد روي عن أحمد زيادة حديث آخر، وهو حديث الحجامة في الصيام (^٣).\nفهذا قد عدّه بعض المحدثين نوعا من أنواع التدليس، وهو أن يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه سماعًا وإنما أخذها من صحيفة وجادة، فقد اعتبر ابن حبان رواية الحكم بن عتيبة، وليث بن أبي سليم، وابن أبي نجيح، وابن جريج، وابن عيينة تفسير مجاهد عنه تدليسًا، لأنهم لم يسمعوه وإنما نسخوه من كتاب القاسم بن أبي وبرة الذي سمعه من مجاهد (^٤).\n_________\n(^١) كذا في الأصل وفي الطبعة التي حققها محمد حسام بيضون. ولعل الصواب: الفيء في الجماع، إشارة إلى كفارة من أتى الحائض، فهو من الأحاديث الأربعة كما ذكرها القطان عن شعبة، وعنه أخذها الإمام أحمد انظر: المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٨٤، جامع التحصيل ص ١٦٧.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٣٦ رقم ١٢٦٩.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٩٣ رقم ٤٣٣٣، مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٦ رقم ٢٠٣٠، وتقدم، انظر: ص ٥٠٨.\n(^٤) مشاهير علماء الأمصار ١/ ١٦٤، وانظر: منهج المتقدمين في التدليس ص ٦٤.","vol":"2","page":762},{"text":"وقد نُسب الحكم بن عتيبة إلى التدليس (^١)، ولم أقف عن الإمام أحمد على التصريح بشيء من ذلك في الحَكم، إلا ما ذكره هنا مما هو عند التحقيق صورة من صور التدليس.\n\n<span data-type='title' id=toc-259>الوجه السادس: الإعلال بالنكارة وسببها التدليس</span>.\nإذا وقعت النكارة في الحديث الذي ظاهر سنده الصحة فإن عادة النقاد أن يُرجعوا علة النكارة إلى علة قادحة إن وجدت، وإلا ذكروا علة محتملة لأن تكون قادحة وإن لم يكن وجودها محققًا، وقد سبق كلام المعلمي في هذا في الكلام حول الإعلال بكذب الراوي (^٢). وهذا المسلك قد سلكه الأئمة في إعلال حديث المدلس حيث يروي الحديث بدون تصريح بالإخبار من شيخه في السند ووقعت النكارة في الحديث إما بالغرابة المستنكرة أو المخالفة أو غير ذلك فيعللون الحديث بالتدليس المحتمل من المدلس، ويرونه منشأ علة النكارة. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:\n١. قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان\". فقالا جميعًا: ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روّاد من عبيدالله شيئًا، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه، سمعه من إنسان فحدّث به (^٣).\n_________\n(^١) انظر: جامع الحصيل ص ١٠٦، وتعريف أهل التقديس ص ٥٨.\n(^٢) قال المعلمي: إذا استنكر الأئمة المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا له علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلوه بعلة ليست قادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر … انظر: مقدمته على كتاب \"الفوائد المجموعة\" ص ١١ - ١٢.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٢٧ رقم ١٣٥.","vol":"2","page":763},{"text":"ذكره ابن الجوزي (^١)، ونقل رواية مهنا هذه. ووجه النكارة كما ذكره أحمد وابن معين كون الحديث ليس معروفًا من أحاديث عبيد الله العمري، وهو حافظ مكثر قد جمع حديثه وعُرف، فيستغرب أن لا يرويه إلا عبد المجيد بن أبي رواد، والإسناد ظاهره الصحة وعبد المجيد لما كان ثقة عندهما (^٢)، لم يُلزقا النكارة به، بل ألزقاها بالرجل المجهول الذي هو الواسطة بينه وبين عبيد الله العمري.\nفالشاهد أنهما جعلا علة الحديث التدليس المحتمل من عبد المجيد لأنه لم يسمع من عبيد الله، فالمحتمل أن يكون سمعه من إنسان غير ثقة عن عبيد الله فدلّسه عنه. ولا شك أن عبد المجيد قد عاصر عبيد الله العمري، فقد روى عن أقرانه مثل ابن جريج، ومعمر (^٣)، لكن نص أحمد وابن معين على أنه لم يسمع من عبيد الله العمري شيئًا، فروايته عنه مرسلة، وأطلقا عليها اسم التدليس.\nوقد اعتمد العلائي هذه الرواية عن أحمد في عدّ عبد المجيد من المدلسين (^٤)، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.\nونكارة متن الحديث واضحة من وجه آخر، فإن المعروف في رواية هذا المتن: \"لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل\". هكذا رواه الشاشي (^٥) من طريق الطيالسي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود به مرفوعًا. وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه لكن رواياته عنه صحيحة كما قال ابن رجب (^٦).\n_________\n(^١) العلل المتناهية ١/ ٢٨٠.\n(^٢) وثقه كل من أحمد ويحيى بن معين تهذيب الكمال ١٨/ ٢٧٣.\n(^٣) انظر: تهذيب الكمال الموضع نفسه.\n(^٤) انظر: جامع التحصيل ص ١٠٧.\n(^٥) مسند الشاشي ٢/ ٣٣١.\n(^٦) فتح الباري لابن رجب ٥/ ٦٠.","vol":"2","page":764},{"text":"٢. قال عبد الله: حَدّثتُ أبي بحديث المُحاربي عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: سُئل النبي ﷺ عن التَّشبيه في الصَّلاة، فقال: \"لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا\". فأنكره أبي واستعظمه، ثم قال أبي: المحاربي، عن معمر؟ قلت: نعم، فأنكره جدًا. والحديث حدثني به أبو الشعثاء، وأبو كريب قالا: حدثنا المحاربي. قال أبو عبد الرحمن عبد لله بن أحمد: ولم نعلم أن المُحاربي سمع من معمر شيئًا، وبلغنا أن المحاربي كان يدلّس (^١).\nهذا الحديث الذي ذكره عبد الله للإمام أحمد رواه ابن ماجة (^٢) عن أبي كُريب، عن المُحاربي به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة. قال ابن حجر: \"رواته ثقات لكن سُئل أحمد عنه فقال: إنه منكر\" (^٣). ووجه النكارة أنه جعله من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، والمعروف أن هذا الحديث يرويه الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، وعن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد مسندًا، هكذا رواه الجماعة (^٤) إلا الترمذي من طرق عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به.\nوأرجع الإمام أحمد العلة إلى رواية المُحاربي عن معمر، وأوضح ذلك عبد الله بأن المحاربي لا يُعلم سماعُه من معمر، وكان يدلس، أي فربما أخذه عن إنسان غير ثقة فدلسه عن معمر. ويؤيد هذا التوجيه أن معمرًا يروي الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هِلال، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا شبَّه على أحدكم الشيطانُ وهو في صلاته فقال: أحْدثتَ، فليقل في نفسه: كَذَبتَ، حتى يسمعَ صوتًا بأذنيْه أو يجد ريحًا بأنفه، وإذا صلى\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٦٣ رقم ٥٥٩٧.\n(^٢) سنن ابن ماجة ١/ ١٧١ ح ٥١٤.\n(^٣) فتح الباري ١/ ٢٣٧.\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ٢٣٧ ح ١٣٧ - مع فتح الباري، صحيح مسلم ١/ ٢٧٦ ح ٣٦١، سنن أبي داود ١/ ١٢٢ ح ١٧٦، سنن النسائي ١/ ٩٨ ح ١٦٠، سنن ابن ماجه ١/ ١٧١ ح ٥١٣.","vol":"2","page":765},{"text":"أحدكم فلم يَدرِ أزاد أم نقص فليسجد سجدتيْن وهو جالس\" (^١)، فلعل هذا الذي حدّث المحاربي بالحديث لم يضبط حديث معمر فجعله عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد، فأخذه عنه المحاربي ورواه عن معمر بإسقاط الواسطة.\nفالشاهد أن النكارة في هذا الإسناد راجعة إلى تدليس محتمل من المحاربي في روايته عن معمر.\n٣. قال عبد الله: ذكَر أبي حديثَ المُحاربي، عن عاصم، عن أبي عثمان حديث جَرِير: تُبْنى مدينةٌ بين دِجْلَة ودُجَيْل، فقال: كان المُحاربي جليسًا لسيف بن محمد ابن أخت سفيان، وكان سيف كذّابًا، فأظن المحاربي سمع منه. قيل له: إن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان، فقال: كل من حدّث به فهو كذاب - يعني عن سفيان. قلت له: إن لوَيْنا حدثناه عن محمد بن جابر، فقال: كان محمد ربما أَلحَق في كتابه، أو يُلحِق في كتابه - يعني الحديث. وقال هذا حديث ليس بصحيح أو قال كذب\" (^٢).\nهذه المسألة تقدم ذكرها في الكلام عن الإعلال بكذب الراوي، والشاهد منه هنا أن هذا الحديث الذي حكم عليه الإمام أحمد بأنه كذب ظاهر إسناده الصحة، وأرجع سبب نكارة المتن إلى احتمال تدليس المحاربي في روايته للحديث عن عاصم، وأنه يحتمل أن يكون سمع الحديث من سيف بن محمد - وكان كذابًا - فدلسه عن عاصم وأسقط سيف بن محمد.\n٤. قال ابن رجب في حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: بصر رسول الله ﷺ برجل يُسيء\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ١٤٠ ح ٥٣٣، وعنه أحمد المسند ١٧/ ٤٢٣ ح ١١٣٢٠، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٦/ ٣٨٩ ح ٢٦٦٦.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٧٠ رقم ٢٦٤٤.","vol":"2","page":766},{"text":"في صلاته، فقال له رسول الله ﷺ: \"أحسن صلاتَك\"، وأمره أن يرفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وبالقراءة، وبرفع يديه إذا كبّر للركوع، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع\" قال: خرجه ابن جوصا في \"مسند الأوزاعي\"، وهو مرسل. قال ابن رجب: والوليد مدلس عن غير الثقات، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هذا. ا. هـ (^١).\nوهذا الإسناد الذي ذكره ابن رجب ظاهره الصحة، وإنما استنكره الإمام لما فيه من الأمر برفع اليدين في المواضع الثلاثة، وقد روي الحديث عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن أنس أن النبي ﷺ كان يعفل ذلك في صلاته، وقال ابن رجب هو أصح، أي من الحديث الذي فيه الأمر. ولا ترجع العلة إلا إلى تدليس الوليد بن مسلم، فقد رواه عن الأوزاعي بالعنعنة وهو مشهور بالتدليس عن غير الثقات، فأصبح احتمالُ التدليس هو علة وقوع النكارة في المتن.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٢٩٨.","vol":"2","page":767},{"text":"<span data-type='title' id=toc-260>المطلب الثالث: تدليس الشيوخ والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\nوتدليس الشيوخ هو القسم الآخر من قسمي التدليس، وهو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثًا، فغيّر اسمه، أو كنيته، أو حاله المشهورة من أمره لئلا يُعرف (^١). والإعلال بهذا النوع من التدليس ليس من باب الإعلال بالانقطاع، فإن السماع هنا ثابت، وإنما هو من باب تغطية الراوي المجروح، إذ وصف الراوي بما لم يعرف به يجعله في حيز المجهول المعدوم العدالة وقد تكون حالته أسوأ من حالة المجهول.\nوقد أشار الإمام أحمد إلى أن عطية بن سعد العوفي كان مشهورًا بهذا النوع من التدليس. روى الخطيب عن أحمد بن حنبل أنه قال: \"بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير فكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هُشيم يضعّف حديث عطية\" (^٢) وكنية الكلبي أبو النضر، فغير عطية كنيته ليوهم الناس أنه يروي عن أبي سعيد الخدري التفسير الذي كان يأخذه عنه.\nومن الأمثلة على ما كشفه الإمام أحمد من هذا النوع من التدليس في الأسماء الواقع في بعض الأسانيد:\n١. قال أبو داود قال: قلت لأحمد: \"من الفزاري الذي يحدِّث عنه محمد ابن سلمة حديث البراء: \"من كذب علي\"؟ قال: هو محمد بن عبيد الله العَرزَمي، كان يقول في عرزم - وكان فزاريًا - فكان يقول - يعني محمد بن سلمة - الفزاري\" (^٣).\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية ص ٥٢٠.\n(^٢) المصدر نفسه ص ٥٢١.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٢ رقم ١٩٠٠.","vol":"2","page":768},{"text":"هذا الحديث رواه أبو نعيم (^١)، والحاكم (^٢)، والخطيب (^٣) من طرق عن محمد ابن سلمة، عن الفزاري محمد بن عبيد الله، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن ابن عوسجة، عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كذب عليّ متعمدًا ليضل به الناس فليتبوأ مقعدَه من النار\".\nفمحمد بن سلمة وهو الحراني (^٤)، دلّس اسم شيخه محمد بن عبيد الله العرزمي فسماه الفزاري لكي لا يُعرف حتى إن ذلك خفي على أبي داود، والعرزمي متروك الحديث عند أئمة الحديث، لا يختلفون فيه كما قال الحاكم (^٥). وهذا الفعل يجعل الإسناد أحسن حالًا منه لو أنه صرّح باسمه، فإن غايته أن يكون شيخ محمد بن سلمة مجهولًا، وحديث المجهول أحسن حالًا من حديث الراوي الموصوف بأنه متروك الحديث.\nوفي الحديث لفظة منكرة، وهي قوله: \"ليُضلّ الناس بغير علم\"، وقد أشار الحاكم إلى نكارتها.\n٢. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: \"حدثني أبي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، شيخ كان في بجيلة، عن إبراهيم قال: [لا يصلي المتيمّم إلا صلاة واحدة]. قال أبي زعموا أنه الحسن بن عمارة، قال أبي: كان الحسن بن عمارة ينزل في بجيلة، أرى أن أبا معاوية غيّر اسمه\" (^٦).\n_________\n(^١) مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم ١/ ٤٨ ح ٣٤.\n(^٢) المدخل على الصحيح ص ١٩٧.\n(^٣) تالي تلخيص المتشابه ١/ ١٥٥.\n(^٤) قال عنه أحمد: لم يكن من أصحاب الحديث، ولم يكن به بأس، أُراه رجلًا صالحًا وأثنى عليه خيرًا. العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٧٧ رقم ٤٢٥٥.\nوكذلك وثقه ابن سعد، والنسائي تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٩١.\n(^٥) الموضع نفسه.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٣٢ رقم ٣٥١٦.","vol":"2","page":769},{"text":"وهذه الرواية رواها العقيلي (^١) أيضًا والخطيب (^٢). قال الخطيب في الحسن بن عمارة: وهو عبد الله بن عبد الرحمن الذي روى عنه أبو معاوية الضرير (^٣). وإنما كشف ذلك الإمام أحمد. والحسن بن عمارة البَجَلي متروك (^٤)، فدلّس أبو معاوية اسمه لكي لا يعرف.\n_________\n(^١) كتاب الضعفاء ١/ ٢٥٦.\n(^٢) موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٢٦.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) تقريب التهذيب ١٢٧٤.","vol":"2","page":770},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>الباب الرابع: إعلال الأحاديث بالشذوذ وبالعلل الخفية</span>\nوفيه فصلان\n\nالفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة\nالفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية","vol":"2","page":771},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة</span>","vol":"2","page":773},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>المبحث الأول: التفرد والإعلال به عند الإمام أحمد</span>.\n<span data-type='title' id=toc-264>المطلب الأول: معنى التفرد والغرابة عند الإمام أحمد</span>.\nالتفرد لغة مأخوذ من الفرد. قال ابن فارس: \"الفاء والراء والدال أصل صحيح يدل على وُحدة، ومن ذلك الفرْد وهو الوَتْر، والفارِد والفَرْد الثَّوْر المنفرِد، وظَبية فارِد انقطعت عن القَطِيع، وكذلك السِّدرة الفاردة انفردت عن سائر السِّدر\" (^١).\nوعرفّه الذهبي في الاصطلاح فقال: \"والتفرد يكون لما انفرد به الراوي إسنادًا ومتنًا، ويكون لما تفرد به عن شيخ معين\" (^٢).\nفذكر نوعين للتفرد: الأول منهما - وهو ما اصطُلِح عليه بالفرد المطلق - هو تفرد الراوي برواية الحديث إسنادًا ومتنًا، أي لم يُرو الحديث بإسناده ومتنه إلا من طريقه. والثاني - وهو ما اصطُلِح عليه بالفرد النسبي ويكثر إطلاق الغريب عليه - هو التفرد عن شيخ معين ولو كان أصلُ الحديث معروفًا من وجه آخر (^٣).\nولم أقف على استعمال الإمام أحمد للفظ التفرد، لكن ذكر أبو داود أنه سأله فقال: \"إسرائيل إذا انفرد بحديث يُحتج به؟ قال إسرائيل ثبت الحديث\" (^٤)، وليس في هذا السؤال تمييز لنوع التفرد هل هو من قبيل المطلق أو النسبي. وقد يكون الاستعمال هنا على المعنى اللغوي، وهو قريب من المعنى الاصطلاحي في\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة ٤/ ٥٠٠.\n(^٢) الموقظة ص ٤٣.\n(^٣) انظر: نزهة النظر ص ٢٨ وفتح المغيث ١/ ٢٥٣.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣١١ رقم ٤٠٥.","vol":"2","page":775},{"text":"كلا حالتيه، لأن الذي يروي حديثًا لا يرويه غيرُه قد انقطع عن سائر الرواة وانفرد عنهم، وكذلك الذي يروي حديثًا عن شيخه لا يرويه عنه غيرُه.\nوالذي ورد عن الإمام أحمد هو استعمال لفظ الغرابة ومشتقاتها، وذكر الحافظ ابن حجر أنها والتفرد مترادفان لغة واصطلاحًا (^١). ويرجع استعمال هذا اللفظ عند الإمام أحمد إلى معنين:\n\n<span data-type='title' id=toc-265>الأول: التفرد المطلق</span>.\nقال الميموني: ذكر أبو عبد الله أن معمرًا لقي همامًا - يعني ابن منبه - شيخًا كبيرًا في أيام السودان، فقرأ على معمر، ثم ضعُف الشيخُ فقرأ معمر الباقي عليه، وهي أربعون ومئة حديث فيها غرائب، منها: \"كان داود يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن\" (^٢).\nوقال الميموني في موضع آخر: قال لي أحمد بن حنبل: \"همَّام بن منبِّه روى عنه أخوه وهب بن منبِّه، وكان رجلًا يغزو، وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، فجالس أبا هريرة بالمدينة، فسمع أحاديث - وكان قد أدرك المسوِّدة (^٣) وسقط حاجباه على عينيه - وهي نحو أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطَّعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث\" (^٤).\nفقد فسّرت الروايةُ الثانية الغرائب بأنها أشياء ليست في الأحاديث، أي لا تروى إلا من ذلك الوجه، وهذا النوع من الأحاديث هو الفرد المطلق. والمثال\n_________\n(^١) نزهة النظر الموضع نفسه.\n(^٢) المنتخب من العلل للخلال ص ١١٨ رقم ٥١.\n(^٣) المقصود بهم العباسيين لأن السواد كان شعارهم. ذكره الأرنؤوط في تحقيقه على سير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٢.\n(^٤) تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٩٩ - ٣٠٠.","vol":"2","page":776},{"text":"الذي ذكره الإمام أحمد ظاهره من ذلك، فقد رواه في مسنده (^١)، وكذلك البخاري (^٢) وغيرهما عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"خُفّف على داود ﵇ القراءة، فكان يأمر بدابته تسرج، فكان يقرأ القرآن (^٣) من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه\". فإن ظاهر هذه الرواية أنها من مفردات همام بن منبه من بين أصحاب أبي هريرة، ولعل من أجل هذا تجنب الإمام مسلم إخراجه، مع إخراجه عددًا من الأحاديث هي في صحيفة همام بن منبه. وكأن الإمام البخاري لاحظ هذا الظاهر فذكر ما يدفعه، فقال - بعد سياقه للحديث: رواه موسى بن عقبة، عن صفوان، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-266>الثاني: إطلاق هذه اللظفة على الفرد النسبي</span>، ومن ذلك:\nقال عبد الله: \"حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن هشام\nابن أبي عبد الله، عن عامر الأحول، عن الحسن أن رسول الله ﷺ نهى أن تنكح الأمة على الحرّة. قال أبي: حديث سفيان، عن هشام بن أبي عبد الله غريب، إنما رواه عمرو بن عبيد، وهو غريب من حديث عامر الأحول. قال أبي: وحدثناه الفزاري - يعني مروان - عن هشام ابن أبي عبد الله\" (^٥).\n_________\n(^١) المسند ١٣/ ٤٩٧ ح ٨١٦٠\n(^٢) صحيح البخاري ٦/ ٤٥٣ ح ٣٤١٧ - مع فتح الباري.\n(^٣) قال ابن القيم: والمراد بالقرآن ههنا الزبور كما أريد بالزبور القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. تهذيب السنن ١٢/ ٢٧٩.\n(^٤) صحيح البخاري الموضع السابق. وذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري وصل هذا التعليق في \"خلق أفعال العباد\"، وكذا الإسماعيلي في \"مستخرجه\"، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\"، وساق الحافظ إسناد الإسماعيلي، من طريق أحمد بن حفص، عن أبيه حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة تغليق التعليق ٤/ ٢٩ - ٣٠.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٩١ رقم ٤٣٢٦.","vol":"2","page":777},{"text":"أطلق الإمام أحمد الغرابة على رواية هذا الحديث من طريق عامر الأحول، عن الحسن البصري، فقال: غريب من حديث عامر الأحول، فالمقصود بالغرابة هنا التفرد النسبي، وليس التفرد المطلق، لأن الحديث روي من وجه آخر عن رجل، عن الحسن، وبينت رواية ابن عيينة أن الرجل المبهم هو عمرو بن عبيد (^١)، وإنما يستغرب من رواية عامر الأحول، عن الحسن (^٢) حيث لم يرد ذلك إلا في رواية هشام الدستوائي.\nوقال عبد الله أيضًا: \"حدثني أبي، قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا يحيى ابن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن النبي ﷺ دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جوار فقال لها: \"ما هذا يا عائشة؟ \" فقالت: هذه خيل سليمان، قال: فجعل يضحك من قولها. سمعت أبي يقول: غريب، لم نسمعه من غير هُشيم، عن يحيى بن سعيد\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢٦٨ ح ١٣١٠١.\n(^٢) رواه غير واحد فلم يذكر عامر الأحول، منهم:\nأبو داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن رجل، عن الحسن. رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٦٧ ح ١٦٠٧١.\nوإسماعيل بن علية قال: حدثني من سمع الحسن يقول فذكره. رواه سعيد بن منصور ١/ ٢٢٩ ح ٧٤١.\nوابن جريح، رواه عن رجل عن الحسن أيضًا. رواه عبد الرزاق عنه مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢٦٧ ح ١٣٠٩٩.\nوجزم الحافظ ابن حجر بأن الرجل المبهم هو عمرو بن عبيد تلخيص الحبير ٣/ ١٧١.\nلكن يشكل عليه أن ابن أبي شيبة رواه عن إسماعيل بن علية، عن يونس عن الحسن، فإن كان حفظ فقد يكون هو الرجل المبهم، لا عمرو بن عبيد كما قال الإمام أحمد، وكذلك الحافظ ابن حجر، لأن ابن علية أدرى بحديث أهل البصرة من ابن عيينة، إلا أن يكون غير ابن عيينة تابعه على ذكر عمرو بن عبيد، ولم أقف على من تابعه، والله أعلم.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٧٧ ح ٢٢٤٢.","vol":"2","page":778},{"text":"هذا الحديث استغربه الإمام أحمد من حديث يحيى بن سعيد، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، لأنه لم يسمعه من هذا الوجه إلا من هُشيم، فسماه غريبًا، فهو من التفرد النسبي.\nوالحديث يرويه سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عمارة ابن غزية، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن عائشة به (^١)، وهو في الصحيح من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بدون ذكر خيل سليمان (^٢).\nوقال الأثرم: \"حدثنا أحمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإذا أدركهم جلوسًا صلى أربعًا. قال أبو عبد الله: ما أغربه - يعني أن هذا الحديث غريب عن ابن عمر\" (^٣).\nوهذا التفسير يحتمل أنه من ابن عبد البر، وهو مشكل، فإن الرواية بهذا الأثر قد جاءت من طرق أخرى عن ابن عمر؛ رواه الثوري، عن الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر (^٤)، وتابعه عبد الله بن عمر العمري، عن نافع (^٥). ورواه أيضًا هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع عن ابن عمر (^٦). فلا وجه لاستغرابه من حديث ابن عمر.\nوالذي يظهر لي أن الإمام أحمد استغرب الحديث من رواية أيوب، عن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود السنن ٥/ ٢٢٧ ح ٤٩٣٢، والنسائي السنن الكبرى ٥/ ٣٠٦ ح ٨٩٥٠.\n(^٢) صحيح البخاري ١٠/ ٥٢٦ ح ٦١٣٠، وصحيح مسلم ٤/ ١٨٩٠ ح ٢٤٤٠.\n(^٣) التمهيد ٧/ ٧٠. والأثر رواه عبد الراق في مصنفه ٣/ ٢٣٤ ح ٥٤٧١ عن معمر به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق المصدر نفسه ٣/ ٢٣٤ ح ٥٤٧٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق أيضًا الموضع نفسه ح ٥٤٧٢.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤٦١ ح ٥٣٣٤.","vol":"2","page":779},{"text":"نافع، عن ابن عمر، فقد رواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع قوله (^١)، فالمقصود بالغرابة كونه من رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، والله أعلم.\nوقد كان من منهج السلف ذم الأحاديث الغريبة. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإذا عُرف، وإلا فدعه (^٢).\nوقال أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء (^٣).\nوالأصل في ذم الغرائب ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (^٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يكون في آخر الزمان دجَّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم\". وهذا وصف للأحاديث الغريبة.\nوليس كل حديث غريب منكرًا، فقد روى الخلال عن المرُّوذي قال: \"ذكرتُ لأبي عبد الله حديث محمد بن سلمة الحراني، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن المِنهال، عن أبي عُبيدة، عن مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله تعالى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] من العرش إلى الكُرسيّ\". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه\" (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٤٦٢ ح ٥٣٤٦ عنه به.\n(^٢) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٩ - ٣٠.\n(^٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٣.\n(^٤) صحيح مسلم ١/ ١٢.\n(^٥) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٦٣ رقم ١٦٦.","vol":"2","page":780},{"text":"وعن أبي طالب أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث، وجعل يقرأه عليه فقال: ما أحسنه، إنما سمعناه عن أبي عوانة، عن الأعمش مرسلًا. ا. هـ (^١).\nفوصف الحديث بالغرابة ثم استحسنه، فدل على أن لا تلازم بين الأمرين.\n_________\n(^١) الموضع نفسه.","vol":"2","page":781},{"text":"<span data-type='title' id=toc-267>المطلب الثاني: حد المنكر عند الإمام أحمد</span>.\nإن أكثر الألفاظ استعمالًا لدى الإمام أحمد في إعلال الأحاديث هو لفظ \"المنكر\"، وكذلك ما رواه تلاميذه عنه من الإعلال كان أغلبه بألفاظ ترجع إلى أصل هذا اللفظ مثل: \"أنكره\"، \"وأنكره أشد الإنكار\" ولما كانت المصطلحات لدى الأئمة المتقدمين قلَّما يرِد عنهم وضع لحدودها تعين على الباحث تتبع المعاني التي أطلق الإمام أحمد هذا اللفظ عليها للوصول إلى الصورة المقرِّبة لحد هذا المصطلح عند هذا الإمام. وقد تقدم ذكر مصطلح المنكر عند الإمام أحمد تحت الألفاظ التي يستعملها الإمام أحمد لأحاديث الكذّابين وإحالة بقية الكلام إلى هذا المطلب.\nوالكلام فيه يحتوي على مسائل:\n\n<span data-type='title' id=toc-268>المسألة الأولى: حد المنكر لغة</span>.\nقال ابن فارس: \"النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، ونكِر الشيء وأَنكَره: لم يقبله قلبُه، ولم يعترف به لسانُهُ، والباب كله راجع إلى هذا … والإنكار خلاف الاعتراف\" (^١).\nوقال ابن المنظور: \"المُنكَر من الأمر خلاف المعروف، وقد تكرّر في الحديث الإنكار والمُنكَر، وهو ضد المعروف … والجمع مناكير\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-269>المسألة الثانية: إطلاق المنكر لدى الإمام أحمد</span>.\nقد ورد عن الإمام أحمد في إطلاق لفظ \"المنكر\" عند إعلال الأحاديث عدة معاني يمكن إجمالها في الآتي:\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة ٥/ ٤٧٦.\n(^٢) لسان العرب، مادة: \"ن ك ر\" ٥/ ٢٢٣.","vol":"2","page":782},{"text":"١.<span data-type='title' id=toc-270> إطلاق المنكر بمعنى خلاف المعروف</span>، من ذلك:\nروى المرّوذي قال: \"وذكرتُ له حديث زُهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان نصف شعبان فلا صوم\"، فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه فلم يحدّثني به وكان يتوقّاه. ثم قال أبو عبد الله: هذا خلاف الأحاديث التي رُويت عن النبي ﷺ \" (^١).\nفهذا الحديث أنكره الإمام أحمد، وذكر أن السبب في ذلك مخالفته للأحاديث المروية عن النبي ﷺ، ومن تلك الأحاديث حديث عائشة ﵂ في الصحيح: [لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله] (^٢) وفي رواية أخرى لها: [لم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا] (^٣)، وكذلك حديث أم سلمة ﵂ في السنن: [أن النبي ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا شعبان يصِله برمضان] (^٤)، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح عن النبي ﷺ: \"لا يتقدمنّ أحدُكم رمضانَ بصوم يومٍ أو يومين إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم\" (^٥).\nفلما كان هذا الحديث مخالفًا للمعروف عن النبي ﷺ وصفه الإمام أحمد بالنكارة، مع أن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الخُرقي ثقة عند الإمام أحمد (^٦)\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٥٩ رقم ٢٧٨.\n(^٢) صحيح البخاري ٤/ ٢١٣ ح ١٩٧٠، صحيح مسلم ٢/ ٨١١ ح ٧٨٢.\n(^٣) صحيح مسلم ٢/ ٨١١ (١٧٦).\n(^٤) رواه أبو داود، وهذا لفظه سنن أبي داود ٢/ ٧٥٠ ح ٢٣٣٦، والترمذي الجامع ٣/ ١١٣ ح ٧٣٦، والنسائي السنن ٤/ ١٥ ح ٢١٧٤، وابن ماجه السنن ١/ ٥٢٨ ح ١٦٤٨. وإسناده صحيح، صححه الترمذي في الشمائل ح ٢٥٥.\n(^٥) صحيح البخاري ٤/ ١٢٧ ح ١٩١٤، صحيح مسلم ٢/ ٧٦٢ ح ١٠٨٢.\n(^٦) ذكر ذلك في رواية عبد الله العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٣١٧١، وفي رواية أبي داود سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ١٨٧.","vol":"2","page":783},{"text":"فدل على أن من المعاني التي يطلق الإمام أحمد النكارة عليها ما كان مخالفًا للمعروف وإن كان راويه ثقة، وهذا المعنى جاري مع معنى اللفظ في اللغة (^١).\nومثال آخر:\nقال الميموني: \"سمعت أحمد بن حنبل وسُئل عن حديث أبي قيس الأودي، مما روى عن المغيرة بن شُعبة، عن النبي ﷺ أنه مسح على النعلين والجوربين، فقال لي: المعروف عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفَّين، ليس هذا إلا من أبي قيس، إن له أشياء مناكير\" (^٢).\nوذكر عبد الله مثله أيضًا:\nقال عبد الله: \"حدّثتُ أبي بحديث الأشجعي ووكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هُزيل، عن المغيرة بن شعبة قال: [مسح النبي ﷺ على الجوربين والنعلين]. قال أبي: ليس يُروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي أبى عبد الرحمن ابن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر - يعني حديث المغيرة هذا لا يرويه إلا من حديث أبي قيس\" (^٣).\nذكر الإمام أحمد هذا الحديث من مناكير أبي قيس، وهو عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي. قال عنه أحمد: هو كذا وكذا، روى عنه الأعمش، وشعبة، وسفيان، وهو يخالف في أحاديث (^٤)، وهذا كناية على تليينه، وبين وجه نكارته\n_________\n(^١) وهناك وجه آخر لرد هذا الحديث، لكن لم يذكره الإمام أحمد وإن كان جاريًا على منهجه، وهذ الوجه هو ما ذكره ابن القيم قال: ردوا هذا الحديث لهم مأخذان، أحدهما: أنه لم يتابع العلاء عليه أحد، بل انفرد به عن الناس، وكيف لا يكون هذا معروفا عند أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعمّ به البلوى ويتصل به العمل؟ تهذيب السنن ٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢١٩ رقم ٤١٧.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٦٦ رقم ٥٦١٢.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤١٢ رقم ٨٧٠.\nووثقه ابن معين، والعجلي. وقال عنه النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال ١٧/ ٢١.\nوقال أبو حاتم: ليس بالقوي، هو قليل الحديث، وليس بالحافظ الجرح والتعديل ٥/ ٢١٨.","vol":"2","page":784},{"text":"بأنه مخالف للمعروف عن النبي ﷺ، وهو أنه كان يمسح على الخفين. قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين (^١).\nوهكذا رواه غير واحد عن المغيرة بن شبعة (^٢). قال علي بن المديني: \"حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة؛ ورواه هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين عدا الناس\" (^٣).\n_________\n(^١) سنن أبي داود ١/ ١١٣. وقد روى حديث أبي قيس، عن هزيل، ورواه أيضًا الترمذي الجامع ١/ ١٦٧ ح ٩٩ وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي السنن الكبرى ١/ ٩٢ ح ١٣٠، وابن ماجه السنن ١/ ١٨٥ ح ٥٥٩، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ٩٩ ح ١٩٨.\n(^٢) انظر: صحيح البخاري ١/ ٣٠٦ ح ٢٠٣، وصحيح مسلم ١/ ٢٢٨ - ٢٣١.\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٨٤. وممن أنكر الحديث سفيان الثوري راويه عن أبي قيس. وكذلك الإمام مسلم، قال: أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل. ا. هـ. الموضع نفسه.\nوذكر البخاري أن يحيى بن معين أيضًا كان ينكر على أبي قيس هذا الحديث التاريخ الكبير ٣/ ١٣٧. وفي رواية المفضل بن غسان عن يحيى قال: الناس كلهم يروونه: على الخفين، غير أبي قيس. ا. هـ. الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٢/ ٢٠٣.\nوقال الدارقطني: ولم يروه غير أبي قيس، وهو مما يُغمَز عليه به، لأن المحفوظ عن المغيرة: المسح على الخفين علل الدراقطني ٧/ ١١٢.\nوصحح الحديث الترمذي، وابن خزيمة كما تقدم. قال ابن دقيق العيد: من صححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور عن المغيرة مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل، عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها. ا. هـ. الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٢/ ٢٠٣. واعتمده الشيخ الألباني فصحح الحديث إرواء الغليل ح ١٠١.\nوهذا لا يستقيم على طريقة المحدثين، فالمعارضة هنا في كونه تفرد بما لا يحتمل تفرده، ولم يتابعه أحد عليه، وهذه علة قادحة عند المحدثين كما أبانها من تقدم ذكرهم من الأئمة. وأما تصحيح الترمذي فقد يكون من أجل رواية الحديث من وجه آخر عن النبي ﷺ، وهو حديث أبي موسى الأشعري، حيث أشار إليه بأنه من أحاديث الباب.","vol":"2","page":785},{"text":"ومثال آخر:\nقال ابن هاني: \"سمعت أبا عبد الله يقول: حديث وكيع، عن شَريك، عن الحر بن صَيَّاح: رأيت ابن عمر يصوم عاشوراء، ورأيت ابن عمر يصوم العشر بمكة؛ حديث الحر بن صيَّاح حديث منكر، نافع أعلم بحديث ابن عمر منه\" (^١).\nفسمى حديث الحر بن صياح (^٢) منكرًا لمخالفته رواية نافع الذي كان أعلم بحديث ابن عمر منه، فقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صيامه (^٣)، فهذا أيضًا من إطلاق المنكر في مقابل المعروف.\nومثال آخر:\nذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر رفعه: [لا إحداد فوق ثلاث]، فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر رأيه. ا. هـ. نقله ابن حجر عنه (^٤).\nفأطلق المنكر في مقابل المعروف.\nمثال آخر:\nقال مهنا بن يحيى: \"سألت أبا عبد الله عن ابن أبي الصفيراء فقال: منكر الحديث. قلت: أي شيء من منكره؟ قال: يروي عن عطاء: [الشربة التي تسكر\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ١٣٦ رقم ٦٧٠.\n(^٢) وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم تهذيب الكمال ٥/ ٥١٥.\n(^٣) رواه مسلم صحيح مسلم ٢/ ٧٩٣ ح ١١٢٦ (١١٩).\n(^٤) فتح الباري ٩/ ٤٨٧. ولم أقف عليه لا مرفوعًا ولا موقوفًا.","vol":"2","page":786},{"text":"حرام]. قلت: وهذا منكر؟ قال: نعم، عن عطاء خلاف هذا\" (^١).\nففسر معنى المنكر بأنه ما روي مخالفًا للمعروف عن الراوي.\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-271> المنكر بمعنى الحديث الفرد الذي ليس له متابع</span>، ومن ذلك:\nقال عبد الله: \"سألت أبي ﵀ ما الذي يعتمد عليه في مواقيت الصلاة من الأحاديث التي جاءت؟ وأي حديث عندك أقوى؟ والحديث الذي روى ابن المبارك، عن الحسين بن علي، عن وهب بن كيسان، عن جابر، ما ترى فيه، وكيف حال الحسين؟ فقال أبي: أما الحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روى في المواقيت حديث ليس بمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه\" (^٢).\nحديث جابر الذي أشار إليه في المواقيت رواه النسائي (^٣)، والترمذي (^٤)، وأحمد (^٥)، وابن حبان (^٦) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك بهذا الإسناد: \"أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمسُ … \" وراويه الحسين بن علي هو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي (^٧).\nوالشاهد فيه أن الإمام أحمد قال: حديثه هذا ليس بمنكر لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره (^٨)، ومفهوم هذا أن الحديث الذي لم يتابع عليه مثلُ هذا\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب ١/ ٣١٧. وابن أبي الصفيراء هو إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء، وهو صدوق كثير الوهم تقريب التهذيب ٤٦٩.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ١/ ١٧٤ رقم ٢٢١.\n(^٣) سنن النسائي ١/ ٢٦٣ ح ٥٢٥.\n(^٤) الجامع ١/ ٢٨١ ح ١٥٠.\n(^٥) المسند ٢٢/ ٤٠٨ ح ١٤٥٣٨.\n(^٦) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٣٣٥ ح ١٤٧٢.\n(^٧) ويقال له: حسين الأصغر. وثقه النسائي، وقال ابن حجر: صدوق مقل، توفي سنة ستين تقريبًا - أي بعد المئة تهذيب الكمال ٦/ ٣٩٦، تقريب التهذيب ١٣٤٢.\n(^٨) وافقه عليه: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير المكي كلهم عن جابر بن عبد الله نحو حديث وهب بن كيسان عن جابر، عن النبي ﷺ. قاله الترمذي \"الجامع، الموضع نفسه\".","vol":"2","page":787},{"text":"الراوي منكر، فهذا من إطلاق المنكر على الحديث الفرد.\nومثال آخر:\nقال المروذي: \"قلت لأبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه فقد حدّث عن الزهري بأحاديث كأنه أراد تفرد بها، ثم ذكر حديث محمد بن جُبير في الحِلف - حِلف المطيِّبين - فأنكره أبو عبد الله وقال: ما رواه غيره\" (^١).\nهذا الحديث مما تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، فأنكره الإمام أحمد لأنه كما قال: ما رواه غيره، وهذا من إطلاق المنكر على مفردات الرواة أمثال عبد الرحمن بن إسحاق (^٢).\nوقد جاء عن أحمد ما يدل على عدم إنكاره لهذا الحديث وذلك في مذاكرته مع أحمد بن صالح المصري، فقد قال له الإمام أحمد: \"عندك عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال النبي ﷺ: \"ما يسرني أن لي حمرَ النَّعم وأن لي حلف المطيبين\"؟ فقال أحمد بن صالح:\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٦٤ رقم ٦١.\nوالحديث رواه أحمد المسند ٣/ ١٩٣ ح ١٦٥٥، ٣/ ٢١٠ ح ١٦٧٦، وابن حبان الإحسان ١٠/ ٢١٦ ح ٤٣٧٣، والحاكم المستدرك ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠، والمقدسي المختارة ٣/ ١١٥، ١١٦.\n(^٢) ويقال له أيضًا: عباد بن إسحاق. قال عنه الإمام أحمد: ليس به بأس العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٣٣٠٧، وعنه أيضًا: ليس بذاك سؤالات أبي دواد للإمام أحمد رقم ١٧٨. وقال أيضًا: رجل مقبول الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٨٥.\nوأما غير الإمام أحمد فعن ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والفسوي، والنسائي أنه ليس به بأس تهذيب الكمال ١٦/ ٥٢٣ - ٥٢٤.\nوقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو قريب من محمد بن إسحاق، وهو حسن الحديث، وليس بثبت ولا قوي الجرح والتعديل ٥/ ٢١٣.","vol":"2","page":788},{"text":"أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ فجعل أحمد بن حنبل يبتسم ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول أو صالح، عبد الرحمن بن إسحاق. قال: من رواه عن عبد الرحمن ابن إسحاق؟ فقال: رجلان ثقتان: إسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، فقال أحمد ابن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي … \" (^١)، وإنكار الإمام أحمد للحديث هو آخر الأمرين منه، لأن المروذي لقي الإمام أحمد بعد هذه القصة فإن أحمد بن صالح المصري وافى العراق ولقي بأحمد سنة (٢١٢) هـ (^٢).\nمثال آخر:\nقال عبد الله: \"حدثني أبي، نا وكيع، نا أبو بكر النهشلي، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن علي أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود، قال: وكان قد شهِد صفِّين. قال أبي: ولم يره عن عاصم غيرُ أبي بكر النهشلي أعلمه، كأنه أنكره\" (^٣).\nوفي هذه الرواية ينفي الإمام أحمد العلم بوجود متابع لأبي بكر النهشلي، وهذا دون مطلق النفي، ومع ذلك فهم ابنه عبد الله أنه ينكره، وهذا لمعرفته بأن من منهجه إطلاق الإنكار على الحديث الذي تفرد به راويه.\nوأبو بكر النهشلي هو أبو بكر بن عبد الله بن قطاف، وقد وثقه أحمد (^٤)، والصحيح\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٨٥.\n(^٢) انظر: الموضع نفسه. وانطر هذا الترجيح عند الباحث عيسى بن محمد مسلمي: \"الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد جمعًا ودراسة\" ٣/ ١١٤٧ - ١١٤٨.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ١/ ٢٤٢ رقم ٣٢٩. ورواه في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٧٤ رقم ٧١٧ دون قوله: كأنه أنكره.\nوهذا الأثر عن علي رواه محمد بن الحسن في \"الموطأ\" ص ٥٩ ح ١٠٩ عن أبي بكر النهشلي. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥ من طريق أبي أحمد الزبيري، وأحمد بن يونس كلاهما عن أبي بكر النهشلي به. ورواه البيهقي من طريق أحمد بن يونس السنن الكبرى ٢/ ٨٠. وذكره البخاري تعليقًا في \"جزء رفع اليدين\" ص ٤٦ ح ٢٩.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٩٩ رقم ٤٣٧١. وكذلك وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه الجرح والتعديل ٩/ ٣٤٤.","vol":"2","page":789},{"text":"أن هذا الحديث لم ينفرد بروايته عن عاصم بن كُليب، فقد تابعه محمد بن أبان (^١)، عن عاصم بمثله، أخرجه محمد بن الحسن الشيباني (^٢)، وذكره الدارقطني تعليقًا (^٣)، ولعل من أجل هذا لم يجزم الإمام أحمد بنفي وجود المتابع له، بل نفى علمه بذلك فحسب.\nوممن أنكر الحديث سفيان الثوري كما رواه ابن مهدي عنه (^٤)، وكذلك عثمان بن سعيد الدارمي، قال: وليس أبو بكر النهشلي ممن يحتج بروايته، أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره. ا. هـ (^٥).\nوعلاقة هذا المعنى بالمعنى اللغوي من حيث أن الحديث الذي تفرد به راويه لا يُعرف إلا من طريقه لعدم تعدد مخرجه، فمن ثمّ صار خلاف المعروف.\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-272> المنكر بمعنى ما ليس له أصل:</span>\nومن ذلك:\nقال المرُّوذي: \"وذكر لُويْنًا فقال: قد حدّث حديثًا منكرًا عن ابن عيينة ماله أصل، قلت: إيش هو؟ قال: عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه قصة علي: ما أنا الذي أخرجتُكم، ولكن الله أخرجكم، فأنكره إنكارًا شديدًا وقال: ما له أصل\" (^٦).\n_________\n(^١) محمد بن أبان بن صالح بن عمير. قال أحمد: أما إنه لم يكن ممن يكذب، وضعفه ابن معين تضعيفًا شديدًا. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال أبو حاتم: ليس هو بقوي الحديث، يكتب حديثه على المجاز ولا يحتج به التاريخ الكبير ١/ ٣٤، الجرح والتعديل ٧/ ١٩٩، الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٤٠.\n(^٢) الموطأ - برواية محمد بن الحسن ص ٥٨ ح ١٠٥.\n(^٣) علل الدارقطني ٤/ ١٠٧.\n(^٤) ذكره البخاري في \"الكنى\" ص ٩.\n(^٥) نقله البيهقي عنه السنن الكبرى ٢/ ٨٠ - ٨١.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٦١ رقم ٢٨٠. وانظر: المنتخب من العلل للخلال ص ٢١٠ رقم ١٢٢.","vol":"2","page":790},{"text":"ولُوين هو محمد بن سليمان بن حبيب أبو جعفر المصيصي، قال عنه الإمام أحمد: لا أعرفه (^١). ووثقه النسائي، وقال عنه أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، قيل له: ثقة؟ قال: صالح الحديث (^٢).\nوهذا الحديث رواه النسائي في \"خصايص علي\" (^٣)، والبزار (^٤)، وأبو نعيم (^٥) من طريق لوين قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده قومٌ فدخل عليٌّ، فلما دخل خرجوا، فلما خرجوا تلاوموا فقال بعضهم لبعض: والله ما أخرجَنا، فارجعوا، فقال النبي ﷺ: \"ما أدخلتُه وأخرجتُكم، ولكن الله ﷿ أدخله وأخرجكم\".\nقال الخطيب في وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: \"أظن أبا عبد الله أنكر على لُوين روايته متصلًا، فإن الحديث محفوظ عن سفيان بن عيينة، غير أنه مرسل، عن إبراهيم بن سعد، عن النبي ﷺ … \"، ثم ساقه من طريق ابن وهب، والحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد مرسلًا (^٦).\nوقال البزار: \"هكذا رواه محمد بن سليمان، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه؛ وغير محمد بن سليمان إنما يرويه\n_________\n(^١) المصدر نفسه ص ١٦٣ رقم ٢٨٦.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٩٩.\n(^٣) خصائص علي ص ٢٤.\n(^٤) مسند البزار ٤/ ٣٤ ح ١١٩٥.\n(^٥) تاريخ أصبهان ٢/ ١٤٧ تحت ترجمة لوين برقم ١٤٢٨. وذكر هذا الحديث من مفاريده.\n(^٦) تاريخ بغداد ٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤.","vol":"2","page":791},{"text":"عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي مرسلًا\" (^١).\nوقال الدراقطني - بعد ذكره لرواية لوين - \"قاله لوين عن ابن عيينة كذلك، وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلًا، وهو المحفوظ\" (^٢).\nفالشاهد أن الإمام أحمد أطلق النكارة على هذا الحديث، وقال عنه: ما له أصل، وبيان الخطيب يدل على أن معنى ما له أصل هنا أي لم يصح متصلًا، ويحتمل أن يكون معنى هذا النفي عند أحمد أن الحديث لم يصح عن ابن عيينة إطلاقًا لا متصلًا ولا مرسلًا.\nوعلاقة هذا المعنى بالمعنى اللغوي للمنكر واضح، لأن ما لا أصل له غير معروف.\n\n٤.<span data-type='title' id=toc-273> المنكر بمعنى الخطأ:</span>\nومن ذلك:\nقال المرُّوذي: \"قلت لأحمد: تعرف عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: متى كُتبتَ نبيًّا؟ قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأزواعي، هو كثيرًا مما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب\" (^٣).\nفوصف الإمام أحمد هذا الحديث بالنكارة، لأن راويه وهو الأوزاعي الإمام قد أخطأ فيه. وقد تقدم الكلام حول هذا الحديث ورواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وكيف دخلت الأخطاء على رواياته عنه بسبب ذهاب كتبه (^٤).\n_________\n(^١) مسند البزار الموضع نفسه.\n(^٢) علل الدراقطني ٤/ ٣٦٣.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٥٠ رقم ٢٦٨.\n(^٤) انظر: ص ٤٨٠.","vol":"2","page":792},{"text":"مثال آخر:\nقال عبد الله: \"حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: \"خمِّروا (^١) وجوه موتاكم، ولا تُشَبِّهوا بيهود\" فحدثت به أبي فأنكره وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج الأعور، عن ابن جُريج، عن عطاء مرسل\" (^٢).\nوفي هذا أيضًا وصفه للحديث الذي أخطأ فيه راويه بالنكارة، والراوي حفص بن غِياث أثنى عليه الإمام أحمد (^٣)، لكن قال فيه: كان مخلطًا، وضعف أمره (^٤). وحديثه هذا رواه الطبراني (^٥) من طريق عبد الله، والدارقطني (^٦)، والبيهقي (^٧) كلهم من حديث حفص بن غياث به. وتابعه علي بن عاصم، عن ابن جريج (^٨).\nووجه خطأ حفص في رواية هذا الحديث أنه رواه موصولًا، والواقع أنه مرسل عن عطاء؛ وهي رواية حجاج بن محمد المصيصي، عن ابن جريج، وحجاج كان ثبتًا في الحديث عند الإمام أحمد (^٩)، فإذا خالفه حفص يكون القولُ قولَ حجاج، ولا يقال إن علي بن عاصم قد تابع حفصًا، لأن علي بن عاصم كان\n_________\n(^١) بفتح المعجمة وكسر الميم الثقيلة، أي غطوا شرح الزرقاني على موطأ مالك ٤/ ٣٨١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٨٣ رقم ٢٧٠٩.\n(^٣) المصدر نفسه ٢/ ١٨٣ ح ١٩٣٩.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٠٨ رقم ٢١٣٥.\n(^٥) المعجم الكبير ١١/ ١٨٣ ح ١١٤٣٦.\n(^٦) سنن الدارقطني ٢/ ٢٩٧.\n(^٧) السنن الكبرى ٣/ ٣٩٤.\n(^٨) أخرجه الدارقطني السنن ٢/ ٢٥٦.\n(^٩) بحر الدم ص ١٠٧ رقم ١٧٩. وقال ابن معين: كان أثبت الناس في ابن جريج شرح علل الترمذي ٢/ ٦٨٢.","vol":"2","page":793},{"text":"يغلط ويخطئ، وإن كان لم يكن متهمًا بالكذب (^١)، وحجاج قد تابعه الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء مرسلًا، ورواية حجاج عن ابن جريج إذا انفرد أقوى من رواية حفص وعلي بن عاصم، فكيف وقد تابعه مثل الثوري؟ (^٢).\nقال البيهقي - بعد حكاية عبد الله لإنكار أحمد لهذا الحديث - وكذلك رواه الثوري وغيره عن ابن جريج مرسلًا، وروى علي بن عاصم، عن ابن جريج كما رواه حفص، وهو وهم، والله أعلم (^٣).\nمثال آخر:\nقال أبو طالب: \"سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي الموال، قال: عبد الرحمن لا بأس به، قال: كان محبوسًا في المطبق حين هزم هؤلاء، يروي حديثًا لابن المنكدر عن جابر، عن النبي ﷺ في الاستخارة، ليس يرويه أحد غيرُه، هو منكر. قلت: هو منكر؟ قال نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلطٌ يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت، عن أنس، يحيلون عليهما\" (^٤).\nفصرح الإمام أحمد بأن هذا الحديث \"منكر\"، وأن مقصوده بذلك أن الحديث خطأ، يوضّح ذلك قوله: \"أهل المدينة إذا كان حديث غلطٌ … \"، فدل على أن هذا الحديث غلط عنده، والقرينة المرجحة لوقوع الخطأ هو تفرد راويه عبد الرحمن بن أبي الموال به، وقد وثقه، وإن كان لم يجعله في المرتبة الأولى من الثقة، بل قد أشار إلى أن فيه لينًا ما. فروى المرّوذي أنه قال فيه: \"ما أرى بحديثه\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٥٦ رقم ٧٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شبية ٣/ ٣٠٤ رقم ١٤٤٣٧.\n(^٣) السنن الكبرى ٣/ ٣٩٣.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٦١٦.","vol":"2","page":794},{"text":"بأس، هو ممن يحتمل\" (^١)، فكأنه عند الإمام أحمد ليس له من الثقة ما يحتمل تفرده بهذا الأصل (^٢).\nووجه مطابقة هذا المعنى للمعنى اللغوي للمنكر أن الخطأ خلاف الواقع والثابت، وذلك يتضمن مخالفته للمعروف.\nوقد تقدم في مبحث الإعلال بكذب الراوي أنه أطلق \"المنكر\" على الحديث الموضوع، وأن وجه ذلك هو تحقق خطأ راويه وإن كان غير معروف بتعمد الكذب، مثل ما قال في بعض أحاديث عثمان بن أبي شيبة التي أنكرها عليه وقال إنها موضوعة، واعتذر له بأنه حدّث بتلك الأحاديث على سبيل التوهم والغلط (^٣).\nفهذه المعاني التي وقفت على إطلاق الإمام أحمد المنكر عليها.\nوقبل استخلاص المعنى الاصطلاحي للمنكر عنده أذكر ما ورد عن بعض أهل هذا العلم من تفسير المنكر عند الإمام أحمد، وذلك في المسألة الثالثة.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٦ رقم ٤٣٦.\n(^٢) أما الإمام البخاري وغيره من أصحاب الكتب الستة - ما عدا الإمام مسلم - فأخرجوا الحديث انظر: صحيح البخاري ١١/ ١٨٣ ح ٦٣٨٢ مع فتح الباري. وقال ابن عدي: هو - أي عبد الرحمن بن أبي الموال - مستقيم الحديث، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غير واحد من أصحاب النبي ﷺ كما رواه ابن أبي الموال الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٦١٧.\nلكن أشار الحافظ ابن حجر إلى أنه ليس في شيء من تلك الأحاديث ذكر الصلاة سوى حديث جابر فتح الباري ١١/ ١٨٤.\nويحتمل أن يكون إخراج البخاري للحديث لكونه لم يتضمن أصلًا في الحلال والحرام، بل هو في باب الفضائل التي يتسامح في شروط القبول فيها، والله أعلم.\n(^٣) انظر: ص ١٩٤ - ١٩٥.","vol":"2","page":795},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>المسألة الثالثة: تفسير بعض أهل العلم لمعنى \"المنكر\" عند الإمام أحمد</span>.\nقد اعتنى العلماء العارفون بالإمام أحمد وبمنهجه بذكر معنى المنكر عند الإمام أحمد لكثرة استعماله له، ومن هؤلاء العلماء:\n\n<span data-type='title' id=toc-275>الأثرم:</span>\nوأول من وقفت له على تفسير مصطلح \"المنكر\" عند الإمام أحمد تلميذه أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الأثرم.\nقال الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله ذكر حديث الفضل بن دَلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حُريث، عن سلمة بن المحبِّق، عن النبي ﷺ: \"خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلًا\" فقال: هذا حديثٌ منكر، يعني خطأ\" (^١).\nثم بيّن الأثرم وجه الخطأ، فذكر الرواية الصحيحة للحديث: عن الحسن، عن حطّان، عن عبادة عن النبي ﷺ، كما رواه قتادة، ومنصور بن زاذان (^٢). والفضل بن دلهم وإن كان الإمام أحمد قال فيه: ليس به بأس كما في رواية الأثرم، إلا أنه خالف من هو أولى منه حفظًا وكثرة فتعين الحكم عليه بالخطأ.\nفقد فهم الأثرم أن هذا الاصطلاح يستعمله الإمام أحمد في وصف الحديث الذي وقع الخطأ في روايته سواء في الإسناد أو في المتن، مما يدل على أن اللفظ كان معروف المعنى عند أصحاب الإمام أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-276>ابن رجب:</span>\nوالحافظ ابن رجب أيضًا ممن عرّف بالمنكر عند الإمام أحمد، وكان من أعلم الناس بأقوال الإمام أحمد في الرجال وعلل الحديث.\nقال الحافظ ابن رجب معلقًا على قول الإمام أحمد المتقدم في حديث\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٢١.\n(^٢) الموضع نفسه.","vol":"2","page":796},{"text":"حسين بن علي بن الحسين في مواقيت الصلاة: \"حديثه الذي روى في المواقيت ليس بالمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه\"، قال ابن رجب: \"وإنما قال الإمام أحمد ليس بالمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه، لأن قاعدتَه أن ما انفرد به ثقةٌ، فإنه يتوقف فيه حتى يُتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصًا إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والاتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما\" (^١).\nوذكر أيضًا أن كلام الإمام أحمد في النكارة قريب من كلام يحيى القطان، وهو أن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، ولا تزول النكارة إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر.\nفهنا أطلق النكارة عليه بينما قيده في الموضع الأول بأن ذلك في الثقة الذي لم يشتهر بالحفظ والإتقان.\nثم ذكر ابن رجب جملة من الأحاديث وصفها الإمام أحمد بالنكارة وهي من هذا النوع منها:\nحديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الولاء وهبته (^٢). قال المرُّوذي: وسألته عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فقال لي: \"ثقة إلا حديث واحد يرويه عن ابن عمر قال: الولاء لا تُباع ولا توهب، ونافع قال في قصة بريرة: \"الولاء لمن أعتق\" (^٣) يشير إلى أن عبد الله بن دينار لم يتابع عليه، وأن الصحيح ما روى نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"الولاء\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ٣/ ١٥.\n(^٢) أخرجه البخاري ٥/ ١٦٧ ح ٢٥٣٥، ومسلم ٢/ ١١٤٥ ح ١٥٠٦.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٩ رقم ٤٥٠.","vol":"2","page":797},{"text":"لمن أعتق\"، لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته (^١).\nوالصحيح أن هذا الحديث لم ينكره الإمام أحمد لمجرد تفرد عبد الله بن دينار به، بل لأنه إضافة إلى تفرده فقد خولف، وذلك من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن نافعًا لم يذكره عن ابن عمر، ونافع وسالم أوثق الناس عن ابن عمر.\nالثاني: ما أشار إليه الإمام أحمد أن نافعًا روى عن ابن عمر مرفوعًا: \"الولاء لمن أعتق\"، فأضاف الولاء إلى المعتِق بلام التمليك والاختصاص، وهذا المعنى معارض لقوله: الولاء لا يُباع ولا يُوهب.\nالثالث: أن نافعًا قد روى عن ابن عمر النهي عن بيع الولاء وعن هبته من قوله هو غير مرفوع (^٢).\nومما ذكره الحافظ ابن رجب من الأدلة الدالة على اعتبار الإمام أحمد تفرد الثقات منكرًا أنه وصف بعض الرواة الثقات بأنهم يروون أحاديث مناكير، منهم بُريد بن عبد الله ابن أبي بُردة (^٣)، ومحمد بن إبراهيم التيمي المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات (^٤)، وزيد بن أبي أنيسة (^٥)، وعمرو بن الحارث (^٦)،\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٩، ٦٥٣.\n(^٢) رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مصنف عبد الرزاق ٩/ ٥.\n(^٣) قال عنه أحمد: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروي أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١١ رقم ١٣٨٠.\n(^٤) قال أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة المصدر السابق ١/ ٥٦٦ رقم ١٣٥٥.\n(^٥) قال عنه أحمد في رواية الأثرم: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث الضفعاء للعقيلي ٢/ ٤٢٨.\nوفي رواية المرُّوذي: سألته - يعني أبا عبد الله - عن زيد بن أبي أنيسة كيف هو؟ فحرّك يده وقال: صالح، وليس هو بذاك العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٨٥ رقم ١١٨.\n(^٦) قال عنه أحمد: ليس في أهل مصر أحسن حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه. وقال في رواية الأثرم: قد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير تهذيب الكمال ٢١/ ٥٧٣.","vol":"2","page":798},{"text":"والحسين بن واقد (^١)، وخالد بن مخلد (^٢). وهو مخالف لتصرف الشيخين والأكثرين، فإنهم يرون أن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر، ثم ذكر عن الإمام مسلم ما حكاه عن أهل العلم أن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث قبل ما تفرد به (^٣).\nقال ابن رجب: فتلخص من هذا أن النكارة لا تزول عند يحيى القطان، والإمام أحمد، والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعة (^٤) لكن قيد هذا الإطلاق في موضع آخر بأنه خاص بحالة من لم يشتهر بالحفظ والإتقان كما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-277>ابن حجر:</span>\nقال الحافظ في ابن حجر في قول الإمام أحمد في بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير، قال ابن حجر: \"أحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة\" (^٥).\nوكذلك قال في الجواب عن قول الإمام أحمد في محمد بن إبراهيم أنه يروي أحاديث مناكير، قال ابن حجر: \"المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على\n_________\n(^١) قال عنه أحمد: لا بأس به، وأثنى عليه خيرًا، وقال في رواية الميموني: له أشياء مناكير. في رواية عبد الله: ما أنكر حديث حُسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة الجرح والتعديل ٣/ ٦٦، العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٨ رقم ٤٤٤، العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٠١ رقم ٤٩٧.\n(^٢) قال عنه أحمد: له أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨ رقم ١٤٠٣. وهو راوي حديث: من عادى لي وليًا … قال الذهبي: هذا حديث غريب جدًا لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد ميزان الاعتدال ترجمة ٢٤٦٣.\n(^٣) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٥٧ - ٦٥٨.\n(^٤) المصدر نفسه ٢/ ٦٥٩.\n(^٥) مقدمة فتح الباري ص ٣٩٢.","vol":"2","page":799},{"text":"الحديث الذي لا متابع له\" (^١).\nوقال أحمد في يزيد بن عبد الله بن خُصيف: منكر الحديث، قال ذلك في رواية الآجري، عن أبي داود (^٢). وقد قال عنه في رواية الأثرم: ثقة ثقة (^٣)؛ وفي رواية عبد الله: لا أعلم إلا خيرًا (^٤). فقال ابن حجر في هذا القول: \"هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله\" (^٥).\nوهكذا أطلق الحافظ في هذه المواضع أن الإمام أحمد يطلق \"المنكر\" على الحديث الفرد المطلق.\nوقيد ذلك في موضع آخر: فقال \"أطلق الإمام أحمد، والنسائي وغير واحد من النُّقاد لفظ \"المنكر\" على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-278>المسألة الرابعة: التعريف الاصطلاحي للمنكر عند الإمام أحمد</span>.\nمما تقدم يترجح لدي أن التعريف المرضي للمنكر بحسب إطلاقات الإمام أحمد لهذا اللفظ هو: الحديث الذي ترجح خطأ راويه بتفرد من لا يحتمل تفرده\n_________\n(^١) المصدر نفسه ص ٤٣٧.\n(^٢) نقل ذلك المزي بصيغة الجزم تهذيب الكمال ٣٢/ ١٧٣، ولم أقف عليها في المطبوع من سؤالات الآجري.\n(^٣) الجرح والتعديل ٩/ ٢٧٤، ومن أجل هذا وما ورد عن سائر الأئمة مثل ابن سعد، وأبي حاتم، والنسائي أنه ثقة، بل قال فيه ابن معين: ثقة حجة، استنكر د. بشار عواد ثبوت رواية الآجري عن الإمام أحمد انطر: تهذيب الكمال الموضع نفسه. ويؤيده أن ابن عدي لم يذكره في الكامل، وذكره الذهبي في الميزان ترجمة ٩٧٢٣، لكن لم يذكر له حديثًا منكرًا، والله أعلم.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٩٠ رقم ٣٢٣٢.\n(^٥) مقدمة فتح الباري ص ٤٥٣.\n(^٦) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٧٤.","vol":"2","page":800},{"text":"أو المخالفة للثابت المعروف.\nفهذا التعريف يصدق على المنكر بمعنى خلاف المعروف، وبمعنى الفرد الذي ليس له متابع وليس لراويه من الثقة ما يحتمل تفرده، وبمعنى ما ليس له أصل، وبمعنى الحديث الذي ترجح خطأ راويه.","vol":"2","page":801},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الثقة</span>.\nالذي يدل عليه منهج الإمام أحمد في هذا الباب أن الأصل عنده قبول ما تفرد به الراوي الثقة البارز في علمه وإتقانه، ويدل على ذلك النصوص التالية:\nقال الحسن بن محمد الزعفراني (^١): \"قلت لأحمد بن حنبل: من تابع عفانًا في حديث كذا وكذا؟ قال: وعفان يحتاج إلى أن يُتابعَه أحدٌ - أو كما قال\" (^٢).\nفهذا يدل على أن مثل عفان بن مسلم الصفار إذا روى حديثًا ولم يتابعه عليه أحدٌ فإنه مقبول، ومثله ليس ممن يتوقف في قبول ما تفرد به.\nوقيل لأحمد في حديث تفرد به عبد الله بن إدريس: أحد يقول ذلك غيره؟ فقال: يكفيك بابن إدريس، وذلك فيما:\nقال صالح بن أحمد بن حنبل: \"حدثنا أبي: قال: حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، عن أبان بن عثمان، عن عثمان قال: \"لا شُفعة في بئر ولا فحل\" (^٣) ولا الأُرَف (^٤)، إذا علم كل قوم حقهم تقطع كل شفعة. قلت له: أحد يقول: والأرف غير ابن إدريس؟ فقال: يكفيك بابن إدريس\" (^٥).\n_________\n(^١) هو الحسن بن محمد بن الصباح أبو علي الزعفراني. سمع ابن عيينة، وعبيدة بن حُميد، وإسماعيل\nابن علية. وروى عن أحمد. وثقه النسائي. توفي سنة ٢٦٠ هـ. روى له البخاري والأربعة طبقات الحنابلة ١/ ١٣٨، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٦٢.\n(^٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٧٤.\n(^٣) قال ابن إدريس: الفحل فحل النخل السنن الكبرى ٦/ ١٠٥.\n(^٤) هي المعالم. فسرها ابن إدريس نفسه في رواية أبي عبيد عنه كما رواها البيهقي السنن الكبرى ٦/ ١٠٥. وقال ابن الأثير: الأُرَف جمع أُرْفة، وهي الحدود والمعالم، ومنه حديث عثمان: الأُرف تقطع الشفعة النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٩.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ١٨٥ - ١٨٦ رقم ١٦١٢ - ١٦١٣.","vol":"2","page":802},{"text":"هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة (^١)، والبيهقي (^٢).\nوالشاهد فيه أن صالحًا سأل عن ثبوت لفظة: والأُرَف في الأثر، فإنه لا يقولها غير عبد الله بن إدريس، فقد روى مالك الحديث عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، عن عثمان بن عفان بلفظ: \"إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شُفعة فيها، ولا شفعة في بئر ولا في فحل النخل\" (^٣)، فلم يذكر الأُرَف. فأجاب أحمد بقوله: يكفيك بابن إدريس، أي تفرده مقبول لثقته ورفعته في العلم.\nقال أحمد في عبد الله بن إدريس: هو نسيج وحده (^٤). وهذه مبالغة في مدحه وثنائه (^٥).\nومثال آخر:\nقال الميموني: وقال ابن حنبل: ليس نجد أحدًا يرفع غيرُ زُهير - يعني في المحرم إذا لم يجد نعليْه - وكان زهير من معادن العلم (^٦)\nفهذا الحديث تفرد به زهير من هذا الوجه ولفظه: \"من لم يجد نعلين\n_________\n(^١) المصنف ٤/ ٥٢٠ ح ٢٢٧٤٤ عن عبد الله بن إدريس، ومن طريقه ابن حزم المحلى ٩/ ٨٣.\n(^٢) السنن الكبرى ٦/ ١٠٥ من طريق أبي عبيد.\n(^٣) الموطأ ٢/ ٧١٧، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق المصنف ٩/ ٨٠ ح ١٤٣٩٣. وتابع ابنَ إدريس على ذكر أبان بن عثمان صفوانُ بن عيسى قاله الدارقطني في العلل ٣/ ١٥.\nورواه محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبي طوالة، عن أبان بن عثمان، عن عثمان. أخرجه عبد الرزاق المصنف ٨/ ٨٨ ح ١٤٤٢٨.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٣٦ رقم ٩٧٣. قال ابن معين: هو ثقة في كل شيء. وقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت تهذيب الكمال ١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٩.\n(^٥) معنى نسيج وحده أي لا نظير له في علم أو غيره، وهو مثل قولك: فلان واحد عصره، وقريع قومه لسان العرب، مادة: \"ن س ج\" ٢/ ٣٧٦.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٤٣ رقم ٤٨٤.","vol":"2","page":803},{"text":"فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل\" (^١).\nولفظ الحديث معروف من حديث ابن عباس. أخرجاه من رواية عمرو ابن دينار، عن جابر بن زيد عنه (^٢).\nوظاهر كلام أحمد يدل على قبوله هذا التفرد من زهير، لأنه قال: \"كان زهير من معادن العلم\"، وهذا مشعر بقبوله لما تفرد به. وقد قال في موضع آخر عن زهير: \"حفاظ الحديث أو المتثبِّتين في الحديث أربعة: سفيان الثوري، وشعبة، وزُهير، وزَائدة\" (^٣).\nوقال ابن هانئ: \"سمعت أبا عبد الله يقول: علم الناس إنما هو عن شعبة، وسفيان، وزائدة، وزُهير، هؤلاء أثبت الناس، وأعلم بالحديث من غيرهم\" (^٤).\nوسئل أحمد في رواية محمد بن يحيى الذهلي عن حديث زهير، عن أبي الزبير، عن جابر \"أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ السجدة وتبارك\"، قال: حسبك بزُهير إذا جاء بالشيء، زهير ثقة، وإنما ذلك ليث رواه. ا. هـ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم صحيح مسلم ٢/ ٨٣٦ ح ١١٧٩، وعلي بن الجعد مسند علي بن الجعد ص ٣٨٥ ح ٢٦٣٨، والطيالسي ص ٢٤٠ ح ١٧٣٥. وأحمد المسند ٢٢/ ٣٥٦ ح ١٤٤٦٥، وابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٩ ح ١٥٧٧٧، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٤، والدارقطني السنن ٢/ ٢٢٨، والبيهقي ٥/ ٥١ من طرق عن زهير به.\n(^٢) صحيح البخاري ٤/ ٥٧ ح ١٨٤١، صحيح مسلم ٢/ ٨٣٥ ح ١١٧٨.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٦٠١ رقم ٣٨٥٥.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٣ رقم ٢١٦٣.\n(^٥) بحر الدم ص ١٦٠ - ١٦١. وهذا الحديث رواه عدد من الرواة عن أبي الزبير، منهم ليث\nابن أبي سليم كما قال أحمد. رواه من طريقه الترمذي الجامع ٥/ ١٦٥ ح ٢٨٩٢، والنسائي السنن الكبرى ٦/ ١٧٨ ح ١٠٥٤٣، وأحمد المسند ٢٣/ ٢٦ ح ١٤٦٥٩، والدارمي السنن ٢/ ٤٥٥، وعبد بن حميد مسند عبد بن حميد ١/ ٣١٨ ح ١٠٤٠.\nومنهم المغيرة بن مسلم الخراساني: أخرج حديثه النسائي أيضًا الكبرى ح ١٠٥٤٤.\nومنهم عبد الحميد بن جعفر: أخرج حديثه الطبراني المعجم الأوسط ٢/ ١٣٢ ح ١٤٨٣.\nفكلهم رووه عن أبي الزبير عن جابر.\nورواه زهير بن معاوية، عن أبي الزبير: أسمعت أن جابرًا يذكر عن النبي ﷺ فذكره، قال أبو الزبير حدثنيه صفوان أو أبو صفوان. ا. هـ وفي رواية عند الترمذي: أو ابن صفوان. أخرجه النسائي الكبرى ٦/ ١٧٨ ح ١٠٥٤٥، وانظر: جامع الترمذي ٥/ ١٦٥.\nوصفوان الذي يروي عنه أبو الزبير هو صفوان بن عبد الله الأكبر بن صفوان بن أمية الجمحي المكي. قال عنه ابن حجر: ثقة تقريب التهذيب ٢٩٥٢. فالحديث صحيح.","vol":"2","page":804},{"text":"فهذا يفيد أن زهير إذا جاء بالحديث فهو مقبول، وإن تفرد به. وكأن الإمام أحمد لم يقف على رواية حديث أبي الزبير هذا إلا من طريق ليث.\nومما أخذ به وهو عنده مما تفرد الثقة بروايته:\nقال أبو طالب: \"قال أحمد بن حنبل: لم يرو أحد: \"لا يقرأ الجنب\" غير شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلِمة، عن علي. قال سفيان بن عيينة: سمعت هذا الحديث من شعبة. قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث، وقال شعبة: روى هذا الحديث عبد الله بن سلِمة بعد ما كبر\" (^١).\nهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الثلاث من طريق شعبة (^٢)، وهو عند أحمد من طرق عن شعبة (^٣).\nوقد أخذ الإمام أحمد بظاهر هذا الحديث في رواية موسى بن عيسى الجصاص (^٤)، فقال: [لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن، والتسبيح رُخّص فيه، أما\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٤٨٧.\n(^٢) سنن أبي داود ١/ ١٥٥ ح ٢٢٩، سنن النسائي ١/ ١٤٤ ح ٢٦٥، سنن ابن ماجه ١/ ١٩٥ ح ٥٩٤.\n(^٣) المسند ح ٦٢٧، ٦٣٩، ٨٤٠، ١٠١١.\n(^٤) قال عنه الخلال: ورع زاهد، سمع يحيى القطان وابن مهدي، كان لا يحدث إلا بمسائل أبي عبد الله وشيء سمعه من أبي سليمان الداراني في الزهد والورع طبقات الحنابلة ١/ ٣٣٣.","vol":"2","page":805},{"text":"أن يتعمد الآية أو السورة، لا يُعجبني] (^١)، مع قوله بأنه لم يروه أحد غير شعبة، فدل على أن تفرد الثقة مثل شعبة بالحديث مقبول عنده.\nوقول الإمام أحمد: لم يروه أحد غير شعبة مشكل، فقد رواه في مسنده عن أبي معاوية، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرّة به (^٢). كما روي من طريق الأعمش، وابن أبي ليلى كلاهما عن عمرو بن مرة (^٣)، ورواه ابن عيينة، عن شعبة ومِسعَر (^٤)، فالله أعلم.\nوقد نُقل عن الخطابي أنه قال: إن الإمام أحمد كان يوهِّن هذا الحديث، ويضعّف أمر عبد الله بن سلِمة (^٥)، فهذا وجه آخر لإعلال الحديث لدى بعض الناس (^٦). فإن صحت هذه الرواية فيحمل ما تقدم من أخذ الإمام أحمد بمقتضى\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة ١/ ٣٣٣.\n(^٢) المسند ٢/ ٣٤٥ ح ١١٢٣.\n(^٣) أخرجه الترمذي الجامع ١/ ٢٧٣ ح ١٤٦، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٨٧. ورواه النسائي من حديث الأعمش وحده عن عمرو السنن ١/ ١٥٨ ح ٢٦٦.\n(^٤) أخرجه ابن حبان الإحسان ٣/ ٧٩ ح ٧٩٩، ٨٠٠، والدارقطني السنن ١/ ١١٩.\n(^٥) تنقيح التحقيق ١/ ١٣٧.\n(^٦) وبعضهم يعلّ الحديث بعبد الله بن سلمة، فإنه كان قد كبر فاختلط. قال يحيى القطان: وكان شعبة يقول في هذا الحديث: نعرف وننكر - يعني أن عبد الله بن سلمة كان كبر حين أدركه عمرو المنتقى لابن الجارود ١/ ٩٨.\nومع ذلك كان شعبة يحسن هذا الحديث، قال سفيان بن عيينة: قال لي شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه سنن الدارقطني ١/ ١١٩.\nوصححه الترمذي الموضع السابق، وكذلك ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٤ ح ٢٠٨، وابن حبان الإحسان ٣/ ٧٩ ح ٧٩٩. ونقل الحافظ ابن حجر أن كلًا من ابن السكن وعبد الحق قد صححه تلخيص الحبير ١/ ١٣٩. وأما هو فحسن الحديث وقال: هو من قبيل الحسن يصلح للحجة فتح الباري ١/ ٤٠٨.\nونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أهل الحديث لا يثبتونه. وضعفه النووي أيضًا تلخيص الحبير الموضع نفسه.\nوضعفه الألباني إرواء الغليل ٢/ ٢٤١ ح ٤٨٥.","vol":"2","page":806},{"text":"الحديث من باب أخذه بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره.\nخروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب:\nالأمثلة التي تقدم إيرادها تدل على الأصل الذي صدّرنا به هذا المطلب، وهو أن تفرد الراوي الثقة البارز في الحفظ والإتقان مقبول عند الإمام أحمد، وليس بمنكر. وقد جاء عن الإمام أحمد ما يدل على تركه لهذا الأصل في بعض المواضع، وذلك لاعتبارات تظهر لمن تتبع تلك المواضع بالنظر والدراسة.\nفمن تلك الاعتبارات أن يكون الراوي الثبت معروفًا باتكاله على حفظه حتى سجلت له أخطاء عن شيخه الذي تفرد عنه. مثال ذلك:\nروى عبد الله قال: \"قال أبي في حديث وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في المسلم يقتل الذِّمِّي خطأً، قال: كفارتُهما سواء. قال أبي: ليس يرويه غيرُ وكيع، ما أُراه إلا خطأ\" (^١).\nفهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة (^٢) عن وكيع، ولم يقبله أحمد لأن راويَه وكيع قد تفرد به، ووكيع إمام حافظ، ومع ذلك لم يقبل ما تفرد به، ويبدو أن ذلك راجع إلى كون وكيع يعتمد على حفظه، فصار احتمال وقوع الأخطاء في رواياته قويًا. قال الفضل بن زياد: \"قال أحمد بن حنبل: كان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! \" (^٣)، ومن أجل ذلك كان عبد الرحمن أكثر إصابة عند الإمام أحمد من وكيع في حديث\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٢٥ رقم ٥٧٣.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٤١٥ ح ٢٧٥٤٠.\n(^٣) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٧.","vol":"2","page":807},{"text":"الثوري (^١)، لأن عبد الرحمن كان صاحب كتاب. وتوقف أحمد عن تقديم وكيع على محمد بن يوسف الفريابي فيما تفرد به، قال أبو داود: \"إذا اختلف الفِريابي ووكيع، أليس يُقضى لوكيع؟ قال: مثل ماذا؟ قلت: ما لم يروه غيره. قال: ما أدري، وكيع ربما خولف أيضًا\" (^٢). فأشار إلى أن وكيعًا ربما تفرد بأشياء يخالَف فيها.\nوهذه الرواية لم ينفرد وكيع بها عن الثوري كما ذكر الإمام أحمد، بل تابعه عبد الرزاق، وتابعه أيضًا معمرٌ متابعة قاصرة عن منصور (^٣). ولعل الإمام أحمد وقف على هذه الرواية فيما بعدُ فذكر صحة نسبة هذا القول إلى إبراهيم. قال ابن قُدامة: \"قال أحمد: الشعبي والنخعي قالا: دية المجوسي، واليهودي، والنصراني مثل دية المسلم، وإن قتله يُقتل به، هذا عجب، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان الله، ما هذا القول! واستبشعه وقال: النبي ﷺ يقول: \"لا يُقتل مسلم بكافر\" وهو يقول: يُقتل بكافر، فأي شي أشد من هذا! \" (^٤)، وبهذا يجمع بين إنكاره لرواية وكيع وقبوله لمقتضاها في موضع آخر.\nوهذا الاعتبار نفسه - أعني كون الراوي المتفرد مع حفظه قد حُفظت له أخطاء وقع فيها - هو الذي يعود إليه إنكار الإمام أحمد لحديثين رواهما عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وتفرد بهما عن عطاء: أحدهما حديث الشفعة بالجوار، والثاني حديث تنكح المرأة لثلاث.\nقال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: حدثنا بحديث الشفعة، حديث\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٢٧ رقم ٩٤٠.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٩٩ رقم ١٣٩.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١٠/ ٩٨ ح ١٨٥٠٠، ١٨٤٩٩ لكن بلفظ: \"دية الذمي دية المسلم\". ولفظ حديث معمر عن منصور، عن إبراهيم: \"دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية المسلم\". قال معمر: وقاله الشعبي.\n(^٤) المغني ١١/ ٤٦٦.","vol":"2","page":808},{"text":"عبدالملك، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ، قال: هذا حديث منكر\" (^١).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: \"وسمعت يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل يقولان في حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر في الشُّفعة، قالا لي: قد كان هذا الحديث ينكر عليه. وسمعت أحمد ويحيى يقولان: كان عبد الملك بن أبي سليمان ثقة\" (^٢).\nوحديث عبد الملك في الشفعة بالجوار أخرجه أبو داود (^٣)، والترمذي (^٤)، وابن ماجه (^٥)، وأبو داود الطيالسي (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن أبي شيبة (^٨)، والطحاوي (^٩)، والبيهقي (^١٠). ولفظه: \"الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا\".\nوقد تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، ومن أجله تكلم فيه شعبة. وقال: لو روى حديثًا آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه، ومثله عن يحيى القطان (^١١).\nومما يدل على أن تفرده هو علة نكارته عند شعبة أن وكيعًا روى عن شعبة\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٨١ رقم ٢٢٥٦.\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٠ رقم ١١٦٩.\n(^٣) سنن أبي داود ٣/ ٧٨٧ ح ٣٥١٨.\n(^٤) الجامع ٣/ ٦٥١ ح ١٣٦٩.\n(^٥) سنن ابن ماجه ٢/ ٨٣٣ ح ٢٤٩٤.\n(^٦) مسند الطيالسي ص ٢٣٤ ح ١٦٧٧.\n(^٧) المسند ٢٢/ ١٥٥ ح ١٤٢٥٣.\n(^٨) المصنف ٤/ ٣٨٤ ح ٢١٢٩٨، ٤/ ٥١٨ ح ٢٢٧٢١.\n(^٩) شرح معاني الآثار ٤/ ١٢٠.\n(^١٠) السنن الكبرى ٦/ ١٠٦.\n(^١١) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩٤٠.","vol":"2","page":809},{"text":"أنه قال لهم: \"لو كان شيئًا يُقوِّيه! \" (^١)، أي لو وجد له متابعٌ أو شاهدٌ يقويه لكان مقبولًا.\nوكذلك أنكره الإمام أحمد، ويحيى بن معين على عبد الملك كما تقدم في السؤال. وقال البخاري: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك بن أبي سليمان، وهو حديثه الذي تفرد به، ويروى عن جابر عن النبي ﷺ خلاف هذا (^٢).\nوإنما أنكرا عليه هذا الحديث لتفرده به عن جابر، فلم يذكره أحد من أصحاب عطاء. قال الترمذي: إنما ترك شعبة عبد الملك لهذا الحديث، لم يجد أحدًا رواه غيره (^٣).\nوعبد الملك بن أبي سليمان قد وثقه الإمام أحمد كما تقدم، بل قال في رواية عبد الله: كان من الحفاظ (^٤). لكن قال في رواية صالح: \"عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه كان يُخالف ابن جريج في إسناد أحاديث، وابن جُريج أثبت منه عندنا\" (^٥). وقال في رواية أبي داود: \"هو ثقة، قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من حفاظ أهل الكوفة، إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء\" (^٦). وقد ذكر الإمام أحمد حديثًا آخر لعبد الملك خالف فيه ابنَ جريج فقضى الإمام أحمد لابن جريج (^٧).\nوقال عبد الله: \"قال أبي مرة أخرى، وذكر عطاء فقال: أثبت الناس في عطاء ابن جُريج، وعمرو بن دينار\" (^٨).\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) علل الترمذي الكبير ١/ ٥٧١.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٣٥ رقم ١٢٦٤.\n(^٥) الجرح والتعديل ٥/ ٣٦٧.\n(^٦) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٢٩٦ رقم ٣٥٨.\n(^٧) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٥٤ رقم ٥١٢٣.\n(^٨) الموضع نفسه.","vol":"2","page":810},{"text":"فمن سجلت عليه مخالفات لمن هو أوثق منه عن شيخ معين تأثرت به روايته عنه، فيتوقف في قبول ما تفرد به عنه. وأشار الإمام مسلم إلى هذا الضابط في مقدمة صحيحه حيث قال: \"وحكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث، أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قُبلت زيادتُه\" (^١).\nثم حديثه هذا مخالف لما رواه أبو سلمة وأبو الزبير عن جابر، وهذا ما أشار إليه البخاري من أنه يروى عن جابر عن النبي ﷺ خلاف هذا، وقد صرح به ابن عبد البر (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم ١/ ٧.\n(^٢) التمهيد ٧/ ٤٨. قال: وليس عبد الملك هذا مما يعارض به أبو سلمة وأبو الزبير وفيما ذكرنا من روايتهما عن جابر ما يدفع رواية عبد الملك هذه.\nوقد أوضح بعض الأئمة عدم التعارض بين حديث عبد الملك وما رواه غيره عن جابر. قال ابن القيم: والذين ردّوا حديثه ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: \"الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة\"، وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميز الحدود وتصريف الطرق واختصاص كل ذي ملك بطريق، ومنطوق حديث عبد الملك إثبات الشّفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير غير معارض له، وهذا بين وهو أعدل الأقوال في المسألة تهذيب السنن ٩/ ٣٠٩.\nوكذلك قال ابن عبد الهادي، وزاد: وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح في عبد الملك، فإن عبد الملك ثقة مأمون، وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها، وإنما كان إمامًا في الحفظ، وطعن من طعن فيه إنما هو اتباعًا لشعبة تنقيح التحقيق ٣/ ٥٨.\nوهذا الكلام يستقيم لو كان ردهما لمجرد المخالفة، أما وأن ردهما - وبخاصة الإمام أحمد - من أجل تفرد عبد الملك بن أبي سليمان، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد عن عطاء، ثم عن جابر لتأخر منزلته في الحفظ من بين أصحاب عطاء، فإعلال الأئمة لحديثه قائم، والعلم عند الله.","vol":"2","page":811},{"text":"والحديث الثاني الذي أنكره الإمام أحمد على عبد الملك بن أبي سليمان هو:\nقال أبو زرعة: \"سمعت أحمد بن حنبل يقول: وقد كان يُنكر من حديثه - أي عبد الملك بن أبي سليمان - عن عطاء، عن جابر: \"تنكح المرأة على ثلاث\" (^١).\nوهذا الحديث رواه الترمذي (^٢)، من طريق إسحاق الأزرق، وابن أبي شيبة (^٣) من طريق عبدة بن سليمان كلاهما عن عبد الملك به، ولفظه: \"إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدِّين تربت يداك\". ورواه الدارمي من طريق علي بن مسهر، عن عبد الملك بلفظ: \"تنكح المرأة لأربع … \" (^٤)، فذكره بمثل لفظ حديث أبي هريرة في هذا المعنى (^٥).\nورواه مسلم (^٦)، من طريق عبد الله بن نمير، والنسائي (^٧) من طريق خالد بن الحارث، وأحمد (^٨)، والبيهقي (^٩)، وابن عبد البر (^١٠) من طريق إسحاق الأزرق، وأحمد (^١١) من طريق يحيى القطان كلهم عن عبد الملك بلفظ: تزوجتُ امرأةً في عهد رسول الله ﷺ فلقيتُ النبي ﷺ فقال: \"يا جابر تزوجتَ؟ \" قال: نعم، قال: \"أبكرٌ أم ثيّبٌ\"؟ قال: بل ثيّب. قال: \"أفلا بكرًا تلاعبها\"؟ قال: يا رسول الله، إن\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٠ رقم ١١٧٠.\n(^٢) الجامع ٣/ ٣٩٦ ح ١٠٨٦.\n(^٣) المصنف ٣/ ٥٦٠ ح ١٧١٤٨.\n(^٤) سنن الدارمي ٢/ ١٣٤.\n(^٥) أخرجه البخاري ٩/ ١٣٢ ح ٥٠٩٠، ومسلم ٢/ ١٠٨٦ ح ١٤٦٦.\n(^٦) صحيح مسلم ٢/ ١٠٨٧ ح ٧١٥.\n(^٧) السنن ٦/ ٦٥ ح ٣٢٢١.\n(^٨) المسند ٢٢/ ١٤٠ ح ١٤٢٣٧.\n(^٩) السنن الكبرى ٧/ ٨٠.\n(^١٠) التمهيد ١٩/ ١٦٧.\n(^١١) الموضع نفسه.","vol":"2","page":812},{"text":"لي أخواتٌ فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، قال فقال: \"فذاك إذن، إن المرأة تُنكح في دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك\".\nفتبين أن ما أنكره الإمام أحمد من حديث عبد الملك زيادة زادها في حديث جابر في قصة زواجه وبيعه بعيره للنبي ﷺ، ولم ترد هذه الزيادة إلا في حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء. وقد رواه ابن جريج عن عبد الملك ولم يذكرها (^١). وكذلك لم يذكرها كل من روى الحديث عن جابر، وهم عمرو ابن دينار (^٢)، ومحمد بن المنكدر (^٣)، ومحارب بن دثار (^٤)، والشعبي (^٥)، ووهب ابن كيسان (^٦)، وأبي نضرة (^٧)، وسالم بن أبي الجعد (^٨)، ونُبيح العنزي (^٩)، وأبي سفيان طلحة بن نافع (^١٠).\nفإنكار الإمام أحمد لهذه الزيادة من باب إنكاره وغيره من الحفاظ للحديث الذي تفرد به في الشفعة.\nومن الاعتبارات التي يعود إليها خروجُ الإمام أحمد عن أصله في هذا\n_________\n(^١) وحديثه عند البخاري ٤/ ٤٨٥ ح ٢٣٠٩، والنسائي السنن ٦/ ٦١ ح ٣٢٢٠، وأبي عوانة ٣/ ٢٥٢ ح ٤٨٤٩، ٣/ ٢٥٣ ح ٤٨٥٠.\n(^٢) حديثه عند البخاري ٩/ ٥١٣ ح ٥٣٦٧، ١١/ ١٩٠ ح ٦٣٨٦، ومسلم صحيح مسلم ٢/ ١٠٨٧، ١٠٨٨.\n(^٣) وحديثه عند سعيد بن منصور السنن ١/ ١٦٨ ح ٥١٠، وأحمد المسند ٢٢/ ٣٦ ح ١٤١٣٢.\n(^٤) وحديثه عند البخاري ٩/ ١٢١ ح ٥٠٨٠، ومسلم ٢/ ١٠٨٧ ح ٥٥.\n(^٥) وحديثه عند البخاري ٩/ ٣٤١ ح ٥٢٤٥، ٥٢٤٦، ومسلم ٢/ ١٠٨٨.\n(^٦) وحديثه عند البخاري ٤/ ٣٢٠ ح ٢٠٩٧، ومسلم ٢/ ١٠٨٩.\n(^٧) وحديثه عند مسلم ٢/ ١٠٨٩ ح ٥٨.\n(^٨) وحديثه عند أبي داود ح ٢٠٤٨، وأحمد المسند ٢٢/ ٢٧٣ ح ١٤٣٧٦، وابن حبان ١٤/ ٤٤٧ ح ٦٥١٧، والبيهقي ٥/ ٣٥١.\n(^٩) وحديثه عند أحمد ٢٣/ ١٤٧ ح ١٤٨٦١، وابن أبي شيبة المصنف ٤/ ٥٢.\n(^١٠) وحديثه عند أحمد ٢٣/ ١٧٢ ح ١٤٨٩٦.","vol":"2","page":813},{"text":"الباب أن يكون الراوي المتفرد مع كونه حافظًا مبرّزًا ليس في الطبقة الأولى من أصحاب شيخه الذي تفرد بالرواية عنه، إذا كان شيخه من المكثرين في الرواية وله تلاميذ كثر يعتنون بجمع أحاديثه، مثال ذلك:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد قال: عند عيسى حديث أنس، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن أنس عن النبي ﷺ في الشُّفعة؛ قال أحمد: ليس بشيء. فقلتُ لأحمد: كلاهما عنده؟ أعني: عند عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، وعن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ في الشُّفعة؟ فلم يَعْبأ إلى جَمعه الحديثين، وأنكر حديث أنس\" (^١).\nحديث عيسى بن يونس رواه ابن حبان (^٢)، والطحاوي (^٣)، والطبراني (^٤)، والضياء المقدسي (^٥) كلهم من طريقه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.\nوقد تفرد عيسى بن يونس بهذه الرواية عن سعيد عن قتادة، عن أنس، قاله الطبراني (^٦).\nوأنكر الإمام أحمد هذه الرواية على عيسى بن يونس (^٧)، وتتابع الحفاظ من بعده على إنكاره عليه؛ فقال الإمام البخاري: \"الصحيح حديث الحسن عن سمرة، وحديث قتادة، عن أنس غير محفوظ، ولم يُعرف أن أحدًا رواه عن ابن أبي عروبة،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٣ رقم ١٩٠٢.\n(^٢) الإحسان ١١/ ٥٩٥ ح ٥١٨٢.\n(^٣) شرح معاني الآثار ٤/ ١٢٣.\n(^٤) المعجم الكبير ٧/ ١٩٦ ح ٦٨٠٣، والمعجم الأوسط ٨/ ١١٨ ح ٨١٤٦.\n(^٥) الأحاديث المختابرة ٧/ ١٢٢ ح ٢٥٥١.\n(^٦) المعجم الأوسط الموضع نفسه.\n(^٧) وفي العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ١٤٨١: سئل أبي عن حديث قتادة، عن أنس في الجوار قال: أخطأ فيه عيسى بن يونس.","vol":"2","page":814},{"text":"عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس\" (^١).\nوقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة عن الحديث: \"هذا خطأ، روى هذا الحديث همام، وحماد بن سلمة، فقال حماد بن سلمة: عن قتادة، عن الشريد، وقال همام: عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد، وقالا - أي أبو حاتم وأبو زرعة: نظن أن عيسى وهم فيه، فشبّه الشريد بأنس\" (^٢).\nوقال الدارقطني: \"رواه عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، ووهم فيه، وغيره يرويه عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وكذلك رواه شعبة وغيره عن قتادة، وهو الصواب\" (^٣).\nووجه عدم قبول الإمام أحمد لهذا التفرد من عيسى بن يونس، ومثله ممن يقبل منه تفرده على أصله في هذا الباب، هو أنه مع تثبت عيسى وثقته لكنه ليس من الطبقة الأولى من أصحاب سعيد بن أبي عروبة، فإنه بالرغم من منزلته في الثقة وصحة سماعه من ابن عروبة (^٤)، لم يكن من خاصة تلاميذه العارفين بحديثه والملازمين له من البصريين أهل بلده مثل يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وابن علية، وعبد الوهاب الخفاف الذين جمعوا مع الثقة والتثبت طول الملازمة، فكيف تغيب عنهم هذه الرواية ولا يرويها إلا هو، ولم يسمع من سعيد إلا في قدمته إلى الكوفة، وروايات مختلفي الأمصار يعتريها ما يعتريها من الأوهام والأغلاط.\n_________\n(^١) علل الترمذي الكبير ١/ ٥٦٨ ح ٢٢٨.\n(^٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٧٧.\n(^٣) نقله عنه المقدسي الأحايث المختارة ٧/ ١٢٤، وكذلك الزيلعي في نصب الراية ٤/ ١٧٣. قال د. زهير بن ناصر الناصر: قول الدارقطني هذا لم أجده في السنن المطبوعة ولا في العلل في مسند أنس، والله أعلم.\n(^٤) كان سماعه منه بالكوفة في قدمته الأولى قبل اختلاطه مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٢ رقم ١٧٤٥.","vol":"2","page":815},{"text":"والرواية المحفوظة هي عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب. هكذا رواه أصحاب سعيد بن أبي عروبة، منهم إسماعيل بن عُلية (^١)، وقد كان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة (^٢)، وسماعه من سعيد قديم؛ أخذه عنه إملاء (^٣) مما يدل على مزيد ضبطه لحديثه؛ ومنهم عبد الوهاب بن عطاء الخفاف (^٤)، وكان من أعلم الناس بحديث سعيد (^٥)؛ وعبدة بن سليمان (^٦)، والمحاربي عبد الرحمن بن محمد (^٧)، والحسن بن صالح بن حيّ (^٨).\nوكذلك أصحاب قتادة رووه عنه عن الحسن، عن سمرة؛ هكذا رواه هشام الدستوائي (^٩)، وشعبة (^١٠)، وهمام (^١١)، وحماد بن سلمة (^١٢). وهؤلاء ثقات أصحاب قتادة.\nوقد روى عيسى بن يونس، عن سعيد، عن الحسن، عن سمرة، مثل رواية\n_________\n(^١) حديثه عند الترمذي ٣/ ٦٥٠ ح ١٣٦٨، وأحمد المسند ٣٣/ ٣٢٣ ح ٢٠١٤٧.\n(^٢) قاله أحمد في رواية عبد الله الجرح والتعديل ٢/ ١٥٤.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٩٦ رقم ٥٣١٤.\n(^٤) وحديثه عند أحمد أيضًا المسند ٣٣/ ٣١٢ ح ٢٠١٢٨.\n(^٥) قاله أحمد تاريخ بغداد ١١/ ٢٢.\n(^٦) وقد تقدم أنه ثقة ثبت، وأن سماعه من سعيد كان بالكوفة قبل اختلاطه العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٦٣ رقم ٨٦. وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف ٤/ ٥١٨ ح ٢٢٧٢٠.\n(^٧) وحديثه عند الروياني في \"مسنده\" ٢/ ٥٥ ح ٨٢٣.\n(^٨) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٧/ ١٩٧ ح ٦٨٠٤.\n(^٩) وحديثه عند أبي داود الطيالسي ص ١٢٢ ح ٩٠٤، وأحمد المسند ٣٣/ ٣٦٣ ح ٢٠١٩٩.\n(^١٠) وحديثه عند أبي داود السنن ٣/ ٧٨٧ ح ٣٥١٧، وأحمد ٣٣/ ٣٦٣ ح ٢٠١٩٩، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٢٩.\n(^١١) وحديثه عند أحمد المسند ٣٣/ ٢٧٩ ح ٢٠٠٨٨، والطبراني المعجم الكبير ٧/ ١٩٦ ح ٦٨٠٢، والبيهقي السنن الكبرى ٦/ ١٠٦.\n(^١٢) وحديثه عند أحمد المسند ٣٣/ ٣٥٣ ح ٢٠١٨٣.","vol":"2","page":816},{"text":"الجماعة (^١)، وذكر أبو داود هذه الرواية لأحمد كقرينة يمكن الاستدلال بها على أن جمعه للحديثين معًا يفيد كون الطريق الذي تفرد بها عن سعيد عن قتادة عن أنس محفوظًا، واعتمد هذه القرينة ابن القطان فصحح الروايتين عن عيسى بن يونس (^٢).\nوأما الإمام أحمد فلم يعبأ بهذه القرينة، ولم يقبل هذا التفرد من عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة، مع أنه من الأثبات عنده. فقد سئل عنه أحمد فقال: عيسى يُسأل عنه؟ (^٣). وسئل عن عيسى بن يونس، وأبي إسحاق الفزاري، ومروان بن معاوية أيهم أثبت؟ قال: ما فيهم إلا ثبت. قيل له: فمن تقدم؟ قال: ما فيهم إلا ثقة ثبت … (^٤).\nوكذلك أحمد بن جناب راوي الروايتين عن عيسى بن يونس نص على أن عيسى بن يونس أخطأ في حديث أنس، فقد رواه ابن أبي خيثمة، عن أحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ثم قال: قال أحمد بن جناب: أخطأ فيه عيسى بن يونس (^٥).\n_________\n(^١) أخرج هذه الرواية ابن القطان من طريق قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عيسى بن يونس به بيان الوهم والإيهام ٥/ ٤٤٤، نصب الراية ٤/ ١٧٣، وكذلك الطحاوي من طريق علي بن بحر أحمد بن جناب عن عيسى بن يونس على ما ذكره الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة ٢/ ٢٠٧. والذي في شرح معاني الآثار من رواية علي بن بحر وأحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن سمرة. فما أدري هل ذكر أنس في هذا الإسناد من خطأ النسخة المطبوعة أم لا؟ ولم يذكر الحافظ هذا الإسناد في مسند سمرة في الإتحاف ٦/ ٥١. ونص أبو داود في سؤاله هذا للإمام أحمد أن عيسى بن يونس قد روى الحديث بمثل رواية الجماعة، كما نص على ذلك البزار مسند البزار، والطبراني المعجم الأوسط ٨/ ١١٨.\n(^٢) بيان الوهم والإيهام الموضع نفسه.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٩ رقم ٣١٤٦.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥٣ رقم ٣٩.\n(^٥) انظر: إتحاف المهرة ٢/ ٢٠٧.","vol":"2","page":817},{"text":"ومن ناحية أخرى، ما بال هذا الحديث لا يرويه أحدٌ من أصحاب قتادة عن أنس؟ وقتادة حافظ مكثر، صاحب تلاميذ معتنين بجمع حديثه وضبطه، فلماذا لم يرو الحديث أحد من هؤلاء التلاميذ، ولا يأتي إلا من طريق عيسى عن ابن أبي عروبة؟\nومن أجل هذه الاعتبارات خرج الإمام أحمد عن أصله فلم يقبل تفرد عيسى بن يونس وحكم على روايته بالخطأ.\nومن أمثلته أيضًا رد الإمام أحمد لتفرد وهب بن جرير عن شعبة، لأنه لم يكن من أهل الطبقة الأولى من تلاميذ شعبة.\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد قيل له: وهب بن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - عن الشعبي، عن ابن عباس، صلى - يعني النبي ﷺ على قبر؟ فأنكره وقال: ليس هذا من حديث إسماعيل\" (^١).\nهذا الحديث رواه مسلم (^٢)، وابن حبان (^٣)، والبيهقي (^٤) من طريق وهب ابن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل بن خالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: \"أَتى رسول الله ﷺ على قبر منبوذ فصلى عليه وصلينا معه\".\nولم أقف على من تابعه على هذه الرواية عن شعبة أو عن غيره بذكر إسماعيل بن أبي خالد.\nقال ابن عدي: ولم يقل عن شعبة، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي غير وهب بن جرير، والمعروف عن شعبة، عن الشيباني عن الشعبي (^٥).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣٣ رقم ١٩٩٧.\n(^٢) صحيح مسلم ٢/ ٦٥٨ ح ٩٥٤ (٦٨).\n(^٣) الإحسان ٧/ ٣٥٩ ح ٣٠٩٠.\n(^٤) السنن الكبرى ٤/ ٤٦.\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٥٣١.","vol":"2","page":818},{"text":"هكذا رواه أصحاب شعبة: عن الشيباني، عن الشعبي عن ابن عباس؛ منهم غندر (^١)، وحجاج بن المنهال (^٢)، ومعاذ بن معاذ (^٣)، وسليمان بن حرب (^٤)، ومسلم ابن إبراهيم (^٥)، وخالد بن الحارث (^٦)، وأبو داود (^٧)، وأبو الوليد الطيالسيّان (^٨).\nوالحديث معروف لأبي إسحاق الشيباني، رواه عنه غير واحد (^٩).\nوقد روي أيضًا من حديث أبي حصين عن الشعبي (^١٠).\nوتفرد به وهب بن جرير، عن شعبة من حديث إسماعيل بن أبي خالد، فأنكره الإمام أحمد، وقال: ليس هذا من حديث إسماعيل، فلم يعتبر بروايته لتكون أصلًا للحديث من رواية إسماعيل، بل ردها لأنه ليس ممن يقبل تفرده عن شعبة، فلم يكن من أهل الطبقة الأولى من أصحابه، بل كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: هنا قوم يحدثون عن شعبة ما رأيناهم عند شعبة، قال أحمد: قلت له: من\n_________\n(^١) وحديثه عند البخاري ٢/ ٣٤٤ ح ٨٥٧، ومسلم ٢/ ٦٥٨.\n(^٢) وحديثه عند البخاري ٣/ ٢٠٣ ح ١٣٣٦.\n(^٣) وحديثه عند مسلم الموضع نفسه.\n(^٤) وحديثه عند البخاري ٣/ ١٩٠ ح ١٣٢٢.\n(^٥) وحديثه عند البخاري ٣/ ١٨٦ ح ١٣١٩.\n(^٦) وحديثه عند النسائي السنن الكبرى ١/ ٦٥١ ح ٢١٥٠.\n(^٧) وهو في مسنده ص ٣٤٤ ح ٢٦٤٧، وأخرجه من طريقه أبو نعيم مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم ٣/ ٣٦ ح ٢١٣٨.\n(^٨) وحديثه عند أبي نعيم الموضع نفسه.\n(^٩) منهم عبد الله بن إدريس عند مسلم الموضع نفسه، وعبد الواحد بن زياد عند البخاري ٣/ ١٨٩ ح ١٣٢١، ومسلم الموضع نفسه، وهشيم بن بشير عند مسلم الموضع نفسه، والترمذي ٣/ ٣٥٥ ح ١٠٣٧، وجرير بن حازم عند البخاري ٣/ ٢٠٧ ح ١٣٤٠، ومسلم الموضع نفسه، وسفيان الثوري عند مسلم الموضع نفسه، وأبو معاوية عند البخاري ٣/ ١١٧ ح ١٢٤٧، وأبو عوانة وضاح عند الدارقطني ٢/ ٧٧.\n(^١٠) رواه إبراهيم بن طهمان ويحيى بن ضريس عنه صحيح مسلم، الموضع نفسه، السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٤٦.","vol":"2","page":819},{"text":"تعني بهذا؟ قال: وهب بن جرير (^١) قال أحمد: \"ما رئي وهب عند شعبة، ولكن كان صاحب سنة، حدث - زعموا - عن شعبة نحوًا من أربعة آلاف حديث. قال عفان: هذه أحاديث الرُّصاصي. قال عبد الله: قلت لأبي: ما هذا الرصاصي؟ قال: كان إنسان بالبصرة يقال له الرصاصي، وكان قد سمع من شعبة حديثًا كثيرًا واسمه عبد الرحمن بن زياد، وقع إلى مصر\" (^٢).\nلكن روى الإمام أحمد عن وهب ما يثبت سماعه من شعبة، قال: \"قال وهب بن جرير: كتب لي أبي إلى شعبة فكنت أجئ فأسأله\" (^٣).\nوالحاصل أن وهب بن جرير مع توثيق بعض الأئمة له (^٤) لم يكن من تلاميذ شعبة الأثبات الملازمين له، فإذا روى حديثًا من حديث شعبة وليس عند واحد من أولئك التلاميذ، فلا يحتمل منه مثل ذلك التفرد، وإن جاء بما يخالف ما عندهم فذاك أشد، وهو الحال في هذا الحديث الذي أنكره عليه الإمام أحمد.\nومن الاعتبارات التي يمكن أن يرجع إليها خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب كون تفرد الراوي الثقة الثبت تضمّن وجهًا أو أكثر من المخالفة لرواية من هو أولى منه عن ذلك الشيخ الذي تفرد عنه، وإلى هذا الاعتبار يرجع ردّ الإمام أحمد لتفرد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته عن عبد الله بن عمر،\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٥٣١.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣١٣ رقم ٢٣٨٧.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) وثقه ابن معين، وقال أبو جاتم: صدوق صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال ٣١/ ١٢٣ - ١٢٤. وقال الدورقي: إذا خرجت حديث شعبة لم أقدّم على وهب بن جرير أحدًا الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٥٣١، ولم أر غيره من الحفاظ قدم وهبًا في أصحاب شعبة.\nوقد قال أبو حاتم لما سئل عن حرمي بن عمارة: ليس هو في عِداد يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغندر، هو مع عبد الصمد بن عبد الوارث، ووهب بن جرير وأمثالهما الجرح والتعديل ٣/ ٣٠٧. فهو صريح في تأخر طبقة وهب عند أبي حاتم.","vol":"2","page":820},{"text":"فإن رد الإمام أحمد على عبد الله بن دينار لم يكن لمجرد تفرده به عن ابن عمر، بل لأنه إضافة إلى تفرده قد خُولف عن ابن عمر من قبل نافع مولاه كما تقدم.\nومن أمثلته أيضًا:\nقال أبو بكر الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله: حديث السهو حديث ابن عمر يرويه أحد غير أبي أسامة؟ فقال: أبو أسامة وحده، وكأنه ضعفه. قال أبو عبد الله: زعموا أن يحيى بن سعيد قال: إنما هو عبيد الله، عن نافع مرسل\" (^١).\nوالمقصود بحديث ابن عمر في السهو هو ما رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى فسلم في الركعتين، فقال له ذو اليدين: أقُصرت الصلاة أم نَسيت؟ فقال: \"ما قُصرت الصلاةُ وما نَسيتُ\"، فقال: \"أكما يقول ذو اليدين\"؟ فقام فصلى ثم سجد سجدتين. أخرجه أبو داود (^٢)، وابن ماجه (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤)، وابن خزيمة (^٥)، والطحاوي (^٦)، والبيهقي (^٧) من طرق عن أبي أسامة به.\nوقد نصّ الإمام أحمد في جوابه على هذا السؤال بأن أبا أسامة تفرد بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن نافع. وأبو أسامة كان ثبتًا صحيح الكتاب عند الإمام أحمد (^٨). وقال أيضًا: كان أبو أسامة ضابطًا للحديث كيّسًا (^٩) وقال\n_________\n(^١) تنقيح التحقيق ١/ ٤٣٨.\n(^٢) سنن أبي داود ١/ ٦١٨ ح ١٠١٧.\n(^٣) سنن ابن ماجه ١/ ٣٨٣ ح ١٢١٣.\n(^٤) المصنف ١/ ٣٩٣ ح ٤٥١٤.\n(^٥) صحيح ابن خزيمة ٢/ ١١٧ ح ١٠٣٤.\n(^٦) شرح مشكل الآثار ١/ ٤٤٤.\n(^٧) السنن الكبرى ٢/ ٣٥٩.\n(^٨) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٩٠ رقم ٧٧٢.\n(^٩) المصدر نفسه ٣/ ٤٦٤ رقم ٥٩٨١.","vol":"2","page":821},{"text":"أيضًا: كان ثبتًا، ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ (^١).\nفتفرد مثل أبي أسامة مقبول على أصل الإمام أحمد، وإنما مال إلى تضعيفه لما قيل أن يحيى القطان خالفه، فروى الحديث عن عبيد الله، عن نافع مرسلًا، فمن أجل هذه المخالفة ردّ تفرد الثقة الثبت أبي أسامة في روايته لهذا الحديث.\nوقد تابعه عبد الله العمري، فرواه بمثل روايته مختصرًا. أخرجه ابن عدي من طريق عبد الله بن وهب عنه (^٢)، والعمري وإن تكلم فيه من ناحية حفظه، فهو ممن يعتبر به، فلا يبعد أن تكون رواية أبي أسامة محفوظة، والله أعلم (^٣).\nلكن هناك قرينة أخرى جعلت الإمام أحمد ينكر رواية أبي أسامة، وهي كون رواية يحيى القطان للحديث عن عبيد الله مرسلا كانت نقلا من كتاب عبيد الله، وهذا أضبط وأتقن ما يكون في صحة الرواية.\nقال المرُّوذي في حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر في مثل قصة ذي اليدين، فقال: \"كان يقول - يعني أبا أسامة - عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ثم يقول: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مثله. وقال: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيدالله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره\" (^٤).\nومن صوَر خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب قبوله لتفرد من لم يبلغ منزلة المبرّز المشتهر بالحفظ، وإن كان يشمله وصف الثقة، وذلك حيث كانت هناك قرينة دلت على مزيد الثقة بصحة ما روى، كأن تكون روايته\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٣/ ١٣٣.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٢٠.\n(^٣) أما البيهقي فقبل روايته بدون متابعة. قال: تفرد به أبو أسامة، وهو من الأثبات السنن الكبرى ٢/ ٣٥٩.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٤٧ - ١٤٨ رقم ٢٦٢.","vol":"2","page":822},{"text":"للحديث الذي تفرد به كانت منقولة من كتاب، مثال ذلك:\nقال أبو إسماعيل الترمذي (^١): \"حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء الثقة الرضى، وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: \"رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت … أعِده عليّ، وكان قد حدثني به قبل هذه المدة بسنتين، قال: نعم: حدثنا عِكرمة بن عمّار اليمامي، عن ضمضم بن جَوْش، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: \"رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرْبَ ولا طرْدَ ولا إليك إليك\". قال أبو إسماعيل: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة وقال: أكتبوه من كتاب؟ قلنا: نعم\" (^٢).\nفالإمام أحمد لم ينكر هذا الحديث، وإنما وصفه بالغرابة، ووجه الغرابة أن الحديث بهذا اللفظ فيه تفرد مطلق، لا يروى إلا من حديث عبد الله بن حنظلة.\nقال ابن عدي: الحديث بهذا الإسناد لم يحدث به عن عكرمة بن عمار غير الحسن بن سوار (^٣). وقال العقيلي: ولا يُتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث (^٤).\nوقد روى قُدامة بن عبد الله \"أنه رأى النبي ﷺ رمى الجمرة جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر، على ناقة له صهباء، لا ضرْبَ ولا طرْدَ ولا إليك\n_________\n(^١) هو محمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو إسماعيل الترمذي. قال الخلال: كان عنده عن أبي عبد الله مسائل صالحة حسان. وفيها ما أغرب به على أصحاب أبي عبد الله، وهو رجل معروف ثقة كثير العلم يتفقه. ا. هـ ووثقه النسائي، والدراقطني. وقال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه. وقال الذهبي: انبرم الحال على توثيقه وإمامته. توفي سنة ٢٨٠ هـ. طبقات الحنابلة ١/ ٢٧٩، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٤٣.\n(^٢) تاريخ بغداد ٧/ ٣١٨ - ٣١٩، رواه الخطيب من طريق عثمان بن أحمد الدقاق، عن أبي إسماعيل الترمذي.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩١٣.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٤٧.","vol":"2","page":823},{"text":"إليك] (^١) رواه أكثر من خسمة عشر نفسًا عن أيمن بن نابل، عن قدامة.\nهكذا رواه قُدامة بن عبد الله بذكر رمي جمرة العقبة، وليس الطواف. قال الذهبي عن حديث عبد الله بن حنظلة: المحفوظ حديث أيمن، عن قدامة … فذكره (^٢).\nوراوي هذا الحديث الحسن بن سوار قال فيه الإمام أحمد: ثقة ثقة، فهذا يجعله في درجة عالية من الثقة، لكن ليس بمبرَّز بالحفظ والإتقان. وقد روى حنبل بن إسحاق عن أحمد أنه قال فيه: كان شيخًا من أهل خراسان قدِم علينا ليس به بأس (^٣). وقال صالح بن محمد: يقولون إنه صدوق، ولا أدري كيف هو (^٤). فهذا كله يدل على أنه لم يكن مشهورًا بالحفظ، فلم تكن حالته حالة من يقبل الإمام أحمد مطلق تفرده.\nومع هذا لم يصف الإمام أحمد حديثه هذا بالنكارة، بل ذكر ما يشعر بقبوله منه، وهو سؤاله: هل كتبوه من كتاب؟ فإن فائدة هذا السؤال أن الحديث إذا كان مع غرابته مأخوذًا من كتاب إنسان ثقة فإن ذلك يدل على مزيد الثقة بما حدث به، وأن الحديث محفوظ، لأن الرجل مهما بلغ في الحفظ فالكتاب أحفظ منه، ولو لم يكن هذا الاستدلال هو المقصود لما كان لسؤاله أية فائدة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي الجامع ٣/ ٢٤٧ ح ٩٠٣، والنسائي السنن ٥/ ٢٧٠ ح ٣٠٦١، وابن ماجه السنن ٢/ ١٠٠٩ ح ٣٠٣٥، والطيالسي ص ١٩٠ ح ١٣٣٨، وأحمد المسند ٢٤/ ١٣٦ ح ١٥٤١٠ - ١٥٤١٥، والدارمي السنن ٢/ ٦٢، وابن أبي شيبة المصنف ٣/ ٢٨٨ ح ١٣٧٤٥، وابن أبي عاصم ٣/ ١٦٨ ح ١٤٩٩، وعبد بن حميد المنتخب من مسنده ص ١٤٠ ح ٣٥٧، والطبراني المعجم الكبير ١٩/ ٣٨ ح ٧٧ - ٧٩، والحاكم المستدرك ١/ ٤٦٦، ٤/ ٥٠٧، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٠١.\n(^٢) ميزان الاعتدال ترجمة ١٨٥٧.\n(^٣) تاريخ بغداد ٧/ ٣١٩.\n(^٤) الموضع نفسه.","vol":"2","page":824},{"text":"وأما العقيلي فذكر رواية أبي إسماعيل الترمذي هذه من طريق محمد بن موسى النهرتيري مختصرًا فقال عن أحمد: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر (^١)، واعتمده الذهبي فذكر أن هذا الحديث مما أُنكر على الحسن بن سوار (^٢) تبعًا للعقيلي.\nويؤيد ذلك ما ذكره الترمذي (^٣): \"سألت محمدًا عن حديث الحسن بن سوار، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس (^٤)، عن عبد الله بن حنظلة قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على ناقة (^٥)، فقال محمد: رأيت أبا قدامة يعرض هذا الحديث على علي بن عبد الله فدفعه علي - يعني أنكره، وقال محمد: وقد كتب به الحسن بن سوار إلي، وكأن محمدًا لم يعرف هذا الحديث\". فذكر إنكار علي ابن المديني للحديث.\nوعندي أن رواية الخطيب أصح من رواية العقيلي، لأن الخطيب روى القصة كاملة وذكر ما يشعر بعدم إنكار الإمام أحمد لرواية الحسن بن سوار، بينما اختصرها العقيلي، وحمل الغرابة المذكورة على النكارة.\nوقد روى حديث عبد الله بن حنظلة بن الراهب ابن قانع (^٦)، والخطيب (^٧).\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.\n(^٢) ميزان الاعتدال الموضع نفسه.\nهذا ولم يترجم ابن عدي للحسن بن سوار.\n(^٣) علل الترمذي الكبير ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(^٤) وقع في الأصل: بن موسى، وذكر المصنف أنه ألحقه من مصادر تخريج الحديث الموضع نفسه.\n(^٥) هكذا وقع هنا بذكر رمي الجمرة، والصواب هو الطواف. وقد ذكر محقق العلل الكبير أن السيوطي عزاه في الجامع الكبير باللفظ المذكور إلى ابن منده، ولعل إنكار ابن المديني راجع إلى هذا اللفظ، والله أعلم.\n(^٦) معجم الصحابة ٢/ ٩٠.\n(^٧) تاريخ بغداد ٤/ ١٤٠.","vol":"2","page":825},{"text":"ورواه البزار (^١) لكن قال: عن العلاء بن سنان، عن عكرمة بن عمار مكان أبي العلاء الحسن بن سوار، وأخاف أن يكون تصحيفًا من أبي العلاء بن سوار، والله أعلم.\nوالشاهد أن الإمام أحمد اعتد بتفرد الثقة الذي لم يكن مبرّزًا بالحفظ لكون روايته للحديث الذي تفرد به كانت من كتاب، والعلم عند الله.\n_________\n(^١) مسند البزار ٨/ ٣٠٨ ح ٣٣٧٩، وانظر: كشف الأستار ٢/ ٢١ ح ١١٠٩.","vol":"2","page":826},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>المطلب الرابع: موقف الإمام أحمد من زيادات الثقات</span>.\nوهذا نوع آخر من التفرد، وهو أن يكون الحديث مشهورًا في نفسه، لكن يزيد بعض الرواة الثقات في متنه زيادة تستغرب، فهذا أيضًا حكمه مثل حكم تفرد الثقات بالحديث من أصله، فتُقبل من حافظ يعتمد على حفظه، وتُردّ إن كان ممن لا يعتمد على حفظه، ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:\n١. قال أبو داود: \"سمعت أحمد ذكر مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا طوافًا وحدًا: لم يروه إلا مالك، ومالك ثقة\" (^١).\nرواية مالك تضمنت زيادة في حديث عائشة كما رواه الزهري، عن عروة، عن عائشة، وهي قولها: [فأما الذين جمعوا الحج والعمرة فطافوا طوافًا واحدًا] (^٢)، لم يذكرها غيره ممن روى الحديث عن الزهري (^٣).\nوقد أشار الإمام أحمد في هذه الرواية إلى قبولها، حيث قال: ومالك ثقة، أي فيقبل منه مثل هذه الزيادة، لا سيما وهو من أثبت الناس عن شيخه الزهري (^٤).\nومما يدل على قبول الإمام أحمد لهذه الزيادة أن ظاهر مذهبه أن القارن\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣١ رقم ١٩٩٥.\n(^٢) أخرجه من طريق مالك البخاري صحيح البخاري ح ١٤٩١، ح ١٥٥٧، ح ٤١٣٤ مع فتح الباري، ومسلم صحيح مسلم ٢/ ٨٧٠ ح ١٢١١. وانفرد يحيى الليثي من بين أصحاب مالك فرواه عن مالك من هذا الطريق ومن طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة الموطأ ١/ ٤١٠ ح ٩٢٤، وانظر: التمهيد ١٩/ ٢٦٣.\n(^٣) أشار إلى ذلك أيضًا ابن عبد البر التمهيد ٨/ ٢٣١. وممن رواه عن الزهري ولم يذكرها: عقيل بن أبي خالد، ومعمر، وابن عيينة، وأحاديثهم كلهم عند مسلم ٢/ ٨٧٠ - ٨٧١.\n(^٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧١.","vol":"2","page":827},{"text":"ليس عليه إلا سعي واحد (^١).\n٢. قال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: روى مالك، عن نافع أشياء لم يروها غيرُه: ابن عمر ألحق ولد الملاعنة بأمه، يعني حديث نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ \"أنه ألحق ولد الملاعَنة بأمه\" (^٢).\nوردت هذه الزيادة في رواية مالك لحديث نافع، عن ابن عمر \"أن رجلًا لاعَنَ امرأتَه في زمان رسول الله ﷺ وانتفى من ولدها، ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة\" (^٣).\nفذكر أحمد أن هذه الزيادة لم يروها عن نافع غيرُ مالك. وممن ذكر أن الإمام مالك تفرد بهذه الزيادة أبو داود (^٤)، والدارقطني (^٥) وقال ابن عبد البر: وقد زعم قوم أن مالكًا انفرد في حديثه هذا بقوله فيه: \"وألحق الولد بالمرأة، أو ألحق الولد بأمه\" (^٦).\nوتوضيح ذلك أن الحديث رواه عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"لاعن رسول الله ﷺ بين رجل من الأنصار وامرأته وفرّق بينهما\" (^٧) فلم يذكر الزيادة التي ذكرها مالك. وكذلك رواه جويرية عن نافع،\n_________\n(^١) انظر: تهذيب السنن لابن القيم ٥/ ٢٤٣.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٨ رقم ١٩٨٧.\n(^٣) الموطأ - برواية يحيى الليثي ٢/ ٥٦٧.\n(^٤) سنن أبي داود ٢/ ٦٩٤.\n(^٥) انظر: فتح الباري ٩/ ٤٦٠.\n(^٦) التمهيد ١٥/ ٢٠.\n(^٧) أخرجه البخاري من حديث أنس بن عياض، عن عبيد الله صحيح البخاري ٩/ ٤٥٨ ح ٥٣١٣ - مع فتح الباري، ومن حديث القطان عن عبيد الله ح ٥٣١٤، وهذا لفظه، وأخرجه من طريقه أيضًا مسلم صحيح مسلم ٢/ ١١٣٣، ومن طريق أبي أسامة، وابن نمير كلاهما عن عبيد الله الموضع نفسه.","vol":"2","page":828},{"text":"عن ابن عمر بدون هذه الزيادة (^١).\nوقال ابن عبد البر: \"هكذا رواه كل من رواه عن نافع، ذكروا فيه اللعان والفرقة، ولم يذكروا أن رسول الله ﷺ ألحق الولد بالمرأة، وقاله مالك، عن نافع كما رأيت، وحسبك بمالك حفظًا وإتقانًا … \" (^٢).\nوليس في كلام الإمام أحمد إشارة إلى استنكار هذه الزيادة التي ذكرها مالك، ولم ينقل عنه القول بخلاف مقتضاها، بل ورد عنه ما يدل على القول بموجبها، فروى صالح (^٣) عن أحمد أنه قال: \"بين كل زوجين لعان، لأنه ينفي عنه الولد إذا لاعنها نفى عنه ولدها\"، فذكر أن اللعان ينفي عنه الولد، وهو مفهوم قوله في حديث مالك: \"وألحق الولد بأمه\".\nثم إن مالكًا لم ينفرد بها، فقد وردت مثلها في رواية القاسم بن يحيى الهلالي (^٤)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر \"أن رجلًا رمى امرأته فانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ فأمر بهما رسول الله ﷺ فتلاعنا كما قال الله، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرّق بين المتلاعنين\"، أخرجها البخاري (^٥). فذكر أنه قضى بالولد للمرأة، فهي متابعة قوية لمالك إن كان القاسم بن يحيى حفظه عن عبيد الله، فقد خالف أربعة من الحفاظ عن عبيد الله لم يذكروها - وهم يحيى القطان، وأبو أسامة، وعبد الله بن نمير، وأنس بن عِياض، وقد تقدم ذكر مواضع حديثهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري صحيح البخاري ٩/ ٤٤٤ ح ٥٣٠٦.\n(^٢) الموضع نفسه.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ٥٨ رقم ١٣٣٤.\n(^٤) انفرد البخاري بالرواية عنه من بين أصحاب الكتب الستة. وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٣٣٦ وقال: مستقيم الحديث. هكذا ذكر الحافظ وليس في نسخة الثقات التي بأيدينا تهذيب التهذيب ٦/ ٣٤١. وكذلك وثقه ابن حجر ٥٥٣٩.\n(^٥) صحيح البخاري ٨/ ٤٥١ ح ٤٧٤٨.","vol":"2","page":829},{"text":"ووقعت هذه الزايادة أيضًا في حديث فُليح عن نافع، أخرجه الإمام أحمد (^١) عن سريج بن يونس عن فليح به، ولفظه: \"أن رجلًا لاعن امرأته في زمن النبي ﷺ وانتفى من ولدها، ففرق النبي ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة\". وفُليح هو ابن سليمان بن أبي المغيرة الأسلمي المدني، قال عنه ابن معين: ليس بقوي، ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي والدراوردي أثبت منه. وكذلك قال أبو حاتم، والنسائي: ليس بالقوي (^٢). وقال ابن عدي: \" له أحاديث صالحة، يروي عن نافع، عن ابن عمر نسخة … ويروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة، وقد اعتمده البخاري في صحاحه، روى عنه الكثير … وهو عندي لا بأس به\" (^٣).\nوأما أبو داود فاحتج لصحة هذه الزيادة بورودها في حديث يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد في حديثه في اللعان، وفيه: \"وأنكر حملها، فكان ابنها يدعى إليها\" (^٤) وذكر ابن عبد البر أن مثلها وقعت في رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن سهل بن سعد فقال فيها: \"فكان الولد لأمه\" (^٥).\nولم يتردد أصحاب الكتب الستة من إخراج هذا الحديث بالزيادة التي رواها مالك، مما يدل على صحتها عندهم.\n٣. قال صالح بن أحمد بن حنبل: وقال أبي: الجُمحي روى حديثين عن عبيد الله بن عمر، حديث منهما في صدقة الفطر، وقد أنكر على مالك هذا\n_________\n(^١) المسند ١٠/ ٢٦٣ ح ٦٠٩٨.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(^٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٥٦.\n(^٤) سنن أبي داود ٢/ ٦٩٤.\n(^٥) التمهيد ١٥/ ٢١.","vol":"2","page":830},{"text":"الحديث، ومالك إذا انفرد بحديث فهو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه في الحديث\" (^١).\nأشار الإمام أحمد في هذه المسألة إلى رواية مالك لحديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، على كل حرٍّ أو عبدٍ ذكرٍ أو أُنثى من المسلمين (^٢).\nفقوله: \"من المسلمين\" زيادة انفرد مالك بذكرها في هذا الحديث، إذ لم يذكرها غير واحد ممن روى الحديث عن نافع، ومنهم أيوب السختياني (^٣)، وعبيد الله ابن عمر (^٤)، والليث بن سعد (^٥)، وسليمان بن موسى (^٦)، وعقيل بن أبي خالد (^٧).\nوموقف الإمام أحمد من تفرد الإمام مالك بهذه الزيادة أن مالكًا يقبل تفرده، وعلل ذلك بزيادته في التثبت على غيره.\nوهناك رواية ثانية تدل على توقف الإمام أحمد في هذه الزيادة حتى توبع مالك فيها، فروى أبو داود قال: \"سمعت أحمد يقول: كنتُ أتهيَّب حديث مالك - يعني حديث نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ فرض صدقة رمضان على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ وذكرٍ وأنثى من المسلمين، يعني أتهيب قوله: من المسلمين، فحدثنا\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٤٥٩ رقم ١١٦٢.\n(^٢) الموطأ ١/ ٢٨٤. وأخرجه البخاري ٣/ ٣٦٩ ح ١٥٠٤، ومسلم ٢/ ٦٧٧ ح ٩٨٤١٢.\n(^٣) حديثه عند البخاري ٣/ ٣٧٥ ح ١٥١١ من طريق ابن علية عنه، وعند مسلم ٢/ ٦٧٧ ح ٦٨٤١٤ من طريق يزيد بن زريع عنه. وأخرجه غيرهما من طرق آخرى عن أيوب.\n(^٤) حديثه عند البخاري ٣/ ٣٧٧ ح ١٥١٢ من طريق يحيى القطان عنه، وعند مسلم الموضع نفسه ح ١٣ من طريق أبي أسامة وعبد الله بن نمير عنه. وأخرجه غيرهما من طرق آخرى عن عبيد الله.\n(^٥) حديثه عند البخاري ٣/ ٣٧١ ح ١٥٠٧، ومسلم ٢/ ٦٧٨ ح ١٥.\n(^٦) وحديثه عند الدارقطني السنن ٢/ ١٤٥.\n(^٧) وحديثه عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٤/ ٨٥ ح ٢٤٠٤.","vol":"2","page":831},{"text":"أبو النضر، عن سعيد الجُمحي، عن عبيد الله قال فيه: من المسلمين، والعُمري يقول: من المسلمين\" (^١).\nوقريب منها الرواية التي ذكرها ابن رجب (^٢) عن أحمد أنه قال: \"كنت أتهيب حديث مالك: \"من المسلمين\" يعني حتى وجده من حديث العمريين، قيل له: أمحفوظ هو عندك \"من المسلمين\"؟ قال: نعم\".\nقال ابن رجب: وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار. ا. هـ (^٣).\nوذكر أحمد اثنين ممن تابع مالكًا على ذكر هذه الزيادة، وقد وردت من طريق عدد من الرواة عن نافع، منهم: عمر بن نافع العدوي مولاهم (^٤)، وحديثه عند البخاري (^٥)، وابن حبان (^٦)؛ والضحاك بن عثمان (^٧)، وحديثه عند مسلم (^٨)، وابن خزيمة (^٩)، وابن حبان (^١٠)؛ وكثير بن فرقَد (^١١)، وحديثه عند\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣١ رقم ١٩٩٣.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٢.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) قال أحمد هو من أوثق ولد نافع. ووثقه النسائي وغيره تهذيب الكمال ٢١/ ٥١٣.\n(^٥) صحيح البخاري ٣/ ٣٦٧ ح ١٥٠٣ - مع فتح الباري.\n(^٦) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨/ ٩٦ ح ٣٣٠٣.\n(^٧) وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به وهو صدوق. وقال ابن حجر: صدوق يهم تهذيب الكمال ١٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤، تقريب التهذيب ٢٩٨٩.\n(^٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٧٨ ح ١٦.\n(^٩) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٨٣ ح ٢٣٩٨.\n(^١٠) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨/ ٩٥ ح ٣٣٠٢.\n(^١١) وثقه ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: صالح كان ثبتًا تهذيب الكمال ٢٤/ ١٤٥.","vol":"2","page":832},{"text":"الدارقطني (^١)، والبيهقي (^٢)؛ وعبد الله بن عمر العمري (^٣)، وقد ذكر أحمد متابعته لمالك، وحديثه عند الدارقطني (^٤)؛ ويونس بن يزيد الأيلي، وحديثه عند الطحاوي (^٥)، وابن عبد البر (^٦)؛ والمعلى بن إسماعيل (^٧)، وحديثه عند ابن حبان (^٨)، والدارقطني (^٩)؛ ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وحديثه عند الدارقطني (^١٠).\nوقد رواها سعيد بن عبد الرحمن الجُمحي (^١١)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به. أخرجه أحمد (^١٢)، والدارقطني (^١٣)، والحاكم (^١٤)، والبيهقي (^١٥)، وخالف بقية الرواة عن عبيد الله. وقد روى الدارقطني (^١٦) من طريق الدبري، عن\n_________\n(^١) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠.\n(^٢) السنن الكبرى ٤/ ١٦٢.\n(^٣) قال عنه أحمد: لين الحديث. وفي رواية: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلًا صالحًا العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٨٨ رقم ١٢٤، تاريخ بغداد ١٠/ ٢٠. والأكثرون على تضعيفه تهذيب الكمال ١٥/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(^٤) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠.\n(^٥) شرح معاني الآثار ٢/ ٤٤.\n(^٦) التمهيد ١٤/ ٣١٩.\n(^٧) ذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٤٩٣، وقال عنه أبو حاتم: ليس بحديثه بأس صالح، لم يرو عنه غير أرطأة. ا. هـ الجرح والتعديل ٨/ ٣٣٢.\n(^٨) الإحسان ٨/ ٩٦ ح ٣٣٠٤.\n(^٩) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠.\n(^١٠) سنن الدراقطني ٢/ ١٣٩.\n(^١١) قال عنه أحمد: ليس به بأس، حديثه مقارب سؤالات أبي دواد للإمام أحمد رقم ٢٣٢. ووثقه ابن معين وغيره. وقال يعقوب الفسوي: لين الحديث تهذيب التهذيب ٤/ ٥٦.\n(^١٢) المسند ٩/ ٢٤٢ ح ٥٣٣٩.\n(^١٣) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٥.\n(^١٤) المستدرك ١/ ٤١٠ - ٤١١.\n(^١٥) السنن الكبرى ٤/ ١٦٦.\n(^١٦) سنن الدراقطني ٢/ ١٣٩.","vol":"2","page":833},{"text":"عبدالرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع به بذكر هذه الزيادة. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله (^١).\nووردت أيضًا في حديث أيوب السختياني من رواية عبد الله بن شوذب (^٢) عنه؛ أخرجه ابن خزيمة (^٣)، وخالف جمعًا من الحفاظ عن أيوب، منهم ابن علية، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وعبد الوارث بن سعيد، وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال ابن عبد البر: المحفوظ عن أيوب فيه ليس فيه: من المسلمين (^٤).\n٤. قال ابن رجب: \"قال أحمد في حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن أبي عطيّة، عن عائشة في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها: \"والملك لا شريك لك\"، قال أحمد: وهِم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تُعرف هذه عن عائشة، إنما تُعرف عن ابن عمر، وذكر أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها\" (^٥).\nوحديث محمد بن فضيل أخرجه أحمد (^٦) عنه، ولفظه: [قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله ﷺ يُلبِّي قال: ثم سمعتها تلبِّي تقول: \"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شريك لك\".\nورواه أبو معاوية (^٧)، والثوري (^٨)، وعبد الله بن نُمير (^٩)، وأبو الأحوص\n_________\n(^١) فتح الباري ٣/ ٣٧٠.\n(^٢) عبد الله بن شوذب الخراساني، صدوق عابد تقريب التهذيب ٣٤٠٨.\n(^٣) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٨٧ ح ٢٤١١.\n(^٤) التمهيد ١٤/ ٣١٣.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣.\n(^٦) المسند ٤٠/ ٤٤ ح ٢٤٠٤٠.\n(^٧) أخرجه حديثه أحمد المسند ٤٢/ ٨٩ ح ٢٥٩١٨، ومسدد في مسنده تغليق التعليق ٣/ ٥٤، والجوزقي في مستخرجه تعليق التعليق الموضع نفسه.\n(^٨) أخرجه حديثه البخاري فتح الباري ٣/ ٤٠٨ ح ١٥٥٠، وأحمد المسند ٤٩/ ٢٠٩ ح ٢٥٤٨٠.\n(^٩) أخرج حديثه أحمد ٤٣/ ٩٨ ح ٢٥٩٣٥، وابن أبي شيبة المصنف ١٣/ ٢٠٤ ح ١٣٤٦٥، وأبو يعلى المسند ٨/ ١٣١ ح ٤٦٧١.","vol":"2","page":834},{"text":"سلاّم ابن سُليم (^١)، وأبو خالد الأحمر (^٢) فكلهم ذكروا في حديثهم التلبية إلى قولها: \"إن الحمد والنعمة لك\". وكذلك رواه شعبة، عن الأعمش، لكن خالف في الإسناد، فقال: عن الأعمش، عن خيثمة، عن أبي عطية، عن عائشة (^٣) وعلقه البخاري (^٤)، وصنيعه يدل على أن الطريقين محفوظان (^٥). ورجح أبو حاتم رواية الثوري ومن تبعه، وأن شعبة غلط في الإسناد (^٦).\nولعل من أجل هذا الاختلاف أعرض بقية أصحاب الكتب الستة ما عدا البخاري عن إخراج حديث عائشة واكتفوا بإخراج حديث ابن عمر.\nوهذه الزيادة إنما وردت في حديث عبد الله بن عمر، وهو عند البخاري (^٧)، ومسلم (^٨).\nوذكر ابن رجب عن الخلال أن أبا عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أن هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضًا عن الأعمش. ا. هـ (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه حديثه الطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٤.\n(^٢) أخرج حديثه ابن أبي شيبة الموضع نفسه.\n(^٣) أخرجه أبو داود الطيالسي ص ٢١١ ح ١٥١٣، وأحمد من طريق غندر ٤١/ ٢٢١ ح ٢٤٦٩٠، ومن طريق روح ٤٣/ ١٨١ ح ٢٦٠٦٢، وإسحاق من طريق أبي عامر مسند إسحاق بن راهويه ٣/ ٩٠٦ ح ١٥٩٢.\n(^٤) الموضع السابق.\n(^٥) قاله الحافظ ابن حجر فتح الباري ٣/ ٤١١.\n(^٦) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٤ ح ٨٤٣.\n(^٧) صحيح البخاري ٣/ ٤٠٨ ح ١٥٤٩.\n(^٨) صحيح مسلم ٢/ ٨٤٢ ح ١١٨٤.\n(^٩) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٣.","vol":"2","page":835},{"text":"وقوله: هذه الزيادة رواها ابن نمير … الظاهر أن قائل ذلك هو الخلال، كأنه يشير إلى رواية ابن أبي شيبة، فقد رواه عن أبي خالد الأحمر، وابن نمير بزيادة: [والملك] فحسب (^١). وما زاد عن ذلك فإنما هو من تفرد محمد بن فضيل. وابن فضيل حسن الحديث عند الإمام أحمد، ووثقه ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: شيخ. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم (^٢). وقال الدارقطني: أرفع الرواة عن الأعمش الثوري، وأبو معاوية، ووكيع، ويحيى القطان، وابن فضيل، وقد غلط عليه في شيء. ا. هـ (^٣). فأشار إلى أنه غلط على الأعمش بعض الشيء.\nوقد حكم الإمام أحمد على هذه الزيادة بأنها وهم من ابن فضيل، حيث لم يذكرها عن الأعمش غيره، وفيهم من هو أثبت الناس في الأعمش منهم الثوري، وأبو معاوية. ثم إنه ليس له من الحفظ ما يحتمل منه تفرده بهذه الزيادة. وهناك قرينة أخرى، وهي ورود هذه اللفظة في غير حديث عائشة، مما يقوي احتمال كونه دخل عليه لفظ حديث ابن عمر في لفظ حديث عائشة.\nفهنا حكم برد الزيادة لأمرين: راويها ليس له من الحفظ ما يحتمل منه تفرده برواية الزيادة، والثاني احتمال كون الراوي دخل عليه لفظ حديث آخر في حديثه.\n٥. قال ابن رجب: قال أحمد في رواية الميموني: \"حديث أبي هريرة في الاستسعاء (^٤) يرويه سعيد بن أبي عروبة، وأما شعبة وهمام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء\" (^٥).\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة الموضع نفسه.\n(^٢) الجرح والتعديل ٨/ ٥٧.\n(^٣) سؤالات أبي عبد الله بن بكير وغيره لأبي الحسن الدارقطني ٤٦ - ٤٧، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢٠.\n(^٤) أي أتبع به وطُلب بالسعي في فكاك ما بقي من رقبته مشارق الأنوار، مادة: \"س ع ى\"ص ٢٢٥.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤.","vol":"2","page":836},{"text":"وقال أحمد في رواية أخرى: ليس في الاستسعاء حديث يثبت عن النبي ﷺ، وحديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة، وهشام الدستوائي فلم يذكراه، وحدّث به معمر (^١) ولم يذكر فيه السعاية. ا. هـ (^٢).\nوقال المرُّوذي: ضعف أبو عبد الله حديث سعيد (^٣).\nوقال عبد الله: \"قلت لأبي حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير ابن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ \"إن كان له مال عُتق في ماله، وإن لم يكن له ما استسعي العبد غير مشقوق عليه\"؟ قال أبي: هذه رواية سعيد، ولم يذكر هشام الدستوائي السعاية. قال أبي: وأذهب إلى حديث ابن عمر، وهو أقوى من هذا وأصح في المعنى\" (^٤).\nوقد اعتبر الإمام أحمد ذكر الاستسعاء زيادة زادها سعيد بن أبي عروبة في حديث قتادة، ولم يذكرها شعبة، وهشام الدستوائي، والظاهر أنه تفرد بها عند أحمد، فلم يقبلها لمخالفته من هم أكثر عددًا منه، وذلك أن أصحاب قتادة عند أحمد هم هؤلاء الثلاثة، قال عبد الله: \"قال أبي: هؤلاء أصحاب قتادة الذين لا يُختلف فيهم: شعبة، وهشام، وسعيد ابن أبي عروبة\" (^٥). وقال المرُّوذي: \"سمعت أبا عبد الله يقول: أصحاب قتادة سعيد، وهشام، وشعبة، إلا أن شعبة لم يبلغ علم هؤلاء، وكان سعيد يكتب كل شيء\" (^٦).\n_________\n(^١) كذا وقع في هذه الرواية، وقد رواه الدبري عن عبد الرزاق، عن معمر بذكر السعاية مصنف عبد الرزاق ٩/ ١٥١ ح ١٦٧١٧، وعلقه أبو عوانة عن معمر مستخرج أبي عوانة ٣/ ٢٢٧.\n(^٢) تهذيب السنن ١٠/ ٣١٩.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ٣/ ١١٩١ رقم ١٦٤٤.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٦٦٦.\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥٢ رقم ٣٥.","vol":"2","page":837},{"text":"وهذه الرواية تفيد أن سعيدًا كان أكثرهم حديثًا عن قتادة (^١)، ومع ذلك لم يقبل الإمام أحمد زيادته لمخالفته بقية أصحاب قتادة، وفيهم هشام الدستوائي. وقد جاء عن أحمد ما يدل على تقديم هشام الدستوائي على سعيد. قال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد بن حنبل وذكر سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي أن الاختلاف عن هشام في حديث قتادة أقل منه في حديث سعيد. قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديمًا في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه. ا. هـ (^٢).\nفاجتماع هشام وشعبة على عدم ذكر الزيادة التي تفرد سعيد بذكرها قرينة قوية لردها.\nومن القرائن لعدم قبول الإمام أحمد لهذه الزيادة أن ابن عمر روى حديث عتق الشخص نصيبًا له في مملوك مشترك فلم يذكر السعاية. قال عبد الله عن أحمد: \"أذهب إلى حديث ابن عمر عن النبي ﷺ: \"من كان له مال عُتق في ماله، وإن لم يكن له فقد عتق منه ما عُتق\"، رواه مالك، وعبيد الله عن نافع، إلا أن أيوب قال: قوله: \"عتق منه ما عُتق\" لا أدري فيما رواه عن النبي ﷺ أم قول نافع\" (^٣). فالظاهر أنه تفرد بذكرها مرفوعة إلى النبي ﷺ.\nومن القرائن أيضًا أن الرواة اختلفوا على سعيد بن أبي عروبة في ذكر السعاية، حيث لم يذكر ذلك روح عن سعيد، قاله أبو عوانة عن أحمد (^٤).\nومن الأدلة لردّ هذه الزيادة أن همامًا روى هذا الحديث عن قتادة فذكره\n_________\n(^١) وعن يحيى القطان تصريح بذلك، فروى البيهقي من طريق علي بن المديني عنه قال: شعبة أعلم الناس بحديث قتادة، ما سمع منه وما لم يسمع، هشام أحفظ، وسعيد أكثر السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٢.\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥١ - ٤٥٢ رقم ١١٣٦، ١١٣٧.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ٣/ ١١٩١ رقم ١٦٤٤.\n(^٤) الموضع نفسه. وكذلك قاله أبو داود السنن ٤/ ٢٥٥.","vol":"2","page":838},{"text":"مرة بدون هذه الزيادة (^١)، وذكره مرة بالزيادة لكن جعلها من قول قتادة لم يرفعها إلى النبي ﷺ (^٢)، فدلّ على أنها مدرجة. وهمام في قتادة مثل سعيد بن أبي عروبة كما قال ابن مهدي (^٣). وعن ابن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره، لأنه كتبها إملاءً (^٤).\nويؤيد هذا أن الاستسعاء معروف من فُتيا قتادة، رواه الأوزاعي عن قتادة (^٥) في عبد بين ثلاثة نفرٍ، كاتَب أحدُهم، ثم أعتق الآخر، وأمسك الثالثُ. قال ذكر عن قتادة أنه قال: لهذا الذي أمسك نصيبَه على المُعتِق إن كان ذا يسار عن حظه، وإن لم يكن له مال استسعى المملوك في الثلث من قيمته، والولاء بين المُعتِق والمكاتب: للمعتق الثلثان، وللمكاتب الثلث.\nوقد وافق الإمام أحمد على رد هذه الزيادة شيخه سليمان بن حرب فيما نقله عنه الأثرم قال: طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث، وضعفه (^٦) وردها الشافعي وانتصر البيهقي لقوله من عدة وجوه (^٧).\nوقال الدارقطني: \"وافق شعبةَ هشامُ الستوائي فلم يذكر الاستسعاء، وشعبة وهشام أحفظ من رواه عن قتادة، ورواه همام فجعل الاستسعاء من قول\n_________\n(^١) وهي رواية محمد بن كثير عنه سنن أبي داود ٤/ ٢٥٢ ح ٣٩٣٤، وعفان المسند ١٤/ ٢٣٥ ح ٨٥٦٥، وكذلك أبو الوليد الطيالسي مستخرج أبي عوانة ٣/ ٢٢٧.\n(^٢) وهي رواية عبد الله بن يزيد المقرئ عنه. أخرجها الدارقطني السنن ٤/ ١٢٧، والخطيب الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والبيهقي السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٢.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٢٧٩.\n(^٤) قاله البيهقي عنه السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٢.\n(^٥) السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٣.\n(^٦) نقله عنه ابن القيم تهذيب السنن ١٠/ ٣١٩.\n(^٧) السنن الكبرى ١٠/ ٢٨١.","vol":"2","page":839},{"text":"قتادة، وفصله من كلام النبي ﷺ، ورواه ابن أبي عروبة، وجرير بن حازم، عن قتادة فجعل الاستسعاء من قول النبي ﷺ، وأحسبهما وهِما فيه لمخالفة شعبة، وهشام، وهمّام إياهما\" (^١).\nوخالف الإمام أحمد في هذا الحكم جماعة من النقاد منهم صاحبا الصحيحين، فأخرجا هذه الزيادة، قال الترمذي: \"سألت محمدًا عن هذا الحديث - يعني حديث السعاية - فقلت: أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعًا صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية، إلا شعبة، وكأنه قوّى حديث سعيد بن أبي عروبة في أمره بالسعاية\" (^٢).\nوحجتهم في ذلك أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد بذكر السعاية في هذا الحديث، فقد ذكر الإمام البخاري أربعة تابعوه عن قتادة، وهم: جرير بن حازم (^٣)، حجاج بن حجاج (^٤)، وأبان بن يزيد العطار (^٥)، وموسى بن خلف (^٦). وكذلك تابعه يحيى بن صبيح الخراساني (^٧)، وحجاج بن أرطأة (^٨).\nومع كثرة عدد هؤلاء هناك قرينة أخرى أشار إليها البخاري، وهي قوله:\n_________\n(^١) السنن ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(^٢) علل الترمذي الكبير ١/ ٥٤٧ - ٥٤٨.\n(^٣) وذكر البخاري حديثه قبل حديث سعيد ٥/ ١٥٦ ح ٢٥٢٦، وأخرجه أيضًا مسلم ٢/ ١١٤١ ح ١٥٠٣ (٣).\n(^٤) ذكر الحافظ أن ذلك في نسخته عن قتادة من رواية أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج وفيها ذكر السعاية فتح الباري ٥/ ١٥٧. ولم أقف على هذه الرواية.\n(^٥) وحديثه عند أبي داود ٤/ ٢٥٤ ح ٣٩٣٧، والنسائي الكبرى ٣/ ١٨٥ ح ٤٩٦٥.\n(^٦) وحديثه عند الخطيب في الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٥٥.\n(^٧) وحديثه عند الحميدي عن سفيان عنه مقرونا بسعيد بن أبي عروبة مسند الحميدي ٢/ ٤٦٧ ح ١٠٩٣.\n(^٨) حديثه عند الطجاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٠٧، وأحال بلفظه على لفظ حديث سعيد.","vol":"2","page":840},{"text":"اختصره شعبة (^١)، يشير إلى أنه لا منافاة بين رواية شعبة ورواية من ذكر الزيادة لأنه اقتصر من الحديث على بعضه، وكذلك يقال في رواية هشام.\nوانتصر لقول هؤلاء الأئمة ابن دقيق العيد (^٢)، وابن تيمية (^٣)، وابن القيم (^٤)، وابن حجر (^٥)، والعلم عند الله.\nومن أمثلة ما قبِله من زيادة الثقات لورودها من طريق عدد من الرواة:\nقال ابن رجب في شرح حديث البخاري: \"حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظُّهر في الأولييْن بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب، ويُسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح\".\nقال: \"قد خرّخ البخاري هذا الحديث فيما سبق من رواية شيبان، وهشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، وليس في حديثهما: ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب. وخرّجه ههنا من طريق همام عن يحيى بهذه الزيادة. وخرجها مسلم في \"صحيحه\" من رواية همام، وأبان العطار كلاهما عن يحيى بن أبي كثير. وقد سأل الأثرم الإمام أحمد عن هذه الزيادة: أثبتٌ هي؟ قال: رواه عِدةٌ، ورواها بعضهم عن الأوزاعي. فقال له الأثرم: هشام لا يقولها؟ قال: نعم، هشام لا يقولها\" (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٣/ ١٥٦ مع فتح الباري.\n(^٢) ذكر ذلك ابن حجر ٣/ ١٥٨.\n(^٣) ذكره ابن عبد الهادي عنه في تنقيح التحقيق ٣/ ٥٥٧.\n(^٤) تهذيب السنن ١٠/ ٣٢٠.\n(^٥) فتح الباري الموضع نفسه.\n(^٦) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٤٧٦.","vol":"2","page":841},{"text":"فاحتج الإمام أحمد لثبوت الزيادة برواية عدد من الرواة لها، وذكر منهم رواية بعض تلاميذ الأوزاعي لها.\nوالذين ذكروا هذه الزيادة هم: همام كما تقدم في رواية البخاري، وكذلك أبان ابن يزيد العطار (^١)، وذكرها أيضًا مخلد بن يزيد عن الأوزاعي (^٢)، ولم يذكرها بقية الرواة عن الأوزاعي منهم الوليد بن مسلم، وبشر بن بكر (^٣)، ومحمد بن يوسف (^٤)، وإسماعيل بن أبي سماعة (^٥)، وأبو المغيرة (^٦)، وأبو عاصم (^٧).\nوالذين لم يذكروا الزيادة عن يحيى بن أبي كثير هم: هشام الدستوائي (^٨) كما أشار إليه الأثرم ووافقه أحمد، وهشام أثبت الناس حديثًا عن\nيحيى ابن أبي كثير (^٩)؛ وشيبان النحوي (^١٠)، ومعمر (^١١)، وحجاج الصواف (^١٢)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديثه مقرونًا بهمام صحيح مسلم ١/ ٣٣٣ ح ١٥٥، وكذلك أبو داود السنن ١/ ٥٠٤ ح ٧٩٩، وابن خزيمة ١/ ٢٥٣ ح ٥٠٣. وأخرجه من حديث أبان وحده النسائي السنن ٢/ ١٦٥ ح ٩٧٦، وأحمد المسند ٣٧/ ٢٥٥ ح ٢٢٥٦٣.\n(^٢) أخرج حديثه أحمد المسند ٣٧/ ٢٨٤ ح ٢٢٥٩٥، وابن الجارود المنتقى ١/ ١٧٧ ح ١٨٧.\n(^٣) حديثهما عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٥٥ ح ٥٠٧.\n(^٤) وحديثه عند البخاري صحيح البخاري ٢/ ٢٦١ ح ٧٧٨ - مع فتح الباري.\n(^٥) حديثه عند النسائي السنن ٢/ ١٦٤ ح ٩٧٤.\n(^٦) وحديثه عند الدارمي سنن الدارمي ١/ ٢٩٦.\n(^٧) وحديثه عند أحمد المسند ٣٧/ ٢٨٥ ح ٢٢٥٩٧.\n(^٨) وحديثه عند البخاري ٢/ ٢٤٦ ح ٧٦٢، ٢/ ٢٦١ ح ٧٧٩، والنسائي السنن ٢/ ١٦٥ ح ٩٧٥، وأبو داود السنن ١/ ٥٠٣ ح ٧٩٨، وابن ماجه السنن ١/ ٢٧١ ح ٨٢٩.\n(^٩) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٧.\n(^١٠) وحديثه عند البخاري ٢/ ٢٤٣ ح ٧٥٩.\n(^١١) وحديثه عند أبي داود السنن ١/ ٥٠٤ ح ٨٠٠، وابن خزيمة ٣/ ٣٦ ح ٥٨٠.\n(^١٢) وحديثه عند مسلم صحيح مسلم ١/ ٣٣١ ح ١٥٤، وأبي داود ١/ ٥٠٣ ح ٧٩٨، والنسائي السنن ٢/ ١٦٦ ح ٩٧٧، وابن ماجه ١/ ٢٦٨ ح ٨١٩، وأحمد المسند ٣٧/ ٢٢٨ ح ٢٢٥٣٩.","vol":"2","page":842},{"text":"وعلي ابن المبارك (^١)، وحرب بن شدّاد (^٢).\nومع كون الذين لم يذكروها أكثر عددًا من الذين ذكروها، وفيهم أثبت الناس عن يحيى بن أبي كثير قبلها الإمام أحمد لرواية عدد من الرواة لها، مما يدل على أنها محفوظة. ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح وغيرُهما من إخراج هذه الزيادة.\nما ردّه من الزيادة لقرينة تدل على أن من لم يذكرها كان أكثر ضبطًا لروايته:\nقال عبد الله: \"قلت لأبي: حديث عاصم بن كُليب، حديث عبد الله؟ قال: حدثناه وكيع في الجماعة قال: حدثنا سفيان عن عاصم بن كُليب، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ألا أُصلّي بكم صلاةَ رسول الله ﷺ؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة. حدثني أبي قال: حدثناه وكيع مرة أخرى بإسناده سواء فقال: قال عبد الله: أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ؟ فرفع يديه في أول. حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الضرير قال: كان وكيع ربما قال يعني ثم لا يعود. قال أبي: كان وكيع يقول هذا من قِبَل نفسه، يعني ثم لا يعود. قال أبي: وقال الأشجعي: فرفع يديه في أول شيء … قال أبي: حديث عاصم بن كليب، رواه ابن إدريس فلم يقل: \"ثم لا يعود\". حدثني أبي: قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: أملاه علي عبد الله بن إدريس من كتابه عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: حدثنا علقمة، عن عبد الله قال: علّمَناَ رسول الله ﷺ الصلاة، فكبّر ورفع يديه ثم ركع، وطبّق يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ سعدًا فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك ثم أُمرنا بهذا، وأخذ بركبتيه. حدثني عاصم بن كليب هكذا. قال أبي: هذا لفظ غير لفظ وكيع، وكيع يثبج (^٣)\n_________\n(^١) وحديثه عند أحمد المسند ٣٧/ ٢٢٨ ح ٢٢٥٣٩.\n(^٢) وحديثه عند أحمد المسند ٣٧/ ٣١١ ح ٢٢٦٢٨.\n(^٣) ثبج الكتابَ والكلامَ تثبيجًا لم يبينه، وقيل لم يأت به على وجهه. والثبج اضطراب الكلام وتفننه لسان العرب، مادة: \"ث ب ج\" ٢/ ٢٢١.","vol":"2","page":843},{"text":"الحديث، لأنه كان يحمل نفسه في حفظ الحديث\" (^١).\nأشار الإمام أحمد إلى أن بعض الرواة عن وكيع رووا حديثه في رفع اليدين حديث عبد الله بن مسعود بزيادة: \"ثم لا يعود\"، وهو أبو عبد الرحمن بن الضرير (^٢)، فذكر الإمام أحمد أن هذه اللفظة يقولها وكيع من قبل نفسه وليست في الحديث، واحتج لردها برواية عبد الله بن إدريس للحديث، فقد روى الحديث بغير لفظ وكيع، وأشار إلى أن روايته أضبط، لأن من رواها عنه أخذها عنه إملاء من كتاب، مما يدل على مزيد ضبط الراوي.\nوقد ذكر ابن المبارك هذه الزيادة عن الثوري أيضًا (^٣)، كما ذكرها\nأبو حذيفة (^٤)، فدل على أن الزيادة ليست من وكيع بل من شيخه الثوري.\nوالألفاظ التي جاءت عن الثوري في رواية الحديث هي خمسة: \"فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد\"، \"فلم يرفع يديه إلا في أول مرة\" (^٥)، \"فلم يرفع يديه إلا مرة\" (^٦)،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٦٩ - ٣٧١ رقم ٧٠٩ - ٧١٤. وانظر: مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ١/ ٢٣٨ - ٢٤١.\n(^٢) وذكرها نعيم بن حماد الخزاعي أيضًا عن وكيع شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٤، وكذلك يحيى الحماني فيما ذكره الدارقطني في العلل ٥/ ١٧٣.\n(^٣) أخرج هذه الرواية النسائي السنن ٢/ ١٨٢ ح ١٠٢٥.\n(^٤) ذكر ذلك الدراقطني العلل الموضع نفسه. وقد روى أبو داود حديث أبي أحمد الزبيري لكن لم يذكر لفظه سنن أبي داود ١/ ٤٧٩ ح ٧٥١.\n(^٥) وهي رواية هناد عن وكيع، عن الثوري. أخرجها الترمذي الجامع ٢/ ٤٠ ح ٢٥٧. وأشار أبو داود إلى أن بعض الثلاثة الذين رووه عن الثوري ذكروا الحديث بهذا اللفظ، والثلاثة هم: معاوية بن هشام، وخالد بن عمرو، وأبو أحمد الزبيري سنن أبي داود، الموضع السابق.\n(^٦) هذه رواية أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان، وأبو خيثمة، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي كلهم عن وكيع. وأحاديثهم على اللف والنشر المرتب: مسند الإمام أحمد ٦/ ٢٠٣ ح ٣٦٨١، مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢١٣ ح ٢٤٤١، سنن أبي داود ١/ ٤٧٧ ح ٧٤٨، سنن النسائي ٢/ ١٩٥ ح ١٠٥٧، مسند أبي يعلى ٩/ ٢٠٣ ح ٥٣٠٩، السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٧٨.","vol":"2","page":844},{"text":"\"فرفع يديه مرة واحدة\" (^١)، \"فرفع يديه في أول\" (^٢).\nوهذه الألفظ مخالفة للفظ عبد الله بن إدريس، ومعظمها عن وكيع، وقد أشار الإمام أحمد إلى هذا، وإلى أن السبب في ذلك هو أن وكيعًا كان يحدث من حفظه، وأما رواية ابن إدريس فهي من كتاب فكانت أضبط.\nوهذا أيضًا مسلك البخاري في رد الحديث على الثوري. قال في \"جزء رفع اليدين في الصلاة\" (^٣): \"ويُروى عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن علقمة قال: قال ابن مسعود: \"ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ؟ فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة\". وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى ابن آدم: نظرت في كتاب عبد الله ابن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه: ثم لم يَعُد. فهذا أصح، لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل ربما حدّث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب - ثم ساق حديث عبد الله بن إدريس بإسناده، ثم قال: وهذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود\".\nوقال أبو حاتم: \"هذا - رواية فرفع يديه ثم لم يَعُد - خطأ، يقال: وهم فيه الثوري وروى هذا الحديث عن عاصم جماعةٌ فقالوا كلهم: إن النبي ﷺ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق وجعلها بين ركبتيه ولم يقل أحد ما رواه الثوري\" (^٤).\nوقال أبو داود: \"هذا حديث مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ\" (^٥).\n_________\n(^١) أشار أبو داود إلى أنها رواية بعض الثلاثة الذين رووا الحديث عن الثوري، وقد تقدم ذكرهم.\n(^٢) هي الرواية الثانية لأحمد عن وكيع المسند ٧/ ٢٦٠ ح ٤٢١١، وذكرها في سؤال عبد الله، وهي أيضًا رواية الأشجعي عن الثوري كما ذكرها أحمد في سؤال عبد الله هذا.\n(^٣) ص ٧٩ - ٨٣.\n(^٤) علل ابن أبي حاتم ١/ ٩٦.\n(^٥) سنن أبي داود ١/ ٤٧٨.","vol":"2","page":845},{"text":"<span data-type='title' id=toc-281>المطلب الخامس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الصدوق</span>.\nالراوي الصدوق، وهو الذي خف ضبطه عن الراوي الثقة الحافظ، إذا تفرد عن شيخ حافظ كثير الحديث والتلاميذ، فتفرده في هذه الحالة يعدُ منكرًا، لأن مثله ليس له من الحفظ والتثبت ما يحتمل منه مثل هذا التفرد. ومثال ذلك ما تقدم من إنكار الإمام أحمد لحديث عبد الرحمن بن إسحاق، الذي تفرد به عن الزهري في حِلف المطيّبين (^١)، وكذلك حديث عبد الرحمن بن أبي الموال عن\nابن المنكدر في الاستخارة (^٢).\nفكلٌ من عباد بن إسحاق، وابن أبي الموال في مرتبة الصدوق عند الإمام أحمد كما تقدم، وكل واحد منهما قد تفرد عن حافظ كثير الحديث والتلاميذ، فوصف ما تفردا به بالنكارة.\nومثال آخر لما وصفه بالنكارة وهو من تفرد الراوي الصدوق:\nقال حنبل: حدثني أبو عبد الله، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غِياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطبوبى للغرباء\". قيل من الغرباء؟ قال: \"النزاع من القبائل\". قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر (^٣).\nهذا الحديث أخرجه الترمذي (^٤)، وابن ماجه (^٥)، وابن أبي شيبة (^٦)،\n_________\n(^١) ص ٧٨٨.\n(^٢) ص ٧٩٤.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٥٧ رقم ١١.\n(^٤) الجامع ٥/ ١٨ ح ٢٦٢٩.\n(^٥) السنن ٢/ ١٣٢٠ ح ٣٩٨٨.\n(^٦) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٨٣ ح ٣٤٣٦٦.","vol":"2","page":846},{"text":"وأحمد (^١)، والدارمي (^٢)، وأبو يعلى (^٣)، والشاشي (^٤)، والبزار (^٥)، والدورقي (^٦)، والطبراني (^٧)، والبيهقي (^٨) من طرق عن حفص بن غياث به.\nوهذا الحديث لا يُروى من حديث عبد الله بن مسعود إلا من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، وتفرد به حفص بن غِياث عن الأعمش، نص على ذلك البخاري (^٩)، والترمذي (^١٠). وقال البزار: رواه عن الأعمش أبو خالد الأحمر، ويوسف بن خالد وغيرهما (^١١). ورواية أبي خالد الأحمر أخرجها الطحاوي (^١٢)، وابن عدي (^١٣). قال ابن عدي: \"لا يعرف هذا الحديث إلا بحفص وبه يعرف، وحكم الناسُ بأنه حديثه عن الأعمش، حتى حدثناه الخضر بن أمية وغيره، عن مخلد بن مالك (^١٤) عن أبي خالد عن الأعمش، ولا أعلم يرويه عن أبي خالد غير مخلد بن مالك\" (^١٥)، ورواه عن\n_________\n(^١) المسند ٦/ ٣٢٥ ح ٣٧٨٤.\n(^٢) السنن ٢/ ٣١١.\n(^٣) مسند أبي يعلى ٨/ ٣٨٨ ح ٣٩٧٥.\n(^٤) مسند الشاشي ٢/ ١٧٠ ح ٧٢٩.\n(^٥) مسند البزار ٥/ ٤٣٣ ح ٢٠٦٩.\n(^٦) مسند سعد ص ١٦٤ ح ٩٣.\n(^٧) المعجم الكبير ١٠/ ٩٩ ح ١٠٠٨١.\n(^٨) كتاب الزهد الكبير ٢/ ١١٧ ح ٢٠٦.\n(^٩) علل الترمذي الكبير ٢/ ٨٥٤.\n(^١٠) الجامع الموضع نفسه.\n(^١١) مسند البزار الموضع نفسه.\n(^١٢) شرح مشكل الآثار ٢/ ١٧٠ ح ٦٨٨.\n(^١٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٣٠.\n(^١٤) مخلد بن مالك القرشي. قال عنه أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٤٣.\n(^١٥) الموضع نفسه.","vol":"2","page":847},{"text":"أبي خالد محمد بن عبد العزيز الواسطي (^١) عند الطحاوي (^٢). ومقتضى كلام ابن عدي وغيره أن رواية الحديث من غير طريق حفص بن غياث غير محفوظة.\nوقد وصف الإمام أحمد هذا الحديث بالنكارة لتفرد حفص بن غياث به عن الأعمش من بين سائر أصحابه، وليس هو ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن مثل الأعمش، فلم يكن من الثقات البارزين كما تقدم عن الإمام أحمد (^٣)، فإنه كان في حفظه شيء (^٤)، ولا كان من كبار أصحاب الأعمش كالثوري، وأبي معاوية، وشعبة.\nوأما الإمام البخاري فحسن الحديث، قال: \"لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير حفص بن غياث، وهو حديث حسن\" (^٥)، وكذلك صححه الترمذي (^٦)، والبغوي (^٧) مع تنصيصهما على غرابته. فكلهم لم يروا في تفرد حفص به عن الأعمش أية علة.\nومتن الحديث ثابت من طرق آخرى عن النبي ﷺ (^٨).\n_________\n(^١) قال أبو زرعة: ليس بالقوي: وقال أبو حاتم: كان عنده غرائب، ولم يكن عندهم بالمحمود، هو إلى الضعف ما هو الجرح والتعديل ٨/ ٨. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما خالف ٩/ ٨١.\n(^٢) الموضع السابق.\n(^٣) ص ٧٩٣.\n(^٤) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧١٩.\n(^٥) علل الترمذي الكبير ٢/ ٨٥٤.\n(^٦) الجامع الموضع نفسه.\n(^٧) شرح السنة ١/ ١١٨.\n(^٨) منها حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمر كلاهما عند مسلم ١/ ١٣٠ ح ١٤٥، وسعد بن أبي وقاص عند أحمد ح ١٦٠٤، وأبي يعلى ح ٧٥٦، ومن حديث غيرهما، وهو حديث مشهور انظر: كشف الخفاء ١/ ٣٣٣.","vol":"2","page":848},{"text":"وقد أنكر الإمام أحمد حديثًا آخر لحفص بن غياث تفرد به:\nقال الأثرم: \"قلت له - يعني أبا عبد الله - الحديث الذي يرويه حفص، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: \"كنا نأكل ونحن نسعى، ونشرب ونحن قِيام\" فقال: ما أدري ما ذاك كالمنكر له، ما سمعت هذا إلا من ابن أبي شيبة عن حفص. قال لي أبو عبد الله: ما سمعتَه من غير ابن أبي شيبة؟ قال: قلت له: ما أعلم أني سمعته من غيره، وما أدري رواه غيره أم لا؟ ثم سمعته أنا بعدُ من غير واحد عن حفص. قال أبو عبد الله: أما أنا فلم أسمعه إلا منه، ثم قال: إنما هو حديث يزيد بن عطارد\" (^١).\nهذا الحديث رواه أحمد في المسند (^٢) بالإسناد الذي ذكره هنا، ورواه أيضًا الترمذي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وابن حبان (^٥) كلهم من طريق سلم بن جُنادة، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه الطحاوي (^٦) من طريق يوسف بن عدي، عن حفص به.\nوهذا الحديث تفرد به حفص عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وقد صرح بذلك أحمد في سؤال الأثرم المروية. وقال ابن معين: لم يحدث به أحد إلا حفص (^٧). وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده (^٨). وقال الترمذي: لا يُعرف عن\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٨/ ١٩٥.\n(^٢) المسند ١٠/ ١١٣ ح ٥٨٧٤.\n(^٣) الجامع ٤/ ٣٠٠ ح ١٨٨٠.\n(^٤) السنن ٢/ ١٠٩٨ ح ٣٣٠١.\n(^٥) الإحسان ١٢/ ١٤١ ح ٥٣٢٢.\n(^٦) شرح معاني الآثار ٤/ ٢٧٣.\n(^٧) تاريخ بغداد ٨/ ١٩٥.\n(^٨) تاريخ بغداد ٨/ ١٩٦. وتحرفت العبارة في علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٠ إلى: أوله حفص وحده.","vol":"2","page":849},{"text":"عبيد الله إلا من وجه رواية حفص (^١).\nوأنكره الإمام أحمد على حفص بن غياث لتفرده به عن عبيد الله، فهو ممن لا يحتمل منه مثل هذا التفرد عن عبيد الله. وذكر أن الصحيح حديث يزيد بن عطارد أبي البزري، عن ابن عمر (^٢)، أي هذا المتن يعرف بالإسناد المذكور.\nوقد أشار ابن معين، وابن المديني إلى أن حفصًا سمع حديث عمران ابن حُدير، عن يزيد بن عطارد فغلط وذكر الإسناد الذي ذكره للمتن المذكور (^٣).\nوكذلك ما تقدم عن الإمام أحمد أنه وصف عددًا من الرواة أُخرج لهم في الصحيح بأنهم يروون المناكير، راجع إلى أن كل واحد منهم في مرتبة الصدوق عند الإمام أحمد، لأنه لا يخلو كل واحد منهم أن يكون في حفظه ما يجعله قاصرًا عن الثقة الحافظ، فما تفرد به يكون منكرًا على أصل الإمام أحمد، ومن هؤلاء الرواة بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة (^٤)، ومحمد بن إبراهيم التيمي المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات (^٥)، وزيد بن أبي أنيسة (^٦)، وعمرو\n_________\n(^١) علل الترمذي الكبير ٢/ ٧٩١.\n(^٢) وهذا الحديث أخرجه أئمة أهل البصرة، عن عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر بلفظ حديث حفص. أخرجه أحمد المسند ٨/ ٢٠٨ ح ٤٦٠١، ٨/ ٣٨٥ ح ٤٧٦٥، ٨/ ٤٤٧ ح ٤٨٣٣، وابن أبي شيبة ٥/ ١٠١ ح ٢٤١١٥، والدارمي السنن ٢/ ١٢٠، وابن الجارود المنتقى ٢/ ١٥٧ ح ٨٦٧، والطحاوي شرح معاني الآثار ٤/ ٢٧٤، وابن حبان ١٢/ ٤٩ ح ٥٢٤٣، وابن شاهين ناسخ الحديث ومنسوخه ١/ ٤٣٢ ح ٤٧٢.\n(^٣) انظر: تاريخ بغداد ٨/ ١٩٥، ١٩٦.\n(^٤) قال عنه أحمد: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروي أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١١ رقم ١٣٨٠.\nوقد قال ابن معين في بريد: ثقة، وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وكذلك قال النسائي فيه. وقال في موضع آخر: ليس بذاك القوي. وقال الفلاس: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة بشيء قط الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٤٩٥.\n(^٥) قال أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة المصدر السابق ١/ ٥٦٦ رقم ١٣٥٥.\n(^٦) قال عنه أحمد في رواية الأثرم: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث الضفعاء للعقيلي ٢/ ٤٢٨.\nوفي رواية المرُّوذي: سألته - يعني أبا عبد الله - عن زيد بن أبي أنيسة كيف هو؟ فحرّك يده وقال: صالح، وليس هو بذاك العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٨٥ رقم ١١٨.\nولم أقف على شيء مما أنكره الإمام أحمد عليه من حديثه.","vol":"2","page":850},{"text":"ابن الحارث (^١)، والحسين بن واقد (^٢)، وخالد بن مخلد (^٣)، إلا محمد بن إبراهيم التيمي، فإنه ليس في كلام الأئمة ما يشعر بقصور ضبطه، فلا يبعد أن يكون الإمام أحمد شذّ بهذا القول. قال ابن عدي: \"إن كان ابن حنبل أراد به محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي مديني يحدث عن أبي سلمة، فهو عندي لا بأس به، ولا أعلم له شيئًا منكرًا إذا حدث عنه ثقة\" (^٤).\n_________\n(^١) قال عنه أحمد: ليس في أهل مصر أصح حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه. وقال في رواية الأثرم: قد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير تهذيب الكمال ٢١/ ٥٧٣. كأنه يشير إلى أحاديثه عن قتادة، فإنه قال: يروي عن قتادة أحاديث يضطرب فيها ويخطئ الموضع نفسه.\n(^٢) قال عنه أحمد: لا بأس به، وأثنى عليه خيرًا، وقال في رواية الميموني: له أشياء مناكير. في رواية عبد الله: ما أنكر حديث حُسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة الجرح والتعديل ٣/ ٦٦، العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٨ رقم ٤٤٤، العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٠١ رقم ٤٩٧.\nوقد أنكر أحمد حديثه الذي رواه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: \"لوددت أن عندنا خبزة بيضاء من بر سمراء ملبقة بسمن ولبن، قال وكان ذلك عند رجل فذهب فجاء به، فقال: في أي شيء كان هذا السمن؟ قال: في عكة ضب. قال: ارفع\". قال العقيلي: حدثنا أحمد بن أصرم بن خزيمة قال سمعت أحمد بن حنبل وقيل له في حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇ في الملبقة فأنكره أبو عبد الله وقال: من روى هذا؟ قيل له الحسين بن واقد. فقال بيده وحرك رأسه كأنه لم يرضاه الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٧٠.\nوذكر له الذهبي بعض ما أنكر عليه من الأحاديث ميزان الاعتدال ترجمة رقم ٢٠٦٣.\n(^٣) قال عنه أحمد: له أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨ رقم ١٤٠٣. وهو راوي حديث: من عادى لي وليًا … قال الذهبي: هذا حديث غريب جدًا لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد ميزان الاعتدال ترجمة ٢٤٦٣.\nوقد ذكر له ابن عدي عدة أحاديث أنكرت عليه الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٩٠٥ - ٩٠٧.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٤٣.","vol":"2","page":851},{"text":"فإذا كانت هذه حالة حديث الصدوق إذا تفرد به من غير مخالفة لرواية غيره فحيث جاء تفرده مع المخالفة فحديثه أولى بالنكارة، ومثال ذلك:\nقال ابن هانئ: \"عرضت على أبي عبد الله حديث لُوين محمد بن سليمان، عن محمد بن ثابت العصري، قال: ثنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى حاجته وكان من حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل بالنبي ﷺ وقد خرج من الغائط فسلّم عليه، فلم يردّ حتى كاد الرجل أن يتوارى ضرب يديه إلى الجدار، ثم مسح وجهَهُ ثم ضرب بيده على الجِدار مرة أخرى فمسح ذراعيه، ثم ردّ ﵇ ثم قال: \"إنه لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلا أني لم أكن طاهرًا\". قال لي أبو عبد الله: هذا حديث منكر، ليس هو مرفوعًا\" (^١).\nوقال أبو داود: \"سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيّمم\" (^٢).\nحديث محمد بن ثابت العبدي رواه أبو داود (^٣)، والطحاوي (^٤)، وابن المنذر (^٥)، والدارقطني (^٦)، والطبراني (^٧). وتفرد بذكره من هذا الوجه مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nوخالف بذلك الأثبات من أصحاب نافع، منهم مالك (^٨)، وأيوب (^٩)،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ٢٢ رقم ١١٠.\n(^٢) سنن أبي داود ١/ ٢٣٤.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) شرح معاني الآثار ١/ ٨٥.\n(^٥) الأوسط ٢/ ٤٩ ح ٥٤٠.\n(^٦) سنن الدارقطني ١/ ١٧٧.\n(^٧) المعجم الأوسط ٨/ ٦ ح ٧٧٨٤.\n(^٨) وحديثه في الموطأ ١/ ٥٦ ح ٩٠، ٩١ لكن لم يذكر الضربتين وإنما ذكر التيمم إلى المرفقين.\n(^٩) وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٤٦ ح ١٦٧٣، وعبد الرزاق المصنف ١/ ٢١٢ ح ٨١٨.","vol":"2","page":852},{"text":"وعبيد الله ابن عمر (^١)، فكلهم رووه عن نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، وكذلك رواه معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر (^٢).\nقال أبو داود: \"لم يُتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ، رووه من فعل ابن عمر\" (^٣).\nومحمد بن ثابت لا يحتمل منه مثل هذا التفرد، أولًا لمخالفته من هو أثبت منه، وهم عدد، وثانيًا لقصور منزلته في الحفظ عن الثقات الأثبات. قال أحمد في رواية أبي داود: \"محمد بن ثابت العبدي ليس به بأس، لكن روى حديثًا منكرًا في التيمم، لا يتابعه أحدٌ\" (^٤)، وقال في رواية المهنا: \"يخطئ في حديثه\" (^٥).\nوأما سائر الأئمة فكلهم متفقون على تليينه (^٦).\nفوصف هذه الرواية التي تفرد به عن مثل نافع وخالف الأثبات من أصحابه بالنكارة أمرٌ واضح خصوصًا على منهج الإمام أحمد.\nوقد ورد عن الإمام أحمد قبوله لبعض الأحاديث تفرد بها الصدوق الذي لم يبلغ منزلة الحافظ المبرز، من ذلك:\nقال الخلال: \"أخبرنا المرُّوذي: قال: ذكرتُ لأبي عبد الله حديثَ محمد ابن سلمة الحراني، عن أبي عبد الرحيم: حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله تعالى:\n_________\n(^١) وحديثه عند ابن المنذر الأوسط ٢/ ٤٨ ح ٥٣٨، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ٢٠٧.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ٢١١ ح ٨١٧، وابن المنذر الأوسط ٢/ ٤٨ ث ٥٣٧، والدارقطني ١/ ١٨٢.\n(^٣) سنن أبي داود الموضع نفسه.\n(^٤) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٣٩ رقم ٥٠٤.\n(^٥) بحر الدم رقم ٨٧٣.\n(^٦) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٤٥ - ٢١٤٦، تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٥٦.","vol":"2","page":853},{"text":"﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] من العرش إلى الكرسيّ\". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه. وقال: قد رواه الأعمش موقوفًا، ورواه أبو يزيد الدالاني مرفوعًا. قال الخلال: وأخبرني زكريا بن يحيى: ثنا أبو طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث فجعلتُ أقرأهُ عليه فقال: ما أحسنَهُ، إنما سمعناه عن أبي عوانة، عن الأعمش مرسلًا\" (^١).\nهذا الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل (^٢)، ومحمد بن نصر المروزي (^٣)، والطبراني (^٤) من طريق محمد بن سلمة الحراني به مرفوعًا. ورواه المروزي (^٥)، والحاكم (^٦) من حديث أبي يزيد الدالاني، عن المنهال بن عمرو به موقوفًا على عبدالله بن مسعود. ورواه المروزي (^٧) من طريق الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس وأبي عبيدة، عن عبد الله. وهذا مرسل، بين أبي عبيدة وأبيه، وهو حديث طويل أوله: يجمع الله الناس يوم القيامة …\nوقد استحسنه الإمام أحمد مع قوله إنه غريب، وذلك أن المنهال بن عمرو قد تفرد به، وهو في مرتبة الصدوق. قال عبد الله: \" سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب إلي من المنهال بن عمرو، قلت له: أحب إليك من المنهال بن عمرو؟ قال: نعم، شديدًا، أبو بشر أوثق، إلا أن المنهال أسنّ\" (^٨).\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٦٣ رقم ١٦٦.\n(^٢) السنة ص ٢٠٦ ح ١١٣٣.\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة ١/ ٣٠٣ ح ٢٨٠.\n(^٤) المعجم الكبير ٩/ ٣٥٧ ح ٩٧٦٣.\n(^٥) المصدر نفسه ١/ ٢٩٧ ح ٢٧٨.\n(^٦) المستدرك ٤/ ٥٨٩.\n(^٧) المصدر نفسه ١/ ٣٠٣ ح ٢٧٩، ١/ ٣٠٥ ح ٢٨١.\n(^٨) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٢٧ رقم ٩٤٣.","vol":"2","page":854},{"text":"وقال أحمد في أبي بشر، وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية: ليس به بأس (^١).\nوأما غيره من الأئمة فقد وثقوه، منهم ابن معين، والنسائي، والعجلي. وقال فيه الدارقطني: صدوق (^٢)، وأخرج له البخاري (^٣).\nولعل وجه قبول الإمام أحمد له أن الحديث تشهد لأجزائه نصوص أخرى عن النبي ﷺ، مما يدل على أن له أصلًا، والله أعلم.\nومن أمثلة ما قبله من تفرد الراوي الصدوق، ما ذكره ابن رجب أن الإمام أحمد يقول في رواية عنه: إن نجاسة المذي نجاسة مخففة، يجزئ نضحُه بالماء كبَول الغلام الذي لم يأكل الطعام، لعموم البلوى به، ومشقة الاحتراز منه، وفيه حديث سهل بن حنيف، عن النبي ﷺ أنه سأل النبي ﷺ عما أصاب الثوب من المذي؟ فقال: \"تأخذ كفًا من ماء فتنضحُ به حيث ترى أنه أصابك\" (^٤). قال أحمد في رواية الأثرم: لا أعلم شيئًا يخالفه. ا. هـ (^٥).\nوكذلك ذكر الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: أرجو أن يجزئه النضح بالماء (^٦).\nفهذا يدل على أنه أخذ بهذا الحديث، وقد تفرد به ابن إسحاق. قال\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٢/ ٤٩٦ رقم ٣٢٦٧.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٧٠ - ٥٧١.\n(^٣) انظر: هدي الساري ص ٤٤٥ - ٤٤٦.\n(^٤) هذا الحديث أخرجه أبو داود السنن ١/ ١٤٤ ح ٢١٠، والترمذي الجامع ١/ ١٩٧ ح ١١٥، وابن ماجه السنن ١/ ١٦٩ ح ٥٠٦، وأحمد المسند ٢٥/ ٣٤٥ ح ١٥٩٧٣، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ١٤٧ ح ٢٩١، وابن حبان الإحسان ٣/ ٣٨٧ ح ١١٠٣، وعبد بن حميد المسند ص ١٧١ ح ٤٦٨، والطبراني المعجم الكبير ٦/ ٨٧ ح ٥٥٩٣، ٥٥٩٤، ٥٥٩٥، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٤١٠.\n(^٥) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(^٦) الجامع ١/ ١٩٧.","vol":"2","page":855},{"text":"الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق. ا. هـ (^١).\nوقال الذهبي: هذا حكم تفرد به محمد بن إسحاق (^٢).\nومحمد بن إسحاق حسن الحديث عند الإمام أحمد (^٣)، ولم يُبلغه درجة الثقة، لأنه يخالف الناس في حديثه لقصور ضبطه. قال الأثرم: \"قلت لأبي عبدالله: ما تقول في محمد بن إسحاق؟ قال: هو كثير التدليس جدًا، قلت له: فإذا قال: حدثني وأخبرني فهو ثقة؟ قال: هو يقول أخبرني فيُخالِف\" (^٤).\nوقبول الإمام أحمد لهذا التفرد عن ابن إسحاق لا يهدم أصله، فإن المعروف من منهجه أنه إذا لم يكن في المسألة حديث صحيح، وكان فيها حديث ضعيف، وليس في الباب شيء يرده عمل به، قال الأثرم: \"رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء أخذ به إذا لم يجئ خلافُه أثبتُ منه … وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافُه\" (^٥)، وقال أبو طالب: \"سمعت أبا عبد الله يقول: وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخدنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه\" (^٦).\nعلى أنه قد جاءت رواية أخرى عن أحمد في الحكم الذي ورد في حديث ابن إسحاق المتقدم، ذكرها ابن رجب أن أحمد قال: \"لم يروه إلا ابنُ إسحاق، وأنا أتهيَّبه\" (^٧).\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) ميزان الاعتدال ٤/ ٣٩٤.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٦١ رقم ٥٥.\n(^٤) الضفعاء للعقيلي ٤/ ١٢٠٠.\n(^٥) المسودة ص ٢٤٦.\n(^٦) المصدر نفسه ص ٢٤٩.\n(^٧) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٠٦.","vol":"2","page":856},{"text":"وقال الإمام أحمد في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ: \"في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون، لا تُفرَّق إبلٌ على حسابها، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء\" (^١): ما أدري ما وجهه، وسئل عن إسناده فقال: هو عندي صالح الإسناد (^٢). فهذا الحديث تفرد به بهز بن حكيم، ولم يرد عن الإمام أحمد أنه رفعه إلى منزلة الثقة الحافظ، بل غاية ما فيه عن أحمد أن ابن حبان نقل عنه أنه كان يحتج به (^٣). ونقل عنه ابن القيم أنه قال: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح (^٤).\nوأما ابن معين، وابن المديني، والنسائي فوثقوا بهز بن حكيم، وقال فيه أبو زرعة: صالح، ليس بالمشهور. وقال أبو حاتم: شيخ، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الحاكم: كان من الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أُسقط من الصحيح روايته عن أبيه، عن جده لأنها شاذة، لا متابع له فيها. وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا (^٥). وقال فيه ابن حجر: صدوق (^٦).\nفتفرد مثل هذا الراوي بأصل ليس له فيه متابع يعدّ منكرًا على أصل الإمام أحمد في هذا الباب. لكن ذكر أن إسناد هذا الحديث صالح، وقال بموجبه في رواية\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود السنن ح ١٥٧٥، والنسائي السنن ٥/ ٢٥، وأحمد المسند ٣٣/ ٢٢٠ ح ٢٠٠١٦، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ح ٢٢٦٦، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ٩، والحاكم المستدرك ١/ ٣٩٨، والبيهقي السنن الكبرى ٤/ ١٠٥.\n(^٢) المغني ٤/ ٧، تنقيح التحقيق ٢/ ٢٥٨.\n(^٣) المجروحين ١/ ١٨٥.\n(^٤) تهذيب السنن ٤/ ٣١٩.\n(^٥) تهذيب الكمال ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢.\n(^٦) تقريب التهذيب ٧٨٠.","vol":"2","page":857},{"text":"عنه (^١). وتوجيه ذلك عندي أن جد بهز بن حكيم، وهو معاوية بن حيدة لم يشتهر بالرواية عنه إلا ابنه حكيم بن معاوية والد بهز، وهو لم يشتهر بالرواية عنه إلا ابنه بهز، فلا يستغرب من هذا حاله أن يتفرد بأحاديث عن النبي ﷺ، فحاله مثل حال الوحدان من الصحابة، وهم الذين ليس لهم إلا راوٍ واحد، ومع ذلك قبلت رواياتهم التي تفردوا بها، مثل حزن بن أبي وهب المخزومي جد سعيد بن المسيب، ما روى عنه إلا ابنه المسيب، ومع ذلك أخرج حديثه في الصحيح ولم يعلّ (^٢).\nفحالة بهز بن حكيم وأمثاله تخالف حالة تلاميذ من اشتهر حديثه وتلاميذه فأمكن الوقوف على ما يستغرب من حديثه مما لا يرويه غيره من أقرانه، وأما وقد تفرد في الأصل بالرواية عن شيخه فلا يستغرب منه التفرد، لا سيما إذا لم يختلف عليه الرواة عنه كما هو حال بهز بن حكيم، فإن ذلك يدل على ضبطه لما يرويه، والعلم عند الله.\nتفرد الصدوق بزيادة:\nوأما الحديث الذي رواه عدد من الرواة فيشاركهم الراوي الصدوق في رواية أصل الحديث وينفرد عنهم بزيادة لم يذكرها سائر الرواة في الحديث، فهذا حكمه مثل حكم الحديث الذي تفرد به من أصله، وهو أنه لا تقبل منه هذه الزيادة لقصور حفظه عما يشترط في الراوي الذي يحتمل منه التفرد، وهو الثقة الحافظ. ومثال ذلك:\n_________\n(^١) انظر: التحقيق في أحايث التعليق ٢/ ٢٥٧، والإنصاف ٣/ ١٨٨.\n(^٢) والحديث هو ما أخرجه البخاري صحيح البخاري ١٠/ ٥٧٤ ح ٦١٩٠، وأحمد المسند ٣٩/ ٧٧ ح ٢٣٦٧٣. وذكره في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٨٤ رقم ٤٧٩٢، ولم يتكلم عليه بالإعلال. ولفظ الحديث: عن ابن المسيب، عن أبيه أن النبي ﷺ قال لجده، جد سعيد: \"ما اسمك\"؟ قال: حُزن، فقال النبي ﷺ: \"بل أنت سهل\". فقال: لا أغير اسمًا سمّانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت فينا حُزونة بعد.","vol":"2","page":858},{"text":"قال أبو داود: \"قلت لأحمد: أفلح بن حُميد؟ قال: هذا شيخ قد احتملوه، وجعل كأنه يستضعفه، قال: يكثر من الرأي، قلت: رأي القاسم؟ قال: نعم، قال: روى حديثًا منكرًا، حديث المواقيت. قلت: وصح ذلك عندك، رواه غير المعافى؟ قال: المعافى ثقة\" (^١).\nالمقصود بحديث المواقيت الذي رواه أفلح بن حُميد هو ما رواه المعافى ابن عمران، عنه، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة [أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحُليْفَة، ولأهل الشَّام ومِصر الجُحْفَة، ولأهل العِراق ذاتَ عِرْق، ولأهل اليمن يَلَمْلَم]. أخرجه أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن عدي (^٤)، والبيهقي (^٥) كلهم من طريق هشام بن بهرام عن المعافى. وأخرجه النسائي (^٦)، والدارقطني (^٧) من طريق أبي هاشم محمد بن علي عن المعافى.\nوأخرجه الطحاوي (^٨) من طريق هشام بن بهرام وخالد ين يزيد القطربلي كلاهما عن المعافى.\nوهذا الحديث قد انفرد به أفلح بن حُميد عن القاسم، قال ابن عدي: هذا الحديث ينفرد به معافى عن أفلح (^٩). وقال الذهبي: هذا الحديث ينفرد به المعافى\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٢ رقم ١٩٣٤.\n(^٢) سنن أبي داود ٢/ ٣٥٤ ح ١٧٣٩.\n(^٣) سنن النسائي ٥/ ١٢٣ ح ٢٦٥٣، والسنن الكبرى ٢/ ٣٢٨ ح ٣٦٣٣.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٤٠٨.\n(^٥) السنن الكبرى ٥/ ٢٨.\n(^٦) السنن ٥/ ١٢٥ ح ٢٦٥٦، والسنن الكبرى ٢/ ٣٢٨ ح ٣٦٣٦.\n(^٧) السنن ٢/ ٢٣٦.\n(^٨) شرح معاني الآثار ٢/ ١١٨.\n(^٩) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.","vol":"2","page":859},{"text":"ابن عمران، عن أفلح عن القاسم، عن عائشة، هو صحيح غريب. ا. هـ (^١).\nوأما الإمام أحمد فأنكره على أفلح، لأنه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد. قال عبد الله: سألته عن أفلح؟ فقال: صالح (^٢). وقال الميموني: سألت أبا عبد الله عن أفلح بن حُميد؟ فقال: صالح، يحتمل (^٣). وقال عنه الذهبي: صدوق (^٤). وقال ابن حجر: ثقة (^٥).\nوإنما أنكر قوله: \"ولأهل العراق ذات عرق\"، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه شيئًا، قاله ابن عدي (^٦)، ووجهه أن الباقي من متنه معروف من وجوه كثيرة عن النبي ﷺ فليس فيه ما يُستنكر، وأما الإسناد فلا يعرف عن عائشة إلا من طريقه، فحقه على أصل الإمام أحمد أن يكون منكرًا أيضًا، والله أعلم.\nفهذا يدل على أن إنكار الإمام أحمد موجه إلى الزيادة التي تفرد بها أفلح ابن حُميد، ويدل على أن الزيادة من الصدوق الذي لم يبلغ ضبطه ضبط الثقة الحافظ منكرة عند الإمام أحمد غير مقبولة، مثلها مثل حديثه الذي تفرد به من أصله، والله أعلم.\n_________\n(^١) ميزان الاعتدال ١/ ٤٤٠.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤١٩ رقم ٩١٤.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٤ رقم ٤٣١.\n(^٤) الكاشف ٤٦٢.\n(^٥) تقريب التهذيب ٥٥١.\n(^٦) الموضع نفسه.","vol":"2","page":860},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>المطلب السادس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الموصوف بسوء الحفظ</span>.\nتقدم في مبحث إعلال الحديث بسوء الحفظ الملازم للراوي أن منهج الإمام أحمد في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ أنه إذا انفرد واحد منهم بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به، وأن الحال في ترك الاحتجاج قد تختلف من راوٍ إلى آخر، وأشد ما يكون إذا زاد في الإسناد أو نقص أو غير الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى (^١).\nومن أمثلة إعلاله الأحاديث بتفرد بعض رواتها الموصوفين بسوء الحفظ ما يلي:\nالحديث الأول:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد سُئل عن يحيى بن يمان، فقال: كان يغلط، ثم ذكر حديث سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود أن النبي ﷺ استسقى في الطواف فاُتي بنبيذ. فقال: هذا منكر\".\nهذا الحديث أخرجه النسائي (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، والطحاوي (^٤)، والدارقطني (^٥)، والطبراني (^٦)، البيهقي (^٧) كلهم من طرق عن يحيى بن يمان، عن الثوري به. ولفظه كما ورد عند النسائي: عطش النبي ﷺ حول الكعبة، فاستسقى فأُتي بنبيذ من السِّقاية فشمّه فقطّب فقال: \"عليّ بذَنوب من زمزم\" فصب\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ١/ ٤١٦، وانظر: ص ٢٦٣.\n(^٢) السنن ٨/ ٣٢٥ ح ٥٧١٩، السنن الكبرى ٣/ ٢٣٧ ح ٥٢٠٢.\n(^٣) المصنف ٥/ ٧٩ ح ٢٣٨٦٨، ٣/ ٣٢٣ ح ١٤٦٢٩.\n(^٤) شرح معاني الآثار ٤/ ٢١٩.\n(^٥) السنن ٤/ ٢٦٣.\n(^٦) المعجم الكبير ١٧/ ٢٤٣ ح ٦٧٥.\n(^٧) السنن الكبرى ٨/ ٣٠٤.","vol":"2","page":861},{"text":"عليه ثم شرب، فقال رجلٌ: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: \"لا\".\nوأعله الإمام أحمد بالنكارة لتفرد يحيى بن يمان به عن الثوري، وقد قال فيه: كان يغلط، وهو قول مشعر بسوء حفظه. وقيل له: فرواه غيره؟ قال: لا، إلا من هو أضعف منه (^١). وقال أحمد في موضع آخر: ليس يحيى بن يمان بحجة في الحديث (^٢) وقال في رواية أبي داود: عنده تخليط (^٣). وذكر الساجي عن أحمد أنه ضعفه، وقال: حدّث عن الثوري بعجائب، لا أدري لم يزل هكذا، أو تغير حين لقيناه، أو لم يزل الخطأ في كتبه (^٤).\nوبمثل هذا أعله النسائي، قال: \"هذا خبر ضعيف، لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب الثوري، ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه\" (^٥).\nوقد توبع يحيى بن يمان عن الثوري: تابعه عبد العزيز بن أبان عند الدارقطني (^٦). قال الدراقطني: عبد العزيز بن أبان متروك الحديث. وتابعه أيضًا الواقدي كما ذكر ابن عدي (^٧)، كما تابعه اليسع بن إسماعيل، عن زيد بن الحباب، عن الثوري عند الدارقطني أيضًا، وقال: لا يصح هذا عن يزيد بن الحُباب عن الثوري، ولم يره غير اليسع بن إسماعيل، وهو ضعيف، وهذا الحديث معروف بيحيى ابن يمان. ا. هـ (^٨).\n_________\n(^١) التحقيق في أحاديث الخلاف ٣/ ٤٧٨.\n(^٢) تاريخ بغداد ١٤/ ١٢٢.\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٦٨ رقم ٥٧٨.\n(^٤) تاريخ بغداد ١٤/ ١٢٤.\n(^٥) سنن النسائي الموضع نفسه.\n(^٦) سنن الدراقطني ٤/ ٢٦٤.\n(^٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٩٠٠.\n(^٨) الموضع نفسه.","vol":"2","page":862},{"text":"وقد قيل إن هذا الحديث انقلب إسناده على يحيى بن يمان واختلط عليه بحديث الذي رواه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب بن أبي وداعة: [طاف رسول الله ﷺ في يوم حار فاستسقى فأتي بإناء من نبيذ فلما رفعه إلى فيه قطب فتركه فقال الرجل: يا رسول الله هذا شراب أهل مكة أحرام هو؟ فسكت ثم أتاه الثانية فقطب فنحاه فقال له الرجل مثل ذلك فدعا بذنوب أو دلو من ماء فصبه عليه ثم سقى الذي يليه والذي عن يمينه ثم قال: \"هكذا اصنعوا به إذا غلبكم\". هكذا رواه أبو حذيفة عن الثوري (^١). وقال ابن عدي: وقال الأشجعي وغيره، عن سفيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب: \"أُتي النبي ﷺ بنبيذ\" (^٢)، هكذا قال البخاري أيضًا (^٣). فعاد الحديث إلى حديث الكلبي، وهو مشهور بأنه متروك الحديث.\nوأما حديث الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود الذي انقلب على ابن يمان فلفظه أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين (^٤)، هذا ما ذهب إليه الدارقطني (^٥)، أي فانقلب على يحيى بن يمان، ودخل عليه إسناد هذا الحديث في حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب.\nأما أبو جاتم فذكر أن الحديث الذي سقط على ابن يمان هو ما رواه الثوري،\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي السنن الكبرى ٨/ ٣٠٤.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.\n(^٣) التاريخ الكبير ٣/ ١٥٣.\n(^٤) رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، كان أبو مسعود يمسح على جوربين له من شعر ونعليه مصنف عبد الرزاق ١/ ١٩٩ ح ٧٧٤. وكذلك رواه وكيع عن الثوري عند ابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٧١ ح ١٩٧٢. ورواه شعبة عن منصور به أيضًا السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٨٥.\n(^٥) علل الدارقطني ٦/ ١٩٣.","vol":"2","page":863},{"text":"عن منصور، عن خالد بن سعد مولى أبي مسعود [أنه كان يشرب نبيذ الجر]، يعني من فعل أبي مسعود غير مرفوع، فجعل إسناده لمتن حديث الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب (^١).\nوقد سبق إلى التنبيه بهذه العلة عبد الله بن نمير، قال: أخطأ ابن يمان على الثوري فقال: عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود، وإنما هو الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب قال: \"عطش النبي ﷺ \" فذكره. وقال: ابن يمان سريع الحفظ سريع النسيان. ا. هـ (^٢).\nوقال أبو موسى: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن حديث سفيان عن منصور في النبيذ فقال: لا تحدث بهذا (^٣).\nوالشاهد أن تفرد يحيى بن يمان عن الثوري هو الذي دل إلى كشف خطئه هذا، لأنه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن الثوري لسوء حفظه، والله أعلم.\nالحديث الثاني:\nقال عبد الله: \"ذكرت لأبي حديث محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله في الرفع، فقال: هذا ابن جابر، إيش حديثه؟ هذا حديث منكر، أنكره جدًا\" (^٤).\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٦. وهذا ما أشار إليه المزي في تحفة الأشراف ٧/ ٣٢٨ أن يحيى ابن سعيد رواه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود فعله، أي أنه كان يشرب نبيذ الجر. وأخرج هذه الرواية البخاري تعليقًا التاريخ الكبير ٣/ ١٥٣، والتاريخ الأوسط ٢/ ٤٢ - ٤٣. ودخول هذا الحديث على حديث الكلبي عند يحيى بن يمان أولى من القول بدخول حديث المسح على الجوربين على حديث النبيذ كما ذهب إليه الدراقطني، والله أعلم.\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٣٠٤.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٧٣ رقم ٧١٦، وفي مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ١/ ٢٤١ رقم ٣٢٧.","vol":"2","page":864},{"text":"هذا الحديث رواه أبو يعلى (^١)، والدارقطني (^٢)، والإسماعيلي (^٣)، والبيهقي (^٤)، والخطيب (^٥) من طريق عن محمد بن جابر، عن حماد وهو ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ولفظه: \"صليتُ خلفَ النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة\".\nوقد أنكره الإمام أحمد لتفرد محمد بن جابر به، وقال: ابن جابر إيش حديثه؟ هذا حديث منكر.\nوقد نص الدراقطني أيضًا على تفرد ابن جابر به. وقال العقيلي بعد أن ساق الحديث: لا يتابع عليه (^٦).\nومحمد بن جابر هو اليمامي لا يحتج بما ينفرد به، وقد تقدمت ترجمته وأنه ممن جرحه الإمام أحمد لأنه ربما ألحق في كتابه (^٧). وقال في رواية ابن هانئ: ليس بالقوي، روى عن حماد أحاديث (^٨)، وعنه أيضًا: أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لحوق (^٩).\nفحديثه الذي تفرد به خصوصًا عن حماد بن أبي سليمان يعد منكرًا ولو لم يخالف، فكيف وقد خالف. فقد رواه حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان،\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى ٨/ ٤٥٣ ح ٥٠٣٩.\n(^٢) سنن الدارقطني ١/ ٢٩٥.\n(^٣) معجم شيوخ الإسماعيلي ٢/ ٦٩٣.\n(^٤) السنن الكبرى ٢/ ٧٩.\n(^٥) تاريخ بغداد ١١/ ٢٢٤.\n(^٦) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٢٠٩.\n(^٧) ص ٥٣٥.\n(^٨) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٢٨ رقم ٢٢٥٥.\n(^٩) المصدر نفسه ٢/ ٢٣٠ رقم ٢٢٦٢.","vol":"2","page":865},{"text":"عن إبراهيم، عن ابن مسعود من فعله غير مرفوع. ذكره الدارقطني وقال: هو الصواب (^١).\nفخالفه حماد بن سلمة في موضعين: رواه مرسلًا بين إبراهيم النخعي وابن مسعود، بينما ذكره محمد بن جابر موصولًا بذكر علقمة بينهما. والثاني وقف الحديث على ابن مسعود، بينما رفعه ابن جابر. فهذا مما يزيد روايته نكارة.\nالحديث الرابع:\nقال أبو داود: \"ذكرت لأحمد حديث قيس بن الرَّبيع، عن شبعة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق [أن النبي ﷺ كان إذا فاته الأربع قبل الظهر صلاّها بعد الظهر]. فقال أحمد: يرويه غير واحد ليس يذكرون هذا فيه، يعني يروون حديث خالد، عن عبد الله بن شقيق: [سألت عائشة عن تطوع رسول الله ﷺ]، أي فليس هذا فيه\" (^٢).\nحديث قيس بن الربيع أخرجه ابن ماجه (^٣)، وابن عدي (^٤). قال ابن ماجه: لم يروه إلا قيس عن شبعة. وقال الترمذي: ولا نعلم رواه عن شعبة غير قيس بن الربيع (^٥).\nوذكر الإمام أحمد أن غير واحد من الرواة رواه عن خالد الحذاء بغير اللفظ الذي رواه قيس. ومن هؤلاء هشيم بن بشير (^٦)، ويزيد\n_________\n(^١) سنن الدارقطني الموضع نفسه.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٢ رقم ١٨٧٦.\n(^٣) السنن ١/ ٣٦٦ ح ١١٥٨.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٦٧ - ٢٠٦٨.\n(^٥) الجامع ٢/ ٢٩١.\n(^٦) حديثه عند مسلم صحيح مسلم ١/ ٥٠٤ ح ٧٣٠، وأبي داود السنن ٢/ ٤٣ ح ١٢٥١، وأحمد المسند ٤٠/ ١٨ ح ٢٤٠١٩، وإسحاق مسند إسحاق بن راهويه ٣/ ٦٩٨ ح ١٢٩٩، وابن خزيمة ٢/ ٢٠٨ ح ١١٩٢، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٨١، وابن الجارود المنتقى ١/ ٢٤١ ح ٢٧٧.","vol":"2","page":866},{"text":"ابن زريع (^١)، وإسماعيل بن علية (^٢)، ويزيد بن هارون (^٣)، وخالد الطحان (^٤)، وبشر بن المفضل (^٥)، كلهم رووه بلفظ: \"سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ قالت كان يصلي أربعًا قبل الظهر وثنتين بعدها، وثِنتين قبل العصر وثِنتين بعد المغرب، وثِنتين بعد العشاء، ثم يصلي من الليل تسعًا. قلت: أقائمًا أو قاعدًا؟ قالت: يصلي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا. قلت: كيف يصنع إذا كان قائمًا، وكيف يصنع إذا كان قاعدًا؟ قالت: إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا، وركعتين قبل صلاة الصبح\". وهذا لفظ حديث ابن علية.\nوقد تابع قيس بن الربيع على اللفظ الذي رواه عن شعبة، عبد الوارث ابن عبيد الله، عن ابن المبارك، عن خالد الحذاء. أخرجه الترمذي (^٦) وقال: إنما نعرفه من حديث ابن المبارك من هذا الوجه. ا. هـ.\nوعبد الوارث بن عبيد الله هو العتكي روى عن ابن المبارك الكثير حتى مسائل سأله وسئل عنه وهو حاضر، قاله ابن أبي حاتم (^٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٨)، ووثقه الذهبي (^٩)، وقال عنه ابن حجر: صدوق (^١٠).\n_________\n(^١) روى حديثه أبو داود السنن، الموضع نفسه، ومن طريق البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٤٧١.\n(^٢) روى حديثه أحمد المسند ٤٣/ ١٩ ح ٢٥٨١٩.\n(^٣) روى حديثه النسائي السنن الكبرى ١/ ١٤٦ ح ٣٣٦.\n(^٤) روى حديثه ابن حبان الإحسان ٦/ ٢٢٥ ح ٢٤٧٤.\n(^٥) روى حديثه الترمذي الجامع ٢/ ٢٩٩ ح ٤٣٦، وذكر بعض لفظ الحديث.\n(^٦) الجامع ٢/ ٢٩١ ح ٤٢٦.\n(^٧) الجرح والتعديل ٦/ ٧٦.\n(^٨) ٨/ ٤١٦.\n(^٩) الكاشف ٣٥١٢.\n(^١٠) تقريب التهذيب ٤٢٨١.","vol":"2","page":867},{"text":"ومع متابعة ابن المبارك لقيس بن الربيع عن خالد الحذاء، فلا يحتمل منه التفرد عن مثل شعبة، وهو وجه لإنكار الإمام أحمد لحديثه هذا.\nزيادة الراوي السيء الحفظ في الحديث:\nوأما ما يتفرد به الراوي الموصوف بسوء الحفظ من زيادة فحكمها أيضًا الرد مثل تفرده بأصل الحديث.\nوقد تقدم أن الإمام أحمد رد على يحيى بن أيوب الغافقي زيادته لقراءة المعوذتين في ركعة الوتر في حديث عائشة ﵂:\nقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يحي بن أيوب المصري، فقال: كان يحدث من حفظه، وكان لا بأس به، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة \"أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر الحديث، فقال: ها، من يحتمل هذا\"، وقال مرة: كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا، وأنكر حديث يحيى خاصة (^١).\nوتقدم أن الإمام أحمد أنكر زيادة المعوذتين. وقال العقيلي: أما المعوذتين فلا يصح (^٢).\n_________\n(^١) تنقيح التحقيق ١/ ٥١٦، وانظر: الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٠٤.\n(^٢) الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.","vol":"2","page":868},{"text":"<span data-type='title' id=toc-283>المطلب السابع: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي المجهول</span>.\nمن أسباب وقوع النكارة في الأحاديث أن تكون رواتها غير معروفين عند أهل الحديث، ومن كان بهذه المثابة لا تعرف عدالته بله ضبطه. فإذا استغرب الحفاظ حديثًا في سنده رجال ثقات معروفون وينفرد من بينهم آخر مجهول التزقت التهمة في غرابة الحديث بذلك المجهول، وأنكروا الحديث من أجله. من أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:\nقال مهنّا: \"حدثنا خالد بن خِداش، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا السري بن يحيى أن شُجاعًا حدثه، عن أبي طيبة، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"من قرأ سورة الواقعة في ليلة لم تصبه فاقةٌ\". قال أحمد: هذا حديث منكر. وقال: السرِّي بن يحيى ثبت ثقة ثقة، وشجاع الذي روى عنه السرِّي لا أعرفه، وأبو طيبة هذا لا أعرفه، والحديث منكر\" (^١).\nهذا الحديث أخرجه البيهقي (^٢) من طريق خالد بن خِداش. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة (^٣)، والبيهقي أيضًا (^٤) من طريق العباس بن الفضل، عن السري به. وأخرجه الإمام أحمد (^٥)، وابن عساكر (^٦) من طرق آخرى عن السري به.\nوالحديث مداره على السري بن يحيى، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أوجه الاختلاف عليه في اسم شيخه، هل هو شجاع، أو أبو شجاع، وكذلك في الراوي\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ص ١١٦ رقم ٤٩.\n(^٢) شعب الإيمان ٢/ ٤٩١ ح ٢٤٩٨.\n(^٣) بغية الباحث ٢/ ٧٢٩ ح ٧٢١.\n(^٤) الموضع نفسه ح ٢٤٩٩.\n(^٥) فضائل الصحابة ٢/ ٧٢٦ ح ١٢٤٧.\n(^٦) تاريخ دمشق ٣٣/ ١٨٦ - ١٨٨.","vol":"2","page":869},{"text":"عن ابن مسعود هل هو أبو طيبة، أو أبو فاطمة، وإن كان أبا طيبة هل هو بالطاء المهملة أو بالظاء المعجمة (^١).\nوقد أنكر الإمام أحمد هذا الحديث عن ابن مسعود، لأنه لا يعرف إلا من هذا الطريق، وراويه السري بن يحيى قال فيه: ثبت ثقة ثقة، لكن شيخه وشيخ شيخه نص الإمام أحمد على أنهما مجهولان، فلا يحتمل منهما التفرد بهذا الأصل عن ابن مسعود.\nوكذلك وهّن حديث أبي العُشَراء في الذكاة؛ رواه حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا في الحلق أو اللبّة؟ قال: \"لو طعنت في فخذها لأجزأك\" (^٢).\nقال الميموني: سألت أبا عبد الله عن حديث أبي العُشراء، قال: \"هو عندي غلط، قلت: فما تقول؟ قال: أما أنا فلا يعجبني ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة كيف ما أمكنتك الذكاةُ ولا تكون إلا في الحلق أو اللبّة، فينبغي للذي يذبح أن يقطع الحلق أو اللبّة\" (^٣).\nوعلة الحديث عند أحمد أنه لا يروى عنه غير هذا الحديث، قاله الميموني عن أحمد (^٤)، فهو في حكم المجهول.\nقال مهنّا: \"سليمان بن أبي سليمان، يحدث عنه العوام بن حَوشَب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الخلافة بالمدينة والملك بالشام\"، قال أحمد:\n_________\n(^١) انظر: لسان الميزان ٧/ ٦٠ - ٦١.\n(^٢) رواه الترمذي الجامع ٤/ ٧٥ ح ١٤٨١، وأبو داود السنن ٣/ ٢٥٠ ح ٢٨٢٥، والنسائي السنن الكبرى ٣/ ٦٣ ح ٤٤٩٧، والسنن ٧/ ٢٢٨ ح ٤٤٠٨، وابن ماجه السنن ٢/ ١٠٦٣ ح ٣١٨٤، وأحمد المسند ٣١/ ٢٧٨ ح ١٨٩٤٧.\n(^٣) تهذيب الكمال ٣٤/ ٨٦.\n(^٤) المصدر نفسه ٣٤/ ٨٥.","vol":"2","page":870},{"text":"أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم (^١).\nالحديث رواه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (^٢)، والحاكم (^٣)، وابن عساكر (^٤) من طرق عن هشيم بن بشير، عن العوام بن حوْشَب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوهذا الراوي لم أقف على كلام الإمام أحمد فيه. وقال فيه ابن معين في رواية مهنّا هذه: لا نعرف هذا - يعني سليمان بن أبي سليمان (^٥). وقال في رواية إسحاق بن منصور: لا أعرفه (^٦).\nوأورده البخاري في \"التاريخ الكبير\" (^٧)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكر له هذا الحديث.\nوقال الذهبي: لا يكاد يعرف (^٨).\nوقول الإمام أحمد في هذا الحديث: أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم استنكار منه لهذه الرواية لتفرد راويها بها، وهو في حكم المجهول.\nوقد تقدمت أمثلة أخرى فيما مضى في مبحث الإعلال بالجهالة.\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٢٨ رقم ١٣٧.\n(^٢) ٤/ ١٥.\n(^٣) المستدرك ٣/ ٧٢.\n(^٤) تاريخ دمشق ١/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(^٥) المنتخب من العلل للخلال الموضع نفسه.\n(^٦) تهذيب الكمال ١١/ ٤٤٣.\n(^٧) الموضع نفسه.\n(^٨) ميزان الاعتدل ترجمة ٣٤٧٦.","vol":"2","page":871},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>المبحث الثاني: الإعلال بالمخالفة عند الإمام أحمد</span>.\nمن الطرق التي تكشف أخطاء الرواة في رواية الأحاديث مخالفة بعضهم لبعض، ولذلك اشتهرت مقولة أهل هذا الشأن أن الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبين خطؤه (^١)، فإذا روى الراوي حديثًا وشاركه غيره في رواية ثم خالف من هو أولى منه ثقة أو كثرة حكم على روايته بالخطأ، وعلى رواية الأَوْلى بأنها المحفوظة، ووجه ذلك أن تطرق الوهم والغلط في مروي الراوي الأقل حفظًا أولى من تطرقهما إلى الأحفظ، وكذلك تطرقهما إلى عدد قليل أولى من تطرقهما إلى جماعة أكثر عددًا، وقد ذكر الإمام مسلم في مقدمة \"كتاب التمييز\" (^٢) أن الذي يدور عليه معرفة الخطأ في روايات نقلة الحديث راجع إلى جهتين: الأولى: ما كان واضحًا غير خفي على أهل العلم من الأخطاء في نسبة الرواة بخلاف ما عرفوا به، أو بتصحيف في المتون يعرفه السامع الفهِم، والجهة الأخرى - وهي موضوع هذا المطلب - أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثًا عن إمام من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، فيرويه آخر سواهم عن ذلك الإمام فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن، فيعلم أن الصحيح ما حدث به الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا. ا. هـ.\nوفي هذا المبحث سأورد نماذج من أحاديث أعلها الإمام أحمد لمخالفة بعض رواتها لمن هو أولى منه، وذلك في مطلبين:\nالأول: المخالفة لرواية الأحفظ.\n_________\n(^١) هذه مقولة علي بن المديني، رواها عنه الخطيب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٢١٢، وذكر كلام غيره من الأئمة مما هو في معناها في باب: كتب الطرق المختلفة من الكتاب نفسه.\n(^٢) كتاب التمييز ١٧٠، ١٧٢.","vol":"2","page":873},{"text":"الثاني: المخالفة لرواية الأكثر عددًا.\nثم أتبع ذلك بدراسة موقف الإمام أحمد من حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وبذكر نماذج من نقد الإمام أحمد لمتون الأحاديث بسبب نوع من المخالفة في مطلبين آخرين.","vol":"2","page":874},{"text":"<span data-type='title' id=toc-285>المطلب الأول: مخالفة الراوي لرواية الأحفظ</span>.\nومن أمثلة ذلك:\n١. روى يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"يقطع الصلاة المرأةُ الحائضُ، والكلبُ\" (^١).\nقال الإمام أحمد: \"ثناه يحيى قال: شعبة رفعه. قال: وهشام لم يرفعه. قال أحمد: كان هشام حافظًا\" (^٢).\nقال ابن رجب: هذا ترجيح من أحمد لوقفه. ا. هـ.\nوفي قول أحمد: كان هشام حافظًا ترجيح لرواية الأحفظ.\nقال عبد الله: \"سألته - أي أباه - عن هشام وهمام. قال: سبحان الله، هشام أثبت، وقال شعبة: هشام أحفظ مني عن قتادة. شعبة يستعين بهشام يقول: \"قال هشام\" (^٣).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: \"رأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديمًا في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود السنن ١/ ٤٥٢ ح ٧٠٣، والنسائي السنن ٢/ ٦٤ ح ٧٥٠، والسنن الكبرى ١/ ٢٧٢ ح ٨٢٧، وابن ماجه السنن ١/ ٣٠٥ ح ٩٤٩، وأحمد المسند ٥/ ٢٩٣ ح ٣٢٤١، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٢/ ٢٢ ح ٨٣٢، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٨، وابن حبان الإحسان ٦/ ١٩٨ ح ٢٣٨٧، والطبراني ١٢/ ١٨١ ح ١٢٨٢٤، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٢٧٤ كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان به، إلا النسائي رواه من طريقه عن شعبة، وهشام وقال: رفعه شعبة.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٧٠٣.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٤٨ ح ٢٥٤٢.\n(^٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥٢ رقم ١١٣٧.","vol":"2","page":875},{"text":"٢. وقال أبو داود: \"سمعت أحمد قيل له: اختلف أيوبُ أبو العلاء وهمامٌ في حديثه: [من فاتتهُ الجمعةُ فليتصدق]. قال أحمد: همام عندي أحفظ\" (^١).\nحديث همام رواه أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، والطيالسي (^٤)، وأحمد (^٥)، وابن أبي شيبة (^٦)، وابن خزيمة (^٧)، وابن حبان (^٨)، والطبراني (^٩)، والحاكم (^١٠)، والبيهقي (^١١) من طرق عن همام بن يحيى العوذي، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: \"من ترك جمعة في غير عُذرٍ فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصفَ دينارٍ\".\nوأما حديث أيوب أبي العلاء فرواه أبو داود أيضًا (^١٢)، والحاكم (^١٣)، والبيهقي (^١٤) من طريقه، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من فاته الجمعة بغير عذر فليتصقد بدرهم أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع\". قال الإمام أحمد: خالفه في الحكم وقصر في الإسناد (^١٥).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٤ رقم ١٨٨٠، ومثله في سنن أبي داود ١/ ٦٣٩.\n(^٢) السنن ١/ ٦٣٨ ح ١٠٥٣\n(^٣) السنن ٣/ ٨٩ ح ١٣٧١، وفي الكبرى ١/ ٥١٧ ح ١٦٦١.\n(^٤) مسند الطيالسي ص ١٢٢ ح ٩٠١.\n(^٥) المسند ٣٣/ ٢٧٨ ح ٢٠٠٨٧، ٣٣/ ٣٣٠ ح ٢٠١٥٩.\n(^٦) المصنف ١/ ٤٨٠ ح ٥٥٣٥.\n(^٧) صحيح ابن خزيمة ٣/ ١٧٧ ح ١٨٦١.\n(^٨) الإحسان ٦/ ٢٨ ح ٢٧٨٨، ٢٧٨٩.\n(^٩) المعجم الكبير ٧/ ٢٣٥ ح ٦٩٧٩.\n(^١٠) المستدرك ١/ ٢٨٠.\n(^١١) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٨.\n(^١٢) السنن ١/ ٦٣٩ ح ١٠٥٤.\n(^١٣) المستدرك ١/ ٢٨٠.\n(^١٤) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٨.\n(^١٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٥٦ رقم ٣٦٧.","vol":"2","page":876},{"text":"فقدم الإمام أحمد رواية همام لأنه أحفظ من أيوب أبي العلاء. وقد سبق قول الإمام أحمد في همام أنه ثقة، وأنه ثبت في كل المشايخ (^١). وأما أيوب أبي العلاء وهو أيوب بن مسكين التميمي القصاب الواسطي، فقال فيه أحمد: ليس به بأس (^٢)، وقال في موضع آخر: رجل، صالح ثقة (^٣)، وقال أيضًا: كان لا يحفظ الإسناد (^٤).\nويشهد لصحة حكم الإمام أحمد أن خالد بن قيس رواه عن قتادة فوافق همامًا في متن الحديث، وخالفه في الإسناد. قال في الإسناد: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ. وقال في متنه: \"من ترك جمعة متعمدًا فليتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار\". رواه أبو داود (^٥)، والبيهقي (^٦)، وقال: ولا أظنه إلا واهما في إسناده لاتفاق ما مضى على خلافه، فأما المتن فإنه يشهد بصحة رواية همام.\nويشهد له أيضًا رواية سعيد بن بشير، فقد وافق همامًا في الإسناد وخالفه في المتن، فقال: [فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع، أو مد]. أخرج روايته أبو داود، والبيهقي (^٧).\nوقد سبق ما يتعلق بإعلال الإمام أحمد للحديث من وجه آخر، وهو جهالة قدامة بن وبرة في مباحث الجهالة (^٨).\nومن تقديم الإمام أحمد لرواية الأحفظ اختلاف رواية سعيد بن عبيد عن\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٨.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٢٤ رقم ٩٣٢.\n(^٣) المصدر نفسه ١/ ٥١٨ رقم ١٢١٣.\n(^٤) المصدر نفسه ٢/ ٣٥ رقم ١٤٧٠.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٤.\n(^٦) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٨.\n(^٧) الموضعان أنفسهما.\n(^٨) انظر: ص ١٢٥.","vol":"2","page":877},{"text":"بشير بن يسار في حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة لرواية يحيى بن سعيد الأنصاري، فقدم الإمام أحمد رواية يحيى بن سعيد.\n٣. قال الأثرم: ضعف أحمد حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار، وقال: الصحيح عن بشير بن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد، قال أحمد: وإليه أذهب (^١).\nحديث سعيد بن عبيد رواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثْمة أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلًا، فذكر الحديث وفيه: فقال النبي ﷺ: \"تأتون بالبيّنة على من قتله\"؟ قالوا: ما لنا بينةٌ. قال: \"فيحلفون\". قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله ﷺ أن يُطلَّ دمه فوداه مائة من إبل الصدقة. أخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤)، والنسائي (^٥)، والطحاوي (^٦)، والدارقطني (^٧)، والطبراني (^٨)، والبيهقي (^٩).\nوأما حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، فرواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيل وقال فيه: \"فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل فقال لهم: \"أتحلفون خمسين يمينًا فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ \" قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: \"فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ \" قالوا: وكيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده\" أخرجه\n_________\n(^١) التمهيد ٢٣/ ٢٠٩.\n(^٢) صحيح البخاري ١٢/ ٢٢٩ ح ٦٨٩٨. وصدر به أحاديث القسامة.\n(^٣) صحيح مسلم ٣/ ١٢٩٤ (٥).\n(^٤) السنن ح ٤٥٢٣.\n(^٥) السنن ٨/ ١١ - ١٢.\n(^٦) شرح معاني الاثار ٣/ ١٩٨.\n(^٧) السنن ٣/ ١١٠.\n(^٨) المعجم الكبير ٦/ ١٠٠ ح ٥٦٢٩.\n(^٩) السنن الكبرى ٨/ ١٢٠.","vol":"2","page":878},{"text":"البخاري (^١)، ومسلم (^٢)، وأبو داود (^٣)، والنسائي (^٤)، والترمذي (^٥)، وأحمد (^٦) من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري به.\nوالشاهد من الاختلاف الذي من أجله أنكر الإمام أحمد رواية سعيد ابن عبيد هو أن في روايته طلب النبي ﷺ البينة من أولياء المقتول - وهم المدّعون - ولما لم تكن لهم بينة طلب اليهود - وهم المدعى عليهم - أن يحلفوا، وليس في روايته طلب اليمين من أولياء المقتول، ولا ذكر للقسامة. أما في رواية يحيى بن سعيد فلم يكن هناك طلب للبينة، بل عرض اليمين على أولياء المقتول، فلما أبوا أن يحلفوا قال: تبرئكم يهود بخمسين يمينًا، فذكر أصل القسامة.\nقال ابن رجب: \"وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عُبيد الطائي فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين. وقد ذُكر للإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث فنفض يده وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد\" (^٧).\nومقصود الإمام أحمد بأنه رواه على ما يقول الكوفيون، هو أنهم يقولون لا يحلف إلا المدَّعَى عليه، ولا يقضى بشاهد ويمين، لأن اليمين لا تكون على المدَّعِي، ولا ترد عليه، لأنها لا تكون إلا في جانت المنكِر المدّعَى عليه حتى في القسامة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٦/ ٢٧٥ ح ٣١٧٣، وانظر: ٥/ ٣٠٥ ح ٢٧٠٢.\n(^٢) صحيح مسلم ٣/ ١٢٩١ - ١٢٩٣ (١ - ٤).\n(^٣) السنن ٤/ ٦٥ ح ٤٥٢٠.\n(^٤) السنن ٨/ ٥.\n(^٥) الجامع ٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣ ح ١٤٢٢.\n(^٦) المسند ٢٦/ ١١ ح ١٦٠٩١.\n(^٧) جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٤٣.","vol":"2","page":879},{"text":"ويحيى بن سعيد الأنصاري قال فيه أحمد: أثبت الناس (^١). وقال أيضًا: \"محدثوا الحجاز ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وابن جريج، يجيئون بالحديث على وجهه\" (^٢)، وأما سعيد بن عبيد الطائي فقال في رواية عبد الله: صالح الحديث (^٣)، ووثقه في رواية أبي طالب (^٤)، ولا شك في تقديم يحيى بن سعيد الأنصاري عليه في الحفظ والضبط والعلم.\nقال الإمام مسلم: \"وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار ومن ليس كمثلهم أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأنًا في طريق العلم وأسبابه، فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بشير بن يسار لكان الأمر واضحًا في أن أولاهما بالحفظ يحيى بن سعيد، ودافع لما خالفه … \" (^٥).\nومن أجل هذا لم يخرج الإمام أحمد رواية سعيد بن عبيد في مسنده، واكتفى يرواية يحيى بن سعيد الأنصاري. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار رواية سعيد بن عبيد الإمام مسلم كما تقدم، والبيهقي (^٦)، وابن عبد البر (^٧)، وابن القيم (^٨). وانتهج الحافظان ابن رجب، وابن حجر إلى الجمع بين الروايتين بناء على صحتهما عندهما (^٩).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ٣١/ ٣٥٦.\n(^٢) الجرح والتعديل ٩/ ١٤٨.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٩٤ رقم ٣٢٥٧.\n(^٤) الجرح والتعديل ٤/ ٤٦.\n(^٥) التمييز ص ١٩٤.\n(^٦) السنن الكبرى ٨/ ١٢٠.\n(^٧) الاستذكار ٢٥/ ٣٠١.\n(^٨) تهذيب السنن ٦/ ٣٢١.\n(^٩) انظر: جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٤٤، وفتح الباري ١٢/ ٢٣٤.","vol":"2","page":880},{"text":"وربما أشار الإمام أحمد إلى الاختلاف ولا يبين أي الروايتين أرجح، وتلك الإشارة كافية للقدح فيما ظاهره الصحة، وقد يلتمس الترجيح بقرائن أخرى. ومن أمثلة ذلك:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد ذكر له حديث ابن أبي العشرين الذي يرويه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في سوق الجنة فقال: حدثنا به أبو المغيرة، عن الأوزاعي مرسل\" (^١).\nهذا الحديث رواه الترمذي (^٢)، وابن ماجه (^٣)، وابن أبي عاصم (^٤)، وابن أبي حاتم (^٥)، وابن حبان (^٦)، وابن عساكر (^٧) من طرق عن هشام بن عمّار، عن عبد الحميد ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم … وذكر الحديث بطوله.\nوذكر الإمام أحمد أن ابن أبي العشرين قد خولف في رواية هذا الحديث عن الأوزاعي؛ خالفه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الشامي، فرواه عن الأوزاعي مرسل. ولم أقف على هذه الرواية، وقد بين الدارقطني وجه الإرسال فقال: رواه أبو المغيرة عن الأوزاعي قال: نُبئت أن أبا هريرة لقي سعيد بن المسيب (^٨).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩١ رقم ١٨٧٤.\n(^٢) الجامع ٤/ ٦٨٥ ح ٢٥٤٩.\n(^٣) السنن ٢/ ١٤٥٠ ح ٤٣٣٦.\n(^٤) السنة ١/ ٢٥٨ ح ٥٨٥.\n(^٥) التفسير نقله عنه ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٠٠.\n(^٦) الإحسان ١٦/ ٤٦٦ ح ٧٤٣٨.\n(^٧) تاريخ دمشق ٣٤/ ٤٩.\n(^٨) علل الدارقطني ٧/ ٢٧٦.","vol":"2","page":881},{"text":"وأبو المغيرة قد وثقه أحمد (^١). وكذلك وثقه العجلي، والدارقطني. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا. وقال النسائي: ليس به بأس (^٢).\nوأما عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، كاتب الأوزاعي فقد وثقه أحمد أيضًا في رواية عبد الله (^٣)، وكذلك وثقه أبو زرعة الرازي (^٤)، لكن تكلم فيه غير واحد: قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان، لم يكن صاحب حديث (^٥). وكذلك قال دحيم: إنه لم يكن صاحب حديث (^٦). وقال البخاري: ربما يخالف في حديثه (^٧). وقال النسائي: ليس بالقوي (^٨). وقال أبو أحمد الحاكم: \"ليس بالمتين عندهم، وقد حدث عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بحديث منكر، وهو حديث سوق الجنة، لا أعرف له أصلًا في حديث أبي هريرة، ولا في حديث سعيد بن المسيب، ولا في حديث حسان بن عطية، ولا في حديث الأوزاعي، وقد تابعه سويد بن عبد العزيز، لكن متابعته كلا متابعة، ويحتمل أن يكون أخذه منه، والله أعلم\" (^٩).\nومتابعة سويد بن عبد العزيز التي ذكرها أبو أحمد الحاكم رواها ابن أبي عاصم (^١٠)، وابن عساكر (^١١). وقد اضطرب في هذه الرواية، فمرة رواها\n_________\n(^١) في روايةصالح، ذكرها ابن عساكر ٣٦/ ٤٣٠.\n(^٢) تهذيب الكمال ١٨/ ٢٣٩.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٣ رقم ٢٦١٠.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ١١.\n(^٥) الموضع نفسه.\n(^٦) تهذيب الكمال ١٦/ ٤٢٢.\n(^٧) التاريخ الكبير ٦/ ٤٥.\n(^٨) الضعفاء والمتروكين ص ٢١٢ ترجمة ٣٩٨.\n(^٩) تاريخ دمشق ٣٤/ ٥٧.\n(^١٠) السنة ١/ ٢٦٠ ح ٥٨٦.\n(^١١) تاريخ دمشق ٣٤/ ٥١.","vol":"2","page":882},{"text":"هكذا، ومرة أخرى رواها عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد، عن أبي هريرة (^١). وقال مرة أخرى: عن الأوزاعي، حدثت عن سعيد (^٢). وقال أيضا: عن الأوزاعي، عن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (^٣).\nوسويد بن عبد العزيز متروك الحديث، قاله أحمد (^٤). واضطرابه شاهد على ضعف حديثه.\nوروى الحديث الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي، قال: نبئت عن سعيد (^٥) وتابعه هقل بن زياد عن الأوزاعي (^٦).\nوخالف الإمام أحمد أحمدُ بن عبد الرحيم الحوطي فرواه عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. وأحمد بن عبد الرحيم الحوطي من شيوخ الطبراني (^٧). ما وقفت له على ترجمة إلا ما ذكره ابن القطان أنه لا يعرف حاله (^٨). وتابعه محمد بن مصعب القرفساني عن الأوزاعي. قال ابن عساكر: لم يصنعا شيئًا (^٩).\nوقول الإمام أحمد ليس صريحًا في ترجيح رواية أبي المغيرة، وإنما اقتصر على الإشارة إلى مخالفته لرواية ابن أبي العشرين فقط، ولا يقتضي ذلك ترجيحًا،\n_________\n(^١) أخرج هذه الرواية ابن عساكر ٣٤/ ٥٤، وذكرها المزي في تحفة الأشراف ١٠/ ٣.\n(^٢) المصدر نفسه ٣٤/ ٥١.\n(^٣) ذكر هذه الرواية الدارقطني في العلل الموضع نفسه.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٣١٢٦، وانظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧ لأقوال بقية الحفاظ فيه.\n(^٥) تاريخ دمشق ٣٤/ ٥٢.\n(^٦) ذكر روايته الدارقطني الموضع نفسه، والمنذري الترغيب والترهيب ٣/ ٤٣.\n(^٧) انظر: المعجم الصغير ١/ ٢٣ ح ٢.\n(^٨) نقله أبو زرعة ابن العراقي عنه في ذيله على ميزان الاعتدال ص ١٠١ ترجمة ١٠٨.\n(^٩) تاريخ دمشق ٣٤/ ٥٢.","vol":"2","page":883},{"text":"وإن كان يتضمن إعلال ما ظاهره الصحة.\nوأما الإمام الدراقطني فصرح بأن رواية أبي المغيرة أشبه الطرق عن الأوزاعي بالصواب (^١). وكذلك قال الخليلي: رواه أصحاب الأوزاعي: الوليد ابن مزيد وغيره مرسلًا، يقول: نبئت أن أبا هريرة، ولا يتابع ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي بالاتصال إلى النبي ﷺ (^٢).\nومنه أيضًا:\nقال أبو داود: \"سألت أحمد عن حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ: \"كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة\"؟ فقال: هذا حدثنا به عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، ليس فيه عمر\" (^٣).\nالحديث الذي ذكره أبو داود للإمام أحمد رواه يحيى بن موسى (^٤)،\nوعبد بن حميد (^٥)، والحسين بن مهدي (^٦)، ومحمد بن سهل بن عسكر (^٧)، وإسحاق\nابن إبراهيم الحنظلي (^٨) كلهم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) المنتخب من الإرشاد ١/ ٤٤٧.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٢ رقم ١٨٧٧.\n(^٤) يحيى بن موسى البلخي الكوفي الأصل، وثقه أبو زرعة، والسنائي، والسراج، والدارقطني وغيرهم تهذيب الكمال ٣٢/ ٩.\nوحديثه عند الترمذي الجامع ٤/ ٢٨٥ ح ١٨٥١.\n(^٥) في مسنده ١/ ٣٣ ح ١٣.\n(^٦) قال عنه أبو حاتم: صدوق الجرح والتعديل ٣/ ٦٥. وحديثه عند ابن ماجه السنن ٢/ ١١٠٣ ح ٣٣١٩، والبزار ١/ ٣٩٧ ح ٢٧٥.\n(^٧) هو البخاري. وثقه النسائي، وابن عدي وغيرهما تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٧. وحديثه عند البزار الموضع نفسه، والمقدسي في المختارة ١/ ١٧٢ ح ٨٢.\n(^٨) وحديثه عند الحاكم المستدرك ٤/ ١٢٢.","vol":"2","page":884},{"text":"أبيه، عن عمر به مرفوعًا.\nورواه أحمد بن منصور الرمادي (^١) فقال: أحسبه قال: عن عمر (^٢).\nوذكر الإمام أحمد أن عبد الرزاق حدثهم به عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه مرسلًا، ليس فيه عمر، وهكذا هو في \"مصنف عبد الرزاق\" المطبوع (^٣)، وذكر الترمذي أن سليمان بن معبد رواه كذلك (^٤).\nوهنا أيضًا لم يصرح الإمام أحمد بالترجيح، وإنما اكتفى بالإشارة إلى الاختلاف، وقد يقوى القول بالترجيح هنا لما عُلم من أن عبد الرزاق كان بآخرة يقبل التلقين، وذلك بعد ذهاب بصره، وسماع أحمد منه كان قبل ذلك وهو في الصحة، فروايته مرجحة على ما خالفها عند الاختلاف، كما هو الحال هنا.\nوقد صرح بترجيح الإرسال ابن معين (^٥)، والبخاري (^٦). وذكر أبو حاتم ما يدل على أن الرواية الموصولة كان من عبد الرزاق بآخرة، مما يدل على ترجيحه للإرسال. قال: \"روى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ: \"كلوا الزيت وائتدموا به\"، حدث به مرة عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي ﷺ، هكذا رواه دهرًا، ثم قال بعد: زيد بن أسلم، عن أبيه، أحسبه عن عمر، عن النبي ﷺ، ثم لم يمت حتى جعله عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بلا شك\" (^٧).\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته ص ٣٦٩، وأن سماعه من عبد الرزاق كان بعد ذهاب بصره.\n(^٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٥/ ١٠٠ ح ٥٩٣٩.\n(^٣) ٤٢٢/ ١٠ ح ١٩٥٦٨.\n(^٤) الجامع الموضع نفسه.\n(^٥) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ١٤٢ رقم ٥٩٥.\n(^٦) علل الترمذي الكبير ٢/ ٧٧٩.\n(^٧) علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٥ - ١٦ ح ١٥٢٠. وفهم محقق كتاب علل الترمذي الكبير أن هذا يقتضى تصحيح الحديث بصحة رواية الوصل حيث رواه بلا شك، ولم ينتبه إلى أن ذلك بيان لوجه علة الرواية وإشارة إلى ثبوت اضطراب عبد الرزاق في رواية الحديث بعد ذهاب بصره.","vol":"2","page":885},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>المطلب الثاني: مخالفة الراوي لرواية الأكثر عددًا</span>.\nوالمخالفة بين الرواة تأخذ عدة أشكال، ورواية الراوي لمن هم أولى منه كثرة تأتي في صور:\nمنها: أن يكون الراوي ثقة حافظًا فيخالف رواية مثله في الحفظ والثقة، ويكون مع المخالف غيره من الرواة يوافقه، فحينئذ رواية الأكثر عددًا هي المرجحة وتكون رواية المنفرد خطأ، مثال ذلك:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد ذكر له حديث جرير، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي ﷺ: \"لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العِدّة، ثم صوموا حتى تروا الهِلال أو تُكملوا العِدّة\". قال: هذا سفيان وغيره عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، يعني يرويه سفيان وغيره، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، ليس من ذا شيء، يعني: ليس قوله: \"عن حذيفة\"، يعني: يريد ليس حذيفة بمحفوظ بهذا الحديث\" (^١).\nهذا الحديث خالف فيه جريرُ بن عبد الحميد الضبي سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر، وكل من جرير الضبي والثوري ثقة (^٢)، فحكم الإمام أحمد بخطأ رواية جرير لمخالفته عددًا من الرواة، فقدم رواية الأكثر عددًا.\nورواية جرير الضبي أخرجها أبو داود (^٣)، والنسائي (^٤)، وابن خزيمة (^٥)،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩١ رقم ١٨٧٣.\n(^٢) وجعل الدارقطني الثوري، وجرير الضبي، وشعبة أثبت أصحاب منصور شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢١.\n(^٣) السنن ٢/ ٧٤٤ ح ٢٣٢٦.\n(^٤) السنن ٤/ ١٣٥ ح ٢١٢٥، والسنن الكبرى ٢/ ٧١ ح ٢٤٣٦.\n(^٥) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٠٣.","vol":"2","page":886},{"text":"وابن حبان (^١)، والدارقطني (^٢)، والبيهقي (^٣).\nوأخرج رواية الثوري النسائي (^٤)، وعبد الرزاق (^٥)، وأحمد (^٦)، والدارقطني (^٧).\nوتابع الثوري: زهير بن معاوية الجعفي (^٨)، وأبو الأحوص سلاّم ابن سُليم (^٩)، وعَبيدة بن حميد (^١٠).\nففي ترجيح الإمام أحمد لرواية الثوري ترجيح بكثرة العدد بين الراويين المتساوييْن في الحفظ والإتقان.\nوقد لا يحكم على رواية المخالف بالخطأ، لكن يرد صلاحيتها للقدح في الرواية الأخرى، ومثال ذلك:\nقال أبو زرعة الدمشقي: \"سألت يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة، عن جابر في الشفعة، قلت له: ما تقول فيه؟ قال: منكر، ورأيته يُنكر رفعه عن جابر، ويعجبه وقوفه عن سعيد، وأبي سلمة. قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه؟ قال: هو ثبت، ورفع منه، واعتد برواية معمر له، واحتج له برواية مالك وإن كانت موقوفة. قلت لأحمد: ومن أي شيء ثبت؟ قال: رواه صالح بن أبي الأخضر\n_________\n(^١) الإحسان ٨/ ٢٣٨ ح ٣٤٥٨.\n(^٢) السنن ٢/ ١٦٠.\n(^٣) السنن الكبرى ٤/ ٢٠٨.\n(^٤) السنن ٤/ ١٣٥ ح ٢١٢٦، والسنن الكبرى ٢/ ٧١ ح ٢٤٣٧.\n(^٥) المصنف ٤/ ١٦٤ ح ٧٣٣٧.\n(^٦) المسند ٣١/ ١٢٢ ح ١٨٨٢٥.\n(^٧) السنن ٢/ ١٦١، ١٦٢.\n(^٨) أخرج حديثه الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٨.\n(^٩) أخرج حديثه ابن أبي شيبة المصنف ٢/ ٢٨٤ ح ٩٠٢٠.\n(^١٠) أخرج حديثه الدارقطني السنن ٢/ ١٦١.","vol":"2","page":887},{"text":"ـ يعني مثل رواية معمر - قلت: وصالح يحتج به؟ قال: يُستدل به، يعتبر به. قلت لأحمد ويحيى فقالا لي: أُخِذ عن مالك أنه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، ذكرا جميعًا رفعه عن مالك، قالا ذلك لي. وقال لي أحمد: سمعه يحيى بن سعيد من مالك موقوفًا\" (^١).\nهذا الحديث اختلف فيه مالك ومعمر على الزهري، وكلاهما ثقة حافظ، وهم من أهل الطبقة الأولى من أصحاب الزهري (^٢)، وإن كان الإمام أحمد في عدة روايات عنه يقدم مالك في الزهري على معمر، مع قلة رواية مالك عنه بالنسبة لمعمر (^٣).\nفأما مالك فروى الحديث عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة مرسلًا (^٤).\nوأما معمر، فرواه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر مرفوعًا (^٥).\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٤ رقم ١١٨٧ - ١١٨٨.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦١٣.\n(^٣) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٢٥٤٣، مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ رقم ٢١٢٨، ٢٢٧٣.\n(^٤) هكذا رواه في الموطأ ٢/ ٧١٣. وهي رواية أكثر رواة الموطأ عنه كما قال ابن عبد البر التمهيد ٧/ ٣٦.\nورواه عبد الملك الماجشون حديثه في شرح معاني الآثار ٤/ ١٢١، والسنن الكبرى ٦/ ١٠٦ والتمهيد ٧/ ٣٩، وأبو عاصم النبيل وحديثه في المواضع نفسها، ويحيى بن إبراهيم بن أبي قتيلة وحديثه في المصدرين أنفسهما، والتمهيد ٧/ ٤٢، وأبو يوسف القاضي ذكره الدارقطني في العلل ٩/ ٣٣٨ عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعًا.\nولم يشر الإمام أحمد إلى هذا الاختلاف على مالك.\n(^٥) أخرجه البخاري صحيح البخاري ٤/ ٤٠٧ ح ٢٢١٣ من طريق عبد الرزاق، و٤/ ٤٣٦ ح ٢٢٥٧ من طريق عبد الواحد بن زياد، و٥/ ١٣٣ ح ٢٤٩٥ من طريق هشام بن يوسف ثلاثتهم عن معمر به، وأبو داود السنن ح ٣١٥٤ وابن ماجه ٢/ ٨٣٥ ح ٢٤٩٩ كلاهما من طريق عبد الرزاق عن معمر.\nوخالف صفوان بن عيسى فرواه عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلًا. أخرجه النسائي السنن ٧/ ٣٢٠ ح ٤٧٠٣، والكبرى ٤/ ٦٢ ح ٦٣٠٣.","vol":"2","page":888},{"text":"فاختلف الحفاظ في الترجيح، فنقل أبو زرعة الدمشقي عن ابن معين كما في السؤال أنه يقول في حديث معمر: إنه منكر، وأن الصواب رواية مالك؛ وكذلك قال البخاري (^١).\nوأما الإمام أحمد فأثبت رواية معمر، ولم ير رواية مالك علة تعل بها روايته، واحتج في ذلك برواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري بمثل رواية معمر (^٢). وصالح بن أبي الأخضر ممن لا يحتج به على الانفراد، لكن يعتبر به ويستدل به كما قال أحمد في هذا الموضع، فصنيع الإمام أحمد هذا يدل على أن رواية الحافظين المتقاربين في الحفظ إذا تعارضتا وجاءت رواية أخرى بموافقة إحدى الروايتين - وإن جاءت من جهة راوٍ متكلم فيه ما دام لم يبلغ حد الترك - حكم لها، تغليبًا لجانب الكثرة، وهذا من أبرز الأمثلة على ذلك. ولم يحكم على الرواية المخالفة بأنها خطأ، إنما ردّ صلاحيتها للقدح في الرواية المحفوظة.\nومن صور المخالفة لرواية الأكثرين، مخالفة الراوي الثقة الحافظ لجمع من الرواة، وإن كان أحفظ من كل واحد منهم على الانفرد، فهنا أيضًا يرجح الإمام أحمد رواية الجماعة على الواحد، أو رواية الأكثر على الأقل، ويحكم على رواية المنفرد أو الأقلين بالخطأ. ومن أمثلة ذلك:\n١. قال عبد الله: \"سألت أبي عن حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة،\n_________\n(^١) قال: الصحيح فيه أنه مرسل. علل الترمذي الكبير ١/ ٥٧٢.\n(^٢) أخرج هذه الرواية الطيالسي المسند ص ٢٣٥ ح ١٦٩١، وأحمد المسند ٢٣/ ٢٤٦ ح ١٤٩٩٩، والبيهقي السنن الكبرى ٦/ ١٠٣ بلفظ: أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة ما لم تُقسم أو يوقف حدودُها.","vol":"2","page":889},{"text":"عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت: أخبريني بمرض رسول الله ﷺ، فوصفت له حتى بلغت أن رسول الله ﷺ وجد خِفة، فخرج يُهادى بين رجليْن وأبو بكر يصلّي بالنَّاس، فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر قاعدًا، وأبو بكر يصلي بالنَّاس وهو قائم يصلِّي فقال أبي: أخطأ عبد الرحمن في هذا الموضع، أو يكون زائدة أخطأ لعبد الرحمن. حدثني أبي قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ومعاوية بن عمرو، وخالفا عبد الرحمن، وهو الصواب: ما قال عبد الصمد، ومعاوية\" (^١).\nوفي موضع آخر قال: \"فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه ألا يتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائمًا والنبي ﷺ والناس يصلُّون بصلاة أبي بكر\" (^٢).\nوحديث عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أحمد عنه (^٣)، وأخرجه النسائي (^٤) عن العباس بن عبد العظيم عنه. ولفظ موضع الشاهد منه: \"فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن لا تتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائمًا ورسول الله ﷺ يصلي قاعدًا\". ولفظ رواية النسائي: \"فجعل أبو بكر يصلي قائمًا والناس يصلون بصلاة أبي بكر ورسول الله ﷺ يصلي قاعدًا\".\nوأما رواية عبد الصمد بن عبد الوارث (^٥)، ومعاوية بن عمرو (^٦)\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٠٤ رقم ٥٣٥٠.\n(^٢) المصدر نفسه ٣/ ٣١١ رقم ٥٣٨٤.\n(^٣) المسند ٩/ ١٤٠ ح ٥١٤١، ٤٢/ ٢٣٢ ح ٢٦١٣٦.\n(^٤) السنن ٢/ ١٠١ ح ٨٣٣، والسنن الكبرى ١/ ٢٩٣ ح ٩٠٨.\n(^٥) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التميمي. قال أحمد: لم يكن به بأس العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٢٨ رقم ٢٢٥.\n(^٦) معاوية بن عمرو بن المهلب البغدادي، قال ابن سعد: روى عن زائدة كتبه ومصنفه. قال عنه أحمد: صدوق ثقة. ووثقه أبو حاتم الطبقات الكبرى ٧/ ٣٤١، تاريخ بغداد ١٣/ ١٩٨، تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٠٩.","vol":"2","page":890},{"text":"فأخرجها أيضًا الإمام أحمد (^١)، ولفظ هذه الرواية في موضع الشاهد: \"فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن لا تأخر وقال لهما: \"أجلساني إلى جنبه\"، فأجلساه إلى جنبه، قالت: فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد].\nفالاختلاف بين الروايتين كما وضّحه الإمام أحمد هو أن ابن مهدي جعل النبي ﷺ مأمومًا يصلي بصلاة أبي بكر وهو قاعد، والقوم قيام، بينما رواية عبد الصمد ومعاوية جعلت النبي ﷺ إمامًا وهو يصلي قاعدًا وأبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر.\nوهكذا ذكر ابن رجب هذا الاختلاف عن الإمام أحمد قال: \"ورواه زائدة، واختلف عنه، فقال الأكثرون عنه: إن أبا بكر كان يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ وهو قاعد، والناس يأتمون بأبي بكر. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة، وقال في حديثه: فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر قاعدًا، وأبو بكر يصلي بالناس وهو قائم يصلي. وقد رجح الإمام أحمد رواية الأكثرين عن زائدة على رواية ابن مهدي\" (^٢).\nوهذا الذي ذكر عن رواية عبد الصمد ومعاوية وغيرهما (^٣) هو واضح من\n_________\n(^١) المسند ٤٣/ ٢٣٤ ح ٢٦١٣٨. وأخرج رواية معاوية بن عمرو لوحده ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ١٢٦ ح ٢٥٧، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٤٤٠ ح ١٦٣٢. وأخرج ابن سعد الطبقات الكبرى ٢/ ٢١٨ روايته مقرونًا برواية أبي الوليد الطيالسي.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٨٦.\n(^٣) وهم جماعة، منهم:\n١. أحمد بن عبد الله بن يونس، وحديثه عند البخاري صحيح البخاري ٢/ ١٧٢ ح ٦٨٧، ومسلم صحيح مسلم ١/ ٣١١ ح ٤١٨، والدارمي سنن الدرامي ١/ ٢٨٧، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ١٢٣. =","vol":"2","page":891},{"text":"ألفاظ روايتهم، وأما رواية ابن مهدي فليس ذلك بواضح، لأنه ليس منصوصًا فيها على حسب ما جاء في رواية الإمام أحمد في مسنده والنسائي كلاهما لحديث ابن مهدي.\nولا شك أن الخلاف واقع بين الروايتين، لكنّ غايته أن ابن مهدي لم يصرح بأن أبا بكر صلى بصلاة رسول الله ﷺ، كما صرّح بذلك عبد الصمد ومعاوية ابن عمرو وغيرهما. وأما على ما ذكره الإمام أحمد في العلل وكذلك ابن رجب، من أن النبي ﷺ كان يصلي بصلاة أبي بكر فلم أقف عليه في لفظ رواية ابن مهدي.\nوقد عدّ الإمام أحمد مخالفة ابن مهدي لرواية عبد الصمد ومعاوية خطأ إما من ابن مهدي نفسه، أو من زائدة حينما حدثه به، وصوّب رواية عبد الصمد ومعاوية، مع أنه ليس واحد منهما بمنزلة ابن مهدي في الحفظ، لكن قدّم روايتهما\n_________\n٢. حسين بن علي الجعفي، وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف ٢/ ١١٨ ح ٧١٦٣، ومن طريق ابن حبان الإحسان ٥/ ٤٨٠ ح ٢١٠٦.\n٣. يحيى بن أبي بكير، وحديثه عند أبي عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٤٤٠ ح ١٦٣٢، وابن المنذر الأوسط ١/ ١٥٥ ح ٤٩.\n٤. أبو أسامة حماد بن أسامة، وحديثه عند إسحاق في مسنده ٢/ ٥٠٣ ح ١٠٩١، ومن طريقه ابن حبان الإحسان ١٤/ ٥٦٧ ح ٦٦٠٢.\n٥. عبد الله بن المبارك، وحديثه عند النسائي السنن الكبرى ٤/ ٢٥٤ ح ٧٠٨٤، وذكره مختصرًا وليس فيه موضع الشاهد.\n٦. الوليد بن عقبة، وحديثه عند إسحاق المسند ٢/ ٥٠٥ ح ١٠٩٢، وأحال بلفظه على حديث أبي أسامة.\n٧. خلف بن تميم، ذكر حديثه أبو عوانة مقرونا بحديث معاوية بن عمرو، وابن أبي بكير مسند أبي عوانة الموضع نفسه.\n٨. أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، حديثه عند ابن سعد مقرونا بمعاوية بن عمرو الطبقات الكبرى ٢/ ٢١٨.\nوكل من ذُكر لفظ روايته قال: \"فجعل أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو قائم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، ورسول الله ﷺ قاعد\".","vol":"2","page":892},{"text":"على روايته لاجتماعهما، فقدم رواية الأكثر عددًا على رواية الأحفظ.\nومن أمثلة مخالفة الراوي الحافظ لرواية الأكثرين، وتقديم الإمام أحمد لرواية الأكثرين:\n٢. قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن حديث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قال: نعم، أذهب إليه. قلت: إنهم يختلفون في إسناده. قال: إنما قصر به مالك، وقد أسنده عدة، منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة (^١).\nحديث أبي سعيد الخدري في السهو رواه الإمام مسلم (^٢) من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فلْيطرحِ الشَّكَّ ولْيَبْنِ على ما استَيْقَن، ثم يسجد سجدتيْن قبلَ أن يُسلّم، فإن كان صلّى خمسًا شفعْنَ له صلاتَه، وإن كان صلى إتمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشيطان\".\nفهنا أجاب الإمام أحمد على الاعتراض عليه من احتجاجه برواية قد دخلها الإعلال بالإرسال، بأن عددًا من الرواة قد رووا الحديث موصولًا، فلم تكن لعلة الإرسال أي أثر، ففيه تقديم الإمام أحمد لرواية العدد على رواية الأحفظ مع قصور آحادهم في الحفظ دونه. ولم يذكر جميع من روى الحديث موصولًا بل اقتصر على ذكر اثنين منهم.\nوالذين رووا الحديث موصولًا: سليمان بن بلال كما تقدم في رواية مسلم، ومحمد ابن عجلان (^٣)، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (^٤)،\n_________\n(^١) التمهيد ٥/ ٢٥، وانظر: فتح الباري لابن رجب ٦/ ٥٠٥.\n(^٢) صحيح مسلم ١/ ٤٠٠ ح ٥٧١.\n(^٣) أخرج روايته أبو داود السنن ١/ ٦٢١ ح ١٠٢٤، والنسائي السنن ٣/ ٢٧ ح ١٢٣٧، والسنن الكبرى ١/ ٢٠٥ ح ٥٨٤، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٣، والدارقطني السنن ١/ ٣٧٢.\n(^٤) أخرج حديثه النسائي السنن ٣/ ٢٧ ح ١٢٣٨، والسنن الكبرى ١/ ٣٦٨ ح ١١٦٢، والدارمي السنن ١/ ٣٥١، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٥٠٩ ح ١٩٠٦، والدارقطني ١/ ٣٧١، والبيهقي ٢/ ٣٣١.","vol":"2","page":893},{"text":"وفليح بن سليمان (^١)، وأبو غسان محمد بن مطرف (^٢)، ويحيى بن محمد بن قيس (^٣)، وهشام بن سعد (^٤).\nورواه مرسلًا مالك (^٥)، ويعقوب بن عبد الرحمن القارئ (^٦)، وحفص ابن ميسرة (^٧)، وداود بن قيس على الصحيح (^٨)، والثوري (^٩).\nولا شك أن عدد الذين وصلوه أكثر من الذين أرسلوه.\nومن صور مخالفة الراوي الأحفظ لرواية من هم أكثر منه عددًا ويكون الحكم لرواية الأكثر:\n٣. روى يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي ابن خراش، عن طارق بن عبد الله المُحاربي، عن النبي ﷺ قال: \"إذا كنت في الصلاة، فلا تبزقْ عن يمنيك ولا من بين يديك، ولكن خلفَك أو تلقاءَ شمالك أو تحت قدمك اليُسرى\". قال ابن رجب: وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث، وهي\n_________\n(^١) أخرج حديثه أحمد المسند ١٨/ ٢٢١ ح ١١٦٨٩، والدارقطني ١/ ٣٧٥.\n(^٢) أخرج حديثه أحمد المسند ١٨/ ٣٤٦ ح ١١٨٣٠، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٥٠٩ ح ١٩٠٥.\n(^٣) أخرج حديثه النسائي السنن الكبرى ١/ ٢٠٥ ح ٥٨٦.\n(^٤) أخرج حديثه البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٣٣١.\n(^٥) الموطأ ١/ ٩٥، وانظر: التمهيد ٥/ ١٨. وذكر ابن عبد البر أن الوليد بن مسلم أسنده عن مالك، وكذلك يحيى بن راشد.\n(^٦) أخرج حديثه أبو داود ١/ ٦٢٣ ح ١٠٢٧.\n(^٧) أخرج حديثه البيهقي ٢/ ٣٣١.\n(^٨) هكذا رواه بحر بن نصر عن ابن وهب عنه. أخرجه البيهقي الموضع نفسه. وأخرجه مسلم الموضع نفسه عن أحمد بن أخي ابن وهب، عن عمه، عن داود بن قيس موصولًا. قال البيهقي: ورواية بحر بن نصر كأنها أصح.\n(^٩) ذكره ابن رجب، ولم أقف على روايته.","vol":"2","page":894},{"text":"قوله: \"خلفك\"، وقال: لم يقل ذلك وكيع، ولا عبد الرزاق (^١) حديث يحيى بن سعيد القطان أخرجه الترمذي (^٢)، والنسائي (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن خزيمة (^٥)، والمقدسي (^٦) من طرق عنه عن سفيان به بهذا اللفظ، وبعضهم قال: \"تلقاء شمالك إن كان فارغًا\"، وكلهم ذكروا لفظة: \"خلفك\".\nوأنكرها الإمام أحمد لأن وكيعًا وعبد الرزاق لم يذكراها؛ أما حديث وكيع فأخرجه ابن ماجه (^٧)، وابن أبي شيبة (^٨) أما حديث عبد الرزاق فأخرجه في \"مصنفه\" (^٩)، ومن طريقه الضياء المقدسي (^١٠).\nوجعل الإمام أحمد اجتماعهما مرجحًا على رواية يحيى وإن كان أحفظ منهما. قال عبد الله عن أحمد: ليس من أصحاب سفيان أعلى من يحيى (^١١)، وكان يقدم يحيى وعبد الرحمن في سفيان (^١٢).\nفرجح بالكثرة على رواية الأحفظ.\nوممن رواه عن سفيان موافقًا لوكيع وعبد الرزاق، عبيد الله الأشجعي (^١٣)،\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٣٤٤.\n(^٢) الجامع ٢/ ٤٦٠ ح ٥٧١.\n(^٣) السنن ٢/ ٥٢ ح ٧٢٥، والسنن الكبرى ١/ ٢٦٥ ح ٨٠٥.\n(^٤) المسند ٤٥/ ١٩٧ ح ٢٧٢٢١.\n(^٥) صحيح ابن خزيمة ٢/ ٤٤ ح ٨٧٦.\n(^٦) الأحاديث المختارة ٨/ ١٢١ ح ١٣٤، ٨/ ١٢٢ ح ١٣٦.\n(^٧) السنن ١/ ٣٢٦ ح ١٠٢١.\n(^٨) المصنف ٢/ ١٤٢ ح ٧٤٥٣.\n(^٩) ١/ ٤٣٢ ح ١٦٨٨.\n(^١٠) الأحاديث المختارة ٨/ ١٢٣ ح ١٣٨.\n(^١١) المنتخب من العلل للخلال ص ٣٢٠.\n(^١٢) الموضع نفسه.\n(^١٣) أخرج حديثه الحاكم المستدرك ١/ ٢٥٦.","vol":"2","page":895},{"text":"والحسين بن حفص (^١).\nقال الدارقطني: هي وهم من يحيى بن سعيد، ولم يذكرها جماعة من الحفاظ من أصحاب سفيان، وكذلك رواه أصحاب منصور (^٢) عنه، لم يقل أحد منهم: [ابزق خلفك].\nومنها أيضًا:\n٤. روى الخطيب من طريق محمد بن صالح البغدادي (^٣) قال: \"رأيت أبا زرعة الرازي دخل على أحمد بن حنبل وحدثه، ورأيته قد مجمج (^٤) على حديث كان حدّثه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وقد مجمج عليه أحمد فقال له أبو زرعة: أي شيء خبر\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٢٩٢، وكذلك الحاكم على ما ثبت في بعض نسخ الكتاب المخطوطة انظر: إتحاف المهرة ٦/ ٣٤٥.\n(^٢) وهم:\nـ جرير بن عبد الحميد الضبي، وحديثه عند ابن خزيمة ٢/ ٤٥ ح ٨٧٧، والمقدسي الأحاديث المختارة ٨/ ١٢٣ ح ١٣٧.\nـ شعبة، وحديثه عند الطيالسي ص ١٨٠ ح ١٢٧٥، وأحمد المسند ٤٥/ ١٩٨ ح ٢٧٢٢٢.\nـ وزائدة بن قدامة، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٨/ ٣١٣ ح ٨١٦٧، والمقدسي ٨/ ١٢٤ ح ١٤٠.\nـ وأبو الأحوص سلام بن سليم، وحديثه عند أبي داود السنن ١/ ٣٢٢ ح ٤٧٨، والطبراني المعجم الكبير ٨/ ٣١٣ ح ٨١٦٨.\nـ وعبيدة بن حميد، وحديثه عند أحمد المسند ٤٥/ ١٩٨ ح ٢٧٢٢٣.\nـ ومفضل بن مهلهل، وحديثه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٥١٦.\nـ وعيلان بن جامع المحاربي، وحديثه عند الطبراني المعجم الأوسط ٣/ ٣٢٩ ح ٣٣٠٧، والمقدسي ٨/ ١٢٢ ح ١٣٥.\n(^٣) لم أقف على ترجمته.\n(^٤) المجمجمة تغيير الكتاب وإفساده عما كتب. ويقال: مجمج خطه خلّطه، وخط مجمج لسان العرب ٢/ ٣٦٢، أساس البلاغة ص ٤٢٠، فالمعنى أي ضرب عليه.","vol":"2","page":896},{"text":"هذا الحديث؟ فقال: أخاف أن يكون غلطًا على رسول الله ﷺ، وذلك أن سفيان قد حدّث عن منصور، عن إبراهيم أنه كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال له أبو زرعة: يا أبا عبد الله الحديث صحيح، فنظر إليه، فقال أبو زرعة: حدثنا أبو عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل، حدثنا رضوان البخاري، قال: حدثنا فضيل بن عِياض، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وحدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني، أخبرنا معمر، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال أحمد: هات القلم إلي، فكتب: صح، صح، صح ثلاث مرات\" (^١).\nففي هذه المذاكرة بين الإمام أحمد والإمام أبي زرعة الرازي كان الإمام أحمد ينكر حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: \"أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى حتى يُرى بياضُ إبطيْه\" (^٢)، لمخالفة الثوري له، حيث رواه عن منصور، عن إبراهيم فعله (^٣). وذلك أن الثوري أحفظ من معمر في منصور، فقد قيل في معمر: كأنه ليس بالقوي في منصور (^٤).\nثم رجع الإمام أحمد عن إنكاره لهذا الحديث لما ذكر له متابعة فُضيل بن عياض له عن منصور، وصحح الحديث، وكلٌ من معمر، وفضيل بن عياض لا يقارن بسفيان الثوري في الحفظ، لكن لما اجتمعا قدم قولهما على قول الثوري. ففي هذا\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٠/ ٣٢٦.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق المصنف ٢/ ١٦٨ ح ٢٩٢٢، ومن طريقه أحمد المسند ٢٢/ ٤٣ ح ١٤١٣٨، وابن خزيمة ١/ ٣٢٦ ح ٦٤٩، وابن المنذر الأوسط ٣/ ١٧١ ح ١٤٤٤، والبيهقي ٢/ ١١٥. وذكر سالم أبي الجعد مثبت، مما يدل على أن سقوطه في صدر رواية الخطيب سقط من الناسخ.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: حُدِّثتُ أن رسول الله ﷺ كان يُرى بياض إبطه إذا سجد المصنف ٢/ ١٧٠ ح ٢٩٢٦.\n(^٤) نقله ابن رجب شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢١.","vol":"2","page":897},{"text":"تقديم لرواية الأكثر عددًا على الأحفظ.\nومن الأمثلة على هذه الصورة أيضًا:\n٥. قال أبو زرعة الرازي: \"سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: حديث أبي الأحوص، عن سِماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة خطأ الإسناد والكلام، فأما الإسناد فإن شريكًا، وأيوب، ومحمد ابني جابر رووه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ كما رواه الناس فانتبذوا في كل وِعاء، ولا تشربوا مسكرًا. قال أبو زرعة: كذا أقول، هذا خطأ، أما الصحيح حديث ابن بريدة، عن أبيه\" (^١).\nوقال النسائي: قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده وفي لفظه (^٢).\nحديث أبي الأحوص أخرجه النسائي (^٣)، عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه، عن أبي بُردة بن نيار البلوي (^٤) قال: قال رسول الله ﷺ: \"اشربوا في الظروف، ولا تَسكَروا\". وأخرجه ابن أبي شيبة (^٥)، والطبراني (^٦) بمثل هذا اللفظ. وأخرجه أبو داود الطيالسي (^٧) بلفظ: \"اشربوا، ولا تسكروا\". وأخرجه الدارقطني (^٨) بلفظ:\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٥.\n(^٢) السنن الكبرى ٣/ ٢٣٢.\n(^٣) السنن ٨/ ٣١٩ ح ٥٦٩٣، السنن الكبرى ٣/ ٢٣١ ح ٥١٨٧.\n(^٤) وهو صحابي، وليس بأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فذاك تابعي انظر: تهذيب الكمال ٣٣/ ٧١.\n(^٥) المصنف ٥/ ٨٥ ح ٢٣٩٤٠.\n(^٦) المعجم الكبير ٢٢/ ١٩٨ ح ٥٢٢.\n(^٧) مسند الطيالسي ١٩٥ ح ١٣٦٩، ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٩٨.\n(^٨) السنن ٤/ ٢٥٩.","vol":"2","page":898},{"text":"\"اشربوا في المرفّت، ولا تسكروا\" وأخرجه الطحاوي (^١) بلفظ: \"إني كنت نهيتكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا\". ولم يختلفوا في الإسناد.\nوذكر الإمام أحمد أن أبا الأحوص سلاّم بن سُليم أخطأ في الإسناد والمتن في هذه الرواية، وخالف عددًا من الرواة عن سماك، وذكر منهم: شريك بن عبد الله القاضي، ومحمد وأيوب ابني جابر اليماميان.\nأما رواية شريك فأخرجها النسائي (^٢) من طريق يزيد بن هارون، عن شريك، عن سماك بن حرب، عن ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ \"نهى عن الدُّبَّاء، والحَنتَم، والنَّقِير، والمُزَفَّت\" ثم قال: \"إني كنت نهيتكم عن الظروف فانتبذوا فيما بدا لكم، واجتنوا كل مسكر\". وهكذا رواه ابن عبد البر من وجه آخر عن يزيد بن هارون (^٣). فأسقط القاسم بن عبد الرحمن، وجعله من مسند بريدة بن الحُصيب.\nورواه إسحاق الأزرق عن شريك، فقال: عن سماك، عن القاسم بن مخيمرة، عن ابن بريدة، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: \"كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا فيه واجتنبوا كل مسكر\"، أخرجه ابن ماجه (^٤).\nوأما الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن شريك، عن سماك، عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، فلم أقف عليها. والاختلاف في الروايتين السابقتين محمول على سوء حفظ شريك.\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار ٤/ ٢٢٨.\n(^٢) السنن ٨/ ٣١٩ ح ٥٦٩٤، والسنن الكبرى ٣/ ٢٣١ ح ٥١٨٨.\n(^٣) التمهيد ٣/ ٢٢٧، وزاد في اللفظ ذكر النهي عن زيارة القبور، وعن ادخار لحوم الأضاحي فوق الثلاث.\n(^٤) السنن ٢/ ١١٢٧ ح ٣٤٠٥.","vol":"2","page":899},{"text":"وحديث محمد بن جابر رواه الطبراني (^١)، والدارقطني (^٢) من طريقه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: \"كنا نهيناكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا في أي سِقاء شئتم ولا تشربوا مسكرًا\". هذه رواية أحمد بن إبراهيم القوهستاني عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن محمد بن جابر. وقال الدارقطني: هذا هو الصواب. وقال إسحاق السراج عن يحيى النيساري (^٣)، ولوين (^٤)، كلاهما عن ابن جابر: \"ولا تسكروا\".\nوأما حديث أيوب بن جابر، فرواه أحمد (^٥)، والعقيلي (^٦) من طريقه، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بوَدَّان قال: \"مكانكم حتى آتيكم\"، ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال: \"إني أتيتُ قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونيهيتكم عن لُحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن هذه الأشربة في هذه الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم\". ولفظ العقيلي: \"اشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا\". وكأن الإمام أحمد أسقط اللفظة الأخيرة من روايته لنكارتها، فإنها هي سبب إنكاره لمتن حديث أبي الأحوص. وهي تدل على أن الخطأ في المتن كان من سماك، وليس من أبي الأحوص (^٧).\nووجه المخالفة في الإسناد أن أبا الأحوص رواه عن سماك فجعله من حديث\n_________\n(^١) المعجم الأوسط ٣/ ٢١٩ ح ٢٩٦٦.\n(^٢) السنن ٤/ ٢٥٩.\n(^٣) وروايته عند الطبراني.\n(^٤) وروايته عند الدارقطني.\n(^٥) المسند ٣٨/ ١٢٤ ح ٢٣٠١٧.\n(^٦) الضعفاء ١/ ١٣٠.\n(^٧) وهذا ما ذهب إليه أبو داود كما في بعض نسخ مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٦.","vol":"2","page":900},{"text":"أبي بردة بن نيار؛ ورواه من طريق القاسم بن عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه عن أبي بردة. والباقون رووه عنه، عن القاسم، عن ابن بريدة، عن بريدة بن الحُصيب.\nوأما في المتن فقال أبو الأحوص: \"ولا تسكروا\"، وأما الباقون - على اختلاف بينهم - فقالوا: \"ولا تشربوا مسكرًا\"، أو \"واجتنبوا كل مسكر\"، وهما بمعنى. فرواية أبي الأحوص لا تدل على النهي من شرب المسكر، إنما تدل على النهي عن الإسكار، بخلاف رواية الباقين. ولذلك جاء في رواية أبي داود عن أحمد: \"ومرَّ فيه، فاحتج به أصحاب الأشربة، وإنما الحديث حديث ابن بريدة\" (^١).\nفقد اعتمد الإمام أحمد رواية هؤلاء لرد وتخطئة رواية أبي الأحوص، مع أن كل واحد منهم على الانفراد دونه في الحفظ. قال الإمام أحمد في أبي الأحوص: ليس به بأس (^٢). وقال في موضع آخر: هو وجرير الضبي متقاربان في الحديث وهما ثقتان (^٣). وقال عبد الله: كان أبي إذا رضي عن إنسان، وكان عنده ثقة حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن … وأبي الأحوص وهو حي (^٤) وقال ابن مهدي: أبو الأحوص أثبت من شريك (^٥).\nوقال في شريك القاضي: كان صدوقًا عاقلًا محدثًا عندي، فقيل له: يحتج به؟ قال: لا تسألني عن رأي في هذا (^٦). وقال أيضًا: ليس على شريك قياس، كان يحدث الحديث بالتوهم (^٧).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٥ رقم ١٨٥٩.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٩ رقم ٣١٤٨.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٥ رقم ٢١٧٥.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٣٨ رقم ٣١٠.\n(^٥) التاريخ الكبير ٤/ ١٣٥.\n(^٦) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٥٧٤.\n(^٧) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٨.","vol":"2","page":901},{"text":"وقد تقدم قوله في محمد بن جابر وأنه ليس بالقوي، وأنه ربما ألحق في كتابه (^١). وأما أخوه أيوب بن جابر، فقال فيه الإمام أحمد: ليس به بأس، وقال: ضعُف أمره في آخر أمره، كان ذهب بصرُه (^٢). وقال أيضًا: حديثه يشبه حديث أهل الصدق (^٣).\nوتابع الإمامَ أحمد على إنكار هذا الحديث الإمام أبو زرعة الرازي كما تقدم، وكذلك الإمام النسائي، قال: \"هذا حديث منكر، غلط فيه أبو الأحوص سلام ابن سُليم، لا نعلم أحدًا تابعه عليه من أصحاب سماك، وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين\" (^٤). وأما أبو داود فجعل الخطأ في الإسناد من أبي الأحوص، وفي المتن من سماك (^٥).\nوحديث بريدة مشهور من طرق صحاح عن النبي ﷺ أنه قال: \"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا\". أخرجه مسلم (^٦) وغيره.\nوكذلك إذا كانت المخالفة من جماعة من الرواة لمن هم أكثر منهم عددًا، وكان كلا الجانبين موصوفًا بالحفظ، فالإمام أحمد أيضًا يقدم جانب الكثرة، ولا يعتبر مخالفة الأقلين علة في رواية الأكثرين، ومن أمثلة ذلك:\nقال أبو بكر الأثرم: \"قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل ﵀ الذي يصح في هذا الحديث، حديث كُريب، مرسل؟ أو عن ابن عباس؟ فقال: هو عن\n_________\n(^١) انظر: ص ٥٣٥.\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٥٧ رقم ٥٥٦.\n(^٣) الجرح والتعديل ٢/ ٢٤٣.\n(^٤) السنن الكبرى ٣/ ٢٣٣.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٥ - ٣٨٦.\n(^٦) صحيح مسلم ٢/ ٦٧٢، ٣/ ١٥٦٣.","vol":"2","page":902},{"text":"ابن عباس صحيح. قيل لأبي عبد الله: إن الثوري ومالكًا يرسلانه، فقال: معمر، وابن عيينة، وغيرهما قد أسندوه\" (^١).\nوالمقصود بحديث كُريب هو حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ لقِي ركْبًا بالرَّوْحاء، فقال: \"من القومُ\"؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعتْ إليه امرأةٌ صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: \"نعم، ولك أجر\".\nوالاختلاف في وصله وإرساله وقع على إبراهيم بن عقبة راويه عن كريب.\nفرواه مرسلًا: مالك (^٢)، والثوري (^٣)، وزهير ابن معاوية (^٤)، وموسى ابن عقبة (^٥).\n_________\n(^١) التمهيد ١/ ١٠٣.\n(^٢) قال ابن عبد البر: هذا الحديث مرسل عند أكثر الرواة للموطأ التمهيد ١/ ٩٥.\nوهو في الموطأ - رواية الليثي ١/ ٤٢٢ - موصول، وكذلك رواية أبي مصعب ١/ ٤٨٨ ح ١٢٥٦.\nقال ابن عبد البر: وقد أسنده عن مالك ابن وهب، والشافعي، ومحمد بن خالد بن أبي عثمة، وأبو مصعب، وعبد الله بن يوسف، فقالوا فيه عن مالك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس … وكذلك رواه سحنون، والحارث بن مسكين، وأحمد بن عمرو ابن السرح، وسليمان بن داود التمهيد، الموضع نفسه.\n(^٣) أخرج روايته مسلم ٢/ ٩٧٤ ح ١٣٣٦ من طريق ابن مهدي، وكذلك أحمد المسند ٥/ ٢٧٢ ح ٣١٩٦. ورواه وكيع عن الثوري، عن إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن عقبة، عن كريب مرسلًا. أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٥٤ ح ١٤٨٧٢.\nوذكر ابن عبد البر أن القطان رواه عن الثوري، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مرسلًا، وعن الثوري، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مسندًا التمهيد ١/ ٩٩ - ١٠٠، ١٠٣.\nورواه مسندًا عن الثوري، عن إبراهيم، عن كريب، عن ابن عباس أبو نعيم. أخرج حديثه النسائي السنن ٥/ ١٢١ ح ٢٦٤٨، والسنن الكبرى ٢/ ٣٢٦ ح ٣٦٢٨، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٥٥، وأحمد مقرونًا بأبي أحمد الزبيري المسند ٥/ ٢٧٥ ح ٣٢٠٢.\n(^٤) ذكره البخاري تعليقًا التاريخ الكبير ١/ ١٩٨.\n(^٥) وهي رواية ابن جريج عنه كما علقه البخاري الموضع نفسه.\nورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عنه مسندًا. أخرجه الطبراني المعجم الكبير ١١/ ٤١٦ ح ١٢١٨٣.","vol":"2","page":903},{"text":"ورواه مسندًا: معمر (^١)، وابن عيينة (^٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (^٣)، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (^٤)، وعبد الله بن المبارك (^٥). ورواه بعض الرواة عن مالك، والثوري، وموسى بن عقبة (^٦).\nفرجح الإمام أحمد رواية الوصل لكثرة عدد رواتها حيث قال: معمر، وابن عيينة وغيرهما قد أسندوه.\nقال ابن عبد البر: والحديث صحيح مسند ثابت الاتصال، لا يضره تقصير من قصر به، لأن الذين أسندوه حفاظ ثقات (^٧).\nوأما الإمام يحيى بن معين فرجح الرواية المرسلة؛ قال: إنما يرويه الناس مرسلًا عن كريب (^٨).\nوقال الإمام البخاري: \"أخشى أن يكون هذا الحديث مرسلًا في الأصل، قال أبو ظبيان، وأبو السفر عن ابن عباس: \"أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج\"، وهذا المعروف عن ابن عباس\" (^٩)، فكأنه يرى أن قول ابن عباس هذا معارض\n_________\n(^١) أخرج حديثه أحمد المسند ٣/ ٣٨٥ ح ١٨٩٩، وابن عبد البر التمهيد ١/ ١٠١.\n(^٢) أخرج حديثه مسلم صحيح ٢/ ٩٧٤ ح ١٣٣٦، وأبو داود ح ١٧٣٦، والنسائي ٥/ ١٢١ ح ٢٦٤٨، والسنن الكبرى ٢/ ٣٢٦ ح ٣٦٢٨، والحميدي مسنده ١/ ٢٣٤ ح ٥٠٤، وأحمد المسند ٣/ ٣٨٤ ح ١٨٩٨، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٤/ ٣٤٩ ح ٣٠٤٩، وابن حبان الإحسان ٩/ ١٠٧ ح ٣٧٩٨، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ٢٥٦. ولم يختلف عنه.\n(^٣) أخرج حديثه أحمد المسند ٤/ ٧١ ح ٢١٨٧، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٥٥.\n(^٤) أخرج حديثه الطبراني المعجم الكبير ١١/ ٤١٤ ح ١٢١٧٧، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٥٥.\n(^٥) علقه البخاري في التاريخ الكبير ١/ ١٩٨.\n(^٦) أشرت إلى من قال ذلك عنهم.\n(^٧) التمهيد ١/ ١٠٠.\n(^٨) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ١٤١ ح ٥٩٤.\n(^٩) التاريخ الكبير ١/ ١٩٩.","vol":"2","page":904},{"text":"لحديثه الذي رواه، فلو أن الحديث عنده لما قال هذا القول، وهو قول ثابت عنه.\nوالذي يؤيد ما ذهب إليه الإمام أحمد أن من روى الحديث مرسلًا، قد روي عنه مسندًا أيضًا (^١)، مما يدل على أنهم لما أرسلوه قصّروا به وهو عندهم مسند ثابت الاتصال، والعلم عند الله.\nوالشاهد أن الإمام أحمد رجح بالكثرة في مسألة كلا الجانبين فيها موصوف بالحفظ، ففي الجانب الأول: مالك، والثوري، وفي الجانب الثاني: معمر، وابن عيينة وغيرهما.\nومن ترجيح الإمام أحمد لرواية الجماعة على الواحد بإطلاق:\nقال ابن هانئ: \"وحديث سليمان بن بلال حديث أبي وجزة، عن رجل من بني مزينة، عن عمر بن أبي سلمة: دعاني النبي ﷺ فقال: \"كل مما يليك\"، ليس هو عن رجل، إنما هو عن أبي وجزة، عن عمر، حدثني به ثلاثة لا يقولون فيه: عن رجل\" (^٢).\nرد الإمام أحمد على رواية من قال: عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة، عن رجل من بني مزينة، عن عمر بن أبي سلمة، ردها بأن جماعة رووه عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة، عن عمر بن أبي سلمة، ليس فيه: عن رجل. وهؤلاء الثلاثة هم: أبو سعيد مولى بني هاشم (^٣)، وموسى بن داود (^٤)، ومنصور بن سلمة الخزاعي (^٥).\n_________\n(^١) إلا زهير بن معاوية، فلم أقف على روايته إلا ما ذكره البخاري عنه تعليقًا بالإرسال قولًا واحدًا.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٨ رقم ٢٣٩٠.\n(^٣) حديثه عند أحمد المسند ٢٦/ ٢٥٦ ح ١٦٣٣٨.\n(^٤) حديثه عند أحمد المسند ٢٦/ ٢٥٧ ح ١٦٣٣٩، وابن عبد البر التمهيد ٢٣/ ١٧.\n(^٥) وحديثه عند أحمد المسند ٢٦/ ٢٥٧ ح ١٦٣٤٠/ ١.","vol":"2","page":905},{"text":"ولم أقف على من رواه عن سليمان بن بلال بذكر رجل من مزينة.\nوإنما رواه من هذا الوجه هشام بن عروة، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، روياه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد (^١)، عن رجل من مزينة، عن عمر بن أبي سلمة. أخرجه أحمد عن وكيع، عنهما به (^٢). وأخرجه الطبراني من حديث كل واحد منها على حدة (^٣). ورواه أبو معاوية عن هشام، فقال: عن أبي وجزة، عن رجل من بني سعد، عن رجل من مزينة، عن عمر بن أبي سلمة (^٤). وأبو معاوية في أحاديثه عن هشام بن عروة اضطراب (^٥).\nوفي هذا الإعلال تقديم رواية الجماعة على الواحد.\nفيكاد الأمر عند الإمام أحمد يطرد أنه لا يعتد برواية من خالف جمعًا من الرواة وإن كان حافظًا، مما يدل على أنه كان يعطي اعتبارًا كبيرًا لتعدد الرواة في الرواية، ووجه ذلك أن الجماعة أولى بالحفظ من واحد. وهذا أيضًا يعكس منهجه من رد أفراد الرواة حتى الثقات منهم إذا لم يكونوا من الحفاظ المتقنين، وحتى إنه في بعض الأحيان يتهيب من قبول أفراد الحفاظ المتقنين كما تقدم.\nوإذا وقعت المخالفة من الراوي لجماعة من الروة، وكانوا مع تعددهم أكثر حفظًا منه، فحديثه أولى بالإنكار من غيره، خاصة إذا كان سيء الحفظ، ومثال ذلك:\nقال المرُّوذي: \"ونظر - أي الإمام أحمد - في حديث عِسل بن سفيان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قال: النبي ﷺ: \"ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن\"، فقال:\n_________\n(^١) أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي المدني. وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صاحب قرآن الجرح والتعديل ٩/ ٢٧٩.\n(^٢) المسند ٢٦/ ٢٥٠ ح ١٦٣٣٠.\n(^٣) المعجم الكبير ٩/ ٢٦ ح ٨٢٩٨، ٩/ ٢٧ ح ٨٣٠١.\n(^٤) أخرجه أحمد المسند ٢٦/ ٢٥١ ح ١٦٣٣١.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٨٠.","vol":"2","page":906},{"text":"ليس من هذا شيء، من قال: عن عائشة فقد أخطأ، وضعف عِسل بن سفيان. وسألته عن حديث إسماعيل بن رافع قال: حدثني ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن ابن السائب، فنفض يده، وقال: ليس من هذا شيء وضعفه\" (^١).\nحديث عائشة رواه أبو يعلى (^٢)، والحاكم (^٣)، من طريق الحارث بن مرّة (^٤)، والبخاري (^٥)، وابن عدي (^٦) من طريق شعبة كلاهما عن عسل بن سفيان به.\nوأما رواية إسماعيل بن رافع، فرواه ابن ماجه (^٧)، وأبو يعلى (^٨)، والشاشي (^٩)، والبيهقي (^١٠) من طرق عنه، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن ابن السائب، عن سعد بن أبي وقاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن هذا القرآن نزل بحُزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا\".\nوقد جزم الإمام أحمد بأن الرواية بذكر عائشة خطأ، وأن عسل بن سفيان الذي قال ذلك في روايته ضعيف، ويشير ﵀ إلى أن غيره قد رواه ولم يذكر عائشة، وأن تلك الرواية هي المرجَّحة، وهو كذلك، فقد رواه ابن جريج، وعمرو ابن دنيار عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٤٣ - ١٤٤ رقم ٢٥٦، ٢٥٧.\n(^٢) مسند أبي يعلى ٨/ ١٩٥ ح ٤٧٥٥.\n(^٣) المستدرك ١/ ٥٧٠.\n(^٤) وثقه أبو ابن معين، وعنه: ليس به بأس، وكذلك قال أبو داود، والنسائي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه تهذيب التهذيب ٢/ ١٥٦.\n(^٥) التاريخ الكبير ٥/ ٤٠١.\n(^٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ٢٠١٢.\n(^٧) السنن ١/ ٤٢٤ ح ١٣٣٧.\n(^٨) المسند ٢/ ٥٠ ح ٦٨٩.\n(^٩) مسند الشاشي ١/ ٢٢٣ ح ١٨٤.\n(^١٠) السنن الكبرى ١٠/ ٢٣١.","vol":"2","page":907},{"text":"أما رواية ابن جريج فأخرجها الحميدي (^١)، والحاكم (^٢)؛ ورواية عمرو ابن دينار أخرجها أبو داود (^٣)، وعبد الرزاق (^٤)، والحميدي (^٥)، وأحمد (^٦)، وابن أبي شيبة (^٧)، والدارمي (^٨)، والبزار (^٩)، والحاكم (^١٠)، والبيهقي (^١١)، وذكر البخاري الروايتين تعليقًا (^١٢).\nوتابعهما غير واحد منهم: سعيد بن حسان المخزومي المكي (^١٣)، وحسام ابن مِصَكّ (^١٤)، والليث بن سعد، لكن اختلف عليه فيه: هل هو عن عبيد الله ابن أبي نهيك، أو عن عبد الله بن أبي نهيك، وهل هو عن سعيد بن أبي سعيد،\n_________\n(^١) المسند ١/ ٤١ ح ٧٧.\n(^٢) المستدرك ١/ ٥٦٩.\n(^٣) السنن ٢/ ١٥٦ ح ١٤٧٠.\n(^٤) المصنف ٢/ ٤٨٣ ح ٤١٧١.\n(^٥) مسند الحميدي ١/ ٤١ ح ٧٦.\n(^٦) المسند ٣/ ٩٩ ح ١٥١٢.\n(^٧) المصنف ٢/ ١٥٧ ح ٨٧٣٨.\n(^٨) سنن الدارمي ١/ ٣٤٩.\n(^٩) مسند البزار ٤/ ٦٨ ح ١٢٣٤.\n(^١٠) المستدرك ١/ ٥٦٩.\n(^١١) السنن الكبرى ١٠/ ٢٣٠.\n(^١٢) التاريخ الكبير ٥/ ٤٠١.\n(^١٣) وثقه ابن معين، وأبو داود، والنسائي وغيرهم تهذيب التهذيب ٤/ ١٦.\nوأخرج حديثه الطيالسي ص ٢٨ ح ٢٠١، وأحمد المسند ٣/ ٧٤ ح ١٤٧٦، وابن أبي شيبة المصنف ٢/ ٢٥٧ ح ٨٧٣٩.\n(^١٤) قال أحمد: مطروح الحديث، وضعفه غير واحد، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه. قال الحافظ ابن حجر: ضعيف، يكاد يترك الجرح والتعديل ٣/ ٣١٧، تهذيب الكمال ٦/ ٧، تقريب التهذيب ١٢٠٣.\nوحديثه في مسند الشهاب ٢/ ٢٠٧ ح ١١٩٦.","vol":"2","page":908},{"text":"أو عن سعد. أشار إلى هذا الاختلاف أبو داود (^١)، والدراقطني (^٢)، والقضاعي (^٣). وذكر الدارقطني أن رواية الغرباء عن الليث، جاءت على الصواب، أي بموافقة رواية ابن جريج، وعمرو.\nفاجتماع هؤلاء على رواية الحديث على هذا الوجه عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي نهيك، عن سعد، يقضي بخطأ رواية عِسل بن سفيان، لما لدى رواته من مزيد الضبط والكثرة. فعِسل بن سفيان قد ذكر الإمام أحمد ضعفه. وقال في رواية عبد الله: ليس هو عندي بقوي في الحديث (^٤)، وهو متفق على ضعفه عند بقية الأئمة (^٥). فلا يقارن بواحد من الذين خالفوه لو انفرد، فكيف وقد اجتمعوا.\nومثل هذا يقال في رواية إسماعيل بن رافع التي ضعفها الإمام أحمد أيضًا، فقد ضعفه إسماعيل بن رافع أيضًا، وقال في رواية حنبل: منكر الحديث (^٦)، وهو أيضًا متفق على ضعفه عند بقية الأئمة (^٧).\nوقد وافق الإمامَ أحمدَ الإمامُ البخاري على تخطئة الرواية التي ذكرت عائشة (^٨)، وقال رواية عمرو وابن جريج هي الأصح.\n_________\n(^١) السنن ٢/ ١٥٦.\n(^٢) علل الدارقطني ٤/ ٣٨٩.\n(^٣) مسند الشهاب ٢/ ٢٠٧.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٦ رقم ٢٦٢٦.\n(^٥) انظر: تهذيب الكمال ٢٠/ ٥٣.\n(^٦) تهذيب الكمال ٣/ ٨٧.\n(^٧) إلا ما نقله الترمذي عن البخاري أنه وثقه وقال: هو مقارب الحديث، ورده الذهبي عليه انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٨٨، ميزان الاعتدال ١/ ٢٢٧.\n(^٨) التاريخ الكبير ٥/ ٤٠١، وهناك وجه آخر لرواية الحديث عن ابن أبي مليكة ذكره البخاري في هذا الموضع وخطأه، وهو رواية عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس به.","vol":"2","page":909},{"text":"ومثال آخر:\nقال أبو داود: \"قلت لأحمد: عامر الأحول؟ قال: شيخ قد احتمله الناس، وليس حديثه بذاك، روى حديث عطاء، عن أبي هريرة: \"أن النبي ﷺ توضأَ ثلاثًا ثلاثًا\"، وإنما يرويه عطاء، عن عثمان\" (^١).\nحديث عامر الأحول أخرجه أحمد (^٢)، والطحاوي (^٣)، والطبراني (^٤) كلهم من طريق همام، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة \"أن النبي ﷺ توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه ووضّأ قدميه\".\nفخالفه ابن جريج، وحجاج بن أرطأة، فروياه عن عطاء، عن عثمان. أخرجه أحمد (^٥) من حديث ابن جُريج عقب حديث عامر الأحول إشارة إلى أنه معلول. وأخرجه ابن أبي شيبة (^٦)، والبخاري (^٧)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند (^٨) من حديث حجاج بن أرطأة؛ وأخرجه ابن ماجه (^٩) مقتصرًا على ذكر مسح الرأس.\nورواه عبد الرزاق (^١٠)، عن ابن جريج: أخبرني عطاء أنه بلغه عن عثمان\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٦ رقم ١٩١٢.\n(^٢) المسند ١٤/ ٤١ ح ٨٥٧٧.\n(^٣) شرح معاني الآثار ١/ ٣٦.\n(^٤) المعجم الأوسط ٦/ ٩٧ ح ٥٩١٢.\n(^٥) المسند ١٤/ ٢٤٢ ح ٨٥٧٨.\n(^٦) المصنف ١/ ١٧ ح ٦٥.\n(^٧) التاريخ الكبير ٦/ ٤٥٦.\n(^٨) المسند ١/ ٥١٤ ح ٤٧٢، ١/ ٥٤٤ ح ٥٢٧.\n(^٩) السنن ١/ ١٥٠ ح ٤٣٥.\n(^١٠) المصنف ١/ ٤٠ ح ١٢٤.","vol":"2","page":910},{"text":"ابن عفان. قال أبو زرعة عن هذه الرواية، وهو الصحيح عندنا (^١) وهو كذلك لأن عطاء عن عثمان مرسل، قاله أبو زرعة وأبو حاتم (^٢).\nفقد خالف عامر الأحول اثنين من أصحاب عطاء، فأشار الإمام أحمد إلى أنه أخطأ لمخالفة المعروف عن عطاء، وهو متكلم فيه وخالف من هم أحفظ منه وأكثر عددًا. قال الإمام أحمد عنه: ليس بالقوي، ضعيف الحديث (^٣).\nمتى يحكم بصحة الوجهين المختلفين؟\nوقد تأتي روايتان على وجهين مختلفين ثم يحكم الإمام أحمد بصحة الوجهين لقرينة مرجحة لذلك، كأن تأتي رواية أخرى بذكر الوجهين معًا. ومثال ذلك:\nقال أبو داود: \"قلت لأحمد: حديث أبي السائب مولى هشام بن زُهرة؟ قال: قد جمعهما بعضُهم، فأرجو أن يكون كلا الحديثين صحيحًا - يعني حديث مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"أيما صلاة لم يُقرأْ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج\"، ومن قال: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال أبو داود: رواه أبو أُويس، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه، وابن ثوبان، عن ابن عجلان كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة\" (^٤).\nحديث أبي هريرة المذكور في هذا السؤال اختلف فيه على العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب مولى الحرقة:\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٦٣ ح ١٦٤.\n(^٢) المراسيل لابن أبي حاتم ٥٦٩، ٥٧٠.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨٣ رقم ١٩٣٧.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٩ رقم ١٩٨٦.","vol":"2","page":911},{"text":"فقال مالك (^١)، ومحمد بن عجلان (^٢)، ومحمد بن إسحاق (^٣)، وورقاء ابن عمر (^٤)، والوليد بن كثير (^٥)، وكذلك يحيى بن سعيد الأنصاري، وعُمارة ابن غَزيّة (^٦): كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة (^٧)، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من صلّى صلاةً لم يَقرأْ فيها بأُمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ، هي خِدَاجٌ غيرُ تمام\". قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحيانًا أكون وراءَ الإِمامِ. قال: فغَمَزَ ذِراعي ثم قال: اقرأْ بها في نفسك يا فارسيّ، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله ﵎: قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفيْن فنصفُها لي ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل\". قال رسول الله ﷺ: \"اقرؤا، يقول العبد: الحمدُ لله ربِّ العالمين، يقول الله ﵎: حَمَدني عبدي، ويقول العبد: الرَّحمنِ الرَّحيم، يقول الله: أثني عليّ عبدي. ويقول العبد: مالكِ يومِ الدِّين، يقول الله: مَجَّدني عبدي، يقول العبد: إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصِّراطَ المستقيمَ صراطَ الَّذين أنعمتَ\n_________\n(^١) وحديثه في الموطأ ١/ ٨٤، وأخرجه من طريقه مسلم ١/ ٢٩٦ (٣٩)، وأبو داود ح ٨٢١، والنسائي السنن ٢/ ١٣٥ ح ٩٠٨، السنن الكبرى ١/ ٣١٦ ح ٩١٨، وعبد الرزاق المصنف ٢/ ١٢٨ ح ٢٧٦٨، وأحمد المسند ١٦/ ٢٥ ح ٩٩٣٢، وابن خزيمة ١/ ٢٥٢ ح ٥٠٢، وابن حبان ٥/ ٨٤ ح ١٧٨٤، ومسند أبي عوانة ١/ ٤٥٢ ح ١٦٧٣، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٣٨، وفي كتاب القراءة خلف الإمام ص ٣٠ ح ٥٢.\n(^٢) وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٣ ح ٥٦.\n(^٣) أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ٢١ - ٢٢ ح ٧٣، وأحمد المسند ١٣/ ٢٣٣ ح ٧٨٣٨، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٤ ح ٥٧، ٥٨.\n(^٤) وحديثه عند أبي داود الطيالسي مسند الطيالسي ص ٣٣٤ ح ٢٥٦١، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٤ ح ٥٩.\n(^٥) وحديثه عند البيهقي السنن الكبرى ٢/ ١٦٦، القراءة خلف الإمام ص ٣٢ ح ٥٤.\n(^٦) على ما ذكره الدارقطني في العلل ٩/ ٢١ عن الاثنين.\n(^٧) قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل تهذيب التهذيب ١٢/ ١٠٤. ووثقه الذهبي، وابن حجر أيضًا الكاشف ٦٦٣٦، تقريب التهذيب ٨١٧٤.","vol":"2","page":912},{"text":"عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل\".\nوقال سفيان بن عيينة (^١)، وسعد بن سعيد الأنصاري (^٢)، وشعبة (^٣)، وإسماعيل بن جعفر (^٤)، وروح بن القاسم (^٥)، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي (^٦)، وعبد العزيز بن أبي حازم (^٧)، وأبو غسان محمد بن مطرف (^٨)، وإبراهيم بن طهمان (^٩)، وزهير بن محمد العنبري (^١٠)، وعبد الله بن جعفر بن نجيح (^١١)، وعبد الحميد\n_________\n(^١) أخرج حديثه مسلم الموضع نفسه ح ٣٨، والنسائي السنن الكبرى ٥/ ١٢ ح ٨٠١٣، والبخاري جزء القراءة خلف الإمام ٢٠ - ٢١ ح ٧١، وأحمد المسند ١٢/ ٢٣٩ ح ٧٢٩١، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٥ - ٣٦ ح ٦٣، ٦٤، ٦٥.\n(^٢) وحديثه عند ابن حبان الإحسان ٥/ ٩٠ ح ١٧٨٨ مختصرًا على قوله: فهي خداج.\n(^٣) وحديثه جاء من طرق، وهو عند أحمد المسند ١٦/ ٥ ح ٩٨٩٨، ١٦/ ١٥٤ ح ١٠١٩٨، وابن خزيمة ١/ ٢٤٨ ح ٤٩٠، وابن حبان ٥/ ٩١ ح ١٧٨٩، ٥/ ٩٦ ح ١٧٩٤، وأبو عوانة ١/ ٤٥٣ ح ١٦٧٦، ١٦٧٧، ١٦٧٨، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٥ ح ٦٠، ٦١، ٦٢ مختصرًا أيضًا. ووقع في رواية وهب بن جرير عند ابن حبان، والبيهقي: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب\"، وتفرد به من بين أصحاب شعبة، قاله ابن حبان الموضع نفسه.\n(^٤) وحديثه عند البخاري جزء القراءة خلف الإمام ٢٣ ح ٧٦، أبي يعلى ١١/ ٤٠٢ ح ٦٥٢٢، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٨ ح ٦٩.\n(^٥) وحديثه عند البخاي جزء القراءة خلف الإمام ٧ - ٨ ح ١١، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٧ ح ٦٨.\n(^٦) وحديثه عند الترمذي الجامع ٥/ ٢٠١ ح ٢٩٥٣، وابن حبان ٥/ ٩٦ ح ١٧٩٥، وعند الحميدي ٢/ ٤٣٠ ح ٩٧٤، والبخاري جزء القراءة خلف الإمام ٢٣ ح ٧٨، ٧٩ مقرونًا بابن عيينة، والبيهقي القراءة خلف الإمام ٣٨ ح ٧١.\n(^٧) وحديثه عند البخاري جزء القراءة ٢٢ ح ٧٧، أبي عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٤٥٣ ح ١٦٨٠.\n(^٨) وحديثه عند الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢١٦، وعند البيهقي القراءة خلف الإمام ٣٨ ح ٧٠ مقرونًا بالدراوردي.\n(^٩) وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٧ ح ٦٦، ٦٧.\n(^١٠) وحديثه عند البيهقي السنن الكبرى ٤/ ٧٤، القراءة خلف الإمام ص ٤٠ ح ٧٤.\n(^١١) وحديثه عند سعيد بن منصور ٢/ ٥٠٥ ح ١٦٩.","vol":"2","page":913},{"text":"ابن جعفر (^١)، وجهضم بن عبد الله (^٢)، ومحمد بن يزيد البصري (^٣)، وآخرون سواهم (^٤)، كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وبعضهم ذكره مختصرًا، وبعضهم مطولًا.\nواختلف عن ابن جريج؛ فروي عنه بمثل رواية مالك، قال ذلك:\nعبد الرزاق (^٥)، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري (^٦)، وهي رواية الإمام أحمد (^٧)، وأبي بكر بن أبي شيبة (^٨)، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي (^٩)، والترجماني (^١٠) كلهم عن ابن علية، عنه.\nوقال سريج بن يونس، عن ابن علية، عن ابن جريج بمثل رواية سفيان ابن عيننة (^١١).\nوموقف الإمام أحمد من الروايتين المختلفين في الإسناد هو تصحيح كلا الوجهين، وحجته في ذلك أن بعض الرواة قد جمع كلا الوجهين معًا في روايته، وذكر أبو داود ثلاثة رواة جمعوا بينهما في روايتهم، وهم: أبو أُويس عبد الله\n_________\n(^١) وحديثه عند النسائي السنن الكبرى ١/ ٣١٨ ح ٩٨٦، وابن خزيمة ١/ ٢٥٢ ح ٥٠٠.\n(^٢) وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٩ ح ٧٢.\n(^٣) وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٤٠ ح ٧٣.\n(^٤) ذكرهم الدارقطني علل الدارقطني ٩/ ١٧ - ١٨.\n(^٥) وهو في مصنفه ٢/ ١٢٨ ح ٢٧٦٧، ومن طريقه أخرجه البخاري جزء القراءة خلف الإمام ص ٢٢ ح ٧٥، ومسلم صحيح مسلم ١/ ٢٩٧ ح ٤٠، أحمد المسند ١٣/ ٢٣١ ح ٧٨٣٦، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٤٥٣ ح ١٦٧٥، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٢ ح ٥٣.\n(^٦) وحديثهما عند الإمام أحمد مقرونين المسند ١٣/ ٢٣٢ ح ٧٨٣٧.\n(^٧) المسند ١٦/ ٢١٤ ح ١٠٣١٩.\n(^٨) سنن ابن ماجه ١/ ٢٧٣ ح ٨٣٨.\n(^٩) صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٤٧ ح ٤٨٩.\n(^١٠) ذكره الدارقطني علل الدارقطني ٩/ ١٩.\n(^١١) ذكره الدارقطني علل الدارقطني الموضع نفسه.","vol":"2","page":914},{"text":"ابن عبد الله بن أويس (^١)، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه (^٢)، وابن ثوبان (^٣). وممن روى الوجهين غير من ذكرهم الإمام أبو داود محمد بن عجلان برواية حاتم بن إسماعيل عنه (^٤).\nوهذا مسلك الإمام أبي زرعة أيضًا في الترجيح بين الروايتين. قال الترمذي: \"سمعت أبا زرعة يقول: كلاهما صحيح، واحتج برواية إسماعيل بن أبي أُويس\" (^٥).\nوأما الدارقطني فقال بعد ذكر رواية ابن عيننة ومن تابعه: وهو الصواب، وهو مشعر بترجيحه لروايتهم لأن عددهم أكثر.\nوالترجيح بالكثرة في مثل هذه الصورة ضعيف، لأن الرواية المرجَّحَة جاءت عن جماعة أيضًا، وفيهم أئمة كبار مثل مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وإن كان مجموع عددهم أقل من رواة الوجه الآخر، ويبعد جدًا أن يجتموا كلهم على الخطأ. وغاية ما يقال في مثل هذه الصورة هو التوقف أو نسبة شيخهم الذي اختلفوا عليه إلى الاضطراب، فالترجيح بمطلق الكثرة يكون ترجيحًا بلا مرجح.\nثم وجود قرينة خارجة عن رواية كلا الطرفين أقوى من حيث الاعتماد عليها للحكم في مثل هذه الصورة، وهذه القرينة موجودة، وهي رواية من روى\n_________\n(^١) أخرج حديثه مسلم ١/ ٢٩٧ ح ٤١، والترمذي الجامع ٥/ ٢٠١ ح ٢٩٥٣، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٣٩١، والقراءة خلف الإمام ص ٤٢ ح ٧٧، وقال في روايته: عن العلاء، سمعت من أبي ومن أبي السائب جميعًا وكان جليسي أبي هريرة قالا: فذكره.\n(^٢) لم أقف على رواية سليمان بن بلال إطلاقًا.\n(^٣) والمقصود رواية الحسن بن الحر عن العلاء، برواية أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان عنه. أخرج هذه الرواية البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٤٢ ح ٧٨.\n(^٤) أخرج روايته البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٤٣ ح ٧٩.\n(^٥) علل الترمذي الكبير ١/ ٢٣٥.","vol":"2","page":915},{"text":"الحديث على الوجهين.\nوهناك قرينة أخرى، وهي وجود أصل لرواية أبي السائب، عن أبي هريرة من غير طريق العلاء، فيتقوى وجه رواية الأقلين؛ فقد رواه الزهري، وصفوان ابن سليم، عنه، عن أبي هريرة. أخرج روايتهما البيهقي (^١).\nوكذلك إذا روى الراوي الحديث الذي خالف به غيره على الوجهين: مرة بموافقة من خالفه ومرة أخرى بالوجه آخر الذي تفرد به.\nومثال ذلك ما ذكره ابن رجب أن الإمام أحمد وغيره من الأئمة صحح الوجهين الواردين في رواية حديث ميمونة في الفأرة إذا وقعت في السمن (^٢). فرواه سفيان بن عيننة (^٣)، ومالك (^٤) كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي ﷺ عنها فقال: \"ألقوها وما حولها وكُلوه\"، وتابعهما الأوزاعي (^٥)، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني (^٦).\nورواه معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سئل\n_________\n(^١) القراءة خلف الإمام ص ٤٤ - ٤٥ ح ٨٠، ٨١، ٨٢.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٩.\n(^٣) أخرج روايته البخاري ٩/ ٦٦٧ ح ٥٥٣٨، وأبو داود ح ٣٨٤١، والترمذي ٤/ ٢٥٦ ح ١٧٩٨، والنسائي السنن ٧/ ١٧٨ ح ٤٢٥٧، والسنن الكبرى ٣/ ٨٧ ح ٤٥٨٤، وأحمد المسند ٤٤/ ٣٧٩ ح ٢٦٧٩٦، وابن حبان ٤/ ٢٣٤ ح ١٣٩٢، وابن الجارود ٨٧٢، والبيهقي ٩/ ٣٥٣.\n(^٤) وهو في الموطأ ٢/ ٩٧١. وأخرجه أيضًا البخاري ١/ ٣٤٣ ح ٢٣٥، ٢٣٦، والنسائي السنن ٧/ ١٧٨ ح ٤٢٥٨، السنن الكبرى ٣/ ٨٧ ح ٤٥٨٥، وأحمد المسند ٤٤/ ٤٢٢ ح ٢٦٨٤٧، والبيهقي ٩/ ٣٥٢.\n(^٥) أخرجه أحمد المسند ٤٤/ ٣٨٧ ح ٢٦٨٠٣ وفيها أن ميمونة هي السائلة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٥/ ٤٣٥ ح ٣١٠١.","vol":"2","page":916},{"text":"النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن قال: \"إذا كان جامدًا فألقوه وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه\" (^١).\nفاختلف النقاد في هذا الموضع، فمنهم من حكم بغلط معمر لانفراده بهذا الحديث، ومخالفته من هم أكثر منه عددًا. قال البخاري: هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، والصحيح حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة (^٢). وقال الترمذي عن رواية معمر: غير محفوظ (^٣). وقال أبو حاتم: الصحيح حديث الزهري عن عبيد الله (^٤).\nوأما الإمام أحمد فذكر الحافظ ابن رجب أنه صحح الوجهين (^٥)، وكذلك قال محمد بن يحيى الذهلي: الطريقان عندنا محفوظان (^٦). وإليه يميل موقف الدارقطني (^٧).\nوالذي يدل على ذلك أن معمرًا روى الحديث بالإسنادين كليهما، فقال عبد الرزاق بعد أن أورد حديث معمر من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: وقد كان معمر أيضًا يذكره عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة (^٨). وأخرجه أبو داود (^٩)، والنسائي (^١٠) عن عبد الرزاق، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ٨٤ ح ٢٧٨، وأحمد المسند ١٣/ ٤٢ ح ٧٦٠١، ١٢/ ١٠٠ ح ٧١٧٧، وأبو داود ٤/ ١٨١ ح ٣٨٤٢، وابن حبان ٤/ ٢٣٧ ح ١٣٩٣، وابن الجارود المنتقى ح ٨٧١، والبيهقي ٩/ ٣٥٣.\n(^٢) جامع الترمذي ٤/ ٢٥٦.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٢.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٤٠.\n(^٦) انظر: التمهيد ٩/ ٣٥، وفتح الباري ١/ ٣٤٤ نقلًا من كتابه \"الزهريات\".\n(^٧) علل الدارقطني ٧/ ٢٨٥ - ٢٨٧.\n(^٨) مصنف عبد الرزاق ١/ ٨٢ ح ٢٧٩.\n(^٩) السنن ٤/ ١٨٢ ح ٣٨٤٣.\n(^١٠) السنن الكبرى ٣/ ٨٨ ح ٤٥٨٦.","vol":"2","page":917},{"text":"عبد الرحمن بن بوذويه (^١)، أن معمرًا ذكره عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة بمثل حديث ابن المسيب، عن الزهري.\nويدل على ذلك أيضًا أن الحديث وجد له أصل عن سعيد بن المسيب، فقد رواه سعيد بن أبي هلال عن الزهري، عن ابن المسيب عن النبي ﷺ مرسلًا (^٢). قال محمد بن يحيى الذهلي: فقد وجدنا ذكر سعيد بن المسيب في هذا الحديث من غير رواية معمر، فالحديثان محفوظان (^٣)\nوأما حيث لم تأت رواية تجمع الوجهين فالقول باحتمال أن يكون الحديث عند الراوي المختلف عليه على الوجهين، فحدث به كل مرة على أحدهما احتمال بعيد عن التحقيق، ومدار الأمر عند أئمة هذا الفن كما قال السخاوي على ما يقوى في الظن (^٤).\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن بُوذُويه، ويقال: ابن عمر بن بوذُويه الصنعاني. قال الأثرم: ذكره أحمد بن حنبل فأني عليه خيرًا تهذيب الكمال ١٧/ ٨. وكذلك أثنى عليه الذهلي فقال: كان من متثبتيهم التمهيد ٩/ ٣٩. ووثقه الذهبي الكاشف ٣١٥٦. وقال ابن حجر: مقبول ٣٨٤٢.\n(^٢) ذكره ابن عبد البر التمهيد ٩/ ٣٩ - ٤٠.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) فتح المغيث ١/ ٣٢٧.","vol":"2","page":918},{"text":"<span data-type='title' id=toc-287>المطلب الثالث: إعلال حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه</span>.\nإذا روى الراوي حديثًا يخالف رأيه فقد جاء عن الإمام أحمد أنه يضعف ذلك الحديث الذي روى، ويرى أن مخالفة رأيه لروايته دليل على عدم صحتها، ووجه ذلك أن المفترض وكذلك المعهود في الراوي أن يعمل بموجب ما بلغه من العلم الذي يرويه، فإذا خالفه صح الاستدلال بتلك المخالفة على عدم صحة نسبة تلك الرواية إليه.\nوقد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ قواعد كلية في باب العلل، ومنها: تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وذكر أن الإمام أحمد وأكثر الحفاظ ضعفوا أحاديث كثيرة بمثل هذا الاعتبار (^١)، وذكر عدة أمثلة على ذلك عن الإمام أحمد وغيره من الحفاظ (^٢).\nومن الأمثلة على ذلك عن الإمام أحمد عدا التي ذكرها ابن رجب:\nقال أبو داود: سمعت أحمد قال: كان شعبة يتهيّب حديث ابن عمر: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\"، يعني: يتهيبه للزيادة التي فيها: [والنهار]، لأنه مشهور عن ابن عمر من وجوه: [صلاة الليل]، ليس فيه: [والنهار]، وروى نافع: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يصلّي بالنهار أربعًا، وبعضهم قال: عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلّي بالنهار أربعًا، فنخاف فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي ﷺ: \"صلاة النهار مثنى مثنى\" لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعًا، وقد رُوي عن عبد الله بن عمر قوله: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\"، والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٨٨.\n(^٢) انظرها المصدر نفسه ٢/ ٨٨٩ - ٨٩٠.\n(^٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٠ رقم ١٨٧٢.","vol":"2","page":919},{"text":"الشاهد في رواية أبي داود هذه أن الإمام أحمد أبدى وجهًا لكون زيادة ذكر النهار في حديث: \"صلاة الليل مثنى مثنى\" غير محفوظة، وهذا الوجه هو مخالفة هذه الرواية لرأي ابن عمر، فقد جاء عنه أنه كان يصلي بالنهار أربعًا. رواه عبيد الله العمري، عن نافع عنه \"أنه كان يصلي بالنهار أربعًا أربعًا\" (^١)، ورواه عبد الله العمري، عن نافع، عنه \"أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعًا، ثم يسلم\" (^٢)، ورواه معمر، عن أيوب؛ والثوري، عن عبيد الله، كلاهما عن نافع عن ابن عمر بمثله (^٣). فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\"، لم يكن ليصلي أربعًا بالنهار (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة المصنف ٢/ ٧٤ ح ٦٦٧٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق المصنف ٢/ ٥٠١ ح ٤٢٢٦، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر الأوسط ٤/ ٢٣٦ ح ٢٧٧٣، لكن وقع عنده عبيد الله مكان عبد الله، وهو خطأ.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق الموضع نفسه ح ٤٢٢٧، وأخرجه الطحاوي من طريق الثوري، عن عبيد الله وحده شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٤.\n(^٤) وقد أبدى الإمام أحمد وجهين آخرين لرد هذه الزيادة:\nالأول: ما ذكره عن شعبة، أنه كان يفرق تلك الزيادة، وذلك أن المشهور عن ابن عمر كما رواه أصحابه: \"صلاة الليل مثنى مثنى\"، هكذا رواه ستة عشر راويًا عن ابن عمر، وهم:\n١. نافع، وحديثه عند البخاري ١/ ٥٦١ ح ٤٧٢، ١/ ٥٦٢ ح ٤٧٣،، ومسلم ١/ ٥١٦ ح ٧٤٩١٤٥.\n٢. سالم، وحديثه عند البخاري ٣/ ٢٠ ح ١١٣٧، ومسلم الموضع نفسه ح ١٤٦.\n٣. وعبد الله بن دينار، وحديثه عند البخاري ٢/ ٤٧٧ ح ٩٩٠ مقرونًا بنافع، وابن حبان الإحسان ٦/ ١٨٣ ح ٢٤٢٦.\n٤. وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وحديثه عند مسلم مقرونا بسالم بن عبد الله بن عمر الموضع نفسه ح ١٤٧، والنسائي السنن الكبرى ١/ ٤٣٤ ح ١٣٨١.\n٥. والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وحديثه عند البخاري ٢/ ٤٧٧ ح ٩٩٣.\n٦. وطاوس بن كيسان، وحديثه عند مسلم الموضع نفسه ح ١٤٦.\n٧. وعبد الله بن شقيق، وحديثه مسلم ١/ ٥١٧ ح ١٤٨.","vol":"2","page":920},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٨. ومحمد بن سيرين، وحديثه عند أحمد ٨/ ٤٨٠ ح ٤٨٧٨.\n٩. وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وحديثه عند ابن خزيمة صحيح ابن حزيمة ٢/ ١٣٩ ح ١٠٧٢، وابن حبان الإحسان ٦/ ٣٥٠ ح ٢٦٢٠.\n١٠. وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحديثه عند مسلم ١/ ٥١٨ ح ١٥٦.\n١١. وأنس بن سيرين، وحديثه مسلم ١/ ٥١٩ ح ١٥٧.\n١٢. وعقبة بن حريث، وحديثه عند مسلم الموضع نفسه ح ١٥٩.\n١٣. وأبو مجلز، وحديثه عند ابن ماجه السنن ١/ ٣٧١ ح ١١٧٥.\n١٤. وسعد بن عبيدة، وحديثه عند الطبراني المعجم الأوسط ٣/ ٣٦٣ ح ٣٤٠٩.\n١٥. ومجاهد، وحديثه عند الطبراني أيضًا المعجم الأوسط ٤/ ١٦٥ ح ٣٨٧٨.\n١٦. وعطية العوفي، وحديثه عند أبي أمية الطرسوسي مسند عبد الله بن عمر ص ٢١ ح ٥.\nورواه علي بن عبد الله الأزدي البارقي، عن ابن عمر فذكر هذه الزيادة. أخرج حديثه أبو داود ح ١٢٩٥ والترمذي ٢/ ٤٩١ ح ٥٩٧، والنسائي ٣/ ٢٢٧ ح ١٦٦٥، وابن ماجه ١/ ٤١٩ ح ١٣٢٢، وابن خزيمة ٢/ ٢١٤ ح ١٢١٠، وابن حبان ٦/ ٢٣١ ح ٢٤٨٢.\nفتفرده عن هذا العدد الكبير من ثقات أصحاب ابن عمر، مما لا يحتمل على أصول الأئمة مثل شعبة، والقطان، وأحمد. وخاصة أن علي البارقي ليس له كثير حديث كما قال ابن عدي، ولذلك لم يوثقه إلا ابن حبان، والعجلي، وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به تهذيب الكمال ٢١/ ٤٢. وقال الذهبي: ما علمت لأحد في جرحة، فهو صدوق ميزان الاعتدال ٥٨٧٨. وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ تقريب التهذيب ٤٧٩٦.\nوذكر ابن رجب أن ابن معين أعله، لأن أصحاب ابن عمر رووه من دون ذكر النهار، فلا يقبل تفرد علي الأزدي بما يخالفهم فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٢.\nوقال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ السنن ٣/ ٢٢٧.\nوقال الدارقطني: ذكر النهار فيه وهم تلخيص الحبير ٢/ ٢٢.\nوصححه البخاري على ما نقله البيهقي بإسناده إليه السنن الكبرى ٢/ ٤٨٧.\nوالوجه الثاني لرد هذه الزيادة، هو ما ذكره الإمام أحمد: أنه قد روي عن ابن عمر قوله: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\". قال ابن حجر: فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذا. ا. هـ. فتح الباري ٢/ ٤٧٩.","vol":"2","page":921},{"text":"ومنها: قال أبو داود: \"سمعت أحمد سئل عن حديث سمُرة: \"من قتل عبده قتلناه\"، قال: فُتيا الحسن على غيره. قال أحمد: ولكن يضرب\" (^١).\nوقال عبد الله: \"سألت أبي عن الرجل يقتل عبده، يقتله الإمام أم لا؟ فقال: يروى عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ: \"من قتل عبده قتلناه\". وأخشى أن يكون هذا الحديث لا يثبت. قلت لأبي: فإيش تقول أنت؟ قال: إذا كنت أخشى أن لا يكون يثبت، لا أُثبته، ولا يُقتل حرٌّ بعبد، ولا بذمِّيّ، ويقتل بالمرأة … قال أبي: فكان الحسن يقول في حديث سمرة: \"من قتل عبده قتلناه\" يحدث به عن سمرة، عن النبي ﷺ، وحدّث به قتادة عنه، ورواه خالد، عن الحسن موقوفًا. وقال قتادة: نسي الحسن هذا الحديث بعد، وكان الحسن لا يفتي به بعدُ\" (^٢).\n_________\nورواية الوقف رواها الإمام مالك الموطأ ١/ ١١٩، بلاغًا عن ابن عمر. ووصلها البخاري التاريخ الكبير ١/ ٢٨٥ تعليقًا من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٤٨٧، وابن عبد البر التمهيد ١٤/ ٢٤٧، من طريق عبد الله بن وهب كلاهما عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عمر به قوله.\nوخالفهما داود بن منصور، فرواه عن الليث به مرفوعًا. أخرجه الدارقطني السنن ١/ ٤١٧. وداود بن منصور النسائي وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العقيلي: يخالف في حديثه الضعفاء للعقيلي ٢/ ٣٨٥، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٠٣. ولعل هذا من مخالفاته.\nوكذلك روى عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\" قوله غير مرفوع. رواه الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٤، والخطيب تاريخ بغداد ١٣/ ١١٨، وابن عبد البر ١٣/ ٢٤٠. وتابعه مالك، عن نافع. قال ابن عبد البر: لم يروه عن مالك إلا الحنيني، وهو ضعيف كثير الوهم والغلط الموضع نفسه.\nوقد جاء عن أحمد في رواية أخرى عن حديث علي البارقي أنه قال فيه: إسناده جيد، ونحن لا نتقيه فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٢ ..\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٠٧ رقم ١٤٦٨.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ٣/ ١٢٢٧ - ١٢٢٩ رقم ١٦٨٣، ١٦٨٦.","vol":"2","page":922},{"text":"حديث الحسن عن سمرة أخرجه أصحاب السنن (^١) من طرق عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ \"من قتل عبده قتلناه ومن جَدَعَ عبدَه جدعناه\". ورواه الإمام أحمد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: ولم يسمعه منه (^٢).\nولم يُثبت الإمام أحمد هذا الحديث لأن فُتيا الحسن على خلافه. روى\nأبو داود (^٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، عن قتادة، عن الحسن قال: \"لا يقاد الحر بالعبد\".\nولم يعلّ الإمام أحمد الحديث بعدم سماع الحسن له من سمرة كما رواه في مسنده.\nويعكر على هذا الاستدلال من الإمام أحمد ما ذكره قتادة أن الحسن نسي هذا الحديث فكان يفتي بخلافه، لكن رد البيهقي كلام قتادة هذا فقال: \"يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه، وأكثر أهل العلم رغبوا عن رواية الحسن عن سمرة\" (^٤).\nوقد قال أحمد أيضًا - كما في رواية ابن هانئ: \"لا يُقتل الحر بالعبد، وقال: حديث سمرة تركه الحسن\" (^٥).\nفتبين أن فتيا الحسن بخلاف ما رواه لم يكن صدور ذلك عنه عن نسيان،\n_________\n(^١) أبو داود السنن ٤/ ٦٥٢ - ٦٥٤ ح ٤٥١٤، ٤٥١٦، ٤٥١٧، والترمذي الجامع ٤/ ٢٦ ح ١٤١٤، والنسائي السنن ٨/ ٢٠ ح ٤٧٣٥، السنن الكبرى ٤/ ٢١٨ ح ٦٩٣٨، ٦٩٣٩، ٦٩٤٠، وابن ماجه السنن ٢/ ٨٨٨ ح ٢٦٦٣.\n(^٢) المسند ٣٣/ ٢٠٦ ح ٢٠١٠٤.\n(^٣) السنن ٤/ ٦٥٤ ح ٤٥١٨.\n(^٤) السنن الكبرى ٨/ ٣٥.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٨٧ رقم ١٥٤٩.","vol":"2","page":923},{"text":"بل من أجل ضعف الحديث، وخاصة وقد ظهر أنه لم يسمعه من سمرة.\nومنها: قال أبو زرعة الدمشقي: \"حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: حدثنا يزيد بن زُريع قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين قال: كانت أم ولد لآل أنس بن مالك قد استُحيضت، فأمروني أن أسأل ابن عباس فسألته، فقال: \"إذا رأت الدّم البحراني أمسكت عن الصلاة\". قال أبو زرعة: فسمعت أحمد بن حنبل يحتج بهذه القصة ويرد بها ما رُوي عن أنس بن مالك أن الحيض عشر، كما رواه الجلد بن أيوب، وقال: لو كان هذا عن أنس بن مالك لم يؤمر أنس بن سيرين أن يسأل ابن عباس. قال أبو زرعة: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فحديث معاوية بن قرّة، عن أنس في الحيض صحيح؟ فلم يره صحيحًا، إذ ردّوا المسألة إلى ابن سيرين يسألهم ابن عباس، كذلك قال لي، ولم يدفع لقاء ابن سيرين ابن عباس ومسألته\" (^١).\nما رُوي عن أنس أن الحيض عشر، رواه جَلد بن أيوب (^٢)، عن معاوية ابن قرّة عن أنس، ورواه الأكابر عن جلد كما قال ابن دقيق العيد (^٣)، منهم\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ٢/ ٦٨٤ رقم ٢٠٩٣ - ٢٠٩٥. ونقله الدارقطني عن أبي زرعة السنن ١/ ٢١٠.\n(^٢) قال عنه أحمد في رواية عبد الله: ليس يسوى حديثه شيئًا، قال عبد الله: ضعيف الحديث؟ قال: نعم ضعيف العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٩١ رقم ٧٧٥.\nوقال ابن المبارك: أهل البصرة يضعفون جلد بن أيوب، ويقولون: ليس بصاحب حديث الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٢٢.\nوضعفه غير واحد، وقال أبو حاتم: شيخ أعرابي ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به الجرح والتعديل ٢/ ٥٤٨.\nوضعفه أبو عاصم النبيل جدًا وقال: تساهل أصحابنا في الرواية عنه السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢٣.\n(^٣) الإمام ٣/ ١٩٣.","vol":"2","page":924},{"text":"الثوري بلفظ: \"أجَل الحيض عشر ثم هي مستحاضة\" (^١)، وكذلك أجلة أهل البصرة: حماد بن زيد (^٢)، ويزيد بن زريع (^٣)، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية (^٤)، وعبد السلام ابن حرب (^٥)، وهشام بن حسان، وسعيد (^٦) كلهم عن جلد، عن معاوية بن قرة، عن أنس: \"الحائض تنتظر ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، أو خمسة إلى عشرة أيام، فإذا جاوزت عشرة أيام فهي مستحاضة، تغتسل وتصلي\".\nواحتج الإمام أحمد لرد هذا الحديث بأنه لو كان هذا صحيحًا عن أنس لم يأمر أهلُه أنسَ بنَ سيرين أن يسأل ابن عباس عن الاستحاضة.\nومثل هذا الاستدلال سُبق إليه الإمام أحمد، فقد ذكره الشافعي عن ابن علية، قال: \"أخبرني ابن علية عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أنه قال: قرء المرأة أو قرء حيض المرأة ثلاث، أو أربع، حتى انتهى إلى عشر، فقال لي ابن علية: الجلد بن أيوب أعرابي لا يعرف الحديث، وقال لي: قد استحيضت امرأة من آل أنس فسُئِل ابن عباس عنها، فأفتى فيها وأنس حي، فكيف يكون عند أنس ما قلت من علم الحيض ويحتاجون إلى مسألة غيره فيما عنده فيه علم؟ ونحن وأنت لا نثبت حديثًا عن الجلد، ويستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقل من هذا\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ٢٩٩ ح ١١٥٠، والدراقطني ١/ ٢٠٩، وزاد بعضهم: أدنى الحيض ثلاث.\n(^٢) السنن الكبرى ١/ ٣٢٢، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥٩٨.\n(^٣) الموضعان نفسهما.\n(^٤) الموضعان نفسهما، وكذلك المعرفة والتاريخ ٣/ ٤٦ - ٤٧.\n(^٥) سنن الدارقطني ١/ ٢٠٩، والكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.\n(^٦) سنن الدارقطني ١/ ٢١٠.\n(^٧) الأم ١/ ٦٤، ونقله البيهقي السنن الكبرى ١/ ٣٢٢، وابن دقيق العيد الإمام ٣/ ١٩٦.","vol":"2","page":925},{"text":"لكن تعقب ابن دقيق العيد هذا الاستدلال بما حاصله أنه لو كان ما رواه الجلد من حديث أنس بن مالك مرفوعًا لقوي هذا الاستدلال بعض القوة، بأنه كيف يسأل غيره وقد سبق علمه بالحكم عن النبي ﷺ؟ ولما كان ما رواه موقوفًا على أنس لا يستقيم هذا الاستدلال حتى يثبت أن أنسًا قال ذلك وأفتى به قبل سؤالهم لابن عباس، فيمكن أن يقال حينئذ: كيف سأل وعنده علم؟ وأيضًا ليس هناك ما يدل على أن الذي أرسل يسأل ابن عباس هو أنس (^١).\nوما ذكره ابن دقيق العيد وارد جدًا، لكن قد تقدم من منهج الإمام أحمد وغيره من الأئمة وذكره المعلمي عنهم، حيث قال: \"إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر\" (^٢)، فكيف والإسناد هنا ليس بظاهر الصحة!\nومنها: \"ما ذكره الميموني أن أحمد ذُكر له أن الحوضي روى من طريق الأسود، عن عائشة مرفوعًا: \"يقطع الصلاةَ المرأةُ، والحِمارُ، والكلب الأسودُ\"، فقال أحمد: غلط الشيخ عندنا، هذا عن رسول الله ﷺ وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحِمار؟ \" (^٣).\nولم أقف على رواية الحوضي هذه، وأوضح الحافظ ابن رجب وجه إنكار الإمام أحمد للحديث فقال: يعني: \"لو كان هذا عندها عن رسول الله ﷺ لما قالت ما قالت\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الإمام ٢/ ١٩٦ - ١٩٧.\n(^٢) مقدمة الفوائد المجموعة ص ١١ - ١٢.\n(^٣) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٧٠٥.\n(^٤) الموضع نفسه.","vol":"2","page":926},{"text":"ومنها: قال الأثرم: \"قلت لأحمد بن حنبل: حديث حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد قال: [سألت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأُبي بن كعب - فقالوا: \"الماء من الماء\"، فيه علة تدفعه بها؟ قال: نعم، بما يروى عنهم خلافه. قلت: عن عثمان، وعلي، وأبي بن كعب؟ قال: نعم. وقال أحمد بن حنبل: الذي أرى إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، قيل له: قد كنت تقول غير هذا. فقال: ما أعلمني قلت غير هذا قط. قيل له: قد بلغنا ذلك عنك، قال: الله المُستعان\" (^١).\nحديث زيد بن خالد الجهني أخرجه البخاري (^٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني أنه شاذ (^٣). والظاهر أنه يعله بمثل العلة التي أعله بها الإمام أحمد. فقد ذكر ابن رجب عنه أنه قال: قد روي عن علي، وعثمان، وأبي بن كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلاف ما في هذا الحديث (^٤).\nوأجاب الحافظ عن هذا الإعلال بأن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده وحفظ رواته، وأنه ليس بفرد، فقد رواه ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة، وكونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحته لاحتمال أنه ثبت عنده ناسخه فذهبوا إليه.\nوإعلال الإمام أحمد يحمل على إطلاق العلة على النسخ، والله أعلم.\nومن الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بمثل هذا الاستدلال، وهو مما ذكره\n_________\n(^١) التمهيد ٢٣/ ١١١، وانظر: فتح الباري ١/ ٣٩٧.\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٣٩٦ ح ٢٩٢ - مع فتح الباري.\n(^٣) فتح الباري ١/ ٣٩٧.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٧٥.","vol":"2","page":927},{"text":"ابن رجب: أن أحاديث ابن عمر عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، أنكرها أحمد وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي ﷺ فيه رواية؟ (^١)\nوهذه الرواية لم أقف عليها عن أحمد، لكن تقدم في مطلب الاختلاط (^٢) أن الإمام أحمد أنكر الحديث الذي رواه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"كنّا نمسح ونحن مع نبينا\"، أنكره هناك لأنه من رواية شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي عروبة، وكان سماعه منه بآخرة. وفي هذه الرواية ذكر وجهًا آخر لإنكاره للرواية، وهو كونها مخالفة للمعروف عن ابن عمر أنه كان ينكر المسح على الخفين، فدل على أنه لم يكن له فيه رواية عن النبي ﷺ، فإذا جاءت رواية عنه بذلك استدل بهذا على خطئها.\nوقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يمسح على الخفين، ويأمر بالمسح على الخفين، ويقول: \"أمر رسول الله ﷺ بذلك\" (^٣) وهذا محمول على ما رواه ابن عمر عن عمر قال: \"رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين\" (^٤)، أي فهو من رواية الصحابي عن الصحابي، وذلك أن سعدًا احتكم إلى عمر لما أنكر عليه ابن عمر المسح على الخفين، فأخبر عمر بالحديث عن النبي ﷺ، وقد تقدم ذلك كله.\nومنها - وهو مما ذكره الحافظ ابن رجب - أن الإمام أحمد ضعف أحاديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، لأن أبا هريرة كان ينكر المسح على الخفين، فلا تصح له فيه رواية (^٥).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٨٩.\n(^٢) ص ٤٢٥.\n(^٣) المعجم الأوسط ٧/ ٦٥ ح ٦٨٦٢ من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.\n(^٤) أخرجه أحمد ١/ ٣٤١ ح ٢١٦.\n(^٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٨٩.","vol":"2","page":928},{"text":"ولم أقف على إنكار الإمام أحمد لهذه الأحاديث.\nوقد جاء عن أبي هريرة عدة أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ في المسح على الخفين (^١):\nمنها: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قالوا يا رسول الله، ما الطهور على الخفين؟ قال: \"للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة\" (^٢). وفي سنده عمر بن عبد الله بن أبي خُثعم. قال عنه البخاري: منكر الحديث ذاهب الحديث (^٣).\nوتابعه معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر الواسطي، وزاد المسح على الخمار، ولم يذكر التوقيت. أخرجه الطبراني (^٤). قال الدارقطني: معلى بن عبد الرحمن الواسطي كذاب (^٥). وضعف البخاري هذا الحديث عن أبي هريرة (^٦).\nومن حديث أبي هريرة في المسح على الخفين ما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع قال نا جرير عن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو قال رأيت جريرا مسح على خفيه، قال: وقال أبو زرعة: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أدخل أحدكم رجله في خفيه وهما طاهرتان فليمسح عليهما ثلاثًا للمسافر ويومًا للمقيم\" (^٧). وجرير في هذا الإسناد هو ابن أيوب البجلي. قال الدارقطني عن أبي نعيم: كان\n_________\n(^١) ذكرها الدارقطني مع عللها علل الدراقطني ٨/ ٢٧٤ - ٢٧٦.\n(^٢) أخرجه مسلم كتاب التمييز ص ٢٠٨ ح ٨٨، والترمذي العلل الكبير بترتيب القاضي ١/ ١٧١ ح ٦١، وابن ماجه السنن ١/ ١٨٤ ح ٥٥٥.\n(^٣) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.\n(^٤) المعجم الأوسط ٢/ ١٢٩ ح ١٤٧٣.\n(^٥) علل الدارقطني ٨/ ٢٧٥.\n(^٦) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.\n(^٧) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٦٤ ح ١٨٨٢.","vol":"2","page":929},{"text":"يضع الحديث. وقال الدارقطني عن هذا الحديث: باطل عن أبي هريرة.\nومن حديثه في ذلك أيضًا: ما رواه أبان بن عبد الله عن مولى لأبي هريرة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وفيه: \"توضأ ومسح على خفيه\"، فقلت: يا رسول الله: رجلاك، لم تغسلهما! قال: \"إني أدخلتهما وهما طاهرتان\" أخرجه أحمد (^١)، وابن أبي شيبة (^٢)، والدارمي (^٣)، وأبو يعلى (^٤). وأبان بن عبد الله البجلي ضعفه الدارقطني (^٥)، ووثقه ابن معين، وقال أحمد: صدوق صالح الحديث (^٦). لكن اختلف عليه في الحديث، في ذكر المسح على الخفين، وفي الإسناد؛ فرواه النسائي (^٧) من طريقه، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة؛ وراه عنه أيضًا (^٨) هو وابن ماجه (^٩) من طريقه، عن إبراهيم بن جرير، عن جرير بن عبد الله البجلي به، وليس في رواياتهم ذكر المسح على الخفين.\nومنه أيضًا: ما رواه عبد الحكم بن ميسرة عن قيس بن الربيع عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: \"رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على عمامته ومسح على خفيه\" (^١٠). وقيس بن الربيع صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به (^١١)، والراوي عنه عبد الحكم\n_________\n(^١) المسند ١٤/ ٣١٩ ح ٨٦٩٥.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٦٧ ح ١٩٢٧.\n(^٣) سنن الدارمي ١/ ١٧٣، ولم يذكر المسح على الخفين.\n(^٤) مسند أبي يعلى ١٠/ ٥٢٠ ح ٦١٣٦، ليس فيه ذكر المسح أيضًا.\n(^٥) علل الدراقطني ٨/ ٢٧٦.\n(^٦) تهذيب الكمال ٢/ ١٥.\n(^٧) السنن ١/ ٤٥ ح ٥٠.\n(^٨) السنن ١/ ٤٥ ح ٥١.\n(^٩) السنن ١/ ١٢٩ ح ٣٥٩.\n(^١٠) المعجم الأوسط ٢/ ٢٩٨ ح ٢٠٣٣.\n(^١١) تقريب التهذيب ٥٦٠٨.","vol":"2","page":930},{"text":"ابن ميسرة لا يعرف بجرح ولا تعديل كما قال أبو موسى المديني (^١).\nومنه ما رواه إسحاق قال: قلت لأبي أسامة أحدثكم عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال \"امسحوا على الخفين والخمار فإنه حق\"، فأقر به أبو أسامة وقال نعم (^٢). ومكحول لم يلق أبا هريرة، قاله أبو زرعة والدارقطني (^٣).\nوقد ذكر الدارقطني عن الإمام أحمد قال: وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في المسح (^٤).\nوأما ما جاء من إنكار أبي هريرة للمسح على الخفين، فمنه ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عبد الواحد بن زياد قال حدثنا إسماعيل بن سميع (^٥)، قال: حدثني أبو رُزين قال: قال أبو هريرة: \"ما أُبالي على ظهر خفي مسحت أو على ظهر خمار\" (^٦).\nومنه ما رواه مسلم (^٧) من طريق شعبة، عن يزيد بن زاذان قال: سمعت أبا زرعة قال: سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين قال: فدخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، فبال ثم دعا بماء فتوضأ وخلع خفيه وقال: \"ما أَمرنا اللهُ أن نمسح على جلود البقر والغنم\".\n_________\n(^١) ميزان الاعتدال ٤٧٥٧.\n(^٢) مسند إسحاق بن راهويه ١/ ٣٥٠ ح ٣٤٩.\n(^٣) المراسيل لابن أبي حاتم ٧٩٣، جامع التحصيل ص ٢٨٥.\n(^٤) علل الدراقطني الموضع نفسه.\n(^٥) الحنفي، وهو صدوق، تكلم فيه لرأي الخوارج ٤٥٦.\n(^٦) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٧٠ ح ١٩٥٢.\n(^٧) كتاب التمييز ص ٢٠٩ ح ٨٩.","vol":"2","page":931},{"text":"وقد صحح الإمام مسلم هذين الإسنادين (^١).\nوأنكر الإمام أحمد الروايات عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، واستدل لذلك بإنكار أبي هريرة المسح على الخفين، وقد أوضح هذا الاستدلال الإمام مسلم، قال: \"الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي ﷺ لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين … ولو كان قد حفظ المسح عن النبي ﷺ كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتديّن به، فلما أنكره … بان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله ﷺ، وإنّ مَن أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهوًا أو تعمدًا\".\nفقد اتفق الإمامان أحمد وتلميذه مسلم على الأخذ بهذا المسلك في إعلال الحديث.\nوفي هذه الأمثلة ما يكفي لإبراز منهج الإمام أحمد في هذا الموضوع (^٢).\nوسلوك هذا المسلك في إنكار الأحاديث قد لا يخلو من نظر في بعض الأحيان كما سبق وأن رأينا في تعقب ابن دقيق العيد على بعض صوره، وأيضًا قد يكون الراوي حين جاء عنه ما يخالف روايته فعَل ذلك لمعارض راجح بلغه، فترك موجِبَ روايته وعمل أو أفتى بالراجح، أو يكون لناسخٍ بلغه؛ وقد يكون نسي ما روى كما قال قتادة في فُتيا الحسن بخلاف روايته في قتل الحر بالعبد (^٣).\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) وقد ذكر الحافظ ابن حجر حديثين آخرين أنكرهما الإمام أحمد أخذا بهذا المسلك، وهما: حديث عائشة: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\"، أنكره لأن المعروف عن عائشة أنها تقول الأقراء الأطهار، لا الحيض.\nوالثاني: حديثها: \"لا نكاح إلا بولي\"، أنكره لأنها عملت بخلافه.\n(^٣) وإن مما يعتري هذا المسلك من الخلل أن يُعارَض الناقد في تحقيق المخالفة بين رواية الراوي =","vol":"2","page":932},{"text":"لكن الصحيح أن هذه الاعتبارات لا تُضعّف اعتماد هذا المسلك، لأن النقاد لما اعتمدوه في نقد المتون لم يكن اعتمادهم عليه اعتمادًا كليًا، بل نقدهم عندما يحتجون به لا يخلو مع ذلك من النظر في الأسانيد، بل من ذلك ينطلقون في الغالب لنقد المتون. ففي الأمثلة التي مضت في هذا المطلب، لم يخل إسناد لمتن منتقد بهذه العلة من وجود علة توجب ضعفه، من إرسال، أو سماع من مختلط بعد الاختلاط، أو تفرد ممن لا يحتمل تفرده، وهذا هو الصحيح في منهج أئمة هذا الفن: إن نقدهم للمتون في أغلب الأحيان ينطلق من نقدهم للأسانيد، وقد تقدم قول الشافعي في ذلك حيث قال: \"ولا يُستدلّ على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المُخبِر وكذبِه (^١)، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدلَّ على الصدق والكذب فيه بأن يُحدِّثَ ما لا يجوز أن يكون مثلُه (^٢)، أو ما يُخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالاتٍ بالصدق منه\" (^٣). والعلم عند الله.\n_________\nورأيه، ومثال ذلك ترجيح الإمام البخاري لرواية الإرسال في حديث كُريب، عن ابن عباس في حج الصبي الذي تقدم في المطلب الذي قبل هذا، وذلك استدلالًا بالمعروف عن ابن عباس أنه يقول: \"أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج\"، والرواية تقول في الصبي: ألهذا؟ حج؟ قال: \"نعم، ولك أجر\"، فرأى أن هذا المعروف عن ابن عباس معارِض لتلك الرواية، فقوي عنده رد ذكر ابن عباس في الإسناد وترجيح الإرسال، إذ لو كانت تلك الرواية عند ابن عباس لما أوجب الحج على الصبي بعد البلوغ وقد أثبت له النبي ﷺ الحج في صباه. فقد يُعترض عليه بأن المخالفة في هذه الصورة غير محقَّقة، لأن إثبات الحج للصبي قد يكون من باب إثبات الأجر له لا غير، ولا يتضمن إسقاط الوجوب، لأن أداءه للعبادة قبل توجه خطاب الوجوب إليه لا يُسقط الفرض عنه. لكن هذا النوع من الخلل لا يقدح في المسلك نفسه، وإنما الخلل في طريقة استفادة الناظر منه، والله أعلم.\n(^١) وهذا إنما يتم بنقد الرجال، وهو مِن نقد الأسانيد.\n(^٢) وكان هنا تامة ومن أجل ذلك استُغني بمرفوعها، والمعنى: أن يقع مثلُه.\n(^٣) الرسالة ص ٣٩٩.","vol":"2","page":933},{"text":"<span data-type='title' id=toc-288>المطلب الرابع: نماذج من نقد الإمام أحمد للمتون لمخالفتها للثابت المعروف</span>.\nومما يرده الإمام أحمد من الأحاديث ما كان مخالفًا للأحاديث الصحيحة الثابتة، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بخلافها، وهي من جملة الأحاديث المنكرة التي يعتبرها الإمام أحمد من الشاذ المطرح (^١)، وفيما يلي نماذج من تلك الأحاديث ووجه ردها عند الإمام أحمد.\nفمنها: ما كان ردّه له بمعنى نفي الثبوت والصحة عنه بسبب مخالفته لحديثٍ أو أكثرَ أصحّ منه، ومن أمثلته:\nقول الإمام أحمد في حديث أسماء بنت عُميس: \"تسلَّبِي ثلاثًا، ثم اصنعي ما بدا لك\"، إنه من الشاذ المطرح (^٢).\nوحديث أسماء بنت عُميس أخرجه أحمد (^٣)، وابن سعد (^٤)، وابن الجعد (^٥)، وابن حبان (^٦)، والطحاوي (^٧)، والطبراني (^٨)، والبيهقي (^٩) من طرق عن محمد ابن طلحة بن مصرِّف، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الله بن شدّاد، عن أسماء بنت عُميس قالت: لما أُصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: \"تسلَّبي (^١٠) ثلاثًا ثم\n_________\n(^١) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٤.\n(^٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٤.\n(^٣) المسند ٤٥/ ٤٥٩ ح ٢٧٤٦٨.\n(^٤) الطبقات الكبرى ٤/ ٤١، ٨/ ٢٨٢.\n(^٥) مسند علي بن الجعد ١/ ٣٨٩ ح ٢٧١٤.\n(^٦) الإحسان ٧/ ٤١٨ ح ٣١٤٨.\n(^٧) شرح معاني الآثار ٣/ ٧٤ - ٧٥.\n(^٨) المعجم الكبير ٢٤/ ١٣٩ ح ٣٦٩.\n(^٩) السنن الكبرى ٧/ ٤٣٨.\n(^١٠) معناه البسي ثوب الحِداد، وهو السِّلاب، والجمع سُلُب. وتسلّبت المرأة إذا لبسته. وقيل هو ثوب أسود تُغطي به المُحِدّ رأسَها النهاية ٢/ ٣٨٧. ووقع في رواية ابن سعد، وابن حبان: تسلمي، وتكلف ابن حبان في تفسيرها، وإنما هو تصحيف نبه عليه الحافظ ابن حجر فتح الباري ٩/ ٤٨٨.","vol":"2","page":934},{"text":"اصنعي ما شِئتِ\".\nوفي رواية لأحمد (^١): دخل عليّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: \"لا تُحدِّي بعد يومك هذا\".\nورواه شعبة عن الحكم بن عُتبية، عن عبد الله بن شداد مرسلًا ليس فيه أسماء بنت عميس. أخرجه ابن حزم (^٢)، وذكره الدراقطني (^٣).\nفهذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في الإحداد، منها: حديث أم حبيبة وزينب بنت جحش، قال رسول الله ﷺ: \"لا يحل لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميّت فوق ثلاث ليالٍ، إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا\" أخرجاه (^٤). وفي حديث زينب: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر.\nومنها: حديث أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تُحدّ امرأةٌ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر عشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيبًا إلا إذا طهرت، نُبذةً من قُسْطٍ أو أظفارٍ (^٥) \". أخرجاه أيضًا (^٦). وفي لفظ: \"كنا ننهى أن نُحِدّ على ميت فوق ثلاث إلا على\n_________\n(^١) المسند ٤٥/ ٢٠ ح ٢٧٠٨٣.\n(^٢) المحلى ١٠/ ٢٨٠.\n(^٣) علل الدراقطني ٥/ق ١٧١.\n(^٤) صحيح البخاري ٩/ ٤٨٤ ح ٥٣٣٤، ٥٣٣٥، وصحيح مسلم ٢/ ١١٢٣ ح ١٤٨٦، ١٤٨٧.\n(^٥) قال الإمام النووي: النُّبذة بضم النون القطعة والشيء اليسير، أما القسط فبضم القاف، ويقال فيه: كست بكاف مضمومة بدل القاف، وبتاء بدل الطاء، وهو الأظفار نوعان معروفان من البخور، وليس من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع فيه أثر الدم لا للتطيب، والله أعلم. ا. هـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/ ١١٨ - ١١٩.\n(^٦) صحيح البخاري ٩/ ٤٩١ ح ٥٣٤١، صحيح مسلم ٢/ ١١٢٧ ح ٩٣٨ (٦٦، ٦٧).","vol":"2","page":935},{"text":"زوج، أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا … \".\nومنها: حديث عائشة عن النبي ﷺ قالت: \"لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوجها\" أخرجه مسلم (^١). ومثله عن حفصة أم المؤمنين (^٢).\nفردّ الإمام أحمد هذا الحديث بالشذوذ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه صحح إسناد الحديث (^٣)، ولم أره في شيء من الروايات التي وقفت عليها. وهذا يدل على أن العلة الإسنادية، وهي رواية شعبة للحديث مرسلًا، لم تقدح عنده في صحة الحديث. أما الدارقطني فقال: المرسل أصح.\nوقول الدارقطني وجيه، فإن محمد بن طلحة بن مصرف، وإن روى الحديث عنه الأكابر، فقد قال فيه النسائي: ليس بالقوي (^٤). وكذلك قال البيهقي (^٥). وقال أبو داود (^٦)، وابن حبان (^٧): يخطئ. واختلف قول ابن معين فيه: فعنه قال: صالح، وعنه: ضعيف (^٨).\nفمثل هذا إذا خالفه شعبة فالمحفوظ ما قاله شعبة.\nوممن ردّ هذا الحديث من أجل المخالفة المذكورة الإمام أبو حاتم الرازي، قال لما سئل عنه: \"فسّروه على معنييْن: أحدُهما أن الحديث ليس هو عن أسماء،\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٢/ ١١٢٧ ح ١٤٩١.\n(^٢) الموضع نفسه ح ١٤٩٠ (٦٤).\n(^٣) فتح الباري ٩/ ٤٨٧.\n(^٤) كتاب الضعفاء والمتروكين ص ٢٣٤ رقم ٥٤١.\n(^٥) السنن الكبرى ٧/ ٤٣٨.\n(^٦) سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود ١/ ٣٠١ رقم ٤٨٥.\n(^٧) الثقات ٧/ ٣٨٨.\n(^٨) انظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٢٠ - ٤٢١.","vol":"2","page":936},{"text":"وغلِط محمد بن طلحة، وانما كانت امرأة سواها، وقال آخرون: هذا قبل أن يَنْزِل العِدَد. قال ابن أبي حاتم: قال أبي: أشبه عندى - والله أعلم - أن هذه كانت امرأة سِوى أسماءَ، وكانت من جعفر بسبيل قرابة، ولم تكن امرأته لأن النبي ﷺ قال: \"لا تُحِدُّ امرأةٌ على أحد فوقَ ثلاث الا على زوج\" (^١).\nفكأنه يضيف الوهم إلى راويه حيث ذكر أن الأمر بترك الإحداد موجه إلى أسماء زوج جعفر.\nومن الآثار:\nقال ابن هانئ: \"سألت أبا عبد الله عن رجل صلّى بقومٍ فتقدّمه بعضُهم فصلّى قُدّامه، قال: من صلّى قُدّام الإمام يعيد الصلاةَ، قلت له: إن همامًا حدّث عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك أنه صلّى بهم في سفينة، وصلّى قومٌ قداّمَه، فلم ير بذلك بأسًا. قال أبو عبد الله: ليس يقول هذا غير هماّم. قال أبو عبد الله: أُخبرتُ أن هماّمًا رجع عن هذا الحديث بعدُ. ورواه شعبة، عن أنس بن سيرين، والثوري، عن أيوب، عن أنس بن سيرين لم يقولا كما قال هماّم. وقال: أذهب إلى أن من صلّى هذه الصلاة يُعيدها. وقال رسول الله ﷺ: \"إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا\"، فكيف يمكن هذا أن يسجد إذا سجد الإمام، والإمامُ خلفَه؟ ليس هذا بشيء يعيدها (^٢).\nلم أقف على رواية همام التي ذكرها الإمام أحمد ولا رواية شعبة، والثوري. وأخرج ابن حزم (^٣) معلقًا، من طريق وكيع ثنا حماد بن زيد ثنا أنس بن سيرين قال:\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٣٨ ح ١٣١٨.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ٦٦ رقم ٣٢٦، ومثله عند عبد لله في مسائل الإمام أحمد بروايته ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٧.\n(^٣) المحلى ٥/ ٧.","vol":"2","page":937},{"text":"\"خرجتُ مع أنس بن مالك إلى أرضه ببذق سيرين - وهي على رأس خمسة فراسخ - فصلّى بنا العصر في سفينة، وهي تجري بنا في دجلة قاعدا على بُساطٍ ركعتيْن ثم سلم، ثم صلّى بنا ركعتين ثم سلم\". وأخرج مثله ابن أبي شيبة، عن يونس، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك (^١). وليس في الروايتين أنهم صلوا قدّام الإمام، كما ذكر الإمام أحمد أن ذلك ليس في روايتي شعبة، والثوري.\nوخطّأ الإمام أحمد رواية همام لمخالفتها للحديث الصحيح عن النبي ﷺ: \"إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا\" أخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣) من حديث أنس بن مالك، وأخرجاه أيضًا من حديث أبي هريرة (^٤). فكيف يخالف أنس هذا الحديث ويدع قومًا يصلّون أمامه حيث لا يمكنهم الائتمام بالإمام؟.\nومن الآثار أيضًا:\nقال ابن هانئ: \"قرأت على أبي عبد الله: إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن علقمة قال: [أتيت ابن مسعود فيما بين رمضان إلى رمضان، فما رأيته في يوم صائمًا إلا يوم عاشوراء]. قال لي أبو عبد الله: وهمٌ من منصور إن شاء الله، جميع من روى عن ابن مسعود أنه لم يكن يصوم يوم عاشوراء\" (^٥).\nحديث منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن علقمة رواه النسائي (^٦).\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٦٨ ح ٦٥٦١.\n(^٢) صحيح البخاري ٢/ ١٧٣ ح ٦٨٩، ٢/ ٥٨٤ ح ١١١٣.\n(^٣) صحيح مسلم ١/ ٣٠٨ ح ٤١١.\n(^٤) صحيح البخاري ٢/ ٢١٦ ح ٧٣٤، صحيح مسلم ١/ ٣٠٩ ح ٤١٤.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ١٣٥ ح ٦٦٨.\n(^٦) السنن الكبرى ٢/ ١٥٩ ح ٢٨٤٨، ووقع تصحيف في النسخة المطبوعة، فوقع مكان: \"إلا يوم عاشوراء\"، فقال: \"ولا يوم عاشوراء\"، وهو خطأ، والصفحة نفسها مليئة بتصحيفات أخرى.","vol":"2","page":938},{"text":"وذكر الإمام أحمد أن هذا وهمٌ من منصور بن عبد الرحمن الغدّاني (^١)، لأن جميع من روى عن ابن مسعود يقولون إنه لم يكن يصوم يوم عاشوراء. من ذلك ما رواه الشيخان (^٢)، من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: [دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرك، فإن كنت مفطرًا فاطعم].\nولعل هذا مما أشار إليه الإمام أحمد أن منصور يخالف في أحاديث.\nومن الآثار أيضًا:\nقال عبد الله: \"حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين: \"لا بأس بشرب الترياق\" (^٣). سمعت أبي يقول: هذا خطأ، كان محمد يكرهه، المعروف عن خالد، عن محمد أنه كرهه، أخطأ فيه وكيع\" (^٤).\nخطّأ الإمام أحمد وكيعًا في هذه الرواية لأن المعروف عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين خلاف ما ذكره وكيع، فقد روى ابن علية عن خالد، عن ابن سيرين - قال: وذكرته له - فقال: \"أوليس قد نهي عن كل ذي ناب، فهي ذات أنياب وحمة\" (^٥).\n_________\n(^١) قال عنه أحمد: صالح، روى عنه شعبة. قال له عبد الله: ثقة؟ قال: حدث عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به بأس. ووثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به الجرح والتعديل ٨/ ١٧٥.\nوقال ابن حجر: صدوق يهم تقريب التهذيب ٦٩٥٣.\n(^٢) صحيح البخاري ٨/ ١٧٨ ح ٤٥٠٣، صحيح مسلم ٢/ ٧٩٤ ح ١١٢٧ (١٢٤).\n(^٣) الترياق ما يُستعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين، وهو معرب النهاية ١/ ١٨٨. وفي القاموس: دواء مركب بزيادة لحوم الأفاعي فيه القاموس المحيط ١١٢٤.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٠١ رقم ٢٧٩٢.\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٥٦ ح ٢٣٦٦٠.","vol":"2","page":939},{"text":"وعن ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: \"أمر ابن عمر بالترياق فسُقي، ولو علم فيه ما فيه ما أمر به\" (^١).\nوعن أبي أسامة، عن هشام، عن محمد \"أنه كرهه يعني الترياق\" (^٢).\nمخالفة الرواية للإجماع:\nومما أنكره الإمام أحمد لمخالفته للإجماع:\nقال الخلال: أخبرنا الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين فذكروا له حديث عائشة في قصة ابن الأنصاري وقول النبي ﷺ فيه، فمسعت أبا عبد الله غير مرّة يقول: هذا حديث! وذكر فيه رجلًا ضعفه: طلحة. وسمعته يقول: وأحد يشكّ أنهم في الجنة، هو يُرجى لأبيه، كيف يُشك فيه؟ إنما اختلفوا في أطفال المشركين\" (^٣).\nحديث عائشة الذي ذكر في هذا السؤال هو ما رواه طلحة بن يحيى القرشي، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن أم المؤمنين عائشة قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جَنازَة صبيٍّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طُوبى لهذا، عُصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوءَ ولم يُدركْه. قال: \"أوَ غيرَ ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنَّار أهلًا، خلقهم لها وهُم في أصلاب آبائهم\" رواه مسلم (^٤)، من حديث وكيع - وهذا لفظه - وأبو داود (^٥)، والنسائي (^٦)، واللالكائي (^٧)، ثلاثتهم من حديث الثوري،\n_________\n(^١) المصدر نفسه ٥/ ٥٧ ح ٢٣٦٦١.\n(^٢) الموضع نفسه ح ٢٣٦٦٢.\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٥٣ رقم ١٠.\n(^٤) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٥٠ ح ٢٦٦٢ (٣١).\n(^٥) السنن ٥/ ٨٦ ح ٤٧١٣.\n(^٦) السنن الكبرى ١/ ٦٣٣ ح ٢٠٧٤.\n(^٧) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/ ٦٠٢ رقم ١٠٧٢.","vol":"2","page":940},{"text":"وابن ماجه (^١) من حديث وكيع أيضًا، وأحمد (^٢)، والحميدي (^٣)، والطحاوي (^٤) ثلاثتهم من حديث ابن عيينة؛ كلهم عن طلحة بن يحيى بمثله.\nوأنكر الإمام أحمد هذا الحديث بقوله: \"هذا حديث! \"، ومحل الإنكار منه في الحديث ما ذُكر من قول النبي ﷺ: \"أوَ غيرَ ذلك يا عائشة! \"، فإن فيه إستدراكًا لما قالته عائشة في الصبي الذي توفي وهو من أولاد الأنصار: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فهذا الاستدراك يقتضي أن أولاد المسلمين ليسوا جميعًا من أهل الجنة، فأنكره الإمام أحمد لمخالفته الإجماع، ويفهم الإجماع من قول الإمام أحمد: \"إنما اختلفوا في أولاد المشركين\"، فمفهومه أنهم لم يختلفوا في أولاد المسلمين. وقد نقل ابن قُدامة عن أحمد التصريح بذلك، قال: \"سئل أبو عبد الله عن أطفال المسلمين فقال: ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة\" (^٥).\nوهذا الإجماع دلت عليه نصوص، منها ما أشار إليه أحمد: أنه يرجى لأبيه، كيف يشك فيه؟ يشير إلى حديث أبي هريرة: \"لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم\" (^٦)، وروي في هذا المعنى عن غيره من الصحابة. وذلك أن من كان سببًا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يُحجب هو لأنه أصل الرحمة وسببها (^٧).\nوجاء في حديث أبي هريرة من وجه آخر: قال رسول الله ﷺ: \"ما من\n_________\n(^١) السنن ١/ ٣٢ ح ٨٢.\n(^٢) المسند ٤٠/ ١٦٠ ح ٢٤١٣٢.\n(^٣) مسند الحميدي ١/ ١٢٩ ح ٢٦٥.\n(^٤) شرح معاني الآثار ١/ ٥٠٧.\n(^٥) المغني ١٣/ ٢٥٤.\n(^٦) أخرجه البخاري ١١/ ٥٤١ ح ٦٦٥٦، ومسلم ٤/ ٢٠٢٨ ح ٢٦٣٢.\n(^٧) قاله ابن المنير فتح الباري ٣/ ٢٤٤.","vol":"2","page":941},{"text":"مسلميْن يموت لهما ثلاثة من أولادٍ لم يبلغوا الحِنث إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة\". قال: \"يُقال لهم: ادخلوا الحنة، قال: فيقولون: حتى يجيء أبوانا\"، قال: ثلاث مرات. فيقولون مثل ذلك. قال: فيقال لهم: \"ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم\". أخرجه النسائي (^١)، وأحمد (^٢)، والبيهقي (^٣) من طرق عن عوف الأعرابي، عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة به .. وروى البخاري (^٤) من حديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحِنث أدخله وإياهم بفضل رحمته الجنة\".\nوذكر الميموني في هذا السؤال أن أحمد ضعّف راوي الحديث طلحة، وهو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي. قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروى أحاديث مناكير، وطلحة يحدث بحديث: \"عصفور من عصافير الجنة\" \" (^٥).\nقال الذهبي عن حديث طلحة هذا: هو مما ينكر من حديثه، لكن أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (^٦).\nوإنما ينكر عليه صدر الحديث الذي تقدمت الإشارة إلى أنه محل إنكار الإمام أحمد، وهو استدراك النبي ﷺ لعائشة في قولها، أما آخره فليس بمنكر، لأنه قد تابعه عليه غيره. فروى مسلم (^٧) من طريق جرير بن عبد الحميد الضبي، عن العلاء بن المسيب، عن فضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة\n_________\n(^١) السنن ٤/ ٢٥ ح ١٨٧٥.\n(^٢) المسند ١٦/ ٣٦٤ ح ١٠٦٢٢.\n(^٣) السنن الكبرى ٤/ ٦٨.\n(^٤) الأدب المفرد ح ١٥١، وهو في صحيح الأدب المفرد برقم ١١٣.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١١ رقم ١٣٨٠.\n(^٦) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٦٢.\n(^٧) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٥٠ ح ٢٦٦٢ (٣٠).","vol":"2","page":942},{"text":"أم المؤمنين قالت: توفي صبيٌّ فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله ﷺ: \"أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا\". وأخرجه إسحاق (^١)، وابن حبان (^٢) من هذا الوجه.\nوتابعه أيضًا يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة بمثله. أخرجه الطيالسي، عن قيس بن الربيع، عن يحيى بن إسحاق (^٣).\nفقد توبع طلحة بن يحيى على آخر الحديث دون قوله في أوله: \"أو غير ذلك\".\nوقد أشار العقيلي إلى هذا التفصيل قال: \"آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس بأسانيد جياد، وأوله لا يحفظ إلا من هذا الوجه\" (^٤).\nولعل هذا وجه تقديم الإمام مسلم لرواية فضيل بن عمرو التي ليس فيها اللفظة المنكرة مع نزوله فيها على رواية طلحة بن يحيى، على عادته في تأخير الأحاديث المعلّة.\nوممن أنكر الحديث من الوجه الذي أنكره الإمام أحمد الحافظ ابن عبد البر؛ قال: \"وفي ذلك أيضًا دليل واضح على سقوط حديث طلحة بن يحيى - يعني هذا الحديث - وهذا حديث ساقط ضعيف، مردود بما ذكرناه من الآثار والإجماع، وطلحة بن يحيى ساقط ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرّج عليه\" (^٥).\n_________\n(^١) مسند إسحاق بن راهويه ٢/ ٤٤٧ ح ١٠١٦.\n(^٢) الإحسان ١/ ٣٤٨ ح ١٣٨.\n(^٣) مسند الطيالسي ص ٢٢٠ ح ١٥٧٤.\n(^٤) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦١٦.\n(^٥) التمهيد ٦/ ٣٥٠ - ٣٥١.","vol":"2","page":943},{"text":"مخالفة الراوية للواقع:\nومما أنكره لمخالفته للواقع:\nقال صالح بن أحمد بن حنبل: \"وسألته عن حديث رواه نصير بن حمد البرازي، صاحب ابن المبارك، عن عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدي، عن أنس ابن مالك رفعه، قال: [من أقرّ بالخراج وهو قادرٌ على أن لا يُقِرّ به فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا] فقال: ما سمعنا بهذا، هذا حديث منكر، وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يَكره الدخول في الخراج، وقال: إنما كان الخراج على عهد عمر\" (^١).\nلم أجد حديث أنس هذا، وروى يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان بن سعيد، عن الزبير بن عدي، عن رجل من جُهينة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أقرّ بالخراج بعد أن أنقذه الله ﷿ منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" (^٢) قال ابن رجب: وهذا أشبه، والجهني مجهول (^٣) رجحه لأن عثمان بن زائدة وإن كان ثقة (^٤) إلا أن الثوري أوثق منه، فقوله أشبه بالصواب.\nوالإمام أحمد أنكره لمخالفته للواقع، وذلك أن الخراج لم يكن في زمن النبي ﷺ، وإنما كان في زمن عمر (^٥)، فكيف يأتي الوعيد على المقرّ به وهو لم يكن بعدُ؟\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ١/ ٢٨٠ رقم ٢٢٢. ونقل ابن أبي حاتم هذا السؤال عن صالح في \"علل ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٤١ ح ٢٨٣٠. وذكر ابن رجب عن الميموني أنه كتب إلى أحمد يسأله عن هذا الحديث فأجابه بنحو ما ذكره هنا الاستخراج لأحكام الخراج ٧.\n(^٢) الخراج ليحيى بن آدم القرشي ص ٥٤ ح ١٥٠.\n(^٣) الاستخراج لأحكام الخراج ص ٨.\n(^٤) قال عنه ابن حجر: ثقة زاهد تقريب التهذيب ٤٤٩٩.\n(^٥) انظر: أحكام أهل الذمة ١/ ١٠٧.","vol":"2","page":944},{"text":"وقد جاء عن الإمام أحمد استنكار لبعض الأحاديث للمخالفة والظاهر أن ذلك ليس بمعنى التضعيف لها، أو يكون بمعنى التضعيف ويكون قوله في ذلك متعقَّب.\nفمثال الأول:\nقال عبد الله: \"حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا زرعة يحدّث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"يُهلك أمتي هذا الحيُّ من قُريش\"، قالوا: فما تأمرُنا يا رسول الله؟ قال: \"لو أن الناس اعتزلوهم\". قال عبد الله بن أحمد: وقال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي ﷺ، يعني قوله: \"اسمعوا وأَطيعوا واصبِروا\" (^١).\nقال المرّوذي: \"وقد كنت سمعته يقول: هو حديث رديء، يحتج به المعتزلة في ترك الجمعة\" (^٢).\nحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا البخاري (^٣)، ومسلم (^٤) كلاهما من طريق شعبة به.\nوالذي أنكره الإمام أحمد هو قوله: \"لو أن الناس اعتزلوهم\"، فقد وقع السؤال في موضع آخر على هذه اللفظة كما في \"كتاب الورع\" (^٥)، فأجاب بما ذكره المرّوذي، وهو راوي \"كتاب الورع\" عن الإمام أحمد.\n_________\n(^١) المسند ١٣/ ٣٨١ - ٣٨٣ ح ٨٠٠٥، ونقله الخلال المنتخب من العلل للخلال ص ١٦٣ رقم ٨٤.\n(^٢) المنتخب من العلل للخلال الموضع نفسه.\n(^٣) صحيح البخاري ٦/ ٦١٢ ح ٣٦٠٤.\n(^٤) صحيح مسلم ٤/ ٢٢٣٦ ح ٢٩١٧.\n(^٥) كتاب الورع ص ٣٦.","vol":"2","page":945},{"text":"وقد رُوي الحديث عن أبي هريرة من وجوه أخرى بدون هذه الزيادة التي أنكرها الإمام أحمد، وقد ذكر أنه من غرائب حديث شعبة (^١).\nفأخرجه البخاري من حديث عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: [كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: \"هلاك (^٢) أمتي على يدي غِلَمةٍ من قُريش\". فقال مروان: غلمة؟ قال أبو هريرة: لو شيت أن أسمِّيهم، بني فلان، وبني فلان] (^٣).\nوروي من حديث شعبة، وسفيان، وابن أبي زائدة عن سماك، عن مالك ابن ظالم، عن أبي هريرة بمثله (^٤)؛ ومن حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٥)؛ ومن حديث عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة (^٦).\nلكن شعبة روى الحديثين، فذكر حديث مالك بن ظالم بدون الزيادة، وذكرها في حديث أبي التياح، عن أبي زرعة، ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح من إخراج روايته.\nوأنكره الإمام أحمد لأن ظاهره مخالف للأحاديث التي وردت بالأمر بعدم الخروج عن طاعة ولي الأمر وإن كان ظالمًا، وهي كثيرة ومن أصول أهل السنة،\n_________\n(^١) فتح الباري ٦/ ٦١٥.\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر: والمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن. ا. هـ. فتح الباري ١٣/ ١٠.\n(^٣) صحيح البخاري ٦/ ٦١٢ ح ٣٦٠٥.\n(^٤) أخرجه أحمد ١٩/ ٢٥٥ ح ٧٨٧١ من حديث سفيان، و١٩/ ٣٥٢ ح ٧٩٧٤ من حديث شعبة. وأخرجه إسحاق من حديث ابن أبي زائدة مسند إسحاق ١/ ٣٥٨ ح ٣٦٢. وأخرجه ابن حبان ١٥/ ١٠٨ ح ٦٧١٣، والحاكم المستدرك ٤/ ٥٢٧ كلاهما من طريق شعبة.\n(^٥) أخرجه ابن حبان ١٥/ ١٠٧ ح ٦٧١٢.\n(^٦) أخرجه الحاكم المستدرك ٤/ ٤٧٩.","vol":"2","page":946},{"text":"وقد أساء فهم هذا الحديث طائفة المعتزلة فتركوا حضور الجمعة.\nوالأقرب أن أمر الإمام أحمد بالضرب على هذا الحديث ليس تضعيفًا له، ولكن للنهي عن التحديث به خوفًا من أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في مخالفات أشدّ. وقد ذُكر عنه أنه كان يكره التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان (^١)، فالظاهر أن هذا منه، والله أعلم.\nومثال ما استنكره من أجل المخالفة وتعقّب قوله فيه:\nقال أبو داود: \"سمعت أحمد ذكر حديث صالح بن كيسان، عن الحارث ابن فُضيل الخطمي، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن الحكم، عن عبد الرحمن بن المِسوَر بن مخرمَة، عن أبي رافع، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي ﷺ: \"يكون أمراء يقولون ما لا يفعلون، فمن جاهدهم بيده\". قال أحمد: جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، والحارث بن فُضيل ليس بمحمود الحديث، وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ: \"اصبروا حتى تلقَوني\" (^٢).\nحديث ابن مسعود رواه مسلم (^٣) من طريق صالح بن كيسان بهذا الإسناد، ومتنه: \"ما من نبيٍ بعثه اللهُ في أُمّة قبلي إلا كان له من أمتِهِ حَواريُّونَ وأصحابٌ يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُفُ من بعدهم خُلوفٌ، يقولون مالا يَفعلون، ويَفعلون ما لا يُؤمَرون، فمن جاهَدَهم بيده فهو مُؤمن، ومن جاهَدَهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهَدَهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراءَ\n_________\n(^١) فتح الباري ١/ ٢٣٥.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٨ رقم ١٩٥٠. ورواه الخلال كما في \"السنة\" ١/ ١٤٢ ح ١٠٥ وفي \"المنتخب من العلل للخلال\" ص ١٦٩ - ١٧٠.\n(^٣) صحيح مسلم ١/ ٦٩ ح ٥٠.","vol":"2","page":947},{"text":"ذلك من الإيمان حبّةُ خَردَل\". قال أبو رافع فحدثت عبدَ الله بن عمر فأنكره عليّ، فقدِم ابنُ مسعود، فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبدُ الله بن عمر يعوده، فانطلقتُ معه، فلما جلسنا سألت ابنَ مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابنَ عمر. قال صالح وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع].\nوقد رواه من هذا الوجه أيضًا أحمد (^١)، وابن مندة (^٢)، والبيهقي (^٣). ورواه من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن الحارث بن فضيل أبو عوانة (^٤) وابن حبان (^٥)، والطبراني (^٦) وأبو نعيم (^٧). ورواه أحمد (^٨) من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي، عن الحارث بن فضيل به.\nولم ينفرد به الحارث بن فضيل، فقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود، فروى الإمام أحمد (^٩) من طرق عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عامر بن السِّمط، عن معاوية بن إسحاق، عن عطاء بن يسار، عن ابن مسعود فذكره مختصرًا. وهكذا رواه البزار (^١٠) أيضًا. ورواه بطوله ابن حبان (^١١). وصرح عطاء بن يسار في روايته بالسماع من ابن مسعود (^١٢)، وخطّأ\n_________\n(^١) المسند ٧/ ٣٧٨ ح ٤٣٧٩.\n(^٢) الإيمان ١/ ٣٤٥ ح ١٨٣.\n(^٣) السنن الكبرى ١٠/ ٩٠.\n(^٤) مسند أبي عوانة ١/ ٤٣ ح ٩٨.\n(^٥) الإحسان ١٤/ ٧١ ح ٦١٩٣.\n(^٦) المعجم الكبير ١٠/ ١٣ ح ٩٧٨٤.\n(^٧) المستخرج على صحيح مسلم ١/ ١٣٧ ح ١٧٧.\n(^٨) المسند ٧/ ٤١١ ح ٤٤٠٢.\n(^٩) المسند ٧/ ٣٧٤ ح ٤٣٦٣.\n(^١٠) مسند البزار ٥/ ٢٨١ ح ١٨٩٦.\n(^١١) الإحسان ١/ ٤٠٣ ح ١٧٧.\n(^١٢) قال ذلك معاذ بن معاذ عن عاصم، وتابعه عبد الواحد بن زياد عند ابن أبي حاتم في المراسيل","vol":"2","page":948},{"text":"ذلك أبو حاتم (^١). وقال البخاري: يقال سمع منه (^٢). وذكر ابن سعد أنه سمع منه (^٣)، ونقل الذهبي مثل ذلك عن أبي داود (^٤).\nواستنكر الإمام أحمد هذا الحديث في هذه الرواية بأنه خلاف الأحاديث التي رواها ابن مسعود والتي أمر رسول الله ﷺ فيها بالصبر على جور الأئمة، ولولا كلامه في الحارث بن فضيل راوي الحديث لقلنا في هذا مثل ما سبق في الذي قبله، أن استنكاره من باب كراهية التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على الوُلاة. لكن لما قال في الحارث بن فُضيل إنه ليس بمحمود الحديث في معرض استنكاره للحديث الذي رواه، دلّ ذلك على طعنه في صحته. والحارث بن فضيل وثقه ابن معين، والنسائي (^٥)، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل المدينة (^٦)، ولم يلتفت النقاد المتأخرون إلى قول الإمام أحمد في الحارث فوثقه كلٌ من الذهبي، وابن حجر (^٧)، وقال ابن الصلاح: روى عنه جماعة من الثقات، ولم نجد له ذكرًا في كتب الضعفاء (^٨). ثم أنه لم ينفرد به كما تقدم.\n_________\nص ١٥٦. وخالفهما أبي النضر هاشم بن القاسم فرواه بالعنعنة، وهي رواية أحمد الموضع نفسه.\nومما يرجح قول أبي النضر ما ذكره الدارقطني أن ابن لهيعة خالف معاوية بن إسحاق، فرواه من وجه آخر عن عطاء، عن أبي واقد، عن ابن مسعود، وقال: ذكر أبي واقد أصح علل الدارقطني ٥/ ٣٤٢. وابن لهيعة ليس ممن يرجح قوله على مثل معاوية بن إسحاق الذي وثقه أحمد والنسائي تهذيب الكمال ٢٨/ ١٦١، والله أعلم.\n(^١) المراسيل ٥٧٢.\n(^٢) التاريخ الكبير ٦/ ٤٦١.\n(^٣) الطبقات الكبرى ٥/ ١٧٣.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩.\n(^٥) الجرح والتعديل ٣/ ٨٦، تهذيب الكمال ٥/ ٢٧١.\n(^٦) مشاهير علماء الأمصار ١/ ١٣٠.\n(^٧) الكاشف ٨٦٩، تقريب التهذيب ١٠٤٩.\n(^٨) صيانة صحيح مسلم ص ٢٠٩.","vol":"2","page":949},{"text":"وتولى ابن رجب الإجابة عن هذا الاستنكار فقال: \"التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نص على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح … وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يُخشى منه أن يقتل الآمر وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين\" (^١).\nفقد عاد الأمر إلى عدم تحقيق المخالفة لأن الجمع بين ما ظاهره التعارض ممكن، والجمع بين الأحاديث بحيث يحمل كل حديث على المعنى اللائق به فلا تتضارب معانيها منهج ثابت عند الإمام أحمد (^٢)، وقد يكون ما ذكره ابن رجب من تفسيره للتغيير رجوعًا منه عن استنكار الحديث وجمعًا بين الحديثين المتعارضين في الظاهر، والله أعلم.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٦٣.\n(^٢) انظر مسائل صالح ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٧ رقم ٨٧١.","vol":"2","page":950},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية</span>","vol":"2","page":951},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>المبحث الأول: نماذج من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات</span>.\nوالأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات تأتي على أنواع، بعضها تقع في الإسناد وبعضهما في المتن، وبعضها فيمها معًا، وقد تقدح في صحة الحديث وقد لا تقدح. وقد اعتنى الأئمة النقاد بما فيهم الإمام أحمد بذكر هذه الأخطاء في مصنفاتهم في العلل، وسألهم تلاميذهم عنها في كتب سؤالاتهم فكشفوها، ويُلتمس من خلال ذلك الوسائل التي سلكوها للكشف عن تلك الأخطاء.\nولما كانت الأخطاء التي تقع في أحاديث الثقات مَردُّها إلى الوهم والغلط النادر الذي لا يسلم منه بشر، والأوهام والأخطاء لا حصر لأنواعها، إلا أن العلماء درجوا على تسمية بعض الأوهام والأخطاء بأسماء خاصة يندرج تحت كل جنس جملة كثيرة من الأفراد، فسلكت في هذا المبحث إيراد الأخطاء على أنواع يندرج تحت كل نوع عدد من النماذج كما وردت عن الإمام أحمد.","vol":"2","page":953},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>المطلب الأول: أخطاء الحفاظ في الأسماء</span>.\nوهذا من أنواع الأخطاء الواقعة في الأسانيد، ولأهمية السلامة من الوقوع فيها اعتنى الأئمة النقاد بمعرفة المتشابه من الأسماء والألقاب والكنى، والتمييز بين الأسماء المتفقة لفظًا وخطًا والمفترقة في المسميات. وقد ذكر الإمام أحمد عن هشيم قال: \"زعم لي بعضهم قال: كتب الحجاج أن يؤخذ إبراهيم بن يزيد إلى عامله، فلما أتاه الكتابُ قال: فكتب إليه: أن قِبَلَنا إبراهيم بن يزيد التيمي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، فأيهما يُنفذ؟ قال: فكتب أن: خُذهما جميعًا. قال هشيم: أما إبراهيم النخعي، فلم يُوجد حتى مات، وأما إبراهيم التيمي فأُخذ","vol":"2","page":953},{"text":"فمات في السجن\" (^١)، فلعدم التمييز بينهما لتشابههما في الأسماء وقع الخلط، فكذلك يقع في أسانيد الأحاديث، وإذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا فالذي يترتب على الخلط يكون أشد. مثال ذلك ما ذكره أبو طالب عن الإمام أحمد: \"كل شيء روى ابنُ جُريج عن عمر بن عطاء، عن عِكرمة فهو: عمر بن عطاء بن وَزار، وكل شيء روى ابن جُريج عن عمر بن عطاء عن ابن عباس فهو عمر بن عطاء بن أبي الخُوار، كان كبيرًا. قيل له: أيروي ابن أبي الخُوار عن عِكرمة؟ قال: لا، من قال: عمر ابن عطاء بن أبي الخُوار، عن عِكرمة فقد أخطأ، إنما روى عن عِكرمة عمر بن عطاء ابن وَزار، ولم يرو ابن أبي الخُوار عن عكرمة شيئًا\" (^٢)، وعمر بن عطاء بن وَزار ليس بقوي في الحديث (^٣)، وعمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة (^٤).\nوالأخطاء من هذا النوع من أشد أنواع الأخطاء في الأسماء، لأنها تؤدي إلى تصحيح ما هو ضعيف، وأو تضعيف ما صحيح.\nودونها الأخطاء في تسمية الراوي بما ليس اسمه فيؤدي إلى تجهيله، وهذا يقع كثيرًا من الثقات، بل حتى من الحفاظ البارزين. وقد قال أحمد: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال (^٥). وقال أيضًا: كان غلط شعبة في أسماء الرجال (^٦). وقد قال أبو داود: وشعبة يخطئ فيما لا يضره ولا يُعاب عليه، يعني في الأسماء (^٧).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٣٧ رقم ١٦.\n(^٢) تهذيب الكمال ٢١/ ٤٦٤.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣١٧ رقم ٥٤٠٩.\n(^٤) وثقه ابن معين، وأبو زرعة تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٦٢.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(^٦) الجرح والتعديل ٤/ ٣٧٠.\n(^٧) شرح علل الترمذي ١/ ٤٥٠.","vol":"2","page":954},{"text":"ومن نماذج الأخطاء التي ذكرها الإمام أحمد لبعض الثقات من هذا النوع:\n١. قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن حماد، قال: أخبرنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدس أبي مصعب العقيلي، عن عمّه أبي رزين وهو لقيط بن عامر المُنتَفِق أنه قال: يا رسول الله، إن كنا نذبح في رجب ذبائح فنأكل منها، ونطعِم من جاءنا، فقال رسول الله ﷺ: \"لا بأس بذلك\". فقال وكيع: فلا أدعُها أبدًا. حدثني أبي: قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد، وبَهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدْس، عن عمِّه أبي رُزَيْن العُقيلي قلت: يا رسول الله، كيف نرى ربَّنا، فذكر الحديث. وأظن أبي قال: في كتاب الأشجعي، عن سفيان، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدس. حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدس، عن عمِّه أبي رُزيْن. حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدس، عن عمّه أبي رُزيْن. قال أبي الصواب ما قال حماد بن سلمة،\nوأبو عوانة، وسُفيان قالوا: وكيع بن حُدس، وكان الخطأ عنده ما قال شعبة، وهُشيم. وأظنه قال: هُشيم كان يُتابِع شُعبة\" (^١).\nففي هذا النص التنصيص على خطأ شعبة في اسم وكيع بن حُدس، حيث يقول فيه: وكيع بن عُدس بالعين المهملة، وإنما هو بالحاء المهملة كما قال ذلك حماد بن سلمة، وأبو عوانة، وسفيان الثوري من كتاب عبيد الله الأشجعي، والمسمى واحد. ومتابعة هشيم لشعبة ليس فيها تقوية لرواية شعبة، لأنه أخذ ذلك عن شعبة كما قال الإمام أحمد. وقال أبو داود: قال أحمد: وهم هُشيم، أخذه عن شعبة (^٢). وأما الترمذي فرجح قول شعبة (^٣).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩ رقم ٥٨٢٤ - ٥٨٢٧.\n(^٢) تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٨٥.\n(^٣) الجامع ٤/ ٥٣٦.","vol":"2","page":955},{"text":"ووكيع بن حُدس لم يوثقه إلا ابن حبان (^١). وقال عنه الذهبي: لا يعرف، تفرد عنه يعلى بن عطاء (^٢). فهو آفة الأحاديث التي وردت في السؤال، وقد أخرجها أحمد (^٣).\n٢. قال ابن هانئ: \"سمعت أبا عبد الله يقول: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال، وذكر له حديث عبد ربه عن عمران بن أبي أنس: حديث [الصلاة مثنى مثنى، تشهّدُ في كل ركعتين وتخشعُ وتضرّعُ وتمسكَنُ] فقال هو: أنس بن أبي أنس، وإنما هو الصحيح: عِمران بن أبي أنس\" (^٤).\nحديث شعبة أخرجه أبو داود (^٥)، والنسائي (^٦)، وابن ماجه (^٧)، وأحمد (^٨)، وابن خزيمة (^٩) من طرق عنه، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب عن النبي ﷺ قال: \"الصلاة مثنى مثنى، وتشَّهدُ قي كل ركعتين، وتباءسُ، وتمسكنُ، وتُقنِعُ يديك وتقول: اللهم اللهم، فمن لم يفعل ذلك فهي خِداج\".\nفذكر أحمد أن شعبة أخطأ في قوله: أنس بن أبي أنس، وأن الصحيح إنما هو عِمران بن أبي أنس؛ هكذا رواه الليث بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد، عن\n_________\n(^١) الثقات ٥/ ٤٩٦.\n(^٢) ميزان الاعتدال ٩٣٥٥.\n(^٣) المسند ٢٦/ ١١٨ ح ١٦٢٠٢، ١٦٢٠٤، ٢٦/ ١١١ ح ١٦١٩٢، ٢٦/ ١١٦ ح ١٦١٩٨، ٢٦/ ١٠٠ ح ١٦١٨٢، ٢٦/ ١١٢ ح ١٦١٩٣.\n(^٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦ رقم ٢٣٧٤.\n(^٥) السنن ٢/ ٦٦ ح ١٢٩٦.\n(^٦) السنن الكبرى ١/ ٢١٢ ح ٦١٦.\n(^٧) السنن ١/ ٤١٩ ح ١٣٢٥.\n(^٨) المسند ٢٩/ ٦٦ ح ١٧٥٢٣ ح ١٧٥٢٤ ح ١٧٥٢٨ ح ١٧٥٢٩.\n(^٩) صحيح ابن خزيمة ٢/ ٢٢٠ ح ١٢١٢.","vol":"2","page":956},{"text":"عمران بن أبي أنس (^١).\nوقال الفضل بن زياد: \"سمعت أبا عبد الله وذكر له أبو جعفر حديث عمران بن أبي أنس، فقال أبو عبد الله: الحديث حديث الليث بن سعد، أنس بن أبي أنس من هذا؟ معروف عمران بن أبي أنس\" (^٢).\nوذكر البخاري أن الليث قد توبع (^٣).\nوقال أبو حاتم: \"ما يقول الليث أصح، لأنه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وعمرو والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ\" (^٤).\nوقد خولف شعبة في مواضع أخرى في روايته لهذا الحديث غير ما ذكره، لم يذكرها الإمام أحمد، وذكرها البخاري (^٥)، وأبو حاتم (^٦). والحديث ضعفه البخاري (^٧)، وحسنه أبو حاتم (^٨)، والقول ما قال البخاري.\nوفي هذا إشارة إلى ما سبق ذكره من أنه يترتب على خطأ الرواة في الأسماء تجهيل رواة معروفين، وذلك حيث قال الإمام أحمد: \"أنس بن أبي أنس! من هذا؟ معروف عمران بن أبي أنس\". فكأنه يشير إلى أن رواية شعبة جاءت براوٍ مجهول بينما الراوي في واقع الأمر شخص آخر معروف.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي ٢/ ٢٢٥ ح ٣٨٥، والنسائي السنن الكبرى ١/ ٢١٢ ح ٦١٥، وأحمد ٣/ ٣١٥ ح ١٧٩٩.\n(^٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٠٢.\n(^٣) التاريخ الكبير ٣/ ٢٨٣.\n(^٤) علل ابن أبي حاتم ١/ ١٣٢.\n(^٥) جامع الترمذي ٢/ ٢٢٦.\n(^٦) الموضع السابق.\n(^٧) قال في التاريخ الكبير ٥/ ٢١٣ في عبد الله بن نافع بن العمياء: لم يصح حديثه. وقال عنه ابن المديني: مجهول تهذيب الكمال ١٦/ ٢٠٧.\n(^٨) علل ابن أبي حاتم الموضع نفسه.","vol":"2","page":957},{"text":"٣. قال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: كذا قال عندر، وأظن شعبة أخطأ في اسمه، في حديث شعبة، عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن عاصم بن قتادة، عن محمود، عن رافع عن النبي ﷺ: \"أسفِروا بالصُّبح\"، قال أبي: وإنما هو عاصم ابن عمر بن قتادة\" (^١).\nروى حديث شعبة الحجاج بن المنهال (^٢)، وأبو داود الطيالسي (^٣)، وعمر ابن حفص الحوضي (^٤)، وبقية بن الوليد (^٥) كلهم عن شعبة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج على الصواب في تسمية شيخ ابن إسحاق.\nوكذلك رواه غير واحد عن ابن إسحاق، منهم: عبدة بن سليمان (^٦)، ويعلى بن عبيد (^٧)، وزائدة بن قدامة (^٨)، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد (^٩)، فكلهم قالوا في اسم شيخ محمد بن إسحاق: عاصم بن عمر بن قتادة.\nولم أقف على من تابع غندر عن شعبة في قوله: عمر بن عاصم بن قتادة، فالظاهر أن الخطأ منه لا من شعبة كما ظن الإمام أحمد، بدليل من ذكره عن شعبة على الصواب، وهم عدد.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٦٠ رقم ١٨٦٧.\n(^٢) حديثه عند الدارمي ١/ ٢٧٧.\n(^٣) وهو في مسنده ١٢٩ ح ٩٥٩.\n(^٤) حديثه في المعجم الكبير ٤/ ٢٥٠ ح ٤٢٨٦.\n(^٥) وحديثه في الآحاد والمثاني ٤/ ١٢٠ ح ٢٠٩١.\n(^٦) جامع الترمذي ١/ ٢٨٩ ح ١٥٤.\n(^٧) عند عبد بن حميد في مسنده ص ١٥٨ ح ٤٢٢.\n(^٨) المعجم الكبير ٤/ ٢٥٤ ح ٤٢٨٨.\n(^٩) كلاهما عند ابن حبان الإحسان ٤/ ٣٥٧ ح ١٤٩٠.","vol":"2","page":958},{"text":"قال عبد الله: \"حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، عن مالك بن أنس، عن عبيد الله بن أبي بكر الثقفي عن أنس: \"غدونا مع النبي ﷺ في هذا اليوم، فكان يُهلّ المُهِلُ ويُكبّر المُكبّر فلا يَعيب أحدُهما على صاحبِه\". حدثني أبي قال: حدثنا ابن مهدي، عن مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي، قال أبي: وهذا أخطأ فيه وكيع، إنما هو محمد بن أبي بكر الثقفي\" (^١).\nحديث مالك رواه عدد كثير من الرواة عنه، عن محمد بن أبي بكر الثقفي (^٢)، أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من مِنىً إلى عرفة: \"كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ؟ فقال: كان يُهِلّ منا المُهِلّ فلا يُنكر عليه، ويُكبّر منا المُكبّر فلا يُنكر عليه\" فرواه عبد الرحمن بن مهدي كما ذكره أحمد (^٣)، ويحيى بن يحيى الليثي (^٤)، وأبو مصعب الزهري (^٥)، وأبو نعيم (^٦)، وعبد الله بن يوسف التنيسي (^٧)، ويحيى بن يحيى النيسابوري (^٨)، وأبو سلمة الخزاعي (^٩). وتابعهم موسى بن عقبة (^١٠)، وعبد العزيز الماجشون (^١١)، فروياه عن محمد بن أبي بكر الثقفي به.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٠٣ رقم ٤٨٠٣.\n(^٢) هو محمد بن أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي. وثقه النسائي، والعجلي تهذيب التهذيب ٩/ ٨٠.\n(^٣) وهو في مسنده ١٩/ ١٢٥ ح ١٢٠٦٩.\n(^٤) في الموطأ بروايته ١/ ٣٣٧.\n(^٥) وهو في الموطأ بروايته ١/ ٤٣١ ح ١٠٤٩.\n(^٦) وهو عند البخاري ٢/ ٤٦١ ح ٩٧٠، والنسائي السنن ٥/ ٢٥٠ ح ٢٩٩٩.\n(^٧) حديثه عند البخاري ٣/ ٥١٠ ح ١٦٥٩.\n(^٨) وحديثه عند مسلم ٢/ ٩٣٣ ح ١٢٨٥ (٢٧٤)، والبيهقي السنن الكبرى ٣/ ٣١٣.\n(^٩) وحديثه عند أحمد ح ١٣٥٢١.\n(^١٠) أخرج حديثه مسلم ٢/ ٩٣٤ ح ٢٧٥، والنسائي السنن ٥/ ٢٥١ ح ٣٠٠٠، والحميدي المسند ٢/ ٥٠٩ ح ١٢١١.\n(^١١) أخرج حديثه أحمد المسند ١٩/ ٤٧٧ ح ١٢٤٩٣، وعلي بن الجعد مسنده ص ٤٢٥ ح ٢٩٠٧.","vol":"2","page":959},{"text":"ورواه وكيع عن مالك فقال: عن عبيد الله بن أبي بكر الثقفي، فذكر الإمام أحمد أنه وهم في ذلك. قال عبد الله في موضع آخر (^١): \"سمعت أبي يقول: وكيعٌ يهِم في أحاديث عن مالك بن أنس منها: حديث محمد بن أبي بكر الثقفي: غدونا مع أنس، لم يقل وكيع محمد بن أبي بكر الثقفي، قال شيئًا غير محمد، خالفه ابن مهدي\".\nوقال الباجي: وهو وهم من وكيع، والصواب ما قال جميع الرواة عن مالك: محمد بن أبي بكر الثقفي. ا. هـ (^٢).\n٥. قال عبد الله: \"حدثني أبي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثنا أبو الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص، وقال الثوري: عمرو بن عامر أبو الزعراء، أخطأ، هو عمرو بن عمرو كما قال ابن عيينة\" (^٣).\nوهذا خلاف في اسم أبي الزعراء الصغير، وقد تابع ابن عيينة على قوله: عمرو بن عمرو أبو العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، فقال: عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو (^٤). وقال البخاري أيضًا: عمرو بن عمرو أصح (^٥) وعكس يحيى بن معين فرجح عمرو بن عامر (^٦).\nفالحكم على الثوري بالخطأ إنما هو على قول الإمام أحمد لثبوب الخلاف في اسم هذا الراوي.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٦٥ رقم ٥١٧٢.\n(^٢) التعديل والتجريح ٢/ ٦٩١.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٤٥ رقم ٤٦٣٧.\n(^٤) كتاب الأسامي والكنى للإمام أحمد ص ٨٩ رقم ٢٥٥. وانظر الراوية عند ابن أبي شيبة المصنف ٣/ ١٦٠ ح ١٣٠٥٠.\n(^٥) التاريخ الأوسط ٢/ ٩.\n(^٦) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ٣٥١ رقم ١٦٩٥.","vol":"2","page":960},{"text":"وقد يترتب على الخطأ في التسمية ظن من ليس بصحابي صحابيًا. مثال ذلك:\nقال الإمام أحمد: \"حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سُليمان - يعني التيمي - عن أبي عثمان - يعني النهدي - عن قبيصة بن مُخارق قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] انطلق رسول الله ﷺ إلى رضْمةٍ من جبَلٍ فعلا أعلاها ثم نادى أو قال: \"يا آل عبد منافاه، إني نذيرٌ، إن مَثلي ومَثَلَكم كمَثَلِ رجلٍ رأى العدُوَّ فانطلق يَرْبَأُ أهلَه يُنادي\" أو قال: \"يهتِف: يا صباحاه\". قال عبد الله: قال أبي: قال ابن أبي عدي في هذا الحديث: عن قبيصة بن مُخارق أو وهب بن عمرو، وهو خطأ، إنما هو زهير بن عمرو، فلما أخطأ تركت وهب بن عمرو\" (^١).\nهذا الحديث رواه محمد بن أبي عدي عن قبيصة بن مخارق أو وهب بن عمرو كما قال الإمام أحمد. وأخطأ فيه، وذلك أن الحديث رواه غير واحد عن سليمان ابن طرخان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة بن مُخارق وزهير بن عمرو به. منهم يحيى القطان (^٢)، وإسماعيل بن علية (^٣)، ويزيد بن زريع (^٤)، ومعتمر ابن سليمان (^٥)، وعبيد الله بن معاذ (^٦) وغيرهم.\nورواية ابن أبي عدي هذه لو ثبتت تقتضي ثبوت الصحبة لوهب بن عمرو، فيظن من ليس بصحابي صحابيًا، ولجسامة هذا الخطأ ترك الإمام أحمد ذكره في السند، فهو من باب سكوته على موضع العلة على ما عُرف منه في غير ما موضع (^٧).\n_________\n(^١) المسند ٢٥/ ٢٥٦ ح ١٥٩١٥.\n(^٢) وحديثه عند أحمد المسند ٣٤/ ٢٠٩ ح ٢٠٦٠٥، والنسائي الكبرى ٦/ ٢٤٤ ح ١٠٨١٧.\n(^٣) وحديثه عند أحمد المسند ٣٤/ ٢١٠ ح ٢٠٦٠٦.\n(^٤) وحديثه عند مسلم ١/ ١٩٣ ح ٢٠٧.\n(^٥) وحديثه عند مسلم الموضع نفسه، والطبري جامع البيان ١٩/ ١٢٠.\n(^٦) كتاب الإيمان لابن مندة ٢/ ٨٨٦ ح ٩٩٥.\n(^٧) انظر مثل ذلك: المسند ٣٨/ ١٢٤ ح ٢٣٠١٧.","vol":"2","page":961},{"text":"وهناك نوع من الخطأ في التسمية يعود في حقيقته إلىنوع من القلب، لأنه يؤدي إلى إبدال من يعرف بالرواية بغيره، فيستلزم في بعض صوره وصل ما هو مرسل أو العكس، ومثال الصورة الأولى - هو ما يستلزم الاتصال فيما هو مرسل في الحقيقة:\nقال عبد الله: \"حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا قُريش بن حيّان العجلي، عن أبي واصل، قال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، ولم يقُل وكيع مرة: الأنصاري. قال أبي: أخطأ فيه وكيع، وإنما هو أبو أيوب العتكي الذي حدث عنه قتادة\" (^١).\nوذكر الإمام أحمد رواية وكيع في المسند (^٢) \"قال: حدثنا وكيع، حدثنا قُريش ابن حيّان، عن أبي واصل قال: لقيت أبا أيوب الأنصاري فصافحني فرأى في أظفاري طولًا فقال: قال رسول الله ﷺ: \"يَسأل أحدُكم عن خبر السماء وهو يدَع أظفارَه كأظافير الطَّير يجتمع فيها الجنابة والخبثُ والتَّفَث\". ولم يقل وكيع مرة: الأنصاري. قال غيره: أبو أيوب العتكي. قال أبو عبد الرحمن: قال أبي: يسبقه لسانُه - يعني وكيعًا - فقال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، وإنما هو أبو أيوب العتكي\".\nرواه أبو داود الطيالسي، حدثنا قريش بن حيان، عن واصل بن سليم قال: أتيت أبا أيوب الأزدي فذكره (^٣).\nوقوله: واصل بن سليم خطأ نبه عليه أبو حاتم، قال: إنما هو سليمان بن فروخ (^٤).\nورواه أبو الوليد الطيالسي حدثنا قريش، حدثني سليمان بن فروخ لقيت أبا أيوب (^٥)، فلم ينسبه.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٨١ ح ٢٢٥٩.\n(^٢) المسند ٣٨/ ٥٢٢ ح ٢٣٥٤٢.\n(^٣) مسند الطيالسي ص ٨١ ح ٥٩٦.\n(^٤) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٨٨ ح ٢٣٦٩.\n(^٥) أخرجه البخاري التاريخ الكبير ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ١٧٥.","vol":"2","page":962},{"text":"ورواه عبد الرحمن بن المبارك (^١) فقال: أبو أيوب الأنصاري (^٢).\nوذكر الإمام أحمد أن ما قاله وكيع خطأ، سبقه لسانُه، فنسب أبا أيوب في الإسناد بالأنصاري، وإنما هو العتكي الذي حدث عنه قتادة، وأبو أيوب العَتكي هو الأزدي الذي ورد مصرحًا في رواية أبي داود الطيالسي. قال أحمد: \"أبو أيوب صاحب قتادة من العَتيك، اسمه يحيى\" (^٣). وقال أيضًا: \"واسم أبي أيوب صاحب قتادة: يحيى بن مالك المراغي من الأزد\" (^٤).\nوهذا الخطأ جعل الحديث برواية وكيع متصلًا بينما هو مرسل، لأن أبا أيوب الأزدي تابعي، ومن أجله أدخله من أدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري منهم محمد بن سلام كما ذكره البخاري (^٥)، ويونس بن حبيب (^٦).\nوقد وافق الإمام أحمد على هذا الإمام أبو حاتم الرازي فإنه سئل عن هذا الحديث برواية أبي داود الطيالسي فقال: \"هذا خطأ، ليس هو واصل بن سليم، إنما هو أبو واصل سليمان بن فروخ، عن أبي أيوب، وليس هو من أصحاب النبي ﷺ، هو أبو أيوب يحيى بن مالك العتكي من التابعين. قال ابن أبي حاتم: ولم يفهم يونس ابن حبيب أن أبا أيوب الأزدي هو العتكي فأدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري\" (^٧).\n_________\n(^١) هو الطفاوي. وثقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما تهذيب التهذيب ٦/ ٢٦٤.\n(^٢) أخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٦٢.\n(^٣) كتاب الأسامي والكنى ص ٧٦ رقم ٢٠٢.\n(^٤) المصدر نفسه ص ٨٣ رقم ٢٣٠. وانظر ترجمته في موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٦١، وتهذيب الكمال ٣٣/ ٦٠.\n(^٥) التاريخ الكبير ٤/ ١٢٨.\n(^٦) في مسند أبي داود الطيالسي.\n(^٧) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٨٨ ح ٢٣٦٩.","vol":"2","page":963},{"text":"وكل هذه الأخطاء وما شابهها ناشئة عن الوهم الذي لا يسلم منه بشر، وغالبًا ما يكون ذلك ممن يَعتمد على حفظه، ولا يرجع إلى الكتاب، وقد قال أحمد: \"كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئًا قليلًا، ربما وهم في الشي\" (^١)، ولذلك قدّم القطان الثوري على شعبة عند الاختلاف. قال القطان: \"سفيان أقل خطأ، لأنه يرجع إلى كتاب\" (^٢). وقال أحمد: \"سفيان أحفظ للإسناد وأسماء الرجال من شعبة\" (^٣).\nوقد يكون منشأ الخطأ التصحيف كما وقع لمعاذ بن معاذ:\nقال عبد الله: \"سمعت أبي يقول: أخطأ معاذ بن معاذ في حديث عكرمة ابن عمّار، عن ضمضم بن جَوس الهِزّاني، كذا قال معاذ، قال أبي: أخطأ معاذ، إنما هو الهِفّاني\" (^٤).\nيشير الإمام أحمد إلى رواية معاذ بن معاذ العنبري قال: \"حدثنا عكرمة ابن عمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: [صلّى بنا عمر صلاةَ المغرِب فلم يقرأ في الركعة الأُولى شيئًا، فلما كان في الثانية قرأ بفاتحة القرآن وسورةً، ثم عاد فقرأ بفاتحة القرآن وسورة، ثم صلى حتى فرغ ثم سجد سجدتين ثم سلم] \". أخرجه ابن سعد (^٥). ولم يذكر نسبة ضمضم.\nوالخطأ في هذه النسبة ناشئ من التصحيف، فإن الهِفاني يسهل تصحيفه بالهِزّاني.\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٩/ ٢٥٩.\n(^٢) شرح علل الترمذي ١/ ٤٥٣.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٢٤ رقم ٢٠٨١.\n(^٥) الطبقات الكبرى ٥/ ٦٦.","vol":"2","page":964},{"text":"وقد يكون منشأ الخطأ الأخذ عن راوٍ ضعيف مثل ما وقع لابن جريج.\nقال عبد الله: \"قال أبي في حديث حمنَة بنت جحش قال ابن جريج: حُدِّثت عن ابن عقيل محمد بن عبد الله بن عقيل، وهو خطأ، وقال: إنما هو عبد الله بن محمد ابن عقيل، وقال: عن حبيبة بنت جحش، خالف الناس\" (^١).\nوقال عبد الله في موضع آخر: \"قال أبي: ابن جريج يرويه - يعني حديث حمنة - يقول: حُدِّثتُ عن ابن عقيل، لم يسمعه، ويقول: عن محمد بن عبد الله بن عقيل قلَّب اسمَه قال: يقولون: وافقه النُّعمان بن راشِدٍ، قال: ابن جريج يَروي عن النُّعمان بنِ راشِدٍ وما أُراه إلا سمعه منه، والنُّعمان بن راشِدٍ ليس بقويٍّ في الحديث تَعرِف فيه الضَّعفَ\" (^٢).\nفجعل الإمام سبب خطأ ابن جريج في اسم ابن عقيل احتمال كونه سمعه من النعمان بن راشد أحد الضعفاء، فإنه رواه وأخطأ في التسمية (^٣)، وكان ابن جريج يروي عنه، وكان معروفًا بالتدليس، فكأنه أخذه عنه ثم أبهمه في الإسناد، فتبعه على الخطأ.\nولم أقف على هذه الرواية التي أشار الإمام أحمد إلى أن ابن جريج أخطأ في اسم ابن عقيل في حديث ابنة جحش، بل الذي وقفت عليه أنه سماه عبد الله بن محمد بن عقيل على الصواب، وذلك في رواية عبد الرزاق (^٤) عنه، ومن طريقه ابن ماجه (^٥)،\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٥١ رقم ٤١٢٠.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٦ رقم ٥٢٧١.\n(^٣) ولم أقف على روايته بعد بحث طويل.\n(^٤) المصنف ١/ ٣٠٦ ح ١١٧٤.\n(^٥) سنن ابن ماجه ١/ ٢٠٣ ح ٦٢٢، رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عنه، وأخذه الذهلي عن عبد الرزاق إملاء من كتابه.","vol":"2","page":965},{"text":"وابن أبي عاصم (^١)، وابن المنذر (^٢)؛ وقد أشار الإمام البخاري (^٣) إلى أن في رواية غير عبد الرزاق يقول ابن جريج: حُدثت، فلعلها هي التي أشار إليها الإمام أحمد.\nوقال سائر الرواة ممن شارك ابن جريج في رواية الحديث عن ابن عقيل؛ وهم زهير بن محمد المروزي (^٤)، وعبيد الله بن عمرو الرقي (^٥)، وشريك بن عبد الله النخعي (^٦)، وعمر بن ثابت (^٧)، وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي (^٨) كلهم رووا الحديث عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: [كنت أستحاض حيضة كثير شديد فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختى زينب بنت جحش …] فذكرت الحديث بطوله.\nوإنما خالف ابن جريج حسب الراويات التي أشرت إليها في موضعين:\nالأول: قال بدل عمران بن طلحة: عمر بن طلحة (^٩).\n_________\n(^١) الآحاد والمثاني ٦/ ١٢ ح ٣١٨٩.\n(^٢) الأوسط ٢/ ٢٢٢ ح ٨١٠.\n(^٣) التاريخ الكبير ١/ ٣١٦.\n(^٤) أخرج الحديث من طريقه أبو داود السنن ١/ ١٩٩ ح ٢٨٧، والترمذي ١/ ٢٢١ ح ١٢٨، وأحمد المسند ٤٥/ ٤٦٧ ح ٢٧٤٧٢، وإسحاق مسنده ١/ ٨٢، والطبراني ٢٤/ ٢١٨ ح ٥٥٣، والدارقطني ١/ ٢١٤، والحاكم المستدرك ١/ ١٧٢، والبيهقي ١/ ٣٣٨.\n(^٥) أخرج روايته الدارقطني ١/ ٢١٥، والحاكم المستدرك ١/ ١٧٢، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ٣٣٨.\n(^٦) أخرج روايته أحمد المسند ٤٥/ ١٢١ ح ٢٧١٤٤، ٤٥/ ٤٦٥ ح ٢٧٤٧٥، وابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٢٠ ح ١٣٦٤، والبخاري الأدب المفرد ح ٧٩٧، وابن ماجه ١/ ٢٠٥ ح ٦٢٧، وابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٦/ ١٤ ح ٣١٩٠، والطبراني ٢٤/ ٢١٨ ح ٥٥٢، والدارقطني ١/ ٢١٤.\n(^٧) ذكر أبو داود روايته تعليقًا الموضع السابق، وأخرجها الدارقطني ١/ ٢١٥.\n(^٨) أخرج روايته الدارقطني من طريق الشافعي عنه ١/ ٢١٥.\n(^٩) في رواية عبد الرزاق تصرف المحقق فذكر عمران بن طلحة مع أنه مخالف لما في الأصل كما ذكر، وقد نص البخاري، والترمذي على أن ابن جريج يقول في هذا الحديث: عمر بن طلحة انظر: التاريخ الكبير ١/ ٣١٦، جامع الترمذي ١/ ٢٢٢.","vol":"2","page":966},{"text":"الثاني: قال بدل حمنة بنت جحش: أم حبيبة بنت جحش. وقد ذكر غير واحد أنها حمنة تكنى أم حبيبة فلا خلاف بينهما على ذلك (^١).\n_________\n(^١) انظر: السنن الكبرى ١/ ٣٣٨.","vol":"2","page":967},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>المطلب الثاني: أخطاء الثقات في الألفاظ</span>.\nوهذا النوع من الأخطاء الواقعة في المتون، وهو أيضًا مما لا يسلم منه بشر، فقد جاء عن رواة ثقات أخطاء من هذا النوع ولكن لم يقع الحمل عليهم بسببها لقلة ورودها عنهم، بل اجتنب النقاد تلك الأخطاء ولم يزحزحوهم عن منزلتهم في العلم والثقة.\nوقد ذكر الأثرم أن ابن المديني كان يحمل على عمرو بن يحيى وذكر له هذا الحديث: \"أن النبي ﷺ صلى على حمار\"، وقال: إنما هو على بعير، فقال أحمد: هذا سهل (^١).\nوحديث عمرو بن يحيى المازني رواه مالك وغيره، عنه، عن سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر أنه قال: \"رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو موجّه إلى خيبر\" (^٢).\nورواه أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير (^٣).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي ١/ ٤٣٧.\n(^٢) أخرجه مسلم ١/ ٤٨٧ ح ٧٠٠، وأبو داود ح ١٢٢٦، والنسائي ٢/ ٦٠ ح ٧٤٩، السنن الكبرى ١/ ٢٦٨ ح ٨١٩، وأحمد ٨/ ١١٤ ح ٤٥٢٠ من طريق مالك، وهو في الموطأ ١/ ١٥٠.\nوأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٥٧٥ ح ٤٥١٩، وأحمد ٩/ ١١٥ ح ٥٠٩٩، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٦ ح ٨٥٠٦ من طريق سفيان الثوري.\nوأخرجه أحمد ٩/ ٣٢٧ ح ٥٤٥١ من حديث حماد بن سلمة، ومن حديث زائدة بن قدامة ١٠/ ٢٧٣ ح ٦١٢٠، وأخرجه من هذا الطريق الطبراني أيضًا المعجم الكبير ١٢/ ٣٣٤ ح ١٣٢٧٤.\nوأخرجه أبو يعلى المسند ١٠/ ٣٥ ح ٥٦٦٤ من حديث وُهيب بن خالد.\n(^٣) أخرج مالك الموطأ ١/ ١٢٤، والبخاري ٢/ ٤٨٨ ح ٩٩٩، ومسلم ١/ ٤٨٧ ح ٧٠٠.","vol":"2","page":968},{"text":"قال النسائي: \"لم يتابع عمرو بن يحيى على قوله: يصلي على حمارٍ، إنما يقولون: صلى على راحلته\" (^١)، وكذلك قال ابن عبد البر (^٢).\nفمثل هذا سهل كما قال أحمد. وقال الدارقطني: مثل هذا في الصحابة (^٣).\nومن أخطاء الرواة الثقات في الألفاظ ما تقدم عن يحيى القطان أنه قال في حديث أنس في طلب بني سلمة التحول من ديارهم: \"فكره رسول الله ﷺ أن يُعرى المسجد\"، وقال غيره: \"فكره أن تُعرى المدينة\"، وهو الصواب، ورواية يحيى القطان خطأ نبه عليه الإمام أحمد، وكان قد روى الحديث من طريق يحيى ثم أمر بأن يضرب عليه (^٤).\nومنها:\nقال عبد الله: \"حدثني أبي قال: حدثنا غُندر قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء قال: \"كان النبي ﷺ يوم الأحزاب ينقل معنا الترابَ ولقد وَارى الترابُ بياضَ بَطنِه\". وقال عفان: إِبْطِه، وهو خطأ أخطأ فيه إنما هو: بياض بطنه\" (^٥).\nوحديث البراء أخرجه البخاري (^٦)، ومسلم (^٧)، والنسائي (^٨)، وأحمد (^٩)،\n_________\n(^١) السنن الكبرى ١/ ٢٦٩.\n(^٢) التمهيد ٢٠/ ١٣٢.\n(^٣) شرح علل الترمذي ١/ ٤٣٦.\n(^٤) تقدم في ص ٣٩٥.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٧٩ رقم ١٩٢٩.\n(^٦) صحيح البخاري ٦/ ٤٦ ح ٢٨٣٦ من طريق حفص بن عمر الحوضي، و٧/ ٣٩٩ ح ٤١٠٤ من طريق مسلم بن إبراهيم، و١٢/ ٢٢٢ ح ٧٢٣٦ عن عبدان عن أبيه كلهم عن شعبة.\n(^٧) صحيح مسلم ٣/ ١٤٣٠ ح ١٨٠٣ من طريق غندر ومن طريق ابن مهدي.\n(^٨) السنن الكبرى ٥/ ٢٦٩ ح ٨٨٥٧ من طريق أمية.\n(^٩) المسند ٣٠/ ٥٣٧ ح ١٨٥٧٠ من طريق غندر.","vol":"2","page":969},{"text":"وأبو داود الطيالسي (^١)، وأبو عوانة (^٢)، وابن حبان (^٣) كلهم من طرق عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء به. وكلهم قالوا: وارى التراب بياض بطنه.\nوحديث عفان أخرجه أحمد (^٤)، عنه، عن شعبة به، ولفظه: كان رسول الله ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب ويقول: فذكر رجز ابن رواحة. فلم يذكر الإمام أحمد موضع ما واراه التراب من جسده ﷺ. فكأنه ترك ذكره لثبوت خطئه عنده على ما هو معهود من منهجه (^٥).\nومن هذه الأخطاء ما يرجع إلى الخطأ بسبب الرواية بالمعنى، وقد سبق بعض الأمثلة على ذلك في مطلب سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا روى بالمعنى، ومنها: حديث صفوان بن سليم في نقل قول اليهودي، فقال يحيى القطان في روايته: نشهد أنك رسول الله ﷺ. قال أحمد: خالف يحيى بن سعيد غيرُ واحدٍ، قالوا: نشهد أنك نبي. قال أبي: لو قالوا: نشهد أنك رسول الله كانا قد أسلما، ولكن يحيى أخطأ فيه خطأً قبيحًا (^٦).\nومنها: قول محمد بن عبيد في حديث عمران بن حصين: \"وخلق الذكر\". قال أبو القاسم: هذا الحرف كان محمد بن عُبيد يخطئ فيه وينهاه أحمد بن حنبل أن يحدّث به، والصواب ما روى أبو بكر بن عياش وغيره: \"وكتب الذكر\" اهـ (^٧).\n_________\n(^١) مسند الطيالسي ص ٩٧ ح ٧١٢.\n(^٢) مسند أبي عوانة ٤/ ٣٤٧ ح ٦٩٢٢ من طريق سعيد بن الربيع.\n(^٣) من طريق أبي الوليد الطيالسي الإحسان ١٠/ ٣٩٧ ح ٤٥٣٥.\n(^٤) المسند ٣٠/ ٤٧٥ ح ١٨٥١٣.\n(^٥) وقد جاء في رواية الدارمي سنن الدارمي ٢/ ٢٢١ عن أبي الوليد، وفي رواية أبي عوانة مسنده ٤/ ٣٤٧ ح ٦٩٢١ من طريق أبي داود الطيالسي: بياض إبطيه، مثل ما ذكره الإمام أحمد عن عفان، فلعل هذا من من دون أبي الوليد وأبي داود الطيالسيان عن شعبة، فقد رواه ابن حبان من طريق أبي الوليد، وأبو داود الطيالسي كما في مسنده كلاهما بلفظ: بياض بطنه.\n(^٦) انظر: ص ٣٨٩.\n(^٧) انظر: ص ٣٩٤.","vol":"2","page":970},{"text":"وقد تقدم ما ذكره أحمد من خطأ أبي الأحوص في حديث الأوعية حيث قال: \"اشربوا في الأوعية ولا تسكروا\"، والصواب: \"ولا تشربوا مسكرًا\" (^١).\nفهذه كلها روايات بالمعنى قام بها هؤلاء الرواة الثقات الأفاضل فوقعوا في الخطأ عند تصرفهم في اللفظ ونقلهم النص بالمعنى.\nومن أخطاء الثقات في اللفظ ما كان راجعًا إلى التصحيف، الكلام عليه في المطلب الآتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: ص ٨٩٨.","vol":"2","page":971},{"text":"<span data-type='title' id=toc-293>المطلب الثالث: التصحيف</span>\nوهو تحويل الكلمة من هيئتها المتعارفة إلى غيرها (^١)، وإنما يكون ذلك في الأسماء والألفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف. وهو من الخطأ الذي لم يسلم منه حتى الحفاظ. روي عن أحمد أنه قال: «ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟». (^٢) قال السخاوي: والإكثار منه إنما يحصل غالبًا للآخاذ من بطون الدفاتر والصحف، ولم يكن له شيخ يوقفه على ذلك، ومن ثم قيل لمن ينقل على هذا الوجه ويغير إنه قد صحّف، أي قد روى عن الصُّحُف، فهو مُصحِّف، ومصدره تصحيف (^٣)، وقد تقدم في مبحث ما يخل بضبط الراوي بسبب طريقة التحمل أن أغلب ما يقع من الخلل في رواية من اعتمد طريقة في التحمل غير السماع والعرض على الشيخ يرجع إلى التصحيف، لأن الكتب والصحف في الأول لم تكن منقوطة ولا مشكولة، فمن لم يكن له شيخ يوقفه على الصحيح فلا بد أن يقع في الخطأ.\nقال أبو حاتم لأبي زرعة: «لا تحدث عن إبراهيم بن هشام بن يحيى فإني ذهبت إلى قريته وأخرج إليّ كتابًا زعم أنه سمعه من سعيد بن عبد العزيز، فنظرت فيه فإذا فيه أحاديث ضمْرة، عن رجاء بن أبي سلمة، وعن ابن شَوْذب، وعن يحيى بن أبي عمرو السِّيباني، فنظرت إلى حديث فاستحسنته من حديث ليث بن سعد، عن عُقيل فقلت له: اذكر هذا، فقال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ليث بن سعد،\n_________\n(^١) فتح المغيث (٤/ ٥٦). قال أسطيري جمال في رسالته العلمية «التصحيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مُكافحته» (ص ٤٠): وهذا من أحسن التعاريف وأشملها لجميع ما سماه السلف من المحدثين تصحيفًا. اهـ\n(^٢) (^٥) المصدر نفسه (٤/ ٥٧).\n(^٣) الموضع نفسه.","vol":"2","page":972},{"text":"عن عقِيل - بالكسر- ورأيت في كتابه أحاديث عن سُويد بن عبد العزيز، عن مغيرة وحصين قد أقلبها على سعيد بن عبد العزيز، فقلت له: هذه أحاديث سويد بن عبد العزيز، فقال: نا سعيد بن عبد العزيز، عن سويد، أظنه لم يطلب العلم، وهو كذّاب». (^١) فهذا وقعتْ إليه كتبٌ ولم يطلب العلم على الشيوخ فوقع في التحصيف والقلب من حيث لا يدري، فنسب إلى الكذب بسبب ذلك.\nوالتصحيف يقع في السند كما يقع في المتن. فمن النماذج التي ذكرها الإمام أحمد مما وقع في الأسانيد:\nقال الإمام أحمد: «حدثنا وكيع، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن أبي سفيان سمعه منه، وعن مسلم بن ثَفِنَة قال: استعمل ابن علقمة أبي عِرافَةَ قومِهِ، فأمره أن يُصدقهم قال: فبعثني أبي في طائفة لآتيه بصدقتهم - فذكر الحديث وفيه: نهانا رسول الله -ﷺ- أن نأخذ شافعًا - والشافع التي في بطنها ولدُها». قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كذا قال وكيع: مسلم بن ثَفِنة، صحّف. وقال روح: ابن شُعبة، وهو الصواب. وقال أبي: وقال بشر بن السري: لا إله إلا الله! هو ذا ولده هاهنا - يعني مسلم بن شُعبة». (^٢)\nثم أخرج الحديث من طريق روح بن عُبادة (^٣). وكذلك تابع روح على مسلم بن شعبة بشر بن السري كما ذكر أحمد، وذكر روايته البخاري (^٤)؛ وتابعه أيضًا أبو عاصم كما ذكر أبو داود (^٥).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل (١/ ١٤٣).\n(^٢) المسند (٢٤/ ١٥٣ ح ١٥٤٢٦). وانظر الحديث عند أبي داود (٢/ ٢٣٨ ح ١٥٨١، ١٥٨٢)، والنسائي (السنن ٥/ ٣٢ ح ٢٤٦١، ٢٤٦٢)، وابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني ٢/ ٢١٢ ح ٩٦٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٤/ ٩٦).\n(^٣) المسند (٢٤/ ١٥٦ ح ١٥٤٢٧).\n(^٤) تعليقًا كما في «التاريخ الكبير» (٧/ ٢٥٧).\n(^٥) السنن (٢/ ٢٣٩).","vol":"2","page":973},{"text":"ونص غير واحد على خطأ وكيع في قوله ثفنة، منهم ابن معين (^١)، والبخاري (^٢)، والنسائي (^٣)، واعتمد العسكري قول الإمام أحمد في ذكر هذا التصحيف عن وكيع (^٤)، وشعبة غير منقوط يسهل تصحيفها بثفنة.\nومن أمثلة التصحيف في السند أيضًا ما وقع في حديث أنس بن مالك: «كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وعمر لا يقرؤون يعني لا يجهرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾». فرواه عبد الله بن الوليد، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي نعامة الحنفي، عن أنس بن مالك به. أخرجه أحمد (^٥)، والبيهقي (^٦). وتابعه الحسين بن حفص (^٧)، وعمر بن سعيد (^٨)، ومحمد بن يوسف الفريابي (^٩)، وعبيد الله الأشجعي (^١٠).\nوخالفهم يحيى بن آدم، فرواه عن سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس (^١١). قال الإمام أحمد: وهم فيه، إنما هو أبو نعامة. (^١٢)\n_________\n(^١) التاريخ برواية الدوري (٣/ ٦٩ رقم ٢٦٦).\n(^٢) التاريخ الكبير (٧/ ٢٥٧).\n(^٣) السنن الكبرى (٢/ ١٥).\n(^٤) تصحيفات المحدثين (١/ ٩٦).\n(^٥) المسند (٢٠/ ٤٥٩ ح ١٣٢٥٩).\n(^٦) السنن الكبرى (٢/ ٥٢).\n(^٧) حديثه عند البيهقي ٠ السنن الكبرى (٢/ ٥٢).\n(^٨) حديثه عند أبي يعلى (٧/ ٢١١ ح ٤٢٠٥).\n(^٩) حديثه عند البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٤٤١).\n(^١٠) ذكره الحافظ ابن حجر، نقلًا عن الخلال عن أحمد (النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٧٥١).\n(^١١) أخرج روايته ابن حبان من طريق هارون بن عبد الله الحمّال، عن يحيى بن آدم به (الإحسان ٥/ ١٠٥ ح ١٨٠٢).\n(^١٢) انظر: فتح الباري لابن رجب (٤/ ٣٧٣). ونقل الحافظ ابن حجر من علل الخلال أن مهنا بن يحيى هو الذي روى هذا عن الإمام أحمد فقال: هو وهم، حدثني يحيى بن آدم - يعني بهذا الإسناد - فقال: عن أبي نعامة قيس بن عباية، عن أنس ﵁ بدل أبي قلابة اهـ (النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٧٥١).\nفهذا يدل على أنه يحيى بن آدم يهم أحيانًا فيذكر أبا قلابة، ويحدث به على الصحيح أحيانًا على ما نقله الحافظ ابن حجر من علل الخلال.\nوهناك اختلاف آخر في الحديث أشار إليه الإمام البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٤٤١)، وهو على أبي نعامة، حيث رواه الجريري، وعثمان بن غياث، وراشد الحراني عن أبي نعامة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه مخالفًا لرواية خالد الحذاء عن أبي نعامة. فرجح البخاري، والدارقطني هذه الرواية، وقال ابن رجب: ويدل عليه كلام الإمام أحمد أيضًا، لأنه رواه ثلاثة عن أبي نعامة، فقولهم أولى من قول خالد الحذاء وحده. وقال بعضهم: القولان عن أبي نعامة صحيحان. (انظر: التاريخ الكبير الموضع نفسه؛ فتح الباري لابن رجب ٤/ ٣٧٤؛ النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٧٥٢).","vol":"2","page":974},{"text":"وتغيير أبي نعامة بأبي قلابة نوع من التصحيف.\nومنها أيضًا:\nقال عبد الله: «قلت لأبي: حدثني عمرو بن محمد قال: حدثنا عبّاد بن العوّام، عن أشعث، عن جَهم بن أبي سَبرة، أن الزبير كان يصلي خلفه رجلٌ يحفظ عليه صلاته فقال أبي: هذا خطأ، أخطأ عبّاد فيه، إنما هو أشعث، عن جهم، عن أبي سبرة النخعي، قال أبي وهو جهم بن دينار». (^١)\nحديث عباد أخرجه ابن أبي شيبة (^٢) بلفظ: «كان يقعد خلفه رجلٌ يحفظ عليه صلاتَه». فذكر أحمد أنه وقع لعباد فيه تصحيف حيث قال مكان عن: بن فجعل الراوي جهم بن دينار ابن أبي سبرة، واعتمد البخاري قول عباد فقال في ترجمة جهم بن دينار هو ابن أبي سبرة (^٣)، أما ابن أبي حاتم فذكره على الاحتمال (^٤). وجهم بن دينار من قدماء أصحاب إبراهيم النخعي كما ذكر\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٧٢ رقم ٥٦٣١).\n(^١) المصنف (١/ ٣٠٤ ح ٣٤٧٦).\n(^٢) التاريخ الكبير (٢/ ٢٣١).\n(^٣) الجرح والتعديل (٢/ ٥٢٢).","vol":"2","page":975},{"text":"أبو حاتم، وأبو سبرة النخعي هو عبد الله بن عابس، يروي عن فروة بن مسيك، وهو صحابي، وروى عنه الأعمش، والحسن بن\nالحكم النخعي (^١)، وروى عن عمر أيضًا لكن قيل هو مرسل عن عمر (^٢). فجهم بن دينار يشبه أن يروي عن مثله، وهو يشبه أن يروي عن الزبير، والله أعلم.\nومن نماذج التصحيف في المتن:\nقال عبد الله: «سمعت أبي يقول: قدِم داود بن أبي هند الكوفة، فقام مستملي أهل الكوفة ليَستملي لهم فقال: حديث سعيد بن المسيب يُكفن الضبي في خرقة. صحّف، أراد أن يقول: الصبي، فقال: الضبي» (^٣).\nوقد حكى هذه الحكاية الدوري عن ابن معين (^٤)، ورواها الخطيب من طريقه (^٥).\nوحديث داود بن أبي هند، أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عنه، عن سعيد بن المسيب: يكفن الصبي في خرقة (^٦).\nومنها أيضًا:\nقال عبد الله: «قال أبي في حديث ابن عمر، عن النبي -ﷺ-: أنه سئل عن الماء وما ينوبه من الدوابّ. وقال ابن المبارك: وما يثوبه، وصحّف فيه». (^٧)\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٢٥٠ رقم ٢١٥٠)؛ تهذيب الكمال (الموضع نفسه.\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ١٣٤ رقم ٤٥٨٣). ووقع في الطبعة التي حققها الدكتور وصي الله عباس: «النبي» مكان: «الضبي»، وما أثبته من الطبعة التي حققها محمد حسام بيضون، وهو موافق لما جاء في بقية المصادر التي نقلت هذه القصة.\n(^٤) التاريخ برواية الدوري (٣/ ٥٣٦ رقم ٢٦٢١).\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٦ ح ١١٠٩٦).\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٤٢٩ رقم ٢٨٩٣).\n(^٧) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ٢٩٣ رقم ٦٢٣).","vol":"2","page":976},{"text":"حديث ابن عمر هذا هو حديث القلتين، وقد أخرجه أصحاب السنن\nالأربعة (^١)، وأحمد (^٢)، وابن خزيمة (^٣)، وابن حبان (^٤) وغيرهم من طرق عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عمر به.\nورواية ابن المبارك عن ابن إسحاق هي التي قال الإمام أحمد إنه صحف فيها فقال: «وما يثوبه». وأخرج روايته ابن ماجه، لكن لم يذكر لفظها (^٥).\n_________\n(^١) أبو داود (السنن ١/ ٥١ - ٥٣ ح ٦٣ - ٦٥)، والترمذي (الجامع ١/ ٩٧ ح ٦٧)، والنسائي (١/ ٤٦ ح ٥٢)، وابن ماجه (١/ ١٧٢ ح ٥١٧، ٥١٨)، إلا أن النسائي أخرجه من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير.\n(^٢) المسند (٨/ ٢١١ ح ٤٦٠٥).\n(^٣) صحيح ابن خزيمة (١/ ٤٩ ح ٩٢).\n(^٤) الإحسان (٤/ ٥٧ ح ١٢٤٩).\n(^٥) سنن ابن ماجه (١/ ١٧٢ بعد حديث رقم ٥١٧).","vol":"2","page":977},{"text":"<span data-type='title' id=toc-294>المطلب الرابع: القلب</span>\nوهو من أنواع الخطأ في الحديث، ويقال للحديث الذي وقع فيه هذا النوع من الخطأ المقلوب، اسم مفعول من القلب. وعرّفه الحافظ ابن حجر بأنه إبدال من يُعرف بروايةٍ بغيره، فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله (^١). وهذا التعريف يصدق على القلب في السند، أما القلب في المتن فعرفه ابن الجزري بأنه هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه وربما انعكس (^٢).\nوهذا النوع من الخطأ قد وقع فيه الثقات فضلًا عن الضعفاء، والفرق بين الفئتين أن الثقات إذا نبّهوا على الخطأ تنبّهوا فرجعوا إلى الصواب، وأما الضعفاء فلا يدركون الصواب من الخطأ لغفلتهم وعدم تيقظهم. قال الحميدي: «فان قال فما الغفلة التي ترد بها حديثُ الرَّجل الرِّضى الذي لا يُعرف بِكذِبٍ؟ قلتُ: هو أن يكون في كتابه غلطٌ، فيُقال له في ذلك، فيَترك ما في كتابه ويُحدِّث بما قالوا ويُغيّره بقولهم في كتابه، لا يَعرف فرقَ ما بين ذلك … أو يصحّف تصحيفًا فاحشًا يقلِّب المعنى لا يعقل ذلك فيُكفّ\nعنه». (^٣)\nوأنواع الخطأ في القلب التي سوف أذكر نماذجها في هذا المطلب هي:\nإبدال صحابي بآخر\nإبدال راوٍ بآخر\nإبدال إسناد بآخر\nالقلب في المتن\n_________\n(^١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٦٤).\n(^٢) ذكره السخاوي عنه (فتح المغيث ١/ ٣٢٨).\n(^٣) الكفاية في علم الرواية (ص ٢٣٣).","vol":"2","page":978},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>النوع الأول من القلب: إبدال صحابي بأخر</span>\nوصورة هذا النوع من القلب أن يكون الحديث معروفًا من حديث صحابي معيّنٍ، فيجعله الراوي الذي وقع منه القلبُ من حديث صحابيّ آخر، وهذا في الحقيقة من نوع إبدال راوٍ بآخر، لكن خصص بالذكر لكون القلب وقع في طبقة الصحابة، لأن ذلك يؤدي إلى عدّ الحديث الواحد حديثين أو أكثر، فيظن أحدها شاهدًا للآخر والواقع خلافه.\nفمن أمثلة ذلك:\nقال أبو داود: «سمعت أحمد سُئل عن حديث أبي مَعشَر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عثمان، عن النبي -ﷺ-: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، قال: ما أُراه إلا وهمٌ من أبي معشر، يعني: عن عثمان وهمٌ؛ إنما هو عن إبراهيم عن عقلمة، عن عبد الله أنه قال لعثمان: قال لنا النبي -ﷺ-، وعن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ-). (^١)\nفي هذا السؤال ذكر الإمام أحمد أن أبا معشر وهو زياد بن كُليب (^٢) وهم في روايته حيث إنه روى الحديث عن إبراهيم، عن علقمة، عن عثمان (^٣)، فأبدل عبد الله بن مسعود بعثمان، وهذا نوع من القلب. ووجه ذلك أن الحديث رواه\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٣٦ رقم ٢٠٠٦).\n(^٢) وثقه النسائي، والعجلي، وابن حجر. وقال الذهبي: حافظ متقن. وقال أبو حاتم: صالح، من قدماء أصحاب إبراهيم، ليس بالمتين في حفظه، وهو أحب إلي من حماد بن أبي سليمان.\nانظر: سنن النسائي (٤/ ١٧١)؛ تهذيب الكمال (٩/ ٥٠٦)، الكاشف (١٧٠٥)، تقريب التهذيب (٢١٠٨).\n(^٣) أخرجه النسائي (السنن ٤/ ١٧١ ح ٢٢٤٢؛ ٦/ ٥٦ ح ٣٢٠٦)، وأحمد (المسند ١/ ٤٧٠ ح ٤١١)، والشاشي (مسنده ١/ ٣٩٩ ح ٣٦١)، وأبو يعلى (مسنده ٩/ ١٢٢ ح ٥١١٠)، والبزار (مسنده ٢/ ٥٨ ح ٤٠٠).","vol":"2","page":979},{"text":"أصحاب إبراهيم النخعي، منهم الأعمش (^١)، ومنصور (^٢)، ومغيرة (^٣) كلهم عنه، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. وذكر الدارقطني أن هذه هي رواية أبي حمزة ميمون الأعور القصاب، وحماد بن أبي سليمان، والحسن بن عبيد الله كلهم عن إبراهيم (^٤).\nوخالفهم أبو معشر فجعله من مسند عثمان بن عفان، ولم يتابع على قوله: عن عثمان.\nوإنما انقلب على أبي معشر لأن الحديث وقع التحديث به في حضرة ابن مسعود وعثمان، فسهل تطرق الوهم إلى أبي معشر. قال علقمة: «كنت مع عبد الله فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا نزوجك بكرًا تذكرك ما تعهد؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إليّ فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي -ﷺ-: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاءٌ». هذا لفظ البخاري.\nفحكم الحفاظ بأن المحفوظ عن ابن مسعود، وقول أبي معشر وهم. (^٥) ومنها: قال حنبل: «ثنا أبو عبد الله: ثنا يزيد: ثنا هشام، عن محمد، عن كعب بن عُجرَة، قال: كنت عند النبي -ﷺ- فذكر فتنة، قال أبو عبد الله: أخطأ فيه، إنما\n_________\n(^١) وحديثه عند البخاري (٩/ ١٠٦ ح ٥٠٦٥)، ومسلم (٢/ ١٠١٨ ح ١٤٠٠)، وأبو داود (ح ٢٠٤٦)، والنسائي (السنن الكبرى ٢/ ٩٥ ح ٢٥٤٨)، وابن ماجه (١/ ٥٩٢ ح ١٨٤٥)، وأحمد (المسند ٦/ ٧١ ح ٣٥٩٢).\n(^٢) حديثه عند الطبراني مقرونًا بالأعمش (المعجم الكبير ح ١٠١٦٧).\n(^٣) وحديثه عند الطبراني أيضًا (المعجم الكبير ح ١٠٠٢٧).\n(^٤) علل الدراقطني (٣/ ٤٧).\n(^٥) وهو قول أبي حاتم (علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٢٢)، والدارقطني (علل الدارقطني ٣/ ٤٧؛ ٥/ ١٣٣)، والبزار (٢/ ٥٩).","vol":"2","page":980},{"text":"هو: كعب بن مُرّة». (^١)\nحديث كعب بن عُجرة أخرجه أحمد (^٢) في المسند بهذا الإسناد. وأخرجه من هذا ابن ماجه (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤) كلاهما من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عُجرة به. ولفظه: «كنت عند رسول الله -ﷺ- فذكر فتنةً، فقرَّبها، فمرّ رجلٌ متقنِّعٌ، فقال: هذا يومئذٍ على الهُدى. قال فاتّبعتُه حتى أخذتُ بضبعَيْه فحولتُ وجهَهُ إليه وكشفتُ عن رأسِه فقلت هذا يا رسول الله؟ قال: نعم، فإذا هو عثمان بن عفان».\nوأخرجه أبو حاتم من طريق همام عن قتادة، عن محمد بن سيرين به (^٥). وأخرجه أحمد (^٦)، وعبد الله بن أحمد (^٧) من طريق مطر الورّاق، عن محمد بن سيرين به أيضًا.\nوهتان المتابعتان تدلان على أن ذكر كعب بن عُجرة في السند من ابن سيرين وليس ممن دونه في الإسناد.\nوذكر الإمام أحمد أن إسناد الحديث إلى كعب بن عُجرة وهم، وأن الصواب كعب بن مرّة، وذلك أنه روي لفظ الحديث عنه من عدة أوجه، منها: عن أيوب، عن أبي الأشعث، عن مرة بن كعب، وهو كعب بن مرة (^٨). أخرجه أحمد (^٩)،\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٠٢ رقم ١١٢).\n(^٢) المسند (٣٠/ ٥٣ ح ١٨١٢٩)، وأخرجه أيضًا بهذا الإسناد في فضائل الصحابة (١/ ٤٥٠ ح ٧٢٢).\n(^٣) السنن (١/ ٤١ ح ١١١).\n(^٤) المصنف (٦/ ٣٦٠ ح ٣٢٠٢٥).\n(^٥) علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨٠ ح ٢٦٥٢).\n(^٦) المسند (٣٠/ ٤٤ ح ١٨١١٨).\n(^٧) زوائد فضائل الصحابة (١/ ٥٠٩ ح ٨٣٣).\n(^٨) اختلفوا في اسمه، والأكثرون يقولون: كعب بن مرة (الاستيعاب ٣/ ١٣٢٥؛ تقريب التهذيب ٥٦٨٦).\n(^٩) المسند (٢٩/ ٦٠٩ ح ١٨٠٦٨)؛ وفضائل الصحابة (١/ ٥٠٧ ح ٨٢٨) من طريق وهيب بن خالد، ومن طريق حماد بن زيد.","vol":"2","page":981},{"text":"وابن أبي شيبة (^١)، ونعيم بن حماد (^٢).\nوكذلك من طريق معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن جُبير بن نفير، عن كعب بن مرّة. أخرجه أحمد (^٣)، وابن أبي عاصم (^٤)، والطبراني (^٥).\nومما يدل على أن كعب بن مرة هو المحفوظ أن رواية ابن سيرين عن كعب بن عُجرة مرسلة (^٦)، فالوهم يسهل حيث لم يكن بينهما لقاء، ومن ثم رجح أنه كعب بن مرّة فانقلب على ابن سيرين إلى كعب بن عُجرة، والله أعلم.\nوقد يطلق البطلان على هذا النوع من القلب لتحقق خطأ الحديث المقلوب، ومن ذلك:\nقال أبو بكر الأثرم: «قلت لأبي عبد الله: وروى شَبابَة، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران أن النبي -ﷺ- أوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعْلى﴾ فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، إنما رواه حجاج، عن قتادة، عن عمران عن النبي\n-ﷺ-، حدثناه عباد بن العوام، عن حجاج. وأما حديث شعبة فحدثناه كذا وكذا عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن ابن أَبْزَى، قال والحديث يصير إلى ابن أَبْزَى». (^٧)\n_________\n(^١) المصنف (٦/ ٣٦٠ ح ٣٢٠٢٦)، من طريق ابن علية عن أيوب، لكن أسقط أبا الأشعث من الإسناد. وكذلك رواه أحمد من هذا الوجه (٢٩/ ٦٠١ ح ١٨٠٦٠).\nوالذين ذكروا أبا الأشعث: حماد بن زيد، ووهيب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي.\n(^٢) الفتن (١/ ٨٥ ح ١٩٥) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب وخالد الحذاء، عن أبي قلابة به.\n(^٣) المسند (٢٩/ ٦٠٨ ح ١٨٠٦٧).\n(^٤) الآحاد والمثاني (٣/ ٦٦ ح ١٣٨١).\n(^٥) المعجم الكبير (٢٠/ ٣١٦ ح ٧٥٣).\n(^٦) قاله أبو حاتم (المراسيل ٦٨٤).\n(^٧) تاريخ بغداد (٩/ ٢٩٧).","vol":"2","page":982},{"text":"روى حديث شعبة عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عبد الرحمن بن أبزى أربعة من الرواة، وهم: غندر (^١)، وحجاج بن المنهال (^٢)، وأبو داود الطيالسي (^٣)، ويحيى القطان (^٤).\nوخالفهم شبابة فرواه عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة، عن عمران بن حصين به. أخرجه النسائي (^٥)، وابن أبي شيبة (^٦). فأبدل ابن أبزى بعمران بن حصين. وقال أحمد عن روايته: باطل، ليس من هذا شيء، لتحقق خطئها، فقد خالف أربعة من ثقات أصحاب شعبة، وهو وإن كان ثقة في نفسه (^٧)، لكن ليس في منزلة القطان وغندر.\nوممن أنكر هذا الحديث على شبابة الإمام النسائي، قال: «لا نعلم أحدًا تابع شبابة على هذا الحديث، خالفه يحيى بن سعيد القطان». (^٨) ثم ذكر رواية يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة عن عمران بن حصين: «صلى رسول الله -ﷺ- الظهر فقرأ بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، فلما صلى قال: من قرأ بـ ﴿سبح اسم ربك\nالأعلى﴾؟ قال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضهم خالجنيها». (^٩)\n_________\n(^١) أخرج حديثه النسائي (السنن ٣/ ٢٤٧ ح ١٧٤١)، وأحمد (المسند ٢٤/ ٧١ ح ١٥٣٥٣).\n(^٢) أخرج حديثه أحمد (الموضع نفسه).\n(^٣) أخرج حديثه النسائي (المصدر نفسه ح ١٧٤٠)، وأحمد (المسند ٢٤/ ٧٥ ح ١٥٣٥٦).\n(^٤) أخرجه أحمد (المسند ٢٤/ ٨١ ح ١٥٣٦١).\n(^٥) السنن (٣/ ٢٤٧ ح ١٧٤٢).\n(^٦) المصنف (٧/ ٣١٩ ح ٣٦٤٧٠).\n(^٧) شبابة بن سوّار الفزاري مولاهم، وثقه ابن معين، وابن سعد، وتكلم فيه الإمام أحمد من أجل الإرجاء، فإنه كان داعية (تهذيب الكمال ١٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧). وقد أنكر عليه أحاديث تفرد بها عن شعبة (انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٣٦٥ - ١٣٦٦).\n(^٨) السنن (٣/ ٢٤٧).\n(^٩) أخرجه النسائي (٣/ ٢٤٧ ح ١٧٤٣). وهو عند مسلم من طريق غندر عن شعبة به (صحيح مسلم ١/ ٢٩٩ ح ٣٩٨ (٤٨»، وأبو داود (١/ ٥١٩ ح ٨٢٨) من طريق أبي الوليد الطيالسي، ومحمد بن كثير كلاهما عن شعبة به.","vol":"2","page":983},{"text":"فعلى ما ذكره النسائي يكون القلب الذي وقع فيه شبابة إبدال إسناد بآخر، حيث جعل لمتن حديث ابن أبزى إسنادَ حديث عمران بن الحصين.\nومن هذا النوع من القلب ما تقدم عن عامر الأحول أنه روى حديث وضوء النبي -ﷺ- ثلاثًا ثلاثًا من حديث عطاء، عن أبي هريرة، وإنما هو عن عطاء، عن عثمان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-296>النوع الثاني من القلب: إبدال راوٍ بآخر</span>\nوصورة هذا أن يكون الحديث معروفًا من رواية راوٍ معين فيرويه بعض الرواة من رواية راوٍ آخر في طبقته، فيَظنّ من لم يفطن لوقوع القلب أن الراوي الأول قد تُوبع، ويدفع عنه التفرد بذلك.\nومن أمثلة ما ذكره الإمام أحمد من هذا النوع من القلب الذي وقع فيه بعض الرواة الثقات:\nقال عبد الله: سمعت أبي يقول: «الحديث الذي رواه وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- في الجمع بين الظهر والعصر قال أبي: إنما هو حديث داود بن قيس، ليس هو من حديث ابن أبي ذئب». (^٢)\nلم أقف على رواية وكيع التي ذكرها الإمام أحمد. وقد روى الحديث المذكور عدد من الرواة عن داود بن قيس (^٣)؛ منهم يحيى القطان (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: ص (٧٧٦).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٣٠ رقم ١٤٥٣).\n(^٣) داود بن قيس الفرّاء المدني، وثقه أحمد، وابن معين وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي (الجرح والتعديل ٣/ ٤٢٣؛ تهذيب الكمال ٨/ ٤٤١).\n(^٤) حديثه عند أحمد (المسند ٥/ ٢٨٩ ح ٣٢٣٥)، وأبي يعلى (٥/ ٨٠ ح ٢٦٧٨).","vol":"2","page":984},{"text":"والقعنبي (^١)، وعبد الرزاق (^٢)، وأبو نعيم (^٣)، والثوري (^٤) ولفظه: «جمع رسول الله -ﷺ- بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير مطر ولا سفر، قالوا: يا أبا عباس، ما أراد بذلك؟ قال: التوسع على أمته». وفي بعض ألفاظه: من غير خوف ولا مطر.\nورواه ابن أبي شيبة (^٥) عن وكيع بمثل رواية الجماعة؛ عن داود بن قيس، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس به، فلعله رجع عن قوله: ابن أبي ذئب لما أوقف على الخطأ.\nومنها:\nقال عبد الله: «حدثني أبو موسى الهرَوي إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: أخبرني مَعْمر بن راشِد عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخُدري أن النبي -ﷺ- صلَّى في ماءٍ وطينٍ، فرأيت أثر جبينه وأرنبته في الماء والطين. فحدّثتُ به أبي فقال: أخطأ فيه عيسى، إنما رواه معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قصة طويلة، وليس هو عن الزهري إنما هو عن يحيى بن أبي كثير». (^٦)\nحديث معمر أخرجه عنه عبد الرزاق (^٧)، ومن طريقه أحمد (^٨)، ومسلم (^٩)،\n_________\n(^١) حديثه عند الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ١٦٠).\n(^٢) المصنف (٢/ ٥٥٥ ح ٤٤٣٤).\n(^٣) وحديثه عند عبد بن حُميد (مسنده ص ٢٣٤ ح ٧٠٩).\n(^٤) وحديثه عند الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٣٢٧ ح ١٠٨٠٤).\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٠ ح ٨٢٣٠).\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٤٧ رقم ٥٥٣٢). ووقع في طبعة التي حققها د/ وصي الله: الرزاز مكان الزهري، وفي الطبعة الأخرى على الصحيح.\n(^٧) المصنف (٤/ ٢٤٨ ح ٧٦٨٥).\n(^٨) المسند (١٨/ ٣٩٢ ح ١١٨٩٥).\n(^٩) صحيح مسلم (٢/ ٨٢٦ ح ١١٦٧).","vol":"2","page":985},{"text":"وأبو داود (^١)، وأبو عوانة (^٢). وأخرجه أيضًا أبو داود (^٣) من طريق صفوان بن\nعيسى، عن معمر به.\nوانفرد عيسى بن يونس في رواية إسحاق بن إبراهيم الهروي (^٤) التي ذكرها عبد الله برواية الحديث عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد. فأبدل يحيى بن أبي كثير بالزهري، وخالف غيره ممن رواه عن معمر. والحديث لا يعرف عن الزهري، ولم يروه أحد من الرواة عنه على كثرتهم، فحكم الإمام أحمد على عيسى بن يونس (^٥) - وهو أحد الثقات - بالخطأ.\nلكن رواه مؤمل بن الفضل (^٦)، عن عيسى بن يونس، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير به. أخرجه أبو داود (^٧) إلا أن أبا علي اللؤلؤي قال: هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة اهـ (^٨). فلعله اطلع على أنه خلاف المعروف عن عيسى بن يونس، فتركه، والله أعلم.\nوإن أدى القلب إلى إبدال ثقة بضعيف كان أثره أشد، مثال ذلك:\nقال عبد الله: «قلتُ لأبي: تَحفظ هذا من حديث أبي عاصم، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: كان\n_________\n(^١) السنن (١/ ٥٥٤ ح ٨٩٥).\n(^٢) مستخرج أبي عوانة (ص ٣٤٥ ح ٢٩٠).\n(^٣) السنن (الموضع نفسه).\n(^٤) أثنى عليه أحمد خيرًا، وقال: يكتب عنه. ووثقه ابن معين، وغمزه ابن المديني. وذكره ابن حبان في الثقات (الجرح والتعديل ٢/ ٢١٠؛ تاريخ بغداد ٦/ ٣٣٧؛ الثقات ٨/ ١١٦).\n(^٥) تقدمت ترجمته. ص (٦٨٧).\n(^٦) مؤمل بن الفضل الحراني. قال أبو حاتم: ثقة رضى. وقال أحمد: زعموا أنه لا بأس به (تهذيب الكمال ٢٩/ ١٨٥).\n(^٧) السنن (١/ ٥٦٠ ح ٩١١).\n(^٨) سنن أبي داود (الموضع نفسه).","vol":"2","page":986},{"text":"رسول الله -ﷺ- يقول: «ألا أَدُّلُكم على شيءٍ يُكفِّر الخَطايا ويَزيدُ في الحسنات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء عند المكاره». فقال أبي: هذا باطل - يعني من حديث عبد الله بن أبي بكر - قال أبي: إنما هو حديث ابن عَقِيل،\nوأنكره أشدَّ الإِنكار وقال: ليس بشيء - يعني حديث عبد الله بن أبي بكر - قال: هذا حديث ابن عقيل». (^١)\nحديث أبي عاصم الذي ذكره عبد الله، أخرجه ابن خزيمة (^٢)، وابن حبان (^٣)، والحاكم (^٤). وأخرج أبو يعلى جزءً منه (^٥).\nوقد أنكره الإمام أحمد على أبي عاصم حيث أبدل عبد الله بن محمد بن عقيل، بعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فالأول قال فيه أحمد: منكر الحديث، وإن أُثر عنه أنه يحتج به (^٦)، وأما الثاني فهو ثقة ثبت (^٧). ومن أجل ذلك اشتدّ إنكار الإمام أحمد للحديث، وقال: إنه باطل.\nفقد تفرد به أبو عاصم النبيل عن الثوري، والمشهور في رواية هذا المتن هو عبد الله بن محمد بن عقيل؛ هكذا رواه زهير بن محمد المروزي (^٨)، وعبيد الله بن عمرو\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٥٥٧ ح ٣٦٣٣).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (١/ ٩٠ ح ١٧٧).\n(^٣) الإحسان (٢/ ١٢٧ ح ٤٠٢).\n(^٤) المستدرك (١/ ١٩١).\n(^٥) مسند أبي يعلى (٢/ ٣٥٤ ح ١١٠٢).\n(^٦) تهذيب الكمال (١٦/ ٨٢)؛ جامع الترمذي (١/ ٩).\n(^٧) قاله النسائي (تهذيب الكمال ١٤/ ٣٥١). وقال أحمد: حديثه شفاء (العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٣٦٣٦).\n(^٨) أخرج حديثه ابن ماجه (١/ ١٤٨ ح ٤٢٧)، وأحمد (المسند ١٧/ ٢١ ح ١٠٩٩٤)، والدارمي (السنن ١/ ١٧٨)، وأبو يعلى (المسند ٢/ ٥٠٧ ح ١٣٥٥)، والحارث بن أبي أسامة (زوائد مسند الحارث ١/ ٢٧٢ ح ١٥٣)، وابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة ١/ ٩٠)، والبيهقي (٢/ ١٦).","vol":"2","page":987},{"text":"الرقّي (^١)، وعمر بن ثابت (^٢). وليس له أصل عن عبد الله بن أبي بكر على كثرة\nحديثه؛ قال أبو حاتم: «ليس لعبد الله بن أبي بكر معنى». (^٣)\nوقد سبق ذكر فائدة معرفة هذه العلة، وهو نفي ما يظن معه دفع التفرد عن الراوي المتفرد، فإذا كان الراوي مجروحًا لم تنفعه المتابعة الموهومة في الرواية المقلوبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-297>النوع الثالث من القلب: إبدال إسنادٍ بآخر</span>\nوهذا النوع من القلب أشار إليه الحافظ ابن حجر كما تقدم، وصورته أن يكون متن الحديث معروفًا بإسناد معيّن، فيخطئ بعض الرواة فيرويه بإسناد آخر يُروى به متن آخر، فيُوهم أن لمتن الحديث إسناديْن، فينتج عن ذلك عند من لم يفطن له عدُّ الحديث الواحد حديثين أو أكثر، فيستشهد في باب الاعتبار بما لا يصلح أن يكون شاهدًا. وغالبًا ما يعبّر الأئمه عن هذا النوع من القلب بقولهم: «دخل عليه حديث في حديث»، أو «إسناد في إسناد».\nوقد اشتهر التمثيل بما وقع لجرير بن حازم من هذا النوع من القلب في كتب المصطلح (^٤)، وقد روى الإمام أحمد القصة عن بإسناده إلى حماد بن زيد: قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، قال: حَدّثتُ حماد بن زيد بحديث جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تقوموا حتى تروني»، فأنكره وقال: إنما سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت، فظنّ أنه\n_________\n(^١) أخرج حديثه الدارمي (السنن ١/ ١٧١)، وعبد بن حميد (المنتخب من مسنده ص ٣٠٣ ح ٩٨٤).\n(^٢) أخرج حديثه الذهبي (سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٣٥) من طريق أبي الحسين الطيوري.\n(^٣) علل ابن أبي حاتم (١/ ٣٠ ح ٥٤).\n(^٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص ١١٢)، النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٧٢)، ألفية العراقي مع فتح المغيث (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"2","page":988},{"text":"سمعه - يعني من ثابت». (^١)\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد وقيل له: ثابت، عن أنس - يعني عن النبي -ﷺ-: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ترَوني»؟ فقال أحمد: هذا زعموُا أن حمادَ بنَ زيدٍ قال: كنَّا عند ثابت، وعنده حجاجُ بن أبي عثمان، فقال حجاج: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه، فذكر الحديث، فظن جرير أنه حدث به ثابت عن\nأنس، فرواه». (^٢)\nفالمتن الذي رواه جرير معروف عن النبي -ﷺ- من حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة. أخرجه مسلم (^٣)، والنسائي (^٤)، وأحمد (^٥) من طرق عن حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير به.\nوأما حديث جرير فأخرجه الطيالسي (^٦)، والترمذي (^٧)، والطبراني (^٨).\nوقد تفرد جرير برواية هذا المتن من حديث ثابت عن أنس، ولا أصل له من حديث ثابت، ولا من حديث أنس، وقد تبين مما ذكره حماد بن زيد كيف دخل الوهم على جرير بن حازم فدخل عليه حديث في حديث وأبدل لحديث أبي قتادة إسنادًا آخر يروى به متنٌ آخر.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٨٣ رقم ١٦٢٥).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٣٨٥ رقم ١٨٥٧).\n(^٣) صحيح مسلم (١/ ٤٢٢ ح ٦٠٤ (١٥٦».\n(^٤) السنن (٢/ ٨١).\n(^٥) المسند (٣٧/ ٢١٨ ح ٢٢٥٣٣).\n(^٦) مسند الطيالسي (ص ٢٧١ ح ٢٠٢٨).\n(^٧) علل الترمذي الكبير (١/ ٢٧٦).\n(^٨) المعجم الأوسط (٩/ ١٥٠ ح ٩٣٨٧).","vol":"2","page":989},{"text":"فمن النماذج التي ذكرها الإمام أحمد لأخطاء الحفاظ من هذا النوع:\nقال أبو داود: «سمعت أحمد ذَكر حديث عُثام بن علي، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن النبي -ﷺ- كان إذا قام من الليل صلّى ركعتين، ثم استاك»؟ فقال: الحديث حديث حُصين - يعين حصين بن عبد الرحمن، عن حبيب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس. قلت: ممن هو - أعني: الوهم؟ قال: من الأعمش». (^١)\nحديث عُثام بن علي أخرجه النسائي (^٢)، وابن ماجه (^٣)، واحمد (^٤)، وأبو يعلى (^٥)، والحاكم (^٦) من طرق عنه، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله -ﷺ- يصلي من الليل ركعتين ثم ينصرف فيستاك».\nوأعل الإمام أحمد هذا الحديث بأن الأعمش قد وهِم فيه على حبيب بن أبي ثابت، وأن الصواب ما رواه حبيب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، ولفظه: «أنه بات عند النبي -ﷺ- فاستيقظ من الليل فأخذ سواكَه، فاستاك به، ثم توضأ وهو يقول: ﴿إنَّ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى قرأ هذه الآيات، وانتهى عند آخر السورة، ثم صلّى ركعتين فأطال فيهما القيام والرُّكوع والسُّجود، ثم انصرف حتى سمعتُ نفخَ النوم، ثم استيقظ فاستاك وتوضأ، وهو يقول: حتى فعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم أوتر بثلاث،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٠٩ رقم ١٩٢٣).\n(^٢) السنن الكبرى (١/ ١٦٣ ح ٤٠٥؛ ١/ ٤٢٤ ح ١٣٤٣).\n(^٣) السنن (١/ ١٠٦ ح ٢٨٨).\n(^٤) المسند (٣/ ٣٧٢ ح ١٨٨١).\n(^٥) مسند أبي يعلى (٤/ ٣٦٧ ح ٢٤٨٥).\n(^٦) المستدرك (١/ ١٤٥).","vol":"2","page":990},{"text":"فأتاه بلالٌ المؤِذِّن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل أمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل عن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، اللهم أعظم لي نورًا». هكذا رواه حصين عنه. أخرجه مسلم (^١)، وأبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وأحمد (^٤)، وأبو عوانة (^٥). وتابعه الثوري فرواه عن حبيب به\nنحوه (^٦)، ولفظه: «أن النبي -ﷺ- قام من الليل فاستنّ ثم صلى ركعتين، ثم نام، ثم قام، فاستنّ وتوضأ وصلى ركعتين، حتى صلى ستاًّ، ثم أوتر بثلاث، وصلى ركعتين».\nوتوبع حُصين أيضًا من رواية منصور بن المعتمر (^٧)، والمنهال بن عمرو (^٨) كلاهما عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه به.\nووقع في رواية التي ذكرها أبو داود لحديث حصين أنه عن حبيب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس، فأسقط أبيه بينهما، والصواب إثباته، وإنما رواه بإسقاط أبيه زيد بن أبي أُنيسة، عنب حبيب؛ أخرجه النسائي (^٩).\nووجه وهم الأعمش أنه جعل إسنادًا للحديث غير إسناده، وأخطأ في لفظ المتن أيضًا.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ٥٣٠ ح ١٩١).\n(^٢) السنن (٢/ ٩٣ ح ١٣٥٣).\n(^٣) السنن الكبرى (١/ ١٦٢ ح ٤٠٣).\n(^٤) المسند (٥/ ٤٧٣ ح ٣٥٤١).\n(^٥) مسند أبي عوانة (٢/ ٣٢٠).\n(^٦) أخرج حديثه النسائي (السنن الكبرى ١/ ٤٢٤ ح ١٣٤٤)، وأحمد (المسند ٥/ ٣١٣ ح ٣٢٧١).\n(^٧) أخرج روايته أبو عوانة (مسند أبي عوانة ٢/ ٣٢١).\n(^٨) أخرج روايته أبو يعلى (مسند أبي يعلى ٤/ ٤١٩ ح ٢٥٤٥)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٦).\n(^٩) السنن الكبرى (١/ ١٦٣ ح ٤٠٤).","vol":"2","page":991},{"text":"ومن النماذج لما وقع فيه الثقات من إبدال إسناد بآخر:\nقال مهنّا: «سألت أحمد عن حديث حدّث به عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- بأربع، قال: «إن اللهَ لا يَنَامُ ولا ينبغِي لهُ أن يَنَامَ، يَخفِضُ والقِسطَ ويَرفَعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهار، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُهُ النَّارُ لو كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصرُهُ». قال أحمد: ليس بصحيح؛ هذا غلطٌ من عُبيد الله بن موسى، لم يكن صاحب حديث. هذا حديث الثوري، عن حكيم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى: كانت اليهود تتعاطس عند النبي -ﷺ-، والحديث حديث المسعودي، عن عمرو بن مرّة قال: قام فينا رسول الله -ﷺ-. قلت: من عن المسعودي؟ قال: غير واحدٍ.\nقال الخلال: وروى عبد الله عن أبيه نحوًا من هذا، إلا أنه قال: قال أبي: هذا حديث الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى». (^١)\nوتكملة رواية عبد الله: «أُراه دخل لعبيد الله بن موسى إسناد حديث في إسناد حديث». (^٢)\nفي هذه الرواية ذكر الإمام أحمد أن عبيد الله بن موسى (^٣) غلط في حديث أبي موسى، وأنه دخل عليه إسناد حديث في إسناد حديث آخر، وذلك أنه روى حديث أبي موسى: «إن اللهَ لا يَنَامُ ولا ينبغِي لهُ أن يَنَامَ، يَخفِضُ والقِسطَ ويَرفَعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهار، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُهُ النَّارُ لو\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٧٤ - ٢٧٥ رقم ١٧١).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٥٥٦ رقم ١٣٢٧).\n(^٣) عبيد الله بن موسى العبسي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي وغيرهم، وكان يتشيع. وقال الإمام أحمد: كان صاحب تخليط، وحدث بأحاديث سوء - يقصد أحاديث الشيعة. وكان الإمام أحمد ينهى عنه لأنه بلغه عنه غلو في التشيع (تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٨ - ١٦٩؛ الضعفاء للعقيلي ٣/ ٨٧٦).","vol":"2","page":992},{"text":"كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصرُهُ»، عن الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري (^١)؛ وهذا غلط، فإن حديث أبي موسى هذا إنما يروى عن عمرو بن مرّة، عن أبي عُبيدة، عن أبي موسى. هكذا حدّث به الأعمش (^٢)، والمسعودي (^٣)، وشعبة (^٤)، والعلاء بن المسيب (^٥) كلهم عن عمرو بن مرة به.\nوأما الإسناد الذي ذكره عبيد الله بن موسى - أعني الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى - إنما رَوى به أصحاب الثوري حديث أبي موسى: «كانت اليهود يتعاطَسون عند النبي -ﷺ- رجاءَ أن يقولَ لهم: يرحمُكُم الله، فكان يقول لهم: يَهديكم الله ويُصلحُ بالَكم». هكذا رواه القطان (^٦)، وعبد الرحمن بن مهدي (^٧)، ووكيع (^٨)،\n_________\n(^١) أخرجه من هذا الوجه أبو حيان (طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ١٠٠ ح ٢٦٧)، والجرجاني (تاريخ جرجان ص ١٧٠ ح ١٣٣).\n(^٢) أخرج حديثه مسلم (صحيح مسلم ١/ ١٦١ - ١٦٢ ح ١٧٩ (٢٩٣، ٢٩٤»، وابن ماجه (السنن ١/ ٧٠ ح ١٩٥)، وأحمد (المسند ٣٢/ ٤٠٤ ح ١٩٦٣٢)، والروياني (مسند الروياني ١/ ٣٨١ ح ٥٨٤)، وأبو عوانة (مسند أبي عوانة ١/ ١٢٧ ح ٣٧٩)، وابن مندة (الإيمان ٢/ ٧٦٩ ح ٧٧٥، ٧٧٦)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤ ح ٤٤٨، ٤٤٩).\n(^٣) أخرج حديثه ابن ماجه (١/ ٧١ ح ١٩٦)، والطيالسي (ح ٤٩١)، وأحمد (٣٢/ ٣٥٧ ح ١٩٥٨٧)، والروياني (مسنده ٣٨١ ح ٥٨٤)، وأبو يعلى (مسنده (١٣/ ٢٤٥ ح ٧٢٦٢).\n(^٤) أخرج حديثه مسلم (١/ ١٦٢ ح ٢٩٥)، وأحمد (المسند ٣٢/ ٢٩٦ ح ١٩٥٣٠)، وابن مندة (ح ٧٧٩)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم ١/ ٢٤٤ ح ٤٥٠).\n(^٥) أخرج حديثه عبد الله بن أحمد بن حنبل (السنة ٢/ ٤٦٢ ح ١٠٤٨)، وابن حبان (الإحسان ١/ ٤٩٩ ح ٢٦٦)، وابن مندة (٢/ ٤٦٢ ح ١٠٤٨).\n(^٦) أخرج حديثه البخاري (الأدب المفرد ح ٩٤٠)، والبزار (البحر الزخار ٨/ ١٣٥ ح ٣١٤٥).\n(^٧) أخرج حديثه الترمذي (الجامع ٥/ ٧٦ ح ٢٧٣٩)، أحمد (٣٢/ ٣٥٦ ح ١٩٥٨٦)، والروياني (مسنده (١/ ٢٩٩ ح ٤٤٣).\n(^٨) أخرج حديثه أبو داود (ح ٥١٣٨)، وأحمد (الموضع السابق).","vol":"2","page":993},{"text":"وأبو نعيم (^١)، وقبيصة (^٢)، ومحمد بن يوسف الفريابي (^٣)، ومعاذ بن معاذ (^٤). ولم يتابِع أحدٌ عبيدَ الله على رواية حديث أبي موسى الأول بهذا الإسناد، فتعين أن يكون قد غلط وانقلب عليه حديث بآخر.\nومن الأمثلة أيضًا على هذا النوع من القلب مما ذكره الإمام أحمد:\nقال أبو داود: سمعت أحمد سئل ما أصح ما فيه؟ - يعني في: «من ذرعه القيء وهو صائم»؟ قال: نافع، عن ابن عمر. قلت له: حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة. قال: ليس من هذا شيء، إنما هو حديث: «من أكل ناسيًا - يعني وهو صائم - فالله أطعمه وسقاه». (^٥)\nحديث هشام بن حسان القردوسي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله -ﷺ-: «من ذرعه القيء، فليس عليه القضاء، ومن استقاء فليقضِ»، رواه عنه ثقتان: أحدهما عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي؛ أخرج حديثه أبو داود (^٦)، والنسائي (^٧)، وابن ماجه (^٨)، والبخاري (^٩)، وأحمد (^١٠)، والدارمي (^١١)، وابن الجارود (^١٢)،\n_________\n(^١) أخرج حديثه الطحاوي (شح معاني الآثار ٤/ ٣٠٢)، الحاكم (المستدرك ٤/ ٢٦٨).\n(^٢) أخرج حديثه الحاكم (الموضع نفسه).\n(^٣) أخرج حديثه البخاري (الأدب المفرد ح ٩٤٠).\n(^٤) أخرج حديثه النسائي (السنن الكبرى ٦/ ٦٧ ح ١٠٠٦١).\n(^٥) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٣٨٧ رقم ١٨٦٤).\n(^٦) السنن (ح ٢٣٨٠).\n(^٧) السنن الكبرى (٢/ ٢١٦ ح ٣١٣٠).\n(^٨) السنن (١/ ٥٣٦ ح ١٦٧٦).\n(^٩) التاريخ الكبير (١/ ٩١ - ٩٢).\n(^١٠) / ٢٨٣ ح ١٠٤٦٣).\n(^١١) السنن (٢/ ١٤).\n(^١٢) المنتقى (ح ٣٨٥).","vol":"2","page":994},{"text":"وابن خزيمة (^١)، والطحاوي (^٢)، وابن حبان (^٣)، والدارقطني (^٤)، والحاكم (^٥)، والبيهقي (^٦) من طرق عنه.\nوالثاني: حفص بن غياث النخعي الكوفي؛ أخرج حديثه ابن ماجه (^٧)، وابن خزيمة (^٨)، والحاكم (^٩)، والبيهقي (^١٠) من طرق عنه.\nوقد أشار الإمام أحمد إلى أن هذا الحديث غير محفوظ، وهو معنى قوله: ليس من هذا شيء (^١١). ووجه ذلك أن الإسناد الذي ذُكر به إنما يروى به متنٌ آخر، وهو\nحديث: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه». أخرجاه (^١٢) من حديث يزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.\nلكن ليس في قول الإمام أحمد ما يبين صاحب الوهم الذي جعل ذلك المتن للإسناد المذكور، ولا كيف دخل عليه حديث في حديث.\nوالظاهر أن الواهم هو هشام بن حسان، لأن عيسى بن يونس قد توبع\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٢٦ ح ١٩٦٠).\n(^٢) شرح معاني الآثار (٢/ ٩٧).\n(^٣) الإحسان (٨/ ٢٨٤ ح ٣٥١٨).\n(^٤) السنن (٢/ ١٨٤).\n(^٥) المستدرك (١/ ٤٢٦).\n(^٦) السنن الكبرى (٤/ ٢١٩).\n(^٧) السنن (الموضع نفسه).\n(^٨) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٢٦ ح ١٩٦١).\n(^٩) المستدرك (١/ ٤٢٦).\n(^١٠) السنن الكبرى (الموضع نفسه).\n(^١١) هكذا فسره الخطابي (نصب الراية ٢/ ٤٤٨).\n(^١٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٥٥ ح ١٩٣٣)، ومسلم (٢/ ٨٠٩ ح ١١٥٥).","vol":"2","page":995},{"text":"من راوٍ ثقة، ولذلك لم يرد ذكره في سؤال أبي داود ولا في جواب الإمام أحمد. وقد ذكر الدارمي أن عيسى بن يونس يقول: «زعم أهل البصرة أن هشامًا أوهم فيه». (^١) ولعل من أجل ذلك لم يرو هذا الحديث عنه أحد من حفاظ أهل البصرة.\nوقد بين الإمام البخاري وجه الوهم فقال: «إنما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه». (^٢)\nوعبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري منكر الحديث (^٣)، وحديثه أخرجه ابن أبي شيبة (^٤)، والدارقطني (^٥).\nفمعنى هذا أن هشامًا القردوسي وهم فركب إسناد حديثه الصحيح لهذا المتن الذي لم يصح، فأوهم أنه حديث صحيح. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين (^٦)، وقال الدارقطني: رواته ثقات كلهم (^٧)، لكن هذا لا يستلزم تصحيحًا.\nوصححه أيضًا الألباني (^٨).\nوالإمام أحمد لم يصحح هذا المتن إلا من رواية نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه. (^٩)\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٢/ ١٤)\n(^٢) التاريخ الكبير (١/ ٩٢).\n(^٣) قاله أحمد في رواية أبي طالب (الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٤٨٠).\n(^٤) المصنف (٢/ ٢٩٧ ح ٩١٨٩).\n(^٥) السنن (٢/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(^٦) المستدرك (١/ ٤٢٦)، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: البخاري قد أعله في التاريخ (تغليق التعليق ٣/ ١٧٦).\n(^٧) السنن (٢/ ١٨٤).\n(^٨) إرواء الغليل (٤/ ٥١ - ٥٣).\n(^٩) وقد أخرجه مالك (الموطأ ١/ ٣٠٤)، وابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ٢٩٧ ح ٩١٨٨) من طريق عبيد الله، كلاهما عن نافع به.","vol":"2","page":996},{"text":"وقد يقال: إذا كان الراوي ثقة، فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادان عند شيخه، فحدث بأحدهما مرة وحدث بالآخر مرارًا فكثر عدد الذين رووا وجها دون آخر، وعليه فلا يلزم إنكار الإسناد الآخر؟ ويقال مثل هذا في إبدال صحابي بآخر، وكذلك في إبدال راوٍ بآخر.\nوقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإيراد فقال: «هذا التجويز لا ننكره، لكن مبنى هذا العلم على غلبة الظن، وللحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يُعوَّل في ذلك منهم على النقّاد المطلعين منهم، ولهذا كان كثير منهم - أي الرواة - يرجعون عن الغلط إذا نبهوا عليه». (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-298>النوع الرابع من القلب: القلب في المتن</span>\nوقد سبق وأن ذكرنا تعريف الجزري للقلب في ألفاظ متون الأحاديث، وهو أحد أنواع الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات.\nفمن أملثة ذلك مما نبّه عليه الإمام أحمد:\nقال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا رَوْح، قال: حدثنا سعيد وعبد الوهاب، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الطُّفَيل قال: كان معاوية لا يأتي على رُكنٍ من أركان البيت إلا اسْتَلَمَه، فقال ابن عباس: إنما كان نبي الله -ﷺ- يَستلِم هذيْن الرُّكنيْن. قال أبي: قال عبد الوهاب في حديثه: الحَجرُ الأسودُ واليَماني. فقال معاوية: ليس من أركانه مهجور (^٢). حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شُعبة قال: حدثني قتادة، عن أبي الطُّفَيل قال: حجّ ابن عباس ومُعاوية، فجعل ابن عبّاس يَستلم الأركانَ كلَّها فقال معاوية: إنما استلم رسول الله -ﷺ- هذيْن\n_________\n(^١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٧٥ - ٨٧٦).\n(^٢) وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٦٩ ح ٣٥٣٢). وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٢٧١ ح ١٠٦٣٦)، والبيهقي (السنن الكبرى ٥/ ٧٦) من طريق خالد بن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة.","vol":"2","page":997},{"text":"الركنيْن الأَيمنيْن فقال ابن عباس: ليس من أركانه مهجور (^١). حدثني أبي قال: حدثنا حجاج قال: حدثني شُعبة؛ ومحمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعتُ قتادة يحدّث؛ قال حجاج قال: سمعتُ أبا الطُّفَيل قال: قدِم مُعاويةُ وابنُ عباس فطاف ابن عباس فذكر مثله. وقال حجاج: قال شعبة: الناس يخالفوني في هذا الحديث، يقولون معاوية هو الذي قال: ليس من البيت شيء مهجور، ولكنِّي حفظتُه من قتادة هكذا (^٢). حدثني أبي قال: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا أبو خَيْثَمة - يعني زهيرًا - عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن أبي الطُّفيل قال: رأيتُ مُعاويةَ يَطوفُ بِالبيتِ عن يسارِه عبدُ الله بنُ عباسٍ، وأنا أتلوهما في ظُهورِهما أَسمَعُ كلامَهما، فطَفِق معاويةُ يَستلِمُ ركنيِ الحِجر، فقال له عبد الله بن عباس: إن رسول الله -ﷺ- لم يَستلم هذين الرُّكنيْن، فقال معاويةُ: دعني منك يا ابنَ عباس، فإنه ليس منها\nشيءٌ مهجورٌ، فطفق ابنُ عباس لا يَذَرُه كُلَّما وضع يدَه على شيءٍ من الرُّكنيْن قال له ذاك (^٣). (^٤)\nحديث أبي الطفيل قد وقع فيه قلب، وذلك أن استلام جميع أركان البيت وقع من معاوية وأن ابن عباس أنكره عليه، ثبت ذلك في حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء عن ابن عباس. علقه البخاري بصيغة الجزم (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه في المسند (٢٨/ ١٠٦ ح ١٦٨٩٧).\n(^٢) أخرجه في المسند (٢٨/ ٧٣ ح ١٦٨٥٨).\n(^٣) أخرجه في المسند (٤/ ٨٧ ح ٢٢١٠).\nوأخرجه من طريق أبي خيثمة الطبراني (١٠/ ٢٧٠ ح ١٠٦٣٢)، والحاكم (٣/ ٥٤٢).\nوأخرجه عبد الرزاق (المصنف ٥/ ٤٥ ح ٨٩٤٤) عن الثوري، ومعمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به، ومن طريقه أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧ ح ٣٠٧٤)، والترمذي (٣/ ٢١٣ ح ٨٥٨).\nوأخرجه أحمد عن روح عن الثوري، عن ابن خثيم (المسند ٥/ ٤٧٠ ح ٣٥٣٣).\nوأخرجه ابن عبد البر من طريق شريك القاضي عن ابن خثيم به (التمهيد ١٠/ ٥٢).\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣١٥ - ٣١٦).\n(^٥) صحيح البخاري (٣/ ٤٧٣ ح ١٦٠٨).","vol":"2","page":998},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: وصله الجوزقي (^١). وورد أيضًا من حديث خُصيف، عن مجاهد عن ابن عباس. أخرجه أحمد (^٢)، والطحاوي (^٣)، والطبراني (^٤).\nوأما حديث أبي الطفيل فاختلف على قتادة في تمييز المستلم للأركان من المنكر، فعند سعيد بن أبي عروبة معاوية هو الذي يستلم الأركان، ويؤيد ذلك رواية عمرو بن الحارث عن قتادة، عن أبي الطفيل أنه سمع ابن عباس يقول: «لم أر رسول الله -ﷺ- يستلم غير الركنين اليمانيين». أخرجه مسلم (^٥)، والطبراني (^٦). فناسب أن يكون ابن عباس هو المنكر لمعاوية استلام جميع أركان البيت. ويؤيده أيضًا رواية ابن خثيم، عن أبي الطفيل، وهي موافقة تمامًا لرواية سعيد بن أبي عروبة؛ وكأن الإمام ذكرها ليرجح بها رواية سعيد ويبرهن بها على أن شعبة قد قلب متن الحديث. وقد صرح بذلك في رواية أخرى من طريق عبد الله على ما ذكره ابن حجر (^٧).\nوقد يكون الذي قلب المتن قتادة نفسه حين حدث شعبة بالحديث، بدليل أن شعبة ذكر أنه حفظه من قتادة كذلك، ولذلك لم يرجع عنه مع علمه بأن الناس يخالفونه في روايته.\nولم أقف على مثال آخر صريح لهذا النوع من القلب عن الإمام أحمد.\n_________\n(^١) تغليق التعليق (٣/ ٧١).\n(^٢) المسند (٣/ ٣٧٠ ح ١٨٧٧).\n(^٣) شرح معاني الآثار (٢/ ١٨٤).\n(^٤) المعجم الأوسط (٣/ ١٧ ح ٢٣٢٣).\n(^٥) صحيح مسلم (٢/ ٩٢٥ ح ١٢٦٩).\n(^٦) المعجم الكبير (١٠/ ٢٧١ ح ١٠٦٣٥).\n(^٧) (فتح الباري ٣/ ٤٧٤). هذا إذا لم يكن نقله بالمعنى، فإن التصريح بأن شعبة هو الذي قلبه غير موجود في العلل برواية عبد الله كما سلف، إلا أن يكون الحافظ نقل ذلك من علل الخلال عن عبد الله، والله أعلم.","vol":"2","page":999},{"text":"<span data-type='title' id=toc-299>المطلب الخامس: رفع الموقوف ووصل المرسل</span>\nوهذا نوع آخر من الأخطاء التي تقع في روايات الثقات. قال الذهبي معلقًا على قول أبي أحمد ابن عدي في الحسن بن علي بن شبيب المعمري: «أما ما ذكر عنه أنه رفع أحاديث وزاد في المتون، فإن هذا موجود في البغداديين خاصة، وفي حديثهم وفي حديث ثقاتهم، فإنهم يرفعون الموقوف، ويوصلون المرسل، ويزيدون في الأسانيد …» (^١)، قال الذهبي: «بئسَتِ الخِصالُ هذه، وبمثلها يَنحطُّ الثقة عن رتبة الاحتجاج به، فلو وقف المحدث المرفوعَ، أو أرسل المتّصِل لساغ له، كما قيل (^٢): انقص من الحديث ولا يزِد فيه». (^٣)\nومما يدل على اعتار هذا من الخطأ ما تقدم عن الإمام أحمد من تضعيفه لعطاء بن السائب وسماك بن حرب بأنهما كان يسلكان الجادة في الرفع، أما سماك فيقول: عن عكرمة، عن ابن عباس؛ وأما عطاء فيقول: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٤).\nوقال في محمد بن إبراهيم بن أبي عدي: «روى عن شعبة أحاديث يرفعها ننكرها عليه». (^٥)\nوقال في هشام بن لاحق: «كان يُحدّث عن عاصم أحاديث، لم يكن به بأس، رفع عن عاصم أحاديث لم تُرفع، أسندها إلى سلمان». (^٦)\n_________\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال (٢/ ٧٥٠).\n(^٢) هذه المقالة لمجاهد بن جبر كما رواها عنه الخطيب (الكفاية ص ٢٨٩).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٣).\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٣٩٥ رقم ٧٩٢).\n(^٥) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص ٣٥٣ رقم ٥٤٨).\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٠٠ رقم ٥٣٣٤).","vol":"2","page":1000},{"text":"وقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: أبو معشر - يعني زياد بن كُليب - يحدث عن إبراهيم أشياء يرفعها إلى ابن مسعود نحو من عشرة لا يعرف عن ابن معسود لها أصلٌ، يعني أنها مقصورة على إبراهيم، قال أحمد: يقولون: كان يأخذ عن حماد». (^١)\nوقد تقدم عنه أيضًا تضعيف حماد بن سلمة في شيخه قيس بن سعد لأن كتابه عن قيس قد ضاع، وملامح ذلك التضعيف واضحة في كثرة ما يرفعه من أحاديثه عن عطاء، عن ابن عباس إلى النبي -ﷺ- (^٢)\nوكذلك ما تقدم في استدلاله لدخول التخليط في حديث ابن لهيعة في آخر عمره بأنه كان يرفع ما كان يوقفه لماّ كان في الصحة. فذكر عن ابن وهب أن ابن لهيعة روى هذا الحديث: «لو كان القرآن في إهاب ما مسَّتْه النَّارُ» قال ابن وهب: ما رفعه لنا ابن لهيعة قط أوَّلَ عُمُرِهِ (^٣).\nولهذا أمثلة لدى غير الإمام أحمد من أئمة هذا الشأن.\nقال الدارقطني لما سئل عن سعيد بن عبيد الله الثقفي، قال: «هذا ابن عبيد الله\nبن جبير بن حية، وليس بالقوي، يُحدث بأحاديث يسندها ويوقفها غيره». (^٤) فجعل علة ضعفه رفعه للموقوفات.\nوأما التفريق بين رفع الموقوف ووصل المرسل من جهة، ووقف المرفوع وإرسال المتصل من جهة أخرى، حيث أشار الحافظ الذهبي إلى أن الثاني يسوغ\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٣٧ رقم ٢٠١٠).\n(^٢) انظر: ما تقدم ص (٢٥٤).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله (٢/ ١٣١ رقم ١٧٨٤). وانظر دراسة ذلك الحديث فيما تقدم (ص ٣٨٣).\n(^٤) سؤالات الحاكم للدارقطني (رقم ٣٣٤).","vol":"2","page":1001},{"text":"دون الأول فقد أجاب عنه الخطيب فقال: «إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر». (^١)\nوهناك بعض الرواة يتوقف في الحكم بالخطأ على من خالفهم برفع ما أوقفوه، مع كونهم أوثق ممن خالفهم؛ وهؤلاء هم أئمة أهل البصرة: أيوب، ومحمد بن عون، ومحمد بن سيرين، لأن مذهبهم وقف كثير من الأحاديث المرفوعة. قال المرّوذي: «سألت أبا عبد الله عن هشام بن حسّان فقال: أيوب، وابن عون أحبّ إليّ، وحسّن أمرَ هِشام وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كان مذهبُهم أن يَقصِروا بالحديث ويُوقفوه». (^٢)\nومن الأمثلة لما جاء عن الإمام أحمد من خطأ بعض الرواة الثقات برفع الموقوف أو وصل المرسل ما يلي:\nرفع الموقوف\nفمن ذلك:\nقال حنبل: حدثنا أبو عبد الله، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله سيُؤيِّد\nهذا الدينَ برجالٍ ليس لهم عند الله خَلاقٌ». قال أبو عبد الله: ليس هذا مرفوعًا. (^٣)\nهذا الحديث أخرجه النسائي (^٤)، وابن حبان (^٥)، من طريق رباح،\n_________\n(^١) الكفاية في علم الراوية (ص ٥٨١).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٧١ رقم ٧٨).\n(^٣) المنتخب من العلل للخلال (ص ١٦٤ رقم ٨٦).\n(^٤) السنن الكبرى (٥/ ٢٧٩ ح ٨٨٨٥).\n(^٥) الإحسان (١٠/ ٣٧٦ ح ٤٥١٧).","vol":"2","page":1002},{"text":"والطبراني (^١) من طريق عباد بن منصور كلاهما عن أيوب به، وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عباد، ومعمر بن راشد، تفرد به عن عباد ريحان، وعن معمر رباح بن زيد».\nورباح بن زيد ثقة جليل (^٢) قال أحمد: إني أحب رباحًا وأحب حديثه، وأحب ذكره (^٣).\nولم أقف على رواية الوقف التي يبدو أن الإمام أحمد رجحها على هذه الرواية.\nوقد رُوي من وجه آخر عن أنس مرفوعًا، أخرجه الإسماعيلي (^٤) من طريق معلى بن زياد، وأبو نعيم (^٥) من طريق مالك بن دينار كلاهما عن الحسن، عن أنس به مرفوعًا.\nقال أبو داود: سمعت أحمد ذَكر حديث حماد بن زيد، عن أبان بن تغلب (^٦)، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ- في التلبية. قال: هذا أُراه من حماد - يعني رفعه إلى النبي -ﷺ-، لأن الحديث موقوف على عبد الله». (^٧)\nحديث حماد بن زيد أخرجه النسائي (^٨)، والشاشي (^٩)، والإسماعيلي (^١٠)\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٣/ ١٤٢ ح ٢٧٣٧).\n(^٢) انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٤٩٠).\n(^٣) الثقات لابن حبان (٨/ ٢٤١).\n(^٤) معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (١/ ٤٠٦ ح ٧٠).\n(^٥) جلية الأولياء (٢/ ٣٨٧).\n(^٦) التصحيح من مصادر التخريج.\n(^٧) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٣٧ رقم ٢٠٠٩)، وانظر: ص ٣١٦ من طبعة المنار ١٣٥٣ هـ.\n(^٨) السنن (٥/ ١٦١ ح ٢٧٥٠)؛ السنن الكبرى (٢/ ٣٥٣ ح ٣٧٧٢).\n(^٩) مسند الشاشي (٢/ ٢١ ح ٤٨٢).\n(^١٠) معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (١/ ٣٣٠ ح ١٤).","vol":"2","page":1003},{"text":"من طرق عنه، عن أبان بن تغلب، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: «كان من تلبية النبي -ﷺ-: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك».\nوتابعه شعبة، فرواه عن أبي إسحاق به، ولفظه: كانت تلبية رسول الله -ﷺ- فذكره، أخرجه الشافعي (^١).\nورواه أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، كنت مع ابن مسعود فلبى فقال رجل: من هذا الملبي في هذا اليوم؟ فالتفت إليه ابن مسعود فقال: «لبيك عدد التراب لبيك». أخرجه ابن أبي شيبة (^٢).\nوذكر الإمام أحمد أن حماد بن زيد هو الذي رفعه، وأنه عن ابن مسعود موقوف، ولم أقف على رواية الوقف إلا ما تقدم عن أبي بكر بن عياش.\nوقال ابن أبي حاتم- بعد أن ذكر حديث حماد بن زيد: «رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كانت تلبية عبد الله بن مسعود، لم يرفعه، قال: قال أبي: حديث شعبة أصح». (^٣) فهذا يوافق قول الإمام أحمد في الإعلال، لكن الرواية التي ذكرها تخالف رواية الشافعي، عن ابن مهدي، عن شعبة.\nوصل المرسل\nفمن ذلك:\nقال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: «كان عيسى بن يونس يُسند حديث الهدية، والناس يرسلونه». (^٤)\n_________\n(^١) كتاب الأم (٧/ ١٩٠).\n(^٢) المصنف (٣/ ٣٧٥ ح ١٥٠٧٢).\n(^٣) علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٣ ح ٨٧٦).\n(^٤) تهذيب الكمال (٢٣/ ٦٨).","vol":"2","page":1004},{"text":"وحديث عيسى بن يونس أخرجه البخاري (^١)، وأبو داود (^٢)، والترمذي (^٣)، وأحمد (^٤)، وإسحاق (^٥)، والبيهقي (^٦) عنه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «كان رسول الله -ﷺ- يقبل الهديةَ ويُثيب عليها».\nوذكر الإمام أحمد أن عيسى بن يونس تفرد بوصله، والناس يرسلونه، يشير إلى أنه أخطأ بوصل ما هو مرسل.\nوذكر البخاري أن وكيعًا ومحاضر بن المورّع (^٧) روياه مرسلًا، ليس فيه عائشة.\nورواية وكيع وصلها ابن أبي شيبة (^٨)، ورواية محاضر لم أقف عليها (^٩).\nووافق الإمامَ أحمد على تخطئة رواية عيسى بن يونس الموصوله ابنُ معين (^١٠)، وأبو داود (^١١)، والدارقطني (^١٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥/ ٢١٠ ح ٢٥٨٥).\n(^٢) السنن (ح ٣٥٣٦).\n(^٣) الجامع (٤/ ٣٣٨ ح ١٩٥٣).\n(^٤) المسند (٤١/ ١٣٨ ح ٢٤٥٩١).\n(^٥) مسند إسحاق بن راهويه (٢/ ٢٦٧ ح ٧٧٣).\n(^٦) السنن الكبرى (٦/ ١٨٠).\n(^٧) قال عنه أحمد: كان مغفلًا لم يكن من أصحاب الحديث. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين (تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٦٠ - ٢٦١).\n(^٨) انظر: تغليق التعليق (٣/ ٣٥٨).\n(^٩) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف عليه بعد (فتح الباري ٥/ ٢١٠).\n(^١٠) قال: إنما هو عن هشام، عن أبيه فقط (التاريخ برواية الدوري ٣/ ٢٤٣ رقم ١١٣٨).\n(^١١) قال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل (ذكره ابن حجر في فتح الباري، الموضع نفسه).\n(^١٢) ذكره في الأحاديث التي استدركها على البخاري في التتبع (الإلزامات والتتبع ص ٥١٤). قال: وهذا مرسل.","vol":"2","page":1005},{"text":"وإخراج الإمام البخاري للحديث مصير منه إلى تصحيح وصله، قال ابن حجر: لحفظ رواتها (^١).\nووكيع أحفظ من عيسى بن يونس، ثم إنه قد اقترن بغيره.\nومن أمثلة ذلك ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله عن عن أبيه «أنه رأى رسول الله -ﷺ- وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة». وفي بعض الروايات: عن ابن عمر: رأيت رسول الله -ﷺ-.\nقال الإمام أحمد: «هذا الحديث إنما هو عن الزهري مرسل … وحديث ابن عيينة وهم». (^٢)\nرواه مالك، ومعمر، ويونس عن الزهري مرسلًا. وسيأتي توضيح هذه الطرق في المطلب الآتي في الكلام على المدرج إن شاء الله.\nفاعتبر الإمام أحمد وصل ابن عيينة للحديث الذي هو في الأصل مرسل وهمًا، فدلّ على أن وصل المراسيل من جنس الأخطاء التي تعتري أحاديث الثقات.\n_________\n(^١) هدي الساري (ص ٣٦١).\n(^٢) المعجم الكبير (١٢/ ٢٨٦ ح ١٣١٣٣).","vol":"2","page":1006},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>المطلب السادس: الإدراج</span>\nوهذا أيضًا من أنواع الأخطاء الواقعة في أحاديث الرواة الثقات، والإدراج مصدر أدرج، وهو إدخال الشيء في الشيء وضمّه إياه (^١)، والحديث الذي وقع فيه الإدراج يسمى المُدرج، اسم مفعول من أدرج.\nوالحديث المُدرج هو ما كان فيه زيادة ليست منه في الإسناد أو المتن (^٢). فهو نوعان: مدرج في المتن، ومدرج في الإسناد، ولكل نوع منهما أقسام.\nفالمدرج في المتن هو أن يُدرج الراوي في حديث النبي -ﷺ- شيئًا من كلام غيره مع\nإيهام كونه من كلامه (^٣)، وقد يكون ذلك في أول المتن أو في وسطه أو في آخره وهو الأكثر.\nوكما يكون الإدراج في المرفوع، فقد يكون في الموقوف على الصحابي بإلحاق التابعي فمن بعده، أو في المقطوع بإلحاق تابعي التابعي فمن بعده (^٤).\nوأما مدرج الإسناد فأغلب أقسامه (^٥) تعود إلى نوع من القلب، وهو إدخال حديث أو جزء منه في آخر. وهذا النوع من أنواع العلل الغامضة التي لا يطلع عليها إلا النقادُ الجهابذةُ العارفون بمراتب الرواة ومداخل الخطأ في الروايات، وكثيرًا ما يغفل عنه من لا يستنير بكلامهم عند الحكم على الأحاديث، فيصحح ما قد أدركوا علته وكشفوها، وما ذلك إلا لقلة معرفة هؤلاء وعدم إتيانهم\n_________\n(^١) انظر: تاج العروس (٢/ ٣٩ - ٤١) مادة درج.\n(^٢) انظر: الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٣).\n(^٣) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨١١).\n(^٤) فتح المغيث (١/ ٢٨٢).\n(^٥) انظرها في «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢/ ٨٣٢ - ٨٣٧، وفي مقدمة «الفصل للوصل المدرج» ١/ ٢٥ - ٢٧.","vol":"2","page":1007},{"text":"البيوت من أبوابها.\nوسأورد في هذا المطلب نماذج مما أعله الإمام أحمد من أحاديث الرواة الثقات بالإدراج، وهي كالتالي:\nقال ابن هانئ: «سألت أبا عبد الله عن حديث حجاج: قرأت على ابن جُريج، قال: حدثني زِياد أن ابن شهاب حدّثه قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر أنه كان يمشي بين يدي الجَنازة، وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها، من كلام من هو؟ فقال: هذا من كلام الزهري: وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها». (^١)\nوقال عبد الله: «سألت أبي عن حديث الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر: «رأيت رسول الله -ﷺ- وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة»؟ فقال: أما سفيان فكان أكثر ما يقول: عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه رأى النبي -ﷺ- وأبا بكر، وعمر. قال\nأبي: فقد رواه عُقيل بن خالد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه «كان يمشي أمام الجَنازة، وأن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة»، وما هو إلا فعل ابن عمر، والنبي -ﷺ- مرسل عن الزهري. قال أبي: كان هذا من قول الزهري: أن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر الحديث». (^٢)\nبين الإمام أحمد أن قول الزهري: «وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها»، مدرج في الخبر وليس بمسند بل هو مرسل عن الزهري، وإنما المتصل من ذلك فعل ابن عمر أنه كان يمشي أمام الجنازة، فهذا القدر الذي رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.\nوتوضيح ذلك أن الرواة عن الزهري اختلفوا عنه في رواية هذا الحديث.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٩٠ رقم ٢٠٣٥).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٢/ ٤٨٤ رقم ٦٧٥).","vol":"2","page":1008},{"text":"فأما ابن عيينة فلم يختلف عليه أن الحديث عنده كله موصول؛ رواه أبو داود (^١)، والترمذي (^٢)، النسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥)، والحميدي (^٦)، وابن أبي شيبة (^٧)، وابن حبان (^٨)، والبيهقي (^٩) فكلهم رووه عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه «أنه رأى رسول الله -ﷺ- وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة». وفي بعض الروايات: عن ابن عمر: رأيت رسول الله -ﷺ- …\nقال علي بن المديني: قلت لسفيان: إن معمرًا وابن جريج يخالفانك في هذا -\nيعني أنهما يرسلان الحديث عن النبي -ﷺ-، فقال: استقر الزهري حدثنيه سمعته من فيه ويبديه: عن سالم، عن أبيه … (^١٠)\nوقد تابع ابن عيينة العباس بن الحسن الخِضرمي - بمعجمة مكسورة الحراني (^١١).\nوأكثر الرواة عن الزهري رووه على وجوه تحتمل الاتصال والإرسال؛\n_________\n(^١) السنن (ح ٣١٧٩).\n(^٢) الجامع (٣/ ٣٢٩ ح ١٠٠٧).\n(^٣) السنن (٤/ ٥٦ ح ١٩٤٣)، السنن الكبرى (١/ ٦٣٢ ح ٢٠٧١).\n(^٤) السنن (١/ ٤٧٥ ح ١٤٨٢).\n(^٥) المسند (٨/ ١٣٧ ح ٤٥٣٩).\n(^٦) مسند الحميدي (٢/ ٢٧٦ ح ٦٠٧).\n(^٧) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٦ ح ١١٢٢٤).\n(^٨) الإحسان (٧/ ٣١٧ ح ٣٠٤٥؛ ٧/ ٣١٩ ح ٣٠٤٧؛ ٧/ ٣١٨ ح ٣٠٤٦).\n(^٩) السنن الكبرى (٤/ ٢٣).\n(^١٠) السنن الكبرى (٤/ ٢٣).\n(^١١) قال عنه أبو حاتم: مجهول. وقال ابن عدي: يخالف الثقات. (الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٦٦٦؛ ميزان الاعتدال ترجمة ٤١٦١).\nوحديثه عند الطبراني (المعجم الكبير ١٢/ ٢٨٦ ح ١٣١٣٤)، وابن عدي (الكامل في ضعفاء الرجال، الموضع نفسه).","vol":"2","page":1009},{"text":"ومن تلك الروايات الرواية التي ذكرها ابن هانئ في سؤاله للإمام أحمد عن حجاج المصيصي، عن ابن جريج، عن زِياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن ابن عمر «أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر، وعمر، وعثمان يمشون أمامها». (^١) فقوله في هذه الرواية: «وقد كان رسول الله -ﷺ- …» يحتمل الاتصال أنه من قول ابن عمر، ويحتمل الإرسال. وهكذا جاءت رواية غير زياد بن سعد من أصحاب الزهري، منهم: شعيب بن أبي حمزة (^٢)، وعقيل بن أبي خالد (^٣)، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق مقرونًا بموسى بن عقبة (^٤)،\nويونس بن يزيد الأيلي (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (المسند ٩/ ٩ ح ٤٩٤٠) بهذا الإسناد؛ وقد أخرجه الترمذي (الجامع ٣/ ٣٢٩ ح ١٠٠٨) من طريق همام عن زياد بن سعد، وبكر الكوفي، ومنصور كلهم عن الزهري به، وذكره بمثل لفظ حديث ابن عيينة: رأيت النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. وكذلك أخرجه النسائي (السنن ٤/ ٥٦ ح ١٩٤٤)، والطبراني (المعجم الأوسط ح ٢٠٧٢).\nقال الترمذي: إنما هو عن سفيان روى عنه همام، أي حمل لفظ حديث سفيان على حديث زياد ومن معه. (الجامع ٣/ ٣٣٠).\n(^٢) حديثه عند ابن حبان (٧/ ٣٢٠ ح ٣٠٤٨). وزاد: قال الزهري: وكذلك السنة.\n(^٣) حديثه عند أحمد (١٠/ ٣٦٩ ح ٦٢٥٣)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٩). ورواه الطبراني (المعجم الأوسط ٦/ ٢٦٣ ح ٦٣٦٣) من طريق ابن لهيعة عن عقيل ويونس موصولا بمثل لفظ رواية ابن عيينة. وقال الطبراني: لم يصل هذا الحديث عن يونس إلا ابن لهيعة.\n(^٤) وحديثهما عند الطبراني (المعجم الأوسط ٥/ ٣٧ ح ٤٦٠٥)، وابن عبد البر (التمهيد ١٢/ ٨٨).\n(^٥) اختلف عليه، فرواه ابن وهب بمثل رواية الجماعة أي على احتمال الوصل والإرسال. أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٩). وتابعه أحمد بن شيب عن أبيه عنه عند الخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٣٥).\nورواه محمد بن بكر الرساني عن الزهري، عن أنس (جامع الترمذي ٣/ ٣٣١ ح ١٠١١). قال الترمذي:: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ، أخطأ فيه ابن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري أن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: هذا أصح اهـ.\nوهذه رواية معمر، ولم أقف على من رواه عن يونس على هذا الوجه الذي ذكره الإمام البخاري.","vol":"2","page":1010},{"text":"ويحيى بن سعيد الأنصاري (^١)، وابن أخي ابن شهاب الزهري (^٢)، والنعمان بن راشد (^٣).\nورواه الإمام مالك (^٤)، عن الزهري: أن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة؛ فذكره مرسلًا، وقد رواه قوم موصولا عن مالك (^٥). قال ابن عبد البر: الصحيح فيه عن مالك الإرسال (^٦).\nوجاءت رواية معمر ففصلت بين ما هو مرسل مما هو موصول. أخرجها عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: «كان النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم، أن أباه كان يمشي أمام الجنازة». (^٧)\nقال الخطيب: ويؤيد رواية معمر عن الزهري أن مالك بن أنس روى هذا الحديث عن الزهري مرسلًا عن النبي -ﷺ- (^٨).\nوبهذا يتبين أن قول الزهري في الحديث: «كان النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» مدرج في حديث من أجمله مع فعل ابن عمر، وهم أكثر\n_________\n(^١) حديثه عند ابن عبد البر (التمهيد ١٢/ ٨٧ - ٨٨).\n(^٢) برواية الدراوردي عنه، أخرجها ابن عبد البر (١٢/ ٩٤)، وقال الدراوردي أثبت من سليمان بن داود الهاشمي، وقد رواه عن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب موصولًا بمثل رواية ابن عيينة. أخرجه أحمد (المسند ١٠/ ٢٢٩ ح ٦٠٤٢)، وأبو يعلى (المسند ٩/ ٣٥٤ ح ٥٤٦٤)، وابن عبد البر (المهيد ١٢/ ٩١).\n(^٣) أخرج حديثه الخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).\n(^٤) الموطأ (١/ ٢٢٥).\n(^٥) ذكر ابن عبد البر رواياتهم (التمهيد ١٢/ ٨٣ - ٨٥).\n(^٦) التمهيد (١٢/ ٨٥).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق (المصنف ٣/ ٤٤٤ ح ٦٢٥٩)، ومن طريقه الترمذي (الجامع ٣/ ٣٣٠ ح ١٠٠٩)، وابن عبد البر (التمهيد ١٢/ ٩٣).\n(^٨) الفصل للوصل المدرج (١/ ٣٣٧).","vol":"2","page":1011},{"text":"الرواة عن الزهري، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في رواية ابن هانئ، وهو معلولٌ وصله كما وقع في حديث ابن عيينة، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في رواية عبد الله. وقال في موضع آخر: «هذا الحديث إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم عن فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة وهم». (^١)\nوممن وافق الإمام أحمد على أن ذكر النبي -ﷺ- في هذا الحديث مدرج الإمام البخاري كما تقدم (^٢)، وابن المبارك (^٣)، وابن أبي السري (^٤)، والنسائي (^٥)، وقال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح» (^٦)، وكذلك الخطيب (^٧)، وابن حجر (^٨).\nوذكر ابن حجر أن ابن المنذر، وابن حزم صححا الحديث الموصول (^٩)، وكذلك\nانتصر له ابن القيم (^١٠). والصواب ما نسبه الترمذي إلى أنه قول أهل الحديث كلهم.\nومن أمثلة المدرج عند الإمام أحمد:\nقال ابن هانئ: سمعت أبا عبد الله يقول: حديث سهيل، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) المعجم الكبير (١٢/ ٢٨٦ ح ١٣١٣٣).\n(^٢) وانظر: جامع الترمذي (٣/ ٣٣١) وعلل الترمذي الكبير (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(^٣) قال: الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به وتركنا القول الآخر. (السنن الكبرى للنسائي ١/ ٦٣٢).\n(^٤) ذكر هذا التفصيل الذي جاء عن معمر (المهيد ١٢/ ٩٣).\n(^٥) قال عن حديث ابن عيينة: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة، خالفه مالك، رواه عن الزهري مرسلًا (الموضع نفسه).\n(^٦) جامع الترمذي (٣/ ٣٣٠).\n(^٧) ذكره في الفصل للوصل المدرج (١/ ٣٣١).\n(^٨) تلخيص الحبير (٢/ ١١١ - ١١٢).\n(^٩) الموضع نفسه.\n(^١٠) تهذيب السنن (٨/ ٣٢٣).","vol":"2","page":1012},{"text":"أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من كان مصلِّيًا بعد الجُمُعة فليصلِّ أربعًا، فإن عجلت به حاجته فيصلي ركعتين في المسجد، وركعيتن في بيته». قال أبو عبد الله: قال ابن إدريس: «يصلي ركعتين في بيته» هو من قول أبي صالح». (^١)\nهذه الرواية التي ذكرها الإمام أحمد أنه وقع فيها إدراج هي رواية بعض الرواة عن عبد الله بن إدريس في روايته لحديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ذكرها الإمام أحمد (^٢)، وإسحاق بن إبراهيم (^٣)، وعبد الله بن سعيد الأشج (^٤)، وعثمان بن أبي شيبة (^٥)، وأبو كريب محمد بن العلاء (^٦)، والحسين بن الفرج البغدادي (^٧) وجعفر بن محمد بن عبد السلام بن سريع الجلاب (^٨). والقدر المرفوع من الحديث قوله: «من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا». هكذا رواه سائر الرواة عن عبد الله بن إدريس، منهم أبو بكر بن أبي شيبة (^٩)، وسلم بن جنادة (^١٠)، وهناد بن السري (^١١).\nوهكذا رواه العدد الكثير من الرواة عن سهيل بن أبي صالح، منهم:\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٠٩ ح ٢١٣٩).\n(^٢) المسند (١٢/ ٣٦١ ح ٧٤٠٠).\n(^٣) أخرج حديثه البيهقي (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٤) أخرج حديثه ابن حبان (٦/ ٢٣٣ ح ٢٤٨٥).\n(^٥) أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٧٦).\n(^٦) أخرج حديثه أبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم ٢/ ٤٦٥ ح ١٩٧٩).\n(^٧) أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٧٦) وفي تاريخ بغداد (٨/ ٨٥)؛ مقتصرًا على قوله: فإن عجل أحدكم حاجته فليصل ركعتين.\n(^٨) أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٧٦).\n(^٩) وحديثه في مصنفه (١/ ٤٦٤ ح ٥٣٧٤)، ورواه من طريقه مسلم (صحيح مسلم ٢/ ٦٠٠ ح ٦٨)، وابن ماجه (١/ ٣٥٨ ح ١١٣٢).\n(^١٠) وحديثه عند ابن ماجه مقرونًا بابن أبي شيبة (الموضع نفسه).\n(^١١) حديثه عند البيهقي (السنن الكبرى ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"2","page":1013},{"text":"أبو عوانة الوضاح (^١)، وخالد بن عبد الله الطحان (^٢)، وجرير بن عبد الحميد الضبي (^٣)، وسفيان الثوري (^٤)، وسفيان بن عيينة (^٥)، وسليمان التيمي (^٦)، وإسماعيل بن زكريا (^٧)، وأبو حنيفة (^٨)، ووهيب بن خالد (^٩)، وعبد العزيز الدراوردي (^١٠)؛ كلهم ذكروا الحديث مقتصرين على قوله: «من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا».\nوأما الزيادة فقد فصّلها حماد بن سلمة، وزهير بن معاوية الجعفي في روايتهما. قال حماد بن سلمة: «قال سُهيل: قال لي أبي: إن لم تُصلّ في المسجد الحرام فصلّ في المسجد ركعتين، وفي بيتك ركعتين». (^١١)\nوقال زهير في حديثه: «قال (^١٢): فقال لي أبي: يا بُني فإن صليت في المسجد\nركعتين، ثم أتيتَ المنزلَ أو البيتَ فصلِّ ركعتين». (^١٣)\nوذكر الإمام أحمد في رواية ابن هانئ هذه أن ابن إدريس فصّل هذه الزيادة،\n_________\n(^١) حديثه عند الطيالسي (ص ٣١٦ ح ٢٤٠٦)، وابن حبان (الإحسان ٦/ ٢٢٨ ح ٢٤٧٨).\n(^٢) وحديثه عند مسلم (٢/ ٦٠٠ ح ٨٨١ (٦٧».\n(^٣) وحديثه عند مسلم (الموضع نفسه ح ٦٩)، وابن خزيمة (٣/ ١٨٤ ح ١٨٧٤).\n(^٤) وحديثه عند ومسلم (الموضع نفسه ح ٦٩)، وابن خزيمة (الموضع نفسه ح ١٨٧٤).\n(^٥) وحديثه عند الترمذي (٢/ ٣٩٩ ح ٥٢٣)، والنسائي (السنن الكبرى ١/ ١٨٤ ح ٤٩٦)، وابن حبان (الإحسان ٦/ ٢٣٠ ح ٢٤٨٠)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٦).\n(^٦) وحديثه عند ابن حبان (الإحسان ٦/ ٢٣٠ ح ٢٤٨١).\n(^٧) حديثه عند أبي داود (السنن ح ١١٣١).\n(^٨) مسند أبي حنيفة (١٢٢).\n(^٩) وحديثه عند ابن حبان (٦/ ٢٢٩ ح ٢٤٧٩).\n(^١٠) وحديثه عند ابن خزيمة (٣/ ١٨٣ ح ١٨٧٣).\n(^١١) أخرجه ابن حبان (الإحسان ٦/ ٢٣٤ ح ٢٤٨٦).\n(^١٢) الظاهر أن قائل ذلك هو سهيل بن أبي صالح.\n(^١٣) أخرجه أبو داود (السنن ١/ ٦٧٣ ح ١١٣١)، ومن طريقه البيهقي (السنن الكبرى ٣/ ٢٤٠).","vol":"2","page":1014},{"text":"والظاهر أنه كان يروي الحديث بالزيادة ظاناًّ منه أنها من الحديث، ثم أخذ يتردد في ذلك، ثم تبين له الصواب فيها ففصّلها من الحديث. وتوضيح ذلك أنه روى الحديث في رواية من ذكر عنه بالزيادة، وكان يقول في بعض تلك الروايات: «لا أدري، هذا في حديث رسول الله -ﷺ- أم لا؟». قال ذلك عنه الإمام أحمد (^١)، وأبو كريب (^٢). ثم ذكر الإمام أحمد عنه أن أبا صالح يقول ذلك. وخالفه عمرو الناقد، فقال: «قال ابن إدريس: قال سهيل: فإن عجل بك شيء فصلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت». (^٣) وهذا يدل على أن ابن إدريس لم يضبطه جيدًا عن سهيل بن أبي صالح، والله أعلم.\nومنها:\nقال صالح: قلت حديث الزُّهري، عن ابن أُكيمة، عن أبي هريرة في القراءة في الصلاة قال: «فانتهى الناس عن القِراءة»، هو في الحديث عن أبي هريرة أو من كلام الزهري؟ قال: أما عبد الرزاق، فحكى عن معمر، عن الزهري قال: سمع ابن أُكيمة يحدّث بحديث عن أبي هريرة: «أن رسول الله -ﷺ- صلّى صلاة جهر فيها بالقراءة» وذكر الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما يجهر به من القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله -ﷺ-). وقال ابن عيينة: فذكر الحديث. وقال معمر: عن الزهري: «فانتهى الناس في القراءة فيما يجهر به رسول الله -ﷺ-). قال سفيان: خَفيتْ عليّ هذه الكلمة. وقال إسماعيل: عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، وذكر\nالحديث: «فانتهى الناس» إلى قوله:\n_________\n(^١) المسند (١٢/ ٣٦٣).\n(^٢) المستخرج على صحيح مسلم (١/ ٤٦٦). قال: «قال ابن إدريس: لا أدري هو من النبي -ﷺ-» فركعتين في المسجد وركعتين إذا رجع؟ إلا أني سمعته موصولًا في الحديث».\n(^٣) صحيح مسلم (٢/ ٦٠٠).","vol":"2","page":1015},{"text":"«إني أقول: ما لي أُنازَع القرآن». فلم يزد على هذا، فالذي نرى أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة» أنه قول الزهري. (^١)\nهذا الحديث رواه مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة: «أن رسول الله -ﷺ- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ فقال رجل نعم يا رسول الله، فقال: إني أقول ما لي أُنازَع القرآن. فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما جهر فيه رسول الله -ﷺ- بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله -ﷺ-). (^٢)\nوهكذا رواه عن الزهري: معمر (^٣)، ويونس بن يزيد الأيلي (^٤)، وأبو أويس (^٥).\nوأخرجه ابن عيينة فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن»، ثم قال: «قال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله -ﷺ-. قال سفيان: خَفيت عليه هذه الكلمة». هكذا رواه أحمد (^٦)، والحميدي (^٧)،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٠ - ٢٨٢ رقم ٨٩٨).\n(^٢) أخرجه مالك (الموطأ ١/ ٨٦ - ٨٧). ومن طريقه أخرجه أبو داود (١/ ٥١٦ ح ٨٢٦)، والترمذي (الجامع ٢/ ١١٩ ح ٣١٢)، والنسائي (٢/ ١٤٠ ح ٩١٨)، وأحمد (المسند ١٣/ ٣٨٣ ح ٨٠٠٧)، وابن حبان (٥/ ١٥٧ ح ١٨٤٩)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٥٧؛ القراءة خلف الإمام ح ٣١٧).\n(^٣) أخرج حديثه عبد الرزاق (المصنف ٢/ ١٣٥ ح ٢٧٩٥)، وأحمد (١٣/ ٢٢٢ ح ٧٨١٩) من طريقه.\nورواه أهل البصرة عن معمر فخالفو عبد الرزاق في اللفظ. فقال يزيد بن زريع، عن معمر بمثل هذا الحديث إلى قوله: ما لي أُنازع القرآن، لم يزد على ذلك. أخرجه الخطيب (تاريخ بغداد ٧/ ٨٦). وقال عبد الأعلى عن معمر نحوه وزاد بعد: «فسكتوا بعد فيما جهر فيه الإمام». أخرجه ابن ماجه (السنن ١/ ٢٧٧ ح ٨٤٩). وحديث معمر بالبصرة متكلم فيه كما تقدم.\n(^٤) أخرج حديثه البخاري (التاريخ الأوسط ١/ ٣١١ رقم ٦١١؛ والكنى ص ٣٨) من طريق الليث عنه.\n(^٥) أخرج حديثه ابن عبد البر (التمهيد ١١/ ٢٦).\n(^٦) المسند (١٢/ ٢١١ ح ٧٢٧٠).\n(^٧) مسند الحميدي (٢/ ٤٢٣ ح ٩٥٣).","vol":"2","page":1016},{"text":"وعلي بن المديني (^١) عن ابن عيينة. ورواه أبو داود (^٢) من طرق عن ابن عيينة، بعضها تذكر زيادة قول سفيان عن معمر، وبعضها لا تذكرها، وبعضهم يسندها إلى الزهري عن أبي هريرة (^٣).\nورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري فانتهى حديثه إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن». أخرجه أحمد (^٤).\nفاستدل الإمام أحمد بهذه الرواية وبرواية ابن عيينة على أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة»، قول الزهري مدرج في الحديث.\nوممن روى الحديث بمثل رواية عبد الرحمن بن إسحاق بدون اللفظة المدرجة الليث بن سعد (^٥)، وعبد الملك بن جريج (^٦).\nويؤيد أن هذه اللفظة مدرجة من قول الزهري ما رواه الأوزعي ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر، فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن»، ثم قال: «قال الزهري: فانتهى الناس فلم يكونوا يقرؤون معه». (^٧)، لكنه وهِم في\n_________\n(^١) حديثه عند البيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٥٧).\n(^٢) السنن (١/ ٥١٧ ح ٨٢٧)\n(^٣) قال البخاري: والصحيح أنه قول الزهري، ومما استدل به على ذلك أن المعروف عن أبي هريرة أنه كان يأمر بالقراءة (انظر: الكنى للبخاري ص ٣٨؛ التاريخ الأوسط ١/ ٣١٢).\n(^٤) المسند (١٦/ ٢١٣ ح ١٠٣١٨).\n(^٥) أخرج حديثه ابن حبان (الإحسان ٥/ ١٥١ ح ١٨٤٣) من طريق يزيد بن هارون، والبيهقي (القراءة خلف الإمام ح ٣١٨، ٣١٩) من طريق أبي الوليد الطيالسي، ويحيى بن بكير.\nوخالفهم يحيى بن يحيى النيسابوري فرواه عن الليث بذكر الزيادة. أخرجه الخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٢٩١).\n(^٦) أخرج حديثه أحمد (٢/ ١٣٥ ح ٢٧٩٦) من طريق عبد الرزاق، وفي (١٣/ ٢٣٠ ح ٧٨٣٣)، وكذلك البيهقي (القراءة خلف الإمام ح ٣٢٠) من طريق البرساني.\n(^٧) أخرج حديثه ابن حبان (الإحسان ٥/ ١٥٩ ح ١٨٥٠)، والخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٢٩٧ - ٣٠١)، والبيهقي (القراءة خلف الإمام ح ٣٢٢).","vol":"2","page":1017},{"text":"الإسناد فذكره عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة (^١)، ولذلك كان الوليد بن مسلم يرويه عن الأوزاعي، عن الزهري، عمن سمع أبا هريرة يقول … هكذا أخرجه ابن حبان (^٢)، فعلم الوليد أنه وهم فقال: عمن سمع أبا هريرة.\nوذكر الخطيب هذا الحديث والذي قبله من أمثلة ما أُدرج في الأحاديث المسندة المرفوعة من ألفاظ التابعين.\nومنها:\nقال صالح: قلت حديث داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله في قصة ليلة الجن قال رسول الله -ﷺ-: «لا تستنجوا بالعظام ولا بالبَعر، فإنه زاد إخوانِكم من الجنّ» هو من قول علقمة، عن عبد الله، أو من قول الشعبي؟ قال: أما إسماعيل بن إبراهيم، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فقالا جميعًا: قال الشعبي، وليس هو في حديث علقمة: سألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة فذكره …، الحديث. قال أبي: وبلغني أن حفص بن غياث حدث به فجعله في حديث علقمة، عن عبد الله، فنرى أنه وهم، وهذا أثبت». (^٣)\nحديث الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود رواه داود بن أبي هند، واختلف عليه.\nفرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود، عن عامر الشعبي قال: «سألت\n_________\n(^١) قال الإمام البخاري: ولا يصح عن سعيد. وبين البيهقي (القراءة خلف الإمام ص ١٤٢)، وابن عبد البر (التمهيد ١١/ ٢٣) كيف دخل الوهم على الأوزاعي، وذلك أن الزهري كان يقول في هذا الحديث سمعت ابن أُكيمة يحدث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، فتوهم أنه لابن شهاب عن سعيد بن المسيب.\n(^٢) الإحسان (٥/ ١٦١ ح ١٨٥١).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٤ رقم ٨٩٢).","vol":"2","page":1018},{"text":"علقمة: هل كان ابن مسعود شهِد مع رسول الله -ﷺ- ليلةَ الجِنّ؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله -ﷺ- ليلةَ الجن؟ قال: لا،\nولكنّا كنّا مع رسول الله -ﷺ- ذاتَ ليلةٍ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استُطير أو اغتِيل. قال: فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما أصبحْنَا إذا هو جاء من قِبَل حِراءَ، قال: فقلنا يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبِتنا بشر ليلة بات بها قومٌ فقال: آتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأتُ عليهم القرآنَ قال: فانطلق بنا فأرانا آثارَهم وآثارَ نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: لكم كل عَظمٍ ذُكر اسمُ الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحمًا، وكل بَعرَةٍ عَلَفٌ لدوابِّكم. فقال رسول الله -ﷺ- فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم». (^١)\nوهكذا رواه علي بن عاصم (^٢)، وأبو داود الطيالسي، عن وُهيب بن خالد، ويزيد بن زريع (^٣)، وتابعه نصر بن علي عن يزيد بن زريع (^٤)، وكذلك زياد بن أيوب، وعمرو بن زرارة عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (^٥). فذكورا الحديث سياقة واحدة. وبعض هذا المتن ليس هو عند الشعبي عن علقمة إنما كان يرويه الشعبي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (صحيح مسلم ١/ ٣٣٢ ح ٤٥٠ (١٥٠»، وابن خزيمة (١/ ٤٤ - ٤٥ ح ٨٨)، وابن حبان (الإحسان ١٤/ ٤٦١ ح ٦٥٢٧)، والبيهقي (١/ ١٠٨) كلهم من طريق عبد الأعلى.\n(^٢) أخرجه الخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٦٢١).\n(^٣) مسند الطيالسي (٣٧ ح ٢٨١).\n(^٤) أخرجه البزار (البحر الزخار ٥/ ٢٥ ح ١٩٥٤).\n(^٥) أخرج رواية زياد ابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة ١/ ٤٤ ح ٨٢)، لكن يحتمل أن يكون حمل ابن خزيمة لفظ ابن أبي زائدة على لفظ عبد الأعلى فإنه قرنهما في الرواية. وأخرج رواية عمرو بن زرارة ابن حبان (الإحسان ٤/ ٢٨٠ ح ١٤٣٢). وزياد بن أيوب ثقة حافظ (تقريب التهذيب ٢٠٦٧)، وعمرو بن زرارة ثقة ثبت (تقريب التهذيب ٥٠٦٧). وخالفهما أحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، فذكر ابن حبنل رواية ابن أبي زائدة بالتفصيل، وذكر ابن منيع رواية بالاقتصار على الجزء الأول من الحديث كما سيأتي.","vol":"2","page":1019},{"text":"مرسلًا لا يُسنده إلى أحد، وهو من قوله: «وسألوه الزاد …» إلى آخر الحديث. فأدرج ذلك في رواية عبد الأعلي ومن ذكر معه. وعلى هذا وقع سؤال صالح للإمام أحمد.\nفقال الإمام أحمد: إن إسماعيل بن علية ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فصلوا كلام\nالشعبي الذي أرسله وبينوه من حديث عبد الله المسند. أخرج كلا الروايتين أحمد (^١). وممن فصّل ذلك أيضًا بشر بن المفضل (^٢)، ويحيى بن غيلان، وإسحاق بن أبي إسرائيل كلاهما عن يزيد بن زريع (^٣).\nومما يؤيد ذلك أن بعض الرواة عن داود رووا الحديث إلى قوله: «فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم»، مما يدل على أنه هو القدر المسند من الحديث، وما زاد فمدرج. رواه على هذا الوجه عبد الله بن إدريس (^٤)، وأبو خيثمة عن ابن علية (^٥).\nوذكر الإمام أحمد رواية حفص بن غياث، عن علقمة، عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعِظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن»، (^٦)\n_________\n(^١) المسند (٧/ ٢١٤ ح ٤١٤٩). وأخرج رواية ابن علية بمفردها مسلم (١/ ٣٣٢)، والترمذي (٥/ ٣٨٢ ح ٣٢٥٨)، والبيهقي (١/ ١٠٩). وأخرج ابن حبان القسم المرفوع فقط (الإحسان ١٤/ ٢٢٥ ح ٦٣٢٠).\nوأخرج رواية ابن أبي زائدة بمفردها النسائي في الكبرى (٦/ ٤٩٩ ح ١١٦٢٣)، عن أحمد بن منيع عنه، مقتصرا على الجزء المرفوع فقط - أي إلى قوله: فأرنا آثارهم وآثار نيرانهم.\n(^٢) أخرج روايته الخطيب (الفصل للوصل المدرج ٢/ ٦٣٠).\n(^٣) أخرج رواية يحيى بن غيلان أبو عوانة (مسند أبي عوانة ١/ ١٨٦ ح ٥٨٦)، وأخرج رواية إسحاق الخطيب (المصدر نفسه ٢/ ٦٣١).\n(^٤) أخرجه مسلم (صحيح مسلم ١/ ٣٣٣ ح ١٥١)، و\n(^٥) أخرجه ابن حبان (الإحسان ١٤/ ٢٢٥ ح ٦٣٢٠).\n(^٦) أخرج هذه الرواية الترمذي (الجامع ١/ ٢٩ ح ١٨)، والنسائي (السنن الكبرى ١/ ٧٢ ح ٣٩)، والشاشي (مسند الشاشي ص ٣٤٩ ح ٣١٦)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ١٢٤)، والخطيب (المصدر نفسه ٢/ ٦٣٢).","vol":"2","page":1020},{"text":"فإنه يدل على أنها مسندة عن علقمة، عن عبد الله. فذكر أحمد أنه يرى أنه وهم من حفصٌ، وأن روايته عن الشعبي مرسلًا أثبت، وذلك لكثرة من رواه عن داود كذلك.\nلكن قد تابع حفص بن غياث عبد الوهاب بن عطاء (^١)، عن داود، إلا أن الذين خالفوهما أكثر وأثبت.\nوقال الترمذي: كأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غِياث (^٢).\nوصحح الدارقطني قول من فصل الكلام المدرج، وأن الصحيح أنه من كلام الشعبي مرسلًا. (^٣).\nوذكر الخطيب هذا الحديث من أمثلة ما أُدرج فيه المرسل المقطوع بالمتصل المرفوع. (^٤)\nوقد يتوقف الإمام أحمد في تعيين جهة الإدراج لعدم وجود مرجح، مثاله:\nقال صالح: «قلت: حديث عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله في قصة ابن النواحة قال: «فمضت السنة أن الرسل لا تُقتل»، هو في الحديث عن عبد الله أو من كلام أبي وائل؟ قال كذا الحديث». (^٥)\nفهذا الحديث رواه عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال - حيث قتل ابن النواحة - «إن هذا وابنَ أُثالٍ كانا أتيا النبي -ﷺ- رسولين لمسيلمة\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ١٢٤)، والخطيب (الموضع نفسه).\n(^٢) الجامع (١/ ٣٠).\n(^٣) علل الدراقطني (٥/ ١٣٢).\n(^٤) الفصل للوصل المدرج (٢/ ٦٢١).\n(^٥) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٣ رقم ٨٩١).","vol":"2","page":1021},{"text":"الكذاب، فقال لهما رسول الله -ﷺ-: «أتشهدان أني رسو الله؟» قالا: نشهد أن مُسيلمة رسول الله! فقال: «لو كنت قاتلًا رسولًا لضربت أعناقكما». قال: فجرت السنة أن لا تقتل الرسل، فأما ابن أُثالٍ فكفاناه الله ﷿، وأما هذا فلم يزل ذلك فيه حتى أمكن الله منه الآن». (^١)\nفتوقف الإمام أحمد هل قوله: «فمضت السنة أن الرسل لا تقتل» من كلام ابن مسعود أو من كلام أبي وائل، وليس هناك ما يرجح أحد الاحتمالين، لأن هذه الزيادة إنما ذكرها المسعودي في حديثه، وليس في الحديث ما يميزها ويفصل كلام أبي وائل من كلام ابن مسعود. ولم أرهذه الزيادة في رواية الثوري، ولا في رواية سلام أبي المنذر، ولا أبي بكر بن عياش.\nومن الأملثة التي وردت عن الإمام أحمد من مدرج المتن وتوقف عن الحكم لعدم وجود مرجح:\nقال صالح: «قلت: حديث الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة قال: «كن النساء يشهدن مع رسول الله -ﷺ- الصبح، فينصرفون متلفعاتٍ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود الطيالسي (ص ٣٤ ح ٢٥١)؛ وأحمد (٦/ ٢٤٠ ح ٣٧٠٨)، والشاشي (٢/ ١٨١ ح ٧٤٨) كلاهما عن يزيد بن هارون؛ وأحمد (٦/ ٣٠٦ ح ٣٧٦١) عن أبي النضر؛ والبيهقي (السنن الكبرى ٩/ ٢١٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي كلهم - وعددهم أربعة - عن المسعودي، عن عاصم به.\nوأخرجه النسائي (السنن الكبرى ٥/ ٢٠٦ ح ٨٦٧٦)، والبزار (٥/ ١٤٢ ح ١٧٣٣) كلاهما من طريق ابن مهدي؛ والبيهقي (السنن الكبرى ٩/ ٢١١) من طريق أبي عاصم كلاهما عن الثوري به.\nوأخرجه أيو يعلى (٩/ ١٤١ ح ٥٠٩٧) عن سلام أبي المنذر، عن عاصم.\nوخالفهما أبو بكر بن عياش فرواه عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن معيز السعدي، عن عبد الله، فزاد عليهم رجلًا في الإسناد.\nقال أبو حاتم: «الثوري أحفظ من أبي بكر، وأرى أن عاصمًا حكى عن أبي وائل أن رجلا يقال له ابو معيز مرّ بمسجد بنى حنيفة؛ فجعل أبو بكر عن ابن معيز، والثوري أفهم» (علل ابن أبي حاتم ١/ ٣٠٣ ح ٩١٠).","vol":"2","page":1022},{"text":"بمُرُوطِهنّ، ما يُعرفن من الغَلَس». قالت: وكان النبي -ﷺ- يمكث قليلًا، وكانوا يرون أن ذلك كَيما يتقدّم النِّساء قبل الرِّجال، في الحديث عن أم سلمة أو هو من كلام الزهري؟ قال: رواه معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة قالت: «كان رسول الله -ﷺ- إذا سلّم مكث قليلًا، وكانوا يرون أن ذلك كَيما ينفُذُ النساء قبل الرجال». وقال إبراهيم بن سعد: قال ابن شِهاب: فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النِّساء قبل أن يُدركَهن من انصرف من القوم». (^١)\nحديث أم سلمة رواه يونس، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة مقتصرًا على الجزء المسند منه، وهو قولها: «أن النساء في عهد رسول الله -ﷺ- كن إذا\nسلمن من المكتوبة قُمن وثبت رسول الله -ﷺ- ومن صلى من الرِّجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله -ﷺ-، قام الرجال». (^٢) وهكذا رواه الزُّبَيدي (^٣)، وجعفر بن ربيعة (^٤)، وإبراهيم بن سعد في رواية بعض الروايات عنه (^٥)، ومعمر في رواية إسحاق الدبري، عن عبد الرزاق عنه (^٦).\nوأما الزيادة الواقعة في الحديث وهي: «فكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ السناء قبل الرجال»، وهي التي وقع السؤال عنها، فرواية معمر التي ذكرها الإمام تحتمل أنها من قول أم سلمة (^٧).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٥ ح ٨٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٣٤٩ ح ٨٦٦)، والنسائي (٣/ ٦٧ ح ١٣٣٢).\n(^٣) ذكر البخاري روايته تعليقًا (٢/ ٣٣٤)، ووصلها الحافظ (تغليق التعليق ٢/ ٣٣٩) من طريق الطبراني في مسند الشاميين فذكر لفظه.\n(^٤) ذكر البخاري روايته تعليقًا أيضًا (الموضع نفسه).\n(^٥) أخرجها أحمد (المسند ٤٤/ ١٦٩ ح ٢٦٥٤١)، وابن ماجه (السنن ١/ ٣٠١ ح ٩٣٢).\n(^٦) أخرجها الطبراني (المعجم الكبير ٢٣/ ٣٥٥ ح ٨٣١).\n(^٧) وأخرج تلك الرواية أيضًا عبد الرزاق (المصنف ١/ ٥٧٣ ح ٢١٨١؛ ٢/ ٢٤٥ ح ٣٢٢٧)، ومن طريقه أحمد (المسند ٤٤/ ٢٥٣ ح ٢٦٦٤٤)، وأبو داود (ح ١٠٤٠)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٨٣).","vol":"2","page":1023},{"text":"ورواية إبراهيم بن سعد صريحة في أن ذلك من قول الزهري (^١).\nفذكر الإمام أحمد الروايتين ولم يرجح شيئًا، لعدم وجود المرجح.\nففي هذا والذي قبله ليس التوقف في إثبات الإدراج، فإن ذلك ثابت ولا لبس فيه، وإنما هو في تعيين جهته، لأن الأدلة الموجودة لا تسعف الناظر.\nمدرج الإسناد\nوأما مدرج الإسناد فقد سبق أنه في الحقيقة نوع من القلب، حيث يقع فيه دخول متن حديث أو جزء منه في متن حديث آخر.\nومنه ما تقدم أن محمد بن فضيل روى حديث عائشة في تلبية النبي -ﷺ-: «قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله -ﷺ- يُلبِّي قال: ثم سمعتها تلبِّي تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شريك لك». فزاد: «والملك لا شريك لك»، وهذه اللفظة معروفة في حديث ابن عمر، وأما حديث عائشة فإلى قولها: «إن الحمد والنعمة لك»، هكذا رواه الثقات من أصحاب الأعمش منهم الثوري، وأبو معاوية. وقد تقدم ذلك كله (^٢).\nومنه أيضًا:\nقال حنبل: «ثنا أبو عبد الله، ثنا محمد بن مُصعب، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: مرَّ النبي -ﷺ- بشاة مَيْتة قد ألقاها أهلُها فقال: «والذي نفسي بيده، للدُّنيا أهون على الله من هذه على أهلها». قال أبو عبد الله: هو\n_________\n(^١) أخرج هذه الرواية البخاري في مواضع (ح ٨٣٧، ٨٤٩، ٨٧٠)، والطيالسي (ص ٢٢٤ ح ١٦٠٤)، وابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة ٣/ ١٠٩ ح ١٧١٩)، والبيهقي (٢/ ١٨٢).\n(^٢) انظر: ص (٧٠٦).","vol":"2","page":1024},{"text":"عندي خطأ». (^١)\nهذا الحديث من المواضع التي حكم الإمام أحمد فيها بوجود العلة ولم يبين وجهها ولا الذي صدرت منه، فبقي على الناظر أن يعمل فكرَه في التماس ذلك، وهذا يقع كثيرًا عند الإمام أحمد، لكونه يخاطب بكلامه أهل الاختصاص والمعرفة بهذا الفن.\nورواية محمد بن مصعب هذه أخرجها أحمد (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، وأبو يعلى (^٤)، وأبو نعيم (^٥).\nوالخطأ الذي أشار إليه هو أن الإسناد المذكور في هذا الحديث إنما يروى به متنٌ آخر شبيه به غير المتن المذكور معه، وأما المتن فإنما يعرف بغير هذا الإسناد، فالظاهر أن الراوي دخل عليه حديث في حديث، فلما ساق الإسناد وشرع في ذكر المتن انتقل ذهنه إلى المتن الآخر فذكره، وغفل عن المتن الحقيقي.\nوتوضيح ذلك أن هذا الإسناد يرويه الزهري، وهو صاحب تلاميذ، والمتن الذي رووه به هو: «أن رسول الله -ﷺ- مرَّ بشاةٍ مَيتةٍ أُعطيتها مولاةٌ لميمونة، فقال: هلاَّ استَمتعتُم بجلدها؟ قالوا: يا رسول الله، إنها مَيتة. قال: إنما حَرُم أكلُها». هكذا رواه مالك (^٦)، ويونس بن يزيد الأيلي (^٧)، وصالح بن كيسان (^٨)،\n_________\n(^١) المنتخب من العلل للخلال (ص ٤٣ رقم ٤).\n(^٢) المسند (٥/ ١٦٨ ح ٣٠٤٧).\n(^٣) المصنف (٧/ ٨٦ ح ٣٤٣٨٩).\n(^٤) المسند (٤/ ٤٦٣ ح ٢٥٩٣).\n(^٥) جلية الأولياء (٢/ ١٨٩).\n(^٦) الموطأ (٢/ ٤٩٨)\n(^٧) أخرج حديثه البخاري (٤/ ٣٥٥ ح ١٤٩٢)، ومسلم (١/ ٢٧٦ ح ٣٦٣ (١٠١».\n(^٨) أخرج حديثه البخاري (٤/ ٤١٣ ح ٢٢٢١)، ومسلم (١/ ٢٧٧ ح ١٠١)، وأحمد (٤/ ١٩٧ ح ٢٣٦٩).","vol":"2","page":1025},{"text":"والزُّبَيدي (^١)، ومعمر (^٢)، وعقيل ويونس (^٣)، والأوزاعي (^٤)، كلهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس بهذا المتن.\nوالعجب أن محمد بن مصعب قد شارك هؤلاء في رواية هذا المتن بالإسناد نفسه؛ أخرج تلك الرواية الإمام أحمد (^٥)، فوافق أصحاب الأوزاعي الوليد بن مسلم، وشعيب بن إسحاق اللذين رويا الحديث عن الأوزاعي. وهذا يدل على أن الوهم من محمد بن مصعب، لا من الأوزاعي.\nوأما المتن الذي رواه محمد بن مصعب بهذا الإسناد، وهو: «للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها»، فإنه يروى بأسانيد أخرى منها: حديث أبي جعفر الباقر، عن جابر بن عبد الله، وهو عند مسلم (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن أبي شيبة (^٨) ولفظه: «أن النبي -ﷺ- مرَّ بجديٍ أَسَكَّ ميِّتٍ فتناوله، فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يُحبّ أنّ هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياًّ كان عيبًا فيه لأنه أسَكَّ، فكيف وهو ميّت؟ فقال: فوالله لَلدُّنيا أهْونُ على الله من هذا عليكم».\nومنها: حديث عبد الله بن ربيعة: «كان رسول الله -ﷺ- في سفرٍ فإذا هو\n_________\n(^١) أخرج حديثه الدارمي (٢/ ١٤).\n(^٢) أخرج حديثه أبو داود (ح ٤١٢١)، وعبد الرزاق (المصنف ١/ ٦٢ ح ١٨٤)، وأحمد (٥/ ٤١٥ ح ٣٤٥٢).\n(^٣) أخرج حديثهما الدارقطني (السنن ١/ ٤١).\n(^٤) أخرج حديثه أحمد (٥/ ١٧٠ ح ٣٠٥١)، وابن حبان (٤/ ٩٨ ح ١٢٨٢)، والطبراني (٢٣/ ٤٢٨ ح ١٠٣٩).\n(^٥) المسند (٥/ ١٧٠ ح ٣٠٥١).\n(^٦) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٧٢).\n(^٧) المسند (١٤٩٧٢).\n(^٨) المصنف (ح ٣٤٣٩١).","vol":"2","page":1026},{"text":"بشاة منبوذة فقال: أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم. قال الدنيا أهونُ على الله من هذاه على أهلِها». (^١) ومنها أحاديث أخرى عن غيرهما من الصحابة.\nفجعل محمد بن مصعب هذا المتن لإسناد حديث ابن عباس في شاة مولاة ميمونة، وقد كان رواه على الصواب، فدل هذا على أنه كان يضطرب في روايته، ولم يضبطه جيدًا.\nومحمد بن مصعب هو القُرقُساني، سأل عبد الله الإمام أحمد عنه فقال: لا بأس به، وحدث عنه بأحاديث كثيرة (^٢). وقال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: القرقُساني عن الأوزاعي مقارَب، وأما عن حماد بن سلمة ففيه تخليط». (^٣). وقال أبو زرعة:\nصدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحديث منكرة. وضعفه ابن معين، والنسائي مطلقًا، وضعفه صالح الجزرة في الأوزاعي (^٤)، وكذلك قال أبو أحمد الحاكم: روى عن الأوزاعي منكرة (^٥).\nوقد سئل أبو حاتم وأبو زرعة عن هذا الحديث فقالا: «هذا خطأ، إنما هو: أن النبي -ﷺ- مرّ بشاة ميّتة فقال: «ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها». قال ابن أبي حاتم: فقلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: من القرقساني». (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (السنن ٢/ ١٩ ح ٦٦٤؛ السنن الكبرى ١/ ٥٠٧ ح ١٦٢٩)، وابن أبي شيبة (المصنف ٧/ ٨٦ ح ٣٤٣٩٠) من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن رُبَيِّعة. وعبد الله مختلف في صحبته (تهذيب الكمال ١٤/ ٤٩٤). ورجال الإسناد كلهم ثقات.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ٣٨٤٠).\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم ٣٢٨).\n(^٤) تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٦٥).\n(^٥) تهذيب التهذيب (٩/ ٤٥٩ - ٤٦٠).\n(^٦) علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٣٥ ح ١٨٩٧).","vol":"2","page":1027},{"text":"وقال ابن حبان مثل ذلك (^١). وقال الدارقطني: وهم في متنه محمد بن مصعب (^٢).\n_________\n(^١) انظر: المجروحين (٢/ ٢٩٤).\n(^٢) تعليقات الدارقطني على المجروحين لابن حبان (ص ٢٥٢).","vol":"2","page":1028},{"text":"<span data-type='title' id=toc-301>المطلب السابع: ذكر بعض القرائن يُتوصل بها إلى معرفة أخطاء الثقات في الأحاديث كما وردت عن الإمام أحمد</span>\nإن ما تقدم من الأحاديث كلها من أحاديث الثقات وتدل ظاهر أسانيدها ببادي الرأي على أنها صحيحة، لكن أئمة هذا العلم قد أدركوا فيها عللًا خفية حالت بينها وبين رتبة الصحة والقبول، وقد غفل عن هذه العلل كثير ممن لم يسلكوا سبيلهم فحكموا على كثير منها بالصحة وجانبهم الصوابُ في ذلك.\nوعندما كشف الأئمة تلك العلل، وحكموا بموجبها على الروايات بالخطأ، لم يفعلوا ذلك بمجرد الحدس من غير تحقّق، بل اعتمدوا على أدلة ثابتة بصريح المعقول توصلوا بها إلى اليقين أو الظن الراجح في أحكامهم.\nومن خلال دارستي للأحاديث التي أعلها الإمام أحمد ظهر لي بعض القرائن رأيته يعتمدها للتوصل إلى إدراك العلل الواقعة في أحاديث الثقات. وهي كالتالي:\n\n١.<span data-type='title' id=toc-302> التَّفرُّد ممن لا يُحتمل تفردُه وبخاصة عن حافظٍ مُكثِرٍ ذي تلاميذَ كُثُر</span>\nوقد تقدم أمثلة كثيرة في مبحث التفرد لأحاديث الثقات التي ردّها الإمام بالتفرد، وذلك حيث لم يكن لدى الثقة من التثبت والإتقان ما يحتمل ويقبل منه أن ينفرد عن شيخه بما لا يُعرف إلا من جهته. ومن الأمثلة أيضًا:\nقال أبو داود: «سمعت أحمد ذُكر له حديث ضمْرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-: «من ملَك ذا رحِمٍ مَحرمٍ فهو حرٌّ». فقال أحمد: ليس من ذا شيء، وهِم ضمْرة». (^١)\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٣٣ رقم ١٩٩٩).","vol":"2","page":1029},{"text":"وقال أبو زرعة الدمشقي: فأنكره، وردّه رداًّ شديدًا. (^١)\nقال أحمد عن ضمْرة بن ربيعة: «من الثقات المأمونين، رجلٌ صالح، صالح الحديث، لم يكن بالشام رجلٌ يُشبهه». وقال له عبد الله: أيما أحب إليك هو أو بقية؟\nقال: «لا، ضمْرة أحب إلينا، بقية ما كان يبالي عمّن حدّث». (^٢)\nوقال أبو داود: «قلت لأحمد: ضمْرة بن ربيعة؟ قال: ثقة، ثقة». (^٣)\nوقال ابن قُدامة: «سئل أحمد عن ضمْرة بن رببيعة فقال: ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل». (^٤)\nوهذا الحديث رواه ضمْرة عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: «من ملَك ذا رحِمٍ مَحرمٍ فهو حرٌّ» أخرجه النسائي (^٥)، وابن الجارود (^٦)، وابن ماجه (^٧)، والطحاوي (^٨) والحاكم (^٩)، والبيهقي (^١٠)، وابن عساكر (^١١).\nوقد أنكره الإمام أحمد على ضمْرة بن ربيعة مع ثقته، ولم يصرح بوجه الإنكار، إلا أنه يؤخذ ذلك من كلام الإمام أحمد في ضمْرة كما رواه ابن قدامة،\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١١٦٨، ٢٢٩٤).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٣٦٦ رقم ٢٦٢٤).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (رقم ٢٦٣).\n(^٤) المغني (١٠/ ٢٩٤).\n(^٥) السنن الكبرى (٣/ ١٧٣ ح ٤٨٩٧).\n(^٦) المنتقى (٣/ ٢٣٧ ح ٩٧٢).\n(^٧) السنن (٢/ ٨٤٤ ح ٢٥٢٥).\n(^٨) شرح معاني الآثار (٣/ ١٠٩).\n(^٩) المستدرك (٢/ ٢١٤).\n(^١٠) السنن الكبرى (١٠/ ٢٨٩).\n(^١١) تاريخ دمشق (٢٤/ ٤٠٦).","vol":"2","page":1030},{"text":"أنه روى حديثين لا أصل لهما، فهذا أحدهما، وقد تقدم الآخر في تفسير معنى «لا أصل له» عند الإمام أحمد في مبحث الإعلال بكذب الراوي (^١). وهما الحديثان اللذان ذكر أبو زرعة الدمشقي إنكار الإمام أحمد لهما على ضمْرة.\nفوجه الإنكار أن هذا الحديث لا يعرف من حديث الثوري، ولا من حديث عبد الله بن دينار، ولا من حديث ابن عمر.\nوقد يقال: إذا كان ضمْرة ثقة مأمونًا فلمَ لا يُقبل تفردُه عن الثوري، وهذه وجهة نظر من صحح الحديث كعبد الحق الإشبيلي (^٢)، وابن القطان (^٣)، وابن التركماني (^٤)، واستحسن الشيخ الألباني كلام ابن التركماني في تصحيحه للحديث ورده على تضعيف البيهقي له (^٥). فيقال في الجواب: هذا صحيح لو كان الذي تفرد عنه لم يكن كثير الحديث والتلاميذ مثل الثوري، ولو كان شيخه أيضًا لم يكن كذلك، أما وكلٌّ من ابن عمر، وابن دينار، والثوري معروف بكثرة الرواية (^٦) والرواة، فكيف يغيب هذا الأصل عن جميع الرواة من لدن طبقة تلاميذ ابن عمر، مرورًا بطبقة الرواة عن ابن دينار إلى طبقة تلاميذ الثوري، فلا يرويه إلا ضمْرة بن ربيعة الذي لم يُعرف بطول صحبته للثوري ولا بكثرة الرواية عنه، بل كان الثوري بالكوفة بينما هو بين دمشق وفلسطين، ولم يكن من الطبقة الأولى\n_________\n(^١) انظر: ص (١٧٢).\n(^٢) الأحكام الوسطى (٤/ ١٥).\n(^٣) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٣٧).\n(^٤) الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى ١٠/ ٢٩٠). وتبعهم أبو إسحاق الحويني في تحقيقه على منتقى ابن الجارود (الموضع نفسه).\n(^٥) إرواء الغليل (٦/ ١٧٠).\n(^٦) أما ابن عمر فمعروف بأنه من المكثرين عن النبي -ﷺ-، ذكره ابن حزم (٥/ ٨٩).\nوأما عبد الله بن دينار فقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث (الطبقات الكبرى - القسم المتمم ص ٣٠٥).","vol":"2","page":1031},{"text":"من أصحابه أمثال القطان، وابن مهدي، ووكيع، وأبي نعيم، فما بال هذا الحديث لا يعرفه واحد من هؤلاء؟\nومن أجل هذا اعتبره الإمام أحمد من الذين لا يحتمل تفردهم عن حافظ مكثر مثل الثوري.\nوقد وافق الإمام أحمد على هذا الحكم نفسه غيرُه من الأئمة.\nفقال الترمذي: «لم يتابع ضمْرة بن ربيعة على هذا الحديث، وهو خطأ عند أهل الحديث» (^١).\nوقال النسائي: «هذا حديث منكر، ولا نعلم أحدًا رواه غير ضمْرة» (^٢).\nوأما البيهقي فأعلّ الحديث بأن ضمْرة انقلب عليه هذا الحديث بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته المعروف بأنه مروي بهذا الإسناد (^٣). لكن ضمْرة قد روى الحديثين معًا بالإسناد نفسه، فيبعد مع ذلك أن يكون انقلب عليه أحدهما بالآخر، وهذا الذي نبه عليه الحاكم (^٤) لما روى الحديثين معًا من طريق ضمْرة، فقال: «إنما ذكرت المتن الأول ليزول به الوهم عن ضمْرة» (^٥). وأشار الحافظ ابن حجر (^٦) إلى ذلك أيضًا.\nفمعرفة التفرد الكائن ممن لا يحتمل تفرده هي القرينة التي توصل بها الإمام أحمد إلى الحكم على الحديث بالخطأ، مع أن ظاهر إسناده يوهم أنه صحيح.\n_________\n(^١) جامع الترمذي (٣/ ٦٤٦).\n(^٢) السنن الكبرى (٣/ ١٧٣).\n(^٣) انظر: السنن الكبرى (١٠/ ٢٨٩).\n(^٤) المستدرك (٢/ ٢١٤).\n(^٥) والعبارة في المستدرك غير واضحة فنقلتها من إتحاف المهرة (٨/ ٥٠٧).\n(^٦) تلخيص الحبير (٤/ ٢١٢).","vol":"2","page":1032},{"text":"ومثال آخر:\nقال الأثرم: «قيل لأبي عبد الله: روى شبابة، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه: بايعنا النبي -ﷺ- … فأنكره وقال: إنما هذا حديث طارق، ما سمعت هذا من حديث قتادة ولا من حديث شعبة». (^١)\nفأنكره لأنه لا يُروى من حديث شعبة، ولا من حديث قتادة، وكل منهما كان كثيرا الحديث والتلاميذ.\n\n٢.<span data-type='title' id=toc-303> المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عددًا</span>\nوهذا أيضًا قد مرّ ذكر أمثلته عن الإمام أحمد في مطلبين (^٢)، وبمعرفته يتوصل إلى معرفة كثير من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات التي ظاهرها الصحة، ولا يمكن الوصول إلى معرفة المخالفة إلا بجمع الطرق، ولذلك اشتهرت مقولتهم أن الباب إذا لم يجمع طرقُه لم يُعلم خطؤه.\nوالمخالفة ذات الوجهين قرينة قوية لكشف القلب الذي من نوع إبدال حديث بآخر. وقد تقدمت بعض أمثلة ذلك، ومنها أيضًا:\nقال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله وذكر شبابة فقلت له: روى عن شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي في الدُّبّاء، فقال: وهذا إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديثَ الحجّ». (^٣)\nفالنهي عن الانتباذ في الدباء والمزفّت صحيح ثابت عن النبي -ﷺ- عن\n_________\n(^١) الضعفاء للعقيلي (٢/ ٥٧٧).\n(^٢) انظرهما في ص ٧٣٠، ٧٤٠.\n(^٣) الضعفاء للعقيلي (٢/ ٥٧٧).","vol":"2","page":1033},{"text":"جماعة كثيرين من الصحابة، منهم أنس بن مالك (^١)، وعلي بن أبي طالب (^٢)، وعائشة (^٣)، وأبو هريرة (^٤)، وابن عباس (^٥)، وابن عمر (^٦)، وجابر بن عبد الله (^٧)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (^٨)، وغيرهم.\nورواية عبد الرحمن بن يعمر الديلي غريبة جدًا، لا تعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد\nبه شبابة، عن بكير بن عطاء عنه. (^٩)\nوالمعروف عن شعبة بهذا الإسناد حديث: «الحج عرفة». هكذا رواه أصحاب شعبة: غندر (^١٠)، وأبو الوليد الطيالسي (^١١)، وأبو داود الطيالسي (^١٢)، وروح بن عبادة (^١٣)، ويزيد بن هارون (^١٤)، ومعاذ بن معاذ العنبري (^١٥)،\n_________\n(^١) حديثه عند البخاري (١٠/ ٤١ ح ٥٥٨٧)، ومسلم (٣/ ١٥٧٧ ح ١٩٩٢).\n(^٢) أخرج حديثه البخاري (١٠/ ٥٧ ح ٥٥٩٤)، ومسلم (٣/ ١٥٧٨ ح ١٩٩٤).\n(^٣) أخرج حديثه البخاري (١٠/ ٥٨ ح ٥٥٩٥)، ومسلم (٣/ ١٥٧٨ ح ١٩٩٥).\n(^٤) أخرج حديثه مسلم (٣/ ١٥٧٧ - ١٥٧٨ ح ١٩٩٣).\n(^٥) أخرج حديثه مسلم (٣/ ١٥٧٩ ح ١٧).\n(^٦) أخرج حديثه مع ابن عباس مسلم (٣/ ١٥٨٠ ح ١٩٩٧ (٤٦»، ومن حديثه وحده (٣/ ١٥٨١ - ١٥٨٣ ح ٤٧ - ٥٨)\n(^٧) أخرج حديثه البخاري (١٠/ ٥٧ ح ٥٥٩٢)، وأخرج حديثه مقرونًا بابن عمر مسلم (٣/ ١٥٨٣ ح ١٩٩٨).\n(^٨) أخرج حديثه البخاري (١٠/ ٥٧ ح ٥٥٩٣).\n(^٩) أخرجه النسائي (٨/ ٣٠٥ ح ٥٦٢٧)، وابن ماجه (٢/ ١١٢٧ ح ٣٤٠٤)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ٤/ ٢٢٧).\n(^١٠) وحديثه عند أحمد (٣١/ ٦٣ ح ١٨٧٧٣).\n(^١١) حديثه عند الدارمي (١/ ٣٨٦).\n(^١٢) وحديثه في مسنده (ح ١٣١٠)، وعند البيهقي (السنن الكبرى ٥/ ١٧٣).\n(^١٣) حديثه عند أحمد (٣١/ ٦٥ ح ١٨٧٧٥).\n(^١٤) حديثه عند الحاكم (٢/ ٢٧٨).\n(^١٥) وحديثه عند مسلم في «كتاب التمييز» ص ٢٠٠ ح ٧٧.","vol":"2","page":1034},{"text":"وأبو عبيدة الحداد (^١)، وسهل بن يوسف وحماد بن مسعدة (^٢).\nفهذا المتن هو الذي يعرف بهذا الإسناد، وأما حديث النهي عن الدباء والمزفت فلا يعرف بالإسناد الذي ذكره شبابة.\nوقد أنكر هذا الحديث على شبابة طوائف من الأئمة منهم غير الإمام أحمد، منهم الإمام البخاري (^٣). وقال أبو جاتم: هذا حديث منكر، لم يروه غير شبابة، ولا يُعرف له أصل (^٤).\nوقال الترمذي: «هذا حديث غريب من قبل إسناده لا نعلم أحدا حدث به غير شبابة، وقد رُوي عن النبي -ﷺ- من أوجه كثيرة أنه نهى أن يُنتبذ في الدُّبّاء والمزفَّت، وحديث شبابة إنما يُستغرب لأنه تفرد به عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا\nالإسناد عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعمُر عن النبي -ﷺ- أنه قال: «الحج عرفة» فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد». (^٥)\nووجه المخالفة ذات الوجهين أن شبابة خالف كل من روى حديث النهي عن الدباء والمزفت حيث جعله من مسند عبد الرحمن بن يعمر، بينما هو معروف برواية غيره من الصحابة. وخالف أصحاب شعبة حيث روى بإسناد شبعة، عن بكير، عن عبد الرحمن بن يعمر هذا الحديث الذي يروي به أصحاب شعبة حديثًا غيره.\nويشكل على هذا الإعلال أن شبابة قد روى حديث: «الحج عرفة» عن\n_________\n(^١) وحديثه عند الدارقطني (٢/ ٢٤١).\n(^٢) وحديثهما عند النسائي (السنن الكبرى ٢/ ٤٦٢ ح ٤١٨٠).\n(^٣) التاريخ الكبير (٢/ ١١١).\n(^٤) علل ابن أبي حاتم (٢/ ٢٧ ح ١٥٥٧).\n(^٥) جامع الترمدي (كتاب العلل ٥/ ٧١٣ - ٧١٤).","vol":"2","page":1035},{"text":"شعبة، عن بكير، عن عبد الرحمن بن يعمر كما رواه سائر أصحاب شبعة. أخرجه الطحاوي (^١) عن علي بن معبَد عنه. وعلي بن معبد ثقة فقيه (^٢).\nفلم يبق إلا تفرده من بين أصحاب شعبة برواية حديث النهي عن الدباء والمزفت.\nويؤيد كونه غير محفوظ أن البخاري روى عن عبد الرزاق عن الثوري بصيغة الجزم أنه قال: «كان عند بكير حديثان، سمع شعبة أحدَهما ولم يسمع الآخر». (^٣) فالذي يجزم به أن شعبة سمع حديث: «الحج عرفة»، فبقي سماعه للحديث الآخر - حتى ولو كان حديثنا المذكور (^٤) - منفيًا على ما قاله الثوري. وهذا مستند البخاري في نفي الصحة عن حديث شبابة في النهي عن الدباء والمزفت.\nوقد يقال في مثل هذا: إن المثبِت مقدّم على النافي، وهذا صحيح، إلا أن في باب تضافر الأدلة يحتج بمثل هذه القرينة.\nوأما علي بن المديني فقال لما سئل عن هذا الحديث «أيَّ شيء تقدر تقول في\nذاك، - يعني أن شبابة كان شيخًا صدوقًا إلا أنه كان يقول بالإرجاء - ولا يُنكر من رجل سمع من رجل ألفًا وألفين أن يجيء بحديث غريب». (^٥)\n\n٣.<span data-type='title' id=toc-304> مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه</span>\nوقد تقدمت أمثلة ذلك أيضًا (^٦)، وأنها من قواعد إعلال الأحاديث عند الإمام أحمد وغيره من الحفاظ.\n_________\n(^١) شرح معاني الآثار (٢/ ٢١٠)\n(^٢) تقريب التهذيب (٤٨٣٥).\n(^٣) التاريخ الكبير (٢/ ١١١).\n(^٤) والحديث الآخر على ما ذكره البخاري أنه رأى عليًا أهل بهما جميعًا (الموضع نفسه).\n(^٥) تاريخ بغداد (٩/ ٢٩٧).\n(^٦) ص: ٧٨٦.","vol":"2","page":1036},{"text":"٤.<span data-type='title' id=toc-305> معرفة مخالفة الرواية للثابت المعروف</span>\nوهذا أيضًا قد تقدمت أمثلته في مطلب مستقل (^١).\n\n٥.<span data-type='title' id=toc-306> سلوك الجادَّة</span>\nمعنى الجادَّة معظم الطريق، وهي أيضًا الطريق إلى الماء (^٢).\nوالمقصود بسلوك الجادّة اتباع الطريق المعهود في الرواية، وتوضيح ذلك من كلام الشيخ المعلمي ﵀، قال: «وأغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف … وهكذا الخطأ في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه، عن عائشة، وقد يروي عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير، فقد يسمع رجل من هشام خبرًا بالسند الثاني ثم يمضي على السامع زمان فيشتبه عليه، فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبرًا واحدًا، جعله أحدُهما عن هشام، عن وهب، عن عُبيد، وجعله الآخر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فالغالب أن يُقدموا الأول، ويخطّؤوا الثاني، هذا مثال، ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يُحصى». (^٣)\nفذكر أن سلوك الجادة قرينة استعملها أئمة الحديث لتقوية ظنهم بخطأ من سلكها، وذلك أن الذي جاء بما يخالف المألوف يدل على مزيد ضبطه لما رواه فتُقدم روايته على من سلك الجادة. وقد تقدم عن الإمام أحمد ما يدل على اعتباره هذه القرينة طريقة لمعرفة الخطأ. قال: «وأهل المدينة إذا كان حديثٌ غلطٌ يقولون: «ابن المنكدر، عن جابر»، وأهل البصرة يقولون: «ثابت، عن أنس»، يُحيلون عليهما». (^٤)\n_________\n(^١) ص: ٨٠١.\n(^٢) لسان العرب (٣/ ١٠٩، ١١٠).\n(^٣) بلوغ الأماني من كلام المعلمي اليماني (ص ١١٥ - ١١٦).\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال (٤/ ١٦١٦)، وقد تقدم في ص (٦٦٨).","vol":"2","page":1037},{"text":"قال الحافظ ابن رجب في مراد الإمام أحمد من هذه العبارة: «لما اشتهرت رواية ابن المنكدر عن جابر، ورواية ثابت عن أنس، صار كل ضعيف وسيئ الحفظ إذا روى حديثًا عن ابن المنكدر يجعله عن جابر عن النبي -ﷺ-، وإن رواه عن ثابت، جعله عن أنس عن النبي -ﷺ-). (^١)\nومن النماذج لاستعمال الإمام أحمد لهذه القرينة:\nما تقدم من الخلاف بين الثوري وجرير على منصور في حديث: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال …»، فإن جريرًا رواه، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، ورواه الثوري عن منصور، عن ربعي، عن رجل من الصحابة، فقال الإمام أحمد طريق الثوري هو المحفوظ، وقال في حديث جرير ليس بشيء. فإن من القرائن التي كشفت علة رواية جرير أنه أتى به على الطريق المألوف: منصور، عن ربعي، عن حُذيفة، والثوري حفظ أنه ليس عن حذيفة على الجادة، ولكن عن رجل من الصحابة غير مسمى. (^٢)\nومنها:\nقال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي عن حسّان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا ثائرَ الشعر فقال: «أما وجد هذا ما يسكن به شعرَهُ»؟ ورأى رجلًا آخر وسخ الثياب … فقال: ما أنكره من\nحديث، ليس إنسان يرويه - يعني عن ابن المنكدر - غير حسان. قال أحمد: كان ابن المنكدر رجلًا صالحًا، وكان يُعرف بجابر مثل ثابت، عن أنس، وكان يحدث عن يزيد الرقاشي، فربما حدّث بالشيء مرسلًا فجعلوه عن جابر». (^٣)\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٩٣ - ٦٩٤).\n(^٢) انظر: ص (٧٥٤).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٠٦ - ٤٠٧ رقم ١٩١٣).","vol":"2","page":1038},{"text":"هذا الحديث أخرجه أبو داود (^١)، والنسائي (^٢)، وأحمد (^٣)، والحاكم (^٤) كلهم من طرق عن الأوزاعي به. ولفظه: «أتانا رسول الله -ﷺ- فرأى رجلًا شعِثًا قد تفرق شعرُه فقال: «أما كان يجد هذا ما يسكِّن به شعرَه؟». ورأى رجلًا آخر وعليه ثياب وسخة فقال: «أما كان يجد ماء يغسل به ثوبَه؟». وهذا السند ظاهره الصحة فإن حسّان بن عطية قد وثقه أحمد، وابن معين، والفسوي وغيرهم (^٥).\nوأنكر الإمام أحمد الحديث بقرينة رواية حسان له عن ابن المنكدر، عن جابر، حيث سلك الجادة المعروفة، بالإضافة إلى تفرده بذلك عن ابن المنكدر. ولربما روى ابن المنكدر الحديث مرسلًا، فيسنده من لم يضبط حديثه على الجادة، ومراسيل ابن المنكدر ترجع أصولها في بعض الأحيان إلى رجال ضعفاء مثل يزيد الرقاشي.\nقال عبد الله: «حدثني أبي، حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن المنكدر، سمع سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، يخبر عن جبير بن الحُويرث: «رأيت أبا بكر واقفًا على قزح». قال أبي: قالوا لسفيان: إن ابن المنكدر يقول: عن أبيه، عن جابر. فقال: من أين أقع على هذا: سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحُويرث: «رأيت أبا بكر»، قال أبي: وإنما هو: عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع». (^٦)\nهذا الحديث رواه الشافعي (^٧)، وابن أبي شيبة (^٨)، والفاكهي (^٩)،\n_________\n(^١) السنن (٤/ ٣٣٢ ح ٤٠٦٢).\n(^٢) السنن (٨/ ١٨٣ - ١٨٤ ح ٥٢٥١).\n(^٣) المسند (٢٣/ ١٤٢ ح ١٤٨٥٠).\n(^٤) المستدرك (٤/ ١٨٦).\n(^٥) المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٦٥)؛ تهذيب الكمال (٦/ ٣٦).\n(^٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ١٥٢ رقم ١٨٤١).\n(^٧) الأم (٢/ ٢١٣)، ومسند الشافعي (ص ٣٦٩).\n(^٨) المصنف (٣/ ٢٤٦ ح ١٣٨٨٣).\n(^٩) أخبار مكة (٤/ ٣٢٣ ح ٢٧١٠).","vol":"2","page":1039},{"text":"والطبري (^١)، والبيهقي (^٢)، عن سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جُبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر ﵁ واقفًا على قَزَحٍ، وهو يقول: أيُّها الناس، أَصبِحُوا، أيُّها النَّاس أصبِحوا، ثم دفع فإني لأنظر إلى فخِذِهِ قد انكشفتْ مما يَحرُشُ بعيرَه بِمِحجَنِهِ».\nولم أقف على رواية محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر.\nوقد روى ابن أبي حاتم هذه القصة أيضًا عن على بن المديني قال: «سمعت سفيان وقيل له إن منكدر بن محمد بن المنكدر روى عن أبيه، عن جابر قال: رأيت أبا بكر واقفًا على قزَح، فقال: سفيان قد سمعتُ منكدرا يقوله فكرهت أن أقول له شيئًا، واستحييْت منه، ثم قال سفيان: نحن أحفظ له منه، إنما قال ابن المنكدر: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جُبير بن الحويرث». (^٣)\nومنها:\nقال عبد الله: «سألت أبي عن حديث هشيم، عن حُصين، عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه عن النبي -ﷺ- في الرفع. قال: رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل عن النبي -ﷺ-، خالف حُصينٌ شعبةَ، فقال: شعبةُ أثبت في عمرو بن مرة من حُصين، القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل!». (^٤)\n_________\n(^١) جامع البيان (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) السنن الكبرى (٥/ ١٢٥).\n(^٣) الجرح والتعديل (١/ ٤٠).\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٤٦٣ رقم ١٠٥٨).","vol":"2","page":1040},{"text":"ومنها:\nقال عبد الله: «وجدت في كتاب أبي قال: قيل لصفوان بن عيسى: من حدثك؟ قال: الحارث بن عبد الرحمن، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، بإذن الله له، فقال له ربه جل وعز: رحمك ربك يا آدم. قال أبي: خالفه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن عبد الله بن سلام». (^١)\nذكر النسائي الروايتين (^٢) وقال عن رواية الليث: وهذا هو الصواب، والآخر خطأ اهـ.\nوصفوان بن عيسى وثقه ابن سعد (^٣)، وقال فيه أبو حاتم: صالح (^٤). وفي ذكر الإمام أحمد لمخالفة الليث له إشارة إلى أنها أصح، وذلك لأن صفوان روى الحديث على الجادة المعروفة: سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وكون الليث يرويه عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام يدل على ضبطه، إذا كيف يقع على عبد الله بن سلام بهذا الإسناد لولا أنه حفظه وضبطه؟\n\n٦.<span data-type='title' id=toc-307> معرفة الملابَسات المتعلقة بمجالس التحمّل والأداء</span>\nوهذا أيضًا من القرائن التي يهتدى بها إلى معرفة الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات.\nفمن أمثلة ذلك فيما يتعلق بمجلس التحمل ما سبق لجرير بن حازم في روايته لحديث أبي قتادة: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تقوموا\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٣/ ٣٧٢ رقم ٥٦٣٢).\n(^٢) السنن الكبرى (٦/ ٦٣ ح ١٠٠٤٦، ١٠٠٤٧). وأخرجه أيضًا الترمذي (٥/ ٤٥٣ ح ٣٣٦٨)، والبيهقي (السنن الكبرى ١٠/ ١٤٧).\n(^٣) الطبقات الكبرى (٧/ ٢٩٤).\n(^٤) الجرح والتعديل (٤/ ٤٢٥).","vol":"2","page":1041},{"text":"حتى تروني»، حيث قلبه فجعله من حديث ثابت عن أنس، فبين حماد بن زيد أنه سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت، فظنّ أنه سمعه\n- يعني من ثابت». (^١)\nومن أمثلة ملابسات تتعلق بمجلس الأداء:\nقال المزي: «قال أبو زرعة: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أنس، عن أمِّ حبيبة - أي أريت ما تلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض، وكان ذلك سابقًا من الله، فسألته أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة، ففعل - قال: ليس له عن الزهري، عن أصل، وأخبرني أنه من حديث شعيب، عن ابن أبي حسين، وقال لي: كتاب شعيب عن ابن أبي حسين ملصق بكتاب الزهري، قال: فبلغني أن أبا اليمان حدثهم به عن الزهري، وليس له أصل، كأنه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزهري، إذ كان به ملصقًا، فرأيته كأنه يعذر أبا اليمان، ولا يحمل عليه فيه. قال: وقد سألت عنه أحمد بن صالح مقدمه دمشق فقال لي مثل قول أحمد: إنه لا أصل له عن الزهري». (^٢)\nفهذا الحديث إسناده ظاهره الصحة، وأنكره الإمام أحمد على أبي اليمان بأنه ليس له أصل من حديث الزهري، وانكشف له وجه الخطأ بما لابس مجلس أداء الراوي حين حدث بالحديث، وذلك أن أبا اليمان كان كتابه عن شعيب، عن الزهري ملصقًا بكتابه عن شعيب، عن ابن أبي حسين فقلب الورقة من حديث الزهري إلى حديث ابن أبي حسين، ولم تنقلب في ذهنه فحدث بالحديث من حديث الزهري وهو من حديث ابن أبي حسين، ولذلك أعذره الإمام أحمد ولم يحمل عليه.\nأما يحيى بن معين فذكر حينما سئل عن الحديث فقال: «أنا سألت أبا اليمان فقال: الحديث حديث الزهري، فمن كتبه عنيّ فقد أصاب، ومن كتبه عنيّ من\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٨٣ رقم ١٦٢٥). وقد تقدم في ص (٨٥٠).\n(^٢) تهذيب الكمال (٧/ ١٥٢)، وانظر: تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٥٦ رقم ١١٥٤، ١١٥٥).","vol":"2","page":1042},{"text":"حديث ابن أبي حسين فهو خطأ، إنما كُتِب في آخر حديث ابن أبي حسين فغلطتُ فحدثتُ به\nمن حديث ابن أبي حسين، وهو صحيح من حديث الزهري». (^١)\nوروى مثله إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال: «قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم عن ابن أبي حسين غلطت فيه بورقة قلبتها». (^٢)\nقال الذهبي: تعين أن الحديث وهِم فيه أبو اليمان، وصمّم على الوهم، لأن الكبار حكموا بأن الحديث ما هو عند الزهري، والله أعلم. (^٣)\nوقد سئل محمد بن يحيى عنه فقال: حدثنا به أبو اليمان عن ابن أبي حسين من أصل كتابه، وذهب إلى أن من حدث به عن أبي اليمان من حديث الزهري فإنما ذلك تلقين لُقنه أبا اليمان (^٤).\nوقد أخرج الإمام أحمد الحديث من حديث أبي اليمان، عن شعيب، عن ابن أبي حسين (^٥)، وقال عند تخريجه للحديث: «يتلو أحاديث ابن أبي حسين»، وكُتُب أبي اليمان، عن شعيب كانت عند أحمد كما تقدم (^٦)، فذكر هذا الحديث تحت أحاديث ابن أبي حسين، لا تحت أحاديث الزهري.\nوأخرجه من حديث الزهري ابن أبي عاصم (^٧)، والحاكم (^٨)، وابن عبد البر (^٩).\nفمثل هذه الوقائع المتعلقة إما بمجلس التحمل أو بمجلس الأداء، أو بهما\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٢٢).\n(^٢) المستدرك (١/ ٦٨). قال الحاكم: هذا كالأخذ باليد، فإن إبراهيم بن هانئ ثقة مأمون.\n(^٣) الموضع نفسه.\n(^٤) تاريخ دمشق (١٥/ ٧٢).\n(^٥) المسند (٤٥/ ٤٠٠ ح ٢٧٤١١).\n(^٦) ص: (٤٠٣).\n(^٧) السنة (٢/ ٣٧٢ ح ٨٠٠) من طريق دحيم.\n(^٨) المستدرك (١/ ٦٨) من طريق الصاغاني، ومحمد بن عيسى.\n(^٩) التمهيد (١٩/ ٦٨) من طريق يحيى بن معين.","vol":"2","page":1043},{"text":"يهتدى بها لمعرفة الخطأ وجهته.\n\n٧.<span data-type='title' id=toc-308> معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند</span>\nوالمقصود بذلك كشف تدليس المدلّس، أو الإرسال الخفي من صاحبه، وهذا أيضًا من القرائن التي تكشف الخطأ في أحاديث الثقات مما ظاهرها الصحة.\nفمن ذلك:\nقال صالح: سألت أبي عن المسح على الخفين، يمسح ظاهرهما وباطنهما؟ وهل يعمل بحديث المغيرة بن شُعبة؟ قال: أبي: المسح على الخفين إنما يُمسح أعلاهما. وقال بعض الناس: وأسفلهما، وليس هو بحديث ثبت عندنا … قال صالح: حدثني أبي قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء ابن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة «أن النبي -ﷺ- مسح أعلى الخف وأسفله». قال أبي: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن مهدي، فذكر عن ابن المبارك، عن ثور قال: حدّثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر فيه المغيرة، ولا أرى الحديث ثبت». (^١)\nوقال الأثرم: «سئل أبو عبد الله عن حديث المغيرة بن شعبة، أن النبي -ﷺ- مسح أعلى الخف وأسفله، فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك، أنه قال عن ثور: حدِّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: وأما الوليد فزاد فيه: عن المغيرة، وجعله ثور، عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء، لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور حدِّثتُ عن رجاء». (^٢)\nفهذا الحديث انكشف خطؤه بالوقوف على ما ينفي السماع الموهوم في سنده، وذلك أن الوليد بن مسلم قد أخفى موضع الانقطاع من السند بالتسوية،\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ١٢٤ - ١٢٦، رقم ٦٨٨، ٦٨٩). وانظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٣٥).\n(^٢) نقله عنه ابن عبد البر (التمهيد ١/ ١٣).","vol":"2","page":1044},{"text":"فسوى الإسناد وكأنه متصل، فقال: عن ثور ين يزيد، عن رجاء بن حيوة. فكشفت رواية ابن المبارك تسوية الوليد بن مسلم، وأن ثور بن يزيد قال فيه: حدثت عن رجاء، فدل على وجود الواسطة بينهما وأنه لم يسمعه منه.\nوحديث الوليد بن مسلم رواه أبو داود (^١)، والترمذي (^٢)، وابن ماجه (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن الجارود (^٥)، والطبراني (^٦)، والدارقطني (^٧)، والبيهقي (^٨)، وابن عبد البر (^٩).\nوأما رواية ابن المبارك فهي مسندة في سؤال صالح عن أحمد عن ابن مهدي عنه. وبقية من ذكرها ذكرها معلقة (^١٠).\nووقع في رواية الدارقطني ما يوهم رفع هذه العلة، حيث رواه عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد حدثنا رجاء بن حيوة فذكره. فهذا ظاهره أن ثورًا سمعه من رجاء، فتزول العلة. قال الحافظ ابن حجر: لكن رواه أحمد بن عُبيد الصفار في «مسنده» عن أحمد ين يحيى الحلواني، عن داود بن رشيد، عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف\n_________\n(^١) السنن (١/ ١١٦ ح ١٦٥).\n(^٢) الجامع (١/ ١٦٢ ح ٩٧).\n(^٣) السنن (١/ ١٨٣ ح ٥٥٠).\n(^٤) المسند (٣٠/ ١٣٤ ح ١٨١٩٧).\n(^٥) المنتقى (ح ٨٤).\n(^٦) مسند الشاميين (١/ ٢٦١ ح ٤٥١).\n(^٧) السنن (١/ ١٩٥).\n(^٨) السنن الكبرى (١/ ٢٩٠).\n(^٩) التمهيد (١١/ ١٤٧ - ١٤٨).\n(^١٠) انظر: سنن الدارقطني (١/ ١٩٥)، علل الدراقطني (٧/ ١١٠)، السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٩١)، وتاريخ بغداد (٢/ ١٣٥).","vol":"2","page":1045},{"text":"على داود يمنع من القول بصحة وصله مع ما تقدم من كلام الأئمة». (^١) ثم إنه قد خالفه جمع من الرواة عن الوليد بن مسلم، كلهم ذكروه بالعنعنة. ثم حتى ولو ثبت فابن المبارك أحفظ وأجل من الوليد بن مسلم كما قال ابن القيم (^٢).\nوضعف الحديث البخاري وأبو زرعة (^٣) لمخالفة رواية ابن المبارك له. وقال الدارقطني: «وحديث رجاء بن حيوة الذي فيه ذكر أعلى الخف وأسلفه لا يثبت لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا» (^٤).\nومنه أيضًا:\nقال أبو طالب أحمد بن حُميد: «سألت أحمد بن حنبل عن حديث شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- في التشهد والتحيات، فأنكره وقال: لا أعرفه. قلت: يروي نصر بن علي، عن أبيه - يعني عن شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت مجاهدًا. قال: قال يحيى: كان شعبة يضعّف حديث أبي بشر عن مجاهد قال: لم يسمع منه شيئًا. وقال: إنما ابن عمر يرويه عن أبي بكر الصديق: علّمَنا التَّشهد، ليس فيه النبي -ﷺ-). (^٥)\nهذا الحديث إنما أنكر الإمام أحمد رفعه إلى النبي -ﷺ-، لأن ذلك جاء من طريق أبي بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية، عن مجاهد، عن ابن عمر، وحتى إن أبا بشر قد صرح بالسماع من مجاهد في رواية نصر بن علي (^٦)، عن أبيه علي بن نصر\n_________\n(^١) تلخيص الحبير (١/ ١٦٠).\n(^٢) تهذيب السنن (١/ ١٩٦).\n(^٣) علل الترمذي الكبير (١/ ١٨٠).\n(^٤) علل الدارقطني (٧/ ١١١).\n(^٥) الكامل في ضعفاء الرجال (٢/ ٥٧٤)، وانظر: تهذيب الكمال (٥/ ٨ - ٩).\n(^٦) قال ابن حجر: ثقة ثبت (تقريب التهذيب ٧١٧٠)، وأبوه أيضًا ثقة معروف (تقريب التهذيب ٤٨٤١).","vol":"2","page":1046},{"text":"الجهضمي، عن شعبة (^١).\nوقد خالفه غيره عن شعبة، عن أبي بشر، عن محاهد، عن ابن عمر موقوفًا عليه. (^٢)\nوذكر الإمام أحمد أن الصحيح أن ابن عمر كان يرويه عن أبي بكر: «علمنا التشهد» ليس فيه النبي -ﷺ-، هكذا رواه أبو الصديق الناجي عن ابن عمر (^٣).\nفهذا أيضًا انكشفت علته بالوقوف على ما ينفي السماع المصرح به في السند، وهذا الأمر هو ما ذكره شعبة أن أبا بشر لم يسمع من مجاهد شيئًا.\n٨. معرفة من ضُعِّف من الثقات تضعيفًا مقيدًا، إما في بعض شيوخه، أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات. وقد تقدم كل ذلك مفصلًا مع نماذج كل نوع لدى الإمام أحمد (^٤).\n\n٩.<span data-type='title' id=toc-309> معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المُكثِرِينَ في الرواية وعدد التلاميذ</span>\nوبهذه المعرفة يحصل لدى الناقد تمييز من يستحق التقديم ممن حقه التأخير عند الاختلاف، ومن يحتمل ويقبل منه التفرد عن شيخه ممن يتوقف أو يرد ذلك عنه. وهذا ما سيأتي دراسته في المبحث القادم، وهو المبحث الثاني من هذا الفصل\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (ح ٩٧١)، وأبو يعلى (المسند ١/ ٢٥٠ ح ٣١٠)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٣)، وابن عدي (الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥٧٤)، والدارقطني (١/ ٣٥١)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٣٩).\n(^٢) منهم ابن أبي عدي عند البيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٣٩)، ومعاذ بن معاذ العنبري عند الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٤).\n(^٣) أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٤).\n(^٤) وذلك في المطلب الثاني، والثالث، والرابع من المبحث الأول في الفصل الثالث من الباب الثاني؛ وفي المبحث الثاني من الفصل نفسه؛ وفي المطلب الأول والثاني من المبحث الرابع من المفصل نفسه","vol":"2","page":1047},{"text":"إن شاء الله، أفردته بالدراسة لأهميته.\n\n١٠.<span data-type='title' id=toc-310> الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان</span>\nويلحق بذلك معرفة ما لكل راوٍ من الأحاديث.\nذكر هذا الحافظ ابن رجب ضمن القواعد في علم العلل (^١)، وهذا الفهم اكتسبه النقادُ بكثرة ممارستهم للأحاديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، فيعلّون الروايات بناء على هذا الفهم، ولو قيل لأحدهم كيف ذلك، تقصر عبارته دون التعبير عن وجه حكمه أو الاستدلال له، لكن فهمه ومعرفته أثبتان في قريحته ما يكاد يجزم بأن\nما قاله صحيح ويأبى منه قبول نقيضه، ويظهر مصداق قولهم بالنظر والتتبع، وحالتهم في هذا كمثل حالة ناقد الدراهم.\nومن أمثلة ذلك، قال أحمد: «سعد بن سناد تركت حديثه، حديثه مضطرب، يشبه حديثه حديث الحسن، ولا يشبه أحاديث أنس». (^٢)\nوقد كان هذا منهج الأئمة الذين تقدموا الإمام أحمد.\nقال عبد الله: «حدثني أبو عمر قال: حدثني أبو أسامة، قال: كُنتُ عند سفيان فحدّثهُ زائدةٌ، عن شُعبة، عن سلمة بن كُهيل، عن سعيد بن جبير ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨]. قال: هم الشُّهداءُ. فقال له سفيان: إنك لَثِقة، وإنّك لتحدّثُنا عن ثِقة، وما يَقبَلُ قلبي إن هذا من حديث سلمة، فدعا بكتابٍ فكتب: مِن سُفيان بن سعيد إلى شُعبة، وجاء كتاب شُعبة: مِن شُعبة إلى سفيان، إني لم أُحدِّث بهذا عن سلمة، ولكن حدثني عُمارة بن أبي حفصة، عن حِجر الهَجَري، عن سعيد بن جبير». (^٣)\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي (٢/ ٨٦١).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٥١٧ رقم ٣٤٠٩، ٣٤١٠).\n(^٣) المصدر نفسه (٢/ ٤٥٤ رقم ٣٠٢٠).","vol":"2","page":1048},{"text":"ومنه أيضًا:\nقال عبد الله: «حدثني أبو صالح الحكم بن موسى قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الملك بن أبي غنية أو غيره عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله -ﷺ- على القتلى فرأى منظرًا سيئًا، ورأى حمزة قد شُقّ بطنُه واصطُلِمَ أنفُه، وجدِّعَت أُذُناه. فقال: لولا أن تجزَع النساءُ أو تكون سنةً بعدي، لتركتُه حتى يبعثه الله ﷿ من بطون السِّباع والطير، ولأُمثِّلنّ مكانَه منهم سبعين. ثم دعا ببُردة فغطّى بها وجهَه فخرجت رِجلاه، فغطّى بها رجليْه فخرج وجهه، فغطَّى بها رسول الله -ﷺ- وجهَه وجعل على رِجليْه شيئًا من الإِذخِر ثم قدّمه فكبَّر عليه عشرًا، فذكر الحديث. فحدّثتُ به أبي فقال: هذا من حديث الحسن بن عُمارة، ليس هذا من حديث ابن أبي غنيّة، ابن أبي غنيّة أتقى لله من\nأن يحدث بمثل هذ». (^١)\nأخرجه الدارقطني (^٢)\nومنه:\nقال عبدالله: «سمعت أبي يقول في حديث حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله الرجل يغيب فلا يقدر على الماء أيجامع أهله قال نعم قال أبي هذا حديث مثنى كأنه أنكره من حديث حجاج» (^٣).\nحديث حجاج أخرجه أحمد (^٤)، والبيهقي (^٥).\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٣/ ٤٠٢ ح ٥٧٧٣).\n(^٢) السنن (٤/ ١١٨).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ١٠٨ ح ١٧٢٤).\n(^٤) المسند (١١/ ٦٦٨ ح ٧٠٩٤).\n(^٥) السنن الكبرى (١/ ٢١٦).","vol":"2","page":1049},{"text":"وقد أخرج البيهقي حديث المثنى بن الصباح الذي قال الإمام أحمد هذا الحديث حديثه، رواه من طريق الحسن بن حفص، عن سفيان - يعني الثوري - عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: جاء أعرابى إلى رسول الله -ﷺ- فقال: إنا نكون في الرَّمل، وفينا الحائضُ والجنبُ والنُّفَساءُ، فيأتي علينا أربعةُ أشهرٍ لا نجد الماء، قال: «عليك بالتراب» - يعني التيمم. قال البيهقي: «هذا حديث يعرف بالمثنى بن الصباح عن عمرو، والمثنى غير قوي. وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عمرو إلا أنه خالفه في الإسناد؛ فرواه عن عمرو، عن أبيه، عن جده، واختصر المتن فجعل السُّؤال عن الرجل لا يقدر على الماء، أيُجامِع أهلَه؟ قال: نعم …». (^١)\nفالحديث معروف لمثنى بن الصَّبَّاح، وأخذه عنه الحجاج ثم خالفه في السند وفي المتن، فلذلك أنكره الإمام أحمد من حديث الحجاج.\nومنه أيضًا:\nقال عبد الله: «حدثني مجاهد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، قال: حدثنا مِسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: أتَتِ النبي -ﷺ- بواكي فقال: «اللهم اسقنا غَيثًا مُغيثًا مَريئًا مريعًا نافعًا غيرَ ضارٍّ عاجلًا غير آجِلٍ». قال: فأطبقت عليهم. فحدثت بهذا الحديث أبي فقال أبي: أعطانا محمد بن عُبيد كتابه عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء، كأنه أنكره من حديث محمد بن عُبيد. قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال: حدثنا مِسعَر، عن يزيد الفقير مرسلًا، ولم يقل بواكي، خالفه». (^٢)\n_________\n(^١) الموضع نفسه.\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٤٧ ح ٥٥٣١).","vol":"2","page":1050},{"text":"حديث محمد بن عبيد أخرجه أبو داود (^١)، وعبد بن حميد (^٢)، وابن خزيمة (^٣)، والحاكم (^٤)، والخطيب (^٥)، والبيهقي (^٦). وصححه الحاكم، والنووي، والألباني (^٧).\nوفيه علة خفية كشفها الإمام أحمد، وهي أن الحديث ليس من حديث محمد بن عبيد، بدليل أنه اطلع على كتاب محمد بن عبيد عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه.\nثم ذكر أن يعلى بن عبيد حدثهم به، عن، مسعر، عن يزيد الفقير (^٨) مرسلًا،\nليس فيه جابر. (^٩)\nفعلى ما ذكره الإمام أحمد فالظاهر أن محمد بن عبيد روى الحديث عن أخيه، فدلسه بإسقاطه ووقع في الخطأ فرفعه وهو مرسل.\nوقد يقال لا يلزم من عدم وجود الحديث في كتاب محمد بن عبيد أن لا يكون الحديث عنده عن مسعر، فقد يكون سمعه ولم يدونه وحدث به من حفظه، فالجواب أنه يحتمل أنه تحمل الحديث من أخيه ثم غلط في روايته، فرفعه وزاد في المتن ما ليس منه - وهو قوله: أتت بواكي.\n_________\n(^١) السنن (١١٦٩).\n(^٢) المنتخب من مسنده (ص ٣٣٨ ح ١١٢٥).\n(^٣) صحيح ابن خزيمة (٢/ ٣٣٥ ح ١٤١٦).\n(^٤) المستدرك (١/ ٣٢٧)\n(^٥) تاريخ بغداد (١/ ٣٣٥).\n(^٦) السنن الكبرى (٣/ ٣٥٥).\n(^٧) المستدرك (الموضع نفسه)؛ الأذكار (ح ٢٥٦)، صحيح سنن أبي داود ح ١١٦٩.\n(^٨) هو يزيد بن صهيب الفقير الكوفي. وإنما قيل له الفقير لأنه كان يشكون فقار ظهره.\nوثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي. وقال أبو حاتم: صدوق (الجرح والتعديل ٩/ ٢٧٢؛ تهذيب الكمال ٣٢/ ١٦٥).\n(^٩) لم أقف على هذا الطريق، وذكره الخطيب (تاريخ بغداد ١/ ٣٣٥).","vol":"2","page":1051},{"text":"وعلى القول بالتوقف في قبول ما ذكره الإمام أحمد، وإثبات أنه من حديثه، فروايته معارضة برواية أخيه يعلى بن عبيد، وكان أحمد يقول: يحيى أصح حديثًا من محمد وأحفظ (^١). وقال أيضًا: «يحيى صحيح الحديث، وكان في بدنه صالحًا، وكان محمد أخوه يخطئ ولا يرجع عن خطئه». (^٢) فترجح روايته لأنه أثبت. وذكر الحافظ ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: «رواية من قال عن يزيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه». (^٣)\n_________\n(^١) الجرح والتعديل (٩/ ٣٠٥).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (رقم ٢١٢٣).\n(^٣) تلخيص الحبير (٢/ ٩٩).","vol":"2","page":1052},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>المبحث الثاني: مراتبُ الرُّواةِ عن الأَعلامِ عند الإمام أحمد ومن يُرجّح قولُه منهم عند الاختلاف</span>\nاهتمّ الأئمة النقاد بالموازنة بين رواة الأخبار توثيقًا وتضعيفًا، فكثيرًا ما يرد عنهم التوثيق والتضعيف نسبييْن، فيقولون: فلان أحب إليّ من فلان، أو أحفظ، أو أثبت، أو أصح حديثًا. وأخص من هذا موازنتهم بين الرواة عن بعض الأعلام المشهورين بكثرة الرواية والتلاميذ، حتى إن بعضهم قد رتبهم على طبقات (^١)، كل طبقة تجمع صنفًا متجانسًا من التلاميذ يشتركون في صفة واحدة تخصهم وتمييزهم عن غيرهم.\nوفائدة هذه الموازنة معرفة من يقدَّم قوله عند الاختلاف، وتمييز من يصلح للاحتجاج به عند التفرد من غيره، وهذه المعرفة بمنزلة تتمة الطريق لكشف علل الأخبار وتمييز الصحيح منها من السقيم، ولا فائدة لجمع الطرق إذا لم توجد هذه المعرفة لدى الناقد، فبدونها لا يتمكن من تمييز الخطأ من الصواب، وإن اجتمعت لديه الطرق وتمثلت أمامه.\nوكان الإمام أحمد قد أولى هذا الجانب عناية فائقة، ففي كلامه في الرجال نصوص كثيرة في التوثيق والتضعيف النسبيين، والتمييز بين الرواة عن بعض\n_________\n(^١) الطبقة في اصطلاح المحدثين عبارة عن جماعة من الناس تشترك في أمر واحد. (توضيح الأفكار ٢/ ٥٠٤)، وانظر: طبقات الرواة عن الزهري ممن له رواية في الكتب الستة (ص ٤٨).","vol":"2","page":1053},{"text":"الأعلام فنص على من يقدَّم قولُه منهم عند الاختلاف، وكذلك في أثناء كلامه في إعلال الأحاديث يوجد جملًا من هذا أيضًا.\nوفي هذا المبحث سأورد كلام الإمام أحمد في بيان مراتب الرواة عن بعض الأعلام الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم، ومن يرجح قوله منهم عند الاختلاف لوجود عوامل الترجيح فيه أكثر من غيره، وبيان تلك العوامل. كما أذكر بعض النماذج من اختلافهم على شيخهم وكيف رجح الإمام أحمد بينهم بناء على ترتيبهم الطبقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>أصحاب عبد الله بن عمر</span>\nأشهر تلاميذه سالم ابنه ونافع مولاه. وقد اختلف قوله في الترجيح بينهما عند الاختلاف.\nفقال المرُّوذي: «قلت: فإذا اختلف سالم ونافع، لمن تحكم؟ قال: نافع قد قدم سالمًا على نفسه. وقد روى عنه، وكان مشمرًّا. قلت: لم أَرد الفضل، إنما أردت الحديث، إذا اختلفا، فقلبُك إلى أيهما أميل؟ قال: جميعًا عندي ثبت، وذهب إلى أن لا يقضي لأحد». (^١)\nفتوقف الإمام أحمد عن الترجيح بينهما.\nوكذلك قال حرب بن إسماعيل الكرماني، قال: «قيل لأحمد إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما». (^٢)\nومما يدل على تقديمه لسالم أنه جعل أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه (^٣).\nومع رواية المروذي التوقف عن الإمام أحمد فقد روى عنه أنه مال إلى قول نافع في اختلافهما في حديث: «من باع عبدًا له مال».\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٤٣ رقم ٩).\n(^٢) الجرح والتعديل (٨/ ٤٥٢).\n(^٣) تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٢).","vol":"2","page":1054},{"text":"قال المروذي: «وذكرت له حديث نافع عن ابن عمر عن عمر: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع»، فقال: خالفه سالم، هكذا رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-. قلت: فأيما الثبت؟ فتبسّم، وقال: الله أعلم. قلت: ما الذي يميل إليه قلبك منهما؟ قال: أرى - والله أعلم - إلى نافع». (^١)\nوذكر ابن رجب أن غير المرّوذي نقل عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث: «فيما سقت السماء العُشر». (^٢)\nواختلفا في ثلاثة أحاديث أخرى غير هذين: هما: حديث: «إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد منها راحلة»، رواه سالم عن أبيه عن النبي -ﷺ-، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله. وحديث: «تخرج نار من قبل اليمن فتحشر الناس …». رواه سالم، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن كعب قوله. (^٣) وحديث: رفع اليدين في الصلاة، رفعه سالم عن أبيه، ووقفه نافع على ابن عمر. (^٤)\nوكلام الإمام أحمد في ترجيح قول نافع على قول سالم في الحديثين المذكورين ليس منبيًا على تقديمه له على سالم، بل لقرينة كون نافع لم يرو الحديث على الجادة، فدل على مزيد ضبطه له، فلا يؤخذ من ذلك تقديمه مطلقًا على سالم، وبهذا يجمع بين توقفه عن التقديم بينهما وتقديمه لرواية نافع في تلك الموضعين، والله أعلم.\nومن تلاميذه عبد الله بن دينار مولاه، وقد تقدم قول أحمد فيه لما سئل عنه عن ابن عمر فقال: ثقة، إلا في حديث واحد يرويه، ويقصد بذلك حديث النهي عن بيع والولاء وهبته حيث يرى أنه خالف نافعًا فيه (^٥).\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ١٥٦ رقم ٢٧٤).\n(^٢) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٦٦).\n(^٣) انظر: التمهيد (١٢/ ٢١٢؛ ١٣/ ٢٨٣)؛ تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٢ - ١٥٣؛ ٢٩/ ٣٠٥).\n(^٤) التمهيد (٩/ ٢١٢).\n(^٥) تقدم ذلك في تعريف المنكر عند الإمام أحمد (ص).","vol":"2","page":1055},{"text":"وقال الساجي عن أحمد: سئل عنه فقال: «نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافعٌ أقوى منه». (^١)\nفهذا يدل على أن عبد الله بن دينار دون نافع في ابن عمر عند أحمد.\nومنهم مجاهد بن جبر، وكان أكبر سناًّ من نافع، وجعله الإمام أحمد دون نافع في العلم عن ابن عمر، وأنكر عليه حديثًا لمخالفته لسالم، ونافع.\nقال ابن هانئ: «وسئل - يعني أبا عبد الله أحمد بن حنبل - عن حديث مجاهد: «ما رأيت ابن عمر رفع يديه إلا حين يفتتح الصلاة»، فقال: هذا خطأ، نافع وسالم أعرف بحديث ابن عمر، وإن كان مجاهد أقدم، فنافع أعلم منه». (^٢)\nوحديث مجاهد هذا رواه أحمد (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤)، والطحاوي (^٥)، عن أبي بكر بن عياش، عن حُصين، عن مجاهد عن ابن عمر. وذكره البخاري تعليقًا في «كتاب رفع اليدين في الصلاة». (^٦)\nولم يرد عن الإمام أحمد الكلام في غيرهم من تلاميذ ابن عمر مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، لأن هؤلاء هم أكثر تلاميذه حديثًا عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-313><span data-type='title' id=toc-314>أصحاب نافع مولى ابن عمر</span></span>\nقال أبو داود: «قلت لأحمد: أصحاب نافع؟ قال: أعلم الناس بنافع عبيد الله\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب (٥/ ٢٠٢).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (١/ ٤٩ رقم ٢٣٧).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (١/ ٥٠).\n(^٤) المصنف (١/ ٢١٤ ح ٢٤٥٢).\n(^٥) شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٥).\n(^٦) ص ٥٤. وهو معلول، والمحفوظ عن حصين، عن إبراهيم عن ابن مسعود أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. أخرج محمد بن الحسن (الحجة على أهل المدينة ١/ ٩٧). وذكر البيهقي أن أبا بكر بن عياش كان يرويه هكذا قديما مرسلًا - بين إبراهيم وابن مسعود - موقوفًا، ثم اختلط عليه حين ساء حفظه، فروى ما قد خولف فيه اهـ (معرفة السنن والآثار).","vol":"2","page":1056},{"text":"وأرواهم. قلت: فبعده مالك؟ قال: أيوب أقدم. قلت: تقدم أيوب على مالك؟ قال: نعم». (^١)\nفجعل عبيد الله أثبتهم، ثم أيوب، ثم مالك.\nوكذلك قال في رواية ابن هانئ: «ليس أحد في نافع أثبت من عبيد الله بن عمر، ولا أصح حديثًا». (^٢)\nوفي رواية المروذي: «قيل له: عبيد الله أثبت أو مالك في نافع؟ قال: ليس أحد أثبت في نافع من عبيد الله». (^٣)\nوقال أبو زرعة الدمشقي: «وسمعت أحمد بن حنبل يُسأل: من الثبت في نافع: عبيد الله، أم مالك، أم أيوب؟ فقدّم عبيد الله بن عمر، وفضله بلقي سالم والقاسم، وقال: هو من أهل البلد، يريد أن أهل البلد أعلم بحديثهم. قلت له: فمالك بعده؟ قال: إن مالكًا لثبت. قلت له: فإذا اختلف مالك وأيوب؟ فتوقف، وقال: ما أجترئ على أيوب، ثم عاد في ذكر عبيد الله فقال: شيخ من أهل البلد». (^٤)\nفتوقف في هذه الرواية فيما إذا اختلف مالك وأيوب، وذلك لجلالة أيوب.\nوذكر ابن رجب رواية أخرى لابن هانئ عن أحمد قال: أوثق أصحاب نافع عندي أيوب، ثم مالك، ثم عبيد الله. (^٥) ولم أقف عليها.\nواعتبر الإمام أحمد في التقديم كثرة الأحاديث، لأنه قال في عبيد الله: هو أرواهم، فإن ذلك يدل على طول ملازمة الراوي لشيخه وبالتالي شدة معرفته\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٢١٣ رقم ١٧٤).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٤٠ رقم ٢٣٣٢).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٥٦ رقم ٤٣).\n(^٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٣٨ رقم ١٠٧٥).\n(^٥) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٦٧).","vol":"2","page":1057},{"text":"لحديثه. وكذلك اعتبر قِدمَ السَّماع، حيث قال: أيوب أقدم، فقدّمه على مالك من أجل ذلك، وكذلك عبيد الله، قدّمه أيضًا لقدم سماعه، حيث إنه قد أدرك سالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. واعتبر التثبت أيضًا، وهو الإتقان وقلة الخطأ، حيث قال: إن مالكًا لثبت، ومقتضى هذا الوصف أن يقدمه على أيوب لكنه توقف عن ذلك لجلالة أيوب.\nويظهر أن كلام الإمام أحمد في الترتيب بين أصحاب نافع كان قاصرًا على هؤلاء الرواة الثلاثة الذين هم أثبت أصحابه وأرواهم عنه، ولم يقسم معظم أصحاب نافع كما فعل ذلك ابن المديني، والنسائي بعده (^١)\nمثال لما اختلف أصحاب نافع فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد\nومما اختلف فيه أصحاب نافع حديث ابن عمر أنه رمل من الحَجر إلى الحَجر.\nقال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: يرمل من الحَجر إلى الحَجر، قلت لأحمد: أليس أيوب يروي - أعني عن نافع - عن ابن عمر أنه مشى ما بين الركن إلى الحَجر؟ قال: بلى، ولكن يخالَف أيوب فيه، وذكر أن غيره روى أنه رمل من الحجر إلى الحجر - يعني ابن عمر». (^٢)\nولم أقف على رواية أيوب؛ ورواه عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر «أنه رمل من الحجر إلى الحجر، ويقول إن رسول الله -ﷺ- كان يفعله». (^٣)\nورواه مالك عن نافع، عن ابن عمر «أنه كان يمشي من الحجر الأسود إلى\n_________\n(^١) انظر: شرح علل الترمذي (٦١٥ - ٦١٩).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ١٨٠ رقم ٨٦٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢/ ٩٢١ ح ١٢٦٢ (٢٣٤»،، وأبو داود (ح ١٨٩١)، وابن ماجه (٢/ ٩٨٣ ح ٢٩٥٠)، والطحاوي (٢/ ١٨١)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم ٣/ ٣٥٣ ح ٢٩١٤)، والبيهقي (السنن الكبرى ٥/ ٨٣).","vol":"2","page":1058},{"text":"الحجر الأسود»، ولم يذكر المرفوع (^١).\nوفي رواية يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله: «قلت لنافع: أكان يمشي ما بين الركنين؟ قال: إنما كان يمشي لأنه أيسر لاستلامه». أخرجه البيهقي (^٢)؛ وعند أحمد (^٣): «ليكون أيسر لاستلامه».\nورواية سليم بن أخضر قريبة منها: «فذكروا لنافع أنه كان يمشي ما بين الركنين؟ فقال: ما كان يمشي إلا حين يريد أن يستلم». أخرجها أحمد (^٤)\nوتابع العمري الصغير عبد الله بن عمر عبيدَ الله ومالكًا (^٥) على الرمل من الحجر إلى الحجر.\nفرجح الإمام أحمد رواية عبيد الله ومالك على رواية أيوب، فدل على أنه إذا اجتمع اثنان من الثلاثة يقضى لهما على الآخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-315><span data-type='title' id=toc-316>أصحاب ابن شهاب الزهري</span></span>\nنصّ الإمام أحمد في أكثر من رواية على أن أثبتهم وأصحهم حديثًا هو مالك بن أنس. وذكر بعده من ثقات أصحابه: معمر، وابن عيينة، وعقيل، وشعيب، ويونس.\nقال ابن هانئ: «سألت أبا عبد الله: أيُّما أثبت عندك في حديث الزُّهري:\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ٣٦٥).\n(^٢) السنن الكبرى (٥/ ٨١).\n(^٣) المسند (٨/ ٢٣٤ ح ٤٦١٨).\n(^٤) المسند (١٠/ ٤٥ ح ٥٧٦٠). وفي هذه الزيادة من يحيى القطان وسُليم بن أخضر ما يعطي المحمل الصحيح لرواية أيوب، ويدل على أنه لم يخطئ، بل روى حالة واحدة من حالة رمل ابن عمر، والله أعلم.\n(^٥) أخرجه أحمد (المسند ٩/ ١٩٠ ح ٥٢٣٨).","vol":"2","page":1059},{"text":"معمر، وابن عيينة، أو مالك، أو يونس، أو إبراهيم بن سعد، أو محمد بن الوليد الزُّبَيدي، أو عُقيل؟ قال: معمر أحبهم إليّ وأحسنهم حديثًا وأصح بعد مالك. ويونس أسند أحاديث رويت عن الزهري، لم يجاوز بها الزهري حدّث بها عن الزهري، عن سعيد بن المسيب». (^١)\nفجعل بعد مالك معمرًا، وقدمه على بقية أصحاب مالك الثقات ما عدا مالك. كما أخّر يونس لأخطائه على الزهري بإسناد أشياء من رأي الزهري إلى سعيد بن المسيب.\nوقال في رواية أخرى: «قيل له: فأي أصحاب الزهري أحب إليك؟ قال: مالك أحب إلي في قلة روايته، وبعده معمر، وما يضمّن إلى معمر أحد إلى أصبت معمرًا يفوقه وأطلب منه للحديث، وقال: هذا أول من رحل إلى اليمن وإلى الجزيرة. قيل له: يونس وعقيل، قال: هؤلاء يحدثون من كتاب، وكان معمر يحدث حفظًا، فيحذف منها - من الأحاديث - وكان أطلبهم للعلم». (^٢)\nوقال أبو طالب: «قال أبو عبد الله: مالك أثبت في حديث الزهري من جميع من روى عنه في قلة ما روى، سفيان فخطئ في خمسة عشر حديثًا من حديث الزهري، ومعمر أثبت من سفيان». (^٣)\nففي هذه الرواية أيضًا قدم مالكًا على جميع من روى عن الزهري، وقدم معمرًا على سفيان بن عيينة.\nوقال عبد الله: «قلت له: أيما أثبت أصحاب الزهري؟ فقال: لكل واحد منهم علة، إلا أن يُونس وعقيلا يؤديان الألفاظ، وشعيب بن أبي حمزة، وليس\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٣١ رقم ٢٢٧٣).\n(^٢) المصدر نفسه (٢/ ٢٠٧ رقم ٢١٢٨ - ٢١٢٩).\n(^٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠١).","vol":"2","page":1060},{"text":"هم مثل معمر، معمر يقاربهم في الإسناد. قلت: فمالك؟ قال: مالك أثبت في كل شيء، ولكن هؤلاء الكثرة، كم عند مالك، ثلاثمائة حديث أو نحو ذا، وابن عيينة نحو من ثلاثمائة حديث. ثم قال: هؤلاء الذين رووا عن الزهري الكثير: يونس، وعُقيل، ومعمر. قلت له: شعيب؟ قال: شعيب قليل، هؤلاء أكثر حديثًا عن الزهري. قلت: فصالح بن كيسان، روايته عن الزهري؟ قال: صالح أكبر من الزهري، قد رأى صالح ابنَ عمر. قلت: فهؤلاء أصحاب الزهري، قلت: أثبتهم مالك؟ قال نعم، مالك أثبتهم، ولكن هؤلاء الذين قد بَقَروا عِلمَ الزهري: يونس، وعقيل، ومعمر. قلت له: فبعد مالك من ترى؟ قال: ابن عيينة. قلت له: الموقري يجيء عنه العجائب. قال ليس ذاك بشيء». (^١)\nفهنا قسم الأثبات من أصحاب الزهري إلى فريقين: من لم يكن كثير الحديث، وهم مالك، ابن عيينة، وشعيب. ومن كان كثير الحديث، وهم: معمر، ويونس، وعقيل. وجعل أثبتهم على الإطلاق مالك على قلة روايته عن الزهري، وبعده ابن عيينة. وهذا يخالف رواية ابن هانئ حيث جعل معمرًا بعد مالك، وكان فيمن سئل عنهم ابن عيينة، ومفهوم ذلك أنه قدم معمرًا عليه، ويخالف كذلك رواية أبي طالب.\nوذكر جانبًا لاستحسانه لحديث عقيل ويونس وشعيب عن الزهري، وهو كونهم يذكرون ألفاظ الأداء، وكان معمر يحذف ذلك لأنه كان يحدث من حفظه كما تقدم في رواية ابن هانئ.\nوفي رواية أخرى لعبد الله ذكر الإمام أحمد وجه تقديم مالك على ابن عيينة، وهو قلة خطئه في حديثه عن الزهري بالمقارنة مع ابن عيينة.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩ رقم ٢٥٤٣).","vol":"2","page":1061},{"text":"قال عبد الله: «سمعت أبي يقول: كنت أنا وعلي بن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان بن عُيينة وقلت أنا: مالك بن أنس، قلت: مالك أقل خطأ عن الزهري، وابن عُيينة يُخطئ في نحو عشرين حديثًا عن الزهري، في حديث كذا، وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثًا، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عُيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثا». (^١)\nوفي رواية حرب الكرماني أيضًا قدم مالكًا على ابن عيينة وقال: هو أصح حديثًا، وقدمه أيضًا على معمر، وقال: إلا أن معمرًا أكثر حديثًا عن الزهري اهـ (^٢)\nوكذلك اعتبر عامل قلة الخطأ النسبي في تقديم عقيل، وإبراهيم بن سعد على يونس.\nقال المروذي: «سئل عن عقيل ويونس؟ فقال: عقيل، وذاك أن يونس ربما رفع الشيء من رأي الزهري يصيره عن ابن المسيب، وقال قد روى يونس عن عقيل». (^٣)\nوحكى ابن رجب عن أحمد أنه قال: «عقيل، وإبراهيم بن سعد عن الزهري أقل خطأ من يونس». (^٤)\nوأما شعيب، وعقيل، ويونس، فقد جاء ترتيب بينهم في رواية أبي زرعة\nالدمشقي.\nقال أبو زرعة: «وأخبرني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب، فرأيت\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٢/ ٣٤٩ رقم ٢٥٤٣ ب).\n(^٢) الجرح والتعديل (٨/ ٢٠٥).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٥٦ رقم ٤٤).\n(^٤) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٥).","vol":"2","page":1062},{"text":"كتبًا مضبوطة مقيّدة، ورفع من ذكره. فقلت: فأين هو من يونس بن يزيد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من عُقيل بن خالد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من الزُّبَيدي؟ قال: مثله». (^١)\nفجعل شعيبًا والزُّبَيدي (^٢) في مرتبة واحدة فوق عقيل، ويونس.\nويتلخص من هذا أن مالكًا هو أثبت أصحاب الزهري عند الإمام أحمد، ثم معمر وابن عيينة، واختلف عنه في التقديم بينهما. ثم بعدهم شُعيب، والزُّبَيدي في مرتبة واحدة، ثم عقيل، ثم إبراهيم بن سعد، ثم يونس.\nوهؤلاء الذين ذكرهم الإمام أحمد هم المقدمون في أصحاب الزهري، ولم يرد عنه تقسيم جميع أو معظم تلاميذ الزهري على الطبقات كما فعل ذلك محمد بن يحيى الذهلي، والنسائي، وابن حبان، والحازمي (^٣).\nواعتبر الإمام أحمد في التقديم: الإتقان والضبط المنجليان في قلة الخطأ، وكثرة الحديث الدال على العلم بحديثه وطول الصحبة له.\nمن تكلم فيهم من أصحاب الزهري في حديثهم عنه\nفأما الذين تكلم فيهم الإمام أحمد في حديثهم عن الزهري فهم:\nفمن الثقات:\nمنصور بن المعتمر؛ قال صالح: قلت لأبي: قوم قالوا: منصور أثبت في الزهري من مالك؟ قال: وأي شيء روى منصور عن الزهري، هؤلاء جهال، منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب، إلى أبي إسحاق، والحكم،\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٣٣ رقم ١٠٥٢).\n(^٢) كان الزُّبَيدي يقول: أقمت مع الزهري بالرصافة عشر سنين (المصدر نفسه ١/ ٤٣٢ رقم ١٠٤٧).\n(^٣) انظر: طبقات الرواة عن الزهري (ص ١٤٥ - ١٥١).","vol":"2","page":1063},{"text":"وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل». (^١)\nمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب؛ سأله المروذي عنه فقال: هو ثقة، قال له: في الزهري؟ قال: كذا وكذا، حدث بأحاديث كأنه أراد خولف فيها اهـ (^٢).\nهشيم بن بشير؛ قال أبو طالب: «ما صح من سماع هشيم عن الزهري إلا أربعة أحاديث يقول: حدثنا الزهري، والحديث الطويل حديث الرجم، وحديث صفية، وحديث المجادلة، وحديث ابن عمر: «ما استيسر من الهدي»، وما كان غير ذلك يقول: لا أدري من سفيان بن حسين سمعته أو الزهري. قلت: يقولون إن شعبة رضي بكتابه؟ قال: لا، ليس هذا بشيء إنما سمع بالموسم فنسي». (^٣)\nموسى بن عقبة؛ قال أحمد: «ما أُراه سمع من ابن شهاب، إنما هو كتاب نظر فيه». (^٤)\nجعفر بن برقان: قال الميموني: قال أحمد بن حنبل: «جعفر بن بُرقان ثقة ضابط لحديث ميمون، وحديث يزيد بن الأصم، وهو في حديث الزهري يضطرب ويختلف فيه». (^٥) وسأله ابن هانئ: «أيما أحب إليك: جعفر بن برقان أو شعيب بن أبي حمزة في حديث الزهري؟ قال: جعفر ليس مثل هؤلاء». (^٦)\nوممن دونهم:\nمحمد بن أخي الزهري، ومحمد بن إسجاق. سئل الإمام أحمد عنهما في حديث الزهري أيهما أحب إليه؟ قال: «ما أدري، كأنه ضعفهما». (^٧).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٣/ ١٥٢ - ١٥٣ رقم ١٥٤٤)؛ الجرح والتعديل (٨/ ١٧٨).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٦٣ رقم ٦٠).\n(^٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠١).\n(^٤) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٥). وقد تعقب فاروق بن يوسف البحريني هذا القول من الإمام أحمد في رسالته طبقات الرواة عن الزهري (ص ٢٣٩ - ٢٤٠). وفي كثير مما قاله نظر.\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٢٠٠ رقم ٣٥٥).\n(^٦) بحر الدم (رقم ١٤٦).\n(^٧) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٠٧ رقم ٢١٢٧).","vol":"2","page":1064},{"text":"سفيان بن حسين؛ قال أحمد: «ليس هو بذاك، في حديثه عن الزهري\nشيء» (^١).\nصالح بن أبي الأخضر؛ قدم سفيان بن حسين عليه (^٢)، وتقدم أنه ذكر متابعته لمعمر فقيل له: صالح يحتج به؟ فقال: «يُستدل به يُعتبر به». (^٣)\nمثال لما اختلف أصحاب الزهري فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد\nقال عبد الله: «حدثني أبي، قال: أخبرنا سفيان قال: حفظتُه من الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أن عمر طاف بالبيت بعد الصبح سبعًا، ثم خرج فلم يصلّ الركعتين إلا بذي طوى وطلعت الشمس. سمعت أبي يقول: قال ابن أبي ذئب وغيره، حدثناه يحيى بن سعيد، عنه، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أن عمر طاف بالبيت، وهو الصواب - يعني عن حُميد». (^٤)\nذكر الإمام أحمد هنا الاختلاف بين ابن عيينة ويحيى بن سعيد الأنصاري، في شيخ الزهري في أثر عمر. فرواه ابن عيينة عن الزهري، عن عروة؛ ورواه يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن حُميد، ولم يذكر رواية غيرهما من أصحاب الزهري، ورجح رواية يحيى بن سعيد على رواية ابن عيينة.\nوالظاهر أن ترجيح الإمام أحمد ليس مبنيًا على رواية يحيى بن سعيد بمفردها فقد تابعه مالك (^٥)، ومعمر (^٦)، ولا تخفى هذان الطريقان عليه.\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٥٠ رقم ٢٨).\n(^٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص ٣٢١ رقم ٤٣٧).\n(^٣) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٨٨).\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٩٠ رقم ٥٧١٣ - ٥٧١٤).\n(^٥) وحديثه في الموطأ (١/ ٣٦٨)، ومن طريقه أخرجه الطحاوي (١/ ١٨٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ٤٦٣).\n(^٦) أخرج حديثه عبد الرزاق (المصنف ٥/ ٦٣ ح ٩٠٠٨).","vol":"2","page":1065},{"text":"وتابع ابن عيينة (^١) صالح بن كيسان (^٢)، وأسامة بن زيد الليثي (^٣).\nواجتماع مالك ومعمر يقضي على رواية ابن عيينة بالخطأ، فمالك أثبت منه في الزهري، وكذلك معمر في رواية ابن هانئ عن أحمد، فلو انفرد كل واحد منهما لكان قوله مقدمًا على قول سفيان، فكيف وقد اجتمعا.\nوقد خطأ رواية ابن عيينة الشافعي (^٤)، وأبو حاتم (^٥).\nقال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرم قال: «سألت أبا عبد الله عن حديث الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن حزين بن جابر، عن كعب قال: لما كلّم الله موسى … فقلت: إن معمرًا يقول: حزين بن جابر، ويقول يونس: جزء بن جابر، وشيعب بن أبي حمزة: حزن بن جابر، فأيها عندك أعرف؟ قال: قول معمر». (^٦)\nحديث معمر ويونس كلاهما عند الطبري (^٧)، ولفظه: قال كعب: «إن الله جل ثناؤه لما كلّم موسى كلّمه بالألسنة كلها قبل كلامه، يعني كلام موسى، فجعل يقول: يا رب، لا أفهم حتى كلّمه بلسانه آخر الألسنة، فقال: يا رب هكذا كلامك؟ قال: لا، ولو سمعت كلامي - أي على وجهه - لم تك شيئا»، وقال في\n_________\n(^١) وأخرج رواية ابن عيينة الفسوي (المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٢٣)، والطحاوي (شرح معاني الآثار الموضع نفسه)، والبيهقي (الموضع نفسه). وذكر يعقوب الفسوي عن الحميدي أنه قال: قيل لسفيان: فإن مالكًا ومعمرًا والأوزاعي يقولونه عن حميد ليس عن عروة؟ قال سفيان: أما أنا فأحفظه عن عروة.\n(^٢) ذكر روايته الأثرم، فيما نقله ابن حجر، عن نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد عنه به. (فتح الباري ٣/ ٤٨٩).\n(^٣) ذكر روايته ابن أبي حاتم (علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٢).\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٦٣)\n(^٥) علل ابن أبي حاتم (الموضع نفسه).\n(^٦) المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٧٦ رقم ١٧٢).\n(^٧) جامع البيان (٦/ ٢٩).","vol":"2","page":1066},{"text":"رواية معمر: أخبرني جزء بن جابر. وكذلك وقع عند عبد الله بن أحمد بن حنبل (^١) من ثلاث طرق عن معمر.\nوكذلك قال في رواية يونس.\nورواية معمر عند البخاري (^٢): جريز بن جابر. وعند ابن أبي حاتم (^٣): جزي بن جابر، وقال: تابعه الزُّبيدي. وأما البخاري فذكر أن رواية يونس والزبيدي وابن أخي الزهري سواء: جزؤ. وفي نسخة: جرو (^٤).\nوالاختلاف في تحقيق ما ذكره كل واحد من الرواة كثير، وأغلبه راجع إلى التصحيف، إلا أن الشاهد أن الإمام أحمد قدم قول معمر على قول يونس، وشعيب. ولم يذكر قول من سواهما. والظاهر أنه مشى على أصله في الترتيب بين معمر، وشعيب، ويونس، وأيضًا قد ذكر أحمد أن شعيبًا ويونس كانا أصحاب كتب، ومعمر يحفظ، والتصحيف قليل من الحافظ بالمقارنة بصاحب الكتاب كما تقدم عن الإمام أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-317>أصحاب سعيد بن أبي سعيد المقبري</span>\nقال عبد الله: «قال أبي: أصح النَّاس حديثًا عن سعيد المقبري لَيْث بن سعد، وعبيد الله بن عمر يُقدَّم في سعيد. وقال يحيى بن سعيد: ابن عجلان لم يَقف على حديث سعيد المقبري، ما كان عن أبيه عن أبي هريرة، وما روى هو عن أبي هريرة، أضعفهم عنه حديثًا أبو معشر». (^٥)\n_________\n(^١) السنة (١/ ٢٨٣ ح ٥٣٩، ٥٤٠، ٥٤١).\n(^٢) التاريخ الكبير (٢/ ٢٥٦).\n(^٣) الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٧).\n(^٤) انظر تعليق المعلمي على التاريخ الكبير (الموضع نفسه).\n(^٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٣٣٤ رقم ٦٠٢).","vol":"2","page":1067},{"text":"فجعل الإمام أحمد الليث بن سعد أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري.\nوقد ذكر سبب تقديمه في موضع آخر:\nقال عبد الله: «سمعت أبي يقول: أصح الناس حديثًا عن سعيد بن أبي سعيد\nالمقبري ليث بن سعد، يَفصِل ما روى عن أبي هريرة، وما روى عن أبيه، عن أبي هريرة، هو ثبت في حديثه جداًّ». (^١)\nوقدم عبيد الله بن عمر في أصحاب سعيد المقبري أيضًا، لكن هل معنى هذا أنه مقدم حتى على الليث أو لا؟ فهذا محل بحث.\nأما محمد بن عجلان، فذكر أنه اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، وعن أبيه، عن أبي هريرة فجعلها كلها عن أبي هريرة. فهذا يدل على خفة ضبطه وتمييزه لحديث المقبري، فلذلك أخره الإمام أحمد عن طبقة الأثبات من أصحاب المقبري.\nوقال عبد الله: «سُئل أبي عن ابن عجلان وابن أبي ذئب؟ قال: ابن عجلان اختلطت عليه فجعلها كلها عن سعيد، عن أبي هريرة. وليت بن سعد أصحُّ القومِ عنه حديثًا، وهو أحب إلي منهم، يعني في حديث سعيد. وقال في موضع آخر عبيد الله بن عمر مقدم في حديث سعيد». (^٢)\nوقد قال عن ابن عجلان وابن أبي ذئب: «كلا الرجلين ثقة، ما فيهما إلا ثقة». (^٣)\nفيفهم أن ابن أبي ذئب مقدم عنده على ابن عجلان في سعيد المقبري لما ذكر من اختلاط.\n_________\n(^١) المصدر نفسه (١/ ٣٥٠ رقم ٦٥٩).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٢٨٦ رقم ٥٢٧٠).\n(^٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٦٣).","vol":"2","page":1068},{"text":"وجعل الإمام أحمد أضعف أصحابه حديثا أبا معشر نجيح بن عبد الرحمن المديني، أحد الضعفاء. قال أحمد في رواية الأثرم - وقيل له: أبو معشر المديني يكتب حديثه؟ فقال: «عندي حديثه مضطرب، لا يُقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به». (^١)\nوقد تقدم ذكر مثال لحديث اختلف فيه على سعيد المقبري بين الليث بن سعد\nوصفوان بن سليم، وقدّم قول الليث، وهو حديث العطاس (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-318><span data-type='title' id=toc-319>أصحاب أبي إسحاق السَّبِيعي</span></span>\nقال المرُّوذي: «قلت: من أصحاب أبي إسحاق المتثبِّتون؟ قال: شعبة، وسفيان». (^٣)\nوقال الفضل بن زياد: «سألت أبا عبد الله: من أثبت الناس عندك في أبي إسحاق؟ قال: سفيان وشعبة. قلت: فالأعمش أحب إليك أو سفيان عن أبي إسحاق؟ فقال: سفيان أكثر، وسفيان وشعبة هما أثبت عندنا من الأعمش عن كل من روى عنه، ممن روى عنهم الأعمش». (^٤)\nوقال ابن هانئ: «سألته أيما أثبت عندك في حديث أبي إسحاق؟ قال: شعبة، ثم سفيان الثوري». (^٥)\nوقال الميموني: «قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أجد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري. وقال: وشعبة أقدم سماعًا من سفيان.\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١٣/ ٤٣٠).\n(^٢) ص: (٨٩٩).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (صم ٤٨ رقم ٢٣).\n(^٤) المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠٣).\n(^٥) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٢٠ رقم ٢٢٠٥).","vol":"2","page":1069},{"text":"قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: إي والله، هؤلاء الصغار زهير، وإسرائيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام». (^١)\nفشعبة والثوري هما الطبقة الأولى من أصحاب أبي إسحاق، وقدم شعبة على الثوري، لكون سماعه من أبي إسحاق أقدم، لأن أبا إسحاق كان قد تغير، فكل ما كان السماع منه أقدم كان ذلك أثبت.\nوقال الفضل بن زياد: «سئل أبا عبد الله عن شريك وإسرائيل عن أبي إسحاق أيهما أحب إليك؟ فقال: شريك أحب إلي، لأن شريكًا أقدم سماعًا من أبي إسحاق،\nوأما المشايخ فإسرائيل». (^٢)\nفقدم شريكًا على إسرئيل بن يونس بن أبي إسحاق في أبي إسحاق خاصة دون سائر الشيوخ لقدم سماعه من أبي إسحاق.\nوقال المروذي: «قال أحمد: شريك حسن الرواية عن أبي إسحاق». (^٣)\nوقال عبد الله: «قال: شريك عن أبي إسحاق قال: كان ثبتًا فيه». (^٤)\nوقال حنبل بن إسحاق: «وسئل أبو عبد الله: من أحب إليك؟ جرير بن عبد الحميد أو شريك؟ قال: جرير أقل سقطًا من شريك، شريك كان يخطئ. قيل له: فأبو الأحوص أو شريك؟ قال: شريك. قيل له: فمن في أبي إسحاق؟ قال: شريك، شريك سمع قديمًا». (^٥) فقدم شريكًا على جرير الضبي في أبي إسحاق خاصة دون غيره من المشايخ. وأما أبو الأحوص فهو دون شريك مطلقًا.\n_________\n(^١) حكاه ابن رجب (شرح علل الترمذي ٢/ ٧١٠).\n(^٢) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٦٨).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٤٨ رقم ٢٤).\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٢٥١ رقم ٣٤٨).\n(^٥) تاريخ بغداد (٧/ ٢٥٩).","vol":"2","page":1070},{"text":"وقال صالح: «قال أبي: سمع شريك من أبي إسحاق قديمًا، وشريك في أبي إسحاق أثبت من زهير، وإسرائيل، وزكريا». (^١)\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: زهير، وزكريا، وإسرائيل ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أُراه إلا من أبي إسحاق، هو السبيعي. قال: قلت لأحمد: شريك منهم؟ قال: شريك سمع قديمًا».\nفقدم شريكًا على هؤلاء لقدم سماعه من أبي إسحاق.\nفالطبقة الثانية من أصحاب أبي إسحاق هو شريك وحده، فالنصوص عن الإمام أحمد تدل على أنه ليس أعلى منه في أبي إسحاق إلا شعبة والثوري.\nوالطبقة الثالثة هم سائر الرواة الذين سمعوا من أبي إسحاق بأخرة وفيهم أئمة\nأجلاء؛ وهم: زهير بن معاوية الجعفي، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق،، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق، وأبوهما يونس بن أبي إسحاق، وأبو الأحوص سلاّم بن سُليم.\nوأما الترتيب بين أهل هذه الطبقة، فقد تقدم عن أحمد في رواية أبي داود أنه يقول في الثلاثة الأولين: زهير، وزكريا، وإسرايئل: ما أقربهم في حديث أبي إسحاق.\nوقال صالح: «قال أبي: إذا اختلف زكريا وإسرائيل فإن زكريا أحب إليّ في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما». (^٢)\nفالظاهر أنه لم يفضّل بينهما في الآخر.\nأما إسرائيل وأخوه عيسى، وأبوهما يونس فقال عبد الله: «سألت أبي: أيما أصح حديثًا عيسى أو أبوه يونس؟ قال: لا عيسى أصح حديثًا. قيل له: عيسى أو\n_________\n(^١) الجرح والتعديل (٤/ ٣٦٦).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٩٠ رقم ٦٤٣).","vol":"2","page":1071},{"text":"أخوه إسرائيل؟ فقال: ما أقربهما، وفي حديث إسرائيل اختلاف على أبي إسحاق أحسب ذاك من أبي إسحاق». (^١)\nوقال الفضل بن زياد: «يونس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على الناس. قلت له: يقولون: إنما سمعوا من أبي إسحاق حفظًا، ويونس ابنه سمع في الكتب فهي أتم. قال: من أين! قد سمع إسرائيل ابنه من أبي إسحاق وكتب وهو وحده، فلم تكن فيه زيادة مثل يونس. قلت: من أحب إليك، يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل. قلت: إسرائيل أحب إليك من يونس؟ قال: نعم، إسرائيل صاحب كتاب». (^٢)\nوقال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله وذكر يونس بن أبي إسحاق وضعفه حديثه عن أبيه، وقال: حديث إسرائيل أحب إليّ منه». (^٣)\nفالذي يظهر من هذه النصوص أن زهير، وزكريا، وإسرائيل، وعيسى كلهم قريب من السواء في أبي إسحاق ويونس دونهم، فقد ضعف الإمام أحمد حديث يونس عن أبي إسحاق، بينما قال في حديث أولئك عنه: فيه لين، وأيضًا، صرح بتقديم إسرائيل وأخيه عيسى على يونس، فمن كان في منزلتهما فإنه يقدم عليه مثلهما. وأما أبو الأحوص فلم أقف على ما يدل على مرتبته بين هؤلاء، ولعله قريب من زهير ومن معه، وفوق عيسى بن يونس، لأنه لم يرد عن الإمام أحمد أنه ضعف حديثه عن أبي إسحاق كما قال في حديث يونس، والله أعلم.\nوأما من تكلم فيهم في أبي إسحاق فقد تقدم أنه تكلم في حديث أبي بكر بن عياش عنه (^٤)، فيكون هو ويونس بن أبي إسحاق أهل الطبقة الرابعة، وهي\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٥٥٩ رقم ١٣٣٥).\n(^٢) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٣) الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٥٥٩).\n(^٤) انظر: ص (٢٨٥).","vol":"2","page":1072},{"text":"طبقة من ضعف حديثهم عن أبي إسحاق.\nمثال لما اختلف أصحاب أبي إسحاق فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد\nقال عبد الله: «سألته - أي أحمد بن حنبل - عن حديث ابن إدريس، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «قُبِض النبيُّ -ﷺ- وأنا خَتين». قال أبي: لم نزل نسمع أن هذا حديث واهٍ. وقال عبد الله: قرأت على أبي فأقر به: أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: «تُوفي النبيُّ -ﷺ- وابن عباس ابن خمس عشرة سنة». قال عبد الله: سمعت أبي يقول: حديث شعبة كأنه يُوافق حديث الزُّهري عن عبيد الله، عن ابن عباس: «جئت على أتانٍ وقد ناهزتُ الاحتلام». قال أبي: حدثناه عبد الرحمن، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس. قال أبي: وحدثناه يعقوب، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، قال: ناهزت الحُلُم». (^١)\nفخطأ رواية إدريس بن يزيد الأودي (^٢) - وهو أحد الثقات (^٣) - وصحح رواية شعبة، والرواية التي ذكرها صورتها مرسلة، لكن جاءت مسندة في موضع آخر:\nقال عبد الله: «حدثني أبي: قال حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: توفى رسول الله -ﷺ- وأنا ابن خمس عشرة سنة». (^٤). وعند الطيالسي زيادة: «مختون».\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ١٠٤ - ١٠٥ رقم ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥).\n(^٢) أخرج هذه الرواية الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٢٣٥ ح ١٠٥٧٩)، وذكر ابن حجر أن الإسماعيلي وصلها (فتح الباري ١١/ ٩١)، وساقه بإسناده في «تغليق التعليق» (٥/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٣) وثقه ابن معين، والنسائي (تهذيب الكمال ٢/ ٣٠١).\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ١٠٨ ح ١٧٢٢)، وانظر: مسند الطيالسي (ص ٣٤٣ ح ٢٦٤٠)، ومسند الإمام أحمد (٥/ ٤٧٥ ح ٣٥٤٣).","vol":"2","page":1073},{"text":"ورواه معاذ بن معاذ العنرى (^١)، وخالد بن الحارث (^٢) كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد بلفظ: «توفي رسول الله -ﷺ- وأنا ابن خمس عشرة سنة وقد خُتنت».\nفهذه الرواية وكذا رواية الطيالسي تدلان على صحة رواية إدريس الأودي عن أبي إسحاق، فلا يظهر وجه تضعيفها، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-320>أصحاب إبراهيم بن يزيد النخعي</span>\nقال عبد الله: «سألت أبي من أثبت الناس في إبراهيم؟ فقال: الحكم بن عتيبة، ثم منصور». (^٣)\nوقال أيضًا: «قلت لأبي: أي أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: الحكم، ثم منصور، ما أقربهما». (^٤)\nوقال الفضل بن زياد: «قال أحمد: لا أعلم أحدًا أثبت من الحكم إلا أن يكون\nمنصور بن المعتمر». (^٥)\nوقال أبو طالب: «قال أبو عبد الله: الحكم عن إبراهيم أحب إلي من الأعمش عن إبراهيم». (^٦)\nوقال الفضل أيضًا: «سمعت أبا عبد الله يقول: منصور أصح حديثًا من الأعمش لقلة حديثه». (^٧)\nوقال الفضل: «سمعت أبا عبد الله وقيل له: إذا اختلف منصور والأعمش\n_________\n(^١) أخرج حديثه ابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني ١/ ٢٨٤ ح ٣٧٢)، المعجم الكبير (١٠/ ٢٣٥ ح ١٠٥٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم (الموضع نفسه ح ٣٧٣).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٥٢ ح ٥٥٥٧).\n(^٤) المصدر نفسه (٢/ ٤٩٣ رقم ٣٢٤٩).\n(^٥) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٩٠).\n(^٦) المصدر نفسه (٢/ ١٧٦).\n(^٧) المصدر نفسه (٢/ ١٧٤).","vol":"2","page":1074},{"text":"عن إبراهيم فبقول من تأخذ؟ قال: بقول منصور، فإنه أقل سقطًا». (^١)\nفالطبقة الأولى من أصحاب إبراهيم عند أحمد: الحكم ومنصور، ومرة قدم الحكم، ومرة جعلهما قريبين من بعض.\nويليهما الأعمش.\nوقال عبد الله: «قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم. قال: وسألته عن حماد وعاصم فقال: عاصم أحب إلينا، عاصم صاحب قرآن، وحماد صاحب فقه». (^٢)\nوقال أبو داود: «قلت لأحمد: أبو معشر أحب إليك أو حماد؟ قال: زعموا أن أبا معشر كان يأخذ عن حماد، إلا أن أبا معشر عند أصحاب الحديث يريد كان أكبر، لأن حمادًا كان يرى الإرجاء. قلت لأحمد: مغيرة أحب إليك في إبراهيم أو حماد؟ قال: أما ما روى سفيان وشعبة عن حماد، فحماد أحب إلي، لأن في حديث الآخرين عنه تخليطًا. قلت لأحمد مرة أخرى: أبو معشر أحب إليك أو حماد في إبراهيم؟ قال: ما أقربهما». (^٣)\nفهذه الطبقة الثالثة من أصحاب إبراهيم، وهم: عاصم بن أبي النجود، وحماد بن أبي سليمان، وأبي معشر زياد بن كليب، وهم دون الأعمش وأهل الطبقة الأولى - الحكم ومنصور. وقدم عاصمًا لأنه صاحب قرآن. وجعل حمادًا وأبا معشر في درجة واحدة،، لكن بشرط صحة الطريق إلى حماد، لأن رواية القدماء - الثوري، وشعبة، وهشام الدستوائي - تقارب، وأما غيرهم فجاؤوا عنه بأعاجيب (^٤).\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٣/ ١٣).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ١٢١ رقم ٤٥١٢ - ٤٥١٣).\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص ٢٩٠).\n(^٤) انظر: الجرح والتعديل (٣/ ١٤٧).","vol":"2","page":1075},{"text":"وأما المغيرة بن مِقسم فقال عبد الله عن أحمد: «كان صاحب سنة ذكيًّا حافظًا، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حمّاد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث العكلي، وعن عبيدة، وعن غيره، وجعل يضعِّف حديث المغيرة عن إبراهيم وحده». (^١)\nومتقضى هذا أن يكون حديثه عن إبراهيم دون حديث أهل الطبقة الثالثة، فإنه أطلق الضعف على حديثه عن إبراهيم لأن عامتها مدلسَّة. وقد أخرج الشيخان له عن إبراهيم، ولم يخرج البخاري لحماد بن أبي سليمان في الصحيح، ولا لأبي معشر. لكن ذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري ما أخرج لمغيرة بن مِقسم عن إبراهيم إلا ما توبع عليه (^٢).\nمثال لما اختلف أصحاب إبراهيم فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد\nقال عبد الله: «قرأت على أبي: محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله -ﷺ- تعني الجنابة. سمعت أبي يقول: وقال عبد الأعلى، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود أو عبد الرحمن بن يزيد. وقال غندر: عن الأسود. ورواه الأعمش، ومنصور، والحكم، عن إبراهيم، عن همام». (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-321>أصحاب ثابت البُناني</span>\nقال أبو داود: سمعت أحمد قال: «ليس أحد أثبت في ثابت من حماد بن سلمة هؤلاء الشيوخ يتوهمون. وقال: قال أبو داود عن حماد بن سلمة قال: قلت: هذا قام لثابت، فجعلت أقلب عليه الأحاديث فأقول: أنس، فيقول: لا، إنما حدثنا به\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٢٠٧ رقم ٢١٨).\n(^٢) هدي الساري (ص ٤٤٥).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٤٢٧ رقم ٢٨٨٧).","vol":"2","page":1076},{"text":"ابن أبي ليلى، لا إنما حدثنابه أنس، يعني لما يذكره أيضا له عن غير أنس ماهو لأنس» (^١).\nقال ابن هانئ: سمعت أبا عبد الله يقول: «كان حماد بن سلمة من أثبت أصحاب ثابت. قال: جعل سليمان بن المغيرة يلقى عليه يومًا أحاديث من حديث ثابت قال: فقال: هذا قاص، قال: فجعل حماد يقول: هذا من حديث ثابت. وقال أبو عبد الله: كان كان حماد ثبتًا في حديث ثابت البناني، وكان بعده سليمان بن المغيرة، وكان ثابت يُحيلون عليه في حديث أنس، وكان يُحيلون ثابت عن أنس (كذا)، وكل شيء لثابت روى عنه كانوا يقولون: ثابت، عن أنس». (^٢)\nقال ابن هانئ: «فقيل له: فكيف معمر في ثابت؟ أيهما أحب إليك؟ حماد بن سلمة أو معمر؟ قال: ما أحدٌ روى عن ثابت، أثبت من حماد بن سلمة. قال: سليمان بن المغيرة أثبت أخبارًا. فقلت: هذا قاص، فجعلت أقلب عليه الأحاديث فيقول: لا، هو عن فلان، فأقلب عليه حديثَ أنس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فجعل يحفظها ويرددها». (^٣)\nقال المروذي: «ليس أحد أثبت ولا أعرف بحديث ثابت من حماد. ثم قال:\nوسليمان بن المغيرة، قلت: معمر؟ قال: معمر حسن الحديث عن ثابت». (^٤)\nمثال لما اختلف على ثابت البُناني فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد\nقال عبد الله: «حدثني محمد بن جعفر الوركاني قال: أخبرنا حمّاد الأبح، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أو آخرُه». سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هو خطأ، إنما يروى هذا الحديث عن\n_________\n(^١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص ٣٤٢ ح ٥١٤).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٩٧ رقم ٢٠٦٢).\n(^٣) المصدر نفسه (٢/ ٢٠٧ رقم ٢١٣٠).\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (رقم ٣).","vol":"2","page":1077},{"text":"الحسن حدثني أبي قال: حدثنا حسن بن موسى الأشيب قال: حدثنا حماد بن يحيى قال: حدثنا ثابت عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- أنه قال: مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره. حدثني أبي قال: حدثناه حسن بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، ويونس، عن الحسن أن رسول الله -ﷺ- قال: «مثل أمتي …» فذكره». (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-322><span data-type='title' id=toc-323>أصحاب قتادة</span></span>\nقال أبو زرعة: «فأخبرني أحمد بن حنبل - وذكر سعيد بن أبي عزوبة، وهشام الدستوائي - أن الاختلاف عن هشام في حديث قتادة أقل منه في حديث سعيد». قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديمًا في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه». (^٢)\nمثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد\n١. قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: لا نقول بالسعاية، حديث قتادة لا يقول فيه شعبة وهشام السعاية». (^٣).\n٢. سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: «اختلف شعبة، وسعيد، وهشام في حديث أنس: «كان أصحاب النبي -ﷺ- تخفق رُؤُسُهم ثم يصلون ولا يتوضئون» في اللفظ، وكلهم ثقات».\n«حدثنا هلال بن فياض - وهو يعرف بشاذ - قال: حدثنا هشام الدّستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: كان أصحاب النبي -ﷺ- ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رُؤُسُهم ثم يُصلّون ولا يتوضئون».\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ٥٤٠٠ - ٥٤٠٢).\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٣٦ - ١١٣٧).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٢٩٣ رقم ١٤٠٢).","vol":"2","page":1078},{"text":"«قال: حدثنا ابن يسار قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: «كان أصحاب النبي -ﷺ- ينامون ثم يقومون فيُصلون ولا يَتوضّئون على عهد النبي -ﷺ-).\n«حدثنا ابن المنبي قال: حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: «كان أصحاب النبي -ﷺ- يضعون جنوبهم فينامون فمنهم من يتوضأومنهم من لا يتوضأ».\n«حدثنا موسى وداود بن شبيب المعنى واحد قالا حدثنا حماد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال أقيمت صلاة العشاء فقام رجل فقال يا رسول الله إن لي حاجة فقام بناحية حتى نعس القوم أو بعض القوم ثم صلى بهم ولم يذكر وضوءًا».\n«حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس شبهه ولم يذكر أمر الوضوء».\n«حدثنا عباد بن موسى قال حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس شبهه أيضًا ولم يذكر أمر الوضوء». (^١)\nوقال ابن هانئ: «حديث أنس: إنهم كانوا يضطجعون. قال: ما قال هذا شعبة قط. وقال حديث شعبة: «كانوا ينامون». وليس فيه: «يَضطجعون». وقال هشام: «كانوا ينعسون». وقد اختلفوا في حديث أنس». (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-324>أصحاب يحيى بن أبي كثير</span>\nقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: ليس أحد أثبت في يحيى بن أبي كثير من هشام الدستوائي». (^٣)\n_________\n(^١) المصدر نفسه (ص ٤٣٩ - ٤٤٠ رقم ٢٠١٤).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (١/ ٨ رقم ٤٢).\n(^٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم ٤٨٩).","vol":"2","page":1079},{"text":"قال صالح: وسأل أحمد: «أكثر مَنْ في يحيى بن أبي كثير مِن أهل البصرة هشام الدُّستوائي، وحرب بن شداد، وأبان، وشيبان ثبت في كل المشايخ، وهمام. قلت: الأوزاعي؟ قال: هؤلاء أثبت من الأوزاعي». (^١)\nقال أبو بكر الأثرم: «ذكر أحمد أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام صاحب كتاب والأوزاعي حافظ وهمام ثقة، هشام أثبت من أبان وحرب بن شداد ومعاوية بن سالم ثقتان». (^٢)\nقال أبو زرعة: «وسمعت أحمد بن حنبل يسأل: من أثبت الناس في يحيى ابن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي ثم قال: هؤلاء الأربعة: علي بن المبارك، وأبان، وهشام، وحرب بن شداد - يعني بعد هشام - وقال: سمعت أحمد بن حنبل يضعِّف رواية أيّوب بن عُتبة، وعكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير. وقال: عكرمة أوثق الرجلين». (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-325>مثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد</span>\nقال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يَعيش بن الوليد، عن ابن معدان، عن أبي الدرداء أن رسول الله -ﷺ- قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فسألته عن ذلك، فقال: صبيت لرسول الله -ﷺ- وضوءه». قال: إنما رواه يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش عن معدان عن أبي الدرداء». (^٤)\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٣/ ٤٢ رقم ١٢٩٧، ١٢٩٩).\n(^٢) تهذيب الكمال (٥/ ٥٢٥).\n(^٣) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٤٢، ١١٤٣).\n(^٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ٥٥٣٥).","vol":"2","page":1080},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326><span data-type='title' id=toc-328>أصحاب ابن جريج</span></span>\nقال أبو زرعة: «قلت لأحمد بن حنبل: كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر؟ قال: نعم قيل له: فمن أثبت في ابن جريج؟ عبد الرزاق أو محمد بن بكر البرساني؟ قال: عبد الرزاق». (^١)\nمثال لما اختلف أصحاب ابن جريج فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد\nقال عبد الله: «حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- خمروا وجوه موتاكم ولا تشبهوا بيهود». فحدثت به أبي فأنكره، وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدّثني عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء مرسل». (^٢)\nقال عبد الله: «سُئل أبي عن حديث ابن عيينة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن النبي -ﷺ- لعن المترِّجلات من النساء. فقال: رواه حجاج الأعور عن ابن جريج بإسناد آخر وليس هو عن ابن أبي مليكة». (^٣)\nقال عبد الله: «سمعت أحمد سئل عن حديث عليّة بن عامر أن أخته نذرت أن تحج حافية؟ قال: روح يقول يحيى بن أيوب وابن بكر وعبد الرزاق يقولان سعيد بن أبي أيوب - يعني يقولون عن ابن جريج عنهما». (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-327><span data-type='title' id=toc-329>أصحاب حُصين</span></span>\nقال أبو داود: «قال أحمد: ليس أحد أصح حديثًا عن حصين من هشيم». (^٥)\n_________\n(^١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٥٩).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٣٨٣ رقم ٢٧٠٩).\n(^٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ٥٢٦٥).\n(^٤) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٣٢٠).\n(^٥) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم ٤٤٣).","vol":"2","page":1081},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>مثال لما اختلف أصحاب حُصين فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد</span>\nقال عبد الله: «وذكرت لأبي حديث الثوري عن حصين عن إبراهيم عن عبد الله أنه كان يرفع يديه في أول الصلاة ثم لا يعود. قال أبي: حدثنا هشيم قال خدثنا حصين عن إبراهيم لم يجز به إبراهيم، وهشيم أعلم بحديث حصين». (^١)\nقال عبد الله: «سمعت أبي ذكر عن عباد بن العوام قال: أخطأ أخونا هشيم في حديث حصين عن عمرو بن عبد الملك بن الحويرث، قال أبي: أخطأ عباد وأصاب هشيم. قال أبي: حدثنا هشيم قال حصين: أخبرنا عبد الملك بن عمرو الحويرث قال: حدثت أن النبي -ﷺ- كان مما يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، وكان مما يمس لحيته وهو يصلي. حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك ابن أخي عمرو بن حويرث أن النبي -ﷺ- ربما مس لحيته وهو يصلي». (^٢)\nحدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك ابن أخي عمرو بن حويرث أن النبي -ﷺ- ربما مس لحيته وهو يصلي.\nقال صالح: «قال أبي: قال عباد: أخطأ هشيم في حديث حصين عن عمرو بن عبد الملك بن الحويرث، وكان هشيم يقول: عبد الملك بن عمرو بن الحويرث، والخطأ في يد عباد، وأصاب هشيم. قال أبي: وكان عباد ربما قال: أنبأناه وأخبرناه وأنبأناه عاصم بن كليب. حدثنا صالح قال: حدثنا أبي قال: حدثنا هشيم قال: حصين أن عبد الملك بن عمرو بن الحويرث قال: حدثت أن رسول الله -ﷺ- كان مما يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة وكان ربما يمس لحيته وهو يصلي. حدثنا\n_________\n(^١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ١/ ٣٧٠ رقم ٧١٢).\n(^٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٥٣٤ رقم ١٢٥٧ - ١٢٥٩).","vol":"2","page":1082},{"text":"صالح: قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك بن أخي عمرو بن حريث أن النبي -ﷺ- ربما مس لحيته في الصلاة». (^١)\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢ رقم ١١٢٧ - ١١٢٩).","vol":"2","page":1083},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>الخاتمة</span>\nالحمد لله أولًا وآخرًًا حمدًا يليق بجلال ربّنا وكماله وكما يحبُّ ربُّنا ويرضى، فقد يسّر الله بمنه وكرمه وفضله عليّ بإتمام هذا البحث الذي عشت فيه فترة من الزمن مع إمام أهل السنة والجماعة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في ظل كلامه في علل الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ وفي رواتها.\nإن الإمام أحمد من الأئمة الذين خاضوا في مجال إبراز الأخطاء والأوهام التي وقع فيها رواة الأخبار، وكيف وقعوا فيها، والخطأ مما جبل عليه البشر، وأسباب طروه لا تنحصر، فكان من الصعوبة بمكان وضع قواعد جامدة لا مرونة فيها تكون هي المعوّلة في الحكم على الراوي بالخطأ في روايته، ومن أجل ذلك كان من أبرز سمات منهج الإمام أحمد العمل مع القرائن في كل حديث حديث.\nومع تلك الصعوبة فلا يستحيل على من درس منهج الإمام أحمد من الاطلاع على أهم الأصول التي بنى عليها الإمام أحمد كلامه في الإعلال، ولا يقال إنها قواعد بل هي قرائن كادت لكثرة استعمالها أن تكون قواعد في هذا العلم، ومن خلال هذه الدراسة تكاد تنحصر في عشرة أمور:\n١. التَّفرُّد ممن لا يُحتمل تفردُه وبخاصة عن حافظٍ مُكثِرٍ ذي تلاميذَ كُثُر.\n٢. المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عددًا.\n٣. مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه.\n٤. مخالفة الرواية للثابت المعروف.\n٥. سلوك الجادَّة عند بعض الرواة في حالة الرواية.\n٦. معرفة الملابَسات المتعلقة بمجالس التحمّل والأداء.","vol":"2","page":1087},{"text":"٧. معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند.\n٨. معرفة من ضُعِّف من الثقات تضعيفًا مقيدًا، إما في بعض شيوخه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات، أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه.\n٩. معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المُكثِرِينَ في الرواية وعدد التلاميذ.\n١٠. الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان.\nولا ينفرد الإمام أحمد في أغلب مسائل هذا العلم بما لا يوافقه عليه غيره من أقرانه أو شيوخه، ففي عدم اعتبار عدد محدود لرفع الجهالة حيث جعل الضابط في ذلك شهرة الراوي، فقد وافقه غيره من أقرانه. وكذلك في اعتبار ثبوت السماع للحكم بالاتصال على السند المعنعن، وفي ضابطه في الحكم بالنكارة على ما تفرد به الراوي الذي لا يحتمل منه ذلك التفرد وإن كان ثقة.\nومصطلحاته في هذا العلم أكثر شمولًا من المصطلحات الموضوعة عند المتأخرين.\nوقد تكون مواقفه في بعض مسائل هذا العلم تعكس منزلته من الإمامة في هذا الدين، فلا تكون نظرته من مجرد منظار أهل الاختصاص بعلم الرواية، مثل موقفه مع المشتهرين بالبدعة والهوى الداعين إليها، وكذلك الذين أجابوا في محنة خلق القرآن، حيث ترك الرواية عنهم ونهى غيره عن ذلك، لا لعدم صحة الاحتجاج بمروياتهم لكن لواجب الديانة المقتضي هجران أصحاب الفرق المخالفين للسنة والجماعة.\nوالعمل في دراسة منهج الإمام لم يكن أمرًا سهلًا، فدراسة المناهج أمر يحتاج إلى استقراء تام، ويزيده صعوبةً صعوبةُ الوقوف على ما يصححه من","vol":"2","page":1088},{"text":"الأحاديث والذي يمكن أن يجعل أصلًا لوضع شرطه في القبول، فمثلًا ليس كل حديث في مسنده صحيحًا عنده، كما هو الحال في الجامع الصحيح بالنسبة للإمام البخاري، وليس كل مسئلة فقهية استدل لها بحديث يستنتج منها صحة الحديث عنده، الأمر الذي يلزم على الباحث أن يستنير بما وضعه أهل الاستقراء التام لأقوال الإمام أحمد.\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"2","page":1089},{"text":"فهرس<span data-type='title' id=toc-332> المصادر والمراجع</span>\n١. إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) تحقيق الدكتور زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى عام ١٤١٥ هـ ١٩٩٤ م\n٢. إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين، الشريف حاتم العوني، ط/ ١\n٣. أجوبة أبي زرعة لأسئلة البرذعي ضمن كتاتب: «أبوزرعة وجهوده في السنن النبوية دراسة» دراسة وتحقيق الدكتور سعدي الهاشمي، طبعة المجلس العلمي الاسلامي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م\n٤. الآحاد والمثاني، تأليف الحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم (ت ٢٨٧ هـ)، تحقيق د. باسم فيصل جوابرة، دار الراية الرياض ط/ ١ - ١٤١١ هـ\n٥. الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما، تصنيف الإمام ضياء الدين أبي عبد الله المقدسي. ط/ ١ - ١٤١٠ هـ\n٦. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان تأليف الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى عام ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م\n٧. أحوال الرجال، لأبي إسحاق إبراهيم بن يققوب الجوزجاني (ت ٢٥٩ هـ)، حققه السيد صبحي السامرائي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، عام ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م\n٨. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لأبي العباس أحمد بن محمد القسطلاني دار الفكر بيروت.","vol":"2","page":1167},{"text":"٩. الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تأليف الحافظ أبي يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي القزويني (ت ٤٤٦ هـ)، تحقيق د. محمد سعيد بن عمر إدريس، ط/ ١ - ١٤٠٩ هـ، مكتبة الرشد الرياض.\n١٠. الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، تأليف أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، ط/ ١، ١٤١٧ هـ، مكتبة ابن تيمية.\n١١. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، تأليف محمد ناصر الدين الألباني الكتبة الاسلامي، الكبعة الثانية ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م\n١٢. الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم الكبير محمد بن محمد تحقيق د/ يوسف بن محمد الدخيل مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ\n١٣. الإصابة في تمييز الصحابة تأليف الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٨٥٢ هـ الطبعة الأولى عام ١٣٢٨ هـ مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر\n١٤. الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، للحافظ علي بن هبة الله المشهور بالأمير ابن ماكولا، نشر محمد أمين دمج، بيروت\n١٥. الإلزامات والتتبع للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني ت ٣٨٥ هـ تحقيق ودراسة الشيخ أبي عبد الرحمن مقبل بن هادى الوادعي، مطبعة المدني بمصر\n١٦. الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين للدكتور نور الدين عتر مؤسسة الرسالة\n١٧. الإمام في معرفة أحاديث الأحكام، تأليف الإمام تقي الدين أبي الفتح محمد بن علي بن وهب، المشهور بابن دقيق العيد، (ت ٧٠٢ هـ)، تحقيق سعد بن عبد الله آل حميد، دار المحقق، ط/ ١، ١٤٢٠ هـ.","vol":"2","page":1168},{"text":"١٨. الأنساب لأبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني (ت ٥٦٢ هـ) مكتبة المثنى بغداد ١٩٧٠ هـ\n١٩. البداية والنهاية، للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، تحقيق د. عبد الله التركي، ط/ ١، ١٤٢٠ هـ، دار هجر.\n٢٠. الأوسط في السنن والإحماع والاختلاف، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت ٣١٨ هـ)، تحقيق د. أبي حماد صغير أحمد حنيف، دار طيبة ط/ ١ - ١٤٠٥ هـ\n٢١.\nبحر الدم فيمن تكلم فيهم الإمام أحمد بمدح أو ذم، تأليف يوسف بن حسن بن عبد الهادي، تحقي د. أبي أسامة وصي الله بن محمد عباس، نشر دار الراية، الرياض ط/ ١ - ١٤٠٩ هـ\n٢٢. البحر الزخار المعروف بمسند البزار، للحافظ أبي بكر أحمد بن عمر العتكي، تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط/ ١ - ١٤٠٩ هـ\n٢٣. بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق د. حسين أحمد صالح المباركي، مركز خدمة السنة بالتعاون مع مجمع الملك فهد، المملكة العربية السعودية، ط/ ١\n٢٤. بلدان الخلافة الشرقية، كي لسترنج، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م\n٢٥. بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، للحافظ أبي الحسن بن القطان الفاسي، دراسة وتحقيق د. الحسين آت سعيد، دار طيبة الرياض ط/ ١ - ١٤١٨ هـ\n٢٦. التابعون الثقات الذين اختلف في سماعهم من بعض الصحابة رشالة جامعية قدمت لنيل درجة الدكتوراة تقديم د مبارك الهاجري.","vol":"2","page":1169},{"text":"٢٧. تاج العروس من وجوه القاموس تأليف السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي ت ١٢٠٥ هـ تحقيق على هلالي دار احياء التراث العربي بيروت\n٢٨. التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدي الشهير بالمواق ت ٨٩٧ هـ، وهو بهامش كتاب مواهب الجليل طبعة دار الفكر، الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ ١٩٨٧ م\n٢٩. تاريخ أبي زرعة الدمشقي، للحافظ عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري (ت ٢٨١ هـ)، تحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني، دار ابن زيدون\n٣٠. تاريخ أسماء الثقات، للحافظ أبي حفص عمر بن شاهين، تحقيق صبحي السامرائي، الدار السلفية، الصفاة الكويت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ\n٣١. تاريخ أصبهان للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ت ٤٣٠ هـ تحقيق سيد كروي حسن دار الكتب العلمية بيروت ١٤١٠ هـ ١٩٩٠ م\n٣٢.\nتاريخ الإسلام للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ\n٣٣. التاريخ الأوسط، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) تحقيق محمد بن إبراهيم اللحيدان، ط/ ١، ١٤١٨ هـ دار الصميعي.\n٣٤. تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر القاهرة ١٩٧١ م\n٣٥. التاريخ الصغير للإمام البخاري تحقيق محمود زايد، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ\n٣٦. التاريخ الكبير للإمام البخاري، تصحيح عبد الرحمن المعلمي مطبعة دار المعانى العثمانية حيدر آباد ١٣٧٨ هـ.","vol":"2","page":1170},{"text":"٣٧. تاريخ بغداد أو مدينة السلام، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي ت ٤٦٣ هـ المكتبة السلفية المدينة المنورة\n٣٨. تاريخ جرجان للحافظ حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني ت ٤٢٧ هـ بعناية د محمد عبد المعيد خان عالم الكتب الطبعة الرابعة ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م\n٣٩. تاريخ دمشق لأبي القاسم علي بن الحسن (ابن عساكر) تحقيق محب الدين عمر بن غرامة العمروي دار الفكر بيروت ١٤١٥ هـ\n٤٠. تاريخ يحي بن معين رواية الدوري، دراسة وتحقيق، د أحمد محمد نور سيف الطبعة الأولى، مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز، ١٣٩٩ هـ\n٤١. تبصير المنتبه وتحرير المشتبه، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٨٦ هـ\n٤٢. تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف، تأليف الحافظ أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي، تصحيح وتعليق عبد الصمد شرف الدين، الطبعة الأولى، دار القيمة، الهند ١٩٦٥ م\n٤٣. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف المكتبة العلمية بالمدينة المنورة الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ\n٤٤. التدليس في الحديث للدكتور مسفر بن عزام الله الدميني الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ\n٤٥. التدوين في أخبار قزوين، لعبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٧ م\n٤٦. تذكرة الحفاظ، للحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، بتصحيح الشيخ عبد الرحمن المعلمي، دار إحياء التراث العربي، ١٣٧٤ هـ.","vol":"2","page":1171},{"text":"٤٧. ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي تحقيق محمد بن تاويت الطبخي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ\n٤٨. الترغيب والترهيب أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني، تحقيق أمن بن صالح، دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ\n٤٩. الترغيب والترهيب للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق محي الدين مستو وسمير العطار ويوسف علي بديوي، دار ابن كثير، دمشق الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ\n٥٠. التصحيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مُكافحته،\n٥١. التصنيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مكافحته، إعداد أسطيري جمال، ط/ ١ - ١٤١٥ هـ، دار طيبة.\n٥٢. تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني، مكتية ابن تيمية، القاهر طبعة ١٣٨٦ هـ\n٥٣. تعريف أهل التقديس لمراتب الموصوفين بالتدليس للحافظ أحمد بن علي بن حجر، ٨٥٢ هـ، تحقيق د عبد الغفار البنداري، والأشتاذ محمد أحمد، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ\n٥٤. تغليق التعليق على صحيح البخاري للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دراسة وتحقيق سعيد عبد الرحمن موسى، الطبعة الأولى، الكتب الاسلامي، ١٤٠٥ هـ.\n٥٥. تفسير غريب ما في الصحيحين لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، تحقيق د زبيدة محمد سعيد، مكتبة السنة القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ","vol":"2","page":1172},{"text":"٥٦. تقريب التهذيب، تأليف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)، تحقيق أبي الأشبال صغير أحمد شاغف الباكستاني، ط/ ١ - ١٤١٦ هـ دار العاصمة.\n٥٧. تقريب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد، حلب، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ\n٥٨. تكملة الإكمال محمد بن عبد الغني البغدادي، المعروف بابن نقطة، تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي، مركز احياء التراث الاسلامي، بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ\n٥٩. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، طبع بعناية السيد عبد الله هاشم اليماني المدني، سنة ١٣٨٤ هـ.\n٦٠. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تأليف الإمام أبي عمر يوسف عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق سعيد أحمد أعراب، تصوير مكتبة السوادي جدة.\n٦١. التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرواة «قسم البخاري» للحافظ أبي علي الحسين بن محمد بن أحمد القساني الجياني (ت ٤٩٨ هـ) تحقيق محمد صادق الحامدي دار اللواء الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م\n٦٢. تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، تأليف الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد المعروف بـ \"ابن عبد الهادي الحنبلي\" (ت ٧٤٤)، تحقيق أيمن صالح شعبان، ط/ ١ - ١٤١٩ هـ\n٦٣. تهذيب التهذيب، تأليف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)، ط/ ١، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند سنة (١٣٢٥ هـ). .","vol":"2","page":1173},{"text":"تهذيب سنن أبي داود، للإمام محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية، مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية بيروت.\n٦٤. تهذيب السنن والآثار، للحافظ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق د ناصر بن سعد المرشيد وعبد القيوم عبد رب النبي، مطابع الصفار، مكة المكرمة، ١٤٠٢ هـ\n٦٥. تهذيب الكمال للحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي، بتحقيق د بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤١٣ هـ\n٦٦. تهذيب سنن أبي داود للامام محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية، مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة بيروت\n٦٧.\nالتوحيد للإمام بن منده، تحقيق د علي ناصر الفقيهي، مطابع الجامعة الاسلامية، بالمدينة المنورة\n٦٨. توضيح المشتبه شمس الدين محمد بن عبد الله القيسي، المشهور بابن ناصر الدين، ت ٩٤٢ هـ تحقيق محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ\n٦٩. التوضيح لمبهمات الجامع الصحيح، للحافظ أبي ذر أحمد بن برهان الدين سبط ابن العجمي، ت ٨٨٤ هـ، مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية، برقم ١٦٧ مصور\n٧٠. الثقات للحافظ أبي حاتم محمد بن حبان البستي، ت ٣٥٤ هـ، طبع بمجلس دائرة المعارف، بحيدر آباد الهند، ط، ١٣٩٣ هـ\n٧١. جامع البيان عن تأويل القرآن، تأليف الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت ٣١٠ هـ الطبعة الثالثة ١٣٨٨ هـ ١٩٦٩ م مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر","vol":"2","page":1174},{"text":"٧٢. جامع التحصيل في أحكام المراسيل، للحافظ صلاح الدين بن خليل العلائي، ت ٧٦١ هـ، تحقيق حمدي السلفي، مطبعة عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ والثانية ١٤٠٧ هـ\n٧٣. جامع المسانيد والسنن، لأبي الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، دار االفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ\n٧٤. الجامع في العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، (ت ٢٤١ هـ)، رواية عبد الله بن أحمد ابنه، والمروزي، والميموني، أبو الفضل صالح بن أحمد ابنه ﵏، فهرسه واعتنى به، محمد حسام بيضون، ط/ ١، ١٤١٠ هـ، مؤسسة الكتب الثقافية.\n٧٥. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تأليف الحافظ الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق د. محمود الطحان، ط/ ١٤٠٣ هـ، مكتبة المعارف.\n٧٦. الجرح والتعديل لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى ١٣٧٢ هـ\n٧٧. الجرح والتعديل، تأليف الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، (ت ٣٢٧ هـ)، ط/ ١ مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند، سنة ١٣٧٣ هـ، تصوير دار الكتب العلمية.\n٧٨. جزء الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥ هـ، تحقيق أم عبد الله بنت محروس العسيلي مكتبة المعلا، الكويت\n٧٩. جزء معرفة الرجال - رواية ابن محرز\n٨٠. حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٨٧ هـ","vol":"2","page":1175},{"text":"٨١. الخراج للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب الامام أبي حنيفة طبعة دار المعرفة بيروت، لبنان\n٨٢. الخراج، ليحي بن آدم القرشي ضمن موسوعة الخراج دار المعرفة بيروت\n٨٣. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، للحافظ صفي الدين أحمد بن عيد الله الخزرجي، المطبعة الكبرى ببولاق مصر الطبعة الأولى ١٣٠١ هـ\n٨٤. ديوان السنن والآثار - الزكاة، د عبد الملك بن بكر قاضى، دار الحسن للنشر، عمان، الأردن الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ\n٨٥. ديوان الضعفاء والمتروكين للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي تحقيق الشيخ حماد بن محمد الأنصاري مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة ١٣٨٧ هـ\n٨٦. ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثوق، للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق محمد شكور الميادينى مكتبة المنار الزرقاء الأردن الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ\n٨٧. الذكر والدعاء والعلاج بالرقى من الكتاب والسنة، تأليف د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ط/ ٣، ١٤٢٢ هـ، توزيع مؤسسة الجريسي.\n٨٨. ذيل ميزان الاعتدال، للحافظ أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين المعروف بالعراقي (ت ٨٠٦ هـ) تحقيق د. عبد القيوم عبد رب النبي، ط/ ١، ١٤٠٦ هـ، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى.\n٨٩. رجال صحيح مسلم للحافظ أحمد بن على بن منجويه، تحقيق عبد الله الليثي، دار المعرفة، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ\n٩٠. رفع اليدين في الصلاة، تأليف الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، وبهامشه جلاء العينين بتخريج روايات البخاري في جزء رفع اليدين، بقلم بديع الدين الراشدي، ط/ ١، ١٤١٦ هـ، دار ابن القيم.","vol":"2","page":1176},{"text":"٩١. سؤالات أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥ هـ)، للإمام أحمد بن حنبل في الجرح والتعديل، تحقيق د/ زياد محمد منصور، ط/ ١ - ١٤١٤ هـ، مكتبة العلوم والحكم.\n٩٢. سؤالات أبي عبد الله بن بكير وغيره، لأبي الحسن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، تحقيق علي حسن علي عبد الحميد.\n٩٣. سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني، تحقيق محمد علي العمري الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ\n٩٤. سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥ هـ)، في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم، دراسة وتحقيق د. عبد العليم عبد العظيم البستوي، ط/ ١، ١٤١٨ هـ، مكتبة دار الاستقامة، ومؤسسة الريان.\n٩٥. سؤالات الحاكم للدارقطني، تحقيق موفق بن عبد الله، مكتبة المعارف، الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ\n٩٦. سؤالات السجزي للحاكم، تحقيق د. موفق بن عبد الله، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ\n٩٧. سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض الطبعة الثانية، ١٤٠ هـ\n٩٨. سلسلة الأحاديث الضعيفة، للشيخ ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ\n٩٩. السنة، تأليف الحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الشيباني (ت ٢٨٧ هـ)، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة للألباني، ط/ ٣، ١٤١٣ هـ، المكتب الإسلامي.","vol":"2","page":1177},{"text":"١٠٠. السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن لأبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد السبتي، تحقيق د محمد الحبيب بن الخوجة الدار التونسية للنشر\n١٠١. السنن الكبرى للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق دعبد الغفار سليمان البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١١ هـ، ١٩١١ هـ\n١٠٢. السنن الكبرى، الإمام المحدثين الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين ابن علي البيهقي، (ت ٤٥٨ هـ)، وفي ذيله الجوهر النقي، لعلاء الدين المارديني الشهير بابن التركماني (ت ٧٤٥ هـ)، ط/ دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ.\n١٠٣. السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، تأليف أبي عمرو عثمان بن سعيد المقرئ الداني، تحقيق د/ رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ\n١٠٤. السنن للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق عزت عبيد الدعاس، دار الحديث للطباعة بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ\n١٠٥. السنن للإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي الكتبتة العلمية بيروت\n١٠٦. السنن للإمام أبي محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية بيروت\n١٠٧. السنن للإمام أحمد بن شعيب النسائي المكتبة العلمية، بيروت\n١٠٨. السنن للإمام الشافعي، محمد بن إدريس المطلبي، تحقيق د خليل ملا خاطر، دار القبلة للثقافة الإسلامية جدة، ١٤٠٩ هـ، ١٩٨٩ م","vol":"2","page":1178},{"text":"١٠٩. السنن للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الدارمي، دار إحياء السنة النبوية\n١١٠. السنن للإمام علي بن عمر الداقطني، تحقيق عبد الله هاشم يماني، دار المحاسن للطباعة القاهرة\n١١١. سير أعلام النبلاء للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ\n١١٢.\nسيرة الإمام أحمد بن حنبل، لأبي الفضل صالح بن أحمد بن حنبل، دراسة وتحقيق المستشار د/ فؤاد بن عبد المنم أحمد، دار السف الرياض الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.\n١١٣. شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاج عبد الحي بن عماد الحنبلي، دار احياء التراث العربي، بيروت\n١١٤. شرح الأبي على صحيح مسلم لأبي عبد الله محمد بن خلفة الأبى، دار الكتب العلمية بيروت\n١١٥. شرح التصريح على التوضيح، للشيخ خالد بن عبد الله الأزهري، دار الفكر بيروت\n١١٦. شرح السنة للحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الكتب الاسلامي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ\n١١٧. شرح صحيح مسلم للإمام أبي زكريا يحي بن شرف النووي، الطبعة الأولى ١٣٤٧ هـ\n١١٨. شرح علل الترمذي للحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، تحقيق د همام عبد الرحيم، مكتبة المنار الأردن الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ\n١١٩. شرح مشكل الآثار للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، تحقيق شعيب الأرؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤١٥ هـ","vol":"2","page":1179},{"text":"١٢٠. شرح معاني الآثار لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي تحقيق محمد زهري النجار طبعة دار الكتب العلمية الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م\n١٢١. شعب الإيمان للإمام أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق أبي هاجر محمد سعيد زغلول دار الكتب العملية بيروت الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ\n١٢٢. الصحاح للجوهري تحقيق أحمد عبد الغفور دار العلم للملايين بيروت ١٣٩٩ هـ\n١٢٣. صحيح ابن خزيمة تحقيق وتعليق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي طبعة المكتب الاسلامي الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م\n١٢٤. صحيح البخاري مع فتح الباري لابن حجر العسقلاني طبعة دار المعرفة بيروت لبنان\n١٢٥. صحيح البخاري، الطبعة السلطانية، مطابع الشعب\n١٢٦.\nصحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت ٢٦١ هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط/ ١، دار الحديث.\n١٢٧. صحيفة همام بن منبه، تحقيق د رفعت فوزي عبد المطلب، مكتبة الخانجي القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٥ م\n١٢٨. صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط لأبي عمرو بن الصلاح تحقيق موفق بن عبد الله دار الغرب الاسلامي ١٤٠٤ هـ\n١٢٩. الضعفاء الصغير، تأليف الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق بوران الضناوي، ط/ ١، ١٤٠٤ هـ عالم الكتب.\n١٣٠. الضعفاء الصغير، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق بوران الضناوي طبعة: عالم الكتب الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ. ١٩٨٤ م","vol":"2","page":1180},{"text":"١٣١. الضعفاء الكبير لأبي جعفر محمد بن عمرو الغقيلي (ت ٣٢٢ هـ) تحقيق د/ عبد المعطي أمين قلعجي دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م\n١٣٢. الضعفاء لأبي زرعة (أبو زرعة وجهوده في السنة النبوية مع تحقيق كتابه الضعفاء) تحقيق د/ سعيد الهاشمي المجلس العلمي بالجامعة الاسلامية الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ\n١٣٣. الضعفاء لأبي نعيم الأصفهاني المتوفي سنة ٤٣٠ هـ، تحقيق الدكتور فاروق محادة طبعة دار الثقافة الدار البيضاء، المغرب الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ ١٩٨٤ م\n١٣٤. الضعفاء والمتروكون لأبي الحسن الدارقطني تحقيق موفق بن عبد الله مكتبة المعارف الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ\n١٣٥. الضعفاء والمتروكون للنسائي تحقيق كمال يوسف الحوت وبوران الضناوي مؤسسة الكتب الثقافية بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ\n١٣٦. الضعفاء، تأليف أبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، (ت ٣٢٢ هـ)، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط/ ١، ١٤٢٠ هـ، دار الصميعي.\n١٣٧. ضعيف الجامع الصغير للشيخ ناصر الدين الألباني الكتب الاسلامي بيروت الطبعة الثانية ١٤١٠ هـ\n١٣٨. ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي - جمعًا ودراسة، تأليف أبي عبد الرحمن محمد الثاني بن عمر بن موسى، ط/ ١، ١٤٢١ هـ، سلسلة إصدارات الحكمة.\n١٣٩. ضوابط الجرح والتعديل، تأليف د. عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم العبد اللطيف، ط/ ١، ١٤١٢ هـ، طبع الجامعة الإسلامية.\n١٤٠. طبقات الحنابلة، للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى، ط/ دار المعرفة دون تاريخ.","vol":"2","page":1181},{"text":"١٤١. طبقات الرواة عن الزهري ممن له رواية في الكتب الستة\n١٤٢. طبقات الفقهاء الشافعين لعماد الدين أبي القداء الحافظ اسماعيل بن كثير القرشي ت ٧ تحقيق د/ أحمد عمر هاشم ود/ محمد محمد عزب مكتبة الثقافة الدينية مصر ١٤١٣ هـ ١٩٩٣ م\n١٤٣. الطبقات الكبرى لابن سعد دار الكتب العلمية بيروت الكبعة الأولى ١٤١١ هـ\n١٤٤. طبقات المحدثين بإصبهان لأبي شيخ عبد الله بن محمد ابن حبان تحقيق عبد الغفور عبد الحق البلوشي مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ\n١٤٥. الطبقات، تصنيف الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت ٢٦١ هـ)، تحقيق مشهور حسن سلمان، ط/ ١، ١٤١١ هـ، دار الهجرة.\n١٤٦. العبر في خبر من غبر\n١٤٧. عقائد الثلاث والسبعين فرقة، تأليف أبي محمد اليمني، تحقيق د. محمد بن عبد الله زربان الغامدي، ط/ ١، مكتبة العلوم والحكم.\n١٤٨. علل الترمذي الكبير ترتيب أبي طالب القاضي تحقيق حمزة ديب مصطفى مكتبة الأقصى عمان الأردن الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ\n١٤٩. علل الحديث للإمام أبي محمد عبد الرحمن الرازي الحافظ ابن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر داود بن مهران كبعة دار المعرفة بيروت لبنان ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م\n١٥٠. العلل المتناهية لابن الجوزي لأبي الفرج ابن الجوزي تحقيق ارشاد الحق الأثري إدارة ترجمان السنة لاهور","vol":"2","page":1182},{"text":"١٥١. العلل الواردة في الأحاديث النبوية للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدار قطني تحقيق د/ محفوظ الرحمن زين الله السلفي، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م، طبعة دار طيبة الرياض\n١٥٢. العلل ومعرفة الرجال عن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، رواية المروذي وغيره، تحقيق د. وصي الله بن محمد عباس، ط/ ١، ١٤٠٨ هـ، الدار السلفية الهند.\n١٥٣. العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، تحقيق د. وصي الله بن محمد عباس، ط/ ١ - ١٤٠٨ هـ المكتب الإسلامي، ودار الخانجي.\n١٥٤. علم زوائد الحديث للدكتور خلدون الأحدب دار القلم دمشق الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ ١٩٩٢ م\n١٥٥. غريب الحديث لأبي إسحاق ابراهيم الحربي تحقيق د/ سليمان بن ابراهيم العابد دار المدني للطباعة جدة الطعة الأولى ١٤٠٥ هـ\n١٥٦. غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد، الدكن الهند ١٣٩٦ هـ\n١٥٧. غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم لأبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي تحقيق محمد الفاريابي مكتبة الكوثر الرياض الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ\n١٥٨. الفائق في غريب الحديث لجار الله محمود الزمخشري تحقيق علي البخاوي ومحمد ابراهيم مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه\n١٥٩. فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، تأليف الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، ط/ دار المعرفة بيروت.\n١٦٠. الفتح الرباني لترتيب مسند الامام أحمد للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا دار احياؤ التراث العربي بيروت الطبعة الثانية","vol":"2","page":1183},{"text":"١٦١. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي للإمام أبي عبد لله محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تحقيق وتعليق الشيخ علي حسين علي الناشر دار الإمام الطبري، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م\n١٦٢.\nفضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلاّم الهروي، تحقيق مروان العطية، ومن معه، دار ابن كثير دمشق وبيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥)\n١٦٣. فضائل القرآن وما جاء فيه من الفضل وفي كم يقرأ والسنة في ذلك (لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي (ت ٣٠١ هـ)، تحقيق يوسف عثمان فضل الله جبريل. مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ_/ ١٩٨٩ م\n١٦٤. فهرسة دار الكتب المصرية\n١٦٥. فهرسة ما رواه عن شيوخه لأبي بكر محمد بن خبر الاشبيلي منشورات دار الآفاق الحديثة الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ ١٩٧٩ م\n١٦٦. فهرسة مخطوطات مكتبة كوبريلي\n١٦٧. الفوائد لأبي الفرج الثقفي: مسعود بن الحسن بن القاسم ت ٥٦٢ هـ، مصورة في الجامعة الاسلامية عن الأصل المحفوظ في الظاهرية\n١٦٨. فوائد وقواعد في الجرح والتعديل وعلوم الحديث، جمع وترتيب أبي أسامة إسلام بن محمود بن محمد النجار، ط/ ١ - ١٤١٨ هـ مكتبة أضواء السلف.\n١٦٩. فيض القدير، شرح الجامع الصغير، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، ١٠٣١ هـ الطبعة الثانية ١٣٩١ هـ ١٩٧٢ م دار لمعرفة، بيروت لبنان\n١٧٠. القراءة خلف الإمام، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، تخريج أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، ط/ ١، ١٤٠٥ هـ.\n١٧١. الكاشف للذهبي مع حاشية سبط ابن العجمي تقديم وتعليق محمد عوامة مؤسسة علوم القرآن جدة ١٤١٣ هـ","vol":"2","page":1184},{"text":"١٧٢. الكامل في ضعفاء الرجال للإمام الحافظ أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م، دار الفكر\n١٧٣. كتاب المجروحين، للحافظ شيخ الاسلام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذور التميمي الحنظلي الرازي ت ٣٢٧ هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت لبنان\n١٧٤. كشف الأستار عن زوائد البزار نور الدين بن علي بن أبي بكر الهيثمي تحقيق حبيب الرحمن الاعظمي مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ\n١٧٥. كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون لحاجي خليفة منشورات مكتبة المثنى بغداد\n١٧٦. الكفاية في علم الرواية لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٩ هـ\n١٧٧. الكفاية في علوم الرواية، تأليف الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، ط/ ١٤١٠ هـ.\n١٧٨. الكنى والأسماء للإمام مسلم بن الحجاج، دراسة وتحقيق عبد الرحيم محمد أحمد القشقري، طبعة المجلس العالمي بالجامعة الإسلامية\n١٧٩. الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة لأبي البركات محمد بن أحمد المعروف بان الكبال، تحقيق ودراسة عبد القيوم عبد رب النبي طبعة دار المأمون للتراث، دمشق\n١٨٠. لب اللباب في تحرير الأنساب لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي تحقيق محمد أحمد وأشرف أحمد دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى ١٤١١ هـ\n١٨١. اللباب في تهذيب الأنساب لعز الدين ابن الأثير الجزري طبعة دار صادر بيروت ١٤٠٠ هـ ١٩٨٠ م","vol":"2","page":1185},{"text":"١٨٢. لسان العرب للعلامة أبي الفضل جمال الدين محمد مكرم ابن منظور الأفريقي المصري، الطبعة الولى ١٤١٠ هـ ١٩٩٠ م ط دار الفكر\n١٨٣. … لسان الميزان، للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ الطبعة الثانية طبعة دار الكتب الاسلامي\n١٨٤. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين علي أبي بكر الهيثمي ت ٨٠ هـ منشورات مؤسسة المعارف بيروت لبنان ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م\n١٨٥. مجمع بحار الأنوار في غريب التنزيل ولطائف الأخبار محمد طاهر الصديقي مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند\n١٨٦.\nمجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وساعده ابنه محمد، طبع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية سنة ١٤١٦ هـ.\n١٨٧. المحلى، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ت ٤٥٦ هـ، تحقيق لجنة احياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت\n١٨٨. مختصر المنذري لسنن أبي داود دار المعرفة بيروت تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي (ضمن شروح سنن أبي داود معالم السنن وتهذيب أبن قيم)\n١٨٩. المدونة الكبرى، للإمام مالك بن أنس الأصبحي طبعة كتببة الرياض الحديثة\n١٩٠. المراسيل، تأليف الحافظ، أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧ هـ)، بعناية شكر الله ابن نعمة الله قوجاني، ط/ ٢، ١٤١٨ هـ مؤسسة الرسالة.","vol":"2","page":1186},{"text":"١٩١. مسائل الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، رواية ابنه عبد الله (ت ٢٩٠ هـ)، دراسة وتحقيق د. علي سليمان المهنا، ط/ ١، ١٤٠٦ هـ، مكتبة الدار بالمدينة المنورة.\n١٩٢. مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه أبي الفضل صالح (ت ٢٦٦ هـ)، تحقيق د. فضل الرحمن دين محمد، ط/ ٢، ١٤١٩ هـ، الدار العلمية دلهي، الهند.\n١٩٣. مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري (ت ٢٧٥ هـ)، تحقيق زهير الشاويش، ط/ ١، ١٤٠٠ هـ، المكتب الإسلامي بيروت.\n١٩٤. مسائل الإمام أحمد رواية، أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، ط/ ١، ١٤٢٠ هـ مكتبة ابن تيمية.\n١٩٥. مستخرج أبي نعيم مخطوط من مصورة مكتبة الجامعة الاسلامية برقم (١٥١٤) فيلم\n١٩٦. مستخرج أبي نعيم مخطوط من مصورة مكتبة الجامعة الاسلامية برقم (٤٦٨) مصور\n١٩٧. مستخرج أبي نعيم مخطوط من مصورة مكتبة الجامعة الاسلامية برقم ٢٠٤٨، ٢٤٩، ٢٠٥ مصورات\n١٩٨. المستدرك على الصحيحين للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي طبعة مزيدة بفهرس الأحاديث الشريفة، دار المعرفة، بيروت لبنان\n١٩٩. المسلك الواضح المأمون لشرح اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون منظومة الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، تأليف حافظ بن محمد بن عبد الله الحكمي، ط/ ١ - ١٤١٩ هـ، دار ابن عفان.","vol":"2","page":1187},{"text":"٢٠٠. مسند أبي داود الطيالسي دار المعرفة بيروت لبنان\n٢٠١. مسند أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفرائيني [ت ٣١٦] الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان\n٢٠٢. مسند أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، للإمام أبي محمد بن محمد الباغندي، تخريج محمد عوامة، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م\n٢٠٣. المسند للإمام أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي [٢١٠٣٠٧ هـ] تحقيق وتعليق إرشاد الحق الأثري، إدارة العلوم الأثرية فيصل آباد الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م\n٢٠٤. المسند للإمام أحمد بن حنبل وبهامشه منتخب كمز العمال في سنن الأقوال والأفعال، دار صادر بيروت\n٢٠٥. المسند للإمام الحافظ الكبير أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي [ت ٢١٩ هـ] مكتبة المتنبى القاهرة\n٢٠٦. مشارق الأنوار على صحاح الآثار تأليف الإمام الشهير الحافظ الكبير القاضي أبي الفضل عياض بن موسى عياض اليحصبي السبتي المالكي [ت ٥٤٤ هـ] طبع ونشر المكتبة العتيقة تونس\n٢٠٧. مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة أحمد بن أبي بكر البوصري تحقيق موسى محمد علي ود/ عزت على عطية دار الكتب الحديثة عابدين\n٢٠٨. المصنف لابن أبي شيبة: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار للإمام الحافظ عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة الكوفي العبسي [ت ٢٣٥ هـ] مطبعة العلوم الشرفية الهند طبعة الأولى سنة ١٣٩٠ هـ\n٢٠٩. المصنف للإمام عبد الرزاق بن همام الحيري الصنعاني ت ٢١١ هـ، بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتاب الاسلامي.","vol":"2","page":1188},{"text":"٢١٠. المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، تأليف محمد محمد حسن شراب، دار العلم دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، ١٩٩١ م\n٢١١. معالم السنن مع سنن أبي داود، للحافظ أبي سليمان الخطابي، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان الطبعة الأولى ١٣٨٨ هـ\n٢١٢. المعجم الأوسط أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ت ٣٦٠ هـ تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسين نشر دار الحرمين ١٢١٥ هـ ١٩٩٥ م القاهرة\n٢١٣. معجم البلدان للإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي طبعة دار صادر بيروت ١٤٠٧ هـ ١٩٧٧ م\n٢١٤. المعجم الصغير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني ت ٣٦٠ هـ، دار الكتب العلمية بيروت لبنان\n٢١٥. المعجم الكبير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ت ٣٦٠ هـ تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي نشر مكتبة ابن تيمية القاهرة\n٢١٦. المعجم الوسيط للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ط/ ١٤١٥ هـ، نشر دار الحرمين.\n٢١٧. معرف الرجال للإمام أبي زكريا يحي بن معين، رواية أحمد بن محمد بن القاسم بن مجرز\n٢١٨. معرفة علوم الحديث، تأليف الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري (ت ٤٥٠ هـ)، ط/ ٢، ١٣٩٧ هـ، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.\n٢١٩. المعرفة والتاريخ تأليف أبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي ت ٢٧٧ هـ تحقيق د/ أكرم ضياء العمري مطبعة الأبرياء بغداد ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦ م","vol":"2","page":1189},{"text":"٢٢٠. المغني في الضعفاء للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق وتعليق الدكتور نور الدين عتر\n٢٢١.\nالمغني في ضبط أسماء الرجال ومعرفة كنى الرواة وألقابهم وأنسابهم، للعلامة المحدث الشيخ محمد طاهر بن علي الهندي، دار الكتب العربي بيروت لبنان\n٢٢٢. المغني، تأليف موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي، (ت ٦٢٠ هـ)، ط/ ٣، ١٤١٧ هـ، تحقيق د. عبد الله التركي، توزيع وزارة الشؤون الإسلامية.\n٢٢٣. مقدمة إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض تحقيق الحسين محمد شواط دار ابن عفان الخبر الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ\n٢٢٤. مناقب الإمام أحمد بن حنبل، للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق د. عبد الله التركي، ط/ ٢، ١٤٠٩ هـ دار هجر.\n٢٢٥. المنتخب من العلل للخلال، للإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد الشهير بابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، ط/ ١، ١٤١٩ هـ دار الراية.\n٢٢٦. المنتخب من مسند عبد بن حميد للإمام الحافظ أبي محمد عبد بن حميد، تحقيق السيد صبحي البدري السامر مرائي ومحمود محمد خليل الصعيدي طبعة مكتبة السنة، القاهرة\n٢٢٧. المنفردات والوحدان، للإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق دكتور عبد الغفار سليمان البندراري، السعيد بن بيسوني زغلول، ط/ ١، دار الكتب العلمية بيروت.","vol":"2","page":1190},{"text":"٢٢٨. منهج الامام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح، د ربيع بن هادي المدخلي مكتبة الدار بالمدينة المنورة الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ\n٢٢٩. منهج المتقدمين في التدليس، تأليف ناصر بن حمد الفهد، ط/ ٢، ١٤٢٢ هـ، مكتبة أضواء السلف.\n٢٣٠. المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة وأقوال العلماء وآراء الفرق المختلفة، تأليف د. عبد العليم عبد العظيم البستوي، ط/ ١، ١٤٢٠ هـ، دار ابن حزم، والمكتبة المكية.\n٢٣١.\nموسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله، جمع وترتيب السيد أبو المعاطي النوري، وأحمد عبد الرزاق عيد، ومحمود محمد خليل، ط/ ١، ١٤١٧ هـ عالم الكتب.\n٢٣٢. موسوعة الحديث النبوي (أحاديث الصيام) د/ عبد الملك بكر قاضى دار العاصمة الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ\n٢٣٣. الموطأ، لإمام دار الهجرة مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ)، رواية أبي مصعب الزهري المدني (ت ٢٤٢ هـ)، ط/ ٢، ١٤١٨ هـ، مؤسسة الرسالة.\n٢٣٤. الموطأ رواية أبي مصعب الزهري تحقيق د/ بشار عواد ومحمود محمد خليل مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ\n٢٣٥. الموطأ رواية الليثي طبعة حديدة مصححة، دار الكتب العلمية بيروت لبنان\n٢٣٦. الموطأ رواية محمد بن الحسن السيباني الطبعة الثانية، مكتبة دار الباز\n٢٣٧. الموقظة في علم مصطلح الحديث، للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، ط/ ١ - ١٤٠٥ هـ، دار البشائر الإسلامية بيروت.","vol":"2","page":1191},{"text":"٢٣٨. موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند والمعنعن بين المتعاصرين، تأليف خالد منصور عبد الله الدريس، ط/ ١، ١٤١٧ هـ، مكتبة الرشد الرياض.\n٢٣٩. ميزان الإعتدال في نقد الرجال تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي تحقيق علي محمد البجاوي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع\n٢٤٠. نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، تأليف الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مطبعة الإرشاد، منشورات مكتبة المثنى ببغداد.\n٢٤١. نزهة الألباب في الألقاب لابن حجر العسقلاني تحقيق عبد العزيز بن محمد السديري مكتبة الرشد الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ\n٢٤٢. نزهة النظر شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، للإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، ط/ ١٤٠٤ هـ، مكتبة طيبة.\n٢٤٣. نزهة النظر شرح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني مكتبة طيبة ١٤٠٤ هـ\n٢٤٤. النكت الظراف مع تحفة الأشراف لابن حجر العسقلاني تحقيق عبد الصمد شرف الدين الدار القيمة الهند ١٤٠٠ هـ\n٢٤٥. النكت على كتاب ابن الصلاح، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق د. ربيع بن هادي عمير، ط/ ١، ١٤٠٤ هـ، طبع مجلس العلمي بالجامعة الإسلامية.\n٢٤٦. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناحي المكتبة العلمية بيروت","vol":"2","page":1192},{"text":"٢٤٧. هدي الساري للحافظ ابن حجر العسقلاني دار المعرفة بيروت\n٢٤٨. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد أبي بكر بن خلكان ت ٦٨١ هـ تحقيق د/ احسان عباس طبعة دار صادر بيروت.","vol":"2","page":1193}]}