{"ً":{"ٌ":7331,"ٍ":"نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["7331/59466.pdf"]},"ّ":"الكتاب: نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس\nالمؤلف: سالم بن عبد الله الخلف\nالناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ٩٥٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"5.0","ٔ":1495,"ٕ":25,"ٖ":1770155671,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تحليل المصادر","level":2,"page":9},{"title":"التمهيد","level":1,"page":25},{"title":"الفصل الأول: النظام السياسي ورسومه","level":1,"page":124},{"title":"المبحث الأول: رئاسة الدولة","level":2,"page":126},{"title":"رسوم الخلع من الخلافة","level":3,"page":134},{"title":"ممارسة الأمير أو الخليفة للسلطان","level":3,"page":136},{"title":"الألقاب","level":4,"page":158},{"title":"الخاتم","level":4,"page":179},{"title":"الدعاء في الخطبة","level":4,"page":182},{"title":"ارتقاب الأهلة","level":4,"page":185},{"title":"المقصورة","level":4,"page":186},{"title":"السرير","level":4,"page":187},{"title":"القضيب","level":4,"page":188},{"title":"المظل","level":4,"page":189},{"title":"حجر الأعزة","level":4,"page":190},{"title":"الطراز","level":4,"page":190},{"title":"المبحث الثاني: ولاية العهد","level":2,"page":199},{"title":"اختيار ولي العهد","level":3,"page":199},{"title":"مراسم تعيين ولي العهد","level":3,"page":208},{"title":"إعداد ولي العهد وتدريبه على شؤون الحكم","level":3,"page":214},{"title":"سلطان ولي العهد وصلاحياته","level":3,"page":217},{"title":"تعريف الأمة \"الرعية\" بولي العهد","level":3,"page":219},{"title":"الإضطراب الذي تطرق لنظام ولاية العهد","level":3,"page":220},{"title":"موافقة الأسرة ومعارضتها","level":3,"page":222},{"title":"المبحث الثالث: رسوم الإمارة والخلافة","level":2,"page":229},{"title":"استقبال الرسل وعقد المعاهدات","level":3,"page":229},{"title":"موكب الأمير أو الخليفة","level":3,"page":266},{"title":"موكب الصلاة","level":3,"page":274},{"title":"موكب الصيد والنزهة","level":3,"page":275},{"title":"موكب الحرب","level":3,"page":280},{"title":"المجالس الخاصة","level":3,"page":281},{"title":"رسوم عامة لبني أمية","level":3,"page":294},{"title":"الفصل الثاني: النظام الإداري والمالي","level":1,"page":302},{"title":"المبحث الأول: النظام الإداري","level":2,"page":304},{"title":"خطة عمالة الكور","level":3,"page":314},{"title":"خطة الكتابة","level":3,"page":330},{"title":"كاتب الزمام","level":3,"page":341},{"title":"خطة البريد","level":3,"page":342},{"title":"المبحث الثاني: النظام المالي","level":2,"page":355},{"title":"أولا: خزانة بيت مال المسلمين.","level":2,"page":355},{"title":"ثانيا: الخزانة الخاصة","level":3,"page":360},{"title":"ثالثا: الخزانة العامة للدولة","level":3,"page":367},{"title":"خطة السكة","level":4,"page":388},{"title":"الفصل الثالث: الخطط السياسية","level":1,"page":401},{"title":"المبحث الأول: خطة الحجابة","level":2,"page":403},{"title":"مهام الحاجب","level":3,"page":407},{"title":"تسلط الحجابة على الخلافة","level":3,"page":421},{"title":"الحجابة في عصر الفتنة","level":3,"page":440},{"title":"المبحث الثاني: خطة الوزارة","level":2,"page":447},{"title":"كيفية الوصول إلى منصب الوزارة","level":3,"page":454},{"title":"مرتب الوزير الشهري","level":3,"page":457},{"title":"رسوم الوزارة","level":3,"page":458},{"title":"الوزارة في عهد تسلط الحجابة على الدولة","level":3,"page":467},{"title":"الوزارة في عهد الفتنة","level":3,"page":470},{"title":"الفصل الرابع: الخطط الحربية","level":1,"page":475},{"title":"المبحث الأول: خطة الجيش","level":2,"page":477},{"title":"عناصر الجيش الأموي بالأندلس","level":3,"page":479},{"title":"أولا: العرب","level":4,"page":479},{"title":"ثانيا: المماليك \"الصقالبة\"","level":4,"page":481},{"title":"ثالثا: البربر","level":4,"page":487},{"title":"رابعا: الحشم","level":4,"page":490},{"title":"تعداد الجيش","level":3,"page":496},{"title":"التنظيمات والمناصب العسكرية","level":3,"page":501},{"title":"أ- القيادة","level":4,"page":501},{"title":"ب- خطة الخيل","level":4,"page":509},{"title":"جـ- خطة العرض","level":4,"page":511},{"title":"د- خطة خازن السفر","level":4,"page":512},{"title":"هـ- خطة خزانة السلاح","level":4,"page":513},{"title":"و- صاحب العسكر","level":4,"page":519},{"title":"ح- العرفاء","level":4,"page":522},{"title":"التعبئة والأساليب القتالية","level":3,"page":525},{"title":"الحملات العسكرية","level":3,"page":532},{"title":"مراسم وداع الحملات","level":3,"page":538},{"title":"المبحث الثاني: خطة الأسطول","level":2,"page":550},{"title":"البحرية الأموية في عصر الخلافة","level":3,"page":566},{"title":"إدارة الأسطول","level":3,"page":593},{"title":"الأسلحة المستخدمة في المعارك البحرية","level":3,"page":595},{"title":"حياة المرابطين","level":3,"page":607},{"title":"الفصل الخامس: الخطط الدينية","level":1,"page":609},{"title":"المبحث الأول: خطة القضاء","level":2,"page":611},{"title":"رسوم تعيين قاضي الجماعة","level":3,"page":618},{"title":"علاقة أمراء وخلفاء بني أمية بقضاتهم","level":3,"page":622},{"title":"تعطل منصب قاضي الجماعة","level":3,"page":632},{"title":"ثقافة القاضي","level":3,"page":634},{"title":"صلاحيات القاضي واختصاصاته","level":3,"page":639},{"title":"مجلس القاضي ورسومه","level":3,"page":649},{"title":"مواعيد مجلس القضاء ولباس القاضي","level":3,"page":654},{"title":"سير الخصومة في مجلس الحكم","level":3,"page":657},{"title":"طرق الإثبات","level":3,"page":661},{"title":"شهادة الشهود","level":3,"page":663},{"title":"الوكالة","level":3,"page":687},{"title":"تسجيل الأحكام","level":3,"page":692},{"title":"تنفيذ الأحكام","level":3,"page":696},{"title":"أعوان القاضي","level":3,"page":697},{"title":"مرتب القاضي وموارد دخله","level":3,"page":699},{"title":"بعض المهام التي كان يتولاها القاضي أحيانا","level":3,"page":704},{"title":"مستخلف القاضي","level":3,"page":711},{"title":"العزوف عن القضاء","level":3,"page":715},{"title":"العزل عن القضاء","level":3,"page":719},{"title":"المبحث الثاني: خطة الصلاة والخطبة","level":2,"page":732},{"title":"المبحث الثالث: خطة الرد","level":2,"page":758},{"title":"المبحث الرابع: خطة المظالم","level":2,"page":764},{"title":"المبحث الخامس: خطة الشورى","level":2,"page":785},{"title":"ثقافة المفتي","level":3,"page":787},{"title":"سن المفتي","level":3,"page":790},{"title":"معايير التقديم للفتيا \"الشورى\"","level":3,"page":792},{"title":"لباس المفتي","level":3,"page":793},{"title":"موارد دخل المفتي","level":3,"page":795},{"title":"رئاسة الإفتاء بقرطبة","level":3,"page":800},{"title":"عرض فقهاء الشورى لآرائهم","level":3,"page":808},{"title":"عدد فقهاء الشورى","level":3,"page":809},{"title":"رفض منصب الشورى","level":3,"page":818},{"title":"نماذج لبعض فقهاء الشورى","level":3,"page":823},{"title":"الشورى زمن الفتنة","level":3,"page":826},{"title":"الفقهاء المشاورون في الكور","level":3,"page":828},{"title":"المبحث السادس: خطة السوق \"الحسبة\"","level":2,"page":835},{"title":"المبحث السابع: خطة الشرطة","level":2,"page":850},{"title":"أقسام الشرطة","level":3,"page":854},{"title":"أهمية منصب صاحب الشرطة","level":3,"page":858},{"title":"تنقسم الشرطة إلى ثلاثة أقسام","level":3,"page":859},{"title":"الشرطة الصغرى","level":4,"page":859},{"title":"الشرطة الوسطى","level":4,"page":860},{"title":"الشرطة العليا","level":4,"page":860},{"title":"توارث خطة الشرطة","level":3,"page":883},{"title":"السجون","level":3,"page":885},{"title":"الشرطة في زمن الفتنة","level":3,"page":893},{"title":"المبحث الثامن: خطة المدينة","level":2,"page":896},{"title":"مهام صاحب المدينة","level":3,"page":901},{"title":"من تولى خطة المدينة","level":3,"page":910},{"title":"توارث خطة المدينة","level":3,"page":916},{"title":"النتائج","level":1,"page":918},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":924},{"title":"أولا المصادر","level":2,"page":924},{"title":"ابن الأبار (أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي)","level":3,"page":924},{"title":"ابن الأثير (أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد)","level":3,"page":924},{"title":"الإدريسي (أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله)","level":3,"page":924},{"title":"الأزدي (علي بن ظافر)","level":3,"page":924},{"title":"الأزدي (أبو الوليد هشام بن عبد الله)","level":3,"page":925},{"title":"الأصطخري (أبو إسحاق إبراهيم بن محمد)","level":3,"page":925},{"title":"ابن أبي أصيبعة (أبو العباس أحمد بن القاسم)","level":3,"page":925},{"title":"الأعرج (أبو الفضل محمد)","level":3,"page":925},{"title":"ابن بسام (أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني)","level":3,"page":925},{"title":"ابن بشكوال (أبو القاسم خلف بن عبد الملك)","level":3,"page":925},{"title":"البكري (أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز)","level":3,"page":926},{"title":"البكري (أبو عبد الله محمد بن عبد الله)","level":3,"page":926},{"title":"التهانوي (محمد علي بن شيخ علي بن قاضي محمد)","level":3,"page":926},{"title":"الثعالبي (أبو منصور عبد الملك بن محمد)","level":3,"page":926},{"title":"الجاحظ (أبو عثمان عمر بن بحر)","level":3,"page":926},{"title":"ابن حزم (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد)","level":3,"page":926},{"title":"الحضرمي (أبو بكر محمد بن المرادي)","level":3,"page":927},{"title":"الحموي (شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت)","level":3,"page":927},{"title":"الحميدي (أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الأزدي)","level":3,"page":927},{"title":"الحميري (أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم)","level":3,"page":927},{"title":"ابن حوقل (أبو القاسم محمد بن علي)","level":3,"page":927},{"title":"ابن حيان (أبو مروان حيان بن خلف)","level":3,"page":927},{"title":"الخشني (أبو عبد الله محمد بن حارث)","level":3,"page":928},{"title":"ابن الخصاف (أحمد بن عمرو بن مهر الشيباني)","level":3,"page":928},{"title":"ابن الخطيب (لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله)","level":3,"page":928},{"title":"ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد)","level":3,"page":929},{"title":"ابن دحية (أبو الخطاب عمر بن الحسن)","level":3,"page":929},{"title":"الرصاع (قاضي الجماعة محمد الأنصاري التونسي)","level":3,"page":929},{"title":"الرقيق القيرواني (أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم)","level":3,"page":929},{"title":"الزبيدي (أبو بكر محمد بن الحسن)","level":3,"page":930},{"title":"السبكي (قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب)","level":3,"page":930},{"title":"ابن سعيد (علي بن موسى المغربي)","level":3,"page":930},{"title":"السقطي (أبو عبد الله محمد بن أبي محمد)","level":3,"page":930},{"title":"ابن سلام (أبو عبيد القاسم)","level":3,"page":930},{"title":"ابن سماك (أبو القاسم محمد بن أبي العلاء المالقي)","level":3,"page":930},{"title":"الشاطبي (أبو إسحاق إبراهيم بن موسى)","level":3,"page":931},{"title":"صاعد (أبو القاسم صاعد بن أحمد البغدادي)","level":3,"page":931},{"title":"الضبي (أبو جعفر أحمد بن يحيى)","level":3,"page":931},{"title":"طاش كبرى زاده (أحمد بن مصطفى)","level":3,"page":931},{"title":"الطرطوسي (مرضي بن علي بن مرضي).","level":3,"page":931},{"title":"الطرطوشي (أبو بكر محمد الوليد)","level":3,"page":932},{"title":"العباسي (الحسن بن عبد الله بن محمد)","level":3,"page":932},{"title":"ابن عبد ربه (أبو عمر أحمد بن محمد)","level":3,"page":932},{"title":"ابن عبد الرفيع (أبو إسحاق إبراهيم بن حسين)","level":3,"page":932},{"title":"ابن عبدون (محمد بن عبد الله النخعي، أو محمد بن أحمد التجيبي)","level":3,"page":932},{"title":"ابن عذاري (أبو العباس أحمد بن محمد)","level":3,"page":932},{"title":"العذري (أبو العباس أحمد بن عمر)","level":3,"page":932},{"title":"ابن العطار (محمد بن أحمد الأموي)","level":3,"page":933},{"title":"عياض (القاضي أبو الفضل بن موسى بن عياض)","level":3,"page":933},{"title":"ابن غالب (محمد بن أيوب)","level":3,"page":933},{"title":"الغساني (محمد بن عبد الوهاب)","level":3,"page":933},{"title":"ابن فرحون (برهان الدين إبراهيم بن علي)","level":3,"page":933},{"title":"ابن الفرضي (أبو الوليد عبد الله بن محمد الأزدي)","level":3,"page":934},{"title":"ابن فضل الله العمري (أحمد بن يحيى)","level":3,"page":934},{"title":"الفيروزبادي (أبو طاهر محمد بن يعقوب)","level":3,"page":934},{"title":"ابن القوطية (أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز)","level":3,"page":934},{"title":"ابن الكردبوس (أبو مروان عبد الملك)","level":3,"page":934},{"title":"الماوردي (أبو الحسن علي بن محمد)","level":3,"page":935},{"title":"المراكشي (عبد الواحد بن علي)","level":3,"page":935},{"title":"المقري (أبو العباس أحمد بن محمد)","level":3,"page":935},{"title":"ابن منظور (جمال الدين محمد بن مكرم)","level":3,"page":935},{"title":"مؤلف مجهول","level":3,"page":935},{"title":"النباهي (أبو الحسن علي بن عبد الله)","level":3,"page":936},{"title":"مؤلف مجهول","level":3,"page":936},{"title":"مؤلف مجهول","level":3,"page":936},{"title":"مؤلف مجهول","level":3,"page":936},{"title":"مؤلف مجهول","level":3,"page":936},{"title":"مؤلف مجهول","level":3,"page":936},{"title":"النويري (أحمد بن عبد الوهاب)","level":3,"page":937},{"title":"الونشريسي (أحمد بن يحيى)","level":3,"page":937},{"title":"أبو يوسف (يعقوب بن إبراهيم)","level":3,"page":937},{"title":"ثانيا المراجع","level":2,"page":938},{"title":"أحمد بن خالد الناصري","level":3,"page":938},{"title":"أحمد مختار العبادي","level":3,"page":938},{"title":"د. إسماعيل العربي","level":3,"page":938},{"title":"آنخل جنثالث بالنثيا","level":3,"page":938},{"title":"شكيب أرسلان","level":3,"page":939},{"title":"د. حسن الباشا","level":3,"page":939},{"title":"د. حسين مؤنس","level":3,"page":939},{"title":"د. رجب محمد عبد الحليم","level":3,"page":939},{"title":"ستانلي بول","level":3,"page":940},{"title":"د. سعاد ماهر","level":3,"page":940},{"title":"د. سيد عبد العزيز سالم","level":3,"page":940},{"title":"شكيب أرسلان","level":3,"page":940},{"title":"د. صلاح الدين المنجد","level":3,"page":941},{"title":"د. عبد الرحمن الحجي","level":3,"page":941},{"title":"عبد الرحمن زكي","level":3,"page":941},{"title":"عبد الرحمن الفاسي","level":3,"page":941},{"title":"عبد الرؤوف عون","level":3,"page":941},{"title":"عبد الواحد ذنون طه","level":3,"page":941},{"title":"علي بهجت","level":3,"page":941},{"title":"كليليا سارنللي تشركوا","level":3,"page":942},{"title":"ليفي بروفنسال","level":3,"page":942},{"title":"لويس سيكودي لوثينا","level":3,"page":942},{"title":"محمد سالم مدكور","level":3,"page":942},{"title":"محمد عبد الله عنان","level":3,"page":942},{"title":"محمد عبد الوهاب خلاف","level":3,"page":943},{"title":"محمد مختار باشا","level":3,"page":944},{"title":"محمد ياسين الحموي","level":3,"page":944},{"title":"محمود محمد عرنوس","level":3,"page":944},{"title":"ناصر النقشبندي","level":3,"page":944},{"title":"هشام سليم عبد الرحمن أبو رميلة","level":3,"page":944},{"title":"المراجع الأجنبية","level":2,"page":945}],"ٛ":{"1,7":1,"1,8":2,"1,9":3,"1,10":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,270":263,"1,271":264,"1,272":265,"1,273":266,"1,274":267,"1,275":268,"1,276":269,"1,277":270,"1,278":271,"1,279":272,"1,280":273,"1,281":274,"1,282":275,"1,283":276,"1,284":277,"1,285":278,"1,286":279,"1,287":280,"1,288":281,"1,289":282,"1,290":283,"1,291":284,"1,292":285,"1,293":286,"1,294":287,"1,295":288,"1,296":289,"1,297":290,"1,298":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,301":294,"1,302":295,"1,303":296,"1,304":297,"1,305":298,"1,306":299,"1,307":300,"1,308":301,"1,309":302,"1,310":303,"1,311":304,"1,312":305,"1,313":306,"1,314":307,"1,315":308,"1,316":309,"1,317":310,"1,318":311,"1,319":312,"1,320":313,"1,321":314,"1,322":315,"1,323":316,"1,324":317,"1,325":318,"1,326":319,"1,327":320,"1,328":321,"1,329":322,"1,330":323,"1,331":324,"1,332":325,"1,333":326,"1,334":327,"1,335":328,"1,336":329,"1,337":330,"1,338":331,"1,339":332,"1,340":333,"1,341":334,"1,342":335,"1,343":336,"1,344":337,"1,345":338,"1,346":339,"1,347":340,"1,348":341,"1,349":342,"1,350":343,"1,351":344,"1,352":345,"1,353":346,"1,354":347,"1,355":348,"1,356":349,"1,357":350,"1,358":351,"1,359":352,"1,360":353,"1,361":354,"1,362":355,"1,363":356,"1,364":357,"1,365":358,"1,366":359,"1,367":360,"1,368":361,"1,369":362,"1,370":363,"1,371":364,"1,372":365,"1,373":366,"1,374":367,"1,375":368,"1,376":369,"1,377":370,"1,378":371,"1,379":372,"1,380":373,"1,381":374,"1,382":375,"1,383":376,"1,384":377,"1,385":378,"1,386":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,394":387,"1,395":388,"1,396":389,"1,397":390,"1,398":391,"1,399":392,"1,400":393,"1,401":394,"1,402":395,"1,403":396,"1,404":397,"1,405":398,"1,406":399,"1,407":400,"1,409":401,"1,410":402,"1,411":403,"1,412":404,"1,413":405,"1,414":406,"1,415":407,"1,416":408,"1,417":409,"1,418":410,"1,419":411,"1,420":412,"1,421":413,"1,422":414,"1,423":415,"1,424":416,"1,425":417,"1,426":418,"1,427":419,"1,428":420,"1,429":421,"1,430":422,"1,431":423,"1,432":424,"1,433":425,"1,434":426,"1,435":427,"1,436":428,"1,437":429,"1,438":430,"1,439":431,"1,440":432,"1,441":433,"1,442":434,"1,443":435,"1,444":436,"1,445":437,"1,446":438,"1,447":439,"1,448":440,"1,449":441,"1,450":442,"1,451":443,"1,452":444,"1,453":445,"1,454":446,"1,455":447,"1,456":448,"1,457":449,"1,458":450,"1,459":451,"1,460":452,"1,461":453,"1,462":454,"1,463":455,"1,464":456,"1,465":457,"1,466":458,"1,467":459,"1,468":460,"1,469":461,"1,470":462,"1,471":463,"1,472":464,"1,473":465,"1,474":466,"1,475":467,"1,476":468,"1,477":469,"1,478":470,"1,479":471,"1,480":472,"1,481":473,"2,482":474,"2,483":475,"2,484":476,"2,485":477,"2,486":478,"2,487":479,"2,488":480,"2,489":481,"2,490":482,"2,491":483,"2,492":484,"2,493":485,"2,494":486,"2,495":487,"2,496":488,"2,497":489,"2,498":490,"2,499":491,"2,500":492,"2,501":493,"2,502":494,"2,503":495,"2,504":496,"2,505":497,"2,506":498,"2,507":499,"2,508":500,"2,509":501,"2,510":502,"2,511":503,"2,512":504,"2,513":505,"2,514":506,"2,515":507,"2,516":508,"2,517":509,"2,518":510,"2,519":511,"2,520":512,"2,521":513,"2,522":514,"2,523":515,"2,524":516,"2,525":517,"2,526":518,"2,527":519,"2,528":520,"2,529":521,"2,530":522,"2,531":523,"2,532":524,"2,533":525,"2,534":526,"2,535":527,"2,536":528,"2,537":529,"2,538":530,"2,539":531,"2,540":532,"2,541":533,"2,542":534,"2,543":535,"2,544":536,"2,545":537,"2,546":538,"2,547":539,"2,548":540,"2,549":541,"2,550":542,"2,551":543,"2,552":544,"2,553":545,"2,554":546,"2,555":547,"2,556":548,"2,557":549,"2,558":550,"2,559":551,"2,560":552,"2,561":553,"2,562":554,"2,563":555,"2,564":556,"2,565":557,"2,566":558,"2,567":559,"2,568":560,"2,569":561,"2,570":562,"2,571":563,"2,572":564,"2,573":565,"2,574":566,"2,575":567,"2,576":568,"2,577":569,"2,578":570,"2,579":571,"2,580":572,"2,581":573,"2,582":574,"2,583":575,"2,584":576,"2,585":577,"2,586":578,"2,587":579,"2,588":580,"2,589":581,"2,590":582,"2,591":583,"2,592":584,"2,593":585,"2,594":586,"2,595":587,"2,596":588,"2,597":589,"2,598":590,"2,599":591,"2,600":592,"2,601":593,"2,602":594,"2,603":595,"2,604":596,"2,605":597,"2,606":598,"2,607":599,"2,608":600,"2,609":601,"2,610":602,"2,611":603,"2,612":604,"2,613":605,"2,614":606,"2,615":607,"2,616":608,"2,617":609,"2,618":610,"2,619":611,"2,620":612,"2,621":613,"2,622":614,"2,623":615,"2,624":616,"2,625":617,"2,626":618,"2,627":619,"2,628":620,"2,629":621,"2,630":622,"2,631":623,"2,632":624,"2,633":625,"2,634":626,"2,635":627,"2,636":628,"2,637":629,"2,638":630,"2,639":631,"2,640":632,"2,641":633,"2,642":634,"2,643":635,"2,644":636,"2,645":637,"2,646":638,"2,647":639,"2,648":640,"2,649":641,"2,650":642,"2,651":643,"2,652":644,"2,653":645,"2,654":646,"2,655":647,"2,656":648,"2,657":649,"2,658":650,"2,659":651,"2,660":652,"2,661":653,"2,662":654,"2,663":655,"2,664":656,"2,665":657,"2,666":658,"2,667":659,"2,668":660,"2,669":661,"2,670":662,"2,671":663,"2,672":664,"2,673":665,"2,674":666,"2,675":667,"2,676":668,"2,677":669,"2,678":670,"2,679":671,"2,680":672,"2,681":673,"2,682":674,"2,683":675,"2,684":676,"2,685":677,"2,686":678,"2,687":679,"2,688":680,"2,689":681,"2,690":682,"2,691":683,"2,692":684,"2,693":685,"2,694":686,"2,695":687,"2,696":688,"2,697":689,"2,698":690,"2,699":691,"2,700":692,"2,701":693,"2,702":694,"2,703":695,"2,704":696,"2,705":697,"2,706":698,"2,707":699,"2,708":700,"2,709":701,"2,710":702,"2,711":703,"2,712":704,"2,713":705,"2,714":706,"2,715":707,"2,716":708,"2,717":709,"2,718":710,"2,719":711,"2,720":712,"2,721":713,"2,722":714,"2,723":715,"2,724":716,"2,725":717,"2,726":718,"2,727":719,"2,728":720,"2,729":721,"2,730":722,"2,731":723,"2,732":724,"2,733":725,"2,734":726,"2,735":727,"2,736":728,"2,737":729,"2,738":730,"2,739":731,"2,740":732,"2,741":733,"2,742":734,"2,743":735,"2,744":736,"2,745":737,"2,746":738,"2,747":739,"2,748":740,"2,749":741,"2,750":742,"2,751":743,"2,752":744,"2,753":745,"2,754":746,"2,755":747,"2,756":748,"2,757":749,"2,758":750,"2,759":751,"2,760":752,"2,761":753,"2,762":754,"2,763":755,"2,764":756,"2,765":757,"2,766":758,"2,767":759,"2,768":760,"2,769":761,"2,770":762,"2,771":763,"2,772":764,"2,773":765,"2,774":766,"2,775":767,"2,776":768,"2,777":769,"2,778":770,"2,779":771,"2,780":772,"2,781":773,"2,782":774,"2,783":775,"2,784":776,"2,785":777,"2,786":778,"2,787":779,"2,788":780,"2,789":781,"2,790":782,"2,791":783,"2,792":784,"2,793":785,"2,794":786,"2,795":787,"2,796":788,"2,797":789,"2,798":790,"2,799":791,"2,800":792,"2,801":793,"2,802":794,"2,803":795,"2,804":796,"2,805":797,"2,806":798,"2,807":799,"2,808":800,"2,809":801,"2,810":802,"2,811":803,"2,812":804,"2,813":805,"2,814":806,"2,815":807,"2,816":808,"2,817":809,"2,818":810,"2,819":811,"2,820":812,"2,821":813,"2,822":814,"2,823":815,"2,824":816,"2,825":817,"2,826":818,"2,827":819,"2,828":820,"2,829":821,"2,830":822,"2,831":823,"2,832":824,"2,833":825,"2,834":826,"2,835":827,"2,836":828,"2,837":829,"2,838":830,"2,839":831,"2,840":832,"2,841":833,"2,842":834,"2,843":835,"2,844":836,"2,845":837,"2,846":838,"2,847":839,"2,848":840,"2,849":841,"2,850":842,"2,851":843,"2,852":844,"2,853":845,"2,854":846,"2,855":847,"2,856":848,"2,857":849,"2,858":850,"2,859":851,"2,860":852,"2,861":853,"2,862":854,"2,863":855,"2,864":856,"2,865":857,"2,866":858,"2,867":859,"2,868":860,"2,869":861,"2,870":862,"2,871":863,"2,872":864,"2,873":865,"2,874":866,"2,875":867,"2,876":868,"2,877":869,"2,878":870,"2,879":871,"2,880":872,"2,881":873,"2,882":874,"2,883":875,"2,884":876,"2,885":877,"2,886":878,"2,887":879,"2,888":880,"2,889":881,"2,890":882,"2,891":883,"2,892":884,"2,893":885,"2,894":886,"2,895":887,"2,896":888,"2,897":889,"2,898":890,"2,899":891,"2,900":892,"2,901":893,"2,902":894,"2,903":895,"2,904":896,"2,905":897,"2,906":898,"2,907":899,"2,908":900,"2,909":901,"2,910":902,"2,911":903,"2,912":904,"2,913":905,"2,914":906,"2,915":907,"2,916":908,"2,917":909,"2,918":910,"2,919":911,"2,920":912,"2,921":913,"2,922":914,"2,923":915,"2,924":916,"2,925":917,"2,928":918,"2,929":919,"2,930":920,"2,931":921,"2,932":922,"2,933":923,"2,936":924,"2,937":925,"2,938":926,"2,939":927,"2,940":928,"2,941":929,"2,942":930,"2,943":931,"2,944":932,"2,945":933,"2,946":934,"2,947":935,"2,948":936,"2,949":937,"2,950":938,"2,951":939,"2,952":940,"2,953":941,"2,954":942,"2,955":943,"2,956":944,"2,957":945},"ٜ":{"1":[7,481],"2":[482,957]},"ٝ":["1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957"],"ٞ":{"1":[1],"9":[2],"25":[3],"124":[4],"126":[5],"134":[6],"136":[7],"158":[8],"179":[9],"182":[10],"185":[11],"186":[12],"187":[13],"188":[14],"189":[15],"190":[16,17],"199":[18,19],"208":[20],"214":[21],"217":[22],"219":[23],"220":[24],"222":[25],"229":[26,27],"266":[28],"274":[29],"275":[30],"280":[31],"281":[32],"294":[33],"302":[34],"304":[35],"314":[36],"330":[37],"341":[38],"342":[39],"355":[40,41],"360":[42],"367":[43],"388":[44],"401":[45],"403":[46],"407":[47],"421":[48],"440":[49],"447":[50],"454":[51],"457":[52],"458":[53],"467":[54],"470":[55],"475":[56],"477":[57],"479":[58,59],"481":[60],"487":[61],"490":[62],"496":[63],"501":[64,65],"509":[66],"511":[67],"512":[68],"513":[69],"519":[70],"522":[71],"525":[72],"532":[73],"538":[74],"550":[75],"566":[76],"593":[77],"595":[78],"607":[79],"609":[80],"611":[81],"618":[82],"622":[83],"632":[84],"634":[85],"639":[86],"649":[87],"654":[88],"657":[89],"661":[90],"663":[91],"687":[92],"692":[93],"696":[94],"697":[95],"699":[96],"704":[97],"711":[98],"715":[99],"719":[100],"732":[101],"758":[102],"764":[103],"785":[104],"787":[105],"790":[106],"792":[107],"793":[108],"795":[109],"800":[110],"808":[111],"809":[112],"818":[113],"823":[114],"826":[115],"828":[116],"835":[117],"850":[118],"854":[119],"858":[120],"859":[121,122],"860":[123,124],"883":[125],"885":[126],"893":[127],"896":[128],"901":[129],"910":[130],"916":[131],"918":[132],"924":[133,134,135,136,137,138],"925":[139,140,141,142,143,144],"926":[145,146,147,148,149,150],"927":[151,152,153,154,155,156],"928":[157,158,159],"929":[160,161,162,163],"930":[164,165,166,167,168,169],"931":[170,171,172,173,174],"932":[175,176,177,178,179,180,181],"933":[182,183,184,185,186],"934":[187,188,189,190,191],"935":[192,193,194,195,196],"936":[197,198,199,200,201,202],"937":[203,204,205],"938":[206,207,208,209,210],"939":[211,212,213,214],"940":[215,216,217,218],"941":[219,220,221,222,223,224,225],"942":[226,227,228,229,230],"943":[231],"944":[232,233,234,235,236],"945":[237]},"ٟ":[924,925,926,927,928,929,930,931,932,933,934,935,937,938,939,940,941,942,943,944,945]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: الآيتان ٧٠، ٧١).\nأما بعد …\nفإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد رسول الله ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.","vol":"1","page":7},{"text":"والنظم جمع نظام، والنظام يطلق عادة على ما يدل على الترتيب والانسجام والارتباط، وأما الرسوم فهو جمع رسم، والرسوم في هذه الرسالة تعني احتفاء الناس بأمور السياسة والقيام بها، وفي مقابلة الملوك ورجالات الدول.\nولهذا فقد جاء البحث مقسمًا إلى تمهيد وخمسة فصول وخاتمة. فالتمهيد تعرض للتأريخ السياسي للدولة الأموية منذ نشأتها سنة ١٣٨ هـ (٧٥٦ م) وحتى سقوطها سنة ٤٢٢ هـ (١٠٣١ م) وقد جاء العرض سريعًا تناولت فيه ذكر كل أمير أو خليفة مع ذكر أبرز حوادث عصره سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وقد تعمدت أن يكون التمهيد خاصًا بالحديث عن الحالة السياسية ليكون أرضية تسير عليها جميع فصول الدراسة، ومكملًا للجوانب الحضارية الخاصة بنظام الحكم ورسومه موضوع البحث، ولنقف كذلك على مدى تأثرها بالوضع السياسي العام للدولة.\nثم أتى الفصل الأول بعنوان \"النظام السياسي ورسومه\" وهو مقسم إلى ثلاثة مباحث، المبحث الأول \"رئاسة الدولة\" تناولت فيه بيان كيفية \"اختيار الأمير أو الخليفة\"، \"تسلمه للمنصب\"، \"ممارسته للسلطان\"، \"رسوم الخلع من الخلافة\"، اتخاذ الألقاب\"، \"الدعاء في الخطبة\"، \"المقصورة\"، \"الساباط\"، \"السرير\"، \"القضيب\"، \"المظل\"، \"حجر الأعزة\"، \"الطراز\".","vol":"1","page":8},{"text":"وأما المبحث الثاني فقد كان خاصًا بـ\"ولاية العهد\" تحدثت فيه عن \"اختيار ولي العهد\"، \"مراسم تعيينه\"، \"إعداده وتدريبه على شئون الحكم\"، \"سلطان ولي العهد وصلاحياته\"، \"تعريف الأمة بولي العهد\"، \"الاضطراب الذي تطرق لولاية العهد\"، \"موافقة الأسرة ومعارضتها\".\nوجاء المبحث الثالث خاصًا بـ\"رسوم الإمارة والخلافة\" وقد اشتمل هذا المبحث على عدد من الفقرات التي تظهر وبجلاء مدى ما وصلت إليه الدولة الأموية من عناية فائقة بهذا الجانب، كالحديث عن \"استقبال الرسل وعقد المعاهدات\"، \"موكب الأمير أو الخليفة\"، \"المجالس الخاصة\" وختمت هذا المبحث بالحديث عما يمكن تسميته بـ\"رسوم عامة لبني أمية\".\nوكان الفصل الثاني خاصًا بالحديث عن \"النظم الإدارية والمالية\" وهو مقسم إلى مبحثين المبحث الأول كان عن النظام الإداري، وفي هذا المبحث بينت أن المسلمين احتفظوا بأصول التقسيم الذي وجدوه قائمًا بالأندلس، ولم يضيفوا إليه إلا بعض التعديلات التي اضطروا إليها، ثم تحدثت عن الكتابة، والبريد.\nوأما المبحث الثاني فقد كان عن النظام المالي، وقد وضحت كيف أن الدولة الأموية كان لديها ثلاثة أنواع من الخزائن وبينت موارد ومصارف كل نوع منها، واختتمت هذا المبحث بالحديث عن العملة في الأندلس.","vol":"1","page":9},{"text":"وتحدثت في الفصل الثالث عن \"الخطط السياسية\" واقتصرت الحديث فيه على خطتي \"الحجابة والوزارة\" وجعلت كل خطةٍ في مبحث منفصل، ولعل أبرز ما في الحجابة أن متوليها كان معظم عهد الدولة الأموية أشبه بوزير التنفيذ، لكنه منذ أن سيطر الحاجب المنصور بن أبي عامر على الدولة الأموية، أصبح منصب الحاجب وزير تفويض بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.\nوأما خطة الوزارة فهي تدين للأمير عبد الرحمن الأوسط بتنظيمها، وإنشاء مجلس خاص للوزارة بقصر قرطبة، عُرف ببيت الوزراء، وكل من الحجابة والوزارة قد تأثرتا وبشدة في عهد الفتنة التي عم تأثيرها أنشطة الدولة كافة والمجتمع في عهد بني أمية.\nوكان الفصل الرابع خاصًا بالحديث عن \"النظام الحربي\" شمل خطتي الجيش والأسطول، فبينت في الجيش: العناصر المكونة له، ومرتبات أفراده وتعداده، وموارده، والتنظيمات والمناصب العسكرية المتبعة فيه، وأسلحته وكيفية التعبئة وأساليب القتال، وجاءت خاتمته بذكر الصوائف والشواتي.\nوأما خطة الأسطول فتعرضت فيها لذكر كيفية نشأته في الأندلس، واهتمام الأمويين به وأنواع السفن والمراكب الحربية المستخدمة وإدارة الأسطول، والأسلحة المستخدمة في المعارك البحرية، والأربطة وصورها ووسائل الإنذار فيها، وحياة المرابطين داخلها.\nفي حين أن الفصل الأخير جاء خاصًا بذكر \"الخطط الدينية\" وهذا الفصل شمل الحديث عن خطط القضاء، والصلاة والرد، والمظالم،","vol":"1","page":10},{"text":"بعد أن فتح المسلمون بلاد شبه الجزيرة الأيبيرية، والتي عُرفت بعد ذلك بالأندلس، ضمت بين شواطئها عناصر سكانية مختلفة المشارب، وأجناسًا بشرية متباينة الثقافات، حتى إذا ما اجتمع هؤلاء كلهم تحت راية الإسلام، تكوَّنت على أيديهم حضارة إسلامية مجيدة، فكانت الأندلس بهذا، أحد المعابر التي انتقلت عن طريقها الحضارة الإسلامية إلى أوروبا.\nوبالرغم من أن المسلمين قد مكثوا في تلك البلاد زهاء ثمانية قرون، إلا أنهم غادروها مرغمين، عندما لم يستطيعوا المحافظة عليها، مخلفين وراءهم شواهد حضارية ظلت إلى يومنا هذا تحكي حقيقة مجد إسلامي أُبعد عنه أهله، بعد أن تخاذلوا عن تطبيق الإسلام والتمسك به، والله ﷾ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية ١١).\nوفي السنوات الأخيرة نالت الأندلس اهتمام الدارسين والباحثين العرب، فظهرت في هذا الميدان دراسات وفيرة وأبحاث متنوعة، منها ما انصب اهتمامه على الأحوال السياسية، ومنها ما اختص بالحياة الحضارية، ومنها ما جمع بين النظامين السياسي والحضاري.\nوقد شهدت أراضي الأندلس الإسلامية، قيام عدة دول على أراضيها، ولعل الدولة الأموية كانت أهمها على الإطلاق، فهي الدولة التي أرست قواعد الإسلام هناك، كما أنها أطول تلك الدول بقاء وأعظمها","vol":"1","page":11},{"text":"قوة، ولذا فقد جعلت جُل اهتمامي التعمق والتخصص بها، وذلك بدراستها من كافة الجوانب ما أمكنني ذلك.\nومن هنا كانت رسالة الماجستير التي أعددتها لتكون متخصصة في دراسة الجانبين السياسي والثقافي إبان عصر الإمارة، وذلك من خلال النظم السياسية والثقافية الواردة من المشرق إلى الأندلس، ثم واصلت دراستي عن هذه الدولة، فاخترت موضوع (نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس) ليعطي قدرًا كبيرًا من التعريف عن الدولة الأموية في الأندلس منذ قيامها وحتى سقوطها.\nولقد كانت الكتابة في نظم الدولة الأموية ورسومها قليلة حسب علمي، إلا ما كان من المستشرق الفرنسي (ليفي بروفنسال) الذي تطرق لمثل هذا الموضوع في المجلد الثالث من كتابه (تاريخ إسبانيا الإسلامية) وأما من العرب فلعل الدكتور/ هشام سليم أبو رميلة أول من كتب في هذا الموضوع، وذلك في الرسالة التي أعدها لنيل درجة الماجستير من كلية الآداب جامعة القاهرة سنة (١٩٧٥ م) وقد جاءت تحت عنوان \"نظم الحكم في الأندلس في عصر الخلافة\" وبالرغم مضي عقدين من الزمن على إنجازها إلا أنها لم تنشر بعد.\nوبخلاف من ذكرت، لم يصل إلى علمي أن أحدًا قد كتب في هذا الموضوع، ولذا فهو جديد وجدير بالبحث والدراسة وأن ينال أهمية خاصة، فهو يكشف عن النظم التي تُسير شئون الدولة، والرسوم السائدة فيها، ذلك النظام الذي كان يقوم على السير وفق هدي الشريعة","vol":"1","page":12},{"text":"الإسلامية السمحة والذي كفل للدولة الأموية عند الأخذ به الاستمرارية والصمود أمام الأزمات التي كادت أن تعصف بها وتقضي عليها في وقت مبكر من عمرها، وكيف أن الدولة عندما تخلت عنه، أخذت تخطو بسرعة عجيبة إلى السقوط.\nولعل هذه الدراسة سوف تعطي - في نظري - الدارس فرصة كبيرة لإجراء مقارنة شاملة لما كانت عليه النظم والرسوم في الدولة الأموية بالأندلس، مع ما كان لدى الدولتين العباسية ببغداد والعبيدية بالقاهرة، الأمر الذي يستوجب دراسة خاصة تكشف عن مدى استفادة الأمويين مما لدى المشارقة بوجه عام، والعباسيين بوجه خاص، وهو ما لم أتمكن من التطرق إليه في دراستي هذه، خشية أن يخرج البحث عن إطاره المحدد لي من قبل الجهات المعنية بذلك في الجامعة الإسلامية.\nوديننا الإسلامي لم يقتصر اهتمامه على عقائد دينية فردية، بل هو نظام كامل يشمل الدين والدولة معًا، ومن هنا نجد أن نصوصه وتعاليمه قد انطوت على كافة النظم التي تهم الناس سواء على مستوى الفرد أو الدولة.\nونظرًا لأن النظم التي تطبقها أي أمة من الأمم، تعتبر مظهرًا لشخصية تلك الأمة، وذلك من حيث تأثيرها في الآخرين، لأجل هذا فقد حرصت على دراسة جانب من تلك النظم، سَعُدَتْ بتطبيقه على أراضيها، بلاد إسبانيا الإسلامية في وقت من أوقات التاريخ.","vol":"1","page":13},{"text":"والشورى، والشرطة، والمدينة، والسوق، وقمت بتوضيح كل خطة من هذه الخطط كما حرصت على أن أبين كيف يصل الفقيه إلى أحد هذه الخطط، ثم تحدثت عن صلاحياته، ومجلسه، ومرتبه، وأشهر من تولاها سواء في قرطبة أو بقية الكور وختمت البحث بخاتمة حوت أهم النتائج التي توصلت إليها.\nولقد عملت جاهدًا على إخراج هذه الدراسة بصورة مقبولة، وربما كان لطبيعة الموضوع دور في إيراد بعض نصوص المصادر، رغم اجتهادي في التقليل منها، واللجوء إلى تحليلها، وتعليل بعض الأحداث كلما أمكن ذلك، مع الاعتناء بالدراسات الحديثة، وعدم إغفال جهد من سبقني إلى طرق هذا الموضوع.\nومما زاد من صعوبة هذا البحث أن المدة الزمنية كانت متسعة، بحيث شملت عمر الدولة الأموية في الأندلس، البالغ زهاء ثلاثة قرون، بالإضافة إلى أن الكتابة في هذا الموضوع تستوجب القراءة الدقيقة فيما يتعلق بالرسوم، والتي ربما ترد عبارة صغيرة في نص كامل تكون قادرة على إيضاح واف للتعرف على رسم من رسوم الدولة.\nكما اجتهدت عند عملي في هذه الدراسة، أن أبتعد - ما أمكنني ذلك - عن الإسهاب الممل، عند تطرقي لبعض الموضوعات المساعدة لفهم الدراسة مكتفيًا بالإشارة إلى المصادر والمراجع، إلا عندما يستوجب الأمر الإسهاب، وقد حرصت على أن أعرض جزئيات البحث وفصوله بأسلوب مترابط يجعل كل فقرة تأخذ بعقب أختها مراعيًا التسلسل","vol":"1","page":14},{"text":"التاريخي لتلك الأحداث والمتغيرات وعند ورود التاريخ الهجري أُتبعه بالتاريخ الميلادي، وحرصت على ذكر الاسم الأسباني لكل موقع جغرافي بالأندلس، كما عملت على التعريف بأسماء الأعلام والمواقع الجغرافية، عند أول ذكر لها، كل ما أمكنني ذلك، وكل مصدر أو مرجع لم أر ضرورة لذكره في قائمة المصادر والمراجع، عرفت به تعريفًا كاملًا عند أول استخدام له.\n\n<span data-type='title' id=toc-2>تحليل المصادر:</span> وغني عن البيان أن هذه الرسالة، لم تكن لتظهر بهذه الصورة، لولا اعتمادها - بعد الله تعالى - على الكثير من المصادر والمراجع التي تعدد اختصاصها.\nواستعراض جميع المصادر التي استفاد منها هذا البحث، أمر فيه إطالة غير مرغوبة، لأجل ذلك سأقتصر في هذا التحليل على أهمها:\n١ - \"قضاة قرطبة\" للحافظ أبي عبدالله محمد بن حارث الخشني، عاش سنواته الأولى من حياته في القيروان، ثم رحل إلى الأندلس وهو لم يتجاوز الثانية عشرة، ونزل قرطبة، فسمع من أعلامها، وقد نال الخشني ثناء الآخرين عليه، فقد كان شاعرًا، بليغًا، إلا أنه كان يلحن، وكان حكيمًا بعمل الأدهان، حافظًا للفقه، عالمًا بالفتيا، ولي الشورى، ثم توفي في شهر صفر سنة ٣٦١ هـ (ديسمبر ٩٧١ م) بعد أن ترك عدة مؤلفات.\nوقد ألف الخشني كتاب \"قضاة قرطبة\" بطلب من الخليفة الحكم المستنصر بالله، الذي أباح له الاستفادة من مكتبة القصر التي كانت عامرة بمختلف الكتب، وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب \"قضاة قرطبة\" إلا","vol":"1","page":15},{"text":"أنه عظيم الفائدة في موضوعه، فقد أفاد البحث بذكر حوادث انفرد بها، فقد أورد مثلًا خبر معارضة الفقيه بقي بن مخلد تحليف قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله القبعه أمام الناس، خشية أن يصل الخبر لبني العباس، فيتندرون بهذه الحادثة في مجالسهم، كما ذكر خبر تعطل منصب قاضي الجماعة لمدة ستة أشهر في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وستة أشهر أخر في عهد ابنه الأمير محمد، كما عرَّفنا الكتاب على الرسم الذي وضعه للفقهاء قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، وذلك عندما يُطلبوا لتسجيل فتاواهم، إذ أمر كلًا منهم أن يقوم بتسجيل فتواه بيده في السجل الخاص، فأصبح هذا الرسم متَّبَع من بعده في الأندلس، كما ذكر الخشني أن الوزير صاحب المدينة هو الذي يقوم باستلام ديوان القضاء عند عزل القاضي، ويظل الديوان عند الوزير صاحب المدينة حتى يتم تعيين قاضٍ آخر.\nوقد قام المستشرق الإسباني \"خوليان ريبيرا\" بنشر هذا الكتاب وترجمته إلى الإسبانية سنة ١٩١٤ م ثم قامت الدار المصرية للتأليف والترجمة سنة ١٩٦٦ م بطبعه ونشره.\n٢ - ولدينا كتاب آخر للخشني هو \"أخبار الفقهاء والمحدثين\" وهو عبارة عن تراجم لطبقات عديدة من الفقهاء الأندلسيين، امتدت منذ فتح الأندلس حتى عصر المؤلف.\nوالكتاب وردت تراجمه بصورة غير منظمة، أي لم يتبع فيها المؤلف الترتيب الأبجدي، كما تضمن الكتاب معالجة لبعض المسائل الفقهية.","vol":"1","page":16},{"text":"والخشني اتبع في هذا الكتاب منهجًا شائعًا لدى أصحاب التراجم، فهو يعرض للشخص المترجم ولشيوخه وتلاميذه، ثم يذكر رحلته، ومن ثم سنة وفاته، والملاحظ أنه قد اختصر في بعض التراجم حتى أن بعضها لاتزيد عن سطر واحد، مثل ترجمته لأبي العطاف يعلى بن عبد الله الأموي، بينما نجد بعض التراجم تستغرق صفحات تتجاوز العشرة، مثل الترجمة التي أوردها ليحيى بن يحيى الليثي، وعبد الملك بن حبيب، وبقي بن مخلد، ومحمد بن وضاح وغيرهم، ولعلنا ندرك من هذا التفاوت في التراجم أن المؤلف قد ركز اهتمامه على أولئك الفقهاء المشهورين، أصحاب التأثير سواء ثقافيًا أو اجتماعيًا.\nورغم ذلك، فإن هذا الكتاب يعتبر من أنفس مصادر التاريخ الأندلسي، فهو أقدم كتاب تراجم لأهل الأندلس يصل إلينا، وقد أفاد البحث منه كثيرًا فهو فضلًا عن التراجم، حوى في بعض صفحاته وثائق هامة جدًا، لم ترد فيما سواه، وذلك مثل الرسالة التي بعث بها الأمير الحكم الربضي للفقيه يحيى بن يحيى الليثي، وكذلك كتابه لعيسى بن دينار، يؤمنهما فيه بعد حادثة هيج الربض.\nوقد تم نشر الكتاب أخيرًا، فقد قام بدراسته وتحقيقه، كل من: \"ماريا لويسا آميلا\"، ولويس مولينا، ونشره المجلس الأعلى للأبحاث العلمية، معهد التعاون مع العالم العربي، مدريد، سنة ١٩٩٢ م.\n٣ - \"كتاب تاريخ افتتاح الأندلس\" لأبي بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز، الشهير بابن القوطية، والمقصود بالقوطية \"سارة\" حفيدة","vol":"1","page":17},{"text":"\"غيطشه  WITIZA\"  ملك أسبانيا القوطي، وبذلك فالمؤلف مولَّد من طبقة المولَّدين. أصله من إشبيلية، وسمع من أعلامها وأعلام قرطبة، كان عالمًا بالنحو، حافظًا للغة، متقدمًا فيها، حافظًا لأخبار الأندلس، طال عمره فسمع الناس منه طبقة بعد طبقة، قُدِّم للشورى، وتصرَّف في الخطط، وترك عدة مؤلفات. ثم توفي يوم الثلاثاء في ربيع الأول لسبع بقين منه سنة (٣٦٧) هـ (نوفمبر (٩٧٧) م).\nوالكتاب يتناول تاريخ الأندلس منذ أن افتتحها المسلمون، وحتى مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وهو عبارة عن مجموعة من الأخبار القصار منفصل بعضها عن بعض، وهو يسرد الحوادث ولا يذكر التاريخ إلا نادرًا. كما أنه ليس من تأليف ابن القوطية، بل إن أحد تلاميذه هو الذي تولى تأليفه، بدليل تكرار عبارة \"قال شيخنا أبو بكر\" قال ابن القوطية (^١). ولقد أفاد البحث كثيرًا من كتاب \"افتتاح الأندلس\" فقد انفرد بأخبار غاية في الأهمية منها: طرد الأمير الحكم الربضي للوزير أبي البسام بسبب غدره بالفقيه طالوت بن عبد الجبار، وموقف الوزير صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد من ولد الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما حاول مغادرة سطح باب السدة، كما عرَّفنا على نوعية الثقافة التي يجب أن يتلقاها السجناء، وهي ثقافة لا تكسبهم إلا الخمول\n_________\n(^١) - آنخل بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي: ص ٢٠٢ - ٢٠٤.","vol":"1","page":18},{"text":"والاشتغال بالملذات، كأن يسمعهم المؤدب خمريات الحسن بن هانئ، وما شابهها من الأهزال.\n٤ - \"كتاب الوثائق والسجلات\" للفقيه الموثق أبي عبد الله محمد بن أحمد الأموي الشهير بابن العطار، وصفه ابن حيان بأنه متفنن في علوم الإسلام، فقيه لا نظير له، حاذق بالشروط، وبسبب إعجابه بنفسه، وشكاسة أخلاقه، تعرض لوقوف نظرائه ضده، تولى الشورى في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، ثم أسقط عنها وعن الشهادة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في داره، وبعد أن أدى فريضة الحج، أعاده المنصور إلى ما كان يليه، توفي في ذي الحجة سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٩ م).\nوكتاب \"الوثائق والسجلات\" عبارة عن نماذج لوثائق فقهية متنوعة، والكتاب في بابه نادر لاغنى عنه لمن يدرس القضاء أو يشتغل فيه، وقد رافقني الكتاب كثيرًا في المبحث الخاص بالقضاء، ونقلت عنه نموذجين بين فيهما ابن العطار كيفية تسجيل القاضي برجوعه عن قضاء قضى به تبين له الخطأ فيه.\nوقد قام بتحقيق الكتاب كل من: \"بدروشالميتا\"، \"وفيدريكو كوينطي\". ونشره مجمع الموثقين المجرطي، المعهد الأسباني العربي للثقافة في مدريد سنة ١٩٨٣ م.\n٥ - \"نقط العروس\" لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، ولد سنة ٣٨٤ هـ (٩٩٤ م)، اهتم والده بتربيته وتثقيفه اهتمامًا شديدًا، فخرج عالمًا يشار إليه بالبنان، بل إنه أبرز علماء عصره،","vol":"1","page":19},{"text":"تولى بعض المناصب، ثم ترك السياسة وهجرها، وانقطع للعلم، فألف في مختلف فروع الثقافة، توفي في بادية لبله سنة (٤٥٦) هـ (١٠٦٤ م).\nوكتابه (نقط العروس) الذي ألفه في حدود سنة (٤٢٠) هـ (١٠٢٩ م) عبارة عن أخبار قصيرة جدًا عن الخلفاء، وهذه الأخبار على قصرها ضمت الخطوط العامة للخلافة الإسلامية والخلفاء حتى عصر ابن حزم. ولذا فهو كتاب حافل بمعلومات قيمة يحتاجها من أراد يدرس نظام الخلافة الإسلامية (^١).\nومن أهم المعلومات التي اعتمد فيها البحث على \"نقط العروس\" هي محاولة الحاجب المنصور بن أبي عامر التسمي بالخلافة، وأنه استشار الفقهاء في ذلك، ن إلا أنهم وقفوا ضد رغبته وكان أشدهم في ذلك الفقيه محمد بن يبقى بن زرب.\nوفي مجال الحديث عن ولاية العهد انفرد ابن حزم في نقط العروس بذكر تسمي سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر بولاية العهد في بداية استيلاء المهدي محمد بن عبدالجبار على الخلافة، دون أن يسميه بذلك أحد.\nبالإضافة إلى أن الكتاب قد استقصى ذكر ألقاب أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، وهو يعتبر في معلوماته الدقيقة حجة، لأن المؤلف ووالده من قبله كانا من رجالات الدولة.\n_________\n(^١) - نقطة العروس: مقدمة المحقق ص ٤٤، ٤٥.","vol":"1","page":20},{"text":"وقد قام الدكتور شوقي ضيف بنشر \"نقط العروس في تواريخ الخلفاء\" بمجلة كلية الآداب جامعة القاهرة، العدد (١٣) المجلد الثاني، وذلك في شهر ديسمبر سنة (١٩٥١ م).\n٦ - \"المقتبس\" لأبي مروان حيان بن خلف، شيخ مؤرخي الإسلام في الأندلس بلا نزاع، جده الأعلى وهب بن حيان كان مولى للأمير عبد الرحمن الداخل. تولى والده خلف بن حسين منصب الوزارة في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، وقد كان عالمًا راسخًا في العلم، مما كان له أعظم الأثر في تربيته لولده أبي مروان حيان بن خلف الذي عايش أحرج فترة في عمر الدولة الأموية وهي فترة الفتنة، ولم يغادر قرطبة، ولذا فقد نقل لنا أدق تفاصيلها، كما أنه تولى منصب صاحب الشرطة لابن جهور وبعد حياة مليئة بالأحداث توفي ابن حيان سنة (٤٦٩) هـ (١٠٧٦ م) (^١).\nولقد كان كتاب \"المقتبس\" مرافقًا للبحث في أكثر مراحله، ولذا فهو من المصادر المهمة التي لابد من الحديث عنها، وقد أفدت من القطع الأربع المنشورة من المقتس، لكن أهمها:\nقطعة تبدأ من سنة (٢٣٢) هـ - (٢٦٧) هـ (٨٤٦ - (٨٨٠) م) وهي بذلك تشمل ست سنوات من عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ومعظم عهد ابنه الأمير محمد، وهذه القطعة قام بنشرها الدكتور محمود علي مكي، فقد ذكر ابن حيان في هذه القطعة إنشاء الأمير عبد الرحمن الأوسط\n_________\n(^١) - انظر، ابن حيان، المقتبس من أنباء أهل الأندلس، تحقيق وتقديم وتعليق: د. محمود علي مكي، ص ١٦ - ١٤٦ من مقدمة المحقق.","vol":"1","page":21},{"text":"لبيت الوزراء وتنظيمه لأعمالهم، كما أورد خبر تقديم الوزراء الشاميين على نظرائهم البلديين، وعرَّفنا على الرسم الذي استُحدث لدى الأمويين فيما يتعلق بالجنائز. وانفرد بخبر اهتمام الأمير محمد بن عبد الرحمن بآلات اللهو والغناء وبالذات آلات الزمر وسؤاله الدائم عن أشهر أهل هذه الصنعة وجمعهم عنده، وأنه كان له مزمار خاص به.\nوهناك قطعة خاصة بعهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، وهي تبدأ من سنة ٣٠٠ هـ (٩١٢ م) إلى سنة ٣٣٠ هـ (٩٤١ م) وقد قام بنشرها كل من \"بدروشالميتا\"، \"وفيدريكو كورينطي\"، \"ومحمود صبح\"، وهذه القطعة مفيدة جدًا في معرفة الأسلوب الإداري الذي اتبعه عبد الرحمن الناصر والذي اعتمد فيه على السياسة المركزية المطلقة، وتبرز فيه التغييرات الوزارية الكثيرة في عهده، بحيث من النادر أن يبقى صاحب الخطة في خطته أكثر من سنة أو سنتين. كما انفرد بذكر \"حجر الأعزة\" وهو مكان في القصر مخصص لركوب الأمير أو الخليفة، ولا يمكن لأحد الركوب من هذا المكان إلا من أُنعم عليه بهذه المزية، كما ذكر خبر الاحتفال الذي أقامه الخليفة عبد الرحمن الناصر في معسكر الجيش بمناسبة وفادة الملكة \"طوطه\" عليه، عندما كان في إحدى غزواته لبلاد نصارى الشمال.\nوهناك قطعة أخرى نشرها الدكتور عبد الرحمن الحجي، وهي خاصة بأحداث خمس سنوات غير كاملة من سني الخليفة الحكم المستنصر بالله، وتبدأ من سنة ٣٦٠ هـ (٩٧٠ م) إلى سنة ٣٦٤ هـ (٩٧٤ م)، وهذه","vol":"1","page":22},{"text":"القطعة اتكأ البحث عليها كثيرًا خاصة في ذكر الرسوم المتبعة في الاحتفالات التي تجري في الدولة، سواء بمناسبة جلوس الخليفة لتهنئته بالعيدين أو عند استقباله للسفارات والوفود، أو عند إجراء عرض عسكري بين يدي الخليفة، بالإضافة إلى انفراده بذكر رسوم عقد اللواء وكيفية تسليمه للقائد الذي سيخرج على رأس الجيش الغازي.\n٧ - \"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة\" لأبي الحسن علي بن بسام الشنتريني، والمؤلف ينتسب إلى إحدى الأسر العريقة في شنترين \"  SANTAREM\"  وفيها نشأ وعاش صباه، ثم رحل إلى أشبونه سنة (٤٧٧) هـ (١٠٨٤ م) بعد أن ألَّف كتابه \"الذخيرة\" في إشبيلية سنة (٥٠٢) هـ (١١٠٩ م) (^١).\nوكتاب \"الذخيرة\" يكاد يكون خاصًا بمجريات القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) اعتمد فيه على ابن حيان كما صرح هو بذلك، والكتاب مقسم إلى أربعة أقسام طبقًا للأقاليم الأندلسية، وقد أفدت منه كثيرًا لانفراده بذكر نصوص لابن حيان من كتابه \"المتين\" الذي لم يعثر عليه بعد، وهو بذلك يعتبر من أهم المصادر بالنسبة للبحث، فقد ذكر لنا الهيئة التي برز فيها الخليفة هشام المؤيد للناس في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، وما كان يقوم به الوزير عيسى بن سعيد\n_________\n(^١) - آنخل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة: د. حسين مؤنس، ص ٢٨٩.","vol":"1","page":23},{"text":"من بيع للمناصب الإدارية في عهد الحاجب عبد الملك المظفر، كما انفرد في تقديم وصف للوزراء ولمن كان يلي خطة المظالم في عهد الفتنة.\nوقد قام الدكتور إحسان عباس بتحقيق الكتاب وأخرجه في ثمانية مجلدات، وقامت الدار العربية للكتاب في: ليبيا-تونس، بنشره سنة ١٩٨١ م.\n٨ - \"البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب\" لأبي العباس أحمد بن عذاري المراكشي، والمؤلف يرجع إلى أصل مغربي، عاش في عصر الموحدين، وقد كان حيًا سنة ٧١٢ هـ (١٣١٢ م). وكتاب \"البيان المغرب\" يعد من أهم مصادر تاريخ المغرب والأندلس، إذ إنه يغطي فترة زمنية تمتد من الفتح الإسلامي للمغرب حتى سنة ٦٦٧ هـ (١٢٦٨ م) معتمدًا فيما يورده من أخبار على مصادر متعددة، الكثير منها لم يصل إلينا، مثل كتابي الرقيق القيرواني والوراق وغيرهما. والكتاب مقسم إلى ثلاثة أقسام نشرت في أربعة مجلدات بعناية: ج. س. كولان، وليفي بروفنسال.\nوقد اعتمد البحث كثيرًا على \"البيان المغرب\" خاصة المجلدين الثاني والثالث، لما تضمناه من معلومات هامة ذات صلة بكافة فصول البحث، وأهميته تتأكد بصورة أكبر متى ما عرفنا أنه قد أكمل النقص الذي سببه فقد بعض قطع المقتبس.\nفمن خلال كتاب (البيان المغرب) أمكن معرفة الرسم المتبع عند خروج الأمير أو الخليفة للصيد أو النزهة، كما انفرد بخبر اشتراك أكثر من","vol":"1","page":24},{"text":"مسئول في منصب الحجابة وهو ما حدث في عهد الخليفة هشام المؤيد بالله.\nوقد أورد ابن عذاري في \"البيان المغرب\" خبرًا ربما لم يرد عند غيره، وهو الخبر الذي يدور حول احتفاظ أمراء وخلفاء بني أمية بذخائرهم ونفيس جواهرهم بطريقة سرية، وكيف تمكن المهدي الثائر من الوصول إليها والاستيلاء عليها جميعًا.\n٩ - \"أعمال الأعلام\" للوزير لسان الدين محمد بن عبد الله بن سعيد الشهير بابن الخطيب، من أصل قرطبي، ولد في \"لوشة  LOJA\"  سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ م) وتلقى العلم في غرناطة، فبرز في كافة ميادينه، ثم التحق ببني الأحمر، فتولى الوزارة في دولتهم، ثم ذهب إلى المغرب وتنقل بين مدائنه، حتى لقي حتفه، فقد خنُق ثم أحرقت جثته، وذلك سنة ٧٧٦ هـ (١٣٧٤ م).\nوكتاب \"أعمال الأعلام\" مقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول خاص بالمشرق وهو لا يزال مخطوطًا، والقسم الثاني خاص بالأندلس، والثالث خاص بالمغرب.\nوالقسم الثاني من الكتاب رافق البحث كثيرًا، فقد انفرد بذكر أسماء الشهود الذين سجلوا شهاداتهم في السجل الخاص، وذلك في الحفل الذي أقيم بمناسبة تعيين هشام بن الحكم وليًا للعهد، وأخذت البيعة من أولئك الشهود.","vol":"1","page":25},{"text":"كما أورد لنا ما فعله المنصور بن أبي عامر ببني أمية وكيف أخمل ذكرهم ومنع الناس من الاختلاط بهم، وكيف عمل على إرهاقهم بحملهم معه في غزواته حتى أشغلهم بأنفسهم.\nوالقسم الخاص بالأندلس نشره المستشرق الفرنسي \"ليفي بروفنسال\" تحت مسمى \"تاريخ أسبانيا الإسلامية\" وذلك في الرباط سنة ١٩٣٤ م، ثم أعيد نشره في بيروت سنة ١٩٥٦ م.\n١٠ - \"ذكر بلاد الأندلس\" لمؤلف مجهول، يُرجَّح أنه كان حيًا في أواخر القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). والكتاب جاء في فصلين، الفصل الأول خاص بالحديث عن وصف مدن الأندلس وأقاليمها وذكر ما يمتاز به كل منها.\nوالفصل الثاني خاص بذكر من نزل الأندلس من الأمم والملوك، ابتدأ به من زمن الطوفان وانتهى به عند بداية عهد ملوك الطوائف.\nواعتمد المؤلف على مصادر متعددة ذكرها في ثنايا الكتاب، وبعض هذه المصادر لم يصل إلينا مثل تواريخ كل من: ابن أبي الفياض والدولابي والرقيق والمزني وغيرها، ومن هنا ندرك أهمية المعلومات التي أوردها هذا المؤلف، رغم أن معلوماته جاءت حولية متميزة بالخطو السريع.\nوقد أفاد البحث كثيرًا من هذا الكتاب، وبالذات فيما يتعلق بذكر نقوش خواتم أمراء وخلفاء بني أمية، إذ يكاد أن يكون هو الوحيد الذي اهتم بذكرها، كما أورد خبر إلغاء الحاجب المنصور بن أبي عامر لخاتم الخليفة هشام المؤيد بالله، واقتصاره على خاتمه الخاص.","vol":"1","page":26},{"text":"وقد قام \"لويس مولينا\" بنشر الجزء الأول من الكتاب مختصرًا لعنوانه الذي جاء في أكثر من سبعين كلمة، مكتفيًا بأول عبارة وردت في العنوان \"ذكر بلاد الأندلس\" وذلك في مدريد، سنة ١٩٨٣ م.\n١١ - \"نفح الطيب\" لأبي العباس أحمد بن أحمد بن يحيى المقري، التلمساني، يعود أصله إلى بلدة \"مَقَّره\" بشرق الجزائر، ولد في تلمسان سنة ٩٨٦ هـ (١٥٧٨ م) وتلقى فيها وفي فاس علومه، وتنقل في بلاد المغرب والمشرق، حتى أدركته الوفاة سنة ١٠٤١ هـ (١٦٣٢ م) بمصر حيث دفن في مقبرة المجاورين. ولعل إعجاب المقري بالوزير لسان الدين بن الخطيب الدافع الأساسي له في تصنيف كتاب عنه، ثم رأى أن يمهد له بتاريخ عام للأندلس، فأتى كتابه الموسوعي \"نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب\" على قسمين، الأول: خاص بالأندلس، والثاني خاص في التعريف بابن الخطيب.\nوقد أفاد البحث كثيرًا من \"نفح الطيب\" فقد أورد معلومات لم ترد فيما سواه، من ذلك: الخبر المتعلق بكيفية تأديب الأمير عبد الرحمن الأوسط لولده المنذر الذي كان كثير الشك بمن حوله، معاقبًا لمن قدر عليه منهم، مكثرًا التشكي لوالده ممن ليس له قدرة عليهم.\nكما أنه أفاد البحث في وصفه المسهب لبعض الاحتفالات الرسمية التي كانت تجريها الدولة الأموية، بالذات وصف الحفل الذي أقيم عند مبايعة الحكم بن عبد الرحمن الناصر بالخلافة، كما أنه انفرد بخبر تشبه بني","vol":"1","page":27},{"text":"حمود بالعباسيين في مخاطبتهم للداخلين عليهم، فقد كان الخليفة الحمودي يتكلم من وراء الستر والحاجب يقوم بنقل كلامه لمن في المجلس.\nورغم أن كتاب \"نفح الطيب\" يفتقر إلى التنظيم في سرد المعلومات، فإن ذلك لم يمنع من أن يكون مصدرًا أساسيًا لجميع الباحثين في تاريخ الأندلس والمغرب، لأجل ذلك فقد نال عناية الكثير من المهتمين بالدراسات الأندلسية من المستشرقين، فقد قام دوزي (Dozy)  ودوجا (Dogat)  وغيرهما بنشر الجزأين الأولين من هذا الكتاب في مدينة ليدن فيما بين عامي ١٨٥٨ و١٨٦١ م.\nكما نشر الكتاب في القاهرة سنة ١٢٧٩ هـ (١٨٦٢ م) بمطبعة بولاق في أربعة أجزاء. ثم أعاد نشره الشيخ محيي الدين عبد الحميد في عشرة أجزاء، بالقاهرة سنة ١٣٦٤ هـ (١٩٤٥ م)، وأخيرًا قام الدكتور إحسان عباس بإعادة تحقيق الكتاب ونشره في ثمانية أجزاء وطبع في بيروت سنة ١٣٨٨ هـ (١٩٦٨ م).\nوإذا كانت الدراسة قد نهلت مادتها بالدرجة الأولى من المصادر، فإن ذلك لا يعني مطلقًا أنها كانت بمنأى عن الاستفادة من الدراسات الحديثة، فهي من نهاية جهود المؤرخين المحدثين ابتدأت، وعلى طائفة من تحقيقاتهم توكأت، وبمنهاج بعضهم اهتدت، فتم الاستعانة بما وقع تحت اليد من كتب ورسائل وأبحاث لها صلة بالموضوع، فقد كانت الفائدة عظيمة جدًا مما كتبه باللغة العربية على سبيل المثال لا الحصر. الأستاذ محمد عبد الله عنان، والدكاترة: حسين مؤنس ومحمود علي مكي ومحمد","vol":"1","page":28},{"text":"عبد الوهاب خلاف. ومن الدراسات الأجنبية ما كتبه المستشرق الفرنسي ليفي برفنسال.\nولا أنسى هنا أن أثني على جهد الدكتور هشام أبو رميلة في رسالته \"نظم الحكم في الأندلس\" إذ يكفي أنه أول من طرق هذا الموضوع من الباحثين العرب، وفتح لي مجالًا واسعًا للحديث عن نظم ورسوم الأمويين في الأندلس فجزاه الله تعالى خير الجزاء على جهده.\nوليس هناك كلمات في ختام هذا التقديم ألذّ في النفس من الاعتراف بفضل الآخرين عليّ، \"فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله\".\nويتقدم من اعترف بفضلهم بعد الله تعالى جامعتنا الإسلامية الموقرة، ثم أستاذي الفاضل الدكتور عبد الله بن علي المسند، الذي تولى الإشراف على هذا البحث بعد أستاذيَّ الفاضلين: مصطفى محمد رمضان، ومحمد ضيف الله بطاينه، اللذان رافقا البحث في مراحله الأولى، فجزاهم الله عني خير الجزاء.\nولا يسعني إلا أن أعرب عن عظيم امتناني لأخي الدكتور/ شمس الله محمد صديق الذي كثيرًا ما ساعدني في الترجمة من الفرنسية إلى العربية، كما أشكر أخي الدكتور طلال بن سعود الدعجاني على مساعدته لي بالحصول على بعض المصادر.","vol":"1","page":29},{"text":"وأسأله برحمته وفضله جل وعلا أن يجزي بالإحسان كل من وقف إلى جانبي حتى تم إنجاز هذه الرسالة.\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات (١٨٢).\nسالم بن عبد الله الخلف\nالمدينة النبوية في ٠١/ ٠١/١٤١٦ هـ","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>التمهيد</span>\nبويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي (^١) بالخلافة يوم الجمعة ١٣ من شهر ربيع الأول سنة ١٣٢ هـ (^٢) (١ يناير ٧٥٠ م) وبذلك بدأ حكم الأسرة العباسية عوضًا عن الأسرة الأموية، التي فقدت آخر خلفائها في قرية بوصير (^٣)، وأمام المطاردة العباسية التي لا هوادة فيها،\n_________\n(^١) - هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ﵄، ولد بالحميمة سنة ١٠٤ هـ، ونشأ بها، كان يلقب بالمرتضى، وأما لقب السفاح فأطلق عليه لاحقًا، وإن كان في حياته فهو لكثرة عطاياه وبذله الأموال، وصف بأنه كان رجلًا طوالًا، أبيض اللون، حسن الوجه، أجعد الشعر، حسن اللحية، حييًا، سخيًا، حليمًا، وقورًا، عاقلًا، حسن الأخلاق، كما وصف بالفصاحة والعلم والأدب، توفي شابًا ودفن بقصره في الأنبار، وذلك يوم الأحد ١٣ من شهر ذي الحجة سنة ١٣٦ هـ. انظر تاريخ خليفة بن خياط، (تحقيق: د. أكرم العمري، الرياض، دار طيبة، ط الثانية ١٤٠٥ هـ) ص ٤٠٩ - ٤١٢، اليعقوبي، التاريخ، (بيروت، دار صادر. د-ت) ٢/ ٣٤٩، ٣٥٨، ٣٦١، الطبري، التاريخ، (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، ط ١٩٦١ م). ٧/ ٤٢٤، ١٧٠ - ٤٧١، الأزدي، تاريخ الموصل، تحقيق د. علي حبيبه القاهرة ١٣٨٧ هـ/١٩٦٧ م، ص ١٢٣، ١٥٩ - ١٦٠ المقدسي البدء والتاريخ، \"المنسوب للبلخي\" نشر: كلمان هوار، باريس ١٨٩٩ م، ٦/ ٨٨ - ٩٠.\n(^٢) - تاريخ اليعقوبي ٢/ ٣٤٩، البدء والتاريخ ٦/ ٨٨.\n(^٣) - بوصير: بكسر الصاد وسكون الياء: قرية من قرى الفيوم بصعيد مصر. أنظر ياقوت، معجم البلدان (بيروت، دار صادر، ١٤٠٤ هـ/١٩٨٤ م) ١/ ٥٠٩. وفيها قُتل آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد بن مروان بن الحكم في يوم الأحد ٢٧ من شهر ذي الحجة سنة ١٣٢ هـ. انظر: تاريخ خليفة ص ٤٠٤، تاريخ الطبري ٧/ ٤٤١ - ٤٤٢.","vol":"1","page":31},{"text":"أضطر أبناء الأمويين إلى التواري عن الأنظار في أقطار شتى (^١).\nوكان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (^٢) أحد الأمويين الذين كُتبت لهم النجاة من بطش العباسيين، فقد غادر\n_________\n(^١) - إن عم الخلفاء العباسيين عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس هو الذي قام بهذه المطاردة الوحشية، وكان عبد الله بطلًا شجاعًا مهيبًا جبارًا عسوفًا، سفاكًا للدماء، وصف بأنه من رجال العالم ودهاة قريش. انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٤٧٤ - ٤٧٩، ٨/ ٧ - ٩. الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وغيره، (بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ/١٩٨٥ م) ٦/ ١٦١ - ١٦٢ وهو الذي أُطلق عليه لقب السفاح، إذ عرف به في حياته وذلك سنة ١٣٣ هـ انظر: تاريخ الموصل ص ١٤١. وأما عن تلك المطاردات فانظر: د. حسين عطوان، الدعوة العباسية تاريخ وتطور (دار الجيل، بيروت)، ص ٤٠١ - ٤٣٦ ومصادره.\n(^٢) - هو مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، ولد في دمشق سنة ١١٣ هـ، أمه بربرية اسمها راح أو رداح، نشأ يتيمًا وتربى في قصر جده الخليفة هشام بن عبد الملك، فأولاه رعايته، ووهبه جميع الأخماس التي اجتمعت للخلفاء في الأندلس، كان طويل القد، أصهب، أعور، خفيف العارضين، بوجهه خال، له ضفيرتان، كما وصف بأنه كان فصيحًا، بليغًا، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع الشعر، توفي يوم الثلاثاء ٢٤ ربيع الآخر سنة ١٧٢ هـ. انظر: ابن الفرضي، تاريخ العلماء والرواة للعلم في الأندلس (نشر: عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي القاهرة مكتبة الخانجي ١٤٠٨ هـ) ١/ ١١. الحميدي، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس. (القاهرة -الدار المصرية للتأليف والترجمة-١٩٦٦ م) ص ٨ - ٩، ابن الأبار: الحلة السيراء، (تحقيق: د. حسين مؤنس) القاهرة الشركة العربية للطباعة والنشر، ١٩٦٣ م) ١/ ٣٥ - ٤٢. ابن عذاري، البيان المغرب. (تحقيق: كولان وبر وفنسال بيروت، دار الثقافة، ١٩٨٣ م) ٢/ ٤٠ - ٦٠، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٤٤ - ٢٥٣.","vol":"1","page":32},{"text":"الشام متوجهًا إلى مصر، ومنها انطلق إلى المغرب، ومن هناك دخل الأندلس، حيث تمكن بعد توفيق الله له، ثم بذكائه من استمالة الجماعات الإسلامية هناك (^١).\nوطبيعي أن يكون دخول هذا الأمير الأموي بلاد الأندلس له صداه، خاصة في مثل تلك الظروف، ولذا فما أن شاع خبره هناك، حتى توافدت\n_________\n(^١) - عن هرب عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس واستمالته الجماعات الإسلامية هناك، انظر: ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، ملحق به \"الرسالة الشريفية في الأقطار الأندلسية\" (نشر: باسكوال دي جايا نجوس، مدريد ١٨٦٨ م) ص ٢١ - ٢٧. مؤلف مجهول، أخبار مجموعة، (نشر: لا فوانتي أي ألكنترا، مع ترجمة أسبانية، مدريد، ١٨٦٧ م) ص ٦٧ - ٩١، ابن الأثير، الكامل في التاريخ (تحقيق: عبد الله القاضي بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٧ هـ/١٩٧٨ م) ٥/ ١٢٢، ١٢٣. ابن الخطيب، أعمال الأعلام (تاريخ أسبانيا الإسلامية، نشر: ليفي بروفنسال: بيروت، دار المكشوف، ١٩٥٦ م) ٢/ ٧ - ٨ النويري، نهاية الأرب (الجزء الثالث والعشرون: تحقيق: د. أحمد كمال زكي (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٠ م) ص ٣٣٥ - ٣٣٨.","vol":"1","page":33},{"text":"عليه الجموع وهي تعلن ترحيبها به واستعدادها للسير خلفه (^١)، كما تأثرت بوصوله قوى أخرى، من ذلك أن جيش والي الأندلس يوسف الفهري (^٢) تفرق أكثر أفراده، بمجرد وصول خبر الأمير عبد الرحمن إليهم، مما حال دون تمكين الفهري من مهاجمته وهو في بداية أمره (^٣).\nلأجل ذلك عمد الفهري ووزيره الصميل (^٤)، إلى اتباع أسلوب المراسلات، في محاولة منهما لثني الأمير عبد الرحمن عن\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٢٤ - ٢٧، أخبار مجموعة، ص ٧٦، ٨٣ - ٨٤، ابن الكردبوس. الأندلس (قطعة من كتاب الاكتفاء، تحقيق د. أحمد مختار العبادي، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ١٩٧١ م) ص ٥٥ - ٥٦.\n(^٢) - أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن الفهري، أخر ولاة الأندلس، تولاها باتفاق المضرية واليمنية لأنه قرشي، وذلك في شهر ربيع الآخر ١٢٩ هـ وهو ابن ٥٧ سنة، وفي عهد الأمير عبد الرحمن بن معاوية قام يوسف الفهري بثورة ضده، لكنها انتهت بفشله ومن ثم قتل عند طليطلة على يد عبد الله بن عمر الأنصاري سنة ١٤٢ هـ، انظر أخبار مجموعة ص ٩١ - ١٠٠، الكامل في التاريخ ٥/ ١٢٦، ١٢٧، الحلة السيراء ٢/ ٣٤٧ - ٣٥٠.\n(^٣) - أخبار مجموعة ص ٧٨ - ٧٩. قارن: المقري، نفح الطيب، (تحقيق: د. احسان عباس، بيروت، دار صادر، ١٣٨٨ هـ) ٣/ ٣٢ - ٣٣.\n(^٤) - الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن، جده شمر أحد قتلة الحسين بن علي ﵄، كان الصميل نجدًا كريمًا، دخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر، غلب على أمر والي الأندلس يوسف الفهري، حتى أصبح هو الحاكم الفعلي، مات الصميل في سجن الأمير عبد الرحمن بن معاوية سنة ١٤٢ هـ. انظر: الحلة السيراء، ١/ ٦٧ - ٦٨. نفح الطيب، ٣/ ٢٥ - ٢٦.","vol":"1","page":34},{"text":"مراده (^١)، إلا أنهما فشلا في تحقيق مايصبوان إليه، ولذا فلم يعد هناك مناص عن اللقاء المسلح، فالتقى الجمعان في موقعة المصارة (^٢)، وذلك يوم الجمعة، العاشر من شهر ذي الحجة سنة (١٣٨) هـ (^٣) (١٤ مايو (٧٥٦) م) وأسفر عن هزيمة الفهري وتمزيق قواته، ودخول الأمير عبد الرحمن بن معاوية قرطبة (^٤) بدون\n_________\n(^١) - أنظر أخبار مجموعة ص ٧٩ - ٨٢. البيان المغرب ٢/ ٤٥ - ٤٦.\n(^٢) - المصارة: كلمة لايعرف معناها، أطلقت على عدة أماكن، والمقصود بها فيما ورد أعلاه أنها ضاحية من ضواحي قرطبة، تقع إلى الجنوب منها، على شاطئ الوادي الكبير وهناك من يقول أنها كانت مكانًا لتدريب الخيول، وقيل أنها موضع معصرة زيت تسمى بالإسبانية  ALMUZARA  أو المعصرة، انظر: الحلة السيراء، ٢/ ٣٤٩ حاشية رقم ١. تاريخ ابن الكروبوس، ص ٥٦ حاشية رقم ٧.\n(^٣) - ابن القوطية ص ٢٦ - ٢٨.\n(^٤) - قرطبة  CORDOBA  قاعدة الأندلس ومستقر الإمارة والخلافة الأموية في الأندلس، مدينة العلم ومقر السنة والجماعة، خرجت من أيدي المسلمين سنة ٦٣٣ هـ. ويعتبر الجامع والقنطرة أشهر معالمها في العصر الحالي، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوربا (من كتاب \"المسالك والممالك\" (تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، بيروت، دار الإرشاد، ١٣٨٧ هـ/١٩٦٨ م) ص ١٠٠ - ١٠٦. الحميري، الروض المعطار (تحقيق: د. إحسان عباس، بيروت، مكتبة لبنان، ١٩٨٤ م) ص ٤٥٦ - ٤٥٩\nF.SIMONET- AND.J.LERCHUNOL: ARABI CO-ESPANOLA GRANADA. ١٨٨١.P: ٣٦ - ٤٠\nوانظر الدراسة الوافية عن قرطبة التي أعدها د. السيد عبد العزيز سالم، قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس. (جزآن. الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ١٩٨٤ م).","vol":"1","page":35},{"text":"مقاومة، بعد أن فشل الفهري في اللجوء إليها (^١)، ومنذ ذلك اليوم بدأت دولة بني أمية في الأندلس.\nوتجدر الإشارة إلى أن الأمير عبد الرحمن الداخل على الرغم من أنه استغل العصبية القبلية المتفشية في الأندلس آنذاك لتحقيق أهدافه، إلا أنه لم يقع أسيرًا لتلك العصبية، بل على العكس من ذلك فقد عمل من أول وهلة على إخضاعها لسلطانه (^٢)، مرتفعًا بإمارته أن تكون رهينة للتحالفات القبلية، وبذلك فقد أصبح معيار القرب منه والبعد عنه مرتبطًا بمبدأ الطاعة، فمن التزم بالأوامر وظهر الإخلاص في تصرفاته، ضمن الحظوة لديه، ومشاركته في تحمل أعباء إمارته، وأما من كان لا يزال يعاني من داء العصبية القبلية فلا سبيل إلى الاستعانة به إطلاقًا.\n_________\n(^١) - عندما أدرك الفهري أن الهزيمة لحقت به، حاول التحصن في قرطبة، إلا أن عاملها عبد الرحمن بن عوسجه أغلق الأبواب في وجهه، فاضطر الفهري إلى التوجه نحو طليطلة وقيل إلى البيرة. أنظر: ابن القوطية، ص ٢٦ - ٢٨، أخبار مجموعة ص ٨٩ - ٩٠، البيان المغرب، ٢/ ٤٧، مؤلف مجهول، ذكر بلاد الأندلس (تحقيق: لويس مولينا الجزء الأول: مدريد ١٩٨٣ م) ١/ ١١٣ - ١١٤.\n(^٢) - من ذلك مثلًا: موقفه من اليمنية بعد هزيمته للفهري في موقعة المصارة، انظر: ابن القوطية، ص ٢٨، أخبار مجموعة، ص ٩٠.","vol":"1","page":36},{"text":"وقد أثبت الأمير عبد الرحمن الداخل مقدرة فائقة، ورباطة جأش نادرة، عندما تمكن وبكل كفاءة من الصمود وبالتالي القضاء على قوى المعارضة الداخلية والخارجية على السواء (^١).\nوبعد حياة حافلة بالحركة الدائبة، وضع خلالها قواعد دولة إسلامية متينة البنيان، اختتم حياته ببناء المسجد الجامع بقرطبة (^٢)، وأسند ولاية العهد من بعده لابنه هشام (^٣).\n_________\n(^١) - انظر: العذري. نصوص عن الأندلس \"من كتاب: ترصيع الأخبار (تحقيق: د. عبد العزيز الأهواني، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ١٩٦٥). ص: ٢٥، ١١١، ١١٧ - ١١٨، أخبار مجموعة: ص ٩١ - ١١٢. الكامل في التاريخ ٥/ ١٢٦ - ١٢٧، ١٤٦، ١٧٨، ١٨٧، ١٨٨، ١٩٢، ٢٠٩، ٢١٠، ٢١٣، ٢٣٩ - ٢٤٠، ٢٥٧، ٢٥٨ كارلس ديفيز. شارلمان، (ترجمة د. الباز العريني القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٣٧٩ هـ، ١٩٥٩ م) ص ٩٨ - ١٠٢، ٢٩٦ - ٢٩٧. خليل السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، (بغداد، مطبعة أسعد، ١٩٧٦ م)، ص ٤١١ - ٤٤٨ ومصادره.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٩. نفح الطيب ١/ ٥٦٠ - ٥٦١. وانظر: الدراسة المستفيضة للأستاذ الدكتور عبد العزيز سالم عن جامع قرطبة في كتابه: قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس ١/ ٢٦٩ - ٤٠٢.\n(^٣) - الأمير هشام أمه أم ولد تدعى حلل أهدتها ابنة يوسف الفهري للأمير عبد الرحمن الداخل بعد انتصاره في موقعة المصارة ودخوله قرطبة، ولد في الرابع من شهر شوال ١٣٩ هـ، وتولى الإمارة في أول شهر جمادي الأولى ١٧٢ هـ، وتوفي ليلة الخميس ٨ صفر ١٨٠ هـ. وصف بأنه كان أبيض مشرب بحمرة بعينه حول، طويل الساقين. = =انظر: ابن القوطية، ص ٢٨ - ٢٩. ابن الفرضي: ١/ ١١ - ١٢. قارن: البيان المغرب ٢/ ٦١، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٨.","vol":"1","page":37},{"text":"تسلم الأمير هشام مقاليد الإمارة في مطلع شهر جمادى الأولى سنة (١٧٢) هـ (٧٨٨ م) بعد وفاة أبيه بستة أيام (^١)، وله من العمر اثنان وثلاثين سنة وستة أشهر وسبعة وعشرين يومًا (^٢)، كان عاقلًا حازمًا، ذا رأي وشجاعة، شريف النفس، خيِّرًا، محبًا لأهل الخير والصلاح، شديدًا على الأعداء، راغبًا في الجهاد، على طريقة حسنة، يحضر الجنائز ويعود المرضى ويفك الأسرى (^٣)، مما أهله لثناء المؤرخين والفقهاء على السواء مطلقين عليه لقب \"الرضا\" .. لرضاهم عن سيرته ومنهجه (^٤).\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ١/ ١٢.\n(^٢) - هناك اختلاف في تقدير سن الأمير هشام عند توليه الإمارة، فالمراكشي يرى أنه كان ابن ثلاثين سنة، انظر: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق: محمد سعيد العريان، (القاهرة ١٣٨٣ هـ) ص ٤٣، وتابعه على ذلك صاحب كتاب ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٩. وهناك من رأى أنه كان ابن ثلاث وثلاثين سنة. انظر: محمد عنان، دولة الإسلام في الأندلس، (العصر الأول - القسم الأول- ط الثالثة القاهرة، ١٣٨٠ هـ)، ١/ ٢٢١. د. خالد الصوفي، تاريخ العرب في الأندلس في عصر الإمارة (منشورات الجامعة الليبية)، ص ١٠٩. إلا أنني أرى أن ما أثبته هو الصواب، وتتضح صحة ذلك إذا رجعنا إلى تاريخ مولده في الرابع من شهر شوال ١٣٩ هـ.\n(^٣) - ابن عبد ربه: العقد الفريد، (تحقيق: احمد أمين، وغيره، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة، ١٣٥٩ هـ- ١٩٤٠ م) ٤/ ٤٩٠. ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، (تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، دار المعارف، ١٣٩١ هـ/١٩٧١ م) ص ٩٤. الكامل في التاريخ ٥/ ٣٠٨، البيان المغرب: ٢/ ٦٥، نهاية الأرب: ٢٣/ ٣٥٨.\n(^٤) - ابن القوطية ص ٤٢. ابن حزم، نقط العروس، (تحقيق: د. شوقي ضيف، مجلة كلية الآداب، جامعة فؤاد الأول. م ١٣ ج ٢ ديسمبر ١٩٥١ م) ص ٥٠. البيان المغرب، ٢/ ٦١. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٨ - إعمال الأعلام ٢/ ١٢.","vol":"1","page":38},{"text":"ولأن الأمير هشام كان معروفًا بالتدين لذا فقد كان الفقهاء أقرب الناس إليه (^١)، مما مكنهم من تكوين سلطان عريض في بلاطه، لا يقل عن سلطان رجالات الإمارة، سارا طيلة عهده جنبًا إلى جنب دونما اصطدام، فنعمت الرعية بعهد سمته العدالة والطمأنينة.\nإلا أن هذا الوضع لم يكتب له الاستمرار، فقد تولى الإمارة من بعده الأمير الحكم (^٢) -١٨٠ - (٢٠٦) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) الذي تباينت فيه أراء المؤرخين بين مدح وقدح (^٣)، إلا أنه بالجملة كان شديد الاعتداد\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ٦٦، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٢٠، ١٢٢.\n(^٢) - ولد الأمير الحكم سنة ١٥٤ هـ، أمه تدعى زخرف، بويع بالإمارة بعد وفاة والده بليلة، وذلك يوم الخميس لثمان خلون من صفر سنة ١٨٠ هـ كان آدم شديد الأدمة، طويلًا أشم، نحيف، لم يخضب، وكان شديد الحزم، ماضي العزم، وذا صولة تتقى، كما كان حسن التدبير لشؤون إمارته، محبًا للعدل. انظر: البيان المغرب ٢/ ٦٨، ٧٨ سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٥٣ - ٢٦٠.\n(^٣) - العقد الفريد ٤/ ٤٩٠ - ٤٩١، نقط العروس ص ٧٣، جذوة المقتبس ص ١٠، الحلة السيراء ١/ ٤٣، سير أعلام النبلاء، ٨/ ٢٥٤.","vol":"1","page":39},{"text":"بنفسه، غير متقبل لمشاركة الآخرين له في سلطانه، سواء الفقهاء أو غيرهم، وبما أن الفقهاء كانوا هم المقربين عند والده، وكان ابنه الحكم بعكسه، لذلك فقد كان الاصطدام بين الطرفين أمرًا متوقعًا (^١).\nوعندما وقع الاصطدام، كان مبدؤه الكلام، ثم تحول إلى التخطيط للعصيان، وأخيرًا انتهى إلى السيف، فذهب ضحية ذلك العديد من أعلام قرطبة، بالإضافة إلى مئات من طلبة العلم، وتشريد أهل حي الربض (^٢)\n_________\n(^١) - سالم بن عبد الله الخلف، العلاقات السياسية والثقافية بين الخلافة العباسية والإمارة الأموية بالأندلس، ١٣٨ - ٣٠٠ هـ رسالة ماجستير (لم تطبع)، مقدمة لقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤١٠ هـ. ص ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(^٢) - كلمة الربض في معناها اللغوي تعني الضاحية والجمع أرباض. ويقصد بها هنا المنطقة السكنية المستجدة في قرطبة العربية بعد إنشاء القنطرة وترميمها في عهد الأمير هشام الرضا، وتمتد هذه المنطقة إلى ما وراء الضفة الجنوبية لنهر الوادي الكبير حتى بلدة شقندة وامتازت بأنها كانت آهلة بالسكان. انظر: نفح الطيب، ١/ ٣٧٩. ابن منظور، لسان العرب. (دار بيروت للطباعة والنشر، ١٣٧٤ هـ، ١٩٥٥ م). مادة ربض. د. أحمد العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٣١ - ٣٣٢. ويذكر الدكتور حسين مؤنس أن هذا الربض قد تم تحويل جزء منه إلى مقبرة عرفت بمقبرة الربض، وقد ظل هذا الربض خاليًا من العمران طيلة حكم المسلمين، واليوم يقوم فيه حي من أحياء قرطبة الحالية يعرف باسم: حي الروح القدس  BARRIO DEL ESPIRITU SANTO  وعلى مدخل هذا الحي في مواجهة القنطرة يقوم الحصن المعروف بحصن قلهرة  CASTILLO LA CALAHORRA  أنشيء بعد أيام المسلمين. انظر الحلة السيراء: ١/ ٤٤ حاشية رقم ١.","vol":"1","page":40},{"text":"بأسره، وإزالته من الوجود، وذلك يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر رمضان المبارك سنة (٢٠٢) هـ (٢٦ مارس (٨١٨) م) ومن هنا أُطلق على الأمير الحكم لقب \"الربضي\" (^١).\nوقبل هذه الحادثة بأكثر من عقدين كان الأمير الحكم قد أخمد ثورة أهل طليطلة (^٢) سنة (١٨١) هـ (٧٩٧) بطريقة مفزعة (^٣).\n_________\n(^١) - عن ثورة الربض واكتساب الأمير الحكم بن هشام لقب \"الربضي\" بسببها، انظر: جمهرة أنساب العرب. ص ٩٦، الكامل في التاريخ ٥/ ٤١٣ - ٤١٤، الحلة السيراء: ٤٤ - ٤٦، البيان المغرب ٢/ ٧٥ - ٧٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٥٥ - ٢٥٨.\n(^٢) - طليطلة  TOLEDO  معناها باللاتينية: فرح ساكنوها، تقع شمال قرطبة وغرب الثغر الأعلى، كانت قاعدة ملوك القوط ومحل اختيارهم، وقد سقطت طليطلة بأيدي النصارى في منتصف شهر محرم سنة ٤٧٨ هـ. ولأنها قاعدة الثغر الأدنى فقد كان سقوطها كارثة على الدولة الإسلامية في الأندلس إذ لم يلبث النصارى أن سيطروا على جميع الأراضي الواقعة جنوبًا حتى جبال قرطبة وأطلقوا على هذه المنطقة الجديدة فيما بعد اسم قشتالة الجديدة  CASTILLA LA NUEVA  وللتوسع عن تاريخ طليطلة انظر:\nLA DESCRIPTION D'FAL-ANDALUS DA RAZI AL-ANDALUS، VOL، XVIII، ١٩٥٣، P: ٨١ - ٨٢.\nوسوف أشير إليه فيما بعد بـ\"وصف الأندلس للرازي\" الروض المعطار، ص ٣٩٣ - ٣٩٥. د. عبد المجيد نعنعي، الإسلام في طليطلة بيروت، دار النهضة العربية بدون تاريخ.\n(^٣) - عن هذه الحادثة انظر: ابن القوطية ص ٤٦ - ٤٩ البيان المغرب ٢/ ٦٩ - ٧٠، سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٥٩ - ٢٦٠.","vol":"1","page":41},{"text":"هذه الأحداث جعلت الأمير الحكم يعيش أزمة نفسية لازمته سنيه الأخيرة إلى أن توفى يوم الخميس (٢٦) من شهر ذي الحجة سنة (٢٠٦) هـ (^١) (مايو (٨٢٢) م) فتولى الإمارة من بعده ابنه الأمير عبد الرحمن (^٢) \"الأوسط\".\nوقد كان الأمير عبد الرحمن قد اعتنى والده بتربيته وتثقيفه عناية فائقة، فنشأ نشأة طيبة، واكتسب ثقافة عالية، واتصف بصفات فريدة أطنب المؤرخون في ذكرها (^٣). ولأنه عندما تولى الإمارة وجد بلادًا موطأة ورعية مؤدبة (^٤)، لذا فقد تفرغ لتزيين دولته، منطلقًا في ذلك من رصيد ثقافي يمتلكه، من هنا فقد كانت فترة حكمه فترة متميزة، وساعد على\n_________\n(^١) - ابن القوطية ص ٥٥، ابن الفرضي ١/ ١٢، الحلة السيراء: ١/ ٤٦ - ٤٧، البيان المغرب: ٢/ ٧٧. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٣.\n(^٢) - ولد الأمير عبد الرحمن بطليطلة في شهر شعبان سنة ١٧٦ هـ، أمه تسمى حلاوة، كان وادعًا محمود السيرة، تولى الإمارة ليلة وفاة والده، كان أشم، أقنى، أعين، أسود العينين، طوالًا، فخمًا، مسبلًا عظيم اللحية، يخضب بالحناء. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٢ - ١٣. ابن حيان، المقتبس، تحقيق د. محمود علي مكي، (بيروت، دار الكتاب العربي، ١٩٧٣ م)، ص ١٧، ٢٢ جذوة المقتبس، ص ١٠.\n(^٣) - انظر المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٨٩ - ٩١. أخبار مجموعة ص ١٣٥، الحلة السيراء ١/ ١١٣، البيان المغرب ٢/ ٩١، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٧. ابن سعيد، المغرب في حُلى المغرب، (تحقيق د. شوقي ضيف، (القاهرة، دار المعارف، ١٩٦٩ م)، ١/ ٤٥.\n(^٤) - ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٩.","vol":"1","page":42},{"text":"ذلك التميز أن الفقهاء استعادوا مكانتهم في عهده (^١)، فنتج عن هذه الأمور استقرار اجتماعي، الأمر الذي سمح للنشاط الاقتصادي بالنمو والإزدهار، وبذلك حصل تغير ملموس سواء بالنسبة لرسوم الإمارة أو على مستوى الوسط الاجتماعي وذلك بسبب الروافد الثقافية القادمة من المشرق.\nوبعد وفاة الأمير عبد الرحمن الأوسط ليلة الخميس ٣ ربيع الآخر سنة (٢٣٨) هـ (^٢) (٢٢ سبتمبر (٨٥٢) م) تولى الإمارة من بعده ابنه الأمير محمد (^٣) الذي أثنت عليه المصادر، ووصفته بأنه كان كاملًا عاقلًا على أخلاق جميلة ومكارم حميدة (^٤)، محبًا للعلوم، مؤثرًا لأهل الحديث، حسن\n_________\n(^١) - سالم الخلف، المرجع السابق ص ٢٩٥ - ٢٩٧.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي ص ١٧.\n(^٣) - ولد الأمير محمد في شهر ذي القعدة سنة ٢٠٧ هـ، أمه أم ولد اسمها بُهيرِ، تولى الإمارة ليلة وفاة والده، وصف بأنه كان أبيض، مشربًا بحمرة، ربعة، أوقص، وافر اللحية، يخضب بالحناء والكتم، اشتهر بالفصاحة والبلاغة، وكان عظيم الأناة، متنزهًا عن القبيح مؤثرًا للحق وأهله. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٣. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٠٢، جذوة المقتبس ص ١١. البيان المغرب ٢/ ٩٣ - ٩٤، ١٠٧.\n(^٤) - البيان المغرب ٢/ ١٠٧.","vol":"1","page":43},{"text":"السيرة (^١)، امتاز بالذكاء والفطنة (^٢)، ذا دراية بالأمور وبصيرة بوجوه الرأي (^٣).\nوقد تأثرت دولته بوجود رجلين إداريين في وقتين مختلفين، ففي النصف الأول من عهده امتازت إدارته بالانضباط والحزم، وذلك لوجود حاجب رشيد هو عيسى بن شهيد (^٤) الذي كان على مستوى كبير من الكفاءة وحتى بعد وفاته سنة (٢٤٣) هـ (٨٥٧ م) لم يختل نظام الإدارة إذ خلفه على منصبه عيسى بن الحسن ابن أبي عبد ة (^٥)، لأنه كان لا يقل عن\n_________\n(^١) - جذوة المقتبس ص ١١.\n(^٢) - الكامل في التاريخ ٦/ ٣٤٩.\n(^٣) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ١٣٤.\n(^٤) - عيسى بن شهيد بن عيسى بن شهيد بن الوضاح، أحد أعيان الموالي في الدولة الأموية، اشتهر بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والجزالة، حتى أن شيوخ الأندلس اتفقت كلمتهم على أنه ما خدم بني أمية في الأندلس أكرم منه، استعمله الأمير عبد الرحمن الأوسط في عدة خطط إلى أن ولاه الحجابة سنة ٢١٨ هـ، وظل في منصبه إلى وفاته سنة ٢٤٣ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٧٤ - ٧٥، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٦ - ٣٠، المغرب في حُلى المغرب ١/ ٥٠، البيان المغرب ٢/ ٨٤.\n(^٥) - عيسى بن أبي عبدة، ينتمي لأسرة من أكبر أسر موالي بني أمية في الأندلس، عُرف عيسى بالرثاثة وعدم الرشاقة في الخدمة، تغلب عليه غفلة السلامة، إلا أنه كان مشهودًا له بالدقة في التدبير وجودة الرأي، تولى الحجابة بعد ابن شهيد، وكانت العلاقة بينه وبين الوزير هاشم بن عبد العزيز سيئة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٥٢ - ١٥٥.","vol":"1","page":44},{"text":"سلفه كفاءة ومروءة، ولكن الوضع تغير كلية بعد أنه أصبح الوزير هاشم بن عبد العزيز (^١) هو الغالب على الأمير محمد المدبر لدولته، فقد أفسد على الأمير منهجه \"بشرهه وصلفه، وحمله على غير المنهج من محمود طرقه، وعدل عن اختيار ثقات العمال من الشيوخ والكهول وأولي السوابق والأصول إلى الأحداث واللاحقين من أولي الشره والخيانة ودناءة الأصول والبراءة من عهدة الحياء والمروءة (^٢) \" فكانت النتيجة فساد الحال وانخفاض دخل الدولة بسبب سوء سيرة الولاة، وتبدل نفوس القائمين على الأعمال، فكان ذلك مدعاة لرفض الرعية لهذا الوضع، الأمر الذي ترتب عليه اندلاع الفتن في الداخل، وكثرت التهديدات من الخارج، فعاشت\n_________\n(^١) - أبو خالد هاشم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد، أصله من موالي أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ولأسرة هاشم مكانة مرموقة بإلبيرة، كان هاشم خاصًا بالأمير محمد بن عبد الرحمن، فعظمت منزلته لديه، وصيره أخص وزرائه، عرف بالبأس والجود والفروسية والكتابة والبيان والبلاغة وقرض الأشعار البديعة، لكنه بالمقابل كان تياهًا، معجبا بنفسه، مما أحقد عليه القلوب، استحجبه الأمير المنذر بن محمد ثم نكبه وحبس أكابر أولاده، ومات هاشم مقتولًا في ليلة الأحد ٢٦ شوال سنة ٢٧٣ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٨٢، ٨٤ - ٨٦، ٨٩ - ٩٠، ٩٢ - ٩٣، ٩٧ - ٩٨، ١٠٢ - ١٠٣، المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ١٥٩ - ١٦٠ والتعليق رقم ٣٣٠. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٨٦٤. الحلة السيراء ١/ ١٣٧ - ١٤٢، المغرب في حلى المغرب ١/ ٥٢، ٥٣، ٩٤، ١٣٢، ١٣٣، ١٥٢، ١٥٣، ٢/ ٢٢، ٩٤ - ٩٥.\n(^٢) - المقتبس: تحقيق د. محمود مكي، ص ١٣١.","vol":"1","page":45},{"text":"الدولة أيامًا عصيبة \"حتى خُرقت الهيبة وزال صدر الحرمة (^١) \" وما توفي الأمير محمد حتى كانت الفتنة مستعرة في معظم أرجاء الأندلس (^٢).\nولعل أشد حركة واجهت الأمير محمد هي حركة عمر بن حفصون (^٣)، ويكفي للدلالة على ذلك أنها\n_________\n(^١) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٥٣.\n(^٢) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٢.\n(^٣) - عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر بن شيتم بن دميان بن فرغلوش بن إذفونش، من مسالمة الذمة من كورة تاكرنا من عمل رنده، هرب من الأندلس، ونزل بمدينة تاهرت بالمغرب الأوسط، ومارس مهنة الخياطة هناك عند أحد المولدين، ثم عاد إلى مسقط رأسه وجمع حوله عددًا كبير من المولدين وأعلن تمرده ببشتر سنة ٢٦٧ هـ واستمر في تمرده حتى هلك سنة ٣٠٥ هـ. انظر: ابن القوطية ص ٩٠ - ٩٤، ١٠١، ١٠٣، ١٠٧، ١٠٩، ١١١ - ١١٥. ابن حيان: المقتبس (طبعة ملشورم انطونيه، باريس ١٩٣٧)، ص ٥٠ - ٥٤، ٨٢ - ٨٤، ٨٩ - ٩٤، ٩٦ - ١٠٩ وغيرها. ابن حيان، المقتبس، الجزء الخامس، (نشر: بدرو شالميتا وغيره، مدريد، المعهد الأسباني العربي للثقافة، ١٩٧٩ م)، ص ٦٣ - ٦٤، ٦٦ - ٦٨، ٧٢، ٩٣، ١١٢ - ١١٦، ١٣٠ - ١٣٣، ١٣٨ - ١٤٢، البيان المغرب ٢/ ١٠٤، ١٧١. ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، (تحقيق: محمد عبد الله عنان القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٩٣ - ١٣٩٧ هـ (١٩٧٣ - ١٩٧٦ م) ٤/ ٣٨ - ٤٢.","vol":"1","page":46},{"text":"استمرت إلى أوائل القرن الرابع الهجري (^١) (العاشر الميلادي).\nوبعد وفاة الأمير محمد عقب صلاة عصر يوم الخميس (٢٨) صفر (٢٧٣) هـ - (^٢) (٤ أغسطس (٨٨٦) م) تولى الإمارة ابنه الأمير المنذر (^٣)، فتصدى لتلك الفتن بكل كفاءة واقتدار، إلا أنه لم يتمكن من إخمادها بسبب وفاته، إذ أن مدة إمارته لم تتجاوز سنتين، وفي هذا يقول ابن عذاري فيما يرويه عن بعض الشيوخ \" أنه لو عاش المنذر عامًا واحدًا\n_________\n(^١) - عن هذه الثورة، انظر: د. محمد عيسى الحريري، ثورة عمر بن حفصون زعيم المولدين في الجنوب الأندلسي (دار الكتاب الجامعي القاهرة ط الأولى ١٤٠٢ هـ/١٩٨٢ م) وللأستاذ حسين مؤنس تعليق طريف لاستمرارية ثورة ابن حفصون وعجز جيوش الإمارة عن سحقها. انظر د. حسين مؤنس: رحلة الأندلس حديث الفردوس المفقود (القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر، ط الأولى ١٩٦٣ م) ص ٢٤٩.\n(^٢) - ابن الفرضي ١/ ١٣.\n(^٣) - ولد الأمير المنذر سنة ٢٢٩ هـ أمه أم ولد تسمى أثل، تولى الإمارة يوم الأحد ٩ ربيع الول سنة ٢٧٣ هـ كان أسمر، جعد الشعر، بوجهه أثر جدري، يخضب بالحناء والكتم، شجاعًا: صارمًا، ذا عزم وحزم. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٣ - ١٤ جذوة المقتبس ص ١١ البيان المغرب ٢/ ١١٣ - ١١٤، ١٢٠.","vol":"1","page":47},{"text":"زائدًا لم يبق برية (^١) منافق (^٢) \" وذلك لشجاعته وحزمه وفي يوم السبت (١٥) من شهر صفر سنة (٢٧٥) هـ (^٣) (٣٠ يونيو (٨٨٨) م) توفي الأمير المنذر وهو محاصر لقلعة ابن حفصون ببشتر (^٤). فتولى الإمارة من بعده أخوه\n_________\n(^١) - رية: إقليم في جنوب شرق الأندلس عاصمته مالقة، وكلمة رية مأخوذة من اللاتينية  REGIO  أي الملكية، أو هي تعني عند القوط: سلطانة، فهي سلطانة البلاد، اشتهرت بخيراتها الزراعية الوفية، بالذات أشجار الموز والتين، كانت منزلًا لجند الأردن عندما تم توزيع الجند الشاميين. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٤٥، الحلة السيراء ١/ ٦١ - ٦٢، حاشية رقم ١، المغرب في حلى المغرب ١/ ٤٢٣،  ARABICO-ESPANOLOL: P. ٤٨.\n(^٢) -  البيان المغرب ٢/ ١٢٠.\n(^٣) - ابن الفرضي ١/ ١٤.\n(^٤) - ببشتر  BOBASTRO  حصن يقع جنوبي قرطبة على مسافة ثمانين ميلا، وصف بأن الأبصار تزل عنه فكيف بالأقدام، بني على صخرة صماء منقطعة لها بابان، ويتوصل إلى أعلاها من شعب يسلكه الداخل الخفيف، وطريقه عند الطلوع والهبوط على النهر، وأعلى الصخرة سهلة مربعة غزية المياه ولهذا الحصن قرى كثيرة وحصون، وماحوله كثير المياه والأشجار، انظر: الروض المعطار ص ٧٩. هذا وقد خلط بعض المؤرخين بين ببشتر وبربشتر. انظر: البيان المغرب ٢/ ١١٧. وبربشتر تقع في منطقة الثغر الأعلى. انظر: الروض المعطار ص ٩٠ - ٩١.","vol":"1","page":48},{"text":"الأمير عبد الله (^١)، وهذه حالة فريدة في تاريخ الدولة الأموية بالأندلس، إذ أن نظام الحكم فيها وراثي محدد في الولد بعد أبيه (^٢).\nوقد تباينت الآراء في الأمير عبد الله بين ذم وثناء (^٣)، واتُهم بقتل أخيه الأمير المنذر (^٤)، وعندما تولى الإمارة كانت الفتن مندلعة في كافة أرجاء الأندلس (^٥)، حتى أن قصر الإمارة في قرطبة لم يعد بمنأى عنها (^٦)، وأصبحت الإمارة الأموية تكتفي في أكثر أيام الأمير عبد الله بأخذ مقدار\n_________\n(^١) - ولد الأمير عبد الله في النصف من ربيع الآخر سنة ٢٢٩ هـ، أمه أم ولد تسمى بهار أو عشار، كان بصيرًا بلغة العرب، فصيح اللسان. حسن البيان، حافظًا لأشعار العرب محبًا للعلم وأهله، وصف بأنه كان أبيض أصهب، مشربًا بحمرة، أزرق، أقنى، يخضب بالسواد، ربعة إلى الطول، عظيم الكراديس. انظر، ابن الفرضي ١/ ١٤، جذوة المقتبس ص ١٢، البيان المغرب ٢/ ١٢٠ - ١٢١، ١٥١.\n(^٢) - ذكر ابن حزم أن الأمير الحكم الربضي كان قد جعل الأمر من بعده لولديه عبد الرحمن ومن ثم المغيرة، لكن عبد الرحمن خلع أخاه. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٩٨.\n(^٣) - انظر: العقد الفريد ٤/ ٤٩٧، المقتبس، طبعة: انطونيه ص ٣٣ - ٤١، البيان المغرب ٢/ ١٥٢ - ١٥٣. أعمال الأعلام ٢/ ٢٦.\n(^٤) - عن هذه المسألة انظر: د. محمد إبراهيم أبا الخيل، الأندلس في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري ٢٧٥ - ٣٠٠، (الرياض، مطبوعات مكتبة الملك عبد العزيز ١٤١٦ هـ/١٩٩٥) ص ٧٩ - ٨٢ ومصادره.\n(^٥) - المقتبس، طبعة انطونية ص ٩ - ٣٢.\n(^٦) - المصدر السابق ص ٩٢، ٩٣، ١٠٢. أخبار مجموعة ص ١٥١، الإحاطة ٤/ ٤٠ - ٤١.","vol":"1","page":49},{"text":"من المال من بعض أهل الطموح، ليعتبر ذلك إعلانًا للتبعية (^١)، وهذا في الوقت الذي كانت فيه سلطة الأمير الحقيقية لا تتجاوز قرطبة وقراها المجاورة، وهي السمة الغالبة على أكثر سني حكمه.\nورغم أن الأمير لم يفقد رباطة جأشه أمام تلك الشدائد (^٢)، إلا أنه بالمقابل كان يشعر بإحباط داخلي فقد معه الثقة بالآخرين، الأمر الذي نتج عنه قتله لاثنين من إخوته، ومثلهما من أبنائه، وظل طيلة سني حكمه في صراع مع ثوار الأندلس حتى وفاته ليلة الخميس الأول من شهر ربيع الأول سنة (٣٠٠) هـ (^٣) (١٦ أكتوبر (٩١٢) م).\nهذا هو عصر الإمارة الذي امتد أكثر من قرن ونصف القرن تعاقب خلال تلك الحقبة على الحكم سبعة أمراء، وإذا كان الأمير عبد الرحمن بن معاوية قد استغرق فترة حمكه في مواجهات مستمرة مع مناوئيه، فإن تلك الفترة تعتبر فترة تأسيس للدولة وترسيخ لقواعدها، ووضع أسسها العامة إداريًا وعسكريًا، والتي كفل الأخذ بها -بعون الله تعالى- استمرارية حكم\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة ص ١٥١ - ١٥٢.\n(^٢) - د. حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، (القاهرة، دار مطابع المستقبل، ١٩٨٠ م)، ص ٣٠٤ - ٣٠٥.\n(^٣) - ابن الفرضي ١/ ١٤ نقط العروس ص ٧٨ - ٧٩. المقتبس، طبعة أنطونية ص ٥٠ - ١٤٧ د. محمد إبراهيم أبا الخيل، المرجع السابق، ص ١٠٥ - ٣٠٩.","vol":"1","page":50},{"text":"الأمويين في الأندلس مدة تزيد على ثلاثة أضعاف ما عاشته دولة أسلافهم في المشرق.\nكما تُعد فترة حكم الأمير عبد الرحمن الأوسط مرحلة قطف الثمرة التي غرس شجرتها وحفها بعناية من سبقه من آبائه.\nوأما ما يخص الصراع الذي شهده عصر الإمارة فيمكن تقسيمه إلى قسمين، جرى كل قسم منهما في مدة زمنية معينة منفصلة عن الأخرى.\nفالقسم الأول من الصراع الذي جرى في النصف الأول من ذلك العصر، كان صراعًا بين أفراد البيت الأموي، وذلك من أجل الوصول إلى السلطة.\nوعندما اختفى هذا النمط من الصراع، ظهر في النصف الثاني من عصر الإمارة صراع من نوع آخر، يتمثل في حركات وفتن متعددة، اندلعت في أرجاء البلاد، كان معظمها ذا طبيعة شعوبية أو عنصرية، وإذا كان بعض قادتها قد اكتفوا بالدفاع عن مكتسباتهم فقط، فإن بعضهم الآخر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد أخذ يهاجم قرطبة عاصمة الإمارة.\nوهناك حركات مناوئة قادها العرب، أرادوا من خلالها الإعلان عن وجودهم القوي في المجتمع الأندلسي،","vol":"1","page":51},{"text":"وأنه ليس بإمكان الإمارة الأموية أن تتجاهلهم، وذلك مثل بني الحجاج (^١) في إشبيلية (^٢).\nهذه الحركات هزت أركان الإمارة الأموية، وتركت آثارها على المستوى العام للأندلس، وربما لا نبعد عن الصواب عندما نقول إنها كانت أمرًا متوقعًا، وذلك نتيجة للتفاعلات الحضارية والثقافية الواردة إلى\n_________\n(^١) - عن ثورة بني الحجاج في اشبيلية والتي اندلعت في عهد الأمير عبد الله بن محمد واستمرت حتى تمكن الأمير عبد الرحمن بن محمد من القضاء عليها وإخضاع اشبيلية لقرطبة، وذلك يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة ٣٠٥ هـ. انظر: المقتبس، طبعة: أنطونية، ص ٦٧ - ٨٥، ١١٠ - ١١٤، المقتبس طبعة: بدروشالميتا ص ٦٩ - ٧٩. د. حمدي عبد المنعم حسين، التاريخ السياسي لمدينة اشبيلية في العصر الأموي (الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م) ص ٦١ - ١١٣. أبا الخيل، المرجع السابق، ص ٢٢٧ - ٢٥٩ ومصادره.\n(^٢) - اشبيلية  sevilla  مدينة قديمة، أصل تسميتها \"إشبالي\" معناه المدينة المنبسطة وأما اسم اشبيلية فقد أطلق عليها فيما بعد وتعني التنجيم، وبالقرب من اشبيلية يوجد جبل الشرف الشهير بأشجار الزيتون وقد خرجت اشبيلية من أيدي المسلمين في شهر شعبان سنة ٦٤٦ هـ. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٩٢، البكري: جغرافية الأندلس وأوروبا، ص ١٠٧ - ١١٩. ابن غالب، فرحة الأنفس في أخبار الأندلس، (نشر قطعة منه د. لطفي عبد البديع تحت عنوان \"تعليق منتقى من فرحة الأنفس في تاريخ الأندلس\" القاهرة مجلة معهد المخطوطات العدد الأول القسم الثاني ١٣٧٥ هـ/١٩٥٥ م) ص ٢٩٢ - ٢٩٣، الروض المعطار ص ٥٨ - ٦٠ د. حمدي عبد المنعم، التاريخ السياسي لمدينة اشبيلية ص ٧ - ٢٦.","vol":"1","page":52},{"text":"الأندلس من أقطار شتى، بالإضافة إلى التنافس الاجتماعي القوي بين أفراد المجتمع الأندلسي، كل هذا نتج عنه أفكار ورؤى وتطلعات تجسدت في حركات مناوئة. الغرض منها إثبات الذات لزعماء تم تجاهلهم، وإحداث تغيير يلبي مصالح المجتمع، ويلغي استئثار فئة معينة من فئات المجتمع بأوضاع تميزهم عن البقية دون وجه حق.\nلأجل ذلك فإن إطلاق مصطلح \"عصر دويلات الطوائف الأولى (^١) \" على النصف الثاني من عصر الإمارة، والذي يشغل تقريبًا فترة النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) هو تعبير مختصر عن وضع كانت البلاد تعيشه طيلة تلك الفترة.\nأما عصر الخلافة الذي استمر مائة وست سنوات، فيمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل، الأولى منها هي مرحلة عصر قوة الخلافة، وهو العصر الذي كان الخليفة فيه متمتع بكافة المؤهلات التي تمكنه ليس فقط من إصدار القرارات، بل مع ضمان سرعة تنفيذها. وهذه المرحلة لم يكتب لها البقاء طويلًا، إذ أن عمرها لا يتجاوز نصف قرن، وذلك إذا جعلنا تاريخها يبدأ من إعلان الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (^٢) نفسه خليفة في\n_________\n(^١) - في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٦٦.\n(^٢) - ولد الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد يوم الخميس منتصف شهر رمضان ٢٧٧ هـ أمه أم ولد تسمى مزنة، قتل والده بعد ولادته بأحد وعشرين يومًا، فتربى عند جده الأمير عبد الله، وليلة وفاته تولى الإمارة عبد الرحمن بن محمد، كان شهمًا صارمًا أخمد الله على يديه نيران الفتن المستعرة في أرجاء الأندلس، ودخل الناس في طاعته، كان أبيض ربعة، أشهل، حسن الجسم، جميلًا، يخضب بالسواد. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٤ - ١٥، البيان المغرب ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، ٢١٣ - ٢٣٤.","vol":"1","page":53},{"text":"الأندلس، وذلك يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة (٣١٦) هـ (^١) (١٥ يناير (٩٢٩) م).\nوكانت الإمارة الأموية في الأندلس في مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) لا تسيطر إلا على قرطبة وقراها، فتمكن الخليفة عبد الرحمن بن محمد الشهير بالناصر من بسط نفوذه على المدن التي خرجت عن نطاق سيطرة قرطبة، وكان يعتمد على المركزية المطلقة في الحكم، شديد التمسك بها (^٢)، حتى أنه كان يناقشها مع بعض الوفود الدبلوماسية التي تقدم إلى قرطبة لزيارته (^٣)، ولكنه مع كل هذا كان يجيد التعامل مع أنصاره ومناوئيه على السواء، فقد امتاز بالوفاء بالعهد، وإكرام من أتاه طائعًا، الأمر الذي ساعده كثيرًا في السيطرة على البلاد (^٤).\n_________\n(^١) - المقتبس، طبعة بدروشالميتا، ص ٢٤١ - ٢٤٢، البيان المغرب ٢/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(^٢) - ستانلي لين بول، العرب في أسبانيا (ترجمة: علي الجارم، القاهرة، دار المعارف ١٩٤٧ م)، ص ٩٩.\n(^٣) - محمد عنان، دولة الإسلام في الأندلس: ١/ ٢/٤١٧.\n(^٤) - المغرب في حُلى المغرب، ١/ ١٨٢ - ١٨٥. عندما تطرق ليفي بروفنسال لذكر عبد الرحمن الناصر وصفه بقلة الورع، وأنه صاحب تقوى ظاهرية، وأن خوفه من الفقهاء هو الذي حال بينه وبين تولية منصب قضاء الجماعة لأي شخصية من أصل أندلسي، وذلك لشدة تسامحه مع اليهود والنصارى الذي لم يشعر تجاههم بأي تعصب، كما كان عصره فترة ازدهار لهم. انظر:  L.PROVENCAL: HISTOIRE DE L'ESPAGNE MUSLMANE. ٣.VOLS.PARIS ١٩٥٠، T، ١١، P: ٣.  هذه نظرة مؤرخ معادٍ للإسلام وأهله ولذا فليس من المستغرب أن يأتي منه أكثر من هذا.","vol":"1","page":54},{"text":"كما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر حزمه ويقظته وعدم خلوده للراحة، ومما يدل على ذلك، أنه بالرغم من استمرار حكمه مدة خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، إلا أنه عندما أخذ يعد الأيام التي صفى له سرورها من هذه المدة الطويلة، لم يجد إلا أربعة عشر يومًا فقط (^١).\nوبعد حياة حافلة بالمنجزات الهائلة توفي الخليفة عبد الرحمن الناصر وذلك يوم الأربعاء ٣ رمضان سنة (٣٥٠) هـ (^٢) (١٦ أكتوبر (٩٦١) م) فتولى الخلافة من بعده ابنه الحكم المستنصر بالله (^٣)، وذلك يوم الخميس ٤\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ١٦٨.\n(^٢) - ابن الفرضي ١/ ١٤.\n(^٣) - ولد الخليفة الحكم المستنصر بالله يوم الجمعة عند صلاتها. غرة رجب سنة ٣٠٢ هـ. أمه أم ولد إسمها مرجانه، وصف بأنه كان أبيض مشربًا بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ العنق، عظيم السواعد أفقم. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٥، المقتبس، طبعة بدرو شالميتا، ص ١٠١ - ١٠٢، البيان المغرب، ٢/ ٢٣٣، سير أعلام النبلاء، ١٦/ ٢٣٠ - ٢٣١.","vol":"1","page":55},{"text":"رمضان (^١) (١٧ أكتوبر)، وقد كان الخليفة الحكم معروفًا بحسن السيرة (^٢) والفضل والعدل (^٣)، رفيقًا بالرعية (^٤)، من أهل الدين والعلم، إمامًا في معرفة الأنساب، حافظًا للتواريخ، مميزًا للرجال (^٥)، مكرمًا للقادمين عليه من العلماء، جماعة للكتب، آثر العلم على لذات الملوك (^٦). وعندما استلم الحكم المستنصر بالله الخلافة كان لديه رصيد هائل من التجربة التي اكتسبها من طول ملازمته لوالده، ويبدو أنه كان متأثرًا به لدرجة أن الناس لم يعدموا من عبد الرحمن الناصر إلا شخصه، أما ماعدا ذلك فكأنه كان موجودًا بينهم (^٧)، وذلك إذا استثنينا عدم اتباع الخليفة الحكم المستنصر بالله للمركزية المطلقة في إدارة الدولة، فقد\n_________\n(^١) - ابن الفرضي ١/ ١٥.\n(^٢) - جذوة المقتبس ص ١٣.\n(^٣) - الحلة السيراء ١/ ٢٠٠.\n(^٤) - جمهرة أنساب العرب ص ١٠٠.\n(^٥) - أعمال الأعلام ٢/ ٤١.\n(^٦) - نفح الطيب ١/ ٣٩٥.\n(^٧) - المصدر السابق ١/ ٣٨٢.","vol":"1","page":56},{"text":"كان حاجبه جعفر بن عثمان المصحفي (^١) هو القائم بتدبير الأمور الموكل إليه تصريفها (^٢).\nوقد كان الخليفة المستنصر بالله شديد الاهتمام برعيته، مراقبًا الله تعالى فيهم، فوظف الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي الذي كانت تعيشه دولته، فيما يعود بالمنفعة على الرعية، وتفرغ هو لطلب\n_________\n(^١) - جعفر بن عثمان بن نصر بن عبد الله القيسي المصحفي، من برابر بلنسية، كان والده مؤدبًا للحكم بن عبد الرحمن الناصر، فلما توفي عثمان سنة ٣٢٧ هـ قرب الحكم إليه جعفرًا المصحفي، وجعله كاتبًا عنده، وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر تقلب جعفر في عدة مناصب، وبعد أن تولى الحكم الخلافة استوزر جعفرًا وولاه كتابته الخاصة بالإضافة إلى الشرطة وخدمة ابنه الأمير هشام، وظل جعفر موضع ثقة الخليفة الحكم وأقرب الناس إليه طيلة عهده، ثم تولى الحجابة لهشام المؤيد، إلا أن المنصور ابن أبي عامر تسلط عليه فحاكمه وصادره وأهانه وسجنه بالمطبق حتى هلك سنة ٣٧٢ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٩٨، جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٣٥٣، ابن بسام، الذخيرة، (تحقيق: د. إحسان عباس، ليبيا -تونس، الدار العربية للكتب، ١٣٩٩ - ١٩٧٩ م)، ق ٤ م ١ ص ٥٨ - ٧٠. الفتح بن خاقان، مطمح النفس، (تحقيق: محمد علي شوابكه، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٣ هـ/١٩٨٣ م)، ص ١٥٣ - ١٦٦. الحلة السيراء ١/ ٢٥٧ - ٢٦٧، البيان المغرب ٢/ ٢٦٠ - ٢٧٢.\n(^٢) - البيان المغرب ٢/ ٢٥١.","vol":"1","page":57},{"text":"العلم ومجالسة العلماء (^١)، وبذل بلا حدود في سبيل اقتناء الكتب، حتى تجمعت لديه مكتبة قل نظيرها (^٢).\nوعندما شعر الخليفة الحكم، المستنصر بالله، بالضعف في بدنه، سارع إلى أخذ البيعة بولاية العهد من بعده لابنه هشام (^٣)، وذلك في يوم السبت مستهل جمادى الآخرة سنة (٣٦٥) هـ (^٤) (٥ فبراير (٩٧٦) م).\n_________\n(^١) - الحلة السيراء ١/ ٢٠١.\n(^٢) - جمهرة أنساب العرب ص ١٠٠، الحلة السيراء ١/ ٢٠٤ - ٢٠٧.\n(^٣) - ولد هشام يوم الأحد ٨ من شهر جمادى الآخرة سنة ٣٥٤ هـ، أمه تدعى صبح البشكنسيه بويع بالخلافة صبيحة يوم الاثنين الرابع من شهر صفر سنة ٣٦٦ هـ، كان أبيض أشهل، أعين خفيف العارضين لحيته إلى الحمرة، حسن الجسم قصير الساقين، مائل إلى العبادة والانقباض، مغفَّل يصدق تراهات الخبثاء. انظر: ابن الفرضي ١/ ١٥، البيان المغرب ٢/ ٢٤٩، ٢٥٣، أعمال الأعلام ٢/ ٤٨، ٥٨، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(^٤) - البيان المغرب ٢/ ٢٤٩. لقد وقع الخليفة الحكم المستنصر بالله في خطأ ترك أثاره على الأندلس والوجود الإسلامي هناك، فبالرغم من الصفات الحسنة التي اشتهر بها ذلك الخليفة، إلا أنه أسند ولاية العهد من بعده لابنه الذي لم يبلغ الحلم، كل هذا وقوعًا منه تحت تأثير العاطفة وحبه لولده وأم ولده وتحسين بطانته له هذا الفعل الشنيع لأن تلك البطانة السيئة لم تنظر أبدًا إلا لمصلحتها هي فقط، ولعل جعفر المصحفي كان له أكبر الأثر في هذا الأمر، فمنذ أن شاع الخبر بأن صبحًا البشكنسية زوجة الخليفة الحكم، حبلى بادر جعفر فألقى قصيدة بين يدي الخليفة يهنئه فيها بهذا الخبر السعيد، وبما أن الخليفة قد عرف عنه كلفه الشديد بالولد لأنه لم يرزق بمولود رغم تقدمه بالسن، لذا فقد استغل المصحفي هذا الأمر، وبادر إلى ترشيح ذلك الجنين بولاية العهد ومن ثم الخلافة، ومما جاء في تلك القصيدة قوله:\nهنيئًا للأنام وللإمام … كريم يستفيد على كرام\nمرجى للخلافة وهو … ماء مأمول لآمال عظام\nوما إن وضعت صبح مولودها، حتى بادر هذا الحاجب الوصولي فارتجل قصيدة بهذه المناسبة بين يدي الخليفة الذي أعياه طول الانتظار لإطلالة هذا المولود على الدنيا ومما جاء في تلك القصيدة:\nاطلع البدر من حجابه … واطرد السيف من قرابه\nوجاءنا وارث المعالي … ليثبت الملك في نصابه\nوالمصحفي في قصيدته الثانية يؤكد ما أملاه على سيده في قصيدته الأولى كل هذا بأسلوب نفسي بارع جعل الخليفة يقع تحت تأثيره: انظر: البيان المغرب ٢/ ٢٣٧. الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٥٣. د. عبد السلام الهراس: الأندلس بين الاختبار والاعتبار، محاولة لدراسة ضياع الأندلس وسقوطها من الفتح إلى نهاية العصر الأموي، (من بحوث ندوة الأندلس قرون من التقلبات والعطاءات، المنعقدة في الرياض من ١٥ - ١٩ جمادى الأولى ١٤١٤ هـ، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض) ص ١١ - ١٢.","vol":"1","page":58},{"text":"وأما المرحلة الثانية من مراحل عصر الخلافة، فهي التي سيطر فيها العامريون على الخلافة، فبعد أن توفي الخليفة الحكم ليلة الأحد لثلاث خلون من شهر صفر سنة (٣٦٦) هـ (^١) (الأول من أكتوبر (٩٧٧) م) حرص مجلس\n_________\n(^١) - الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":59},{"text":"الوصاية المكوَّن من الحاجب جعفر المصحفي وغالب بن عبد الرحمن الناصري (^١) ومحمد بن عبد الله بن أبي عامر (^٢)\n_________\n(^١) - هو القائد الأعلى أبو عثمان غالب بن عبد الرحمن الناصري، شيخ موالي الأندلس قاطبة، وفارس الأندلس في عهده، تولى القيادة العليا للجيوش الأندلسية، ولقب لوحده بذي السيفين، استعان به ابن أبي عامر للتخلص من جعفر المصحفي، ثم انقلب عليه، فجرى الصدام العسكري بينهما، وقد مات غالب فجأة يوم السبت الرابع من شهر محرم سنة ٣٧١ هـ وعمره نحو ثمانين عامًا. انظر: نقط العروس، ص ٨١ - ٨٢، المقتبس: (تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، بيروت، دار الثقافة، ١٩٨٣ م)، ص ٦٩، ١٠٢، ١٠٨ - ١٠٩، ١٢٦، ١٣٠ - ١٣٦، ١٤٥ - ١٤٦، ١٧٤ - ١٨٢، ١٩٤ - ٢٠٠، ٢١٩ - ٢٢٣، البيان المغرب: ٢/ ٢٢١، ٢٤٠، ٢٤١ - ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٦٥ - ٢٦٧، ٢٦٨ - ٢٩٦، أعمال الأعلام ٢/ ٦١ - ٦٥.\n(^٢) - محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر المعافري، أصله من الجزيرة الخضراء، قدم قرطبة شابًا، فبرع في طلب العلم، ثم اتصل بصبح البشكنسيه زوجة الخليفة الحكم، فنصبته لخدمتها وخدمة ابنها عبد الرحمن، فلما توفي تولى ابن أبي عامر خدمة الأمير هشام، ومن ثم تولى عدة مناصب إدارية في عهد الخليفة الحكم المستنصر، انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ١٢١، مطمح الأنفس ص ٣٨٨ - ٣٩٧، الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٥٦ - ٧٨، الضبي، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس، (نشر: فرانسيسكو كوديرا، وخليان ريبيرا، مدريد، مطبعة روخس، ١٨٨٤ م)، ترجمة رقم ٢٤٢. الحلة السيراء ١/ ٢٦٨ - ٢٧٧. ابن الأبار، التكملة لكتاب الصلة، (نشر: فرانسيسكو كوديرا، مدريد، مطبعة روخس، ١٨٨٧ م)، رقم ١٩١٤ م.","vol":"1","page":60},{"text":"بالإضافة إلى صبح والدة هشام (^١)، على تنفيذ وصية الخليفة بتولية ابنه هشام من بعده (^٢) فتم لهم ذلك. وقد وقع الخليفة الصبي تحت سيطرة ابن أبي عامر، الذي أصبح أمر الدولة بيده، وذلك بعد أن تجاوز كافة الموانع المادية والأخلاقية التي كانت تحول بينه وبين هدفه، وبذلك قوي أمره، ولم يعد للخليفة أي سلطان.\nوقد أثار تسلط ابن أبي عامر على الخليفة سخط الأمويين، فدبر عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر (٣٦٧) هـ (^٣) (٩٧٧ م) محاولة انقلابية للتخلص من ابن أبي عامر وإقصاء هشام عن الخلافة، ودبر الأمر مع عبد الرحمن بعض وجهاء المجتمع الأندلسي وبايعوه بالخلافة، منهم عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي (^٤)، صاحب خطة\n_________\n(^١) - صبح أو صبيحة، ترجمة لكلمة  Aurora  ومعناها الفجر أو الصباح الباكر، كان الخليفة الحكم المستنصر بالله يسميها جعفر، وكانت مغنية حظية عنده، توفيت في حياة ابنها هشام المؤيد. أنظر البيان المغرب ٢/ ٢٥٣.\n(^٢) - المصدر السابق ٢/ ٢٤٩، ٢٦٠ - ٢٦٢.\n(^٣) - الحلة السيراء ١/ ٢٨٠.\n(^٤) - أبو مروان عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي، ولد سنة ٣٢٨ هـ، سمع من أبيه وغيره، وكان عبد الملك متهمًا بالاعتزال، تولى خطة الرد أيام الخليفة الحكم المستنصر بالله، الذي كان كثيرًا ما يبعث به أمينًا ليتعرف على أحوال الناس في الكوروسير عمالهم فيهم. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٢٣، ابن حزم، طوق الحمامة، (تحقيق: حسن صيرفي، القاهرة، المكتبة التجارية الكبر، بدون تاريخ)، ص ٤٥، المقتبس، تحقيق د. عبد الرحمن الحجي ص ١٠٠، ١٠٤.","vol":"1","page":61},{"text":"الرد (^١)، وزياد بن أفلح (^٢)، صاحب المدينة، إلا أن المؤامرة فشلت، فقتُل عبد الرحمن بن عبيد الله، كما صُلب عبد الملك بن منذر على باب السدة (^٣)، وذلك يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة سنة (٣٦٨) هـ (^٤) (يناير ٩٧٩).\n_________\n(^١) - طوق الحمامة، ص ٤٥.\n(^٢) - زياد بن أفلح، أحد زعماء الصقالبة، ومن وزراء العامريين وكبار رجالهم، كان يلي المدينة، وقد اشترك في المخطط الانقلابي، إلا أنه عندما أدرك فشل المحاولة انقلب على أصحابه مخافة افتضاح أمره، وهو الذي أيد صلب عبد الملك بن منذر وقد توفي زياد سنة ٣٦٨ هـ دون أن يُكشف أمره، إذ أعانه أحمد بن محمد بن عروس على ذلك. انظر: الحلة السيراء ١/ ٢٧٨ - ٢٨٠، والحاشية رقم ٢.\n(^٣) - باب السدة: هو الباب الرئيسي لقصر الحكم بقرطبة، يقع على مقربة من الرصيف، ويعلوه السطح المشرف، وسوف نتعرف فيما بعد على أهمية هذا الباب. وعنه انظر: قرطبة حاضرة الخلافة ١/ ١٩١ - ١٩٢.\nBalbas: Bub Al Sudda y los Zudas de la Expana oviental Al Andalus Fasc. ١، ٢، vol، xvll، ١٩٥٢، p: ١٦٥ - ١٧٥.\n(^٤) -  ابن الفرضي ترجمة رقم ٨٢٣، طوق الحمامة، ص ٤٥، الحلة السيراء ١/ ٢٧٨ حاشية رقم ٢.","vol":"1","page":62},{"text":"ومنذ تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة شعر ابن أبي عامر بخطورة الأمويين عليه، فاستخدم معهم أسلوبًا قاسيًا، لشل حركتهم، وجعلهم دائمًا تحت رقابته، فقد بث عليهم العيون، وفرض عليهم الإقامة الجبرية في منازلهم، لا يغادرونها إلا لضرورة قصوى، كما منع الزيارات عنهم إلا لمن يأذن فيه من غلام أو وكيل أو معلم أو طبيب، وفوق كل ذلك كان يصطحبهم معه أثناء خروجه للغزوات، حتى ذلوا وانكسرت نفوسهم واشتغل كل منهم بأمره (^١).\nوإمعانًا من ابن أبي عامر في الاحتياط لنفسه، ولشدة إعجابه بالخليفة عبد الرحمن الناصر وحرصًا منه على التشبه به، ابتدأ سنة (٣٦٨) هـ (٩٧٩ م) ببناء مدينة الزاهرة (^٢)، وبعد اكتمالها انتقل إليها واستوطنها ونقل إليها كافة دواوين الدولة (^٣)، وأمر كل من له حاجة أن يأتي إلى مدينته بدلًا من قصر الخليفة وأصبح هو الآمر الناهي، بعد أن\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام ٢/ ٧٦ - ٧٧.\n(^٢) - مدينة الزاهرة  Azzahira  تقع شمال شرق قرطبة، مقابلة لمدينة الزهراء التي بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر شمال غرب قرطبة، ورغم اهتمام المنصور بمدينة الزهراء إلا أنها لم تدم طويلًا، فقد خربت بعد وفاته بسبع سنين، انظر: البيان المغرب ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٧، الروض المعطار، ص ٢٨٣ - ٢٨٤، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٨٠ - ١٨١، قرطبة حاضرة الخلافة ١/ ٢٥٨ - ٢٦٣.\n(^٣) - البيان المغرب ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٨١.","vol":"1","page":63},{"text":"حجر على الخليفة، وسد بابه، وأدار على قصره سورًا وثيقًا، وأيده بحراسة مشددة فلا يطمع أحد بمقابلة الخليفة إلا بإذن ابن أبي عامر، ولتبرير فعله هذا أشاع في الناس أن الخليفة قد فوض إليه أمر تدبير الدولة ليتفرغ هو لعبادة ربه (^١)، وبذلك ضمن التحرر نهائيًا من الخليفة وسلطانه.\nوكان ابن أبي عامر \"المنصور\" يتدرج في مناصب الدولة، وفي كل مرة يُظهر أمر الخليفة بمنحه منصبًا جديدًا أو لقبًا إضافيًا، وإن كان الواقع يشير إلى أن الخليفة ليس له من الأمر شيء، إذ لم يبق له من رسوم الدولة سوى السكة والخطبة (^٢).\nورغبة من المنصور في ترك أثر له على العمارة فقد ابتدأ سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م) بإجراء التوسعة من الناحية الشرقية لجامع قرطبة، دونما اهتمام بالزخرفة (^٣)، كما بدأ في سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) ببناء القنطرة (^٤) على نهر\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام ٢/ ٦٢.\n(^٢) - البيان المغرب ٢/ ٢٧٦.\n(^٣) - المصدر السابق ٢/ ٢٨٧.\n(^٤) - القنطرة: رومانية قديمة البناء، تصل بين قرطبة وريفي شقندة المسمى اليوم \"الاسبيرتو سانتو\" وفي الأيام الأولى للفتح الإسلامي كانت تلك القنطرة قد تهدمت وأصابها التلف ولم تعد الاستفادة منها ممكنة فلما أصبح السمح بن مالك الخولاني واليًا على الأندلس كتب لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ بأمر القنطرة ووضح له أهميتها، فأذن له ببنائها بصخر سور قرطبة، فأتم ذلك سنة ١٠١ هـ، وقد جددت بعد ذلك مرارًا. انظ: أخبار مجموعة ص ٢٤، رحلة الأندلس ص ٥٧ - ٥٨.","vol":"1","page":64},{"text":"الوادي الكبير (^١)، وكان فراغه منها في النصف من سنة (٣٧٩) هـ (٩٨٩ م) بعد أن بلغت تكاليف البناء حوالي مائة وأربعين ألف دينار (^٢).\nويبدو أن التدابير التي اتبعها المنصور، واستبداده بالسلطان دون الخليفة، واجراءاته التعسفية ضد الآخرين، أثارت الناس ضده، حتى أقربهم منه كرهه وكره تصرفاته، ولذا فقد تم تدبير حركة عصيان قام بها ابنه عبد الله بن المنصور بن أبي عامر (^٣)،\n_________\n(^١) - نهر الوادي الكبير  Rio Guadal Quivir  أهم أنهار الأندلس، من أسمائه: النهر العظيم، نهر قرطبة، واسمه القديم \"بيطي  Beatis\"  ويبلغ طوله ٣١٠ أميال، ويروي قرطبة واشبيلية، انظر: بروفنسال، الأندلس أو شبه جزيرة الأندلس، (مقال منشور ضمن كتاب الأندلس، ترجمة: إبراهيم خورشيد وغيره، بيروت، دار الكتاب اللبناني، القاهرة دار الكتاب المصري ط الولى ١٩٨٠) ص ٧٦.\n(^٢) - نفح الطيب ١/ ٤٠٨.\n(^٣) - كان عبد الله بن المنصور قد وجد في نفسه على أبيه، بسبب تقديمه لأخيه عبد الملك مع أن عبد الله يرى نفسه أنه أفرس وأفهم وأشجع من أخيه عبد الملك، لأجل هذا نزح إلى سرقسطة واتفق مع صاحبها عبد الرحمن بن مطرف على التمرد، وأيدهما على ذلك قومس قشتالة غارسيه بن فردلند  Carci Fernalndez  مما كان سببًا في وقوعه أسيرًا في يد المنصور وذلك في ١٥ ربيع الثاني سنة ٣٨٥ هـ. انظر: ديوان ابن دراج القسطلي، (تحقيق وتعليق: د. محمود علي مكي، طبع على نفقة الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، دمشق، منشورات المكتب الإسلامي، ١٣٨٠ هـ)، ص ٣٦٢ والحاشية رقم ٢، والقصيدتان رقم ١١٢، ١١٨ والتعليق عليهما. البيان المغرب ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤.","vol":"1","page":65},{"text":"وعبد الرحمن بن مطرف (^١)، صاحب سرقسطة (^٢)، والوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني (^٣) صاحب طليطلة، بالإضافة إلى جماعة من وجوه أهل\n_________\n(^١) - عبد الرحمن بن مطرف بن محمد بن هاشم التجيبي، من أسرة عربية استقرت في إقليم أرغون منذ الأيام الأولى للفتح، وعبد الرحمن بن مطرف عندما رأى فتك المنصور برجالات الدولة علم أنه لم يبق غيره، فخشي على نفسه، وأيد عبد الله بن المنصور في الخروج ضد أبيه. انظر: الحلة السيراء، ٢/ ٧٩ حاشية رقم ١. البيان المغرب ٢/ ٢٨٢، د. عبد الواحد ذنون طه، الفتح والاستقرار العربي الإسلامي في شمال افريقية والأندلس، (الجمهورية العراقية، منشورات وزارة الثقافة والإعلام ١٩٨٢ م)، ص ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(^٢) - سرقسطه  Zaragoza  هي إحدى القواعد الأندلسية في الشمال الشرقي للبلاد على نهر وادي الإبرو، كانت قاعدة للثغر الأعلى أيام المسلمين، وقد سقطت بيد ملك أراغون الفونسو الأول في رمضان سنة ٥١٢ هـ بعد حصار دام تسعة أشهر. ولم يبق من أثار المسلمين بها إلا جزء من قصر الجعفرية نسبة لأبي جعفر أحمد بن هود والملقب بالمقتدر بالله، ومن أشهر معالمها في الوقت الحالي كنيسة \"سيو  Seo\"  التي أقيمت مكان المسجد الجامع بسرقسطه الذي اختطه حنش الصنعاني رحمه الله تعالى. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٧٨ - ٧٩، نصوص عن الأندلس ص ٢٢، فرحة الأنفس ص ٢٨٧ - ٢٨٨، تاريخ ابن الكردبوس، ص ١١٨ حاشية رقم ٢. الروض المعطار ص ٣١٧، مرحلة الأندلس ص ٢٨٥ - ٢٨٧. شكيب أرسلان، الحلل السندسية في الأخبار والأثار الأندلسية، (فاس، المكتبة التجارية الكبرى، ١٣٥٥ هـ/١٩٣٦ م)، ٢/ ١١٤ - ١٣٦.\n(^٣) - عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن أمية بن الحكم الربضي، الملقب بالحجر اليابس، وبالعجمية البطرشك أو البطرة شقة  Petra Sicca  قلده الخليفة المؤيد بالله الوزارة مع ولاية طليطلة، كان أحد رجالات بني أمية عقلًا وشهامة وأدبًا وغزارة علم، ظل سجينًا في داره حتى مات المنصور، ثم أطلقه عبد الملك بن المنصور وولاةالوزارة، ولم تطل حياته إذ توفي غازيًا مع عبد الملك غزاته الأولى سنة ٣٩٣ هـ بمدينة لاردة. انظر جمهرة أنساب العرب ص ٩٨. الحلة السيراء ١/ ٢١٥ - ٢٢٠ والحواشي المذكورة.","vol":"1","page":66},{"text":"قرطبة من الجند والخدم وغيرهم، إلا أن التدبير فشل، فقد اطلع المنصور على المخطط، وانتهى الأمر بفرض الإقامة الجبرية على المرواني في داره، ومقتل كل من عبد الرحمن بن المطرف سنة (٣٧٩) هـ (^١) (٩٨٩) وعبد الله بن المنصور في يوم الأربعاء (١٦) من جمادى الآخرة سنة (٣٨٠) هـ (^٢) (١١ أغسطس (٩٩٠) م).\nهذا ولم يكتف المنصور بأن أمضى حياته مسيطرًا على الخليفة وسالبًا لسلطانه: بل حرص على أن يسير خَلَفُه وفق منهجه سواء مع الخليفة خاصة أو مع الأمويين بوجه عام، ويتضح ذلك جليًا من وصيته لابنه عبد الملك، فقد جاء فيها: \" … وصاحب القصر - أي الخليفة - قد علمت مذهبه، وأنه لا يأتيك من قبله شيء تكرهه، والآفة ممن يتولاه، ويلتمس الوثوب باسمه، فلا تنم عن هذه الطائفة جملة، ولا ترفع عنها سوء ظن ولا تهمة، وعاجل بها من خفته على أقل بادره .... وإياك أن تضع يدك في يد مرواني ما طاوعتك بنانك، فإني أعرف ذنبي إليهم\" (^٣).\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ٢٨٣.\n(^٢) - المصدر السابق ٢/ ٢٨٤.\n(^٣) - الذخيرة: ق ٤ م ١ ص ٧٦ - ٧٧.","vol":"1","page":67},{"text":"وبعد أن أمضى المنصور زهاء ربع قرن وهو مسيطر على أمور الدولة، أفنى خلالها رجالات الأندلس (^١)، وأذل الأمويين، وأخمل ذكر أرباب البيوتات الشهيرة التي هي عماد ملك بني أمية (^٢)، وأحدث تغييرًا كبيرًا في الدولة، حتى أنه غير سياسة بني أمية بالكلية، \"فعوَّض باللين\n_________\n(^١) - تمكن المنصور من القضاء على المصحفي بعد أن أعانه عليه غالب الناصري، ثم تخلص من الأخير بعد أن استعان عليه بجعفر بن علي بن حمدون، ثم قتل جعفرًا بواسطة فارس العرب معن التجيبي، وتخلص هو من معن بقتله له.\n(^٢) - البيان المغرب ٢/ ٢٧٢، لعل من أبرز ما يميز حكم بني أمية في الأندلس، أن المناصب الإدارية في دولتهم قد تم حصرها بأيدي أبناء أسر معينة، مثل آل أبي عبدة وآل شهيد وآل جهور وآل فطيس، والأمر في هذا لا يقتصر على هذه الأسر الأربع فقط، فهناك أسر أخرى سوف تتم الإشارة إليها في حينه، وإذا فتشنا عن العلاقة بين الأسرة الأموية وأي أسرة من تلك الأسر، نجد أن رابطا يربط الطرفين بعضهما ببعض منذ أيام الخلافة الأموية في الشام، وعندما قدم الأمير عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس وقف إلى جانبه عمداء تلك الأسر، وأثبتوا له صدق الولاء، وعندما استعملهم لمس منهم الوفاء والكفاءة، فاختط لبنيه وأحفاده من بعده سياسة لم يحيدوا عنها، تقوم على حصر المناصب في تلك الأسر، ليحقق بذلك نقطتين: الأولى: استمرارية ولاء تلك الأسر، والثانية: أن تلك الأسر تمثل سياج حماية قوي للأسرة الأموية، إذ أن مصيرها مرتبط بمصير الأمويين، وبذلك غدا المصير المشترك رابطًا قويًا بين الطرفين، ولذا فقد حرص الأمويون على تقوية تلك الأسر، بينما تفانت الأخيرة في حماية الأسر الأموية، لأجل ذلك فإن إقدام المنصور على إضعاف شأن تلك الأسر هو تقويض لأقوى دعائم الدولة الأموية، وعامل رئيسي من عوامل سقوطها.","vol":"1","page":68},{"text":"غلظة، وبالسكون حركة، وبالأناة بطشه وبالموادعة محاربة (^١) \" وبعد كل هذا توفي المنصور ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان المبارك سنة (٣٩٢) هـ (أغسطس ١٠٠٢) ودفن بقصره في مدينة سالم (^٢).\nوقد قام بالأمر من بعد المنصور ابنه عبد الملك (^٣)، بناء على عهد صوري مُنح له من الخليفة الغلوب على أمره، ولاه فيه الحجابة مكان أبيه، وأوصاه بتدبير شؤون الدولة (^٤).\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ٢٧٣.\n(^٢) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٥، الحلة السيراء ١/ ٢٧٣، البيان المغرب ٢/ ٣٠١، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٩٥ ومدينة سالم  Medinaceli  تقع على الطريق بين مدريد وسرقسطة، وتبعد عن مدريد مسافة ١٣٥ كيلو متر، وتقع منها إلى الشمال منحرفة نحو الشرق، وهي الآن من أعمال مدينة سرية  Saria  ومدينة سالم من إنشاء سالم بن ورعمال بن وكذات من قبيلة مصمودة البربرية، انظر: وصف الأندلس للرازي ص ٧٩، المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، تعليق رقم ٢٨٦ والمصادر المذكورة، الحلل السندسية ٢/ ٨١ - ٨٧.\n(^٣) - هو أبو مروان عبد الملك المظفر بالله، أمه الذلفاء، وصف بأنه أسعد مولود ولد في الأندلس على نفسه وأبيه وغيرهما، كان حييًا بارًا بوالديه، مراقبًا لربه، محبًا للصالحين، شجاعًا، اجتمع الناس على حبه، وسكنوا منه إلى عفاف ونزاهة ونقاء سريره، فتنافسوا في المكاسب، فازدهرت الأندلس، فقد كانت أيامه أعيادًا دامت سبع سنين، سميت بالسابع تشبيها لها بسابع العروس. انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٨ - ٨٦، البيان المغرب ٣/ ٣ - ٣٧، أعمال الأعلام ٢/ ٨٣ - ٨٩، نفح الطيب ١/ ٤٢٣.\n(^٤) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٨.","vol":"1","page":69},{"text":"وحرصًا من عبد الملك على كسب محبة أبناء المجتمع الأندلسي، فقد افتتح عهده بان أصدر أوامره بإسقاط سدس الجباية المفروضة عليهم (^١)، كما بادر إلى تجهيز الجيوش وتولي قيادتها ضد نصارى الشمال (^٢).\nوكان الوزير عيسى اليحصبي (^٣) هو المدبر لدولة عبد الملك، إلا أنه عندما شعر بتغيره ناحيته، عمل على التخلص منه وصرف الخلافة لهشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، لكن اطلاع الحاجب على تلك المؤامرة، مكنه من إفشالها، وبالتالي قتل مدبرها اليحصبي ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (٣٩٧) هـ (^٤) (٤ ديسمبر (١٠٠٦) م).\n_________\n(^١) - المصدر السابق والصفحة، أعمال الأعلام ٢/ ٨٤.\n(^٢) - انظر: البيان المغرب، ٣/ ٤ - ٩، ١١ - ١٤، ٢١ - ٢٤.\n(^٣) - أبو الأصبغ عيسى بن سعيد اليحصبي، المعروف بالقطاع، عربي من بني الجزيري، من كورة باغه، كان أول كاتب للمنصور قبل تسلطه على الخلافة، وقد حسنت منزلته لديه، وارتفعت منزلته بصورة متناهية في عهد عبد الملك المظفر، حتى أصبح هو المدبر لدولته، لكن أمره انتهى بأن قتله عبد الملك المظفر بيده في أحد مجالسه الخاصة انظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ١٢٣ - ١٢٨. البيان المغرب ٣/ ٢٤ - ٣٤ أعمال الأعلام ٢/ ٧٥.\n(^٤) - الذخيرة ق ١ م ١ ص ١٢٥ - ١٢٧، البيان المغرب ٣/ ٣٠ - ٣٣ إلا أنه جعل مقتله ليلة السبت ٢٠ ربيع الأول، وبهذه المناسبة ألقى الشاعر ابن دراج قصيدة بين يدي المظفر يهنئه فيها بالتخلص من اليحصبي، ويخبره أنه بهذه الفعلة شفى قلوب الناس وحقق أمانيهم، وذلك في قصيدة مطلعها:\nشكرًا لمن أعطاك ماأعطاكا … ربي أذل لملكك الأملاكا\nانظر: ديوان ابن دراج، القصيدة رقم ١٤. ومن الجدير بالذكر أن الشاعر نفسه سبق وأن مدح اليحصبي بأكثر من قصيدة، انظر: المصدر السابق، القصيدتان رقم ٢٣، ٢٤.","vol":"1","page":70},{"text":"وبعد مقتل اليحصبي بثلاثة أيام، تم إلقاء القبض على هشام بن عبد الجبار، فاعتقله عبد الملك في حجرة خاصة لمدة يومين، ثم نقله إلى حبس سبق وأن أعده له، فكان أخر العهد به (^١).\nوإذا ألقينا نظرة على حال الخليفة وأهل القصر، نجد أن الخليفة لم يكن يظهر إلا مستخفيًا عن أعين الناس، في نزه مستمرة أبلغه عبد الملك المظفر فيها غايته، ومع ذلك لم يشهد الخليفة صلاة قط (^٢).\nوبعد سبع سنوات قضاها الحاجب عبد الملك المظفر، وهو يحكم الدولة نيابة عن الخليفة المؤيد بالله، أدركته الوفاة قبالة دير أرملاط، وذلك في يوم الجمعة (١٨) صفر من سنة (٣٩٩) هـ (^٣) (٢٣ أكتوبر ١٠٠٨).\nوقد قام بالأمر من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور الملقب بـ\"شنجول\" (^٤) الذي كان شابًا معروفًا بفساد\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٣٤ - ٣٥.\n(^٢) - الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٨٢ - ٨٣.\n(^٣) - البيان المغرب ٣/ ٣٦ - ٣٧.\n(^٤) - شنجول  Sanchuelo  تصغير شانجة، اسم جده لأمه المعروف في المصادر النصرانية بلقب  Abarca  وهو شانجة الثاني بن غارسية الأول بن شانجة، ثالث ملوك البشكونس \"مملكة نبارة\" وتذكر المصادر أنه رغبة من هذا الملك في عقد صلح مع المنصور أهدى إليه ابنته، فقبلها المنصور واعتقها وتزوجها، وتسمت بـ\"عبدة\" وحسن إسلامها، وأنجبت عبد الرحمن سنة ٣٧٤ هـ وهي التي أطلقت عليه لقب \"شنجول\" تذكرًا منها لاسم أبيها، خاصة أنه كان أشبه الناس به، انظر: ديوان ابن دراج، القصيدة رقم ١٠٧ وتعليق المحقق عليها، البيان المغرب ٣/ ٣٨، أعمال الأعلام ٢/ ٦٦. وقد فسر ابن الكردبوس كلمة شنجول بمعنى \"أحمق\" ولكن لعله أراد بذلك أن عبد الرحمن بن المنصور كان أحمقًا طائشًا، كما ذكر ذلك محقق النص. انظر تاريخ الأندلس لابن الكردبوس، ص ٦٦ والحاشية رقم ٥.","vol":"1","page":71},{"text":"الأخلاق (^١)، افتتح عهده بالخلاعة والمجانة (^٢)، قلده الخليفة المؤيد بالله الحجابة مكان أخيه، ولقبه بالمأمون في كتاب أصدره بهذه الشأن، لكن شنجول أضاف لقبًا آخر، هو الناصر فكان يدعى بـ\"الحاجب الأعلى المأمون ناصر الدولة\" (^٣).\nوقد تعامل شنجول مع المنصب بكل غرور، من أجل هذا أتت تصرفاته سيئة غريبة، كما أنه تقرب إلى الخليفة بكافة السبل، حتى تمكن من استصدار قرار منه باسناد ولاية العهد إليه (^٤). وبذلك أصبح منصب الحجابة\n_________\n(^١) - المغرب في حُلى المغرب ١/ ٢١٣.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٣٩.\n(^٣) - أعمال الأعلام ٢/ ٩٠.\n(^٤) - ورد لدى ابن الأبار أن شنجول عندما حدثته نفسه بطلب ولاية العهد، استفتى بذلك فقهاء قرطبة وعلماءها، فحسنوا له ذلك، محتجين بقوله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه\" وبما أن عبد الرحمن ابن أبي عامر كان معافريًا قحطانيًا، فقد قالوا عسى أن يكون هو المعني بقول المصطفى ﷺ، وكان قاضي الجماعة أبو العباس أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان، المتوفى سنة ٤١٣ هـ، والوزير الكاتب أبو جعفر أحمد ابن محمد بن أحمد بن برد، المتوفى سنة ٤١٨ هـ، من أشد الناس تأييدًا لشنجول في هذا الأمر، ولذا قال فيها ابن أبي يزيد المصري:\nإن ابن ذكوان وابن برد … قد ناقضا الدين بعد عمد\nوعاندا الحق إذ أقاما … حفيد شنجة ولي عهد\nانظر الحلة السيراء ١/ ٢٧٠ - ٢٧٢.","vol":"1","page":72},{"text":"معطلا، فولاه ولده عبد العزيز (^١)، ولقبه بـ\"سيف الدولة\" (^٢). وحسب شنجول أن الدنيا قد صفت له بعد أن حقق\n_________\n(^١) - بعد مقتل شنجول، حُمل ابنه عبد العزيز سرًا إلى سرقسطة، وهناك عاش في كنف منذر بن يحيى التجيبي، وظل عنده إلى أن استدعاه العامريون إلى شاطبه، فتولاها سنة ٤١١ هـ وعمره خمس عشرة سنة وأشهرا ثم طردوه منها سنة ٤١٢ هـ فذهب إلى بلنسية، فرحب به من كان فيها من العامريين، ثم ولوه رئاستها سنة ٤١٧ هـ، وتلقب بالمؤتمن والمنصور، وقد بلغت بلنسية في عهده أوج اتساعها، وكان عبد العزيز على درجة عالية من الأخلاق الكريمة، فوصل رحمه، وأوى إليه قرابته، فأغنى فقيرهم، وجبر كسيرهم، وظل في الإمارة حتى توفي سنة ٤٥٢ هـ. انظر: ديوان ابن دارج. القصيدتان رقم ١٣٣، ١٤٥. أعمال الأعلام ٢/ ١٩٤ - ١٩٥. محمد عنان، دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، (القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط الأولى ١٣٨٠ هـ/١٩٦٠ م) ص ٢١٠ - ٢١٣. كيليا سارنللي تشركوا، مجاهد العامري، قائد الأسطول العربي في غربي البحر المتوسط في القرن الخامس الهجري، (القاهرة، لجنة البيان العربي، ١٩٦١ م) ص ٨١ - ٨٣.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٤٧. أعمال الأعلام ٢/ ٩٤.","vol":"1","page":73},{"text":"مراده، فاتجه بكليته إلى طلب ملذاته، وتلبية شهواته، وأحاط نفسه بمن هم على شاكلته من إخوان السوء وأدنياء القوم عمر بهم مجالسه (^١).\nوضعف نظر شنجول عن رؤية أي شيء في الدولة يحتاج إلى إصلاح، ولذا فقد كان القرار الإصلاحي الأول الذي أصدره مفاجأة غير سارة لرجالات الدولة، فقد أمر الوزراء وأصحاب المناصب العليا بطرح القلانس الطوال المرقشة الملونة، والتي تميزهم عن غيرهم، وأمرهم بلبس العمائم البربرية وتوعد بالعقوبة من يخالفه (^٢).\nوعندما أعلن الجهاد، لمواصلة المسيرة العسكرية لأبيه وأخيه، لم يستجب له إلا المرتزقة ويسير من المطوعة (^٣)، ثم ارتكب حماقة كبيرة عندما خرج بمن استجاب له في أشد أوقات السنة برودة (^٤)، وسلك طريقا يدعى بالعريان (^٥)، فاقتحم أرض جليقية (^٦)، من قبل طليطلة، وهو\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٤٧ - ٤٨، أعمال الأعلام ٢/ ٩٤.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٤٨.\n(^٣) - المصدر السابق ٣/ ٣٩.\n(^٤) - نفسه ٣/ ٦٦.\n(^٥) - ذكر ابن عذاري أن شنجول عندما سلك هذا الطريق، تفائل له قوم من الناس وقالوا: أعرى هذا الفتى. البيان المغرب ٣/ ٣٩.\n(^٦) - جليقية هي المنطقة الممتدة من نهر دويرة جنوبًا حتى الساحل الشمالي لأسبانيا ومن ساحل البحر المحيط لها حتى منطقة قشتالة، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوروبا، ص ٧١ - ٧٣، الروض المعطار ص ١٦٩، ويعتبر الفونسو الأول بن بطره حاكم إمارة كانتبريا المؤسس الحقيقي لمملكة جليقية، وذلك حوالي النصف الأول من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) انظر: د. عبد الرحمن علي الحجي، اندلسيات، المجموعة الثانية، (بيروت، دار الإرشاد، ط الأولى ١٣٨٩ هـ/ ١٩٦٩ م) ص ٤٢. وأما اليوم فإن إقليم جليقية هو الركن الشمالي لأسبانيا وهو يضم أربع مديريات تحمل كل منها اسم عاصمتها، وهي في مجموعها ولايات بحرية، يعمل أهلها بالزراعة وتربية الماشية وصيد السمك وبناء السفن. انظر: رحلة الأندلس ص ٣٦٢ - ٣٦٣.","vol":"1","page":74},{"text":"على حاله في المجانة والخلاعة (^١)، فلما وصل طليطلة بلغه نبأ اندلاع الفتنة في قرطبة، فكر راجعًا إليها، وعندما بلغ قلعة رباح (^٢) تبرأ من ولاية\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٤٨.\n(^٢) - قلعة رباح  Calatrava  من عمل مدينة جيان، تقع بين قرطبة وطليطلة، وتوصف بأنها مع مدينة طلبيرة حد فاصل بين أرض النصارى وأرض المسلمين، وفي العصر الحالي تتبع المدينة الملكية  Ciudad real  في إقليم لامنشا  La Mancha.  وقلعة رباح تبعد عن هذه المدينة بإثنى عشر كيلو متر إلى الشمال الشرقي منها، واكتسبت اسم رباح نسبة للتابعي الشهير علي بن رباح اللخمي الذي دخل الأندلس مع موسى بن نصير رحمهما الله تعالى. وقد سقطت قلعة رباح مع طليطلة في يد الفونسو السادس ملك قشتالة وذلك سنة ٤٧٨ هـ ثم استعادها أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بعد انتصاره في معركة الأرك سنة ٥٩١ هـ، ثم خرجت من أيدي المسلمين نهائيًا عندما استولى عليها الفونسو الثامن ملك قشتالة سنة ٦٠٩ هـ، وقد أصبحت فيما بعد مقرًا للنظام الديني الرهباني المسمى  La order de calitrava  الذي تجرد لمحاربة المسلمين، انظر المقتبس، تحقيق د. محمود مكي التعليق رقم ٤٧٨، الحلة السيراء ٢/ ١٧٧ حاشية رقم ٣، الروض المعطار ص ٤٦٩.","vol":"1","page":75},{"text":"العهد، وأعلن اقتصاره على الحجابة، وأرسل كتابًا بذلك لكن أحدًا لم يأبه به (^١)، فعزم على دخول قرطبة وأصر على ذلك (^٢)، رغم نصيحة البعض له بالفرار (^٣)، فكان في إصراره حتفه، فقد قتل بمنزل أم هانئ عند دير أرملاط، وذلك عقب مغرب يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة (٣٩٩) هـ (^٤) (٤ مارس (١٠٠٩) م).\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٧/ ٦٩.\n(^٢) - كان شنجول يأمل بالحصول على أمان من محمد المهدي بن عبد الجبار، وذلك بواسطة بعض وجهاء أهل قرطبة وبالذات قاضي الجماعة ابن ذكوان لكن أمله خاب، إذ أن ابن ذكوان كان أشد الناس عليه عند المهدي مما حال بينه وبين الأمان. انظر المصدر السابق ٣/ ٧١.\n(^٣) - كان مع شنجول أحد النصارى، تربطه أواصر قربى بأم شنجول يدعى قومس بن غرسية الذي عندما رأى اضطراب حال شنجول انفرد به، فقال له \"أرى أحوالك منتقضة وأمورك مدبرة وجندك مخالفين لك فأخبرني عن هذا الرجل الذي في قرطبة أأنت أشرف أم هو؟ قال: بل هو. قال: الناس أميل إليك أم إليه؟ قال: ما أراهم إلا إليه أميل، فقال: هذا دليل ردي، قال شنجول: فما الرأي عندك؟ قال: الرأي عندي أن ترحل وأرحل معك بأصحابي الليلة. خذ باليقين وضع الظن فأمرك والله مختل وجندك عليك لا لك، فقال: لابد من الإشراف على قرطبة. فقال له: أنا معك على كراهة لرأيك، وعلم بخطئك فإن عشت عشتُ معك، وإن متَّ متُّ معك\". البيان المغرب ٣/ ٧٠.\n(^٤) - المصدر السابق ٣/ ٧٢ - ٧٣.","vol":"1","page":76},{"text":"وأما المرحلة الثالثة التي مرت بها الخلافة الأموية في الأندلس، فهي مرحلة عصر الفتنة التي استمرت من سنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ (١٠٠٩ - ١٠٣١ م) وأعقبها سقوط الدولة فمنذ أن سيطر المنصور بن أبي عامر على الدولة الأموية، وحجر على الخليفة هشام المؤيد بالله، واستبد بالأمر من دونه، وطارد الأمويين وضيق عليهم، واستهان بأهل البيوت المساندة للبيت الأموي، وأهمل ذكرها، وأخل بتركيبة الجيش، وحكم البلاد بصورة سلطوية ورأي فردي لا يقبل النقاش، منذ أن فعل ذلك، لابد أن نتوقع رد فعل عنيف يتحالف فيه الجميع على إزالة هذا الكابوس، رغم أن ذلك الجمع المتحالف لا يكن أعضاؤه الود بعضهم لبعض، لكن المصلحة اختطت لهم جادة واحدة وأجبرتهم على السير فيها.\nفالحاكم السلطوي المستبد، الذي لا يرى إلا ذاته، ويحكم بالقهر والغلبة، يحدث عقب وفاته فراغ سياسي هائل، لا يمكن ملؤه بسهولة، وإن ساد الهدوء الأعوام القلائل التالية لعهده، فلكونها لازالت متأثرة بشخصيته، ولكن هذا التأثير لا يلبث أن يزول، فيحل المحذور وتعم الفوضى.\nوهذا ما حدث عقب وفاة المنصور، فقد قام بالأمر من بعده ولده المظفر، مستفيدًا من شخصية والده التي ألقت بظلالها على سنوات حكمه، وما أن توفي المظفر حتى هان أمر العامريين على الجميع، وأصبحت عملية إزالتهم مسألة وقت لا أكثر، وبدلًا من أن يعمد شنجول","vol":"1","page":77},{"text":"إلى الإبطاء بتلك الإزالة، نراه يدفع بعجلتها بكل حماقة بقوة نحو النهاية، وذلك بادعائه لولاية العهد.\nولم يكن التنظيم للحركة التي دُبرت ضد سلطة العامريين، وليد عهد شنجول، بل إن البذرة الأولى يمكن القول بأنها قد وضعت في عهد والده المنصور، وذلك في سنة ٣٦٧ هـ (٩٧٨ م) عندما تم ترشيح عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عبد الرحمن الناصر لدين الله من قبل بعض الفقهاء والقضاة ليتولى الخلافة بدلًا من المؤيد، ثم جرت محاولة أخرى سنة ٣٧٩ هـ (٩٨٩ م) كان الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني أحد منظميها.\nوفي عهد عبد الملك المظفر كانت المحاولة الإنقلابية أكثر قوة وأشد وضوحًا، فقد اختار أصحاب المحاولة هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لتولي الخلافة، وكادت أن تنجح لولا أنها أُحبطت في اللحظات الأخيرة.\nورغم الإخفاق الذي صاحب تلك المحاولات، إلا أن الأمر لا يعني الحكم بفشل المحاولات القادمة، بل على العكس من ذلك، إذ يمكن القول بأنها كانت مقدمات لعمل مستقبلي ناجح.\nوهذا ما حصل في عهد شنجول، فالتنظيم السري الذي سبق وأن أُعد في عهد عبد الملك المظفر، والذي كان هشام بن عبد الجبار هو المرشح","vol":"1","page":78},{"text":"في ذلك التنظيم لنيل الخلافة، نجده يستمر في عهد شنجول، وذلك عندما قام محمد بن هشام بن عبد الجبار (^١) بقيادة تنظيم سري هو امتداد للمحاولة السابقة لوالده، فقد اختار محمد من أصحابه إثنى عشر رجلًا جعلهم نقباء (^٢)، وكان رئيسهم الذي يبث دعوته بين العامة، ويأخذ البيعة منهم سرا، يدعى صاعد بن عبد الوهاب الحرَّار وصف بأنه كان في الجهل آية (^٣).\nوقد كثر الإرجاف في قرطبة، بقرب ظهور أحد الأمويين، وبادر الفتى الأكبر إلى سيده شنجول ينصحه بعدم مغادرة قرطبة، وحذره من الأمويين، فأجابه شنجول قائلًا \"والله لو اجتمع بنو مروان إلى مرقدي وأنا نائم ما أيقظوني (^٤) \" فكان رده هذا أقوى دليل على ضعف رأيه واستهتاره بالآخرين.\n_________\n(^١) - هو أبو الوليد محمد بن هشام، أمه أم ولد تسمى مزنه، ولقبها كباره تعرف بالعرجاء لخلع كان بها، ولد محمد سنة ٣٦٦ هـ، وصف بأنه ثائر جسور، خليع ماجن، لا يبالي بأي واد هلك، كان أبيض أشقر أشهل تام القامة به انحناء تعلوه صفرة، له ولد وحيد اسمه عبيد الله قتله واضح في قرطبة. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ١٠١، جذوة المقتبس ص ١٩، البيان المغرب ٣/ ٥٠، ١٠٠، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٥٥.\n(^٣) - المصدر السابق ٣/ ٥٤.\n(^٤) - أعمال الأعلام ٢/ ٩٦.","vol":"1","page":79},{"text":"وعندما خرج شنجول بجيشه إلى جليقية، واطمأن محمد بن هشام لبعده، جهر بحركته، وذلك يوم الثلاثاء (١٦) جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (١٥ فبراير ١٠٠٩) وهجم أصحابه على صاحب المدينة عبد الله بن عمر، فقبضوا عليه (^١)، ثم قتلوه بأمر محمد بن هشام، فلما رأى العوام رأس صاحب المدينة، انثالوا على ابن هشام من كل حدب وصوب فيهم من العنازين والجزارين والسفلة وسائر غوغاء الأسواق ما لا يحصون كثرة، فخطب بهم خطبة بين لهم فيها سبب قيامه، وحرَّضَهم على ابن أبي عامر، وأذن لهم بنهب مدينة الزاهرة، فاستهواهم الطمع وأمر بكسر السجن العام، فخرج من كان فيه من اللصوص والذعار وأصحاب الجرائم، فانضموا إليه، وتسلحوا بما وصلت إليه أيديهم، وزحفت هذه الجموع الغوغائية على قصر الخليفة الذي حاول جاهدًا أن يسكن ثائرتهم، لكنه فشل، فانصرف وأمر خدمه بالكف عنهم، وأمام هجوم أولئك الغوغائيين أضطر الخليفة إلى إصدار أمره بفتح أبواب القصر لابن هشام، فدخل\n_________\n(^١) - عندما اندلعت ثورة المهدي كان صاحب المدينة عبد الله بن عمر الذي يفترض فيه أن يكون أكثر المسؤولين اهتمامًا بالأمن، جالسًا في غرفته الخاصة مترنحًا بين جاريتين تغنيانه بعد أن صرف حرس باب القصر للعمل في مزارعه الخاصة. انظر: البيان المغرب ٣/ ٥٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.","vol":"1","page":80},{"text":"واستولى عليه، وذلك في ليلة الأربعاء وزحفت جموع هائلة من العوام نحو مدينة الزاهرة، فلم يتمكنوا من دخولها تلك الليلة (^١).\nوفي تلك الليلة أصدر محمد بن هشام أوامره بتولية ابن عمه محمد بن المغيرة خطة الشرطة، فأجلسه على كرسيها عند باب القصر، وقلد خطة الحجابة ابن عمه الآخر عبد الجبار، وأما أنه قد اسند ولاية العهد لسليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر (^٢)، فهذا غير صحيح، فقد ذكر ابن حزم أن سليمان هذا قد تسمى بولاية العهد دون أن يسميه به خليفة (^٣).\nوأخيرًا أتم محمد بن هشام بن عبد الجبار مراده، فخلع الخليفة هشام المؤيد بالله في نفس الليلة، وأخذ البيعة لنفسه، فابتدأت خلافته يوم الأربعاء (١٧) من جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (١٨ مارس (١٠٠٩) م)\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٥٥ - ٥٨، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩ - ١١٠، نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٠ - ٤١٢، ولكنهم فيما بعد دخولها ونهبوها ومن ثم أحرقوها. انظر: نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٤.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٥٩، أعمال الأعلام ٢/ ١١٠.\n(^٣) - نقط العروس ص ٥٤. وقد قتل سليمان هذا مع أبيه هشام، وذلك عندما ثار الأخير ضد المهدي، وتسمى بالمعصوم، انظر: نقط العروس ص ٥٤، ٥٨. قارن: البيان المغرب ٣/ ٨٢.","vol":"1","page":81},{"text":"واتخذ لنفسه لقب \"المهدي\" لكن العامة كانت تلقبه بالمنقش لهشاشته وطيشه وخفته (^١).\nويعتبر الخليفة المهدي \"آخر من ولي الأمر من بني مروان بالأندلس ولاية تامة، يعزل فيها ويولي من آخر شرقها إلى آخر غربها، وكذلك في كثير من بلاد البربر\" (^٢).\nوقد استقبل القرطبيون حركة المهدي بسرور عظيم، فأقاموا الولائم والأعراس ليالي متتالية، ينتقلون من موضع إلى آخر بالمزامر والملاهي (^٣).\nوالعجيب أنه بعد سيطرة المهدي على قصر الخلافة، كَلَّف حاجبه ومعه صاحب المدينة أن يثبتا في الديوان اسم كل من يأتيهما لاستلام العطاء (^٤) \"فلم يتخلف عن أخذ ماله واستحلال نهبه والدخول في فتنته فقيه ولا عالم ولا عدل ولا إمام ولا حاج ولا تاجر إلا قام في نصرته بما قوي عليه من لسانه ويده، وتكلف حمل السلاح وإن كان لا يغني عن نفسه\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام ٢/ ١١٠ - ١١١.\n(^٢) - جمهرة أنساب العرب ص ١٠١.\n(^٣) - البيان المغرب ٣/ ٧٤. وقد ألقى ابن دراج قصيدة يهنئ فيها المهدي بتوليه الخلافة، مطلعها: قُل للخلافة قد بلغت مناك … ورأيت ماقرت به عيناك\nانظر: ديوان ابن دارج، القصيدة رقم ٢٥.\n(^٤) - قيل أن عدة من أثبتت أسماؤهم في ديوان المهدي للعطاء بلغ خمسون ألفا. أعمال الأعلام ٢/ ١١١.","vol":"1","page":82},{"text":"فضلًا عن غيره\" (^١). هذا وعندما تعرضت المصادر لأسباب حركة المهدي، اختلفت في تعليلها فهناك من عزا الأمر إلى الذلفاء أم المظفر وحرصها الشديد على الانتقام لابنها من أخيه عبد الرحمن المتهم بوضع السم له (^٢)، وهناك من جعل السبب في ذلك يعود إلى حقد المهدي على العامريين بسبب قتلهم والده (^٣)، بينما نظر ابن خلدون إلى الزاوية القبلية في هذه المسألة، فاتخذ من تحويل الأمر من المضرية إلى اليمنية سببًا كافيًا لاندلاع الفتنة (^٤).\nوالحق أن الخوض في أسباب اندلاع فتنة المهدي، ليس بالأمر اليسير إذ أن الأمر يتعلق بجميع أفراد المجتمع على مختلف فئاتهم، وتفاوت ثقافاتهم، ومن المعلوم أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن أن يرد سبب ظهورها إلى عامل واحد، فكيف والأمر يتناول قضية اشترك الجميع بها؟\nفإذا نظرنا إلى المهدي نجده يحصل من الذلفاء على الأموال (^٥)، ومن الأمويين وفتيانهم على المساعدات المادية والمعنوية (^٦)، ثم أن من قاد العامة\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٦٢.\n(^٢) - المصدر السابق ٣/ ٥٢، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.\n(^٣) - الحلة السيراء ٢/ ٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.\n(^٤) - ابن خلدون، التاريخ، (بيروت، مؤسسة الأعلمي ١٣٩١ هـ/١٩٧١ م) ٤/ ١٤٩.\n(^٥) - أعمال الأعلام ٢/ ١٠٩.\n(^٦) - المصدر السابق والصفحة.","vol":"1","page":83},{"text":"الغوغائيين واقتحم بهم قصر الخلافة ومدينة الزاهرة هم عشرة رجال بين حجام وجزار وحائك وزبَّال (^١).\nوعلى هذا يمكن القول بأن حركة المهدي والتي اشتركت فيها أطراف عدة، هي في حقيقتها تعبير عن رفض المجتمع الأندلسي لواقع عانى منه طويلًا، وبالذات سيطرة العامريين على الخلافة الأموية التي هي رمز قوي لجمع كلمة المسلمين في الأندلس، وبذلك فإن جميع الأسباب التي ذكرت من قبل أدت مجتمعة إلى ظهور حركة المهدي.\nوبإمعان النظر في المشاركين في الفتنة، نجد أن لكل منهم غاية سعى لتحقيقها، فالانتقام رغبة الذلفاء، وإقصاء العامريين جملة هدف الأمويين والقرشيين عامة، والمتعة المستعجلة غاية العوام، والطمع مرام البقية، وأما المهدي فحب السلطة والرئاسة قادته إلى مثل هذا، وهؤلاء جميعهم عمتهم فتنة أعمتهم عن رؤية العواقب.\nوأي حركة يكون العوام محور ارتكازها، لا يمكن أن تأتي بخير، إذ أن كلًا منهم لا يرى إلا منفعته الآنية فقط، فهم \"لا تدفع صولتهم إذا هاجوا، ولا يؤمن هيجانهم إذا سكنوا، إن أخصبوا طغوا في البلاد، وإن أجدبوا آثروا العناد\" (^٢).\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٧٤، نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٧.\n(^٢) - رسائل الجاحظ (تحقيق: عبد السلام هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي ١٣٩٩ هـ) ٤/ ٣١٤.","vol":"1","page":84},{"text":"ويصدق هذا الوصف على أتباع المهدي من الغوغائيين والسفلة، فبعد أن عمهم المهدي بعطائه، بقيت قرطبة عدة أيام لم يوجد فيها حجام ولا كنَّاف ولا ذو مهنة ذليِّه (^١).\nولذا فليس من المستغرب أن يصطدم من اشترك في هذه الفتنة بالحقيقة المرة بمجرد أن اتضحت الأمور وانكشفت الوقائع، ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن وضع المهدي قانونه الجديد في أن الخلافة لا يمكن الوصول إليها، إلا بالفتن والاضطرابات.\nويمكن القول بأن الحلف الذي قام بين القوى التي ساندت المهدي، كان حلفًا تكتيكيا، يتضح ذلك في موقف المهدي من الصقالبة (^٢) العامريين، وهو الجناح العامري الذي تقوده الذلفاء،\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٦١.\n(^٢) - الصقالبة: جمع صقلبي \"  Eslavos\"  وتعني العبد أو الرقيق، وهذه الكلمة أطلقها العرب في البداية على من يتم جلبه من الشعوب السلافية عامة، لكنهم توسعوا فيما بعد في استعمال هذا المسمى، فأطلقوا على أرقائهم من أي أمة نصرانية، ولعل الأمير عبد الرحمن الداخل هو أول من استخدم هذه الفئة واتخذ لهم علامة يعرفون بها، وحذا خلفاؤه حذوه في هذه السياسة. انظر: ابن جلجل، طبقات الأطباء والحكماء، (تحقيق: فؤاد سيد بيروت، مؤسسة الرسالة، ط الثانية ١٤٠٥ هـ/١٩٨٥) ص ١٠٧. ابن حوقل، صورة الأرض، (بيروت دار مكتبة الحياة، ١٩٧٩ م) ص ١٠٦. الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦١، أخبار مجموعة ص ١٠٨ - ١٠٩، البيان المغرب ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٤، المغرب في حُلى المغرب ١/ ٣٩، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٢٥، ١٢٧. نفح الطيب ١/ ١٤٥، ٣٥٦، = =٣٨٢، الحلل السندسية ١/ ٤٦ - ٤٧، د. أحمد مختار العبادي، الصقالبة في أسبانيا، (مدريد، المعهد المصري للدراسات الإسلامية، ١٣٧٣ هـ/ ١٩٥٣ م) ص ٨ - ٩.","vol":"1","page":85},{"text":"فقد قام المهدي ليلة الأحد (٢٨) رجب سنة (٣٩٩) هـ (٢٨ مارس ١٠٠٩) بنفي جماعة من الصقالبة العامريين عن قرطبة (^١)، وفي يوم الخميس (١٥) شعبان سنة (٣٩٩) هـ (١٤ إبريل ١٠٠٩) طرد صقالبة القصر وسد أبوابه (^٢).\nوكما بدد المهدي شمل الصقالبة العامريين، فقد ألحق الأذى بالعوام الذين سبق وأن استظهر بهم، فبعدما استوثق الأمر له، أسقط منهم سبعة آلاف رجل، كان قد كتبهم في جيشه (^٣)، ثم وجه ضربته للأمويين فنزع الخليفة هشام المؤيد بالله من منصبه، وتولى الخلافة بدلًا منه (^٤)، ولكي\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٧٧. ذهب هؤلاء الصقالبة واستولوا على الأطراف الشرقية للأندلس، وكونوا بها ممالك خاصة بهم في كل من المرية ومرسية ودانية والجزائر وبلنسية. انظر: دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص ١٥٦ - ١٦٢، ١٧١ - ١٧٦، ١٨٣ - ١٩٩، ٢٠٦ - ٢١٦.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٧٧.\n(^٣) - المصدر السابق ٣/ ٧٧. أعمال الأعلام ٢/ ١١٢.\n(^٤) - الحق أن المهدي بهذه الخطوة قد قضى على أي أمل للأمويين فيه، فهم ساعدوه في البداية ليخلصوا الخليفة هشام المؤيد من حالة الحجر التي فرضها عليها العامريون، لكنهم فوجئوا بمن هو أسوأ من العامريين، فإن كان العامريون قد ألغوا شخصيته، واستبدوا بتصريف أمور الدولة من دونه، فإن المهدي استحوذ على كل شيء وأصبح هو الخليفة.","vol":"1","page":86},{"text":"يأمن ردة الفعل من أي جهة أقدم على خطوة في غاية الغرابة، فقد أخرج هشام المؤيد من القصر، وفرض عليه الإقامة الجبرية في دار الحسن بن حي بقرطبة، ثم أعلن نبأ وفاته (^١).\nوقد ذكرت المصادر التاريخية أن المهدي أحضر رجلًا يهوديًا أو نصرانيا ميتًا (^٢)، كان شديد الشبه بهشام المؤيد، وقدمه للوزراء على أنه الخليفة هشام، وأنه مات حتف أنفه، فشهدوا على ذلك (^٣).\nوذكر الرقيق القيرواني (^٤) وتابعه النويري (^٥) أن الذين شهدوا على وفاة الخليفة المؤيد كانوا من أصحاب المهدي، وفي رواية أكثر تفصيلًا وأولى بالقبول من غيرها، وصاحبها شاهد عيان في هذه القضية، ذكر ابن حزم ما نصه: \"أندرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام ابن الحكم المستنصر، فرأيت أنا وغيري نعشًا فيه شخص مكفن وقد شهد غسله شيخان\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٧٧. نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٨. وقد ورد في ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٠ أن المهدي حبس المؤيد في مطبق المحابس.\n(^٢) - ورد في ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٠ أن المهدي كان قد خنق ذلك الرجل.\n(^٣) - البيان المغرب ٣/ ٧٧. أعمال الأعلام ٢/ ١١٢.\n(^٤) - انظر: البيان المغرب ٣/ ٧٧.\n(^٥) - نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٨.","vol":"1","page":87},{"text":"جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة في بيت، وخارج البيت أبي وعظماء البلد\" (^١).\nفابن حزم ذكر أنه لم يشهد المتوفى، وأن الأمر في ذلك اقتصر على رجلين فقط، كما أن الرقيق القيرواني ذكر أن الشهود كانوا فقط من أصحاب المهدي، وعلى هذا يمكن القول بأن المهدي استغل عدم معرفة الناس بالمؤيد، لأنهم لم يكونوا يرونه، وإن خرج فمتقنعًا كالنساء، ولوجود الشبه بينه وبين ذلك الميِّت، فقد انطلت حيلة المهدي على الشيخين، ليتخلص بذلك من عقبة كؤود.\nوقد حضر الجنازة ألوف من الناس، صلوا على الميِّت، وتبعوا جنازته إلى قبره، حيث دُفن يوم الاثنين (٢٦) شعبان (^٢) سنة (٣٩٩) هـ (٢٥ إبريل ١٠٠٩) وبسبب كل ما مضى انصرفت عن المهدي نفوس الموالي والخواص واضطربت عليه بنو أمية (^٣).\n_________\n(^١) - ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، (وبهامشه الملل والنحل للشهرستاني، القاهرة المطبعة الأدبية، ط الأولى ١٣١٧ هـ.) ١/ ٥٩.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٧٧. أعمال الأعلام ٢/ ١١٢. وذكر النويري أنه مات لأربع بقين من شعبان. انظر: نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٨. والحق أن إجرام المهدي لم يقف عند حد، حتى أنه تجرأ على استقبال الباري جل وعلا وهو يصلي على ميت غير مسلم وغش جماعة عظيمة من المسلمين في هذا الموقف إشباعًا لتطلعات نفسه الخبيثة.\n(^٣) - البيان المغرب ٣/ ٥١.","vol":"1","page":88},{"text":"ثم أضاف المهدي إلى حماقاته السابقة حماقة أخرى، فقد تجاهل قوة ضارة في المجتمع الأندلسي، وأعني بها الطوائف البربرية التي جعلها المنصور بن أبي عامر عماد دولته، فسلط المهدي عليهم رجاله، فاحتقروهم وأهانوا زعيمهم زاوي بن زيري بن مناد (^١)، وقام بعض سفهاء قرطبة بنهب دور البربر، ولما اشتكى زعماؤهم من هذا الفعل، أمر المهدي بضرب رقاب المعتدين (^٢).\n_________\n(^١) - أبو مثنى زاوي بن زيري بن مناد، زعيم صنهاجه، دخل الأندلس في بداية عهد عبد الملك المظفر ابن المنصور هو وأقاربه، فأكرمهم المظفر، وفي سنة ٤٠٣ هـ سكن زيري وقومه مدينة إلبيرة بناء على طلب أهلها، ثم بنى مدينة غرناطة ليتحصن بها، وفي سنة ٤١٠ هـ غادر الأندلس إلى القيروان حيث مات فيها مسمومًا. انظر: عبد الله بن بلقين. التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله، (نشر وتحقيق: ليفي بروفنسال. القاهرة، دار المعارف، ١٩٥٥ م)، ص ١٦ - ٢٥. الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٣ - ٤٦٠، ق ١ م ٢ ص ٥٨٨. ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، (تحقيق: محمد عبد الله عنان، القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٩٣ - ١٣٩٧ هـ، ١٩٧٣ - ١٩٧٦ م). ١/ ٥١٣ - ٥١٧، مجهول، نبذ تاريخية في أخبار البربر في القرون الوسطى، منتخبة من كتاب مفاخر البربر، (نشر: ليفي بروفنسال، المغرب، مطبوعات معهد العلوم العليا المغربية، ١٣٥٢ هـ/١٩٣٤). ص ٣٥، ٤٣. تاريخ ابن خلدون ٤/ ٦٠. الهادي روجي إدريس، الدولة الصنهاجية تاريخ إفريقية في عهد بني زيري، من القرن ١٠ إلى القرن ١٢ م. (ترجمة، حمادي الساحلي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط الأولى، ١٩٩٢ م)، ١/ ١٣٣، ١٧٣ - ١٧٥.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٧٥ - ٧٦.","vol":"1","page":89},{"text":"وعز على المهدي أن يختتم هذه الصورة العجيبة إلا بإبراز الوجه الحقيقي له، لتهون أمام هذا المنظر كل أفعاله السابقة، فقد أظهر من الخلاعة والمجون ما لم يخطر ببال غيره، فباختصار لقد كان المهدي رجلًا فاسدًا مختل الدين والعقل (^١). هذه الأفعال المشينة للمهدي بالإضافة لسيرته الأخلاقية المتدنية، وحدت القوى المعارضة، وجعلتها تقف أمامه في صف واحد، ولعل أول من وقف ضده من تلك القوى، هي تلك الفئة التي أسقطها المهدي من ديوانه، بالإضافة إلى العبيد العامريين، فنصبوا عليهم هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ولقبوه بـ\"الرشيد\" (^٢) وفشل المهدي في ثني الرشيد عن تمرده، بالرغم من إطلاقه لسراح ولده سليمان (^٣)، فقد تقدم الرشيد ومن معه فهاجموا أحد أسواق قرطبة وأحرقوه (^٤)، إلا أن أنصاره خذلوه عندما رأوا قيام العامة مع المهدي،\n_________\n(^١) - انظر: المصدر السابق، ٣/ ٨٠. إن من أشد المصائب أن تبتلى الأمة بولي أمر فاسد فهو لن يقودها إلا إلى الدمار. فماذا سيجد من كان الغراب دليله؟\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٥١.\n(^٣) - انظر: البيان المغرب ٣/ ٧٩. نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٩.\n(^٤) - ورد في البيان المغرب ٣/ ٨٠ أن الرشيد هاجم سوق السرادق، بينما ورد لدى النويري أنه هاجم سوق السراجين، نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٩.","vol":"1","page":90},{"text":"فأُسر الرشيد وقُتل صبرًا بين يدي المهدي وذلك يوم الخميس الخامس من شهر شوال سنة (٣٩٩) هـ (^١) (٢ يونيو (١٠٠٩) م).\nوأراد المهدي أن يكافئ العامة على موقفها، فأباح لها نهب دور البربر، ونادى مناديه أن من أتى برأس بربري فله كذا وكذا، فجرى من العامة شيء عظيم، إذ راح ضحية طيشهم وعبثهم الكثير من العلماء والفقهاء وغيرهم، وسبيت النساء، وتم قتل الحوامل منهن، وبلغ من حرص العامة على نيل المكافأة أن قتلوا سبعة عشر رجلا من أهل تلمسان (^٢) في ساعة واحدة، كانوا قد قدموا للجهاد، كما قتلوا آخرين\n_________\n(^١) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ٨٨، البيان المغرب ٣/ ٨١، نهاية الأرب ٢٣/ ٤١٩. أعمال الأعلام ٢/ ١١٣. وذكر ابن الأبار أن الرشيد جهر في حركته في آخر شهر شوال انظر: الحلة السيراء ٢/ ٦.\n(^٢) - تلمسان: مدينة مشهورة بالجزائر، أصلها قرية \"أغادير\" وفي أواخر القرن الخامس الهجري أقام زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين قرية أقرارات، ثم انضمت القريتان فأصبحتا تلمسان، ومنذ ذلك الوقت عاشت البلدة حياة مزدهرة إلى أن فقدت قوتها ونضارتها بانحطاط دولة بني زيان سنة ٩٣٢ هـ، والبلدة فيها أماكن أثرية مشهورة كما أن أهلها يمتهنون صناعات يدوية متقنة. انظر: البكري، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، من كتاب \"المسالك والممالك\" (طبعة: دي سيلان، الجزائر ١٩١١ م) ص ٧٦ - ٧٧، مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، (تحقيق: د. سعد زغلول. المغرب الدار المغربية ١٩٨٥ م)، ص ١٧٦ - ١٧٧. معجم البلدان ٢/ ٤٤، الروض المعطار ص ١٣٥ - ١٣٦. أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر. (الجزائر، البليدة، نشر دار الكتاب، ١٣٨٢ هـ/١٩٦٣ م)، ص ١٨٩ - ١٩١. لطيفة بن عميرة. تلمسان من نشأتها إلى قيام دولة بني عبد الواد، (مجلة الدراسات التاريخية، إصدار معهد التاريخ، جامعة الجزائر. العدد السادس لعام ١٤١٣ هـ/١٩٩٢ م). ص ٦٣ - ٦٩. والمصادر الواردة.","vol":"1","page":91},{"text":"من أهل خراسان والشام على أنهم من البربر (^١)، الأمر الذي دفع الكثيرين للهرب، وكان من بين الهاربين ابن أخ للرشيد يدعى سليمان بن الحكم (^٢)، فوجد البربر فيه ضالتهم، إذ لابد لهم من أموي يسيرون خلفه، لأن الناس لن يقبلوا أن يلي الخلافة إلا أحد أبناء تلك الأسرة المجيدة، ومن أجل ذلك بايع البربر سليمان بن الحكم وذلك في (٢٧) شوال (٣٩٩) هـ (^٣) (٢٦ يونيو (١٠٠٩) م) ولكي يدركوا ثأرهم استعانوا بشانجة بن غرسيه\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٨١.\n(^٢) - أبو أيوب سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، أمه أم ولد اسمها ظبية، ولد يوم الأحد الثامن من جمادى الآخرة سنة ٣٥٤ هـ، كان أسمر أعين تام القامة أشم الأنف عظيم الكراديس جميل الوجه، عُرف بالعلم والفهم وحسن الأدب والشعر والفصاحة له رسائل وأشعار بديعة، وله معرفة بفنون الغناء فقد كان في حداثته يضرب بالطنبور انظر: جمهرة أنساب العرب ص ١٠٢، الذخيرة ق ١ م ١ ص ٤٦، الحلة السيراء ٢/ ٧ - ٨، البيان المغرب ٣/ ٩١ - ٩٢.\n(^٣) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ٨٨، البيان المغرب ٣/ ٨٤، ومن الجدير بالذكر أن سليمان هذا كان من المبادرين إلى تهنئة المهدي عقب اغتصاب الخلافة، وأنشده قصيدته التي مطلعها:\nالحمد لله حمدًا لا نقلله … هذا السرور الذي كنا نؤمله\nانظر: الحلة السيراء ٢/ ١٠ - ١١.","vol":"1","page":92},{"text":"بن فردلند (^١) قومس (^٢) قشتالة الذي أطلقت عليه بعض المصادر التاريخية الإسلامية اسم ابن مامه النصراني (^٣)، فلما وصلت رسل البربر إليه، وجدوا أن رسل المهدي وواضح (^٤)\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام ٢/ ١١٣.\n(^٢) - قومس أو قمز، جمعها قوامس، كلمة لاتينية  Comes  تعني نديم الملك، ولعلها أطلقت فيما بعد على من كان من وجوه القوم، ثم تطورت في اللغات الأوروبية معنى ومبني، فهي اليوم في الأسبانية  Conde  وفي الإنجليزية  Count  وفي الإيطالية  Cont  وفي الفرنسية  Comte  وكلها بمعنى حاكم منطقة متمتع باستقلال تام أو محدود أو هي بمعنى الرجل الشريف، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوربا، ص ٩٩ حاشية رقم ١.\n(^٣) - البيان المغرب ٣/ ٨٦.\n(^٤) - بعد أن تخلص المنصور من الصقالبة أتباع الخلافة الأموية، اصطنع صقالبة غيرهم ممن يديونون له بالولاء، ولذا عُرفوا بالفتيان أو المماليك العامرية، ويعتبر واضح الفتى من أشهرهم، قاد العديد من الجيوش الأندلسية في عهد المنصور وولده المظفر، وفي عهد الأخير أصبح واليًا على مدينة سالم والثغر الأوسط، وبعد مقتل شنجول تولى واضح منصب الحجابة للمهدي، لكنه سرعان ما انقلب عليه وأعاد المؤيد للخلافة، وعندما ظهر عجز واضح عن مقاومة البربر، هان أمره على الجند، فأحس بالخطر، وعزم على الهرب سرًا من قرطبة، لكن الجند ثاروا عليه بقيادة ابن وداعة فقتلوه وأخذوا ما لديه من أموال ونهبوا دور أصحابه وكتابه وذلك في أواخر سنة ٤٠١ هـ. انظر: البيان المغرب ٢/ ٢٨٢. ٣/ ٥ - ٦، ١١، ٧٦، ٩٣ - ٩٥، ١٠٠ - ١٠٥. أعمال الأعلام ٢/ ١١٢، ١١٤ - ١١٨.","vol":"1","page":93},{"text":"صاحب طليطلة والثغر الأوسط (^١) عنده، وقدَّمت الرسل هدية سنية، لكن شانجة الذي كان يراقب ما يجري عند جيرانه المسلمين أراد أن يضرب القوة الإسلامية مرة واحدة، فأعلن عن تأييده للبربر (^٢). وأقبل بجموعه يريد قرطبة، فاستعد المهدي للقائه ورتب قواته، ومن المضحك أن قيادة جيشه كان فيها طبيب ووكيل بل وقوم من الحواتين والجزارين وأشباههم (^٣). فدارت الدائرة عليهم، وقتل من أهل قرطبة أكثر من عشرة\n_________\n(^١) - الثغر الأوسط أو الأدنى قاعدته مدينة سالم ثم استبدلت فيما بعد بطليطلة، وهذا الثغر مواجه لمملكتي قشتالة وليون. وعن هذا الثغر وبقية الثغور الأندلسية أنظر: خليل إبراهيم السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي \"دراسة في أحواله السياسية ٩٥ - ٣١٦ هـ\" (بغداد، مطبعة أسعد ١٩٧٦ م ص ٣٩ - ٤٤ والمصادر المذكورة.\n(^٢) - تجدر الإشارة إلى أن ثمن مساعدته للبربر هو الحصول على ما أحب من مدن الثغر. انظر: البيان المغرب، ٣/ ٨٦. والملاحظ أن كلا الفريقين المسلمين لم يعمل أي منهما على حقن دماء المسلمين ويتنازل عن مطامعه الدنيوية في سبيل طلب ما عند الله تعالى، بل إن الأمر وصل بهما إلى تقديم الرجاء والخضوع لذلك النصراني عسى أن يتكرم بالمساعدة. على ماذا؟ على سفك دماء إخوانهم المسلمين. مقابل ماذا؟ مقابل إعطائه بلادًا خضبت أراضيها بدماء زكية سالت من أجساد نذرها أصحابها أن تكون فداءًا لإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، لذا فلا عجب أن يعيش أفراد الفريقين سنوات عدة لا يعرفون فيها طعمًا للعافية، كلها فتن ومحن ليذوقوا وبال أمرهم. والعاقبة لمن اتقى.\n(^٣) - المصدر السابق ٣/ ٨٨.","vol":"1","page":94},{"text":"آلاف رجل (^١)، وذلك يوم السبت (١٤) ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (^٢) (٦ نوفمبر (١٠٠٩) م) وحاول المهدي أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، فأخرج هشامًا المؤيد وأبرزه للناس، لكن ذلك لم يغن عنه شيئًا إذ أن سليمان بن الحكم قد دخل قرطبة وبويع في المسجد الجامع بالخلافة وذلك في يوم الثلاثاء (١٧) من ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (٩ نوفمبر (١٠٠٩) م (^٣» وتلقب بـ\" الظافر بحول الله مضافًا إلى المستعين بالله\" (^٤).\n_________\n(^١) - اختلفت المصادر في تقدير عدد القتلى، فالمراكشي يذكر أن العدد أكثر من عشرين ألفًا، بينما يرى ابن عذارى أنهم نحو عشرة آلاف في حين أن ابن الخطيب ذكر أن العدد أكثر من ثلاثين ألفًا، انظر: على التوالي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ٨٨. البيان المغرب ٣/ ٩٠، أعمال الأعلام ٢/ ١١٣.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٨٩، هذه المعركة تعتبر حاسمة في تاريخ المسلمين في الأندلس، وذلك لأنها قضت على خلافة المهدي وأكدت انقسام المسلمين هناك إلى طائفتين متضادتتين، البربر في ناحية والأندلسيين في ناحية أخرى ولذلك فهي تعتبر البداية الحقيقية لفترة دول الطوائف في الأندلس. انظر: الحلة السيراء، ٢/ ٦ حاشية رقم ٢.\n(^٣) - البيان المغرب ٣/ ٩١، أعمال الأعلام ٢/ ١١٤، وقد ذكر الحميدي أن البيعة تمت في شهر ربيع الآخر، في حين جعلها ابن بسام وكذلك ابن الأبار في النصف من شهر ربيع الأول، انظر: جذوة المقتبس، ص ١٩. الذخيرة ق ١ م ١ ص ٣٦. الحلة السيراء ٢/ ٧.\n(^٤) - جذوة المقتبس ص ١٩. الحلة السيراء ٢/ ٧. وقد ألقى ابن دراج قصيدة مدح فيها المستعين وهنأه بالخلافة، مطلعها:\nهنيئأً لهذا الدهر روحٌ وريحانُ … وللدين والدنيا أمان وإيمانُ\nانظر: ديوان ابن دارج، القصيدة رقم ٢٦.","vol":"1","page":95},{"text":"هرب المهدي من قرطبة والتجأ إلى طليطلة، فوصلها في أول جمادى الأولى سنة (٤٠٠) هـ (^١) (٢١ ديسمبر (١٠٠٩) م) فقام واليها الفتى واضح بمناصرته، واتفق مع قومس برشلونة (^٢) ريموند بوريل  Ramon borrell (^٣)  وأخيه أرمنجول  Armengol (^٤)  على مناصرة المهدي لقاء أن يتنازل للنصارى عن مدينة سالم، وأن يلتزم لكل رجل منهم دينارين في كل يوم وما يقوم به من الطعام والشراب وغير ذلك، وعلى أن لهم كل ما حازوه من عسكر البربر من السلاح والدواب والأموال، وأن نساء\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٩٣. أعمال الأعلام ٢/ ١١٤.\n(^٢) - برشلونة  Barcelona  مدينة بحرية مهمة على البحر المتوسط، وهي قاعدة بلاد كتلونية، يحدها من الشمال الشرقي مقاطعة جيرندة أو جيرونده، ومن الغرب مقاطعة لارده، ومن الجنوب مقاطعة طركونة، وفي العصر الحالي تعد برشلونة أعظم بلدة تجارية وصناعية في شبه الجزيرة الأيبرية، وهي عبارة عن ثلاث مدن: برشلونة القديمة وبرشلونة المحدثة في العصور الوسطى وبرشلونة الحديثة وهي التي أحدثت في هذا العصر. انظر: جغرافية الأندلس وأوربا ص ٩٦، ابن سعيد، كتاب الجغرابيا، (تحقيق: إسماعيل العربي، بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، ط الأولى ١٩٧٠ م) ص ١٨١. الروض المعطار ص ٨٦ - ٨٧. الحلل السندسية ٢/ ٢٧٢ - ٢٨٠.\n(^٣) - هو حاكم إمارة قطلونية - التي عاصمتها برشلونة- بين سنتي ٣٨٢ - ٤٠٩ هـ.\n(^٤) - تسميه بعض المصادر العربية باسم أرمقند. انظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ٣٦، البيان المغرب ٣/ ٩٥. أو باسم أرمنقد. انظر: أعمال الأعلام ٢/ ٧٥.","vol":"1","page":96},{"text":"البربر ودماءهم وأموالهم حلال لهم لا يحول أحد بينهم وبينها إلى غير ذلك من الشروط التي التزم بها واضح (^١).\nوأقبلت جموع المهدي وواضح ومعهما النصارى، والتقت بجموع البربر التي يقودها المستعين، وذلك في موضع يعرف بدار البقر (^٢)، وكادت الهزيمة تحل بالمهدي ومن معه، إذ أن البربر قتلوا الملك النصراني أرمنجول وعددًا كبيرًا من جيشه إلا أن المستعين لم يصمد ففر بمن معه إلى شاطبه (^٣)، عند ذلك اضطر البربر إلى الانسحاب من المعركة، ثم عرجوا على مدينة الزهراء فأخذوا أولادهم وأمتعتهم ثم انصرفوا إلى الجنوب\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٩٤.\n(^٢) - دار البقر  Elvacar  أو عقبة البقر، حصن يقع على بعد عشرين أو خمس وعشرين كيلو متر شمال قرطبة إلى الجنوب الغربي قليلًا من  Ovejo  انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٥٨٨ ومصادره. الحلة السيراء ٢/ ٧ حاشية رقم ١.\n(^٣) - شاطبة  Jativa  مدينة كبيرة قديمة، تقع في شرق الأندلس على بعد ٥٦ كم جنوب غرب بلنسية، وهي داخلية لا تطل على ساحل، اشتهرت بصنع الكاغد ومنها يحمل إلى سائر أقطار الأندلس، وهي موطن قبيلة نفزة البربرية، ولا يزال إلى العصر الحالي يوجد موقع في منطقة شاطبة يعرف باسم  Nifzies  نسبة لتلك القبيلة، وقد خرجت شاطبة من أيدي المسلمين سنة ٦٤٤ هـ، انظر: نصوص عن الأندلس ص ١٨ - ١٩. معجم البلدان ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠. الروض المعطار ص ٣٣٧. والدراسة الوافية للدكتورة سحر عبد العزيز سالم. شاطبة الحصن الأمامي لشرق الأندلس (الإسكندرية مؤسسة شباب الجامعة ١٩٩٥ م)، ص ١ - ٢٣٣ والمصادر والمراجع الواردة.","vol":"1","page":97},{"text":"الأندلسي (^١)، متجهين إلى الجزيرة الخضراء (^٢)، وذلك في يوم الجمعة (١٦) شوال سنة (٤٠٠) هـ (٢ يونيو ١٠١٠) فاغتنم عوام قرطبة الفرصة، فنهبوا ما وجدوا في مدينة الزهراء، ودخل المهدي قرطبة وأخذ البيعة لنفسه وبذلك بدأت دولته الثانية (^٣).\nولم يهدأ المهدي في قرطبة بل إنه سارع إلى ترتيب قواته ومن معه من النصارى، فسار الجميع بأثر البربر للقضاء عليهم، فالتقى الجمعان في وادي آره (^٤)، فقاتل البربر قتال المستميت. إذ أن هذه هي الفرصة الأخيرة\n_________\n(^١) - إن اتجاه البربر إلى الجنوب الأندلسي أمر منطقي، فهم بذلك أقرب إلى موطنهم الأصلي، ولعلهم في هذه الحالة لا يعدمون وصول مساعدات من تلك المناطق تعينهم على ما هم فيه.\n(^٢) - الجزيرة الخضراء كورة تشمل عدة مدن، قاعدتها مدينة الجزيرة الخضراء، وتقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الأيبيرية في مواجهة سبته وبجوارها جبل طارق، وقد سقطت بأيدي النصارى سنة ٧٤٣ هـ ثم استردها محمد الخامس الغني بالله سلطان غرناطة سنة ٧٧١ هـ إلا أنه دمرها تدميرًا كاملًا لئلا يستفيد منها النصارى أو بني مرين في المغرب، وهي اليوم مركز إداري في مديرية قادس ويكتب اسمها  Al Geciras.  انظر: نصوص عن الأندلس ص ١٢٠، الحلة السيراء ٢/ ١٩٩ حاشية رقم ٣. الروض المعطار ص ٢٢٣ - ٢٢٤، الحلل السندسية ١/ ٨١ وما بعدها.\n(^٣) - انظر البيان المغرب ٣/ ٩٤ - ٩٥.\n(^٤) - يعرف بوادي السقائين. انظر: أعمال الأعلام ٢/ ١١٥، د. السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وأثارهم في الأندلس، من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة، (لبنان، دار المعارف ط الأولى ١٩٦٢ م) ص ٣٥٤ حاشية رقم ٢.","vol":"1","page":98},{"text":"لهم للمحافظة على كيانهم ووجودهم في الأندلس، فهزموا قوات المهدي هزيمة منكرة، واحتوى البربر ما كان في معسكر خصومهم من سلاح ومال ودواب، وذلك في يوم الخميس السابع من ذي القعدة سنة (٤٠٠) هـ (^١) (٢٢ يونيو ١٠١٠) فانصرف المهدي وواضح ومن كتبت له النجاة من قواتهما، إلى قرطبة، حيث ارتكبت فيها تلك الجموع ومن معها من عوام قرطبة والنصارى مالا يخطر ببال (^٢)، وعندما وصلت الأخبار بأن البربر قد أقبلوا يريدون قرطبة، استعد المهدي للحصار، وأصاب أهل قرطبة الجزع الشديد بسبب رحيل النصارى عنهم وإقبال البربر إليهم (^٣).\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٩٥ - ٩٦. أعمال الأعلام ٢/ ١١٥.\n(^٢) - الحق أن المسلم لا يستطيع أن يحتمل تصور ما حل بالمسلمين بقرطبة، فقد أذاقهم الله تعالى بأس بعضهم البعض، وسلطهم على أنفسهم، فقد قام المهدي ومن معه بقتل كل بربري أو متشبه بهم أو حتى من كان متهمًا بأنه بربري، قتلوا الرجال وذبحوا الأطفال وشقوا بطون الحوامل وسبوا الجميلات من النساء، وأصبح من حق أي نصراني أن يختار ما يشاء من بنات المسلمين ليأخذها على أنها بربرية، كما أصبح من حقه أن يقف وسط السوق وينال من نبينا المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بما شاء، وهو آمن العقوبة، ومن دبت فيه الغيرة واعترض على ذلك، انتهره من حضر من المسلمين ونصحوه بالاشتغال بمصالحه، انظر البيان المغرب ٣/ ٩٧ - ٩٨.\n(^٣) - لقد بلغ من جزع أهل قرطبة بسبب رحيل النصارى عنهم وخوفهم من البربر أن كان بعضهم يلقي بعضًا فيعزيه كما يعزي من فقد أهله وماله. البيان المغرب ٣/ ٩٩.","vol":"1","page":99},{"text":"ورغم كل هذه البلايا والشدائد التي عاشها المهدي، إلا أنه كان عديم الالتجاء إلى الله تعالى، بل أن شره بازدياد، وفساده في يومه أشد من أمسه (^١)، فسلط الله عليه نصيره واضح الصقلبي \"الفتى\" فدبر الأمر مع بعض العبيد العامريين، فدخلوا عليه فكتفوه، وأخرجوا هشامًا المؤيد من مقره، وأقعدوا المهدي بين يديه، فأخذ يحاسبه ثم أمر بقتله، فقتل، وذلك يوم الأحد الثامن من شهر ذي الحجة (٤٠٠) هـ (٢٤ يوليو ١٠١٠) وبذلك بدأت الدولة الثانية للخليفة هشام المؤيد (^٢)، الذي استمر في الخلافة إلى أن دخل البربر قرطبة بقيادة المستعين بالله يوم الاثنين (٢٧) شوال سنة (٤٠٣) هـ (^٣) (١٠ مايو (١٠١٣) م) فبويع\n_________\n(^١) - المصدر السابق ٣/ ٩٩.\n(^٢) - لقد ذبح المهدي ذبحًا تولى ذلك عبد من عبيد الحكم يعرف بالشفق وأعانه بعض عبيد العامريين، وتم نصب جثته أيامًا بدون الرأس ثم دفن في مرحاض. البيان المغرب ٣/ ١٠٠.\n(^٣) - لم يكن البربر منذ انتصارهم في معركة وادي آره إلى أن دخلوا قرطبة سنة ٤٠٣ هـ بأحسن سيرة من المهدي وواضح وعوام قرطبة، فبسببهم هلك أكثر أهل البوادي جوعًا وهلكت مواشيهم، بل بلغ من قسوة البربر أنهم لم يكتفوا بمصادرة الأموال من أهل مالقة مثلًا، فقد قتلوا الرجال وسبوا النساء، ومن علموا أن لدى أحداهن مالًا قد أخفته عنهم علقوها من ثدييها لاستخراج ما عندها من المال. وغير ذلك كثير. وبالجملة فالبربر والمهدي وواضح وعوام قرطبة في الشر سواء. انظر: المصدر السابق ٣/ ١٠١ - ١٠٢.","vol":"1","page":100},{"text":"بالخلافة (^١) بدلًا من المؤيد الذي اختلفت المصادر بشأنه (^٢).\nهذا وقد كانت الأندلس عند مقتل المهدي مقسمة سياسيًا إلى أقسام عدة، فقرطبة ومنطقة الثغور شمال الأندلس كانت تحت سيطرة المهدي، وأما الشرق الأندلسي فقد خضع للصقالبة العامريين، حيث أقاموا هناك ممالك عدة، في حين أن المستعين بالله كان قد بسط\n_________\n(^١) - نفسه ٣/ ١١٢.\n(^٢) - انظر: الفصل في الأهواء والملل والنحل ١/ ٥٩، الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٣٧، البيان المغرب ٣/ ١١٣، أعمال الأعلام ٢/ ١٢٠. المغرب في حلى المغرب ١/ ١٩٣ نفح الطيب ١/ ٤٢٩. وانظر ما ورد في نقط العروس ص ٨٣ - ٨٤ من تسمي أحدهم باسم هشام المؤيد بعد هذا التاريخ بعشرين سنة بل إن المعتضد بالله صاحب إشبيلية قطع الخطبة لهشام المؤيد معلنًا موته بزعمه وذلك سنة ٤٥١ هـ. البيان المغرب ٣/ ٢٤٩.","vol":"1","page":101},{"text":"نفوذه على الجنوب الشرقي للأندلس بالإضافة إلى مدينتي سبتة (^١) وطنجة (^٢) وبلاد غمارة من أرض العدوة الغربية.\nوعندما تولى سليمان المستعين بالله الخلافة، بادر إلى تقسيم أعمال المدن الأندلسية على بعض ذوي النفوذ وبالذات من البربر، فقد وضع\n_________\n(^١) - سبتة  Ceuta  مدينة على شاطئ البحر المتوسط في شمال المغرب الأقصى، وهي عبارة عن شبه جزيرة في مضيق جبل طارق، تحيط بها الجبال من جهة الجنوب، وبسبب هذا الوضع الجغرافي نجدها تمتاز بطابع أندلسي في مظهرها وثقافتها، وبعد معركة وادي المخازن واستيلاء اسبانيا على المملكة البرتغالية دخلت سبتة تحت حكم الأسبان منذ سنة ٩٨٨ هـ، انظر صورة الأرض ص ٧٩ - ٨٠، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص ١٠٢ - ١٠٤، الروض المعطار ص ٣٠٣ - ٣٠٤، أخبار البربر ص ٥٨، محمد بن تاويت، تاريخ سبته، (الدار البيضاء، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر ١٤٠٢ هـ/١٩٨٢ م) ص ١٧ وما بعدها.\n(^٢) - طنجة  Tanger  مدينة قديمة بالمغرب الأقصى وتقع عند الطرف المغربي، بمضيق جبل طارق بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، ولا يفصلها عن الشاطئ الأسباني سوى ١٨ كم خضعت طنجة للأدارسة بفاس ثم للأمويين بالأندلس ثم سيطر عليها حكام برغواطه إلى أن استنقذها منهم أمير المسلمين يوسف بن ناشفين، وهي الآن المصيف الرسمي للملكية المغربية، انظر ابن الخطيب، أعمال الأعلام القسم الثالث (تحقيق وتعليق د. أحمد العبادي وإبراهيم الكتاني الدار البيضاء، دار الكتاب ١٩٦٤). ص ٢٠٣ حاشية رقم ١.","vol":"1","page":102},{"text":"المناصب بأيديهم، وقسم المناطق الخاضعة لسيطرته على قبائلهم (^١)، كما جعل علي بن حمود (^٢) واليًا على سبته، وأخاه القاسم (^٣) على طنجة\n_________\n(^١) - كان عدد قبائل البربر ستة، فالمستعين أعطى صنهاجة إلبيرة، كما أعطى مغراوة الجوف، بينما منح بني برزال وبني يفرن جيان وذواتها، وأعطى بني دمر وأزداجه شذونة ومورور. وتوثبت البرابرة والعبيد على الأعمال، فولوا المدن العظيمة وتقلدوا الأعمال الواسعة، فهذا باديس بن حبوس في غرناطة، محمد بن عبد الله البرزالي في قرمونة. والفرني في رنده، وخزومة في شريش وابن عباد في إشبيلية، وابن الأفطس ببطليوس، وابن ذي النون بطليطلة، وابن أبي عامر ببلنسبة، وابن هود بسرقسطة، ومجاهد العامري بدانية والجزائر. وعن هذا الوضع قال أحدهم يهجو المستعين:\nلا رحم الله سليمانكم … فإنه ضد سليمان\nذاك به غلت شياطينها … وحل هذا كل شيطان\nفباسمه ساحت بأرضنا … لهلك سكان وأوطان\nانظر: البيان المغرب ٣/ ١١٣، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٥١، نفح الطيب ١/ ٤٢٩.\n(^٢) - هو أبو الحسن علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس الثاني بن إدريس الأول بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، أمه البيضاء بنت عم أبيه كان أسمر أعين نحيف الجسم طويل القامة حاد الذهن عازمًا حازمًا، شرس الأخلاق عدل في أحكامه ورعيته، محمود المذهب: انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٥ البيان المغرب ٣/ ١١٩ - ١٢٠، ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٦.\n(^٣) - هو أبو محمد القاسم بن حمود، شقيق علي بن حمود، كان أسمر اللون أعين، أكحل، خفيف العارضين، حسن السمت، وهو أسن من أخيه علي بعشرة أعوام، وكان يذكر عنه أنه يتشيع إلا أنه لم يظهر ذلك ولا غير للناس عادة ولا مذهبًا، توفي خنقًا في سجن ابن أخيه إدريس بن علي سنة ٤٣٦ هـ وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم في الجزيرة فدفنه فيها. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٥٠، جذوة المقتبس ص ٢٢ - ٢٤، المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٠٠، البيان المغرب ٣/ ١٢٤ - ١٢٥، ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":103},{"text":"وأصيلا (^١)، وفي هذا يقول ابن عذاري: \"إن سليمان هذا أول دولة البرابر بقرطبة\" (^٢).\nوإذا نظرنا إلى تصرف المستعين في تقسيمه البلاد على البربر، ربما نجده مضطرًا إلى هذا الفعل، فلعله بدأ يشعر بثقل وطأتهم عليه، إذ أنهم يعتبرون أنفسهم هم أصحاب الدولة، فهم الذين أوصلوه إلى ما هو فيه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو يدرك تمامًا عدم الوفاق بين البربر وأهل قرطبة، ولأجل هذا سعى إلى إبعاد الطرفين عن بعضهما البعض، فوزع تلك الأراضي على قبائل البربر.\nوأما تولية المستعين لعلي والقاسم الحموديين لكل من سبته وطجنة وأصيلًا فهو عمل رديء من الناحية السياسية، إذ أنه بذلك وضع مفاتيح\n_________\n(^١) - أصيلا  Arzila  وتكتب أصيله وأزيلي، ومعناها بالبربرية المكان الجميل، وهي مدينة قديمة أسست على عهد الفينيقيين وتقع على ساحل المحيط الأطلسي بين طنجة والعرائش، وقد اتخذها الأدارسة مركزًا لدولتهم في شمال المغرب إلى جانب حجر النسر، وقد وقعت أصيلا تحت الاستعمار البرتغالي سنة ٨٧٦ هـ ومن ثم الأسباني سنة ١٠٠٠ هـ. انظر: المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب ص ١١١ - ١١٢، معجم البلدان ١/ ٢١١، أعمال الأعلام ٣/ ٢٠٤ حاشية رقم ١.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ١١٤.","vol":"1","page":104},{"text":"الأندلس من جهة الجنوب بيد أسرة غير موالية له، لأجل ذلك نجد القائد عبد الله البرزالي (^١) يناقش المستعين في هذه التولية ويبين له خطرها، لكن الأخير تجاهل الأمر (^٢).\nوقد صدقت تحذيرات البرزالي، فقد أعلن علي بن حمود الثورة بعد أن اتفق مع خيران العامري (^٣)، الذي لم يكن راضيًا عن خلافة المستعين،\n_________\n(^١) - ينتسب عبد الله بن إسحاق البرزالي إلى قبيلة زناته البربرية، ومنازل بني برزال بالمغرب في منطقة الزاب الأسفل حول مدينة المسيلة، وهم من الخوارج الإباضية، وقد دخلوا الأندلس في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وخدموا في دولته ودولة المنصور بن أبي عامر الذي ولى إسحاق البرزالي ولاية قرمونة، فما زال في الولاية حتى توفي سنة ٤٠٤ هـ فخلفه عليها ولده عبد الله واستمر عليها إلى أن توفي سنة ٤١٤ هـ، وقد تعاقب أولاده وأحفاده عليها إلى أن سقطت دولتهم سنة ٤٥٩ هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٤٩٨. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١٩٢ - ١٩٣، أعمال الأعلام ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٨، مفاخر البربر، ص ٢٩، ٤٤، ٧٢.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ١١٤.\n(^٣) - هو أحد الفتيان العامريين المخلصين للبيت العامري، فر من قرطبة عندما استولى عليها المستعين في دولته الأولى، ثم عاد إليها في عهد المهدي، وكان له دور في قتله وإعادة المؤيد للخلافة، فلما استولى المستعين على قرطبة ثانية هرب خيران إلى شرق الأندلس، واستقر في قلعة أوريولة من كورة تدمير سنة ٤٠٤ هـ، ثم استولى على مرسية وبعدها المرية سنة ٤٠٥ هـ وظل بها حتى توفي سنة ٤١٩ هـ. انظر: دول الطوائف منذ قامها حتى الفتح المرابطي ص ١٥٦ - ١٦٠. د. عبد العزيز سالم، تاريخ مدينة المرية الإسلامية قاعدة أسطول الأندلس، (الاسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ط ١٩٨٤ م). ص ٥٨ - ٦٢ ومصادره.","vol":"1","page":105},{"text":"فقد كان خيران العامري يأمل بحياة المؤيد، بل إنه كان يخطب له على منابر المرية (^١)، ولذا عندما أحس برغبة ابن حمود في القيام ضد المستعين، بادر بالموافقة وبالذات بعد أن أخبره ابن حمود أن كتابًا كان قد وصله من المؤيد يسند إليه فيه ولاية العهد ويفوضه بأخذ ثأره من المستعين (^٢)، فدعا له خيران بولاية العهد، ووافقه على ذلك جماعة منهم صاحب مالقة (^٣)\n_________\n(^١) - المرية  Almeria  مدينة على ساحل البحر المتوسط جنوب شرقي أسبانيا، بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة ٣٤٤ هـ في مقاطعة بجانة، وأصبحت المرية القاعدة الكبرى للأسطول الأندلسي، بالإضافة إلى مركزها التجاري والسياسي والثقافي، كانت قاعدة لمملكة العبيد العامريين، ثم عاصمة لبني صمادح التجيبين، وقد استولى عليها النصارى نهائيًا سنة ٨٩٤ هـ. انظر: المرجع السابق ص ١٣ - ١٨٥.\n(^٢) - انظر: الذخيرة: ق ١ م ١ ص ٣٧ - ٣٨، ٤٣. الكامل في التاريخ ٨/ ٩٨. بغية الملتمس ص ٢٢ البيان المغرب ٣/ ١١٤. نفح الطيب ١/ ٤٨٢. ومهما يكن من أمر فالكتاب فيه شك حول حقيقته، وابن حمود دعاه ليتخذ منه سندًا شرعيًا يوصله لمراده. البيان المغرب ٣/ ١١٦. ولولا أن لخيران العامري هوىً في محاربة المستعين وتنحيته من الخلافة لما اقتنع بكلام ابن حمود.\n(^٣) - مالقة  Malaca  مدينة من أعمال رية على شاطئ البحر المتوسط بين الجزيرة الخضراء والمرية، وصفت بالحسن والاتساع ووفرة الخيرات، اشتهرت بالتين واللوز ولها ربضان كبيران وشرب أهلها من الأبار أسسها الفينيقيون وأعطوها اسم \"مالكو  Malako\"  أي المملح نسبة إلى مستودعات الأسماك المملحة التي كانت تجفف وتحفظ فيها، اشتهرت سياسيًا، فقد كانت عاصمة للحموديين زمن الطوائف، والعاصمة الثانية بعد غرناطة أيام ملوك بني الأحمر، وقد سقطت مالقة في يد النصارى في أواخر شعبان سنة ٨٩٢ هـ بعد حصار دام ثلاثة أشهر. انظر: الإدريسي، نزهة المشتاق اختراق الآفاق، (القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية \"مصورة على طبعة: نابولي -روما) ص ٥٦٥ أبي سعيد، كتاب الجغرافيا ص ١٤٠. معجم البلدان ٥/ ٤٣. أعمال الأعلام ٣/ ٢٤١ حاشية رقم ٣.","vol":"1","page":106},{"text":"عامر بن فتوح الفائقي (^١) الذي بادر إلى تسليم مالقة لابن حمود سنة (٤٠٥) هـ (^٢) (١٠١٤) واجتمع خيران ومن وافقه بالمنكب (^٣) سنة (٤٠٦) هـ (١٠١٥) وبايعوا عليًا بن حمود على طاعة المؤيد (^٤)، وعندما\n_________\n(^١) - هو مولى فائق مولى الخليفة الحكم المستنصر بالله.\n(^٢) - جذوة المقتبس. ص ٢٠، بغية الملتمس. ص ٢٢، المعجب في تلخيص أخبار المغرب. ص ٩١. الكامل في التاريخ ٨/ ٩٨. قارن البيان المغرب ٣/ ١١٦.\n(^٣) - المنكب، اسم عربي بمعنى الحصن المرتفع، ويسمى اليوم  Almunecar  وهو مرفأ ساحلي مرتفع في جنوب شرق الأندلس بمقاطعة غرناطة، على بعد ٢٣ كيلو متر غربي مطريل، وقد سقط المنكب بأيدي النصارى في شهر المحرم سنة ٨٩٥ هـ. انظر: الروض المعطار ص ٥٤٨ - ٥٤٩. ابن الخطيب، مجموعة من رسائله، (نشرت تحت عنوان \"مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس \"بعناية د. أحمد مختار العبادي، الاسكندرية ١٩٥٨ م). ص ٧٩ - ٨٠ والحاشية رقم ٢. محمد عبد الله عنان، الآثار الأندلسية الباقية في أسبانيا، دراسة تاريخية أثرية (القاهرة، مؤسسة الخانجي، ١٣٨١ هـ/١٩٦١ م) ص ٢٥٨ - ٢٦١.\n(^٤) - الكامل في التاريخ ٨/ ٩٨.","vol":"1","page":107},{"text":"بلغوا غرناطة (^١) وافقهم أميرها، وساروا جميعًا إلى قرطبة فالتقوا بقوات المستعين فهزموها وأسروه (^٢)، ودخل علي بن حمود قرطبة في يوم الأحد (٢٢) محرم سنة (٤٠٧) هـ (^٣) (يوليو ١٠١٦) وقتل صبرًا سليمان المستعين وأخيه ووالدهما، واستخرج جثة المؤيد، وجهزه وصلى عليه ودفنه بجوار والده (^٤)، وبذلك انتهت دولة سليمان بن الحكم بعد ست سنين وعشرة\n_________\n(^١) - غرناطة  Granada  ويقال إغرناطة تقع في الركن الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة الأيبرية، كانت عند الفتح الإسلامي محلة صغيرة، وكانت إلبيرة المجاورة لها هي المدينة الكبيرة في المنطقة، حتى أن الكورة سميت باسمها، وفي مطلع القرن الخامس الهجري شهدت غرناطة توسعًا كبيرًا وأصبحت مركزًا للكورة وذلك لأن بني زيري اتخذوها حاضرة لهم، ونظرًا لمنعة موقع غرناطة، فقد ازدادت أهميتها بصورة كبيرة خاصة بعد سقوط الأمصار الأندلسية الكبرى، حيث غدت حاضرة ملوك بني الأحمر. وقد عرفت غرناطة باسم دمشق الأندلس لشدة التشابه بينهما، كما أنها موطن جند دمشق، ويقال لها غرناطة اليهود لكثرتهم فيها وقد ظلت غرناطة بيد المسلمين إلى أن سقطت بيد النصارى سنة ٨٩٨ هـ. انظر: وصف الأندلس، ص ٦٧، الروض المعطار ص ٤٥ - ٤٦، الإحاطة ١/ ٩١، ٩٣، ابن الخطيب، اللمحة البدرية في الدولة النصرية، بعناية: محب الدين الخطيب، (القاهرة، المكتبة السلفية، ١٣٤٧ هـ) ص ١٢ - ٢٩.\n(^٢) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٩٧.\n(^٣) - المصدر السابق، ق ١ م ١ ص ٤٢. المعجب ص ٩١. البيان المغرب ٣/ ١١٧.\n(^٤) - يبدو أن علي بن حمود كان على عجلة من أمره من أجل إتمام مبايعته بالخلافة، ولذا نراه يبادر إلى قتل سليمان المستعين بالله وأخيه ووالدهما، رغم إصرار سليمان ووالده على أن المؤيد لا يزال حيا، ولأن ابن حمود يدرك تمامًا أن ظهور المؤيد يجعل كل ما قام به يذهب سدى، لأجل ذلك بادر إلى فعلته قبل أن يدخل الشك قلوب من كانوا معه، وبالذات خيران الذي كان يطمع في حياة المؤيد، وعن كيفية التأكد من وفاته لدينا رواية ابن الأثير وهي أوسع الروايات في هذه المسألة، فقد ذكر أن خيران وغيره دخلوا إلى القصر طمعًا في أن يجدوا المؤيد حيًا، فلم يجدوه، ورأوا شخصًا مدفونًا، فنبشوه وجمعوا له الناس وأحضروا بعض فتيانه الذين رباهم وعرضوه عليه، ففتشه، وفتش أسنانه، لأنه كانت له سن سوداء فأخبروا خيران أنه المؤيد، وكان يعلم ذلك الفتى أن المؤيد حي\".\nالكامل في التاريخ ٨/ ٩٩. ولعل شهادة هذا الفتى ومن معه بالإضافة إلى مسارعة ابن حمود بقتل سليمان وأخيه ووالدهما، دليل كاف على ادعائه للوصية، وأن الأمر بالنسبة له لا يعدو مطامع شخصية عمل من أجل تحقيقها مع تلافي الخطأ الذي وقع فيه شنجول من قبل.","vol":"1","page":108},{"text":"أشهر (^١)، وهذه المدة وصفها ابن حيان بقوله: \"وكانت كلها شدادًا نكدات، صعابًا مشؤمات، كريهة المبتدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة، لم يعدم فيها حيف، ولا فورق فيها خوف، ولا تم سرور، ولا فُقد محذور … دولة كفاها ذمًا أن أنشأها شانجة، فقشعها أرمقند، وثبتتها الجلالقة، ومزقتها الإفرنجة، ودبرها فاجر شقي، ووزر لها خب دني، فتمخضت عن\n_________\n(^١) - كان لسليمان المستعين بالله ولد اسمه محمد ولاه عهده، وصف بأنه كان نظير والده بالإهمال والإفساد في البلاد، وبعد مقتل المستعين فر ولده محمد ولجأ إلى منذر بن يحيى التجيبي لكنه غدر به وقتله صبرا. انظر جمهرة أنساب العرب ص ١٠٢.","vol":"1","page":109},{"text":"الفاقرة الكبرى، وآلت بمن أتى بعدها إلى ما كان أعضل وأدهى، مما طوى بساط الدنيا، وعفى رسمها، وأهلك أهلها\" (^١).\nولأول مرة في الأندلس تخرج الخلافة عن الأمويين، وذلك عندما بويع علي ابن حمود بالخلافة عند باب السدة، واتخذ لقب: \"الناصر لدين الله\" (^٢).\nوما أن استراح الخليفة ابن حمود في القصر، حتى تصدع التحالف الذي كان قد أقامه، فالعبيد الصقالبة والعامريون أصحاب الممالك المتناثرة في شرق الأندلس، رفضوا الاعتراف بخلافته رغم مكاتبته لهم، وإغرائه إياهم بالوعود الجميلة (^٣)، إذ أنه لا ينتمي للأسرة الأموية وعليه فلا حق له بالخلافة من وجهة نظرهم.\nومما دفعهم أيضًا إلى رفض ابن حمود، موقف خيران العامري منه، فقد حرضهم عليه، بل دعاهم للقيام ضده، والسبب في ذلك يعود إلى اليوم الأول الذي دخل فيه خيران قصر الخلافة، ولم يجد المؤيد حيا، فقد\n_________\n(^١) - الذخيرةق ١ م ١ ص ٤١ - ٤٢.\n(^٢) - انظر جذوة المقتبس، ص ٢٢. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ٩٨. البيان المغرب ٣/ ١٢٢ أعمال الأعلام ٢/ ١٢٨، نفح الطيب ١/ ٤٣١. وذكرت بعض المصادر أن ابن حمود تلقب بـ\"المتوكل على الله\" نفقط العروس: ص ٨٠. الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩.\n(^٣) - انظر: الذخيرة، ق ١ م ١. ص ١١٧ - ١١٩.","vol":"1","page":110},{"text":"مع ابن حمود، وأنه في خطر منه (^١)، ولذا انسل من قرطبة وذهب إلى دار ملكه في المرية، وهناك بحث عن أموي يسير خلفه ليحقق من ورائه أطماعه، ويرضى نفسه الطموحة، وفي الوقت نفسه يضمن عدم بقاء ابن حمود في الخلافة، إذ لا بقاء له في الحكم مع قيام أموي يطالب بإرثه.\nوفي سنة (٤٠٧) هـ (١٠١٧) (^٢) عثر خيران على رجل أموي يدعى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك ابن عبد الرحمن الناصر (^٣) وكان أصلح من بقي من بني أمية (^٤)، فبايعه خيران ومن معه بالخلافة كما بايعه أصحاب دول الطوائف ولقبوه بالمرتضى (^٥)، إذ أن هدفهم متفق مع هدف\n_________\n(^١) - الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩. البيان المغرب ٣/ ١٢١ - ١٢٢.\n(^٢) - البيان المغرب، ٣/ ١٢١.\n(^٣) - كان عبد الرحمن هذا رجلًا صالحًا مائلًا إلى الفقه، لم يلبس في ولايته خزًا إلى أن قتل، ترك ولدًا واحدًا، انظر: جمهرة أنساب العرب ص ١٠١.\n(^٤) - الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩.\n(^٥) - جمهرة أنساب العرب ص ١٠١. الذخيرة ق ١ م ١ ص ٩٩. الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل قيام خيران وصاحبه المرتضى، كان مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر قد قدم للخلافة الفقيه المشاور عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، أحد أبناء الأسرة الأموية، وبايعه على ذلك في جمادى الآخرة سنة ٤٠٥ هـ، وسماه بـ \"أمير المؤمنين المنتصر بالله\" لكن الوفاق لم يدم بين الطرفين، مما حدا بمجاهد أن يطرد المعيطي إلى بجاية في العدوة المغربية. فقضى بقية عمره هناك معلمًا لصبيان البربر حتى توفي خاملًا سنة ٤٣٢ هـ. انظر: القاضي عياض، ترتيب المدارك، الجزء الثامن، (تحقيق: سعيد أعراب، المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م). ص ٢٦ - ٢٨. ابن بشكوال. كتاب الصلة، (بعناية عزت العطار الحسيني. القاهرة. مكتب نشر الثقافة الإسلامية، ١٣٧٤ هـ/١٩٥٥ م). ترجمة رقم ٥٩٢. البيان المغرب ٣/ ١١٦. أعمال الأعلام ٢/ ٢٢٠. دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص ١٨٥ - ١٩٠. مجاهد العامري. ص ١٤٩ - ١٥٥.","vol":"1","page":111},{"text":"خاب أمله، إذ كان يطمع باستعادة مكانته في ظل الخليفة الضعيف، كما أدرك أن لا مجال له خيران. ثم اجتمعوا في مكان يعرف بالرياحين، وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٤٠٨) هـ (إبريل (١٠١٨) م) ومعهم الفقهاء والعلماء، وبايعوا المرتضى على أن تكون الخلافة شورى وليست وراثة (^١).\nوما أن علم الخليفة علي بن حمود بهذا التجمع، وأن أهل قرطبة يتطلعون للمرتضى حتى غير ابن حمود سياسته تجاههم، فبدل اللين شدة، وأذاقهم الذل وأراهم القهر بالظلم والطغيان، وألزمهم مغارم عسيرة، فضاقوا به، وابتهلوا إلى الله بالدعاء عليه، فسلط الله تعالى عليه ثلاثة\n_________\n(^١) - الكامل في التاريخ ٨/ ٩٩ - ١٠٠، وبهذه المناسبة ألقى ابن دراج قصيدة مدح فيها المرتضى، مطلعها:\nجهادك حكم الله من ذا يرده … وعزمك أمر الله من ذا يصده\nانظر: ديوان ابن دراج القصيدة رقم ٣٢. الذخيرة ق ١ م ١ ص ٨٢.","vol":"1","page":112},{"text":"من صقالبة القصر (^١)، فقتلوه وهو في الحمام، وذلك ليلة السبت أول ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (^٢) (٢١ مارس ١٠١٨).\nوقد شجع الموت المفاجئ لابن حمود الخليفة الأموي المرتضى على المسير إلى قرطبة إلا أنه عرَّج على غرناطة، فدعى زاوي بن زيري إلى الدخول في طاعته (^٣)، فرفض طلبه (^٤)، فنشبت معركة حامية بين المرتضى وقواته وبين زيري والصنهاجيين، إلا أن خيران والعبيد العامريين خانوا المرتضى، فتخلوا عنه في المعركة، وتركوه وحيدا، فغادر أرض المعركة،\n_________\n(^١) - تواطأ على قتل ابن حمود ثلاثة وصفاء، أحدهم يدعى \"منجح\" كان حسن الوجه، خفيفًا على قلب ابن حمود والآخران هما \"لبيب وعجيب\" ضربوه بخناجرهم وسدوا عليه باب الحمام. أنظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ١٠١.\n(^٢) - المصدر السابق: ص ٩٧ - ١٠١. وقد ذكر ابن حبان أن أهل قرطبة عندما علموا بمقتل ابن حمود فرِّج عنهم همٌّ عظيم وابتهلوا إلى الله تعالى بشكرهم.\n(^٣) - لم تكن خطة المرتضى مبنية على الاصطدام بزاوي بن زيري، فقد كان يريد المسير إلى قرطبة للقضاء على القاسم بن حمود الذي تولى الخلافة مكان أخيه. لكن خيران ومن معه عندما لمسوا لدى المرتضى قوة شخصية وأنه متى وصل إلى قرطبة لن ينالوا ما يؤملوه، عندها أضمروا الغدر والخيانة بالمرتضى، فزينوا له دعوة زيري للدخول في طاعته. انظر: الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٣ - ٤٥٥.\n(^٤) - انظر المراسلات التي تمت بين المرتضى وزاوي لدى: ابن حيان في الذخيرة: ق ١ م ١ ص ٤٥٣ - ٤٥٤.","vol":"1","page":113},{"text":"فتمت مطاردته حيث قتل بقرب وادي آش (^١) وذلك سنة (٤٠٩) هـ (^٢) (١٠١٩ م).\nوقد أرسل زاوي بن زيري إلى القاسم بن حمود بخبر نتيجة المعركة، كما أرسل له نصيبه من الغنائم، ومن بينها سرادق المرتضى نفسه فضربه القاسم على شاطئ نهر قرطبة، مما أثار حزن أهلها على خليفة أموي طال انتظارهم له (^٣).\nوهكذا أدى الصقالبة الذين يفترض أنهم الحريصون والأمناء على الخلافة الأموية، خدمة كبرى للحموديين، إذ أنهم بنتيجة هذه المعركة قد ساعدوهم من حيث لا يشعرون على تثبيت حكمهم في قرطبة، وفي الوقت نفسه قضوا على أي أمل في إعادة الدولة الأموية إلى سابق عهدها، كما أنهم حكموا بالتفوق للبربر على الجماعة الأندلسية الذين لم يعد\n_________\n(^١) - وادي آش أو وادي إيش. إسمها القديم \"  Acci\"  هي اليوم مدينة تعرف باسم  Guadix  تقع على نهر فردس على مسافة \"٥٣\" كيلو متر شمال شرق غرناطة، اشتهرت بوفرة المياه والمزروعات. انظر: الروض المعطار ص ٦٠٤ - ٦٠٥. ابن الخطيب، معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، (تحقيق: د. محمد كمال شبانة. الإمارات - المغرب. د. ت) ص ١١٢. مشاهدات لسان الدين بن الخطيب، ص ٢٨ حاشية رقم ٤.\n(^٢) - عندما هرب المرتضى من أرض المعركة بعد أن تُرك وحيدًا، أرسل خيران خلفه مجموعة من رجاله تبعوه وقتلوه وجاؤوا برأسه إلى خيران ومنذر. انظر: الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٤ - ٤٥٥. البيان المغرب ٣/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(^٣) - الذخيرة ق ١ م ١ ص ٤٥٥ - ٤٥٦.","vol":"1","page":114},{"text":"بالإمكان إقناعهم بالاجتماع على كلمة واحدة، وفي هذا يقول ابن حيان \"فحل بهذه الواقعة على جماعة من الأندلس مصيبة سوداء أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم على البربر جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباءوا بالصغار\" (^١).\nكما كانت هذه المعركة سببًا في رحيل الزعيم الصنهاجي الشهير زاوي بن زيري، إذ أدرك أن انتصاره في تلك المعركة انتصار مصطنع، وأن الأندلسيين هم الذين أرادوا انتصاره، وهذا يعني أنه بإمكانهم الوقيعة به متى أرادوا ذلك، ولذا فقد كره المقام بالأندلس وغادرها إلى أفريقية (^٢).\nويمكن القول كذلك، أنه بسبب هذه المعركة اهتزت الثقة بالأمويين بصورة كبيرة، فلم يعد لهم في قلوب الناس مكان، حتى أن خيران زهد في\n_________\n(^١) - المصدر السابق ص ٤٥٥.\n(^٢) - نفسه ص ٤٥٧ - ٤٥٨.","vol":"1","page":115},{"text":"أخ للمرتضى يدعى هشام (^١)، فطرده من مملكته، فغادر هشام واستقر في حصن البونت (^٢).\nوبعد قتل علي بن حمود، عقد الزناتيون اجتماعًا، قرروا خلاله استدعاء القاسم بن حمود من إشبيلية ليتولى الخلافة، لكن القاسم حسب أن في الأمر خدعة، ولذا أرسل أحد ثقاته ليقف على حقيقة الأمر، فلما عاد إليه الرسول بالخبر، قدم إلى قرطبة، وصلى على أخيه، وأرسل جثمانه إلى سبته ليدفن هناك (^٣).\n_________\n(^١) - هو أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك، أمه أم ولد اسمها عاتب، ولد سنة ٣٦٤ هـ، وهو أسن من أخيه المرتضى بأربعة أعوام، كان هشام أبيض أصهب إلى الأدمة، سبط الشعر، أخنس، خفيف العارضين واللحية، حسن الجسم إلى القصر. مات ولا عقب له. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ١٠١، جذوة المقتبس ص ٢٨ - ٢٩. المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٠٩ - ١١٠. البيان المغرب ٣/ ١٤٥ - ١٤٦. وهشام هذا هو آخر خليفة أموي كما سنعرف.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ١٢٧. إلا أنه كتب: حصن البنت. والتصحيح من البكري: جغرافية الأندلس وأوربا ص ١٢٨، والبونت  El puente  مدينة تقع شمال غربي بلنسية. انظر: معجم البلدان ١/ ٥١١. المغرب في حلى المغرب ٢/ ٣٩٥. الروض المعطار ص ١١٥.\n(^٣) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ١٠١. قارن: لويس سيكودي لوثينا: الحموديون سادة مالقة والجزيرة الخضراء، (ترجمة د. عدنان آل طعمه دمشق، دار سعد الدين، ١٩٩٢ م) ص ٢٣.","vol":"1","page":116},{"text":"وبويع القاسم بالخلافة يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (٢٥ مارس (١٠١٨) م) وتلقب بالمأمون (^١)، كان وادعًا (^٢)، محبًا للعافية (^٣)، أحسن تلقي الناس وأجمل مواعيدهم (^٤)، فأحبه أهل قرطبة وشعروا بالأمان في عهده.\nويبدو أن القاسم أراد أن يتخلص من ثقل وطأة البربر والعرب على حكمه، ولذا اختط لنفسه سياسة جديدة، فقرب إليه السودان وولاهم دولته (^٥)، الأمر الذي أغضب البربر والعرب معًا، مما أحدث هزة في حكمه، فحاول إصلاح الوضع، وقام بمراسلة بعض الزعماء أصحاب المطامع الذي كانوا مع المرتضى (^٦)، لكنهم استثقلوه وازداد وضعه حرجًا بعد أن قام ضده ابن أخيه يحيى بن علي (^٧) مطالبًا بحقه في خلافة والده،\n_________\n(^١) - جذوة المقتبس، ص ٢٢. البيان المغرب ٣/ ١٢٤.\n(^٢) - جذوة المقتبس، ص ٢٢، المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ٩٩.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٩٩.\n(^٤) - البيان المغرب ٣/ ١٣٠.\n(^٥) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٦) - الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٠ - ١٠١. البيان المغرب ٣/ ١٣٠.\n(^٧) - هو يحيى بن علي بن حمود، اختلف في كنيته، أمه بنت عم أبيه لبونة بنت محمد بن الحسن بن القاسم ولد سنة ٣٨٤ هـ، صفته أبيض أعين أكحل، كان شجاعًا ذا عزم وحزم وإقدام وكرم، قتل بقرمونة في شهر المحرم سنة ٤٢٧ هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٥١ جذوة المقتبس ص ٢٤ - ٢٥ المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٠٣ - ١٠٤. البيان المغرب ٣/ ١٣١ - ١٤٤. ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.","vol":"1","page":117},{"text":"وعندما اشتكى القاسم للبربر سوء وضعه، قابلوا شكواه بعدم الاهتمام مفضلين توسيع الخلاف بين الاثنين (^١)، الأمر الذي اضطره أخيرًا إلى مغادرة قرطبة إلى اشبيلية وذلك ليلة السبت (٢٢) ربيع الآخر سنة (٤١٢) هـ (^٢) (٧ أغسطس ١٠٢١) فدخل يحيى بن علي قرطبة بمساعدة خيران وصحبه الذين لاهم لهم إلا مصالحهم الخاصة، دون النظر لثمن تلك المصالح.\nوقد بويع يحيى بن علي بالخلافة يوم الاثنين مستهل جمادى الأولى سنة (٤١٢) هـ (١٣ أغسطس ١٠٢١) وتلقب بالمعتلي بالله (^٣)، في الوقت الذي كان عمه القاسم يدعى له بالخلافة في اشبيلية (^٤)، وعن هذا الوضع يقول ابن حزم \"وهذا أمر لم يسمع في الدنيا بأشنع منه ولا بأدل على إدبار الأمور\" (^٥).\n_________\n(^١) - المصدر السابق ٣/ ١٣١.\n(^٢) - نفس المصدر والصفحة.\n(^٣) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ٩٩. البيان المغرب ٣/ ١٣١.\n(^٤) - المصدر السابق ٣/ ١٣٢.\n(^٥) - نقط العروس ص ٨٠.","vol":"1","page":118},{"text":"وفي بداية الأمر اختط يحيى سياسة حببته للجميع سواء أهل قرطبة أو البربر لكنه سرعان ماتركها فنفرت النفوس عنه (^١)، فتم استدعاء عمه القاسم من اشبيلية، ففر يحيى عن قرطبة يوم الثلاثاء (١٨) من شهر ذي القعدة سنة (٤١٣) هـ (١٤ فبراير ١٠٢٣) وهو اليوم الذي دخل فيه القاسم قرطبة (^٢)، وهذه هي دولته الثانية، إلا أن عهده في هذه المرة لم يطل، فقد كرهه القرطبيون بسبب تسلط البربر عليه، فثاروا ضده وطردوه وذلك يوم الثلاثاء (٢١) جمادى الآخرة سنة (٤١٤) هـ (^٣) (٩ سبتمبر ١٠٢٣).\nوما أن تخلص القرطبيون من الحموديين، حتى قرروا إعادة الخلافة لبني أمية، فعقدوا اجتماعًا عامًا في جامع قرطبة لانتخاب أحد ثلاثة رشحوا لهذا الأمر، وهم سليمان (^٤) بن المرتضى، ومحمد بن العراقي (^٥)، وعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لدين الله (^٦)،\n_________\n(^١) - انظر البيان المغرب ٣/ ١٣٢.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ١٣٢، أعمال الأعلام ٢/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(^٣) - المعجب. وانظر د. إسماعيل العربي، دولة الأدراسة ملوك تلمسان وفاس وقرطبة، (بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط ١٤٠٣ هـ/١٩٨٤ م) ص ٢٤٩ - ٢٥١.\n(^٤) - هو ابن الخليفة المرتضى الذي غدر به خيران وصحبه وقتل قرب وادي آش.\n(^٥) - قتله المستكفي بالله خنقًا ونعاه للناس. البيان المغرب ٣/ ١٤٢.\n(^٦) - هو أبو المطرف عبد الرحمن بن هشام، أخو الخليفة المهدي، أمه أم ولد اسمها غاية، ولد في شهر ذي القعدة سنة ٣٩٢ هـ، وصف بأنه أبيض، أشقر، أعين، أقنى، طويل، نحيف البدن، حسن القد والجسم، كان في غاية الأدب والبلاغة والفهم ورقة النفس، ذكيًا، لوذعيا، عفيفًا، لم يشرب النبيذ سرًا وعلانية، وكان في وقته نسيج وحده، ختم به فضلاء أهل بيته الناصريين. انظر: جذوة المقتبس ص ٢٥ - ٢٦. الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٨ - ٥٩. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١٠٥ - ١٠٦ الحلة السيراء ٢/ ١٢ - ١٧، البيان المغرب ٣/ ١٣٥ - ١٣٩.","vol":"1","page":119},{"text":"وكان الترشيح القوي لصالح سليمان بن المرتضى حتى أن كتاب العهد كان مكتوبًا باسمه، إلا أن الجميع فوجئ بالدخول القوي لعبد الرحمن بن هشام، فقد اقتحم المسجد وهو على رأس مجموعة مسلحة، فدخل المقصورة، فتمت مبايعته مباشرة، ولم يتخلف المرشحان الآخران للخلافة عن البيعة، وكشط اسم سليمان من كتاب العهد وكتب بدلًا منه اسم عبد الرحمن، الذي اتخذ لقب المستظهر بالله، وذلك في الرابع من شهر رمضان سنة (٤١٤) هـ (^١) (٢١ نوفمبر ١٠٢٣).\nونظرًا لأن المستظهر بالله كان وصوله للخلافة عن طريق الغصب والمباغتة، وذلك بواسطة رجال الدائرة، الذين هم حرس الخليفة، لذا فقد كانت لهم دالة عليه، يضاف إلى هذا أن المستظهر رفع مقادير مشيخة الوزراء من بقايا موالي الأمويين، وهؤلاء لا همَّ لهم إلا مصالحهم، فعملوا على استغلال قربهم من الخليفة، لكنه كان فقيرا، فالمال الذي يقع في يده يسد به رمقه، وما فضل منه يفرقه على من تكنفه من رجال الدائرة.\n_________\n(^١) - الذخيرة. ق ١ م ١ ص ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":120},{"text":"ويبدو أن أولئك الوزراء قد زادوا من ضغوطهم على الخليفة المعدم، ولذا فقد زج بجماعة منهم في السجن، وطالبهم بما لديهم من أموال، كما سجن بعض أبناء الأمويين، الأمر الذي أسخط رجال الدائرة، فأثاروا العامة ضده، فاقتحموا عليه قصره وقتلوه بعد أن أمضى بالخلافة سبعة وأربعين يومًا (^١).\nوفي اليوم الذي قتل فيه المستظهر بالله تولى الخلافة أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر (^٢)، وذلك يوم\n_________\n(^١) - قام رجال الدائرة بمطاردة الخليفة المستظهر بالله في أرجاء القصر، وسدوا عليه أبواب النجاة، وبعد أن عثروا عليه مختبئًا في مخزن الفحم والخشب الخاص بحمام القصر، قتلوه أمام الخليفة الجديد المستكفي بالله، ولم يكتف أولئك الفسقة بقتل المستظهر، بل إن شرهم طال حريمه، فقد سبوا أكثرهن وحملوهن إلى منازلهم علانية، وجرى عليهن مالم يجر على حرم سلطان في مدة تلك الفتنة. انظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ٥٠ - ٥٥، الحلة السيراء ٢/ ١٢ - ١٣، البيان المغرب ٣/ ١٣٦ - ١٣٩. إن في هذا لعبرة فإهمال ذوي الأحلام والنهى ورفع مقام السفلة والأغمار والوثوق بهم لا يأت بخير أبدًا.\n(^٢) - هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن أمه أم ولد اسمها حوراء، ولد سنة ٣٦٦ هـ، كان ربعة، أشقر، أزرق، أشم، مدور الوجه، واللحية، ضخم الوجه والجسم، كبير البطن، صاحب شهوة بطن وفرج، كان منذ عرف عطلًا منقطعًا إلى البطالة، جاهلًا عاطلًا من كل خلة تدل على فضيلة: يلقب بالخويفية ولقب أيضًا بأبي زكيرة، انظر: جذوة المقتبس، ص ٢٦ - ٢٧، الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٣ - ٤٣٤، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١٠٧، البيان المغرب، ٣/ ١٤٠ - ١٤١.","vol":"1","page":121},{"text":"السبت الرابع من ذي القعدة سنة (٤١٤) هـ (١٨ يناير ١٠٢٤) ولقب بالمستكفي بالله (^١)، وكان الخليفة الجديد غفلًا عطلًا منقطعًا إلى البطالة، مجبولًا على الجهالة\" (^٢) في غاية السخف وركالة العقل وقلة التدبير (^٣)، ولذا فلا عجب أن يسند تدبير أمور دولته لرجل حائك يدعى أحمد بن خالد (^٤).\nوقد أجمعت الآراء على أنه لم يكن في خلفاء الفتنة أسقط من المستكفي ولا أنقص منه، فقد كان سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، عاهر الخلوة، مشابهًا للخليفة العباسي المستكفي في كل شيء (^٥)، حتى\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٣ - ٤٣٤، البيان المغرب ٣/ ١٤٠ - ١٤١.\n(^٢) - الذخيرة. ق ١ م ١ ص ٤٣٤.\n(^٣) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١٠٧.\n(^٤) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٥) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٤. الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٣ والخليفة المستكفي العباسي هو أبو القاسم عبد الله بن علي أمه أم ولد يقال لها غصن ولد سنة ٢٩٢ هـ، بويع بالخلافة يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ٣٣٣ هـ، وذلك بواسطة امرأة تدعى حُسن الشيرازية، فصارت قهرمانته وغلبت على أمره كله. وقبض عليه في يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٣٤ هـ، وخلع نفسه من الخلافة. كان أبيض مشربا حمره، أسود الشعر سبطه، خفيف العارضين أكحل العينين، أقنى الأنف. سملت عيناه يوم خلعه وحبس بعد ذلك ولم يزل محبوسًا إلى أن توفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ٣٣٨ هـ انظر: المسعودي مروج الذهب. (القاهرة المطبعة البهية ١٣٤٦ هـ)، ٢/ ٥٤٠ - ٥٥٢ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (بيروت دار الكتب العلمية، د. ت) ١٠/ ١٠ - ١١ مجهول، كتاب العيون والحدائق الجزء الرابع، القسم الثاني (تحقيق عمر السعيدي دمشق، المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية ١٩٧٣ م) ص ٤١٥. - الكامل في التاريخ ٧/ ١٨٧ - ١٨٨، ٢٠٣ - ٢٠٧.","vol":"1","page":122},{"text":"\"أنهما اتفقا في الأخلاق والعهر واللعب وأن كل واحد منهما عاش اثنين وخمسين سنة، وكل واحد منهما ملك سنه ونحو خمسة أشهر، وكل واحد منهما تركه أبوه صغيرًا، وتوافقا في اللقب وبالجملة فهما رذلي قومهما\" (^١).\nوقد ضاق الناس بالمستكفي ذرعًا، فأكثروا من الشكوى بشأنه إلى يحيى بن علي بن حمود، المقيم بمالقة، وطلبوا منه الحضور إلىقرطبة (^٢)، فلما تحرك إليها، هرب المستكفي منها في زي غانية بين امرأتين (^٣)، وذلك يوم الثلاثاء (٢٤) ربيع الأول سنة (٤١٦) هـ (^٤) (٢٦ مايو ١٠٢٥) ولحق بالثغر، وكان معه القائد عبد الرحمن بن محمد بن السليم (^٥)، الذي مل المسير معه، فسمه في طعامه، فلما مات غسله وكفنه وصلى عليه ودفنه في قرية في\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ١٤١.\n(^٢) - انظر: الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٣.\n(^٣) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٧.\n(^٤) - البيان المغرب ٣/ ١٤١.\n(^٥) - من ولد سعيد بن المنذر أحد القادة المشهورين في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر.","vol":"1","page":123},{"text":"الثغر تعرف بـ\"شمنت\" (^١) لتنتهي بذلك حياة المستكفي بعد حكم دام سبعة عشر شهرًا لم تتجاوز خلالها طاعته فرسخًا (^٢).\nوقد بقيت قرطبة بعد رحيل المستكفي عنها، بدون خليفة مدة ستة أشهر تقريبًا، حتى حضر إليها يحيى بن علي بن حمود (^٣)، فدخلها يوم الخميس السادس عشر من شهر رمضان سنة (٤١٦) هـ (٩ نوفمبر ١٠٢٥) ومكث بها إلى نهاية السنة، ثم غادرها إلى مالقة يوم الثلاثاء (٨) من شهر محرم سنة (٤١٧) هـ (١ مارس ١٠٢٦) تاركًا فيها وزيره وكاتبه أبا جعفر أحمد بن موسى، فاستغل الفرصة العامريان مجاهد وخيران، وذلك بإيعاز من حبوس بن ماكسن (^٤)، فقدما إلى قرطبة، فهرب عنها وزير المعتلي،\n_________\n(^١) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١٠٧ - ١٠٨.\n(^٢) - نقط العروس ص ٧٢.\n(^٣) - ذكر ابن الأثير أن يحيى بن علي لم يحضر وإنما أرسل بدلًا منه عبد الرحمن بن عطاف اليفرني واليًا عليها. انظر: الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٣.\n(^٤) - هو ابن أخي الزعيم الصنهاجي زاوي زيري، كان أحد نابي برابرة الأندلس، عرف بالحلم والوقار والهيبة، كان نزر الكلام قليل الضحك كثير الفكر، شديد الغضب، غليظ العقاب، شجاعًا حسن الفروسية، جبارًا متكبرًا داهية واسع الحيلة كامل الرجولة، تولى غرناطة بعد رحيل عمه زاوي عنها ومازال يحكمها حتى توفي سنة ٤٢٨ هـ. انظر: الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٨ - ٤٦١. دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص ١٢٣ - ١٢٥.","vol":"1","page":124},{"text":"فبقي العامريان في قرطبة نحو شهر ثم خشي كل منهما غدر الآخر، فغادراها تباعًا (^١).\nوبعد رحيل خيران ومجاهد، أجمع أهل قرطبة، برأي من الوزير جهور بن محمد بن جهور (^٢) على \"خلع العلويين لميلهم إلى البربر وإعادة الخلافة في الأندلس إلى بني أمية\" (^٣) فبايعوا هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وهو مقيم بحصن البونت، وذلك في يوم الأحد (٢٥)\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ١٤٣ - ١٤٦. أعمال الأعلام ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(^٢) - ينتمي جهور لأسرة آل أبي عبدة الشهيرة التي تولى أفرادها المناصب القيادية في الدولة الأموية، وجهور هذا تولى الوزارة في عهد العامريين، ثم اعتزل العمل السياسي وتمكن بحسن أدائه من الاستقلال بقرطبة بعد طرد الأمويين، فحسنت أحوال أهلها، ونعموا بالأمن والرخاء إلى أن توفي ليلة الجمعة السادس من محرم سنة ٤٣٥ هـ. وقد وصف جهور بالحزم والدهاء والوقار والأدب والحلم، متواضعًا صالحًا، طاهر الأثواب، عفيفًا في شبابه وكهولته مواظبًا على صلاة الجماعة، حافظًا لكتاب الله قائمًا به في سره وجهره، يزور المرضى ويشهد الجنائز. إلا أنه كان يعاب عليه البخل الشديد، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ١٠٢، جذوة المقتبس ص ٢٧ - ٢٩، ترجمة رقم ٢٥٨. مطمح الأنفس، ص ١٨٠ - ١٨٦. الذخيرة ق ٢ م ١ ص ٦٠٣ - ٦٠٤. بغية الملتمس، ترجمة رقم ٦٢٣. الحلة السيراء ٢/ ٣٠ - ٣٤. البيان المغرب ٣/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(^٣) - الكامل في التاريخ ٨/ ١٠٦.","vol":"1","page":125},{"text":"ربيع الآخر سنة (٤١٨) هـ (^١) (٥ يونيو ١٠٢٧) فاتخذ لقب \"المعتد بالله\" (^٢).\nوقد كان المعتد بالله في شبابه معروفًا بالشطارة، لكن تاب فرجي صلاحه (^٣)، إلا أن الظن فيه خاب، إذ ما أن وصل قرطبة في يوم الخميس الثامن من شهر ذي الحجة سنة (٤٢٠) هـ (^٤) (١٩ ديسمبر ١٠٢٩) حتى تبدلت أحواله، فقلد تدبير دولته لرجل حائك يدعى حكم بن سعيد ويعرف بالقزاز (^٥)، الذي عندما بحث عن رجال يستعين بهم لمساعدته في تدبير أمور الدولة لم يهتد إلا \"إلى نغل دغل وماجن سفيه أو سوقي رذل\" (^٦).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٣/ ١٤٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٣٨. وتجدر الإشارة إلى أن هشام بن محمد بقي في حصن البونت بعد مبايعته في الخلافة مدة سنتين وسبعة أشهر وثمانية أيام وهو يخطب له في قرطبة.\n(^٢) - جذوة المقتبس ص ٢٨، الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥١٥.\n(^٣) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥١٥. \"والشاطر هو من أعيا أهله خبثا\" انظر: الفيروز أبادي، القاموس المحيط (المطبعة المصرية القاهرة ١٣٥٢ هـ) ج ٢ ص ٥٨.\n(^٤) - جذوة المقتبس ص ٢٨. المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١١٠.\n(^٥) - هو أحد أبناء الموالي العامريين، حائك مشهور، عرف الخليفة المعتد بالله في قرطبة أيام الصبا، ومن ثم اجتمع به في حصن البونت، الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥١٦. وقد كان هذا الحائك عاهر الخلوة صريع الشهوة، كذاب فاجر. البيان المغرب ٣/ ١٤٩.\n(^٦) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥١٨ - ٥١٩.","vol":"1","page":126},{"text":"وقد تفرغ الخليفة المعتد بالله لملذاته، فعانى الناس منه ومن وزيره ومن سار في نهجهما الأمرين (^١)، ثم اتفقوا على قتل الوزير، فقتله رجل من هم يعرف بابن الحصار (^٢)، عند الركن الشرقي للجامع (^٣).\nوقد حاول أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الرحمن الناصر (^٤) استغلال الموقف لصالحه، ويتولى الخلافة، بدلًا من المعتد بالله، وحرص على ذلك أشد الحرص، حتى أنه عندما قال له أهل قرطبة: إنا نخاف عليك القتل في هذا اليوم لشدة الفوضى، أجابهم قائلا \"بايعوني اليوم\n_________\n(^١) - اشترك مع الحائك في سفالته وخلعه كل من: الفقيه ابن الجيار وكذلك الشاعر أبو عامر بن شهيد، الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥١٩ - ٥٢١.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ١٤٦.\n(^٣) - الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥٢٥ - ٥٢٦.\n(^٤) - أمية بن عبد الرحمن كان فتى شديد التهور والجهالة، قاد المتذمرين من سياسة الخليفة المعتد بالله، حتى تمكنت تلك المجموعة من قتل الوزير الحائك والتمثيل بجثته، وقد اقتحم أمية القصر وجلس في مجلس الخليفة المعتد، ولم يأل أمية جهدًا في سبيل تولي الخلافة، إلا أن جماعة الوزراء رفضوه وطردوه من القصر فهرب من قرطبة، ويبدو أنه حاول العودة إليها مرة أخرى بعد أن تم طرد الأمويين منها، فأخرج إليه شيوخ قرطبة من يقتله قبل دخولها، فقتل بموضع يعرف بقرية راشد، وذلك في شهر جمادى الآخر سنة ٤٢٥ هـ. انظر: الذخيرة ق ٣ م ١ ص ٥٢٥ - ٥٢٩ إلا أنه جعل اسمه أمية بن عبد العزيز بدلًا من عبد الرحمن. البيان المغرب ٣/ ١٤٩ - ١٥٢، ١٨٧. إعمال الأعلام ٢/ ١٣٨ - ١٣٩.","vol":"1","page":127},{"text":"واقتلوني غدًا\" (^١) إلا أن الوزراء بقيادة الوزير جهور بن محمد قرروا حرمان أمية من مراده، فقد طردوه من القصر (^٢)، ثم خلعوا الخليفة المعتد بالله يوم الثلاثاء (١٢) من شهر ذي الحجة سنة (٤٢٢) هـ (^٣) (٣٠ نوفمبر ١٠٣١) وأخرجوه إلى صخرة محمود بن الشرف (^٤)، ثم نودي في أسواق قرطبة وأرباضها، بأن لا يبقى من بني أمية أحد، ولا يكنفهم أحد (^٥).\nوهكذا أسدل الستار على تاريخ دولة من أعظم دول الإسلام، كانت على ثغر من ثغور الديار الإسلامية، جاهدت عنده بكل قوة، وسطر رجالاتها الأفذاذ بجهادهم أنصع الصفحات وخلفوا حضارة بنيت على أسس متينة.\nوعلى كل فإن كانت هذه الدولة المجيدة قد أزيلت لأسباب سوف نتعرض لها في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى، فإن آثارها رغم ذلك، أبت\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ١٥٠.\n(^٢) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥٢٩.\n(^٣) - البيان المغرب: ٣/ ١٤٥، ١٨٥.\n(^٤) - الذخيرة، ق ٣ م ٢ ص ٥٢٧ - ٥٢٨. وقد بقي هشام المعتد بالله هناك مدة، ثم لحق بابن هود في لاردة فأقام عنده إلى أن مات في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ٤٢٨ هـ. انظر: البيان المغرب ٣/ ١٤٥. نهاية الأرب ٢٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨. وورد في جذوة المقتبس ص ٢٩، وفي المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص ١١٠، أنه توفي سنة ٤٢٧ هـ.\n(^٥) - البيان المغرب ٣/ ١٥٢.","vol":"1","page":128},{"text":"إلا أن تقف بكل إباء إلى عصرنا الحاضر رغم كر الدهور، لتعطي الدليل الذي لا يقبل النقاش على عظمتها وسؤددها، والملك لله تعالى يهبه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الفصل الأول: النظام السياسي ورسومه</span>\nالمبحث الأول: رئاسة الدولة\nالمبحث الثاني: ولاية العهد","vol":"1","page":131},{"text":"","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>المبحث الأول: رئاسة الدولة</span>\nيأتي الأمير أو الخليفة الأموي في الدولة الأموية بالأندلس على رأس جهاز الحكم، ونظرًا لأخذ الأسرة الأموية بالأندلس بنظام الحكم الوراثي، فإن الأمير أو الخليفة يوصي بالحكم من بعده لأحد أبنائه، وليس بالضرورة أن يكون للابن الأكبر حق ملزم في تولي الحكم بعد أبيه، إذ أن منصب ولاية العهد يتم الاختيار له بعناية فائقة (^١)، وبناءً على وصية يتركها الأمير أو الخليفة يبايع ولي العهد حاكمًا جديدًا للبلاد.\nوكان إذا توفي الأمير أو الخليفة الأموي يبادر ولي العهد إلى أخذ البيعة من كبار فتيان القصر الصقالبة المعروفين بالخلفاء الأكابر، وهم بدورهم يأخذونها على من تحت أيديهم (^٢)، ثم يأمر بإحضار الكتَّاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء فيبايعونه (^٣)، بعد ذلك يتم إحضار الأخوة والأعمام وأولادهم بواسطة بعض الوزراء ومعهم الجند، بدون قبول عذر أي منهم (^٤)، فإذا وصلوا جلسوا في مجالس خاصة مع رجالات الدولة وكبار أصحاب البيوتات الأندلسية، فإذا تمت الاستعدادات لتلقي البيعة، جلس الحاكم الجديد للبلاد على سرير الملك بمجلسه الضخم، فيكون\n_________\n(^١) - سوف نتطرق لهذا الأمر عند الحديث عن ولاية العهد.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٢٠. نفح الطيب: ١/ ٣٨٧.\n(^٣) - نفح الطيب: ١/ ٣٨٧.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٢٠، نفح الطيب: ١/ ٣٨٧.","vol":"1","page":133},{"text":"إخوته وعمومته وأولادهم أول الداخلين عليه، ولباسهم الأردية والظهائر البيض إعلانًا لحزنهم على الحاكم الراحل (^١)، فيبايعونه بأن يصفقوا بأيديهم على يده على هيئة المصافحة (^٢)، وبعد أن ينصتوا لسماع قراءة صحيفة البيعة بصوت أحد الوزراء (^٣)، ويعلنون التزامهم لأيمان انعقادها، يقوم أحد أولئك الأمراء ويرتجل كلمة نيابة عن أبناء الأسرة الأموية يعزي فيها الحاكم بوفاة والده الفقيد ويهنئه بالمنصب الجديد (^٤)، بعد ذلك يتقدم الوزراء وأولادهم وإخوانهم ويتلوهم أصحاب الشرطة وطبقات أهل\n_________\n(^١) - مؤلف مجهول، تاريخ عبد الرحمن الناصر، (تقديم د. عدنان محمد آل طعمه، دمشق دار سعد الدين، ١٩٩٢ م) ص ١٨. في الأندلس لبس البياض شعار للحداد والحزن، قال ابن دحية: \"ولبس البياض عادة أهل الأندلس في الحزن على موتاهم استنوا ذلك من عهد بني أمية قصدًا لمخالفة بني العباس في لباسهم السواد\". انظر: ابن دحية، المطرب في أشعار أهل المغرب، (تحقيق: مصطفى عوض، الخرطوم، ١٩٥٤ م) ص ٨٥.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٢٠. البيان المغرب ٣/ ٦٠. البيعة شبيهة بالبيع الحقيقي كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، والأصل في ذلك أنه كان من عادة العرب أنه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على يد صاحبه. وهي في عرف اللغة ومقصود الشرع: العهد على الطاعة على أنهم يسلمون لربها النظر في أمور أنفسهم لا ينازعونه في شيء من ذلك ويطيعونه فيما يكلفهم به من الأمر على المنشط والمكره، شبهت حالتهم في مصافحتهم بأيديهم تأكيدًا لعهدهم بفعل البائع والمشتري وسميت بيعة. انظر: عبد الحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية، المسمى التراتيب الإدارية، (بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت). ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(^٣) - الحلة السيراء، ١/ ١٣٨.\n(^٤) - تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ١٨.","vol":"1","page":134},{"text":"الخدمة، فإذا بايعوا قعدوا جميعًا عن يمين الأمير أو الخليفة وشماله، ثم يتولى أحد كبار رجالات الدولة أخذ البيعة على بقية الحضور (^١).\nويصف لنا المقري الحفل الذي أقيم في الزهراء عند مبايعة الحكم المستنصر بالخلافة في الثالث من رمضان سنة (٣٥٠) هـ (١٦ أكتوبر سنة (٩٦١) م) فيقول: \"وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرد، فأول من وصل إليه الإخوة فبايعوه، وأنصتوا لصحيفة البيعة، والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما انعقد فيها، ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم، ثم أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة، وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله إلا عيسى بن فطيس (^٢) فإنه كان قائمًا يأخذ البيعة على الناس، وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة، فاصطف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يمينًا وشمالًا إلى آخر البهو كل منهم على قدره في المنزلة، عليهم الظهائر البيض شعار الحزن، قد تقلدوا فوقها السيوف، ثم تلاهم الفتيان الوصفاء، عليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية، صفين منتظين في\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٥٤. نفح الطيب، ١/ ٣٨٧.\n(^٢) - عن ابن فطيس: انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، قسم التعليقات، تعليق: رقم ١٨٧.","vol":"1","page":135},{"text":"السطح، وفي الفصلان (^١) المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابسين البياض، بأيديهم السيوف، يتصل بهم من دونهم من طبقات الخصيان الصقالبة، ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيهم وجبابهم، ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدة الكاملة، وقامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجَّالة العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض، وعلى رؤوسهم البيضات الصَّقيلة، بأيديهم التراس الملوَّنة والأسلحة المزينة، انتظما صفين إلى آخر الفُصُل، وعلى باب السدة الأعظم البوابون وأعوانهم، ومن خارج باب السدة فرسان العبيد إلى باب الأقباء، واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة موكبًا إثر موكب إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء\" (^٢).\nوبعد أن تتم مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة التي تنتهي عادة في نفس اليوم (^٣)، وبعد أن يسمع الأمير أو الخليفة لإنشاد الشعراء الذين يعزونه لفقد والده ويهنؤنه بالإمارة أو الخلافة (^٤)، يتم توزيع الكساوي\n_________\n(^١) - الفصلان جمع فصيل وهو الرحبة عند مدخل البيت. وتكون الفصلان، فيما يبدو، على شكل رحاب وصحون متوالية تحددها هيئة الأعمدة. انظر: نفح الطيب، ١/ ٣٨٧ حاشية رقم ١.\n(^٢) - المصدر السابق، ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨.\n(^٣) - تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ١٨.\n(^٤) - انظر مثلًا قصيدة ابن دراج التي رثى فيها عبد الملك المظفر وعزَّى أخاه عبد الرحمن وهنأه فيها بالحجابة وولاية العهد. انظر: ديوان ابن دراج القسطلي، (تحقيق وتعليق: د. محمود مكي. منشورات المكتب الإسلامي، دمشق ١٩٦١ م). ص ٤٥٦.","vol":"1","page":136},{"text":"والأموال على الحضور حسب مراتبهم وأقدارهم (^١)، ثم يؤذن للجميع بالانصراف باستثناء الإخوة والأعمام والوزراء وأهل الخدمة، وذلك لحضور مراسم مواراة الأمير أو الخليفة الراحل في المقبرة الخاصة بأمراء وخلفاء بني أمية والمعروفة باسم روضة الخلفاء الموجودة داخل القصر بقرطبة (^٢) وعادة ما يتولى الحاكم الجديد الصلاة على جثمان سلفه (^٣).\nوجرت العادة في البيعة الخاصة المعروفة بالمشرق باسم \"بيعة أهل الحل والعقد (^٤) \" أن تسجَّل شهادات الشهود في سجل خاص، وقد أورد لنا ابن الخطيب نقلًا عن ابن حيان أسماء الشهود الذين حضروا البيعة الخاصة التي جرت للخليفة هشام المؤيد بن الخليفة الحكم المستنصر والتي تمت في يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر سنة (٣٦٦) هـ (أكتوبر ٩٧٧) وقد بلغ عدد أولئك الشهود مائة وتسعة وثلاثين شاهدًا (^٥).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ١٢١ - ١٢٨، أعمال الأعلام: ٢/ ١٨.\n(^٢) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي: ص ١٧. المقتبس، تحقيق أنطونية، ص ٣، البيان المغرب ٢/ ٤٨، ٧٧، ٩٠، ١٥١. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٢٤، ١٣٣، ١٤٩، ١٥٢، ١٥٦، ١٦٨، ١٧٣، ٢٠٤. نفح الطيب، ١/ ٣٨٨.\n(^٣) - تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ١٨، البيان المغرب ٢/ ٦٥، ٧٧، ١٠٦، ١٢١، ١٥١، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٤، ١٣٣، ١٥٢، ١٥٦، ١٦٨.\n(^٤) - الماوردي، الأحكام السلطانية (بعناية: محمد بدر الدين الحلبي القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٢٧ هـ/١٩٠٩ م) ص ٥.\n(^٥) - أعمال الأعلام: ٢/ ٤٨ - ٥٧. إلا أنه عند التحقق من أسماء أولئك الشهود نجد أن سبعة عشر شاهدًا لا يمكن أن يكونوا ضمن الحاضرين للبيعة، إذ أن معظمهم ولد بعد البيعة بكثير، وهناك من كان عمره عند البيعة سنة واحدة وآخر ست سنين وثالث تسع سنين، بل إن هناك من توفي قبل البيعة بسبع سنين وهم على الترتيب: =","vol":"1","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=- القاضي عبد الرحمن بن محمد بن عيسى، يعرف بابن الحشا، توفي سنة ٤٧٣ هـ \"الصلة. ترجمة رقم ٧٢٨\".\n- الفقيه أبو عبد الله بن عتاب بن محسن، ولد سنة ٣٨٣ هـ، \"ترتيب المدارك ٨/ ١٣١ - ١٣٤\".\n- القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، ولد سنة ٤٠٣ هـ. \"الصلة. ترجمة رقم ٤٥٣\".\n- أبو الحسن مختار بن عبد الرحمن الرعيني القرطبي، ولد سنة ٣٩٣ هـ. \"ترتيب المدارك ٨/ ٩٨. الصلة ترجمة رقم ١٣٧٤\".\n- أبو عمر عبد الرحمن بن القرداحي، توفي وأبوه حي سنة ٤٢٥ هـ. \"ترتيب المدارك ٨/ ٩٣\".\n- أبو المطرف عبد الرحمن بن سعيد بن جرج، ولد سنة ٣٦٨ هـ. \"ترتيب المدارك ٨/ ١٣\".\n- أبو بكر بن أبي العباس بن ذكوان، ولد سنة ٣٩٥ هـ. \"ترتيب المدارك ٨/ ٨٧ - ٨٨\".\n- أبو محمد عبد المهيمن بن عبد الملك بن أحمد القرشي، ولد سنة ٤٠٠ هـ. \"ترتيب المدارك ٨/ ٢٠ - ٢١\".\n- سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج، ولد سنة ٣٧٠ هـ. \"الصلة ترجمة رقم ٥١٧\".\n- أبو بكر عبيد الله القرشي التيمي القرطبي، ولد سنة ٣٦٥ هـ. \"الصلة، ترجمة رقم ٦٦٧\".\n- أبو العباس أحمد بن أيوب الألبيري. ولد سنة ٣٦٠ هـ. \"الصلة ترجمة رقم ١٠٠\".\n- همام بن أحمد بن عبد الله الأطروش، ولد سنة ٣٥٧ هـ. \"الصلة ترجمة رقم ٣٥٠\".\n- عبد الملك بن هذيل بن عبد الملك التميمي، توفي سنة ٣٥٩ هـ. \"ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٢٢\".\nويمكن أن نضيف إلى تلك الأسماء أسماء أخرى هناك شك كبير يحيط بحضورها لبيعة المؤيد ربما لأن أصحابها كانوا وقتها دون الحلم، وهم:\n- أبو محمد عبد الله بن سعيد بن لباج الأموي، توفي سنة ٤٣٦ \"الصلة ترجمة رقم ٥٩٧\". =\n- أبو مروان عبد الملك بن أحمد الأصبغ القرشي، ولد سنة ٣٥٨ هـ، \"الصلة ترجمة رقم ٧٧٠\".\n- عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، توفي سنة ٤٣٢ هـ، \"ترتيب المدارك ٨/ ٢٦ - ٢٧. الصلة، ترجمة رقم ٥٩٢\".\n- أبو محمد مكي بن أبي طالب ولد سنة ٣٥٥ هـ. \"ترتيب المدارك ٨/ ١٣ الصلة ترجمة رقم ١٣٩٠\".\nولعل الكاتب الذي نقل عنه ابن حيان أراد بزيادة أسماء الشهود إثبات حجية بيعة الخليفة هشام المؤيد بكثرة عدد الشهود الموقعين على الوثيقة.","vol":"1","page":138},{"text":"ونظرًا للاضطراب الذي كانت الخلافة الأموية بالأندلس قد مرت به في الربع الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) والمسمى بعصر الفتنة من سنة ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) فإن مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة للخليفة قد اختفت تمامًا، حيث أصبح الأمر يقتصر على أن يقوم المبايعون بالصفق على يد الخليفة، إما في المسجد الجامع بقرطبة (^١)، أو في داخل قصر الخلافة (^٢)، وهناك من جرت بيعته على سطح القصر (^٣)، وآخر بويع بباب السدة من قصر قرطبة (^٤)، بل\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٩ - ٥٠.\n(^٢) - المصدر السابق، ق ١ م ١ ص ٥٤، الحلة السيراء، ٢/ ٧. البيان المغرب، ٣/ ٦٠، ٧٧، ١٢٢، ١٣٦. أعمال الأعلام ٢/ ١١٠ - ١١١، ١٣٦، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠١، ٢٠٤، ٢٠٨، ٢٠٩.\n(^٣) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥.\n(^٤) - البيان المغرب، ٣/ ١٢٢.","vol":"1","page":139},{"text":"إن هناك من كانت بيعته أولًا في الثغر ثم جددت بيعته عند دخوله قرطبة (^١).\nوبعد أن تتم مراسم البيعة الخاصة يتولى قاضي الجماعة (^٢) وصاحب المدينة وصاحب الشرطة العليا، وصاحب الشرطة الصغرى، وصاحب أحكام السوق (^٣) أخذ البيعة العامة من الناس في المسجد الجامع بقرطبة لعدة أيام، كما يتم إرسال نسخ من كتاب البيعة للعمال في الكور، والقادة في الثغور لأخذ البيعة على من قبلهم، حيث ترد بعد أيام كتب من كافة أقطار الأندلس تخبر بإنجازها (^٤)، كما أن وفودًا تحضر إلى القصر من تلك الكور والثغور يستقبلها الأمير أو الخليفة بمحضر من الوزراء وقاضي الجماعة ورجالات الدولة، حيث يتلقى مبايعة أعضاء هذه الوفود، وتسجل شهاداتهم بسجل خاص (^٥)، كما يتم إرسال وفد من قبل الأمير أو الخليفة لأخذ البيعة في بعض الكور (^٦).\n_________\n(^١) - انظر: جذوة المقتبس، ص ٢٨، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١١٠. البيان المغرب، ٣/ ٩١، ١٤٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٣٨. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠٣، ٢١٢.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٢٠.\n(^٣) - تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ١٨.\n(^٤) - تاريخ عبد الرحمن الناصر ص ١٨ - ١٩. البيان المغرب، ٢/ ١٥٨.\n(^٥) - المقري. أزهار الرياض، ٢/ ٢٨٨.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: أنطونية، ص ٥٠. تاريخ عبد الرحمن الناصر ص ١٩. البيان المغرب ٢/ ١٢١.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>رسوم الخلع من الخلافة:</span>\nوكما أن للبيعة بالإمارة أو الخلافة رسوم متبعة، فإن للخلع من ذلك المنصب رسومًا مشهودة، فالخليفة هشام المؤيد عندما قام ضده محمد بن هشام بن عبد الجبار الملقب بالمهدي طالب المؤيد بخلع نفسه عن منصب الخلافة، فاستجاب لطلبه، فدخل اثنان من كبار فقهاء قرطبة على الخليفة هشام المؤيد في مجلسه، وسمعا منه خلع نفسه، وأخذا منه البيعة للمهدي فأداها وهو يقرأ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (^١) فبشهادة هذين الفقيهين، خُلع المؤيد ونودي بالمهدي خليفة بدلًا منه، وذلك يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (^٢) (١٨ مارس (١٠٠٩) م).\nوعندما بدأت دولة المهدي للمرة الثانية ودخل قصر الخلافة بقرطبة في شهر شوال سنة أربعمائة (^٣) (يونيو (١٠١٠) م) بادر إلى إحضار الخليفة هشام المؤيد إلى مجلسه، وطالبه بخلع نفسه من الخلافة، فاستجاب لطلبه \"وكتب خلعه بيده (^٤) \".\nوعلى هذا فإننا نجد أن رسوم الخلع من الخلافة تقتضي حضور الشهود من قضاة وفقهاء ووزراء ونحوهم، وأن يكتب الخليفة المخلوع\n_________\n(^١) - من أية ٣٦ سورة آل عمران.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٦٠.\n(^٣) - المصدر السابق، ٣/ ٩٥.\n(^٤) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠١.","vol":"1","page":141},{"text":"كتابًا بيده، يعترف فيه بعجزه عن تدبير أمور الخلافة، ويُحل الرعية من البيعة التي له في أعناقهم (^١)، ويشهد الحضور على ذلك الكتاب، ثم يبايع الخليفة المخلوع للخليفة الجديد.\nإلا أن هذه الرسوم لم تُتبع عندما أجمع \"وزراء ومشيخة الرأي (^٢) \" في قرطبة على إنهاء الخلافة الأموية في عهد هشام المعتد بالله، فقد اكتفوا بإصدار قرارهم دون أن يأخذوا من الخليفة هشام المعتد بالله كتابًا يقر فيه بعجزه عن إدارة شؤون الخلافة، ويحل الأمة من بيعته، وذلك يوم الثلاثاء الثاني عشر من شهر ذي الحجة من سنة (٤٢٢) هـ (^٣) (٣٠ نوفمبر (١٠٣١) م).\nوهذه الحالة تكررت من قبل، فعندما اتفق أعيان قرطبة على خلع الخليفة المستكفي بالله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة (٤١٦) هـ (^٤) (٢٦ مايو ١٠٢٥) دخلوا عليه وقالوا له: \"قد علم الله اجتهادنا في تثبيتك، فاعتاص ذلك علينا، واضطررنا إلى مقارعة عدونا، وهانحن خارجون إليه ولا ندري ما يحدث عليك بعدنا، فإن تك لك الكرة\n_________\n(^١) - الذخيرة ق ٣ م ١، ص ٥٢٩.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ١٤٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٣٩.\n(^٣) - انظر: الذخيرة، ق ٣ م ١، ص ٥٢٩. البيان المغرب، ٣/ ١٥١. أعمال الأعلام ٢/ ١٣٩.\n(^٤) - البيان المغرب ٣/ ١٤١.","vol":"1","page":142},{"text":"فلا تيأس فمع اليوم غد، فأجمل الرد وانقاد للدنية (^١) \" ولم يؤخذ منه كتابًا يعترف فيه بالخلع ويحل الأمة من بيعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>ممارسة الأمير أو الخليفة للسلطان:</span>\nبدراسة المصادر الأندلسية، نلاحظ أنه كان إلى جانب صاحب السلطة السياسية في البلاد، هناك أصحاب البيوتات الأندلسية الموالية لبني أمية كانوا مشاورين وناصحين ومساعدين للأمير أو الخليفة في ممارسته للسلطان، إذ أنهم يتميزون بالخبرة الواسعة، وذلك لتوارثهم المناصب في كافة شئون الدولة.\nويبدأ الأمير أو الخليفة بممارسة سلطاته في الحكم، بمجرد تلقيه البيعة الخاصة، وتستمر هذه الصلاحيات طيلة توليه رئاسة الدولة، ويتخلل تلك الفترة إصداره قرارات عديدة، لإحكام سيطرته على أجهزة الدولة. ويمكن تقسيم تلك القرارات إلى مجموعات، منها: قرارات تتعلق بترسيخ سلطة الدولة، ومن الأمثلة على ذلك، أن الأمير عبد الرحمن الداخل بعد أن استولى على قصر الإمارة بقرطبة، بلغه أن هناك مخططًا لاغتياله، بعد هزيمته للوالي الأندلسي يوسف الفهري ووزيره الصميل (^٢)، ولذا عمد\n_________\n(^١) - الذخيرة ق ١ م ١، ص ٤٣٦.\n(^٢) - ورد في بعض المصادر التاريخية أن أبا الصباح زعيم اليمينة، عرض على قومه التخلص من الأمير عبد الرحمن الداخل ومواليه، وذلك بعد هزيمة الأخير للفهري والصميل في معركة المصارة سنة ١٣٨ هـ. انظر: ابن القوطية ص ٣٠. أخبار مجموعة ص ٩٠ - ٩١. نفح الطيب، ٣/ ٣٤.","vol":"1","page":143},{"text":"الأمير الأموي إلى تولية عبد الرحمن بن نعيم قيادة شرطته، واتخذ من مواليه حرسًا، وضم إليه موالي بني أمية في قرطبة (^١).\nومن القرارات التي يمكن إدراجها في هذا الإطار: التصدي للمناوئين والمعارضين للبيعة من أبناء الأسرة الأموية (^٢)، وبما أنه هو القائد الأعلى للجيش، فهو الذي يصدر القرار بخروج الجيش للغزو، سواء تولى هو القيادة أو أناب عنه أحد رجاله (^٣)، وهو الذي يعلن الحرب والسلم (^٤)، وباسمه ترد كتب الفتوح (^٥)، وهو الذي يصدر قرارات القضاء على حركات التمرد والعصيان (^٦)، وهدم بعض مواطن أصحابها (^٧)، وبناء القلاع وإحكام أسوارها وشحنها بالرجال والعتاد (^٨)، وإحكام السيطرة على بعض الكور التي دبت فيها الفتن حتى قبل تلقيه البيعة الخاصة (^٩).\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة ص ٩١.\n(^٢) - البيان المغرب ٢/ ٥٧، ٦٢، ٧٠، ١٥٠ - ١٥١، ١٨٠ - ١٨٢.\n(^٣) - استمر حكام بني أمية يقودون الجيوش حتى سنة ٣٢٧ وهي السنة التي جرت فيها غزوة الخندق وانهزم فيها الخليفة عبد الرحمن الناصر.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٠٧، ٣٠٨.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٢.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣ - ٤، ٧. البيان المغرب، ٢/ ٤٨ - ٥٨، ٦٤، ٦٩، ٧١، ٧٢، ٧٤، ٧٥، ٧٧، ٨٢، ٨٣، ٨٧ .... إلخ.\n(^٧) - المصدر السابق: ٢/ ٨٢، ٩٦، ١٠٠.\n(^٨) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٢. البيان المغرب، ٢/ ٩٤، ٩٥.\n(^٩) - المصدر السابق، ٢/ ١٢٠.","vol":"1","page":144},{"text":"وهناك قرارات تتعلق بإدارة الدولة مثل إقرار أصحاب المناصب على مناصبهم أو عزلهم عنها (^١)، وإسناد المناصب المهمة للأكفاء (^٢)، إنشاء الخطط الجديدة في الدولة (^٣)، وإنشاء بيت الوزراء وإلزامهم التجمع فيه (^٤)، ومناقشتهم في أمور البلاد (^٥)، ومراجعة حسابات الخزينة، (^٦) وتكريس الخطط في أبناء أسر معينة (^٧)، والإشراف على السياسة الخارجية للدولة، فباسمه تبرم المعاهدات الخاصة بالتحالفات التي تعقد مع الدول الأخرى (^٨)، وهو الذي يختار مبعوثيه لإجراء المفاوضات إذا استلزم الأمر (^٩)، كما أنه\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٢٥، ٨٨ - ٨٩، ١٠٦. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٢٨.\nالمقتبس، تحقيق: د. محمود مكي: ص ٤١، ١٣٥، ١٩٠.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٨٢، البيان المغرب، ١٥٨ - ١٥٩، ٢٢٠.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٩٩، المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥٢.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ١٧٢.\n(^٦) - نفسه، ١٣٦.\n(^٧) - نفسه، ١٤٣ - ١٤٤، ١٧٩.\n(^٨) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٤٦. أعمال الأعلام، ٢/ ٦٨. نفح الطيب، ١/ ٣٣٠ - ٣٣١. أندلسيات، ٢/ ٧٢.\n(^٩) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١٤٦ - ١٤٧. أعمال الأعلام، ٢/ ٦٨. نفح الطيب، ١/ ٣٤٦. غزوات العرب، ص ١٤٢. الإسلام في المغرب والأندلس، ص ٩٧ - ١٠١.","vol":"1","page":145},{"text":"يقوم بالجلوس لاستقبال الوفود الزائرة (^١)، وكذلك يتفقد المنشآت العمرانية (^٢)، ويمنح الألقاب (^٣)، ويهتم بالبريد (^٤).\nكما أن هناك قرارات تتعلق بالمرافق الدينية مثل: - توسيع جامع قرطبة، فقد حظي هذا الجامع باهتمام أمراء وخلفاء بني أمية، منذ أن أنشأه الأمير عبد الرحمن الداخل سنة (١٦٨) هـ (٧٨٥ م) حيث استمرت عملية الإضافة إليه طيلة عهدي الإمارة والخلافة وكانت آخر زيادة شهدها الجامع سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م) على يد الحاجب المنصور بن أبي عامر (^٥)، ولم يقتصر الأمر على الاهتمام بجامع قرطبة، فقد أُنشأت الجوامع في كافة كور الأندلس (^٦)، وتم إجراء الزيادة فيها (^٧)، وإعمار ما تهدم منها (^٨)، ولعل جامع العدبَّس بإشبيلية هو أشهر تلك الجوامع بعد جامع قرطبة (^٩)، وقد بلغ من اهتمام الأمير هشام الرضا: ١٧٢ - (١٨٠) هـ\n_________\n(^١) - المقتبس، طبعة شالميتا، ص ٤٢٣، ٤٥٩، ٤٦٩، ٤٨٥. أندلسيات، ٢/ ٦٣ - ١٠٦. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢١ - ٢٢، ٥٠ - ٥٢، ١٣٨، ١٤٦.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩٢.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٦٩.\n(^٤) - نفسه ١٣٦.\n(^٥) - انظر: قرطبة حاضرة الخلافة، ١/ ٢٦٩ - ٣٤٩ ومصادره.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٤٤. البيان المغرب، ٢/ ٨٢، نفح الطيب، ١/ ٣٤٧.\n(^٧) - البيان المغرب ٢/ ٩٦.\n(^٨) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٢٧.\n(^٩) - ينسب هذا الجامع لعمر بن عدبَّس قاضي إشبيلية الذي تولى الإشراف على بنائه سنة ٢١٤ هـ تنفيذًا لأمر الأمير عبد الرحمن الأوسط وقد كان هذا الجامع من أعظم مساجد الأندلس بعد جامع قرطبة، وقد أزال النصارى كل أثر لهذا الجامع وأقاموا مكانه كنيسة السلفادور. انظر: ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة، (تحقيق: عبد الهادي التازي، دار الأندلس، بيروت، ١٣٨٣ هـ (١٩٦٤ م) ص: ٤٧٠. التكملة: طبعة كوديرا، ترجمة رقم ١٩٠٨. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٤٢، ولكنه أشار إلى أن البناء تم سنة ٢٣٠ هـ. رحلة الأندلس، ص ١٣٩.","vol":"1","page":146},{"text":"(٧٨٨ - (٧٩٦) م) بالمساجد وترغيب الناس في ارتيادها أنه كان \"يصرِّر الصرر بالأموال في ليالي المطر والظلمة ويبعث بها إلى المساجد فيعطي من وجد فيها، يريد بذلك عمارة المساجد\" (^١).\nوهناك قرارات تدور حول الاهتمام بالرعية: منها إشاعة العدل في المجتمع، وذلك عندما ينصاع الأمير أو الخليفة لحكم القاضي وإن كان ضد رغبته (^٢)، وإرسال أناس عدول يطوفون الكور والثغور يسألون الناس عن سير عمالهم وقضاتهم فيهم (^٣)، وإقامة الحق علنا على من استوجبه منهم (^٤)، وكذلك إنشاء مرافق الخدمة العامة مثل: بنيان قنطرة قرطبة (^٥)، وقنطرة أخرى على نهر إستجه (^٦)، وبناء المدن (^٧)، وإذا استلزم الأمر إجراء\n_________\n(^١) - العقد الفريد، ٤/ ٤٩٠.\n(^٢) - انظر: قضاة قرطبة، ص ٢٣ - ٢٤، ٢٩، ٣٠، ٧٣. فرحة الأنفس، ص ٣٠٤، النباهي، المرقبة العليا (تحقيق: ليفي بروفنسال. بيروت، المكتب التجاري، د. ت) ص ٥٦ - ٧٠. وسأشير إليه فيمابعد باسم \"النباهي\". البيان المغرب ٢/ ٦٦.\n(^٣) - المصدر السابق ٢/ ٦٦.\n(^٤) - نفسه، ٢/ ٦٦.\n(^٥) - نفسه، ٢/ ٦٦، ٢٨٨.\n(^٦) - نفسه، ٢/ ٢٨٨. إستجه  Ecija  مدينة قديمة، تقع على وادي شنيل إلى الجنوب الغربي من قرطبة على بعد خمسين كيلو مترا، واسمها يعني جمعت الفوائد، وصف أهلها بأنهم أصحاب شغب وانحراف عن الطاعة سواء قبل الفتح الإسلامي أو بعده. انظر: الروض المعطار ص ٥٣، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي تعليق رقم ٣٧.\n(^٧) - البيان المغرب، ٢/ ٢١٤، ٢٣٦.","vol":"1","page":147},{"text":"توسعة لإحدى الشوارع أو الأسواق وترتب على ذلك نزع بعض الأملاك، من حوانيت أو دور، فإن الحكومة تدفع لأربابها ما يرضيهم (^١).\nوقد كان الفقراء والمحتاجون في قائمة اهتمامات أمراء وخلفاء بني أمية لذلك أنشئت دار للصدقة (^٢)، وعادة ما يتم الإكثار من الصدقات على الفقراء والمحتاجين أوقات القحط (^٣)، وعند دخول شهر رمضان (^٤)، وتكون هذه الأموال من المال الخاص بالأمير أو الخليفة، كما تم اتخاذ المؤدبين لتعليم أولاد الضعفاء وإنشاء بعض المكاتب التي يتعلمون بها (^٥)،\n_________\n(^١) - المصدر السابق ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(^٢) - تقع هذه الدار بغربي جامع قرطبة، ومنها يتم تفريق الصدقات على الفقراء. انظر: البيان المغرب، ٢/ ٢٤٠، وقد حفظ لنا ابن حيان صورة عن كيفية توزيع الصدقات على المحتاجين، فذكر أنه في أوائل شهر شوال سنة ٣٦٤ هـ جلس الخليفة الحكم المستنصر بالله بسطح باب السدة بقصر قرطبة، ومعه ولده هشام وقد تجمع أهل الحاجة عند الباب، ثم تقدم الفتيان الخدم الصقالبة، وبأيديهم أكياس المال المعد للصدقة، وأخذ كل فتى من الخدم يملأ يديه من الكيس ويدفعه لأهل الحاجة كل بحسب ما قدر له، والخليفة يرى كل مايجري. انظر: المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٩٣. البيان المغرب ٢/ ١٦٨.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧٦.\n(^٥) - البيان المغرب ٢/ ٢٤٠.","vol":"1","page":148},{"text":"وأقيمت الأحباس لأجل ذلك (^١)، ويجري في بعض الأحيان أداء الديون عن المعسرين بالإضافة إلى فداء الأسرى المسلمين (^٢).\nوهناك أعمال انفرد بها بعض من تولى رئاسة دولة بني أمية في الأندلس، ولعل ذلك يعود إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي واكبت توليه الرئاسة.\nفالأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) بادر فور توليه الإمارة إلى إخراج الأموال وتفريقها على من حضر معه مواراة جثمان والده، ثم أمر بإسقاط المكوس، وقتل القومس المشرف عليها، وتشريد أهل الفساد وهدم أوكارهم (^٣).\nكل هذه الأعمال قام بها الأمير عبد الرحمن الأوسط في محاولة جادة منه لفتح صفحة جديدة مع رعيته، وذلك لإزالة ما علق في نفوسهم بسبب ما جرى لهم في عهد والده (^٤).\nوأما الأمير محمد بن عبد الرحمن ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) فإنه بمجرد تلقيه البيعة الخاصة أصدر قراره بترقية وكيله محمد بن موسى\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٧.\n(^٢) - ذكر بلاد الأندلس: ١/ ١٧٠.\n(^٣) - المصدر السابق ١/ ١٣٩.\n(^٤) - سواء ما كان منها متصلًا بهيج الربض، أو إيقاعه بأهالي طليطلة وتسليطه للقومس على المسلمين، وما عُرف عنه أنه يقوم بضم الغلمان المشهورين بالجمال لخدمته بعد أن يأمر بخصيهم.","vol":"1","page":149},{"text":"الإشبيلي (^١)، وعبد الرؤوف بن عبد السلام (^٢) إلى منصب الوزارة (^٣)، مكافأة لهما على مناصرتهما له ليلة دخوله قصر الإمارة بقرطبة عقب وفاة والده الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٤).\nوبعد أن بويع المنذر بن محمد بالإمارة: ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - (٨٨٨) م) عمل على كسب ولاء الجند، ففرق فيهم العطاء، وتحبب إلى الناس فأسقط عشر السنة عنهم وما يلزمهم من خراج ومعونة كما أمر بإطلاق سراح أهل السجون (^٥).\nوالأمير المنذر اضطر إلى القيام بهذا التصرف، لأنه استلم دولة تعاني من اندلاع حركات التمرد والعصيان في كافة أرجائها، فإذا أراد\n_________\n(^١) - هو محمد بن موسى، من بيت والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي التحق بخدمة عيسى بن شهيد في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ثم تولى الخزانة وبعدها وكالة محمد بن الأمير عبد الرحمن، وكان هو السند الرئيسي - بعد الله تعالى - في وصول محمد للإمارة، ولذا فقد كافأه بالوزارة غداة توليه الحكم، فحاز المجد واعتلت في الناس منزلته. انظر: ابن القوطية، ص ٧٥ - ٧٦، ٨٠. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٩ - ١٤١.\n(^٢) - هو عبد الرؤوف بن عبد السلام بن إبراهيم بن يزيد، أحد كبار الموالي الأمويين بالأندلس، دخل أبوه الأندلس وخدم في دولة الأمير عبد الرحمن الداخل، في حين أن عبد الرؤوف تولى طليطلة ونواحيها للأمير عبد الرحمن الأوسط في آخر أيامه كما تولى الوزارة للأمير محمد بن عبد الرحمن وتوفي في أيامه وهو يلي الوزارة. انظر: ابن القوطية، ص ٨١ - ٨٢، المقتبس، تحقيق: د. محود مكي، تعليق: رقم ٩٣ ومصادره.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٨٢. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٨.\n(^٤) - ابن القوطية، ص ٨١ - ٨٢، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٣٩ - ١٤١.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ١٢٠. ذكر بلاد الأندلس: ١/ ١٥٠. وطبيعي أن هذا مقتصر على غير أهل الحدود والحقوق الخاصة.","vol":"1","page":150},{"text":"مواجهتها بقوة، فعليه كسب ولاء الجند ليضمن إخلاصهم، ويتحبب إلى أهل قرطبة فيأمن اضطرابهم عليه (^١).\nوعندما تولى عبد الله بن محمد الإمارة: ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) كان الانتقاض قد تحيَّف الدولة، ولذا فإن في أول قرار أصدره أن أرسل أحد رجاله ليأخذ له البيعة من عمر بن حفصون ومن حوله (^٢)، وأما الأمير عبد الرحمن بن محمد: ٣٠٠ - (٣٥٠) هـ (٩١٢ - (٩٦١) م) فإنه بمجرد أن تولى الإمارة، وجه اهتمامه لمعالجة الخلل الإداري في الدولة، فبادر إلى حصر جميع السلطات في يده، وأحدث تغييرات وزارية شاملة، فقد أصدر عدة مراسيم تقضي بتعيينات جديدة في خطط الحجابة والوزارة والمدينة والشرطة العليا والخزانة والعرض وخزانة السلاح وخطة البيازرة (^٣)، عله بذلك يتمكن من ضبط الإدارة العليا للدولة، فينجح\n_________\n(^١) - لكن هذا لا يمنع من أنه دال على عظم همته وقوة شكيمته، فإن أخاه الأمير عبد الله لم يكن بكفاءة سلفه رغم أنه استلم دولة عرفت هيبة المنذر وشجاعته فترة وجيزة، إلا أنه عجز أن يفعل مثله.\n(^٢) - المقتبس تحقيق: أنطونيه ص ٥٠.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٨ - ١٥٩، البيزره أو البزدرة: هي علم أحوال الجوارح، والكلمة فارسية، وعربت ببازيار أي صاحب الباز، وهو الذي يحمل الطيور الجوارح المعدة للصيد على يده. انظر: القلقشندي، صبح الأعشى، (القاهرة، المطبعة الأميرية، ١٣٣٧ هـ/١٩١٥ م) ٥/ ٤٦٩. أبو عبد الله الحسن بن الحسين، البيزرة، (تحقيق: محمد كرد علي، دمشق، مطبوعات مجمع اللغة العربية ١٤٠٩ هـ (١٩٨٨ م) ص ٤. وخطة البيازرة تعني الرؤساء الذين يتولون الإشراف على كل ماله علاقة بأمور الصيد.","vol":"1","page":151},{"text":"بالتالي في معالجة الوضع المتردي الذي كانت تعيشه الدولة ككل في عهد جده.\nوفي عصر الفتنة الممتد من سنة ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ - (١٠٢١) م) اختفت القرارات التي تهتم بشئون الرعية، فقد كان جل اهتمام الخلفاء في تلك الفترة ينحصر بمحاولة إحكام سيطرتهم على البلاد، فالخليفة المهدي ٣٩٩ - (٤٠٠) هـ (١٠٠٩ م) بعد أن استولى على قرطبة كانت أوائل أعماله أنه أجلس بكرسي الشرطة ابن عمه محمد بن المغيرة، واتخذ من ابن عمه الآخر عبد الجبار حاجبًا، ثم أجبر الخليفة هشام المؤيد على خلع نفسه والاعتراف به خليفة بدلًا عنه (^١).\nوأما الخليفة سليمان المستعين بالله الذي تولى الخلافة يوم الثلاثاء (١٧) ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (٩ نوفمبر (١٠٠٩) م) فإنه بعد أن استولى على قرطبة أصدر الكتب إلى كافة أقطار الأندلس تعلن خبر استيلائه عليها، وتميزت تلك الكتب بعبارات مشحونة بمعاني القوة، وصف فيها كيفية دخوله لها ومن معه من البربر وكان هدفه من انتقاء تلك العبارات إدخال الرهبة في قلوب أهل النواحي ليسمعوا ويطيعوا (^٢)، كما بادر إلى تعيين العمال وتفريقهم على أماكن أعمالهم وولى الولايات (^٣)، وعندما دخل علي بن حمود قصر قرطبة بادر إلى قتل سليمان المستعين وأخيه\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١١٠ - ١١١.\n(^٢) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٣٧.\n(^٣) - البيان المغرب، ٣/ ٩٢.","vol":"1","page":152},{"text":"وأبيهما (^١) ثم استقبل المبايعين في باب السدة من قصر قرطبة واتخذ لقب الناصر لدين الله (^٢) وذلك يوم الاثنين (٢٣) محرم (٤٠٧) هـ (يونيو (١٠١٦) م) وبعد قتل علي بن حمود بويع بالخلافة لأخيه القاسم يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (^٣) (٢٥ مارس (١٠١٨) م) فأصدر نداءًا أُعلن في أقطار البلد بأمان الأحمر والأسود وبراءة الذمة ممن تسوَّر على أحد (^٤).\nوأما الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٧ - ١٠٣١) فإنه عندما دخل قصر قرطبة جلس في مجلس الخلافة بالقصر واستقبل المهنئين، ثم جلس للمظالم، وأصدر قراره بزيادة عدد قراء جامع قرطبة، كما زاد في رزق مشيخة الشورى (^٥).\nومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، موقفه من المكائد التي تقع داخل القصر أو خارجه، سواء وصل إليه الخبر بواسطة عيونه المبثوثة، أو تمكن من الوقوف على الأمر بنفسه ومن الأمثلة على ذلك:\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٢. البيان المغرب، ٣/ ١١٧. أعمال الأعلام، ٢/ ١٢١. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠٤.\n(^٢) - الذخيرة، ق ١ م ١، ص ٩٧.\n(^٣) - البيان المغرب، ٣/ ١٢٤. أعمال الأعلام، ٢/ ١٣٠.\n(^٤) - البيان المغرب، ٣/ ١٣٠.\n(^٥) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥١٧.","vol":"1","page":153},{"text":"أنه عندما فشلت طروب (^١)، ومعها الفتى الكبير نصر الخصي (^٢) مدبر دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط في تقديم عبد الله بن الأمير عبد الرحمن الأوسط لتولي منصب ولاية العهد دون أخيه الأسن منه محمد (^٣)، عمل نصر الخصي على اغتيال مولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط بواسطة سم مركب أعده الطبيب يونس الحراني (^٤) الذي أخبر بدوره\n_________\n(^١) - طروب هي جارية الأمير عبد الرحمن الأوسط، والمقدمة لديه على جميع نسائه حاولت أن تحوز ولاية العهد لابنها عبد الله فلما أعيتها الحيلة لجأت إلى محاولة اغتيال مولاها، مستعينة بالفتى نصر الخصي. انظر: ابن القوطية، ص ٧٦ - ٧٧. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٨ - ١٥ الحلة السيراء ١/ ١١٤ حاشية رقم ١.\n(^٢) - هو أبو الفتح نصر بن أبي الشمول، أبوه من نصارى قرمونه  Carmona  ثم اعتنق الإسلام قبل أن يُقدم الأمير الحكم على المثلة بولده نصر، وقد ارتفعت منزلة نصر عند الأمير عبد الرحمن الأوسط لدرجة أنه أصبح يتصرف باسمه في شؤون الدولة ومازال في سؤدد حتى توفي سنة ٢٣٦ هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب ص ٩٥ - ٩٦. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٤٩.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٤) - ورد ذكر هذا الطبيب في عدة مصادر إلا أنها لم تذكر اسمه صراحة فقد اكتفى ابن جلجل بقوله \"الحراني الذي ورد من المشرق\" في حين قال صاعد \"رجل من أهالي حران كان يعرف بالأندلس بالحراني لم يبلغني اسمه\" وقال عنه ابن حيان \"طبيب الأمير المعروف بالحراني\" وأما بن أبي أصيبعه فقد قال \"الحراني الذي ورد من المشرق\" ولم يذكر اسمه صراحة إلا القفطي حين قال \"يونس الحراني الطبيب نزيل الأندلس … وولده أحمد وعمر\". انظر على التوالي: ابن جلجل، طبقات الأطباء والحكماء، (تحقيق: فؤاد سيد، بيروت، مؤسسة الرسالة ١٤٠٥ هـ) ص ٩٤. صاعد البغدادي، طبقات الأمم (تحقيق: حياة العبد بوعلوان، بيروت، دار الطليعة ط الأولى، ١٩٨٥ م) ص ١٨٦. القفطي، أخبار العلماء بأخبار الحكماء، (تصحيح: أمين الخانجي، القاهرة، مطبعة السعادة، ١٣٢٦ هـ.) ص ٢٥٨ - ٢٥٩. ابن أبي أصبعية، عيون الأنباء في طبقات الأطباء (شرح وتحقيق د. نزار رضا بيروت دار مكتبة الحياة د. ت) ص ٤٨٦.","vol":"1","page":154},{"text":"فجر (^١) جارية الأمير عبد الرحمن الأوسط وضرة طروب، فكانت النتيجة هلاك الخصي بالسم الذي أعده الطبيب الحراني (^٢).\nومن المكائد والسعايات التي جرت خارج القصر، ماوقع من بعض فقهاء قرطبة ضد بقي بن مخلد (^٣) في صدر دولة الأمير محمد بن عبد الرحمن، الذي ما إن رفعت القضية إليه حتى سارع إلى الجمع بين بقي وبين أولئك الفقهاء في مجلسه وسمع من الطرفين أقوالهما، وعندما أدرك أن الحق مع بقي منعهم من النيل منه، وأمره بنشر علمه وأن يكون ضمن الفقهاء الداخلين عليه (^٤).\nوعندما حاول الوزير هاشم بن عبد العزيز الإيقاع من خلال السعايات والدسائس بأحد خدم الأمير محمد بن عبد الرحمن، بل إن\n_________\n(^١) - عن فجر. انظر المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٥٤ ومصادره.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، ص ٩ - ١١.\n(^٣) - هو أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد بن يزيد، أندلسي قرطبي ولد سنة ٢٠١ هـ حافظ مفسر محقق، وكان إمامًا مجتهدًا، ورعًا فاضلًا، زاهدًا رحل إلى المشرق وطلب العلم وألح فيه، حتى قال عنه ابن أبي خيثمة: \"ما كنا نسمية إلا المكنسه، ولذا فعندما عاد إلى الأندلس ملأها علمًا جمًا\". ترك عدة مؤلفات، ودفن بمقبرة بني العباس. انظر: أخبار الفقهاء والمحدثين، ص ٤٩ - ٦٢ ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٨٣. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٤٨ - ٢٥٠ وتعليق رقم ٤١١ والمصادر المذكورة. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٣٣١.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٤٧ - ٢٤٩. البيان المغرب ٢/ ١٠٩ - ١١٠.","vol":"1","page":155},{"text":"الأخير عندما استشار وزيره هاشمًا بأمر ذلك الخادم طالبه بالتنكيل به وتشريده، فما كان من الأمير إلا أن أطلع وزيره على ضبارة كتب تحوي ما يقرب من مائة ورقة كلها ضد الوزير وكل واحد منها تكفي لسفك دمه، فأسقط في يد الوزير، وأخذ بالتنصل مما كتب ضده وقدم المعاذير ملقيًا باللائمة على الحساد وطالب الأمير بالتثبت وعدم التسرع، فأخبره الأمير أن التسرع ليس من شيمته، وأنه قد اختبر تلك الكتب فوجد أكثرها كاذبة، ورغم ذلك فلهم مكافآت على ما يقدمونه من معلومات (^١) ثم طالبه الأمير ببقاء أسماء أصحاب تلك الكتب سرية وتهدده بعقوبة شديدة إن خرج من تلك الأسماء شيء (^٢).\nومن المكائد التي فطن لها الأمير محمد بن عبد الرحمن ما قام به وزيره هاشم بن عبد العزيز عندما عمل على رد أموال الكاتب صاحب القلم الأعلى قومس بن أنتنيان (^٣) إلى بيت مال المسلمين، وعدم تقسيمها بين ورثته، متهمًا إياه بأنه قد مات على النصرانية، وقد وردت على القاضي\n_________\n(^١) - لأنه إن قطع الأمير مكافأة أحد أولئك المخبرين بسبب كذبه، تردد الباقون في رفع الأخبار إليه. انظر: أخبار مجموعة، ص ١٤٣.\n(^٢) - أخبار مجموعة، ص ١٤٢ - ١٤٤.\n(^٣) - قومس بن أنتنيان ينتمي لأسرة نصرانية، احتفظ بديانته مدة، ثم أسلم، وتولى الكتابة للأمير محمد بن عبد الرحمن سنة ٢٤٦ هـ، وتوفي بعد ذلك بمدة وجيزة. انظر: المقتبس، تحقيق: محمود مكي ص ١٤٢.","vol":"1","page":156},{"text":"سليمان بن أسود (^١) شهادات كثيرة كلها تذكر أن قومس قد مات على النصرانية وعندما رفع القاضي تلك الشهادات للأمير محمد، لم يتصفحها بل أرسل أحد فتيانه إلى القاضي ليسأله عما ثبت لديه في قضية ابن انتنيان، فأثنى القاضي على قومس وطعن في الشهادات المرفوعة ضده (^٢)، \" فخرج التوقيع إلى القاضي اقسم مال قومس بين ورثته\" (^٣).\nهذا وقد اهتم بنو أمية في الأندلس كثيرًا بالتعرف على أحوال رعاياهم ووصول الأخبار إليهم أولًا بأول، بواسطة العيون والأرصاد، لوضع الحلول سرعة وصول خبر وفاة القاضي المصعب بن عمران (^٤) للأمير الحكم\n_________\n(^١) - هو سليمان بن أسود بن يعيش بن جشيب من مدينة غافق كان واليًا على كورة ماردة، ثم ولي قضاء الجماعة مرتين في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وأربعين يومًا في بداية عهد الأمير المنذر بن محمد. انظر: قضاة قرطبة، ص ٧٣ - ٨٩.\n(^٢) - قضاة قرطبة ص ٧٥ - ٧٧.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٧٧. وقد ذكر الخشني أن الفقيه محمد بن يوسف بن مطروح كان إذا قعد في الجامع قال على رؤوس الناس: \"من مثل قومس السجاد العباد حمامة هذا المسجد يقال فيه مات على النصرانية، ثم ترجَّع \"كما أن الخشني ذكر أيضًا بأن الناس كانوا يتعجبون ممن شهد على قومس بالنصرانية، انظر: قضاة قرطبة، ص ٧٦. الأمر الذي يدل على أن الشهادات التي كانت مرفوعة ضد قومس قد سبق وأن دفعت أثمانها.\n(^٤) - أبو محمد المصعب بن عمران بن شفي الهمداني، عربي شامي، كان خيرًا فاضلًا رفض أن يلي القضاء للأمير الداخل، ثم قبله في عهد أبنه هشام الرضا، وأقره على القضاء الحكم الربضي، كان عادلًا فقيهًا لا يقلد مذهبًا بل يقضي بما يراه صوابًا. انظر: قضاة قرطبة، ص ٢٤ - ٢٨، ابن الفرضي: ترجمة رقم ١٤٣٢.","vol":"1","page":157},{"text":"الربضي (^١)، وكذلك موقف الأمير الحكم الربضي من القاضي محمد بن بشير (^٢) عندما رفض استقبال العباس بن عبد الله المرواني القرشي (^٣) في منزله (^٤). وهذا الأمير محمد بن عبد الرحمن كان من بين عيونه الذين يكتمون السر ويثق بهم شرحبيل الزامر الذي بسببه اعترف الوزير هاشم بن عبد العزيز باغتصابه لضيعة أحدهم (^٥).\nوأما الخليفة عبد الرحمن الناصر فإنه من شدة اهتمامه بشؤون دولته ومصالح رعيته كان له من يأتيه بخبر كل صغيرة وكبيرة مما يجري في مواطن اجتماع الناس، فقد جند أناس كثر، حازوا ثقة الآخرين وهم ينقلون إليه ما يدور في المجالس والأسواق، فكأن الخليفة بينهم (^٦)، وهذا\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ٧٨.\n(^٢) - أبو عبد الله محمد بن سعيد بن بشير المعافري، أصله من جند باجه كان في حداثته كاتبًا للقاضي المصعب بن عمران، ثم رحل إلى المشرق، فسمع من الإمام مالك، ولما عاد إلى الأندلس، لزم ضيعته بباجه، إلى أن استدعي للقضاء بقرطبة، وصف بالعدل والفضل، وكان حسن الزي جميل الخلق، وقد ظل في القضاء حتى توفي سنة ١٩٨ هـ. انظر: ترتيب المدارك، ٣، ٣٢٧ - ٣٣٩. ابن الأبار، التكملة، طبعة الحسيني، ترجمة رقم ٩٥٤. النباهي ص ٤٧ - ٥٣.\n(^٣) - العباس بن عبد الله بن عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم كان واليًا على باجه للأمير هشام الرضا، ثم تولى الوزارة والقيادة للأمير الحكم الربضي، وظل على مرتبته هذه في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى توفي سنة ٢١٩ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٨، ٧٩. والتعليق رقم ٩١.\n(^٤) - أخبار مجموعة، ص ١٢٨. نفح الطيب، ٢/ ١٤٥.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٤٩ - ١٥١.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":158},{"text":"الخليفة الحكم أوصلت له عيونه خبر تجاوزات جرت من بعض العمال، فأرسل إلى جميع عماله في كور الأندلس \"يعنفهم على جرأتهم ويحذرهم من سطوته وعقوبته\" (^١).\nوأما الحركات التي كانت تدبر ضد الحكم الأموي، فقد قابلها أمراء وخلفاء بني أمية بالحزم والشدة. من ذلك أن مغيرة بن الوليد بن معاوية (^٢)، عمل على تدبير حركة ضد الأمير عبد الرحمن الداخل، وساعده على ذلك هذيل بن الصميل بن حاتم وغيره، وعندما وصل الخبر إلى الأمير عبد الرحمن الداخل أمر بإلقاء القبض على مغيرة وهذيل ومن معهما، وبعد أن أوضح التحقيق صحة ما نُسب إليهم، قتلوا جميعًا، وذلك سنة ١٦٨ هـ (٧٨٤ - ٧٨٥ م) (^٣).\nوأما الأمير الحكم الربضي فإنه عندما أبلغه أحدهم بأن حركة ستهب ضده في قرطبة لم يتسرع بقبول الخبر، بل اتهم المخبر فيما رفعه إليه، ثم توعده بضرب عنقه إن لم يقم دليلًا قاطعًا على ذلك (^٤)، وتكررت حكمة التريث في قبول ما يخطط له من عصيان مع الأمير عبد الله بن محمد\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ٢٣٩.\n(^٢) - مغيرة بن الوليد بن معاوية، عمه الأمير عبد الرحمن الداخل، وقد دخل الوليد بن معاوية الأندلس في عهد أخيه، الذي نفاه عن الأندلس بعد قتله لابنه مغيرة، ولمغيرة ثلاثة أولاد أخوه يعرفون بالمغيريين، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٩٣ - ٩٤.\n(^٣) - أخبار مجموعة ص ١١٦، البيان المغرب ٢/ ٥٧.\n(^٤) - ابن القوطية ص ٥٠ - ٥١. سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"1","page":159},{"text":"في شان أخيه القاسم (^١)، وكذلك مع الخليفة عبد الرحمن الناصر في شأن ولده عبد الله (^٢).\nومن أساليب ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، تعامله مع بعض المناوئين، فقد وضع الأمير عبد الرحمن الداخل سياسة ذات أبعاد في التعامل مع من يشك في إخلاصه من رجال الدولة. وكانت هذه السياسة نبراسًا لمن أتى بعده من سلالته أمراء وخلفاء، كانت هذه السياسة تقوم على إخضاع ذوي الشوكة ثم نقلهم ومعهم أهلهم وذووهم إلى العاصمة قرطبة، وقد بدأ الأمير عبد الرحمن الداخل العمل بهذه السياسة منذ الأيام الأولى لإمارته، فبعد أن صالحه يوسف الفهري والصميل على أن يمنحهما ومن سواهما الأمان لهم ولأموالهم، واستجاب الداخل لطلبهما\n_________\n(^١) - أبو محمد القاسم بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، من أدباء بني مروان ونبهائهم، كان جبارًا تياهًا، قام بحركة ضد أخيه الأمير عبد الله فحبسه، ومات في الحبس، وقد اختلف في سبب موته. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٠٠ - ٢٠٤. المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ٤١. الحلة السيراء، ١/ ١٢٧ - ١٢٨، البيان المعرب ٢/ ١٥٠ - ١٥١.\n(^٢) - كان عبد الله بن عبد الرحمن الناصر من نجباء ألاد الخلفاء، شاعرًا فقيهًا، على مذهب الشافعي، محبًا للعلم والعلماء، وقد حدث عن بعضهم، له توليف تدل على علمه وفهمه، سعى ضده أخوه الحكم المستنصر بأنه يريد القيام ضد أبيه، فكان ذلك سبب قتله في آخر سنة ٣٣٨ هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ١٠٢. الحلة السيراء، ١/ ٢٠٦ - ٢٠٨، البيان المغرب، ٢/ ٢١٧. أعمال الأعلام، ٢/ ٣٩.","vol":"1","page":160},{"text":"بعد أن قبلا بشروطه عليهما، أقبل إلى قرطبة وهما بصحبته وذلك سنة (١٣٩) هـ (^١) (٧٥٧).\nولعل الغرض من هذه السياسة، تسهيل مراقبة من يخشى جانبه، واتقاء شره عندما ينقل إلى قرطبة، وذلك للحيلولة دون اندلاع الفتن في المجتمع، ولكي تصبح الرعية أمة واحدة ومطمئنة (^٢).\nوهناك هدف آخر تحرص حكومة قرطبة على تحقيقه، وهو عسى أن تكتشف تلك الفئات المنقولة إلى قرطبة مدى حرص الأمويين على حسن سير السياسة العامة للدولة، فتكف من تلقاء نفسها عن معاداتها، بالإضافة إلى أن تلك الفئات تصبح قريبة من العطاء المقدم من ديوان بيت المال الذي يهدف منه تأليف القلوب. كما أن حكومة قرطبة تسعى إلى إشعار أولئك المنقولين إلى العاصمة بمكانتهم، ولذا فإنهم يكونون في مقدمة المدعوين إلى الاحتفالات التي تقيمها السلطة المركزية، ولذلك يشعرون بإكرام الدولة لهم، هذا الوضع بصفة عامة يمكنِّ أولاد المنقولين إلى قرطبة من التقرب من أولاد الأمويين، فيذوب ما في نفوس أولئك\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة ص ٩٣ - ٩٤ إلا أنه جعل الصلح في سنة ١٤٠. البيان المغرب ٢/ ٤٨. نفح الطيب ٣/ ٣٤. وللاستزادة عن موضع نقل ذوي الشوكة إلى قرطبة. انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٨٠، ١٩٠، ٢١٧، ٢١٩، ٢٢٠، ٢٣٩، ٢٤١، ٢٤٨، ٢٧١، ٢٨٣. البيان المغرب، ٢/ ٧٢، ١٠٠، ١٦١، ١٨٣، ١٩٧، ٢٠٠.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢١٨.","vol":"1","page":161},{"text":"المناوئين، وبالتالي يصبح ذلك المناوئ سابقًا من بين ثقات الأمير (^١) وحشم الخليفة (^٢).\nومما رسمه الأمير عبد الرحمن الداخل لأحفاده من بعده في التعامل مع المعارضين للبيت الأموي، فرض الإقامة الجبرية على بعضهم أيًا كان محل إقامته دون نقله إلى قرطبة، فالأمير الداخل ألزم مولاه بدرًا (^٣) الإقامة في داره ومنعه من مغادرتها بعد أن أكثر من الدلال عليه (^٤)، وكذلك الخليفة الحكم المستنصر فرض على أحمد بن هاشم الإقامة الجبرية في داره تأديبًا له عندما بلغه عنه ما يسؤوه (^٥).\nومن الأساليب التي سار عليها بنو أمية في الأندلس عند التعامل مع بعض المعارضين الخارجين على الدولة، استخدام الإيقاع بين الأطراف المعارضة، وهذا ما سار عليه الأمير عبد الرحمن الداخل عند مواجهته\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٨٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤٨.\n(^٣) - بدر هو الساعد الأيمن لمولاه الأمير عبد الرحمن الداخل، فهو رفيق دربه في هربه من المشرق إلى الأندلس، كما أنه كان أحد الأركان التي قامت عليها الدولة الأموية في الأندلس، ونظرًا لشعوره بإهمال مولاه له، أخذ يكثر من الكتابة إليه، طمعًا في الحصول على منصبٍ عالٍ في الدولة، مدلًا عليه بما بذله لأجله، ناسيًا أن الملوك لا يمن أحد عليهم بشيء أيا كان، ولذا فقد أصدر أمره بإلزام مولاه بدرًا الإقامة في داره، بعد أن استصفى أمواله، ولما كتب إليه بدر مرة أخرى أمر بطرده من قرطبة وإسكانه أقصى الثغر. انظر في أخبار بدر. ابن القوطية، ص ٢١، ٢٢، ٢٣. أخبار مجموعة، ص ٥٤، ٦٧، ٧٠، ٧٤، ٧٥ … وغيرها، نفح الطيب ٣/ ٢٧ - ٣١، ٣٩ - ٤١.\n(^٤) - نفح الطيب، ٣/ ٤٠.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١٠٤.","vol":"1","page":162},{"text":"للبربر (^١)، وأخذ بهذا الأسلوب أيضًا الأمير عبد الله بن محمد ضد إبراهيم بن حجاج وابن خلدون (^٢)، وهناك عنصر المفاجأة، وهو ما استخدمه الأمير الحكم الربضي مع أحد العصاة (^٣)، وفي أحيان أخرى يعمد الأمير الأموي إلى إقطاع المعارض مكانًا معينًا اتقاءًا لشره، ولنيل طاعته، ومثل ذلك ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن مع ابن مروان عندما أقطعه بطليوس (^٤)، وكذلك الأمير عبد الله بن محمد مع إبراهيم بن حجاج عند تغلبه على اشبيلية (^٥).\nوعرفت حكومة قرطبة أسلوب الاغتيال، نجد ذلك عند الأمير عبد الله بن محمد الذي كتب سرًا إلى أبي يحيى بن عبد الرحمن التجيبي\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٥١، ٥٤ - ٥٥.\n(^٢) - المصدر السابق: ٢/ ١٢٥. ويعد بيتا بني الحجاج وبني خلدون من أنبه البيوتات العربية في كورة إشبيلية وقد كانت الزعامة لهما في تلك الكورة، في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وينتسب بني حجاج إلى قبيلة لخم القحطانية، كما أنهم يتصلون بملوك القوط من ناحية الأمومة. في حين أن بني خلدون يعودون في أصلهم إلى عرب حضرموت. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٤٦٠. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧. د. عبد الواحد طه، الفتح والاستقرار العربي الإسلامي في شمال أفريقيا والأندلس، ص ٢٥٢، ٢٥٥. أبا الخيل، الأندلس في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري، ص ٢٢٨ - ٢٥٩ ومصادره.\n(^٣) - أخبار مجموعة ص ١٢٩ - ١٣٠.\n(^٤) - ابن القوطية ص ٨٩ - ٩٠ وعن بطليوس وحركة بن مروان الجليقي بها، واقطاعها له. انظر: د. سحر السيد سالم، تاريخ بطليوس الإسلامية وغرب الأندلس في العصر الإسلامي (الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، د. ت) ١/ ٢٤٥ - ٢٨٦ والمصادر المذكورة.\n(^٥) - البيان المغرب ٢/ ١٣٥.","vol":"1","page":163},{"text":"السرقسطي يأمره بالفتك بأحمد بن البراء (^١)، كما استخدم طريق الاستمالة والمهادنة مع سوار بن حمدون المحاربي (^٢)، وهذه السياسة سار عليها الخليفة عبد الرحمن الناصر مع محمد بن إبراهيم بن حجاج فقد رفعه إلى منصب الوزارة بعد نقله من قرمونة (^٣) إلى قرطبة (^٤).\nومن هذا يتضح لنا المنهج الذي سار عليه الأمويون في الأندلس عند معالجة الأحداث الطارئة، فرغم استخدامهم العيون التي ترفع إليهم كل\n_________\n(^١) - كان الأمير المنذر بن محمد قد ولى أحمد بن البراء من مالك القرشي سرقسطه وثغرها، وكلفه محاربة بني قسي، وقد أقره الأمير عبد الله بن محمد على ولايته، إلا أن كلمة نقلت عن الوزير البراء بن مالك جعلت الأمير عبد الله يخشى أطماع أحمد بن البراء، فكلف محمد بن عبد الرحمن التجيبي المعروف بالأنقر القيام باغتيال البراء، فنجح التجيبي في هذا الأمر، وذلك يوم الأربعاء ١٨ من شهر رمضان سنة ٢٧٦ هـ ونال ولاية سرقسطة مكافأة له. انظر: ابن القوطية، ص ١١٣ - ١١٤. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٨٥ - ٨٦.\n(^٢) - سوار بن حمدون القيسي المحاربي، زعيم عربي، قاد حركته سنة ٢٧٦ هـ بناحية البراجلة في كورة إلبيرة، وانضوت إليه بيوتات العرب، في الفتنة التي جرت بينهم وبين المولدين وكان سوار معروفًا بالشجاعة والجرأة وحسن المعاملة، قتل غدرًا على يد بعض أتباع ابن حفصون سنة ٢٧٧ هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٢٦٠. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٥٤ - ٦١. الحلة السيراء، ١/ ١٤٧ - ١٥٤.\n(^٣) - قرمونة  Carmona  مدينة قديمة البناء تقع إلى الشمال الشرقي من إشبيلية، وتبعد عنها مسافة ٣٢ كيلو مترًا فقط، وكانت في التقسيم الإداري للأندلس كورة واسعة، تضم مدنًا وحصونًا كثيرة، وقد خرجت من أيدي المسلمين سنة ٦٤٤ هـ. انظر: وصف الأندلس، ص ٩٤. الروض المعطار، ص ٤٦١. الآثار الأندلسية الباقية، ص ٧١ - ٧٤.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٧٠ وما بعدها. أعمال الأعلام، ٢/ ٣٥.","vol":"1","page":164},{"text":"ما يجري في المجتمع، إلا أنهم امتازوا بعدم التسرع، فكل خبر يرفع إليهم يعملون على كشفه والتأكد منه، فإذا ثبتت صحته عالجوا ما يمكن معالجته بالصفح والمصالحة أو التأديب الذي لايتلف الروح، هذا إذا كان الأمر لايتعلق بالتآمر على السلطة وأمن الرعية، أما إذا وصل الحال إلى هذه الدرجة، فالموت مصير من يعبث بهذا الجانب.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>الألقاب</span>\nمن مظاهر سلطان حاكم الدولة الأموية في الأندلس اتخاذ الألقاب ومنحها (^١)، وبما أن دولة بني أمية في الأندلس قد مرت بعصري الإمارة والخلافة، لذا فإن الألقاب ارتبطت بالحالة السياسية للدولة.\nففي عصر الإمارة نجد أن الأمير عبد الرحمن بن معاوية قد أُطلقت عليه عدة ألقاب، أشهرها: الداخل (^٢)، لأنه أول من دخل الأندلس حاكمًا\n_________\n(^١) - كان الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس يمنح الألقاب لكبار موظفيه في الحجابة والوزارة والقضاء والجيش … إلخ. وسوف نتكلم عن رسوم منح الألقاب كل في مجاله.\n(^٢) - انظر: نقط العروس، ص ٦٠، المعجب، ص ٤٠، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٨ سير أعلام النبلاء، ٨/ ٢٤٤، نفح الطيب ٣/ ٢٧، صبح الأعشى ٥/ ٤٧٨، ويبدو أن هذا اللقب لم يختص به الأمير عبد الرحمن بن معاوية لوحده، فقد كان يطلق على كثير ممن وفد إلى الأندلس من المشرق، فمثلًا: عبد الجبار بن نذير دخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر فأطلق عليه لقب الداخل فأصبح يعرف بعبد الجبار الداخل. انظر: العذري، نصوص عن الأندلس، ص ١٥. وهناك أحد الأدباء كان جده يعرف بالداخل وهو عبيد الله بن قرلمان بن بدر الداخل. انظر: ابن القوطية ص ٥٩، كما أن الفقيه المشاور عبد الله بن إسماعيل بن محمد بن خزرج اللخمي، كان يطلق عليه وعلى أبيه وجده لقب الداخل. انظر: الصلة، تراجم رقم ٢٥، ٢٣٧، ١١١٤. وعلى هذا الأساس فإن لقب الداخل يمكن أن يطلق غالبًا على كل من دخل الأندلس قادمًا من المشرق وأسس أسرة مستقرة فيها.","vol":"1","page":165},{"text":"من بني أمية، كما لقب بـ\" الإمام\" (^١) و\"ابن الخلائف\" (^٢) ونودي بـ\"سلطان الأندلس\" (^٣) و\"الأول\" (^٤) لأنه أول من حمل اسم عبد الرحمن من حكام بني أمية في الأندلس.\nومن الألقاب التي أطلقت على الأمير عبد الرحمن بن معاوية \"صقر قريش\" (^٥)، و\"صقر بني أمية\" (^٦)، ولُقِّب بـ\"الأمير الكريم والملك العظيم\" (^٧).\nكما عرف ابنه الأمير هشام بـ\"الرضا\" وقد ذكر ابن حزم أنه لم يتلقب من بني أمية في الأندلس بهذا اللقب إلا هشام بن عبد الرحمن الداخل، فقد كان يقال له: هشام الرضا (^٨)، وذكر ابن الآبار أن هشامًا\n_________\n(^١) - نصوص عن الأندلس، ص ١١، ٢٥، ٢٦، ابن الفرضي، ١/ ١١، البيان المغرب، ٢/ ٥٤، ٥٦، ٥٧، ٥٨. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٠٩، ١١٨.\n(^٢) - أبو بكر الهمداني، مختصر كتاب البلدان (بعناية دو غوية أبريل ١٨٨٥ م) ص ٨٣.\n(^٣) - نصوص عن الأندلس، ص ١١ - ١٢، ٢٦، ٢٧، المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٤٣، ٢/ ١٢٣، ١٤٦. صبح الأعشى، ٥/ ٤٧٨.\n(^٤) - المعجب، ص ٤٨، نفح الطيب، ١٣٤٧. ولاشك أن هذه التسمية لا يمكن إطلاقها إلا في وقت متأخر من تاريخ بني أمية في الأندلس.\n(^٥) - العقد الفريد، ٤/ ٤٨٨. أخبار مجموعة، ص ١١٨ - ١١٩، الحلة السيراء، ١/ ٣٥. البيان المغرب، ٢/ ٥٩ - ٦٠.\n(^٦) - الإحاطة، ٣/ ٤٦٧.\n(^٧) - سير أعلام النبلاء، ٨/ ٢٥٠.\n(^٨) - نقط العروس، ص ٥٠.","vol":"1","page":166},{"text":"سمي بـ\"الرضا لعدله وفضله (^١) \" ويبدو أن هذا اللقب قد أطلق عليه في فترة لاحقة، إذ أن المصادر المتقدمة لم تورده إطلاقًا (^٢).\nوكان الأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل معروفًا بلقب \"الربضي (^٣) \" وهذا اللقب لم يطلق عليه إلا في أواخر عهده وذلك بسبب ما فعله بأهل الربض عند قيامهم ضده في يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر رمضان سنة (٢٠٢) هـ (^٤) (٢٦ مارس (٨١٨) م).\nولم يُعرف الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بلقب معين، والمصادر التاريخية المبكرة خلت من ذكر لما يمكن أن يكون لقبًا له، إلا أن المصادر التاريخية التالية أطلقت عليه لقب \"الأوسط\" ومن الطبيعي أن هذا اللقب لا يمكن أن يتم إطلاقه إلا بعد القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أي بعد زوال دولة بني أمية. ولعل هذا الرأي يوضحه بعض المؤرخين أثناء حديثه عن الأمير عبد الرحمن حيث قال: \"ويعرف الأمير\n_________\n(^١) - الحلة السيراء، ١/ ٤٢. وانظر: البيان المغرب ٢/ ٦١، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٨، أعمال الأعلام ٢/ ١٢.\n(^٢) - العقد الفريد، ٤/ ٤٩٠ ابن القوطية، ص ٤٢ - ٤٤، ابن الفرضي، ١/ ١٢. أخبار مجموعة. ص ١٢٠ - ١٢٤.\n(^٣) - نقط العروس، ص ٥٠، ٧٣. جذوة المقتبس، ص ١٠. المعجب، ص ٤٤. الحلة السيراء، ١/ ٤٢. المغرب في حلى المغرب، ١/ ٣٨. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٤.\n(^٤) - جذوة المقتبس، ص ١٠. الحلة السيراء، ١/ ٤٤. وانظر: أخبار مجموعة، ص ١٣٠ - ١٣١، الكامل في التاريخ، ٥/ ٤١٣ - ٤١٤. البيان المغرب ٢/ ٧٥ - ٧٧.","vol":"1","page":167},{"text":"عبد الرحمن بالأوسط، لأن الأول عبد الرحمن الداخل والثالث عبد الرحمن الناصر (^١) \".\nلكن إذا كان الأمير عبد الرحمن بن الحكم لم يُعرف بلقب على المستوى الرسمي فإن العامة أطلقت عليه لقبًا استوحته من كلفه بصيد الغرانيق فقد أطلقوا مثلًا أصبح شائعًا فقالوا: \"أيام أبو الغرانيق\" (^٢).\nوقد عُرف الأمير محمد بن عبد الرحمن بلقب \"الأمين\" (^٣) في حين أن ابنيه المنذر وعبد الله لم يعُرفا بلقب معين.\nهذه هي ألقاب بني أمية في الأندلس فمنذ قيام دولتهم سنة (١٣٨) هـ (٧٥٥ م) إلى سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) كان كل حاكم منهم يطلق عليه لقب \"أمير\" الذي يعني في اللغة الأمر والتسلط (^٤)، كما كان يطلق عليه لقب \"الإمام\" (^٥) الذي يعني القدوة (^٦).\n_________\n(^١) - انظر: المعجب، ص ٤٨. الحلة السيراء، ١/ ١١٣. نفح الطيب، ١/ ٣٤٧.\n(^٢) - انظر: الزجالي، \"ري الأوام ومرعى السوام في نكت الخواص والعوام\" (دراسة: د. محمد بن شريقة. نشر تحت عنوان: أمثال العوام في الأندلس. المغرب فاس مطبعة محمد الخامس ١٣٩٥ هـ، ١٩٧٥ م) ٢/ ٧٦.\n(^٣) - نهاية الأرب، ٢٣/ ٣٨٧.\n(^٤) - د. حسن الباشا، الألقاب الإسلامية، (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية ١٩٥٧ م). ص ١٧٩.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٢٤. البيان المغرب، ٢، ٥٤، ٦٣، ٦٤، ٦٥، ٦٩، ٧١، ٨٥، ١١٤، ١١٥، ١٤٠، ١٤٢، ١٤٣. ذكر بلاد الأندلس: ١/ ١١٨، ١٢٤، ١٣٧، ١٤٦، ١٤٩، ١٥٣.\n(^٦) - الألقاب الإسلامية، ص ١٦٦.","vol":"1","page":168},{"text":"وقد شهد عصر عبد الرحمن بن محمد ٣٠٠ - (٣٥٠) هـ (٩٦١ - (٩٧٦) م) تغيرًا جذريًا في سياسة الدولة الأموية، حيث تم في عهده إعلان قيام الخلافة الأموية في الأندلس، ففي يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة (٣١٦) هـ (١٥ يناير (٩٢٩) م) أصدر الأمير عبد الرحمن بن محمد كتابًا وزعت نسخه على عمال الكور وقادة الثغور في الأندلس ليعتمد الجميع مخاطبته بأمير المؤمنين، جاء فيه: -\n\"بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإنَّا أحقُ من استوفى حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ألبسه، للذي فضلنا الله به وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسَّر على أيدينا إدراكه، وسهَّل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا وعلوّ أمرنا، وأعلن من رجاء العاملين بنا، وأعاد انحرافهم إلينا، واستبشارهم بدولتنا، والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل علينا فيه، وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين وخروج الكتب عنا، وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا اللقب غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحقه، وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه، فأمر الخطيب بموضعك أن يقول به، وأجر مخاطباتك لنا عليه، إن شاء الله والله المستعان\" (^١).\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، وانظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤١، أعمال الأعلام، ٢/ ٣٠. مؤلف مجهول، تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ٥٦ - ٥٧.","vol":"1","page":169},{"text":"وفي يوم الجمعة ثاني ذي الحجة دعا قاضي الجماعة بقرطبة الفقيه أحمد بن بقي بن مخلد (^١) لعبد الرحمن بن محمد بإمرة المؤمنين (^٢)، ولأجل إظهار الفرق بينه وبين من دونه واستكمالًا لمظاهر الفخامة، أصدر الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م) أمرًا يقضي \"بأن يكون الخطاب الموجه إليه كله جوابًا بالكتابة عنه بالهاء دون الكاف وأن تخرج كتبه بالخبر عن مخاطبته تعظيمًا لقدره\" (^٣).\nوقبل أن ننتقل من هذه المسألة إلى غيرها، لابد من مناقشة الدوافع التي كانت وراء إعلان عبد الرحمن الناصر عن قيام الخلافة الأموية في الأندلس، فابن عذاري ذكر أنه كان يرى في نفسه أنه أحق بهذا الاسم \"من كل منتخب في المشرق والمغرب\" (^٤). فهو سليل خلفاء، حقيق بحمل ما كان لهم من الألقاب.\n_________\n(^١) - هو الفقيه القرطبي أبو عبد الله أحمد بن بقي، كان عاقلًا حصيفًا، امتاز بالدهاء والأدب، واتصف بكرم الأخلاق وبلاغة اللسان وحسن العشرة، اشتغل بطلب الآخرة عن الدنيا، كان يلي الصلاة مع قضاء الجماعة، توفي ليلة الاثنين الأول من جمادى الأولى سنة ٣٢٤ هـ. أنظر: أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٧. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤١.\n(^٣) - مؤلف مجهول، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، (تحقيق: د. سهيل زكار، وعبد القادر زمامه المغرب، الدار البيضاء، دار الرشاد الحديثه، ١٣٩٩ هـ/١٩٧٩ م) ص ٣٢.\n(^٤) - البيان المغرب ٢/ ١٩٨.","vol":"1","page":170},{"text":"بينما يرى ابن الأثير (^١) وابن الآبار (^٢) وابن خلدون (^٣) أن ضعف الخلافة العباسية في المشرق، وتسلط الأتراك على خلفائها (^٤) وقيام الخلافة العبيدية في القيروان (^٥)، كان سببًا في إعلان الأمير عبد الرحمن بن محمد للخلافة في الأندلس، ويضيف ابن الخطيب إلى ما سبق قيام عدد من الدويلات في مشرق الدولة العباسية (^٦)، ولعل صاحب \"الحلل الموشية\" قد\n_________\n(^١) - الكامل، ٧/ ٢٧٠.\n(^٢) - الحلة السيراء، ١/ ١٩٨.\n(^٣) - تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٣٧.\n(^٤) - تولى المقتدر بالله العباسي، الخلافة يوم الأحد الثالث عشر من شهر ذي القعدة سنة ٢٩٥ هـ وعمره ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وعشرون يومًا، وتسلم الأتراك والوزير أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات تدبير أمور الدولة، حيث أصبح الخليفة ألعوبة في أيديهم. انظر: تاريخ الطبري، ١٠/ ١٣٩. مسكويه، تجارب الأمم (القاهرة، مطبعة شركة التمدن الصناعية ١٣٣٢ هـ/١٩١٤ م) ٢/ ٢٤١. حمدان عبد المجيد الكبيسي، عصر الخليفة المقتدر بالله ٢٩٥ - ٣٢٠ هـ (العراق، النجف، مطبعة النعمان ١٣٩٤ هـ/١٩٧٤ م) ص ٢٥ وما بعدها.\n(^٥) - في يوم السبت مستهل شهر رجب سنة ٢٩٦ هـ دخل أبو عبد الله الشيعي مدينة رقادة، وفي يوم الجمعة السابع منه، أمر بعدم ذكر اسم الخليفة العباسي في الخطبة، وفي العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ٢٩٧ هـ دخل عبيد الله المهدي مدينة رقادة، وفي يوم الجمعة أمر أن يخطب في المساجد باسمه، وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين وبذلك قامت خلافة العبيديين. انظر: العيون والحدائق، ج ٤ ق ١، ص ١٣٩، ١٥٠، ١٥١. البيان المغرب ١/ ١٤٩ - ١٥١، ١٥٨. المقريزي، اتعاظ الحنفا، (تحقيق: د. جمال الدين الشيال، القاهرة، لجنة إحياء التراث الإسلامي ١٣٨٧ هـ/١٩٦٧ م). ١/ ٦٣، ٦٦.\n(^٦) - أعمال الأعلام: ٢/ ٢٩. لقد شهد المشرق الإسلامي نشوء عدة دويلات إسلامية، ابتدأت منذ مطلع القرن الثالث الهجري، من هذه الدول: دولة بني دُلف في الكرج والبرج، دولة بني ساج في أذربيجان، دولة العلويين في طبرستان، والدولة الظاهرية في خراسان، والدولة الصفارية في إيران. انظر: تاريخ الطبري، ٨/ ٥٩٣ - ٥٩٤، ٦٢٠، ٩/ ٥٤٥، ١٠/ ٧١. الكامل في التاريخ، ٧/ ٢٩. ستانلي لين بول، الدول الإسلامية (ترجمة: محمد صبحي، دمشق، مكتبة الدراسات الإسلامية. ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤ م» ١/ ٢٥٤ - ٢٧١.","vol":"1","page":171},{"text":"انفرد بتعليل ربما لم يذكره مؤرخ قبله، فقد أشار إلى أن الأندلسيين هم الذين أطلقوا على الأمير عبد الرحمن بن محمد لقب \"أمير المؤمنين والناصر لدين الله\" فكأن إعلانه للخلافة كان استجابة لهم، وفي هذا يقول المؤرخ المجهول:\n\"وربما كان بعض أولي التحصيل والتأمل من الناس سموه بهذا الاسم قبل أن يتسمى به هو، وخاطبه به كثير من خاصتهم في كتبهم وأشعارهم، فكثر ذلك عليه، ووافاه من كل ثنية، وجاءه من كل ناحية، حتى اضطره إلى حمله، وحاجوه أن يكون باخسًا لنفسه في رفضه، وهونوا عليه مخالفة آبائه في اقتصارهم على سواه، واستشهدوا بما فهمه الله سليمان في الحكمة دون والده، عليهما الصلاة والسلام\" (^١).\nوإذا استعرضنا الأقوال السابقة، نجد أنها تحمل عدة آراء، هي: ضعف الخلافة العباسية، وظهور الدويلات في المشرق، وقيام الدولة العبيدية، وأخيرًا استجابة الأمير عبد الرحمن بن محمد لطلب الأندلسيين بإعلان الخلافة.\n_________\n(^١) - الحلل الموشية ص ٣٠ - ٣١.","vol":"1","page":172},{"text":"ولعل بالإمكان تجاوز كل هذه الآراء، إلا ما يتعلق بالدولة العبيدية، فالخلافة العباسية كانت واقعة تحت تسلط الأتراك قبل الإعلان عن القيام الخلافة الأموية في الأندلس بأكثر من ثلثي قرن، حيث كان الأتراك يتدخلون في تعيين الخلفاء، وأصبحت إدارة الدولة في أيديهم منذ أواسط القرن الثالث وحتى أوائل القرن الرابع الهجري (التاسع والعاشر الميلاديين (^١».\nوأما ظهور الدويلات في المشرق فقد ابتدأ منذ مطلع القرن الثالث الهجري (^٢)، في حين أن المغرب والشمال الأفريقي شهدا انفصالًا مبكرًا عن الخلافة العباسية، وذلك عندما تمكن عدد من الزعماء من إنشاء إمارات خاصة بهم استقلوا بها عن العباسين (^٣).\n_________\n(^١) - يتضح ذلك من اتفاق المنتصر بن المتوكل العباسي مع بعض القادة الأتراك على قتل والده الخليفة، وقد نفذ ذلك في يوم الأربعاء الثالث من شهر شوال سنة ٢٤٧ هـ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى سنة ٢٥٧ هـ كان القادة الأتراك هم الذين يعينون الخلفاء، ثم تكرر تسلطهم مرة أخرى طيلة الربع الأول من القرن الرابع الهجري. انظر: تاريخ الطبري، ٩/ ٢٢٢ - ٢٣٠، ٢٣٤ - ٢٣٩، ٢٥٦ - ٢٥٨، ٣٤٢ - ٣٤٥، ٣٦٤، ٣٨٩ - ٣٩٦، ٤٤٣ - ٤٦٩. الكامل في التاريخ، ٦/ ١٣٧ - ١٣٨، ١٤١ - ١٤٣، ١٤٧ - ١٥٠، ١٦٥ - ١٧٢، ١٨٥، ١٩٩ - ٢٠١، ٤٣٨ - ٤٣٩.\n(^٢) - إن أول إمارة بدأت بالاستقلال في المشرق عن الخلافة العباسية هي إمارة طاهر بن الحسين، الذي بسط نفوذه على خراسان واتخذ من نيسابور حاضرة لدولته، وذلك سنة ٢٠٥ هـ. انظر: تاريخ الطبري، ٨/ ٥٧٧ - ٥٨٠.\n(^٣) - شهد المغرب والشمال الأفريقي ظهور عدة إمارات: فإمارة \"نكور\" تأسست على يد زعيم عربي يمني يدعى صالح بن منصور الحميري، في بلاد الريف، وذلك سنة ٩١ هـ وبعد قيام الدولة الأموية في الأندلس سنة ١٣٨ هـ أصبحت إمارة تكور ذات ارتباط قوي بها، واستقلت تمامًا عن الخلافة العباسية، وأسس عيسى بن يزيد الأسود المكناسي إمارة بني مدرار الصفرية سنة ١٤٠ هـ واتخذ من سجلماسة عاصمة لإمارته، وفي سنة ١٦٠ هـ تمكن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام إمام الرستميين من إنشاء الإمارة الرستمية واتخذ من تبهرت عاصمة له، وتبع هذه الإمارة إمارة الأدراسة في المغرب الأقصى وإمارة الأغالبة في أفريقية. انظر: البيان المغرب ١/ ١٥٦، ١٧٦، ١٩٦ - ١٩٧، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٩٦ - ١٩٧، ٢٠٠ سالم بن عبد الله الخلف، العلاقات السياسية والثقافية بين الخلافة العباسية والإمارة الأموية في الأندلس، ص ١٩٥ - ٢٤٥ والمراجع الواردة.","vol":"1","page":173},{"text":"وأما مسألة استجابة الأمير الأموي عبد الرحمن بن محمد لطلب الأندلسين باتخاذ لقب الخلافة، فأمر يحتاج إلى وقفة، إذ من الممكن أن يكون عبد الرحمن هو الذي بث في أوساط الناس من يناديه بالخلافة ويطالبه باتخاذ ألقابها، وبالتالي يصبح تسميه بالخلافة كأنه استجابة لطلب رعيته.\nوإذا صح ما ذهبنا إليه، فإنه لا يصمد أمام البحث إلا ما يتعلق بالدولة العبيدية وبناء عليه: يمكن القول بأن هذه التغيرات التي شهدتها البلاد الإسلامية، إضافة إلى رؤية العبيدين للشمال الأفريقي قاطبة وما يليه من بلاد الأندلس على أنه مجال حيوي لدولتهم، فضلًا عن حملهم للواء التشيع، وإذا وضعنا في الحسبان ما كانت عليه الإمارة الأموية في الأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري، ومن ثم سيطرة عبد الرحمن الناصر على كافة العصاة والخارجين على دولته، وحده من نفوذ النصارى في الشمال وإرهاقهم بالغزوات المتتالية. كل هذه الأمور مجتمعة دفعت عبد الرحمن الناصر إلى التفكير في إحداث نقلة معنوية كبيرة لدولته، وذلك لأهمية","vol":"1","page":174},{"text":"الخلافة في نفوس المسلمين، التي تستوجب الطاعة من الرعية لما لها من شرف وارتباط بخلافة رسول الله ﷺ، فأعلن عن قيام الخلافة في بلاده، وتسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالناصر لدين الله.\nواهتمام الخليفة عبد الرحمن الناصر ببناء مدينة الزهراء، كان نتاجًا طبيعيًا لإعلانه عن قيام الخلافة، وذلك لأن قصر الخلافة بقرطبة كان قديم البناء، رغم التجديدات والإضافات التي أدخلها أمراء بني أمية عليه (^١)، إذ لم يعد يتسع لحاشية الخليفة ولا يتناسب مع الرقي المادي الذي كانت تعيشه الدولة آنذاك.\nوفضلًا عن ذلك كله، فإن موقع القصر أصبح في وسط المدينة تقريبًا، وفي أكثر مناطقها ازدحامًا، إذ لا يفصله عن المسجد الجامع إلا بضع خطوات، كما أنه قريب من الحي التجاري، ومجاور لباب القنطرة القائمة على الوادي الكبير، وهو أكبر أبواب قرطبة (^٢).\nوهذه الأماكن شديدة الازدحام بطبيعتها، لأنها ملتقي الجميع، فالخليفة في هذه الحالة يعتبر معايشًا للعامة، ومن هناك أصبح بناء مدينة الزهراء أمرًا ضروريًا، لاكتمال الفخامة من جهة، وللبعد عن ضوضاء العامة من جهة أخرى، وكذلك لعدم مضايقته للناس بموكبه الضخم عند\n_________\n(^١) - عن تاريخ القصر وتجديدات وإضافات أمراء بني أمية إليه. انظر: قرطبة حاضرة الخلافة ١/ ١٨٧ - ١٨٩.\n(^٢) - المرجع السابق ص ١/ ١٧٢.","vol":"1","page":175},{"text":"خروجه من القصر أو الدخول إليه، فضلًا عن تأمين أقصى درجات السلامة له وللوفود الزائرة.\nوأما من ناحية الألقاب، فلم يقتصر الخليفة عبد الرحمن الناصر على لقب \"الناصر لدين الله\" فقد اتخذ لقبًا آخر كما يذكر ابن حزم هو \"القائم لله (^١) \" وهناك نسخة أخرى أشار إليها محقق كتاب نقط العروس تفيد بأن الخليفة عبد الرحمن الناصر قد أغفل استخدام لقب القائم (^٢)، ولم يجمع بينهما إلا في رسالة قد بعث بها إلى قسطنطين ملك الروم، إلا أن ابن حزم عاد في موضع آخر وذكر أنه اطلع على أكثر من خمسين كتابًا كتبها الخليفة عبد الرحمن الناصر كلها تحمل اللقبين معًا (^٣).\nوأما طريقة ترتيب ألقاب عبد الرحمن الناصر فقد كانت تأتي على التسلسل التالي\" عبد الله (^٤) \" متبوعًا باسمه الشخصي ومن ثم لقبه وأخيرًا\n_________\n(^١) - نقط العروس، ص ٥٠ - ٥١. والخليفة عبد الرحمن الناصر اتخذ لقب \"الناصر لدين الله والقائم لله\" تعبيرًا عن ذبه عن مذهب السنة، ووقوفه في وجه المد الرافضي الباطني القادم بقوة من أفريقية بتأييد من العبيديين بالإضافة إلى رغبته في مضاهاة خلفاء بني العباس ببغداد.\n(^٢) - نقط العروس ص ٥١ حاشية رقم ١.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٥٢.\n(^٤) - أول من اتخذه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ فقد كانت الكتب الصادرة منه تكتب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين، وتبعه من أتى بعده من الخلفاء. انظر: ابن شبه، تاريخ المدينة، (تحقيق: فهيم شلتوت. د. ت) ٣/ ٨١٩، القلقشندي. مآثر الإنافة في معالم الخلافة (تحقيق: عبد الستار أحمد فراج الكويت، وزارة الإرشاد والأنباء ١٩٦٤ م). ١/ ٢٠.","vol":"1","page":176},{"text":"لقب أمير المؤمنين، فأصبحت الكتب الصادرة منه معنونة \"من عبد الله عبد الرحمن الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان\" (^١).\nوقد جرى من أتى بعد الخليفة عبد الرحمن الناصر على اتخاذ اللقب المركب المكون من مقطعين، المقطع الثاني اسم الجلالة \"الله\" فالخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر اتخذ لقب \"المستنصر بالله\" في حين أن ابنه هشام تلقب بـ\"المؤيد بالله\" وعندما فرض سليمان بن الحكم سلطة على قرطبة اتخذ لقب \"المستعين بالله\".\nوفي الفترة التي تولى فيها الحموديون الخلافة في قرطبة، تلقب أولهم على بن حمود الحسيني بـ\"الناصر لدين الله\" وابنه يحيى بـ\"المعتلي بالله (^٢) \" وعندما استعاد الأمويون سلطتهم على الخلافة مرة أخرى تلقب عبد الرحمن بن هشام بـ\"المستظهر بالله\" وجاء بعده محمد بن عبد الرحمن فتلقب بـ\"المستكفي بالله\" وآخر خليفة أموي وهو هشام بن محمد كان لقبه \"المعتد بالله\" (^٣).\nولعل لكل واحد من هذه الألقاب دلالة خاصة، فالمستنصر والمستعين والمعتلي والمستظهر والمستكفي والمعتد بالله كلها ذات دلالة واحدة وهي أن حاملها يطلب التأييد والعزة من الله تعالى، وأنه جل وعلا\n_________\n(^١) - نقط العروس ص ٥٢.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ١١٩، ١٣١.\n(^٣) - نقط العروس ص ٥١.","vol":"1","page":177},{"text":"كافيه عمن سواه، وأما \"المؤيد بالله\" فهو من الألقاب التي تشير إلى تقوى الملقب إذ أنه مؤيد من السماء يأتيه النصر من عند الله تعالى (^١).\nوهنا لابد من القول أن هذه الألقاب ماعدا لقبي الخليفتين عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، كلها لا أثر لها في الدولة الأموية في الأندلس، يدل على هذا أنه منذ أن توفي الخليفة الحكم المستنصر بالله سنة (٣٦٦) هـ (٩٧٦ م) يمكن القول بأن دور الخليفة قد انتهى، فمنذ ذلك التاريخ إلى سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩) كانت الخلافة التي يمثلها الخليفة هشام المؤيد تحت سيطرة العامريين المنصور وولديه عبد الملك وعبد الرحمن، ومن بعد ذلك بدأت الفتنة التي استمرت حتى سقوط الدولة الأموية سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) وطيلة هذه الفترة التي استمرت قرابة ثلاثة وعشرين عامًا، تعاقب على الخلافة تسعة خلفاء وبعضهم تولى أكثر من مرة، الأمر الذي يعطي دلالة أكيدة على مدى الاضطراب الذي كانت تعانيه الخلافة الأموية في آخر عمرها في الأندلس، والفوضى السائدة في البلاد بصورة عامة مما أدى إلى سقوطها وقيام حكم دويلات الطوائف.\nهذا، وقد استخدم أمراء بني أمية في الأندلس لقب \"أمير\" في النقش على المنشآت العامة، فعندما أتم الأمير عبد الرحمن بن الحكم زيادته في جامع قرطبة في جمادى الأولى سنة (٢٣٤) هـ (ديسمبر ٨٤٨) (^٢) نقش على أحد التيجان عبارة \"بسم الله بركة للأمير عبد الرحمن بن الحكم أعزه\n_________\n(^١) - صبح الأعشى، ٦/ ٣٢. الألقاب الإسلامية، ص ٥٢٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٤٣ - ٢٤٦. البيان المغرب ٢/ ٢٣٠.","vol":"1","page":178},{"text":"الله\" (^١). وعندما أنجز الأمير محمد بن عبد الرحمن إتمام الزيادة التي بدأها والده في جامع قرطبة (^٢)، وُجد نقش على عقد أحد أبوابه جاء فيه \"أمر الأمير أكرمه الله محمد بن عبد الرحمن ببنيان ما حكم به من هذا المسجد وإتقانه رجاء ثواب الله عليه وذخره به، فتم ذلك سنة إحدى وأربعين ومائتين على بركة الله وعونه\" (^٣).\nوكذلك فعل الخليفة عبد الرحمن الناصر فقد نقش اسمه ولقب أمير المؤمنين ولقبه الخاص على لوحة تذكارية عند إقامته لجدار جديد دعَّم به الواجهة القديمة التي أنشأها جده الأمير عبد الرحمن الداخل، فقد نقشت لوحة بهذه المناسبة وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٣٤٦) هـ (مارس (٩٥٨) م) جاء فيها: \"بسم الله الرحمن الرحيم، أمر عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، أطال الله بقاه، ببنيان هذا الوجه وإحكام إتقانه، تعظيمًا لشعائر الله، ومحافظة على حرمة بيوته، التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولما دعاه على ذلك من تقبل عظيم الأجر وجزيل الذخر، مع بقا شرف الأثر وحسن الذكر، فتم ذلك بعون الله، في شهر\n_________\n(^١) - مانويل مورينو، الفن الإسلامي في أسبانيا، (ترجمة: د. لطفي عبد البديع، د. السيد سالم، مراجعة: جمال محرز، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٧ م)، ص ٥٥. وقد ذكر المؤلف أن هذا التاج يوجد في متحف الآثار بمدريد وله صورة في كتابه ص ٥٦ (ش ٤٩، ٥٠).\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢١٩ - ٢٢٠. البيان المغرب ٢/ ٩٥، ٢٣٠.\n(^٣) - الفن الإسلامي في أسبانيا، ص ٦٥ وشكل ٦٩.","vol":"1","page":179},{"text":"ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلث مائة، على يد مولاه ووزيره وصاحب مبانيه عبد الله بن بدر، عمل سعيد بن أيوب\" (^١).\nوهناك نقش في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، جاء مفتتحًا بلقب الإمام، ثم اللقب الخاص بالخليفة الحكم، ثم لقب عبد الله، ومن بعده الاسم الشخصي للخليفة، وأخيرًا لقب أمير المؤمنين، ففي أحد النقوش في المسجد الجامع بقرطبة، نص جاء فيه: \"أمر الإمام المستنصر بالله الحكم أمير المؤمنين أصلحه الله، فيما شيَّد من هذا المحراب بكسوته بالرخام داخله، في جزيل النور وكريم المنار، فتم ذلك على يدي مولاه وحاجبه جعفر بن عبد الرحمن ﵁ بنظر محمد بن تمليخ وأحمد بن ناصر وخالد بن هاشم أصحاب شرطته ومطرف بن عبد الرحمن الكاتب، في شهر ذي الحجة من سنة أربع وخمسين وثلث ماية ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (^٢).\nكما كانت أسماء الأمراء والخلفاء الأمويين تنقش على الدراهم الفضية والدنانير الذهبية (^٣).\n_________\n(^١) - الآثار الأندلسية الباقية، ص ٣٠. وذكر صاحب كتاب دولة الإسلام في الأندلس: ع ١ ق ٢ ص ٤٤٥ - ٤٤٦. أن هذه اللوحة مازالت موجودة إلى اليوم في الجانب الأيمن من الباب الرئيسي للمسجد في الجامع، والمسمى باب النخيل  Puerta de las Palmas.\n(^٢) -  د. حسين مؤنس رحلة الأندلس، ص ١٠٠ - ١٠١.\n(^٣) - انظر: المقتبس، تحقيق، شالميتا، ص ٢٤٣. البيان المغرب، ٢/ ٩١، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٤٠، ١٤١، المغرب في حُلى المغرب ١/ ٤٦.","vol":"1","page":180},{"text":"كذلك حرص أمراء وخلفاء بني أمية على إثبات بعض ألقابهم في الكتب الرسمية الصادرة من قبلهم، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما عقد الأمان لمحمد بن هاشم التجيبي (^١) ومن معه من أهل سرقسطة في أواخر شهر ذي الحجة سنة (٣٢٥) هـ (أكتوبر (٩٣٧) م) استخدم اللقب الخاص به، الناصر لدين الله، بالإضافة إلى لقب أمير المؤمنين (^٢).\nوعندما بعث برسالته إلى الإمبراطور البيزنطي قسطنطين (^٣)، كان الكتاب يحمل اسم عبد الله قبل الاسم الشخصي للخليفة، ثم اللقبين الخاصين به معًا، وأخيرًا لقب أمير المؤمنين، جاء فيه: \"من عبد الله الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين\" (^٤).\n_________\n(^١) - عن هذه الأسرة، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٤٣٠ - ٤٣١، الحلة السيراء ٢/ ٧٨ - ٧٩ حاشية رقم ١. الفتح والاستقرار العربي في شمال إفريقية والأندلس، ص ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ٤٠٥ - ٤٠٧.\n(^٣) - قسطنطين السابع، يلقب بالأرجواني أي لابس الأرجواني، وذلك لأنه ولد في الغرفة الأرجوانية وهي الغرفة المخصصة للإمبراطور في القصر الإمبراطوري، تولى الحكم سنة ٩٤٤ م وهو في الأربعين من عمره، ونظرًا لأن ميوله أدبية، ولا رغبة لديه في الأمور السياسية، لذا فقد قبل الحكم مكرها، وبسبب ذلك وقع تحت سيطرة زوجته هيلين صاحبة الطموح السياسي، أسهم قسطنطين بقوة في التقدم الفكري البيزنطي، فقد بذل الكثير من أجله، كما أصدر عدة مؤلفات، وقد ظل قسطنطين في الحكم حتى توفي في نوفمبر ٩٥٩ م. انظر: د. إبراهيم طرخان، المسلمون في أوربا في العصور الوسطى، (القاهرة، مؤسسة سجل العرب، ١٩٦٦) ص ١٩٩. حاشية رقم ٢. د. الباز العريني، الدولة البيزنطية ٣٢٣ - ١٠٨١ م (لبنان، بيروت، دار النهضة العربية ١٩٨٢) ص ٤٠٩ - ٤٣٢.\n(^٤) - نقط العروس، ص ٥١ حاشية رقم ١.","vol":"1","page":181},{"text":"وعلى نفس الصورة كتب الخليفة الحكم المستنصر بالله السجل الذي عقده لأبي العيش بن أيوب على قومه جاء فيه: \"بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من عبد الله الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين لأبي العيش بن أيوب\" (^١).\nومن بعد هذين الخليفتين نشهد اختصارًا في الألقاب، فالخليفة هشام المؤيد عندما أصدر أمره بتلقيب الحاجب عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر بـ\"المظفر\" جاء في كتابه \"من الخليفة هشام المؤيد بالله\" (^٢).\nثم عندما أصدر هشام المؤيد أمره بتعيين الحاجب عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر وليًا للعهد جاء كتابه مصدرًا بـ: \"هذا ما عهد به أمير المؤمنين هشام المؤيد\" (^٣).\nوبعد الخليفة هشام المؤيد زاد اختصار الألقاب، فالخليفة سليمان المستعين عندما أصدر كتابًا أعلن فيه تعيين ولده محمدًا وليًا للعهد، لم يحمل ذلك الكتاب سوى لقب \"أمير المؤمنين\" (^٤).\nوتجدر الإشارة إلى أن جميع الكتب التي تصدر عن الخلفاء الأمويين بالأندلس إن لم يخاطب بها ملوك دول أخرى، تأتي مقتصرة على لقب\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١١١.\n(^٢) - أعمال الأعلام، ٢/ ٨٨.\n(^٣) - المصدر السابق ٢/ ٩١.\n(^٤) - نفسه ٢/ ١٢٦.","vol":"1","page":182},{"text":"أمير المؤمنين (^١)، بل إنه في عهد الإمارة نجد أن كتاب الأمان الذي بعثه الأمير الحكم الربضي للفقيه عيسى بن دينار (^٢) قد خلى من الألقاب بالجملة حيث اقتصر على ذكر اسم الأمير، فقد جاء فيه \"من الحكم بن هشام لعيسى بن دينار … (^٣) \".\nوأما الألفاظ التي تتم بها مخاطبة الأمير أو الخليفة الأموى في الأندلس من قبل أبناء الرعية، فإن الأمر فيها لا يقتصر على نمط معين، فالأمير -مثلًا- كان يخاطب بـ\"الأمير سيدي (^٤) \" و\"مولاي (^٥) \" و\"ابن الخلائف (^٦) \" و\"الإمام (^٧) \" و\"سيدي (^٨) \" و\"إمام الهدى (^٩) \" و\"الملك (^١٠) \" و\n_________\n(^١) - انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٦٨، ٣٠٦ - ٣٠٧، ٣١٠، ١٢، ٣٢٧ - ٣٣٠، ٤٣٨ - ٤٤٣. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ٧٧ - ٧٨، ٩٨، ١٠٠، ١٠٩، ١٢٣، ١٢٦، ١٢٩، ١٣١، ١٣٥، ١٧٨ - ١٨٢، ٢٠٧.\n(^٢) - أبو محمد عيسى بن دينار بن واقد الغافقي، فقيه الأندلس وعالمها، أصله من طليطلة، وبها نشأ، وطلب العلم بقرطبة، ثم رحل إلى المشرق، فلما انصرف إلى الأندلس، أصبحت الفتيا تدور عليه، وقد كان عيسى من أهل الزهد والورع، وكثرة العمل والخشية، توفي ﵀ بطليطلة، يوم الجمعة لست بقين من شوال سنة ٢١٢ هـ. انظر: أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣٥٢. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٩٧٥.\n(^٣) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ص ٢٧١.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٠، ٢١٧.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ٢٧، ١١٨، ١٢٨، ١٥٠، ١٧٠.\n(^٦) - نفسه، ص ٤١، ٢٨٠، ٣٠٣، ٣٠٦، ٣٥٧.\n(^٧) - نفسه، ص ٤٤، ١٢٢، ٢٢١، ٢٢٤، ٣٠٢، ٣١٦.\n(^٨) - نفسه ص ١١٥، ١٩٨.\n(^٩) - نفسه، ص ١٢٢، ٢٤٤.\n(^١٠) - نفسه، ص ١٢٣.","vol":"1","page":183},{"text":"\"إمام المسلمين (^١) \" و\"الأمير (^٢) \" و\"الخليفة سيدي (^٣) \" و\"أمين الله (^٤) \" و\"الخليفة (^٥) \" وأمير المسلمين (^٦) \" و\"ولي الله (^٧) \".\nوأما الخلفاء فكانوا يخاطبون بـ: \"ابن الخلائف (^٨) \" و\"الإمام (^٩) \" و\"الإمام المؤيد (^١٠) \" و\" الملك (^١١) \" و\"سراج الله (^١٢) \" و\"أمير المؤمنين (^١٣) \" و\"الحكم المهدي (^١٤) \" و\"أمير الله (^١٥) \"و\"مولانا (^١٦) \" و\"إمام المسلمين (^١٧) \" و\"ظل الله (^١٨) \" و\"سيدي (^١٩) \" و\"سيدنا (^٢٠) \".\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٢٧.\n(^٢) - نفسه، ص ١٤٧، ١٧٨، ٢٢٤، ٣٠٠.\n(^٣) - نفسه، ص ١٧٧.\n(^٤) - نفسه، ص ٢٧٨، ٢٤٤.\n(^٥) - نفسه، ص ٢٤١.\n(^٦) - نفسه، ص ٢٨٣.\n(^٧) - نفسه، ص ٣٠١.\n(^٨) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٣٩٩، نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٨٣، ١٦٣، ٢٠٦.\n(^٩) - نفسه، تحقيق: شالميتا ص ٤٢٣، نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٨٤، ٨٥، ١٦٣، ١٦٥.\n(^١٠) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٤٢٤.\n(^١١) - نفسه، تحقيق: عبد الرحمن الحجي ٨٣، ٩٤.\n(^١٢) - نفسه، ص ٨٤.\n(^١٣) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥٩، ٢٦٥ - ٢٦٧، ٢٩١ - ٢٩٤. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١٢٢، ١٦٨، ١٨٦، ٢١٣، ٢١٥.\n(^١٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٣٨.\n(^١٥) - نفسه، ص ١٥٩.\n(^١٦) - نفسه، ص ١٥٩.\n(^١٧) - نفسه، ص ٢٠٥.\n(^١٨) - نفسه، ص ٢٠٥.\n(^١٩) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٦٢ - ٢٦٣، ٣٠٠ - ٣٠٥، ٣٠٨ - ٣١٠، ٣٤٨ - ٣٥٠، ٣٧١ - ٣٧٤، ٣٨٥ - ٣٨٦.\n(^٢٠) - نفسه، ص ٢٩٥ - ٢٩٧، ٣٦٩ - ٣٧١، ٣٧٥ - ٣٧٦، ٣٨٧ - ٣٨٨.","vol":"1","page":184},{"text":"وحدث مرة أن خوطب الخليفة بلفظ \"يا ولي العهد\" وذلك عندما جمع الخليفة المستكفي بالله أهل قرطبة، وخاطبهم بكلام مؤنث عاتبهم فيه على عصيانهم له، فرد عليه أحد العوام قائلًا: \"يا ولي العهد، نفعل ذلك لأنكم تجورون ولا تعدلون وتفسدون ولا تصلحون (^١) \" إلا أن الكتب التي تصل إلى الأمير أو الخليفة لابد أن تكون مشتملة على الألقاب الرسمية، فمثلًا: الكتاب الذي بعثه عبد الكريم بن يحيى ومن معه من الأندلسيين من بني عمه من أهل فاس (^٢) في عقب شهر رمضان المبارك سنة (٣٦٣) هـ (يونيو ٩٧٣) جاء فيه: \"الإمام العدل الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين\" (^٣).\n_________\n(^١) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢١١ - ٢١٢.\n(^٢) - عن فاس، انظر: الجزنائي، زهرة الآس في بناء مدينة فاس (بعناية: الفريد بيل. الجزائر، مطبعة كاربريل، ١٣٤٠ هـ/١٩٢٢ م) ص ١٨ وما بعدها. روجي لوطورنو، فاس قبل الحماية (ترجمة: محمد حجي، ومحمد الأخضر، بيروت، دار الغرب الإسلامي. ١٤٠٦ هـ/١٩٨٦ م). ١/ ٥٣ ومابعدها.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٧٥.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>الخاتم:</span> ومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، استخدام الخاتم \"إذ هو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية (^١) \" وهو عبارة عن آلة تصنع بدقة تنقش عليها بعض الكلمات ويلبس بالإصبع ويختم به على الرسائل أو الأوامر الصادرة من الأمير أو الخليفة (^٢).\nولكل أمير أو خليفة أموي في الأندلس خاتم خاص به \"فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر منقوش عليها اسمه (^٣) \"، ويتولى أحد كبار رجالات الدولية عملية الإشراف على نقش الخاتم (^٤).\nفالأمير عبد الرحمن الداخل كان نقش خاتمه \"بالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم\" (^٥) وذكر ابن عذاري أن نقش الأمير الداخل \"عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ\" (^٦) ويدعم قوله هذا بما أورده عند استعراضه لإمارة الأمير عبد الرحمن الأوسط من أنه اتخذ خاتمًا أعاد فيه العبارة التي كانت منقوشة على خاتم جده عبد الرحمن الداخل وهي \"عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ\" (^٧).\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٧٠٥ - ٧٠٦.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٠.\n(^٤) - البيان المغرب ٢/ ٨١.\n(^٥) - نهاية الأرب، ٢٣/ ٣٥٢. نفح الطيب، ٣/ ٥٤. بينما ورد في ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٠ \"بالله يستعين عبد الرحمن وبه يعتصم\".\n(^٦) - البيان المغرب ٢/ ٤٨.\n(^٧) - المصدر السابق ٢/ ٨١.","vol":"1","page":186},{"text":"وباستعراض نقوش خواتم بني أمية أمراء وخلفاء نجدها على نمطين لا ثالث لهما، فالأميران هشام الرضا، وابنه الحكم الربضي كانا على نسق واحد من حيث العبارة المنقوشة على خاتميهما، \"بالله يثق هشام وبه يعتصم (^١) \" و\"بالله يثق الحكم وبه يعتصم\" (^٢).\nوقد أورد ابن عذاري قصة لنقش خاتم الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد ذكر أن الأمير كان له خاتم قبل ذلك باسمه ففقده، فلما أعياه العثور عليه، اتخذ عبارة \"عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ\" وفي ذلك قال الشاعر ابن الشمر (^٣):\nخاتم للملك أضحى … حكمه في الناس ماضي\nعابد الرحمن فيه … بقضاء الله راضي (^٤)\nوقد ذكر المقري أن الأمير عبد الرحمن الأوسط هو أول من اتخذ نقش: \"عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ\" وأنه بقي وراثة لمن بعده من ولده (^٥).\n_________\n(^١) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٨، نهاية الأرب، ٢٣/ ٣٥٨.\n(^٢) - البيان المغرب ٢/ ٦٨. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٢٤.\n(^٣) - هو أبو محمد عبد الله بن الشمر بن نمير القرطبي، منجِّم الأمير عبد الرحمن الأوسط ونديمه، كانت له عناية بطلب العلم، كان شاعرًا متقنًا، لطيفًا حسن المعاشرة. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦٩١. المغرب في حُلى المغرب، ١/ ١٢٤ - ١٢٧.\n(^٤) - البيان المغرب ٢/ ٨١.\n(^٥) - نفح الطيب ١/ ٣٤٨.","vol":"1","page":187},{"text":"وبتتبع تراجم أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، نجد أن كل الذين أتوا بعد الأمير عبد الرحمن الأوسط، قد اتخذوا لخواتمهم عبارة موحدة تنقش عليها (^١).\nوقد وجد من بني أمية في الأندلس من اتخذ خاتمين، أحدهما عام والآخر خاص لإصبعه، فالأمير محمد بن عبد الرحمن كان نقش خاتمه الخاص \"محمد بالله يثق وبه يعتصم\" (^٢)، والخليفة عبد الرحمن الناصر كان نقش خاتمه الخاص \"بالله ينتصر عبد الرحمن الناصر\" (^٣).\nوبصفة عامة، فإن العبارات التي اختارها أمراء خلفاء بني أمية في الأندلس لتنقش على خواتمهم، سواء الخاصة منها أو العامة، كلها تحمل معاني التواضع لله جل وعلا، وطلب النصر والسداد منه، ومن تلك النقوش نخرج بصورة ربما لا تكون بعيدة عن الواقع وهي أن السمة الدينية كانت أبرز صفاتهم، فرغم ما بلغوه من سؤدد وقوة، إلا أن الاتصاف بالتواضع لم يفارقهم، ولا غرابة في ذلك، فهم حكام مسلمون، ومن موطن الإسلام \"الحجاز\" وهم سلالة الأمويين الفاتحين، سلالة شرف\n_________\n(^١) - كانت نقوش خواتم بني أمية في الأندلس على النحو التالي: -\nالأمراء: محمد بقضاء الله راضٍ، المنذر بقضاء الله راضٍ، عبد الله بقضاء الله راض.\nالخلفاء: عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ، الحكم بقضاء الله راضٍ، هشام بقضاء الله راضٍ. انظر: البيان المغرب، ٢/ ١١٣، ١٥٦، ٢٣٣، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٤٦، ١٥٠، ١٥٣، ١٥٩، ١٦٨، ١٧٤.\n(^٢) - المصدر السابق ١/ ١٤٦.\n(^٣) - نفسه ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":188},{"text":"ودين، وعلم، وفي وسط غالبيته إسلامي، يعج بالفقهاء الذين يشار إليهم بالبنان، وفضلًا عن ذلك فهم على ثغر من أهم ثغور الدولة الإسلامية.\nوأما خلفاء عصر الفتنة من المهدي إلى المعتد بالله ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) فلم تذكر المصادر لأي منهم نقشًا لخاتمه إلا ما كان من الخليفة المستعين بالله، فقد كان نقش خاتمه \"سليمان بن الحكم\" (^١).\nوقد يفوض الخليفة الأموي في الأندلس أحد ثقاته، باستخدام خاتم منقوش عليه اسم الخليفة ليستخدمه بالتصديق على ما ينفذ إليه من كتب، وهذا ما فعله الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما أهدى للخير بن محمد (^٢) هدية حسنة سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠) \"وأرسل إليه خاتمًا من خواتمه الخاصة، فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر، منقوش عليها اسمه، أمر أن يقتصر على الطبع به لما ينفذه من كتبه في أكثر أوقاته\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-10>الدعاء في الخطبة:</span>\nومن شارات حكام الدولة الأموية بالأندلس، الدعاء في الخطب، والمراد به أن الخطيب يدعو في خطبة الجمعة لولي الأمر من أمير أو خليفة ولولي عهده تنويها بذكرهما وتلمسًا لساعة الإجابة (^٤).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٣/ ٩٢، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠٣.\n(^٢) - الخير بن محمد بن خزر الزناتي، زعيم زناته في الغرب الأوسط، كان يقطن منطقة وهران، تمكن الأمويون من استمالته ليقف بجانبهم ضد العبيديين. انظر أخباره في المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥٩، ٢٦٠ وغيرها.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٠.\n(^٤) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧١٣.","vol":"1","page":189},{"text":"ودعاء الخطيب على المنبر لغير الحاكم القائم هو إعلان لفسخ حكمه وابتداء لحكم جديد، وهذا رأيناه في الأندلس، فالأمير عبد الرحمن الداخل وهو في طريقة للاستيلاء على قرطبة في بداية أمره، دخل أرشدونه (^١)  ARCHIDONA  وكان دخوله لها يوم عيد الفطر سنة (١٣٨) هـ (٨ مارس (٧٥٦) م)، فأقبل زعيمها جدار بن عمرو القيسي (^٢) على الإمام وأمره أن يخلع يوسف الفهري والي الأندلس ويخطب لعبد الرحمن بن معاوية، فخطب له وبايعوه بعد انقضاء الصلاة (^٣).\nوفي بداية نشأة الدولة الأموية في الأندلس كان يدعى في الخطبة للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ثم يدعى من بعده للأمير عبد الرحمن الداخل، واستمر هذا الوضع مدة عشرة أشهر فقط، وبعدها أصبح الدعاء للأمير الأموي وحده (^٤).\n_________\n(^١) - أرشذونة: قاعدة كورة ريه، ومنزل الولاة والعمال، تمتاز بموقع منيع، فهي تقع في بطن وادٍ سحيق، تحيط به الجبال، ومن معالمها الباقية حصنها الواقع فوق ربوة عالية، وقد سقطت بأيدي النصارى سنة ٨٩٢ هـ، انظر: الروض المعطار، ص ٢٥. الآثار الأندلسية الباقية ص ٢٣٨ - ٢٤٠.\n(^٢) - جدار بن عمرو، كانت له رئاسة العرب بكورة رية، وهو جد بني عقيل، تولى قضاء العسكر للأمير عبد الرحمن الداخل، ثم ولاه قضاء الجماعة بعد أبي مضر محمد بن إبراهيم الأودي الأكشونبي، وذلك سنة ١٧٠ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٢٤ - ٢٥ التكملة طبعة الحسيني، ترجمة رقم ٦٦٧.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٢٤ - ٢٥.\n(^٤) - اختلف المؤرخون في المدة التي قضاها الأمير عبد الرحمن الداخل وهو يدعو لأبي جعفر المنصور، فابن حزم أشار إلى أنه ظل يدعو له أعوامًا، وأما ابن الأثير فقد حددها بعشرة أشهر فقط، وتابعه على ذلك النويري والمقري، في حين أن ابن الأبار ذكر أن= =المدة دون السنة، وأما ابن الكردبوس فقد ذكر أن جميع أمراء بني أمية كانوا يخطبون للعباسيين، وتابعه على ذلك ابن أبي دينار، وأما صاحب ذكر بلاد الأندلس فقد ذكر أن الدعوة استمرت لأبي جعفر المنصور مدة سنتين، في حين أن ابن خلدون لم يحدد المدة. انظر على التوالي: نقط العروس ص ٧٥. الكامل ٥/ ٢٠٩. نهاية الأرب ٢٣/ ٣٤٦. نفح الطيب ٣/ ٥٩، الحلة السيراء ١/ ٣٥ - ٣٦. تاريخ الأندلس لابن الكردبوس ص ٦٠ - ٦١. ابن أبي دينار، المؤنس في أخبار أفريقيا وتونس، (تحقيق وتعليه: محمد شمام، المكتبة العتيقة، تونس ١٣٨٧ هـ)، ص ١٠٠. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٤. تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٢٢. ومن خلال هذه الأقوال نرى أن المدة التي قضاها الداخل في الدعاء للمنصور هي عشرة أشهر فقط، كما ذهب إلى ذلك ابن الأثير ومن تابعه، ويمكن الاستئناس بتاريخ مولد هشام بن الداخل، على المدة التي استمر فيها الدعاء للمنصور، فقد ورد في البيان المغرب (٢/ ٤٨) أن الأمير الداخل بعد قطع الدعاء للمنصور ولد ابنه هشام لأربع خلون من شوال سنة ١٣٩ هـ، وإذا ما أجرينا عملية حسابية من يوم الأضحى سنة ١٣٨ هـ إلى مولد هشام نجد المدة لا تتجاوز عشرة أشهر.","vol":"1","page":190},{"text":"ولعل أصعب مرحلة مرت بها الدولة الأموية في الأندلس، كانت في عهد الأمير عبد الله بن محمد، الذي قل أن تجد كورة من كور الأندلس لايوجد فيها عصيان على حكومة قرطبة (^١)، بل إن الأمر استفحل لدرجة أنه لم يبق لتلك الحكومة سيطرة إلا على قرطبة وأحوازها (^٢)، بالإضافة إلى بعض المناطق مثل طرطوشة (^٣) وبجانة (^٤) اللتين استمرتا على علاقتهما مع قرطبة فكان ولاتهما يعينون إما من قبل الأمير عبد الله أو بمباركته (^٥).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٠٤.\n(^٢) - أعمال الأعلام، ٢/ ٢٧.\n(^٣) - طرطوشة:  Tortosa  تقع في شمال شرقي إسبانيا، بالقرب من البحر المتوسط على بعد ٨٤ كيلو متر من مصب نهر الأبرو، أقام فيها الخليفة عبد الرحمن الناصر دار صناعة ضخمة، وقد سقطت في أيدي النصارى سنة ٥٤٣ هـ. انظر: ابن غالب: تعليق منتقى ص ٢٨٥ - ٢٨٦ الروض المعطار ص ٣٩١ - ٣٩٢. الحلل السندسية، ٣/ ٧ - ٤٤. الآثار الأندلسية الباقية، ص ١٢٠ - ١٢٢.\n(^٤) - بجانة:  Pechina  كانت من أهم المدن العسكرية على الساحل الجنوبي للأندلس، إلا أنها فقدت هذه الميزة بنشأة مدينة المرية سنة ٣٤٤ هـ، وبجانة اليوم بليدة صغيرة تبعد عن المرية مسافة عشرة كيلو مترات شمالًا. انظر: الروض المعطار، ص ٧٩ - ٨٠. تاريخ مدينة المرية الإسلامية ص ١٧ - ٣٢.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٥٢، ٥٣، ١٠٦، ١٠٩.","vol":"1","page":191},{"text":"وهذا يعني أن الدعاء للأمير عبد الله توقف في كافة أرجاء الأندلس إلا في قرطبة وما جاورها بالإضافة إلى طرطوشة وبجانه.\nوفي الخطبة أيضًا تم الإعلان عن تحول الدولة من إمارة إلى خلافة، وذلك في عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد، ففي يوم الجمعة ثاني ذي الحجة سنة (٣١٦) هـ (١٦ يناير (٩٢٩) م) دعا قاضي الجماعة بقرطبة أحمد بن بقي بن مخلد لعبد الرحمن بن محمد بإمرة أمير المؤمنين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>ارتقاب الأهلة:</span>\nومن مظاهر سلطان الأمير أو الخليفة الأموي، تكوين لجنة تتولى ارتقاب الأهلة، بالذات هلال شهري رمضان وشوال، ويكون قاضي الجماعة هو المسؤول عن هذه اللجنة، وبعد أن تتم رؤية الهلال، يكتب قاضي الجماعة كتابًا يرفعه للأمير أو الخليفة لإعلامه بدخول شهر رمضان أو برؤية هلال شهر شوال (^٢).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤١.\n(^٢) - النباهي، ص ٧٨.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>المقصورة:</span>\nومن شارات الدولة الأموية في الأندلس المقصورة، وهي عبارة عن حجرة تقام بجانب المحراب، يصلي فيها الأمير أو الخليفة. ويعلق ابن خلدون على اتخاذها فيقول: \"وصارت سنة في تمييز السلطان عن الناس في الصلاة، وهي إنما تحدث عند حصول الترف في الدول والاستفحال شأن أحوال الأبهة كلها\" (^١).\nوقد تم إنشاء المقصورة في جامع قرطبة سنة (٢٥٠) هـ (٨٦٤) بأمر من الأمير محمد بن عبد الرحمن، فهو أول من اتخذها في الأندلس (^٢)، وأصبحت سنة لمن بعده، ولا يصلي في هذه المقصورة إلا الأمير أو الخليفة وعدد قليل من الخواص.\nالساباط:\nوهناك الساباط (^٣) الموصل بين القصر وجامع قرطبة يعتبر من مظاهر السلطان في الأندلس وأول من أنشأه الأمير عبد الله بن محمد، ويمتد هذا\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧١٢. والمقصورة تؤخذ بالإضافة للتميز حماية لولي الأمر، وأول من اتخذها الصحابي الجليل الخليفة معاوية بن أبي سفيان ﵁. انظر أبو هلال العسكري، الأوائل، (تحقيق: وليد قصاب ومحمد المصري، دار العلوم الرياض ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م» ١/ ٣٣٥.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٢٠. وعن هذه المقصورة وموقعها في المسجد ومساحتها. انظر: قرطبة حاضر الخلافة، ١/ ٣٣٠.\n(^٣) - الساباط: سقيفة بين دارين تحتها طريق. انظر: الفيروزبادي، القاموس المحيط، (القاهرة، المطبعة المصرية، ط الثالثة، ١٣٥٢ هـ/١٩٣٣ م) ٢/ ٣٦٣.","vol":"1","page":193},{"text":"الساباط من باب سبق وأن فتحه الأمير محمد بن عبد الرحمن في جدار قصره إلى الباب المعروف بباب الأمير \"  La Puerta De San Migule\"  المفضي إلى المقصورة. وكان الأمير عبد الله يستخدم هذا الساباط المستور للوصول إلى المسجد الجامع ودخول المقصورة وأداء الصلاة دون أن يراه أحد ثم يعود أدراجه إلى القصر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-13>السرير:</span>\nومن مظاهر سلطان الحاكم الأموي في الأندلس، الجلوس على السرير، وهو عبارة عن \"أعواد منصوبة أو أرائك منضدة لجلوس السلطان عليها مترفعًا عن أهل مجلسه أن يساويهم في الصعيد\" (^٢).\nويذكر ابن حيان أن الأمير عبد الرحمن الأوسط كان له سرير من خيزران لطيف الصنعة، ويوضع على السرير فراش وثير محشو بالريش ليجلس وهو براحة تامة (^٣).\n_________\n(^١) - وربما أقيم الساباط حفاظًا على سلامة الأمير، ولكن من الثابت أن السبب يعود لأمر آخر، فقد اعتاد بعض الأندلسيين عندما يكونوا في المسجد انتظارًا للصلاة القيام عند رؤيتهم للأمير مقبلًا من قصره لأداء الصلاة، فلما طال الأمر كتب إليه الفقيه سعيد بن خمير المتوفي سنة ٣٠١ هـ كتابًا نبهه فيه إلى أن قيام الناس له لا يجوز فأصدر أمره للناس بعدم القيام له، لكن البعض لم يترك هذه العادة، فاضطر الأمير إلى وضع الساباط بحيث يدخل المسجد وينصرف دون أن يراه أحد. انظر: المقتبس، طبعة: أنطونيه، ص ٢٦، ٣٤.\n(^٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٠.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":194},{"text":"وعندما دخل الأمير محمد بن عبد الرحمن للقصر لاستلام الحكم بعد وفاة والده \"احتشد الخدم المستدعون له يزفونه زفًا إلى سرير والده، فاستوى عليه وتم الملك له\" (^١).\nوفي الأعياد والاحتفالات العامة يكون الأمير أو الخليفة على سريره في المجلس، وعن يمينه وشماله الأخوة والأعمام، ومن ثم رجالات الدولة كل وفق مرتبته، ومثل هذا ما حدث في زمن الخليفة الحكم المستنصر بالله، ففي عيد الأضحى سنة (٣٦٠) هـ (أكتوبر (٩٧١) م) جلس الخليفة الحكم على السرير بقصر الزهراء في المجلس الشرقي للتهنئة، فكان إخوته أول المهنئين له فجلسوا على مراتبهم بعد السلام، ثم الوزراء وجلسوا عن يمين السرير بعد الإخوة، ثم سائر أهل طبقات الخدمة على منازلهم ومراتبهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>القضيب:</span>\nونظرًا للتطور الذي شهدته رسوم الدولة الأموية في الأندلس خلال عهد الخلافة بالذات، أصبح القضيب (^٣) إحدى شارات الملك، يمسك به الخليفة بيده في أثناء مسيره بموكبه أو جلوسه في الاحتفالات الرسمية.\n_________\n(^١) - المصدر السابق، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١١٨.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٩.\n(^٣) - القضيب: هو عبارة عن عود طوله شبر ونصف ملبس بالذهب المرصع بالدر والجوهر، يمسكه الخليفة في المواكب العظام. انظر: محمد البقيلي، التعريف بمصطلحات صبح الأعشى. (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٣ م)، ص ٢٥٧.","vol":"1","page":195},{"text":"ويذكر ابن حيان أن الخليفة هشامًا المؤيد عندما أخرجه الحاجب المنصور ابن أبي عامر للناس ليروه برز \"معممًا على الطويلة سادلًا للذؤابة، والقضيب في يده زي الخلافة\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>المظل:</span> -\nويمكن اعتبار المظل أحد مظاهر سلطان ولي الأمر الأموي في الأندلس، وبالذات في عصر الخلافة إذ أن المظل هو عبارة عن خيمة ميدانية خاصة بالخليفة.\nفقد ذكر ابن حيان أنه في سنة (٣٠٨) هـ (٩٢٠ م) قام الخليفة عبد الرحمن الناصر بغزوة ضد نصارى الشمال، وفي إحدى مواطن القتال، التجأ حوالي خمسمائة رجل من أولئك النصارى إلى أحد الحصون للاحتماء به، إلا أن الخليفة أمر بتقديم المظل وأبنية العسكر إلى ساحة الحصن لمحاصرته (^٢).\nوتجدر الإشارة إلى أن المظل كان في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله يقدم هدية لمن يراد تكريمه وتشريفه على من سواه، فقد ذكر ابن حيان أنه في شهر رمضان سنة (٣٦٢) هـ (يونيو ٩٧٣) صدرت أوامر الخليفة المستنصر بالله بمنح زعيم البربر رئيس كتامه، الوافد إليه من العدوة\n_________\n(^١) - الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٧٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٦٦.","vol":"1","page":196},{"text":"المغربية أبي العيش بن أيوب بن بلال مظلًا فخمًا بفرشه وآلته لنزوله فيه إكرامًا له (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>حجر الأعزة:</span>\nويوجد في القصر مكان يعرف بحجر الأعزة، لا يركب من عنده إلا الأمير أو الخليفة ولا يسمح لغيرهما بالركوب منه إلا من أذن له من قبلهما تنويها بذكره وإكرامًا له، كما فعل الخليفة المستنصر بالله عندما جعل ركوب الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن الناصري من عند ذلك الحجر، عندما قلده سيفين وسماه بذي السيفين وذلك يوم الخميس السابع من شهر شعبان سنة (٣٦٤) هـ (^٢) (٢٢ إبريل (٩٧٥) م) تقديرًا له على جهوده في العدوة المغربية.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>الطراز:</span>\nومن مظاهر سلطان الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس اتخاذ الطراز (^٣)، الذي يعتبر من العلامات الدالة على عظم الدولة، وهو عبارة\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١١٥.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٢١٩ - ٢٢٠\n(^٣) - الطراز: كلمة معربة عن الفارسية، استعملت في الشعر العربي عند التفاخر والمدح، كقول حسان بن ثابت ﵁: -\nبيض الوجوه كريمة أحسابهم … شم الأنوف من الطراز الأول\nكما استعملت للدلالة على مجموعة معمارية. إلا أن المعنى الحقيقي لكلمة الطراز يتضح عندما تنقش العبارة الرسمية على العملة أو النسيج الرسمي أو غير ذلك من الأوراق ذات الطابع الرسمي، وقد جرت العادة أن تتخذ كل دولة لنفسها طرازًا أو عبارة مميزة. انظر: ديوان حسان بن ثابت، (تحقيق د. سيد حنفي حسين، القاهرة، وزارة الثقافة ١٣٩٤ هـ/١٩٧٤ م) ص ١٢٣. د. حسن الباشا. الفنون الإسلامية والوظائف على الآثار العربية. (القاهرة، دار النهضة العربية ١٩٦٦ م)، ٢/ ٦٨٦. فريال داود المختار، دور الطراز في مدينة السلام (العراق وزارة الأعلام. مجلة المورد، المجلد الثالث، العدد الثالث، ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م) ص ١٢٣.","vol":"1","page":197},{"text":"عن ثياب تصنع بطريقة خاصة، يتميز بها الأمير أو الخليفة أو من ينعم عليه قبلهما (^١).\nوطبيعي أن أي دولة تكون منصرفة عن الأمور الكمالية في بداية أمرها، فإذا استقرت وقهرت سواها، بدأ قادتها يفكرون بقطف ثمار ملكهم، فتظهر حينئذ علامات الرفه النعيم (^٢).\nوهذا ما حصل لبني أمية في الأندلس، فمنذ قيام دولتهم هناك سنة (١٣٨) هـ (٧٥٥ م) لم نسمع للطراز أي ذكر حتى كان عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) الذي كانت أيامه تسمى \"أيام العروس (^٣) \" ذلك لأنه \"وجد ملكًا ممهدًا ورعية مؤدبة وهيبة مغلظة (^٤) \" وهذا ثمرة طبيعية للجهد الذي بذله من سبقه من آبائه، مما كان سببًا رئيسيًا في رخاء إقتصادي نعمت به الأندلس، فأصبحت خزائن الدولة ملأى بالأموال، وجاء الاتصال بالمشرق ليفتح آفاقًا رحبة أمام هذا الأمير الشاب الواعي \"فرتب رسوم المملكة واحتجب عن العامة (^٥) \" كما\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٨.\n(^٢) - المصدر السابق ص ٥٤٨ - ٥٥٥.\n(^٣) - المغرب في حُلى المغرب، ١/ ٤٦. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٩.\n(^٤) - المصدر السابق، ١/ ١٣٩.\n(^٥) - تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٣٠.","vol":"1","page":198},{"text":"أنه هو \"أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة، وكسى الخلافة أبهة الجلالة (^١) \" فكان من أهم إنجازاته التي تهمنا في هذه الدراسة أنه \"أحدث الطراز واستنبط عملها (^٢) \" فأنشأ في قصر الإمارة دورًا خاصة لصنع الثياب تعرف بـ\"دور الطراز\".\nوهناك خزانة خاصة بكسوة الأمير وخزَّانة تشرف عليها، وفي القصر خياطون لهم عريف خاص (^٣).\nوقد تحدث بعض المؤرخين (^٤) بشيء من الإعجاب عن دار الطراز التي أنشأها الأمير عبد الرحمن الأوسط، لكن ابن حيان (^٥) ذكر أن هذه الدار كانت في الأساس من إنشاء الأمير عبد الرحمن الداخل، وعليه فربما يكون ما قام به الأمير عبد الرحمن الأوسط هو عبارة عن تجديد لتلك الدار التي أنشأها جده.\nوقد شهدت دور الطراز تطورًا كبيرًا في زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر، وفي هذا يقول ابن الخطيب: \"ومن أثاره - عبد الرحمن الناصر - التي ضربت بها الأمثال وقضيت فيها العجائب، حال الطراز ببابه لنسج\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ٩١.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٨.\n(^٤) - ابن عذاري، البيان المغرب، ٢/ ٩١، ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ٢/ ٢٠، ابن خلدون، تاريخه، ٤/ ١٣٨.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٩٥.","vol":"1","page":199},{"text":"ما يحتاج إليه من الخلع والكسى وملابس الحرم وغير ذلك (^١) \" بالإضافة إلى \"الأقمشة الناعمة والمنسوجات الحريرية السميكة\" (^٢).\nولدار الطراز مسؤول يتولى الإشراف عليها، يسمى \"صاحب الطراز\"، وقد جرت العادة ألا يتولى هذا المنصب إلا الأعيان الذين لهم اختصاص بالأمير أو الخليفة الأموي (^٣).\nوعلى صاحب الطراز تقع مسؤولية حفظ ما يصنع في دور الطراز، أو يدخل إليها، من الهدايا ونحوها، ولذا فقد كان يعمد إلى استخدام سجل خاص يسجل به موجودات الدار، لأنه سوف تتم محاسبته على ما كان لديه من الطراز عند عزله عن منصبه (^٤)، كما أن من مهامه الإشراف على الصاغة والحاكة الذين يعملون في دور الطراز، وإجراء الأرزاق عليهم (^٥)، كما كانت هناك زيارات يقوم بها أمراء وخلفاء بني\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام ٢/ ٤٠.\n(^٢) - وصف الأندلس للرازي ص ٦٥. ونتيجة لاهتمام عبد الرحمن الناصر بالطراز فقد ازدهرت عملية صناعة المنسوجات بالأندلس وبالذات في مدن المرية ولقنت وسرقسطة فأصبحت تنتج الأقمشة بأنواعها من الحرير المطرز بالذهب والوشي والسقلاطوني والبغدادي والخز وسائر أجناس الديباج والثياب الرقيقة المطرزة المصنوعة من السمور، وقد بلغت تلك الصناعة من الدقة بحيث أن الكثير منها يصدر للبلاد الأخرى. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٦٧، ٧٠، ٧٨. فرحة الأنفس، ص ٢٨٣ - ٢٨٤، ٢٨٧ - ٢٨٨. أعمال الأعلام، ٢/ ٤٠. المغرب في حُلى المغرب ٢/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٨٥، مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٩.\n(^٤) - نفح الطيب ١/ ٣٥٨.\n(^٥) - د. حسن إبراهيم حسن، وزميله، النظم الإسلامية (القاهرة. مكتبة النهضة المصرية، ط الأولى، ١٣٥٨ هـ، ١٩٣٩ م) ص ٢١٩.","vol":"1","page":200},{"text":"أمية لدار الطراز لتفقدها ومناقشة القائمين عليها ببعض المسائل وتوصيتهم وفق ما يرونه مناسبًا (^١).\nوبناءً على ما ورد في بعض المصادر التاريخية، يمكن القول بأن الأمويين قد أفادوا من إنتاج دور الطراز لديهم في تعاملهم السياسي مع الآخرين، فالأمير عبد الرحمن الأوسط عندما بعث بوفد من عنده لملك النورمان، حملهم هدية اشتملت على ثياب نالت إعجاب الملك (^٢) كما أن الأمير المنذر بن محمد أمر وهو في بداية عهده أن تقطع ثيابًا خاصة بأولاد عمر بن حفصون، عندما خدعه الأخير وتظاهر بأنه سوف يدخل في طاعته (^٣) وعندما تم الصلح بين الأمير عبد الرحمن بن محمد وعمر بن حفصون سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) بعث إليه الأمير بهدية كان فيها الكثير من الكسى السلطانية من الوشي الطرازي وغيره (^٤).\nورغم كل هذا، فإن علينا أن نتذكر أن صناعة الثياب الطرازية في الأندلس لا تقارن بما كان يصنع في المشرق، على الأقل إلى منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، يدل على ذلك حادثتان إحداهما وقعت في عصر الإمارة والأخرى في عصر الخلافة.\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩٢.\n(^٢) - ابن دحية، المطرب في أشعار أهل المغرب، ص ١٣٢.\n(^٣) - ابن عبد ربه، العقد الفريد، ٤/ ٤٩٦ - ٤٩٧.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١١٥ - ١١٦.","vol":"1","page":201},{"text":"ففي عصر الإمارة رحل الأديب أبو بكر بن سلاَّم القرطبي (^١) إلى المشرق، فالتقى هناك بالجاحظ (^٢) واختص به ولازمه مدة طويلة، فلما أراد العودة إلى الأندلس، طلب من الجاحظ أن يحتال له بجاهه لدى صاحب الطراز في البلاط العباسي، لصنع ثياب عراقية رقيقة، تطرَّز باسم الأمير محمد بن عبد الرحمن، فكلم الجاحظ صاحب الطراز، فأسعفه في طلبه \"وعمل له منها في السر المكتم عدة أثواب رفيعة القدر، جاء بها إلى الأمير محمد، فاستنبله في تحفته، وعظم موقعها لديه، ونال بها منزلة من اعتنائه\" (^٣).\nوأما في عصر الخلافة فإن الهدية السنية التي قدما الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد (^٤) للخليفة عبد الرحمن الناصر في شهر جمادى الأولى\n_________\n(^١) - أبو بكر بن سلاَّم، أحد أكابر أدباء وعلماء قرطبة، كان معتنيًا بالأخبار والأشعار والآداب، حافظًا للأنساب، له معرفة بالطب وهو الذي أدخل كتب الجاحظ الأندلس. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٣٧. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٦٤ - ١٦٥.\n(^٢) - هو أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ، أشهر أدباء وكتاب القرن الثالث الهجري، ولد سنة ١٦٥ هـ وتوفي سنة ٢٥٥ هـ في البصرة، ترك موسوعة ثقافية ضخمة. انظر عن الجاحظ وحياته وكتبه، الأبحاث الواردة في مجلة المورد، المجلد السابع، العدد الرابع ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٨ م ص ١١ - ٢٥٦. شارل بللا: الجاحظ (ترجمة: د. إبراهيم الكيلاني، دمشق، دار الفكر، ١٤٠٦ هـ (١٩٨٥ م) ص ٧ - ٣٩٠.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٦٤.\n(^٤) - أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن شهيد الأشجعي، كان من أهل الأدب، وهو من عائلة كانت خطط الدولة بأيدي أبنائها، تصرف في المناصب لعبد الرحمن الناصر، من ولاية الكور والوزارة وقود الصوائف، وهو أول من سمى بـ\"ذي الوزارتين\" انظر: الحلة السيراء ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.","vol":"1","page":202},{"text":"سنة (٣٢٧) هـ (مارس (٩٣٩) م) كانت المنسوجات فيها معظمها مشرقية إن لم يكن جميعها (^١).\nولقد كانت دار الطراز لدى الأمويين تنسج ثيابًا رفيعة مزينة بأشرطة الطراز، ولايمكن أن يطرز بتلك الدار لأحد باسمه سوى الأمير أو الخليفة، لكن جرت العادة لديهم أن يتم خلع بعض تلك الثياب المطرزة على بعض المقربين بين فترة وأخرى (^٢).\nوهناك حالة مستثناة لم تتكرر من قبل، فقد تم تطريز ثياب بدار الطراز لغير ولي الأمر، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أراد إكرام محمد بن خزر (^٣) إكرامًا لا مثيل له، أمر صاحب الطراز أن يصنع عشر قطع متنوعة من عتيق الخز العبيدي فطرزها باسم محمد بن خزر (^٤).\n_________\n(^١) - نفح الطيب: ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨. تجدر الإشارة إلى أن الأندلس أصبحت فيما بعد تنافس المشرق في هذه الصنعة، فقد تطورت في هذا المجال بصورة كبيرة، لدرجة أن مدينة المرية في عصر المرابطين \"كان بها من طرز الحرير ثمانمائة طراز، يعمل بها الحلل والديباج والسقلاطون والأصبهاني والجرجاني والستور المكللة المعيَّنة والعتابي والفاخر وصنوف أنواع الحرير\". انظر: صفة جزيرة الأندلس (نشر: ليفي بروفنسال، القاهرة، ١٩٣٧ م) ص ١٨٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢١. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٠٨، ٣٨٩، ٤٢٨.\n(^٣) - هو والد زعيم زناته في المغرب الأوسط الخير بن محمد، الذي وردت ترجمته من قبل.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٦٨.","vol":"1","page":203},{"text":"وقد أشار ابن خلدون إلى أن المنسوجات التي تنتجها دار الطراز، يكتب عليها أسماء الحكام مع كلمات أخرى تجري مجرى الفأل (^١).\nورغم أنه لا توجد لدينا نصوص عن ألوان منسوجات دار الطراز، إلا أنه يمكن الاستئناس بما كان سائدًا لدى الأمويين في المشرق، فقد كان الأمويون هناك ابتداءً من عهد الخليفة هشام بن عبد الملك يكسون الناس الخزَّ إلا الأصفر والأحمر، فقد ادخروا هذين اللونين لهم خاصة (^٢).\nوقد بقي لنا من طراز بني أمية في الأندلس مئزر كان خاصًا بالخليفة هشام المؤيد، صنع \"من نسيج رقيق جدًا، من الكتان المهري له أهداب طويلة على امتداده ويبلغ (١٢)، (١) وفي طرفه شريط عرضه (٧٨) ملم، مقسم إلى ثلاث مناطق، المنطقة الوسطى منها ثلاث عشرة جامة، تظهر فيها رسوم آدمية في حالة الجلوس، ويمسك أحد الأشخاص في يده قارورة ويشير بيده الأخرى إلى حيوانات من ذوات الأربع وطيور مرسومة في غير دقة ولا إحكام (^٣) .. وفي القسمين الجانبين نقش كوفي في لون\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٨.\n(^٢) - انظر: القاضي الرشيد بن الزبير، كتاب الذخائر والتحف، (تحقيق: د. محمد حميد الله، الكويت دائرة المطبوعات والنشر، ١٩٥٩ م) ص ٢١١.\n(^٣) - إن حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إذا كانت ذات أجسام حرم بالإجماع وإن كانت رقمًا ففيها أربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقًا على ظاهر الحديث \"إلا رقمًا في ثوب\" الثاني: المنع مطلقًا. الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال ابن العربي (وهذا هو الأصح) الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقًا لم يجز. انظر: ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (دار المعرفة بيروت - لبنان -) ١٠/ ٣٩١.","vol":"1","page":204},{"text":"أبيض يقرأ \"بسم الله الرحمن الرحيم، البركة من الله واليمن والدوام للخليفة الإمام عبد الله هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين\" وأرضية الجامات من الذهب أما بقية الأجزاء فيملؤها حرير في ألوان بيضاء وزرقاء سماوية وقمحية وصفراء ووردية وخضراء فاتحة بين خطوط سوداء، وصناعته تشبه تمام الشبه الصناعة المصرية المعاصرة له\" (^١).\nوأخيرًا، يمكن أن نضيف إلى ما سبق أن من مظاهر سلطة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس، تعيين الولاة والعمال، والإشراف على شؤون البلاد، وذلك من خلال بعث أمناء يسألون الناس عن سير ولاتهم فيهم، الأمر الذي يجعل الحاكم على بصيرة بما يجري في دولته، وفي الوقت نفسه يكفل لرعيته تحقيق العدالة المنشودة.\n_________\n(^١) - الفن الإسلامي في أسبانيا، ص ٤١١ - ٤١٤، ويذكر المؤلف أن هذا المئزر محتفظ به في الجمعية الملكية للدراسات التاريخية.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\">ولاية العهد </span>\n<span data-type='title' id=toc-19>اختيار ولي العهد</span>\nعند استعراضنا لتاريخ بني أمية في الأندلس، منذ قيام دولتهم وحتى سقوطها، نجد أن نظام الحكم فيها كان وراثيًا، يتوارثه الأبناء عن الآباء، ولا نجد ولو لمرة واحدة، أن عقد أحدهم ولاية العهد (^١) من بعده، لأحد إخوانه، فضلًا عن أن يعقدها لواحد من أبناء عمومته، كما هو الحال في الدولة الأموية في المشرق.\nوأما خروج هذا المنصب إلى واحد من خارج الأسرة الأموية فقد حدث مرة واحدة، وكان ذلك بسبب ظروف استثنائية قاهرة سيأتي بيانها فيما بعد. ووراثة ولاية العهد في الأبناء كانت تقوم على أسس يمكن من خلال الأحداث التالية جلاء صورتها.\nقام هشام بن عبد الرحمن الداخل بالإمارة مقام أبيه بعد وفاته بناءً على عهد مسبق منه (^٢) بالرغم من أن أخاه\n_________\n(^١) - يتكون مفهوم \" ولاية العهد\" من لفظين، هما: ولاية- عهد. أما الولاية فتعني القرابة، والخطة والإمارة، وتعني البلاد التي يتسلط عليها الوالي. أما العهد فيعني: الوصية والتقدم إلى المرء في الشيء والموثق واليمين، والذي يكتب للولاة من عهد إليه أوصاه، واستعهد من صاحبه اشترط عليه وكتب عليه عهده. ولي العهد لأنه ولي الميثاق الذي يؤخذ على من بايع الخليفة. انظر: لسان العرب. مادة: عهد.\n(^٢) - ابن حزم، نقط العروس، ص ٥٦. وانظر: الكامل، ٥/ ٢٨١. الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٣. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٩. نفح الطيب، ١/ ٣٣٤. وقد ذهب كل من ابن عذاري وابن الخطيب إلى القول بأن الداخل لم يعين ولي عهده، بل جعل الأمر لمن يحضر أولًا إلى قرطبة من الأخوين سليمان وهشام، حيث تقول روايتهما: أن عبد الرحمن الداخل أوصى ابنه عبد الله قائلًا: \"من سبق إليك من أخويك فارم إليه بالخاتم والأمر، فإن سبق إليك هشام فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة، وإن سبق إليك سليمان فله فضل سنه وبخدته وحب الشاميين له. انظر البيان المغرب، ٢/ ٦١. أعمال الأعلام: ٢/ ١١. ووفق النص السابق نجد أن الداخل جعل الأمر لمن سبق من الأخوين، فهل يعقل أن يترك الداخل أمر الدولة من بعده دون أن يقطع فيه برأيه، وإذا كان الوضع بهذه الصورة فلم لم يعمد عبد الله إلى أخذ الأمر لنفسه بعد أخذ الاحتياطات اللازمة؟.","vol":"1","page":206},{"text":"سليمان أسن منه (^١)، وهنا لابد من تساؤل يُطرح: لماذا قدم هشام على سليمان؟.\nكان المجتمع الأندلسي يتكون من فئات عدة، وكان العرب إحداها ولاشك أنهم لا يشكلون الأغلبية، بل هم أقلية بالنسبة لأهل البلاد الأصليين، وفي تلك الفترة التي نؤرخ لها، كان العرب ينقسمون في الأندلس إلى فئتين كبيرتين، شاميين وبلديين (^٢)، والبلديون أكثر من الشاميين (^٣)، وقد اندلعت الحروب بين هاتين الفئتين بسبب المصالح\n_________\n(^١) - كان عمر سليمان عندما هرب والده من المشرق بعد مذبحة نهر أبي فطرس التي جرت سنة ١٣٢ هـ أربع سنوات تقريباَ. انظر: أخبار مجموعة ص ٥٢. وأما هشام فقد ولد في الأندلس في شهر شوال سنة ١٣٩ هـ. البيان المغرب ٢/ ٤٨.\n(^٢) - العرب القيسيون أو الشاميون قدموا إلى الأندلس مع طالعة بلج بن بشر القشيري سنة ١٢٤ هـ، إذ أنهم يشكلون أغلبية تلك الطالعة. انظر: ابن القوطية، ص ١٥. كما وصل مع أبي الخطار الكلبي ثلاثون رجلًا منهم. ابن القوطية، ص ١٩. وأما اليمنيون أو البلديون فإنهم وصلوا قبل الشاميين، إذ قدموا مع طالعة موسى بن نصير في شهر رجب سنة ٩٣ هـ، \"انظر: الرسالة الشريفية ص ١٩٢. منشورة في آخر كتاب تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية\". ثم قدمت مجموعة أخرى منهم مع طالعة الحر الثقفي سنة ٩٧ هـ. انظر: البيان المغرب ٢/ ٢٥.\n(^٣) - أخبار مجموعة، ٥٨.","vol":"1","page":207},{"text":"وغياب السلطان الذي يحفظ الأمن ويجري الحقوق بين الناس، ومع ضعف دوافع الانقسام والتحزب بسبب قيام الدولة الأموية، فإن أثار ذلك ظلت تكمن في النفوس، ومن شأن وجود شاميين وبلديين في الأندلس أن يكون له حسابه في الفصل في موضوع ولاية العهد، حيث كانت أم سليمان شامية وأم هشام بلدية.\nوفي النص الذي أورده ابن عذاري نجد الأمير عبد الرحمن الداخل يصرح بحب الشاميين لسليمان، عندما أوصى ابنه عبد الله قائلًا: \"وإن سبق إليك سليمان فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين له (^١) \" فلو تولى سليمان الإمارة هل ستنقاد له بقية فئات المجتمع الأندلسي؟ إن الأمير عبد الرحمن الداخل بحاجة إلى استقرار إمارته، وتجنيبها الخلافات عليه وعلى خلفائه من بعده، ولذا فإن إسناد الأمر إلى هشام، من شأنه أن يجعل اجتماع الكلمة عليه أكثر احتمالًا، إذ أن أمه من البلديين.\nوإذا نظرنا إلى وضع الإمارة الأموية في نهاية عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، نجد أنها كانت تنعم بالهدوء بعد أن أمضى سنوات طويلة من حكمه في إرساء قواعد دولته والقضاء على الخصوم بشدة.\nولاشك أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يغفل هذه الناحية، فهو يدرك ضرورة اختيار الأنسب لتولي العهد من بعده، وبما أن دولته مستقرة، ففي الحالة هذه يكون تقديم هشام أولى، وقد ذكر الماوردي أن\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٦١. وانظر: أعمال الأعلام، ٢/ ١١.","vol":"1","page":208},{"text":"الأشجع من المرشحين لولاية العهد أولى بالتقديم \"إن كانت الحاجة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة (^١) \" وإلا فالعالم المتدين أحق بالتقديم.\nوبالإضافة إلى ما سبق، فقد كان الأمير عبد الرحمن الداخل كثير الاهتمام بولديه، وكثيرًا ماكان يسأل عنهما فتأتيه الإجابة بأن هشامًا إذا حضر إلى مجلس الوزراء (^٢) أصبح الحديث الدائر في المجلس جادًا مفيدًا، وإذا كان يوم حضور سليمان عج المجلس بالأحاديث الهزلية (^٣).\nولم يكن الداخل يكتفي بالأخبار التي تنقل إليه عن ولديه، بل كان يعمد إلى اختبارهما بنفسه، فمن ذلك أنه قال لهشام يومًا على انفراد لمن هذا الشعر:\nوتعرف فيه من أبيه شمائل … ومن خاله أو من يزيد ومن حجر\nسماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا … ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر (^٤)\nفقال: يا سيدي لامرئ القيس، وكأنه قاله في الأمير أعزه الله، فاستحسن ذلك منه، وأنعم عليه بصلة طيبة، ثم سأل سليمان على انفراد، وأنشده البيتين فقال: \"لعلهما لأحد أجلاف العرب، أما لي شغل غير\n_________\n(^١) - الأحكام السلطانية، ص ٥.\n(^٢) - يذكر ابن الابار أن الأمير الداخل قد استوزر ولديه سليمان وهشام، وألزمهما الركوب إلى القصر وحضور مجالس مشاورته. انظر: الحلة السيراء، ١/ ٤٢.\n(^٣) - المصدر السابق ١/ ٤٢.\n(^٤) - هذان البيتان من قصيدة لامرئ القيس يمدح فيها سعد بن الضباب الإيادي، ويهجو هانئ بن مسعود، انظر: حسن السندوبي: شرح ديوان امرئ القيس (القاهرة، المكتبة التجارية، د. ت) ص ١٠٢ - ١٠٣.","vol":"1","page":209},{"text":"حفظ أقوال بعض الأعراب، فأطرق الأمير عبد الرحمن، وعلم قدر ما بينهما من المزية\" (^١).\nوبناءً على ما سبق، ولأن هشام كان \"نجيبًا (^٢) \" ووالده \"يتوسم فيه الشهامة والاضطلاع بهذا الأمر، فلا غرابة إذا أسند إليه ولاية العهد من بعده كما صرح بذلك ابن الأثير (^٣).\nوقد تكررت مسألة إسناد ولاية العهد لغير الابن الأكبر أكثر من مرة، فالأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل ١٧٢ - (١٨٠) هـ (٧٨٨ - ٧٩٦) أوصى بولاية العهد من بعده لابنه الحكم الربضي ١٨٠ - (٢٠٦) هـ (٨٢٢ - ٨٥٢) بالرغم من أن أخاه عبد الملك أسن منه (^٤)، والأمير الحكم جعل ابنه عبد الرحمن وليًا لعهده بوجود ابنه الأكبر هشام، وقد تولى عبد الرحمن الإمارة وهشام على قيد الحياة (^٥). وكذلك فعل الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - ٨٨٦) فقد\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٣١٤. وعن اهتمام أمراء بني أمية بولاية العهد. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٠٤.\n(^٢) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٩.\n(^٣) - الكامل، ٥/ ٢٨١.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٦٥. قام الأمير هشام الرضا بنكب ولده عبد الملك، فسجنه. وظل في السجن بضع عشرة سنة - حتى مات مسجونًا في ولاية أخيه الحكم الربضي. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٩٥.\n(^٥) - وقد ذكر ابن حزم أن السبب في فعل الأمير الحكم أنه بلغه أن ابنه هشام يتمنى موته ليلي الأمر بعده، وكان أكبر ولده، فحلف ألا يليه أبدًا، وقدم عليه أخويه عبد الرحمن والمغيره. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٩٨.","vol":"1","page":210},{"text":"جعل ابنه المنذر ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - ٨٨٨) وليًا لعهده ومن بعده عبد الله (^١) ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - ٩١٢) وكان عبد الله أسن من أخيه المنذر (^٢).\nوتقديم المنذر على أخيه الأكبر عبد الله لولاية العهد مسألة تحتاج إلى مزيد من البيان والتوضيح، فقد كان للأمير محمد عدد من الأبناء النجباء، اتصفوا بالشجاعة، فتولوا مهام قيادة الجيوش (^٣)، والاشتراك في الغزوات الحربية مع والدهم (^٤) ومن بين أولئك الأبناء المنذر الذي \"كان أشد الناس شكيمة وأمضاهم عزمًا (^٥)، واشتهر أمره في حياة والده بكثرة قيادته للجيوش المتجهة للجهاد ضد نصارى الشمال (^٦)، كما عرف أيضًا بمقارعته للمناوئين الخارجين على حكومة قرطبة (^٧).\n_________\n(^١) - نقط العروس، ص ٦٥.\n(^٢) - توفي الأمير المنذر يوم السبت من شهر صفر سنة ٢٧٥ هـ وسنه ٤٦ عامًا. انظر: العقد الفريد، ٤/ ٤٩٧. وأما الأمير عبد الله فقد توفي سنة ٣٠٠ هـ وعمره ٧٢ سنة. العقد الفريد ٤/ ٢٩٦. وعلى هذا يكون تاريخ ميلادهما على التوالي: المنذر سنة ٢٢٩ هـ. وعبد الله ٢٢٨ هـ.\n(^٣) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١٨ - ٣٢٠. البيان المغرب ٢/ ٩٤ وما بعدها.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٥٥.\n(^٥) - العقد الفريد ٤/ ٤٩٦.\n(^٦) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١٩، ٣٤١، ٣٨٥.\n(^٧) - البيان المغرب ٢/ ١٠٣، ١٠٦.","vol":"1","page":211},{"text":"ولاشك أن الأمير محمد كان يدرك الوضع العام السائد في دولته آنذاك، ومدى الاضطراب الذي يتهددها، بسبب كثرة المخالفين واعتداءات نصارى الشمال (^١)، ولذا فهو على يقين بأن البلاد بحاجة إلى حاكم يمتاز بالصلابة والمراسة والشجاعة، وهذا ما امتاز به الأمير المنذر، ومن هذه صفته فهو أولى بالتقديم في مثل هذه الظروف (^٢).\nفإذا عرفنا ذلك، مع أخذنا بالاعتبار أن الأمير عبد الله بن محمد كان \"لين العريكة، وشديد الحب للعافية (^٣) \" أدركنا أن تقديم المنذر لولاية العهد كان محكومًا بشخصيته القوية من جهة، وبطبيعة ظروف وأوضاع الدولة من جهة أخرى، وكان تقديم المنذر لولاية العهد مع وجود الأكبر من إخوته يجري وفق أسس من الحكمة والتبصر وتسمية من هو أصلح، حتى أن والده قدمه لولاية عهده قبل وفاته بأكثر من عشر سنوات (^٤).\nومما يتصل باختيار الأنسب لولاية العهد، ما جاء من أن عبد الرحمن الناصر تولى الحكم بعد وفاة جده الأمير عبد الله بن محمد دون بقية أعمامه\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٩٣ - ٢٩٤، ٣٠٤، ٣٠٧ - ٣١٠، ٣١٥ - ٣١٨، ٣٢٠ - ٣٢١، ٣٢٤ - ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣١ - ٣٣٢، ٣٤٩ - ٣٥٥، ٣٦٩ - ٣٧٣، ٣٩٣ - ٣٩٦، البيان المغرب، ٢/ ٩٤ - ٩٦، ٩٩ - ١٠٠، ١٠٣، ١٠٥. أعمال الأعلام، ٢/ ٢١. نفح الطيب ١/ ٣٥٠، ٣٥١.\n(^٢) - انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية، ص ٥.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٥٥.\n(^٤) - خرج الأمير المنذر سنة ٢٦٢ هـ على رأس جيش لمحاربة عبد الرحمن بن مروان الجليقي وصاحبه سعدون السرنباقي، وكان حينها وليًا للعهد. انظر: ابن القوطية، ص ٨٨ - ٨٩. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٤٣ - ٣٤٤.","vol":"1","page":212},{"text":"وأعمام أبيه، وذكر ابن حزم أن الأمير عبد الله توفي دون أن يعهد بالحكم لأحد من بعده (^١) ثم يشير إلى أن استلام حفيده عبد الرحمن الناصر للإمارة جاء نتيجة لاجتماع أهل الحل والعقد، وتشاورهم فيمن يقوم بأمر الإسلام، وأنهم لم يجدوا في شباب بني أمية أصلح من عبد الرحمن فأجلسوه مكانه (^٢)، ثم علق ابن حزم على البيعة قائلًا: \"وكانت البيعة من المستطرف لأنه كان في هذا الوقت شابًا، وبالحضرة جماعة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه وذوي القعدد في النسب من أهل بيته فلم يعترض معترض\" (^٣).\nويعلل بعض المؤرخين المحدثين (^٤) عدم اعتراض أفراد الأسرة الأموية على تنصيب عبد الرحمن أميرًا على البلاد، بأنهم قد زهدوا بالإمارة نتيجة إدراكهم لجسامة الأخطار المحدقة بالبلاد آنذاك.\nإلا أن هذا الرأي لا يمكن التسليم به إذ أن المتأمل في سيرة عبد الرحمن الناصر أثناء حياة جده، وطريقة توليه الحكم من بعده يدرك تمامًا أن عبد الرحمن دون غيره هو الذي خُصَّ بولاية العهد لكفايته وثقة الأمير عبد الله بقدرته على تحمل المسؤولية، وأن أولئك الأعمام لم يزهدوا\n_________\n(^١) - نقط العروس، ص ٥٦.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٥٧.\n(^٣) - جذوة المقتبس، ص ١٢.\n(^٤) - انظر: د. حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص ٣٠٨، د. السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وأثارهم في الأندلس، ص ٢٧٩، د. أحمد العبادي في التاريخ العباسي والأندلسي، ص ٣٧٧.","vol":"1","page":213},{"text":"بالإمارة، كما أشار إلى ذلك ابن حزم ومن تابعه. فقد نشأ عبد الرحمن الناصر يتيمًا (^١)، فتولى جده الأمير عبد الله كفالته، فرباه تربية حسنة (^٢)، وتفرس النجابة فيه فخرجه بأدبه، وأجهد في تعليمه (^٣) \" وعندما بلغ مبلغ الرجال جعله \"كاتب سره (^٤) \" كما خصه بالسكنى معه في القصر دون بقية أعمامه (^٥)، وهذا أمر سار عليه أمراء بني أمية، فهم لا يسكنون أحدًا معهم في القصر من أبنائهم إلا من يرشحوه لولاية العهد (^٦).\nوإضافة إلى ما سبق فقد كان الأمير عبد الله يكلف حفيده عبد الرحمن الناصر بالجلوس نيابة عنه في بعض الأيام والأعياد، ويقعده \"مقعد نفسه لتسليم الجند عليه\" (^٧).\nوفضلًا عن كل ما ذكر فالأمير عبد الله عندما مُرض مَرض الموت، رمى بخاتم الملك إلى حفيده عبد الرحمن (^٨)، وفي هذا دلالة أكيدة على أن الأمير عبد الله كان قد أوصى بالإمارة من بعده لحفيده، ولم يترك الأمر من بعده عرضة للنزاع والشحناء.\n_________\n(^١) - عندما قتل محمد بن الأمير عبد الله، كان عبد الرحمن قد مضى على ولادته ثلاثة أسابيع. انظر: البيان المغرب ٢/ ١٥٧.\n(^٢) - المقتبس، طبعة: أنطونيه ص ٣٩. أعمال الأعلام: ٢/ ٢٩.\n(^٣) - المقتبس، طبعة: أنطونيه ص ٢٩.\n(^٤) - المصدر السابق طبعة، أنطونيه ص ٣٩.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٧.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٤، ١٦.\n(^٧) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٧.\n(^٨) - المصدر السابق: ٢/ ١٥٧.","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>مراسم تعيين ولي العهد:</span>\nكان من المتبع لدى بني أمية في الأندلس، أنه بعد أن يتم اختيار ولي العهد، يبدأ الاحتفال بتعيينه والإعلان عن بيعته، وقد شهدت تلك المراسم تطورًا كبيرًا في عصر الخلافة عما كانت عليه في عصر الإمارة.\nفقد ذكر ابن سعيد أن الأمير الحكم الربضي كان أول من عقد البيعة بولاية العهد من بعده في الأندلس (^١) حيث عقدها لولديه عبد الرحمن ثم المغيرة. وقد تمت مبايعة ولي العهد مرتين (^٢)، الأولى عرفت بالبيعة الخاصة، والثانية عرفت بالبيعة العامة.\nوقد جرت البيعة الخاصة لولي العهد الأول في قصر الإمارة، ثم توجه إلى داره (^٣) لاستقبال المبايعين بالبيعة العامة، أما ولي العهد الثاني فقد أخذت له البيعة الخاصة في دار ولي العهد الأول، ثم توجه إلى الجامع وعند المنبر لكننا نشهد تطورًا يطرأ على هذه المراسم في عصر الخلافة، فالخليفة المستنصر عندما أراد أن يعقد ولاية العهد من بعده لابنه هشام، جلس في إحدى قاعات القصر الضخمة، وبعد اكتمال حضور كبار رجالات الدولة من شيوخ البيت الأموي وزعماء البيوتات الأندلسية والوزراء\n_________\n(^١) - المغرب في حُلى المغرب، ١/ ٤٣.\n(^٢) - انظر: مراسم تلك البيعة لدى ابن عذاري، البيان المغرب، ٢/ ٧٧.\n(^٣) - تجدر الإشارة هنا إلى أن وجود دار خاصة بولي العهد يعني أن له وزراء وجلساء وندماء خاصين، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلًا، إذ أن تغيرًا طرأ على هذا الجانب، فولي العهد أصبح يسكن مع الأمير ثم مع الخليفة في القصر.","vol":"1","page":215},{"text":"والقضاة والفقهاء والقادة وكبار الفتيان الصقالبة ونحوهم، ألقى الحكم خطبة بهذه المناسبة افتتح كلامه فيها بما عزم عليه من إسناد ولاية العهد لابنه هشام، وأشار في خطبته إلى الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذه الخطوة، وبعد أن أُخذت البيعة على الحضور، أُخرجت نسخ من كتاب البيعة لتوقيع شهادات الذين التزموها (^١)، وتولى إعطاء الحضور هذه النسخ على مراتبهم كل من صاحب الشرطة والمواريث المنصور بن أبي عامر، والكاتب ميسور الفتى، حيث يقوم كل من استلم نسخته بتسجيل شهادته بخط يده، بسجل خاص (^٢).\nوقاضي الجماعة هو أول من سجل شهادته في ذلك السجل، ثم تبعه الوزراء، ومن ثم أصحاب الشرطة وسائر أهل الخدمة من الحكام والقضاة والفقهاء والمشاورين وغيرهم، ولنا أن نتصور ضخامة هذا السجل إذا عرفنا أن عدد الشهود كان مائة وتسع وثلاثون رجلًا (^٣)، وعادة ما يصاحب هذا الاحتفال بذل الأموال والهدايا لعلية القوم (^٤)، وبالتالي يتم إرسال نسخ عديدة من كتاب البيعة لتلاوتها على كافة المنابر في الأندلس لاستقبال المبايعين من أبناء الرعية كل في محلته.\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ٢٤٩.\n(^٢) - المصدر السابق ٢/ ٢٤٩. نفح الطيب، ١/ ٤٢٥.\n(^٣) - أعمال الأعلام ٢/ ٤٨ - ٥٧.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٤٩.","vol":"1","page":216},{"text":"وقد حفظت لنا المصادر التاريخية نصين لكتابين من إنشاء الوزير الكاتب أبي حفص ابن برد الأكبر (^١)، صدرا بمناسبة الإعلان عن عقد ولاية العهد، ومن الملاحظ أن كلا الكتابين تضمنا أسباب اختيار الخليفة لولي عهده، وذكر صفاته وأخلاقياته، وأن الاختيار لهذا المنصب الهام جاء بعد روية واستخاره.\nفالكتاب الأول أصدره الخليفة هشام المؤيد عند توليته العهد لعبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر الشهير بشنجول، وذلك في شهر ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (نوفمبر (١٠٠٨) م) بيَّن فيه الخليفة أن اختياره لولي العهد كان من أجل صالح الأمة إذ أنه يخشى أن يوافيه الأجل دون أن يترك للأمة من تأوي إليه، وأن اختياره لشنجول كان أمرًا طبيعيًا لعدم وجود من هو أكفأ منه، بالإضافة إلى أنه يرى فيه القحطاني الذي سوف يسوق الناس بعصاه، وفي نهاية الخطاب تعهد المؤيد بأنه لن يغير نيته أبدًا (^٢).\n_________\n(^١) - هو الوزير أبو حفص أحمد بن برد، مولى بني شهيد، كان ذا حظ وافر من الأدب والبلاغة والشعر، تولى ديوان الإنشاء في الدولة العامرية بعد ابن الجزيري، ثم كتب لسليمان المستعين وغيره من خلفاء الفتنة، وقد امتد به العمر حتى تجاوز الثمانين وتوفي بسرقسطة سنة ٤١٨ هـ. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ١٩٩. الذخيرة،، ق ١ م ١ ص ١٠٣.\n(^٢) - انظر: هذا الخطاب في: الذخيرة، ق ١ م ١، ص ١٠٤. البيان المغرب، ٣/ ٤٤ - ٤٦. أعمال الأعلام، ٢/ ٩١ - ٩٢. تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٨ - ١٤٩. نهاية الأرب، ٢٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩. نفح الطيب، ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥.","vol":"1","page":217},{"text":"أما الكتاب الثاني فقد صدر عن الخليفة سليمان المستعين بالله أعلن فيه عقد ولاية العهد لابنه محمد، وذلك في منتصف شهر جمادى الآخرة سنة (٤٠٠) هـ (فبراير (١٠١٠) م) وقد جاء في الكتاب أن المستعين نظرًا لحرصه الشديد على الأمة فقد اختار لها ابنه محمدًا، وقد استخار الله تعالى في هذا الاختيار، وأنه بهذه الاستخارة والاختيار قد أبرأ ذمته من الأمة وأدى الأمانة التي اضطلع بها (^١).\nوإذا نظرنا إلى كلا الخطابين نجد أنهما متفقان في بعض النقاط، ومختلفان في نقاط أخرى، ففي الخطابين إشارة إلى أن قرار اتخاذ ولي العهد لم يأت إلا بعد الإكثار من استخارة الباري جل وعلا، وأن الخشية من الله تعالى والحرص على مصلحة المسلمين هما الدافع الرئيس لاتخاذ ولي للعهد، وأنه نظرًا لتوافر خلال الخير وصفات الرجولة في شخصي عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر ومحمد بن سليمان المستعين، دون غيرهما كل هذا رشحهما لهذا المنصب الهام.\nلكن هناك نقاط ميزت أحد الخطابين عن الآخر رغم أن الكاتب واحد هو ابن برد الأكبر، وأن المدة التي تفصل بين الخطابين لا تزيد عن سنة وثلاثة أشهر، ففي الخطاب الأول نجد الدعاء للخليفة هشام بطول البقاء عند ورود اسمه، في حين خلا الخطاب الثاني من هذه المسألة، كما\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٢٦ - ١٢٧.","vol":"1","page":218},{"text":"أن اسم ولي العهد في الخطاب الأول ذكر مقرونًا بالكنية واللقب مع الدعاء له بالتوفيق، بينما ورد اسم ولي العهد في الخطاب الثاني مجردًا.\nوهناك ناحية انفرد بها الخطاب الأول وهي: بما أن عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر، معافري يرجع إلى قحطان لأجل هذا ورد في الخطاب أن الخليفة هشام المؤيد يؤمل أن يكون عبد الرحمن بن المنصور هو الرجل القحطاني الذي أخبر عنه النبي ﷺ بأنه سيسوق الناس بعصاه.\nكما امتاز الخطاب الأول بإعلان تفويض مطلق تام من الخليفة هشام لولي عهده المنتظر في أمور الخلافة في حياة الخليفة وبعد وفاته.\nوأخيرًا اختتم الخليفة هشام خطابه بأنه يشهد الله وملائكته الكرام ومن حضر بأن لا يغدر بولي عهده. بينما نجد أن الخطاب الثاني اشتمل على إصدار الأمر للعمال بالكور بأن يأمروا أصحاب الصلوات في الجوامع بالدعاء لولي العهد في خطبة الجمعة. واختتم الخطاب بالتضرع إلى الله تعالى أن يوفق أمير المؤمنين لما فيه مصلحة جماعة المسلمين في دينهم ودنياهم، وأن يجازي أمير المؤمنين على جميل نيته وكرم مذهبه فيهم.\nوبعد أن تنتهي مراسم الاحتفال بولاية العهد، يخرج ولي العهد إلى مكانه المخصص بموكب خاص، فإذا استقر في مجلسه صدر الإذن منه لمن","vol":"1","page":219},{"text":"في الباب من بني أمية وغيرهم من القرشيين ولكبار رجالات الدولة وأصحاب البيوتات الأندلسية ونحوهم للدخول عليه وتهنئته والدعاء له (^١).\nوبعد ذلك تتم تكنية ولي العهد في المخاطبة، وينقش اسمه في السكة والأعلام والطراز، كما يتولى قاضي الجماعة الدعاء له فوق المنبر بينما يتولى القضاة وأصحاب الصلوات الدعاء له على كافة المنابر في الأندلس (^٢).\nهذه هي البيعة الخاصة، التي تنتهي عادة في نفس اليوم، أما البيعة العامة فيستقبلها ولي العهد لعدة أيام في بيته ويتم إرسال كتب خاصة في هذا الشأن إلى كافة الكور والثغور لأخذ البيعة من أبناء الرعية.\nولا تحدثنا المصادر التاريخية عن وقوع أي بادرة تشير إلى رفض عقد البيعة بولاية العهد أثناء الاحتفال بهذه المناسبة، فحتى عندما عقد الخليفة هشام المؤيد ولاية العهد من بعده لعبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر لم يظهر أي موقف معارض حين عقد البيعة (^٣).\nومن الملاحظ أنه إذا عقدت ولاية العهد لصبي صغير، تؤخذ الأيمان المغلظة من المبايعين بعدم الحنث في البيعة، فالخليفة عبد الرحمن الناصر \"عهد بالأمر بعده لولده الحكم، وهو طفل صغير من ثماني سنين أو نحوها،\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٤٦. أعمال الأعلام، ٢/ ٩٣.\n(^٣) - عدم المعارضة في المجلس تدل إما على أن هناك عادة تقضي بإرجاء المعارضة إلى مابعد، وإما على شدة سيطرة عبد الرحمن بن المنصور على دولة الخليفة هشام المؤيد وهذا هو الأرجح.","vol":"1","page":220},{"text":"وبحيث لو هلك لنصب بعده بمكانه، وحسبما اقتضاه ما أخذه على الناس من العهد بذلك، واقتضاه من الأيمان الغليظة المحرجة شأن من يأخذ العهد لولده من الملوك\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>إعداد ولي العهد وتدريبه على شؤون الحكم:</span>\nكان اختيار ولي العهد للولاية يتم قبل إعلان الاختيار الرسمي بوقت طويل، فقد كان الأمير أو الخليفة يتعهد من يرشحه للولاية منذ نعومة أظفاره، فيهتم بتأديبه، وتثقيفه، ويختار له أفضل المؤدبين من الفقهاء والمحدثين، لينشأ مثقفًا ملمًا بمعارف شتى، سواء منها ما كان يتصل بالثقافة العامة كعلوم الدين والأدب والتاريخ وسير الأولين، أو ما كان يتصل بالثقافة السياسية الخاصة بتدبير الأمور وسياسة الرعية.\nفهذا الخليفة الحكم المستنصر رغم أنه اختار الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف المعافري (^٢) لتأديب ولي العهد هشام المؤيد (^٣)، إلا أن الخليفة كان يتدخل في عملية التأديب فرسم للمؤدب الخطة التي عليه أن يعمل بمقتضاها في تأديب ولي العهد، وحدد له مكانًا خاصًا يتمكن من خلاله متابعة ولده ومؤدبه، فلما ظهرت علامات الاستيعاب على الولد عبر\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٤١.\n(^٢) - هو أبو القاسم أحمد بن محمد بن يوسف المعافري، الملقب بالقسطلي، قرطبي، رحل إلى المشرق سنة ٣٤٢ هـ وعاد إلى الأندلس سنة ٣٤٥ هـ حيث تولى أحكام الشرطة وجلس في الجامع لنشر الحديث، وكانت وفاته ﵀ بسبب سقوطه في الحمام، وذلك في شهر صفر سنة ٣٦٨ هـ، انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٦٦.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي ص ٧٦.","vol":"1","page":221},{"text":"الخليفة عن سروره بإخراج الأموال لتقسم على المحتاجين شكرًا لله تعالى (^١).\nوكما كان الخليفة يهتم بتأديب ولي عهده، فإنه كان يهتم بتدريبه أيضا، وذلك من خلال إسناد بعض المسئوليات إليه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قام بتكليف ولي عهده ابنه الحكم المستنصر بتولي \"أمر الجباية والخزانة والخُزَّان ودار الضرب وغلاتها، وقلده الإشراف على ذلك كله والوقوف على وجوهه ومعانيه وعلاته ودواعيه، فأحسن النظر وبان أمره فيما تقلد منه، واستراح إلى كفايته\" (^٢).\nوإضافة إلى ما سبق كان حكام بني أمية في الأندلس يجعلون ولي العهد يقيم معهم في القصر، دون بقية الأبناء وكان في ذلك فائدة عظيمة له، فهو فضلًا عن تعلمه الكثير من فنون الحكم بسبب معايشته للأمير أو الخليفة، فإن وجوده في القصر يفرض عليه واجبًا لا يمكنه الإخلال به، ألا وهو البقاء في القصر عند مغادرة والده قرطبة، وفي هذه الحالة فإن مكانه من القصر السطح، لأنه يقع فوق الباب الرئيسي للقصر وهو باب السدة، وهو أيضًا مجلس للأمراء والخلفاء، ومن خلال جلوسه في السطح يكون في مأمن، كما أنه يتمكن من مراقبة الباب الرئيسي للقصر، ومعرفة الداخل للقصر والخارج منه، إذ أن من يملك القصر يسيطر على الدولة، فهو مكان قعوده في النهار، ومبيته في الليل، ولايؤذن له في مغادرته البتة\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٧٦ - ٧٧.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٩.","vol":"1","page":222},{"text":"لأي أمر كان، ويبيت معه في السطح أحد الوزراء، بالإضافة إلى فتى من أكابر الفتيان (^١).\nوإن حاول ولي العهد مغادرة السطح، فإن للوزير الموكل بمرافقته الحق في منعه بأي وسيلة كانت، وإن لزم الأمر وضع القيد برجليه، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط عندما خرج في بعض مغازيه ترك أحد أولاده على سطح القصر، ووكل عليه الوزير أمية بن عيسى بن شهيد (^٢)، وكان لولد الأمير وكيل متدلل، فتظلم ذلك الوكيل إلى الولد من الوزير أمية بن عيسى، فحاول الولد الضغط على الوزير، إلا أنه لم يحفل به، فأرسل إليه الولد رسولًا يهدده بأنه سوف ينزل من السطح بصحبة غلمانه ويقتص لوكيله منه، يقول ابن القوطية صاحب الرواية:\n_________\n(^١) - انظر: ابن القوطية، ص ٨٦، طوق الحمامة، ص ١٤٤ - ١٤٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٣. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٣٤.\n(^٢) - هو أمية بن عيسى بن شهيد ينتمي لأحد البيوتات الشهيرة في الأندلس، وكان أمية أجل وزراء الأمير محمد وأجملهم عنده وأنهضهم بخدمته، وكانت ولاية المدينة مداولة بينه وبين وليد بن عبد الرحمن بن غانم، كما كان أمية يلي قيادة الجيوش للأمير محمد. انظر: ابن القوطية، ص ٨٥ - ٨٧، ٩٤ - ٩٥، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي: ص ١٧١ - ١٧٢، ١٧٥ - ١٧٦.","vol":"1","page":223},{"text":"\"فضحك (^١) - أي الوزير - وكان لم ير في المدينة ضاحكًا إلا لهذا الأمر، ولأمر نزل [بعد] لا يحسن ذكره، فقال للرسول: بالله الذي لا إله إلا هو لئن جاوز باب السطح حيث ولاه أبوه، لا طرحناه في الدويرة (^٢) في كلبين يكون بهما حتى يقفل أبوه أو يأتي عهد بإطلاقه\" (^٣).\nوإذا اضطر ولي العهد لمغادرة القصر بسبب استدعاء والده له، فإنه يستخلف أحد إخوته وذلك لإنفاذ الكتب باسمه إلى حين عودته (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>سلطان ولي العهد وصلاحياته:</span>\nمن المعلوم أن لا ولاية ولا سلطان لولي العهد في حياة الأمير أو الخليفة، إلا إذا أسندت إليه بعض المهام لإشراكه في المسئولية وتحملها، والقيام بأعباء الدولة لتدريبه وإعداده، وذلك لانشغال الأمير أو الخليفة لسبب من الأسباب، فمن الأعمال التي كانت تستند إلى ولي العهد القيام بقيادة حملة عسكرية (^٥)، أو الاضطلاع ببعض الأمور الإدارية، كقراءة الكتب الواردة إلى البلاط لتقديمها للأمير مختصرة (^٦)، أو تولي منصب\n_________\n(^١) - إن في ضحك الوزير الذي عرف بندرة الضحك دليلًا على استخفافه بتهديد الولد، وبإدراكه لأهمية مراقبته له، ومنعه من مغادرة السطح، وأنه -الوزير- يملك من الصلاحيات المطلقة ما يمكنه من الحيلولة دون نزول الولد من السطح بأي وسيلة كانت.\n(^٢) - الدويرة: أحد السجون.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٨٦ - ٨٧.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٠١، البيان المغرب ٢/ ١٩٠.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٤٤.\n(^٦) - المصدر السابق، ص ١٠٤.","vol":"1","page":224},{"text":"كاتب السر (^١)، وإلزامه بالركوب إلى مجلس الوزراء (^٢)، أو توليته أمر الإشراف على الجباية والخزانة والخزان ودار الضرب وغلاتها (^٣)، أو تكليفه الإشراف على إنجاز بناء ونحوه (^٤)، أو الجلوس للمظالم (^٥)، أو تفويضه بتعيين الولاة (^٦) والمشاورين (^٧)، وكذلك استقبال الرسل الوافدين (^٨)، وأحيانًا تسند إليه مهمة الصلاة على جنائز أهل القصر (^٩).\nويحصل أيضا أن يتولى ولي العهد مسؤولية الإشراف التام على شؤون الدولة في حياة والده، فعندما أصيب الأمير الحكم الربضي بعلته التي استمرت مدة أربعة أعوام، واحتجب خلالها عن الرعية إلى أن توفي، كان ابنه عبد الرحمن يتولى إدارة الدولة طيلة تلك المدة (^١٠).\nكما أن الحكم بن الخليفة عبد الرحمن الناصر تولى مهمة الإشراف على خطط الدولة في حياة والده وذلك سنة (٣٣٠) هـ (٩٢٣) (^١١).\n_________\n(^١) - نفسه: طبعة: أنطونيه، ص ٣٩.\n(^٢) - الحلة السيراء، ١/ ٤٢.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٩.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٢١٠.\n(^٥) - نفسه: طبعة: أنطونية، ص ٧١.\n(^٦) - البيان المغرب، ٢/ ٢٠٥.\n(^٧) - ترتيب المدارك ٦/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(^٨) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٠٣.\n(^٩) - المصدر السابق، ص ٢١٩.\n(^١٠) - الحلة السيراء: ١/ ٤٦.\n(^١١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٧٨.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>تعريف الأمة \"الرعية\" بولي العهد:</span>\nبعد أن يتم اختيار ولي العهد، يعمد الأمير أو الخليفة إلى تعريف الناس بولي العهد، وذلك من خلال نشر ذكره بينهم. فبالإضافة إلى ما يتم تكليفه به من أعمال إدارية، فإنه يقوم بمهام عسكرية، كما عرفنا من قبل، ومن خلال الأعمال العسكرية التي يضطلع بها، يتم نشر ذكره، وذلك بواسطة كتب الفتح التي ترسل من أرض المعركة. ومن الأمثلة على ذلك: أن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما خرج سنة (٢٢٨) هـ (٨٤٣) لغزو بنبلونه (^١)، جعل ابنه على ميمنة الجيش، وبعد نهاية المعركة التي أسفرت عن نصر المسلمين، أرسل الأمير عبد الرحمن إلى قرطبة كتاب الفتح، وأثنى فيه على غناء ابنه محمد وكفايته في تلك الغزوة، وبما أن كتاب الفتح يتلى على منبر جامع قرطبة، وترسل نسخ منه إلى كافة الكور والثغور لتتلى هناك، فإن ذلك يعمل على طيران اسمه في الأفاق (^٢).\nونشر ذكر ولي العهد بين أبناء الرعية، أمر ضروري، وذلك لتعريف الجميع به، ولتكوين صورة طيبة لديهم عنه، فإذا ما استلم منصب رئاسة الدولة، كان ماضيه المجيد ماثلا أمامهم، فيضمن على الأقل أن هناك\n_________\n(^١) - بنبلونه أو بمبلونه  Pamplona  عاصمة مملكة نافار أو نبره  Navar  تبعد عن مدريد مسافة ٣٥٠ كيلو مترًا، على الضفة اليمنى لأحد أفرع نهر إيبروا، وهي اليوم مدينة جميلة يشتغل أهلها بالزراعة والصناعة، وبها مركز ثقافي هام، انظر: الروض المعطار، ص ١٠٤. الآثار الأندلسية الباقية ص ٣٠٧.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٠٣. وانظر: نصوص عن الأندلس، ص ٣٠، البيان المغرب ٢/ ٨٦.","vol":"1","page":226},{"text":"قطاعًا عريضًا من الرعية، ينظر إليه بعين الاحترام، مما يجنبه بالتالي مجابهة المزيد من القلاقل والاضطرابات.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>الإضطراب الذي تطرق لنظام ولاية العهد:</span>\nسار نظام ولاية العهد - كما عرفنا - وفق منهج واضح ومحدد، وسياسة استمرت مدة قرنين من عمر الدولة الأموية في الأندلس تقريبا، إلا أنه ابتداءًا من نهاية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ومطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، شهد هذا النظام أول تغيير انحرف به عن مساره، عندما وصل إلى ولاية العهد مَنْ هو مِنْ خارج الأسرة الأموية.\nففي سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٨) وبعد أن أمضى عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الشهير بشنجول شهر ونصف الشهر (^١) على توليه الحجابة، نجح في إجبار الخليفة هشام المؤيد، على توليته العهد من بعده، واستصدر منه كتابًا لإعلام الناس بهذا الأمر، قرئ على المنابر (^٢).\nويصف ابن الخطيب نقلًا عن ابن حيان موقف وجوه أهل قرطبة من هذه الفعلة فقال: \"وغدا وجوه الناس من أهل قرطبة لتهنئة المغرور عبد الرحمن بهذه المنحة، التي كانت عندهم أشد محنة، كلهم يعزي نفسه، ويكفكف عليها عبرته، ثم تجملوا بالملق … فدخلوا على منازلهم …\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٣٨.\n(^٢) - المصدر السابق، ٣/ ٤٣ - ٤٦.","vol":"1","page":227},{"text":"تبدوا عليهم في ظاهرهم الاستكانة والكبوة … وخرجوا من عنده وقلوبهم ذؤوبة عليه موقدة ببغضه\" (^١).\nكما تسمى بولاية العهد علي بن حمود، فقد ادعى أن كتابًا قد وصله من الخليفة هشام المؤيد بالله، يسند إليه ولاية العهد من بعده (^٢).\nومن مظاهر الاضطراب الذي طرأ على نظام ولاية العهد في أواخر عصر الدولة الأموية، أن منصب ولاية العهد أصبح لا هيبة له، فقد ذكر ابن حزم أن هناك من سمى نفسه وليًا للعهد دون أن يسميه به خليفة.\nفهذا سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر تسمى بولاية العهد في خلافة محمد المهدي (^٣) فسجنه المهدي في شهر رمضان سنة (٣٩٩) هـ (^٤) (مايو ١٠٠٩) ثم أطلق سراحه بعد أن ثار هشام بن سليمان ضد المهدي وطالبه بإطلاق سراح ابنه (^٥)، وأخيرًا تمكن المهدي من قتل هشام بن سليمان وولده سليمان بعد أن فشل كل من القاضي ابن ذكوان وابن عمر بن حزم في إقناع هشام بن سليمان بالعدول عن المطالبة بالخلافة (^٦).\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام: ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(^٢) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٣٧ - ٣٨.\n(^٣) - نقط العروس، ص ٥٤. قارن: البيان المغرب، ٣/ ٧٨. أعمال الأعلام، ٢/ ١١٠.\n(^٤) - البيان المغرب ٣/ ٧٨.\n(^٥) - المصدر السابق ٣/ ٧٩.\n(^٦) - نقط العروس ص ٥٤. البيان المغرب ٣/ ٧٩ - ٨١.","vol":"1","page":228},{"text":"وادعى سليمان بن هشام بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر ولاية العهد في أيام ابن عمه الخليفة المستكفي، سنة (٤١٥) هـ (^١) (١٠٢٤) وكذلك محمد بن الحكم بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر تسمى بالعهد دون أن يسميه عمه الخليفة هشام المعتد بالله (^٢).\nويضاف إلى مظاهر الاضطراب تلك، أن المراسم التي كانت تتبع عند تعيين ولي العهد، والاحتفالات التي كانت تقام عند مبايعته، لم يعد لها وجود، فمنذ أن عقد الخليفة سليمان المستعين البيعة بولاية العهد من بعده لابنه محمد في منتصف شهر جمادى الآخرة سنة أربعمائة للهجرة (فبراير ١٠١٠) أصبح الاحتفال بتعيين ولي العهد ومبايعته يقوم فقط على قراءة كتاب بولاية العهد، بالإضافة إلى نقش اسم ولي العهد في السكة والأعلام والطرز والدعاء له فوق المنابر (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>موافقة الأسرة ومعارضتها:</span>\nعرفنا فيما سبق أن اختيار ولي العهد يكون وفق معايير دقيقة، ولكن ليس بالضرورة أن يكتب لذلك الاختيار القبول من كافة أفراد الأسرة الأموية، فقد يعقب الإعلان عن اختيار ولي العهد معارضة قوية من بعض أبناء الأسرة الأموية، فمنها ما يتم القضاء عليها وهي في مهدها، ومنها ما يتطور ليصل إلى حد المصادمات العسكرية، وهناك أمثلة كثيرة،\n_________\n(^١) - نقط العروس، ص ٥٤. قارن: البيان المغرب ٣/ ١٤٢.\n(^٢) - نقط العروس، ص ٥٤.\n(^٣) - انظر: أعمال الأعلام، ٢/ ١٢٥ - ١٢٧.","vol":"1","page":229},{"text":"فبعد أن بويع هشام الرضا بالإمارة بعد أبيه عبد الرحمن الداخل، أعلن سليمان رفضه لإمارة أخيه هشام، وتحصن في طليطلة، ثم انضم إليه أخوه عبد الله (^١) البلنسي بن عبد الرحمن الداخل سنة (١٧٣) هـ (٧٨٩ م) وهاجم سليمان قرطبة محاولًا امتلاكها لكنه فشل وانهزم (^٢)، وفي سنة (١٧٤) هـ (٧٩٠ م) قدم عبد الله على أخيه هشام بقرطبة بلا عهد سابق ولا أمان، فأكرمه هشام وأنزله عند ابنه الحكم الربضي (^٣)، وفي نفس السنة طلب سليمان الأمان من أخيه هشام، فوافق الأخير شريطة أن يغادر الأندلس بأهله وولده، ويعطيه هشام ستين ألف دينار، فتم الاتفاق بينهما وعبر سليمان البحر إلى بلاد البربر (^٤).\nوما إن علم عبد الله وسليمان بوفاة أخيهما هشام في شهر صفر سنة (١٨٠) هـ (إبريل (٧٩٦) م) حتى بادرا بإعلان العصيان، وجرت بين سليمان وبين ابن أخيه الأمير الحكم الربضي عدة معارك انتهت بقتل سليمان سنة (١٨٤) هـ (^٥) (٨٠٠ م) وفي سنة (١٨٦) هـ (٨٠٢ م) أخرج الحكم الربضي لعمه عبد الله أمانًا عُقِد سنة (١٨٧) هـ (٨٠٣ م) على أن يدفع الأمير الحكم\n_________\n(^١) - كان هشام يبر أخاه عبد الله ويفضله على كثير من إخوته إلا أن عبد الله كان يطمع بالمشاركة في الملك، فخرج إلى أخيه سليمان لإعلان التمرد ضد هشام، ورغم ذلك حاول هشام رده إلى قرطبة لكنه لم يفلح. البيان المغرب: ٢/ ٦٢.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٦٢، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٩.\n(^٣) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٣. البيان المغرب، ٢/ ٦٣. أعمال الأعلام ٢/ ١١.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٦٣. أعمال الأعلام ٢/ ١١.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ٧٠.","vol":"1","page":230},{"text":"لعمه عبد الله ألف دينار راتبًا شهريًا، بالإضافة إلى ألف دينار أخرى كل عام على شكل مخصصات (^١)، وأن يبقى في بلنسية مؤديًا للطاعة (^٢).\nوعندما تولى الإمارة عبد الرحمن الأوسط تردد عبد الله البلنسي في إعلان البيعة، ثم جهر بالعصيان إلا أنه فُلج ففشلت حركته \"فكاتب عبد الرحمن بخبر علته ويأسه من نفسه، وعهد إليه بالنظر لأهله وولده، فأنفذ عهده ولم يعرض له إلى أن مات سنة ثمان ومائتين\" (^٣).\nوعندما جعل الأمير عبد الله بن محمد أكبر ولده محمدًا وليًا لعهده (^٤)، حقد عليه أخوه مطرف، فأوغر عليه صدر والده حتى أمر به فوضع في السجن الخاص بقصر الإمارة (^٥)، وبعد أن بدأت علامات براءة محمد تظهر لأبيه، وعزم على إطلاقه، بادر مطرف إلى أخيه محمد فقتله مع فجر يوم الخميس ليلة عشرة خلت من شوال سنة سبع وسبعين ومائتين (يناير\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٢/ ٧٠.\n(^٢) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٣.\n(^٣) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤. الملاحظ أن عبد الله البلنسي بن عبد الرحمن الداخل منذ البداية لم يكن جادًا في إعلان عصيانه سواء ضد أخيه هشام أو ولده وحفيده، إذ أنه في كل مرة يعلن عصيانه ما يلبث أن تهدأ ثائرته ويراسل الأمير لطلب العفو أو يأتي بغير أمان، فيقابله الأمير بالإكرام ويعرف له حقه ويصله، وهنا نجد أننا أمام شخصية قلقه واقعة تحت تأثير شخصية أخرى أقوى من شخصيته.\n(^٤) - البيان المغرب ٢/ ١٥٠.\n(^٥) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٧. البيان المغرب ٢/ ١٥٠.","vol":"1","page":231},{"text":"٨٩١ م) وعمره سبع وعشرون سنة (^١)، ثم قتل الأمير عبد الله ابنه مطرف بعد ذلك بخمس سنوات (^٢).\nوعندما أخذ الخليفة عبد الرحمن الناصر البيعة بولاية العهد من بعده لابنه الحكم المستنصر، ترك ذلك أثرًا في نفس ابنه عبد الله، الذي كان مع أخيه الحكم المستنصر \"يتباريان في طلب العلم، ويتناغيان في جمعه، ويتبادران إلى اصطناع أهله واختصاص رجاله وإدناء منازلهم، والإحسان إليهم (^٣) \". ونظرًا لأن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر كان مشهورًا بالفضل والتدين مؤدَّبا، كريمًا، جامعًا، لعلوم شتى (^٤)، \"فإن جماعة من أهل قرطبة بايعوه بالخلافة، وكان أهلًا لذلك فضلًا وعلمًا وبصرًا بالفنون\" (^٥)، فسعى الحكم بأخيه عبد الله عند والدهما عبد الرحمن الناصر فقبل منه (^٦)، وألقى القبض على ابنه ومن معه وسجنهم، ثم قتل ابنه عبد الله في شهر ذي الحجة سنة (٣٣٨) هـ (^٧) (يونيو (٩٥٠) م).\n_________\n(^١) - الحلة السيراء: ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨. البيان المغرب ٢/ ١٥٠. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٥٥.\n(^٢) - الحلة السيراء ٢/ ٣٦٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ١/ ٢٠٦.\n(^٤) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٦٢.\n(^٥) - أعمال الأعلام، ٢/ ٣٩.\n(^٦) - البيان المغرب، ٢/ ٢١٧.\n(^٧) - الحلة السيراء، ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨. البيان المغرب، ٢/ ٢١٧. أعمال الأعلام، ٢/ ٣٩. المغرب في حُلى المغرب، ١/ ١٨٨. لكنه جعل قتل سنة ٣٣٩ هـ.","vol":"1","page":232},{"text":"إن خروج عبد الله ضد والده الخليفة، أمر يحتاج إلى وقفه، فقد عُرف عبد الله بالعلم والزهد والذكاء والنبل، ومن كانت هذه صفاته فهو جدير بالاحترام، الأمر الذي دفع بعض المؤرخين إلى التصريح بكفاءته لتولي الخلافة (^١)، وطبيعي أن الصفات والأخلاق التي امتاز بها عبد الله ليست كافية لإعلان القيام ضد والده، لكن الأفكار الوافدة من المشرق والتي كان عبد الله يتلقفها سواء عن طريق الكتب أو عن طريق مجالسته للعلماء، الذين امتاز بعضهم بالطموح كابن عبد البر (^٢)، يضاف إلى ذلك إحساس عبد الله بأن والده قد ظلمه، عندما قدم أخاه عليه، مع شعوره بأنه أكفأ منه، وإذا أضفنا إلى كل ذلك الشخصية الطموحة لعبد الله، أدركنا أن تفكيره بالمطالبة بما يرى أنه حق من حقوقه، أمر واقع لا محالة، إلا أنه رغم كل المبررات فإن خروجه ضد والده هو عقوق لا جدال فيه.\nوفي أواخر القرن الرابع الهجري ومطلع القرن الخامس الهجري، صدر خطاب من الخليفة هشام المؤيد يقضي بتعيين عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر الشهير بشنجول وليًا للعهد من بعده (^٣)، وسماه باسم خلافي\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٣٩.\n(^٢) - هو أبو عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البر، قرطبي من موالي بن أمية، كان بصيرًا بالحديث فقيهًا نبيلًا متصرفًا في فنون العلم، وكان علم الحديث أغلب عليه، له كتاب مؤلف في فقهاء قرطبة، توفي في السجن لليلتين بقيتا من رمضان سنة ٣٣٨ هـ ﵀. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٠. الحلة السيراء، ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.\n(^٣) - البيان المغرب، ٣/ ٤٣ - ٤٦. أعمال الأعلام، ٢/ ٩٠ - ٩٣.","vol":"1","page":233},{"text":"هو \"المأمون ناصر الدولة\" (^١) فبسبب هذه الفعلة انفجرت فتنة استمرت إلى أن سقطت الدولة الأموية تمامًا سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) فقد استنكر الناس هذه الفعلة، وعدت فعلة خارجية (^٢).\nولنا أن نتوقع أن أمراء وخلفاء بني أمية كان كل منهم يترك وصيته لولي عهده، هي في مجملها رسم سياسة تكفل له استمرارية دولته، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير الحكم الربضي عندما حانت وفاته، استدعى ولده عبد الرحمن وألقى إليه وصية ذكر فيها أنه قد مهد له البلاد بعد أن قضى على المناوئين، وذلل له الصعاب التي يمكن أن تعترضه، كما أكثر عليه ضرورة تقريب أهله وعشيرته ومواليه لأنهم أنصاره الذين يشاركونه في المغنم والمغرم، وكذلك أمره بالعدل ورد المظالم لأن في انتشار العدل كسبًا لمحبة الرعية وسلامة من كثرة الثورات والفتن.\nكما نبهه إلى الاهتمام بانتقاء الرجال وعدم تقريب أحد إلا بعد اختباره، وأن الولايات والمناصب الإدارية يجب إسنادها لأهل الدين والرشاد لأنهم أهل الإخلاص، فبذلك يضمن إنجاز مهام الدولة بكل يسر.\nوأما مظاهر الأبهة والفخامة فقد أمره بالتمسك بها، وذلك لزرع الهيبة في نفوس الرعية وأن يعتمد مبدأ الثواب والعقاب لأن في ذلك حفز للمحسنين على مضاعفة إحسانهم، وقمع لأهل الزيغ والفساد عن التطاول والإضرار بالمجتمع.\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٣/ ٤٣. تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٩.\n(^٢) - نقط العروس، ص ٥٤.","vol":"1","page":234},{"text":"كذلك وجه اهتمامه إلى الأموال، التي هي عصب الملك وروح الدولة، فأكد عليه ضرورة الإشراف على الأموال بنفسه، وحفظها بعد جمعها بطرق الحلال.\nوأخيرًا اختتم وصيته بنصيحته لولي عهده بالإلتزام بتقوى الله تعالى، والدعاء لولي العهد بأن يسدده الله ويوفقه إلى الخير والرشاد (^١).\n_________\n(^١) - ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٣.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\">رسوم الإمارة والخلافة </span>\n<span data-type='title' id=toc-27>استقبال الرسل وعقد المعاهدات:</span>\nللموقع الجغرافي دور كبير في إقامة العلاقات بين الدول. بل إن الموقع يحتم على أي دولة إقامة علاقات معينة ومن نوع خاص، مع دولة أو دول مجاورة لها (^١).\nونظرًا للمكانة التي كانت تحتلها دولة الأمويين في الأندلس جغرافيًا وسياسيًا، والتي مكنتها من تحقيق ما يمكن تسميته بالتوازن الدولي (^٢)، في ذلك الوقت، فإن هذا التوازن حتم عليها قيام علاقات بينها وبين الشمال الأفريقي وأوروبا، تمثلت في تبادل الوفود التي كانت تنطلق من قرطبة وإليها لأغراض شتى.\nوكان النصارى المحيطين بالدولة الأموية من الشمال، قد جعلوا من أولى مهامهم ضرورة اقتلاع تلك الدولة الإسلامية إن أمكن أو زعزعة استقرارها على الأقل.\n_________\n(^١) - ليس بالضرورة أن ينطبق هذا القول على الدول الإسلامية بوجه عام، والعربية بوجه خاص في الوقت الحالي.\n(^٢) - المقصود بالتوازن الدولي، هو أن الدولة الأموية أصبحت إحدى دول العالم الكبرى آنذاك، وأصبحت موازية في قدارتها العسكرية لدولة الفرنجة وما جاورها أو لإمارات الشمال الإفريقي.","vol":"1","page":236},{"text":"ومن هنا كانت الصدامات العسكرية بين الطرفين لا تكاد تنقطع طيلة ثلاثة قرون تقريبًا، يتخللها أحيانًا وصول وفود دبلوماسية إلى قرطبة، قادمة من الشمال.\nوأما عن علاقات قرطبة بالإمارات التي نشأت في الشمال الأفريقي، فقد كانت ودية إلى حد كبير، تبادلت فيها جميع الأطراف المصالح المشتركة (^١).\nوقد كان الأمويون شديدي الحرص على مصلحة دولتهم من كافة النواحي، لذا فقد انتهجوا منذ البداية سياسة قائمة على دبلوماسية تعتمد على الاستجابة لأي نداء يعود بالخير على الجميع، لأجل هذا فقد شهدت قرطبة منذ عهد الأمير عبد الرحمن الداخل توافد سفارات ذات أغراض متعددة.\nفمنها ما هو للهدنة والصلح، وأخرى لتوثيق عرى المودة وثالثه من أجل المحالفات، ورابعة للتعزية والتهنئة، كما أن هناك ما كان الهدف منها دفع أذى قوى معارضه، إلى غير ذلك من الأغراض.\nفبعد فشل الهجوم الذي شنه الإمبراطور الفرنجي شارلمان (٧٧١ - (٨١٣) م) على الأندلس سنة (١٦١) هـ (^٢) (٧٧٨ م) عندما أراد أن يحقق\n_________\n(^١) - انظر: سالم الخلف، المرجع السابق ص ١٩٩ - ٢٠٥، ٢١٣ - ٢١٦، ٢٢٦ - ٢٣٤، ٢٤١ - ٢٤٥.\n(^٢) - كارلس ديفر: شارلمان، ص ١٠١ - ١٠٢.","vol":"1","page":237},{"text":"أحلامه بطرد المسلمين منها (^١)، أرسل من عنده وفدًا إلى قرطبة يحمل رسالة للأمير عبد الرحمن الداخل يدعوه فيها إلى المصاهرة والسلم، فأجابه\n_________\n(^١) - هذه الأحلام كانت-كما تقول الرواية- تأتيه عن طريق رؤى يراها، فقد ورد في قصة \"تيرين\" التي ترجع إلى القرن السادس الهجري-الثاني عشر الميلادي- أن القديس \"جيمس الرسول\" الذي يقع مشهده في  Comopostele  بشمال غربي أسبانيا تراءى لشارلمان أثناء النوم وأخبره بأن جثمانه الذي لا يعرفه المسلمون والمسيحيون يرقد في تلك الأرض النائية، ثم أمر شارلمان بأن ينهض ويستخلص جليقية من أيدي المسلمين. وبعد أن تكررت الرؤيا ثلاث مرات لم يسع شارلمان إلا أن يلبي النداء في الرابعة. انظر: كارلس ديفز، شارلمان ص ٩٨. د. السيد الباز العريني، بعض معالم عهد شارلمان. (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية. المجلد الثامن ١٩٥٩ م) ص ١٤٤. ويشير ابدال مؤرخ شارلمان \"إلى أن الأهداف التوسعية والأطماع السياسية هي المحرك الأساسي لحملات شارلمان العسكرية، إلا أنه غلفها بالستار الديني سواء كان في غزوه للأندلس أو حروبه في أوربا\" انظر: عنان، دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١، ص ١٧٢. ويمكن أن نخرج من قصة رؤيا شارلمان بفائدة، وهي أن الدول التي تقوم على معتقد ديني لا يمكن توحيد الصفوف ضدها إلا بإثارة معتقد ديني مضاد. وهذا ما عمد إليه شارلمان، فلعله أحس تقاعسًا من أبناء النصارى عن ملاقاة المسلمين في الأندلس ولذا وجد أن السبيل الأوحد لجمع شملهم ضد المسلمين هو إشعال جذوة الدين في نفوس أولئك النصارى. وهذا ما يجب اليوم على الدول الإسلامية أن تأخذه مأخذ الجد، إذ أن إشعال جذوة الدين في نفوس أبناء المسلمين هو السبيل الأمثل لتخليص الأمة الإسلامية من تسلط الأعداء.","vol":"1","page":238},{"text":"الأمير الأموي إلى السلم ولم تتم المصاهرة (^١)، وفي هذه المناسبة جرى توقيع هدنة بين الطرفين سنة (١٦٤) هـ (٧٨٠ م) تقريبًا (^٢).\nوفي عهد الأمير الحكم الربضي (١٨٠) - (٢٠٦) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) عقدت هدنة مع شارلمان ومن ثم مع ولده لويس التقي (٨١٣ - (٨٤٠) م) (^٣).\nوشهد عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) توقيع هدنة بينه وبين إمبراطور الفرنجة شارل الأصلع (ت (٨٧٧) م)، فقد ذكر ابن حيان عند حديثه عن العلامات التي اُستدل بها على ترشيح الأمير عبد الرحمن الأوسط ابنه محمدًا لولاية العهد، مانصه: \"وكان الذي استدلوا به على ترشيح الأمير والده إياه\n_________\n(^١) - نفح الطيب ١/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(^٢) - عن هذه الهدنة والآراء التي طرحت حولها. انظر: محمد مرسي الشيخ، دولة الفرنجة وعلاقاتها مع الأمويين في الأندلس حتى أواخر القرن العاشر الميلادي (الإسكندرية، مؤسسة الثقافة الجامعية، ١٩٩٠ م)، ص ٢١٨ - ٢٢٧ والمصادر المذكورة.\n(^٣) - انظر: ابن الأثير، الكامل، ٥/ ٣٦٩. ابن عذاري، البيان المغرب، ٢/ ٧٣. شكيب أرسلان، تاريخ غزوات العرب. (القاهرة، مطبعة عيسى الحلبي وشركاه. ١٣٥٢ هـ). ص ١٤١ - ١٤٤.","vol":"1","page":239},{"text":"(تصديره) لرسل قارله بن أذفونش (^١) ملك الفرنجة القادم عليه مكانه\" (^٢).\nويتضح من عبارة ابن حيان أن ملك الفرنجة قارله بن أذفونش \"شارل الأصلع\" هو الذي طلب الهدنة، وأرسل وفدًا من عنده وصل قرطبة سنة (٢٣٢) هـ (٨٤٧ م) (^٣).\nونتيجة للهجوم الذي شنه القراصنة النورمان (^٤) على الأندلس شهد عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط اتصالات دبلوماسية بينه وبين ملك النورمان \"هوريك (^٥) \" وقد انفرد ابن دحية من بين المؤرخين في ذكر تلك الاتصالات، ونقلها عنه المقري، يقول ابن دحية: \"ولما وفد على السلطان عبد الرحمن رسل ملك المجوس يطلب الصلح بعد خروجهم من اشبيلية\n_________\n(^١) - أطلق عليه ابن حيان اسم \"قرلش بن لذويق\" المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٣٠. بينما أسماه ابن عذاري \"فردلند\" البيان المغرب: ٢/ ١٠٨. وتابعه في ذلك ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ٢/ ٢٣. واسمه الحقيقي: قارله \"  Charles\"  الملقب بالأصلع \"  Chauve\"  المعروف بلقب الورع \"  Le Pieux\"  انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٠٣ حاشية رقم ٧.\n(^٢) - المصدر السابق ص ١٠٣.\n(^٣) -  Levi- Provencel: OP.Cit.I، P: ٢١٣\n(^٤) -  عن أولئك القراصنة وإلى من ينتمون. انظر: د. حسين مؤنس: غارات النورمانديين على الأندلس بين سنتي ٢٢٩ - ٢٤٥ هـ (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية، المجلد الثاني، العدد الأول، مايو ١٩٤٩ م) ص ٢٤ - ٢٨.\n(^٥) - المرجع السابق ص ٢٩.","vol":"1","page":240},{"text":"وإيقاعهم بها وقتل قائد الأسطول فيها رأى أن يراجعهم بقبول ذلك، فأمر الغزال (^١) أن يمشي في رسالته مع رسل ملكهم لما كان الغزال عليه من حدة الخاطر وبديهة الرأي وحسن الجواب والنجدة والإقدام والدخول والخروج من كل باب، وصحبته يحيى بن حبيب، فنهض إلى مدينة شلب (^٢) وقد أنشأ لهم مركب حسن كامل الآلة وروجع ملك المجوس على رسالته، وكوفئ على هديته\" (^٣).\nومن هذا النص يتضح أن الوفد الذي قدم من لدن ملك المجوس إنما جاء لطلب الصلح، وقد أخذ بهذا الرأي أحد الباحثين حيث قال:\n_________\n(^١) - يحيى بن الحكم البكري الجياني، المعروف بالغزال، ولد سنة ١٥٦ هـ تقريبًا وتوفي سنة ٢٥٠ هـ، لقب بالغزال لجماله وأناقته، كان شاعرًا مطبوعًا، وكان جليل القدر مقربًا من أمراء بني أمية، عرف بسعة الثقافة وحدة الخاطر. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٨٨٨. بغية الملتمس، ترجمة رقم ١٤٦٧. آنخل بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، (ترجمة: د. حسين مؤنس، القاهرة مكتبة النهضة المصرية ط الأولى ١٩٥٥ م)، ص ٥٥ - ٥٦. وانظر: محمد صالح البنداق، يحيى بن الحكم الغزال (بيروت، دار الأفاق الجديدة ١٩٧٩ م) ص ١٧ - ٣٢.\n(^٢) - شلب  Silves  قاعدة كورة أكشونبة، بقبلي مدينة باجه، وتشتهر بوفرة شجر التفاح انظر: الروض المعطار ص ٣٤٢ - ٣٤٣ وهي اليوم مدينة صغيرة في جنوب البرتغال تابعة لمديرية الغرب  ALgarve.\n(^٣) -  المطرب، ص ١٣٠ - ١٣٦، وانظر: نفح الطيب، ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٩. وقد قوبلت رواية ابن دحية بانكار بعض المهتمين بالدراسات التاريخية الأندلسية. انظر: د. حسين مؤنس، غارات النورمانديين على الأندلس، ص ٤٢ - ٤٧، ٦٠ - ٦٣.","vol":"1","page":241},{"text":"\"وأدرك ملك الغزاة مدى قوة المسلمين، واعتقد أنهم سوف ينتقمون منه ومن شعبه فبادر فورًا إلى توجيه سفارة لأمير الأندلس عبد الرحمن يطلب الصلح وتوطيد العلاقات\" (^١).\nولا أدري على أي أساس يقدم ذلك الباحث هذا الرأي، فإذا كان الملك \"هوريك\" يقطن في شمال أوربا فما الذي يزعجه من الأمير عبد الرحمن الأوسط وقواته، حيث تفصل بينهما مساحات شاسعة جدًا وعقبات لا يمكن تجاوزها.\nولعل الأولى بالقبول في سبب وصول وفد النورمانديين إلى قرطبة، هو ما ذهب إليه الأستاذ حسين مؤنس، فقد ذكر أن للملك \"هوريك\" علاقات واضحة مع بعض ملوك أوربا في ذلك الوقت، فليس من المستبعد أن يقوم بمراسلة الأمير عبد الرحمن الأوسط الذي يحكم دولة من أقوى دول العالم المعروفة آنذاك، إن لم تكن أقواها على الإطلاق.\nويجب ألا ننسى أنه ربما كان يرغب في الحصول على بعض طُرف لطائف الأندلس من الثياب وغيرها، والتي كان غزاة النورمانيين يحرصون عليها بشدة ويرغبون بها عن الذهب والفضة (^٢)، وقد أتحف الأمير الأندلسي ملك النورمان بالكثير من تلك الطرف واللطائف حيث سر بها بشدة، بالإضافة إلى أن الملك هوريك اعتاد أن يكتب إلى جيرانه بعد كل حادثة يقوم بها قراصنته ضد أولئك الجيران، متنصلًا من تبعتهم له،\n_________\n(^١) - د. محمد صالح البنداق، يحيى بن الحكم الغزال، ص ١١٢.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٦٥.","vol":"1","page":242},{"text":"ومعتذرًا عما اقترفوه، فلماذا لا يكون الأمير عبد الرحمن الأوسط من بين أولئك الجيران (^١)؟.\nوفي ربيع سنة (٨٤٥ م) الموافق شهر شوال أو ذي القعدة من سنة (٢٣٥) هـ وصل وفد ملك النورمان إلى قرطبة، وبعد أن أدى رسالته غادر في أوائل سنة (٢٣٦) هـ الموافق أواخر صيف سنة (٨٤٥ م) وبصحبته الوفد الأندلسي (^٢) المكون من يحيى الغزال وصاحبه يحيى بن حبيب (^٣)، وعندما وصل الغزال وصاحبه إلى عاصمة النورمان أمر الملك بإكرامهما وأنزلهما منزلًا حسنًا، ثم جلس لاستقبالهما بعد يومين فقط من وصولهما حيث استلم رسالة الأمير عبد الرحمن الأوسط، واستعرض هديته، ولم\n_________\n(^١) - غارات النورمانديين على الأندلس ص ٤٠، ٤٥ - ٤٦.\n(^٢) - المرجع السابق، ص ٥١ - ٥٢.\n(^٣) - المطرب، ص ١٣٠، وقد ذهب الدكتور البنداق إلى أن ابن حبيب هذا هو الشهير بـ\"صاحب المنيقلة\" حيث خرج من ذلك بنتيجة مؤداها أن وجوده في السفارة مهم جدًا إذ أن معرفته بالفلك تمكنه من دراسة \"ظروف الحياة الطبيعية في بلدان الشمال وإطلاع الأمير عليها\" انظر: البنداق، المرجع السابق ص ١٥٠. والذي ذهب إليه الدكتور البنداق غير صحيح إذ أن صاحب المنيقلة هو عباس بن فرناس الذي اشتهر بعدة علوم من بينها الكيمياء والفلك. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٨٢ - ٢٨٣. المغرب في حلى المغرب ١/ ٣٣٣. نفح الطيب ٣/ ٣٧٤.","vol":"1","page":243},{"text":"يخف سروره بها، وبعد أن مكث رسولا الأمير مدة انصرفا عائدين إلى قرطبة (^١).\nهذه هي سفارة الغزال التي كانت ردًا على وصول الوفد النورماني القادم من الدنمارك، وبذلك نجح الأمير عبد الرحمن الأوسط بالأسلوب الدبلوماسي الذي اتبعه تجنيب بلاده هجمات أولئك القراصنة طيلة سني حكمه، وتمكن خلالها من تحصين بلاده (^٢)، الأمر الذي نتج عنه فشل الهجوم الذي شنه النورمانديون على الأندلس سنة (٢٤٥) هـ (٨٥٩ م) فشلًا ذريعًا (^٣).\nوكما شهد عصر الإمارة اتصالات دبلوماسية تهدف إلى المهادنة والمصالحة، كانت هناك اتصالات أخرى ذات أغراض شتى.\n_________\n(^١) - المطرب، ص ١٣١ - ١٣٢، ١٣٦. وانظر: د. حسين مؤنس، المرجع السابق، ص ٦٣.\n(^٢) - عن التحصينات التي قام بها الأمير عبدالرحمن الأوسط. انظر: ابن القوطية، ص ٦٥ - ٦٧. المغرب في حُلى المغرب، ١/ ٤٩. الروض المعطار ص ٥٨ - ٦٠، ٤٦١  Levi- Provencal: Op cit.T.I.P: ٢٢٥.\n(^٣) -  انظر: نصوص عن الأندلس، ص ١١٨ - ١١٩. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠٧ - ٣٠٩. البيان المغرب، ٢/ ٩٦ - ٩٧. غارات النورمانديين على الأندلس، ص ٦٤ - ٧٣.  Levi- Provencal: Op Cit.T.I P: ٣١٠ - ٣١٢ ..","vol":"1","page":244},{"text":"فقد وصل إلى قرطبة سنة (٢٠٧) هـ (٨٢٢) وفد رسمي قادم من إمارة الرستميين (^١)، وكان الوفد مكون من عبد الغني ودحون وبهرام (^٢)، أبناء عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (^٣) وذلك\n_________\n(^١) - الإمارة الرستمية، هي الدولة الفارسية الأولى في الإسلام، تنسب إلى مؤسسها عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، أحد موالي الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، فقد تم انتخاب ابن رستم إمامًا لإباضية المغرب الأوسط، وبعد إتمام بناء مدينة تاهرت سنة ١٦١ هـ جُددت له البيعة وذلك سنة ١٦٢ هـ. وقد مكث الحكم في ذريته وراثيًا، إلى أن أزيلت على يد داعية العبيديين أبي عبد الله الشيعي وذلك في شهر شوال سنة ٢٩٦ هـ. انظر: البكري، المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب، ص ٦٧ - ٦٨. أبو زكريا يحيى بن أبي بكر، سير الأئمة وأخبارهم (تحقيق: وتعليق: إسماعيل العربي، الجزائر، المكتبة الوطنية، ط ١٣٩٩ هـ). ص ٥٣ وما بعدها. البيان المغرب ١/ ١٩٦ - ١٩٧. محمد بن تاويت، دولة الرستميين أصحاب تاهرت، (مدريد، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية. المجلد الخامس العدد ١ - ٢ سنة ١٩٧٥ م). ص ١٠٥ وما بعدها. د. محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي (بيروت، دار العودة، ١٩٧٦ م) ص ١٠٧ - ١٥٧. محمد ولد داداه، مفهوم الملك في المغرب، من انتصاف القرن الأول إلى انتصاف القرن السابع. (بيروت- القاهرة ١٩٧٧ م) ص ٢٥ - ٣١. د. محمد عيسى الحريري، مقدمات البناء السياسي للمغرب العربي (١٦٠ - ٢٩٦ هـ) (القاهرة، مكتبة الشباب ط الأولى ١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م) ص ٦٧ ومابعدها.\n(^٢) -  Levi- Provencal Op Cit.T.I.P: ٢٤٤.\n(^٣) -  عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ثاني الأئمة الرستميين، وإمام من أعظم أئمة الإباضية في تاهرت بالجزائر وعلى يديه افترقت الإباضية، كان فقيهًا عالمًا شجاعًا يباشر الحروب بنفسه. انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، (تحقيق: د. محمد ناصر وإبراهيم بعاص بيروت، دار الغرب الإسلامي، ١٤٠٦ هـ (١٩٨٦ م) ص ٤٣ - ٦٥.","vol":"1","page":245},{"text":"لتقديم التعزية للأمير عبد الرحمن الأوسط بوفاة والده، وتهنئته بمناسبة استلامه الحكم (^١).\nوقد جرى للوفد استقبالٌ باهرٌ، حيث استقبلهم الأمير وبالغ في الحفاوة بهم، حتى غدت هذه الحفاوة مثار إعجاب الناس ومدار حديثهم (^٢).\n_________\n(^١) - ذكر ابن سعيد أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد أنفق في هذا الاحتفال ألف ألف دينار، انظر: المغرب في حلى المغرب ١/ ٤٨. 'إلا أنني أرى أن المبلغ المذكور فيه مبالغة، فإذا كانت الجباية في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط تبلغ ألف ألف دينار، فكيف ينفق كل الجباية في احتفال واحد، وعليه فالأصح أن يقال أنه أنفق على الاحتفال ألف دينار فقط، أو ألف ألف درهم.\n(^٢) - وعن العلاقة وأهميتها بين الرستميين وأمويي الأندلس، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٨٥، ١٣٠. الحلة السيراء ٢/ ٣٧٢، ٣٨٧، ٣٩٠. البيان المغرب: ٢/ ٨٢، ٨٧، ١١٨، ٢١٢، ٢١٤. د. محمود مكي، الخوارج في الأندلس، (مجلة تطوان للأبحاث المغربية والأندلسية، المغرب ١٩٥٦ م)، ص ١٧٣ - ١٧٤. محمد بن تاويت، دولة الرستميين أصحاب تاهرت (صحيفة معد الدراسات الإسلامية، مدريد، م ٥، ع ١ - ٢ سنة ١٩٥٧ م. أرشيبالد لويس، القوى البحرية والتجارية، (ترجمة: أحمد محمد عيسى، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية ١٩٦٠ م) ص ٢٦٠ - ٢٦١.  L.Provencal: Op.Cit.vI، P: ٢٤٤.","vol":"1","page":246},{"text":"وفي سنة (٨٣٩ - (٨٤٠) م) (٢٢٥) هـ وصل إلى قرطبة رسول يدعى: قراطيوس  Kratiyus  على رأس وفد قادم من عند الإمبراطور البيزنطي: تيوفيلوس  Theophilus (^١) .\nوقد جرى للرسول البيزنطي استقبالٌ حافلٌ، وبعد أن قدم هدايا الإمبراطور للأمير، تليت الرسالة التي من أجلها حضر الوفد إلى قرطبة، فقد أبدى فيها الإمبراطور رغبته في إقامة علاقات ودية مع الأمير الأموي، وأن تكون بينهما معاهدة صداقة وتحالف، كما لم ينس تذكيره بموطنه الأصيل، وقسوة العباسيين ضد أسرته، وإن باستطاعته العودة إلى الشام، ويتعهد له بتقديم المساعدة اللازمة لتحقيق هذا الهدف، ثم تطرق إلى مسألة الأندلسيين الذين استولوا على جزيرة إقريطش (^٢)، وفي نهاية رسالته لمز\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧، بروفنسال، الإسلام في المغرب والأندلس، (ترجمة د. محمود عبدالعزيز سالم، محمد صلاح الدين، القاهرة، مكتبة نهضة مصر ١٩٥٦) ص ٩٧.\n(^٢) - عن جزيرة إقريطش \"كريت\" انظر: د. اسمت غنيم، الإمبراطورية البيزنطية وكريت الإسلامية، (جدة، دار المجمع العلمي، ١٣٩٧ هـ) ص ٢١ - ٣٢، والمصادر المذكورة. وقد أحدث ضياع إقريطش من أيدي البزنطيين ارتباكًا واضحًا في النظام الدفاعي للإمبراطورية البيزنطية عموما، لأنه أفقدها ميزة الانسجام بين قواتها البرية والبحرية. انظر: د. أحمد العدوي، إقريطش بين المسلمين والبيزنطيين في القرن التاسع الميلادي، (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية م ٣ ع ٢ أكتوبر ١٩٥٠ م) ص ٦٠. وأما عن الأندلسيين الذين تمكنوا من الإستيلاء على جزيرة إقريطش. انظر: د. عبد العزيز سالم، تاريخ الإسكندرية وحضارتها في العصر الإسلامي، (نشر: مؤسسة شباب الجامعة ١٩٨٢ م) ص ١٢٨ - ١٣٨. قارن: ابن حزم، جوامع السيرة، (تحقيق: إحسان عباس وناصر الدين الأسد. القاهرة. المكتبة التجارية الكبرى. د. ت) ص ٣٤٤. الحلة السيراء، ١/ ٤٤ - ٤٥ المغرب في حُلى المغرب ١/ ٤٤.","vol":"1","page":247},{"text":"الخليفتين العباسيين المأمون والمعتصم ونعتهما بابني مارده ومراجل (^١).\nوردًا على رسالة الإمبراطور البيزنطي، وبناءً على طلبه، فقد بعث الأمير عبد الرحمن الأوسط بوفد من عنده مكون من عضوين برئاسة يحيى بن الحكم الغزال حَّمله فيها رسالته وهديته، وفي القسطنطنية جرى للوفد استقبال حافل برز فيه الغزال بطرفه وجماله ورجاحة عقله، فنال إعجاب الإمبراطور، فدعاه إلى مائدته، وبعد أن أدى الوفد مهمته عاد إلى قرطبة دون الارتباط بأي حلف مع البيزنطيين (^٢).\nوهناك معاهدة تحالف وقعت بين قرطبة وإمارة \"نافار (^٣)  Navarre\"  فقد وصلت سفارة من النافار إلى بلاط الأمير عبد الرحمن الأوسط، أبرمت على أثرها معاهدة تحالف بين الطرفين، تقوم بموجبها\n_________\n(^١) - الإسلام في المغرب والأندلس، ص ٩٧ - ٩٨.\n(^٢) - نفح الطيب، ١/ ٢٤٦. الإسلام في المغرب والأندلس ص ٩٢ - ١١٨.\n(^٣) - مملكة \"نبارِّة تقع في بلاد البشكنس  Basques  جنوب جبال البرتات، كانت في البداية واقعة تحت سلطة بعض النبلاء التابعين للفرنج أو لحكام من كانتبرية  Cantabria  أو أمراء من أسترياس  Austurias  استقلت في القرن الثاني الهجري، وأصبحت بنبلونه قاعدة لها. انظر: د. عبد الرحمن الحجي،، اندلسيات، ٢/ ٥٢.","vol":"1","page":248},{"text":"القوات الإسلامية بمساعدة النافار ضد أي اعتداء خارجي، في حين أن على النافار مساعدة القوات الإسلامية عند عبورها جبال البرتات (^١) متجهة إلى فرنسا (^٢).\nوفي أواخر عصر الأمير محمد بن عبد الرحمن وصل إلى قرطبة السفير: دولئديو \"  Dulcidio\"  أسقف سلمنقة (^٣) \"  Salamonca\"  مبعوثاُ من قبل ألفونسو الثالث ملك ليون، للتفاوض مع الأمير محمد من أجل توقيع معاهدة صلح بين الطرفين، وقد نجح السفير في مهمته وعاد إلى \"أوفيدو (^٤)\n_________\n(^١) - البرتات أو البرت \"  Pirineos- Pyrenees\"  هي الجبال التي تفصل أسبانيا عن فرنسا، وهي محرفة عن الأسبانية \"  Puerta\"  والبعض يسميها خطأ جبال البرانس، وهذه تقع شمال قرطبة، وتسمى جبل المعدن  Siera de Almaden  ولجبال البرتات أربع ممرات كلها ضيقة يدخلها الفارس بعد الفارس، أشهرها باب الشيزري أو برت شيزرو \"  Portus Cisenus\"  يبلغ طوله ٣٥ ميلًا، وعلى طرف كل ممر تقع مدينة في الجهتين. انظر: أرسلان، الحلل السندسية ٢/ ١٠٨ - ١١٣. د. حسين مؤنس، تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، (مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ط الأولى. ١٣٨٦ هـ (١٩٦٧ م» ص ٢٦٤، ٢٧٤. أندلسيات، ٢/ ٧٢.\n(^٢) - انظر: أندلسيات، ٢/ ٧٢.\n(^٣) - سلمنقة: مدينة تقع غرب شقوبيه على بعد ٩٩ كيلو متر، وسلمنقة القائمة على ضفاف نهر تورمس تمتاز بالثقافة، فشوارعها وميادينها غاصة بطلاب العلم الذين يفدون إليها من شتى الأقطار في العالم. انظر: رحلة الأندلس، ص ٣٥١ - ٣٥٢.\n(^٤) - أوفيدو أو أوبيط، مدينة تقع في شمال أقليم اشتوريس قرب خليج البسكايه إلى الغرب من صخرة كوفادونجا على مسافة خمسة وثمانين كيلو مترًا، ومن أبرز معالمها جامعة من أقدم الجامعات الأسبانية، أنشأت سنة ١٠١٣ هـ، ولاتزال قائمة إلى اليوم. انظر: الأثار الأندلسية الباقية ص ٣٦١ - ٣٦٥.","vol":"1","page":249},{"text":"Oviedo\"  عاصمة ليون (^١)، ومعه رفاة اثنين من النصارى، هما القس أولوخيو  Eulogio  وصاحبته ليو كريسيا  Leocrecia  وذلك سنة (٢٧٠) هـ (٨٨٣ م) (^٢). وعلى الرغم من كثرة الوفود التي قدمت إلى قرطبة طوال عصر الإمارة (١٣٨) - (٣١٦) هـ (٧٥٥ - (٩٢٨) م) إلا ان المصادر خلت من ذكر أي مراسم تقام في تلك المناسبات، ولعل ذلك عائد إلى بساطة الاحتفالات التي كانت تقيمها الدولة آنذاك، إذ أن الدولة مرت بفترة تأسيس ثم استقرت نوعًا ما طوال عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) ونصف عهد ابنه محمد: ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) ثم عاشت باضطراب حتى أعلن الأمير\n_________\n(^١) - نشأت مملكة \"ليون\" من اتحاد إمارتي كانتبريا \"  Cantabria\"  وجليقية في حكومة واحدة، عرفت عند المؤرخين المسلمين باسم \"جليقية\" وأراضيها تمتد من المحيط الاطلنطي غربًا حتى بلاد البشكنس شرقًا، ومن مضيق بسكاي \"  Bescay\"  شمالًا إلى نهر دويره \"  Duero\"  جنوبًا، وعندما استلم الأمير عبدالرحمن الداخل إمارة الأندلس كانت مملكة ليون تشغل ربع مساحة شبه جزيرة إيبيريا تقريبًا، وكانت عاصمتها في السابق مدينة أبيط \"  Oviedo\"  ولكن بعد أن قويت شوكة هذه المملكة واتسعت حدودها جنوبًا، أصبحت مدينة ليون \"  Leon\"  عاصمتها الجديدة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٦١٠. أعمال الأعلام ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤. أندلسيات، ٢/ ٤٢.\n(^٢) - انظر: دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١، ص ٣٠٣. أندلسيات ٢/ ٧٤.","vol":"1","page":250},{"text":"عبد الرحمن بن محمد قيام الخلافة الأموية في الأندلس سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م).\nومن هذا يتضح أن الأمراء الأوائل اهتموا بتثبيت أركان الدولة دون الالتفات إلى المظاهر التي تنم عن الاستقرار والرفاهية وهو أمر طبيعي، إذ أن الدولة لاتصل إلى الاهتمام بهذه الأمور إلا في مرحلة تالية، وذلك عندما يبدأ الجيل التالي بقطف ثمرة الجهد الذي بذله الجيل الأول، وهذا ما سيتضح لنا جليًا في عصر الخلافة.\nففي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كانت قرطبة تعيش أزهى أيامها، فقد بلغت من الثراء والازدهار درجة لم تبلغها من قبل، فغدت مهيبة الجانب، يخطب الجميع ودها، وأصبح السفراء يفدون إليها من أنحاء شتى، لأغراض متباينة، مابين طاعة وولاء، وتحالف، وسلم وموالفة وتجديد عهد المودة، وطلب النصرة لاسترداد العرش، بل إن منها ما كان للاستشفاء.\nفقد استقبل بلاط الخلافة بقرطبة، وفودًا وصلت من المغرب والقيروان جاءت لتقديم الطاعة والولاء (^١)، وسفارات قدمت لأجل الصلح\n_________\n(^١) - وصلت إلى قرطبة سفارات عدة في سنوات: ٣٢٨ هـ، ٣٣٥ هـ، ٣٣٧ هـ، ٣٣٨ هـ، ٣٣٩ هـ، ٣٥٦ هـ، ٣٦٠ هـ، ٣٦٤ هـ، وكلها قدمت من المغرب والقيروان. انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٥٩. المصدر السابق، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٣٩ - ٤٢، ١٩٤. البيان المغرب، / ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧، ٢٣٩، ٢٤١. وتجدر الإشارة إلى أن تلك الوفود قدمت من زعامات قبلية.","vol":"1","page":251},{"text":"والسلم مثل السفارة التى وصلت من جزيرة سردينيا، وذلك يوم الثلاثاء الثامن من ذي الحجة سنة (٣٣٠) هـ (^١) (أغسطس (٩٤٢) م)، والسفارة التي قدمت من أردون الثالث ملك ليون سنة (٣٤٤) هـ (^٢) (٩٥٥ م)، والسفارة التي رأستها الراهبة إلبيرة \"  Elvira\"  الوصية على ابن أخيها ردمير الثالث ملك ليون جاءت لعقد السلم مع الخليفة الحكم المستنصر بالله (^٣)، وكذلك السفارة التي قدمت من برشلونة في نهاية شهر شعبان سنة (٣٦٠) هـ (^٤) (يونيو (٩٧١) م) وتكررت مرة أخرى سنة (٣٩٣) هـ (^٥) (١٠٠٣ م).\nوهناك سفارات وصلت إلى قرطبة من أجل \"إيقاع الموالفة واتصال المكاتبة (^٦) \" فقد قدمت سفارة من الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع سنة (٣٣٤) هـ (^٧) (٩٤٦ م)، ومرة أخرى سنة (٣٣٨) هـ (^٨) (٩٤٩ م)، كما\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٥.\n(^٢) - تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٣. أندلسيات ٢/ ٧٦ - ٧٩.\n(^٣) - تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٤٦.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٠ - ٢٢.\n(^٥) - الذخيرة، ق ١ م ١، ص ٨٤ - ٨٥.\n(^٦) - البيان المغرب ٢/ ٢١٥.\n(^٧) - المصدر السابق، ٢/ ٢١٢.\n(^٨) - نفسه ٢/ ٢١٥.","vol":"1","page":252},{"text":"وصلت سفارة هوتو ملك الصقالبة سنة (٣٤٢) هـ (^١) (٩٥٢ م)، وفي اليوم الثالث والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة (٣٦١) هـ (مارس (٩٧٢) م) وصل إلى قرطبة رسل إمبراطور بيزنطه (^٢)، وفي سنة (٣٦٣) هـ (٩٧٤ م) قدمت سفارة أخرى من بلاد الصقالبة (^٣)، كلها لأجل ذلك الغرض.\nوفي الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو (٩٧١) م) وصل قرطبة وفد قادم من عند أحد أمراء نصارى الشمال في غربي جليقية، وذلك بغرض التحالف (^٤).\nومن السفارات التي وصلت إلى بلاط الخلافة بقرطبة، من أجل المساعدة في استرداد العروش التي اضطر أصحابها إلى التنحي عنها، ما ورد لدى ابن خلدون من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر قدمت إليه طوطه ملكة نافار ومعها ولدها غرسيه \"  Garcia\"  وحفيدها شانجه \"  Sancho\"  ملك ليون المخلوع وذلك سنة (٣٤٧) هـ (^٥) (٩٦٠ م).\nوفي سنة (٣٥١) هـ (٩٦٢ م) وصل إلى قرطبة ملك جليقية أردون بن أدفونش ملقيًا بنفسه إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله، طالبًا منه\n_________\n(^١) - نفسه ٢/ ٢١٨.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧١.\n(^٣) - المصدر السابق ص ١٨٢.\n(^٤) - نفسه ص ٢٧.\n(^٥) - تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٣.","vol":"1","page":253},{"text":"المساعدة في استرداد عرشه (^١)، وقد لبى الخليفة طلب الملك، بعد أن وافق على ترك ولده غرسية رهينة عند الخليفة، حسب ما تقتضيه أنظمة الدولة الأموية (^٢).\nوهناك سفارة وصلت إلى قرطبة تعتبر فريدة في موضوعها، ففي سنة (٣٥٠) هـ (^٣) (٩٦١ م) قدمت من روما سفارة، تطلب من الخليفة عبد الرحمن الناصر الإذن في استرداد جثمان لأحد النصارى، كان مدفونًا في كنيسة بالقرب من مدينة لورقه (^٤).\nوكانت السفارات التي تفد إلى حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس، تقابل بكل مظاهر الإكرام، ويقام بهذه المناسبة احتفال ضخم، يظهر مدى قوة الخلافة وعظمتها، وذلك وفق رسوم دقيقة.\nفمنذ أن يصل السفير إلى حدود الدولة الأموية، يقوم الوالي في ذلك الحد، بإخطار الخليفة عن وصول السفير، فيبعث الخليفة من عنده وفدًا\n_________\n(^١) - المصدر السابق: ٤/ ١٤٥.\n(^٢) - نفح الطيب، ١/ ٣٨٤.\n(^٣) - نصوص عن الأندلس، ص ٧. ورد لدى الحميري أن السفارة جرت سنة ٣٠٥ هـ. الروض المعطار، ص ٥١٢. ويبدو أن خطأ في النسخ قد أحدث الإختلاف بين المصدرين.\n(^٤) - نصوص عن الأندلس، ص ٧ - ٨ تاريخ بن خلدون ٤/ ١٤٣. ومدينة لورقه  Lorca  تقع في كورة مرسية، شرقي الأندلس شمال المريه، وصفت بأنها غنية بالمحاصيل الزراعية وتمتاز بالموقع الحصين ومن منعتها اكتسبت اسمها لورقه الذي يعني باللطيني الدرع الحصين. انظر: نصوص عن الأندلس، ص ١ - ٢. الروض المعطار، ص ٥١٢ - ٥١٣.","vol":"1","page":254},{"text":"لاستقباله، وهذا الوفد هو أشبه ما يكون بالبعثة الشرفية المعروفة بالوقت الحالي، وتقوم هذه البعثة بمرافقة السفير إلى العاصمة، وتحرص هذه البعثة أشد الحرص على عدم تمكين السفير من معرفة الطريق، فيختارون له الطرق الوعرة المتعبة بالذات إن كان من دولة معادية، وعندما يقترب السفير من العاصمة، تكون هناك مجموعات من الجند مرتبة ترتيبًا عسكريًا، تستقبله الواحدة تلو الأخرى، ثم يخرج أحد كبار رجالات الدولة المقربين من الخليفة فيستقبل السفير، ويرحب به، ويدخل معه إلى قرطبة، وما يزال مسايرًا له، حتى ينزله في دار سبق إعدادها لنزوله، ويتم ترتيب مجموعة من ذوي الخبرة بالضيافة لخدمته، ومجموعة أخرى لتمنع العامة والخاصة من الاختلاط به، خشية أن يتوصل إلى معرفة ما يضر بالدولة الأموية، وذلك من خلال استمالته لأحدهم.\nوالخليفة لا يستقبل السفير مباشرة، بل إن الوزير المرافق للسفير، يطلع على المهمة التي قدم من أجلها، وهو بدوره يبلغها للخليفة، فإن رضي عن المهمة أذن للسفير بمقابلته وإلا منعه.\nولم يحدث أن رفض الخليفة استقبال أي سفير، إلا ما جرى من الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما رفض استقبال الراهب جان \"يوحنا\" الذي كان مبعوثًا من عند الملك هوتو، بعد أن علم الخليفة أن الغرض من السفارة كان لأجل مناقشة بعض الأمور الدينية (^١).\n_________\n(^١) - أرسلان، غزوات العرب، ص ١٧٩ - ١٨٠.","vol":"1","page":255},{"text":"وليس هناك وقتًا محددًا لإتمام المقابلة بين الخليفة والسفير، إذ أن وقت الفجر ممكن أن يكون موعدًا للمقابلة، وذلك كما فعل الحاجب المنصور بن أبي عامر عند استقباله لأحد السفراء (^١)، إلا أن هذا نادر الحصول، إذ من المتوقع أن يكون الموعد في النهار لكي تظهر المراسم بكامل زينتها.\nوإذا حدث أن وفد إلى بلاط الخليفة عدة سفراء في آن واحد، صدر الإذن للسفراء المسلمين قبل غيرهم لمقابلة الخليفة، وهذا ما فعله الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد جلس في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة سنة (٣٦٢) هـ (٢٤ سبتمبر (٩٧٣) م) لاستقبال الرسل والوفود التي قدمت لمقابلته، فأمر بتقديم السفراء المسلمين في الإذن للدخول عليه (^٢).\nوقبل أن يدخل السفير أو الوفد على الخليفة، لابد من إفهامهم بما يجب عليهم اتباعه، عند مخاطبتهم له (^٣)، ويتولى قاضي النصارى بقرطبة الترجمة بين الوفد والخليفة، ويفترض في المترجم أن يكون حصيفًا فلا ينقل للخليفة ما يشعره بأدنى مقدار من الاستهانة به أو بمركزه، وإلا لقي الإهانة والطرد من منصبه (^٤).\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ٣/ ٨٥.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٣٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٤٧.\n(^٤) - انظر: المصدر السابق ص ١٤٦.","vol":"1","page":256},{"text":"وما يمكن تسميته بالحصانة الدبلوماسية، مكفولة للسفير، فمهما بدا منه من جفاء فلا يعاقب، بل يكتفى بطرده من البلاط، وحرمانه من إكمال أداء مهمته (^١).\nولم تعرف عادة تقبيل البساط بين يدي الخليفة، إلا في عهد الحكم المستنصر بالله (^٢)، فقد كان والده يرفض ذلك ويأباه (^٣).\nويتم التمييز بين السفراء حسب مكانة مرسلهم، فإذا كان المرسل صاحب دولة قوية، أو كان مواليًا للدولة الأموية، فإن الخليفة يعطي السفير باطن يده ليقبلها (^٤)، وأما ما سوى ذلك فإنهم يقبلون ظاهر يده (^٥)، وفي هذا دلالة على أن الدولة الأموية، كانت تفرق في مراسم الاحتفالات بين سفراء الدول الكبرى والصغرى.\n_________\n(^١) - نفسه ص ١٤٦ - ١٤٧. وعن أمان الرسل في الإسلام، انظر: د. كامل الدقس، العلاقات الدولية في الإسلام، ص ١٣٩ - ١٤٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٢. نفح الطيب ١/ ٣٩٠ - ٣٩١. لعل الخليفة الحكم قد تأثر كثيرًا بملوك النصارى في تقبيل البساط، الذي هو بمثابة السجود والعياذ بالله.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢١٣.\n(^٤) - غزوات العرب ص ١٨١. قارن: هشام سليم أبو رميله، نظم الحكم في الأندلس في عصر الخلافة، (رسالة ماجستير مقدمة لكلية الآداب، جامعة القاهرة ١٩٧٥ م (لم تطبع» ص ١٠٨.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٢.","vol":"1","page":257},{"text":"وفيما يتعلق بتقبيل اليد بلغ هذا الأمر ذروته في عهد الحاجب المنصور ابن أبي عامر، وذلك عندما سمح للملك شانجه والد زوجته أم عبد الرحمن بتقبيل يديه ورجليه (^١).\nوبعد أن يأذن الخليفة للسفير بالجلوس، يقدم الأخير هدية مرسله، ويعرضها في المجلس، وإذا كان مع الهدية بعض الجواري، فإنه يتم إرسالهن فورًا إلى دار الحرم، دون عرضهن في المجلس.\nوكانت أعظم هدية يقدمها الوفد للخليفة، هي إطلاق سراح مجموعة من الأسرى المسلمين إكرامًا له (^٢).\nوبعد أن يتقبل الخليفة الهدية ويقرأ الكتاب المصاحب لها، يقوم الشعراء والخطباء بإلقاء خطب وقصائد تحوي عبارات الثناء على الخليفة، وبعد انتهاء الحفل، يؤخذ السفير إلى مقر إقامته، ويمكث هناك حتى يطلبه لإجراء المباحثات وبعد أن يعقد معه عدة جلسات على انفراد تام، يسمح للسفير ومن معه بالقيام ببعض الجولات الترفيهية في أنحاء العاصمة، وذلك بصحبة الوزير المرافق، وبعد عدة أيام يؤذن للوفد بمقابلة الخليفة لوداعه وتقبل هديته (^٣) التي يتم استلامها في بيت الوزراء، إذ أن الخليفة يأمرهم\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٧٣ - ٧٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢١ - ٢٢.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٣٢. نفح الطيب، ١/ ٣٨٥.","vol":"1","page":258},{"text":"بالاجتماع في بيتهم، واستقبال أعضاء الوفد للترحيب بهم، وتسليمهم هدية الخليفة (^١). وعادة ما تكون أقل من الهدية التي قدمها له الوفد.\nوقد حفظت لنا المصادر الأندلسية، صورًا للاحتفالات التي كانت تقام بمناسبة وصول أحد السفراء إلى قرطبة لمقابلة الخليفة.\nفقد بعث الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع  Costantine VII  المعروف بـ \"بورفيرجينيت  Porphyrogenitus\"  أي لابس الأرجوان (^٢)، سفارة إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقد وصلت السفارة الأندلس في شهر صفر سنة (٣٣٨) هـ (^٣) (أغسطس (٩٤٩) م)، فتأهب الخليفة لاستقبال أعضاء السفارة، \"وأمر أن يتلقوا أعظم تلق وأفخمه، وأحسن قبول وأكرمه، وأخرج إلى لقائهم ببجانة يحيى بن محمد بن الليث وغيره لخدمة أسباب الطريق، فلما صاروا بأقرب المحلات من قرطبة خرج إلى لقائهم القواد في العدد والعدة والتعبئة، فتلقوهم قائدًا بعد قائد، وكمل اختصاصهم بعد ذلك، بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسرًا وتمامًا، إبلاغًا في الاحتفال بهم، فلقياهم بعد القواد، فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وإكرامه، لأن الفتيان حينئذ هم عظماء الدولة، لأنهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه، وبيدهم القصر السلطاني،\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١٠.\n(^٢) - تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٤٦٢.\n(^٣) - قارن: تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٢. طبقات الأطباء، ص ٤٩٤. تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٤٦٢.","vol":"1","page":259},{"text":"وأنزلوا بمنية ولي العهد الحكم المنسوبة إلى نصر بعدوة قرطبة في الربض، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة، ومن ملابسة الناس طُرَّا، ورُتّب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجوه الحشم فصُيّروا على باب قصر هذه المنية ستة عشر رجلًا لأربع دول، لكل دولة أربع منهم، ورحل الناصر لدين الله من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه، فقعد لهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من السنة المذكورة في بهو المجلس الزاهر قعودًا حسنًا نبيلًا، وقعد عن يمينه ولي العهد من بنيه الحكم، ثم عبيد الله ثم عبد العزيز أبو الأصبغ ثم مروان، وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سليمان، وتخلف عبد الملك لأنه كان عليلًا لم يطق الحضور، وحضر الوزراء على مراتبهم يمينًا وشمالًا، ووقف الحجّاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهم، وقد بُسط صحن الدار أجمع بعتاق البُسُط وكرائم الدرانك (^١).\nوظُلّلت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملك الروم حائرين مما رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان، ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى قسطنطين بن ليون، وهو في رق مصبوغ لونًا سماويًا مكتوب بالذهب بالخط الإغريقي، وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضًا مكتوبة بفضة بخط إغريقي أيضًا فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها، وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه\n_________\n(^١) - الدرانك: البسط.","vol":"1","page":260},{"text":"أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح، وعلى الأخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده، وكان الكتاب بداخل درج فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطين الملك معمولة من الزجاج الملون البديع، وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج، وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: قسطنطين ورومانس المؤمنان بالمسيح، الملكان العظيمان ملكا الروم، وفي سطر أخر: العظيم الاستحقاق المفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس، أطال الله بقاءه (^١)، ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه، لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه، وتصف ماتهيأ من توطيد الخلافة في دولته، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه ولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البر الكستياني بالتأهب لذلك، وإعداد خطبة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة، وكان يدَّعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره، وحضر المجلس السلطاني، فلما قام يحاول\n_________\n(^١) - كان من بين الهدية التي قدمها الوفد البيزنطي للخليفة نسخة من كتاب الطبيب اليوناني \"ديسكوريدس  Dioscorides\"  في الحشائش والنباتات الطبية باللغة اليونانية، ونظرًا لعدم وجود من يعرف اليونانية عند الخليفة، لذا فقد بعث إلى الإمبراطور البيزنطي رسالة يطلب فيها منه أن يبعث من عنده من يقوم بترجمة الكتاب، فاستجاب له، وبعث إليه بالراهب نيقولا سنة ٣٤٠ هـ. انظر: طبقات الأطباء ص ٤٩٤. تاريخ الفكر الأندلسي ص ٤٦٢ - ٤٦٣.","vol":"1","page":261},{"text":"التكلم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظه، بل غُشي عليه وسقط إلى الأرض، فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي (^١) صاحب الأمالي والنوادر، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة: \"قم فارقع هذا الوهي\"، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه ﷺ … ثم انقطع القول بالقالي، فوقف ساكتًا مفكرًا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أراد منه، … فلما رأى ذلك منذر بن سعيد (^٢) - وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء - قام من ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب، ونادى في الإحسان من ذلك المقام كل\n_________\n(^١) - أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيدون، جده من موالي بني أمية تعلم ببغداد، ثم ارتحل إلى الأندلس سنة ٣٢٨ هـ، ودخل قرطبة في أواخر شعبان سنة ٣٣٠ هـ واستطوطنها إلى أن وافته المنية بها سنة ٣٥٦ هـ فدفن في مقبرة متعة ظاهر قرطبة. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٢٣. عبد العلي الودغيري، أبو علي القالي وأثره في الدراسات اللغوية والأدبية في الأندلس، (طبعة اللجنة المشتركة، المغرب- الأمارات ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣) ص ٣٦ - ١٤٠.\n(^٢) - أبو الحكم منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن البلوطي، من أهل قرطبة، كان عالمًا فقيهًا، أدبيًا خطيبًا، ولي قضاء مدينة لارده، والثغور الشرقية، ثم قُدِّم إلى قضاء الجماعة، فلم يزل في منصبه إلى أن توفي يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ذي القعدة سنة ٣٥٥ هـ بعد أن ترك عدة مؤلفات. انظر: الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، ط الثانية ١٩٨٤ م) ص ٢٩٥ - ٢٩٦. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٤٥٤. مطمح الأنفس، ص ٢٣٧ - ٢٥٩.","vol":"1","page":262},{"text":"مجيب، يسحه سحًا كأنه كان يحفظه من قبل ذلك بمدة، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي (^١) … فصلب العلج وغلب على قلبه، وقال: هذا كبير القوم، أو كبش القوم، وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه، وثبات جنانه وبلاغة لسانه، وكان الناصر أشدهم تعجبًا منه (^٢) … وفي خمس بقين منه نُقل هؤلاء الرسل من منزلهم بمنية نصير بالربض، إلى دار إبراهيم الفتى بداخل قرطبة، وفي آخر هذا الشهر أعاد الناصر لدين الله القعود الثاني لرسل ملك الروم، بقصر الزهراء، فاحتفل لذلك أيضًا، واستكمل له الأهبة، وبالغ في الزينة، وقعد على باب السدة صاحب المدينة، مع من ضُمَّ إليه من العرفاء والشرط والحرس، وهم صفوف قيام، وقام مع سور القصر سماط من الموالي، في الملابس الحسان والسلاح الشاك، وألزم الفصلان كلها جملًا من العبيد والحشم والبوابين وغيرهم، في أشكل زيهم، ثم أعاد القعود، لهم بالزهراء، وهذا القعود الثالث، كان يوم الخميس لثلاث بقين منه، على ما تقدم في الأهبة والاحتفال في الزينة، وفي النصف من جمادى الأولى منها أدخل الناصر لدين الله هؤلاء الرسل على نفسه في مجلس خاص، قعد لهم فيه في قصر الزهراء، في المجلس المشرف على الرياض، فلما خرجوا من عنده، أدخلوا في ديار الصناعات والعدة بأكناف الزهراء ودار السكة، وطيف بهم بأرجائها، ثم صرفوا إلى\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٣٦٦ - ٣٦٩.\n(^٢) - المصدر السابق ١/ ٣٧٢.","vol":"1","page":263},{"text":"دار نزولهم، فاتصل مقامهم بقرطبة في كرامة موصلة وعطايا متوالية، إلى أن كملت الهدية التي كوفئ بها الطاغية مرسلهم، وأُسلمت إليهم، مع أجوبتهم، وأمروا بالرحيل، وجلس لهم الناصر لدين الله في النصف من شوال من السنة بعدها، فدخلوا للوداع، وجُددت لهم الخلع، وانطلقوا لسبيلهم، متعجبين مما رأوا من عز الإسلام\" (^١).\nوفي عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وفد إلى قرطبة جعفر (^٢) ويحيى أبنا علي بن حمدون، خالعين لدعوة العبيديين، متقلدين للدعوة الأموية، فاحتفل الخليفة لقدومهما، ومن معهما من الفرسان، فأمر أن يخاطب جميع القادة والعمال في كور الأندلس للقدوم إلى قرطبة لحضور\n_________\n(^١) - المقري، أزهار الرياض، (المغرب- الإمارات لجنة نشر التراث الإسلامي ١٣٩٨ هـ) ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(^٢) - جعفر بن علي بن حمدون بن سملك الجذامي، الشهير بابن الأندلسي، نشأ في بيت القائم بأمر الله بن المهدي في افريقية، تحت رعاية الأستاذ جوذر وبسبب خلاف نشب بين بلكين بن زيري وبين جعفر التحق الأخير ببلاط الخليفة الأموي الحكم المستنصر بالله ثم عاد إلى المغرب، ثم استقدمه المنصور بن أبي عامر ليخلصه من غالب الناصري، فلما تم له ذلك دس عليه معنًا التجيبي في طائفة من أصحابه، فقتلوه غيلة وذلك ليلة الأحد الثالث من شهر شعبان سنة ٣٧٢ هـ. انظر: أبو علي الجوذري، سيرة الأستاذ جوذر، (تقديم وتعليق: د. محمد كامل حسين، د. محمد عبد الهادي شعيرة، القاهرة، دار الفكر العربي، ١٣٧٤ هـ /١٩٥٤ م) ص ١٧٥. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي،، ص ٣٢ - ٥٧، ٥٩ - ٦١، ٧٠، ٨٢، ٩٤، ١١٩ … البيان المغرب ٢/ ٢٧٩ - ٢٨١. مفاخر البربر ٦ - ٨، ١٨.","vol":"1","page":264},{"text":"الاحتفال، وأصدر بذلك كتابًا في يوم الاثنين الرابع من شهر ذي القعدة سنة (٣٦٠) هـ (^١) (٣٠ أغسطس ٩٧١) ثم أرسل في يوم الثلاثاء الثاني عشر من ذي القعدة، صاحب السكة والمواريث وقاضي اشبيلية محمد بن أبي عامر بأربعة من عتاق الخيل وبغل أشهب مزينة بسروج الخلافة ولجمها هبة لجعفر، بالإضافة إلى خمسين فرسًا ومائتا زاملة لأصحابه وأثقاله، وكذلك المظال الجليلة والأبنية الفسيحة والقباب المتوسطة والأخبية وعدة أحمال من الوطاء النفيس والغطاء السري والعماريات والهوادج الفاخرة لأجل عيال جعفر، فالتقى به ابن أبي عامر يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة على أربعة أميال من مالقة، فرحب به وسلم إليه جميع ما أرسله إليه الخليفة، ووجد عنده بسيل وعبد الحميد أبنا أحمد بن عبد الحميد بن بسيل (^٢) عاملي كورة ريه، فقد لزماه لتلبية ما يحتاجه، ثم سار الجميع حتى إذا بلغوا قرية \"أقوه ماره\" يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة، التقى بهم غلام مرسل من الخليفة معه ستة أفراس من عراب الخيل بسرج الخلافة، ولجمها هدية لجعفر بن علي،\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٤١.\n(^٢) - بيت بني بسيل من أكبر بيوتات الموالي الأمويين من أهل الشام في الأندلس، وقد كان أول من دخلها منهم عبد السلام بن بسيل الرومي المعروف بالشيخ، وذلك أيام الأمير عبد الرحمن الداخل، مع ابنيه عبد الواحد ويحيى، فاستعمله الأمير الداخل في عدة كور ثم ولاه الوزارة، ومنذ ذلك الوقت تأصلت الخطط في بني بسيل. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق: رقم ١٩.","vol":"1","page":265},{"text":"الذي واصل سيره حتى نزل مع أخيه يحيى ومن معهما من بني خزر في فحص السرادق (^١) شرقي قرطبة، وذلك يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة، فعدل بعيال جعفر ويحيى إلى المدينة حيث دخلوا قرطبة في الليل بصحبة ثقات الرجال، وفق أوامر الخليفة، وتم اختيار الدار المنسوبة ليوسف بن سليمان المعروف بابن البياني سكنًا لعيال جعفر، كما أمر الخليفة بابتياع الدار المنسوبة إلى قاسم بن يعيش من ورثته لتكون منزلًا لعيال يحيى بن علي، فتم ذلك في نفس الليلة، وفي غداة يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة ذهب صاحب الشرطة العليا ومعه طبقات الجند والوفود والحرس في تعبئة كاملة إلى فحص السرادق، حيث اصطحب الزعيمين جعفر ويحيى إلى منية ابن عبد العزيز لتكون منزلًا لهما، فسار الجميع في موكب امتد من محلة فحص السرادق إلى باب المنية، فنزلها الزعيمان، ومكثا فيها بأرغد عيش (^٢)، ولما حان موعد استقبال الخليفة لهما، أقيم احتفال بهي، حرص الخليفة فيه على إظهار كل ما لديه من قوة مادية وعسكرية، فأمر بجمع شباب قرطبة وتوزيع التراس والحراب عليهم من خزانة السلاح ليكونوا في موكب إلى الزهراء، كما تم ترتيب الكتائب\n_________\n(^١) - فحص السرادق: يقع بالطرف الشرقي من قرطبة، وكان في أول الأمر قصرًا ريفيًا لتنزه الأمراء الأمويين، ومن المرجح أن يكون هذا الفحص قد تحول في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى مكان لوضع سرادق الخليفة عند استعراض الجيوش قبل خروجها للغزو. انظر: قرطبة حاضرة الخلافة، ١/ ٢١٠، ومصادره.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤١ - ٤٦.","vol":"1","page":266},{"text":"وتنظيم العساكر، ثم انطلق صاحب الشرطة العليا في الجيوش من قصر الزهراء إلى منية ابن عبد العزيز لاصطحاب جعفر ويحيى، فلما وصل إلى المنية، وجدهما على أهبة الاستعداد، فركبوا ومعهم أكابر رجالات الدولة الأموية \"فساروا من باب المنية بين صفين مصطفين من رجالة الأرباض بقرطبة المسلحين من عند السلطان، انتهت عدتهم في التحصيل ستة عشر ألف راجل عم جميعهم بالتراس والرماح، ثم انتقلوا بين مراتب الفرسان المدرعين الذين كُلف أهل الخدمة صقالبة القصر إركابهم من عندهم في الأسلحة الشاكة، وكانوا عدة وافرة (^١) ثم تقدموا بين صفوف فرسان الطنجيين المدرعين، ثم نهضوا بين ترتيب فرسان الخمسيين، وعبيد الدرق، والعبيد الرماة، وعلى جميعهم الدروع السابغة، والبيض اللامعة، ثم اشتقوا بين صفي فرسان العبيد الرماة الخاصة لابسي الأقبية البيض متقلنسي المقاريف (^٢) الوبر متنكبي قسيهم وكنانهم الزغرية (^٣)، ثم نفذوا بين الفرسان المدرعين حاملي القنوات الناصلة وكانت عدتها مائة قناة، ثم صاروا بين سماطي أصحاب الجواشن ثم أفضوا إلى صفي الفرسان أصحاب التجافيف، وكانت عدتهم مائتي تجفاف، ثم انتقلوا إلى تعبئة أصحاب العدة الرائقة من البنود الغريبة الأنواع والصفات والتماثيل الرائعات: من الأسود الفاغرة والنمور الجائشة والعقبان الكاسرة والثعابين المضطربة،\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٤٧ - ٤٨.\n(^٢) - المشهور \"اقاريف\" جمع أقارف وهو لباس للرأس مخروطي الشكل.\n(^٣) - الزغرية منسوبة إلى زغر بالشام وكنائنها تعمل من أدم حمر وتطلى بالذهب.","vol":"1","page":267},{"text":"وكانت عدتها مائة صورة، ثم ولجوا بين صفي الجنائب خيول أمير المؤمنين المقربة مكسوة بسروج الخلافة ولجمها: المحرقة (^١) والمعرقة، وكانت عدتها مائة فرس انتهى موقفها في هذا الترتيب إلى باب الصورة القبلي من أبواب مدينة الزهراء، ثم ولجوا باب المدينة بين صفين مرتبين من فرسان العبيد والعرفاء المدرعين، ثم نهضوا بين صفين من رجالة المسددين والرماة المختلطين الرامين بنوعي القياس (^٢) من الأحرار والعبيد ومن ضُمَّ إليهم من أصحاب الصناعات، وقد لبسوا الثياب الملونة من الإفرند وغيره، على عواتقهم القسي العربية؛ وكان صاحب المدينة بالزهراء محمد بن أفلح قد استوى على كرسيها قاعدًا يرتب ما يلزمه ترتيبه، إلى أن دخل القائد صاحب الشرطة إلى القصر، ودخل بدخوله الرسل النافذون إلى جعفر ومن معه لأول عبورهم: محمد بن أبي عامر وابن ناجيت وابن عبد الملك وأبنا بسيل ومعهم جعفر ويحيى بنو خزر وكان في فصلان (^٣) باب السدة جرًا إلى دويرات البرطلات (^٤): الدولتان (^٥) من البوابين والعبيديين والغلمان والوكلاء بدار الخيل وغيرهم من طبقاتهم قعودًا في المصاطب على اتصالهم في أحسن زيهم، متقلدي السيوف الحالية، متقلنسين بالقلانس الموشيَّة،\n_________\n(^١) - المحرقة: التي بردت بردًا جيدًا.\n(^٢) - القياس: جمع قوس.\n(^٣) - فصلان: جمع فصيل وهو الرحبة عند مدخل البيت.\n(^٤) - البرطلات: جمع برطل أي المدخل.\n(^٥) - الدولتان: الجماعتان أو الفئتان.","vol":"1","page":268},{"text":"وأفضوا إلى دار الجند وقد ترتب فيها رجالة الرماة، لابسي أنواع الثياب الملونة، وعلى رؤوسهم المقاريف الدرية وقد تنكبوا القسي الكبار أشباه الحنايا، بأيديهم الطبرزينات والأجوزة والدماغات والأعمدة؛ فعندها تقدم صاحب الشرطة إلى موضع نزوله في المجلس القبلي بدار الوزراء مع أصحابه، وتأخر محمد بن أبي عامر وصحبه المتكنفون لجعفر وأخيه يحيى وبني خزر بجماعتهم عن مداه، فنزلوا عند باب السدة، وصاروا إلى مجالس الجند مع أصحابهم، وقد استوى جلوس الخليفة المستنصر بالله على السرير بالمجلس القبلي الموفي على الرياض المنيفة على السطح العلي؛ (وكان) قد تقدم بإنذار الإخوة فمن دونهم من طبقات أهل المملكة، بالحضور أحفل ماجرت به عادتهم، فأهطعوا لدعوته وتوصلوا على مراتبهم إلى محلة، فكان أول مأذون له منهم الإخوة الثلاثة، قعد منهم أبو الأصبغ عبد العزيز شقيقه عن يمينه، وتحته أبو المطرف المغيرة أصغرهم، وقعد عن يساره أبو القاسم الأصبغ، ثم توصل الوزراء فقعدوا على مراتبهم بأثر الأخوة بعد فجوة، وقام الحاجب منهم عن ذات اليمين: جعفر بن عثمان وصاحب الحشم محمد بن قاسم بن طملس وَوَلِيَ محمد بن قاسم صاحب الخيل زياد بن أفلح؛ ثم توصل أصحاب الشرطة العليا والوسطى فقاموا حجابًا على منازلهم عن ذات اليمين أو اليسار، ثم أذن لأصحاب المخزول والخُزَّان والعُرَّاض وغيرهم من طبقات أهل الخدمة، ولمن أنذر من قريش والموالي والقضاة والفقهاء والعدول، فتوصل جميعهم ومثلوا قيامًا على أقدامهم، وقام صفان من الكتَّاب والمقدمين والوصفاء الأكابر ومن دونهم من","vol":"1","page":269},{"text":"طبقات الخدم الخصيان من بين يدي آخر المجلس والمعُتَرض، في زيهم الجميل عليهم اللامات السابغة، والسيوف الحالية، والمرصعة بالجواهر الفاخرة، فكانوا من أبهى حلى المملكة، انتظم بصفَّي أكابرهم في طول السطح العلي من دونهم من الوصفاء وطبقات أهل الخدمة بالدار على سماطين، دارعين متقلدين بالسيوف الحالية وعلى رؤوسهم الطشنيات المفضضة المرقَّشة، متهيئين إلى المعُتَرض بين يدي مجلس الأمراء الغربي إلى باب الفصلان، واتصلوا صفين على انتظام الفصلان إلى فصيل الكتاب الذي يشرع بابه إلى دار الوزراء، وانتظمت التعبئة بعدهم إلى دار الوزراء من رجالة فرسان الرياض ومن متخيَّري عبيد الحاجب جعفر الهالك، عصبة رائقة المرأى، كاملة الشكة، على رؤوسهم البيضات المذهبة، بأيمانهم الحراب الواسعة العريضة على صنعة السيوف الإفرنجة الملونة العصيّ، المزينة بأنابيب الفضة، انتهت تعبئتهم إلى الفصيل المعروف بفصيل أبي العرَّاض، وانتظم في مصاطب تلك الفصلان الطوال بياضُ الكور المستدعون اليوم متزينين بأحسن الزينة اللائقة بهم.\nولما استقر جعفر ويحيى أبنا علي وبنو خزر في البهو الأوسط من مجالس دار الجند وتهذبت التعبئة، خرج الفتيان الكتَّاب إليهم بالإذن في دخولهم، فتقدموا وتقدم بهم محمد بن أبي عامر وأصحابه المخُرَجون أولًا للمجيء بهم فنهضوا داخلين إلى أن صاروا في السطح العلي، ثم استنهضوا إلى المجلس الذي قعد فيه الخليفة، فلما أنهضوا إلى بابه قبلوا البساط مرة بعد أخرى، ثم تقدم بهم إلى السرير وناولهم الخليفة يده، فتقدمهم جعفر","vol":"1","page":270},{"text":"بالتقديم والتسليم، ثم تلاه يحيى أخوه ثم قدم بنو خزر الأسن فالأسن، فقضوا ما عليهم من ذلك وأمرهم الخليفة بالقعود إكرامًا لهم، وقُدِّم أصحابهم إثرهم الأسن فالأسن فقبلوا وسلموا، وشافه الخليفة جعفرًا قبلهم فأوسع يسأله عما لديه وبسطه وفعل ذلك بأخيه يحيى وبني خزر أصحابهما، ونطق بتقبل نزعهم وتحقيق رجائهم واعتقاد مكافأتهم على محبتهم وصياغتهم ووعدهم بالإحسان إليهم والتشريف لهم، فأعلنوا الشكر واستهلوا بالدعاء وأكثروا من الثناء وحمدوا الله تعالى على مامنحهم له من تجديد إسلامهم وتأكيد إيمانهم، في قصدهم حرم أمير المؤمنين وإسنادهم إلى عز سلطانهم ونبذهم لدعوة الضلال وشيعة الكفار، واعتياضهم من ذلك بالسنة والجماعة والعز والطاعة، وغرب جعفر بن علي في غرابة الأدب مقامه ذلك عند مشافهة أمير المؤمنين له، إذ كان لا يرد الجواب إليه إلا بعد أن يستوي قائمًا ويكلمه فيرد جوابه إلى أن انقضى المجلس، فاستُبدع ذلك من أدبه، وانطلقت الجماعة من المجلس عند انتهائه، فصاروا إلى مقعدهم الأول في مجلس الجند، ومحمد بن أبي عامر وصحبه الموكلون بهم لا يفارقونهم إلى أن ركب بهم صاحب الشرطة العليا القائد هشام بن محمد بحضرتهم لمنصرفهم، فركبوا معه وسار بهم مشيعًا لهم ومبلغًا إلى الوزراء الذين تقدم الأمر بإنزالهم فيها بقرطبة، وكان ركوبهم من الموضع الذي نزلوا فيه عند الأبهاء بدار الجند، وابن أبي عامر وصحبه لا يزايلونهم، فخرجوا من قصر الزهراء مع هشام بن محمد، والترتيب الذي جاؤوا فيه على هيئته، فبلغوا زعيمهم جعفر بن علي إلى","vol":"1","page":271},{"text":"دار يوسف بن علي بن سليمان التي أنزل فيها أهله وثقله، ونهضوا بأخيه يحيى إلى دار قاسم بن يعيش وانتهوا ببني خزر إلى دار إبراهيم الفتى الخليفة الموسومة بـ\"النزل\" فاغتدى يوم دخولهم إلى دار إبراهيم هذا، يوم الأحد، أحد الأيام العُقم التي طار خبرها بالأندلس في الحسن والزينة.\nولما أن استقر جعفر ويحيى بداريهما اطمأنا فيهما، عهد أمير المؤمنين بإجراء ألف دينار دراهم على كل واحد منهما للشهر، ومن القمح لنفقتهما لكل شهر لكل واحد منهما سبعون مديًا توسعةً عليهما وإغداقًا في الأفضال عليهما وأجرى أيضًا على بني خزر من الدنانير والقمح والعلوفة مايفيض ولايغيض، ثم تضاعفت على الجماعة الجرايات وترددت الصلات، فأضحوا مغتبطين بما سنَّى لهم المقدار متغمسين في الحبرة\" (^١).\nوالاحتفالات التي كانت تجري عند استقبال الوفود، لا يقتصر إقامتها على حاضرة الخلافة، وإنما قد يكون معسكر الجيش مكانًا لإجراء مراسم الاستقبال، فقد أقام الخليفة عبد الرحمن الناصر حفل استقبال وهو في معسكر الجيش، للملكة طوطه عندما أرغمها على أن تفد إليه وتطأ بساطه وهو في المعسكر وذلك سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) عند خروجه لتأديب المتحالفين ضده في الشمال من مسلمين ونصارى، فقد أذعنت الملكة لأوامر الخليفة، وجاءت إلى معسكره في محلة قلهرَّه ومعها وجوه رجالها وقوامسها وأساقفتها، فأمر الخليفة بتعبئة الجيوش وإقامة الترتيب\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤٨ - ٥٣.","vol":"1","page":272},{"text":"وإظهار العدة والزينة، فرأت الملكة ما أدهشها، فخضعت للخليفة في كلامها، وتذللت له في سؤالها، فأكرمها، وأحسن استقبالها، وأجابها إلى طلبها ووفق شروط اشترطها وتعهدت الملكة بالتزامها (^١).\nوقد ذكر ابن حيان أن آخر احتفال أقيم في الأندلس أيام الدولة الأموية، كان الحفل الذي أقامه الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور بن أبي عامر سنة (٣٩٣) هـ (١٠٠٣ م) بعد حملته على برشلونة وما حولها من ديار النصارى، إذ أنه بعد عودته إلى قرطبة مظفرًا غانمًا، وصل إليه رسول من صاحب برشلونة، فأعد \"عبد الملك لوروده أكمل العدة من ترتيب الجنود، فكان يوم دخول ذلك الرسول بقرطبة آخر أيام الزينة، إذ انتقض الملك على أثره سريعًا ووقعت الفتنة\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>موكب الأمير أو الخليفة:</span>\nاعتبر مؤرخو رسوم الدولة، أن كثرة ظهور السلطان للرعية، تنقص هيبته في قلوبهم، مما يكون دافعًا للجرأة عليه، والنيل منه إن أمكن، ولذا فقد قال الثعالبي (^٣): \"إن كثرة ظهور الملك عليه مجلبة لابتذال العيون إياه،\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(^٢) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٨٥.\n(^٣) - أبو منصور عبد الملك بن محمد إسماعيل الثعالبي، عربي من سكان نيسابور، كان فراءًا يخيط جلود الثعالب فنسب إلى صناعته، اشتغل بالأدب والتاريخ، فنبغ فيهما، وصنف في ذلك كتبًا كثيرة، وبعد أن تنقل بين مدن بخارى وهراة وغزنه، عاد إلى بلدته نيسابور حيث توفي فيها سنة ٤٢٩ هـ. انظر: الثعالبي، أداب الملوك، (تحقيق: د. جليل العطية، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط الأولى ١٩٩٠ م)، مقدمة المحقق ص ٥ - ١٣ ومصادره.","vol":"1","page":273},{"text":"ومن حقه التصون عن ذلك، وبناء أموره وأحواله كلها على ما يزيد في هيبته، ويعود بعلو شأنه وجلالة سلطانه\" (^١).\nوذكر المرادي (^٢) أن على السلطان أن يكون احتجابه وظهوره بقدر، لئلا يتسبب احتجابه في إدخال القلق على النفوس بسبب طول غيبته، فتفسد الرعية، ويكثر الإرجاف ولا يكثر من الظهور للعامة لئلا تسقط هيبته من قلوبهم، وتمكن صاحب المقاصد السيئة من نيل مراده منه (^٣).\nلأجل ذلك نجد أن الأمير عبد الرحمن الداخل كان في بداية عهده يكثر من الاختلاط بالناس، ويمشي بينهم ويصلي فيهم، ويحضر الجنائز، ويعود المرضى، حتى إذا كان في أحد الأيام وهو منصرف من جنازة، تصدى له رجل عامي متظلم، فمسك عنان فرسه، وكلمه بكل جرأة،\n_________\n(^١) - أداب الملوك ص ١٠٥.\n(^٢) - أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي كان رجلًا نبيهًا عالمًا وإمامًا في أصول الدين، ذا حظ وافر في الأدب والبلاغة، توفي بمدينة أزكد بصحراء المغرب وهو قاضي بها سنة ٤٨٩ هـ. انظر الصلة، ترجمة رقم ١٣٢٦.\n(^٣) - أبو بكر محمد بن الحسن المرادي، كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة (تحقيق: د. سامي النشار، المغرب، الدار البيضاء، دار الثقافة، ١٤٠١ هـ/١٩٨١ م) ص ٨٧.","vol":"1","page":274},{"text":"طالبًا إنصافه، ويبدو أن الأمير قد أحس بسبب قلة حرسه ومرافقيه، بضعف موقفه أمام هذا المتظلم، ولذا فما كان منه إلا أن استدعى القاضي إليه وأنصف المتظلم، فلما عاد إلى قصره، كلمه بعض رجاله ممن كان يكره كثرة خروجه واختلاطه بالناس، فقال له: \"إن هذا الخروج الكثير - أبقى الله تعالى الأمير - لا يجمل بالسلطان العزيز، وإن عيون العامة تخلق تجلته، ولا تؤمن بوادرهم عليه، فليس الناس كما عُهدوا (^١) \" ومنذ ذلك اليوم ترك الأمير عبد الرحمن الداخل شهود الجنائز وحضور المحافل، وأناب عنه ولده هشام للقيام بذلك (^٢).\nوبذلك وضع الأمير عبد الرحمن الداخل، لكل من أتى بعده، من أمراء وخلفاء بني أمية رسمًا تمسكوا به، وهو عدم الظهور للعامة إلا في مناسبات معينة، فإذا خرج أحدهم، لا يكون ذلك إلا في موكب مهيب، يصعب الاقتراب منه البتة.\nولنا أن نتصور عظم ذلك الموكب، إذ عرفنا أن زريابًا (^٣) مغني الأمير عبد الرحمن الأوسط كان يسير في موكب فيه مائة\n_________\n(^١) - نفح الطيب ٣/ ٣٧.\n(^٢) - المصدر السابق ٣/ ٣٧.\n(^٣) - أبو الحسن علي بن نافع، اختلف في السبب الذي من أجله أطلق عليه لقب زرياب، كان فصيح اللسان واسع الإلمام بصنعة الغناء والموسيقى، عاش في كنف الأمير عبد الرحمن الأوسط مكرمًا معززًا إلى أن توفي قريبًا من سنة ٢٣٠ هـ بعد أن ترك أثارًا واضحة في المجتمع الأندلسي بالذات في الحياة الإجتماعية. انظر: العقد الفريد، ٦/ ٣٤ نفح الطيب، ٣/ ١٢٢، ١٢٤، ١٢٥، ١٣٠، ١٤٠ - ١٤٢. جول رووانيت، تاريخ الموسيقى العربية (ترجمة: اسكندر شلقون، المعهد الموسيقي الفرنس، د. ت). ١/ ١٣٣ - ١٣٧. د. محمود حنفي، زرياب موسيقار الأندلس، (الدار المصرية للتأليف والترجمة، د. ت.) ص ٩ - ١٠، ٤٥، ٨٧، ٩٠، ١٠٨ - ١١٠. د. عبد الرحمن الحجي، تاريخ الموسيقى الأندلسية، (بيروت، دار الرشاد ١٣٨٩ هـ/١٩٦٩ م) ص ٢٥ - ٢٧، ٣٦ ..","vol":"1","page":275},{"text":"غلام (^١)، بينما كان الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي أيام كان متقلدًا خطط الدولة، في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله وأوائل عهد ابنه الخليفة هشام المؤيد بالله، يسير من قصره إلى قصر الخلافة في موكب ضخم لا يمكن لأحد الاقتراب منه، جاعلًا على طرفي الموكب بعض الكتَّاب لأخذ الشكاوى من الناس الذي كانت تزدحم بهم السكك وأفواه الطرق وهم يدعون له ويسعون بين يديه (^٢)، فإذا كان هذا موكب مغني وحاجب، فكيف يكون إذًا موكب الأمير أو الخليفة؟.\nومما يؤسف له، أن المصادر لم تهتم بذكر رسوم مواكب الأمراء كما اهتمت بذكر مواكب الخلفاء، لكي يساعدنا ذلك على معرفة التطور الذي طرأ عليها، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن المواكب في عهد\n_________\n(^١) - أبو الفضل أحمد بن طاهر، المعروف بابن طيفور، كتاب بغداد، (بعناية: محمد زاهد الكوثري، نشر: عزت العطار الحسيني، القاهرة، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، ١٣٦٨ هـ/١٩٤٩ م) ص ١٥٣.\n(^٢) - مطمح الأنفس ص ١٦٠.","vol":"1","page":276},{"text":"الخلافة كانت أكثر فخامة مما كانت عليه في عهد الإمارة، وذلك لعظم مكانة الدولة وقوتها.\nوقد وُصف موكب الأمير هشام الرضا: ١٧٢ - (١٨٠) هـ (٧٨٨ - (٧٩٦) م) بالفخامة حتى أن الأصوات المنبعثة بسبب حركة الموكب، تحول دون سماع الأمير لمن يناديه من المتظلمين (^١).\nوذكر ابن حيان أن موكب الأمير محمد بن عبد الرحمن: ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) كان فخمًا غليظ الحجاب، يحيط به حرس من الصقالبة لا يمكنون أحدًا من الاقتراب منه (^٢).\nويبدو أن الأمر في فخامة المواكب، بلغ أوج عظمته، في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر: ٣٠٠ - (٣٥٠) هـ (٩١٢ - (٩٦١) م) فقد كان عدد الذين يركبون لركوبه وينزلون حوالي اثني عشر ألف رجل بكامل زينتهم (^٣).\nوقد كان الرسم يقتضي ترتيب احتفال بهي، عندما يظهر الخليفة للناس، إذ يتم تنظيمهم ليتلقوا الخليفة فوجًا بعد فوج كل في مرتبته، وفي نهاية الاحتفال يتبارى الشعراء في إلقاء قصائدهم التي يمدحون فيها الخليفة، ويذكرون فيها المناسبة التي دفعته إلى الظهور لهم.\n_________\n(^١) - انظر: أخبار مجموعة، ص ١٢١.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٩.\n(^٣) - نهاية الأرب: ٢٣/ ٣٩٨. ولكن كيف تتسع شوارع قرطبة لهذا العدد الضخم؟ إلا إذا كان المقصود أن هذا الموكب يصاحب الخليفة أثناء خروجه للنزهة.","vol":"1","page":277},{"text":"وقد حدث أن أصيب الخليفة الحكم المستنصر بالله، بعلة ألمت به يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر سنة (٩٧٤) م) طاولته إلى نهاية شهر ربيع الآخر من العام نفسه (^١) واحتجب بسبب ذلك عن الظهور للعامة، فلما كان يوم السبت الحادي عشر من شهر رجب سنة (٣٦٤) هـ (٢٨ مارس (٩٧٥) م) ظهر الخليفة في موكبه متحولًا عن الزهراء إلى قصر الخلافة بقرطبة حسب نصيحة الأطباء له، فجرى بهذه المناسبة احتفال فخم سار فيه الموكب وفق مراسم دقيقة، فقد ركب الخليفة ومعه ولده الأمير هشام ركوبًا حافلًا، احتفل لمشاهدته كبار رجالات الدولة، فخرجا من الباب القبلي المسمى بباب الورد، وسبق هشام والده الخليفة في البروز للناس، فلما رآه الوزير الكاتب صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان المصحفي ترجل له، وفعل مثله صاحب الخيل والمدينة بالزهراء زياد بن أفلح، وتبعهما كل من كان معهما من أصحاب الخطط وطبقات أهل الخدمة، مسلمين مبتهلين، وبعد ذلك برز الخليفة، فتقدموا إليه وقبلوا الأرض بين يديه، وسلموا ودعوا، وتتابع على ذلك سائر أهل الموكب من الأحرار والعبيد، وكان يحجب الخليفة ويحف به الفتيان الكبيران الأثيران فائق وجؤذر مع أصحابهما من الفتيان الخلفاء وأكابر الفتيان، فوقف الخليفة قليلًا متأملًا حسن ترتيب عبيده ومواليه، ثم سار بموكبه حتى وصل منية \"أرحاء ناصح\" فنزل بها\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٣ - ٢٠٤.","vol":"1","page":278},{"text":"وبات فيها، وفي صباح الغد سار إلى منية الناعورة، وأقام بها إلى أن صلى الظهر، وقد نفذ العهد إلى الوزراء وأصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة والحكام ورجال الدولة بالركوب إليه إلى قصر الناعورة فلما توافوا بها، خرج الخليفة مع ولده هشام يريد قصر قرطبة، وتولى حجابته جعفر بن عثمان وزياد بن أفلح وأصحاب الشرطة العليا مع أكابر الفتيان، وعندما رآه الوزراء وطبقات أهل الخدمة ترجلوا وسلموا عليه وعلى الأمير ولده، ثم ركبوا وترتبوا في الموكب حسب منازلهم، وسار الموكب، فلما وصل الخليفة قرب المصارة، تلقاه بها رجال من كبار قريش، ونفر من وجوه الموالي نزلوا ودعوا ومجدوا، ثم سار الخليفة إلى أن أتى السوق الكبرى بقرطبة، فتلقاه بها صاحب الشرطة والسوق أحمد بن نصر فسلم عليه، وتلقاه بعده بياض أهل قرطبة، ووجوه أهل السوق وغيرهم، مسلمين مبتهجين داعين، وسار الخليفة وأفواج القرطبيين تتلقاه فوجًا بعد فوج من الخاصة والعامة، إلى أن انتهى إلى قصر قرطبة فدخله من باب الجديد القبلي، واختتم الاحتفال بالشعراء الذي أنشدوا قصائدهم بين يدي الخليفة، يحمدون فيها الله تعالى على معافاته للخليفة، ويذكرون له سرورهم واغتباطهم بمشاهدته، ويصفون عظم موكبه وينالون مقابل ذلك الصلات الجزيلة منه (^١).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢١٢ - ٢١٥.","vol":"1","page":279},{"text":"وعندما ظهر الإرجاف بقرطبة، لعدم ظهور الخليفة هشام المؤيد للناس - بسبب حجر المنصور بن أبي عامر عليه - أضطر المنصور إلى إبراز الخليفة، إذ أن الكثير منهم لم يره قط \"فأبرزه للناس، وركب ركبته المشهورة، وقد برزوا له في خلق عظيم لا يحصيهم إلا من أحصى آجالهم، في بهجة ولبوس وهيئة، معممًا على الطويلة، سادلًا للذؤابة، والقضيب في يده، زي الخلافة، وإلى جانبه المنصور راكبًا يسايره، وقدامه الحاجب عبد الملك راجلًا يمشي، ويسير الجيش أمامه، ومن المواكب وطوائف الجند والغلمان والفتيان القصريين والعامريين ما عجب من كثرتهم\" (^١).\nوبعد اندلاع الفتنة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) اختفت رسوم مواكب الخلفاء، وإن ظهرت فإن الناس لا يأبهون بها، بسبب افتقار تلك المواكب لكل مقومات الفخامة، حتى أن الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله: ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٨ - (١٠٣١) م) عندما دخل قرطبة في شهر ذي الحجة سنة (٤٢٠) هـ (ديسمبر (١٠٢٩) م) كان \"في زي تقتحمه العين وهنًا وقلة وعدم رواء وبهجة وعددًا وعدة، فوق فرس دون مراكب الملوك بحلية مختصرة سادلًا سمل غفارة إلى ما تحتها من كسوة رثة، قدامه سبع جنائب من خيل الموالي العامريين صيروها معه للزينة دون علم ولا مطرد\" (^٢).\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٣.\n(^٢) - البيان المغرب، ٣/ ١٤٧.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>موكب الصلاة:</span>\nكان الأمير عندما يذهب إلى الصلاة، يصطحب معه بعض رجاله، ومجموعة من الحرس والأعوان، الذي يحيطون به عند أدائه للصلاة، وبعد أن أنشئت المقصورة سنة (٢٥٠) هـ (^١) (٨٦٤ م) في المسجد الجامع بقرطبة، أصبح الحرس يقفون حولها، ولعل عددهم لم يعد كما كان سابقًا، خاصة بعد إنشاء الأمير عبد الله بن محمد: (٢٧٥) - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) للساباط الموصل بين قصر الإمارة وجامع قرطبة (^٢) لأن من يسلك الساباط يصل المقصورة دون أن يراه أحد، وذلك من خلال باب يعرف \"بباب الجامع، وهو باب قديم كان يدخل منه الخلفاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع\" (^٣).\nوقد ذكر ابن حيان أن الأمير محمد بن عبد الرحمن: ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) بعد أن أتم الزيادة التي أضافها إلى جامع قرطبة سنة (٢٥٠) هـ (٨٦٤ م) قام بزيارة له، للإطلاع على تلك الزيادة، فركب من قصره وبصحبته أكابر خدمه وخواص وزرائه ووجوه أهل إمارته، وهو\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ٢٢٠. البيان المغرب، ٢/ ٩٨.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٣٦.\n(^٣) - نفح الطيب، ١/ ٤٦٥.","vol":"1","page":281},{"text":"راكب \"على بغل مشرف القذال (^١)، وعالي لبوسه طاق أبيض، فنزل ودخل من باب الصومعة الجوفي، وقد أمر بإغلاق أبواب الجامع، فلم يدخل معه غير فتيانه الأكابر وصاحب الصلاة، فنظر إلى البنيان … وتقدم إلى المحراب فصلى فيه، ثم خرج فرجع إلى قصره\" (^٢).\nوكان الرسم يقتضي أن إذا خرج الأمير أو الخليفة لأداء صلاة الاستسقاء في المصلى مع الناس، أن يكون لباسه البياض (^٣)، وعلى رأسه أقرف وشي أغبر، والخشوع ظاهر عليه، ودموعه تسيل على لحيته، فإذا وصل إلى جانب المحراب جلس على يمين الإمام على غير فراش، فإذا قضيت الصلاة أمر بتفريق الأموال والصدقات على الفقراء والمساكين تقربًا إلى الله تعالى (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>موكب الصيد والنزهة:</span>\nاعتاد أمراء وخلفاء بني أمية، الخروج في رحلات للصيد والنزهة، وكان الرسم يقتضي حينئذ تقديم المطبخ بالمسير قبل الموكب (^٥) إلى المكان\n_________\n(^١) - القذال: جمع مؤخر الرأس، وهم معقد العذار خلف الناصية. انظر: ابن جزي، كتاب الخيل، (تحقيق: وتقديم: محمد العري الخطابي، بيروت، دار الغرب الإسلامي ١٤٠٦ هـ /١٩٨٦ م) ص ٢٦٦.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٢٠.\n(^٣) - البياض هو لباس الحزن عند الأندلسيين.\n(^٤) - النباهي، ص ٧٩.\n(^٥) - البيان المغرب ٣/ ٦٨.","vol":"1","page":282},{"text":"المعين لهذا الغرض، وذلك لكي يقوم أهل الخدمة بإعداد ما يلزم من وسائل الراحة، ويكون الموكب فخمًا نبيلًا، يتبارى الشعراء في وصفه (^١)، وعندما يجتاز الموكب القنطرة المقامة على الوادي الكبير، يكون صاحب المدينة قد منع الناس من عبورها، كما أنه يتولى إبعادهم عن المكان الذي سيتوجه إليه الموكب للصيد، ومن خالف ذلك، فإن صاحب المدينة يقبض عليه، ويلقي به في السجن، إلى حين عودة الموكب، ولا يستثنى أحد من هذا الإجراء، حتى وإن كان من أبناء الأسرة الأموية (^٢).\nومن الوسائل المفضلة في الصيد عند الأمويين، الصقور \"البزاة\" ولأجل هذا فقد اعتنوا فيها كثيرًا، وخصصوا أراض شاسعة لتربيتها والعناية بها، مثل جزيرة يابسة (^٣)، والمناطق الجبلية في أشبونة (^٤).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٧٥.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٤٦.\n(^٣) - جزيرة يابسة \"أبيثا  Ibiza\"  مشتق من اسمها الفينيقي ابيوسوس \"  Ebusuz\"  وهي كبرى جزر الصنوبر \"  Islas de Pinos\"  الواقعة غربي ميورقة، وهي جزيرة خصبة اشتهرت بالفواكه وأخشاب الصنوبر، بالإضافة إلى شهرتها في انتاج الملح، وجبالها من أفضل الأماكن لتربية فراخ البزاة الجيدة، وقد خرجت من أيدي المسلمين سنة ٦٣٣ هـ. انظر: أثار البلاد وأخبار العباد، ص ٢٨٢. المغرب في حُلى المغرب ٢/ ٤٧٠. الروض المعطار، ص ٦١٦. د. عصام سالم، جزر الأندلس المنسية (بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٨٤)، ص ١٣، ٢٨ - ٣١.\n(^٤) - اشبونه \"  Lisbonne\"  وتكتب لشبونة ولسبونة، تقع غربي باجه، اشتهرت بكثرة أشجارها، وبضروب الصيد في البر والبحر، وبزاتها الجبلية أطير البزاة وأعتقها، وهي= =عاصمة البرتغال حاليًا، وتقع على ساحل المحيط الأطلسي عند مصب نهر التاجو. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٩٠. تعليق منتقى، ص ٢٢، ٢٩١. آثار البلاد وأخبار العباد ص ٤٩٦ - ٤٩٧. الروض المعطار ص ٦١.","vol":"1","page":283},{"text":"ومن هذا الاهتمام تم إنشاء إدارة خاصة تتولى رعاية تلك الطيور، وقد عرف المسئول عن هذه الإدارة باسم \"صاحب البيازة\".\nوعادة لا تستغرق رحلة الصيد أكثر من نهار واحد (^١) إلا إذا كان المكان بعيدًا عن قرطبة، فقد كان الأمير محمد بن عبد الرحمن، يصل في رحلاته للصيد حتى جزيرة قادس (^٢).\nوهناك عدة أماكن، اشتهرت في زمن الأمويين بأنها أماكن نزهة لأمرائهم وخلفائهم، من هذه الأماكن،\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٧.\n(^٢) - المصدر السابق، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٧٧. وجزيرة قادس تقع في الطرف الجنوبي الغربي من شبه جزيرة إيبريا، وهي تتبع كورة شذونه، ويبلغ طولها نحو ١٢ ميلًا، وعرضها ميلًا واحدا. وهي على شكل مثلث ذات موقع استراتيجي، غنية بغاباتها ومزارعها، فتربتها رملية سهلة، وفيرة المياه العذبة، بها بعض الآثار الإسلامية وقد سقطت بأيدي النصارى سنة ٦٥٨ هـ، وأصبحت قاعدة بحرية لهم، ومركزًا لمهاجمة الأراضي الإسلامية. انظر: د. سحر عبد العزيز سالم، مدينة قادس ودورها في التاريخ السياسي والحضاري (الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة ١٩٩٠ م) ص ٣١ - ١٤٣ والمصادر والمراجع الواردة.","vol":"1","page":284},{"text":"الرصافة (^١)، وقصر الدمشق (^٢)، والمنية المصحفية (^٣)، وفحص السرادق (^٤)، ومنية الجنة بشرق قرطبة (^٥)، ومنية الناعورة (^٦)، ومنية نصر الخصي (^٧)، وقصر قرقريط (^٨)، وقصر أرحي\n_________\n(^١) - الرصافة منتزه يقع شمال قرطبة ناحية الغرب، وحسب قول ابن سعيد فإنها من بناء الأمير عبد الرحمن الداخل، لكن ابن حيان ذكر أن الذي اختطها أحد رحال البربر يدعى رزين البرنس، الذي دخل الأندلس مع طارق بن زياد، وأن الأمير عبد الرحمن الداخل اشتراها من ورثة رزين، فحسنها، واتخذ بها قصرًا حسنًا، ونقل إليه غرائب الغروس وأكارم الشجر، وأطلق عليها اسم الرصافة تذكرًا منه لرصافة جده هشام بن عبد الملك، وقد اندثر مكانها في الوقت الحالي، وأقيم فيه فندق سياحي فخم يعرف باسم: الرصافة. انظر: المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٢٧، ٢٣٤، والتعليق: رقم ٤٠٥. نفح الطيب ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧.\n(^٢) - قلائد العقيان، ص ٨٤.\n(^٣) - نسبة للحاجب جعفر المصفي. انظر: نفح الطيب، ١/ ٤٧١.\n(^٤) - المصدر السابق ١/ ٤٧٥.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤١.\n(^٦) - هذه المنية من بناء الأمير عبد الله بن محمد، تقع على شط الوادي الكبير أسفل قرطبة متصلة بمصلى فحص المصارة العتيق، اشتراها الأمير عبد الله سنة ٢٥٣ هـ من خليل البيطار فاعتنى بها، وبعد وفاته انتقلت ملكيتها لحفيده عبد الرحمن الناصر. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٣٨.\n(^٧) - تقع هذه المنية على شط الوادي الكبير، بعدوة الربض إلى جانب مقبرة الربض العتيقة، وهذه المنية كانت لنصر الخصي كبير رجال دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٣٨ - ٣٩.\n(^٨) - المصدر السابق تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٣.","vol":"1","page":285},{"text":"ناصح (^١)، ومنية البنتلي الواقعة أيضًا شرقي مدينة قرطبة (^٢).\nوكان الأمراء والخلفاء يرتادون هذه المنتزهات عادة في وقت الحر والربيع، لأجل الفرجة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية، فإذا حل الخريف ذهبوا إلى اشبيلية وشواطئها (^٣)، وأما في الشتاء فربما انتقل الخلفاء من الزهراء إلى قرطبة (^٤).\nوقد كان الشعراء يتبارون في وصف المنية التي يبنيها الأمير أو الخليفة لنزهته (^٥)، وأما موكب النزهة، فلم يكن يختلف عن موكب الصيد، فبعد أن يتم تقديم المطبخ، كان الأمير أو الخليفة يظهر للناس بكامل زينته، والأعلام تخفق حوله، ورجاله المقربين بين يديه، والحرس قد أحاطوا به، ويخترق الموكب الشوارع، وسط هتافات الجماهير المصطفة على الجانبين، حتى يمضي إلى سبيله.\nوقد جرت العادة أن الخليفة هشام المؤيد، كان يخرج مستخفيًا، والحاجب العامري أمامه، بعد أن يكون قد أمر الجيش بطرد الناس عن\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٣/ ٤٠.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٧.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٤٩.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢١١ - ٢١٣.\n(^٥) - المصدر السابق، تحقيق: أنطونيه ص ٣٩.","vol":"1","page":286},{"text":"طريق مرور موكب الخليفة، الذي يكون مع أهله وجواريه، لابسًا للبرنس كما يفعل الجواري فلا يعرف منهن (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-31>موكب الحرب:</span>\nعند الإعلان عن خروج الجيش للغزو، يظهر موكب الحرب للناس، فإذا تجمع الجند في المكان المخصص، برز إليهم الأمير أو الخليفة، فيتفقد الجيش ويشرف على مدى استعداد أفراده، ويكون لابسًا درعه، متلثمًا، متقلدًا سيفه، ممتطيًا جوادًا عتيقًا، وقواده قد حفوا به، والأعلام والرايات تخفق فوق رأسه (^٢)، فإذا لم يتمكن من قيادة الجيش بنفسه، اكتفى بالجلوس على السطح فوق باب السدة، فإذا مر الجيش أمامه، رفع كفيه إلى السماء يدعو الله تعالى، أن يمنح الجيش التوفيق، ويستمر رافعًا يديه بالدعاء حتى يغيب الجيش عن بيوت قرطبة، وبجانبه ولي عهده يفعل مثل فعله (^٣).\nوعندما يعود الأمير أو الخليفة من الغزو، يخرج أهل قرطبة وعلماؤهم ووجهاؤهم لتلقيه والسلام عليه، وتهنئته بالنصر، فإذا دخل القصر جلس من الغد لاستقبال المهنئين، فيكون أكابر القرشيين من أبناء البيت الأموي هم أول الداخلين عليه، يليهم القضاة والحكام والفقهاء وأهل العدل، ويتقدم من بعدهم وجوه أهل الأرباض والأسواق من أهل\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٣/ ٤٠.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(^٣) - المصدر السابق، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢٢١.","vol":"1","page":287},{"text":"قرطبة، وآخر من يدخل عليه الشعراء والأدباء مرتبين حسب تسلسل أسماؤهم في السجل الخاص بهم (^١)، لإنشاد قصائدهم التي نظموها في هذه المناسبة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>المجالس الخاصة:</span>\nرغم الرسوم الدقيقة التي كان الأمير أو الخليفة الأموي يحرص على السير وفقها أثناء المناسبات، ليبرز للناس وهو بكامل هيبته ووقاره، إلا أن المجالس الخاصة، كانت تظهره بمظهر البساطة والتواضع، إذ أنه من خلالها يتخلى عن كافة الضوابط الرسمية، التي لا تمكنه من العيش على سجيته.\nوفي بداية الحديث عن المجالس الخاصة، لابد من القول بأن أمراء وخلفاء بني أمية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الداخل إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله كانوا لا يشربون الخمر ويتحامونها، ولا يشربون في تلك المجالس إلا شراب العسل، الذي يعد على نار الزرجون (^٣)، باستثناء عبد الرحمن الناصر، الذي كان يشرب في المنادمة، لكنه في النهاية ترك ذلك كله، وقطع المنادمة وتزهد (^٤).\nوهذه المجالس لا يحضرها إلا الخواص فقط، من الوزراء ورجال القصر، والندماء والمغنين.\n_________\n(^١) - جذوة المقتبس، ترجمة: رقم ١٨٦، ٥٣٩، ٦١٣.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٩.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧٧. والزرجون هو حطب شجرة الكرم.\n(^٤) - المغرب في حُلى المغرب، ص ١/ ١٨٤.","vol":"1","page":288},{"text":"وهناك آداب لتلك المجالس، يجب على من حضرها الالتزام بها، فلا يغتاب أحدًا في المجلس (^١)، ولا ينظر إلى غلام أو وجارية (^٢)، ولا يطلب من القينة التي تغني في المجلس إعادة القصيدة التي غنتها (^٣)، إذ أن ذلك مدعاة للشك في أن الهيبة لم تملأ قلبه، وهذا ما وقع به الشاعر الطبني، فقد ذكر ابن حيان أن أبا مضر محمد بن الحسين التميمي الطبني (^٤)، كان في مجلس خاص مع الحاجب المنصور بن أبي عامر، فشرب معه، وغنت القينة بيتين من شعر أبي مضر الطبني، \"فاستعادها أبو مضر، فأنكر ذلك المنصور، وعلم أن هيبته لم تملأ قلبه، فأومأ إلى بعض خصيانه، فأخرج رأس الجارية\n_________\n(^١) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم: ٣٩.\n(^٢) - الجاحظ، التاج في أخلاق الملوك، (تحقيق: أحمد زكي باشا، القاهرة، المطبعة الأميرية، ١٣٣٢ هـ /١٩١٤ م) ص ٦٦ - ٦٧.\n(^٣) - عن اهتمام الأمويين في الأندلس بصنعة الغناء. انظر: سالم الخلف، المرجع السابق، ص ٤٩٠ - ٥٠٣ والمصادر والمراجع الواردة.\n(^٤) - أبو مضر محمد بن الحسين التميمي الحماني الطبني الزابي، شاعر مكثر وأديب مفتن من بيت أدب وشعر وجلالة ورياسة، وأبو مضر هو أصل بني الطبني، أهل البيت الشهير بقرطبة، وقد ترك أولادًا بخباء مشهورون في الأدب والفضل. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٥٠. المغرب في حُلى المغرب ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.","vol":"1","page":289},{"text":"في طست، ووضعه بين يدي الطبني، وقال له المنصور: مرها فلتعد، فسُقط في يده\" (^١).\nورغم ما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر من شدة وتأكيد دائم على إظهار الهيبة والتمسك بمراسم الدولة، إلا أنه كان في مجالسه الخاص متساهلًا متواضعًا مع جلسائه.\nفقد ذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر، كان في مجلس خاص مع وزرائه، وكان من بين الحضور الوزير محمد بن سعيد المعروف بابن السليم، وفي هذه الجلسة أخذ الخليفة يعرّض بالوزير ابن السليم، مما أدخل الرعب في قلبه، خشية أن يبطش به الخليفة، ولذا فقد أفرط الوزير في الشراب من شدة الذعر، حتى اضطر إلى إفراغ ما في جوفه، فابتدره الوصفاء بالطست والمناديل، ولم يشعر الوزير إلا بالذي أمسك رأسه وهو يقول له: \"استفرغ ما في معدتك، وتأن بنفسك\" فأنكر الوزير كلامه من بين الخدم، فصرف رأسه إليه، وإذا به الخليفة، فما تمالك أن خر على قدميه يقبلهما، ويقول \"يا ابن الخلائف، إلى هنا انتهيت من بري\" وجعل يدعو له ويعظم شكره (^٢).\n_________\n(^١) - المغرب في حلى المغرب ١/ ٢٠٧، هذه هي شخصية المنصور، طغيان وتجبر، تهون عليها الدماء المحرمة في سبيل أطماعه، فهو لا يرى على وجه الأرض سواه، ثم إن مجلسًا لا يحوي إلا قينة وشرابًا، إذًا لا تستغرب النتيجة.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.","vol":"1","page":290},{"text":"كذلك كان الخليفة عبد الرحمن الناصر كثيرًا ما يمازح وزرائه، ففي أحد مجالسه الخاصة طلب من أبي القاسم لب، أن يهجو الوزير عبد الملك بن جهور، فقال: أخافه، فقال لابن جهور أهجه: فقال أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت، ثم قال:\nلبٌّ أبو القاسم ذو لحية … طويلة في طولها ميل\nفقال ابن جهور:\nوعرضها ميلان إن كُسِّرت … والعقلُ مأفون ومدخولُ (^١)\nلو أنه احتاج إلى غسلها … لم يكفه في غسلها النيلُ (^٢)\nفقال الناصر للبِّ: اهجه فقد هجاك، فقال بديهًا:\nقال أمين الله في عصرنا … لي لحية أزرى بها الطول\nوابن جهيرٍ قال قول الذي … مأكوله القرضيل والفولُ\nلولا حيائي من إمام الهدى … نخست بالمنخس شو …\nثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت، فامتنع، فقال له: \"قولو\" يعني تمام البيت، فقال لب يا مولانا أنت هجوته، ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا، وأمر له بجائزة (^٣). وأما الخليفة المستنصر بالله، فقد كان بعيدًا كل البعد عن عقد المجالس التي يتم فيها الاستماع للقيان،\n_________\n(^١) - ورد \"مخبول\" لدى الأزدي، بدائع البدائه، (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٧٠ م) ص ١٩٥.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٧.\n(^٣) - انظر هذا الأبيات وشرحها في: بدائع البدائه، ص ١٩٥ - ١٩٦.","vol":"1","page":291},{"text":"لما عُرف عنه من شدة التديّن، والاهتمام بمطالعة كتب العلم ومجالسة العلماء، لأنه فضل كل ذلك على كل لذة، ولكنه في مقابل ذلك كان يمازح رجال دولته في جلسات خاصة بهم (^١).\nومازال خلفاء بني أمية يعقدون مثل هذه المجالس إلى أن زالت دولتهم (^٢) والملاحظ أن تلك المجالس قد تكون فرصة للتخلص من بعض المناوئين، أو ممن يخشى جانبهم من رجال الدولة.\nفالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما عزم على الفتك بجعفر بن علي بن حمدون أقام جلسة خاصة، أعلن أنها تكريمًا لجعفر، وذلك ليلة الأحد لثلاث خلون من شعبان سنة (٣٧٣) هـ (يناير ٩٨٤) وفي تلك الجلسة أمر المنصور الوصفاء والخدم أن يكثروا لجعفر من الشراب، فما زالوا به حتى ثقل من شدة السكر، فانصرف مع غلمانه، فخرج إليه معن وأصحابه، فلم يكن به امتناع فقتلوه (^٣).\nوعندما أراد الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور الفتك بوزيره عيسى بن سعيد عقد مجلسًا للشراب ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (٣٩٧) هـ (^٤) (٤ ديسمبر ١٠٠٦) واستدعى وزيره عيسى للمجلس وأمر\n_________\n(^١) - مطمح الأنفس، ص ٢٥٥ - ٢٥٧.\n(^٢) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥٢٤ - ٥٢٥ البيان المغرب، ٣/ ٨٠، ٩٩، ١٤١، ١٤٩.\n(^٣) - المصدر السابق، ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(^٤) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ١٢٥.","vol":"1","page":292},{"text":"السقاة أن يكثروا عليه، وبعدها عاتبه عبد الملك وسبه وأفحش عليه ثم ضربه بسيفه وأجهز عليه من حوله من رجاله (^١).\nومن آداب المجالس الخاصة لأمراء وخلفاء بني أمية أن لا أحد ينصرف من المجلس إلا عندما تظهر علامة تدل على رغبة الأمير أو الخليفة بانصراف جلسائه. فمن ذلك مثلًا أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كانت علامة رغبته في انصراف ندمائه أن يميل برأسه إلى حجره، أو ينشد: -\nمازلت أشربها والليل معتكر حتى أكب الكرى رأسي على قدحي (^٢)\nورغم كل ما عُرف عن الأمويين من تباسط مع الناس وحسن معاملة، والتقاء بالندماء وجهًا لوجهٍ، إلا أن الحموديين الذي استولوا على الخلافة الأموية بقرطبة، منذ سنة ٤٠٧ - (٤١٤) هـ (١٠١٦ - (١٠٢٣) م) كانوا يتعاظمون، ويقلدون بني العباس، فإذا حضرهم من يحتاج إلى كلام سواء كان شاعرًا أو غيره، خاطب الخليفة الحمودي من وراء حجاب، والحاجب واقف عند الستر يجاوب ما يقول له الخليفة (^٣).\nوعلاقة الأمير أو الخليفة الأموي برجال دولته، علاقة متميزة، فالوزراء وأهل الخدمة ملزمون بالاختلاف إلى القصر كل يوم ليطالعوه بما\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ق ١ م ١ ص ١٢٥ - ١٢٧.\n(^٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٨٤.\n(^٣) - نفح الطيب، ١/ ٢١٤.","vol":"1","page":293},{"text":"استجد من الأمور، ويستمعوا لتوجيهاته، كما أنه إذا شفي من علة ألمت به، كان أول شيء يقوم به هو الجلوس لاستقبالهم (^١).\nوإذا أجرى الأمير أو الخليفة عملية فصد، تسابق الشعراء إلى إلقاء قصائدهم في هذه المناسبة، بين يديه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أجرى أول فصاد له في الزهراء أنشد أبو عثمان عبيد الله بن يحيى بن إدريس (^٢) قصيدته التي مطلعها:\nاليوم تعترف القصور بأسرها … لهلالها ولشمسها ولبدرها\nإلى أن قال:\nفكأنما انفجر العبير بفصده … فجرى على وجه البلاد بعطرها (^٣)\nكما أن زوجاته يحاولن أن يقدمن له كل طريف بهذه المناسبة، ومن أطرف ما ورد في هذا، ما ذكره المقري من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما جلس للفصد، وأخذ الطبيب يجس يده، أقبل طائر زرزور فأخذ يردد بعض الكلمات التي تم تدريبه عليها، فسر الخليفة بذلك، وعندما\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧. المصدر نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٣ - ٢٠٤.\n(^٢) - أبو عثمان عبيد الله بن يحيى بن إدريس قرطبي، كان متفننا في ضروب العلم، ثقة، شاعرًا، جامعًا للسنن، حافظًا للغريب، متواضعًا شريفًا بنفسه وسلفه، تولى أحكام الشرطة ثم الوزارة، ورغم ذلك فقد كان يؤذن في مسجده وهو وزير توفي ﵀ في انسلاخ ذي القعدة سنة ٣٥٢ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٦٧.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٤ - ٤٥.","vol":"1","page":294},{"text":"سأل عمن أرسل إليه هذا الزرزور علم أن زوجته مرجانة أم ولده الحكم هي التي صنعت هذا، فكافأها على هذا الصنع مكافأة سنية (^١).\nوهناك مناسبات خاصة يجلس فيها الأمير أو الخليفة الأموي لاستقبال كبار رجال دولته وحاشيته الخاصة، فمن أهم تلك المناسبات:\nجلوسه في العيد لتلقي التهاني، ولهذا الجلوس ترتيب خاص، فقد ذكر ابن حيان أنه في عيد الفطر من سنة (٣٦٠) هـ (٢٨ يوليو (٩٧١) م) \"قعد الخليفة المستنصر بالله بعد انقضاء صلاة العيد، لتسليم الجند عليه، في محراب المجلس الشرقي من قصر الزهراء، المنيف على السطح العلي، والموفي على الروض البهي، قعودًا فخمًا .. شهده طبقات الناس، فكان صدره الأخوة، وجنباته الوزراء وموسطته أهل المراتب من طبقات أهل الخدمة، وسائره لوجوه الموالي وبياض رجال قرطبة\" (^٢).\nوبمناسبة الحديث عن الأعياد فقد عرف الأندلسيون بالإضافة إلى عيدي الفطر والأضحى، عدة أيام اعتبروها أعيادا، وكانوا\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٨ - ٢٩.","vol":"1","page":295},{"text":"يقيمون الاحتفالات بها، كاحتفالهم برأس السنة الميلادية الذي كن يقام في ليلة يناير (^١)، ويوم العنصرة (^٢)،\n_________\n(^١) - ليلة يناير هي رأس السنة الميلادية، وقد اعتاد الأندلسيون الاستعداد لتلك الليلة كل على قدره، يتهادون فيها بينهم صنوف الأطعمة وأنواع التحف والطرف، وفي صبيحتها يترك الرجال والنساء أعمالهم، تعظيمًا لذلك اليوم. ورأس السنة الميلادية يوافق اليوم= =السابع من ولادة عيسى بن مريم ﵊، انظر: الونشريسي، المعيار المعرب، (بعناية: د. محمد حجي، بيروت دار الغرب الإسلامي، ١٤٠١ هـ / ١٩٨١ م) ١١/ ١٥٠.\nFernado Dela Granja، Del \"Kitab Al-durr Al-Munazzam Flmawlid Al-Nabi Al-muazzam\" De Al- azafi، AL- Andalus، Madrid- Granda، ١٩٦٩، Vol، XXXIV، p. ١٩ - ٢٠.\nومن عادتهم في هذا العيد شراء أنواع معينة من الفواكه كالأترج والجلوز وصنع تماثيل مختلفة من الحلوى، وإلى هذا تشير أمثالهم: \"من ماع ترنخ، لينيرِّ يرفعها\". انظر: - الزجالي، أمثال العوام في الأندلس ٢/ ٣٢٧، مثال رقم ١٤١٢. والاحتفال برأس السنة الميلادية هو المعروف بالمشرق باسم \"النيروز\" انظر: التاج في أخلاق الملوك، ص ١٤٦.\n(^٢) - هذا العيد هو مايعرف بالمشرق باسم \"المهرجان\" وهو بداية دخول فصل الشتاء، انظر المصدر السابق، ص ١٤٦. وعيد العنصره \"  ANSARA\"  هو عيد سان أخوان \"  SANJUAN\"  الذي تحتفل به اسبانيا يوم ٢٤ يونيو من كل عام. انظر د. أحمد مختار العبادي، الإسلام في أرض الأندلس، (المختار من عالم الفكر، العدد الأول، وزارة الأعلام، الكويت ١٩٨٤ م)، ص ١٤١. وفي هذا اليوم يقوم المحتفلون فيه بالسباق على الخيل، وأما النساء فيقمن بإخراج ثيابهن للندا بالليل، كما يقمن برش بيوتهن في ذلك اليوم، ويتركن العمل، ويغتسلن بالماء، وهذا اليوم يوافق ميلاد النبي يحيى بن زكريا على نبينا وعليهما الصلاة والسلام. انظر: المعيار المعرب، ١١/ ١٥١ - ١٥٢  Fernado Dela Granja، Op Cit.p، ١٩ - ٢٠.  وقد اشتهر عيد المهرجان بالنار التي يتم إشعالها في الأحياء بحيث يجتمع صبيان كل حي حول نارهم ويتبارون في القفز فوقها، وقد جاء في أمثالهم: \"الكبش المصوَّف مايكفز العنصره\" و\"كفزها بحل عنصَرَ\". انظر: الزجالي، أمثال العوام في الأندلس، ٢/ ٨٥، ٢٦٧. المثالان رقم ٣٧٣، ١١٤٨. وفي عيد المهرجان يقول الوزير أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة:\nأرى المهرجان قد استبشرا … غداة بكى المزن واستعبرا\nإلى أن قال:\nتهادى به الناس ألطافه … وسام المقل به المكثرا\nانظر: مطمح الأنفس، ص ٢١٤.","vol":"1","page":296},{"text":"وليلة العجوز (^١)، وخميس العهد (^٢).\n_________\n(^١) - ليلة العجوز، هي احدى المناسبات الاجتماعية التي اعتاد بعض مسلمي الأندلس مشاركة النصارى الاحتفال بها. انظر  Fernando De ALGranja، Op، Cit، P: ٢٥:\n(^٢) -  خميس العهد هو الخميس الذي يسبق عيد الفصح لدى النصارى بثلاثة أيام. انظر: العبادي، المرجع السابق، ص ١٤١، وقد كان لفقهاء الأندلس موقف جاد من احتفال بعض مسلمي الأندلس بتلك الأيام. انظر: المعيار المغرب، ١١/ ١٥٠ - ١٥٢. وعن تلك الأيام واحتفال الأندلسيين بها، انظر: الطرطوشي، كتاب الحوادث والبدع (تحقيق: د. محمد الطالبي، تونس، المطبعة الرسمية، ١٩٥٩) ص ١٤٠ - ١٤١، قارن نفس المصدر، (تحقيق: عبد المجيد تركي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م) ص ٣٠٠ حاشية رقم ٦. ولقد كان المحقق الأخير على صواب فيما ذهب إليه، من أن الحديث عن تلك الأيام قد أقحم في النسخة التي اعتمد عليها الطالبي، ومما يؤيد ذلك أن نص الحديث عنها في نسخة الطالبي قد وقع بين قولين للإمام مالك رحمه الله تعالى، لا علاقة لهما البتة فيما أثبته المحقق. وعلى العموم فإن احتفال المسلمين بتلك الأيام المذكورة أمر مخالف للشرع، وهو من قبيل التقليد الأعمى للأخرين، ولاشك أن تمادي المسلم في هذا الأمر يذيب شخصيته التي ميزه الله تعالى بها، وهو على خطر من موالاة من حاد الله ورسوله، والتشبه بأعداء الدين.","vol":"1","page":297},{"text":"وهناك أعمال خيرية يعقد الخليفة المجلس لأجلها، فالخليفة الحكم المستنصر بالله، عندما أراد إعتاق بعض مماليكه وإمائه، عقد عقب شهر ربيع الآخر سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر (٩٧٥) م) مجلسًا لهذا الشأن، أنفذ فيه \"إعتاق جمع كثير من عبيد له وإماء تنيف عدتهم على مائة رقبة، انعقد لكثير منهم عتق بتل، وبعضهم عتق مؤجل، ولبعضهم تدبير (^١)، خلص به جميعهم من الرق، عقدت الوثائق المحكمة العقد لجمعهم، فكان أول من أوقع شهادته فيها الأمير أبو الوليد هشام المرشح لولاية العهد، بخط يده، وتلاه أعمامه الأخوة، ثم الوزراء على مراتبهم، ثم قاضي الجماعة محمد ابن إسحاق (^٢)، ووليه الحكام والفقهاء وأهل الشورى ثم العدول\" (^٣).\n_________\n(^١) - عن العتق المؤجل وعتق التدبير، انظر: إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع، معين الحكام على القضايا والأحكام، تحقيق: د. محمد قاسم بن عياد، (بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط ١٩٨٩ م) ج ٢ ص ٨٤٠ - ٨٤١، ٨٤٤ - ٨٤٧.\n(^٢) - أبو بكر محمد بن إسحاق بن منذر بن السليم، قرطبي، فقيه، عالم بالحديث، كان فصيحًا بليغًا، متواضعًا، ولي أحكام المظالم بقرطبة، وعندما توفي منذر بن سعيد البلوطي في شهر المحرم سنة ٣٥٦ هـ ولي ابن السليم قضاء الجماعة، وظل في منصبه إلى أن توفي يوم الخميس لسبع بقين من شهر جمادى الأولى سنة ٣٦٧ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣١٩. النباهي ص ٧٥ - ٧٧.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ٢٠٦.","vol":"1","page":298},{"text":"وعندما أراد الخليفة تحبيس بعض الحوانيت من أجل تعليم أولاد الضعفاء، تم عقد المجلس، فقد ذكر ابن حيان أنه في صدر جمادى الأولى من سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر (٩٧٥) م) أنفذ الخليفة الحكم المستنصر بالله \"تحبيس حوانيت السراجين بسوق قرطبة على المعلمين الذين كان قد اتخذهم لتعليم أولاد الضعفاء والمساكين بقرطبة، وأشهد القاضي محمد بن إسحاق في هذا التحبيس يوم الجمعة لسبع خلون منه، وجلت المنقبة، وورث الله به القرآن أمة لم يكن أباؤهم يعرضونهم لوراثته\" (^١).\nواحتفل الخليفة المستنصر بالله بإسماع ولده هشام من الفقيه يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي (^٢)، فقد جرى ترتيب في هذا الشأن قال عنه ابن حيان: -\n\"فلما تم مجلس السماع، وحان انقلاب الشيخ يحيى بن عبد الله نفذ عهد الخليفة بأن يكون ركوبه ونزوله في الفصيل المعروف بفصيل المسجد، تشريفًا وترفيهًا عنه، فجرى أمره على ذلك مدة احتفاله، وعاود\n_________\n(^١) - المصدر السابق ص ٢٠٧.\n(^٢) - أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي، فقيه قرطبي، كان قاضيًا ببجانة وإلبيرة كما تولى أحكام الرد بقرطبة، سمع منه الكثير من طلاب العلم في الأندلس، توفي ليلة الثلاثاء بعد صلاة العشاء، ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر، لثمان خلت من رجب سنة ٣٦٧ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٥٩٧.","vol":"1","page":299},{"text":"الحضور يوم الأربعاء لأربع خلون من شعبان، فأسمع الأمير على رسومه بمشاهدة الوزير الكاتب جعفر بن عثمان، أثير الخليفة والده\" (^١).\nوكان الخليفة الأموي لا يأنف من قبول هدايا رجال دولته، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قبل هدية سنية من الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وذلك لثمان خلون من شهر جمادى الأولى سنة (٣٢٧) هـ (مارس (٩٣٩) م (^٢».\nكما تلقى الخليفة الحكم المستنصر بالله هدايا كبار رجال دولته، ومن أعظم تلك الهدايا هدية الفتى الكبير دري الأصغر الخازن الصقلبي، فقد أهداه منيته الغراء بوادي الرمان المنسوبة إليه، بجميع ماكان له فيها داخلها وخارجها من البساتين المسقية والأراضين المزروعة، وما كان له فيها من عبد وأمة وثور ودابة، وذلك في النصف من شهر شهبان سنة (٣٦٢) هـ (مايو (٩٧٣) م) (^٣).\nوالملاحظ أن الهدايا المقدمة من رجال الدولة لولاة الأمر، لا تعود بالمنفعة إلا على صاحب الهدية وحده، إذ أن ولي الأمر ينعم عليه بمناصب جديدة في الدولة فكأن القضية هي شراء مناصب لا أكثر، فالخليفة عبد الرحمن الناصر مثلًا بعد أن قدم له ابن شهيد هديته الشهيرة، أنعم عليه الخليفة بأن زاد من تقريبه واختصاصه، \"وأسمى منزلته على سائر الوزراء\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢١٧.\n(^٢) - عن تفاصيل الهدية انظر: نفح الطيب، ١/ ٣٥٦ - ٣٥٩.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٦ - ١٠٧.","vol":"1","page":300},{"text":"جميعًا، وأضعف له رزق الوزارة، وبلغه ثمانين ألف دينار أندلسية، وبلغ مصروفه إلى ألف دينار، وثنى له العظمة لتثنيته له الرزق فسماه \"ذو الوزارتين\" لذلك أمر بتصدير فراشه في البيت وتقديم اسمه في دفتر الارتزاق لأول التسمية، فعظم مقداره في الدولة جدًا\" (^١).\nومن هنا نرى أن المنفعة نالها الوزير فقط، فرزقه من الدولة تضاعف وأصبحت مرتبته مقدمة على الجميع، لأجل هذا، فقبول ولي الأمر لهدية أحد رجال دولته أمر فيه نظر.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>رسوم عامة لبني أمية:</span>\nلدينا رسوم عدة عرفها الأمويون في الأندلس، وساروا عليها، فهناك رسوم خاصة بالأولاد، فقد كان الرسم يقضي بأن لا يسكن في القصر مع الأمير أو الخليفة إلا ولي العهد، أما بقية الأولاد فيتم إخراجهم من القصر إلى دورهم الخاصة بهم، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما تولى الإمارة سنة (٢٣٨) هـ (٨٥٢ م) كان أول شيء اهتم به هو إخراج إخوته من القصر أسوة بإخوتهم الأكابر الذين خرجوا من القصر في حياة أبيهم، فقد ابتاع لهم الأمير محمد الدور الفخمة والضياع المغلة لهم بحسب مقاديرهم، ثم أخرجهم إليها بما يحتاجون إليه من العيال والإماء والعبيد والكراع والفرش والآلة والكسى والمراكب بالحلى الفخمة، فصير كلا منهم\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٣٥٦.","vol":"1","page":301},{"text":"بأكمل الجهاز وأتم العدة في داره، وضم إليهم ضياعهم وأجرى عليهم الأرزاق السنية الهلالية (^١).\nوأما الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد أخرج أولاده إلى دورهم في شهر شوال سنة (٣٣١) هـ (يوليو (٩٤٣) م) وكان آخرهم خروجًا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وأما المغيرة فقد خرج من القصر في آخر حياة أبيه لأنه كان أصغر إخوته، ولم يبق معه إلا ولده الحكم ولي عهده (^٢).\nوطبيعي أن يهتم الأمويون بتربية أولادهم وتأديبهم وتثقيفهم، وهذا الأدب لا يقتصر على فترة الصغر، بل يمتد إلى فترة الرشد إن لزم الأمر، وهذا ما فعله الأمير عبد الرحمن الأوسط مع ابنه المنذر، الذي كان معروفًا بسوء الخلق في بداية شبابه، كثير الشك بمن حوله، معاقبًا لمن يقدر عليه، مكثر التشكي لوالده لمن لا يقدر عليه، فلما أكثر على أبيه، أمر وكيلًا خاصًا به أن يبني بيتًا منفردًا في أحد الجبال، فلما كمل البناء، أمر ولده المنذر أن يسكن فيه، وأوصى الوكيل أن يمنع عنه الزيارة سواء من أصحابه أو أصحاب غيره، فلما ضجر المنذر من الوحدة، طلب من الوكيل بأن يأذن لمن كان يأنس به بزيارته، فأبلغه الوكيل بأن والده أمر أن لا يصل إليك أحد، لتبقى وحدك تستريح مما يرفع ضدك من وشايه، فعلم المنذر مراد والده، فكتب إليه يستعطفه، فلما وقف الأمير على رقعة\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٩٤ - ١٩٥.\n(^٢) - المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص ١٦.","vol":"1","page":302},{"text":"ولده، علم أن الأدب قد بلغ به حقه، فاستدعاه وأخبره بما قصد إليه من إفراده بهذا السكن، ونصحه ووجهه، فقبَّل المنذر يده وانصرف، ولم يزل المنذر يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلَّق بالخلق الجميل، وبلغ ماأوصاه به أبوه، ورفع قدره (^١).\nوهناك أوقات محددة يسمح فيها للأبناء بزيارة والدهم، يدل على ذلك أن الأمير عبد الرحمن الداخل عندما استأذن عليه ولده هشام بسبب قصة الكناني، انزعج، لأن الوقت لم يكن وقت زيارة (^٢).\nوالاحترام المتبادل بين أبناء البيت الأموي سمة بارزة في تاريخهم، فالأخ الأصغر يقبل يد أخيه الأكبر (^٣)، كما أنه لا يناديه إن كان أميرًا أو خليفة إلا بلفظ مولاي، فقد ذكر الحميدي أن عبد العزيز بن عبد الرحمن الناصر وُلد له وَلد، فعاش إلى أن دخل الكتاب، فظهرت منه نجابة، فأول لوح كتبه، بعث به إلى أخيه المستنصر بالله، وكتب إليه بعدة أبيات من شعره، جاء في مطلعها قوله: -\nهاك يا مولاي خطًا … مطه في اللوح مطا (^٤)\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ٣/ ٥٧٥ - ٥٧٧.\n(^٢) - أخبار مجموعة، ص ١٢١ - ١٢٤. نفح الطيب، ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ١١٦.\n(^٤) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٦٤٨.","vol":"1","page":303},{"text":"وكانت قصور بني أمية تشهد حفلات زواج، ولا توجد لدينا معلومات عنها، ولكن يمكن تكوين صورة عنها من خلال معرفتنا لما كان يجري في حفلات زواج العامة أو بعض وجهاء الدولة.\nفقد كانت الأسر الموسرة تتفاخر في تجهيز بناتها، حتى أن الأمر يكلف بعضهم ما لا يطيق، فقد روى ابن حيان عن أبيه أن محمد بن أفلح غلام الخليفة الحكم المستنصر بالله، اضطر عند تجهيزه لابنته إلى بيع لجام مُحلَّى ثقيل الوزن كان يستخدمه لزينته أيام المواكب (^١).\nوكانت حفلة الزواج تستمر أسبوعًا كاملًا (^٢)، يمر فيه موكب الزفاف في أحد شوارع قرطبة، ومع موكب الحفل جماعة من الملهين ومعهم أحد المشهورين بالزمر، يكون في وسط الحفل، وعلى رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه (^٣)، وتقام الولائم في منزل والد العروس، ويصاحب ذلك سماع ضرب البوق أو ضرب الكير أو المزهر أو الطنبور أو العود، إلى جانب غناء المغنين والمغنيات والراقصات (^٤).\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦٣.\n(^٢) - د. محمد عبد الوهاب خلاف، قرطبة الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي-الخامس الهجري- الحياة الاقتصادية والاجتماعية، (تونس الدار التونسية ١٩٨٤) ص ٢٨٢.\n(^٣) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٢٤٤.\n(^٤) - قرطبة الإسلامية ص ٢٨٤.","vol":"1","page":304},{"text":"هذه صورة سريعة عن زواج بعض الأسر الموسرة في قرطبة، لعلها تعطي تصورًا عما كانت عليه حفلات زواج أمراء وخلفاء بني أمية أو أحد أولادهم، فلا شك أنها كانت على مستوى كبير يتناسب مع ما هم عليه من عزٍ وثراء، وقد ذكر ابن حيان أن أعظم حفلة عرس جرت في الأندلس، أقيمت بمناسبة زواج المنصور بن أبي عامر من أسماء بنت غالب بن عبد الرحمن الناصري سنة (٣٦٧) هـ (^١) (٩٧٧ م).\nومن الحفلات التي كانت تقام في قصور بني أمية، حفلة \"العقيقة\" عندما يرزق أحدهم بمولود، ففي هذه المناسبة تقام وليمة عظيمة يدعى إليها كبار رجالات الدولة ووجهاء البلد، وتكون الأفراح متصلة عدة أيام (^٢) وأما عملية الختان فقد كانت تتم بصورة جماعية لأبناء الأمويين، فالخليفة عبد الرحمن الناصر أقام سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) بقصره في قرطبة صنيعًا فخمًا احتفل فيه لإعذار عدة من أولاده الأصاغر، أعد \"فيه صنوف الأطعمة الرفيعة، والفواكه الغريبة، والطبوب المثمنة، وزانه بما أظهر فيه من الآلات السلطانية والأدوات البديعة وفاخر الآنية وبديع الزينة، … فكان صنيعًا مشهورًا بقرطبة، عظُم شأنه، وكثر حمله، واعتلت عليه النفقة\" (^٣).\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦٥.\n(^٢) - البيان المغرب، ٣/ ٣١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٢٠ - ٣٢١.","vol":"1","page":305},{"text":"وفي بعض الأحيان يُختن مع أولادهم أولاد كبار رجالات الدولة، ومجموعة كبيرة من أولاد الضعفاء، ويقام احتفال كبير بهذه المناسبة، فالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما ختن أولاده، ختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي، ومن أولاد الضعفاء عدد لا ينحصر، وأقام احتفالًا كبيرًا بلغت فيه النفقة خمسمائة ألف دينار (^١).\nوفي مثل هذه المناسبات، يدعى كبار رجالات الدولة والفقهاء والمشاورون من العدول ووجهاء البلد لحضور الاحتفال، ومن تخلف عن الحضور تتم مساءلته.\nفالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أقام حفل ختان لأولاد ابنه عبيد الله، اتخذ لذلك صنيعًا عظيمًا بقصر الزهراء، لم يتخلف عنه أحد من كبار المدعويين، إلا الفقيه العالم أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة (^٢)، فافتقد\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٥٩٦.\n(^٢) - أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي، من موالي بني هلال ولد سنة ٢٧٧ هـ أصله من طليطلة، سكن قرطبة لطلب العلم، ثم استوطنها، كان خيرًا فاضلًا دينًا ورعًا، مجتهدًا عابدًا، زاهدًا وقورًا مهيبًا، من أهل العلم والفهم والفضل، مشاورًا في الأحكام، صدرًا في الفتيا، يناظر عليه في الفقه، كان ﵀ صليبًا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد كان الخليفة الحكم المستنصر بالله معظمًا لابن مسرة حتى أنه إذا دخل عليه مد رجليه أمامه ويعتذر بكبر سنه، فلا يعارضه الخليفة. توفي ﵀ بطليطلة في رجب أو شعبان سنة ٣٥٢ هـ وهو غازٍ مع الخليفة الحكم المستنصر بالله. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٣٥. ترتيب المدارك، ٦/ ١٢٦ - ١٣٤.","vol":"1","page":306},{"text":"الخليفة مكانه، فبعث إليه ولده الحكم بكتاب يسأله فيه عن سبب تخلفه، فأجابه بعذر قبله منه الخليفة (^١).\nوهناك رسوم خاصة بجنائز بني أمية، فالكفن والحنوط والطيب، يبعث بهما الأمير أو الخليفة لأهل المتوفى، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما توفي عمه سعيد الخير بن الأمير الحكم الربضي، في صدر شهر ربيع الآخر سنة (٢٤٠) هـ (سبتمبر (٨٥٤) م) فقد أرسل الأمير محمد \"بكفنه وحنوطه وطيبه من عنده، وعهد إلى بنيه وإخوته وأهل بيته ووزرائه وأهل خدمته بشهوده والمشي بين يدي نعشه\" (^٢).\nثم طرأت عملية تضميخ النعش بالغالية، وهذا الرسم استُحدث أيضًا في عهد الأمير محمد فقد ذكر ابن حيان أن أبا القاسم الأصبغ بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط توفي وعمره تسع وعشرين سنة وشهر، وذلك في حياة أبيه، فلما اتخذ النعش للأصبغ، أدخل على أمه، وكان وحيدها، فأمرت بتضميخ نعشه بالغالية، فهي التي استحدثت هذا الرسم (^٣)، وأصبح معمولًا به إلى نهاية الدولة.\nومن مات من أبناء البيت الأموي، تقدم للصلاة عليه أحدهم، فالأمير عبد الرحمن الداخل كان قد كلف ولده هشام بالصلاة على جنائز\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك ٦/ ١٣٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٩١ - ٩٣.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٢١٣ - ٢١٤.","vol":"1","page":307},{"text":"أهل القصر، كما أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد قدم ولده بشرًا لهذه المهمة (^١).\nوقد درج أمراء وخلفاء بني أمية على الاحتفاظ بنفيس الأعلاق والجواهر في موضع خاص لا يهُتدى إليه، ويتم إثباتها في سجل خاص، ويتولى أحد الفتيان الأكابر الخلفاء، الإشراف على المكان والاحتفاظ بالسجل، ولا يعلم أحد سواه خبر تلك المدخرات.\nوقد ذكر ابن عذاري أن المهدي عندما استولى على قصر قرطبة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) كان الفتى فاتن الكبير مريضًا، فلما حضرته الوفاة، كتب إلى المهدي يطلب منه الحضور لأمر ضروري، فلما جاءه المهدي \"دفع إليه فاتن كتابًا فيه جميع ما تركه الخلفاء الأمويون، وذخائرهم مما لم يقف عليه ابن عبد الجبار ولا اهتدى إلى موضعه من بيوت الأموال، وغير ذلك من نفيس الأعلاق والجواهر والأمتعة العالية والآنية وما شبه ذلك فاحتوى ابن عبد الجبار على الجميع\" (^٢).\n_________\n(^١) - الحلة السيراء: ١/ ١٢٦.\n(^٢) - البيان المغرب ٣/ ٧٦.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>الفصل الثاني: النظام الإداري والمالي</span>\nالمبحث الأول: النظام الإداري\nالمبحث الثاني: النظام المالي","vol":"1","page":309},{"text":"","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\">النظام الإداري </span>\nعندما حكم القوط إسبانيا لم يضعوا لها تقسيمًا إداريًا، فقد أخذوا بالتقسيم الروماني الذي وجدوه في البلاد عند دخولهم، فهو يقسم اسبانيا إلى قسمين إداريين كبيرين، يحكم كل منهما موظف كبير يلقب بروكنسل \"  Proconcul\"  أولًا، ثم لقب برايتور \"  Praetor\"  فيما بعد، وهذان القسمان هما: اسبانيا الدنيا \"  Hispania Citerior\"  واسبانيا القصوى \"  Hispania Ulterior\"  والتي انقسمت بدورها إلى ولايتي \"بيطي  Betica\"  و\"لشدانية  Lusitania\"  وذلك سنة ٢٧ ق. م. ثم ظهرت ولاية إسبانيا الدنيا الجديدة الأنطونية \"  Hispania Nova Citerior Antoniana\"  وتضم إقليمي جليقية وأشتريش، بعد ذلك ظهرت ولايتا إسبانيا الطركونية \"  Hispania Tarraconensis\"  وإسبانيا القرطاجنية \"  Hispania Cartaginensis\".\nوهذا التقسيم يصل بنا إلى تقسيم دقلديانوس الأخير الذي ينسب إلى قسطنطين، الذي يمقتضاه أصبحت اسبانيا ديوقنية \"  Diocesis\" -  أي عملا كبيرا بالمصطلح العربي - تابعة لمديرية الغالتين \"  Pracfectura Galliarum\"  داخلة في القسم الغربي من الدولة الرومانية، وبمقتضاه أصبحت اسبانيا تضم ست ولايات \"  Provinciae\"  وهي: باطقة ولشدانية، وجليقية، والولاية الطركونية، والولاية القرطاجنية، ثم أضفيت","vol":"1","page":311},{"text":"إليها مرطانية الطنجية \"  Mauretania Tingitana\"  والجزائر الشرقية \"  Prpvincia Balearica\" (^١) .\nوقد أورد أبو عبيد البكري في جغرافيته نصًا أكثر تفصيلًا وأهمية للتقسيم الإداري أيام الرومان، بل أيام المسلمين، وهذا النص يقسم الأندلس إلى ست مناطق، جعل الجزء الأول من مدينة نربونه وهو حد مابين غاليوش وبين الأندلس، وأضاف إليها سبع مدن مما حواليها، وهي: بَطرِّش \"  Beziers\"  وطليوشة \"  Tolose\"  ومقلونة \"  Maguelonna\"  ونومشو \"  Nemauso\"  وقرقشونة \"  Carcassonne\".\nوجعل الجزء الثاني: من مدينة براقرة \"  Bracara\"  وهو حوز جليقية وشلطانية \"  Saldana\"  وهو بلد ابن غُومِس. وجعل لها اثني عشر مدينة مما حواليها، منها: مدينة برطقال \"بورتو  Porto\"  ومدينة توذى \"  Tude\"  ومدينة أورية \"  Auria\"  ومدينة لكُّه \"  Lugo\"  ومدينة برطانية \"  Britonia\"  ومدينة اشترقة \"  Astorga\"  ومدينة شانت ياقو \"  Santiago\"  ومدينة إيرية \"  Iria\"  ومدينة بطقة ومدينة شارّة \"  Sarria\".\nوجعل الجزء الثالث: من مدينة طَرَّكُونَة \"  Tarrgona\"  وأضاف إليها مدينة سرقسطة \"  Zaragoza\"  وأشقة \"  Huesca\"  ولاردة  Lerida\"  وطرطوشة \"  Tortosa\"  وتطيلة \"  Tudela\"  وأعمال بلد ابن شانجو كلها وبلد بَلْيارش \"  Pallars\"  وبرشلونة \"  Barcelona\"  وجُرنُدة \"  Gerona\"\n_________\n(^١) -  انظر: د. حسين مؤنس، فجر الأندلس ص ٥٣٥ - ٥٣٨.","vol":"1","page":312},{"text":"ومدينة أَنْبُور [يش] \"  Ampurlas\"  ومدينة بنبلونة \"  Pamplona\"  ومدينة أُوقة \"  Oca\"  ومدينة قَلَهُرَّة \"  Calahorra\"  ومدينة طرَسَوُنة \"  Tarazona\"  ومدينة أماية \"  Amaya\".  وجعل الجزء الرابع: عشرين مدينة، قاعدتها مدينة طليطلة \"  Toledo\"،  وأضاف إليها مدينة أوريط \"  Oreto\"  ومدينة شَغُوبَية \"  Segovia\"  ومدينة أَرْكَبيقة \"  Ercavica\"  ومدينة وادي [الحجارة] \"  Guadalajara\"  ومدينة شِغُونْسَة \"  Siguenza\"  ومدينة أكشُمة \"  Oxuma\"  ومدينة بلنسية \"  Valencia\"  ومدينة بلازيا ومدينة أوريولة \"  Orihuela\"  ومدينة ألش \"  Elche\"  ومدينة شاطبة \"  Jativa\"  ومدينة دانية \"  Denia\"  ومدينة بياسة \"  Baeza\"  ومدينة قسطلونة \"  Gazlona\"  ومدينة منتيشه \"  Mentesa\"  ومدينة وادي آش \"  Guadix\"  ومدينة بسطة \"  Baza\"  ومدينة أرش \"  Urci\"  وهي بجانة \"  Pechina\".\nوجعل الجزء الخامس: قاعدته مدينة ماردة \"  Merida\"،  وأضاف إليها اثنتي عشرة مدينة وهي: باجة \"  Beja\"،  ومدينة أكشونبة \"  Ocsonoba\" [ومدينة صيوتلة؟] ويابرة \"  Evora\"  وشنترة \"  Cintra\"  وشنترين \"  Santarem\"  والأشبونة \"  Lisbona \"  وقلنبرية \"  Coimbra\"  وقورية \"  Coria\"  وشلمنقة \"  Salamanca\"  وصمورة \"  Zamora\"،  وهي محدثة بَرَا إلى شنت ياقوب \"  Santiago de Compostela. \"\nوجعل الجزء السادس: قاعدته مدينة إشبيلية \"  Seville\"،  وأضاف إليها لبلة \"  Niebla\"  وقرطبة \"  Cordoba\"  وقرمونة \"  Carmona\"","vol":"1","page":313},{"text":"ومورو \"  Moron\"  ومرشانة \"  Marchena\"  والجزيرة \"  Algeciras\"  وتاكرنا \"  Takurunna\"  وريه \"  Rejio\"  وأشونة \"  Osuna\"  وإستجة \"  Ecija\"  وقبرة \"  Cabra\"  وأعمالها إلى بجانة \"  Pechina\"  وإلبيرة \"  Elvira\"  وجيان \"  Jaen\"  ومنتيتة \"  Mentesa\"  وباركتة \"  Bakartah\"  وأبدة \"  Ubeda\"  وبياسة \"  Baeza\" (^١) .\nوبناء على ما سبق فيمكن القول بكل اطمئنان بأن المسلمين قد وجدوا عند دخولهم شبه الجزيرة الأيبرية، تقسيمًا إداريًا ثابتًا للبلاد، فساروا عليه، مع إجراء بعض التعديلات الشكلية التي اقتضتها الأحوال الجديدة، واستبدلوا ما وجدوا من التسميات والمصطلحات بما حملوه معهم من المشرق (^٢)، ومما يؤيد هذا الرأي هو ذلك الاتفاق العجيب بين المصادر الجغرافية الأندلسية عند حديثها عن التقسيم الإداري في الأندلس (^٣).\nومن الواضح أن هناك تشابهًا في الأسس التي سار عليها كل من الرومان والمسلمين في تقسيماتهم الإدارية، فقد كانت المدينة هي الأساس الذي قام عليه التنظيم الإداري الروماني، وكانت المدن هي المراكز التي اعتمد عليها المسلمون في الحكم والإدارة (^٤).\n_________\n(^١) - جغرافية الأندلس وأوربا، ص ٥٩ - ٦٤.\n(^٢) - فجر الأندلس، ص ٥٣٦.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٥٣٥.\n(^٤) - نفسه ص ٥٤٦.","vol":"1","page":314},{"text":"ولقد كان الإتجاه الإداري في الأندلس يميل نحو الأقسام الإدارية الصغيرة تيسيرًا لضبط الأمن وربط المال، واكتفى المسلمون بالكور، كل كورة تتبعها مدن وكل مدينة تتبعها أقاليمها أو زماماتها، وهذا النظام أدى بدوره إلى تبسيط السلم الإداري، فالإدارة المركزية يتبعها عمال الكور، وعمال الكور يتبعهم عمال المدن، وهم المسئولون عن زمامات المدن وأقاليمها، وجرت العادة أن يعين عامل المدينة عاملًا خاصًا بالمدينة نفسها يسمى صاحب المدينة (^١).\nوفي ظل المسلمين عرفت الأندلس نظام الأجناد أو الكور المجندة، وهو النظام الذي أخذه المسلمون عن البيزنطيين (^٢)، والمراد به ولايات عسكرية ينزلها جند، ويسميها العرب بند والجمع بنود، وهي تقابل الثغور ويحكمها قائد عسكري.\nولم يعرف نظام الأجناد إلا في الشام، ومنها انتقل إلى الأندلس، وذلك على أيام أبي الخطار الكلبي (^٣) سنة (١٢٥) هـ (٧٤٣ م) مع اختلاف\n_________\n(^١) - نفسه ص ٥٥٤ - ٥٥٥.\n(^٢) - عبد العزيز عبد الله السلومي، ديوان الجند، نشأته وتطوره في الدولة الإسلامية حتى عصر المأمون. (مكة المكرمة، مكتبة الطالب الجامعي، ط الأولى ١٤٠٦ هـ) ص ٣٢٨ - ٣٣٦.\n(^٣) - أبو الخطار الحسام بن ضرار بن سلامان الكلبي، دمشقي من خيار أهل الشام، شاعر فارس، ولي إمارة الأندلس سنة ١٢٥ هـ، وعلى يديه خمدت فتنة كانت قد اندلعت بين المسلمين هناك، وهو الذي فرق العرب الشاميين على الكور، ورغم أن أبا الخطار كان موضع رضى الشاميين والبلديين، إلا أنه في سنة ١٢٨ هـ انحرف في سياسته، فتعصب لليمانية، فآل به الأمر إلى الخلع والفرار إلى جهة باجة في غرب الأندلس، ثم حاول العودة لاستلام الإمارة، إلا أنه هُزم ومن معه في معركة عُرفت بأنها قاطعة الأرحام وقعت بشقندة، وتم القبض عليه، وقتل صبرًا أواخر سنة ١٣٠ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ١٩ - ٢١. أخبار مجموعة، ص ٤٥ - ٤٦، ٥٦ - ٦٠. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٤٠٢، الحلة السيراء، ١/ ٦١ - ٦٦.","vol":"1","page":315},{"text":"واحد أن الجند في الشام كان يضم كورًا كثيرة، أما في الأندلس فكان يقابل كورة واحدة (^١).\nوقد ذكر العذري أن الكورة أو المدينة في الأندلس قد قسمت إلى مدن أو نواح لكل منها حوز يسمى إقليمًا، وإلى جانب الأقاليم أقسام إدارية أخرى تسمى الأجزاء، وهو يورد هذه الأجزاء بعد الأقاليم مباشرة (^٢).\nوبذلك نرى أن المسلمين حين قسموا الأندلس تقسيمًا إداريًا ساروا على ما وجدوه مع تكييفه على نحو يتفق مع ظروفهم في شبه جزيرة إيبيريا، دون أن يغيروا أساسه، فقد ظلت المدينة هي الأساس تتبعها الأرض، وحينما حولوا بعض المدن إلى كور ظلت المدينة أساس الكورة، ولم تكن الكورة هي الأساس تتبعها المدينة (^٣).\n_________\n(^١) - فجر الأندلس، ص ٥٥٥.\n(^٢) - نصوص عن الأندلس، ص ٢٠.\n(^٣) - فجر الأندلس ص ٥٨٧.","vol":"1","page":316},{"text":"والمدينة في الأندلس تتبع المعنى الروماني، فهي نواة لإقليم أو أقاليم كل أهلها يعتبرون من أهل المدينة، وهي بذلك تختلف عن معناها في المشرق الذي تعتبر فيه المدينة عبارة عن مجموعة من الأبنية يحيط بها سور.\nوقد اقتضى الأمر اعتبار الكثير من مدن الجنوب في الأندلس وحدات مستقلة، فجعلوها كورا، ذلك لأن مركز الثقل في الأندلس كان في الجنوب، من أجل هذا صغرت مساحات الكور في الجنوب بينما اتسعت في الشرق والغرب، وأما في الوسط ونواحي الشمال فقد ظلت مدنًا بالمعنى الروماني القديم، لها أحواز وفي أحوازها تقع مدنًا أخرى ذات أحواز (^١).\nكما جرت العادة أن تسمى المدينة الرئيسة بالأم والجمع أمهات، والمدن الفرعية بالبنات، مفردها بنت، وقد تتحول الأم إلى بنت إذا زادت عليها في العمارة احدى بناتها، قال الحميري في كلامه عن طرسونه \" .... ثم عادت طرسونة من بنات تطيلة عند تكاثر الناس بتطيلة، وإيثارهم إياها لفضل بقعتها واتساع خطتها\" (^٢).\nومن غير الميسور الآن تقدير حوز كل كورة ومدينة، أو رسم خريطة دقيقة للأندلس وتقسيماتها الإدارية، لأن مالدينا من معلومات في المصادر الجغرافية التي وصلت إلينا لاتعين على ذلك (^٣).\n_________\n(^١) - المرجع السابق ص ٥٨٨.\n(^٢) - الروض المعطار، ص ٣٨٩.\n(^٣) - فجر الأندلس، ص ٥٩٠.","vol":"1","page":317},{"text":"وقد ذهب بروفنسال إلى أنه من الممكن رسم صورة كاملة للتقسيم الإداري للأندلس بالاستعانة بكتب التاريخ، وهذا صحيح، ولكن مابين أيدينا من أصول تاريخ الأندلس مبتور من مواضع شتى كما هو الحال في جغرافية العذري (^١)، وقد أحصى بروفنسال سبعًا وعشرون كورة غير الثغور، وهذه الكور هي قرطبة، فحص البلوط، قبرة، استجة، إشبيليه، قرمونة، لبله، اكشونبه (شلب) باجه، مورور، شذونه (قلسانه) الجزيرة الخضراء، تاكرنا، ريه، إلبيرة، جيان، بجانة، تدمير، شاطبة، بلنسية، طليطلة، طلبيرة، ماردة، بطليوس، شنترين، لشبونة، قلمرية (^٢).\nوقد علق الدكتور حسين مؤنس على هذه القائمة بقوله: قد تكون هذه هي كور الأندلس في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إلا أنه نظرًا لعدم وقوفنا على إحصاء كامل لما في كتب التاريخ من معلومات، فإننا لا نستطيع مناقشة ما ذكره بروفنسال (^٣).\nوإذا أتينا إلى تعريف الكورة، نجد ياقوت يعرفها بقوله \"الكورة كل صقع يشتمل على عدة قرى، ولابد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها ذلك اسم الكورة، كقولهم: دار بجرد، مدينة بفارس لها عمل واسع يسمى ذلك العمل بجملته كورة دار بجرد، ونحو نهر الملك، فإنه نهر\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٥٩٠.\n(^٢) -  L.Prorencal OP.Cit.V، III، P: ٤٩ - ٥١.\n(^٣) -  فجر الأندلس، ص ٥٩١.","vol":"1","page":318},{"text":"عظيم مخرجه من الفرات ويصب في دجلة، عليه نحو ثلاثمائة قرية، ويقال لذلك جميعه نهر الملك\" (^١).\nوإذا أتينا إلى الأندلس نجد أن التعريف الذي أدلى به ياقوت ينطبق على الكورة، إذ نجد أن لكل كورة عملًا واسعًا ولها قصبة أو حاضرة.\nفكورة إشبيلية - مثلا - تنسب إلى حاضرتها (^٢)، بينما نجد كورًا أخرى لاتنسب إلى حواضرها، فكورة شذونة حاضرتها مدينة شريش (^٣)، وكورة ريُّه حاضرتها أرشذونة (^٤)، وكورة مورور حاضرتها مدينة شَلْب (^٥).\nوكل قسم إداري سواء كان مدينة أو كورة ينقسم إلى أقاليم، والإقليم عند أهل الأندلس هو \"كل قرية كبيرة جامعة فإذا قال الأندلسي: أنا من إقليم كذا، فإنما يعني بلدة، أو رستاقا بعينه\" (^٦).\nفكورة إشبيلية يتبعها من الأقاليم: إقليم المدينة، إقليم ألية، إقليم السهل، إقليم الشعراء، إقليم البصل، إقليم طالقة، إقليم الشرف، إقليم الوادي، إقليم طشانة، إقليم الفحص، إقليم قرطشانة، إقليم المنستير (^٧).\n_________\n(^١) - معجم البلدان، ١/ ٣٦ - ٣٧.\n(^٢) - تعليق منتقى، ص ٢٩٢ - ٢٩٣.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٢٩٤.\n(^٤) - نفسه، ص ٢٩٤.\n(^٥) - نفسه ص ٢٩٥.\n(^٦) - معجم البلدان، ١/ ٢٦.\n(^٧) - جغرافية الأندلس وأوربا، ص ١١٥.","vol":"1","page":319},{"text":"وكل إقليم يكون متبوعًا بعدد كبير من القرى، فقرطبة كان يتبعها خمسة عشر إقليميا، إقليم المدور: عدد قراه تسعون قرية، إقليم القصب: عدد قراه سبعة وثمانون قرية، إقليم لوره: عدد قراه أربعة وستون قرية، إقليم الصدف: عدد قراه ثمانية وعشرون قرية، إقليم بني مسرة، عدد قراه سبع عشرة قرية، إقليم منيانة: عدد قراه ست وعشرون قرية، إقليم كرتش: عدد قراه ستون قرية، إقليم القتل: عدد قراه ثمان وأربعون قرية، إقليم الهزهاز: عدد قراه ثلاث وسبعون قرية، إقليم وابة الملاحة: عدد قراه أربعة وثمانون قرية، إقليم وابُه الشعراء: عدد قراه أربع وتسعون قرية، إقليم أولية السهلة: القرى مائة قرية وقريتان (^١).\nمن هنا يتضح أن الأقاليم كانت محددة تحديدًا دقيقًا لمعرفة مايترتب على كل منها من الناحية المالية، وعلى هذا فالإقليم كانت الدولة تنظر إليه على أنه وحدة مالية، كما أن أسماء معظم الأقاليم ليس عربيًا، مما يدل على أن الإقليم بحدوده واسمه كان موجودًا قبلهم (^٢).\nوهكذا يتضح مما مضى أن كل قسم إداري ينقسم إلى عدة أقاليم، وكل إقليم يكون متبوعًا بعدد من القرى، ويطلق على كل\n_________\n(^١) - نصوص عن الأندلس ص ١٢٤ - ١٢٧.\n(^٢) - فجر الأندلس، ص ٥٨٣.","vol":"1","page":320},{"text":"ما يدخل في حوز القسم الإداري اسم عمل (^١)، أو حوز (^٢)، أو نظر (^٣)، أو ولاية (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-36>خطة عمالة الكور:</span>\nقبل وصول الأمير عبد الرحمن الداخل للأندلس، لم تورد المصادر الأندلسية أي ذكر لعمال الكور هناك، وإنما هناك زعامات قبلية تتولى السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي.\nلأجل هذا، نجد الأمير عبد الرحمن الداخل قد عمل جاهدًا على إحلال سلطة الدولة مكان سلطة القبيلة، وبدأ بهذه الخطوة الهامة عقب انتصاره في معركة المصارة مباشرة، إذ لم ينكل بمعارضيه من القيسية، كما أنه منع أنصاره اليمانية من السلب والنهب (^٥).\nوبعد أن استتب الأمر في الأندلس للأمير عبد الرحمن الداخل، عمد إلى تعيين الولاة على الكور، واختار في البداية الزعماء القبليين ليكونوا\n_________\n(^١) - الروض المعطار، ص ١١٥، ٤٦٩.\n(^٢) - تعليق منتقى، ص ٢٨٤، ٢٨٥، ٢٨٦، ٢٨٧، ٢٩٠.\n(^٣) - الروض المعطار، ص ٣٥٠.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٤٦٩.\n(^٥) - أخبار مجموعة، ص ٩٠.","vol":"1","page":321},{"text":"ولاة في مناطق سيادتهم، فجعل أبا الصباح حي بن يحيى اليحصبي (^١) واليًا على إشبيلية (^٢)، وسليمان بن يقظان (^٣) على برشلونة (^٤).\n_________\n(^١) - أبو الصباح حي بن يحيى اليحصبي، زعيم العرب اليمانية في إشبيلية فارس شجاع، لبى دعوة الأمير عبد الرحمن الداخل وبايعه، واشترك معه في معركة المصارة، ومن ثم تغيرت عليه نفس الأمير عبد الرحمن الداخل بسبب مؤامرة كان أبو الصباح يدبرها ضده. انظر: ابن القوطية، ص ٢١ - ٢٢، ٢٥، ٣٠. أخبار مجموعة ص ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧. الكامل في التاريخ، ٥/ ١٢٣، ١٨٩. الحلة السيراء، ١/ ٥٩ - ٦٠. البيان المغرب، ٢/ ٥٢، ٥٣.\n(^٢) - أخبار مجموعه، ص ١٠٥.\n(^٣) - سليمان بن يقظان الكلبي أحد وجوه العرب في منطقة الثغر الأعلى، كان أحد الزعماء ذوي الطموح، أعلن تمرده ضد الأمير عبد الرحمن الداخل سنة ١٥٧ هـ وهزم جيشه وأسر قائده سنة ١٥٨ هـ ومن ثم تواطأ مع شارلمان، وأرسل إليه بخطة مع ثقاته، مقابل تسليمه بعض المواقع في شمالي إسبانيا، ورغم الحملة الكبيرة التي قادها شارلمان ضد الأندلس، إلا أنه هزم وسحقت مؤخرة جيشه، وعاد سليمان إلى سرقسطه بعد إنقاذه من أسر شارلمان، وأعلن التمرد مرة أخرى ضد الأمير عبدالرحمن الداخل، إلا أن الأخير دبر عملية اغتياله فتخلص منه وذلك سنة ١٦٤ هـ. انظر: أخبار مجموعة، ص ١١٠، ١١٢، ١١٣، ١١٤. العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٢٥، ٢٦. البيان المغرب ٢/ ٥٨. أرسلان، غزوات العرب، ص ١١٧ - ١٢٠، ١٢١. د. إبراهيم طرخان، المسلمون في أوربا، ص ١٧٢، ١٧٣، ١٧٦، ١٧٧ - ١٧٨، ١٨٣. كارلس ديفز، شارلمان، ص ١٠٠، ١٠٢. السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٢٣٤.\n(^٤) - أخبار مجموعه، ص ١١٠.","vol":"1","page":322},{"text":"ويبدو أن الأمير الداخل قد قام بهذه الخطوة، رغبة منه في استمالة القوى القبلية حتى يقوى أمره، ومن ثم يفرض رؤيته الخاصة عن نظام الحكم والإدارة، فهو رغم إدراكه لما كان قد أضمره له أبو الصباح بعد معركة المصارة (^١)، إلا أنه ولاه اشبيلية إلى حين تأتي الفرصة المناسبة للقضاء عليه بهدوء، وهو ما حصل، فقد أصدر الأمير أمرًا بعزل أبي الصباح عن منصبه إضعافًا لأنصاره الذين كثرت حركات تمردهم على إمارة قرطبة، ولأن أبا الصباح رفض تنفيذ الأمر، فقد أعلن عن عصيانه وتمرده، فأرسل له الأمير كتاب أمان استدرجه به إلى قصر قرطبة، وهناك قضى عليه وذلك سنة (١٤٩) هـ (^٢) (٧٦٦ م) ثم عزل جميع الزعماء القبيليين الذين لم يرق لهم الانصياع لنظام الحكم الجديد، وعين بدلًا منهم أمراء من البيت الأموي، أو الموالي أبناء البيوتات المساندة، فقد جعل حبيب بن عبد الملك (^٣) واليًا على طليلطة (^٤)، وعبد الملك بن عمر\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٩١.\n(^٢) - نفسه ص ١٠٥ - ١٠٧. الحلة السيراء، ١/ ٥٩ - ٦٠. البيان المغرب، ٢/ ٥٣.\n(^٣) - أبو سليمان حبيب بن عبد الملك بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، هو جد الحبيبيين الذين بقرطبة ورية، كانت له منزلة خاصة لدى الأمير عبد الرحمن الداخل لم تكن لأحد سواه، ولاه طليطلة وأعمالها، وكان دائم الاستشارة له، توفي حبيب في أيام الأمير عبد الرحمن الداخل، فشهد جنازته ومعه ستة من ولده. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٨٩ - ٩٠. الحلة السيراء، ١/ ٥٩ - ٦٠.\n(^٤) - الحلة السيراء ١/ ٥٩ - ٦٠.","vol":"1","page":323},{"text":"بن مروان (^١) واليًا على اشبيلية وولده عبد الله (^٢) على مورور (^٣)، كما جعل عبد السلام بن بسيل مولى هشام بن عبد الملك على عدة كور (^٤).\nووجود والٍ أو عامل في كورة، الغرض منه القيام بإدارة هذه الكورة وتصريف شئونها الإدارية والعسكرية والمالية وغيرها، نيابة عن الأمير أو الخليفة، وتمثيله في جميع المناسبات التي تجري في تلك الكورة.\nويمكن القول بأن تعيين العمال في الكور والثغور يخضع لاعتبارات خاصة، فلا يمكن اعتبار عمالة كورة داخلية مثل أهمية عمالة أحد الثغور\n_________\n(^١) - أبو مروان عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، قعيد الأمويين في وقته وفارسهم، دخل الأندلس سنة ١٤٠ هـ ومعه عشرة من بنيه كل منهم فارس، وقد كان له الأثر الكبير في تثبيت حكم الأمير عبد الرحمن الداخل وبالذات في بداياته، ولذا فقد كافأة الأمير بأن استوزر بنيه، وزوج ابنته كنزه من ابنه هشام. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ١٠٧ - ١٠٨. الحلة السيراء، ١/ ٥٦ - ٥٧، أخبار مجموعة، ص ٩٥ - ٩٩.\n(^٢) - عبد الله بن عبد الملك بن عمر، قدم مع أبيه من مصر، ودخل الأندلس سنة ١٤٠ هـ، كان فارسًا قاد الجيوش ضد يوسف الفهري وأبلى في حربه وقد قتل عبد الله على يد أبيه وذلك بسبب فراره من إحدى المعارك. انظر: الحلة السيراء، ١/ ٥٦.\n(^٣) - الحلة السيراء ١/ ٥٦. مورور، تقع على سفح جبل يحمل نفس الاسم  Sierra de Moron،  كانت في بداية الأمر كورة قاعدتها تحمل نفس الاسم، إلا أن المعتمد بن عباد ضمها إلى اشبيلية سنة ٤٣٨ هـ ومنذ ذلك الحين أصبحت مورور وأقليمها من توابع اشبيلية، وقد سقطت مورور في يد فرناندو الثالث سنة ٦٤٦ هـ. وهي اليوم مركز إدري تسمى  Moron.  انظر: الحلة السيراء، ٢/ ٣٧١، حاشية رقم (١).\n(^٤) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٧١.","vol":"1","page":324},{"text":"البرية أو البحرية، فقد حرص الأمويون على أن يكون ولاة الثغور من رجال الحرب، الذين يتميزون بالكفاية الإدارية والحربية، فالأمير عبد الرحمن الداخل على سبيل المثال أسند ولاية وشقة وطرطوشة وطرسونة لأحد نقباء دولته تمام بن عامر الثقفي (^١). الذي أظهر براعة فائقة في القدرة على مواجهة حركات التمرد والعصيان والقضاء عليها (^٢).\nونظرًا لأهمية وجود الخبير بشئون البحر، نجد الأمويين يسندون أمر عمالة أو إدارة الثغور البحرية لرجال لهم الدراية الكافية في هذا المجال، فقد عمد الأمير عبد الرحمن الداخل إلى تولية الرماحس بن عبد العزيز (^٣)\n_________\n(^١) - الحلة السيراء ١/ ١٤٣. أبو غالب تمام بن علقمة الثقفي، دخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر، وكان أبو غالب أحد النقباء القائمين بدولة الأمير عبد الرحمن الداخل، تقلب في المناصب الوزارية والولايات كما قاد الجيوش وعُمِّر طويلًا وتوفي في آخر دولة الأمير الحكم الربضي. انظر: الحلة السيراء ١/ ١٤٣.\n(^٢) - البيان المغرب ٢/ ٥٣.\n(^٣) - الرماحس بن عبد العزيز بن الرماحس بن الرُّسارس الكناني، كان على شرطة الخليفة الأموي مروان بن محمد، وبعد سقوط الدولة الأموية، هرب الرماحس إلى الأندلس، فولاه الأمير عبد الرحمن الداخل على الجزيرة، إلا أنه لم يلبث أن أعلن التمرد، فلم تمض مدة عشرة أيام على تمرده إلا والأمير عبد الرحمن على رأس قواته يهاجم الجزيرة، فلم يجد الرماحس بدًا من أخذ أهله والهرب إلى سبته ومنها إلى المشرق، وذلك سنة ١٦٤ هـ، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ١٨٩. أخبار مجموعة، ص ١١٢. نصوص عن الأندلس، ص ١١٧ - ١١٨. إلا أنه جعل الحركة سنة ١٥٥ هـ. البيان المغرب ٢/ ٥٦.","vol":"1","page":325},{"text":"ثغر الجزيرة الخضراء (^١)، ويعتبر الرماحس باني مجد بيت بني الرماحس في الأندلس، وقد اشتهر أبناء هذه الأسرة فيما بعد بالمهارة الفائقة في قيادة الأساطيل الحربية الأندلسية، ولعل عبد الرحمن بن محمد بن رماحس كان أشهر أبناء أسرته في تاريخ الدولة الأموية (^٢).\nونجد في عصر الإمارة، أن العديد من أبناء البيت الأموي كانوا عمالًا للكور، وغالبًا مايتم إسناد الولايات المهمة لهم، فبالإضافة إلى من تولوا العمالة من الأمويين في عهد الأمير الداخل، كان الأمير عبد الرحمن الأوسط قد جعل ولاية كورة إليبرة مداولة بين ولديه الحكم وعبد الله (^٣)،\n_________\n(^١) - نصوص عن الأندلس ص ١١٧ - ١١٨. البيان المغرب ٢/ ٥٦. الجزيرة الخضراء: كورة تشتمل على عدة مدن قاعدتها مدينة الجزيرة الخضراء، تقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الأيبيرية في مواجهة سبتة، وبجوارها جبل طارق. وقد سقطت بأيدي النصارى سنة ٧٤٧ هـ ثم استردها محمد الخامس الغني بالله سلطان غرناطة وذلك سنة ٧٧١ هـ إلا انه دمرها تدميرا كاملًا لئلا يستفيد منها النصارى أو بني مرين في المغرب وهي اليوم مركز إداري في مديرية قادس ويكتب اسمها  Algeciras.  انظر: نصوص عن الأندلس، ص ١٢٠. الحلة السيراء، ٢/ ١٩٩ حاشية رقم (٣). الروض المعطار، ص ٢٢٣ - ٢٢٤. الحلل السندسية، ١/ ٨١ ومابعدها.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٤، ٢٨، ٥٨، ٨٠، ٨٧، ٨٩، ٩٠، ٩٦، ٩٨، ١٠٥، ١١٦، ٢١٦.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٧.","vol":"1","page":326},{"text":"بينما كان أخوهما محمد واليًا على مارده (^١)، وأما مسلمة بن الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد كان واليًا على كورة شذونة (^٢).\nوفي عصر الخلافة لم نعد نسمع بذكر ولاة للكور من أبناء البيت الأموي، إلا أنه كان هناك ولاة من القرشيين (^٣).\nوهناك من يتم الإسجال له على نصف مدينة فقط، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما كان في إحدى غزواته حل بطليطلة وأصلح شأنها، وبسبب اختلاف أهواء أهلها في عمالهم، فقد قسمها الأمير بين مطرِّف بن عبد الرحمن ومنافسه طربيشة بحيث يلي كل واحد منهما جانبًا، وذلك سنة (٢٥٩) هـ (٨٧٣ م) (^٤).\nوأحيانًا يتم الإسجال لأحدهم على ولاية إحدى النواحي، مكافأة له، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن، فقد مر أثناء عودته من إحدى مغازيه بأرض شنت برية، فاعتل له خصي من أكابر خصيانه الخلفاء، فتركه عند ذي النون بن سليمان (^٥)، فمرَّضه وعالجه إلى أن برئ\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٧٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢١١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٥٦، ٣٧٧.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٢٩ - ٣٣٠، وما ورد في التعليقين رقم: ٥٤٠، ٥٤١.\n(^٥) - ذو النون بن سليمان بن طوريل بن الهيثم بن إسماعيل بن السمح (الداخل منهم إلى الأندلس) بن وردحيقن الهواري، واسم ذو النون اسم شائع في البربر بـ\"زنون\" ولكن مع استقرار هذه العائلة في الأندلس تصحف الاسم إلى ذي النون وقد كان لهذه العائلة الزعامة منذ أن حل السمح باني مجدها في شنت برية. والأمير محمد بن عبد الرحمن هو الذي نوه بذكر هذه الأسرة ورفع شأنها بسبب عناية ذو النون بخصي الأمير، وقد ظل ذو النون معترفًا بفضل الأمير مستمسكًا بالطاعة إلى أن توفي سنة ٢٧٤ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٤١ - ٣٤٢. والمقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٧ - ١٨. البيان المغرب، ٣/ ٢٧٦.","vol":"1","page":327},{"text":"من علته، ثم جاء به بنفسه إلى قرطبة، فكافأة الأمير محمد بأن أسجل له على ناحيته وقدمه على قومه وذلك سنة (٢٦٠) هـ (^١) (٨٧٤ م).\nوهناك كور بقيت مدة دون عمال، ففي سنة (٢٧٧) هـ (٨٩٠ م) غدر عمر بن حفصون بخير بن شاكر (^٢) القائم بدعوة المولدين والعجم ضد العرب بشوذر ونواحيها من كورة جيان، فقتله وبعث برأسه\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٤١.\n(^٢) - خير بن شاكر، أحد المولدين الذين أعلنوا التمرد ضد الدولة الأموية، كان شديد البغض للعرب ولأجل ذلك قام بدعوة المولدين والعجم سن ٢٧٦ هـ، هاجم أماكن تجمع العرب حول غرناطة فأوقع بهم وأباد خلقًا منهم، ولأنه كان حليفًا لعمر بن حفصون وديسم بن إسحاق، فقد تمكن الأمير عبدالله بن محمد من إفساد ضمير ابن حفصون على خير بن شاكر، فكانت النتيجة أن ذهب الأخير ضحية ذلك، حيث قتله غدرًا أحد رجال ابن حفصون وبعث الأخير برأس خير إلى الأمير عبد الله وذلك سنة ٢٧٧ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق أنطونيه ص ٢٤. البيان المغرب، ٢/ ١٢٢، ١٢٣.","vol":"1","page":328},{"text":"إلى الأمير عبد الله بن محمد، وبسبب ذلك أقامت جيان وإلبيرة مدة دون عامل من الأمير (^١).\nوإذا اتفقت كلمة أهل بلد على تقديم أحدهم ليكون واليًا عليهم، نجد أن حكومة قرطبة لا تعارض فعندما اتفق أهل بجانة والمرية سنة (٣٠٣) هـ (٩١٦ م) على تقديم مسعود بن علي مكان أخيه قاسم بن علي وافقهم الأمير على ذلك، وعينه واليًا عليهم. (^٢)\nويتم أحيانًا الإسجال لإحدهم على نصف كورة، فقد أسجل الخليفة الحكم المستنصر بالله لأصبغ بن محمد بن فطيس على نصف كورة ريَّة، وذلك في يوم الاثنين لخمس خلون من رمضان سنة (٣٦١) هـ (^٣) (يونيو (٩٧٢) م).\nكما يتم أحيانًا عقد ولاية لأحدهم على إحدى الكور إتقاء لشره، وهذا النمط برز بوضوح في عهد الأمير عبد الله بن محمد ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) فقد أسجل للب بن محمد بن لب بن موسى القسوي (^٤) على\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: أنطونية ص ٢٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ١١١.\n(^٣) - المصدر السابق، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٧٧.\n(^٤) - لُبّ بن محمد بن لُبّ بن موسى بن موسى بن فرتون بن قسي، وكان ولاء أسرته للخليفة الوليد بن عبدالملك وهي إحدى الأسر المتنفذة في الثغر الأعلى الأندلسي، ومنذ سنة ١٩٤ هـ بدأت هذه الأسرة تمردها ضد الإمارة الأموية، إلا أن العلاقة بين الطرفين تحسنت منذ سنة ٢٣٥ هـ، وبعد اغتيال محمد بن لب سنة ٢٨٥ هـ، سار ابنه لب على خطاه ثم أظهر الطاعة للأمير عبد الله بن محمد، فأسجل له على بعض أراضيه، واستمر لب في زعامته إلى أن قتل في إحدى المعارك ضد نصارى نافار سنة ٢٩٤. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٥٠٢. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٦١، ٣٠٧، ٣١٨ - ٣٢٧، ٣٢٨، ٣٣٥، ٣٣٨، والتعليق رقم ٣٣١. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٧، ١١٨. نصوص عن الأندلس، ص ٢٩، ٣٦، ٣٧ - ٣٨. البيان المغرب، ٢/ ١٣٩، ١٤١، ١٤٢، ١٤٣. السامرائي، الثغر الأعلى، ص ٢٨٩ - ٢٩٠، ٢٩٢، ٣٠٠ - ٣١٢، ٣١٦ - ٣٢١، ٣٢٢ - ٣٣٢. أبا الخيل، المرجع السابق، ص ١٨١ - ١٨٨.","vol":"1","page":329},{"text":"تطيله (^١) وطرسونة (^٢) وأعمالها اتقاء لشره وكفًا لأذاه (^٣).\n_________\n(^١) - تطيلة  Tudela  مدينة تقع على بعد ٧٨ كيلو متر إلى الشمال الغربي من سرقسطة، امتازت بطيب المناخ وخصوبة التربة وغزارة المياه، ومن أشهر أنهارها إبره، وتطيلة أقصى ثغور المسلمين، وقد اختطت في عهد الأمير الحكم الربضي بواسطة عمروس بن يوسف، والبلدة لا تزال تحتفظ بطابعها العربي المميز، وحتى القرى والأرياف المحيطة بها لها نفس الصفة، وتطيلة وتوابعها كلها الآن ضمن مقاطعة نبارة  Navarra.  انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٧٦. ابن غالب، تعليق منتقى، ص ٢٨٧. ذكر بلاد الأندلس ١/ ٧٤. الروض المعطار، ص ١٣٣. رحلة الأندلس، ص ٢٨٨. تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، ص ٦٩ - ٧٠.\n(^٢) - طرسونة  Tarazona  كانت مستقر العمال والقَّواد بالثغر. وبعد أن اتسعت تطيلة أصبحت طرسونة تابعة لها، والمسافة بينهما أثنا عشر ميلا. انظر: الروض المعطار، ص ٣٨٩.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: أنطونية ص ١٧.","vol":"1","page":330},{"text":"وبعد أن تمكن محمد بن عبد الرحمن التجيبي من قتل والي سرقسطة أحمد بن البراء في شهر رمضان سنة (٢٩٦) هـ (يونيو (٩٠٩) م) كتب التجيبي للأمير عبد الله بن محمد يذم عنده أحمد ابن البراء ويقدح فيه، ويسأله الإسجال له على سرقسطة وماحولها، فلبى الأمير طلبه لعجزه عن مواجهته أو مواجهة غيره (^١).\nكما أن الأمير عبد الله أسجل لمحمد بن عبد الكريم بن الياس (^٢) على بلده \"ورد\" من كورة شذونه، كفًا لشره (^٣).\nوإذا كانت حكومة قرطبة غير متأكدة من صدق ولاء من يريد الإسجال له على بلده، وفي الوقت نفسه لا تستطيع رده خائبًا، ففي هذه الحالة يتم أخذ أحد أولاد صاحب الطلب ليبقى رهينة بقرطبة مكرمًا معززًا، فالأمير محمد بن عبد الرحمن بعد أن أسجل لذي النون بن سليمان\n_________\n(^١) - المصدر السابق ص ٢١.\n(^٢) - محمد بن عبد الكريم بن الياس، ينتسب إلى قبيلة مغيلة من بربر البتر، كان والده من أنصار الدولة الأموية لكن بعد وفاة الأمير المنذر بن محمد أعلن عبدالكريم تمرده في محلته ورد، وقد أقره الأمير عبد الله بن محمد على محلته مكتفيًا منه: إعلان الطاعة، وبعد وفاة عبدالكريم نهج ولده محمد على خطاه، وسعى للفتنة، فراسله الأمير عبد الله وداراه، فأعلن الطاعة وأسجل له الأمير على بلده، وظل على حاله إلى أن استنزله عبد الرحمن الناصر وأسكنه قرطبة وأكرم منزلته وشرف فيها عقبه. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٤٩٩. المقتبس، تحقيق أنطونية، ص ٢٤. نصوص عن الأندلس ص ١١٣.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق أنطونيه، ص ٢٤.","vol":"1","page":331},{"text":"على بلده \"شنت بريه\" (^١) وقدمه على قومه، ارتهن منه بعض ولده وذلك سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) (^٢).\nوعندما يتم تعيين أحد الولاة عاملًا في إحدى الكور، لابد من إصدار ظهير له في هذه المناسبة من قرطبة، وقد حفظت لنا المصادر ظهيرًا أصدره الخليفة الحكم المستنصر بالله لأصبغ بن محمد بن فطيس في رمضان سنة (٣٦١) هـ (يونيو (٩٧٢) م) عندما ولاه على نصف كورة ريّة جاء فيه \"بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنما تستدام النعمة بشكرها، وتعرف النصيحة باستعمالها، وبالنصيحة تتفاوت منازل العبيد لدى ساداتها، وقد رأى أمير المؤمنين فيك رأيًا عظمت به عليك النعمة، فاسْعَ للمحافظة عليها بمقدار عقلك وكفايتك، أو بحسب نقصك وتدبيرك، فاستعن بالله وخذ بالرفق في أمرك، وقلة الرغبة في شأنك، واجتنب التحامل على رعيتك فإنها من حفي عناية أمير المؤمنين بموضع لايترك معه البحث عن أحوالها والكشف عن سيرتك فيها إن شاء الله، ورأى تقليدك شطر كورة\n_________\n(^١) - شنت بريه  Santaver  مدينة قديمة البناء، تقع شرقي قرطبة، مع الميل إلى الشمال، بينها وبين طليطلة سبعون ميلًا، امتازات بخصوبة الأرض، وهي قاعدة كورة سميت باسمها، وهي اليوم تعرف باسم  Albarracin  الواقعة في مديرية ترويل، انظر: ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٥٨، تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، ص ١٠٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٤١ - ٣٤٢.","vol":"1","page":332},{"text":"ريّه، وهي من أهم كور الأندلس عليه، برًا وبحرًا، وجباياتها وضياعها، فانظر أي خادم تكون، وشاكرًا للنعمة تظهر، إن شاء الله\" (^١).\nوكان عمال الكور وقادة الثغور، يقيمون في عاصمة الكورة أو الثغر، وهذه العاصمة تعرف باسم القاعدة (^٢) أو الحاضرة (^٣) أو القصبة (^٤).\nوبطبيعة الحال فإن قرطبة ومن ثم الزهراء والزاهرة، كانت تحوي وزارات إدارية ووزارات خدمات، وكل كورة في الأندلس هي مثل قرطبة ولكن على شكل مصغر، ففيها القاضي وصاحب الشرطة، وصاحب الصلاة، وصاحب السوق وغير ذلك من وظائف، والكورة ترتبط ببيت الوزراء الملحق بقصر الإمارة أو الخلافة، فهو الذي يعيِّن الولاة والعمال، وإليه ترد مكاتبات عمال الكور وقادة الثغور، والوزراء بدورهم يرفعون الأخبار بواسطة الحاجب للأمير أو الخليفة.\nوعندما تكون هناك غزوة ويتطلب الأمر حشد قوات من الكور، يتولى عمالها إخراج العدد المطلوب من المقاتلين (^٥)، كما أن هناك مكتب في حاضرة الكورة يتولى عملية تقدير الضرائب وجمعها وإرسالها لقرطبة، وكان يطلق على متولي شئون المال في الكورة اسم \"الأمين\" يساعده في\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٧٧.\n(^٢) - الروض المعطار، ص ٢٥.\n(^٣) - تعليق منتقى، ص ٢٩١.\n(^٤) - معجم البلدان، ١/ ٥١٨.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ١٧٦.","vol":"1","page":333},{"text":"ذلك المحصلون ومثمن المحصول، ومن هذه الأموال المجموعة يتم صرف أرزاق موظفي الكورة وجنودها، بينما يرسل الباقي والمسمى الفائض أو المستفاض إلى العاصمة قرطبة (^١).\nويبدو أن منصب عمالة الكور، كان فرصة للثراء العريض، وذلك من جراء سطو بعضهم على الأموال الواجب إرسالها إلى قرطبة، ولذا فأحيانا يتم إغرام بعض العمال عند عزلهم، فالأمير عبد الله بن محمد عندما عزل جهور بن عبد الملك البختي (^٢) من عمل كورة إلبيرة، أغرمه ثلاثة آلاف دينار (^٣).\nكما كانت أحيانًا تتم مقاسمة العمال أموالهم. وهذا ما كان يفعله الخليفة عبد الرحمن الناصر مع عماله (^٤).\n_________\n(^١) - الحلة السيراء، ١/ ٢٤١ والحاشية رقم ١.\n(^٢) - جهور بن عبد الملك بن جهور بن يوسف بن بخت الفارسي، جده الأعلى يوسف بن بخت هو أول من ولي الحجابة للأمير عبد الرحمن الداخل، ومنذ ذلك الحين استمر أبناء هذه الأسرة في المناصب ولذا فهي من الأسر الأندلسية الموالية للأسرة الأموية، وقد كان جهور عاملًا على إلبيرة لكن الأمير عبد الله بن محمد عزله عنها لتظلم الرعية منه وعندما عمد الأمير إلى مشاورة الوزراء من أجل إغرام جهور، دافعوا عنه إلا الوزير سليمان بن وانسوس، فإنه هجاه بثلاثة أبيات نالت إعجاب الأمير، فأمر بإغرام جهور ثلاثة آلاف دينار وقال \"ياسليمان لو زدتنا في الأبيات لزدنا الحمار في الغرم\" انظر: المقتبس، تحقيق د. محمود مكي ص ١٩٢ - ١٩٣. الحلة السيراء ١/ ١٦٠ - ١٦١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٩٢ - ١٩٣.\n(^٤) - البيان المغرب ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.","vol":"1","page":334},{"text":"ويظهر أن حكومة قرطبة على علم تام بما يختلسه العمال في الكور من الأموال، وأن وظيفة العمالة هي فرصة للإثراء، لأجل هذا نجد أن منصب العمالة يسند إلى أحدهم تعويضًا له عن هدية قدمها للأمير أو الخليفة (^١).\nوقد عرف عن بني أمية حرصهم الشديد على رعيتهم، ولذا فقد كان يتم إرسال بعض الثقات للثغور والكور لسؤال الناس هناك عن سيرة عمالهم وقادتهم فيهم، ومن ثبت عليه شيء يتم عزله ومعاقبته.\nفالأمير هشام الرضا كان يبعث بقوم يثق بهم من أهل العدل إلى كافة الكور والثغور سرًا يسألون الناس عن سير عمالهم (^٢)، وفعل مثل ذلك الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد أمر صاحب الرد عبد الملك بن منذر بن سعيد بالخروج إلى الكور الغربية شريش ولقنت وأشبيلية ولبله ومورور واستجة وشذونة لمطالعة رعايها والتعرف على أحوالهم والكشف عن سير عمالهم فيهم (^٣).\n_________\n(^١) - المصدر السابق ٢/ ٢٢٦.\n(^٢) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٢.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٠.","vol":"1","page":335},{"text":"وإذا قُدمت شكاوى ضد أحد العمال، جرى التحقيق في القضية، فإذا ثبتت الدعوى اقتص من العامل سواء استوجب الأمر عقوبة جسدية أو مالية إضافة إلى العزل عن المنصب (^١).\nوخطة العمالة من الخطط الهامة في الدولة، فكلما كان العامل حليمًا، عاقلًا، عادلًا، كلما عاد ذلك على الدولة بالاستقرار والأمان، إذ أن الرعية لا تتمرد غالبًا إلا بسبب جور العمال. ولأجل هذا فقد كان بيت الوزراء في قرطبة لا يختار للعمالة إلا الأكفاء ذوي المروءة، لكن الأمر تغير عندما أصبح الوزير هاشم بن عبد العزيز هو المدبر لدولة الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد عدل عن اختيار \"العمال من الكهول والشيوخ ومال إلى الأحداث وشاطرهم أرباحهم فكان العمال بذلك يسمون المناصفين ففسد بذلك الأمر (^٢) \" إذ أصبحت المسألة قائمة على ما يمكن أن نسميه بيع المناصب، فالعامل بدوره يشتط على الرعية في جمع الأموال لتعويض ما دفعه للوزير هاشم بن عبد العزيز وكل هذا على حساب الرعية، التي تضيق بالأمر، مما يؤدي بالنهاية إلى اندلاع حركات التمرد والعصيان، وهو ما شهدته الدولة الأموية ابتداء من منتصف القرن الثالث الهجري\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٤١ - ٣٤٢. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٥. ترتيب المدارك، ٤/ ٤٦٧. البيان المغرب، ٢/ ٢٨٣. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٢.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٧١.","vol":"1","page":336},{"text":"(التاسع الميلادي) واستمر الوضع حتى مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>خطة الكتابة:</span>\nحرص الأمويون في الأندلس على إيجاد إدارة حازمة تعمل على تسيير شئون دولتهم الإدارية والمالية، وقد عُرفت هذه الإدارة باسم \"الكتابة\" (^١).\nوهذه الإدارة هي أعلى أجهزة الدولة، وتقع عند الباب الرئيسي للقصر بقرطبة، والمعروف بباب السدة (^٢).\nوعندما تحدث ابن سعيد الأندلسي عن الخطط الأندلسية، ذكر أن خطة الكتابة تنقسم إلى قسمين، كاتب الرسائل، وكاتب الزمام (^٣).\nوقد عرف المكان الذي يعمل فيه كاتب الرسائل باسم ديوان الرسائل (^٤)، وكانت مهمة هذا الديوان هي إعداد وصياغة المكاتبات الرسمية التي تصدر عن الأمير أو الخليفة.\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.\n(^٢) - الحلة السيراء، ١/ ٢٥٣. ونظرًا لبناء الناصر والمنصور لمدينتي الزهراء والزاهرة، فقد انتقلت هذه الإدارة إليهما تباعًا، مثلها في ذلك مثل بقية أجهزة الدولة، ولكن منذ مطلع القرن الرابع الهجري عاد ديوان الرسائل مع بقية أجهزة الدولة إلى قرطبة وذلك بعد خراب الزاهراء والزاهرة.\n(^٣) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.\n(^٤) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٨٠.","vol":"1","page":337},{"text":"وصاحب ديوان الرسائل يُعد من أبرز موظفي الدولة ويعرف بكاتب الرسائل، ومن تولى هذا المنصب عند الأمويين أصبح له حظ في قلوب وعيون الأندلسيين، ومن أراد منهم تعظيمه وتكريمه فلا يخاطبه إلا باسم الكاتب (^١).\nلأجل هذا فقد كانت هناك شروط لابد من توافرها فيمن يلي هذه الخطة الشريفة، وهي أن يكون مسلمًا حسن الديانة سليم العقل، عالمًا بفنون الكتابة، حافظًا للقرآن الكريم والسيرة النبوية وأخبار العرب القدماء، حافظًا للأشعار، بليغًا، فصيحًا، وقورًا، مهيبًا، له معرفة عامة بعلوم النحو، محبًا للعلم، قادرًا على كتمان السر (^٢).\nفكاتب الرسائل يحتل أرفع المناصب، وربما يكون هو أقرب الناس للأمير أو الخليفة الأموي، مقدمًا على من سواه، مطالعًا له بأسراره التي يظن بها على أخص الأخصاء من الأقارب والوزراء، فهو الذي يتولى الإشراف على فض الرقاع والمراسلات الخاصة بشؤون الإدارة وترتيبها ليعرضها على الأمير أو الخليفة لأخذ رأيه فيها، وكتابة الردود التي استقر الرأي عليها مع إثبات تاريخ وصول الرسالة وتاريخ الرد عليها في سجل خاص (^٣)، وعليه فالكاتب هو \"لسان الملك عند الخاص والعام\" (^٤).\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.\n(^٢) - ابن منجب الصيرفي، ديوان الرسائل، ص ٩٤، ١٠٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٠٨، ١١٢.\n(^٤) - ابن أبي الربيع: سلوك المالك في تدبير الممالك، (طبع حجر بشكل جداول أو شجيرات، المطبعة الخاصة بجمعية المعارف، القاهرة ١٢٨٦ هـ) ص ١٢٦.","vol":"1","page":338},{"text":"من أجل هذا نجد أن الأندلسيين لا يكادون يغفلون عن عثرات كاتب الرسائل لحظة، فإن كان نقاصًا عن درجات الكمال لم ينفعه جاهه ولا مكانه من سلطانه من تسلط الألسن في المحافل والطعن عليه وعلى صاحبه (^١).\nوكان يعمل في ديوان الرسائل عدد من الكتَّاب والموظفين، الذين يشترط فيهم أن يكونوا من ذوي الكفاية العالية في فنون الكتابة، إضافة إلى إجادة كل منهم لعمل معيَّن في الديوان.\nفهناك كاتب مهمته ترتيب الكتب التي ستعرض على الأمير أو الخليفة وتلخيصها (^٢)، وكاتب مختص بكتابة مراسيم التعيين والأحداث الهامة التي تتلى على المنابر (^٣)، وكاتب مختص بمكاتبة الملوك (^٤)، وآخر لمكاتبة رجالات الدولة وولاتها (^٥).\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.\n(^٢) - ابن منجب، ديوان الرسائل، ص ١١٦، ١١٧.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١١٩.\n(^٤) - نفسه، ص ١٧٢، ١٧٩.\n(^٥) - نفسه، ص ١٣٠.","vol":"1","page":339},{"text":"ولابد أن يوجد في الديوان مكان خاص بحفظ السجلات والأوامر الصادرة عن ديوان الرسائل (^١)، وهذا المكان هو مايعرف بالوقت الحالي باسم \"الإرشيف\".\nومع التطور الكبير الذي شهدته الدولة الأموية في عصر الخلافة، واتساع المهام الواجب على كل جهاز من أجهزة الدولة القيام بها، نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر يصدر أوامره سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) بتوزيع أمور الخدمة السلطانية بين وزرائه، فقلَّد الوزير جهور بن أبي عبد ة النظر في كتب جميع أهل الخدمة، وقلَّد الوزير عيسى بن فطيس النظر في كتب أهل الثغور والسواحل والأطراف وغير ذلك، وقلَّد الوزير الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود والتوقيعات، وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك، وقلَّد الوزير محمد بن حدير النظر في مطالب الناس وحوائجهم، وتنجيز التوقيعات لهم (^٢). ولا يصل أحد إلى خطة الكتابة إلا بعد اجتيازه لاختبار يمر به، فإن أثبت كفاءته نال المنصب، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما أراد تقديم حامد الزجالي (^٣)\n_________\n(^١) - نفسه، ص ١٣٨، ١٣٩.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٠.\n(^٣) - هو حامد بن محمد بن سعيد الزجالي، ورث مكان والده في الأدب والمعرفة والكتابة والبلاغة، كان كاتبًا، وزيرًا، أديبًا، حليمًا، عفا، جميل الخصال، إلا أنه كان يعاب بالبخل، مما عرضه للهجاء، وقد مكث حامد في خطته حتى توفي سنة ٢٦٨ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٨٣ - ٨٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٢، ٣٦ - ٣٨.","vol":"1","page":340},{"text":"لخطة الكتابة، أمر بإدخاله إلى المكان المخصص للكتَّاب، ثم أمره بأن يكتب كتابًا على لسانه لأحد رجاله في الثغر يحذره من أحد المناوئين، فلما استحسن الأمير ما رفعه إليه حامد، أمر أن يوضع له فراش مع الوزراء (^١).\nمن هذه الحادثة يتضح لنا أيضًا أن الكاتب يحمل لقب \"وزير\" فيقال له \"الكاتب الوزير\" وبطبيعة الحال له من المميزات مثل ما للوزير إضافة إلى طبيعة عمله وهو الكتابة.\nولم يتخذ الأمويون كاتبًا خاصًا لهم في بداية أمرهم، فالكاتب الموجود في بيت الوزراء يكتب للأمير الأموي متى ما دعت الحاجة إلى ذلك، لكن هذا الرسم تغير منذ عهد الأمير عبد لرحمن الأوسط، فقد اتخذ كاتبًا خاصًا به لا يكتب لأحد غيره، وأول من نال هذا المنصب محمد بن سعيد الزجالي (^٢)، وبذلك ظهر رسم جديد في الدولة أن للأمير أو الخليفة الأموي كاتب خاص، وللوزراء كاتب خاص بهم.\nوالكاتب الخاص هو المعروف في الدولة الأموية بالأندلس بصاحب القلم الأعلى، أو \"صاحب قلم بني أمية الأعلى وكاتبهم العظيم (^٣) \"\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٨٤ - ٨٥.\n(^٢) - محمد بن سعيد بن أبي سليمان الزجالي وصف بأنه كان ذكيا، مشهورًا بالحفظ، ولذا فقد لُقِّب بالأصمعي، ويعتبر محمد هو باني مجد الزجاجلة في الأندلس توفي سنة ٢٣٢ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١ - ٣٦.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٨٣.","vol":"1","page":341},{"text":"ولا يمكن أن يصل إليه إلا من كان مسلمًا، ولأجل هذا فعندما أصيب عبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد (^١) بعلة أقعدته عن ممارسة مهام صاحب القلم الأعلى، وذلك في سنة (٢٤٠) هـ (٨٥٤ م) تقريبًا، قام قومس بن أنتنيان بأعمال عبد الله بن أمية، فلما توفي ابن أمية، قال الأمير محمد \"لو أن قومسًا كان مسلمًا ما استبدلناه\" ولأجل هذا بادر قومس إلى إعلان إسلامه والإشهاد على ذلك، فولاه الأمير خطة الكتابة (^٢).\nوما كان الأمويون يتسامحون في أمر من أمور الكتابة، فهناك رسوم على الجميع التقيد بها، وهي أن يُحكِمْ الكاتب \"الخط، فيقيم حروفه، ويراعي المداد فيجيد صنعته، ويميز الرقَّ فيحسن اختياره، وعجزه الحزم النافذ والحُكم الصَّادع، بأن تكون صدور كتب الاعتراضات وعنواناتها وتواريخها والأعداد في رؤوس رسومها\" (^٣).\n_________\n(^١) - عبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد بن عبد الرحمن ابن أبي جوثرة، مولى معاوية بن مروان بن الحكم، جده أمية دخل الأندلس في طالعة بلج، وتولى مهمة الكتابة للأمير عبد الرحمن الداخل، وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كان عبد الله بن محمد بن أمية يتولى منصب ولاية العرض، ثم تولى الوزارة والكتابة للأميرين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد. وأسرة أمية بن يزيد هي من الأسر التي وصفت بالنجابة واستحوذ أبناؤها على خطة من خطط الدولة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١، والتعليق رقم ١٠٠. الحلة السيراء ٢/ ٣٧٣.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٨٢.\n(^٣) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ١٠٦.","vol":"1","page":342},{"text":"ولا يعفى أحد من ولاة الكور وقادة الثغور من اتباع هذه الرسوم، فمن أرسل كتابًا إلى بيت الوزراء بقرطبة في رقٍ رديِّ، أو مداد دنيٍّ، أو كان خطه غير جيد، أو في عبارته لحن، وما شاكل ذلك، فلا ينظر في طلبه، بل سيعاقب بالعزل وإغرام المال (^١).\nوقد كانت هناك أنواعًا عدة من الكتب تصدر عن حكومة قرطبة، تباينت أغراضها مابين أمان (^٢)، وتولية (^٣)، وفتح (^٤)، وهدم (^٥)، واستنزال عصاة (^٦)، وتنديد بأهل البدع (^٧)، وكتب استسقاء (^٨)، وإسقاط بعض المغارم (^٩)، واستنفار للجهاد (^١٠)، ومنح ألقاب (^١١) واتخاذها (^١٢)، وكتب\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ١٠٧.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا. ص ٤٠٥.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧٧، ١١١ - ١١٤.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٢٦ - ٢٣١.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ٢٣٢ - ٢٣٧.\n(^٦) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٧٨ - ١٨١.\n(^٧) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥ - ٢٩.\n(^٨) - نفسه، ص ٢٥١ - ٢٥٢.\n(^٩) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢٠٧.\n(^١٠) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٤٣٣.\n(^١١) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٦٩.\n(^١٢) - الحلل الموشية، ص ٣١ - ٣٢.","vol":"1","page":343},{"text":"صلح (^١)، وهذه الكتب بمجرد صدورها تُحمَلْ للوزير الكاتب ليثبتها في السجلات (^٢).\nوخطة الكتابة متوارثة في الدولة الأموية شأنها في ذلك شأن بقية الخطط، فالأمويون يحرصون على وضع خطط دولتهم بأيدي أبناء أسر معينة، فإذا توفي صاحب الخطة، نظروا في ذريته، واستقدموا أحدهم ليليها مكان أبيه، حتى وإن كان ذلك الولد لا يملك ما يؤهله لتوليها، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن، فبعد وفاة كاتبه عبد الله بن أمية استدعى ولده عبد الملك بن عبد الله (^٣)، وولاه الكتابة ورغم إقرار عبد الملك للأمير بالعجز عن الكتابة، إلا أن الأمير أمره بتقلدها ونصحه بالاستعانة بمن يثق به، لقاء رزق يجرى له، حتى يتقن عبد الملك الكتابة (^٤).\nويُعد أمية بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي حوثرة، مولى معاوية بن مروان بن الحكم باني مجد بيت آل أبي حوثرة في الأندلس، فقد دخل أمية الأندلس مع طالعة بلج بن بشر القشيري، ثم تولى الكتابة للأمير\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١١٤ - ١١٥.\n(^٢) - البيان المغرب، ٣/ ٤١.\n(^٣) - لقد حاول الوزير هاشم بن عبد العزيز الحيلولة دون تولي عبد الملك هذا المنصب الرفيع إلا أن الأمير محمد أعرض عنه، مما عُدَّ من كريم أفعاله. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٣ - ١٤٤. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٤ - ١٤٥.","vol":"1","page":344},{"text":"عبد الرحمن الداخل منذ وقت مبكر (^١)، واستمر في منصبه حتى توفي سنة (١٥٤) هـ (^٢) (٧٧١ م)، وتولى ولده محمد بن أمية الكتابة للأمير هشام الرضا حتى وفاته، وكذلك السنوات الأربع الأولى من عهد الأمير الحكم الربضي، لكنه عزله لاتهامه إياه بالوقوف ضده مع عمه سليمان بن الأمير عبد الرحمن الداخل (^٣)، فمات محمد بن أمية خاملًا سنة (٢٢٦) هـ (^٤) (٨٤١ م) وتولى ابنه عبد الله الكتابة للأميرين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد (^٥)، وظل في منصبه إلى سنة (٢٤٠) هـ (٨٥٤ م) ثم أصيب بمرض أقعده حتى وفاته سنة (٢٤٦) هـ (^٦) (٨٦٠ م).\nثم تولى الكتابة ابنه عبد الملك للأمير محمد، وذلك سنة (٢٦٨) هـ (٨٨١ م) وأقره عليها الأمير المنذر وفي عهد الأمير عبد الله جمعت لعبد الملك القيادة مع الكتابة والوزارة، وظل في منصبه حتى قتله غدرًا المطرف بن الأمير عبد الله بالقرب من اشبيلية، وذلك سنة (٢٨٢) هـ (^٧) (٨٩٥ - (٨٩٦) م) وكان مروان ابن عبد الملك يخلف أباه على الكتابة عند\n_________\n(^١) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١.\n(^٣) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ٣١.\n(^٥) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١.\n(^٧) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١٠ - ١١١. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤.","vol":"1","page":345},{"text":"غيابه، إلا أنه اتهم بالقدح بالأمير عبد الله، فحبس بالمطبق ثم قتل ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٢٨٤) هـ (^١) (سبتمبر (٨٩٧) م).\nومثل بيت ابن أبي حوثرة، لدينا بيت الزجاجلة (^٢)، فقد توارثوا خطة الكتابة في الدولة الأموية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى أواخر عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، باستثناء عدة سنوات ابتداءً من سنة (٣٠٢) هـ (٩١٤ - (٩١٥) م) وهي السنة التي توفي فيها الكاتب الوزير عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي، حيث لم يبرز أحد\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٢٢. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٤.\n(^٢) - بيت الزجاجلة، من بني يطفت من نفزة، دخل أولهم الأندلس أيام الفتح، واستقروا مع البرابر النازلين بمدينة تاكرنا من كورة رندة، بدأت نباهة هذا البيت على يد محمد بن سعيد بن أبي سليمان وارشكين المعروف بحمدون والشهير بالأصمعي لذكائه وقوة حفظه، وذلك عندما استكتبه الأمير عبد الرحمن الأوسط واستخصه. وقد توارثت ذرية الأصمعي خطة الكتابة فقد تولى حامد بن محمد بن سعيد الزجالي الكتابة ثم الوزارة للأمير محمد بن عبد الرحمن. ومن ثم جاء عبدالله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي، فتولى خطتي الكتابة والوزارة للأمير عبدالله بن محمد ولحفيده عبد الرحمن الناصر، وأما محمد بن عبد الله الزجالي فقد تولى الوزارة لعبد الرحمن الناصر، وفي ٣١٩ هـ قدم الخليفة عبد الرحمن الناصر عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الزجالي لعدة مهام إلى أن ولاه منصبي الوزارة والكتابة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٢ - ٣٨، والتعليقات أرقام ١٠٥، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٣. المغرب في حلى المغرب، ١/ ٣٣٠ - ٣٣١. أمثال العوام في الأندلس، مقدمة المحقق ص ٧ - ١٢.","vol":"1","page":346},{"text":"من بيت الزجالي، حتى عادت إليهم الكتابة بعبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الزجالي سنة (٣٢٩) هـ (٩٤١ م) وكان عبد الرحمن هذا هو أخر من ورد ذكره من أفراد أسرته، ومن بعده لانسمع لهذه العائلة أي ذكر في خطة الكتابة في الدولة الأموية (^١).\nولعل أشهر من تولى الكتابة في الدولة الأموية على الإطلاق هو الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد اختبره جده الأمير عبد الله بن محمد عندما أمره أن يكتب كتابًا لأحد عماله بأمر هام، ويبدو أن عبد الرحمن قد أصاب بغية جده، الذي لم يخف سروره بنبوغ حفيده، فاتخذه كاتبًا لسره (^٢).\nونظرًا لأن الفتنة التي اندلعت في مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) قد عصفت بالدولة الأموية، وأثرت على كافة أجهزتها، فقد كانت الكتابة من بين تلك الأجهزة التي تأثرت بها، إذ أصبح يرتقي إليها من لا يفقه فيها شيئًا، وقد وصف ابن حيان أحد أولئك الكتبة فقال فيه \"ونعي إلينا فلان الدغل، غازله السِّل، كالأفعوان الصِّل، وكان أحد أعاجيب الدنيا في الفجور والخبث، والزهو والكبر، والعقوق\n_________\n(^١) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١ - ٣٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: انطونيه، ص ٣٩، ٤٠ وكان عبد الرحمن في ذلك الوقت دون العشرين من عمره.","vol":"1","page":347},{"text":"والجرأة، .... وكان إذا كتب مضطرًا يضحك من تأمله، له في ذلك نوادر محفوظة، أمسى بها من حُجج الله تعالى في الرزق المقسوم\" (^١).\nوقال في وصف كاتب أخر \"وفلان ساذج الكتابة، بيِّن الجهل والتخلف، طلق اللسان بالخنا والهجر، أحد الأفسال من أولي النباهة، عظيم البطالة والباطل، ومن كل حلية جميلة عاطل، من رجل عيّ اللسان، مثلوم الجنان، فدم الخلقة، طويل اللحية متهافت، لم يُرهف الأدب طباعه، ولا استخرج من كلمة حكمة (^٢) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-38>كاتب الزمام:</span>\nوبعد أن عرفنا كاتب الرسائل فإن الكاتب الأخر هو كاتب الزمام، هكذا يعرفون كاتب الجهبذة (^٣)، وهذه الوظيفة من الوظائف المهمة في أي دولة، إذ أن متوليها يشرف على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج، ويقوم بإحصاء العساكر بأسمائهم، وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في أوقاتها (^٤).\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ١ م ٢ ص ٥٩٣.\n(^٢) - المصدر السابق ق ١ م ٢ ص ٥٩٥.\n(^٣) - نفح الطيب ١/ ٢١٧، والجهبذ هو الشخص المتخصص في الشئون المالية النقدية، وقد عرفه ابن مماتي بأنه كاتب مهمته استخراج الأموال وقبضها وكتب الوصولات بها. انظر: الأسعد بن مماتي، قوانين الدواوين، (جمع وتحقيق: عزيز سوريال عطية. القاهرة، الجمعية الزراعية الملكية، ط الأولى، ١٩٤٣ م) ص ٣٠٤.\n(^٤) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٧٥.","vol":"1","page":348},{"text":"ويتضح من ذلك أن كاتب الزمام يعتمد في عمله على الاحتفاظ بسجلات من كافة إدارات الدولة، تحتوي على بيانات دقيقة عن الواردات والمصروفات، ليتمكن بالتالي من تقييم الموازنة بينهما.\nويعمل مع كاتب الزمام عدد من الموظفين المهرة في الأمور الحسابية، ويعرف المكان الذي يباشرون فيه أعمالهم، تحت إشراف رئيسهم كاتب الزمام باسم الديوان (^١)، كما أن رئيس الديوان يعرف أحينًا باسم \"صاحب الأعمال الخراجية\" (^٢).\nوقد تبوأ كاتب الزمام مكانة سامية في الدولة الأموية في الأندلس، حتى أنه كان يعد أعظم من الوزير، ولأجل هذا فقد حرص الأمويون على ألاَّ يلي هذا المنصب نصرانيًا ولا يهوديًا البتة، ذلك أن متوليه \"إليه تميل الأعناق، ونحوه تمد الأكف، والأعمال مضبوطة بالشهود والنظار، ومع هذا إن تأثلت حالته، واغتر بكثرة البناء والاكتساب نُكب وصودر. وهذا راجع إلى تقلب الأحوال وكيفية السلطان\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>خطة البريد:</span>\nرغم شح المصادر الأندلسية، التي تمكنت من الاطلاع عليها، فيما يتعلق بالبريد وتنظيمه في الدولة الأموية بالأندلس، إلا أن هذا لا يمنع من القول بأن البريد عند الأمويين في الأندلس، كان منظمًا تنظيمًا دقيقًا،\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٦٧٥.\n(^٢) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.\n(^٣) - المصدر السابق، ١/ ٢١٧.","vol":"1","page":349},{"text":"يكفل ضمان تسيير الأمور والمعاملات، ويجعل ولاة الأمر على اطلاع تام بأحوال دولتهم ورعاياهم. وبناءً على التشابه المتوقع في نظام البريد لدى الأمويين في الأندلس، والعباسيين ببغداد، لأجل هذا فسأستعين بنظام البريد هناك لتكوين صورة تقريبية عما كان عليه عند أمويي الأندلس.\nفالبريد هو أن تكون هناك خيل مضمرات في عدة أماكن، فإذا وصل صاحب الخبر المسرع إلى مكان منها، وقد تعب فرسه، ركب غيره فرسًا مستريحًا حتى يصل مسرعًا (^١).\nوهذا ما فسره أحدهم بقوله \"إن كلمة بريد مأخوذة من الكلمة اللاتينية \"  Veredus\"  أي الدابة التي يركبها العامل في نقل مكاتبة من مكان لأخر، فالبريد في الأصل اسم الدابة التي يركبها العامل، ثم نقلت مجازًا إلى المسافة المقطوعة، فهو عندهم كذلك واستعملت للنظام كلمة كمصلحة البريد\" (^٢).\n_________\n(^١) - د. حسن إبراهيم حسن، النظم الإسلامية، (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط الأولى، ١٣٥٨ هـ/١٩٣٩ م) ص ٢٥٤.\n(^٢) - د. نظير حسان سعداوي، نظام البريد في الدولة الإسلامية، (القاهرة، مكتبة مصر بالفجالة، ١٣٧٢ هـ/ ١٩٥٣ م) ص ١٩.","vol":"1","page":350},{"text":"وعلى ذلك، فإن كلمة بريد تعني مسافة معلومة بين مركزي بريد، قدرها الفقهاء وعلماء المسالك والممالك بأنها أربعة فراسخ أو أثنى عشر ميلا (^١)، وهذه مسافة البريد المعمول بها في المغرب (^٢).\nوكان البريد قد انقطع في الأندلس أواخر عصر الولاة (^٣)، وذلك بسبب القحط الذي تعرضت له البلاد عدة سنوات والتي عرفت بسني برباط (^٤)، ولم يتم إعادة تنظيم البريد في الأندلس مرة أخرى إلا بعد أن تمكن الأمير عبد الرحمن بن معاوية من إقامة الدولة الأموية في الأندلس، فقد بنى دارًا خاصة بالبريد، كانت تقع في صدر السوق على الجانب الغربي لقصر الإمارة بقرطبة (^٥).\n_________\n(^١) - الشيخ عبد الحي الكتاني، نظام الحكومة النبوية، المعروف بالتراتيب الإدارية، (بيروت، دار الكتاب العربي. د. ت) ١/ ١٩١.\n(^٢) - نظام البريد في الدولة الإسلامية، ص ٢١.\n(^٣) - أخبار مجموعة ص ٦٩.\n(^٤) - أبتليت الأندلس في عهد واليها يوسف الفهري بقحط شديد استمر من سنة ١٣١ - ١٣٦ هـ، فهرب الكثير من الأندلسيين إلى طنجة وأصيلا وريف البربر، وجاء مرورهم إلى هذه الديار من خلال وادي برباط الذي انعكس اسمه على تلك السنين. انظر: أخبار مجموعة ص ٦١ - ٦٢، البيان المغرب ٢/ ٣٧ - ٣٨، ١١٨. ونهر برباط \"  Rio Barbate\"  ينبع من البحيرة الواقعة بالقرب من الجزيرة الخضراء والبحيرة تعرف اليوم باسم  Una De La Janda LAG  انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي تعليق رقم ٥١١.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٦٦.","vol":"1","page":351},{"text":"ولنا أن نتوقع اهتمامًا جادًا من الأمير عبد الرحمن الداخل بالبريد بعد أن أوجد دارًا خاصة به، الأمر الذي كفل له سرعة وصول الأخبار إليه من كافة أرجاء دولته، ويكفي للدلالة على نجاحه في هذه الخطوة، أن والي الجزيرة الخضراء الرماحس بن عبد العزيز عندما أعلن عصيانه على الأمير عبد الرحمن الداخل سنة (١٦٤) هـ (٧٨٠ م) وصل الخبر بسرعة كبيرة لقرطبة، فقد أعلن الرماحس عصيانه يوم الاثنين وبلغ خبره الأمير عبد الرحمن يوم الجمعة (^١)، وطبيعي أن في سرعة وصول الخبر لقرطبة دليل على التنظيم الجيد للبريد.\nوقد أفاد الأمير الحكم الربضي من البريد المنظم في الدولة الأموية، وتجلى ذلك في سرعة تصديه لحركات التمرد ووأدها وهي في المهد (^٢).\nويبدو أن الدولة الأموية قد أولت البريد عناية فائقة، بالذات بعد أن تعرضت دولتهم لهجمات الغزاة النورمانديين في سنة (٢٢٩) هـ (^٣) (٨٤٤ م)، حتى إذا عادوا مرة أخرى لغزو الأندلس سنة (٢٤٧) هـ (٨٦١ م) لم يجدوا غرة ليفعلوا بالمسلمين كما فعلوا بهم في المرة السابقة (^٤)، وذلك لما عُرف عن الأمير محمد بن عبد الرحمن من اهتمام\n_________\n(^١) - نصوص عن الأندلس، ص ١١٧ - ١١٨، أخبار مجموعة ص ١١٢.\n(^٢) - انظر: أخبار مجموعة، ص ١٢٩، ١٣٠، ١٣١ - ١٣٢.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٧٨. غارات النورمانديين على الأندلس، ص ٣١.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١١.","vol":"1","page":352},{"text":"شديد بأخبار السواحل، حتى أن خشبة ظهرت بالقرب من ساحل بجانة بلغ الأمير محمد خبرها وطولها وعرضها (^١).\nوقد ظلت دار البريد التي بناها الأمير عبد الرحمن الداخل في مكانها، ولم يجدد مبناها، إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد تعرضت لحريق أتى عليها وعلى ما جاورها من السوق وذلك في العشرين من شهر رمضان سنة (٣٢٤) هـ (^٢) (١٢ أغسطس (٩٣٦) م) فأعاد الخليفة بناءها وفق رسم أعده بنفسه، وأمر أن ترفع فوقها علية، لتقيها من الأضرار من مطر وغيره (^٣).\nوفي عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله جرى نقل دار البريد من موقعها فقد أصدر أوامره في يوم الأحد (٢٠) من شهر المحرم سنة (٣٦١) هـ (نوفمبر (٩٧١) م) بنقل دار البريد من موقعها بجانب القصر، إلى دار الزوامل الواقعة بالمصارة في طرف قرطبة (^٤).\nوالبريد لم يكن آنذاك لخدمة الجمهور، يحمل رسائلهم ووصاياهم، وإنما كان خاصًا بأعمال الدولة، كما أن صاحب البريد كان يراقب العمال ويتجسس على الأعداء، وهو بذلك أشبه مايكون بقلم المخابرات في الوقت الحالي، وقد كانت مهمة صاحب البريد أول الأمر توصيل\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(^٢) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٣٨٣.\n(^٣) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٤) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩٦.","vol":"1","page":353},{"text":"الأخبار إلى ولي الأمر من عماله في الأقاليم، ثم توسعت مهامه حتى أصبح عينًا لولي الأمر، ينقل أمره إلى ولاته، كما ينقل أخبارهم إليه (^١).\nوهذا ما كان مطبقًا لدى الأمويين في الأندلس، فالأمير الحكم الربضي وصل إليه خبر وفاة قاضي الجماعة المصعب بن عمران، بنفس الليلة التي توفي بها، حتى أن بعض من كان معه في القصر لم يعرف بخبر وفاة القاضي (^٢).\nوعندما حاول عباس بن عبد الله المرواني التشكيك في نزاهة قاضي الجماعة محمد بن بشير لدى الحكم الربضي، طلب الأمير من ذلك المرواني الذهاب للقاضي في داره فإن أذن له فسيعزله عن منصبه، وبعث خلفه بأحد ثقاته ليأتيه بما يجري بين القاضي والمرواني (^٣).\nوكان من بين عيون الأمير محمد بن عبد الرحمن شرحبيل الزامر يأتيه بأخبار المجالس التي يتواجد فيها (^٤)، في حين أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان على علم بكل ما يدور في المجالس والأسواق، بسبب كثرة ثقاته الذين بثهم بين الناس لهذه المهمة (^٥).\n_________\n(^١) - النظم الإسلامية، ص ٢٥٥.\n(^٢) - أخبار مجموعة، ص ١٢٦.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٢٨.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٩ - ١٥١.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":354},{"text":"وعندما أوصل البريد للخليفة الحكم المستنصر بالله خبر تجاوزات بعض عماله، أرسل إليهم كتابًا عنفهم فيه على جرأتهم وحذرهم من مغبة جورهم (^١).\nوفي الدولة الأموية لم يكن صاحب البريد يعنى فقط بالأخبار التي تمس سياسة الدولة، بل كان يبلِّغ ماعدا ذلك من النوادر، مثل قصة الخشبة التي رُفع خبرها للأمير محمد بن عبد الرحمن، وكذلك ما حدث في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، عندما رُفع إليه خبر الصبي المتفاوت الخلق، فقد أحضره فائق صاحب البرد والطراز عنده بالزهراء، ثم أوصله إلى الخليفة الذي استقبله مرتين، كانت الثانية منهما بحضور ولي العهد وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٣٦٠) هـ (^٢) (أكتوبر (٩٧١) م).\nوالخبران الأخيران، سواء عن الخشبة أو الصبي، يدلان على دقة عمال البريد في استقصاء الأخبار ورفعها بتفصيلاتها لولي الأمر، ليصدر في شأنها ما يراه مناسبًا، ولكن هذا لا يعني قبول كل الأخبار المرفوعة إلى الحاكم الأموي بدون تمحيص، فالأمير محمد بن عبد الرحمن كانت ترفع إليه كتب كثيرة عن بعض رجال دولته، حتى لقد رفع إليه ضد وزيره هاشم بن عبد العزيز مائة كتاب، كل واحد منها يكفي لقتله، إلا أن الأمير لم يأخذ بها، وفي الوقت نفسه لم يعاقب من رفعها إليه، أو حتى\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٩.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٦٢ - ٦٣.","vol":"1","page":355},{"text":"يقطع مكافأته، لأنه إن فعل ذلك، أحجم الباقون عن رفع الأخبار إليه، فتعمى عليه أحوال الناس (^١).\nولعل من الضروري أن يكون لعمال البريد علامة تميِّزهم عمن سواهم، وذلك تيسيرًا لهم في أداء مهامهم، فقد كانت علامة عمال البريد عند العباسيين وجود قطعة فضة بقدر الكف، يعلقها العامل على كتفه، ويكتب على إحدى صفحتي هذه القطعة \"البسملة واسم الخليفة وعلى الصفحة الأخر ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (^٢).\nويستخدم عمال البريد الخيول، ويجعل في أعناقها جلاجل أو سلاسل إذا تحركت سمعت لها قرقعة، تعرف عندهم بقرقعة البريد (^٣)، وتجعل المراسلات في أكياس من الجلد توضع على ظهور الدواب (^٤).\nوبطبيعة الحال فإن ديوان البريد وصاحبه، ومن يعمل معه من العمال والموظفين، سواء في قرطبة أو بقية الكور والثغور، هم بحاجة إلى نفقات تقوم بشؤونهم، فبالإضافة إلى رزق كل منهم، والذي يجب أن يكون مغنيًا لهم عن التطلع لما في أيدي الآخرين، هناك نفقات المحطات\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٧ - ١٤٨. لأجل ذلك فإن على ولي الأمر عدم التسرّع في قبول الأخبار المرفوعة إليه، كما يجب عليه استعمال الثقات الأمناء.\n(^٢) - من الآية رقم ٤٥، سورة الأحزاب. التراتيب الإدارية، ١/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(^٣) - جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي (القاهرة، مطبعة الهلال، ١٩٠٢ م). ١/ ١٨٢.\n(^٤) - سعداوي، نظام البريد في الدولة الإسلامية، ص ٧٩.","vol":"1","page":356},{"text":"البريدية المقامة بين قرطبة وبقية نواحي الدولة الأموية، وكذلك نفقات شراء الدواب وما يلزمها من علوفة ونحوها، ورغم صمت المصادر الأندلسية عن ذكر أي ميزانية للبريد، إلا أننا نتوقع أنها لم تكن بالشيء اليسير، خاصة إذا عرفنا أن الدولة الأموية أصبحت متسعة الأطراف بالذات في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إذ أصبح بر العدوة المغربية ضمن سلطة الخلفاء الأمويين في ذلك القرن، ففي أواخر شهر ذي القعدة سنة (٣٦٢) هـ (سبتمبر (٩٧٣) م) أمر الخليفة الحكم المستنصر بالله في رسالة بعث بها إلى الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن الناصري، المتواجد مع الجيوش الأموية في المغرب رسالة ضمنها أمره للقائد بأن ينظم البريد، ويتخذ الدواب، وأن يأمر الخازن قبله بإجراء العلوفة على الدواب والنفقات على الفرانقيين والخدمة (^١)، الأمر الذي يكفل سرعة وصول الأخبار إلى الخليفة.\nوقد كانت مكاتبات الدولة الرسمية المرسلة إلى قرطبة، تصل كلها إلى ديوان البريد في حين أن التقارير المرفوعة من أصحاب البريد، فإنه نظرًا لسريتها، فإنها تصل إلى الأمير أو الخليفة مباشرة، وقد كان ديوان البريد في قرطبة وما يتبعه من مراكز بريديه في الكور والثغور وطرق البريد، تضم عددًا كبيرًا من الموظفين والعمال على رأسهم صاحب البريد،\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٣٦.","vol":"1","page":357},{"text":"والذي يشغل أحيانًا خطة أخرى مع خطته، ولعل الفتى فائق الصقلبي صاحب البرد والطراز كان أشهرهم (^١).\nونظرًا لأهمية منصب \"صاحب البريد\" فقد كان يُشترط في متوليه أن يكون أهلًا للثقة، كتومًا للسر، إذ أنه يطلع على أخبار ليس من اليسير أن يطلع عليها غيره.\nوصاحب البريد يشرف على استلام كل ما يرد إلى ديوان البريد من مكاتبات تأتي من الكور والثغور، والديوان بدوره يوزعها على بقية دواوين الدولة، كما أن صاحب البريد يقوم بمراقبة عمال البريد وموظفيه، سواء منهم من كان يعمل في قرطبة أو بقية النواحي، كما أن عليه دفع أرزاقهم.\nولابد أن هناك أوقاتًا محددة لسير البريد في الأوقات العادية، لأجل هذا فعلى صاحب البريد مراعاة ذلك، فالأمير أو الخليفة الأموي كان شديد الحرص على معرفة أخبار الثغور والكور والسواحل في دولته، وقد بلغ الأمر بالأمير محمد بن عبد الرحمن أنه عندما تأخر عليه خبر الثغر، استدعى أحد رجاله ويدعى مطرف بن نصير (^٢)، وأمره أن يذهب إلى الثغر ويأتيه بالخبر اليقين عما أهمه، وضرب له أجلًا لأداء مهمته، مدته أربعة عشر يومًا وتوعده بسفك دمه إن هو تجاوزها (^٣).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٦٦.\n(^٢) - عن مطرف بن نصير: انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، التعليق: رقم ٣٣.\n(^٣) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ١٣٢ - ١٣٣.","vol":"1","page":358},{"text":"كما أن على صاحب البريد التفقد الدائم لطرق البريد وحفظها من اللصوص، ومناقشة احتياجات محطات البريد المنتشرة على تلك الطرق.\nوعندما يقع اختيار الأمير أو الخليفة على أحد ثقاته ليلي خطة البريد، فإنه يكتب له ظهيرًا لاستلام هذه الخطة يوصيه فيه بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، وألا يرفع إليه إلا الصدق، وألا يستعين بأحد في أداء عمله إلا بمن يثق بصناعته، وورعه، ونزاهته.\nثم يتطرق الظهير إلى صلاحيات صاحب البريد، فهو مراقب لعمال الخراج والضياع، مستقصيًا لأخبارهم، منهيا لها على الحق والصدق، ويتعرف على حال عمارة البلاد، وما يجري في أمور الرعية من الإنصاف والجور، كما أن عليه أن يتعرف على أحوال الحكام في أحكامهم، وحال دار الضرب وما يجري عليه مما يُضرب فيها من العين والورق، وأن يبث العيون في المجالس لمعرفة ما يجري فيها، وأن يحصي أسماء المرتبين لديه لحمل خرائط البريد، مبينا رزق كل منهم، وعدد السكك في جميع عمله وأميالها ومواضعها، وأن يحث رجاله بضرورة الإسراع بوصول البريد، وإثبات وقت مروره بكل موقع، على أن يُكتب كل غرض من هذه الأغراض في سجل خاص، فأخبار القضاة في سجل، وعمال المعاون والأحداث في سجل، وأخبار الخراج في سجل، وهكذا كل غرض في كتاب، لكي لا يكون هناك تداخلًا في الأعمال.","vol":"1","page":359},{"text":"وفي نهاية الظهير وصية لصاحب البريد بالتمسك بالعهد الذي أخذه عليه ولي أمره، الذي يدعو لعامله بالتوفيق (^١).\nبقي أن أشير إلى أن بعض المصادر الأندلسية قد تعرضت لذكر بعض من كان يعمل في البريد لدى الأمويين في الأندلس، فقد ذكرت \"الرقاص\" والرقاص عند الأندلسيين والمغاربة هو ساعي البريد (^٢)، ويبدو أنه اكتسب هذا اللقب من سيره على قدميه، كما ورد مصطلح \"عرفاء أصحاب الرسائل (^٣) \" ومن هذا المصطلح يتضح لنا أن لكل مجموعة من العاملين في خطة البريد \"عريف\" يكون مسئولًا عن مجموعته، كما ورد مصطلح \"كتاب الفُرانقين (^٤) \" والفرانقيون (^٥) هم الذين يقومون بملاحظة سير السعاة والخيالة وحالة المحطات، فهم أشبه بالمفتشين، وعلى جميع الفرانقيين تقديم تقارير مفصلة عن كل مايحدث في خطوط البريد ومحطاته إلى ديوان البريد بقرطبة، كما أن من واجبهم إصدار الرسائل إلى الكور\n_________\n(^١) - قدامه بن جعفر، الخراج وصناعة الكتاب، (شرح وتحقيق: د. محمد حسين الزبيدي، بغداد، وزارة الثقافة والأعلام، ١٩٨١ م) ص ٥٠ - ٥٢.\n(^٢) - نفح الطيب، ٢/ ١٤٦.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩١.\n(^٤) - المصدر السابق ص ٩١.\n(^٥) - فرونق كلمة محرفة من برونك الفارسية ومعناها منذر أو دليل. انظر: نظام البريد في الدولة الإسلامية، ص ٧٠ حاشية رقم ٢.","vol":"1","page":360},{"text":"والثغور، ويجمعوا تقارير الموظفين الموزعين على أنحاء الدولة، لمراقبتها وتنظيمها وإرسالها إلى ديوان البريد (^١).\n_________\n(^١) - المرجع السابق، ص ٧٠.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\">النظام المالي </span>\nعرفت الدولة الأموية في الأندلس، ثلاث أنواع من خزائن المال، هي خزانة بيت مال المسلمين، والخزانة الخاصة بالأسرة الأموية، والخزانة العامة للدولة، ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاث، واردات ومصروفات، ونظام دقيق تسير عليه، وسنتعرف على كل نوع منها على حده.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>أولًا: خزانة بيت مال المسلمين</span>.\nعرفت الدولة الأموية في الأندلس هذا النوع من الخزائن، في عهد الأمير المنذر بن محمد ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - (٨٨٨) م) فهو الذي أمر بإنشائه لاستلام أموال الأوقاف، وأطلق عليه لقب \"بيت المال (^١) \" ورغم أنه أقيم في داخل جامع قرطبة، إلا أن ذلك لم يجعله في منأى عن اللصوص، فقد تعرض للسرقة وذلك في شهر شوال سنة (٣٥٣) هـ (^٢) (أكتوبر (٩٦٤) م).\nوقد أُسندت مهمة الإشراف على بيت مال المسلمين، لقاضي الجماعة، وهو بدوره لا يمكِّن أحدًا من العمل فيه، إلا من كان غنيًا، عدلًا، ثقة، ومع ذلك يكون القاضي دائم التفقد لهم، والسؤال عن أحوالهم في كل شهر إن أمكن، كما أن على القاضي أن يجتهد في إنماء تلك الأموال، مستعينًا على ذلك بآراء الفقهاء، ليكون بعضهم على بعض\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٠.\n(^٢) - المصدر السابق، ٢/ ٢٣٦.","vol":"1","page":362},{"text":"شهيدا، ويكونوا جميعًا على علم بما يُدخل إلى بيت المال وما يُخرج منه، وفي أي شيء صُرف، وبذلك لا تكون هناك فرصة للتلاعب بالأموال (^١).\nوقد تنوعت موارد بيت مال المسلمين، مابين أحباس، ومال غيبة، وزكاة. فأما الأحباس، فقد كان أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، يتنافسون مع الأثرياء من رعاياهم في التحبيس لوجه الله تعالى، طلبًا لمرضاته، وطمعًا في ثوابه، ومواساة لضعفاء المسلمين (^٢).\nكما أن من غاب عن أملاكه ولم يكن له ورثة، أُدخلت أمواله إلى بيت مال المسلمين، ومن مات وليس له وارث إلا أحد الزوجين، فإن الفاضل من ميراثه يذهب لبيت مال المسلمين (^٣). كما أن أي ذمي مات وترك مالًا منقولًا أو غير منقول، ولم يكن له وارث، ذهبت أمواله إلى بيت مال المسلمين (^٤). وكذلك المرتد إذا لم يتب، فإن أمواله تدخل إلى بيت مال المسلمين (^٥).\n_________\n(^١) - ابن عبدون، رسالة في القضاء والحسبة (ضمن مجموعة ثلاث رسائل في الحسبة تحقيق: ليفي بروفنسال، القاهرة ١٩٥٥ م). ص ١٠.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٧. الإحاطة ٣/ ٥٤٩. الونشريسي، المعيار المعرب ٧/ ٤١٦ - ٤١٧.\n(^٣) - عبد القديم زلّوم، الأموال في دولة الخلافة، (بيروت، دار العلم للملايين، ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م) ص ١٢٩.\n(^٤) - المرجع السابق، ص ١٢٩ - ١٣٠.\n(^٥) - نفسه، ص ١٣١ - ١٣٢.","vol":"1","page":363},{"text":"وأما الزكاة فهي حق مقدَّر يجب في أموال معينة، وهي عبادة من العبادات وركنا من أركان الإسلام الخمسة، وبذلك فهي فرض عين على كل مسلم يملك النصاب فاضلًا عن ديونه، ويمضي عليه الحول، ومتى وجبت في مال المسلم لا تسقط عنه، وقد حرص الأمويون في الأندلس على إرشاد ولاتهم في الكور والثغور وبر العدوة المغربية، على أخذ الزكاة من مستحقيها بشروطها الشرعية، ويتضح هذا جليًا في الكتاب الذي أرسله الخليفة الحكم المستنصر بالله لأبي العيش بن أيوب عندما ولاه النظر على جماعته من قبيلة كتامة، وذلك في يوم الثلاثاء لست خلون من شهر رمضان سنة (٣٦٢) هـ (يونيو (٩٧٣) م) (^١).\nوكان هناك أُناس قد تخصصوا بجمع الزكاة من الذين وجبت عليهم، ويطلق على من يقوم بجمعها اسم \"مصدق\" (^٢).\nوقد تعددت وجوه إنفاق أموال بيت مال المسلمين، فهناك الصدقات التي يتم توزيعها على مستحقيها، ومن أجل تنظيم هذه الناحية بصورة أكثر مما كانت عليه، أنشأ الخليفة الحكم المستنصر بالله دارًا للصدقة غربي المسجد الجامع بقرطبة وذلك سنة (٣٦٠) هـ (٩٧١ م) (^٣).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١١ - ١١٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١١٣.\n(^٣) - نفسه، ص ١٩. البيان المغرب، ٢/ ٢٤٠.","vol":"1","page":364},{"text":"كما يتم بناء المساجد من بيت مال المسلمين، فالأمير عبد الرحمن الداخل قام ببناء جامع قرطبة من مال الأحباس (^١)، وبيت مال المسلمين هو ساعد قوي للدولة عند تعرضها لأزمة اقتصادية (^٢)، وإذا أراد الأمير أو الخليفة الأموي القيام بوجه من أوجه الخير، مثل غزاة، أو إصلاح موضع من الثغور، أو مدافعة عدو عن المسلمين، دفع إليه القاضي من بيت مال المسلمين ما يراه على طريق المعونة، وصلاح أمور المسلمين (^٣). وفي الفتنة البربرية، أثناء محاصرة البربر لقرطبة سنة (٤٠١) هـ (١٠١٠ م) وافق قاضي الجماعة أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان (^٤) على إعطاء المدافعين\n_________\n(^١) - محمد بن عبد الوهاب الغساني، رحلة الوزير في افتكاك الأسير، (بعناية: الفريد البستاني، نشر مؤسسة الجنرال فرانكو ١٩٣٩ م) ص ١٩.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٩٣ - ٩٤.\n(^٣) - ابن عبدون، ص ١١.\n(^٤) - أبو العباس أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان بن عبد الله بن عبدوس بن ذكوان، أصله من جيان، كان من شيوخ أهل العلم، مذكورًا بالفضل، من أهل بيت فهم وعلم ورياسة، كان ملازمًا للمنصور بن أبي عامر، لايفارقه في حضر ولاسفر، والمنصور دائم الاستشارة له، ولاه خطة الرد، ثم قضاء الجماعة، ثم جمع له الصلاة والخطبة، وفي عهد المظفر استمرت مكانة ابن ذكوان بازدياد لديه، رغم تعرضه للعزل عن مناصبه مدة تسعة أشهر، وقد كان المظفر ما يجري شيئا من أمور الدولة إلا عن مشورة ابن ذكوان، وفي عهد عبد الرحمن بن المنصور أصبح ابن ذكوان قاضي القضاة، فهو أول من تسمى بهذا الاسم في الأندلس، كما ولاه عبد الرحمن الوزارة، وبذلك فهو أول من جمع بين المنصبين في الأندلس، فلما تولى المهدي الخلافة، وكان حاقدًا على ابن ذكوان، نزع عنه مسمى قاضي القضاة، وأبقاه على قضاء الجماعة، ولم يجرؤ على مساسه بالأذى لجلالة مكانته في قلوب الخاصة والعامة، وفي سنة ٤٠١ هـ تم طرد بني ذكوان من الأندلس إلى العدوة المغربية، بسبب مكائد واضح الصقلبي، لأن ابن ذكوان كان يدعو للسلم والصلح مع البربر، وبعد أن قُتل واضح، عاد ابن ذكوان وأسرته إلى الأندلس، إلا أنه رفض المناصب رغم الإلحاح عليه، ومازال ابن ذكوان عظيم أهل الأندلس قاطبة، وأعلاهم محلًا، وأوفرهم جاهًا، هيبته في مرتبة هيبة الخليفة، إلى أن توفي ﵀، حيث دفن بعد صلاة العصر من يوم الأحد لتسع بقين من رجب سنة ٤١٣ هـ، بمقبرة بني العباس، عن إحدى وسبعين سنة، ولم يتخلف عن شهود جنازته كبير أحد من الخاصة أو العامة، وشهد الصلاة عليه الخليفة يحيى بن علي بن حمود، فقدم للصلاة عليه أخاه أبا حاتم محمد بن عبد الله بن ذكوان صاحب المظالم. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٢٢٣. ترتيب المدارك ٧/ ١٦٦ - ١٧٥. الصلة، ترجمة رقم ٦٥. المرقبة العليا، ص ٨٤ - ٨٧.","vol":"1","page":365},{"text":"خمسمائة فرس من مال الأحباس يحمل عليها مرتجلة العبيد (^١)، ويبدو أن موقفه هذا كان نتيجة تأثره بموقف أهل قرطبة منه عندما طلبوا منه أن يمكنهم من الأموال المخزونة بالجامع ليدفعوها للنصارى حلفاء الخليفة المهدي وذلك سنة (٤٠٠) هـ (١٠١٠ م) فقد رفض القاضي طلبهم، إلا أن عامة أهل قرطبة هجموا على المسجد الجامع وكسروا باب المقصورة وأخذوا الأموال ودفعوها، مع ما قد جمعوه من قبل للنصارى (^٢).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٣/ ١٠٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ٣/ ٩٨.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>ثانيًا: الخزانة الخاصة</span>\nوهذه عُرفت باسم \"بيت مال الخاصة (^١) \" ويُحمل إلى هذه الخزانة، الأموال التي تركها الأمراء والخلفاء الأمويين لأبنائهم، ولعل الأخماس التي لبني أمية في الأندلس، كانت من أهم موارد الخزانة الخاصة، فقد كانت من ضخامتها لا يحصيها ديوان (^٢) يضاف إليها ما يحصله القائمون على الأسواق من جراء أخذهم الضريبة من بائعي الخضر والفواكه وغيرها، وهو ما يسمى بالمستخلص، وهذا المستخلص يبدو أنه كان ضخمًا جدًا، فقد كان مقدار ما يصل منه لبيت مال الخاصة سنويًا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (٧٦٥) ألف دينار (^٣).\nوهناك الأموال التي كانت تدرها ضياع الأمراء والخلفاء الأمويين، والمنتشرة في أرجاء الأندلس، وهذه تعتبر موردًا هامًا من موارد الخزانة الخاصة، ولنا أن نتصور ضخامة تلك الضياع ومقدار ما تدره من الأموال، إذا عرفنا أن الخليفة الحكم المستنصر بالله قد حبَّس ربع ما ورثه عن والده في جميع كور الأندلس وأقاليمها من الضياع، ليفرَّق على ضعفاء الدولة الأموية ومساكينها عامًا بعد عام، إلا أذا حلَّت مجاعة بأهل قرطبة، فإنها تصرف إليهم إلى أن يجبرهم الله تعالى (^٤). فإذا كان ربع الدخل يغطي\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٢.\n(^٢) - نفح الطيب، ١/ ٣٣٠. ٣/ ٣٠، ٣٧٩.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٢.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٤.","vol":"1","page":367},{"text":"احتياجات فقراء الدولة ومساكينها، إذًا كم كان مقدار ما يصل إلى الخزانة الخاصة كل عام؟.\nوطبيعي أن هذه الضياع الشاسعة والمتناثرة في أرجاء الدولة بحاجة لأيدي عاملة تقوم بخدمتها ومراعاة احتياجاتها، وهذه العمالة بحاجة لإدارة كاملة تتولى شئونها، وقد عُرفت هذه الإدارة بخطة الضياع، يتولاها أحد كبار موظفي الدولة، ويعرف باسم \"صاحب الضياع\" (^١).\nو\"خطة الضياع\" لا نجد لها أي ذكر، إلا ابتداءًا من عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، ولعل هذا يدفعنا إلى القول بأن هذه الضياع، لم تكن بالاتساع الذي شهدته في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، خاصة أن الدولة الأموية مرت بأزمات وفتن كادت أن تعصف بها، وذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وبذلك فهي وإن كانت موجودة من قبل، إلا أنه لم يعد لها ذكر إبان تلك الفترة الحرجة، وذلك لانعدام سيطرة الإمارة الأموية على كافة أرجاء الأندلس، وعندما تمكن الخليفة عبد الرحمن الناصر من إخضاع البلاد لسيطرته، استعاد تلك الضياع وزاد عليها، ونظرًا لضخامتها فقد أنشأ لها إدارة خاصة للعناية بها.\nوممن تولى \"خطة الضياع\" في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، غالب بن محمد بن عبد الرؤوف، وعندما عُزل عنها في نهاية جمادى الآخرة سنة\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٢/ ١٩٩.","vol":"1","page":368},{"text":"٣١٦ هـ (أغسطس (٩٢٨) م) تولاها محمد بن عبد الله بن مضر، ثم عُزل عنها ووليها خلف بن أيوب بن فرج الكاتب (^١).\nوقد كانت \"خطة الضياع\" تُسند أحيانًا لاثنين مشتركين، ففي سنة (٣١٩) هـ (٩٣١ م) تولاها كل من: محمد بن عبد الله بن مضر وعبد الله بن معاذ بن بزيل (^٢).\nومن الموارد المهمة للخزانة الخاصة ما يسمى بـ\"المستغلات\" (^٣) وهي المصادرات المالية التي كان يتعرض لها بعض رجال الدولة، فالأمير المنذر بن محمد، نكب الوزير هاشم بن عبد العزيز ثم قتله، وسجن أولاده وحاشيته، وانتهب ماله، وألزم أولاده غُرم مائتي ألف دينار (^٤).\nوهناك الهدايا التي يتلقاها أمراء وخلفاء بني أمية، وهذه تعتبر من الموارد الهامة للخزانة الخاصة، كهدية ابن شُهيد للخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣٢٧) هـ (^٥) (٩٣٩ م) والهدية التي تلقاها الخليفة الحكم المستنصر بالله يوم مبايعته بالخلافة، فقد قدم له الحاجب جعفر المصحفي هدية سنية (^٦)،\n_________\n(^١) - نفسه،، ٢/ ١٩٩.\n(^٢) - نفسه، ٢/ ٢٠٥.\n(^٣) - النباهي، ص ١١٤.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ١١٦.\n(^٥) - نفح الطيب، ١/ ٣٥٦ - ٣٥٩.\n(^٦) - المصدر السابق، ص ٣٨٢.","vol":"1","page":369},{"text":"كما تلقى الخليفة الحكم هدية فتاه دريّ الأصغر الخازن وذلك سنة (٣٦٢) هـ (^١) (٩٧٣ م).\nويقوم الخليفة الأموي أحيانًا باستقطاع جزء من ثروات عماله، ليضعها في الخزينة الخاصة، وهم بدورهم يقدمونها عن طيب خاطر، وذلك كما فعل ابن السليم عندما دفع للخليفة عبد الرحمن الناصر مائة ألف دينار دراهم (^٢).\nوالوفود والسفارات التي تصل قرطبة، تقدم هدايا خاصة للأمير أو الخليفة، وهذه بدورها تذهب إلى الخزانة الخاصة (^٣).\nولقد كانت الخزانة الخاصة تغص بالأموال، لكن ليس لدينا تحديد دقيق لمقدار تلك الأموال في أي سنة من عمر الدولة الأموية، إلا أن لدينا بعض الأرقام التي تساعد على تصور مدى ضخامة تلك الخزانة، فقد ذكر ابن حيان أن \"صبح\" أم الخليفة هشام المؤيد بالله، قد أخرجت جزءًا من مدخرات الخزانة الخاصة، فبلغ ثمانين ألف دينار (^٤).\nوعندما قام عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر بنقل بيت مال الخاصة من قصر قرطبة إلى الزاهرة، تنفيذًا لأوامر والده، وذلك يوم الثلاثاء الثالث\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٦.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٣٢، ١١٠. نفح الطيب، ١/ ٣٨٥. أزهار الرياض، ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(^٤) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧١.","vol":"1","page":370},{"text":"ممن جمادى الأولى سنة (٣٨٦) هـ (^١) (مايو (٩٩٦) م) تمكن عبد الملك خلال ثلاثة أيام من حمل ما قدره: من الورق خمسة آلاف ألف دينار دراهم قاسمية، ومن الذهب سبعمائة ألف جعفرية (^٢)، ومع ذلك لم يتمكن من أخذ كل ما في بيت مال الخالصة لوقوف السيدة \"صبح\" ومن معها من أهل القصر دونه (^٣).\nوعندما سيطر المهدي على الخلافة، استصفى ما كان في حوزة العامريين في الزاهرة من أموال، فقد تمكن خلال ثلاثة أيام من نقل خمسة آلاف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ومن الذهب ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ثم وجد فيها بعد ذلك خوابي مملوءة من الورق، مدفونة في الأرض، فيها مقدار مائتي ألف دينار (^٤).\nويمكن أن نلحق بالخزانة الخاصة، تلك الأموال السريَّة التي كان أمراء وخلفاء بني أمية يحتفظون بها بطريقة سريَّة، فقد كانوا يعمدون إلى نفيس جواهرهم وذخائرهم ويحتفظون بها في مكان سري بقصر قرطبة، ولا يعلم أحد عن تلك المدخرات، إلا واحد من كبار فتيان القصر، وتكون تلك المدخرات مسجلة في سجل خاص يحتفظ به ذلك الفتى (^٥).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٧٢.\n(^٢) - نفسه، ص ٧٣.\n(^٣) - نفسه، ص ٧٢.\n(^٤) - البيان المغرب، ٣/ ٦١.\n(^٥) - المصدر السابق، ٣/ ٧٦.","vol":"1","page":371},{"text":"ورغم صمت المصادر عن ذكر أي مسئول يتولى إدارة الخزانة الخاصة، إلا أننا نتوقع أن هناك عددا من الموظفين الماهرين في العمليات الحسابية يعملون في تلك الخزانة، تحت إشراف أحد رجال القصر، الذي يعمل تحت مسمى وظيفة سرية.\nوأموال الخزانة الخاصة ينفق منها أمراء وخلفاء بني أمية على لوازم قصورهم وضياعهم والمنى التي يتروحون فيها، وكذلك الإنفاق على الخدم والحشم والحرس الذين يعملون معهم.\nوقد كان عدد الفتيان الصقالبة بقصر الزهراء في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ثلاثة ألاف وسبعمائة وخمسون، ومن النساء الكبار والصغار وخدم الخدمة ستة ألاف وثلاثمائة امرأة، ولذا فقد كان القصر الخلافي يستهلك يوميًا من اللحم فقط ثلاثة عشر ألف رطل، هذا بخلاف الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحيتان (^١). في حين أن جاري قصر الزاهرة في عهد المنصور بن أبي عامر تسعة ألاف رطل من اللحم على نسائه في قصره على طبقاتهن، وأما وظيفة مطبخة الخاصة المقامة كل يوم، فلم يوقف عليه لضخامته (^٢).\nكما ينفق أمراء وخلفاء بني أمية من الخزانة الخاصة على ما يقومون ببنائه من منى وضياع، سواء كان لأنفسهم أو لأولادهم عندما يتم\n_________\n(^١) - نفسه، ٢/ ٢٣٢.\n(^٢) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٠٢.","vol":"1","page":372},{"text":"إخراجهم من القصر -باستثناء ولي العهد- وإجراء الأرزاق الشهرية والحولية (^١)، بالإضافة إلى الإنفاق على بعض الأقارب (^٢).\nوهناك الوفود والسفارات التي تصل إلى قرطبة، فالأمير أو الخليفة، يُعوِّض الوفد عن هديته، كما أنه يقوم بالإنفاق على أعضاء الوفد طيلة مكوثهم بقرطبة (^٣).\nومن لجأ إلى الدولة الأموية فله الصلة والرزق والجرايات إكرامًا له (^٤)، كما يتم إكرام بعض رجال الدولة في بعض المناسبات (^٥)، والإنفاق على العلماء (^٦) ومكافأة الشعراء (^٧)، وتكريم قادة الجيوش بمنحهم السيوف المذهبة وإغداق الأموال عليهم (^٨)، بالإضافة إلى ما تكلفه الحفلات الخاصة والمنح التي تعطى للمغنيين (^٩).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٣٦، ٢٣٧. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩٢. نفح الطيب، ٣/ ٣٨.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٦٦، ٢٦٧.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٣.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٠ - ١٧١.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٣٣ - ١٣٤.\n(^٧) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ٢٧٩، ٢٨١، ٢٨٤، ٢٨٥، ٢٨٦.\n(^٨) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٨٠.\n(^٩) - ابن القوطية، ص ٦٠، ٦٨ - ٦٩.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>ثالثًا: الخزانة العامة للدولة</span>\nعُرفت هذه الخزانة باسم \"خزانة المال (^١) \" أو \"الخزانة (^٢) \" أو \"الخزانة الكبرى (^٣) \" وكان موقعها داخل قصر الإمارة بقرطبة، ثم انتقلت إلى قصر الخلافة بالزهراء، ومن ثم إلى الزاهرة، وأخيرًا عادت إلى قصر قرطبة ابتداءًا من مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) ووجود الخزانة داخل القصر، يعني أنها في مكان حصين، وتحت حراسة مشددة، إذ لم نسمع أنه قد تم السطو عليها، كما حصل لبيت مال المسلمين الموجود في المسجد الجامع (^٤).\nويبدو أن خزانة الدولة، لم تكن ضخمة في بداية أمرها، مما جعل أمر إدارتها يسيرًا، لذا فقد تأخر إنشاء خطة خاصة بهذا الجهاز الذي يعد أهم وأضخم أجهزة الدولة الأموية، فالأمير الحكم الربضي هو الذي أنشأ خطة الخزانة، وجعلها جهازًا قائمًا بذاته، وسفيان بن عبد ربه (^٥) \"هو أول\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ١٦٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ٢/ ١٥٨.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ٢٥.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٦.\n(^٥) - سفيان بن عبد ربه المصمودي، لم يكن من أسرة عريقة في خطط الدولة الأموية تولى خدمة الخزانة الكبرى، وتنقل في عدة مناصب، حتى نال منصب الحجابة للأمير عبد الرحمن بن الحكم، ولم يزل في منصبه هذا حتى توفى سنة ٢١١ هـ، وقد كان سفيان موصوفًا بالغناء والكفاية والعفة والأمانة، وعندما ذكره ابن حزم في جمهرته أشار إلى أن سلالة سفيان قد بادت ولا يعلم لهم خبرا. انظر: ابن القوطية، ص ٦٢، إلا أنه ذكره باسم \"مهران\". جمهرة أنساب العرب، ص ٥٠٠، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥ - ٢٦.","vol":"1","page":374},{"text":"من استُخزن بالأندلس (^١) \" وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي).\nوطبيعي أن ابن عبد ربه لم يكن يقوم بأداء مهام خطته لوحده فقد كان لديه مجموعة من الموظفين ذوي المهارة في الأعمال الحسابية، كما أن هناك العديد من المكاتب المالية المتناثرة في كور وثغور الدولة الأموية، كلها تتبع خطة الخزانة، فقد كانت تلك المكاتب تقوم بإرسال ماتنجزه من مهام مالية إلى الخزانة العامة للدولة ويرأس كل مكتب من تلك المكاتب موظف يعرف باسم الأمين أو الخازن (^٢)، يقوم بجباية الضرائب بأنواعها، وبعد أن يصرف منها رواتب الموظفين والجند وبعض النفقات يرسل الفائض إلى الإدارة المالية بالعاصمة.\nولا تسند هذه الخطة إلا لمن كان ثقة أمينًا، ذا دراية واسعة بالحسبان، ويسمى صاحب هذه الخطة \"الخازن\" ويطلق على معاونيه اسم \"الخُزاَّن\" وكان عددهم يصل أحيانًا إلى ثلاثة (^٣)، يرأسهم الخازن الذي يعرف بـ\"شيخ الخُزَّان (^٤) \" وعندما تعرض ابن خلدون لذكر هذه الخطة\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٢٥.\n(^٢) - الحلة السيراء ١/ ٢٤١.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٦٢.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٦٢.","vol":"1","page":375},{"text":"عند أموي الأندلس، ذكر أن متوليها له جزء من رئاسة الدولة (^١). لأجل هذا فقد كانت الدولة الأموية لا تسندها إلا لمن كان من ثقاتها، ويخرج بمناسبة التعيين ظهير للخازن الجديد تحدد له فيه الصلاحيات، ويرشد إلى بعض الأمور، بعد أخذ العهد عليه، ويدعى له بالتوفيق.\nولقد كانت شخصيات رجال الدولة الأموية، شخصيات فذة، سمتها الإخلاص، وظهر هذا جليًا في موقف شيخ الخزَّان موسى بن حدير الذي رفض تنفيذ أمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بصرف مبلغ ثلاثين ألف دينار للمغني زرياب، فقد قال موسى بن حدير لصاحب الرسائل الذي حمل الأمر \"نحن وأن كنَّا خُزَّان الأمير أبقاه الله، فنحن خُزَّان المسلمين، نجبي أموالهم وننفقها في مصالحهم، ولا والله ما ينفذ هذا، ولامنا من يرضى أن يرى هذا في صحيفته غدا، أن نأخذ ثلاثين ألفا من أموال المسلمين وندفعها إلى مغن في صوت غناه، يدفع إليه الأمير أبقاه الله ذلك مما عنده\" (^٢).\nوالبيانات الحسابية التي يقدمها الخُزَّان وشيخهم لا يصادق عليها مباشرة، وإنما تتم عملية مراجعتها من قبل الأمير أو الخليفة، ومناقشتهم فيها، ويتم التغاضي عن الخطأ إن كان يسيرا (^٣)، لكنه ربما أدى ذلك إلى عزل الخزّان وشيخهم، وهذا ما فعله الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٧٨.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٦٨ - ٦٩. إن من توفيق الله لولي الأمر أن تكون بطانته صالحة.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ١٣٦.","vol":"1","page":376},{"text":"٣١٦ هـ (٩٢٨ م) عندما أمر بعزل جميع خُزَّان المال، وكانوا خمسة، وولى مكانهم أربعة خُزَّان (^١).\nوقد كان الخليفة الحكم المستنصر بالله لا يكتفي بالعزل، بل يصحب ذلك الإهانة والإذلال، وهذا ما تعرض له الفتى دري الكبير الصقلبي، المعروف بالخازن، فقد غضب عليه الخليفة الحكم لتقصيره في عمله، فأقصاه وأهانه وولى إذلاله صاحب المدينة بالزهراء زياد بن أفلح، وذلك في شهر رجب سنة (٣٦٢) هـ (^٢) (إبريل (٩٧٣) م).\nوكانت الخزانة العامة تتلقى مواردها من عدة طرق، منها الجزية والخراج والصدقات والعشور والغنائم والمصادرات وغيرها.\nفالجزية هي \"الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام\" (^٣) وبذلك فهي ضريبة على الرؤوس، فالذمي يلتزم بأداء مقدار من المال للدولة الإسلامية في موعد محدد، متى ما توافرت شروطها، وذلك مقابل حمايته وحماية أملاكه، وفي هذا يقول الماوردي إن الجزية \"موضوعة على الرؤوس، واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارا، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا\" (^٤) والأصل\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ١٩٧. لكن العزل الذي أجراه الناصر هنا ربما كان جريًا على عادته في التغيير المستمر لرجال دولته، ونقلهم من خطة لأخرى.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٣.\n(^٣) - ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغني (القاهرة ١٣٦٧ هـ) ج ٥ ص ٤٩٥.\n(^٤) - الأحكام السلطانية، ص ١٢٧.","vol":"1","page":377},{"text":"فيها قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^١) وهي بذلك تسقط عند الدخول في الإسلام.\nورغم أننا نفتقر لنصوص تبين لنا الكيفية التي كانت تُجبى عليها الجزية في الأندلس، إلا أننا لا نشك في أن التعامل مع أهل الذمة هناك في هذه المسألة، كان يسير وفق هدي الشريعة السمحة، فكل ذمي يدفع الجزية وفق طاقته، ويعفى منها المسكين (^٢)، والأعمى (^٣)، والمقعد (^٤)، والمريض الذي لا يرجى شفاؤه (^٥)، كما أعفي منها المملوك، والمجنون، والصبيان، والنساء، والقسس والرهبان (^٦).\nوكانت الجزية تؤخذ من فئات ثلاث من فئات أهل الذمة، فمن الموسر يؤخذ ثمانية وأربعون درهمًا، ومن الوسط أربعة وعشرون درهمًا،\n_________\n(^١) - سورة التوبة آية رقم ٢٩.\n(^٢) - أبو يوسف، كتاب الخراج، (القاهرة، المطبعة السلفية ومكتبتها، ط الثانية ١٣٥٢ هـ) ص ١٢٢.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٢٢.\n(^٤) - نفسه، ص ١٢٢.\n(^٥) - نفسه، ص ١٢٣. الأحكام السلطانية ص ١٣٠.\n(^٦) - كتاب الخراج، ص ١٢٢. الأحكام السلطانية، ص ١٢٨.","vol":"1","page":378},{"text":"ومن الذي يعمل بيده كالخياط والصباغ والاسكافي والخراز ومن أشبههم، اثنا عشر درهمًا (^١).\nلكن في الأندلس كان الدينار بسبعة عشر درهما (^٢)، وعليه فإن الموسر يدفع واحد وخمسين درهما، والوسط أربعة وثلاثين درهما، والعامل بيده سبعة عشر درهمًا، تؤخذ منهم كل سنة (^٣).\nويتولى قبض الجزية من أهل الذمة في كل كورة ومدينة، موظف من موظفي الدولة ممن يوثق بدينه وأمانته، ويكون معه أعوان لمساعدته، فيقومون بجمعها بدون ظلم وتعسف (^٤)، فإذا اجتمعت لديه الأموال حملها إلى بيت المال (^٥).\nوأما الخراج فهو \"ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها\" (^٦) وهي الأرض التي صولح عليها المشركون من أرضهم، وهي على نوعين: أحدهما ما هرب عنه أصحابه، فخلص للمسلمين بغير قتال، فتصبح وقفًا على مصالح المسلمين، ويضرب عليها الخراج ويكون أجرة تقر على الأبد وإن لم يقدر بمدة، والأخر ما أقام فيه أهله وصولحوا على\n_________\n(^١) - كتاب الخراج، ص ١٢٢، ١٢٣ - ١٢٤. الأحكام السلطانية، ص ١٢٨.\n(^٢) - صورة الأرض، ص ١٠٨.\n(^٣) - أبو رميله، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢١٩.\n(^٤) - كتاب الخراج، ص ١٢٤.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ١٢٤.\n(^٦) - الأحكام السلطانية، ص ١٣١.","vol":"1","page":379},{"text":"إقراره في أيديهم بخراج يضرب عليهم، وهذا بدوره ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن ينزلوا عن ملك الأرض فتصبح وقفًا على المسلمين، ويكون الخراج المضروب عليهم أجرة لا تسقط إلا بإسلامهم، والأخر: أن يستبقوها على أملاكهم ولا ينزلوا عن رقابها ويصالحوا عليها بخراج (^١).\nوالحديث عن الخراج في الأندلس يتطلب تتبع عملية الفتح، والإجراء الذي قام به موسى بن نصير ومن أتى بعده من الولاة، وعندما تعرض الدكتور حسين مؤنس للحديث عن الخراج في الأندلس، ذكر بأن عقدة العقد في تاريخ عصر الولاة هي ناحية الخراج (^٢). ثم ناقش هذه القضية باستفاضة، وخلص إلى أن موسى بن نصير قد قام بتخميس الأراضي الواقعة جنوب الوادي الكبير، فجعل أربعة أخماس تلك الأراضي بأيدي القبائل المشتركة في عملية الفتح، والخمس ملكًا للدولة، وانسحب هذا الحكم على الأراضي الواقعة بين الوادي الكبير ووادي آنه، ومابين هذا النهر والمحيط الأطلسي، فيما عدا ثلاثة مدن، وهي التي استسلم أهلها للمسلمين، وبذلك لم يجر عليها حكم العنوة.\nوبذلك أصبحت أراضي الجنوب والغرب، التي تقاسمها العرب إقطاعات، ملكًا لأصحابها، يتوارثها الأبناء عن الآباء، وهو ماأيده الخليفة الوليد بن عبد الملك، حيث منح زعماء تلك القبائل سجلات بذلك،\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ١٣١ - ١٣٢.\n(^٢) - فجر الأندلس، ص ٦١٤.","vol":"1","page":380},{"text":"وعندما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز أيد فعل الخليفة الوليد، واعتبر ما فتحه المسلمون من الأرضين إقطاعات (^١).\nوعلى ضوء الدراسة الوافية التي قام بها الدكتور حسين مؤنس للناحية المالية ومسائل أراضي الخراج في الأندلس، يمكن القول بأن نصيب خزانة الدولة كانت ثلث خراج أراضي الخمس (^٢)، وطيلة عهد الدولة الأموية كان ذلك الثلث معلوم المقدار، ولم يختل إلا بعد أن اندلعت الفتن، وانتزى كل زعيم بجزء من أراضي الدولة الأموية، مشكلًا دولة من دول الطوائف (^٣). في حين أن العرب والبربر الذين دخلوا الأندلس في أوائل الفتح واستقروا في إقطاعاتهم، كانوا يدفعون العشر فقط (^٤)، إضافة إلى قيامهم بتلبية نداء حكومة قرطبة عند الغزو، واستمر الوضع بهذه الصورة إلى أن أعفاهم الحاجب المنصور بن أبي عامر من الغزو، شريطة دفعهم لمبالغ إضافية زيادة على العشر (^٥).\n_________\n(^١) - انظر: الرسالة الشريفية في الأقطار الأندلسية \"منشورة في آخر كتاب: افتتاح الأندلس لابن القوطية\" ص ١٩٨ - ٢٠٧. رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ص ١١٢ - ١١٦. فجر الأندلس ص ٦١٥ - ٦٢٩.\n(^٢) - انظر: الرسالة الشريفية، ص ١١٢ - ١١٦. الإحاطة ١/ ١٠٦. رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ص ١١٢.\n(^٣) - الرسالة الشريفية، ص ٢٠٣، رحلة الوزير في افتكاك الأسير ص ١١٤.\n(^٤) - الإحاطة، ١/ ١١٠.\n(^٥) - مذكرات الأمير عبد الله ص ١٧. أعمال الأعلام ٢/ ٦٨.","vol":"1","page":381},{"text":"وأما أراضي الصلح، فإن أهلها كانوا يقومون بدفع جزية عن رؤوسهم وخراجًا عن أراضيهم، وهذا الخراج جُعلت قيمته تبعًا لطيب الأرض وغلتها (^١).\nويتولى جباية خراج أراضي الصلح، أحد موظفي الدولة، يساعده في ذلك رؤساء أهل الذمة، وهم \"أشياخ من أهل دينهم، أولو حنكة ودهاء ومداراة ومعرفة بالجباية اللازمة لرؤوسهم (^٢) \" ولعل أرطباس القومس زعيم أهل الذمة في الأندلس، كان أشهر مستخرجي خراج الذميين للمسلمين (^٣). بينما نجد القبائل العربية صاحبة الإقطاعات، يتولى زعيم كل قبيلة جمع خراج قبيلته، فإن كانت القبيلة شامية اكتفى زعيمها بإرسال ما تمت المقاطعة به على أموال أهل الذمة التي في أيديهم لحكومة قرطبة، وذلك دون العشر، لأنهم معفيين منه، إذ أن قبائلهم معدة للغزو (^٤)، إضافة إلى تقديم الدولة الأموية في الأندلس لهم على من سواهم، وأما إن كانت القبيلة بلدية، أدت ضربية العشر إضافة إلى ما تمت المقاطعة عليه (^٥).\n_________\n(^١) - رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ١١٦، فجر الأندلس ص ٦٢٦.\n(^٢) - الإحاطة، ١/ ١٠٧.\n(^٣) - المصدر السابق، ١/ ١٠٣.\n(^٤) - نفسه، ١/ ١٠٤.\n(^٥) - نفسه، ١/ ١٠٤ - ١٠٥.","vol":"1","page":382},{"text":"ومن الموارد التي كانت تستفيد منها الخزانة العامة، الأموال التي كان يبعث بها القادة المرابطين في بعض الكور والثغور، وهذه الأموال أو الضرائب برزت بصورة قوية في عهد الأمير عبد الله بن محمد ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) وذلك بسبب اندلاع الفتن في أرجاء الدولة الأموية، وحصول قادة تلك الفتن على ما يشبه الحكم الذاتي مقابل دفعهم لمبالغ مادية سنوية لحكومة قرطبة. ويبدو أن الأموال التي كانت تحصل عليها الدولة من هذا الجانب، ضخمة جدًا، يدل على ذلك أنه قد أنشئ ديوان خاص بها، يتولى استقبال تلك الأموال، وكان ذلك الديوان ضخمًا، بحيث أطلق عليه مصطلح \"خطة القُطُع\" (^١) ويرأس هذه الخطة أحد كبار رجال الدولة وكان موسى بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير من بين الذين تولوا هذه الخطة للأمير عبد الله بن محمد (^٢).\nوهناك مورد آخر للخزانة، فقد كانت حكومة قرطبة تتحفظ على أموال المتوفين أو الغائبين أو من تطالبهم الدولة بأموال حتى يتم الفصل في أمرها، وقد أنشأت خطة خاصة بهذه الأموال تسمى \"خطة العقل\" (^٣).\nوتعد الضرائب من الموارد الهامة لخزانة الدولة، منها: ضريبة القطيع، ويبدو أنها فرضت عند آخر عهد الدولة الأموية، عندما أصبح خلفاء الفتنة لا يجدون موردًا ماليًا يغطي نفقات أطماعهم، وعن ضريبة القطيع\n_________\n(^١) - الحلة السيراء ١/ ٢٣٠.\n(^٢) - المصدر السابق، ١/ ٢٣٣.\n(^٣) - نفسه، ١/ ٢٤٣، الحاشية رقم ٣.","vol":"1","page":383},{"text":"يقول ابن حزم \"وأما في زماننا هذا وبلدنا هذه فإنما هي جزية على رؤوس الناس يسمونها القطيع ويؤدونها مشاهرة (^١) \" ومن هنا يتضح أنها لا تفرق بين ذمي أو مسلم (^٢).\nوهناك ضريبة تجنيها الدولة تسمى \"القبالة\" وهي \"أن يدفع السلطان أو نائبه صقعًا أو بلدة أو قرية إلى رجل مدة سنة مقاطعة بمال معلوم يؤديه إليه عن خراج أرضها وجزية رؤوس أهلها إن كانوا أهل ذمة فيقبل ذلك ويكتب عليه بذلك كتاب (^٣) \".\nوالقبالة مفيدة لولي الأمر إذ أنه يحصل على الأموال مباشرة، كما أنها مفيدة للمتقبل إذ أنه سيجني أكثر مما دفعه، والضحية في ذلك الرعية، فهم يتعرضون لظلم ذلك المتقبل وعسفه الذي لايعنيه من الأمر سوى الربح، ولذا نجد الخليفة الحكم المستنصر بالله يحذر المتقبلين لديه من التعرض في شيء لعابري السبيل (^٤). ولكن يبدو أن أمر القبالة والمتقبلين\n_________\n(^١) - د. إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة، ص ٨٤ - ٨٥.\n(^٢) - هذه الحالة ربما تكون هي أخر مرحلة تعيشها الدولة عند السقوط، إذ يصبح هم صاحب الدولة منحصرًا في كيفية الحصول على الأموال دونما أي اعتبار لمصدرها أو تأثيرها على الآخرين.\n(^٣) - عبد العزيز بن محمد الرحبي الحنفي، فقه الملوك ومفتاح الرتاج المرصد على خزانة كتاب الخراج، (تحقيق: د. أحمد عبيد الكبيسي، نشر رئاسة ديوان الأوقاف الجمهورية العراقية ١٩٧٥ م) ٢/ ٣.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١١٣ - ١١٤.","vol":"1","page":384},{"text":"أصبح شرًا على الأندلسيين، من جراء الظلم الذي كانوا يتعرضون له، ولذا نجد ابن عبد ون يحمل على المتقبل، ويعتبره شر خلق الله، ويصفه بالزنبور الذي خلق للضرر، لا للنفع لأنه لا يسعى إلا بمضرة المسلمين، فهو \"ملعون من الله ومن الناس أجمعين، فيجب على القاضي أن يستحلفه ويحد له ما يصنع في تصرفه، ولا يتركه يتحكم في أموال الناس باختياره وعلى ما يراه أنه صواب لنفعه، ويغلظ له في القول والتوبيخ، وأن يرتب له الوزير بحضرة القاضي ما يأخذ من الأشياء التي يتقبلها ولا يزيد فيها ولا ينقص، ومتى تعدى على أكثر من ذلك أُدِّب وسُجن ونُكِّل\" (^١).\nومن قبل ابن عبد ون، كان القاضي أبو يوسف قد هاجم المتقبلين وطراءقهم في جمع الخراج فقال \"والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته، ولعله يستفضل بعد ما يتقبل به فضلا كثيرا، وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية، وضرب لهم شديد، وإقامته لهم في الشمس، وتعليق الحجارة في الأعناق، وعذاب عظيم ينال أهل الخراج مما ليس يجب عليهم من الفساد الذي نهى الله عنه\" (^٢).\nوعرفت الخزانة عدة ضرائب أخرى منها: العشور، وهي رسوم تؤخذ من الرعية بلا استثناء فعلى المسلم ربع العشر، والذمي نصف العشر، والحربي العشر (^٣)، وهذه الضريبة تؤخذ من التجار، فهي بالنسبة\n_________\n(^١) - رسالة ابن عبدون في آداب الحسبة والمحتسب، ص ٣٠.\n(^٢) - كتاب الخراج، ص ١٠٥.\n(^٣) - كتاب الخراج، ص ١٣٢. المغني، ٨/ ٥١٨.","vol":"1","page":385},{"text":"للمسلم زكاة، ولأهل الذمة تنفيذًا لعقود الصلح المبرمة معهم، وتؤخذ من الحربي الذي يمر بتجارته في أراضي المسلمين لقاء حمايته، وطبيعي أنها لا تؤخذ إلا بعد بلوغ النصاب (^١).\nومنصب متولي آخذ العشور، باب للثراء على حساب الآخرين، ولذا يجب أن لا يليه إلا من يوثق بدينه وأمانته، ويقف عند الحدود التي حدها له القاضي، ويعمل بوصيته، فيرفق بأصحاب التجارة والمزارعين ولا يشطط عليهم، وإذا أتى بالزمام الذي دَّون فيه ما قبضه من عشور، فلابد أن يريه القاضي ليمضي عليه، وصاحب العشور يستلم أجرته من عند رئيسه، ولا يستلمها ظلمًا وجورًا من أصحاب الأموال المعشَّرة (^٢).\nويبدو أن متولي مهمة قبض العشور كانوا لا يلزمون النهج الشرعي في عملهم، ولذا نرى ابن عبد ون يندد بهم، ويصفهم بالظلمة الفسقة، ويعتبرهم \"أكلة سحتٍ، أشرارًا، سفلة، لا خوف ولا حياء ولا دين ولا صلاة لهم، باعو أديانهم بدنيا غيرهم\" (^٣).\nولنا أن نتوقع أن المبالغ التي يتم تحصيلها من العشور كانت ضخمة للغاية، وهذه متوقفة على الحالة الاقتصادية للدولة، والأندلس بلغت في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله الغاية في المستوى الاقتصادي، وفي عهده تم إجراء حصر لما يتم بيعه من السمك المملح فقط، بقرطبة خلال\n_________\n(^١) - كتاب الخراج، ص ١٣٣. المغني، ٨/ ٥١٩.\n(^٢) - رسالة ابن عبدون، ص ٦.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٦ - ٧.","vol":"1","page":386},{"text":"يوم واحد، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار دراهم (^١). وأما المنصور بن أبي عامر فقد أمر بإحصاء أحمال الحطب التي تصل إلى قرطبة في اليوم الواحد، فبلغ ذلك ستة آلاف وستمائة حمل على اختلافها (^٢).\nوكانت هناك ضريبة تؤخذ من المواريث تسمى رسوم المواريث، وكانت تجري بقرطبة وسائر كور الأندلس على الأمانة (^٣).\nومن الضرائب التي كانت تدر دخلًا على الخزانة العامة، ضريبة تدفعها الرعية لمعاونة الدولة تسمى \"المعاون\" (^٤) ومن اسمها يتضح أنها تُفرض وقت الحاجة، كذلك لدينا ضرائب المراصد (^٥)، والجزاء (^٦)، والبيزرة (^٧)، والطبل العام وهي لقاء الإعفاء من الاشتراك في الغزوات (^٨).\nوهناك ضريبة تعرف باسم \"المغارم\" وهي عقوبة يفرضها الأمير أو الخليفة الأموي على أهل كورة من الكور عقابًا لهم، ولذا نجد الأمويين\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٠٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٠٤.\n(^٣) - نفسه، ٢/ ٩٨.\n(^٤) - نفسه، ٢/ ٩٨.\n(^٥) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٣٣.\n(^٦) - المرجع الصابق، ص ٢٣٣.\n(^٧) - هي كل ماله صلة بأمور الصيد.\n(^٨) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٣٣.","vol":"1","page":387},{"text":"يتحببون إلى رعاياهم بإسقاط المغارم عنهم كلها أو بعضها (^١)، كما كانوا يتحببون إليهم بإسقاط جزء من ضريبة البقية، وهي ما تبقى من الضرائب التي لم تدفعها الرعية، أو إعفائهم منها كلية مراعاة لظروفهم (^٢).\nومن الضرائب كذلك ضريبة تلتزم بها الرعية للجيش وتسمى النازلة أو إنزال أو التقوية (^٣)، وهي التي تبرأ منها الخليفة القاسم بن حمود (^٤).\nومن موارد الخزانة العامة، الأموال التي يدفعها العمال للدولة عند عزلهم عن مناصبهم نتيجة إساءتهم السيرة (^٥).\nوهناك ضريبة يمكن أن نسميها ضريبة استخدام المرافق، وهي ما تحصله الدولة من الرعية لقاء استخدامهم لمنشأة من المنشآت الهامة، وهذا نوع من أنواع المكس، ولا ندري هل طبقت هذه الضريبة في الأندلس أم لا. فقد ورد خبر لدى ابن سعيد، أن أحد رجال الخراج رفع للأمير عبد الرحمن الأوسط كتابًا يقترح فيه أن يتم تحصيل ضريبة\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٧. البيان المغرب، ٢/ ١٠١، ١٠٩، ١١٤، ٢٤٩، ٢٥٩. ٣/ ٣.\n(^٢) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٣٤.\n(^٣) -  L-Provencal، Op.Cit.T.III، p. ٤٠.\n(^٤) -  البيان المغرب، ٣/ ١٣٠.\n(^٥) - الخشني، أخبار الفقهاء والمحدثين، ص ١٤١. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٩٢ - ١٩٣. البيان المغرب، ٢/ ١١٦.","vol":"1","page":388},{"text":"على الدواب والأحمال التي تعبر قنطرة قرطبة، لكن الأمير اعتبر ذلك مكسًا قبيحًا ووبخ الرجل على اقتراحه (^١).\nومن خلال قيام الجيوش الأموية بحملات الصوائف والشواتي، ضد الممالك والإمارات النصرانية في الشمال الأسباني، أصبحت الغنائم التي تنتج عن تلك الغزوات أحد الموارد الهامة للخزانة العامة، حتى قال فيها أحد الشعراء يمتدح أحد القادة المشهورين بالغزو:\nففي كلِّ صيف وفي كلِّ مشتى … غزاتان منك على كل حال\nفتلك تبيدُ العدو وهذي … تفيد الإمام بها بيت مال (^٢)\nففي عهد الأمير هشام الرضا بلغ خمس الغنائم خمسة وأربعين ألف من الذهب العين وذلك سنة (١٧٧) هـ (٧٩٣ - (٧٩٤) م) (^٣) وبلغت الغنائم أوجها في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر حتى أنه كان يعرف بالجلاّب (^٤). ولكي تتجنب تلك الممالك والإمارات ضربات الجيوش الأموية، كانت تلتزم بدفع الجزية، ومن تأخر عن موعده تولت الجيوش\n_________\n(^١) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٥١.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٣٩.\n(^٣) - المصدر السابق، ٢/ ٦٤.\n(^٤) - نفسه، ٣/ ١٣.","vol":"1","page":389},{"text":"الأندلسية إرغامه على دفعها (^١). بالإضافة إلى ما كانت الجيوش الأندلسية تحصل عليه جراء تصديها للمناوئين في بر العدوة المغربية (^٢).\nبقي أن أشير إلى أنه كانت هناك ضريبة عينية، تسمى وظائف مخزنية، إذ يتم فيها استلام الحبوب ممن فُرض عليهم دفعها، وتخزينها في مستودعات خاصة تسمى \"أهراء\" وهذه الأهراء يجب أن تبقى ملأى بالحبوب، إما لمواجهة سنوات القحط، أو لتكون عونا للجيوش الغازية، أو لبيعها أحيانًا في الأسواق عندما تقل الحاجة إليها (^٣)، وقد تغيرت هذه الضريبة فيما بعد، إذ أصدر الخليفة علي بن حمود قرارًا يقضي بتحصيلها نقدًا لا عينًا، على أساس ستة دنانير لكل مدي قمح، وثلاثة دنانير لكل مدي شعير (^٤).\nومن كل هذه الأنواع العديدة من الضرائب، لا عجب أن تكون الخزانة العامة غاصة بالأموال. وطبيعي أن المقدار الذي كانت الدولة\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٣٤ - ١٣٥.\n(^٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩.\n(^٤) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٤٣. ومن الملاحظ أن المصادر الأندلسية شحيحة المعلومات عند الحديث عن المكاييل والموازين في الأندلس، فلم تعرف بالإضافة للمدي سوى القفيز، والمدي القرطبي يزن ثمانية قناطير والستة أقفزة هي نصف مدي، وتزن أربعة قناطير. انظر: نصوص عن الأندلس، ص ١٢٤، ١٢٥. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٠٩. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٣. تعليق منتقى، ص ٣٢.","vol":"1","page":390},{"text":"الأموية في الأندلس تحصل عليه من الجباية سار بالتدريج من القلة إلى الكثرة. وهذا الأمر لا يقتصر على الدولة الأموية بل ينسحب على جميع الدول، وهو ما تعرض ابن خلدون لمناقشته، حيث أشار إلى أن الدولة في بداية عهدها تكون قليلة الجباية، لتمسكها بأمور الشرع من جهة، ولتخلقها بأخلاق البداوة إن كانت ذات عصبية، وهي بذلك تعمد إلى المسامحة والغفلة عن التحصيل إلا ما ندر، وإذا وصلت الدولة إلى مرحلة الحضارة وجاء الملك العضوض احتاج ولاة الأمر إلى أموال تغطي حياة الترف التي يعيشونها، فيعمدون عندها إلى فرض الضرائب والمكوس، ويكثرون منها، فتكثر الجباية، ثم تتدرج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار، والرعية لا تشعر بثقل تلك المغارم، فيهضموها كأنها عادة مفروضة (^١).\nوإذا أتينا إلى الدولة الأموية في الأندلس، نجد أن كلام ابن خلدون قد طُبق هناك تمامًا، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، بلغت جملة الجباية (٣٠٠٠٠٠) دينار (^٢)، وارتفع هذا الرقم إلى الضعف في عهد الأمير الحكم الربضي ١٨٠ - (٢٠٦) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) حيث بلغ (٦٠٠٠٠٠) دينار (^٣)، وفي عهد ابنه الأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) كان دخل الدولة من الجباية مليون دينار (^٤).\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٢٩ - ٧٣١.\n(^٢) - نفح الطيب، ١/ ١٤٦.\n(^٣) - المصدر السابق، ١/ ١٤٦.\n(^٤) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٦.","vol":"1","page":391},{"text":"والحالة الاقتصادية لأي دولة ذات ارتباط وثيق بالاستقرار السياسي، فأي اهتزاز في الوضع السياسي، يعني انعكاسًا سلبيًا على الناحية الاقتصادية.\nوهذا ما جرى في الأندلس، فقد تعرضت منذ منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) إلى هزات سياسية عنيفة، واندلعت الفتن في أرجاء الدولة، الأمر الذي قصر سيطرتها على قرطبة وبعض النواحي، مما أدى إلى حرمان الدولة من مصادر مالية عديدة، وبالتالي فإن مقدار الجباية قل كثيرًا عما كان عليه سابقًا.\nلكن مع بسط الخليفة عبد الرحمن الناصر نفوذه على أرجاء الدولة ككل، تحسن الوضع الاقتصادي كثيرًا، فارتفعت المبالغ المحصلة من الجباية فقط إلى (٥٤٨٠٠٠٠) دينار (^١) \" خمسة ملايين وأربعمائة وثمانون ألف دينار\" ويبدو أن الثراء الاقتصادي الذي كانت تعيشه الأندلس، قد بهر الرحالة ابن حوقل، مما دفعه إلى التصريح بذلك، فقد اعتبر أن الخزانة العامة في الأندلس لا مثيل لها في العالم الإسلامي إلا ما كان عند الغضنفر أبي تغلب بن الحسن بن عبد الله بن حمدان (^٢).\n_________\n(^١) - انظر الحلة السيراء، ١/ ٢٣٣، حاشية رقم ١.\n(^٢) - صورة الأرض، ص ١٠٧. أبو تغلب الغضنفر بن الحسن بن عبد الله بن حمدان التغلبي، تولى إمارة الموصل عوضا عن أبيه الذي أصيب بعقله، وذلك سنة ٣٥٦ هـ، كان الغضنفر بطلًا سائسًا، خاض معارك عديدة في جهات متفرقة، وبسببها هرب إلى دمشق ونزل بظاهرها، ثم انتقل إلى الرملة بفلسطين في شهر محرم سنة ٣٦٩ هـ وهناك= =أسر وقتل صبرًا بين يدي الأمير مفرج الطائي وبعث برأسه إلى العزيز بالله الحاكم العبيدي في مصر. انظر: الكامل في التاريخ، ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥. سير أعلام النبلاء، ١٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧.، النجوم الزاهرة، ٤/ ١٣٦.","vol":"1","page":392},{"text":"ويذكر ابن حوقل اعتمادًا على ما سمعه من أحد محصلي الجبايات في الأندلس على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، أن الأموال التي دخلت خزانة الدولة منذ سنة ٣٢٠ - (٣٤٠) هـ (٩٣٢ - (٩٥١) م) كانت قريبًا من عشرين ألف ألف دينار (^١)، وعندما توفي كان في خزائنه من الأموال خمسة آلاف ألف ألف ثلاث مرات (^٢)، ولكن لعل هذا المبلغ دراهم لا دنانير (^٣).\nويعد عهد الخليفة الحكم المستنصر امتدادًا طبيعيًا لعهد والده، ولذا فمن المتوقع أن الدخل قد زاد عن سابقه، ثم بلغ في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر أربعة آلاف ألف دينار، عدا رسوم المواريث والمصادرات ونحوها (^٤)، ونظرًا للغزوات العديدة التي اشتهر بها المنصور، وحرصه الشديد على تحصيل الأموال وتنميتها، فقد وجد في بيوت الأموال بعد وفاته من الأموال النقدية أربعة وخمسين بيتا (^٥).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ١٠٧.\n(^٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٥٦٤.\n(^٣) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٤٦.\n(^٤) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٨.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ٣٠١.","vol":"1","page":393},{"text":"وهذه الدخول الضخمة، كان لها في المقابل وجوه إنفاق متعددة، لخصها أحد المؤرخين بقوله أن الأمويين كانوا يقسمون مال الخزانة لديهم إلى ثلاثة أقسام: ثلث للجيش، وثلث للصرف العام، وثلث يدخر (^١).\nوقد ذكر ابن سعيد عند حديثه عن الخليفة عبد الرحمن الناصر أنه كان يقسم أموال الجباية إلى ثلاثة أقسام: قسم للجند والحرب، وقسم للبنيان (^٢)، وقسم ينفق منه في غير هذين من المصالح، ويخزن باقية ذخيرة (^٣). والظاهر من النص أن الجباية تقسم أربعة أقسام، لكن لعل الأصح أنها ثلاثة إذ ان المال المدخر هو المتبقي من الثالث المعد للصرف في غير الجند والبنيان.\nوقد ذكر ابن الخطيب نقلًا عن ابن حيان معلومات أكثر تفصيلًا عن الإنفاق الذي كان يسير عليه الأمويون، فقد ذكر أن الأموال توضع في أربع بيوت تؤخذ النفقات السلطانية منها على المشاهرة بالزيادة والنقصان، مابين الشهر والشهر مائتي ألف دينار إلى مائة وخمسين ألفا، وعند دخول شهر يونيو يتضاعف الإنفاق فيه استعدادًا للغزو، حيث يصل\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ١٤٦.\n(^٢) - عن البناء في الأندلس، واهتمام الدولة الأموية به، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٢٤. المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٧٩. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٤٦، ٥٠، ٧٦، ٧٧، ١٧٩. نفح الطيب، ١، ١٦٢، ٥٢٦، ٥٢٧، ٥٧٩.\n(^٣) - المغرب في حلى المغرب ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":394},{"text":"إلى خمسمائة ألف دينار وأكثر، والفائض من الدخل بعد كل المصاريف يتم ادخاره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>خطة السكة:</span>\nتتألف السكة في نظر ابن خلدون من الدرهم والدينار فقط، ويكونان بوزن معلوم، ومقدار معين تجري عليهما أحكام الشرع الخاصة بالزكاة والأنكحة والحدود، ثم ذكر أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعين درهما وبذلك فهو يساوي سبعة أعشار الدينار، والمثقال من الذهب يزن ثنتين وسبعين حبة من الشعير، والدرهم خمسة وخمسين حبة من الشعير (^٢).\nوفي الأندلس، كان ضرب العملة من الأعمال السيادية للدولة الأموية، لكن يجب أن نشير إلى أنه كان للخاصة أيضًا مطلق الحرية في أن يجلبوا لدار السكة ما لديهم من ذهب وفضة، لكي تضرب لهم بقيمتها دنانير ذهبية ودراهم فضية (^٣).\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٨.\n(^٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٣.\n(^٣) - ذكر ابن حيان رواية عن أمية، ما فعله محمد بن أبي عامر عندما كان صاحب السكة في زمن الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد قبل ابن أبي عامر أن يأخذ من محمد بن أفلح غلام الخليفة الحكم، لجامًا محلى ثقيل الوزن ردئ العيار، فوزن له اللجام بحدائده وسيوره، وأعطاه قدر ذلك الوزن دراهم، تقديرًا من ابن أبي عامر للضائقة المالية التي كان يمر بها محمد بن أفلح. انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦٣.","vol":"1","page":395},{"text":"وحق سك النقود محدد بعمولة نسبية، تتراوح ما بين (١. (٧٥) %) للذهب، وأقل بقليل من ٣ % للفضة (^١)، وهذه العمولة تعود على الخزانة العامة للدولة بدخل ضخم، بلغ في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر مائتي ألف دينار أو ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف درهم سنويًا، إذ أن الدينار في الأندلس، يصرف بسبعة عشر درهمًا (^٢).\nوقد ذكر بعض المؤرخين أن الأندلس لم تعرف ضرب العملة منذ أن فتحها العرب، وأن أول من نظم السك الرسمي للنقود، هو الأمير عبد الرحمن الأوسط، إذ أنه قام بإحداث دار السكة بقرطبة وضرب الدراهم باسمه (^٣).\nولعل هذا ناتج عن أن العرب كانوا في الأندلس يتعاملون بالقطع القوطية، أو بالعملة الذهبية والفضية التي اعتاد بعض المسافرين جلبها معهم من المشرق، بقصد الاتجار بها في الأندلس (^٤)، وأن الوضع استمر على هذه الصورة حتى عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط، الذي امتثل لنصيحة أحد رجاله المخلصين، فقام بسك العملة. ولكن رغم ذلك لم تكن عملية السك تتم باستمرار، أو حتى بصورة تغطي الاحتياجات،\n_________\n(^١) -  Live Provencal، op.cit، ovl، III، P. ٤٢.\n(^٢) -  صورة الأرض ص ١٠٤.\n(^٣) - ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٦. ابن عذاري، البيان المغرب، ٢/ ٩١. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٤٠ - ١٤١.\n(^٤) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٤١.","vol":"1","page":396},{"text":"لأجل هذا استمر التعامل بالقطع النقدية القادمة من المشرق حتى أواخر عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط (^١).\nولكن القول بأن الأندلس لم تشهد ضربًا للسكة إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) لا يمكن التسليم به فقد ثبت أن العملة كانت تضرب في الأندلس، منذ عصر الولاة (^٢)، ٩٥ - (١٣٨) هـ (٧١٤ - (٧٥٥) م) فقد وُجد دينار ضرب بالأندلس سنة (٩٨) هـ (٧١٦ - (٧١٧) م) في عهد الوالي الحر بن عبد الرحمن الثقفي، ٩٧ - (١٠٠) هـ (٧١٦ - (٧١٩) م) كتب في مركزه عبارة \"محمد رسول الله\" وعلى الطوق \"ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ثمان وتسعين\" وكان وزن ذلك الدينار \" (٤). (٢٩) غم\" (^٣) واستمر ضرب العملة في\n_________\n(^١) -  L.provencal، op.cit.Vol.III، p: ٤٢ - ٤٣\n(^٢) -  لقد شهدت الأندلس ضرب العملة في مرحلة الفتح، إلا أن تلك العملة كانت الكتابات اللاتينية تغظي منطقتي الوجه والظهر، انظر: كتاب معرض المسكوكات (إصدار مكتبة الملك عبد العزيز العامة الرياض ١٤١٤ هـ) ص ١٣.\n(^٣) -  Al-Andalus، The Art Islamic Spain.p. ٣٨٦.  وهناك دينار ذهب ضرب في نفس السنة، وزنه ٤. ١٢ غم وقطره ٢٤ مم وفي الوجه كتابة بالعربية \"محمد رسول الله، ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ثمان وتسعين\" وعلى الظهر كتابة لاتينية. انظر: كتاب معرض المسكوكات، ص ١٤.","vol":"1","page":397},{"text":"الأندلس خلال السنوات (١٠٢) هـ (^١) (٧٢١ م) وسنة (١٠٤) هـ (^٢) (٧٢٢ - (٧٢٣) م) وسنة (١٠٥) هـ (^٣) (٧٢٣ م)\n_________\n(^١) - كان على هذا الشكل في المركز\nوجه القطعة … ظهر القطعة\nبسم الله … لا إله\nالرحمن … إلا الله\nالرحيم … وحده\nالطوق: ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ثنتين ومائة.\nG.C.Miles: TheCoinage ofTheUmayyads of spain New york، ١٩٥٠.p: ١١٣ - ١١٤  انظر: كتاب معرض المسكوكات، ص ١٤.\n(^٢) - هذا درهم ضرب على عهد الوالي عنبسة بن سحيم الكلبي الذي استمرت ولايته من ١٠٣ - ١٠٧ هـ وكان شكل الدرهم بهذه الصورة: المركز\nوجه القطعة … ظهر القطعة\nالله احد الله … لاإله إلا\nالصمد لم يلد … الله وحده\nولم يولد ولم يكن … لاشريك له\nله كفوا أحد … الطوق: بسم الله ضرب هذا الدرهم بالأندلس سنة أربع ومائة.\nMiles، Op.Cit.p: ١١٥ - ١١٦.\n(^٣) -  هذا درهم صفته مثل سابقة إلا أن الكتابة عكست فما كان في الوجه جعل في الظهر، وزيد عليه في الهامش عبارة \"محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون\". انظر د. عبد الرحمن فهمي، فجر السكة العربية، (القاهرة، دار الكتب، ١٩٦٥ م) ص ٨٤.","vol":"1","page":398},{"text":"وسنة (١٠٦) هـ (^١) (٧٢٤ م) وسنة (١١٠) هـ (^٢) (٧٢٨ م) وسنة (١١٦) هـ (^٣) (٧٣٤ م).\n_________\n(^١) - ضرب هذا الدينار بالأندلس في عهد الوالي عنبسة بن سحيم الكلبي وجاء على هذه الصورة: المركز\nوجه القطعة … ظهر القطعة\nبسم الله … لا إله\nالرحمن … إلا الله\nالرحيم … وحده … محمد رسول الله … أرسله بالهدى … ودين الحق\nالطوق ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ست ومائة\nالوزن: ٤. ٢٤ غم\nانظر  AL-Andalus، op.cit.p: ٣٨٦.\n(^٢) -  هذا فلس ضرب بالأندلس إما في عهد حذيفة بن الأحوص القيسي أو في عهد خلفه عثمان بن أبي نسعة الخثعمي. وقد جاء بسيطًا على هذه الصورة: المركز\nوجه القطعة … ظهر القطعة\nمحمد … لا إله\nرسول الله … إلا الله\nالطوق: \"الوجه\" ضرب هذا الفلس بالأندلس سنة عشر ومائة\nانظر:  Miles، op.cit p: ١١٨.\n(^٣) -  هذا درهم ضرب في عهد الوالي عقبة بن الحجاج السلولي، ١١٦ - ١٢٣ هـ وقد جاء الدرهم على هذه الصورة: المركز\nوجه القطعة … ظهر القطعة\nلا إله … الله أحد الله\nالله وحده … الصمد لم يلد و\nلا شريك له … لم يولد، ولم يكن … له كفوا أحد\nالطوق: \"الوجه\" بسم الله ضرب هذا الدرهم بالأندلس سنة ست عشرة ومية، \"الظهر\" محمد رسول الله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون\". الوزن، ٢. ٩٠٠ غم، القطر ٢٧ مم، انظر: ناصر النقشبندي، نقود أندلسية من أسبانية، (مجلة سومر، الجزء الأول، المجلد السابع، مديرية الآثار القديمة العامة، بغداد، ١٩٥١ م) ص ٨١.","vol":"1","page":399},{"text":"وسنة (١٣٥) هـ (^١) (٧٥٤ م).\nوفي عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، مؤسس الدولة الأموية بالأندلس، بدأ ضرب السكة. وهذا يدل على أنه هو الذي أحدث دارًا لضرب السكة لا الأمير عبد الرحمن الأوسط، وربما يكون دور الأخير مقتصر على تجديد الدار وتوسعتها.\n_________\n(^١) - درهم ضرب في عهد الوالي يوسف الفهري، ١٢٩ - ١٣٨ هـ وهو مثل سابقه، إلا أن وزنه وقطره أصبحا أقل، فقد بلغ وزنه ٢. ٦٠٠ غم، وقطره ٢٦ مم. انظر: ناصر النقشبندي، المرجع السابق ص ٨١ - ٨٢.","vol":"1","page":400},{"text":"ففي سنة (١٥٠) هـ (٧٦٧ م) ضُرب درهم بالأندلس في العاصمة قرطبة (^١). ودرهم أخر سنة (١٥٣) هـ (^٢) (٧٧٠ م) وسنة (١٥٦) هـ (^٣) (٧٧٣ م) وسنة (١٧٠) هـ (^٤) (٧٨٦ م).\nوفي عهد الأمير الحكم الربضي ضُربت العملة وذلك سنتي (١٨٧) هـ (٨٠٢ م) (^٥) وسنة (١٩٦) هـ (^٦) (٨١١ م) وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ضُربت الدراهم في أعوام (٢٢٩) هـ (^٧) (٨٤٣ م) و(٢٣٧) هـ (^٨) (٨٥١ م)\n_________\n(^١) - جاء هذا الدرهم على صورة سابقه تماما. انظر:  Miles، op، cit.p: ١١٧ - ١١٩.\n(^٢) -  كان هذا الدرهم على صورة سابقة. انظر: ناصر النقشبندي، المرجع السابق، ص ٨٢.\n(^٣) - على الهيئة السابقة، انظر:  AL-Andalus، op، cit، p: ٣٨٧.\n(^٤) -  مثل سابقه، إلا أنه توجد زخرفة في الأعلى وذلك في مركز الظهر، أما الوزن فكان ٢. ٧٠٠ غم، والقطر ٣٢ مم، انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص ٨٣.\n(^٥) - هذا الدرهم مثل سابقه، إلا أن وزنه أصبح ٢. ٤٥٠ غم وقطره ٢٧ مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص ٨٣.\n(^٦) - مثل سابقه، إلا أنه يوجد هلال صغير في مركز الوجه، الوزن ٢. ٧٠٠ غم، القطر ٢٦ مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص ٨٣.\n(^٧) - مثل سابقه، الوزن ٢. ٥٠٠ غم، القطر ٢٥ مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص ٨٣.\n(^٨) - مثل سابقه، الوزن ٢. ٢٠٠ غم، القطر ٢٦ مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص ٨٣.","vol":"1","page":401},{"text":"و(٢٣٨) هـ (^١) (٨٥٢ م) وضربت العملة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وذلك في سنتي (٢٥٥) هـ (^٢) (٨٦٨ م) وسنة (٢٦٠) هـ (^٣) (٨٧٣ م) وضرب فلس في عهد الأمير عبد الله بن محمد وذلك سنة (٢٨٢) هـ (^٤) (٨٩٥ م).\nونظرًا للاضطراب السياسي الذي تعرضت له الدولة الأموية في الأندلس في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) فقد أصبحت العملة قليلة التداول لعدم وفرتها، إذ يبدو أن دار الضرب قد أُغلقت، مما تسبب في فقدان العملة من أيدي الناس (^٥)، واستمر انقطاع العملة مدة طويلة حتى أمر الخليفة عبد الرحمن الناصر بإنشاء دار السكة داخل قرطبة وذلك سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) وأمر أن تضرب فيها الدنانير الذهبية والدراهم الفضية (^٦).\n_________\n(^١) - مثل سابقه، الوزن ٢. ٦٥ غم، القطر ٢٧ مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص ٨٤.\n(^٢) - مثل سابقه، الوزن ٢. ٧٠٠ غم، القطر ٣٠ مم. انظر النقشبندي المرجع السابق ص ٨٤.\n(^٣) - مثل سابقه، الوزن ٢. ٤٥٠ غم، القطر ٢٥ مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص ٨٤.\n(^٤) -  Miles، op.cit p. ١٢١.\n(^٥) -  المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤٣.\n(^٦) - المصدر السابق، ص ٢٤٣. كانت دار العملة في عصر الولاة موجودة في طليطلة وإشبيلية، ثم نقلت إلى قرطبة. انظر: فجر السكة العربية، ص ٨٠، ٨٥ - ٨٦، وكان= =موقعها بقرطبة في مكان يسمى باب العطارين. انظر: الهمداني، مختصر كتاب البلدان، (مطبعة بريل، ليدن، ١٣٠٢ هـ) ص ٨٨.","vol":"1","page":402},{"text":"ويمكن القول بأن دار السكة في الأندلس، أصبحت لها شخصيتها القائمة بذاتها منذ عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، فطيلة العهود التي سبقته لم نسمع بذكر لمتولي السكة، لكن في عهده أصبح هناك مسئول عن دار السكة، وغدت هذه الإدارة خطة من الخطط الهامة في الدولة، يعمل فيها مجموعة من الموظفين والسكاكين المهرة، تحت إشراف مسئول من كبار مسئولي الدولة يعرف باسم صاحب خطة السكة (^١)، أو صاحب السكة (^٢)، الذي ينبغي أن يكون أمينًا صاحب علم ومعرفة بهذه الصنعة، مع دراية بأنواع خطوط الطوابع، نزيهًا، دينًا (^٣).\nكما يجب أن يكون الرجل الذي يضع الرسم الذي تُسك عليه العملة ويكتب نصفها بارع الخط (^٤)، وأن تكون آلاته وأقلامه محفوظة في\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤١.\n(^٣) - أبو الحسن علي بن يوسف الحكيم، الدوحة المشتبكة في ضوابط السكة (تحقيق: د. حسين مؤنس، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ط الأولى، ١٣٧٩ هـ /١٩٦٠ م) ص ٥٢.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٥٥.","vol":"1","page":403},{"text":"حرز لا تخرج منه إلا عند الحاجة (^١)، وكل ما يجري في دار السكة لا يتم إلا تحت شاهدي العدل المتواجدين دائمًا في هذه الدار (^٢).\nوأول من تولى خطة السكة في الأندلس أحمد بن محمد بن حدير، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة (٣١٦) هـ (نوفمبر (٩٢٨) م) ومنذ ذلك اليوم بدأت عملية ضرب العملة من خالص الذهب والفضة (^٣).\nوعندما نقلت دار السكة إلى الزهراء كان عبد الرحمن بن يحيى هو أول من تولاها (^٤)، وذلك سنة (٣٣٦) هـ (^٥) (٩٤٧ م).\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٥٦.\n(^٢) - نفسه، ص ٥٣ - ٥٤.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٤٣. والملاحظ أنه لم نسمع بضرب العملة الذهبية في الأندلس إلا في عصر الولاة، بينما اختفى ذلك تمامًا في عصر الإمارة، انظر:  Miles، op، cit p: ٢٤، ٤٠، ٩٦.\n(^٤) -  المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٤٤.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ٢١٥.","vol":"1","page":404},{"text":"كما يتم أحيانًا ضرب اسم صاحب خطة السكة على العملة مع اسم ولقب الخليفة (^١)، وفي بعض الأحيان يضرب اسم الحاجب (^٢)،\n_________\n(^١) - ضرب الدينار في الأندلس سنة ٣٣١ هـ، فجاء على هذه الصفة: … وجه القطعة … ظهر القطعة\nالمركز: … لا إله إلا … الإمام الناصر … الله وحده … لدين الله عبد الرحمن … لا شريك له … أمير المؤمنين … قاسم … الطوق: … محمد رسول الله أرسله … بسم الله ضرب هذا … بالهدى ودين الحق ليظهره … الدينر سنة إحدى … على الدين كله ولو كره … وثلاثين وثلاثمائة … المشركون … انظر، أبو رميله، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٥٨، وقاسم المذكور في هذه العملة هو قاسم بن خالد، الذي تولى خطة السكة سنة ٣٣٠ هـ وهو صاحب العيار الجيد المضروب به المثل، فإلى وقت ابن حيان كان يقال: الدينار أو الدراهم القاسمية لجودتها، وقد قتل قاسم بأيدي عبيده في ذي القعدة سنة ٣٣٢ هـ، انظر المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤٣ - ٢٤٤، ٤٨٦ - ٤٨٧.\n(^٢) - ضرب في الأندلس سنة ٣٩٨ هـ: المركز\nوجه القطعة … ظهر القطعة\nهلال صغير في أعلاه\" لا شريك له\" … الحاجب … الإمام هشام … أمير المؤمنين … المؤيد بالله … عبد الملك\n=الطوق: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، الوزن ٣. ٢٥٠ غم، القطر ٢٤ سم. انظر النقشبندي المرجع السابق ص ٨٤ - ٨٥.","vol":"1","page":405},{"text":"وكذلك اسم ولي العهد، ولدينا من هذه نموذجًا ضرب في عهد الخليفة المستعين بالله سنة (٤٠٠) (^١) (١٠٠٩ م).\nوقد قام خلفاء الفتنة، ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٨ - (١٠٣١) م) بضرب نقود تحمل أسماءهم، ولعلها لا تختلف عما كان شائعًا لدى الأمويين من قبل (^٢)، والتدليس في العملة أمر خطير جدًا، فهو من العوامل الرئيسة في ضرب الاقتصاد لأي دولة، وهو ما يعرف حاليًا بالتزوير، كما أنه عُدُّ من الإفساد بالأرض (^٣)، وقد بينَّ الفقهاء عقوبة المدلِّس، فمنهم من اكتفى بالجلد (^٤)، لكن هناك من يرى الضرب والحلق والتجريس (^٥)، والبعض يرى قطع يده (^٦)، وهناك من يرى سجنه حتى الموت (^٧)، بل إن بعض الفقهاء جعل السلطان مخيرًا في عقوبة من يقوم بالتدليس (^٨).\n_________\n(^١) - النقشبندي، المرجع السابق ص ٨٥.\n(^٢) - انظر: قرطبة الإسلامية في القرن الخامس الهجري، ص ١٧٢ - ١٧٦.\n(^٣) - الدوحة المشتبكة في ضوابط السكة، ص ١٢٢.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ١٢٢ - ١٢٣.\n(^٥) - نفسه، ص ١٢٢ - ١٢٣.\n(^٦) - نفسه، ص ١٢٣.\n(^٧) - المعيار المعرب، ٢/ ٤١٤.\n(^٨) - الدوحة المشتبكة، ص ١٢٢.","vol":"1","page":406},{"text":"وقد كان البعض يقوم بإضافة بعض القطع المعدنية الصغيرة للدرهم أو الدينار لكي يصل إلى الوزن المطلوب، وقد عُثر في مدينة شلب بالبرتغال، على دفينة تحوي دراهم ضُربت بالأندلس سنة (١٥٣) هـ (٧٧٠ م) وسنة (٢٦١) هـ (٨٧٥ م) فيها عدة دراهم قد ثقبت بآلة حادة وأضيفت إليها قطع صغيرة من الدراهم طويت عند حافتها (^١).\nوإذا جاء التدليس من رجل غير مسئول، فربما ينظر إليه نظرة تختلف كثيرًا عن النظرة لصاحب خطة السكة الذي يقوم هو نفسه بالتدليس، وقد اشتهر الوزير صاحب السكة سعيد بن حسان بالتدليس وعندما وقف الخليفة عبد الرحمن الناصر على فعلته سخط عليه وحبسه مهانا (^٢).\n_________\n(^١) - د. أمين توفيق الطيبي، دراسات وبحوث في تاريخ المغرب والأندلس، (ليبيا-تونس، نشر: الدار العربية للكتاب، ١٩٨٤ م) ص ٣٣١.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤٣.","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>الفصل الثالث: الخطط السياسية</span>\nالمبحث الأول: خطة الحجابة\nالمبحث الثاني: خطة الوزارة","vol":"1","page":409},{"text":"","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة الحجابة </span>\nلم تعرف الأندلس تنظيمًا إداريا واضح المعالم، إلا بعد وصول الأمير عبد الرحمن الداخل إلى سدة الحكم هناك، واقامته الدولة الأموية فيها، فقد وضع الركائز الأساسية للنظام السياسي والإداري، عندما أنشأ عدة مناصب سياسية منها \"خطة الحجابة\" فبعد أن أعلن عن قيام إمارته، اتخذ عددًا من المشاورين والأعوان إختصهم بمجالسته، واختار من بينهم شخصًا لقبه بالحاجب (^١).\nويوضح لنا ابن خلدون الفرق بين منصب الحاجب لدى الأمويين بالأندلس عنه لدى العباسيين ببغداد، فهو لدى العباسيين خاص \"بمن يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في مواقيته، وكانت هذه مُنَزَّلة عن الخطط مرؤوسة لها، إذ الوزير متصرف بما يراه … وأما في الدولة الأموية بالأندلس فكانت الحجابة لمن يحجب السلطان عن الخاصة والعامة، ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم\" (^٢).\n_________\n(^١) نفح الطيب، ١/ ٢١٦. وقد ذكر ابن الآبار أن عيسى بن أحمد بن محمد الرازي قد ألَّف كتابًا خاصًا بمن تولى الحجابة لبني أمية في الأندلس، أسماه \"الحجاب للخلفاء بالأندلس\" انظر: الحلة السيراء، ١/ ١٣٨. ولاشك أنه لو وصل إلينا هذا الكتاب لسد فراغًا أكيدًا في المعلومات المتعلقة سواءًا بخطة الحجابة أو نظام الحكم في الأندلس.\n(^٢) ابن خلدون، المقدمة، ص ٦٧١.","vol":"1","page":411},{"text":"وطيلة عهد الإمارة والخلافة الأموية بالأندلس تولى منصب الحجابة عدة شخصيات نالت ثناء المؤرخين، من أشهر أولئك الحجاب: -\nعبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ت (٢٠٩) هـ (٨٢٤ م) الذي تولى الحجابة معظم إمارة الحكم بن هشام وثلاث سنوات من إمارة ابنه عبد الرحمن الأوسط فقد قال عنه ابن القوطية \"لم يختلف مختلف من شيوخ الأندلس أنه لم يخدم بني أمية بالأندلس أكرم منه عناية وأكثر طاعة … إلا أنه كان يقبل الهدية والمكافأة على قضاء الحاجة (^١) \" ووصفه الرازي بأنه \"أكمل من حمل هذا الاسم وأجمعهم لكل حسنة (^٢) \" ويرى ليفي بروفينسال أنه \"أعظم رجال دولة الحكم على الإطلاق (^٣) \"، فقد كان يجمع خصالًا لم تكن تتوفر للكثيرين من رجال الدولة في عصره، فقد كان عسكريًا ممتازا، وسياسيًا محنكًا، وكاتبًا أدبيًا عالمًا (^٤).\nكما برز اسم حاجب آخر تولى الحجابة للأمويين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد هو الحاجب عيسى بن شُهيد ت (٢٤٣) هـ (٨٥٧ م) الذي تولى الحجابة بعد سفيان بن عبد ربه وذلك سنة (٢١٨) هـ (٨٢٢ م) (^٥) فآثره الأمير عبد الرحمن الأوسط على أصحابه \"وكان أهلًا\n_________\n(^١) ابن القوطية، ص ٧٤.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥.\n(^٣)  I.provencal: op، cit، I p: ١٦٦.\n(^٤)  المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق: رقم ٨٢.\n(^٥) البيان المغرب، ٢/ ٨٤.","vol":"1","page":412},{"text":"لإيثاره إذ كان من أعيان رجال الموالي في الدولة … ومن أشهرهم بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والحزم والجزالة، وقد قاد بالصوائف فأحمدت سياسته وكانت له في التدبير آراء صائبة، وفي الحروب مقاومة كريمة (^١) \" ويفضل على نظيره عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث بأنه لم يكن يقبل الهدية أو المكافأة على قضاء الحاجة (^٢) بل كان يهجر من عرضها عليه (^٣).\nوعندما نقلب صفحات تاريخ حجاب بني أمية بالأندلس، نجد أن أيًا منهم لم يصل إلى هذا المنصب إلا إن كان من صنائعهم، بالإضافة إلى أنه لابد من المرور بعدة مناصب هي أشبه ما يكون بالتدرج الوظيفي، فإذا ظهرت كفاءته فيها، رقي إلى منصب الحجابة.\nفالحاجب سفيان بن عبد ربه \"كان من أكابر رجال أهل الخدمة الكفاة المستقلين بأعبائها، … تولى خدمة الخزانة الكبرى أيام الأمير الحكم … ولم يزل ينتقل في مراتب الخدمة إلى أن نال الحجابة\" (^٤)، وهذا التدرج الذي مر به الحاجب سفيان بن عبد ربه سلكه خلفه الحاجب عيسى بن شُهيد، فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط \"خطة الخيل، ثم\n_________\n(^١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٦.\n(^٢) ابن القوطية، ص ٧٤.\n(^٣) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠.\n(^٤) المصدر السابق، ص ٢٥.","vol":"1","page":413},{"text":"استوزره، وولاه النظر في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة، ثم استحجبه (^١) \".\nوورد في المقتبس أن سعيد بن محمد بن السليم كان من صناع الأمير عبد الله بن محمد قبل أن يصبح أميرًا، فلما تولى الإمارة ولى ابن السليم خطة السوق، فظهرت منه صرامة وقوة، وتمكن من ضبط أمور العامة، وبلغ من قوة بأسه أنه سجن خصيًا للمطرف ابن الأمير عبد الله بن محمد بعد أن شقق أثوابه وضربه مائتي سوط، نتيجة قلة أدب ذلك الخصي، وإساءته لابن السليم في مجلس نظره وسط السوق، وبعد ذلك أبلغ ابن السليم الأمير عبد الله بما جرى، فصوَّب الأمير فعله واستحسنه، وأدرك مدى استقلاله بعمله وكفاءته، ولذا فبعد مدة وجيزة من تلك الحادثة ولاه الوزارة ثم الحجابة (^٢).\nوهذا موسى بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير تدرج في عدة مناصب حتى وصل إلى الحجابة، فقد تولى للأمير عبد الله بن محمد خطة القُطُع، ثم ولي خطة المدينة، ثم تولى الوزارة في أول عهد عبد الرحمن الناصر وظل بها إلى أن توفي الحاجب بدر بن أحمد (^٣) سنة (٣٠٩) هـ\n_________\n(^١) نفسه، ص ٢٦.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ٤ - ٥.\n(^٣) هو أبو الغصن بدر بن أحمد الصقلبي، كان وصيفًا للأمير عبد الله بن محمد، فأعتقه وصرَّفه في الخطط وأصبح في مقام الحاجب، وفي عهد عبد الرحمن الناصر تولى بدر عدة خطط ثم رقاه للحجابة، امتاز بآرائه الصائبة، ومازال بدر في سؤدد حتى توفي ليلة الجمعة لست خلون من رجب سنة ٣٠٩ هـ. وقد أطلق عليه ابن حيان لفظ \"الخصي\" رغم أنه كان له أولاد. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ٤، ١٣٠ - ١٣٢. المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص ١٧٣. الحلة السيراء ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣.","vol":"1","page":414},{"text":"(٩٢١ م)، فاستحجبه الناصر وظل في هذا المنصب إلى وفاته سنة (٣٢٠) هـ (^١) (٩٣٢ م)، ولقد كانت لهذا الحاجب شخصية نفاذة تستقطب الأنظار نحوها، حتى أن الوزير عبد الملك بن جهور يقول عنه: \"ما رأيت مثل موسى: لم يجمعه أمير المؤمنين مع أحدٍ إلا كان المستحوذ على المجلس في الجد والهزل\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>مهام الحاجب:</span>\nوللحاجب مهام ومسؤوليات أنيطت به، عليه الالتزام بها وتأديتها على الوجه الأكمل، فعن طريقه يتم الوصول للأمير أو الخليفة (^٣) كما أنه هو المتحدث معهما نيابة عن الوزراء (^٤). ف\"هو صاحب الكلام وقيمِّ البيت (^٥) \" كما أنه يفصل فيما يجري بين الوزراء من اختلاف (^٦) وعليه اتخاذ التدابير اللازمة لنزهة الأمير أو الخليفة (^٧)، وإذا كونت لجنة للإشراف\n_________\n(^١) الحلة السيراء، ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(^٢) المصدر السابق، ص ٢٣٣.\n(^٣) ابن القوطية، ص ٣٧.\n(^٤) انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧ - ١٥٢.\n(^٥) المصدر السابق ص ١٥٤ ويعني البيت بيت الوزراء.\n(^٦) انظر: نفح الطيب، ٣/ ٥٤٠.\n(^٧) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢١.","vol":"1","page":415},{"text":"على بناء ورفع تقرير مفصل عن هذه المهمة للأمير أو الخليفة فالحاجب يتولى رئاسة تلك اللجنة (^١)، كما أن من وظائفه النظر في أحباس الخليفة (^٢)، وأخذ البيعة لولي العهد (^٣)، وفي بعض الأحيان يتولى الحاجب أمر إدارة الدولة وتسيير شئونها (^٤).\nوالحاجب يجمع إلى جانب خطته، خططًا أخرى، فالحاجب بدر بن أحمد حاجب الخليفة عبد الرحمن الناصر كان يتولى مع الحجابة خطة الوزارة وخطة الخيل والبُرُد، بالإضافة إلى قيادة الجيوش والإشراف على الولاة (^٥)، ومن قبله الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث فقد كان يتولى للأمير الحكم الربضي الحجابة والكتابة وقيادة الجيوش (^٦). ومن هنا ندرك أن منصب الحجابة لا يتولاه إلا أشهر رجال الدولة، فإما أن يكون من أهل السيف مثل بدر بن أحمد أو من رجال القلم مثل عيسى بن\n_________\n(^١) نفسه ص ٢٢١. البيان المغرب، ٢/ ٢٣٣.\n(^٢) المصدر السابق، ٢/ ٢٣٤.\n(^٣) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٦٦. البيان المغرب، ٢/ ١٥٨، ٢٦٢.\n(^٤) ابن القوطية، ص ٤٥. مطمح الأنفس، ١٤٥. البيان المغرب، ٢/ ٢٥٩. دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ٢ ص ٤٦٠.\n(^٥) الحلة السيراء، ١/ ٢٥٣.\n(^٦) المصدر السابق، ١/ ١٣٥ - ١٣٦. البيان المغرب، ٢/ ٦٩، ٧٥، ٨١، ٨٢.","vol":"1","page":416},{"text":"شُهيد وجعفر المصحفي، أو من رجال السيف والقلم معًا مثل عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث وهاشم بن عبد العزيز (^١).\nوللحاجب فراش أرفع من بقية فرش الوزراء ويختلف عنهم، إذ أن فراشه من الديباج بينما فرشهم من الكتان، إلا أنه ابتداءً من عهد الخليفة هشام المؤيد أصبح فراش الحاجب مثل فرش الوزراء، والسبب في ذلك ما ذكره ابن حيان من أن جعفر المصحفي عندما تقلد حجابة الخليفة هشام المؤيد، ورفع فراشه فوق فرش الوزراء كما هي العادة، وكان فراشه من الديباج، خاطب جعفر هشامًا قائلًا \"إني أستحي من أصحابي أن أتمهد أفضل من فرشهم، مع عجزي عن درك شأوهم، غير أنا نسلم لأمير المؤمنين اختياره، فإما يساوي بيننا في فرش كرامته، وإما أقرنا على الأمر الأول ولا كفران لنعمته، فأفرش للجميع فرش الكتان، فجرى عليه الرسم إلى آخر الزمان\" (^٢).\nوكان الحاجب يتقاضى راتبًا على وظيفته مقداره ثمانون دينارًا في الشهر (^٣). ولايسير إلا في موكب ضخم، فقد كان الحاجب جعفر المصحفي - بسبب ضخامة موكبه - يعمد إلى وضع عدد من الكتاب على\n_________\n(^١) الحلة السيراء، ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨. البيان المغرب، ٢/ ١١٥. دولة الإسلام في الأندلس ع ١ ق ٢، ص ٦٨٤.\n(^٢) الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٥٩.\n(^٣) البيان المغرب، ٢/ ٢٦٧.","vol":"1","page":417},{"text":"جانبي موكبه لأخذ القصص المرفوعة من الناس إليه (^١)، وعندما تقام الاحتفالات الرسمية سواءً بمناسبة الأعياد أو الاستقبالات التي تجري للوفود الزائرة أو غير ذلك، فإن الحاجب يكون عن يمين الخليفة (^٢).\nمن كل ما مضى ندرك أهمية منصب الحجابة، ورفعة شأن متوليه، ولذا فقد كان التنافس شديدًا بين الوزراء للوصول إلى هذا المنصب، فقد ذكر ابن القوطية أنه بعد وفاة الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث سنة (٢٠٩) هـ (٩٢١ م) أكثر الوزراء من الكتابة للأمير عبد الرحمن الأوسط كل واحد منهم يخطب منصب الحجابة لنفسه، فلما أكثروا عليه ضجر، وجعلها معطلة مدة يسيرة، ثم ولاها أحد الخزان (^٣). فهذا التنافس أبلغ دليل على سمو منصب الحجابة، كما أن تعطيلها وتوليتها لواحد من غيرهم فيه مصالح عدة، من أهمها أن الأمير لم يكسب عداوة أحد منهم، وفي الوقت نفسه لم يترك للضغينة والحقد مجالًا بينهم، بالإضافة إلى أن في حرمانهم منها لفترة فيه تأديب لهم وتهديد بخروج هذا المنصب عنهم دائمًا وأبدًا.\nومنصب الحجابة عرضة لأن يتم تعطيله، فالأمير محمد بن عبد الرحمن ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) لم يتخذ سوى حاجبين\n_________\n(^١) الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٦٧. البيان المغرب، ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٨ - ٣٠، ٥٠.\n(^٣) ابن القوطية، ص ٦٢. المقتبس، تحقيق: محمود مكي، ص ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":418},{"text":"طيلة فترة حكمه (^١)، كان آخرهما عيسى بن الحسن بن أبي عبد ة الذي تولى الحجابة عام (٤٧٢) (^٢) (٨٥٧ م) ثم إن الوزير هاشم بن عبد العزيز أصبح هو المدبر لدولة الأمير محمد بن عبد الرحمن، رغم أنه لم يطلق عليه لقب حاجب، لأجل هذا فمن المتوقع أن يكون منصب الحجابة معطلًا طيلة المدة التي أعقبت وفاة ابن أبي عبد هـ التي لم يدَّون تاريخها، خاصة وأن سنة وفاة الحاجب ابن أبي عبد ة غير معروفة.\nثم تكررت عملية تعطيل منصب الحجابة مرتين، ففي عهد الأمير عبد الله بن محمد بقي منصب الحجابة شاغرًا عدة سنوات وذلك بعد عزل الحاجب سعيد بن محمد بن السليم عنها (^٣)، وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ظل منصب الحجابة معطلًا طيلة ثلاثين سنة، فبعد وفاة حاجبه موسى بن محمد بن سعيد بن موسى في منتصف شهر صفر سنة (٣٢٠) هـ (فبراير (٩٣٢) م)، لم يستحجب من بعده أحدًا حتى وفاته سنة (٣٥٠) هـ (^٤) (٩٦١ م).\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٢/ ٩٣، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٤٦.\n(^٢) تولى ابن أبي عبد ة الحجابة بعد وفاة الحاجب عيسى بن شهيد سنة ٢٤٣ هـ.\n(^٣) البيان المغرب، ٢/ ١٥١. كان ابن السليم قد تولى الحجابة سنة ٢٧٦ هـ.\n(^٤) الحلة السيراء: ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣. الحق أن المرء يقف عاجزًا عندما يريد تعليل ترك منصب الحجابة شاغرًا، فإذا كان بفضل ابن القوطية وقفنا على السبب في تعطيل الأمير عبد الرحمن الأوسط لهذا المنصب، فنحن نجهل علة تكرار حدوثه في عهد الأمير عبد الله وحفيده الخليفة عبد الرحمن الناصر فربما رأى الأمير عبد الله أن يكون بابه مفتوحًا أمام وزرائه لكي يكون قريبًا منهم وليعمل الوزراء على سرعة تنفيذ تعليماته خاصة في ظل الظروف السياسية الصعبة التي كانت تمر بها الإمارة آنذاك، وأما الخليفة عبد الرحمن الناصر فلعله قد عمد إلى تعطيل منصب الحجابة بعد وفاة حاجبه موسى، بدافع من إغراقه في الأخذ بالسياسة المركزية المتشددة.","vol":"1","page":419},{"text":"ولقد كان متولي الحجابة عرضة لحسد الآخرين ومكائدهم، والمصادر الأندلسية فيها من النصوص ما يكفي للتدليل على ذلك، من هذه النصوص: -\nما ذكره ابن حيان عن الرازي أن نصر الخصي الغالب على دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط كان في قلبه غصة على الحاجب عيسى بن شُهيد بسبب مساندة الأخير لمحمد بن الأمير عبد الرحمن ليصبح وليًا للعهد، مخالفًا بذلك رغبة نصر وسيدته طروب حظية الأمير عبد الرحمن في تقديم ولدها عبد الله، ولذا فقد استغل نصر الخصي احتجاب الأمير عبد الرحمن بسبب إصابته بمرض ألم به، فسارع إلى تزوير مرسوم على لسان الأمير بصرف ابن شُهيد عن الحجابة إلى الوزارة وترقية الوزير عبد الرحمن بن رستم (^١) ليكون حاجبًا، وتم تنفيذ الأمر، فلما شفي الأمير\n_________\n(^١) ينتمي عبد الرحمن هذا إلى عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، مؤسس الدولة الرستمية في تاهرت في المغرب الأوسط، ويرى بروفنسال أن عبد الرحمن الذي قدمه نصر الخصي للحجابة، ربما يكون إما ابنا أو أخًا لمحمد بن سعيد بن رستم الذي تصرف في الوزارة والقيادة للأمير عبد الرحمن الأوسط، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٨٧ والمصادر الوارده في التعليق. ولكني أستبعد أن يكون ابنا لمحمد بن سعيد، المتوفي سنة ٢٣٥ هـ، إذ كيف يصبح رئيسًا لأبيه؟","vol":"1","page":420},{"text":"من علته \"قعد لأهل خططه فدخلوا عليه يتقدمهم الوزراء، وعيسى في عرضهم، فتقدم عبد الرحمن بن رستم جماعتهم في التسليم على الأمير، ثم قعد فوق ابن شُهيد فاستنكر الأمير ذلك، فلما استقر بهم المجلس، قال لعيسى بن شُهيد فيما يخاطبه به: \"ما شأن كذا؟ \" - لأمر سأله عنه - فقال له: \"يا مولاي لست بحاجب، وهذا هو الحاجب\" وأشار إلى ابن رستم. فَعلت الأمير عبد الرحمن كبرة، وعرف من حيث أُتي فكظم غيظه واصطبر، فلما خرج الوزراء دعا بنصر، فسأله عن عزل ابن شُهيد وولاية ابن رستم، فما يمكنه إنكاره، وادعى أن وصية خرجت إليه من لدنه صدر علته فكذبه الأمير، وعلم أنها من تحامله وجسراته، فسبَّه وأغلظ له، وهم به، ثم عفا عنه وأعاد عيسى بن شُهيد إلى الحجابة وعزل عنها عبد الرحمن بن رستم وتركه على الوزارة\" (^١).\nمن هذا النص تتضح لنا رسوم دولة بني أمية في الأندلس فالأمير بعد أن يبرأ من علته يجلس لاستقبال أصحاب الخطط، وأن الحاجب يتقدم الجميع عند السلام على الأمير ويجلس على فراش أرفع من فرش الوزراء وهو الذي يتولى الرد على أسئلة الأمير واستفساراته.\nوهذا الحاجب عيسى بن الحسن بن أبي عبد هـ، حاجب الأمير محمد بن عبد الرحمن، تعرض لمكيدة من الوزراء هاشم بن عبد العزيز وتمام بن\n_________\n(^١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧.","vol":"1","page":421},{"text":"عامر بن تمام (^١) ومحمد بن موسى وغيرهم، فقد كانوا \"لا يألونه ختالًا، ولايدعون استطراده عثارًا\" من ذلك أنهم أجمعوا على توريطه عند الأمير محمد في أمر دفعوه لكي يكون أول المتكلمين به -أي الحاجب- لأنه حسب الرسم هو المتكلم بلسانهم، وضمنوا له إتمام الحديث بعد أن يفتتح هو القول (^٢)، ويبدو أنه كان من رسوم بني أمية بالأندلس أن الأمير إذا سكت عن الحديث فإن هذا يعني ضرورة انصراف الحضور، يدل على ذلك أن أولئك الوزراء اشترطوا على ابن أبي عبده أن يفاتح الأمير بالموضوع المتفق عليه في آخر المجلس، وتم لهم ماأرادوا، فبعد أن تحدث معهم الأمير فيما يريد سكت ووجب القيام، فأشار هاشم إلى عيسى لكي يخاطب الأمير فيما اتفق عليه جميعهم، فتقدم عيسى إلى الأمير وطلب الإذن منه ليفاتحه بذلك الموضوع فلما أقبل عليه الأمير، وإذا بهاشم بن عبدالعزيز وبقية الوزراء قد نهضوا وغادروا المجلس ففطن الحاجب\n_________\n(^١) هو الوزير الأديب أبو غالب تمام بن عامر بن أحمد بن تمام بن علقمة الثقفي، ينتمي لإحدى الأسر المساندة للأسرة الأموية، تولى خطة الوزارة للأمير محمد ولولديه الأميرين المنذر وعبدالله، وكان عالمًا أديبًا، نظم أرجوزة مشهورة في ذكر افتتاح الأندلس وتسمية ولاتها وأمرائها ووصف حروبها منذ دخول طارق بن زياد إلى آخر أيام الأمير عبدالحمن بن الحكم، وقد طال عمر تمام بن عامر حيث توفي سنة ٢٨٣ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٩ - ١٨٤، والتعليق رقم ٣٥١، والمصادر الواردة فيه. الحلة السيراء، ١/ ١٤٣ - ١٤٤.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٥٢.","vol":"1","page":422},{"text":"لمكيدتهم، فغير الحديث مع الأمير فخاطبه بأمر من أمور المصلحة العامة، مما جعل الأمير يسعفه في طلبه هذا ويثني عليه، ثم خرج الحاجب من عند الأمير فلما وصل إلى بيت الوزراء وإذا هاشم وأصحابه في قهقهة ولجب مما أورطوه فيه، وعندما سأله هاشم ساخرًا، أجابه الحاجب بقوله \" … فطنت لكم لما أردتموني، فأفردت رغبتي فيما أعناني من طاعة ربي، فهداني قصد سبيلي\" قال الرازي \"فرفعوا الطمع في استغفاله، وعجبوا من حسن تخلصه بعد تورطه\" (^١).\nوأما الحاجب جعفر المصحفي فلم يقف أمره مع الوزراء على حد الحسد والمكيدة، بل إن العداوة كانت سمة لعلاقتهم به، فقد كون جمعهم قوة ضخمة وقفت إلى جانب المنصور محمد بن أبي عامر ضد المصحفي، وقد بين لنا الفتح بن خاقان (^٢) سبب نصرتهم لابن أبي عامر فقال: -\n\"وكان مما أعين به ابن أبي عامر على جعفر المصحفي ميل الوزراء إليه، وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه، وأخذهم بالعصبية فيه، فإنها وإن تكن حمية أعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتفي القوم فيها سلفهم، ويمنعون\n_________\n(^١) المصدر السابق، ص ١٥٢ - ١٥٣.\n(^٢) عن الفتح بن خاقان ونسبه وأسرته وحياته، انظر: كتاب مطمح الأنفس، مقدمة المحقق ١٨ - ٦١، والمصادر الواردة في التحقيق.","vol":"1","page":423},{"text":"بها ابتذال شرفهم، غادروها سيرة، وخلفوها عادة أثيره، تشاح الخلف فيها تشاح أهل الديانة وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة، ورأوا أن أحدًا لايلحق فيها غاية، ولايتلقى لها راية، فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث وضعه وهو نزيع بينهم، ونابغ فيهم، حسدوه وذموه وخصّوه بالمطالبة وعمّوه، وكان أسرع هذه الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة المنصور عليه، والانحراف عنه إليه، آل أبي عبده (^١)\n_________\n(^١) أسرة آل أبي عبدة من أكبر أسر موالي بني أمية في الأندلس، والعلاقة بين الأسرتين تعود إلى أيام مروان بن الحكم بالشام، فقد كان عبدالله بن جابر رأس أسرة آل أبي عبده من أشد الناس إخلاصًا لمروان بن الحكم في معركة مرج راهط التي وقعت سنة ٦٤ هـ وقد انتقل حسان بن مالك بن عبدالله بن جابر إلى الأندلس سنة ١١٣ هـ فهو رأس أسرة آل أبي عبدة في الأندلس، وترك أولاده في المشرق فقتلوا جميعًا إلا عبدالغافر فقد كتبت له الحياة لصغر سنه، فنشأ عبدالغافر مع عبدالرحمن بن معاوية وتربى معه، ثم إن عبدالغافر ترك المشرق وذهب لأبيه في الأندلس قبل وصول ابن معاوية، ولذا فما أن سمع أبو عبده حسان بن مالك بمقدم بدر داعية لابن معاوية، حتى سارع وأرسل إليه ولده عبدالغافر، وعمل على مناصرته، فلما توطد الحكم للأمير عبدالرحمن الداخل استوزر أبا عبده وقدمه على جيوشه ومازال يكلفه بالمهام حتى توفي بأشبيلية. وبعد وفاة أبي عبدة حرص الأمير الداخل على ضمان ولاء هذه الأسرة، فسارع إلى استخدام عبدالغافر ابن حسان في الوزارة، ليضع قانونًا سار عليه الأمويون من بعده، وهو حفظ مناصب الدولة بأيدي أبناء أسر معينة.\nلذا نجد أسرة آل أبي عبده يلي رجالها المناصب الإدارية العليا في الدولة الأموية، ويرتفع شانها بقوة حتى أنها ورثتها بعد سقوطها سنة ٤٢٢ هـ، فقد أقام أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور الذي ينتهي نسبه إلى عبده، دولة بني جهور بقرطبة إبان عصر دويلات الطوائف. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥ - ٢٩، ١٣٧، ١٥٢ - ١٥٣، ١٩٦ - ١٩٨، ٣١٢، وكذلك التعليق رقم ٩٧ وماورد به من مصادر. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٩٧، ٢٠٣، ٢١٠، ٢١٣، ٢١٥، ٢٤٢. أخبار مجموعة، ص ٥١، ٥٢، ٥٥، ٦٨، ٧٦، ٨٢، ٩٤، ٩٥، ٩٩، ١٠٠، ١٠٢. الحلة السيراء ١/ ١٢٠ - ١٢١، ٢٤٥ - ٢٥٢، ٢/ ٣٠ - ٣٤. البيان المغرب، ٢/ ٦١، ٦٣، ٨٤، ٩٣، ١٤٥، ١٥٨، ١٦٠، ١٦٤، ١٦٧، ١٩٥، ١٩٧، ٢٠٨. المصدر السابق ٣/ ١٥٢، ١٨٥ - ١٨٧، ٢٣٢ - ٢٣٥.","vol":"1","page":424},{"text":"وآل شُهيد (^١)،\n_________\n(^١) يعتبر شهيد بن عيسى بن شهيد بن الوضاح، رأس هذه الأسرة في الأندلس، وقد ذكر ابن الأبار أن هذه الأسرة عربية تنتمي لأشجع، إلا أن الرازي ذكر أن جدهم كان مولى لمعاوية بن مروان بن الحكم، وهذا هو الصواب، إذ أن ابن حزم لم يذكرهم أثناء حديثه عمن استقر في الأندلس من قبيلة أشجع، والاتصال بين أسرتي آل شهيد والأسرة الأموية يعود إلى أيام معركة مرج راهط، فقد كان الوضاح الجد الأعلى لآل شهيد مع الضحاك بن قيس، وشهيد بن عيسى هو الداخل إلى الأندلس في أيام عبدالرحمن بن معاوية، وقد كان موضع ثقته، فاستخلفه على قصره عندما خرج لإخماد حركة عبدالغفار اليحصبي سنة ١٥٤ هـ، كما قدمه على الجيوش في مهام عسكرية متعددة، أثبت فيها شهيد كفاءته وإخلاصه. وبعد وفاة الأمير عبدالرحمن الداخل استمر شهيد في القيادة العسكرية للأمير هشام الرضا، وهكذا أصبح آل شهيد ركن رئيسي في الدولة الأموية، = =فقد تعاقب آل شهيد على المناصب الهامة في الدولة من حجابة ووزارة وكتابة وقيادة جيوش، حتى أن أول من سمي في الأندلس بذي الوزارتين كان أحد أبناء أسرة آل شهيد. انظر: ابن القوطية، ص ٣١، ٦٢، ٧٤، ٧٥، ٩٤، ١٠٣. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٠، ٢١، ٢٥ - ٢٦، ٢٧، ٢٨، ١٠٢، ١٠٤، ١٠٧، ١٠٨، ١٤١، ١٥٢، ١٧١، ٣٢٠، ٣٢١. والتعليق رقم ٨٦ وماورد فيه من مصادر. المقتبس، طبعة أنطونية، ٤، ٤٩، ٥٣، ١١٩، ١٤٢. الحلة السيراء، ١/ ٢٣٧ - ٢٤٠. البيان المغرب، ٢/ ٦٣، ٨٠، ٨٤، ٨٧، ٩٣، ١٠٥، ١١٣، ١٢٠، ١٢٤، ١٤٢، ١٤٨، ١٥١، ١٥٢، ١٥٩.","vol":"1","page":425},{"text":"وآل فطيس (^١) من الخلفاء وأصحاب الردافة وأولي الشرف والأنافة وكانوا في الوقت أزمَّة الملك، وقوام الخدمة، ومصابيح الأمة،\n_________\n(^١) يعتبر أبو سليمان فطيس بن سليمان بن عبدالملك بن زيان، عميد أسرة آل فطيس في الأندلس، فقد دخلها في عهد الأمير عبدالرحمن الداخل، فضمه لابنه هشام، فأصبح كاتبًا له، وعندما تولى الإمارة ولاه السوق، ثم أسند إليه ولاية قبره، وأخيرًا رقاه إلى الوزارة، وعندما تولى الإمارة الحكم الربضي، أقره على وزارته واستكتبه، وهو الذي أشار عليه بهدم الربض وتحريم بنائه، وتشريد أهله، وذلك في الهيج المشهور الذي حدث سنة ٢٠٢ هـ. وقد ذكر الرازي أنه رأى اسم فطيس بن سليمان في ديوان الأمير الحكم الربضي أول اسم، وكان راتبه خمسمائة دينار، وفي أواخر أيام الحكم الربضي توفي فطيس، فاستمر أبناؤه وأحفاده في المناصب القيادية في الدولة الأموية، كالكتابة العليا، والخزانة والولاية والوزارة وخطة المدينة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٧٦، ٨٠، ١٨٢، والتعليق رقم ١٨٦، ١٨٧. الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٥. البيان المغرب، ٢/ ٦١، ٦٨، ١٤٤، ١٤٨، ١٦٤، ١٩٥، ١٩٧، ٢٠٨. المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٤. ابن سماك المالقي، الزهرات المنثورة ص ٣٨ - ٤٢.","vol":"1","page":426},{"text":"وأغير الخلق على جاه وحرمة\" (^١).\nوإذا أضفنا إلى مقولة الفتح بن خاقان القول بأن رجالات الدولة الأموية بالأندلس من حجاب فما دونهم من الوزراء والقادة والكتاب منذ نشوء الدولة إلى عهد المستنصر بالله كانوا جميعًا ينتمون إلى بيوتات معدودة أشهرها على الإطلاق أسر آل أبي عبده وآل شُهيد وآل فطيس، أدركنا سبب وقوف أولئك الوزراء في وجه الحاجب المصحفي ومساندتهم لابن أبي عامر ضده، إذ أن تلك البيوتات كانت حريصة كل الحرص على عدم خروج الأمر عنها، وإنها ستقف بكل قوة في وجه من يحاول سلبها مكانتها.\nولكن يبدو أن الحاجب المصحفي لم يدرك هذه الحقيقة، فجلب على نفسه عداوة أبناء تلك الأسر بعمله الذي أثار ضغائن نفوسهم وجعلهم يتوجسون خيفة من مقاصده، إذ عندما بويع هشام المؤيد بالخلافة وأصبح المصحفي حاجبًا له، عمل على السيطرة على وزارات الدولة، فقد تمكن من تعيين ابن أخيه هشام بن محمد بن عثمان في خطة الخيل ثم أصبح وزيرًا. وولى بنيه محمد وعثمان وعبدالرحمن وأخاه سعيد وابن أخيه محمد الشرطة العليا والوسطى وجعل على المدينة ابنه محمدا (^٢)،\n_________\n(^١) مطمح الأنفس، ص ١٦١ - ١٦٣.\n(^٢) الحلة السيراء ١/ ٢٥٨.","vol":"1","page":427},{"text":"فلا عجب إذًا والحالة هذه أن يعمل أولئك الوزراء على إسقاطه بأي صورة.\nوإذا تتبعنا حال الحجابة في الدولة الأموية بالأندلس، نجد أن متوليها حتى نهاية خلافة الحكم المستنصر لايختلف عن الوزارء بشيء، اللهم إلا ببعض الرسوم التي عرفناها، فهو لايعدو كونه منفذ للأوامر الصادرة إليه من الأمير أو الخليفة، حتى أن عزله واعادة تنصيبه تتم بمنتهى السهولة (^١)، ولذا فهو أشبه مايكون بوزير التنفيذ، إلا أن الأمر تبدل منذ وصول المنصور محمد بن أبي عامر إلى الحجابة في عصر الخليفة هشام المؤيد، إذ أصبح بحق رئيسًا للوزراء، فهو يعزل منهم من شاء ويبقي من أراد، وبذلك تحول منصب الحاجب من وزير تنفيذ إلى وزير تفويض.\nولقد جرت في منصب الحجابة حادثة فريدة لم تحدث إلا مرة واحدة خلال تاريخ دولة بني أمية بالأندلس، فقد وجد حاجبان اشتركا معًا في تولي الحجابة، وذلك أن الخليفة هشام المؤيد أصدر أوامره بإشراك الوزير القائد الأعلى غالب بن عبدالرحمن الناصري في منصب الحجابة مع جعفر المصحفي، فأصبح فراش غالب في الصدر وعن يمينه جعفر المصحفي وعن يساره ابن أبي عامر، واستمر الاشتراك بالحجابة قرابة أربعة أشهر تقريبًا وكان ذلك راجعًا لدهاء ومكر المنصور وحيلته ليضرب أهم شخصيتين في الدولة بعضهما ببعض، ثم أصدر الخليفة أمره في يوم\n_________\n(^١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٨.","vol":"1","page":428},{"text":"الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٣٦٧) هـ (مارس (٩٨٧) م) بإعفاء المصحفي من منصبه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-48>تسلط الحجابة على الخلافة</span>\nبعد أن صدر أمر الخليفة هشام المؤيد بعزل جعفر المصحفي عن الحجابة، وتنصيب ابن أبي عامر مكانه (^٢)، أمر الخليفة بإلقاء القبض على المصحفي وعلى ولده وأنسابه وابن أخيه هشام وسائر طبقته وأوكل أمر محاسبتهم إلى ابن أبي عامر، فصادرهم ونكل بهم وأول ما بدأ بهشام ابن أخي جعفر فقتله بالمطبق بالزهراء (^٣)، ثم اخذ يحاسب جعفرًا وصادره حتى اضطره إلى بيع داره التي بالرصافة، وهي من أعظم قصور قرطبة وقد تفنن ابن أبي عامر وصهره غالب في تعذيب جعفر وإعناته وإلحاق الإهانة به، حتى خبت نار حقدهما عليه، فأودعاه في المطبق بالزهراء إلى أن مات وأسلمت جثته لأهله سنة (٣٧٢) هـ (^٤) (٩٨٢ م).\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٢/ ٢٦٧.\n(^٢) ورد في ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٩ أن المنصور تولى الحجابة في أواخر ربيع الآخر سنة ٣٦٧ هـ.\n(^٣) - كان المنصور يحمل ضغينة على هشام هذا بوجه خاص، والسبب في ذلك يعود إلى ان المنصور عندما عاد من غزوته الثالثة احضر معه رؤوس القتلى، فما كان من هشام إلا أن أمر بسرقة تلك الرؤوس وألقاها بالنهر. انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦٦.\n(^٤) الذخيرة ق ٤ م ١، ص ٦٦ - ٦٧. البيان المغرب، ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨.","vol":"1","page":429},{"text":"وبعد هلاك المصحفي رسم المنصور بن أبي عامر لنفسه سياسة توصله إلى الاستبداد التام بالخلافة، فأسقط رجال دولة الخليفة الحكم المستنصر بالله من سائر الطبقات، ومزقهم، واتخذ عوضا عنهم رجالًا اطمأن إلى مدى إخلاصهم له، فسدوا مكان أسلافهم، ومحوا ذكرهم وأعانوا المنصور على مراده (^١).\nولم ينس المنصور موقف الصقالبة بعد وفاة الحكم المستنصر وعملهم على تنصيب المغيرة (^٢) بن عبدالرحمن الناصر بدلًا من هشام المؤيد (^٣)، ولذا\n_________\n(^١) الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٦٦.\n(^٢) كان المغيرة بن عبدالرحمن الناصر فتى القوم كرمًا ورجلة، وكانت الأنظار معلقة به بعد أخيه الحكم المستنصر بالله، وبأمر جعفر المصحفي وتنفيذ ابن عامر، تم قتل المغيرة خنقًا في مجلسه ثم علقت جثته على هيئة المنتحر، ثم دفن في مجلسه، وذلك ليلة الاثنين لأربع خلون من شهر صفر سنة ٣٦٦ هـ، وكان عمره آنذاك سبعة وعشرون عامًا، كل هذا تم أمام أهله، رغم أنه كان قد بادر إلى إعلان بيعته لابن أخيه هشام المؤيد عندما أخبره ابن أبي عامر بوفاة أخيه الحكم المستنصر بالله. انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٥٨ - ٥٩. البيان المغرب، ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٣.\n(^٣) عندما توفي الخليفة الحكم المستنصر بالله، لم يعلم أحد بموته إلا الفتى فائق المعروف بالنظامي صاحب البرد والطراز، وزميله جؤذر صاحب الصاغة والبيازرة، فعقدا العزم على أن يمكنا المغيرة بن عبدالرحمن الناصر من تولى الخلافة، على أن يجعل هشامًا ابن أخيه الحكم وليًا لعهده، وبذلك يضمن الصقالبة استمرارية مكانتهم في القصر، وفي الوقت نفسه يفون لمولاهم الخليفة الحكم بما أوصى به. واما مجلس الوصاية المكون من المصحفي وابن أبي عامر وصبح والدة هشام فهم حريصون على تولية هشام الخلافة، = =وكلا الطرفين الصقالبة وأعضاء مجلس الوصاية انطلق في موقفه من حساب دقيق للمصالح الخاصة، ولكن كما قال ابن عذاري عن موقف الصقالبة \"وكان رأيا حسنا لو أراد الله به\". انظر: البيان المغرب، ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠.","vol":"1","page":430},{"text":"فقد كان على حذر منهم، فما أن ثبت قدمه بالسلطة حتى ابتدأ بهم فصادر أموالهم وحاسب كتابهم ومن يسير في ركابهم، وشتت شملهم نفيًا وقتلًا حتى هلكوا عن آخرهم (^١).\nوبعد أن استفحل أمر المنصور وعظم شأنه وكثر حساده، قرر أن يتخذ لنفسه قصرًا ينزل فيه اتقاء لشر مكيدة يدبرها حساده، من جراء كثرة تردده على قصر الخليفة (^٢)، إضافة إلى حرصه على استكمال مظاهر الملوك (^٣)، ولذا فقد بدأ في سنة (٣٦٨) هـ (^٤) (٩٧٩ م) ببناء مدينة الزاهرة حيث أقام فيها قصره، وبعد سنتين من ابتداء البناء \"انتقل إليها واتخذ فيها الدواوين للأعمال، والحجر للغلمان، والسقائف للحراس، والقصور للولد والخاصة والاصطبلات للظهر والكراع، وعمل داخلها الأهراء الواسعة والخزائن الوثيقة، وانتقل إليها، ورتب فيها مقاعد الوزراء وسقائف العمال، وكتب بأن تجلب إليها الوظائف والجبايات والأموال\" (^٥).\n_________\n(^١) الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٦١.\n(^٢) البيان المغرب، ٢/ ٢٧٥.\n(^٣) أعمال الأعلام، ٢/ ٦٢.\n(^٤) البيان المغرب، ٢/ ٢٧٥.\n(^٥) أعمال الأعلام، ٢/ ٦٢.","vol":"1","page":431},{"text":"وبعد أن انتقل المنصور إلى الزاهرة وانتقلت بانتقاله الدولة بأسرها، أصبح قصر الخلافة معطلًا، إذ سد المنصور بابه، وأحكم قبضته عليه، وأقام حوله خندقًا وسورًا منيعًا، ورتب الحراس والبوابين والسمار والمنتابين يلازمونه ليلًا ونهارًا ويراقبون حركات من فيه سرًا وجهارًا، وجعل في القصر أحد ثقاته لضبطه وبسط الأمر والنهي فيه وبذلك حجر المنصور على الخليفة الذي لم يبق له من وظائف الخلافة إلا نقش اسمه في السكة، والطرز والدعوة له في الخطبة (^١).\nوكان المنصور يصدر أوامره باسم الخليفة، فكان يدخل إلى القصر ويخرج ويقول: \"أمرني أمير المؤمنين بكذا ونهى عن كذا (^٢) \" ثم أراد\n_________\n(^١) انظر: ذكر الأندلس، ١/ ١٨٠. البيان المغرب، ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٩. وفي هذه الأثناء ساءت العلاقة بين الصهرين المنصور وغالب إذ أن الأخير غضب بسبب استبداد المنصور بأمور الدولة وحجره على الخليفة، والمنصور بدوره لايحتمل أن يرى له معارضًا، ولذا أخذ كل منهما يستعد للقضاء على الآخر، ولكن نظرًا لأن غالب كان يتفوق بالفروسية والشجاعة على المنصور، لذا فقد استنجد المنصور بجعفر بن علي بن حمدون المعروف بالأندلسي فقدم إليه من العدوة واستورزه المنصور، وجرت صدامات قوية بين غالب والمنصور انتهت بوفاة غالب في أوائل شهر المحرم سنة ٣٧١ هـ، ثم تخلص المنصور من جعفر بأن سلط عليه أبا الأحوص معن بن عبدالعزيز التجيبي فارس العرب فقتله، ثم قتل المنصور أبا الأحوص وبذلك انفرد بملك الأندلس وأصبح الشخصية التي لاتقاوم. انظر: نقط العروس، ص ٨١ - ٨٢. أعمال الأعلام، ٢/ ٦٢ - ٦٥. البيان المغرب، ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩. مفاخر البربر، ص ١٥.","vol":"1","page":432},{"text":"أن يستريح من كثرة الدخول على الخليفة ويستبد بالأمر فأشاع بين الناس بأن الخليفة، قد فوضه في تولي شئون الحكم لأنه يريد التفرغ للعبادة (^١).\nولقد كان المنصور يدرك بأن تصرفاته هذه لاترضى بني أمية، ولذا فقد أخذ حذره منهم فأصدر أوامره إليهم بلزومهم منازلهم ولم يسمح لهم بالركوب والخروج إلا لضرورة، وبث العيون من حولهم، وفرق الناس عنهم وأجبرهم على ملازمة أناس من ثقاته، ومنع أحدًا من الدخول عليهم، إلا أن يكون غلامًا أو وكيلًا أو معلمًا او طبيبًا، ولم يكتفي بذلك بل أخذ يصحبهم معه في غزاوته حتى أرهقهم وأهمتهم أنفسهم (^٢).\nولكي يسيطر على الدواوين ومايجري فيها، عين من عنده كاتبًا يدور في الدواوين وينقل إليه مايقع فيها (^٣)، وبالجملة فلم \"يبق يدًا يحذر بطشها إلا شلها، ولاعينا بريبة نظرها إلا فقأها (^٤) \".\nوبعد مضي سنة على سكنى ابن أبي عامر مدينة الزاهرة، قرر اتخاذ ألقاب الخلفاء \"استيفاءً لرسوم الملوك (^٥) \" ففي سنة (٣٧١) هـ (٩٨١ م) اتخذ لقب \"المنصور\" وأصبحت الكتب تنفذ عنه على الصورة التالية: \"من\n_________\n(^١) أعمال الأعلام، ٢/ ٦٢.\n(^٢) المصدر السابق، ص ٢/ ٧٧.\n(^٣) نفسه ٢/ ٧٧.\n(^٤) نفسه ٢/ ٦٥.\n(^٥) البيان المغرب، ٢/ ٢٧٩.","vol":"1","page":433},{"text":"الحاجب المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر إلى فلان (^١) \" وأصدر أمره بأن يدعى له بهذا اللقب على كافة المنابر بالأندلس بعد ذكر الخليفة المؤيد والدعاء له (^٢) ومنذ ذلك الوقت أصبح الرسم يقضي بضرورة تقبيل يده، فأخذ الوزراء وكذا وجوه بني أمية ومن دونهم يمتثلون هذا الرسم (^٣)، بل فرض على الكل بأن تكون مخاطبته بلفظ \"مولاي (^٤) \"، ويصور لنا ابن عذاري شدة وطأة المنصور على رجال دولته وغيرهم بأنهم \"إذا بدا لأبصارهم طفل من ولده قاموا إليه، فاستبقوا ليده تقبيلًا وعموا طرفه لثما (^٥) \".\nبهذه الرسوم أصبح الحاجب المنصور مساويًا للخليفة بكل شيء ولافرق بينهما إلا في الاسم عند تصدير الكتب أو نقشه على السكة والطراز، بل إنه فيما بعد أمر بنقش اسمه على السكة وطرزه على القباب (^٦).\nويبدو أن المنصور كان إحساسه بالعظمة يزداد يومًا بعد يوم، فأصبح ينظر إلى الحجابة نظرة ازدراء، وشعر بأنها لاتليق بمكانته وهو\n_________\n(^١) نفس المصدر والصفحة.\n(^٢) ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٨١.\n(^٣) البيان المغرب، ٢/ ٢٧٩.\n(^٤) المصدر السابق، ٢/ ٢٧٩.\n(^٥) نفس المصدر والصفحة.\n(^٦) تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٨.","vol":"1","page":434},{"text":"الحاكم المطلق بالأندلس، ولذا فقد قرر التنازل عن هذا المنصب تمهيدًا للاستيلاء على منصب الخلافة، فأصدر أمره سنة (٣٨١) هـ (٩٩١) بترك اسم الحاجب واقتصر على لقب \"المنصور\" فأصحبت الكتب تنفذ منه بهذه الصورة: \"من المنصور أبي عامر وفقه الله إلى فلان (^١) \" بحذف اسم الحجابة، ورشح ولده عبدالملك لتولي الحجابة بالإضافة إلى القيادة العليا وكافة الخطط التي كان يشغلها (^٢)، كما قدم ولده الآخر عبدالرحمن للوزارة (^٣).\nحقق المنصور كل مايصبو إليه، وبسط نفوذه على سائر السلطات السياسية والعسكرية بالأندلس، ولم يبق إلا الخطوة الأخيرة ليكمل مراده، وذلك عندما يعلن نفسه خليفة بدلًا من هشام المؤيد، ويدفعه إلى فعل ذلك نجاحه في تجاوز العقبات التي اعترضته، ويؤيده في ذلك جيش هو عماد دولته، وفي الوقت نفسه يدين له بتكوينه وتنظيمه، إذ أنه أسس جيشًا كما يريد، وفي هذا الخصوص يقول ابن عذاري: \"استبدل المنصور جند الأندلس بالبربر فأقام لنفسه جندًا اختصهم باستصناعه واسترقهم بإحسانه (^٤) \" إلا أن العقبة الحقيقية التي كان المنصور يخشاها تتمثل بالرعية، فهو يخشى ثورتها في وجهه عندما يعلن نفسه خليفة بدلًا من خليفتهم\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٢/ ٢٩٣.\n(^٢) المصدر السابق ٢/ ٢٩٣.\n(^٣) نفس المصدر والصفحة.\n(^٤) البيان المغرب، ٢/ ٢٩٤.","vol":"1","page":435},{"text":"المؤيد لتعلقهم به من جهة، وللطرق الملتوية التي أوصلت ابن أبي عامر إلى ماوصل إليه من جهة أخرى، ولذا عمد المنصور إلى استشارة خواصه في هذا الموضوع.\nوقد ذكر ابن حزم أن المنصور عقد اجتماعًا مع كبار أهل قرطبة ليري موقفهم مما عزم عليه، وكان من بين المدعوين لحضور هذا الاجتماع ابن عياش وابن فطيس بالإضافة إلى والد ابن حزم ومن الفقهاء محمد بن يبقى بن زرب وأبو عمر بن المكوي (^١) والأصيلي (^٢)، يقول ابن حزم: \"فأما ابن عياش وابن فطيس فصوبا ذلك له، وأما أبي ﵀ فقال له: إني أخاف من هذا تحريك ساكن، والأمور كلها بيدك، ومثلك لاينافس في هذا المعنى، وأما محمد بن يبقى بن زرب فإنه قال له: وصاحب الأمر\n_________\n(^١) أبو عمر أحمد بن عبدالملك بن هاشم الإشبيلي، المعروف بابن المكوي، مولى بني أمية، انتهت إليه رياسة العلم بقرطبة، كان فقيهًا معظمًا، ومفتيا مقدمًا، رفض مرتين أن يلي قضاء الجماعة، لكنه تولى الشورى، ولم يزل معظمًا عند الناس، رفيع الذكر بينهم، حتى توفي فجأة ليلة السبت، ودفن يوم السبت بعد صلاة العصر لسبع خلون من جمادى الأولى سنة ٤٠١ هـ. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٢٣١. ترتيب المدارك، ٧/ ١٢٣ - ١٣٥. الصلة، ترجمة رقم ٣٨.\n(^٢) أبو محمد عبدالله بن إبراهيم بن محمد الأصيلي، من أهل أصيلة، من كبار أصحاب الحديث والفقه، تولى الشورى في آخر أيام الحكم المستنصر بالله، وكان الأصيلي حرج الصدر، ضيق الخلق، عالمًا بالكلام والنظر، توفي ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ٣٩٢ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٦٠. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٥٤٢. ترتيب المدارك، ٧/ ١٣٥ - ١٤٥.","vol":"1","page":436},{"text":"ماشأنه؟ فقال له: لايصلح لهذا، فقال له: يرى ويجرب، فقال له: أفي مسائل الفقه؟ يريد أن يسأله، قال: لا، ولكن في مسائل السياسة وتدبير المملكة، قال: فإن لم يقم، قال: ينظر في قريش، فأعرض عنه مغضبًا ونظر إلى الأصيلي وإلى ابن المكوى، فقال له الأصيلي: يامولاي عربي ضابط خير من قرشي مضيع، قال: فنظر إلى ابن المكوى: فجعل يضحك له ويقول: يامولاي ومثلك يفكر في هذا وأنت الكل وكل شيء بيدك، وإنما يرغب في الأسماء من لايحقق، والمدار على الحقيقة، وهي بيدك، فسكت ابن أبي عامر، وقاموا واحدًا واحدًا (^١) \" وبهذه المشورة وقف المنصور على حقيقة الأمر فعدل عن رأيه، لأنه خشي من هيجان شعبي يودي به وبدولته.\nوتمهيدًا للوصول إلى الخلافة أصدر المنصور أوامره سنة (٣٨٢) هـ (٩٢٢ م) تقريبًا بإلغاء خاتم الخليفة هشام المؤيد من الكتب واقتصاره على خاتمه الخاص (^٢)، لطمس أي ذكر للخليفة.\nبعد هذه الخطوات اتخذ المنصور خطوة هامة، فقد أصدر أوامره سنة (٣٨٦) هـ (٩٩٦ م) بأن يخص وحده بلفظ \"السيد\" دون سائر الناس بالأندلس، فتليت الكتب بهذا الخصوص على منابر الأندلس، واستمر هذا\n_________\n(^١) نقط العروس ص ٧٧، ومن المؤكد أن هذه القصة وقعت أحداثها في سنة ٣٨١ هـ إذ أن القاضي محمد بن يبقى بن زرب توفي في شهر رمضان سنة ٣٨١ هـ. انظر: ابن الفرضي: ترجمة رقم ١٣٦٣.\n(^٢) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٨٤.","vol":"1","page":437},{"text":"الرسم بقية حياته، وطيلة تلك الفترة كان يخاطب: بـ\"الملك الكريم\" وبولغ في تعظيمه وتكريمه (^١).\nوبعد هذه الأحداث، ساءت العلاقة بين الخليفة المؤيد والمنصور، وشاع بين الناس أنه يريد أن يسطو على منصب الخلافة (^٢)، وكان لصبح والدة الخليفة دورها في نشر تلك الشائعات بواسطة دعاتها وأعوانها (^٣)، واشتدت العداوة بين أهل قصر الخليفة ومن في قصر المنصور، وحاول المنصور أن يقضي على تلك العداوة، فطرد العديد من الخدم المتواجدين في قصر الخليفة، ولم يترك إلا ثقاته، ومع ذلك فقد شدد عليهم في الحراسة وبث العيون التي عملت على إحصاء أنفاسهم (^٤).\nولمواجهة المنصور استنجدت صبح والدة الخليفة بزيري بن عطية (^٥)، وبعثت إليه بثمانين ألف دينار سرًا (^٦)، وعندما علم المنصور بذلك، جمع\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٤.\n(^٢) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٠ - ٧١.\n(^٣) دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ٢ ص ٥٥٥.\n(^٤) الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٧١.\n(^٥) زيري بن عطية، زعيم زناته، وفد على المنصور قادما من العدوة حوالي عام ٣٨٠ هـ، فاحتفل المنصور بقدومه، ثم غادر زيري إلى العدوة، وساءت علاقته بالمنصور بسبب تسلط الأخير على الخليفة المؤيد، وجرت حروب شديدة في العدوة المغربية بين زيري وقادة المنصور، كان آخرها المعركة التي جرت يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ٣٩١ هـ والتي على أثرها مات زيري بن عطية متأثرًا بجراحه التي أصيب بها في تلك المعركة. انظر: مفاخر البربر، ص ٢٢ - ٣٢.\n(^٦) مفاخر البربر، ص ٢٧. دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ٢ ص ٥٥٥.","vol":"1","page":438},{"text":"كل رجاله فاتفقت كلمتهم على ضرورة بقاء كل الأموال عند المنصور لأنه على حفظها أقدر، إلا أن علة ألمت به اضطرته إلى تأخير نقل بيت المال إلى الزاهرة واستغل أعداء المنصور هذا الوضع الطارئ، \"فراسلوا حاشية الخليفة سرًا، وجهزوا للقيام عليه، فلم يكن فيهم فضل لذهاب أعيانهم (^١) \" وبالنهاية تمكن المنصور بواسطة قوة عسكرية جهزها بقيادة ولده عبدالملك من نقل بيت المال إلى الزاهرة وذلك في جمادى الأولى سنة (٣٨٦) هـ (يونيو (٩٩٦) م) في حين تعذر عليهم الوصول لبيت مال الخاصة لوقوف السيدة صبح أم هشام دونه (^٢).\nوبعد أن عوفي المنصور من علته، ركب إلى الخليفة هشام المؤيد، ووصل إلى مجلسه وبصحبته كبار رجال دولته، ولأنه أدرك مافي نفوس الناس وحبهم لرؤية هشام (^٣)، عمل على استغلال هذه النقطة لصالحه، فأبرزه للناس في أحد أيام الجمع من سنة (٣٨٧) هـ (٩٩٧ م) فصلى بجامع قرطبة ولم يكن لهشام عهد بشهود صلاة الجمعة -بسبب الحجر المفروض عليه من المنصور- وبعد الصلاة توجه الجميع إلى الزاهرة وهناك جددت\n_________\n(^١) الذخيرة، ق ١ م ٤ ص ٧٢.\n(^٢) المصدر السابق، ق ٤ م ١ ص ٧٢. وانظر: ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٨٤.\n(^٣) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٣.","vol":"1","page":439},{"text":"البيعة للخليفة هشام المؤيد (^١)، وبالمقابل تبرأ الخليفة من الملك لبني عامر وولى المنصور الإشراف التام على شئون الدولة (^٢).\nوأظهر المنصور الإشفاق على الخليفة من بني أمية، ولذا عمد إلى الفتك بهم \"حتى أفنى من يصلح منهم للولاية، ثم فرق باقيهم في البلاد، وأدخلهم زوايا الخمول عارين من الطراف والتلاد (^٣) \".\nوأخيرًا فرغم مابلغه المنصور بن أبي عامر من رفعة وسؤدد، حتى أضحى الرجل الأول بالأندلس قاطبة، إلا أنه في الواقع كان يحتمي باسم الخليفة هشام المؤيد ليضمن عدم المعارضة وتسيير أموره كما يريد، ولولا هذا لما وصل إلى ما وصل إليه. فمن ذلك أنه هو القائل مادحًا ذاته: -\nتلاد أمير المؤمنين وعبده … وناصحه المشهور يوم المفاخر (^٤)\nوقد تناول قضية احتماء المنصور باسم المؤيد الخليفة، الأمير عبدالله في مذكراته، فقال: \"كان المنصور بن أبي عامر على دقة شأنه، ولأنه لم يكن من أهل بيت المملكة فيستحقها عن الآباء ولاكانت به قدرة على الدنيا، فقد حصل على عظائم الأمور بدهائه، ومخرقته على العامة، مع ماهيأت السعادة له، وكانت أقوى الأسباب في سلطانه، ولولا قيامه بدعوة الخليفة، وإظهاره الإنخضاع له في جميع مايأتي ويذر إلى طاعته\n_________\n(^١) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٨٤ - ١٨٥.\n(^٢) انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٧٣. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٨٥.\n(^٣) نفح الطيب، ١/ ٥٩١.\n(^٤) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٨.","vol":"1","page":440},{"text":"وإقامة أوده، وتوليته الحجابة والوزارة وإخماله لأهل الدولة الحكمية، وتقصيهم بالقتل، متأولًا في ذلك أن دولته تصفو به ويقوى سلطانه، وأن بقاءهم في كثرة الخلاف، وإيثار الفتن وهلاك المسلمين، حتى اتسق له ماأمل، وبلغ من ذلك الغاية القصوى، ولو أن أحدًا اشتهر ببعض ماأتى هو به دون تعلق بسبب، أو إظهار طاعة لكان قتل من ساعته، ولو كان من أهل بيت الخلافة (^١) \".\nوالحق أن المنصور لم يكن يحتمي باسم الخليفة فقط، بل كان يخشى أن يظهر من الخليفة مايقضي على مالديه من الآمال والتطلعات، وينزع سلطانه منه، ولقد كانت هذه القضية تسبب له أرقًا يفقده لذيذ النوم، ولذا فقد كان يفرط في السهر، وعندما عاتبه فتاه شعله على ذلك محذرًا إياه من مغبته، أفصح المنصور عما في نفسه حيث قال: \"ياشعلة، حارس الدنيا لاينام إذا نامت الرعية، لو استوفيت نومي، لما كان في دور هذا البلد عين نائمة، ولو كنت من صاحب القصر [وأشار ناحية الخليفة] على مثل مسافة بسطة لأحرمت النوم، فكيف وإنما بيننا مدى صيحة (^٢) \".\nوبعد وفاة المنصور بن أبي عامر قام بأمر الدولة من بعده ابنه عبدالملك، حيث زار الخليفة المؤيد، ونعى إليه والده المنصور، فلاطفه\n_________\n(^١) عبدالله بن بُلقين، كتاب التبيان \"مذكرات الأمير عبدالله\" (نشر وتحقيق: ليفي بروفنسال، القاهرة، دار المعارف، ١٩٥٥) ص ١٥.\n(^٢) أعمال الأعلام، ٢/ ٧٦.","vol":"1","page":441},{"text":"الخليفة ثم أصدر أوامره بأن يتولى عبدالملك الحجابة مكان أبيه (^١)، وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان المبارك سنة (٣٩٢) هـ (^٢) (أغسطس (١٠٠٢) م) وخلع عليه (^٣)، وأخرجت الكتب بهذا الخصوص وتليت على منابر الأندلس والمغرب (^٤) وبعد أن أحكم عبدالملك قبضته على البلاد سار على نهج والده تجاه الخليفة المؤيد، فقد حجر عليه طوال أيامه حتى أنه لم يشهد صلاة قط (^٥)، إلا أنه كان يكثر من إخراجه للنزهة ولكن وفق ماكان المنصور يفعل معه من قبل (^٦).\nوقد سلك عبدالملك بن المنصور سبيل التدرج في طلب الألقاب الملوكية، والرتب السلطانية، وهو النهج الذي سار عليه والده من قبل (^٧)، فبعد أن مضى على توليه الحجابة خمس سنين وثلاثة أشهر، أثبت خلالها جدارته في هذا المنصب، ووقرت محبته في قلوب الناس، بدأ يطلب منحه ماكان يخطط له، ففي شهر ذي الحجة من سنة (٣٩٧) هـ (أغسطس\n_________\n(^١) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٨.\n(^٢) البيان المغرب، ٣/ ٣.\n(^٣) نفح الطيب، ٣/ ٩٤.\n(^٤) أعمال الأعلام، ٢/ ٨٤.\n(^٥) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٨٢.\n(^٦) المصدر السابق، ص ٨٢ - ٨٣.\n(^٧) البيان المغرب، ٣/ ١٥.","vol":"1","page":442},{"text":"١٠٠٧ م) وصل إلى قرطبة بعد أن قاد المسلمين في غزوة قلونية (^١)، وبعد أن استشار خاصته فيما سوف يلتمسه من الخليفة من الألقاب، وجه الحاجب إلى الخليفة دعوة للنزهة في الزاهرة، وذلك في أوائل الشهر المحرم من سنة (٣٩٨) هـ (^٢) (سبتمبر (١٠٠٧) م) فوصل الخليفة إلى الزاهرة على السبيل المعهود منذ أيام المنصور (^٣)، ثم انفرد به عبدالملك، وطلب منه أن يصدر مرسومًا ينعم به عليه بلقب \"المظفر\" وأن يكنى في جميع مايجري به ذكره بأبي مروان … وأن يثني وزارة ابنه محمد فيصيره بها ذا الوزارتين ويعلي بذلك مرتبته على سائر الوزراء (^٤)، فما كان من الخليفة إلا الموافقة على طلب الحاجب، بل زاد على مراده بأن كنى ابنه محمدا بأبي عامر كنية جده، حرصًا من الخليفة على إدخال المسرة على حاجبه (^٥).\nوفي النصف من شهر المحرم سنة (٣٩٨) هـ (أغسطس (١٠٠٧) م) ركب الخليفة -وفق الطريقة المعهودة- متجهًا نحو قصر ناصح بالزاهرة (^٦)، وبعد أن قر به المقام بالقصر، استدعى حاجبه عبدالملك\n_________\n(^١) المصدر السابق، ٣/ ١٤.\n(^٢) نفسه ٣/ ١٦.\n(^٣) اعمال الأعلام، ٢/ ٨٨ أي أنه كان مستخفيًا عن عيون الناس لابسًا للبرنس والحاجب قد طرد الناس من أمامه.\n(^٤) البيان المغرب، ٣/ ١٦.\n(^٥) المصدر السابق ٣/ ١٦.\n(^٦) نفس المصدر والصفحة.","vol":"1","page":443},{"text":"وناقشه في بعض الأمور، وبعد أن غادر عبدالملك المجلس صدر من الخليفة المرسوم التالي، يقال أنه كان بخط يده: -\n\"بسم الله الرحمن الرحيم، من هشام المؤيد، أتم الله عليك نعمته وهنأك قسمه وألبسك عفوه وعنايته، لما رأيناك - سلمك الله - من صنع الله الجسيم، وفضله العظيم، لنا عليك ما شفى الصدور، وأقر العيون، استخرنا الله في أن سميناك المظفر .. كذلك أبحناك التكني في مجالسنا ومحافلنا، وفي الكتب الجارية منك وإليك في أعمال سلطاننا، وسائر ما يجري فيه اسمك معنا ودوننا، .. كذلك شرفنا فتاك أبا عامر محمد بن المظفر تلادنا أسعده الله بالإنهاض إلى خطة الوزارتين، وجمعناه بها في التكني على المشيخة، والترتيب إثرك في الدولة لأنك تربيتنا، وسيف دولتنا … (^١) \".\n_________\n(^١) أعمال الأعلام، ٢/ ٨٨ وانظر: البيان المغرب، ٣/ ١٦، هذا هو أسلوب العامريين مع الخليفة المؤيد، فأي واحد منهم، عندما يريد من الخليفة استصدار أمر فيه رفعة له، فإنه يجتمع به على انفراد، ويملي رغبته عليه، وبعد عدة أيام يستدعي الخليفة حاجبة صاحب الطلب، ومن ثم ينعم عليه بمراده، مظهرًا للناس أن هذا تم بإنعام منه، وأنه هو الذي يدبر الدولة، والحاجب لا شك حريص على هذا الأسلوب لأن في صدور مرسوم من الخليفة بالإنعام عليه في شيء ما، مهم بالنسبة لوضعه بين الناس فضلًا عن إضفائه الصفة الشرعية على ما حظي به الحاجب.","vol":"1","page":444},{"text":"وبهذه المناسبة أظهر الحاجب المظفر السرور بما أصدره الخليفة، فاحتفل لذلك احتفالًا خاصًا وزعت فيه الصلات على جميع الأجناد (^١).\nوبعد هذا المرسوم أصبحت الكتب التي تصدر من عبد الملك بن المنصور وفق الصورة التالية: \"من الحاجب المظفر سيف الدولة أبي مروان عبد الملك بن المنصور (^٢) \" وبذلك يكون عبد الملك أول من اجتمع له لقبان من حجاب الأندلس وسار على إثره في اتخاذ لقبين من جاء بعده من ملوك الفتنة (^٣).\nوهكذا ظل الحاجب المظفر يمارس سلطاته بالأندلس حتى وافته المنية يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر صفر سنة (٣٩٩) هـ (^٤) (أكتوبر ١٠٠٩) وقيل بأنه قد دُسَّ له السم من قبل أخيه عبد الرحمن (^٥).\nوبعد وفاة المظفر قام بالأمر أخوه عبد الرحمن، حيث ضبط المدينة الزاهرة، وجلس مجلس أخيه المظفر، واستقبل المهنئين، ثم توجه إلى الخليفة ونعى إليه أخاه، فعزاه الخليفة وقلده الحجابة بعد أن خلع عليه (^٦)، وعندما وصل إلى الزاهرة جلس لاستقبال المهنئين، وبعد عشرة أيام من استلامه\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٣/ ١٧.\n(^٢) أعمال الأعلام، ٢/ ٨٩.\n(^٣) المصدر السابق، ٣/ ١٧.\n(^٤) أعمال الأعلام، ٢/ ٨٩.\n(^٥) البيان المغرب، ٣/ ٣٧.\n(^٦) أعمال الأعلام، ٢/ ٩٠.","vol":"1","page":445},{"text":"الحجابة منحه الخليفة لقب المأمون مضافًا إلى اسمه الأول ناصر الدولة كما شرفه بالتكنية، وأصدر الخليفة في ذلك مرسومًا بخط يده، جاء في العنوان \"الحاجب المأمون ناصر الدولة أبو المطرف، حفظه الله، بسم الله الرحمن الرحيم أدام الله حفظك، وأحسن على الصلاح عونك، … تسميتك في كتبنا إليك وتحليتك بالمأمون في مخاطبتك زائدًا على أول أسمائك … فاعتمل فيما ينفذ من الكتب عنك وإليك على عنوان كتابنا هذا إليك (^١) \" وأمر الخليفة بإنقاذ هذه الرقعة إلى الوزير الكاتب جهور بن محمد، ليثبت هذه التسمية في الأزمة، وتكون معتمدة رسميًا في المخاطبة، وتنفذ في ذلك الكتب لتتلى على منابر الأندلس كافة (^٢).\nوفي يوم الثلاثاء (١٤) من ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (١٧ نوفمبر (١٠٠٨) م) توصل عبد الرحمن بن المنصور إلى استصدرا مرسوم من الخليفة يقضي بتعيينه وليًا للعهد، بعد أن أقنع الخليفة بضرورة ترقيته إلى هذا المنصب، محتجًا بالقرابة التي تربطهما من جهة الأم (^٣). وفي الوقت نفسه\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٣/ ٤١.\n(^٢) المصدر السابق، ٣/ ٤١.\n(^٣) نفسه ص ٣/ ٤٢، وأما عن القرابة التي بين المؤيد وعبد الرحمن فهي كما يلي: - شاع في الأندلس زواج المسلمين من نصرانيات، وكانت هناك مصاهرات بين حكام الأندلس والشمال الأندلسي ومن ذلك أن الخليفة الحكم المستنصر تزوج بامرأة بشكنسية تدعى \"صبح\"  Aurora  فولدت هشام المؤيد، كما أن المنصور بن أبي عامر قد تزوج من ابنة شانجة بن غرسيه \"  Sancho Gures II\"  ملك بلاد النافار التي عاصمتها بمبلونه  Pamplona  وتعرف بالمصادر الأندلسية باسم \"عبد هـ\" أثنت عليها المصادر وهي أم عبد الرحمن وهي التي أطلقت عليه اسم \"شنجول\" تصغيرًا لاسم أبيها وتدليلًا لابنها. انظر: اعمال الأعلام، ٢/ ٤٢، ٦٦، ٧٣. البيان المغرب، ٢/ ٢٥٣، ٣/ ٨٣، الحلة السيراء، ١/ ٢٧٢ حاشية رقم ١. محمد عنان، تراجم إسلامية شرقية وأندلسية. (القاهرة، مكتبة الخانجي، ط الأولى، ١٣٩٠ هـ /١٩٧٠ م) ص ١٩٩ - ٢١١.","vol":"1","page":446},{"text":"دس إليه من خوفه بأنه ينوي الفتك به إن لم يجعله وليًا للعهد (^١). فأصبح عبد الرحمن بن المنصور يدعى له بولاية العهد على المنابر في الخطبة بعد الدعاء للخليفة مع بقية الألقاب التي منحه (^٢). وبذلك تخلى عبد الرحمن عن الحجابة إذ قلدها ولده عبد العزيز مجموعة له بسيف الدولة لقب عمه المظفر، حيث ظل في هذا المنصب طيلة حياة والده (^٣).\nولم تقف طموحات عبد الرحمن بن المنصور الشهير بشنجول السريعة الخطى عند الوصول إلى منصب ولاية العهد، بل كان يريد الوثوب على الخلافة بأقصر وقت، وبأي وسيلة ففي شتاء سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) خرج على رأس جيشه متجهًا إلى الشمال الأسباني (^٤)، وكان على شرطته أحد سفال قرطبة يقال له: ابن الرسان (^٥)، فإذا سكر شنجول أمر صاحب شرطته بأن ينادي في الجيش: يأمركم أمير المؤمنين بكذا\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٣/ ٣٩.\n(^٢) أعمال الأعلام، ٢/ ٩٣.\n(^٣) المصدر السابق، ٢/ ٩٤.\n(^٤) نفسه، ٢/ ٩٦.\n(^٥) البيان المغرب، ٣/ ٤٩.","vol":"1","page":447},{"text":"وكذا، فإذا عاد سأله عن رد فعل الناس فيخبره أنهم غير مبالين، فيأمره عندها بتكرار النداء مرات ومرات (^١) متلذذًا بسماع ذلك، إلا أن هذه اللذة لم يكتب لها الاستمرار، إذ هبت نيران الفتنة بقرطبة بقيادة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الملقب بالمهدي، فعاد شنجول نحو قرطبة، وعندما بلغ قلعة رباح تبرأ من ولاية العهد وأعلن اقتصاره على الحجابة وأرسل كتابًا بذلك لكن أحدًا لم يأبه به (^٢)، فعزم على دخول قرطبة، وأصر على ذلك، رغم نصيحة البعض له بالفرار (^٣)، فكان في إصراره حتفه، إذ قتل بمنزل هانئ عند دير أرملاط، وذلك عقب صلاة المغرب يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة (٣٩٩) هـ (٤ مارس سنة (١٠٠٩) م) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>الحجابة في عصر الفتنة:</span>\nمرت الحجابة في ذلك الوقت بفترات اتضحت خلالها قوتها، وعانت من الضعف أكثر وقتها، والملاحظ على الحجابة آنذاك، هو كثرة من تولاها، مع قصر مدتهم، بسبب مايتعرضون له من مفاجآت غير سارة، من قتل وعزل وهروب.\n_________\n(^١) أعمال الأعلام، ٢/ ٩٧.\n(^٢) البيان المغرب، ٣/ ٦٩.\n(^٣) المصدر السابق، ٣/ ٦٩ - ٧٠.\n(^٤) نفسه، ٣/ ٧٢.","vol":"1","page":448},{"text":"ففي بداية عهد الفتنة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) تولى الحجابة الأمير عبد الجبار بن المغيرة لابن عمه الخليفة محمد المهدي (^١) وهذه هي المرة الأولى التي تولى فيها الحجابة أحد أبناء البيت الأموي، وذلك في الخلافة الأولى للمهدي، وأما في الخلافة الثانية فإنه استحجب الفتى \"واضح الحكمي العامري (^٢) \" بسبب مساعدته له عندما لجأ إلى طليطلة، وبالتالي وقوفه إلى جانبه إلى أن تولى الخلافة للمرة الثانية (^٣)، ويمكن القول بأن الحاجب واضح كان شريكًا للمهدي في تدبير الدولة (^٤) إلا أن طموحه كان أكبر من ذلك بكثير، فهو يتطلع إلى تكرار سيرة مواليه العامريين المنصور وبنيه، وذلك من خلال إعادة الخلافة لهشام المؤيد، ومن ثم السيطرة عليه -بالإضافة إلى الأخذ بثأرهم من المهدي (^٥) - لأجل ذلك تآمر مع بعض زملائه الصقالبة، فقتلوا المهدي يوم الأحد الثامن من ذي الحجة سنة (٤٠٠) (^٦) (٢٤ يوليو (١٠١٠) م) وبعد قتل المهدي تولى الخلافة\n_________\n(^١) أعمال الأعلام، ٢/ ١١٠. البيان المغرب، ٣/ ٩٥.\n(^٢) المصدر السابق، ٣/ ١٠٠. وأما صاحب ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٩٩ فقد ذكر أن اسمه \"عامر الفتى\".\n(^٣) أعمال الأعلام، ٢/ ١١٣ - ١١٤.\n(^٤) انظر: المصدر السابق، ٢/ ١١٥ - ١١٦. البيان المغرب، ٣/ ٩٥ - ٩٩.\n(^٥) البيان المغرب، ٣/ ٩٩.\n(^٦) الحلة السيراء، ٢/ ٧. أعمال الأعلام، ٢/ ١١٦.","vol":"1","page":449},{"text":"هشام المؤيد، فتولى واضح الحجابة له، وكما يريد فقد استبد بالسلطة (^١)، إلا أنه شعر بعدم قدرته على ضبط الأمور بصورة قوية، بل أصبح عرضة للسخرية والسب من قبل الجند، ولذا فقد عزم على الهرب طلبًا للنجاة، إلا أن أمره انكشف، فأسرع إليه ابن وداعة بطائفة من الجند، فأخرجوه من داره وعاتبوه على تفريطه ثم قتلوه (^٢)، فأصبح منصب الحجابة شاغرًا، إذ أن الخليفة هشام المؤيد أظهر الاستغناء عن الحاجب وأخذ يباشر الأمور بنفسه (^٣)، لكنه لم يلبث أن ولى عبد الرحمن بن متيوه مهام الحجابة (^٤)، وسماه بذي الوزارتين (^٥)، إلا أن أمره لم يستمر إذ ما إن شعر بخطورة الموقف وتدهور الأوضاع حتى هرب إلى بطليوس بعد أن سرق كل نفيس من قصر الخليفة هشام المؤيد (^٦) وبهرب ابن متيوه، ظل منصب الحجابة شاغرًا حتى دخل سليمان المستعين مدينة قرطبة في شهر شوال سنة (٤٠٣) هـ (إبريل (١٠١٣) م) (^٧) فتقلد المناصب في دولته بما فيها الحجابة\n_________\n(^١) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٢٥.\n(^٢) انظر: أعمال الأعلام، ٢/ ١١٨. البيان المغرب، ٣/ ١٠٣ - ١٠٥.\n(^٣) أعمال الأعلام، ٢/ ١١٨.\n(^٤) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٦. وأما ابن عذاري فقد أسماه بابن مناو. انظر: البيان المغرب، ٣/ ١٠٧.\n(^٥) البيان المغرب، ٣/ ١٠٧.\n(^٦) المصدر السابق، ص ٣/ ١٠٩.\n(^٧) الحلة السيراء ٢/ ٧.","vol":"1","page":450},{"text":"أنصاره البرابر (^١) وأصبحت دولة المستعين - كما يقول ابن عذاري - \"دولة البرابر\" (^٢).\nونظرًا لأن كل من آنس في نفسه قوة انتزى في ناحية من نواحي الأندلس وبسط نفوذه عليها، لأجل ذلك وجد أكثر من حاجب إذ أصبح لكل خليفة من الخلفاء المتنافسين على عرش قرطبة حاجب خاص (^٣).\nولدينا بالإضافة إلى هؤلاء الخلفاء المتنافسين بعض أصحاب الطموح الذين يريدون أن يلوا منصب الحجابة في ظل خليفة ضعيف تبرز فيها شخصياتهم فمن هؤلاء: -\nخيران العامري، فبعد أن غادر قرطبة عقب تولي علي بن حمود الخلافة بها في شهر المحرم سنة (٤٠٧) هـ (يوليو (١٠١٦) م) توجه إلى جيان (^٤) وهناك وجد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن\n_________\n(^١) ذكر بلاد الأندلس ١/ ٢٠٣.\n(^٢) البيان المغرب، ٣/ ١١٤.\n(^٣) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤١.\n(^٤) جيان  Jaen  مدينة أندلسية قديمة تقع في قلب الأندلس، على بعد مائة كيلو متر شرقي قرطبة وبمثلها من ناحية الشمال، وقد امتازت جيان بأراضيها الخصبة ولذا فقد كثرت القرى التابعة لها، وقد كانت في أيام الدولة الإسلامية من أعظم قواعد الأندلس، إلى أن سقطت بأيدي النصارى سنة ٦٤٤ هـ، وقد بقى من آثار المسلمين بها الحصن أو القصبة الأندلسية والمعروفة اليوم باسم: حصن سانتا كاتالينا  Castillo de sta catalina.  انظر: فرحة الأنفس، ص ٢٨٤. الحلل السندسية ١/ ١٢٧ - ١٢٨. الآثار الأندلسية الباقية، ص ٢١٩ - ٢٢٧.","vol":"1","page":451},{"text":"الناصر الملقب بالمرتضى، فبايعه بالخلافة في شهر ذي الحجة سنة (٤٠٨) هـ (إبريل (١٠١٨) م) على أمل أن يلي الحجابة له ويسيطر على الدولة باسمه، إلا أنه لم يلبث أن غدر به وأسلمه للقتل حول غرناطة سنة (٤٠٩) هـ (١٠١٨ م) (^١).\nوقبل خيران العامري، وجد مجاهد العامري المتوفى سنة (٤٣٦) هـ (١٠٤٤ م) الذي سبق الجميع إلى استغلال عواطف الأندلسيين تجاه الخلافة الأموية، فقد عمد في خلافة المستعين سليمان بن حكم إلى مبايعة رجل من بني أمية، عرف \"بالنبل والذكاء والشرف (^٢) \" هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، وذلك في أول سنة (٤٠٥) هـ (١٠١٤ م) (^٣) مستغلًا فرصة عبور علي بن حمود على رأس قواته من سبتة بالمغرب إلى مالقة بالأندلس (^٤)، فأخذ مجاهد البيعة للمعيطي في جميع أعماله، وتولى مجاهد منصب الحجابة للمعيطي، إلا أن الود بينهما لم يستمر، فاضطر مجاهد إلى طرد المعيطي بعد خلعه (^٥).\n_________\n(^١) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥٣ - ٤٥٥، البيان المغرب، ٣/ ١٢٥ - ١٢٧.\n(^٢) الصلة، رقم ٥٩٣.\n(^٣) أعمال الأعلام، ٢/ ٢٢٠.\n(^٤) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤١.\n(^٥) انظر: ترتيب المدارك، ٨/ ٢٦. الصلة، رقم ٥٩٣. أعمال الأعلام، ٢/ ٢٢٠، تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٦٤. كيليا سار فللي، مجاهد العامري، ص ١٥٥.","vol":"1","page":452},{"text":"وبوجه عام، فقد استمر وجود الأدعياء الذين بويعوا بالخلافة لهدف أراده من نصبهم وبايعهم، ويكفي للدلالة على سوء الوضع المتعلق بهذه الأمور قول ابن حزم: \"أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم تسمى بأمرة أمير المؤمنين ويخطب لهم بها في زمن واحد، وهم خلف الحصري (^١) بإشبيلية على أنه هشام بن حكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة، ومحمد بن إدريس بن علي بن حمود بمالقة، وإدريس بن يحيى بن علي ابن حمود ببشتر (^٢) \".\nوكما تولى الحجابة أصحاب السيف والقلم في عهد قوة الدولة الأموية، فكذلك تولاها بعض العلماء أصحاب الشخصيات الدينية\n_________\n(^١) بعد أن استقر يحيى بن علي بن حمود الملقب بالمعتلي، في مالقة، وبسط حكمه على معظم قواعد الأندلس الغربية الجنوبية، بدأ بالتطلع إلى إشبيلية وأرهق صاحبها ابن عباد بالغارات المتوالية، فما كان من الآخر، بعد أن شعر بخطورة الموقف، إلا أن أتى برجل فقير يعمل مؤذنًا في مسجد بإحدى قرى إشبيلية مستغلًا غيبة هشام المؤيد والأراجيف التي كانت تقول بوجوده، وبقرب ظهوره، وبالشبه الشديد بينه وبين ذلك الرجل المؤذن المدعو خلف الحصري، فألبسه الكسوة الخلافية ومشى بين يديه وصائح يصيح بأن هذا هو أمير المؤمنين هشام، وأجلسه في القصر وأخذ له البيعة وطالب الأهالي بمبايعته ومن أبى حل به البلاء. كل هذا حرصًا من ابن عباد على الدنيا ودفعًا لابن حمود عن الخلافة. انظر: البيان المغرب، ٣/ ١٩٧ - ٢٠٠.\n(^٢) نقط العروس، ص ٨٣ - ٨٤. وعن أولئك الحموديين: انظر: البيان المغرب، ٣/ ٢١٧. لويس سيكودي لوثبنا، الحموديين سادة مالقة والجزيرة الخضراء، ص ٤٢ - ٤٧.","vol":"1","page":453},{"text":"والأدبية، فقد تولى أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، تدبير دولة الخليفة عبد الرحمن المستظهر (^١)، الذي بويع بالخلافة يوم (٤) رمضان سنة (٤١٤) هـ (٤١ نوفمبر (١٠٢٣) م) إلا أنه لم يمكث في هذا المنصب سوى سبعة أسابيع بسبب مقتل المستظهر وبذلك فقد ابن حزم منصبه وكلما أقبلت الدولة على الوصول إلى نقطة النهاية، كلما أصبحت المناصب متاحة لأي كان، فمنصب الحجابة ارتقى إليه أصحاب المهن الوضيعة، فهذا أحمد بن خالد رجل حائك كان هو المدبر لدولة الخليفة المستكفي بالله ٤١٤ - (٤١٦) هـ (١٠٢٤ - (١٠٢٥) م) وكما يقول المراكشي: \"فقل في دولة يدبرها حائك\" (^٢).\nوكانت نهاية هذا الحائك سيئة، إذ اقتحم عليه عوام قرطبة داره وضربوه بالحديد حتى مات (^٣).\nوما يقال عن دولة المستكفي فإنه يقال عن دولة المعتد بالله ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٧ - (١٠٣١) م) الخليفة الأموي الأخير بالأندلس، فقد تولى أمر تدبير دولته حائك يدعى حكم بن سعيد القزاز، فأساء التصرف وأثار حفيظة الناس، فلما عيل صبرهم وثبوا عليه وقتلوه وحزوا رأسه وطافوا به بالبلد (^٤).\n_________\n(^١) المعجب، ص ٩٣.\n(^٢) المصدر السابق، ص ١٠٧.\n(^٣) نفس المصدر والصفحة.\n(^٤) البيان المغرب، ٣/ ١٤٦ - ١٥٠.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة الوزارة </span>\nإن نظام الوزارة (^١) في دولة بني أمية بالأندلس يدين في وجوده وتنظيمه للأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م)، أما قبل ذلك فلم يكن هناك تنظيم حقيقي لهذا الجهاز، فالأمير عبد الرحمن الداخل أنف من اتخاذ الوزراء (^٢)، ولكنه اتخذ مجموعة من المعاونين والمستشارين الذين توسم فيهم الإخلاص والوفاء والكفاءة، واختصهم بمجالتسه وبذل المشورة له عندما يطلب منهم ذلك (^٣)، واختار أحدهم\n_________\n(^١) أُختلف كثيرًا في اشتقاق لفظ الوزارة، فقيل أنه مأخوذ من \"الوزر\" بكسر الواو وسكون الزاي، وهو الثقل، لأن الوزير يحمل عن الملك أثقاله، انظر: الأحكام السلطانية ص ٢٠. فالوزير هو الذي يتولى أعباء إدارة الدولة. وفي هذا يقول ابن خلدون في مقدمته، ص ٦٦٣ \"إن السلطان نفسه ضعيف يحمل أمرًا ثقيلًا، فلابد له من الاستعانة بأبناء جنسه، وإذا كان يستعين بهم في ضرورة معاشه فما ظنك بسياسة نوعه ومن استرعاه الله من خلقه وعباده\" وقيل إنه مأخوز من \"الوَزَر\" وهو الملجأ والمعتصم. الأحكام السلطانية ص ٢٠. قال تعالى: ﴿كَلاَّ لا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ سورة القيامة الآيتان رقم ١١ - ١٢. وقيل أنه مأخوذ من \"الأَزْر\" وهو الظهر لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بالظهر. الأحكام السلطانية ص ٢٠. قال تعالى على لسان نبيه موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ سورة طه الآيات من ٢٩ - ٣٢. ولعل الرأي الثالث هو أقرب الآراء لمفهوم الوزارة في الأندلس، فهي المؤازرة والمعاونة.\n(^٢) مقدمة ابن خلدون. ص ٦٧٠. ربما لأنه كان متأثرًا بأسلافه بالمشرق.\n(^٣) نفح الطيب، ٣/ ٤٥.","vol":"1","page":455},{"text":"وجعله رئيسًا عليهم، ويتردد بينه وبينهم وقد عُرف متولي هذا المنصب ب \"الحاجب\" (^١).\nورغم أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يسم أولئك المعاونين والمستشارين بالوزراء، إلا أن معنى الوزارة كان واضحًا في ذهنه، يدل على ذلك مقولته لعبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، بعد إحدى المعارك التي حسم أمرها شجاعة عبد الملك وصرامته (^٢)، فقد قال له: \"يا ابن عم، قد أنكحت ابني وولي عهدي هشامًا ابنتك فلانة، وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا، ولأولادك كذا، أقطعتك وإياهم، ووليتكم الوزارة\" (^٣).\nوذكر ابن الأبار أن الأمير عبد الرحمن الداخل قد استوزر ولديه سليمان وهشام (^٤)، بالإضافة إلى كل من عبد الله وإبراهيم وحكم أبناء\n_________\n(^١) المصدر السابق، ١/ ٢١٦.\n(^٢) هذه المعركة جرت سنة ١٥٦ هـ عندما ثار أهل الأندلس بقيادة حيوة بن ملامس الحضرمي وعبد الغفار اليحصبي بن طالوت. انظر: اخبار مجموعة، ص ١٠٧. تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٢٣. نفح الطيب، ٣/ ٤٨، ٥٩.\n(^٣) نفح الطيب، ٣/ ٥٩.\n(^٤) الحلة السيراء، ١/ ٤٢.","vol":"1","page":456},{"text":"عبد الملك بن عمر بن مروان (^١)، كما أن بعض المؤرخين قد أطلق على معاوني الأمير الداخل ومستشاريه لقب \"وزراء\" (^٢).\nومن كل ما مضى نستطيع القول بأن الأمير عبد الرحمن الداخل كان متأثرًا بشدة بنظام الحكم الذي كان قائمًا في دولة أسلافه الأمويين بالشام، إذ أن الخلفاء الأمويين اتخذوا كتَّابًا أسندوا إليهم بعض المهام، فقربوهم واتخذوهم مستشارين خاصين يساعدونهم في إدارة دولتهم الشاسعة، وعلى ذلك فقد كانوا يقومون بعمل الوزراء دون أن يتلقبوا بهذا اللقب (^٣).\nوذكر ابن عذاري أن عدد وزراء الأمير هشام الرضا كانوا ثمانية (^٤)، بينما كان عددهم لدى ابنه الحكم خمسة وزراء (^٥).\nوقد تولى إدارة دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط عدد من الشخصيات القوية أمثال: عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث، وعيسى بن شُهيد وغيرهما، وفيهم قال ابن حيان نقلًا عن ابن مفرج: -\n_________\n(^١) المصدر السابق، ١/ ٥٦.\n(^٢) أخبار مجموعة، ص ١٠٦. البيان المغرب، ٢/ ٤٨.\n(^٣) أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، كتاب الوزراء والكتّاب، (تحقيق: مصطفى السقا وغيره، القاهرة، مكتبة مصطفى الحلبي، ١٤٠١ هـ /١٩٨٠ م) ص ٢٤، ٢٧.\n(^٤) البيان المغرب، ٢/ ٦١.\n(^٥) المصدر السابق، ٢/ ٦٨.","vol":"1","page":457},{"text":"\"وكان قد اجتمع للأمير عبد الرحمن من سراة الوزراء أولي الحلوم والنهى والمعرفة والذكاء عصابة لم يجتمع مثلها عند أحد من الخلفاء قبلهم ولا بعدهم (^١) \" فوجود مثل هؤلاء في وقت واحد جعل من الضروري اختصاص كل واحد منهم بأعمال محددة وألقاب معينة. وبذلك برزت المناصب بقوة منذ ذلك الوقت، وبالتالي أصبح التنظيم الإداري لأجهزة الدولة أمرًا ضروريًا.\nوبعد أن تمت عملية التنظيم برزت الوزارة، فوزعت الاختصاصات، وأصبح لكل وزير عملًا معينًا يقوم به وفي ذلك يقول ابن خلدون: -\n\"وأما دولة بني أمية بالأندلس، فأنفوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة، ثم قسموا خطته أصنافًا، وأفردوا لكل صنف وزيرًا، فجعلوا لحسبان المال وزيرًا، وللترسيل وزيرًا، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيرًا، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرًا\" (^٢).\nولم يكن لأولئك الوزراء في البداية مجلس خاص بهم يجتمعون فيه فقد كان الأمير يستدعيهم متى شاء، إلا أن الأمير عبد الرحمن الأوسط نظم تواجدهم، وأصبح تنظيمه هذا معمولًا به إلى نهاية الدولة، فقد \"ألزم هؤلاء الوزراء الاختلاف إلى القصر كل يوم، والتكلم معهم في الرأي،\n_________\n(^١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩.\n(^٢) مقدمة ابن خلدون، ص ٦٧٠. والوزارة بهذا التصنيف تكون شديدة الشبه بالتقسيمات الوزارية الحاصلة في الوقت الراهن.","vol":"1","page":458},{"text":"والمشورة لهم في النوازل، وأفردهم ببيت رفيع داخل قصره مخصوص بهم، يقصدون إليه ويجلسون فيه فوق أرائك، قد نضدت لهم، يستدعيهم إذا شاء إلى مجلسه جماعة وأشتاتًا، يخوض معهم فيما يطالع به من أمور مملكته، ويفحص معهم الرأي فيما يبرمه من أحكامه، وإذا قعدوا في بيتهم أخرج رقاعه ورسائله إليهم بأمره ونهيه، فينظرون فيما يصدر إليهم من عزائمه، جرى على ذلك من تلاهم إلى اليوم\" (^١).\nوعلى هذا، فالوزراء أصبح لديهم عمل رسمي يزاولونه بشكل يومي، ومجلس خاص بهم، يمارسون فيه أعمالهم كل حسب اختصاصه، وفي بيت الوزارة يجلسون بشكل دائري على فرش الكتان (^٢) والحاجب في صدر المجلس على فراش الديباج أرفع من فرشهم، وحسب التوجيهات العامة التي تصدر إليهم من الأمير تدور المناقشات بينهم في أمور الدولة،\n_________\n(^١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩. وأما النص الذي ورد لدى ابن القوطية في \"افتتاح الأندلس\" ص ٦١ فقد جاء فيه: \"وعبد الرحمن أول من رتب اختلاف الوزراء إلى القصر والتكلم في الرأي على ما هو جار إلى اليوم\".\n(^٢) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٥٩. الوزراء كانوا يجلسون على فرش لم تكن ترتفع عن الأرض كثيرًا، يدل على ذلك ما ورد لدى الخشني عند ذكره لاجتماع عمرو بن عبد الله وسليمان بن أسود عند الوزراء في بيتهم، وبعد أن انتهت المناقشة وأراد عمرو بن عبد الله أن ينهض وضع يديه جميعًا في الأرض ليقوم. [انظر: قضاة قرطبة ص ٨٦] ولا يمكن أن يضع يديه جميعًا في الأرض إلا إذا كان الفراش المعد للجلوس لا يرتفع عن الأرض إلا يسيرًا.","vol":"1","page":459},{"text":"وما يصدر عنهم من قرارات يتولى الحاجب حملها إلى الأمير فيعرضها عليه، فالذي يوافق عليه الأمير يحول إلى ديوانه الخاص، لكي يصاغ صياغة ديوانية ملائمة، ثم يتولى الوزير صاحب العرض حملها إلى الأمير ليختمها بالختم الرسمي للدولة، ومن ثم يصدر المرسوم.\nوقد شهدت الوزارة في الأندلس تقسيمات متعددة، فقد كانت تضم عدة خطط تعتبر من أخطر مناصب الدولة على الإطلاق (^١).\nوهناك خطط يتقلدها أكثر من واحد في نفس الوقت، من ذلك أن خزانة بيت المال في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت تحت إشراف أربعة يعرفون بالخزَّان (^٢)، كما أن خطة العرض كان يتولاها أربعة من كبار رجالات الدولة،\nوذلك في بداية عهد عبد الرحمن الناصر (^٣). ومن الملاحظ هنا أنه عندما تسند عملية الإشراف على خطة من الخطط لأكثر من شخص واحد، فإن اختصاص كل منهم لابد أن يكون واضحًا لديه لكي لا تكون هناك ازدواجية في الأداء.\nوكما يتم اشتراك أكثر من واحد في خطة واحدة، فمن الممكن أن يتولى رجل واحد، ممن لا يحملون لقب وزير، مسئولية عدة خطط، فمثلًا\n_________\n(^١) دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١ ص ٦٨٥.\n(^٢) هم: ابن بسيل الملقب بالغماز، وطاهر بن هارون، وسفيان بن عبد ربه، وشيخهم موسى بن حدير. انظر: ابن القوطية، ص ٦٢.\n(^٣) المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٩٧.","vol":"1","page":460},{"text":"محمد بن أبي عامر \"المنصور\" كان في عهد الحكم المستنصر يتولى خطة المواريث وقضاء إشبيلية ولبله (^١) وأعمالها وكذا الأمانات بالعدوة وخطة الشرطة الوسطى بالإضافة إلى وكالة هشام بن الحكم المستنصر (^٢).\nوفي الوقت نفسه، من الممكن أن يتولى من يحمل لقب \"وزير\" الإشراف -بالإضافة إلى وزارته -على عدة خطط، فهذا: الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد كان يتولى بالإضافة إلى الوزارة خطتي الشرطة العليا والمظالم والإشراف على دار السكة (^٣).\nوعلى هذا يمكن القول بأن من يترقى أو يُنقل من خطة إلى أخرى ليس بالضرورة أن يتخلى عن خطته أو خططه السابقة، بل بإمكانه الجمع بين أكثر من خطة، لكن إذا رقي إلى رتبة وزير فلا شك أنه سيتخلى عن خططه السابقة، ويقتصر على حمل لقب وزير مضافًا إليه ذكر الخطة الجديدة التي أسندت إليه، فعبد الحميد بن بسيل كان على خزانة المال، ثم\n_________\n(^١) لبلة \"  Niebla\"  كورة في غربي الأندلس، سهلية جبلية برية بحرية، تكثر بها المزارع والمياه، وهذا الإقليم معد لتربية الحيوانات، وأحواز لبلة مختلطة بأحواز كورة أكشونبة على نهر آنة وبأحواز كورة باجه، ومدينة لبله هي المعروفة بالحمراء من أعمال ولبه، وهي تقع على الطريق بين اشبيلية وولبه. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٩٢. جغرافية الأندلس وأوروبا، ص ٦٤، ١٢٧. ابن الشباط، صلة السمط وسمة المرط، (تحقيق: د. أحمد العبادي، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ١٩٧١ م) ص ١٤٥.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧٢.\n(^٣) المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٦.","vol":"1","page":461},{"text":"استوزره عبد الرحمن الناصر وجعله مع منصب الوزارة قائدًا للجيش، فأصبح يعرف ب\"الوزير القائد\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-51>كيفية الوصول إلى منصب الوزارة:</span>\nمن الطبيعي أنه لا يمكن وضع أي فرد في هذا المنصب الخطير إلا بعد اختبار وتجربة يثبت من خلالها أنه كفؤ لما سيصل إليه، وهذه التجربة تكون من خلال إسناد بعض المهام الإدارية إليه، ومن خلال التدرج في المناصب يرقى إلى مرتبة \"وزير\" فالوزير فطيس بن سليمان بن عبد الملك بن زيان، كان يتولى الكتابة لهشام الرضا عندما كان وليًا للعهد، فلما تولى هشام الإمارة ولاه السوق وكورة قبره (^٢) وأخيرًا جعله وزيرًا (^٣). ولكن من الممكن أن يصل أحدهم إلى منصب الوزارة دون تدرج وظيفي، فقد ذكر ابن القوطية أن الأمير محمد بن عبد الرحمن في صبيحة\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٢/ ١٨٥.\n(^٢) قبرة \"  Cabra\"  بلدة صغيرة من أعمال قرطبة، وهي تقع منها على بعد نحو سبعين كيلو مترا إلى الجنوب الشرقي، وهي مدينة حصينة جدًا، وبها العديد من الحصون، كما اشتهرت بوفرة المياه وكثرة الأشجار. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٨٩. الروض المعطار، ص ١٥٣.\n(^٣) الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٥.","vol":"1","page":462},{"text":"اليوم الذي تولى فيه الإمارة رقى محمد بن موسى الإشبيلي إلى خطة الوزارة مباشرة (^١).\nكذلك من أساليب الوصول إلى الوزارة تقديم طلب للأمير بهذا الخصوص، فهذا الوليد بن عبد الرحمن بن غانم (^٢) قدم طلبًا للأمير محمد بن عبد الرحمن لاتخاذه وزيرًا، وقد استجاب الأمير لطلبه، ولكن يشترط لذلك أن تكون كفاءته قد ثبتت مسبقًا من خلال تجارب وظيفية إضافة إلى شيء مهم وهو أن تكون له سابقة في الدولة (^٣). وإذا أراد الأمير أو الخليفة تقليد أحد رجاله منصب الوزارة فإنه يرسل إليه صاحب الرسائل ويحضره ويجلسه في بيت الوزراء مباشرة (^٤).\n_________\n(^١) إن الأمير محمدا لم يول محمد بن موسى الإشبيلي الوزارة اعتباطا، وإنما تم ذلك بعد طول صحبة واختبار في مواقف عديدة، لعل آخرها موقفه ليلة وصول الأمير محمد للإمارة، ولذا فقد حظيت أسرة محمد بن موسى بلقب بني الوزير، انفردت به من بين أسر جميع الوزراء في قرطبة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٩ - ١٤١.\n(^٢) وليد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن غانم، تولى خطتي الوزارة والمدينة بالإضافة لقيادة الجيوش، في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، كان كاتبًا، أديبًا مرسِّلًا، بليغًا، عرف بالنزاهة في أدائه لمهام منصبه، توفي في شعبان سنة ٣٩٢ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٨٥، ٨٧، ٨٨. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٤. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤١، ١٧٢، ١٧٥، ١٧٧، ١٧٨، ٢٥٢، ٢٧١، ٣٨٨ - ٣٩٠.\n(^٣) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٧.\n(^٤) المقتبس، تحقيق: شالميتا، ٥/ ٤٨٧.","vol":"1","page":463},{"text":"وللوزير اختصاصات يعمل على عدم تجاوزها، فهو ينفذ الأوامر الصادرة إليه، وإذا أصبح منصب من مناصب الدولة شاغرًا فإن الوزير وزملاءه يقترحون على الأمير أحد الأسماء. فإذا رضي الأمير عن الاقتراح أرسل في طلب المرشح لاستلام وظيفته (^١). ومن اختصاصات الوزير التحقيق في الشكاوى المقدمة ضد أحد أصحاب المناصب الهامة في الدولة (^٢) والاجتماع بالفقهاء في بيت الوزارة للإفتاء في بعض المسائل (^٣)، وكذلك الإشراف على بناء يشاد (^٤)، واستقبال رؤساء الوفود الزائرة في بيت الوزارة (^٥)، كما يتولى بعض الوزراء الإشراف على أحباس الخليفة (^٦) في حين أن الوزير صاحب المدينة يتولى في بعض الأحيان مسئولية استنفار الناس للخروج إلى الجهاد (^٧) وعندما يغادر الأمير أو الخليفة قرطبة ويجعل ولي عهده في القصر فإنه يبقي إلى جانبه أحد الوزراء وغالبًا مايكون صاحب المدينة (^٨)، كما أن على كل وزير تولي قيادة الجيش (^٩) ومن لم\n_________\n(^١) النباهي، ص ١٧.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦٥ - ٦٦.\n(^٣) قضاة قرطبة، ص ٨٣ - ٨٥.\n(^٤) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٢٣. البيان المغرب، ٢/ ٢٠٣.\n(^٥) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١٠.\n(^٦) البيان المغرب، ٢/ ٢٣٤.\n(^٧) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٤، ١٤٠.\n(^٨) انظر: ابن القوطية، ص ٨٦، المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٦٥، ٣١٧.\n(^٩) انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ١٤٠، ٢٧١، ٣٢١. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٥٦، ٤٥١.","vol":"1","page":464},{"text":"يفعل ذلك يكون عرضة للاتهام من قبل السلطة الحاكمة، وأخيرًا فإن الوزير قد يتولى الصلاة على الجنائز أحيانًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>مرتب الوزير الشهري:</span>\nللوزراء ديوان خاص تسجل فيه مرتباتهم الشهرية وأرزاقهم السنوية (^٢)، إلا أننا لم نجد ذكرًا صريحًا لمقدار مرتب الوزير في الشهر. لكننا عرفنا عند الحديث عن الحجابة أن مرتب الحاجب ثمانون دينارًا في الشهر، وبما أن الحاجب أعلى مرتبة من الوزير، إذًا لابد أن يكون راتب الوزير أقل من ثمانين دينارًا.\nلكن الوزير يمنح أحيانًا ألقابًا تضاف إليه حسب طبيعة عمله، فيمكن أن يكون الوزير القائد مثل يحيى بن محمد بن هاشم (^٣)، أو الوزير القائد الأعلى مثل غالب بن عبد الرحمن (^٤) وغير ذلك، بالإضافة إلى أن الوزير يكلف أحيانًا بالإشراف على خطط أخرى بجانب العمل في وزارته (^٥). هذه الألقاب التي تمنح للوزير والخطط التي يتولى مسئولية\n_________\n(^١) ابن الفرضي، ترجمة رقم ٤١٧.\n(^٢) الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٥.\n(^٣) المقتبس، تحقيق: عبد الرحمن الحجي، ص ١٤٢.\n(^٤) المصدر السابق، ص ٦٩.\n(^٥) نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٦.","vol":"1","page":465},{"text":"الإشراف عليها، يترتب عليها بالمقابل زيادة المرتب. أما ما ذكره ابن عذاري من أن رزق كل وزير من وزراء الأمير عبد الرحمن الأوسط يبلغ ثلاثمائة دينار (^١)، فإن ابن حيان قد فسر هذه النقطة، فعند حديثه عن وزراء الأمير عبد الرحمن الأوسط، ذكر أن الوزير محمد بن السليم \"كانت له مع الوزارة خطط يرتزق عليها في كل شهر ثلاثمائة دينار (^٢) \" ولا شك أن ابن حيان مقدم على ابن عذاري في هذا المجال وإلا فما معنى أن يكون رزق الوزير فطيس بن سليمان خمسمائة دينار في ديوان الأمير الحكم الربضي؟ (^٣).\nوهذه المرتبات والأرزاق الواسعة، فيها دلالة على ثراء الدولة كما أنها تدل على حرص بني أمية على إكرام رجال دولتهم، والتوسيع عليهم، حتى لا يتطلعوا إلى ما بأيدي الآخرين، مما يحول دون إغرائهم بأي مقابل، مادي الأمر الذي يكفل بالتالي تسيير الأمور بصورة طيبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>رسوم الوزارة:</span>\nحكام دولة بني أمية بالأندلس حرصوا على تكريس الوزارات بأيدي أبناء أسر معينة، مثل أسرة آل بني عبد هـ وبني فطيس وآل بسيل وآل شهيد\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٢/ ٨٠\n(^٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٨ - ٢٩. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢.\n(^٣) الحلة السيراء ٢/ ٣٦٥.","vol":"1","page":466},{"text":"والزجالي وغيرها، بل حدث في عهد الأمير عبد الله بن محمد نادرة -كما يقول ابن حيان- إذ اجتمع لديه أربعة وزراء كلهم من آل بني عبد هـ دفعة واحدة، هم: أبو عثمان عبيد الله بن محمد بن أبي عبد هـ، وأبو العباس أحمد بن عيسى بن أبي عبد هـ، وسليم بن علي بن أبي عبد هـ، وعبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبد هـ المعروف ب\"دُحيم\" (^١).\nولا تقتصر عناية بني أمية بوزرائهم فقط، بل تمتد هذه العناية إلى أولادهم، فإذا حدث أن غاب أحد الوزراء كأن وقع بالأسر أو قتل، فإن ولده يحل محله (^٢)، وإن كان هذا الولد غير كفء لتحمل المسؤولية لهذا المنصب الخطير، تم تكليف أحد ذوي الخبرة بالوقوف إلى جانبه وتدريبه حتى يتقن عمله (^٣) وإذا توفي أحد الوزراء، ذهب الخليفة بنفسه إلى والد الوزير ليقدم له التعزية، وحفظًا لود ذلك الوزير يأمر الخليفة بتقديم أحد أبناء المتوفي أو أحد إخوته إلى منصب عالٍ في الدولة (^٤)، وعلى هذا يمكن القول بأن أشد الجوانب الإيجابية وضوحًا في هذه السياسة أن بني أمية لا يفرطون برجالهم.\nوقد شهدت الوزارة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تنظيمًا جديدًا بسبب مشادة جرت بين اثنين من خزان المال، هما: عبد الله بن\n_________\n(^١) المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٥ - ٦.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٨ - ١٧٩. الحلة السيراء، ١/ ١٤٢.\n(^٣) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٨ - ١٧٩.\n(^٤) المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٠٧.","vol":"1","page":467},{"text":"عثمان بن بسيل ومحمد بن وليد بن غانم على من يكتب اسمه أولًا، واحتج ابن بسيل على صاحبه ابن غانم بأنه شامي فهو أولى بالتقديم، وعندما رفع الخبر إلى الأمير محمد أقر ابن بسيل على حجته وقدمه على ابن غانم (^١)، وعن هذا التنظيم الذي أحدثه الأمير محمد يقول الوزير عبد الحميد بن بسيل أن \"الأمير محمد هو الذي قسم مراتب الخدمة، وفصل خططهم النبيهة، وأناف على جميعهم من متقدمة خطة الوزارة، وأشعرهم التعظيم والجلة، وأرجح أهل الشام من الوزراء على أصحابهم الأندلسيين، فقدمهم في الإذن عليه، وأعلاهم في الجلوس على أرائكهم ببيت الوزارة (^٢) \" وبذلك فإن الأمير محمد يعتبر مجددًا في رسوم الدولة مثل والده الأمير عبد الرحمن الأوسط لكن مسألة تقديم الشامي على البلدي \"الأندلسي\" بصفة عامة قد أخذت بها الدولة الأموية بالأندلس منذ قيامها، يدل على ذلك ما ذكره الرازي عن التنظيم الذي أجراه الأمير عبد الرحمن الداخل على الجيش وما يترتب على أعضائه الشاميين والبلديين من حقوق أو واجبات (^٣). ولعلنا نستأنس بفعل الأمير عبد الرحمن الداخل على أن الشاميين كانوا مقدمين على البلديين منذ البداية وفي كافة المناصب، وإلا كيف يحتج ابن بسيل على ابن غانم؟ وفضلًا عن ذلك فقد كانت الدولة\n_________\n(^١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٧ - ١٣٨.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٧.\n(^٣) انظر: الإحاطة، ١/ ١٠٤.","vol":"1","page":468},{"text":"الأموية بالأندلس شامية بكل شيء، فلا غرابة إذًا أن يقدم الشامي على من سواه.\nوعلى أية حال فقد ظلت مسألة تقديم الشامي على البلدي في الوزارة معمولًا بها حتى بعد إمارة الأمير محمد، فعندما أراد الوزير عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ أن يجلس أعلى من الوزير موسى بن حدير أصدر الأمير عبد الله بن محمد أمره بأن يبقى الوزير ابن حدير مقدمًا على الوزير ابن أبي عبده وفقًا لما رسمه والده الأمير محمد من قبل (^١).\nوللوزير بالأندلس حاجب ينظم عملية دخول الناس عليه، فإذا زاره وزير مثله، فإن الرسم يقتضي ألا يحجبه ولا لحظة، بل يبادر بالقيام إليه، إذ أن الوزير لا يقوم إلا لوزير مثله (^٢)، وكما أن له حاجب فكذلك لديه كاتب خاص (^٣)، وعدد من المعاونين أشبه ما يكون بالسكرتارية في الوقت الحالي، وأما الوزراء فإن لديهم كاتب خاص مقره بيت الوزارة (^٤).\n_________\n(^١) الحلة السيراء، ١/ ١٢٠ - ١٢١، وكذلك حاشية رقم ٣ من نفس الصفحة. قارن: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٧ حاشية رقم ٢.\n(^٢) الحلة السيراء، ١/ ١٢٤.\n(^٣) المغرب، ١/ ١٤٤.\n(^٤) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٥.","vol":"1","page":469},{"text":"كذلك جرت العادة لدى بني أمية بالأندلس أن يقدَّم الوزير على القاضي (^١) كما اتصفوا بكثرة استشارتهم لوزرائهم (^٢)، ولذا فإن الآراء التي تقدم من الوزراء لابد أن تكون مكتوبة في بطائق خاصة (^٣).\nورغم المكانة العالية للوزراء، فإن للأمير عيون تنقل إليه كل ما يجري لديهم إذا جلسوا في بيتهم (^٤) الذي جرت العادة أن تفوح منه رائحة المسك دائمًا (^٥).\nوالوزير يمنح ألقابًا تضاف إليه حسب طبيعة عمله -كما ذكرنا سابقًا- فالخليفة الحكم المستنصر منح وزيره غالب بن عبد الرحمن لقب \"القائد الأعلى\" وأصدر في ذلك مرسومًا ثبت في الديوان الخاص وفي بيت الوزارة أمر فيه ألا ينادى ولا يخاطب غالب بن عبد الرحمن إلا ب\"الوزير القائد الأعلى (^٦) \". هذا اللقب الذي منحه الخليفة المستنصر للوزير غالب\n_________\n(^١) النباهي، ص ٨٨.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٧٢، ١٣٠.\n(^٣) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٥٤. نفح الطيب ١/ ٣٥٣.\n(^٤) ابن القوطية، ص ١١٣. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٨٦. ومما يدل على شدة الرقابة المفروضة على الوزراء في بيتهم ماذكره الرازي من أن الوزير هاشم بن عبد العزيز تنفس بطريقة تدل على التذمر عندما أخرج الأمير المنذر إلى الوزراء رقعة بتوقيعه فرفع أمره مباشرة إلى الأمير المنذر. انظر: الحلة السيراء، ١/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(^٥) جذوة المقتبس، ص ٤٠٧ ترجمة رقم ٩٧٥.\n(^٦) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٦٩.","vol":"1","page":470},{"text":"بن عبد الرحمن ترتبت عليه حقوق ميزته عن نظرائه من الوزراء، إذ أمر الخليفة بتصدير فراش الوزير القائد الأعلى غالب فوق فرش الوزراء جميعًا تشريفا له (^١)، ثم خلع عليه خلعًا متميزة، وقلده سيفين مذهبين من أنفس ما في خزانته وسماه \"ذا السيفين\" وأمر أن تثبت هذه التسمية مع ما سبق له من الألقاب (^٢).\nلكن إطلاق لقب \"ذا الوزارتين\" على أحدٍ من الوزراء هو في الواقع لقب تشريفي ليس إلا، يدل على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر هو أول من أطلقه على أحد وزراء دولته، وكان أول من حظي بهذا اللقب الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد، والذي تجدر الإشارة إليه أنه لم ينل هذا اللقب إلا بعد هديته المشهورة للخليفة عبد الرحمن الناصر (^٣).\nوعلى الرغم من الواجبات العديدة التي اضطلع بها الوزراء، إلا أنه وجد وزراء بدون وزارات، وهو ما يعرف حاليًا ب\"وزراء دولة\" فعليهم التواجد مع الوزراء ليكلفهم الأمير بما شاء ومتى شاء، ومن هؤلاء: بدر الصقلبي مولى الأمير عبد الله بن محمد والسبب في منحه لقب \"وزير\" أنه أشار على الأمير عبد الله في مسألة ثبت فيها نصحه ونجحت رؤيته، فأعجب الأمير به وأمر بوضع فراش له للشورى مع الوزراء (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق، ص ٢١٩.\n(^٢) نفسه، ص ٢٢٠.\n(^٣) الحلة السيراء، ١/ ٢٣٨. نفح الطيب، ١/ ٣٥٦ - ٣٦٠.\n(^٤) ابن القوطية، ص ١١٢ - ١١٣. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٣ - ١٣١.","vol":"1","page":471},{"text":"وإذا أتينا إلى مسألة عدد الوزراء، نجد أن العدد يختلف من عهد أمير إلى آخر ومن خليفة إلى غيره، بل إن العدد يختلف بين سنة وأخرى، فنجد أن الأمير عبد الله بن محمد هو أول من استكثر من الوزراء حتى بلغ عددهم ثلاثة عشر وزيرًا، لكنه عندما توفي لم يكن في بيت الوزارة لدية إلا أربعة وزراء فقط (^١).\nوأكبر عدد من الوزراء وجد في دولة بني أمية بالأندلس كان على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ففي سنة (٣٣٠) هـ (٩٤٢) كان عدد الوزراء لديه ستة عشر وزيرًا (^٢). وفي الوقت نفسه شهد عصره أقل عدد من الوزراء في الدولة الأموية، إذ أنه أصدر أمره سنة (٣٣٩) هـ (٩٤١ م) بعزل جميع الوزراء البالغ عددهم تسعة وزراء ولم يبق منهم سوى وزيرين (^٣).\nولبني أمية أسلوبهم الخاص في التعامل مع وزرائهم، من ذلك أن الأمير إذا أحس من أحد وزرائه إعجابا بنفسه، نصب إزاءه من يكون مبرزًا في نواحٍ عدة، ويعلي من شأنه ليكسر من حدة ذلك الوزير المعجب\n_________\n(^١) هم: العباس بن عبد العزيز القرشي المرواني، وأحمد بن محمد بن أبي عبد هـ، ومحمد بن وليد بن غانم وعبد الله بن محمد الزجالي الكاتب. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٦.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٧.\n(^٣) المصدر السابق ص ٤٧٠.","vol":"1","page":472},{"text":"بنفسه، وهذا ما فعله الأمير محمد عندما نصب محمد بن عبد الملك بن جهور إزاء الوزير هاشم بن عبد العزيز (^١).\nوعندما يرغب الأمير بإعادة وزير سبق أن عزله فإنه يكلف أحد الوزراء بالذهاب إلى الوزير المعزول ويعمل على إقناعه بالعودة إلى الوزارة، شريطة أن يظهر الأمر وكأن الوزير المعزول هو الذي يستجدي الأمير إعادته إلى منزلته السابقة حتى يبقى الأمير هو صاحب الفضل، وفي الوقت نفسه لاتكون لذلك الوزير دالة عليه، لكن إذا حدث أن رفض الوزير المعزول العودة إلى الوزارة عندها يضطر الأمير إلى مخاطبته والإرسال إليه مباشرة لكي يعود إلى مرتبته السابقة.\nوهذا ما جرى للوزير سليمان بن وانسوس البربري (^٢) عندما أغضبه الأمير عبد الله بن محمد فأغلظ الوزير في الرد عليه وخرج مغضبًا، فأمر\n_________\n(^١) انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٥٥ - ١٥٧. الحلة السيراء ٢/ ٣٧٥.\n(^٢) أبو أيوب سليمان بن محمد بن أصبغ بن عبد الله بن وانسوس المكناسي، مولى سليمان بن عبد الملك، أصله من البربر، وله فيهم بيت شرف بالأندلس، كان أديبًا مفتنًا وشاعرًا مطبوعًا، حسن البيان، بليغًا، حصيفًا، داهيًا، تصرف في الأعمال حتى أصبح وزيرًا في عهد الأمير عبد الله بن محمد وقد توفي سليمان سنة ٢٩٢ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٠٤، ١٠٩، ١٨٩ - ١٩٣، والتعليق رقم ٣٦٣، والمصادر الواردة فيه. الحلة السيراء، ١/ ١٦٠ - ١٦١.","vol":"1","page":473},{"text":"الأمير بعزله عن الوزارة لكنه عندما احتاج إليه وعرف سداده لم يقبل ابن وانسوس العودة إلى الوزارة إلا بعد أن أرسل إليه الأمير مباشرة (^١).\nوفي قصة الوزير ابن وانسوس دلالة أكيدة على عظم وزراء بني أمية، وفي الوقت نفسه تدل على أن بني أمية رجال أفذاذ يحرصون بشدة على الاستعانة بعظماء الرجال ذوي المروءة والرأي.\nولعل هذا ما دلت عليه مقولة الطرطوشي، أن \"أول ما يظهر من نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في استنخاب الوزراء\" (^٢).\nوهناك حالات يُعزل فيها الوزير عن منصبه، ومن عُزل يرفع فراشه، وحيث أن بني أمية يحرصون على الوزير المشهود له بالمروءة وحسن الرأي فإن نقصها يكون سببًا في عزل الوزير عن الوزارة، وهذا ما فعله الأمير الحكم الربضي عندما أصدر أمره بطرد الوزير أبي البسام من منصبه بعد غدره بالفقيه طالوت بن عبد الجبار المعافري (^٣).\nومن الحالات أيضًا التي يتم فيها عزل الوزير عن الوزارة إذا صدر من الوزير لفظ زائد يجعله موضعًا للشك والريبة، وهذا ما جرى للوزير البراء بن مالك فقد عُرف عنه أنه في منطقه فضل، وحدث أن كان في\n_________\n(^١) انظر: جذوة المقتبس، رقم ٤٥٩. الحلة السيراء، ١/ ١٢٤.\n(^٢) سراج الملوك ص ١٣١.\n(^٣) طالوت بن عبد الجبار المعافري، أحد تلاميذ الإمام مالك بن أنس، اشتهر طالوت بالصلاح والفضل، وكان ممن اتهم في الهيج ضد الأمير الحكم الربضي. انظر: ابن القوطية، ص ٥٣ - ٥٥. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢.","vol":"1","page":474},{"text":"بيت الوزراة فصدرت منه كلمة نقلت إلى الأمير عبد الله بن محمد فأثارت غيظه وجعلته يتهم وزيره البراء، ولذا أصدر أمرًا بعزله عن الوزارة (^١)، كذلك يعزل الوزير ويسخط عليه إذا ظهر تقصيره وغشه في العمل الذي أسند إليه، من ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر أصدر أمره بعزل سعيد بن جساس عن خطتي الوزارة والسكة معًا، بل إنه أمر بحبسه وإهانته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>الوزارة في عهد تسلط الحجابة على الدولة:</span>\nأصبح الوزراء في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر لا يصلون إلى الخليفة المغلوب على أمره هشام المؤيد إلا نادرًا، ومع ندرة وصولهم إليه، فإن عليهم الإنصراف مباشرة بعد أن يسلموا عليه (^٣)، وهذا يدل على الضعف الذي أصبحت تعاني منه الوزارة بسبب تسلط المنصور بن أبي عامر على الخليفة ودولته، ومما يؤكد أن الوزارة في ذلك الوقت كانت ضعيفة لا بهاء لها، أن زيري بن عطية المغراوي، زعيم زناته، عندما وصل إلى قرطبة زائرًا للمنصور بن أبي عامر وقدم له هدية عظيمة، احتفل له المنصور وتوسع له بالعطاء ودفع له قيمة هديته وولاه خطة الوزارة (^٤) وذلك في شهر رجب سنة (٣٨٢) هـ (سبتمبر (٩٩٢) م) (^٥) فاستقبح زيري\n_________\n(^١) المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٨٦.\n(^٢) المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٦.\n(^٣) تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٧.\n(^٤) مفاخر البربر، ص ٣٣. وانظر: الإستقصاء ١/ ٢١١.\n(^٥) أعمال الأعلام، القسم الخاص بالمغرب ٣/ ١٥٧.","vol":"1","page":475},{"text":"لقب \"الوزارة\" واعتبرها إهانة له، وعندما خاطبه بها أحد رجاله نهاه عن ذلك ثم قال له: -\n\"وزير من يا لكع؟ لا والله إلا الأمير بن أمير، واعجبًا لابن أبي عامر ومخرقته! لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، والله لو كان بالأندلس رجل ماتركه على حاله وأن له منا ليومًا (^١). والله لقد تاجرني فيما أهديت إليه حظًا للقيم، ثم غالطني بما بدله تبتيتا للكرم إلا أن يحتسب بثمن الوزارة التي حطني بها عن رتبتي (^٢) \".\nومن عرف المنصور بن أبي عامر ومنهجه السياسي القائم على الهيمنة المطلقة على الخلافة، يدرك تمامًا أنه لا يمكن أن يرتفع لأحد شأن في عهده أيًا كان منصبه، فهل يتوقع الوزير والحالة هذه أن تكون له ولوزارته مكانة لديه؟ أو يحسب لهما أي حساب؟.\nوعندما تولى الحجابة عبد الملك المظفر، تغيرت أحوال الوزارة، فهذا عيسى بن سعيد المعروف بابن القطاع رغم علو منزلته عند المنصور إلا أنه لم يتنفس الصعداء إلا بعد موت المنصور وتولي ابنه عبد الملك الحجابة. يقول ابن بسام: -\n\"وتبجح عيسى بعد مهلك المنصور بن أبي عامر في دولة ابنه عبد الملك، فتناهى عن الاكتساب بالحضرة وجميع أقطار الأندلس ضياعًا\n_________\n(^١) الإستقصاء، ١/ ٢١١.\n(^٢) مفاخر البربر، ص ٢٢.","vol":"1","page":476},{"text":"ودورًا، فات الناس إحصاؤها واشتمل على الملك هو وولده وصنائعه (^١) \"وذلك لأن عبد الملك المظفر فوض وزيره عيسى بن سعيد في أمر تدبير الدولة (^٢).\nوقد استغل عيسى بن سعيد منصبه الوزاري وتفويض عبد الملك له في إدارة الدولة فأخذ يبيع المناصب الإدارية (^٣) مما عاد عليه وعلى صنائعه بالثروة الطائلة، وأصبح لايسير إلا في موكب ضخم، كما أن الوصول إليه أصبح أمرًا عسيرًا (^٤). كل ذلك لم يقنع الوزير ابن القطاع، ولذا فقد أخذ يدبر مؤامرة خطيرة للإطاحة بعبد الملك المظفر، وتسليم الدولة لهشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وكاد أمره أن يتم لولا أن كشفت خيوط المؤامرة في مراحلها الأخيرة، فذهب ابن القطاع ضحية لها (^٥).\nوبعد مقتل ابن القطاع لحق الأذى كل فرد من حاشيته، إذ صودرت أملاكه وأملاكهم (^٦)، ثم صدر كتاب من عبد الملك بين فيه للناس سبب قتله لابن القطاع (^٧).\n_________\n(^١) الذخيرة، ق ١ م ١، ص ١٢٤.\n(^٢) المصدر السابق، ق ٤ م ١ ص ٥٠.\n(^٣) نفسه ق ١ م ١، ص ١٢٤.\n(^٤) البيان المغرب، ٣/ ٢٨.\n(^٥) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ١٢٥ - ١٢٧.\n(^٦) البيان المغرب، ٣/ ٣٤.\n(^٧) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ١٢١.","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>الوزارة في عهد الفتنة:</span>\nعاشت الوزارة مرحلة مضطربة بسبب الفوضى التي كانت تمر بها الدولة في تلك الفترة، وبالرغم من أن المصادر تناولت تلك الفترة بشيء من التفصيل إلا أنها لم تكن تلقي الضوء على الوزارة والوزراء إلا لمامًا، ومن خلال اللقطات السريعة لأحوال وزراء الفتنة نجد أنه لا يمكن مقارنتهم بأي حال من الأحوال بوزراء بني أمية سواءً في عصر الإمارة أو في عصر الخلافة الذي سبق الفتنة.\nفقد وُصف وزراء الخليفة المهدي بأن العين تقتحمهم هجنة وقماءة (^١)، وأما الخليفة المستعين فقد كانت دولته دولة برابرة (^٢)، وعندما تولى الخلافة القاسم بن حمود وكان رجاله من عوام البربر (^٣)، في حين أن ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود اتخذ السفلة عمادًا لدولته (^٤)، واتخذ الخليفة المستظهر رجال وزارته من أهل البطالة والترف (^٥) وأما الخليفة المستكفي الذي أجمع أهل المعرفة على أنه \"لم يجلس في الإمارة مدة تلك الفتنة\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٣/ ٧٤.\n(^٢) المصدر السابق، ٣/ ١١٤. والمقصود بدولة برابرة أي أن المناصب الإدارية في الدولة كانت بأيدي البربر.\n(^٣) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٨٥.\n(^٤) انظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ٤٨٣. ونفح الطيب ١/ ٤٨٦.\n(^٥) نفح الطيب، ١/ ٤٨٩.","vol":"1","page":478},{"text":"أسقط منه ولا أنقص (^١) \" فقد شهد عصره تهافتًا عجيبًا من الناس على خطط الوزارة، فقد كان يقول لهم \"ارتعوا كيف شئتم وتسموا بما أحببتم من الخطط (^٢) \" ولكن سرعان ما تبرأوا منها عندما اكتشفوا زيف ما هم فيه (^٣).\nوعندما وصل إلى قرطبة الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله، اتخذ له مدبر دولته حكم القزاز وزراء ما فيهم إلا \"كل نغلٍ دغلٍ أو ماجن فاسق أو سوقي رذل، سقطت به عليهم المشاكلة .. ما فيهم حازم ولا فصيح (^٤) \".\nومهما قيل عن وزراء تلك الفترة، فليس هناك أبلغ من ابن حيان عندما قدم لنا بأسلوب ساخر لاذع وصفًا لهم فقد قال: -\n\"ومات فلان الغني العبام، حجة الله في الرزق وغيظ الأنام، فنهض بريئًا من كل خلة جميلة تدل على فضيلة إلى عيٍ غالب عليه، وكان أخوه مثله في الأفن والجهالة، وكلاهما ممن استهينت به خطة الوزارة بحملهما اسمها الخطير الأثير من غير تعلق بفضيلة في حديث ولا قديم ولا معرفة بشيء من التعاليم (^٥) \".\n_________\n(^١) الذخيرة، ق ١ م ١، ص ٤٨٩.\n(^٢) المصدر السابق، ص ٤٣٤ - ٤٣٥.\n(^٣) نفسه، ص ٤٣٥.\n(^٤) البيان المغرب، ٣/ ١٤٨ ..\n(^٥) الذخيرة، ق ١ م ٢ ص ٥٩١.","vol":"1","page":479},{"text":"هذه هي صفات الوزارة والوزراء في تلك الفترة، مناصب بلا نفوذ، ولذا فكثير ما كانت قرطبة تعيش تحت إدارة \"العبيد وسفَّال الناس (^١) \" لأجل ذلك فلا عجب إذا رفض أهل المروءة والشمم العمل في هذا الوسط العجيب، فالوزير حسان بن مالك بن أبي عبد هـ، استوزره الخليفة المستظهر لكنه لم يلبث في بيت الوزارة إلا يسيرًا ثم لم يعد يحضر، ثم كتب للمستظهر رقعة بينَّ فيها سبب غيابه فقال: -\nإذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل … فسيان مني مشهد ومغيبُ\nفأصبحت تيميًا وما كنت قبلها … لتيم ولكن الشبيه نسيبُ (^٢)\nمن هذه الصورة العجيبة ندرك أن الوزراء لم يعد لهم مكانة حتى أنهم هجروا بيتهم، الذي كان مجلسًا لأعلام دولة بني أمية، واتخذوا من الديدبان (^٣) مكانًا لهم. وتميزت اجتماعاتهم بأن القرار الذي يتخذونه اليوم ينقضونه غدًا (^٤)، وأصبح عملهم مقتصرًا على التشاور فيمن يولونه الخلافة من بني أمية بعد كل خليفة ينتهي دوره (^٥).\n_________\n(^١) البيان المغرب، ٣/ ١٩٠.\n(^٢) انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٣٨٠. مطمح الأنفس، ص ٢١١ - ٢١٥. بغية الملتمس، ترجمة رقم ٦٦٢.\n(^٣) الديدبان/ مجلس يشرف على الخندق الذي حفره أهل قرطبة للدفاع عنها ضد البربر والمجلس من إنشاء الفتى واضح الصقلبي. انظر: البيان المغرب، ٣/ ١٠٥.\n(^٤) البيان المغرب، ٣/ ١٠٥.\n(^٥) المعجب، ص ١٠٩.","vol":"1","page":480},{"text":"ولم يظهر للوزراء القدامى وأهل الرأي من اتفاق قوي على أمر إلا عندما اجتمعت كلمتهم على إزالة الخلافة الأموية وإسقاط رسمها وطرد الأمويين من قرطبة واستلام السلطة فيها عوضًا عنهم (^١).\n_________\n(^١) أعمال الأعلام، ٢/ ١٣٩.","vol":"1","page":481},{"text":"","vol":"2","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>الفصل الرابع: الخطط الحربية</span>\nالمبحث الأول: خطة الجيش\nالمبحث الثاني: خطة الأسطول","vol":"2","page":483},{"text":"","vol":"2","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة الجيش </span>\nبعد أن أتم المسلمون فتح الأندلس، عُرف العرب الداخلون مع القائدين موسى بن نصير وطارق بن زياد \"بالبلديين\"، وأما من وصل فيما بعد مع بلج بن بشر القشيري (^١) سنة (١٢٣) هـ (٧٤١ م) فقد عرفوا \"بالشاميين\" (^٢)، ومن أجل ضمان استقرار البلديين والشاميين بالأندلس، وللحيلولة ماأمكن دون حدوث اصطدام بينهما، قام أبو الخطار الكلبي ١٢٥ - (١٢٧) هـ (٧٤٢ - (٧٤٤) م) والي الأندلس، بإبعاد الشاميين عن قرطبة التي استقر بها البلديون، ففرق الشاميين على عدة كور (^٣)، وقد راعى عند إنزاله لهم بالكور، أن يكون كل جند (^٤) في منطقة شبيهة\n_________\n(^١) - بلج بن بشر القشيري كان مع عمه كلثوم بن عياض القشيري، وقد قتل الأخير في معركة الأشراف، ونجا بلج بن بشر من المعركة ولجأ إلى سبته، فتحصن بها من البربر، وعندما تمكن من دخول الأندلس، استطاع الإستيلاء على الزعامة فيها، فتولى ولاية الأندلس سنة ١٢٤ هـ وتمادى في الولاية مدة أحد عشر شهرًا أو أقل. انظر: ابن القوطية، ص ١٤ - ١٨. البيان المغرب، ٢/ ٣١.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ١٦، لسان الدين بن الخطيب، اللمحة البدرية في الدولة النصرية، (تصحيح، محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ١٣٤٧ هـ) ص ١٦ - ١٧.\n(^٣) - الحلة السيراء، ١/ ٦١ - ٦٢. الإحاطة، ١/ ١٠٣.\n(^٤) - كلمة جند: تعني جماعة مسلحة، وهذا المصطلح يطلق على الحاميات العسكرية التي استقر فيها المحاربون العرب، الذين بالإمكان تعبئتهم وتحريكهم في العمليات العسكرية. انظر: د. يونس شنوان، جند الشام في الأندلس والتأثيرات الشامية \"زمن الأمير عبدالرحمن الداخل\". (مجلة المؤرخ العربي، العددان ٤١، ٤٢، السنة ١٦، بغداد ١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م) ص ١٦٩.","vol":"2","page":485},{"text":"بأراضيه الأولى بالشام، فأنزل جند دمشق في إلبيره، وجند الأردن في ريه، وجند فلسطين في شذونه، وجند حمص في إشبيليه، وجند قنسرين في جيان، وأما جند مصر فأنزل جزء منهم ببجانه وجزء في تدمير \"مرسيه (^١) \" وبذلك عُرفت هذه الكور باسم \"الكور المجنَّدة (^٢) \".\nهذه القبائل العربية أنزلها أبو الخطار على \"أموال العجم من أرض ونَعمَ (^٣) \" وجعل لها \"ثلث أموال أهل الذمة من العجم طعمة (^٤) \" وبذلك أصبح العرب هم أسياد المناطق التي نزلوها، وبمقابل عدم تدخل الإدارة المحلية في قرطبة بشئونهم، فإن على زعماء تلك الكور المجندة تقديم ثلثي\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٢٠. البيان المغرب، ٢/ ٣٣. تدمير \"  Tudmir\"  الاسم القديم لكورة مُرسيه، كانت قاعدتها بلدة أوريولة  Orihuela  وعندما اختطت مرسيه سنة ٢١٦ هـ على يد جابر بن مالك بن لبيد عامل تدمير، انتقلت القاعدة إليها وعرفت الكورة باسم كورة مرسية \"  Murcie\"  انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ١١. الحلة السيراء، ١/ ٦٣، حاشية رقم ١. الروض المعطار ص ١٣١ - ١٣٢.\n(^٢) - الروض المعطار ص ٢١.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٣٣.\n(^٤) - الإحاطة، ١/ ١٠٣.","vol":"2","page":486},{"text":"خراج كورهم لقرطبة، في حين أن الثلث الباقي لهم حق التصرف فيه نظير ما يؤدونه من خدمة عسكرية لقرطبة (^١).\nوقد اعتمد أبو الخطار على العنصر القبلي، عند توزيعه للقبائل، سواء منها العربية أو البربرية، إذ أن جيوش تلك القبائل عندما دخلت الأندلس، كانت عبارة عن مجموعات قبلية تسير تحت ألوية زعمائها وبذلك أصبح لكل قبيلة مكانًا خاصًا يسمى باسمها، مثل جزء البكريين، جزء اللخميين، جزء البربر وغيرها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>عناصر الجيش الأموي بالأندلس:</span>\n<span data-type='title' id=toc-59>أولًا: العرب</span>\nكان الجيش الأموي بالأندلس، يتكون من الجندين: الشامي والبلدي (^٣)، وكانت الألوية الغازية تعقد منهما، فللشاميين لواءان، أحدهما يغزو والآخر يقيم، ويُستبدلان كل ثلاثة أشهر، ومثلهم البلديون، إلا أن اللواء الغازي منهم يُستبدل كل ستة أشهر، والسبب في هذا التمايز بين الجندين عائد إلى أن الجند الشامي مقدم على الجند البلدي (^٤)، إذ أن الديوان والكتبة في الشاميين، كما أنهم أحرار من العشر، لكونهم مُعدَين\n_________\n(^١) - فجر الأندلس، ص ٢٢١.\n(^٢) - د. عبد الواحد ذنون طه، الفتح الاستقرار، ص ٢٠٣ - ٢١٠.\n(^٣) - ذكر ابن الخطيب أن هناك طائفة ثالثة تتكون من الشاميين والبلديين معًا، يسمون النظراء، يشتركون في الغزو كما يغزو أهل البلد من الفريقين. انظر: الإحاطة، ١/ ١٠٥.\n(^٤) - هذه سياسة الدولة ككل فهي شامية الأصل.","vol":"2","page":487},{"text":"للغزو، فكل الذي يترتب عليهم هو المقاطعة على أموال أهل الذمة التي في أيديهم (^١).\nواللواء الغازي من الجند الشامي له الحق في العطاء دون اللواء المقيم، فأصحاب المعاقد يعطى كل واحد منهم مائتي دينار، في حين أن أقاربه الذين يغزون معه مثل إخوته وبنيه أو بني عمه يعطي لكل منهم عشرة دنانير إكرامًا له، ومن كان غازيًا معه من غير بيوتات العقد يعطى خمسة دنانير، وأما اللواء الغازي من البلديين فيعطى دون اللواء المقيم، ومقدار عطائه مائة دينار، أما غير المعقود لهم فلا يعطون شيئًا، كما أن عليهم أن يؤدوا ضريبة العشر (^٢).\nولم تنحصر عملية تفضيل الجند الشامي على البلدي في هذا فقط، بل إن الجند الشامي مقدم على البلدي في الدخول على أمراء وخلفاء بني أمية بقرطبة، فمنذ بداية الدولة الأموية بالأندلس كان جند دمشق أهل كورة إلبيرة مقدمين على من سواهم في الترتيب، ولواؤهم يأتي في أول الألوية بالميمنة (^٣)، يليهم جند حمص وهم أهل كورة إشبيلية ولواؤهم في\n_________\n(^١) - الإحاطة، ١/ ١٠٤.\n(^٢) - المصدر السابق، والصفحة.\n(^٣) - لا غرابة عندما يقدم بنو أمية بالأندلس الجند الشامي على من سواه، إذ أنهم أقرب المجموع إليهم، وهم موطن ثقتهم حتى أن الأمير عبدالرحمن الداخل عندما أسس مدينة إلبيرة، أسكنها بالإضافة إلى جند دمشق الكثير من مواليه، كما امتاز جند دمشق بصدق الولاء لبني أمية، إذ بمجرد استلام عبد الرحمن الناصر مقاليد الإمارة بقرطبة بادر أهل جند دمشق للاستجابة لأمره، وتقديم فروض الطاعة له، فتخلوا عن حصونهم، وجاءوا إلى باب قصره براياتهم. انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٨. الروض المعطار، ص ٢٨.","vol":"2","page":488},{"text":"الميمنة بعد لواء جند دمشق، ثم جند قنسرين وهم أهل كورة جيان، وبعدهم يأتي دور جند فلسطين وهم أهل كورة شذونة ولواؤهم في الميسرة وأخيرًا جند مصر في باجه ولواؤهم في الميسرة بعد جند فلسطين وكذلك جند الأردن أهل كورة رية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-60>ثانيًا: المماليك \"الصقالبة</span>\"\nمنذ الأيام الأولى لقيام الإمارة الأموية بالأندلس، بدأ الأمير عبد الرحمن الداخل يفكر جديًا في إجراء تعديلات على التنظيم العسكري القائم بالأندلس، مدفوعًا إلى ذلك برغبته الشديدة في إحلال نظام الدولة بدلًا من النظام القبلي، بالإضافة إلى استرابته بالعرب من جراء تعرضه لمحاولة الاغتيال التي دبرت ضده في الساعات الأولى بعد انتصاره على يوسف الفهري في معركة المصارة (^٢)، وكذلك بسبب كثرة حركات التمرد والعصيان التي هبت في وجهه بعد إعلانه قيام دولته (^٣).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٧. الروض المعطار، ص ٢٧٩ - ٢٨٠.\n(^٢) - انظر: أخبار مجموعة، ص ٩١.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٩١ - ١٠٨. البيان المغرب، ٢/ ٤٨ - ٥٥.","vol":"2","page":489},{"text":"ولذا فبعد أن أسقط لواء جند باجه بسبب تمرد زعيمه العلاء بن مغيث اليحصبي (^١) قام الأمير عبد الرحمن الداخل بشراء المماليك ليستعين بهم على العرب (^٢).\nويبدو أن الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل قد سار على خطى والده في استخدام الحرس الخاص المكونَّ من المماليك العجم وهم الخرس أو الصقالبة، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن الأمير الحكم الربضي كانت لديه \"فرقة من الحرس الخاص معظمهم من فيء أربونة ورثهم عن والده هشام (^٣) \" وبذلك أرسى تقليدًا جديدًا في الأندلس سار عليه من أتى بعده (^٤).\nولم يكتف الأمير الحكم الربضي بما ورثه عن والده من أولئك المماليك، فقد أخذ يستكثر منهم ويعمل جاهدًا على ضم أكبر عدد ممكن منهم إليه، حتى بلغ عددهم لديه نحو خمسة آلاف رجل، منهم ثلاثة\n_________\n(^١) - الروض المعطار، ص ٣٦. العلاء بن مغيث اليحصبي الجذامي، زعيم عربي، ثار باسم الخليفة أبي جعفر المنصور ضد عبد الرحمن الداخل، وتمكن من فرض حصار عسكري على الأمير الأموي في قرمونة، لكن الأمر انتهى بقتل العلاء وتمزيق قواته، انظر: ابن القوطية، ص ٣٢ - ٣٣. أخبار محموعة، ص ١٠١ - ١٠٣. البيان المغرب، ٢/ ٥١ - ٥٢.\n(^٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٦٠.\n(^٣) - دولة الإسلام في الأندلس ع ١ ق ١، ص ٢٥٠.\n(^٤) -  L-Provencal: Op.Cit.III.P: ٧٣.","vol":"2","page":490},{"text":"آلاف فارس وألفا راجل، وكان يطلق على أولئك المماليك لقب \"الخرس\" لعدم معرفتهم بالعربية (^١).\nوكل هذه الجموع الغفيرة من المماليك كانت تحرس قصر الأمير الربضي، وتقف على أهبة الاستعداد للطوارئ، ولذا، فبعد أن فعلوا ما سرهَّ في يوم هيج الربض سنة (٢٠٢) هـ (٨١٨ م) كافأهم بالعتق وأغدق عليهم صلاته (^٢).\nوفضلًا عن هذه المجموعة، فقد كان لدى الأمير الحكم الربضي ألفا فرس مرتبطة على شاطئ النهر تجاه القصر \"يجمعها داران على كل دار عشرة عرفاء تحت يد كل عريف مائة فرس (^٣) \" ودائمًا تقف هذه القوة على أهبة الاستعداد لإخماد أي حركة تهب بصورة مفاجئة ضد صاحب السلطة السياسية في البلاد (^٤).\nوقد ذكر ابن حيان أن الأمير عبد الرحمن الأوسط سار على خطى والده في الاحتفاظ بأولئك المماليك الخرس، ولأجل ذلك قام بشراء أنصبة إخوانه منهم، واستخدم تلك القوة في حراسة القصر (^٥).\n_________\n(^١) - المغرب، ١/ ٣٩. الكامل، ٥/ ٤٦٦.\n(^٢) - دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١ ص ٢٥٠.\n(^٣) - أخبار مجموعة، ص ١٢٩.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ١٣٠.\n(^٥) - انظر: دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١ ص ٢٧٧.","vol":"2","page":491},{"text":"وهؤلاء المماليك \"الخرس\" هم الذين يطلق عليه \"الصقالبة\" القادمون من الأراضي الممتدة من بحر قزوين إلى البحر الأدريائي\" (^١). ثم توسع لفظ الصقالبة فأصبح يطلق على كل رقيق جلب من الممالك النصرانية وعمل في قصر الخلافة (^٢).\nولم يقتصر عمل الصقالبة على الحراسة، بل كانت توكل إليهم مهام عديدة مثل إرسالهم للاشتراك مع قوات الحكومة لمواجهة الاضطرابات التي قد تحدث خارج العاصمة (^٣).\nوعندما تعيِّن حكومة قرطبة أحد الولاة في إحدى الكور، فإنها ترسل معه مجموعة من أولئك الصقالبة لمساعدته في استلام منصبه (^٤)، وكان لدى الأمير عبد الله بن محمد مجموعة منهم عرفت باسم \"رماة المماليك\" مهمتها الذود عن سرادق الأمير عبد الله برشق النبال (^٥)، وبمقابل ذلك وجد من الصقالبة من يعمل في الخفاء مع المتمردين ضد حكومة قرطبة (^٦).\n_________\n(^١) - صورة الأرض، ص ١٠٦، الصقالبة في إسبانيا، ص ٨.\n(^٢) - المرجع السابق ص ٩.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦.\n(^٤) - العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٣٠.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونية، ص ٩٤.\n(^٦) - نصوص عن الأندلس، ٣٠.","vol":"2","page":492},{"text":"وقد نظر أمراء وخلفاء بني أمية إلى أولئك الصقالبة نظرة ود وثقة، فكان أكابرهم يعرفون بالخلفاء (^١) أو الفتيان الأكابر (^٢)، كما فتحوا المجال أمامهم للوصول إلى مناصب عسكرية عليا في الدولة، فمثلًا كان أفلح صاحب الخيل (^٣)، وتولى دري بن عبد الرحمن منصب صاحب الشرطة (^٤)، كما كان نجده بن حسين الحيري يتولى أمر العلافة بالجيش (^٥)، ثم أصبح قائدًا للجيش (^٦)، وعندما توفي الخليفة عبد الرحمن الناصر كان لديه منهم بالزهراء ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين رجلًا (^٧).\nوقد سار الخليفة المستنصر على سياسة والده في الاستكثار من الصقالبة وتوليتهم المناصب الرفيعة (^٨)، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه طالب الناس بالتغاضي عن التجاوزات التي تحدث من الصقالبة محتجًا بأنهم مؤتمنون على من في القصر، وأنه لأجل ذلك لا يمكن معاتبتهم أو معاقبتهم في كل وقت خشية إثارة ما كمن في نفوسهم (^٩).\n_________\n(^١) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٤١.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١٩.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ١٩١.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢١٣.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ٣٤٣.\n(^٦) - نفسه، ص ٤٢٠.\n(^٧) - أعمال الأعلام، ٢/ ٤٠ - ٤١.\n(^٨) - البيان المغرب، ٢/ ٢٥٩.\n(^٩) - المصدر السابق، ٢/ ٢٥٩.","vol":"2","page":493},{"text":"وعندما توفي الخليفة الحكم المستنصر كان لصقالبة قصره قوة يحسب حسابها، إذ أن عددهم بلغ أكثر من ألف مجبوب دون من يتبعهم، يتولى رئاستهم فائق صاحب البرد والطراز ويليه في القيادة جؤذر صاحب الصاغة والبيازرة، وقد بلغ من قوة أولئك الصقالبة أنهم كادوا يحولون الخلافة من هشام المؤيد إلى عمه المغيرة بن عبد الرحمن الناصر (^١).\nوفي عهد الخليفة هشام المؤيد تمكن الحاجب المنصور بن أبي عامر من السيطرة على صقالبة القصر بطرقه الملتوية، (^٢) وفي الوقت نفسه تمكن من كسب ود كثير منهم فولى بعضهم قيادة الجيوش (^٣) وعلى نهجه سار ابنه عبد الملك المظفر (^٤).\nويرى بعض الباحثين أن الأمويين قد اعتمدوا على الصقالبة في الإدارة والجيش من أجل الحد من نفوذ العرب في الحكم بالإضافة إلى إضعاف الجنود العرب والبربر (^٥)، ولعل من أنصع الأمثلة على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر جعل مملوكه نجدة بن حسين قائدًا عامًا للحملة التي سار بها الخليفة لقتال راميرو الثاني  Ramiro  ملك ليون  Leon  فقرر بعض كبار قادة العرب أن يتركوا القائد الصقلبي نجدة ومن معه يواجهون\n_________\n(^١) - نفسه، ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(^٢) - نفسه، ٢٦٢ - ٢٦٣.\n(^٣) - نفسه، ٢/ ٢٨٢.\n(^٤) - نفسه، ٣/ ١١.\n(^٥) - الصقالبة في أسبانيا، ص ١٢.","vol":"2","page":494},{"text":"مصيرهم في تلك المعركة التي عرفت باسم شنت مانكش  Simoncas  أو الخندق سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) فذهب ضحية ذلك القائد الصقلبي وآلاف المسلمين حتى أن الخليفة عبد الرحمن الناصر لم ينج إلا بأعجوبة حيث لم يعد بعدها إلى الخروج للغزو (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-61>ثالثًا: البربر</span>\nضم الجيش الأموي بالأندلس بالإضافة إلى العرب والصقالبة عناصر من البربر، حيث عملوا مرتزقة منذ الفترة الأولى لقيام الدولة الأموية هناك، إذ أن الأمير عبد الرحمن الداخل استقدم الكثير منهم إلى الأندلس بعد أن استراب بالعرب امتثالًا لنصيحة ابن عمه ومستشاره بشر بن عبد الملك بن مروان (^٢)، فأحسن معاملتهم (^٣)، فتوافدوا عليه، حتى أصبح لديه منهم أعداد كبيرة (^٤)، لكن يبدو أن من أتى بعده من الأمراء لم يسلكوا منهجه تجاه البربر، إذ أننا لا نجد ذكرًا واضحًا لهم إلا في عهد الأمير عبد الله بن محمد (^٥)، فقد كان يبعث برجاله إلى طنجة لإقناع من يمكن إقناعه من البربر للإنخراط في جيش الإمارة لديه مقابل أجر\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٣٢ - ٤٤٧. أعمال الأعلام، ٢/ ٣٦ - ٣٧. د. رجب محمد عبد الحليم، العلاقات بين الأندلس الإسلامية وأسبانيا النصرانية، ص ٢٢١ - ٢٢٥.\n(^٢) - المغرب في حلى المغرب، ١٠/ ٦٠\n(^٣) - أخبار مجموعة، ص ١٠٨.\n(^٤) - نفح الطيب ٣/ ٣٧.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٢٤، ٣١ - ٣٢. نصوص عن الأندلس، ص ١١٣.","vol":"2","page":495},{"text":"مادي (^١)، ورغم ذلك فإن الإمارة الأموية جوبهت بثورات متعددة قام بها البربر (^٢)، مما جعلها تحد من عملية نزوح البربر من العدوة إلى الأندلس، واستمر الخليفة عبد الرحمن الناصر في نهج الموقف الحذر تجاه البربر، فكان لا يستنجد بهم ولايستخدم إلا أراذلهم، مطلقًا عليهم اسم الطنجيين، ويكلفهم بأدنى أنواع الخدمة وأشقها مقابل أجور زهيدة (^٣).\nوأما الخليفة الحكم المستنصر فقد اتخذ موقفًا متناقضًا تجاه البربر، ففي بداية حكمه كان متشددًا تجاههم، بل إن الأمر بلغ به إصدار أمر بمعاقبة أحد العبيد لأنه كان راكبًا على فرس بسرج عدوي الصنعة وتم إحراق السرج بدار الجند أمام الحضور (^٤).\nومواقف الخليفة الحكم المستنصر انتقلت بطبيعة الحال إلى أهل قرطبة إذ ما إن حصل نزاع بين بعض طوائف الجند وبين الطنجيين عند اجتماعهم بباب السدة من قصر قرطبة حتى هب سواد أهل قرطبة ووقفوا مع الجند ضد الطنجيين (^٥).\n_________\n(^١) -  L-Provenca: OP.Cit.lll، p: ٧٦ - ٧٧.\n(^٢) -  المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٣٠، ٣٤٢. المقتبس تحقيق: أنطونيه ١٨، ٢٥، ٣١ - ٣٢، ٦٩، ١١٧، ١٢٧، ١٢٩. المقتبس، تحقيق: شالميتا ٢٣٩. البيان المغرب ٢/ ١١٦، ١٣٨، ٢٣٧.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩٠.\n(^٤) - المصدر السابق،، ص ١٩٠ - ١٩١.\n(^٥) - نفسه، ص ٨٧.","vol":"2","page":496},{"text":"وبعد أن عانى الخليفة الحكم المستنصر وقواته كثيرًا بسبب شدة صمود البربر ضد جيوشه في العدوة، بدأت نظرته لهم تتغير، فأخذ يرسل الأموال لاستمالتهم فنجح في ذلك (^١)، واستخدم كثيرًا من الوافدين إليه في جيشه (^٢). ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل إن كراهيته السابقة لهم تحولت إلى إعجاب فقد صار يستمتع بالنظر إلى فرسانهم وهم يستعرضون مهاراتهم في ركوب الخيل، ويكيل المديح لهم أمام سامعيه (^٣).\nهذه الحالة استغلها المنصور بن أبي عامر، حيث أدرك أنه بهم سيحقق أهدافه الخاصة، إذ أنه متى ما فرضهم على بقية الطوائف في الجيش الأموي بالأندلس فإن ذلك سيحدث شحناء بين تلك الطوائف وبين البربر، والبربر بدورهم يرون في المنصور الملاذ الذي يحميهم من سطوة الآخرين، وبذلك ضمن المنصور الولاء الدائم من البربر، من أجل ذلك عمد إلى زيادة أعدادهم في جيشه من خلال استدعائهم من العدوة، فأرسل إلى رؤسائهم وشجعان فرسانهم، فأقبلت عليه قبائل زناتة ومغراوة وإزداجة وصنهاجة، وبنوبرزال وبنو يفرن وغيرهم، فكان ينتقي من تلك الجموع الهائلة من تثبت كفاءته لديه ويلحقه بديوان الجند عنده (^٤).\n_________\n(^١) - نفسه، ص ١٩١ - ١٩٢.\n(^٢) - نفسه، ٩٦، ١١٥، ١٢٣ - ١٢٤، ١٧١ - ١٧٣، مفاخر البربر، ص ٤٤.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١٩٣.\n(^٤) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٦. مفاخر البربر، ص ٤٤ - ٤٥.","vol":"2","page":497},{"text":"وقد استخدم المنصور مع هؤلاء سياسة حكيمة تعزز وتقوي محبته عندهم، فقد كان الرجل منهم يأتيه على فرس أعجف بلباس خلق، فيبدل الأعجف بالجواد العتيق، والخز الطرازي عوضًا عن اللباس الخلق، ويسكنه في قصر لا يدور في خياله أن يدخل مثله لا أن يسكنه، ورفعهم على من سواهم من طوائف الجند (^١)، و\"اختصهم باستصناعه واسترقهم بإحسانه\" (^٢).\nوبسبب إكرام المنصور للبربر أخذت أعداد هائلة تنزح من العدوة إلى الأندلس، فغدت أعدادهم كبيرة في الجيش الأندلسي ولايمكن تقدير عددهم الكلي خاصة إذا أخذنا بالاعتبار أن قبائل عديدة بأكملها نزحت إلى الأندلس وانخرط الكثير من أبنائها في الجيش تحت قيادة المنصور بن أبي عامر (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-62>رابعًا: الحشم</span>\nكان للحشم مسئول يتولى الإشراف عليهم يعرف باسم \"الناظر في الحشم (^٤) \" أو \"صاحب الحشم (^٥) \" ويكون برتبة وزير (^٦)، ومن بين الذين\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٧٩.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٢٩٣.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٤.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤٧.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ٢٢.\n(^٦) - نفسه، ص ٣٠.","vol":"2","page":498},{"text":"تولوا هذا المنصب محمد بن قاسم بن طملس (^١) وتولى من بعده ولده قاسم هذا المنصب مضافًا إليه الشرطة العليا (^٢) ثم تولاها زياد بن أفلح بالإضافة إلى خطة الخيل (^٣).\nويبدو أن هؤلاء الحشم لا يقتصر تواجدهم على قرطبة فحسب، إذ تذكر المصادر تواجد الكثير منهم في العديد من المدن الأندلسية (^٤)، ومهام الحشم بصفة عامة تختلف عن المهام المنوطة بالخرس، ففي الوقت الذي كانت فيه مهمة الخرس هي حراسة أمراء وخلفاء بني أمية وقصورهم، كان الحشم بالمقابل يتولون مهام عديدة في الجيش، فمثلًا في المعارك كان قسم منهم مسئولًا عن تعبئة العساكر (^٥)، بينما في أوقات السلم كانوا يقومون بالإشراف على ترتيب الجند، وتحديد مراتبهم وذلك عند الاستعراضات العسكرية عندما يكون هناك وفد رسمي زائر (^٦)، وبالإضافة إلى مشاركتهم الفعالة في المعارك (^٧) فإن لهم مهمة خاصة أهلتهم لها\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٣٠.\n(^٢) - نفسه، ص ١١٩.\n(^٣) - نفسه، ص ١٩٦.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ٥٣ - ٥٤. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥/ ٩١. البيان المغرب، ٢/ ١٤٢.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ١٦٥.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ١٩٥ - ١٩٦.\n(^٧) - انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٨١، ٣٢٢، ٤٦٨، ٤٨٦. البيان المغرب، ٢/ ٢٠٥، ٢١٠، ٢٣٢.","vol":"2","page":499},{"text":"الكفاءة العسكرية التي كانوا يتمتعون بها، إذ كانوا دائمًا يشكلون طلائع رئيسة للجيش تعمل على تمهيد السبيل أمامه وتقوم بضبط الحصون بعد افتتاحها (^١).\nوفي بعض الأحيان تسند للحشم مهمة تقصي الحقائق في مسألة معينة ومن ثم رفع الخبر على وجه الصحة للأمير في قرطبة (^٢)، كما أن صاحب الحشم يقوم أحيانًا بمهمة إجراء المفاوضات (^٣).\nومن خلال المعلومات التي وردت في بعض المصادر ندرك أن أعداد الحشم لم تكن قليلة، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن الأمير محمد بن عبد الرحمن أرسل أخاه الحكم بن عبد الرحمن على رأس صائفة، فوصل إلى قلعة رباح فأعاد إعمارها وأتقنها واسترجع أهلها إليها، وجعل عندهم جيشًا كثيفًا من الحشم (^٤)، كما أن الخليفة عبد الرحمن الناصر شحن مدن الأندلس وحصونها وقصابها وفروج ثغورها بالحشم (^٥)، وهناك نص لابن حيان أكد فيه كثرة أعداد أولئك الحشم، فقد ذكر أن صاحب الشرطة محمد بن قاسم بن طملس خرج من قرطبة قائدًا ومددًا للوزير القائد\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٧١، ٧٢، ٨٦، ١٥٥، ٢٣٢، ٢٤٧.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١١.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ١٣٠.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩٤.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٥٥ - ٤٥٦.","vol":"2","page":500},{"text":"غالب بن عبد الرحمن \"فكان خروجه فخمًا ظاهرًا في عسكر لجب من طبقات الحشم الذين استجاز حملاتهم\" (^١).\nوإلى جانب هذه العناصر التي ذكرناها والتي تشكل في مجملها القوات النظامية في الجيش الأموي بالأندلس، وجد المتطوعه الذين يخرجون للجهاد في سبيل الله تعالى بأموالهم وأنفسهم طلبًا لما عند الله تعالى وإعلاءً لكلمته، فقد كان هؤلاء المتطوعة بمجرد أن يسمعوا نداء الأمير أو الخليفة للجهاد يسارعون بتلبية النداء بلاد تردد، وكانت العدوة المغربية مصدرًا من مصادر المتطوعة الذين يرون في الأندلس \"دار جهاد وموطن رباط (^٢) \".\nوقد كان المتطوعة موضع ثناء أمراء وخلفاء بني أمية لسرعة استجابتهم وصالح بلائهم (^٣) ورغم أنه كان يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم ومنازلهم بعد الغزو، إلا أن بعضهم يرفض العودة إلى أهله، مفضلًا المرابطة في سبيل الله تعالى وحراسة الثغور على كل شيء، فأقاموا الربط (^٤) التي\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢٨.\n(^٢) - جغرافية الأندلس وأوربا، ص ١٣٠. وانظر ابن الزبير، صلة الصلة، (تحقيق: ليفي بروفنسال، المطبعة الاقتصادية، الرباط ١٩٣٧ م). ترجمة رقم ٣٣٢.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢٦.\n(^٤) - عن الربط انظر: المالكي، رياض النفوس، (تحقيق: د. حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية ط الأولى ١٩٥١ م) ج ١ ص ٢٥ - ٢٧ من مقدمة المحقق.","vol":"2","page":501},{"text":"كان لها بالليل دوي كدوي النحل من تلاوة القرآن وترديد ذكر الله تعالى، وفي النهار كان المرابطون فرسانًا أشاوس يرهب جانبهم (^١).\nورغم أننا لا نجد بيانًا خاصًا برواتب الجند النظاميين، فإننا لا نشك بأنه كانت هناك مرتبات شهرية تدفع لهم، فقد كان الأمويون لا \"يزيدون فارسًا على خمسة دنانير للشهر شيئًا، مع نفقته وعلف فرسه (^٢) \".\nوهذا المرتب كان يتأثر بالحالة السياسية للدولة، فإنه نظرًا للإضطراب السياسي الذي كانت تعاني منه الدولة الأموية إبان إمارة الأمير عبد الله بن محمد بسبب كثرة الفتن، نجد أنه ضيَّق على جنوده وقلل أعطياتهم (^٣). وكما أن المرتبات تتأثر بالوضع السياسي للدولة، فكذلك يتأثر عطاء كل جندي وفق بسالته وشجاعته، \"فمن ظهرت نجدته وإعانته وشجاعته أكرموه بولاية موضع ينتفع بفوائده (^٤) \"، والأمير عبد الرحمن الداخل عندما كان في إحدى معاركه في الثغر الأعلى نظر إلى أحد فرسانه وقد أظهر كفاءة وشجاعة نادرتين، فأمر أحد فتيانه أن يسأل عن الرجل، فإن كان من أشراف الناس أعطاه ألف دينار، وإن كان من أفناء\n_________\n(^١) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص ٢٩٦ - ٣٠٠.\n(^٢) - الحلل الموشية، ص ٨٢.\n(^٣) - أخبار مجموعة، ص ١٥٠ - ١٥١.\n(^٤) - الحلل الموشية، ص ٨٢.","vol":"2","page":502},{"text":"الناس فيعطيه نصفها (^١)، وأما من استشهد من جند الجيش الأموي فإن عطاؤه وأرزاقه تنتقل إلى ذريته (^٢).\nوأما المتطوعة الذين لا ذكر لهم في الديوان، فهم بالإضافة إلى ما يغنمونه من المعارك فإن لهم صلات من الأمراء والخلفاء (^٣).\nبقي أن نقول إن المنصور بن أبي عامر كان يدرك تمامًا أن الكثير من أبناء الشعب الأندلسي غير راضٍ عن السياسة القهرية التي ينهجها، ولذا فقد كان يخشى من حركة تهب في وجهه أو عصيان يدبر ضده فيطيح به، وهو مدرك في الوقت نفسه أن الجيش له الكلمة الفاصلة في هذا الموضوع، لأجل ذلك عمل على إجراء تغييرات جذرية في تركيبة الجيش، فنسخ تنظيمه الداخلي الذي كان سائدا طيلة عهد أمراء وخلفاء بني أمية إلى عصر الخليفة هشام المؤيد (^٤)، وذلك عندما جعل كل تشكيل من\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة ص ١١٩، والمكافأة على الشجاعة والاستبسال أول من أقرها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فقد كتب إلى عمرو بن العاص ﵁ بأن يفرض لخارجة بن حذافة ﵁ في شرف العطاء لشجاعته. انظر: البلاذري، فتوح البلدان، (بعناية: رضوان محمد رضوان، المكتبة التجارية الكبرى القاهرة، ط الأولى ١٣٥٠ هـ)، ص ٤٤٢.\n(^٢) - أخبار مجموعة، ص ١٢٠. وهو في هذا متبع لفعل الخليفة الراشد عمر ﵁، انظر: فتوح البلدان، ص ٤٤٧.\n(^٣) - البيان المغرب ٣/ ٤.\n(^٤) - كان الجيش الأموي قبل عهد المنصور يعتمد في أساسه على تجميع الفئات والقبائل من مختلف الرتب، كل صنف على حدة مع إيجاد عملية التآلف بين الجميع.","vol":"2","page":503},{"text":"تشكيلات الجيش يشتمل على كافة العناصر والفئات، فقد وزع الجند في مجموعات ضمن سرايا دون النظر إلى العصبية القبلية التي ينتمي إليها كل جندي، وكل مجموعة أو سرية لها قائد يرعى شؤونها، كما قرر أرزاقًا شهرية تصرف لكل جندي، وبذلك ضمن المنصور سهولة تجميع القوات في أي وقت، بالإضافة إلى الانضباط الذي أصبح سمة الجيش آنذاك (^١) وكما ضمن عدم حدوث عملية التفاف ضده.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>تعداد الجيش:</span>\nإن من العسير إعطاء رقم صحيح لعدد أفراد الجيش الأموي بالأندلس بكافة فئاته وطوائفه، إذ أن المصادر تعنى بالتشكيلات العسكرية المختلفة للجيش المتجه للغزو.\nوتجدر الإشارة إلى أن هناك جيش خاص بالثغور وآخر خاص بالعاصمة، وقد عرف الأخير باسم \"جيش الحضرة\" الذي أمدنا ابن حيان ببيان تفصيلي عن تقسماته في عهد الخليفة الحكم المستنصر، فذكر منها (^٢) \"طبقات الجند من القرطبيين والزهراويين\" \"وبياض الجند الأندلسيون والطنجيون\" و\"طبقات العبيد الخمسيون\" و\"الصيديون\" و\"أكابر الخمس\" و\"فرسان الرياضة\" و\"رجالة الأرباض\" و\"العبيد الجعفريين\".\n_________\n(^١) - سراج الملوك، ص ٢٢٩، أعمال الأعلام، ٢/ ١٠١.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٣٠، ٤٠، ٤٨، ٥٠، ٥١، ٧٨، ٩١، ١٢٠، ١٣٦، ١٣٧، ١٥٦، ١٧٤، ١٩٠، ١٩٥، ١٩٦، ١٩٧، ١٩٩، ٢٢٣.","vol":"2","page":504},{"text":"وقد كانت الكور المجندة تشكل ركيزة أساسية من ركائز القوة العسكرية بالأندلس، ولدينا بيان أورده ابن حيان (^١) وضح فيه العدد الذي تؤمنه كور الموسطة للصائفة المتجهة إلى الشمال النصراني، فذكر أن: -\nكورة إلبيرة قدمت (٢٩٠٠) فارس، جيان (٢٢٠٠) فارس، قبرة (١٨٠٠) فارس، باغة (٩٠٠) فارس، تاكرنا (٢٦٩) فارس، الجزيرة (٢٩٠) فارس، إستجه (١٢٠٠) فارس، قرمونة (١٨٥) فارس، شذونه (٦٧٩٠) فارس، رية (٢٦٠٧) فارس، فريش (٣٤٢) فارس، فحص البلوط (٤٠٠) فارس، مورور (١٤٠٣) فارس، تدمير (٢٥٦) فارس، ربينة (١٠٦) فارس، قلعة رباح وأوريط (٣٨٧) فارس، حصن شندلة (١١٣) فارس، وأما قرطبة التي تركت لهمة أهلها فقد كانت تنفر منها أعداد هائلة (^٢).\nورغم حرص حكومة قرطبة على أن تلتزم كل كورة بما تقدمه من فرسان، إلا أن الوضع السياسي العام للدولة له أكبر الأثر في أعداد أولئك الفرسان، ففي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن كان عدد الجيش مائة ألف فارس منهم عشرون ألفًا بدروع الفضة (^٣)، وأما في عهد الأمير عبد الله بن محمد فقد كانت الدولة تعيش فترة مضطربة، بسبب كثرة حركات التمرد والعصيان التي اندلعت في أرجاء الأندلس، مما قلص نفوذ الإمارة كثيرًا بحيث لم يعد يتجاوز قرطبة وما جاورها، حتى أن الأمير عبد الله عندما\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧١ - ٢٧٢.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٢٧٣.\n(^٣) - ابن الكردبوس، ص ٥٧. ابن أبي دينار، ص ٩٩.","vol":"2","page":505},{"text":"خرج سنة (٢٧٨) هـ (٨٩١ م) لمواجهة ابن حفصون كان تعداد القوة التي رافقته أربعة عشر ألف رجل بمن فيهم جنده والحشم والموالي والمطوعة والمرتزقة (^١). بل إن قائده الشهير أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ كان يخوض معاركة بثلاثمائة فارس انتخبهم من خيرة المدونة (^٢).\nوعلى العكس من عصر الأمير عبد الله نجد أن الجيش أصبح تعداده هائلًا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، إذ أدرك منذ وصوله للحكم معنى توفر قوة عسكرية ضاربة لدى حكومته، فعمل على إصلاح الجيش وحشد الجند، حتى أنه كان ينفق ثلث خزينة الدولة على جيشه (^٣)، حتى أصبح لديه أفضل جيش في العالم (^٤) ولنا أن نتصور ضخامة الجيش الذي خاض معركة \"الخندق\" بعد أن حُشر له الناس حشرا (^٥)، وإذا كان عدد قتلى المسلمين في المعركة بلغ أربعين أو خمسين ألف (^٦)، فكم سيكون العدد الكلي للجيش إذن؟\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٠٤. العرب في إسبانيا، ص ٨٩.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٢٩.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣١.\n(^٤) - مختصر تاريخ العرب، ص ٤٢٠.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٣٣.\n(^٦) - العرب في إسبانيا، ص ١٠٨. دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ٢ ص ٤١٤.","vol":"2","page":506},{"text":"ونظرًا لاهتمام المنصور بن أبي عامر بجلب المرتزقة من كافة الطوائف، فقد ازداد عدد الجيش في عهده، حتى أن عدد الفرسان في بعض صوائفه بلغ ستة وأربعين ألف فارس (^١).\nوقد كان على أهل قرطبة وأقاليمها ضريبة تعرف بـ\"ضريبة الحشود والبعوث\" عليهم إخراجها كل سنة للصوائف الغازية للمالك النصرانية في الشمال، ويتولى الوزير صاحب المدينة مسئولية إخراج الناس لتلك البعوث، ولا يمكن أن يتخلف أحد قادر على حمل السلاح إلا إذا كان لديه عذر شرعي أو أغلق عليه داره، بعلم الوزير صاحب المدينة، شريطة ألا يغادر منزله إلا بعد عودة الجيش من الغزو (^٢)، كما يتولى صاحب المدينة مسئولية حشد فتيان قرطبة القادرين على حمل السلاح، وذلك في المناسبات التي تقام فيها استعراضات عسكرية (^٣).\nولم تلغ ضريبة الحشود والبعوث عن أهل قرطبة إلا في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ترك الأمر عائدًا لهمة أهلها، إلا في حالة تعرض البلاد لهجوم مفاجئ من أي جهة كانت، ثم أعيدت هذه الضريبة في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (^٤)، وأصبح المتطوعة يشكلون قوة رئيسة في الجيش لديه، وقد كثرت أعدادهم في جيشه، حتى أن \"جموعهم إذا\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٤ - ٤٥.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤٧ - ٤٨.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧١.","vol":"2","page":507},{"text":"توافت، وأعدادهم إذا تكاملت تضيق عنهم بلاد العدو ولا تسعهم غلاتها، ولا ترويهم مياهها (^١) \"، وقد توقف العمل بتلك الضريبة بعد معركة الخندق (^٢)، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) اقتصر الخليفة عبد الرحمن الناصر\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٤٩.\n(^٢) - وذلك لأن القتلى والأسرى في تلك المعركة كان جلهم من المتطوعة انظر: المقتبس، تحيقيق: شالميتا ص ٤٣٦. اهتم الأندلسيون بأمر التطوع، ووصل الأمر ببعضهم أن وضع أقوالًا نسبها إلى النبي ﷺ كلها تحض على الجهاد في الأندلس، كما أن المرابطة في الثغر إلى نيل الشهادة كانت اولى الحلول لدى الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى بوصفها كفارة للقاتل إذا أبى أهل القتيل القصاص أو الدية. انظر: بغية الملتمس، ص ١٤. النباهي، تاريخ قضاة الندلس، ص ٦٢. ومن هنا لا نستغرب كثرة المتطوعة الذين يخرجون للجهاد في سبيل الله تعالى. وقد ذكر ليفي بروفنسال  L.Provencal: Op.Cit. ٣، P: ٦٨  وتابعه هشام أبو رميلة في رسالته عن \"نظم الحكم في الأندلس، ص ٣٠٧\" أن الحشاد الذين يتم تكليفهم من قبل حكومة قرطبة، لأجل حشد المتطوعة واستنفارهم، كانوا يلجأون إلى طرق ملتوية في الحشد، ولم يفسر بروفنسال ولا من تابعه تلك الطرق الملتوية. وأود أن أذكر هنا أنه إذا كانت كلمات الحشاد التي تعتمد على إثارة الناس من خلال تذكيرهم بعظيم الأجر والمثوبة لمن جاهد حتى تكون كلمة الله هي العليا وما ادخر للشهيد من ثواب، وكذلك إلهاب حماس المخاطبين بالأشعار والأقوال المؤثرة، إذا كان هذا هو التحايل فقول بروفنسال مردود عليه. وبمقابل جهود الحشاد في استنفار الناس للجهاد، نجد أن الرهبان مع ألفونس الثاني \"٢٢٧ هـ /٨٤٢ م\" ملك جليقية \"وليون\" قد اخترعوا \"سنة ١٩٧ هـ/٨١٣ م\" قصة القديس يعقوب وذلك لإثارة النصارى ودفعهم للاستماتة في القتال ضد المسلمين. انظر العلاقات بين الأندلس الإسلامية وأسبانيا النصرانية، ص ١١٩.","vol":"2","page":508},{"text":"على غلمانه وحشمه وجنده المدونين المدربين عند تجهيز الجيش لغزو جليقية (^١).\nوفي سنة \" (٣٨٨) هـ (٩٩٨ م) أصدر المنصور بن أبي عامر قرارًا عامًا بإعفاء أهل قرطبة وغيرهم من الإشتراك الإلزامي في الصوائف، بعد أن أصبح ديوان الجند لديه غاصًا بالأعداد الغفيرة منهم، فجعل \"من تطوع خيرًا فهو خير، ومن خف إليه، فمبرور ومأجور، ومن تثاقل فمعذور (^٢) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-64>التنظيمات والمناصب العسكرية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-65>أ- القيادة:</span>\nمنذ قيام دولة الأمويين في الأندلس وقيادة الجيوش موضع اهتمامهم، فهي أهم المناصب العسكرية على الإطلاق، ولذا فقد كان أمراء بني أمية يقودون الجيوش بأنفسهم (^٣)، وفي حالة تعذر خروجهم كانوا يكلفون أحد اولادهم بالخروج بالجيش شريطة أن يكون معه أحد القادة العسكريين من ذوي الخبرة والمهارة ليتولى إدارة المعركة (^٤).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٤٩.\n(^٢) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٨.\n(^٣) - انظر: البيان المغرب، ٢/ ٤٨، ٥٠، ٥١، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٧٠، ٧٢، ٧٣، ٨٤، ٨٦، ٩٤، ١٠٠، ١١٦، ١٢٢، ١٢٣.\n(^٤) - انظر: المصدر السابق، ٢/ ٦٣، ٨٦، ٩٨، ١٠٢، ١٠٥، ١٠٦، ١٢٤، ١٣٨، ١٤٠، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٧، ١٤٩.","vol":"2","page":509},{"text":"وفي عصر الخلافة كان الخليفة عبد الرحمن الناصر يقود الجيوش بنفسه، ولا نجد ذكرًا لأولاده، ولم يترك القيادة إلا بعد هزيمته في معركة الخندق، وعندما تولى الخلافة الحكم المستنصر خرج على رأس جيش إلى الشمال النصراني سنة (٣٥١) هـ (٩٦٢ م) ففتح عدة حصون وغنم وعاد سالمًا (^١). وهنا تجدر الإشارة إلى أن الخليفة المستنصر لم يكرر الخروج للغزو مرة أخرى، ويبدو أن خروجه على رأس الجيش عندما تولى الخلافة كان رسمًا جرى عليه أمراء وخلفاء بني أمية بالأندلس، إذ يكون الغزو في سبيل الله تعالى أول أعمال من يستلم الحكم منهم.\nونظرًا لأهمية منصب قيادة الجيش، ولسعي المنصور بن أبي عامر للسيطرة على الجيش، -بعد وفاة الخليفة الحكم المستنصر بالله-، نجد أن ابن أبي عامر يتحين الفرص لتحقيق مراده، وجاءته الفرصة عندما وصلت الأخبار بأن الملك ردمير الثالث راميرو (٩٦٦ - (٩٨٥) م) (^٢) ٣٥٥ - (٣٧٥) هـ ملك ليون، قد أغار على الثغر الأوسط (^٣)، ولما لم يبد أحد من الوزراء استعداده لرد المعتدين، سارع ابن أبي عامر إلى الخروج على رأس الجيش، وذلك لثلاث خلون من شهر رجب سنة (٣٦٦) هـ (٢٦ فبراير\n_________\n(^١) - نفسه، ٢/ ٢٣٤.\n(^٢) - أندلسيات، ٢/ ٥١.\n(^٣) - تطلق بعض المصادر مسمى الثغر الأدنى على منطقة الثغر الأوسط، وهذا الثغر مواجه لمملكة ليون، وكانت مدينة سالم قاعدة الثغر الأوسط، ثم استبدلت بمدينة طليطلة الواقعة على نهر التاجه. انظر: خليل إبراهيم السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، ص ٤٠.","vol":"2","page":510},{"text":"٩٧٧ م) وعاد إلى قرطبة بعد ثلاثة وخمسين يومًا من خروجه وهو محمل بالسبي والغنائم (^١).\nوالشيء المهم في هذه الغزوة، أن ابن أبي عامر تمكن من كسب محبة الجند وتفانيهم في خدمته، وذلك لما رأوه من كرمه وجوده وحسن عشرته وسعة مائدته (^٢)، وهذا هو الذي كان يهم ابن أبي عامر فقد أدى ذلك إلى أن أصدر الخليفة المؤيد أمره بتولية ابن أبي عامر قيادة جيش الحضرة (^٣).\nولدينا أسماء عديدة لقادة عسكريين أداروا المعارك العسكرية بكل كفاءة واقتدار، منهم: بدر مولى الأمير عبد الرحمن الداخل وتمام بن علقمة الثقفي وعبيد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن الداخل الشهير بصاحب الصوائف (^٤) وعبد الواحد بن يزيد الأسكندراني (^٥)، وهاشم بن عبد العزيز (^٦)\n_________\n(^١) - نصوص عن الأندلس، ص ٧٤. البيان المغرب، ٢/ ٦٤.\n(^٢) - أعمال الأعلام ٢/ ٦٠، وقد ذكر ابن عذاري أن ابن أبي عامر عندما رأى إحجام الوزراء عن الخروج بالجيش لصد النصارى، بادر إلى القيام بهذه المهمة، لكنه اشترط أن يختار الرجال الذين سيخرجون معه، وأن يأخذ من بيت المال مبلغ مائة ألف دينار، وعندما استكثر بعض الوزراء المبلغ، قال له ابن أبي عامر \"خذ ضعفها وامضي وليحسن غناؤك\". انظر: البيان المغرب، ٢/ ٢٦٤. وبواسطة هذا المبلغ، ملك ابن أبي عامر قلوب الجند، إذ بذل لهم منه ما جعلهم يفتدونه بأرواحهم، الأمر الذي سهل له السبيل أمام تحقيق هدفه.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٦٥.\n(^٤) - المصدر السابق، ٢/ ٥٣.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢.\n(^٦) - المصدر السابق، ص ٣٩٥.","vol":"2","page":511},{"text":"وغالب بن عبد الرحمن الناصري الذي برز ذكره لأول مرة سنة (٣٣٥) هـ (٩٤٦ م) عندما كلفه الخليفة عبد الرحمن الناصر بالخروج على رأس جيش كبير لإعادة بناء مدينة سالم (^١) كما قاد العديد من الحملات العسكرية الناجحة (^٢)، وعندما هاجم النورمانديون السواحل الغربية للأندلس في أوائل رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يونيو (٩٧١) م) عهد الخليفة المستنصر إلى قائده غالب الناصري بالإشراف العام على القوات البرية والبحرية\" لضلاعته وغنائه وعلمه بثقوب نظره ومحمود اكتفائه (^٣) \".\nويلاحظ أن القيادة العسكرية للجيش الأموي في الأندلس كانت تسند إلى أبناء أسر معينة سطروا صفحات ناصعة البياض ليس في المجال العسكري فحسب، بل في كافة المجالات الإدارية في الدولة، من أشهر تلك الأسر، أسرة آل أبي عبد هـ الذين برز دورهم القوي في عهد الأمير عبد الله بن محمد وذلك في قمع الفتن الداخلية التي اندلعت في كافة أنحاء الأندلس، وقد لمعت أسماء عدة وزراء من هذه الأسرة كلهم تولى القيادة العسكرية واجتمع منهم أربعة في وقت واحد عند الأمير عبد الله\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٢١٩، ٢٢٠، ٢٢١، ٢٤٠.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ٢٣ - ٢٤.","vol":"2","page":512},{"text":"ابن محمد (^١). كذلك اشتهرت أسرة مغيث الرومي، فقد برز اسم عبد الواحد بن مغيث بالإضافة إلى ولديه عبد الكريم وعبد الملك، وعبد الوهاب بن أحمد بن عبد الواحد بن مغيث (^٢).\n_________\n(^١) - الوزراء الأربعة الذين كانوا من بين وزراء الأمير عبد الله بن محمد هم: أبو عثمان عبيد الله بن محمد وسلمة بن أبي عبده وعبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبده والوزير القائد الشهير أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبده، عن هؤلاء وأدوارهم البطولية، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١٩ - ٣٢٠. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ٣/ ٢٥ - ٢٩، ٥٣، ٩٤ - ٩٧، ٩٩ - ١٠٥، ١١٧ - ١١٨، ١٢٨ - ١٣١، ١٣٩ - ١٤٣، ١٤٥ - ١٤٧. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٣، ٨٢، ٩٢، ١٠٧، ١٢٧، ١٣٥ - ١٣٦، ١٩٩. البيان المغرب، ٢/ ١٢٩، ١٣٢ - ١٣٣، ١٣٨ - ١٣٩، ١٤٢، ١٤٨ - ١٤٩، ١٥٢، ١٦٥، ١٦٧، ١٦٩ - ١٧١.\n(^٢) - عن جهودهم العسكرية، انظر: المقتبس: تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٥. وماورد في التعليقات أرقام ٢٧، ٢٨، ٣٠، ٣١، ٣٨، ٧٧، ٣٢٥، ٣٢٦ وما ورد في التعليق رقم ٨٢. نصوص عن الأندلس، ص ٣١ - ٣٢، ٦١ - ٦٢. الحلة السيراء ١/ ١٣٥. البيان المغرب ٢/ ٤٨، ٦١، ٦٥، ٧٥، ٨٢، ١٠٠، ١٠١. المغرب في حلى المغرب ١/ ٤٤. وأسرة بني مغيث تنتمي لمغيث بن الحويرث بن جبلة بن الأيهم الغساني، مولى الوليد بن عبد الملك، عربي أزدي، شارك مغيث في فتح الأندلس مع طارق بن زياد، وتولى فتح قرطبة، وإليه ينسب \"بلاط مغيث\" وبعد حياة حافلة بالأحداث قتل مغيث في معركة بقدوره بالمغرب، ويعتبر مغيث باني بيت آل مغيث بالأندلس، فقد ترك أولادًا أشهرهم عبدالواحد الذي تولى الحجابة للأميرين الداخل والرضا وتوفي في عهد الأمير الربضي سنة ١٩٨ هـ وخلفه أولاده الثلاث عبد الكريم وعبد الملك وعبد الحميد الذين كانوا من كبار رجال الدولة الأموية سياسة وقيادة وكياسة وعلمًا، واستمرت هذه الأسرة عالية المقام مهيبة الجانب إلى أن تم إسقاطها نهائيًا في القرن الرابع الهجري تقريبًا (العاشر الميلادي) والسبب في ذلك هو إقدام أحمد بن مغيث على التغزل بإحدى بنات الأسرة الأموية، فقد صدر الأمر باستئصال آل مغيث والتسجيل عليهم ألا يستخدم أي منهم أبدًا، حتى كان سببًا في هلاكهم وانقراض بيتهم، فلم يبق منهم في أوائل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) إلا الشريد الضال. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص ٣٧٢. طوق الحمامة، ص ٣٨. أخبار مجموعة، ص ١٠، ١١، ١٢، ١٩، البيان المغرب ٢/ ٩ - ١٠.","vol":"2","page":513},{"text":"ولهؤلاء القادة الوزراء مكانة سامية لدى أمراء وخلفاء بني أمية، ففي الاحتفالات الرسمية التي تقام سواء في الأعياد أو عند استقبال السفراء والوفود الرسمية الزائرة تكون مجالس أولئك القادة الوزراء بالقرب من الأمير أو الخليفة ففي الاحتفال الذي أقامه الخليفة الحكم المستنصر بالله في الزهراء يوم السبت لأربع خلون من شهر رمضان سنة (٣٦٠) هـ (١ يوليو (٩٧١) م) عند استقباله للسفير \"بون فليو  Enneco Bonfill\"  المبعوث من قبل حاكم برشلونة بريل بن شنير  Borrell Sunier،  جلس الخليفة في محراب المجلس الشرقي، وأحاط به رجال دولته كل وفق مرتبته، فقد جلس الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن عن يمين الخليفة وتحته الوزير صاحب الحشم قاسم بن محمد بن طلمس، وعن يسار الخليفة جلس الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان وتحته صاحب المدينة بالزهراء محمد ابن أفلح (^١).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠ - ٢١ والحاشية رقم ١.","vol":"2","page":514},{"text":"ولم يقتصر إكرام الدولة لأولئك القادة على تشريفهم في الاحتفالات، بل إنها كانت تضع الثقة الكاملة بهم، فعند تعرض البلاد لأي خطر عسكري فإن أمراء وخلفاء بني أمية يضعون موارد الدولة وإمكاناتها تحت تصرف أولئك القادة (^١)، كما يتم إرسال المنح السنية والمكافآت المالية إليهم وهم في مواقعهم العسكرية من أجل شد عزائهم، وبث الحماسة في جنودهم، وبالذات عندما تصل من القائد أخبار تسر الأمير أو الخليفة (^٢).\nوعند عودة القائد مع قواته منتصرًا، كانت الاحتفالات تقام بقرطبة ابتهاجًا بهذه المناسبة، وتكريمًا له ولمن معه، فالوزير القائد غالب بن عبد الرحمن عندما عاد من أرض العدوة المغربية محققًا انتصارًا قويًا على مناوئي الدولة، أمر الخليفة الحكم المستنصر بإقامة احتفال كبير بهذه المناسبة واستُقبل القائد استقبالًا رسميًا كان الخليفة في مقدمة الحضور وذلك في شهر المحرم سنة (٣٦٤) هـ (سبتمبر (٩٧٤) م) (^٣).\nونظرًا إلى انقسام الجيش إلى فرسان \"خيالة\" ورجالة \"مشاة\" فإن لكل قسم منهما قائد خاص (^٤)، وعندما تريد حكومة قرطبة تكريم أحد القادة العسكريين يتم منحه مظلًا يستظل به عن الشمس، ويقف تحته عند\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩١.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٣٥. البيان المغرب، ٢/ ٢٤٧.\n(^٣) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩٤ - ٢٠٢.\n(^٤) - أخبار مجموعة، ص ٨٧.","vol":"2","page":515},{"text":"إدارته للمعركة (^١)، وقبل أن يغادر القائد العاصمة بقواته، تصدر إليه الأوامر من قبل الأمير أو الخليفة، بتحديد المنطقة التي عليه مهاجمتها (^٢) وإن قصر في عمله كتب إليه الأمير رسالة يعنفه فيها على تقصيره.\nفعندما ثار هاشم الضراب بطليطلة في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم سنة (٢١٤) هـ (٨٢٩ م) تم تكليف القائد محمد بن رستم عامل الثغر بالقضاء على ثورة الضراب، ويبدو أن القائد ابن رستم لم يحسم المسألة بسرعة، فأرسل إليه الأمير مددًا عسكريًا وكتب إليه كتابًا يعنفه فيه على تقصيره وذلك سنة (٢١٦) هـ (^٣) (٨٣١ م).\nوكما أن القائد إذا قصر في عمله يتعرض للمساءلة الرسمية، فكذلك نجد أن هناك مواقف على المستوى الشعبي العام - ربما كانت أشد إيلامًا من المواقف الرسمية، هذه المواقف الشعبية يتعرض لها القائد العسكري إذا حدث أن فر من أرض المعركة، إذ يقابل القائد بالسخرية ويشنع عليه فراره حتى من أقرب الناس إليه، وهذا ما حدث في شوال سنة (٢٣٩) هـ (مارس (٨٥٤) م) عندما أخرج الأمير محمد ابن عبد الرحمن قائديه قاسم بن العباس وتمام بن أبي العطاف على رأس قوة عسكرية من الحشم، لتأديب أهل طليطلة، وعندما التحم جيش الإمارة بأهل طليطلة، تمكن الطليطليون من تحقيق نصر قوي فر على إثره القائدان ابن العباس وابن أبي العطاف،\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ١١٢. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١٥.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١٨. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٨١.\n(^٣) - البيان المغرب ٢/ ٨٣.","vol":"2","page":516},{"text":"تاركين ما في المعسكر لأهالي طليطلة فانهالت قصائد الشماتة على ذينك القائدين (^١).\nوالعامة دومًا لا تنظر إلا إلى مصالحها الآنية، ولا تلتمس عذرًا لمن يمنع عنها تلك المصالح، فقد اعتاد العامة في قرطبة على كثرة السبي الذي كان يحضره المنصور بن أبي عامر من الإمارات والممالك النصرانية الشمالية، وبعد وفاته تولى قيادة العمليات الحربية من بعده ابنه عبد الملك المظفر، وفي غزوته الرابعة التي خرج بها إلى بنبلونة سنة (٣٩٦) هـ (١٠٠٦ م) لم يحضر معه إلى قرطبة السبي المعتاد، فأخذ نخاس الرقيق يرددون عبارة \"مات الجلاب، مات الجلاب (^٢) \"\n\n<span data-type='title' id=toc-66>ب- خطة الخيل:</span>\nيتضح لنا من اسم هذه الخطة أن الأمر متعلق بالخيول وما يتصل بها، ونظرًا لضخامة الجيش الأموي بالأندلس، فإنه لابد من وجود أماكن معدة لرعاية هذه الخيول والعناية بها وقد عرفت هذه الأماكن باسم \"دار الخيل (^٣) \"، وهي دار تمتاز بالسعة والضخامة، لذا فالأمر يتطلب وجود جهاز إداري متكامل يتولى عملية الإشراف عليها، وهذا الجهاز الإداري له مشرف مسئول عنه وعن الدار ومحتوياتها أمام الأمير أو الخليفة الأموي،\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩٤. البيان المغرب ٢/ ٩٤.\n(^٢) - البيان المغرب، ٣/ ١٣.\n(^٣) - أخبار مجموعة، ص ١٤٤.","vol":"2","page":517},{"text":"ويعرف هذا المشرف باسم \"صاحب الخيل (^١) \"، وعلى هذا فإن صاحب الخيل هو المشرف على شئون الخيل اللازمة للجيش وما يلزم كل جواد من سرج ونحوه (^٢)، وأحيانا نرى أنه يجمع مع خطة الخيل الحشم (^٣).\nومن واجبات صاحب هذه الخطة ترتيب الجند، وفض المنازعات التي تحدث بينهم (^٤)، وقيادة الحملات العسكرية (^٥)، في حين تناط بمساعديه مهمة حمل الأموال والمنح المرسلة لمن يثبت حسن صنيعه وغناه في الحروب (^٦).\nوقد شهدت \"خطة الخيل\" بعض التغيرات شأنها في ذلك شأن بعض الخطط، فبعد أن كانت مرتبطة بالقيادة كما هو الحال في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن (^٧) نجدها في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر تصبح منفصلة تمامًا عن القيادة (^٨)، رغم أنها جمعت معها في بعض الفترات (^٩).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٩٤.\n(^٢) - الحلة السيراء، ١/ ٢٢٣.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٥.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٧٨.\n(^٥) - نفس المصدر والصفحة. البيان المغرب، ٢/ ٩٤، ١٥٣.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٤، ١٥١.\n(^٧) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩٤. البيان المغرب ٢/ ٩٤.\n(^٨) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٧٢، ١٨٦، ٢٠٤.\n(^٩) - المصدر السابق، ص ٣٣٠.","vol":"2","page":518},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>جـ- خطة العرض</span>\nالعرض وظيفة من وظائف التنظيم العسكري، وهي خاصة باستعراض الجنود المدونين في أوقات منتظمة للتأكد من وجودهم وسلامة استعدادهم (^١) ويسمى من يتولى هذه الخطة بـ\"العارض (^٢) \"، وإذا حان موعد استعراض الجند، جلس الأمير أو الخليفة على سطح باب السدة وبجواره ولي عهده، فإذا أعطى إشارة البدء للقائد، تبدأ عملية الاستعراض التي تقوم بها طائفة من الجند، قد تم اختيارها مسبقًا، وفي الاستعراض يعمل أفراد تلك الطائفة، على إبراز مهاراتهم الحربية، فتكون هناك عملية مبارزة ومطاردة بين المتبارزين، شريطة أن يكون كل منهما حريصًا على عدم إلحاق الأذى بزميله، ومن خالف ذلك تعرض للعقوبة والسجن، في حين أن المصاب يؤمر له بجائزة، وقبيل الظهر تنتهي عملية الاستعراض (^٣).\nوبالنظر لأهمية هذه الخطة، والازدياد في أعداد الجنود المدونين، فإننا نجدها تسند أحيانًا إلى شخص واحد (^٤)، وفي بعض الأحيان تسند إلى أربعة (^٥) يتولون معًا مهمة الإشراف على هذه الخطة النبيلة، على أن تكون الاختصاصات مقسمة فيما بينهم.\n_________\n(^١) - الحلة السيراء، ١/ ١٤٥، حاشية رقم ٣.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٩٧. البيان المغرب، ٢/ ١٥٨.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢٣.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٩.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٩٧.","vol":"2","page":519},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>د- خطة خازن السفر:</span>\nإن الإعلان عن قيام الخلافة الأموية بالأندلس، وازدهار البلاد بعد أن فرض الخليفة عبد الرحمن الناصر نفوذه على معظم شبه الجزيرة الأيبرية وبعض أراضي العدوة بالمغرب، كل هذا، أوجد تعقيدًا إداريًا في كافة أجهزة الدولة، وذلك بسبب الحال التي أصبحت عليها الدولة الأموية من قوة وثراء ومكانة عالمية بين الدول آنذاك.\nوللدلالة على التعقيد الإداري نشوء هذه الوظيفة رغم أنها لم تكن معروفة في عهد الإمارة، ولم تكن لتوجد فيما بعد لولا الضخامة التي أصبح عليها الجيش الأموي هناك، والمهام العديدة التي عليه تأديتها.\nوخازن السفر هو الذي يأخذ الأموال من بيوت المال ويذهب بها إلى الجيش ويوصلها بنفسه، سواء كان شمالًا في جهة الممالك النصرانية أو جنوبًا ناحية العدوة المغربية (^١) وإذا لزم الأمر إرسال مزيدًا من الأموال فيما بعد إلى الجيش، فإن الخليفة يكلف شخصًا آخر لأخذ الأموال اللازمة ويتوجه بها إلى الجيش ويوصلها إلى قائد الجيش والخازن المتواجد معه (^٢).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٤٩.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢١٠.","vol":"2","page":520},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>هـ- خطة خزانة السلاح:</span>\nالجيش الأموي بالأندلس لا يعرف الهدوء والسكينة، فهو إن لم يكن في صائفة في جهاد ضد نصارى الشمال، نجده يتولى قمع اضطراب في إحدى أرجاء البلاد، كما أصبحت أراضي العدوة المغربية مسرحًا لعملياته في عصر الخلافة.\nلأجل ذلك، كان لزامًا على القائمين على الجيش توفير الأسلحة لأفراده، ونظرًا لضخامة الأسلحة المعدة فهي تودع في مخازن خاصة عرفت بـ\"خزانة السلاح\" ومتوليها يشغل منصبًا عاليًا في الدولة (^١).\nوالأسلحة لأي جيش تكون على نوعين، أسلحة هجومية، وأخرى دفاعية، وكل نوع من هذين النوعين ينقسم إلى قسمين آخرين، فالهجومية منها تكون خفيفة وثقيلة، وكذلك الدفاعية وهذه الأسلحة بأنواعها تكون أيضًا على قسمين: فردية وجماعية. أي أن منها ما يكون صالحًا للاستخدام الفردي وآخر للاستخدام الجماعي.\nوليس بدعًا أن يكون الجيش الأموي بالأندلس قد استخدم كافة أنواع الأسلحة المعروفة آنذاك، الهجومية منها والدفاعية الفردية والجماعية، فالأسلحة الفردية كالسيوف والرماح والقسي والسهام والطبرزينات (^٢) كلها أسلحة هجومية فردية. في حين أن هناك عدة\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٩٧. البيان المغرب، ٢/ ١٥٩، ١٦٤، ١٦٩.\n(^٢) - الطبرزينات: جمع طبرزينة وهي عبارة عن نصل حديد مركب في قائم من الخشب كالفأس بحيث يكون النصل مدببًا من ناحية، ومن الناحية الأخرى رقيقًا مشحوذًا كالسكين، وتستخدم في القتال مع السيوف. انظر: المعجم الوسيط، مادة \"طبر\". الفن الحربي في صدر الإسلام ص ١٢٩ - ١٥٥. وعن الأسلحة الفردية الهجومية واستخداماتها انظر: كتاب السلاح، ص ١٧ - ٢٨.","vol":"2","page":521},{"text":"أسلحة دفاعية خفيفة، منها: الترس وهي آلة يتقي بها المقاتل ضربات خصمه، ويأتي على أنواع وأصناف شتى كل منها صالح لشيء معين (^١) وكذلك الدرق التي هي من أنواع التروس (^٢)، والبيضة أو الخوذة التي يلبسها المقاتل على رأسه (^٣)، والمغفر (^٤) والدرع (^٥).\nهذه هي الأسلحة الهجومية والدفاعية الخفيفة الفردية، فالجنود المشهود لهم بشدة البأس والرجولة في الجيش الأموي بالأندلس، تميزوا بتقلد السيوف الأفرنجية وبحمل التراس والرماح المستوية الأسنه، ومن كان\n_________\n(^١) - انظر: كتاب السلاح، ص ٣٠. تبصرة أرباب الألباب، ص ١٢ - ١٣. نهاية الآرب، ٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠. تاريخ التمدن الإسلامي، ١/ ١٣٩ - ١٤٠. الفن الحربي في صدر الإسلام، ص ١٨٦ - ١٨٩.\n(^٢) - انظر: لسان العرب، مادة \"درق\". كتاب السلاح، ص ٣٠.\n(^٣) - البيضة أو الخوذة: تصنع من الحديد أو الفولاذ ومبطنة ببعض المواد اللينة كالقطن وغيره يلبسها المقاتل على رأسه يتقي بها ضربات خصومه. انظر: عبدالرحمن زكي، السلاح في الإسلام، ص ٢٣. الفن الحربي في صدر الإسلام، ص ١٨٤.\n(^٤) - كتاب السلاح، ص ٢٩. تبصرة أرباب الألباب، ص ١٤. السلاح في الإسلام، ص ٢٧.\n(^٥) - نهاية الأرب، ٦/ ٢٤١ - ٢٤٦. الفن الحربي في صدر الإسلام، ص ١٧٥ - ١٨٣ ومصادره.","vol":"2","page":522},{"text":"منهم على فرس ارتدى الدرع وحمل القناة ولبس الجوشن الذي يغطي به الصدر، ووضع على فرسه تجفاف يحميه أثناء القتال (^١)، في حين أن المشاة كانوا يتنكبون القسي الكبار وبأيدهم الطبرزينات والدماغات والأعمدة (^٢).\nأما الأسلحة الهجومية والدفاعية الثقيلة التي تستخدم بشكل جماعي، فيأتي المنجنيق (^٣) في مقدمتها، وتليه في الأهمية \"العرادة\" وهي آلة شديدة الشبه بالمنجنيق ولكنها أصغر منه (^٤)، والمنجنيق والعرادة يصلحان في الاستخدامات الدفاعية الهجومية، وتستعمل العرادة في رمي السهام الكبيرة والحجارة، وتستعمل لهدم الأسوار والحصون أو ضرب المعسكرات أو الجند المهاجمين (^٥).\n_________\n(^١) - المقتبس: تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٤٩.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٥٠. وعن العمود، انظر: الطرطوسي، تبصرة أرباب الألباب، ص ١٥ - ١٦.\n(^٣) - عن المنجنيق وأنواعه واستخداماته، انظر: أربنغا الزردكاش، الأنيق في المناجيق، (تحقيق: د. إحسان هندي، منشورات معهد التراث العلمي العربي، حلب ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م) ص ١٦ - ٣٠، ٣٩ - ٤٦، ١٦٩ - ٢٢١. الفن الحربي في الإسلام ص ١٥٦ - ١٦٧ ومصادره. الجيش والقتال في صدر الإسلام، ص ٣٩٦ - ٤٠٦.\n(^٤) - عبد الرحمن زكي، السلاح في الإسلام، ص ٤٠.\n(^٥) - الهرثمي: مختصر سياسة الحروب، (تحقيق: عبد الرؤوف عون، لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ١٩٦٤ م)، ص ٥٨. الجيش والقتال في صدر الإسلام، ص ٤٠١ - ٤٠٢.","vol":"2","page":523},{"text":"ومن الأسلحة المهمة المستخدمة في الحصار \"الدبابة\" وهي آلة حربية يدخل فيها الرجال، فيدبون إلى الأسوار لنقبها، وهي تسبق المشاة حتى تقترب من حصون الأعداء بصورة كبيرة، وكذلك استخدموا \"البرج\" الذي هو شديد الشبه بـ\"الدبابة\" إذ كان يستعمل للاقتراب من حصون الأعداء لاقتحامها ولقذف السهام ونحوها على المدافعين. والبرج يُجر على عجلات خشبية أو حديدية وله عدة أدوار يعلو بعضها بعضا يوصل إليها بدرج أو سلم داخلي، وفي أعلى البرج توجد قنطرة خشبية يمكن إلقاؤها على سور الحصن ليعبر عليها المقاتلون لاقتحام الحصن (^١).\nوقد كانت معظم الأسلحة التي يستخدمها الجيش الأموي بالأندلس تصنع محليًا، وبالذات التروس والرماح والمغافر (^٢)، ولنا أن نتوقع أنواعًا أخرى من الأسلحة تصنع في اشبيلية وذلك لوفرة الفولاذ الجيد فيها (^٣)، كما أن طليطلة اشتهرت بصناعة السيوف المشهورة بالصلابة واشتهرت المرية واشبيلية ومرسية وغرناطة بصناعة الدروع وآلات الحرب عامة (^٤).\n_________\n(^١) - الحسن بن عبد الله العباسي، أثار الأول في تدبير الدول، (مطبوع على هامش تاريخ الخلفاء للسيوطي، القاهرة ١٣٠٥ هـ). ص ٢١٤. تاريخ التمدن الإسلامي، ١/ ١٤٣ - ١٤٤. الفن الحربي في صدر الإسلام. ص ١٦٨ - ١٦٩.\n(^٢) - نفح الطيب ١/ ٢٠٢.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١/ ٢٠٢.\n(^٤) - قصة العرب في إسبانيا، ص ١٢٩.","vol":"2","page":524},{"text":"ويورد لنا ابن حيان (^١) معلومات دقيقة عن صناعة الأسلحة بالأندلس بصفة عامة، فقد ذكر أن كل عام يصنع من الأخبية على أجناسها للجند ثلاثة آلاف خباء، وهذا غير الأخبية الخاصة بالأمير أو الخليفة وكبار رجالات دولته وغلمانه، ونظرًا للتوسع في صناعة التراس فقد كان لصناعها شيخ في ذلك الوقت هو يحيى التراس، وكان يحيى يدير مصنعًا للتراس ينتج كل سنة ثلاثة عشر ألف ترس على أنواعها، وأما القسي فعلى نوعين تركية وعربية فالمصنع الذي بقرطبة خاص بإنتاج القسي العربية ويشرف عليه أبو العباس البغدادي وينتج ستة آلاف قوس في السنة، ومثلها ينتج من القسي التركية في مصنع الزهراء ويشرف على تصنيعها طلحة الصقلبي، وأما النبل فيصنع منه عشرون ألفًا في الشهر (^٢).\nيضاف إلى ما سبق أن خزائن الأسلحة بالزاهرة كانت ملأى بصنوف الأسلحة خاصة التراس والدروع والجواشن التي يوزع الكثير منها أيام الحشود وأيام البروز والزينة (^٣) ومما يدل على ضخامة مخازن الأسلحة لدى الدولة الأموية أن الحاجب عبد الملك المظفر عندما أراد أن يخرج في أول غزوة له في شهر شعبان سنة (٣٩٢) هـ (يونيو (١٠٠٢) م) أمر\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٠٢.\n(^٢) - المصدر السابق، ٢/ ١٠١.\n(^٣) - نفسه، ٢/ ١٠٢.","vol":"2","page":525},{"text":"خُزَّان الأسلحة بتوزيع خمسة آلاف درع وخمسة آلاف مغفر على طبقات الأجناد الدارعين في جيشه (^١).\nوأخيرًا تجدر الإشارة إلى أن خزائن الأسلحة لم يقتصر وجودها على قرطبة والزهراء والزاهرة بل إن مدينة سالم، على سبيل المثال كانت مستودع أسلحة تمد المنصور بن أبي عامر بما يحتاج إليه من الأسلحة أثناء غزواته نحو الشمال الأسباني، ففي إحدى هذه الغزوات زودته مخازن الأسلحة بمدينة سالم بستة منجنيقات ومائتي ألف سهم وخمسة آلاف ترس (^٢).\nومخازن الأسلحة سواء في قرطبة أو غيرها كان لها خُزَّان، وللخُزَّان رئيس هو خازن الأسلحة، وكل موجودات المخازن مقيدة لديه في سجلات خاصة يحتفظ بها في حرز أمين، ومنها نسخة عند جهة إدارية أخرى، حتى إذا أُعفي خازن الأسلحة من منصبه، وُعيِّن آخر بدلًا عنه، يتم تكوين لجنة تقوم بإحصاء ما في المخازن وتطابقها على السجلات الموجودة لديها، وذلك لكي تكون عملية التخزين متقنة لا مجال للتلاعب فيها (^٣).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٣/ ٤\n(^٢) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٠١.\n(^٣) - المصدر السابق، ٢/ ١٠٢.","vol":"2","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>و- صاحب العسكر:</span>\nالمراد به هو قائد جيش الحضرة، وقد أطلق عليه لقب: \"صاحب العسكر\" للتفريق بينه وبين القائد الذي يخرج على رأس الجيش لإخضاع العصاة وللجهاد في الثغور.\nومنصب صاحب العسكر، منصب أمني بحت، ينصبُّ اهتمامه على الحراسة المستمرة للجيش عند خروجه للغزو، وكذلك اختيار الأماكن المناسبة لنزوله، بالإضافة إلى تولي أمر العلافة، ولا يكلها إلى غيره، احتياطا منه على من معه من المسلمين، وقبضًا لأيدي المتلصصين من العدو عليهم، وبذلك تكون العلفات متوفرة، والسرايا مثقلة بالغنائم (^١).\nز- اللواء:\nاللواء رمز الإمارة والقيادة، ولذا فلا عجب أن تهتم به الجيوش أيًا كانت، بل إن عدم وجوده يعد غيبًا ونقصًا في الجيش وقائده، فهذا الأمير عبد الرحمن بن معاوية - عندما كان في بداية أمره - بعد مغادرته اشبيلية في طريقه إلى قرطبة، لم تكن له راية، بل إن أنصاره كان كل جند منهم يسير تحت راية خاصة (^٢)، هذا الوضع المضطرب دفع بعض رؤساء الأجناد إلى انتقاد هذا الوضع، وعرضوا على الأمير عبد الرحمن اتخاذ راية خاصة له يجتمع الجيش كله تحتها، فوافق الأمير على ذلك، وبمجرد وصول الجيش\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(^٢) - أخبار مجموعة، ص ٨٤.","vol":"2","page":527},{"text":"إلى قرية \"بلة نوبة البحرين (^١)  Villa Nueva\"  وقيل قرية قلنبيرة (^٢) من إقليم طشانة \"  Tocina\"  جيء بقناتين إحداهما لأبي الصباح اليحصبي والأخرى لأبي عكرمة جعفر بن يزيد جد بني سليم الشذونيين، فعقد له في إحداهما (^٣)، وتولى عقد الراية رجل تفاءلوا باسمه بعد أن أقاموا القناة بين شجرتي زيتون لأنهم كرهوا إمالتها (^٤).\nوقد ظل هذا اللواء دون تجديد طيلة عهد الأمراء الداخل والرضا والربضي إذ كلما خلقت العمامة المعقودة على القناة، تم ستر فضولها وعقد على العقدة، ولم يتم تجديده إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حيث طرحت الأسمال البالية وجددت العمامة (^٥).\nوكان اللواء القديم بأسماله البالية محل تقدير وتفاؤل بني أمية والأندلسيين كافة، وبلغ من تفاؤلهم أن الهزائم التي حلت بالجيش الأموي فيما بعد نسبت إلى الخطأ الذي ارتكبه الوزراء عندما طرحوا الأخلاق البالية التي كانت تكوِّن اللواء القديم، وفي ذلك يقول ابن حيان \"لم يزل الوهن في ملك بني أمية بالأندلس من ذلك اليوم (^٦) \".\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٢٦.\n(^٢) - أخبار مجموعة، ص ٨٤.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٢٦. قارن: أخبار مجموعة، ص ٨٤.\n(^٤) - أخبار مجموعة، ص ٨٤ - ٨٥. نفح الطيب، ٣/ ٥٠.\n(^٥) - أخبار مجموعة، ص ٨٥.\n(^٦) - نفح الطيب، ٣/ ٥١.","vol":"2","page":528},{"text":"ولاشك أن هذا الاعتقاد أمر لا يقره الشرع ولا المنطق، إذ العزة الحقة مقرونة بالتمسك الصحيح بالأحكام الشرعية، إضافة إلى اتخاذ الأسباب الكفيلة بالنصر.\nواللواء عادة لا يحمله إلا من كان أهلًا لحمله، وموضعًا لثقة السلطان، ولذا فإن لواء بني أمية بالأندلس حمله منذ البداية أبو عثمان عبيد الله بن عثمان (^١) ثم أخذ بتعاقب على حمله مع عبد الله بن خالد بن أبان بن أسلم (^٢)، وإذا كانت معظم الخطط الهامة في دولة بني أمية بتوارثها الأبناء عن الآباء فليس بدعًا أن يكون حمل اللواء قد استمر في ذرية أبي عثمان وعبد الله بن خالد.\nولعقد الراية عند خروج الجيش للغزو رسوم لا يمكن تجاوزها، فعندما أمر الخليفة الحكم المستنصر بالله بعقد الراية للوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن قام إثنان من كبار الوزراء بإحضار الراية ذات القطع الثلاث -العقدة والعلم والشطرنج (^٣) - ثم تولى عريف الخياطين عقد هذه الأعلام، واستدعى محمد بن يوسف القبري إمام قصر الخليفة (^٤) بالإضافة إلى بعض أئمة النافلة ومن معهم من المؤذنين، وبمجرد استلام عريف الخياطين للراية اندفع القاضي يقرأ سورة\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة، ص ٨٧.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٤٢.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٥.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٣٧.","vol":"2","page":529},{"text":"الفتح ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وكان انتهاؤه منها مع انتهاء عريف الخياطين من عقد الأعلام، وصحب ذلك التكبير والتهليل بصوت مرتفع من كافة الحضور، وهكذا حتى اكتملت المهمة، بعد ذلك خرج عريف الخياطين ومن معه من الوصفاء والمؤذنين ومعهم الرايات الثلاث إلى باب السدة وهم يكبرون ويهللون وسط كوكبة من الفرسان مكتملي الزينة وكان في استقبالهم هناك الوزير صاحب الخيل والحشم ومعه أحد الوزراء ثم واصلوا مسيرهم إلى باب الوزير الأعلى غالب بن عبد الرحمن الذي كانت بانتظار وصولهم ومعهم اللواء فلما وصلوا امتطى صهوة جواده وخرج للغزو من حينه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>ح- العرفاء:</span>\nهناك نصوص عدة وردت في بعض المصادر الأندلسية، تحدثت عن العرفاء، وأشارت إلى وجود إختصاصات متعددة لهم، فقد كان للأمير الحكم الربضي ألفا فرس في دارين على شاطئ الوادي الكبير مقابل قصر الإمارة بقرطبة معدة للطوارئ، وكل عشرة عرفاء يتولون مسئولية الإشراف على إحدى الدارين (^٢)، وعلى هذا فالعريف مسئول عن مائة فارس، لكن في عهد الأمير المنذر بن محمد نجد نصًا يفيد بأن كل عشرة من العرفاء مسئولين عن مائة وخمسين -أي أن العريف مسئول عن خمسة\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٥ - ٢٦.\n(^٢) - أخبار مجموعة، ص ١٢٩ - ١٣٠.","vol":"2","page":530},{"text":"عشر فارس- أرسلهم الأمير ومعهم مائة بغل شرط صلح مع الثائر عمر بن حفصون (^١)، مما يفيد بأن العرفاء مسئولين كذلك عن الجنود، وذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عيَّن عبد الملك بن العاصي واليًا على مارده سنة (٣١٥) هـ (٩٢٧ م) فوصل إليها \"في ألف من العرفاء ومثلهم من الطنجيين وخمسمائة من الرماة وخمسمائة من الملحقين (^٢) \" وهذا النص يفيد بأن العرفاء يقاتلون كمجموعة مستقلة وذلك لخبرتهم في القتال (^٣). فقد وجد منهم فرقة على عهد الخليفة الحكم المستنصر عرفت بـ\"العرفاء المدرعين (^٤) \" وهناك مجموعة من العرفاء مهمتهم تذليل الصعاب والعقبات التي تعترض طريق الجيش الأندلسي من توسيع طرق، أو توسعة شعاب وما إلى ذلك، وقد ورد في حوادث سنة (٢٤٤) هـ (٨٥٨ م) أن الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما حاصر طليطلة أمر عرفاء البنائين والمهندسين بنسف القنطرة الموصلة إلى باب المدينة فتم لهم ذلك (^٥) فغرق من كان عليها من أهل طليطلة، كما أن عرفاء البنائين كانوا يعقدون الجسور لتمكين الجيش الأموي من عبور المجاري المائية التي\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ١١٨.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٤٠ - ٢٤١.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ١٩٤.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤٩.\n(^٥) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠٥ - ٣٠٦. البيان المغرب، ٢/ ٩٦.","vol":"2","page":531},{"text":"تعترض سبيله (^١) وبذلك يمكن القول بأن هؤلاء العرفاء أشبه ما يكون في العصر الحاضر بسلاح المهندسين الذي لاتستغني عنه الجيوش.\nونختتم الحديث عن أولئك العرفاء بالإشارة إلى أن لهم في بعض الأحيان مهام خاصة كأن يكلف الأمير أو الخليفة مجموعة منهم سرًا للكشف عن مسألة معينة ورفع الأمر إليه على حقيقته (^٢).\nوهنك فئات مساندة للجيش ليس بوسعه الاستغناء عن خدماتها، وتعتبر الأدوار التي تؤديها تلك الفئات على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لمسيرة الجيش وكذلك سير الأحداث العسكرية.\nمن هذه الفئات، فئة اختصت بحمل الرسائل بين القيادة المركزية في العاصمة وبين قيادة الجيش المتجه إلى الأعداء، وقد جرت العادة أن يتولى حمل هذه الرسائل مجموعة من الخصيان الذين يتم تكليفهم في بعض الأحيان بنقل الأموال إلى الجيش، ولهم عرفاء يتولون عملية الإشراف عليهم (^٣).\nكما أن هناك فئة تقوم بنقل المعلومات عن الأعداء إلى القيادة العسكرية للجيش الأموي، هذه الفئة هي فئة العيون والجواسيس (^٤)، والتي تبدأ عملها عندما يقترب الجيش من أراضي العدو، وأحيانًا يتم تكليف\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٥.\n(^٢) - انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩١.\n(^٤) - انظر: سراج الملوك، ص ٣٢٨. البيان المغرب، ٢/ ٢٩٥.","vol":"2","page":532},{"text":"بعض الجواسيس بنقل المعلومات إلى العاصمة مباشرة، من ذلك مثلًا ما ذكره ابن حيان (^١) من أنه في أوائل شهر ذي القعدة وصل إلى الزهراء الجواسيس الذين ذهبوا إلى سنتياجو \"شنت ياقب  Santiago De Campostela\"  لتقصي أخبار النورمانديين وذلك حسب أوامر الخليفة المستنصر. ولدينا فئة تسمى فئة \"الطبالين\" تقوم بقرع الطبول في أوقات معينة، ولا يقرع الطبل إلا بإذن من قائد الجيش، واعتاد الجيش الأموي إذا قرب من جبهات القتال أن يقوم الطبالون فيه بقرع طبولهم بشدة، يصاحب ذلك رفع الأصوات بالتكبير لإدخال الهلع في قلوب المناوئين (^٢)، وقد بلغ عدد الطبالين في جيش المنصور بن أبي عامر مائة وثلاثون فارسًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>التعبئة والأساليب القتالية:</span>\n\"التعبئة\" تعني التهيؤ وأخذ كافة الاستعدادات اللازمة للحرب، من وضع خطط قتالية متقنة، وترتيب الجيش، وتوزيع الأسلحة (^٤) وبصفة عامة تعني الاستفادة القصوى من كافة الإمكانات المتاحة، مما يكفل بالتالي تحقيق النصر.\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩٢ - ٩٣.\n(^٢) - البيان المغرب، ٣/ ٦.\n(^٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩.\n(^٤) - انظر: لسان العرب، مادة \"عبأ\". وعن التعبئة وأنواعها، انظر: الجيش والقتال في صدر الإسلام، ص ٢١٥ - ٢٣٥ ومصادره.","vol":"2","page":533},{"text":"وقد كان للمعالم الجغرافية في الأندلس الأثر القوي في وضع نظام تعبئة واضح، فقد شكلت أنهار وأودية الأندلس الممتدة بالعرض بين الشرق والغرب، خطوطًا دفاعية، فقد جعل المسلمون وادي إبرة خطًا دفاعيًا أول وأطلقوا عليه مسمى: الثغر الأعلى، وأما الخط الدفاعي الثاني فقد شكله وادي نهر التاجه وأسموه: الثغر الأوسط، في حين اتخذوا من الأراضي الغربية الواقعة بين نهري دويره وتاجه خطًا دفاعيًا ثالثًا، مطلقين عليه مسمى: الثغر الأدنى.\nوالمتبع في تعبئة الجيش الأموي وترتيبه هو ما كان سائدًا لدى الجيوش الإسلامية عامة، وذلك من حيث تقسيم الجيش إلى مقدمة وساقة وميمنة وميسرة وقلب (^١) وقد وردت عدة نصوص لدى العذري (^٢) وابن الخطيب (^٣) كلها تفيد استخدام أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس لهذا الترتيب عند تعبئتهم لجيوشهم.\nوعرفنا مما سبق أن الكور الأندلسية تشترك في عملية تأمين المقاتلين للجيش، وقد ورد نص لدى الخشني ذكر فيه أن الفرج بن كنانة الكناني \"غزا معقودًا له على جند شذونة من الغرب مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى جليقية … (^٤) وعليه فإن الجيش الأموي في الأندلس، كان قائمًا على\n_________\n(^١) - ابن خلدون، المقدمة، ص ٧١٧.\n(^٢) - نصوص عن الأندلس، ص ٦٨، ١٠١.\n(^٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٣.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٤١.","vol":"2","page":534},{"text":"مايمكن أن يسمى بالقوى القبلية، بحيث أن كل مجموعة في الجيش تكون تحت إمرة أحد زعمائها، والقائد العام مسئول عن الكل، فكانت كل قبيلة تحرص على أن لا يأتي الوهَنُ من قبلها، لكن المنصور بن أبي عامر قضى على هذا الترتيب، فأدخل على الجيش الأموي عناصر عدة، أهمها العنصر البربري، وعمل على إعلاء هذا العنصر، مما سبب التنافر بينهم وبين الأندلسيين (^١)، فأصبح القائد يقود جيشًا مكونًا من عناصر شتى، كل هذا لكي يأمن المنصور عدم اضطراب الجيش عليه.\nوقد كان شعار الجيش الأموي طيلة عصري الإمارة والخلافة ذكر اسم الأمير أو الخليفة وإتباعه بكلمة \"يا منصور\" (^٢) لكن هذا الشعار تغير بعد سيطرة المنصور بن أبي عامر على الدولة، إذ أصبح الشعار فقط \"يا منصور (^٣) \".\nويتعين على قائد الجيش أن تكون قواته دائمًا على تعبئة مستمرة سواء أثناء المسير أو عند النزول (^٤) حتى وإن كان العدو غير قريب وذلك خشية المفاجآت، إذ أن التهاون في هذا الأمر يترتب عليه في الغالب الفشل. وهذا ما حصل للوزير القائد هاشم بن عبد العزيز عندما خرج في شعبان سنة (٢٦٢) هـ (٨٧٦ م) لمحاربة عبد الرحمن بن مروان الجليقي، فقد\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٦.\n(^٢) - مفاخر البربر، ص ٢٩.\n(^٣) - المصدر السابق، والصفحة.\n(^٤) - مختصر سياسة الحروب، ص ٢٥ - ٣٢.","vol":"2","page":535},{"text":"تهاون في الأمر فكانت النتيجة قتل عدد كبير من أفراد الجيش الأموي ووقوع الوزير القائد هاشم بن عبد العزيز أسيرًا بيد أعدائه (^١).\nومن الأمور الواجب على القائد الانتباه لها، توفير المياه وحفظها (^٢)، إذ أن إغفال هذا الأمر يترتب عليه تعرض الجند والدواب للعطش، فتذهب أعداد كبيرة منهما ضحية الإهمال، وهذا ما جرى للقائد أحمد بن أبي عبد هـ عندما رحل بقواته في غرة رجب سنة (٢٨٣) هـ (أغسطس (٨٩٦) م) إلى حصن البط -بعد أن دوَّخ عدة حصون- فعدم الماء في الطريق فهلك بسبب ذلك أكثر من ثلاثين رجلًا كما نفقت دواب كثيرة (^٣).\nهذه العثرات التي يتعرض لها ولأمثالها الجيش الأموي بالأندلس، سيعمد إلى تجاوزها، بل لا نعدو الحقيقة عندما نقول إنه سيوظفها لصالحه من خلال العمل على سد الثغرات التي يمكن أن يأتي منها الخلل، ولذا فإننا نجد الجيش الأندلسي يصل إلى مرتبة متقدمة من التعبئة عند المعارك وذلك في عصر الطوائف - وما كان له أن يصل إليها لولا أنه ورث ذلك التنظيم عن الجيش الأموي - فقد أورد الطرطوشي نصًا تحدث فيه عن ترتيب الجيش عند لقاء العدو، فقال:\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٦٠ - ٣٧٣.\n(^٢) - مختصر سياسة الحروب، ص ٣١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١٧.","vol":"2","page":536},{"text":"\"فأما صفة اللقاء وهو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا، وهو أرجى تدبير نفعله في لقاء عدونا، أن نقدم الرجالة بالدرق الكاملة، والرماح الطوال والمزاريق المسنونة النافذة، فيصفوا صفوفهم، ويركزوا مراكزهم، ورماحهم خلف ظهورهم في الأرض، وصدورهم شارعة إلى عدوهم، وهم جاثمون في الأرض، وكل رجل منهم قد ألقم الأرض ركبته اليسرى، وترسه قائم بين يديه، وخلفهم الرماة المختارون التي تمرق سهامهم من الدروع والخيل خلف الرماة، فإذا حملت الروم على المسلمين لم يتزحزح الرجالة عن هيآتها ولا يقوم رجل منهم على قدميه، فإذا قرب العدو رشقهم الرماة بالنشاب والرجالة بالمزاريق، وصدور الرماح تلقاهم، فأخذوا يمنة ويسرة فيخرج خيل المسلمين بين الرماة والرجالة فتنال منهم ما شاء الله\" (^١).\nوأما ما يتعلق بأساليب القتال فقد عرف الجيش الأموي بالأندلس عددًا منها، فهناك أسلوب الزحف، حيث يقاتل الجنود بصفوف منتظمة طويلة متراصة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (^٢) وقبل أن تتم عملية الالتحام المباشر بين الجيشين تكون هناك مبارزة بين بعض الأقران من الطرفين (^٣).\n_________\n(^١) - سراج الملوك ص ٣٣٧.\n(^٢) - سورة الصف آية رقم ٤. وعن أنواع الصفوف في اللقاء انظر: مختصر سياسة الحروب، ص ٣٤ - ٣٥.\n(^٣) - سراج الملوك، ص ٣٣١ - ٣٣٢. أعمال الأعلام، ٢/ ٧٢.","vol":"2","page":537},{"text":"وهناك أسلوب الكمائن الذي يعتمد على وضع فئة من الجند في مكان مستتر لاقتناص غفلة الأعداء، ومهاجمتهم لإلحاق أكبر قدر من الخسائر بهم (^١)، وهذا الأسلوب يستخدم لاستخراج القوة المعادية وبالذات عند مهاجمة المدن إذ تتوجه مجموعات من الجيش ذات عدد قليل نسبيًا فتهاجم المدينة، وعندما يرى المدافعون قلة عدد المهاجمين يغريهم ذلك بتتبعهم للقضاء عليهم، فيخرجون من مدينتهم، ويلاحقون المهاجمين، وهنا يظهر الكمناء من مكامنهم فيطبقون عليهم ويشتتون شملهم (^٢).\nواستخدم الجيش الأموي كذلك أسلوب الحصار للمدن أو الحصون أو القلاع، فعند وصول الجيش إلى المنطقة التي يريد فرض الحصار عليها، يقوم الطبالون بقرع طبولهم بشدة، يرافق ذلك صيحات التكبير والتهليل من المقاتلين، وذلك لبث الرعب والرهبة في نفوس المدافعين، فإذا وصل الجيش الأسوار وزع القائد قواته وكلف كل فئة بإنجاز مهمة معينة، وزيادة في الاحتياط يقوم القائد بإرسال جزء من الجيش لفرض السيطرة على الأماكن القريبة من المنطقة المحاصرة، وذلك لمنع وصول الإمدادات العسكرية والمادية، مثلما فعل الوزير القائد هاشم بن عبد العزيز عند محاصرته لعبد الرحمن ابن مروان الجليقي (^٣)، وبعد ذلك تبدأ عملية انتساف\n_________\n(^١) - عن الكمناء ومايشترط بهم، انظر: مختصر سياسة الحروب، ص ٥٠ - ٥١.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٨٤.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٦٨.","vol":"2","page":538},{"text":"الزروع المحيطة بالمنطقة وحرقها وقطع كافة سبل المعيشة عن المحاصرين لإجبارهم على الاستسلام (^١).\nوفي بعض الأحيان لا يكتفى بفرض الحصار فقط بل تجرى محاولة نقب الأسوار (^٢)، أو قطع قنطرة إن وجدت (^٣).\nكما يستخدم \"المنجنيق\" وذلك لرمي المقذوفات من حجارة أو كرات نفط حارقة سواء في حالة الهجوم أو الدفاع.\nوقد استخدم الأمويون المنجيق في حروبهم منذ بداية دولتهم في الأندلس، فالأمير عبد الرحمن الداخل استخدم أثناء حصاره لمدينة سرقسطة ستًا وثلاثين منجنيقًا (^٤)، واستخدمها محمد بن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما غزا بالصائفة إلى جليقية وحاصر مدينة ليون سنة (٢٣١) هـ (٨٤٦ م) (^٥) كما استخدمت في صد هجوم النورمانديين سنة (٢٣٠) هـ (٨٤٥ م) على اشبيلية (^٦).\nوأما أسلوب بناء المدن العسكرية إزاء المدن التي يراد إسقاطها، فإنه يعتبر من أشد الوسائل فعالية، نظرًا لما يوفر للمهاجمين من مساندة مادية\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٨٣، البيان المغرب، ٢/ ٨٤ - ٨٥.\n(^٢) - البيان المغرب، ٣/ ٢١ - ٢٢.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(^٤) - أخبار مجموعة، ص ١١٥.\n(^٥) - البيان المغرب ٢/ ٨٨.\n(^٦) - المصدر السابق، والصفحة.","vol":"2","page":539},{"text":"ومعنوية مما يساعدهم على مواصلة الحصار حتى النهاية، وفي الوقت نفسه فإنه يدخل في نفوس المدافعين اليأس مما يرونه من توطين المهاجمين لأنفسهم على طول الحصار.\nوقد أدرك الخليفة عبد الرحمن الناصر أهمية المدن العسكرية أو الحصون التي يقيمها لأجل محاصرة مناوئيه، ولذا نراها تنتشر في عهده ويستخدمها بكثرة، من ذلك أنه بنى في سنة (٣١٨) هـ (٩٣٠ م) مدينة عسكرية بالقرب من طليطلة سماها \"مدينة الفتح\" بجبل حرنكس (^١) وفي سنة (٣٢٣) هـ (٩٣٤ م) حاصر مدينة سرقسطة فلم تستسلم، ولذا أقام بإزائها مدينة ارتفع بناؤها أعلى من بناء سرقسطة ذاتها فأصبح ما بداخلها مكشوفًا للمهاجمين (^٢). وهذه المدن العسكرية كانت تشحن بالرجال والقواد والعساكر ويتولى أمرها أحد الوزراء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>الحملات العسكرية:</span>\nجرت العادة أن تخرج الحملات العسكرية ضد الشمال الأسباني في فصل الصيف (^٤)، ولكن يحدث أن تصبح الصائفة شاتية، وذلك إذا اضطر الجيش للبقاء في جبهة القتال مثلما حدث للقائد أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ عندما شتى مضطرا سنة (٢٩٧) هـ (٩١٠ م) بأحد جبال كورة\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٨٣.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٣٦٤.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٨٣.\n(^٤) - انظر: البيان المغرب ٢/ ٦٤.","vol":"2","page":540},{"text":"قبره (^١)، كما يمكن أن تكون الصائفة متجولة من أجل المحافظة على الأمن والاستقرار (^٢).\nولكن يحدث أن تكون هناك شاتية تخرج للشمال، فهذا الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور خرج في شتاء سنة (٣٩٨) هـ (١٠٠٨ م) على \"رأس حملة نحو الشمال، وهي الغزوة السادسة من غزواته\" (^٣).\nوعندما عزم شنجول على مواصلة المسيرة العسكرية لأبيه وأخيه خرج في أشد أوقات السنة برودة (^٤)، متجهًا إلى جليقية.\nوالأمر هنا لا يقتصر على صوائف وشواتي، فقد كانت هناك حملات ربيعية وأخرى خريفية (^٥)، ومع توالي الحملات العسكرية ضد الشمال الأسباني، بدأت عملية إعمار الثغور الفاصلة بين الطرفين الإسلامي والنصراني، وذلك في أواخر عهد المنصور بن أبي عامر، ويبدو أن عملية الاستيطان هذه كانت من الضخامة والاتساع إلى الحد الذي جعل\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ١٤٦. البيان المغرب ٢/ ١٤٦.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٣٩.\n(^٣) - المصدر السابق، ٣/ ٢١.\n(^٤) - نفسه، ص ٦٦.\n(^٥) - العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٧٧ - ٨٠.","vol":"2","page":541},{"text":"المنصور يندم على فعلته، ويتمنى لو تمكن من هدم كل ما عَمّره في منطقة الثغور (^١).\nوقد سار عبد الملك المظفر بن المنصور على نهج أبيه في إعمار الثغور (^٢)، حتى أنه جعل لكل من له رغبة في استيطان الثغور، إثبات اسمه في الديوان، ويتم صرف راتب له مقداره ديناران في الشهر، وله مع ذلك المنزل والمحرث (^٣).\n_________\n(^١) - عندما حضرت المنصور الوفاة، أخذ يبكي ولما سأله حاجبه كوثر الفتى عن سبب هذا البكاء أجابه قائلًا: \"مما جنيت على المسلمين، فلو قتلوني وحرقوني ما انتصفوا مني، … لما فتحت بلاد الروم ومعاقلهم عمرتها بالأقوات من كل مكان وسجنتها بها حتى عادت في غاية الإمكان، ووصلتها ببلاد المسلمين، وحصنتها غاية التحصين، فاتصلت العمارة، وها أنا هالك وليس في بني من يخلفني، وسيشتغلون باللهو والطرب والشرب، فيجيء العدو فيجد بلادًا عامرة وأقواتًا حاضرة فيتقوى بها على محاصرتها، ويستعين بوجدانها على منازلتها، فلا يزال يتغلبها شيئًا فشيئًا ويطويها طيًا فطيًا حتى يملك أكثر هذه الجزيرة، فلو ألهمني الله إلى تخريب ماتغلبت عليه وإخلاء ماتملكت .. \" انظر: ابن الكردبوس، ص ٦٤ - ٦٥.\n(^٢) - ذكر ابن عذاري أن الحاجب عبد الملك المظفر في غزوته الأولى سنة ٣٩٣ هـ عهد إلى جنده ألا يحرقوا منزلًا ولا يهدموا بناءًا، وذلك لما ذهب إليه من إسكان المسلمين في المناطق المفتوحة. انظر: البيان المغرب، ٣/ ٧.\n(^٣) - المصدر السابق، ٣/ ٧.","vol":"2","page":542},{"text":"وقد كان بنو أمية شديدي الإهتمام بأخبار الثغور ولهم عيون تأتيهم بأنبائها تباعًا، وإذا حدث أن أبطأت الأخبار عنهم فإنه يتم إرسال أحد الثقات ليقف على حقيقة الأمر.\nفالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما خفيت عليه أخبار الثغر استدعى رجلًا يدعى مطرف بن نصير فأمره باستطلاع الخبر، وضرب له أجلًا مقداره أربعة عشرة يومًا لا يتجاوزها وإلا ضرب عنقه (^١).\nوإذا حدث أن هجم العدو على الأراضي الإسلامية، تولى أحد الوزراء مهمة استنفار الناس (^٢) كما أن صاحب المدينة يقوم بحشدهم (^٣) ولا يؤذن لأحد بالتخلف إلا إن كان صاحب عذر شرعي، أو أغلق عليه باب داره شريطة ألا يغادرها إلا بعد عودة الجيش (^٤).\nوقد جرت العادة أن تخرج الصوائف في أواخر الربيع وأوائل الصيف، فالخليفة عبد الرحمن الناصر خرج إلى بنبلونه في يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر المحرم سنة (٣١٢) هـ (مايو (٩٢٤) م) وذلك بسبب اعتداء البشكنس على بني لب وبني ذي النون بحصن بقبره (^٥).\n_________\n(^١) - المقتبس: تحقيق: د. محمود مكي ص ١٣٢ - ١٣٣.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٤٠.\n(^٣) - نفسه، ٤٤.\n(^٤) - نفسه، ٤٥.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ١٨٩.","vol":"2","page":543},{"text":"وبصفة عامة فإن الحملات العسكرية الضخمة لا تخرج إلا بعد إعداد مسبق لها، فالصوائف يبدأ التجهيز لها في شهر يونيه (^١)، بعد أن تدرس الحالة الإقتصادية في الأقاليم التي سوف يمر عليها الجيش، وبالذات المحصولات، إذ أن الجيش كان يعتمد عليها في تمويله، يدل على ذلك أن السنوات التي يعم فيها القحط لا تكون فيها صائفة (^٢).\nويبدو أن المنصور بن أبي عامر قد فطن لهذا الوضع، فعمل على تجاوز تلك الحالات الطارئة التي سيحول وقوعها دون قيامه بغزواته، لأجل ذلك قام بإنشاء مستودعات ضخمة خزّن فيها المحاصيل، ولم يكتف بذلك بل كان يستغل سنوات الخصب فيشتري كميات ضخمة منها، ويدخلها في تلك المستودعات بالإضافة إلى ما يأمر بزراعته من الشعير (^٣).\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٨.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٦٨.\n(^٣) - انظر: أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩، ١٠٢، ويبدو أن المنصور كان يخزن في مستودعاته محاصيل ضخمة جدًا، حتى داخله العجب بنفسه، ويذكر ابن الخطيب \"أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩. أن المنصور بعد أن علم أن مستودعاته تحوي أكثر من مائتي ألف مدي من الحبوب داخله العجب وقال: \"أنا أكثر طعامًا من يوسف صاحب الخزائن\" فتوالت بسبب هذه الكلمة سني القحط حتى أتت على جميع مدخراته بل كاد أهل الأندلس أن يذهبوا إلى العدوة المغربية بسببها. وهذا مؤشر على شخصية المنصور الطاغية المغرورة، وصدق الله العظيم، \"كلا إن الإنسان ليطغى، آن رآه استغنى\".","vol":"2","page":544},{"text":"وبعد أن تؤخذ كافة الاستعدادات، ترسل الوفود إلى جميع كور الأندلس للإستنفار وارتباط الخيل وتهيئتها للمشاركة، وتقرأ كتب الاستنفار على المنابر جمعًا متتالية حتى تثوب نفوس الناس وتتحرك للجهاد (^١)، وهناك اهتمام خاص بأهل الثغر الأعلى وذلك لقربهم من بلاد الحرب وتعودهم على مصادمة رجالهم، وللطبيعة الجبلية التي خبروها، ولذا، فإن الأمير أو الخليفة يبعث إلى عمال الثغر بضرورة الاستعداد للخروج والاشتراك مع الجيش القادم من قرطبة بمجرد اقترابه من جبهة القتال (^٢).\nورغم كل هذه الاستعدادات التي دأب الجيش الأموي بالأندلس على الأخذ بها عند تحركه للصائفة، نجد المنصور بن أبي عامر يقوم بجهد خاص لتوفير الخيول لرجاله، ففي الصائفة الأخيرة التي قادها سنة (٣٩٢) هـ (١٠٠٢ م) أنفذ كتبه إلى سائر النواحي استدعى فيها جميع المترجلين من فرسان الجند وأمرهم بالوصول إلى بابه ليشرف على إركابهم بنفسه. وبعد أمن لهم ما يلزم من الخيل، خرج بالصائفة وقاد معه سبعمائة رأس من الخيل للطوارئ، واتخذ من عتاق الخيل خمسين رأسًا لركابه، وترك في قرطبة ألف رأس من الخيل، ورغم ذلك استمر في عملية ابتياع\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٥٦.\n(^٢) - الثغر الأعلى الأندلسي، ص ١٥٨.","vol":"2","page":545},{"text":"الخيل، فوصل مدينة سالم ومعه ألف رأس من الخيل زائدة عن حاجة الجيش (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-74>مراسم وداع الحملات:</span>\nوبعد أن يقرر الأمير أو الخليفة الخروج بالصائفة، يبرز لها في مكان محدد يعرف بفحص شقنده \"  Seconda\"  أو صحراء الربض بفج المائدة المطل على باب قرطبة الجنوبي (^٢)، لكن الخليفة عبد الرحمن الناصر ترك البروز في هذا المكان (^٣)، واتخذ عوضًا عنه مكانًا آخر يقع إلى الشمال من نهر الوادي الكبير بالطرف الشرقي من قرطبة، يعرف بمضرب أو مضطرب فحص السرادق (^٤).\nوهذا البروز هو بمثابة الإعلان الرسمي عن الحملة، وقد وصف ابن حيان فترة البروز هذه بالطول (^٥)، فقد تستغرق مدة شهر (^٦)، أو أكثر (^٧)، يقوم الأمير أو الخليفة خلالها باستعراض الجند المتوافدين على الفحص\n_________\n(^١) - انظر التفاصيل في: أعمال الأعلام، ٢/ ١٠٠.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه ٩٤.\n(^٣) - حدث أن برز الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى فحص شقنده سنة ٣٢٨ هـ انظر، المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٤٤٩.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٢٨٧. نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٤٣.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ١٥٩.\n(^٦) - المصدر السابق، ص ٤٣٣.\n(^٧) - نفسه، ص ١٨٩.","vol":"2","page":546},{"text":"من كافة أنحاء الأندلس، حتى وإن كان لن يقود الحملة حرصًا منه للوقوف على مدى استعداد الجند للحملة.\nوعندما وصف ابن حيان بروز الخليفة عبد الرحمن الناصر، ذكر أنه برز \"دارعًا مستلثمًا متقلدًا سيفه، راكبًا لأشقر معروف بالعتق، من جياد المقرنات، قد حفَّته قواده وكتائبه معبأة أحسن تعبئة\" (^١).\nوإن تعذر خروج الخليفة مع الجيش، اكتفى بالجلوس على السطح فوق باب السدة في قصر قرطبة، لمشاهدة مسيرة الجيش، فإذا مر الجيش من أمام الخليفة، رفع يديه إلى السماء يدعو الله تعالى أن ينصرهم ويمنحهم السلامة، ولا ينزل يديه إلا بعد أن يغيب الجيش عن بيوت قرطبة، ويكون إلى جانبه ولي عهده يفعل مثل فعله (^٢).\nوأما الحاجب عبد الملك المظفر فقد برز وهو \"شاكي السلاح في درع جديدة سابغة وعلى رأسه بيضة حديد مثمنة الشكل مذهبة شديدة الشعاع وقد اصطفت القواد والموالي والغلمان الخاصة في أحسن تعبئة فساروا أمامه وقد تكنفه الوزراء الغازون معه (^٣) \"، وقد جرت العادة أن يتجمع أهل قرطبة كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وأنثاهم لمشاهدة بروز الخليفة أو غيره حيث يصبح ذلك البروز مجال حديثهم أيامًا عديدة (^٤).\n_________\n(^١) - نفسه ص ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(^٢) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢١.\n(^٣) - البيان المغرب، ٣/ ٥.\n(^٤) - المصدر السابق، ٢/ ٢٢٢.","vol":"2","page":547},{"text":"وبعد أن تكتمل الاستعدادات، ويتم عقد الألوية وفق الرسوم المتعارف عليها، ينطلق الجيش بقيادة الأمير أو الخليفة أو من ينوب عنهما إلى الجهة المتفق عليها، ويكون موعد الخروج بالحملة سرًا لا يعرفه إلا كبار المسئولين فقط، وحتى الجهة التي سيتوجه الجيش إليها لا يعرفها إلا القادة، ففي أول غزوة للخليفة عبد الرحمن الناصر وهي مُونش سنة (٣٠٨) هـ (٩٢٠ م) والتي كانت بالأصل موجهة إلى ألبة والقلاع، خرج من قرطبة ومر بمدينة الفرج \"وادي الحجارة  Guadalajara\"  وبعدها وصل مدينة سالم، وتظاهر بأنه يريد الثغر الأعلى، لكنه فجأة عرَّج على طريق ألبة والقلاع وواصل سيره حتى بلغ هدفه (^١).\nوالصائفة تخرج من قرطبة وتسلك الطريق المارة بطليطلة، ومنها إلى وادي الحجارة ثم إلى مدينة سالم ومنها إلى منطقة الثغر الأعلى، وبعدها تسير إلى محاربة النافار وقاعدتهم ببنبلونه أو تسير إلى ألبة والقلاع ومنها لمحاربة مملكة ليون (^٢).\nورغم أن هذه الطريق أصبحت المسار المعتاد للصوائف المتجهة إلى الشمال النصراني، إلا أن القائد البراء بن مالك سار سنة (٢٦٤) هـ (٨٧٧ م) إلى جليقية من ناحية الغرب أي من باب قلمريه \"  Golimbra\"  وقد حالفه التوفيق في حملته هذه (^٣)، وفي سنة (٢٦٦) هـ (٨٧٩ م) جرت\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٦١ - ١٦٣.\n(^٢) - الثغر الأعلى الأندلسي، ص ١٥٧.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٨٥. البيان المغرب ٢/ ١٠٣.","vol":"2","page":548},{"text":"محاولة غزو جليقيه من ناحية المحيط الأطلسي، وكان القائد عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد بن مغيث، ورغم الأموال الطائلة التي صرفت على هذه الحملة والبروز الفخم الذي ظهر به القائد إلا أن الحملة فشلت نتيجة لغرق الكثير من المراكب بمن فيها بالمحيط (^١).\nوفي سنة (٣١٢) هـ (٩٢٤ م) نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما خرج بالحملة ضد بنبلونه نراه يسلك طريقًا شرقيًا، فقد اتجه أولًا إلى تدمير ومن ثم بلنسيه وبعدهما وصل إلى تطلية، فسيطر على حصن قَلهرة، ثم أمر بهدمه وتوغل في مملكة النافار (^٢).\nوفي المعركة يكون مكان القائد العام للجيش القلب (^٣)، ويكون أثناء المعركة تحت المظل الخاص به، ومعه وجوه أهل الدولة (^٤)، ويكون موقع المظل على تل أو ربوة مرتفعة، حتى يتمكن من الإشراف على المعركة أثناء سيرها، ويوجه قواته وفق محريات أحداثها (^٥).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٩٨. البيان المغرب ٢/ ١٠٣ - ١٠٤، ولكنه يسمي القائد بـ\"عبد لحميد الرعيطي\".\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٩٠ - ١٩١. البيان المغرب، ٢/ ١٨٥ - ١٨٦.\n(^٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٣.\n(^٤) - البيان المغرب، ٣/ ١٠.\n(^٥) - أعمال الأعلام، ٢/ ٧٠ - ٧١.","vol":"2","page":549},{"text":"وقد اعتاد بنو أمية ألا يحاربوا مناوئيهم إلا بعد إنذارهم، وذلك بإخراج الرسل والأمناء إليهم، علهم يفلحوا في إعادتهم إلى الطاعة (^١)، ولم يكن الأمر يقف عند هذا الحد، بل إن الأوامر تصدر إلى قادة الجيش الأموي بضرورة ملاينة بعض المناوئين وملاطفتهم، والعمل على استمالتهم إلى الطاعة وبذل الوعود الجميلة لهم (^٢)، وذلك على الرغم من قدرة الجيش على الفتك بهم.\nوبالمقابل نجد أنه بعد انتهاء المعركة التي تجري بين الجيش الأموي والقوات النصرانية، يتم تجميع رؤوس القتلى من النصارى، والتي تبلغ أحيانًا حوالي عشرين أو ثلاثين ألف رأس (^٣) وبعد أن تجمع تلك الرؤوس عند باب المظل، يصعد المؤذن فوقها ويرفع الأذان (^٤)، ويتم بعث جزء من تلك الرؤوس إلى السواحل والثغور ومدينة قرطبة (^٥)، ثم يبعث القائد بخطاب الفتح إلى قرطبة، ويكون الخطاب على نظيرين، أحدهما يرسل إلى\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٨٠.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٧٠.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٩٧. البيان المغرب، ٢/ ٩٥، ٩٩.\n(^٤) - ابن القوطية، ص ٩٧. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩٨.\n(^٥) - ابن القوطية، ص ٩٧. المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ١٢٤، ١٩٣. البيان المغرب ٢/ ٩٥، ٢٠٠.","vol":"2","page":550},{"text":"الأمير أو الخليفة، والآخر يتلى على المنابر (^١) كما تبعث عدة نسخ إلى كافة الكور ليتلى نبأ الانتصار على منابرها.\nوتكون كتب الفتوح موشحة توشيحًا خاصًا بها، حيت تتحدث عن قدرة المسلمين وسطوتهم بأعداء الدين، واستباحتهم لهم وقدرتهم عليهم (^٢).\nوبعد أن يعود الأمير أو الخليفة من الغزو، تعلق الألوية على جدران المحراب بالمسجد الجامع (^٣)، ويجلس الخليفة للتهنئة، ويتبارى الشعراء في إلقاء قصائدهم بين يديه، وكلها تثني على حسن بلائه، وتبارك له بالنصر، وتدعوا له بدوام العز وطول البقاء (^٤).\nوإن كان الجيش بقيادة أحد القادة، جرى له احتفال كبير عند عودته مظفرًا، وأشهر احتفال جرى لقائد، هو الاحتفال الذي أقامه الحكم المستنصر بالله للوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن بعد أن عاد من العدوة المغربية ومعه حسن بن قنون وأنصاره وذلك في أوائل شهر المحرم سنة (٣٦٤) هـ (^٥) (سبتمبر (٩٧٤) م).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٣/ ٢٣.\n(^٢) - الذخيرة ق ١ م ١ ص ٣٧.\n(^٣) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٣٦٨.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٤٢٣.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩٤ - ٢٠٢.","vol":"2","page":551},{"text":"وهناك موظف خاص يتولى تلاوة كتب الفتح، وخطته تعتبر من أدنى الخطط، ومن الذين تولوها أبو محمد عبد الله بن محمد الجهني، ت (٣٩٥) هـ (^١) (١٠٠٥ م).\nوبمقابل كتب الفتوح نجد أن كتب استنزال العصاة تبعث إلى كافة نواحي الدولة لتتلى على المنابر (^٢).\nوالجيش الأموي امتاز بالانضباط التام، ووصل ذروة ذلك الانضباط في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، فقد ذكر ابن سماك المالقي (^٣) أنه بلغ من شدة المنصور في هذا الأمر أنه إذا استعرض جنده أطرقوا، بل إن خيولهم تمتثلهم، فلا تكثر الصهيل والحمحمه، وحدث في أحد استعراضاته لجنوده، أن أقدم أحد الجنود الذين يقفون في الصفوف الخلفية على سل طرف سيفه عبثًا منه، ظانًا منه أن المنصور لا يراه، فشاء الله تعالى أن وقعت عين المنصور على بريق السيف، فأمر بإحضار الجندي، وبعد أن\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٧/ ٢٠٩ - ٢١٠، ومتولي هذه الخطة ليس له رزق ولا صلة. انظر: الصلة، رقم ٥٥٧.\n(^٢) - المقتبس تحقيق: شالميتا ص ٥٥.\n(^٣) - عن ابن سماك انظر: الزهرات المنثورة، مقدمة المحقق ص ٥ - ١٨. ابن الخطيب، الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، (تحقيق: د. إحسان عباس، دار الثقافة بيروت بدون تاريخ) ص ٢٩٩ - ٣٠١، قارن نفح الطيب، ١/ ٤١٧ حاشية رقم ١.","vol":"2","page":552},{"text":"عاتبه قليلًا مذكرًا إياه بأنه لا يجوز لأحد في مثل هذه المواقف أن يشهر سيفًا إلا بإذنه أمر بضرب عنقه بسيفه وطيف برأسه ونودي عليه بذنبه (^١).\nوإذا حل العيد والجيش في جبهة القتال، فإن القائد يقيم لجنده مأدبة في صبيحة يوم العيد، وهذا ما كان يفعله الخليفة عبد الرحمن الناصر سواء حل عليه العيد وهو بقرطبة أو في الغزو (^٢)، كما أن الأطعمة الزائدة في الجيش والتي يتم الاستيلاء عليها من جراء اكتساح أراضي الأعداء، تجمع ومن ثم تحرق (^٣) وذلك لئلا تعيق حركة الجيش، ولمنع الأعداء من الإستفادة منها تحت أي ظرف طارئ.\nكذلك يشهد معسكر الجيش في بعض الأحيان إستقبالات رسمية لوفود تطلب الأمان، فالخليفة عبد الرحمن الناصر خرج سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) في غزوة \"وخشمة\" ناحية سرقسطة، ثم رأى أن يقتحم أراضي بنبلونة لمجاورتها لأراضي الثغر الأعلى الأندلسي، فلما علمت الملكة طوطه \"تيودا\" ابنة شنير ملكة النافار بما عزم عليه الخليفة أرسلت إليه رسلها طالبة الأمان، فاشترط عليها أن تأتي إليه وتظهر خضوعها له، فامتثلت\n_________\n(^١) - الزهرات المنثورة: الزهرة الثامنة والأربعون، ولعل هذه الحادثة أبلغ دليل على النهج التسلطي الذي كان المنصور يسير عليه، فقد كان يكفي لتأديب الرجل أي نوع من أنواع العقاب، بحيث لا يصل إلى إيذائه جسديًا فضلًا عن إزهاق روحه.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٠١.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٧٦. البيان المغرب ٢/ ١٨٠.","vol":"2","page":553},{"text":"لأمره وحضرت لمعسكره، فجرى لها استقبال فاخر، وحقق لها الخليفة مرادها (^١).\nولاشك أن الحملات العسكرية بأنواعها، والتي كان الجيش الأموي يقوم بها، كانت تكلف خزينة الدولة الشيء الكثير، ويكفي للدلالة على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان يخصص ثلث دخل دولته للصرف على جيشه (^٢).\nوذكرت بعض المصادر دخلًا آخر مخصص للصرف على الجيش مثل \"الناض للحشد\" وهي ضريبة لا يستثنى منها أحد من الرعية، ويقدم لنا العذري عند حديثه عن قرطبة وأقاليمها معلومات إقتصادية دقيقة، وبالذات ما يتعلق منها بتلك الضرائب، فإقليم المدَّور \"  Almodovar Del Rio\"  الذي يقدم من الناض ثلاثة آلاف وتسعمائة وثمانون مثقالًا، ومن الطبل للعام أربعة آلاف ومائة وأربعون دينار (^٣)، وأما إقليم \"الهزهاز، فكان يقدم للطبل العام أربعة آلاف وأربعمائة وتسعة وثمانون دينارًا (^٤).\nوهذه الضرائب -لاشك- بأنها كانت تشكل عبئًا إقتصاديًا على الرعية، ولذا، فإن من الأساليب التي اتبعها خلفاء وأمراء بني أمية في التحبب إلى رعاياهم هي إسقاط جزء من تلك الضرائب عنهم، فهذا\n_________\n(^١) - انظر: تفاصيل الاستقبال في المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(^٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٨٣.\n(^٣) - نصوص عن الأندلس، ص ١٢٤ - ١٢٥.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ١٢٦.","vol":"2","page":554},{"text":"الأمير المنذر بن محمد عندما تولى الإمارة أسقط عشر المغارم عن الرعية (^١)، كما أن الخليفة الحكم المستنصر اغتنم فرصة شفائه من مرض ألم به سنة (٣٦٤) هـ (٩٧٥ م) فأسقط عن رعيته سدس جميع مغرم الحشد (^٢). وفي عهد المنصور بن أبي عامر ازدادت الحملات العسكرية كثافة، وتبع ذلك زيادة هائلة في النفقات اللازمة لإعداد تلك الحملات، فكان الإنفاق يصل أحيانًا إلى خمسمائة ألف دينار (^٣).\nونختم الحديث عن الجيش بإلقاء الضوء على أهم النتائج، والذي يهمنا في هذه الدراسة الغنائم، فبعد أن تقسم الغنيمة وفق نصوص الشريعة الإسلامية، يقسم الباقي على المقاتلين بطريقة متفاوتة تخضع للرتبة العسكرية والحالة الإجتماعية، وفي سبيل الحصول على سيولة نقدية يسارع الباقي من المقاتلين إلى بيع نصيبه من الغنيمة (^٤).\nومن الغنائم: السبي الذي يؤتي به من الإمارات والممالك النصرانية الشمالية، وكان قسم من هذا السبي يوزع على أهل الرباط والفرسان والوفود (^٥).\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٢٥. البيان المغرب، ٢/ ١١٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ٢٠٧.\n(^٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٨.\n(^٤) - أبو رميلة، نظام الحكم في الأندلس، ص ٣٨٠.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣.","vol":"2","page":555},{"text":"أما الأسرى من النصارى فيحدث أحيانًا أن يدعوهم الخليفة للإسلام فإذا أسلموا صيرهم في جملة غلمانه (^١)، وفي أحيان أخرى يتم قتل الأسرى في المعسكر أمام الخليفة (^٢)، كما يتم إعطاء بعضهم لبعض الأسر المسلمة ليفادوا بهم أسراهم الذين وقعوا في أيدي النصارى (^٣).\nوأما الأسرى من المسلمين فهناك عدة أساليب لإطلاق سراحهم فبالإضافة إلى مبادلتهم بالأسرى النصارى، نجد الدولة تعطي أهل الأسير المسلم مبلغًا من المال لفدائه (^٤)، وإن كان الواقع في الأسر أحد الشخصيات المهمة في الدولة، تولت حكومة قرطبة دفع فدائه، فالوزير القائد هاشم بن عبد العزيز عندما وقع أسيرًا لدى ألفونسو الثالث بن أردون الأول ملك اشتوريس سنة (٢٦٢) هـ (^٥) (٧٨٧ م) مكث سنتين في أسره، دفع الأمير محمد مبلغ مائة وخمسين ألف دينارًا فداءًا له (^٦)، ويبدوا أن فداء الأسير المسلم إذا كان من ذوي الفئة الاجتماعية المتوسطة لا يتجاوز خمسة آلاف دينار، يدل على ذلك ما ورد لدى ابن الفرضي في ترجمته للقاضي عمر بن يوسف الأموى قاضي تطيلة \"من سنة ٣٢٥ -\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٢ - ٤٨٣.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٣٩٨.\n(^٣) - البيان المغرب ٢/ ٧٣.\n(^٤) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٧٨.\n(^٦) - ابن القوطية، ص ٨٩. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٨٦ - ٣٨٧.","vol":"2","page":556},{"text":"٣٣٧ هـ (٩٣٧ - (٩٤٨) م) \"أنه وقع بالأسر هو وابنه وأخوه فتم دفع خمسة عشر ألف دينار نظير إطلاق سراحهم (^١).\nوفضلا عما سبق، فإن الأساليب التي يتم بموجبها إطلاق سراح الأسرى المسلمين، أن أمراء وخلفاء بني أمية بالأندلس عرف عنهم أن أعظم هدية يقدمها لهم ملوك نصارى الشمال هي إطلاق مجموعة من الأسرى المسلمين، من ذلك أن القومس بون فلي بن سندريط  Sinderedo  وصل إلى قرطبة سفيرًا من قبل بريل بن شنير حاكم برشلونة، وذلك في نهاية شعبان سنة (٣٦٠) هـ (٩٧١ م) وتقرب إلى الخليفة الحكم المستنصر بتقديم هديته التي هي عبارة عن ثلاثين أسيرًا مسلمًا مابين ذكر وأنثى وذلك لعلمه أن هذه الهدية هي أفضل مايبتهج به الخليفة ويكافئ عليه (^٢).\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٩٥٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي ص ٢٠ - ٢١.","vol":"2","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة الأسطول </span>(^١)\nإن المتأمل في جغرافية الأندلس، يدرك أن لامناص لأهلها من توجيه العناية التامة بالبحر وما يتعلق به، سواء تم ذلك بتنظيم رسمي أو شعبي. ورغم وجود كافة الدوافع الضرورية الكفيلة بقيام بحرية قوية في الأندلس إلا أن الدولة الأموية في بداية عهدها لم تلق بالًا لهذه المسألة، فلا نجد أثرًا لأسطول بحري منظم، يكون مكملًا للقوة البرية الدولية (^٢).\nإلا أن ذلك لا يعني أن الأندلس كانت في عهد الولاة خالية من مراكب بحرية تجري بين العدوتين، يدل على ذلك أن بلج بن بشر القشيري عندما أراد دخول الأندلس، أنشأ قوارب واستعان ببعض مراكب البحارة وبذلك تمكن من دخول الأندلس (^٣). كما أن المركب الذي أوصل الأمير عبد الرحمن الداخل الأندلس، كانت تحت قيادة رجل يدعى أبا فريعة، كان له بصر في ركوب البحر (^٤)، وهذا مما يدل على وجود رجال ذوي خبرة في المجال البحري.\n_________\n(^١) - عن مصطلح كلمة \"الأسطول\" ومدلولاتها وأصلها. انظر: د. علي محمود فهمي: التنظيم البحري الإسلامي في شرق المتوسط، من القرن ٧ حتى القرن ١٠ م، (ترجمة: د. محمود عبده قاسم، دار الوحدة، بيروت ١٤٠٢ هـ ١٩٨١ م) ص ١٣٧ - ١٤٠.\n(^٢) - د. حسين مؤنس: المسلمون في حوض البحر المتوسط ص ١٢.\n(^٣) - ابن القوطية ص ١٦.\n(^٤) - المصدر السابق ص ٢٤.","vol":"2","page":558},{"text":"ويبدو أن هناك أسبابًا حالت دون قيام أمراء قرطبة بإنشاء قوة بحرية تحمي سواحل إماراتهم، فالمتصفح لعهد الأمير عبد الرحمن الداخل، على سبيل المثال، يجد أنه مليء بالفتن الداخلية والحروب الخارجية، وهذه المشاكل استمرت طيلة عهده، ولا يخفى ما لمثل هذه المشاكل من أثر سيء على التنمية الداخلية لأي دولة كانت.\nيضاف إلى ذلك أن الممالك والأمارات النصرانية الشمالية المجاورة للدولة الأموية بالأندلس، لم تكن لها سمعة في المجال البحري، حتى يحسب الأمويون حسابها، في حين أن السواحل الجنوبية كانت تطل على بلاد إسلامية، لذا أمن الأمويون من المخاطر التي تأتيهم عن طريق السواحل. هذه الأسباب تضافرت فيما بينها، لتقف حائلًا دون التبكير في قيام قوة أموية بحرية.\nلكن هناك خبر أورده شكيب أرسلان ذكر فيه: أن الأمير عبد الرحمن الداخل قد بث الحركة والحيوية في مراسي طركونة (^١) وطرطوشة وقرطاجنة واشبيلية والمريه وغيرها (^٢).\n_________\n(^١) - طركونة \"  Tarragona\"  مدينة ساحلية قديمة، على البحر المتوسط، اشتهرت بإنتاج الرخام المحكم الصبغة، ولها أحواز كثيرة وحصون منيعة تتصل بنواحي برشلونة وتبعد عنها بنحو مائة كيلو متر، وقد خرجت طركونة من أيدي المسلمين سنة ٤٧٢ هـ، انظر، وصف الأندلس للرازي، ص ٧٣. تعليق منتقى، ص ٢٨٦، ذكر بلاد الأندلس، ١، ٧٢ الروض المعطار، ص ٣٩٢، الأثار الأندلسية الباقية، ص ١١٧ - ١١٨.\n(^٢) - تاريخ غزوات العرب ص ١٣٩.","vol":"2","page":559},{"text":"ومهما يكن من ملاحظات على هذا الخبر (^١)، إلا أنه يفيد أن بني أمية بقرطبة كانوا مدركين لأهمية التكامل بين القوتين البرية والبحرية، وأنهم كانوا بانتظار الفرصة المناسبة لايجاد التوازن بينهما من خلال إنشاء أسطول بحري يحمية سواحل بلادهم.\nوأما ما ذهب إليه بعض المختصين بالدراسات الأندلسية، من أن التقارب بين أمراء قرطبة وأباطرة بيزنطة، واشتراكهم في معاداة العباسيين، قد طمأن بني أمية بأن سواحلهم في مأمن من أي هجوم طارئ (^٢)، فهي وجهة نظر لا يمكن الأخذ بها، إذ لم تورد المصادر التاريخية ما يدل على قيام أي من الأمويين أو البيزنطيين بعمل عسكري ضد العباسيين لصالح الطرف الآخر.\nوإذا كانت دولة بني أمية بالأندلس قد تأخرت في إنشاء أسطول بحري منظم، فإن ذلك لم يحل دون قيام جماعات بحرية، كان لها حضورًا مميزًا في المجال البحري، أثبتت فيه كفاءتها القتالية، وأصبحت حامية\n_________\n(^١) - ذكر أرسلان في المرجع السابق ص ١٣٩، أن الأمير الداخل قام بهذه الأعمال سنة ٧٩٣ م (١٧٦ - ١٧٧ هـ) وهذا كما يتضح من التاريخ بعد عهد الأمير الداخل.\n(^٢) - د. السيد عبد العزيز: د. أحمد العبادي: تاريخ البحرية الإسلامية في المغرب والأندلس ٢/ ١٤٨.","vol":"2","page":560},{"text":"للسواحل الشرقية للأندلس، بل إنها كانت تقوم بمهاجمة موانئ الإمبراطورية الفرنجية (^١).\nوبقدر ما كان الساحل الشرقي للأندلس يعج بالحركة وتحميه المراكب، إلا أن الساحل الغربي كان مكشوفًا لا حماية له، بل إن وضع البحرية الأموية في الأندلس ككل انكشف عند هجوم سفن النورمانديين على الأندلس.\nففي يوم الأربعاء أول ذي الحجة سنة (٢٢٩) هـ (^٢) (٢٠ أغسطس (٨٤٤) م) ظهرت أمام سواحل اشبونة، مراكب الغزاة النورمانديين، فسارع عاملها وهب الله بن حزم بإرسال كتاب إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط ذكر فيه أنه حل بالساحل قبلة أربعة وخمسون مركبًا من مراكب المجوس (^٣)، معها أربعة وخمسون قاربًا (^٤)، فكتب إليه الأمير عبد الرحمن الأوسط وإلى كافة عمال السواحل يأمرهم بالتحفظ وأخذ الحيطة اتقاء\n_________\n(^١) - انظر: تاريخ العرب العام، ص ٣١١، القوى البحرية، ص ١٦٢ - ١٦٤، ٢٢٩ - ٢٣٠، تاريخ غزوات العرب، ص ١٤٠ - ١٤٢، ١٥٠. أثر ظهور الإسلام في البحر المتوسط، ص ١٢١. بحوث في تاريخ الإسلام وحضارته، ص ٦١٤. جزر الأندلس المنسية، ص ٦٤، ٦٦، ٧٠.\n(^٢) - غارات النورمانديين على الأندلس ص ٣١.\n(^٣) - المقصود به هم النورمانديين، فقد كان المسلمون يطلقون عليهم اسم المجوس، لأنهم كانوا يشعلون النيران في كل موضع يمرون فيه، لأجل ذلك حسبهم المسلمون مجوسًا، انظر المرجع السابق ص ٢٤.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٨٧.","vol":"2","page":561},{"text":"شر المفاجآت، إلا أن النورمنديين هاجموا إشبونه لكنهم اضطروا لمغادرتها نتيجة المقاومة العنيفة من أهلها (^١) فسارت مراكب النورمانديين إلى الجنوب بمحاذاة الساحل، فدخل بعضها قادش وبعضها شذونه (^٢)، ولكن معظم المراكب تجمعت عند مدخل الوادي الكبير، حيث تقدمت نحو اشبيلية، فاحتلوا جزيرة قبطيل (^٣) \"  Cabtel\"  في اليوم الثامن من شهر محرم سنة (٢٣٠) هـ (سبتمبر (٨٤٤) م) ونظرًا لما تمتاز به هذه الجزيرة من وفرة الخيرات (^٤) فقد تحصن بها النورمانديين، واتخذوا منها مركزًا لانطلاق هجماتهم على اشبيلية، وبعد ثلاثة أيام دخلوا قرية قورية \"  Coria Del Rio\"  الواقعة على بعد اثنى عشر ميلًا من اشبيلية، وذلك في يوم الاثنين الثاني عشر من محرم، وفي اليوم الثالث عشر دخلوا قرية طلياطه (^٥)\n_________\n(^١) - نصوص عن الأندلس ص ٩٨.\n(^٢) - البيان المغرب ٢/ ٨٧.\n(^٣) - نصوص عن الأندلس ص ٩٨. قبطيل، تكتب باللاتينية  Capirale  وكلمة قبطيل تعني القناة، والقبطيل بالأندلس هو مفرغ وادي طرطوشة في البحر، ويعرف أيضًا بالعسكر لأنه موضع عسكر بن النورمانديون واحتفروا حوله خندقًا. انظر، الروض المعطار، ص ١٥٤ والحاشية رقم ٢ ص ٩٨.\n(^٤) - غارات النورمانديين ص ٣٢.\n(^٥) - نصوص عن الأندلس، ص ٩٩، الروض المعطار ص ٣٩٥. غارات النورمانديين، ص ٣٧ حاشية رقم ١ طلياطه، قرية كانت على سبع مراحل شمال اشبيلية، وتسمى اليوم  Tejada  وهي اليوم خرائب مهجورة  Despolado  على بعد ٣٠ كيلو مترًا شمال غربي اشبيلية. انظر الحلة السيراء ٢/ ١٨٣، حاشية رقم ٢. الروض المعطار، ص ٣٩٥.","vol":"2","page":562},{"text":"\"  Tliata\"  فارتج أهلها وأخلوها إلى جبالها وإلى قرمونة (^١)، وفي يوم الأربعاء الرابع عشر من محرم سنة (٢٣٠) هـ (^٢) (سبتمبر (٨٤٤) م) وصل النورمانديون اشبيلية في مراكبهم ذات الأشرعة السود التي \"كأنما ملأت البحر طيرًا جونًا كما ملأت القلوب شجوًا وشجونًا (^٣) \" فدخلوا اشبيلية وقتلوا من المسلمين أعدادًا كبيرة، وأقاموا فيها بقية يومهم ثم غادروها من الغد (^٤).\nبعد هذه الأحداث وصلت القوات الأموية، قادمة من قرطبة وعلى رأسها أربعة قادة من كبار رجالات الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٥)، فنزلوا بمن معهم في موضع يقال له مشدوم، يقع شرقي اشبيلية وجرت معركة بينهم وبين النورمان قتل فيها منهم نحو سبعين رجلًا، ثم انهزموا ولجأوا إلى مراكبهم، فأحجم قادة الجيش الأموي عن مطاردتهم مكتفين بما ألحقوه بهم من هزيمة سريعة (^٦)، فغضب الأمير عبد الرحمن من تصرفهم وأمرهم بالعودة إلى قرطبة وأرسل قوة عسكرية بقيادة محمد بن سعيد بن رستم\n_________\n(^١) - ابن القوطية ص ٦٣.\n(^٢) - المغرب في حلى المغرب: ١/ ٤٩.\n(^٣) - البيان المغرب ٢/ ٨٧.\n(^٤) - نصوص عن الأندلس، ص ٩٩، المغرب في حلى المغرب ١/ ٤٩.\n(^٥) - هم: عبد الله بن المنذر وعيسى بن شهيد وعبد الواحد بن يزيد الأسكندراني وعبد الرحمن بن كليب بن ثعلبه.\n(^٦) - نصوص عن الأندلس، ص ٩٩.","vol":"2","page":563},{"text":"ومعه بعض الوزراء ومن توافد على قرطبة من رجال الكور، فنزل الجميع في قرمونة (^١)، وقدم موسى بن موسى القسوي بمن معه من رجال الثغر الأعلى (^٢) بعد أن استنجد به الأمير عبد الرحمن للمساهمة في دفع أولئك النورمانيين، وقد ذكر ابن القوطية، الذي انفرد بذكر مشاركة موسى في قتال النورمانيين، أن موسى عندما وصل إلى قرمونة لم يختلط بقوات الإمارة، بل انعزل جانبًا (^٣)، رغبة منه في عدم الوقوف تحت راية نصر الفني كبير رجال قصر الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٤).\nواجتمع موسى بالوزراء قادة الجيش الأموي وعلى ضوء المعلومات المتوفرة وضع خطة عسكرية محكمة، فتمكن المسلمون من طرد النورمانديين من اشبيلية (^٥)، وفرضوا عليهم حصارًا قويًا في طلياطه التي لجأوا إليها، وتم نصب المجانيق على جانبي الوادي الكبير، فقتل من الغزاة نحو خمسمائة (^٦)، بما فيهم قائدهم (^٧)، فلاذ باقيهم بالفرار بعد أن وصلت\n_________\n(^١) - ابن القوطية ص ٦٣.\n(^٢) - ذكر ابن سماك العاملي أن قائد الجند بسرقسطة قاعدة الثغر الأعلى كان أحد الثلاثة الذين يعمد الأمير أو الخليفة الأموي بالأندلس إلى استشارتهم في معضلات الأمور التي تهم الدولة. انظر: الزهرات المنثورة: الزهرة الثالثة والثمانون.\n(^٣) - تاريخ افتتاح الأندلس ص ٦٣.\n(^٤) - غارات النورمانديين على الأندلس ص ٣٦.\n(^٥) - المطرب، ص ١٣٠. تاريخ البحرية الإسلامية: ٢/ ١٥٧.\n(^٦) - نصوص عن الأندلس ص ١٠٠.\n(^٧) - المطرب ص ١٣٠، تاريخ البحرية الإسلامية ٢/ ١٥٧.","vol":"2","page":564},{"text":"قوات إضافية حكومية، حيث واصل من نجا من النورمانديين فرارهم نحو أشبونه، ومنها عادوا أدراجهم إلى مواطنهم الأولى (^١).\nوهناك مجموعة من الغزاة لم تتمكن من الرحيل إلى بلادها، ولذا فقد تحصنوا في جزيرة قبطيل، فحاصرهم القائد ابن رستم فاستسلموا، ودعاهم إلى الدخول في الإسلام فاستجابوا، واستقروا في جنوب مدينة اشبيلية، واشتغلوا بتربية الماشية، وذاعت شهرتهم بصناعة اللبان وأجود أنواع الجبن (^٢).\nولقد استوعب الأمير عبد الرحمن الأوسط الدرس الذي لقنه إياه النورمانديون، فأصدر أوامره بتسوير إشبيلية، وكان صدور هذا القرار بمشورة من الفقيه عبد الملك بن حبيب الذي كتب للأمير عبد الرحمن، وكان في ذلك الوقت مشتغلًا بزيارة جامع قرطبة .. \" إن بنيان سور اشبيلية وتحصينها أوكد عليه من بنيان الزيادة في المسجد الجامع (^٣) \" ثم أصدر قرارًا آخر يقضي بتحصين السواحل الغربية والجنوبية الغربية للأندلس فأنشأت الرباطات والمحارس من اشبونة إلى إلى أرقش، وتسابق\n_________\n(^١) - نصوص عن الأندلس ص ١٠٠.\n(^٢) - تاريخ المسلمين وأثارهم في الأندلس ص ٢٣٧.  L.provoncal Op.Cit v.I p: ٢٤٤.\n(^٣) -  المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢٤٤.","vol":"2","page":565},{"text":"المجاهدون في سبيل الله إلى سكني تلك الأربطه والمحارس حفاظًا على أرواح المسلمين (^١).\nوذكر ابن القوطية أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد أصدر أوامره بإنشاء دار صناعة بإشبيلية (^٢) وبالرغم من أهمية هذا الخبر، إلا أنه يجب أن نأخذه بحذر، إذ أنه يتعارض مع خبر سابق أورده ابن القوطية نفسه، وذلك عندما ذكر أن سارة القوطية بنت المند قد أنشأت مركبًا بإشبيلية، وذهبت به إلى الشام، حيث قابلت الخليفة هشام بن عبد الملك بدمشق ورفعت إليه ظلامتها بسبب اعتداء عمها ارطباس عليها (^٣)، ومن خلال هذا الخبر يمكن القول بأن دارًا للصناعة بإشبيلية كانت قائمة قبل بني أمية إلا أنها تعطلت لسبب من الأسباب وظلت كذلك حتى أعاد الأمير عبد الرحمن الأوسط تشغيلها مرة ثانية فنسبت إليه (^٤). كما وجه الأمير عبد الرحمن الأوسط عنايته لثغر طرطوشة، واتخذ منها قاعدة من قواعد الأسطول التابع لإمارته، ومن أجل ترغيب رجال البحر الأندلسيين المتواجدين بالقرب من ذلك الثغر، فقد أمد عامله على طرطوشة عبيد الله بن يحيى بن خالد بالأموال والجند، وبتشجيع من الأمير قام العامل بإجراء القطائع على المرابطين بالساحل لديه، كما صرف لهم الرواتب والنفقات\n_________\n(^١) - غارات النورمانديين على الأندلس ص ٤١.\n(^٢) - تاريخ افتتاح الأندلس ص ٦٧.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٥.\n(^٤) - تاريخ البحرية الإسلامية ٢/ ١٦١.","vol":"2","page":566},{"text":"والعلوفات مما في يده من مال إمارة قرطبة (^١)، كل هذا ترغيبًا من الأمير عبد الرحمن الأوسط لرجال البحر الأندلسيين للعمل بقواته واستعانة منه بخبرتهم البحرية لإدارة أسطوله الناشئ.\nومما يدل على وعي الأمير عبد الرحمن الأوسط في كيفية انتقاء الرجال، أنه استفاد من تجربة أسلافه بالمشرق عند إنشائهم للبحرية هناك (^٢). فكما أن الأمويين في الشام اعتمدوا على القبائل اليمنية في هذا المجال، نجد الأمير عبد الرحمن الأوسط يعمد إلى جماعة من بني سراج القضاعين نزلوا في بسيط ساحل يعرف ببجانة  Pichina  يقع بالقرب من مصب وادي أندرش  Rio Andarax  شرقي المرية فيكلفهم بالمرابطة على الساحل وحراسته ضد أي اعتداء خارجي (^٣)، وقد عُرفت المنطقة التي أصبحت تحت حماية بني سراج بـ\"أرش اليمن أي أعطيتهم ونحلتهم (^٤) \" فهم يستثمرون المنطقة ويتمتعون بخراجها مقابل حمايتهم للساحل.\nوقد شهدت البحرية الأموية في الأندلس تطورًا كبيرًا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط مما مكنها من تحقيق حضور قوي في عدة ميادين\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٦.\n(^٢) - عن نشأة البحرية لدى الأمويين في الشام، انظر، تاريخ البحرية الإسلامية ١/ ١٥ - ٢٨.\n(^٣) - مؤنس المسلمون في حوض البحر المتوسط ص ١٢٣.\n(^٤) - العذري، ترصيع الأخبار ص ٩٢، الروض المعطار ص ٧٩.","vol":"2","page":567},{"text":"ححربية لعل من أهمها ما وقع سنة (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) عندما توجه الأسطول البحري الأموي المكون من ثلاثمائة سفينة لتأديب أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة وفي ذلك يقول ابن حيان عند حديثه عن أحداث هذه السنة \"وفيها أغزى الأمير عبد الرحمن أسطولًا من ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقه لنقضهم العهد وإضرارهم بمن يمر إليهم من مراكب المسلمين ففتح الله للمسلمين عليهم وأظفرهم بهم فأصابوا سباياهم وفتحوا أكبر جزائرهم (^١) \".\nوعندما تولى الإمارة الأمير محمد بن عبد الرحمن سار على نهج والده في ضرورة الاستعداد البحري الدائم فأخذ يقوي أساطيله حتى أنه أنشأ سبعمائة غراب (^٢) فأصبحت القطع البحرية تقوم بما يمكن تسميته بوحدات دورية تقوم بمهام خفر السواحل إذ أنها تمسح السواحل المطلة على البحر المتوسط والمحيط إلى سواحل جليقية جيئة وذهابًا ترقبًا لوصول أي غزاة.\nولذا عندما قام النورمانديون بهجومهم الثاني على السواحل الأندلسية سنة (٢٤٥) هـ (٨٥٩ م) وجدوا البحر محروسًا ومراكب الأمير محمد فيه جارية مابين حائط أفرنجية في الشرق إلى أقصى حائط غليسية في الغرب (^٣) وجرت صدامات عسكرية حاول فيها الغزاة تكرار فعلتهم\n_________\n(^١) - المقتبس تحقيق د. محمود مكي ص ٢ - ٣.\n(^٢) - ابن الكردبوس ص ٥٧. المؤنس ص ٩٩.\n(^٣) - المقتبس تحقيق د. محمود مكي ص ٣٠٨.","vol":"2","page":568},{"text":"الأولى، لكنهم لم ينجحوا رغم استشهاد بعض المسلمين بسببهم (^١)، فعاد الغزاة أدراجهم من حيث قدموا بعد أن خسروا بعض مراكبهم وعدد من مقاتليهم (^٢).\nوقد ورد لدى ابن حيان (^٣) والعذري (^٤) أن مراكب النورمانديين ظهرت في سنة (٢٤٧) هـ (٨٦١ م) قبالة الساحل الأندلسي وبالتحديد بالقرب من الجزيرة الخضراء لكنهم وجدوا السواحل تخضع لحراسة مشددة كما أن أمواج البحر حطمت لهم أربعة عشر مركبًا، فآيسوا من غزوتهم هذه ولذا سارعوا بالعودة من حيث أتوا.\nوبصفة عامة، فقد اشتدت الرقابة على السواحل الأندلسية بحيث يتم رقع كل خبر عنها صغير أو كبير إلى الأمير محمد بن عبد الرحمن، بل لقد بلغ الأمر بعامل بجانه عمر بن أسود الغساني أن رجاله وجدوا بالقرب من الساحل خشبة فأخذوها، فكتب العامل كتابًا بخبرها وطولها وعرضها ورفعه للأمير محمد، الذي شكر لعامله مدى استقصائه في ضبط ثغره\n_________\n(^١) - انظر نصوص عن الأندلس ص ١١٩ ابن القوطية ص ٦٨. المقتبس تحقيق د. محمود مكي ص ٣٠٨ - ٣٠٩. الروض المعطار، ص ٢٢٣، تاريخ البحرية الإسلامية ٢/ ١٧٠.\n(^٢) - انظر التفاصيل في المقتبس، تحقيق د. محمود مكي ص ٣٠٩، دولة الإسلام في الأندلس ع ١ ق ١ ص ٢٩٧. غارات النورمانديين على الأندلس ص ٧٢.\n(^٣) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١١.\n(^٤) - نصوص عن الأندلس ص ١١٩.","vol":"2","page":569},{"text":"والاهتمام بما يوكل إليه (^١)، وأورد الحميري في روضه (^٢) تفصيلات مهمة في هذا المجال فقد ذكر أن حكومة بني أمية بقرطبة ماكانت تسمح لأحد بمغادرة الأندلس إلا بسراح أي تصريح رسمي ولا تأذن لأحد بالدخول إلى البلاد إلا بعد أن يعرف من هو ولماذا هو قادم ومن أين أتى وإذا وجد قارب يزيد طوله على اثني عشر ذراعًا ممسوح العجز نقض ورد إلى الطول المسموح به وهو اثني عشر ذراعًا مما يدل على أن هناك شكل مميز للقارب الأندلسي.\nهذه الصرامة في ضبط السواحل ضمنت للأندلس الأمان من أي طارق يأتي عن طريق البحر من أي جهة كانت ولم يركن الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي امتاز باليقظة وترك الدعه إلى هذه الإحتياطات فقد أقام دارًا للصناعة في قرطبة وعقد لواءًا لقائده عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد بن مغيث سنة (٢٦٦) هـ (٨٧٩ م) وذلك لغزو جليقية من ناحية المحيط الأطلسي، ورغم الأموال التي بُذلت على هذه الحملة والبروز الفخم الذي برز فيه القائد ابن مغيث والذي يصفه ابن حيان بأنه أفخم\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ١٣٣ - ١٣٤، حاشية رقم ٤.\n(^٢) - الروض المعطار ص ٨٠.","vol":"2","page":570},{"text":"خروج خرج به قائد من قرطبة (^١) إلا أن الحملة فشلت نتيجة لغرق الكثير من المراكب بمن فيها في المحيط ونجا القائد ابن مغيث مع بعض رجاله (^٢).\nومن الدلائل الأكيدة على قوة البحرية الأموية في الأندلس في عهد الأمير عبد الله بن محمد يقامها بإخضاع جزر البليار لسيطرة حكومة قرطبة، إذ يبدو أن أهل تلك الجزر قد نقضوا عهدًا سبق إبرامه بينهم وبين المسلمين (^٣) ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن فتح جزر البليار على عهد الأمير عبد الله جاء نتيجة دراسة دقيقة قام بها عصام الخولاني (^٤) الذي نجح بعد عودته إلى الأندلس في إقناع الأمير عبد الله بضرورة فتحها فاقتنع بكلامه \"وبعث معه القطائع في البحر ونفَّر الناس معه إلى الجهاد (^٥) \"فاتجه عصام سنة \" (٢٩٠) هـ (٩٠٢ م) \" على رأس أسطول معظم أفراده من المتطوعين\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٩٨.\n(^٢) - المصدر السابق ص ٣٩٨ - ٣٩٩، البيان المغرب ٢/ ١٠٣ - ١٠٤ إلا أنه جعل اسم القائد: عبد الحميد الرعيطي.\n(^٣) - جزر الأندلس المنسية ص ٨٨.\n(^٤) - يذكر ابن خلدون أن عصام الخولاني خرج في مركب يريد الحج، فعصفت الريح بمركبه، فنزل هو ومن معه في جزيرة ميورقه، فطال مقامهم فيها، واطلعوا خلال هذه المدة على أحوال الجزيرة وخيراتها، مما أطمعهم في فتحها، انظر: تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٦٤.\n(^٥) - تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٦٤.","vol":"2","page":571},{"text":"والمرابطين على السواحل الشرقية للأندلس، فحاصرتها هذه القوات عدة أيام وأتمت فتحها حصنًا حصنًا (^١).\nويجدر بنا قبل أن ننهي الحديث عن البحرية في الأندلس في عهد الإمارة أن نشير بصورة سريعة إلى النشاط البحري في بجانة فقد شهدت المدة الأخيرة من عصر الأمير محمد بن عبد الرحمن قيام قوة بحرية في بجانة شرقي وادي أرش اليمن (^٢) فخططوا مدينة بجانه على مثال قرطبة وطردوا منها مشاهير العرب (^٣)، بعد أن استمالوا العناصر المحلية مستغلين في ذلك سوء التفاهم الذي جرى بين أولئك العرب والمحليين (^٤) ويذكر الحميري أن هؤلاء البحريين استأذنوا الأمير محمد بن عبد الرحمن في أن يعقد لرجل منهم يتولى رئاسة بجانة وذلك سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) (^٥) فوافق على اقتراحهم والشيء الملاحظ أن التاريخ الذي ورد جاء بعد وفاة الأمير محمد إذ أنه توفي سنة (٢٧٣) هـ لكن لعل الصواب أن الحادثة جرت سنة\n_________\n(^١) - نفس المصدر والصفحة.\n(^٢) - عن أصول هؤلاء البحريين وكيف استقروا في بجانة انظر: إحسان عباس اتحاد البحرين في بجانة بالأندلس، (مجلة الأبحاث عدد كانون الأول السنة ٢٣ ج ١ - ٢ بيروت ١٩٧٠ م) ص ٧ - ٨،.\n(^٣) - الروض المعطار ص ٨٠.\n(^٤) - اتحاد البحرين في بجانة ص ٨.\n(^٥) - الروض المعطار ص ٨٠.","vol":"2","page":572},{"text":"٢٧١ هـ (^١) وأما الموافقة على الاقتراح الذي تقدم به بحريو بجانه والذي يعني تمتعهم بحكم ذاتي يكفل لهم تقدير خضوع اسمي فقط لحكومة قرطبة، فقد جاء نتيجة وقوع حكومة قرطبة تحت ظروف طائلة لا يتيح لها فرصة الاختيار (^٢)، وقد ظلت بجانة متمتعة في ظل رجالها البحريين بحكم ذاتي وتعاقب على رئاستها عدة ولاة لا دور لحكومة قرطبة في تعيينهم سوى العقد لهم (^٣) إلى أن تمكن الخليفة عبد الرحمن الناصر من إخضاعها لسيطرة قرطبة وإنها الحكم الذاتي وذلك عندما عين محمد بن رماحس واليًا عليها من قبله دونما اقتراح من أهل بجانة وذلك سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) (^٤).\n_________\n(^١) - المصدر السابق والصفحة حاشية رقم ١.\n(^٢) - عن هذه الظروف والأحداث انظر: ابن القوطية، ص ٨٨ - ٩٣، ٩٨ - ١٠٠. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠٧ - ٣٠٩، ٣١٩ - ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٤ - ٣٢٦، ٣٣٠، ٣٤١ - ٣٤٢، ٣٤٩ - ٣٥٥، ٣٥٨، ٣٩٣ - ٣٩٦. نصوص عن الأندلس، ص ٣٢، ٣٤ - ٣٥، ٣٦، ١١٨ - ١١٩. الكامل: ٦/ ١٩٦، ٢٧٣، ٣٤٣. البيان المغرب ٢/ ٩٩، ١٠٠ - ١٠١، ١٠٣، ١٠٥، ١٠٦. نهاية الأرب ٢٣/ ٣٨٩، ٣٩١.\n(^٣) - قام بحريو بجانه بدور كبير في صد الهجوم الذي شنه الكونت سنتير  Sunier  صاحب برشلونة سنة ٢٩٩ هـ عندما قام بمهاجمة السفن الإسلامية الراسية في خليج المرية وأحرق عددًا كبيرًا منها، ثم حاول دخول بجانه بكن تصدي المسلمين له أجبره على الانسحاب بعد أن وقع الصلح مع عبد الرحمن بن مطرف الحاج أحد القادة البحريين في بجانه. انظر المقتبس نسخة انطونيه ص ٨٩.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٤٦٢، اتحاد البحريين في بجانة ص ٩.","vol":"2","page":573},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>البحرية الأموية في عصر الخلافة</span>\nعندما بويع الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بالإمارة سنة (٣٠٠) هـ (٩١٢ م) كانت الأندلس تعج بالفتن والاضطرابات في كافة أرجائها، ومما جعل الأمر يزداد سوءًا بالنسبة له، هو قيام الدولة العبيدية في إفريقية على انقاض الدولة الأغلبية سنة (٢٩٦) هـ (^١) (٩٠٩ م)، ومكمن الخطورة هنا يتمثل في أن العبيديين ورثوا الأسطول البحري للأغالبة، وهو أسطول كان له مجده وحضوره المميز في البحر الأبيض المتوسط وجزائره إبان عهد الأغالبة (^٢).\nوقد جرى اتصال بين ابن حفصون المتمرد في الجنوب الأندلسي، وبين عبيد الله المهدي الخليفة العبيدي، تأصلت على إثر ذلك العلاقات بين الطرفين (^٣)، وأصبحت مراكب ابن حفصون تصل إليه قادمة بالميرة من العدوة المغربية، حتى أن الأمير عبد الرحمن بن محمد عندما دخل الجزيرة الخضراء يوم الخميس لأربع خلون من ذي القعدة سنة (٣٠١) هـ (يونيو (٩١٤) م) وافق دخوله الجزيرة وصول عدة مراكب لعمر بن حفصون قادمة من العدوة المغربية وهي تحمل الميرة إليه، فلما عرفوا بخبر الناصر هربوا\n_________\n(^١) - المقريزي، إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، (تحقيق: د. جمال الدين الشيال، منشورات لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، ١٣٨٧ هـ ١٩٦٧ م) ١/ ٦٣.\n(^٢) - د. محمد الطالبي، الدولة الأغلبية، (ترجمة د. المنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي بيروت ١٩٨٥ م). ص ٤٢٥ - ٥٨٠. والمصادر المذكورة لديه.\n(^٣) - أعمال الأعلام ٢/ ٣٢.","vol":"2","page":574},{"text":"بمراكبهم إلى عرض البحر، فأدركهم رجال الناصر وأعادوهم إلى الجزيرة الخضراء، حيث تم إحراق تلك المراكب جميعًا أمامه (^١).\nهذه الحادثة جعلت الأمير الأموي يدرك أهمية البحر، فاستعد للأمر، وأخذ يعمل بجد على ضبط سواحل دولته وفرض كلمته على المياه المحيطة بها، لأجل ذلك قام باستقدام الكثير من قطع الأسطول الأموي المرابطة بمالقة واشبيلية وغيرهما، فحضرت إليه فجعل بعضها ترابط قبالة ساحل الجزيرة الخضراء وهي مستعدة بالرجال وقوارير النفط والآلات الحربية الخاصة بالبحر، كما أمر القسم الباقي من رجال الأسطول الأموي من عرفاء بحريين ونواتيه بالدخول إلى مراكبهم، والقيام برحلات دورية على طول الساحل الجنوبي الشرقي للأندلس، وذلك من ساحل الجزيرة الخضراء وحتى ساحل تدمير (^٢)، وبهذا الإجراء أصبحت المراكب لا تستطيع أن تسخدم المرافئ البحرية الأندلسية إلا إن كانت تدين بالطاعة لحكومة قرطبة (^٣).\nوقد ذكر الحميري أنه كان في الجزيرة الخضراء \"دار صناعة بناها عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين للأساطيل، وأتقن بناءها وعالي\n_________\n(^١) - المقتبس تحقيق: شالميتا ص ٨٧.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٨٧ - ٨٨. قارن تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٣٩. د. السيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، ٢/ ٦١٠.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٨٨.","vol":"2","page":575},{"text":"أسوارها\" (^١)، ويبدو أن السبب في إقامة هذه الدار في الجزيرة راجع إلى أن مرساها أيسر المراسي للجواز وأقربها من بر العدوة (^٢)، ولتقف بقوة أمام دار الصناعة الضخمة التي أقامها عبيد الله المهدي في المهدية (^٣).\nواجتهد الأمير الأموي بتقوية أساطيله، وبلغ به الأمر أنه كان لا يترك لعمال دور الصناعة فرصة للراحة (^٤) كما اهتم ببجانة وأسطولها البحري (^٥)، وبواسطة القوة البحرية التي طورها سواء في الجزيرة الخضراء أو غيرها، تمكن من الاستيلاء على بعض ثغور ساحل العدوة المغربية المقابل للسواحل الأندلسية، فبسط نفوذه على مليله سنة (٣١٤) هـ (^٦) (٩٢٦ م) وعلى سبته في يوم الجمعة صدر ربيع الأول سنة (٣١٩) هـ (مارس (٩٣١) م).\nوعندا استنجد موسى بن أبي الغفافية بالخليفة عبد الرحمن الناصر، ليمده بقوة عسكرية تمكنه من القبض على الحسن بن عيسى بن أبي العيش، بعث إليه الخليفة بقوة عسكرية غادرت إلى مياه العدوة المغربية بواسطة الأسطول الأندلسي، وذلك في يوم السبت لليلتين خلتا من\n_________\n(^١) - الروض المعطار ص ٢٢٣.\n(^٢) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٣) - اتعاظ الحنفا، ١/ ٧٠.\n(^٤) - في تاريخ المغرب والأندلس ص ١٩٩ - ٢٠٠.\n(^٥) - الروض المعطار ص ٨٠.\n(^٦) - المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص ٨٩.","vol":"2","page":576},{"text":"جمادى الأولى سنة (٣١٩) هـ (^١) (مايو (٩٣١) م) وقد وصف ذلك الأسطول بأنه أفخم أسطول أجراه ملك من قبل، فقطعه متكاملة وعدده متواترة، انتهى عدد قطعه إلى مائة وعشرين قطعة، مع الحمالة والفتاشة وقوارب الخدمة، وكان عدة من ركبه نحو سبعة آلاف رجل، خمسة آلاف من البحريين، وألف من الحشم، وغزا فيه من وجوه أهل بجانة والمرية تطوعًا في مراكبهم تسعة رجال (^٢) وتولى قيادة الأسطول أحمد بن محمد بن إلياس، وسعيد بن يونس بن سعديل (^٣).\nوبعد ذلك أخذت مرافئ العدوة المغربية تخضع تباعًا لكلمة الخليفة عبد الرحمن الناصر، وذلك بفضل وجود أساطيل قوية تحت سيطرته وقادة أكفاء ورجال بحر مدربين، ففي سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) اتجه عبد الملك بن سعيد بن حمامة على رأس الأسطول الأموي فأخضع أصيلة (^٤)، وفي العاشر من شهر رمضان من العام التالي صدر أمر الخليفة الناصر للقائد ابن أبي حمامة بالتوجه إلى سبتة وطنجه، فسارع بتنفيذ الأوامر رغم أنه كان عند صدور الأمر إليه في سواحل برشلونة يؤدي مهمة عسكرية كان قد\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٨٩. المغرب في ذكر بلاد إفريقة والمغرب ص ١٠٤.\n(^٢) - منهم، محمد بن رماحس، وإبراهيم بن يزيد الرداد، وقاسم بن عبد الرحمن، ومحمد بن سهل أخو هارون وغيرهم، انظر المقتبس تحقيق شالميتا ص ٣١٣.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٣١٢ - ٣١٣.\n(^٤) - نفسه ص ٣٤٧.","vol":"2","page":577},{"text":"بدأ بها منذ شهر رجب من تلك السنة (^١)، فتمكن القائد ابن أبي حمامة من إخضاع طنجه، وظل مترددًا بين المرافئ الساحلية للمغربين الأقصر والأوسط إلى أن ضمن خضوعها لحكومة قرطبة ثم عاد إلى الأندلس في شهر صفر سنة (٣٢٤) هـ (يناير (٩٣٦) م) (^٢).\nهذه المهام الحربية التي كان الأسطول الأموي يقوم بها في الثغور الساحلية للمغربين الأوسط والأقصى، هي في حقيقتها مجابهة حربية مع الأسطول العبيدي، وسيتواصل الاصطدام بين الأسطولين مرات عديدة أفضل إيرادها وفق التسلسل التاريخي لها.\nوالأحداث التي شهدتها السنوات الأول من عصر الخليفة الناصر لم تجعله يغفل عن حقيقة البحريين في بجانة، وأنهم يعيشون أشبه ما يكون في ظل حكم ذاتي، ولذا قرر الخليفة إزالة هذه الصفة عنهم، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) أصدر أوامره بتعيين محمد بن رماحس واليًا على بجانة (^٣)، وفي العام التالي ضمت إلبيرة والمرية إلى نظر محمد بن رماحس بجانب إشرافه على بجانة (^٤)، وأصبحت منطلقًا للهجمات البحرية التي كان يشنها محمد بن رماحس، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) كانت له\n_________\n(^١) - نفسه ص ٣٦٦ - ٣٦٨.\n(^٢) - نفسه ص ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(^٣) - نفسه ص ٤٦٢.\n(^٤) - نصوص عن الأندلس ص ٨١.","vol":"2","page":578},{"text":"حملة بحرية وصل بها إلى أتيورياس (^١)، وفي يوم الاثنين (١٢) شوال من سنة (٣٣١) هـ (٢٠ يوليو من سنة (٩٤٣) م) غادر المرية في ثلاثين مركبًا وستة شواني غزا بها بلاد الفرنجة (^٢)، ثم في سنة (٣٣٢) هـ (٩٤٥ م) قاد حملة بحرية مكونة من خمس عشرة قطعة حربية وشينين وفتاش ضد بني محمد بالمغرب (^٣) وفي يوم السبت للنصف من ربيع الأول سنة (٣٣٤) هـ (١٦ أكتوبر سنة (٩٤٥) م) توجه - أيضًا - ابن رماحس على رأس أسطوله فهاجم أسطول العبيديين المتواجد على السواحل الإفريقية (^٤).\nوبالنظر إلى هذا الحضور المميز للأسطول الأموي، يمكن القول بأنه قد أصبح لدى الخليفة عبد الرحمن الناصر قوة بحرية مرهوبة الجانب، فقد وصل عدد قطع الأسطول الأموي في عهده نحو مائتي قطعة، يتولى قيادتها محمد بن رماحس (^٥) ومن هنا ذهب بعض الباحثين إلى اعتباره المؤسس الحقيقي للبحرية في الأندلس (^٦).\nوما كان للبحرية الأندلسية أن تصل إلى ما وصلت إليه في عهد الخليفة الناصر لولا توفر عامل معم في هذا المجال، وأعني به إنشاء دور\n_________\n(^١) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٢) - نفسه والصفحة.\n(^٣) - نفسه ص ٨٢.\n(^٤) - نفسه والصفحة.\n(^٥) - ابن خلدون المقدمة ٦٩١.\n(^٦) - انظر، تاريخ البحرية الإسلامية ٢/ ١٧٥.","vol":"2","page":579},{"text":"\"للصناعة (^١) \" ومن الطبيعي ألا تقام دور الصناعة إلا على شواطئ البحار وضفاف الأنهار، إذ أن هذا يكفل للقطع البحرية ميزة استراتيجية تتمثل بسرعة الحركة، مما يعني وفرة في الوقت والجهد، وقد رأينا أهمية موقع دار الصناعة عند حديثنا عن المرية وكيف أنها قد تغلبت على بجانة بسبب نزوح الأخيرة عن الساحل. وقد نشأت بالأندلس عدة دور للصناعة اعتنى أمراء وخلفاء بني أمية بتنظيمها وإقامتها وفق أسس تكفل لهم الغرض من وجودها. من هذه الدور:\nدار صناعة \"الجزيرة الخضراء\" و\"مالقة (^٢) \" و\"لقنت (^٣) \"\n_________\n(^١) - دور: جمع دار، ودار الصناعة يطلق على المكان الذي أعد لصناعة السفن، وقد أخذ الأوربيون اللفظ عن العرب وذلك عن طريق اتصالهم بالأندلس، فعرفت بالاسبانية \"  Darcinah\"  فطرأ على هذا اللفظ عدة تغيرات حتى أصبحت تعرف بالأسبانية \"  Arsenal\" \"Arsenale\"  ثم عاد العرب وأخذوها عن الإسبان بلفظ \"  Tarsanah\"  معتقدين أنها تركية فعربوها إلى ترس خانة أو ترسانه، وتجدر الإشارة إلى أن لفظ أدميرال \"  Admiral\"  مأخوذ عن أمير البحار، انظر جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي: ١/ ١٦١.\n(^٢) - ابن الخطيب: معيار الإختيار. (تحقيق د. محمد كمال شبانه،) بدون تاريخ، الإمارات- المغرب ص ٨٩ ..\n(^٣) - يذكر الإدريسي أن لقنت مع صغرها فإنها كانت تصنع بها المراكب السفرية والحراريق، انظر: نزهة المشتاق، ص ٥٥٨.","vol":"2","page":580},{"text":"و\"شلب (^١) \" و\"قصر أبي دانس (^٢) \"و\"دانية (^٣) \" و\"شنتمريه بالبرتغال (^٤) \" و\"شلطيش (^٥) \" و\"المنكب (^٦) \".\nوأما \"طرطوشة\" فقد أنشأ فيها الخليفة عبد الرحمن الناصر دارًا للصناعة، ومن الملاحظ أنه رغم صمت المصادر الإسلامية عن تدوين\n_________\n(^١) - انظر، نزهة المشتاق، ص ٥٤٢. الروض المعطار، ص ٣٤٢.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٥ قصر أبي دانس، حصن في ناحية الجوف في الأندلس، ينسب لبانيه دانس بن عوسجة المصمودي، ويسمى الموضع حاليًا \"  Alcacer de sal\"  أي قصر الملح، وهو اليوم مركز إداري في مديرية يابرة في البرتغال، وفي منتصف المسافة بين باجه والاشبونة، ولازالت بقية الحصن العربي قائمة فيه. انظر، جمهرة أنساب العرب، ص ٥٠١، المقتبس، نشرة أنطونيه، ص ٢٥٤، تعليق منتقى، ص ٢٩٠، الحلة السيراء، ٢/ ٢٧٢ حاشية رقم ١. الروض المعطار ص ٤٧٥.\n(^٣) - دانيه دار إنشاء والسفن واردة عليها وصادرة منها، كما أنها مركز من المراكز الرئيسية التي ينطلق منها الأسطول في حملاته. انظر: نزهة المشتاق ص ٥٥٧. الروض المعطار، ص ٢٣٢.\n(^٤) - وهذه أحد المواقع المهمة التي تنشأ بها السفن، ومما ساعد على ذلك أن بالقرب منها توجد عدة جزر تنبت شجر الصنوبر. انظر الروض المعطار، ص ٣٤٧.\n(^٥) - شلطيش \"  Saltes\"  هي أكبر الجزر الواقعة على مصب النهر الأحمر  Rio Tinto  ونهر آخر يسمى الأوديل \"  Odiel\"  وشلطيش تقع إلى الغرب من إشبيلية، وتبعد عن جزيرة فارس بمائة ميل اشتهرت بصناعة مراسي السفن، ومما ساعد على ذلك وفرة الحديد بها، وقد خرجت من أيدي المسلمين سنة ٦٤٦ هـ. انظر، نزهة المشتاق. ص ٥٤٢ الحلة السيراء، ٢/ ١٨٠ حاشية رقم ٤. الروض المعطار، ص ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(^٦) - انظر: معيار الاختيار، ص ٩٤ - ٩٦. الروض المعطار، ص ٥٤٨.","vol":"2","page":581},{"text":"تاريخ إنشائها، إلا أن لوحة تذكارية وجدت مثبتة في الجادر الخلفي للكنيسة العظمى في طرطوشة احتوت على معلومات عن دار الصناعة تلك، فاللوحة المذكورة جاءت مربعة الشكل تقريبًا، طول ضلعها خمسين سنتيمتر تقريبًا، كتب فيها عشرة أسطر جاء فيها: \"بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بإنشاء هذه الدار عدة الصناعة والمراكب عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين أيده الله، فتم بناؤها على يد قائده وعبد هـ عبد الرحمن بن محمد بعون الله ونصره في سنة ثلث وثلثين وثلاثمائة وكتب عبد الله بن كليب (^١) \".\nومما ساعد على قيام دار الصناعة بطرطوشة وفرة أخشاب الصنوبر بغاباتها وهي أخشاب وصفت بأنها من أنسب الأخشاب لصناعة السفن وذلك لطولها وغلظها وعدم تأثير السوس فيها (^٢) وبالإضافة إلى هذه الإنشاءات الوفيرة أنشأ الناصر أيضًا دار صناعة ضخمة في المرية إذ ثبت أهمية المرية كمنطلق رسمي لحركة الأساطيل منها ومع توالي الأيام أخذت\n_________\n(^١) - الحلل السندسية، ٣/ ١٠ حاشية رقم ١. الآثار الأندلسية الباقية ص ١٢١ - ١٢٢.\n(^٢) - نزهة المشتاق ص ٥٥٥، الروض المعطار ص ٣٩١. وقد اتبع الأندلسيون في نقل هذه الأخشاب المهمة في صناعة السفن طريقة فريدة، فقد ذكر الإدريسي أن هناك حصن \"قلصة\" تتصل به جبال كثيرة ينبت فيها شجر الصنوبر على نطاق واسع، فيتم قطع هذه الأشجار، ويتم إلقاء الأغصان الصالحة للصناعة في النهر حيث يحملها بدوره إلى جزيرة شقر ومنها إلى حصن قلبيره، ثم تحملها المراكب إلى دانية فتصنع منها السفن الكبار والمراكب الصغار، انظر: نزهة المشتاق ص ٥٦٠.","vol":"2","page":582},{"text":"تسحب البساط رويدًا رويدًا من بجانة التي لا تقع على الساحل مباشرة (^١) وهذا مما يحرم الأساطيل سرعة الحركة فتنبه لهذا الأمر الخليفة عبد الرحمن الناصر، فأمر بإنشاء مدينة المرية سنة (٣٤٣) هـ (٩٥٤ م) (^٢)، وأنشأ بها دارًا لصناعة السفن جاءت على قسمين قسم خاص بالمراكب الحربية وآخر بالمراكب التجارية وأحاطها بسور ضخم منيع (^٣) وبذلك أخذت المرية تزدهر تدريجيًا فاتسعت رقعتها ونما عمرانها وأصبحت هي وبجانة كفرسي رهان حيث وصفتا بأنهما \"بابي المشرق، منها يركب التجار وفيها تحل مراكب التجار وفيها مرفأ ومرسى للسفن والمراكب (^٤) \".\nوبعد أن أصبحت المرية قاعدة رئيسة للأساطيل الأموية أصدر الخليفة عبد الرحمن الناصر أوامره سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) للهيئة المشرفة على دار الصناعة بالمرية بأن ينشأ مركب بحري لم يُصنع مثله من قبل ثم شحنه بالأمتعة ووجهه للمشرق وفي أثناء رحلته تلك صادف المركب بطريقه مركب بحري فيه رسول موفد من قبل الحسين بن علي حاكم صقلية متجه إلى زعيم العبيديين المعز لدين الله فأوقفه أصحاب المركب الأندلسي وصادروا ما فيه من أمتعة وكتب كانت مرسلة للمعز لدين الله\n_________\n(^١) - تاريخ مدينة المرية ص ٢٠.\n(^٢) - نصوص عن الأندلس ص ٨٦، وورد في الروض المعطار ص ٥٣٧ أنها بنيت سنة ٣٤٤ هـ.\n(^٣) - نصوص عن الأندلس ٨٦.\n(^٤) - معجم البلدان: ٥/ ١١٩.","vol":"2","page":583},{"text":"الذي ما أن علم بهذه الحادثة حتى جهَّز أسطولًا كاملًا وولى عليه الحسين بن علي ووجهه إلى الأندلس فهاجم المرية وتمكن رجاله من التوغل في مرسى المرية فوجدوا عددًا من السفن راسية فيه فأحرقوها ووافق هجومهم قدوم المركب الكبير من المشرق محملًا بمختلف أنواع الأمتعة للخليفة عبد الرحمن الناصر بالإضافة إلى الجواري والمغنيات وغيرهن فاستولى عليه المهاجمون ولم يكتفوا بذلك بل دخلوا المرية وقتلوا ونهبوا ثم غادروا إلى المهدية بسلام (^١)، فجاء رد فعل الخليفة الأموي سريعًا فقد هاجم الأسطول الأندلسي بقيادة أمير البحر غالب بن عبد الرحمن سواحل إفريقية سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م) في ستين قطعة حربية ركزت هجومها على مرسى الخرز وساحل سوسه (^٢).\nوهكذا أصبح للأسطول الأندلسي الكلمة النهائية في المياه المحيطة بالأندلس من الناحيتين الشرقية والغربية، فالقطع الحربية البحرية المرابطة في قاعدة المرية تقف في مواجهة أي اعتداء قد يأتي من قبل العبيديين في حين أن قاعدة إشبيلة البحرية تذود عن الساحل الغربي ضد أي هجوم يقوم به النورمانديون (^٣).\n_________\n(^١) - انظر الكامل ٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢١. تاريخ مدينة المرية ص ٣٩.\n(^٣) - تجدر الإشارة هنا إلى أن خطر الاعتداءات النورماندية على الأندلس بدأ يأخذ نمطًا آخر غير نمط الهجمات السريعة التي اعتادوا شنها كما في عهد الإمارة والشيء الذي طرأ على وضع النورمانيين يعود سنة ٣٠٠ هـ/٩١٢ م وذلك عندما استقروا في ولاية نورمانديا \"  Normandia\"  في غرب فرنسا نتيجة إقطاع ملك فرنسا شارل الثالث الملقب بالساذج  Le-Simple  زعيم النورماندية رولون  Rollon  هذه المقاطعة التي عرفت باسم نورمانديا وقد مكنهم في هذه المقاطعة من شن هجمات برية على الثغر الأعلى للأندلس من ذلك أنهم أسروا يحيى بن محمد بن عبد الملك عامل الخليفة عبد الرحمن الناصر على بربشتر والقصر  Alquezar،  وذلك يوم السبت لثمان مضين من شوال سنة ٣٣٠ هـ/٦٤٢ م ففداه رجل من التجار بألف مثقال وقدم يحيى إلى بلاط الخليفة الناصر فأمر للذي فداه بتضعيف ما أداه وصرفه إلى بربشتر فدخلها سنة ٣٣١ هـ. انظر، دراسات في تاريخ المغرب والأندلس ص ٢٧٤ - ٢٧٦.","vol":"2","page":584},{"text":"وعندما تولى الخلافة الحكم المستنصر ازداد اهتمامه بالأساطيل البحرية وأخذت دور الصناعة تنتج المزيد من القطع البحرية فوصل عددها في عهده إلى ستمائة جفن بين غزوي وغيره (^١)، والسبب في ذلك هو حرصه على استمرارية السيطرة على مضيق جبل طارق (^٢) لخشيته من أي هجوم مفاجئ قد يشنه الأسطول العبيدي ولذا نراه يقوم بزيارة تفقدية لقاعدة المرية، وذلك في شهر رجب من سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م) فوقف على ما تم إنجازه من أعمال التحصينات وشاهد حصن القبطة ونظر في الأسطول المرابط هناك وجدده وكانت عدد قطعه في ذلك الوقت ثلاثمائة قطعة (^٣).\n_________\n(^١) - أعمال الأعلام: ٢/ ٤٢.\n(^٢) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس ص ٢٧٨.\n(^٣) - البيان المغرب ٢/ ٢٣٦، الإحاطة ١/ ٤٧٨ - ٤٧٩.","vol":"2","page":585},{"text":"وقبل ذلك بعدة أشهر كتب الخليفة الأموي لأهل سبتة سجلًا أسقط فيه عنهم الوظائف المخزنية والمغارم السلطانية، وذلك في شهر صفر من سنة (٣٥٣) هـ (^١) (٩٦٤ م)، كما أنه اتبع سياسة أبيه في التعامل مع أمراء المغرب ورؤساء قبائله، إذ استخدم معهم أسلوبي الترغيب والترهيب، فاستجاب له أولئك الزعماء وبعثوا إليه بوفودهم (^٢).\nوكان الخليفة الأموي يخشى من تكرار هجوم النورمانديين على سواحل بلاده، ولعل أول هجوم نورماندي على السواحل الأندلسية في عهد المستنصر بالله تم في أول رجب سنة (٣٥٥) هـ (يونيو (٩٦٦) م) فقد هاجموا الساحل الغربي وركزوا هجومهم على قصر أبي دانس، في ثمانية وعشرين مركبًا (^٣)، في كل مركب ثمانون محاربًا (^٤)، ثم واصلوا تقدمهم في سهول لشبونة، حيث تصدى لهم المسلمون فسقط عدد من الشهداء والقتلى، وهنا تحرك الأسطول المرابط بإشبيلية المتخصص في الذود عن الساحل الغربي، فأدرك الغزاة النورمانديين بوادي شلب، فتمكن المسلمون من تحطيم معظم مراكب النورمانديين وقتلوا معظم مقاتلتهم واستنقذوا\n_________\n(^١) - البيان المغرب ١/ ٢٢٧.\n(^٢) - انظر، المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٧، ٣٩ - ٥٧، مفاخر البربر، ص ٥ - ٦ البيان المغرب، ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٤.\n(^٣) - المصدر السابق ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(^٤) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس ص ٢٨٦.","vol":"2","page":586},{"text":"مَنْ بأيديهم من أسرى المسلمين وهرب من بقي من النورمانديين وعادوا إلى ديارهم (^١).\nويبدو أن الخليفة المستنصر لفت انتباهه من جراء التقارير التي ترفع إليه بشكل مفصل عن الهجوم النورماندي الأخير أن مراكبهم البحرية تمتاز بالسرعة الأمر الذي يكفل للمهاجمين سرعة الحركة والمناورة ولذا فقد اتخذ خطوة تدل على متابعة دقيقة لمجريات الأحداث واستيعاب جيد لنتائجها فقد أصدر أوامره لوزير عيسى بن فطيس بإنشاء أسطول بنهر الوادي الكبير تكون المراكب فيه على هيئة مراكب النورمانديين (^٢) ليقاتلهم بنفس سلاحهم إذ أنه كان يتوقع عودتهم لمهاجمة السواحل الأندلسية، ولقد صدق ظنه إذ لم تمض خمس سنوات على هجومهم السابق حتى عاودوا الهجوم مرة أخرى فقد ذكر ابن حيان أنه في صدر شهر رمضان المبارك سنة (٣٦٠) هـ (يوليو من سنة (٩٧٠) م) وصلت الأخبار بظهور النورمانديين في مياه خليج الباسك في طريقهم إلى السواحل الغربية للأندلس فاستدعى الخليفة المستنصر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس وأمره بالتوجه إلى المرية ليقود أسطولها ويتجه إلى الغرب ثم استدعى الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن الذي يبدو أنه القائد العام للقوات المسلحة الأندلسية البرية والبحرية وناقش الوضع معه ثم اتفقا\n_________\n(^١) - البيان المغرب ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٢٣٩.","vol":"2","page":587},{"text":"على خطة معينة يذهب بموجبها الوزير القائد غالب إلى الغرب ليتولى قيادة الجيش برًا وبحرًا (^١) ورغم هذا الاستنفار الهائل للأساطيل الأندلسية إلا أنه لم يقع اصطدام بينها وبين المراكب النورماندية وذلك لأن النورماندين نزلوا بساحل جليقية في يوم الأحد الثاني عشر من رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو (٩٧١) م) ثم إنهم دخلوا نهر دويره وتقدموا في غارتهم إلى مدينة شنت بريه \"  Santaver\"  لكنهم لم يفلحوا فانصرفوا خائبين (^٢). وقد وصل إلى قرطبة في يوم السبت (٢٥) رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو سنة (٩٧١) م) رسول من القومس غند شلب (^٣) يحمل للخليفة الأموي المستنصر أخبار الغزاة النورماندين ويخبره بعودتهم (^٤) وتجد الإشارة هنا إلى أن الخليفة المستنصر لم يعتمد في تحركاته على الأخبار التي تفد إليه من\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٣ - ٢٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٢٧.\n(^٣) - قد يكون أصل هذا الاسم  Gundislavus  ثم أصبح بالأسبانية جونثالو  Gonzalo  انظر: المقتبس، د. عبدالرحمن الحجي ص ٢٥٤.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٢٧. ولعل السبب في إرسال هذا الرسول إلى قرطبة لتنبية حكومتها على تحركات النورمانديين، ويعود إلى رغبة \"غند شلب\" في كسب يد لدى الخليفة المستنصر ليضمن فيما بعد مساعدته إما ضد النورمانديين إذا كرروا غزواتهم أو ضد خصومه من رؤساء وممالك النصرانية. ويرى الدكتور أحمد العبادي أن إرسال الرسول يدل على أن تحالفًا وقع بين الخليفة المستنصر وغندب شلب ليمده الأخير بأخبار النورمانديين الذين تفاقم خطرهم خاصة بعد إقامتهم لقاعدتهم في نورمانديا في فرنسا. انظر: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص ٢٧٥.","vol":"2","page":588},{"text":"غند شلب، فقد كان يعتمد على شبكة منظمة من العيون لها تحركات دقيقة تكفل وصول الأخبار إليه أولًا بأول ولذا فإن عيونه أوصلت إليه خبر النورمانديين قبل وصول رسول غند شلب.\nورغم كل ذلك نجد أن الخليفة المستنصر لم يركن للدعة بل واصل تحركاته فأصدر أوامره بتكليف الفَتَيين الجعفريين مباركًا ومبشرًا بالذهاب إلى كورة رية وشذونه لشحن الأطعمة منها (^١) وإرسالها للأسطول في إشبيلية المتأهب للذهاب إلى الغرب وعقب شهر رمضان تحرك قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بأسطول من بجانه إلى اشبيلية حيث تجتمع الأساطيل ويذهب بها جميعًا لمواجهة النورمانديين (^٢) ويبدو أن ابن رماحس قد مكث في اشبيلية عدة أيام ووصلت خلالها أخبار بعودة النورمانديين إلى ديارهم، ولذا فقد عاد بأسطوله إلى المرية وذلك يوم الاثنين (٢٦) ذي القعدة سنة (٣٦٠) هـ (٢٢ سبتمبر (٩٧١) م) (^٣). وأما الوزير غالب بن عبد الرحمن الذي خرج للغرب لملاقاة النورمانديين فإنه عاد إلى قرطبة حيث وصل فحص السرادق في يوم الخميس ليلة الجمعة الأول من شهر صفر سنة (٣٦١) هـ (٢٢ نوفمبر (٩٧١) م) (^٤).\n_________\n(^١) - هذا يدل على وجود مستودعات غذائية ضخمة في هذه الكورة.\n(^٢) - انظر، المقتبس: تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢٧ - ٢٨. البيان المغرب ٢/ ٢٤١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٨.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٦٦.","vol":"2","page":589},{"text":"وواصل الخليفة المستنصر جهوده في التصدي للنورمانديين، ففي يوم الخميس من شهر رمضان سنة (٣٦١) هـ (٢١ يونيه (٩٧٢) م) عقد الخليفة في مجلسه اجتماعًا خاصًا مع وزرائه تبودلت فيه الأراء بشأن النورمانديين واتفق الجميع على استدعاء صاحب الخيل الناظر في الحشم زياد بن أفلح وصاحب الشرطة هشام بن محمد بن عثمان فأمرهما الخليفة بالتأهب للخروج على رأس الصائفة المتجهة للغرب، وبعد أن أتما استعدادتهما قابلا الخليفة في يوم الأربعاء (١١) رمضان (٢٧ يونيه) فأوصاهما بما شاء وخلع عليهما ثم ودعهما (^١)، فانطلقا مباشرة إلى غايتهما حيث وصلا إلى شنترين فتأكدا من عودة النورمانديين إلى ديارهم وزاد تأكدهما من ذلك بعد وصول العيون التي سبق وأن بعثها لها الغرض إلى أن شنت ياقب وبذلك لم يعد أمامهما سوى العودة إلى حاضرة الخلافة فوصلا مدينة الزهراء في الخامس من ذي القعدة سنة (٣٦١) هـ (أغسطس (٩٧٢) م) (^٢) وتجدر الإشارة هنا إلى أن تحرشات النورمانديين بالأندلس كانت على عهد الخليفة المستنصر كلها تتم على الساحل الغربي باستثناء غارة واحدة أشار إليها ابن الخطيب فذكر أن حصن القبطة بالمرية على الساحل الشرقي للأندلس تعرض للهجوم من قبل المراكب النورماندية (^٣).\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٧٨ - ٧٩.\n(^٢) - نفسه ص ٩٢ - ٩٣.\n(^٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٤٠ - ٤١.","vol":"2","page":590},{"text":"وبعد وفاة الخليفة المستنصر وتولي ولده هشام المؤيد الخلافة وتسلط المنصور بن أبي عامر عليه واستبداده بجميع أمور الدولة، واصل المنصور الاهتمام بالأساطيل وتطويرها ويبدو أنه حقق في هذا المجال الشيء الكثير وأنشأ من السفن أنواعًا عديدة فأصبح الأسطول بمراكبه حديث المجالس (^١)، ونظرًا لاتباع المنصور سياسة سلفه الناصر والمستنصر تجاه المغرب فقد اتخذ من سبتة قاعدة بحرية حربية تنطلق منها عمليات رجاله في المغرب ولقد اهتم بتحصينها اهتمامًا كبيرًا وتجلى كل هذا الاهتمام بصورة واضحة عندما زحف الأمير بلقين بن زيري صاحب أفريقية فهزم قبيلة زناتة وأجلاها عن أماكنها فاجتاز أمراؤها البحر إلى المنصور بن أبي عامر مستغيثين به، فشمر للأمر وانتقل بعساكره وأجناده إلى الجزيرة الخضراء، ثم أرسل جيشًا إلى سبتة بقيادة جعفر بن علي بن حمدون الأندلسي، ثم أصبح المدد يأتي بانتظام من الجزيرة الخضراء إلى سبتة حتى أن البحر أصبح أبيضًا من كثرة المراكب الأندلسية التي تعبر المضيق جيئة وذهابًا (^٢) فلما أشرف الأمير بلقين بن زيري بقواته من أعلى جبل النور المطل على سبتة وشاهد عظم تحصينها وكثرة العساكر وتوالي المدد القادم من الجزيرة إلى سبته أدرك ألا طاقة له بها، فقال لمن معه قبل أن ينصرف \"إنما سبته حية ولت ذنبها حذاءنا وفغرت فاها نحونا (^٣) \" وتكررت\n_________\n(^١) - نفح الطيب ٤/ ٨٧.\n(^٢) - مفاخر البربر ص ١٧.\n(^٣) - نفس المصدر والصفحة.","vol":"2","page":591},{"text":"استعانة المنصور بالأسطول مرة أخرى وذلك عندما ثار الحسن بن جنون ضد الدولة الأموية بالمغرب فعسكر بالجزيرة الخضراء واتخذها قاعدة عسكرية له يدير منها المعارك ويشرف على سيرها ثم أرسل الأساطيل إلى العدوة المغربية تحمل الرجال والأموال والسلاح فتم القضاء على ثورة الحسن وجيء برأسه إليه في جمادى الأولى سنة (٣٧٥) هـ (سبتمبر (٩٨٥) م) (^١).\nوبالإضافة إلى ماسبق نجد المنصور بن أبي عامر يستخدم الأساطيل لنقل قواته إلى العدوة المغربية وذلك للقضاء على حركة الزعيم المغراوي زيري بن عطية عندما أعلن تمرده ضد المنصور سنة (٣٨٦) هـ (٩٩٦ م) (^٢) وبعد معارك طاحنة جرت بين الطرفين تمكنت القوات الأندلسية من إخضاع المتمرد وذلك سنة (٣٨٩) هـ (٩٩٩ م) (^٣).\nوكما استخدم المنصور الأسطول في نقل قواته ومستلزماتهم إلى العدوة المغربية فكذلك استخدم الأسطول في نقل الأطعمة والأسلحة والعدد في غزوته الثامنة والأربعين التي شنها ضد جليقية في صائفة سنة (٣٨٧) هـ (٩٨٨ م) إذ أمر قائد الأسطول بأن يسبقه فيدخل من المحيط\n_________\n(^١) - انظر، مفاخر البربر ص ١٩ - ٢٠، أعمال الأعلام: ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٤. البيان المغرب ٢/ ٢٨١. الاستقصاء: ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤.\n(^٢) - مفاخر البربر، ص ٢٨. أعمال الأعلام، ٣/ ١٥٨، الاستقصاء، ١/ ٢١٣.\n(^٣) - انظر، مفاخر البربر، ص ٢٨ - ٣٤. أعمال الأعلام ٣/ ١٥٩، الاستقصاء ١/ ٢١٤ - ٢١٥.","vol":"2","page":592},{"text":"الأطلسي ويستمر في مسيره إلى موضع حدده له على نهر دويره بحيث يتم الالتقاء عند هذه النقطة وقد قام الأسطول بنقل أفراد الجيش إلى الجانب الآخر من النهر حيث انطلق المنصور بقواته حتى بلغ شنت ياقب (^١).\nأنواع السفن في الأساطيل الأندلسية:\n\"الشواني\"، والشيني سفينة حربية كبيرة، تعتبر من أهم وأقدم قطع الأسطول الإسلامي بصفة عامة (^٢) وهي تمتاز بضخامة الحجم، ولذا فهي تحمل مائة وخمسون مقاتلًا (^٣) وتجدف بمائة وأربعين مجذافًا (^٤) كما أنها مزودة بأهراء \"مخازن\" لحفظ الأطعمة، وصهاريج لخزن الماء العذب (^٥).\nويبدو أن هذا النوع من السفن كانت تقام عليه الأبراج والقلاع للدفاع والهجوم ورمي الأعداء بقوارير النفط، يدل على ذلك قول الشاعر ابن حمديس في مدحه لأبي يحيى الحسن بن علي ابن يحيى حيث قال: -\nأنشأت شواني طائرة … وبنيت علىماء مدنا\nببروج قتال تحسبها … في شم شواهقها قننا\nترمي ببروج إن ظهرت … لعدو محرقة بطنا\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(^٢) - البحرية في مصر الإسلامية وآثارها الباقية ص ٣٥٢.\n(^٣) - جمال الدين محمد بن سالم، مفرج المكروب في أخبار بني أيوب، (تحقيق: د. جمال الدين الشيال، المطبعة الأميرية القاهرة، ١٩٧٥ م)، ٢/ ١٣.\n(^٤) - الأسعد بن مماتي، قوانين الدواوين، ص ٣٤٠، عبد الرحمن زكي السلاح في الإسلام، ص ٣٦.\n(^٥) - د. عبد المنعم ماجد، تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص ٧٤.","vol":"2","page":593},{"text":"وبنفط أبيض تحسبه ماء وبه تذكي السكنا (^١)\n\"الأغربة\" جمع غراب وغربان وقد سمي بهذا الاسم لأن مقدمه يشبه رأس الغراب أو الطائر (^٢)، ويبدو أن الشراع المستخدم فيه كان أبيض، يتضح ذلك من قول ابن حمديس:\nسواد الغراب في بياض الحمامة … تطير به سبحًا على الماء أو تجري (^٣)\nوقد عبَّر ابن الآبار عن ذلك التشابه القائم بين هذا النوع من المراكب وبين الغربان بقوله:\nياحبذا من بنات الماء سابحة … تطفو لما شبَّ أهل النار تطفئهُ\nتُطيرُها الريح غربانًا بأجنحة الـ … حمائم البيض للإشراك تَرزَؤُه\nمن كلّ أدهم لا يُلفى به جَربٌ … فما لراكبه بالقار يهنئه\nيدعى غرابًا وللفتخاء سرعته … وهو ابن ماء وللشاهين جُؤجُؤه (^٤)\nوعدد المجاديف في هذا النوع من المراكب مائة وثمانين مجدافًا، ويمتاز الغراب بأنه مزوَّد بجسر من الخشب يمكِّن الجند من الوصول إلى مركب\n_________\n(^١) - عبد الجبار بن حمديس، الديوان، (تصحيح، د. احسان عباس، دار صادر، بيروت ١٣٧٩ هـ)، ص ٥١٣.\n(^٢) - السلاح في الإسلام ص ٤٢.\n(^٣) - ديوان ابن حمديس، ص ٢٢٦.\n(^٤) - هذه الأبيات هي من قصيدة طويلة مدح فيها أبا زكريا الحفصي عند احتلاله تلمسان وفرار يغمراسن، وذلك سنة ٦٤٠ هـ، انظر: - ديوان ابن الأبار القضاعي، (قراءة وتعليق د. عبدالسلام الهراس، تونس، الدار التونسية للنشر ط. ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م). ص ٤٢.","vol":"2","page":594},{"text":"العدو (^١)، ويبدو أنه كان مركبًا حربيًا قويًا بحيث أن له دور فعال في أي معركة يخوضها حتى شبه بأنه أشد فتكًا من الصقر وفيه يقول الشاعر: -\nأساطيل ليست في أساطير من مضى … فكل غراب راح أقنص من صقر (^٢)\n\"الحراريق\" جمع حراقة، ويبدو أنها كانت في البداية من المراكب المعدة للنزهة والنقل (^٣) لكن يظهر أنها تعرضت لبعض التغييرات عليها فيما بعد فأصبحت تصلح للعمليات الحربية، وتتضح مهمتها الحربية من اسمها، إذ أنها تختص بقذف مراكب الأعداء بقوارير النفط ولذا فهي مزودة بالأسلحة النارية (^٤)، وتجدف بمائة مجداف (^٥)، وقد وصفها الشاعر الأندلسي أبو عبد الله بن الحداد بقوله: -\nذات هُدبٍ من المجاذيف حاكٍ … هُدبَ باكٍ لدمعه إسعادُ\n_________\n(^١) - السلاح في الإسلام ص ٤٢.\n(^٢) - هذا البيت من قصيدة لبهاء الدين زهير بن محمد بن علي القوصي يمدح بها السلطان الملك الكامل، انظر، مفرج الكروب، (تحقيق: د. حسنين ربيع. مراجعة د. سعيد عاشور ط ١، دار الكتب المصرية، القاهرة ١٩٧٢ م). ٤/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(^٣) - يدل على ذلك أن الخليفة العباسي الأمين كان له خمسة حراقات في نهر دجله صنعت كل واحدة منها على صورة حيوان، فكانت على صورة الأسد والعقاب والحية والفيل والفرس. انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٥٠٩.\n(^٤) - البحرية في مصر الإسلامية، ص ٣٣٩.\n(^٥) - قوانين الدواوين، ص ٣٤٠. نفح الطيب، ٤، ٥٨ - ٥٩.","vol":"2","page":595},{"text":"حُمَمٌ فوقها من البيض نارٌ … كل من أرسلت عليه رمادُ (^١)\n\"الطريدة\" مركب بحري يبدو من اسمه أنه سريع الحركة كأنه مخصص للمطاردة، ويظهر من خلال الاستعمالات المتعددة له أنه يكون على أنواع، فمنها مالايزيد طوله على سبعة أذرع وعرضه ذراعان ونصف على هيئة برميل هائل بدون مسطح (^٢)، وهناك نوع آخر كبير الحجم مخصص لحمل الخيل إذ باستطاعته أن يحمل أربعين فرسًا (^٣)، وهذا النوع له باب في الخلف يفتح ويغلق، ومنها مايكون معدًا لحمل الرجال (^٤).\n\"البَطْسَة\" أو البُطْسة، والجمع بَطسات وبُطس، ويسميها المقريزي \"البطشة (^٥) \"، والبطسة مركب هائل الحجم إذ يصل عدد أشرعته إلى أربعين شراعًا (^٦) ويمتاز هذا المركب الحربي بأنه متعدد الطبقات، كل طبقة خاصة بفئة من الجيش (^٧) ويتم شحنه بأنواع الأسلحة وسائر آلات الحرب\n_________\n(^١) - نفح الطيب ٤/ ٥٦.\n(^٢) - مفرج الكروب: ٢/ ١٢ حاشية رقم ٣.\n(^٣) - قوانين الدواوين، ص ٣٤٠. مفرج الكروب: ٢/ ١٢ - ١٣.\n(^٤) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٣٥٤.\n(^٥) - الخطط المقريزية، (نشر، مكتبة المليجي الكتبي القاهرة ١٣٢٤ هـ)، ٣٦٩.\n(^٦) - السلام في الإسلام ص ١٣.\n(^٧) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٣٣١.","vol":"2","page":596},{"text":"والحصار حتى البروج والمنجنيقات فضلًا عن الأقوات والميرة (^١)، ونظرًا لضخامة حجم هذا المركب فهو يحمل أعدادًا كبيرة من المقاتلين يصل عددهم إلى ستمائة وخمسين رجلًا (^٢)، ولكن المقريزي ذكر أن بعضها يحمل ألف وخمسمائة رجلًا (^٣) وألف وسبعمائة رجلًا (^٤).\n\"الشلندي\" مركب حربي كبير مسطح، كان مخصصًا لنقل المقاتلين والأسلحة، وهو يعادل في اهميته الشيني والحراقة (^٥)، والشلندي \"مركب مسقف تقاتل الغزاة على ظهره وجذَّافون يجذَّفون تحتهم (^٦) \"وله ساريتان أو ثلاث يبلغ طولها حوالي \" (١٩٥) \" قدمًا وعرضها \" (٣٢) \" قدمًا، وحمولته ستمائة رجلًا تقريبًا (^٧).\n\"المسطح\" مركب بحري ضخم يشبه البطسة (^٨)، ولعلنا ندرك من اسمه أنه عبارة عن مركب كبير له سطح شاسع غالبًا ما يكون خلف\n_________\n(^١) - ابن شداد، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية سيرة صلاح الدين. (نشر مطبعة الآداب والمؤيد، القاهرة، ١٣١٧ هـ)، ص ١٢٣.\n(^٢) - المصدر السابق ص ١٤٩.\n(^٣) - الخطط، ٢/ ٣٦٩.\n(^٤) - المقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، (تصحيح، محمد مصطفى زيادة، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٩٣٤ م)، ج ١ ق ١ ص ٧٧.\n(^٥) - السلاح في الإسلام ص ٣٦.\n(^٦) - قوانين الدواوين ص ٣٤٠.\n(^٧) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس ص ٤٠١.\n(^٨) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٣٦٨.","vol":"2","page":597},{"text":"السفن الحربية لنقل الأطعمة والأموال والأسلحة (^١)، وعلى هذا أشبه ما يكون بناقلة متخصصة بالإمدادت العسكرية، ويمكن من خلال نصوص تاريخية وردت في بعض المصادر الوقوف على حقيقة هذا المركب، فقد ورد لدى ابن واصل أن المسطح يتسع لخمسمائة رجل (^٢)، أما ابن مماتي فقد ذكره بعد أن عرف بالشلندي ثم قال: \"إن المسطح هو في معناه (^٣) \" وعلى هذا فالمسطح مركب مكون من طابقين يقاتل الغزاة على ظهره والمجذفون يجذفون تحتهم.\n\"العشاري\" أو \"العشيري\" نوع من المراكب، يجر بعشرين مجدفًا (^٤)، ويستعمل في الأنهار والبحار للرحلات القصيرة (^٥)، وربما سار وراء السفن الكبيرة أشبه ما يكون بقوارب النجاة المعروفة حاليًا (^٦) وقد تكون سميت بهذا الاسم لأنها تتسع لعشرة أشخاص (^٧).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩١.\n(^٢) - مفرج الكروب، ٢/ ٣٧٤.\n(^٣) - قوانين الدواوين ص ٣٤٠.\n(^٤) - السلاح في الإسلام ص ٤٢.\n(^٥) - عن العشاري ووصفه واستخداماته. انظر، عبد اللطيف البغدادي، الإفادة والاعتبار (تحقيق: أحمد غسان سابنو. دار قتيبة، دمشق، ط الأولى ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م دار قتيبة دمشق. ص ٧١ - ٧٢.\n(^٦) - انظر، ابن جبير، الرحلة (تحقيق: د. حسين نصار، مكتبة مصر، ١٣٧٤ هـ ١٩٥٥ م) ص ٣١٢.\n(^٧) - الحلة السيراء: ١/ ٢٩٧ حاشية رقم ١.","vol":"2","page":598},{"text":"\"أجفان\" جمع \"جفن\" مركب نهري، يمتاز بأن الجذافين يجدفون فيه وهم قيام في وسط المركب، في حين أن الركاب يكونون في المقدم أو المؤخرة (^١).\n\"القراق\" أو \"القرقور\" والجمع قراقير، والقرقور سفينة كبيرة من مهامها القيام بتموين الأساطيل بالمتاع والذخيرة (^٢)، ويمتاز القرقور بتعدد الأشرعة والصواري، ولذا فهو لا يتأثر كثيرًا بالرياح العاصفة، إذ هو قادر على السير تحت كفاة الظروف (^٣).\n\"الحمالة\" والجمع \"الحمالات\" وهي كما عرفها ابن مماتي: نوع من السفن المخصصة لنقل مؤونة الجيش وكل ما يحتاج إليه الأسطول (^٤).\nوبالإضافة إلى ما سبق ذكره من أنواع المراكب البحرية الحربية التي كان يستخدمها الأسطول الأموي بالأندلس، هناك قطع بحرية أخرى، ورغم صغر حجمها، إلا أنه لا غناء لأي أسطول كان عن خدمتها. منها: -\n\"الشباك\" \"  Jabeque\"  مركب حربي صغير الحجم (^٥)، له ثلاثة أشرعة وأحيانًا يسير بالتجديف (^٦).\n_________\n(^١) - البحرية في مصر الإسلامية، ص ٣٣٦.\n(^٢) - السلاح في الإسلام ص ٤٧.\n(^٣) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٣٦٣.\n(^٤) - قوانين الدواوين، ص ٣٣٩ - ٣٤٠.\n(^٥) - السلاح في الإسلام ص ٣٨.\n(^٦) - تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص ٧٥.","vol":"2","page":599},{"text":"\"القارب\" مركب صغير خفيف الحركة، ويكون دائمًا تبعًا للأسطول ولخدمة أصحاب المراكب الكبيرة، ويمكن أن يستخدم لتنقلات عمال الدولة من إقليم لآخر لأداء ما كلفوا به من أعباء وظيفية (^١).\n\"الزورق\" له ملامح القارب ومميزاته بالإضافة إلى قيامه بمهام الإنقاذ (^٢).\nوهناك أيضًا \"القياسات\" و\"الفلايك\" والملاحظ أن هذه المراكب الأربعة الأخيرة جميعها مراكب بحرية صغيرة سريعة الحركة لا تعتمد على الأشرعة، وهي مخصصة لنقل الأشخاص والأزواد (^٣).\nبقي أن أشير إلى أن قطع الأساطيل الأموية بالأندلس كانت تستخدم الأشرعة البيض، ويتضح ذلك من خلال عبارة وردت في أحد المصادر عند الحديث عن أساطيل حكومة قرطبة عندما عبرت البحر متجهة إلى العدوة المغربية، وذلك لحماية أراضي العدوة من هجوم بلقين بن زيري. إذ أن العبارة تنص على أن بلقين عندما أشرف من أعلى جبل النور المطل على سبتة عاين \"اتصال مدد الأندلس وابيضاض بحرهم بانتظام الشرع من تلقائهم (^٤) \".\n_________\n(^١) - قوانين الدواوين ص ٢٩٧.\n(^٢) - رحلة ابن جبير ص ٣١٢.\n(^٣) - تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص ٧٥.\n(^٤) - مفاخر البربر ص ١٧.","vol":"2","page":600},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>إدارة الأسطول:</span>\nكل جهاز سواء كان بسيطًا أم معقدًا، لابد له من إدارة تتولى شئونه، والأسطول جهاز مهم في أي دولة كانت، ومن البديهي أن تكون الإدارة التي تشرف عليه ذات مناصب متدرجة، وما ينطبق على الأسطول ككل، ينطبق على أي سفينة من سفنه، إلا المراكب الصغيرة منها، فكل سفينة تحتاج إلى \"نوتي\" وهو \"الملاح الذي يدير السفينة في البحر (^١) \" إذ تقع عليه مسئولية الإشراف على ما تحتاج إليه السفينة من أمور الحرب من السلاح والمقاتلة (^٢)، واما الرئيس وهو قبطان السفينة فهو مسئول عن سير السفينة سواء بالريح أو بالمجاذيف واختيار المرسى المناسب (^٣)، مستعينًا بكتاب يعرف بـ\"الرهنامج\" يعينه على اختيار المسالك البحرية الصحيحة (^٤). كما يقوم أيضًا الرئيس بعملية التوجيه للملاحين، ولذا فهو بحاجة لمنادي يمتاز بصوت جهوري يبلغ أوامره لهم (^٥) ويذكر ابن خلدون أنه إذا صدرت الأوامر للأسطول بالغزو، يتم تجميع السفن المحاربة بأحد\n_________\n(^١) - المعجم الوسيط، ص ٩٧٠.\n(^٢) - مقدمة ابن خلدون ص ٦٩١.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٦٩١.\n(^٤) - محمد ياسين الحموي، تاريخ الأسطول الإسلامي، (مطبعة الشرقي. دمشق ١٩٤٥ م)، ص ٤٨. وللاستزادة عن كتاب والرهنامج انظر البحرية في مصر الإسلامية ص ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(^٥) - تاريخ الأسطول الإسلامي ص ٤٩.","vol":"2","page":601},{"text":"المرافئ، وبعد أن تشحن بالرجال والعتاد والمئونة، يتم تعيين أمير عليهم من بين رجالات الدولة المعدودين، بحيث يتولى الإشراف العام على الأسطول وبالتالي فهو المسئول الأول عنه أمام الخليفة، وله الحق وحده في إصدار أوامر الإبحار والرسو (^١)، وهذا الأمير هو قائد البحر وقائد الأسطول (^٢)، ويكون مقامه في المرية القاعدة البحرية الرئيسية للأساطيل الأندلسية (^٣)، وكان عبد الرحمن بن محمد بن رماحس هو الذي يتولى قيادة البحرية في الأندلس (^٤) وبذلك فقد كان ابن رماحس يتمتع بمقام سامٍ في الدولة الأموية بالأندلس، يدل على ذلك ما ذكره ابن سماك المالقي في \"الزهرات المنثورة\" من أن أي قرار يهم الخليفة الأموي لايصدر إلا بعد استشارة شخصيات ثلاثة، منها: قائد الأسطول بالمرية، وذلك لأن المرية كانت تضم دار الصناعة الرئيسية في الأندلس، بل كان قائد أسطول المرية\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون ص ٦٩١.\n(^٢) - عرفت البحرية بالأندلس وبالذات في عصر الخلافة عدة أسماء لامعة كانت لها شهرتها في المجال البحري، من هذه الأسماء: عبد الرحمن بن محمد بن رماحس، غالب بن عبد الرحمن الناصري، سعيد الجزري، رشيق بن عبد الرحمن المعروف بالبرغواطي، وعبد الله بن شعيب، وابن الأزرق البحري، عبد الرحمن ابن أبي جوشن، عبد الله بن مروان المعروف بابن مسلمة، عبد الرحمن بن يوسف الأرمطيل، إسماعيل بن عبد الرحمن بن الشيخ، وعبد الله بن رابحين. انظر، المقتبس، تحقيق: الحجي، ص ٢١، ٢٤، ٨١، ٨٧، ١٠٥.\n(^٣) - المصدر السابق، الحجي ص ٢٤.\n(^٤) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٩١.","vol":"2","page":602},{"text":"في العصر الأموي يشارك الخليفة إلى حدّ ما في سلطاته، فإذا كان الخليفة يحكم في البر، فإن قائد الأسطول يحكم في البحر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-78>الأسلحة المستخدمة في المعارك البحرية:</span>\nاستخدم البحريون الأندلسيون في معاركهم البحرية عدة أنواع من الأسلحة، فبالإضافة إلى السيوف والرماح ونحوها والمنجنيقات والعرادات، عرفوا: اللت والعمود والدبوس: وهي بالجملة عمد حديد، منها ما يكون بأكمله من الحديد، ومنها ما تكون خرزته فقط من الحديد ونصابه من الخشب، وتكون الخرزة إما مضرسة أو مسننة، في حين يكون رأس الدبوس مدورًا، وأما العمود فلا يكون إلا من الحديد (^٢).\nالأقواس والنشاب: استخدم البحريون القسي بنوعيها العربي منها الذي يشد باليد، وكذلك القسي الفرنجية وهي التي توتر وتدفع بالرجل، وأجود أنواع القسي الفرنجية ما صنع من الخشب التخش وبعده خشب الزبَّوج (^٣)، وبهذه القسي يمكن رمي حتى قوارير النفط بدلًا من السهام (^٤).\nالكلاليب: وهي نوع من الخطاطيف مربوطة في نهاية سلاسل قوية، كانت تلقى على مراكب العدو فتوقفها، ثم يشدونها إليهم،\n_________\n(^١) - الزهرات المنثورة: الزهرة الثالث والثمانون.\n(^٢) - تبصرة أرباب الألباب ص ١٥.\n(^٣) - المصدر السابق ص ٨.\n(^٤) - نفسه، ص ٩.","vol":"2","page":603},{"text":"ويقيمون عليها ألواحًا خشبية عريضة يمكن من خلال العبور عليها الوصول إلى المركب العدو، ليقاتلوهم وكأنهم على اليابسة (^١).\nالباسليقات: وهي سلاسل من حديد يكون في رؤوسها رمانة من حديد، حيث تستخدم في القتال على سطح السفن (^٢).\nكما عرفوا من الآلات الحربية \"التوابيت\" وهي صناديق مفتوحة من أعلى، توضع في أعلى السفن يصعد عليها المقاتلون ومعهم الحجارة في مخلاة معلقة بجانب الصندوق، فيرمون بها الأعداء ويستترون منهم داخل تلك التوابيت (^٣) وقد يجعلون بدلًا من الحجارة قوارير من النفط لإشعال النار في مراكبهم (^٤)، ويرمونهم بجرار مملوءة بالنورة المسحوقة غير المطفأة، فيعمى غبارها وقد تلتهب عليهم إذا تبددت، وقد يرمونهم بقدور الصابون الليِّن، إذ أنها تمنع أقدام الأعداء من الثبات على ظهور سفنهم (^٥)، وقد يرمونهم بقدر مليئة بالعقارب والحيات (^٦).\n_________\n(^١) - أثار الأول في تدبير الدول، ص ٢١٦. تاريخ الأسطول الإسلامي، ص ٧٠. تاريخ التمدن الإسلامي ص ١/ ١٦٢.\n(^٢) - تاريخ التمدن الإسلامي: ١/ ١٦١. البحرية في مصر الإسلامية ص ٢٠٣.\n(^٣) - أثار الأول، ص ٢١٥ - ٢١٦. تاريخ التمدن الإسلامي، ص ١/ ١٦٢، تاريخ الأسطول الإسلامي: ص ٧٠. البحرية في مصر الإسلامية، ص ٢٠٣.\n(^٤) - أثار الأول، ص ٢١٥ - ٢١٦. تاريخ التمدن الإسلامي، ص ١/ ١٦٢، وعن النفط وأنواعه واستخداماته انظر: الطرطوسي تبصرة أرباب الألباب ص ٢٠ - ٢٣.\n(^٥) - أثار الأول ص ٢١٥ - ٢١٦.\n(^٦) - تاريخ التمدن الإسلامي: ١/ ١٦٢. البحرية في مصر الإسلامية ص ٢٠٣.","vol":"2","page":604},{"text":"\"اللجام\" وهي أداة حديدية طويلة ذات رأس حاد جدًا، وأسفلها مجوَّف، تُجعل هذه الأداة في خشبة كالقناة بارزة في مقدم المركب يقال لها الاسطام، يستخدمها الجنود في طعن مراكب الأعداء بقوة فيخرقونها، مما يجعل المركب عرضة للغرق بسبب امتلائه بالماء، فيضطر أصحابه لطلب الأمان (^١).\nكما استخدم المقاتلون البحريون في معاركهم البحرية أدوات الحصار، مثل \"الأبراج\" و\"الدبابات\" و\"الستائر\" والأخيرة هي عبارة عن حائط خشبي يستخدمه المهاجمون للوقاية من قذائف العدو (^٢)، و\"الحبال (^٣) \" و\"النار الإغريقية (^٤) \".\nوكما أن هناك أسلحة للقتال، فهناك أدوات تقاوم تلك الأسلحة، فمثلًا \"الكلاليب\" يستخدم المدافعون ضدها فؤوسًا حادة من الفولاذ بحيث يضرب بها الكلاب المتعلق بالسفينة فينقطع (^٥)، ولعل النفط (^٦) من\n_________\n(^١) - أثار الأول ص ٢١٦. تاريخ التمدن الإسلامي: ١/ ١٦٢. تاريخ الأسطول الإسلامي، ص ٧٠. البحرية في مصر الإسلامية ص ٢٠٣ - ٢٠٤.\n(^٢) - التعريف بالمصطلح الشريف، ص ٢٧٢.\n(^٣) - صبح الأعشى: ١٠/ ٤١٣.\n(^٤) - البحرية في مصر الإسلامية ص ٢٣٢ - ٢٣٤.\n(^٥) - أثار الأول، ص ٢٣٦.\n(^٦) - عن صفة النفط الذي يمشي على الماء لحرق المراكب انظر: تبصرة أرباب الألباب، ص ٢١.","vol":"2","page":605},{"text":"أشد الأسلحة فتكًا بالمراكب، ولذا كان المدافعون يبطلون مفعوله بتعليق اللبود المبلل بالخل والماء حول سفنهم، أو يبلوها بالخل الممزوج بالنطرون والشب، وإما بطلاء سفنهم بالطين الممزوج بالنظرون (^١)، كما أن المقاتلين يدهنون أجسادهم بدهن البلسان (^٢).\nووسائل التمويه كانت معروفة آنذاك، فقد كان قائد السفينة يأمر بصنع أشرعة زرقاء لسفينته (^٣) لكي تصبح مثل لون الماء او السماء، كما يأمر بعدم إشعال النار بالمركب (^٤) مما يمكنه بالتالي من الاستفادة من عنصر المباغتة.\nوقد اعتاد القائمون على الأساطيل الأموية في الأندلس، إجراء تمارين حربية، تجري خلالها اصطدامات أشبه ما تكون بمعارك بحرية حقيقية، والهدف منها رفع الطاقة الاستعدادية لرجال الأساطيل، وبذلك يكونون على أهبة الاستعداد لأي طارئ.\nومن أجل رفع الروح المعنوية، يتم حضور الأمير أو الخليفة وسائر رجالات الدولة لتلك التمارين، مما يمكنهم بالتالي من الوقوف على مدى كفاءة أولئك الرجال، وذلك وسط حضور جماهيري كثيف كما هو في الاستعراضات التي كان يقوم بها الجيش وعرفناها من قبل.\n_________\n(^١) - أثار الأول ص ٢٣٦.\n(^٢) - صبح الأعشى ١٠/ ٤١٣.\n(^٣) - أصار الأول ص ٢١٦.\n(^٤) - تاريخ التمدن الإسلامي ١/ ١٦٢.","vol":"2","page":606},{"text":"ومن أجل إجراء تمارين مكثفة لأفراد الأساطيل الأموية دونما إشعارهم بالضغط والتكليف، كانت الأعياد والمناسبات الاجتماعية الكبرى فرصة تستغل لإجراء مثل هذه التمارين (^١).\nوأخيرًا بقي أن نتحدث عن المرابطة فقد ورد في القرآن الكريم مايحث عليها ويرغب فيها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٢)، والمراد بالمرابطة هنا - كما ورد في بعض المصادر- المدوامة في مكان العبادة والثبات وانتظار الصلاة بعد\n_________\n(^١) - من ذلك مثل: قول أبي بكر محمد بن عيسى الداني يصف لعب الأسطول في يوم المهرجان:\nبشرى بيوم المهرجان فإنه … يوم عليه من احتفائك رونقُ\nطارت بنات الماء فيه وريشها … ريش الغراب وغير ذلك شوذق\nوعلى الخليج كتيبة جرارة … مثل الخليج كلاهما يتدفق\nوبنو الحروب على الجواريِّ التي … تجري كما تجري الجيادُ السُّبَّقُ\nملأ الكماة ظهورها وبطونها فأتت … كما يأتي السحابُ المغدق\nخاضت غدير الماء سابحة به … فكأنما هي في سرابٍ أينق\nعجبا لها ما خلت قبل عيانها … أن يحمل الأسد الضواري زورق\nهزت مجاديفًا إليك كأنها … أهداب عين للرقيب تحدِّق\nوكأنها أقلام كاتب دولةٍ … في عرض قرطاس تخط وتمشق\nالمعجب، ص ٢١٥ - ٢١٦.\n(^٢) - سورة آل عمران: الآية رقم ٢٠٠.","vol":"2","page":607},{"text":"الصلاة، وقيل المراد بالمراطبة هاهنا مرابطة الغزو في نحو الأعداء وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة المسلمين (^١) \"، وعندما تعرض الطرطوشي لمعنى \"المرابطة\" اختار ما يدل على أن المراد بها \"الجهاد (^٢) \" وهو ماذهبت إليه المعاجم من أن المرابطة ملازمة الثغور والمخافة، وأن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغرة وكل معد لصاحبه، ولذلك يسمى المقام في الثغر رباطًا (^٣).\nويقول الفقيه عبد الملك بن حبيب \"وليس من سكن الثغر بأهله وولده مرابط، وإنما المرابط من خرج من منزله معتقدًا الرباط في موضع الخوف (^٤) \".\nوقد وردت عدة أحاديث عن الرسول ﷺ كلها تحض على المرابطة في سبيل الله وترغب فيه، من ذلك قوله ﷺ: \"كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله،\n_________\n(^١) - تفسير ابن كثير ١/ ٤٤٤.\n(^٢) - سراج الملوك، ص ١٧٩.\n(^٣) - انظر القاموس المحيط \"مادة ربطة\". أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد: ١/ ٣٧٤. المعجم الوسيط \"مادة ربط\".\n(^٤) - ابن رشد: المقدمات: (مطبعة السعادة، القاهرة) ٢/ ٢٧٦.","vol":"2","page":608},{"text":"فإنه ينمَّى له عمله، ويُجرى عليه رزقه إلى يوم الحساب (^١) \" وقوله ﷺ \"رباط يوم صيام شهرين، ومن مات مرابطًا أجير من فتنة القبر، وأُجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة (^٢) \". وبذلك اتخذ المسلمون المرابطة نظامًا حربيًا، فاجتهدوا في اتخاذ المحارس والقلاع على طول خطوط المواجهة الأمامية سواء السواحل منها أو الداخلية.\nونظرًا لأن السواحل الشمالية الإفريقية كانت عرضة للهجمات البحرية البيزنطية والصقلية أو تلك القادمة من جنوب إيطاليا (^٣)، لأجل هذا اعتبرها ثغورًا لابدّ من القيام على التواجد فيها حماية للمسلمين، ومن هناك نشأت الأربطة بتلك المنطقة (^٤)، فبنيت أربطة عدة كانت تعرف بالقصور والمحاريس (^٥)، ثم انتقل نظام الأربطة إلى المغرب الأقصى، فبنى المغاربة رُبُطًا كثيرة لعل من أقدمها وأشهرها \"رباط أصيلا\" الذي تم بناؤه في زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط وذلك بعد أن طرق النورمانيون أراضي\n_________\n(^١) - إسناده حسن. انظر: الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن أبي عاصم الشيباني كتاب الجهاد، (تحقيق مساعد بن سليمان الحميد، دار القلم، دمشق، ط الأولى ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٩ م) ج ٢ ص ٦٨٠.\n(^٢) - نفس المصدر، ص ٦٨٩ - ٦٩١.\n(^٣) - أبو محمد عبد الله بن محمد التجاني، رحلة التجاني، (تقديم، حسن حسني عبد الوهاب. الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس ١٩٨١ م)، ص ٣٢.\n(^٤) - نفس المصدر والصفحة.\n(^٥) - نفسه ص ٣٣، ٦٨، ٦٩، ٨٥، ٣١٦، ٣٣٦.","vol":"2","page":609},{"text":"تلك المنطقة (^١) ومن خلال هذا التدرج في انتشار الأربطة، أدرك الأندلسيون أهميتها، وتسابق المجاهدون منهم إلى إعمارها والحرص على جعلها عقبة كئودا أمام الأعداء، لكي لا يروعوا المسلمين الآمنين في داخل البلاد، وقد سجل عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط البدايات الأولى للأربطة في الأندلس، إذ بعد أن عاني المسلمون هناك من شدة وطأة الغزوة الأولى للنورمانديين، أخذت الأربطة تظهر تباعًا على طول السواحل الشرقية والجنوبية الشرقية الأندلس، فعرفت في تلك المنطقة الشاسعة أربطة عدة، من أشهرها:\n\"رباط المرية\": وهو أشهر وأهم الأربطة التي عرفها الأندلسيون، واسم هذا الرباط يوضح الهدف منه، إذ أن موقعه اتخذ مرأى لاكتشاف ما يمكن أن يأتي من البحر على حين غرة (^٢) وبالذات بعد الهجوم النورماندي الأول الذي وقع في عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط، وبالإضافة إلى هذا فرباط المرية محرس بحري لمدينة بجانه التي هي على بعد ستة أميال شمالًا (^٣).\n_________\n(^١) - المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص ١١٢.\n(^٢) - الروض المعطار: ٥٣٧. ويذكر الدكتور حسيبن مؤنس أن \"المرية\" لفظ عربي صرف، معناه، الناظور المرتفع الذي يقام على شاطئ البحر ليقيم فيه حراس يراقبون الشاطئ حذرًا من غزاة البحر الذين نسميهم القرصان، وهو لغة في \"المرئية\" التي ترى من بعيد. انظر: رحلة الأندلس ص ٢٧٠.\n(^٣) - نزهة المشتاق، ص ٥٦٣. صبح الأعشى: ٥/ ٢١٧.","vol":"2","page":610},{"text":"\"رابطة القابطة أو القبطة\" ويقع إلى الشرق من المرية (^١)، كما توجد عدة أربطة أخرى بالقرب من المرية، كانت مثوى عدد من المجاهدين -رحمهم الله تعالى- مثل رباط عمروس ورباط الخشني وغيرهما (^٢).\nوهناك \"مدينة دانية\" التي استفادت كثيرًا من جبل يعرف باسم \"جبل قاعون\" لكونه مشرفًا عليها، وفائدته تتمثل في أن المرابطين فيه يستطيعون اكتشاف العدو القادم عن طريق البحر من مسافة بعيدة (^٣)، كما أن حصانته تتيح لمن حوله فرصة الاختباء به، ولذا نجد أن رباطًا قد أقيم فيه لاتزال أثاره قائمة إلى اليوم ويعرف ذلك الرباط باسم \"الآمبروي  Alambroy\" (^٤) .\nوعلى ساحل مدينة مالقة أقيم رباط على جبل \"فارَّة (^٥) \" ولأهمية الموقع الذي كان يتميز به الجبل، فقد كان اهتمام المسلمين فيه كبيرًا، ولذا أقاموا عليه عدة حصون استمر تواجدهم فيها إلى سنة (٨٩٢) هـ\n_________\n(^١) - المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص ٨٩. دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص ٢٩٧. ويذكر بروفنسال \"أنها تقابل اليوم المكان المعروف باسم \"  Cabe de Gota\"  انظر:  L.Provencal: Op.Cit T-٣ P: III.\n(^٢) -  دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(^٣) - نزهة المشتاق ص ٥٥٧.\n(^٤) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس ص ٢٩٨.\n(^٥) - نزهة المشتاق ص ٥٧٠.","vol":"2","page":611},{"text":"(١٤٨٧ م) (^١) كما أن تسمية الجبل باسم \"فارُّه\" لازالت قائمة إلى اليوم إذ لازال يعرف باسم جبل فارو (^٢)  Gibralfaro\".\nوتجدر الإشارة إلى أن الأربطة لم يقتصر تواجدها على السواحل الشرقية أو الجنوبية الشرقية للأندلس، فقد وجدت أربطة عدة متناثرة على الساحل الغربي للأندلس، فهناك -مثلًا- رباط \"روطة (^٣) \" الذي لايزال حصنه قائمًا عند مدخل ميناء قادس ويعرف باسم \"  Castillo De Rota\"  ويذكر ابن بشكوال أن أبا محمد الشنتجيالي ت (٤٣٦) هـ (١٠٤٤ م) قد رابط ببطليوس ومرجيق  Monchique  وشلب ورباط الريحانة من عمل شلب، وكان له فرس اسمه \"مرزوق\" وقد كان كثيرًا مايجر يده على ناصيته ويقول له \"يامرزوق رزقني الله الشهادة عليك (^٤) \".\nصورة الرباط:\nيتكون الرباط من عدة عناصر هي: - \"الخندق\": ويتم حفره حول السور ككل، أو في النقطة الضعيفة، وتكون الحراسة حوله مشددة، ومن\n_________\n(^١) - نفح الطيب ٤/ ٥٢٠.\n(^٢) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص ٢٩٩.\n(^٣) - يذكر الحميري: أن هذا الحصن كان مقصدًا للصالحين وتوجد فيه بئر عجيبة، إذا كثر المرابطون في الحصن زاد الماء حتى يستسقي من رأس البئر باليد، فإذا قل الناس وتفرقوا عنه نضب الماء. انظر: الروض المعطار ص ٣٤٠.\n(^٤) - الصلة: ترجمة رقم ٥٩٧. وانظر الحاشية رقم ١ ص ٢٦٣.","vol":"2","page":612},{"text":"الضروري وجود ما يمكن تسميته بالجسر المتحرك يوضع على الخندق ويرفع عند اقتراب الأعداء منه لعدم تمكينهم من العبور (^١).\n\"المدخل\" عبارة عن سقيفة بعد سقيفة، ومن أجل زيادة التحصين يكون باب السقيفة من حديد متين، ويتم تثبيت الباب بطريقة قوية ومحكمة فيكون خلعه متعذرًا بأي صورة كانت (^٢).\n\"الحسك\": باب فولاذي مكون من جرات كأنها السكاكين، وفيها يد وسلسلة ومتى ماقُبض على اليد وجُذبت السلسلة وانغلقت تلك الجرات على بعضها البعض فأنها تقطع ما وقع بين أجزائها، وهي على نوعين عامودي وأفقي يغرس على الأرض (^٣).\n\"صحن الرباط\" وهو الفناء الذي تربط فيه دواب المرابطين بالإضافة إلى أنه توجد فيه المرافق في حين أن غرف المرابطين والجامع الكبير المخصص للصلاة لإلقاء الدروس كلها توجد في الطابق الأول (^٤).\nومن البديهي أن تكون الحراسة متواجدة في أعلى مكان في الرباط أو ملحقة به، وذلك لكشف الأعداء القادمين من مسافة بعيدة، بحيث تكون هناك فرصة جيدة لإعلان الإنذار فيأخذ المدافعون أهبتهم، ويعرف\n_________\n(^١) - عثمان الكعاك: العلاقات بين تونس وإيران عبر التاريخ، (الشركة التونسية للتوزيع. د. ت) ص ٩٢.\n(^٢) - نفس المرجع والصفحة.\n(^٣) - نفس المرجع والصفحة.\n(^٤) - نفس المرجع والصفحة.","vol":"2","page":613},{"text":"الحراس الليليون باسم \"السمَّار (^١) \" والرباط مزود بمنارة أو منار، فإذا كان الوقت ليلًا وأحس أولئك السمَّار باقتراب سفن الأعداء في البحر أو قدوا في تلك المنارة نارًا بكيفية معلومة، فيراها السمَّار والملازمون للمنار بالرباط المجاور فيشعلون النار مثل سابقيهم وهكذا يتم الإعلان عن الخطر القادم بصورة سريعة، وإن كان الوقت نهارًا تم إثارة الدخان (^٢) أو استخدموا المرايا (^٣) إلى جانب استخدام الطبل والنفير (^٤) وهذه الصورة المنظمة في طرق الإنذار المبكر -إن صحت التسمية- نجدها واضحة بصورة جلية فيما بين الإسكندرية وطرابلس الغرب، فقد ذكر المراكشي أن \"بين الإسكندرية وطرابلس المغرب حصون متقاربة جدًا، فإذا ظهر في البحر عدوِّ نوّر كل حصن للحصن الذي يليه، واتصل التنوير، فينتهي خبر العدو من طرابلس إلى الإسكندرية أو من الإسكندرية إلى طرابلس في ثلاث ساعات أو أربع ساعات من الليل، فيأخذ الناس أهبتهم ويحذرون عدوهم (^٥) \".\n_________\n(^١) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص ٣٠١.\n(^٢) - أحسن التقاسيم، ص ١٧٧. التعريف بالمصطلح الشريف، ص ٢٥٩.\n(^٣) -  L.Provencal: Op.Cit.T-٣.P: III.\n(^٤) -  أحسن التقاسيم ص ١٧٧.\n(^٥) - المعجب ص ٤٣٢.","vol":"2","page":614},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>حياة المرابطين</span>\nوقد كانت حياة المرابطين داخل الأربطة منظمة بدقة، فالمرابطون وطدوا أنفسهم على الوقوف في وجه الأعداء، فكانت الأربطة تتعاون فيما بينها للدفاع عن المسلمين، فإذا لاح الخطر، وأعطيت الإشارات على اقترابه، آوى المرابطون إلى رباطهم يعتصمون به من العدو، وأغلقوا الأبواب في وجهه، وعملوا كل ما في وسعهم لدفعه وإحلال الهزيمة به.\nونظرًا للإقبال المتوقع من رجال الجهاد على تلك الأربطة، فمن المحتمل أن تخضع الفئة الجديدة لما يمكن تسميته بالإعداد العسكري، وعلى هذا فالتدريب والتجهيز العسكري سمة لدى المرابطين، ليكون الكل جاهز لصد عادية المعتدين، كما أن المرابطين يحيون حياة جماعية تعاونية، وهذا مطلب ضروري لبعدهم عن حواضر المدن.\nونظرًا لوقوع هذه الأربطة على السواحل، فالمرابطون لابد أن تشتغل فئة منهم باصطياد الأسماك، وإن كانت هناك مزارع فهم يفلحون أراضيهم بأنفسهم، فضلًا عن تعاونهم بإعداد احتياجاتهم من الطعام.\nوبصفة عامة فإن حياة المرابطين يغلب عليها طابع التقشف، فهي بعيدة كل البعد عن الملذات، وأما اللهو والمجون فلا سبيل إلى تواجدهما بالقرب من الرباط فضلًا من أن يكون فيه شيء من ذلك (^١).\n_________\n(^١) - ورد لدى المالكي أن الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبي، نزل يومًا في قصره بسوسه، فأظهر بعض من كان معه من الحشم وغيرهم شيئًا من اللهو والعزف بالات الطرب، فاحتج على ذلك أهل الرباط المجاور، وسار كبارهم إلى قصر الأمير مطالبين بإبطال تلك الملاهي، ورفضوا مغادرة القصر حتى خرج الحاجب إليهم وأبلغهم على لسان الأمير بأنه لن يحدث شيئًا تكرهونه بعد اليوم. انظر، رياض النفوس، ص ٣٩٣ - ٣٩٤.","vol":"2","page":615},{"text":"كما حرص المرابطون على أن تكون قراءة القرآن من أبرز سماتهم، لأجل هذا، كانت تدوي بقراءة القرآن، وتعج بالحفاظ، ويقوم المرابطون بذكر الله تعالى بصوت مرتفع، فقد ذكر ابن أبي زمنين عن الفقيه عبد الملك بن حبيب: قوله: \"ورأيت أهل العلم يستحبون التكبير في العساكر والثغور والمرابطات دبر صلاة العشاء وصلاة الصبح تكبيرًا عاليًا ثلاث تكبيرات، ولم يزل ذلك من شأن الناس قديمًا (^١) \".\n_________\n(^١) - ابن أبي زمنين، كتاب قدوة الغازي: (دراسة وتحقيق د. عائشة السليماني، دار الغرب الإسلامي. بيروت ١٩٨٦ م)، ص ١٨٢ - ١٨٣.","vol":"2","page":616},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>الفصل الخامس: الخطط الدينية</span>\nالمبحث الثامن: خطة المدينة\nالمبحث السابع: خطة الشرطة\nالمبحث السادس: خطة السوق \"الحسبة\"\nالمبحث الخامس: خطة الشورى\nالمبحث الرابع: خطة المظالم\nالمبحث الثالث: خطة الرد\nالمبحث الثاني: خطة الصلاة والخطبة\nالمبحث الأول: خطة القضاء","vol":"2","page":617},{"text":"","vol":"2","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة القضاء </span>\nالقضاء في اللغة يطلق على معان متعددة (^١) يهمنا منها في هذه الدراسة ما يفيد الحكم والحتم. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعبدوا إلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^٢) أي حكم وحتم.\nوالقضاء يأتي على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله، أو أُتم أو خُتم أو أُدي أداء أو أُوجب أو أُعلم أو أُنفذ أو أُمضي فقد قُضي (^٣)، والحكم يأتي بمعنى العلم والفقه والقضاء العدل وهو مصدر حكم يحكم (^٤).\nوأما في الاصطلاح فالقضاء يعني فصل الخصومات وفض المنازعات عن طريق إلزام الخصوم بالأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والاجتهاد بطريقة معينة (^٥) فهو \"إخبار على حكم شرعي على طريقة الإلزام\" (^٦).\n_________\n(^١) - انظر: إبراهيم نجيب محمود عوض، القضاء في الإسلام، تاريخه ونظامه، (مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، ١٣٩٥ هـ (١٩٧٥ م) ص ٤ - ٥.\n(^٢) - سورة الإسراء الآية رقم ٢٣.\n(^٣) - ابن منظور، لسان العرب، مادة \"قضي\".\n(^٤) - المصدر السابق، مادة قضى.\n(^٥) - ابن الخصاف، كتاب أدب القاضي، شرح: أبو بكر أحمد بن علي الرازي، (تحقيق: فرحات زياده، الجامعة الأمريكية، القاهرة، ١٩٧٩ م)، ص ٢٩.\n(^٦) - كتاب لباب الألباب، ص ٢٥٣.","vol":"2","page":619},{"text":"وقد نظر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى اختصاصات القاضي نظرة واسعة، فذكر أن \"القاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة أو سلطانًا أو نائبًا، أو وليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع أو نائبًا له حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وهو ظاهر (^١) \"، ونظرًا لأن القضاء هو الوسيلة التي تتحقق فيها العدالة التي هي مطلب النفوس السوية، مما يكفل السعادة لأي مجتمع توجد فيه، لأجل هذا فقد اهتم الإسلام بالقضاء اهتمامًا واسعًا، فلا عجب أن يتبوأ من يشغل منصب \"القاضي\" أسمى المراتب في المجتمع الإسلامي.\nوالله جل ثناؤه قد ترك للحكام تصريف أمور الناس فحكموا في الدماء والأبضاع والأموال والحلال والحرام، لأجل هذا فخطة القضاء أشرف الخطط بعد الخلافة (^٢).\nوفي الأندلس كان القاضي يحتل مكانة بارزة، حتى أن لقب \"القاضي\" كان يطلق على البعض تشريفًا لهم، فهذا أحمد بن محمد\n_________\n(^١) - ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، (دار الكتاب العربي، القاهرة، ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م) ص، ١٣ - ١٤.\n(^٢) - النباهي، ص ٢.","vol":"2","page":620},{"text":"القيسي، المتوفى سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م)، كان يلقب بالقاضي لوقاره (^١)، رغم أنه لم يكن قاضيًا.\nوقد كان الولاة الأوائل في الأندلس هم القضاة أيضًا، ولم يتم الفصل بين منصبي الولاية والقضاء إلا في سنة (١١٦) هـ (٧٣٤ م) أي في عهد الوالي عقبة بن الحجاج السلولي حيث تم تعيين مهدي بن مسلم قاضيًا في قرطبة (^٢).\nوقد كان القضاة في الأندلس على مراتب ودرجات، فقضاة القرى الصغيرة يطلق على الواحد منهم لقب مسدَّد (^٣) أما في قرطبة فقد عرف في عهد الولاة بلقب قاضي الجند أو العسكر (^٤) وبعد أن قامت الدولة الأموية أخذ اللقب يتغير، إذ ظهر مسمى جديد هو \"قاضي الجماعة\" بدلًا\n_________\n(^١) - هو أبو عمر أحمد بن محمد بن هاشم بن خلف بن عمرو القيسي، من أهل قرطبة، يُعرف بالأعرج، أتقن علم النحو، وأدب به، كان وقورًا مهيبًا، ولأجل ذلك لقب بالقاضي. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٨.\n(^٢) - د. محمد عبد الوهاب خلاف: تاريخ القضاء في الأندلس من الفتح إلى نهاية القرن الخامس الهجري، ص ٢٥ - ٢٦، ومن المعلوم أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ هو أول من فصل القضاء عن السلطة التنفيذية فقد أوفد قضاته إلى الأقاليم وضمن لهم الاستقلال الكامل عن الولاة. انظر: مقدمة ابن خلدون، ص ٦٢٧.\n(^٣) - نفح الطيب، ١/ ٢١٨.\n(^٤) - النباهي، ص ٢١.","vol":"2","page":621},{"text":"من \"قاضي الجند\" وأول من حمل هذا اللقب هو يحيى بن يزيد (^١) الذي كان يشغل منصب \"قاضي الجند\" قبل وصول الأمير عبد الرحمن الداخل للحكم وبعد أن قامت الإمارة وتولى الأمير الداخل الحكم أقر القاضي يحيى بن يزيد على منصبه (^٢) وأما من يلي القضاء في إحدى الكور، فقد كان يعرف بلقب \"قاضي\" منسوبًا إلى الكورة التي هو فيها، فيقال قاضي كورة كذا (^٣).\nوتسمية يحيى بن يزيد بقاضي الجماعة ربما يكون السبب فيها عائد إلى كتابته للعهد الذي أبرم بين الأمير عبد الرحمن الداخل وبين آخر ولاة الأندلس الوالي يوسف الفهري الذي اشترط حضور قاضيه لكتابة العهد (^٤) لمبايعة المسلمين للأمير عبد الرحمن الداخل بالإمارة لأجل ذلك أُطلق على يحيى ابن يزيد لقب \"قاضي الجماعة\" أي أنه أصبح هو قاضي الجماعة الجديد في الأندلس (^٥).\n_________\n(^١) - يحيى بن يزيد التجيبي، من عرب الشام الساكنين في إفريقية، قدم الأندلس مع أبي الخطار الكلبي، واستلم قضاء الجند بقرطبة، وكان ﵀ رجلًا صالحًا، اعتزل الحرب عند دخول الأمير عبد الرحمن بن معاوية الأندلس. انظر: قضاة قرطبة، ص ١٤ - ١٥.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ١٤.\n(^٣) - ابن الفرضي: رقم ١٩٩. التكملة، (طبعة كوديرا) ترجمة رقم ١٧٧٣.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ١٤.\n(^٥) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ١٦٢. قارن أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٦٣.","vol":"2","page":622},{"text":"وأما ما ذهب إليه النباهي من أن لقب \"قاضي الجماعة\" المقصود منه جماعة القضاة (^١)، فهو رأي لايمكن التسليم به وبالذات إذا عرفنا أن قاضي الجماعة لا سلطان له على القضاة خارج قرطبة.\nوقد ذكر ابن القوطية أن الفقيه عمرو بن عبد الله (^٢) هو أول من تسمى بقرطبة بقاضي الجماعة، وهذا القول يوضحه ما جاء بعده، فقد قال ابن القوطية أن عمرو بن عبد الله \"لم يكن من الجند فنسب إليهم، وكان القضاة من أجناد العرب (^٣) \" وبذلك يتضح أن ابن القوطية أراد أن يقول أنه أول قاضٍ للجماعة من غير العرب (^٤)، وهذا ما صرح به ابن الفرضي بقوله \"وهو أول من استُقضي بقرطبة من الموالي (^٥) \".\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٢١.\n(^٢) - أبو عبد الله عمرو بن عبد الله بن ليث، قرطبي يعرف بالقُبْعَة، مولى إحدى بنات الأمير عبد الرحمن الداخل، ولاه الأمير محمد خطتي القضاء والصلاة سنة ٢٥٠ هـ، إلا أنه سرعان ما صرفه عن خطة الصلاة بسبب معارضة العرب له. وكان عمرو بن عبد الله معروفًا بالفضل والعقل والأدب وقورًا حسن السمت مؤثرًا للعدل صاحب هيبة شديدة ومروءة ظاهرة، لقب بالقبعه لأنه كان قصيرًا دحداحًا إذا قعد يكاد يخف، ولي القضاء مرتين، الأخيرة كانت سنة ٢٦٠ هـ وعزل عنه سنة ٢٦٣ هـ وقد أصيب عمرو في عقله آخر عمره وتوفي سنة ٢٧٣ هـ انظر: قضاة قرطبة، ص ٦٧ - ٧٣، ٨٢ - ٨٣. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٩٣٨.\n(^٣) - ابن القوطية، ٧٣.\n(^٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ١٦٣.\n(^٥) - ابن الفرضي، ١/ ٣٦٣. وانظر: الخشني قضاة قرطبة، ص ٦٧.","vol":"2","page":623},{"text":"وظهر في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) لقب جديد، وهو \"قاضي القضاة\" وصاحب هذا اللقب لا شأن له بقرطبة، إذ أن دائرة اختصاصه محصورة في الثغور، وأول من أُطلق عليه هذا اللقب منذر بن سعيد البلوطي وذلك سنة (٣٣٠) هـ (٩٣٧ م) فقد ولاه الخليفة عبد الرحمن الناصر \"القضاء في جميع الثغور، وصُير قاضي القضاة في جميعها، وجعل إليه الإشراف على جميع القضاة والعمال بها، والنظر في المختلفين من بلاد الإفرنج إليها\" (^١).\nوبهذه الصورة أصبحت الدولة الأموية تضم أربعة أصناف من مراتب القضاة، فهناك \"مسدد\" وهو قاضي القرية الصغيرة، و\"القاضي\" وهو من تولى القضاء في الكورة، و\"قاضي قضاة\" الذي يشرف على عمال الثغور وقضاته، وأخيرًا \"قاضي الجماعة\" بالعاصمة قرطبة.\nوقد استمر لقب \"قاضي الجماعة\" طيلة القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) من عمر الدولة الأموية، إلا أنه في عهد الحاجب عبد الرحمن بن المنصور الشهير بشنجول، حل محله لقب \"قاضي القضاة\" وأول من حمل هذا اللقب أبو العباس أحمد بن عبد الله بن\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٨.","vol":"2","page":624},{"text":"ذكوان (^١)، ثم حمله من بعده أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اليحصبي (^٢).\nوالملاحظ أن لقب \"قاضي القضاة\" عرفته الأندلس من المشرق وبالتحديد من الخلافة العباسية التي اقتبسته بدورها من النظم الفارسية الساسانية (^٣)، والدولة الأموية في الأندلس لم تسمح بهذا اللقب في حاضرتها إلا بعد أن أخذت تسير سريعة نحو الانحلال.\nوكما كان القاضي ابن ذكوان أول من لُقِّب بـ\"قاضي القضاة\" في الأندلس فكذلك هو أول من اجتمع له منصبي الوزارة والقضاء (^٤)، ولقب الوزارة هنا ليس لقبًا شرفيًا، وإنما للقيام بأعباء الوزارة كاملة إضافة إلى\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧١.\n(^٢) - أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اللخمي، قرطبي كان فقيهًا حافظًا ذاكرًا للمسائل بصيرًا بالأحكام، مع الورع والفضل والدين والتواضع، ولي القضاء مرتين في عهد الخليفة هشام المؤيد، فحمد الناس سيرته، وكان طيلة مدتي قضائه يؤذن في مسجده ويقيم الصلاة فيه، وصفه ابن حيان بأنه كان آخر كملاء القضاة بالأندلس، وعندما تغلب البرابر على قرطبة نالت ابن وافد منهم محنة شديدة وبلاء عظيم، وحبس بقصر قرطبة إلى أن توفي ﵀ منتصف شهر ذي الحجة سنة ٤٠٤ هـ. انظر: ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٦ - ١٨١. الصلة، ترجمة رقم ١٤٥٧. النباهي، ص ٨٨ - ٨٩.\n(^٣) - كان يطلق على قاضي القضاة في الدولة الساسانية \"موبذان موبذ\" وتعريبه: قاضي القضاة، وهو أعلى وظائف الدولة الدينية قدرًا ورتبه. انظر: كتاب التاج في أخلاق الملوك، ص ١٥.\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٠ - ١٧١.","vol":"2","page":625},{"text":"أعباء القضاء (^١) وفي هذه الحالة كانت رسوم الدولة الأموية تقتضي تقديم لقب الوزارة على القضاء في المكاتبات فابن (^٢) ذكوان \"كان يكتب عنه من الوزير قاضي القضاة (^٣) \" إلى فلان.\nوقبل أن ننهي الحديث عن الألقاب التي حصل عليها قضاة الأندلس، لابد من الإشارة إلى أهمية منصب قاضي الجماعة بقرطبة، ويكفي في هذا الخصوص أن أمراء وخلفاء بني أمية كانوا إذا احتاروا في أمر من الأمور لا يقطعون فيه حتى يستشيروا ثلاثة من أصحاب المناصب العليا، أحدهم قاضي الجماعة بقرطبة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>رسوم تعيين قاضي الجماعة:</span>\nمن الملاحظ أن عدد قضاة الجماعة بقرطبة طيلة العهد الأموي، بلغ واحد وثلاثون قاضيًا، منهم سبعة من أهل قرطبة والباقي من خارجها (^٥).\nوإذا بحثنا عن السبب في هذا الوضع نجد أن ابن خلدون يذكر أن خطة القضاء لدى بني أمية بالأندلس لا تسند إلا لأهل العصبية (^٦)، ورغم أنه لم يأت بما يؤيد رأيه، إلا أنه يمكن القول بأنه قد ذهب إلى هذا من\n_________\n(^١) - تاريخ القضاة في الأندلس، ص ١٦٤.\n(^٢) - النباهي، ص ٨٨.\n(^٣) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٢١٥.\n(^٤) - الزهرات المنثورة، الزهرة الثالث والثمانون، ص ٥٢ - ٥٣.\n(^٥) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ١٧٣ - ١٧٦ ومصادره.\n(^٦) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٢٣، ٦٣٠.","vol":"2","page":626},{"text":"خلال اختيار الخليفة عبد الرحمن الناصر قضاة من أبناء البيوتات، ذات المكانة في الكورة نفسها أو غيرها من الكور، من ذلك أنه استقضى محمد بن عبد الخالق الغساني في النصف من ربيع الآخر سنة (٣٠٠) هـ (نوفمبر (٩١٢) م) (^١) كما أنه اختار الفقيه معن بن محمد بن معن الأنصاري على قضاء سرقسطة سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) وظل على خطته بسرقسطه حتى وفاته سنة (٣٣٠) هـ (٩٤٣ م) فقد كان الفقيه معن متوليًا الأنصار من أهل سرقسطة وأحد رجالاتها وقدوة جماعتها (^٢).\nوبعد أن يقع الاختيار على أحدهم ليتولى قضاء الجماعة، يتم استدعاؤه للأمير أو الخليفة، حيث يعهد إليه بالقضاء ويعظه ويحدد له الحدود ويرسم له الرسوم، وما يقف عليه من أسباب القضاء ووجوه الأحكام.\nومما يلفت الانتباه في هذا الخصوص أن حكام بني أمية كانوا على درجة عالية من الثقافة والإلمام الواسع بمقتضيات الأمور، من ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما استدعى الفقيه ابن أبي عيسى ليوليه قضاء الجماعة، خاطبه بما أراد ووعظه ووصاه، وعندما حدَّث ابن أبي عيسى أبا عمر أحمد بن عبادة الرعيني (^٣) (ت (٣٣٢) هـ) بما جاء في وصايا الخليفة له،\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٨.\n(^٢) - التكملة، (طبعة كوديرا)، ترجمة رقم ١١٥٧.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٥.","vol":"2","page":627},{"text":"قال له الرعيني: \"لو أن أباك حيًا، واجتهد في عظتك ما بلغ من النصح لك هذا المبلغ (^١) \".\nوبعد أن تنتهي المقابلة، يتم إصدار مرسوم في هذا الصدد (^٢) وقد حفظت لنا المصادر ظهيرًا أصدره الخليفة الحكم المستنصر يوم الإثنين للنصف من شهر شعبان سنة (٣٥٣) هـ (أغسطس (٩٦٤) م) يقضي بتعيين محمد بن السليم قاضيًا للجماعة، جاء فيه: إن الخليفة يأمر قاضيه بالاقتداء بسنة رسول الله ﷺ وأن يصلح سريرته، ويبرأ من الهوى ليكون الناس أمامه سواسية، كما نصحه بعدم الغرور بمنصبه، وأطلعه على خطورة ما يتقلده، وأنه طريقه إلى الجنة أو النار، ثم تعرَّض للشهادات وما يجب عليه في قبولها، وأوصاه بضرورة التفقد الدائم لكاتبه وحاجبه وأهل خدمته، كما نصحه بالتريث في إصدار الأحكام، وأشار عليه بأنه متى ما واجهته معضلة لم يستطع تجاوزها فعليه رفعها إلى الخليفة ليصدر فيها ما يراه (^٣).\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ١١٨.\n(^٢) - هناك ظهير أصدره والي الأندلس عقبة بن الحجاج لقاضيه مهدي بن مسلم حين ولاه القضاء بقرطبة، انظر: قضاة قرطبة، ص ٩ - ١٢. التكملة: (طبعة كوديرا) ترجمة رقم ١١٦٢.\n(^٣) - النباهي، ص ٧٥ - ٧٦.","vol":"2","page":628},{"text":"والشروط الواجبة توفرها فيمن يلي القضاء عامة، هي أن يكون معروفًا بالخير والصلاح والفضل والورع (^١)، أو سبق أن اشتهر أمره بالأمانة (^٢)، وكذلك معرفة الأمير أو الخليفة بأخلاق ذلك المرشح (^٣)، أو أن يكون ذو شخصية تميزه عن غيره من الفقهاء (^٤) أو أن تجتمع آراء الوزراء على تقديم فقيه بعينه (^٥).\nوكان بعض أولئك المرشحين يشترط شروطًا لتولي ذلك المنصب، والقيام بمهامه الخطيرة، فمحمد بن بشير المعافري عندما استدعاه الأمير\n_________\n(^١) - الأمير عبد الرحمن الداخل استدعى عبد الرحمن بن طريف اليحصبي من مارده وولاه قضاة الجماعة بعد أن سمع عن صلاحه. قضاة قرطبة، ص ٢٣.\n(^٢) - كان سعيد بن محمد بن بشير المعافري، قد حفظ وديعة لربيع القومس، ورغم النداء الذي أصدره الأمير الحكم الربضي بأن من عنده وديعة لربيع ولم يسلمها خلال ثلاثة أيام فإن دمه يكون مسفوكًا، إلا أن سعيدًا المعافري تجاهل هذا التحذير، محتجًا بأن الأمانة تؤدى للبر والفاجر، فلما وقف الأمير الحكم الربضي على ذلك أدرك مدى أمانة سعيد فأوصى الوزراء بتوليته قضاء الجماعة. انظر: قضاة قرطبة، ص ٣٩.\n(^٣) - الأمير محمد بن عبد الرحمن ولى سليمان بن أسود قضاء الجماعة، إذ أنه كان على معرفة مسبقة به عندما كان واليًا على مارده وسليمان بن أسود قاضيًا فيها. انظر: قضاة قرطبة، ص ٧٣.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٦٧ - ٦٨.\n(^٥) - الأمير عبد الله بن محمد جمع الوزراء بعد وفاة قاضي الجماعة محمد بن سلمة، واستشارهم فيمن يقدم للقضاء، فاتفقت كلمتهم على: الحبيب أحمد بن محمد بن زياد اللخمي. انظر: قضاة قرطبة، ص ١٠١.","vol":"2","page":629},{"text":"الحكم الربضي ليتولى قضاء الجماعة وافق على الترشيح ولكنه اشترط \"نفاذ حكمه على كل أحد من الأمير إلى حارس السوق، وأنه إذا ظهر له العجز من نفسه أُعفي وأن يكون رزقه كفافًا من المال الفيء (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-83>علاقة أمراء وخلفاء بني أمية بقضاتهم:</span>\nيقول القاضي الباجي: \"على الملك أن يشرف منزلة القاضي، ويقوي سلطانه، وينفذ حكمه في نفسه وولده وأهله وفي جميع أهل مملكته، كما فعلت الخلفاء الراشدون والأئمة الهادية والسلف الصالح لأن سلطانه من سلطانه\" (^٢).\nومن هذا المنطلق حرص الأمويون على إيجاد القاضي العدل، ومساندة أحكامه، وإن كانت لا تتفق مع أهوائهم، فقاضي الجماعة عبد الرحمن بن طريف اليحصبي (^٣)، لم يخش هيبة الأمير عبد الرحمن الداخل (^٤)، ولم يجامله، فقد رفض تعليماته بضرورة التريث في قضية\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٤٧ - ٤٨.\n(^٢) - أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام تحقيق: الباتول بن علي، ص ١٧٢.\n(^٣) - عبد الرحمن بن طريف اليحصبي، استقدمه الأمير عبد الرحمن الداخل من ماردة عندما سمع بصلاحه وصلابته وورعه، فسار بالقضاء أجمل سيره، وقد بلغ من زهده وورعه أنه إذا شغل عن القضاء يومًا واحد لم يأخذ لذلك اليوم أجرًا. انظر: قضاة قرطبة، ص ٢٣ - ٢٤. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٧٤. النباهي، ص ٤٤ إلا أنه سماه \"نصر بن ظريف\".\n(^٤) - ابن الفرضي: ترجمة رقم ٤٦٩.","vol":"2","page":630},{"text":"حبيب القرشي الذي اغتصب ضيعة أحدهم، ولم يكتف بذلك، بل سارع إلى التسجيل على حبيب وإنفاذ الحكم عليه بمحضر الفقهاء والعدول، وعندما عاتبه الأمير على مخالفته أوامره، أجابه قائلًا \"أيها الأمير، ما الذي يحملك على أن تتحامل لبعض رعيتك على بعض، وأنت تجد من ذلك وجهًا أن ترضي من تُعنى به من مالك (^١) \".\nوأما الأمير هشام الرضا، فيكفي في إظهار موقفه من قضاته، أنه عندما استدعى المصعب بن عمران ليوليه قضاء الجماعة، قال له في معرض حديثه \"ونفسي طيبة عليك لصلاح أمور المسلمين، ولو وضعت المنشار على رأسي لم أعترضك (^٢) \".\nوبطبيعة الحال لن يضع القاضي منشاره على رأس الأمير، ولكن هذه الجملة تعني الخضوع المطلق لأحكام القاضي الشرعية، وفي الوقت نفسه هي دليل على مدى ثقة الأمير بمن اختاره للقضاء.\nولقد كانت أفعال الأمير هشام مؤيدة لقاضيه، حتى أنه عندما اشتكى إليه أحد رجاله من أن القاضي سجل عليه في داره وأخرجه منها،\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ٢٣ - ٢٤، وقد ذكر الخشني أن حبيبًا القرشي بعد أن اشترى الضيعة من أصحابها بالثمن الذي ارتضوه كان يقول: \"جزى الله عني ابن طريف خيرا، كانت بيدي ضيعة حرام فجعلها ابن طريف حلالًا\" المصدر السابق، ص ٢٤.\n(^٢) - ابن القوطية، ٤٤.","vol":"2","page":631},{"text":"رد عليه قائلًا: \"وماذا تريد مني؟، والله لو سجل عليَّ القاضي في مقعدي هذا، لخرجت عنه (^١) \".\nوأما الأمير الحكم الربضي، الذي اختلفت المصادر في الحديث عن شخصيته (^٢) فقد ذكر الخشني، أنه عندما بلغه أن قاضي الجماعة محمد بن بشير، يحتضر، قام في جوف الليل يصلي في مكان منفرد في القصر، ويبتهل إلى الله تعالى أن يوفقه بقاضٍ يكون عوضًا لقاضيه ابن بشير (^٣)، وذلك على الرغم من أن هذا القاضي كانت له مواقف من الأمير الحكم، فقد أصدر القاضي حكمه في قضية \"أرحى القنطرة\" ضد رغبة الأمير الحكم، الذي لم يخف استحسانه لفعله، حيث قال \"رحم الله محمد ابن بشير فلقد أحسن فيما فعل بنا على كره منا، كان في أيدينا شيء مشتبه فصححه لنا حلالًا طيبًا فطاب لنا ملكه (^٤) \"، وكانت له كلمة مشهورة تدل على حرصه على العدل، فقد ذكر ابن عذاري أنه كان يقول: \"ماتحلى الخلفاء بمثل العدل\" (^٥).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٦٦.\n(^٢) - انظر: نقط العروس، ٧٣. جذوة المقتبس، ص ١٠. المعجب، ص ٤٤. البيان المغرب، ٢/ ٧٨ - ٧٩. ذكر بلاد الأندلس، ص ١٢٥، ١٢٧، ١٢٨. نفح الطيب، ١/ ٣٤٢.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٣٧ - ٣٨.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٢٩ - ٣٠.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ٧٩.","vol":"2","page":632},{"text":"وأما الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد كان يقال لأيامه أيام العروس (^١)، وذلك لما امتازت به من العدل والهدوء، ومما يدل على حزمه في إقراره العدل قصة التاجر اليهودي الذي شكى لقاضي مارده سليمان بن أسود (^٢) من أن أحد أعوان الأمير محمد بن عبد الرحمن - حاكم كورة ماردة في ذلك الوقت - قد أخذ جاريته منه ولم يسدد ثمنها، أو يردها عليه، وعندما حاول القاضي إقناع الأمير محمد بضرورة إنصاف اليهودي، عمد الأمير إلى الإنكار، فهدده القاضي بأنه سوف يذهب بنفسه إلى والده بقرطبة ويعرض عليه القضية كاملة، فلم يكن أمام الأمير محمد إلا الرضوخ لحكم القاضي، حيث تم تسليم الجارية لليهودي (^٣).\n_________\n(^١) - ذكر بلاد الأندلس، ١٣٩.\n(^٢) - أبو أيوب سليمان بن أسود بن يعش ابن جشبيد الغافقي، من سكان مدينة غافق، ولي القضاء في كوره مارده، استدعاه الأمير محمد وولاه قضاة الجماعة بقرطبة، وصف بأنه كان رجلًا صالحًا، متقشفًا، مهيبًا، صليبًا في حكمه، فيه ذكرة وتحامل على كبار رجالات الدولة وقلة مداراة لهم، تولى القضاء بقرطبة مرتين عزل عن الأولى سنة ٢٦٠ هـ، وفي سنة ٢٦٣ هـ أعيد للقضاء وتمادى فيه حتى عزل عنه في عهد الأمير المنذر بن محمد، وقد توفي سليمان بن أسود وهو ابن تسع وتسعين سنة وعشرة أشهر. انظر: قضاة قرطبة، ص ٧٣ - ٨٢، ٨٣ - ٨٩. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٥٤٩. النباهي، المرقبة العليا، ص ٥٦ - ٥٩.\n(^٣) - النباهي، ص ٥٦ - ٥٧، وانظر: قضاة قرطبة، ص ٧٣. إلا أن الخشني ذكر أن أحد أعوان الأمير محمد انتزع من رجل ابنته، وهذا في الواقع بعيد الحصول لأنه لايمكن في الوسط الإسلامي انتزاع أي بنت كانت أيًا كان والدها، فالنباهي كان دقيقًا عندما ذكر أنها جارية لأحد اليهود والجارية كما هو معروف تباع وتشترى.","vol":"2","page":633},{"text":"وفي عصر الخلافة نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر يرضخ لحكم قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي، فقد ذكر ابن غالب أن الخليفة أراد شراء دار أيتام زكريا أخي بخدة الحيري، لحظية من نسائه، وكان أولئك الأيتام في حجر القاضي، وكما هو معروف أنه لا يجوز البيع في هذه الحالة إلا عن رأيه ومشورته، ولذا ما إن شعر القاضي أن الخليفة سوف يدفع ثمنًا أقل مما يجب في الدار، حتى سارع وأمر الوصي بنقض الدار حيث بيعت الأنقاض بثمن أكثر مما كان الخليفة سيدفعه، وحين اتصل الخبر بالخليفة سأل القاضي عن هذا التصرف، فكان رده ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (^١) فما كان من الخليفة إلا أن استحسن رد القاضي وتصرفه، وقال له: نحن أولى من الانقياد إلى الحق، فجزاك الله عنا وعن أمانتك خيرًا (^٢) \".\nوهكذا يتضح مما سبق - والأمثلة كثيرة - أن سياسة بني أمية مع القضاة كانت تتسم بالاحترام والتأييد والمساندة في إنفاذ أحكامهم، وعدم نقضها، بالرغم من أن بعضها كان لا يوافق رغباتهم. كل هذا حرص منهم\n_________\n(^١) - سورة الكهف الآية رقم ٧٩.\n(^٢) - فرحة الأنفس، ص ٣٠٤.","vol":"2","page":634},{"text":"على إتباع الحق، ونشر العدل إذ أن \"الظلم مؤذن بخراب العمران (^١) \" ولا ننسى أنهم كانوا شديدي الحرص على سلامة سمعتهم، ليس فقط بين رعاياهم أو الممالك النصرانية المجاورة، وإنما ألا يصل إلى مسامع العباسيين إلا كل جميل عنهم وعن قضاتهم، يدل على ذلك قصة قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله، المتوفى سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) الذي دارت حوله شكوك في قضية مال لأحد الأيتام، فقد أفتى الفقهاء بتحليف القاضي علنًا، إلا أن الأمير محمد بن عبد الرحمن أخذ برأي الفقيه بقي بن مخلد، المتوفى سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) الذي قال للأمير: \"إن اتصل ببني العباس أنّا نحلف قضاتنا، كان ذلك أعظم ما نعاب به عندهم (^٢) \".\nوبالمقابل لهذه المساندة التي يقدمها أمراء وخلفاء بني أمية لقضاتهم، نجد الفقهاء يعملون دومًا على تحسين صورة أولئك الحكام أمام رعاياهم، من ذلك مثلًا: العلاقة الوطيدة التي كانت قائمة بين الأمير عبد الرحمن الأوسط والفقيه يحيى بن يحيى الليثي (^٣) ت (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) فقد عبر\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٤١.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٨٤.\n(^٣) - أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملل بن منقايار قرطبي، بربري مصمودي، مولى بني ليث، ولد سنة ١٥٢ هـ سمع من فقهاء عصره في قرطبة ثم رحل إلى المشرق فسمع من الليث بن سعد ومالك بن أنس وتلاميذه في مصر، ولذلك جمع يحيى فقهه من مدرستي المدينة ومصر المالكيتين، فعاد إلى الأندلس بعلم وفير، وغدا إمام وقته، وعادت الفتيا في الأندلس إليه وتعتبر روايته للموطأ أوسع الروايات انتشارا في المغرب الإسلامي بوجه عام، كان ﵀ رجلًا عاقلًا، عظيم القدر جليل الذكر، لم ينل أحد من أهل العلم بالأندلس مثل مانال يحيى من الرئاسة والحرمة، وعندما وقع هيج الربض، كان يحيى ممن اتهم فيه، ففر بسبب ذلك إلى طليطلة، فكتب له الأمير الحكم الربضي كتاب أمان، فعاد إلى قرطبة، وعندما تولى الإمارة الأمير عبدالرحمن الأوسط، غدت منزلة يحيى أرفع منزلة رغم رفضه تولي منصب القضاء ومازال في سؤدد حتى وافته المنية، ﵀، انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٥٥٦. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٧٩ - ٣٩٤. سير أعلام النبلاء، ١٠/ ٥١٩ - ٥٢٥. نفح الطيب، ٢/ ٩.","vol":"2","page":635},{"text":"عنها ابن القوطية بقوله \"وكان يلتزم من إعظام يحيى بن يحيى وبره ما لا يلتزم الابن البار للأب الحاني (^١) \" حتى أنه لم يعص له أمرًا إلا مرة واحدة (^٢) ومقابل هذا البر كان الفقيه يحيى صاحب مهارة وكياسة في كيفية تزيين اثار الأمير لدى الرعية وحضهم على طاعته واستنهاضهم لتكاليفه (^٣).\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٥٨.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٠ - ٤١.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٤٢ - ٤٣، ولاشك أنه عندما تكون العلاقة بين الفقهاء وبين ولاة الأمر علاقة طيبة وكلمتهم واحدة للعمل بما فيه صالح الإسلام والمسلمين، فإن ذلك ينعكس بصورة إيجابية على المجتمع، فيتحقق الاستقرار والهدوء الأمر الذي يكفل النماء لكافة مقومات الحياة السعيدة والعكس لا يجلب إلا فتنا لانهاية لها.","vol":"2","page":636},{"text":"وكان الأمير محمد بن عبد الرحمن يجل الفقيهين بقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني (^١) ت (٢٦٨) هـ (٨٨٢ م) وناصرهما ضد من وقف في وجهيهما من الفقهاء بعد عودتهما من المشرق (^٢)، وبمقابل ذلك كان الفقيه ابن مخلد دائم الدعاء للأمير محمد واصفًا لآثاره معجبًا به (^٣)، كما\n_________\n(^١) - أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني، من أهل قرطبة، إمام حافظ متقن علامة، طلب العلم على شيوخ عصره، ثم رحل إلى المشرق قبل سنة ٢٤٠ هـ، فأدى فريضة الحج، وطلب علم الحديث وعلوم اللغة على علماء العراق ومكة ومصر، وأدخل الأندلس علمًا كثيرًا بعد أن مكث في المشرق خمسًا وعشرين سنة. ولم يكن الخشني فقيهًا، بل كان لغويًا راوية للحديث كما كان ﵀ ثقة مأمونًا. وبسبب إدخاله كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد تعرض لإنكار بعض الفقهاء، بل ضيق عليه وسجن حتى أنقذه الله تعالى بسبب الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد وصف الخشني بفصاحة اللسان، وجزالة المنطق، كما كان صارمًا أنوفًا منقبضًا عن الأمراء، وعندما أراده الأمير محمد على القضاء رفض بشدة، وقد خلط البعض بينه وبين محمد بن حارث الخشني صاحب كتاب قضاة قرطبة. توفي ﵀ يوم السبت لأربع بقين من شهر رمضان سنة ٢٨٦ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٣٤. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥٠ - ٢٦١. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ١٠٠. سير أعلام النبلاء، ١٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\nFrancisco pons Boigues: Storiadores y Geografos Arabico- Espanoiles- Madrid، ١٨٩٨، p: ٤٨&gt;\n(^٢) -  المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٤٨ - ٢٥٢.\n(^٣) - العقد الفريد، ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥.","vol":"2","page":637},{"text":"أن الفقيه الخشني كان إذا قعد للإسماع ابتدأ القارئ عليه بالدعاء للأمير محمد، وإذا فرغ ختم به (^١) \".\nوفي عهد الخليفة هشام المؤيد كان الحاجب المنصور بن أبي عامر لا ينفذ بعض أحكام قضاته (^٢)، فقد تدخل في حكم قضائي صدر ضد قاسم بن محمد المرواني المعروف بالشبانسي، الذي أودع السجن تميهدًا لقتله، إلا أنه أفرج عنه لقصيدة مدحه فيها (^٣).\nوقد اقتضت رسوم الدولة الأموية في الأندلس أن تكون مخاطبة القاضي للأمير أو الخليفة الأموي بـ\"التسييد (^٤) \" وهذا ما كان يلتزمه الفقيه يحيى بن يحيى الليثي مع الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٥)، كما أن قاضي\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: محمود مكي، ص ٢٥٢.\n(^٢) - عندما وُضعت جنازة الخليفة الحكم المستنصر بالله تقدم ابنه هشام المؤيد للصلاة عليه، فقال القاضي ابن سليم، وما تغني صلاة أمير المؤمنين عنه، ثم برز عن الصف بنية الإمامة، وروى عنه أن قال: لولا إني نويت عقد الصلاة بمقامي هذا لدفن بغير صلاة، انظر: ترتيب المدارك: ٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩. فلما علم المنصور بذلك أخذ يسعى في توهين أمر ابن السليم ويتعرض لأحكامه وينقض قضاياه.\n(^٣) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٧٦٧. بغية الملتمس، ترجمة رقم ١٢٩٦. نفح الطيب، ٣/ ٥٩٢.\n(^٤) - النباهي، ص ٧٨.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، ص ٤٤.","vol":"2","page":638},{"text":"الجماعة محمد بن يبقى بن زرب (^١)، المتوفى سنة (٣٨١) هـ \" (٩٩١) م\" كان يخاطب الخليفة هشام المؤيد بـ\"أصلح الله أمير المؤمنين سيدي وأبقاه وأيده بطاعته (^٢) \".\nونظرًا لأن الحاجب المنصور بن أبي عامر سبق وأن أصدر أوامره بأن تكون مخاطبته بلفظ \"سيدي (^٣) \" لأجل هذا فقد كان القاضي ابن زرب يخاطبه بـ\"يا سيدي ومن وفقه الله لطاعته وعصمه بتقواه (^٤) \".\n_________\n(^١) - أبو بكر محمد بن يبقى بن محمد بن زرب بن يزيد بن مسلمه، قرطبي ولد يوم الجمعة التاسع من شهر رمضان سنة ٣١٧ هـ، وطلب العلم على فقهاء قرطبة، برع في حفظ المسائل على المذهب المالكي حتى عد أحفظ أهل زمانه لها كان أحد المشاورين عند قاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم، وبعد وفاته تولى محمد بن يبقى قضاء الجماعة يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ٣٦٧ هـ فكان في أحكامه بعيدًا عن الحيف، وكان لا يجلس للقضاء حتى يأكل كما كان كثير الصلاة كثير التلاوة للقرآن، بصيرًا بالعربية، فيه سلامة تجعله يقبل .... مواجهة، وقد ألف كتابًا في الفقه أجاد فيه، وكان المنصور بن أبي عامر يجله ويعظمه ويتحرك له ويجلسه على فراشه، ومع ذلك لم يقبل له ابن زرب يدًا قط، وقد توفي ﵀ ليلة الأحد الثاني عشر من شهر رمضان سنة ٣٨١ هـ ودفن يوم الأحد بعد صلاة العصر في مقبرة قريش، ففقده الناس وأثنوا عليه ثناءً حسنًا، وأظهر المنصور لموته غمًا شديدًا، انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٦٣. بغية الملتمس، ترجمة رقم ٣٢٥، ابن فرحون الديباج المذهب (القاهرة، مكتبة عباس عبد السلام شقرون، ط الأولى ١٣٥١ هـ) ص ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(^٢) - النباهي، ص ٧٨.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٤.\n(^٤) - النباهي، ص ٧٨.","vol":"2","page":639},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>تعطل منصب قاضي الجماعة:</span>\nبالرغم من الاهتمام الكبير الذي أولاه الأمويون في الأندلس للقضاء إلا أن المصادر أوردت ذكر تعطل منصب \"قاضي الجماعة\" ثلاث مرات طيلة تاريخ الدولة الأموية هناك.\nففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وبعد أن توفي قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني سنة (٢٠٩) هـ (٨٢٤ م) بقي الناس بغير قاضي مدة ستة أشهر (^١).\nوفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تعطل القضاء، فقد خرج قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله للغزو مع وليد بن هاشم سنة (٢٦٣) هـ (٨٧٧ م) وعند عودته لم يؤمر بالنظر في القضايا، وعدم صدور الأمر للقاضي بالنظر بعد عودته من الغزو علامة على أنه قد عُزل عن منصبه، وبذلك ظل منصب قاضي الجماعة معطلًا طيلة ستة أشهر حتى أعيد إلى القضاء سليمان بن أسود للمرة الثانية (^٢).\nوأما الخليفة المستعين بالله سليمان بن الحكم، فقد عطل خطة القضاء ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر بحجة أنه لم يجد الكفء لهذه الخطة، بعد أن اعتذر عنها وليه أحمد بن ذكوان (^٣).\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ٥١.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٨٣.\n(^٣) - النباهي، ص ٨٩.","vol":"2","page":640},{"text":"وتعطيل منصب القضاء في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط وابنه محمد أمر مثير للتساؤل، خاصة في وسط يعج بالفقهاء الأكفاء، كما هو حال المجتمع الأندلسي آنذاك، وقد كان بمقدور أي منهما تكليف أحد الفقهاء للقيام بهذه المهمة أو أن يدل على من هو أهل لها (^١)، وبما أن بقاء الناس بدون قاضي مفسد لأحوالهم. إذًا ما هو العذر في تعطيل ذلك المنصب الهام؟\nلعل حجة الأمير عبد الرحمن الأوسط وابنه في تعطيل منصب القضاء راجع إلى حرصهما على أن يكون القاضي الجديد لا يقل كفاءة عن سلفه (^٢). وأما تعطله في عهد المستعين، فالناس كانوا في فتنة عظيمة لا ينال فيها صاحب الحق حقه حتى وإن كان القاضي في مجلسه، بالإضافة إلى هرب معظم الفقهاء من قرطبة بسبب الفتنة.\nوبالرغم من المكانة السامية التي يتمتع بها قاضي الجماعة بقرطبة، إلا أن سلطته تبدو محدودة مقارنة بمكانته، فسلطته لا تتجاوز قرطبة، وقضاؤه يتوقف عند حدودها، وليس له على قضاة كور الأندلس أي سلطة.\nوالسبب في ذلك يوضحه لنا ابن حيان، فقد ذكر أن بني أمية في الأندلس \"لم يفوضوا أمر القضاة إلى قاضي في وقت من الأوقات (^٣) \" سواء\n_________\n(^١) - من ذلك فعل الأمير عبد الرحمن الأوسط مع الفقيه يحيى بن يحيى الليثي. انظر: قضاة قرطبة، ص ٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٥٨ - ٥٩. النباهي، ص ١٤ - ١٥.\n(^٢) - انظر: قضاة قرطبة، ص ٥. قارن: النباهي، ص ١٤ - ١٥.\n(^٣) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٢١٥.","vol":"2","page":641},{"text":"في الأحكام أو التعيين والعزل، لكننا نجد لدى الخشني نص يفيد بأن هذه القاعدة يمكن تجاوزها، شريطة أن يصدر تفويض من الأمير بذلك، يتمكن من خلاله قاضي الجماعة من بسط نفوذه حيث يصبح بإمكانه إصدار أوامره لأحد قضاة الكور وتفقد أحواله أو حتى عزله وتعيين سواه، من ذلك أن أهل كورة استجه رفعوا للأمير الحكم الربضي كتابًا يسألونه فيه تعيين قاضٍ يقضي بينهم، فأحال الأمير كتابهم إلى قاضي الجماعة سعيد بن محمد ابن بشير المعافري ليختار لهم من يراه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>ثقافة القاضي:</span>\nجاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، أنه قال له: \"كيف تقضي إن عرض عليك القضاة؟ \"قال: \"أقضي فيما في كتاب الله\" قال: \"فإن لم يكن ذلك في كتاب الله؟ \" قال: \"أقضي بسنة رسول الله\" قال: \"فإن لم يكن ذلك في سنة رسول الله؟ \"قال: \"أجتهد رأيي ولا آلو\" قال: فضرب رسول الله ﷺ على صدره\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٣٨. لقد اخُتلف كثيرًا في جواز حكم القاضي في قضية وقعت خارج النظام الإقليمي المحدد لولايته، عن الآراء في هذه المسألة. انظر: أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع، معين الحكام على القضايا والأحكام، (تحقيق: د. محمد بن قاسم بن عياد: دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى ١٩٨٩ م) ٢/ ٦١٣ - ٦١٤.","vol":"2","page":642},{"text":"بيده، وقال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله\" (^١).\nهذا الحديث الشريف الذي أقر فيه النبي ﷺ قول معاذ ﵁ قد جمع المصادر التي يمكن بواسطتها استنباط الأحكام. فعندما يكون النص من الكتاب والسنة متعذرًا لابد من الاجتهاد، والذي تجدر الإشارة إليه أن الاجتهاد الذي يلجأ إليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والنبي الكريم ﷺ على قيد الحياة، لا يأخذون به إلا في حالة بعد الشقة بينهم وبينه، والأمر يتطلب البت حالًا، أما في حالة كونهم معه فإنهم يرجعون إليه في كل صغيرة وكبيرة ليمتثلوا أوامره ﵊ (^٢).\nوكثيرًا ما كان النبي ﷺ يزود من يوليهم القضاء بوصاياه وإرشاداته الكريمة (^٣)، وعلى هذا المنوال سار من أتى بعده من الخلفاء الراشدين ﵃ وغيرهم، ولعل أشهر تلك الوصايا كتاب الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄ (^٤).\n_________\n(^١) - أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الصحيح \"سنن الترمذي، (دار الفكر للنشر والتوزيع. القاهرة، ١٤٠٠ هـ ١٩٨٠ م) ٢/ ٣٩٤.\n(^٢) - محمود محمد عرونس، تاريخ القضاء في الإسلام، (المطبعة المصرية الأهلية الحديثة، القاهرة، ١٣٥٢ هـ ١٩٣٤ م) ص ١٩.\n(^٣) - سنن الترمذي، ٢/ ٣٩٥.\n(^٤) - أدب القاضي، ص ٤٥. العقد الفريد، ١/ ١٠١.","vol":"2","page":643},{"text":"هذه الوصايا والإرشادات التي وصلت إلينا منذ عهد النبي ﷺ أو أصحابه ﵃، جميعها تشكل القاعدة الرئيسية للثقافة التي يجب أن يتحلى بها من يلي القضاء.\nومن اجتمع فيه الدين والعلم وكان \"مطلعًا على أقضية من مضى، غير مستكبر عن مشاورة من معه من أهل العلم، ورعًا، ذكيًا فطنًا، فهمًا غير عجول، نزيهًا عما في أيدي الناس عاقلًا، مرضي الأحوال، غير هيَّاب للأئمة (^١) \" كان هو الأصلح للقضاء.\nولأن من النادر اجتماع هذه الخصال في رجل واحد - باستثناء السلف الصالح - لأجل هذا نجد الإمام مالك بن أنس، المتوفى سنة (١٧٩) هـ (٧٩٥ م) ﵀، يقول: \"ولا أرى خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، فإن اجتمع منهما خصلتان: العلم والورع، ولي (^٢) \"، في حين يرى الفقيه عبد الملك بن حبيب (^٣)، أن صفتي العقل والورع تؤهلان الرجل\n_________\n(^١) - معين الحكام، ٢/ ٦٠٨.\n(^٢) - لباب الألباب، ص ٢٥٤. معين الحكام، ٢/ ٦٠٩.\n(^٣) - أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي، أصله من قرية قورت، ولد بالبيرة سنة ١٧٤ هـ، ونشأ بها، ثم تحول إلى قرطبة طلبًا للعلم، ومن أجله رحل إلى المشرق سنة ٢٠٨ هـ، ثم انصرف إلى الأندلس سنة ٢١٠ هـ حاملًا معه علمًا كثيرًا، نشره في بلدته، وعندما ذاعت شهرته وعرفت مكانته أمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بنقله إلى قرطبة، وجعله مشاورًا مع يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان، وقد ألف عبد الملك كتبًا كثيرة تجاوزت الألف كتاب في فنون شتى كالفقه والحديث والسير والشمائل والتراجم والتاريخ والطب، ويعتبر كتابه \"الواضحة\" من أشهر مصنفاته. وصف بأنه عالم الأندلس، فقد كان نحويًا عروضيًا شاعرًا، حافظًا للأخبار والأنساب والأشعار، متصرفًا في فنون العلم، إلا أنه مع غزارة علمه لم يكن له علم بالحديث ولا كان يعرف صحيحه من سقيمه وبعد وفاة يحيى بن يحيى انفرد عبد الملك بن حبيب برئاسة العلم، ومازال ﵀، في سؤدد حتى وافته المنية يوم السبت الخامس من شهر رمضان سنة ٢٣٨ هـ. انظر: قضاة قرطبة، ص ٥٠، ٥٢ - ٥٣، ٥٩ - ٦٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨١٦. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٥ - ٤٨، ٥٥ - ٥٦،، ٥٩ - ٦٠. ترتيب المدارك ٤/ ١٢٢ - ١٤٢. الإحاطة في أخبار غرناطة، ٣/ ٥٤٨ - ٥٥٣. الديباج المذهب، ص ١٥٤ - ١٥٦.  Bolgues، op.cit- p: ٢٩ - ٣٧  محمد العربي الخطابي، الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية، (دار الغرب الإسلامي بيروت. ط الأولى ١٩٨٨ م)، ١/ ٨٥ - ٨٩.","vol":"2","page":644},{"text":"للقضاء، لأنه بالعقل يسأل ويشير وبالورع يعف (^١)، وورد لدى النباهي أن \"كثير العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل العقل، وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ، كما قال ابن مسعود ﵁، وإنما العلم نور يضعه الله في القلب (^٢) \".\nوقد ذكر ابن عبد ون الصفات الخلقية التي يجب أن يكون عليها القاضي باعتباره قدوة الجميع فهو يرى أن القاضي يجب \"أن يكون جزلًا\n_________\n(^١) - لباب الألباب، ص ٢٥٤. النباهي، ص ٢. معين الحكام، ٢/ ٦٠٩.\n(^٢) - النباهي، ص ٢.","vol":"2","page":645},{"text":"في قوله، صارمًا في أمره، محقًا في حكمه، مصونًا عند الناس وعند الرئيس والجمهور عارفًا بحكم الله (^١) \".\nوقد استقصت بعض المصادر (^٢) ذكر تلك الخصال وكلها تدور حول كون القاضي قدوة للخاصة والعامة ولذا فلابد أن تتوافر فيه الشروط التي تؤهله لذلك.\nوعندما نقلب صفحات تراجم قضاة قرطبة، نجد أن معظمهم قد توفرت فيهم العديد من الصفات التي اشترطها الفقهاء فيمن يلي القضاء (^٣).\nوبالمقابل لصور هؤلاء القضاة، نجد صورًا أخرى قاتمة لقضاة وجدوا في عصر الفتنة، من سنة (٣٩٩) هـ-٤٢٢ هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) ويصور لنا ابن حيان حال أحدهم في تلك الفترة، فذكر أن رجلًا كان فلاحًا ثم ناسب أسرة ابن ذكوان، وتولى القضاء آنذاك، فكان ذلك الرجل، مع ثرائه \"مضاع الجار، ممطول الغريم، عاتب الصديق، مكرها للأنام … ضيق الباع في العلم والفضل، والاتساع في الجهل، فلا يحفظ في الفقه مسألة، ولا يوثق من الشروط عقدًا، ولا يتخلص في التلاوة من سورة، ولا يفيض في الأدب ببيت شعر، ثم يأوي بجهله إلى حرج صدر، وغالب نزق، فلا\n_________\n(^١) - رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ٧.\n(^٢) - أدب القاضي، ص ١٠٨. الأحكام السلطانية، ص ٥٣ - ٥٤، النباهي، ص ٣ - ٥. المعيار المعرب، ص ١٠/ ٧٦ - ٧٧.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ١٤، ٦١، ٧٤ - ٧٥، ١١١. ترتيب المدارك، ٧/ ١٦٨.","vol":"2","page":646},{"text":"تلقاه الخصوم أبدًا إلا سريع الغضب، سيء التناول، ينازق الذباب شراسة (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-86>صلاحيات القاضي واختصاصاته:</span>\nللقاضي صلاحيات وسلطات يمارسها دون غيره من أهل الخطط، فهو ينظر في عشر مسائل، هي: الفصل في المنازعات، والعمل على إيصال الحقوق لمستحقيها، وإلزام الولاية للسفهاء والمجانين والحجر على المفلس حفظًا للأموال، والنظر في الأحباس والوقوف والتفقد لأحوالها وأحوال الناظر فيها، كذلك له تنفيذ الوصايا على شروط الموصي إذا وافقت الشرع، ويتولى تزويج الأيامى من الأكفاء في حالة عدم وجود الأولياء، وله إقامة الحقوق سواء كانت من حقوق الله تعالى أو من حقوق الآدميين، بالإضافة إلى النظر إلى مصالح العامة من كف التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج مالا يستحق من الأجنحة والأقنية، وتفقد أحوال الشهود والأمناء واختبار من يرتضيه لذلك، وأخيرًا، وجوب التسوية في الحكم بين القوي والضعيف وتوخي العدل بين الشريف والمشروف (^٢).\nوإذا نظرنا إلى قضاة قرطبة، نجد أنهم كانوا يطبقون تلك الاختصاصات والصلاحيات تطبيقًا عمليًا، فقد كانوا يتناولون في\n_________\n(^١) - الذخيرة ق ١ م ١ ص ٥٩٢.\n(^٢) - النباهي، ص ٥ - ٦.","vol":"2","page":647},{"text":"أحكامهم مسائل متنوعة، وتكون الأحكام الصادرة عنهم مرتكزة على آراء الفقهاء والمشاورين الذين تتم استشارتهم في تلك القضايا، من ذلك \"قضية وارث غائب في المشرق وله شرك في دار وطلب الورثة قسمة الدار، وأفتى الفقهاء ببيع الدار، وحفظ حق الوريث الغائب في قيمة ميراثه، وذلك لأن الدار لا تحتمل القسمة (^١) \".\nوعندما تقدمت جارية مملوكة للقاضي وادعت أن سيدها غاب عنها ولم يترك لها نفقة، أمر القاضي ببيعها، وحفظ الثمن عند أحد الثقات إلى أن يرجع سيد الجارية فيسلم له (^٢).\nوقاضي الجماعة يركب لحيازة أرض محبسة (^٣)، أو للوقوف على أطوال أرض معينة، مثل ركوب قاضي الجماعة أحمد بن بقي (^٤) بن مخلد\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٠٤.\n(^٢) - معين الحكام، ص ٢/ ٦٢٠.\n(^٣) - مطمح الأنفس، ص ٢٥٥.\n(^٤) - أبو عبد الله أحمد بن بقي بن مخلد بن يزيد، ولد في شهر ذي الحجة سنة ٢٦٠ هـ، فتربى ونشأ في حجر أبيه، وطلب العلم عليه، نبغ مبكرًا، وارتفعت منزلته حتى أن الأمير عبد الله بن محمد شاوره وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، رزق هيبة عظيمة، وقد بلغ من عظم مكانته عند الناس، أن الحاجب موسى بن محمد بن حدير قال عنه: عافانا الله من أحمد بن بقي أنه مال إلى الآخرة وطريقها ولو مال إلى الدنيا لشغلنا بأنفسنا، وقد كان ﵀ زاهدًا، فاضلًا، حليمًا، عاقلًا، حصيفًا، أديبًا، بليغًا، أنيس المجلس، صادق اللهجة، متواضعًا، رقيق القلب، من رآه أحبه، شديد الحفظ للقرآن، كثير التلاوة له، عالم بتفسيره ومعانيه واختلاف العلماء فيه، تولى قضاء الجماعة مقرونًا مع الصلاة والخطبة سنة ٣١٤ هـ. فحمدت سيرته، وظل في منصبه حتى وافته المنية ليلة الاثنين الأول من جمادى الأولى سنة ٣٦٤ هـ. انظر: قضاة قرطبة، ص ١١١ - ١١٧. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٣. ترتيب المدارك ٥/ ٢٠٠ - ٢٠٩. سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٣ - ٨٤.","vol":"2","page":648},{"text":"إلى مقبرة الربض لامتحان الحدود التي سبق وأن أثبتها قاضي الجماعة الأسوار بن عقبة (^١)، وكذلك معاينة حائط فيها تنازع (^٢)، ومنع الضرر الحادث من دخان فرن ونحوه (^٣)، والتحقيق في قضايا القتل الخطأ (^٤)، والحكم بالعقلة (^٥)، والإشراف على المساجد والميضأة ونظافة أفنيتها وفتح أي باب من أبواب المسجد أغلق منذ مدة طويلة (^٦).\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٤٩. أبو عقبة الأسوار بن عقبة بن حسان بن عبد الله النصري، من أهل جيان، ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط القضاء بعد عزله للقاضي يحيى بن معمر الألهاني سنة ٢٦٠ هـ، وقد وصف الأسوار بأنه كان من أهل التحري والخير والفضل والتواضع وحسن السيرة، عاقلًا له مسجد يعرف باسمه يقع في الزقاق الكبير بقرطبة، عزله الأمير عبد الرحمن عن القضاء سنة ٢١٣ هـ ثم رأى بعد ذلك إعادته إلا أن الأسوار رفض بشدة. انظر: قضاة قرطبة، ص ٤٨ - ٤٩. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٧٩. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٠، ٥٧ - ٥٨.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٠٥.\n(^٣) - قضاة قرطبة ص ٧٩.\n(^٤) - د. محمد عبد الوهاب خلاف، وثائق في أحكام القضاء الجنائي في الأندلس، مستخرجه من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي ابن أبي الأصبع بن سهل ص ٤٧.\n(^٥) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٠٩.\n(^٦) - المرجع السابق ص ٢١٠.","vol":"2","page":649},{"text":"كما أن له الإشراف على المقصورة المقامة في المسجد الجامع بقرطبة، ولا يؤذن لأحد بالصلاة فيها إلا بأمره (^١)، والنظر في المشاجرات سواء التي كانت تنشأ بين الزوجين أو بين أي اثنين من أفراد المجتمع بسبب رهن أو بيع فيه عيوب ونحو ذلك (^٢). ومن الأمور التي يبرز فيها دور القاضي في تهدئة الأحوال في مجتمعه أنه عقب هيج الربض الذي اندلع بقرطبة ضد الأمير الحكم الربضي، أُتهم أحد أقارب قاضي الجماعة الفرج بن كنانة (^٣) بالاشتراك في ذلك الهيج، فتسور الأعوان عليه داره ليقتلوه، فعلت أصوات النساء، وعندما استفسر الفرج بن كنانة عن سبب ذلك الصراخ، وأخبر بحقيقة الأمر خرج مسرعًا إلى رئيس الأعوان وخاطبه في الأمر، فرد عليه ردًا جافًا، فغضب الفرج وذهب للأمير الحكم وقال له: \"أيها الأمير، أصلحك الله، إن قريشًا حاربت النبي ﷺ وناصحته\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ١٠٤.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢١٣ - ٢١٤.\n(^٣) - أبو القاسم فرج بن كنانة بن نزار بن غسان بن مالك بن كنانة الكناني، من أهل شذونة، كان من أهل العلم والعبادة، رحل إلى المشرق طلبًا للعلم، وبعد عودته ولاه الأمير الحكم الربضي قضاء الجماعة بقرطبة وذلك سنة ١٩٨ هـ. فمكث في منصبه إلى أن استعفى منه سنة ٢٠٠ هـ، وكان له الأثر العظيم في الأمان الذي بذله الأمير الحكم الربضي لأهل الربض، وقد كان الفرج فارسًا شجاعًا، ولذا فقد قاد الجيوش في أعمالها العسكرية في الثغور، كما تولى الحكم في سرقسطة فأصلح الله به أحوال أهلها. انظر: قضاة قرطبة، ص ٤٠ - ٤٤. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٣٠. ترتيب المدارك ٤/ ١٤٤ - ١٤٥.","vol":"2","page":650},{"text":"العداوة، ثم أنه صفح عنهم وأحسن إليهم، وأنت أحق الناس بالاقتداء به لقرابتك منه، ثم حكى له القصة وما عرض له، فأمر بضرب الناظر في ذلك الشغب وعفا عن بقية أهل قرطبة، وبسط الأمان لجماعتهم، واستألفهم إلى أوطانهم (^١).\nولقاضي الجماعة دور في محاربة الأهواء والبدع، فقاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز (^٢)، المتوفى في أواخر شهر رجب سنة (٣١٩) هـ (أغسطس سنة (٩٣١) م) أمر بضرب أحد النصارى لأنه ادعى لنفسه\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ٤١.\n(^٢) - أبو الجعد أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد بن عبد الله، ولد سنة ٢٣١ هـ، من ذرية أبان مولى الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ أصله من لوشه بغرناطة، وأسرته معروفة هناك، وفيهم أعلام وفضلاء، كان من خيار أهل إلبيرة، طلب العلم بها، ثم أخذ عن أعلام قرطبة، وبالذات بقي بن مخلد فقد صحبه طويلًا وفي سنة ٢٦٠ هـ رحل أسلم إلى المشرق، وأخذ العلم عن أعلامه وعاد إلى الأندلس بإسناد عالٍ وعلم جم، فنال الوجاهة العظيمة، وكان الخليفة عبد الرحمن الناصر عارفًا بمروءة أسلم وحسن طويته ولذا فقد ولاه قضاء الجماعة يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٠٠ هـ فحمدت سيرته، فقد كان قليل المداراة في الحق، وفي سنة ٣٠٩ هـ عزل عنه، ثم أعيد إليه سنة ٣١٢ هـ، ولم يزل إلى أن مل واستعفى وقد كان الخليفة الناصر يستخلفه في سطح القصر إذا خرج لمغازيه وتوفي أسلم ﵀ لسبع بقين من رجب سنة ٣٦٩ هـ. انظر: قضاة قرطبة، ص ١٠٦ - ١٠٩، ١١١. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٨٠، جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٣٢٢. ترتيب المدارك، ٥/ ١٩٤ - ٢٠٠. سير أعلام النبلاء، ١٤/ ٥٤٩. الإحاطة ١/ ٤١٩ - ٤٢٢.","vol":"2","page":651},{"text":"الإتيان بمعجزات لم تكن إلا لعيسى ﵇ (^١)، كما أن قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي، المتوفى أواخر شهر ذي القعدة سنة (٣٥٥) هـ (نوفمبر سنة (٩٦٦) م) أفتى بكفر وإلحاد أبي الخير (^٢) ووجوب قتله دون أن يستتاب لأنه كان يسب الصحابة ويطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ويرمي أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ بالكذب، وكان مادحًا للخمر شاربًا له زانيًا لواطًا آكلًا للحم الخنزير هازلًا بكتاب الله طاعنًا في السنن وأهلها، محتجًا على أهل السنة بالبدع، مؤولًا لحديث النبي ﷺ على غير مقصده، تاركًا للصلوات الخمس، وحضور الجمعة، مدعيًا بأحقية علي بن أبي طالب ﵁ بالنبوة، وأن محاربة بني أمية أحق من محاربة الشرك، وكان يدعو لدعوة أبي تميم معد الملقب بالمعز لدين الله الفاطمي (^٣)، ويرى الخروج على\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة ص ١٠٨ - ١٠٩.\n(^٢) - عن أبي الخير وحقيقة اسمه، انظر: د. محمد عبد الوهاب خلاف، ثلاث وثائق في محاربة الأهواء والبدع في الأندلس. (القاهرة، المركز العربي الدولي للإعلام، ط الأولى ١٩٨١ م) ص ٤٨ - ٤٩.\n(^٣) - معد بن إسماعيل بن القائم بن المهدي أحد حكام العبيديين، ولد بالمهدية في المغرب سنة ٣١٩ هـ، بويع بالحكم في المنصورية بعد وفاة أبيه سنة ٣٤١ هـ، ودخل القاهرة المسماة بـ\"القاهرة المعزية\" يوم الخامس من رمضان سنة ٣٦٢ هـ. وقد كان معد عاقلًا لبيبًا حازمًا ذا أدب وعلم ومعرفة وجلالة وكرم، قال عنه الذهبي \"ولولا بدعته ورفضه لكان من خيار الملوك، مات معد في ربيع الآخر سنة ٣٦٥ هـ بالقاهرة، انظر: ابن سعيد، النجوم الزاهرة في حُلى حضرة القاهرة، تحقيق: د. حسين نصار، (القاهرة وزارة الثقافة، ١٩٧٠ م) ص ٤٦ - ٤٨. ابن تفري بردي، النجوم الزاهرة، (القاهرة دار الكتب المصرية، ط الأولى، ١٣٥٢ هـ/١٩٣٣ م) ٤/ ٦٩ - ١٠٩. المقريزي، إتعاظ الحنفاء، ١/ ٩٣ - ١٥٠، ٢٠٨ - ٢٣٥.","vol":"2","page":652},{"text":"الخليفة، الحكم المستنصر بالله بالسلاح، ويطعن على أئمة المسلمين وخلفائهم وفقهائهم، وينكر الشفاعة، ويدعي تخليد المذنبين من الموحدين في النار (^١).\nوقد أيد الخليفة الحكم المستنصر بالله رأي القاضي ومن معه من الفقهاء، وأصدر في ذلك كتابًا قرئ على منابر الأندلس فيه الوعيد الشديد للزنادقة، ولمن أفتى بغير المذهب المالكي (^٢).\nوبالإضافة إلى ما سبق، فقد كان من مهام القاضي المحافظة على القيم الإسلامية في المجتمع الأندلسي، فقد ذكر أنه كان في تطيلة امرأة \"لها لحية كاملة كلحى الرجال، وكانت تتصرف في الأسفار وسائر ما يتصرف فيه الرجال فلا يؤبه لها حتى أمر قاضي الناحية نسوة من القوابل بالنظر إليها، فأخبرنه أنها امرأة فأمر القاضي بحلق لحيتها، وأن تتزيا بزي النساء، وألا تسافر إلا بذي محرم (^٣) \".\n_________\n(^١) - انظر: د. محمد عبد الوهاب خلاف: ثلاث وثائق في محاربة الأهواء والبدع في الأندلس، ص ٥٧ - ٨٢.\n(^٢) - المعيار المعرب، ٢/ ٣٣٣.\n(^٣) - فرحة الأنفس، ص ٢٨٧.","vol":"2","page":653},{"text":"وللقاضي الإشراف على بيت المال، وعليه أن يتفقد أمر العاملين فيه كل عام وإن أمكن كل شهر، ولا يأذن لأحد في التصرف فيه إلا عن رأيه، والقاضي والفقهاء يدبرون أمر بيت المال ويصلحون شأنه بحيث يكون بعضهم على بعض شهيدًا (^١).\nويتولى القاضي في بعض الأحيان مساءلة العمال إذا كثرت شكاوى الرعية منهم، فقاضي الجماعة سليمان بن أسود حكم على يوسف بن بسيل عامل شذونه، وذلك بسبب دعاوى رفعت ضده، كلها تتهمه باستغلال منصبه واغتصاب أموال بعض الأهالي في شذونه (^٢).\nوالقاضي يتولى عملية الإشراف على الوثائق والتدقيق فيها، وإنزال العقوبة في من يثبت تدليسه فيها، فقد ذكر النباهي أن قاضي الجماعة محمد بن بشير المعافري (^٣) قد ثبت لديه أن رجلًا كان يدلس في الوثائق\n_________\n(^١) - رسالة ابن عبدون، ص ١٠، ٢٢.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ٧٧ - ٧٨.\n(^٣) - أبو عبد الله محمد بن بشير بن شراحيل المعافري، أصله من جند باجة من عرب مصر، طلب العلم عند شيوخ قرطبة، ثم رحل إلى المشرق فحج ولقي الإمام مالك بن أنس وجالسه وسمع منه، كما طلب العلم بمصر ثم انصرف إلى الأندلس، فعمل كاتبًا للقاضي المصعب بن عمران إلى أن توفي فولاه الأمير الحكم منصب القضاء وفق شروط اشترطها ابن بشير، فظل في منصبه محمود السيرة إلى وفاته ﵀ سنة ١٩٨ هـ، وقد كان ابن بشير محل ثناء علماء الأندلس، وقد قال عنه الأمير الحكم \"كنت مستريحًا من أخبار الناس وظلامتهم لما علمت من عدله وثقته\" كما اعتبره ابن القوطية بأنه خير القضاة بالأندلس وأفضلهم وأعدلهم. انظر: قضاة قرطبة، ص ٢٨ - ٣٨. ابن القوطية، ص ٤٤، ٤٥، ٥٧. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٢٧ - ٣٣٩. بغية الملتمس، ترجمة رقم ٦٩. النباهي، ص ٤٧ - ٥٣.","vol":"2","page":654},{"text":"وأنه قد عقد وثيقة مدلَّسة على أحد التجار، فأمر القاضي ابن بشير بقطع يد ذلك الرجل فقطعت (^١).\nكذلك تعرض على القاضي مسائل الحبس الخطأ (^٢)، ويقوم بتعيين إمام مسجد السجن وتكون أجرته من بيت المال (^٣) كما يتولى مراقبة ما يصرف من أجرة أو إنفاق أو إصلاح موضع من الثغور ومدافعة عدو (^٤).\nومن مهام القاضي ارتقاب شهر رمضان المبارك لإبلاغ الخليفة بذلك، ونشر الخبر بين الناس (^٥).\nوفي أحداث الفتنة البربرية كان لقاضي الجماعة ابن ذكوان موقفًا معتدلًا، فقد كان يرى ضرورة الصلح وإيقاع السلم مع البربر وقائدهم سليمان بن الحكم (^٦)، كما حذر هشام بن سليمان من الفتنة وسوء\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٤٨.\n(^٢) - وثائق في أحكام القضاء الجنائي، ص ٥٢، ٥٤.\n(^٣) - ابن عبدون، ص ١٩.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ١١.\n(^٥) - النباهي، ص ٧٨.\n(^٦) - ترتيب المدارك: ص ٧/ ١٧٣.","vol":"2","page":655},{"text":"العاقبة (^١)، ونصح الخليفة هشام المؤيد بعدم الأخذ بآراء حاجبه واضح الصقلبي (^٢).\nهذه صورة مجملة، للمهام التي أنيطت بالقاضي، الذي هو بدوره ركيزة أساسية يقوم عليها أي مجتمع كان، فهو القدوة، وبيده تحقيق العدالة التي هي سر الاستقرار والأمان، ولذا فعندما عمت الفتنة البربرية وتوارى دور القضاة، نجد ابن عبد ون يحملهم مسئولية ما وقع في قرطبة وغيرها من مدن الأندلس، فبعد أن تحدث عن الفساد الذي أصاب قلوب الناس، وما تبع ذلك من وقوع الهرج، قال \"لا يصلح هذه الأمور إلا نبي بإذن الله، فإن لم يكن زمن نبي، فالقاضي مسئول عن ذلك كله، ومن كان في عون المسلمين كان الله في عونه، فعليه أن يصرح بالحق، ويجري إلى الصلاح والعدل والتخلص، وينظر لنفسه فعسى يتخلص، والله بعزته يسدّده ويوفقه للخير ويعينه عليه، إنه منعم بذلك، والقادر على كل شيء (^٣) \".\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٣/ ٧٩.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٣.\n(^٣) - ابن عبدون ص ٦٠.","vol":"2","page":656},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>مجلس القاضي ورسومه:</span>\nكان المسجد النبوي الشريف مكانًا للقضاء، وذلك طيلة عهد النبي ﷺ وصاحبيه الجليلين أبي بكر وعمر ﵄، وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ تم بناء أول دار للقضاء (^١).\nوبعد ذلك اتخذ قضاة الأمصار في الدولة الإسلامية الجامع مكانًا لانعقاد مجالس القضاء \"لأنه أسهل المجالس، وأرفقه بالناس، وأحرى ألا يخفى على من أراد مجلس القاضي (^٢) \" وفي هذا يقول الفقيه ابن العطار، المتوفى سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م): \"إن للقاضي أن يلتزم النظر في المسجد، فهو كان من فعل المتقدمين بهم السالفين، ليصل إليهم القوي والضعيف، ولا ينبغي أن يحجب عنه أحدًا، وهو أقرب إلى التواضع وأحوال النساك والصالحين (^٣) \".\nوكون المسجد الجامع، هو المكان الرئيسي للقضاء، لا يعني بالضرورة عدم جواز عقده فيما سواه، فللقاضي أن يجلس للقضاء في\n_________\n(^١) - محمد سلام مدكور، القضاء في الإسلام، ص ٢٦.\n(^٢) - أدب القاضي، ص ٨٥.\n(^٣) - كتاب الوثائق والسجلات، ص ٤٩٢. وانظر ما ورد لدى السقطي عن موقف صاحب الحسبة ببغداد عندما وجد القاضي قد جلس للقضاء في الجامع، أبو عبد الله محمد بن أبي محمد السقطي، آداب الحسبة، (نشر: س. كولان. ليفي بروفنسال، باريس، ١٩٣١ م) ص ٢ - ٣.","vol":"2","page":657},{"text":"المساجد المجاورة لبيته (^١)، بل ربما كان بيت القاضي مكانًا للقضاء، فقد كان قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي في بعض الأحيان يجلس في بيته يقضي بين الناس وجاريته تنسج في ناحية من نواحيه (^٢).\nويستحب للقاضي إذا دخل المسجد لعقد الجلسة القضائية، أن يركع ركعتين أو أربعًا، يدعو لنفسه فيهما أن يوفقه الله تعالى للصواب ويعصمه من الزلل (^٣)، وعند جلوسه لابد أن يكون في حالة لا تكدرها أي منغصات من غضب أو جوع أو نحوهما (^٤)، فقد نهى المصطفى الكريم ﷺ عن الحكم في حال الغضب، فقال: \"لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان\" (^٥). ثم يجلس للحكم مستقبلًا القبلة بوجهه (^٦)، ولا حرج عليه أن يكون متربعًا أو محتبيًا أو متكئًا (^٧).\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٣٠، ٦٩ - ٧٠.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٥١.\n(^٣) - أدب القاضي، ص ٨٥ - ٨٦.\n(^٤) - فصول الأحكام، ص ١٨٧. ابن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام، (راجعه وقدم له: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م) ١/ ٤٠.\n(^٥) - سنن ابن ماجه، ٢/ ٧٧٦.\n(^٦) - أدب القاضي، ص ٨٦. تبصرة الحكام ١/ ٣٨.\n(^٧) - تبصرة الحكام، ١/ ٤٠.","vol":"2","page":658},{"text":"وكما ذكرت فإن جلوس القاضي في بيته للقضاء بين الناس لا يكون دائمًا، بل وفق ظروف معينة، كجلوسه للقضاء في رحبة المسجد مثلًا، مما يتيح له فرصة الفصل في القضايا التي يكون أحد أطرافها غير مسموح له بدخول المسجد مثل اليهودي والنصراني (^١)، وأينما عقدت جلسة القضاء فإنها دائمًا تكون علنية يشهدها من أحبّ، فذلك أبلغ ما يكون في النزاهة (^٢).\nوقد ورد لدى الخشني أن معظم قضاة قرطبة ما كانوا يقضون أثناء مسيرهم إلى مجلس القضاء أو عند عودتهم إلى دورهم. فقد كان قاضي الجماعة أحمد بن زياد اللخمي لا يقبل أن يخاطب في شيء من أمر الخصوم إلا في مجلس نظره، ومن ألح عليه أمر بسجنه (^٣)، كما أن قاضي الجماعة عمرو ابن عبد الله بن ليث كان يلازمه شيخ يسير دومًا إلى جانبه، فإذا\n_________\n(^١) - أبو الوليد هشام عبد الله الأزدي القرطبي، مفيد الأحكام في نوازل الأحكام، ورقة ٦ مخطوط رقم ١٠٣، رقم الفهرست ٢/ ٢١٧. بتاريخ ١٢٧٧ هـ مكتبة المسجد النبوي الشريف، المدينة المنورة.\n(^٢) - ومما تجدر الإشارة إليه هنا ما ذكره قاضي الجماعة ابن عبد الرفيع من أن الذي يحضر مجلس القاضي ثلاث مرات من غير حاجة تسقط شهادته. انظر: معين الحكام، ٢/ ٦٤٥. وذكر ابن فرحون أن عدالته تكون مجروحة. انظر: تبصرة الحكام، ١/ ٣٨.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٦٥.","vol":"2","page":659},{"text":"ذهب أحد ليدنو من القاضي أثناء مسيره إلى المسجد، دفعه ذلك الشيخ وقال له: \"اذهب حتى يجلس القاضي في مجلس القضاء (^١) \".\nوأما عن طريقة ذهاب القاضي إلى المسجد الجامع للقضاء، فإن الأمر متوقف على بعد أو قرب دار القاضي من المسجد الجامع، وإن كنا نتوقع أنه أثناء ذهابه إلى المسجد يكون ماشيًا، بينما يكون عند عودته إلى دراه راكبًا، ومما يقوي هذا الرأي أن القاضي عند توجهه لمجلس القضاء في المسجد، يجمع بين قيامه بمصلحة المسلمين وفضيلة جلوسه في المسجد، ولذا يفضل المشي على الركوب لكي تكثر خطاه إلى المسجد فتكثر حسناته، وجلسة القضاء لا تعقد إلا في طرفي النهار وهذا هو وقت النشاط فلا بأس من السير مشيًا نحو مجلس القضاء، وقد ذكر الخشني أن قاضي الجماعة بقرطبة سعيد ابن سليمان وعمرو بن عبد الله كانا يذهبان إلى المسجد الجامع مشيًا (^٢).\nوقد جرى الرسم في ذهاب القاضي إلى مجلس الحكم وعودته منه أن لا يماشيه ولا يراكبه أحد، فقاضي الجماعة عمرو بن عبد الله \"كان إذا ركب لا يصحبه صاحب ولا يصير إلى جانبه راكب (^٣) \".\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٦٩.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٦٤.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٦٨.","vol":"2","page":660},{"text":"ومما يزيد الأمر توضيحًا في رسم المسير مع القاضي ما ذكره قاسم بن أحمد الجهني من أن قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي \"ركب يومًا لحيازة أرض محبسة، في ركب فيهم أبو إبراهيم اللؤلؤي ونظراؤه، قال: فسرنا نقفوه وهو أمامنا وأمامه أمناؤه، ويحملون خرائطه، وذووه عليهم السكينة والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تراكب ولا تماشى (^١) \".\nلكن هذه القاعدة تخرم أحيانًا، فقد ذكر الفقيه محمد بن أحمد العتبي أنه كان يمشي مع بعض الفقهاء بصحبة قاضي الجماعة سعيد بن سليمان وهو منصرف من مجلس القضاء نحو داره، فمر القاضي بالفرن وأخذ خبزته ووضعها تحت عضده، ثم توجه نحو داره، يقول العتبي: \"ونحن نمشي معه، وقد أخرنا دوابنا إجلالًا له، حتى أديناه إلى منزله، فسلم علينا ودخل وانصرفنا عنه\" (^٢).\nأما قاضي الجماعة، عمرو بن عبد الله فقد كان متساهلًا، بالذات وهو عائد من مجلس القضاء، فقد ذكر الخشني أنه إذا قام إلى داره قام الناس معه، فإذا بلغ القاضي باب داره \"وقف وحول وجهه واتكأ على عصاه، ثم قال من كان له حاجة فليتكلم فيها\" (^٣).\n_________\n(^١) - مطمح الأنفس، ص ٢٥٥.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٥٣.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٧٠.","vol":"2","page":661},{"text":"وقد عرف القضاة بمشية خاصة، فهي أقرب ما تكون إلى البطء، فالقاضي يمشي وعليه السكينة والوقار، يدل على ذلك ما حُكي عن عالم المرية القاضي أبي الحسن مختار الرعيني، المتوفى سنة (٤٣٥) هـ (١٠٤٣ - (١٠٤٤) م) أنه عندما استدعاه زهير العامري حاكم المرية المتوفى سنة (٤٢٩) هـ (١٠٣٨ م) أتاه وهو يمشي قليلًا قليلًا ووصفت تلك المشية بمشية القاضي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-88>مواعيد مجلس القضاء ولباس القاضي:</span>\nكان القاضي يعقد مجلس الحكم في أوقات متعارف عليها، وذلك ليتم الالتزام بتلك الأوقات من قبل الجميع، فالقاضي يجلس للقضاء في أول النهار وآخره، واختيار هذين الوقتين فيه مراعاة لنشاط الحركة بين الناس، إذ أن أغلب المعاملات وأكثر الخصومات تقع في هذين الوقتين، فانتشار الناس للعمل فيهما أكثر بكثير من وقتي الظهيرة والمساء، هذا من ناحية الخصوم، وأما من ناحية القاضي فجلوسه للقضاء في هذين الوقتين أنسب ما يكون، لأن نشاطه الجسدي في قمة طاقته، إذ يسبق كلا منهما وقت كاف للراحة.\nوقد تطرق ابن هشام الأزدي للأوقات التي تنعقد بها مجالس الحكم، فذكر أنه لا بأس أن يقضي القاضي في شهر رمضان، ولكن لا يقضي في أيام العيدين، ولا في يوم التروية، ولا في يوم عرفة، ولا بين المغرب\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ٣/ ٣٨١.","vol":"2","page":662},{"text":"والعشاء، ولا في الأسحار، إلا أن يكون الأمر يتطلب ذلك، فلا يمكنه عندها إلا الجلوس للنظر (^١).\nوزاد ابن فرحون أن القاضي لا يجلس يوم سفر الحاج ويوم قدومه، وعند شهود المهرجان، وحدوث ما يعم من سرور أو حزن، وكذلك إذا كثر الوحل والمطر (^٢).\nوقد كان قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن بشير يقعد لسماع الخصومة من غدوة إلى قبيل الظهر بساعة، ثم يقعد بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر لا يكون نظره غير السماع من البينات ولا يسمع من بينة في غير ذلك الوقت (^٣) وكذلك كان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان يجلس للقضاء في الغداة والعشي (^٤).\nولم تكن هناك رسوم خاصة بالجلسة القضائية فيما يتعلق بلباس القاضي، كأن يلبس مايدل على الشعار الرسمي للدولة الأموية، فقد اعتاد قاضي الجماعة محمد بن بشير لبس قلنسوة خز (^٥)، ورداء معصفرًا ويفرق شعره إلى شحمة أذنيه (^٦)، وعندما نوقش عن السبب في اتخاذه هذا الزي،\n_________\n(^١) - مفيد الحكام، ورقة ٤.\n(^٢) - تبصرة الحكام، ١/ ٤٠.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٣٠. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٣١.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٦٤.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ٣٠. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٢٨.\n(^٦) - المصدر السابق، ٣/ ٣٣٥.","vol":"2","page":663},{"text":"أجاب بأنه متبع في إرسال لمته لسيد القراء محمد بن المنكدر، المتوفى سنة (١٣٠) هـ (٧٤٨ م) ولفقيه المدينة هشام بن عروة، المتوفى سنة (١٤٦) هـ (٧٦٣ م) وأما في لبس الخز فاتباع لمحمد بن أبي بكر الصديق ﵁ (^١).\nوكان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان يجلس \"للحكم وعليه جبة صوف بيضاء وفي رأسه أقروف أبيض وغفارة بيضاء من ذلك الجنس (^٢) \". كما كان قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله يجلس للحكم في المسجد وعليه أحيانًا ثوب شركاب (^٣).\nمن هنا ندرك أن للقاضي في الأندلس لبس ما شاء عند حضوره لمجلس الحكم.\nوبطبيعة الحال كانت اللغة المستخدمة في مجلس الحكم اللغة العربية، لكن يحدث أحيانًا استخدام اللغة العجمية، فقد ذكر الخشني أن امرأة تقدمت إلى قاضي الجماعة سليمان بن أسود وقالت له بالعجمية \"يا قاضي، انظر لشقيتك هذه، فقال لها بالعجمية: لست أنت شقيتي، إنما شقيتي بغلة ابن عمار التي تلوك لجامها على باب المسجد طول النهار (^٤).\n_________\n(^١) - نفسه، ٣/ ٣٣٦.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٦٢. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٥٢.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٧٠.\n(^٤) - ابن عمار هذا كان أحد العدول، وكان ملازمًا لمجلس القاضي لا يغادره إلا بقيام القاضي وانصرافه إلى منزله، وبغلته التي أشار إليها القاضي، كانت هزيلة تلوك لجامها طول النهار على باب المسجد حتى ظهر عليها الجهد والجوع. انظر: قضاة قرطبة، ص ٨٠.","vol":"2","page":664},{"text":"ويكون مجلس القضاء متصفًا بالوقار والهيبة، فلا صخب ولا تداخل أصوات، وإنما هدوء وسكينة، وعلى هذه الصورة كان مجلس القاضي ابن ذكوان، فقد كان \"إذا قعد للحكم في المجلس، وهو غاص بأهله، لم يتكلم أحدٌ منهم بكلمة، ولم ينطق بلفظة غيره وغير الخصمين بين يديه، وإنما كان كلام الناس بينهم إيماءً ورمزًا، إلى أن يقوم (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-89>سير الخصومة في مجلس الحكم:</span>\nكانت المساواة بين الخصوم هي أول الوصايا التي وردت في رسالة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄ (^٢)، كما أنها كانت محل اهتمام من أرخ للقضاء وأحكامه (^٣).\nولذا فقد كانت جلسة القضاء في الأندلس علنية -كما سبق وأن ذكرنا- يحضرها من شاء، ويكون القاضي مقابلًا للحضور، ويجلس الخصوم أمامه، وبقية الخصوم بعيدين نوعًا ما بحيث لا يمكن تلقين الخصوم (^٤)، وأمام القاضي يتساوى الخصوم (^٥)، وحرص القاضي على هذه\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٨٤.\n(^٢) - أدب القاضي، ص ٤٥. العقد الفريد، ١/ ١٠١.\n(^٣) - أدب القاضي، ص ٩٦. الوثائق والسجلات، ص ٤٩٥. مفيد الحكام، ورقة ٤. تبصرة الحكام، ١/ ٤٦.\n(^٤) - أدب القاضي ص ٨٦.\n(^٥) - فقد ذكر أبو وليد الباجي أن القاضي يقدم خصومه بين يديه الأول فالأول دونما محاباة لأحد دون أحد. انظر: فصول الأحكام، ص ١٨٤.","vol":"2","page":665},{"text":"المساواة تكون سببًا في رفعة منزلته عند أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، وقد وردت لدى الخشني عدة نصوص تدل على ذلك. منها أن قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي ازداد رفعة لدى الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما رفض استقبال أحد كبار القرشيين في منزله لسماع شكايته بصورة مفردة، وأخبر الرسول بأن عليه الذهاب إلى المسجد والانتظار لحين عقد مجلس الحكم فيه (^١)، كما أن القاضي عمرو بن عبد الله أمر أحد كبار رجال الدولة بالحضور إلى مجلس قضائه والمثول أمامه مع خصمه (^٢).\nوتتم مناقشة القضايا المعروضة على القاضي وفق ترتيب يعده فكل من كانت له خصومه عنده عليه أن يكتب اسمه في رقعة، وعندما تجتمع الرقاع عنده يخلطها بين يديه، ومن ثم يبدأ النداء على أصحاب القضايا على ضوء ما يسفر عنه خلط تلك الرقاع (^٣).\nومن الطبيعي أن القاضي لا يستطيع دائمًا إنهاء جميع القضايا التي تصل إليه في يومه، ولذا فقد جرى الرسم أن من تأخر دور رقعته وانتهى\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة: ص ٥٣ - ٥٤.\n(^٢) - المصدر السابق ص ٧١ - ٧٢.\n(^٣) - نفسه، ص ٦٩.","vol":"2","page":666},{"text":"موعد الجلسة، يؤجل النظر في رقعته إلى اليوم التالي، على أن يكون ترتيبها متقدمًا، لا علاقة لها بالقضايا الجديدة (^١).\nوقد كانت هناك رسوم متبعة في استدعاء الخصم إذا كان غير موجود، وتحدثنا المصادر عن أن قاضي الجماعة محمد بن بشير هو الذي ابتكر هذا الرسم في الأندلس، إذ أنه عندما تولى قضاء الجماعة، قام بختم عشرة رقاع بخاتمه، وكل رقعة من هذه الرقاع تعرف باسم \"طابع\" فإذا جاء أحد يريد من القاضي طابعًا ليستدعي به خصمه، فالقاضي يسأل عن هذا الخصم، فإن كان قريبًا بقرطبة، أعطى المدعي الطابع، وأمر كاتبه أن يثبت في السجل لديه اسمه ومسكنه، وفي من أخذ الطابع (^٢)، ومن ثم يخبره القاضي بأن عليه إعادة الطابع بمجرد حضور الخصم (^٣).\nوأما إن كان الخصم غير متواجد بقرطبة ولا بالقرب منها، فإن القاضي في هذه الحالة يؤجل له على مقدار بعده عن قرطبة (^٤).\nوإذا أبلغ شخص بالحضور لخصومة لدى القاضي ورفض الامتثال، فإن القاضي يرسل أعوانه لإحضاره طوعًا أو كرهًا بغض النظر عن منزلته في الدولة (^٥)، وأما إذا تغيب المطلوب للخصومة عن حضور مجلس\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٤/ ١٧١.\n(^٢) - قضاة قرطبة ص ٣٠. وانظر فصول الأحكام ص ٢٠٠.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٣/ ٣٣٢.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٣١. ترتيب المدارك ٣/ ٣٣٢.\n(^٥) - قضاة قرطبة ص ٧٧.","vol":"2","page":667},{"text":"الحكم رغم إبلاغه بأمر القاضي، فللقاضي في هذه الحالة أن يطبع على باب مسكنه، أو يسمره إن كان ذلك لا يضر الباب، بعد أن يخرج ما فيه من بني آدم وغيرهم من المخلوقات (^١).\nفإذا حضر الخصمان بين يدي القاضي ظلا واقفين على أقدامهما (^٢) فيسأل المدعي عن دعواه، فإن كان لا يترتب فيها على المدعى عليه حق أخبره بذلك، دون أن يسأل المدعى عليه وأمرهما بالخروج عنه (^٣)، وإن كانت الدعوى ناقصة أمر المدعي باستكمالها، فإذا استحقت الدعوى النظر أصدر حكمه بعد أن يتضح له الحق، وسجل الشهادات والحكم في السجل الخاص بالقضايا (^٤).\nوللقاضي إذا رأى أثناء سير الخصومة بين يديه أن أحد الخصمين لا يحسن الإدلاء بحجته، فله أن ينصحه بما ينفعه دون أن يلقنه حجة وما شاكلها. ومن ذلك ما فعله قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد عندما اختصم عنده رجلان، فرأى أن أحدهما يحسن ما يقول والآخر بعكسه، لكنه توسم فيه الخير وملازمة الحق، فقال له القاضي \"يا هذا، لو قدمت\n_________\n(^١) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٤ انظر: فصول الأحكام، ص ٢٠٠ - ٢٠١.\n(^٢) - ترتيب المدارك ٣/ ٣٣١.\n(^٣) - معين الحكام ٢/ ٦١٦.\n(^٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٣٥.","vol":"2","page":668},{"text":"من يتكلم عنك؟ وأرى صاحبك يدري ما يتكلم، فقال له، أعزك الله إنما هو الحق أقوله كائنًا، فقال: ما أكثر من قتله قول الحق (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-90>طرق الإثبات:</span>\nروى الإمام مسلم بسنده عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"لو يعطى الناس دعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (^٢) \".\nوفي هذا الحديث الجليل بيان لقاعدة شرعية فيما يتعلق بالدعاوى والخصومات، إذ لو ترك الباب مفتوحًا لكل دعوى دونما حاجة إلى بينة تقطع الشك، لوصل الأمر ببعض مرضى النفوس المطالبة بدماء رجال وأموالهم دون وجه حق.\nوالبينة هي الحجة التي تظهر صدق الدعوى، سواء عقلية كانت أو محسوسة (^٣)، وأما في الاصطلاح فالمراد بها الشهود (^٤).\nفإذا احتاج أحد الخصمين إلى أجل لإثبات بينته، منحه القاضي وقتًا محددًا لتحقيق ذلك، وهذا الوقت محكوم بأيام محدودة، ومقدارها متروك\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ١١٦.\n(^٢) - صحيح مسلم، ٣/ ١٣٣٦.\n(^٣) - المفردات في غريب القرآن، ص ٦٨.\n(^٤) - أعلام الموقعين، ١/ ٦٦.","vol":"2","page":669},{"text":"للقاضي والحكام واجتهادهم، لكن هذه المدة لاتخرج عن ثلاثين يومًا مجزأة (^١).\nوقد وضح القاضي ابن سهل الصيغة التي تكتب فيها الآجال المضروبة، فذكر أنه إن كان القاضي هو الذي كتب الأجل بيده، كتب \"أجلنا فلان بن فلان في المدفع الذي ادعاه الشاهدان اللذان شهدا عليه بما ذكر في العقد الذي في أعلى الكتاب … ثمانية أيام\". فإذا انقضت كتب \"وأجلًا ثانيًا من ستة أيام\" فإذا انقضت كتب \"وأجلا ثالثًا من أربعة أيام\" فإذا انقضت كتب \"تلومنا عليه بعد انصرام الآجال المضروبة له فوق هذا ثلاثة أيام كذا وكذا (^٢) \".\nأما إذا كتب عن القاضي كاتبه فإنه يكتب \"أجل القاضي فلان بن فلان قاضي حاضرة كذا وفقه الله، فلان بن فلان فيما ذهب إليه من حمل ما ثبت عنده عليه لفلان بن فلان في العقد الواقع في بطن هذا الكتاب بعد معرفته بما فيه وبما ثبت آجلًا جامعًا للتلوم وغيره من أحد وعشرين يومًا، أولها يوم كذا لعشرة خلون من شهر كذا من سنة كذا، ثم يكتب القاضي بخط يده: هذا صحيح، وإن شاء كتب، هذا الأجل صحيح، أو كتب، الأجل صحيح، وقد يكتب هذا على غير وجه سوى ما ذكرنا (^٣) \".\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(^٢) - المرجع السابق، ص ٣٤٧ - ٣٤٨.\n(^٣) - نفسه، ص ٢٤٨.","vol":"2","page":670},{"text":"وإذا انقضت الآجال والتلوم، وعجز المؤجل عن إحضار ما وعد به، فإن القاضي في هذه الحالة لا يلتفت إلى ادعاء المؤجل بأن لديه حجة، فيصدر حكمه ويسجل عليه، ثم لا يلتفت بعد ذلك إلى ما يدلي به من حجة (^١)، واستثنى ابن سهل من ذلك: العتق والطلاق والنسب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>شهادة الشهود:</span>\nتعتبر الشهادة (^٣) أهم الوسائل التي يعتمد عليها القضاء في معرفة صاحب الحق، ويكفي للدلالة على أهميتها أن الله تعالى قد نص عليها في كتابه العزيز في ستة مواضع، في الدين (^٤)، والوصية (^٥)، والطلاق (^٦)، والرجعة (^٧)، والزنا (^٨)، وفيما يدفع الحد عن القاذف (^٩).\n_________\n(^١) - معين الحكام، ٢/ ٦١٨.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٤٨.\n(^٣) - الشهادة لغة، خبر قاطع، تقول: شهد الرجل على كذا، وشهد الشاهد عند الحاكم أي بين ما يعلمه وأظهره. انظر: لسان العرب، مادة: شهد. وقيل: الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو البصيرة. انظر: المفردات في غريب القرآن، ص ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(^٤) - سورة البقرة: الآية رقم ٨٢.\n(^٥) - سورة المائدة: الآية رقم ١٠٦.\n(^٦) - سورة الطلاق: الآية رقم ٢.\n(^٧) - سورة الطلاق: الآية رقم ٢.\n(^٨) - سور النور: الآية رقم ١٣.\n(^٩) - سورة النور: الآية رقم ٥.","vol":"2","page":671},{"text":"ولأجل ذلك فلا غرابة أن تنال الشهادة الاهتمام الجاد من قبل القضاة، ففي الأندلس نجد أمر الشهادة والشهود يقلق ولاة الأمر هناك، حتى أن الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما أصدر ظهيرًا بمناسبة تعيينه محمد بن إسحاق بن السليم قاضيًا للجماعة، وذلك في يوم الاثنين من شهر شعبان سنة (٣٥٣) هـ (٢٨ أغسطس (٩٦٣) م) أمره فيه بعدة أمور، منها \"أن يتحفظ في حين وقوع الشهادات عنده، فلا يقضي بين المسلمين منها إلا بما أقامه به التحقيق على السنة العدول، ذوي القبول، وإن استراب في شهادة أحدهم وقتًا ما، أن يبحث عنها، فإن ثبت أنه ارتشى، أو شهد بالهوى، فعليه أن يسقط شهادته، ويخل عدالته، تنكيلًا له، وتشديدًا لمن خلفه (^١) \".\nفإذا حضر الشهود فعلى القاضي أن يبادر إلى إدخالهم عليه والاستماع لأقوالهم إذ أن التراخي في ذلك، ربما أدى إلى ضجر صاحب الحق فيتخلى عنه أو بعضه بالمصالحة خشية ظهور الملل على الشهود (^٢).\nفإذا شهد الشاهد لدى القاضي، فعليه أن يبادر إلى كتابة شهادته واسم قبيلته ونعته ومسكنه ومسجده (^٣) الذي يصلي فيه، والشهر الذي\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٧٦.\n(^٢) - فصول الأحكام، ص ١٨٠. تبصرة الحكام، ١/ ٥٤.\n(^٣) - لأنه لا يمكن أن يزكي الشاهد إلا أهل مسجده وسوقه وجيرانه، إلا أن يكون مشهورًا بالعدالة. انظر: معين الحكام، ٢/ ٦٤٤.","vol":"2","page":672},{"text":"شهد فيه وكذلك السنة، ثم يوقع ذلك في صك عنده ويجعله في ديوانه، لئلا تسقط للمشهود له شهادته فيزيد فيها أو ينقص (^١).\nوقد ذكر ابن العطار في وثائقه أن قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى قد استن سنة جيدة في كتابة الشهادات في السجل، وأصبحت سنة لمن جاء بعده (^٢).\nوعن قبول القاضي للشاهد ذكر الخشني أن قاضي الجماعة محمد بن بشير كان في بعض الأحيان يقبل الشاهد على التوسم والفراسة، وفي أحيان أخرى يكشف عنه في السر (^٣)، وبعد نصيحة شيخ الفقهاء يحيى بن يحيى الليثي للقاضي ابن بشير بضرورة تعديل الشاهد بين الحين والآخر واتباعه لتلك النصيحة، بدأ الناس يأخذون حذرهم من القاضي (^٤). ذلك لأن الفراسة ربما لا تصدق دائمًا، لسبب أو لآخر، كما أن الناس يمرون بظروف متقلبة تجعلهم عرضة أحيانًا للوقوع في أمر فيه شيء من الغموض، مما يجعل قبول شهاداتهم أمر فيه نظر.\n_________\n(^١) - أدب القاضي، ص ٩٨.\n(^٢) - الوثائق والسجلات، ص ٦٤٢. وقد كان القضاة لا يسجلون شهادة الشهود، وأول من استن سنة تسجيل الشهادة قاضي مصر سليم بن عتر التجيبي، المتوفى سنة ٧٥ هـ، انظر: الكندي، كتاب الولاة وكتاب القضاة، ص ٣٠٩ - ٣١٠.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٣٥.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٣٥ - ٣٦.","vol":"2","page":673},{"text":"وكان للخصوم آداب لابد من التزامهم بها وهم في مجلس القضاء، فإذا أخل أحدهم بما يجب عليه تجاه هذه الآداب، فإن للقاضي الحق في تأديبه، من ذلك ما ذكره الخشني من أن الفقيه يحيى الليثي شهد في قضية عند قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس، فلما خرج من عند القاضي تناوله بعض الخصوم وأساء إليه بالكلام، فرجع الفقيه إلى القاضي وأخبره بما جرى وطلب منه تأديبه، وعندما سأله القاضي عن أدبه طلب أن يبعث به إلى السجن، فسجن القاضي ذلك الرجل، لكنه سرعان ما غادر السجن بطلب من الفقيه الليثي (^١).\nوإذا استخف أحد الخصوم بمن شهد عليه، فإنه يؤدب وربما يصل الأمر إلى ضربه بالمسجد عدة أسواط، وهذا ما حصل لرجل يدعى غرابًا كان جاهلًا عاتيًا، فقد شهد شاهد ضده، فقال غراب، ومن شهد عليّ لو كان الشاهد مثل الليث بن سعد. وذلك على سبيل الاستخفاف بالشاهد والشهادة، فأمر قاضي الجماعة محمد بن زياد اللخمي بقمع غراب في المسجد عدة أسواط تأديبًا له (^٢).\nويحدث أن يرجع الشاهد في إحدى القضايا عن شهادته، فإن كانت رجعته قبل إصدار الحكم، لم ينفذ الحكم بشهادته، ثم يتم التدقيق في حال هذا الشاهد، فإن كان عدلًا مأمونًا، قُبل رجوعه ولا تسقط\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٥١ - ٥٢.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٥٨. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ٧٢.","vol":"2","page":674},{"text":"شهادته في المستقبل عند القضاة، وإن كان بغير تلك الصفة، يقبل رجوعه ولكن لا تقبل شهادته أبدًا (^١).\nواختلف الفقهاء في تأديب من رجع عن شهادته، فابن القاسم وابن حبيب نصا على ضرورة تأديبه أدبًا موجعًا، في حين اعترض على التأديب كل من ابن عبد الحكم وأشهب وسحنون محتجين بأنه إذا جرى تأديب أحد من الناس فإنه لا يرجع عن شهادته. ويبدو أن الرأي الثاني أولى بالقبول من سابقه وبه جرى العمل (^٢).\nوأما إن كان رجوع الشاهد عن شهادته بعد إصدار الحكم، فإنه لا يلتفت إلى كلامه ولا ينتقض الحكم برجوعه (^٣). فقد حدث أن قاضي الجماعة محمد بن بشير نظر في إحدى القضايا، وأصدر الحكم على ضوء البينة، وبعد فترة استدعاه أحد الشاهدين، وكان ذلك الشاهد على فراش الموت، فلما حضر القاضي عنده، أخبره الشاهد أنه سبق وأن شهد عنده شهادة زور في تلك القضية، وطلب منه فسخ الحكم الذي أصدره بشأنها، يقول الخشني: \"فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه في ركبتيه ثم قام وجعل يقول: مضى الحكم وأنت إلى النار، مضى الحكم وأنت إلى النار، وخرج عنه (^٤) \".\n_________\n(^١) - لباب الألباب، ص ٢٦٥. معين الحكام، ٢/ ٦٦٢ - ٦٦٣.\n(^٢) - معين الحكام، ٢/ ٦٦٣.\n(^٣) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٣٣ - ٣٤.","vol":"2","page":675},{"text":"وشاهد الزور إذا أقر بتعمد الزور فإن على القاضي تغريمه ما أتلف بشهادته (^١)، كما أن له تأديبه (^٢)، وعن جزاء شاهد الزور هناك عدة أقوال للفقهاء، منها أنه يعزر على الملأ دون حلق رأسه أو لحيته، بينما رأى البعض ضرورة تسويد وجهه، وهناك من يرى الطواف به على المجالس والحلَقْ في المسجد الجامع ويشهر أمره بين الناس ليحذروه، وزاد البعض على التشهير والضرب الموجع بالإضافة إلى كتابة وثيقة في ذلك تؤخذ منها عدة نسخ وتوضع عند الثقات ولا تقبل شهادته أبدًا (^٣).\nوفي الأندلس نجد أن هذه العقوبات قد طبقت على شاهد الزور، فإبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى في شهر رمضان سنة (٢٤٩) هـ (نوفمبر سنة (٨٦٣) م) صاحب الشرطة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، أقام شاهد زور عند الباب الغربي الأوسط للمسجد الجامع \"فضربه أربعين سوطًا وحلق لحيته وسخم وجهه وأطافه إحدى عشرة طوفة بين الصلاتين يصاح عليه هذا جزاء شاهد الزور (^٤) \".\nوللقاضي عيونه التي يستطلع بها أحوال بعض الشهود في بعض القضايا، فقاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز عندما بلغه أن بعض الشهود قد أخذ رشوة مقابل شهادته، وكانت الرشوة بساطا، فلما دخل عليه\n_________\n(^١) - لباب اللباب، ص ٢٦٦.\n(^٢) - أدب القاضي، ص ٧٧٦ - ٧٧٧.\n(^٣) - لباب اللباب، ص ٢٦٦. المعيار المعرب، ٢/ ٢١٥.\n(^٤) - المصدر السابق، ٢/ ٢١٥.","vol":"2","page":676},{"text":"الشاهد ليؤدي شهادته وأخذ يخلع خفيه ليمشي على بساط القاضي، أخذ يناديه \"أيا فلان البساط، البساط، تحفظ من البساط، الله الله\" (^١) ففطن الشاهد لمراد القاضي ولم يجسر على الإدلاء بشهادته.\nوإن حدث - وهو نادر - وكان الأمير أو الخليفة الأموي شاهد في قضية، فإن الرسم يقضي أن تُرسل الشهادة مع فقيهين يؤديانها للقاضي، وهذا ما جرى في قضية لسعيد الخير عم الأمير الحكم الربضي، فقد كانت لديه وثيقة شهودها عدول، ولكنهم توفوا جميعًا إلا واحد فقط، فاضطر إلى شاهد آخر، فمال إلى ابن أخيه الأمير الحكم، وأقنعه بأنه في حاجة لشهادته، ورغم اعتراض الأمير على عمه إلا أنه اضطر أمام إلحاحه على موافقته، فأرسل شهادته لقاضي الجماعة محمد بن بشير الناظر في القضية، وتقدم فقيهان أرسلهما الأمير بشهادته فأدياها لدى القاضي (^٢).\nوهناك حالات تم فيها عدم قبول شهادة الشاهد رغم انتفاء ما يقدح في شهادته شرعًا، فمن اشتهر بالهزل أصبح قبول شهادته لدى بعض القضاة أمرًا عسيرًا، وممن رُدت شهادته لهذا السبب محمد بن عيسى الأعشى المتوفى سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) فقد كان مشهورًا بالدعابة (^٣)، وحدث أن تقدم للشهادة لدى قاضي الجماعة الأسوار بن عقبة النصري،\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٥/ ١٩٧.\n(^٢) - المصدر السابق، ٣/ ٣٣٨.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٠٢.","vol":"2","page":677},{"text":"فقال له القاضي \"أنت رجل يُكثر الهزل، ولست أدري كانت شهادتك هذه من جدك أو هزلك (^١) \".\nوكذلك حدث أن رفض بعض القضاة شهادة من عرف بأنه قد تابع هواه في يوم ما، حتى وإن كان صديقًا للقاضي، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير عندما رد شهادة أحد أصدقائه وكان رفيقًا له في النشأة وطلب العلم وطريق الحج بسبب أنه اشترى جارية بمصر بيدها صنعة وهو لم يكن بحاجة لصناعتها (^٢).\nوإذا كان من حق المدعى عليه معرفة الشهود الذين شهدوا ضده، فإن القاضي يعمد أحيانًا إلى عدم تعريفه بمن شهد ضده، وذلك إذا كان المدعي عليه صاحب سلطة وسطوة، وخشي القاضي على الشهود من سطوته، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير مع ابن فطيس (^٣). وعندما طلب الأمير الحكم الربضي القاضي بتعريف ابن فطيس بالشهود، أجابه القاضي بقوله \"ليس ابن فطيس ممن يُعرَّف بمن شهد عليه لأنه إن لم\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٤٩.\n(^٢) - انظر: القصة كاملة لدى الخشني في قضاة قرطبة، ص ٣١.\n(^٣) - لعله: حمدون بن فطيس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ، ووالده أبو سليمان فطيس بن سليمان بن عبد الملك بن سليمان تولى الوزارة للأميرين هشام بن الداخل وابنه الحكم الربضي، ومما يقوي ما ذهبت إليه من أن الذي رفض القاضي إخباره بالشهود أنه حمدون بن فطيس ورود قصة أخرى صرح فيها الخشني باسم حمدون بن فطيس عندما تظلم حمدون من القاضي ابن بشير لدى الأمير الحكم الربضي. انظر: قضاة قرطبة، ص ٣٦.","vol":"2","page":678},{"text":"يجد سبيلًا إلى تجريحهم طلب آذاهم في غير ذلك حتى يجليهم عن أموالهم (^١) \".\nوأخيرًا فإن للقاضي أن يصرف القضية عنه إلى قاضٍ آخر إذا لم يتبين له الحق، إذ أن رُبَّ حق لا يثبت عند قاضٍ ويثبت عند غيره (^٢).\nوقد ذكر صاحب معين الحكام أن من حق القاضي الرجوع عما حكم به إذا تبين له فيه وهم مادام على قضائه، أما إذا عزل أو مات فلا يحل لأحد من بعده فسخ حكمه، إلا أن كان فيه جور أو قضى بخطأ لا اختلاف بين أهل العلم فيه (^٣)، ولكن لابد أن يوضح القاضي السبب الذي من أجله فسخ حكمه الأول، فإذا لم يوضح ذلك لا يعتبر فسخه هذا فسخًا (^٤).\nونختم الحديث عن هذه الخطة بذكر نصين لابن العطار بين فيهما تسجيل القاضي برجوعه عن قضاء قضى به له الخطأ فيه، جاء في النص:\n\"أشهد القاضي فلان بن فلان قاضي موضع كذا، أن فلان بن فلان كان قد قام عنده في دار كذا بموضع كذا، وثبت له فيها كذا، أو في أملاك بقرية كذا من إقليم كذا من عمل موضع كذا، صفتها كذا، وحدودها كذا، وقضى له بكذا، وسجل بذلك في كتاب أشهد فيه على\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٣٠.\n(^٢) - تبصرة الحكام، ١/ ٥٨.\n(^٣) - معين الحكام، ٢/ ٦٣٨.\n(^٤) - المصدر السابق، ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.","vol":"2","page":679},{"text":"ما ثبت عنده على نسختين أو نسخ تاريخ كذا، ثم تبين له الخطأ في قضائه والوهم في حكومته، وانكشف له من أمر الشهود الذي قضى بهم له أو من باطن قصة الطالب فلان وأمره فيما حكم له به ما أوجب عليه الرجوع عن حكمه والتسجيل بنقض ما تقدمه من حكمه وانكشف فسخه، لقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵀: لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل (^١) \".\nويواصل ابن العطار كلامه: وإن كان القاضي قضى بمذهب أهل العلم في شيء من نظره ثم تبين له الصواب في غيره ورجع عنه، قلت:\n\"أنه كان قضى لفلان بن فلان بكذا وكذا على مذهب كذا. أو على قول الشافعي أو فلان، ثم تبين له أن الحق فيما قاله فلان أو في مذهب كذا، وأن القول الذي تقدم قضاؤه فيه، والمذهب الذي حكم به باطل، فرجع عن قضيته وخرج عن حكومته، وقضى بفسخ ما تقدم من قضائه لفلان بن فلان في قصة كذا وأبطله، وأشهد على ذلك في تاريخ كذا. لقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵀ لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت في لرشدك أن ترجع فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل أشهد على إشهاد\n_________\n(^١) - الوثائق والسجلات، ص ٦٣٥.","vol":"2","page":680},{"text":"القاضي فلان بن فلان قاضي أهل موضوع كذا لما ذكره عنه في هذا الكتاب، وذلك في شهر كذا من سنة كذا، والكتاب نسختان\" (^١).\nالعدالة (^٢):\nيقول ابن خلدون عن طبيعة وظيفة العدالة أنها، القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملًا عند الإشهاد. وأداءً عند التنازع، كتبًا في السجلات (^٣) وذلك محافظة على حقوق الناس وسائر معاملاتهم، وعلى هذا فإن وظيفة العدالة داخلة ضمن ولاية القضاء، فلا يعمل بها إلا عن إذن القاضي، وتكون خاضعة لتصرفه (^٤).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٦٣٦.\n(^٢) - يقول ابن الحاجب: العدالة \"صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة وما يشينه عرفًا ومعصية غير قليل الصغائر\" انظر: الشيخ قاضي الجماعة محمد الأنصاري، المشهور بالرصاع التونسي، كتاب شرح حدود الإمام أبي عبد الله بن عرفة، (المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط ١٤١٢ هـ/١٩٩٢ م) ص ٦٣٨.\nوذكر البكري أن العدالة \"هيئة راسخة في النفس تحث على ملازمة التقوى باجتناب الكبائر وتوقي الصغائر والتحاشي عن الرذائل المباحة\". انظر: لباب اللباب، ص ٢٦٠.\nوأما أبو إسحاق الشاطبي فقال: العدالة لغة تعني الاستواء والاستقامة على الجملة وأما في الشرع فهي الاستقامة في الأحوال الدينية والدينوية. انظر: المعيار المعرب، ١٠/ ٢٠٢.\n(^٣) - المقدمة، ص ٦٣٥.\n(^٤) - المصدر السابق، والصفحة.","vol":"2","page":681},{"text":"ولا يتصف بالعدالة إلا من كان مسلمًا مكلفًا جاريًا على مقتضى السنة، ذو تقوى ومروءة (^١)، متنزهًا عن الكبائر، والخير أغلب عليه من الشر، متصفًا بالعدالة الشرعية والبراءة من الجروح، فقيهًا، عاقدًا للشروط (^٢).\nوللخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، قول في تحديد السمات العامة للعدل، فقد جاء في رسالته الشهيرة التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري ﵁ ما نصه \"المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة\" (^٣).\n_________\n(^١) - المعيار المعرب، ١٠/ ٢٠٢، والمروءة هي المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذم عرفًا، كترك الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافيًا، وعلى ترك ما فعله من مباح يوجب ذمه عرفًا كالأكل في الأسواق أو في حانوت الطباخ لغير الغريب. انظر: كتاب شرح حدود ابن عرفه، ص ٦٤٢، ويقول البكري: \"المروءة هي التصون والسمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن من تخلق به لا يحافظ معه على دينه وإن لم تكن في نفسه جرحه\" انظر: لباب اللباب، ص ٢٦٠.\n(^٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٣٥.\n(^٣) - أدب القاضي، ص ٤٥.","vol":"2","page":682},{"text":"وكل الأقوال التي أدلى بها العلماء للتعريف بالرجل العدل جميعها تتفق على ضرورة اتصاف ذلك الرجل بالتقوى والاستقامة في جميع أحواله الدينية والدنيوية، بمعنى أن يكون مأمونا في السر والعلن.\nوينبغي للقاضي إن لم يكن من أهل البلد أن يبدأ بالتعرف على عدول وثقات البلد الذي كلف القيام بأعباء القضاء به، وإن استطاع أن يفعل ذلك قبل أن يصل البلد فهو الأفضل، فإذا عرفهم يكتب اسم كل واحد منهم في ثبت لديه، ثم لا يكتفي بذلك، بل إن عليه أن يعمد إلى السؤال عنهم سرًا كل منهم على حده، وذلك بعد استقراره في البلد (^١).\nوكل أهل بلد وبالذات القرى البعيدة عن الحواضر، إن لم يكن لديهم حكام يقيموا الحدود بينهم، تولى إقامتها فيهم من ارتضوهم عدولًا منهم، كالمؤذنين والأئمة والموسومين بالخير (^٢). وهؤلاء العدول على القاضي قبول شهادتهم، وأن يداوم على السؤال عنهم سرًا، فمن لم يثبت عليه اشتهار في كبيرة فهو عدل حتى يثبت عكس ذلك (^٣).\nوفي الأندلس لا يقدم لمرتبة العدالة إلا من طال اختباره، وتجاوز مجالس المذاكرة التي تعقد لاختباره، ويشهد له الفقهاء بالصلاح واعتدال الطريقة، وتثبت الشهادات لدى صاحب الشرطة الذي يتولى السؤال\n_________\n(^١) - أدب القاضي، ص ٨٣ - ٨٤.\n(^٢) - المعيار المعرب، ١٠/ ١٤٣، ١٤٥.\n(^٣) - النباهي، ص ٧٤.","vol":"2","page":683},{"text":"والكشف عن هذا الرجل المعدل وهو بدوره يرفعها إلى الأمير أو الخليفة فيصدر فيه أمره يجعله أحد العدول الذين لهم الحق في الفتيا وكتابة الوثائق وتزكية الشهود.\nكما أن كون الرجل المرشح للعدالة صاحب مال، أمر ضروري، إذ يُخشى عليه من الفقر أن يطمع بما في أيدي الناس، وقد ورد في رسالة الشقندي في الدفاع عن الأندلس أن الأمير الحكم الربضي أراد تقديم بعض من يعني به إلى مرتبة العدالة، وطبيعي لابد من أخذ رأي الفقهاء في هذه المسألة. ولذا، فعندما عرض الأمير اقتراحه على الفقهاء، أجابوه بأنه أهل، إلا أنه فقير لا مال له، فاضطر الأمير إلى أعطاء الرجل من المال ما أغناه وبذلك أزال اعتراض الفقهاء (^١).\nونظرًا لأهمية مكانة العدول، فإن لهم أماكن خاصة بهم، اعتادوا الجلوس بها، فيأتي إليهم كل من كانت له قضية تحتاج للإشهاد والتقييد في الكتاب (^٢).\nوللقاضي التجريح والتعديل بعلمه سواء علم ذلك قبل استلامه القضاء أو بعده (^٣)، وهو مافعله قاضي الجماعة محمد بن سلمة الكلابي\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ٣/ ٢١٤ - ٢١٥.\n(^٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٣٦.\n(^٣) - معين الحكام، ٢/ ٦٤٣.","vol":"2","page":684},{"text":"عندما حضر عنده الفقيهان ابن لبابه والحبيب بن زياد لتعديل ابن شراحيل المعروف بالعجيزه (^١).\nوالقاضي ابن سلمه عندما رفض تعديل الفقيهين لابن شراحيل ذلك لمعرفته بباطنه أكثر منهما، ولذا قال ابن لبابه للقاضي \"نحن قد عدلناه بمبلغ علمنا، ومن عرف الباطن فهو أحق ممن عرف الظاهر\" (^٢).\nوكذلك الفقيه محمد بن خميس بن عبد الواحد المعروف بالأعشى رفض تعديل أحد أصدقائه عند القاضي عندما رد شهادته. بعد أن أدرك الفقيه أن صديقه جاهل لا الخير يدري ولا الشر يدري (^٣)، لأجل هذا قال سحنون: \"لا يقبل في التزكية إلا العدل المبرز الفطن الذي لا يخدع في عقله، ولا يستنزل في رأيه\" (^٤).\nوذكر الخشني أن لقاضي الجماعة محمد بن بشير طريقة خاصة في قبول تعديل من لا يعرفه يقول قاسم بن هلال \"دخلنا على محمد بن بشير لنعدل عنده رجلًا، فقال: \"احلفوا بالله الذي لا إله إلا هو أنه عدل رضا، فقالوا: بيمين أصلحك الله، فقال: والله لا كتبتها حتى تحلفوا\" (^٥).\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٩٧.\n(^٢) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٤/ ١١٦.\n(^٤) - معين الحكام، ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤.\n(^٥) - قضاة قرطبة، ص ٣٥.","vol":"2","page":685},{"text":"ومن الملاحظ أن الأندلسيين لا يغمضوا أعينهم ولا يكفوا ألسنتهم عمن اتخذه القاضي عدلًا وهو غير أهل لذلك، فقد كان يتعرض لسخرية الناس، مما يضطر القاضي في النهاية إلى نزع العدالة عن ذلك الرجل (^١).\nوقد سبق وان عرفنا قصة العدل ابن عمار وبغلته مع قاضي الجماعة سليمان بن أسود ومنها ندرك أن على العدل ملازمة مجلس القاضي، إذ هو بحاجة مستمرة لأقواله طالما أن هناك قضايا تعرض.\nومن النادر أن نجد بعض العدول يدلي بأقواله مجاملة لأحد كبار رجالات الدولة، مثل من جامل الوزير هاشم بن عبد العزيز في قضية قومس بن أنتينان (^٢).\nومن الواجب على العدل عدم قبول الهدية لأن في ذلك إثارة للشبهات من حوله، ويقوى المنع إذا كانت الهدية مقدمة ممن له خصومة لدى القاضي، من ذلك أن أحد كبار عدول قرطبة قد أخذ هدية هي عبارة عن جبة خضراء، فشعر بأمرها خصم المهدي، فبلغ قاضي الجماعة سليمان بن أسود بحقيقة الوضع، فأراد القاضي تأديب ذلك العدل، الذي كان من سلامة قلبه يداوم على لبس تلك الجبة في المحافل، ولذا قال القاضي لخصم المهدي: \"إذا رأيت الشيخ وعليه الجبة، وأفتى عليك فقل:\n_________\n(^١) - انظر: ما قاله الشاعر يحيى بن حكم الغزال في عدلين اسم أحدهما أبو حفص والآخر يدعى يحيى بن مالك، كانا من عدول قاضي الجماعة معاذ بن عثمان الشعباني، المقتبس، تحقيق: مكي، ص ٧٠.\n(^٢) - انظر: القصة في قضاة قرطبة، ص ٧٥ - ٧٧.","vol":"2","page":686},{"text":"يا قاضي: ليس الشيخ يكلمك إنما تكلمك الجبة التي عليه … ففعل الخصم ما أمره به القاضي، فاستحيا الشيخ وانقلب خجلًا (^١) \".\nوللعدول مهام عدة، منها استلام ديوان القاضي عند عزله، ووضع الديوان في بيت الوزراء حتى يتم تعيين قاضي آخر (^٢)، وإذا وضع القاضي مالًا موقوفًا لديه بيد أحد العدول به عليه، وإذا استرجعه القاضي منه، كتب له بذلك كتابًا، ثم أشهد العدل على القاضي بأنه قد استرد المال الذي كان في حوزته.\nهذا وقد أورد الخشني قصة أنكر فيها القاضي عمرو بن عبد الله، البراءة والشهود الذين شهدوا عليه في استرجاع مال موقوف لدى أحد العدول يبلغ عشرة آلاف دينار هي عبارة عن ثلث أوصى تاجر يعرف بابن القصبي بتفرقته (^٣).\nوالقاضي يعمل دائمًا على الكشف عن عدوله، ويبدو أن له عيونًا تأتيه بأخبارهم، من ذلك أن رجلًا من أصحاب قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى أتاه في الليل وأنهى إليه أن اثنين من الفقهاء العدول الملازمين له، قد اتفقا فيما بينهما على الإدلاء بشهادة مزوَّرة، وأنهما سيحضران عنده غدًا لأجل هذا الغرض، فجلس القاضي في الغد وقد أخذ\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٨٠ - ٨١.\n(^٢) - انظر نفسه، ص ٨١ - ٨٢.\n(^٣) - نفسه، ص ٨٣ - ٨٤.","vol":"2","page":687},{"text":"حذره، فتقدم إليه أحدهما، فعبس القاضي في وجهه عله يفهم المراد، فينصرف من تلقاء نفسه، لكنه تمادى، فعندها ألقى القاضي في حجره - دون أن يشعر ذلك العدل - بطاقة مطوية، كتب فيها بيتين من الشعر هما:\nأتتني عنك أخبار … لها في القلب آثار\nفدع ما قد أتيت له … ففيه العار والنار\nفعندما انتبه الرجل لها وقرأ ما فيها، انطلق مسرعًا، ولقي صاحبه في الخارج وطلب منه الانصراف معه، وأخبره أن القاضي قد عرف بأمرهما (^١).\nولما كانت كتابة الوثائق من بين المهام الرئيسية للعدول، وطبيعي أن يترتب عليها أحكام قاطعة، لأجل ذلك، فهي مجال واسع لأكل الأموال بالباطل من قبل ضعاف الإيمان، ولذا فقد كان جزاء من يدلس في الوثيقة صارمًا، يعمل في بعض الأحيان إلى قطع يد ذلك المدلس، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير برجل اشتهر أمره بالتدليس في الوثائق (^٢).\nويبدو أن قطع يد المدلس في الوثائق يتوقف على مدى الضرر الذي أحدثه تدليسه يدل على ذلك أن أبا محمد عبد الله بن محمد الأنصاري المعروف بابن واقزان، كان حافظًا للمسائل والرأي ومن المتقدمين في عقد\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٠٠ - ١٠١.\n(^٢) - النباهي، ص ٤٨. المعيار المعرب، ٢/ ٤١٤. وقد اخلتف في جواز أخذ كاتب الوثائق للأجرة، لكن الرأي الراجح أنه يأخذها بدون اشتراط لئلا يكون شبيهة بالحرفة. انظر: تبصرة الحكام، ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.","vol":"2","page":688},{"text":"الوثائق، لكنه اشتهر بالتدليس في العقود، ورغم ذلك اكتفى قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز بأن أمر ابن واقزان بترك كتابة الوثائق، وعدم التعرض لما يتعلق بها والتزام بيته، فظل على هذه الحال إلى أن توفي سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٨ - (٩٣٩) م) (^١).\nمن هنا ندرك أن كتابة الوثائق ذات خطورة ملموسة، وعليه فقد حدد ابن عبد ون من المؤهل لكتابتها؟ فقال: \"لا يجب أن يكتب الوثائق إلا من شهد له في ذلك بحسن الخط وترتيب اللفظ، واتساع في العلم، من رجل خير عالم ورع، ليكفي القاضي والحاكم عند رؤية خطه ولفظه البحث والتعب فيهما من براءة التدليس والتلبيس (^٢).\nمن ما مضى يتضح لنا أن وظيفة العدول قائمة على ركيزتين هما: كتابة العقود بين الناس وفق الشروط الشرعية، بالإضافة إلى تزكية الشهود الذين سيدلون بشهاداتهم عند القاضي.\nوبصفة عامة لم يكن أولئك العدول يتمتعون بسمعة طيبة، حتى أن سفيان الثوري يقول \"الناس عدول إلا العدول\" ويقول عنهم عبد الله بن المبارك \"هم السفلة\" وأنشد بعضهم في العدول:\nقوم إذا غضبوا كانت رماحهم … بثَّ الشهادة بين الناس بالزور\nهم السلاطين إلا أن حكمهم … على السجلات والأملاك والدور (^٣)\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦٧٥.\n(^٢) - رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ١٣.\n(^٣) - معيد النعم ومبيد النقم، ص ٦٣.","vol":"2","page":689},{"text":"لكن لا يمكن أن تكون هذه الصورة عامة لجميع العدول، لأن من التزم منهم بالحق وسار على نهجه ما عليه من سبيل، أما الذين يسارعون في تحمل الشهادات ويؤدونها مقابل أجرة معلومة يتقاسمونها فيما بينهم في حوانيتهم، فهؤلاء الذين في خطر من أمرهم إن لم يقلعوا عنه ويتوبوا إلى الله تعالى منه.\nهذا وقد حفظت لنا كتب التراجم أسماء عديدة اشتهرت بالعدالة من هؤلاء: محمد بن عيسى المعافري، الشهير بالأعشى (^١)، ومحمد بن يوسف بن مطروح، المتوفى يوم عاشوراء سنة (٢٧١) هـ (٨ يوليو سنة (٨٨٤) م) وكان أحد الثلاثة الذين تدور عليهم الفتيا أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن (^٢).\nأبو القاسم أصبغ بن خليل، قرطبي، كان حافظًا للرأي على مذهب مالك وأصحابه، فقيهًا في الشروط، بصيرًا بالعقود، منسوبًا للصلاح والورع، دارت عليه الفتيا بالأندلس طيلة خمسين عامًا، توفي سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) (^٣).\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٤/ ١١٦.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١١٣.\n(^٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٢٤٧.","vol":"2","page":690},{"text":"أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن هانئ العطار، قرطبي، يعرف بابن اللباد، كان أحد العدول القرطبيين، توفي ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٣٧٥) هـ (ديسمبر (٩٨٥) م) (^١).\nأبو عبد الله محمد بن أبي سليمان بن حارث المغيلي القسام، من أهل قرطبة، وهو أحد عدولها، كان حسن الخلق، كثير الدعابة، ذو مكانة سامية لدى حكومة قرطبة، توفي يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة (٣٧٧) هـ (مارس (٩٨٨) م) (^٢).\nأبو عبد الله محمد بن فتح اللحام، قرطبي كان أحد العدول عند قاضي الجماعة محمد بن يبقى ابن زرب توفي في شهر رجب سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) (^٣).\nأبو الوليد محمد بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى، من أهل قرطبة، وأحد عدولها، كان منسوبًا للثقة، توفي يوم الأحد مطلع رجب سنة (٣٨٩) هـ (١٨ يونيو (٩٩٨) م (^٤».\nوكان أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم، المتوفى سنة (٣٩٢) هـ (١٠٠١ م) وعبد الله بن المعيطي أشهر الناس عدالة بقرطبة في وقتهما (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٤٧.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٥٠.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٥٢.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٧٩.\n(^٥) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٥١.","vol":"2","page":691},{"text":"أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن ضيفون بن مروان اللخمي، الحداد، قرطبي، صالح، عدل، حدث وكتب الناس عنه، توفي ليلة السبت لثمان بقين من شوال سنة (٣٩٤) هـ (سبتمبر سنة (١٠٠٤) م) (^١).\nأبو القاسم خلف بن سليمان بن خميس، قرطبي، كان أحد العدول، قتله البربر يوم دخولهم قرطبة في شهر شوال سنة (٤٠٣) هـ (إبريل سنة (١٠١٣) م) (^٢).\nأبو بكر عبد الرحمن بن أحمد التجيبي، يعرف بابن حوبيل، من أهل قرطبة \"كان فقيهًا مشاورًا، بصيرًا بعقد الوثائق، مشهور العدالة المبرزة بقرطبة، وممن عُني بالعلم وشهر بالحفظ (^٣) \".\nوفي عهد الفتنة البربرية، تأثرت العدالة مثل غيرها بأحداث تلك الفتنة، فقد أصبحت الثقة بالعدول مهزوزة بشكل كبير. حتى أن قاضي الجماعة عبد الرحمن بن بشر ٤٠٧ - (٤١٩) هـ (١٠١٦ - (١٠٢٨) م) كان لا يقبل شهادة بعضهم في الباطن، ولا يقضي بها إذا انفردت عن غيرها (^٤).\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٩٣.\n(^٢) - الصلة، ترجمة رقم ٣٦٣.\n(^٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٦٨٧.\n(^٤) - د. محمد عبد الوهاب خلاف: وثائق في شئون الحسبة في الأندلس، مستخرجه من محفوظ الأحكام الكبرى، للقاضي ابن سهل الأندلسي، (القاهرة، المركز الدولي العربي للإعلام، ط الأولى ١٩٨٥ م) ص ٧٦.","vol":"2","page":692},{"text":"ولم يقتصر اهتمام المصادر الأندلسية على ذكر أهل العدالة من المسلمين فقط، بل امتد اهتمامها لذكر من اشتهر بالعدالة من أهل الذمة، من هؤلاء مثلًا: - ينير الأعجمي فقد كان معروفًا بالخير وحسن المذهب، مقدمًا عند القضاة، مقبول الشهادة لديهم، ولذا فقد كانت شهادته سببًا في عزل قاضي الجماعة يخامر بن عثمان الشعباني عن منصبه، وذلك في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (^١).\nوكما أن الإنسان يبلغ العدالة وفق شروط متعارف عليها، فبالمقابل فإن الإخلال بتلك الشروط يعني إسقاط العدالة عن ذلك العدل، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط سجل قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني بالسخطة على سبعة عشر فقيهًا، وهذا يعني أنه أزال صفة العدالة عنهم (^٢).\nكما أن قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن زياد، قد سجل بالسخطة على الفقيه العدل محمد بن يحيى بن لبابه الشهير بالبوجون (^٣)، فقد رفع القاضي للخليفة عبد الرحمن الناصر أشياء قبيحة عن ابن لبابه، فأمر الخليفة بإسقاط ابن لبابه عن منزلته عن العدالة والشورى وكلفه بلزوم بيته (^٤).\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٥٥.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٤٧.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٣١.\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٦/ ٨٧ - ٩١.","vol":"2","page":693},{"text":"من هنا يتضح أن رفع منزلة أحد الفقهاء للعدالة أو إسقاطه منها، لابد أن يصدر به ظهير من الأمير أو الخليفة.\nويبدو أن إزالة العدالة عن أحد العدول، أمر غير متوقف على ارتكاب ذلك العدل لما يقدح بسيرته من جهة الشرع، بل إن للأهواء دور في هذا أحيانًا، من ذلك قصة إسقاط الفقيه الموثق ابن العطار عن الشورى والشهادة ثم إعادته إليها (^١).\nوتكرر نفس العمل مع قاضي الجماعة أبي بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اليحصبي، المتوفى سنة (٤٠٤) هـ (١٠١٤ م)، فقد كان مستبحرًا في المذهب المالكي، حاذقًا بحفظ المسائل والأجوبة، ولذا فقد تقلد الشورى والشهادة في عهد الدولة العامرية، لكن المنصور بن أبي عامر سخط عليه لأنه خالف رغبته وأفتاه بعدم جواز التجميع في مسجد الزاهرة، ولذا فقد أصدر المنصور أمره بإسقاط ابن وافد عن مرتبتي الشورى والشهادة وفرض عليه الإقامة الجبرية في داره (^٢). وللسبب ذاته تعرض الفقيه أصبغ بن الفرج بن فارس الطائي، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) قاضي بطليوس وثغورها للأذى من المنصور بن أبي عامر فعزله عن القضاء والفتيا (^٣).\n_________\n(^١) - المصدر السابق ٧/ ١٤٨ - ١٥٨.\n(^٢) - نفسه ٧/ ١٦٠.\n(^٣) - المصدر السابق ٧/ ١٥٩ - ١٦١.","vol":"2","page":694},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>الوكالة </span>(^١):\nالوكالة لها أوجه عدة (^٢)، يهمنا في هذا المقام ما يتعلق بالخصومات أي التقاضي والمشهور في المذهب المالكي أن التوكيل حق مشروع للطالب والمطلوب، إلا أن سحنون ﵀ لا يقبل التوكيل من المدعي عليه إلا في حالات خاصة، مثل المرأة الشابة التي تخشى فتنتها (^٣)، أو مريض أو مريد سفر، أو صاحب عذر بيِّن، أو من كان في شغل الأمير، أو كونه يشغل خطة لا يستطيع مفارقتها، كالحاجب مثلًا، وبالمقابل كان يقبل التوكيل من كل مدعي (^٤).\nوحول هذا المعنى جاء رأي الفقيه الموثق ابن العطار، لكنه أضاف أن من دواعي التوكيل الرغبة في التنزه عن التبذل في الخصومة، والجلوس في مجالس الحكام خشية سماع قول خشن أو اعتراض بما لا يصلح (^٥).\n_________\n(^١) - الوكالة جمعها الوكالات، والوكالة اسم مصدر بمعنى التوكيل من وكل إليه الأمر وكلًا ووكولًا، سلمه وفوضه إليه واكتفى به. انظر: لسان العرب، مادة وكل. وأما اصطلاحًا فقد عرفها الشيخ ابن عرفه بقوله \"هي نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره في غير مشروطة بموته\" الحدود الكبرى، ص ٤٥٧.\n(^٢) - انظر: الحدود الكبرى، ص ٤٦١. معين الحكام، ٢/ ٦٦٩ وما بعدها.\n(^٣) - ابن عبدون يرى ألا يكون هناك وكيل للمرأة، وذلك لأن بعض ضعاف النفوس ربما اتخذ هذه الوكالة سبيلًا للمساس بشرف موكلته. انظر: رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ١٢ - ١٣.\n(^٤) - معين الحكام، ٢/ ٦٨٣ - ٦٨٤.\n(^٥) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٧.","vol":"2","page":695},{"text":"ومن أراد أن يوكل وكيلًا فلابد أن يحضر جلسة لدى القاضي، ينعقد من خلالها ما يكون من الخصمين من الدعوى والإقرار والإنكار، ثم له الحق في أن يوكل من شاء (^١)، ولكن إذا جلس الخصمان لدى القاضي ثلاث جلسات فأزيد عندها لا يجوز لأحدهما إقامة وكيل عنه، إلا أن يكون خصمه قد شاتمه فحلف أن لا يخاصمه بنفسه أو اضطر للسفر (^٢).\nوعن اشتراط الإقرار أو الإنكار من قبل المدعي عليه قبل أن يوكل يذكر الخشني أن امرأة من جيران موسى بن حدير - تولى فيما بعد خطة الخزانة الكبرى للأمير عبد الرحمن الأوسط - رفعت عليه دعوى عند قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي، فأرسل إليه القاضي فأحضره وأخبره بما تدعيه عليه المرأة، فطلب موسى من القاضي أن يأذن له في إقامة وكيلًا عنه، لكن القاضي رفض وأصر على موسى أن يقر أو ينكر ثم بعد ذلك يوكل، فلما رأى موسى إصرار القاضي قال له: \"جميع ماتدعيه -المرأة - حق وهي المصدقة (^٣) \".\nولا يجوز لأحد الخصمين إقامة أكثر من وكيل في قضية واحدة (^٤)، ولا يصح للوكيل أن يوكل غيره إلا بإذن موكله (^٥)، وللموكل عزل الموكل\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(^٢) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٧.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٥٣.\n(^٤) - معين الحكام، ٢/ ٦٨٥.\n(^٥) - أدب القاضي، ص ٥١٣.","vol":"2","page":696},{"text":"ما لم تبدأ جلسات القاضي، فإذا كان الوكيل قد حضر ثلاث جلسات أو أكثر فليس للموكل عزله (^١)، إلا إذا ظهر منه غش أو أصيب بمرض (^٢).\nوالوكالة لابد أن تكون مكتوبة، ولها صيغة محددة، وقد زودنا الفقيه ابن العطار بنص الوكالة، فذكر تحت عنوان: وثيقة توكيل على الخصام، ما نصه: \"بسم الله الرحمن الرحيم وكل فلان بن فلان بن فلان عند القاضي فلان قاضي الجماعة بقرطبة، أو عند صاحب أحكام كذا، أو المدينة أو السوق بقرطبة، على المخاصمة عنه، وله الإقرار عليه والإنكار عنه، بوكالة التفويض التامة التي أقامه فيها مقام نفسه، وقبل فلان من توكيله. شهد\".\nوإن كانت وكالة جامعة، قلت بعد قولك: والإنكار عنه \"وطلب حقوقه واستخراجها، وتقاضي الأيمان إن وجبت له، وقبض حقوقه، والبيع عليه والابتياع له، والمصالحة عنه\" وله أن يزيد هذه الزيادة إذا كان توكيلًا جامعًا لغير خصم، إن شاء الله، ثم يقول: شهد على إشهاد الموكل فلان والموكل فلان نفسهما بما ذكر عنهما في هذا الكتاب من عرفهما وسمعه منهما وهما بحال الصحة وجواز الأمر، وذلك شهر كذا من سنة كذا، وإن شئت عقدت الإشهاد على التوكيل خاصة، وقلت قبل التاريخ:\n_________\n(^١) - معين الحكام، ٢/ ٦٨٥.\n(^٢) - المصدر السابق، ٢/ ٦٨٦.","vol":"2","page":697},{"text":"ممن أشهده الخصم فلان على قبول التوكيل المذكور وذلك في شهر كذا من سنة كذا (^١) \".\nوهناك نموذج آخر وضعه ابن العطار وهو عبارة عن توكيل يجعل للوكيل الحق في توكيل من يراه، جاء فيه: \"بسم الله الرحمن الرحيم، وكّل فلان فلانًا على المخاصمة عنه وله الإقرار عليه والإنكار عنه بوكالة التفويض التامة، أقامه بها مقام نفسه … وجعل إليه توكيل من رأى توكيله بمثل توكيل المذكور وقبل فلان ذلك من توكيله \"ثم يذكر الشهود والتاريخ (^٢).\nهذا، وقد ذم ابن عبد ون الوكلاء، وكان يرى أن منعهم أفضل، إذ أن عملهم يتيح لهم أكل أموال الناس بالباطل، ويتوصلون إلى ذلك بالقدرة على الجدال، وتزيين الكلام والملق والكذب، والتلبيس على من يخاصمون عنده، إذ أن خصال الخير غير موجودة فيهم، وإن كان لابد من وجودهم فقد اشترط ابن عبد ون أن يكون عددهم قليلًا، ومع قلتهم فيجب أن يكون الوكيل ممن اشتهر أمره بالورع والعلم والعفاف والخير،\n_________\n(^١) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٨.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٥٠٠.","vol":"2","page":698},{"text":"ولا يكون شابًا ولا شريبًا، ولا ممن يفجر أو يفسق (^١). وقال فيهم البعض: \"هم أناس عليهم الفضول فباعوه لغيرهم\" (^٢).\nثم أنه بالرغم من عدم تمتع الوكلاء بنظرة احترام في مجال الخصومات إلا أن القاضي ربما نصح أحد الخصمين بإقامة وكيل يخاصم عنه، خاصة إذا توسم القاضي في أحد الخصمين الخير والصلاح مع عدم القدرة على الإدلاء بحجته، وذلك كما عرفنا من قبل قصة قاضي الجماعة، أحمد بن بقي بن مخلد عندما عمد إلى ذلك في إحدى القضايا (^٣).\nوالوكيل يقبل الوكالة لقاء أجر مادي يتفق عليه مع موكله، ويبدو أن أمر الموكلين كان مشهورًا بقرطبة، إلى درجة أصبح معها عملهم شبه رسمي، أو بالأصح صار من يعمل التوكيل محترفًا له، يدل على ذلك ما فعله قاضي الجماعة سعيد بن سليمان القاضي عندما أدب وكلاء أساءوا الأدب عنده ثم منعهم من الحضور عنده لمدة سنة فكاد أن يورثهم الفقر (^٤).\n_________\n(^١) - رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ١٢. قارن: أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٧٤.\n(^٢) - معيد النعم ومبيد النقم، ص ٦٣.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ١١٦.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٦٣.","vol":"2","page":699},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>تسجيل الأحكام:</span>\nمن بين الأعوان الذي يستعين بهم القاضي في مجلسه، الكاتب أو كاتب الجلسة، والعلة في اتخاذ القاضي للكاتب هو تسجيل الأحكام في ديوان القضاء، حفظًا للحقوق وقطعًا للإنكار من قبل البعض، بالإضافة إلى أنه لا يمكن للقاضي أن يتولى تسجيل الأحكام بيده، إذ أن ذلك يشق عليه كثيرًا، ولذا فلابد له من اتخاذ كاتب يتولى هذه المهمة عنه.\nوقد كان كاتب القاضي محل اهتمام حكام بني أمية، حتى أن الخليفة الحكم المستنصر بالله كشف عن مدى اهتمامه بكاتب القاضي ونص على ذلك في الظهير الذي أصدره لمحمد بن إسحاق ابن السليم عندما ولاه قضاء الجماعة، فقد جاء فيه أنه \"أمره أن يختبر كاتبه وحاجبه وخدمته، ويتفقد عليهم أحوالهم إذا غابوا عن بصره\" (^١).\nونظرًا إلى أهمية العمل الذي يؤديه كاتب القاضي، فلابد أن يكون على دراية واسعة بمدلولات الألفاظ العرفية واللغوية (^٢)، \"ويكون فقيهًا عدلًا يقظًا (^٣) \" فهو بالفقه يتمكن من الحذف والاختصار من الكلام الزائد الذي يدلي به الخصمان، وهذا أمر لا يتقنه إلا من كان لديه إلمام طيب بالفقه، وفي هذا يقول الوليد الباجي: \"وينبغي لكاتب القاضي أن\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٧٦.\n(^٢) - معيد النعم ومبيد النقم، ص ٦٠.\n(^٣) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٣.","vol":"2","page":700},{"text":"يتولى عقد المقالات المتصرفة بين يدي القاضي، ويترك التطويل والإكثار ويقصد الإيجاز والاختصار في تقييد المقالات\" (^١)، كما أن العدالة تجعله من أهل المروءة والأمانة فلا يعبث بنصوص الأحكام، فضلًا عن أن عدالته تمكن القاضي من الاستعانة بشهادته إذا احتاج إليها، واليقظة تجعل التغرير به أمرًا عسيرًا.\nوعندما نقلب صفحات تراجم كُتَّاب قضاة الجماعة بالأندلس في عهد الدولة الأموية، نجد أنهم قد توافرت فيهم الشروط التي نص عليها الفقيه ابن العطار وهي: الفقه والعدالة واليقظة، بل إن بعضم وصل إلى منصب قاضي الجماعة، من هؤلاء محمد بن بشير فقد كان يكتب لقاضي الجماعة المصعب بن عمران، ثم رحل إلى المشرق فلقي الإمام مالك بن أنس، وجالسه وسمع منه، وطلب العلم بمصر، ثم انصرف إلى الأندلس، فلزم ضيعته بباجه، وبعد أن توفي المصعب بن عمران، تولى ابن بشير قضاء الجماعة (^٢).\nوكذلك الفقيه عمرو بن عبد الله بن ليث القبعه، تولى الكتابة لقاضي الجماعة أحمد بن زياد، وبعد استعفاء ابن زياد أصدر الأمير محمد بن\n_________\n(^١) - فصول الأحكام، ص ١٩٥.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٢٨.","vol":"2","page":701},{"text":"عبد الرحمن أمره بتولية عمرو بن عبد الله قضاء الجماعة سنة (٢٥٠) هـ (٨٦٤ م) (^١).\nومن هؤلاء الكُتَّاب من أصبح فيما بعد قاضيًا في إحدى الكور، منهم الفقيه أحمد بن إسحاق ابن مروان الغافقي، قرطبي كتب لقاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم ثم تولى القضاء بطليطلة وتوفي سنة (٣٧٢) هـ (٩٨٢ م (^٢».\nوهذا الفقيه عبد الملك بن الحسن المعروف بزونان، تولى الكتابة لقاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي وذلك بإشارة من الفقيه يحيى بن يحيى الليثي (^٣)، ويذكر ابن حيان أن الفقيه القرطبي أبو بكر عبد الله بن محمد بن معدان كان كاتبًا لقاضي الجماعة أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث ومن قبله، وكان أمينهم على تنفيذ الوصايا، وقد توفي الفقيه ابن معدان يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة (٤٢٦) هـ (٢١ أكتوبر سنة (١٠٣٥) م) وصلى عليه القاضي يونس بن عبد الله (^٤).\nومما استعرضنا ذكره ظهر لنا أن أغلب كتَّاب قضاة الجماعة بقرطبة كانوا من الفقهاء الذين عينوا فيما بعد قضاة في قرطبة أو غيرها من مدن الأندلس، وذلك نتيجة إلمامهم في الفقه، وملازمتهم للقضاة.\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٦٧ - ٦٨.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٧٠.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٥١.\n(^٤) - الصلة، ترجمة رقم ٥٨٨.","vol":"2","page":702},{"text":"وننهي الحديث عن كاتب القاضي بأن تسجيل الأحكام القضائية قد شهد تطورًا تدريجيًا، ورغم وقوفنا على ما يوضح ذلك التطور بصورة تفصيلية، إلا أن نصًا أورده القاضي عياض يؤكد لنا حدوث عملية التطور تلك، فقد ذكر أن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز يقول إن الفقيه بقي بن مخلد قال: إن سجلات القضاء لدى قاضي الجماعة محمد بن بشير كانت دقيقة ولطيفة، والسجل لا يذكر فيه إلا لب القضية فقط في أسطر قليلة، بخلاف ما أصبحت عليه فيما بعد، إذ أخذت تمتاز بكثرة التفاصيل (^١).\nوعملية التطور هذا حدثت في فترة لا تتجاوز ثلاثة أرباع القرن وهي الفترة الفاصلة بين وفاة قاضي الجماعة بن بشير سنة (١٩٨) هـ (٨١٤ هـ) ووفاة الفقيه بقي بن مخلد سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) ولاشك أنها شهدت فيما بعد مزيدًا من الإطالة والتفصيل، وكما يقول أحد المهتمين بدراسة القضاء في الأندلس عن تسجيلات الأحكام أنها \"قد أصبحت في القرن الخامس مزيدة ومفصلة لكل جوانب القضية وأحكامها، ولعل نوازل ابن سهل خير مصداق لمنهج تحرير الأحكام وتسبيبها في تلك الفترة (^٢) \".\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٨٤.","vol":"2","page":703},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>تنفيذ الأحكام:</span>\nبناء على ما يثبت لدى القاضي من ظهور الحق في القضية المطروحة عنده، فإنه يصدر حكمه فيها، ومتى ما صدر الحكم أصبح من المتعذر إعادة النظر فيه (^١) إلا ما كان منها ظاهر الجور أو مخالف للشرع أو تبين للقاضي الخطأ في قضائه والوهم في حكمه (^٢).\nوقد جاء في رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄: \"ولا يمنعك قضاء قضيته فراجعت فيه نفسك أو هديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطل ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل (^٣) \".\nكما ورد في العهد الذي أصدره والي الأندلس عقبة بن الحجاج للقاضي مهدي بن مسلم أن \"لا يعجل بإمضاء الحكم حتى يستقصي حجج الخصوم وبيناتهم ومزكيهم، ويضرب لهم الآجال ويوسع فيها عليهم، حتى تنجلي له حقائق أمورهم وتتكشف له أغطيتها (^٤) \".\nولذا فقد عُرف قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد بلين الجانب والتطويل في الأحكام لأنه كان لا ينفذ منها إلا الظاهر البين، أما ما كان\n_________\n(^١) - من ذلك أن قاضي الجماعة محمد بن بشير رفض إعادة النظر في قضية الفتى المملوك الذي ادعى أن سيده أعتقه وأنكحه ابنته. انظر: قضاة قرطبة، ص ٣٣ - ٣٤.\n(^٢) - الوثائق والسجلات، ص ٦٣٥ - ٦٣٦. معين الحكام، ٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩.\n(^٣) - أدب القاضي، ص ٤٥.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ١١.","vol":"2","page":704},{"text":"ملتبسًا عليه منها، أو لديه شك فيها فإنه كان يستعمل الأناة والتؤدة حتى تنجلي له الحقيقة أو يتصالح الخصمان، وعندما بلغه من يعيب عليه اللين والتطويل، قال: \"أعوذ بالله من لين يؤدي إلى ضعف، ومن شدة تبلغ إلى عنف … واحتج بفساد أحوال بعض الناس وما يسببه هذا الفساد من التباس الأمور حتى لا يكاد يستبين الحق منها، كما احتج بفعل عمر بن الخطاب ﵁ عندما اشتبه عليه الحكم في قضية، فأطال فيها، وكره أن يحكم على الاشتباه وأمر بابتداء الخصومة من أولها (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-95>أعوان القاضي:</span>\nلابد للقاضي من أعوان يستعين بهم على ضبط هيبة مجلس القضاء، فهم الذين يحفظون نظامه ويدخلون الخصوم إلى القاضي بالترتيب الأول فالأول، كما أنهم يخرجون من يطلب القاضي إخراجه عند إساءته الأدب ونحوه.\nوهؤلاء الأعوان يشترط فيهم الصلاح والأمانة، فيؤمن جانبهم بعدم قبول الرشوة، فلا يُقَدَّم أحد في الدخول إلى القاضي، كما أن صلاح الأعوان ضروري لكي يعاملوا أولئك الخصوم المتزاحمين على باب القاضي بالرفق واللين، فضلًا عن دورهم في إحضار الخصوم وتنفيذ الأحكام. وفي هذا يقول ابن العطار \"يجب أن يكون أعوان القاضي في زي الصالحين\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ١١٦.","vol":"2","page":705},{"text":"أحوال الناسكين مستمسكين بهديه وحاله، فإنه يستدل بأحوال المرء بصاحبه وغلامه (^١) \".\nويقول ابن عبدون: \"لا يستعمل القاضي … من الأعوان من كان غائظًا ولاشريبًا ولا غضوبًا ولا مهذارًا كثير الكلام واللدد، فيهذب ذلك منهم (^٢) \" كما يجب أن يكون للقاضي رقبة عليهم وهيبة، يخوفهم لئلا يقدموا على أمر فيفعلونه، أو قول فيقولونه، أو أمر فيفسدونه، ولا يمكّن من الدخول عليه أحد منهم حتى يدعى عند الحاجة إليه، فهو موضع رشوة وفساد (^٣) \" لأجل هذا نجد أن قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد كان قد اتخذ أعوانًا شيوخًا توسم بهم الخير والسداد (^٤).\nوعن عدد الأعوان لدى القاضي ذكر ابن عبد ون -معاصر المرابطين- أن عددهم لدى القاضي في اشبيلية كان لا يتجاوز العشرة، منهم أربعة سودان برابر لأجل المرابطين والبقية من أهل الأندلس (^٥). وعلل سبب بلوغ عددهم العشرة ما عرف عن أهل اشبيلية في ذلك الوقت من كثرة الخصومات بسبب اشتداد الخلاف بين أهلها (^٦)، وعليه فمن\n_________\n(^١) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٣.\n(^٢) - رسالة ابن عبدون، ص ١٢.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٠.\n(^٤) - النباهي، ص ٦٤.\n(^٥) - رسالة ابن عبدون، ص ٩.\n(^٦) - المصدر السابق، ص ١١.","vol":"2","page":706},{"text":"المتوقع ألا يكون عددهم في قرطبة إبان الدولة الأموية أقل من ذلك ويتم صرف أرزاق أولئك الأعوان من بيت مال المسلمين مثلهم في ذلك مثل القاضي الذي يأخذ رزقه من بيت المال (^١)، يدل على ذلك أن قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد عندما تولى القضاء سنة (٣١٤) هـ (٩٢٦ م) طلب من الأمير عبد الرحمن بن محمد أن يكون رزق أعوانه من بيت المال (^٢)، ولكن ربما صرفت أرزاقهم من موارد أخرى، إما من رزق القاضي أو من المدعى أو المدعي عليه إذا عرف بالمماطلة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>مرتب القاضي وموارد دخله:</span>\nإن من الحقوق التي ضمنت للقاضي، تقديم الأرزاق له، وذلك مقابل تحمله عبء الجلوس لصالح الناس. وهذا الجلوس يستغرق جل وقته، مما يحول بينه وبين التكسب من طرق أخرى، لأجل هذا كان لابد من صرف مرتب له يغنيه عن الاحتياج للآخرين، ويجعله في مأمن عن التطلع لما في أيديهم.\nويكفي للدلالة على وجوب فرض مرتب للقاضي فعل النبي الكريم ﷺ عندما بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن ليتولى\n_________\n(^١) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٣ - ٤٩٤.\n(^٢) - النباهي، ص ٦٤.\n(^٣) - معين الحكام، ٢/ ٦١٤.","vol":"2","page":707},{"text":"القضاء فقد فرض له رزقًا مقابل ذلك وقال له: \"لعل الله يجبرك ويؤدي عنك دينك (^١) \".\nكذلك فرض الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم لقضاتهم أرزاقًا فقد كتب عمر بن الخطاب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة ﵃ عندما كانا في الشام \"أن انظروا رجالًا من الصالحين قبلكم فاستعملوهم على القضاء ووسعوا عليهم في الرزق (^٢) \" كما فرض علي بن أبي طالب ﵁ لشريح خمسمائة درهم في الشهر عندما ولاه القضاء (^٣)، واستمرت عملية صرف المرتبات للقضاة طيلة عهد الدولة الأموية في الشام (^٤).\nوفي الأندلس سار القضاة هناك على مثل ما كان عليه نظرائهم في المشرق، فقد كانت لهم أرزاق تدفع من بيت المال. وقد حدد لنا أبو الوليد الأزدي فيما يرويه عن أصبغ بن الفرج موارد رزق القاضي، فقد قال \"وحق على الإمام أن يوسع على القاضي في رزقه، ويجعل له خدمة\n_________\n(^١) - صحيح البخاري، ٩/ ٦٧ - ٦٨.\n(^٢) - أدب القاضي، ص ١١٠.\n(^٣) - المصدر السابق، والصفحة.\n(^٤) - انظر: محمد بن عبد الله الغنام، تاريخ القضاء في عهد الدولة الأموية من ٤١ - ١٣٢ هـ، (رسالة ماجستير مقدمة لكلية العلوم الاجتماعية قسم التاريخ والحضارة جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض ١٤٠٧ هـ. غير منشورة) ص ٩٨ - ١١٠. ومصادره.","vol":"2","page":708},{"text":"يقومون بأمره، ويدفعون الناس عنه، ويجري له ثمنًا لوقوف يدون أقضيته فيها، وشهادتهم، وبمصابيح الليل ينظر منها في أمور الناس ويدبرها، ولا ينبغي له أن يأخذ رزقه إلا من الخمس أو من الجزية أو من عشر أهل الذمة (^١) \".\nويبدو أن الرزق المقدم للقاضي كان شهريا (^٢)، وكان واسعًا نوعًا ما. بل إنه كان يمكن البعض من تدبير أموره بفائض من هذا الرزق طيلة العام المقبل حتى وإن كان معزولًا، مثلما حدث لمعاوية بن صالح عندما كان الأمير عبد الرحمن الداخل يداول بينه وبين عمر بن شراحيل في القضاء (^٣).\nوالذي تجدر الإشارة إليه أن القاضي معاوية بن صالح بما أنه يدبر شئونه طيلة العام المقبل من خلال الفائض من رزق العام الذي يتولى فيه القضاء بالرغم من أنه لا يمارس أي عمل آخر طيلة العام الذي يتولى فيه صاحبه عمر بن شراحبيل القضاء، لهو دليل أكيد على حياة الزهد التي كان يعيشها، وإن كنا لا نستطيع التغاضي عن ضخامة الرزق الذي تقدمه الدولة للقاضي.\n_________\n(^١) - مفيد الحكام، ورقه ٤.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٢٢.\n(^٣) - المصدر السابق، والصفحة.","vol":"2","page":709},{"text":"والأمثلة على حياة الزهد التي كان يحياها قضاة الجماعة بقرطبة كثيرة، فبالإضافة إلى ما سبق كان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان إذا انصرف من صلاة الجمعة، ذهب إلى الفران وأخذ خبزته ووضعها تحت عضده ودخل بيته (^١). وعندما عُزل قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني عن منصبه، بعث إليه أحد خواصه من الوزراء أحد أبنائه ومعه بعض الأعوان والزوامل لحمل أمتعته، لكنهم فوجئوا عند دخولهم بيت القاضي بأنهم لم يجدوا من المتاع إلا حصير وخابية دقيق وصحفة وقلة للماء وقدح وسرير كان يرقد عليه (^٢).\nومن شدة زهد أولئك القضاة أن أحدهم كان إذا شغل عن القضاء يومًا لا يأخذ لذلك اليوم أجرًا (^٣)، بل إن أحدهم إذا كان له دخل من غير منصب القضاء، فإنه يتعفف عن رزق القضاء، وإن كان في الواقع بحاجة إليه، فقاضي الجماعة سعيد بن سليمان كانت له ضيعة في فحص البلوط، وكان وكيله على هذه الضيعة المدعو ناصر بن قيس يُحضر للقاضي نتاج ضيعته من القمح والشعير، وهذا النتاج يبلغ سبعة أمداد من شعير وثلاثة أمداد من قمح، وكان القاضي يقول لمن حوله عن هذا الطعام \"وهذا\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٦٤.\n(^٢) - نفسه، ص ٤٨.\n(^٣) - نفسه، ص ٢٢، النباهي، ص ٤٤.","vol":"2","page":710},{"text":"مقيتي ومقيت عيالي بحول الله (^١) \" كما كان قاضي الجماعة ابن السليم يتعيش على اصطياد الأسماك من نهر قرطبة ويتعفف عن رزق القضاء (^٢).\nوبمقابل من كان يعيش من قضاة قرطبة عيشة الزهد والتقشف كانت فئة منهم تعيش في سعة وبحبوحة، فمثلًا كان قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن محمد بن زياد تاجرًا قبل أن يتولى خطة القضاء سنة (٢٩١) هـ (٩٠٤ م) (^٣) \".\nوأما قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد فيذكر عنه ابنه عبد الرحمن أنه إذا طرق أباه ضيف في الليل لم يذبح له شيئًا من الطير، لأنه يعتبره أمانًا لها، ويكتفي بأن يقدم للضيف في ذلك المساء العسل والسمن والبيض وما شاكل ذلك (^٤).\nويذكر ابن حيان أن قاضي الجماعة محمد بن يبقى بن زرب كان ذا سعة وثراء، فلما تولى القضاء في أوائل عهد الخليفة هشام المؤيد، جاءه أصحابه من الفقهاء والمشاورين لتهنئته بهذا المنصب، فما كان منه إلا أن احتبسهم عنده ثم أطلعهم على ما لديه من الأموال وأخبرهم عما تحويه\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٦٣.\n(^٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٢١٤.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ١٠٢.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ١١٤ - ١١٥.","vol":"2","page":711},{"text":"مخازنه منها، وما قدر عليه تجارته من أرباح، وذلك لكي لا يتعرض لتهمة الخيانة فيما بعد إذا ظهر ثراؤه بصورة كبيرة (^١).\nوكذلك كان قاضي الجماعة عبد الرحمن بن فطيس ميسور الحال، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن ولده محمد بن عبد الرحمن بن فطيس المتوفى سنة (٤٠٩) هـ (١٠١٨ م) كان سريا (^٢).\nكما كان عبد الرحمن بن بشر الذي تولى للحموديين بقرطبة خطتي القضاء والوزارة من أهل الثراء، يدل على ذلك ما ذكره النباهي عن مجلس لابن بشر كان يقضي فيه أنسه وخلوته، فقد كان ذلك المجلس \"عجيب الصفة حسن الآلة، ملبَّس كله بالخضرة، جدرانه وأبوابه، وسقفه وفرشه وستوره ونمارقه، وكل ذلك متشاكل الصفات، قد ملأه بدفاتر العلم ودواوين الكتب التي ينظر فيها ويخرج منها (^٣) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-97>بعض المهام التي كان يتولاها القاضي أحيانا:</span>\nمن الملاحظ أن قاضي الجماعة بقرطبة كان في بعض الأحيان يقوم بأداء مهام وظيفية أخرى، وذلك إلى جانب منصبه، فهناك من كان\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٧٧.\n(^٢) - الصلة، ترجمة رقم ١٠٨٨. تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٩٥.\n(^٣) - النباهي، ص ٨٨.","vol":"2","page":712},{"text":"يشترك في الغزوات التي كان يقوم بها جيش الدولة (^١)، بل إن منهم من كان يتولى أحيانًا قيادة الجيش (^٢).\nواشتراك القاضي في الغزو قد يكون رغبة منه في الجهاد والمرابطة، وأما إن كان الأمر نتيجة تكليف من ولي الأمر فالهدف من وجوده هو إمامة الجند في الصلاة وبث الحماس في نفوسهم من خلال الخطب التي يلقيها عليهم.\nومن المهام التي أسندت لقاضي الجماعة الإشراف على الثغور وإصلاح ما وهى من حصونها، وقد كان قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى كثيرًا ما يخرج لأجل هذه المهمة، وفي آخر خرجاته إلى هناك، اعتل في قرية نحارس ومات هناك، فنقل جثمانه إلى طليطلة حيث دفن فيها في يوم السبت مستهل ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (نوفمبر (١٠٠٨) م) (^٣).\nوأما لدينا العمالة على الكور، فقد ذكر الخشني أن الأمير الحكم الربضي استقدم الفرج بن كنانة من شذونة فولاه القضاء بقرطبة، وبعد أن أعفى الأمير ابنه عبد الرحمن من ولاية سرقسطة، وولاها عبد الرحمن بن أبي عبد هـ، حدثت بعض الفتن هناك، فأرسل الأمير إليهم قاضي الجماعة\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ١٧ - ١٨، ٨٣.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٤١.\n(^٣) - نفسه، ص ١٢٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٥٣.","vol":"2","page":713},{"text":"الفرج ابن كنانة واليًا على سرقسطة، فتمكن بحسن معالجته للأمور من إخماد الفتنة (^١).\nوقبل أن يصل محمد بن عبد الله بن أبي عيسى إلى منصب قاضي الجماعة في ذي الحجة سنة (٣٢٦) هـ (أكتوبر (٩٣٨) م) كان قد تقلد القضاء في عدة كور، فقد ولاه الخليفة عبد الرحمن الناصر القضاء ببجانة وطليطلة وجيان، وصرَّفه في عدة أمانات، فاضطلع بها، وكان آخر ما تولاه قضاء إلبيرة، وقلده مع القضاء أمانة الكور والنظر على عمالها، فكانوا لا يصدرون إلا عن أمره، ولا يظلم أحد في أي كورة تحت تصرفه إلا نصره (^٢).\nوبعد أن تولى ابن أبي عيسى قضاء الجماعة كلفه الخليفة عبد الرحمن الناصر في منتصف شهر رجب سنة (٣٢٨) هـ (إبريل (٩٤٠) م) بالخروج إلى الثغور الشرقية للنظر في مصالح أهلها، فخرج إليها وحسن أثره فيها (^٣)، وازداد رفعة وقربًا من الخليفة حتى أنه أصبح المؤتمن على أسراره، كما خوله حضور جلسة مجلس الوزراء دون أن يطلق عليه لقب وزير (^٤).\nومن المهام التي كان يتولاها قاضي الجماعة عرضًا الكتابة، فقد ذكر الخشني أن الأمير عبد الله ابن محمد كان في أحد أيام الجمعة في الساباط،\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٤١ - ٤٣.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٧.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٥٣.\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٦.","vol":"2","page":714},{"text":"فورد عليه كتاب لابد من الإجابة عليه فورًا، فطلب كاتبه عبد الله بن محمد الزجالي فلم يجده، فأراد أن يرسل في استدعائه، لكن القاضي النضر بن سلمة عرض نفسه على الأمير للرد على هذا الكتاب، فأذن له، فجاوب فأحسن وكتب فأبلغ، فأعجب الأمير به وشكر له فضله (^١).\nومن المهام الجسيمة التي كان يضطلع بها قاضي الجماعة أحيانًا، الاستخلاف في سطح قصر الإمارة، وهذا لم يحدث إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر قبل أن يكبر ولي عهده الحكم، فقد كان كثيرًا ما يستخلف قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز على سطح القصر عند خروجه لمغازيه (^٢).\nوالحق إن استخلاف القاضي على سطح القصر لهو أبلغ دلالة على مدى عظم منصب قاضي الجماعة، بالإضافة إلى الثقة القوية التي كانت متبادلة بين أمراء وخلفاء بني أمية وبين قضاتهم.\nكذلك كانت تناط بقاضي الجماعة مهمة الإشراف على البنيان، وفي هذا يذكر الخشني أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان كثيرًا ما يكلف القاضي ابن أبي عيسى بالإشراف على الثغور وتفقد مصالحها وبنيان\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٩٢.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٠٩.","vol":"2","page":715},{"text":"حصونها، كما أنه هو الذي تولى للخليفة عبد الرحمن الناصر بناء مدينة سالم مع القائد غالب بن عبد الرحمن (^١).\nوالقاضي يتولى الإشراف على أموال الوقف في المسجد الجامع (^٢) كما كان يقوم بمهمام النظر في شئون الأيتام (^٣)، وهو الذي يعيِّن الأوصياء عليهم لاستصلاح أموالهم (^٤). ولا يتم بيع شيء من ممتلكات الأيتام إلا بإذن القاضي (^٥) حتى وإن كان ذلك ضد رغبة الخليفة (^٦).\nكذلك كانت تسند للقاضي مهمة القيام بالسفارة لأجل الإصلاح، ففي شهر رمضان سنة (٣٢٨) هـ (يونيو (٩٤٠) م) انتدب الخليفة عبد الرحمن الناصر قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي للسفر إلى العدوة المغربية للتوسط بين الزعيمين الخير بن محمد بن خزر وبين مدين بن موسى بن أبي\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٩.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٨٣.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٦٦.\n(^٤) - يحدث أحيانًا أن القاضي يعين للأيتام أوصياء سوء ومن أولئك الأوصياء الذين عينهم قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي وعندما عاتبه الخليفة عبد الرحمن الناصر على تعيين تلك المجموعة السيئة رد عليه القاضي بأنه لا يجد سواهم فالذي يرجى منهم الصلاح لا يقبلوا الوصاية على الأيتام، ثم طلب من الخليفة أن يحيله على أهل الصلاح وله أن يجبرهم بكل وسيلة وهو يضمن له ألا يسمع بعد ذلك إلا كل خير. انظر: مطمح الأنفس، ص ٢٥٧.\n(^٥) - نفح الطيب، ٢/ ١٦.\n(^٦) - مطمح الأنفس، ص ٢٥٢ - ٢٥٤. نفح الطيب، ٢/ ١٦ - ١٧.","vol":"2","page":716},{"text":"العافية المكناسي لإيقاف الحرب بينهما ومنع سفك الدماء، فنفذ منذر لما ندب له، وعالج الأمر برؤية فوفق في مهمته (^١).\nوفي عهد الفتنة أرسل الخليفة المهدي قاضي الجماعة أبا العباس بن ذكوان لإقناع هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ومن معه من العبيد العامريين بالعدول عن إثارة الفتنة وترك الخروج ضد المهدي (^٢).\nوقاضي الجماعة يؤخذ العهد أمامه بالطاعة، فقد ذكر ابن ذكوان أنه في غزوة ربيع الأخر سنة (٣٢٨) هـ (ديسمبر (٩٣٩) م) قدم إلى قرطبة موسى بن محمد صاحب مدينة وشقه وحكم بن منذر صاحب قلعة أيوب مستأمنين للخليفة عبد الرحمن الناصر، فأخرج إليهما كتب الأمان، وعقد لهما على أعمالهما، وذلك بعد أن أحلف كل واحد منهما في المسجد الجامع بقرطبة خمسين يمينًا على الالتزام بالطاعة والوفاء بشروطها والنصح للخليفة في السر والعلن، كل هذا تم بمحضر قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي ومن معه من الحكام والفقهاء والعدول (^٣).\nوأخيرًا، إن القارئ ليقف موقف المتسائل من القدرة التي كان عليها قضاة الجماعة والتي أهلتهم للتصدي بكفاءة لكل ما وكل إليهم من المهام، وربما تسرب إلى الخاطر أن معظم تلك المهام لم تكن إلا تشريفية\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٠.\n(^٢) - البيان المغرب، ٣/ ٧٩ - ٨٠.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٥٣.","vol":"2","page":717},{"text":"لا أكثر (^١)، لكن الصواب هو ما ذهب إليه أحد المختصين بدراسة القضاء في الأندلس حيث يقول \"إن مجال التشريف بألقاب القاضي لم يكن معمولًا به في الأندلس، وأن الخطط التي جمعت إلى قضاة الأندلس كان القاضي يمارسها بنفسه، فإذا لم يستطع فبالاستخلاف أو التفويض أو بمعونة مساعديه وتحت مراقبته ومسئوليته\" (^٢).\nويكفي لتأييد هذا الرأي وأن الألقاب لم تكن تشريفية ما ورد على لسان الحاجب المنصور بن أبي عامر عند وصفه لأحد رجال دولته، المدعو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحضرمي الشهير بابن الشرفي، المتوفى في شهر شعبان سنة (٣٩٦) هـ (مايو سنة (١٠٠٦) م) فقد قال \"في أصحابي رجل بصير بدنياه، يصلح لكل خطة، من مكاني في الحجابة، إلى مكان بوابي فلان، فمن بينهما من ذي منزله، ويستقل بكل أمر، ويصلح لكل خطة فإذا استفسر عنه، قال هو الشرفي (^٣) \".\nولتأكيد مقولة المنصور أورد القاضي عياض وصف ابن حيان لابن الشرفي، فذكر أنه قال \"كان من أحد رجالات قرطبة المعدودين في الجزالة والرجولة، مع جودة المعرفة وغزارة العلم ومتانة الخطابة، والسداد\n_________\n(^١) - انظر: الدكتور محمود مكي في مقدمة تحقيقه لكتاب المقتبس، ص ٤٤.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٠٢.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٩٣.","vol":"2","page":718},{"text":"في الحكومة مع الصلابة والنزاهة، ولي الشرطة والأحكام بقرطبة والصلاة والخطبة بجامعها مع المواريث (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-98>مستخلف القاضي:</span>\nيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٢) فطاعة ولي الأمر واجبة - بغير معصية - والقاضي هو وكيل عن ولي الأمر، ولا يجوز للوكيل إقامة وكيلًا له إلا بتفويض من الموكل، فكذلك لا يجوز للقاضي أن يستخلف قاضيًا آخر مكانه مالم يأذن ولي الأمر بذلك (^٣). وعليه \"فليس للقاضي أن يستخلف قاضيًا مكانه ينظر بين الناس ويريح نفسه إذا كان حاضرًا ولا إن عاقه شغل، إلا بعد استئذان الذي قدمه أو يكون تقديمه انعقد على ذلك (^٤) \".\nوقد حدد الفقيه ابن العطار في وثائقه المجال العام الذي يمكن للقاضي المستخلف أن يعمل فيه، فقد ذكر أن القاضي إذا استخلف قاضيًا آخر مكانه فللمستخلف الاستماع لشهادة الشهود، وقبول عدالة\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٧/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(^٢) - سورة النساء جزء من الآية ٥٩.\n(^٣) - أدب القاضي، ص ٣٥٧ - ٣٥٨، وقد ورد في تاريخ قضاة الأندلس أن القاضي محمد بن الحسن الجذامي النباهي عندما أمره يحيى المعتلي بتولي القضاء بمالقة، اشترط لقبول الولاية عدة شروط، منها: أن يستخلف عنه من يظهر له متى احتاج إلى ذلك وإن كان مقيمًا في قصره. انظر: النباهي، ص ٩٠.\n(^٤) - معين الحكام، ٢/ ٦١١.","vol":"2","page":719},{"text":"من عرف منهم بالعدالة، وأن يعدل من احتاج إلى تعديل. فبعد أن يثبت لديه حيازة ما شهد به الشهود، يرفع ذلك كله إلى القاضي الذي استخلفه، وذلك بحضرة شاهدي عدل، فيلزم القاضي حينئذ إقرار فعل مستخلفه، وتنفيذ ما ثبت عنده من ذلك، ويسجل به للمحكوم وينعقد التسجيل في ذلك والإشهاد على القاضي (^١)، ثم أضاف أنه إذا كان المخلف غائبًا، فإنه يسجل القضية بشهادة الشهود والإثباتات ثم يطبع على الكتاب الذي سجل فيه القضية ويبعثه مع عدلين، يتوجهان به إلى القاضي ويسلمانه الكتاب، ويشهدان عنده أن مخلفه فلان بن فلان قد دفعه إليهما وأشهدهما على ما فيه، وينفذ القاضي قولهما إذا قبلهما بمعرفته بهما أو بتعديل من عدلهما لديه (^٢).\nوقد استخدم بعض قضاة الجماعة بقرطبة حق الاستخلاف، من هؤلاء قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى الذي كان يستخلف على قضائه عند خروجه من قرطبة قاسم بن محمد صاحب الوثائق، وفي بعض الأحيان يستخلف عبد الرحمن بن علي (^٣).\nوكان قاضي الجماعة ابن ذكوان ملازمًا للحاجب المنصور بن أبي عامر لم يتخلف عنه في غزوة من غزواته ولا فارقه في إقامة ولا سفر،\n_________\n(^١) - الوثائق والسجلات، ص ٦٤٢.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٦٤٢ - ٦٤٣.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٩.","vol":"2","page":720},{"text":"وكذلك كانت حالته مع ولديه عبد الملك المظفر وعبد الرحمن شنجول (^١) ولذا فقد كان القاضي ابن ذكوان يستخلف أخاه أبا حاتم صاحب المظالم طيلة غيابه عن قرطبة (^٢).\nوالمستخلف ربما حاول أن يقنع ولي الأمر بأنه أولى بالمنصب ممن استخلفه، وأنه أقدر عليه منه، وقد حدث ذلك في قرطبة مرة واحدة، فقد استخلف قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى في إحدى خرجاته عن قرطبة الفقيه ابن زونان، فصلى بهم الجمعة ثم استغل غيبة القاضي، فكتب للخليفة عبد الرحمن الناصر كتابًا ذكر فيه \"أنه شيخ من شيوخ المسلمين، ومن أهل العلم فيهم، وولاؤه أشرف الولاء، إذ كان مولى رسول الله ﷺ فكيف يكون مع هذا مخالفًا لابن أبي عيسى؟ وهو صبي في عدد ولده، يسأل أمير المؤمنين أن يأنف من هذا (^٣) \" لكن الخليفة لم يلتفت إلى كتابة ابن زونان، ولم ير بديلًا لابن أبي عيسى الذي ما إن علم بالأمر حتى عاد مسرعًا وصرف ابن زونان ولم يستخلفه بعدها (^٤).\nوالاستخلاف في القضاء لم يقتصر العمل به على قضاة الجماعة بقرطبة، فقد كان معمولًا به في الكور، فالفقيه الحافظ أبو الفرج عبد الله\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٧/ ١٦٨ - ١٦٩.\n(^٢) - نفسه، ٧/ ١٧٥.\n(^٣) - النباهي، ص ٦٠.\n(^٤) - المصدر السابق، والصفحة.","vol":"2","page":721},{"text":"بن عبد الوارث (^١) بن منتيل، المتوفى ليلة السبت لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة (٣٧٣) هـ (فبراير (٩٨٤) م) كان مستفتيًا في الأحكام ببلدة طليطلة، ومن أهل الثقة والورع في جميع أموره، ولذا فقد كان محمد بن يحيى بن عبد العزيز يستخلفه أيام قضائه بطليطلة (^٢).\nوقد نظر ابن عبد ون إلى مسألة الاستخلاف نظرة حذرة، خشية ماقد يطرأ على الحقوق من ظلم بسبب هذا الاستخلاف، فبعد أن ذكر الشروط التي على القاضي التحلي بها، بدأ يعدد الأمور التي يجب عليه أن يأخذ حذره منها \"ألا يستخلف في ذلك لأنه باب فساد لحاله، وباب من الهوان كبير قد فتحه على نفسه، فإن الناس يميلون إلى مستخلفه ويبقى هو مهونًا لا يعبأ به، ويحدث المستخلف عليه خلافًا عظيمًا، لاسيما إذا ارتشى أو كان ذا غفلة، ولم تكن له حنكة (^٣) \".\nثم حدد ابن عبد ون السمات التي على القاضي أن يراعيها في مستخلفه، وحدد له الصلاحيات التي يمنحها المستخلف لكي يضمن السلامة، فقال \"أن يجعل حاكمًا عالمًا خيرًا غنيًا يجعله للعوام في الأمر القريب من الأحكام لا في رقاب الأموال، ولا حكم على الأيتام، ولا فيما فيه أمر من أمور السلطان والعمال (^٤) \".\n_________\n(^١) - لدى ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٣٠: عبد الحارث.\n(^٢) - لدى ابن الفرضي ترجمة رقم ٧٣٠. ترتيب المدارك، ٧/ ٣٠.\n(^٣) - رسالة ابن عبدون، ص ٨ - ٩.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٩.","vol":"2","page":722},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>العزوف عن القضاء:</span>\nمن الملاحظ أنه بالرغم من الأهمية البالغة، والمكانة السامية، للقاضي في المجتمع الإسلامي، إلا أن بعض الفقهاء يرفض بشدة تولي القضاء، ورفض هذا المنصب مدعاة للتساؤل. لكن إذا وضعنا في الاعتبار احتياط ذلك الفقيه لنفسه من الوقوع في المحذور، وخشيته من القضاء لشدة عقوبة من اتبع هواه فيه، فسوف نعذره، فقد وردت أحاديث عديدة كلها تحذر من القضاء، من ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من جعل قاضيًا بين الناس فقد ذُبح بغير سكين (^١) \".\nلكن العزوف عن القضاء لمجرد التحذير أمر فيه نظر، إذ أن في رسول الله ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أسوة حسنة، كما أن القاضي الذي يقضي بالحق ويجهد نفسه في مرضاة الله تعالى لاشك أن له من الله تعالى أجر عظيم، والرسول الكريم ﷺ لم يغلق الباب أمام تولي القضاء، فهو كما أنه حذر منه، تجده في أحاديث أخرى يرغب فيه فقد قال: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر\" (^٢).\n_________\n(^١) - سنن ابن ماجه، ٢/ ٧٧٤. رقم الحديث ٢٣٠٨.\n(^٢) - المصدر السابق. رقم الحديث ٢٣١٤.","vol":"2","page":723},{"text":"ويرى الخشني أن قبول بعض الفقهاء للقضاء ناتج عن رغبة منهم في شرف الدنيا والاتكال على عفو الله تعالى ورحمته، وأما من نفر منه فذلك لخشيته من موقف يوم القيامة، وحذرًا من وقوع حيف على يديه يستجلب به غضب الله تعالى (^١) \".\nوفي الأندلس وجد الكثير من الفقهاء الذين رفضوا منصب القضاء، شأنهم في ذلك شأن من رفضه من المشارقة، وقد علل أحد المهتمين بدراسة القضاء في الأندلس هذا الرفض \"بالخوف من عدم القدرة على إقامة العدل على الأقوياء، وتحرجًا من خدمة أمراء لا يرضون عن تصرفاتهم، وخوف الفقهاء من الدسائس التي تحدث بين بعضهم ورجال السلطة وأصحاب النفوذ في الدولة، وخوفهم أيضًا من التنكيل بهم بيد أصحاب السلطة إذا عارضوا ووقفوا أمام ظلمهم (^٢) \".\nوإذا طبقنا هذا الرأي على الواقع في الأندلس، نجد أنه بحاجة لإعادة نظر، فهو لا ينطبق إلا على عهد الخليفة هشام المؤيد، وهذا أيضًا في حالات معدودة بالإضافة إلى مدة الفتنة وهي مدة لا يمكن اعتبارها صورة لحالة الدولة بأي حال من الأحوال، أما منذ قيام الدولة سنة (١٣٨) هـ وحتى وفاة الخليفة الحكم المستنصر سنة (٣٦٦) هـ (٩٧٧ م) فإن أغلب\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٢.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٠٨.","vol":"2","page":724},{"text":"الصور عن القضاء ومن تولاه هي صور طيبة تبرز بجلاء موقف أمراء وخلفاء بني أمية من العدل.\nهذا ولدينا شخصيات أندلسية كثيرة رفضت منصب القضاء، ولعل الفقيه يحيى بن يحيى الليثي هو خير مثال على ذلك، إذ يمكن اعتباره أبرز شخصية دينية أندلسية على الأقل في عصره.\nوعندما نحاول الوصول إلى معرفة الأسباب الحقيقية التي حالت دون تولي الفقيه الليثي للقضاء، نضع في الاعتبار مسألة تأثير الإمام مالك بن أنس على أتباع مذهبه بصفة عامة وتلاميذه بصفة خاصة.\nفالمذهب المالكي يمتاز عن بقية المذاهب بالتأثير السلوكي الذي يظهر جليًا على اتباعه، فهو غير مقتصر على كونه مذهبًا فقهيًا فحسب، بل هو مذهب سلوكي (^١) وإذا حاولنا التعرف على الأسباب التي أدت إلى أخذ الأندلسيين بالمذهب المالكي، نجد أن من بينها \"العامل التربوي\" والذي أقصده هو القول بأن تأثيرًا تربويًا تمت ممارسته بطريق غير مباشر من قبل الإمام مالك على تلاميذه الأندلسيين، فقد وجد هؤلاء التلاميذ إمامًا مهيبًا (^٢)، على درجة كبيرة من العلم والوقار وحسن الهيئة، لذا فليس\n_________\n(^١) - د. حسين مؤنس، شيوخ العصر في الأندلس، (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ١٩٨٦ م) ص ١٦.\n(^٢) - عن هيبة الأندلسيين للإمام مالك يقول سعيد بن أبي هند: \"ما هبت أحدًا هيبتي لعبد الرحمن بن معاوية حتى حججت فدخلت على مالك فهبته هيبة شديدة حتى صغرت عندي هيبة عبد الرحمن لهيبته\" انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٤٦٩.","vol":"2","page":725},{"text":"من المستغرب أن يقتدوا به، ويتخلقوا بأخلاقه وحرصوا كل الحرص على أن يسلكوا السبيل الذي اختطه لنفسه (^١).\nومن أجل محاولة الوصول إلى الأسباب التي حالت دون تولي الفقيه يحيى الليثي للقضاء يجب أن نتذكر أن رفض الإمام مالك للقضاء جعل العباسيين يرمقونه بنظرة إجلال واحترام، وهي صورة يسعى الكثير من الطلاب لنيلها، ولذا فلا عجب أن يرفض الفقيه يحيى الليثي منصب القضاء، وهو مدرك لمعنى هذا الرفض، إذ أنه نصب نفسه مشرفًا عامًا على القضاء، وذلك عندما قال لرسول الأمير عبد الرحمن بن الحكم عندما ألح عليه في القضاء: \"المكان الذي أنا به لما تريدون خير لكم، إنه إذا تظلم الناس من قاض أجلستموني فنظرت عليه، وإن كنت القاضي فتظلم الناس مني، من تجلسون للنظر علي؟ من هو أعلم مني أو من هو دوني في العلم (^٢) \" وإذا علمنا أن أكبر عدد من القضاة في قرطبة وجد في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) وأن ذلك كان بسبب الفقيه يحيى الليثي، إذ كان مستشارًا للأمير في تعيين القضاة وعزلهم، ولا يولي الأمير أحدًا إلا بمشورته (^٣)، كما أن هو الذي يولي مكان القاضي المعزول (^٤)، بل لقد بلغ من سلطانه في مجال تعيين القضاة وعزلهم\n_________\n(^١) - سالم الخلف، المرجع السابق، ص ٢٨٥.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٥.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٥٨.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٠ - ٤١.","vol":"2","page":726},{"text":"أنه إذا أنكر من القاضي شيئًا قال له \"استعف وإلا رفعت بعزلك (^١) \" إذا عرفنا هذا أدركنا لماذا امتنع الفقيه يحيى عن القضاء.\nولابد من الإشارة هنا إلى أنه ما ينطبق على الفقيه يحيى الليثي لا يمكن تعميمه على كل من رفض القضاء في الأندلس، إذ أن المصادر لم تتطرق لذكر الأسباب الحقيقية وراء الرفض كما أن هناك من رفض القضاء وقبل بتولي خطة أخرى مثل خطة الشورى وخطة الصلاة والخطبة والتعليم في المسجد (^٢).\nوبمقابل الامتناع عن تولي القضاء، هناك من عمل بالقضاء ثم طلب الإعفاء منه، ولدينا أمثلة عدة، فمن هؤلاء: محمد بن إبراهيم بن مزين الأودي، من أهل أكشونبه غربي الأندلس، ولاه الأمير عبد الرحمن الداخل قضاء الجماعة بقرطبة، وذلك في شهر المحرم سنة (١٧٠) هـ (يوليو (٧٨٦) م) فاستمر في منصبه عدة أشهر ثم طلب الاستعفاء فأعفي ورحل للحج وقابل الإمام مالكا ثم عاد إلى الأندلس ومات سنة (١٨٣) هـ (٧٩٩ م) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>العزل عن القضاء:</span>\nمن الملاحظ أن بالرغم من المكانة السامية لخطة القضاء إلا أنه كان عرضه للعزل، ورغم أن ذلك كان أمرًا مألوفًا في المجتمع الأندلسي حتى\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٨٠.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٠٩. ربما أنهم وجدوا أن هذه الخطط أخف وطأة من مسئولية القضاء.\n(^٣) - نفح الطيب، ٢/ ٥١٤.","vol":"2","page":727},{"text":"نهاية القرن الخامس الهجري (^١) (الحادي عشر الميلادي)، إلا أن الأمر غير مرتبط برضى أو سخط حاكم الدولة الأموية، والمصادر الأندلسية تعج بالأمثلة المؤيدة لذلك، فكم من موقف خالف فيه القاضي رغبة الأمير أو الخليفة الأموي ولم يعزله عن منصبه (^٢).\nومادام الأمر على هذه الصورة، فلابد أن تكون هناك أسباب للعزل، إذ أن العزل بدون سبب مقنع هو نوع من التعسف في استعمال السلطة، وإخلال بالعدالة، فالقاضي متى ما شعر أنه عرضة لهوى الحاكم أصبح غير مطمئن، وبالتالي تأتي أحكامه بعيدة عن العدالة المنشودة (^٣).\nوهناك هيئة من الفقهاء تتولى متابعة القاضي ومؤاخذته إذا دعت الضرورة لذلك، وفي الوقت نفسه تركت للقاضي حق الدفاع عن نفسه، والأمثلة على ذلك متوفرة، فقد ورد لدى الخشني أن الفقيه يحيى بن يحيى الليثي ذكر أن حمدون بن فطيس تظلم من قاضي الجماعة محمد بن بشير في شيء حكم به عليه، ورفع الشكوى للأمير الحكم الربضي، الذي أصدر أوامره بتكوين مجلس من الفقهاء للنظر في حكم القاضي الذي سبب هذا التظلم (^٤).\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣١٢.\n(^٢) - انظر: قضاة قرطبة، ص ٢٥ - ٢٦، ٢٩. النباهي، ص ٦٩ - ٧٢.\n(^٣) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣١٢.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٣٦.","vol":"2","page":728},{"text":"وعندما تورط قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله بالثلث الذي أوصى ابن القصيبي بتفرقته، وذلك بسبب تواطئ ولد القاضي مع أولاد العدل الذي عنده المال، فأراد الأمير محمد بن عبد الرحمن التثبت من براءة القاضي، فبعث إليه أحد فتيانه، وحلفه في بيته سرًا وذلك بمشورة الفقيه بقي بن مخلد (^١).\nوإذا حاولنا التعرف على الأسباب التي كانت وراء عزل القضاة في الأندلس، نجد أنها متعددة، منها: انتهاء مدة ولاية القاضي، فهو إذا حددت مدته بسنة واحدة مثلًا، فإنه يعتبر معزولًا بانتهائها، ومثال ذلك ما عرفناه في عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، فقد كان يداول بين معاوية بن صالح وعمر ابن شراحيل المعافري على قضاء الجماعة، فكان كل واحد منهما يتولى القضاء سنة واحدة ثم يلي صاحبه، وإذا تجاوز أحدهما السنة فإن الآخر ينبه الأمير على ذلك ليعزله (^٢).\nكذلك ما يمكن اعتباره عداوة بين الفقهاء والقاضي، تكون سببًا في عزله، وهذا ما جرى لقاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني (^٣) وبسبب اتباع قاضي الجماعة محمد بن سعيد لهواه، وحكمه برضى الناس، اضطر الفقيه يحيى الليثي إلى طلب الاستعفاء، بعد أن قال له \" … فأما إذا صرت\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٨٣ - ٨٥. ابن القوطية، ص ٧٢.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٢٢.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٤٦ - ٤٨.","vol":"2","page":729},{"text":"تتبع الهوى وتقضي برضى مخلوق ضعيف فلا خير فيما تجيء به ولا في إن رضيته منك (^١) \".\nومن دواعي عزل القاضي اشتراكه مع الحاكم بالنسب، وقد ظهرت هذه الصورة جلية في حادثة عزل قاضي الجماعة إبراهيم بن عباس القرشي، فقد حدثت شحناء بين هذا القاضي وبين الحاجب موسى بن حدير في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، فأضمر الحاجب في نفسه الانتقام من القاضي، فدس عليه امرأة خاطبت القاضي بمجلس قضائه قائلة له: \"يا ابن الخلائف (^٢) \" فلم ينكر عليها القاضي ذلك فرفعت الكلمة للأمير، وصور الأمر له بأن هناك مؤامرة ضده يدبرها القاضي مع الفقيه يحيى الليثي، إلا أن الفقيه عبد الملك بن حبيب أقنع الأمير بأن ذلك غير صحيح، ثم أشار عليه بعزل القاضي حيث قال له: \" … وأما القاضي فلا ينبغي للأمير أن يشركه في عدله من يشركه في نسبه (^٣) \" فكان ذلك سببًا لعزل القاضي سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م).\nوكذلك قد تكون الأخلاق الصعبة سببًا في العزل عن القضاء، فالقاضي يخامر بن عثمان الشعباني كان يعامل الناس \"بخلق صعب، ومذهب وعر، وصلابة جاوزت المقدار (^٤) \" فلم يحتمل الناس من ذلك،\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦٣.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٥٣. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦١.\n(^٣) - قضاة قرطبة،: ٥٢ - ٥٣.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٥٤.","vol":"2","page":730},{"text":"وتسلطت عليه الألسن، ورفع أمره للأمير عبد الرحمن، فكلف الوزراء بتولي السؤال عن القاضي وكشف أمره، وبعد أن ظهرت الحقيقة أمر الأمير بعزله (^١).\nولقد كانت كثرة القضايا التي ينظرها القاضي في فترة وجيزة مدعاة لعزله، وهذا ما حدث للقاضي معاذ بن عثمان الشعباني، فقد مكث في منصبه مدة سبعة عشر شهرًا، أحصى عليه خلالها تنفيذ سبعين قضية، فاستكثرت منه (^٢) وخيف عليه الزلل، فرفع الفقهاء أمره للأمير عبد الرحمن الأوسط فأمر بعزله (^٣).\nوللخشني موقف من مسألة القاضي معاذ بن عثمان، فهو يرى أن القول بأن كثرة القضايا التي نظر بها، والأحكام التي أصدرها في فترة حكمه أنها هي السبب بعزله أمر غير مقبول، ويرى \"أنها حكاية مدخولة لأنه لا تذكر تنفيذ الأقضية وكثرتها مع حضور الحق وانكشاف الصدق (^٤) \" فإذا صح رأيه فإنها لا تعدو أن تكون من تحامل بعض الفقهاء من مشاورين وعدول وأهل فتيا، إذ أن من مصلحتهم التريث في الأحكام لأنه كلما طالت الخصومات كان ذلك أنفع لهم ماديًا (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٥٤ - ٥٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦٣ - ٦٧.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٥٥.\n(^٣) - النباهي، ص ٥٥.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٥٦.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ٥٦.","vol":"2","page":731},{"text":"وإذا جيء القاضي بمن عرَّض بسب الله تعالى ولم يأمر بقتله، كان مدعاة لعزله، وهذا ما حصل لقاضي الجماعة الحبيب محمد بن زياد، فقد جيء إليه بابن أخي عجب (^١)، وقد شُهِدَ عليه بأنه عَرَّض بسب الله تعالى، وذلك أنه خرج يومًا فأخذه المطر، فقال: \"بدأ الخرَّاز يرش جلوده (^٢) \" تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فأفتى القاضي حينئذ بتأديبه فقط، وبه أفتى بعض الفقهاء، في حين أفتى عبد الملك بن حبيب وأصبغ بن خليل بوجوب قتله، وعندما رفعت الآراء للأمير عبد الرحمن الأوسط، أمر بعزل القاضي وتأنيبه ومن تابعه من الفقهاء وعزلهم عن مناصبهم كما أمر بقتل ابن أخي عجب (^٣).\nوإذا أحدث أحد أولاد القاضي حدثًا يمس أمن الدولة، فإن ذلك يكون سببًا في عزله، فقاضي الجماعة أحمد بن زياد أحدث أحد أولاده بشذونه حدثًا أقلق الأمير محمد بن عبد الرحمن فأمر بعزل القاضي عن منصبه (^٤)، وبوشاية الحاقدين أصدر الأمير محمد بن عبد الرحمن أوامره بعزل قاضي الجماعة سليمان بن أسود سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) وهي نهاية ولايته الأولى (^٥).\n_________\n(^١) - عجب هي محظية الأمير الحكم الربضي.\n(^٢) - المعيار المعرب، ٢/ ٣٦٢.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٥٩ - ٦٠.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٦٦ - ٦٧.\n(^٥) - نفسه، ص ٨١ - ٨٢.","vol":"2","page":732},{"text":"ويحدث أن يكون فساد الولد مدعاة لعزل أبيه، وهذا ما ينطبق على قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله ففي ولايته الثانية سنة (٢٦٢) هـ (٨٧٦ م) تغيرت حالته، وأصبحت الهدايا تدخل بيته وذلك بسبب ولده المكنى بأبي عمرو، والذي نسب إليه التدليس في الديوان في مال قد أوصى به تاجر يدعى ابن القصيبي، فكثر الحديث وتناولته الألسن، وهجاه بعض الشعراء، فلما وصلت هذه الأخبار إلى الأمير قال: قد أكثر الناس في عمرو وفي ولده، فعزله حينئذ وذلك سنة (٢٦٣) هـ (٨٧٧ م) (^١).\nوالقاضي يعتبر معزولًا إذا خرج للغزو ثم عاد ولم يُصدر الأمير أو الخليفة ظهيرًا يجدد به ولايته، إذ أنه لا يستطيع العودة إلى مجلس قضائه حتى يُعهد إليه بذلك، فقد \"كان الرسم حينئذ إذا غزا القاضي ثم قدم لم ينظر حتى يعهد إليه بالنظر\" (^٢).\nوبسبب الهرم وكبر السن أصدر الأمير المنذر بن محمد أوامره سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) بعزل قاضي الجماعة سليمان بن أسود (^٣).\nوعزل قاضي الجماعة النضر بن سلمة لأنه رفض أن يحكم بصرف المال الموقف بالجامع إلى بيت المال إلا باجتماع آراء الفقهاء، فرفع موقفه\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٨٢ - ٨٣.\n(^٢) - نفسه، ص ٨٣.\n(^٣) - نفسه، ص ٨٨ - ٨٩.","vol":"2","page":733},{"text":"ذلك إلى الأمير عبد الله بن محمد بعد أن حُرّف معناه، وصُرف القول إلى أسوأ الوجوه فعزله الأمير حينئذ (^١).\nكذلك يتم عزل القاضي مباشرة عن منصبه إذا علم فساد حاله، فبعد أن عزل الأمير عبد الله ابن محمد قاضي الجماعة النضر بن سلمة الكلابي عين بدلًا منه موسى بن محمد بن زياد الجذامي، إلا أنه لم يمكث في منصبه سوى أسبوعًا واحدًا فقط، ثم عزله الأمير بعد أن وصلت إليه أخبار تفيد بأن ظاهره غير باطنه، كما لم يثن عليه زملاؤه من الفقهاء (^٢).\nويعزل قاضي الجماعة عن منصبه في حالة استبداله بمن هو أفضل منه، فعندما تولى الأمير عبد الرحمن بن محمد الإمارة أقر قاضيه الحبيب أحمد بن زياد على منصبه فترة وجيزة ثم عزله وجعل مكانه أسلم بن عبد العزيز بعد عودته من رحلته إلى المشرق وما سمعه عنه من اتصافه بالمذهب الحسن والمروءة الكاملة وذلك سنة (٣٠٠) هـ (٩١٣ م) (^٣).\nوقد يعزل القاضي عن منصبه نتيجة موقف سياسي، وهذا لم يحدث طيلة عصر الدولة الأموية إلا عندما تسلط العامريون على الخلافة الأموية، فقد أمر الحاجب المنصور بن أبي عامر بعزل القاضي أصبغ بن الفرج\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٩٣.\n(^٢) - نفسه ص ٩٤. المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٥٤.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ١٠٥ - ١٠٦.","vol":"2","page":734},{"text":"الطائي قاضي بطليوس، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) عن منصبه لأنه عارضه في القول بالتجميع في مسجد الزاهرة (^١).\nوبسبب وشاية الوزير عيسى بن سعيد أصدر الحاجب عبد الملك المظفر أوامره بعزل قاضي الجماعة ابن ذكوان عن منصبه وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة (٣٩٤) هـ (٢١ سبتمبر (١٠٠٤) م) (^٢).\nوفي الولاية الثانية لابن ذكوان صدرت أوامر الخليفة هشام المؤيد بطرد بني ذكوان من الأندلس قاطبة وذلك سنة (٤٠١) هـ (١٠١١ م) كل هذا بسبب تآمر الحاجب واضح الصقلبي ضد القاضي الذي سبق وأن أشار على الخليفة بضرورة مسالمة البربر وعدم الاستماع لآراء حاجبه واضح (^٣).\nوبسبب الموقف الذي اتخذه قاضي الجماعة ابن وافد من البربر وخليفتهم سليمان المستعين، فإنه تعرض بمجرد دخول المستعين لقرطبة في يوم الاثنين لثلاث بقين من شوال سنة (٤٠٣) هـ (مايو (١٠١٣) م) للعزل والتنكيل والإهانة وكاد أن يصلب لولا شفاعات الكثير من الفقهاء والصالحين، حتى أن والد الخليفة المستعين قد شفع به، فاكتفى المستعين\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٥٩ - ١٦١.\n(^٢) - المصدر السابق، ٧/ ١٦٩ - ١٧٠. الصلة، ترجمة رقم ٦٥.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٣ - ١٧٤. النباهي، ص ٨٦ - ٨٧.","vol":"2","page":735},{"text":"بسجنه في المطبق وظل كذلك إلى أن مات في منتصف ذي الحجة سنة (٤٠٤) هـ (يونيو (١٠١٤) م) (^١).\nونختتم أسباب العزل بقاضي الجماعة عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن أحمد بن بشر بن غرسيه المشهور بابن الحصّار، تولى القضاء سنة (٤٠٧) هـ (١٠١٦ م) في عهد علي بن حمود، وتمادى في منصبه إلى أن عزله الخليفة هشام المعتد بالله سنة (٤١٩) هـ بسبب وشايات بعض الفقهاء وسعيهم ضده (^٢).\nوالقاضي إذا عُزل عن منصبه فإن كتابًا يصدر بذلك وتصله نسخة منه (^٣) وعلى القاضي المعزول أن يقوم بتسليم ما لديه من سجلات وهو ما كان يعرف بالديوان، ويتولى مهمة الاستلام أربعة من عدول قرطبة يختارهم صاحب المدينة ويكلفهم باستلام الديوان من القاضي المعزول ووضعه في بيت الوزراء إلى حين يتم اختيار قاضٍ آخر ليستكمل فيه القضايا (^٤).\nلكن هذا الرسم كان يُخرق أحيانًا، من ذلك أن قاضي الجماعة أحمد بن زياد عندما عزل عن منصبه وتم تعيين كاتبه عمرو بن عبد الله بدلًا منه، أصر الأخير على ألا يستلم الديوان إلا من يد القاضي ابن زياد\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٨٨ - ٨٩. البيان المغرب، ٣/ ١١٣. ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٨ - ١٨١.\n(^٢) - الصلة، ترجمة رقم ٦٩٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٦٨٦.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٨٢.","vol":"2","page":736},{"text":"شخصيًا، فلم يكن أمام ابن زياد إلا أن حمل الديوان بنفسه وذهب به إلى المسجد الجامع حيث سلمه لعمرو بن عبد الله وقال له: \"يا عمرو قد فتحت على القضاء بابًا لا يخطئك شره\" (^١).\nبقي أن نشير أخيرًا إلى المذهب الذي سار عليه القضاة في إصدار أحكامهم فالمذهب المالكي هو المذهب الرسمي للدولة، وعلى وفقه تصدر أحكام القضاة (^٢)، ولا يسمح للقاضي أن يتجاوز المذهب المالكي إلى ما عداه، حتى ولو كان القاضي غير مالكي، فقد كان قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي ظاهري المذهب، لكنه كان إذا جلس للقضاء سار على مذهب الإمام مالك وأصحابه رحمهم الله تعالى (^٣).\nوأخيرًا أود أن أختم الحديث عن القضاء بذكر ما يمكن تسميته بأوليات في القضاء بالأندلس، فأول قاض من الموالي تم تعيينه في منصب \"قاضي الجماعة\" هو عمرو بن عبد الله بن ليث القبعة، ويذكر الخشني أن العرب قد شق عليهم ذلك، وأخذوا يتحدثون في مجالسهم بما ينبئ عن عدم رضاهم، فلما بلغ الأمير محمد بن عبد الرحمن ذلك، قال: \"وجدت فيه مالم أجد فيهم (^٤) \".\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٦٨.\n(^٢) - عن المذهب المالكي ودخوله الأندلس وموقف الدولة الأموية منه، انظر: سالم الخلف، المرجع السابق، ص ٢٧٦ - ٣٠٨.\n(^٣) - النباهي، ص ٧٤ - ٧٥.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٦٧.","vol":"2","page":737},{"text":"وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر عين مولدًا يدعى عبد الله بن الحسن المعروف بابن السندي قاضيًا على وشقة وما جاورها، وقد أفاد ابن السندي من ولايته أموالًا عظيمة ونعمًا جسيمة، كما أنه كان شديد التعصب للمولدين، عظيم الكراهية للعرب، منتقصًا لهم، حافظًا لمثالبهم، ولأجل ذلك فقد استوزره عبد الملك بن محمد الطويل ومن بعده أخوه فرتون طيلة حياته، حتى أنهما كان لا يصدران إلا عن رأيه (^١).\nوذكر ابن عبد البر أن قاضي الجماعة موسى بن محمد بن زياد الجذامي الذي ولي القضاء بعد النضر بن سلمة الكلابي في عهد الأمير عبد الله بن محمد، هو أول من أفسد في خطة القضاء، إذ أن ظاهره كان خلاف باطنه، وكان صديقه أسلم بن عبد العزيز يصفه بأشياء قبيحة (^٢) كما أن محمد بن عمر بن لبابه لايحسن الثناء عليه، ولذا فقد عُزل الجذامي عن منصبه بعد أسبوع من ولايته (^٣).\nوركوب القاضي إلى السلاطين والدخول معهم في أمورهم يعتبر إهانة لخطة القضاء، وبسبب هذا الصنيع اعتبر ابن عبد البر أن أبا القاسم أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، الذي تولى قضاء الجماعة في عهد الأمير\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣٠٢. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦٨٧.\n(^٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٥٤.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٩٤.","vol":"2","page":738},{"text":"عبد الله بن محمد وبعض السني الأولى من عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد، أنه قد أهان خطة القضاء بكثرة دخوله على السلاطين وتبذله في ذلك (^١).\nويعتبر أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان قاضي الجماعة أول من تولى الوزارة والقضاء معًا، وذلك في عهد الحاجب عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) وكان يكتب عنه \"من الوزير قاضي القضاة\" وهو أول من كتب عنه بذلك من قضاة الأندلس (^٢).\n_________\n(^١) - المغرب في حلى المغرب،: ١/ ١٥٥.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٠ - ١٧١. المغرب في حلى المغرب، ١/ ٢٥١. النباهي، ص ٨٨.","vol":"2","page":739},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة الصلاة والخطبة </span>\nعندما عدد ابن خلدون الخطط الدينية، جعل خطة الصلاة في أولها، ثم قال: \"فهي أرفع هذه الخطط كلها، وأرفع من الملك بخصوصه المندرج معها تحت الخلافة\" (^١).\nوللدلالة على أهميتها نجد أن إمامتها كانت من الأدلة الأكيدة على استخلاف النبي الكريم ﷺ لأبي بكر الصديق ﵁ (^٢).\nلأجل هذا، كان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم لا يقلدونها غيرهم، وسار الأمويون في الشام على نهجهم استئثارًا بها واستعظامًا لرتبتها، إلا أن الأمر لم يستمر على هذا المنوال، إذ أن الملك قد عظمت مظاهره، وبالذات لدى العباسيين الذين غلظ لديهم الحجاب، لذا نراهم يقيمون نوابًا عنهم للإمامة في الصلاة، إلا أنهم تحملوا مهام الإمامة في بعض الأحيان، مثل صلاة العيدين والجمعة للإشادة بهم والتنويه بذكرهم (^٣).\nوامتدادًا لاهتمام الخلفاء الأمويين في الشام بالإمامة في الصلاة، نجد أن حفيدهم الأمير عبد الرحمن الداخل كان واعيًا لمعنى الإمامة في الصلاة، ولذا نراه منذ بداية الأمر يؤكد على أحقيته في هذا الجانب، فقبل أن يعبر\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٢٥.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٦٢٥.\n(^٣) - نفسه، ص ٦٢٦.","vol":"2","page":740},{"text":"مع وفد الموالي الأندلسيين الذي أتى لاصطحابه من الشاطئ المغربي إلى الشاطئ الأندلسي، نجده عندما حان وقت صلاة العصر، يتقدم ويصلي بهم (^١).\nثم إن الأمير عبد الرحمن الداخل ما أن استولى على قرطبة في يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة (١٣٨) هـ (١٦ مايو (٧٥٦) م) حتى خرج إلى الجامع وصلى بالناس صلاة الجمعة (^٢).\nولكن نظرًا لاشتغاله بتثبيت قواعد ملك أسرته، فقد كان كثير الغياب عن قرطبة، ولذا فقد كان لزامًا عليه إقامة إمام يتولى الصلاة بالناس في المسجد الجامع بقرطبة، وممن كان يتولى هذه المهمة صعصعة بن سلام، المتوفى سنة (١٩٢) هـ (٨٠٨ م) وذلك معظم أيام الأمير عبد الرحمن الداخل وصدرًا من أيام ابنه الأمير هشام الرضا (^٣).\nولقد كان الأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل يتولى مسئولية إمامة الناس بالصلاة والخطبة بهم أثناء مقامه بقرطبة، فإذا غاب عن عاصمته، تولى المهمة نيابة عنه قاضي الجماعة المصعب بن عمران الهمداني (^٤).\n_________\n(^١) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٢.\n(^٢) - ابن القوطية، ٢٨ - ٢٩. أخبار مجموعة، ص ٩٠. البيان المغرب، ٢/ ٤٧.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦١٠.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٢٥.","vol":"2","page":741},{"text":"ويبدو أن من أتى بعد الأمير هشام الرضا من الأمراء والخلفاء قد تنازلوا عن الإمامة في الصلاة فضلًا عن الخطبة إذ لا نسمع لهم ذكرًا في المصادر فيما يتعلق بهذه المسألة.\nوالمساجد تأتي على صنفين، فالمساجد الكبيرة المعدة للصلوات العامة، والتي يغشاها خلق كثير، يكون أمرها راجع إلى الأمير أو الخليفة، أو من يفوض إليه الأمر من سلطان أو زير أو قاضٍ، فعن طريق أحد هؤلاء يتم تعيين إمام لها لأداء الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والخسوفين والاستقساء، وأما المساجد المختصة بقوم أو محلة فأمرها راجع إلى الجيران يقدمون من يتفقون عليه، دونما حاجة من نظر أمير أو خليفة أو من يفوضه (^١).\nهذا، وقد جُعل أمر الصلاة في المسجد الجامع بقرطبة أو الزهراء لقاضي الجماعة، فقد كان معاوية بن صالح يلي القضاء والصلاة في عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، وكذلك كان المصعب بن عمران يلي القضاء والصلاة في عهد الأمير هشام الرضا وبعد أن تولى الإمارة ابنه الحكم الربضي أقره عليها (^٢)، وبعد وفاته تولاهما محمد بن بشير المعافري (^٣).\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٢٦.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٢٥.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٢٩.","vol":"2","page":742},{"text":"وعندما نستعرض تراجم قضاة الجماعة نجد أن معظمهم قد تولى بالإضافة إلى القضاء مهام الصلاة والخطبة (^١).\nويحدث في بعض الأحيان أن تسند مهمة القيام بشئون الصلاة والخطبة لأحد الفقهاء، دون أن يكون للقاضي علاقة بالأمر، فقد كان أحمد بن بقي بن مخلد يتولى الصلاة، ثم ولاه الأمير عبد الرحمن بن محمد قضاء الجماعة سنة (٣١٤) هـ (٩٢٦) (^٢) وفي الوقت الذي كان فيه محمد بن عبد الله بن أبي عيسى يتولى قضاء الجماعة سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨) كان الفقيه محمد بن أيمن هو صاحب الصلاة، فلما ضعف ابن أيمن استعفى، فأعفاه الخليفة عبد الرحمن الناصر وأسند الخطبة والصلاة لابن أبي عيسى (^٣).\nورسوم الدولة الأموية في الأندلس، كانت تقتضي ألا يقدم للإمامة في الصلاة إلا العرب (^٤) ونظرًا لتأصل العصبية في المجتمع الأندلسي، فقد كان السبب في اندلاع الفتنة بين المولدين والعرب في استجه زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط يعود إلى رفض المولدين الصلاة خلف إمام عربي،\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٥٤، ٦٠، ٦٤، ٨٦، ٨٧، ٨٨.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ١١١ - ١١٦. النباهي، ص ٦٤.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ١١٨ - ١٢٠. النباهي، ص ٦٠.\n(^٤) - أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف المصرية، ط الثانية ١٩٨٤ م) ص ٢٥٤.","vol":"2","page":743},{"text":"ولقد أطفئت تلك الفتنة بعد أن تراضى الطرفان على أن يتولى الفقيه عبد الرحمن بن موسى الهواري إمامة الصلاة (^١).\nوعندما أسند الأمير محمد بن عبد الرحمن القضاء والصلاة لعمرو بن عبد الله بن ليث القبعة، عارض العرب توليه الصلاة لأنه من الموالي، وقالوا: \"أما القضاء فإنا لا نعترض عليه لأنه من سلطانه -أي من سلطان الأمير- وأما الصلاة فإنا لا نصلي وراءه، فولى الأمير - رحمة الله عليه - الصلاة النميري عبد الله بن الفرج (^٢) \".\nوالملاحظ على هاتين الحادثتين، أنهما بقدر ما تدلان على تغلغل العصبية في الوسط الأندلسي، بقدر ما تؤكدان على أن الإمامة في الصلاة هي زعامة ذات مستوى غير عادي، فهي تعبير حقيقي عن القيادة في أسمى الأعمال والأماكن.\nوهناك قصة تكفي للدلالة على إحساس أفراد المجتمع الأندلسي عامة والفقهاء بصفة خاصة، بما للإمامة في الصلاة من مكانة يشعر متوليها بالسؤدد والرفعة، ولذا ترى الحرص من بعض الفقهاء على توليها بأية وسيلة.\nوالقصة التي نحن بصددها رواها محمد بن أيمن، فقد ذكر أن قاضي الجماعة وصاحب الصلاة سليمان بن أسود كان يدرك مدى حرص\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٢٥٤.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٦٧.","vol":"2","page":744},{"text":"الفقيه إبراهيم بن قلزم على تولي الصلاة، فأراد أن يتلاعب به، ويكشف ما في نفسه للآخرين، وقد حانت الفرصة للقاضي لتنفيذ مراده عندما أراد الحضور إلى بيته إبراهيم بن قلزم وذلك في أحد أيام الجمعة وقت الضحى، فلما علم القاضي بمقدمه أمر غلامه أن يخرج إلى ابن قلزم وهو يبكي ويخبره أن القاضي يحتضر، واضطجع القاضي وسجى على نفسه، وأخذ يتنفس بطريقة توحي لمن عنده بأنه في سياق الموت، فدخل عليه ابن قلزم، فلما رآه استرجع واستعبر، ثم خرج مسرعًا إلى الوزير هاشم بن عبد العزيز لأنه تربطه به علاقة خاصة، فذكر له أن القاضي يحشرج، وأنه لا يحين وقت صلاة الجمعة إلا وقد مات، ونظرًا لكون ابن قلزم مترشحًا للصلاة، فقد طلب من الوزير أن يرسل كتابًا بسرعة للأمير محمد بن عبد الرحمن يخبره فيها عن حالة القاضي، فلما وصل كتاب الوزير للأمير لم يستعجل في إصدار أوامره، بل إنه فكر في الأمر فعلم أن ابن قلزم شديد التطلع للإمامة بالإضافة إلى أن عيون الأمير لم تأتيه بأخبار مرض قاضيه، ولذا فقد أدرك أن في الأمر سرًا، فأرسل أحد فتيانه، لينظر حالة القاضي، ويأتيه بالخبر اليقين فلما وصل الفتى إلى القاضي وجده جالسًا جلوسًا صحيحًا، وبعد أن ذكر له الفتى الغرض من مجيئه إليه، قام القاضي وتوضأ ولبس ثيابه وخرج مع الفتى راجلًا إلى الجامع، فلما رجع الفتى إلى الأمير","vol":"2","page":745},{"text":"أخبره بما جرى، فتعجب الأمير من فعل القاضي وضحك على ذلك ضحكًا عظيمًا (^١).\nولقد كان قاضي الجماعة وصاحب الصلاة سليمان بن أسود شديد الحرص على أن تقام الصلاة في وقتها، ولذا فقد كان يقول لمؤذني جامع قرطبة \"إذا حضر وقت الصلاة فلا تؤخروها عن وقتها وإن أحسستم أني نزلت عند باب الصومعة فلا تنتظروني وأقيموا الصلاة وصلوا (^٢) \".\nوخطبة الجمعة التي يلقيها صاحب الصلاة هي فرصة للتحدث عن بعض الأمور الهامة وذلك بصورة لا لبس فيها ولا غموض حتى وإن كان في الأمر تقريع للأمير أو الخليفة، من ذلك، أن الخليفة عبد الرحمن الناصر اشتغل ببناء مدينة الزهراء، فأخذت جل وقته، حتى أنه لم يشهد الصلاة ثلاث جمع متتالية، وعندما حضر الجمعة الرابعة أراد قاضي الجماعة وصاحب الصلاة منذر بن سعيد البلوطي تذكير الخليفة وموعظته، فاختار كلمات مناسبة لهذا الموقف وأجاد في الموعظة، فرقت قلوب الحاضرين وضجوا بالبكاء، ورغم أن الخليفة كان على علم تام بأنه هو المقصود، فقد كان أكثرهم بكاءً وتأثرًا، لكنه حمل في نفسه على القاضي وأقسم ألا يصلي خلفه، فكان يذهب ويصلي في جامع قرطبة خلف صاحب الصلاة فيها أحمد بن مطرف، وعندما زيَّن له ابنه وولي عهده الحكم المستنصر\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٨٧ - ٨٨. النباهي، ص ٥٨ - ٥٩.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٨١.","vol":"2","page":746},{"text":"عزل منذر بن سعيد عن الصلاة في الزهراء زجره وانتهره وقال له \"أمثل منذر بن سعيد في فضله وعلمه وخيره؟ لا أم لك! يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الحق! هذا مما لا يكون، وإني لأستحي من الله أن لا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه، ولكنه أحرجني فأقسمت، ولوددت أني أجد سبيلًا إلى كفارة يميني، بل يصلي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله (^١) \".\nولم يقتصر الأمر بالنسبة للخليفة عبد الرحمن الناصر أن يُقَرَّع فقط من قبل قاضي الجماعة منذر ابن سعيد، بل لقد كان على موعد لموقف آخر مع صاحب الصلاة بجامع قرطبة الفقيه أحمد بن مطرف الأزدي الشهير بابن المشاط، المتوفى سنة (٣٥٢) هـ (٩٦٣ م) فقد عُرف هذا الفقيه بأنه كان يطيل خطبة الجمعة نوعًا ما، وهذا ما كان على خلاف رغبة الخليفة عبد الرحمن الناصر، ولذا فقد أرسل في أحد أيام الجمعة وزيره عثمان بن إدريس إلى ابن المشاط لإقناعه بضرورة قصر الخطبة، فوعد الفقيه الوزير أنه سيفعل إن تمكن، لكن الذي حصل خلاف ذلك، إذ أن ابن المشاط ألقى خطبة تعمد فيها الإطالة، وركز فيها على الوعظ حتى بكى وأبكى الناس وتحول المسجد إلى شبه مأتم، فما كان من الخليفة بعد\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٧٠.","vol":"2","page":747},{"text":"الصلاة إلا أن دعا ابن المشاط وأثنى عليه وجزاه خيرًا، وأعطاه ألف دينار يتصدق بها عنه (^١).\nهذه القصص ومثيلاتها هي صورة رائعة عن حاكم مسلم، لا يحتاج إلا إلى التذكير بالحسنى بكلام منتقى لا يراد به إلا وجه الله تعالى فالخليفة رغم سلطانه وقدرته إلا أنه لم يمس أحدًا من أولئك الفقهاء بسوء، بل الملاحظ أنهم كلما قسوا عليه بالموعظة ازداد لهم إكرامًا.\nوبالمقابل فإن ذلك العصر ضم نخبة من الفقهاء هم زينة الحياة لما يتوسم فيهم من الصلاح والتقى ولعدم خشيتهم في الله لائم، لا يريدون من نصائحهم للخليفة إلا وجه الله تعالى وابتغاء رضوانه، ولذا كان التأييد لهم من الله تعالى مضمونًا.\nوالمرء أمام هذه الشخصيات سواء الخليفة أو الفقهاء لا يملك إلا أن ينظر إليها بعين الإكبار والتقدير، وباختصار فهي جديرة بالقيادة مؤهلة للنجاح في كل معترك، ومثلها من يبني وينهض بالأمة.\nويحدث أن يستمع الأمير لخطبة فيستحسنها، فيأمر صاحب الصلاة بالتزامها وعدم استبدالها، فالأمير عبد الله بن محمد استمع في بداية دولته لخطبة ألقاها قاضي الجماعة وصاحب الصلاة النضر بن سلمة فأعجب بها، فأمره بتكرارها في كل جمعة، فالتزم بها طيلة ولايته الأولى البالغة نحوًا\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٣٧ - ١٣٨.","vol":"2","page":748},{"text":"من عشر سنوات حتى حفظت عنه، بل إن كل قاضٍ أتى بعده كان يعيد نفس الخطبة في مبتدأ ولايته (^١).\nوفي أوائل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) حدث ما يمكن أن نطلق عليه رسم جديد في الخطبة، وذلك تمشيًا على طريقة قاضي الجماعة وصاحب الصلاة أحمد بن بقي بن مخلد في خطبة الجمعة، فقد استبحر في الدعاء في إحدى خطبة، فلما وصل إلى قوله \"واخلصوا لله دعائكم\" سكت مليًا إلى أن قدَّر أن الناس دعوا بدعائه، ثم وصل خطبته ودعاءه لهم، وأصبحت هذه الطريقة سنة لمن جاء بعده من الخطباء، وعُمل بها إلى منتصف القرن السادس الهجري وفي هذا يقول القاضي عياض: \"وامتثل كثير من الخطباء طريقته في هذه السكتة في آخر الخطبة الثانية أثناء الدعاء إلى يومنا هذا في بلاد الأندلس (^٢) \".\nوبمناسبة الحديث عن خطبة الجمعة تجدر الإشارة إلى أنها كانت موضع اختبار من الفقهاء لصاحب الخطبة والصلاة، وبالذات صلاة العيد، من ذلك أن قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني في ولايته الأولى ٢٠٩ - (٢١٠) هـ (٨٢٤ - (٨٢٥) م) عندما جاء إلى مصلى العيد فوجئ بأن كبار الفقهاء وكبار رجالات الدولة قد جلسوا بالقرب من سترة الإمام، ففطن أن السبب في تجمعهم هو حرصهم على اختبار خطبته، فبادر القاضي ابن\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٩٢.\n(^٢) - ترتيب المدراك، ٥/ ٢٠٩.","vol":"2","page":749},{"text":"معمر فأمر قوام المصلى بأن يقدموا السترة محتجًا بازدحام الناس، فلما قدمت السترة تثاقل الفقهاء ورجال الدولة عن القيام من أماكنهم في حين سارع سواد الناس فابتدروها وصار من كان بالأول متقدمًا قد تأخر (^١).\nوالصلاة على الجنائز من اختصاصات صاحب الصلاة، فعليه تقع مهمة القيام بها، وهو في الوقت نفسه لا يأذن لأحد بالتقدم عليه في هذا المجال، بل إن الأمر يصل إلى حد تأديب من يتجاهل أحقيته بها، وهذا ما فعله قاضي الجماعة وصاحب الصلاة ابن السليم، فقد حضر مرة جنازة رجل، فلما وضع النعش تقدم ابن الميت فصلى عن غير إذن، وبعد أن انتهت مراسم الدفن وتفرق الناس، أمر ابن السليم بحمل ابن الميت إلى الحبس، فلما سأله عن ذنبه، أجابه \"جهلك إذ تقدمت بمحضري ولم تستأذني، ولا رعيت حق الخليفة، إذ الصلاة له وأنا خليفته، فليس لأحد أن يتقدم إلا بإذننا، فلم تفعل فلابد من تأديبك لأشرد بك مثلك من خلفك (^٢) \" إلا أن ابن الميت لم يمكث في الحبس إلا الوقت الذي استغرقه القاضي في الوصول إلى داره، فقد أمر بإطلاق سراح الرجل واعتبر ذلك كافيًا لتأديبه (^٣).\nوإذا انحبس المطر وعم الجدب، خرجت الكتب من الأمير أو الخليفة إلى جميع العمال بالكور بالأمر بالاستسقاء، والكتب تكون على نسخة\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٤٨. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٥٥.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(^٣) - المصدر السابق، ٦/ ٢٨٤.","vol":"2","page":750},{"text":"واحدة، وقد حفظ لنا ابن حيان نصًا احتوى على نسخة من كتاب الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي بعثه إلى جميع عماله للاستسقاء وذلك في أواخر سنة (٣١٧) هـ (٩٣٠ م) ذكَّرهم فيه بأن الله تعالى بيده مقاليد الأمور، وأنه يحتبس ما شاء عن عباده ليسألوه ويتضرعوا إليه، ويلحوا في المسألة ويصدقوا في التوبة، ثم ذكر الخليفة أن على صاحب الصلاة في كل جامع الدعاء بنزول الغيث في خطبة الجمعة والجمعة التي تليها إن لم ينزل المطر، ثم يخرج بجماعة المسلمين إلى مصلاهم لأداء صلاة الاستسقاء وذلك يوم الاثنين، وشدد على كل عامل من عماله أن يؤكد على الخطيب قبله بتنفيذ هذه الأوامر (^١).\nوالأمير أو الخليفة إذا لم يخرج للمصلى مع الناس لأداء صلاة الاستسقاء، فإنه يصعد إلى مكان مرتفع في قصره، ويجلس فيه منفردًا بنفسه، لابسًا أخشن ثيابه مفترشًا التراب، يبكي ويعترف بذنوبه، مناجيًا ربه تعالى ألا يعذب الرعية بسببه (^٢)، وإن خرج معهم فإن لباسه يكون البياض (^٣)، وعلى رأسه أقرف وشيٍ أغبر، والخشوع ظاهر عليه، ودموعه تسيل على لحيته، فإذا وصل إلى جانب المحراب جلس عن يمين الإمام على\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥١ - ٢٥٢.\n(^٢) - مطمح الأنفس، ص ٢٥١.\n(^٣) - عرفنا من قبل أن البياض هو لباس الحزن عند الأندلسيين.","vol":"2","page":751},{"text":"غير فراش، فإذا قضيت الصلاة أمر بتفريق الأموال والصدقات على الفقراء والمساكين تقربًا إلى الله تعالى (^١).\nوقد حفظت لنا المصادر هيئة قاضي الجماعة وصاحب الصلاة منذر بن سعيد البلوطي عند خروجه لأداء صلاة الاستسقاء، فقد ذكرت أنه عندما أجدبت الأرض من جراء احتباس المطر وذلك في أواخر عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، تأهب القاضي للخروج لأداء صلاة الاستسقاء بناء على أوامر الخليفة، فصام قبل اليوم المحدد ثلاثة أيام تقربًا لله تعالى، وفي مصلى الربض برز الناس في جمع عظيم، فلما غصَّ المصلى بالناس، أقبل القاضي نحوهم ماشيًا متضرعًا مخبتًا متخشعًا ثم خطبهم ووعظهم فرقت قلوبهم فبكى الناس وضجوا بالدعاء، فما انقضى النهار حتى أرسل الله تعالى برحمته المطر وأزال القحط (^٢).\nوللعامة موقف من صاحب الصلاة إذا استسقى بهم ولم يمطروا، وهذا الموقف يأخذ طابع الشدة التدريجي بعد كل صلاة لا يسقوا عقبها، فهذا قاضي الجماعة وصاحب الصلاة ابن زرب صلى بالناس عشر مرات متتاليات صلاة الاستسقاء ولكن دون أن ينزل المطر، فسلّط العامة عليه ألسنتهم بالذم، وطعنوا بدينه، وعابوا عليه شدة التصاقه الحاجب المنصور بن أبي عامر وركونه إليه وقبوله لهداياه، ولما تكرر بروزه للاستسقاء ولم\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٧٩.\n(^٢) - مطمح الأنفس، ص ٢٤٩ - ٢٥١. النباهي، ص ٧٠ - ٧١. أزهار الرياض، ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠.","vol":"2","page":752},{"text":"ينزل المطر، هاجت العامة وثارت ضده، وخاطبوه بعد الصلاة بقولهم: \"بئس الوسيلة أنت إلى الله تعالى والشفيع في إرسال الرحمة، إذ أصبحت إمام الدين، وقيم الشريعة، ثم لا تتورع عن قبول ما يُرسل إليك من الهدية التي لا تليق إلا بالجبابرة (^١) \" ثم هموا أن يبسطوا إليه أيديهم، لكنه هرب من أمامهم ولاذ بالتربة المنسوبة إلى السيدة مرجانة بمقبرة الربض (^٢) فتحصن بها، واستغاث بصاحب المدينة، فسارع إلى نجدته بالفرسان ورجال الشرطة، فتم تفريق العوام عنه وأوصلوه إلى داره سالمًا، وفي البروز الآخر أرسل معه المنصور بن أبي عامر خيلًا كثيرًا أحاطت بالمصلى، فلم يجسر أحد من العوام والسفهاء التعرض له بشيء (^٣).\nوأما عن مكان الاستسقاء فقد كان مداولة بين مصلى المصارة ومصلى الربض لكن في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط أصبحت الصلاة تؤدي في مصلى الربض بصورة أكثر، وذلك بتأثير نصر الفتى، كبير فتيان الأمير عبد الرحمن الأوسط ومدبر قصره والغالب على أمره، ذلك لأن مصلى الربض قريب من قصر نصر فلما هلك نصر وأمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بأداء صلاة الاستسقاء وتم تحديد مصلى الربض لأدائها كما جرت العادة، اعترض الفقيه عبد الملك بن حبيب على أدائها في ذلك المكان، محتجًا بأن نصر الفتى هو الذي أعاق الناس عن مصلى المصارة،\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٧٩.\n(^٢) - أي أنه اختبأ بالمقبرة المنسوبة لأم الخليفة الحكم المستنصر بالله.\n(^٣) - النباهي، ص ٧٩.","vol":"2","page":753},{"text":"وذلك على الرغم من حوادث الغرق التي كانت تحصل لبعض الناس بسبب تزاحمهم في القنطرة القائمة على نهر قرطبة والمؤدية إلى مصلى الربض، فضلًا عن ارتكاب الأحداث لبعض الأفعال المشينة بوسط ذلك الازدحام، بينما مصلى المصارة أرفق بالناس وأقرب للبلد، بالإضافة إلى أن الفرصة متاحة لمن أراد أن يجدد طهارته لسهولة استخدام شط النهر وتناثر الأشجار الكثيفة من حوله لتستخدم سترة لصاحب الحاجة، فصوب الأمير رأي الفقيه وأمر بأداء الصلاة في مصلى المصارة (^١).\nولكن يبدو أن أداء صلاة الاستسقاء لم يستمر بمصلى المصارة، إذ أن قرطبة اتسعت، وتم إنشاء مدينتي الزهراء والزاهرة، فأصبحت الصلاة تؤدي بمصلى الربض لقربه منهما.\nبقى أن نشير إلى أنه كان لقصر الإمارة بقرطبة أو الخلافة بالزهراء إمام خاص، فقد كان الأمير الحكم الربضي يستدعي أبا عمر حفص بن عبد السلام السلمي، من أهل سرقسطة، ليؤم به في الصلاة طيلة شهر رمضان من كل عام (^٢) كما كان أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الشهير بابن الحذَّاء يصلي بالأمير عبد الله بن محمد مدة أربعة عشر عامًا\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٦ - ٤٧. هنا سؤال يطرح نفسه، لماذا لم يحتج الفقيه ابن حبيب على موقع المصلى إلا بعد وفاة نصر الفتى؟ لعل هذا عائد إلى عظم مكانة نصر= =لدى الأمير عبد الرحمن الأوسط وسيطرته عليه بحيث لا يسمع من غيره، وربما أيضًا خشية من سطوة نصر وانتقامه.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٦٥.","vol":"2","page":754},{"text":"وذلك من سنة ٢٨٦ - (٣٠٠) هـ (٨٩٩ - (٩١٣» ثم صلى بالأمير عبد الرحمن بن محمد من أول إمارته إلى أن توفي ابن الحذّاء يوم الاثنين لثلاث بقين من ذي الحجة سنة (٣٠٥) هـ (يونيو (٩١٨) م (^١» \".\nوكان نمئ بن علي بن نمئ القاري، المتوفي سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) يصلي بالخليفة عبد الرحمن الناصر (^٢)، ثم اتخذ من بعده محمد بن يوسف الجهني، المتوفى يوم السبت للنصف من شهر رمضان سنة (٣٧٢) هـ (مارس (٩٨٢) م) ليصلي به في قصره بالزهراء (^٣) وكان أبو عثمان سعيد بن إدريس بن يحيى السلمي إمامًا للخليفة هشام المؤيد بقصره في قرطبة، وظل على ذلك مدة طويلة فلما وقعت الفتنة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩) خرج من قرطبة وتوجه إلى موطنه اشبيلية فسكنها إلى أن توفي بها سنة (٤٢٩) هـ (١٠٣٨ م) (^٤).\nوهناك من عُرض عليه منصب \"صاحب الصلاة\" فرفضه وطلب الاستعفاء، فقد ذكر ابن الفرضي أن أبا الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد، المتوفى في شهر ربيع الأول سنة (٣٦٦) هـ (نوفمبر (٩٧٦) م)\n_________\n(^١) - المصدر السابق، رقم ١٠٧.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٥٠٤.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٣٧.\n(^٤) - الصلة، ترجمة رقم ٤٩٩.","vol":"2","page":755},{"text":"أُريد على الصلاة عند علة محمد بن يحيى فاستعفى من ذلك، فجمعت الصلاة والقضاء لمحمد بن إسحاق بن السليم (^١).\nوصاحب الصلاة إن لم يكن حائزًا على رضى أقارب الأمير ورجالات الدولة فما أسهل أن يعملوا على طرده عن منصبه بأي وسيلة كانت حتى وإن دعت الضرورة إلى الكذب عليه والتلفيق ضده، وهذا ما جرى لأبي الجودي بن محمد بن سلمة، فقد كان أبوه يتولى القضاء والصلاة للأمير عبد الله بن محمد، فحدث أن اعتل ابن سلمة في بعض الجمع فصلى بالناس بدلًا منه ابنه أبو الجودي وذلك بأمر الأمير، إلا أن رجالات الدولة لم يرتضوه، لصلابة أبيه فحاولوا تشويه صورة أبي الجودي لدى الأمير وذلك من خلال بطائق رفعوها إليه تشير بكل قبيحة لأبي الجودي، وبما أن سياسة بني أمية تقوم على عدم الأخذ بالوشايات، لذا فقد فشلت تلك البطائق في تحقيق مراد خصوم أبي الجودي، لأجل هذا فقد لجأوا إلى حيلة أخرى، فقد أرسل الحاجب ابن حدير إلى الفقيه محمد بن وليد بن محمد بن عبد الله، المتوفى في النصف من ذي القعدة سنة (٣٠٩) هـ (١٨ مارس سنة (٩٢٢) م) فلما حضر عنده أخبره بمراده فاستعد الفقيه لتأدية ما طلب منه، وكان الفقيه طويل اللسان كثير الملق يضع الأحاديث على رسول الله ﷺ (^٢)، بالإضافة إلى أنه كان\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٩٨.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٨٠.","vol":"2","page":756},{"text":"يكره القاضي ابن سلمة وولده أبا الجودي، وكان الأمير معجبًا بهذا الفقيه لأنه كان يخدعه بإظهار الزهد (^١)، ولذا عندما أعاد الحاجب ابن حدير الحديث مع الأمير حول أبي الجودي ووجد الأمير على رأيه السابق فيه وأنه لن يتغير عن موقفه إلا بدليل لا يقبل الشك، عندها أشار عليه الحاجب أن يستدعي الفقيه محمد بن وليد ويسأله عن رأيه بأبي الجودي، ففعل الأمير وسأل الفقيه عن مراده، فأجابه ذلك الفقيه بكل خبث، \"إني - أكرم الله الأمير - ليست بيني وبين ولد القاضي خلطة، ولا أعرفه، غير أني رأيت الناس بعد صلاة الجمعة يعيدون الصلاة، فسألت عن ذلك، فقالوا: لما اعتل القاضي تقدم بالناس ابنه، فلم يرضوه فأعاد أكثر الناس الصلاة، فلما سمع الأمير هذا قال: لا يعيد الناس إلا من أمر عرفوه منه، لا يصلي بعد هذا\" (^٢).\n_________\n(^١) - عن الطريقة التي اتبعها الفقيه محمد بن وليد في خداع الأمير عبد الله بن محمد، انظر: المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٥٤ - ١٥٥.\n(^٢) - المصدر السابق: ١/ ١٥٥. إن كل من اشترك ضد أبي الجودي يمكن اعتبارهم أصحاب دنيا تهمهم مناصبهم، ولكن الفقيه محمد ابن وليد يمتاز عنهم بأنه ممن يخدع الدنيا بالدين والعياذ بالله، فالأمير عبد الله يرى من ذلك الفقيه ما يدل على نزاهته وصدقه وزهده ولذا فقد ارتضى مقولته، وصنف هذا الفقيه هو صنف هدام لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، وكيف نستغرب منه افتراؤه على أبي الجودي وهو قد تجرأ بالكذب على رسول الله ﷺ؟.","vol":"2","page":757},{"text":"هذا، وقد وجد في كور الأندلس وثغورها كما في قرطبة والزهراء صاحب الصلاة، ففي إلبيرة أحمد بن عبد الله الأنصاري، يلي الصلاة في أهلها طيلة السنوات الأخيرة من عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وظل في منصبه حتى توفي في صدر أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن (^١).\nومحمد بن أشعب بن قيس، من أهل رية، كان فاضلًا دينا، تولى الصلاة في بلده ريه حتى ضعف عنها، فعزله الأمير محمد بن عبد الرحمن (^٢) وولى عوضًا عنه محمد بن عوف العكي الذي استمر في منصبه حتى وفاته (^٣).\nوفي باجه كان صاحب الصلاة بها أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى بن أصبغ، المتوفى سنة (٢٧٨) هـ (٨٨٢ م) (^٤) وفي طليطلة كان حزم بن غالب الرعيني يلي القضاء والصلاة وذلك في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن (^٥)، ثم تولاهما عيسى بن محمد بن دينار بن واقد، وذلك في عهد الأمير عبد الله\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٣.\n(^٢) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١١١٢.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ١١١١، وقد ذكر الحميدي أنه توفي سنة ٣٢٠ هـ. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ١٢٠.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٥.\n(^٥) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٣٦١.","vol":"2","page":758},{"text":"بن محمد (^١)، وأما في قبرة فكان زيد بن شريح هو صاحب الصلاة بها وذلك في عهد الأمير عبد الله بن محمد (^٢).\nوفي لاردة كان عبد الملك بن نمير الفارسي، المتوفى قريبًا من سنة (٢٩٠) هـ (٩٠٢) يلي الصلاة بها (^٣)، بينما كان معاصره أبو زكريا يحيى بن قطام يتولى القضاء والصلاة معًا في بلده طليطلة، واستمر في منصبه حتى نقم عليه بعض ولاتها فقتله سنة (٢٩٣) هـ (٩٠٦ م) (^٤).\nوفي سرقسطة كان صاحب الصلاة بها خطاب بن إسماعيل الغافقي، المتوفى سنة (٢٩٧) هـ (٩١٠ م) (^٥)، وكان محمد بن يوسف يلي الصلاة في بلدة شذونة وذلك على عهد الأمير عبد الله بن محمد (^٦).\nوفي القرن الرابع الهجري كان أبو هاشم خالد بن زكريا صاحب الصلاة ببلدة وادي آش (^٧)، وأما في بطليوس فكان صاحب الصلاة بها أبو الحكم منذر بن حزم بن سليمان، المتوفى سنة (٣٠٦) هـ (٩١٨ م) (^٨) في\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٩٧٨.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ٤٦٢.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ٨١٧.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ١٥٦٩.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ٤٠٣.\n(^٦) - نفسه، ترجمة رقم ١١٥٤.\n(^٧) - نفسه، ترجمة رقم ٣٩٦.\n(^٨) - نفسه، ترجمة رقم ١٤٥١.","vol":"2","page":759},{"text":"حين كان معاصره أبو عثمان عفان بن محمد، المتوفى سنة (٣٠٧) هـ (٩١٩ م) يلي الصلاة في بلدة وشقة (^١).\nوفي إلبيرة كان صاحب الصلاة بها أبو جعفر أحمد بن عمرو بن منصور، المتوفى سنة (٣١٢) هـ (٩٢٤ م) (^٢).\nوفي رية تولى الصلاة بها سعدان بن إبراهيم الشهير بابن الجرز سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) (^٣). يعاصره في سرقسطة أبو عبد الحميد إسحاق بن عبد الرحمن، المتوفى قريبًا من سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) (^٤).\nوفي طرطوشة كان صاحب الصلاة بها أحمد بن سعيد بن ميسرة الغفاري، المتوفى سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) (^٥).\nأما في الجزيرة فكان الفقيه يوسف بن خطار بن سليمان بن خالد هو صاحب الصلاة فيها، والملاحظ أنه استمر في منصبه أربعين سنة، فقد تولى الصلاة ببلده سنة (٢٨٢) هـ (٨٩٥ م) وذلك في عهد الأمير عبد الله بن محمد، وظل في منصبه إلى أن توفي سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (^٦).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٩١٣.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ٧٦.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ٥٤٣.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ٢٣٣.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ٩٣.\n(^٦) - نفسه، ترجمة رقم ١٦٢٦.","vol":"2","page":760},{"text":"وكان أبو الحسن علي بن عبد القادر بن أبي شيبة الكلاعي، المتوفى سنة (٣٢٥) هـ (٩٣٧ م) يلي الصلاة ببلدة اشبيلية وقد ذكر ابن الفرضي أن أبا الحسن الكلاعي قد كُتب على قبره أنه كان كذابًا (^١).\nوكان أبو عبد الله محمد بن حبيب بن كسرى اليحصبي قد تولى الصلاة ببلدة استجه إلى أن توفي ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر المحرم سنة (٣٢٧) هـ (نوفمبر (٩٣٨) م) (^٢).\nوفي رية كان إبراهيم بن سليمان بن أبي زكريا، يلي الصلاة بها إلى أن توفي سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) (^٣)، فتولاها من بعده الفقيه الزاهد أحمد بن عبد الله القيني (^٤)، وكان الفقيه أبو محمد بن قاسم بن نضير بن رقاص بن عيشون الشهير بأبي الفتح، من أهل شذونه، كان خطيب أهل قلسانه، وصاحب صلاتهم، إلى أن توفي في شهر ذي الحجة سنة (٣٣٨) هـ (٩٥٠ م) (^٥).\nوفي إلبيرة كان صاحب الصلاة بحاضرتها أبو سعيد عثمان بن سعيد بن كليب، المتوفى سنة (٣٤٠) هـ أو (٣٤١) هـ (٩٥٢ م) (^٦).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٩٢٠.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٢١٧.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ٢٩.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٠.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ١٠٦٩.\n(^٦) - نفسه، ترجمة رقم ٩٠٠.","vol":"2","page":761},{"text":"وفي قلعة أيوب كان أبو عبد الله محمد بن نصر هو صاحب الصلاة بها إلى أن توفي سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م) (^١).\nوكان أبو إسحاق إبراهيم الباجي، المتوفى في أوائل سنة (٣٥٠) هـ (٩٦١ م) يلي الصلاة ببلده باجه (^٢).\nأما في تطيله فكان أبو بكر محمد بن الشبل بن بكر القيسي، المتوفى سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م) يلي الصلاة بها (^٣).\nوكان أحمد بن مطرف بن محمد بن خلف الأشعري، من أهل رية، تولى الصلاة بحاضرة بلده إلى أن توفي في أيام الخليفة الحكم المستنصر (^٤).\nوأبو القاسم أصبغ بن قاسم بن أصبغ من أهل أستجه، تولى الصلاة والقضاء بإستجه إلى أن توفي سنة (٣٦٣) هـ (٩٧٤ م) وكان أهل موضعه لا يثنون عليه (^٥).\nوأبو محمد عبد الله بن محمد إبراهيم بن إسحاق، المتوفى يوم الجمعة لسبع بقين من رجب سنة (٣٦٩) هـ (فبراير (٩٧٠) م) من أهل باجه تولي الصلاة ببلدة (^٦).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ١٢٧٣.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ٣٣.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ١٢٨١.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ١٤٥.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ٢٥٥.\n(^٦) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧١١.","vol":"2","page":762},{"text":"وفي بجانة كان صاحب الصلاة والخطبة بها أبو القاسم أحمد بن خالد بن يزيد الأسدي المعروف بابن أبي هاشم، توفي يوم الثلاثاء لست خلون من شوال سنة (٣٦٨) هـ (٨ مايو (٩٧٩) م) (^١).\nوأبو خالد يزيد بن أسباط المخزومي، المتوفى في أواسط القرن الرابع الهجري، من أهل شذونه، سكن شريش وكان صاحب الصلاة بها (^٢).\nوهذا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، المتوفى ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة (٣٨٧) هـ (أكتوبر (٩٩٧) م) تولى الصلاة ببلدة استجه (^٣).\nوأبو عبد الله محمد بن سعيد بن سليمان بن أسود الغافقي، المتوفى سنة (٣٨٩) هـ (٩٩٩ م) من أهل فحص البلوط، تولى الصلاة بموضعه (^٤).\nوأبو عبد الله محمد بن يزيد، من أهل بطليوس، كان رجلًا صالحًا فاضلًا، تولى الصلاة بموضعه نحو سنة ثم توفي في أواخر سنة (٣٩٠) هـ (١٠٠٠ م) (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ١٥٣.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٦١٠.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٧٦.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٨١.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٨٤.","vol":"2","page":763},{"text":"وأبو يزيد أسباط بن يزيد المخزومي، من أهل شذونة، سكن شريش وأصبح صاحب الصلاة بعد وفاة والده، ولم يزل عليها إلى أن توفي في أواخر سنة (٣٩٢) هـ (١٠٠٢ م) (^١).\nوأبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد الأنصاري، من أهل رية، كان زاهدًا تولى الصلاة بموضعه مدة طويلة إلى أن توفي ليلة الجمعة لثمان بقين من شعبان سنة (٣٩٤) هـ (يونيو (١٠٠٣) م) (^٢).\nوأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عباس بن عبد الله بن النعمان، من أهل شذونه كان صاحب الصلاة ببلده، توفي يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول سنة (٤١٣) هـ (٤ يونيو (١٠٢٢) م) (^٣).\nوأبو محمد عبد الله بن أحمد بن عثمان الشهير بابن القشاوي، من أهل طليطلة كان دينًا ثقة ورعًا شاعرًا، تولى الصلاة والخطبة بجامع طليطله، توفي ليلة السبت لليلتين خلتا من شهر شعبان سنة (٤١٧) هـ (سبتمبر (١٠٢٦) م) (^٤).\nوأبو بكر محمد بن عبد الغني بن حبيب، صاحب الصلاة بأستجة، توفي سنة (٤٢٤) هـ (١٠٣٣ م) (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٢٨١.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٩٢.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ١٩٩.\n(^٤) - الصلة ترجمة رقم ٥٨٢.\n(^٥) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٠٦٧.","vol":"2","page":764},{"text":"ومن خلال التراجم السابقة لمن كان يتولى الصلاة سواء في قرطبة أو غيرها من حواضر الأندلس، نجد أن كل واحد منهم قد تولى الصلاة ببلده، أو في بلد سبق وأن عاش بها فترة طويلة، كما أن الصفة العلمية المشتركة بينهم هي الفقه وإتقان اللغة العربية وآدابها، الأمر الذي يمكن كل منهم من أداء الخطابة بصورة جيدة.\nويظهر لنا أن هذه الخطة متوارثة في بعض الأسر التي اشتهر رجالها بالفقه مع إتقان العربية، ونالت حظًا وافرًا من التدين والخلق والسمعة العالية الرفيعة بين فئات المجتمع التي تتوارث الإمامة في الصلاة في هذه الأسر أمرًا محببًا إلى نفوسهم، وقد تعرفنا فيما سبق على بعض تلك الأسر.","vol":"2","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة الرد </span>\nهذه الخطة من الخطط التي انفرد بها المغرب والأندلس عن بقية بلاد العالم الإسلامي (^١)، وكذلك انفرد القاضي ابن سهل بالتعريف بها دون كل من سبق وكتب عن القضاء، إذ أن المصادر لم تحفظ لنا إلا قوله عن هذه الخطة، فقد ذكر ابن سهل أن خطة الرد من بين الخطط الست التي كانت تجري على يد أصحابها الأحكام. وهي القضاء، الشرطة، المظالم، الرد، المدينة السوق (^٢)، ثم تحدث ابن سهل عن اختصاصات صاحب الرد. فقال: \"وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه الحكام وردوه عن أنفسهم (^٣) \".\nويمكن أن نفهم من كلام ابن سهل أنه كان للقاضي حرية الامتناع عن النظر في أي قضية لم تكن واضحة المعالم لديه، ولكي يتخلص منها يحيلها إلى صاحب الرد كي يبت فيها.\nوقد حفظت لنا كتب التراجم أسماء الذين تولوا هذه الخطة في عهد الدولة الأموية بالأندلس، منهم:\nالفقيه أبو عمر حارث بن أبي سعد المتوفى سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) كان يتولى الشرطة الصغرى والرد في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٤) \".\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٥١٩.\n(^٢) - النباهي، ص ٥.\n(^٣) - المصدر السابق، والصفحة.\n(^٤) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٨٧. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٨.","vol":"2","page":766},{"text":"كما كان موسى بن محمد الجذامي يتولى خطتي الشرطة والرد في عهد الأمير عبد الله بن محمد (^١).\nوفي مطلع القرن الرابع الهجري كان أبو الوليد محمد بن محمد بن أبي زيد، المتوفى يوم الخميس لعشر بقين من صفر سنة (٣٣٣) هـ (أكتوبر (٩٤٤) م) يتولى خطة الرد، رغم اتصافه بقلة العلم (^٢)، ثم عزل عن منصبه سنة (٣٠٤) هـ (٩١٦ م) وعين بدلًا عنه يحيى بن إسحاق الطبيب مضافة إليه الشرطة الصغرى (^٣).\nوكان الفقيه أبو عيسى يحيى بن عبد الله الليثي، المتوفى ليلة الثلاثاء لثمان خلت من رجب سنة (٣٦٧) هـ (٢٠ فبراير سنة (٩٧٨) م) (^٤) يتولى خطة الرد.\nوكان أبو عبد الله محمد بن تمليخ التميمي المتوفى في شهر رمضان سنة (٣٦١) هـ (يونيو (٩٧١) م) يتولى خطتي الرد والشرطة في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وأنه كان يتمتع بمنزلة رفيعة لديه (^٥).\nثم تولى خطة الرد بعد ابن تمليخ عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي، واستمر في منصبه طيلة عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وأقره\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٩٤.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٤١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ١٣٤.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ١١٨ - ١٢٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٥٩٧.\n(^٥) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٠١.","vol":"2","page":767},{"text":"على منصبه ابنه الخليفة هشام المؤيد، ثم اتُهم عبد الملك بن منذر أنه يتآمر ضد الخليفة هشام وحاجبه المتسلط عليه المنصور بن أبى عامر، فألقي القبض عليه وصُلب على باب سدة السلطان وذلك يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة سنة (٣٦٨) هـ (١٩ يناير (٩٧٩) م) (^١).\nثم أُسندت خطة الرد لأبي بكر عبد الله بن هرثمة بن ذكوان، واستمر عليها إلى أن توفي بكركي في غزوة الصائفة وذلك في صدر شهر رمضان سنة (٣٧٠) هـ (مارس (٩٨١) م) (^٢). ومن بعده تولاها ابنه أبو العباس أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان فلم يزل قائمًا بخطة الرد مشاورًا في الأحكام إلى أن قلده المنصور بن أبي عامر قضاء الجماعة وذلك يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر المحرم سنة (٣٩٢) هـ (ديسمبر (١٠٠١) م) (^٣).\nوبعد أحمد بن ذكوان تولى خطة الرد الفقيه يونس بن عبد الله بن محمد، المعروف بابن الصفار المتوفى ليلة الجمعة لليلتين بقيتا لشهر رجب سنة (٤٢٩) هـ (مايو (١٠٣٨) م).\nويبدو أن ابن الصفار لم يستمر في منصبه طويلًا، إذ ولي خطة القضاء والصلاة والخطبة بجامع قرطبة مع الوزارة (^٤) فتولى خطة الرد من\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٨٢٣.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ٧٢٤.\n(^٣) - الصلة، ترجمة رقم ٦٥.\n(^٤) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٥١٢.","vol":"2","page":768},{"text":"بعده أبو عبد الملك راشد بن عبد الله، لكنه لم يلبث فيها إلا أيامًا من سنة (٤٠١) هـ (١٠١١ م) وهي السنة التي تولى فيها خاله أبو بكر بن وافد قضاء القضاة بقرطبة مع الوزارة وعندما حلت المحنة بابن وافد من جراء دخول المستعين إلى قرطبة (^١) هرب أبو عبد الملك راشد بن إبراهيم عن قرطبة متوجها إلى الشمال، لكنه قبض عليه في الطريق فُذبح وذلك سنة (٤٠٤) هـ (١٠١٤ م) (^٢).\nويمكن اعتبار الفقيه عبد الله بن سعيد بن عبد الله الأموي، المعروف بابن الشقاق، آخر من تولى خطة الرد في عهد الدولة الأموية، وظل على مرتبته إلى أن توفي يوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر رمضان سنة (٤٢٦) هـ (يوليو (١٠٣٥) م) (^٣).\nوالملاحظ أن معظم الأسماء التي تولت خطة الرد كانت تلي أيضًا خطة الشرطة أي الجمع بين الخطتين، ولعل الهدف من هذا هو ضمان سرعة تنفيذ الأحكام (^٤).\nومعظم من تولى خطة الرد، قد وصل إلى منصب قضاء الجماعة مباشرة وهذا يعني أن من يلي خطة الرد لابد وأن يكون متصفًا بالصفات\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٨٨.\n(^٢) - الصلة، ترجمة رقم ٤٢٥.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦. الصلة، ترجمة رقم ٥٨٧.\n(^٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٥٢٠.","vol":"2","page":769},{"text":"المؤهلة لمنصب قاضي الجماعة، كما يعني أيضًا أن منصب قاضي الجماعة أعلى من منصب صاحب الرد كما أنها خطة قابلة للتوارث.\nولصاحب الرد مهام غير ما ذُكر، فقد كانُ يكلَّف بمطالعة رعايا الكور والوقوف على أحوالهم، ففي جمادى الآخرة من عام (٣٦٢) هـ (مارس (٩٧٣) م) كلف الخليفة الحكم المستنصر بالله صاحب الرد عبد الملك بن منذر البلوطي بالخروج إلى الكور الغربية وهي شريش ولقنت واشبيلية ولبله وقرمونه ومورور واستجة وشذونة، وذلك لمطالعة رعاياها والتعرف على أحوالهم والكشف عن سير عمالهم فيهم (^١).\nوذكر ابن حيان أنه في شهر رجب من سنة (٣٦٢) هـ (إبريل (٩٧٢» خرج صاحب الرد قاضي فحص البلوط (^٢) عبد الملك بن منذر بن سعيد ومعه الخازن أحمد بن محمد الكلبي إلى مدينة الفرج أمينين ليتعرفا حقيقة ما رفعه أهلها على قائدها رشيق بن عبد الرحمن صاحب الركاب فينصفانهم منه (^٣) \".\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ١٠٠.\n(^٢) - فحص البلوط،  El valle de los Pedroches  هو سهل منبسط ممتد في شمال غربي قرطبة، ومجاور لأراضي أو ريط، وتتصل بأحواز فحص البلوط بأحوار فريش، ومن هذا الفحص يصدر الزئبق للآفاق، ونظرًا لاشتهار المنطقة بشجر البلوط، لذا فقد نسبت إليه. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٨٣. الروض المعطار، ص ٤٣٥ - ٤٣٦.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ١٠٤ - ١٠٥.","vol":"2","page":770},{"text":"ونظرًا لأن صاحب الرد يتمتع بأحقية ولاية النظر في الطعن في الأحكام فإنه يملك سلطة رد الحكم وتعديله وتصويبه إذا خالف الشرع، وبذلك فإن صاحب الرد يملك سلطة نقض الحكم ونظر دعوى المخاصمة (^١).\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٥٢٦.","vol":"2","page":771},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة المظالم </span>\nنظام المظالم هو لون من ألوان القضاء، امتزجت فيه سطوة السلطان بنصفة القضاء ولذا فقد عرفه الماوردي بقوله: \"ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة (^١) \".\nوالناظر في المظالم يختلف عن القاضي، فهو أوسع صلاحيات وأكثر سلطة. إذ يكفي في هذا المجال أن له النظر فيما تنظر إليه القضاة، وما لا تنظر فيه من الحكومات، وبالجملة فهو يمتاز عن القاضي بأشياء كثيرة منها أن له من الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة، كما أن الناظر في المظالم أفسح مجالًا وأوسع مقالًا، وأن له من قوة الإرهاب ما ليس للقضاة، وله حرية التعامل مع الخصمين وفق مجريات القضية، وكذلك له الحق في استدعاء الشهود وأطراف الدعوى والعمل على اتخاذ كافة الإجراءات التي تزيل الشك عنده (^٢) وعندما تناول الحديث عنها الكاتب الأعرج ذكر أن لصاحب المظالم\" النظر قبل التظلم إليه في الجرائم والظلامات، وله إرهاب المتهوم بالظلم والجريمة قبل الثبوت بالإقرار أو البينة القوية، وله الحمل على الاعتراف بالحق، والحبس في المظالم، وله الضرب للاعتراف عند ظهور الإمارات في الجرائم وله تأديب المدعى عليه\n_________\n(^١) - الأحكام السلطانية، ص ٦٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٧٠ - ٧١.","vol":"2","page":772},{"text":"إذا ثبت الحق بالبينة بعد الإنكار، وله حمل المجرمين على التوبة بالإجبار (^١) \".\nومجلس صاحب المظالم لابد وأن يضم خمسة أصناف من أهل الاختصاص هم: الحماة والأعوان، والقضاة والحكام، والفقهاء، والكتاب، والشهود (^٢) فإذا انتظم المجلس بأعضائه، فلصاحب المظالم حينئذ النظر في عدة قضايا، وهذه القضايا عشرة أقسام هي: النظر في تعدي الولاة على الرعية، وجور العمال فيما يجبونه من الأموال، وكُتَّاب الدواوين لأنهم أمناء المسلمين على أموالهم، وتظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم، والنظر في الغصوب بنوعيها، السلطانية وماتغلب عليه ذوو الأيدي القوية، والنظر في مشارفة الأوقاف العامة والخاصة، وتنفيذ ما وقف القضاة من أحكام لضعفهم عن إنفاذها وعجزهم عن المحكوم عليه لتعزيره وقوة يده أو لعلو قدره وعظم خطره. كما أن له النظر فيما عجز عنه الناظرون في الحسبة من المصالح العامة، وله مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد من تقصير فيها وإخلال بشروطها، وكذلك له النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين (^٣).\nومن أجل هذه المهام الجسيمة الملقاة على عاتق صاحب المظالم، فإنه لابد وأن يكون متصفًا بصفات تؤهله لتحمل تلك المهام، وعليه فلابد،\n_________\n(^١) - تحرير السلوك، ص ٣٨.\n(^٢) - الأحكام السلطانية، ص ٦٧. تحرير السلوك، ٣٩.\n(^٣) - الأحكام السلطانية، ص ٦٧ - ٧٠. تحرير السلوك، ص ٣٩ - ٤٠.","vol":"2","page":773},{"text":"\"أن يكون جليل القدر، نافد الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر الفقه، قليل الطمع كثير الورع، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تُدنس دينه ولا عرضه الرشوة بالقائم، إذ يحتاج إلى سطوة الولاة وتثبت القضاة، فينبغي أن يكون جامعًا بين صفتي الفريقين، ويكون لجلالة قدره نافذ الأمر من الجهتين\" (^١).\nوخطة المظالم في الأندلس هي إحدى الخطط الدينية الست التي ذكرها ابن سهل وجعل لأصحابها الحق في إصدار الأحكام (^٢).\nوالملاحظ أنه في بداية الدولة الأموية بالأندلس لم يكن يوجد صاحب مظالم، إذ أن هذه الخطة لم تنشأ هناك إلا متأخرة، ولكن هذا لا يعني عدم الاهتمام بها، إذ أن الأمير عبد الرحمن الداخل كان \"يقعد للعامة، ويسمع منهم، وينظر بنفسه فيما بينهم ويتوصل إليه من أراده من الناس فيصل الضعيف منهم إلى رفع ظلامته إليه دون مشقة (^٣) \".\nوذكر ابن حيان أن الأمير عبد الرحمن الداخل بلغ من شدة اهتمامه بالمظالم أنه كان يتصدى لها في أي مكان وزمان، وفي أثناء عودته من حضور جنازة في إحدى الأيام تصدى له أحد العوام وخاطبه بصوت عال طالبًا منه أن ينصفه ممن ظلمه، فوقف الأمير ودعا بالقاضي المرافق له وأنصف الرجل (^٤).\n_________\n(^١) - تحرير السلوك، ص ٣٨.\n(^٢) - النباهي، ص ٥.\n(^٣) - نفح الطيب، ١/ ٣٣٢.\n(^٤) - المصدر السابق، ٣/ ٣٧.","vol":"2","page":774},{"text":"كذلك نجد الأمير عبد الرحمن الداخل يعطي الشاعر أبا المخشي ألفي دينار ويضاعف له دية عينيه (^١)، رغم أن الرجل لم يتظلم له من مصابه، ولكن شعور الأمير بأن الرجل قد ظلم دفعه لمواساته ومحاولة إنصافه.\nوأما الأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل فإنه انتصف لأحد أعوانه المظلومين قبل أن يلي الإمارة (^٢)، وبعد أن تولاها كان أول شيء اهتم به هو تسريح السجون من غير أهل الحدود ورد المظالم (^٣) كما أنه كان يبعث برجال عدول يذهبون إلى الكور يسألون الناس عن سير عمالهم فيهم، ثم ينصرفون إليه ويطلعونه على حقيقة الأوضاع فيصدر على ضوئها أوامره بما يحقق العدالة (^٤).\nومن شدة حرص الأمير هشام الرضا على العدل أن رجلًا اعترض طريقه وهو يستغيث من ظلم أحد العمال له، فحاول بعض مرافقي الأمير إرضاء ذلك الرجل خشية من سخط الأمير على ذلك العامل، إلا أن الأمير بعث إلى الشاكي وأحضره وقال له: \"احلف على كل ما ظلمك فيه، فإن كان ضربك فاضربه، أو هتك لك سترًا فاهتك ستره، أو أخذ لك مالًا فخذ من ماله مثله، إلا أن يكون أصاب منك حدًا من حدود\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٣٥.\n(^٢) - انظر القصة في: أخبار مجموعة، ص ١٢١ - ١٢٤. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٢ - ١٢٤. البيان المغرب، ٢/ ٦٧ - ٦٨.\n(^٣) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٩.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٦٦.","vol":"2","page":775},{"text":"الله، فجعل الرجل لا يحلف على شيء إلا أقيد منه، فكان زجره هكذا لعماله أبلغ فيهم من النكال والأدب (^١) \".\nوقد وصُف الأمير هشام بأنه كان عادلًا فاضلًا جوادًا كريمًا ورعًا … متشبهًا بورعه وزهده بعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى \"يجري في أحكامه على القريب والبعيد وينصف الصغير من الكبير والفقير من الغني والضعيف من القوي وينصف من نفسه وقرابته (^٢) \".\nوأما الأمير الحكم الربضي فرغم القسوة التي عرف بها، إلا أنه كان محبًا للعدل، وقد حُفظت عنه كلمة كان يداوم على ترديدها تدل على حرصه على الإنصاف، فقد كان يقول: \"ما تحلى الخلفاء بمثل العدل (^٣) \" وعندما أفضت الإمارة إليه خصص يومين من كل أسبوع يقعد فيهما للعامة بنفسه وينظر في أمورهم (^٤).\nوحدث في عهده أن عاملًا في جيان (^٥) اغتصب جارية من صاحبها، فلما عزل العامل عن الولاية تقرَّب إلى الأمير الحكم بأن أهدى إليه\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٢/ ٦٦.\n(^٢) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٠.\n(^٣) - المصدر السابق، ١/ ١٢٦. البيان المغرب، ٢/ ٧٩.\n(^٤) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٨.\n(^٥) - جيان \"  Jaen\"  تقع إلى شرق قرطبة وتبعد مسافة مائة كيلو متر، وإلى شمال غرناطة وتبعد عنها بنفس المسافة، وتحدها التلال العالية من الجنوب الشرقي ومن الغرب، وقد كانت جيان من أعظم قواعد الأندلس الوسطى، وأشهرها حصانة ومنعة، وقد خرجت من أيدي المسلمين سنة ٦٤٣ هـ، وهي اليوم عاصمة إحدى المحافظات التي تتألف منها مقاطعة الأندلس \"  Andalucia\"  انظر: الرازي وصف الأندلس، ص ٦٨ - ٦٩. الحميري، الروض المعطار، ص ١٨٣ - ١٨٤. محمد عنان، الآثار الأندلسية الباقية، ص ٢٢١ - ٢٢٢.","vol":"2","page":776},{"text":"الجارية، فحضر صاحبها عند قاضي الجماعة المصعب بن عمران وشرح له القصة، وأقام البينة على ذلك، فدخل القاضي على الأمير وأنهى إليه خبر الجارية، وطلب منه إبرازها تمهيدًا لإصدار الحكم، ورفض عرض الأمير بشراء الجارية بالسعر الذي يبتغيه سيدها فخضع الأمير لرأي القاضي وسُلِّمت الجارية لسيدها، وأمره القاضي ألا يبيعها إلا في بلدة جيان لينتشر ذكر العدل ويقوى من ظلم على رفع ظلامته (^١).\nوتكرر موقف القاضي المصعب بن عمران مع الأمير الحكم وذلك في مظلمة رفعها أيتام من جيان ضد العباس بن عبد الله القرشي، المتوفى سنة (٢١٩) هـ (٨٣٤ م) الذي اغتصب ضيعة أبيهم، ورغم محاولات الأمير التدخل في القضية لصالح القرشي إلا أنه في النهاية خضع لحكم القاضي، وقال للقرشي \"ما أشقاه من لطمه قلم القاضي (^٢) \".\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة، ص ١٢٥ - ١٢٦. وقد ذكر ابن عذاري في البيان المغرب، ٢/ ٧٨ أن القاضي كان محمد بن بشير.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٢٥ - ٢٦.","vol":"2","page":777},{"text":"وبالإضافة إلى ما سبق فقد جرت في عهده عدة قضايا خاصة بالمظالم كانت له فيها مواقف مشرفة. (^١) ورغم ما يمكن أن نلمسه في بعض مواقف الأمير الحكم مع قضاته بخصوص المظالم من أنه يحاول التحيز نوعًا لمن يعنى به، إلا أننا لا يمكن أن ننكر موقفه من مناصرة الحق في النهاية، وذلك من خلال خضوعه للحكم الذي يصدره القاضي وقد توَّج اهتمامه بالمظالم عندما أحدث خطة خاصة بها، فهو أول من أحدثها بالأندلس، وولى عليها مولاه مسرة الخصي (^٢).\nوأما الأمير عبد الرحمن الأوسط فبعد أن استلم الإمارة كان أول شيء فعله أن سرَّح السجون -من غير أهل الحدود- ورد المظالم (^٣).\nومن المظالم التي ردها الأمير عبد الرحمن الأوسط مظلمة حسانة التميمية التي وفدت إليه من إلبيرة شاكية واليها جابر بن لبيد عندما لم يمتثل لكتاب معها سبق وأن كتبه لها الأمير الحكم الربضي بيده (^٤).\nوقد تولى عيسى بن شهيد، المتوفى سنة (٢٤٣) هـ (٨٥٧ م) خطة المظالم في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط فقد \"ولاه النظر في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة (^٥) \".\n_________\n(^١) - انظر تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٥٤٢ ومصادره.\n(^٢) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ١/ ١٣٩.\n(^٤) - نفسه، ١/ ١٤٢ - ١٤٣.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، ص ٢٦.","vol":"2","page":778},{"text":"وبذلك أصبح من صلاحيات صاحب المظالم مساءلة ذوي المناصب الإدارية العليا في الدولة عن أي تجاوزات تحدث من قبلهم، وممن تعرض لمساءلة صاحب المظالم الشاعر السفير يحيى الغزال، المتوفى سنة (٢٥٠) (٨٦٤ م) وقصة ذلك أن الغزال كان قد مدح الأمير عبد الرحمن الأوسط بقصيدة ولاه بسببها قبض الأعشار ببلاط مروان واختزانها في الأهراء (^١)، وحدث أن عم القحط في ذلك العام، وقل الطعام وارتفعت الأسعار، فأخذ الغزال يبيع ما في مستودعات الدولة لديه حتى نفذ ما بها، وبعد أن نزل الغيث وتوفر الطعام، علم الأمير بما حدث، فغضب وأنكر تصرف الغزال، وأمر باستيفاء الثمن منه، ولكنه أبى فحمل إلى قرطبة مقيدًا، حيث سجن هناك ثم أطلق سراحه (^٢).\n_________\n(^١) - الأهراء: المستودعات الضخمة المعدة لخزن الأطعمة.\n(^٢) - المطرب، ص ١٢٨. والأستاذ الدكتور إحسان عباس يشك في أن هذه الحادثة وقعت زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط، محتجًا بأن قحطًا لم يقع في حياته، ويرجح أنها حدثت زمن الأمير الحكم الربضي سنة ١٩٩ هـ، انظر: د. إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة، ص ١٥٩. لكن الواقع يشير إلى خلاف ذلك فقد ذكر ابن حيان أنه في سنة ٢٠٧ هـ، في صدر أيام الأمير عبد الرحمن الأوسط، نالت أهل الأندلس مجاعة شديدة بسبب انتشار الجراد. ولحسه الغلات وتردده في الجهات، وفي سنة ٢٣٢ هـ قلت الأمطار وعم القحط العام، أما القحط الخاص فقد أصيبت به عدة كور منها مثلًا في سنة ٢٣٦ هـ كورة تدمير، انظر: المقتبس، ابن حيان، تحقيق: د. محمود مكي، الصفحات: ٩٣، ١، ٧ على التوالي.","vol":"2","page":779},{"text":"وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط تولى قضاة الجماعة بقرطبة وكذلك قضاة الكور رد المظالم إلى أهلها (^١).\nوأما الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد وصف بأنه كان \"مهتبلًا بأمور رعيته مراقبًا لمصالحها (^٢) \" كما أنه اهتم بالمظالم، وأشرف على الكثير منها، من ذلك قصة الثلث الذي أوصى ابن القصيبي بتفريقه (^٣)، وكذلك اغتصاب وزيره هاشم بن عبد العزيز لأرض بوثيقة مزورة، واللطيف في هذه القصة هي الطريقة التي تمت بها عرض المظلمة، فقد ذكر ابن حيان أن صاحب الأرض عندما فشل في إقناع الوزير بالعدول عن الأرض، تصدى للأمير محمد عند ركوبه إلى بعض منتزهاته، ونظرًا لضخامة الموكب وصعوبة الاقتراب من الأمير، فقد ابتكر الرجل حيلة مناسبة، حيث صعد على حائط يمر الأمير بالقرب منه، وكتب مظلمته على منشور وربطها بعصا ورفعها فوق رأسه فلما حاذاه الأمير، أخذ الرجل يستغيث به ويشير بعصاه والكتاب فيها، فأمر الأمير بأخذ الكتاب فلما قرأه أحضر وزيره هاشم الذي حاول عبثًا تكذيب الرجل، لكن الأمير ضيق عليه حتى اعترف وأقر بظلمه له وتعديه عليه فأنصفه الأمير منه (^٤).\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٥٤٣ ومصادره.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٠٩.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٨٣ - ٨٥. ابن القوطية، ص ٧١ - ٧٣.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٨ - ١٥٢.","vol":"2","page":780},{"text":"وهناك عدة قضايا خاصة بالمظالم نظرها قضاة الجماعة في عهد الأمير محمد، منها: قصة إخفاء الأمير أبي إسحاق لرجل استحق الحكم عليه وكذلك اغتصاب أحد المرشحين لخطة المدينة منزلًا لأحد الناس، واغتصاب الفتى بدرون الصقلبي وصيف الأمير منزلًا لامرأة، وتظلم أحدهم من صاحب المدينة، بالإضافة إلى الدعوى التي رفعت ضد يوسف بن بسيل الذي كان عاملًا على شذونة (^١).\nوأما الأمير المنذر بن محمد فقد كانت مدة إمارته قصيرة لا تتجاوز السنتين ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - (٨٨٨» كما أن تلك الفترة قضاها في حروب متصلة لإخضاع المتمردين، لأجل هذه فلا يوجد أثر للمظالم في عهده، ونكتفي في هذا المجال بالقول بأنه في اليوم الثاني لبيعته بالإمارة أمر بتفريق \"العطاء في الجند، وتحبب إلى أهل قرطبة والرعايا بأن أسقط عنهم عشر العام وما يلزمهم من جميع المغرم (^٢) \".\nوقد عُرف الأمير عبد الله بن محمد بشدة وطأته على أهل الظلم (^٣)، ومن أجل نصرة المظلوم كان يجلس في الساباط قبل صلاة الجمعة وبعدها، يرى الناس ويشرف على تصرفاتهم ويسمع قول المتظلم منهم (^٤).\n_________\n(^١) - انظر تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٥٤٤ - ٥٤٥ ومصادره.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١١٤.\n(^٣) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٥٣.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: أنطوينه، ص ٣٤.","vol":"2","page":781},{"text":"ثم ازداد اهتمام الأمير عبد الله بالمظالم، فأمر بفتح باب عند أحد أركان قصره أطلق عليه اسم باب العدل (^١)، وجعل عليه باب حديد صنع مشرجبًا ليلقي كل متظلم رقعته من خلاله (^٢)، وذلك في حال عدم تواجد الأمير في قرطبة، أما إذا كان في القصر فبإمكان أي متظلم مناداته من قبل ذلك الباب دون أن تكون لحاجب سلطة عليه، فتؤخذ الرقعة سريعًا أو يصل المتظلم للأمير فيخاطبه بظلامته ويعمل الأمير على إنصافه، فعظمت المنفعة بهذا الباب (^٣)، وأخذ أهل المكانات وذوو الأقدار يأخذون حذرهم من كل أمر يوجب الشكوى بهم، ويتحاشون ظلم من هم دونهم، مهابة للأمير وخشية من افتضاح أمرهم أمامه (^٤).\nوفي أوائل عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد رفع إليه عجم أهل أبطليش دعوى ضد أسماء بنت ابن حيون، فأمر الأمير قاضي الجماعة بالنظر فيها (^٥).\nوقد كان الخليفة عبد الرحمن الناصر يترفع عن النظر في المظالم وبالذات ما كان منها يتعلق بمشاكل العوام، ومن ذلك، أنه كان يسير في موكب فاعترضه أحد العوام وهو يصيح بصوت منكر، فلما وقف\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٣٧.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٣.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: انطونيه، ص ٣٧.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٣.\n(^٥) - وثائق في أحكام قضاء أهل الذمة في الأندلس، ص ٥٨ - ٥٩.","vol":"2","page":782},{"text":"واستفسر منه، وجد أن قضيته تدور حول حمار اشتراه وظهر فيه عيب، فغضب الخليفة وأنكر عليه تجاوزه للقاضي وأهل السوق ورفع هذا الأمر التافه له، ثم أمر به فُضرب ونودي عليه بذلك مجرَّسًا ليكون عبرة لسواه (^١).\nوالخليفة عبد الرحمن الناصر لم يترفع عن النظر في المظالم فحسب، بل إنه عدَّ الجلوس لها مضيعة للوقت وسببا في تدهور الدولة وعاب على جده الأمير عبد الله بن محمد جلوسه لها، وعدَّ اهتمامه بها سبباُ في الاضطراب الذي أصاب الدولة في عهده، فقد خاطب الخليفة عبد الرحمن الناصر وزراءه قائلًا: \"أعلمتم أن الأمير عبد الله جدي بنزوله للعامة في الحكم للمرأة في غزلها والحمال في ثمن ما يحمله، والدلال في ثمن ما ينادي عليه، وإضاعة كبار الأمور ومهامتها، والنظر في حروبه، ومداراة المتوثبين عليه، حتى اضطرمت جزيرة الأندلس وكادت الدولة ألا يبقى لها رسم، أي مصلحة في نظر غزل امرأة ينظر فيه أمين سوق الغزل، وإضاعة النظر في قطع الطرق وسفك الدماء وتخريب العمران (^٢) \" والذي يمكن قوله في هذا المقام، أن تصرف الخليفة عبد الرحمن الناصر مع صاحب الحمار فيه تأديب له لأمثاله، وفي الوقت نفسه تكريس لهيبة الدولة في نفوس الرعية والمناوئين لها، كما أن فيه تأكيد على التسلسل الوظيفي إذ لا يجوز لأحد\n_________\n(^١) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٨٥.\n(^٢) - المصدر السابق، ١/ ١٨٥.","vol":"2","page":783},{"text":"عرض قضية على ذي منصب كبير قبل أن تأخذ تدرجها الطبيعي ابتداء من أدنى السلم. وولي الأمر لابد وأن يهتم دائمًا وأبدًا بالصالح العام للرعية، وعليه أن يكرس جهده فيما يعود بالنفع عليها.\nولاشك أن الاهتمام بقمع المناوئين وقطَّاع الطرق أعظم أهمية من صرف الانتباه لقضايا أقل ما يقال عنها أن بالإمكان حلها بأيسر السبل دون أن يكون لها أي ذكر في المجتمع.\nوملامة الخليفة لجده هي في الواقع أمر منطقي، إذ أن الدولة في عهده كانت معرضة للإنهيار، بل إن حكومة قرطبة في بعض الأحيان لم يعد لها سيطرة في الأندلس إلا على قرطبة والأماكن القريبة منها فقط، فأي مصلحة والوضع بهذه الصفة من الخطر في الاستماع لامرأة تدور قضيتها حول الغزل، وترك الفتن تستعر في أرجاء البلاد، الأمر الذي يترتب عليه انعدام الأمن وتدهور الحالة الاقتصادية إلى خلاف ذلك من أمور، المجتمع في غاية الغنى عن خوض تجربتها.\nومن الطرائف التي جرت على يدي الخليفة عبد الرحمن الناصر أن تاجرًا زعم أن صرة له قد ضاعت وهي تحوي مائة دينار، وجعل لمن وجدها مكافأة مقدارها عشرة دنانير، فجاء بها رجل عليه سمة أهل الخير، فلما قبضها التاجر ادعى أنه كان بها مائة وعشرة دنانير وأن الرجل أخذ عشرة دنانير وهي المكافأة، وأبى أن يدفع الشرط، فرفع الأمر للخليفة فوقع على الكتاب \"صدق التاجر والرجل الذي وجد المال، ولولا صدق","vol":"2","page":784},{"text":"الرجل ما أتى بشيء مجهول، فاردد عليه المائة، وناد على مال التاجر فإنه مائة وعشرة (^١) \".\nويبدو أن الخليفة عبد الرحمن الناصر أخذ يهتم بالمظالم أكثر من ذي قبل، فعزم على تنظيمها وإقامة جهاز إداري خاص بها، فقد ذكر ابن حيان أنه في شهر ربيع الأول من سنة (٣٢٥) هـ (يناير (٩٣٧) م) أصدر الخليفة أمره بنقل \"محمد بن قاسم بن طملس من خطة العرض إلى خطة المظالم، أفرد بها، وأجرى عليه الرزق لها، فكان أول من ارتزق بهذه الخطة، وصيرها الناصر لدين الله من هذا الوقت خطة بذاتها، وقد كان نظر في المظالم قبله جماعة أضيفت إليهم، منهم الوزير أحمد بن حدير، والوزير عبد الله بن جهور، فأفردت من هذا التاريخ، وجل قدرها وعظمت المنفعة بها (^٢) \".\nمن ما مضى ندرك أن خطة المظالم لم تأخذ تنظيمها النهائي إلا في آخر الربع الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فرغم أنها كانت موجودة في السابق إلا أنها لم تكن قائمة بذاتها بل كانت مضافة إلى غيرها من الخطط، ومنذ أن أفردت خطة المظالم لوحدها، لم تتم إضافتها إلى غيرها من الخطط طيلة تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، باستثناء مرة واحدة وذلك عندما أضافها الخليفة عبد الرحمن الناصر لذي\n_________\n(^١) - نفسه، ١/ ١٨٥ - ١٨٦.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤١٦.","vol":"2","page":785},{"text":"الوزارتين أحمد بن عبد الملك بن شهيد مجموعة له مع الشرطة العليا بالإضافة إلى قيامه بأعباء الوزارة وذلك سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) (^١).\nوالخليفة عبد الرحمن الناصر رجل إداري صاحب تجديدات وإضافات ملموسة ذات تأثير على الجهاز الإداري للدولة ككل. من ذلك أنه في سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) قام بتوزيع المهام الإدارية بين وزرائه، منها انه كلف وزيره محمد بن حدير القيام بمهام النظر في مطالب الناس وحوائجهم وتنجيز التوقيعات لهم (^٢).\nوعندما تولى الحكم المستنصر الخلافة، كانت أول أعماله الاهتمام بإصلاح شأن رعيته، فأحسن إليها وحط وظائفها، وأمر بإطلاق سراح من في السجن من غير أهل الحدود، وتصدق من ماله الخاصة بمائة ألف دينار، وفدى الأسرى، وأدى عن أهل الديون ديونهم، وعدل في الرعية (^٣).\nوقد بلغ اهتمامه بالعدل أنه بعث في سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م) أمناءه إلى سائر الكور والثغور وذلك لتفقد أحوال الرعية ومتابعة سير عمالهم فيهم (^٤)، ورفع تقرير متكامل عن ذلك إليه لتتم محاسبة المسيء ومكافأة المنصف الحريص على تأدية الحق إلى مستحقه.\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٤٦١ - ٤٦٢.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٠.\n(^٣) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٠.\n(^٤) - المصدر السابق، ١/ ١٧١.","vol":"2","page":786},{"text":"ووتكرر إرساله لأمنائه، ففي سنة (٣٥٥) هـ (٩٦٦ م) بعث عدة من ثقاته وذلك لتفقد أحوال الرعية في سائر بلاد الأندلس، وقبل أن يغادروا قرطبة متجهين حيث أرسلوا، خاطبهم الخليفة قائلًا \"إن لم تنصحوا فأنا المباشر لها بنفسي، فإني أنا المسئول عنهم، فما العذر بين يدي السائل (^١) \".\nويبدو أن الخليفة قد وقف على تجاوزات كبيرة لبعض العمال، ولذا ففي سنة (٣٥٦) هـ، (٩٦٧ م) أوقع الخليفة بأولئك المتجاوزين الظالمين للرعية ونكل بهم (^٢)، وكتب كتابًا بتعنيفهم قرئ على كافة منابر الأندلس، جاء فيه \"أما بعد، فإن الله جل ثناؤه لا يظلم مثقال ذرة ولا يقوي الظالم، وهو الكفيل بنصرة المظلوم وقد أعد للظالمين عذابًا أليمًا، وقد علمتم عنايتنا بالمسلمين وحفظهم حفيظتنا بالعباد، فأحفظتموها إلى العنف والاستبداد، وحماكم السخف المركب فيكم، ووصيتنا بالداني والقاصي والمطيع والعاصي ونبذتم بالعراء أمرنا، فلتراجع التوبة عما أنتم بسببه من الجور، وأثبتوا العدل ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء من الآية رقم (٢٢٧» والسلام (^٣).\n_________\n(^١) - نفسه، ١/ ١٧٢.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٩. وقد جاء في ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٢. أن الخليفة أوقع بأولئك العمال في سنة ٣٥٥ هـ. ولكن الأقرب للصواب هو ماذهب إليه ابن عذري، وذلك لأن الوفد الذي شكل لتفقد أحوال الرعية غادر قرطبة في الربع الأخير من تلك السنة تقريبًا فكيف يتم انجاز كل تلك المهام في مدة أربعة أشهر تقريبًا؟\n(^٣) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٢.","vol":"2","page":787},{"text":"وميزان العدالة لدى الخليفة الحكم المستنصر لا يعرف المحاباة لأحد دون أحد، حتى أقاربه لا يمكن استثناؤهم من الخضوع للحق، ولذا ففي يوم الاثنين صدر شهر شوال من سنة (٣٦٢) هـ (يوليو (٩٧٣) م) انتدب الخليفة الحكم الوزير صاحب المظالم عبد الرحمن بن موسى بن حدير للنظر في القضية المرفوعة من أهل اشبيلية ضد واليهم ابن الخال سعيد الذي يبدو أنه استغل منصبه فيما يعود عليه بالمنفعة المادية دون تجنب وقوع الحيف على أهل اشبيلية (^١).\nمن ما مضى ندرك أن خطة المظالم أو بالأحرى صاحب المظالم جُعل لتنفيذ الحقوق ضد أولئك الأقوياء سواء كانوا أقارب للأمراء والخلفاء أو من يلوذ بهم، وإنصاف المستضعفين من طغيانهم.\nويبدو أن قاضي الجماعة وبالذات في المدة الأخيرة من عهد الدولة الأموية لم يعد من القوة بحيث ينفذ الحق على من وقع عليه دونما اعتبار لمكانته، ولذا أصبح صاحب المظالم صاحب اليد الطولى في هذا المجال.\nفعندما عجز قاضي الجماعة عبد الرحمن بن فطيس عن إنفاذ الحق ضد وصيف مقرَّب من الحاجب المنصور بن أبي عامر، استغاث صاحب الحق بالمنصور ضد وصيفه، فما كان من المنصور إلا أن أمر صاحب\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٨٦.","vol":"2","page":788},{"text":"الشرطة بأخذ ذلك الوصيف وإيقافه مع خصمه عند صاحب المظالم لإنفاذ الحق في قضيتهما (^١).\nوكان للفتنة أثرها على خطة المظالم، فأصبح يتصدى لها من ليس أهلًا لها، ويدعي حمل مسئوليتها من لا يقوى عليها، وقد وصف ابن حيان رجلًا من أصحاب المظالم الذين تسلطوا على الناس في الفتنة يدعى فزارة، فقال: \"من رجل معدن من معادن الجهل والأفن والغباوة وحجة من حجج الله تعالى في الرزق، واستظهر بما رأى الناس فيه من شدة وطأة المجاعة بما شاء من وفور الزاد وكثرة الطعام ونفاسة البر وسعة الثروة، فاغتذى على فرط الزلزلة في المجاعة بكثرة القوت والطعام أرسى من ثهلان وثبير، بما يفوت التقدير وولي المظالم صدر اكتهاله أيام التخليط الواقع بمنبعث الفتنة: ومن المظالم أن وليت على المظالم يا فزاره (^٢) \".\nوممن تقلد المظالم زمن الفتنة المشاور أبو عبد الله الحسين بن حي بن عبد الملك التميمي، المتوفى يوم الخميس لثمان خلون من ذي العقدة سنة (٤٠١) هـ (١٤ يونيو (١٠١١) م) وكان صدرًا في المفتين بقرطبة وتولى خطة الوثائق في عهد الحاجب عبد الملك المظفر، كما تولى القضاء بعدة كور، ولكنه لم يلبث أن وقع في حب الدنيا، فاشترك في الفتنة، وكان أحد دعاة المهدي الذي ماأن تولى الخلافة حتى استوزره ثم ولاه المظالم (^٣).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٨٩.\n(^٢) - الذخيرة، ق ١ م ٢، ص ٥٩٨ - ٥٩٩.\n(^٣) - ترتيب المدرك، ٧/ ١٩٩ - ٢٠٠.","vol":"2","page":789},{"text":"وعندما تولى الخلافة على بن حمود، أخذ الناس بالإرهاب والسطوة، وأخضع البرابر للحق، فبعد أن كانت مطالبتهم من الأمور العسيرة، إن لم تكن مستحيلة، صار أقل الرعية يرفع دعواه ضد أعتاهم وهو مطمئن لنيل حقوقه كاملة، واهتم علي بن حمود بالمظالم، فجلس لها بنفسه، وجعل بابه مفتوحًا للوارد والصادر والكبير والصغير.\nويصف ابن حيان حال الناس بقرطبة في ظل اهتمام علي بن حمود بالمظالم، فبعد أن كان الناس منقبضين قد زهدوا الدنيا وزينتها من شدة وطأة الفتنة عليهم، \"انتشروا في الأرض ذات الطول والعرض، وسلكت السبل، ورخا السعر، وأرقوا الأغذية وشاموا النساء، وطلبوا النسل، وكان أكثرهم يقول بالعزلة، واتخذوا الحلواء على طول عهد بها\" (^١).\nوقد باشر علي بن حمود المظالم، فجلس لها وكان يقيم الحدود بنفسه على من وقع عليه الحق دون مراعاة لمكانته، فقد ذكر ابن حيان أنه قُدِّم لعلي بن حمود مجموعة من كبار البربر ارتكبوا من الجرائم ما تجاوز حد النكال، فأمر بضرب أعناقهم وعشائرهم تنظر إليهم لا يستطيع أحد أن يدلي بشفاعته (^٢).\nكما أمر بقتل أحد البربر بسبب حمل عنب قال إنه أخذه كما يأخذ الناس، فضرب عنقه ورفع رأسه في الحمل وطيف به سائر البلد (^٣).\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٩٧ - ٩٨.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٩٨.\n(^٣) - نفسه، ص ٩٨.","vol":"2","page":790},{"text":"وأما الخليفة الأموي الأخير المعتد بالله، فقد كان أول شيء فعله بعد دخوله قرطبة هو جلوسه للمظالم بنفسه (^١)، ونظرًا للضعف الذي اتصف به هذا الخليفة فقد عُدَّ جلوسه للمظالم بنفسه نادرة من النوادر، إذ أنه عاجز عن ضبط أي أمر من أمور الدولة، فكيف يمكن أن ينفذ الأحكام على من توجه إليه الحق.\nهذا وقد حفظت لنا المصادر أسماء بعض من اشتغل بالمظالم، منهم:\nأبو محمد عبد الله بن أصبغ، المعروف بابن الصناع، كان يتصرف في رفع كتب المظالم إلى أن توفي في شهر رجب سنة (٣٧٣) هـ (ديسمبر (٩٨٣) م) (^٢).\nأبو محمد موسى بن أحمد بن سعيد اليحصبي، المعروف بالوتد، تصرف في رفع كتب المظالم وأصحاب الحوائج للمنصور بن أبي عامر، ظل كذلك إلى أن توفي ليلة الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة (٣٧٧) هـ (٢١ مايو (٩٨٧) م) (^٣).\nأبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس المتوفى سنة (٤٠٢) هـ (١٠١١ م) من علماء قرطبة المعدودين، وأبرزهم في جمع\n_________\n(^١) - نفسه، ق ٣ م ١ ص ٥١٧.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٢٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٤٦٦. ترتيب المدارك، ٧/ ١٥٨.","vol":"2","page":791},{"text":"الحديث وتدوينه، اشتهر بالزهد والفقه والصلابة، فقلد المظالم والأحكام للمنصور بن أبي عامر ومن بعده، فقام بها أحسن قيام (^١).\nأبو حاتم محمد بن عبد الله بن ذكوان كان طلق اللسان، حسن الطبع، ولاه الحاجب عبد الملك المظفر خطة المظالم، فحُمدت سيرته فيها، توفي في منتصف شهر رمضان سنة (٤١٤) هـ (نوفمبر (١٠٢٣) م) (^٢).\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٨١.\n(^٢) - نفسه، ٧/ ١٧٥ - ١٧٦.","vol":"2","page":792},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة الشورى </span>\nعندما تحدث ابن خلدون عن الخطط الدينية الشرعية، ذكر خطة الشورى تحت مسمى: الفتيا. فقال: \"اعلم أن الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة (^١) \".\nوبما أن كلمة مفتي تعني كلمة مشاور، فلا حرج علينا هنا من استخدام أي اللفظين لأنهما يؤديان نفس المعنى.\nومن تولى مهمة الإفتاء فقد تصدر لأمر جسيم، لأن المفتي يوضح ماغَمُض على العامة من أمور دينهم ويدلهم على المسلك القويم الذي في انتهاجه الفلاح والنجاح.\nويكفي للدلالة على عظم منصب الإفتاء أن الباري جل وعلا قد تولاه بنفسه، فقد قال تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (^٢).\nكما أن متوليه نائب عن النبي ﷺ وذلك في رواية العلم الشرعي الذي تركه المصطفى ﵊ فيبلغه للناس وينشره بينهم، فقد روى البخاري ومسلم بسنديهما عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: \"بينا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن، فشربت منه حتى لأرى\n_________\n(^١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٢٥.\n(^٢) - سورة النساء، من الآية رقم ١٢٧.","vol":"2","page":793},{"text":"الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلى عمر بن الخطاب\"، فقالوا: فما أولتها يا رسول الله؟ قال: \"العلم\" (^١).\nمن هنا تتضح عظم منزلة المفتي فهو مخبر عن الله تعالى، ونائب عن النبي ﷺ في تبليغ الأحكام الشرعية، وعليه فإن علم الفتوى \"علم تروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الوثائق الجزئية ليسهل الأمر على القاصرين من بعدهم (^٢) \".\nوبما أن الأمر متعلق بالأحكام، إذًا ربما تساءل البعض عن الفرق بين المفتي والقاضي؟ وقد أجاب ابن فرحون عن هذا، فذكر أنه لا فرق بينهما سوى أن المفتي مخبر بحكم شرعي ولكنه لا يملك صفة الإلزام، بعكس القاضي الذي تكون أحكامه ملزمة (^٣).\nوالملاحظ أن كل مجتمع من المجتمعات، وفي أي عصر من العصور، يسير وفق أنظمة محددة دينية أو اقتصادية ونحوها. وفي كل مجتمع تبرز ظواهر ذات أثر ملموس على سلوك أفراد المجتمع وتوجيه طاقاتهم.\nوالواجب على من اختص بتتبع الظواهر الاجتماعية محاولة توظيف الإيجابي منها لصالح المجتمع والعمل على الحد إن لم يمكن إزالة السلبي منها.\n_________\n(^١) - محمد حبيب الله بن سيدي عبد الله الجكني الشنقيطي، زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، (القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ١٣٥٩ هـ) ١/ ١٠١.\n(^٢) - مفتاح السعادة، ٢/ ٦٠١.\n(^٣) - تبصرة الحكام، ١/ ٧٤.","vol":"2","page":794},{"text":"وبما أن المجال الذي نتحدث فيه هو عن الفتوى أو الإفتاء، فإن من الظواهر الملموسة جهل الكثير من أبناء الأمة الإسلامية بالكثير من أمور دينهم، وهنا يأتي دور المفتي في الإجابة على أسئلة الذين يعانون من نقص في معلوماتهم الشرعية.\nوالمستفتي يسير في معالجة هذا النقص وفق الإرشاد الذي يقدمه له المفتي، من هنا تتضح عظم المهمة الملقاة على عاتق المفتي تجاه أمته، ولذا فإن من عُرف بالتساهل والتسرع لا يجوز أن يستفتى، لأنه في هذه الحالة عرضة لأن يَضل أو يُضل، بل إن المفتي الذي يتعمد إفتاء العامة بالتشديد والخاص من ولاة الأمور بالتخفيف وذلك في المسائل التي فيها أكثر من قول، هو رجل قد فرغ قلبه من تعظيم الله تعالى، وانصرف بكليته إلى الدنيا وحب الرئاسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق (^١). وما أشبه هذا بالمفتي الماجن \"الذي لا يبالي أن يُحرم حلالًا أو بالعكس\" (^٢) وبمقابل هذا فإن الفتيا لا تجوز إلا بما يرويه العدل عن المجتهد الذي يقلده المفتي (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>ثقافة المفتي:</span>\nاهتم الأندلسيون بشدة في المفتي أو المشاور، حتى أن بني أمية كانوا لا يقدمون لهذا المنصب إلا من كان عالمًا، ولا يكتفى بذلك، بل لابد من\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ١/ ٧٤.\n(^٢) - كشاف اصطلاحات الفنون، ٣/ ١١٥٦ - ١١٥٧.\n(^٣) - تبصرة الحكام، ١/ ٧٧.","vol":"2","page":795},{"text":"اختباره بواسطة مجالس مذاكرة متعددة تعقد لذلك (^١)، وعلى هذا فلابد أن يكون المتقدم لهذا المنصب صاحب ثقافة دينية قوية، تمكنه من اجتياز تلك المجالس، والحد الأدنى من هذه المعرفة الفقهية هي أن يكون قد نظر في المدونة والموطأ والمختصر، أو بقول لابن القاسم أو لأحد من نظرائه أو لسحنون أو لابن المواز أو لأصبغ أو لابن عبد وس أو أمثالهم (^٢).\nوإلى جانب هذه الكتب والأقوال؛ هناك مصادر أخرى على من أراد أن يكون راسخ القدم في الإفتاء إتقان تلك المصادر، من ذلك ما ذكره ابن بشكوال عند ترجمته لأبي القاسم خلف مولى يوسف بن بهلول الشهير بالبربلي، المتوفى سنة (٤٤٣) هـ (١٠٥١ م) أن أبا الوليد هشام بن أحمد كان يقول: \"من أراد أن يكون فقيهًا من ليلته فعليه بكتاب البربلي (^٣) \". ومن أضاف كتاب الأحكام الكبرى للقاضي ابن سهل ومنتخب ابن أبي زمنين وغيرهما من كتب الأحكام إلى الكتب التي سبق ذكرها بالإضافة إلى المداومة على دراسة الأصول، فإنه على حد قول ابن سهل، يحرز علم الأحكام على وجهه، ويدرك معرفة الأقضية على حقائقها، ويتعرف على المسلك الذي سار عليه شيوخ الفتيا في هذا المجال (^٤).\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ٣/ ٢١٤.\n(^٢) - تبصرة الحكام، ١/ ٧٥.\n(^٣) - الصلة، ترجمة رقم ٣٨٣.\n(^٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٣٢.","vol":"2","page":796},{"text":"ولكن مهما بلغت ثقافة المفتي الدينية، وتبحره في المسائل، فإنه لا يستغني أبدًا عن الدربة التي تمكنه من فهم ما يلقى إليه من أسئلة، وقد اعترف كبار أهل الفتيا بالأندلس أنهم في مجالسهم الأولى عانوا بشدة من قلة الدربة، وفي هذا يقول ابن سهل: \"وكثيرا ما سمعت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب ﵁ يقول: \"الفتيا صنعة\"، وقد قاله قبله أبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح ﵀، قال: \"الفتيا دربة، وحضور الشورى في مجالس الحكام منفعة وتجربة، وقد ابتليت بالفتيا فما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه سليمان بن أسود، وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن والتجربة أصل في كل فن ومعنى مفتقر إليه (^١) \".\nوهناك شروط لابد من توافرها في من سيتم اختياره للفتيا، وهي نفس الشروط الواجب توفرها فيمن يلي القضاء، إلا أن سلامة الحواس أمر يمكن تجاوزه عند اختيار المفتي.\nولدينا نماذج متعددة لفقهاء تولوا الفتيا بالأندلس لم يكونوا سليمي الحواس بصورة مكتملة من هؤلاء: -\nالفقيه القرطبي محمد بن يوسف بن مطروح، المتوفى يوم عاشوراء سنة (٢٧١) هـ (يوليو (٨٨٤) م) كانت الفتيا دائرة عليه أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن رغم أنه كان أعرجًا (^٢).\n_________\n(^١) - المعيار المعرب، ١٠/ ٧٩.\n(^٢) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٣١. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١١٣.","vol":"2","page":797},{"text":"الفقيه أحمد بن محمد بن زكرياء، الشهير بالرصافي، قرطبي مفتي، كان مكفوفًا، يجتمع حوله أهل الحسبة. توفي في شهر صفر (٣٦٢) هـ (نوفمبر (٩٧٢) م) (^١).\nالفقيه سعيد بن حمدون بن محمد القيسي، المتوفى يوم الخميس لأربع بقين من ذي القعدة سنة (٣٧٨) هـ (مارس (٩٨٩) م) فقد كان أعور (^٢) العين اليمنى، ولذا فقد كانت العامة تسميه: دجال الفقهاء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>سن المفتي:</span>\nورد لدى القاضي عياض أن الفقيه العدل القرطبي محمد بن محمد بن أبي دليم، المتوفى ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة من شهر رمضان سنة (٣٧٢) هـ (مارس (٩٨٣) م) \"كان لا يرى أن يسمى طالب العلم فقيهًا حتى يكتهل ويكمل سنه (^٤) \".\nمن هذا النص يتضح لنا أن هناك سنًا قانونية لابد من بلوغها لمن أراد أن يتخذ لقب فقيه، والمفتي بطبيعة الحال لابد أن يكون فقيهًا، وعليه فكأن المسألة فيها تحديد عمر المفتي، لكن هذه القاعدة لم تطبق دومًا في الأندلس، إذ وجد من قُدِّم للفتيا وهو دون سن الكهولة بكثير.\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٦٢.\n(^٢) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٥٢٥.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٢.\n(^٤) - المصدر السابق، ٦/ ١٥١.","vol":"2","page":798},{"text":"فالفقيه أحمد بن بقي بن مخلد قدمه الأمير عبد الله بن محمد للشورى وهو ابن خمس وعشرين سنة، وذلك لأنه \"كان في حداثة سنه معظمًا، موسومًا بالخير، معروفًا بالفضل، ظاهر السؤدد (^١) \".\nوكان الفقيه عبد الملك بن العاص بن محمد بن بكر السعدي، المتوفى يوم السبت لثمان بقين من شهر المحرم (٣٣٠) هـ (أكتوبر (٩٤١) م) قد ظهر فقهه مبكرًا، ولذا نرى قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز يقدمه للشورى حتى قبل أن يرحل للمشرق (^٢).\nوكان قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد يشاور الفقيه محمد بن عبد الله بن أبي عيسى المتوفى سنة (٣٣٩) هـ (أغسطس (٩٥٠) م) مع سائر الفقهاء وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره (^٣).\nولم يقف الأمر عند تقديم من بلغ سن الثلاثين من عمره للشورى، فقد قُدِّم لها من هو دون ذلك بكثير، فالفقيه ابن الباجي أحمد بن عبد الله بن محمد اللخمي، المتوفى ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ١١٢.\n(^٢) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣٣٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٢٠. ترتيب المدارك، ٦/ ١٤٥.\n(^٣) - ولد ابن أبي عيسى سنة ٢٨٤ هـ، ورحل إلى المشرق سنة ٣١٢ هـ، وعاد سنة ٣١٤ هـ، انظر: قضاة قرطبة، ص ١١٩ - ١٢٠.","vol":"2","page":799},{"text":"المحرم سنة (٣٩٦) هـ (أكتوبر (١٠٠٠) م) شاوره قاضي اشبيلية ابن أبي الفوارس وهو ابن ثماني عشرة سنة فقط (^١).\nوبصفة عامة فإن مسألة تقديم الشباب للشورى هي مسألة استثنائية يحكمها في الغالب النبوغ الفقهي المبكر لذلك الشاب، أما في الأحوال العادية فلا يقدم لها إلا من اكتهل سنه كما ذكر ذلك الفقيه ابن أبي دليم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-107>معايير التقديم للفتيا \"الشورى</span>\":\nإذا اشتهر أمر أحد طلاب العلم بسعة المعرفة ورسوخ القدم في الفقه، لاشك أنه سيقدم لمرتبة الإفتاء لكفاءته.\nلكن يحدث أحيانًا أن يُقَّدم أحدهم للشورى ويُستدعى من موطنه إلى قرطبة لتوليها نتيجة لعداوة تنشب بين فقهاء قرطبة، فقد وصل الفقيه عبد الملك بن حبيب إلى خطة الشورى بقرطبة بعد أن طلب قاضي الجماعة يحيى بن معمر من الأمير عبد الرحمن الأوسط استدعاءه من إلبيرة، وذلك ناتج عن تلك العداوة المستحكمة بين القاضي وبقية فقهاء قرطبة (^٣).\nكما أن الفقيه عبد الأعلى بن وهب بن عبد الأعلى، المتوفى سنة (٢٦١) هـ (٨٧٥ م) وصل إلى خطة الشورى بعد أن \"شهد يحيى بن يحيى\n_________\n(^١) - الصلة، ترجمة رقم ١٥.\n(^٢) - تاريخ القضاة في الأندلس، ص ٣٣٧.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٥٠.","vol":"2","page":800},{"text":"وسعيد بن حسان وقاضي الجماعة آنذاك وبعض الفقهاء عند الأمير عبد الرحمن الأوسط بأنه يستحق التقديم لخطة الشورى، فأمر بتقديمه (^١).\nووصل الفقيهان \"أبو عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بابن المكوي وأبو بكر محمد بن عبد الله المعيطي إلى خطة الشورى بعد أن تمكنا من جميع أقوال الإمام مالك بن أنس ﵀ من كافة الروايات بمائة جزء وأسمياه \"الاستيعاب الكبير\" وبعد أن تصفحه الخليفة الحكم المستنصر \"سُرَّ به ووصل كل واحد منهما بألف دينار، ومنديل كتب وقدمهما للشورى (^٢) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-108>لباس المفتي:</span>\nجرت العادة في الأندلس على أن لا يقدم للفتوى إلا من توفرت فيه شروط سبق معرفتها فإذا اتفقت الكلمة على تقديم أحدهم لهذا المنصب، جعلوا له لباسًا خاصًا يكون دلالة على المرتبة التي وصلها، واللباس الذي يختص به هو \"القالس والرداء (^٣) \" إذ لا يضع القالس عندهم إلا من حفظ المدونة وحفظ عشرة آلاف حديث بأسانيدها عن النبي المصطفى الكريم ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣٣٣. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٣٧.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٢١ - ١٢٢.\n(^٣) - نفح الطيب، ٣/ ٢١٦.\n(^٤) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٣٤.","vol":"2","page":801},{"text":"وقد كان عدد الذين يلبسون القالس والرداء في الأندلس كثيرًا، ومن كان منهم سكنه بالقرب من قرطبة حضر للصلاة يوم الجمعة في قرطبة ثم يسلم على الأمير أو الخليفة ويطالعه بأخبار بلده (^١)، وكان يشهد صلاة الجمعة بجامع الزهراء مع الخليفة عبد الرحمن الناصر من العلماء والفقهاء ثلاثة آلاف وخمسمائة مقلس (^٢).\nوعلى المفتي أن يهتم بهيئته، وذلك فيما يتعلق بجمال المظهر وحسن الزي وفق الوضع الشرعي، لأن في الحرص على ذلك وقع ملموس على نفس المقابل، إذ الخلق مجبولون على تعظيم الصور الظاهرة، واهتمام المفتي بهيئته تجعل له مكانة في قلوب العامة، الأمر الذي يجعل هناك مجالًا واسعًا للإقتداء به.\nويكفي للدلالة على أهمية المظهر أن الذي لديه رغبة أكيدة في التعلم عليه أن يهتم بمظهره، وهذا ما نصح به الفقيه الأندلسي زياد بن عبد الرحمن الفقيه يحيى بن يحيى الليثي في بداية طلبه العلم عند زياد، فقد قال له \"يابني إن كنت عازمًا على التعلم، فخذ من شعرك وأصلح زيك (^٣) \".\nثم لابد أن يلتزم بمظهر الاحتشام والأدب، ويتصف بالسكينة والوقار لأن ذلك مدعاة لأن يرغب المستمع في قبول ما يقوله وينصح به.\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ١/ ٣٤.\n(^٢) - نفسه، ١/ ١٦٦.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٣/ ٣٨٠.","vol":"2","page":802},{"text":"وعندما سئل الفقيه يحيى بن يحيى الليثي عن عدم انبساطه أمام الناس في المحافل العامة كانبساطه في مجالسه الخاصة، قال: \"لو فعلت ذلك لتلوعب بين يدي، وأنا أحب أن يقتدى بي كما اقتديت أنا بغيري (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-109>موارد دخل المفتي:</span>\nإن ارتفاع المستوى المادي نوعًا ما للمفتي أمر محبب وذلك خشية أن يميل به الفقر إلى الطمع فيما في أيدي الناس فيبيع به حقوق الدين (^٢).\nوقد أورد المقري قصة الأمير الحكم الربضي عندما أراد تقديم أحد الفقهاء للإفتاء، فقد جمع كبار أهل الفيتا أمثال يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وغيرهما، وعندما طرح الأمير رغبته عليهم، أجابوه بأنه أهل لذلك إلا أنه فقير لا مال له، وهو في هذه الحالة على خطر عظيم، لأنه سوف يتعرض للمواريث والوصايا وما شابههما واضطر الحكم الربضي أمام صلابة موقف الفقهاء بالإضافة إلى رأي ابنه الأمير عبد الرحمن إلى إعطاء ذلك الفقيه الذي يريد ترشيحه للإفتاء من المال ما أغناه به وأهلَّه لتلك المنزلة، وأعطاه من اصطبله الخاص مركوبًا، فكانت هذه الأعطية مكرمة لا خفاء فيها (^٣).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٣/ ٣٩٠.\n(^٢) - نفح الطيب ٣/ ٢١٤ هذا ليس على إطلاقه، ولكن للاحتياط فالأولى أن يكون من أهل الثراء لكي لا يلتفت للأموال التي ستجري على يديه، كما أنه لا يمكن إغراؤه بها، وإن كان أمر مخافة الله تعالى ليس له علاقة بالغنى أو الفقر.\n(^٣) - المصدر السابق، ٣/ ٢١٤ - ٢١٦.","vol":"2","page":803},{"text":"وإذا أتينا للتطبيق الفعلي على أهل الفتيا بالأندلس لنرى أحوالهم المادية، سنجدهم من الموسرين بصفة عامة، فالفقيه العدل محمد بن عيسى بن عبد الواحد المعافري المعروف بالأعشى، المتوفى سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧ م) كان من الميسورين حتى أنه عندما غلت الأسعار بقرطبة أمر بتفريق مخازن أطعمته على الناس بطريقة جعلت الكل فيها يأخذ حتى الشريف المحتاج والمتعفف المستور ومن لا ينكشف لأخذ الصدقة (^١).\nوكان شيخ الفقهاء يحيى بن يحيى الليثي يلبس ملابس غالية الثمن كلها من الوشي الرفيع وذلك في الأعياد والمناسبات الرسمية أو عندما يريد الدخول على الأمراء (^٢). كما كان نعل زوجته مرصعًا بالدر والياقوت الأمر الذي عرضه لانتقاد بعض زملائه من الفقهاء (^٣).\nوكان الفقيه المشاور عبد الملك بن حبيب المتوفى سنة (٢٣٨) هـ (٨٥٣ م) قد حبَّس أملاكه بالبيرة على المسجد الجامع بقرطبة (^٤)، وكان أبوه حبيب يعمل عطارًا، ولذا فقد ذكر أن ابنه عبد الملك كان يعصر الأذهان ويستخرجها (^٥).\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٤/ ١١٥ - ١١٦.\n(^٢) - المصدر السابق، ٣/ ٣٩١.\n(^٣) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٧١.\n(^٤) - الإحاطة، ٣/ ٥٤٩.\n(^٥) - ترتيب المدارك، ٤/ ١٢٢.","vol":"2","page":804},{"text":"وأما الفقيه عبد الأعلى بن وهب فقد كان موسرًا، إذ كانت له جنة بالقرب من مقبرة قريش يعمل بها مع بعض تلاميذه والكل يشاركه في طعامه (^١).\nوقد بلغ ثراء الفقيه المشاور أبو زيد عبد الرحمن بن سعيد التميمي الشهير بالجزيري المتوفى في شهر شعبان (٢٧٥) هـ (ديسمبر (٨٨٨) م) درجة كبيرة، حتى أن الوصفاء كانوا يقفون على رأسه فقد كان متشبهًا بأمراء بني أمية ورجالهم من حجاب ووزراء مخالطًا لهم، حتى كانوا يأتونه ويأتيهم (^٢).\nوأما الفقيه المشاور عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي المتوفى يوم الاثنين لعشر خلون من رمضان سنة (٢٩٨) هـ (١٣ مايو (٩١١) م) فقد كان كريمًا عظيم المال والجاه، وبجوده تضرب الأمثال حتى قال فيه أحدهم:\nوإنك غيث آخر الدهر هامع … كما أنت بدر آخر الليل طالع\nوقد سرني أن فزت بالحمد والعلا … وأنك للدنيا وللدين جامع (^٣)\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٤/ ٢٤٨.\n(^٢) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣١٦. ترتيب المدارك، ٤/ ٢٦٣.\n(^٣) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣١٠. ترتيب المدارك، ٤/ ٤٢١ - ٤٢٣.","vol":"2","page":805},{"text":"وكان الفقيه المشاور محمد بن إبراهيم بن عيسى الكتاني الشهير بابن حيوه، المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) عظيم الوجاهة، مشبهًا بأهل الدنيا، خارجًا من طبقة أهل العلم (^١).\nوأما الفقيه عبد الله بن محمد بن موسى، المتوفى بحاضرة استجة يوم الأربعاء للنصف من جمادى الأولى سنة (٣٧٩) هـ (٢٣ أغسطس (٩٨٩) م) فقد كان صدرا فيمن يستفتى ببلده استجة، ويصفه ابن الفرضي بقوله أنه \"كان عظيم الجاه والحرمة، كريم النفس، سريًا متصرفًا في أمور الناس، مداخلًا للسلطان (^٢) \".\nوالفقيه المشاور أبو بكر عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي، والد الوزير ابن زيدون، توفي بالبيرة في توجهه إليها لتفقد ضيعته، وذلك لست خلون من ربيع الآخر سنة (٤٠٥) هـ (أكتوبر (١٠١٤) م) (^٣).\nوكان الفقيه أبو بكر بن زهر الإيادي من أهل اشبيلية، توفي بطلبيرة سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) وكان يمتلك باشبيلية الأموال الكثيرة والضياع (^٤).\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٢٠٤. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٢١ إلا إنه ذكر أنه اشتهر بابن جُيوية.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٤٥.\n(^٣) - ابن الأبار، التكملة، (طبعة الحسيني)، ترجمة رقم ١٩٤١.\n(^٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٧٣.","vol":"2","page":806},{"text":"مما سبق نلاحظ أن جل أولئك الفقهاء الذين تصدروا للإفتاء والمشاورة كانوا من المستورين إن لم يكونوا من المياسير. لكن هذه الصورة لا يمكن أن تشمل الكل فقد وجد بين أهل الإفتاء من كان أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى، فالفقيه أصبغ بن خليل، المتوفى سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) كان يلي رئاسة الإفتاء بالأندلس مدة خمسين عامًا (^١). ومع ذلك فقد كان فقيرًا لم يكتسب شيئًا، حتى أن أبا عمر ابن عبد البر يذكر أن تركة أصبغ عند وفاته بلغت مائة دينار فقط (^٢).\nونظرًا لأهمية منصب المفتي في الأندلس، فلنا أن نتوقع أن لا يتصدر أحد للإفتاء إلا من بعد صدور ظهير رسمي من قبل الأمير أو الخليفة، ولعل من الأدلة المؤيدة لهذا ما جرى في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما قام قاضي الجماعة آنذاك بمشاورة الفقيه عبد الأعلى بن وهب دون إذن مسبق من الأمير الذي ما إن علم بالأمر حتى عنَّف قاضي الجماعة وأغلظ له، كما لحقت الفقيه ابن وهب غضاضة (^٣).\n_________\nومن الملاحظ أن منصب الإفتاء -الشورى- يمكن أن يكون متوارثًا، حاله في ذلك حال بقية المناصب في دولة بني أمية بالأندلس، فالفقيه المشاور يحيى بن يحيى الليثي ترك ولدين هما: إسحاق المتوفى سنة ٢٦١ هـ (٨٧٥ م) وعبيد الله المتوفى سنة ٢٩٨ هـ (٩١١ م)، وكلاهما\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٤٧.\n(^٢) - تبصرة الحكام، ١/ ٧٠.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٣٧. ترتيب المدارك، ٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧.","vol":"2","page":807},{"text":"تولى الإفتاء بقرطبة، بل إن عبيد الله كان منفردًا برئاستها (^١)، كما أن أحمد بن حكم بن محمد العاملي تولى الشورى بقرطبة بعد وفاة أخيه يحيى في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>رئاسة الإفتاء بقرطبة:</span>\nيحتل فقهاء قرطبة المالكيون مكانة رفيعة لدى أهل المغرب والأندلس، حتى أنه إذا وقعت مسألة فقهية في إحدى النواحي، وأفتى فيها فقهاء تلك الناحية، ربما أصرَّ صاحب المسألة على ضرورة الوقوف على رأي فقهاء الحضرة بقرطبة.\nوقد ذكر القاضي عياض قصة حادثة وقعت بمدينة سبتة في أواخر القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) أفتى فقهاء سبتة بفتوى لم يقتنع بها صاحب الدعوى، فطلب من القاضي أن يرسل بتفاصيل المسألة إلى فقهاء قرطبة، فأتتهم الفتوى من الفقيه ابن المكوي بخلاف رأي فقهاء سبتة الذين تلقوه بالقبول (^٣).\nولا يصل لرئاسة فقهاء الفتيا بقرطبة إلا من كان متميزًا عن أقرانه من معاصريه بمزايا علمية تؤهله لذلك المنصب، ويلاحظ أحيانًا اشتراك أكثر من فقيه بالرئاسة، ومن خلال تتبع تراجم فقهاء الأندلس حاولت أن أخرج بترتيب زمني لرئاسة الفتيا بقرطبة وهم:\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٤/ ٤٢١ - ٤٢٤.\n(^٢) - الصلة، ترجمة رقم ٢٥.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٣٠ - ١٣١.","vol":"2","page":808},{"text":"الفقيه قاضي الجماعة معاوية بن صالح، المتوفى سنة (١٦٨) هـ (٧٨٥ م) هو رأس أهل الإفتاء في الأندلس طيلة ستة وعشرين عامًا، وذلك على عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، فهو \"إمام فقيه (^١) \" وكان من طبقة الإمام مالك بن أنس ﵀ بل إنه شاركه في بعض رجاله (^٢) \" وكان ممن يستغني بعقله وعلمه وفهمه عن مشاورة غيره (^٣) \".\nالفقيه عامر بن أبي جعفر المتوفى في أيام الأمير هشام الرضا، كانت الفتيا بقرطبة تدور عليه مع من عاصره من شيوخ الفتيا بقرطبة (^٤).\nالفقيه أبو عبد الله صعصعة بن سلام الشامي، توفي سنة (١٩٢) هـ (٨٢٧ م) كانت الفتيا دائرة عليه في الأندلس (^٥).\nالفقيه أبو عبد الله عيسى بن دينار بن واقد الغافقي، المتوفى سنة (٢١٢) هـ (٨٧٢ م) كان أفقه من يحيى بن يحيى الليثي، وفي زمانه كانت الفتيا دائرة عليه، وذلك طيلة أيام الأمير الحكم الربضي ومطلع أيام الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٦).\n_________\n(^١) - تذكرة الحفاظ، م ١ ج ١ س ١٧٦.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ١٥.\n(^٣) - النباهي، ص ٤٣.\n(^٤) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣٧٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦٢٨.\n(^٥) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٦١٠.\n(^٦) - نفسه، ترجمة رقم ٩٧٥.","vol":"2","page":809},{"text":"الفقيه أبو محمد يحيى بن يحيى الليثي، المتوفى سنة (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) رحل إلى المشرق وعمره ثمان وعشرون سنة، وبعد عودته إلى الأندلس عادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه (^١) ورغم مكانة الفقيهين عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى إلا أنهما كانا يمتنعان عن الإفتاء إذا قدم إلى قرطبة أبو موسى عبد الرحمن بن موسى الهواري حتى يرحل عنها (^٢). وذلك إجلالًا لقدره واعترافًا بسعة علمه وفضله.\nورغم هذه المكانة السامية للهواري إلا أنه لم يتولى رئاسة أهل الإفتاء، ولعل السبب في هذا يعود إلى عوامل منها أنه ربما لم يكن أسن نظرائه، إذ أن عامل السن مهم في هذا الأمر، كذلك لم يكن من سكان قرطبة إذ كان يقيم ببلدة استجة، إضافة إلى أن للعلاقة التي بينه وبين إمارة قرطبة أثر في هذه المسألة.\nالفقيه أبو مروان عبد الملك بن حبيب، اشتهر بالعلم والرواية في بلده البيرة، وسمع الأمير عبد الرحمن الأوسط به وبفضله، فأمر بنقله إلى قرطبة، فتولى فيها زعامة الإفتاء مع الشيخ الفقيه يحيى ابن يحيى، وبعد وفاته سنة (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) انفرد ابن حبيب برئاسة الفتيا من بعده إلى أن أدركته الوفاة في أوائل أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن سنة (٢٣٨) هـ (^٣).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ١٥٥٦.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ٧٧٨.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨١٦. ترتيب المدارك، ٤/ ١٢٢ - ١٤١.","vol":"2","page":810},{"text":"وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن كانت الفتيا في الأندلس دائرة على ثلاثة من فقهاء قرطبة هم: عبد الأعلى بن وهب (^١)، ومحمد بن يوسف بن مطروح (^٢)، وأصبغ بن خليل (^٣)، ومن بعد هؤلاء الثلاثة برزت شخصية الفقيه أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد، المتوفى ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة (٢٧٦) هـ (٢٩ أكتوبر (٨٨٩) م) فقد بلغ رتبة الإمامة والاجتهاد وجمع فتاوى الصحابة والتابعين، وكثيرًا ما كان الأمير عبد الله بن محمد يستشيره (^٤).\nوطيلة عهد الأمير عبد الله بن محمد كانت الفتيا دائرة على أبي مروان عبيد الله بن يحيى الليثي المتوفى يوم الاثنين لعشر خلون من شهر رمضان سنة (٢٩٨) هـ (١٣ مايو (٩١١) م) فقد كان مقدمًا في الفتيا، منفردًا برئاستها غير مدافع (^٥).\nوخلال السنتين الأخيرتين من عهد الأمير عبد الله بن محمد والأربعة عشر عامًا الأولى من عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد كانت رئاسة الفتيا\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٣٧.\n(^٢) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١١١٣.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ٢٤٧.\n(^٤) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٦٣.\n(^٥) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٦٤.","vol":"2","page":811},{"text":"بالأندلس للفقيه أبي عبد الله محمد بن عمر بن لبابه، المتوفى ليلة الاثنين لأربع بقين من شعبان سنة (٣١٤) هـ (نوفمبر (٩٢٦) م) (^١).\nوالفقيه أبو بكر أحمد بن عبد الله بن أحمد الأموي، المعروف باللؤلؤي المتوفى يوم الأربعاء لثلاث ليال خلون من جمادى الأولى سنة (٣٤٨) هـ (١٣ يوليو (٩٥٩) م) كان إمامًا في حفظ الرأي على مذهب الإمام مالك، ولذا فقد كان مقدمًا في الفتيا على أصحابه واستمر على منصبه قرابة ثلاثة عقود (^٢) وانتهت رئاسة الإفتاء في عهد الخليفة الحكم المستنصر إلى عبيد الله بن الوليد، المعروف بالمعيطي، المتوفى في شهر محرم سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) فقد كان عالمًا بصيرًا في المسائل والشروط، ومشاورًا في الأحكام (^٣).\nومن أواخر عهد الخليفة الحكم المستنصر إلى مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، كانت رئاسة الإفتاء لأبي عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بابن المكوي، فقد كان شيخ فقهاء الأندلس في وقته (^٤)، مقدمًا على جميع من إليه الفتوى بقرطبة إذ انتهت إليه الرئاسة في ذلك (^٥)، قلده الخليفة الحكم المستنصر الإفتاء برأي قاضي الجماعة ابن\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١١٨٩.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٢٤.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٦/ ٢٩٠.\n(^٤) - المصدر السابق، ٧/ ١٢٣.\n(^٥) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٢٣١.","vol":"2","page":812},{"text":"السليم سنة (٣٦٥) هـ (٩٧٦ م) (^١) ودارت الفتيا بالأندلس على ابن المكوي إلى وفاته في جمادى الأولى سنة (٤٠١) هـ (ديسمبر (١٠١٠) م) (^٢).\nوبعد الفقيه ابن المكوى، آلت رئاسة الإفتاء للفقيه عبد الله بن سعيد بن عبد الله الأموي، الشهير بابن الشقاق، المتوفى يوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر رمضان سنة (٤٢٦) هـ (^٣) (١٠٣٥ م) فقد كان أخر العلماء الأندلسيين النحارير المبرزين في الفقه والحفظ والحذق بالفتوى والشروط (^٤).\nوقد كان مشيخة الإفتاء يجتمعون عند قاضي الجماعة في المسجد الجامع أو أحد المساجد الصغيرة وهذه الجلسات لا يحضرها سواهم، يقول الفقيه ابن عتاب: كنا نجتمع مع شيوخ الإفتاء عند قاضي الجماعة ابن بشر، فتطرح مسألة يختلف فيها القاضي مع الشيوخ، فيحاجهم ويناظرهم ويستظهر عليهم بالروايات والكتب حتى ينصرفوا وهو يقولون بقوله (^٥).\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٢٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ٧/ ١٢٧.\n(^٣) - الصلة، ترجمة رقم ٥٨٧.\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٧/ ٢٩٥.\n(^٥) - الصلة، ترجمة رقم ٦٩٨.","vol":"2","page":813},{"text":"وقد حذر ابن عبد ون من أن المشاور لا يشاور في داره أبدًا، إذ أن ذلك مدعاة إلى أكل أموال الناس بالباطل، فضلًا عن أن مقابلته في داره ليس أمرًا متيسرًا دائمًا (^١).\nوالفتيا في الأندلس كانت دائرة في عصر الولاة على رأي السلف الذي وصل إلى هناك بواسطة التابعين ومن أتى بعدهم رحمهم الله تعالى (^٢)، ثم أصبحت الفتيا قائمة على مذهب الإمام الأوزاعي المتوفى سنة (١٥٧) هـ (٧٧٤ م) وذلك عندما عرف الأندلسيون ذلك المذهب في السنوات الأولى من عهد الأمير عبد الرحمن الداخل على يدي الفقيه أسد بن عبد الرحمن السبئي (^٣) وعند مطلع القرن الثالث الهجري أخذ المذهب\n_________\n(^١) - ابن عبدون، رسالة في القضاة والحسبة، ص ٩.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٩١، ٨١٦ الحميدي، جذوة المقتبس ص ٦. وترجمة رقم ٤٤٤. نفح الطيب، ١/ ٢٧٨ - ٢٨٨، ٣/ ١٢. د. محمود مكي، رواد الثقافة الدينية الأولى بالأندلس، (مجلة البينة، الرباط، المغرب ج ٦، ٧، جمادي الثانية ١٣٨٢ هـ /١٩٦٢ م) ص ٥١.\n(^٣) - ورد في ترتيب المدارك ١/ ٢٦، ونفح الطيب ٣/ ٢٣٠، أن أهل الأندلس كانوا على مذهب الأوزاعي منذ الفتح، ولكن إذا عرفنا أن الإمام الأوزاعي قد ولد سنة ٨٨ هـ وفتح الأندلس ثم سنة ٩٢ هـ أدركنا عدم صحة ما ذهب إليه القاضي عياض والمقري. ويمكن القول بأن الفقيه الأندلسي أسد بن عبد الرحمن السبئي (كان حيًا بعد ١٥٠ هـ) هو أول من أدخل مذهب الأوزاعي للأندلس، فقد سبق جميع الأندلسيين في الأخذ عن الأوزاعي. انظر: الخشني، أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٥٣. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٣٩.","vol":"2","page":814},{"text":"المالكي يحل بقوة محل مذهب الأوزاعي، واختص الأندلسيون بآراء عبد الرحمن بن القاسم المتوفى سنة (١٩١) هـ (٨٠٦ م) (^١) من بين أراء تلاميذ الإمام مالك حتى أنه أطلق على المغاربة عامة والأندلسيين خاصة أنهم \"مالكية قاسميون (^٢) \" فقضاة الأندلس يعتبرون ابن القاسم مرجعهم الأول، حتى أن يحيى بن معمر الألهاني قاضي الجماعة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، رفض أن يحكم في إحدى القضايا برأي أشهب بن عبد العزيز، المتوفى سنة (٢٠٤) هـ (٨١٩ م) رغم أنه تلميذه، وعدل عنه إلى رأي ابن القاسم محتجًا بأن هذا ما وجد عليه إجماع أهل قرطبة (^٣).\nوبعد وفاة ابن القاسم كان قضاة الأندلس يستشيرون تلميذه أصبغ بن الفرج، المتوفى سنة (٢٢٥) هـ (٨٤٠ م) (^٤) فقد تمسك الأندلسيون بآرائه بنحو لا يقبل التجديد والتعديل أبدًا ولعل أكثر من يمثل هذا الاتجاه المتشدد الفقيه المفتي أصبغ بن خليل القرطبي المتوفى سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) الذي تتلمذ على ابن الفرج، وقد بلغ من شدة تمسك أصبغ بن خليل بآراء ابن القاسم أنه رغم فقره الشديد فقد كان يرفض الإغراءات\n_________\n(^١) - عبد الرحمن بن القاسم بن خالد العتقي، ولد بمصر سنة ١٣٢ هـ، ثم انتقل إلى المدينة ولازم الإمام مالك عشرين عامًا ويعد من أشهر تلاميذه ورواته، انظر: ترتيب المدارك، ٣/ ٢٤٤ - ٢٦١.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٥٠.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٥٠.\n(^٤) - نفسه، ص ٤٦ - ٤٧.","vol":"2","page":815},{"text":"المادية على أن يتنازل في الإفتاء عن رأي ابن القاسم، يقول أبو عمر بن عبد البر: سمع أحمد بن خالد يقول \"دخلت على أصبغ بن خليل فقال لي: ياأحمد، فقلت نعم، فقال انظر إلى هذه الكوة، لكوة فوق رأسه في حائط بيته، فقلت نعم، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لقد رددت منها ثلاثمائة دينار صحاحًا على أن أفتي في مسألة بغير رأي ابن القاسم مما قاله غيره من أصحاب مالك فما رأيت نفسي في سعة من ذلك (^١) \".\nمن هنا نخلص إلى أن الإفتاء في الأندلس كان معتمدًا على المذهب المالكي وبالذات آراء ابن القاسم.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>عرض فقهاء الشورى لآرائهم:</span>\nإذا كانت هناك ضرورة لانعقاد مجلس الشورى لمناقشة أمر ما، أو الإفتاء في قضية من القضايا، فالمتوقع أنه لابد أن يتم توزيع نص المشكلة على كل عضو من أعضاء المجلس قبل إنعقاده بوقت كاف، ليتمكن كل منهم من مراجعة أقوال العلماء إن كان ناسيًا ويتثبت من معلوماته إن كان غير متيقن.\nوكان من المتبع أن يقوم كاتب القاضي بتسجيل أراء أولئك الفقهاء، لكن عندما تولى قضاء الجماعة الحبيب أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، سنة (٢٩١) هـ (٩٠٤ م) طلب من الفقهاء المشاورين أن يقوم\n_________\n(^١) - تبصرة الحكام، ١/ ٧٠.","vol":"2","page":816},{"text":"كل منهم بتسجيل فتواه بيده في السجل، فكان هو أول من وضع هذا الرسم وأصبح معمولًا به من بعده في الأندلس (^١).\nوطريقة التسجيل بالكتابة لآراء الفقهاء المشاورين هي إحدى طرق وصول رأي المشاور للقاضي، إذ أن هناك طريقة أخرى هي المشافهة وطريقة ثالثة تقوم على المناقشة والمناظرة (^٢) وكذلك تعتمد طريقتي المشافهة (^٣) والكتابة (^٤) لوصول آراء فقهاء الشورى للأمير أو الخليفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>عدد فقهاء الشورى:</span>\nكانت الفتيا في عهد الأمير عبد الرحمن الداخل والأيام الأولى من عهد ابنه الأمير هشام دائرة على ثلاثة فقهاء هم: عامر بن أبي جعفر (^٥)، وصعصعة بن سلام (^٦)، والغازي بن قيس المتوفى سنة (١٩٩) هـ (٨١٥ م) (^٧).\nوفي عهد الأمير هشام الرضا كان مجلس الشورى لدى قاضي الجماعة المصعب بن عمران يتكون من صعصعة بن سلام، والغازي بن\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ١٠٢.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(^٣) - نفح الطيب، ٢/ ١٠ - ١١.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٥٩ - ٦٠.\n(^٥) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٧٢. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦٢٨.\n(^٦) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦١٠.\n(^٧) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٠١٥.","vol":"2","page":817},{"text":"قيس وعبد الرحمن بن موسى الهواري، وعبد الملك بن حسن المعروف بزونان، المتوفى سنة (٢٣٢) هـ (٨٤٧ م) (١).\nوكان مجلس شورى القاضي محمد بن بشير المعافري يتكون من: الغازي بن قيس وأبو محمد إسماعيل بن البشر التجيبي، المتوفى في أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وأبو عمرو حارث بن أبي سعد، المتوفى سنة (٢٢١) هـ أو (٢٢٢) هـ (٨٣٥ م أو (٨٣٦) م) وعبد الملك بن حسن المعروف بزونان ومحمد بن سعيد السبائي (^٢).\nوقد ذكر ابن عبد البر أن الفتيا في أيام الأمير الحكم الربضي وابنه الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت تدور على عيسى بن دينار ومحمد بن خالد الأشج، المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م) وأبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد المعافري المعروف بالأعشى المتوفى سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) وزونان، ويحيى بن يحيى الليثي وسعيد بن حسان، المتوفى سنة (٢٣٦) هـ (٨٥٠ م) وعبد الملك بن حبيب (^٣).\nوفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت الفتيا في الأندلس تدور على الفقيه عيسى بن دينار وبعد وفاته أصبحت الفتيا تدور على الفقيه\n١ - هذه الشخصيات هي مزيج من الأوزاعية والمالكية، وبصفة عامة يعتبر القاضي المصعب بن عمران ومجلس شوراه ممثلين للفترة الانتقالية من المذهب الأوزاعي إلى المذهب المالكي. انظر: سالم الخلف، المرجع\n_________\nالسابق، ص ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٣/ ٣٣٢.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٤٢.","vol":"2","page":818},{"text":"يحيى بن يحيى الليثي وحده من سنة (٢١٢) هـ (٨٢٧ م) إلى سنة (٢١٨) هـ تقريبًا (٨٣٣ م) إذ شاركه منذ ذلك التاريخ في زعامة الفتيا الفقيه أبو مروان عبد الملك ابن حبيب (^١).\nوقد ذكر ابن حيان أن خمسة عشر فقيهًا دارت عليهم الفتيا في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن وولديه المنذر وعبد الله، وهؤلاء الفقهاء هم:\nبقي بن مخلد، وحسن بن يحيى بن مزين المتوفى في صدر أيام الأمير عبد الله بن محمد، ومحمد بن أسباط المخزومي، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) ومحمد بن وضاح المتوفى سنة (٢٨٧) هـ (٩٠٠ م) ويحيى بن عبد الله المعروف بابن الخراز المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٧ م) وعبيد الله بن يحيى بن يحيى المتوفى في سنة (٢٩٨) هـ (٩١١ م) ومطرف بن قيس، وأبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح، وسعيد بن خمير، المتوفى سنة (٣٠١) هـ (٩١٣ م) وخالد بن وهب المعروف بالصغير، المتوفى سنة (٣٠٢) هـ (٩١٤ م) وسعد بن معاذ الشعباني، المتوفى سنة (٣٠٨) هـ (٩٢٠ م) ومحمد بن وليد. المتوفى سنة (٣٠٩) هـ (٩٢٢ م) ومحمد بن عمر بن لبابه، المتوفى سنة (٣١٤) هـ (٩٢٦ م) وسعيد بن عبد الملك بن السمح (^٢).\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٤٦، ٥٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٩٧٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٥٧.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ٨.","vol":"2","page":819},{"text":"ثم ألحق بهم ابن حيان مشيخة الفقهاء في عصر الأمير عبد الله بن محمد، وهم:\nمحمد بن غالب المعروف بابن الصفار، المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) وأصبغ بن مالك المتوفى سنة (٢٩٩) هـ (٩١٢ م) وأحمد بن بيطير، المتوفى سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) ويحيى بن إسحاق بن يحي بن أبي عيسى، المتوفى سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) ومحمد الزراد، وأحمد بن عيسى بن يحيى بن يحيى الملقب بالثائر (^١).\nوأما في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر فقد بلغ عدد فقهاء الشورى ستة عشر فقيها مشاورًا، وكان المكمل للستة عشر هو الفقيه أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة المتوفى بطليطلة سنة (٣٥٢) هـ (٩٦٣ م) وقد تم تقديمه للشورى على يد قاضي الجماعة ابن أبي عيسى، دل عليه ولي العهد الحكم في عدة ارتيدوا لها، فكملت عدتهم إذ ذاك ستة عشر مشاورا (^٢).\nومن ما مضى نلاحظ أن عدد فقهاء الشورى بقرطبة كان في بداية عهد الدولة الأموية قليلًا إذ لم يتجاوزوا الثلاثة، ثم أخذ عددهم بالازدياد تدريجيًا، لكنه لم يتجاوز الستة عشر، وربما تكون الزيادة في العدد، ذات\n_________\n(^١) - نفس المصدر والصفحة.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٢٧.","vol":"2","page":820},{"text":"ارتباط وثيق باتساع قرطبة وكثرة سكانها وأنها أصبحت مركزًا علميًا، وبذلك كثر عدد طلاب العلم فيها، وبسبب ذلك تزايد عدد الفقهاء.\nوقد سبق أن عرفنا أن القالس والرداء هما علامة للفقيه المفتي، وقد كان المقلسون المتواجدون في القرى المحيطة بقرطبة، يأتون لأداء صلاة الجمعة مع أمراء وخلفاء بني أمية وبعد الصلاة يلتقون بهم ويسلمون عليهم ويطلعونهم على أحوال أماكنهم التي وفدوا منها (^١).\nوكان فقهاء الشورى يتم اختيارهم من بين المجموع الكلي للفقهاء لأجل هذا فلا غرابة أن يصل تعداد فقهاء الشورى زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى ستة عشر فقيها، خاصة إذا عرفنا أن عدد من يشهد معه صلاة الجمعة من الفقهاء والعلماء كانوا ثلاثة آلاف وخمسمائة مقلس (^٢).\nوبالمناسبة فإن فقهاء الشورى لا يقتصر عملهم على مشاورة القاضي لهم فيما يعرض عليه من قضايا، إذ أن منهم من كان الأمير أو الخليفة يعتمد على رأيه في معالجة مشاكل الرعية وتدبير شئون الحكم، فقد كان الفقيه يحيى بن يحيى الليثي مرجعًا للقضاة، ولكنه في الوقت نفسه كان شديد الصلة بالأمير عبد الرحمن الأوسط حتى أنه غلب على رأيه \"وألوى بإيثاره فصار يلزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أوامره ما يلتزمه الوالد\n_________\n(^١) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٣٤.\n(^٢) - المصدر السابق، ١/ ١٦٦.","vol":"2","page":821},{"text":"لأبيه (^١)، وبالإضافة إلى أن الفقيه المشاور يقوم بعمله تجاه القاضي وأحيانًا الأمير أو الخليفة، فإنه يحدث في بعض الأحيان أن تسند إليه مهام جسام في الدولة، من هؤلاء: -\nالفقيه حارث بن أبي سعد كان مفتيًا في آخر أيام الأمير الحكم الربضي وأحد أعضاء مجلس شورى قاضي الجماعة محمد بن بشير (^٢)، ومع ذلك فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط الشرطة الصغرى، ولم يزل عليها إلى أن توفي سنة (٢٢١) هـ أو (٢٢٢) هـ (٨٣٥ م) (^٣).\nأبو محمد إسماعيل بن البشر التجيبي، كان أحد فقهاء الشورى في آخر أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ولاه الصلاة (^٤).\nأبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطروح كان أحد الذين تدور عليهم الفتيا أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ولاه كذلك الصلاة (^٥).\nالفقيه المشاور أبو عبد الملك حسن بن عبيد الله بن محمد بن عبد الملك، المتوفى سنة (٣٣٦) هـ (٩٤٨ م) كان قاضي الجماعة ابن أبي عيسى كثيرًا ما يستخلفه على الصلاة بقرطبة (^٦).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٢.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٣/ ٣٣٢.\n(^٣) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٨٧. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٢٦.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٠٩.\n(^٥) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١١١٣.\n(^٦) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٧٢. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٤٣.","vol":"2","page":822},{"text":"أبو محمد موسى بن أحمد بن سعيد اليحصبي المعروف بالوتد، المتوفى سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م) كان كاتبًا لقاضي الجماعة محمد بن برطال، ثم قلد الشورى، وتولى رفع كتب المظالم وأصحاب الحوائج إلى المنصور بن أبي عامر (^١).\nوأبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد الأموي، المعروف بالجالطي، قلده قاضي الجماعة ابن فطيس الشورى سنة (٣٩٥) هـ (١٠٠٥ م) وتولى الصلاة بالمسجد الجامع بالزهراء، فكان آخر خطيب قام على منبره كما ولاه الخليفة هشام المؤيد أحكام الشرطة، قتله البربر يوم دخولهم قرطبة، في جوف بيته، يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة (٤٠٣) هـ (٢١ إبريل (١٠١٣) م) (^٢).\nومن المهام التي كانت تسند أحيانًا للفقيه المشاور القيام بالإصلاح بين المتشاكسين، فقد اختار الأمير محمد بن عبد الرحمن الفقيه المشاور عبد الله بن محمد بن خالد بن مرتنيل المتوفى سنة (٢٥٦) هـ (٨٧٢ م) ليذهب إلى باجه لإصلاح ما وقع بين قبيلتي مضر واليمن بسبب العصبية (^٣).\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٤٦٦. ترتيب المدارك، ٧/ ١٥٨ - ١٥٩.\n(^٢) - الصلة، ترجمة رقم ١٠٦٠.\n(^٣) - تجدر الإشارة إلى أن الفقيه رفض الذهاب إلى باجه إذ اعتبر أن مهمته قائمة فقط على نقل الكتب من الأمير إلى زعماء القبائل وبسبب رفضه سجن ثلاثة أشهر. ترتيب المدارك، ٤/ ٢٣٩ - ٢٤٢.","vol":"2","page":823},{"text":"كما كان الفقيه المشاور أبو محمد عبد الله بن محمد الصابوني الشهير بابن بركة المتوفى سنة (٣٨٧) هـ (٩٨٨ م) كثيرًا ما يستعين به القضاة للإصلاح بين الناس وذلك لما امتاز به من حسن تناوله للمشاكل وصدق نيته في الإصلاح بين المتخاصمين (^١).\nومن المهام التي يقوم بها الفقيه المشاور الوصاية على الأيتام، ولكن دون أن يكون ملزمًا بالاستجابة للقاضي إن طلب منه القيام بهذه المهمة. يدل على ذلك أن الخليفة الحكم المستنصر عندما عاتب قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي على تقديمه لأوصياء سوء ليكونوا مسئولين عن الأيتام رد عليه القاضي بأن هذا غير مستغرب طالمًا أن الفقهاء المشاورين الذين يُتوسم الخير فيهم لا يتم إلزامهم بالقوة لتولي مهام الوصية على الأيتام (^٢).\nوعندما نقرأ تراجم فقهاء خطة الشورى، نجد أن العلاقة بينهم لم تكن على ما يرام بصفة دائمة، بل إنها للتوتر أقرب منها إلى الصفاء، ولعل هذا ناجم عن التنافس في العلم فيما بينهم.\nوالنماذج على التنافر الموجود بين الفقهاء لا حصر لها، فمن ذلك نجد: أن قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني كانت علاقته بالفقيه يحيى بن يحيى الليثي وبقية فقهاء قرطبة غير طيبة لأن القاضي ابن معمر كان\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٤٣.\n(^٢) - الفتح بن خاقان، مطمح الأنفس، ص ٢٥٧.","vol":"2","page":824},{"text":"لا يلين لهم فيما يريدون، ولا يصغي لهم فيما يحبون، لذا كانوا كلهم ضده، وكانت النتيجة عزله عن القضاء (^١).\nكذلك العلاقة بين الفقيهين المشاورين يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب لم تكن على ما يرام، ورغم ما كان بينهما من شحناء إلا أن ذلك لم يخرج أي منهما عن جادة الحق، حتى أن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما بلغه أن الفقيه يحيى بن يحيى وقاضي الجماعة إبراهيم بن العباس يتآمران على خلعه، استدعى الفقيه ابن حبيب وسأله عن حقيقة هذه القصة، فأجابه قائلًا: \"قد علم الأمير مابيني وبين يحيى ولكني لا أقول عليه إلا الحق ليس يجئ من يحيى إلا ما يجيء مني، وكل ما رفع عليه فباطل (^٢) \".\nوكان الفقيه عبد الملك بن حبيب محسودًا من قبل بقية الفقهاء لأنه مبرز في علوم هم على غير علم بها (^٣).\nوفي منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) نجد أن الفقيهين ابن المكوي والمعيطي قد جرى بينهما خلاف شديد على من يكتب اسمه أولًا على الكتاب الذي جمعا به أقوال الإمام مالك بمائة جزء وأسمياه كتاب الاستيعاب الكبير (^٤).\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٤٧ - ٤٨.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٤/ ١٣١.\n(^٣) - المصدر السابق، ٤/ ١٢٩.\n(^٤) - نفسه، ٧/ ١٢٢.","vol":"2","page":825},{"text":"وهذا الفقيه الموثق ابن العطار يُعزل عن خطة الشورى ويُسقط عن الفتيا وذلك بسبب تمالؤ الفقهاء عليه (^١).\nوهكذا نجد أنفسنا أمام فئة أقل ما يقال عن العلاقة بين أفرادها أنها غير ودية نوعًا ما ولذا فلا عجب عندما نرى أن أحدهم يُسجَّل عليه بالسخطة ويعزل عن منصبه، ثم إن فقهاء الشورى بعلاقاتهم تلك قد فتحوا المجال أمام رجال السلطة من حجاب ووزراء وغيرهم، بالدخول بينهم وزيادة التوتر في علاقاتهم، مما يجعل أحدهم صيدًا سهلًا للحكام، حتى أن المنصور بن أبي عامر لم يحتمل أن يصحح له الفقيه ابن العطار كلمة أخطأ فيها المنصور واعتبر ذلك إهانة، فوبخه وأمر بإخراجه واستمال الكثير من الفقهاء للشهادة ضده حتى أُسقط عن رتبته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>رفض منصب الشورى:</span>\nكان الفقيه المشاور ينظر إلى منصبه نظرة كلها حذر، ويكفي للدلالة على نظرته تلك ومعاناته من ذلك المنصب، ما أورده ابن بشكوال من أن شيخ أهل الشورى في زمانه الفقيه محمد بن عتاب بن محسن الجذامي، المتوفى سنة (٤٦٢) هـ (١٠٧٠ م) كان يهاب الفتوى ويخاف عاقبتها بالآخرة، وكان يقول: \"من يحسدني فيها جعله الله مفتيًا\" وإذا\n_________\n(^١) - نفسه، ٧/ ١٤٨.\n(^٢) - نفسه، ٧/ ١٥١.","vol":"2","page":826},{"text":"رُغِّب في ثوابها وغُبط بالأجر عليها يقول: \"وددت أني أنجو منها كفافًا لا علي ولا ليا (^١) \".\nلأجل هذا نجد أن الكثير من الفقهاء يرفضون منصب \"الفقيه المشاور\" منهم: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن باز، المعروف بابن القزاز، المتوفى ليلة الخميس لثمانية أيام مضين من شهر ربيع الآخر سنة (٢٧٤) هـ (أغسطس (٨٨٧) م) فقد عرض عليه الأمير محمد بن عبد الرحمن قضاء الجماعة فرفض، ثم طلب منه الأمير أن يكون أحد الداخلين عليه ليستشيره في أموره، لكنه رفض أيضًا، وعندما حاول الأمير أن يضغط عليه لقبول المشاورة أخبره الفقيه ابن باز بأنه سوف يرحل عن الأندلس إن كرر عليه هذا الطلب، فما كان من الأمير إلا أن أعرض عنه (^٢).\nكذلك رفض منصب الشورى الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد الجبليَّ، المتوفى سنة (٣١٣) هـ (٩٢٥ م) (^٣) والفقيه أبو عمر أحمد بن عبادة بن علكدة الرعيني المتوفى في شهر رجب (٣٣٢) هـ (٩٤٤ م) (^٤). وفي أوائل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) حاول الخليفة على بن حمود بإشارة من قاضي الجماعة عبد الرحمن بن بشر المتوفى سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) أن يقدم الفقيه عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن\n_________\n(^١) - الصلة، ترجمة رقم ١١٩٤.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ١٠٦. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠.\n(^٣) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٧٩. ابن الفرضي ترجمة رقم ١١٨٥.\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٣ - ٩٤.","vol":"2","page":827},{"text":"الأنصاري المعروف بالقنازعي، المتوفى سنة (٤١٣) هـ (١٠٢٢ م) لخطة الشورى، لكنه رفض، ولم يرهب سطوة الخليفة علي بن حمود التي قدَّر القاضي ابن بشر أن الفقيه القنازعي سيداريها، ثم اعتذر عن ذلك بأنه يحتاج لطلب العلم حتى يكون مؤهلًا لهذا المنصب (^١).\nوكما أن هناك من رفض منصب الشورى، فإن هناك من تقلده ثم طلب الاستعفاء منه، فهذا الفقيه محمد بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، المتوفى سنة (٣٦٧) هـ (٩٧٨ م) قد قدم للفتيا وهو في شبابه، وصارت إليه رئاسة قرطبة بالعلم والشرف والقرب من الخليفة، ولكنه سرعان ما زهد في ذلك كله وطلب الإعفاء من الفتيا وانقطع للعبادة حتى وافته المنية (^٢).\nولا يتم عزل الفقيه المشاور إلا إذا طلب هو الاستعفاء، أو تمت ترقيته إلى منصب أعلى (^٣)، وكما ذكرنا من قبل أن هناك ظهير يصدر عند ترقية أحد الفقهاء للشورى، فإن ظهيرًا آخر يصدر عند إعلان السخطة عليه وعزله عن منصبه، وكما أن الشهادات التي من قبل الفقهاء تسجل لصالحه في المرة الأولى، فهي في الثانية تثبت ضده، كلها تجرح في عدالته وتؤكد عدم أهليته لمنصبه. ويحدث أحيانًا أن ترفع قضية من القضايا للأمير أو الخليفة فيها فتاوى الفقهاء، وبعد تقليبه لها، وتدقيقه\n_________\n(^١) - الصلة، ترجمة رقم ٦٩٤.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٧/ ١١٩ - ١٢٣.\n(^٣) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٧٨.","vol":"2","page":828},{"text":"فيها، يصدر حكمه على ضوئها، فربما تكون تلك الفتاوى سببًا في عزل أحد فقهاء الشورى (^١).\nوأما إذ كان الفقيه المشاور سيء الذكر فإن العزل مصيره، فالفقيه المشاور محمد بن يحيى بن لبابه لم يكن بالمرضي في نفسه وكان الثناء عليه من أقرانه قليلًا (^٢)، ولذا فقد سجل عليه قاضي الجماعة الحبيب بن زياد سخطته، ثم رفع ذلك إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي أصدر ظهيرًا بإسقاط ابن لبابه عن منزلة الشورى، وأمره بلزوم بيته وعدم إفتاء أحد (^٣).\nوللأمور السياسية دور في العزل عن خطة الشورى، وهذا ما فعله المنصور بن أبي عامر مع الفقيهين أصبغ بن الفرج الطائي وأبي بكر بن وافد بسبب عدم إفتائهما بجواز التجميع بمسجد الزاهرة (^٤).\nوقد عرفنا من قبل أنه لا يتم إسقاط الفقيه المفتي عن مرتبته إلا بشهادة الفقهاء ضده بأنه غير أهل للرتبة التي هو فيها، وعلى هذا الأساس يرفع قاضي الجماعة كتابًا للأمير أو الخليفة بهذا الخصوص، فيصدر من لدنه ظهيرًا بإسقاط ذلك المفتي من مرتبته.\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٥٩ - ٦٠.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٣١.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٦/ ٨٧.\n(^٤) - المصدر السابق، ٧/ ١٥٩ - ١٦٠.","vol":"2","page":829},{"text":"وبالرغم من أن الفقيه المشاور ابن العطار قد أُسقط عن منزلته نتيجة موقف سياسي، إلا أننا وجدنا في قصته أنموذجًا واضحًا لمشاور جُرِّد من منصبه ثم أعيد إليه.\nفبعد أن سلَّط عليه الحاجب المنصور بن أبي عامر قاضي الجماعة ابن زرب وبقية الفقهاء، جاءت الشهادات ضده من جميع الفقهاء إلا القلة، وعلى ضوء ذلك تم إسقاط ابن العطار عن منزلته وأوصى إليه المنصور بأن لا يغادر منزله ومنعه من الاختلاط بالناس، وبعد وفاة القاضي ابن زرب الذي كان المنصور يستحي منه كلما أراد إعادة ابن العطار لمنصبه، أصدر المنصور أمره لصاحب الشرطة بالبحث في شأن عدالة ابن العطار فظهرت وثيقة بصلاحه وإقتدائه بالسلف واعتدال طريقته، شهد فيها ثقاتهم وعلماؤهم، ثم رفعت الوثيقة للمنصور، فجمع أهل العلم وأفتوا بسقوط السخطة عنه، فرفع المنصور الوثيقة إلى الخليفة هشام المؤيد، فأصدر ظهيرًا أمر به قاضي الجماعة ابن برطال بإعادة ابن العطار إلى منصبه (^١).\nمن هذه القصة - بغض النظر عن ملابساتها - نعرف أن ليس بالإمكان إسقاط فقيه مفتي عن منصبه إلا بإجماع أغلب شهادات الفقهاء ضده، وتُذكر الأشياء المأخوذة عليه، ثم إذا صلحت حاله وشهد الثقات بعدالته، بعد أن يبحث صاحب الشرطة في شأن حال ذلك الفقيه، يرفع\n_________\n(^١) - نفسه، ٧/ ١٥٠ - ١٥٤.","vol":"2","page":830},{"text":"ذلك كله للحاجب، والذي هو بدوره يوصلها للخليفة فيصدر من قبله ظهيرًا يأمر فيه قاضي الجماعة بإعادة ذلك الفقيه إلى منصبه السابق.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>نماذج لبعض فقهاء الشورى:</span>\nهذه صور لبعض فقهاء الشورى، لأصحابها شخصيات خاصة بهم ميزتهم عن بقية نظرائهم، ولا يعني التميز هنا الأفضلية، بل لتخلقهم بأخلاق نأت بهم على الأقل عما عُرف عن زملائهم من سعة في العلم واتصاف بالورع والقدوة بالسلف الصالح.\nفهذا الفقيه عبد الأعلى بن وهب، المتوفى سنة (٢٦١) هـ (٨٧٤ م) تأثر بكتب المعتزلة وأهل الكلام وكان يقول أن الأرواح تموت (^١)، وذكر القاضي عياض أن عبد الأعلى بن وهب \"كان يُزن بالقدر (^٢) \" وكانت نظرة الفقهاء المعاصرين له بالذات يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم لا تنم عن القبول (^٣)، وعندما أفتى ابن وهب بعدم سفك دم ابن أخي عجب الذي تطاول على جناب الله تعالى، أرسل الأمير عبد الرحمن الأوسط فتاه حسان ليوصل رسالته لصاحب المدينة فيبلغها بدوره لابن وهب، وقد جاء في رسالة الأمير \" … وأما أنت يعني\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٣٧.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٤/ ٢٤٥.\n(^٣) - المصدر السابق، والصفحة.","vol":"2","page":831},{"text":"عبد الأعلى فكان يحيى بن يحيى يشهد عليكم بالزندقة ومن كانت هذه حالة فحري ألا يسمع فتياه (^١) \".\nالفقيه أبو عبد الله محمد بن غالب المعروف بابن الصفار، المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) كانت الفتيا دائرة عليه مع عبد الله بن يحيى ومحمد بن لبابه وأصحابهم، لكنه مالت به الدنيا فكان يتبع الهوى في فتياه ويخلط (^٢).\nالفقيه أبو عبد الله محمد بن وليد بن محمد، المتوفى سنة (٣٠٩) هـ (٩٢٢ م) كانت للأمير عبد الله ابن محمد عناية به، وكان طويل اللسان، كثير الملق، وكان يضع الأحاديث وينسبها للرسول ﷺ، ويرفعها للأمير عبد الله، وقد اشتهر أمره بالكذب حتى أن خالد بن سعد كان يقول \"محمد بن وليد كذاب\" (^٣).\nالفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الأنصاري المعروف بابن واقزن المتوفى سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) ذكر ابن الفرضي عن أبي أيوب سليمان بن أيوب أن ابن واقزن كان \"يضرب على الخطوط في الشهادات ويدلس في العقود، شهد بذلك مرة وثانية، فأوصى إليه أسلم بن عبد العزيز القاضي أن يلزم بيته ويترك الوثائق والشهادات والفتيا، فلم يزل كذلك إلى أن توفي (^٤) \".\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٦٠.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٤٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١١٨٠.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ٦٧٥.","vol":"2","page":832},{"text":"الفقيه المشاور أبو بكر محمد بن إبراهيم الكتاني، المعروف بابن جيويه، المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) وصف بأنه كان متشبها بأهل الدنيا، خارجًا من طبقة أهل العلم (^١).\nالفقيه أبو الأصبع عيسى بن مكرم الغافقي المتوفى سنة (٣٣٦) هـ (٩٤٧ م) كان متصرفًا في الفتيا وعقد الشروط، وفي نفسه لم يكن بالمشهور في العلم ولا بالنافذ فيه (^٢).\nالفقيه أبو الأصبغ عيسى بن محمد بن إبراهيم الكتاني، المتوفى سنة (٣٧٤) هـ (٩٨٥ م) كان مشاورًا في الأحكام، فلما تولى محمد بن إسحاق بن السليم قضاء الجماعة، ترك مشاورته فقد كان أقرب في العلم إلى الأدب من الفقه والحديث، وهو أشبه بأهل الدنيا من طلبة العلم ولذا لم يؤخذ عنه لأنه لم يكن أهلًا لذلك (^٣).\nالفقيه موسى اليحصبي المعروف بالوتد، المتوفى سنة (٣٧٧) هـ (٩٧٨ م) يقول عنه ابن الفرضي بأنه \"كان ينُسب إليه تخليط كثير شُهر به وعُرف منه (^٤) \".\nالفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الصابوني، المعروف بابن بركه، المتوفى سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) قدمه قاضي الجماعة ابن زرب للشورى،\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٢٠٤. ابن الفرضي ترجمة رقم ١٢٢١.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٩٨٣.\n(^٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٩٨٩.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ١٤٦٦.","vol":"2","page":833},{"text":"فلم يزل يستفتى مع المشاورين إلى وفاته، رغم أنه كان موصوفًا بقلة العلم (^١).\nالفقيه أبو العاص أمية بن أحمد بن حمزة القرشي الأموي، المتوفى سنة (٣٩٣) هـ (١٠٠٣ م) شاوره قاضي الجماعة ابن زرب، وتولى أحكام الشرطة، والذي تجدر ملاحظته أن أبا العاص كان متأخرًا في علمه وعقله (^٢).\nأبو الوليد عبد الله بن محمد بن السليم، المتوفى سنة (٤٠٢) هـ (١٠١٢ م) قدمه الخليفة سليمان المستعين لخطة الشورى، وذلك أيام الفتنة تنويها بمكانه، رغم أنه لم يكن أهلًا لذلك (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-115>الشورى زمن الفتنة:</span>\nعندما اندلعت الفتنة وعمت قرطبة وما جاورها، تركت أثرًا قويا على خطة الشورى، فهي من جهة جعلت الكثير من فقهاء الشورى يهربون من قرطبة ينشدون الأمان في بلد غيرها، وهذا لا يعني أنهم سوف يتولون الشورى في البلاد التي هربوا إليها، ذلك أن الخليفة الذي عينهم أساسًا هو لا يملك من الأمر شيء، إذ أن البلاد أخذت بالتجزؤ، وأصبح لكل مقاطعة حاكم جديد، وتم تولية من هرب من قرطبة من فقهاء الشورى في وظائف قضائية وتنفيذية في الكور التي لجأوا إليها.\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٧٤٣.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ٢٦٦.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٦/ ٢٨٩.","vol":"2","page":834},{"text":"ومن جهة أخرى فإن الفتنة فتحت المجال أمام من هم ليسو أكفاء لتولي خطة الشورى، فرغبتهم في المناصب ازدادت، وأصبحت أمامهم فرصة أخذ الأموال دون تمييز طيبها من خبيثها، بل المجاهرة فيها هي ديدنهم، وازدادت أعدادهم فإذا كنا قد عرفنا أن أعلى عدد لهم هو ستة عشر فقيهًا مشاورًا، فإن عددهم في عهد الخليفة المستكفي كان أربعين رجلًا. وقد حفظ لنا ابن بسام نصًا لابن حيان يصف به حال الشورى زمن الفتنة، فبعد أن ذكر تهافت الناس بكافة فئاتهم على الخطط، قال: \" … فأسهم منهم الفقهاء، فآثر العلية منهم المشاورين أصحاب الفتوى بالإرقاء إلى خطة الوزارة، .. ففتنوا بهذه الخطة وشدوا أيديهم عليها وهجروا من حطهم في خطاب عنها، معرضين بما يعاب من ذلك، إلى أن مضوا بسبيلهم، وارتقى المستكفي أيضًا بكثير ممن يحمل المحابر، ويدرس مسائل الدفاتر، ومن أصاغر الطبقة الفقهية، إلى ما بلغت عليتهم من منزلة الشورى، فوسم كافتهم بوسم الفتوى، فأسرف في ذلك، حتى بلغ عددهم بقرطبة يومئذ إلى الأربعين، وذلك مالم يعهد في الغابرين (^١) \".\nوأما عن حال الشورى في عهد الخليفة هشام المعتد بالله، فقد قال ابن حيان: \"وزاد في رزق مشيخة الشورى من مال العين، ففرض لكل واحد خمسة عشر دينارًا مشاهرة، فقبلوا ذلك على خبث أصله، وتساهلوا في مأكل لم يستطبه فقيه قبلهم على اختلاف السلف في قبول جوائز\n_________\n(^١) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٣٥ - ٤٣٦.","vol":"2","page":835},{"text":"الأمراء الذين سكبوا خبائث الضرائب والمكوس القبيحة، فاستدر القوم مرية هذه الطعمة الخبيثة، وكنت أحسب فقهاء الشورى بعده أنهم يكتمون شأن ذلك الراتب حتى سمعت أبرهم يُلح في طلبه، وينتظر بلوغ وقته، فانكشف لي شأنه، والقوم أعلم بما يأتونه وهم القدوة لا جعلهم الله لنا فئة وقد حُدثتُ أن هشامًا أطعمهم من قمح ولد القاضي ابن ذكوان أيام فرَّ عنه وأخذ ماله فقبلوه قبول مال الفيء (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-116>الفقهاء المشاورون في الكور:</span>\nكان عدد الفقهاء المشاورين في كور الأندلس أقل من نظرائهم في قرطبة، فعلى سبيل المثال نجد أن قاضي شذونه يشاور ثلاثة فقهاء سوية هم: أبو مروان حمدان بن سعدون بن بطال التميمي المتوفى سنة (٣٦٤) هـ (٩٧٥ م) (^٢)، وأبو عثمان سعيد بن يوسف الخولاني، المعروف بابن البيضاء (^٣)، المتوفى آخر سنة (٣٦٥) هـ (٩٧٦ م) (^٤) وأبو عثمان سعيد بن مرشد العكي كان مشاورًا في الأحكام مع أصحابه، ثم رحل حاجًا وعند عودته توفي بمصر سنة (٣٧٣) هـ (٩٨٤ م) (^٥).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ق ٣ م ١ ص ٥١٧ - ٥١٨\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٨٠.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٥١٢\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٦.\n(^٥) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٥١٥.","vol":"2","page":836},{"text":"وقد حفظت لنا المصادر أسماء من كان في الكور من فقهاء مشاورين، منهم: الفقيه حفص بن عمر، المتوفى سنة (٢٨٨) هـ (٩٠١ م) من أهل وادي الحجارة، كان مفتيًا ببلده (^١).\nالفقيه أبو عبد الله محمد بن سليمان بن محمد بن تليد المعافري، المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) من أهل وشقه، كان مفتي موضعه وإليه كانت الرحلة في وقته، وكان شديد العصبية للمولدين (^٢)، كما كان \"رأس فقهاء الثغر، المتقدم فيهم، يقر له بذلك الجميع ويقفون عند أمره ولا يعدون فتياه (^٣) \".\nالفقيه أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن عيسى المرادي، من أهل استجة، وكان له ببلده قدر عظيم في الفتيا والرئاسة، ثم انتقل إلى قرطبة حيث توفي بها أواخر أيام الأمير عبد الله بن محمد (^٤).\nالفقيه أبو علي حسن بن شرحبيل، من أهل بطليوس، كان فقيهًا عالمًا في موضعه، وكان مدار الفتيا عليه في وقته إلى أن توفي أخر أيام الأمير عبد الله بن محمد (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٣٦٧.\n(^٢) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٩٦. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٤٩.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٤/ ٤٧٢.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٢٠.\n(^٥) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٢٣٨.","vol":"2","page":837},{"text":"الفقيه عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، من أهل طليطلة، كان صاحب فتيا ببلده، توفي قريبًا من سنة (٣٠٠) هـ (٩١٢ م) (^١).\nالفقيه محمد بن سعيد بن حكم، من أهل بجانة، تولى الإفتاء بها حتى وفاته سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) (^٢).\nالفقيه أبو وهب حزم بن الأحمر، تولى الإفتاء ببلده بطليوس حتى وفاته سنة (٣٠٥) هـ (٩١٧ م) (^٣).\nالفقيه محمد بن ميمون، تولى الإفتاء ببلده طليطلة حتى وفاته سنة (٣٠٥) هـ (٩١٧ م) (^٤) الفقيه محمد بن عبد الله بن محمد بن بدرن الحضرمي، تولى الإفتاء ببلده الجزيرة حتى وفاته سنة (٣١١) هـ (٩٢٣ م) (^٥).\nالفقيه نابغة بن إبراهيم بن عبد الواحد المتوفى سنة (٣١٣) هـ (٩٢٥ م) من أهل إلبيرة من قلعة يحصب، كان متصرفًا في الفتيا وعقد الشروط (^٦).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٨٦٣.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١١٦١.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ٣٦٢.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ١١٦٩.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ١١٨٢.\n(^٦) - نفسه، ترجمة رقم ١٤٩٥.","vol":"2","page":838},{"text":"الفقيه سعدان بن إبراهيم بن عبد الوارث، يعرف بابن الجرز، من أهل رية، ومن ساكني أرجذونه، كان حافظًا للمسائل مفتيًا بموضعه إلى أن توفي سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) (^١) الفقيه محمد بن أحمد بن حزم بن تمام، المتوفى قريبًا من سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) من أهل طليطلة، كان مفتيا فيها (^٢).\nالفقيه عثمان بن محمد بن أحمد بن مدرك، من أهل قبره، كان معتنيًا بالعلم، حافظًا للمسائل، عاقدًا للشروط، تولى الإفتاء ببلده حتى وفاته سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) (^٣).\nالفقيه عمر بن عبد الخالق من أهل الجزيرة، تولى الإفتاء بها حتى وفاته سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) (^٤).\nالفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي شيبه الكلابي المتوفى سنة (٣٢٥) هـ (٩٣٧ م) من أهل اشبيلية، كان مشاورًا في الأحكام مع نظرائه، كما أنه كان بصيرًا بالفتيا، لكنه كان مشهورًا بالكذب (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٥٤٣.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٢٠٧.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ٨٩٣.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ٩٤٨.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ٩٢٠.","vol":"2","page":839},{"text":"الفقيه سعدان بن معاوية المتوفى سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) انتقل من بلده قرطبة وسكن إقليم القصب فكان مفتي أهل ذلك الموضع وعاقد شروطهم (^١).\nالفقيه جحاف بن يمن، المتوفى سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) من أهل بلنسية، وعليه كان مدار الفتيا ببلده (^٢).\nالفقيه محمد بن إبراهيم بن إسحاق، المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) كان فقيه حاضرة باجه وصاحب فتياهم نحوًا من ثلاثين سنة (^٣).\nالفقيه أبو المطرف عريف مولى ليث بن فضيل، المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) من أهل لورقه كان ضابطًا للفقه، بصيرًا بالفتيا، جامعًا للعلم، بلغ مبلغ السؤدد في موضعه وكان معوّل أهل لورقه في وقته عليه (^٤).\nالفقيه أبو رزين هشام بن محمد بن أبي رزين، من أهل شذونه، كان حافظًا للمسائل، مفتي أهل شذونه وما والاها، وكان يرحل إليه للسماع منه، كان معظمًا في موضعه حتى أدركته الوفاة بحاضرة شريش سنة (٣٣٦) هـ (٩٤٧ م) (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٥٤٤.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(^٣) - ابن الفرضي ترجمة رقم ١٢٢٤.\n(^٤) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٠٠٥.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ١٥٤٦.","vol":"2","page":840},{"text":"الفقيه أبو القاسم عيسى بن خلف الخولاني، المتوفى سنة (٣٤٢) هـ (٩٥٣ م) من أهل اشبيلية، كان حافظًا للمسائل، عالمًا بها، مقدمًا في الفتيا بموضعه (^١).\nالفقيه أبو سعيد فرج بن سلمة بن زهير البلوي، المتوفى سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م) أصله من باجه، وانتقل إلى فحص البلوط، كان حافظًا للرأي على مذهب مالك، عاقدًا للشروط، مشاورًا في الأحكام (^٢).\nالفقيه أبو عثمان سعيد بن أحمد بن رمح الخولاني، المتوفى بعد سنة (٣٥٠) هـ (٩٦١ م) من أهل شذونه، كان معتنيًا في موضعه مقدمًا في الشورى ببلده (^٣).\nالفقيه محمد بن حصين، المتوفى سنة (٣٥١) هـ (٩٦٢ م) من أهل بلنسية كان عالمًا فقيهًا نبيهًا نبيلًا حاد الفهم، وعليه وعلى أبي جعفر جحاف بن يمن كان مدار الفتيا في وقتهما ببلنسيه (^٤).\nالفقيه أبو عبيد قاسم بن خلف بن فتح بن عبد الله، المتوفى سنة (٣٧١) هـ (٩٨١ م) يعرف بالجبيري، أصله من طرطوشه، كان فقيهًا\n_________\n(^١) - نفسه، ترجمة رقم ٩٨٦.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٢٦.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٥٠٩.\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٧٨.","vol":"2","page":841},{"text":"عالمًا، حسن النظر. وقد عهد الخليفة الحكم المستنصر إلى الحكام بمشاورته، فكان صدرًا في أهل الشورى (^١).\nالفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الحارث بن منتيل، المتوفى سنة (٣٧٩) هـ (٩٨٩ م) كان صدرًا فيمن يستفتى ببلده استجه (^٢).\nالفقيه أبو الأصبغ عيسى بن أبي العلاء، من أهل تدمير، تولى الفتيا في موضعه حتى توفي سنة (٣٩١) هـ (١٠٠١ م) (^٣).\nالفقيه أبو محمد قاسم بن حامد الأموي، من أهل ريه، كان مدار الفتيا ببلده عليه وعلى صاحبه محمد بن عوف (^٤).\nالفقيه مهدي بن عمر الجذامي، من أهل استجه، تولى الفتيا ببلده، ثم رحل أيام الفتنة إلى قرطبة فتوفي بها (^٥).\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٧٧.\n(^٢) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٧٤٥.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ٩٩٣.\n(^٤) - نفسه، ترجمة رقم ١٠٦١.\n(^٥) - نفسه، ترجمة رقم ١٤٨٧.","vol":"2","page":842},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة السوق \"الحسبة\" </span>\nعُرفت هذه الخطة في المشرق باسم \"الحسبة\" (^١) لكنها في الأندلس كانت تعرف باسم: خطة السوق ويطلق على من يتولاها: صاحب السوق، وهذا هو الاسم الذي استخدمه القاضي ابن سهل عند تعديده للخطط التي من حق أصحابها إصدار الأحكام (^٢).\nولعل الأندلسيين استخدموا مصطلح \"صاحب السوق\" دون \"الحسبة\" ربما لكون عمل صاحب السوق كان أكثره متعلق بالأسواق وما يجري فيها، فمن ذلك قد يكون اكتسب التسمية.\nإلا أن الأندلسيين لم يتمادوا في استخدام هذا المصطلح، إذ ما إن حل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) حتى أصبح استخدام مصطلح \"المحتسب\" شائعًا في الأندلس (^٣).\nلأجل ذلك آثرت استخدام مصطلح \"خطة السوق\" لأنه هو السائد في الأندلس طيلة فترة الدراسة.\nوتجمع المصادر على ما لهذه الخطة من أهمية، وذلك لارتباطها الوثيق بخطط القضاء والشرطة والمظالم.\n_________\n(^١) - عن الحسبة في المشرق وأشهر المصادر عنها، انظر: الأحكام السلطانية، ص ٢٠٨ - ٢٢٤. نهاية الرتبة في طلب الحسبة ص ١٠ - ٢١٦. معالم القربة في أحكام الحسبة، ص ٧ - ٢٤٢. ابن تيمية، الحسبة، ص ٧٩ - ٣٩٨.\n(^٢) - النباهي، ص ٥.\n(^٣) - خطة الحسبة في النظر والتطبيق والتدوين، ١٧ - ١٨.","vol":"2","page":843},{"text":"فالماوردي يرى أنها \"واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم (^١) \" وقد وافقه السقطي على ذلك (^٢)، بينما يرى المجيلدي أنها \"بين خطة القضاء وخطة الشرطة جامعة بين نظر شرعي ديني وزجر سياسي سلطاني (^٣) \".\nفهي تهدف إلى العناية بكل ما يكفل السعادة للإنسان من أبواب الدين والدنيا (^٤)، ولأجل هذا كان لابد من وجود سمات معينة، يتحلى بها من يلي هذه الخطة، إذ ينبغي أن يكون فقيهًا نزيه النفس، عالي الهمة، ظاهر العدالة، معروفًا بالأناة والحلم، يقظًا، حاد الفهم، بحيث لا ترتجى لشدة يقظته غفلته، ولا تؤمن على ذي منكر سطوته (^٥)، خبيرًا بأحوال المجتمع وسياسة أفراده، لا يستفزه مطمع، قوي الشخصية بحيث لايجرؤ أحد على الاستهانة به، وفي الوقت نفسه لا تأخذه في الله لومة لائم (^٦).\n_________\n(^١) - الأحكام السلطانية، ص ٢٠٩.\n(^٢) - آداب الحسبة، ص ٢.\n(^٣) - أحمد سعيد المجيلدي، التيسير في أحكام التسعير، (تقديم وتعليق: موسى لقبال، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر ١٩٧٠ م) ص ٤٢.\n(^٤) - رسالة ابن عبدون، ص ٢١.\n(^٥) - السقطي، ص ٢٠، ٢٤. المجليدي، ص ٤٢.\n(^٦) - رسالة ابن عبدون، ص ٢٠.","vol":"2","page":844},{"text":"وبالجملة فإن الصفات التي يجب أن يتحلى بها صاحب السوق، هي نفسها التي يجب أن يكون عليها أصحاب الخطط الدينية لأن الأمر مرتبط بأمور شرعية لها وضع خاص.\nويتم تعيين صاحب السوق من قبل الأمير أو الخليفة الأموي، وذلك بعد استشارة قاضي الجماعة بالنسبة لمن يلي السوق بقرطبة، وقضاة الكور لمن يلي الأسواق بها (^١).\nوأما ابن عبد ون فيرى أن القاضي هو الذي يعين صاحب السوق، شريطة أن يستشير ولي الأمر، وعلل ذلك بقوله: \"لتكون للقاضي حجة عليه إن أراد أن يعزله أو يبقيه (^٢) \".\nويتسلم صاحب السوق مرتبه الشهري، من بيت المال، ورغم أن المصادر لم توضح مقدار هذا المرتب، إلا أنه لابد أن يكون قد روعي فيه أن يكفي حاجته (^٣).\nوقد ذكر ابن سعيد أثناء حديثه عن عبد الرحمن الأوسط أنه هو الذي ميَّز ولاية السوق عن غيرها من الخطط، وجعل رزق صاحبها ثلاثين دينارًا في كل شهر (^٤).\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٨٣.\n(^٢) - رسالة ابن عبدون، ص ٢٠.\n(^٣) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٤) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٦.","vol":"2","page":845},{"text":"ونظرًا لكون أحوال الناس في المجتمع الإسلامي، لا تضبط إلا من خلال أمور الدين، لأجل هذا، نرى اهتمامًا كبيرًا من بني أمية في الأندلس، بأمر السوق ومن يتولاه، ويتضح هذا الاهتمام بصورة مجملة من خلال بعض الأحداث التي ذكرتها كتب التراجم.\nفقد ذكر ابن الفرضي أن العباس بن قرعوس الثقفي كان يلي السوق بقرطبة، في عهد الأمير الحكم الربضي، وقد عُرف العباس بالشدة وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم، فقد التقى في أحد الأيام أثناء خروجه من قرطبة، برسول لسعيد الخير الكبير وهو يحمل وعاءً فيه شراب، فنظر إليه العباس، وأمر بأخذه، فأخبر الرسول بأن مولاه عند الأمير، وأنه أمره بإحضاره، فما كان من العباس إلا أن أمر بكسر الإناء وإهراق ما فيه، ثم ضرب الرسول ضربًا موجعًا، فلما علم سعيد الخير بأمر رسوله، أنهى الخبر للأمير، وحرضه ضد العباس، لكن الأمير لم يلتفت لقول سعيد، بل خاطبه قائلًا: \"هذا قوة لملكنا، ألا استتر رسولك؟ (^١) \".\nوهذا الفقيه محمد بن خالد بن مرتنيل، المعروف بالأشج، المتوفى سنة (٢٢٤) هـ (٨٣٩ م) تولى عدة خطط في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، من بينها السوق، وقد كان صلبًا لا تأخذه في الله لومة لائم، كان لا يهاب أحدًا من جلاس الأمير، وكان ينفذ عليهم من الحقوق ما ينفذه على السوقة والعوام، وقد ضرب رجلًا من أصحاب الأمير يعرف\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٨٤.","vol":"2","page":846},{"text":"بالتمار أصاب منكرًا، أربعمائة سوطًا ثم حبسه، فضج فيه أصحاب الأمير وأكثروا عليه عنده، وزينوا له عزله، لكنه أبى واكتفى بان أمرهم بالتحفظ منه، وحدث أن عزله الأمير عشية، لكنه رده صباحًا لما رأى من سداده (^١).\nوعندما حدثت المجاعة الشديدة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وحاول بعض الأشرار الاستفادة من هذا الظرف الطارئ لمصلحتهم، على حساب أمن الآخرين وحرياتهم، وعندما كثرت الشكاوى من ذلك، لجأ الأمير محمد للقضاء على ذلك العبث، إلى تولية إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى سنة (٢٥٦) هـ (٨٧٠ م) خطة السوق، ومنحه صلاحيات واسعة، بحيث أذن له بالتنفيذ في القطع والصلب بلا مؤامرة منه ولا استئذان (^٢).\nوفي عهد الأمير عبد الله بن محمد: ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢» كان سعيد بن محمد السليم يلي خطة السوق، فظهرت منه صرامة في عمله أكسبته مهابة، لما فعله بأحد غلمان المطرف بن الأمير عبد الله، فقد تطاول ذلك الغلام على ابن السليم وهو في مجلس نظره بوسط السوق، فما كان من ابن السليم إلا أن أمر أعوانه بإحضار الغلام عنده، فشق أثوابه، وضربه مائتي سوط، وأرسل به إلى السجن، وخاطب من وقته\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٢٦.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ١٠٣ - ١٠٤.","vol":"2","page":847},{"text":"الأمير عبد الله بخبره بما جرى، فما كان من الأمير إلا أن صوَّب فعله واستحسنه، وأدرك عظم كفاءته، ولذا فبعد مدة يسيرة، رفعه إلى الوزارة ثم ولاه الحجابة (^١).\nوصاحب السوق لا يستطيع أن يقوم بكل شيء بمفرده، فهناك أعوان له يساعدونه في أداء مهامه، وهو بدوره يقوم بمراقبتهم، ويتفقدهم دائمًا، فلا يجعل لأحد شغلًا معينًا كوزن الخبز على الخبازين وغيره، لأن ذلك مدعاة لرشوته، كما يجب على صاحب السوق ألا يخبر أعوانه عن وجهته لأمر من أمور الخطة، إذ ربما حدث تواطؤ من أحدهم مع أحد أصحاب المهن، فيرسل إليه يعلمه بمقدم صاحب السوق، فيغير كل فاسد لديه، وبذلك لا يمكن إقامة الحجة عليه، ويتولى صاحب السوق بنفسه إعدام الشيء الفاسد (^٢).\nولصاحب السوق مجلس في وسط السوق، يجري فيه أحكامه (^٣) فإذا أراد التجول في الأسواق، نهض ومعه أعوانه، وفي يد أحدهم ميزان، يزن به الخبز، لأنه معلوم الوزن لديهم، كما أن اللحم موضح عليه سعره من خلال ورقة تلصق به، لذا لا يمكن التدليس على أحد بقيمتها، لأن الكل يخشى من صاحب السوق الذي كان يعمد إلى إرسال صبي صغير أو جارية فتشتري إما خبزًا أو لحمًا، فيزنه بميزانه، فإن وجده ناقصًا، علم أنه\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٥.\n(^٢) - السقطي، ص ٢٤.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٥.","vol":"2","page":848},{"text":"غشاش، فيعاقبه بالضرب والتجريس في الأسواق، فإن لم يتب نفاه من البلد (^١).\nوتحدثنا كتب التراجم الأندلسية، عن مهام صاحب السوق، فهو بالإضافة إلى مراقبته للأسواق، وما يجري فيها من عمليات البيع والشراء، يقوم بمعاقبة من يشهد زورًا، فقد ذكر القاضي عياض أن إبراهيم بن حسين خالد بن مرتنيل، المتوفى سنة (٢٤٩) هـ (٨٦٣ م) \"ضرب شاهد زور عند باب الجامع أربعين سوطًا وحلق لحيته وسخَّم وجهه (^٢) \".\nكما يتولى صاحب السوق، أمر من يأتي بشيء من الأمور الدينية غير معروف في البلد، مثلما جرى في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما قام صاحب السوق أبو عبد الله محمد بن الحارث بن أبي سعيد القرطبي، المتوفى سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) باستدعاء الفقيه محمد بن عبد السلام الخشني، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) بعد عودته من المشرق، وذلك عندما بلغه أنه يقول إن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا (^٣).\nومن بين المهام التي يضطلع بها صاحب السوق، الإشراف على توسعة الشوارع الضيقة، وبالذات ما يمكن أن يطلق عليها الشوارع التجارية، فقد ذكر ابن حيان أنه يوم السبت لثمان خلون من جمادى\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ٢/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٤/ ٢٤٤.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٣٤. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥٠ - ٢٥٦.","vol":"2","page":849},{"text":"الأولى سنة (٣٦١) هـ (فبراير (٩٧٢) م) أصدر الخليفة الحكم المستنصر بالله أمره لصاحب الشرطة والسوق أحمد بن نصر \"بتوسيع المحجة العظمى بسوق قرطبة؛ لضيقها عن مخترق الناس وازدحامهم فيها، وهدّ الحوانيت المتحيّفة لعرضها، المضيقة لسبيلها، كيما ينفسح الطريق ولا يضيق بالواردين والصادرين (^١) \".\nوقد تولى السوق بقرطبة عدد من الأعلام الأندلسيين، منهم:\nالعباس بن أبي قرعوس بن عبيد الثقفي، تولى السوق في عهد الأمير الحكم الربضي، وقد كان معروفًا بالشدة والقسوة على أهل الريب، حتى أنه كان يضربهم ضربًا شديدًا، الأمر الذي أقلق ابنه قرعوس، فسأل الإمام مالك عن الضرب الذي كان والده يضربه للناس فأجابه الإمام بقوله: \"إن كان فعل هذا غضبًا لله وذبًا عن محارمه فأرجو أن يكون خفيفًا (^٢) \".\nوقد ورث الفقيه قرعوس بن العباس خطة السوق عن أبيه وسلك سبيله في التشدد على أهل الريب (^٣)، وكان ممن اتُهم بأمر هيج الربض سنة (٢٠٢) هـ (٨١٨ م) فوقاه الله شر سطوة الأمير الربضي، وقد توفي قرعوس سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م) في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٤).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧١.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٨٤.\n(^٣) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٨٥.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٨٤. ابن حيان، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٧٩ - ٨٠. الحميدي، جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٧٨٠.","vol":"2","page":850},{"text":"الفقيه محمد بن مرتنيل، المعروف بالأشج، المتوفى سنة (٢٢٤) هـ (٨٣٩ م) ولي السوق بقرطبة، وكان صلبًا في أحكامه، ورعًا فاضلًا لا تأخذه في الله لومة لائم (^١).\nالفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى في شهر رمضان سنة (٢٤٩) هـ (^٢) (أكتوبر (٨٦٣) م) كان يلي السوق بقرطبة سنة (٢٣٢) هـ (٨٤٧ م) وفي ذلك الوقت هدم ابن مرتنيل حوانيت بني قتيبة، مخالفًا في ذلك علماء عصره، فتظاهروا عليه، وأبانوا خطأه، وأيد قاضي الجماعة معاذ بن عثمان الشعباني رأيهم وفسخ حكم ابن مرتنيل (^٣).\nالفقيه أبو الوليد حسين بن عاصم بن كعب الثقفي، تولى السوق بقرطبة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد اتصف بالشدة على أهل الريب فكان يضرب ضربًا شديدًا (^٤).\nالفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى شهر رجب سنة (٢٥٦) هـ (^٥) (يونيو (٨٧٠) م) ورث خطة السوق عن والده في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن وقد عهد إليه الأمير بالتحفظ، وأذن له\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٢٦. ترتيب المدارك، ٤/ ١١٧ - ١١٨.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٥٦ - ٥٧.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٥١، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٧٧. وأُختلف في تاريخ وفاته وقد ناقش ذلك القاضي عياض، انظر: ترتيب المدارك، ٤/ ١٢٠ - ١٢١.\n(^٥) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣.","vol":"2","page":851},{"text":"بالعقوبات بلا مؤامرة ولا استئذان، فبلغ من الشدة مبلغًا حاد فيه عن سنن القضاء (^١).\nأبو عبد الله محمد بن الحارث بن أبي سعيد، أقره الأمير محمد بن عبد الرحمن على الشرطة، وولاه السوق، فلم يزل في منصبه حتى توفي سنة (٢٦٠) هـ (^٢) (٧٨٤ م)، وقد كان ابن الحارث أشد الثلاثة القائمين على الفقيه بقي بن مخلد، المتوفى سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) والفقيه محمد بن عبد السلام الخشني، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) وذلك بعد عودتهما من المشرق، وقد عُرف ابن الحارث بقلة الفقه (^٣)، وبالأفن والجهالة (^٤).\nعبد الله بن حسين بن عاصم الثقفي، تصرف للأمير محمد في خطط عدة، منها خطة السوق، وقد كان \"عسوفًا فيها متمردًا على الغاشين من التجار والصناع له في ذلك أخبار معروفة (^٥) \".\nوممن تولى خطة السوق في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن أحد رجال البربر، يدعى سليمان بن محمد بن أصبغ بن وانسوس، كان من\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(^٢) - أخبار الفقهاء، والمحدثين، ترجمة رقم ١٤٥.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٠٧.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥٠ - ٢٥٦.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ١٨٦.","vol":"2","page":852},{"text":"الأدباء والأشراف وقد عزله الأمير محمد عن السوق بسبب كلمة بدرت منه استهجنها الأمير وعابها عليه فعزله (^١).\nومن الذين تولوا خطة السوق في عهد الأمير عبد الله بن محمد الفقيه المشاور أبو صالح أيوب بن سليمان المعافري، المتوفى يوم الخميس لسبع بقين من شهر المحرم سنة (٢٠٣) هـ (^٢) (أغسطس (٩١٤) م).\nوقد ذكر القاضي عياض أن أبا صالح المعافري تولى السوق \"ضرورة وحمية وذلك لذلة نالته من بعض العامة، وقيل بسبب فران رفضه (^٣) \" وقد عزل عن السوق كراهية من أهلها كما يقول ابن الفرضي (^٤) لكن هذا القول لا يمكن الاطمئنان إليه متى ما عرفنا أن أبا صالح، كان جوادًا سمحًا على قلة ماله، حسن الأخلاق والمعاشرة (^٥) \" فمن كانت هذه صفاته، كيف يكون مكروهًا من الآخرين؟ لكن لعل سبب العزل ما ذكره الخشني من أن أبا صالح صاحب السوق \"كان له ختن جعل إليه شيئًا من أمور السوق، فكان ذلك سبب عزله (^٦) \".\n_________\n(^١) - نفسه، ص ١٨٩ - ١٩١.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٥/ ١٥٣.\n(^٣) - المصدر السابق، ٥/ ١٠٥.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٦٧.\n(^٥) - ترتيب المدارك، ٥٠/ ١٥٠.\n(^٦) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣٨.","vol":"2","page":853},{"text":"وذكر ابن عذاري أنه في سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) توفي محمد بن يحيى بن أبي غسان صاحب السوق، وتولى الخطة بدلًا منه يحيى بن سعيد بن غسان (^١).\nولعل سعيد بن محمد السليم هو أشهر من تولى السوق في عهد الأمير عبد الله، والسبب في شهرته يعود إلى فعلته بغلام المطرف بن الأمير عبد الله مما أهله للوزارة ومن ثم الحجابة (^٢).\nوفي شهر ربيع الآخر من سنة (٣٠١) هـ (نوفمبر (٩١٣) م) أصدر الأمير عبد الرحمن بن محمد أوامره بعزل عمر بن أحمد بن فرج، المتوفى سنة (٣٠٥) هـ (^٣) (٩١٧ م) عن خطة السوق، وجعل مكانه محمد بن عبد الله الخروبي (^٤)، لكنه لم يلبث إلا أقل من سنة، ثم تولى السوق بدلًا منه أحمد بن حبيب بن بهلول، وذلك سنة (٣٠٢) هـ (^٥) (٩١٤).\nويبدو أن ابن بهلول قد استمر في ولاية السوق فترة طويلة، وهو أمر يخالف ما عُرف عن سياسة الأمير عبد الرحمن بن محمد \"الناصر\" القائمة على عدم بقاء أحد من رجاله في منصبه أكثر من سنة أو سنتين، وقد ظل ابن بهلول في ولاية السوق حتى شهر شوال من سنة (٣١٣) هـ (يناير\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ١٤٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٥.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ١٧١.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٩٧.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ١٠٣.","vol":"2","page":854},{"text":"٩٢٦ م) حيث أصيب بعلة أبطلت حركته، فتولى السوق بدلًا منه يحيى بن يونس القبري (^١).\nوهناك خطة أخرى موازنة لخطة السوق، وهي خطة تغيير المنكر، وقد ظهرت هذه الخطة في سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) وهي السنة التي عُزل فيها حسين بن أحمد بن عاصم عن خطة السوق، وقدم إلى خطة تغيير المنكر (^٢).\nوقد انحصر وجود خطة تغيير المنكر، في قرطبة فقط، دون بقية كور الأندلس، والسبب في إنشائها يعود إلى حرص الدولة الأموية، بقيادة الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى الوقوف في وجه المد الباطني القادم بقوة من الشمال الأفريقي (^٣)، بدعم شديد من العبيديين الذين حاولوا التسلل إلى الأندلس من خلال زحف أفكارهم الباطنية في الوسط الاجتماعي هناك.\nوعندما تسلط الحاجب المنصور بن أبي عامر على الخليفة هشام المؤيد، جعل على ولاية السوق وقضاء جيان، أبا المطرف عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرعيني، المعروف بابن المشاط، المتوفى في شهر جمادى الآخرة من سنة (٣٩٧) هـ (^٤) (مارس (١٠٠٧) م).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ١٩١.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٢٨.\n(^٣) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٨٨.\n(^٤) - تريتب المدارك، ٧/ ١٩٧. الصلة، ترجمة رقم ٦٧٨.","vol":"2","page":855},{"text":"والملاحظ أن هناك تقاربًا شديدًا بين خطتي السوق والشرطة، إذ أن كلًا منهما ذات اتصال وثيق الجماهير، وعليهما تقع مسئولية حفظ الأمن والنظام، ومن أجل تحقيق التكامل بين هذين الجهازين يحدث أحيانًا الجمع بينهما في يد موظف واحد.\nفقد كان محمد بن الحارث المتوفى سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤) يلي الشرطة والسوق للأمير محمد بن عبد الرحمن (^١)، كما كان أحمد بن يونس الجذامي، المعروف بالحراني، يلي خطتي الشرطة والسوق للخليفة هشام المؤيد بالله (^٢).\nوآخر من جمع هاتين الخطتين محمد بن محمد بن إبراهيم القيسي، المتوفى لثلاث عشر ليلة خلت من شهر المحرم سنة (٣٤٢) هـ (١٠٤٠ م) فقد كان يلي الشرطة والسوق بقرطبة في عهد الخليفة هشام المعتد بالله، وكان القيسي معروفًا بالصرامة في أحكامه (^٣).\nوهناك وظيفة نشأت داخل ولاية السوق، وهي وظيفة الإفتاء في السوق، وقد نشأت هذه الوظيفة منذ عصر الإمارة (^٤)، فقد كان الفقيه القرطبي علي بن محمد العطار، المتوفى في شهر ربيع الأول سنة (٣٠٦) هـ\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٤٥.\n(^٢) - طبقات الأمم، ص ١٩٠ - ١٩١. التكملة (طبعة أبي شنب) ترجمة رقم ٢٢.\n(^٣) - الصلة، ترجمة رقم ١١٤٢.\n(^٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٩٠.","vol":"2","page":856},{"text":"(أغسطس (٩١٨) م) يلي منصب المفتي في السوق، وذلك في عهد الأمير عبد الله بن محمد (^١).\nوفي عصر الخلافة كان الفقيه أبو عبد الله محمد الحداد، فضيل بن هذيل، يتولى الفتيا في السوق وقد استشهد الحداد في موقعة الخندق، وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من شهر شوال سنة (٣٢٧) هـ (^٢) (يوليو (٩٣٩) م).\nيوسف بن سمؤال، كان مفتيًا في السوق بقرطبة، توفي في القرن الرابع الهجري (^٣).\nالفقيه أبو عمر أحمد بن هلال بن زيد العطار، كان مفتيًا في السوق بقرطبة، توفي في أواخر شهر صفر سنة (٣٦٤) هـ (^٤) (نوفمبر (٩٧٤) م).\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣٨٥.\n(^٢) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٢١٧. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢١٩. وقد ورد فيهما أن أبا عبد الله هذا اسمه محمد بن فيصل، وتابعهما في ذلك الأستاذ عبد الرحمن الفاسي، في خطة الحسبة، ص ٧١. ولكني اخترت ما أثبته في المتن متابعة لما ذهب إليه الأستاذ محمد خلاف في تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٩١. وذلك؛ لأن اسم فيصل غير شائع إطلاقًا آنذاك، فضلًا عن إمكانية الخلط بينه وبين فضيل، كما أن أبا عبد الله لم يكن نسبه المعروف هو الحداد ولكن لقب بهذا اللقب لملازمته لسوق الحديد.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٦٣٠.\n(^٤) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٥٠.","vol":"2","page":857},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة الشرطة </span>\nيقول ابن سعيد الأندلسي: \"وأما خطة الشرطة (^١) بالأندلس فإنها مضبوطة إلى الآن، معروفة بهذه السمة، ويعرف صاحبها في ألسن العامة بصاحبة المدينة وصاحب الليل (^٢) \".\nوعندما تحدث ابن خلدون عن \"الشرطة\" ذكر أن صاحبها يعرف بالأندلس بـ\"صاحب المدينة (^٣) \".\nمن هذين النصين يتبادر إلى الذهن بأن صاحب الشرطة هو صاحب المدينة، أو أن امتزاجًا حصل بين المنصبين لدرجة أنه يصعب الفصل بينهما، وهذا ما وقع فيه البعض (^٤)، لكن الحقيقة خلاف ذلك، فالمدينة لها موظف خاص كما هو الحال بالنسبة للشرطة، ويكفي للدلالة على ذلك أن القاضي ابن سهل الأندلسي، المتوفى سنة (٤٨٦) هـ (١٠٩٣ م) ذكر أن\n_________\n(^١) - عن كلمة الشرطة ونشأة نظامها: انظر: محمد الشريف الرحموني، نظام الشرطة في الإسلام إلى أواخر القرن الرابع الهجري (الدار العربية للكتاب ١٩٨٣ م) ص ٢٩ - ٦١. د. أرسن موسى رشيد، الشرطة في العصر الأموي (ترجمة: د. أحمد مبارك البغدادي، الكويت، مكتبة السندس، ط الأولى ١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م) ص ١٥ - ١٧.\n(^٢) - نفح الطيب، ١/ ٢١٨.\n(^٣) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٨٧.\n(^٤) - محمد رضا عبد العال، النظام القضائي في الأندلس، في عهد الخلافة الأموية ٣١٦ - ٤٤٧ هـ (رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة القاهرة ١٤٠٢ هـ (١٩٨٢ م) لم تطبع) ص ١٢٨.  L.provencal: Op.Cit، V، III: P: ١٥٨.","vol":"2","page":858},{"text":"هناك خططًا ستًا تجري على يد أصحابها الأحكام وهي: القضاء والشرطة والمظالم والرد والمدينة والسوق (^١) ففصل بذلك خطتي الشرطة والمدينة، ولاشك أن ابن سهل أدرى بأخبار الأندلس من ابن سعيد وابن خلدون.\nوعندما نستعرض كتابات المؤرخ ابن حيان عن الاحتفالات التي تقام بمناسبة الأعياد أو الزيارات الدبلوماسية، نجد ان صاحب الشرطة يأتي في الترتيب بالجلوس بعد صاحب المدينة (^٢).\nومن هنا ندرك أن للشرطة في الأندلس جهازًا قائمًا بذاته، كما أن الشرطة بأقسامها وصلاحيات أصحابها تعطي دلالة على ضخامتها وكثرة عدد أفرادها.\nويعرف من يلي خطة الشرطة في الأندلس بصاحب الشرطة أو والي الشرطة أو الشرطة، أو صاحب الأحكام (^٣).\nويأتي تعيينه عن طريق الأمير (^٤) أو الخليفة (^٥)، ويصدر في هذه المناسبة سجل يحوي أمر التعيين (^٦).\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٥.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٣٠ وغيرها.\n(^٣) - انظر، ابن الفرضي، تراجم رقم ٣، ١٦٦، ١٦٧، ٢٠٨، ٣٢٦، ٧٠٧، ٧٤٦، ١٠٧٣، ١١٠١، ١١٠٧، ١٢٨٧، ١٣٠١، ١٣٢٥، ١٣٢٧.\n(^٤) - أخبار مجموعة، ص ٩١.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥٢.\n(^٦) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٥.","vol":"2","page":859},{"text":"وأول من تولى الشرطة لبني أمية في الأندلس هو عبد الرحمن بن نعيم، فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الداخل الشرطة بمجرد أن وضع يده على قصر قرطبة بعد انتهاء معركة المصارة (^١). وبعد أن استوثق الأمر للأمير عبد الرحمن الداخل ولى شرطته الحصين بن الدجن بن عبد الله العقيلي، لما عرف عنه الأمير من صالح بلائه وشدة بأسه ونجدته وموقفه من يوسف الفهري ووزيره الصميل (^٢).\nومن خلال كتاب أرسله الخليفة الأموي بالشام مروان بن محمد إلى ولده عبد الله يمكن الوقوف على السمات التي يجب توافرها فيمن يلي الشرطة فقد جاء في الكتاب: \"فول شرطتك وأمر عسكرك أوثق قوادك عندك، وأظهرهم نصيحة لك، وأنفذهم بصيرة في طاعتك، وأقواهم شكيمة في أمرك، وأمضاهم صريمة، وأصدقهم عفافًا، وأجزأهم غناء، وأكفاهم أمانة، وأصحهم ضميرًا، وأرضاهم في العامة دينًا، وأحمدهم عند الجماعة خلقًا، وأعطفهم على كآفتهم رأفة، وأحسنهم لهم نظرًا، وأشدهم في دين الله وحقه صلابة، … مجربًا، ذا رأي وتجربة وحزم في المكيدة، له نباهة في الذكر، وصيت في الولاية، معروف البيت، مشهور الحسب (^٣) \".\nكما تحدث ابن عبد ون عن تلك السمات فذكر أن صاحب الشرطة -الحاكم- لابد \"أن يكون رجلًا خيرًا، عفيفًا، غنيًا، عالمًا، متحنكًا في\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة، ص ٩١.\n(^٢) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.\n(^٣) - صبح الأعشى، ١٠/ ٢١٥ - ٢١٦.","vol":"2","page":860},{"text":"علم الوثائق ووجوه الخصومات، ويكون ورعا، لا يرتشي ولا يميل، ويجري في حكمه وأمره إلى الحق والاعتدال، ولا يخاف في الله لومة لائم، ويكون أكثر جريه في حكمه إلى الإصلاح بين الناس (^١) \".\nولقد كانت تلك السمات متوفرة في معظم أصحاب الشرطة لدى بني أمية في الأندلس، فأبو عبد الله محمد بن خالد الأشج، المعروف بابن مرتنيل، المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥) كان فقيها فاضلًا، ورعًا صليبًا، ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط الشرطة والصلاة معًا (^٢).\nولكن وجد بالمقابل من تولى الشرطة وهو خالٍ من بعض تلك السمات، فقد وجد من أصحاب الشرطة من كان متأخرًا في علمه وعقله (^٣)، وهناك من كان قليل العلم (^٤)، \"ولعل سبب اختيار هؤلاء وأمثالهم في خطة الشرطة هو شرف بيوتاتهم ونباهتها (^٥) \" فضلًا عن أن الخطط لدى أمويي الأندلس متوارثة، أي أنها محصورة في بيوتات معينة، ولذا فإنه يتم تعيين أحد أبناء تلك الأسرة في تلك الخطة حتى وإن كان يعاني من نقص معرفي وعقلي نوعًا ما، وحفاظًا على عدم خروج أي خطة في الدولة عن أي من الأسر المساندة لبني أمية.\n_________\n(^١) - رسالة في القضاء والحسبة، ص ١١.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٠١.\n(^٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٢٦٦.\n(^٤) - الصلة، ترجمة رقم ١١٠٢.\n(^٥) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٨٧.","vol":"2","page":861},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>أقسام الشرطة:</span>\nعندما وجدت الشرطة في الدولة الأموية في الأندلس، لم تكن خطة قائمة بذاتها، وإنما كانت مضافة إلى غيرها من الخطط، بالذات ولاية السوق؛ ولأجل هذا لم تكن مقسمة إلى أقسام، واستمر الوضع على هذه الصورة حتى أوائل القرن الثالث الهجري، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط تم فصل الشرطة عن ولاية السوق (^١)، وأصبحت الشرطة منقسمة إلى قسمين: الشرطة الكبرى، والشرطة الصغرى، وإلى هذين القسمين أشار ابن خلدون أثناء حديثه عن الشرطة لدى بني أمية في الأندلس (^٢).\nولكن ابن سهل الأندلسي ذكر أن الشرطة لدى بني أمية كانت منقسمة إلى ثلاثة أقسام: شرطة كبرى، شرطة صغرى، وشرطة وسطى (^٣)، ولا ريب أن ابن سهل آكد من ابن خلدون في هذا؛ لقربه من الأحداث؛ ولوجود ما يؤيد قوله، وذلك ما ذكره ابن حيان من إنشاء الشرطة الوسطى سنة (٣١٧) هـ (^٤) (٩٢٩).\nوهناك فروع للشرطة، منها: فرع مختص بالعسس، وهو الطواف بالليل أو ما يسمى في الأندلس بالدرابين، ومهمة أولئك الدرابين المحافظة على الأمن عند حلول المساء، إذ ينشط الأشرار، فلا \"تكاد في الأندلس\n_________\n(^١) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٦.\n(^٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٨٧.\n(^٣) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٧١.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥٢.","vol":"2","page":862},{"text":"تخلو من سماع دار فلان دخلت البارحة، وفلان ذبحه اللصوص على فراشه (^١) \"، وقد سمي هذا الفرع بالدرابين ذلك \"لأن بلاد الأندلس لها دروب بأغلاق تغلق بعد العتمة، ولكل زقاق باءت فيه، له سراج معلق وكلب يسهر وسلاح معدّ (^٢) \".\nوأما الفرع الآخر فهو \"شرطة العدو\" وهذا الفرع أنشأه الأمير عبد الرحمن الأوسط، وعندما حقق الدكتور محمود مكي كتاب المقتبس لابن حيان، لم يهتد إلى إعطاء تفسير لها، واكتفى بالقول بأن تحريفًا وقع في ألفاظها أو سقط منها شيء، (^٣) وتابعه في ذلك بعض الباحثين (^٤)، إلا أن أحد الأساتذة المهتمين بالدراسات التاريخية الأندلسية وهو الدكتور محمد خلاف ذكر أن شرطة العدو هي فرقة من الشرطة أشبه ما تكون برجال الدرك إذ أن كلا الطرفين يستخدمان الخيل في عملهما، ويكون مكان تواجد شرطة العدو خارج أبواب قرطبة، وذلك لمراقبة الخارجين منها والداخلين إليها، من اللصوص وقطاع الطرق الذين يستخدمون الخيل في تنقلاتهم فتقوم شرطة العدو بمطاردتهم والقبض عليهم؛ لينالوا\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ١/ ٢١٩.\n(^٢) - المصدر السابق، والصفحة.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٨، حاشية رقم ٣.\n(^٤) - النظام القضائي في الأندلس، ص ١٢٨.","vol":"2","page":863},{"text":"جزاء أفعالهم المشيئة (^١)، وهذا هو التفسير المقنع والذي يمكن أن تطمئن إليه النفس.\nوهذان الفرعان: الدرابون وشرطة العدو يتبعان الشرطة الصغرى، إذ أنها مختصة بالعامة؟ (^٢).\nأما الشرطة الكبرى فهي المختصة بكبار رجالات الدولة، وكل من يشغل وظيفة فيها، بالإضافة إلى أقاربهم ومن إليهم من أهل الجاه والسلطان (^٣).\nونظرًا للنقلة الكبيرة التي عاشتها الدولة الأموية بتولي الأمير عبدالرحمن بن محمد مقاليد الحكم بها، وفرضه لكلمته على أرجاء البلاد، ومن ثم تسميه بالخلافة وكل هذا جعل قاطبة تستقبل قاطنين جدد، ومع الاستقرار السياسي والأمن الذي أصبحت الأندلس تعيشه فى عهد في عهد الخليفة عبدالرحمن الناصر فقد ازدهرت التجارة، وارتفع المستوى الإقتصادي في البلاد عامة، وفي قرطبة خاصة، الأمر الذي نتج عنه ظهور فئة ثالثة في المجتمع وهي فئة التجار، والتي تشمل أيضا أصحاب المهن الراقية، وهذه الفئة تقع بين فئتي الأثرياء وكبار الشخصيات وبين فئة العامة (^٤)، وبما أن\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٧٢ - ٤٧٣.\n(^٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٨٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٦٨٧ - ٦٨.\n(^٤) - ١٥٦ - ١٥٧  L.Provencal: op. cit. T. III. p  قارن: أحمد فكري، قرطبة في العصر الإسلامي ص ٢٩٩.","vol":"2","page":864},{"text":"الشرطة الكبرى مختصة بشئون الخاصة، والشرطة الصغرى مختصى بالعامة، ونظرًا لأن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان صاحب تجديدات في الدولة، فإنه لم يشأ أن يزيد تكاليف أي من الشرطتين الكبرى والصغرى، ولأجل هذا فقد أمر بإنشاء الشرطة الوسطى سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م) لتتولى شئون تلك الفئة الجديدة وأول من تولاها هو سعيد بن جدير (^١).\nوقد ذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر جعل الرزق الشهري لصاحب الشرطة الوسطى وسطًا بين الشرطتين الكبرى والصغرى (^٢) وعلى هذا الأساس وبناء على التطور الهائل الذي أصبحت عليه الدولة الأموية في زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر يمكن أن نتوقع رزقًا شهريًا لأصحاب الشرطة الثلاثة يتناسب والرخاء الاقتصادي الذي كانت تعيشه الدولة آنذاك (^٣).\nوالمصادر لم تحدثنا عن الزي الذي يرتديه صاحب الشرطة، لكننا من خلال قصة رويت عن عالم المرية القاضي أبي الحسن الرعيني، المتوفى سنة (٤٣٥) هـ (١٠٤٣ - (١٠٤٤) م) يمكن أن نتصور الشكل العام الذي\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥٢.\n(^٢) - المصدر السابق، والصفحة.\n(^٣) - تجدر الإشارة إلى أن ابن حيان ذكر أن الخليفة الحكم المستنصر بالله أصدر أوامره في شهر رمضان سنة ٣٦١ هـ) بتولية علي بن أبي الحسين الشرطة الصغرى مجموعة له إلى عمل القضاء بالثغر، وجعل مرتبه ثلاثين دينارًا في الشهر. انظر: المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٨١.","vol":"2","page":865},{"text":"يظهر به صاحب الشرطة، فهو رجل يمشي مظهرًا قوته من خلال سرعة مشيته، بعد أن يشمر ثيابه ويمسك بيده عصا (^١)، وإن كنّا نتوقع أن الأمير أو الخليفة لابد وأن يمنح صاحب الشرطة زيًا خاصًا يعرف به بين الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>أهمية منصب صاحب الشرطة:</span>\nتتضح أهمية منصب صاحب الشرطة، من خلال المهام المناطة به، وقبل الحديث عن هذه المهام نشير إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية من أن صاحب الشرطة في المغرب ليس له حكم في شيء وإنما هو منفذ لأحكام القاضي (^٢)، وفي هذا دلالة على تبعية صاحب الشرطة للقضاء، ويبدو أن هذا كله كان في بداية عهد الدولة الأموية في الأندلس، إذ أن ابن خلدون يذكر في حديثه عن الشرطة أنها كانت في البداية تقوم \"باستيفاء الحدود (^٣) \" أي تنفيذ الأحكام التي يصدرها القاضي، بعد أن تقوم بجمع الأدلة ضد المتهم، وإثباتها عليه، ثم أنهم أرداوا أن ينزهوا القاضي عن النظر في بعض الجرائم التي تتعلق بالحدود كالزنا وشرب الخمر، فاختصروا الوقت الذي يستلزم عرض مثل هذه القضايا على القاضي وجعلوها مناطة بالشرطة؛ لأنها هي التي تستوفي الأدلة، الأمر الذي أدى إلى انفصال الشرطة عن القضاء.\n_________\n(^١) - نفح الطيب، ٣/ ٣٨١.\n(^٢) - شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، الحسبة في الإسلام، (نشرها، قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة ١٣٨٧ هـ) ص ٨.\n(^٣) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٨٧.","vol":"2","page":866},{"text":"وقد سبق أن عرفنا أن في الدولة الأموية بالأندلس<span data-type='title' id=toc-121> تنقسم الشرطة إلى ثلاثة أقسام:</span> -\n<span data-type='title' id=toc-122>الشرطة الصغرى:</span>\nأنشأها الأمير عبد الرحمن الأوسط، وذلك عندما ميَّز الشرطة عن ولاية السوق، ويُذكر أن الفقيه المفتي حارث بن سعيد هو أول من تولى الشرطة الصغرى، ولم يزل عليها إلى أن توفي سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) (^١) ومجلس صاحب الشرطة يكون في مشبَّك يُبنى له خصيصًا في سقيفة المسجد الجامع بقرطبة مع مشبك مجلس القاضي (^٢) وذلك لكي يحضر مجلس القاضي للتشاور معه في الأمور التي تحتاج لابداء المشورة، بالإضافة إلى إيجاد رقابة من القاضي عليه، فيكون دائمًا تحت نظره، يراجع أحكامه ويبحث في سيرته (^٣).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٨٠ - ٩٩. ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن حيان ذكر أن الأمير الحكم الربضي هو الذي ولى حارث بن أبي سعد الشرطة الصغرى، فكان أول من وليها، وأن الأمير عبد الرحمن الأوسط أقره عليها، انظر: المقتبس، تحقيق: مكي، ص ٩٩.\n(^٢) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٧٩.\n(^٣) - ابن عبدون، رسالة في القضاء والحسبة، ص ١٣.","vol":"2","page":867},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>الشرطة الوسطى:</span>\nأنشأها الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م) وأول من تولاها سعيد بن حدير، ولعل مجلس صاحبها يكون مع صاحب الشرطة الصغرى في المسجد الجامع أو أحد مساجد البلد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>الشرطة العليا:</span>\nوهذه من ابتكارات الأمير عبد الرحمن الأوسط، ولعل محمد بن خالد بن مرتنيل المعروف بالأشج، المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م) هو أول من تولاها (^٢).\nويذكر ابن خلدون أن صاحب الشرطة الكبرى - العليا - كان ينصب له \"كرسي بباب دار السلطان ورجاله يتبوءون المقاعد بين يديه، فلا يبرحون عنها إلا في تصريفه (^٣) \".\nوالشرطة العليا هي أهم أنواع الشرطة وأعلاها مرتبة، ولأجل هذا فقد \"كانت ولايتها للأكابر من رجالات الدولة، حتى كانت ترشيحًا للوزارة والحجابة (^٤) \".\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٨٦.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٤/ ١١٧ - ١١٨. وقد اعتبرت محمد الأشج أول من تولى الشرطة العليا رغم عدم تصريح المصادر بذلك، لأني قد وجدت معاصره ابن سعيد كان يلي الشرطة الصغرى، بالإضافة إلى سطوة الأشج بأحد أصحاب الأمير، وهذا لا يكون إلا لصاحب الشرطة العليا.\n(^٣) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٨٨.\n(^٤) - المصدر السابق والصفحة.","vol":"2","page":868},{"text":"ومن خلال تتبع المصادر الأندلسية حاولت أن أخرج بقائمة تحوي أسماء أصحاب الشرطة بأنواعها الثلاث، مسلسلة زمنيًا قدر الاستطاعة.\nفعندما وصل الأمير عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس واصطدم بواليها يوسف الفهري، جعل عبد الرحمن بن نعيم واليًا لشرطته مكافأة له على نصحه إياه وتحذيره ممن أراد الفتك به (^١).\nوبعد أن استوثق الأمر للأمير عبد الرحمن الداخل جعل على شرطته الحصين بن الدَّجْن بن عبد الله العُقيلي، الذي كان على خيل الداخل يوم المصارة، كما أنه يعتبر فارس أهل الشام بأسًا ونجده، وعندما كُتب عقد الأمان بين الأمير عبد الرحمن الداخل وبين يوسف الفهري كان الحصين أحد شهود العقد (^٢) وبعده تولى الشرطة قاسم بن أبي … (^٣).\nوفي عهد الأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل تولى الشرطة كل من: الحسن بن بسام وعبد الغافر بن أبي عبده (^٤).\nوفي عهد الأمير الحكم الربضي تولى الشرطة كل من جودي بن أسباط السعدي (^٥) ومن بعده محمد بن كليب بن ثعلبة (^٦) وعندما وصل\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة، ص ٩١.\n(^٢) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.\n(^٣) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٠.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٦١.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: انطونيه، ص ١٢٣. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٦.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ٣٨.","vol":"2","page":869},{"text":"عبد الرحمن بن الحكم للإمارة أقر محمد بن كليب بن ثعلبة على الشرطة ثم رقاه إلى الوزارة (^١)، ثم نظم الشرطة وقسمها قسمين كما عرفنا من قبل، فتولى الشرطة الصغرى شخصيات عدة، منها: -\nحارث بن أبي سعد الفقيه المفتي، المتوفى سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧ م) (^٢)، ومن بعده تولاها محمد بن الحارث، ورغم أنه اتصف بقلة العلم، إلا أن الأمير عبد الرحمن الأوسط ولاه الشرطة الصغرى؛ لأن من سياسة الأمويين إبقاء الخطط متوارثة في أسر معينة، ولم يزل محمد بن الحارث يلي الشرطة الصغرى طيلة عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط فلما توفي تولى الإمارة ابنه محمد أقر ابن الحارث على الشرطة الصغرى، وولاه السوق، وظل بالولاية حتى وفاته سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) (^٣).\nوفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تولى الشرطة الصغرى أبو سعيد محمد ابن عبد الرحمن بن إبراهيم، وقد ذكر الخشني قصة وقوف صاحب الشرطة محمد بن عبد الرحمن في وجه قاضي الجماعة أحمد بن زياد اللخمي عندما أراد أن يحبس محمد بن يوسف (^٤).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، تحقيق: د. محمود مكي، ٢٩، ٣٨.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٢٦. ترتيب المدارك، ٤/ ١١٣.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٠٧.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٦٥ - ٦٦.","vol":"2","page":870},{"text":"كما تولاها موسى بن محمد بن زياد الجذامي (^١)، قبل أن يلي قضاء الجماعة، وكذلك تولاها مسرور المعلم (^٢).\nوفي عهد الأمير عبد الله بن محمد كان الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد الموثق، المعروف بابن الملون، يلي الشرطة الصغرى بعهد من الأمير لكنه لم يستمر في منصبه إذ مات في صدر أيام الأمير عبد الله (^٣).\nوعندما توفي الأمير عبد الله كان أحمد بن محمد بن حدير يلي الشرطة الصغرى، فأقره عليها الأمير عبد الرحمن بن محمد، ثم نقله منها إلى الوزارة والقيادة وذلك لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة (٣٠٠) هـ (ديسمبر سنة (٩١٢) م) وولي مكانه محمد بن محمد بن أبي زيد، ثم عزله عنها وولاها يحيى بن إسحاق سنة (٣٠٤) هـ (٩١٦) (^٤) ثم أعاد ابن أبي زيد للشرطة الصغرى وذلك يوم السبت لخمس بقين من شوال سنة (٣١٠) هـ (فبراير (٩٢٣) م) (^٥) وفي سنة (٣١١) هـ (٩٢٤ م) تولى الشرطة الصغرى يحيى بن يونس القبري (^٦).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٩٤.\n(^٢) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٧٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٤٣١.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٢٥. ترتيب المدارك، ٤/ ٤٥٢.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٣٤. البيان المغرب، ٢/ ١٦٧.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٨٢. البيان المغرب، ٢/ ١٨٣.\n(^٦) - البيان المغرب، ٢/ ١٨٥. ورد الاسم لدى ابن عذاري \"القبرسي\" والتصحيح من المقتبس، تحقيق شالميتا، ص ٣١٤.","vol":"2","page":871},{"text":"وتولاها مع السوق والسكة يحيى بن عبد الله بن يونس المرادي، المتوفى سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) (^١) ثم تولاها حسين بن أحمد بن عاصم الذي تنازع مع الفقيه ابن لبابه في مجلس قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى فاحتدم الخصام بين الاثنين مما تسبب في اضطراب جسم بن لبابة ففلج، وحمل إلى داره، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة، وتوفي يوم الأحد لست خلون من ذي الحجة سنة (٣٣٠) هـ (أغسطس (٩٤٢) م) (^٢).\nومن الذين تولوا خطة الشرطة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم، المتوفى في شهر جمادى الأولى سنة (٣٥١) هـ (يونيو (٩٦٢» كان نبيلًا في الحديث، ضابطًا لما روى، بصيرًا في الإعراب، تولى قضاء إلبيرة وبجانه وأحكام الشرطة، وكانت له لدى الخليفة المستنصر منزلة خاصة (^٣).\nونظرًا لشدة تعلق الخليفة المستنصر، بالعلم والعلماء، نجده يميل إلى تولية بعض العلماء لمناصب دولته، ومنها الشرطة، فبالإضافة إلى ابن أبي دليم نجد أبا عبد الله محمد بن أبان ابن سيد اللخمي، الذي كان عالمًا\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٩١.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٣١. ترتيب المدارك، ٦/ ٩٢.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٠٧.","vol":"2","page":872},{"text":"بالعربية واللغة، وحافظًا للأخبار والأنساب والأيام والمشاهد والتواريخ، يلي أحكام الشرطة للخليفة الحكم وله مكانة عنده (^١).\nوكذلك تولى الشرطة الصغرى أبو عبد الله محمد بن تمليخ التميمي، المتوفى في شهر رمضان سنة (٣٦١) هـ (يوليو (٩٧٢) م) تولى خطة الرد والشرطة، وقد كانت له منزلة عند الخليفة الحكم المستنصر، كما كان عالمًا بالطب (^٢).\nويذكر ابن حيان أنه في يوم السبت السادس من شهر شوال سنة (٣٦١) هـ (٢١ يوليو (٩٧٢» عُزل خالد بن هشام عن الشرطة الصغرى (^٣) وكان قبل ذلك في شهر رمضان من العام نفسه قد تمت تولية علي بن محمد بن أبي الحسن الشرطة الصغرى مجموعة له إلى القضاء بالثغر، وبلغ رزقه ثلاثين دينارًا، وفي اليوم نفسه قدم أخوه حسن بن علي إلى الشرطة الصغرى أيضًا إلى ما يليه من قضاء الثغر (^٤)، كما تولاها لفترة وجيزة محمد بن يحيى بن عبد العزيز المعروف بابن الخراز، الذي لزم داره طيلة السنوات السبع الأخيرة من عمره، حيث توفي يوم الأحد لسبع خلون من شوال سنة (٣٦٩) هـ (٢٨ إبريل (٩٨٠) م) (^٥).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٢٨٧.\n(^٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٠١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي ص ٨٦.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٨١.\n(^٥) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٢٥.","vol":"2","page":873},{"text":"وفي صدر دولة الخليفة هشام المؤيد بالله، تولى أحكام الشرطة أبو عثمان سعيد بن أحمد بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير، ثم لزم بيته وانقبض عن الخدمة إلى أن توفي غداة يوم الثلاثاء لتسع بقين من ربيع الأول سنة (٣٩١) هـ (فبراير (١٠٠١) م) (^١).\nكما تولاها في عهد الخليفة هشام المؤيد عدد من أعلام قرطبة، منهم: -\nأبو عبد الله محمد بن يحيى بن الخليل توفي لليلتين خلتا من رجب سنة (٣٧٠) هـ (٨ يناير (٩٨١) م) (^٢)، والعالم اللغوي محمد بن حسن الزبيدي، المتوفى يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة (٣٧٩) هـ (٥ ديسمبر (٩٨٩) م) (^٣)، والأديب العالم أحمد بن أبان بن سيد، المتوفى سنة (٣٨٢) هـ (٩٩٢ م) (^٤)، أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد الأموي، المعروف بالجالطي، كان من أهل العلم والأدب والدراية والرواية، تولى أحكام الشرطة للخليفة هشام المؤيد بالله، فكان محمودًا في حكومته، قتلته البرابرة يوم تغلبهم على قرطبة في جوف بيته مدافعًا عن أهله وولده، وذلك يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة (٤٠٣) هـ (٢١ إبريل (١٠١٣) م) (^٥).\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٥٣١.\n(^٢) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٣٢٨.\n(^٣) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٥٧.\n(^٤) - الصلة، ترجمة رقم ٦.\n(^٥) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٠٦٠.","vol":"2","page":874},{"text":"وهذا الشاعر الطبني أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد بن أسد الحماني، مشرقي، قدم الأندلس سنة (٣٣١) هـ (٩٤٣ م) وكانت له عند العامريين حظوة خاصة، تولى بسببها الشرطة عندهم، وعاش إلى أن علت سنه، توفي غداة يوم الاثنين لثلاث بقين من ذي الحجة سنة (٣٩٤) هـ (أكتوبر (١٠٠٤) م) (^١).\nومحمد بن يحيى بن زكريا بن برطال، كان يلي الشرطة حتى سنة (٣٨١) هـ (٩٩١ م) (^٢). وعبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرعيني المعروف بابن المشاط، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) كان يلي للحاجب المنصور بن أبي عامر أحكام الشرطة وخطة الوثائق السلطانية وقضاء إستجه وأشونه وقرمونة ومورور وتاكرنا، جمعهن له، وقد تنقل في وظائف عدة إلى أن توفي سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) (^٣). وعبد الله بن أحمد بن قند، المتوفى سنة (٤٠٠) هـ (١٠١٠ م) (^٤). وعبد الله بن حسين بن إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى سنة (٤٠٣) هـ (١٠١٣ م) (^٥) وعبد الملك بن\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٤٠٦. قارن الصلة، ترجمة رقم ١٣٠٤.\n(^٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٩٠.\n(^٣) - الصلة، ترجمة رقم ٦٧٨.\n(^٤) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٥٦٥.\n(^٥) - التكملة، (طبعة كويرا) ترجمة رقم ١٢٧٧.","vol":"2","page":875},{"text":"مروان بن أحمد بن شهيد، المتوفى سنة (٤٠٨) هـ (١٠١٧ م) (^١) ومحمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن حدير، المتوفى سن (٤١٤) هـ (^٢) (١٠٢٤ م).\nوأما الشرطة الوسطى فقد تعاقب على ولايتها شخصيات عدة، والأسماء التي سوف أوردها على أنها قد تولت الشرطة الوسطى، لم تصرح المصادر بتولي بعضها لتلك الخطة، وهذا قليل، وقد أدرجتها ضمن القائمة بناء على استقراء لبعض الأحداث التاريخية، وإن كان الأمر لا يمكن القطع به، فعندما أنشأ الخليفة عبد الرحمن الناصر الشرطة الوسطى، كان أول ولاتها هو: سعيد بن سعيد بن حدير، كما تولاها جعفر بن عثمان المصحفي المتوفى سنة (٣٧٢) هـ (٩٨٢ م) فقد استخدمه الحكم بن عبد الرحمن الناصر عندما كان وليا للعهد فاستكتبه \"ورقاه إلى خطة الشرطة الوسطى والنظر في عدة من الأعمال والكور (^٣) \".\nوفي سنة (٣٢٩) هـ (٩٤١ م) تولى عبيد الله بن يحيى بن إدريس خطة الشرطة الوسطى (^٤) وقد بلغ من تواضعه ﵀، انه رغم توليه الوزارة فيما بعد فقد كان يؤذن في مسجده، ولم تزده الخطط الرفيعة إلا تواضعًا، وقد توفي في أواخر ذي القعدة سنة (٣٥٢) هـ (نوفمبر (٩٦٢) م (^٥».\n_________\n(^١) - الصلة، ترجمة رقم ٧٦١.\n(^٢) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١٠٩٩.\n(^٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٥٤.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٧١.\n(^٥) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٦٧.","vol":"2","page":876},{"text":"كما شغل هذه الخطة في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله أبو محمد قاسم بن محمد بن قاسم بن سيار، المتوفى سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م (^١».\nويذكر ابن حيان أنه في شهر جمادى الأولى من سنة (٣٦١) هـ (فبراير (٩٧٢) (^٢» قدم الخليفة الحكم المستنصر بالله \"محمد بن عبد الله بن أبي عامر إلى خطة الشرطة الوسطى مجموعة له إلى مافي يده من خطة المواريث والقضاء بإشبيلية ووكالة الأمير أبي الوليد هشام (^٣) \".\nويذكر ابن حيان أنه في الاحتفال الذي أقامه الخليفة الحكم المستنصر بالله بمناسبة عيد الأضحى لعام (٣٦٢) هـ (سبتمبر (٩٧٤) م) كان عبد الرحمن بن يحيى بن هشام التجيبي يلي الشرطة الوسطى حيث كان من بين الذين حجبوا الأمير هشام بن الحكم المستنصر (^٤).\nوحدث أن عتب الخليفة الحكم المستنصر بالله على صاحب الشرطة الوسطى يعلى بن أحمد بن يعلى فأمر بإقصائه عن منصبه وذلك يوم السبت لسبع بقين من شهر رمضان سنة (٣٦٤) هـ (يونيو (٩٧٥) م (^٥».\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٩١.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي، ص ٧٢. وقد جعل ابن عذاري ذلك في شهر جمادى الآخرة، البيان المغرب، ٢/ ٢٥١.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي، ص ٧٢.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ١٨٥.\n(^٥) - نفسه، ص ٢٢٨.","vol":"2","page":877},{"text":"وفي يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان سنة (٣٦٤) هـ قدم عبد العزيز بن حكم التجيبي من الشرطة الوسطى إلى الشرطة العليا (^١).\nوفي يوم السبت العاشر من شهر صفر سنة (٣٦٦) هـ (أكتوبر (٩٧٦» أصدر الخليفة هشام المؤيد بالله أوامره بترقية محمد بن أبي عامر من الشرطة الوسطى إلى خطة الوزارة (^٢)، وتولى بدلًا منه أبو القاسم نزار بن كوثر، المتوفى قريبًا من سنة (٣٨٠) هـ (٩٩٠ م (^٣». وفي عهد تسلط الحاجب المنصور بن أبي عامر على الخليفة هشام المؤيد بالله، تولى الشرطة الوسطى عبد الله بن سعيد بن محمد بن بتري، المتوفى سنة (٤٠١) هـ (١٠١١ م) وقد كلفه المنصور في ذلك الوقت بالإشراف على الزيادة التي أجراها على جامع قرطبة سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م (^٤».\nويمكن اعتبار الفقيه إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحضرمي، المعروف بابن الشرفي، المتوفى في نصف شهر شعبان سنة (٣٩٦) هـ (مايو (١٠٠٦) م) آخر أصحاب الشرطة في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، فقد تولى خطط الشرطة والمواريث والصلاة والخطبة بالمسجد الجامع بقرطبة ولم يزل يشغلها حتى وفاته (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٢٢٥.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٥٤.\n(^٣) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٨٥.\n(^٤) - التكملة، (طبعة كوديرا)، ترجمة رقم ١٢٧٧. البيان المغرب، ٢/ ٢٨٧.\n(^٥) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٩٢ - ١٩٤.","vol":"2","page":878},{"text":"ومجلس صاحب الشرطة الوسطى يكون دائمًا بعد صاحب الشرطة العليا ففي عيد الفطر الكائن في سنة (٣٦١) هـ (١٦ يوليو (٩٧٢) م) جلس الخليفة الحكم المستنصر بالله وجلس كبار رجالات الدولة من حوله بالترتيب، وكان جلوس صاحب الشرطة الوسطى آنذاك محمد بن عبد الله بن أبي عامر تحت صاحب الشرطة العليا محمد بن سعد (^١).\nوعند استقبال الخليفة رجال دولته يكون ترتيب صاحب الشرطة الوسطى بالتسليم على الخليفة بعد صاحب الشرطة العليا (^٢).\nوأما الشرطة العليا فيمكن اعتبار محمد بن خالد بن مرتنيل، المعروف بالأشج أول من تولاها في الأندلس، وذلك بالنظر إلى سلطته الواسعة، حتى أنه أدب أحد أصحاب الأمير عبد الرحمن الأوسط وحبسه، وعندما عاتبه الأمير على ذلك أجابه ابن مرتنيل بأنه عندما تولى الشرطة لم يوصه الأمير بمراعاة أحد دون أحد (^٣)، ومما يقوي اعتبار أن ابن مرتنيل أول من تولى الشرطة العليا أن معاصره حارث بن أبي سعد كان يلي الشرطة الصغرى، وهذا كانت وفاته سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧) وابن مرتنيل توفي سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي، ص ٨١.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ٣٠.\n(^٣) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١١١. ترتيب المدارك، ٤/ ١١٧ - ١١٨.","vol":"2","page":879},{"text":"كما تولى الشرطة العليا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط سعيد بن عياض القيسي (^١)، وكان حارث بن أبي سعد يلي الشرطة الصغرى في الوقت نفسه.\nوفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن كان على الشرطة العليا إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى في شهر رمضان سنة (٢٤٩) هـ (نوفمبر (٨٦٣) م) وكما نلاحظ من نسبه فإنه من أسرة أفرادها هم أول ولاة الشرطة العليا، وقد عرف إبراهيم بن حسين بأنه كان خبيرًا فقيهًا عالمًا بالتفسير، واتصف بالصلابة في حكمه، والعدالة عندما كان واليًا للشرطة وقد ذكر ابن لبابة أن إبراهيم هذا قد عاقب أحد شهود الزور بأن أقامه عند الباب الغربي لجامع قرطبة ثم ضربه أربعين سوطًا وحلق لحيته وسخم وجهه (^٢).\nوممن كان يلي الشرطة العليا في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن الأديب الشاعر عبد الله بن عاصم، فقد كان رجلًا سريع البديهة كثير النوادر، ولذا فقد كان من جلساء الأمير محمد (^٣).\nوكذلك إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى في شهر رجب من سنة (٢٥٦) هـ (يونيو (٨٧٠) م) (^٤) ويبدو أنه في عهد ولايته للشرطة العليا\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٨.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٤/ ٢٤٢ - ٢٤٤. المعيار المعرب، ٢/ ٢١٥.\n(^٣) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٥٦٠.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣.","vol":"2","page":880},{"text":"قد كثر أهل الشر والفساد ولأجل هذا فقد قال عنه القاضي عياض، أنه قد غلب \"على أهل الشر، وقد قتل وصلب كثيرًا بلا مشاورة سلطان ولا فقيه (^١) \".\nوفي عهد الأمير عبد الله بن محمد كان مروان بن عبد الملك بن عبد الله بن أمية يلي الشرطة العليا، وظل في منصبه حتى عزله الأمير عن سخطه في سنة (٢٨٣) هـ (٨٩٦ م (^٢» ثم أودع مع غيره في سجن المطبق بداخل قصر الإمارة حيث قتل ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٢٨٤) هـ (١٤ سبتمبر (٨٩٧) م) (^٣).\nثم تولى الشرطة من بعده موسى بن محمد بن زياد الجذامي، فقد كان على الشرطة الصغرى والرد ثم نقله الأمير للشرطة العليا (^٤)، واستمر في منصبه حتى تولى قضاء الجماعة بعد النضر بن سلمة الذي عزله الأمير عبد الله عن منصبه سنة (٢٨٥) هـ (٨٩٨ م) بعد أن استمر في القضاء مدة عشرة أعوام تقريبًا (^٥).\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٤/ ٢٥٤.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٢٢.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٩٤.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ٩٢ - ٩٣.","vol":"2","page":881},{"text":"وبعد موسى بن محمد بن زياد تولى الشرطة العليا عمه يحيى بن زياد، فلما توفي بقيت الشرطة دون والٍ مدة سنتين ثم وليها قاسم بن وليد الكلبي فظل عليها حتى توفي الأمير عبد الله بن محمد (^١).\nفلما تولى الإمارة الأمير عبد الرحمن بن محمد أقر قاسم بن وليد على الشرطة العليا (^٢)، ثم عزله عنها وجعل مكانه عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ (^٣) ولأربع بقين من ربيع الآخر سنة (٣٠٠) هـ (ديسمبر (٩١٢) م) عزل عيسى وجعل مكانه قاسم بن وليد (^٤)، ثم عزله عنها وجعل مكانه أحمد بن محمد بن مسلمة وذلك في شهر رجب من سنة (٣٠١) هـ (مارس (٩١٤) م (^٥».\nثم عُزل عنها ابن سلمه وأعيد قاسم بن وليد إلى ولايتها (^٦)، ثم عزل مسخوطًا عليه وذلك أواخر ذي الحجة سنة (٣٠١) هـ (يوليو (٩١٤) م) وتولاها عباس بن الوزير القائد أبي عباس أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ (^٧) فاستمر في منصبه إلى أن قتل يوم الأحد مستهل ذي الحجة سنة (٣٠٢) هـ\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٢.\n(^٢) - المصدر السابق، ٢/ ١٥٨.\n(^٣) - نفسه، ٢/ ١٥٩.\n(^٤) - نفسه، ٢/ ١٦٠.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٨١.\n(^٦) - البيان المغرب، ٢/ ١٦٤.\n(^٧) - المصدر السابق، ٢/ ١٦٥.","vol":"2","page":882},{"text":"(١٨ يونيو (٩١٥) م) أثناء محاصرته مُنت روبي، فولى الأمير مكان عباس أخاه عبد الله بن أحمد إكرامًا لأبيه ومواساة له (^١).\nوفي سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) تولى الشرطة العليا محمد بن أبي زيد (^٢)، ثم عزل عنها في أواخر شهر ربيع الآخر من سنة (٣٠٨) هـ (سبتمبر (٩٢٠) م) وولاها مولاه دري بن عبد الرحمن (^٣) الذي استمر في ولايته إلى سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) فعزله الخليفة عبد الرحمن الناصر وولى مكانه أحمد بن أبي قابوس، وبعد شهر من ذلك أعاد الخليفة مولاه دري إلى الشرطة العليا (^٤).\nويذكر ابن حيان أنه في سنة (٣٢٥) هـ (٩٣٨) كان صاحب الشرطة العليا عبد الله بن بدر أحد شهود عقد الأمان الذي أبرمه الخليفة عبد الرحمن الناصر لمحمد بن هاشم التجيبي (^٥).\nوفي سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) عزل عبد الله بن بدر عن الشرطة العليا وأضيفت مع خطة المظالم والوزارة لذي الوزارتين أحمد بن عبد الملك بن شهيد (^٦). وفي سنة (٣٣٠) هـ (٩٤٢ م) أزاح الخليفة الشرطة عن ابن شهيد\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٠٧. البيان المغرب، ٢/ ١٦٧.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٦٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ٢/ ١٨٠.\n(^٤) - نفسه، ٢/ ١٩٩.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٠٨.\n(^٦) - المصدر السابق، ص ٤٦١ - ٤٦٢.","vol":"2","page":883},{"text":"وولاها مولاه نجدة بن حسين الحيري (^١). وفي سنة (٣٤٧) هـ (٩٥٨ م) كان أحمد بن يعلى هو صاحب الشرطة العليا (^٢).\nهذا، وقد شغل خطة الشرطة العليا في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله عدد من الشخصيات هم بالترتيب:\nعبد الله بن بدر بن أحمد، محمد بن جهور (^٣)، هشام بن محمد بن عثمان، أحمد بن سعد الجعفري، أحمد بن نصر، يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن إدريس، محمد بن سعد، عبد الرحمن بن رماحس، قاسم بن محمد بن قاسم بن طملس، أحمد بن عيسى بن فطيس، محمد بن عبد الله بن أبي عامر، رائق بن حكم الجعفري، رزق بن الحكم الجعفري، أحمد بن عبد الله بن بسيل وعبد العزيز بن حكم التجيبي (^٤).\nوطيلة عهد الخليفة هشام المؤيد بالله وهي فترة تسلط الحجاب العامريين على الخلافة، تعاقب على الشرطة العليا مجموعة من رجالات الدولة منهم:\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٤٨٧.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢١.\n(^٣) - المصدر السابق، ٢/ ٢٣٥.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي الصفحات: ٢٠، ٢١، ٤٤، ٦٦، ٧٢، ٨١، ٨٩، ١٠٦، ١١٩، ١٢٣، ١٤٩، ١٥١، ١٨٤، ٢٢٥.","vol":"2","page":884},{"text":"زياد بن أفلح (^١)، محمد بن بسيل (^٢) عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرعيني المعروف بابن المشاط، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م (^٣».\nوآخر من تولى الشرطة العليا في عهد الحجاب العامريين هو المدعو: ابن الرسان، كان رجلًا من سفَّال أهل قرطبة، ورغم ذلك ولاه الحاجب عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، ولاه الشرطة العليا، وكان يصطحبه معه في عزواته، ويأمره أن ينادي في المعسكر بأن أمير المؤمنين المأمون -يعني نفسه- يأمركم بكذا وكذا (^٤).\nوعندما تمكن محمد بن عبد الجبار المهدي من الاستيلاء على قرطبة، وصلب شنجول على باب السدة، أمر ابن الرسان صاحب شرطة شنجول أن ينادي عليه هذا شنجول المأبون، ثم يلعنه ويلعن نفسه، وذلك يوم السبت لأربع خلون من شهر رجب سنة (٣٩٩) هـ (١ مارس (١٠٠٩) م) (^٥).\nولصاحب الشرطة دور أساسي في استتاب الأمن، والأمر متوقف على قوة شخصيته، ويعتبر محمد بن عبد الله بن أبي عامر أشهر من تولى خطة الشرطة في الأندلس، خاصة بعد انقضاء عهد الأمراء والخلفاء\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٨٦.\n(^٢) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٤.\n(^٣) - الصلة، ترجمة رقم ٦٧٨.\n(^٤) - البيان المغرب، ٣/ ٤٩.\n(^٥) - المصدر السابق، ٣/ ٧٣.","vol":"2","page":885},{"text":"الأقوياء، ويمكن أن نتصور قوة ابن أبي عامر في هذا المجال من خلال ما ذكره ابن عذاري من أن أهل قرطبة كانوا، قبل سيطرة ابن أبي عامر على كرسي شرطة المدينة \"في بلاء عظيم، يتحارسون الليل كله، ويكابدون من روعة طراقه ما لا يكابد أهل الثغور من العدو (^١) \" ولأجل القضاء على هذه المشكلة الحساسة قام \"بسد باب الشفاعات وقمع أهل الفسق والذراعات، حتى ارتفع البأس، وأمن الناس، وأُمنت عادية المتجرمين من حاشية السلطان، حتى لقد عثر على ابن عم له يعرف بعسقلاجة، فاستحضره في مجلس الشرطة وجلده جلدًا مبرحًا كان فيه حمامه (^٢) \". وبذلك \"ضبط المدينة ضبطًا أنسى أهل الحضرة من سلف من أفراد الكفاة وأولي السياسة (^٣) \".\nوفي الاحتفالات الرسمية التي تقيمها الدولة سواء بمناسبة الأعياد أو الاستقبالات الدبلوماسية يكون ترتيب صاحب الشرطة العليا سواء في السلام على الخليفة أو حجابته بعد الوزير صاحب المدينة (^٤)، ويكون مكان جلوسه في القصر في المجلس القبلي بدار الوزراء مع أصحابه (^٥).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٦٦.\n(^٢) - المصدر السابق والصفحة\n(^٣) - نفسه، والصفحة.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي، ص ٨١.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ٥٠.","vol":"2","page":886},{"text":"أما المهام التي يضطلع بها صاحب الشرطة العليا فهي جسيمة ومتعددة، منها:\nقيادة الجيش وفرض الحصار (^١) وحضور عقد الأمان الذي يعقده الخليفة لأحد المناوئين التائبين (^٢)، كما يتم أحيانًا تكليفه بقيادة الأساطيل البحرية (^٣)، وكذلك دفع التعويضات المالية للأهالي في إحدى الكور لقاء ما أخذته منهم الدولة من مواد بغية تجهيز السفن الحربية (^٤) وفي بعض الأحيان يخرج صاحب الشرطة العليا على رأس طائفة من الجند؛ ليكون مددا لبعض قادة الجيش (^٥)، وبناءً على أوامر الخليفة يقوم صاحب الشرطة العليا بنفسه بإلقاء القبض على أحد كبار رجالات الدولة ووضعه في السجن (^٦).\nومن ناحية الأمور المتعلقة بالمسائل الدبلوماسية يتم تكليفه باصطحاب الرسل والوفود من مكان إقامتهم إلى قصر الخليفة لمقابلته (^٧).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٠٠ - ٢٠١، ٢١٣ - ٢١٤. المقتبس، تحقيق: د. الحجي ص ٩٢ - ١٠٠.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق شالميتا، ص ٤٠٨.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق د. الحجي، ص ٨٩ البيان المغرب، ٢/ ٢٢٢.\n(^٤) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي ص ١٠١.\n(^٥) - المصدر السابق، ص ١٠٦.\n(^٦) - نفسه، ص ١٥٣.\n(^٧) - نفسه، ص ٤٧ - ٧٧.","vol":"2","page":887},{"text":"وعندما يريد الخليفة أن يخرج أموالًا خاصة به، ليتم تفريقها على الفقراء والمساكين، تعبيرًا منه على شكره لله تعالى لقاء أمر أدخل السرور على قلبه مثل ما فعل الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما عاين إقبال ولده الأمير هشام على التعلم من مؤدبه الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف الملقب بالقسطلي، ففي هذه الحالة يتم تكليف صاحب الشرطة العليا بتولي تفريق الأموال على الضعفاء والمساكين وأبناء السبيل (^١).\nومن أجل نشر العدل في الرعية يتولى صاحب الشرطة العليا التحقيق في الشكاوى المرفوعة ضد بعض العمال (^٢) كما يقوم بتنفيذ أوامر الخليفة أو الحاجب في الإفراج عن بعض المسجونين (^٣).\nوفيما يتعلق بولي العهد فإن صاحب الشرطة العليا يقوم بأخذ البيعة لولي العهد من الناس على مراتبهم (^٤) كما يقوم بأخذها له بعد استلامه الحكم (^٥).\nوعندما يأمر الخليفة بإقامة بعض المنشآت العمرانية (^٦) أو إجراء توسعة لبعض الشوارع الضيقة (^٧)، فإن صاحب الشرطة العليا يتولى\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي ص ٧٧.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٠٠.\n(^٣) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٢١٥.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ١٩٤.\n(^٥) - المصدر السابق، ٢/ ٢٥٤.\n(^٦) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٦٧.\n(^٧) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي، ص ٧١.","vol":"2","page":888},{"text":"مسئولية الإشراف على إنجازها كما يتولى الإشراف على نقل الأشياء الهامة مثل النقل الذي تم لدار البرد من غرب قرطبة إلى دار الزوامل التي بالمصارة في طرف قرطبة (^١).\nلأجل هذا، فإن منصب الشرطة العليا من أهم مناصب الدولة الأموية في الأندلس، ولذا فلا يليه إلا كبار رجالات الدولة. وقد بلغ من اهتمام بني أمية في صاحب هذا المنصب أن من يليه يصبح ركوبه من على حجر يعرف بـ\"حجر الأعزة (^٢) \" في داخل القصر ولا يؤذن لأحد بالركوب منه إلا لخواص كبار رجالات الدولة.\nوصاحب الشرطة العليا حتى وإن بدا منه أحيانًا العنف ضد بعض أصحاب أمراء وخلفاء بني أمية، فإن هذا لا يدفعهم إلى عزله أو تعنيفه، بل يعمدون إلى تحذير خواصهم من الوقوع بيده (^٣)، ويقرونه على منصبه؛ لإدراكهم أن في قوته ضمان للأمن، مما يكفل لهم عدم الاصطدام برعيتهم، وذلك بسبب إعطاء كل ذي حق حقه، دونما اعتبار إلى مكانة من ترتب عليه الحق، الأمر الذي يشعر الجميع بالرضا، وهو ما ينتج عنه بالنهاية استمرار حكم الأسرة الأموية.\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٦٦.\n(^٢) - نفسه، ص ٢٢٥.\n(^٣) - ترتيب المدارك، ٤/ ١١٧ - ١١٨.","vol":"2","page":889},{"text":"هذا، وقد أشار الأستاذ محمد خلاف عند دراسته لخطة الشرطة إلى نقطة جديرة بالملاحظة، وهي تكرار ورود لفظ \"صاحب الشرطة العليا\" عند ابن حيان دونما تحديد منه لمكان شغل هذه الخطة، واستشهد على ذلك بما ورد في المقتبس عن رسوم جلوس الخليفة الحكم المستنصر بالله في عيد الفطر سنة (٣٦٢) هـ/٩٧٣ م (^١) وكذلك في الاحتفال الذي أقيم بمناسبة عيد الأضحى سنة (٣٦٣) هـ (٩٧٤ م (^٢» بالإضافة إلى ما ورد في أحداث شهر رجب سنة (٣٦٤) هـ (٩٧٥ م (^٣».\nومن ذلك استنتج الأستاذ خلاف أن تكرار لفظ \"صاحب الشرطة العليا\" المراد به تعدد كراسيها في قرطبة والزهراء وبقية الكور الأندلسية (^٤)، ورغم وجاهة هذا الاستنتاج إلا أنني أميل إلى استنتاجه الآخر الذي قال فيه:\n\"أو ربما كان يجلس في هذه المقاعد كل من كان يشغل خطة الشرطة العليا الذين ما زالوا على قيد الحياة والحاليين حسب أقدميتهم وسنهم (^٥) \".\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. الحجي ص ١١٩.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٨٤ - ١٨٥.\n(^٣) - نفسه، ص ٢١٦.\n(^٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٨٤.\n(^٥) - المرجع السابق، ص ٤٨٤.","vol":"2","page":890},{"text":"ومما يرجع هذا الرأي عندي، أن اللقب الذي يحصل عليه أحد رجالات الدولة، لا يسحب منه بمجرد عزله عن ذلك المنصب، كما أن عزله لا يعني إبعاده عن الأمير أو الخليفة الأموي، إذ أن الأمر مرتبط بولاء شديد تقدمه الأسر التي تنحصر فيها الخطط للأسرة الأموية، والأخيرة بدورها تحرص كل الحرص على استمرارية هذا الولاء؛ لأنه يمثل سياج الحماية لها ضد كل المناوئين.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>توارث خطة الشرطة:</span>\nخطة الشرطة في دولة بني أمية بالأندلس، كانت متوارثة، شأنها في ذلك شأن معظم خطط الدولة، فقد تعاقب على خطط الشرطة بدرجاتها الثلاث أبناء أسر معينة، فقد تولاها: حارث بن أبي سعد، المتوفى سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧ (^١» وخلفه عليها ابنه محمد المتوفى سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م (^٢» ومن أسرة آل عاصم تولى الشرطة كل من:\nإبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى سنة (٢٥٦) هـ (٨٧٠ م) (^٣)، وعبد الله ابن عاصم الذي كان من جلساء الأمير محمد بن عبد الرحمن (^٤)،\n_________\n(^١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٧٩. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣٢٦. ترتيب المدارك، ٤/ ١١٣.\n(^٢) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٤٥. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٠٧.\n(^٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٣.\n(^٤) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٥٦٠.","vol":"2","page":891},{"text":"وحسين بن أحمد ابن عاصم (^١)، وأخيرًا عبد الله بن حسين بن إبراهيم بن عاصم المتوفى سنة (٤٠٣) هـ (١٠١٣ م (^٢».\nومن أسرة مرتنيل، تولى خطة الشرطة كل من: محمد بن خالد بن مرتنيل، المعروف بالأشج المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (^٣) (٨٣٥ م) كما تولاها إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى سنة (٢٤٩) هـ (٨٦٣ (^٤».\nوهناك ثلاثة من أسرة ابن حدير تولوا خطة الشرطة، هم:\nسعيد بن سعيد بن حدير، وهو أول من تولى الشرطة الوسطى في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م (^٥» وسعيد بن أحمد بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير، المتوفى سنة (٣٩١) هـ (^٦) (١٠٠١ م) وأخيرًا محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن حدير، المتوفى سنة (٤١٤) هـ (١٠٢٤ م) (^٧).\n_________\n(^١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٣١.\n(^٢) - التكملة، (طبعة كوديرا)، ترجمة رقم ١٢٧٧.\n(^٣) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ١٢٦. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٠١.\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٤/ ٢٤٢ - ٢٤٤.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥٢.\n(^٦) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٥٣١.\n(^٧) - الصلة، ترجمة رقم ١٠٩٩.","vol":"2","page":892},{"text":"ومن أسرة ابن أبي عبده، هناك عيسى بن أحمد بن أبي عبده (^١)، وعباس بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبده (^٢)، وعبد الله بن أحمد بن أبي عبد هـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>السجون:</span>\nعندما استولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية على قرطبة وقصر إمارتها، كان السجن يقع بالقرب من ذلك القصر الذي اتخذه الأمير الأموي مقرًا لإمارته. وعندما تحدث ابن الآبار عن ذلك السجن، ذكر أنه كان ملاصقًا للقصر، ويصل بين السجن وبين نهر الوادي الكبير سرداب اتخذ للمساجين ينتهي بهم إلى الجزء المنخفض من شاطئ النهر ليستخدموه للطهور والوضوء، والرقباء يتابعونهم ولا يغفلوا عنهم لحظة طيلة خروجهم إلى النهر (^٤).\nومن هذا السجن هرب أبو الأسود محمد بن يوسف الفهري عندما حبسه الأمير عبد الرحمن الداخل، إذ تمكن من التمثيل على الموكل به في السجن أنه أعمى وأجاد التمثيل إلى أن انطلت حيلته عليه فهرب (^٥).\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٩.\n(^٢) - المصدر السابق، ٢/ ١٦٥.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٠٧.\n(^٤) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٥١.\n(^٥) - المصدر السابق، ٢/ ٣٥١. البيان المغرب، ٢/ ٥٠.","vol":"2","page":893},{"text":"ولعل هذا الحبس هو الذي أراده ابن حوقل عندما ذكر أثناء حديثه عن قرطبة أن الحبس يقع بالقرب من المسجد الجامع (^١)، وربما يكون هو الذي أطلق عليه ابن القوطية مسمى \"دار الرهائن (^٢) \" إذ ذكر أنه مجاور لباب القنطرة المؤدي إلى قنطرة قرطبة المقامة فوق نهر الوادي الكبير، وبما أن السجناء كانوا يستخدمون حافة النهر للطهارة والوضوء، فمن الطبيعي أن يكون المكان عراء، يفتقد إلى شيء يستتر خلفه من أراد قضاء حاجته، وهذا أمر متعمد، لكي تسهل عملية المراقبة.\nوقد ذكر ابن حيان أن السجناء كانوا يغشون هذا الموضع من غير سترة (^٣)، الأمر الذي جعل الفقيه محمد بن عبد السلام الخشني، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) يأنف من هذه الصورة، وبسببها لم يذق الطعام طيلة ثلاثة أيام، وهي المدة التي قضاها في السجن وبذلك لم يضطر للذهاب إلى هذا المكان (^٤).\nوهناك سجن آخر يسمى \"حبس الدويرة\" ذكره ابن القوطيه أثناء حديثه عن الأمير الحكم الربضي (^٥)، ويرى الدكتور عبد العزيز سالم أن حبس الدويرة هو نفس الحبس القديم الذي كان أبو الأسود قد سجن به،\n_________\n(^١) - صورة الأرض، ص ١٠٨.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٩٤.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥٥.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ٢٥٥.\n(^٥) - ابن القوطية، ص ٥٦.","vol":"2","page":894},{"text":"ويحتج على ذلك بأن الفترة الزمنية الفاصلة بين الأمير عبد الرحمن الداخل وبين حفيده الأمير الحكم الربضي من القصر بحيث لا تسمح باستحداث سجن جديد (^١).\nولكني أرى أنه سجن آخر، إذ أن اسمه أولًا يدل على صغر حجمه، وبذلك لا يصلح أن يكون سجنًا عامًا، فضلًا عن أن ابن القوطيه عاد وذكر قصة تؤيد ما ذهبت إليه، وهي قصة الوزير صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد عندما استخلفه الأمير محمد بن عبد الرحمن عند خروجه إلى بعض مغازيه، وكان على سطح القصر أحد أولاد الأمير، وعندما حاول هذا الولد مغادرة السطح هدده الوزير ابن شهيد بأنه سوف يضع قيود الحديد في رجليه ويلقي به في حبس الدويره حتى يرجع والده (^٢). وهذه القصة تؤكد على أن حبس الدويره غير الحبس القديم، إذ أنه يقع في القصر، فضلًا عن أنه من المستحيل وضع ولد الأمير مع بقية المساجين في السجن العام.\nويمكن أن يكون حبس الدويره مخصصًا لعلية القوم، إن لم يكن خاصًا بأبناء البيت الأموي، فقد ذكر ابن حيان أن الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما تولى الإمارة، كان أول أمر أصدره هو الإفراج عن القاسم وعبد الملك وعبد العزيز أبناء العباس المرواني، إذ كانوا مسجونين في\n_________\n(^١) - قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس، ١/ ٢١٨.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٨٦ - ٨٧.","vol":"2","page":895},{"text":"سجن الدويره (^١)، وقبله كان الأمير الحكم الربضي قد سجن به مجموعة خاصة من الفقهاء الذين ثاروا ضده (^٢).\nويذكر بروفنسال أن هذا الحبس كان يقع تحت الأرض في القصر، وأنه كان مخصصًا لمن حكم عليه بالإعدام (^٣).\nوهناك حبس آخر يحمل نفس المسمى \"الدويره\" أنشأه الخليفة الحكم المستنصر بالله سنة (٣٦١) هـ (٩٧٢ م) في الدار المنسوبة للسقائين بالقرب من سجن الزهراء (^٤).\nوهناك سجن آخر يدعى \"دار البنيقة (^٥) \" كان يقع داخل قصر الإمارة بقرطبة، وفيه حبس الأمير عبد الله بن محمد ولده محمد وأخاه القاسم بن محمد (^٦).\nومن أشهر سجون قرطبة سجن يدعى \"المطبق\" ويرى بعض المختصين بالدراسات الأندلسية أنه استحدث زمن الدولة الأموية (^٧)، وإذا\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٢٠.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٥٦.\n(^٣) -  L.Provencal: op.cit.T.III p: ١٥٩\n(^٤) -  المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٨٨.\n(^٥) - يسميه الدكتور عبد العزيز سالم، دار النقيقه. انظر: قرطبة حاضرة الخلافة، ١/ ٢١٩.\n(^٦) - البيان المغرب، ٢/ ١٥٠.\n(^٧) - قرطبة حاضرة الخلافة، ١/ ٢١٩.","vol":"2","page":896},{"text":"كان الأمر كذلك، فيكون إنشاؤه قد تم قبل سنة (٢١٠) هـ (٨٢٥ م) إذ ان ابن حيان ذكر أنه في هذه السنة مات مالك بن القتيل في المطبق (^١).\nويقع سجن المطبق داخل قصر قرطبة، ومن أشهر نزلائه الوزير هاشم بن عبد العزيز، عندما سجنه الأمير المنذر بن محمد، ومن هذا السجن كتب الوزير هاشم إلى جاريته \"عاج\" عدة أبيات، أولها:\nوإني عداني أن أزورك مطبق وباب منيع بالحديد مضبب (^٢)\nكما أن الأمير عبد الله بن محمد قد سجن في المطبق كلًا من: أخيه هشام، ومروان بن عبد الملك بن عبد الله بن أمية وسعيد بن وليد الشامي وأحمد بن هشام بن الأمير عبد الرحمن وموسى بن محمد بن زياد، وذلك يوم الخميس لست خلون من شعبان سنة (٢٨٤) هـ (٩ سبتمبر (٨٩٧) م (^٣» ويوجد في سجن المطبق، بيت يعرف \"ببيت البراغيث\" وفيه كان المنصور بن أبي عامر قد سجن به الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي (^٤).\nومما تجدر الإشارة إليه أن الأمير أو الخليفة الأموي إذا سخط من أحد رجالات دولته، بسبب إهماله أو نحو ذلك، ففي هذه الحالة ليس بالضرورة أن يبعث به إلى السجن العام، بل يتم سجنه في أحد الأماكن بالقصر، مثل ما فعل الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما سخط على الخازن\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٧٧.\n(^٢) - الحلة السيراء، ١/ ١٤٠.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٢٢.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٧٠.","vol":"2","page":897},{"text":"أحمد بن محمد بن حاجب فأمر بعزله عن الخزانة وحبسه في بيت العمال بفصيل باب الجنان من قصر قرطبة، وذلك في شهر المحرم من سنة (٣٦٤) هـ (أكتوبر (٩٧٤) م (^١».\nوفي السجون رجال اختصوا بتعذيب المساجين، يعرف كل منهم باسم \"الضاغط\" ولدينا عدة أسماء اشتهرت بالقسوة، فهناك ضاغط يدعى \"عمير\" كان مسئولًا عن التعذيب في السجن إبان عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وهو الذي عناه الشاعر عبد الله بن حسين بن عاصم عندما خاطب الأمير محمد بن عبد الرحمن مغريًا إياه بابن عمه سعيد بن عبد الملك بن سعيد بن عاصم، صاحب الطراز، وذلك عندما نكبه الأمير، فقد قال عبد الله بن عاصم: -\nأحل عليهم عميرا أن يذيقهم … طيب العصافير إن القوم قد سمقوا (^٢)\nوعمير هذا هو الذي عناه الشاعر السفير يحيى الغزال بقوله وهو يخوف أحد الظلماء: -\nفكأني بعمير منك … قد سل الحشاشة\nأنت والله كما حا مت … على النار الفراشة (^٣)\nويصف ابن حيان عميرا هذا بقوله: \"كان ضاغطًا للأمير محمد، وكان يتولى له تعذيب من يسخط عليه، يبدع في ذلك مكاره يستعاذ بالله\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٢.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي ص ١٨٥.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٨٥ - ١٨٦.","vol":"2","page":898},{"text":"منها، وكان شديد القساوة، فظًا لايعرف الرحمة، فله في شأنه أخبار معروفة، وكانت العصافير آلة من آلات تعذيبه (^١) \".\nوكان الذي يلي تعذيب الحاجب المصحفي يدعى واثق الضاغط، وهو الذي سلطه المنصور بن أبي عامر على المصحفي، يضيق عليه في سجنه ويحضره مرارًا إلى مجلس الوزراء لمحاسبته، وفي كل مرة كانت الشدة والقسوة السمة البارزة لتعامل واثق الضاغط معه (^٢).\nويذكر ابن حيان أن الخليفة المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام عندما قبض على جماعة من وزرائه لمصادرتهم، ولى مسئولية محاسبتهم وإخراج ما بأيديهم أحد مسئولي التعذيب ويدعى نجاح الضاغط (^٣)، ولا نعرف أنواع التعذيب التي كانت تجري داخل السجون في تلك الفترة، لكن ابن حزم ذكر أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان يعلق أولاد السودان في ناعورة قصره بدلًا من الأقداس الغارقة في الماء (^٤).\nكما كانت لديه دار خاصة بالأسود، اتخذها لإرهاب الناس، وهذه الدار تقع \"ظهر قصره فوق القنطرة الماثلة على الخندق، وبجوفه المطبق به ينسب إليها اليوم فتدعى قنطرة الأسود (^٥) \".\n_________\n(^١) - نفسه، ص ١٨٥.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٦٨.\n(^٣) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٥٢.\n(^٤) - نقط العروس، ص ٧٣. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٣٧.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٩.","vol":"2","page":899},{"text":"ويبدو أن المسئولين عن التعذيب قد اختيروا بعناية فائقة، فهم باختصار أجساد بلا قلوب، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان عن كيفية مقتل الشاعر الأديب عبد الملك بن إدريس الجزيري، في سجن المطبق بالزاهرة، حيث خُنق بداخل السجن على أيدي بعض السودان (^١) وقد نقل لنا ابن حبان كيفية الخنق تلك، فقال: \"أخبرني أبي خلف بن حسين، قال: سألت الذي تولى قتل الجزيري في محبسه، فجعل يصف لي سهولة ما عانه منه لقضافته وضعف أسره، ويقول: ما كان الشقي إلا كالفروج في يدي، دققت رقبته بركبتي فما زاد أن نفخ في وجهي، فعجبت من جهل هذا الأسود (^٢) \".\nوكان التعذيب البدني يجري لبعض السجناء، فقد ذكر ابن بشكوال أن أبا عمر أحمد بن محمد بن فرج، أحد الشعراء، قد نقلت عنه كلمة عامية ضد الدولة، وذلك في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، فسجن بسجن جيان مدة سبعة أعوام أو أكثر، وخلال هذه المدة نيل بمكروه في جسده ولم يخرج إلا بعد وفاة الخليفة الحكم، لكنه لم يلبث إلا يسيرًا ثم توفي (^٣).\nوالدولة الأموية في الأندلس، كانت تحرص على تثقيف المساجين -من غير الأعلام- ثقافة موجهة، تخدم نظام الحكم في المقام الأول؛ ولأجل\n_________\n(^١) - الذخيرة، القسم الرابع، ١/ ٥٢.\n(^٢) - المصدر السابق، ١/ ٥٢.\n(^٣) - الصلة، ترجمة رقم ٢.","vol":"2","page":900},{"text":"تحقيق هذا الغرض يتم تكليف أحد رواة الأخبار بالاختلاف إلى السجن في أوقات محددة، حيث يجتمع بالمساجين، ويسمعهم قصص ذات نهج محدد، وإذا ما انحرف المؤدب عن هذا النهج تتم معاقبته.\nومما يدل على ذلك ما ذكره ابن القوطية من أن الوزير صاحب المدينة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، أمية بن عيسى بن شهيد \"خطر بدار الرهائن المجاورة لباب القنطرة ورهائن بني قسي ينشدون شعر عنترة، فقال لبعض الأعوان: \"ايتني بالمؤدب … فقال له: لولا أني أعذرك بالجهل لأدبتك، تعمد إلى شياطين قد شجى الخلفاء بهم، فترويهم الشعر الذي يزيدهم بصيرة في الشجاعة، كفّ عن هذا ولا ترويهم إلا خمريات الحسن بن هانئ وشبهها من الأهزال (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-127>الشرطة في زمن الفتنة:</span>\nاختفت في تلك الفترة التقسيمات التي عرفناها من قبل للشرطة، فلم يعد هناك إلا نوع واحد منها يتمتع بكافة صلاحيات الأنواع الأخرى من الشرطة (^٢).\nونظرًا لأن فترة الفتنة كانت مضطربة، لم تعرف الاستقرار، لذا نرى كثرة الأسماء التي تعاقبت على خطة الشرطة، إذ أن كل من انتزى على كرسي الخلافة، أحضر صاحب شرطته معه (^٣).\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٩٤.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٩٩.\n(^٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ١١٠.","vol":"2","page":901},{"text":"وممن تولى خطة الشرطة في تلك الفترة محمد بن المغيرة تولاها لابن عمه الخليفة المهدي في بداية وصوله للخلافة (^١) كما تولاها اللغوي القرطبي عبد الله بن أحمد بن قند، المتوفى سنة (٤٠٠) هـ (^٢) (١٠١٠ م).\nوأما ابن وداعة فقد تولى الشرطة للخليفة هشام المؤيد في بداية خلافته الثانية (^٣).\nوقد ذكر ابن الأبار أن العالم ابن الغربالي عبد الله بن حسين بن إبراهيم بن حسين بن عاصم، قد تولى الشرطة بقرطبة، وقد قتله البربر يوم دخولهم قرطبة سنة (٤٠٣) هـ (^٤) (١٠١٣ م).\nوتولى خطة الشرطة الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عفيف، المتوفى سنة (٤١٠) هـ (^٥) (١٠١٩ م).\nومحمد بن يحيى بن عبد الله بن قاسم القيسي المعروف بابن الخفاريه، المتوفى سنة (٤١١) هـ (^٦) (١٠٢١ م).\nومحمد بن يونس بن عبد الله المتوفى سنة (٤١٨) هـ (^٧) (١٠٢٨ م).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٢/ ١١٠.\n(^٢) - ترتيب المدارك، ٨/ ٢٥ - ٢٦.\n(^٣) - البيان المغرب، ٣/ ١٥٠.\n(^٤) - التكملة، طبعة الحسيني، ترجمة رقم ١٩٤٠.\n(^٥) - ترتيب المدارك، ٨/ ٨ - ٩.\n(^٦) - الصلة، ترجمة رقم ١١٠٢.\n(^٧) - المصدر السابق، ترجمة رقم ١١٠٩.","vol":"2","page":902},{"text":"وأبو عبد الله محمد بن علي بن هشام بن عبد الرؤوف، المتوفى سنة (٤٢٤) هـ (^١) (١٠٣٣ م).\n_________\n(^١) - ترتيب المدارك، ٨/ ١١ - ١٢.","vol":"2","page":903},{"text":"<span data-type=\"title\">خطة المدينة </span>\nذكر الأستاذ حسين مؤنس أنه كان يوجد في النظام السائد في الأندلس قبل الفتح الإسلامي حاكم خاص للمدينة، يسمى  DEFENSOR CIVITATIS  أي حامي المدينة أو حارسها، ثم أصبحت في عجمية أهل الأندلس  ZAHALMEDINA  أو  ZAFALMEDINA  أو  ZALMEDINA  أي صاحب المدينة، واستمر هذا المصطلح متداولًا ومعمولًا به في ظل الحكم الإسلامي للأندلس (^١).\nولكن رغم أن المسلمين قد ورثوا هذا المصطلح عن القوط والرومان، إلا أن المصادر الإسلامية لم تستخدمه بوضوح إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ولعل هذا راجع إلى أن هذا الأمير هو المنظم للجهاز الإداري للدولة الأموية في الأندلس، بالإضافة إلى أن منصب \"المدينة\" كان متداخلًا مع غيره من المناصب، ولم يصبح مستقلًا بذاته إلا في أوائل القرن الثالث الهجري \"التاسع الميلادي\" وذلك عندما ميز الأمير عبد الرحمن الأوسط \"ولاية السوق عن أحكام الشرطة المسماة بولاية المدينة (^٢) \".\n_________\n(^١) - فجر الأندلس، ص ٤٦٣.\n(^٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٦.","vol":"2","page":904},{"text":"وخطة المدينة هي إحدى الخطط الدينية التي تخوّل صاحبها حق إصدار الأحكام، وفي هذا يقول القاضي ابن سهل \"وللحكام الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط: أولها القضاء .. والشرطة .. وصاحب المظالم، وصاحب الرد … وصاحب المدينة، وصاحب السوق (^١) \".\nومن هنا يتضح لنا أن خطة المدينة أصبحت قائمة بذاتها، لها كيانها الذي يميزها عن سواها، وإذا كان البعض يرى أن هناك ازدواجية بين عمل صاحب المدينة وأصحاب الشرطة (^٢)، فذلك راجع إلى أن أصحاب الشرطة -العليا والوسطى والصغرى- هم تحت إمرة صاحب المدينة الذي يعتبر المسئول عما يجري داخلها، فهو أشبه ما يكون بوزير داخلية، المسئول الأول عن الأمن.\nومن يشغل هذه الخطة يسمى \"حاكم المدينة (^٣) \" أو \"متقلد المدينة (^٤) \" وكذلك \"والي المدينة (^٥) \" ولكن المصطلح الذي اشتهر استخدامه هو: \"صاحب المدينة (^٦) \".\n_________\n(^١) - النباهي، ص ٥.\n(^٢) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٩٣.\n(^٣) - البيان المغرب، ٣/ ٥٤.\n(^٤) - المصدر السابق، ٣/ ٥٨.\n(^٥) - قضاة قرطبة، ص ٥٩.\n(^٦) - المصدر السابق، ص ٧٥، ٧٧، ٨١، ١٠١.","vol":"2","page":905},{"text":"وصاحب المدينة -كما يرى ابن عبد ون- لابد أن يكون \"رجلًا عفيفًا فقيهًا شيخًا؛ لأنه في موضع الرشوة وأخذ أموال الناس، وربما فجر إن كان شابًا شريبًا (^١) \".\nولابد له من أعوان ينفذون أوامره ويساعدونه على أداء المهام المناطة به، ونظرًا لحساسية منصبه، فعليه أن يكون حذرًا في التعامل مع أعوانه، فلا يقبل منهم شيئًا إلا ببينة لا تحتمل الشك، ذلك لأنهم إلى الشر أقرب منهم إلى الخير (^٢).\nولقاضي الجماعة دور في عمل صاحب المدينة، فهو رقيب عليه، ومن أجل ضبط هذه الرقابة، فمن حق القاضي استخلافه أحيانًا من أجل اختبار فقهه وحسن تصرفه (^٣).\nوبأمر القاضي فليس من حق صاحب المدينة أن يرسل أكثر من واحد برسالة خارج البلد، وعلل ابن عبد ون ذلك بقوله \"لئلا يكثر الجُعل والأذى والنهب (^٤) \".\nوبالجملة فليس من حق صاحب المدينة أن يقدم على تنفيذ أي أمر من الأمور الجسيمة، إلا بعد إطلاع الأمير أو الخليفة، وقاضي الجماعة على ذلك (^٥).\n_________\n(^١) - ابن عبدون، رسالة في القضاء والحسبة، ص ١٦.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٦.\n(^٣) - نفسه، والصفحة.\n(^٤) - نفسه، والصفحة.\n(^٥) - نفسه، والصفحة.","vol":"2","page":906},{"text":"ويبدو أن ابن عبد ون قد أدلى بآرائه هذه، وهو متأثر بأحداث عصره \"عصر ملوك الطوائف\" أما في عهد دولة بني أمية، وبالذات الأقوياء من الأمراء والخلفاء، فليس من الضروري أن تصدق تلك الآراء في تلك المدة أو تطبق (^١).\nومهما يكن، فالأمر لم يترك مفتوحًا أمام الأعوان ليمارسوا سلطاتهم، كما تمليه عليهم رغباتهم، بل إن ابن عبد ون، الذي استفاد مما كان سائدًا قبله في عهد الأمويين، وضع لأولئك الأعوان ضوابط يسيروا وفقها في أداء مهامهم، لكي لا ينحرف الهدف الذي من أجله تمت الاستعانة بهم، وهذه الضوابط هي بالنهاية سياج يحمي كرامة الآخرين من تسلطهم، فقد ذكر أن الحد يقام على من استحقه منهم، إذ ليس أقبح من أن يكونوا يغيروا المنكر بزعمهم وهم يفعلونه، كما يجب أن يمنعوا من التفتيش ليلًا كان أو نهارًا، فذلك فيه هتك لستر من يتم تفتيشه، كما أن من ألقوا عليه القبض في الليل، وهو ممن لاتأخذه تهمة ولا ظنه، فعليهم أن يوصلوه إلى داره وهو موفور الكرامة، وأما من اشتبه بأمره فعليهم ألا يلحقوا به الأذى سواء ماديًا أو معنويًا، بل يحضروه عند صاحب المدينة\n_________\n(^١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٤٣.","vol":"2","page":907},{"text":"بالهيئة التي وجدوه عليها، فإن سجنوه، يتم سجنه في أحد الفنادق بكفالة ساكنيه حتى الصباح (^١).\nولقاضي الجماعة الحق في إحضار صاحب المدينة إلى مجلسه، وذلك لمساءلته عن تجاوزاته، فقد ذكر الخشني أن قاضي الجماعة سليمان بن أسود، أحضر صاحب المدينة إلى مجلسه، ليقضي بينه وبين من رفع دعوى ضده (^٢).\nوعندما جرى في قرطبة أمر أخل بالأمن، ولم يتخذ صاحب المدينة أمية بن عيسى الحلول اللازمة، قام قاضي الجماعة سليمان بن أسود برفع الأمر للأمير محمد بن عبد الرحمن طالبه فيه بعزل صاحب المدينة عن منصبه لتقصيره (^٣).\nوبمقابل ذلك فإنه عندما يهيج العوام ضد قاضي الجماعة، مثلما فعلوا بالقاضي محمد بن يبقى بن زرب، المتوفى سنة (٣٨١) هـ (٩٩١ م) بسبب تكراره لصلاة الاستسقاء وعدم نزول المطر، فإن صاحب المدينة هو الذي يتولى حمايته منهم (^٤)، كما أنه إذا تطاول أحدهم على الخطيب\n_________\n(^١) - رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ١٨.\n(^٢) - قضاة قرطبة، ص ٧٧.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٧٤ - ٧٥.\n(^٤) - النباهي، ص ٧٨ - ٧٩.","vol":"2","page":908},{"text":"أثناء خطبة الجمعة، فإن صاحب المدينة يأمر بالقبض على ذلك المتطاول وحمله إلى السجن (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>مهام صاحب المدينة:</span>\nنظرًا لفخامة منصب صاحب المدينة، فإن المهام المناطة به، تبدو جسيمة تناسب أهمية المنصب، ولعل من أعظم المهام الملقاة على صاحب المدينة، أن الأمير أو الخليفة الأموي، يستخلفه أحيانًا أثناء غيابه عن العاصمة (^٢).\nوقد عرفنا من قبل أن من رسوم بني أمية أنه عند مغادرة الأمير أو الخليفة للعاصمة، فإنه يترك أحد أولاده، سواء كان ولي العهد أو غيره، على سطح القصر، ويجعل صاحب المدينة ملازمًا له على الدوام، ويكون من حقه منع الولد من مغادرة السطح حتى وإن اضطر إلى تهديده بوضع قيد الحديد في رجله، وهذا ما كاد أن يفعله صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد بأحد أولاد الأمير محمد ابن عبد الرحمن (^٣)، الأمر الذي يعطي دلالة أكيدة على قوة شخصية صاحب المدينة، حتى أنه لم يأبه بولد الأمير مادام في الأمر مصلحة للدولة.\n_________\n(^١) - البيان المغرب، ٣/ ٥٤.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٨٦.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ٨٧.","vol":"2","page":909},{"text":"ومما يدل على نزاهة صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد، وقوة شخصيته أنه وقف أمام رغبة الأمير محمد عندما أمره أن يحبس أحد أهل العلم.\nوالقصة كما رواه ابن القوطية تدور حول فقيه كان يقطن في إحدى الكور، لكنه فر من عاملها إلى قرطبة، فكتب ذلك العامل للأمير محمد كتابًا يغريه فيه بذلك الفقيه، ويزين له ضمه إلى الحبس، فأصدر الأمير أوامره لابن شهيد بحبس ذلك الفقيه، فرد عليه قائلًا: \"لاوالله، ماأحبس رجلًا من أهل العلم والرواية، فرَّ من جور ظالم مشهور بالظلم، ولو كان فيه خير مافرّ مثله عنه (^١) \" فما كان من الأمير إلا أن عدل عن رأيه وكتب إلى ذلك العامل كتابًا يوبخه فيه على فعله (^٢).\nولم يقتصر الأمر في قوة الشخصية والنزاهة على أمية بن عيسى بن شهيد فقط، فلدينا صاحب المدينة وليد بن عبد الرحمن بن غانم، المتوفى سنة (٢٩٢) هـ (٩٠٥ م) ففي أثناء ولايته للمدينة، حدثت مجاعة شديدة سنة (٢٦٠) هـ (^٣) (٨٧٤ م) \" لم يزرع فيها بالأندلس حبة ولا رفعت (^٤) \" \"ومات فيها أكثر الخلق (^٥) \" فاستشار الأمير محمد الوزراء وأصحاب\n_________\n(^١) - نفسه، ص ٨٦.\n(^٢) - نفسه، ص ٨٦.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٤٣.\n(^٤) - ابن القوطية، ص ٨٧.\n(^٥) - البيان المغرب، ٢/ ١٠٢.","vol":"2","page":910},{"text":"المشورة، وعرض عليهم رأيه في فرض العشور على الغلات، والزام الرعية بذلك لمواجهة تلك الأزمة، فوافقوه على ذلك، ولم يعترض عليه إلا صاحب المدينة وليد بن عبد الرحمن الذي طلب من الأمير أن يرفق بالرعية في ظل هذه المحنة، وأن يخرج مما في مستودعات الدولة وبيت المال، لينفق على الجنود والرعية المتعبة من شدة المجاعة (^١)، ثم قال له: \"فإنه الحق على مثلك من ولاة العدل، فقد بلغنا أن طواغيت الروم فعلته بقسطنطينة ورومه، وأنتم أولى بذلك (^٢) \".\nإلا أن الأمير لم يقتنع برأي ابن غانم، الذي أصر على موقفه، فكانت فرصة لأحد الطغاة الظلمة، يدعى حمدون بن بسيل المعروف بالأشهب، الذي عرض على الأمير أن يوليه المدينة، وهو يتكفل له بتنفيذ مراده، فوافق ذلك هوى في نفس الأمير، فعزل ابن غانم وولى الأشهب الذي \"هتك الستور وضرب الظهور وقتل الأنفس بالتعليق (^٣) \" فضج الناس عليه بالدعاء في كل جمعة، حتى أماته الله تعالى، وهنا استدعى الأمير محمد وليد بن غانم وأراده أن يعود إلى المدينة، فأجابه قائلًا: \"أما وقد صرت\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٨٧. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٢.\n(^٢) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٨٨.","vol":"2","page":911},{"text":"عندك في محل من يديله حمدون بن بسيل أو مثله، فلا والله لا خدمتك في المدينة أبدًا، فولى غيره\" (^١).\nومن بين مهام صاحب المدينة، التحقيق في حوادث القتل التي تحدث في البلد، مثل حادثة الرجل الذي وجد مقتولًا في قرطبة، وذلك في يوم الأول لولاية محمد بن السليم للمدينة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٢).\nوإذا احتاج الأمير إلى رأي الفقهاء في أمر ما، فإنه يكلف صاحب المدينة بالقيام في هذه المهمة، مثل ما حدث في قصة ابن أخي عجب، وما نسب إليه من ألفاظ تطاول على الباري جل وعلا (^٣)، فبعد أن اجتمع بهم صاحب المدينة ابن السليم في مجلسه المسمى: مجلس النشمه (^٤)، عرض عليهم القضية وطلب أن يكتب كل واحد منهم رأيه في صك منفرد ليعرضها جميعًا على الأمير، الذي ما أن تصفحها حتى أصدر قراره بعزل\n_________\n(^١) - المصدر السابق والصفحة. الحق أن ولاة الأمور هم أحوج ما يكون للبطانة الصالحة، فابن غانم لم يجد له من بين أصحابه من الوزراء وبقية رجالات الدولة مناصرًا؛ لذا فالأمير لم يتأثر بمقولته، وإلا فإن الوضع العام سيئ إلى درجة خطيرة، إذ أن القحط، قد عم كور الأندلس، وليس لدى الناس قدرة على مواجهة هذا الموقف الخطير، بل إنهم بأمس الحاجة لوقوف الدولة إلى جانبهم فكيف يصبح الوضع عندما تقف الدولة مع المجاعة ضد الرعية؟\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٦٩ - ٧٠.\n(^٣) - قضاة قرطبة، ص ٩٩ - ٦٠. المعيار المعرب، ٢/ ٣٦٣.\n(^٤) - قضاة قرطبة، ص ٥٩.","vol":"2","page":912},{"text":"قاضي الجماعة الحبيب محمد بن زياد عن منصبه ومن تابع رأيه من فقهاء الشورى، كما أمر بصلب ابن أخي عجب (^١).\nمن هذه القصة، ندرك أن لدى صاحب المدينة مجلس خاص به، وأنه هو الذي يتولى رفع الآراء التي تتم في هذا المجلس للأمير، كما أنه هو الذي يبلغ قاضي الجماعة وفقهاء الشورى بعزلهم عن مناصبهم.\nومن مهام صاحب المدينة، تفقد السجن العام وما يدور فيه (^٢) وإخراج بعضهم منه بأمر الأمير (^٣) أو الخليفة (^٤)، وإذا مات قاضي الجماعة أو عزل، تولى صاحب المدينة قبض ديوان القاضي، ويتحفظ عليه حتى يعين الأمير قاضٍ آخر (^٥).\nونظرًا لأن من رسوم الدولة أن الأمير أو الخليفة إذ أراد الخروج للصيد والنزهة، فإنه لا يسمح لأحد بعبور قنطرة قرطبة أو الاقتراب من مكان النزهة، فإن صاحب المدينة يقوم بهذه المهمة، ومن وجده مخالفًا للأوامر فإنه يحبسه (^٦).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ٦٠.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ٩٤. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧٣ - ٧٤.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ١٠٢.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٥٠.\n(^٥) - قضاة قرطبة، ص ١٠١.\n(^٦) - البيان المغرب، ٢/ ١٤٦.","vol":"2","page":913},{"text":"كما أن صاحب المدينة يتولى أخذ البيعة الخاصة والعامة للأمير عند توليه للإمارة (^١).\nوعندما يكون هناك وفد رفيع المستوى، يقوم بزيارة رسمية للدولة، فإن الخليفة يصدر أوامره لصاحب المدينة، بأن يجمع فتيان قرطبة وأحداثها، ويظهروا قوتهم للوفد الزائر، وذلك من خلال حملهم السلاح، وهذا ما قام به الوزير صاحب المدينة جعفر بن عثمان المصحفي في الاحتفال الذي أقيم بمناسبة وفود جعفر ويحيى ابني علي بن حمدون على الخليفة الحكم المستنصر بالله، وذلك في أواخر شهر ذي القعدة سنة (٣٦٠) هـ (سبتمبر (٩٧١) م) (^٢).\nكما يتولى تقديم الخلع والهبات للوافدين على الخليفة (^٣)، ويشرف على نقل بعض الأجهزة الإدارية من موقع لآخر (^٤)، ومعاقبة المفسدين ومثيري الفتن بسجنهم وتعقب الفارين منهم (^٥)، وكذلك مطاردة أهل البدع والتضييق عليهم وإخافتهم والزج بمن قبض عليه منهم في السجن (^٦).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٢/ ١٥٨.\n(^٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤٧ - ٤٨.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١١١.\n(^٤) - نفسه، ص ٦٦.\n(^٥) - نفسه، ص ٧٣ - ٧٥، ١٠٤.\n(^٦) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥.","vol":"2","page":914},{"text":"وبأمر من الخليفة يتولى صاحب المدينة إذلال وتوبيخ من سخط عليه الخليفة، حتى وإن كان من كبار رجالات الدولة (^١).\nومن مهام صاحب المدينة تنفيذ أوامر الأمير أو الخليفة باستنفار الناس للجهاد، ولا يأذن لأحد بالتخلف إلا إن كان من أهل الأعذار، أو أن صاحب المدينة تغاضى عنه شريطة ألا يظهر من داره حتى يعود الجيش الغازي (^٢)، ومن فر من أرض المعركة فإن صاحب المدينة يتولى مسئولية القبض عليه بأمر من الأمير أو الخليفة، وإذا صدرت الأوامر بصلبهم تولى الإشراف على تنفيذه (^٣)، كما أنه يتولى مصادرة من نكب من رجالات الدولة ومصادرة المقربين إليه (^٤).\nوالأمير أو الخليفة الأموي حريص على صلة رحمة من خلال تفقد أحوالهم، وإن كان الأمر لا يخلو من نظرة أمنية، وصاحب المدينة هو الذي يقوم بهذه المهمة، إذ يعمد إلى تكليف أمناء العطب والنوازل بتحديد يوم من كل أسبوع لا يخلون فيه أبدًا، يقومون فيه بتفقد أحوالهم، وإبلاغ صاحب المدينة بكل شيء، ليرفع ذلك بتفاصيله للخليفة ليرى فيه رأيه (^٥).\n_________\n(^١) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٣ - ١٠٤.\n(^٢) - نفسه، تحقيق: د. محمود مكي، ٤٣ - ٤٥.\n(^٣) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٤٤٦.\n(^٤) - ترتيب المدارك، ٧/ ٢١٥.\n(^٥) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٩٢.","vol":"2","page":915},{"text":"وصاحب المدينة لا يسير إلا في موكب خاص يرافقه أثناء ذهابه إلى مجلسه الكائن بجوار مجلس الخزَّان (^١)، في حين أن من جمعت له المدينة مع الشرطة العليا فإنه يستخدم كرسي الشرطة العليا بباب قصر قرطبة أو قصر الزهراء مكانًا له (^٢).\nومن رسوم الدولة الأموية في الأندلس أن الوزير صاحب المدينة بقرطبة مقدم على نظيره الوزير صاحب المدينة بالزهراء، ويتضح ذلك من خلال ترتيب جلوسهما أثناء الاحتفالات الرسمية التي تقام في قرطبة، سواء عند السلام على الخليفة لتهنئته بأحد العيدين أو بمناسبة زيارة وفد رفيع المستوى.\nففي الاحتفال الذي أقامه الخليفة الحكم المستنصر بالله عند جلوسه لرعيته، لتهنئته بعيد الفطر سنة (٣٦٢) هـ (يوليو (٩٧٣) م) كان الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان المصحفي يحجب الخليفة عن يمينه، وقام عن يساره صاحب المدينة بالزهراء محمد بن أفلح (^٣).\nولكن إذا تعذر جلوس صاحب المدينة بقرطبة عن يمين الخليفة، فعندها يصبح مكانه عن يسار الخليفة، ويجلس تحته صاحب المدينة بالزهراء، وهذا ما جرى في الاحتفال بمناسبة قدوم الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن الناصري من العدوة المغربية، ففي هذا الاحتفال\n_________\n(^١) - قضاة قرطبة، ص ٧٧.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٥٧.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٨ - ٣٠.","vol":"2","page":916},{"text":"الذي أقيم في يوم السبت لسبع خلون من شهر المحرم سنة (٣٦٤) هـ (سبتمبر (٩٧٤) م) جلس الخليفة الحكم المستنصر بالله، وقام للحجابة عن يمينه الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن وعن يساره الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان المصحفي وتحته محمد بن أفلح صاحب المدينة بالزهراء (^١).\nوصاحب المدينة إن لم يحمل لقب وزير، ففي هذه الحالة يكون أقل مرتبة من الوزير، دل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن الأمير عبد الرحمن الأوسط ولي عبد الواحد بن يزيد الاسكندراني خطة المدينة، ثم رقاه بعد ذلك إلى الوزارة والقيادة (^٢).\nوممن تولى خطة المدينة بقرطبة، بالإضافة إلى خطة إحدى المدينتين الزهراء أو الزاهرة، فإنه يطلق عليه لقب \"صاحب المدينتين\" ولم يرد في المصادر طوال فترة الدراسة أن أحدًا حمل هذا اللقب إلا عمرو بن عبد الله بن أبي عامر (^٣) الملقب بعسكلاجه، فقد ولاه ابن عمه الحاجب المنصور بن أبي عامر مدينة قرطبة، وعندما أتم المنصور بناء مدينة الزاهرة أقامه عليها، فأصبح يلقب بـ\"صاحب المدينتين (^٤) \".\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ١٩٨.\n(^٢) - نفسه، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٠ - ٣١.\n(^٣) - الحلة السيراء، ١/ ٢٧٧.\n(^٤) - المصدر السابق، والصفحة، حاشية رقم ٢.","vol":"2","page":917},{"text":"وكان مرتب صاحب المدينة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط يبلغ مائة دينار، فهو عندما مّيز ولاية السوق عن أحكام الشرطة المسماة بولاية المدينة، فأفردها وصير لواليها ثلاثين دينارًا في الشهر ولوالي المدينة مائة دينار (^١) \".\nونظرًا للوضع الاقتصادي المتميز الذي عاشته الأندلس بالذات في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فمن المتوقع أن يكون مرتبه الشهري قد تجاوز ما كان عليه أيام الأمير عبد الرحمن الأوسط.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>من تولى خطة المدينة:</span>\nالمصادر الأندلسية لم تورد ذكرًا للقب \"صاحب المدينة\" قبل عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ولكن هذا لا يعني أبدًا أن هذا اللقب أو المصطلح لم يكن مستعملًا.\nوبصفة عامة يمكن القول بأن أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، كبير موالي بني أمية بالأندلس، هو أول من قام بأعباء \"صاحب المدينة\" في الدولة الأموية، ونستشف ذلك من خلال ما أورده أحد المؤرخين من أن الأمير عبد الرحمن الداخل عندما بلغه أن يوسف الفهري والصميل بن حاتم قد استوليا على إلبيره، جمع قواته ثم غادر قرطبة وخلف عليها أبا\n_________\n(^١) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٦.","vol":"2","page":918},{"text":"عثمان (^١)، كما كان الأمير عبد الرحمن الداخل يستخلف أحيانًا مولاه بدرًا على قرطبة عند مغادرته لها (^٢).\nوغير هذين الخبرين لا نجد ذكرًا لصاحب المدينة إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط.\nورغم هذا النقص، فإننا لا نعرف من تولى المدينة منذ بداية عهده، إذ نفاجأ بما ذكره ابن القوطية من أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد سئم من كثرة الشكاوى المقدمة إليه ضد كل من تولى المدينة، وكانوا جميعًا من القرطبيين، فأقسم ألا يوليها رجلًا من أهل قرطبة، ثم أخذ يسأل عَمن يستحقها فاستدل على رجل من أهل إحدى الكور، عُرف بالفطنة وحسن العقل، يدعى محمد بن السليم، فاستدعاه وولاه المدينة (^٣).\nوذكر ابن الفرضي أن ممن تولى المدينة للأمير عبد الرحمن الأوسط، رجلًا يدعى ابن لُبيد، وفي سجنه ختم الفقيه يحيى بن يزيد الأزدي، القرآن أربعين مرة، وفي هذا يقول الفقيه يحيى بن يحيى الليثي، مخاطبًا يحيى الأزدي: \"ما أشقى من ختمت القرآن في حبسه أربعين مرة (^٤) \".\n_________\n(^١) - أخبار مجموعة، ص ٩٢.\n(^٢) - المصدر السابق، ص ١٠٧.\n(^٣) - ابن القوطية، ص ٦٩.\n(^٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٥٥٤.","vol":"2","page":919},{"text":"وكان الأمير محمد بن عبد الرحمن يداول في ولاية المدينة بين أمية بن عيسى بن شهيد وبين وليد بن عبد الرحمن بن غانم، وذلك لإدراكه رجاحة عقليهما، وأنهما لا يراقبان في أحكامهما إلا الله تعالى (^١).\nوفي عهد الأمير المنذر بن محمد كان حفص بن بسيل يلي المدينة (^٢).\nوورد لدى ابن حيان أن في سنة (٢٨١) هـ (٨٩٤ م) عزل الأمير عبد الله بن محمد حفص ابن بسيل عن المدينة وجعل مكانه عبد الله بن محمد بن نصر (^٣)، لكنه لم يستمر في منصبه أكثر من سنة، فقد صُرف وولي مكانه مروان بن عبد الملك بن أمية وذلك سنة (٢٨٢) هـ (^٤) (٨٩٥ م) ولأمر ما فقد سخط الأمير على ابن أمية فعزله وجعل بدلًا منه أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ سنة (٢٨٣) هـ (^٥) (٨٩٦ م).\nثم تولى المدينة محمد بن أمية بن عيسى بن شهيد، ولا ندري متى كان ذلك، لكن خبرًا ورد لدى الخشني أفاد بأنه في سنة (٢٨٩) هـ (٩٠٢ م) كان محمد بن أمية هو صاحب المدينة في ذلك الوقت (^٦)، وقد تمادى في منصبه إلى أن عزل سنة (٢٩٣) هـ (٩٠٦ م) ووليها محمد بن\n_________\n(^١) - ابن القوطية، ص ٨٥ - ٨٦. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧١.\n(^٢) - ابن القوطية، ص ١٠٢.\n(^٣) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١٠.\n(^٤) - المصدر السابق، ص ١١٤.\n(^٥) - نفسه، ص ١١٨.\n(^٦) - قضاة قرطبة، ص ١٠١. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٤١.","vol":"2","page":920},{"text":"وليد بن غانم، وكانت ولايته ستة أشهر، ووليها مكانه موسى بن محمد بن حدير (^١) الذي عزل عنها سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) ووليها محمد بن عبيد الله بن أبي عثمان، وذلك يوم الخميس، لكنه طلب الإعفاء سريعًا، فعزل ثاني يوم ولايته، وولي مكانه علي بن محمد المعروف باليابسه، الذي لم يستمر أكثر من ثلاثة أيام، إذ سُرعان ما عُزل وأعيد إليها موسى بن محمد بن حدير، فتمادى في ولايتها طيلة ما بقي من عهد الأمير عبد الله (^٢)، وأقره عليها الأمير عبد الرحمن بن محمد إلى سنة (٣٠٢) هـ (٩١٥ م) ثم عزله عنها في شهر شوال من تلك السنة، وجعل مكانه محمد بن عبد الله الخروبي (^٣)، فظل في منصبه إلى أن توفي في أوائل شهر صفر سنة (٣١٤) هـ (إبريل (٩٢٦) م).\nثم تولى المدينة عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ، الذي كان إذا غادر قرطبة بصحبة الأمير عبد الرحمن بن محمد، يخلف عليها ولده أحمد بن عيسى (^٤).\nوفي سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) عزل الخليفة عبد الرحمن الناصر أحمد بن عيسى عن المدينة وجعل مكانه أحمد بن عبد الوهاب بن\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: انطونيا، ص ١٤٢.\n(^٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٤٤. قارن: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٤٣.\n(^٣) - المصدر السابق، ص ١٠٣.\n(^٤) - البيان المغرب، ص ٢/ ١٩٣، ١٩٦.","vol":"2","page":921},{"text":"عبد الرؤوف (^١)، ثم عزله عنها في غرة جمادى الأولى (^٢) سنة (٣١٩) هـ (مايو (٩٣١) م) وولاها يحيى بن يونس القبري (^٣)، لكنه لم يستمر أكثر من أربعة أشهر، إذ عزل عنها ووليها عبد الحميد بن بسيل وذلك في شهر شوال من تلك السنة (^٤) واستمر في منصبه إلى أن عزل عنها في شهر شوال من سنة (٣٢٠) هـ (أكتوبر (٩٣٢) م) ووليها بدلًا منه فطيس بن أصبغ (^٥).\nوقد ذكر ابن حيان أنه في شهر ربيع الأول من سنة (٣٢٦) هـ (يناير (٩٣٨) م) ولي خطة المدينة الوزير جهور بن عبيد الله مكان أحمد بن عيسى بن أبي عبد هـ (^٦)، وفي سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) عزل الوزير جهور عن المدينة ووليها الخال سعيد بن أبي القاسم (^٧).\nوفي سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) تولى المدينة عبيد الله بن بدر بن أحمد بدلًا من ابن أبي القاسم (^٨).\n_________\n(^١) - المصدر السابق، ص ٢/ ١٩٧.\n(^٢) - نفسه، ٢/ ٢٠٥.\n(^٣) - ورد لدى ابن عذاري \"البيان المغرب، ٢/ ٢٠٥، لفظ \"القبرسي\" والتصحيح من المقتبس، تحقيق شالميتا، ص ٣١٤.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٠٥.\n(^٥) - المصدر السابق، ٢/ ٢٠٨.\n(^٦) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٢٨.\n(^٧) - المصدر السابق والصفحة.\n(^٨) - نفسه، ص ٤٦١.","vol":"2","page":922},{"text":"وكان جعفر بن عثمان المصحفي يتولى خطة المدينة بقرطبة، بينما كان محمد بن أفلح يشغل خطة المدينة بالزهراء، وذلك في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله (^١).\nوفي سنة (٣٦٦) هـ (٩٧٧ م) صدر أمر الخليفة هشام المؤيد بالله بتولية محمد ابن عبد الله بن أبي عامر خطة المدينة بقرطبة، بدلًا من محمد بن جعفر المصحفي (^٢).\nثم إن ابن أبي عامر استخلف على المدينة ابن عمه عمرو بن عبد الله بن أبي عامر، الملقب بعسكلاجه (^٣) \"فسلك في أهل الشر سبيله، بل أربى عليه في ذلك (^٤) \".\n_________\n(^١) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢.\n(^٢) - الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٦٤. البيان المغرب، ٢، ٢٦٦. وقد ذكر القاضي عياض أن أحمد بن عبيد الله الموروري الحضرمي قد تحول من طبقته طبقة العلماء، إلى طبقة أهل الدنيا، فصحب ابن أبي عامر، فنال الوزارة، وتقلد المدينة، ثم توفي في شهر رمضان سنة ٣٦٦ هـ وترك من الأموال مالا كفاء له، مما غله، فحاز ابن أبي عامر أكثره. انظر ترتيب المدارك، ٧/ ٢١٥ - ٢١٦. ولم يتضح لي مما ذكره القاضي عياض متى تولى الموروري المدينة، ومن الذي ولاه؟ وبالذات أن المصحفي كان آنذاك مسيطرًا على كل شيء، كما أن ابن أبي عامر لم يلِ المدينة إلا بعد عودته من غزوته الثانية، والتي لم يخرج إليها إلا يوم الفطر سنة ٣٦٦ هـ، أي بعد وفاة الموروري، ولعل هذا ما يدفعني إلى الشك في وصول الموروري لخطة المدينة.\n(^٣) - الحلة السيراء، ١/ ٢٧٧.\n(^٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٧٦.","vol":"2","page":923},{"text":"ونظرًا لكفاءة عمرو بن عبد الله فقد ولاه ابن أبي عامر خطة مدينتي قرطبة والزهراء، فأصبح يعرف بصاحب المدينتين (^١).\nكما تولى مفرج العامري خطة المدينة في زمن المنصور وابنه عبد الملك المظفر (^٢)، وأما في عهد الحاجب شنجول فقد كان يلي المدينة عبد الله بن عمر الذي قتله الخليفة المهدي عند استيلائه على قرطبة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-131>توارث خطة المدينة:</span>\nخطة المدينة خطة متوارثة، شأنها في ذلك شأن بقية الخطط في الدولة الأموية، ولدينا عدة أسر تعاقب أفرادها على خطة المدينة.\nفعبيد الله بن عثمان الذي يعتبر أول من تولى خطة المدينة لدى الأمويين، نجد من ذريته محمد بن عبيد الله يلي المدينة في آخر عهد الأمير عبد الله بن محمد، ومن أسرة ابن شهيد تولى المدينة كل من: أمية بن عيسى بن شهيد وولده محمد بن أمية.\nومن أسرة ابن غانم وليد بن عبد الرحمن بن غانم وولده محمد بن وليد، وهناك ثلاثة من أسرة ابن أبي عبد هـ تولوا المدينة، وهم: أحمد بن محمد بن أبي عابده وابنه عيسى ومن بعده أحمد بن عيسى.\nوالأسرة الأموية تحرص على أن تحصر خطط الدولة في أسر معينة؛ ولذا نجد الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما بلغه نبأ وفاة صاحب المدينة\n_________\n(^١) - الحلة السيراء، ١/ ٢٧٧.\n(^٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٤٩٥.\n(^٣) - البيان المغرب، ٣/ ٥٤.","vol":"2","page":924},{"text":"بالزهراء محمد بن أفلح يوم السبت إحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة (٣٦٤) هـ (فبراير (٩٧٥) م) سارع إلى تعيين زياد بن أفلح مكان أخيه المتوفى مجموعة إلى ما بيده من خطتي الخيل والحشم وولاية كورة فريش (^١).\n_________\n(^١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢١٠.","vol":"2","page":925},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>النتائج:</span>\nوبعد هذه الدراسة التي تعرفنا من خلالها على نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس أود أن أختم ذلك بذكر عدد من النتائج.\nنظام الحكم في الدولة الأموية وراثي، يرثه الأبناء عن الآباء، ولم يحدث أن تولى الأخ بعد أخيه إلا مرة واحدة، وذلك عندما تولى الأمير عبد الله بن محمد رئاسة الدولة بعد أخيه المنذر، فولاية العهد كانت تسند للأصلح من الأبناء دونما اعتبار للسن.\nالصراع الذي شهدته الدولة الأموية يمكن تقسيمه إلى قسمين، وقعا في فترتين مختلفتين، ففي النصف الأول من ذلك العصر كان الصراع منحصرًا في أبناء البيت الأموي، وعندما اختفى هذا النمط من الصراع ظهر نوع آخر، حيث اندلعت حركات التمرد والعصيان في كافة أرجاء الأندلس، وإذا كان هدف النوع الأول من الصراع الوصول إلى السلطة، فإن النوع الثاني كان تعبيرًا لزعماء تم تجاهلهم والاستئثار دونهم بكل شيء، وهو نتاج طبيعي للفساد الإداري الذي عاشته الدولة في النصف الثاني من عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن.\nعمد الأمير عبد الرحمن الداخل منذ تأسيس دولته إلى اصطناع الموالي والرقيق والصقالبة، فاستعان بهم على تدعيم سلطانه، وسار من أتى بعده من الأمراء والخلفاء على هذه السياسة.","vol":"2","page":928},{"text":"الدولة الأموية قدمت كل من هو شامي على نظيره البلدي، سواء في الإدارة أو الجيش أو رسوم الدخول على الحكام أو ما سوى ذلك، وهذا الرسم وضعه الأمير عبد الرحمن الداخل منذ بداية قيام دولته.\nإن ظهور الزعامات القبلية في الأندلس يعود سببه إلى توزيع الأراضي إقطاعًا على القبائل التي شاركت في الفتح، وهذا الإجراء جعل كل قبيلة تحافظ على وحدتها، مما حال دون انصهار طوائف المجتمع، الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحروب بين تلك الفئات فيما بعد.\nالدولة الأموية اعتمدت على أسر مساندة حصرت الخطط في أبنائها، فعاشت قوية متماسكة، وصمدت أما الهزات، هذه السياسة حاربها المنصور بن أبي عامر، فأخمل ذكر تلك الأسر، واختار أسوأ الرجال وأقلهم كفاءة، فجعل الخطط في أيديهم، ولذا فقد عاشت الدولة من بعده فراغًا سياسيًا كبيرًا، أدى إلى انهيارها بسرعة بعد وفاته.\nتعيين الولاة في الثغور البرية والبحرية غالبًا ما يخضع لاعتبارات خاصة، فالأمير عبد الرحمن الداخل جعل الرماحس واليًا على الجزيرة الخضراء لأنه كان من رجال البحر، وأما عمال الثغور البرية فهم في الغالب من أرباب السيف ورجال الحرب","vol":"2","page":929},{"text":"هيمنة الوزراء على الأمير أو الخليفة وتسلطه عليه، هو نذير شؤم على الدولة ككل، إذ أن أهل الطموح يتحركون للتخلص من ذلك المتسلط بأي وسيلة، وهذا ما عاشته الدولة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن بسبب تسلط الوزير هاشم بن عبد العزيز علي، وتكرر في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما تسلط عليه جعفر المصحفي، مما دفع بقية أبناء البيوتات المساندة للأسرة الأموية أن تسعى جاهدة للتخلص من المصحفي، وعندما تم لهم ذلك كانت النتيجة وصول المنصور بن أبي عامر للسلطة، والقضاء على هيبة بني أمية.\nالدولة الأموية دولة رجال، تحرص دائمًا على الأكفأ، يدل على ذلك أن قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي عندما قرع الخليفة عبد الرحمن الناصر في خطبة الجمعة بسبب تخلفه ثلاث مرات عن شهودها، لم يعزله الخليفة بل ثبته في منصبه.\nالخليفة عبد الرحمن الناصر لم يهتم إلا بابنه الحكم، فقد أعده إعدادًا سياسيًا وإداريًا، وأما بقية أبنائه فلا نصيب لهم من ذلك الاهتمام، وهذا ما كان له أثره القوي في سرعة انهيار الدولة لعدم وجود المؤهل من الأسرة الأموية بعد الحكم المستنصر بالله.\nالخليفة الحكم المستنصر بالله لم يستطع التخلص من أزمة السلطة الوراثية التي لا تعترف بالأكفاء، وإنما بالابن المحبب، فجره ذلك","vol":"2","page":930},{"text":"إلى تقديم ولده الصبي هشام لولاية العهد من بعده، دون أن يدرك أنه في تصرفه هذا قد مهد الطريق بقوة لسقوط الدولة.\nالمنصور بن أبي عامر لم يعمل قط إلا لمصلحة نفسه، ورفعة شأنه، ولأجل هذا فقد وجه سهامه ضد الخلافة الأموية، ناسيًا أنها الرمز القوي لوحدة البلاد.\nالأمويون عند معالجتهم للأحداث الطارئة، ساروا على منهج يقوم على نبذ العجلة وعدم التسرع، فكل خبر يرفع إليهم، يعملون على كشفه والتأكد من، فإذا ثبتت صحته، عالجوا ما يمكن معالجته، بالصفح والمصالحة أو التأديب الذي لا يتلف الروح، هذه السياسة غيرها المنصور بن أبي عامر، فقد جعل مكان اللين غلظة، والسكون حركة، واستخدم البطش بدلا الأناة، وجعل المحاربة مكان السلم والموادعة.\nالمنصور بن أبي عامر كان حريصًا على نيل الخلافة، ولكن خشيته من قيام الرعية ضده، حال بينه وبين ما يشتهي، وهذا ما غفل عنه ابنه شنجول عندما تسمى بولاية العهد، مما تسبب في هيجان شعبي أودى به.\nمنصب الحاجب منذ بداية الدولة الأموية وحتى نهاية عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، لم يختلف عن منصب الوزارة بشيء، إذا استثنيا بعض الرسوم، فهو أشبه ما يكون بوزير تنفيذ، ولكن هذا المنصب بلغ أوج عظمته عندما تسلط العامريون على","vol":"2","page":931},{"text":"الخلافة، فقد أصبح الحاجب العامري بحق رئيسًا للوزراء، فبيده عزلهم وتعيينهم، ولذا فقد تحول منصب الحاجب في تلك الفترة إلى وير تفويض.\nالمنصور بن أبي عامر أخل بتركيبة الجيش الأموي، الذي كان يتميز بالقبائل والعشائر والبطون والأفخاذ، فقدم المنصور القواد على الأجناد، وفي هذه الحالة أصبح في جند القائد فرق من قبائل شتى، وبذلك قضى على الروح القبلية التي كانت كل قبيلة تحرص على حفظ كرامتها من خلال سمعتها في المعارك، كل هذا فعله المنصور ليتحكم في الجيش ويجعله أداة قمع بيده ضد الرعية.\nجميع الرسوم التي درجت عليها الدولة الأموية اختفت في الفتنة التي تركت آثارها السلبية على كافة مجالات الحياة.\nالصقالبة كان لهم دورهم القوي في الدولة الأموية، فقد بلغوا مكانة أصبحوا معها يمثلون طبقة متميزة في المجتمع، وبلغوا أوج عظمتهم في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، حتى أن أمر دولته كان بيد جعفر الصقلبي، ورغم ضجر الرعية منهم ومن تصرافتهم، إلا أن الخليفة كان لا يوقفهم عند حدهم، بل كان يطالب الرعية باحتمالهم وغض الطرف عنهم، الأمر الذي دفع الناس إلى محاربتهم بمجرد وفاة الخليفة، مما مكن ابن أبي عامر من بلوغ مرامه والانفراد بالسلطة.","vol":"2","page":932},{"text":"وبذلك تم البحث، فلله جل وعلا الحمد والثناء، الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"2","page":933},{"text":"قائمة المصادر والمراجع (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-134>أولًا المصادر:</span>\n<span data-type='title' id=toc-135>ابن الأبار (أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي):</span>\n- الحلة السيراء، تحقيق: د. حسين مؤنس، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة (١٩٦٣) م.\n- التكملة لكتاب الصلة: القسم الأول، تحقيق: الفريد بل وابن أبي شنب، طبعة الجزائر سنة (١٣٣٧) هـ (١٩١٩ م) والجزآن التاليان اللذان نشرهما كوديرا، طبعة مدريد ١٨٨٦ - (١٨٨٧) م، والقسم الذي نشره عزت العطار الحسيني، طبعة القاهرة، (١٣٧٥) هـ (١٩٥٥ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>ابن الأثير (أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد):</span>\n- الكامل في التاريخ، تحقيق: أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، (١٤٠٧) هـ (١٩٨٧ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>الإدريسي (أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله):</span>\nنزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مكتبة الثقافة الدينية القاهرة، بدون تاريخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>الأزدي (علي بن ظافر):</span>\n_________\n(^١) - اقتصرت في هذه القائمة على ذكر أهم المصادر والمراجع وأغفلت ذكر ما كانت الفائدة منه محدودة.","vol":"2","page":936},{"text":"- بدائع البدائه، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٧٠ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>الأزدي (أبو الوليد هشام بن عبد الله):</span>\n- مفيد الحكام في نوازل الأحكام، مخطوط رقم ١٠٣، رقم الفهرست ٢/ ٢١٧، بتاريخ ١٢٧٧ هـ، مكتبة المسجد النبوي الشريف، المدينة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>الأصطخري (أبو إسحاق إبراهيم بن محمد):</span>\nالمسالك والممالك، تحقيق: د. محمد جابر عبد العال، مراجعة: محمد شفيق غربال، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة، ١٣٨١ هـ (١٩٦١ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>ابن أبي أصيبعة (أبو العباس أحمد بن القاسم):</span>\n- عيون الأبناء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق: د. فؤاد رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>الأعرج (أبو الفضل محمد):</span>\nتحرير السلوك في تدبير الملوك، تحقيق ودراسة: د. فؤاد عبد المنعم أحمد، مكتبة شباب الجامعة الأسكندرية، ١٩٨٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>ابن بسام (أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني):</span>\n- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق: د. إحسان عباس، الدار العربية للكتب، ليبيا - تونس، ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>ابن بشكوال (أبو القاسم خلف بن عبد الملك):</span>","vol":"2","page":937},{"text":"- الصلة، لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ١٩٦٦ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>البكري (أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز)</span>\nجغرافية الأندلس وأوربا من كتاب \"المسالك والممالك\" تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي دار الإرشاد، بيروت، ١٣٨٧ هـ (١٩٦٨ م).\n- المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، نشر دي سلان  De Slane  الجزائر، ١٨٥٨ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>البكري (أبو عبد الله محمد بن عبد الله):</span>\nلباب اللباب، المطبعة التونسية، تونس، ١٣٤٦ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>التهانوي (محمد علي بن شيخ علي بن قاضي محمد):</span>\n- كشاف إصطلاحات الفنون، طبعة كلكته، ١٨٦٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>الثعالبي (أبو منصور عبد الملك بن محمد)</span>\nآداب الملوك، تحقيق: د. جليل العطية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٠ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>الجاحظ (أبو عثمان عمر بن بحر):</span>\n-كتاب التاج في أخلاق الملوك، تحقيق: أحمد زكي المطبعة الأميرية، القاهرة، ١٣٣٢ هـ (١٩١٤ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-150>ابن حزم (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد):</span>\n- جمهرة أنساب العرب، تحقيق: عبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة، ١٣٩١ هـ (١٩٧١ م).","vol":"2","page":938},{"text":"- طوق الحمامة، تحقيق: حسن صيرفي، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، بدون تاريخ.\n- نقط العروس في تواريخ الخلفاء، تحقيق: د. شوقي ضيف، مجلة كلية الأداب، جامعة فؤاد الأول، م ١٣ ج ٢ ديسمبر ١٩٥١ م.\n- الفصل في الملل والأهواء والنحل، وبهامشه الملل والنحل للشهرستاني، المطبعة الأدبية القاهرة، ١٣١٧ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>الحضرمي (أبو بكر محمد بن المرادي):</span>\n- كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة، تحقيق: د. سامي النشار، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ١٤٠١ هـ (١٩٨١ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-152>الحموي (شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت):</span>\n- معجم البلدان، دار صادر، بيروت، ١٩٧٥ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>الحميدي (أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الأزدي):</span>\n- جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة ١٩٦٦ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>الحميري (أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم):</span>\n- الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: د. إحسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت ١٩٨٤ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>ابن حوقل (أبو القاسم محمد بن علي):</span>\n- صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، ١٩٧٩ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>ابن حيان (أبو مروان حيان بن خلف):</span>","vol":"2","page":939},{"text":"- المقتبس في تاريخ رجال الأندلس، نشر ملشور م. انطونيا، باريس، ١٩٣٧ م.\n- المقتبس في أخبار بلد الأندلس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، دار الثقافة، بيروت ١٩٨٣ م.\n- المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، دار الكتاب العربي، بيروت ١٩٧٣ م.\n- المقتبس الجزء الخامس، نشره: ب. شالميتا، ف. كورنيطي، م. صبح، المعهد الأسباني العربي للثقافة، مدريد ١٩٧٩ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>الخشني (أبو عبد الله محمد بن حارث):</span>\n- قضاة قرطبة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة ١٩٦٦ م.\n- أخبار الفقهاء والمحدثين، تحقيق: لويس مولينا، المجلس الأعلى للأبحاث العلمية، مدريد، ١٩٩٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>ابن الخصاف (أحمد بن عمرو بن مهر الشيباني):</span>\n- كتاب أدب القاضي، شرح: أبو بكر أحمد بن علي الرازي، تحقيق: فرحات زياده، الجامعة الأمريكية، القاهرة، ١٩٧٩ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>ابن الخطيب (لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله):</span>\n- الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق، محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٣٩٣ - ١٣٩٧ هـ (١٩٧٣ - ١٩٧٦ م).","vol":"2","page":940},{"text":"- أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام \"تاريخ إسبانيا الإسلامية\" نشر: ليفي بروفنسال، دار المكشوف، بيروت، ١٩٥٦ م.\nأعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام \"تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط\" تحقيق: د. أحمد مختار العبادي ومحمد إبراهيم الكتاني، دار الكتاب، الدار البيضاء، المغرب، ١٩٦٤ م.\n- معيار الإختيار، تحقيق: د. محمد كمال شبانة، الإمارات -المغرب، بدون تاريخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-160>ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد)</span>\n- المقدمة، تحقيق: د. علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ.\n- تاريخ ابن خلدون، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ١٣٩١ هـ (١٩٧١ م)\n\n<span data-type='title' id=toc-161>ابن دحية (أبو الخطاب عمر بن الحسن):</span>\nالمطرب في أشعار أهل المغرب، تحقيق: مصطفى عوض، الخرطوم ١٩٥٤ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>الرصاع (قاضي الجماعة محمد الأنصاري التونسي):</span>\n- كتاب شرح حدود الإمام أبي عبد الله بن عرفة، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، المغرب، ١٤١٢ هـ (١٩٩٢ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-163>الرقيق القيرواني (أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم)</span>","vol":"2","page":941},{"text":"- تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق: د. عبد الله العلي الزيدان، د. عز الدين موسى، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٠ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>الزبيدي (أبو بكر محمد بن الحسن):</span>\n-طبقات النحويين واللغويين، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٤ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>السبكي (قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب):</span>\n-معيد النعم ومبيد النقم، تحقيق: محمد علي النجار، وغيره، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٣٦٧ هـ (١٩٤٨ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-166>ابن سعيد (علي بن موسى المغربي)</span>\n- المغرب في حلى المغرب، تحقيق: د. شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة ١٩٦٩ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>السقطي (أبو عبد الله محمد بن أبي محمد):</span>\n- آداب الحسبة، نشر: ج. س. كولان، وليفي بروفنسال، باريس، ١٩٣١ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>ابن سلام (أبو عبيد القاسم):</span>\n-كتاب السلاح، تحقيق: د. صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٥ هـ (١٩٨٥ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>ابن سماك (أبو القاسم محمد بن أبي العلاء المالقي):</span>","vol":"2","page":942},{"text":"-الزهرات المنثورة في نكت الأخبار المأثورة، تحقيق: د. محمود علي مكي، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية، المجلدان ٢٠ - ٢١، مدريد ١٩٧٩ - ١٩٨٠ م/١٩٨١ - ١٩٨٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>الشاطبي (أبو إسحاق إبراهيم بن موسى):</span>\n- الفتاوى، تحقيق: محمد أبو الأجفان، تونس، ١٤٠٦ هـ (١٩٥٨ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-171>صاعد (أبو القاسم صاعد بن أحمد البغدادي):</span>\n- طبقات الأمم، تحقيق: حياة العيد أبو علوان، دار الطليعة، بيروت ١٩٨٥ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>الضبي (أبو جعفر أحمد بن يحيى):</span>\n- بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس: نشر: فرانسيسكو كوديرا \"  F.CODERA\"  وخليان ربيرا \"  J.RIBERA\"  مطبعة روخس، مجريط ١٨٨٤ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-173>طاش كبرى زاده (أحمد بن مصطفى):</span>\n- مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، مراجعة وتحقيق: كامل بكري وعبد الوهاب أبو النور، دار الكتب الحديثة القاهرة، ١٩٦٨ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>الطرطوسي (مرضي بن علي بن مرضي)</span>.\n- تبصرة أرباب الألباب، تحقيق: ونشر: كلود كاهين، بيروت ١٩٤٨ م.","vol":"2","page":943},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>الطرطوشي (أبو بكر محمد الوليد):</span>\n- سراج الملوك، المكتبة المحمودية، القاهرة، ١٣٥٤ هـ (١٩٥٣ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>العباسي (الحسن بن عبد الله بن محمد):</span>\n- آثار الأول في تدبير الدول، مطبوع على هامش تاريخ الخلفاء للسيوطي، القاهرة، ١٣٠٥ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>ابن عبد ربه (أبو عمر أحمد بن محمد):</span>\n- العقد الفريد، تحقيق: أحمد أمين، وغيره، لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ١٣٥٩ هـ (١٩٤٠ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>ابن عبد الرفيع (أبو إسحاق إبراهيم بن حسين):</span>\n- معين الحكام على القضايا والأحكام، تحقيق: د. محمد بن قاسم بن عباد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٨٩ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>ابن عبدون (محمد بن عبد الله النخعي، أو محمد بن أحمد التجيبي):</span>\n- في القضاء والحسبة (ضمن مجموعة ثلاث رسائل في الحسبة) تحقيق: ليفي بروفنسال، القاهرة، ١٩٥٥ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-180>ابن عذاري (أبو العباس أحمد بن محمد):</span>\nالبيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب: تحقيق: ج. س. كولان، وليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت، ١٩٨٣ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>العذري (أبو العباس أحمد بن عمر):</span>","vol":"2","page":944},{"text":"نصوص عن الأندلس من كتاب \"ترصيع الأخبار وتنويع الآثار والبستان في غرائب البلدان والمسالك إلى جميع الممالك \"تحقيق: د. عبد العزيز الأهواني، معهد الدراسات الإسلامية، مدريد، ١٩٦٥ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>ابن العطار (محمد بن أحمد الأموي):</span>\nكتاب الوثائق والسجلات، تحقيق: ب. شالميتا- ف. كورينطي، المعهد الأسباني العربي للثقافة، مدريد، ١٩٨٣ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-183>عياض (القاضي أبو الفضل بن موسى بن عياض):</span>\n- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق: سعيد أحمد غراب، وزميليه، وزارة الثقافة والشئون الإسلامية، المغرب، ١٤٠٢ هـ (١٩٨٢ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-184>ابن غالب (محمد بن أيوب):</span>\n- قطعة من كتاب \"فرحة الأنفس في أخبار الأندلس\" نشر قطعة منه د. لطفي عبد البديع، تحت عنوان \"تعليق منتقى من فرحة الأنفس\" مجلة معهد المخطوطات العربية، العدد الأول، القسم الثاني، القاهرة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٥ م)، عن كور الأندلس ومدنها بعد الأربعمائة، تحقيق: د. لطفي عبد البديع، مطبعة مصر، القاهرة ١٩٥٦ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>الغساني (محمد بن عبد الوهاب)</span>\n-رحلة الوزير في افتكاك الأسير، بعناية، الفريد البستاني، نشر، مؤسسة الجنرال فرانكو ١٩٣٩ م\n\n<span data-type='title' id=toc-186>ابن فرحون (برهان الدين إبراهيم بن علي):</span>","vol":"2","page":945},{"text":"- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، راجعه وقدم له: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٤٠٦ هـ (١٩٨٦ م).\n- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، مكتبة عباس بن عبد السلام بن شقرون، القاهرة، ١٣٥١ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-187>ابن الفرضي (أبو الوليد عبد الله بن محمد الأزدي):</span>\n- تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس، نشر: عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٠٨ هـ (١٩٨٨ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-188>ابن فضل الله العمري (أحمد بن يحيى):</span>\n- التعريف بالمصطلح الشريف، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية بيروت، ١٤٠٨ هـ (١٩٨٨ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-189>الفيروزبادي (أبو طاهر محمد بن يعقوب):</span>\n- القاموس المحيط، المطبعة المصرية، القاهرة، ١٣٥٢ هـ (١٩٣٣ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-190>ابن القوطية (أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز):</span>\n- تاريخ افتتاح الأندلس، ملحق به \"الرسالة الشريفية في الأقطار الأندلسية\" نشر: باسكوال دي جايانجوس \"  P.GAYANGOS\"  مدريد، ١٨٦٨ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>ابن الكردبوس (أبو مروان عبد الملك):</span>","vol":"2","page":946},{"text":"- الأندلس، قطعة من كتاب الإكتفاء في تاريخ الخلفاء \"تحقيق: د. أحمد مختار العبادي، معهد الدراسات الإسلامية، مدريد، ١٩٧١ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>الماوردي (أبو الحسن علي بن محمد):</span>\n- كتاب الأحكام السلطانية، تصحيح: السيد محمد بدر الدين الحلبي مكتبة الخانجي، القاهرة ١٣٢٧ هـ (١٩٠٩ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-193>المراكشي (عبد الواحد بن علي):</span>\n- المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق: محمد سعيد العريان، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة ١٣٨٣ هـ (١٩٦٣ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-194>المقري (أبو العباس أحمد بن محمد):</span>\n- أزهار الرياض في أخبار عياض، تحقيق: مجموعة من الأساتذة، لجنة التراث الإسلامي المشتركة بين دولتي الإمارات العربية والمملكة المغربية، ١٣٩٨ هـ (١٩٧٨ م).\n- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٣٨٨ هـ (١٩٦٨ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>ابن منظور (جمال الدين محمد بن مكرم):</span>\nلسان العرب، دار صادر، بيروت، ١٣٧٤ هـ (١٩٥٥ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-196>مؤلف مجهول:</span>\n- أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها ﵏ والحرب الواقعة فيما بينهم، نشر: لافونتي أي الكنترا  LA FUENTE Y ALCANTARA،  مع ترجمة إسبانية، مدريد ١٨٦٧ م.","vol":"2","page":947},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>مؤلف مجهول:</span>\n- تاريخ عبد الرحمن الناصر، تقديم: د. عدنان محمد آل طعمه، دار سعد الدين، دمشق ١٩٩٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>مؤلف مجهول:</span>\n- الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، تحقيق: د. سهيل زكار وعبد القادر زمامه، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء المغرب، ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>مؤلف مجهول:</span>\n- ذكر بلاد الأندلس، تحقيق: لويس مولينا، الجزء الأول، مدريد ١٩٨٣ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>مؤلف مجهول:</span>\n- كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، تحقيق: د. سعد زغلول، الدار المغربية، المغرب ١٩٨٥ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>مؤلف مجهول:</span>\n- نبذ تاريخية في أخبار البربر في القرون الوسطى، منتخبة من كتاب مفاخر البربر، نشر: ليفي بروفنسال، مطبوعات معهد العلوم العليا المغربية، المغرب، ١٣٥٢ هـ (١٩٣٤ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-197>النباهي (أبو الحسن علي بن عبد الله):</span>\n- تاريخ قضاة الأندلس، المسمى بكتاب المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، تحقيق: ليفي بروفنسال، بيروت، بدون تاريخ.","vol":"2","page":948},{"text":"<span data-type='title' id=toc-203>النويري (أحمد بن عبد الوهاب):</span>\n- نهاية الأرب في فنون الأدب، الجزء الثالث والعشرون، تحقيق: د. أحمد كمال زكي، مراجعة: د. محمد مصطفى زياده، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٨٠ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>الونشريسي (أحمد بن يحيى):</span>\n- المعيار المعرب والجامع المغرب من فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، بإشراف: د. محمد حجي، نشر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية للملكة المغربية، ١٤٠١ هـ (١٩٨١ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-205>أبو يوسف (يعقوب بن إبراهيم):</span>\n- كتاب الخراج، نشر المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ١٣٥٢ هـ.","vol":"2","page":949},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>ثانيًا المراجع:</span>\n<span data-type='title' id=toc-207>أحمد بن خالد الناصري:</span>\n- الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق: جعفر ومحمد أحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، ١٩٥٤ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-208>أحمد مختار العبادي:</span>\n- دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، الناشر: محمد أحمد بسيوني، مؤسسة شباب الجامعة الأسكندرية ١٩٦٨ م.\n- الصقالبة في أسبانيا، لمحة عن أصلهم ونشأتهم وعلاقتهم بحركة الشعوبية، المعهد المصري للدراسات الإسلامية، مدريد، ١٣٧٣ هـ (١٩٥٢ م).\n- تاريخ المغرب والأندلس، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨٦ م.\n- مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس، جامعة الأسكندرية ١٩٥٨ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-209>د. إسماعيل العربي:</span>\n- دولة الأدارسة ملوك تلمسان وفاس وقرطبة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣ هـ (١٩٨٤ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-210>آنخل جنثالث بالنثيا:</span>\n- تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة: د. حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٥٥ م.","vol":"2","page":950},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>شكيب أرسلان:</span>\n- تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزر البحر المتوسط، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة، ١٣٥٢ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>د. حسن الباشا:</span>\n- الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٥٧ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>د. حسين مؤنس:</span>\n- أثر ظهور الإسلام في الأوضاع السياسية والاقتصادية في البحر الأبيض المتوسط، المجلة التاريخية المصرية، المجلد السابع، العدد الأول، مايو ١٩٥١ م، القاهرة.\n- رحلة الأندلس حديث الفردوس المفقود، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٦٣ م.\n- غارات النورمانديين على الأندلس بين سنتي ٢٢٩ - ٢٤٥ هـ (٨٤٤ - ٨٥٩ م) المجلة التاريخية المصرية، المجلد الثاني، العدد الأول، مايو ١٩٤٩ م القاهرة.\n- فجر الأندلس، دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة ١٩٥٩ م.\n- معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار ومطابع المستقبل، القاهرة، ١٩٨٠ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>د. رجب محمد عبد الحليم:</span>","vol":"2","page":951},{"text":"- العلاقات بين الأندلس الإسلامية وأسبانيا النصرانية في عصر بني أمية وملوك الطوائف، منشورات: دار الكتب الإسلامية، القاهرة -بيروت، ١٩٨٥ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>ستانلي بول:</span>\n- العرب في أسبانيا، ترجمة: علي الجارم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٤٧ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>د. سعاد ماهر:</span>\n- البحرية في مصر الإسلامية وآثارها الباقية، دار الكاتب العربي، القاهرة، ١٩٦٧ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-217>د. سيد عبد العزيز سالم:</span>\n- تاريخ البحرية الإسلامية في حوض البحر الأبيض المتوسط، مؤسسة شباب الجامعة، الأسكندرية، ١٩٨١ م.\n- تاريخ مدينة المرية الإسلامية، قاعدة أسطول الأندلس، مكتبة شباب الجامعة، الأسكندرية، ١٩٨٤ م.\n- تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٢ م.\n- قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس، دراسة تاريخية عمرانية أثرية، في العصر الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ١٩٨٤ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>شكيب أرسلان:</span>","vol":"2","page":952},{"text":"- الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية، المكتبة التجارية الكبرى بفاس، ١٣٥٥ هـ (١٩٣٦ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-219>د. صلاح الدين المنجد:</span>\n- معجم بني أمية، مستخرج من تاريخ دمشق، دار الكتاب الجديد، بيروت، ١٩٧٠ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>د. عبد الرحمن الحجي:</span>\n- أندلسيات، المجموعة الثانية، دار الإرشاد، بيروت ١٣٨٩ هـ (١٩٦٩ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>عبد الرحمن زكي:</span>\n- السلاح في الإسلام، الجمعية الملكية للدراسات التاريخية، القاهرة، ١٩٠١ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>عبد الرحمن الفاسي:</span>\n-خطة الحسبة في النظر والتطبيق والتدوين، مكتبة دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ١٤٠٤ هـ (١٩٨٤ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-223>عبد الرؤوف عون:</span>\n- الفن الحربي في صدر الإسلام، دار المعارف القاهرة، ١٩٦١ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-224>عبد الواحد ذنون طه:</span>\n- دراسات أندلسية في التاريخ الأندلسي، بيروت ١٩٨٧ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>علي بهجت:</span>","vol":"2","page":953},{"text":"- قاموس الأمكنة والبقاع التي يرد ذكرها في كتب الفتوح، شركة طبع الكتب العربية القاهرة، ١٣٢٤ هـ (١٩٠٦ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-226>كليليا سارنللي تشركوا:</span>\n- مجاهد العامري، قائد الأسطول العربي في غربي البحر المتوسط في القرن الخامس الهجري، لجنة البيان العربي، القاهرة ١٩٦١ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-227>ليفي بروفنسال:</span>\nالحموديون سادة مالقة والجزيرة الخضراء، ترجمة: د. عدنان محمد آل طعمه، دار سعد الدين، دمشق ١٩٩٢ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-228>لويس سيكودي لوثينا:</span>\n- الإسلام في المغرب والأندلس، ترجمة د. عبد العزيز سالم ومحمد صلاح الدين، مراجعة: لطفي عبد البديع، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٥٦ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>محمد سالم مدكور:</span>\n- القضاء في الإسلام، دار النهضة العربية القاهرة، ١٣٨٣ هـ (١٩٦٤ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-230>محمد عبد الله عنان:</span>\n- الآثار الأندلسية الباقية في أسبانيا، دراسة تاريخية أثرية، مؤسسة الخانجي، القاهرة، ١٣٨١ هـ (١٩٦١ م).","vol":"2","page":954},{"text":"- دولة الإسلام في الأندلس، الخلافة الأموية والدولة العامرية، العصر الأول، القسم الثاني، مؤسسة الخانجي القاهرة، ١٣٨٠ هـ (١٩٦٠ م).\n- دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي لجنة التأليف والترجمة القاهرة ١٣٨٠ هـ.\n- دولة الإسلام في الأندلس، العصر الأول، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٣٨٢ هـ (١٩٦٢ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>محمد عبد الوهاب خلاف:</span>\n- تاريخ القضاء في الأندلس، من الفتح إلى نهاية القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، ١٤١٣ هـ (١٩٩٢ م).\n- ثلاث وثائق في محاربة الأهواء والبدع في الأندلس، مستخرجه من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي أبي الأصبغ بن سهل، المركز العربي الدولي للأعلام، القاهرة ١٩٨١ م.\n- قرطبة الإسلامية في القرن ١١ م/٥ هـ، الحياة الإقتصادية والإجتماعية، الدار التونسية للنشر، تونس، ١٩٨٤ م.\n- وثائق في أحكام أهل الذمة في الأندلس، مستخرجة من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي ابن سهل، المركز الدولي العربي للأعلام، القاهرة، ١٩٨٠ م.","vol":"2","page":955},{"text":"- وثائق في أحكام القضاء الجنائي في الأندلس، مستخرجة من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي أبي الأصبغ بن سهل، المركز العربي الدولي للأعلام، القاهرة، ١٩٨٠ م.\n- وثائق في شئون الحسبة في الأندلس، مستخرجة من الأحكام الكبرى للقاضي ابن سهل الأندلسي، المركز الدولي العربي للأعلام، القاهرة، ١٩٨٥ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-232>محمد مختار باشا:</span>\n- التوفيقات الإلهامية، في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الأفرنجية والقبطية، المطبعة الأميرية، بولاق، القاهرة، ١٣١١ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-233>محمد ياسين الحموي:</span>\n- تاريخ الأسطول الإسلامي، مطبعة الترقي، دمشق، ١٩٤٥ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-234>محمود محمد عرنوس:</span>\n- تاريخ القضاء في الإسلام، المطبعة المصرية الأهلية الحديثة، القاهرة، ١٣٥٢ هـ (١٩٣٤ م).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>ناصر النقشبندي:</span>\n- نقود أندلسية من أسبانية، مجلة سومر، الجزء الأول، المجلد السابع، مديرية الأثار القديمة العامة، بغداد، ١٩٥١ م.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>هشام سليم عبد الرحمن أبو رميلة:</span>\n- نظم الحكم في الأندلس في عصر الخلافة، (رسالة ماجستير) مقدمة إلى كلية الآداب، جامعة القاهرة، ١٩٧٥ م (لم تطبع).","vol":"2","page":956},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>المراجع الأجنبية:</span>\n١ - DE LAGRANJ - FERNANDO:\n- Del \"Kitab AL-Durr AL-Munazzam Flmawlid Alnabi AL-Muzzam\" De AL-Azafi، AL-Andalus، Madrid- Granada، ١٩٦٩ Vol XXXIV.\n٢ - F.SIMONET - AND J.LERCHUNOL:\n- Arabico - Espanola - Granada، ١٨٨١.\n٣ - G.C.MILES:\nThe Coinage of the umayyade of spain.New York ١٩٥٠.\n٤ - JERRIL:\nAL-Andalus، The art of Islamic spain new york ١٩٩٢.\n٥ - PROVENCAL:\n- Histoire de L' Espagne Musulmane. ٣ vols، paris، ١٩٥٠.\n- La description de I'espagne، de razi، AL-Andaluse، Vol XVIII ١٩٥٣.","vol":"2","page":957}]}