{"ً":{"ٌ":726,"ٍ":"مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/mdqrndrz/mdqrndrz.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن\nالمؤلف: محمد عبد الله دراز\nأصل هذا الكتاب: رسالة دكتوراة للمؤلف باللغة الفرنسية - جامعة باريس، ١٩٤٧ م\nترجمة: محمد عبد العظيم علي\nمراجعة: د السيد محمد بدوي\nالناشر: دار القلم - الكويت\nالطبعة: الخامسة (مزيدة ومحققة)، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ١٩٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1119,"ٕ":4,"ٖ":1780758722,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم الكتاب","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة","level":1,"page":8},{"title":"الباب الأول حقائق تاريخية أولية","level":1,"page":11},{"title":"[الديباجة]","level":2,"page":12},{"title":"الفصل الأول حياة الرسول قبل البعثة","level":2,"page":13},{"title":"نسبه ومولده","level":3,"page":13},{"title":"طفولته وشبابه","level":3,"page":14},{"title":"رحلته الأولى إلى سوريا واتصاله بالراهب بحيرى","level":3,"page":15},{"title":"مشاغله الأساسية","level":3,"page":15},{"title":"صفاته الخلقية","level":3,"page":15},{"title":"حلف الفضول","level":3,"page":16},{"title":"رحلته الثانية","level":3,"page":16},{"title":"زواجه من خديجة","level":3,"page":16},{"title":"أولاد الرسول ﷺ","level":3,"page":16},{"title":"مشاعره الأبوية","level":3,"page":17},{"title":"ترميم الكعبة","level":3,"page":17},{"title":"صورته الخلقية والخلقية","level":3,"page":18},{"title":"أول مظاهر بعثته","level":3,"page":19},{"title":"أول اتصاله بروح القدس","level":3,"page":20},{"title":"بداية الوحي","level":3,"page":20},{"title":"تأثيره على الرسول ﷺ","level":3,"page":21},{"title":"مواساة خديجة ورأي ورقة بن نوفل","level":3,"page":21},{"title":"فتور الوحي وانقطاعه مؤقتا","level":3,"page":22},{"title":"استئناف الوحي بوصفه رسولا بالإضافة إلى وصفه نبيا","level":3,"page":22},{"title":"التوافق بين التقويم الهجري والتقويم الميلادي","level":3,"page":23},{"title":"الفصل الثاني كيف جمع نص التنزيل الحكيم","level":2,"page":25},{"title":"مظهر التجزؤ من الأهمية التي كان يثيرها كل جزء منزل بين الخصوم وبين الأتباع","level":3,"page":25},{"title":"القرآن (المقروء) والكتاب (المدون)","level":3,"page":26},{"title":"كتبة الوحي","level":3,"page":26},{"title":"لم توجد نسخة عند الرسول ﷺ","level":3,"page":27},{"title":"عند بعض الأفراد أوراق متفرقة","level":3,"page":27},{"title":"بقاء بعض السور غير تامة","level":3,"page":27},{"title":"كل جزء منزل كان له مكانه في التلاوة","level":3,"page":27},{"title":"القراء أو حملة القرآن في عهد الرسول ﷺ والتجمع الشفوي للقرآن","level":3,"page":28},{"title":"أول مصحف منظم في عهد الخليفة الأول","level":3,"page":28},{"title":"خصائصه","level":4,"page":29},{"title":"اختلافه بمعرفة عثمان","level":3,"page":30},{"title":"مآخذ بعض الشيعة","level":3,"page":31},{"title":"اعتراف الإمامية (أبو جعفر)","level":3,"page":31},{"title":"شهادة الغربيين عن صحة القرآن في عصور الإسلام كلها","level":3,"page":32},{"title":"تصحيح","level":4,"page":32},{"title":"منشأ القراءات المختلفة في عهد الرسول ﷺ والقراءات السبعة","level":3,"page":33},{"title":"هل ألغى عثمان جميع القراءات؟","level":3,"page":34},{"title":"الهدف المزدوج لنشر عثمان المصاحف","level":3,"page":35},{"title":"مصحف عثمان لا يحمل أية قراءة للآحاد وإنما اقتصر على القراءات الصحيحة","level":3,"page":35},{"title":"ما مدى صحة القراءات غير العثمانية","level":3,"page":36},{"title":"تفنيد حجة الدكتور جيفري","level":3,"page":36},{"title":"ضعف القراءات المخالفة","level":3,"page":38},{"title":"محاولة ترتيب القراءات المخالفة","level":3,"page":39},{"title":"ابن مسعود لم يخرج على الإجماع","level":3,"page":41},{"title":"إعدام المخطوطات المشكوك فيها أنقذ وحدة النص","level":3,"page":42},{"title":"الفصل الثالث كيف تم تبليغ المبدأ القرآني إلى العالم","level":2,"page":43},{"title":"سرعة انتشاره واستقراره","level":3,"page":43},{"title":"مقارنة مع فتوحات الإسكندر الأكبر","level":3,"page":43},{"title":"خطأ رأي علماء الغرب عن عوامل التوسعات الإسلامية","level":3,"page":45},{"title":"نظرة تاريخية وتحليلية عن منشأ الصراع الحزبي في الإسلام","level":3,"page":45},{"title":"من أين جاء هذا التغيير المفاجيء؟","level":3,"page":47},{"title":"القرآن يحدد الحرب الشرعية","level":3,"page":51},{"title":"السنة النبوية تفصل الأهداف العسكرية من الحرب","level":3,"page":53},{"title":"الغرض الحقيقي من الحرب","level":3,"page":53},{"title":"خطأ جوتييه في معنى التسامح الإسلامي","level":3,"page":54},{"title":"الجهاد في الدعوة يخضع لقواعد","level":3,"page":54},{"title":"المبدأ الإسلامي الذي ينظم العلاقات الدولية","level":3,"page":55},{"title":"اعتراف جوتييه","level":3,"page":55},{"title":"مقارنة بين الحروب الإسلامية وحروب حركة الإصلاح البروتستانتية","level":3,"page":56},{"title":"متانة البناء الإسلامي","level":3,"page":56},{"title":"الباب الثاني القرآن من خلال مظاهره الثلاثة الديني والخلقي والأدبي","level":1,"page":58},{"title":"[الديباجة]","level":2,"page":60},{"title":"الفصل الأول الحق أو العنصر الديني","level":2,"page":61},{"title":"المظاهر الخارجية للحقيقة: اتفاق ذوي الاختصاص","level":3,"page":61},{"title":"تعريف القرآن للإسلام باعتباره الإيمان بجميع الأديان المنزلة السابقة","level":3,"page":62},{"title":"العودة إلى الوحدة الأولى","level":3,"page":63},{"title":"الجزء الأول من المبادئ الدينية في القرآن: فكرة عالمية وغالبا مغمورة","level":3,"page":63},{"title":"وصف الوثنية العربية من وحدانية الله الخالق إلى وحدانية الله المعبود","level":4,"page":64},{"title":"العلاج القرآني","level":4,"page":65},{"title":"فكرة الأسباب والمسببات","level":4,"page":66},{"title":"العلم والدين: تفسير الكون عن طريق الدين نابع من عقل أكمل من عقل العلم","level":4,"page":68},{"title":"فكرة المعجزات في القرآن","level":4,"page":69},{"title":"الجزء الثاني من نظرية القرآن الدينية","level":3,"page":72},{"title":"خلود الروح","level":4,"page":72},{"title":"بعث الأجساد","level":4,"page":72},{"title":"ماذا تضمنه أصالة التعاليم القرآنية؟","level":4,"page":74},{"title":"الفصل الثاني الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن","level":2,"page":76},{"title":"الدين عقيدة وتشريع اعتقاد وطاعة","level":3,"page":77},{"title":"مقام العنصر العملي في القرآن وفي العقيدة","level":3,"page":78},{"title":"نبدأ بالمنهج","level":3,"page":79},{"title":"اعتماد القرآن على غريزة الإنسان في معرفة العدل والظلم والخير والشر","level":3,"page":79},{"title":"مقارنة بين المبادئ الأخلاقية في التوراة والقرآن","level":3,"page":82},{"title":"مقارنة بين المبادئ الأخلاقية في الإنجيل والقرآن","level":3,"page":86},{"title":"الاختلاف الظاهري بين التوراة والإنجيل بشأن الطلاق والقصاص","level":3,"page":93},{"title":"حقيقة أن العدل والمحبة هما مظهران لقانون خالد واحد","level":3,"page":93},{"title":"المستتر في كل من جزئي التوراة","level":3,"page":94},{"title":"التركيب القرآني","level":3,"page":94},{"title":"[الجديد والتقدمي في التعاليم القرآنية]","level":3,"page":96},{"title":"١ - في مجال الفضيلة الشخصية","level":4,"page":96},{"title":"٢ - الفضيلة في العلاقات بين الأفراد","level":4,"page":97},{"title":"٣، ٤ - الفضائل الجماعية والفضائل العامة","level":4,"page":99},{"title":"٥ - الفضيلة في المعاملات الدولية وبين الأديان","level":4,"page":102},{"title":"الفصل الثالث الجمال أو الجانب الأدبي","level":2,"page":104},{"title":"القرآن نموذج ممتاز في الأدب العربي","level":3,"page":105},{"title":"بعض خصائص التركيب القرآني","level":3,"page":106},{"title":"السمو الفريد حتى بالنسبة لحديث الرسول ﷺ","level":3,"page":108},{"title":"خطأ كثير من العلماء بشأن وحدة السور القرآنية","level":3,"page":109},{"title":"تجربة خاصة","level":3,"page":110},{"title":"هذه الوحدة من العجائب نظرا للظروف التي تتم فيها وتجعلها مستحيلة بالنسبة للقوى البشرية","level":3,"page":110},{"title":"انفراد في تجميع الأجزاء القرآنية مما يثبت وجود خطة سابقة","level":3,"page":111},{"title":"تصميم يتحدى الطبيعة ونجاحه معجزة المعجزات","level":3,"page":112},{"title":"فضلا عن هذا التخطيط المنطقي والإسلوبي فقد اتبع الوحي مسلكا تربويا","level":3,"page":113},{"title":"الباب الثالث المصدر الحقيقي للقرآن","level":1,"page":115},{"title":"[الديباجة]","level":2,"page":116},{"title":"الفصل الأول البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية","level":2,"page":118},{"title":"البيئة الوثنية: صورتان من حياة العرب في الجاهلية","level":3,"page":118},{"title":"الحنفاء","level":3,"page":120},{"title":"الصابئون","level":3,"page":121},{"title":"البيئة اليهودية والمسيحية","level":3,"page":122},{"title":"رحلات الرسول ﷺ ومشاهداته (فرضان لا يعول عليهما)","level":3,"page":123},{"title":"الإتصال بالجموع المسيحية في سوريا","level":3,"page":124},{"title":"وصف المسيحية في ذلك الوقت بمعرفة الكتاب المسيحيين","level":3,"page":125},{"title":"الاتصال بالكتب المقدسة","level":3,"page":127},{"title":"هل كان محمد ﷺ يقرأ؟","level":3,"page":127},{"title":"عدم وجود توراة باللغة العربية في تلك الفترة","level":3,"page":129},{"title":"الاقتباس من الشعراء ومن الفكر الشعبي","level":3,"page":130},{"title":"تأملاته الفكرية الشخصية","level":3,"page":135},{"title":"ثمار تأملاته الشخصية","level":3,"page":135},{"title":"الفصل الثاني البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية","level":2,"page":137},{"title":"هل أثر إنتقال الرسول ﷺ إلى بيئة جديدة واتصاله بأهل الكتاب في سلوكه ومصدر علمه؟","level":3,"page":137},{"title":"تغيير الموطن","level":3,"page":137},{"title":"أخلاق اليهود في نظر القرآن","level":3,"page":138},{"title":"المعارضة الشعبية لنظامين مدنيين","level":3,"page":139},{"title":"الحرب وتعدد الزوجات","level":3,"page":139},{"title":"الادعاء باختلاف الأساس بين التعاليم المكية والمدنية في القرآن","level":3,"page":143},{"title":"القصص الديني اليهودي والمسيحي في القرآن","level":3,"page":144},{"title":"علاقة الأنساب بين العرب وبين إبراهيم وإسماعيل ﵉","level":3,"page":144},{"title":"موقف الإسلام من الأديان السابقة","level":3,"page":145},{"title":"عدد صلوات المسلمين","level":3,"page":145},{"title":"سن عاشوراء وتحويل القبلة","level":3,"page":146},{"title":"فكرة الله في مكة وفي المدينة","level":3,"page":146},{"title":"مصطلح النسخ في القرآن","level":3,"page":147},{"title":"علاقة ابن سلام وسلمان الفارسي ومريم القبطية","level":3,"page":151},{"title":"تطابق وليس اقتباس","level":3,"page":152},{"title":"خاتمة","level":1,"page":153},{"title":"نتيجة البحث السلبية عن مصادر طبيعية","level":2,"page":153},{"title":"الوحي نقطة تحول في علم الرسول ﷺ لا في خلقه","level":2,"page":153},{"title":"شهادة خصومه عن صدقه وإخلاصه","level":2,"page":154},{"title":"خصائص الوحي المتقطعة","level":2,"page":155},{"title":"من أين ينبع إذن هذا الوحي؟ أليس من أعماق نفسه؟","level":2,"page":156},{"title":"الوقائع تثبت العكس","level":3,"page":157},{"title":"القرآن لا يعكس شخصية الرسول ﷺ","level":2,"page":158},{"title":"التعارض بين موقف محمد ﷺ قبل وبعد كل تنزيل","level":2,"page":158},{"title":"اعتراف العلماء المسيحيين عن الإخلاص الشخصي للنبي ﷺ","level":2,"page":159},{"title":"هل هي أوهام لا شعورية؟","level":2,"page":159},{"title":"افتراض تعارضه مع الواقع","level":2,"page":160},{"title":"طريقة التحقق من صحة الوحي","level":2,"page":160},{"title":"التطابق الكامل لتعاليمه مع الحقيقة","level":2,"page":161},{"title":"وإليك ثلاث عينات","level":3,"page":161},{"title":"١ - في الماضي: حقائق دينية وأخلاقية وتاريخية","level":4,"page":161},{"title":"٢ - في الحاضر: حقائق علمية","level":4,"page":162},{"title":"٣ - في المستقبل: في التأكيد وفي النفي وفي الإغفال","level":4,"page":164},{"title":"منهج القرآن الكامل ينهض دليلا كافيا على مصدره الرباني","level":2,"page":166},{"title":"ملحوظة","level":1,"page":168},{"title":"المراجع","level":1,"page":169},{"title":"أ - المراجع العربية","level":2,"page":170},{"title":"ب - المراجع الأوروبية","level":2,"page":172}],"ٛ":{"1,5":1,"1,7":2,"1,8":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,21":13,"1,22":14,"1,23":15,"1,24":16,"1,25":17,"1,26":18,"1,27":19,"1,28":20,"1,29":21,"1,30":22,"1,31":23,"1,32":24,"1,35":25,"1,36":26,"1,37":27,"1,38":28,"1,39":29,"1,40":30,"1,41":31,"1,42":32,"1,43":33,"1,44":34,"1,45":35,"1,46":36,"1,47":37,"1,48":38,"1,49":39,"1,50":40,"1,51":41,"1,52":42,"1,55":43,"1,56":44,"1,57":45,"1,58":46,"1,59":47,"1,60":48,"1,61":49,"1,62":50,"1,63":51,"1,64":52,"1,65":53,"1,66":54,"1,67":55,"1,68":56,"1,69":57,"1,71":58,"1,73":59,"1,74":60,"1,75":61,"1,76":62,"1,77":63,"1,78":64,"1,79":65,"1,80":66,"1,81":67,"1,82":68,"1,83":69,"1,84":70,"1,85":71,"1,86":72,"1,87":73,"1,88":74,"1,89":75,"1,91":76,"1,93":77,"1,94":78,"1,95":79,"1,96":80,"1,97":81,"1,98":82,"1,99":83,"1,100":84,"1,101":85,"1,102":86,"1,103":87,"1,104":88,"1,105":89,"1,106":90,"1,107":91,"1,108":92,"1,109":93,"1,110":94,"1,111":95,"1,112":96,"1,113":97,"1,114":98,"1,115":99,"1,116":100,"1,117":101,"1,118":102,"1,119":103,"1,121":104,"1,123":105,"1,124":106,"1,125":107,"1,126":108,"1,127":109,"1,128":110,"1,129":111,"1,130":112,"1,131":113,"1,132":114,"1,133":115,"1,135":116,"1,136":117,"1,139":118,"1,140":119,"1,141":120,"1,142":121,"1,143":122,"1,144":123,"1,145":124,"1,146":125,"1,147":126,"1,148":127,"1,149":128,"1,150":129,"1,151":130,"1,152":131,"1,153":132,"1,154":133,"1,155":134,"1,156":135,"1,157":136,"1,161":137,"1,162":138,"1,163":139,"1,164":140,"1,165":141,"1,166":142,"1,167":143,"1,168":144,"1,169":145,"1,170":146,"1,171":147,"1,172":148,"1,173":149,"1,174":150,"1,175":151,"1,176":152,"1,177":153,"1,178":154,"1,179":155,"1,180":156,"1,181":157,"1,182":158,"1,183":159,"1,184":160,"1,185":161,"1,186":162,"1,187":163,"1,188":164,"1,189":165,"1,190":166,"1,191":167,"1,192":168,"1,193":169,"1,194":170,"1,195":171,"1,196":172},"ٜ":{"1":[5,196]},"ٝ":["1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,18","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,71","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,121","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,135","1,136","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196"],"ٞ":{"2":[1],"8":[2],"11":[3],"12":[4],"13":[5,6],"14":[7],"15":[8,9,10],"16":[11,12,13,14],"17":[15,16],"18":[17],"19":[18],"20":[19,20],"21":[21,22],"22":[23,24],"23":[25],"25":[26,27],"26":[28,29],"27":[30,31,32,33],"28":[34,35],"29":[36],"30":[37],"31":[38,39],"32":[40,41],"33":[42],"34":[43],"35":[44,45],"36":[46,47],"38":[48],"39":[49],"41":[50],"42":[51],"43":[52,53,54],"45":[55,56],"47":[57],"51":[58],"53":[59,60],"54":[61,62],"55":[63,64],"56":[65,66],"58":[67],"60":[68],"61":[69,70],"62":[71],"63":[72,73],"64":[74],"65":[75],"66":[76],"68":[77],"69":[78],"72":[79,80,81],"74":[82],"76":[83],"77":[84],"78":[85],"79":[86,87],"82":[88],"86":[89],"93":[90,91],"94":[92,93],"96":[94,95],"97":[96],"99":[97],"102":[98],"104":[99],"105":[100],"106":[101],"108":[102],"109":[103],"110":[104,105],"111":[106],"112":[107],"113":[108],"115":[109],"116":[110],"118":[111,112],"120":[113],"121":[114],"122":[115],"123":[116],"124":[117],"125":[118],"127":[119,120],"129":[121],"130":[122],"135":[123,124],"137":[125,126,127],"138":[128],"139":[129,130],"143":[131],"144":[132,133],"145":[134,135],"146":[136,137],"147":[138],"151":[139],"152":[140],"153":[141,142,143],"154":[144],"155":[145],"156":[146],"157":[147],"158":[148,149],"159":[150,151],"160":[152,153],"161":[154,155,156],"162":[157],"164":[158],"166":[159],"168":[160],"169":[161],"170":[162],"172":[163]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"INITIATION AU KORAN\n\nهذا الكتاب يمثل إحدى رسالتين باللغة الفرنسية نوقشتا فى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٤٧ بجامعة باريس، وبفضلهما نال المؤلف درجة الدكتوراه فى الآداب بمرتبة الشرف الأولى.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم الكتاب</span>\nهذا البحث هو موضوع الرسالة الفرعيّة من رسالتي الدكتوراه اللتين تقدم بهما فقيد الإسلام والعروبة، العالم الجليل، الدكتور محمد عبد الله دراز، باللغة الفرنسية، إلى جامعة باريس (السوربون)، ونال بهما درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى في صيف عام ١٩٤٧.\nوكان عالمنا الجليل قد سافر في عام ١٩٣٦ إلى فرنسا في بعثة أزهرية وبعد أن قام بدراسة الفلسفة وتاريخ الأديان وعلم النفس والأخلاق، اشتغل للتحضير لدرجة الدكتوراه. فكتب رسالتين: رسالة رئيسية عن «الفلسفة الأخلاقية في القرآن» ورسالة فرعية بعنوان «المدخل إلى القرآن الكريم» وهي التي نقدمها اليوم بين يدي القارئ، مترجمة إلى اللغة العربية.\nونأمل في تقديم الرسالة الرئيسية في فرصه قريبة، بعد أن نكون قد أتممنا ترجمتها ومراجعتها، وفقا لما كان يتمناه فقيدنا، بحيث تظهر أقرب ما يكون إلى فكره الدقيق، وأسلوبه الرصين، ودقته في مراعاة أصول البحث العلمي.\nويحتوي البحث الذي بين أيدينا على ثلاثة أقسام، قسم تاريخى وقسم تحليلي، وقسم نقدي جدلي. وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة ينقسم بدوره إلى ثلاثة فصول.\nويهتم الفصل الأول: من القسم التاريخي بإلقاء نظرة تاريخية عابرة على طفولة النّبى الكريم ﷺ وشبابه حتى بداية بعثته ﷺ، ونستخلص من هذه النظرة طابع الإخلاص المطلق الذي إتصف به الرسول ﷺ، والذى كان يوحي بالثقة الكاملة لكل من عرفه سواء من أصدقائه أو من أعدائه ﷺ. وتعتبر شهادة «أبي سفيان» في هذه النقطة وثيقة تاريخية ثمينة في مظهرها العربي والروماني على السواء ... وإن كانت مجهولة تماما في الكتب الأوربية. وإنها في صورة حوار قام","vol":"1","page":7},{"text":"فيه «أبو سفيان» بالرد على أسئلة محبوكة وجهها إليه الإمبراطور «هرقل» وكان أبو سفيان في ذلك الوقت، من أشد أعداء محمد ﷺ ضراوة وحنقا. وقد وصى المؤلف على نقل هذا الحوار بأكمله لأنه يوضح كثيرا من المسائل التي تناولها البحث.\nوفي الفصل الثاني: عرض المؤلف الظروف التي نزل فيها القرآن الكريم والظروف التي جمع فيها، ثم انتقل من خلالها حتى وصل إلينا. ويتضح من هذا البحث أن النص القرآني الذي بين أيدينا اليوم لا يرجع إلى الخليفة الثالث، عثمان بن عفان، كما يقال، ولا إلى الخليفة الأول أبي بكر، وإنما هو مطابق مطابقة حرفية للنص المكتوب بإملاء الرسول ﷺ والذي حفظ بعناية وتقديس في صدور الصحابة وقرائهم.\nوبعد أن حفظ النّص القرآني على هذا النّحو، بعيدا عن أي خلط أو شكوك إنتقل كما هو معلوم من جيل إلى جيل بأمانة وتقديس حتى وصل إلينا والدليل الذي يقطع بصحته يكمن في أنه رغم الخلاف الذي نزع بين المسلمين منكرا بسبب تباعد آرائهم السياسية، فقد ظل القرآن واحدا في العالم الإسلامي كلّه حتى بالنسبة للفرق الإسلامية الحانقة على الخلفاء الثلاثة الأول.\nأما الفصل الثالث: فيفند الخطأ الشائع الذي يزعم أن الإسلام يبيح نشر الدعوة بالقوة، واستطاع المؤلف أن يثبت ما يخالف ذلك، ويؤكد أن حرية العقيدة والدين هي من المباديء التي أرساها وعزّزها القرآن الكريم بصراحة ووضوح. فإنه لا يكره الضمائر، وإنما يتصّدى لكل من يحاول قهرها وإجبارها، فالحرب الشرعية المقدسة في نظر القرآن هي الحرب الدفاعية وإذا كانت هناك مخالفات لهذه القاعدة قد وقعت عبر التاريخ، فإنها، في الواقع لا تستند إلى حرفية النّص القرآني ولا إلى روحه فضلا عن أنها لم تكن السبب الرئيسي لانتشار الإسلام.\n*** وتقودنا خاتمة القسم الأول التاريخي، إلى القسم الثاني التحليلى حيث يحاول","vol":"1","page":8},{"text":"المؤلف إستخلاص الأفكار الرئيسية في الدعوة القرآنية من جانبها الديني، وجانبها الخلقي.\nفالإسلام في معناه الحرفي، هو الإيمان بالله والخضوع للإرادة الإلهية وهو بهذا المعنى لا يتعارض مع اليهودية ولا مع المسيحية، وإنه يدعو للإيمان بجميع الكتب المنزّلة وجميع الأنبياء إيمانا يضمّهم جميعا بتقديس واحد دون التمييز بين أي منهم.\nوالإسلام من هذه الناحية ليس دعوة جديدة، ولا حتى اصلاحا، وإنما مجرد عودة إلى الوحدة الأصلية. إنه الدين الأوحد الذي لم يأل الرسل ﵈ جهدا في الدعوة إليه منذ نوح وإبراهيم حتى موسى وعيسى ﵈.\nهذا فيما يتعلق بالحقيقة الدينية. ولا يختلف الأمر عن ذلك فيما يتعلق بالقانون الأخلاقي: فقد أقام جميع الرّسل ﵈ ميزان العدل، وكلهم أمروا بأن يفعلوا الخير ويحثوا على الخير. ولقد سن الصلاة والزكاة كل من إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وعيسى ﵈. كما كتب الصّوم على الأمم السابقة، وشرع إبراهيم ﵇ فريضة الحج. ولقد أدان كل من هود وصالح ﵉ حب قومه للأموال والمتع الدّنيوية والعدوان والفساد. وقاوم لوط ﵇ انحلال قومه وانغماسهم في الرذيلة، وقاوم شعيب ﵇ الغش في التجارة. فجميع الناس مرجعهم إلى الله، وستعرض عليه أعمالهم في الدّنيا سواءا في ذلك الرّسل ﵈ أم الشّعوب التي أرسلوا إليها.\nوفضلا عن إحياء السلوك القديم والتضامن الفكري الذي يجمع بين رسل الله جميعا ﵈، فإن القرآن يذكر دائما في كلا المجالين العقيدي والعملي ما في نفس الإنسان من عنصر مشترك: هو الحكم الفعلي والسليم الذي يميز به الإنسان الخير والشر.\nوهكذا نرى أن الدّعوة القرآنية دعوة عالمية في هدفها، وهي عالمية أيضا في أسلوب ووسائل الإقناع التي يتبعها القرآن لتحقيق هذا الهدف السامي.","vol":"1","page":9},{"text":"ولكن القرآن لم يأت فقط لتذكير الناس بالعقل السليم، ولإعادة الخلق القويم بينهم. فليست رسالته الوحيدة هي تعزيز الرسل السابقين ﵈ والربط بين دعواتهم بسياج الوحدة والتصديق عليها، بعد أن وفق بين عدد من أحكامهم التي كانت في الظاهر متعارضة. وإنما اضطلع القرآن، كتاب الإسلام، بمهام أخرى جديدة.\nأولا: أن يخفف عن الإنسانية بعض الشرائع القاسية التي كانت قد سنت بصفة مؤقتة كتكفير عن معاصي ارتكبت، وإعادة الأمور إلى نظامها الطبيعي الرحيم.\nثانيا: وبصفة خاصة إضافة تكملة ضرورية لكل ما سبق. ولقد اتضح من حصر بعض الأحكام في التوراة وفي القرآن أن كل مرحلة من مراحل الوحي الإلهي تعتبر - مع احتفاظها بما اكتسبته من المرحلة السابقة - تقدما ملموسا عليها. وساق المؤلف كثيرا من الأمثلة لهذه الخاصية التدريجية التقدمية، سواءا في الإنجيل بالنسبة للتوراة، أو في القرآن بالنسبة للكتابين السابقين عليه، ولا يعدو أن يكون هذا الحصر وهذه المقارنة إلا تعزيزا لكلمة الرسول ﷺ الخالدة «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».\n*** أما القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب، فقد كرسه المؤلف لدراسة، طريقة القرآن في إثبات ربانية مصدره. ولقد تركز هذا التدليل، بصفة خاصة، على النقاط التالية:\n١ - طابع الوحي المفاجئ وغير المنتظر. فمحمد ﷺ لم يدر بخلده أنه سيبعث رسولا، وبعد أن تلقى الوحي لم يكن يضمن استمراره.\n٢ - الجهل الذي كان فيه محمد ﷺ وشعبه ليس فقط فيما يتعلق بالقصص الديني وإنما في كل ما يتعلق بالإيمان والتشريع والكتب المنزّلة والسلوك الأمثل عند الله.","vol":"1","page":10},{"text":"٣ - حالة الأمية. إذ أن محمدا ﷺ لم يكن يقرأ أو يكتب.\n٤ - وكانت اللغة الأجنبية للأديان السابقة أمام النبي ﷺ حائلا طبيعيا يمنعه من الوصول إلى هذه المصادر، وأن يفهمها من نصوصها الشفهية.\n٥ - ومع ذلك: شهد العلماء المتخصصون في الكتب المنزلة السابقة بصدق ما جاء به محمد ﷺ عن كتبهم.\n٦ - أما بالنسبة لقومه الذين عاش بينهم عددا من السنين يعادل عمرا فقد أدركوا أنه ﷺ لم يكن ليأتي بهذا الكتاب من عنده.\n٧ - قوة أخلاقه ﷺ، وصدق إيمانه، وشعوره المرهف بمسؤوليته يوم القيامة، كلها حقائق لا تتفق مع إمكانية أن يخترع شيئا وينسبه إلى الله.\n٨ - وإذا نظرنا للقرآن في حد ذاته، وافترضنا أنه كان من نتاج بشري وأخذنا في اعتبارنا ضخامة محتواه وطول مدة نزوله، فقد كان من المحتم أن يتضمن بعض التصريحات المتناقضة، أو المتعارضة مع بعض الوقائع السابقة أو اللاحقة له.\n٩ - ولكن الحقائق التي يقدمها القرآن - حسب تعبيره - لا يمكن الطعن فيها من بين يديها ولا من خلفها، أي لا في الماضي ولا في المستقبل.\n١٠ - وأخيرا فليس من المستحيل أن يصدر القرآن عن قلب رجل، أو عن قلب رجال، وإنما إذا اجتمع عالم المنظور وعالم غير المنظور، وتضافرت جهودهم لإتيان شيء مثله، فلن يتمكنوا من ذلك أبدا. هذا التحدي الإلهي لم يهدمه أحد في الماضي، ولن يهدمه أحد في المستقبل. فلسنا نحن الذين نعلنه وإنما هو القرآن الذي يتولى الدفاع عن نفسه بنفسه.\n﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\n*** ومما يزيد في قوة الحجج والأسانيد التي يوردها الباحث الجليل، أنه لم يكتف","vol":"1","page":11},{"text":"في مناقشته لنقاط البحث المختلفة بالرجوع إلى نصوص القرآن، أو إلى ما أثر عن السلف الصالح وعلماء الفقه، بل وأنه كان - وفقا لطريقته في التعمق - يجهد عقله لكي يتصور ما قد يمكن أن يواجه من اعتراضات على ما يقدمه من حقائق، ويقلب كل مسألة من المسائل على وجوهها المختلفة، المحتملة منها وغير المحتملة، ويورد ما جاء بشأنها في كتب المستشرقين والفلاسفة والمفكرين الغربيين، ثم يرد عليهم بحجج عقلية من نوع حججهم فيكون في ذلك أبلغ الرد عليهم، وخير وسيلة لهدم دعاواهم.\nولا يسعنا في ختام هذا التقديم إلا أن ننوه بالجهد الذي بذله المترجم الأستاذ محمد عبد العظيم، الذي وضع ثقافته الدينية وإيمانه العميق إلى جانب تمكنه من اللغة الفرنسية، وجعل كل هذه العناصر في خدمة النص الفرنسي فجاءت ترجمته موفقه غاية التوفيق. كما أن حرصه على خدمه النص اقتضى منه إثبات الآيات القرآنية في مواضعها من الهوامش بالرغم من كثرتها، ولم ترد هذه الآيات في النص الأصلي إلا بأرقامها ومواضعها من السّور. كما أنه قام بتوثيق النصوص الأخرى التي وردت في الرسالة وذلك بالرجوع إلى مصادرها العربية في كتب الفقه والحديث.\nأما مراجعتنا للترجمة فقد كان هدفها الرئيسي أن يخرج الكتاب في صورة أكثر ما تكون مطابقة لفكر أستاذنا وأسلوبه وطريقته في التعبير. وقد كان ﵀ - حريصا على هذا المعنى - يريد أن يقوم بهذه الترجمة بنفسه، أو يعهد بها إلى أقرب الناس إلى فكره.\nفلعلنا بهذا العمل نكون قد قمنا بواجب الوفاء نحوه، ووفينا ببعض ما كان يهدف إليه من نشر العلم وخدمة الدين الحنيف.\nبنغازي في ربيع الأول ١٣٩١ هـ\n(مايو ١٩٧١ م)\nدكتور السيد محمد بدوي\nأستاذ علم الاجتماع\nبجامعة الإسكندرية - والجامعة الليبية","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة</span>\nنستطيع دراسة القرآن الكريم من زوايا جد مختلفة، ولكنها جميعا يمكن أن تنتهي إلى قطبين أساسيين:\nاللغة والفكر. فالقرآن كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت وبنفس الدرجة.\nفباعتباره كتاب لغوي وبلاغي تتطلب دراسته دراية واسعة وعميقة باللغة العربية التي أنزل بها نصه الأصلي. ولما كانت غالبية المجتمع الجامعي الأوروبي الذي نقصده أساسا بهذه الدراسة لم يألف هذه اللغة فسوف لا تتركز جهودنا على هذه النقطة. وإذا وضعناها أحيانا في الاعتبار، فسوف لا يكون ذلك إلا بصفة ثانوية، بوصفها وسيلة لزيادة تأثيره وتقوية سلطان التعاليم التي يتضمنها.\nأما جانبه الثاني فلا يتطلب من الدارس أن يكون عربيا أو متحدثا بالعربية ليضطلع بدراسة جدية ومثمرة للقرآن. أقصد بذلك هذا الكنز من الأفكار الذي يتكشف من ثنايا أسلوبه الأدبيّ الرفيع والذي سنعرض هنا لثلاثة مجموعات منه:\nالأولى - طبيعة دعوته، أي مجموعة الحلول التي يقدمها للمشكلتين الخالدتين ألا وهما «المعرفة» و«السلوك». ثم نعرض بعد ذلك أساليب الاقناع التي يستخدمها لإثبات صدق هذه الدعوة. وأخيرا البراهين التي يدلل بها على الطابع الرباني المقدس الذي ينعت به رسالته. فنستطيع إذن دراسة القرآن من هذه النواحي بعيدا عن نصه العربي إذا توفرت لنا ترجمة سليمة (^١). وهذه الدراسة المستقلة عن اللغة هي ما تهدف إلى الإسهام به عن طريق هذا البحث.\n_________\n(^١) رغم أنه لم توجد بعد ترجمة فرنسية للقرآن لا يشوبها خطأ إلا أنه يبدو أننا في سبيلنا للتوصل إليها، وباستخدام وتصحيح ترجمة «كازيمرسكي» وترجمة «بل - تدجاني» بعضهما ببعض يتوفر لدنيا عناصر غالبا ما تكون مطابقة للنص الأصلى، وعليه نحيل القاريء إلى هاتين الترجمتين - إن لم يتوفر له أحسن منهما - مع رجائنا أن يأخذ في اعتباره اختلاف أرقام الآيات بين جميع الترجمات وبين نص القاهرة العربي الذي نشير إليه هنا. (والأرقام الرومانية تشير إلى أرقام السور، والعربية إلى أرقام الآيات) ..","vol":"1","page":13},{"text":"وفي الحقيقة، كان الغرض الأساسي من هذه الدراسة استخلاص قانون الأخلاق القرآني بغض النظر عن كل ما يربط هذا القانون بباقي «الكتاب الرباني». ولكن قبل أن نستخلص هذه الخلية الحية من نظرية القرآن ونتناولها بالبحث كوحدة مستقلة (وهو العمل الذي خصصنا له مجلدا آخر) رأينا أنه من المفيد عرض الخطوط الرئيسية لهذا البناء الفكري في وحدتها التي لا تتجزأ وأن نوضح المكان الذي يحتله العنصر الأخلاقي من الإطار الكلي.\nولهذا سوف نلقي نظرة سريعة ولكنها عميقة على البناء القرآني لنستخرج الأفكار الرئيسية الموجودة في كل جزء من أجزائه، كما أن هذه النظرة ستكون شاملة بحيث تتضمن المظهر العام للمناهج المتبعة والأهداف المنشودة.\nوبعد عرض نقاط تاريخية لا غنى عنها - أضفناها بناءا على اقتراح وجيه من المسيو موريس باترونييه دي جانديّاك الأستاذ بالسوربون - فإن الموضوع الجوهري لبحثنا هو عرض رسالة القرآن في جملتها كما يعرضها القرآن نفسه لا كما وردت خلال الأحكام أو التفسيرات أو التطبيقات التي اختلفت نسبة إخلاصها عبر التاريخ، وسوف نقابل في طريقنا بشأن هذا الكتاب المقدس إما بعض الأحكام القاسية فنصححها أو بعض الاستنتاجات العاجلة فنقّومها، وفي كل هذا سنترك النص القرآني ليتولى الدفاع بنفسه عن نفسه ويقدم الحجة تلو الحجة، وتكاد وساطتنا تنحصر في الربط والتنسيق بطريقة منطقية بين أجزاء هذا الدفاع، تاركين للقارئ الفرصة ليقدر بنفسه قيمة هذه الحجج تاريخيا وفلسفيا.\nفالدراسة إذن دراسة موضوعية للقرآن بقدر ما يستطيع أي مفكر أن يتجرد من ظروفه الذاتية الخاصة. على أن ذلك قد لا يمنع أن ينعكس دور الدفاع الذي نقوم به على بعض عباراتنا فيصبغها بصبغة الحماس أو بلهجة الإقناع. ولكن ذلك لا يعدو أن يكون إنعكاس الأصل في المرآه وليس شيئا جديدا نابعا من طريقتنا في التفكير.\nوجدير بالملاحظة أن استخلاص فكرة القرآن من غلافها وإخراجها على هذا","vol":"1","page":14},{"text":"النحو من إطارها المحلي لتقريبها إلى الفكر الأوربي البعيد عن اللغة العربية ما هو إلا تحقيق لجزء من رسالته الحقيقية. لأن القرآن يقصد الإنسان حيث يكون وإلى أي جنس ينتمي. وذلك حين يوجه نداءه إلى العقل والذوق السليم والشعور الإنساني النبيل، إنها دعوة عالمية تهدف إلى تطهير العادات وتوضيح العقائد والتقريب بينها وإسقاط الحواجز العنصرية والوطنية وإحلال قانون الحق والعدل محل قانون القوة الغاشمة.\nوفضلا عن الإسهام في المجهود الفلسفي العالمي، نرى مدى العون الذي يمكن أن تقدمه دراسة مثل هذه المبادئ السامية، في زحمة هذا التسابق الضاري من أجل السيطرة ومن أجل القوة المدمرة التى تفسد عصرنا الحاضر.\nباريس في ٢١ فبراير ١٩٤٧ م محمد عبد الله دراز","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الأول حقائق تاريخية أولية</span>\nالفصل الأول: حياة الرسول ﷺ قبل البعثة\nالفصل الثاني: كيف جمع نصّ التنزيل الحكيم\nالفصل الثالث: كيف تم تبليغ المبدأ القرآني إلى العالم","vol":"1","page":17},{"text":"قبل أن نشرع في تحليل منهجي لكتاب الإسلام، نذكر بالظروف التي أنزل فيها والمراحل التي مر بها حتى وصل إلى أيدينا وسوف نسبق ذلك ببعض النقاط التاريخية المتعلقة بحياة الرسول ﷺ نظرا لارتباطها الوثيق بتاريخ القرآن.\nوأيا كان الاعتقاد في منشأ القرآن - قدسيا كان أم بشريا - فمن الثابت تاريخيا أنه يرجع إلى محمد بن عبد الله ﷺ. فإما أنه استقاه من أعماق نفسه ومن معارف بيئته كما يقول الكافرون، أو أنه تلقاه حرفيا بإملاء رسول سماوي وسيط بينه وبين الله كما يؤكد ذلك القرآن أكثر من مرة:\n﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (^١) ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\nوبما أن علمنا المحدود لا يستطيع أن يصعد إلى هذا المصدر البعيد عن الطاقة البشرية، فإننا على أي حال تلقيناه من محمد ﷺ في النهاية سواءا أكان مؤلفه الحقيقى أو مبلغه الوحيد إلى البشرية جمعاء.\n_________\n(^١) الشعراء: ١٩٣.\n(^٢) البقرة: ٩٧.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الأول حياة الرسول قبل البعثة</span>\nنظرا للارتباط الوثيق بين الرسول ﷺ ورسالته ولأن هذا الكتاب موجه أساسا إلى أوساط بعيدة عن تاريخ حياة الرسول العربي ﷺ، سوف نبدأ بتقديم صورة مصغرة لشخصية محمد ﷺ منذ طفولته حتى الوقت الذي كلف فيه ببعثته للبشر كافة.\nما هي إذن هذه الشخصية؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>نسبه ومولده:</span>\nينتمي محمد ﷺ إلى أسرة عريقة بمكة من قبيلة قريش من فرع بني هاشم التي غلب ورعها وتقواها على قوتها السياسية. وينسبه الأثر إلى نسل اسماعيل بن إبراهيم بعدد من الأجيال لم يتأكد لنا من عددها وأسمائها سوى واحد وعشرين جيلا حتى عدنان. أما باقي الأجيال فيحيطها الشك وعدم اليقين (^١):\nويجمع المترجمون لحياة الرسول ﷺ أنه ولد يوم الاثنين من الأسبوع الثاني من شهر ربيع الأول (^٢) من عام الفيل أي من تاريخ غزو الحجاز (الفاشل) الذي قام\n_________\n(^١) نعلم أن الرسول ﷺ كان يمتنع دائما عن الصعود في تسلسل نسبه أعلى من عدنان بل أنه كان يتهم بالافتراء النسابين الذين كانوا يخاطرون في هذا الطريق. فإذا أخذنا برواية لابن عباس (أنوار النبهاني ص ١٨) يكون بين عدنان واسماعيل ﵇ ثلاثين جيلا غير معروفة ويكون بذلك اسماعيل ﵇ في الجيل الواحد والخمسين من أجداد محمد ﷺ. إلا أنه من المتفق عليه بوجه عام أن عصر ابراهيم ﵊ بين القرن العشرين والقرن الثامن عشر قبل الميلاد فيكون إذن الفاصل بين اسماعيل ﵇ وعبد الله والد محمد ﷺ ٢٢٦٠ عاما (على فرض أن ميلاد اسماعيل ﵇ كان في ١٧٢٠ قبل الميلاد وميلاد عبد الله كان في ٥٤٠ بعد الميلاد). فمن الواضح إذن أن الواحد والخمسين جيلا التي تذكرها الرواية لا تملأ هذا الفراغ ما لم نعتبر الجيل ٤٤ عاما (بدلا من ٣٣ عام في المتوسط).\n(^٢) مع أن المؤرخين يجمعون على يوم الاثنين من الأسبوع الثاني فإن الروايات تتردد بين يوم ٨، ١٠، ١٢ من هذا الشهر، ويحدد محمود باشا الفلكي - في كتاب «التقويم العربي قبل الإسلام» ص ٣٨ - تاريخ ميلاد الرسول ﷺ يوم ٩ من ربيع الأول على وجه التحديد الذي يوافق عنده ٢٠ ابريل ٥٧١ من التقويم القيصري  Julienne  ويتفق بذلك مع سيلفستر دي ساسي \"  silvestre de Sacy ''  فإذا أخذنا في -","vol":"1","page":21},{"text":"به «أبرهه» أمير اليمن في ظل حكم الدولة البيزنطية بقوة من جيشه اشترك فيه أكبر أفيال مملكة الحبشة. ويذكر أوثق العلماء أن هذا التاريخ يوافق العام الثالث والخمسين قبل الهجرة أي ٥٧١ ميلادية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>طفولته وشبابه:</span>\nلقد ولد محمد ﷺ يتيما (^١) فقد مات أبوه عبد الله قبل مولده بسبعة شهور.\nوعهد به إلى مرضعة بدوية هي حليمة من قبيلة بني سعد حتى بلغ الرابعة، كما كان يقضي العرف عند أشراف مكة بإرسال أولادهم لينشأوا في جو الصحراء النقي. ثم تولت أمه تربيته بمعاونة مربية هى أم أيمن لكنه لم يستمتع بحنان الأمومة طويلا إذ ماتت أمه ﷺ وهو فى السادسة من عمره واستقبله جده عبد المطلب وآثره بحنانه وعطفه وتنبأ له بمستقبل عظيم. ولم يكد محمد ﷺ يبلغ الثامنة حتى فقد جده، فتولى رعايته عمه عبد مناف الملقب بأبى طالب الذي أولاه حبا أبويا خالصا رغم أنه لم يكن ميسور الحال لكثرة عياله وقد لاحظ رخاءا نسبيا فى داره من يوم أن دخلها هذا الصبي فكان يحرص على أن يكون محمد ﷺ بجواره دائما وبشعور متبادل كان الصبي لا يصبر على البعد عن عمه. ولهذا نرى محمدا ﷺ (وهو في الثانية عشر من عمره) يصحب عمه في رحلته إلى سوريا عام ٥٨٢ طلبا للتجارة.\n_________\n(^٢) - اعتبارنا أن تحديد الأيام الأولى من الشهور العربية لا يخضع للتوافق الفلكي للقمر مع الشمس ولا لإمكانية وضوح رؤية الهلال، وإنما يتوقف على عامل متقلب يتبع الظروف الجوية المحلية وهو أول ظهور فعلي للهلال بعد غروب الشمس، نفهم بسهولة أسباب تردد المترجمين القدامي في تواريخ هذه الأيام. أما فيما يتعلق بتوافق التاريخ القمري والتاريخ الشمسي فإن المؤرخ الفرنسى (كوسان دي برسفال) يعطينا رقما مخالفا لما سبق لأنه ابتدأ بافتراض أن اختلالا طرأ على التقويم العربى قبل الرسول ﷺ بقليل ولولا تدخل الرسول ﷺ لاستمر إلى ما بعد ذلك ولهذا اعتقد هذا المؤرخ العظيم أنه يستطيع تحديد ميلاد الرسول ﷺ بيوم ٢٩ أغسطس ٥٧٠ من التقويم الميلادي (انظر  Caussin de Perceval -  دراسة عن تاريخ العرب المجلد الأول ص ٢٨٣). (Essai sur i'Histoire des Arabes) .\n(^١)  أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى [صورة الضحى: ٦].","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>رحلته الأولى إلى سوريا واتصاله بالراهب بحيرى:</span>\nوترجع إلى هذه الرحلة القصة المشهورة لأول إتصال لمحمد ﷺ بالأوساط الدينية في شخص الناسك المسيحى بحيرا في بصرة (بسوريا) فيحكى لنا الأثر أن هذا العابد لاحظ بعض العلامات المنصوص عنها في الكتب المقدسة تصاحب القافلة فدعاها إلى طعامه وشرع في فحص وجوه القوم ومضاهاة علاماتها بما لديه من وثائق. فلم يستدل على شيء وأخيرا عند ما تحدث إلى محمد الشاب ﷺ الذي وصل متأخرا اقترب من أبي طالب وقال له: «هذا الشاب سيقوم بدور عظيم في العالم فأرجعه إلى بلاده على عجل واسهر عليه واحذر عليه من اليهود الذين قد يوذونه لو علموا منه ما أعلم» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>مشاغله الأساسية:</span>\nولا نعرف سوى تفاصيل قليلة عن حياته ﷺ منذ ذلك التاريخ حتى تاريخ زواجه. وعموما فقد قضى شبابه في حالة قريبة من الفقر. ويؤيد القرآن (^٢) ذلك والسنة توضحه. فبعد أن مات أبوه وعاش في كنف جده لم يرث من أمه سوى أمة سوداء وقطيعا من الغنم وخمسة جمال. والعمل الذي زاوله في تلك الحقبة كان في الغالب رعي الغنم الذي يقول الرسول ﷺ عنه إنه كان عمل الأنبياء ﵈ من قبله مثل موسى وداود وغيرهما ﵈.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>صفاته الخلقية:</span>\nوكان يتميز ﷺ بين أترابه الفتيان بخلقه الرفيع وبصفة خاصة بحيائه الشديد وبعده عن اللهو الرخيص وبعفته المطلقة. وكان يجذب اهتمام كل من تعامل معه فأكسبه ذلك ثقة كبيرة في قلوب الناس مما برر تسميته «بالأمين».\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام، مجلد ١، ص ١١٥.\n(^٢) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (سورة الضحى آية ٨).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>حلف الفضول:</span>\nومثل هذه الخصال تنبيء عن صاحبها في المجتمع فنراه وهو في ريعان شبابه يدعى لمجالسة رؤساء القبائل الموقرين في حلف الفضول (^١). وبقدر ما كان زواجه في سن الخامسة والعشرين فرصة لرفع مستواه المادي فقد كشف أيضا عن صفات حميدة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>رحلته الثانية:</span>\nفقد كلفته خديجة الأرملة الثرية الشريفة النبيلة وهي في الحلقة الرابعة من عمرها بمهمة تجارية إلى الشام فأنجزها بذكاء ونزاهة مما أكد عندها أحقيته باسم الأمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>زواجه من خديجة:</span>\nورغم الفارق المادي الشاسع بينهما فقد فاتحته في أمر الزواج الذي قبله رغم تباين السن، وظلت بعد ذلك زوجته الوحيدة طوال ربع قرن لم يفرق بينهما سوى الموت. وظل الوفاء لذكراها يثير غيرة زوجاته فيما بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أولاد الرسول ﷺ:</span>\nلقد كان زواجهما من أوفق الزيجات وأثمرها فقد أنجبت له ولدين هما القاسم وعبد الله اللذين توفيا في سن الطفولة (^٢) وأربعة بنات اعتنقن الإسلام هن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.\nوستكون الأخيرة زوجة علي بن أبي طالب (رابع الخلفاء الراشدين) وتزوجت الاثنتان السابقتان على التوالي عثمان بن عفان (ثالث الخلفاء الراشدين). أما زينب فقد تزوجت قبل الإسلام بابن عمها أبي العاص الذي اعتنق الإسلام فيما\n_________\n(^١) كلمه فضول معناها: «التوسط للمساعي الحميدة». وكان هذا الحلف المكي يستهدف مساندة الضعفاء ورد الظلم عن المظلومين وإقرار السلام بين القبائل والتصدي لمن يحاول العبث به ..\n(^٢) ولقد رزق الرسول ﷺ فيما بعد بالمدينة بولد هو ابراهيم بن مريم القبطية الذي مات أيضا قبل وفاة أبيه بشهور (أنظر محمود باشا الفلكي، الكتاب السابق ص ٧).","vol":"1","page":24},{"text":"بعد، وماتت قبل وفاة النبي ﷺ بعامين عن ابنتها «أمامة» التي تزوجت «عليا» بعد موت فاطمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>مشاعره الأبوية:</span>\nوكان محمد ﷺ أبا حنونا وزوجا وفيا أبدى عاطفة متدفقة نحو أولاده وأحفاده. إذ كان يسير عدة كيلومترات على أقدامه لمجرد أن يراهم ويضمهم إليه ويقبلهم عند المراضع. وكان يتركهم يعتلون ظهره أثناء الصلاة كما كان يقطع خطبته لكي يستقبلهم ويجلسهم إلى جواره على المنبر. ونقاشه مع رجلين من بني تميم عن العاطفة الأبوية (^١) معلوم في السيرة.\nوبعد أن تحقق له الثراء ظل على بساطته وزهده في الأكل ولم يستفد من سعة رزقه إلا ليوسع دائرة السعادة من حوله. فوفاءا لدين عمه عليه واعترافا بجميله نحوه عندما رعاه في طفولته أخذ على عاتقه تربية ابن عمه الأصغر علي الذي زوجه ابنته فاطمة أصغر بناته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ترميم الكعبة:</span>\nوكان أهم الأحداث التي وقعت بين تاريخ زواجه وتاريخ بعثته وهو في الخامسة والثلاثين وقت ترميم الكعبة. فلأهمية هذا الصرح الذي كان بمثابة المعبد الوطني للجزيرة العربية كانت كل القبائل العربية تبدي له كل تقديس رغم اختلاف عقائدها. لهذا نراها جميعا تحرص كل الحرص على أن تنال شرف المشاركة في أعمال إعادة بناء الكعبة، ولقد توصلت بفضل تقسيم العمل بينها على تحقيق مطالب الجميع حتى وجد المتنافسون أنفسهم أمام العمل الذي لا يتجزأ وهو إعادة\n_________\n(^١) البخاري عن أبي هريرة كتاب الأدب باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ج ١٣ ص ٣٦ - ورد ذكر مناقشتين في هذا الموضوع. الأولى مع الأقرع بن حابس التميمي عندما رأى الرسول ﷺ يقبل حفيده الحسن فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد وما قبلت منهم أحدا فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: من لا يرحم لا يرحم، والثانية: عندما جاء أعرابي إلى النبي فقال تقبلون الصبيان فما نقبلهم فقال النبي ﷺ: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة.","vol":"1","page":25},{"text":"وضع الحجر الأسود في مكانه. فلم يرض أحد عن التنازل عن حقه في رفع الحجر ولم يستطع أحد أن يمنع تفاقم النزاع. ومع ذلك وقبل الالتجاء إلى السلاح عقد اجتماع أخير تقرر فيه الاحتكام في هذا الموضوع إلى أول شخص يدخل الرحاب المقدسة للكعبة من باب بني شيبة.\nولقد شاءت الأقدار أن يكون هذا الشخص هو محمد ﷺ. فلما رآه الناس يدخل صاحوا «الأمين ... الأمين» ولم يخب أملهم في انتظار الحل العادل. فقد أسرع محمد ﷺ - في بديهته اليقظة ونزاهته المعهودة - بأن بسط رداءه على الأرض ووضع بيديه الحجر الأسود وسط الثياب ثم طلب إلى رؤساء القبائل أن يمسك كل منهم بطرف الثوب وأن يرفعوه معا إلى المستوى المطلوب. وعندما وصلوا بالحجر إلى المكان المخصص له أخذ محمد ﷺ الحجر بنفسه ووضعه مكانه، فساد الرضا بين جموع الحاضرين واستتب السلام بين القبائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>صورته الخلقية والخلقية:</span>\nوفي هذه السن كان محمد ﷺ قد اكتمل جسمه وعقله وخلقه وظل هذا الكمال ملازما له حتى نهاية حياته. ولقد كانت قامته أكثر قليلا من المتوسط وكان قوي البنية عريض الصدر والأكتاف كبير الرأس عريض الجبين الذي تعلوه السكينة، فمه واسع وأسنانه بيضاء منفصلة قليلا ولحيته غزيرة وشعره أسود مجعد يسقط إلى ما تحت أذنيه؛ كان أسود العينين وبالقرنية شعيرات حمراء وبشرته بيضاء تميل إلى اللون الوردي، كانت مشيته خفيفة مهيبة كأنه ينحدر من جبل؛ ملبسه بسيط ونظيف ومرتب، زهده نادر ولكنه لا يرفض الطعام الطيب إذا سنحت لذلك فرصة تلقائية، صبور في احتمال الآلام والتعب من غير أن يقصدها؛ قليل الحديث ولكن هذا الإقلال لا ينقص من طلاوة حديثه ولا من إحساسه بالمرح البريء، وعندما صار رئيسا وحيدا للدولة لم تغره خيرات الدنيا ومتعها؛ فقد أبعد عن أهله وعن نفسه عن اقتناع كل أنواع الترف مهما كانت وعارضته زوجاته معارضة صريحة عندما رفض إجابة بعض مطالبهن المادية راغبات","vol":"1","page":26},{"text":"في الحياة الدنيا وزينتها (^١). أما القليل الباقي في حوزته بعد وفاته فلم يورّث لأهله وإنما وزع على الفقراء.\nولقد تفوق الرسول ﷺ بصفة خاصة في الفضيلة الاجتماعية إذ وهب لينا ورقة لم تغادراه حتى وهو في أوج سلطانه. فلا يعنف محدثه مهما كان؛ ولا يعجل إنهاء حديثه؛ ولا يكون البادئ بسحب يده من يد من يصافحه ومع حزمه ونزاهته في إقامة العدل بين الناس كان متسامحا فيما يتعلق بحقوقه الشخصية.\nيقول أنس بن مالك أحد خدمه إنه طوال عشر سنوات خدمه فيها لم يعاقبه مرة ولم يسأله عن سبب ما فعل أو ما لم يفعل.\nوإن كان قد نجح في أن يعيش في سلام مع سائر الناس حتى ذلك الوقت لأنه عرف كيف يستحوذ على حب وإعجاب كل من عاشره، فإنه لن يلبث أن يثير ضده عداوة ومعارضة من ظلوا يكنون له الحب. فقد اقترب الآن من الحلقة الرابعة من عمره وأصبح مقبلا على حدث جليل سوف يعطي لسلوكه اتجاها جديدا ويعتبر بحق تغييرا حقيقيا لمجرى التاريخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>أول مظاهر بعثته:</span>\nوأول أعراض بعثته النبوية كما جاء في رواية عائشة أن كل ما كان يراه في منامه كان يتحقق بدقة وبوضوح مثل فلق الصبح في اليوم الثاني. وبعد ذلك بدأ يميل إلى الخلوة والوحدة. فاختار مكانا لخلوته في جبل حراء أو جبل النور في شمال مكة. وهناك بعيدا عن مجتمع مكة الوثني الفاسد وبعيدا عن المشاغل الدنيوية كان يحب أن يخلو إلى نفسه (^٢) في غار يطل على الكعبة وعلى الأفق المترامي خلفها على مدى البصر.\n_________\n(^١) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (الأحزاب آية ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) لا تحدد رواية البخاري، عن عائشة كتاب بدء الوحي باب بدء الوحي ج ١ ص ٢٤، مدة هذه الخلوة وإنما أوضحت أن محمدا ﷺ في وحدته كان يتحنث الليالي ذات العدد وكلما نفذ طعامه يرجع إلى أهله ويتزود، أما ابن اسحق فيذكر أن مدة الخلاء المتقطعة كانت شهرا ..","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>أول اتصاله بروح القدس:</span>\nوفي إحدى الليالي ووسط السكون المطبق من يوم ١٧ من شهر رمضان كما يقول ابن سعد (فبراير ٦١٠ من التقويم الميلادي) دخل محمد ﷺ في أول اتصال له مع ما وراء الكون. فمر بأول تجربة له مع الوحي الحقيقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>بداية الوحي:</span>\nولقد نقل إلينا بنفسه أطوار ما حدث على شكل حوار بينه وبين جبريل ﵇، بين التابع والمربي. قال جبريل: اقرأ، قال محمد ﷺ مندهشا: ما أنا بقاريء، فكرر جبريل قوله «اقرأ» بعد أن ضمه إليه ضمة شديدة، قال محمد:\nماذا أقرأ! ولقد تكرر نفس الأمر مع ضمة أشد من الضمة الأولى، كما لو كان المقصود منها إثارة انتباهه والتمكين في نفسه لمعاني الجدية التي تتطلبها التبعة الثقيلة التي سيكلف بها. ولكن صاحبنا المتبتل يتساءل في هلع: «كيف أقرأ» وهنا يقرأ عليه الملك:\n﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (^١) [سورة العلق: ١ - ٥].\nوثبتت هذه الكلمات الكريمة في ذاكرته؛ وأخذ يرددها لنفسه بينما اختفي الملك. وعندما خرج محمد ﷺ من الغار عائدا إلى داره سمع صوتا يناديه. فرفع رأسه إلى السماء وإذا بالملك ذاته يغطى الأفق ويقول: «يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل» ولم يستطع أن يحول نظره. أو يتقدم أو يتأخر، فلم يكن يحدق في أي نقطة في السماء إلا ويراه أمامه، واستمر ذلك لمدة من الزمن ثم لم يعد يرى شيئا.\n_________\n(^١) نذكر هنا أن هذه الآيات وهي أول نبع من الوحي القرآني توضح بدقة أن المقصود هو الإعلان عن علم لم يحصل بعد وإنما سوف يتلقاه محمد مستقبلا بفضل كرم الله الخالق. ومن الجلي أن التعبير كان يخالف ذلك تماما لو أن الوحي كان ثمرة لدراسة طويلة وناضجة كما يحب البعض تفسيره.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>تأثيره على الرسول ﷺ:</span>\nقد يكون الاضطراب الذي أصاب محمدا ﷺ من هذه التجربة السمعية والبصرية الجديدة قد أوجد عنده بعض الشك حينا في حقيقة صوت الملك أو بعض الخوف من أن يكون قد أصابته مسة شيطانية وهو الذي لم يمقت شيئا كمقته للسحرة والكهنة فكان يخشى أن يكون قد أصبح واحدا منهم. وقد لا يبعد عن الحقيقة أن الآلام البدنية التي نتجت عن هذه المقابلة تشبه آلام الموت وقد يكون قد تصور أنه مات من شدتها. وبهذا الاضطراب المعنوي والبدني عاد محمد ﷺ فورا إلى بيته تهزه حمّى باردة وطلب من أهله أن يدثروه بغطاء ثقيل حتى يذهب عنه الخوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>مواساة خديجة ورأي ورقة بن نوفل:</span>\nوعندما أنهى إلى خديجة ما حدث وأبدى لها مخاوفه واضطرابه بذلت وسعها في تطييب خاطره في أطيب حديث وأجمل مواساة: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضعيف وتعين على نوائب الحق» (^١).\nولما لم تستطع أن تعطي له تفسيرا موضوعيا وأكيدا عن طبيعة هذه الظاهرة لجأت إلى من هو مختص في الموضوع لاستشارته. وقررت أن تذهب معه إلى ابن عمها «ورقة بن نوفل» وهو عجوز كفيف قد تنصر بعد أن أمضى حياته في المطالعات العبرية وفي علوم الكتب السماوية السابقة. فقال لهما: «هذا هو الناموس (^٢) الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جزعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال الرسول ﷺ: أو مخرجي هم. قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري عن عائشة كتاب الوحي باب بدء الوحي ج ١ ص ٢١.\n(^٢) معنى الناموس الوحي أو القانون السماوي.\n(^٣) رواه البخاري عن عائشة كتاب الوحي باب بدء الوحي ج ١ ص ٢١.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>فتور الوحي وانقطاعه مؤقتا:</span>\nولكن حياة ورقة لم تدم طويلا وإن كانت هذه الكلمات المطمئنة قد ألقت ضوء الأمل في هذه النفس القلقة لهذا الإنسان الشغوف بالعلم والباحث عن الوضوح واليقين، أي هذه العقلية الموضوعية، وسوف نرى أن هذا الأمل لم يكن قويا ولم يدم طويلا. إذ كان طبيعيا أن يتصور محمد ﷺ تحقق هذا العلم الموعود، الذي أعلنه له صوت الحق، في الأيام التالية. فكان يعود دائما في طلب الدرس الثاني في ذات المكان الذي تلقى فيه الدرس الأول. وكان يجلس مجلسه الأول ويجوب الجبل ويدور بنظره في كل اتجاه والأيام تتلو الأيام والأسابيع تتوالى والشهور تتبع الشهور ومضى العام وبدأ العام الثاني، وكما يقول الشعبي ثم الثالث أيضا وهو في انتظار مجيء الملك. وفي كل مرة يصل فيها إلى حافة اليأس كان يرى ويسمع «يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل» كانت هذه الكلمات تلقي في نفسه شيئا من السكينة إلا أن الوحي الحقيقي كان يطول انتظاره فيغمره الحزن والضيق من جديد. فقال بعض الناس: لم يكن ذلك إلا لوثة من الجنون.\nوافترض آخرون فيما بعد أن الأمر كان يتعلق فعلا بمنحة سماوية عظيمة، إلا أن ما أظهره محمد ﷺ من ضعف الاحتمال جعله يبدو كما لو كان غير جدير بهذا النداء الرباني فنزلت آيتان (^١) (¬،٢). لتردا عنه هذه المخاوف ولكنهما لم تمنحاه التعاليم المنتظرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>استئناف الوحي بوصفه رسولا بالإضافة إلى وصفه نبيّا:</span>\nولقد شارف محمد ﷺ عامه الرابع والأربعين. وكان يسهر شطرا طويلا من الليل انتظارا لهذا القول «الثقيل المترقب»، بل لقد تعود منذ مقابلة الوحي الأولى أن ينعزل في جبل حراء في نفس الفترة في شهر رمضان وأخيرا عندما أتم عزلته\n_________\n(^١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: ٢] ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى - ٣].\n(^٢) يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) [المزمل: ١ - ٥].","vol":"1","page":30},{"text":"وشرع في نزول الجبل من الجانب المطل على مكة سمع صوتا يناديه فالتفت يمينه ويساره وخلفه فلم ير شيئا، فرفع بصره إلى السماء فرأى الملك الذي رآه من قبل على جبل حراء ولكن مفاجأة ظهور الملك والضخامة العظيمة لهذا المخلوق السماوي أذهلته حتى لم تقو رجلاه على حمله، فارتعد من الخوف (وقد يكون أيضا من برد شهر يناير وأسرع عائدا إلى خديجة يطلب منها الرعاية السابقة. إلا أن زائره الكريم لحق به إلى البيت حاملا إليه الحكم الذي يكلفه بمهمته الثانية:\n﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة المدثر: ١ - ٢]. منذ ذلك الوقت لم يقتصر دور محمد ﷺ على أن يتلقى تعاليم ربه فحسب وإنما عليه أيضا أن يبلغها إلى الناس كافة، فدور الرسول ﷺ قد أضيف إلى دور النبوة.\nلقد رأينا كيف أنه في خلال هذين التكليفين كان الوحي منقطعا وبطيئا بل وقليلا، ولكن ما أن بدأ التكليف بالرسالة، حتى أصبح الوحي ينزل على الرسول ﷺ لا أقول بصفة منتظمة وفي فترات متقاربة وإنما بنوع من الاتصال ومن غير أن ينقطع مثل الإنقطاع السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>التوافق بين التقويم الهجري والتقويم الميلادي:</span>\nفعام ٦١٢ الميلادي هو نقطة انطلاق رسالة الإسلام، ويجيء تاريخ الهجرة (^١)\nليقسم فترة الرسالة إلى قسمين متساويين تقريبا منها عشر سنوات في مكة مسقط رأس الرسول ﷺ، وعشر سنوات في المدينة محل إقامته الجديد حيث توفي في\n_________\n(^١) الهجرة معناها قطع العلاقات والابتعاد عن اختبار، وإن كانت أسباب ذلك غير اختيارية، فمن المعلوم أن محمدا ﷺ وهو يبلغ رسالته - اضطر إلى أن يرحل عن وطنه في اليوم السابق لمؤامرة كانت تهدف القضاء عليه، واستقر به المقام بالمدينة حيث وصل في بداية شهر ربيع الأول (يوم ٢ أو ٨ أو ١٢ لاختلاف المؤرخين) ولقد حدد الفلكي المصري السابق ذكره اعتمادا على وثائق عديدة - يوم الهجرة بيوم الاثنين ٨ من ربيع الأول الموافق ٢٠ سبتمبر عام ٦٢٢ بعد الميلاد إلا أنه يجب ألا يغيب عن بالنا أن التقويم الإسلامي بدأ من السنة القمرية التي تمت فيها الهجرة وليس في يوم هجرة الرسول ﷺ أي أنه بدأ قبل ذلك بشهرين وعدة أيام أي في يوم أول محرم الموافق ١٥ أو ١٦ يوليه عام ٦٢٢ ميلادية ولما كانت السنة القمرية الكبيسة تساوي ٣٥٥ يوما فقط وأن مجموع ٣٣ سنة قمرية يعادل ٣٢ سنة شمسية تقريبا فيمكن تحويل التاريخ الهجري (هـ) إلى تاريخ ميلادي (م) أو العكس باستخدام إحدى المعادلتين التاليتين: م - (هـ + ٦٢٢ - هـ / ٣٣ هـ - م - ٦٢٢ + م - ٦٢٢ ٣٢/ ٣٣).","vol":"1","page":31},{"text":"١٢ أو ١٣ من ربيع الأول عام ١١ هجرية (٧ أو ٨ يونيو ٦٣٢ ميلادية) بعد أن بلغ من العمر ثلاثة وستين عاما قمريا بالكامل أي أكثر قليلا من واحد وستين عاما شمسيا (^١).\nولا شك أن من الأمور الطريفة حقا متابعة الرسول ﷺ في نشاطه الدؤوب وفي رسالته الهادية طوال العشرين سنة والتي نتج عنها ثورة من أكبر الثورات الحضارية التي عرفتها البشرية. ولكن لما كان الهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو دراسة تحليلية للبناء القرآني ذاته ونظرا لأننا قد تناولنا بالدراسة حياة محمد ﷺ حتى بلغنا نقطة التقاء الرسول ﷺ برسالته، نستطيع الآن أن نتناول بالبحث الكتاب الذي تركه لنا، وسوف نتناول في الفصل التالي كيفية تكوين هذا الكتاب الكريم وتنظيمه وحفظه وتناقله عبر التاريخ.\n***\n_________\n(^١) في مقال بعنوان «عمر محمد ﷺ» (بالجريدة  Journal Asiatique  عدد مارس/إبريل ١٩١١) حاول  H.Lammens  أن يخفض سن النبي ﷺ بعشر سنوات دون أن يأتي على ذلك بدليل قوي فقد بدا له أنه خارق للعادة أن يتوفر لرجل تجاوز الخمسين من عمره من النشاط والقوة ما يلزمه ليخلق لنفسه وضعا جديدا في الحياة. فرغم اعتراف الرسول ﷺ نفسه «ولدت في زمن الملك العادل كسرى» «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» ورغم شهادة الصحابة الصحيحة: معاوية وابن عباس وعائشة ... ورغم الوقائع التاريخية المتفقة مع المراجع الأوروبية والفارسية والعبرية المختلفة يحلو لهذا الكاتب أن يعارض ذلك كله ببعض المعلومات المستقاة من كتاب مجهول مؤلفه وبعض الروايات المشبوهة والمتناقضة فيما بينها\nويحاول أن يضع بعض علامات الاستفهام ليس فقط عن سن الرسول ﷺ وإنما عن حياته برمتها وكل ما يتعلق بها. فيدعي أن التواريخ والوقائع والشخصيات وكل ما ورد في الأثر الصحيح مشكوك فيها ومسوقة بتقدير سابق وبتلفيق في التفسيرات والنصوص وموفقة بطريقة مقصودة وإن علم الاستشراق ذاته يكون قد ضل في طريق خاطئ بفعل المؤرخين العرب. هل يكترث العلم بمثل هذه المشاركة السلبية أو الهدامة على الوجه الأرجح؟ ولا يكمن الخطر في لهجة الكاتب الساخرة فحسب، حيث تغمر السخرية كل خطوة من خطواته وراء نزعته إلى الشك المريض الواهي من أساسه وإنما أخطر من ذلك تحيزه في تطبيق نزعته في الشك، فبمجرد أن يجد رأيا في غير صف الرسول ﷺ وإن كان تافها أو مصادما للمعقول ينقلب شكه فجأه إلى يقين وتأييد. إنه تحامل حقود لا يخجل من التحدث باسم النقد العلمى بما يناقض المنطق ذاته.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الفصل الثاني كيف جمع نصّ التنزيل الحكيم</span>\nيقع القرآن الذي بين أيدينا اليوم في مجلد واحد. ويتكون في طبعته العادية من حوالي خمسمائة صفحة (بكل منها ١٥ سطرا) وينقسم إلى ١١٤ سورة مختلفة الأطوال. فبعد الفاتحة المكونة من خمسة سطور تتدرج السور في ترتيبها بوجه عام (^١) حسب طولها، فالسور الطويلة في البداية (^٢) ثم المتوسطة ثم القصيرة (وبعضها لا يتعدي السطر الواحد). وتكثر علامات التشكيل والعلامات الصوتية والإملائية وعلامات الوقف لترشد القارئ في نطقه ووقفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>مظهر التجزؤ من الأهمية التي كان يثيرها كل جزء منزل بين الخصوم وبين الأتباع:</span>\nولم يكن القرآن على هذه الهيئة في حياة الرسول ﷺ. فإن كان النص مطابقا تماما لما أملاه الرسول ﷺ لكتبة الوحي، فإن الشكل الخارجي قد طرأ عليه تغيير كبير. إذ لم يكن هناك ما تطلق عليه كتابا أو مجلدا. وكما اتضح لنا من الأمثلة التي أوردناها في الفصل السابق، فقد نزل القرآن أجزاءا متفرقة تتباين أطوالها من سورة كاملة إلى آية واحدة وأحيانا إلى جزء من الآية. وكان الرسول ﷺ يتلو كل جزء ينزل عليه ويعلمه للسامعين ليصل عن طريقهم إلى من لم يسمعه من فم الرسول ﷺ مباشرة. وكان الناس جميعا ينتظرون الوحي بشغف، ويتمنون أن يتلقوه فور نزوله. كما أن أعداء الرسول ﷺ أنفسهم الذين لم يكونوا يهملون\n_________\n(^١) الواقع أن هذا الترتيب غير متبع بدقة إذ توجد استثناءات كثيرة فيفهم من ذلك أن هناك حكمة أبعد اقتضت هذا الترتيب.\n(^٢) ولهذا تجدسورة البقرة وهي السورة الثانية - الأولى بعد الفاتحة أكبر سور القرآن على الإطلاق وتبلغ أربعين صفحة.","vol":"1","page":35},{"text":"شأن القرآن، كانوا يحرصون على سماعه إما للبحث عن نقط ضعف فيه تعينهم على مغالبته أو مهاجمته، وإما لإشباع حاجتهم الملحة في التذوق الأدبي، ويمكننا أن نتصور إذن مدى الاهتمام الذي كان يثيره القرآن في نفوس المؤمنين، فقد كان بالنسبة إليهم غذاء الروح وقاعدة السلوك ونصوص الصلاة وأداة الدعوة إلى الإسلام، كان نشيدهم وتاريخهم، كان قانونهم الجوهري ودستورهم في كل شؤون الحياة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>القرآن (المقروء) والكتاب (المدون):</span>\nغير أن النص المنزل لم يقتصر على كونه «قرآنا» أو مجموعة من الآيات التي تتلى أو تقرأ، وتحفظ في الصدور، وإنما كان أيضا «كتابا» مدونا بالمداد. فهاتان الصورتان تتضافران وتصحح كل منها الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>كتبة الوحي:</span>\nولهذا كان الرسول ﷺ كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدونوه على أي شيء كان في متناول أيديهم، مثل الورق أو الخشب أو قطع الجلد أو صفائح الحجارة وكسر الأكتاف ... الخ. ويذكر العلماء الثقاة أن عدد كتاب الوحي بلغ تسعة وعشرين كاتبا، أشهرهم الخلفاء الخمسة الأوائل (أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ومعاوية) والزبير بن العوام وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، ولكن معاوية وزيد بن ثابت كانا أكثر ارتباطا بهذا العمل. وإذا كان عدد كتبة الوحي بمكة لم يبلغ هذه الكثرة ومهمة الكتابة ذاتها لم تأخذ هذا الطابع الرسمي، فإن هناك واقعة أكيدة هي أن المؤمنين لم يتوانوا منذ البداية - بل وخلال صنوف الاضطهاد التي تعرضوا لها - في تسجيل الآيات القرآنية التي وصلتهم في مخطوطات شخصية لاستعمالهم الخاص. وكان إسلام عمر - كما ورد بالأثر - راجعا إلى قراءته لآيات أول سورة طه التي وجدها مكتوبة على ورقة كانت تحملها أخته.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>لم توجد نسخة عند الرسول ﷺ:</span>\nومن الجلي أن هذه المخطوطات على هيئتها البدائية، لم تكن تمثل مجموعة متجانسة ومنظمة ومرقمة. وكما أن الرسول ﷺ لم يكن عنده شيء مكتوب فلم يكن عند الأفراد في هذه الحقبة نسخة واحدة كاملة من القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>عند بعض الأفراد أوراق متفرقة:</span>\nوإنما كانت المخطوطات متفرقة ومبعثرة بين المؤمنين ولم تأخذ شكلها النهائي في صدورهم إلا قرب نهاية حياة الرسول ﷺ. ولقد لوحظ منذ وقت مبكر أن مجموعات الآيات المنزلة لم تكن لتبقى منعزلة بعضها عن بعض، ولا أن تتوالى في ترتيب زمني بعضها تلو الأخرى حسب نزول الوحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>بقاء بعض السور غير تامة:</span>\nفقد كانت مجموعات كثيرة منها تتزايد بمعزل عن مجموعات أخرى وتكون تدريجيا وحدات مستقلة بعد أن تنضم إليهاآيات أخرى نزلت بعدها؛ وأن بعضها كانت تضاف هنا، والأخرى تتداخل مع غيرها هناك، بحسب أمر الرسول ﷺ الصريح الذي كان يتلقاه بدوره من الروح القدس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>كل جزء منزل كان له مكانه في التلاوة:</span>\nوحتى تتاح الفرصة لسور القرآن لكي يتم بناؤها تدريجيا، كان ينبغي الانتظار إلى أن يكتمل الوحي كله لإخراج القرآن في شكل وحدة كاملة. إلا أن غياب هذا التتابع بين الآيات المكتوبة في هذه المرحلة لم يحل بين المؤمنين وبين المعرفة الشفوية لموضع كل آية (^١) جديدة من كل سورة على وجه التحديد، وفي كل مرحلة من مراحل نزول الوحي. وكذلك كان الأمر بالنسبة للصلاة والتعاليم والوعظ والقراءات الأخرى.\n_________\n(^١) قد تستثنى الآية الأخيرة من سورة النساء من هذه القاعدة لأنهانزلت قبل وفاة الرسول ﷺ بوقت قصير بحيث لم يتمكن الصحابة من الاستعلام منه عن المكان الذي كان ينبغي وضعها فيه، فأضافوها في نهاية السورة التي تبحث نفس الموضوع ..","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>القراء أو حملة القرآن في عهد الرسول ﷺ والتجمع الشفوي للقرآن:</span>\nوهكذا نرى أنه كان في حياة الرسول ﷺ مئات من الصحابة يطلق عليهم «حفظة القرآن» قد تخصصوا في تلاوة القرآن، وفي حفظه عن ظهر قلب، وفي معرفة كل سورة في هيئتها المؤقتة أو النهائية. فنرى ابن مسعود مثلا يفخر بأنه حفظ أكثر من سبعين سورة من فم الرسول ﷺ والرسول ﷺ بدوره كان يؤكد أنه في شهر رمضان من كل عام كان يقوم بمراجعة عامة وتلاوة الآيات التي نزل بها الوحي في حضور جبريل ﵇ وأنه في العام الأخير راجع عليه جبريل القرآن مرتين مما جعل الرسول ﷺ يتنبأ بقرب أجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>أول مصحف منظم في عهد الخليفة الأول:</span>\nولم يمض عام واحد بعد أن قبض الرسول ﷺ إلا وبدت الحاجة ملحة لجمع وثائق القرآن المبعثرة في مجموعة مدونة، سهلة الاستعمال، حيث تتتابع آيات كل سورة، كما هو ثابت من قبل في حافظة جماعة المؤمنين. ولقد تقدم بالفكرة عمر بن الخطاب إلى الخليفة الأول عقب معركة اليمامة مع مسيلمة الكذاب التي قتل فيها مئات من المسلمين، منهم «سبعون من حملة القرآن» فخشية أن يتناقص تدريجيا عدد هؤلاء القراء بسبب الحروب المحتملة، كان عمر يهدف بهذه الطريقة ليس فقط إلى حفظ المدون من التنزيل في مأمن من الأخطار، وفي صورة يسهل الرجوع إليها، وإنما كان يقصد أيضا إقرار الشكل النهائى لهذا الكتاب المقدس وتوثيقه عن طريق حفظته الباقين على قيد الحياة واعتماده من الصحابة الذين كان كل منهم يحفظ منه أجزاءا كبيرة أو صغيرة (^١).\nولقد عهد بهذه المهمة إلى زيد بن ثابت الذي تردد في بداية الأمر عندما أدرك ضخامة التبعة في هذا العمل الجليل. ولكن أبا بكر أصر قائلا: «إنك رجل ذكي لا\n_________\n(^١) أنظر م. ج. رستوفدوني - تاريخ القرآن ص ٢٦ - ٢٧.  M.J.Rostovdoni","vol":"1","page":38},{"text":"لا نتهمك، وكنت تكتب الوحي في عهد الرسول ﷺ فقم بجمع القرآن» (^١).\nويبدو أن سببا آخر قد أسهم بعض الشيء في هذا الاختيار وهو أن زيدا لم يكن من كتبة الوحي ومن حملة القرآن فحسب، ولكنه فضلا عن ذلك حضر بنفسه آخر تلاوة للقرآن قام بها الرسول ﷺ (^٢). وبالإضافة إلي كل هذه الضمانات، وضعت قاعدة للعمل وطبقت بكل عناية، وهي تقضي بألا يؤخذ بأي مخطوط لا يشهد شخصان على أنه مكتوب ليس من الذاكرة وإنما بإملاء الرسول ﷺ ذاته وأنه جزء من التنزيل في صورته النهائية. وهذا التشدد في اشتراط شاهدين أدى إلى إستبعادآية جاء بها «عمر» عن رجم الزانية لأنه كان الشاهد الوحيد، كما يقول الليث بن سعد (^٣).\nوبعد جمع القرآن بكل هذه الاحتياطات، سلمه زيد إلى أبي بكر الذي احتفظ به طوال خلافته وعهد به قبل موته إلى عمر المرشح للخلافة من بعده. ثم قام عمر بتسليمه إلى ابنته حفصة أم المؤمنين في آخر لحظة من حياته لأن الخليفة الثالث لم يكن قد بويع في ذلك الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>خصائصه:</span>\nوفضلا عن كماله المطلق، يتميز أول مصحف رسمي (الذي يمكن أن نشبهه بملف يجمع صحفا مرتبة وغير مجلدة) عن النسخ الأخرى الكاملة أو الناقصة التي كانت عند الأفراد بمطابقته المطلقة للنص المنزل إذ استبعد منه كل ما لم يتضمنه النص الأصلي طبقا للعرضة الأخيرة. فبينما ابن مسعود أو أبي بن كعب كانا في بعض الأحيان يكتبان من الذاكرة على مصحف كل منهما، فيضيفان كلمة قد ترجع إلى تاريخ سابق أو قد يوضحان في الهامش أو بين السطور - وغالبا\n_________\n(^١) بعد أن أورد لوبلوا هذه الرواية أردف قائلا: من ذا الذي لم يتمن لو أن أحدا من تلاميذ عيسى الذين عاصروه قام بتدوين تعاليمه بعد وفاته مباشرة» («القرآن والتوراة العبرية» - لوبلوا ص ٤٧ مذكره ٥).\nLeblois،Le Koran eta Bible Hebraique\n(^٢)  انظر «تاريخ القرآن» للزنجاني ص ١٧.\n(^٣) انظر «الإتقان» للسيوطي ص ٥٨.","vol":"1","page":39},{"text":"بلون مختلف - بعض التفسيرات (^١) أو بعض أدعية الصلاة (^٢) الخارجة عن النص، فإن المصحف الرسمي يخلو حتى من أسماء السور. ولكن رغم قيمة هذا المصحف العظيمة ورغم ما يستحقه من العناية التي بذلت في جمعه فإن مجرد بقائه محفوظا بعناية عند الخليفتين الأولين أسبغ عليه الطابع الفردي أو الشخصي بعض الشيء ولم يصبح وثيقة للبشر كافة إلا من يوم نشره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>اختلافه بمعرفة عثمان:</span>\nولكن فرصة نشره لم تتح إلا في خلافة عثمان بعد معارك أرمينية وأذربيجان.\nفقد تجمعت جيوش المسلمين الوافدة من سوريا ومن العراق ولاحظوا بعض الاختلاف في القراءات، إذ كان السوريون يتبعون قراءة «أبى» والعراقيون يتبعون قراءة «ابن مسعود» فقال بعضهم لبعض «قراءتنا خير من قراءتكم» ففزع حذيفة ابن اليمان إلى عثمان وطلب إليه أن يضع حدا لهذا اللجاج الذي قد يؤدي إلى مثل ما وقع فيه اليهود والنصارى من فرقة بشأن كتبهم. فشكل عثمان لجنة من أربعة نساخ منهم زيد بن ثابت نفسه - وهو من الأنصار - وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام من المهاجرين. وكلفهم بنسخ مصحف حفصة بعدد من النسخ (^٣) يعادل عدد الأمصار الرئيسية في الدولة الإسلامية وقال لهم: «ما اختلفتم فيه أنتم وزيد» (^٤) فاكتبوه بلسان قريش\n_________\n(^١) فنجد مثلا في مصحف ابن مسعود بجوار كلمة «وَالصَّلاةِ الْوُسْطى» عبارة «صلاة العصر» أو «وهي صلاة العصر». هل هذا هو المقصود من الآية؟ اختلف الصحابة أنفسهم في هذا الصدد وحتى إذا قبلنا رأي البراء الذي يقول إن هذه الإضافة كانت موجودة في مكان كلمة «الْوُسْطى» وأنها نسخت فيما بعد واستبدلت بها، فإنها لم توجد في نص التنزيل مقابلة للعبارة الأخرى. ويذكر ابن الأنباري أنه أثناء الجمع الأول طلبت حفصة إضافة هذه الكلمة إلى الآية ونظرا لأنها لم تأت بالشهادة المطلوبة فقد عارضها أبوها عمر صراحة (أنظر «الدر المنثور» للسيوطي المجلد الأول، ص ٣٠٣).\n(^٢) نجد في مصحف أبي بالإضافة إلى السور المعروفة دعائي القنوت.\n(^٣) من غير أخذ نسخة عثمان الشخصية في الاعتبار يتفق أغلب الرواة على أنها كانت خمس نسخ خطية أرسلت إلى المدن الخمس التالية: مكة والمدينة والبصرة والكوفة ودمشق. ولكن أبا حاتم السجستاني يذكر نسختين أخريين لولايتي اليمن والبحرين (أنظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص ٧٤).\n(^٤) وهكذا احتفظت كلمة «تابوت» التي كانت تكتب «تابوه» في المدينة بشكلها المكي.","vol":"1","page":40},{"text":"فإنه نزل بلسانهم وبانتهاء هذا العمل بما يتفق تماما مع النص الأصلى، أعيد مصحف حفصة إليها بينما جلدت النسخ الأخرى ووزعت على الأمصار باعتبارها نماذج لا بديل لها وتبطل كل ما يخالفها من قريب أو بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>مآخذ بعض الشيعة:</span>\nولقد ظن بعض الشيعة أن عثمان قد بدل في نص القرآن، أو أنه على وجه التحديد أسقط شيئا يتعلق بعلي بن أبي طالب. فلو صح ذلك لراجعه حملة القرآن وما أكثرهم في وقت نشر مصحف عثمان عند مضاهاته على ما يحفظونه في صدورهم. إلا أنه حتى ابن مسعود نفسه الذي كان لديه أكثر من سبب لكي لا يرضى عن السياسة قد أقر بصحة مصحف عثمان بل وتنبأ أنه سوف يوجد فيما بعد قراء كثيرون وقليل من العلماء، وأن آيات القرآن ستظل مقدسة في النفوس وسيهمل تطبيقها (^١) ونظرا لغيرة المسلمين الأوائل وهم بطبيعة الحال أكثر تحمسا لكلام الله من خلفائهم يستحيل علينا أن نعلل قبول الكافة لمصحف عثمان دون منازعة أو معارضة، بأنه راجع إلى انقياد غير متبصر من جانبهم. ولقد قرر «نولدكه» أن ذلك يعد أقوى دليل على أن النص القرآني «على أحسن صورة من الكمال والمطابقة» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>اعتراف الإمامية (أبو جعفر):</span>\nومهما يكن من أمر، فإن هذا المصحف هو الوحيد المتداول في العالم الإسلامي - بما فيه فرق الشيعة - منذ ثلاثة عشر قرنا من الزمان. ونذكر هنا رأي الشيعة الإمامية (أهم فرق الشيعة)، كما ورد بكتاب أبى جعفر الأم «إن اعتقادنا في جملة القرآن الذي أوحى به الله تعالى إلى نبيه محمد ﷺ هو كل ما تحتويه دفتا المصحف المتداول بين الناس لا أكثر، وعدد السور المتعارف عليه بين المسلمين هو ١١٤ سورة - أما عندنا فسورتا الضحى والشرح تكونان سورة واحدة، وكذلك\n_________\n(^١) موطأ مالك كتاب جامع الصلاة الباب الأول.\n(^٢) نولدكه «تاريخ القرآن» الجزء الثاني ص ٩٣.  Noeldeke،Geschichte des Korans .","vol":"1","page":41},{"text":"سورتا الفيل وقريش، وأيضا سورتا الأنفال والتوبة. أما من ينسب إلينا الإعتقاد في أن القرآن أكثر من هذا فهو كاذب» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>شهادة الغربيين عن صحة القرآن في عصور الإسلام كلها:</span>\nوبناء على ذلك أكد لوبلوا (^٢): «أن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر». وكان «و. موير» قد أعلن ذلك قبله إذ قال: «إن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف. ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة ... فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا والذي يرجع إلى الخليفة المنكوب (^٣) عثمان الذي مات مقتولا».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>تصحيح:</span>\nوهذا الحكم الذي يمتاز بنزاهة تاريخية لا مثيل لها يحتاج إلى تصحيح من\n_________\n(^١) أنظر مقال لميرزا اسكندر كاظم بجريدة  Journal Asiatique  عدد ديسمبر ١٨٤٣ فالفرق الوحيد إذن هو في طريقة تقسيم السور وترقيمها وهذا الفرق أيضا لا يوجد إلا نظريا عند هؤلاء العلماء لأن نسخهم في الواقع لا تختلف عن نسخ أهل السنة في شيء. وإذا كان هناك بعض الأولياء المتزمتين الذين يحلو لهم أن يوردوا بعض الكلمات التي يظن أن عثمان قد اسقطها من مصحفه فإنهم لا يسمحون لأنفسهم بإضافتها إلى مصحفهم، لأن إمامهم لم يعتمدها. ونفس الشيء ينطبق من باب أولى على «سورة النورين» الموضوعة والتي نشرها جارسين دي تاسي تحت عنوان «سورة مجهولة من القرآن» والتي هاجمها ميرزا اسكندر كاظم. فقد أثبت هذا العالم الجليل أن السورة المزعومة لا يوجد لها أثر في مصحف الشيعة، فضلا عن أنه لم يرد ذكرها في مؤلفاتهم الخاصة بمجادلاتهم التقليدية بل إن عنوانها «النورين» الذي يشير إلى محمد وعلى لم يظهر لأول مرة عند الشيعة إلا في القرن السابع الهجري طبقا لما جاء عند الطوسي. وتكفي قراءة هذه المقطوعة التي لا تعدو أن تكون تراكما ركيكا من العبارات والكلمات المسروقة من القرآن لنتبين التعارض الشديد بينها وبين أناقة الأسلوب القرآني وتناسقه. أنظر أيضا نولدكه.\nالفصل الثاني ص ١٠٧ - ١١٢.\n(^٢) لوبلوا المرجع السابق.\n(^٣) عن كتاب  The Life of Mahomet  تأليف  W.Muir  الوارد بكتاب «محمد والقرآن» تأليف  B-St، Hilaire  ص ٣٣  Mahomet et le Koran","vol":"1","page":42},{"text":"ناحيتين لأنه يتضمن نقصا من جهة وزيادة من جهة أخرى.\nأما من ناحية النقص فلأنه يرجع النص القرآني الموجود بين أيدينا اليوم إلى الخليفة الثالث، بينما عثمان - كما رأينا - لم يقم إلا بنشر المخطوط المجموع في عهد أبي بكر. ولقد رأينا أيضا كيف أن هذا الأصل ذاته لم يكن إلا التدوين الكامل حسب ترتيب العرضة الأخيرة للرسول ﷺ (وهذا الترتيب يختلف عن ترتيب النزول) وهو النص المدون بإملاء الرسول نفسه.\nوأما الزيادة ففي التأكيد بأن النسخ المتداولة - رغم أنها تكرار خطي لبعضها البعض - لا تتضمن أي اختلاف في القراءة. ويعلم عكس ذلك تماما كل من له إلمام بالنص القرآني العربي. فإذا كانت الحروف المتحركة الطويلة تكتب دائما في جسم كل كلمة، فإن الحروف المتحركة القصيرة لا تكتب أبدا، وكذلك الحال بالنسبة لبعض الحروف المتحركة المتوسطة. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن مجموعة كبيرة من الحروف العربية تتشابه وتتطابق في كتابتها ولا تختلف عن بعضها إلا ببعض نقط التشكيل، فمثلا يحتمل قراءة «الياء» (ي) نونا أو تاءا أو باءا أو ياءا بحسب موضع النقطة أو النقطتين بأعلى أو بأسفل الحرف. ولم تكن هذه النقط تستخدم في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة من بعده. وإذا كان التذوق اللغوي كان يساعد أحيانا على تخمين النطق الصحيح للكلمة، ففي الغالب كان النطق لا يتضح إلا بإرشاد شفوي. غير أن السنة توضح لنا أن الرسول ﷺ لم يتبع نطقا واحدا عند تعليمه القرآن للمسلمين، فلم يكن نادرا أن يعطي للكلمة الواحدة (أو أصلها) أكثر من قراءة، كلها صحيحة ولها مدلولها، فكلمه «ملك» يجوز قراءتها «مالِكِ» أو «ملك» وكذلك كلمة «فَتَبَيَّنُوا» يمكن قراءتها «فتثبتوا» طبقا للقراءات المختلفة الواردة في السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>منشأ القراءات المختلفة في عهد الرسول ﷺ والقراءات السبعة:</span>\nولما كان المستمعون من المسلمين ليسوا هم ذوات الأشخاص في كل مرة، فقد","vol":"1","page":43},{"text":"نشأ عند الصحابة منذ العهد الأول تباين في القراءات لبعد كل قراءة عن غيرها.\nفيروي البخاري أن عمرا ثار يوما على هشام بن الحكيم ابن حزام لأنه سمعه يتلو سورة الفرقان بقراءة تختلف عن القراءة التي علمها له الرسول ﷺ، فقد تحامل على نفسه في كظم غضبه أثناء صلاة هشام وفور خروجه من الصلاة قام إليه عمر وأمسك بتلابيبه وسأله: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها قال اقرأنيها رسول الله ﷺ فقال: كذبت فو الله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة.\nوانطلق به إلى رسول الله ﷺ فأمر الرسول ﷺ هشام فقرأ السورة فقال الرسول ﷺ: هكذانزلت ثم أمر عمر فقرأ السورة فقال الرسول ﷺ. هكذانزلت ثم قال: إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف (^١) فأقروا ما تيسر منها. ويذكر الطبري أن أبي بن كعب صدم أيضا من اختلاف في قراءة سورة النحل ولما احتكم إلى الرسول ﷺ أقر القراءتين (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>هل ألغى عثمان جميع القراءات</span>؟:\nفهل كان عثمان أكثر تشددا من الرسول ﷺ، فمنع أشياءا كان الرسول ﷺ يبيحها؟ لا نعتقد ذلك. فلم يكن عثمان يقصد، كما يعتقد بصفة عامة، إلى إلغاء كل اختلاف في القراءات. بل كان مصحفه - كما هي الحال في المصاحف السابقة - يتكون من هيكل كلمات تقبل القراءة بطرق مختلفة بل وكان حرصه دائبا على أن يوضح القراءات المعروفة على النص ذاته في كل مرة لا تتمكن\n_________\n(^١) هل كلمه «سبعة» تعني في الحقيقة سبعة أم تفيد الكثرة، اختلف على هذه النقطة ومهما يكن من أمر فإن هذه الأحرف السبعة يجب عدم خلطها بالسبعة قراء الذين اختارهم ابن مجاهد. ولا داعي للربط بينهما كما يقترح الدكتور «جيفري» في المقدمة العربية «لكتاب المصاحف» ص ٨ فإن اختيار عدد السبعة من ابن مجاهد جلب عليه لوما كثيرا (الإتقان ص ٤٩، نولدكه «تاريخ القرآن» ص ٥٠، التبيان للطاهر ص ٨١) لأنه يوحي بالإعتقاد بأن كل قراءة منسوبة إلى هؤلاء القراء السبعة تعتبر شرعية والعكس صحيح. بينما النقد المنهجي هو الذي في إمكانه وحده أن يميز بين الخطأ والصحيح. ويعكس ما يعتقد الدكتور جيفري (نفس المرجع) يجب أن يوجه النقد العلمي لدراسة السبعة قراءات أو العشرة أو الأربعة عشر وأي مصدر لكل قراءة مهما اختلفت.\n(^٢) رواه البخاري عن عروة بن الزبير - كتاب فضائل القرآن - باب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة، ج ١٠ ص ٣٩٩.","vol":"1","page":44},{"text":"الكلمات من إظهار إلا طريقة واحدة في القراءة. وهكذا نرى أن كلمة «مسيطر»\nمكتوبة بالسين ويعلوها حرف «ص» أو مكتوبة بالصاد وتعلوها السين. كما نجد في أحد مصاحفه النموذجية «سارعوا» وفي مصحف آخر «وَسارِعُوا» وأيضا «بما تشتهي» و«بما تشتهيه» وأيضا «سَيَقُولُونَ لِلّهِ» و«سيقولون الله».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الهدف المزدوج لنشر عثمان المصاحف:</span>\nوفي رأينا أن نشر القرآن بعناية عثمان كان يستهدف أمرين:\nأولهما: أن في إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون ولها أصل نبوي مجمع عليه وحمايتها، فيه منع لوقوع أي شجار بين المسلمين بشأنها لأن عثمان كان يعتبر التماري في القرآن نوعا من الكفر (^١).\nثانيهما: باستبعاد مالا يتطابق تطابقا مطلقا مع النص الأصلي، وقاية للمسلمين من الوقوع في انشقاق خطير فيما بينهم، وحماية للنص ذاته من أي تحريف نتيجة إدخال بعض العبارات المختلفة عليها نوعا ما، أو أي شروح يكون الأفراد قد أضافوها لمصاحفهم بحسن نية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>مصحف عثمان لا يحمل أية قراءة للآحاد وإنما اقتصر على القراءات الصحيحة:</span>\nولا يفهم مما سبق أن الطبعة العثمانية - فضلا عن المصحف العثماني الأصلي - تتضمن جميع القراءات التي قد يكون الرسول ﷺ قد علمها للناس باسم السبعة أحرف؛ لأنها إذا كانت قد اشتملت بالفعل على القراءات التي اتفق عليها أن النص الأصلي كان يتضمنها في صورته الأخيرة، فقد استبعدت هذه الطبعة من ناحية أخرى كل قراءة واردة عن طريق الآحاد ولا يتوفر فيها الضمان المطلوب (^٢).\nولقد وفق هذا المبدأ منذ البداية بين آراء آلاف الصحابة الحاضرين وارتضوه عن طيب خاطر (^٣).\n_________\n(^١) إتقان السيوطي. المجلد الأول ص ٥٧.\n(^٢) انظر اتقان السيوطي ص ٥٠ - انتصار الباقلاني الوارد بتبيان الطاهر، ص ٧٣.\n(^٣) انظر السيوطي بنفس المرجع - وابن حجر الوارد بتاريخ القرآن الزنجاني ص ٤٤.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>ما مدى صحة القراءات غير العثمانية:</span>\nونضيف أن هذا الاستبعاد عن النص المدون لم يكن الغرض منه - كما يبدو - ولا من نتائجه، إلغاء القراءات الشفوية إذ بوضع الأمور على هذا النحو في نصابها، ترك الباب مفتوحا لكل من كان يؤكد أنه سمع الرسول ﷺ يقرأ بقراءة معينة لكي يقرأ بقراءاته الخاصة بحرية تامة وتحت كامل مسؤوليته الأدبية ومن غير أن يلزم جماعة المسلمين كلها بما يؤكد سماعه. وهذا الموقف المعقول والعادل يتضح بجلاء أولا من رد عثمان نفسه على المتمردين: إذ قال: أما القرآن فلم أمنعكم إلا لأني خشيت عليكم الفرقة ويمكنكم أن تقرأوا بالحرف الذي يتيسر لكم (^١) ثم جاءت فتوى مالك فيما بعد، سمح بموجبها قراءة «فامضوا» في الآية ٩ من سورة الجمعة (^٢) ... طبقا لقراءة عمر بدلا من «فَاسْعَوْا» إلا في صلاة الفرض، كما يقرر ابن عبد البر، لأن القراءات غير العثمانية ليست قرآنا صحيحا يصلح للصلاة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>تفنيد حجة الدكتور جيفري:</span>\nوفيما عدا القراءة العثمانية وأي إدخال على النص العثماني، يبقي لكل استعمال آخر مطلق الحرية ولم يتوقف المتفقهون في علوم الدين، في كل زمان، عن الاهتمام بدراسة هذه القراءات الفردية، إلا أن الدكتور أرتير جيفري مؤلف «كتاب المصاحف» لم يدرك بوضوح هذه المسألة المزدوجة فلم يكن الإهتمام بمثل هذه البحوث جديدا في العالم الإسلامي (كما زعم في المقدمة ص ١). والشاهد على ذلك عدد المراجع العربية التي يستخدمها هو نفسه في هذا الموضوع.\nفالمؤلفات العربية فى العلوم الإملائية والصوتية والقراءات القرآنية فضلا عن التفاسير والمؤلفات اللغوية والبلاغية ومؤلفات المحدثين والفقهاء لا حصر لها. ومن جهة أخرى فإن هذه القراءات الفردية - وهي بعيدة عن أن يقع عليها «ضغط من\n_________\n(^١) ابن أبي داود - كتاب المصاحف ص ٣٦.\n(^٢) انظر الزنجاني في المرجع السابق.\n(^٣) انظر التبيان للطاهر ص ٣٩ - ٤٠ ويقرر إبن أبي داود نفس الرأي (كتاب المصاحف ص ٥٤).","vol":"1","page":46},{"text":"جانب أصحاب العقيدة الرشيدة» (نفس المرجع ص ٩، ١٠) - لا زالت حتى اليوم يكسوها طابع التقديس وتستخدم في مدارس أهل السنة لا على أنها نص قرآني ولكن كأحاديث آحاد.\nورغم هذا الوضوح الذي يقطع كل شك، يبدو المبشر الانجليزي المتقدم ذكره قد وقع تحت تأثير التاريخ الكنسي المسيحي الذي ألف دراسته إلى درجة أنه يكاد يكون قد نقله بأحداثه الكاملة أثناء بحثه في المجال الإسلامي. فالواقع أنه يحاول أن يثبت أن النص القرآني قد مر بأطوار تشبه من جوانب كثيرة ما مر به الإنجيل.\nففي عرضه بكتابه المشار إليه، يبدأ في التفرقة بشكل غريب فى النص القرآنى ذاته بين «بعض الآيات المتعلقة بالعبادة» والتى «من المحتمل» على حد قوله، أن تكون قد دونت في عهد نزول الوحي، وبين آيات أخرى لم تدون (ص ٦) ثم يؤكد وهو يناقض نفسه، أنه حتى وقت وفاة الرسول ﷺ لم يكن مجموع القرآن قد دون بعد. (قارن ص ٥ مع ص ٧)، ثم ينفي بعد ذلك وهو يلعب بالألفاظ - الطابع «الرسمى» للمصحف الذي جمعه أبو بكر (قارن ص ٦، ٢١٢)، ثم يقرر في النهاية احتمال وجود بون شاسع بين نصوص الأمصار الإسلامية وقت قرار عثمان (ص ٨) - ويصف مسلمي الكوفة حينئذ وكأنهم فريقان منقسمان (بعضهم يقبل النص الجديد الذي بعث به عثمان والغالبية العظمي تتمسك بمصحف ابن مسعود) (ص ٨، ٢١).\nوهكذا يبدو مصحف عثمان في هذا العرض ليس فقط كأنه مصحف من بين مصاحف كثيرة «مزاحمة له» (الفصل العاشر ص ٩ - ٢٣) وإنما أيضا على أنه وافد جديد غريب عن النصوص القديمة، أي معارض للقراءة التي كانت على عهد الرسول ﷺ، وأنه في النهاية يفرض نفسه على المسلمين لا لخصائصه الذاتية وإنما بفضل نفوذ المدينة (ص ٨).\nهذه الطريقة في عرض تاريخ القرآن تتضمن مغالطات جسيمة وتقتضي منا التوضيح.","vol":"1","page":47},{"text":"فنذكر بحقيقة أولى لا تشير فحسب إلى قدم النص الذي نشره عثمان وإنما أيضا وبصفة خاصة، مطابقته التامة مع النص الذي جمع في عهد أبى بكر (^١).\nوالبحوث المسيحية الحديثة تؤكد هذه الحقيقة فيقول شوالي  Schwally «لقد أثبتنا فيما تقدم أن نسختي زيد متطابقتان وأن مصحف عثمان ما هو إلا نسخة من المصحف الذي كان عند حفصة» (^٢).\nولا يفوتنا أن ننبه هنا، إلى أن آيات مصحف حفصة لا ترجع إلى الخليفة الأول، وإنما ترجع بنصها الكامل إلى رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>ضعف القراءات المخالفة:</span>\nوالحقيقة أن جميع القراءات تنسب نفسها أيضا إلى نفس المصدر سواءا أكانت شفويّة أو مدونّة. ومن المحتمل أن ترجع بعض هذه القراءات المخالفة إلى ما قبل تاريخ القراءات التي تضمنها مصحف عثمان ﵁، رغم أن كلا من هذه وتلك يجب أن ترتبط بعهد حياة الرسول ﷺ. ولكن مع ذلك يجب أن نلاحظ أن الأسبقية النسبية ليست في الواقع مقياسا لأفضلية أي منها على الأخرى.\nفالنص الصحيح ليس بالضرورة هو النص الأسبق، بل الأرجح أن يكون هو الذي يتمتع باللمسات الأخيرة في آخر وقت. وحين يرد في حديث الصحابة تعبير «الحرف الأول» فيما يتعلق بالقراءات التي خارج النص، فلا يعني ذلك قط أنها القراءات التي كانت على عهد رسول الله ﷺ بوجه عام، وإنما القراءة التي كانت في أول هذه الحقبة أي القراءة المنسوخة وهكذا ينهار الأساس ذاته الذي كان يراد به المبالغة في قيمة مثل هذه القراءات.\nلنترك جانبا هذه التنوعات التي تعزى إلى فارق الزمن، فيبقي أن الشرط الجوهري لإثبات صحة النص هو الضمان بأنه على شكله المدوّن تتوفر فيه المراجعة الكافية والتصديق الوافي على صحته من الرسول ﷺ أو ممن يمثله. وهذه الشروط\n_________\n(^١) البخاري كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن، ص ٣٨٤.\n(^٢) تاريخ القرآن لنولدكه. الجزء الثاني، ص ٩١.","vol":"1","page":48},{"text":"على وجه التحديد هي التي لم تتوفر في هذه القراءات وقت جمع القرآن. مما اقتضى بطبيعة الحال إبعادها عن النص الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>محاولة ترتيب القراءات المخالفة:</span>\nوفوق هذا الأساس الواهي. يضاف أساس آخر يتعلق بانتقال هذه القراءات بعد ذلك. فيقرر مؤلف «كتاب المصاحف» نفسه أنه مدرك للشك الذي يحيط بهذه القراءات الخارجة عن النص العثماني من ثلاث جهات:\n١ - من حيث قدمها، فيشتبه أحيانا في تلفيق بعض هذه القراءات في فترة لاحقة بقصد ربطها بسند قديم للإفادة من نفوذه.\n٢ - من حيث تحديد المصدر، فقد ثبت في كثير من الحالات وجود اضطراب في رفع الأسانيد إلى رواتها.\n٣ - من حيث مطابقتها الشكلية. فيصعب تحديد الصحيح (^١) من بين القراءات التي تنسب إلى ذات القارئ، فضلا عن أن بعضها يبدو مستحيلا لغويا.\nويعترف هذا المستشرق بأن القراءات غير العثمانية نادرا ما تنسب إلى ما دوّنه الثقاة في مصحافهم، وإنما تنتمي في الغالب إلى تعاليمهم وقراءاتهم الشفوية (ص ٢٤). مع ذلك عندما يتحدث عن جمعها، يسمح لنفسه بأن يطلق عليها جميعا اسم النص القرآني، ثم يضيف إليها - وكأنه يريد زيادة حجمها ويرفع من قيمتها في المنافسة - قراءات لم تختلف مع النص الأصلي في شيء، فضلا عن قراءات أخرى ينسبها إلى بعض الصحابة، بينما هي في الواقع أحد أتباعهم.\nوبعد كل هذا ماذا تعني في الواقع هذه القراءات غير الرسمية وما أهميتها؟\nنلاحظ أولا أنها لا تتعلق بكل سور القرآن ولا بسورة واحدة بأكملها.\nولنبحث بعد ذلك طبيعتها، فنستطيع أن نميز بين أنواع مختلفة:\n_________\n(^١) مثال ذلك مصحف ابن مسعود الذي يؤكد ابن اسحق بشأنه (طبقا لما أورده الدكتور جيفري ص ٢٣ بالهامش)، أنه من بين عديد من نسخ هذا المصحف لا توجد نسختان متطابقتان. وكذلك يقرر فهرست ابن النديم أنه رأى منه نسخة وجد السورة الأولى (الفاتحة) فيها مخالفة لما هي معروفة به.","vol":"1","page":49},{"text":"الفئة الأولى: منها تتعلق بإضافة إلى النص، إما بغرض شرح كلمة مستترة مثل «... «إسماعيل يقولان» (البقرة: ١٢٧) «ونادته الملائكة يا زكريا» (آل عمران:\n٣٩) «... «إلى قومه فقال يا قوم» (هود: ٢٥). وإما تكرار كلمة سبق ذكرها مثل «عن قتال؛ وعلى الصلاة، وآمن المؤمنون» (البقرة ٢١٧ - ٢٣٨ - ٢٨٥). وإما بتوسيع نفس المعنى بجملة إعتراضية مثل «... فضلا من ربكم في مواسم الحج فابتغوا حينئذ ...» (البقرة - ١٩٨) «والعصر، ونوائب الدهر، لفي خسر، وإنه لفيه إلى آخر العمر» (سورة العصر - ٢.١).\nونلاحظ بوضوح مما تقدم، أنه مجهود مفسر يبتعد بنا عن صفاء الأسلوب القرآني بتحميل النص بإضافات مطولة لا تطاق في بعض الأحيان.\nوالفئة الثانية: تتعلق باستبدال كلمة بمرادف لها مثل «يكمل - يتم»؛ «يوفه - يؤده»؛ «نملة - ذرة»؛ «الصوف - العهن» وإما بكلمة لها معنى آخر، وكلتا الكلمتين متكاملتين وتتضمن كلا منهما معنى الأخرى بالتبادل مثل: «الحج والعمرة للبيت» بدلا من «الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ» (البقرة: ١٦٩).\nوالفئة الثالثة: تتعلق بتقديم أو تأخير كلمة أو أكثر مثل: «... والملائكة في ظلل من الغمام» - ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ» (البقرة: ٢١٠) «بصير بما تعلمون»\n- ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (آل عمران: ١٥٦) ««على قلب كل» - ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ»\n(غافر: ٣٥) ونادرا ما تتعلق بإسقاط كلمة مثل: ««بما آمنتم» - ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ»\n(البقرة: ١٣٧) ««إلا الساعة تأتيهم» - ﴿إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ» (سورة محمد:\n١٨).\nوفيما يتعلق بالفئات الثلاثة السابقة بوجه عام، ودون النظر إلى القيمة الأدبية لهذه القراءات، نقول إنه من المحتمل أن تكون هذه القراءات قراءات حقيقية ومقبولة إلا أنه يشترط أن تثبت صحتها من الناحية التاريخية. ومع ذلك فهناك في بعض الحالات ما يحملنا على افتراض أن تكون بعض التعديلات المقصودة قد أدخلت على القراءات غير الرسمية بينما النص الصحيح يسمو فوق كل","vol":"1","page":50},{"text":"الاعتبارات الخاصة سواءا أكانت ذات طابع عقيدي مثل: ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ﴾، ﴿يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ» أم سياسي مثل: «مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ﴾ ... (سورة التوبة:\n١٠٠) وليس «والأنصار الذين ...» كما اعتقاد عمر، أو خاصة باللهجة مثل: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ» أو غيرها.\nوكل ما عني به صحابة رسول الله ﷺ لإثبات صحة النص القرآني هو المطابقة الحرفية لكل جزء منه طبقا لما نزل ودوّن في البداية بإملاء الرسول ﷺ، وتلي فيما بعد أمامه وحمل تصديقه النهائي قبل وفاته. وهذه الموضوعية المطلقة هي الباقية والخالدة على مدى الدهر تشهد لهم لا عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>ابن مسعود لم يخرج على الإجماع:</span>\nومع ذلك فهناك كلام عن ابن مسعود أو غيره من الصحابة. وقد يتصور البعض أنه يمكن تجريح إجماع الصحابة على النص العثماني عن هذا الطريق. والحقيقة أنه لم يحدث أن نازع أحد منهم في صحة هذا النص، وإنما بجانب هذا النص كانت توجد قراءات خاصة أخرى أكد من رواها أنها منسوبة إلى رسول الله ﷺ، ومع ذلك عجزوا عن تقديم الدليل الحسي عن هذا الإسناد. ولقد حرص الصحابة لا على جعلها تنافس وتحل محل النص المجمع عليه، وإنما على المحافظة عليها بجانب هذا النص الصحيح. ولهذا نرى أبا موسى مثلا يوصي ذويه بعدم إلغاء ما هو مدون بمصحفه والعمل على استكمال أي نقص منه من مصحف عثمان (^١). وعندما استقبل ابن مسعود الغاضبين من أتباعه ماذا فعل إلا أنه ذكرهم بقيمة جميع القراءات التي جاء بها الوحي (^٢).\nعلى أن هذا الغضب - إذا حدث أن كان هناك غضب (^٣) - كان له باعثان:\nوهو أنهم رأوا هذا الصحابي الجليل من الطبقة الأولى وقد حرم من شرف الإسهام\n_________\n(^١) البخاري عن حذيفة بن اليمان - كتاب فضائل القرآن - باب جمع القرآن ج ١٠ ص ٣٩٠.\n(^٢) نفس المرجع ص ١٨.\n(^٣) انظر شوالي  Geschichte  الجزء الثاني، ص ٩٢.","vol":"1","page":51},{"text":"في لجنة جمع القرآن، بل ومضطر أيضا إلى أن يسلم مصحفه المخطوط لإعدامه.\nإلا أن هذا الغضب المؤقت لم يحتمل الصمود طويلا أمام التفكير الرشيد لإعدامه؛ لأن ابن مسعود كان في العراق في مهام رسمية قبل وقت الجمع بكثير، ولم يكن من المعقول أن يتمسك بتأجيل هذه المهمة العاجلة لحين عودته، بينما يوجد من الصحابة من يتوفر لديه مثله - بل وأكثر منه - الوثائق الصحيحة المجموعة مدوّنة في عهد الرسول ﷺ والمصدقة منه. أما فيما يتعلق بمخطوطه الذي قد يكون قد أضاف إليه بعض الشروح أو القراءات التي لم يتفق على صحتها، فقد كان لا بد وأن يلقى نفس الوضع الذي آل إليه غيره من المصاحف المشابهة (^١) وهو ألا يكون له قوة النص الصحيح، وعلى أن يظل يتمتع بثقة محدودة ومسؤولية شخصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>إعدام المخطوطات المشكوك فيها أنقذ وحدة النص:</span>\nوإذا كان إعدام هذه المخطوطات الفردية يبدو فيه شيء من القسوة في الوقت الذي لم يوجد بالفعل أي تحريف على الإطلاق، فإنه يدل مع ذلك على أن عثمان كان بعيد النظر وعميقا في إدراك حقيقة الأمور (^٢). ويرجع فضل تمتع المسلمين اليوم بوحدة كتابهم واستقراره إلى هذا العمل المجيد من جانب عثمان ومهما أضيف إلى المصحف العثماني من علامات خارجية (ابتكرها أبو الأسود الدّؤلي وأتباعه، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر وحسن البصري وخليل بن أحمد) فإن النص باق كما هو على الدوام يتحدي فعل الزمن .. ووجود بعض الحروف الزائدة أو الكلمات المضغمة أو الكتابات القديمة التي اقتصرت على كتابة المصاحف وحدها في جميع نسخ القرآن اليوم المطبوع منها والمخطوط، يعد شهادة بليغة على الأمانة التي انتقل بها البناء القرآني من جيل إلى جيل حتى وصل إلينا بهذا الكمال المنقطع النظير.\n_________\n(^١) أنظر ما سبق عن حالة عمر ص ١٧ وحالة حفصة ص ١٨، مذكرة رقم ١.\n(^٢) الواقع أنه لم يقم بهذا الإجراء من تلقاء نفسه ومن غير استشارة الناس، ففي إحدى الخطب الواردة بسند صحيح دافع على عن عثمان وشهد بتقواه، وقرر أن هذا الإجراء لم يتخذ إلا باتفاق جميع الصحابة الحاضرين وأنه لو أن عثمان لم يقم به لقام به على نفسه (انظر ابن أبي داود ص ١٢ - ٢٢).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الفصل الثالث كيف تم تبليغ المبدأ القرآني إلى العالم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>سرعة انتشاره واستقراره:</span>\nكل الدنيا تعرف، بصفة عامة، ما هو المبدأ القرآني الذي نسميه الإسلام. غير أن هذه المعرفة غالبا ما تقتصر على السمات الخارجية فيقال إنه ذلك الإصلاح الديني والإجتماعي والأخلاقي الذي بمجرد أن ظهر على ساحل البحر الأحمر في بداية القرن السابع الميلادي، سار بخطوات منتصرة نحو الشمال والجنوب ونحو الشرق والغرب، حتى أنه في فترة قصيرة نسبيا انتشر في نصف العالم المعروف في ذلك الحين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>مقارنة مع فتوحات الإسكندر الأكبر:</span>\nهذا الحدث التاريخي الجليل الذي لا مثيل له على مر الزمان قد أثار اهتمام الإنسانية جمعاء، كما أثار فضول مؤرخي الأخلاق والأديان.\nولقد حاولوا أن يجدوا له شبيها في العصور القديمة دون جدوى، فقارنوه أحيانا بفتوحات الإسكندر المقدوني. إذ كانت واسعة وسريعة ولكنها لم تأت بأي تغيير سواءا في أفكار الشعوب أو عاداتها وما لبثت هذه الفتوحات أن زال أثرها عند أول بواكير الإسلام.\nإننا لا نذهب إلى حد القول بالعقم المطلق لأعمال الإسكندر الأكبر الذي كان له على الأقل الفضل في إقامة مدن عظيمة على جانبي الطريق إلى الشرق حيث ساد الرخاء الاقتصادي وقتا طويلا. ولكن الحقيقة أن هذه الأعمال لم تتجاوز مجال التعمير الحضري أما مجموعات الشعوب والفلاحون الذين قيل عنهم «لا يعد الفتح فتحا إذا لم يؤثر على عقولهم» فقد احتفظوا بطابعهم الخاص دون أي تغيير، فاللغة والأخلاق والنظم السياسية والاقتصادية ظلت كما كانت. وحتى في","vol":"1","page":55},{"text":"المدن نجد أن الأفكار والعادات اليونانية التي كانت تتمثل في طبقة الموظفين الإداريين لم تتأصل إلا في أقلية من التجار الرأسماليين. ولا حاجة إلى أن نضيف أن المستعمرين الإغريق أنفسهم قد خضعوا فيما بعد لفاتحين آخرين، وأن هذه المدن دمرت تدريجيا في ظل حكم الأمبرطورية الرومانية. ولكي ندرك الطابع العابر لهذا الإصلاح غير المتجانس، يكفي أن نتذكر بعض النقاط التاريخية المعروفة. فبعد ما يقرب من عشرين عاما من وفاة الإسكندر تمزقت أمبراطوريته بلا عودة إلى ثلاث ممالك (عام ٣٠١ قبل الميلاد). ثم وقعت عملية بتر على مراحل كما يلى: بعد خمسين سنة استولى «البرتيون» على آسيا العليا (٢٥٠ ق م)، ثم سقطت آسيا الوسطى تحت الحكم الروماني بعد ذلك بستين عاما (١٩٠ ق م)، واستقلت فلسطين كدولة يهودية بعد خمسين سنة (١٤٤ - ٦٤ ق م). وفي نفس التاريخ تقريبا أصبح قلب الوطن ذاته (اليونان في عام ١٤٦ ق م ومقدونيا في عام ١٤٢ ق م) مجرد ولاية رومانية. وإذا كانت الملكية المصرية قد ظلت بعيدة عن هذه الأحداث ولم تخضع لروما إلا في عام ٣١ ق م، فإن أفولها في الواقع، بدأ بعد البطالمة الثلاثة الأوائل (٢٢١ ق م). ولكن المسألة الحقيقية التي تستلفت النظر ليست في هذا المجال.\nفإن تركنا المظهر المادي والحضاري جانبا وبحثنا في المجال الفكري، فمما لا يمكن إنكاره أن الإسكندر لم ينقل معه الفكر اليوناني، وإنما تبنى بدون قيد ولا شرط الأفكار التي كانت سائدة في البلاد المغلوبة في ذلك الوقت واعتنق عقائدها.\nأما خلفاؤه فلم يكونوا خيرا منه في هذا المجال، إذ لم يغيروا شيئا على الإطلاق.\nوخلال الحكم اليوناني والروماني بصفة عامة، وجدت الأفكار الفلسفية والدينية التي كانت رائجة في الشرق في ذلك الوقت، ولا سيما في الاسكندرية، ولم تكن مستوردة من اليونان لأنها في الواقع كانت مذاهب شرقية بحتة - وجدت الفرصة مواتية لكي تنتقل عن طريق اليونانيين إلى أوروبا باسم الأفلاطونية الجديدة أو المسيحية. وعلى هذا النحو يحق لنا أن نقول إن الشرق في الحقيقة هو الذي غلب فاتحيه. ثم جاء الإسلام أخيرا فتغير كل شيء بين يوم وليلة. ولم يقتصر في هذه","vol":"1","page":56},{"text":"المرة، على الواجهة السياسية والاقتصادية في المدن الكبرى فقط وإنما تغلغل في الأعماق النفسية لهذه الشعوب جميعا: فاللغات والأفكار والقانون والآمال والعادات وتصور العالم وفكرة الله، كل ذلك قد طرأ عليه تغيير جذري سريع (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>خطأ رأي علماء الغرب عن عوامل التوسعات الإسلامية:</span>\nولم يقتصر تأثير هذا الغزو الفكري على اجتذاب النفوس التي آمنت به بصفة دائمة، بل إنه كان ينزع دائما إلى الإنتشار وكسب الأتباع كلما أتيحت له الفرصة لكي يظهر في بساطته ونقائه الفطريين. وهذه الحقيقة تتعارض مع ذلك الرأي الذائع الانتشار والذي تلوكه الألسنة دائما من أن الإسلام لم ينتشر إلا بحد السيف. أليس التأثير الذي يمارسه على النفوس في الوقت الحاضر دليلا ملموسا على أن له قوة ذاتية وتوافقا فريدا مع الطبيعة البشرية وحقيقة الأشياء؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>نظرة تاريخية وتحليلية عن منشأ الصراع الحزبي في الإسلام:</span>\nولقد حدث في مرحلة معينة أن القوى المعادية أخذت تصب أحقادها وتستخدم كل عنفها لاضطهاد الدعوة الناشئة وتعذيب أتباعها، مما اضطرها إلى الوقوف في وجه هذه القوى ووضع حد لهذا الظلم الذي ساد وقتا طويلا. وفور إعلان المقاومة، هبت العناصر المعادية في كل مكان وتضافرت فيما بينها للقضاء على هذا النظام الجديد الذي خشيت أن يحل محلها. وتوالت الضربات من كل جانب مما اقتضي وقتا غير قصيرا لإعادة السلام من جديد.\nوإذا نظرنا إلى واقع هذه الأمور، فلا نجد مع ذلك شيئا في هذه المرحلة يجعل منها عاملا جوهريا متعمدا في انتشار الدعوة الإسلامية، بل نجد أن السنوات العشر الأولى من الدعوة توضح لنا كيف أن العرض البسيط لمبادئ الإسلام كان يجذب كل يوم مسلمين جدد رغم كل العقبات. وتشهد هذه السنوات كذلك\n_________\n(^١) لإدراك الفرق بين هذه الثورة وبين الفتوحات التاريخية الأخرى، نحيلكم لقراءة «الاستعمار المقدوني وحركة تحويل الشرق إلى القومية اليونانية» ومؤلفه جوجيه وكذا «أخلاق وعادات المسلمين»\n(L'lmperialisme Maced،et l'Helenisation de l'Orient)\n(Moeurs et Coutumes des Musulmans).","vol":"1","page":57},{"text":"بمدى البطولة والتسامح اللذين كان الرسول ﷺ والمسلمين يتحملون بهما سخرية قومهم وسبهم، فضلا عن العزلة والمقاطعة التي فرضت عليهم ووصلت أحيانا إلى أقسى أنواع التعذيب والتنكيل (^١). ولقد أجبر ذلك مئات المسلمين - ومنهم من أشراف قريش مثل عثمان وأم حبيبة بنت أبى سفيان - أن يبحثوا عن ملجئ أمين (^٢) بالقرب من ملك الحبشة. ولكن المثل الأخاذ في هذه الحقبة، الذي يدل على الأثر العجيب لهذا النداء السلمي، ضربه لنا سكان يثرب (التي أطلق عليها «المدينة» فيما بعد). فمن قبل أن يروا وجه الرسول الكريم ﷺ، ومن قبل أن يسمعوا صوته الندي، وبمجرد أن سمعوا التنزيل القرآني على لسان حجيجهم، أقبل عرب المدينة على الإسلام، وتلقوا القرآن بشغف، حتى أنه لم تبق أسرة واحدة إلا وكان من بين أفرادها عدد من المؤمنين. وأكثر من ذلك أن العداوات والخصومات التي ظلت سائدة بينهم ما يقرب من ربع قرن (^٣)، قد انطفأت فجأة بنفحة ربانية (^٤) وبعد أن كانوا أعداءا بالأمس أصبحوا بنعمة الله إخوانا (^٥). وفي نفس الوقت بدأت العبادات الإسلامية - التي لم تمارس علانية بمكة بسبب الإضطهاد - تقام جماعة وعلى مرأى ومسمع من الناس جميعا (ومنها صلاة الجمعة كان يؤمهم فيها أبو أمامة قبل الهجرة بعام). ففي هذا الوسط الكريم استقبل جميع المسلمين تقريبا بحفاوة وترحاب، بعد أن تركوا ﴿دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ﴾ (^٦)، وبعد أن أوذوا بمكة أشد الإيذاء.\n_________\n(^١) مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦] وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ [العنكبوت: ١٠].\n(^٢) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:\n١١٠].\n(^٣) «مهد الإسلام قبيل الهجرة» مؤلفة لامنز، ص ٢٦٥  Lammesn،‘‘Berceau de l'Islam ''\n(^٤)  وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال: ٦٣].\n(^٥) إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا [آل عمران: ١٠٣].\n(^٦) الحشر: ٨.","vol":"1","page":58},{"text":"وحتى ذلك الوقت كان كل شيء يمر بسلام وكرامة على الأقل من جانب المسلمين، ولم يكن هناك ما ينبئ عن إمكان الإلتجاء إلى القوة. فبعد أن اطمأن الرسول ﷺ على مصير أتباعه ووصولهم إلى بر الأمان، ورغم الأخطار التي كانت تهدد حياته ﷺ. لم يتعجل في اللحاق بهم لأنه لم يكن ليغادر مكان دعوته دون إذن صريح من الوحي. ولقد اعتقد أن المطلوب منه هو إطالة بقائه بمسقط رأسه، حيث يتحتم عليه الإستمرار في دعوته، ومعه صاحباه أبو بكر وعلى بن أبي طالب. ولكنه في اليوم السابق لتنفيذ مؤامرة متفق عليها للقضاء على حياته، تلقى الأمر الإلهي بالهجرة، وفي اللحظة التي بدأت الخطوات لتنفيذ هذه المؤامرة الخبيثة، غادر الرسول ﷺ مكة سرا مع أحد صاحبيه، وعهد إلى الثاني بأن يغطي انسحابه. وبعد أن نجا بمعجزة من هذا الخطر، ألم يكن ينبغي عليه أن يفكر في الانتقام من أعدائه الذين كانوا يريدون القضاء عليه؟ كلا .. وإذا تتبعنا مراحل نشاطه في العام الأول بعد الهجرة، وشطرا من العام الثاني نجد أنه كان يوجهه لأعمال سلمية نبيلة وبناءة: منها تشييد مسجده، وتنفيذ فريضة الصيام، ووضع نظام الآذان وتنظيم المجتمع داخليا وسليما. كل شيء كان يبدو في ذلك الوقت وكأن المسلمين قد أداروا ظهورهم عن مكة نهائيا، حتى في قبلة الصلاة، إلى أن حان منتصف العام الثاني، حيث بدأوا يعترضون قوافل تجارة قريش تمهيدا لمنازلتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>من أين جاء هذا التغيير المفاجيء</span>؟\nيستحيل علينا - نظرا للأحكام العديدة النزيهة التي اتفق المستشرقون عليها - أن ننسب الباعث إلى نفسية الرسول ﷺ، فالإجراءات الحربية في الحقيقة ليست من طبعه ولا من عادته، بل العكس هو الصحيح إذ كثيرا ما جلب عليه تسامحه وعفوه عن المشركين لوما من القرآن (^١)، فقد نقل إلينا الأثر كثيرا من عفوه\n_________\n(^١) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (الأنفال - ٦٧) إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ... [التوبة: ١١٣].","vol":"1","page":59},{"text":"ومغفرته تجاه جرائم ارتكبت ضد شخصه أو ضد ذويه (^١).\nولقد حاول البعض أن يعلل هذا الاتجاه الجديد بضغط جماعة المسلمين عليه، وهم من هذا الشعب الذي يتميز بالروح الحربية كطبع أصيل فيه. ولكن العلماء الذين تعمقوا في دراسة الغريزة العربية، لا يؤيدون مثل هذا الافتراض، بل إنهم أثبتوا أن الدماء تثير الفزع في نفوس العرب، ولا سيما أعراب الصحراء، ويؤكدون أن البدو لا يحرصون علي الحروب. ولكنها عندما تفرض نفسها عليهم يقبلونها بدلا من تحمل الذل والعار.\nوحتى بالنسبة لعمليات الغزو التي كانت تقوم بها بعض القبائل على بعض، فإن القبائل الرحل كانت تحرص دائما على عدم سفك الدماء (^٢).\nفلا يمكن إذن تفسير هذا التحول الجديد عن طريق تحليل نفسية الشعب ولا بتحليل نفسية الرسول ﷺ، وإنما يتعين البحث عن دوافعه في حدث تاريخي ولا بد أن شيئا ما قد حدث في تلك الفترة فأدى إلى هذا الموقف الجديد، والواقع أن القرآن يجسد أمامنا مشهدا مثيرا للغاية، فقد رأينا من سياق العرض السابق كيف أن الرسول ﷺ أثناء الهجرة كان يطيل بقاءه بمكة بعد رحيل أتباعه ليكون آخر المهاجرين. ومن هذا نستطيع أن نؤكد أنه لم يترك خلفه ما ينشغل به. بل ويمكننا التخلي عن أي أمل في أن يسلم أحد بعده في هذا البلد الوثني. ولكن الأمر في الحقيقة كان على خلاف ذلك وها هو القرآن ينقل إلى أسماعنا صوت استغاثة من بين أناس ﴿مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ أسلموا وهم بمكة ولا سند لهم يعينهم على الهجرة أو على دفع الظلم عنهم، ويتعذبون بإيمانهم ويطلبون\n_________\n(^١) ومنها عفوه عن مبعوث قريش الذي جاء بعد موقعة بدر لاغتياله، وعن اليهودية التي دست السم له في الطعام بخيبر، والأخرى التى دفعت ابنته زينب بعنف أثناء الهجرة وهى حامل فأجهضتها. وكذلك عفوه عن الذين جاءوا بالأفك ضد زوجته عائشة البريئة. وكم يستحق من إعجاب مسلكه السلمي الكريم وقت فتح مكة وبعده (انظر محمد والقرآن «لمؤلفه ج. ب، سان هيلير» ص ١٢٥ - ١٣٠).\n(^٢) «مهد الإسلام» لامنز ص ٢٤٧  Lammens،Berceau de l'Ialam","vol":"1","page":60},{"text":"العون الإلهي لنجدتهم (^١)، فلقد كان الغرس القديم - الدرس والقدوة - مثمرا وهو بعيد على أية دعاية جديدة. وكلما خفق الإيمان تحركت العداوة والقسوة لإخماده بدون رحمة أو شفقة تاركة عددا من الضحايا لا يستطيعون دفع الضر عن أنفسهم.\nماذا يكون الحال إذن ..؟ ألا أن المهاجرين والأنصار وهم في معزلهم الأمين الآن يتمتعون بحريتهم الكاملة في الإيمان والعبادة، يحق لهم أن ينطووا في أنانيتهم ولا يعيروا لمصير إخوانهم بمكة أي اهتمام؟ هل يجوز منطقيا وبدون تحامل، أن تحرم «الحقيقة» و«الفضيلة» من حقهما في تلقي العون، وأن نترك الاستبداد يشهر سلاحه ضدهما؟\nومع ذلك فهذا العون المادي المطلوب عن حق لم يقدمه المسلمون بسهولة على الأقل في صورته الحربية. وهنا أيضا يكفي أن نرجع إلى القرآن الكريم - وهو المصدر الممتاز الذي لم يعد أحد من العلماء يشك في صدقه وصحته تاريخيا - لكي نرى التردد والتراجع من جانب «الأحرار» أما المشروع العسكري الذي كان غرضه تحرير «الأسرى». ولقد تدخلت في هذا الموقف - بالإضافة إلي كراهية الحرب (^٢)، وإلى غريزة حفظ النفس (^٣) - ظروف خاصة جعلت - الحرب في نظرهم غير معقولة، فقد فكر المسلمون وهم فى معسكرهم على هذا النحو: كيف نلقي بأنفسنا على غرة أمام عدو يفوقنا عدة وعددا وهو يهاجمنا؟ (^٤) أليس من الأفضل القيام ببعض الأعمال الانتقامية غير المباشرة (^٥) بحيث تشعر قريش بقوتنا\n_________\n(^١) وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا [النساء ٧٥].\n(^٢) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة - ٢١٦].\n(^٣) وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء - ٧٧ - ٧٨] أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء - ٤].\n(^٤) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ [النساء - ١٣].\n(^٥) من المعلوم أن المسلمين عندما هاجروا تركوا أموالهم وممتلكاتهم لقريش الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ [الحج - ٤٠] فمن حقهم على الأقل أن يعوضوا ولو جزءا من بضائعهم وهذا هو ما يسميه «الدكتور سنكلير تسدال» حملات السلب والنهب (مصادر القرآن ص ٢٧٦).","vol":"1","page":61},{"text":"فتترك إخواننا وشأنهم؟ قد يكون من الأفضل اعتراض طريق العير وعدم الاصطدام بجيش قريش (^١) ولكن فريضة التضحية العظمى كان قد حان وقتها، وأراد الله أن يفصل في الصراع القائم بين الحق والباطل (^٢). فليس على الإنسان إلا أن يضطلع بواجبه ويصمد ليعرف كل لماذا يموت ولماذا يعيش (^٣): هؤلاء من أجل مثلهم الأعلى، وأولئك من أجل أوثانهم ومعبوداتهم (^٤).\nتلك هذه الظروف التي انطلقت فيها شرارة الحرب المسلحة الأولى. فبقدر ما ظلت الإضطهادات ذات طابع فردي وخاص، إلتزم المسلمون مدة إقامتهم بمكة، بالامتناع عن أي رد فعل عنيف، وتحملوا جراحهم ببسالة (^٥). أما الآن وقد اصطبغت كراهية المشركين بصبغة العمومية. وتحولت إلى حرب ضارية (^٦). فقد أذن للمؤمنين بعد أكثر من عشر سنوات من الصبر الجميل (^٧)، بأن يجندوا أنفسهم (^٨) (¬،٩) للدفاع الجماعي عن كيانهم، وللذود عن إخوانهم الذين لا سند\n_________\n(^١) وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال - ٧].\n(^٢) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال - ٨].\n(^٣) وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال ٤٢].\n(^٤) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ [النساء ٧٦].\n(^٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ... [النساء - ٧٧].\n(^٦) وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ..... [البقرة - ٢١٧].\n(^٧) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج - ٣٩].\n(^٨) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ [البقرة - ٢١٦].\n(^٩) لقد كان تحول هذا الإذن بالقتال إلى أمر عام في ظروف غير مواتية على الإطلاق، بحيث لا يمكننا أن نوافق «الدكتور سنكلير» بأن القانون القرآني كان يتعدل تدريجيا حسب انتصارات محمد (ص ٢٧٩).\nولقد وقع هذا الكاتب أيضا في أخطاء أخرى في نفس الموضوع - أولا - عندما قلب معنى الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ [البقرة - ٢١٧] التي تدين أعمال العدوان في الأشهر الحرم (ص ٢٧٦) ثانيا - عندما اعتبر وسائل قمع الارهابيين إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة - ٣٣] صورة جديدة للحرب تعد مرحلة ثالثة في هذا التطور (ص ٢٧٧).","vol":"1","page":62},{"text":"لهم (^١). إن الحكم الموضوعي يقر أننا لا نستطيع أن نلوم مثل هذا الموقف الدفاعي البحت المتفاني في السمو ولكن المسألة تتركز أساسا فيما إذا كان التشريع القرآني قد تطور فيما بعد ووسع مفهوم حق الدفاع عن النفس بحيث شمل كل مبادرة بالعدوان.\nيبدو لنا أن معلومات العالم الغربي غير وافية في هذه النقطة: إذ يسود الإعتقاد أنه يحق للشعوب الإسلامية، بل وحتى طبقا لكتابهم المقدس - أن يستخدموا السلاح سواءا لفرض دينهم على الناس أو للقضاء على كل من لا يعتنقه، ويطلقون على ذلك «الحرب المقدسة» وهي عبارة يجعلونها تتوافق مع كلمه «جهاد» الواردة في القرآن الكريم. والحقيقة أن هذا التعبير النوعي الذي يقصد به «بذل الجهد» ليست له أية علاقة بالناحية العسكرية لأننا نجده أيضا في السور المكية: إما لبذل الجهد في الوعظ والدعوة، والجدال بالحسنى (^٢)، وإما لبذل الجهد الشخصي ذي الطابع الأخلاقي المحض (^٣). أما ما يعبر عن الحرب الحقيقية فهي كلمة «قتال».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>القرآن يحدد الحرب الشرعية:</span>\nوالرجوع إلى النص القرآني يوضح لنا الموضوع والهدف والحدود التي يستهدفها التشريع القرآني من وراء القتال، فيقول: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٢ - ١٩٣]، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا﴾\n_________\n(^١) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ [النساء ٧٥].\n(^٢) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا [الفرقان ٥٢].\n(^٣) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت - آخرآية].","vol":"1","page":63},{"text":"﴿إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩٠ - ٩١] وفى موضع آخر نجد نفس التفرقة ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] وحتى في سورة التوبة التي تعتبر أشد السور على الكفار والمنافقين والمتقاعدين المترددين في القتال والتي تبدأ بإعلان عام يقطع كل علاقة بالمشركين، نرى العناية التي أولاها القرآن في استثناء المشركين الذين لم ينقضوا عهودهم فيصرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. والموضوع الذي يحرض القرآن المؤمنين من أجله يتضح أكثر في الآية التالية: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾\n[التوبة: ١٣]. وترتب على ذلك بطبيعة الحال أن يقول الله تعالى للمؤمنين ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾\n[التوبة: ٣٦] ولكن هذا القتال يتوقف بمجرد حفظهم للعهد ﴿فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. فلا نجد في أي مكان إذنا بالبدء بالقتال، وإنما الأمر هنا محدد بموقف الخصم العدواني، والأكثر من ذلك أنه حتى بالنسبة للمشركين الذين لا يرتبطون مع المسلمين بعهود ومواثيق ويطلبون حمايتهم، نجد القرآن يطالب الرسول ﷺ بأن يبلغهم مقصدهم في أمان (^١) (¬،٢).\n_________\n(^١) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة: ٦].\n(^٢) عندما وصل سنكلير إلى هذا الموضع بعد أن أغفل الآيات التي توضح الحدود في حق الإلتجاء إلى القوة، اضطر لكي لا يتعارض مع نتائجه في البحث - أن يستبدل هذه الآية التي تدعو إلى حماية المحايدين بنقط.","vol":"1","page":64},{"text":"فكل مسؤوليات الحرب إذن تقع على عاتق الباديء بها، ولكن إلى أي مدى تمتد هذه المسؤوليات؟ هل هي مسؤوليات جماعية؟ لقد أثبتنا في مكان آخر (^١)\nالمبدأ القرآني الذي يتضمن أن المسؤولية الجنائية والأخلاقية هى مسئولية فردية وأن المسئولية المدنية تميل إلى الإقتراب من نفس هذه الفكرة وشأنها شأن المسؤولية العسكرية، فعندما يقول القرآن ﴿قاتِلُوا ..﴾. ﴿... الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ إنما يقصد بذلك الذين يقاتلون قتالا فعليا ويحملون السلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>السنة النبوية تفصل الأهداف العسكرية من الحرب:</span>\nولقد أوضحت السنة هذا الشرط بعناية فائقة، وأبعدت عنه أي إلتباس:\nفالنساء والأولاد والشيوخ والعميان والعجزة والمجانين والمزارعون في حقولهم والمتعبدون في صوامعهم (^٢)، لا يتعرضون للأعمال الحربية أي لأي عمل يؤدي إلى التدمير بوجه عام مثل الفيضان والحريق. وعند تطبيق الحكم القرآني الذي يقضي بالعفو عن الذين يوقفون القتال، ذهب النبي ﷺ إلى حد أن أوصى بتحريم ملاحقة العدو الهارب من ساحة القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>الغرض الحقيقي من الحرب:</span>\nما هو إذن الهدف من هذا التشريع؟ نعتقد أنه قد وضح الآن: وهو إبعاد الخطر، فالإسلام يدين روح التدمير وروح السيطرة (^٣)، بل إنه لا يريد فرض «أيديولوجية عالمية» (^٤)، وحتى مع افتراض أنه قد يكون هناك من يريد ذلك فإنه لا يستطيعه لأن الرسول ﷺ ذاته لم يكن ليركن إلى إمكانياته البشرية ويعول عليها، بعد أن أوضح له القرآن الأبعاد والحدود. هل يستطيع أن يغير إرادة الله؟ إنه بموجب أمر إلهي سيظل الخلاف قائما بين الناس (^٥)، وسيظل الإيمان قاصرا على قلة\n_________\n(^١) أنظر دراز «الأخلاق في القرآن» الفصل الثاني والرابع والخامس.  Draz،La Morale du Koran\n(^٢)  إذا كانت الحرب يقصد بها محاربة الدين بالفعل ألم يكن من الأولى أن يكون هدفها هم رجال الدين أنفسهم.\n(^٣) تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا [القصص: ٨٣].\n(^٤) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨ - ١١٩].\n(^٥) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨ ١١٩].","vol":"1","page":65},{"text":"منهم (^١). لقد كان بعيدا عن أن يكره الضمائر، ويعوق حرية العقيدة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>خطأ جوتييه في معنى التسامح الإسلامي:</span>\nفالإسلام يقف في وجه من يعترض طريق الحرية ويعرض الناس للفتنة (^٣)، وتحطيم هذه العوائق هو الهدف التحرري النزيه الذي يجب أن يلهم المقاتلين المسلمين (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>الجهاد في الدعوة يخضع لقواعد:</span>\nهل معني ذلك أن «هداية» الآخرين أو «غوايتهم» لا تهم المسلم في شيء؟ هذا هو التفسير الذي حاولوا تقديمه أحيانا عن سماحة المسلمين إزاء الأديان الأخرى؟ (^٥) إنها طريقة أخرى لإنكار الطابع الحقيقي للقرآن إذ ينسبون إليه إما المبالغة في الرغبة في استمالة الناس نحو مبادئه، وإما فتور هذه الرغبة: أي أنه يوصف إما بالتشدد وإما باللامبالاة. والحقيقة أن موقف القرآن في هذا الشأن لا يتمثل في أي من هذين الطرفين. إنه يقرر أن من الواجب الدعوة إلي الحق وإلى الفضيلة (^٦)، ومزاولة ذلك بهمة ونشاط (^٧). ولكن الأسلوب المتبع في ذلك يجب أن يتسم بالحكمة والإقناع وباللين (^٨). فالواجب على كل فرد هنا ليس في إكراه الغير وإنما في الشرح والتوضيح والإقناع بكل ما يعتقد أنه حق. وللغير أن يؤمن بما يسمع أو لا يؤمن وعليه بعد ذلك ألا يضيق ذرعا بحرية المؤمنين في القيام بشعائرهم وإعطائها ما تستحق من تبجيل. وفيما عدا ذلك يتحمل كل فرد مسؤولياته كاملة (^٩).\n_________\n(^١) وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣].\n(^٢) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦].\n(^٣) وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة: ٢١٧].\n(^٤) وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ [الأنفال: ٣٩].\n(^٥) انظر «أخلاق المسلمين وعاداتهم» - جوتييه (ص ٢٠٩).  Moeurs et Coutumes des Musulmans\n(^٦)  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: ١٠٤] وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣].\n(^٧) وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢].\n(^٨) اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: ١٢٥].\n(^٩) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٧٢] لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة: ١٠٥).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبدأ الإسلامي الذي ينظم العلاقات الدولية:</span>\nفالمبدأ القانوني الذي يحدد العلاقة بين جماعة المسلمين وبين الأمم والأديان الأخرى هو المبدأ الذي يطلق عليه، بصفة عامة، اسم «التسامح»، وقد تكون هذه التسمية أقل من الحقيقة من بعض النواحي، إذ نلاحظ أولا: أن الشعوب التي لا تعتنق الإسلام وإنما تخضع سلميا لتشريعه المدني لا يجب فقط أن تتمتع بالتسامح، وأن تصان أراضيها وأفرادها (أشخاصهم وأموالهم ودياناتهم وتقاليدهم)، ولكن الإسلام يأخذ على عاتقه أن يوفر لهم هذه الحريات على قدم المساواة مع المسلمين أنفسهم «لهم مالنا وعليهم ما علينا». ثانيا: أما الذين لا يقبلون العقيدة الإسلامية ولا التشريع الإسلامي، فإن القرآن لا يطالبهم إلا بموقف مسالم من جانبهم ليوفر لهم في مقابل ذلك معاملة كريمة أساسها العدل والبر (^١).\nفالمقاومة الفعلية لا تفرض نفسها إلا في غياب أحد الحلول الثلاثة السابقة (جماعة دينية أو وحدة اجتماعية أو حسن جوار) فإذا صوب الكفر ضربته إلى العقيدة ليضطهدها ويخمد نورها جملة هل من المعقول أن يبقي الدين مكتوف الأيدي أمام الكفر وينظر في سلبية إلى ما يفنيه فناءا تاما؟ وعلى كل من يدعي أنه اكتشف غرضا آخر لنظام القتال في التشريع الإسلامي أن يتفضل ويعطينا الرقم التقريبي للأتباع الجدد الذين اعتنقوا الإسلام بفضل هذه الإجراءات القاسية. لقد عاش المسلمون كلتا التجربتين في وقت مبكر وفطنوا - وذلك في مصلحة العقيدة ذاتها - إلى أنه لا يوجد شيء يعادل تبادل الأفكار في سلام وحرية. لقد فهموا ذلك جيدا حتى لا يساورهم إكراه الناس على الدين بالقوة، وحتى أنه قيل أنه أثناء صلح الحديبية - نظرا لأن حدود المعسكرين المتعاديين كانت مفتوحة - بلغ عدد الذين اعتنقوا الإسلام ما يزيد على عددهم في السنوات السابقة مجتمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>اعتراف جوتييه:</span>\nونستطيع أن نفترض وقوع بعض الأخطاء في فترات الإضطرابات إذ قد يصعب\n_________\n(^١) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة: ٨].","vol":"1","page":67},{"text":"تلافيها، وقد يشتبه أيضا في بعض الانحرافات في الأجيال التالية. ولكن لنسمع أولا اعتراف أحد النقاد المعاصرين (^١) وهو ممن لا يعلنون تأييدهم للنظام الإسلامي: «رغم العقبات الرسمية التي كانت تحول دون اعتناق الإسلام (^٢) فقد كان الناس يدخلون في هذا الدين أفواجا» (ص ٢١٧) «لم يحدث قط أن عربيا وهو في أوج حماسه لدينه الجديد - أن فكر في أن يطفيء في الدم المسفوك عقيدة دينية أخرى» (ص ٢٠٧) «لم يحدث قط أن زاول الخليفة أي اضطهاد تجاه النصارى أو تجاه الزنادقة» (ص ٢٠٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>مقارنة بين الحروب الإسلامية وحروب حركة الإصلاح البروتستانتية:</span>\nوعلى أي حال فإن البؤس والآلام التي يمكن أن ننعيها في المعارك الإسلامية كانت طفيفة، والحروب كانت سريعة، مما يحملنا على الإعتقاد بأن الأبواب كانت مواربة أمام الفاتحين المسلمين. وما كان عليهم إلا دفعها لتفتح على مصراعيها.\nفهذه السرعة من ناحية واستتباب النظام والأمن والعدل التي تلتها، من ناحية أخرى، قد حقن كثيرا من الدماء وقلل من الخسائر المادية. ولنتذكر أن حركة الإصلاح البروتستانتي التي لم تتناول بالتعديل إلا عدة مباديء فقط من المسيحية - قد كلفت أوربا خلال قرن ونصف قرن من الآلام والضحايا ما يربو على ذلك بكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>متانة البناء الإسلامي:</span>\nإن كل بنيان مزيف إذا عاش برهة من الزمان بفضل القوة التي تسانده لا بد وأن ينهار حين تختفي من حوله العناصر الغريبة عليه والتي ساعدت على بقائه قائما،\n_________\n(^١) جوتييه - «أخلاق وعادات المسلمين»  Moeurs et Coutumes des Musulmans\n(^٢)  لا شك أن المؤلف يلمح إلى الخراج العقاري إذ أن المؤرخين ينقلون إلينا أن الخلفاء كانوا يحرصون على أن يكون الخراج أقل على الشعوب الأصلية مما كان يفرض على المسلمين الفاتحين، فقد أمر عمر بن عبد العزيز والي مصر أن يفرض على كل مالك مسلم ٤٠ دينارا وعلى كل مالك قبطى النصف أي عشرين فقط («النجوم الزاهرة لابن تاغريبردي المجلد الأول ص ٢٣٨ وردت بكتاب التعليم الإسلامي في مصر» للدكتور إبراهيم سلامة ص ١٤).","vol":"1","page":68},{"text":"فماذا نرى اليوم بعد اثني عشر قرنا من الدهر الطويل، وبعد توقف التوسعات الإسلامية؟ هذه المبادئ المنتشرة بين شعوب جد مختلفة في الجنس واللغة واللون والمناخ من الصين إلى مراكش، ومن ليتوانيا حتى الموزمبيق، والتي تمثل أكثر من سدس سكان العالم، (^١) هذا البناء الاجتماعي الذي تعرض طوال التاريخ المديد إلى عناصر التدمير الداخلية والخارجية - لم يفقد شيئا كثيرا من مظهره ولم يخسر شيئا على الإطلاق من جوهره. ورغم عدم استقرار الأحوال السياسية، فالبناء الديني والأخلاقي لا يزال منصوبا على قوائمه وثابتا في صلابة، بحيث قيل بحق: «إنه لم يحدث منذ بداية الهجرة أن مسلما قد تحول عن دينه إلي دين آخر (^٢)» وعلى أي حال نستطيع أن نؤكد أن المسلمين اليوم أقل إستعدادا لأن يتخلوا عن عقيدتهم من أتباع أية ديانة أخرى. أليس مما يناقض القوانين النفسية، أن ننسب هذا التمسك الوثيق بهذا الدين من جانب المسلمين إلى نوع من الاستسلام الوراثي يرجع أصله إلى نوع من الإكراه الذي وقع على آبائهم الأولين، وأن المسلمين لا يزالون يحتفظون بذكراه منقوشة في أعماق تركيبهم الذهني؟.\nلا جدال في أنه يتحتم علينا أن نسلم بوجود الصفات الذاتية التي مكنت للإسلام من هذا الإنتشار ومن هذا الثبات رغم البعد عن تاريخ مولده.\n***\n_________\n(^١) طبقا للإحصائيات الحديثة المتواضعة بلغ تعداد المسلمين حاليا ٣٥٠ مليونا.\n(^٢) «خطاب افتتاحي» مترجم إلى الفرنسية ومؤلفه بورتر في مقدمة «القرآن» تأليف دى راير.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الباب الثاني القرآن من خلال مظاهره الثلاثة الدّيني والخلقي والأدبي</span>\nالفصل الأول: الحق أو العنصر الديني\nالفصل الثاني: الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن\nالفصل الثالث: الجمال أو الجانب الأدبي","vol":"1","page":71},{"text":"الفصل الأول الحق أو العنصر الديني","vol":"1","page":73},{"text":"إذا كان القرآن - بعيدا عن أي عامل خارجي قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى ما له من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب الناس الفطري في التفكير والشعور، وباستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم في شؤون العقيدة والسلوك، وبوضعه الحلول الناجحة للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم. وبمعنى آخر لا بد أنه ينطوي على ما يشبع حاجتهم إلى الحق والخير والجمال بما يجمع من صفات العمل الديني والأخلاقي والأدبي في آن واحد.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الفصل الأول الحق أو العنصر الديني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المظاهر الخارجية للحقيقة: اتفاق ذوي الاختصاص:</span>\nإن أول ملامح القوة الجارفة التي تتمتع بها الدعوة الإسلامية تكمن - في رأينا - في الصورة التي قدمت بها الحقيقة الدينية في محاولة منها لوضع حد للخلافات التي ثارت بشأنها.\nفردا على السؤالين العقيديين الرئيسيين اللذين تنازع واختلف بصددهما الفكر الفلسفي: «ما هو مصدر الكون؟» «وما مصيره؟» نعلم كيف أن الديانات السماوية بعد أن قدمت إجابة دقيقة عليهما، أسست على هذه الإجابة نظاما كاملا في العقيدة والعبادة، اختلف باختلاف الأزمنة والمجتمعات وتباين أمام أنظارنا في أشكاله وحتى في مبادئه الجوهرية، غير أن الإنسان - بنوع من الفطرة المنطقية - لا يقبل بسهولة أن تتناقض حقيقة دينية مع حقيقة دينية أخرى. فما قدم لنا بالأمس على أنه حقيقة خالدة، هل يمكن أن نعتبره بالغد باطلا لا يصلح إلا ليحل محله ما يناقضه؟ هل يمكن أن يحدث هذا دون أن يلقي في قلوبنا ونفوسنا الاضطراب والشك، ومن غير أن يجعلنا نفترض فساد وبطلان المبدأين على السواء؟ إن اتفاق وإجماع ذوي العلم والاختصاص على صدق فكرة معينة، علامة في نظر سائر الناس، على صحة هذه الفكرة. رغم أن هذا الإجماع عامل خارجي، غريب عن ذات الفكرة. ومن هذه الناحية نستطيع إذن أن نقول إنه بقدر ما تتمتع به أية دعوة من تأييد أهل العلم لها وزيادة الثقة بها. يتضاعف تأثيرها على الناس. فاختلاف القادة والزعماء يلقي في نفوسنا الحيرة والاضطراب. وفي إجماعهم نجد التوازن الذي لا غنى عنه لراحة ضمائرنا. إننا نجد راحتنا في الواقع عندما نعلم أن الناس يفكرون تماما كما نفكر، وأن عقول الإنسانية المستنيرة","vol":"1","page":75},{"text":"اتفقت على رأى واحد. وأن رسل الله جميعا ﵈ يعزز بعضهم بعضا ويتضامنون في تبليغ حقيقة واحدة. فموسى يعلن أنه من ابراهيم واسحق ويعقوب ﵈ وعيسى ﵇ لم يأت إلا ليؤيد الرسل والشرائع السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>تعريف القرآن للإسلام باعتباره الإيمان بجميع الأديان المنزلة السابقة:</span>\nولقد ركز القرآن على هذه الفكرة تركيزا كبيرا، وأكد صراحة أن جميع الأنبياء ﵈ أمة واحدة مجتمعة تحت لواء الله ﵎ (^١)، وأن هذه الوحدة كانت تجمع سائر الناس فيما مضى. وإنما الأجيال اللاحقة هي التي بذرت الخلاف والفرقة (^٢)، إما بنسيان حظ من التعاليم الربانية (^٣) أو نتيجة الأساليب الرديئة التي عرضت بها (^٤) هذه التعاليم أو بدافع الغرور والمصالح الذاتية (^٥).\nويعرض القرآن دعوة الإسلام بطريقته المنطقية لا على أنها دعوة محمدية مستقلة تنافس الموسوية والمسيحية وتنازعهما الحقيقة، وإنما يقرر أن المسلم هو من يؤمن في نفس الوقت بموسى وعيسى وجميع رسل الله ﵈، ويوقرهم من غير تمييز بينهم (^٦)، كما يؤمن بمبادئهم جميعا، أي أنه يستسلم\n_________\n(^١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٩٢] وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: ٥٢].\n(^٢) وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: ٢٥٣] وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [يونس: ١٩].\n(^٣) وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٤].\n(^٤) وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٧٥] يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [المائدة: ١٣].\n(^٥) وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: ١٧٤].\n(^٦) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].","vol":"1","page":76},{"text":"لله ولإرادته التي أعلنت متتابعة على ألسنتهم (^١). وعندئذ يعلو الناس فوق الإنشقاق والتنافس (^٢) لأنه إذا كانت العقيدة التي يعلنها هذا الرسول ﷺ مطابقة لعقيدتي، إنتفت الأسباب التي تبرر صدى هذه العقيدة، ما لم يكن رفضي لها بدافع من الأنانية (^٣) أو الحمد (^٤) أو الغرور (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>العودة إلى الوحدة الأولى:</span>\nإن القرآن يدعو إذن إلى العودة إلى الوحدة الدينية الأصلية التي يستجيب لها ويعتز بها ذوو النفوس السامية، ويكفي أن يرتفع صوت باسم هذه الوحدة المقدسة حتى تتفتح له قلوبهم المتلهفة. ولا شك أن هذه خطوة أولى ضرورية ولكن كل شيء بعد ذلك يعتمد على النظام والمنهج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الجزء الأول من المبادئ الدينية في القرآن: فكرة عالمية وغالبا مغمورة:</span>\nونعتقد أن نقطة الانطلاق والنواة التي يدور حولها نظام الإقناع القرآني تنحصر في هذه الفكرة الرئيسية: وهي أن صانعا يتصف بالكمال المطلق والقوة المطلقة، والخير المطلق، خلق كل شيء في الوجود، وأخضعه لإرادته خضوعا مطلقا. وسر نجاح هذه الفكرة أنها، من ناحية تنسجم تماما مع الوحدة الدينية التي يستهدف الإسلام إعادتها من جديد إلى الوجود، حيث أن الفرقة لا تنشأ إلا في التعدد (^٦).\n_________\n(^١) قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٤)].\n(^٢) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩] شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣].\n(^٣) قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ [البقرة: ٩١].\n(^٤) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: ١٠٩].\n(^٥) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ [المائدة: ١٨].\n(^٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٦].","vol":"1","page":77},{"text":"ومن ناحية أخرى فإن سمو هذه الفكرة فوق كل الاعتبارات الضيقة في الديانات المختلفة، تذكر الناس بالحقيقة الخالدة التي عرفوها أو التي يسهل عليهم معرفتها.\nوالواقع أنه حتى العرب المشركين كانوا يعترفون بوجود إله أعظم. خالق للكون ومدبر لشؤونه (^١). ولا يرجع هذا الاعتراف فقط إلى بعض الآثار المحفوظة عندهم، من ديانة إبراهيم وإسماعيل ﵉. وإنما توجد نواته في أعماق النفس الإنسانية (^٢) ولكن هذا التوحيد الأولي أو هذه الديانة الفطرية، كما يسميها القرآن (^٣) لم تكن إلا فكرة نظرية محجوبة ومغمورة في الواقع تحت معتقدات وعبادات كانت تؤدي إلى عدد لا يحصى من الآلهة (^٤) فهم لا يدعون الله الواحد إلا إذا ألم بهم خطر كبير (^٥). ولا يقدمون له من القرابين إلا ما قل (^٦) وحقر.\nولاتصالهم الوثيق بالطبيعة ومظاهرها المختلفة، كانوا ينسبون إلى النجوم (^٧)\nوالكواكب (^٨) بعض الفضل وكانوا يخرون لها ساجدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>وصف الوثنية العربية من وحدانية الله الخالق إلى وحدانية الله المعبود:</span>\nوأما بين الله الواحد وبين الناس فقد ابتكروا قوى وسيطة قادرة على أن تقّرب الناس إلى خالقهم (^٩)، أو تتشفع لهم عنده (^١٠). ولهذا كانوا يعبدون\n_________\n(^١) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ... [العنكبوت: ٦١].\n(^٢) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ... [الأعراف: ١٧٢].\n(^٣) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: ٣٠].\n(^٤) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦].\n(^٥) حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ [يونس: ٢٢].\n(^٦) وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا .. [الأنعام: ١٣٦].\n(^٧) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى [النجم: ٤٩].\n(^٨) لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصلت: ٣٧].\n(^٩) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى [الزمر: ٣].\n(^١٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ [يونس: ١٨].","vol":"1","page":78},{"text":"الملائكة (^١) ويزعمون أنهم بنات الله. أما الأوثان (^٢) والأنصاب (^٣) التي كانت تتنبأ لهم بخفايا الأمور أو ترمز - في نظرهم - إلى بعض الآلهة المستترة، فقد حضيت مع مرور الأيام بنفس التقديس والعبادة التى كانت لله. ولقد استطاعت العقليات الخيالية أن تخترع تدريجيا عددا لا يحصى من الآلهة الصغيرة التي وضعوها في مرتبة أقل من الخالق، وجعلوا لها اختصاصات محدودة تناسبها. إذ قياسا على أمور الناس لم يستطيعوا أن يتصوروا ملكا ليس له معاونين وحاشية يستحقون التقديس والعبادة. ولقد احتفظ لنا الأثر من هذا الاعتقاد العجيب - حيث نجد الآلهة مملوكة لله الخالق وشريكة له في نفس الوقت - ببعض الصيغ التي كان الحجاج الوثنيون يبتهلون بها أثناء الحج «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ..» فالقول بأن الآلهة إله واحد كان في نظرهم قولا عجيبا (^٤) وكاذبا، لدرجة أنهم زعموا أنهم لم يسمعوا به في مجتمعهم، ولا في الديانات السماوية السابقة (^٥)، أي في المسيحية التي انتقلت إلى الجزيرة العربية من الشمال ومن الجنوب عن طريق بعض الطوائف اللاجئة. ورغم الاختلاف بين الشخصيات المؤلهة هنا وهناك، كانوا يجدون نوعا من التشابه بينها لاستخلاص بعض الحجج في صالح الوثنية (^٦)، لأن أهل الكتاب نجحوا هم أيضا في الجمع بين توحيد الله الخالق وبين عدد من الآلهة الأخرى المعبودة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>العلاج القرآني:</span>\nفمع هؤلاء وأولئك، وضد هؤلاء وأولئك، استند القرآن على العقيدة الأولى\n_________\n(^١) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا ... وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [الزخرف ٢٠:١٩].\n(^٢) فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠].\n(^٣) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٠].\n(^٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥].\n(^٥) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ [ص: ٧].\n(^٦) وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا .. [الزخرف ٥٨:٥٧].","vol":"1","page":79},{"text":"لهدم العقيدة الثانية. إنه يأخذ باعتراف خصومه هؤلاء ليثبت لهم جحودهم بهذا الإشراك (^١) وهذا الخلط، فضلا عن منافاة ذلك للعقل. فالوحدة الدينية التي يدعو إليها القرآن تنبني على فكرة كانت موجودة من قبل وقائمة بالفعل، ولكنها كانت مغمورة تحت أنقاض الأفكار المناقضة. فيستخرجها القرآن من بين هذا كله ويعيد إليها صفاءها وينقيها من كل شائبة، وهو بهذا لا يخترعها ولا يكتشفها، فطريقته إذن قائمة على حذف الشوائب لا على إضافة الجديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>فكرة الأسباب والمسببات:</span>\nوهكذا نرى - كما ألمحنا فيما سبق - أن قوة الفكرة الدينية لا تكمن في أصالتها بل على العكس، في طابعها المتأصل. إنها تدفعنا إلى الإيمان بها بنفس القوة التي تغوص بها جذورها في أعماق معتقدات آبائنا الأولين الموغلة في القدم.\nولهذا نرى القرآن - فضلا عن التدليل المنطقيّ السابق - يؤسس دعوته إلى التوحيد على تاريخ الأنبياء في كل الأزمنة السابقة (^٢) فيتجلى بوضوح أن العقل والنقل يشاركان القرآن في إثبات عقيدة التوحيد، ورفض الوثنية والإشراك على اختلاف صورهما (^٣).\n_________\n(^١) يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة ٢٢:٢١] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام: ١٧] يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا [الحج: ٧٣].\n(^٢) قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا (البقرة - ١٣٣) ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩] أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي .. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٤ - ٢٥] مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا .. [الحج: ٧٨] وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥].\n(^٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الأحقاف: ٤].","vol":"1","page":80},{"text":"ولكن كيف يمكن أن نفسر أن قضية مثل هذه، تستند إلى المنطق ورسوخ الأصل، وتتجدد على الدوام بتعاليم الرسل الإيجابية - كيف يمكن أن تختفي بهذه السهولة من الأذهان لتحتل مكانها أفكار مناقضة لها؟ السبب هو أن الإنسان بطبيعته يشعر أنه مدفوع إلى الإعجاب بالقوة الخلاقة أينما وجدها، والمرحلة من الإعجاب إلى العبادة متصلة ولا تتضمن إلا اختلافا في الدرجة؛ فالشمس التي تضيء لنا الدنيا وتمنحنا الدفء والحياة؛ والشجرة التى تحمينا بظلها وتمنحنا ثمارها؛ والنبع الذي يتفجر بالماء من بين الصخور. كل هذه القوى الطبيعية، التي تتحرك في سكون وفاعلية، عجائب تأخذ بألباب المتأملين. وما بالك بالخوارق التي تتم على يد ساحر أو صانع للمعجزات؟ فبإرشاد من الحواس الخارجية، يميل الإدراك بسهولة إلى أن ينسب منشأ أية ظاهرة إلى المصدر المباشر الذي انطلقت منه. إنه ينسبها إلى الشيء التي انطلقت منه كأثر لسبب حقيقي فعال ومستقل، ولا يرتفع الإدراك من تأثير الظاهرة إلى مصدرها، ومن الملموس إلى المعقول، إلا بمجهود فكري إرادي. ونادرا ما يبذل هذا الجهد. ومن أول أهداف القرآن تزكية هذا المجهود بقوة، إذ يذكرنا دائما باستحالة خروج أي مخلوق من العدم من غير قوة خالقة؛ وباستحالة أن يخلق ذاته؛ أو أن يخلق أي شيء على الإطلاق في السماوات أو الأرض (^١). ولا حتى أية حشرة على فرض تضافر كل القوى والجهود لهذا الغرض (^٢) والأكثر من ذلك أنه إذا استولت ذبابة على شيء يملكه أقوى إنسان في الدنيا فلن يستطيع أن يستعيده منها (^٣). فالجميع - ما عدا الله ﷾ - لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض لا بالمشاركة ولا\n_________\n(^١) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦] أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: ١٩٠ - ١٩١].\n(^٢) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣].\n(^٣) وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [نفس الآية السابقة].","vol":"1","page":81},{"text":"لا أحد سوى الله يستطيع أن يغير نظام الطبيعة (^١) ولا الإبقاء عليه (^٢). إننا نطلق عبارة القوانين الأزلية على هذا النظام الدائم للأشياء الذي لا نستطيع بتدخلنا أن نعدل منه شيئا، أما بالنسبة للخالق فهذا الثبات وكل قوانين السببية متوقفة على كلمة واحدة من إرادته سبحانه، فلو شاء لجعل ماء المطر ملحا أجاجا (^٣)، ولأسقط السماء فوق الأرض (^٤)، ولأذهب الجنس البشري جميعه، ولجاء إلى الأرض بمخلوقات أخرى مكانه (^٥). من ذا الذي يستطيع أن يعترض إرادة الله إذا أراد أن يهلك من في الأرض جميعا؟ (^٦) فلله القوة جميعا. إذ أن الأسباب القريبة والبعيدة، ومقاليد الأمور كلها بيد هذا الخالق العظيم سبحانه (^٧) وإليه مصيرها ومنتهانا (^٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>العلم والدين: تفسير الكون عن طريق الدين نابع من عقل أكمل من عقل العلم:</span>\nبسماع هذا الحديث الكريم قد نميل إلى الاعتقاد في أن هناك قدرا محتوما لا يجدى معه أي تدخل بشري، وإنما هي سلبية كاملة مفروضة على العالم، حيث تختفي تماما أية رابطة سببية بين الأشياء، وهذا الاعتقاد - فضلا عن مجافاته للعقل ومناقضته للعلم - يتعارض مع مجموعتين من الآيات القرآنية: فالمجموعة الأولى تدعو إلى بذل جهد خلقي دائم، والمجموعة الثانية تفسر الظواهر الطبيعية\n_________\n(^١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٢].\n(^٢) وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ [الحج: ٦٥] إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر: ٤١].\n(^٣) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٧٠].\n(^٤) وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ [الحج: ٦٥].\n(^٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: ١٦].\n(^٦) قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [المائدة: ١٧].\n(^٧) اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].\n(^٨) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٢].","vol":"1","page":82},{"text":"والتاريخية بعضها ببعض. والحل السوي إذن هو الذي يحدد لكل حقيقة من الحقائق المسلم بها مداها ومرماها. فلا نجرد الإنسان والعالم من أية قدرة ذاتية مستقلة. ولا نصفه بالعجز المطلق، وهذا هو الوسط المعقول الذي يبدو أن القرآن يدعونا إلى الوقوف عنده، فالظواهر التي تتكرر دائما في تسلسلها ونظامها الرتيب، تمنحنا الحق في افتراض استمرارها في المستقبل بنفس الدقة ونفس النظام، إذ لا غنى للحياة عن الإعتقاد في نظام ثابت للطبيعة. ولكن هذا الثبات لا يرجع إلى جوهر الأشياء بعيدا عن القدرة التي تدبرها وتنسقها، لأن وجود هذه الظواهر ودوامها وقوتها وثباتها خاضع خضوعا مطلقا للإرادة الإلهية. فالتفسير الديني للكون بعيدا عن أن يوصف بالكسل الذهني - يتخطى الإدراك العلمي ويسمو عليه لأنه يوافق الفكرة العلمية ويحتويها بل ويتجاوزها إلى ما لا نهاية. فعندما يقف العلم عند تقدير وملاحظة الأسباب المتتالية ومراحلها الوسيطة. فإن النظرة الميتافيزيقية لا تقف عند هذا الحد ولا تجد رضاها وإشباعها إلا بالصعود إلى بداية البدايات التي تفسر كل شيء ولا يستطيع شيء أن يفسرها تفسيرا كاملا.\nفالمتناهي يحتل ركنا صغيرا من اللامتناهي. فلا ننبهر فوق الحد إذن عند رؤية العمل الإنساني أو ظواهر الطبيعة مهما كانت عظمتها، والسلطان الذي يتصرف بموجبه أي صانع للمعجزات - وهو سلطان محدود بالزمان والمكان وبما يحدثه من أثر - لا يعدو أن يكون سلطانا معارا وعرضة لأن يسحب من جانب الذي أعاره ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ (^١) ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>فكرة المعجزات في القرآن:</span>\nولم يفهم القرآن كما ينبغي عندما أسيء تفسير رفض الرسول ﷺ الصريح أن يكون بمثابة صانع للمعجزات. وقد يلمّح من هذه النقطة بأنه لم يقدم الدلائل الكافية عن ربانية دعوته. فهل فرض على الناس الإيمان بدعوته بطريقة تعسفية\n_________\n(^١) [الكهف: ٣٩].\n(^٢) [الفاتحة: ٤].","vol":"1","page":83},{"text":"ودون تقديم أي دليل؟. أليس هذا جنونا أو ما يقرب من الجنون، والحقيقة أنه في كل الظروف غير العادية التي تصاحب ظهور الأنبياء والرسل ﵈ حيث يبلغون رسالاتهم ويؤمنّون نجاحها - لا يرى القرآن في هذا كله عملا بشريا مباشرا. إذ بقدرة من الله تعالى تتم هذه المعجزة أو تلك على لسان هؤلاء الرسل ﵈ أو بأيديهم، وليس لهؤلاء الرسل ﵈ أكثر مما لدى قومهم من حق في ادعاء اختيار المعجزات أو استبدالها بغيرها. فنوح والرسل ﵈ الأولون أعلنوا ذلك صراحة (^١) وعندما طلب الفريسيون من عيسى أن يريهم آية من السماء ماذا فعل غير أنه رفض طلبهم وانصرف؟ (^٢) فالله يعطي سلطانه لمن يشاء، وعلى أي شكل يريد، بحسب تقديره سبحانه لأوفق طريقة تناسب هذا العصر أو ذاك، وهذا الجيل من الإنسانية أو غيره فلقد ألقى موسى عصاه فإذا هي قد تحولت إلى ثعبان عظيم، وها هو موسى مأخوذ من الدهشة (^٣).\nوينادي عيسى الميت، وبإذن الله يعود الميت إلى الحياة (^٤) (¬،٥) وهذا هو أمر الرسالة المحمدية، في بادئ الأمر كانت مجرد تلاوة لبعض آيات القرآن الكريم تحول هؤلاء الكفار المعاندين من الموت الوجداني إلى الحياة الروحية (^٦)، إنه ليس محمد ﷺ هو الذي فتح قلوبهم (^٧). إنه ليس هو الذي يسمع الموتى ويرى العميان (^٨)، وإنما\n_________\n(^١) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ [هود: ٣٣] وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ [إبراهيم: ١١].\n(^٢) وجاء إليه الفريسيون الصدوقيون ليجربوه فسألوه أن يريهم آية من السماء فأجاب وقال لهم: «إذا كان المساء قلتم صحو لأن السماء محمرة وفي الصباح اليوم شتاء لأن السماء محمرة بعبوسة، يا مراؤون تعرفون أن تميزوا وجه السماء وأما علامات الأزمنة فلا تستطيعون. جيل شرير فاسق يلتمس آية ولا تعطي له آية إلاآية يونان النبي ثم تركهم ومضى» (إنجيل متى - إصحاح ١٦ - ١ إلى ٤).\n(^٣) فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [طه: ٢٠].\n(^٤) وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى [المائدة: ١١٠].\n(^٥) «ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله» (إنجيل متى - إصحاح ١٢ - ٢٨).\n(^٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤].\n(^٧) وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الآية السابقة].\n(^٨) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [الروم:\n٥٣:٥٢].","vol":"1","page":84},{"text":"هذه الأعمال لا تتم إلا بإذن الله وإرادته (^١)، لأن كل شيء خاضع له وحده (^٢).\nوعندما نرى مجتمعا منقسما منذ القدم تأكله الأحقاد والحروب الداخلية، يصبح بين يوم وليلة مجموعة من الإخوة المتحابين في الله .. هذا التحول المفاجيء في نفوس الناس لا يرجع بطبيعة الحال إلى عمل بشري، بل ولا يمكن أن يتحقق لو اجتمعت من أجله قوى الأرض جميعا .. إن من يملك القلوب وحده هو الذي يستطيع أن يجعلها هكذا (^٣). وعندما ينتصر الإيمان في النهاية على الكفر والإشراك، وعندما ينتصر الضعيف المستكين على القوي المتجبر لا يتم هذا بإشارة من الرسول ﷺ ولا بشجاعة المؤمنين الذين تفانوا في حرب أعدائهم، إذ أن الله وحده هو الذي قتلهم (^٤).\nومن أول القرآن لآخره نجد نفس التفسير للمعجزات التي تمت على أيدي الرسل والأنبياء ومنهم محمد ﷺ. فسواء أكانت المعجزة تلاوة قصة عن أحد العصور القديمة (^٥)، أو كانت تنبؤا بحادث مستقبل (^٦)، أو كانت كشف سر في قضية، وإيجاد نص للحكم العادل للنطق به (^٧). فلا فضل في كل ذلك لفرط ذكاء الرسول ﷺ، ولا لسعة معارفه الإنسانية، وإنما الفضل أولا وأخيرا لتدخل كريم ورحيم من جانب الله تعالى، الذي هو المصدر الحقيقي لكل خلق ولكل علم ولكل خير.\n_________\n(^١) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦].\n(^٢) بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١].\n(^٣) هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].\n(^٤) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال: ١٧].\n(^٥) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [هود: ٤٩].\n(^٦) غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ٢ - ٤].\n(^٧) وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: ١١٣] فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم: ٣].","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الجزء الثاني من نظرية القرآن الدينية:</span>\nفبفكرة كمال الله المطلق وصفاته المطلقة، أسس القرآن الشطر الأول من النظرية الدينية العامة: وهي أنه لا شيء في الوجود يستحق العبادة والخضوع سوى الله الواحد القهار، وبنفس الفكرة يؤسس القرآن أيضا الشطر الثاني من هذه النظرية:\nوهي الإيمان بالحياة الأخروية. فكما أن الله هو الأول فهو أيضا الآخر (^١) إذ إليه مآلنا (^٢) لنقدم له أعمالنا ونتلقى منه الجزاء الذي نستحق (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>خلود الروح:</span>\nوهنا يجب التمييز بين نقطتين: الأولى خلود الروح، والثانية بعث الجسد.\nولا نعتقد أن الدعوة الإسلامية قابلت معارضة تذكر بشأن النقطة الأولى:\nفالقرآن الذي يسجل بكل أمانة تفاصيل المعارضة التي أبداها خصوم المسلمين في كل موضوع، لم يذكر شيئا بشأن هذه النقطة بالذات. وهناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض وجود فكرة مبهمة - وإن كانت خيالية - عند العرب الوثنيين عن حياة الروح بعد الموت. فالشعر الجاهلي يوضح لنا في الواقع أن تعطشهم إلى الأخذ بالثأر جعلهم يؤمنون بكائن خرافي يسمونه «الهامة» وهي ظل للروح، وكانت الهامة تحوم ليلا فوق جسد القتيل وهي تقول «اسقوني». فإذا اقتص من القاتل، امتنعت عن الظهور وعن ترديد مطلبها. ولقد نفت السنة هذا المعتقد الجاهلي «لا هامة» وحكمت ببطلانه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>بعث الأجساد:</span>\nوأما النقطة الثانية - وهي الخاصة ببعث الجسد - فقد ركز عليها المشركون معارضتهم وسخريتهم. فهذه العقول المرتابة والمرتبطة بتجاربها اليومية، لم تستطع بسهولة أن تؤمن بأن الجسم الذي تحلل تماما في التراب يمكن أن يستعيد هيئته\n_________\n(^١) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [الحديد: ٣].\n(^٢) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٨].\n(^٣) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١].","vol":"1","page":86},{"text":"الأولى ويحيا من جديد ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٩٨] إن من يدعي ذلك إما أنه «مَجْنون» أو ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ (^١) ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].\nوعلى هذه المعارضة البسيطة، يقدم القرآن حجته الفاصلة، التي يستقيها من كتاب الطبيعة المفتوح، فيبرز أمام الأنظار آلاف المشاهد التي تظهر منها بوضوح قدرة الله الخارقة. إذ أنشأ الله الإنسان من الأرض، ثم يعيده إليها، ومنها يبعثه مرة أخرى (^٢)، فلتتدارس العقول هذه الأطوار التي يمر بها الإنسان في دورة الحياة (^٣)\nمنذ أن كان علقة، إلى أن أصبح خلقا جديدا في أكمل صورة عند ميلاده (^٤)\n﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم - ١٩] هل يصعب على الذي بدأ الخلق أول مرة أن يعيده مرة أخرى (^٥). ويوجه القرآن أنظارنا بصفة خاصة إلى الأحداث الموسمية.\nألا نرى الأرض وهي جافة وجرداء تتحول إلى أرض خصبة؟ ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (^٦) [الحج: ٥] ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠].\n_________\n(^١) أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا [سبأ: ٨].\n(^٢) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه: ٥٥].\n(^٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا [نوح: ١٤].\n(^٤) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٢ - ١٦].\n(^٥) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].\n(^٦) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج: ٦، ٧].","vol":"1","page":87},{"text":"وسيقول المترددون: إذا سلمنا بحياة نباتية جديدة، كيف تعود الحياة الإنسانية بعد انقطاع الحواس وانفصال الشعور عن الجسد؟ إن على من يفكر على هذا النحو أن يعود بنظره إلى التجربة التي تتكرر كل يوم وهي توالي النوم بعد اليقظة لكي يرى نوعا من حدوث الحياة بعد الموت (^١).\nفليس إذن من المستحيل، بل هو من الأرجح، أن تكون لنا حياة أخرى، ولكن على أي أساس نقرر هذا التأكيد؟ إن القرآن يؤسس هذه العقيدة ليس فقط على قرار رباني ألزم الله تعالى به نفسه (^٢)، وإنما على أحد مستلزمات العدل الإلهي والحكمة السامية ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩] ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] وإلا لكانت حياة الإنسان بلا غاية ولا جدوى (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ماذا تضمنه أصالة التعاليم القرآنية</span>؟:\nوهكذا نرى أن القطبين اللذين تأسست عليهما الديانة الموحدة التي يدعو القرآن إليها، يقومان إما على حقائق سبق الاعتراف بها، أو تنبني على مبادئ واضحة. إن أي برهان نظري لا يتطلب أكثر من هذه القوة في التدليل والإقناع.\nوإذا كانت الفكرة الدينية قد بقيت في جوهرها كما كانت دائما، فلا شك أنها حققت تقدما حقيقيا من حيث الشكل الذي قدمها به القرآن - ليس فقط لأنه ساق البراهين والأدلة القادرة على إقناع أصعب العقليات، وعلى تحريك أقسى القلوب، وليس فقط لأنه قدم نظراته الواسعة والثاقبة عن الكون السماوي والأرضي واستخلص مواعظ ودروسا من كل مظهر من مظاهر الخلق الداخلية والظاهرية -\n_________\n(^١) اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: ٤٢].\n(^٢) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ [النحل:\n٣٨].\n(^٣) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥] أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة: ٣٦].","vol":"1","page":88},{"text":"وإنما بدت مادة الدين ذاتها المتعلقة بإختصاصات الله ﷾ ومآل الروح.\nوكأنها قد اكتسبت من القرآن نموا لم نعهده في أي مجال آخر.\nونضيف أن معنى الألوهية الذي يتجلى في القرآن. يمتاز بصفاء ونقاء وقدسية خاصة، يبعد به كل البعد عن أي تجسيم فظ يسقط فيه خيال الإنسانية عادة، كما يمتاز بقوة جارفة وأخاذة تصرف المستمع للقرآن عن مشاغله المادية الكثيرة وتحلق به دفعه واحدة إلى عالم الروح السامي (^١).\n***\n_________\n(^١) اقرأ مثلا سور: الرعد، طه، الزمر، غافر، فصلت، والشورى، أوآيات البقرة [من ٢٥٥ - ٢٦٠]، أو آل عمران [من ١٩٠ - ١٩٥]، أو النساء [من ٧٧ - ٧٩]، أو المائدة [من ١٠٩ إلى النهاية].","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الفصل الثاني الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن</span>","vol":"1","page":91},{"text":"الفصل الثاني الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الدين عقيدة وتشريع اعتقاد وطاعة:</span>\nولكن النفس الإنسانية لا تتغذى بالحقائق النظرية وحدها. فبجانب حاجة الإنسان إلى المعرفة والاعتقاد، يحتاج في إلحاح إلى القاعدة العملية القادرة على توجيه نشاطه في كل لحظة من حياته، سواء في تصرفاته مع نفسه أو في علاقاته مع غيره أو مع خالقه. ولقد قدم القرآن إلى هذه الحاجة النظام الوافي، بأوسع وأدق طريقة ممكنه. وخط في كل فرع من فروع النشاط الإنساني خطا واضحا، يسلكه الإنسان في أمان واطمئنان.\nفلا يكفي ليكون الإنسان مؤمنا حقيقيا أن يؤمن إيمانا عميقا بالحقائق المنزلة، وإنما يجب أيضا أن يكرس حياته وأمواله في خدمة هذه العقيدة (^١). فعليه الاضطلاع بواجبه كمؤمن وأيضا كمواطن. أي عبادة الله وفعل الخير (^٢) فالدين عقيدة وقانون، أي اعتقاد وطاعة (^٣) وتعريف القرآن للبر بمعناه الحقيقي هو الإيمان بالحقائق السامية، والتحلي بالفضائل الخلقية سواء في السلوك الشخصي أو في المعاملة مع الغير (^٤).\n_________\n(^١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ [الحجرات: ١٥].\n(^٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧].\n(^٣) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ..... وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا [البقرة: ٢٨٥].\n(^٤) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٢٧٧].","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>مقام العنصر العملي في القرآن وفي العقيدة:</span>\nوبلغت أهمية الجانب العملي في القرآن، أنه يتكرر ذكره كثيرا بصراحة، وكشرط لا غنى عنه للفلاح والسعادة الخالدة في الآخرة. وعندما لا ينص القرآن على ذلك في عبارته في موضع ما، فإن كلمه «مؤمن» تتضمنه وتلمح إليه بما يتفق مع مفهوم الإيمان حسب التعريف السابق. أليس في هذا الإصرار المزدوج نوع من التدرج السلمي بين هذين العنصرين؟ فمن المتفق عليه أن الإيمان شرط لازم للنجاة يوم القيامة. فهل الأمر كذلك في شأن تنفيذ الشريعة؟ وإلى أي مدى؟ هل الخطيئة الكبرى التي لا تتبعها توبة لا تغفر بعد الموت؟ أو بمعنى آخر هل يترتب عليها هلاك لا رجوع فيه؟ (كما يقول غالبية المعتزلة) أو تستوجب عقوبة محدودة بزمن؟ (كما يرى بعض المعتزلة) أو على عكس ذلك إن إيمان المذنب يصحح الموقف تلقائيا برحمة من الله؟ (طبقا لرأي صفوة المرجئة) (^١)، أو أن لله الحق في العفو عن بعض الذنوب لبعض المؤمنين بشروط معينة، من غير أن تحدد ما هي الذنوب وما هي صفات المؤمنين؟ (حسب رأي الأشعريين).\nإن هذه المناقشات العقيدية المتعلقة بالجوانب الثانوية والسلبية للمشكلة (أي بدرجة العقوبة الإلهية ومدتها وثبوتها عن الذنوب المختلفة) لا تضع خارج نطاق البحث موضوع المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية فحسب، بل إنها لا تتعرض\n_________\n(^١) وهي أقلية زهيدة جدا من المحدثين الشفهيين مشكوك في أصلها التاريخي وكذلك في فكرة مذهبها (تفسير الرازي المجلد الأول ص ٤٠٧) وأصل فعل «أرجأ» مأخوذ من القرآن وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ [التوبة: ١٠٦] ويعني عدم الحكم مقدما في مصائر الناس الأخروية، وتفويض الله في شأنهم. وهذا لا يمنع بطبيعة الحال أن يحكم الإنسان على نفسه وعلى غيره في الحياة الدنيا بحسب سلوكه. ومن هنا يقال إن كل شيء متوقف على الإيمان، وأنه لا ضرر مع الإيمان، وهذا في الواقع بعيد عن الحقيقة، لأن معنى ذلك أننا نتعجل في حكمنا بطريقة أخرى، وأننا ندعو في نفس الوقت إلى ما يخالف القانون الأخلاقي والقانون الاجتماعي. ولكننا نعلم أن بعض المرجئة - مع امتناعهم عن إبداء الرأي في الخلافات الدينية والمنازعات السياسية - ثاروا على الحجاج (ابن سعد المجلد الرابع ص ٢٠٥) ومن المعلوم أيضا أن ابن سيرين المشهور بامتناعه وتسامحه في شأن المؤمنين كان شديد القسوة على نفسه في سلوكه الخاص (تهذيب النووي - ص ١٠٨).","vol":"1","page":94},{"text":"كذلك، وبصفة خاصة، للقيمة الموضوعية للعمل الأخلاقي فبالتقدم نحو الفضيلة نترقى في سلم الاستحقاق (^١).\nولا نعتزم هنا (^٢) سرد القواعد التي تكون في مجموعها الحكمة العملية القرآنية لأن هذا يعد خروجا عن المجال المحدد لهذا الكتاب. بل سنكتفي بتوضيح بعض الجوانب التي أثرت بها الدعوة على الناس بفضل مادتها ومحتواها النفيس وبفضل أسلوبها في عرض الحقائق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>نبدأ بالمنهج:</span>\nلقد غرس الله في داخل كل منا بصيرة أخلاقية غريزية. إذ مهما بلغت درجة الانحراف والفساد اللذين قد نسقط فيهما - وفيما عدا حالات استثنائية خاصة بضلال الضمير - فإننا نعترف ونحب ونقدر الفضيلة في ذاتها وفي غيرنا حتى إن أعوزتنا الشجاعة للارتفاع إلى مستواها. ولا شك في أن مشهد أي سلوك هابط يثير نفورنا، حتى ولو راودنا الإغراء لاقتراف نفس العمل الذي نلوم عليه غيرنا، إننا نكره في أنفسنا عيوبنا الذاتية، وإذا كنا لا نبذل من الجهد المتواصل ما يكفل تصحيحها فإننا نتلمس لأنفسنا المعاذير لتبرئة أنفسنا منها. فمن هو الرجل الذي يقبل أن يوصم بالكذب أو النفاق أو الخيانة أو الغش أو السكر أو بأي رذيلة أخرى؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>اعتماد القرآن على غريزة الإنسان في معرفة العدل والظلم والخير والشر:</span>\nفعلى هذا الشعور العام القادر على التمييز بين العدل والظلم وبين الخير والشر، يستند القرآن في أغلب الأحيان ليؤسس نظامه الخلقي. ويعتمد عليه في تعريف فكرته العملية. وها هي بعض العبارات التي يستخدمها القرآن ليلخص بها رسالته\n_________\n(^١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف: ١٩].\n(^٢) انظر كتابنا «الأخلاق في القرآن».","vol":"1","page":95},{"text":"الأخلاقية ويبلورها. فالرسول ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ (بمعناها الحقيقي والمجازي) (^١) ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ (وهو ما ننساه كثيرا عندما ننفق من مال الله علي الغرباء بغرض التفاخر والتباهي). ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (^٢) ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ ... ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (^٣) ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (^٤) وبدلا من سرد الآيات الكثيرة، يكفي أن نذكر أن استناد القرآن على الضمير الأخلاقي - في عمومه - في التمييز بين الخير والشر، قد ذكر في أكثر من خمسة وأربعين موضعا (^٥) منه.\nومع ذلك ونظرا لأن هذه الحاسة الطبيعية التي يلجأ إليها القرآن كثيرا ليست دائما بنفس القوة والفاعلية عند كل الناس لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد اقتضى الأمر وضع منهج كامل في التربية، فالمؤدب المخلص الحريص على بث تعاليمه يلجأ إلى طريقة أخرى - ليست بأقل قوة - وإن كانت مستقلة كل الإستقلال عن رضاء الفرد ذاته، فبجوار الحاسة الخلقية وهب الإنسان فوقها الذكاء والعقل. فإذا غاب هذا الشعور الحيوي عن الخير والشر، تبقى فكرة الواجب العام أو المتعارف عليه عالميا. وأفضل طريقة لإيقاظ هذه الفكرة، ولجعلها تسمو بمشاعرنا، هي أن نستعين بتأييد ذوي الإختصاص لها وهم الحكماء والقديسين في كل زمان.\n_________\n(^١) [الأعراف: ١٥٧].\n(^٢) [النحل: ٩٠].\n(^٣) [الأعراف: ٢٨ - ٢٩].\n(^٤) [الأعراف: ٣٣].\n(^٥) انظر على سبيل المثال كتابنا «الأخلاق في القرآن» الفصل الثالث - الفقرة الثالثة «أ».","vol":"1","page":96},{"text":"ومن أجل هذا كان ارتباط القرآن بالكتب السماوية السابقة ارتباطا جذريا وموضوعا جليلا، الغرض منه إعادة نورها ونشره على العالم بعد أن خفت على مر العصور. فالقرآن يقدم لنا الواجبات الأساسية وعلم الحقيقة على أنها دعوة السابقين وسبيلهم المستقيم. فلقد حمل جميع رسل الله ﵈ ميزان العدل والقسط (^١) وأمروا بأن يكسبوا رزقهم بالحلال وأن يعبدوا الله ويفعلوا الخير (^٢). ولقد سن إبراهيم وإسحق ويعقوب ﵈ (^٣) فريضة الصلاة والزكاة وكذلك إسماعيل ﵇ (^٤) وموسى (^٥) وعيسى ﵉ (^٦)، وفرض كذلك الصوم على الأمم السابقة (^٧)، والحج فرضه إبراهيم ﵇ (^٨)، ولقد كان لكل أمة من الأمم السابقة مناسكها وعبادتها (^٩) ولقد أدان كل من هود وصالح ﵉ النزعة المادية وحب الدنيا الزائد والعدوان والفساد (^١٠) ولقد ثار لوط ضد فجور قومه (^١١)، وشعيب ضد غش قومه في التجارة (^١٢).\nولقد وعظ لقمان ابنه وهو يربيه، بدعوة الناس إلى الخير ونهيهم عن المنكر، وأن\n_________\n(^١) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥].\n(^٢) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا [المؤمنون: ٥١].\n(^٣) وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [الأنبياء - البقرة ٧٣].\n(^٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ... [مريم: ٥٥].\n(^٥) فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤].\n(^٦) وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [مريم: ٣١].\n(^٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣].\n(^٨) وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ ..... وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ [الحج: ٢٧].\n(^٩) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا - لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ [الحج: ٣٤ - ٦٧].\n(^١٠) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (الشعراء: ١٢٨] وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [الشعراء: ١٥١ - ١٥٢].\n(^١١) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٦٥].\n(^١٢) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٢].","vol":"1","page":97},{"text":"يتحمل في سبيل هذه المهمة السامية ما يصيبه من المصاعب والآلام، كما أمره بالحلم والتواضع (^١).\nفليس بمحض الصدفة العارضة إذن أن محمدا ﷺ يدعو إلى ما سبق أن دعا إليه الرسل السابقون ﵈ فالقرآن يقول للمسلمين بصريح العبارة ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (^٢) ويقول للرسول ﷺ بعد أن عدد من سبقه من الرسل ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٣) والواقع أننا لا نجد مبدأ أخلاقيا ينقله لنا القرآن على أنه كان ضمن تعاليم هذا الرسول ﷺ أو ذاك الحكيم من غير أن يورده القرآن في موضع آخر كواجب تلتزم به جماعة المسلمين.\nهل نريد أن نرى قانون الأخلاق الذي جاء به موسى وجاء به عيسى كما ورد ذكرها بالإنجيل وبعيدا عن القرآن؟ إننا سوف نجدهما محفوظين بعناية فائقة في الآيات القرآنية ولكنهما ليسا على شكل كتلة واحدة كما وردا بالوصايا العشر أو بميقات الجبل، وإنما كآيات متفرقة في عدد من السور المكية والمدنية، وفي أغلب الأحيان على شكل آية نزلت في مناسبة معينة بذاتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>مقارنة بين المبادئ الأخلاقية في التوراة والقرآن:</span>\nوفيما عدا السبت الذي يعتبره القرآن واجبا محليا محدودا بظروف خاصة، ننقل فيما يلى تعزيز الوصايا العشر كما جاءت بالقرآن الكريم:\n_________\n(^١) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان: ١٩/ ١٧].\n(^٢) [النساء: ٢٦].\n(^٣) [الأنعام: ٩٠].","vol":"1","page":98},{"text":"التوراة\n(سفر الخروج الفصل العشرين)\nلا يكن لك آلهة أخرى أمامي\nلا تصنع لنفسك آلهة مسبوكة\nلا تنطق باسم الرب إلهك باطلا\nأكرم أباك وأمك\nلا تقتل\nلا تزن\nلا تسرق\nلا تشهد على قريبك شهادة الزور\nلا تشته بيت قريبك.\nولا شيئا مما لقريبك\n\nالقرآن الكريم\n﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾\n[الإسراء: ٢٣]\n﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾\n[الحج: ٣٠]\n﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾\n[البقرة: ٢٢٤]\n﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾\n[المائدة: ٨٩]\n﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]\n﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩)\n﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ... ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾\n[النور: ٣٠ - ٣١].\n﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾\n[المائدة: ٣٨]\n﴿وَلا يَسْرِقْنَ ..﴾. [الممتحنة: ١٢]\n﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج ٣٠)\n﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء ٣٢]\n\nهذه هي أسس القانون الأخلاقي الذي سيقول عنه عيسى ﵇ «فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا، يدعى أصغر في ملكوت السماوات وأما من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السماوات».","vol":"1","page":99},{"text":"ولكن محاولة قصر دعوة موسى على هذه الواجبات الأولية يعد إقلالا من شأنها، لأننا إذا واصلنا بحثنا في التوراة سنقابل في أماكن متفرقة منها (الخروج ٢٢ - ٢٣؛ اللاويون ١٩ - ٢٥؛ التثنية ٦) أحكاما أخرى تتعلق بعمل القلب وعمل الجوارح وتمهد بذلك لأحكام الإنجيل:\n\nالتوراة\nلا تقبل خبرا كاذبا (خروج ١:٢٣)\nلا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر (خروج ٢:٢٣)\nلا تحاب مع المسكين في دعواه (خروج ٣:٢٣)\nساعد غيرك\nكالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم (لاويين ٣٤:١٩)\n\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]\n﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾\n[الحجرات: ١٢]\n﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾\n[المائدة: ١٢]\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِما﴾ [النساء:\n١٣٥]\n﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾\n[المائدة: ٢]\n﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]","vol":"1","page":100},{"text":"التوراة\nافتح يدك لأخيك المسكين والفقير في أرضك (تثنية ١١:١٥).\nلا تضطهد الغريب وتضايقه (خروج ٢١:٢٢)\nلا تسئ إلى أرملة ما ولا يتيم (خروج ٢٢:٢٢)\nلا ترتكبوا جورا في القضاء (لاويين ١٥:١٩)\nابتعد عن كلام الكذب (خروج ٧:٢٣)\nلا تنتقم (لاويين ١٨:١٩)\nلا ترتكبوا .. لا في القياس ولا في الوزن ولا في الكيل\n(لاويين ٣٥:١٩)\nلا تحقد على أبناء شعبك (لاويين ١٨:١٩)\nكن قديسا طاهرا\n\nالقرآن\n﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٧٠]\n﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى﴾.\n[الآية السابقة]\n﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾\n[النساء: ١٢٧].\n﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]\n﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]\n﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ٧ - ١٠٨]\n﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾\n[آل عمران: ١٣٤]\n﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]\n﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾\n[الحشر: ١٠]\n﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]","vol":"1","page":101},{"text":"التوراة\nتحب قريبك كنفسك (لاويين ١٨:١٩)\nفتحب الرب إلهك من كل قلبك (تثنية ٥:٩)\n\nالقرآن\n﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]\n﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>مقارنة بين المبادئ الأخلاقية في الإنجيل والقرآن:</span>\nومهما يكن من أمر، فإننا سنقابل كلمة حق عميقة وسامية انطلقت في ميقات جبل الطور بسيناء. إنها كنز أخلاقي نفيس. وهنا أيضا سنجد أن القرآن يضطلع بواجبه الأول كاملا، ألا وهو حفظ وتبليغ مضمون الكتب السماوية السابقة (^١)، إلا أنه وفاءا لطريقته الفريدة في العرض بدلا من أن يجمع نصائحه ومواعظه دفعة واحدة، يفضل أن يقدم كل درس في مناسبته. فلنتتبع إذن خطوة بخطوة الوعظ الانجيلي، ولننظر كيف أن هذه المبادئ بعينها يعززها كتاب الإسلام.\n_________\n(^١) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨].","vol":"1","page":102},{"text":"الإنجيل:\nطوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات (متى ٣:٥)\nطوبى للحزانى لأنهم يتعزون (متى ٤:٥)\nطوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض (متى ٥:٥)\nطوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون (متى ٦:٥)\n\nالقرآن:\nمن بين آيات كثيرة أخرى\n﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢)\n﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٤]\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾\n[البقرة: ١٥٥]\n﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]\n﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]","vol":"1","page":103},{"text":"الإنجيل\nطوبى للانقياء القلب (متى ٨:٥)\nطوبى لصانعي السلام (متى ٩:٥)\nطوبى للمطرودين من أجل البر (متى ١٠:٥)\n\nالقرآن\n﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ...﴾. ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ... ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾\n[المطففين: ٢٩ - ٣٦]\n﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾\n[الشعراء: ٨٩]\n﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]\n﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾\n[البقرة: ٢١٤]\n﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]","vol":"1","page":104},{"text":"الإنجيل\nطوبى للرحماء لأنهم يرحمون (متى ٧:٥)\n\nالقرآن\n﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٧ - ١٨]\n\nفلنواصل بحثنا في التقريب\nولقد قال عيسى ﵇ الحق كل الحق عندما أكد أنه لم يأت ليلغي وينسخ وإنما ليتم ويكمل، وعندما قال: «قد سمعتم أنه قيل للقدماء (كذا)\nوأما أنا فأقول لكم ... (كذا)، كان يقصد أنه كان يوالي من بعدهم مهمة التطهير الأخلاقي التي بدأها المرسلون من قبله والتى كانت تتيح مجالا للتقدم والترقي.\n\nالإنجيل\nليس فحسب «لا تقتل» وإنما لا تغضب من أخيك وتقول له «رقا» أو «يا أحمق» (متى ٢١:٥ - ٢٢)\nفإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا عليك فاترك هناك قربانك واذهب أولا اصطلح مع أخيك\n(متى ٢٢:٥ - ٢٤)\n\nالقرآن\n﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]\n﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾\n[الشورى: ٣٧]\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠)\n﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧]","vol":"1","page":105},{"text":"الإنجيل\nقد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه (متى ٢٧:٥ - ٢٩)\nقد سمعتم ... لا تحنث وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة (متى ٣٣:٥ - ٣٤)\nسمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم .. (متى ٤٣:٥ - ٤٤)\nأحسنوا إلى مبغضيكم (متى ٤٤:٥)\nوصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم (متى ٤٤:٥)\nإن سلمتم على إخوانكم فقط فأي فضل تصنعون (متى ٤٧:٥)\n\nالقرآن\n﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ.﴾. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.﴾. [النور: ٣٠ - ٣١]\n﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾\n[البقرة: ٢٢٤]\n﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]\n﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ.﴾.\n﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢].\n﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]\n﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:\n١٢٨]\n﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]\n﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]","vol":"1","page":106},{"text":"الإنجيل\nأعط الذي يطلب منك، ولا تول ظهرك لمن يريد أن يقترض منك\nاحترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس (متى ١:٦)\nإن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي (متى ٥:٦)\nلا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض (متى ١٩:٦)\nبل إكنزوا لكم كنوزا في السماء (متى ٢٠:٦)\nلا يقدر أحد أن يخدم سيدين (متى ٢٤:٦)\nلا تهتموا لحياتكم ... انظروا إلى طيور السماء ... وأبوك السماوي يقوتها (متى ٢٥:٦ - ٢٦)\nلا تدينوا ... ولماذا تنظر إلى القذى الذي في عين أخيك وأما الخشية التي في عينك فلا تفطن لها (متى ١:٧ - ٣)\n\nالقرآن\n﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ﴾ ﴿.. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧)\n﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]\n﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ [الماعون: ٦]\n﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ [النساء: ١٤٩]\n﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢]\n﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ١٩ - ٢٠]\n﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠]\n﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩]\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]\n﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾\n[الحجرات: ١١]","vol":"1","page":107},{"text":"الإنجيل\nلا تعط القدس للكلاب (متى ٦:٧)\nإسألوا تعطوا (متى ٧:٧)\nفكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم (متى ١٢:٧)\nأدخلوا من الباب الضيق (متى ١٣:٧)\nإحترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة\n(متى ١٥:٧)\n\nالقرآن\n﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾\n[الأعلى: ٩]\n﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾\n[البقرة: ١٨٦]\n﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾\n[غافر: ٦٠]\n﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾\n[البقرة ٢٦٧]\n﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]\n﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]\n﴿مِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ * وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾\n[البقرة ٢٠٤ - ٢٠٦]","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الاختلاف الظاهري بين التوراة والإنجيل بشأن الطلاق والقصاص:</span>\nلقد أغفلنا خلال العرض السابق موضوعين من العهد الجديد هما: الطلاق والقصاص، اللذان يبدوان وكأنهما يتعارضان مع شريعة موسى.\nفمقابل حرية بدون قيد تبدو وكأن التوراة قد منحتها للزوج لكي يطلق زوجته عندما يرى فيها شيئا يثير «الخجل» أو عندما يشعر «بالكراهية» نحوها، يبدو الإنجيل وكأنه يعارض حل الرابطة الزوجية إلا في حالة الخيانة. ومقابل الإصرار على المطالبة بدم القاتل والرد على كل سيئة بمثلها، علّم عيسى واجب عدم مقاومة الشرير والعفو عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>حقيقة أن العدل والمحبة هما مظهران لقانون خالد واحد:</span>\nفإذا نظرنا إلى حرفية هذه المبادئ يتبين لنا أن المسيحية تكون قد ألغت قوانين شرعت في الماضي. وإذا أمعنا النظر، سنرى أن هذا لا يعدو أن يكون وجهين أو درجتين من قانون واحد خالد، أحدهما يسمى العدل والثاني يسمى المحبة. إنهما طرفان يتحرك بينهما القانون الأخلاقي ولا يستطيع أن يخرج عن حدودهما.\nفضلا عن أنه لا يستطيع عقلا أن ينحاز نحو أحدهما ويستبعد الآخر نهائيا.\nفالعدل يكلف كل من يرغب في استخدام حقه أن يلتزم بحدود إنسانية لا ينبغي أن يتعداها. أما من يرغب في التنازل عن حقه بدافع من الكرم والأريحية فلا غبار عليه. فالإحسان يدعونا إلى كريم العفو من غير أن يذهب إلى حد حماية الجريمة وتحبيذ الرذيلة. فإذا أهملنا هذا العمل الكريم رغم يسره، يعتبر ذلك نوعا من فقدان الذوق الأخلاقي. ولكن إتمام هذا العمل على حساب الفضائل الأخرى التي تفوقه أهمية يعتبر عملا متناقضا. ويمكننا أن نتمسك بأحد الطرفين حسب ما تقتضيه الحالة، وذلك كما يتطلب أحيانا علاج المرض الواحد الاستعانة بطرق مختلفة. فحسب درجة خطورته وبحسب حالة المريض الصحية نلجأ إما إلى وسائل عادية ومعتدلة في درجتها أو إلى نوع من اليقظة والحذر، أو إلى أكثر الطرق حسما.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المستتر في كل من جزئي التوراة:</span>\nولهذا نرى أن كلا من منهج العهد القديم ومنهج العهد الجديد، إما أنهما متكاملان أو متبادلان أو أنه لا مفر من الاعتراف بأنه لا ينبغي أن يحكم كل منهج منهما مستقلا عن الآخر إلا مجموعة محدودة من البشرية أو مرحلة معينة من التاريخ. والإنجيل - وهو يقدم لنا الوحدة التى لا تنفصم لآبائنا الأولين كمثل أعلى يبدو - أنه يقبل السلوك الواقعي القاسي من الذين لا يعرفون كيف يرتبون الأمور بطرق أخرى (^١) والتوراة من جانبها - التي كثيرا ما تطالب بقانون النفس بالنفس والجرح بالجرح - تدعونا أحيانا إلى العفو عن المعتدي، وعدم الثأر من غيرنا (^٢).\nوالقاعدة الأخلاقية الصحيحة إذن هي التي تضمنها كل من الكتابين المقدسين بحيث احتوى كل منهما على جزء منها وترك الجزء الآخر مستترا إلى حد ما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>التركيب القرآني:</span>\nولقد تولى القرآن الكريم إعلان هذه القاعدة الكاملة واعتنى كل العناية بتوضيح عنصريها وإبراز قيمة كل عنصر في ذاته فيقول: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾\n[النحل ١٢٦ - ١٢٧] هذا ما يتعلق بالقصاص والعفو. أما فيما يختص بالطلاق\n_________\n(^١) قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا. وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلقة يزني. قال له تلاميذه إن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوج. فقال لهم ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم (متى ٨:١٩ - ١١).\n(^٢) لا تبغض أخاك في قلبك. إنذارا تنذر صاحبك ولا تحمل لأجله خطية. لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك (لاويين ١٧:١٩ - ١٨]","vol":"1","page":110},{"text":"فينبغي أن نتصفح القرآن الكريم (^١) لكي تتبين لنا الحواجز التي يجب على الإنسان أن يجتازها قبل أن يفكر في فصم هذه العلاقة المقدسة وفي موضع آخر يوضح لنا القرآن المحاولات التي يجب بذلها للتوفيق بين الزوجين قبل الانفصال نهائيا (^٢)\nوبعد كل هذا فإن من يرجع عن قراره في الطلاق يؤدي عملا يمحو سيئاته.\nويجلب له مغفرة ربه (^٣) فالطلاق في نظر الإسلام ليس عملا مباحا بغير حدود أو يؤدي بغير اكتراث؛ ولهذا يصفه الرسول ﷺ بأنه: «أبغض الحلال إلى الله» (^٤).\nوهكذا يوضح القرآن أعمال الرسل ويؤيد شرائعهم بالجمع والتوفيق بينها.\nونعتقد أن في هذا التوحيد لمختلف الاتجاهات وبهذا الأسلوب - الذي يقبل في إطار قانون أخلاقي واحد درجات متفاوتة من أعمال الخير - عاملا على جانب\n_________\n(^١) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء: ١٩] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: ٣٥] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: ١٢٨].\n(^٢) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:\n٢٢٨ - ٢٣٠]\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا * فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ [الطلاق: ١ - ٢].\n(^٣) فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ٢٢٦].\n(^٤) أبو داود - كتاب الطلاق الباب الثالث باب في كراهية الطلاق باب (٤) رقم (٢١٧٨) ج ٢ ص ٦٣٢.","vol":"1","page":111},{"text":"كبير من الأهمية استطاعت بمقتضاه الدعوة الإسلامية أن تنتشر في قطاع شاسع من البشرية، وأن تضم في رحابه أفكارا واتجاهات وطبائع جد مختلفة، لا يجدي معها تشدد تجريدي غير متسامح ولا تساهل بغير حدود.\nوبتوضيحنا لمنهج القرآن التوفيقي هذا، نكون قد أبرزنا في نفس الوقت مادته في الدعوة والتشريع، فكم هو جميل أن نرى كتابا أخلاقيا قد جمع بين دفتيه حكمة الأولين، فضلا عن أنه قدم - في وقت واحد وبهدف واحد - عديدا من الدروس المتباعدة في الزمان والمتعارضة أحيانا في منطوقها.\nولكن القرآن لا يقف عند هذا الحد.\nفإذا كان هدفه الأول هو أن يحافظ على التراث الأخلاقي الذي نزلت به الكتب المقدسة السابقة ويؤيده، فإن له رسالة أخرى لا تقل عنه أهمية وقدسية، ألا وهي إتمام وإنهاء الصرح الإلهي الذي بناه الرسل والأنبياء ﵈ على مر العصور.\nيقول الرسول الكريم ﷺ: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (^١) ويقول: «مثلى ومثل الأنبياء كرجل بنى بيتا» (^٢) أو كما يقول القرآن ذاته إن هدفه أن يوضح للناس أقوم الطرق في السلوك والاعتقاد (^٣).\n\nما هو الجديد والتقدمي إذن في تعاليم القرآن الأخلاقية؟ هذا هو ما سنوضحه في ملاحظات مختصرة تهم كل باحث منصف:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>١ - في مجال الفضيلة الشخصية</span>\nفي هذا المجال الفردي نجد على الأقل قاعدة جديدة ومبدأ جديدا في القرآن فالقاعدة الجديدة هي تحريم الخمر، والقضاء على مصادرها، بمنع تناول أي مشروب\n_________\n(^١) انظر ابن سعد وحكيم المذكورين في جامع السيوطي مادة «إنما»، مسند أحمد، عن أبي هريرة، رقم ٨٥٩٥.\n(^٢) صحيح البخاري عن أبي هريرة كتاب المناقب، باب خاتم النبيين ﷺ ج ٧ ص ٣٧٠ وصحيح مسلم كتاب الفضائل باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين ج ٧ باب ٦٤.\n(^٣) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: ٩].","vol":"1","page":112},{"text":"مسكر (^١).\nوأما المبدأ الجديد الذي نقصده هنا فهو «النية» باعتبارها لب العمل الأخلاقي، فلكي يحمس موسى قومه كان يغريهم بآمال أرض الميعاد، وبالنصر على الأعداء، وبالبركة والرخاء في كل شؤون الحياة الدنيا. وجاء المسيح لكي يفتتح عهدا جديدا في الدعوة الدينية، فيوضح لنا الإنجيل أن النعيم والسعادة الموعودة ليست في هذه الدنيا. فآمال النفوس وطموح الأرواح عليها منذ ذلك الحين أن تنصرف عن الحياة الدنيوية وتتجه إلى السماء. وأخيرا يأتي القرآن الكريم وإذا هو بمنهجه البناء - يجمع بين هذين الوعدين ويوفق بينهما لا باعتبارهما الباعث المحرك للإنسان وإنما باعتبار أن الهدف الذي ينبغي على الإنسان الفاضل أن يقصده ليس في ملكوت السماء ولا في ملك الدنيا. إنما هو أعلى من هذا كله، إنه في الخير المطلق أي في ابتغاء وجه الله تعالى الذي يجب استحضاره في القلب عند أداء العمل الإنساني بتنفيذ أوامره (¬<span data-type=\"title\" id=toc-96>٢).\n\n٢ - الفضيلة في العلاقات بين الأفراد</span>\nوها هو تقدم آخر يرتبط بالقاعدة الأخلاقية التي تحدد علاقاتنا بإخوتنا فبأحكام التوراة وأحكام الإنجيل، استقامت شجرة الفضيلة وبزغت فروعها وأوراقها. أما في المجال القرآني. فإن هذه الشجرة الخضراء سوف تزهر وتؤتي ثمارها، فبالإضافة إلى كنز العدل والمحبة الذي عني القرآن بحفظه، أوجد فصلا رائعا فيما يمكن تسميته\n_________\n(^١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٠].\n(^٢) وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ [البقرة: ٢٧٢) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [الليل: ١٩ - ٢٠].","vol":"1","page":113},{"text":"بالحضارة الأخلاقية. إنه تقنين حقيقي في الأدب (^١) والذوق الاجتماعي (^٢)\nوالتحشم (^٣) في المظهر.\n_________\n(^١) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: ٨٦].\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [النور: ٢٧ - ٢٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور: ٥٨ - ٥٩]. لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٦١ - ٦٢]. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢] والآيات التالية [٣ - ٥] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ [المجادلة: ٨] والآيات التالية [٩ - ١١].\n(^٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات ١٢].\n(^٣) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ إلى آخرالآية [النور: ٣١] وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور: ٦٠] يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى [الأحزاب: ٣٢ - ٣٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩].","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>٣، ٤ - الفضائل الجماعية والفضائل العامة:</span>\nونقطة بارزة في القانون الأخلاقي في الديانة الموسوية، ألا وهي هذا الحاجز العالي والقائم بين الإسرائيلي وغير الإسرائيلي. فأي خير يسديه الإسرائيلي إذا لم يكن مقتصرا على شعبه. ينبغي ألا يتعدي وطنه (ولا يشمل الغريب المقيم معه) «للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا» (تثنية ٢٠:٢٣) «الأجنبي تطالب وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئه يدك منه» (تثنية ٣:١٥) «وإذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبد» (لاويين ٣٩:٢٥) «لا تتسلط عليه بعنف .. وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم ... وأيضا من أبناء المستوطنين النازلين عندكم منهم تقتنون» (لاويين ٤٣:٢٥ - ٤٥).\nأما قانون الأخلاق المسيحي فله الفضل في إسقاط هذا الحاجز الذي كان يفصل بين الإنسان وأخيه الإنسان «لأنه إذا أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟ .... وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون؟» (متى ٤٦:٥ - ٤٧).\nولكن في مقابل ذلك لا نجد هنا هذا الالتحام الاجتماعي وهذا الشعور بالمسئولية الجماعية الذي تتضمنه النصوص العبرية مثل: «(هذه الكلمات) قصها على أولادك» (تثنية ٧:٦) «فتنزعون الشر من بينكم» (تثنية ٥:١٣) «فتحفظون جميع فرائضي جميع أحكامي وتعلّمونها لكي لا تقذفكم الأرض» (لاويين ٢٢:٢٠) والفضيلة الاجتماعية المسيحية كما تقدمها الأناجيل، تتعلق بالعلاقات بين الأفراد أكثر من دلالتها على الروح الجماعية بصفة أساسية. فقد كانت الروح الجماعية في الماضي تستهدف غرضين:\nصالح الجماعة من ناحية وتمييزها عن صالح الغير من ناحية أخرى، ولكن المحبة المسيحية بامتدادها خارج الحدود الإقليمية وبرغبتها في إحتواء الإنسانية كلها، قد أحسنت صنعا بإبطال هذا الطابع العنصري، واستبداله بأخوة عالمية. ولكنها لم تركز اهتمامها بالقدر الكافي لتقوية الرابطة المقدسة للجماعة بصفة خاصة.","vol":"1","page":115},{"text":"ألا يمكن - في الوقت الذي نراعي فيه عمليا وقلبيا محبة عالمية - أن تخلق في ظل هذه الأسرة العالمية الكبرى أسرة أصغر وأكثر ترابطا، وأكثر إدراكا لكيانها، وكأنها مجموعة من الخلايا تكوّن كيانا عضويا داخل ذلك الجسم الكبير؟\nإن هذا الجمع الموفق بين الفضيلة العامة والفضيلة الجماعية هو الذي أبرمه القرآن الكريم؛ إذ يعلمنا في الواقع أن خارج الأخوة في الله توجد الأخوة في آدم (^١)، وأن اختلاف المشاعر الدينية لا يجوز أن يحول بيننا وبين أن نبادل إخواننا في الإنسانية المحبة والإحسان (^٢)، وأن قسوة الكفار علينا لا ينبغي أن تدفعنا إلى العدوان، ولا لأن نكون غير مقسطين في معاملتهم (^٣) ولقد حرم على المؤمنين أن يتعاملوا بالربا مع أي إنسان (^٤)، وبين أن التقيّ العادل في محيط الجماعة الإسلامية هو كذلك خارجها (^٥). وإذا كان على المسلم في بعض الظروف أن يبدى عناية خاصة في فك أسر إخوانه المسلمين (^٦)، فإن عتق العبيد بوجه عام يعتبر إما إلتزاما عليه (^٧)، وإما عملا يستحق التقدير (^٨) ويحث عليه القرآن دائما (^٩). وهكذا تتطور فكرة الفضيلة العامة التي أعلنها الإنجيل، وتتحدد أكثر فأكثر عندما تتسع لتشمل مجالات الحياة المختلفة. ولكن هل معنى ذلك أن الجماعة الإسلامية ستتراخى في\n_________\n(^١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣].\n(^٢) لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨].\n(^٣) وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ .. عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا [المائدة: ٢].\n(^٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨].\n(^٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ ... بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران:\n٧٥ - ٧٦].\n(^٦) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها [النساء: ٧٥].\n(^٧) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ ... وَفِي الرِّقابِ ... فَرِيضَةً مِنَ اللهِ [التوبة: ٦٠].\n(¬٨ و٩» وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧] فَكُّ رَقَبَةٍ .. [البلد: ١٣].","vol":"1","page":116},{"text":"روابطها الداخلية لتضيع في محيط البشرية الواسع؟ على العكس إذ نجد أن مبدأين أساسيين يذكرانها بكل قوة بدورها كجماعة متميزة ومتماسكة:\nالأول: يدعو المؤمنين بأن يكونوا جماعة موحدة لا تنقسم، بدون فرقة أو إنشقاق، تلتف حول مثل أعلى وحول رئيسها (^١). ومع ذلك فقد بدا لبعض المستشرقين أن يصوروا المسلم على أنه ذو نزعة «فردية لا تقاوم»، لم يعرف معنى «رباط التضامن» في يوم من الأيام (^٢). «إن الدين الإسلامي، كما يقول أحد المستشرقين، يحترم النزعة الفردية ويقدسها، ولا يعرف معنى اندماج النفوس وتلاشيها في تنظيم كبير: فليست الأعمال الجماعية مثل صلاة الجمعة، ووقفة عرفات، وصلاة الأعياد، إلا أعمالا فردية يؤديها المؤمنون في وقت واحد، ومكان واحد، دون أن تتخذ طابع الاحتفالات الموجهة أو المنظمة وفق تنسيق خاص (^٣).\nوسوف يلاحظ أي إنسان يحضر صلاة الجماعة للمسلمين، أن هذا القول لا أساس له من الصحة، وسوف لا يرى المؤمنين مبعثرين في غير نظام يصلى كل واحد من أجل نفسه أو يحضر كمشاهد، بينما إمامهم يؤدي وحده جوهر الفريضة الدينية. وإنما سوف يرى المؤمنين مصطفين في نظام جميل، متلاصقين كتفا إلى كتف، الغني بجانب الفقير، والرئيس بجوار مرؤوسه، في وضع واحد، واتجاه واحد، ودعاء واحد، كل منهم يدعو للجميع: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ * اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٥ - ٦] إنهم جميعا يطلبون النجاة والفلاح، ليس فقط لمجموعة المصلين وإنما لجميع عباد الله الصالحين أينما كانوا: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» إن هذا التوافق في المظهر لا يعدو أن يكون وسيلة لتأليف\n_________\n(^١) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... [النساء: ٥٩] وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا [الأنفال: ٤٦].\n(^٢) انظر «أخلاق وعادات المسلمين» تأليف جوتييه، ص ٢١٦.\n(^٣) انظر «الإسلام» في مجموعة «التاريخ والمؤرخين» تأليف جودفروا ديمو مبين ص ٧٣٩.","vol":"1","page":117},{"text":"القلوب والجمع بينها. يقول الرسول الكريم ﷺ: «لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (^١) فالإسلام ليس دينا فحسب، وإنما هو أخوة في الله (^٢).\nوالمسلمون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فالواجبان الأساسيان اللذان يعتبرهما المسلمون واجبين توأمين، يترتب على التخلف عنهما النبذ والعقاب، هما الصلاة والزكاة. إنهما ينهضان كدليل بليغ عن روح التضامن في الإسلام.\nأما المبدأ الثاني: وهو على جانب كبير من الأهمية من الناحية الأخلاقية فهو التزام جميع المسلمين بألا يتركوا المنكر يسود في مجتمعهم (^٣)، وضرورة أن يتواصوا بالحق والفضيلة (^٤) إنه ليس حق، ولكنه واجب كل مسلم صغيرا أو كبيرا. أن يدعوا أخاه المسلم إلى ما هو حق وعدل وأن ينهاه عن كل سوء. ويجب ألا يقل اهتمامه بسعادته الأخروية، عن اهتمامه بسعادته المادية. إن علينا جميعا أن نتعاون في نشر الفضيلة والتقوى بيننا (^٥) ودليل القيمة التي يراها القرآن في وضع هذا التضامن موضع التنفيذ العملي، أن جعله المقياس الذي على أساسه سمى جماعة المسلمين الأولى بخير أمة أخرجت للناس (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٥ - الفضيلة في المعاملات الدولية وبين الأديان:</span>\nنضيف إلى كل ما تقدم فصلا آخر في الأخلاق الإسلامية جديدا كل الجدة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري عن النعمان بن بشير كتاب الأذان تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها ج ٢ ص ٣٤٨، وصحيح مسلم كتاب الصلاة باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول ج ٢ ص ٣١.\n(^٢) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠].\n(^٣) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥].\n(^٤) وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣] وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد: ١٧].\n(^٥) وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [المائدة: ٢].\n(^٦) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: ١١٠].","vol":"1","page":118},{"text":"لأن اليهودية والمسيحية في وقت تأسيسها لم تتح لهما الفرصة لإقامة علاقات مع دول معادية. فدعوة عيسى السلمية المحلية كانت تناقضها في اتجاه مضاد الحروب التي قادها موسى ضد الأمم المجاورة والتي انتهت بالقضاء عليها بسرعة. ولقد اختلف الوضع تماما بالنسبة لمحمد ﷺ خلال العشر سنوات التي كان فيها على علاقات دائمة مع أمم وديانات مختلفة، تارة مسالمة وتارة معادية.\nإن هذه الظروف الخاصة التي جعلت من المرشد الروحي والأخلاقي ﷺ سياسيا وقائدا، اقتضت تشريعا أخلاقيا لظروف السلم والحرب تضمن القرآن مبادئه الأساسية. ومن هذه المباديء أن الحرب الشرعية لا تقوم إلا من أجل دفع العدوان (^١) ويجب أن تتوقف بمجرد انتهائه (^٢). وهناك بعد ذلك المبدأ الذي يحترم المواثيق المبرمة مع العدو مهما كانت فرص عقدها غير متكافئة. فالمعاهدة الموقعة بين الأطراف واجبة الاحترام حتى ولو كانت في غير صالحنا (^٣). وحتى إذا بدأ العدو في نقض اتفاقه، فلا يحق لنا أن نهاجمه على غرة، بل يجب أولا إعلانه بإلغاء عهده معنا بطريقة واضحة بحيث يتيسر له العلم بقرارنا (^٤) (¬،٥). وهذا بخلاف القواعد التي حددتها السنة والتي نجحت - إن لم يكن في القضاء على هذه الآفة - فعلى الأقل في التخفيف من نتائجها القاسية.\n***\n_________\n(^١) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [البقرة: ١٩٠].\n(^٢) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ [الأنفال: ٦١].\n(^٣) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا .. وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ [النحل: ٩١ - ٩٢).\n(^٤) وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: ٥٨].\n(^٥) ولقد أخطأ جولد سيهر عند ترجمة هذه الآية وكذلك كازمرسكي وأيضا سفاري فترجموها بمعنى «عامله بمثل معاملته الخائنة» وهذا يتناقض مع نهاية نفس الآية: إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الفصل الثالث الجمال أو الجانب الأدبي</span>","vol":"1","page":121},{"text":"الفصل الثالث الجمال أو الجانب الأدبي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>القرآن نموذج ممتاز في الأدب العربي:</span>\nتوجد في أعماق النفس الإنسانية، كما سبق لنا القول، بصيرة داخلية تميز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، مهما اختلفت صورهما بشرط أن يرى الإنسان بجلاء، وبذهن صاف، ورباطة جأش. فالعقول الثاقبة، والنفوس المهيأة، لا تحتاج لأكثر من ذلك لكي تعتنق دعوة جديدة طالما رأت أنه يتوفر فيها هذا الشرط المزدوج، ألا وهو تعليم الحقيقة والدعوة إلى الفضيلة. فبدون أن يثيرها المظهر الخارجي، تنفذ بسرعة من خلال هذا الغلاف وتكتشف الجوهر وتقدر قيمته حق قدرها. وعلى هذا النحو استطاع هرقل - الامبراطور الروماني رغم جهله باللغة العربية - أن يحكم على صدق الرسالة المحمدية استنادا إلى بعض الشروط الأخلاقية التي اعتقد أنها ضرورية وكافية لكي تبرهن على ربانية هذه الرسالة (^١).\nولكن الأمر قد يختلف عن ذلك بالنسبة لعامة الناس. فما يجذب اهتمامنا فيما يقدم إلينا، هو سحر شكله الخارجي أكثر من متانة محتواه وأي جديد يكتسي بمظهر حقير وغير جذاب، يجعلنا ننفر منه وننصرف عنه. لأننا نتسرع في الحكم على الأشياء بحسب مظهرها قبل أن نختبر الجوهر واللباب. فالمحسوس لدينا يسبق المعقول وعن طريقه نتوصل إلى اختبار هذا الأخير، عندما يعرض علينا. ومن هنا ندرك قيمة العون الحقيقي الذي يمكن أن يقدمه الأدب إلى العلم والحكمة عندما ينتصران للحقيقة والفضيلة.\nوالدعوة الإسلامية تتمتع في هذه الناحية بالكمال الذي لا تشوبه شائبة\n_________\n(^١) انظر البخاري - كتاب الجهاد باب ١٠١؛ وأيضا ج. ب. سان هيلير في كتابه «محمد والقرآن» ص ١٥٠ - ١٥١.","vol":"1","page":123},{"text":"فبمظهرها وجوهرها تشبع حاجة كل من يفهم اللغة العربية. والقرآن - حامل هذه الرسالة - كان وسيظل النموذج الذي لا يبارى في الأدب العربي. فجمال أسلوبه محل إعجاب الجميع في كل العصور. وإذا نظرنا نظرة مجردة إلى الصفات الأدبية التي ينطوي عليها، نستطيع أن نقول إنه يعتبر المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبا بوجه عام. إذ أن لغة القرآن تمتاز بالسمو والجلالة، لا بالغواية والتأثير.\nإنها تأخذ بالقلوب أكثر مما تغري الأسماع؛ إنها تثير الإعجاب لا المتعة؛ إنها تفحم بالحجة أكثر مما تستثير العواطف وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>بعض خصائص التركيب القرآني:</span>\nففي العصر الذهبي للغة العربية - حيث بلغت الذروة في الصفاء والقوة، وحيث كانت تخلع ألقاب التشريف والتكريم علانية على الشعراء والخطباء في المسابقات السنوية، ما أن ظهر محكم التنزيل حتى اكتسح الحماس للشعر والنثر، وأنزلت المعلقات السبع من باب الكعبة واتجهت كل الأسماع إلى هذا الإعجاز الجديد في اللغة العربية.\nفلغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر. وخشونة لغة أهل البادية، وتجمع - في تناسق حكيم - بين رقة الأولى وجزالة الثانية، وتحقق السحر المنشود. بفضل هذا التوفيق الموسيقي البديع بينهما.\nإنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكا من النثر، وأقل نظما من الشعر، يتنوع في خلال الآية الواحدة ليجذب نشاط السامع، ويتجانس في آخر الآيات سجعا، لكي لا يختل الجرس العام للوقفات في كل سورة (^١).\nأما كلماته، فمنتقاة من بين الكلمات المشهورة، دون أن تهبط إلى مستوى الدارج، ومختارة من بين الكلمات السامية، التي لا توصف بالغريب إلا نادرا.\nوتمتاز بالإيجاز العجيب في الكلام. إذ تعبر بأقل عدد من الكلمات عن أفكار\n_________\n(^١) هناك استثناءات من هذه القاعدة فقد لا ينتظم السجع إلا على مراحل، ويختلف بين مجموعات الآيات في نفس السورة. انظر مثلاسورة الحاقة والسور التالية.","vol":"1","page":124},{"text":"كبيرة يصعب التعبير عنها في العادة إلا بجمل مطولة نسبيا.\nويضاف إلى هذا النقاء في التعبير، وهذا التركيز الشديد في المعنى - حيث لا تقابلنا كلمة زائدة بل اختصار معجز أحيانا - وضوح أخاذ، كأنه تحد سافر بحيث أن رجل الشارع قليل الحظ من المعرفة، يستطيع أن يقول لنفسه: لقد فهمت جيدا. ومع ذلك نجد العمق والمرونة والإيحاء والإشعاع في كل جانب مثل أوجه قطعة الماس البراقة، إلى درجة أن جميع العلوم والفنون الإسلامية تستمد على الدوام من هذا المصدر قواعدها ومبادئها. إنها حقيقة مقررة عرفها الناس جميعا، وهي أن كلا من النبيل والحقير، والسطحي والباحث الدؤوب، يلتقون على فهم القرآن. كأن كل عبارة فيه مفصلة تفصيلا بما يناسب عقلية كل منهم بحسب درجته في العلم والمعرفة.\nوكل هذا في موضوعات غير مطروقة في الأدب الجاهلي، ونادرا ما تعرض لها الشعراء والخطباء إلا من بعيد وبصور مبهمة وموجزة، بحيث يحق لنا أن نؤكد بدون تردد أنه من الناحية اللغوية البحتة، كان ظهور القرآن خلقا للغة جديدة، ولأسلوب جديد.\nأما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل وبنسب عكسية، بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى. ففي القرآن لا نرى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها - بين هاتين النزعتين المتنافرتين.\nوبالإضافة إلى الموسيقي الخالدة التي تعلو هذا الأسلوب المتنوع، نرى أن الكلمات ذاتها بمعناها المجازي - سواء أكانت وصفا أو إستدلالا أو سن قاعدة في القانون أو في الأخلاق - تسعى بقوة وتجمع في نفس الوقت بين التعليم والإقناع والتأثير وتمنح القلب والعقل نصيبه المنشود. وعلاوة على ذلك فإن هذا الكلام الرباني وهو يؤثر على هذا النحو، في قوانا المختلفة - يحتفظ دائما وفي أي موضع بهيبة مدهشة وبجلالة قوية لا تتأرجح ولا تضطرب.","vol":"1","page":125},{"text":"وربما لا يكون هناك ما يدعو للوقوف طويلا أمام هذا الوصف التجريدي الذي ليس له معنى ولا قيمة إلا بمراجعة مضمونه على النص القرآني. وهو العمل الذي قمنا به في كتاب آخر (^١) ولا ينبغي أن نكرره هنا. فالعربي الأصيل الذي تسري في دمه غريزة اللغة، ليس في حاجة إلى هذا التحليل لكي يقدر بنفسه طابع النص القرآني الفريد. وما يستفاد من هذه الدراسة البطيئة المنطقية، يدركه هو بفطنته وفطرته. فهو يشعر بالقرآن وكأنه آت من السماء، ينفذ إلى القلوب، ويبهر الأبصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>السمو الفريد حتى بالنسبة لحديث الرسول ﷺ:</span>\nولقد أدرك الكفار هذا التأثير في عهد الرسول ﷺ. واختلفوا في التماس التفسير والتعليل له، إذ وجدوه ظاهرة غريبة إلى درجة أن اطلقوا عليه «سحرا».\nوحتى في عصرنا الحاضر، ورغم بعد الزمن واختلاط الأجناس وانحراف فطرة اللغة، نجد العرب على اختلاف دياناتهم، يعترفون بالسمو والجلال والهيبة التي ينفرد بها النص القرآني لا بالنسبة للأدب العربي بوجه عام، ولكن حتى بالنسبة لأحاديث الرسول ﷺ ذاته المعروفة ببلاغتها الرفيعة. فالواقع أنه يتوفر تحت أيدينا اليوم آلاف من أحاديث الرسول ﷺ، منها ما كان بعد تفكير عميق امتد إلى ما يقرب من الشهر مثل حديث الإفك، وأحاديث أخرى كانت على أثر وحي بالمعنى لا بالنص مثل «اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» (^٢) فجميع عبارات الرسول ﷺ وجمله يتميز عنها النص القرآني تمييزا صارخا، وكأنه شعاع من الشمس يمر خلال\n_________\n(^١) في دراسة سابقة لنا باللغة العربية بعنوان «النبأ العظيم» والتي توقف نشرها بالقاهرة بسبب سفرنا إلى فرنسا عام ١٩٣٦ - عرضنا لبعض الخصائص الفريدة للأسلوب القرآني وضربنا الأمثلة الجلية التي توضح هذا الانفراد. ولا يعدو عملنا هنا سوى التذكير ببعض النقاط الجوهرية التي وردت بهذه الدراسة.\nوهناك عدا التعليقات والمقدمات التي كتبت عن القرآن الكريم دراسات متخصصة في هذا الموضوع نذكر منها: العسكري (الصناعتين)، الجرجاني (دلائل الإعجاز)، (وأسرار البلاغة) الباقلاني (إعجاز القرآن) ومن الكتاب المحدثين نذكر على الخصوص الرافعي (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية).\n(^٢) صحيح البخاري عن صفوان بن يعلي بن أمية عن أبيه، كتاب الحج باب يفعل في العمرة ما يفعل في الحج ج ٤ ص ٣٦٣، وصحيح مسلم كتاب الحج باب ما يباح للمحرم لحج أو عمرة وما لا يباح ج ٤ ص ٣.","vol":"1","page":126},{"text":"ضوء منبعث من نجفة من الشموع، إذ نلحظ في القرآن فى الحال لهجة فريدة لا تنبعث من قلب رجل، وليست سوى نفحة ربانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>خطأ كثير من العلماء بشأن وحدة السور القرآنية:</span>\nوقبل أن نترك هذا الفصل ينبغي أن نركز بعض الجهد على نقطة غفل عنها جميع المستشرقين فضلا عن بعض علماء المسلمين، وهي طريقة القرآن الكريم في معالجة أكثر من موضوع في السورة الواحدة. فعند ما لاحظ بعضهم بنظرته السطحية - عدم توافر التجانس والربط الطبيعي بين المواد التي تتناولها السورة، لم ير القرآن في جملته إلا أشتاتا من الأفكار المتنوعة، عولجت بطريقة غير منظمة، وبدون أي ربط منطقي بينها، بينما رأي البعض الآخر أن علة هذا التشتيت المزعوم ترجع إلى الحاجة إلى تخفيف الملل الناتج من رتابة الأسلوب، والحزن المترتب على تكرار النغمة مما يتنافي مع المثالية في الأسلوب العربي. وهناك فريق آخر لم ير في الوحدة الأدبية لكل سورة - وهو ما يستحيل نقله في أية ترجمة - إلا نوعا من التعويض لهذا النقص الجوهري في وحدة المعنى. وفريق آخر يضم غالبية المستشرقين رأى - وهو يهدف إلى تبرئة الرسول ﷺ الذي قدم كل سورة من القرآن على شكل وحدة مستقلة - أن هذا العيب يرجع إلى الصحابة الذين جمعوا القرآن وقاموا بهذا الخلط عندما جمعوا أجزاءه ورتبوها على شكل سور.\nإن هذه التفسيرات لا تبدو صالحة للأخذ بها. إذ أن السنة والأثر الصحيح متفقان على أن السور كانت بالشكل الذي نقرأها به اليوم. وبتركيبها الحالي منذ حياة الرسول ﷺ. إذن قد يرجع السبب إلى عيب أصيل لا تكاد تجدي معه التبريرات السابقة إذا كانت حقا وحدة السورة لا تعدو أن تكون سلسلة من الحروف والصوتيات تخفي تشتيتا وتفرقا جوهريا في المعنى، وتترك فواصل لا يقبلها المنطق في مسيرة الأفكار وتقفز قفزات مفاجئة في السورة عند الإنتقال من موضوع إلى موضوع جديد.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>تجربة خاصة:</span>\nفعندما نريد أن نقدر جمال لوحة مرسومة لا ينبغي أن نحصر نظرتنا في جزء ضيق منها حيث لا نجد إلا ألوانا متنوعة تتجاور أو تتنافر أحيانا، بل يجب أن نرجع قليلا إلى الوراء، ليتسع مجال الرؤية وتحيط بالكل في نظرة شاملة، تستطيع وحدها أن تلاحظ التناسق بين الأجزاء والتوافق في التركيب. فبمثل هذه النظرة ينبغي دراسة كل سورة من سور القرآن الكريم لنقدر أبعادها الحقيقية. ولقد قمنا في الماضي أثناء تدريسنا بجامعة الأزهر - بتطبيق هذه القاعدة في دراسة لاحدى السور المدنية (هي سورة البقرة) ولسورتين مكيتين (هما سورتي يونس وهود) ولم يكن اختيارنا لهذه السور عن قصد، وإنما كانت كلها مقررة في البرنامج الدراسي. فالواقع أننا وجدنا أكثر مما كنا نتطلب من بحثنا. فقد كنا نبحث عما إذا كان هناك نوعا من الترابط في الأفكار التي تتناولها السورة الواحدة، ولقد وضح لنا بما أثار دهشتنا أن هناك تخطيطا حقيقيا واضحا ومحددا يتكون من ديباجة وموضوع وخاتمة. فتوضح الآيات الافتتاحية الأولى من السورة الموضوع الذي ستعالجه في خطوطه الرئيسية ثم يتبع ذلك التدرج في عرض الموضوع بنظام لا يتداخل فيه جزء مع جزء آخر، وإنما يحتل كل جزء المكان المناسب له في جملة السورة، وأخيرا تأتي الخاتمة التي تقابل الديباجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>هذه الوحدة من العجائب نظرا للظروف التي تتم فيها وتجعلها مستحيلة بالنسبة للقوى البشرية:</span>\nفإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها والتفتيت المتناهي في نزول الآيات. ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجه عام مرتبطا بظروف ومناسبات خاصة، فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن الوقت الذي تمت فيه عملية تنظيم كل سورة على شكل وحدة مستقلة. وهذا التساؤل يضعنا أمام نقطة محيرة. فسواء افترضنا أن هذا الترتيب كان قبل أو بعد إكتمال نزول القرآن، فقد كان ينبغي أن يتبع، إما الترتيب التاريخى للنزول، وإما الترتيب المنطقي البسيط المبني على تجانس","vol":"1","page":128},{"text":"الموضوعات. إلا أن السور القرآنية تتنوع موضوعاتها ولا تخضع لأي من الفرضين أو الترتيبين السابقين، مما يدعونا إلى ترجيح وجود تصميم معقد يكون قد وضع في وقت سابق لنزول القرآن على قلب الرسول ﷺ. ولكن سرعان ما نميل إلى الانصراف عن هذا الافتراض بسرعة لأننا نرى مدى الجرأة والإستحالة التي ينطوي عليها وضع نظام سابق حسب ترتيب تحكمي بين فقرات حديث سوف يطلب إلقاؤه أو إظهاره على مدار عشرين عاما، وبما يتناسب مع عديد من الملابسات والظروف التي تستدعي هذا الحديث والتي لا يمكن توقعها أو التنبؤ بها. غير أن السنة تؤكد لنا هذا الإفتراض الغريب وتؤيده. فالواقع أنه فور نزول الوحي على الرسول ﷺ كان كل جزء منه صغيرا أو كبيرا يوضع في السور التي لم تكن قد اكتملت بعد وفي مكان محدد من السورة، وفي موضع رقمي من آياتها، وفي ترتيب لم يكن دائما هو الترتيب التاريخي. وبمجرد وضع الآية أو الآيات في موضع ما، بقيت فيه إلى الأبد، دون أن يطرأ عليها تحويل أو تصحيح. من هذا نقول إنه لا بد كان هناك تصميم لكل سورة، فضلا عن تصميم أو خطة عامة للقرآن في جملته، بمقتضى كل منهما، كأن كل وحي جديد يوضع في مكانه توا بين آيات هذه السورة أو تلك، من السور المفتوحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>انفراد في تجميع الأجزاء القرآنية مما يثبت وجود خطة سابقة:</span>\nولا شك أن طريقة القرآن هذه ليست لها مثيل على الإطلاق. فلا يوجد أي كتاب من الكتب في الأدب أو في أي مجال آخر، يمكن أن يكون قد تم تأليفه على هذا النحو أو في مثل هذه الظروف. وكأن القرآن كان قطعا متفرقة ومرقمة من بناء قديم، كان يراد إعادة بنائه في مكان آخر على نفس هيئته السابقة. وإلا فكيف يمكن تفسير هذا الترتيب الفوري والمنهجي في آن واحد، فيما يتعلق بكثير من السور، إذا لم تكن الصحائف الخالية والصحائف التامة تمثل وحدة كاملة في نظر المؤلف؟.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>تصميم يتحدى الطبيعة ونجاحه معجزة المعجزات:</span>\nولكن أي ضمان تاريخي يستطيع أن يتحصل عليه الإنسان عند وضع مثل هذه الخطة، إزاء الأحداث المستقبلة، ومتطلباتها التشريعية، والحلول المنشودة لها، فضلا عن الشكل اللغوي الذي يجب أن تقدم به هذه الحلول، وتوافقها الأسلوبي مع هذه السورة بدلا من تلك؟ وكيف يمكن مجرد تجميع وتقريب هذه القطع المبعثرة بعضها من بعض بدون تعديل أو لحام أو وصلات - رغم تنوعها الطبيعي وتفرقها التاريخي - أن يجعل منها وحدة عضوية متجانسة يتوافر فيها ما نرجوه من التماسك والجمال؟ ألا يصدر مثل هذه المشروع، وقد بلغ هذا المبلغ من الطموح، إلا عن حلم خيالي، أو عن قوة فوق قدرة البشر؟. وبمعنى آخر إذا كان الاضطراب في النظام المنطقي أو الخلل اللغوي والبلاغي، هما النتيجة الحتمية لمثل هذا المشروع إذا اضطلع به إنسان لما يشتمل عليه من تعقيد محير، ألا ينبغي أن نستنتج من هذه المقدمات ذاتها، أن اكتمال هذه الخطة وتحقيقها بالصورة المرجوة، يتطلب تدخلا من قوة عظمى، تتوفر فيها القدرة على إقامة مثل هذا التنسيق المنشود؟ وإلا فمن هو المخلوق الذي يستطيع أن يوجه الأحداث بما يتوافق تماما مع هذا التصميم المرسوم، أو كيف يمكن أن نخرج من مجموعة مصادفات بمثل هذا البناء الأدبي الرفيع وهو القرآن؟\nفإذا كانت السورة القرآنية من نتاج هذه الظروف، تكون وحدتها المنطقية والأدبية في نظرنا معجزة المعجزات. ولقد صرح بوجود هذه الوحدة المزدوجة كثير من ذوي الاختصاص في هذا الشأن، ومن بينهم: أبو بكر النيسابوري وفخر الدين الرازي وأبو بكر بن العربي وبرهان الدين البيقاعي (^١) وأبو اسحق الشاطبي.\nولمراجعة هذا على بعض المختارات من القرآن - نشير إلى كتابنا السابق «النبأ العظيم».\nوإننا لا ندعي أن هذه المختارات تمثل نموذجا مطابقا لباقي سور القرآن، وإلا نكون قد فصلنا في أمر تجريبي بناءا على حكم سابق. والواقع أنه قد يصعب في\n_________\n(^١) أبو الحسن ابراهيم بن عمر البيقاعي شافعي من القرن التاسع الهجري واستاذ السيوطي الذي خصص لهذا الموضوع فصلا كاملا من كتاب «الاتقان» المجلد الثاني ص ١٠٨.","vol":"1","page":130},{"text":"بعض السور التمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الثانوية، أو اكتشاف العلاقة بين هذه الأفكار بعضها وبعض أو بينها وبين النواة المركزية للسورة. وقد نجهل حتى الظروف التي استدعت التجميع بينها في سورة واحدة. ومن المفهوم أن تركيز عبارات القرآن الكريم وجزالة معناها قد تترك بين كل جزء وآخر نقاطا للوصل، وعديدا من الخيوط الإرشادية، مما جعل المفسرين يختلفون في الربط بين هذه الأجزاء. ولكن أيا كانت الطريقة التي نتبعها، وأيا كانت درجة الدقة في معرفتنا، وسواء أكان الرسول الكريم ﷺ ذاته يعرف ذلك أو لا يعرفه، فإن هذا التصميم كان موجودا بالفعل وأسهم في تحقيق ذلك الترتيب الذي كان موضوعا في زمن سابق على نزول القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>فضلا عن هذا التخطيط المنطقي والإسلوبي فقد اتبع الوحي مسلكا تربويا:</span>\nأما الذين لا يهتمون بالكشف عن هذا التخطيط في السور القرآنية فإنهم يستطيعون أن يتأملوا تخطيطا آخر ذا طابع أسلوبي، وبمقتضاه يمكن ملاحظة أن الأجزاء التي ستتجاور مجهزة مقدما بطريقة معينة بحيث يتزاوج بعضها مع بعض بدون تصادم أو ثغرات، كل ذلك مع تنوع الموضوعات واختلاف البعد الزمني الذي يفصل بين كل موضوع وآخر.\nولكن إعجابنا سيصل إلى ذروته إذا أدركنا أن هذه الأجزاء المبعثرة من الآيات القرآنية، قد اتبعت في نزولها تخطيطا آخر مختلفا تماما عن التخطيط الذي تحدثنا عنه في الفقرات السابقة. وما علينا إلا أن نستعرض - من أولها إلى آخرها - المراحل التدريجية للعرض خلال الثلاث والعشرين سنة؛ من النبوة إلى الرسالة (من «اِقْرَأْ» بسورة العلق إلى «قُمْ فَأَنْذِرْ» بسورة المدثر) ومن الدعوة السرية إلى الدعوة الجهرية ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، ومن دعوة الرسول ﷺ لأقاربه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] إلى دعوة مكة بأسرها، ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٥٩]، ثم القرى المجاورة ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾\n[الأنعام: ٩٢]، ثم البشرية جمعاء ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾","vol":"1","page":131},{"text":"[الأنبياء: ١٠٧]، ومن إرساء القواعد الأساسية للإسلام (فى السور المكية) إلى التطبيق العملي (في السورة المدنية)، ومن التبغيض في شرب الخمر ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾\n[البقرة: ٢١٩]، إلى تحريمها صراحة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، ومن الدعوة إلى الصبر واحتمال الأذى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، إلى المقاومة المسلحة ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] .... الخ.\nوقد يكفي أن نسجل هنا تاريخين على جانب من الأهمية، هما تاريخ انطلاق الدعوة وتاريخ اختتامها. فالتاريخ الأول هو يوم غار حراء، حين تلقى محمد ﷺ الوحي لأول مرة، وأعلن فيه أنه سيتلقى علما من قبل الله ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥]، وسيكلف بمهمة شاقة ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. أما التاريخ الثاني فهو يوم حجة الوداع، حين أعلن الرسول ﷺ بأن رسالته قد تمت، وأن مهمته على الأرض قد انتهت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾\n[المائدة: ٣] وبعد ذلك لم يلبث الرسول ﷺ أن لحق بالرفيق الأعلى.\nإن هذا التطور إذن كان متفقا مع خطة تربوية وتشريعية موضوعة في وقت سابق، في إجمالها وفي تفصيلها، بمعرفة منزل الوحي ﷾. فإذا كانت هذه النصوص ذاتها التي كانت تتبع في نزولها تخطيطا تربويا ممتازا، قد تحولت بمجرد نزولها من شكلها التاريخي لكي تتوزع وتتجمع في شكل آخر على هيئة إطارات محددة ومختلفة الأطوال بحيث يظهر من هذا التوزيع المقصود في النهاية، كتاب يقرأ، مكون من وحدات كاملة، لكل منها نظامها الأدبي والمنطقي، لا يقل روعة عن النظام التربوي العام، فهذا هو التخطيط المزدوج الذي لا يمكن أن يصدر عن علم بشر.\n***","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الباب الثالث المصدر الحقيقي للقرآن</span>\nالفصل الأول: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية\nالفصل الثاني: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية","vol":"1","page":133},{"text":"ينبغي أن تسبق دراسة مصدر أي كتاب دراسة محتواه. أما القرآن فإن دراسة مصدره تستوجب مخالفة هذه القاعدة. لأن فكرة مصدره الإلهي ليست فقط جزءا من دعوته، وإنما هي الجزء الأساسي منها. ومن أول القرآن إلى آخره نراه يتحدث إلى الرسول ﷺ أو يتحدث عنه ولا يتركه أبدا يعبر عن فكره الشخصي.\nوفي كل جزء منه يتكلم الله ﵎ ليصدر أمرا، أو ليشرع قانونا، ليخبر أو لينذر. فنقرأ «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ .... ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ... ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ ... ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ﴾ .... ﴿اُتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .... ﴿بَلِّغْ﴾ .... افعل كذا .... لا تفعل كذا\n﴿سَيَقُولُونَ﴾ .... ﴿قُلْ﴾ ...» وحتى عندما لا يتضمن النص بعض علامات الأمر (مثل سورة الفاتحة) فكل شيء يدل عليها.\nولكن كيف لا ننسب كلام القرآن والأفكار التي يتضمنها إلى الشخص الذي جاء به، باعتبارها نابعة من فكره الشخصي أو منقولة مما تعلمه في بيئته بالطريق الطبيعي؟ كيف يمكن أن نجعل من هذا الإنسان مجرد أداة استقبال يقدم كتابه جاهزا وتاما من مصدر خارجي وغير بشري؟ لا شك أن مثل هذا الإدعاء يبلبل الأفكار لمخالفته للقوانين النفسية ولو في مظهرها العادي على الأقل.\nلا شك أن محمدا ﷺ وهو يؤكد هذا القول لم يكن أول من أثار قضية الوحي. بل إنه كان أكثر تواضعا في هذا الشأن من موسى ﵇ الذي - كما يقول القرآن - تلقى التوراة في لقاء مباشر بينه وبين الله ﵎، حيث سمع كلام الله ذاته. أما بالنسبة لمحمد ﷺ فالقرآن قول رسول سماوي. وسيط بينه وبين الله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] وفيما عدا هذا الاختلاف فإنهما متفقان في نسبة ما تلقياه إلى ما وراء الكون.\nفأما المؤمنون بالوحي من حيث المبدأ العام، فمن حقهم ألا يطبقوه على ظاهرة معينة إلا بعد استنفاد جميع فرص التفسير الطبيعي لهذه الظاهرة. وإذا ما رضخوا","vol":"1","page":135},{"text":"في النهاية واعترفوا بمنشئها الإلهي المباشر يكون هذا الاعتراف آخر مطاف البحث وقرار العلم، بعد استنفاد جميع الوسائل الممكنة.\nفلنبعد إذن من بحثنا الحجة التي يمكن استخلاصها من الإعجاز اللغوي في القرآن، والمؤيدة لمصدره الإلهي، ونتساءل عما إذا كان يمكن تفسير الأفكار التي يتضمنها القرآن بسبب آخر غير الوحي. والواقع أن بحوثا ودراسات كثيرة قد سلكت هذا السبيل في الماضي. ومما يشرف القرآن والسنة أنهما سجلا، بكل عناية وإنصاف، جميع الآراء التي أبداها معاصرو النبي ﷺ، لتعليل هذه الظاهرة وتبريرها، وهي تشتمل على افتراضات لا تعتمد على الحلول الممكنة والمعقولة وحدها، وإنما تلجأ إلى كل مستحيل وغير معقول لا يتوانى أي عقل ساخر عن التعبير عنه للحط من شأن أي جديد، مهما كانت جديته وأهميته بالنسبة للبشرية. وهذا يجعلنا نقرر أن البحوث الحديثة في هذا المجال لا تعدو أن تكون زيادة أو تكرارا لنفس الكلام القديم وإن اختلفت في الشكل والأسلوب.\nوالغرض من هذا الجزء الثالث هو دراسة مختلف الحلول في شكلها الحاضر، وسنتبع في هذا الصدد الترتيب الزمني. فنقسم البحث إلى فصلين بحسب ما يكون الحديث عن المرحلة المكية أو المرحلة المدنية.\n***","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الفصل الأول البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>البيئة الوثنية: صورتان من حياة العرب في الجاهلية:</span>\nنحاول بأبسط الافتراضات أن نجد في بيئة الحجاز المحدودة - إن لم يكن في مسقط رأس الرسول ﷺ - جميع العناصر الضرورية لبناء الدعوة القرآنية. ومن هذه النظرة قدم لنا «إرنست رنان» نموذجا فريدا لحياة العرب قبل الإسلام. ففي مقال له عن «محمد ومصادر الإسلام» (^١)، عرض لنا هذا العالم الفرنسي صورة رائعة للجزيرة العربية في القرن السادس بعد الميلاد. وبدلا من هذا الشعب المشرك الذي تعرفه الدنيا، وضع لنا شعبا آخر لم يعرف في حياته عن الله تعددا ولا تنوعا وإنما عرفه كإله واحد لم يلد ولم يولد (انظر صفحة ١٠٧٠ - ١٠٧١) ولقد نجح «رنان» في إبراز الذوق الأدبي الرفيع لهذا الشعب، ونظرته الواقعية القوية، وفي إغفال سائر الصفات الأخرى التي لا تشرفه. فبدلا من هذه النزعة المادية الطاغية الفاسدة التي لا تلتفت إلى أي تفكير ينتمي إلى الحقائق السامية، رسم لنا مجتمعا في أوج حماسه الديني التقت فيه جميع الديانات وجميع الحضارات بالإضافة إلى أن الدين كان شغله الشاغل (صفحة ١٠٨٩) وعلى هذا المنوال لا تعدو أن تكون رسالة محمد ﷺ إلا امتدادا للحركة الدينية التي سادت في عصره دون أن يسبقها محمد ﷺ في أي جديد (نفس الصفحة).\nولكن الصورة الحقيقية للحياة العربية في هذه الحقبة من الزمان، نجدها في القرآن ذاته، وتختلف عن ذلك كل الاختلاف. فلقد سبق أن رأينا كيف كان\n_________\n(^١)  Revue des Deux Mondes،I ٥ dec.I ٨٥ I .","vol":"1","page":139},{"text":"العرب يطمسون التوحيد الأولي تحت أركام من الخرافات والأساطير (^١). وأما الجانب الخلقي والاجتماعي فلم يكن أسعد من ذلك حالا، فوأد الأطفال (^٢)، والبغاء (^٣)، وزنا المحارم (^٤)، وابتزاز المهور وإرث نساء الأقارب كرها (^٥)، وظلم اليتامي (^٦)، والجشع وإهمال الفقراء وازدراء الضعفاء (^٧)، كان هو الطابع الغالب.\nبل ان المروءة العربية المشهورة كان القرآن يعتبرها عاطفة في غير موضعها، ملطخة بالرذيلة والفساد، إن لم تكن الفساد بعينه؛ فلم يكن الغرض منها سوى الإسراف والمباهاة (^٨).\nوباختصار كانت حياتهم حياة (الضلال المبين) (^٩)، وزمانهم زمن «الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» (^١٠).\nولقد كانوا يحتفظون في عاداتهم ببعض الآثار من ديانة إبراهيم واسماعيل ﵉ مثل الحج، ولكن هذه الآثار ذاتها، كانت تختلط بأخطاء وأوهام كثيرة (^١١).\n_________\n(^١) انظر الفصل الأول من الجزء الثاني.\n(^٢) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٤٠].\n(^٣) وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور: ٣٣].\n(^٤) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ ... حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ .. إلى آخرالآية [النساء: ٢٢ - ٢٣].\n(^٥) لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ... وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا [النساء: ١٩ - ٢١].\n(^٦) وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [النساء: ١٢٧].\n(^٧) كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ١٧ - ٢٠].\n(^٨) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ٣٨].\n(^٩) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة: ٢].\n(^١٠) الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى [الأحزاب: ٣٣] إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: ٢٦].\n(^١١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى [البقرة: ١٨٩] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة: ٢٠٠].","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الحنفاء:</span>\nوفي وسط هذه الجموع من الناس ذات الجهل المفضوح، كانت تتميز صفوة قليلة العدد تعرف في الأثر باسم «الحنفاء»، أي الثائرين على الرأي العام، والتي اعتمد عليها «رنان» ليصور لنا خصائص مجتمع العرب في هذا العصر. لقد كانت هذه الفئة عددا ضئيلا يعد على الأصابع، بينما جموع هذا الشعب الغفير لم تعر لوجود هذه الفئة أي اهتمام. وعلينا أن نرجع إلى أدب العصر الجاهلي لكي نستوثق من ذلك. فقد كان الحاضرون في سوق عكاظ لا يتناظرون في الدين، وإنما في المفاخر الدنيوية. وكانت كل قبيلة تستعرض عبقريتها الأدبية، ومغامراتها في الفروسية، ومفاخر الآباء والأجداد. ولا نكاد نجد أثرا للفكر الديني في أشهر القصائد المعروفة بالمعلقات الذهبية.\nوبعد هذا كله، ماذا كانت دعوة هؤلاء «المصلحين» السابقين لمحمد؟ يقينا: لا شيء!! سوى أنهم أناس متمردون على عصرهم لأن إشراك مواطنيهم، وعاداتهم القاسية، وإباحيتهم، لم تكن لترضى عنه نفوسهم، فتطلعوا إلى دين صحيح ظاهر حاولوا التماسه خارج محيطهم ولم يكن عندهم عنه أية فكرة دقيقة قادرة على أن تنبئ عن دعوة القرآن ولو من بعيد. ولقد اعترف زيد بن عمرو بن نفيل - أكثر هذا الفريق حزما واستقلالا - أنه كان يجهل كيفية عبادة الله (^١).\nوكل ما كان يمكن استخلاصه من وجود هؤلاء الحنفاء، وهو ما صرح به رنان ذاته عن حق - إنه كان يوجد في ذلك الوقت «نوع من القلق والانتظار المبهم» الذي كان يتفاعل في «هذه النفوس الممتازة نتيجة مشاعر وتوقعات ورغبات غير محددة» (صفحة ١٠٩٠). ومهما ردد الناس من عبارات: الله والدين والأنبياء والكتب والجنة في هذه المرحلة، فلم يكن لهذه الكلمات صدى في نفوسهم عن أية فكرة واضحة ومتميزة.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ١٤٤.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الصابئون:</span>\nواذا كان لا بد من الحديث عن الأنظمة الدينية المعروفة في ذلك الوقت في إطار البيئة التي ولد فيها الرسول ﷺ، فإن الحديث عن مذهب الصابئين أولى من الحديث عن الحنفاء. ويقصد بهذه الكلمة الواردة في القرآن (^١) طائفة وثنية متميزة (صابئي حران الذي ينسبون أنفسهم إلى صابي بن سث، الذي كان يدّعي نشر تعاليم ديانة أبيه، وأنه كان عنده كتابها باللغة السريانية)؛ أو أنها طائفة يهودية مسيحية تسمى «الصابئة» (من مسيحيي يوحنا المعمداني)، أو أنها هي ذاتها الطائفة الوثنية الأولى التي كانت تنتحل هذا الإسم. المسألة محل خلاف؛ ولقد ذكر الفيومي هذا التفسير الأخير في قاموسه العربي (المصباح المنير). وعلى كل حال هناك اعتباران يقتضيان استبعاد التفسير الثاني، أولهما هو اختلاف أصل كلمة «صبأ» عن أصل «سبح» والثاني سكوت السنة والأثر عن مباديء الصابئة:\nوهي الفيض والتجسيد على حين أن الأفكار الجوهرية والشعائر الأساسية للصابئين كانت معروفة وفندها القرآن والسنة. ولقد انتشرت بعض عادات هذا المذهب في قريش إلى درجة أنه يصعب عزلها عن الوثنية السائدة. وذلك مثل:\n١ - تأليه الملائكة والكواكب وتأثيرها على الأحداث الأرضية (^٢).\n٢ - نصيب الأسد الذي كان يؤخذ من القرابين ليقدم إلى الآلهة الأقل في الدرجة بدلا من تقديمها إلى الله (^٣).\n٣ - عبارة الابتهال التي كانت تتضمن الشرك بالله وتستخدم في الحج (^٤) .... الخ.\nوهناك بعض الشعائر الأخرى والعادات التي تتميز تماما عن كل من العادات الوثنية والإسلامية. فقد كان الحج عند الصابئين يتم بحران بالعراق، وليس حول\n_________\n(^١) سورة البقرة آية ٦٢ وسورة المائدة آية ٦٩ وسورة الحج آية ١٧.\n(^٢) انظر البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية ج ٨ ص ٤٤٥، حيث ورد «مطرنا بنجم كذا».\n(¬٣ و٤» انظر الفصل الأول من الجزء الثاني.","vol":"1","page":142},{"text":"الكعبة؛ كم كانت قرابينهم تحرق تماما ولا يؤكل منها شيء (^١)، وكانوا يحرمون تعدد الزوجات ولا يزاولون الختان (^٢). وكانت عباداتهم طقوسا يقصد بها الكواكب: فقد كانت تمارس ثلاث مرات يوميا، بحيث تتوافق تماما مع شروق الشمس والزوال والغروب، وذلك بما يخالف مواعيد الصلاة في الإسلام.\nوهكذا نرى الوثنية التي كانت سائدة بالحجاز لا تقدم لنا تفسيرا سليما عن مصدر القرآن الكريم، سواء وصفت بالرّقة أو الخشونة، بالخرافات والشك، أو بروح النقد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>البيئة اليهودية والمسيحية:</span>\nلنترك إذن هذه الأوساط ونتجه ببحثنا إلى مكان آخر، فلعل البيئة اليهودية والمسيحية وقتئذ تلقي لنا بعض الضوء على هذا الموضوع.\nوسوف لا نعول كثيرا على قصة الراهب بحيرى الواردة في الأثر، والتي تذكر أن محمدا ﷺ قابله وهو في الثانية عشر من عمره عندما صاحب عمه أبا طالب في سفره إلى سوريا. فالصواب يمنعنا من الأخذ بهذه المقابلة العارضة، واعتبارها مصدرا لتعليم محمد ﷺ، لأن الحادثة إما أنها أسطورية، أو أنه يتعين علينا أخذ كل الوقائع التى تذكرها في الحسبان. وحينئذ نجد أن القصة تذكر أن هذه المقابلة كانت في حضور جميع أفراد القافلة؛ وأن محمدا ﷺ كان في دوره «مسؤولا» لا مستمعا، وبانتهاء الاستجواب خلص الراهب إلى نبوءة مضمونها توقع بعثة هذا الشاب رسولا في المستقبل. إن الفكرة إذن تفند نفسها (^٣).\nهل يتعين علينا أن نتوقف لنبحث احتمالا آخر من نفس النوع؟ يقال إنه كان\n_________\n(^١) انظر «ملاحظات تاريخية ونقدية عن الإسلام» تأليف ج سال ص ٣٠ - ٣١.\n(^٢) دائرة المعارف الإسلامية (باللغة الفرنسية) مادة\"  Sabia '' .\n(^٣)  اقرأ مقال هوارت «بالجريدة الآسيوية» عدد يوليو اغسطس ١٩٠٤ بعنوان «مصدر جديد للقرآن» حيث ورد ما يلي بالخاتمة «لا تسمح النصوص العربية التي عثر عليها ونشرت وبحثت منذ ذلك الوقت بأن نرى في الدور المسند إلى هذا الراهب السوري إلا مجرد قصة من نسج الخيال».","vol":"1","page":143},{"text":"يوجد في ضواحي مكة بعض أفراد من المغامرين الرومان، أو الزنوج الأحباش «بائعون للنبيذ»، أو «كادحون» يقطنون «الأحياء المنزوية» (^١). ويقال أيضا «أن الإنجيل درس في الحانات لعقليات خام» (^٢). فهل كان التقاء محمد ﷺ بالأفكار الدينية في هذه الأماكن؟ أنهم يتركوننا في الغموض والإبهام ولا يقدمون لنا وثيقة واحدة عن علاقات فعلية لمحمد ﷺ من هذا النوع. وفي مواجهة هذا الغموض فإن لدينا عديدا من الأسباب تحول دون أن نأخذ مأخذ الجد إمكان وجود مثل هذه العلاقات بل حدوث تأثيرها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>رحلات الرسول ﷺ ومشاهداته (فرضان لا يعول عليهما):</span>\nففي المقام الأول نجد أن شواغل الرسول ﷺ قبل بعثته كانت معروفة ومحددة.\nإذ يقدم لنا التاريخ الثابت المؤكد هذه الشخصية وهي تتحرك على التوالي في أماكن ثلاثة: إما في الخلاء يرعى الأغنام، وإما في التجارة مسافرا مع القوافل وإما في المجتمع العام مع رؤساء القبائل. فلا خلقه ولا مولده ولا مشاغله. تجعلنا نتصوره يتردد على هذه البيئة الهابطة.\nأما السبب الثاني فهو أنه لم يكن لهذه العلاقة أية جدوى. فهؤلاء المطمورون لم يكونوا يجهلون دينهم (^٣) فحسب ولكن بصفة خاصة - وهنا تتركز حجة القرآن - كانت لغتهم الأجنبية حاجزا طبيعيا أمام النبي ﷺ (^٤).\nوأخيرا إذا كان هذا المصدر صالحا بالفعل للأخذ عنه، ألم يكن طبيعيا وفي متناول معارضيه أن يلجأوا اليه ويحطموا به طموح محمد ﷺ بدلا من أن يكلفوا أنفسهم عناء السفر إلى المدينة بحثا عن أسلحة علمية يوجهونها ضده كما سنرى؟\n_________\n(^١) انظر قانون الإسلام تأليف ماسيه ص ٢١.\n(^٢) انظر مقال هوارت السابق ص ١٣١.\n(^٣) انظر لامنز «الإسلام» ص ٢٨.\n(^٤) لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣].","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الإتصال بالجموع المسيحية في سوريا:</span>\nإننا نفضل أن نتكلم عن بيئة أوسع دائرة وثقافة أغنى بحيث يمكن أن تكون أفكارها الدينية وطقوسها قد ساهمت في تكوين النظام الإسلامي. فقد رأينا أن محمدا ﷺ في شبابه كان من وقت لآخر يسافر إلى سوريا في تجارته وربما إلى اليمن لنفس الغرض (^١). ومن المعلوم أن الغساسنة بسوريا، وبني الحارث بنجران في اليمن، كانوا قد اعتنقوا المسيحية (فضلا عن وجود القبائل اليهودية بالمدينة وخيبر التي لم يتصل بها محمد ﷺ إلا بعد الهجرة). فلماذا لا يكون هذا المسافر العربي - بما عرف عنه من ملاحظة ذكية واهتمام فطري بالمسائل الأخلاقية - قد تأثر بأخلاق وأفكار هذه المجتمعات التي تفوق في سموها ورقتها أخلاق قومه الخشنة التي كانت تثير حنقه؟.\nكان هذا رأي «جولد سيهر» وآخرين. فلقد اعتقد هذا المفكر المجري أن مقارنة محمد ﷺ لحياة قومه وتقاليدهم، بانطباعاته الحية التي اكتسبها من رحلاته العديدة قد أوجدت عنده الدفعة الأولى لنظامه الإصلاحي (^٢).\nإلى أي حد سيساعدنا هذا الرأي في حل المشكلة؟ أولا هل دخل محمد في الأراضي المسيحية الحقيقية؟ بعض الكتاب يشكون في هذا نظرا لعدم وجود أية إشارة في القرآن عن المظاهر الخارجية للديانة المسيحية. بينما يتكلم بتوسع عن أعماق روح المسيحية الشرقية مما يتناقض تماما مع مسلك الشعراء العرب المعاصرين للرسول ﷺ، والذين زاروا هذه البلاد (^٣). وهناك كتاب آخرون أكثر اقترابا من الحقيقة، إذ يؤكدون أن رحلات القوافل التجارية التي صاحبها الرسول ﷺ لم نقده إلى أبعد من سوق (حباشا) بتهامة وغراش باليمن (^٤).\n_________\n(^١) رحلة الشتاء والصيف (قريش ٢).\n(^٢) «عقيدة الإسلام وتشريعه» ص ٤.\nGoldziher،Le Dogme et la Loi de l'Islam،\n(^٣)  اندريه «محمد، حياته وعقيدته» ص ٣٧ - ٣٨.\nT.Andrae،Mahomet،Sa vie et sa Doctrine .\n(^٤)  سبرنجر ذكره هوارت في المقال السابق ص ١٢٨\nSprenger،cite Par Huart Une Nouvelle Source du Koran،p .١٢٨","vol":"1","page":145},{"text":"ولنفرض أنه اتصل بالفعل بالمسيحية في ذلك الوقت، فهل كان سيجد ما يسره؟ لنستمع أولا إلى ملاحظات بعض الكتاب المسيحيين: يقول «ج. سال»:\nإذا قرأنا التاريخ الكنسي بعناية، فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته، بسبب أطماع رجال الدين، والانشقاق بينهم، والخلافات على أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهى، والتى كان الأنقسام يتزايد بشأنها.\nوكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم واستخدام كل أنواع الخبث والحقد والقسوة .. قد انتهوا تقريبا إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بفعل جدالهم المستمر حول طريقة فهمها. وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت، بل وثبتت أغلب أنواع الخرافات والفساد .. ولقد وجدت الكنيسة الشرقية نفسها بعد مجمع «نيقيه» ممزقة بسبب الخلافات بين أنصار أريوس وسابليوس ونسطور ويوتيخيوس.\nولقد رأى رجال الدين أن يمنح ضباط الجيش بعض الحماية، وبهذه الحجة كان العدل يباع علنا مما شجع كل نوع من أنواع الفساد والرشوة. أما بالنسبة للكنيسة الغربية، فقد بلغ الخلاف بين دماز  Damase  وأرزيسيان  Ursicien  على كرسي الأسقفية بروما في شدته حد اللجوء إلى العنف والقتل. ولقد قامت هذه الإنشقاقات أساسا نتيجة أخطاء الأباطرة ولا سيما الأمبراطور قسطنس. وزادت حدة في ظل حكم جستنيان، الذي اعتقد أنه ليس هناك أي جرم في قتل أي رجل يخالفه في فهم العقيدة. هذا الفساد في الأخلاق وفي العقيدة الذي ساد بين الأمراء وبين رجال الدين، استتبع بالضرورة فساد الشعب عامة. حتى أصبح شغل الناس الشاغل على اختلافهم هو جمع المال بأية وسيلة مهما كانت لإنفاقه بعد ذلك في الترف والرذيلة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>وصف المسيحية في ذلك الوقت بمعرفة الكتاب المسيحيين:</span>\nولقد كتب تايلور في كتابه «المسيحية القديمة» المجلد الأول صفحة ٢٦٦ يقول\n_________\n(^١) انظر «ملاحظات عن الإسلام» ج. سال ص ٦٨ - ٧١.\nG،Sale،Observations sur le Mahometisme .","vol":"1","page":146},{"text":"«إن ما قابله محمد ﷺ وأتباعه في كل اتجاه .. لم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة ومخجلة، ومذاهب كنسية مغرورة، وطقوسا دينية منحلة وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة، بأنهم رسل من قبل الله، مكلفين بإصلاح ما ألمّ بالعالم من فساد ..» وعندما وصف راهب مورخ الآلام والعذاب والذي أوقعه الفرس بشعب فلسطين في زمن محمد ﷺ لم يتردد في أن يقرر أن الله لم يصب المسيحيين هناك بقسوة الذنادقة الظلمة إلا بسبب ظلمهم وشرورهم. وعندما أراد «موشايم»  Mosheim  وصف هذا العصر، رسم صورة للمقارنة، أبرز فيها التعارض بين المسيحيين الأوائل والأواخر، وخرج بأن الديانة الحقيقية في القرن السابع كانت مدفونة تحت أكوام من الخرافات والأوهام السخيفة، حتى أنه لم يكن في مقدورها أن ترفع رأسها (^١).\nوكأن هذه الصفحات قد كتبت لتفسرالآية القرآنية الوجيزة من سورة المائدة ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾\n[المائدة: ١٤]، فهذه الآية الكريمة تشير مجرد إشارة إلى البعد الذي كان بين المسيحية والمسيحيين في عصر الرسول ﷺ وتعلن أن الإنشقاق الناتج من هذا البعد سيمتد إلى يوم القيامة.\nفهل كان مسلك العرب الذين تنصروا أحسن حالا من مسلك المسيحيين أنفسهم؟ لا - فرغم تنصر قبائل العرب بسوريا في الجاهلية (الغساسنة)، احتفظوا بعاداتهم وتقاليدهم الوثنية القديمة (^٢). ولقد قال عليّ إن ما أخذه التغالبة من المسيحية لم يكن سوى شرب الخمر (^٣) ويقرر «هوارت»  Huart  في\n_________\n(^١) اسحق تيلور ذكره الدكتور سنكلير تسدال في «مصادر القرآن» باللغة الانجليزية ص ١٣٦ - ١٣٧.\nTaylor،cite par Dr.Sinclair Tisdall،The sources of the Koran\n(^٢)  انظر مسايه «الإسلام» ص ١٧.\n(^٣) انظر نولدكه في «تاريخ القرآن» باللغة الألمانية ص ١٠ وانظر أيضا تفسير الزمخشري لسورة المائدة الآية ٥.","vol":"1","page":147},{"text":"النهاية «مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأن تفكير المصلح الشاب (محمد) ﷺ قد تأثر بقوة عندما شاهد تطبيق الديانة المسيحية بسوريا، فإنه يتحتم استبعادها. نظرا لضعف الوثائق والأسس التاريخية الصحيحة» (^١).\nهذا إذن هو المشهد الحي الذي يمتد أمام نظر المشاهد. فحيثما اتجه وجد ضلالا يحتاج إلى الهداية. وانحرافا يتطلب التقويم. ولن يجد أبدا نموذجا أخلاقيا ودينيا يصلح لأن ينقله محمد ﷺ أو يبني عليه نظامه الإصلاحي. فلا شك أن المواد التي صادفها حتى الآن قد تجمعت في بناء يصلح للهدم، ولم يكن فيها ما يصلح ليقيم عليه بناءه الجديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الاتصال بالكتب المقدسة:</span>\nفلنوسع حقل البحث قليلا. إذ خارج العالم الملموس والمنظور، يوجد العالم المسموع، وبيئة الكتب والإطلاع. وإذا لم يصلح المثل والواقع، فقد يصلح الدرس.\nولكن من أين يأتي الدرس؟ ومن هو حامله؟.\nإن أول إجابة تتبادر إلى الذهن في هذا المجال، هو أن محمدا ﷺ قد استخلص دروسه من مطالعاته المباشرة للكتب المقدسة القديمة سواء كانت مسيحية أو يهودية أو غيرها (^٢). ولكن هل كان محمد ﷺ يعرف القراءة والكتابة؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>هل كان محمد ﷺ يقرأ</span>؟:\nيجيب القرآن بالنفي؛ ويبرهن بأمية الرسول الكريم ﷺ على ربانية تعليمه. إنه لا يقرر فحسب أنه أمّي من شعب أمّي (^٣)، أي غير متعلم، وليس فقط كما يريد\n_________\n(^١) انظر هورات «مصدر جديد للقرآن» ص ١٢٩.\n(^٢) لقد ذهب الدكتور س. تسدال إلى حد الإدعاء بأن بعض المبادئ الإسلامية مستقاة من الزرادشتية.\nوخصص فصلا كاملا لعناصر هذا المذهب الذي يرى أنها موجودة في القرآن والسنة. ومن غير مناقشة مصدر أو حتى تشابه الأفكار التي أوردها تحت هذا العنوان، نلاحظ - فيما عدا فكرة «الحور» - أنها لا تنسب إلى القرآن، وإنما إلى بعض الأثر المشكوك فيه. إنها فكرة النور «نور محمد» وفكرة «عزرائيل» ملك الموت وفكرة «السراط» جسر جهنم ... الخ.\n(^٣) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ... [الأعراف: ١٥٧] وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤].","vol":"1","page":148},{"text":"«سبرنجر» أنه ينتمي إلى شعب وثني لم يتلق أي كتاب سماوي من قبل (^١)، وإنما يؤكد، بصريح العبارة، أنه لم يسبق له أن قرأ كتابا قبل القرآن، أو كتب بيده: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].\nولا شك أن معارضيه كانوا يعرفون فيه هذه الأمية جيدا، لأنهم عندما أرادوا تعليل المصدر الذي تلقى عنه أساطير العصور القديمة، لم يجرؤوا أن يقولوا «كتبها» وإنما قالوا «اِكْتَتَبَها» أي كتبها له غيره ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وهما عبارتان مختلفتان تمام الاختلاف، إلا أنه التبس معناهما على بعض المستشرقين (^٢).\n_________\n(^١) وهذا التفسير غير معقول في بعض المواضع، فضلا عن أنه يتعارض مع القرآن في مواضع أخرى، حيث تطبق كلمة «أمي» على اليهود غير المتعلمين وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨] ومن جهة أخرى عندما يقرر الرسول ﷺ أنه هو وقومه «أمة أمية» يفسرها بأنهم لا يقرأون ولا يحسبون (البخاري كتاب الصوم باب ١٣).\n(^٢) انظر مثلا الكتاب السابق تأليف لوبلوا (ص ٣٤). ولقد حاول هذا الكاتب - اقتداءا بغيره من الكتاب - أن يثبت العكس استنادا إلى رواية مضمونها أن الرسول ﷺ وهو على فراش الموت، طلب أن يؤتى إليه بما يكتب عليه وصيته بشأن الخلافة. ولكن هذه الحجة ليست كافية، لأن الرواية لا تقول إن الرسول ﷺ كتب بالفعل، ولا ينبغي استخلاص شيء من أمر لم يتم، ولا سيما بالنسبة لإنسان في حالة احتضار.\nومن جهة أخرى، إن استعمال فعل «يكتب» بالنسبة للرؤساء والعظماء بوجه عام - ومن باب أولى بالنسبة لرئيس معروف بين أتباعه بأنه لم يستعمل القلم ولم يقرأ أبدا فيما مضى - معناه أن «يملي أو يضع خاتمه». وبناء على ذلك يستعمل الرواة عند الحديث عن مراسلات الرسول ﷺ السياسية للملوك والحكام هذا الفعل بالمعنى السابق «كتب إلى فلان» أي بواسطة كتبته أو سكرتارييه. ونفس الموقف عندما قيل «بينما يكتب هو وسهيل إذ طلع .. الخ» وذلك في صلح الحديبية بينما الذي كان يكتب بالفعل هو علي بإملاء الرسول ﷺ.\nوهناك تعليل آخر حاولوا استنتاجه في حادث عرضى وقع أثناء هذا الصلح ذاته. إذ لما عنون علي الصلح وذكر فيه اسم الرسول ﷺ «محمد رسول الله ...» اعترض مندوب قريش بحجة أنه إذا كان يعلم أنه رسول الله لما قاتله - ونزولا على رغبة هذا المندوب أمر الرسول ﷺ عليا باإلغاء هذا العنوان، ولكن الكاتب الورع لم يجرؤ على إجراء الشطب المطلوب، وعندئذ سأله الرسول ﷺ عن مكان الكلمة المطلوب إلغاؤها وشطبها بيده. إلى هنا وليست هناك خلافات. إلا أنه توجد رواية صحيحة تضيف أن الرسول ﷺ كتب محل الكلمة المشطوبة «محمد بن عبد الله» وهذه الإضافة تنسب في ظاهرها الكتابة إلى الرسول ﷺ. وحتى على فرض أن هذا هو معني الرواية فليس هناك إشكال لأن القاعدة العامة تقتضى أن يكون إلحاق هذه الصفة بعبارة ذات معنى قطعي. ثم إن أي التباس ظاهري في المعنى توضحه وتبينه الروايات الأخرى التي تذكر أنه بعد إلغاء العنوان السابق بمعرفة الرسول ﷺ استبدله بآخر. أما الإفادة من هذه النقطة الضيقة لإثبات معرفة الرسول ﷺ للكتابة فيعد نسيانا للواقعة التي تقول إنه لم يستدل -","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>عدم وجود توراة باللغة العربية في تلك الفترة:</span>\nوحتى على فرض أنه كان يعرف القراءة، فقد كانت هناك عقبة يستحيل تذليلها، لأن في هذا الوقت، لم تكن قد وجدت بعد توراة ولا إنجيل باللغة العربية (^١). ووجود هذه الوثائق بلغات أجنبية جعلها حكرا لبعض العلماء المتحدثين بأكثر من لغة الذين حفظوها بعناية، بل لقد وصفهم القرآن بالبخل بما عندهم من العلم، بحيث أنهم لم يكونوا يتنازلون عن بضع أوراق من التوراة إلا مع حرصهم على إخفاء الجزء الأكبر منها (^٢). وسوف يكشف القرآن فيما بعد فى المدينة، وسائلهم الأخرى لإخفاء العلم شفويا (^٣)، وتحريريا (^٤). وعلى كل حال لم ينبئنا التاريخ عن أي اتصال كان بين النبي ﷺ وبين وسط العلماء قبل الهجرة.\nفطالما أن الكلام يدور في العموميات التي يصعب التحكم فيها، فلا شك أنه\n_________\n(^٢) - على الكلمة المطلوب شطبها إلا بإرشاد الكاتب، ويعد أيضا إغفالا لما هو موضح في نفس المكان بأن إلتجاء الرسول ﷺ إلى الكاتب كان بسبب أنه «لا يحسن الكتابة».\nولكن اعتراف الرسول ﷺ: «نحن أمة أمية؛ ما أنا بقارئ» ومسلكه طوال حياته وشهادة أتباعه، واعتراضات أعدائه، وتصريح القرآن المدوي، كل هذا يثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الرسول ﷺ كان «أميا». وكل محاولة غرضها إثبات العكس هي أضعف من أن تزعزع هذه الحقيقة. لأن محمدا ﷺ لم يكن يعيش على كوكب آخر، وحياته معروفة في أدق تفاصيلها وقومه ليسوا بهذه السذاجة. وإذا كان يعرف القراءة حقا، ألم يكن من المحتمل أن ينظر مرة إلى مراسلاته أو إلى المدون من القرآن أو يراجعها؟ ورغم غموض بعض الروايات استطاع «نلدكه» أن يخرج بالنتائج التالية (١) أن محمدا كان يعتبر نفسه أميا ولهذا كان يترك غيره يقرأ له القرآن ومراسلاته (٢) أنه على أية حال لم يقرأ التوراة أو أي كتاب عظيم آخر (تاريخ القرآن الجزء الأول ص ١٦).\n(^١) انظر الكتاب السابق تأليف لوبلوا (ص ٣٥) إلا أن الدكتور «جراف»  Graf  أكثر تأكيدا. فلم يظهر الكتاب المقدس باللغة العربية إلا بعد ذلك بقرون عديدة ولم تكن الحاجة ملحة لإنجيل باللغة العربية إلا في القرن التاسع والعاشر (مجلة «العالم الإسلامي» (باللغة الانجليزية) - إبرايل ١٩٣٩، مقال «مس بادويك»  Miss Padwick  عن أصل الترجمات العربية ...) ورغم بحوثه المضنية في المكتبات المختلفة، يقول القس «شيدياك» بأنه لم يتمكن من الرجوع بتاريخ أقدم ترجمات العهد الجديد باللغة العربية إلى أبعد من القرن الحادي عشر (انظر شيدياك - دراسة عن الغزالي ... الفصل السابع).\n(^٢) تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: ٩١].\n(^٣) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ [آل عمران: ٧٨].\n(^٤) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: ٧٩].","vol":"1","page":150},{"text":"يمكن افتراض وجود مثل هذه العلاقة، وذلك بإتاحة الفرصة لكل حدس وخيال، أما عندما نطالب بالتحديد فإنه يحدث التناقض والتخبط في الحال (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>الاقتباس من الشعراء ومن الفكر الشعبي:</span>\nولكن إذا كان محمد ﷺ لم يحصل على أفكاره الدينية لا من نصوص التوراة مباشرة ولا بفضل أي تعليم منهجي من العلماء ذوي الاختصاص، أليس من المحتمل أن يكون قد جمعها من بعض الشعراء العرب اليهود أو النصارى أو ما شابههم؟\nنلاحظ أولا أن القرآن يوضح لنا أن الرسول ﷺ لم يكن يؤلف الشعر بوجه عام، بحيث اعتبره القرآن بالنسبة للرسول ﷺ لهوا لا يليق بشخصه ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ونمر على هذه النقطة بسرعة، ونتساءل عن هذا التعليم الذي يمكن أن يخرج من هذا النوع من الأدب؟ وهنا نجد اتجاهين في الأدب الجاهلي: الأول وهو أن بعض الشعراء، مثل الأعشى، كان يهتم بوصف التقاليد والطقوس الكنسية. وهو ما لا نجد له أثرا في القرآن بل لقد كان اهتمام هؤلاء الشعراء ينصب أكثر على شرب الخمر، الذي سيوجه إليه القرآن ضربته القاضية بدلا من تحبيذه. فالقرآن لا ينتمي إذن إلى هذه الفئة. أما النوع الثاني من الشعر، فقد كان يكاد يتخصص تماما في الأفكار الدينية؛ وقصائد أمية بن أبى السلط أصلح نموذج لهذا النوع، حيث نقابل موضوعين أساسيين هما: وصف الحياة الأخروية، وقصص الديانات القديمة، وفي بعض المواضع بنفس عبارات القرآن.\nفلماذا لا نرى هنا النموذج الذي أخذ عنه محمد ﷺ؟.\nوإذا حالف التوفيق محاولة إثبات هذه العلاقة، سيكون ذلك أهم اكتشاف علمي، يخفف عنا عبء التفسيرات الغيبية ولو جزئيا. وستكون نظرة الكتاب الذين اعتبروا شعر أمية الحلقة بين القرآن والتوراة (^٢). نظرة صائبة.\n_________\n(^١) انظر الفصل الثاني فيما بعد.\n(^٢) انظر كتاب  Das Leben und die Lehre des Moh  ومؤلفه سبرنجر المجلد الأول ص ٧٨ الذي أورده هوارت في مقال بعنوان «مصدر جديد للقرآن» ص ١٣٣.","vol":"1","page":151},{"text":"ولكي نتمسك بهذه الحجة لا شك أن أول شرط يطلب إثباته أو طرحه هو صحة الشعر موضوع البحث. ولكننا لا ننوي أن نثير أي خلاف على هذه النقطة.\nفإذا كان هناك بعض جامعي الشعر. مثل حماد وخلف الأحمر، قد اشتبه في أنهم لفقوا بعض الأشعار ونسبوها إلى القدماء بعد أن خلطوها بشعر هؤلاء، فإن تعميم هذا العمل المشبوه - بحيث يشكل كل الشعر العربي أو الجاهلي على الأقل - سيتضمن نوعا من المبالغة.\nإلا أنه لا يكفي أن يكون النص صحيحا لكي يمكن اعتباره مصدرا للنص المشابه له، وإنما يجب أن يكون سابقا له في التاريخ. ولكن قضية أسبقية شعر أمية بالنسبة لآيات القرآن قضية مستحيلة الحل. لأن محمدا ﷺ وأمية قد عاصر كل منهما الآخر، وهما أيضا من نفس العمر تقريبا، فضلا عن أن أمية عاش واستمر في قرض الشعر طوال ما يقرب من ثماني سنوات بعد نزول آخرآية من سور القرآن المكية التي يوجد تشابه بينها وبين شعر أمية. بحيث يكون من التعسف الادعاء بأن هذا الشعر كان سابقا للقرآن من حيث التاريخ.\nونضيف أن أمية لم يدّع الأصالة ولا الإلهام، بل إنه كثيرا ما عبر عن خيبة أمله وأسفه في هذا الشأن، مما يحملنا على الإعتقاد بأنه قد اندفع إلى التقليد بروح المنافسة وعلى عكس ذلك، لقد أعلن محمد ﷺ على مسمع من جميع معاصريه بأنه لم يتلق علمه من بشر. ولنأخذ في اعتبارنا موقف خصوم النبي ﷺ في هذا الموضوع. فلقد كانوا دائما على يقظة لأقل ثغرة ليوجهوا من خلالها ضربتهم، ويحولوها إلى سخرية واستهزاء. ألم يكن من الأيسر لهم أن يضعوا يده على مسروقاته المفضوحة من شعر أمية الذي لم يكن قد جف مداده، بدلا من أن يوجهوا حججهم في كل اتجاه، وأن يلجأوا إلى كل افتراض، وصل إلى حد وصم الرسول ﷺ بالجنون لتفسير ظاهرة القرآن العجيبة؟.\nومن هذا نخلص - إن لم يكن بتأكيد - فعلى الأقل باحتمال كبير، بأن القرآن هو الذي كان أساس الإنتاج الأدبي في عصر نزوله، كما كان يقينا أساسه في","vol":"1","page":152},{"text":"العصور التالية. ولا يضير فن الشعر في شيء أن نشكك في أصالة مصادره، بعكس ما قد يحدث إذا قلنا نفس الشيء عن مذهب ديني. لأن الشاعر لا يركز اهتمامه في الحقيقة التي يعلنها، بقدر ما يركزه في جمال القالب الذي يقدمها فيه، بغض النظر عن المصدر الذي يبحث فيه عن خاماته سواء في حكمة القدماء أو المعاصرين، في وقائع تجاربه، أو في الرأي العام، في أي شعور أو خيال، مهما كانت درجة هبوطه. ولقد أثبت نقد شعر أمية بصفة خاصة، أنه يرجع إلى عدة مصادر مختلفة - وهذا ما لاحظه هوارت - فعندما يتكلم الشاعر عن وصف النار يقلد أسلوب التوراة، وعندما يشرع في وصف الجنة يستخدم عبارات القرآن، وعندما يقص التاريخ الديني يلجأ أحيانا إلى الأسطورة الشعبية، وإلى ما يشبه الأساطير الميثولوجية (أو أساطير الآلهة اليونانية) حيث يتمثل الشخص أحيانا في صورة إنسان، وأحيانا في صورة حيوان أو نبات.\nوتبقي أمامنا مرحلة أخيرة في مجال هذا التنقيب عن المصادر الطبيعية الخارجية للقرآن، ألا وهي: الأفكار الشعبية.\nإننا لا ننوي أن ننفي عن محمد ﷺ - وهو في شبابه - أي نوع من العلم المنقول إليه بطريق السمع عن الأديان السابقة. فليس من المقبول عقلا الادعاء بأنه كان يعيش في عزلة تامة تجعله أجهل من شعبه في هذه النقطة. ويبدو لنا هذا الشعب من خلال القرآن الكريم وقد توفرت عنده بعض المعلومات عن الأديان السابقة، مما جعله يطلب من الرسول ﷺ أن يأتي بآيات ربانية تشبه الآيات التي جاء بها المرسلون من قبل (^١)، ويعارض دعوة الوحدانية بما كان قد سمعه عن آخر الأديان المنزلة (^٢)، ويقارن ملة عيسى ﵇ بعقيدة الوثنية (^٣)، ومن السهل\n_________\n(^١) فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [الأنبياء: ٥].\n(^٢) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ [سورة ص: ٧].\n(^٣) وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨].","vol":"1","page":153},{"text":"أن نتصور أن بعض المعلومات الأخرى عن التوراة قد انتشرت بين طبقات الشعب العربي بفضل تلاقي هذه الأديان في الجزيرة العربية.\nولكن أسبابا كثيرة، تحول بيننا وبين أن نوسع من خيالنا في هذا الشأن منها:\nأولا: عدم توفر الدعاية واختفاء الرؤساء الدينيين.\nثانيا: ندرة المعتنقين الجدد وتشتتهم - وبصفة خاصة - جهلهم.\nثالثا: اعتزاز العرب القدماء بجنسهم، وقلة اهتمامهم بالأمور التي لا تتعلق بمصالحهم المباشرة أو تاريخهم القومي.\nرابعا: عدم وجود الموضوعات الدينية في أدبهم، فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة. ومن الجدير بالملاحظة هنا، أن نرى أن الاهتمام - حتى من جانب الذين سافروا وتعلموا - كان ينحصر في أشياء أخرى غير الأمور الدينية. فعندما أراد «النضر بن الحارث» منافسة القصص القرآني، شرع يقص على مستمعيه أساطير ملوك فارس القدامى، ومغامرات أبطالها، مثل رستم واسفندار (^١) ... الخ، بدلا من قصص الأنبياء والمرسلين. وماذا كان ينشد النابغة الذبياني في شعره؟ يقول هوارت (^٢): تاريخ الملك سليمان. ومعني ذلك أن بريق ومظاهر حياة البذخ هي التي كانت تستهوي العرب وقتئذ.\nوإزاء سكوت التاريخ عن الدرجة الفعلية للمعارف المدونة، التي كانت تتوفر عند هذا الشعب الأمّي الغافل، فكل ما نستطيع عقلا أن ننسبه إليه يجب ألا يتعدى بعض المعلومات المبهمة والبدائية التي لا تختلف عما سبق توضيحه، ولا تهدينا إلى مصدر الحقائق القرآنية، بما اتصفت به من اتساع ودقة وعمق. والواقع أن تصور هذا الشعب الذي كان في عصر «الجاهلية» على درجة من العلم تؤهله للمشاركة في العلوم التي اقتصرت معارفها على بعض العلماء المعدودين في ذلك\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ١٨٣.\n(^٢) المرجع السابق ص ١٣١.","vol":"1","page":154},{"text":"الوقت، تعد فكرة غريبة لا تستقيم مع الحقائق المقررة. فلم يسبق في أي عصر من عصور التاريخ، وعند أكثر الشعوب تحضرا وعلما، أن وجدنا مثل هذا الربط بين الجاهل وبين العالم المتخصص. فهذا الأخير وحده هو الذي يستطيع أن يتحدث عن «القنبلة الذرية» لأنه يعلم أسرارها، بينما الآخر لا يملك أكثر من ترديد اسمها دون أن يدري عن تركيبها شيئا. وكل هذا لا يعدو أن يكون تفكيرا مبنيا على الاستنتاج، لا يجوز الاعتماد عليه إلا في غياب الحقائق اليقينية، وإليك ما يقوله القرآن الكريم الذي لا يلتزم الصمت عن جدّة تعاليمه بالنسبة للعرب، بما فيهم النبي ﷺ، ففي مواضع كثيرة لا يفوته - وهو يقص بعض قصص القرآن - أن يؤكد أن محمدا ﷺ - فضلا عن قومه - لم يكونوا يألفون أو يعلمون منها شيئا قبل نزول الوحي على الرسول ﷺ (^١)، فإذا كان الأمر على خلاف ذلك، ماذا كان ينتظر من أعداء الإسلام؟.\nوحتى على فرض تسرب بعض التفاصيل إلى معارف العرب البدائية، هل كان يستطيع محمد ﷺ أن يثق بكل بساطة في علم الجماهير، وهو الذي كان يقف مما يرويه العلماء موقف التحدي؟ ونظرا لأن الأفكار التي كانت رائجة في هذا المجتمع الديني الكبير لم يكن لها اتجاه واحد، بل كان لكل من المشركين والصابئين ورجال الدين والفرس واليهود والنصارى أسلوبهم الخاص في عرض الحقيقة! ففي أي فريق من هؤلاء كان الرسول ﷺ يستطيع أن يضع ثقته؟ وعلى أي دعوة من هذه المتناقضات يعتمد؟ وهب أنه حرص على أن يقص علينا عقيدة كل طائفة، وكل مذهب، وكل فرع، من تلك المذاهب المعاصرة، فأي خليط مخيف كنا\n_________\n(^١) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤] تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [هود: ٤٩] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يوسف: ٣] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف: ١٠٢].","vol":"1","page":155},{"text":"سنجده في القرآن (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>تأملاته الفكرية الشخصية:</span>\nوهنا يتعين علينا إدخال عامل جديد ألا وهو العامل الشخصي.\nفقد يظن أن الرسول ﷺ - وهو في فترات تعبده في حراء قبيل نزول الوحي، بل وهو في خلوته عندما كان يرعى الغنم فى شبابه - كان ينطلق في تأملاته العميقة باحثا عن نوع الحقيقة في هذا الموضوع أو ذاك، وبعد إتمام بحثه يقوم بالإختيار والتحديد.\nوهنا يجدر بنا التمييز بين مجالين من مجالات المعرفة الإنسانية، ألا وهما المعرفة الإمبيريفية (المنبعثة من الحياة اليومية) والمعرفة العقلية. فالتاريخ الإنساني لا يخضع لمنطقنا لأنه قد يشتمل على أحداث تتعارض مع ما يقبله العقل، فلا يستطيع محمد ﷺ بانطوائه على نفسه أن يكتشف حادثا ما وقع في تاريخ ما من الزمان الغابر. ولهذا تتركز الجهود على المقارنة بين القصص الديني في القرآن، وبينه في الكتب المنزلة السابقة للبحث عن الطريقة التي نتج عنها هذا التوافق العجيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>ثمار تأملاته الشخصية:</span>\nولكن إذا كانت التأملات العقلية غير ذات جدوى في مجال الأحداث الواقعية، فإنها بلا أدنى شك تكون ذات قيمة عظيمة في مجال الكشف عن الحقائق الخالدة. فما هي حدود العقل الصافي المجرد في مادة الدين؟ إنها ضيقة بلا شك لأن العقل في مقدوره أن يثبت لنا ضلال الوثنية والخرافات وفراغها وعدم جدواها ولكن متى أزاح من طريقه هذه الخزعبلات، فماذا يبني مكانها؟ فليست هناك دعوة أو مذهب أو نظرية تنبنى على حقائق سلبية. ومن الأرجح أن محمدا ﷺ قد وجد نفسه - وهو في هذه المرحلة - في موقف الحنفاء، أي قلقا وحزينا، وهو\n_________\n(^١) وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].","vol":"1","page":156},{"text":"الحال الذي يرسمه لنا القرآن عن صورته قبيل نزول الوحي عليه: لقد كان حزينا وكأنه يئن تحت حمل ثقيل (^١).\nولنفرض أن اجتياز مرحلة البحث الأولى كان سريعا، وأن اكتشاف الحقيقة الجوهرية كان سهلا أو حدث في وقت مبكر. ولكن معرفة الله ﷾ ليست هي كل العلم الديني الموجود في القرآن، والطريق الموصل إلى هذا العلم طويل ومتعثر إن لم يكن مغلقا ومسدودا أمام عقل الإنسان في حالة اعتماده على إمكانياته المحدودة. بأي إلهام إذن استطاع محمد ﷺ أن يكتشف صفات الله العديدة، وأسمائه الحسنى، وعلاقة الله بالكون المنظور وغير المنظور، والمصير الذي ينتظر الإنسان بعد الموت ... ومن غير أن يتراجع في حقيقة سبق أن أعلنها، ومع احتفاظه في نفس الوقت بتوافقه العجيب مع حقائق الكتب السماوية السابقة والمحفوظة بعناية تحت يد العلماء؟ لا شك أن العقل مهما بلغ من الصفاء والقوة لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة في هذا السبيل بمثل هذه الثقة وهذا الوضوح ما لم يكن له عون ومدد من تعاليم ايجابية خارج نطاق البشر. والقرآن يؤكد هذا في تلك النقطة التي تشغلنا، ويقرر أن محمدا ﷺ لم يكن يدري قبل نزول الوحي عليه ﴿مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وذلك بصرف النظر عن البناء التشريعي بمظاهره المختلفة، الأخلاقي منها والاجتماعي والتعبدي. كيف نعبد الله؟ ما هي قاعدة السلوك المثلى للفرد والمجتمع والإنسانية؟ لقد كان محمد ﷺ يجهل كل ذلك فهل كان في استطاعته هداية غيره، بينما كان عاجزا عن هداية نفسه في أمور دينه؟ (^٢).\n_________\n(^١) أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الإنشراح: ١ - ٣].\n(^٢) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى [الضحى: ٧].","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الفصل الثاني البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>هل أثر إنتقال الرسول ﷺ إلى بيئة جديدة واتصاله بأهل الكتاب في سلوكه ومصدر علمه</span>؟\nبعد أن جبنا الآفاق المكية في عجل، وتوصلنا إلى نتيجة سلبية أينما بحثنا، كان أجدر بنا أن نصدر حكمنا الآن لو لم يطرأ أي تغيير على مسيرة النبوة المباركة.\nونظرا لأننا لم نقابل هذا التعبير في بداية الفترة المكية، فقد بحثنا هذه الفترة ككل، من غير تمييز بين ما كان قبل أو بعد نزول الوحي. ولما كنا بصدد البحث عن مصدر بشري للقرآن، فقد تعيّن علينا فيما تقدم - وينبغي علينا هنا - أن نبعد عن مجال البحث ظاهرة الوحي، فإذا أبعدنا هذه الظاهرة - نستطيع أن نقرر - أنه طوال نصف مدة الرسالة المحمدية، أي خلال مدة إقامته بمكة، بقيت جميع الظروف البيئية بدون تغيير بينما مالت احتمالات حصوله على تعليم خارجي إلى الضعف ومنذ أن أعلن محمد ﵇ دعوته، دخل التاريخ من أوسع أبوابه، ثم بدأت تعد عليه خطواته تدريجيا وتحسب عليه اتصالاته، ثم باطراد زيادة المعارضة والاضطهاد، زاد استقلاله وإيمانه، وارتفع شأن دعوته.\nوعليه فنظرا لضعف احتمال وجود أي مصدر يصلح استخدامه في الفترة المكية، بل انعدام هذا المصدر، فإن الإتجاه الآن يزداد أكثر فأكثر نحو استبعاد الفرض القائل بتلقي محمد ﷺ لتعليم بشرى فيما قبل الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>تغيير الموطن:</span>\nولكن تغييرا عظيما قد طرأ في الواقع مع الهجرة على وجه التحديد. فمن بيئة وثنية جاهلة عنيدة، انتقل الرسول ﷺ إلى جو مرحب ودود، يحوطه فيه أتباعه الأقوياء المخلصون. وهو منذ ذلك الحين على اتصال بطائفة منظمة دينيا، ولها","vol":"1","page":161},{"text":"كتابها المقدس ألا وهم يهود المدينة فهلا نجد في هذا العهد الجديد، وهذا الوسط الجديد، فرصة سانحة لعقد بحوث تاريخية، وإجراء تقريب بين المبادئ المتجاورة؟\nلنستعرض أولا الموقف عموما بالنسبة لروح القرآن من اليهود، ويمكننا أن نرجع إلى الفترة السابقة على الهجرة، لكي نرى ما إذا كان القرآن يعتبر المجتمع الجديد مثلا صادقا للفضيلة المنزلة من عند الله، وبالتالي جديرا بالإتباع والتأسي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أخلاق اليهود في نظر القرآن:</span>\nمن الغريب أن نلاحظ هذا التعارض الصارخ بين موقف القرآن الدائم من المجتمع اليهودي، وموقفه من المجتمع المسيحي، فعندما يتكلم عن المسيحيين بصفة خاصة، نجده إذا لم يثني عليهم (^١) فعلى الأقل يوجه إليهم بعض اللوم في لهجة مخففة نسبيا (^٢) ولكن الأمر ليس كذلك عندما يتحدث إلى اليهود في ذلك العصر، أو إلى أهل الكتاب عموما، فهم - في نظر القرآن - أناس لا يتبعون ما أنزل إليهم، وإنما يتبعون إلهام الشياطين (^٣) وعندما ألمح إلى ما أوقعه يهود اليمن في الماضي من تعذيب المسيحيين بنار الأخدود، انضم القرآن إلى صف المسيحيين واعتبر هذه الجريمة تآمرا مع سبق الإصرار على الإيمان الحق (^٤).\nوعند ما انتقل القرآن إلى المدينة بعد ذلك احتفظ بموقفه وعدّد إدانتهم. فالذين تلقوا التوراة وحفظوا نصوصها لا يراعونها بإخلاص (^٥)، وهم يتعاملون بالربا، ويلجأون إلى حيل مختلفة لأكل أموال الناس بالباطل (^٦). واعتمادا على بعض\n_________\n(^١) وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى [المائدة: ٨٢].\n(^٢) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: ١٤].\n(^٣) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النحل: ٦٣].\n(^٤) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [البروح: ٤، والآيات التالية].\n(^٥) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا [الجمعة: ٥].\n(^٦) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ [النساء: ١٦١].","vol":"1","page":162},{"text":"الأماني والأوهام، يستبيحون الرشوة والكذب (^١) ويعتقدون أنه ليس عليهم حساب بشأن الطوائف الأخرى، ولا التزام بالعدل (^٢) في معاملاتهم معهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المعارضة الشعبية لنظامين مدنيين:</span>\nأليس من الغريب أن نفترض أن هذا الشعب الذي يقف القرآن منه هذا الموقف، ويحكم عليه هذا الحكم الصارم، يمكن أن يكون نموذجا يحتذي به محمد ﷺ ومصدرا لتعاليمه؟ مهما بلغ من تعارض هذا الافتراض مع المنطق. فإن ذلك لا يمنع من بحثه ودراسته فقد تكذب الوقائع أي حكم جزافي مسبق. ولهذا علينا أن نتقبل بالترحيب أي بحث جدّي يكون غرضه كشف أي جانب مجهول من الحقيقة. وإن شك ديكارت المنهجي في نظرنا مبدأ صالح ولا غنى عنه سواء في مجال الإيمان أو في مجال العلم؛ فماذا يفيد بناء الإيمان على رمال متحركة؟ فالأخطاء والأحكام المتحيزة، أمام الضمير المخلص، هما العدو الأول الجدير بالمطاردة حتى عند بحث الحقائق التي تبدو كما لو كانت البراهين قد أجمعت على صحتها.\nفعندما نرى القمر يغيّر منازله بحسب موقعه من الشمس، نحكم عن معرفة، بأنه يتلقى نوره من الشمس. ألا يتعين علينا أن نحكم نفس الحكم عندما نرى أن ما نزل على محمد ﷺ يتطور ويتعدل ويتراجع بحسب اتصاله مع المجتمع المدني المزود بالعلم؟ هذا هو ما حاول بعض الكتاب الأوروبيين إثباته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الحرب وتعدد الزوجات:</span>\nومن غير أن نبعد كثيرا، فقد تأثر أغلبهم بمظهرين عامين وجدوهما متعارضين مع ربانية الرسالة. وتتركز أكبر حججهم في موقف الرسول ﷺ المعادي الذي\n_________\n(^١) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: ٧٩ - والآية التالية].\n(^٢) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ٧٥].","vol":"1","page":163},{"text":"اتخذه في المدينة، والذي اعتبروه تغييرا مفاجئا بالنسبة لموقفه في مكة. وعند ما نضيف إلى ذلك تعدد زوجات الرسول ﷺ في أواخر أيام حياته، يكون ذلك في نظرهم بمثابة هدم نظام الأخلاق الإسلامي في مرحلته الأخيرة. وحتى الذين يقدرون الإسلام حق قدره، وهو في نشأته مضطهدا ومثخنا بالجراح، ويقدرون أيضا مؤسّسه المسالم والمتزوج بامرأة واحدة، ينتابهم الهول عندما يرونه فيما بعد «ملطخ اليدين بالدماء ومحاط بموكب من زوجاته».\nنستطيع أن نكشف بسهولة تحت هذا الأسلوب التصويري لكّتاب مسيحيين، أساسا للاستدلال، لا يمكنهم أخذه مأخذ الجد دون أن يهدموا جزءا من إيمانهم بتعاليم التوراة قبل مجيء المسيح، وهي تلك التي يمكن أن تثير بشأنها حجتهم المزدوجة. وحينئذ لا مناص من القول بأنهم كانوا مدفوعين بشعورهم، أكثر من اعتمادهم على التدليل المنطقي الصارم.\nوعلى كل حال لقد أثبتنا فيما تقدم - بما يغنينا عن التكرار - موقف القانون القرآني الحقيقي إزاء النقطة الأولى (^١).\nأما النقطة الثانية فإنها تكاد تمس من بعيد موضوع دراستنا، وهو القرآن لا شخصية الرسول ﷺ. وبما أن القرآن لا يتوانى في إلقاء الضوء على حياة رسوله الخاصة، فسوف نرى كيف تبدو حياته من خلاله:\nتبدو شخصية الرسول ﷺ في القرآن محددة بخطوط ثلاثة: الشعور والإرادة والإيمان. فهو بطبيعته بشر كما كان حال من سبقه من المرسلين (^٢)، وهو يأكل الطعام ويسعى في كسب رزقه (^٣)، وله مثل - بعض الرسل ﵈ -\n_________\n(^١) انظر الجزء الأول من الفصل الثالث من هذا الكتاب.\n(^٢) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ [الأنبياء: ٧ - ٨].\n(^٣) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠].","vol":"1","page":164},{"text":"زوجات وذرية (^١)، فضلا عن أنه يقدر الجمال الإنساني (^٢)، ولما كان هناك اتفاق على تحديد الحاسة الخلقية بأنها ليست في انعدام الشعور بل في السيطرة على الأهواء الذاتية، وجب أن نأخذ في اعتبارنا العامل الثاني وهو: الإرادة. وهنا نراه ﵇ يتمتع بقدرة على الامتناع، بلغت من قوتها أنه يستطيع أن يحرم على نفسه المباح من الطعام لمجرد عدم إثارة سوء تفاهم (^٣). ولقد قالت عنه عائشة إنه لم يوجد مثله في التحكم في حواسه (^٤)، ثم يأتي أخيرا موضوع خضوعه المطلق لتعاليم الله ﵎ التي تعلو على نظرته وميوله. ونذكر بهذه المناسبة القاعدة القرآنية التي تحدد له فئات النساء اللاتي يستطيع أن يتزوج منهن (^٥)، والقاعدة الأخرى التي جاءت في وقت آخر لتحرم عليه صراحة عقد أي زواج جديد مهما كانت قوة رغبته فيه، ولا أن يتبدل بزوجاته زوجات أخر (^٦). ولقد بلغت هذه السلسلة من القواعد ذروتها في حالة مطلّقة زيد (ابنه بالتبني) وهي الزيجة الوحيدة المنصوص عنها في القرآن (^٧) فنراه يحاول بكل جهده أن يمنع إتمام هذا الزواج. ولكن قانون القرآن يفرضه عليه فرضا ليضع حدا (ليس فقط بالنص كما كان الرسول ﷺ يرجو، وإنما بالتطبيق العملي أيضا) لنظام تبني الأطفال في\n_________\n(^١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨].\n(^٢) وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الأحزاب: ٥٢].\n(^٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التحريم: ١].\n(^٤) البخاري كتاب الصوم باب ٢٣.\n(^٥) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً [الأحزاب: ٥٠].\n(^٦) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب: ٥٢].\n(^٧) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: ٣٧].","vol":"1","page":165},{"text":"الوثنية الذي كان يقضي بالتماثل بين الابن المتبني والابن الشرعي. وهو ما يمكن تسميته حرفيا: الزواج بدافع الواجب رغم أي شعور معارض.\nوإذا بحثنا الظروف التي عقدت فيها زيجاته الأخرى، نجد أن أغلبها فرضت عليه - ليس بدافع من ضرورة تشريعية مشابهة - وإنما لاعتبارات إنسانية سامية مثل مواساة وتشريف زوجة شهيد أو مهاجر مات بين أصحابه في هجرته أو توثيق بعض الروابط القبلية بين القبائل التي تعاهد معها أو إيجاد جو مناسب لعتق أسرى قبيلة بأكملها (وقد كانوا بالفعل في أيدي المسلمين، وأعتقهم المسلمون في الحال نظرا لقرابتهم الجديدة برسول الله ﷺ) ... الخ ولكن هل يجب أن يكون الإنسان مؤرخا لكي يستطيع أن يحكم على الطابع الأخلاقي لرجل عاش شبابه في العفاف المطلق، وبعد زواجه عاش مع زوجته الوحيدة بإخلاص ما يقرب من ثلاثين عاما، وأنه لم يشرع في زواجه الثاني (^١) إلا وقد بلغ الخامسة والخمسين؟ وإذا أخذنا في اعتبارنا مشاغله وانشغالاته وأعباءه وهمومه المختلفة العامة منها والخاصة: مثل إقامة الصلوات الخمس منذ الفجر حتى العشاء، وتعليم القرآن، وتوزيع الصدقات العامة، والفصل في المنازعات، ومقابلة الوفود، ومراسلة الملوك والحكام، وقيادة المعارك العسكرية وسن التشريع، وتأسيس الدولة ... الخ. وباختصار العناية بكل شيء، وبكل الناس. ثم بعد ذلك قيام الليل راكعا أو ساجدا أو قائما، متوجها إلى السماء ... كل هذا يدعونا إلى الاعتقاد بأن الباعث الحقيقي على الزواج هو شيء آخر بعيد كل البعد عن إرضاء الغريزة البهيمية (^٢).\n_________\n(^١) الواقع أنها خطبت له قبل الهجرة بقليل وهذا يثبت أن مبدأ تعدد الزوجات يرجع إلى تاريخ قديم ولم يكن نتيجة مبدأ جديد في الأخلاق بزغ في جو المدينة.\n(^٢) اقرأ أقوال عائشة وأمهات المؤمنين عن استخدامه لوقته بالليل، يقلن إنه كان يهجر النوم كل ليلة ليستغرق في صلواته الطويلة، أحيانا يقوم حتى تتورم قدماه (البخاري كتاب التهجد، الباب السادس)، أو ساجدا حتى يظنّ أنه قبض (البيهقي ورد في أنوار النبهاني ص ٥٢٢) وأحيانا كان يذهب إلى المقابر ليصلى على أرواح الموتى (مسلم كتاب الجنائز الباب ٣٥). كل هذا يثبت أن تقوى الرسول ﷺ وورعه واستقامته كانت تزيد وتقوى في المدينة بدلا من أن تنقص. وكان من فضل الله أن أحاطت بالرسول ﷺ هذه النفوس الورعة التقية، لكي تنقل إلينا جانبا عظيما من سنته، وبصفة خاصة ما يتعلق بتعليم النساء، نصف البشرية، فضلا عن استكمال الدليل على صدقه بشهادتهن عن اخلاقه الحقيقية العميقة في حياته الخاصة، حيث تنهار وتتساقط كل أقنعة النفاق المصطنعة.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الادعاء باختلاف الأساس بين التعاليم المكية والمدنية في القرآن:</span>\nورغبة في عدم الوقوف عند هذه المعارضة العامة ضد الحرب وتعدد الزوجات، أراد بعض المستشرقين أن يتوغلوا أكثر ببحثهم في نصوص القرآن. فاعتقدوا أنهم وجدوا اختلافا جذريا بين تعاليم القرآن في الفترة المكية وتعاليمه في الفترة المدنية. ففي مكة مثلا كانت الأساطير اليهودية والمسيحية في حالة تخطيط أولى (^١). ولما اتصل محمد ﷺ في المدينة باليهود استطاع أن «يألف قصص إبراهيم ﵇، وعلاقات الأنساب بين إسماعيل ﵇ والشعب العربي» (^٢) ولقد «عاش في البداية وهو يسيطر عليه وهم جميل، بأن دعوته أي القرآن، تتفق تماما مع كتب اليهود والمسيحيين المقدسة ولكن معارضة اليهود المريرة أثبتت له العكس» (^٣). وكانت الصلاة في البداية مرتين في اليوم والليلة؛ أما في المدينة فقد أضيفت إليها صلاة ثالثة هي صلاة العصر «وواضح أن القصد من ذلك كان محاكاة اليهود» (^٤). «ولنفس السبب شرع يوم عاشوراء؛ وتحولت القبلة إلى بيت المقدس» (^٥)، وهما إجراءان تم نسخهما فيما بعد بسبب موقف اليهود العدائي من الإسلام (^٦). وهكذا يتأثر التشريع التعبدي بالتقلبات السياسية (^٧)، وحتى فكرة القرآن عن الله طرأ عليها تغيير من تأثير المواقف الحربية في الفترة المدنية «فانضمت صفة القوة والجبروت ضد الكفار المعاندين إلى صفة\n_________\n(^١) «الإسلام» تأليف ماسيه ص ٢١.\n(^٢) «الإسلام عقائده ونظمه» تأليف لامنز ص ٣٣.\n(^٣) «محمد ﷺ حياته ودعوته» تأليف أندريه ص ١٣٩، وأيضا المرجع السابق ص ٢٨.\n(^٤) «النظم الإسلامية» تأليف ج. ديمومبين ص ٦٦ و«محمد» لأندرا ص ٨١.\n(^٥) أندريه ص ١٣٧.\n(^٦) نفس المرجع ص ١٣٨.\n(^٧) ج. ديمومبين ص ٦٨.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>القصص الديني اليهودي والمسيحي في القرآن:</span>\nلنعد أدراجنا كي نرى مدى صحة هذه الملاحظات.\nفيما يختص بالقصص الميسيحي واليهودي بوجه عام، يؤسفنا ألا نجد ما يؤيد هذه الملاحظة من قريب أو بعيد. والرجوع إلى النص القرآنى يثبت لنا العكس تماما، فالسور المكية هي التي تعرض (^١) أطوار قصص التوراة بتفاصيلها الدقيقة، ولم تترك للسور المدنية سوى فرصة استخلاص الدروس منها وغالبا في تلمحات موجزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>علاقة الأنساب بين العرب وبين إبراهيم وإسماعيل ﵉:</span>\nأما موضوع إبراهيم ﵇ بصفة خاصة، فإننا لا نعرف شعبا آخر له مثل ما للعرب من شغف بعلم الأنساب حيث يحرصون على الاحتفاظ في ذاكرتهم بسلسلة أجدادهم حتى وصلوا إلى الجيل العشرين. فهل من المحتمل أن يبقى هذا الشعب في جهالة تامة بأصله حتى آخر لحظة؟ وإذا لم يذكرهم وجود الكعبة بينهم - وفيها بعض الاماكن المعروفة تحمل اسم ابراهيم واسماعيل ﵉ - بعلاقاتهم بهذه الأسماء المجيدة، فيمكن على الأقل أن يكونوا قد سمعوا عنها من اليهود جيرانهم منذ عدة قرون قبل الهجرة. وعلى كل حال يبدو لنا أن القرآن\n_________\n(^١) ولكي نرشد القاريء في هذا الشأن نوضح الآيات المكية التي تعني بهذه القصص: سورة الأعراف عن آدم ١١ - ٢٥ وموسى ١٠٢ - ١٧٦، وسورة يونس عن موسى ٧٥ - ٩٢، وسورة هود عن نوح ٢٥ - ٤٩، وإبراهيم ولوط ٦٩ - ٨٢، وسورة يوسف عن يوسف، وسورة الحجر عن آدم وإبراهيم ولوط ٢٦ - ٧٧، وسورة الإسراء عن بني اسرائيل ٤ - ٨، وسورة الكهف عن أهل الكهف ٩ - ٢٥، وموسى ٦٠ - ٨٢، وسورة مريم عن زكريا ويحيي ومريم وعيسى ... الخ ١ - ٣٣، وسورة طه عن موسى ٩ - ٩٨، وسورة الأنبياء عن إبراهيم ٥١ - ٧٠ وداوود وسليمان ٧٨ - ٨٢، وسورة الشعراء عن موسى وإبراهيم ونوح ... الخ ١٠ - ١٨٩، وسورة النمل عن موسى وداوود وسليمان ٧ - ٤٤، وسورة القصص عن موسى ٣ - ٤٣، وقارون ٧٦ - ٨٢، وسورة العنكبوت عن نوح وإبراهيم ولوط ١٤ - ٣٥، وسورة سبأ عن داوود وسليمان ١٠ - ١٤، وسورة «ص» عن داوود وسليمان وأيوب ١٧ - ٤٤، وسورة الذاريات عن إبراهيم ٢٤ - ٣٧.","vol":"1","page":168},{"text":"من اليهود جيرانهم منذ عدة قرون قبل الهجرة. وعلى كل حال يبدو لنا أن القرآن لم ينتظر انتقاله إلى المدينة لتوثيق هذه الرابطة، لأنه سبق للسور المكية أن أشارت إلى ذلك (^١) بل إنها دعت الرسول ﷺ إلى اتباع ملة إبراهيم الحنيف ﵇ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>موقف الإسلام من الأديان السابقة:</span>\nهل طرأ على موقف الإسلام من الأديان السابقة تطور في موطنه الجديد؟ وهنا أيضا نرجع إلى النص القرآني الذي يوضح لنا أن السور المكية وهي تطالب بشهادة أهل الكتاب للإدلاء بعلمهم عن الكتب المقدسة (^٣)، فإنها تدين في نفس الوقت الكتابيين الذين اتبعوا الشيطان وتحالفوا معه (^٤). وفي مقابل هذا احتفظ القرآن في المدينة بموقفه من العلماء الذي يستشهد بهم وهو يؤكد أن عددا منهم لا يرغب في أداء الشهادة (^٥). وهكذا يفرق القرآن في الحالتين بين الكتب المقدسة ذاتها، والعلماء الذين يتبعونها بإخلاص، وبين هؤلاء الذين يسمون أنفسهم يهود أو نصارى، وهم يتبعون أهواءهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>عدد صلوات المسلمين:</span>\nأما عدد صلوات المسلمين فنقرر أنه لا يوجد في جميع المراجع والمؤلفات الإسلامية التي أطلعنا عليها أية إشارة إلى مثل هذا التطور، ومن المؤسف حقا أن النقاد الغربيين لا يدلوننا على الوثائق التي إستقوا منها هذه الفكرة الغريبة. فطبقا لجميع الحقائق التي في متناول أيدينا فإن عدد هذه الصلوات خمس منذ أول لحظة\n_________\n(^١) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧].\n(^٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣].\n(^٣) قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد: ٤٣].\n(^٤) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النحل: ٦٣].\n(^٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦].","vol":"1","page":169},{"text":"شرعت فيها الصلاة بمكة .. هكذا حددها الرسول ﷺ وأوضح تفاصيلها بكل دقة، ويشير القرآن إلى ذلك بايجاز في عدة مواضع (^١). ومن المحتمل أن يكون قد تسرب هذا الفهم الخاطئ إلى ذهن الكتاب الغربيين بسبب سوء تفسير عبارة «الدلوك» الواردة بسورة الاسراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>سن عاشوراء وتحويل القبلة:</span>\nولم يرد بالقرآن ذكر يوم عاشوراء، لكن علماء الحديث (^٢) يقررون أن قريشا كانت تحرص قبل الإسلام على الصوم في هذا اليوم، وأن الرسول ذاته كان يصومه قبل الهجرة. ونعرف أيضا أن الأحاديث توصي بالصوم في ذلك اليوم (^٣). أما القول بأن الرسول ﷺ اتخذ قراره في البداية لمحاكاة اليهود وأنه رجع فيه بعد ذلك بسبب تغير الموقف السياسي، فإنه قول لا يتفق مع الوقائع المقررة.\nأما بشأن القبلة، فقد كان المؤمنون بالفعل يولّون وجوههم في الصلاة إلى بيت المقدس في فترة معينة قبل الهجرة. ولكن الادعاء بأن تغيير القبلة نحو الكعبة (وهو تغيير له ما يبرره في القرآن (^٤) كان نتيجة معاداة اليهود للإسلام، فهو ادعاء يتضمن تداخلا في التواريخ. فقد بدأت عداوة اليهود في عام ٦٢٥ الميلادي بينما كان تحويل القبلة في عام ٦٢٣ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>فكرة الله في مكة وفي المدينة:</span>\nتبقى الملاحظة الأخيرة التي تتعلق بفكرة القرآن عن الله. والرجوع إلى النص\n_________\n(^١) فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم: ١٧ - ١٨] وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ [طه: ١٣٠] وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود: ١١٤] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا [الإسراء: ٧٨].\n(^٢) رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة كتاب الحج باب قول الله تعالى: جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ .. ج ٤ ص ١٩٩.\n(^٣) رواه مسلم كتاب الصيام باب صيام يوم عاشوراء ج ٣ ص ١٤٧.\n(^٤) سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ١٤٢].","vol":"1","page":170},{"text":"القرآني يكفي ليوضح لنا ما إذا كان إله الإسلام قد غير وجهه. بحسب ما إذا كان العرض قبل أو بعد الهجرة. فالقرآن يتحدث دائما عن الله بوصفه المجازى للعالمين عما يعملون من الخير أو الشر، والسور المكية تصور كلا من الجانبين في وقت واحد (^١). أما السور المدنية فشأنها شأن السور المكية تبدأ بالبسملة. ومن نافلة القول أن نؤكد أن حب الله لعباده يبدو دون ما اختلاف في كل من الفترتين، على أنه نصيب المحسنين والمقسطين والصابرين والمتقين؛ وأن غضبه، من نصيب الظالمين والمختالين والكافرين. ولكن ما يستحق التأكيد حقا، هو عكس الظاهرة التي لاحظها الناقدون: فقد لاحظوا أن صفة الرحمة تبدو أكثر في السور المكية. ولكن الواقع يكذب ذلك فما أكثر ظهور «إله الحرب» في السور المكية، حيث تكثر قصص التاريخ القديم بشره وفساده، والعقاب الأليم الذي نزل بأممه والتهديد فيها ضمني (ولكنه دائم) للقرى التي تسلك نفس الطريق. وأكثر من ذلك أننا إذا بحثنا النص القرآني عن كثب، سنجد أن الحروب التي صدر بها الأمر من المدينة ضد المعتدين لم تكن إلا تنفيذا لإنذار عام وصريح أعلن وتكرر ذكره قبل ذلك في مكة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>مصطلح النسخ في القرآن:</span>\nويوجد في أساس هذا الاعتراض الأخير وفي منشأ كثير غيره، خطأ نود أن ننوه\n_________\n(^١) إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (الانعام ١٦٥) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (الرعد ٦) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ [غافر: ٤٢ - ٤٣].\n(^٢) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ [يونس: ١٠٢] وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ. وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ [هود: ١٢١ - ١٢٢] وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا [الإسراء: ٥٨].","vol":"1","page":171},{"text":"عنه بكلمة وهو يتصل بالفكرة الشائعة عن مصطلح «النسخ» (^١) أو «الإلغاء» في الإسلام. فالباحثون في الإسلام من غير المسلمين يفهمونها إما بمعنى الرجوع في أمر صادر، وإما بمعنى اكتشاف حقيقة كانت مجهولة فيما مضى. وكل من المعنيين لا يتفق مع مدلول اللفظ الصحيح. ففي مجال المعرفة النظرية لم ولن يوجد ناسخ أو منسوخ في التعاليم المنزلة. ومعنى النسخ هنا «الحصول على علم جديد» فإذا طبقنا ذلك على علم الله ﷾، يكون ذلك عين الكفر واللامعقول، وعلى العكس في المجال العملي. فقد وجد النسخ بالفعل سواء في تعاليم الدين الواحد، أو في التعاليم من دين إلى دين آخر «لقد قالوا لكم كذا وأنا أقول لكم شيئا آخر». ولكن ما المقصود بمثل هذا التغيير؟ هل ينسخ القانون لأن التجارب أثبتت أنه كان مجافيا للعدل، أو كان مصاغا صياغة خاطئة منذ البداية؟\n_________\n(^١) وهو مصطلح ينطوي على اللبس منذ قديم. ويعني عمل نسخة خطية كما يعني «الإلغاء» ويستخدم في القانون والفقه بمعنى «وقف تطبيق قانون مؤقت» ولكن مع توسيع المعنى قصد به بعض المفسرين كل توضيح أو تحديد لمدلول أية عبارة. ولقد أسرف ابن حزم في استخدامه بهذا المعنى. وليس من النادر أن نقابل حتى في نفس الآية عبارة «إلا» أو «ولكن» فيعتبرها نسخا للمدلول العام أو للمدلول المقابل المشار إليه من قبل. وعلى هذا الأساس رأى النسخ في الآيات التالية سورة [البقرة آية ٦٠ - ١٩٦ - ٢٢٩ - ٢٣٣، وسورة النساءآية ١٩ - ٢٢ - ٢٣ - ١٤٦ وسورة المائدة آية ٣٤، وسورة مريم آية ٦٠، وسورة النورآية ٥، وسورة الفرقان آية ٧٠، وسورة الشعراءآية ٢٢٧، وسورة غافرآية ٨ - ٩] وفيما يلي نموذج لهذا الاستعمال الغريب الوارد في تفسيره لبداية سورة المزمل يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا.\nنِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [آية ١ - ٣] فيقول إن «إِلاّ قَلِيلًا» نسخ «لليل» و«نِصْفَهُ» نسخ «إِلاّ قَلِيلًا»، و«أَوِ انْقُصْ» نسخ «نِصْفَهُ» ويعد على هذا الأساس ثلاث مواضع للنسخ في آية واحدة ومن المحتمل أن يستمر في الزيادة ... فهل نندهش إذا ذكر أن في القرآن ٢٢٤ موضعا منسوخا حسب تقديره؟ ويقول إن من ال ٢٢٤ موضع ١١٤ ترجع تلك الفكرة العامة التي تتعلق بالحض (ولو من بعيد) على الصبر على أذى المشركين وهى أحكام مؤقتة كما هو معلوم إستبدلت بالتصريح بالمقاومة ومواجهة القوة بالقوة والجدير بالملاحظة هنا هي الطريقة التي نقل بها المستشرقون هذه الأفكار. فقد التقطوا هذا العدد دون أخذ تفسير ابن حزم لمعنى اللفظ في الحسبان وأضافوا إليه مزيدا وقالوا بأن هذا هو عدد المتناقضات الموجودة في القرآن التي اعترف بها المسلمون أنفسهم باعتبارها ناتجة عن التقلبات السياسية (الكتاب السابق تأليف رنان ص ١٠٧٩) وانظر أيضا س. تسدال في «مصادر القرآن» باللغة الانجليزية ص ٢٧٨.","vol":"1","page":172},{"text":"إذا كان هذا مقبولا في أمورنا البشرية فلا جدال في أنه غير مقبول على الإطلاق في أمر التشريع الإلهي المنزل لأن الله لا يرجع في قراره ولا يراجع نفسه أبدا. فكل من القاعدة التي يبطل تطبيقها، والقاعدة التي يستحدثها.، تتصف بالقداسة، وكل منهما، إذا وضعت في زمنها، تمثل الحكمة الوحيدة التي تفرض نفسها.\nفسواء أكان الأمر يتعلق بالتقدم أو بالارتداد، باللين أو بالشدة، فلا يمكن التغيير في فكر المشرع، وإنما في الأحداث التاريخية ومتطلباتها للحلول المتنوعة. وأحيانا ينص صراحة في صيغة القانون الأول بأنه مؤقت (^١) والغالب يكون ذلك مستترا ولا نعلمه إلا من القانون التالي له، الذي قد يوحى بأنه حل ارتجالي، بينما في الحقيقة كل شيء كان متوقعا ومرتبا بتسلسل بحسب التواريخ المحددة (^٢). فمن المتفق عليه أن المشرع الناجح لا يعامل الناس في مرحلة الانتقال بنفس الطريقة التي يعاملهم بها بعد أن وصل نضجهم إلى مرحلته الأخيرة. بل على العكس يجب عليه كالطبيب الماهر، أن يغير من نظمهم حسب تقدم كفاءتهم وقدرتهم على الفهم والإدراك. فهذا المسلك التدريجي في التعليم والتشريع ليس عيبا، وإنما هو أنجح المناهج في تكوين النفوس الواعية المستنيرة المشبعة بالحكمة، والأمم المنظمة، والخلق المتين.\nكان الغرض من الملاحظات التي ابداها الكتّاب الغربيون والتي فندناها في هذا الفصل هو أن يثبتوا - بناء على نقد من داخل التعاليم القرآنية - وجود بعض الاقتباسات من الوثائق الدينية «بالمدينة». فلو أنهم نجحوا في مسعاهم لكان ذلك بمثابة طريقة غير مباشرة لإثبات وجود علاقة بين الرسول ﷺ وبين أهل الكتاب تلقّى عن طريقها العلم عنهم. فلماذا إذن لم يتجهوا مباشرة ليضعوا أيدينا على\n_________\n(^١) فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ (البقرة ١٠٩) وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥].\n(^٢) وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣].","vol":"1","page":173},{"text":"شخص أو الأشخاص الذين تلقى محمد ﷺ منهم العلم؟ لم يجسر أي مؤرّخ يقدر مسئوليته العلمية أن يفعل ذلك. ولكن كيف يمكن تصور أن محمدا ﷺ وهو يعيش وسط حكماء اليهود لم يحاول قط أن يتصل بهم؟ ومن جهة أخرى ماذا كان موقفهم منه؟\nإن القرآن يرشدنا في هذا الشأن ويقسمهم إلى فئتين: الغالبية العظمى وكانت تعادي الإسلام حتى من قبل أن يدوس الرسول ﷺ أرض بلادهم - فقد كانت تخفي علمها عنه، وفي مناسبات عديدة، حاولت بلا جدوى خداعه وبث المكائد في طريقه. وكانوا أحيانا يلقون عليه عن طريق إخوانهم بأسئلة محرجة عن الروح (^١)، وعن بعض الألغاز التاريخية (^٢)، وأحيانا أخرى يطالبونه بأن ينزل عليهم من السماء كتابا مدونا (^٣)، وأحيانا ينكرون نصوصا أكد الرسول ﷺ وجودها في كتبهم، ولا يعترفون بها إلا بعد تحديهم وإثبات غشهم (^٤). وهكذا نرى أن هؤلاء كانوا بعيدين كل البعد عن موقف الملقن المتصف بالترحيب.\nوبالعكس كان هناك فريق من علماء بني إسرائيل الذين ضاقوا ذرعا بادعاءات اليهود العنصرية وبغرورهم الذاتي، فحضروا إلى الرسول ﷺ ليستمعوا إلى تعاليمه وليتفحصوا وجهه. وعندما تعرفوا عليه في الحال - بناء على بعض العلامات الموجودة في كتبهم - شهدوا له بصدق رسالته (^٥). وأشهر شخصية في هذا الفريق هو عبد الله بن سلام، والظروف التي أعلن فيها إسلامه لها دلالة\n_________\n(^١) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥].\n(^٢) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا والآيات التالية حتى آية ٢٥ [الكهف: ٩].\n(^٣) يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ [النساء: ١٥٢].\n(^٤) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ. قُلْ صَدَقَ اللهُ [آل عمران:\n٩٣ - ٩٥] وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ [المائدة: ٤٣].\n(^٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [البقرة: ١٢١].","vol":"1","page":174},{"text":"عظيمة. فقد كان اليهود يعتبرون هذا الرجل، أوسعهم علما، وأحسنهم خلقا.\nوذلك قبل إعلان إسلامه مباشرة، فلما أعلن إسلامه أنكروا عليه كل ذلك بعد اتخاذه قراره مباشرة وفي نفس الجلسة (^١).\nوبين هاتين الفئتين المعادية والخاضعة، لم يترك التاريخ مكانا «لأصدقاء معلمين» للرسول ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>علاقة ابن سلام وسلمان الفارسي ومريم القبطية:</span>\nأما الادعاء بأن محمدا ﷺ تلقي علمه من ابن سلام هذا، فلا ينطوي ذلك على تحريف للحقائق التاريخية فحسب بالخلط بين دور التابع والمتبوع، وإنما ينطوي أيضا على قلب في ترتيب الأحداث التاريخية (^٢) المعروفة لأن جوهر حقائق التوراة كله كان قد أعلن بدقة في مكة، وقبل أن تتاح الفرصة لأمثال عبد الله بن سلام أن «يروا وجه الرسول ﷺ» (^٣) والجدير بالملاحظة أن الآيات القليلة التي نزلت بالمدينة تتعلق في أغلبها بالحقائق الدينية المسيحية التي ينكرها اليهود تماما.\nإذن مهما بذل المغرضون من محاولات لتجميع نقط التشابه بين الحقائق القرآنية والحقائق اليهودية والمسيحية (^٤)، سنقول: جهد ضائع بل إن ذلك سيكون معناه\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ١٤١ - ١٤٢ والبخاري كتاب الهجرة الباب الأول.\n(^٢) وخلط تاريخي آخر مع فاصل زمني أكبر يستحق الذكر هنا عن الدور المزعوم لسلمان الفارسي ومريم القبطية كمعلمين لمحمد عن الديانة الزرادشتية والديانة المسيحية. والواقع أن إسلام سلمان كان بعد الهجرة بقليل وكان لا يزال يعاني من وطأة الرق مدة أربع سنوات وهو في خدمة سيد يهودي مستبد ولم يتمكن من مصاحبة الرسول ﷺ إلا في معركة الخندق في العام الخامس الهجري (سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ١٤١ - ١٤٢) أما مريم المصرية فقد وصلت بعد هذا التاريخ في العام السابع الهجري. هل هناك ضرورة لأن نذكر أنه إذا كان القرآن مرتبطا بالتوراة كأنهما أعضاء أسرة واحدة فإنه يوجد انفصال بين دعوته وبين مباديء «أفستا».\n(^٣) الترمذي كتاب صفات القيامة باب ٤٠.\n(^٤) وهو ما تركزت عليه جهود الدكتور س. تسدال في كتابه باللغة الانجليزية عن «مصادر القرآن» إلا أنه وهو يحاول أن يثبت أن القرآن يرتبط بالأساطير التاريخية أكثر من ارتباطه بالحقائق التاريخية (ص ٦١ - ٦٢) أغفل هذا المؤلف عن عمد ذكر أي تشابه بين القرآن وبين العهد القديم والعهد الجديد، منذ خلق الكون حتى نهايته، وينهمك بصفة خاصة في الكشف عن ارتباط بعض التفاصيل في القرآن بما ورد في التلمود والآثار اليهودية والمسيحية البعيدة عن التوراة والانجيل.","vol":"1","page":175},{"text":"بالحرف الواحد اصطناع أسلحة تفيد منها المبادئ القرآنية. إذ أن هذه التعاليم موجودة في الكتب المنزلة السابقة ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩] كما أن شهادة علماء بني إسرائيل دليل كاف على صدقها ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>تطابق وليس اقتباس:</span>\nولكن الاتفاق شيء، والاقتباس شيء آخر، وبينهما فراغ شاسع لم يحظ - حتى الوقت الحاضر على الأقل - بأن يجد من يملأه.\n***","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>خاتمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>نتيجة البحث السلبية عن مصادر طبيعية:</span>\nلقد بحثنا - مسترشدين بالوقائع التاريخية - افتراض وجود مصدر بشرى لتعاليم القرآن. فتتبعنا مؤسس الإسلام في مراحل حياته المزدوجة: الحياة العادية وحياة الرسالة، في مسقط رأسه أو في موطنه الأخير، في رحلاته وفي اتصالاته، وتعرضنا لقدرته على القراءة ولمدى توفر الوثائق تحت يده.\nفجميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرا كافيا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون ... الخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>الوحي نقطة تحول في علم الرسول ﷺ لا في خلقه:</span>\nوفي مواجهة ذلك يطلعنا القرآن الكريم على تحول ضخم في حياة الرسول ﷺ بنزول الوحي عليه. إذ تحول من رجل عادي إلى رسول ونبي. إنهما حياتان مختلفتان تمام الاختلاف (^١). فكل ما يمكننا معرفته عن حياته قبل البعثة ينحصر في خط أساسي، وهو أنه كان على درجة ممتازة من الأخلاق (^٢). فلقد عرف في شبابه بين مواطنيه باسم «الأمين» كما يحدثنا مؤرخوه.\n_________\n(^١) قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ [يونس: ١٦].\n(^٢) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>شهادة خصومه عن صدقه وإخلاصه:</span>\nوفي مشاغله اليومية لم يرتكب عملا يشينه، ولم يشترك في عبادة الأوثان، وطبقا لما يقول أعداؤه، فإنه لم يكذب أبدا، والشهادة النموذجية العلنية في هذا الموضوع، قدمها أبو سفيان زعيم المعسكر المناويء للإسلام، والذي لم يعتنق الإسلام إلا بعد عامين من هذه الشهادة التي استخلص منها الأمبراطور هرقل أنه «لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله (^١).\n_________\n(^١) هذه الجملة جزء من رواية تاريخية عربية رومانية ذات قيمة عظيمة، وإن كانت غير معروفة في المراجع الأوروبية وهي تتعلق باستجواب دقيق أجراه هرقل لزعيم قريش أبي سفيان، والاستجواب منهجي وكله ذكاء وحكمة ويستحق النقل هنا. فبعد أن انتصر هرقل على فارس عام ٦٢٨ م كان الأمبراطور الروماني بسوريا عندما جاءه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام مما أثار دهشته. ورغبة منه في التأكد من مضمون الكتاب أمر الأمبراطور بأن يحضر إليه بعض مواطني هذا الرسول ﷺ لكي يسألهم عنه. يقول أبو سفيان: «إن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ عاهد فيها أبا سفيان وكفار قريش. وكان ذلك أثناء الهدنة المعقودة بينهم وبين النبي ﷺ في السنة السادسة للهجرة، فدعاهم هرقل إلى مجلسه وحوله عظماء الروم ودعا بترجمانه فقال أيكم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ثم قال لترجمانه قل لهم إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه فو الله لولا الحياء من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم، قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله قلت: لا. قال فهل كان من آبائه من ملك قلت: لا. قال: أفاشراف الناس يتبعونه أو ضعفاؤهم فقلت بل ضعفاؤهم. قال أيزيدون أم ينقصون: قلت بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، قلت: لا. قال: فهل يغدر، قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه، قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه، قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم، قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، قلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه ... قال أبو سفيان: فلما -","vol":"1","page":178},{"text":"وفيما عدا هذه الحقائق وأمثالها. لا يوجد من الناحية العملية أي ضوء يمكن أن يكشف لنا أنه كان يتوفر عنده في ذلك الوقت بعض المعارف المذهبية أو الاستعداد لمهمة النبوة. لأنه لم يكن يدري ﴿مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ [الشورى:\n٥٢] ولم يكن حظه أكثر من حظ قومه من حيث معرفة القصص الديني (^١).\nولم يكن يتوقع هو أيضا أن يكلّف بدور المرسل من عند الله (^٢). كما لم يكن يعرف كيف يرشد نفسه إلى (^٣) الطريق القويم.\nفهل حاول أن يسأل الطبيعة أو يسأل نفسه؟ من المحتمل ذلك ولكن الرد الذي يمكن أن يتلقاه لم يكن يتعدى الحقائق المبهمة والدارجة لما جرى العرف على تسميته «بالديانة الطبيعية». أما العلم الصحيح والحقائق المفصلة في كل مجال فلم تكن لتصله إلا قطرة بعد قطرة على مدي ثلاثة وعشرين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>خصائص الوحي المتقطعة:</span>\nوالواقع أن الناس جميعا يعرفون أن نزول القرآن كان منجما ومجزءا. وفي مقدورنا أن نحدد لكل دفعة من الآيات تاريخا تقريبيا لنزولها، بل إن معاصري الرسول ﷺ كثيرا ما حضروا كشهود عيان، وشاهدوا بأنفسهم الأعراض الخارجية لظاهرة الوحي. التي كانت بالنسبة للرسول ﷺ تجربة عاشها، ولم يصطنعها. إنها حادث يتلقاه بكل سلبية، وليس في قدرته الهروب منه عند مجيئه. ولا في استطاعته أن يتهيأ له إذا احتاج إليه (^٤).\n_________\n(^١) - قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا:\nلقد أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر فما زلت موقنا أن سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام (البخاري عن عبد الله بن عباس كتاب الجهاد باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة ج ٦ ص ٤٥٠).\n(^١) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [هود: ٤٩].\n(^٢) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: ٨٦].\n(^٣) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى [الضحى: ٧].\n(^٤) إن قصة الإفك التي لفقها أعداؤه لمس شرفه العائلي معروفة، وتبرئة عائشة بكشف الحقيقة كانت مطلوبة بأقصى سرعة. ولكن الوحي تأخر شهرا كاملا، ولم يكن في مقدور محمد ﷺ أن يتعجله، أو يتقول بشيء أو يؤكد أو ينفي الشائعات. ألم يكن يستطيع أن يفض الموضوع بلباقة ثم ينسب قوله إلى الوحي، إذا كان الأمر يتوقف على تحكمه الشخصى؟ (البخاري عن عائشة كتاب المغازي باب حديث الإفك ج ٨ ص ٤٣٦).","vol":"1","page":179},{"text":"في مجال هذه التجربة الحية يتعين علينا أن نبحث عن المصدر الحقيقي لتعاليم الرسول ﷺ. فإن كل درس من القرآن كان فصلا جديدا يضاف إلى ذخيرته العلمية. إنه كالمصباح الذي تنطفئ أضواؤه في الوقت الذي تتوقف فيه صلصلة النص المنزل. وبعيدا عن ضوء هذا العلم الرباني. يعود النبي ﷺ إلى حدود قدرته البشرية. فأمام الماضي والمستقبل، وأمام كل ما يصعب على الذكاء الإنساني السليم اختراق حجبه، لا يسعه إلا أن يضع علامة استفهام كغيره من الناس بكل أمانة وبكل تواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>من أين ينبع إذن هذا الوحي؟ أليس من أعماق نفسه</span>؟\nإن الوقائع تثبت لنا عكس ذلك: فطابع الأفكار التي تبلّغ إليه عن طريق الوحي إما تجريبي، وإما فوق مستوى العقل. أي أنها بعيدة كل البعد عن مجال العقل الصافي، وكذلك عن الشعور المحصور في منابعه العادية. والجدير بالملاحظة هنا - وهو ما يتعارض تماما مع إلهام الشعراء والفلاسفة - أن الأمر ليس أفكارا تنبع من داخل نفسه. وإنما هو سماع صوتي صافي. أي أن الأفكار لا تسبق الحديث هنا.\nفضلا عن أنها تلازمه. ولقد انزعج الرسول ﷺ ذاته من هذه الظاهرة السمعية في بداية الأمر. فعندما أراد أن يلتقط آيات الوحي التي يتعين عليه تبليغها حرفيا إلى قومه فيما بعد، وجد نفسه مضطرا لأن يكرر النص لنفسه كلمة كلمة أثناء تلقي الوحي. ولم يتوقف عن اتباع هذه الطريقة إلا عندما تلقى أمرا صريحا في هذا الشأن، مع ضمان بأن الله سيعلمه إياه ويشرحه له (^١). ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ هذه كلمة تستحق أن تسترعي الانتباه وتضعنا أمام وحي نصي بدون قيد ولا شرط.\nومن المعلوم أيضا موقف الرسول ﷺ المليء بالخشية والتقديس نحو القرآن المنزل عليه، وإيمانه بأنه كلام الله ذاته، ولم يكن في مقدوره أن يدخل عليه أي\n_________\n(^١) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ١٦ - ١٩].","vol":"1","page":180},{"text":"تعديل (^١). وعند تفسيره كان موقفه كموقف أي مفسر أمام نص ليس له (^٢).\nوكان يرتعد لفكرة أن ينسب إلى الله قولا لم يقله، مهما كان هذا القول بسيطا (^٣) ... كما كان يشعر بحرس من السماء وبمراقبين يقظين يحيطون به ويراقبونه فيما يقوم به تجاه رسالته (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>الوقائع تثبت العكس:</span>\nوليس صحيحا أن القرآن يعكس شخصية الرسول ﷺ. ففي أكثر الأوقات لا يذكر شيئا عنه، ويتجرد تماما من الإشارة إليه. وعندما يورد شيئا عنه فلكي يحكم عليه أو يضبط سلوكه أو يسيطر عليه. وفيما يتعلق بأفراحه وأحزانه، نعلم كم كان حزنه لوفاة أبنائه وأصدقائه حتى اطلق اسم «عام الحداد» على العام الذي فقد فيه زوجته وعمه، وفقد معهما العون المعنوي الذي كان يسانده أمام الصعوبات التي كانت تقابله في سبيل نشر دعوته. فهل نجد في القرآن أقل صدى لكل هذا؟ ولكن بمجرد أن يتعلق الموضوع بسلوك أخلاقي، نرى التعارض جليا بين السلطة التشريعية، والنفس الخاضعة المستسلمة. كما يتعارض التشدد مع التساهل؛ والصراحة القصوى مع الحياء؛ والحلم وطول الأناة مع نفاذ الصبر\nوليس من النادر أن يتضمن الدرس اللوم الشديد لأقل مخالفة منه للمثل الأعلى المنشود (^٥) (¬،٦).\n_________\n(^١) قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي (يونس ١٥).\n(^٢) قارن اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (التوبة ٨٠).\n(^٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].\n(^٤) إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [الجن: ٢٧ - ٢٨].\n(^٥) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: ٦٧] عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٤٣ - ١١٣] عَبَسَ وَتَوَلّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى * وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى * وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى [عبس: ١ - ١٠].\n(^٦) وإذا بحثنا الوقائع التي اعترض القرآن بشأنها على الرسول ﷺ، فإننا نندهش عندما نجد أنها تتصف بخصائص -","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>القرآن لا يعكس شخصية الرسول ﷺ:</span>\nوطالما أنه ليس لديه أمرا أو تعاليم صريحة من الوحي في أمر ما، نرى محمدا ﷺ ذا طبيعة خجولة حيية ووديعة (^١) حساسا لما قد يقال عنه (^٢)، لا يقطع دون أصحابه برأي (^٣) يمتنع عن اتخاذ أية خطوة عند أقل شك (^٤)، معترفا بعدم علمه بمصيره الشخصي ومصير غيره (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>التعارض بين موقف محمد ﷺ قبل وبعد كل تنزيل:</span>\nولكن بمجرد أن يتلقي علمه من الوحي نراه يبلغ رسالته في ثقة وقوة، لا تستطيع أية قوة في الأرض أن تضلله. ويقف موقف المعلم والمرّبي لجميع الناس المتعلمين منهم وذوي الجهالة (^٦). ومنذ قبل الهجرة يعلن أن من جوهر رسالته أن\n_________\n(^٦) - مشتركة، وهو أنه أمام حلين كل منهما مباح (وفي الغالب يوجد نص صريح بإباحتها انظر الآيات: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [سورة محمد: ٤] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ [النور: ٦٢] اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الأحزاب: ٤] ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ [الأحزاب: ٣٨] اختار الرسول ﷺ الحل الذي رآه أنسب للصالح العام وكان اوفق الحلين أمام أي عقل إنساني أو أوفقهما في ذاته لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ [التوبة: ٤٧] أما في نظر الحكمة الإلهية فقد كان الاختيار ذا معنى أقل في الدرجة: مبكرا قليلا (في الحالتين الأوليين) متسامحا قليلا (الحالة الثالثة) أقل جرأة (الحالة الرابعة) أو مستهدفا غرض غير ممكن التنفيذ (الحالة الخامسة).\n(^١) إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ [الأحزاب: ٥٣].\n(^٢) وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٧].\n(^٣) وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩].\n(^٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا [الجن: ٢٥].\n(^٥) وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: ٩].\n(^٦) وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران: ٢٠].","vol":"1","page":182},{"text":"يهدي شعب بني إسرائيل، وبوجه عام جميع الأمم التي تلقت دينا سماويا. وهو مكلف بأن يبلغهم الحقيقة في منازعاتهم وخلافاتهم (^١)، وعندما يصدر حكمه لا يجامل فيه هؤلاء ولا أولئك (^٢) إنه يسير في خطوات ثابتة وراسخة، فيفصل في الأمور ويعلن الحقيقة.\nوفي هذا الموقف المنطلق المتسم بالحزم، لا نرى أي أثر لذلك الشعور بالقلة الذي يتصف به الشخص حين يجمع شتات علمه ذات اليمين وذات الشمال، ولا نشعر ببرود الذكاء المدبر الذي يمكنه أن يرفض اليوم ما سبق أن أعلنه بالأمس، أو يهدم في الغد ما يبنيه اليوم. فوراء هذه الدفعة الصلبة نكتشف بسهولة قوة عظيمة ليست قوة هذا الإنسان. ولهذا نراه أمام قوى العالم، وفي المواقف الحرجة من حياته، يتمتع بروح لا تضطرب، وبإيمان لا يتزعزع في معية الله وعونه (^٣). ولهذا نراه أيضا يعرض نفسه وأهله عن طيب خاطر لأخطار المباهلة (^٤) (¬،٥)، بينما يتراجع المترددون المتشككون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>اعتراف العلماء المسيحيين عن الإخلاص الشخصي للنبي ﷺ:</span>\nوأمام هذه الأدلة الكثيرة القاطعة اتفق في الوقت الحاضر كثير من الكتاب المسيحيين (^٦) الذين يبحثون عن الحقيقة في نزاهة على أن النبي العربي ﷺ يتمتع بإخلاص وصدق نفسي يؤهلانه لأن يكون ذا قوة بالغة في التأثير والإقناع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>هل هي أوهام لا شعورية</span>؟:\nإلا أنه لا يترتب بالضرورة على تقرير هذا الإخلاص النفسي اعتبار الوحي من\n_________\n(^١) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل: ٧٦].\n(^٢) وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى: ١٥].\n(^٣) إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠].\n(^٤) ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (آل عمران ٦١).\n(^٥) انظر «المباهلة» تأليف ماسنيون ص ١١.\n(^٦) ومنهم أندرا وج. سان هيلير وكارليل وجولد سيهر وماسنيون ونلديكه تربين ... الخ.","vol":"1","page":183},{"text":"مصدر رباني. فمن المحتمل أن يكون الموحى إليه ضحية أوهام لا شعورية، عندما تظهر فجأة في ذهنه أفكار وتعبيرات يظن أنها جديدة كل الجدّة، بينما هو في الواقع يجتر المعارف القديمة والقائمة في أعماق نفسه، واندثرت في طي النسيان.\nبل ومن المحتمل أن يعتقد أن متحصلاته العلمية الحديثة أتت إليه من طريق الوحي والإلهام طالما أنها تؤكد في نفسه إيمانه بإلهاماته الشخصية وهو لا يدري عن مصدرها الحقيقي شيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>افتراض تعارضه مع الواقع:</span>\nإن هذه الأوهام، وهذا الضعف في الذاكرة، أعراض حالة ذهنية غير سوية، ليست لها صلة على الإطلاق بالحالة التي نحن بصددها لا من حيث الشخص، ولا من حيث الموضوع.\nفمن حيث الموضوع: وبقدر ما في إمكان التاريخ أن يضيء لنا الطريق - نرى إما انعدام المصادر الشعبية، وإما شائعات غامضة ومتناقضة، لا تنهض لتفسير استقامة الخط الذي اتبعه القرآن، وتفسير خطواته الحازمة الفاصلة.\nأما من حيث الشخص ذاته: - فليس هناك أدنى علامة تشير عنده من قريب أو بعيد عن خلل عقلي، بل العكس هو الصحيح. ولا نرى خيرا من شهادة «رنان»  Renan  في هذا الموضوع لنسجلها هنا «لم يخلق عقل قط بمثل صفاته ولم يوجد إنسان قط تحكم مثله في فكره» (المرجع السابق ص ١٠٨٠). ولا ننكر أن المقياس الذاتي قد يكون عاجزا عن التمييز بين حالة اليقظة وبين حالة النوم فالإقتناع باستخدام الحواس، ومواجهة الحقيقة، موجود سواء أكان الإنسان في حالة نوم أو في حالة يقظة. ولكن مضاهاة الحقائق النابعة من الحالتين، يمكن أن ترشدنا في حكمنا بإيجابيتها عن يقين حسب درجة توافقها أو إختلافها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>طريقة التحقق من صحة الوحي:</span>\nفبعد أن مر محمد ﷺ بالتجربتين يتكلم بذهن واع عن اتصاله المزدوج بعالم المنظور وعالم الغيب، بالمادة وبالروح. إنها تجربة عاشها وتحقق منها وتكررت معه","vol":"1","page":184},{"text":"آلاف المرات. فقد استمع بكل وضوح إلى الرسول ﷺ المتحدث باسم الله، ورآه بعينه بوضوح كامل في شكله العظيم (^١)، ورآه مرات عديدة ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى،﴾ ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١٧، ١١] وهل يجوز أن ننكر على إنسان سليم البدن والعقل ما رأى ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>التطابق الكامل لتعاليمه مع الحقيقة:</span>\nولكننا - نحن المستمعين - لا نستطيع أن نمر بتجربته، ولا أن نعيشها كما عاشها.\nهذا صحيح ولكن لدينا من وسائل المراجعة ما يساعدنا على أن نتحقق مما إذا كان هذا مجرد هلوسة أو ظاهرة مرضية - «تنتاب ذوي القدرات الخارقة وحدهم» (^٢). أو أن صوت الحق ذاته هو الذي يلهمه. ولتحقيق هذا الغرض علينا أن نراجع محتوى تعاليمه ومضمونها لا مدى تأكيده واقتناعه بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>وإليك ثلاث عينات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>١ - في الماضي: حقائق دينية وأخلاقية وتاريخية:</span>\nلقد رأينا من أمثلة المبادئ الأخلاقية، أنه لا يستطيع أي حماس شخصي أو أية معارف مبهمة وغير مباشرة عن الكتب المقدسة - أن تضمن للنبي العربي ﷺ هذا التوافق والتطابق العجيب بينها وبين تعاليمه. وكأن التوراة كانت تحت بصره دائما، أو أنه حفظها عن ظهر قلب، حتى يمكنه أن يستخرج منها التعاليم التي تلزمه في كل مناسبة (^٣). ومع هذا التطابق المدهش، لاحظنا من بحثنا استقلالا في لهجته وفي طريقته في عرض الدروس والمواعظ القرانية.\nوقد يكون من المفيد حقا أن نعقد مقارنة بين التوراة والقرآن عن صفات الله والملائكة والأنبياء وما وراء الكون ... إلخ ولكن ذلك سيكون خروجا عن دائرة\n_________\n(^١) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢٠].\n(^٢) جولد سيهر في كتاب «العقيدة والقانون ...» ص ٣.\n(^٣) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأنعام: ١٠٥].","vol":"1","page":185},{"text":"هذا «المدخل». فعلينا إذن أن نكتفي بالقول بأنه عندما يشترك هذان الكتابان في الحديث عن موضوع واحد (^١)، فإن جوهر المعنى يتشابه بينهما بشكل يستلفت الأنظار، بحيث يكاد ينحصر الاختلاف في فروق طفيفة وثانوية، مع تميز النص القرآني في الغالب باتزانه واتجاهه نحو استخلاص العبر والدروس من كل عرض.\nولقد كتب جول دافيد في مقال معنون «توافقات واختلافات بين القصص الديني في التوراة والقرآن» يقول «إن الجوهر واحد، والاختلاف ليس إلا في الشكل، وفي تفاصيل طفيفة للغاية» (^٢).\nوأننا لا نسمي الزيادة أو الحذف «اختلافا» لأننا نرى أن ما يستحق أن يطلق عليه ذلك هو التعارض والتناقض. ومع ذلك فالاختلاف بهذا المعنى نادرا جدا بين هذين الكتابين وقابل للتأويل. ويعتمد المتشككون على مثل هذه الاختلافات التافهة، ليرفضوا الإسلام ككل، ولكن المنطق يتطلب موقفا مغايرا. ففي الوقت الذي نضع فيه ثقتنا في الرواة الموثوق بهم نتوقف أمام نقط الاختلاف وحدها، إما لنعلق حكمنا، وإما لنحاول البحث عن نوع من الربط يسمح لنا بتصحيح بعض الروايات بغيرها. وما يتبع للتوفيق والتدرج بين الأناجيل الأربعة، ينبغي أن يتبع في دراسة مجموع المواعظ والوصايا الدينية التي تركها لنا جميع رسل الله ﵈. فالجميع عندنا مقدسون ومنزهون. ورغم المسافة الشاسعة التي تفصل بينهم من حيث الزمان والمكان ورغم اختلاف الأجناس واللغات، فقد مروا بنفس التجربة؛ وهي الاتصال بعالم الغيب، وإن تطابق أقوالهم في جوهر تعاليمهم، ينبغي أن يفتح أعين الغافلين على صدقهم وصحة مبادئهم التي تناولت بالوصف الحقائق العليا من زوايا مختلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>٢ - في الحاضر: حقائق علمية:</span>\nولكن القرآن في دعوته إلى الإيمان والفضيلة لا يسوق الدروس من التعاليم\n_________\n(^١) لأن كل كتاب منهم في الحقيقة يحتفظ بخاصيته. مثل خط الأنساب في التوراة وقصص عاد وثمود في القرآن.\n(^٢)  Revue de la Societe des Etudes Historiques IVe serie،T II Mars-Avril I ٨٨٤ p .١٢٥","vol":"1","page":186},{"text":"الدينية والأحداث الجارية وحدها، وإنما يستخدم في هذا الشأن الحقائق الكونية الدائمة، ويدعو عقولنا إلى تأمل قوانينها الثابتة - لا بغرض دراستها وفهمها في ذاتها فحسب - وإنما لأنها تذكر بالخالق الحكيم القدير. ونلاحظ أن هذه الحقائق التي يقدمها تتفق تماما مع آخر ما توصل إليه العلم الحديث. مثل المنبع الخفي الذي يخرج منه العنصر الجنسى للإنسان (^١)؛ والمراحل التي يمر بها الإنسان وهو في بطن أمه (^٢)؛ وعدد التجويفات المظلمة التي يتم الخلق بداخلها (^٣)؛ والمنشأ المائى لجميع المخلوقات الحية (^٤)؛ وتكوين المطر (^٥)؛ ودائرية السماء والأرض (^٦)؛ وكروية الأرض غير المكتملة عند الأقطاب (^٧)؛ ومسيرة الشمس إلى نقطة معلومة (^٨)؛ وتعايش الحيوانات في جماعات تشبه المجتمعات الإنسانية (^٩)؛ ووصف حياة النحل (^١٠) بصفة خاصة؛ وثنائية النباتات والمخلوقات الأخرى. وهي حقيقة علمية كان يجهلها عصر الرسول ﷺ (^١١). والتلقيح بواسطة\n_________\n(^١) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ [الطارق: ٦ - ٧].\n(^٢) فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج: ٥].\n(^٣) يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٦].\n(^٤) وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٣٠].\n(^٥) اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [الروم: ٤٨].\n(^٦) يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥].\n(^٧) أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [الأنبياء: ٤٤].\n(^٨) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [يس: ٣٨].\n(^٩) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: ٣٨].\n(^١٠) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا [النحل: ٦٨ - ٦٩].\n(^١١) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦].","vol":"1","page":187},{"text":"الرياح ... (^١) (¬،٢) إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>٣ - في المستقبل: في التأكيد وفي النفي وفي الإغفال:</span>\nوبالإضافة إلى هذه الحقائق المقررة، أعلن القرآن عن أحداث ستتم فيما بعد، رأيناها تقع كما كان متوقعا بالضبط. وهكذا تنبأ بالمواقف الثلاثة لمعارضيه (في البداية موقف المخالف ثم موقف الميال للتوفيق وأخيرا المعادي)، وبتتابع مراحل مصائرهم على التوالي بحسب كل موقف: مجاعة ورخاء وهزيمة (^٣). وأعلن عن\n_________\n(^١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ (الحجر ٢٢).\n(^٢) عند اختيارنا للآيات التي استشهدنا بها في هذه الفقرة، حرصنا على تلافي ما يعاب به على الطريقة التوضيحية المعروفة «بالتأويل»، والتي تتلخص في تفسيرآيات القرآن بحيث تتفق نتائج التفسير مع النتائج العلمية المقررة. ولكن الحماس دفع بعض المفسرين المحدثين إلى المبالغة في استخدام هذه الطريقة التوفيقية لصالح القرآن، بحيث أصبحت خطرا على الإيمان ذاته. لأنها إما أن تقلل من الإعتماد على معنى النص باستنطاقه ما لا تحتمله ألفاظه وجمله، وإما أن نعول أكثر مما يجب على آراء العلماء، وحتى على افتراضاتهم المتناقضة أو التي يصعب التحقق من صحتها.\nوبعد أن نستبعد هذه المبالغات عن البحث، نرى أن من مقتضيات الإيمان التي لا غنى عنها - أن نضاهي الحقائق الفورية التي نجدها في القرآن مع نتائج العلماء المنهجية البطيئة. والقرآن ذاته يدعونا إلى البحث والكشف عن مصدره الرباني، وذلك بتدبره، وبتأمل آيات الخالق التي أودعها في الكون وفي أنفسنا لنصل إلى الدليل القاطع على صدقها المطلق أَ@فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: ٨١ - ٨٢] سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ@لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣].\nولكن الأمثلة السابقة هنا لا تتطلب تفسيرا أو تأويلا، وإنما تتضمن تطابقا عجيبا بين التوضيح القرآني ذاته وبين التوضيح العلمي الذي ثبت بعد بحوث طويلة خلال العصور والأجيال التي إنتهت إلى النتائج المقطوع بصحتها بفضل إسهام رجال متخصصين كل في فرعه المحدود.\nهل في هذا مجرد صدفة؟ هل يمكن في عصر الجاهلية أن يتعرض رجل مجرد من أية معدات فنية، ومعتمد على علمه الطبيعي الخاص، وعلي مشاهداته المحدودة (بالإضافة إلى ما إشتمل عليه كتابه من حلول فى الإخلاق والدين والإجتماع) لعلوم التشريح والأرصاد الجوية والكونية والنفسية للحيوان والإنسان وفروع أخرى كثيرة، تتطلب إمكانيات فنية دقيقة، وتجارب جماعية متكاملة، وإن يعطينا في كل موضوع حقائق عالمية خالدة من غير أن يترك في أي مجال أثرا ولو طفيفا ينم عن عصره أو بيئته أو حتى خياله الشخصي؟.\n(^٣) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ * أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ [الدخان: ١٠ - ١٦].","vol":"1","page":188},{"text":"الهزيمة التي منيت بها قريش ببدر في العام الثاني الهجري، وذلك قبل الهجرة بسنوات عديدة، على أنها ستقع في نفس الوقت الذي ينهزم فيه الفرس من الرومان (^١). وحادثة عجيبة وقعت في هذه المعركة، وكان القرآن قد تنبأ بها في بداية الإسلام وهي ضربة السيف التي تلقاها شخص يدعي الوليد بن المغيرة على أنفه وتركت عليها علامة أثارت سخرية قومه منه مدى حياته (^٢). ولا حاجة إلى ذكر الظروف المخيبة للآمال، والتي أعلن القرآن بالرغم منها انتصاره القريب على أعدائه، فضلا عن خلود دعوته على مر الزمان (^٣). بل وقيام دولة الإسلام الفتية على الأرض (^٤)، وعجز كل قوى الأرض عن القضاء عليها (^٥). ولم يغفل الكلام عن مستقبل الطائفتين الدينيتين السابقتين، وعلاقاتهما المستقبلة، وهي الانشقاق والخلاف إلى يوم القيامة بالنسبة للمسيحية (^٦)، وتشتت بني إسرائيل في أقطار الأرض والاضطهاد الذي سيقع عليهم في كل مكان حتى نهاية العالم، وحاجتهم الدائمة إلى الحيف (^٧) وتفوق المسيحيين على اليهود إلى يوم القيامة (^٨) (¬،٩) .. إلخ.\n_________\n(^١) وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللهِ [الروم: ٣ - ٥].\n(^٢) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: ١٦].\n(^٣) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: ١٧].\n(^٤) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: ٥٥].\n(^٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:\n٣٦].\n(^٦) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ... فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [المائدة: ١٤].\n(^٧) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ [آل عمران: ١١٢].\n(^٨) وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [آل عمران: ٥٥].\n(^٩) ليس هناك حرج في إبراز الفروق الأساسية التي تتميز بها - من نواح كثيرة - الوقائع التى تنبأ بها القرآن، والوقائع التي يتناولها علم النفس التجريبي الحديث (التلباثى) والمغناطيسية، وتحضير الأرواح، وقياس الظواهر النفسية، والأحلام، والتنبؤات، والرؤية الخلفية .. الخ، والتي - وإن كانت تثبت وجود عالم ما وراء الحواس، واحتمال الاتصال بهذا العالم الغيبي - لا تقدم لنا أدلة أكيدة عن مصدره الإلهي. وهذا الفرق يكمن «أولا» في مفهوم -","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>منهج القرآن الكامل ينهض دليلا كافيا على مصدره الرباني:</span>\nوهكذا تشترك أحداث الماضي والحاضر والمستقبل في مجال الواقع لكي تتوافق مع عالم الأفكار وتؤيدها. بماذا نخلص من كل هذا؟ بأحد أمرين: فإما أن يكون هناك ميثاق معقود مع العناية الإلهية تولت بمقتضاه السهر على هذه الدعوة لعصمتها من كل زلل، وإما أن الله يخدعنا عندما يترك جميع الأدلة القاطعة تنحاز إلى كذّاب خدّاع، ولا يترك لنا بصيصا من الضوء يعاوننا على كشف أمره.\nولكن قيمة القرآن لا تقف عندما يصرح به فقط، بل إن إعجازه يمتد إلى ما يمتنع عن قوله أو يسقطه عن قصد. فوراء العلم الذي يقدمه لنا يضرب النطاق حول منطقة حرام، لا يخترقها علمنا المحدود استأثر بها علم الله. فهل حالف النجاح أية محاولة لاختراق هذا الحاجز بخطوات ثابتة؟. ومهما أقيم من محطات الأرصاد الجوية، فإن التنبؤات ستظل احتمالية وما هي الروح؟ إن كلمة الفلسفة في هذا الموضوع كانت: لا أدري (^١).\n_________\n(^٩) - هذه الظواهر. فإن التنبؤ بالأحداث البعيدة يفترض وجود موقف إرادى مقصود فى التجارب العملية، فضلا عن أن التجربة فى أثناء إجراءها تجعل الضمير السوي يتمثل هذه الأحداث بطابع افتراضي ممكن أو محتمل الحدوث لأنه يمكن لأى تأكيد ذاتي في الموضوع أن يتشتت نتيجة إيحاء خاطئ (مثل الأحلام والتنويم المغناطيسى) ويتضح الفرق «ثانيا» في التحقيق الفعلي لهذه الظواهر.\nوفي هذه النقطة يؤكد لنا الكاتب الأمريكى أو بتون سنكلير المعروف ببحوثه المنهجية عن التلباثي (أو الاستشفاف) - بأن من بين ٢٩٠ حالة اختبرها مع زوجته حققت منها ٢٣ حالة نجاحا كاملا، و٥٣ حالة نجاحا جزئيا (واردة بكتاب «الله» للعقاد ص ٣٨ وأخيرا فإن هذه الظواهر من حيث مداها - سواء كان هدفها الفرد أو عصر محدد - ونظرا لأنها تنبؤات إنسانية فإن مجالها من حيث التطبيق متواضع جدا ولا يمكن أن يصل مطلقا إلى حد الخلود. أما ما نحن بصدده من تنبؤات القرآن فإننا نجد فيه حقائق قاطعة مقدمة بنفس قوة الوعد الإلهي وتتعلق بوقائع من كل نوع بعضها يتحقق بطريقة أبدية والآخر في تاريخ محدد وغيرها يستبعد نهائيا وفي كل حالة تتحقق هذه الوقائع كما هو مرسوم بكل دقة.\nولكن موقفنا الحقيقي هنا لا يقصد منه التدليل لصالح القرآن بقدر ما هو دحض للنظرية المعارضة بحجة اللامعقول. فإذا كان الوحي من نتائج خيال متحمس فينبغي أن نجد على الأقل نموذجا واحدا في القرآن يتمثل فيه الفارق الكبير بين القول وبين الحقيقة الواقعة.\n(^١) قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥].","vol":"1","page":190},{"text":"وقول قاصر: أن تقول إن القرآن دائرة معارف عصره، فلقد كانت لجميع العصور أوهامها التي اعتبرتها حقائق مقررة ولم يثبت خطؤها إلا فيما بعد. ولكن القرآن في مسلكه بين مجالات العلم لا يتأرجح أبدا والحقائق التي يسوقها كانت وستظل لا تقهر (^١).\nإنه لا يقع في الأخطاء الموروثة - التي كانت في العصور القديمة والتي تتميز بها الجزيرة العربية، كما أنه لا يتوقف عند تفاصيل حقيرة أو دارجة أو تحمل طابع البيئة التي نزل فيها. ولقد عبر «لامنز» في كتابه «مهد الإسلام قبيل الهجرة» عن أسفه، لأن هذا الكتاب لم يقدم معلومات أو تفاصيل توصف بها بلاده من حيث العلوم المناخية والجوية، بينما يطيل تأملاته أمام النجوم والجبال والسحاب والمظاهر العادية الأخرى التي يصفها بالعجائب (ص - ٨٩) وهنا يمكن في رأينا الدليل على أن القرآن ليس انتاجا محليا، لأن الحقائق التي يقدمها هي من النوع الذي يسهل على جميع العقول إدراكه واستخلاص الفائدة الأخلاقية منه. ولهذا نرى مكانه سامقا فوق كل الاعتبارات الجغرافية والعنصرية وغيرها. ولهذا أيضا لا يذكر عموما أسماء الأشخاص والأماكن التي يتحدث عنها، ولا يركز إلا على العبر والدروس التي تفيد في تربية الإنسانية، إن هذا المنهج الكامل المتكامل الذي ينفرد به القرآن وحده هو في ذاته برهان وأي برهان.\nلقد انتشرت الدعوة القرآنية في البداية في الجزيرة العربية بين العرب ولكن غايتها هي أفراد البشرية أجمعين (^٢).\n***\n_________\n(^١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢].\n(^٢) لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١] إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [سورة ص: ٨٧].","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>ملحوظة</span>\nفي الوقت الذي كاد مخطوط هذا الكتاب أن يتم نسخه على الآلة الكاتبة، ظهر كتاب من تأليف البروفسور بلاشير بعنوان: «مدخل إلى القرآن» (باريس نشر ميزونوف ١٩٤٧) إلا أن هذا البحث لا يتناول الموضوع من نفس الزاوية وبالتالي لا يزدوج مع كتابنا.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المراجع</span>\nالقرآن هو النص الجوهري الذي تعتمد عليه دراستنا في هذا الكتاب، وأرقام السور والآيات مستمدة من طبعة المصحف الصادرة في القاهرة باللغة العربية عام ١٣٤٧ هجرية.\nونظرا لأن الترجمات الفرنسية المختلفة للقرآن (ترجمات كازمرسكي وماردروس مونتيه وبيل - تيجاني وسفاري) قد روجعت وصححت بمعرفتنا فإن النصوص الفرنسية المقدمة هنا عن الآيات القرآنية لا تنتمي إلى أي مترجم معين.\nومن كل اطلاعاتنا في الآداب المختلفة سوف لا نورد هنا من المراجع إلا ما أشرنا إليه في كتابنا سواء أكانت تتفق أو تتعارض مع بحثنا، وذلك حسب الترتيب الأبجدي لأسماء المؤلفين.","vol":"1","page":193},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-162> أ - المراجع العربية</span>\n <table dir=rtl> <tr> <td>ابن أبي داود </td> <td>: كتاب المصاحف </td> <td>المطبعة الرحمانية بالقاهرة </td> <td>١٩٣٦ م </td> </tr> <tr> <td>ابن سعد </td> <td>: الطبقات </td> <td>٨ أجزاء طبع ليدن </td> <td>١٣٣٥ هـ </td> </tr> <tr> <td>ابن النديم </td> <td>: الفهرست </td> <td>طبع ليبزيج </td> <td>١٨٧٢ م </td> </tr> <tr> <td>ابن هشام </td> <td>: سيرة الرسول ﷺ </td> <td>جزءان طبع صبيح بالقاهرة </td> <td>١٩٢٩ م </td> </tr> <tr> <td>أبو داود </td> <td>: السنن </td> <td>٤ أجزاء طبع الخشاب بالقاهرة على هامش الزرقاني على الموطأ </td> <td>١٣١٠ هـ </td> </tr> <tr> <td>البخاري </td> <td>: الجامع الصحيح </td> <td>٩ أجزاء طبع بولاق بالقاهرة </td> <td>١٢٨٩ هـ </td> </tr> <tr> <td>الترمذي </td> <td>: الجامع (أو السنن) </td> <td>جزءان طبع بولاق بالقاهرة </td> <td>١٢٩٢ هـ </td> </tr> <tr> <td>دراز </td> <td>: النبأ العظيم </td> <td>طبع المليجي بالقاهرة </td> <td>١٣٥٢ هـ </td> </tr> <tr> <td>الرازي </td> <td>: مفاتيح الغيب (المعروف بالتفسير الكبير) </td> <td>٦ أجزاء بولاق بالقاهرة </td> <td>١٢٧٨ هـ </td> </tr> <tr> <td>راستوفدوني </td> <td>: تاريخ القرآن والمصاحف </td> <td>طبع بطرسبورج </td> <td>١٣٢٣ هـ </td> </tr> <tr> <td>الزنجاني </td> <td>: تاريخ القرآن </td> <td>طبع لجنة التأليف والتجمة والنشر بالقاهرة </td> <td>١٩٣٥ م </td> </tr> <tr> <td>السيوطي </td> <td>: الإتقان في علوم القرآن </td> <td>جزءان المطبعة الأزهرية بالقاهرة </td> <td>١٣٤٤ هـ </td> </tr> <tr> <td>السيوطي </td> <td>: الجامع الصغير (مع زياداته التي ضمها إليه النبهاني وجمعها تحت اسم الفتح الكبير) </td> <td>٣ أجزاء طبع الحلبي بالقاهرة </td> <td>١٣٥٠ هـ </td> </tr> </table>","vol":"1","page":194},{"text":"<table dir=rtl> <tr> <td>السيوطي </td> <td>: الدر المنثور </td> <td>٦ أجزاء طبع الحلبي بالقاهرة </td> <td>١٣١٤ هـ </td> </tr> <tr> <td>طاهر الجزائري </td> <td>التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن </td> <td>طبع المنار بالقاهرة </td> <td>١٩٣٤ م </td> </tr> <tr> <td>العقاد </td> <td>: الله </td> <td>طبع دار المعارف بالقاهرة </td> <td>١٩٤٧ م </td> </tr> <tr> <td>مالك </td> <td>: الموطأ </td> <td>جزءان بشرح السيوطي طبع الحلبي بالقاهرة </td> <td>١٣٤٩ هـ </td> </tr> <tr> <td>مسلم </td> <td>: الصحيح (أو الجامع الصحيح) </td> <td>٨ أجزاء طبع إستامبول </td> <td>١٣٣٤ هـ </td> </tr> <tr> <td>النبهاني </td> <td>: الأنوار المحمدية </td> <td>طبع بيروت </td> <td>١٣١٢ هـ </td> </tr> <tr> <td>النووي </td> <td>: تهذيب الأسماء واللغات </td> <td>طبع لندن (جمعية نشر النصوص الشرقية) </td> <td>١٨٤٧ م </td> </tr> </table>","vol":"1","page":195},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-163> ب - المراجع الأوروبية</span>","vol":"1","page":196}]}