{"ً":{"ٌ":7334,"ٍ":"وسطية أهل السنة بين الفرق","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/وسطية أهل السنة بين الفرق - باعبد الله - ط دار الراية","files":["14241.pdf"]},"ّ":"الكتاب: وسطية أهل السنة بين الفرق (رسالة دكتوراة)\nالمؤلف: محمد با كريم محمد با عبد الله\nالناشر: دار الراية للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى ١٤١٥هـ-١٩٩٤م\nعدد الصفحات: ٥٢٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1497,"ٕ":2,"ٖ":1770155674,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":9},{"title":"المبحث الأول: معنى الوسطية في اللغة وفي استعمال الشارع","level":2,"page":9},{"title":"أولا: الوسطية في اللغة","level":3,"page":9},{"title":"ثانيا: الوسطية في استعمال الشارع","level":3,"page":13},{"title":"مدخل","level":4,"page":13},{"title":"شرح بعض الألفاظ المقابلة للوسط","level":4,"page":18},{"title":"المبحث الثاني: في بيان معنى السنة في اللغة والاصطلاح","level":2,"page":24},{"title":"أولا: السنة في اللغة","level":3,"page":24},{"title":"ثانيا: السنة في الإصطلاح","level":3,"page":25},{"title":"مدخل","level":4,"page":25},{"title":"تفريق السلف بين مفهوم السنة والحديث","level":4,"page":34},{"title":"المبحث الثالث: المراد بأهل السنة","level":2,"page":37},{"title":"أولا: نشأة مصطلح \"أهل السنة\" وتاريخ إطلاقه","level":3,"page":37},{"title":"ثانيا: معنى أهل السنة","level":3,"page":43},{"title":"ثالثا: تنازع الطوائف هذا اللقب","level":3,"page":46},{"title":"مدخل","level":4,"page":46},{"title":"الشيعة الإمامية الرافضة","level":4,"page":48},{"title":"المعتزلة","level":4,"page":52},{"title":"الأشاعر","level":4,"page":54},{"title":"رابعا: طريق معرفة السنة وإدراكها","level":3,"page":61},{"title":"خامسا: موقف الأشاعرة من النقل عموما والسنة خصوصا","level":3,"page":64},{"title":"سادسا: سلف الأشاعرة وموقف أهل السنة منهم","level":3,"page":74},{"title":"سابعا: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة","level":3,"page":79},{"title":"القول الأول","level":4,"page":79},{"title":"القول الثاني","level":4,"page":83},{"title":"القول الثالث","level":4,"page":86},{"title":"القول الرابع","level":4,"page":87},{"title":"المبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم وعند خصومهم","level":2,"page":93},{"title":"أولا: الأسماء التي عرفت بها أهل السنة وهي مرضية عندهم محببة إليهم","level":3,"page":93},{"title":"١- أهل الجماعة","level":4,"page":93},{"title":"٢- السلفية أو السلفيون","level":4,"page":99},{"title":"٣- أهل الحديث","level":4,"page":120},{"title":"٤- الأثرية أو أهل الأثر","level":4,"page":124},{"title":"٥- الفرق الناجية","level":4,"page":126},{"title":"٦- الطائفة المنصورة","level":4,"page":128},{"title":"ثانيا: ألقاب أهل السنة عند خصومهم من أهل الأهواء والبدع","level":3,"page":132},{"title":"الباب الأول: وسطية هذه الأمة بين الأمم","level":1,"page":159},{"title":"بين يدي هذا الباب","level":2,"page":159},{"title":"الفصل الأول: عدالة هذه الأمة","level":2,"page":167},{"title":"المبحث الأول: العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به","level":3,"page":167},{"title":"أولا: وجوب العدل على هذه الأمة","level":4,"page":167},{"title":"ثانيا: قيام هذه الأمة بالعدل","level":4,"page":170},{"title":"المبحث الثاني: وصف الله لهذه الأمة بالعدالة وشهادته لها بها","level":3,"page":177},{"title":"المبحث الثالث: اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها وشهادتهم لها بذلك","level":3,"page":180},{"title":"المبحث الرابع: العدل عند أهل الكتاب","level":3,"page":186},{"title":"أولا: مبدأ العدل عند اليهود","level":4,"page":186},{"title":"ثانيا: العدل عند النصارى","level":4,"page":195},{"title":"الفصل الثاني: في خيرية هذه الأمة","level":2,"page":206},{"title":"المبحث الأول: في إثبات خيريتها","level":3,"page":206},{"title":"المبحث الثاني: أوجه خيرية هذه الأمة","level":3,"page":211},{"title":"الوجه الأول: إيمانها بالله ﷿","level":4,"page":211},{"title":"الوجه الثاني: أنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر","level":4,"page":213},{"title":"الوجه الثالث: كونها خير الأمم للناس وأنفعها لهم","level":4,"page":216},{"title":"الوجه الرابع: كونهم أكثر الناس استجابة للأنبياء","level":4,"page":219},{"title":"الوجه الخامس: كونها لا تجتمع على ضلالة","level":4,"page":221},{"title":"الوجه السادس: كون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتب السماوية","level":4,"page":223},{"title":"الوجه السابع: كون نبيها أفضل الأنبياء والرسل عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام","level":4,"page":231},{"title":"الوجه الثامن: تقديمها على الأمم في الحشر والحساب يوم القيامة ودخول الجنة مع كونها آخر الأمم","level":4,"page":238},{"title":"الوجه التاسع: كونها أكثر أهل الجنة","level":4,"page":240},{"title":"الفصل الثالث: اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط والغلو والتقصير","level":2,"page":242},{"title":"تمهيد","level":3,"page":242},{"title":"المبحث الأول: وسطيتها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته","level":3,"page":247},{"title":"مدخل","level":4,"page":247},{"title":"أولا: موقف أمة اليهود","level":4,"page":250},{"title":"ثانيا: موقف النصارى","level":4,"page":256},{"title":"ثالثا: موقف المسلمين","level":4,"page":263},{"title":"المبحث الثاني: وسطيتها واعتدالها في باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام","level":3,"page":265},{"title":"مدخل","level":4,"page":265},{"title":"أولا: موقف اليهود من أنبياء الله ورسله","level":4,"page":267},{"title":"ثانيا: موقف النصارى","level":4,"page":279},{"title":"ثالثا: موقف المسلمين من أنبياء الله ورسله","level":4,"page":283},{"title":"الباب الثاني: وسطية أهل السنة بين الفرق","level":1,"page":291},{"title":"بين يدي هذا الباب","level":2,"page":291},{"title":"مدخل","level":3,"page":291},{"title":"تمهيد: في بيان افتراق الأمة وأسباب ذلك","level":3,"page":293},{"title":"أولا: افتراق هذه الأمة","level":4,"page":293},{"title":"ثانيا: أسباب افتراقها","level":4,"page":303},{"title":"الفصل الأول: في وسطية أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته","level":2,"page":306},{"title":"تمهيد","level":3,"page":306},{"title":"المبحث الأول: في بيان قول أهل التعطيل","level":3,"page":310},{"title":"الطائفة الأولى: نفاة الأسماء والصفات","level":4,"page":310},{"title":"الطائفة الثانية: من طوائف المعطلة","level":4,"page":315},{"title":"الطائفة الثالثة: من طوائف أهل التعطيل","level":4,"page":318},{"title":"المبحث الثاني: في بيان أهل التشبيه والتمثيل","level":3,"page":320},{"title":"المبحث الثالث: في بيان قول أهل سواء السبيل وهم أهل السنة","level":3,"page":322},{"title":"المبحث الرابع: بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب","level":3,"page":327},{"title":"أولا: أقوال بعض السلف في وسطية قول أهل السنة في صفات الله تعالى","level":4,"page":327},{"title":"ثانيا: صور من وسطية أهل السنة في هذا الباب","level":4,"page":330},{"title":"الفصل الثاني: وسطية أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد","level":2,"page":335},{"title":"تمهيد","level":3,"page":335},{"title":"المبحث الأول: في وسطيتهم في الأسماء والأحكام","level":3,"page":336},{"title":"المبحث الثاني: في وسطيتهم في نصوص الوعد والوعيد","level":3,"page":355},{"title":"الفصل الثالث: وسطية أهل السنة في باب القدر","level":2,"page":361},{"title":"المبحث الأول: في معنى القدر وحكمه","level":3,"page":361},{"title":"أولا: معنى القدر","level":4,"page":361},{"title":"ثانيا: حكمه ومنزلته من الدين","level":4,"page":363},{"title":"المبحث الثاني: في نشأة الكلام في القدر ونزاع الناس فيه","level":3,"page":368},{"title":"المبحث الثالث: في بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب","level":3,"page":374},{"title":"مدخل","level":4,"page":374},{"title":"أولا: وسطيتهم في خلق أفعال العباد","level":4,"page":376},{"title":"ثانيا: وسطيتهم في معنى إرادة الله ومشيئته ومحبته ورضاه","level":4,"page":386},{"title":"الفصل الرابع: وسطيتهم في باب الصحابة","level":2,"page":391},{"title":"تمهيد","level":3,"page":391},{"title":"المبحث الأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة","level":3,"page":399},{"title":"أولا: ذكر قول الخوارج","level":4,"page":399},{"title":"ثانيا: ذكر قول المعتزلة وعقيدتهم في أصحاب رسول الله ﷺ","level":4,"page":402},{"title":"المبحث الثاني: في ذكر قول من جمع بين الغلو والجفاء في أصحاب رسول الله ﷺ \"وهم الشيعة\"","level":3,"page":405},{"title":"المبحث الثالث: في ذكر قول أهل السنة والجماعة","level":3,"page":419},{"title":"الفصل الخامس: وسطية أهل السنة في باب تعظيم النبى ﷺ والصالحين من أمته","level":2,"page":425},{"title":"مدخل","level":3,"page":425},{"title":"المبحث الأول: في بيان وسطية أهل السنة في باب تعظيم النبي ﷺ","level":3,"page":427},{"title":"أولا: موقف أهل السنة وقولهم في هذا الباب","level":4,"page":427},{"title":"ثانيا: ذكر قول بعض من غلا وأفرط في تعظيمه ﷺ","level":4,"page":434},{"title":"ثالثا: ذكر قول بعض من فرط وقصر في تعظيمه ﷺ","level":4,"page":440},{"title":"المبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين","level":3,"page":442},{"title":"مدخل","level":4,"page":442},{"title":"الصنف الأول: فهم أهل السنة والجماعة","level":4,"page":445},{"title":"الصنف الثاني: وهم أهل الغلو والإفراط في تعظيم الصالحين","level":4,"page":450},{"title":"الصنف الثالث: وهم الذين قصروا وفرطوا في هذا الباب","level":4,"page":452},{"title":"خاتمة","level":1,"page":454},{"title":"الفهارس","level":1,"page":457},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":2,"page":457},{"title":"فهرس الآيات القرآنية الكريمة","level":2,"page":483},{"title":"فهرس الأحاديث النبوية والآثار","level":2,"page":494},{"title":"فهرس الفرق والطوائف","level":2,"page":501},{"title":"فهرس الموضوعات","level":2,"page":509}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":47,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":65,"1,65":66,"1,66":67,"1,67":68,"1,68":69,"1,69":70,"1,70":71,"1,71":72,"1,72":73,"1,73":75,"1,74":76,"1,75":77,"1,76":78,"1,77":79,"1,78":80,"1,79":81,"1,80":82,"1,81":84,"1,82":85,"1,84":87,"1,85":88,"1,86":89,"1,87":90,"1,88":91,"1,89":92,"1,91":93,"1,92":94,"1,93":95,"1,94":96,"1,95":97,"1,96":98,"1,97":100,"1,98":101,"1,99":102,"1,100":103,"1,101":104,"1,102":105,"1,103":106,"1,104":107,"1,105":108,"1,106":109,"1,107":110,"1,108":111,"1,109":112,"1,110":113,"1,111":114,"1,112":115,"1,113":116,"1,114":117,"1,115":118,"1,116":119,"1,117":121,"1,118":122,"1,119":123,"1,120":125,"1,121":127,"1,122":128,"1,123":129,"1,124":130,"1,125":131,"1,126":132,"1,127":133,"1,128":134,"1,129":135,"1,130":136,"1,131":137,"1,132":138,"1,133":139,"1,134":140,"1,135":141,"1,136":142,"1,137":143,"1,138":144,"1,139":145,"1,140":146,"1,141":147,"1,142":148,"1,143":149,"1,144":150,"1,145":151,"1,146":152,"1,147":153,"1,148":154,"1,149":155,"1,150":156,"1,151":157,"1,152":158,"1,155":159,"1,156":160,"1,157":161,"1,158":162,"1,159":163,"1,160":164,"1,161":165,"1,162":166,"1,165":167,"1,166":168,"1,167":169,"1,168":170,"1,169":171,"1,170":172,"1,171":173,"1,172":174,"1,173":175,"1,174":176,"1,175":177,"1,176":178,"1,177":179,"1,178":180,"1,179":181,"1,180":182,"1,181":183,"1,182":184,"1,183":185,"1,184":186,"1,185":187,"1,186":188,"1,187":189,"1,188":190,"1,189":191,"1,190":192,"1,191":193,"1,192":194,"1,193":196,"1,194":197,"1,195":198,"1,196":199,"1,197":200,"1,198":201,"1,199":202,"1,200":203,"1,201":204,"1,202":205,"1,205":206,"1,206":207,"1,207":208,"1,208":209,"1,209":210,"1,210":211,"1,211":212,"1,212":213,"1,213":214,"1,214":215,"1,215":217,"1,216":218,"1,217":219,"1,218":220,"1,219":222,"1,220":224,"1,221":225,"1,222":226,"1,223":227,"1,224":228,"1,225":229,"1,226":230,"1,227":232,"1,228":233,"1,229":234,"1,230":235,"1,231":236,"1,232":237,"1,233":239,"1,234":241,"1,237":242,"1,238":243,"1,239":244,"1,240":245,"1,241":246,"1,242":247,"1,243":248,"1,244":249,"1,245":251,"1,246":252,"1,247":253,"1,248":254,"1,249":255,"1,250":256,"1,251":257,"1,252":258,"1,253":259,"1,254":260,"1,255":261,"1,256":262,"1,257":263,"1,258":264,"1,259":265,"1,260":266,"1,261":267,"1,262":268,"1,263":269,"1,264":270,"1,265":271,"1,266":272,"1,267":273,"1,268":274,"1,269":275,"1,270":276,"1,271":277,"1,272":278,"1,273":279,"1,274":280,"1,275":281,"1,276":282,"1,277":283,"1,278":284,"1,279":285,"1,280":286,"1,281":287,"1,282":288,"1,283":289,"1,284":290,"1,287":291,"1,288":292,"1,289":293,"1,290":294,"1,291":295,"1,292":296,"1,293":297,"1,294":298,"1,295":299,"1,296":300,"1,297":301,"1,298":302,"1,299":303,"1,300":304,"1,301":305,"1,305":306,"1,306":307,"1,307":308,"1,308":309,"1,309":310,"1,310":311,"1,311":312,"1,312":313,"1,313":314,"1,314":316,"1,315":317,"1,316":319,"1,317":320,"1,318":321,"1,319":322,"1,320":323,"1,321":324,"1,322":325,"1,323":326,"1,324":327,"1,325":328,"1,326":329,"1,327":331,"1,328":332,"1,329":333,"1,330":334,"1,333":335,"1,334":336,"1,335":337,"1,336":338,"1,337":339,"1,338":340,"1,339":341,"1,340":342,"1,341":343,"1,342":344,"1,343":345,"1,344":346,"1,345":347,"1,346":348,"1,347":349,"1,348":350,"1,349":351,"1,350":352,"1,351":353,"1,352":354,"1,353":355,"1,354":356,"1,355":357,"1,356":358,"1,357":359,"1,358":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":364,"1,364":365,"1,365":366,"1,366":367,"1,367":368,"1,368":369,"1,369":370,"1,370":371,"1,371":372,"1,372":373,"1,373":374,"1,374":375,"1,375":377,"1,376":378,"1,377":379,"1,378":380,"1,379":381,"1,380":382,"1,381":383,"1,382":384,"1,383":385,"1,384":387,"1,385":388,"1,386":389,"1,387":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,422":421,"1,423":422,"1,424":423,"1,425":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":446,"1,448":447,"1,449":448,"1,450":449,"1,451":450,"1,452":451,"1,453":453,"1,455":454,"1,456":455,"1,457":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,488":484,"1,489":485,"1,490":486,"1,491":487,"1,492":488,"1,493":489,"1,494":490,"1,495":491,"1,496":492,"1,497":493,"1,499":494,"1,500":495,"1,502":496,"1,503":497,"1,504":498,"1,505":499,"1,506":500,"1,507":501,"1,508":502,"1,509":503,"1,510":504,"1,511":505,"1,512":506,"1,513":507,"1,514":508,"1,515":509,"1,516":510,"1,517":511,"1,518":512,"1,519":513,"1,520":514,"1,521":515,"1,522":516,"1,523":517,"1,524":518,"1,525":519,"1,526":520},"ٜ":{"1":[5,526]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,15","1,16","1,17","1,18","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,46","1,47","1,48","1,48","1,49","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,61","1,62","1,63","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,80","1,81","1,82","1,82","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,116","1,117","1,118","1,119","1,119","1,120","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,218","1,219","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,232","1,233","1,233","1,234","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,313","1,314","1,315","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,361","1,362","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,422","1,423","1,424","1,425","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,452","1,453","1,455","1,456","1,457","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,499","1,500","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526"],"ٞ":{"1":[1],"9":[2,3,4],"13":[5,6],"18":[7],"24":[8,9],"25":[10,11],"34":[12],"37":[13,14],"43":[15],"46":[16,17],"48":[18],"52":[19],"54":[20],"61":[21],"64":[22],"74":[23],"79":[24,25],"83":[26],"86":[27],"87":[28],"93":[29,30,31],"99":[32],"120":[33],"124":[34],"126":[35],"128":[36],"132":[37],"159":[38,39],"167":[40,41,42],"170":[43],"177":[44],"180":[45],"186":[46,47],"195":[48],"206":[49,50],"211":[51,52],"213":[53],"216":[54],"219":[55],"221":[56],"223":[57],"231":[58],"238":[59],"240":[60],"242":[61,62],"247":[63,64],"250":[65],"256":[66],"263":[67],"265":[68,69],"267":[70],"279":[71],"283":[72],"291":[73,74,75],"293":[76,77],"303":[78],"306":[79,80],"310":[81,82],"315":[83],"318":[84],"320":[85],"322":[86],"327":[87,88],"330":[89],"335":[90,91],"336":[92],"355":[93],"361":[94,95,96],"363":[97],"368":[98],"374":[99,100],"376":[101],"386":[102],"391":[103,104],"399":[105,106],"402":[107],"405":[108],"419":[109],"425":[110,111],"427":[112,113],"434":[114],"440":[115],"442":[116,117],"445":[118],"450":[119],"452":[120],"454":[121],"457":[122,123],"483":[124],"494":[125],"501":[126],"509":[127]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة:</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.\nوبعد:\nفإن من نعمة الله على هذه الأمة المحمدية، وتشريفه لها، أن جعلها أمة\n_________\n١ سورة آل عمران: ١٠٢.\n٢ سورة النساء: ١.\n٣ سورة الأحزاب: آية ٧٠- ٧١.","vol":"1","page":5},{"text":"وسطًا خيارًا عدولًا فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١، فهي خير الأمم التي أخرجت للناس قاطبة كما وصفها وشهد لها ربها وخالقها بذلك، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢.\nاختار لها سبحانه من خيارها وأوسطها نسبًا ومكانة خيرة خلقه وأفضل رسله فبعثه فيها نبيًا رسولًا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.\nوأنزل عليها أشرف كتبه، وجعله مهيمنًا على الكتب قبله شاملًا لخير ما جاءت به. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٤.\nبهذا النبي الكريم، وهذا الكتاب العظيم شرفت هذه الأمة وبمتابعتهما، والاهتداء بهديهما، كانت خير الأمم وأوسطها وأعدلها.\nثم كان أسعد هذه الأمة بهذه الخيرية، أسعدها باتباعهما، وأحرصها على هديهما قولًا وعملًا واعتقادًا وهم أصحاب رسول الله ﷺ، ثم تابعوهم، ثم التابعون لهم بإحسان من القرون الثلاثة المفضلة، التي شهد لها النبي ﷺ بالخيرية في قوله: \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"٥، فهؤلاء هم خيار الأمة.\nثم يلحق بهم كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الهدي والتمسك\n_________\n١ سورة البقرة: ١٤٣.\n٢ سورة آل عمران: ١١٠.\n٣ سورة التوبة: ١٢٨.\n٤ سورة المائدة: ٤٨.\n٥ خ كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ \"٧/ ٣ ح ٣٦٥٠\" \"مع الفتح\".","vol":"1","page":6},{"text":"بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، من أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، الدين أخبر النبي ﷺ في حديث الافتراق١ بأنهم الفرقة الناجية، وأنهم الجماعة.\nفهؤلاء جميعًا هم خيار هذه الأمة، وأوسطها.\nفإنه بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى جوار ربه، ومضي عصر الخلافة الراشدة بدأ في آخر عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ظهور التفرق والاختلاف، فخرجت الخوراج ببدعها وأطلت الشيعة بغلوها وفتنها، ثم توالى ظهور البدع وتكون الفرق كما سيأتي ذكر ذلك.\nوكل من هذه الفرق قد خالف ما كانت عليه الأمة في عهد الرسول ﷺ وصدر الخلافة الراشدة، وابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، وانحرف عن سواء الصراط؛ إما إلى تفريط، أو إلى إفراط، وشابه الأمم الأخرى في بعض بدعها؛ فانحطت منزلة هذه الفرق، وابتعدت عن الوسطية الثابتة لهذه الأمة على تفاوت بينها في قدر ذلك ومبلغه.\nوأصبح أهل السنة في هذه الأمة بالنسبة لسائر الأمم، فهم وسط بين فرقها كما أنها وسط بين الأمم.\nيدرك هذا المعنى كل دارس متفحص لأقوال أهل السنة وأقوال الفرق الأخرى في كثير من مسائل العقيدة وأبواب الدين.\nإذ يجد أمر هذه الفرق يدور بين الغلو والإفراط، وبين التقصير والتفريط، وأهل السنة بين إفراط أولئك وتفريط هؤلاء على هدي قاصد وصراط مستقيم.\nولما كانت الحاجة تمس لتقرير وسطية أهل السنة والجماعة، وبيان اعتدالهم في أقوالهم واعتقادهم وسائر أمورهم، ولا سيما في هذا الوقت الذي\n_________\n١ سيأتي نصه وتخريجه ص ٤٨.","vol":"1","page":7},{"text":"تحتاج فيه هذه الأمة إلى بيان الوسطية والاعتدال والتزامها، لما نراه من تعدد السبل واختلافها، وتشعب الطرق، والمناهج، وادعاء أصحابها والداعين إليها أنهم على الحق والسنة دون غيرهم.\nلذلك كله كانت هذه الدراسة المقارنة التي أرجو أن تكون لبنة في بناء دراسات تالية تسلط الأضواء على الوسطية والتوازن والاعتدال التي هي سمة هذه الأمة بعامة، وأهل السنة على وجه الخصوص، وتناول جوانب أخرى لم تطرق في بحثنا هذا، تستكمل فيها جوانب ومظاهر وسطية أهل السنة وعدالتهم واعتدالهم١.\nخطبة البحث:\nجعلت العمل في هذا البحث في: تمهيد، وبابين، وخاتمة.\nأما التمهيد فجعلته في أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: في معنى الوسطية في اللغة ولسان الشارع.\nالمبحث الثاني: في معنى السنة في اللغة والاصطلاح.\nوالمبحث الثالث: بينت فيه المراد بأهل السنة؟\nوالمبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم، وعند خصومهم من أهل البدع.\nوالباب الأول: في وسطية هذه الأمة\n_________\n١ عند إعداد هذا البحث للنشر اطلعت على دراسات هذه حول الوسطية أبرزت جوانب أخرى مهمة من جوانب الوسطية، أولاها بعنوان: \"الوسطية في الإسلام تعريف وتطبيق\"، للدكتور زيد بن عبد الكريم الزيد، نشر: دار العاصمة في الرياض عام ١٤١٢ هـ، والأخرى بعنوان: \"الوسطية في ضواء القرآن\" الكريم للدكتور ناصر سليمان العمر، نشر: دار الوطن عام ١٤١٣ هـ، نفع الله بها.","vol":"1","page":8},{"text":"بينت فيها وسطيتها من عدة أوجه في تمهيد وثلاثة فصول:\nالتمهيد: بينت فيها معنى الأمة، والوسطية المثبتة لها والمناسبة بين وسطية هذه الأمة ووسطية أهل السنة.\nوالفصل الأول: في عدالة هذه الأمة -وفيه أربعة مباحث:\nالأول: في وجوب العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به.\nالثاني: في وصف الله هذه الأمة بالعدالة وشهادته لهابها.\nالثالث: في اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها وشهادتهم لها بذلك.\nالرابع: العدل عند أهل الكتاب.\nالفصل الثاني: في خيرية هذه الأمة -وفيه مبحثان:\nالأول: في إثبات خيريتها.\nوالثاني: في أوجه خيريتها.\nالفصل الثالث: في اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط، وفيه مبحثان:\nالأول: في وسطيتها واعتدالها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته.\nوالثاني: وسطيتها في باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.\nالباب الثاني: في بيان وسطية أهل السنة بين الفرق.\nبينت فيه وسطية أهل السنة واعتدالهم، وسلامة أقوالهم واعتقادهم من الإفراط والتفريط، وجعلته في: تمهيد، وخمسة فصول:\nالتمهيد: بينت فيه نبذة عن ظهور الفرق في هذه الأمة وأسباب ذلك.\nوالفصل الأول: في بيان وسطية أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته","vol":"1","page":9},{"text":"وفيه أربعة مباحث:\nالأول: في بيان قول أهل التعطيل.\nالثاني: في بيان قول أهل التشبيه والتمثيل.\nوالثالث: في بيان قول أهل سواء السبيل.\nوالرابع: في بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب.\nوالفصل الثاني: في بيان وسطية أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، وفيه مبثحان:\nالأول: وسطيتهم في الأسماء والأحكام.\nوالثاني: في وسطيتهم في الوعد والوعيد.\nالفصل الثالث: في وسطية أهل السنة في باب القدر، وفيه ثلاثة مباحث:\nالأول: في معنى القدر.\nالثاني: في نشأة الكلام في القدر ونزاع الناس فيه.\nالثالث: في بيان وسطية أهل السنة فيه.\nالفصل الرابع: في وسطيتهم في باب الصحابة رضوان الله عليهم، وفيه: تمهيد: بينت فيه معنى الصحابي، ومنزلة الصحابة ومكانتهم في الكتاب والسنة وجعلت المبحث:\nالأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة.\nوالثاني: في ذكر قول من جمع بين الغلو والجفاء.\nوالثالث: في ذكر قول أهل السنة والجماعة.\nالفصل الخامس: في بيان وسطية أهل السنة في باب تعظيم الرسول ﷺ","vol":"1","page":10},{"text":"والصالحين من أمته، وفيه تمهيد، ومبحثان:\nالمبحث الأول: في وسطيتهم في باب تعظيم النبي ﷺ.\nالمبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين من أمته.\nثم ذيلت البحث بخاتمة بينت فيها خلاصة ما عالجه من المسائل، وما توصلت إليه فيها من نتائج.\nوصنعت بعض الفهارس التي تعين القارئ الكريم على إدراك بغيته، والوقوف على مطلبه في يسر وسهولة، فجعلت:\nفهرسًا: للآيات القرآنية الكريمة.\nوفهرسًا: للأحاديث الشريفة والآثار.\nوفهرسًا: للفرق والطوائف والجماعات.\nوفهرسًا: للمصادر والمراجع المستخدمة في البحث.\nوفهرسًا: للموضوعات.\nالرموز المستعملة في البحث:\nاستعملت بعض الرموز لبعض المصادر الحديثية، وذلك على النحو التالي:\nخ: صحيح البخاري \"مع فتح الباري\".\nم: صحيح مسلم.\nت: جامع الترمذي.\nد: سنن أبي داود.\nجه: سنن ابن ماجه.","vol":"1","page":11},{"text":"حم: مسند الإمام أحمد.\nوسائر المراجع والمصادر الأخرى أذكرها بأسمائها كاملة:\nوختامًا، أحمد الله ﷿ وأشكره على ما من به من الإعانة على إتمام هذا البحث وأخراجه، ثم أشكر كل من كان عونًا على ذلك، وفي مقدمتهم فضيلة شيخي وأستاذي الكريم الأستاذ الدكتور علي بن محمد بن ناصر فقيهي، الذي تولى الإشراف على إعداد هذا البحث، وكان لتوجيهاته وإرشاداته القيمة الأثر الكبير في الوصول به إلى ما هو عليه فجزى الله الجميع خير الجزاء.\nوبعد أخي القارئ الكريم هذا جهد المقل، أضعه بين يديك، وقد بذلته فيه جهدي، واستفرغت طاقتي ووسعي، فما كان فيه من صواب وحتى فبتوفيق الله وحده وله المنة والفضل، وما كان فيه من خطأ، أو زلل وخلل فمني ومن الشيطان، لك غنمه وعلي غرمه، على أني أطمع إذا أطلعت على زلة أو هنة أن توقفني على ذلك، مشكورًا مأجورًا إن شاء الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين.\nالمؤلف\nالمدينة النبوية\n١٨/ ٤/ ١٤١٤ هـ","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: معنى الوسطية في اللغة وفي استعمال الشارع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: الوسطية في اللغة</span>\nمادة \"وسط\" تدل على معان متقاربة، يقول ابن فارس: الواو والسين والطاء بناء صحيح يدل على: العدل، والنصف، وأعدل الشيء أوسطه ووسطه١.\nفـ \"كلمة \"وسط\" تضبط على وجهين:\nالأول: \"وسط\"؛ بسكون السين.\nفتكون ظرفًا بمعنى \"بين\".\nقال في \"لسان العرب\": وأما الوسط بسكون السين فهو ظرف لا اسم، جاء على وزان نظيره في المعنى وهو \"بين\"، تقول: جلست وسط القوم، أي بينهم.\nومنه قول سوار بن المضرب:\n_________\n١ أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، \"بتحقيق عبد السلام محمد هارون، نشر: دار الكتب العلمية - إيران\"، ٦/ ١٠٨.","vol":"1","page":15},{"text":"إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانًا١\nالثاني: \"وسط\"؛ بفتح السين:\nوتأتي: لمعان متعددة متقاربة، فتكون:\n١- \" اسمًا: لما بين طرفي الشيء وهو منه. فتقول: قبضت وسط الحبل، وكسرت وسط القوس، وجلست وسط الدار. وهذا حقيقة معناه٢.\n٢- تأتي صفة بمعنى \"خيار، وأفضل، وأجود\"، فأوسط الشيء \"أفضله، وخياره\" كوسط المرعى خير من طرفيه، ومرعى وسط؛ أي: خيار ومنه:\nإن لها فوارسًا وفرطًا ... ونفرة الحي ومرعى وسطًا٣\nوواسطة القلادة: الجوهر الذي وسطها وهو أجودها٤.\nورجل وسط ووسيط: حسن٥.\n٣- وتأتي \"وسط\" بمعنى: \"عدل\" كما تقدم قول ابن فارس أنه يدل على العدل. وأن أعدل الشيء أوسطه.\nوفي \"لسان العرب\": \"ووسط الشيء وأوسطه أعدله\"٦.\n_________\n١ أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، \"نشر: دار صادر - بيروت\"، ٧/ ٤٢٨.\n٢ ابن منظور، لسان العرب، ٧/ ٤٢٧- ٤٢٨.\n٣ نفس المصدر ٧/ ٤٢٧، ٤٣٠.\n٤ إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح، \"تحقيق أحمد بن عبد الغفور عطار، ط. الثالثة، ١٤٠٢ هـ\"، ٣/ ١١٦٧.\n٥ ابن منظور، لسان العرب ٧/ ٤٣٠.\n٦ ٧/ ٤٣٠.","vol":"1","page":16},{"text":"وفي \"القاموس\": \"الوسط: محركة. من كل شيء أعدله\"١.\nوكذا قال الجوهري في \"الصحاح\"٢.\n٤ وتأتي \"وسط\" بمعنى الشيء بين الجيد والردئ.\nقال الجوهري: ويقال أيضًا: شيء وسط: أي بين الجيد والردئ٣.\nوقال صاحب \"المصباح المنير\": الوسط بالتحريك المعتدل، يقال: شيء وسط: أي بين الجيد والرديء٤.\nوكيفما تصرفت هذه اللفظة، نجدها لا تخرج في معناها عن معاني العدل والفضل والخيرية والنصف والبينية والتوسط بين الطرفين. فتقول:\n\"وسوطًا\" بمعنى: المتوسط المعتدل، ومنه قول الأعرابي: \"علمني دينًا وسوطًا لا ذاهبًا فروطًا ولا ساقطًا سقوطًا. فإن الوسوط ها هنا المتوسط بين الغالي والتالي\"٥.\nو\"وسيطًا\": أي حسيبًا شريفًا.\nقال الجوهري: وفلان وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبًا وأرفعهم محلًا، قال العرجي:\n_________\n١ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، القاموس المحيط، \"نشر: دار الجيل- بيروت\"، ٢/ ٤٠٥.\n٢ ٣/ ١١٦٧.\n٣ الصحاح ٣/ ١١٦٧، وانظر أيضًا: القاموس ٢/ ٤٠٦، واللسان ٧/ ٤٣٠.\n٤ أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المصباح المنير، \"نشر: مكتبة لبنان -بيروت\"، ص ٢٥٢.\n٥ ابن منظور، اللسان ٧/ ٤٢٩.","vol":"1","page":17},{"text":"كأني لم أكن فيهم وسيطًا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو١\nو\"الوسط\"؛ أي: المتوسط بين المتخاصمين٢.\nو\"التوسط\": بين الناس من الوساطة٣.\nو\"التوسيط\"؛ أي: تجعل الشيء في الوسط٤.\nو\"التوسيط\": قطع الشيء نصفين٥.\nو\"وسوط الشمس\": توسطها السماء٦.\nو\"واسطة القلادة\": الجوهر الذي هو في وسطها، وهو أجودها٧.\n_________\n١ الصحاح ٣/ ١١٦٧.\n٢ الفيروزآبادي، القاموس ٢/ ٤٠٦.\n٣ الجوهري، الصحاح ٣/ ١١٦٧.\n٤ نفس المصدر ٣/ ١١٦٧.\n٥ نفس المصدر ٣/ ١١٦٧.\n٦ ابن منظور، لسان العرب ٧/ ٤٢٩.\n٧ الجوهري، الصحاح ٣/ ١١٦٧.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثانيا: الوسطية في استعمال الشارع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>مدخل</span>\n...\nثانيًا: الوسطية في استعمال الشارع\nوردت مادة وسط في القرآن الكريم والسنة المطهرة في أكثر من آية وحديث، تذور معانيها حول المعاني اللغوية لهذه المادة.\nفاستعملها الشارع بمعنى:\n١\" العدالة والخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط.\nومن ذلك: قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١: أي عدلًا.\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٤٣.","vol":"1","page":18},{"text":"كما فسرها النبي ﷺ، فقال: \"والوسط: العدل\"١.\nوفسرها بعض أهل العلم بـ \"الخيار والأجود\"٢.\nوقال الزجاج: \"وفي ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قولان:\nقال بعضهم: ﴿وَسَطًا﴾: عدلًا، وقال بعضهم: أخيارًا، واللفظان مختلفان والمعنى واحد، لأن العدل خير، والخير عدل\"٣.\nوفسرها ابن جرير بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط٤.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ ٥.\nقال ابن عباس وغيره: أي: أعدلهم وخيرهم٦.\nومن ذلك قوله ﷺ: \"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة أو أعلى الجنة\" ٧.\nقال الحافظ ابن حجر: قوله: أوسط الجنة أو أعلى الجنة. المراد\n_________\n١ خ: كتاب التفسير، باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، ٨/ ١٧٢، ح ٤٤٨٧، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n٢ منهم الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم، \"بتحقيق عبد العزيز غنيم ومحمد أحمد عاشور ومحمد إبراهيم البنا، ط. الشعب - القاهرة\"، ١/ ٢٧٥.\n٣ أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، \"شرح وتحقيق د. عبد الجليل عبده شلبي، ط. الأولى ١٤٠٨ هـ نشر: عالم الكتب - بيروت\"، ٢/ ٢١٩.\n٤ جامع البيان عن تأويل آي القرآن، \"تحقيق وتعليق محمد محمود شاكر، دار المعارف بمصر\"، ٣/ ١٤٢.\n٥ سورة القلم آية ٢٨.\n٦ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٨/ ٢٢٣.\n٧ خ: كتاب الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ٦/ ١١، ح ٢٧٩٠.","vol":"1","page":19},{"text":"بالأوسط هنا الأعدل والأفضل، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١.\nومن ذلك قوله ﷺ: \"الوالد أوسط أبواب الجنة\" ٢، وفي رواية: \"الوالدة\"؛ أي: خيرها٣.\nومن ذلك قول أبي بكر ﵁ في حديث السقيفة٤: ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا٥.\nومن ذلك ما جاء في خبر رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم٦: ألا فانظروا رجلًا وسيطًا عظامًا جسامًأ أبيض بضًا٧.\nقال ابن الأثير: أي: حسيبًا في قومه٨.\nوقال الزمخشري: الوسيط: أفضل القوم من الوسط٩.\n_________\n١ فتح الباري ٦/ ١٣.\n٢ الحاكم، المستدرك ٤/ ١٥٢.\n٣ مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، \"بتحقيق طاهر أحمد الزاوي وحمود محمد الطناحي، نشر: المكتبة العلمية - بيروت\"، ٥ / ١٨٤.\n٤ سقيفة بني ساعدة: هي ظلة بالمدينة كانوا يجلسون تحتها، فيها بويع أبو بكر الصديق ﵁، وبنو ساعدة الذين أضيفت إليهم السقيفة، هم حي من الأنصار منهم سعد بن عبادة، انظر: ياقوت الحموي معجم البلدان، ط. ١٤٠٤، \"نشر: دار صادر- بيروت\"، ٣/ ٢٢٨- ٢٢٩.\n٥ خ: كتاب الحدود، باب رجم الحبلى، ١٢/ ١٤٥، ح ٦٨٣٠.\n٦ وهي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، كانت عند نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن قصي بن سعد، الطبقات الكبرى، \"نشر: دار صادر\"، ٨/ ٢٢٢.\n٧ البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين، دلائل النبوة \"بتخريج وتعليق د. عبد المعطي قلعجي، نشر: دار الكتاب العلمية، بيورت- لبنان\"، ٢/ ١٨.\n٨ النهاية في غريب الحديث، ٥/ ١٨٤.\n٩ جار الله محمود بن عمر الزمخشري، الفائق في غريب الحديث، \"ط. الثالثة ١٣٩٩، نشر: دار الفكر، بتحقيق علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم\"، ٣/ ١٦٠.","vol":"1","page":20},{"text":"٢- الشيء بين الجيد والرديء، أو الأرفع والأدنى.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ١، على تفسير من قال: إن المراد بالأوسط هنا: الشيء بين الجيد والرديء، كما قال ابن عباس في رواية عنه: كان الرجل يقوت أهله قوتًا دونًا، وبعضهم قوتًا فيه سعة، فقال الله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ الخبز والزيت٢.\nوفسر بعضهم: \"أوسط\" في الآية بأنه: الأعدل والأمثل، فتكون الآية على هذا التفسير مندرجة تحت المعنى الأول الذي هو \"العدالة والخيار والأجود\".\n٣- الوسطية الحسية، وهي: ما بين الطرفين وما بين طرفي الشيء وحافتيه.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٣، وسميت الوسطى؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين، على اختلاف في تحديد اي الصلوات هي٤.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ٥؛ أي: دخلن به وسط العدو٦.\n_________\n١ سورة المائدة آية ٨٩.\n٢ ابن جرير، جامع البيان، ١٠/ ٥٤٣.\n٣ سورة البقرة آية ٢٣٨.\n٤ انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١/ ٢٩١- ٢٩٥، والسيوطي، الدر المنثور، ١/ ٧٢٠- ٧٢٩.\n٥ سورة العاديات آية ٥.\n٦ انظر: \"البغوي\" أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء، معالم التنزيل، \"تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، ط. دار المعرفة- بيروت\"، ٤/ ٥١٨.","vol":"1","page":21},{"text":"قال الرازي: \"صرن بعدوهن وسط جمع العدو\"١.\nوقال الشوكاني: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾؛ أي: توسطن بذلك الوقت، وتوسطن متلبسات بالنفع جمعًا من جموع الأعداء، أو صرن بعدوهن وسط جمع الأعداء. يقال: وسطت المكان؛ أي: صرت في وسطه٢.\nومن ذلك قوله ﷺ: \"البركة تنزل وسط الطعام؛ فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه\" ٣، فأراد بالوسط ما بين الحافتين والطرفين.\nومن ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ النبي ﷺ خط خطًا مربعًا، وخطًا وسط الخط المربع وخطوطًا إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع، وخطًا خارجًا من الخط المربع، فقال: \"أتدرون ما هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"هذا الإنسان الخط الوسط، وهذه الخطوط إلى جانبه الأعراض تنهشه\" ٤.\nومن ذلك قوله ﷺ: \"وسطوا الإمام وسدوا الخلل\" ٥.\n٤- بمعنى \"بين\" ظرفًا.\nمن ذلك قوله ﷺ: \"لعن الله من جلس وسط الحلقة\" ٦.\nومن خلال هذه الأمثلة لورود \"الوسطية\" في استعمال الشرع نرى أنه لم يخرج بها عن أحد المعاني اللغوية التي دلت عليها مادة \"وسط\".\n_________\n١ الرازي، التفسير الكبير، \"ط. الثالثة، نشر: دار إحاء التراث العربي- بيروت\"، ٣٢/ ٦٦.\n٢ محمد بن علي الشوكاني، فتح القدير، \"ط. الثانية ١٣٨٣، الحلبي\"، ٥ / ٤٨٣.\n٣ ت: كتاب الأطعمة، باب ما جاء في كراهية الأكل من وسط الطعام، ٤/ ٢٦٠، ح ١٨٠٥.\n٤ جه: كتاب الزهد، باب الأمل والأجل، ٢/ ١٤١٤، ح ٤٢٣١.\n٥ د: كتاب الصلاة، باب مقام الإمام من الصف، ١/ ٤٣٩، ح ٦٨١.\n٦ د: كتاب الأدب، باب في الجلوس وسط الحلقة، ٥/ ١٦٤، ح ٤٨٢٦ واللفظ له.\nت: كتاب الأدب، باب في كراهية الجلوس وسط الحلقة، ٥/ ٩٠، ح ٢٧٥٣، وقال أبو =","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>شرح بعض الألفاظ المقابلة للوسط:</span>\nيعبر عن المعاني المضادرة للوسط بعدة ألفاظ يحسن أن نقف على معانيها لتعلقها بالوسطية، وهي مما سيتكرر ذكره كثيرًا أثناء الرسالة؛ فمنها:\n١- الغلو: وهو في اللغة: مجاوزة الحد.\nقال ابن فارس: \"الغين واللام والحرف المعتل \"غلو\" أصل صحيح.\nيدل على ارتفاع ومجاوزة قدر. يقال: غلا السعر يغلو غلاء؛ وذلك ارتفاعه وغلا الرجل في الأمر غلوًا، إذ جاوز حده، وغلا بسهمه غلوًا، إذا رمى به سهمًا أقصى غايته١.\nوقال الجوهري: وغلا في الأمر يغلو غلوًا، أي: جاوز فيه الحد٢.\nوقال ابن منظور: وغلا في الدين والأمر يغلو غلوًا، جاوز حده، وفي التنزيل ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٣.\n_________\n= عيسى: هذا حديث صحيح.\nالحاكم: المستدرك، \"٤/ ٢٨١\"، وقال: هذا حديث صيحح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقال الخطابي في بيان علة اللعن في الحديث: هذا يتأول فمن يأتي حلقة قوم، فيتخطى رقابهم، ويقعد وسطها ولا يقعد حيث انتهى به المجلس فلعن للأذى.\nوقد يكون في ذلك: أنه إذا قعد وسط الحلقة حال بين الوجوه وحجب بعضهم عن بعض، فيتضررون بمكانة وبمقعهده هناك. اهـ، معالم السنن، ٧/ ١٨٣.\n١ معجم مقاييس اللغة، ٤/ ٣٨٧- ٣٨٨.\n٢ الصحاح، \"٦/ ٢٤٤٨\".\n٣ لسان العرب، \"١٥/ ١٣٢\".","vol":"1","page":23},{"text":"الغلو في استعمال الشرع:\nورد لفظ الغلو في موضعين من القرآن الكريم، وكلاهما بمعنى: مجاوزة الحد، وهو المعنى اللغوي للكلمة.\nفالأول في سورة النساء في قوله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ١.\nوالثاني في سورة المائدة في قوله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ٢.\nأي: لا تجاوزوا الحد في إتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الألوهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله٣.\nوفي السنة: ورد لفظ \"الغلو\" فيعدد من الأحاديث:\nمنها: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ غداة الغقبة وهو على ناقته \"القط لي حصى\"، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الحذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: \"أمثال هؤلاء فارموا\"، ثم قال: \"يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين\" ٤.\nومنها قوله ﷺ: \"اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه\" ٥.\n_________\n١ آية ١٧١.\n٢ آية ٧٧.\n٣ الحافظ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٥١.\n٤ جه: كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، ٢/ ١٠٠٨، ح ٣٠٢٩.\nوقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: صحيح ابن ماجه، له ٢/ ١٧٧، ج ٤٢٥٥.\n٥ حم: ٣/ ٤٢٨، ٤٤.","vol":"1","page":24},{"text":"ومنها: قوله ﷺ: \"ويحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحالا لمبطلين وتأويل الجاهلين\" ١.\nومعنى الغلو فيها: التشدد ومجاوزة الحد، كما ذكر ابن الأثير٢.\n٢- الإفراط: وهو في اللغة:\nالتقدم ومجاوزة الحد في الأمر.\nقال ابن فارس: ألفًا والراء والطاء: أصل صحيح يدل على إزالة شيء عن مكانه وتنحيته عنه، يقال: فرطت عنه ما كرهه؛ أي: نحيته.\nثم يقال: أفرط: إذا تجاوز الحد في الأمر. يقولون: إياك والفرط؛ أي: لا تجاوز القدر، وهذا هو القياس؛ لأنه إذا جاوز القدر قد أزال الشيء عن وجهته٣.\nوقال الجوهري: وأفرط في الأمر، أي: جاوز فيه الحد٤.\nوقال صاحب \"لسان العرب\": والإفراط: الإعجال والتقدم، وأفرط في الأمر: أسرف. والإفراط: الزيادة على ما أمرت٥.\n٣- التفريط: وهو في اللغة:\nالتقصير وإزالة الشيء عن مكانه.\nقال ابن فارس: وكذلك التفريط، وهو التقصير؛ لأنه إذا قصر فيه فقد\n_________\n١ البغدادي، شرف أصحاب الحديث، ص ٢٨ ح ٥٢، \"بتحقيق د. محمد سعيد خطيب أوغلي\".\nابن وضاح، البدع والنهي عنها ص٢، \"بتحقيق محمد أحمد دهمان، دار البصائر\"، قال القاسمي: وتعدد طرقه يقضي بحسنه كما جزم به العلائي، قواعد التحديث ص ٤٩.\n٢ انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٨٢.\n٣ انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤٩٠.\n٤ الصحاح ٣/ ١١٤٨.\n٥ لسان العرب ٧/ ٣٦٩.","vol":"1","page":25},{"text":"قعد به عن رتبته التي هي له١.\nوقال الجوهري: فرط في االأمر فرطًا؛ أي: قصر فيه، وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط٢.\nوقال ابن منظور: وفرط في الشيء وفرطه: ضيعه وقدم العجز فيه٣.\nالإفراط والتفريط في استعمال الشرع:\nوقد وردت مادة \"فرط\" في القرآن الكريم في ثمانية مواضع٤. وكلها بمعنى: التقصير والضياع والتقدم في الشيء.\nقال الزجاج: وقد أفرط في الشيء إذ سقط فيه، وقد فرط في الشيء أي قصر، ومعناه كله التقدم في الشيء؛ لأن الفرط في اللغة المتقدم٥.\nكما وردت مادة \"فرط\" في السنة في عدد من الأحاديث يضيق المقام عن حصرها نذكر منها على سبيل التمثيل:\nقوله ﷺ: \"أما إنه ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى\" ٦ والتفريط هنا بمعنى: التقصير.\n_________\n١ معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤٩٠.\n٢ الصحاح ٣/ ١١٤٨.\n٣ لسان العرب ٧/ ٣٧٠.\n٤ في الآيات ٣١، ٣٨، ٦١، من سورة الأنعام، والآية ٨٠ من سورة يوسف، و٦٢ من النحل، ٢٨ من الكهف، و٥٩ من الزمر، طه ٤٥.\n٥ انظر: معاني القرآن وإعرابه. له ٣/ ٣٥٨.\n٦ م: كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة ١/ ٤٧٣ ح ٣١١.","vol":"1","page":26},{"text":"ومنها: قوله ﷺ: \"إني فرطكم\" ١ ومعنى فرطكم؛ أي: السابق٢ والمتقدم.\n٤- الجفاء، والجفو: في اللغة:\n\"الجيم والفاء والحرف في المعتل \"جفو\": يدل على أصل واحد، نبو الشيء عن الشيء. من ذلك جفوت الرجل أجفوه. وجفا السرج عن ظهر الفرس، وأجفيته أنا وكذلك كل شيء إذا لم يلزم شيئًا يقال: جفا عنه يجفو. والجفاء: خلاف البر، والجفاء: ما نفاه السيل، ومنه اشتقاق الجفاء. قاله ابن فارس٣.\nالجفاء في استعمال الشرع:\nوقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في موضع واحد في قوله ﷿: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ ٤.\nقال الزجاج في \"معاني القرآن\": \"والجفاء ما جافا الوادي؛ أي: رمى به\"٥.\nوفي السنة: وردت هذه المادة في عدد من الأحاديث:\nمنها قوله ﷺ في الحديث الذي ذكر فيه الخصال التي إذا فعلتها الأمة حل بها البلاء: \"وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه\" ٦ فالجفاء هنا خلاف البر كما هو واضح.\n_________\n١ خ: مناقب، باب ما يحذر من زهرة الدنيا ١١/ ٢٤٤ ح ٦٤٢٦.\n٢ فتح الباري ١١/ ٢٤٥.\n٣ معجم مقاييس اللغة ١/ ٤٦٥- ٤٦٦.\n٤ سورة الرعد آية ١٧.\n٥ ٣/ ١٤٥.\n٦ ت: الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف، ٤/ ٤٩٤ ح ٢٢١٠.","vol":"1","page":27},{"text":"ومنها قوله ﷺ: \"اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه\" ١.\nقال أبو عبيد في معنى الجفاء في الحديث: \"والجافي عنه التارك له وللعمل به\"٢.\n_________\n١ تقدم تخريجه. انظر: ص ٢٤.\n٢ غريب الحديث ١/ ٤٨٣، طبعة مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدرى باد ١٣٩٦ هـ.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني: في بيان معنى السنة في اللغة والاصطلاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>أولًا: السنة في اللغة</span>\nهي الطريقة، والسيرة، حسنة أو قبيحة، محمودة أو مذمومة.\nقال ابن فارس: والسنة: السيرة، وسنة رسول الله ﷺ سيرته، قال الهذلي:\nفلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها١\nوفي \"لسان العرب\": والسنة: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة، وذكر البيت قال: وقد تكرر في الحديث ذكر السنة وما تصرف منها، والأصل فيه الطريقة٢.\nومنه قوله ﷺ: \"من سن في الإسلام سنة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء\" ٣.\n_________\n١ ابن فارس، مجمل اللغة، \"بتحقيق زهير عبد المحسن سلطان، ط. الأولى ١٤٠٤، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت\"، ٢/ ٤٥٥.\n٢ انظر: مادة \"سنن\" ١٣/ ٢٢٥.\n٣ م: كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة وسيئة، ٤/ ٢٠٥٩ ح ١٠١٧.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثانيا: السنة في الإصطلاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>مدخل</span>\n...\nثانيًا: السنة في الاصطلاح\nيختلف معنى السنة في الاصطلاح عند كل من المحدثين، والأصوليين والفقهاء وعلماء الوعظ وأصول الدين، وإن كان الجميع يتفق على أنها سنة النبي ﷺ؛ وإنما وقع الاختلاف عند التفصيل والتحديد؛ ومرد هذا الاختلاف في المعنى الاصطلاحي للسنة إلى اختلافهم في الأغراض التي يعني بها كل فئة من أهل العلم١.\nالسنة عند المحدثين:\nفعلماء الحديث، عندما عنوا بنقل كل ما ينسب إلى النبي ﷺ قالوا: السنة هي ما أثر عن النبي ﷺ: من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية، أو خلقية، أو سيرة، سواء كان قبل البعثة٢، أو بعدها٣.\nالسنة عند الأصوليين:\nوعلماء الأصول إنما عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية، فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها٤ فقالوا: السنة هي: ما نقل عنه ﷺ، من قول، أو فعل، أو تقرير.\n_________\n١ د. مصطفى السباعي. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، \"ط. الثانية ١٣٩٦، نشر: المكتب الإسلامي\"، ص ٤٨.\n٢ مثل تحثه في غار حراء، ومثل حسن سيرته؛ لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه ﷺ من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال كقول خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق.\nانظر: محمد محمد أبو زهو، الحديث والمحدثون، \"ط. ١٤٠٤ هـ، نشر: دار الكتاب العربي\"، ص ١٠.\n٣ محمد جمال الدين القاسمي، قواعد التحديث، \"ص ٦٤\".\n٤ أبو زهو، الحديث والمحدثون، ص ٤٨، والسباعي، السنة ومكانتها، ص ٤٩.","vol":"1","page":30},{"text":"قال الآمدي: وقد تطلق -أي: السنة- على ما صدر عن الرسول ﷺ من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان ههنا، ويدخل في ذلك: أقوال النبي ﷺ، وأفعاله، وتقاريره١.\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀- في تعريف السنة: وفي اصطلاح الشرع هي: ما قاله رسول الله ﷺ، أو فعله، أو قرر عليه٢.\nالسنة عند الفقهاء:\nأما علماء الفقه؛ فإنهم لما عنوا بالبحث عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبًا أو حرمة أو إباحة أو غير ذلك٣.\nقالوا: السنة هي: الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب٤.\nوقال بعضهم: السنة: ما في فعله ثواب وفي تركه ملامة وعاب لا عقاب٥.\nوهي على هذا تقابل الواجب عندهم.\nقال الخطيب البغدادي: وقد غلب على ألسنة الفقهاء، أنهم يطلقون\n_________\n١ الإحكام في أصول الأحكام، \"ط. الثانية ١٤٠٢ هـ، ط. المكتب الإسلامي\"، ١/ ١٦٩.\n٢ مذكرة في أصول الفقه، ص ٩٥.\n٣ السباعي، السنة ومكانتها، ص ٤٩.\n٤ أبو زهو، الحديث والمحدثون، ص ١٠.\n٥ قاسم القونوي، أنيس الفقهاء، \"بتحقيق د. أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي، ط. الأولى ١٤٠٦، نشر: دار الوفاء -جده\" ص ١٠٦.","vol":"1","page":31},{"text":"السنة فيما ليس بواجب؛ فينبغي أن يقال في حد السنة: أنها ما رسم ليحتذى استحبابًا١.\nقال الحافظ ابن حجر في تعريف السنة عند الفقهاء: وفي اصطلاح بعض الفقهاء: ما يرادف المستحب٢.\nوإذا نظرنا في كلام كثير من السلف، نجدهم يعنون بالسنة معنى أوسع من معناها عند المحدثين، أو الأوصليين، أو الفقهاء.\nإذ يعنون بالسنة: موافقة الكتاب وسنة الرسول صلى الله الله عليه وسلم وأصحابه، سواء في أمور الاعتقادات، أو العبادات.\nويقابلها: البدعة٣، فيقال فلان على السنة: إذا كانت أعماله على وفق الكتاب وسنة النبي ﷺ، ويقال فلان على البدعة؛ إذ كان عمله مخالفًا للكتاب والسنة أو أحدهما.\nقال الشاطبي: ويطلق -أي: لفظ السنة أيضًا- في مقابلة البدعة فيقال: فلان على سنة؛ إذ عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ، كان ذلك مما نص\n_________\n١ كتاب الفقيه والمتفقه، \"بتصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري، نشر: مكتبة أنس ١٤٠٠ هـ\"، ص ٨٦.\n٢ الفتح، ١٣/ ٢٤٥.\n٣ البدعة: في اللغة من \"بدع\"، يقال: أبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال: والله بديع السماوات والأرض، والبديع المبتدع.\nوهي في الاصطلاح: عبارة عن \"طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله\"، كما قال الشاطبي في الاعتصام، ١/ ٣٧، \"بتعريف محمد رشيد رضا، نشر: دار المعرفة\"، وقال الحافظ ابن رجب: هي ما أحدث مما لا أصل في الشريعة. جامع العلوم والحكم ٢٥٢، \"نشر: دار المعرفة- بيروت\". وقال الحافظ ابن حجر: وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة.\nانظر: فتح الباري ٤/ ٢٥٣.","vol":"1","page":32},{"text":"عليه الكتاب أو لا، ويقال: \"فلان على بدعة\"، إذا عمل على خلاف ذلك، وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة، فأطلق لفظ السنة من تلك الجهة، وإن كان العمل بمقتضى الكتاب.\nويطلق أيضًا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب والسنة أو لم يوجد١ لكونه اتباعًا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم٢.\nويقول الحافظ ابن رجب: والسنة هي: الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات، والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة؛ ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك٣.\nوالذي كان عليه النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون هو الكتاب والسنة، فيكون لفظ السنة شاملًا لذلك كله في مقابلة البدعة.\nولأهمية وخطورة مسائل الاعتقاد، التي هي أصل الدين وعليها يبنى غيرها من أعمال الإسلام، أطلق السلف لفظ \"السنة\" على موافقة الكتاب والسنة فيقضايا الاعتقاد.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولفظ السنة في كلام السلف، يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات.\n_________\n١ قال شارحه الشيخ عبد الله دراز: أي: عثرنا عليه في السنة أو لم نعثر عليه فيها ليصح قوله بعد \"لكونه ابتاعًا لسنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا\"، الموافقات ج ٤/ ٤ حاشية رقم \"١\".\n٢ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة \"بشرح الشيخ عبد الله دراز، نشر: دار المعرفة -بيروت\"، ٤/ ٣- ٦.\n٣ انظر: جامع العلوم والحكم، ص ٢٤٩.","vol":"1","page":33},{"text":"وهذا كقول: ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء ﵃: \"اقتصاد في سنة من اجتهاد في بدعة\"١، ٢.\nوقال ابن رجب: \"وكثير من العلماء المتأخرين يخص السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم\"٣.\nبل وكثير من علماء السلف المتقدمين أيضًا، خصوا السنة بذلك، وأطلقوها على ما يتعلق بأمور الاعتقاد، فمن وافق فيها السنة فهو من أهل السنة.\nوفيما يلي ذكر بعض أئمة السلف الذين أطلقوا ذلك ونماذج من أقوالهم:\n١- سفيان بن عيينة \"ت ١٩٨ هـ\"٤:\nأخرج اللالكائي عنه من طريق بكر بن الفرج أبي العلا، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: السنة عشرة، فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئًا فدق ترك السنة.\nإثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر، والحوض، والشفاعة، والميزان، والصراط، والإيمان في قول وعمل، والقرآن كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم\n_________\n١ الأثر أخرجه الدارمي عن ابن مسعود بلفظ: \"القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة\" ١/ ٧٢، والبيهقي، انظر: السنن الكبرى ٣/ ١٩.\nقال الألباني: وهذا الأثر صحيح. انظر: صلاة التراويح ص٦.\n٢ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٧٧، \"بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، ط. الأولى ١٣٩٦، نشر: دار الكتاب الجديد- بيروت\".\n٣ جامع العلوم والحكم ٢٤٩.\n٤ وهو إمام وعلم وشيخ من شيوخ الإسلام قال عنه الإمام أحمد: \"ما رأيت أعلم بالسنن منه\".\nانظر: تذكرة الحفاظ للذهبي، ١/ ٢٦٢، وانظر: ترجمته أيضًا في: \"تهذيب التهذيب ٤/ ١١٧، وميزان الاعتدال ٢/ ١٧٠، وفيات الأعيان ٢/ ٣٩٣.","vol":"1","page":34},{"text":"القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم١.\nفهذه كلها أمور ومسائل اعتقادية، خصها ابن عيينة ﵀ باسم السنة.\n٢- الإمام الشافعي: \"١٥٠- ٢٠٤ هـ\".\nقال: القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء. وذكر سائر الاعتقاد٢.\n٣- علي بن المديني \"٢٣٤ هـ\":\nقال: \"السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها، أو يؤمن بها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، ثم تصديق بالأحاديث والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها، والإيمان بها، وإن لم يعلم تفسير الحديث، ويبلغه عقله. ولا يخاصم أحدًا، ولا يناظر ولا يتعلم الجدل، والكلام في القدر وغيره من السنة مكروه ولا يكون صاحبه وإن أصاب السنة بكلامه من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم.\nوالقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق، فإن كلام الله ﷿ ليس بباين منه، وليس منه شيء مخلوق، يؤمن به، ولا يناظر فيه أحدًا\"٣ إلى آخر ما ذكر من مسائل الاعتقاد.\n_________\n١ أبو القاسم هبة الله بن الحسين الطبري اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، \"بتحقيق د. أحمد سعد حمدان، نشر: دار طيبة - الرياض\"، ١/ ١٥٥- ١٥٦.\n٢ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، العلو للعلي الغفار، \"بتقديم وتصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، نشر: المكتبة السلفية بالمدينة\"، ص ١٢٠.\nوانظر: ابن القيم، تهذيب سنن أبي داود ٧/ ١١٤.\n٣ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٦٥- ١٦٦.","vol":"1","page":35},{"text":"٤- الإمام أحمد بن حنبل \"ت ٢٤١ هـ\":\nأخرج اللالكائي من طريق عبدوس بن مالك العطار؛ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا:\nالتمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، والاقتداء بهم، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.\nوالسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ، والسنة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؛ إنما هو التصديق بها والإيمان بها. ولا يخاصم أحدًا، ولا يناظره ولا يتعلم الجدل، والإيمان بالميزان، والإيمان بالحوض، والإيمان بعذاب القبر والإيمان بشفاعة النبي١، وذكر عددًا من الأموار الاعتقادية.\n٥- سهل بن عبد الله التستري \"ت ٢٧٣ هـ\":\nوقيل له: متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ قال: إذا عرف من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة، لا يسب أصحاب النبي ﷺ، لا يخرج على هذه الأمة بالسيف، ولا يكذب بالقدر، لا يشك في الإيمان، لا يماري في الدين، لا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب، لايترك المسح على الخفين، لا يترك الجمعة، خلف كل وال جار أو عدل٢.\nهذه نماذج مختارة من كلام السلف، الذين أطلقوا اسم السنة، وأرادوا\n_________\n١ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٥٦- ١٦٤.\n٢ انظر: شرح أصول اعتقاد السنة ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":36},{"text":"بها ما يتعلق بالاعتقادات، وأبلغ من ذلك أنهم سموا الكثير من مصنفاتهم في العقيدة باسم \"السنة\"؛ وذلك مثل:\n١- \"السنة\" للإمام أحمد بن حنبل \"ت ٢٤١ هـ\" وهو مطبوع.\n٢- \"السنة\" لأبي داود السجستاني \"ت ٢٧٥ هـ\" ضمن كتابه \"السنن\".\n٣- \"السنة\" لابن أبي عاصم \"ت ٢٨٧ هـ\" وهو مطبوع بتخريج الألباني.\n٤- \"السنة\" لعبد الله بن أحمد \"ت ٢٩٠ هـ\" وهو مطبوع.\n٥- \"السنة\"١ لأحمد بن هارون الخلاف \"ت ٣١١ هـ\".\n٦- \"السنة\"٢ لأن أبي حاتم الرازي \"ت ٣٢٧ هـ\".\n٧- \"السنة\"٣ لأبي القاسم سليمان بن محمد الطبراني، صاحب \"المعاجم\" \"ت ٣٦٠ هـ\".\n٨- \"السنة\"٤ لأبي الشيخ الأصبهاني \"ت ٣٦٩\".\n٩- \"الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة\" لعبيد الله بن بطة \"ت ٣٨٧ هـ\". وهو مطبوع بتحقيق رضا نعسان معطي.\n١٠- \"شرح السنة\" لابن أبي زمنين \"ت ٣٩٩ هـ\"٥.\nوهناك الكثير غير ما ذكرت مما أطلق عليه \"السنة\" أو \"شرح أصول أهل\n_________\n١ \"حقق الأجزاء الثلاثة الأولى منه د. عطية الزهراني\"، نال بها درجة الدكتوراه، وقد طبع والحمد لله والمحقق يعمل الأجزاء المتممة للكتاب أعانه الله على إتمامه وإخراجه.\n٢ مخطوط بالظاهرية مجموع ١١، انظر: تاريخ التراث للسزكين ١/ ٢٨٨.\n٣ انظر: العلو للذهبي ١٦٥.\n٤ نفس المصدر ص١٦٦.\n٥ \"حققه محمد إبراهيم هارون\"، ونال به درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية عام ١٤٠٣- ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":37},{"text":"السنة\"١؛ إذ لم أراد الاستقصاء وإنما القصد التمثيل على أن السلف كانوا يسمون ما يصفنون في أبواب الاعتقاد باسم \"السنة\" أو \"شرح السنة\".\nوهذه المصنفات اشتملت على المسائل العقدية والاحتجاج عليها من الكتاب والستة وآثار السلف الصالح. وفي ذلك دلالة على أن السلف يقصدون بالسنة معنى زائدًا على الحديث، وأنهم يريدون بها: ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه في أمور الاعتقادات والعبادات وغيرها؛ وذلك شامل للقرآن وسنته ﷺ.\n_________\n١ انظر مثلًا: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/ ٢٤.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>تفريق السلف بين مفهوم السنة والحديث:</span>\nولذلك نجد أئمة السلف كثيرًا ما يفرقون بين السنة والحديث، ويجعلون السنة في مقابل البدعة، والحديث هو أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته.\nفهذا الإمام الشافعي ﵀ يروي عنه الربيع بن سليمان١ قائلًا: قال لنا الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر٢، إمام في\n_________\n١ هو: الربيع بن سليمان المرادي المؤذن، خادم الشافعي وراوي كتبه، كان الشافعي يقول: إنه أحفظ أصحابي، ولد سنة ١٧٤، ومات سنة ٢٧٠هـ، وانظر ترجمته لدي: ابن هداية الله الحسيني: طبقات الشافعية، بتحقيق عادل نويهض، ط. الثالثة، ١٤٠٢ هـ. نشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت\"، ص٢٤.\n٢ الفقر في اللغة: ضد الغني، وقدر ذلك أن يكون له ما يكفي عياله. ابن منظور، لسان العرب ٥/ ٦٠، ولفظ الفقر في الشرع يراد به: الفقر من المال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، [التوبة: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، [فاطر: ١٥] .\nانظر: ابن تيمة الفتاوي ١١/ ١٩٦.\nوكان افمام أحمد ﵀ إمامًا في الفقر؛ فقد روى عنه المروزي أنه قال: ما أعدل بالفقر شيئًا، ما أعدل بالفقر شيئًا، ما أعدل بالفقر شيئًا. أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء، وفي =","vol":"1","page":38},{"text":"الزهد١، إمام في الورع، إمام في السنة٢.\nوقال عبد الرحمن بن مهدي٣: \"الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو غمام في الحديث؛ فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري٤\"٥.\nويشرح لنا الإمام ابن الصلاح٦ الفرق بين السنة والحديث عندما سئل\n_________\n= رواية أخرى أنه قال: ما أعدل بالصبر على الفقر شيئًا.\nقلت: وهو الأشبه بمثل الإمام؛ فإن الفقر قد تعوذ الرسول ﷺ منه؛ فكيف لا يعدل الإمام أحمد به شيئًا ويفرح به، أما الصبر عليه إذا ابتلي به فلذلك مما يحمد، وعليه يخرج قول الإمام أحمد ﵀.\nانظر: ابن الجوزي، مناقب الإمام أحمد \"ط. الثالثة، ١٤٠٢ هـ، نشر: دار الآفاق\"، ص٢٧٣.\n١ الزهد في اللغة: ضد الرغبة والحرص على الدنيا، والزهد في الشرع: هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله.\nابن تيمية: الفتاوى ١٠/ ٢١.\nوكان الإمام أحمد إمامًا في ذلك فكان يقول: إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس، وصبر أيامًا قلائل، ابن الجوزي، مناقب الإمام أحمد، ص٢٤٨.\n٢ القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى. طبقات الحنابلة \"نشر: دار المعرفة\"، ١/ ٥.\n٣ هو ابن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري حافظ عارف بالرجال والحديث \"١٣٥- ١٩٨ هـ\"، انظر: التقريب ١/ ٤٩٩، والتذكرة ١/ ٣٢٩.\n٤ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث، مات سنة ١٦١.\nانظر: التذكرة ١/ ٢٠٣، والتقريب ١/ ٣١١.\n٥ انظر: اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ٦٣.\n٦ هو: تقي الدين ابن الصلاح الحافظ شيخ الإسلام أبو عمر عثمان بن عبد الرحمن الشهروزي، ولد سنة ٥٧٧، ومات سنة ٦٤٣ هـ، قال ابن خلكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة. وكانت فتاويه مسددة.\nانظر: وفيات الأعيان، \"بتحقيق د. إحسان عباس. نشر: دار صادر\"، ٣/ ٢٤٣، وانظر: شذرات الذهب ٥/ ٢٢١.","vol":"1","page":39},{"text":"عن قول بعضهم عن الإمام مالك -﵁- أنه جميع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟\nأجاب: \"السنة ههنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث، وهو مبتدع، ومالك -﵁- جمع بين السنتين؛ فكان عالمًا بالسنة؛ أي: الحديث، ومعتقدًا للسنة؛ أي: كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم\"١.\nولذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية، عندما يذكر أهل الحديث، ووراثتهم للأنبياء، وإمامتهم، يتحفظ وبين أن المقصود بهم من يجمع بين الرواية والدراية والإتباع.\nفيقول: ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه، أو كتابته، أو روايته؛ بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه، ومعرفته، وفهمه ظاهرًا وباطنًا، وإتباعه باطنًا، وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن٢.\n_________\n١ فتاوي ابن الصلاح \"بتحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي. نشر: دار المعرفة - بيروت\"، ١/ ٢١٣.\n٢ مجموع الفتاوى \"جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط. المكتب التعليمي السعودي في المغرب\"، ٤/ ٩٥.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثالث: المراد بأهل السنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أولا: نشأة مصطلح \"أهل السنة\" وتاريخ إطلاقه</span>\n...\nالمبحث الثالث: المراد بأهل السنة\nلكي نحدد المراد بأهل السنة، سأعرض لنشأة مصطلح \"أهل السنة\" وتاريخ إطلاقه وعلى من أطلق على ضوء النصوص التي سنوردها عن السلف في ذلك، والتي توضح مراد السلف بقولهم: \"أهل السنة\".\nثم سنبين تنازع الطوائف والفرق هذا اللقب ودعوى كل طائفة أنها هي التي ينطبق عليها هذا الوصف، وسنفصل القول في دعوى الأشاعرة ذلك، مع بيان موقفهم من السنة والنقل عمومًا.\nوسأختم هذا المبحث -إن شاء الله- ببيان موقف أهل العلم قديمًا وحديثًا من دعوى الأشاعرة هذه.\nأولًا: نشأة مصطلح \"أهل السنة\" وتاريخ إطلاقه\nيرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر الإسلام، إلى عصر النبوة والقرون المفضلة.\nقد أخرج اللالكائي بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وجُوه﴾ ١؛ \"فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم: فأهل البدع\n_________\n١ سورة آل عمران آية ١٠٦.","vol":"1","page":41},{"text":"والضلالة١\".\nثم تتابع ورود استعمال هذا اللفظ وإطلاقه عن كثير من أئمة السلف رحمة الله عليهم، أذكر طائفة منهم حسب التسلسل التاريخي:\nفممن ورد عنه ذلك:\n-أيوب السختياني \"٦٨- ١٣١ هـ\":\nفقد أخرج اللالكائي عنه أنه قال: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي. وقال أيضَا: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة٢.\n-سفيان الثوري \"ت ١٦١ هـ\".\nقال: استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء. وقال: ما أقل أهل السنة والجماعة٣.\n- الفضيل بن عياض \"ت ١٨٧ هـ\".\nقال: أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بل قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: افيمانه المعرفة والقول والعمل٤.\n- أبو عبيد القاسم بن سلام \"١٥٧- ٢٢٤ هـ\".\n_________\n١ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ٧٢، والبغوي، معالم التنزيل ١/ ٣٣٩، وابن كثير، التفسير ٢/ ٧٦.\n٢ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ٦٠- ٦١.\n٣ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ٦٤.\n٤ ابن جرير الطبري: تهذيب الآثار \"بتحقيق د. ناصر سعد الرشيد، وعبد القيوم عبد رب النبي، ط. مطابع الصفا -٠مكة، على نفقة الأمير فهد بن عبد العزيز، ١٤٠٢ هـ\" ٢/ ١٨٢.","vol":"1","page":42},{"text":"قال في مقدمة كتاب \"الإيمان\" له: فإنك كنت تسألني عن إيمان واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته، ونقصانه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك١.\n- الإمام أحمد بن حنبل \"١٦٤- ٢٤١ هـ\":\nقال في مقدمة كتاب \"السنة\" له: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا٢.\n- الإمام ابن جرير الطبري \"ت ٣١٠ هـ\":\nقال: وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ يوم القيامة وهو ديننا الذي تدين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.\n- أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي \"٢٣٩- ٣٢١ هـ\":\nقال في مقدمة عقيدته المشهورة: هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة٤.\nوبهذا النقول يتضح لنا جليًا أن لفظ \"أهل السنة\" معروف عند السلف\n_________\n١ الإيمان ص ٥٣ ضمن كتاب من كنوز السنة -رسائل أربع، \"بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني\".\n٢ السنة ص ٣٣- ٣٤، مع كتاب الرد على الجهمية له، ط. عيسى الحلبي.\n٣ صريح السنة له \"بتحقيق وتعليق بدر بن يوسف المعتوق، ط. الأولى ١٤٠٥ هـ، نشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي\" ص٢٠.\n٤ عقيدة أهل السنة والجماعة ص٥ \"بتعليق ابن مانع، نشر: مكتبة دار المطبوعات الحديثة - جدة\".","vol":"1","page":43},{"text":"متداول بينهم، أطلقوه في مقابل \"أهل البدع\"، وألفوا في بيان عقيدة أهل السنة وميزوا بينهم وبين أهل البدع، كما فعل الإمام أحد والإمام الطحاوي وغيرهم.\nوفي هذا رد على من زعم أن لقب \"أهل السنة\" أول ما أطلق على الأشاعرة، كما زعم ذلك الأستاذ مصطفى الشكعة؛ إذ يقول في كتابه \"إسلام بلا مذاهب\": \"وهكذا نجد أن لقب \"أهل السنة\" أطلشق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة ومن نحا نحوهم، ثم اتسعت دائرته فشملت أصحاب المذاهب والفقهاء من أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وابن حنبل والأوزاعي وأهل الرأي والقياس\"١.\nولا أدري كيف يستقيم هذا القول، وهؤلاء الأئمة قد توفوا قبل زمن الأشعري؟\nثم زعم في موضع آخر من كتابه أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري قال: \"وذلك أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري؛ أي: بعد عصر آخر الأئمة المشهروين وهو البن حنبل بحوالي أربعة قرون\"٢.\nعلى أنه يتناقض فيعترف في نفس كتابه هذا، بوجود من يعرف بـ \"أهل السنة\" قبل أن يخلق الله الأشعري والأشاعرة؛ إذ يقول: \"إن المأمون وهو علي أهبة الخروج إلى طرسوس على حدود بلاد الروم سنة ٢١٨ هـ. بعث إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد كتابًا يأمره فيه أن يستحضر علماء بغداد وقضاتها، وأن يمتحنهم في موضع خلق القرآن.\nوقال: وكتاب المأمون هذا من أشنع الكتب التي حوت سبًا وتطاولًا على\n_________\n١ إسلام بلا مذاهب ص ٤٩٦،ط. شركة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر.\n٢ نفس المصدر ص ٣٨١.","vol":"1","page":44},{"text":"علماء المسلمين من أهل السنةِ\"١. اهـ.\nإذن كان هناك أهل سنة يدافعون عن عقيدتهم في القرآن، ويردون على من قال بخلقه، يعرفون بأنهم \"أهل السنة\".\nفكيف يقال: إن هذا اللقب أطلق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة؟ أم كيف يقال: أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري؟\nعلى أن الأشاعرة السابق منهم واللاحق لم يدعوا لأنفسهم ما ادعاه لهم الأستاذ الشكعة.\nفهذا الإمام البيهقي \"٥٧١ هـ\" يقول عن الإمام الأشعري: \"فهذا سبب رجوعه عن مذاهب المعتزلة غلى مذاهب أهل السنة والجماعة\"٢؛ فإذا أهل السنة والجماعة موجودون معروفون بهذا اللقب والأشعري بعد أن ترك الاعتزال رجع إلى مذهبهم، عن تفصيل في أحوال الأشعري ليس هذا مكان ذكره.\nويقول د. علي سامي النشار من الأشاعرة المعاصرين: \"لقد شهد القرن الثالث حركة كلامية كبرى حمل لواءها \"أهل الحديث\".. ثم ذكر كتب: خلق أفعال العباد، والاختلاف في اللفظ، وكتب الدارمي، قال: وتبين هذه الكتب ظهور الاتجاه الكلامي لدى أصحاب الحديث، وأن أصحاب الحديث وجدوا كفرقة مقابلة للجهمية وللمعتزلة، وللخوارج، وأنهم سموا باسم \"أهل الحديث وأهل السنة\"٣ *.\n_________\n١ المصدر السابق ص ٤٧٢.\n٢ انظر: ابن عساكر أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، تبيين كذب المفتري، \"نشر دار الفكر، ط. الثانية ١٣٩٩ هـ\"، ص ٤٣.\n٣ انظر: كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/ ٢٦١.\n* والحق أن أهل الحديث لم يكونوا في يوم من الأيام من حملة ألوية الكلام، وكل ما فعلوه أنهم عند انتشار البدع على يد المتكلمين قام أهل الحديث بواجبهم في الرد عليهم، وبيان فساد ما ذهبوا إليه، وبينوا السنة التي يجب اتباعها في المسائل التي أثارها أهل الكلام.","vol":"1","page":45},{"text":"ويقول الأستاذ أحمد أمين: \"واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة من قبل الأشعري والماتريدي، وقد حكى لنا أن جماعة كان يطلق عليها أهل السنة، وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري.\nولما جاء الأشعري وتعلم على المعتزلة اطلع أيضًا على مذاهب أهل السنة، وتردد كثيرًا في أي الفريقين أصح، ثم أعلن انضمامه إلى أهل السنة وخروجه على المعتزلة\"١.\n_________\n١ انظر كتابه: ظهر الإسلام ٤/ ٩٦.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثانيًا: معنى أهل السنة</span>\nأهل الشيء هم أخص الناس به يقال في اللغة: أهل الرجل: أخص الناس به وأهل البيت سكانه، وأهل الإسلام من يدين به، وأهل المذهب من يدين به١.\nفمعنى أهل السنة؛ أي: أخص الناس بها وأكثرهم تمسكًا بها واتباعًا لها قولًا وعملًا واعتقادًا.\nوهذا اللفظ أصبح مصطلحًا يطلق ويراد به أحد معنيين:\nالمعنى الأول:\nمعنى عام يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدي الرافضة؛ فيقال: هذا رافضي، وهذا سني، وهذا هو اصطلاح العامة؛ لأن الرافضة هم المشهورون عندهم بمخالفة السنة فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي؛ فإذا قال أحدهم: أنا سني فإنما؛ معناه: لست رافضيًا٢.\nوقد ورد عن بعض السلف ما يشير إلى هذا المعنى فقد قيل لسفيان\n_________\n١ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ١/ ١٥٠، وابن منظور، لسان العرب ١١/ ٢٩.\n٢ ابن تيمية، الفتاوي ٣/ ٣٥٦.","vol":"1","page":46},{"text":"الثوري: يا أبا عبد الله! وما موافقة السنة؟ قال: تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما١، فالسني عنده من قدمها على غيرهما في الخلافة والفضل، ومن لم يقدمها فليس بسني، ولم يؤخرهما عن مرتبتهما إلا الرافضة.\nالمعنى الثاني:\nمعنى أخص وأضيق من المعنى العام، ويراد به أهل السنة المحضة الخالصة من البدع، ويخرج به سائر أهل الأهواء والبدع، كالخوارج والجهمية والمرجئة، والشيعة وغيرهم من أهل البدع.\nيبين شيخ الإسلام ابن تيمية معنى لفظ \"أهل السنة\" فيقول: \"فلفظ \"أهل السنة\" يراد به من أثبت خلافة الثلاثة، فيدخل في ذلك -أي: في لفظ أهل السنة- جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به: أهل الحديث والسنة المحضة؛ فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: القرآن غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة\"٢.\nومن خالف شيئًا من ذلك عد من أصحاب البدع، ولم يكن سنيًا، بذا حكم إمام أهل السنة دون منازع الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عليه؛ حيث قال في مقدمة كتاب \"السنة\": \"هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت عليها من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها؛ فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق\"٣ ثم ذكر اعتقاد أهل\n_________\n١ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ١٥٢.\n٢ منهاج السنة النبوية، \"بتحقيق محمد رشاد سالم، طبعة المدني -القاهر\"، ٢/ ١٦٣.\n٣ السنة ص ٣٣- ٣٤، ضمن مجموع مع كتاب الرد على الجهمية.","vol":"1","page":47},{"text":"السنة الذي ساق شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم طرفًا منه.\nفأهل السنة إذن هم:\n١- أصحاب رسول الله ﷺ؛ لأنهم تلقوا عنه مباشرة أمور الاعتقاد كما تلقوا أمور العبادة، فهم أعرف الخلق بسنة نبيهم وأتبع لها ممن جاء بعدهم.\n٢- التابعون لهم بإحسان، المقتفون آثارهم في كل عصر ومصر، وعلى رأسهم أهل الحديث والأثر، الذين نقلوا إلينا سنة رسول الله ﷺ وميزوا صحيحها من سقيمها، وعملوا بها واعتقدوا ما دلت عليه.\nيقول الإمام ابن حزم في بيان من هم أهل السنة:\n\"وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق ومن عداهم فأهل البدعة فإنهم: الصحابة ﵃، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلًا فجيلًا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم\"١.\n_________\n١ الفصل في الملل والأهواء والنحل، \"ط. الثانية ١٣٩٥. نشر: دار المعرفة - بيروت\" ٢/ ١١٣.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثالثا: تنازع الطوائف هذا اللقب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>مدخل</span>\n...\nثالثًا: تنازع الطوائف هذا اللقب\nلما كان أهل السنة، هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن ابتعهم على ما كانوا عليه من الهدى.\nووجد كثير من الطوائف أن النجاة لا تكون إلا لمن كان على ما كانوا عليه لقوله ﷺ في حديث افتراق الأمة: \"وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي\" ١.\n_________\n١ ت: كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، ٥/ ٢٦، ح ٢٦٤١، وحسنه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. انظر: صحيح الترمذي ٢/ ٣٣٤، ح ٢١٢٩، \"ط. الأولى ١٤٠٨، نشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج\".","vol":"1","page":48},{"text":"لما كان الأمر كذلك ادعى كثير من الطوائف والفرق أنهم هم الفرقة الناجية وأنهم أهل الحق، وتسمى بعضهم باسم \"أهل السنة\".\nيقول شيخ الإسلام -﵀ عليه- وفي معرض كلامه عن الفرق المشار إليها في الحديث: \"فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى؛ فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له، هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها هم أهل البدع، قال: وهذا ضلال مبين؛ فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى؛ فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة بل كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ؛ فمن جعل شخصًا غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدع، كما يوجد ذلك في الطوائف من إتباع أئمة الكلام في الدين وغير ذلك، كان من أهل البدع والضلالة والتفرق\"١.\nفكل طائفة تدعي أنها الفرقة الناجية، وأن الحق معها.\n_________\n١ الفتاوي ٣/ ٣٤٦- ٣٤٧.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الشيعة الإمامية الرافضة:</span>\nتجعل نسها الفرقة الناجية دون غيرها، وأنها هي المشار إليها في حديث الافتراق.\nفقد نقل ابن المطهر الحلي١ عن شيخه النصير\n_________\n١ وهو الحسين بن يوسف بن المطهر الحلي، ذكره ابن حجر باسم \"الحسين\" وقال: هو عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم، وهو الذي رد عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية في كتابه المعروف بالرد على الرافضي.\nقلت: وهو كتاب منهاج السنة وهو مشهور، وقال ابن تغري بردي: كان عالمًا بالمعقولات وله عدة مصنفات؛ غير أنه كان رافضيًا خبيثًا على مذهب القوم.\nانظر: لسان الميزان ٢/ ٣١٧، والنجوم الزاهرة ٩/ ١٦٧، ط. مصورة عن طبعة دار الكتب.","vol":"1","page":49},{"text":"الطوسي١ أنه سئل عن المذاهب؛ فقال: \"بحثنا عنها وعن قول الرسول ﷺ: \"ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية والباقي في النار\". وقد عين ﵇ الفرقة الناجية والهالكة في حديث آخر صحيح متفق عليه، وهو قوله: \"مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف غرف؛ فوجدنا الفرقة الناجية هي: الفرقة الإمامية؛ لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد\"٢.\nوقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ردًا متينًا مطولًا من ثمانية أوجه٣ فأفاد وأجاد رحمة الله عليه. وقد بين في \"الوجه الخامس\" أن ق وله صل الله عليه وسلم في حديث الافتراق عن الفرقة الناجية وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.\nوفي رواية: \"هم الجماعة\" يناقض قول الإمامية ويقضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، خارجون عن جماعة المسلمين يكفرون أو يفسقون أئمة\n_________\n١ وهو: محمد بن محمد بن احلسن بنصير الدين الطوسي الفيلسوف، كان ذا منزلة من هولاكو وزر له، استغل مكانته في التنكيل بأهل السنة والإساءة إليهم والتشفي منهم. كان مولده سنة ٥٩٧ ووفاته ببغداد سنة ٦٧٢. انظر ترجمته لدى: محمد بن شاكر الكتبي في فوات الوفيات \"بتحقيق د. إحسان عباس نشر: دار صادر\"، ٣/ ٢٤٦ وشذرات الذهب ٥/ ٣٣٩.\n٢ ابن المطهر الحلي، منهاج الكرامة مطبوع مطبوع مع كتاب منهاج السنة، ١/ ٩٥ ط. المدني.\n٣ انظر: منهاج السنة ٣/ ٤٤٤- ٤٨٤، \"ط. جامعة الإمام بتحقيق د. محمد رشاد سالم\".","vol":"1","page":50},{"text":"الجماعة؛ كأبي بكر وعمر، وكذلك يكفرون أو يفسقون علماء وعباد الجماعة.\nوبين ﵀ أن الإمامية أبعد الناس من سير الصحابة، وأجهلهم بحديث رسول الله وأعداهم لأهله من أصحاب رسول الله صلى الهل عليه وسلم وأمة المسلمين، ثم تبين أن الوصف الوارد في الحديث لا ينطبق إلا على أهله السنة؛ لأنهم هم الذين على ما كان عليه الرسول ﷺ وهم أهل الجماعة الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعًا.\nثم بين في \"الوجه السادس\"١ أن الحجة التي احتج بها الطوسي على أن الإمامية هي الفرقة الناجية وهي قوله: \"لأنهم باينوا جميع المذاهب\"، بين رحمه أن هذه الحجة كذب في وصفها، كما هي باطلة في دلالتها.\nوبين أن كثيرًا من الفرق قد باينت جميع الفرق الأخرى فيما اختصت به من أقوال؛ فالخوارج باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا من التكفير بالذنوب ومن تكفير علي ﵁. وغير ذلك مما انفردوا به من أقوال. وكذلك المعتزلة باينوا جميع الطوائف فيما اختصوا به من \"المنزلة بين المنزلتين\"، وقولهم أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وليسوا بمؤمنين ولا كفار، وهكذا جميع الفرق، فلا اختصاص للرافضة بذلك.\nثم قال في \"الوجه السابع\": \"إن مباينتهم لجميع المذاهب هو على فساد قولهم أدل منه على صحة قولهم، فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف لا يدل على أن -قولها- هو الصواب، واشترك أولئك من قول لا يدل على أنه باطل\"٢.\nوكيف يتخذ الاختلاف والإغراق في الابتعاد عن الآخرين أساسًا لنجاة؟\n_________\n١ منهاج السنة ٣/ ٤٦٠- ٤٦١.\n٢ منهاج السنة ٣/ ٤٤٦.","vol":"1","page":51},{"text":"ولو اتبعنا هذا الأساس لكان الإغراق في الإلحاد أساسًا للنجاة؛ بل لكان التخريف أو تخيلات المجانين أكثر قربًا للنجاة؛ لأنها أكثر باتعادًا عن آراء الآخرين١.\nوأما استدلاله بحديث \"سفينه نوح\" فهو يتوقف على صحة الحديث، والحديث ضعيف كما ذكر ذلك الذهبي٢، والألباني٣، ولا عبرة يقول الطوسي: \"أنه حديث صحيح متفق عليه\"؛ فليس هو من أهل هذا الشأن.\nوالمعروف أنه من قول الإمام مالك بلفظ: \"السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك\".\nقال شيخ الإسلام في إيضاح معناه: \"وهذا حق فإن سفينة نوح إنما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين، واتباع السنة هو ابتاع الرسالة التي جابت من عند الله فتباعها بمنزلة من كرب مع نوح في السفينة باطنًا وظاهرًا، والمتخلف عن إتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن اتباع نوح ﵇ وركوب السفينة\"٤.\n_________\n١ د. عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام \"ط. الثالثة ١٣٨٧ هـ، نشر: مكتبة الأنجلو المصرية\"، ص ٩٩.\n٢ قال الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" معقبًا على قول الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\"، قلت: \"مفضل- أحد رواة الحديث- رخج له الترمذي فقط ضعفوه\"، انظر: المستدرك ٢/ ٣٤٣.\n٣ انظر: ضعيف الجامع الصغير ٥/ ١٣١.\n٤ الفتاوى ٤/ ١٣٧.","vol":"1","page":52},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-19>المعتزلة:</span>\nيزعمون أنهم أهل الحق وأنهم الفرقة الناجية، يقول مقدمهم وكبيرهم عمو بن عبيد١ للخليفة المنصور- وقد سأله أن يعينه بأصحابه: \"أظهر الحق يتبعك أهله\"٢ يريد المعتزلة. فما على المنصور إذا أراد معونتهم إلا أن يرفع رايتهم ويظهر مذهبهم.\nويستدلون على أنهم الفرقة الناجية برواية محرفة لحديث الافتراق فقالوا: روي سفيان الثوري عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ: \"ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة\"، ولعلهم شعروا بتفردهم بهذه الرواية فاتهموا سفيان بأنه قال لأصحابه: \"تسموا بهذا الاسم لأنكم اعتزلتم الظلمة، فقالوا: سبقك بها عمرو بن عبيد وأصحابه -قالوا: فكان سفيان بعد ذلك يروي: واحدة ناجية\"٣.\nولهؤلاء نقول: من مذهبكم عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب الاعتقاد؛ فكيف سوغتم لأنفسكم الاحتجاج بهذا الحديث مع اتهامكم راويه سفيان بأنه تصرف في الحديث بوضع عبارة مكان أخرى؟\nولكن لا غرابة فإن إحدى علامات أهل البدع: أنهم يأخذون من السنة ما وافق أهواءهم، صحيحًا كان أو ضعيفًا، ويتركون ما لم يوافق أهواءهم من الأحاديث وإن صح وأخرج الشيخان! ٤.\nويزعم المعتزلة أنهم هم المتمسكون بالسنة والجماعة دون غيرهم مع قولهم بعدم حجية حديث الآحاد.\n_________\n١ هو: عمرو بن عبيد من باب أبو عثمان البصري كبير المعتزلة، له كتاب: العدل، والتوحيد، وكتاب الرد على القدرية- يريد السنة مات بطريق مكة سنة ثلاث، وقيل: أربع وأربيعين ومائة، الذهبي: \"سير أعلام النبلاء\" \"٦/ ١٠٤- ١٠٦\".\n٢ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ١٢/ ١٦٨.\n٣ ابن المرتضى أحمد بن يحيى، المنية والأمل ص ٢- ٣.\n٤ انظر: مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٦٢٨- ٦٢٩.","vol":"1","page":53},{"text":"فقد جاء في كتاب \"فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة\"١ قولهم:\n\"ومعنى السنة إذا أضيفت إليه ﷺ؛ هو ما أمر ليدام عليه، أو فعله ليدام الاقتداء به، فما هذا حاله يعد سنة الرسول ﷺ؛ وإنما يقع هذا الاسم على ما ثبت أنه قاله أو فعله، فأما ما ينقل من أخبار الآحاد فإن صح فيه شروط القبول، يقال فيه: أنه سنة على وجه التعارف؛ لأنا إذا لم نعلم ذلك القول أو ذلك الفعل فالقول بانه سنة يقبح؛ لأنا لا نأمن أن نكون كاذبين في ذلك، وعلى هذا الوجه لا يجوز في العقل أن يقول في خبر الواحد، قال رسول الله ﷺ قطعًا؛ وإنما يجوز أن يقال: روي عنه ﷺ\".\nوأما الجماعة: فالمراد به ما أجمعت عليه الأمة، وثبت ذلك من إجماعها؛ فأما ما لم يثبت مما لم يجز التمسك به فهو بمنزلة أخبار الآحاد، وإذا صح ما ذكرناه فالمتمسك بالسنة والجماعة هم أصحابنا والحمد لله دون هؤلاء المشنعين.\nوهكذا سائر الطوائف والفرق، فما من طائفة إلا وتدعي أنها الناجية، وأن الحق معها، وتستكره النصوص على تأييد مذهبها، كما فعلت الشيعة والمعتزلة، كما أوضحنا ذلك.\n_________\n١ لأبي القاسم البلخي، والقاضي عبد الجبار، والحاكم الجشمي ص ١٨٥- ١٨٦، \"نشر: الدار التونسية للنشر\".","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الأشاعر</span>ة:\nلا يفتأ أئمة الأشاعرة يذكرون في كتبهم أنهم أهل السنة وأهل الحق، وأنهم هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. وهذا أمر لا يخفى على من قرأ كتبهم، وأنا أذكر فقط نماذج من كلامهم في ذلك على مر العصور:\n- كلام أبي بكر الباقلاني \"ت ٤٠٣ هـ\"، وهو من تلاميذ أبي الحسن الأشعري:\nقال مثلًا في صفة الكلام التي خالفوا فيها السلف من أهل الحديث والسنة: \"أعلم أن الله تعالى متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق ولا مجعول ولا محدث بل كلامه قديم صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته ونحو ذلك\"١.\nثم قال في موطن آخر: \"فإن قالوا: أليس تقولون إن كلام الله مسموع بحاسة الآذان على الحقيقة؟ قلنا: بلى، فإن قالوا: فليس يجوز أن يكون مسموعًا على الحقيقة؛ إلا ما كان صوتًا وحرفًا.\nفالجواب: أن هذا جهل عظيم؛ وذلك أن أهل السنة والجماعة قد أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار على الحقيقة، ولا يجوز أن يرى على الحقيقة إلا ما كان جسمًا٢ وجوهرًا٣ وعرضًا٤، أفتقولون إن الله تعالى، جسم\n_________\n١ انظر: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص ١٠٨، \"ط. الثانية ١٣٨٢ هـ. نشر: مؤسسة الخانجي\".\n٢ لفظ \"الجسم\" فيه إجمال: فقد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت، أو ما يقبل التفريق والإنفصال، أو المركب من مادة وصورة، أو المركب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجوهر الفرد والله تعالى منزع عن ذلك كله.\nوقد يراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يرى في الآخرة، وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيدهم وقلوبهم ووجوهم وأعينهم، فإن أراد بقوله: \"ليس بجسم\" هذا المعنى، قيل له: هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلًا على نفيه، وأما اللفظ فبدعة نفيًا وإثباتًا؛ فليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله تعالى لا نفيًا ولا إثباتًا. انظر: منهاج السنة لابن تيمية ٢/ ٩٧- ٩٨.\n٣ الجوهر: ماهية إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع، وهو منحصر في خمسة هيولي، وصورة وجسم ونفس وعقل. انظر: الجرجاني، التعريفات ٧٩.\n٤ العرض: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع؛ أي: محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم به. المصدر السابق ١٤٨، الإنصاف ص ١٣٦.","vol":"1","page":55},{"text":"وجوهر وعرض، فإن قالوا: نعم فقد أقروا بصريح الكفر والتشبيه، وإن قالوا: يرى وليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا يشبه شيئًا من المرئيات، قلنا: فكذلك كلامه قديم ليس بمخلوق ومسموع على الحقيقة، وليس بحرف ولا صوت١.\nفانظر كيف جعل هذا القول الذي هو من خصائص المذهب الكلابي، هو قول أهل السنة والجماعة، مع أن إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وسائر أئمة أهل الحديث المعروفين بالإمامة في السنة، قالوا بإثبات الحرف والصوت في كلام الله.\nوهذا يدل على أن الباقلاني يطلق اسم \"أهل السنة والجماعة\" على طائفة الأشعرية الكلابية، وهكذا كرر هذا الإطلاق في صفحات \"١٤٤، ١٦١، ١٦٢، ١٦٨\"، من كتاب \"الإنصاف\".\n- كلام البغدادي \"ت ٤٢٩\":\nقال: \"فأما الفرقة الثالثة والسبعون؛ فهي: أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث، دون من يشري لهو الحديث، وفقهاء الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم، ومتكلموا أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته، وعدله. مع قبول ما صح من سنة رسول الله ﷺ\"٢.\nوقال في بيان أنهم الفرقة الناجية: \"ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة ﵃ غير أهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية، دون الرافضة، والقدرية\"٣.\n_________\n١ الإنصاف ص ١٣٦.\n٢ انظر: الفرق بين الفرق، \"بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، نشر: دار المعرفة - بيروت\"، ص ٢٦.\n٣ نفس المصدر ص ٣١٨.","vol":"1","page":56},{"text":"ثم لما بين الأصول التي اجتمعوا عليها ذكرها على منهج الأشاعرة الكلابية، وفيها الكثير من المخالفة لمنهج السلف١.\nكقوله إن حديث الآحاد يوجب العمل دون العلم، وكقوله في نفي الحركة عن الله ﷿، واقتصاره على إثبات سبع صفات الله عزك وجل٢ وكل ذلك على مذهب الأشاعرة والكلابية، أما أهل السنة من سلف الأمة فقولهم في كل ذلك على خلاف ما ذكر.\n-كلام أبي المظفر الإسفرائيني \"ت ٤٧١ هـ\":\nقال: \"والفرقة الثالثة والسبعون هي الناجية، وهم: أهل السنة والجماعة من أصحاب الحديث والرأي وجملة فرق الفقهاء\"٣.\nثم لما ذكر اعتقادهم ذكر ما عليه الأشاعرة من نفي الاستواء، والحروف والصوت عن كلام الله ﷿، وتأويل صفة الرحمة وغيرها من الصفات الفعلية وغير ذلك مما هو مخالف لعقيدة السلف ومصادم للكثير من النصوص الصحيحة الصريحة٤.\n- كلام الجويني \"ت ٤٧٨ هـ\":\nقال في مقدمة كتابه \"لمع الأدلة\": \"هذا وقد استدعيتم -أرشدكم الله ﷿- ذكر لمع من الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة\"، ثم ذكر عقيدة الأشاعرة، كقولهم في كلام الله أنه كلام نفسي ليس بحروف ولا\n_________\n١ نفس المصدر: انظر: ص٣٢٥، ٣٣٣، ٣٣٤.\n٢ نفس المصدر ص٣٢٥.\n٣ انظر: التبصير في الدين، \"بتحقيق كمال يوسف الحوت، ط. الولي نشر: عالم الكتب\"، ص٢٥.\n٤ انظر: نفس المصدر ص١٥٨ - ١٦٧.","vol":"1","page":57},{"text":"صوت١.\n-كلام الغزالي \"ت٥٠٥ هـ\":\nقال في كتابه \"قواعد العقائد\" بعد أن سرد مسائل الاعتقاد على منهج الأشاعرة -كقولهم بالنفي المفصل في صفات الله، فقال: \"وإنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر. وأنه ليس بجوهر ولا بعرض؛ فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار؛ فمن اعتقد جميع ذلك موقنًا به كان من أهل الحق وعصابة السنة، وفارق رهط الضلال وحزب البدعة\"٢.\nوقال في \"الاقتصاد في الاعتقاد\": \"الحمد لله الذي اجتبي من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة\"٣.\n- كلام الرازي \"ت ٦٠٦ هـ\":\nقال في كتابه \"معالم أصول الدين\": \"قال الأكثرون من أهل السنة: كلام الله واحد\"٤ وهذا قول الكلابية والأشاعرة وليس بقول أهل السنة والحديث.\n- كلام أحمد بن موسى الخيالي \"ت ٨٦٢ هـ\":\nقال في \"حاشيته على العقائد النسفية\": \"الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة.\n_________\n١ لمع الأدلة \"بتحقيق د. فوقية حسين محمود، ط. الأولى ١٣٨٥ هـ، نشر: المؤسسة المصرية العامة للتأليف\"، ص ٧٥، وص ٩٢.\n٢ ص ٧١. قواعد العقائد، \"بتحقيق موسى محمد علي، ط. الثانية ١٤٠٥، نشر: عالم الكتب - بيروت\"، ص ٧١، وانظر: ص٥١.\n٣ ص ٣، \"ط. الأولى ١٤٠٣ هـ، نشر: دار الكتب العلمية -بيروت\".\n٤ معالم أصول الدين، \"بتقديم طه عبد الرؤوف سعد، نشر: مكتب الكليات الأزهرية - القاهرة\"، ص ٦٥.","vol":"1","page":58},{"text":"هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام، وأكثر الأقطار، وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور\"١.\n- كلام إبراهيم بن محمد البيجوري \"ت ١٢٧٧ هـ\":\nقال في \"شرح جوهرة التوحيد\"٢: \"وأما عند أهل السنة فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع\". وهذا قول الأشاعرة وليس هو قول السلف من أهل السنة.\n-كلام الدكتور محمد سعيد رمضان \"من الأشاعرة المعاصرين\":\nقال في معرض كلامه على مسألة كلام الله ﷿: \"ثم إن المعتزلة فسروا هذا الذي أجمع المسلمون على إثباته لله تعالى، بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم، ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئًا آخر من وراء هذه الأصوات والحروف تحت اسم: الكلام.\n-قال-: أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة؛ فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة؛ بل نقول به ونسميه كلامًا لفظيًا، ونحن جميعًا متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث؛ ولكنا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس\"٣.\nوهذا القول من خصائص المذهب الكلابي الذي عليه الأشاعرة، ولم\n_________\n١ المرتضى الزبيدي: إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٢/ ٦، \"نشر: دارالفكر\".\n٢ تحفة المريد ص ٣٠- ٣١.\n٣ كبرى اليقينيات الكونية ص ١٢٥، \"نشر: دار الفكر - بيروت، ١٤٠٥ هـ مصور عن طبعة ١٩٨٢ م\".","vol":"1","page":59},{"text":"يوافقهم عليه أحد من أئمة الحديث وأهل السنة من سلف هذه الأمة؛ فجعل الدكتور البوطي أصحاب هذا المعتقد في كلام الله هم أهل السنة.\n- كلام وهبي سليمان غاوجي الألباني \"من الأشاعرة المعاصرين\":\nقال: \"الفرق في شأن صفات الله تعالى ثلاث:\nأهل السنة والجماعة، وهم المثبوت لله تعالى كل صفة كمال ورد بها الدليل القطعي\"١.\nثم ذكر أقسام الصفات على منهج الأشاعرة:\nوهكذا نرى الأشاعرة يعلنون منذ نشأتهم وإلى اليوم أنهم هم أهل السنة، وأنهم الفرقة الناجية دون غيرهم.\nونراهم ينصون على سبب استحقاقهم هذا اللقب، وكونهم الفرقة الناجية. وهو: إتباعهم لسنة الرسول ﷺ وسنة أصحابه من بعده.\nفيقول البغدادي: ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابي ﵁ غير أهل السنة والجماعة، من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية٢.\nوقال قبل ذلك عندما ذكر الفرقة الثالثة والسبعين وأنهم أهل السنة والجماعة وذكر مما يجمع هذه الفرقة: \"والإقرار بتوحيد الصانع، ومع قبول ما صح من سنة رسول الله ﷺ\"٣.\nويقول الإسفراييني: في سبب نجاة أهل السنة وهو متابعتهم للرسول ﷺ: \"وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول ﷺ، وأكثر تبعًا لسنته من\n_________\n١ أركان الإيمان ص ٢٥.\n٢ الفرق بين الفرق ص ٣١٨.\n٣ نفس المصدر ٢٦.","vol":"1","page":60},{"text":"هؤلاء، ولهذا سموا: أصحاب الحديث، وسموا بأهل السنة والجماعة\"١.\nإذن إتباع ما كان عليه ﷺ وأصحابه، هو الضابط لاستحقاق لقب \"أهل السنة\" والفوز بالنجاة. وهذا ضابط مهم لمعرفة أهل السنة من غيرهم؛ فهل التزم الأشاعرة بذلك وحققوا الإتباع كما ادعوا؟ أم أنهم قدموا على السنة غيرها، وحكموا فيها العقل، وصرفوها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكرات التأويلات؟\nذلك ما سيتضح لنا فيما بعد إن شاء الله.\nوقبل ذلك علينا أن نعرف ما هو الطريقة لمعرفة السنة، وبأي شيء تدرك؟\n_________\n١ التبصير في الدين ص ١٨٥.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>رابعًا: طريق معرفة السنة وإدراكها</span>\nإذا كانت السنة هي ما كان عليه النبي ﷺ فلا شك أنه لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنقل لا غير. بالنقل الصحيح نعرف ما كان عليه الرسول ﷺ، ولا سبيل للعقل إلى ذلك البتة.\nوبالاتباع لما جاء به النقل من ذلك تدرك السنة.\nيقول إمام أهل السنةمن غير منازع الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه \"ت ٢٤١ هـ\": \"وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والأهواء؛ إنما هي الإتباع، وترك الهوى\"١.\nويقول الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين \"٣٢٤- ٣٩٩ هـ\": \"أعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، أنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول،\n_________\n١ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ١٥٦- ١٥٨، وابن الجوزي مناقب الإمام أحمد ١/ ١- ١٧٢.","vol":"1","page":61},{"text":"وإنما هي في الإتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة\"١.\nويقول الإمام أبو نصر السجزي٢ \"ت ٤٤٤ هـ\": \"ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل\"٣.\nوقال: \"فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه، وقيل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ\"٤.\nوقال أبو المظفر السمعاني \"٤٨٩ هـ\": \"فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك\"٥.\nأما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يقول في هذا الصدد: \"إن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله ﷺ في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات؛ وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول،\n_________\n١ أصول السنة ١/ ٢٠، \"بتحقيق محمد إبراهيم هارون\"، على الآلة الكاتبة رسالة ماجستير.\n٢ هو: عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي: له كتاب الإبانة في الرد على الزائغين، وكتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت، توفي سنة ٤٤٤ هـ. وقد قدمت عنه دراسة موسعة في مقدمة تحقيق كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت، الذي نلت به درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية، ونشره المجلس العلمي بها. راجع ص ١٨- ٤٦.\nوانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٦٥٤- ٦٥٧، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١١٨- ١١٢٠.\n٣ الرد على من أنكر الحرف والصوت، ص ٩٩، \"ط. الأولى، ١٤١٣ هـ\".\n٤ الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١١١.\n٥ الانتصار لأهل الحديث، ضمن كتاب: صون المنطق للسيوطي ص ١٦٥.","vol":"1","page":62},{"text":"وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة\"١.\nهذا كلام أهل العلم من أئمة أهل السنة يبين في جلاء أن السنة لا سبيل لمعرفتها وإدراكها إلا بالنقل الثابت الصحيح، والاتباع المحض لما ثبت منها.\nفما هو موقف الأشاعرة، من النقل؟ الذي هو السبيل الوحيد. لمعرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، ذلك ما سنقف عليه في الفقرة التالية.\n_________\n١ الوصية الكبرى، \"بتحقيق أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود، ط. الأولى ١٤٠٧ هـ، نشر: مكتبة ابن الجوزي -الإحساء\" ص ١٨.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>خامسًا: موقف الأشاعرة من النقل عمومًا والسنة خصوصًا</span>\nإذا تأملنا كتب القوم، تجدهم يجعلون العقل هو الأساس، والنقل تبعًا له، ولا يخلوا النقل مع العقل من إحدى الحالات الآتية:\n١- إما أن يكون النقل قطعي الثبوت كالمتواتر مثلًا، موافقًا للعقل؛ فهذا يقبلونه، لموافقته مقتضى العقل وكونه موجبًا للعمل.\n٢- وإما أن يكون قطعيًا، مخالفًا للعقل. وله حالتان:\n١- أن يمكن تأويله بما يوافق العقل فيجب تأويله، ويقبل النقل ويؤول.\n٢- أن لا يمكن تأويله، وهذا يرد لمخالفته العقل، والعقل مقدم على النقل عندهم.\n٣- وإما أن يكون النقل ليس بقطعي -عندهم- كخبر الآحاد وله ثلاث حالات:\n١- أن يكون موافقًا لمقتضى العقل: فهذا يقبل لموافقته العقل لا لذاته.\n٢- أن يكون مخالفًا لمقتضى العقل، لكن يمكن تأويله بما يوافق.","vol":"1","page":63},{"text":"مقتضى العقل؛ فهذا يشتغل بتأويله على سبيل التبرع، وإلا فليسوا ملزمين بتأويله؛ لأنه ليس يجب تأويل إلا ما كان موجبًا للعلم وهو المتواتر، أما الآحاد فليس كذلك.\n٣- أن يكون مخالفًا لمقتضى العقل ولا يمكن تأويله؛ فهذا حكمه الرد لعدم إيجابه للعلم أصلًا، وعدم إمكان تأويله.\nهذه خلاصة موقف القوم من النقل، وإليك كلامهم من كتبهم في بيان موقفهم من النقل، مراعيًا الترتيب الزمني لنقف على تطور موقفهم:\n١- كلام ابن فورك \"ت ٤٠٦ هـ\":\nقال: \"وأما ما كان من نوع الآحاد، مما صحت الحجة به، من طريق وثاقة النقلة، وعدالة الرواة، واتصال نقلهم؛ فإن ذلك -وإن لم يوجب العلم والقطع فإنه- يقتضي غالب الظن وتجويز حكم\"١.\n٢ كلام البغدادي \"ت ٤٢٩ هـ\":\nقال: \"والأخبار عندنا ثلاثة أقسام: متواتر، وآحاد، ومتوسط، بينهما مستفيض جار مجرى التواتر في بعض أحكامه.\nفالمتوتر: هو الذي يستحيل التواطؤ على وضعه وهو موجب للعلم الضروري بصحة مخبره.\nوأخبار الآحاد: متى صح إسنادها، وكانت متونها غير مستحيلة، وفي العقل، كانت موجبة للعمل بها دون العلم، وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم، يلزم الحكم بها في الظاهر وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة\"٢.\n_________\n١ مشكل الحديث وبيانه ص ٥، وانظر أيضًا: ص ٢٦٩.\n٢ أصول الدين ص ١٢.","vol":"1","page":64},{"text":"وقال في شروط قبول خبر الآحاد: \"والشرط الثالث: أن يكون متن الخبر مما يجوز في العقل كونه.\nفإن روى الراوي ما يحيله العقل، ولم يحتمل تأويلًا صحيحا فخبره مردود.\nوإن كان ما رواه الراوي الثقة يروع١ ظاهره في العقول؛ ولكنه يحتمل تأويلًا يوافق قضايا العقول قبلنا روايته وتأولناه على موافقة العقول\"٢.\n٣- كلام الجويني \"٤٧٨ هـ\":\nقال في باب القول في \"السمعيات\": \"اعلموا -وفقكم الله تعالى- أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلًا، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعًا، وإلى ما يدرك سمعًا، ولا يتقدر إدراكه عقلًا، وإلى ما يجوز إدراكه سمعًا وعقلًا؛\nفإذا ثبتت هذه المقدمة، فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر يما تعلقت به الأدلة السمعية؛\nفإن صادفه غير مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها، فما هذا سبيله، فلا وجه إلا القطع به. وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلًا في العقل، وثبتت أصولها قطعًا، ولكن طريق التأويل يجول فيها؛ فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته وإن لم يكن قاطعًا.\n_________\n١ يروع؛ أي: يفزع. انظر: لسان العرب ٨/ ١٣٥.\n٢ أصول الدين ص ٢٣.","vol":"1","page":65},{"text":"وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفًا العقل؛ فهو مردود قطعًا بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع\"١.\nفبين ﵀ ما يقبل من النقل والسمع وما يرد، وما يتأول، وبين في كتاب \"لمع الأدلة\" أن النقل يقبل إذا كان مضمونه مما يجوز في العقل فقال: \"كل ما جوزه العقل، وورد به الشرع، وجب القضاء بثبوته\"٢.\nكما أوضح في \"الشامل\" أنه لا يتحتم عليهم تأويل كل حديث ورد مخالفًا للعقل؛ وإنما يجب عليهم تأويل الأحاديث التي توجب العلم وهي المتواترة، بخلاف الآحاد.\nقال: \"وليس يتحتم علينا أن نتأول كل حديث مختلف، كيف وقد بينا أن ما يصح في الصحاح من الآحاد لا يلزم تأويله، إلا أن نخوض فيه مسامحين، فإنه إنما يجب تأويل ما لو كان نصًا لأوجب العلم\"٣.\n٤- كلام الغزالي \"ت ٥٠٥ هـ\":\nقال بعد أن قسم ما لا يعلم بالضرورة إلى: ما يعلم بدليل العقل دون الشرع. وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل، وإلى ما يعلم بهما.\nثم كلما ورد السبمع به ينظر: فإن كان العقل مجوزًا له، وجب التصديق به قطعًا، وإن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها ومستندها لا يتطرق إليها احتمال.\nوأما ما قضى العقل باستحالته، فيجب تأويل ما ورد السمع به، ولا\n_________\n١ الإرشاد إلى قواطع الأ دلة في أصول الاعتقاد ص ٣٥٨- ٣٦٠، \"بتحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم، ط. ١٣٦٩ هـ. مطبعة السعادة، نشر: مكتبة الخانجي\".\n٢ ص ١١٢.\n٣ ١/ ٥٦١.","vol":"1","page":66},{"text":"يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول.\nوظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع؛ بل هو قابل للتأويل.\nفإن توقف العقل في شيء من ذلك فلم يقض فيه باستحالة ولا جواز، وجب التصديق أيضًا لأدلة السمع؛ فيكفي في وجوب التصديق انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة، وليس يشترط اشتماله على القضاء بالجواز١.\nثم بين أن هذا القسم غير جائز اعتقاد ما جاء به في حق الله تعالى لتوقف العقل فيه؛ وإنما يجوز في حق الله ما دل العقل على جوازه؛ فقال: \"وبين الرتبتين فرق ربما يزل ذهن البليد حتى لا يدرك الفرق بين قول القائل: أعلم أن الأمر جائز، وبين قوله: لا أدري أنه محال أم جائز، وبينهما ما بين السماء والأرض؛ إذ الأول جائز على الله تعالى، والثاني غير جائز، فإن الأول: معرفة بالجواز.\nوالثاني: عدم معرفة بالإحالة، ووجب التصديق جائز في القسمين جميعًا\"٢.\n٥- كلام فخر الدين الرازي \"ت ٦٠٦ هـ\":\nوضع الرازي ما يسمى بالقانون الكلي، الذي يرجع إليه عند تعارض العقل والنقل -بزعمهم، وإلا فإن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح- فقال في كتابه الموسوم بأساس التقديس: \"الفصل الثاني والثلاثون: في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟.\nاعلم أن الدلائل القطعية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية\n_________\n١ الاقتصاد في الاعتقاد ص ١٣٢- ١٣٣.\n٢ نفس المصدر ص ١٣٣.","vol":"1","page":67},{"text":"يشعر ظاهرها بخلاف ذلك؛ فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:\n١- إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل. فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.\n٢- وإما أن يبطل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.\n٣- وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته. وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ، وظهور المعجزات على محمد، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية، صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل، يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وأنه باطل.\nولما بطلت الأقسام الأربعة١ لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال:\n١- إنها غير صحيحة.\n٢ أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.\nثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا به على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى؛ فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جمع المتشابهات٢.\nوقال أيضًا في شروط إفادة الدليل اللفظي اليقين:\n_________\n١ لم يتقدم إلا ذكر ثلاثة. والرابع هو ما ذكره بعد ذلك.\n٢ ص ١٧٢- ١٧٣.","vol":"1","page":68},{"text":"مسألة: الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة:\n١- عصمة رواة مفردات الألفاظ.\n٢- وإعرابها.\n٣- وتصريفها.\n٤- وعدم الاشتراك.\n٥- والمجاز.\n٦- والنقل.\n٧- والتخصيص بالأشخاص والأزمنة.\n٨- وعدم الإضمار والتأخير والتقديم.\n٩- والنسخ.\n١٠- وعدم المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه؛ إذ ترجيح النقل على العقل يقتضي القدح في العقل المستلزم للقدح في النقل؛ لافتقاره إليه، وإذا كان المنتج ظنيًا فما ظنك بالنتيجة؟ ١.\nوبنحو هذا قال الإيجي \"٧٥٠ هـ\" أيضًا٢.\nومن الأشاعرة المعاصرين يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي: \"ولكن الصحيح نفسه يرقى في درجات متفاوته، تبدأ من الظن القوي إلى الإدراك اليقيني؛ فإذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومها الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر بينهم فهو لا يعدو أن يكون خبرًا ظنيًا في حكم العقل.\n_________\n١ محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص ٥١.\n٢ المواقف في علم الكلام ص ٤٠.","vol":"1","page":69},{"text":"فأما الظني من الخبر الصحيح فلال يعتد به الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن -في مجال البحث في العقيدة- عن اتباع الظن\"١.\nوهكذا نرى الأشاعرة في ماضيهم، وحاضرهم، يقفون من النقل والمسع موقفًا ليس لهم سلف فيه إلا المعتزلة.\nفقد جعلوا العقل أصلًا يرجع إليه، وجعلوا ما جاءت به الأنبياء تبعًا له؛ فما وافق عقولهم قبلوه، وما خالفها ردوه، أو تأولوه على مقتضى عقولهم.\nفهل هذا الموقف الذي اتخذه الأشاعرة من النقل بصفة عامة، ومن السنة بصفة خاصة، يؤهلهم لأن يكونوا هم أهل السنة؟ كيف وقد عد أهل العلم بالسنة من أهم ما يميز أهل السنة من أهل البدعة تقديم النقل والأثر والاحتكام إليهما؛ كما يقول أبو المظفر السمعاني:\n\"وأعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو: مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الإتباع والمأثور تبعًا للمعقول.\nوأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الإتباع، والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول، لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء\"٢.\nوعدوا من أهم علامات أهل السنة أنهم عند التنازع يدعون إلى التحاكم إليها دون آراء الرجال وعقولها؛ بينما أهل البدع يدعون إلى التحاكم إلى آراء الرجال ومعقولاتها٣.\n_________\n١ كبرى اليقينيات ص ٣٥- ٣٦.\n٢ الانتصار لأهل الحديث، ضمن صون المنطق للسوطي ص ١٨٢.\n٣ ابن القيم، مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٦٢٧.","vol":"1","page":70},{"text":"وهؤلاء -الأشاعرة- يقضي قانونهم الكلي الذي وضعوه، بالرجوع عند الاختلاف إلى العقل كما تقدم. فما جوزه قبل، وما اعتبره مستحيلًا وجب تأويله إن كان قطعي الثبوت، وإن كان ظنيًا اشتغل بتأويله على سبيل التبرع، أورد لعدم حجيته.\nوبذلك ردوا، وأولوا كثيرًا من نصوص الشرع، مما أفضى بهم إلى القول بقول الجهمية تارة، كما في مسألة الإيمان مثلًا، والقدر، ويقول المعتزلة تارة في نفي وتأويل بعض الصفات التي جاء بها السمع الصحيح.\nولا نشتغل بذكر ذلك هنا؛ إذ سنبين موضعهم عند الكلام على وسطية أهل السنة بين طرفي الإفراط والتفريط، في كل باب إن شاء الله تعالى.\nوإنما اكتفى هنا بالإشارة إلى أن موافقتهم للمعتزلة في قضية العقل والنقل جرتهم غلى موافقتهم في كثير مما خالفوا فيه السلف من أهل السنة والحديث والأثر.\nوبعد هذا العرض لموقف الأشاعرة من قضية النقل، وما ترتب عليه من مخالفة السلف، وموافقة أهل البدع.\nيتبين لنا أن دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة دعوى عريضة لم يستطيعوا أن يدللوا عليها؛ فهم لم يلتزموا بها برروا به اعتبار أنفسهم أهل السنة والفرقة الناجية وهو زعمهم أنهم هم من بين فرق الأمة الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه١.\nوأنهم يقبلون ما صح من سنته صلى الله عليه وسلم٢.\nفإنهم وإن قبلوا شيئًا من سنته ﷺ، لم يقبلوه لكونه سنة يجب التسليم\n_________\n١ تقدم ص ٥٦، وانظر: البغدادي، الفرق بين الفرق ص٣١٨.\n٢ تقدم ص ٥٦، وانظر: البغدادي، الفرق بين الفرق ص٢٦.","vol":"1","page":71},{"text":"لها؛ وإنما قبلوه لكون العقل دل على ما جاءت به السنة، بدليل أنه إذا كان النص وإن صح معارضًا للعقل -في نظرهم- لم يقبل، فإما أن يرد أو يؤول كما تقدم.\nومن كان هذا حاله لا يكون من أهل السنة، وإن أصاب السنة كما جاء عن الإمام أحمد، إن صاحب الكلام لا يكون من أهل السنة وإن أصابها١.\nلأنه لم يستمد من السنة أو يتلقي منها ويسلم لها؛ فمن تلقى من السنة واستمد منها فهو من أهلها وإن أخطأ -أي: في فهمها، ومن تلقى من غيرها؛ فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة.\n_________\n١ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ١٥٧.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>سادسًا: سلف الأشاعرة وموقف أهل السنة منهم</span>\nسلف الأشاعرة:\nقبل أن أذكر مواقف أهل العلم من ادعاء الأشاعرة أنهم أهل السنة، أرى أن نتعرف على سلف الأشاعرة، وموقف علماء أهل السنة من السلف منهم.\nتشير المصادر التي بين أيدينا بما فيها كتب الأشاعرة أنهم -إلى أن سلفهم في مقالتهم هو عبد الله بن سعيد بن كلاب١، وأبو العباس القلانسي٢، والحارث المحاسبي٣.\n_________\n١ وهو: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، وربما وافقهم. وكلاب مثل خطاف وزنا ومعنى، لقب به لقوته في المناظرة؛ لأنه كان يجر الخصم إلى نفسه ببيانه وبلاغته، وأصحابه هم الكلابية، أدرك بعضهم أبو الحسن الأشعري، توفي بعد الأربعين ومائتين.\nانظر ترجمته في: الفهرست لابن النديم ٢٣٠، والسير للذهبي ١١/ ١٧٤.\n٢ وهو: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي. انظر: ابن عساكر، تبيين كذب المفتري ص ٣٩٨.\n٣ وهو: الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي من الزهاد المتكلمين على العبادة والزهد. وكان فقيهًا متكلمًا، توفي سنة ٢٤٣ هـ.\nانظر ترجمته في: الفهرست لابن النديم ٢٣٦، وميزان الاعتدال للذهبي ١/ ٤٣٠- ٤٣١، والكامل لابن الأثير ٥/ ٢٩٨.","vol":"1","page":72},{"text":"يقول الشهرستاني \"٤٧٩- ٥٤٨ هـ\" -بعد أن بين أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون صفات الله ﷿ من غير تفرقة بين الصفات الذاتية منها والصفات الفعلية: \"حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصوليه، وصنف بعضهم، ودرس بعض، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه١ مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية\"٢.\nوكلام الشهرستاني يفيد صراحة؛ أن مذهب الأشعرية إنما تلتمس أصوله لدى جماعة من الصفاتية باشروا الكلام وأثبتوا الصفات من أمثال الكلابي، والقلانسي والمحاسبي٣.\nويعتبر الأشاعرة ابن كلاب، إمام أهل السنة في عصره، ويعدونه شيخهم الأول فيقولون: \"ذهب شيخنا الكلابي عبد الله بن سعيد إلى\"٤.\nكما يذكرونه وكذا القلانسي في كتبهم مشيرين إلى أنهما من أصحابهم٥.\n_________\n١ وهو شيخه: أبو علي الجبائي.\n٢ الملل والنحل ١/ ٩٣.\n٣ د. أحمد محمود صبحي. في علم الكلام ص ٤٢٢.\n٤ الشهرستاني، نهاية الإقدام ٣٠٣.\n٥ انظر: البغدادي، أصول الدين ص ٨٧، ٩٧، ٢٣٤، والجويني الإرشاد ص ١١٩.","vol":"1","page":73},{"text":"فهؤلاء هم سلف الأشعرية، وقد كانوا من جملة السلف، ثم باشروا علم الكلام، فجرهم ذلك إلى مخالفة السلف في بعض ما يقولون وموافقة المعتزلة في بعض أصولهم، وأشهر ما خالفوا فيه السلف ووافقوا فيه المعتزلة مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:\nفأهل السنة والجماعة: يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.\nوالجهمية من المعتزلة وغيرهم: تنكر هذا، وهذا. فأثبت ابن كلاب: قيام الصفات اللازمة به، ونفي أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري١ وغيرهما\"٢.\nفوافق السلف والأئمة من أهل السنة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال الاختيارية وما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ فكان في مسلكهم ميل إلى البدع ومخالفة للسنة ومقارفة للكلام مما جعل علماء السلف من أهل السنة يحذرون منهم.\nوقد كان الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة \"١٦٤- ٢٤١ هـ\" من أشدهم في ذلك؛ فقد هجر الحارث بن أسد المحاسبي لأجل ذلك. كما\n_________\n١ أبو الحسن الأشعري ﵀ ثبت رجوعه إلى مذهب السلف في ذلك على ما جاء في كتابي الإبانة، والمقالات.\n٢ درة تعارض العقل والنقل ٢/ ٦.","vol":"1","page":74},{"text":"يقول: أبو القاسم النصر أباذي١: \"بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيء من الكلام فهجره أحمد بن حنبل فاختفى، فلما مات لم يصل عليه؛ إلا أربعة نفر\"٢.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر من ابن كلاب وأتباعه\"٣.\nوقال: \"والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون من هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون من أصحابه\".\nوهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية٤.\nوقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة \"ت ٣١١ هـ\" لما قال له أبو علي الثقفي٥: \"ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟\n_________\n١ وهو إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه الخراساني النصرآباذيِ، كان عالمًا بالحديث، وكان من شيوخ الصوفية في وقته، نزل مكة وتوفي بها سنة ٣٦٧ هـ. انظر ترجمته: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٦/ ١٦٩، والسمعاني: الأنساب ٥/ ٤٩٢، والذهبي: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٦٣.\n٢ الذهبي: ميزان الاعتدال ١/ ٤٣٠، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٢/ ١٥٣.\n٣ درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٦.\n٤ الفتاوى ١٢/ ٣٦٨.\n٥ وهو: محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن، أبو علي الثقفي، ذكر الحاكم أنه كان إمامًا في الفقه والكلام، والوعظ والورع، روى عنه أبو بكر ابن إسحاق \"ابن خزيمة\"، مات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ١٩٢، \"بتحقيق محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو، ط. الأولى ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٤\".","vol":"1","page":75},{"text":"قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية؛ فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره\"١.\nوكان ابن خزيمة ﵀ شيخ الإسلام وإمام الأئمة في زمنه، شديدًا على الكلابية، منابذًا لهم.\nفإذا كان هذا موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل من الكلابية الذين هم سلف الأشاعرة، مع موافقتهم لأهل السنة في أكثر أقوالهم كما يدل عليه قول أبي الحسن الأشعري: \"فأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان؛ فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة\"٢.\nوكان ابن كلاب والمحاسبي يثبتون لله صفة العلو، والاستواء على العرش، كما يثبتون الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرهما٣.\nفكيف بمتأخري الأشاعرة الذين يؤولون ذلك كله، ويوافقون المعتزلة والجهمية في كثير من أقوالهم، مخالفين بذلك أئمة السلف من أهل السنة بل مخالفين سلفهم ابن كلاب وأصحابه.\nفما هو موقف علماء أهل السنة منهم؟ وهل أقروهم على دعواهم أنهم أهل السنة؟ ذلك ما سنقف عليه في الصفحات التالية:\n_________\n١ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ترجمة ابن خزيمة ١٤/ ٣٨٠.\n٢ مقالات الإسلاميين ١/ ٣٥٠.\n٣ انظر: ابن تيمية، درء التعارض ٣/ ٣٨٠- ٣٨١، ٥/ ٢٤٨، ٦/ ١١٩.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>سابعا: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>القول الأول</span>\n...\nسابعًا: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة\nبتتبع كلام أهل العلم من علماء أهل السنة نجد أقوالهم في ذلك متفاوتة ما بين متشدد، دعاه لذلك ما وقف عليه من مخالفة القوم للسنة، وموافقتهم للجهمية والمعتزلة في بعض أقوالهم؛ فبدعهم وحذر منهم ولم ير استحقاقهم للقب \"أهل السنة\" الذي يدعونه.\nوبين متساهل يعدهم من أهل السنة، لما رأى من موافقتهم للسنة في بعض المسائل.\nوبين هؤلاء وهؤلاء حاول بعض من أهل العلم التدقيق في المسألة والقول فيها بشيء من التفصيل.\nوفرق بعض أهل العلم بين متقدميهم ومتأخريهم؛ فعد المتقدمين منهم أقرب إلى أهل الحديث والسنة، المتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة.\nوإليك تفصيل أقوالهم مرتبة حسب التصنيف ألذي ألمحنا إليه:\nالقول الأول:\nقول بعض أهل العلم: أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة وإنما هم أهل كلام، عدادهم في أهل البدعة.\nوممن ذهب إلى ذلك: الإمام أبو نصر السجزي١ \"ت ٤٤٤ هـ\"؛ حيث يرى أنهم محدثة وليسوا أهل السنة؛ فيقول في فصل عقده لبيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟\n\"فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه، وقيل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ، وأنه لا يستحق أن يصغي إليه أو ينظر في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي، وقال الجبائي.\n_________\n١ تقدمت له ترجمة ص ٦٢.","vol":"1","page":77},{"text":"ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ لا يسمى محدثًا؛ بل يسمى سنيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولًا وزعم أنه مقتضي عقله، وأن الحديث المخالف لا ينبغي أن يلتفت إليه؛ لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علمًا، وعقله موجب للعلم يستحق أن يسمى محدثًا مبتدعًا، مخالفًا، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا يتأمل هذا الفصل في أول وهلة، ويعلم أن أهل السنة نحن دونهم، وأن المبتدعة خصومنا دوننا\"١.\nبل يذهب ﵀ أبعد من ذلك فيرى أن ضررهم أكثر من ضرر المعتزلة؛ فيقول: \"ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء -أي: المعتزلة- بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم وهم أبو محمد بن كلاب وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري\"٢.\nمعللًا رأيه هذا بقوله: \"فهؤلاء يردون على المعتزلة بعض أقاويلهم ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردوه على المعتزلة\"٣، وقوله: \"لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف٤ ولم تموه\".\nبل قالت: إن الله بذاته في كل مكان وإنه غير مرئي، وأنه لا سمع له ولا بصر؛ فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء. والكلابية، والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في\n_________\n١ انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت ص١٠٠- ١٠١ وانظر: ص٦٢ من هذه الرسالة.\n٢ نفس المصدر ٢٢٢.\n٣ نفس المصدر ٢٢٣.\n٤ الاستقفاء: الإتيان من الخلف يقال: اقتفيته بالعصا، واستقفيته ضربت قفاه بها.\nانظر: لسان العرب ١٥/ ١٩٣.","vol":"1","page":78},{"text":"القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه١\"٢.\nوممن عدهم من أهل البدع محمد بن أحمد بن خويز منداد المصري المالكي٣؛ فقد روى عنه ابن عبد البر: أنه قال في كتاب الشهادات من كتابه \"الخلاف\"، في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء٤ قال: \"أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام؛ فكل متكلم فهو\n_________\n١ يشير ﵀ إلى ما ذكره عنهم من قولهم في القرآن: إن الله تكلم به بلا أحرف ولا صوت، وتأويلهم للصفات كالاستواء والنزول والفوقية وغير ذلك. انظر مثلًا ص \"٨٢، ١٠٦، ١٠٧، ١٧٣\"، وما بعدها من رسالة \"الرد على من أنكر الحرف والصوت\".\n٢ الرد على من الحرف والصوت ص١٧٧، ١٧٨.\n٣ قال ابن فرحون: هو محمد بن أحمد بن عبد الله ورأيت على كتبه بخطه: محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق، تفقه على الأبهري، وله كتاب كبير في الخلاف. وكان بجانب الكلام، وينافر أهله، حتى يؤدي ذلك إلى منافرة المتكلمين من أهل السنة، ويحكم على الكل منهم بأنهم من أهل الأهواء الذين قال مالك: في مناكحتهم وشهادتهم وإمامتهم وتنافرهم ما قال. الديباج المذهب، \"بتحقيق د. محمد الأحمدي أبو النور، نشر: دار التراث بالقاهرة\"، ٢/ ٢٢٩.\n٤ في قبول شهادة أهل الأهواء والبدع أوردها عدة أقوال لأهل العلم ملخصها ما يلي:\nأولًا: من عرف من أهل البدع بالكذب واستحلال شهادة الزور على الخصوم فترد شهادته باتفاق، وذلك كغلاة الروافض كما قال الإمام الشافعي فيما رواه البيهقي: \"أجيز شهادة أهل الأهواء كلهم؛ إلا الرافضة فإنه يشهد بعضهم لبعض\"، وقال: \"لم أر أشهد بالزور من الرافضة\".\nثانيًا: أما سائر أهل الأهواء ففي قبول شهادتهم ثلاثة أقوال:\n١- القبول مطلقًا.\n٢- الرد مطلقًا.\n٣- تقبل إذ لم يكن المبتدع داعية لبدعته، وترد إذا كان داعية إلى ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا القول هو الغالب على أهل الحديث لا يرون الرواية عن الداعية إلى البدع ولا شهادته\".\nراجع في هذا: منهاج السنة ١/ ٦٢، ط. جامعة الإمام، وسنن البيهقي ١٠/ ٥٢- ٥٣، وشرح السنة للبغوي ١/ ٢٢٨.","vol":"1","page":79},{"text":"من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعري، ولا تقبل لها شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر ويؤدي على بدعته\"١.\nومن المتأخرين: الشيخ ابن سحمان٢، والشيخ عبد الله أبو بطين٣ كما سيأتي ذكر قولهما في ذلك في معرض ردهما على السفاريني في اعتباره الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة.\n_________\n١ انظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٧ \"ط. الثانية ١٣٨٨، نشر: المكتبة السلفية بالمدينة المنورة\".\n٢ وهو: سليمان بن مصلح بن حمدان الخثعمي العسيري أصلًا ومولدًا، ولد سنة ١٢٦٦ هـ ببلاد عسير، ثم رحل مع أبيه إلى نجد، وأخذ على علمائها، له عدة مصنفات في الدفاع عن العقيدة السلفية شعرًا ونثرًا، مات في الرياض سنة ١٣٤٩ هـ، انظر: عبد الله بن عبد الرحمن البسام، علماء نجد ١/ ٢٧٩- ٢٨١، \"ط. الأولى عام ١٣٩٨. نشر: مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة بمكة.\n٣ وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو بطين. أحد أكابر علماء نجد ولي القضاء في عدة أماكن منها، له مصنفات وردود على المخالفين، منها: الفتاوى، وتأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس، ولد في روضة سدير عام ١١٩٤، وتوفي بعنيزة سنة ١٢٨٢ هـ. انظر: المصدر السابق ٢/ ٥٦٧.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>القول الثاني:</span>\nقول من عدهم من أهل السنة، ومن هؤلاء:\nالسفاريني \"١١١٤- ١١١٨\"؛ حيث قسم أهل السنة إلى ثلاث فرق فقال: \"أهل السنة والجماعة ثلاث فرق\":\n١- الأثرية: وإمامهم أحمد بن حنبل.\n٢- والأشعرية: وإمامهم أبو الحسن الأشعري١.\n_________\n١ ثبت رجوع أبي الحسن عما عليه الأشعرية إلى مذهب الإمام أحمد فلا يعد إمامًا لهم في مذهبهم الذي هم عليه لرجوعه عنه.","vol":"1","page":80},{"text":"٣- والماتريدية: وإمامهم أبو منصور الماتريدي\"١.\nولم يسلم ذلك له فقد تعقبه في الحاشية بعض أهل العلم ولعله الشيخ ابن سحمان فقال: \"هذا مصانعة من المصنف رحمه الله تعالى في إدخاله الأشعرية والماتريدية في أهل السنة والجماعة؛ فكيف يكون من أهل السنة والجماعة من لا يثبت علو الرب سبحانه فوق سماواته، واستواءه على عرشه ويقول: حروف القرآن مخلوقة، وإن الله لا يتكلم بحرف وصوت، ولا يثبت رؤية المؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم؛ فهم يقرون بالرؤية ويفسرونها بزيادة علم يخلقه الله في قلب الرائي. ويقول: الإيمان مجرد التصديق وغير ذلك من أقوالهم المعروفة المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة\"٢.\nكما علق على ذلك أيضًا الشيخ عبد الله بابطين \"ت ١٢٨٢ هـ\" بقوله: \"تقسيم أهل السنة إلى ثلاث فرق فيه نظر؛ فالحق الذي لا ريب فيه أن أهل السنة فرقة واحدة، وهي الفرقة الناجية التي بينها النبي ﷺ حين سئل عنها بقوله: \"هي الجماعة\"، وفي رواية: \"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي\"، أو \"من كان على ما أنا عليه وأصحابي\". قال: وبهذا عرف أنهم المجتمعون على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ولا يكونون سوى فرقة واحدة. قال: والمؤلف نفسه يرحمه الله لما ذكر في المقدمة هذا الحديث، قال في النظم:\nوليس هذا النص جزمًا يعتبر ... في فرقة إلا على أهل الأثر\nيعني بذلك: الأثرية. وبهذا عرف أن أهل السنة والجماعة هم فرقة واحدة الأثرية والله أعلم٣.\nوممن ذهب مذهب السفاريني. الأستاذ: أحمد عصام الكاتب، فقال في\n_________\n١ لوامع الأنوار البهية ١/ ٧٣.\n٢ لوامع الأنوار البهية ١/ ٧٣ حاشة رقم \"٤\".\n٣ المصدر السابق ١/ ٧٣ حاشية رقم \"٤\" أيضًا.","vol":"1","page":81},{"text":"بيان أهل السنة من هم: \"وبالجملة فهم: أهل الحديث، والأشاعرة، والماتريدية؛ لأنهم جميعًا التزموا أسس العقيدة وأصولها\"١.\nولا يخفى ما في هذا الكلام من تجوز وتساهل، فإن الخلاف بينهم ولا سيما بين أهل الحديث، وبين الأشعرية والماتريدية، هو في أسس العقيدة وأصولها، ومن أهم هذه الأسس مسألة النقل٢ التي تقدم الحديث عنها.\nومن هؤلاء: الدكتور: أحمد محمود صبحي؛ حيث قال في كتابه \"في علم الكلام\": \"ولكن ليس للأشعرية حق الادعاء أنها تعبر عن فرقة أهل السنة والجماعة؛ وإنما تجاذب هذه الفرقة فريقان:\n١- مذهب السلف من أهل السنة منذ الإمام أحمد بن حنبل إلى أن بلغ به ابن تيمية ذروة التبلور والتماسك.\n٢- مذهب الخلف من أهل السنة وتشارك الصفاتية والأشعرية فيه مذاهب أخرى أهما الماتريدية٣.\nفعد الأشعرية من أهل السنة، وإن كان لا يرى انفرادها بذلك.\n_________\n١ عقيدة التوحيد في فتح الباري ص ٨٦، \"ط. الأولى ١٤٠٣ هـ. نشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت\".\n٢ المراد بالنقل: نصوص الكتاب والسنة.\n٣ ص ٤٢٦- ٤٢٧.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>القول الثالث:</span>\nقول من يرى أنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة من أبواب الاعتقاد. وممن قال بذلك:\nالشيخ عبد العزيز بن باز -متع الله بحياته- حيث قال جوابًا على قول الصابوني: \"أن التأويل لبعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة\".\nقال: \"صحيح في الجملة فالمتأول لبعض الصفات كالأشاعرة لا يخرج بذلك عن جماعة المسلمين ولا عن جماعة أهل السنة في غير باب الصفات١؛ ولكنه لا يدخل في جماعة أهل السنة عند ذكر إثباتهم للصفات وإنكارهم للتأويل.\nفالأشاعرة وأشباههم لا يدخلون في أهل السنة في إثبات الصفات لكونهم قد خالفوهم في ذلك وسلكوا غير منهجهم؛ وذلك يقتضي الإنكار عليهم وبيان خطئهم في التأويل، وأن ذلك خلاف منهج الجماعة. كما أنه لا مانع أن يقال: إن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة في باب الأسماء والصفات، وإن كانوا منهم في الأبواب الأخرى٢، حتى يعلم الناظر في مذهبهم أنهم قد أخطئوا في تأويل بعض الصفات وخالفوا أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإسحان في هذه المسألة، تحقيقًا للحق وإنكارًا للباطل وإنزالًا لكل من أهل السنة والأشاعرة في منزلته التي هو عليها\"٣.\nوممن ذهب إلى ذلك الدكتور: صالح الفوزان؛ حيث قال في تعقيبه على ماقلات الصابوني: \"نعم هم -يعني: الأشاعرة -من أهل السنة والجماعة في بقية أبواب الإيمان والعقيدة التي لم يخالفوهم فيها، وليسوا منهم في باب الصفات وما خالفوا فيه، لاختلاف مذهب الفريقين في ذلك\"٤.\n_________\n١ من الأبواب التي لم يخالفوهم فيها.\n٢ أي: التي لم يخالفوهم فيها؛ فإن مخالفة الأشاعرة لأهل السنة ليست مقصورة على باب الأسماء والصفات، فقد خالفوهم في أبواب أخرى كالإيمان، والقدر، فهم ليسوا من أهل السنة فيها، كما أنهم ليسوا منهم في باب الأسماء والصفات.\n٣ تنبيهات هامة على ما كتبه محمد علي الصابوني في صفات الله ﷿ ص ٣٧- ٣٨، \"ط. الأولى ١٤٠٤ هـ. نشر: الدار السلفية - الكويت\".\n٤ البيان لأخطاء بعض الكتاب ص ٢٨.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>القول الرابع:</span>\nاعتبارهم من أهل الإثبات والتفريق بين أئمتهم المتقدمين ومتأخريهم.\nوهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرى: أنهم يعدون من أهل الإثبات؛ لكونهم يثبتون بعض الصفات، وأنهم أقرب إلى أهل السنة من باقي الطوائف، على أنه يفرق بين أئمتهم المتقدمين وبين متأخريهم فعد المتقدمين أقرب إلى السلف وأهل السنة، وجعل المتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة، لعظم موافقتهم لهم في كثير من أقوالهم.\nيقول ﵀ في معرض كلامه عن درجات الجهمية: \"وأما الدرجة الثالثة فهم: الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية؛ لكن فيهم نوع من التجهم كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث كما عليه كثير من أهل الكلام.\nومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضًا في الجملة لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول وذل كأبي محمد بن كلاب١، ومن أتبعه وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري٢ وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة. فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات، وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم وقدموهم\n_________\n١ تقدمت ترجمته ص ٧٢.\n٢ قبل رجوعه إلى مذهب السلف.","vol":"1","page":84},{"text":"على أهل السنة والإثبات وخالفوا أوليهم\"١.\nوقال في \"شرح الأصفهانية\": \"وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث. وقال: عن متأخري الأشاعرة: فإن كثيرًا من متأخري أصحاب الأشاعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة\"٢.\nوالذي أراه أنه لا بد من التفصيل التالي في اعتبار الأشاعرة من أهل السنة أو إخراجهم عنهم، ولا يطلق عليهم أنهم أهل السنة أو من أهل السنة بإطلاق؛ لأنهم ليسوا على السنة المحضة في كثير من أمور السنة في الاعتقاد، ولا يطلق أنهم ليسوا من أهل السنة؛ لأنهم يدخلون في مسمى أهل السنة بالاعتبارات الآتية:\n١- هم من أهل السنة: بالمعنى العام لمصطلح أهل السنة، والذي يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدا الرافضة. كما تقدم لنا في مبحث تعريف أهل السنة.\n٢- وهم من أهل السنة: في أمور العبادات والعمليات؛ لأن السنة تشمل أمور الاعتقاد والعبادة والأعمال. كما تقدم نقل قول شيخ الإسلام ابن تيمية وفيه: \"ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات\"٣.\n_________\n١ رسالة \"التسعينية\" ضمن المجلد الخامس من الفتاوى الكبرى ص ٤٠- ٤٢، \"ط. كردستان العلمية بالقاهرة سنة ١٣٢٩\".\n٢ شرح الأصفهانية، \"بتقديم: حسنين محمد مخلوف ص ٧٧- ٧٨، نشر: دار الكتب الحديثة بمصر\".\n٣ تقدم في مبحث تعريف السنة عند السلف ص ٣٢، ٣٣، ٦٢.","vol":"1","page":85},{"text":"والأشاعرة في أمور العبادات ليس لهم من الأقوال ما يخرجهم عن أهل السنة في الجملة١.\nفبهذه الاعتبارات يعد: الأشاعرة من أِهل السنة.\nولكن لما كان اسم \"أهل السنة\" إذ أطلق فهم منه أمور العبادات والاعتقادات جميعًا؛ بل هو بأمور الاعتقاد أخص، كما قال شيخ الإسلام في معنى \"أهل السنة\": \"وقد يراد به: أهل الحديث والسنة والمحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله، تعالى، ويقول القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة\"٢.\nورأينا الأشاعرة ليسوا على السنة المحضة في كل أبواب الاعتقاد، ومسائله التي ذكر الإمام أحمد طرفًا منها وبين أن من خالف فيها لا يعد من أهل السنة كما سيأتي فهل نقول: هم من أهل السنة؛ لأنهم وافقوا السنة في بعض أبواب ومسائل العقيدة، أم نسحب عنهم هذا الاسم لمخالفتهم للسنة في بعض المسائل والأبواب؟ هذا مناط الخلاف في كونهم من أهل السنة أوليسوا من أهلها.\nفمن تغاضى عن المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة، قال هم من أهل السنة؛ لأنهم من أهل السنة قال هم من أهل السنة؛ لأنهم من أهل السنة في أبواب العبادات ولم يخرجوا عن اعتقاد أهل أهل السنة في كل أبواب الاعتقاد. وعلى هذا يخرج عد السفاريني وغيره إياهم من أهل السنة.\n_________\n١ أقوال في الجملة؛ لأن بعض أئمتهم ولا سيما المتأخرين منهم: ابتلوا بشيء من الابتداع في العبادات، وأغرق بعضهم في التصوف المنحرف؛ فابتعدوا عن السنة والإتباع في العبادات أيضًا كما ابتعدوا عنها في مسائل الاعتقاد.\n٢ وانظر: منهاج السنة ٢/ ١٦٣.","vol":"1","page":86},{"text":"ومن رأى أنه لا يستحق اسم \"أهل السنة\" إلا من وافق السنة في أمور العبادات والاعتقادات، ومن خالف مذاهب أهل السنة وسلف الأمة في شيء من ذلك ولا سيما في أبواب الاعتقاد؛ فإنه لا يستحق اسم \"أهل السنة\".\nقال: ليس الأشاعرة من أهل السنة، وعلى هذا يخرج قول من قال: ليسوا من أهل السنة كالإمام السجزي والشيخ بابطين وغيرهما.\nوربما وجد ما يؤيد هذا الاتجاه في كلام أئمة السلف؛ حيث عدد كثير منهم مسائل الاعتقاد التي يكون المرء إذا استكملها من أهل السنة، وإن أخل بشيء منها؛ فليس هو من أهل السنة، وذلك مثل:\nقول الإمام أحمد: \"هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها، المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز، والشام وغيرهما عليها؛ فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق؛ فكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص\"١، ثم ذكر جملة اعتقاد أهل السنة.\nوقول علي بن المديني: \"السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها، أو يؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره ثم تصديق الأحاديث والإيمان بها. إلى آخر الاعتقاد\"٢.\nوقول عبد الله بن المبارك: \"أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان وسبعون هوى القدرية، والمرجئة والشيعة والخوارج.\n_________\n١ السنة ص ٣٣.\n٢ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ١٦٥.","vol":"1","page":87},{"text":"فمن قدم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا على أصحاب رسول الله ﷺ ولم يتكلم في الباقين إلا بخير ودعا لهم؛ فقد خرج من التشيع أوله وآخره.\nومن قال: الإيمان قول وعمل يزيد يونقص فقد خرج من الأرجاء أوله وآخره.\nومن قال الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف ودعا لهم بالصلاح؛ فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره.\nومن قال: المقادير كلها من الله ﷿ خيرها وشرها يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره، وهو صاحب سنة\"١.\nوقول: عبيد الله بن بطة العكبري: \"ونحن ذاكرون شرح السنة ووصفها، وما هي في نفسها، وما الذي إذا تمسك به العبد ودان الله به سمى بها واستحق الدخول في جملة أهلها، وما إن خالفه أو شيئًا منه دخل في جملة من عبناه وذكرناه وحذر منه من أهل البدع والزيع؛ فما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة منذ بعث الله نبيه ﷺ وقتنا هذا، ثم ذكر الإيمان والات والقدر وغيرها من أمور الاعتقاد\"٢.\nفكلام هؤلاء الأئمة المعتبرين المقتدى بهم صريح في أن أحدًا لا يرقي ولا يتأهل لحمل لقب \"صاحب سنة\" أو أنه \"من أهل السنة\"؛ إلا إذا تحققت فيه خصال السنة التي أجمعوا عليها.\nأما من رأى من أهل العلم أن من خالف السنة في باب من أبواب الاعتقاد\n_________\n١ ابن أبي يعلى، طبقات الحنابلة ٢/ ٤٠.\n٢ الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة ١٧٥- ١٧٦.","vol":"1","page":88},{"text":"ووافقها في باب آخر فهو من أهل السنة فيما وافق فيه السنة، وليس منهم فيما خالفهم فيه؛ وذلك من باب أن المرء يمدح بقدر ما فيه من موافقة السنة، ويذم بقدر ما فيه من مخالفتها، وأن إخراج قوم من مسمى \"أهل السنة\"؛ لأنهم خالفوا السنة في باب دون باب، فيه مجانية للعدل والإنصاف، من رأى هذا الرأي قال مثلًا: الأشاعرة من أهل السنة في أبواب الإيمان والعقيدة التي لم يخالفوهم فيها، وليسوا منهم في باب الصفات وما خالفوا فيه.\nوالذي أميل إليه: أن لا يقال: \"الأشاعرة من أهل السنة\" إلا بقيد، فيقال: هم من أهل السنة في كذا، في الأبواب التي لم يخالفوا فيها مذهب أهل السنة.\nلأننا إذا أطلقنا القول بأنهم من \"أهل السنة\" التبس الأمر وظن من لا دراية له بحالهم أنهم على مذهب أهل السنة والسلف في كل خصال السنة، والواقع أنهم ليسوا كذلك؛ بل في أقوالهم ما يخالف السنة في كثير من أبواب الاعتقاد؛ فليسوا على السنة المحضة في كل اعتقاداتهم.\nوإذا أطلقنا القول بأنهم ليسوا من أهل السنة، كان ذلك حكمًا بأنهم خالفوا السنة في كل أبواب الاعتقاد، والأمر ليس كذلك فقد وافقوا أهل السنة في أبواب الصحابة والإمامة وبعض السمعيات.\nفالعدل والإنصاف يقتضي أن يحكم على كل بما يستحق على ضوء ما رضي لنفسه من قول واختط من نهج.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم وعند خصومهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>أولا: الأسماء التي عرفت بها أهل السنة وهي مرضية عندهم محببة إليهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>١- أهل الجماعة</span>\n...\nالمبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم وعند خصومهم\nهناك أسماء وألقاب أخرى تطلق على أهل السنة؛ منها ما هو حق مرضي عندهم عرفوا به، كما عرفوا باسم أهل السنة، ومنها ألقاب نبذهم بها خصومهم من أهل البدع والأهواء، وهم منها براء، والقصد من ذكرها هنا أن يعرف القارئ أن أهل السنة هم المقصودون، إن ورد لقب من هذه الألقاب في كتاب من كتب الفرق والمقالات؛ لأن خصومهم لا يذكرونهم باسم: \"أهل السنة\" أو غيره من الأسماء المرضية عند أهل السنة إلا نادرًا؛ وإنما يذكرونهم بهذه الألقاب التي نبزوهم بها، تنفيرًا من إتباعهم.\nفكان لا بد أن نورد الأسماء والألقاب التي أطلقت على أهل السنة سواء من قبلهم، أو من قبل خصومهم من الفرق والطوائف التي تخالفهم في المنهج والاعتقاد، مع بيان وجه التسمية بكل، وبيان ما يلحقهم من الأسماء والألقاب وما لا يلحقهم.\nأولًا: الأسماء التي عرف بها أهل السنة وهي مرضية عندهم محببة إليهم\n١- أهل الجماعة:\nوهذا الاسم من الأسماء المشهورة التي عرف بها \"أهل السنة\"، وهو يطلق مقرونًا بـ \"السنة\" فيقال: \"أهل السنة والجماعة\"، وقد يرد منفردًا فيقال:","vol":"1","page":91},{"text":"\"أهل الجماعة\"١، وهو قليل، والغالب اقترانه بالسنة.\nوأهل السنة هم أهل الجماعة؛ \"فإن السنة مقرونة بالجماعة، كما أن البدعة مقرونة بالفرقة فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة\"٢.\nوهو مأخوذ من قوله ﷺ في بيان الفرقة الناجية في حديث الافتراق: \"وهي الجماعة\"؛ فعن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار؛ إلا واحدة وهي الجماعة\" ٣.\nوقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة؛ وذلك كقوله ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٥. ومن السنة قوله ﷺ لحذيفة بن اليمان ﵁: \"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم\" ٦، وقوله ﷺ: \"من خرج من الطاعة\n_________\n١ انظر: ابن تيمية، منهاج السنة ٣/ ٤٦٨، ٥/ ١٥٨، ٦/ ٤٠٨، ودرء التعارض ٧/ ٣٥٠، والفتاوى ٣/ ١٥٧.\n٢ ابن تيمية، الاستقامة ١/ ٤٢، \"تحقيق د. محمد رشاد سالم، ط. الأولى ١٤٠٤ هـ، جامعة الإمام\".\n٣ جه: كتاب الفتن، باب افتراق الأمم ٢/ ١٣٢٢، وقال الشيخ الألباني: صحيح.\nانظر: صحيح ابن ماجه له ٢/ ٣٦٤، وانظر أيضًا: سليلة الأحاديث الصحيحة ح ٢٠٤، والسنة لابن أبي عاصم ص ٣٢، ح ٦٤.\n٤ سورة آل عمران آية ١٠٣.\n٥ سورة الأنعام آية ١٥٩.\n٦ خ: كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ١٣/ ٣٥، ح ٧٠٨٤.\nم: كتاب الإمارة، باب وجوب ملامة جماعة المسلمين ٣/ ١٤٧٥، ح ٥١.","vol":"1","page":92},{"text":"وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية\"١ والأحاديث في ذلك كثيرة.\nوقد اختلف أهل العلم في المراد بالجماعة التي ورد الأمر بلزومها على أقوال نذكرها باختصار٢:\nالأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، يدل له رواية \"كلها في النار إلا السواد الأعظم\"٣.\nالثاني: أنها جماعة العلماء المجتهدين؛ لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين. وهذا قول غير واحد من الأئمة، منهم الإمام البخاري حيث قاله في \"صحيحه\": \"باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم\"٤.\nوقال الإمام الترمذي: \"وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم: أهل الفقه والعلم والحديث\"، وروي عن ابن المبارك٥ أنه: قيل له: \"من الجماعة؟ فقال: أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان، قال: أبو حمزة السكري٦ جماعة٧\".\n_________\n١ م: كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ٣/ ١٤٧٦، ح ٥٣.\n٢ للتوسع انظر: الشاطبي، الاعتصام ٢/ ٢٦٠- ٢٦٥، وانظر أيضًا: ابن حجر، فتح الباري ١٣/ ٣٧.\n٣ اللالكائي، شرح أصول أعتقاد أهل السنة ١/ ١٠٣- ١٠٤، ح ١٥٢. وقال محققه: سنده ضعيف.\n٤ ١٣/ ٣١٦ \"مع الفتح\".\n٥ هو: عبد الله بن المبارك، كان إمامًا حجة كثير الحديث ولد سنة ١١٨ هـ، ومات بهيت منصرفًا من الغزو سنة ١٨١ هـ. ابن سعد، الطبقات ٧/ ٣٧٢.\n٦ وهو: الإمام الحجة محمد بن ميمون المروزي عالم مرو، كان من الأئمة المقتدى بهم. في زمنه. انظر ترجمته لدى: البغدادي، تاريخ بغداد ٣/ ٢٦٦، والذهبي، السير ٧/ ٣٨٥.\n٧ الجامع الصحيح ٤/ ٤٦٧.","vol":"1","page":93},{"text":"الثالث: أن الجماعة هي: الصحابة على الخصوص؛ فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا. يدل لهذا القول رواية: \"ما أنا عليه وأصحابي\"١.\nالرابعِ: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر؛ فواجب على غيرهم من أهل الملل إتباعهم.\nقال الإمام الشاطبي عقب هذا القول: \"وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر\"٢.\nالخامس: أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير؛ فأمر النبي ﷺ بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقدميه عليهم، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة. وهو اختيار الإمام الطبري.\nالسادس: أن المراد بالجماعة: موافقة الحقو لزومه.\nكما قال عبد الله بن مسعود ﵁ \"الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك\"٣، وفي رواية: \"إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك\"٤.\nقال أبو شامة: \"وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وإتباعه وإن كان المتمسك بالحق قليلًا والمخالف كثيرًا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ولا نظر إلى\n_________\n١ تقدم تخريجها، انظر: ص ٤٨.\n٢ انظر الاعتصام ٢/ ٢٦٤.\n٣ أبو شامة: شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل، الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص ٢٠، \"ط. الثانية ١٤٠١ هـ. نشر: طبعة النهضة الحديثة -مكة\".\n٤ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٠٩، ح ١٦٠.","vol":"1","page":94},{"text":"كثرة أهل الباطل بعدهم\"١.\nوكل هذه المعاني متقاربة، واختلافها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وأهل السنة هم أهل الجماعة على أي معنى من هذه المعاني؛ فأما على المعنى الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس فلا إشكال، فأهل السنة يرون إتباع الأئمة من أهل العلم والدين ولا يخرجون عن إجماعهم كما أن قدوتهم أصحاب رسول الله ﷺ، يهتدون بهديهم ويلزمون آثارهم، وهم أيضًا أعظم الطوائف حرصًا على جماعة المسلمين، وطاعة إمام المسلمين القائم بالعلم والدين ولا يرون الخروج عليه، ما لم يروا كفرًا بواحًا لديهم من الله فيه برهان.\nوقيل ذلك وبعده فهم ينظرون إلى الحق والصواب يتلمسونه فيلزمونه ويتمسكون به، وإن كان أكثر الناس على خلافه.\nوأما على القول الأول، وهو أن المراد بالجماعة \"السواد الأعظم من المسلمين\"؛ فأهل السنة أيضًا هم أهل الجماعة بهذا المعنى؛ وذلك أن المراد بالسواد الأعظم: السواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، وإن انضم إليهم العوام فبحكم التبع؛ لأنهم غير عارفين بالشريعة، ولا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإن العامة لو تمالئوا على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر لقلة العلماء وكثرة الجهال؛ فلا يقولن أحد إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وإن العلماء هم المفارقون للجماعة، والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة وإن خالفوا٢.\nسئل الإمام إسحاق بن راهويه٣ من السواد الأعظم؟ فقال: \"محمد بن\n_________\n١ الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ١٩.\n٢ الشاطبي: الاعتصام ٢/ ٢٦٦.\n٣ وهو الإمام الحافظ الكبير أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم شيخ أهل المشرق المعروف بابن راهويه ولد سنة ١٦٦، وقيلِ: ١٦١، ومات سنة ٢٣٨، الذهبي، تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٣.","vol":"1","page":95},{"text":"أسلم١ ومن تبعه، وقال: لو سألت الجهال من السواد الأعظم؟ قالوا: جماعة الناس ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه؛ فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة ومن خالفه فيه ترك الجماعة\"٢.\nوقال الإمام ابن القيم معقبًا على قول الإمام إسحاق بن راهويه هذا:\n\"وصدق الله، فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السواد الأعظم وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا\"٣.\n_________\n١ وهو: أبو الحسن محمد بن أسلم الطوسي، المذكور بالسواد الأعظم، كان بالآثار مقتديًا، وعن الآراء منتهيًا، قاله أبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٣٨، وقال الذهبي: الإمام الحافظ الرباني شيخ الإسلام، وقال: مولده في حدود الثمانين ومائة. سير أعلام النبلاء ١٢/ ١٩٥.\n٢ أبو نعيم، حلية الأولياء ٩/ ٢٣٨- ٢٣٩.\n٣ إغاثة اللهفان ١/ ٨٥، \"بتحقيق محمد سيد كيلاني، ط. مصطفى الحلبي بمصر\".","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢- السلفية أو السلفيون:</span>\nنسبة إلى السلف.\nالسلف في اللغة:\nجمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادن وخدم، والسالف: المتقدم والسلف الجماعة المتقدمون١.\nومنه قوله ﷿: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِين﴾ ٢.\nقال البغوي في تفسيرها: \"والسلف: من تقدم من الآباء، فجعلناهم متقدمين؛ ليتعظ بهم الآخرون\"٣.\n_________\n١ ابن منظور، لسان العرب ٩/ ١٥٨.\n٢ الزخرف ٥٦.\n٣ معالم التنزيل ٤/ ١٤٢.","vol":"1","page":96},{"text":"وقال ابن الأثير: \"سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته؛ ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح\"١.\nوالسلف في الاصطلاح:\nاختلف في تحديد مفهوم السلف زمنيًا على عدة أقوال:\nالأول: أنهم الصحابة فقط: وهو قول عدد من شراح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني٢.\nالثاني: أنهم الصحابة والتابعون: وإليه ذهب أبو حامد الغزالي في قوله: \"اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف أعني مذهب الصحابة والتابعين\"٣.\nالثالث: أنهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين: أي القرون الثلاثة التي أثبت لها النبي ﷺ الخيرية بقوله في حديث عمران بن حصين ﵄: \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة\"٤.\nوفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته\" ٥.\n_________\n١ النهاية ٢/ ٣٩٠.\n٢ انظر: تحرير المقالة من شرح الرسالة ق ٣٦، مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية رقم ٦٠٤.\nحاشية العدوي ١/ ١٠٦ رقم١، والثمر الداني، لعبد السميع الآبي ص ٢٤.\n٣ الجام العوام من علم الكلام، \"بتحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي\"، ص ٥٣.\n٤ خ: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ ٧/ ٣، ح ٣٦٥٠.\n٥ خ: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ ٧/ ٣، ح ٣٦٥١.","vol":"1","page":97},{"text":"وإليه ذهب كثير من أهل العلم، كالإمام الشوكاني١، والسفاريني٢، وعليه يدل صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية في نحو قوله: \"سلف الأمة وخيار قرونها\"٣، وربما أدخل من بعد تابعي التابعين، كالإمام أحمد \"١٦٤- ٢٤١ هـ\" في مفهوم السلف فيقول: \"وكذلك قال ابن الماجشون، وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف\"٤.\nويحدد ابن رجب \"ت ٧٩٥ هـ\" السلف المقتدى بهم إلى عصر الإمام أحمد وأقرانه فيقول: \"وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدي بهم إلى زمن الشافعي \"ت ٢٠٤ هـ\"، وأحمد \"ت ٢٤١\"، وإسحاق \"ت ٢٣٨ هـ\" وأبي عبيد \"ت ٢٢٤ هـ\"، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة\"٥.\nولعل سلفه في ذلك الإمام الآجري \"ت ٣٦٠ هـ\"؛ فقد رأيته عند ذكره الأئمة الذي يقتدي بهم، وقف على الإمام أحمد وأقرانه، فقال: \"علامة من أراد الله ﷿ به خيرًا: سلوك هذا الطريق: كتاب الله ﷿، وسنن رسول الله ﷺ، وسنن أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان رحمة الله عليهم، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان عن العلماء مثل: الأوزاعي \"ت ١٥٧ هـ\"، وسفيان الثوري \"ت ١٦١ هـ\"، ومالك بن أنس \"ت ١٧٩ هـ\" والشافعي، وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على طريقتهم، ومجانبة كل مذهب لا يذهب إليه هؤلاء العلماء\"٦.\n_________\n١ انظر: التحف في مذاهب السلف ص ٧- ٨، ١١.\n٢ انظر: لوامع الأنوار ١/ ٢٠.\n٣ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٣٤.\n٤ المرجع نفسه ١/ ٢٠٧.\n٥ انظر: فضل علم السلف على علم الخلف، \"بتحقيق يحيى مختار غزاوي\"، ص ٦٠.\n٦ انظر: الشريعة ص ١٤.","vol":"1","page":98},{"text":"وممن مال إلى تحديد السلف بالقرون الثلاثة الدكتور محمد الجليند؛ حيث قال: \"وحسمًا للموقف أرى أن لا نتخطى القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وندعي أن هناك آراء سلفية مهما بلغ بنا حسن الظن بالمتقدمين، خاصة وأن تراثنا الإسلامي قد تعرض لهزات عنيفة ابتداء القرن الثالث الهجري وعبثت به الأهواء\"١.\nوتابعه على هذا الرأي الدكتور محمود خفاجي قائلًا: \"فإنني أرى أن من يحدد السلف بالصحابة والتابعين، وتابعي التابعين هو الأميل للصواب، لموافقته الأثر٢ من ناحية، ولما نجده من الاتفاق بين من يذكرون السلف بطريق الاسم من عد تابعي التابعين من السلف من ناحية أخرى٣\"٤.\nالرابع: أن السلف هم من كانوا قبل الخمسمائة: وهذا قول البيجوري؛ فإنه قال: السلف: وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل: القرون الثلاثة والتابعون وأتباع التابعين\"٥.\nقال الدكتور محمود خفاجي معقبًا على ذلك: \"وإذا تساءلنا عن السبب لماذا انسحب مفهوم لفظ السلف ليشمل من عاش في أو قبل القرن الخامس الهجري دون غيره؟ ذلك ما لم أجد له إجابة عند هؤلاء الذين حددوا السلف بهذا الحد\"٦.\nولعل سبب ذهاب البيجوري إلى ذلك، هو رغبته إدخال أئمة الأشاعرة\n_________\n١ انظر: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل، ط. الثالثة، ص ٥٢.\n٢ يشير إلى حديث عمران بن حصين وابن مسعود المتقدم.\n٣ كما تقدم في كلام ابن رجب والآجري. انظر: ص ٩٨.\n٤ انظر: في العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة، ط. الأولى ص ٢٠.\n٥ انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، \"ط. الأولى ١٤٠٣، دار الكتب\"، ص ٩١.\n٦ انظر: في العقيدة الإسلامية ص ١٩.","vol":"1","page":99},{"text":"في مفهوم السلف؛ إذ لا يمكن إدخالهم في مفهوم السلف -زمنيًا؛ إلا على رأيه هذا، إذ كلهم كانوا بعد القرون الثلاثة، باستثناء الإمام الأشعري الذي توفي سنة ٣٢٤ هـ. والله تعالى أعلم.\nوالذي أصبح على مذهب الإمام أحمد١ بعد رجوعه عن الاعتزال وقول ابن كلاب. والمنتسبون إليه ينتسبون إلى مذهب تركه.\nهل التحديد الزمني كاف لتحديد مفهوم \"السلف\"؟\nإذا قلنا بأن المراد بالسلف زمنيًا هم أهل القرون الثلاثة المفضلة، استئناسًا بالأحديث الواردة في تعيين القرون المفضلة، ولأنا نرى من يذكر السلف بالاسم لا يخرج عن إطار القرن الثالث كما تقدم في كلام الدكتور خفاجي.\nفهل نعتبر كل من عاش في هذه القرون سلفًا يقتدي به؟\nلا شك أن الإجابة على هذا التساؤل هي النفي؛ وذلك لما نعلمه جميعًا من وجود الكثير من أئمة أهل البدع والأهواء في تلك الحقبة.\nففيها خرجت الخوارج في عهد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب ﵁؛ حيث اعترضوا على التحكيم سنة ٣٧ هـ فكان بداية خروجهم.\nوفيها ظهر التشيع والرفض على يد ابن سبأ اليهودي الذي ادعى الإسلام وزعم محبة آل البيت.\nوفيها نبتت فتنة القدرية على يد معبد الجهني \"ت ٨٠ هـ\".\nوفيها أيضًا ظهرت بدعة الإرجاء وكان من زعماء المرجئة الأوائل غيلان\n_________\n١ كما صرح بذلك في مصنفاته التي ألفها بعد رجوعه كالإبانة، والمقالات: انظر: المقالات ١/ ٣٤٥- ٣٥٠، والإبانة ص ٢٠ وما بعدها.","vol":"1","page":100},{"text":"الدمشقي \"ت ١٠٥ هـ\".\nوفيها نجم قرن التجهم، والاعتزال؛ فعاش في هذا الوقت: الجعد بن درهم \"ت ١٢٤هـ\" أستاذ الجهم بن صفوان \"١٢٨ هـ\" زعماء الجهمية الأوائل منكري الصفات كما عاش فيه واصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة الأول \"ت ١٣١ هـ\".\nوبهذا يتضح أن القرون الثلاثة عاش فيها سلف صالح يقتدي به، كما عاش فيها أصحاب أهواء ورواد ابتداع أدخلوا على الإسلام والمسلمين أمورًا ليست من الدين، وفتحوا عليهم أبواب شر عظيم، ما زالت الأمة تعاني من آثاره إلى اليوم.\nإذن: \"ليس السبق الزمني كافيًا في تعيين السلف؛ بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة نصًا وروحًا، فمن خالف رأيه الكتاب والسنة، فليس بسلفي وإن عاش بين ظهراني الصحابة والتابعين\"١.\nولهذا كان الإمام السفاريني موفقًا أيما توفيق في تعريفه لمذهب السلف؛ حيث احترز فقيد \"السلف\" الذي يقتدى به بأن يكون ممن شهد له بالإمامة، ولم يرم ببدعة، فقال: \"المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأعيان التابعين لهم بإحسان، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفًا عن سلف، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرض، مثل: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء\"٢.\nأي أن من قرف بشيء من هذه الأهواء والبدع فلا يعد من السلف الصالح\n_________\n١ د. الجليند: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل ص ٥٢ بتصرف يسير.\n٢ انظر: لوامع الأنوار ١/ ٢٠.","vol":"1","page":101},{"text":"المقتدى به، وإن عاش في عصرهم وبين ظهرانيهم.\nإذ ليس كل سلف يقتدي به؛ وإنما تكون القدوة والأسوة بأولئك السلف الأخيار الذين مضى وصفهم، وذكر فضلهم، من أصحاب رسول الله ﷺ، وأئمة التابعين، وتابعيهم من أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم١، الذين عرف عنهم التمسك بالسنة، والإمامة فيها، واجتناب البدعة، والحذر والتحذير منها.\nوقد أمرنا الله ﷿ بإتباع سبيل أصحاب رسول الله ﷺ واقتفاء آثارهم وسلوك منهجهم، فقال ﷿: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ٢.\nقال الإمام ابن القيم في بيان وجه الاستدلال بالآية: \"وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله، وأقواله وأعتقاداته من أكبر سبيله\"٣.\nوأخبرنا ﵎ عن رضاه عمن اتبعهم بإحسان، وما أعده لهم من الثواب العظيم فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤.\nوقال الرسول ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" ٥.\n_________\n١ في قوله ﷺ: \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونه، ثم الذين يلونهم\"، وقد تقدم ص٩٧.\n٢ سورة لقمان آية ١٥.\n٣ انظر: إعلام الموقعين ٤/ ١٦٨، \"بتحقيق: عبد الرحمن الوكيل\".\n٤ سورة التوبة آية ١٠٠.\n٥ د: كتاب السنة، باب لزوم السنة ٥/ ١٣- ١٤، ح ٤٦٠٧.\nت: كتاب العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة ٥/ ٤٤، ح ٢٦٧٦. ابن أبي عاصم: السنة ١/ ١٨، ١٩، ٢٩، وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح ورجاله ثقات.","vol":"1","page":102},{"text":"وقال ﷺ في وصف الفرقة الناجية -وقد قيل له: من هي يا رسول الله؟: \"ما أنا عليه وأصحابي\" ١.\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: \"من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم، وطرائقهم، فهم كانوا على الهدي المستقيم\"٢.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: \"أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع\"٣.\nوما زال أئمة السنة وعلماء الأمة جيلًا بعد جيل يدعون إلى إتباع السلف الصالح والاقتداء بهم وسلوك طريقهم، ومن ذلك قول الإمام الأوزاعي \"ت ١٥٧ هـ\": \"عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول\"٤، وقوله أيضًا: \"أصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا: وكف عما كفوا عنه، وأسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك\"٥.\nوما برح أهل السنة يستدلون على دينهم، وعقائدهم، بما جاء في كتاب الله ﷿، وبما صح من سنة رسول الله ﷺ؛ فإن لم يجدوا فبما ثبت وأثر\n_________\n١ تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٨.\n٢ البغوي، شرح السنة ١/ ٢١٤.\n٣ انظر: اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٥٦.\n٤ الآجري، الشريعة ص١٠٢. وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح. انظر: مختصر العلو ص ١٣٨.\n٥ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٥٤.","vol":"1","page":103},{"text":"عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين المعروف عنهم الإمامة في السنة والتقدم فيها، فيسلكون طريقهم ويقولون فيها بقولهم.\nفانظر مثلًا إلى الإمام أبي القاسم اللالكائي وهو يوضح منهجه في الاستدلال على مسائل الاعتقاد في كتابه \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" قائلًا: \"ثم استدل على صحة مذاهب أهل السنة بما ورد في كتاب الله تعالى فيها، وبما روي عن رسول الله ﷺ؛ فإن وجدت فيهما جميعًا ذكرتهما، وإن وجدت في إحداهما دون الآخر ذكرته، وإن لم ِأجد فيهما إلا عن الصحابة الذين أمر الله ورسوله أن يقتدى بهم ويهتدى بهم ويهتدى بأقوالهم، ويستضاء بأنوارهم لمشاهدتهم الوحي والتنزيل، ومعرفتهم معاني التأويل احتججت بها؛ فإن لم يكن فيها أثر عن صحابي فعن التابعين لهم بإحسان الذين في قولهم الشفا والهدى\"١.\nوإلى قول الإمام ابن كثير وهو يجنح إلى إتباع السلف والقول بقولهم: \"وأما قول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢ فللناس في هذا مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها؛ وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك \"٩٣- ١٧٩ هـ\"، والأوزاعي، والثوريي \"٩٧- ١٦١ هـ\"، والليث بن سعد \"ت ١٧٥ هـ\" والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق\"٣.\nوقول الإمام ابن أبي العز شارح \"الطحاوية\": \"وقد أحببت أن أشرحها سالكًا طريق السلف في عبراتهم، وانسج على منوالهم متطفلًا عليهم لعلي أنظم في سلكهم وأدخل في عدادهم\"٤.\n_________\n١ انظر: مقدمة شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ٢٧.\n٢ سورة الأعراف آية ٥٤.\n٣ تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤٢٢، ط. الشعب.\n٤ شرح العقيدة الطحاوية ص ٧٤.","vol":"1","page":104},{"text":"وقال الإمام الذهبي في مقدمة كتابه القيم \"العلو للعلي الغفار\" بعد أن ذكر عددًا من آيات الاستواء والعلو: \"فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف؛ فقف مع نصوص القرآن والسنن، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما تسكت بحلم\"١.\nضرورة بيان مذهب السلف ومواقفهم من أهل البدع:\nكان الناس على عهد رسول الله ﷺ وصدر القرن الأول على قول واحد وصراط مستقيم إلى أن أطلت الفتن، وبزغت قرون أهل البدع والخلاف؛ فخرجت الخوارج، وتشيعت الشيعة، وتجهمت الجهمية، واعتزلت المعتزلة، واستطار شرر المتكلمين في الأمصار يثير الشبهات.\nوكان هؤلاء وأولئك يرون أنهم على حق وأنهم الفرق الناجية، ويستدلون على أقوالهم ومذاهبهم بنصوص من الكتاب والسنة ينزلونها على آرائهم، ويصرفونها عما دلت عليه ظواهرها، كما ألمحنا إلى ذلك فيما سبق، ويدعون انهم متبعون للكتاب والسنة، وربما التبس الأمر على عامة الناس، لما يظهره هؤلاء من الاستدلال بنصوص الشرع على مذاهبهم وأقوالهم.\nفلما كان الأمر كذلك احتاج أهل السنة إلى بيان وإظهار مذهب السلف الصالح الذين لا يشك أحد في أنهم أهل السنة وأئمتها المعروفون بها، وبيان ما ذهبوا إليه في فهم هذه النصوص وما فسروها به؛ لأنهم أدق فهمًا، وأصفى ذهنًا، وأصدق تسننًا وتدينًا وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى مشكاة النبوة، وشعاع الوحي، ما زال نورهما في قلوبهم مضيئًا يهيديهم إلى القول الحق، والطريق المستقيم، ليقف الناس على أقوالهم ومذاهبهم فيتبين لهم مدى مخالفة أقوال ومذاهب تلك الفرق لأقوال السلف الصالح ومباينتها لها.\n_________\n١ ص ١٦.","vol":"1","page":105},{"text":"ولذا نرى كثيرًا من أئمة الإسلام؛ إذ ذكر أمرًا من أمور الاعتقاد يحرص على بيان قول السلف والأئمة المقتدى بهم المتفق على إمامتهم في السنة، ليعلم أن مخالفهم سار على غير هديهم؛ فإما أن يكونوا على الهدى والصواب والسنةن أو يكون مخالفهم هو المصيب، ولا شك أنهم بالحق والصواب أولى؛ لما عرفنا من فضلهم وعلمهم وحرصهم على السنة والتمسك بها.\nوذلك كقول الإمام أحمد بن حنبل في مقدمة رسالة \"السنة\" له: \"هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها؛ فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق\"، ثم ذكر قولهم في مسائل الاعتقاد١.\nوكذلك قول الإمامين أبي حاتم \"ت ٢٧٧ هـ\"، وأبي زرعة \"ت ٢٦٤ هـ\" الرازيين: \"أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا، وعراقًا وشامًا، ويمنًا؛ فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\"٢.\nوقول الإمام الأوزاعي: \"كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله ﷿ فوق عرشه ونؤمن بما وردت بها لسنة من صفاته\"٣.\nوهكذا كان أهل العلم من الأئمة يحرصون على أن يبينوا ما ذكروه وما قالوه في مسائل الاعتقاد هو قول من سبقهم من أئمة السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ليعلم أن ما خالف ذلك فليس هو من قولهم ولا من هديهم، وأنه من أقوال أهل البدع والخلاف.\n_________\n١ انظر: السنة ص ٣٣- ٣٤، مع الرد على الجهمية.\n٢ اللالكائي، شرح أصوال اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٦.\n٣ الذهبي، العلو ص ١٠٢، وقال: أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات.","vol":"1","page":106},{"text":"وأهل البدع وإن كانوا يدعون اتباع الكتاب والسنة ويستدلون بالكثير من نصوصهما على ما يذهبون إليه على نحو ما ذكرنا، ويزعمون أنهم أهل الحق وربما تسمى بعضهم بأهل السنة؛ إلا أنهم لم يدعوا يومًا أنهم على مذهب السلف أو من أتباعهم أو قائلون بقولهم. بل يصرحون بمخالفتهم ومباينتهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"بل والطوائف المشهورة بالبدعة، كالخوارج والروافض، لا يدعون أنهم على مذهب السلف؛ بل هؤلاء يكفرون جمهور السلف، فالرافضة تطعن في أبي بكر وعمر وعامة السابقين والأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإسحان، وسائر أئمة الإسلام، بل ويكفرونهم فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف، ولكن ينتحلون مذهب أهل البيت كذبًا وافتراء؟ \"\nوكذلك الخوارج قد كفروا عثمان وعليًا، وجمهور المسلمين من الصحابة والتابعين فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف؟\nوالمعتزلة أيضًا تفسق من الصحابة والتابعين طوائف، وتطعن في كثير منهم وفيما رووه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم. وليس انتحال مذهب السلف من شعائرهم. -إلى أن قال: فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل السنة والجماعة بالبدعة، ليسوا منتحلين للسلف فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال إتباع السلف.\nوأما متكلمة أهل الإثبات من الكلابية والكرامية والأشعرية، مع الفقهاء والصوفية وأهل الحديث فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف؛ بل قد يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم، لكن كل ما كان بالحديث من هؤلاء أعلم، كان بمذهب السلف أعلم وله اتبع؛ وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ابتداعها.\nأما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع، فهذا باطل قطعًا، فإن","vol":"1","page":107},{"text":"ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم.\nيوضح ذلك: أن كثيرًا من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف، في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث، يقولون: مذهب السلف، أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وأما المتكلمون من أصحابنا فمذهبهم كيت وكيت١، وكذلك يقولون: مذهب السلف أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لا تتأول، والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبًا أو جوازًا ويذكرون اغلخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين، هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم\"٢.\nفلما كان هذا حال هذا الفرق والطوائف؛ تصريح بأن مذهبهم خلاف مذهب السلف، مع ادعاء اتباع الكتاب والسنة والاستدلال بهما والتسمي بأهل الحق، وأهل السنة والجماعة من قبل بعضهم أظهر أهل السنة مذهب السلف وأبرزوه وذكروا أقوال أئمة السلف من الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإتباع الذين هم أئمة السنة وأهلها بلا منازع ليبينوا من خالف قولهم؛ فليس هو على السنة المحضة وإن أصاب بعضها في بعض أقواله وليتميز المحق في ادعائه من المبطل، فإن اتباع الكتاب والسنة كل يديعيه، والميزان هو اتباع وارتضاء طريقتهم، وانتهاج منهجهم؛ فإنهم كانوا على هدي مستقيم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه٣، وبذلك يظهر المحق من المبطل ويميز بين أهل السنة وأهل البدعة الذين شعارهم مجانبة السلف ومخالفتهم.\n_________\n١ قارن بقول الرازي وهو من أئمة الأشاعرة: \"الإيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص، وعند المعتزلة: لما كان اسمًا لأداء العبادات كان قابلًا لهما، وعند السلف، لما كان اسمًا للإقرار والاعتقاد والعمل فكذلك\". محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص ٢٣٩.\n٢ انظر: الفتاوى ٤/ ١٥٣- ١٥٧.\n٣ انظر قوله في هذا المعنى: ص ١٠٣.","vol":"1","page":108},{"text":"جواز الانتساب إلى السلف والتلقب بـ \"السلفية\" والرد على من أنكر ذلك:\nكان للجهود التي بذلها الأئمة من أهل السنة -وعلى رأسهم إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة \"٣١١ هـ\"، والإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري \"٣٦٠ هـ\"، والإمام أبو عبد الله بن بطة العكبري \"٣٧٨ هـ\"، والإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي \"٤١٨ هـ\"، والإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني \"٥٣٥ هـ\"، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية \"٧٢٨ هـ\"، وتلميذه الإمام ابن القيم \"٧٥١ هـ\"، ثم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب \"١٢٠٦ هـ\" رحمة الله عليهم جميعًا في الدعوة إلى السنة والعودة إلى طريقة السلف ومنهجهم، والاقتداء بهم- الأثر الكبير في ظهور اتجاه سلفي على مر التاريخ يستقي أسس دينه وعقيدته من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وسيرة سلفه الصالح من الصحابة والتابعين، والتابعين لهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، ويقاوم كل تياربدعي يخرج عن هذه الأسس، ويرتكز على علم الكلام والفلسفة في تقرير العقائد.\nعرف أتباع هذا المنهج بأنهم أبتاع السلف؛ لشدة تمسكهم بآثارهم، وحرصهم على سلوك طريقهم، ومعرفة رأيهم: وقولهم وموقفهم في كل مسألة من مسائل الدين؛ فهل يسوغ أن يطلق على هؤلاء لقب \"السلفيين\" أو \"السلفية\" وهل يلقب الفرد منهم بـ \"السلفي\"؟\nالواقع أننا إذا عرفنا: \"أن الدعوة إلى اتباع السلف، أو إلى السلفية كما يعبر البعض إنما هي دعوة إلى الإسلام الحق، وإلى السنة المحضة، دعوة إلى العودة إلى الإسلام كما أنزل على رسول الله ﷺ وتلقاه عنه أصحابه الكرام رضوان الله عليهم\"؛ فلا شك أن هذه الدعوة دعوة حق، والانتساب إليها حق، فلا ضير في الانتساب إلى السلف والاعتزاء إليهم حينئذ.","vol":"1","page":109},{"text":"كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه، واعتزى إليه؛ بل يجب قبول ذلك منه، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقًا\"١، قال ذلك فيمن قال إنه على مذهب السلف.\nوقد جاء في \"الأنساب\" للسمعاني \"ت ٥٦٢ هـ\" السلفي: بفتح السين واللام وفي آخرها الفاء هذه النسبة إلى السلف، وانتحال مذاهبم على ما سمعت منهم\"٢.\nوقال ابن الأثير: \"ت ٦٣٠ هـ\" عقب كلام السمعاني السابق: \"وعرف به جماعة\"٣، وهذا يعني: أن التلقب بالسلفية والانتساب إليها أمر عرف في عصر الإمام السمعاني أو قبله.\nوأطلق شيخ الإسلام ابن تيمية لقب \"السلفية\" في بعض مصنفاته٤، على أولئك الذين قالوا: يقول السلف في الفوقية: وفي عصرنا الحاضر أطلق هذه النسبة وهذا اللقب علماء أفاضل، عرفوا بالتمسك بالسنة والذب عنها، كالشيخ عبد الرحمن المعلمي \"ت ١٣٨٦ هـ\" في كتابه \"القائد إلى تصحيح العقائد\"٥. والشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني في كتابه \"مختصر العلو\"٦، ومقدمته لشرح العقيدة الطحاوية٧ وكتابه: \"التوسل\"٨، والشيخ العالم القدورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز في رسالته \"تنبيهات هامة على ما كتبه محمد علي\n_________\n١ الفتاوى ٤/ ١٤٩.\n٢ انظر: الأنساب ٣/ ٢٧٣.\n٣ انظر: اللباب في تهذيب الأنساب ٢/ ١٢٦.\n٤ انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٢٢.\n٥ انظر: ص ٤٧، ٥١، ٥٥، ١٩٩.\n٦ ص ١٢٢.\n٧ انظر: مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٧.\n٨ انظر: ص ١٤٠.","vol":"1","page":110},{"text":"الصابوني في صفات الله ﷿\"١، ومن هؤلاء شيخي وأستاذي الفاضل الدكتور علي بن ناصر فقيهي في كتابه: \"الفتح المبين بالرد على نقد عبد الله الغماري لكتاب الأربعين\"٢، وغير هؤلاء كثير من أهل العلم المعاصرين.\nفهؤلاء الأفاضل من أهل العلم لم يروا باسًا في إطلاق لقب \"سلفي\" أو \"السلفيين\" مشيرين به إلى أولئك السائرين على منهاج السلف وطريقتهم.\nوقد عد بعض من كتب في المذاهب الإسلامية وتاريخها من المحدثين \"السلفيين\" طائفة متميزة عرفت بهذا الاسم؛ وذلك كصنيع الدكتور محمد أبي زهرة في كتابه \"تاريخ المذاهب الإسلامية\"٣، والدكتور مصطفى الشكعة في كتابه \"إسلام بلا مذاهب\"٤، وقد أشارا إلى التطور التاريخي لمسيرة هذه الطائفة واتفقا على أنها امتداد لمدرسة الإمام أحمد بن حنبل، تجددت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية في القرن السابع الهجري، والشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري، وزعما أن السلفيين هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب.\nوسواء صح أن دعاة العودة إلى مذاهب السلف هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا القب، أم أطلقه عليهم غيرهم ثم عرفوا به؛ فإني لم أقف على من أنكر عليهم ذلك أو اعترض على إطلاق هذا اللقب عليهم من أهل العلم قديمًا، أو حديثًا ممن عرف بالسنة والدعوة إليها، وأقل ما يقال في جواز التلقب بذلك والانتساب إليه. وأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ما دام المعنى صحيحًا وحقًا في أصله كما تقدم كلام شيخ الإسلام في ذلك، وأنه لا عيب\n_________\n١ انظر: ص ٣٤- ٣٥.\n٢ انظر: ص ٣٩، \"ط. الأولى ١٤٠٨. - مطابع الرشيد\".\n٣ انظر: ص ١٨٧، \"ط. دار الفكر العربي\".\n٤ انظر: ص ٤٩٩- ٥٠٠.","vol":"1","page":111},{"text":"على من أظهر مذهب السلف وانتسب واعتزى إليه؛ لأن مذهب السلف لأي كون إلا حقًا.\nوما كان الموضوع يستدعي الوقوف عنده والإطالة في تقريره لولا ما وقفت عليه من كلام للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه الجديد \"السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي\"، عد فيه \"من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة \"السلف\" فنصوغ منها مصطلحًا جديدًا طارئًا على تاريخ الشريعة الإسلامية ألا وهو \"السلفية\" فنجعله عنوانًا مميزًا تندرج تحته فئة معينة من المسلمين\"١؛ بل عد ذلك من البدع الطارئة على المسلمين فقال: \"بل لا نعدوا الحقيقة إن قلنا: وإن اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها بدعة طارئة في الدين لم يعرفها السلف الصالح لهذه الأمة والخلف الملتزمة بنهجه\"٢.\nوهو يرى في هذا الكتاب: \"أن الاقتداء بالسلف لا يكون باتباع آرائهم، وأقوالهم، ومواقفهم التي اتخذوها، وسلوك طريقتهم؛ فيقول: \"فإن إتباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها، أو المواقف الجزئية التي اتخذوها؛ لأنهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك؛ وإنما يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص وتأويلها، وأصول الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام\"٣.\nوإذا نحن أردنا أن نعرف ما هي هذه القواعد؟ ومتى وضعت؛ فإن فضيلته يجيب بوضوح: أن هذه القواعد هي قواعد أصول الفقه، وأنها تعتمد فيما تعتمد على طبيعة اللغة العربية وأساليبها وفهمها، وأن استنباط هذه القواعد تأخر إلى\n_________\n١ انظر: ص ١٣، \"ط. الأولى ١٤٠٨ هـ= ١٩٨٨. نشر: دار الفكر-دمشق\".\n٢ نفس المصدر.\n٣ نفس المصدر ص ١٢.","vol":"1","page":112},{"text":"عصر الإمام محمد بن إدريس الشافعي \"١٥٠- ٢٠٤ هـ\"١ أول من وضع قواعد أصول الفقه. وإذا كان عصر الإمام الشافعي لا يمثل إلا الحلقة الثالثة من القرون الثلاثة التي هي خير القرون والتي تمثل بمجموعها السلف المقتدي بهم، كما سبق بيان ذلك؛ فأين القواعد التي اعتمد عليها الصحابة والتابعون بقبل أن يضع الإمام الشافعي هذه القواعد، حتى يمكن أن نقول: لا نقتدي بالصحابة إلا على ضوئها ووفق قوانينها.\nوليت فضيلته وقف عند الأصول والقواعد التي وضعها الإمام الشافعي؛ فالإمام الشافعي إمام من أئمة السلف يدعو إلى السنة على طريقة من سبقه من الأئمة؛ وإنما نراه يضع لنا منهجًا عامًا يرى أنه لا بد لمن يريد ممارسة الإسلام الصحيح أن يتبعه فيقول: \"إن الإنسان لكي يمارس الإسلام يقينًا وسلوكًا لا بد أن يجتاز المراحل الثلاث التالية:\nأ- التأكد من صحة النصوص الواردة والمنقولة عن فهم سيدنا محمد ﷺ، قرآنا كانت هذه النصوص أم حديثًا؛ بحيث ينتهي إلى يقين بأنها موصولة النسب إليه وليست منقولة عليه.\nب- الوقوف بدقة على ما تتضمنه وتعينه تلك النصوص؛ بحيث يطمئن إلى ما يعنيه ويقصده صاحب تلك النصوص منها.\nج- عرض حصيلة تلك المعاني والمقاصد التي وقف عليها وتأكد منها على موازين المنطق والعقل قال: \"ونعني بالمنطق هنا قواعد الدراية والمعرفة عمومًا لتمحيصها ومعرفة موقف العقل منها\"٢.\nثم أخذ يفصل ويشرح أجزاء كل من هذه الثلاث المراحل التي تكون في مجموعها وبتفاصيلها المنهج العلمي الذي ينبغي اتباعه في فهم النصوص في\n_________\n١ نفس المصدر ص ١٩.\n٢ نفص المصدر ص ٦٣.","vol":"1","page":113},{"text":"نظره.\nوبإلقاء نظرة فاحصة على أجزاء هذا المنهج يتضح لنا بدون أدنى مواربة أن الحكم النهائي في تفسير النص، وقبوله أو رده؛ إنما هو للعقل والمنطق، وهذا منهج أهل الكلام والبدع يعرضون النصوص على العقول فما أجارته وقبلته، أجيز وما لا فلا بد من التصرف فيه بالرد أو التأويل أو بإبطال مفعوله وإيقافه عن العمل في بعض الأبواب دون بعض، وما كان هذا المنهج في يوم من الأيام هو منهج السلف.\nولنسر مع الدكتور البوطي وهو يوضح موقف العقل من نصوص الشرع، بعد أن قسم الحديث إلى متواتر، وآحاد، وضعيف؛ فيقول في المتواتر: \"وإنما موقف العقل منه هو القبول والإذعان، أيًا كان هذا العقل، وأيًا كان صاحبه ومهما كانت نحلته؛ فإن العقل الإنساني لا يرتاب في صحة خبر امتد إليه ابتداء من مصدره، عن طريق جموع غفيرة متصلة\".\nثم يقول في موقف العقل من خبر الآحاد: \"هذا القسم الثاني من الأخبار يسمى صحيحًا، وموقف العقل منه هو الاطمئنان غليه والوثوق به على سبيل الترجيح لا الجزم؛ فإن العقل يظل يجيز احتمال أن يكون قد تسلل إلى الخبر شائبة وهم، من جهة نسيان، أو خطأ أو ذهول وقع من بعض رواته، ومهما كان هذا الاحتمال بعيدًا؛ نظرًا لتوافر شروط الصحة فيه؛ فإنه يظل احتمالا وأردًا.\nولأجل هذا الاحتمال البعيد، يضرب فضيلة الدكتور البوطي ومن قبله أصحاب هذا المنهج من أسلافه عن توفر شروط الصحة في حديث الآحاد صفحًا، ويقرر أن: \"هذا القسم لا تتكون منه حجة ملزمة في نطاق الاعتقاد؛ بحيث يقع الإنسان في طائلة الكفر إن هو لم يجزم بمضمون خبر صحيح لم يرق إلى درجة التواتر، وبقي في حدود الآحاد، بل يسعه أن لا يجزم به دون أن","vol":"1","page":114},{"text":"يخدش ذلك في إيمانه وإسلامه وإن كان ذلك قد يخدش في عدالته ويتسوجب فسقه\".\nويعلل فضيلته هذا الاتجاه: \"بأن الاعتقاد انفعال قسري وليس فعلًا اختياريًا؛ فإن وجد العقل أمامه ما يحمله على الانفعال واليقين يأمر ما، اصطبغ بذلك اليقين لا محالة دون أن يكون في ذلك أي اختيار، وإن لم يجد أمامه ما يحمله على ذلك الانفعال واليقين لم يجد بدًا من الوقوف عند درجة الربية والظن\"١.\nوأي فضل لامرء في إيمان أو اعتقاد لا خيار له فيه؛ وإنما وجد نفسه منفعلة به مقسورة عليه، على ماذا يثاب حينئذ؟ وهل كان إيمان الصحابة إلا تسليمًا وتصديقًا بما جاء به الرسول ﷺوكذلك إيمان سائر السلف من بعدهم لم يكن قهرًا ولا قسرًا ولا وجدوا أنفسهم مضطرين إليه مقسورين عليه؛ إنما جاءهم كتاب ربهم وبلغتهم سنة نبيهم فآمنوا وسلموا تسليمًا، وقالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار﴾ ٢؛ فقبل منهم هذا الإيمان ووعدهم بالإثابة والأجر عليه فقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ٣. ولم يقبل الله ﷿ إيمان فرعون عندما آمن اضطرارًا، ولم يصدق موسى ﵇ إلا بعد أن وجد نفسه مقسورة على اليقين والإيمان منفعلة به؛ فلا ثواب، بل ولا قبول حينئذ. يقول ﷿: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِين\n_________\n١ المصدر السابق ص ٦٦.\n٢ سورة آل عمران آية ١٩٣.\n٣ نفس السورة آية ١٩٥.","vol":"1","page":115},{"text":"آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِين﴾ أي: لا ينفعك هذا الإيمان؛ لأنه لم يكن إيمان تسليم؛ وإنما إيمان قسر واضطرار؛ ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ١.\nوبعد: فهذا المنهج الذي يرى فضيلة الدكتور البوطي أنه مقياس اتباع الكتاب والسنة، وهو العنوان على مدى الاعتصام بحبل الله عز وجل٢.\nوهو كما ترى منهج يقضي بتحكيم العقل في نصوص الشرع وتسليطه عليها وهو منهج أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة٣.\nفانظر أيهما أهدى إتباع السلف الصالح وسلوك طريقهم ومنهجهم، واعتبار أقوالهم وفهمهم وتفسيرهم لنصوص الوحي، أم هذا المنهج الخلقي؟\n_________\n١ سورة يونس الآيات من ٩٠- ٩٢.\n٢ انظر: السلفية مرحلة زمنية ص٥٦.\n٣ وقد تصدى للرد على البوطي في هذا الكتاب أفاضل من أهل العلم؛ منهم الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في كتابه نظرات وتعقيبات، والشيخ عبد القادر حامد في مقالات له نشرتها مجلة البيان، العدد ٣٤ وما بعده.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>٣- أهل الحديث:</span>\nمن الأسماء التي ترد كثيرًا معبرًا بها عن \"أهل السنة\"، \"أهل الحديث\"، وهذا واضح في كلام كثير من الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره من أهل العلم قبله وبعده، يذكرون \"أهل الحديث\" و\"أهل السنة\" مبينين اعتقادهم، ولا يفرقون بين المصطلحين؛ فهذا الإمام الصابوني \"٣٧٢- ٤٤٩\"، يقول في عقيدته: \"إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة حفظ الله أحياءهم، ورحم أمواتهم يشهدون لله تعالى بالوحدانية وللرسول الله ﷺ بالرسالة والنبوة. إلى أن يقول: وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف.","vol":"1","page":116},{"text":"والتكييف والتشبيه ومن عليهم بالتعريف والتفهيم\"١.\nفعبر بكل من المصطلحين عن الآخر مما يدل على أنهما يترادفان ولا سيما إذا ذكرا في كتب الاعتقاد؛ لأن اعتقادهما واحد وهو ما جاء في الحديث والسنة وهما بمعنى واحد.\nوشيخ الإسلام يقول مثلًا: \"مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة\"٢.\nوهذا كما ذكرت، كثير في كتبهم ﵏؛ وإنما ذكرت ذلك من باب التمثيل، فهل يعني ذلك أن المصطلحين مترادفان أو أن لكل منهما معنى؟\nلكي نتبين ذلك لا بد أن نقف على معنى \"السنة\" و\"الحديث\" هل هما بمعنى واحد أو أن لكطل منهما معنى؟\nتقدم لنا تعريف السنة، وأن معناها يختلف عند المدثين عنه عند الفقهاء، عنه عند الأصوليين، وأن معنى السنة في عرف كثير من السلف مقابل للبدعة، فيقصدون بالسنة موافقة الكتاب وسنة الرسول ﷺ وأصحابه الكرام؛ فيقال: فلان على السنة؛ إذ كان عمله موافقًا للكتاب والسنة، وعمل السلف، وفلان على البدعة؛ إذ كان عمله مخالفًا للكتاب والسنة٣.\nوالسنة عند المحدثين مرادفة للحديث، فهما كل ما أثر عن النبي ﷺ قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية٤.\nوبهذا يتبين لنا أن السنة والحديث وإن كانا بمعنى واحد عند المحدثين\n_________\n١ انظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٣- ٤ بتحقيق بدر البدر.\n٢ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٠٣.\n٣ راجع: مبحث بيان معنى السنة ص ٣٢.\n٤ انظر: مبحث بيان معنى السنة ص ٣٠.","vol":"1","page":117},{"text":"لكنهما عند غيرهم ليسا كذلك، ولا سيما عند السلف الذين يطلقون السنة في مقابل البدعة فتشمل الكتاب والسنة والشريعة، وليس ذلك لـ \"الحديث\"؛ فالحديث إذن مصطلح علمي فني أضيق من \"السنة\".\nوعلى هذا: فهنالك فرق بين مصلطح \"أهل السنة\" و\"أهل الحديث\"، وإن عبر بأحدهما عن الآخر في أبواب الاعتقاد لما بينهما من التقارب في الغالب؛ وإلا فقد يكون المرء من أهل السنة، وليس من أهل الحديث من الناحية الصناعية؛ أي: ليس بمحدث.\nوقد يكون المرء من أهل الحديث صناعة وليس هو من أهل السنة فقد يكون مبتدعًا؛ ولذلك قال عبد الرحمن بن مهدي: \"الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث؛ فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري\"١.\nوقال الإمام ابن الصلاح: وقد سئل عن الفرق بين السنة والحديث في قول بعضهم عن الإمام مالك أنه جمع بين السنة والحديث؛ قال: \"السنة هنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك ﵁ جمع بين السنتين؛ فكان عالمًا بالسنة؛ أي: لحديث - ومعتقدًا للسنة- أي كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة\"٢.\nلكن في الغالب أن أهل الحديث على السنة؛ لأنهم حملتها، وأقرب الناس إليها، وهم ورثة رسول الله ﷺ ونقله سنته، والمبتدع فيهم قليل بل الغالب عليهم الإتباع.\nفإذا قيل: \"أهل الحديث\" في كتاب العقائد، فالمراد أهله رواية ودراية\n_________\n١ اللالكائي، شرح أصول السنة ١/ ٦٣.\n٢ فتاوى ابن الصلاح ١/ ٢١٣.","vol":"1","page":118},{"text":"واتباعًا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان المقصود بلفظ \"أهل الحديث\": \"ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته وروايته؛ بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا واتباعه باطنًا وظاهرًا وكذلك أهل القرآن\"١.\nوعلى هذا المعنى يصح أن يعبر بمصطلح \"أهل الحديث\" عن \"أهل السنة\" وهو المراد عند الإطلاق ولا سيما في كتاب الاعتقاد عن السلف. والله تعالى أعلم.\n_________\n١ الفتاوى ٤/ ٩٥.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>٤- \"الأثرية\" أو \"أهل الأثر</span>\":\nوهذا الاسم يطلقه كثير من أهل العلم ويريدون به أهل السنة والحديث.\nكما جاء في كلام أبي حاتم الرازي \"١٩٥- ٢٧٧ هـ\": \"مذهبنا واختيارنا إتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين. والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل: أبي عبد الله أحمد بن حنبل\".\nوقال في موضع آخر: \"وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية\" فاستعمل \"أهل الأثر\" بمعنى \"أهل السنة\"١.\nوكذلك ورد إطلاق ذلك في كلام أبي نصر السجزي٢، وشيخ الإسلام ابن تيمية٤، والإمام السفاريني٥ وغيرهم من أهل العلم، وربما جعل بعضهم\n_________\n١ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٩، ١٨٠، ١٨١.\n٢ الرد على من أنكر الحرف أو الصوت ص ١٧٥، ١٧٧، ١٧٩، ١٩٥، ٢٠٠، ٢٢٣.\n٣ انظر: \"درء التعارض\" \"٦/ ٢٦٦\".\n٤ انظر: لوامع الأنوار ١/ ٦٤.","vol":"1","page":119},{"text":"هذا اللفظ علمًا على مصنفاتهم في العقيدة١.\nوسموا بذلك؛ نسبة إلى \"الأثر\" وهو في اصطلاح أهل الحديث مرادف للحديث، وعنه بعض الفقهاء هو بمعنى الموقوف على الصحابي٢.\nيقال: أثرت الحديث بمعنى رويته، ويسمى المحدث أثريًا؛ نسبة للأثر٣.\nومعنى أهل الأثر كما يقول الإمام السفاريني: \"أي: الذين إنما يأخذون عقيدتهم من المأثور عن الله جل شأنه في كتابه، أو في سنة النبي ﷺ، أو ما ثبت وصح عن السلف الصالح من الصحابة الكرام والتابعين لهم الفخام\"٤.\nوهذا بمعنى \"أهل السنة\" في إطلاق السلف.\n_________\n١ وذلك مثل: العين والأثر في عقائد أهل الأثر، للإمام عبد الباقي الحنبلي. وقطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، للعلامة صديق حسن خان.\n٢ القاسمي: قواعد التحديث ص ٦١.\n٣ السيوطي، تدريب الراوي ١/ ٢٣.\n٤ لوامع الأنوار ١/ ٦٤.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>٥- الفرق الناجية</span>\n...\n٥- الفرقة الناجية:\nوذلك أخذًُا من قوله ﷺ في حديث الافتراق: \"وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة\" ١.\nفأخبر ﷺ أن الفرق كلها هالكة إلا واحدة فهي ناجية وهي الجماعة، وفي رواية أخرى: \"ما أنا عليه وأصحابي\" ٢.\n_________\n١ جه: كتاب الفتن، باب افتراق الأمم ٢/ ١٣٢٢ ح. وقال الألباني: \"صحيح\"، انظر: صحيح ابن ماجه ٢/ ٣٦٤.\n٢ تقدم ص ٤٨.","vol":"1","page":120},{"text":"وهذا الوصف لا ينطبق إلا على أهل الحديث والسنة؛ فإنهم هم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. فهم الفرقة الناجية ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل، وقد ذكر حديث النبي ﷺ: \"تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة\": إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم١.\nوقال الإمام عبد القادر الجيلاني وقد ذكر أصول الفرق ...: \"وأما الفرقة الناجية: فهي أهل السنة والجماعة\"٢.\nونجد كثيرًا من أهل العلم قديمًا وحديثًا \"يجعل الفرقة الناجية\" علمًا على \"أهل السنة\" واسمًا من أسمائها، ومن ذلك: صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة العقيدة الواسطة؛ حيث قال: \"أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة\"٣.\nومن ذلك أيضًا صنيع الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز؛ حيث قال: \"قول الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات هو\"٤.\nوقد تقدم إدعاء كثير من الفرق أنهم الفرقة الناجية والرد على ذلك٥.\n_________\n١ الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث ص ٢٥.\n٢ انظر: الغنية لطالبي طريق الحق ص ٨٥.\n٣ انظر: العقيدة الواسطية مع شرح الهراس ص ١٤، ط. الثالثة.\n٤ انظر: تعليق الشيخ على رسالة التنبيهات اللطيفة، للشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، ص ٧.\n٥ انظر: المبحث الثالث من التمهيد، ص ٤٨ وما بعدها.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>٦ الطائفة المنصورة:</span>\nوهذا اللقب مستفاد من قول المصطفى ﷺ من حديث المغيرة بن شعبة ﵁: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون\" ١.\nوفي حديث معاوية بن قرة عن أبيه: \"لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة\" ٢. وقد بين السلف المراد بهذه الطائفة٣.\nوقال يزيد بن هارون \"١١٨- ٢٠٦ هـ\": \"إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم\"٤.\nوقال علي بن المديني \"١٦١- ٢٣٤ هـ\": \"هم أصحاب الحديث\"٥.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل \"١٦٤- ٢٤١\": \"إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم\"٦.\nقال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح٧.\nوقال الإمام البخاري \"١٩٤- ٢٥٦ هـ\": \"وهم أهل العلم\"٨.\n_________\n١ خ: كتاب الاعتصام بالسنة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ١٣/ ٢٩٣، ح ٧٣١١.\n٢ ت: كتاب الفتن، باب ما جاء في الشام ٤/ ٤٨٥، ح ٢١٩٢، جه: مقدمة، باب إتباع سنة الرسول ﷺ ١/٤، ح ٦، وقال الألباني: \"صحيح\"، انظر: صحيح الترمذي ٢/ ٢٣٩، وصحيح ابن ماجه ١/ ٦.\n٣ الخطيب البغدادي: شرف أصحاب الحديث ص ٢٦.\n٤ نفس المصدر ص ٢٦.\n٥ انظر: جامع الترمذي ٤/ ٤٨٥.\n٦ انظر: الحاكم، معرفة علوم الحديث ص ٣.\n٧ الفتح ١٣/ ٢٩٣.\n٨ نفس المصدر.","vol":"1","page":122},{"text":"وروى الخطيب البغدادي عنه بسنده أنه قال: \"يعني: أصحاب الحديث\"١ ولا منافاة بين القولين؛ فإن أهل الحديث من أهل العلم.\nوقال أحمد بن سنان \" ... - ٢٥٩\": \"هم أهل العلم وأصحاب الآثار\"٢.\nوالمراد بأهل الحديث: أهله رواية ودراية، علمًا وعملًا وإتباعًا؛ إذ هم الذين يستحقون النصر والظهور لنصرتهم سنة رسول الله ﷺ وعملهم بها وذبهم عنها؛ فهم أولى الناس بأن يكونوا الطائفة المنصورة كما قال أبو عبد الله الحاكم بعد أن ذكر قول الإمام أحمد في الطائفة المنصورة السابق، قال: \"فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يرفع الخدلان عنهم إلى قيام الساعة، هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف الماضيين، ودفعوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين\"٣.\nوأهل الحديث بهذا المعنى هم أهل السنة؛ ولهذا قال القاضي عياض \"٤٧٦- ٥٤٤ هـ\" عقب قول الإمام أحمد السابق: \"إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث\"٤.\nفأهل الحديث، في تفسير السلف للطائفة المنصورة، هم أهل السنة والجماعة، فهم الطائفة المنصورة؛ ولهذا نرى كثيرًا من أهل العلم يطلق اسم الطائفة المنصورة على أهل السنة والجماعة؛ فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في مقدمة العقيدة الواسطية: \"أما بعد:\n_________\n١ شرف أصحاب الحديث ص٢٧.\n٢ نفس المصدر.\n٣ معرفة علوم الحديث ص٣٠.\n٤ انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١٣/ ٦٧، كتاب الإمارة.","vol":"1","page":123},{"text":"فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة\"١، ويقول في آخر هذه العقيدة أيضًا: وهم -أي: أهل السنة- الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ: \"ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة\" ٢.\nوما ورد في بعض الروايات من أن هذه الطائفة هم أهل الشام، كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة\" ٣.\nقال الإمام أحمد بن حنبل: \"هم أهل الشام\"٤، وقال معاذ بن جبل ﵁: \"وهم بالشام\"٥؛ فلا ينافي تفسير الأئمة بأنهم أهل الحديث؛ فالطائفة المنصورة هم أهل الحديث والسنة سواء كانوا في الشام أم في غيرها، ولا يمنع أن يكون أهل الشام في بعض الأوقات هم الطائفة المنصورة، أو أحق الناس دخولًا فيها لقيامهم بالسنة ودفاعهم عن حمى الإسلام والمسلمين، كما حدث زمن اجتياح التتار بلاد المسلمين في أواخر القرن السابع الهجري؛ فإن أهل الشام في ذلك الوقت كانوا هم الطائفة المنصورة لتمسكهم بالسنة وثباتهم عليها وذودهم عن بلاد المسلمين، ولنستمع لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو شاهد حال عاصر الفتنة، وكان من المجاهدين فيها بلسانه وسنانه رحمة الله عليه؛ إذ يقول: \"أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما، فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكر النبي ﷺ بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: \"لا تزال طائفة من أمتي\n_________\n١ انظر: العقيدة الواسطية بشرح الهراس ص١٤. وقد سبقت الإشارة لذلك ص١٢١.\n٢ نفس المصدر ص١٥٧.\n٣ م: كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي\" ٣/ ١٥٢٥، ح ١٩٢٥.\n٤ انظر: الفتاوى لابن تيمية ٢٨/ ٥٣٢.\n٥ نفس المصدر والصفحة.","vol":"1","page":124},{"text":"ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم؛ حتى تقوم الساعة، ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي أقوم الطوائف بدين الإسلام، علمًا وعملًا، وجهادًا، عن شرق الأرض وغربها؛ فإنهم هم الذين يقاتلون، أهل الشوكة العظيمة من المشركين وأهل الكتاب، ومغازيهم مع النصارى، ومع المشركين من الترك، ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين في الرافضة وغيرهم، كالإسماعيلية ونحوهم من القرامطة معروفة، معلومة قديمًا وحديثًا\"١.\nثم ذكر ﵀ أحوال أهل الأقطار الإسلامية، وما حل بهم من ضعف وعجز عن الجهاد، وبعد عن الكتاب والسنة، وتلبس بالبدع والضلال والفجور؛ فيقول: \"وذلك أن سكان اليمن في الوقت ضعاف، عاجزون عن الجهاد، أو مضيعون له وهم مطيعون لمن ملك هذه البلاد، حتى ذكروا أنهم أرسلوا بالسمع والطاعة لهؤلاء. وأما سكان الحجاز؛ فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه إلا الله، وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون، وأما بلاد إفريقية فأعرابها غالبون عليها، وهم من شرق الخلق؛ بل هم مستحقون للجهاد والغزو، وأما المغرب الأقصى فمع استيلاء الإفرنج على أكثر بلادهم لا يقومون بجهاد النصارى هناك؛ فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت، هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام؛ فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز، ولا كلمة عالية، ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه\"٢.\nفهذه الصورة التي نقلها شيخ الإسلام لواقع المسلمين في عصره، تبين في جلاء أن أكثر أهل الديار الإسلامية قد ابتعدوا عن الكتاب والسنة، ودب فيهم الضلال والفجور والبدع، مما جعلهم غير مؤهلين للدفاع عن بلاد الإسلام، وجهاد الأعداء، وإن أهل الشام كانوا في ذلك الوقت هم أهل السنة العاملين بها والذابين عنها قولًا وعملًا وجهادًا لأعدائها؛ فكانوا هم الطائفة المنصورة في عصرهم.\n_________\n١ الفتاوى ٢٨/ ٥٣١- ٥٣٢.\n٢ الفتاوى ٢٨- ٥٣٣- ٥٣٤.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثانيًا: ألقاب أهل السنة عند خصومهم من أهل الأهواء والبدع</span>\nتقدم لنا في أول هذا المبحث أن خصوم أهل السنة نادرًا ما يذكرونهم باسم أهل السنة، أو أهل الحديث، أو غير ذلك من الأسماء المرضية عند أهل السنة. وأنهم درجوا على الإشارة إليهم في كتبهم وأقوالهم بألقاب وأسماء ابتدعوها من عند أنفسهم، بقصد الحط والتشنيع عليهم وعلى مذهبهم، كما قال إما أهل السنة الإمام أحمد في كتاب \"السنة\" له: \"وقد أحدث أهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة، يسمون بها أهل السنة، يريدون بذلك الطعن عليهم، والإزراء بهم عند السفها والجهال\"١.\nفكل فرقة أو طائفة تذكر أهل السنة بلقب أو أكثر، وربما اتفق طائفتان أو أكثر على نبز أهل السنة ببعض الألفاب كما سيأتي، حتى أصبح من أبرز علامات أهل البدع وأظهر ما يميزهم هم الوقيعة في أهل السنة والأثر٢، ونبزهم بالألقاب المنفرة المستكرهة. وهذه علامة أهل الباطل، إذا أعيتهم الحجة لجئوا إلى وصم أهل الحق ودعاته بأقبح الألقاب، وأحط الأسماء، كما فعل مشركوا مكة مع رسول الله ﷺ؛ حيث اقتسبموا القول فيه، فسماه بعضهم: ساحرًا، وبعضهم كاهنًا، وبعضهم شاعرًا، وبعضهم مجنونًا، وبعضهم مفتونًا،\n_________\n١ ص ٤٠.\n٢ انظر: كلام أبي حاتم الرازي في: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي ١/ ١٧٩.","vol":"1","page":126},{"text":"وبعضهم مفتريًا مختلفًا كذابًا، وكان النبي ﷺ من تلك المعائب بريئًا، ولم يكن إلا رسولًا مصطفى نبيًا قال الله ﷿:\n﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ١، وكذلك المبتدعة. اقتسموا القول في حملة أخباره، ونقلة آثاره ورواة أحاديثه المقتدين به، المهتدين بسنته، المعروفين بأصحاب الحديث، فسماهم بعضهم حشوية، وبعضهم: مشبهة، وبعضهم نابتة، وبعضهم: ناصبة، وبعضهم: جبرية، وأصحاب الحديث عصامة من هذه المعايب، بريئة زكية نقية وليسوا إلا أهل السنة المضية والسيرة المرضية٢.\nوجميع هذه الألقاب والأسماء لا تلحق أهل السنة عند التخفيف، كما لم يلحق رسول الله ﷺ ما نبزه به الكفار من الأسماء والألقاب؛ وإنما نوردها هنا لأمور:\nالأمر الأول: هو ما أشرنا إليه في مطلع المبحث وهو أن كتب الفرق والمقالات لا تذكر اهل السنة أو أهل الحديث؛ وإنما تذكر مذهب أهل السنة وأهل الحديث وتقول قال الحشوية، أو قال المشبهة، أو المجسمة، أو الناصبة ولا يريدون بهم إلا أهل السنة والحديث؛ فلا بد أن نذكر هذه الأسماء والألقاب ونبين المراد بها.\nالأمر الثاني: لبيان من نبز بها أهل السنة وذلك بالرجوع إلى مصادرهم ما أمكنني ذلك.\nوالثالث: للرد عليها وبيان أنها لا تنطبق على أهل السنة، وأن غيرهم أحق بها.\nفأول هذه الألقاب:\n_________\n١ سورة الفرقان آية ٩.\n٢ أبو إسماعيل الصابوني، عقيدة السلف أصحاب الحديث. \"بتحقيق بدر البدر\"، ص ١٠٦- ١٠٧.","vol":"1","page":127},{"text":"١- مشبهة:\nوهذا اللقب من أشنع الألقاب التي نبزهم بها مخالفوهم في باب الأسماء والصفات -من الجهمية- والمعتزلة، والأشاعرة؛ وذلك أن أهل السنة والأثر يصفون الله ﷿ بكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، وعند هذه الطوائف والفرق أنه لا بد من تأويل النصوص الواردة في باب الصفات؛ لأن ظاهرها يوهم التشبيه عندهم؛ فلا بد من صرفها، لذا عدوا كل من أثبت لله ما أثبته النصوص من غير تأويل، مشبهًا.\nفأما الجهمية، فإن من أهم وأقدم ما وصل إلينا من النصوص التي تشير إلى نبزهم أهل السنة والأثر بلقب \"مشبهة\" ما رواه الإمام اللالكائي عن إسحاق بن راهويه \"ت ٢٣٨ هـ\" قال: \"علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة\"١.\nوما أورده الإمام أحمد بن حنبل في كتابه القيم: \"الرد على الجهمية والزنادقة\" عن الجهم \"ت ١٢٨ هـ\": \"أنه زعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسول الله -ﷺ- كان كافرًا، وكان من المشبهة\"٢.\nوكذلك قول أبي حاتم \"ت ٢٧٧ هـ\": \"وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة\"٣.\nوأما المعتزلة: فهم ورثة الجهمية الذين ورثوا عنهم القول بنفي الصفات، ونبز من أثبتها بالتشبيه؛ فهذا أبو موسى المردار \"ت ٣٣٦ هـ\"، والذي يعد من علماء المعتزلة ومقدميهم ينقل عنه الخياط \"ت بعد ٣٠٠ هـ\" أنه: \"كان يزعم أن\n_________\n١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٩.\n٢ ص ١٠٤.\n٣ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٩.","vol":"1","page":128},{"text":"من قال: إن الله يرى بالأبصار على أي وجه قال: فمشبه لله بخلقه والمشبه عنده كافر\"١.\nومعلوم أن من أصول مذهب أهل السنة إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الجنة.\nويقول القاضي عبد الجبار \"ت ٤١٥ هـ\" بعد أن أول الاستواء وذكر استعمالات لفظة \"استوى\" في اللغة: \"وإذا كانت اللفظة تستعمل على هذه الجهات؛ فكيف يصح للمشبهة التعليق بها؟ \"٢، يقصد من يثبت الاستواء لله ﷿ على عرشه.\nويذكر الإمام الرازي \"ت ٦٠٦ هـ\": \"أن جماعة من المعتزلة ينسبون التشبيه إلى الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين \"ت ٣٣٣ هـ\" - قال: وهذا خطأ منهم فإنهم منزهون في اعتقادهم عن التشبيه والتعطيل\"٣.\nويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة مثل مالك \"ت ١٧٩ هـ\" وأصحابه، والثوري \"ت ١٦١ هـ\" وأصحابه، والأوزاعي \"ت ١٥٧ هـ\" وأصحابه، والشافعي \"ت ٢٠٤ هـ\"، وأحمد \"ت ٢٤١ هـ\" وأصحابه، وإسحاق بن راهويه \"ت ٢٣٨ هـ\"، وأبي عبيد \"٢٢٤\" وغيرهم في قسم المشبهة\"٤.\nبل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك: \"فرمى الأنبياء صلوات الله وسلامه\n_________\n١ الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، \"تحقيق د. البير نصري نادر\"، ص ٥٥، وانظر أيضًا ص ٤٣.\n٢ انظر: متشابه القرآن \"بتحقيق دِ. عدنان محمد زرزور\"، ص ٧٤.\n٣ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٦٦.\n٤ الفتاوى ٥/ ١١٠.","vol":"1","page":129},{"text":"عليهم بذلك؛ حتى قال ثمامة بن الأشرس \"ت ٢١٣ هـ\" من رؤساء الجهمية١: ثلاثة من الأنبياء مشبهة موسى؛ حيث قال: \"إن هي إلا فتنتك\"٢ وعيسى؛ حيث قال: \"تعلم ما نفسي ولا أعلم ما في نفسك\"٣ ومحمد ﷺ؛ حيث قال: \"ينزل ربنا\"٤\" ٥.\nوأما الأشاعرة: فإنهم لما كانوا لا يثبتون إلا بعض الصفات٦، ويؤولون البعض الآخر؛ فقد نبزوا من يثبت لله جميع ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ بالتشبيه.\nيقول الجويني \"ت ٤٧٨ هـ\": \"واعلموا أن مذهب أهل الحق أن الرب ﷾ يتقدس عن شغل حيز، ويتنزه عن الاختصاص بجهة.\nوذهب المشبهة إلى أنه -تعالى عن قولهم - مختص بجهة فوق\"٧.\nومعلوم أن أهل السنة والجماعة يثبوت لله ﷿ ما أثبته لنفسه من الفوقية في قوله ﷿: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٨، ومن أثبت ذلك عند\n_________\n١ يريد المعتزلة، وكثيرًا ما يطلق على المعتزلة لقب الجهمية لقولهم بقولهم في نفي الصفات.\n٢ سورة الأعراف آية ١٥٥.\n٣ سورة المائدة آية ١٦٦.\n٤ يشيرِ إلى حديث النزول وهو حديث صحيح أخرجه خ: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ٣/ ٢٩. وم: كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل ١/ ٥٢١، ح ٦٨.\n٥ الفتاوى ٥/ ١١٠.\n٦ لا لأنها وردت في الكتاب والسنة؛ وإنما لأن العقل لا يحيلها، مثل صفة \"الحياة، والعلم، وغيرها من الصفات السبع التييثبتونها ولو كانوا أثبتوها لورد النص بها، لما أولوا باقي الصفات مع ورود النصوص بها أيضَا.\n٧ انظر: الشامل ص ٥١١.\n٨ سورة النحل آية ٥٠.","vol":"1","page":130},{"text":"الجويني يعد مشبهًا.\nومن خلال هذا العرض لهذه النماذج من أقوال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة التي وصموا فيها أهل السنة بلتشبيه، يتضح لنا أن القوم يعدون إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ تشبيهًا، وكل من أثبتها مشبهًا.\nوالحق أن أهل السنة لم يزيدوا في هذا الباب على أن قالوا كما قال ربهم وخالقهم عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فأثبتوا لله ما أثبت لنفسه من الصفات مع قطعهم بنفي المشابهة والمماثلة بين صفاته وصفات المخلوقات؛ فهم يصفون الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.\nوالمشبهة هم الذين يمثلون صفاته بصفات خلقه، كما قال الإمام إسحاق ابن راهويه: \"إنما يكون التشبيه لو قيل يد كيد، وسمع كسمع\"٢، أما إذا قيل: يد وسمع تليق بعظم الباري وجلاله من غير مشابهة أو مماثلة ليد وسمع المخلوق اللائق بعجزه وافتقاره فلا يعد ذلك تشبيهًا.\nوأهل السنة من أشد الناس مقتًا للمشبهة والتشبيه لما قام في قلوبهم من جلال الخالق وعظمته، مع إثباتهم صفات الجلال والكمال التي ثبتت لله ﷿، ولذلك يقول نعيم بن حماد \"ت ٢٢٨ هـ\": \"من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر؛ فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه\"٣؛ لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته.\nوقال إسحاق بن راهويه: \"من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من\n_________\n١ سورة الشورى آية ١١.\n٢ انظر: ابن حجر فتح الباري ١٣/ ٤٠٧.\n٣ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/ ٥٣٢، ح ٩٣٦.","vol":"1","page":131},{"text":"خلق الله؛ فهو كافر بالله العظيم\"١.\nوقد عقد الإمام اللالكائي بابًا في \"سياق ما روي في تكفير المشبهة\"٢ نقل فيه من أقوال السلف في ذلك ما ذكرنا بعضه فكيف يقال بعد ذلك أِنهم مشبهة؟ بل التشبيه بنفاة الصفات ومؤوليها أشبه.\nكما ذكر الإمام البخاري عن بعض أهل العلم: \"أن الجهمية هم المشبهة؛ لأنهم شبهوا رهبم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ولا يخلق، وقالت الجهمية: هو كذلك لا يتكلم ولا يبصر نفسه، وقالوا: إن اسم الله مخلوق\"٣.\nوربما شبهوه بالمعدومات بقوله: ليس هو فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا هو ممازج له ولا منفصل عنه٤.\nوسيأتي إن شاء الله زيادة تفصيل عند التعرض لمسائل الصفات وموقف المؤولة والنفاة والمشبهة منها.\n٢- مجبرة:\nوهذا اللقب نبزهم به المعتزلة والقدرية، وذلك لأن أهل السنة والأثر يقولون: كل شيء بقدر الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وهذا القول عند القدرية جبر؛ لأنهم يرون أن أفعال العباد هم المحدثون لها وليست مخلوقة لله، وأن أفعال الشر من الكفر والمعاصي تقع من العبد وهو المحدث لها من غير إرادة من الله ولا تقدير لها.\n_________\n١ المصدر السابق ح ٩٣٧.\n٢ نفس المصدر ٣/ ٥٢٨.\n٣ خلق أفعال العباد ٣٥- ٣٦.\n٤ انظر عن هذا القول: الذهبي، العلو ص ١٩٥.","vol":"1","page":132},{"text":"وكل من قال: إنها تقع بإرادة الله وقضائه وقدره وعدوه جبريًا.\nنقل الخياط المعتزلي \"ت بعد ٣٠٠هـ\" عن أبي موسى المردار \"ت ٢٢٦هـ\" أن: \"من وصف الله بأنه يقضي المعاصي على عباده ويقدرها فمسفه لله في فعله، والمسفه لله كافر به، والشارك في قول المشبه والمجبر فلا يدري أحق قوله أم باطل، كافر بالله أيضًا\"١؛ فلم يكتف المردار أن يرمي مثبت القدر بالجبر حتى عده كافرًا بل وعدي التكفير إلى من شك في كفره.\nوعد القاضي عبد الجبار \"ت ٤١٥هـ\" وهو من كبار مصنفي المعتزلة ومقرري أصولهم، كل ما أثبت القدر مجبرًا فقال: \"والذين يثبتون القدرهم المجبرة؛ فأما نحن فإنا ننفيه، وننزه الله تعالى أن تكون الأفعال بقضائه وقدره\"٢.\nوعنده كل من قال إن الله خالق أفعال العباد؛ فهو مجبر، يقول في كتاب \"متشابه القرآن\": \"وإن سأل المجبر فقال: إن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وفي الأرض الفساد والظلم وأفعال العباد، فيجب أ، يدل ظاهره على أن الخالق لها، ثم قال: والجواب عن ذلك\"٣ والشاهد انه عد القول بخلق أفعال العباد من قول المجبرة.\nهكذا نرى المعتزلة لا يترددون في إطلاق لقب المجبرة على من يثبت وقوع الأفعال بقضاء الله وقدره، ولذلك عد أئمة السلف من علامات القدرية \"تسميتهم أهل السنة مجبرة\" كما روى ذلك اللالكائي٤ عن أبي حاتم، وقال الإمام أحمد: \"وأما القدرية فيسمون أهل السنة مجبرة\"٥.\n_________\n١ الانتصار ص٥٥.\n٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ص٧٧٥- ٧٧٦.\n٣ ص٧٥.\n٤ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٩.\n٥ انظر: السنة له ص٤٠.","vol":"1","page":133},{"text":"٣- نقصانية:\n٤- مخالفة:\n٥- شكاك:\nلما كان المرئجة على اختلاف طوائفهم يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان إذا الإيمان عند بعضهم \"المعرفة فقط\"، وعند فريق هو \"النطق باللسان\"، وعند أمثلهم هو \"اعتقاد بالقلب ونطق باللسان\"، قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يجوز الاستثناء فيه؛ فليس للمرء أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو؛ وإنما يقطع بإيمانه. وعدوًا من أدخل الأعمال في مسمى الإيمان، وقال بزيادته ونقصانه وجوز الاستثناء فيه، مخالفًا لهم. ومن ثم نبزوا أهل السنة والجماعة بالألقاب القبيحة، فقالوا: نقصانية: لقولهم إن الإيمان يزيد وينقص، وقالوا: مخالفة: لمخالفتهم لمذهبهم، وقالوا: شكاك: لقولهم بالاستثناء في الإيمان.\nروى الإمام اللالكائي عن أبي حاتم قوله: \"وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية\"١.\nوقال الإمام أحمد في كتاب \"السنة\" له: \"وقد أحدث أهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء قبيحة شنيعة، يسمون بها أهل السنة، يريدون بذلك الطعن عليهم، والإزراء بهم عند السفهاء والجهال.\nفأما المرجئة: فيسمون أهل السنة شكاكًا\"٢.\nويبين أبو حاتم الرازي٣ وجه نبز أهل السنة بـ \"الشكاك\" فيقول: \"ويقال لهم الشكاك، لقبوهم بذلك لقولهم: إن الإيمان يزيد وينقص وأنهم لم يثبتوا الشهادة على من شهد الشهادتين أنه مؤمن حقًا، وشكوا في أمره، ويقولون:\n_________\n١ شرح أصول أهل السنة ١/ ١٧٩.\n٢ انظر: ص ٤٠. وتقدم أيضًا ص ١٢٦ من هذا البحث.\n٣ هو: أحمد بن حمدان الرازي صاحب كتاب الزينة - وهو غير أبي حاتم المشهور فهذا سني، والأول إسماعيلي.","vol":"1","page":134},{"text":"نرجو أن يكون مؤمنًا؛ وإنما الواجب عليهم أن يقولوا إن إيمانه مثل إيمان محمد ﷺ، وِإيمان جبريل، وأن يشهدوا عليه أنه مؤمن حقًا ولا يشكوا فيه\"١.\nوالحق أن أهل السنة لم يقولوا بالاستثناء في الإيمان، شكا منهم في إيمانهم؛ وإنما استثنوا مخافة تزكية النفس والهشادة لها، واحتياطًا؛ لأن الإيمان عند أهل السنة تدخل فيه الأعمال، والقطع بالإيمان يتضمن القطع بفعل جميع الطاعات وترك جميع المنهيات، وفي القطع بذلك تزكية للنفس والله ﷿ يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢.\nوقد صرح أئمة أهل السنة بأن استثناءهم ليس على معنى الشك، وإنما هو لمعاني أخرى عن الاستثناء في الإيمان فقال: \"نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافة واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري وغيره، قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٣، وقال النبي ﷺ: \"إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله\" ٤، وقال في البقيع: \"عليه نبعث إن شاء الله ٥ \" ٦ وليس الاستثناء في شيء من ذلك على معنى الشك؛ فكذلك استثناؤهم في الإيمان٧.\n_________\n١ انظر: كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية ص ٢٦٨، \"حققه د. عبد الله سلوم السامرائي\"، ملحقًا بكتابه الغلو والفرق الغالبية.\n٢ سورة النجم آية ٣٢.\n٣ سورة الفتح آية ٢٧.\n٤ م: كتاب الصيام، باب صحة صوم من يطلع عليه الفجر وهو جنب، ٢/ ٧٨١.\n٥ هذا بعض حديث؛ أوله: \"إن الميت يصير إلى القبر\" أخرجه جه: الزهد، باب ذكر القبر والبلى ٢/ ١٤٢٦، ح ٤٢٦٨.\n٦ انظر: السنة للخلال ص ٦٥٩- ٦٩٦. رسالة دكتوراه \"بتحقيق عطية عتيق الزهراني\".\n٧ للدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد دراسة موسعة في ذلك، تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: الإيمان زيادته ونقصه والاستثناء فيه. وللدكتور أحمد بن عطية الغامي دراسة بعنوان: الإيمان بين السلف والمتكلمين، وهي أطروحته لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى.","vol":"1","page":135},{"text":"وبهذا يتبين أن نبز المرجئة أهل السنة بلقب \"الشكاك\" لا وجه له يصح؛ وإنما هو من باب التشنيع بغير حق.\n٦- ناصبة:\nوهو من الألقاب الشنيعة التي رماهم بها الرافضة، وهو لقب يطلقونه على كل من قدم أبا بكر وعمر وعثمان على علي ﵃ في الخلافة والفضل، سئل بعض أئمة الشيعة عن \"الناصب\" هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه \"الجبت\" و\"الطاغوت\"١ واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب٢.\nوهو من المناصبة وهي المعاداة؛ يقال: \"ناصبه الشر والحرب والعداوة مناصبة: أظهره له\"٣.\nوعند الرافضة كل من لم يبغض أبا بكر وعمر ﵄؛ فقد أبغض عليًا؛ لأنه لا ولاء لعلي إلا بالبراءة منهما، ثم جعلوا كل من أحب أبا بكر وعمر ناصبيًا٤.\nويبرز صاحب كتاب \"الزينة\" وجهًا آخر لإطلاق لقب \"ناصبي\" فيقول: \"وروت الشيعة في قراءتهم أن جعفر بن محمد رضي الله عنه٥ قرأ الآية في\n_________\n١ يريد بالجبت والطاغوت: أبا بكر وعمر ﵄ كما هو ظاهر.\n٢ المامقاني: تنقيح المقال ١/ ٢٠٧، المقدمة. اقتبسه الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على المنتقى، للذهبي ص ٦٤ حاشية ١.\n٣ ابن منظور، لسان العرب ١/ ٧٦١.\n٤ انظر: ابن تيمية، الفتاوى ٥/ ١١٢.\n٥ المأثور الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم.","vol":"1","page":136},{"text":"﴿أَلَمْ نَشْرَح﴾، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب﴾ ١ بكسر الصاد.\nوقالوا: إذا فرغت من إكمال الشريعة فانصب لهم عليًا إمامًا؛ فقالت: الشيعة: لما أمر الله ﷿ بذلك نصب النبي ﷺ عليًا وأشار إليه وأهله للإمامة، وقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خدله؛ فمن نازعه في الإمامة، ودعا إلى مخالفته، ونصب إمامًا بإزائه غيره؛ فقد ناصب رسول الله ﷺ وآله؛ لأنه نصب عليًا، وهذا نصب غيره، وخذل عليًا وعاداه وترك نصرته، وصار مع عدوه حربًا عليه، فهو مناصب؛ لأنه ناصب النبي ﷺ، ففعل مثل فعله\"٢.\nوقال الإمام الجيلاني في ذلك: \"وتسميها الرافضة ناصبية، لقولها باختيار الإمام ونصبه بالعقد\"٣. والرافضة لا ترى ذلك وإنما تذهب إلى أن الأئمة قد نص عليهم.\nوسواء كان وجه التسمية هذا أو ذاك؛ فإنه لا يقع على أهل السنة؛ لأنهم يعتقدون موالاة وحب أهل البيت، وجميع أصحاب رسول الله ﷺ، ورضي اللهم عنهم، ولا يناصبون أحدًا منهم العداء كما قال الإمام الطحاوي في عقيدته: \"ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإسحان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\"٤.\nفقوم هذا اعتقادهم، في أصحاب رسول الله ﷺ بما فيهم أهل بيته، أيصح بعد ذلك أن يرموا بالنصب ومعاداة آل البيت؛ بل الأشبه أن يقع هذا\n_________\n١ سورة الشرح آية ٧.\n٢ أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي، الزينة ص ٢٥٨.\n٣ انظر: الغنية ص ٨٥.\n٤ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٢٨.","vol":"1","page":137},{"text":"اللقب على خصومهم الذين نبزوهم به؛ لأن الرافضة هم الذين ناصبوا أصحاب رسول الله ﷺ العداء، بل وقالوا بكفرهم وارتدادهم بعد وفاة النبي ﷺ عدى قلة منهم تعد على الأصابع كما سيأتي توضيح ذلك في موضعه بإذن الله.\n٧- العامة، والجمهور:\nالعامة: خلاف الخاصة١، وهذا اللقب مما انفرد الرافضة بإطلاقه على أهل السنة، فيجعلون أنفسهم الخاصة، المؤمنين، ويعدون أهل السنة \"عامة\" لا خلاق لهم بل هم عندهم كفار ونجس، لا تحل ذبائحهم، وتستباح دماؤهم وأموالهم٢.\nوهذه بعض نصوص القوم في كتبهم توضح في جلاء إطلاقهم لقب \"العامة\" على أهل السنة.\nنقل الخونساري في كتاب \"روضات الجنات\" عن صاحب \"معالم العلماء\" أنه قال في ترجمة أبي نعيم: \"الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني عامي إلا أن له منقبة الطاهرين ومرتبة الطيبين\"، كما نقل عن محمد حسين الخاتون آبادي قوله: وممن أطلعت على تشيعه من مشاهير علماء العامة هو الحافظ أبو نعيم\"٣ يريد بقوله \"عامي\" و\"من العامة\" أنه من أهل السنة٤.\n_________\n١ ابن منظور، لسان العرب ١٢/ ٤٢٦.\n٢ انظر: الخميني، تحرير الوسيلة ١/ ١١٨، ٢/ ١٤٦، ٢/ ١٣٦ و١/ ٣٥٢، ط: الثالثة ١٣٩٧ هـ.\n٣ ١/ ٢٧٣- ٢٧٤. اقتبسه د. علي ناصر فقيهي، انظر: مقدمته لكتاب الإمامة لأبي نعيم ص ١٦١.\n٤ انظر: تعليق د. علي ناصر فقيهي على ذلك في مقدمته لكتاب الإمامة ص ٢٦١ حاشية ١.","vol":"1","page":138},{"text":"وهذا علي أكبر الغفاري صاحب التعليقات على كتاب \"الكافي\" للكليني يصف من قدح في كتاب الكافي ومؤلفه بأنه من العامة؛ فيقول: \"أقول: هذه مقالات أساطين العلم، وأعلام الدين وعمد المذهب في شأن الكليني ومقامه الأسني فلا يفتنك قول أناس من أصاغر المتأخرين الذين أسلسوا للعصبية المذهبية قيادهم من \"العامة\" في قدح الكليني والتحامل على كتابه \"الكافي\"١ ولا يريد بالعامة سوى أهل السنة.\nوليس هذا شأن متقدمي الرافضة فحسب؛ بل سار على نهجهم متأخرجوهم ممن لهم فيهم مكانة عالية وتقدم في العلم والإمامة، ومن هؤلاء الآية العظمى عندهم، وأستاذ الحوزة والمرجع الديني الأعلى إمامهم خميني؛ إذ يقول في تقسيمات التقية: \"ومنها التقسيم بحسب المتقي منه، فتارة تكون التقية من الكفار وغير المعتقدين بالإسلام سواء كانوا من قبيل السلاطين والرعية، وأخرى تكون من سلاطين العامة وأمرائهم، وثالثة من فقهائهم وقضاتهم ورابعة من عوامهم، وخامسة من سلاطين الشيعة أو عوامهم، إلى غير ذلك.\nثم إن التقية من الكفار وغيرهم قد تكون في إيتان عمل موافقًا للعامة كما لو فرض أن السلطان ألزم المسلمين على العمل بفتوى أبي حنيفة\"٢.\nفأطلق لقب العامة وأراد به أهل السنة الذين يعد أبو حنيفة إمامًا من أئمتهم المشهورين.\nوقد أطلق الخميني لقب العامة على أهل السنة في نصوص أخرى، لا نطيل بنقلها هنا٣.\n_________\n١ انظر: مقدمته لكتاب الكافي ١/ ٨.\n٢ انظر: الرسائل، رسالة في التقية ص ١٧٥، \"ط. مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع ١٣٨٥ هـ\".\n٣ انظر: كشف الأسرار ص ١٧١- ١٧٢.","vol":"1","page":139},{"text":"يقول الدكتور الصباغ: \"ولو أردنا أن نناقض القائلين بهذه التسمية ونسألهم عن مسوغات إطلاق مثل هذا اللقب على من كان متبعًا لسنة رسول الله ﷺ لأعياهم الجواب، والحق أن هذه التسمية بهم ألصق؛ لأن العامي هو الذي يعطل عقله ويصدق كل ما يقال له، ولو كن مما يصادم الحسن١، كما تجد في أقوالهم التي يدعون بها العصمة لغير الأنبياء، وزعمهم أن هناك باطنًا للنصوص الدينية غير الظاهر، وأن هذا الباطن لا يعرفه إلا أئمتهم.\nإن هذا وأمثاله من العاقئد والسلوك هو الذي يجعل المتصف به جديرًا بأن يدعي عاميًا\"٢.\nوأما لقب \"الجمهور\"؛ فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرافضة أنهم يسمون أهل السنة \"الجمهور\"٣، والجمهور في اللغة: الرمل الكثير المتراكم، وجمهور كل شيء، معظمه، وجمهور الناس جلهم٤ والمراد به في إطلاق الرافضة عامة الناس وهو غير الأعيان والمتميزين فيهم؛ فهو بمعنى العامة عندهم ومرادف له.\nوالحق أنه لا مستند للرافضة في نبز أهل السنة بهذه الألقاب، إلا ما تكنه صدورهم من غل وحقد على أصحاب رسول الله ﷺ ومن اتبعهم بإحسان، وما أشبه قولهم هذا يقول أولئك القوم الذين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ٥، وهؤلاء قالوا: ليس عليهم في العامة سبيل واستباحوا منهم الأنفس والأموال والأعراض، يقول الخميني: \"والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في\n_________\n١ بل والنص أيضًا؛ فإن القوم لا عقل لهم صريح، ولا معهم نقل صحيح.\n٢ د. محمد لطفي الصباغ، أبو نعيم وكتابه الحلية ص ٤٩ حاشية \"٢\"، ط. الثانية ١٣٩٨ هـ.\n٣ انظر: الفتاوى ٣/ ١٨٦، وبيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٤٤.\n٤ ابن منظور: لسان العرب ٤/ ١٩٤.\n٥ سورة آل عمران آية ٧٥.","vol":"1","page":140},{"text":"إباحة ما أغتنم منهم وتعلق الخمس به؛ بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وجد وبأي وجه كان\"١.\nوالناصب -عندهم- كما تقدم لنا هو كل من تولى أبا بكر وعمر قال بإمامتهما وقدمهما في الخلافة والرتبة على علي ﵃ أجمعين، وهؤلاء هم أهل السنة وهم الذين يطلق عليهم الرافضة العامة والجمهور.\n٨- حشوية:\nوهذا اللقب من أشنع الألقاب التي نبزهم بها مخالفوهم، وهو بسكون الشين من:\nالحشو: وهو أن يودع الشيء وعاء باستقصاء، يقال: حشوته أحشوه حشوًا.. ويقال: فلان من حشوة بني فلان أي: من رذالهم، وإنما قيل ذلك؛ لأن الذي تحشى به الأشياء لا يكون من أفخر المتاع، بل أدونه٢.\nوفي \"اللسان\": \"والحشو من الكلام: الفضل الذي لا يعتمد عليه، وكذلك هو من الناس، وحشوة الناس رذالتهم. .. وفلان من حشوة بني فلان بالكسر: أي من رزالهم\"٣.\nوبفتح الشين من: حشا: والحشا الناحية٤، وحاشية كل شيء جانبه وطرفه٥.\nوهو في اصطلاح من أطلقه يراد به أحد المعاني الآتية:\n_________\n١ تحرير الوسيلة ١/ ٣٥٢.\n٢ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ٢/ ٦٤.\n٣ ١٤/ ١٨٠.\n٤ ابن فارس: مجمل اللغة ١/ ٢٣٥، ومعجم مقاييس اللغة ٢/ ٦٥.\n٥ ابن منظور، لسان العرب ١٤/ ١٨٠.","vol":"1","page":141},{"text":"١- يراد به العامة الذين هم حشور الناس١، ورذالتهم وجمهورهم، وهم غير الأعيان والمتميزين، وهم عند الشيعة والروافض السواد الأعظم من هذه الأمة، كما جاء في \"فرق الشيعة: للنوبختي\"؛ حيث نبز كل من لم يقل بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ بأنه من أهل الحشو: \"فلما قتل علي ﵁- التقت الفرقة التي كانت معه والفرقة التي كانت مع طلحة والزبير وعائشة -﵃- فصاروا فرقة واحدة مع معاوية بن أبي سفيان؛ إلا القليل منهم من شيعته٢ ومن قال بإمامته بعد النبي ﷺوهم السواد الأعظم وأهل الحشو وأتباع الملوك وأعوان كل من غلب؛ أعني الذين التقوا مع معاوية\"٣.\n٢- يراد به: رواة الأحاديث من غير تمييز لصحيحها من سقيمها:\nقال ابن الوزير: \"فإن الحشوية إنما سموا بذلك؛ لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ؛ أي: يدخلونها فيها وليست منها\".\nونقل عن صاحب كتاب٤ \"ضياء الحلوم\" قوله: \"إن الحشوية سموا بذلك لكثرة قبولهم الأخبار من غير إنكار\"٥.\nوقد بين ابن الوزير براءة أهل الحديث والسنة من هذا اللقب؛ فقال \"فأكثر عامة المسلمين لا يدرون من الحشوية؟ ولا يعرفون أن هذه النسبة غير\n_________\n١ انظر: ابن تيمية: منهاج السنة ٢/ ٤١٥- ٤١٦، \"بتحقيق محمد رشاد سالم، ط. المدني\".\n٢ لم يكن في الصحابة شيعة بالمعنى المتعارف عليه عند الرافضة.\n٣ ص٦، بتصحيح هـ. ريتر. \"ط. الدولة- استانبول ١٩٣١ م\".\n٤ وهو: محمد بن نشوان بن سعيد الحميري. انظر: الروض الباسم ١/ ١٢٠، \"ط. دار المعرفة - بيروت ١٣٩٩ هـ\".\n٥ انظر: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ١/ ١٢٠.","vol":"1","page":142},{"text":"مرضية ... ومن كان له أدنى تمييز عرف أن نقاد الحديث وأئمة الأثر هم أعداء الحشوية وأكره الناس لهذه الطائفة الغوية\"١.\nوقال أبو حاتم -أحمد بن حمدان- الرازي: \"ومن ألقابهم -أي: أهل السنة- الحشوية: لقبوا بذلك؛ لاحتمالهم كل حشو روي من الأحاديث المختلفة المتناقضة ... حتى قال فيهم بعض الملحدين: يروون أحاديث ثم يرون نقيضها، ولروايتهم أحاديث كثيرة مما أنكره عليهم أصحاب الرأي وغيرهم من الفرق في التشبيه٢ وغير ذلك فلقبولهم الحشوية بذلك\"٣.\n٣- يراد به معنى: التجسيم: كما نقل التهانوي عن السبكي أنهم سموا بذلك؛ لأن منهم المجسمة أو هم هم. والجسم حشو٤.\nونسب ابن القيم لجهله الجهمية أنهم لقبوا اهل السنة بذلك؛ لأنهم -بزعمهم- جعلوا ربهم حشو هذا الكون بإثباتهم له صفة الفوقية والاستواء وأنه في السماء٥.\nفهذه المعاني الثلاثة أو أحدها هي المسوغات التي اعتبرها مخالفوا أهل السنة وهم ينبزونهم بهذا اللقب الجائر.\nفعند الرافضة كل من لم يقل بإمامة علي بن أبي طالب ﵁ بعد الرسول ﷺ مباشرة فهو حشوي؛ أي: من عامة الناس وسقطهم.\n_________\n١ انظر: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ١/ ١٢٠.\n٢ يريد أحاديث الصفات، وأهل السنة لم يقولوا إلا بما صح عندهم منها آمنوا به واعتقدوا ما دل عليه، وما أنكر ذلك عليهم إلا معروف ببدعة.\n٣ انظر كتاب: الزينة، ملحق بكتاب: الغلو والفرق الغالية، للدكتور عبد الله سلوم السامرائي ص ٢٦٧.\n٤ كشاف اصطلاحات الفنون، محمد على الفاروقي، \"بتحقيق د. لطفي عبد البديع٢ / ١٦٧، ط. المؤسسة المصرية للتأليف\".\n٥ راجع: النونية بشرح الهراس ١/ ٣٣٣- ٣٣٤.","vol":"1","page":143},{"text":"وعند المعتزلة كل من أثبت الصفات، وأثبت القدر فهو من حشو الناس وعامتهم فلا يعتد بكلامهم في العقيدة؛ لأنهم لم يتعمقوا تعمقهم في التأويل، ولا ذهبوا مذاهبهم في الإنكار والتعطيل؛ فكل من آمن بظواهر النصوص وأثبت ما دلت عليه، ولم يشتغل بصرفها، وتأويلها، فهو عندهم حشوي بعيد عن التحقيق.\nوكذلك الأمر عند الأشاعرة والماتريدية؛ فكل من أثبت الصفات الخبرية ولم يؤولها ويصرفها عن ظاهرها، عدوه حشويًا، كما سيتضح لنا ذلك من ذكر نماذج من أقوال الفرق التي نبزت أهل السنة والأثر بهذا اللقب.\nالفرق التي نبزت أهل السنة بلقب \"الحشوية\" ونماذج من أقوالهم:\nيعد هذا اللقب من أكثر الألقاب ذيوعًا وورودًا في كتب مخالفي أهل السنة؛ وذلك لكثرة الفرق التي رمت أهل السنة به، فلا أدري أهو مما تواصوا به، أم تشابهت قلوبهم، فاتفقت أقوالهم على وصم أهل السنة والأثر به؟ وسأورد فيما يأتي ذكر الطوائف والفرق التي رمتهم بذلك مع ذكر نماذج من أقوالهم التي يتضح منها أنهم يعتبرون القول بما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة في باب الصفات حشوًا والقائلين بذلك حشوية.\n١- المعتزلة:\nوهو أول من تولي كبر ذلك؛ إذ أول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ عمرو بن عبيد١ \"٨٠- ١٤٤ هـ\" رئيس المعتزلة -فقيههم وعابدهم٢\n_________\n١ تقدمت ترجمته ص ٥٣.\n٢ وهناك رأي آخر يقول إن أول من أطلق لفظ \"الحشوية\" هو الحس البصري \"ت ١١٠ هـ\"، وأنه أطلقه على أناس كانوا يجلسون في حلقته فلما أنكر كلامهم قال: ردوهم إلى حشو الحلقة أو حشا الحلقة، وأقدم من وقفت عليه ذكر عليه: ابن النجار \"ت ٩٧٢ هـ\" في شرح الكوكب المنير ٢/ ١٤٧، ط. جامعة أم القرى، والسبكي فيما نقله عنه التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون ٢/ ١٦٧؛ لكن النص لم يبين لنا من هم هؤلاء الذين قال فيهم الحسن ذلك، ولا القول الذي قالوه حتى قال فيهم ما قال، وإن كان الكوثري ذكر أن هؤلاء الذين قال فيهم الحسن ذلك قوم من رعاع الرواة، وأنهم تكلموا بالسقط، ولا أدري من أين له ذلك؛ لأني لم أجد من ذكره غيره، لذا أعرضت عنه. انظر: تبيين كذب المفتري ص١١.","vol":"1","page":144},{"text":"فإنه ذكر له عن ابن عمر١ شيء يخالف قوله؛ فقال: \"كان ابن عمر حشويًا\"٢، وقال ابن العماد في \"ترجمته\": \"وكانت له جرأة فإنه قال عن ابن عمر: هو حشوي، -قال-: فانظر هذه الجرأة والافتراء عامله الله بعدله\"٣.\nوذكر ابن جرير عن الخليفة العباسي المأمون \"١٧٠- ٢١٨ هـ\" الذي تبنى قوله المعتزلة في خلق القرآن. أنه نبز مخالفيه بأنهم حشو رعاع فقال في كتابه إلى إسحاق بن إبراهيم٤ في امتحان القضاة والمحدثين، وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظرله ولا روية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته. -إلى أن قال- وذلك أنهم ساووا بين الله ﵎ وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا مجتمعين، واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه\"٥.\nوظل المعتزلة يتوارثون نبز أهل السنة والحديث بلقب \"الحشوية\" في مؤلفاتهم ومقالاتهم؛ فما هو القاضي عبد الجبار مؤلف أهم مصنفات المعتزلة التي وصلت إليها بعد كتاب \"الانتصار للخياط\" يصم أهل السنة بهذا اللقب\n_________\n١ هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل.\n٢ ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٤٤، وانظر: منهاج السنة ٢/ ٤١٦، ط. المدني، والفتاوي ٣/ ١٨٦.\n٣ شذرات الذهب ١/ ٢١١.\n٤ وهو: إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعي أمير بغداد، على يده امتحن العلماء بأمر المأمون في خلق القرآن. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. الذهبي، سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧١.\n٥ تاريخ الأمم والملوك ٨/ ٦٣٢، \"بتحقيق أبي الفضل إبراهيم، دار سويدان - بيروت\".","vol":"1","page":145},{"text":"كلما عنت له سانحة فيقول في \"شرح الأصول الخمسة\": \"فقد ذهبت الحشوية والنوابت١ من الحنابلة إلى أن هذا القرآن المتلو في المحاريب، والمكتوب في المصاحف غير مخلوق ولا محدث\"٢.\nويقول فيه أيضًا: \"فلسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف، وأن المكلفين يكلفون اجتيازه والمرور به؛ فمن اجتازه فهو من أهل الجنة\"٣.\nويقول في كتاب آخر له: \"وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٤ لا يدل على ما تقوله الحشوية في أنه تعالى يرى يوم القيامة بأن يرفع عنه الحجب للمؤمنين فيروه\"٥.\nويقول في مصنف ثالث: \"واعلم أن القوم على فرق؛ ففيهم من يجعل كلام الله هذا المسموع، وكذلك كلام أحدنا ما هو بهذه الصفة، ولكنه يقول في كلامه تعالى خاصة إنه غير مخلوق ولا محدث، ويقر في كلامنا بذلك فهؤلاء هم الحشوية، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل\"٦.\nفهذه أمثلة من كلامه في ذلك وإلا فالشواهد كثيرة، والمقصود بيان أنه يطلق لقب \"الحشوية\" على \"أهل السنة والجماعة\"؛ لأنهم هم أصحاب الأقوال التي عدها حشوًا.\n_________\n١ سيأتي تعريفها والكلام على نبز أهل السنة بذلك. انظر ص ١٥١.\n٢ ص٥٢٧.\n٣ ص٧٣٧.\n٤ سورة المطففين آية ١٥.\n٥ انظر: متشابه القرآن ص٦٨٣، \"بتحقيق عدنان زرزور، نشر: دار التراث بالقاهرة\".\n٦ انظر: المحيط بالتكليف ص٣٠٨، \"بتحقيق عمر السيد عزمي، نشر: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر\".","vol":"1","page":146},{"text":"٢- الرافضة:\nوقد تقدم نقل كلام النوبختي في ذلك، وكلام أحمد بن أبي حاتم صاحب كتاب \"الزينة\"١.\n٣- الأشاعرة:\nفقد تلقوا هذه التركة عن المعتزلة؛ فنراهم يتابعونهم على ما درجوا عليه من نبز أهل السنة والأثر بهذا اللقب الجائر، وهذه ثلثة من أقوالهم في ذلك:\nيقول أبو المعالي الجوني: \"وذهبت الكرامية وبعض الحشوية إلى أن الباري تعالى عن قولهم متحيز مختص بجهة فوق\"٢.\nوقصد بالحشوية من أثبت الفوقية لله ﷿ وهم أهل السنة والحديث كما أشار المحقق في الحاشية٣.\nوإن كان أهل السنة والحديث لم ينطقوا بلفظ التحيز والجهة نفيًا ولا إثباتًا كما هو منهجهم؛ وإنما أثبتوا لله ما اثبته لنفسه من الفوقية.\nوهذا الإمام الغزالي \"٤٥٠- ٥٠٥ هـ\" يجعل من أثبت رؤية الله ﷿ من جهة حشويًا٤.\nوالآمدي \"٥٥١- ٦٣١ هـ\" يعد من قال بقول أهل السنة في الإيمان حشويًا فيقول: \"وبهذا يتبين فساد قول الحشوية: إن الإيمان هو: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان\"٥.\n_________\n١ راجع ص ١٤٢، ١٤٣.\n٢ الإرشاد ص٣٩.\n٣ نفس المصدر والصفحة حاشية رقم \"٤\".\n٤ انظر: الاقتصاد ص٤٨.\n٥ انظر: غاية المرام في علم الكلام، \"بتحقيق حسن محمود عبد اللطيف ص٣١١، ط. القاهرة ١٣٩١ هـ\".","vol":"1","page":147},{"text":"وعد محقق الكتاب الآمدي غير موفيق في تسمية أهل السنة والحديث بالحشوية١. وهو كما قال.\nوهذا حامل لواء الأشعرية في العصر الحديث محمد زاهد الكوثري \"١٢٩٦- ١٣٧١ هـ\" يقول في تعليقه على كتاب \"الرد على أهل الأهواء والبدع\"، للملطي: نفى أن يكون الله متمكنًا في السماء مذهب أهل الحق وكذا نفي الفوقية الحسية؛ بخلاف معتقد الحشوية\"٢ يقصد أهل السنة فإنهم هم الذين يعتقدون الفوقية الحسية لله ﷿.\nوفي مقدمته لكتاب \"السيف الصقيل\" ينبز أئمة السلف -الذين يدعون ابن تيمية إلى تقرير عقيدتهم- بأنهم \"حشوية\"٣، وكلامه في ذلك كثير في تعليقاته على \"السيف الصقيل\" و\"الرد على أهل الأهواء\" و\"تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري\" لابن عساكر.\n٤- الماتريدية:\nوهي صنو الأشعرية، وشريكتها في إرث تركة المعتزلة، ورمي أهل السنة بألقاب السوء، وها هو شيخ الماتريدية ومؤسسها الأول أبو منصور الماتريدي يصم من يعد الأعمال داخلة في مسمى الإيمان بأنه حشوي فيقول في تعريف الإرجاء: \"ثم اختلف في المعنى الذي سمى به من سمى مرجئًا بعد اتفاق أهل اللسان على الإرجاء أنه التأخير\".\nقالت: \"الحشوية\": سميت المرجئة بما لم يسموا كل الخيرات\n_________\n١ نفس المصدر السابق والصفحة حاشية ٣.\n٢ انظر: الرد على أهل الأهواء والبدع ص٩٧ حاشية ١.\n٣ انظر: السيف الصقيل للسبكي. مقدمة الكوثري ص٥ قال فيها: إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق حراني -يقصد: شيخ الإسلام ابن تيمية- تجرد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية\".","vol":"1","page":148},{"text":"إيمانًا\"١.\n٥- الخوارج:\nنسب ذلك إليهم الإمام أحمد بن حنبل؛ فقال في كتاب \"السنة\" في معرض حديثه عما أحدثه أهل الأهواء والبدع والخلاف من أسماء شنيعة قبيحة سموا بها أهل السنة؛ فقال: \"وأما الخوارج فيسمون أهل السنة: نابتة وحشوية\"٢.\nوللرد على هؤلاء جميعًا نقول:\nأولًا: إن هذا اللقب لقب مبتدع ما أنزل الله به من سلطان؛ فليس هو في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولا نطق به أحد من سلف الأمة وأئمتها نفيًا ولا إثباتًا؛ فالذم به ذم للناس بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان بل هو من قبيل التنابز بالألقاب المنهي عنه٣.\nثانيًا: إن الطائفة إنما تتميز باسم رجالها أو بنعت أحوالها؛ فالأول كما يقال: الجهمية، نسبة للجهم بن صفوان، والكلابية، نسبة لابن كلاب، والأشعرية، نسبة للأشعري، والثاني: كما يقال: الرافضة، لرفضهم زيد بن علي، والقدرية لقولهم بالقدر، والمرجئة لقولهم بالإرجاء في الإيمان، أما لفظ الحشوية فليس فيه ما يدل على شخص معين ولا مقالة معينة٤.\nثالثًا: أنكم نبزتم أهل السنة بهذا اللقب؛ لأنهم بزعمكم يرون الأحاديث بلا تمييز ولا إنكار. وهذا خلاف الواقع، فإن أهل الحديث والسنة هم الذين اختصوا بالذب عن السنة، وميزوا صحيحها من سقيمها، ثم إنكم أيها.\n_________\n١ انظر: كتاب التوحيد، لأبي منصور الماتريدي، ص٣٨١ \"بتحقيق د. فتح الله خليف، المكتبة الإسلامية - تركيا\".\n٢ ص٤٠.\n٣ راجع ابن تيمية، الفتاوى ٤/ ١٤٦.\n٤ راجع منهاج السنة ٢/ ٤١٤ بتصرف ط. المدني.","vol":"1","page":149},{"text":"المخالفون أحق بهذا اللقب؛ لأنكم تستشهدون لمهبكم بما يؤيده من الأحاديث وإن كان ضعيفًا أو موضوعًا عند أهل الفن؛ ولأنكم تحشون أقوالكم ومصنفاتكم بالكلام الذي لا تعرف صحته، بل يعرف بطلانه لمخالفته لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nرابعًا: أما معنى التجسيم الذي نبزتم أهل السنة بالحشو لأجله؛ فإنه ليس في قول أهل السنة تجسيم؛ لأنهم إنما أثبتوا لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات، مع نفي المشابهة والمماثلة للمخلوقات، ثم إن لفظ التجسيم عندهم من الألفاظ المبتدعة فلم ينطقوا به نفيًا ولا إثباتًا.\nخامسًا: إنه ينبغي أن ينظر في الموسومين بهذا الاسم وفي الواسمين لهم به أيهما أحق. وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة، كما ذكر العلماء -كأبي حاتم وغيره- أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوية١.\nيكفي أن نعرف أن أول الواسمين به هو عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة كما تقدم، وأن أول الموسومين به هو \"عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄\" الصحابي الجليل. ثم أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة ﵀ عليه؛ لتعلم منزلة الواسم والموسوم.\nفعمرو بن عبيد رأس في البدعة والاعتزال، وعبد الله بن عمر صحابي ابن صحابي. من أكثر الصحابة رواية وحفظًا لسنة رسول الله ﷺ؛ وبذلك نقم عليه ابن عبيد، وعده حشويًا لكثرة روايته؛ لأن المعتزلة أعداء الحديث والأثر، والإمام أحمد هو من هو في الإمامة والتقديم في العلم والسنة.\nثم ورث كلا من الواسم والموسم اتباعه ومن هم على نهجه، فورث عمرو بن عبيد في نبز أهل السنة بهذا اللقب، أهل البدعة والخلاف، وورث\n_________\n١ انظر: ابن تيمية، الفتاوى ٤/ ٨٨.","vol":"1","page":150},{"text":"عبد الله بن عمر والإمام أحمد أهل السنة والجماعة وأني يستوي الإرثان١؛ هذا إرث هدي وسنة، وذاك إرث ضلالة وبدعة.\n٩- نابتة أو نوابت:\nوهو لغة: من النبت، والنابت من كل شيء: الطري حين ينبت صغيرًا ... ونبتت لهم نابتة: إذ نشأ لهم نشأ صغار، وإن بني فلان لنا بتة شر، والنوابت من الأحداث: الأغمار٢.\nواصطلاحًا: لقب أطلقه أهل الكلام على أهل الستة والأثر، يعنون أنهم أحداث أغمار: لا خبرة لهم بعلم الكلام ولا دراية لهم به، وأنهم نابتة شر نبتوا في الإسلام بأقوال بدعية٣ لقولهم بما دلت عليه الأحاديث والآثار. التي يزعم أهل الكلام أن القول بها يقضي إلى التشبيه والتجسيم.\nمن أطلق هذه اللقب:\nهذا اللقب من الألقاب التي يكثر أهل الكلام من رمى أهل السنة بها.\n١- فالمعتزلة: من أولى الفرق التي وصمتهم به، يقول الخياط: \"إن أبا الهذيل لما صح عنده أن الله عالم في الحقيقة وفسد عنده أن يكون عالمًا بعلم على ما قالته النابتة\"٤.\nفجعل الذين يقولون: إن الله عالم بعلم، وهم أهل السنة \"نابتة\"٥.\n٢- الخوارج: نسب إليهم الإمام أحمد في \"السنة\" أنهم سموا أهل السنة \"نابتة\"٦.\n_________\n١ انظر: شرح النونية للهراس ١/ ٣٣٥، \"ط. الفاروق الحديثة - مصر\".\n٢ انظر: لسان العرب ٢/ ٩٦.\n٣ وانظر: شرح النونية للهراس ١/ ٣٣٦.\n٤ انظر: الانتصار ص ٥٩.\n٥ ص ٤٠، وانظر: ص ١٤٩ من هذا المبحث.\n٦ انظر: ابن منظور، لسان العرب ١٥/ ١١٥- ١١٦.","vol":"1","page":151},{"text":"١٠- غثاء، وغثراء:\nفالغثاء: ما يحمله السيل من القمش وهو أيضًا الزبد والقذر١.\nويقال لسفلة الناس: الغثاء تشبيهًا بما ذكر٢.\nوالغثراء: قال ابن فارس: الغين والثاء والراء يدل على تجمع من ناس غير كرام، يقولون: الغثراء: سفلة الناس٣.\nوهذا المعنى اللغوي لكل من اللفظين، هو ما لحظه أهل الكلام عندما نبزوا أهل السنة بهما؛ فعندهم أن أهل السنة سفلة الناس ويقطهم، فهم كالغثاء الذي لا نفع فيه.\nوهذا معنى وملحظ مشترك بن كثير من الألقاب التي أطلقها أهل الكلام على أهل السنة والأثر كما تقدم.\nوبعد؛ فكل هذه الألقاب ألقاب مبتدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يلحق أهل السنة والأثر شيء منها عند التحقيق؛ فإن أهل السنة هم خيار الناس وأفاضلهم لاتباعهم في أمور دينهم سنة نبيهم ﷺ وآثار السلف الصالح، وابتعادهم عن الابتداع والبدعة والقول في دين الله بغير دليل من كتاب أو سنة أو إجماع؛ بخلاف أهل البدع الواسمين لهم بهذه الألقاب؛ فإنهم أصحاب فرقة وخلاف وابتداع، ومن علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر والحط عليهم والنيل منهم بغير حق، للإزراء بهم والتنفير منهم. والله يحكم بين الجميع يوم لقائه، وسيعلم الذين ظلموا حينئذ أي منقلب ينقلبون؟\n_________\n١ انظر: ابن منظور، لسان العرب ١٥/ ١١٥-١١٦\n٢ انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤١٣.\n٣ نفس المصدر ٤/ ٤١٢.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الباب الأول: وسطية هذه الأمة بين الأمم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>بين يدي هذا الباب:</span>\nقبل بدء القول في فصول هذا الباب ومباحثه أود أن أوضح ثلاثة أمور يحسن أن نلقي الضوء عليها.\nالأمر الأول: علاقة وسطية هذه الأمة بوسطية أهل السنة.\nالأمر الثاني: معاني الأمة والمراد منها في موضوعنا.\nالأمر الثالث: التذكير بمعنى الوسطية والتركيز على معنى الوسطية المثبتة لهذه الأمة.\nفأما الأمر الأول: وهو العلاقة بين وسطية هذه الأمة ووسطية أهل السنة\nفاعلم أن وسطية أهل السنة والجماعة في هذه الأمة؛ إنما هي في حقيقتها امتداد الوسطية هذه الأمة وعدالتها وخيرتها؛ بل إن أهل السنة الذين هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان من هذه الأمة على ما كانوا عليه من الهدي والتمسك بالكتاب والسنة هم النموذج لهذه الأمة، التي أثنى الله عليها خيرًا فقال: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١.\nوقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٤٣.","vol":"1","page":155},{"text":"الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١.\nفعند تنزل هذه الآية الكريمة، كان أصحاب رسول الله ﷺ هم الأمة؛ ولذلك قال السلف إن المراد بـ \"الأمة\" الصحابة عامة، أو بعض فئات منهم٢.\nفالحصابة رضوان الله عنهم، ثم من اتبعهم واقتدى بهم واهتدى بهديهم ممن جاء بعدهم من القرون يمثلون الأمة الوسط المذكورة والمعنية في الآية الكريمة.\nثم لما بدأ التفرق والخلاف في هذه الأمة في أواخر عهد الصحابة لعوامل كثيرة -سنعرض لها في موضعها إن شاء الله تعالى- انحرف أكثر فرق الأمة عن الصراط المستقيم، وأخذت بهم السبل ذات اليمين وذات الشمال. بين غال، وجاف، ومفرط ومفرد، فانحطت وسطية هذه الفرق بقدر إفراطها وتفريطها وغلوها وجفوها، وبقدر ما ابتعدت عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، على أنه لا يزال اسم الأمة يصدق على الجميع لقوله ﷺ في حديث الافتراق: \"وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة\" ٣؛ فجعلهم جميعًا أمته مع تفرقهم وكونهم في النار إلا واحدة، كما أخبر ﷺ.\nولا يزال فيهم من الخير والوسطية والعدالة أكثر مما في غيرهم من فرق الأمم السابقة؛ فعموم الوسطية ثابت لهم على غيرهم؛ لأن كل شر فيهم فهو في غيرهم من فرق الأمم السابقة أكثر وأعظم، وكل خير وفضل في فرق الأمم السابقة؛ ففي فرق هذه الأمة ما هو خير منه وأعظم.\nفالخيرية والوسطية ثابتة لهذه الأمة على سائر الأمم، وخير هذه الأمة\n_________\n١ سورة آل عمران آية ١١٠.\n٢ أخرج ذلك الإمام ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس وعمر بن الخطاب وعكرمة ﵃ \"٧/ ١٠١- ١٠٢\".\n٣ تقدم تخريجه. انظر: ص ٤٨.","vol":"1","page":156},{"text":"وأوسطها وأعدلها أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم لقوله ﷺ: \"خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" ١؛ فهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل\"٢.\nفكل خير وفضل وعدل ثبت لهذه الأمة فلأهل السنة والجماعة منه الحظ الأوفر والقدح المعلي.\nوعندما نثبت وسطية هذه الأمة، وخيرتها وعدالتها؛ فإنما نثبت كل ذلك لأهل السنة بطريق الأولى؛ لأنهم خير هذه الأمة وأوسطها. وهم الطائفة التي تتحقق فيها الوسطية المطلقة لهذه الأمة.\nالأمر الثاني: معنى الأمة\nيأتي لفظ \"أمة\" في لغة العرب لعدة معاني:\nأحدها: أنها بمعنى الشريعة والدين.\nومنه قوله ﷿: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ٤.\nالثاني: بمعنى: الرجل الذي لا نظير له:\nومنه قوله ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ ٥.\nالثالث: بمعنى: الحين من الزمن:\n_________\n١ تقدم تخريجه. انظر ص ٩٧.\n٢ انظر: الفتاوى ٤/ ١٤٠.\n٣ سورة الزخرف آية ٢٢.\n٤ سورة البقرة آية ٢١٣.\n٥ سورة النحل آية ١٢٠.","vol":"1","page":157},{"text":"ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة﴾ ١، قال الفراء: \"أي: بعد حين من الدهر\"٢.\nالرابع: بمعنى: الجماعةمن الناس وغيرهم:\nفأما بمعنى الجماعة من الناس:\nفمنه قوله ﷿: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ٤. وقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٦، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٧.\nوأما الجماعة من غير الناس:\nفمنه قوله ﷿: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٨، وقوله ﷺ: \"لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها\" ٩، ١٠.\n_________\n١ سورة يوسف ىية ٤٥.\n٢ ابن منظور، لسان العرب ١٢/ ٢٧.\n٣ سورة القصص: آية ٢٣.\n٤ سورة البقرة: آية ١٢٨.\n٥ سورة البقرة: آية ١٣٤.\n٦ سورة البقرة: آية ١٤٣.\n٧ سورة آل عمران: آية ١١٠.\n٨ سورة الأنعام: آية ٣٨.\n٩ ت: كتاب الأحكام والفوائد، باب ما جاء في قتل الكلاب ٤/ ٧٨، ح ١٤٨٦، من حديث عبد الله بن مغفل، وقال الترمذي: حديث عبد الله ابن مغفل حسن صحيح ٤/ ٧٩، وقال الألباني: صحيح انظر: صحيح جامع الترمذي ٢/ ٨٥، ح ١٢٠١.\n١٠ انظر هذه المعاني في: لسان العرب ١٢/ ٢٢- ٢٧ مادة: \"أمم\".","vol":"1","page":158},{"text":"المراد بالملة في الاصطلاح الشرعي:\nيراد بالملة في لسان الشارع. أحد أمرين:\nالأول: أمة الدعوة.\nالثان: أمة الإجابة.\nيقول الإمام النووي ﵀: \"لفظ الأمة يطلق على معان منها:\n١- من صدق النبي ﷺ، وآمن بما جاء به، وتبعه فيه وهذا هو الذي جاء مدحه في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة﴾، وكقوله ﷺ: \"شفاعتي لأمتي\" ١ وقوله: \"تأتي أمتي غرًا محجلين\" ٢ وغير ذلك.\n٢- ومنها: من بعث إليهم النبي ﷺ من مسلم وكافرِ، ومنه قوله ﷺ \"والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار\" رواه مسلم في \"صحيحه\" في كتاب الإيمان٣، ٤.\nفالمراد بالأمة الوسط في قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أمة الإجابة، وهم كل من أجاب دعوة الرسول ﷺ، وآمن به واتبعه، على تفاوت بينهم في الإصابة من هذا الثناء كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.\n_________\n١ خ: كتاب التوحيد، باب المشيئة والإرادة ١٣/ ٤٤٧، ح ٧٤٧٤.\n٢ خ: كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء ١/ ٢٣٥، ح ١٣٦، من حديث أبي هريرة ﵁.\n٣ باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل ١/ ١٣٤، ح ٢٤٠ من حديث أبي هريرة ﵁.\n٤ انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١١.","vol":"1","page":159},{"text":"الأمر الثالث: معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة\nتقدم في أول التمهيد شرح معنى الوسط والتوسط في اللغة، وفي لسان الشرع، وأريد هنا أن أبين معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١.\nفالذي يتلخص لنا مما تقدم٢ أن للوسطية المشار إليها في الآية الكريمة ثلاثة معان:\nالمعنى الأول: العدالة\nوهذا المعنى نص عليه النبي ﷺ في تفسير هذه الآية فقال: بعد أن تلا الآية: \"والوسط: العدل\"٣. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: عدولًا\"٤. وروي هذا التفسير موقوفًا عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما٥.\nولذلك جعل الله هذه الأمة شاهدة على الناس، ورتب هذه الشهادة على كونها وسطًا؛ أي: عدلًا؛ إذ العدالة من شروط قبول الشهادة.\nوالوسط في حقيقته يتضمن معنى العدل؛ وإنما سمي العدل: \"وسطًا\"؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين.\n\"فالوسط في الأصل: هو اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٤٣.\n٢ انظر: ص ١٥ وما بعدها.\n٣ خ: كتاب التفسير، سورة البقرة ٨/ ١٧١ ح، وهو طرف من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وسيأتي بتمامه.\n٤ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٣/ ١٤٣، ح ٢١٦٨.\n٥ نفس المصدر ٣/ ١٤٤- ١٥٤.","vol":"1","page":160},{"text":"الجوانب في المدور، ومن الطرفين في المطول، كمركز الدائرة ولسان الميزان من العمود، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط\"١.\nفكما أن جميع الجهات تتساوى أبعادها بالنسبة للوسط؛ فكذلك العدل يتساوى لديه الخصمان ولا يميل إلى إحداهما. فإذا مال لم يكن عدلًا ولا وسطًا.\nالمعنى الثاني: الخيرية\nفمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: خيارًا. قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: \"يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة عإبراهيم علي السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكل بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا؛ أي: خيراها، وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه؛ أي: أشرفهم نسبًا\"٢ فالوسط من كل شيء خياره، وقد تقدم ذلك في معاني الوسط في الغلة في أول التمهيد٣.\nوقد أخبر الله ﷿ عن خيرية هذه الأمة بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٤.\nالمعنى الثالث: أن الوسط في الآية بمعنى الاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط:\nوهذا المعنى اختاره الإمام ابن جرير الطبري في تفسير الآية فقال: \"وأنا أرى أن \"الوسط\" في هذا الموضع، هو الوسط الذي بمعنى: الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل \"وسط الدار\" محرك الوسط مثقله، غير جائز في \"سينه\".\n_________\n١ أبو البقاء: الكليات ٥/ ٣٩.\n٢ تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٧٥.\n٣ انظر: ص ١٥ وما بعدها.\n٤ سورة آل عمران آية ١١٠.","vol":"1","page":161},{"text":"التخفيف، قال: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم \"وسط\"؛ لتوسطهم في الدين؛ فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهيب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذا كان أحب الأمور إلى الله أوسطها\"١.\nوكل من هذا المعاني الثلاثة صحيح، والآية صالحة للجميع، وهي معان متلازمة مترابطة؛ فالعدول، لا يكونون إلا خيارًا، بل لا تتوفر العدالة إلا في خيار الناس لا في فساقهم وسفلتهم فإنهم ليسوا مظنة عدالة.\nوالخيار لا بد أن يتصفوا بالعدالة؛ فإذا كانوا ظلمة جائرين فليسوا بخيار.\nوأما التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وبين الغلاة، والجفاة، فإنه عدل واعتدل. وهو خير من الميل إلى أحد الطرفين المذمومين.\nوهذه الأمة أمة وسط بين الأمم بكل ما تدل عليه كلمة \"وسط\" من معنى؛ فهي خير الأمم وأفضلها وأشرفها وأكملها كما أخبر الله بذلك عنها، وهي أعدل الأمم ولذلك أعدها الله لتكون شاهدة على الناس، وهي آخذة بمركز الوسط بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير.\nولتفصيل هذه المعاني الثلاثة للوسطية، جعلت هذا الباب في ثلاثة فصول:\nالأول: في عدالة هذه الأمة.\nالثاني: في خيرية هذه الأمة وفضلها.\nالثالث: في اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط والغلو والتقصير.\n_________\n١ جامع البيان ٣/ ١٤٢.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل الأول: عدالة هذه الأمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الأول: العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>أولا: وجوب العدل على هذه الأمة</span>\n...\nالفصل الأول: عدالة هذه الأمة\nالمبحث الأول: وجوب العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به\nأولًا: وجوب العدل على هذه الأمة\nالعدل من الأسس والقيم التي جاءت بها جميع الشرائع السماوية؛ فأنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ١؛ أي: بالعدل.\nفما من كتاب أنزل، ولا رسول أرسل إلا أمر أمته بالعدل، وأوجبه عليها، والأمم في ذلك ما بين طائع آخذ منه بنصيب، وحائد مائل عن العدل والقسط لجهل أو هوى. والرسل ما تزال ترسل تجدد ما اندرس، وتذكر الناس بما نسوا إلى أن ختمت الرسالات بخاتم الأنبياء نينا محمد ﷺ.\nولما كانت هذه الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات، والنبي ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، وهذه الأمة خاتمة الأمم، والأمة التي جعلها الله شاهدة على الناس، قيمة على البشرية، تبلغها دين الله، وتشهد لها بالإيمان أو عليها بالكفر والعصيان. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فقد كان العدل من أهم ما يجب على هذه الأمة؛ بل هو من أعظم ما يميزها عن الأمم.\nولم يكتف الحق ﵎ بإيجاب العدل على هذه الأمة؛ بل أراد\n_________\n١ سورة الحديد آية ٢٥.","vol":"1","page":165},{"text":"منها أن تجعله خلقًا من أخلاقها، وصفة من صفاتها، وصبغة تصطبغ بها من دون الناس؛ فأمرها أن تكون قائمة بالعدل؛ بل قوامة به بين الناس، لله ﷿، لا لأي شيء آخر، فلا تحابي فيه قريبًا لقرابته، ولا تضار عدوًا لعداوته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.\nقال الإمام ابن جرير في تفسير هذه الآية: \"يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله، وبرسوله محمد -ﷺ- ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل، في أولياءكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وافعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي، وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم؛ ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري\"٢.\nوقال الحافظ ابن كثير: \"أي: كونوا قائمين بالحق لله ﷿، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا شهداء بالقسط؛ أي: بالعدل لا بالجور، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًا\"٣.\nوقال في موضع آخر: \"أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل؛ فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال\"٤.\nفالعدل الذي أمرت به هذه الأمة، حق عام لكل أحد من الناس، لا يحجبه عن مستحقه شنئان ولا عداوة، ولا يحول دونه اختلاف لون ولا جنس بل\n_________\n١ سورة المائدة: آية ٨.\n٢ جامع البيان ١٠/ ٩٥.\n٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٥٨.\n٤ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٥٨.","vol":"1","page":166},{"text":"ولا دين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١.\nفالعدل حق لكل الناس جميع الناس، لا عدلًا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلًا مع أهل الكتاب دون سائر الناس؛ وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه \"إنسان\" فهذه الصفة -صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة التي يلتقي عليها البشر جيمعًا، مؤمنين وكفارًا، أصدقاء وأعداء، سودًا وبيضًا، عربًا وعجمًا، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل -متى حكمت في أمرهم-٢.\nالعدل واجب على هذه الأمة، ولو كان فيه مراغمة لعواطف البغض والعداوة، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وهو كذلك واجب، ولو كان فيه مراغمة لكافة عواطف الحب والمودة والقرابة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٣. والأمة مأمور بأن تقوم بالعدل والقسط والشهادة لله وليس لأحد سواه، وأن يكون ذلك منها بدون اعتبار لدوافع الحب والولاء والقرابة، أو البغضاء والشنئان والعداوة؛ لأنهما إنما تقوم بالعدل والقسط بين الناس لله وبأمر الله.\nولاعدل بهذه الصورة الشاملة، لم تعرفه البشرية قط إلا على يد هذه الأمة، ولم تنعم به البشرية قط إلا تحت حكم الأمة المسلمة.\n_________\n١ سورة النساء آية ٥٨.\n٢ سيد قطب، في ظلال القرآن ٢/ ٤١٤.\n٣ سورة النساء آية ١٣٥.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثانيًا: قيام هذه الأمة بالعدل</span>\nلم يكن العدل في حياة هذه الأمة المحمدية الخاتمة مجرد مثل عليا، أو وصايا تفخر بها، دون ممارسة أو تطبيق؛ ولكنه كان واقعًا عاشته هذه الأمة ومارسته، وطبقته في واقع حياتها، على مر تاريخها الطويل، على تفاوت في ذلك التطبيق يبين زمان وزمان، ودولة ودولة، وحسب اشتعال جذوة الإيمان في قلوب الحاكمين وخبوئها؛ غير أنه مما يقطع به أنه لم يخل زمان ممن يقيم الحق والعدل ويقوم بالقسط ويحكم به من هذه الأمة.\nوحسبنا أن نذكر فيما يلي صورًا من عدل هذه الأمة فيما بينهان ومع أعدائها وخصومها، وأهل ذمتها وسنختار هذه الصورة من واقع الأمة من خلال تاريخها الطويل. ليعلم أن هذه الأمة لم تزل قائمة بالقسط بين الناس شاهدة به على الناس لله، وأنها جديرة بأن تكون الأمة الوسط الشاهدة على البشرية.\nوأولى هذه الصور تعيضها مع سيد الخلق وإمام العادلين نبينا محمد ﷺ، إمام هذه الأمة ومعلمها الخير، وهو يضرب أروع الأمثلة ويلقن أمته أبلغ دروس العدل والإنصاف والمساواة.\nفها هو ﷺ يقيد أحد أصحابه من نفسه في طعنة طعنها إياه بالقدح في بطنه أثناء تسويته الصف للقتال، روى ابن إسحاق أنه ﷺ: \"عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يديه قدح١ يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية٢ وهو مستنتل٣ من الصف، قال ابن هشام: -ويقال: مستنصل٤ من الصف -فطعن\n_________\n١ القدح \"بكسر القاف وسكون الدال\": السهم. لسان العرب ٢/ ٥٥٦.\n٢ هو: سواد بن غزية الأنصاري من بني عدي بن النجار. المشهور أنه بتخفيف الواو وحكى السهيلي تشديدها، شهد بدرًا، وأمره النبي ﷺ على خيبر. انظر: ابن حجر، الإصابة ٢/ ٩٥، ترجمة ٣٥٨٢.\n٣ مستنتل: أي: متقدم؛ وهو بمعنى: خارج، يقال: استنتل؛ أي: خرج وتساتل الناس إذا خرجوا. انظر: لسان العرب ١١/ ٣٢٤، مادة \"ستل\".\n٤ مستنصل: أي: خارج من نصل؛ بمعنى: خرج سان العرب أيضًا ١١/ ٦٦٢ \"نصل\"، وابن الأثير: النهاية في غريب الحديث ٥/ ٦٦.","vol":"1","page":168},{"text":"في بطنه بالقدح، وقال: استويا سواد؛ فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه، وقال: \"استقد\" قال: فاعتنقه فقبل بطنه؛ فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله! حضر ما ترى؛ فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقاله، له\"١.\nوجاء يهودي يشتكي إليه أحد أصحابه قائلًا: يا محمد! إن لي على هذا أربعة دراهم، وقد غلبني عليها، قال: \"أعطه حقه\". قال -أي: الصحابي: والذي بعثك بالحق؛ ما أقدر عليها، قال: \"أعطه حقه\"، قال: والذي نفسي بيده؛ ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر؛ فأرجوا أن تغنمنا شيئًا فأرجع فأقضيه. قال: \"أعطه حقه\". وكان رسول الله ﷺ إذا قال ثلاثًا لم يراجع٢.\nوكان ﷺ يقيم حدود الله على من وجب عليه ذلك في عدل وِإنصاف لا تأخذه في الله لومة لائم ولا قرابة قريب أو مكانة شريف؛ فما هو ﷺيقسم- وهو الصادق المصدوق البار في قمسه: لو أن ابنته سرقت لأقام عليها الحد. لا يدرؤه عنها كونها ابنة محمد ﷺ. أخرج الإمام البخاري عن عائشة ﵂: أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ من يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ؛ فكلم رسول الله ﷺ فقال: \"أتشفع في حد من حدود الله؟ \" ثم قام: فخطب فقال: \"يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله؛ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها\" ٣.\n_________\n١ ابن هشام: السيرة ١/ ٦٢٦، \"بتحقيق مصطفى السقا وزملائه\".\n٢ حم ٣/ ٤٢٣.\n٣ خ: حدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السطان ١٢/ ٨٧، ح ٦٧٨٨.","vol":"1","page":169},{"text":"فإن قيل هذا محمد رسول الله ﷺ، ولا يستغرب منه مثل هذا العدل، ومن يعدل إن لم يعدل هو؟\nقلنا: وهذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ عمر بنا لخطاب ﵁، يهتدي بهدي رسول الله ﷺ، فيقيم العدل والقسط بين الناس يحكم بالحق لرجل يهودي على مسلم، ولم يحمله كفر اليهودي على ظلمه والحيف عليه. أخرج الإمام مالك من طريق سعيد بن المسيب١: أن عمر بن الخطاب ﵁ اختصم إليه مسلم ويهودي؛ فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضي له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق٢.\nوكان ﵁ يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس! إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم؛ إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم؛ فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد قام فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانًا ضربني مائة سوط. قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: \"أنا لا أقيد وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين\"٣، ولو لم يرضوه لأقاده ﵁.\nوجاءه رجل من أهل مصر يشكو ابن عمرو بن العصا واليه على مصر\n_________\n١ هو: سعيد بن المسيب بن حزن، عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁ وقيل: لأربع مضين منها بالمدينةز ومات سنة أربع وتسعين. الذهبي، سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧.\n٢ ط: كتاب الأقضية، باب الترغيب في القضاء بالحق ص ٧١٩، ح ٢.\n٣ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/ ٢٩٣- ٢٩٤. \"نشر: دار صادر ١٤٠٥ هـ\".","vol":"1","page":170},{"text":"قائلًا: \"يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذًا قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين؛ فكتب عمر إلى عمرو -﵄- يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب؛ فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس -راوي القصة: فضرب، فوالله؛ لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو. فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه. فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني١.\nفانظر إلى هذه الصورة الرابعة لعدالة هذه الأمة، رجل من عامة الناس وفي رواية أنه ذمي من أقباط مصر، يتظلم فيعطى حقه ويقاد من ابن الأمير يجاء به وبأبيه ليعطي الرجل حقه وينصف.\nثم انظر إلى الحاضرين من أصحاب النبي ﷺ كيف أحبوا ذلك وأبدوه؛ \"فوالله؛ لقد ضربه ونحن نحب ضربه\" لا تشفيا منه، ولا شماته بعمرو وابنه؛ فالقوم فوق ذلك وأبعد ما يكون عن التشفي والشماتة، ولكنهم جيل أحب العدل وعاشه وتربى عليه على يد رسول الله ﷺ؛ لذا فهو لا يطيق رؤية الجور ولا يقره في الأمة ولو كان على رجل مخالف لها في الدين، ويسعد لرؤية العدالة تعم الأمة ليؤخذ لضعيفها من قويها.\nفإن قيل: هذا الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر الفاروق، ومثله خليق بإقامة العدل في رعيته.\nقلنا: إليك صورة أخرى بطلها ليس بخليفة ولا أمير، ولكنه رجل من عامة\n_________\n١ ابن عبد الحكم: فتوح مصر والمغرب ص ٢٢٥- ٢٢٦، \"بتحقيق عبد المنعم عامر، نشر: لجنة البيان العربي بمصر\".","vol":"1","page":171},{"text":"أصحاب رسول الله ﷺ هو الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة١ يكل إليه النبي ﷺ خرص مزارع خيبر التي تركها ﷺ بيد اليهود؛ فيحاول يهود رشوته ليخفف عليهم في الخرص. فيشتد غضبه ﵁ أن ساوموه على أمانته وعدالته ويقول مخاطبًا إخوان القردة والخنازير: \"يا معشر اليهودي! أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله ﷿، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، وقد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي\". فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، وقد أخذنا فأخرج عنا٢، وفي رواية أنه قال لهم: \"لأنتم والله أبغض إلي من عدتكم من القدرة والخنازير\"٣.\nوأقر اليهود بعدله ونصفته، وأنه لم يحف عليهم كما ادعوا٤. ولكنهم قوم بهت!\nفإن قيل هذا صحابي جليل تربى على يد الرسول ﷺ وشاهد التنزيل؛ فليس ببدع أن يعدل ويحكم بالقسط إذ وكل إليه الحكم في أمر من الأمور.\nقلنا: لندع جيل الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم، جيل فريد، الأصل فيهم الخير والعدالة، ولنتجاوزهم إلى غيرهم ممن جاء بعدهم، فهذا شريح القاضي٥ يتحاكم إليه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين ورجل ذمي\n_________\n١ وهو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الشاعر المشهور، أحد الفقاء ليلة العقبة، شهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤته. ابن حجر، الإصابة ٢/ ٣٠٦.\n٢ حم: ٣/ ٣٦٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله رجال الصحيح ٤/ ٢٢.\n٣ البيهقي، كتاب المساقاة، باب المعاملة على النخل بشطر ما يخرج منها ٦/ ١١٤.\n٤ جاء في بعض الروايات أنهم اشتكوا إلى النبي ﷺ حيف عبد الله عليهم في الحرص، انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ١١٤.\n٥ هو: شريح بن الحارث بن قيس الكندي، قاضي الكوفة، كان يكنى أبا أمية، توفي سنة ثمان أو تسع وسبعين، وقد عاش مائة وثمانين سنين. ترجمته في: \"بقات ابن سعد ٦/ ١٣١، والحلية، لأبي نعيم ٤/ ١٣٢، وسير أعلام النبلاء ٤/ ١٠٠.","vol":"1","page":172},{"text":"فيحكم شريح يرحمه الله للذمي على أمير المؤمنين؛ فقد أخرج البيهقي بسنده عن الشعبي؛ قال: خرج علي بن أبي طالب ﵁، إلى السوق، فإذا هو بنصراني١ يبيع درعًا قال: فعرف علي ﵁ الدرع، فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، قال: فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء وأجلس عليًا ﵁ في مجلسه، وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني؛ فقال له علي ﵁: يا شريح لو كان خصمي مسلمًا لقعدت معه مجلس الخصم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تصافحوهم، ولا تبدؤهم بالسلام ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا عليهم، ولجوهم إلى مضايق الطرق، وصغروهم كما صغرهم الله٢\"، اقض بيني وبينه يا شريح. فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: فقال علي ﵁: هذه درعي ذهبت مني منذ زمان قال: فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ قال: فقال: ما أكذب أمير المؤمنين؛ الدرع هي درعي، فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده فهل من بينة؟ فقال علي ﵁: صدق شريح. قال: فقال النصراني: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمينن درعك. اتبعتك من الجيش وقد زلت عن جملك الأورق؛ فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قال: فقال علي ﵁: أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس عتيق، قال فقال الشعبي: لقد رأيته يقاتل المشركين٣.\n_________\n١ وفي رواية: يهودي. انظر: الحلية لأبي نعيم ٤/ ١٣٩.\n٢ في قوله ﷿: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، سورة التوبة آية ٢٩.\n٣ السنن الكبرى، كتاب آداب القاضي، باب إنصاف الخصمين ١٠/ ١٣٦.","vol":"1","page":173},{"text":"وهذا النص يبين لنا كيف كان قضاة المسلمين يصدرون أحكامهم العادلة فيما يعرض عليهم من قضايا في حرية تامة، لا تأخذهم في إقامة العدل لومة لائم، الأمير والحقير، والقوي والضعيف كل أمام القضاء سواء؛ لذا حكم شريح على أمير المؤمنين ﵁ للنصراني بما رآه حقًا، وأمير المؤمنين ﵁ يرضي بالحكم ويصدق شريحًا على صحة ما قضى به؛ لأنه حكم بمقتضى قواعد الشرع، فكان ذلك كله سببًا في إسلام النصراني واهتدائه، لما رأى من قيام هذه الأمة في رعاياها وأهل ذمتها بالعدل والقسط الذي هو من أحكام الأنبياء والمرسلين.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثاني: وصف الله لهذه الأمة بالعدالة وشهادته لها بها</span>\nاصطفى الله هذه الأمة لحمل الرسالة الخاتمة، وألقى على عاتقها مهمة القيام بواجب البلاغ، وجعلها قيمة على ذلك؛ إذ لا رسول بعد رسولها محمد ﷺ؛ لذلك أناط الله بهذه الأمة مسئولية استمرار هذه الدعوة وإبلاغها للناس، وجعل هذه الأمة شاهدة وحجة على البشرية، تبلغهم وتشهد لهم بالإجابة، أو عليهم بالتمرد والعصيان.\nولما كان من شرط قبول الشهادة أن يكون الشاهد عدلًا خيارًا مرضيًا جعل الله هذه الأمة، خير أمة وجلعها عدلًا وسطًا بين الأمم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾؛ فكما أن الرسول ﷺ شاهد عدل على هذه الأمة، كذلك أمته من بعده شاهد عدل على البشرية، تشهد على الأمم السابقة كما تشهد على الأمم اللاحقة.\nتشهد على الأمم السابقة حين تنكر وتنكر تلك الأمم لرسل الله إليها وتفتري عليهم الكذب، وتدعي أنه ما جاءها من بشير ولا نذير؛ فيستشهد الرسل بهذه الأمة فتشهد لهم.\nأخرج البخاري ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدعي نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليهم شهيدًا؛ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، والوسط العدل\" ١.\n_________\n١ خ: كتاب التفسير، باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٨/ ١٧١، ح ٤٤٨٧.","vol":"1","page":175},{"text":"وهكذا يشهدون لجميع الأنبياء ﵈ على أممهم١، وقبول الشهادة دليل العدالة، يقول الحافظ ابن كثير ﵀: وشهادة أمة محمد ﷺ على جمع الأمم يوم القيامة برهان على عدالة هذه الأمة وشرقها، ومضمون هذا أن هذه الأمة يشتهد بهم الأنبياء على أممهم، ولولا اعتراف أممهم بشرف هذه الأمة لما حصل إلزامهم بشهادتهم\"٢.\nوشهادة هذه الأمة على الأمم شهادة حق وعدل؛ لأنها ما شهدت إلا بما علمت وإن كانت لم تشاهد ولم تحضر، لكنها شهدت بشهادة كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ. شهد لديها بصدق الرسل وتبليغهم أممهم دعوة ربهم؛ فشهدت بذلك. أخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذل وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم فيدعي قومه، فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا؛ فيقال: من شهد لك؛ فيقول: محمد وأمته فتدعي أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك، أن الرسل قد بلغوا فصدقناه. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٣.\nوكما تشهد هذه الأمة على الأمم السالفة في الآخرة فتقبل شهادتها، كذلك يشهد بعضها على بعض، فتمضي وتعتبر عند الله ﷿ كما هي ماضية معتبرة عند خلقه؛ لأن الله جعلها شاهدة على خلقه.\n_________\n١ كما جاء في روايات أخرى. انظر: نفس الصفحة.\n٢ النهاية في الفتن والملاحم ٢/ ٩.\n٣ جه: كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ ٢/ ١٤٣٢، ح ٤٢٨٤.\nوقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: \"صحيح\". انظر: صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٢٥.","vol":"1","page":176},{"text":"أخرج البخاري ﵀ من حديث أنس بن مالك ﵁: \"مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا؛ فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض\"١.\nوقال ﷺ: \"أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة\" قال عمر: فقلنا: وثلاثة؟ قال: \"وثلاثة\"، فقلنا: واثنان؟ قال: \"واثنان\". ثم لم نسأله عن الواحد٢.\nوكذلك عمر ﵁ إذا مرت به جنازة وأثنى عليها الحاضرون خيرًا قال: وجبت، وإذا أثنوا عليها شرًا قال: وجبت. يصنع كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم٣.\nلقد فهم عمر الفاروق ﵁ أن شهادة هذه الأمة مقبولة عند الله، لفضلها.\n_________\n١ خ: جنائز، باب ثناء الناس على الميت ٣/ ٢٢٨، ح ١٣٦٧.\n٢ نفس المصدر والجزء ص ٢٢٩، ح ١٣٦٨.\n٣ خ: جنائز، باب ثناء الناس على الميت ص ٢٢٩، ح ١٣٦٨.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثالث: اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها وشهادتهم لها بذلك</span>\nبلغت عدالة هذه الأمة يوم أن كانت في أوج قوتها ونفوذ سلطانها، وقدرتها على البطش والظلم إن أرادت حدًا أذهل الأعداء والخصوم، وجعلهم يقفون مشدوهين أمام عظمة هذه الأمة، والدين الذي تدين به وتدعو الأمم إليه؛ مما جعلهم -على ما في قلوبهم من غل وحقد وحسد- يشيدون بعدالة هذه الأمة، وسماحتها وقيامها بالقسط مع خصومها ومن يعيش في كنفها من أهل الديانات الأخرى قبل أبنائها ومواطنيها.\nفنطقت ألسنتهم بما رأوا ولمسوا من العدل والإنصاف والسماحة التي عاشوها وعوملوا بها في رحاب هذه الأمة وتحت سلطانها.\nوحين تأتي الشهادة لهذه الأمة من الأعداء والخصوم؛ فهي شهادة غير متهم، ولا محاب، بل هي شهادة عدو، وخصم أنطقه واقع العدل الذي نعم به في جوار هذه الأمة، والرحمة التي أسبغت عليه مما لم يجد له مثيلًا حتى لدى بنهي جنسه ودينه.\nوهي شهادة تفخر بها هذه الأمة، وإن كان بها عنها غنى، وقديمًا قيل: والفضل ما شهدت به الأعداء.\nوهذه بعض اعترافات وشهادات الأمم وأهل الأديان الأخرى بعدالة هذه الأمة وسماحتها وإنصافها لمن عاش تحت حكمها منهم:\n١- روى البلاذري من طريق سعيد بن عبد العزيز١ قال: بلغني أنه لما\n_________\n١ وهو: سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي مفتي الشام، أحد الأئمة، ثقة حجة. مات سنة ١٦٧ هـ. انظر: الذهبي ميزان الاعتدال ٢/ ١٤٩.","vol":"1","page":178},{"text":"جمع هرقل١ للمسملين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص٢ ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم، والدفع عنكم؛ فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: \"لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم٣، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم\"٤.\nوكان أهل حمص نصارى، صالحهم المسلمون على أن يدفعوا الجزية والخراج ويتكفل ولي أمر ولي أمر المسلمين بحمايتهم، ودفع الأعداء عنه، وقد كانوا قبل حكم المسلمين تحت حكم الروم وهم على دينهم.\nفلما رأى المسلمون أنهم غير قادرين على الوفاء لهم بشرط الحماية، ردجوا عليهم ما أخذوا منهم.\nفأكبر ذلك أهل حمص؛ لأنهم لم يعهدوا مثله في أمة غير المسلمين، وأشادوا بعدل المسلمين وحسن ولايتهم عليهم، وأنهم أحب إليهم من الروم مع كونهم على دينهم.\nوهذه شهادة صريحة بعدالة هذه الأمة، نبعث من واقع عاشه القوم تحت لواء المسلمين، لمسوا خلاله من العدالة، والرحمة، والمساحة ما لم يعرفوا من قبل.\n٢- وهذا اعتراف آخر وشهادة أخرى من أهل وادي الأردن:\n_________\n١ هرقل: ملك الروم.\n٢ حمص \"بكسر الحاء المهملة\" قل الحموي: بلد مشهور قديم بين دمشق وحلب، بناه رجل يقال له حمص بن المهر بن جان. انظر: معجم البلدان ٢/ ٣٠٢.\n٣ الغشم: الظلم والغصب. انظر: لسان العرب ١٢/ ٤٣٧. مادة \"غشم\".\n٤ فتوح البلدان ص ١٤٣.","vol":"1","page":179},{"text":"لقد كتبوا إلى قائد المسلمين آنذاك وهو أبو عبيدة عامر بن الجراح١ ﵃ معربين له عن تمنيهم لحكم المسلمين لما لمسوا من عدالتهم ووفائهم ورأفتهمبهم وأنهم يفضلونهم على الروم وإن كانوا على دينهم، قائلين: \"يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا\"٢.\n٣- شهادة المستشرق توماس وآرنولد٣:\nيقول في كتابه \"الدعوة إلى الإسلام\" وهو يتحدث عن اضطهاد الفرس للمسيحيين، موازنًا بين سلوكهم وسلوك المسلمين: \"ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال -التي كان يمارسها الفرس على رعاياهم من المسيحيين التي تنطوي على الظلم؛ بل كان المسلمون على خلاف غيرهم، إذًا يظهر لنا أنهم لم يألوا جهدًا في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس\"٤.\nوقال عن إيثار أهل القدس وفلسطين لحكم المسلمين واغتباطهم به:\n_________\n١ هو: أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قديمًا وشهد بدرًا. مات شهيدًا بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة وله ثمان وخمسون سنة. ابن حجر. التقريب ١/ ٣٨٨.\n٢ فتوح الشام ص ٩٧.\n٣ تومس ووكر أرنولد \"١٢٨٠- ١٣٤٩ هـ\"، مستشرق إنكليزي، تعلم في كمبردج، واشتغل بالتدريس في عدة جامعات بالهند وباكستان، ثم عاد إلى لندن ودرس في جامعتها، عين مديرًا لمعهد الدراسات الشرقية. له عدة كتب بالإنجليزية عن العلوم الإسلامية. الزركلي، الأعلام ٢/ ٧٦- ٧٧. وانظر: نجيب العقيقي، المستشرقون ٢/ ٨٤.\n٤ ص ٨٨، ترجمة الأستاذ حسن إبراهيم حسن وزملائه. \"طـ. الثانية ١٩٥٧، نشر: مكتبة النهضة\".","vol":"1","page":180},{"text":"\"ومن المؤكد أن المسيحيين من أهالي هذه البلاد؛- أي: القدس- قد آثروا حكم المسلمين على حكم الصليبيين\"١.\n٤- شهادة واعتراف المستشرق الأمريكي، وول ديورانت:\nبالرغم من أن هذا الرجل يهودي صهيوني درس في كتابه \"قصة الحضارة\" السم في الدسم، وأساء للإسلام ونبيه ﷺ كما أساء للمسيح ﵇ كثيرًا؛ مما يحتم على قارئ هذا الكتاب أن يتوخى الحذر، وأن ينتبه لذلك ويتوقى تلك الألغام٢ التي بثها الرجل في ثنايا مؤلفه هذا. ومع ذلك يأبى الله إلا أن يظهر الحق ولو على لسان عدو من أعدائه.\nيقول ديورانت واصفًا حال أهل الذمة الذين يعيشون في ظل الخلافة الإسلامية: \"ولقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون٣، واليهود، والصابئون٤ يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر\n_________\n١ نفس المصدر ص ١١٦.\n٢ عن ِأصل هذه الكلمة ومعناها راجع، معجم الأخطاء الشائعة، لمحمد العدناني ص ٢٢٩ ط. الثانية.\n٣ الزرادشتيون: ابتاع زرادشت بن بورشب وهو رجل ظهر في أذربيجان في زمان الملك كشتاسب بن الهراست، وزعم أنه نبي، وله كتاب يسمى \"زنداوستا\"، زعم أنه أنزل عليه وكان يدعو إلى عبادة الله، والكفر بالشيطان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم دخل التحريف الزرادشتيه، آلت إلى أن أصبحت ديانة ثنوية مجوسية. انظر: الشهرستاني، الملل ٢/ ٤١. والرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٦٨.\n٤ الصابئة: نوعان: حنفاء موحدون، وصابئة مشركون يعبدون الكواكب. انظر عنهم: ابن تيمية، الرد على المنطقيين ٢٨٨.\nوذكر ابن أبي حاتم فيهم ثمانية أقوال في تفسيره تفسير القرآن العظيم ق١، البقرة ص١٩٩، \"ط. الأولى، بتحقيق د. أحمد الزهراني، نشر: مكتبات الدار، وابن القيم، وطيبة\".","vol":"1","page":181},{"text":"دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص، وأداء فرضة عن كل شخص، تختلف باختلاف دخله، ولم تكن هذه الضريبة١ تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفي منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأرقاء، والشيوخ، والعجزة، والعمي، والشديد والفقر.\nوكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية ولا فرض عليهم الزكاة وكان لهم على الحكومة أن تحميهم٢.\nوهذا النص يثبت أن المسلمين في الأندلس عاملوا أهل ذمتهم وفق القواعد التي وضعها وحددها الإسلام، وهي قواعد تعطي أهل الذمة أكثر مما تأخذ منهم، توفر لهم الحماية والنصفة، وعدم الظلم أو الهضم وتسبغ الرحمة والعطف على الفقراء وذوي الأعذار، توفر لهم حرية التدين، والاكتساب، وهذا غاية العدل؛ بل هو إلى الفضل أقرب.\n٥- اعتراف المستشرق ستانلي لين بول:\nنقل عنه صاحب \"قصة الحضارة\" العبارة التالية:\n\"لم تنعم الأندلس طول تاريخها بحكم رحيم، عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب\"٣.\n_________\n١ في الواقع ليس ما يؤخذ من الذميين بضريبة؛ وإنما هو الجزية تؤخذ في مقابل توفير المسلمين لهم الحماية والأمان حتى من أعدائهم الخارجيين، ولذلك لما لم يستطع المسلمون أن يفوا لأهل حمص بذلك ردوا عليهم ما أخذوا منهم كما تقدم. وهي أيضًا في مقابل تمتع الذمي بالخدمات العامة التي تقدمها الدولة.\n٢ قصة الحضارة ١٣/ ١٣٠- ١٣١، \"ط. الثالثة ١٩٧٤ م. نشر: لجنة التأليف والنشر، ترجمة محمد بدران\".\n٣ عن كتاب حكم المسلمين في أسبانيا، كما ذكر المترجم في حاشية قصة الحضارة ١٣/ ٢٩٢؛ على أن لا نسلم له عبارة: \"الفاتحن العرب\" فهي من درس المستشرقين، فغن هذه البلدان وغيرها إنما فتحها المجاهدون المسلمون لنشر دين الله في أرضه وبين خلقه لا لشيء آخر.","vol":"1","page":182},{"text":"ثم عقب عليه ديوران -اليهودي- بقوله: \"ذلك حكم يصدره مستشرق مسيحي عظيم\" ثم غلب عليه حقده وخبثه وأراد أن يقلل من شأن هذه الشهادة والإشادة مع اعترافه بصحة حكم استانلي، فيغمزها قائلًا: \"قد يتطلب تحمسه شيئًا من التقليل من ثنائه، لكن هذا الحكم بعد أن نقص منه ما عساه أن يكون فيه من التحمس يظل مع ذلك قائمًا صحيحًا\"١.\n_________\n١ قصة الحضارة ١٣/ ٢٩٢.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الرابع: العدل عند أهل الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>أولا: مبدأ العدل عند اليهود</span>\n...\nالمبحث الرابع: العدل عند أهل الكتاب\nكنت أود أن أستعرض مبدأ العدل عند الكثير من الأمم والأديان الأخرى إلا أني رأيت أن أكتفي بالحديث عن مبدأ العدل عند أهل الكتاب، اليهود والنصارى، لأمرين:\nالأول: خشية الإطالة.\nوالثاني: أننا إذا تحدثنا عن العدل عند أهل الكتاب، وبينا ما وصلوا إليه من ظلم وجور، وجنوح عن العدل والإنصاف، وهم قوم أنزل الله إليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل تترى، ومع ذلك حادوا عن الحق وحرفوا وظلموا وطغوا واستبدوا؛ فكيف بغيرهم من الأمم التي لم تحظ بما حظوا به من توالي الرسالات وكثرة الأنبياء.\nوسنتحدث في هذا المبحث عن العدل عند اليهود أولًا فيما بينهم، ثم فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم، ثم عن العدل عند النصارى كذلك فيما بينهم، وفيما بينهم وبين الأمم الأخرى.\nأولًا: مبدأ العدل عند اليهود\nأ- العدل فيما بينهم:\nلقد أمرهم أنبياؤهم أن يقوموا بالعدل والقسط، وأن لا يتظالموا، ولا يظلموا أحدًا، وأنزل الله ﷿ عليهم التوراة، يها هدى ونور، وفضل لهم فيها الحدود والأحكام والقصاص العادل. كما أخبر الله بذلك في القرآن الكريم؛ حيث قال ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ؛ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا","vol":"1","page":184},{"text":"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ؛ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.\nوفيما بقي بين أيدي القوم من أسفار التوراة -مع تحريفهم وتبديلهم لها- أثر مما ورد ذكره في القرآن الكريم. وسأورد فيما يلي بعض نصوص أسفار التوراة، التي توجب على اليهود الحكم بالعدل والقسط، وتحذرهم من الظلم والجور في القضاء والكيل والوزن؛ ففي \"سفر اللاويين\" أن الرب كلم موسى ﵇ قائلًا:\n\"لا ترتكبوا جورًا في القضاء، ولا تأخذوا بوجه مسكين ولا تحترم وجه كبير، بالعدل تحكم لقريبك\"٢.\nوفيه أيضًا: \"وإذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه، كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم وتحبه كنفسك؛ لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر. أن الرب إلهكم. لا ترتبكوا جورًا في القضاء لا في القياس ولا في الوزن ولا في الكيل، ميزان حق ووزنات حق وإيفة حق وهبن حق تكون لكم، أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر، فتحفظون كل فرائضي وكل أحكامي وتعملونها أنا الرب\"٣.\nوفيه أيضًا ما يدل على القصاص وأن النفس بالنفس: \"وإذا أمات أحد إنسانًا فإنه يقتل\"٤، \"ومن قتل بهيمة يعوض عنها ومن قتل إنسانًا يقتل، حكم\n_________\n١سورة المائدة آية ٤٤- ٤٥.\n٢ إصحاح ١٩ فقرة ١٥.\n٣ إصحاح ١٩ فقرة ٣٣- ٣٧.\n٤ لأويين: إصحاح ٢٤ فسقرة ١٧.","vol":"1","page":185},{"text":"واحد يكون لكم الغريب يكون كالوطني إني أن الرب إلهكم\"١.\nوفي \"سفر الخروج\": \"من ضرب إنسانًا فمات يقتل قتلًا\"٢.\nفقد دل إذن القرآن الكريم، وأسفار التوراة التي بقيت بأيديهم على وجوب العدل، عليهم والقصاص الحق عندهم، وتحريم الظلم والجور؛ فماذا فعل القوم؟ لقد حرفوا وبدلوا، وتلاعبوا بنصوص التوراة، ولم يقوموا فيما بينهم بالقسط والعدل. وفرقوا بين القوي والضعيف، والوضيع والشريف، ولم يساووا بين الناس في إقامة الحدود والقصاص، كما أخبرنا رسول الله ﷺ عنهم في حديث المخزومية التي سرقت فقطع يدها وغضب على من جاء يشفع فيها وقام فيهم خطيبًا قائلًا: \"أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وغذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد\"٣.\nومن الشواهد على هذا المسلك المشين ليهود ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄ قال:\n\"كان قرظية٤ والنضير٥، وكان النضير أشرف من قريظة؛ فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلًا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة فودي بمائة وسق من تمر؛ فلما بعث النبي ﷺ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة فقالوا: ادفعوه لنا نقتله؛ فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ، فأتوه فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ ٦، والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت:\n_________\n١ لاويين: إصحاح ٢٤ فقرة ٢١- ٢٢.\n٢ إصحاح ٢١، فقرة ١٢.\n٣ تقدم بتمامه مخرجًا انظر: ١٦٨.\n٤، ٥ قريظة، والنضير: طائفتان من اليهود نزلنا أطراف المدينة.\n٦ سورة المائدة آية ٤٢.","vol":"1","page":186},{"text":"﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ١، ٢.\nفانظر كيف حادوا عن حكم الله ﷿ وتلاعبوا بحدوده؛ فأقاموا الحد، والقصاص على الضعيف فيهم، وصرفوا عن ذي المكانة والقوة والمنعة والعجب لا ينقضي من تمالئهم على ذلك واتفاقهم عليه.\nوهذا شاهد آخر على اختلال ميزان العدل عند يهود، ومبلغ ظلمهم وجورهم، وتعطيلهم الحدود الله ﷿: أخرج الإمام البخاري ﵀ عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \" فقالوا: نفضحهم، ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم؛ فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فيقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: أرفع يديك، فرفع يده؛ فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم؛ فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة٣.\nوفي رواية عند مسلم: \"أن اليهود حمموا وجه الزاني وجلدوه ولما سألهم النبي ﷺ: \"أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم\"، قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم فقال: \"أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ \" قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم؛ ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف\n_________\n١ سورة المائدة: آية ٥٠.\n٢ د: كتاب الديات، باب النفس بالنفس ٤/ ٦٣٤، ح ٤٤٩٤.\n٣ خ: كتاب الحدود، باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا للإمام ١٢/ ١٦٦، ح ٦٨٤١.","vol":"1","page":187},{"text":"والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم\"١.\nوفي \"سفر التثنية\" من التوراة جاء في شأن حد الزاني النص الآتي:\n\"ولكن إن كان هذا الأمر صحيحًا لم توجد عذرة للفتاة، يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت؛ لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها، فتنزع الشر من وسطك.\nوإذا وجد رجل مضطجعًا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة، فتنزع الشر من إسرائيل.\nإذا كانت فتاة عذراء مخطبوة لرجل فوجدها رجل في المدينة فاضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وأرجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك\"٢.\nب- العدل عند اليهود بينهم وبين غيرهم من الأمم:\nإذا كان اليهود لم يقيموا العدل فيما بينهم، وهم شعب واحد وأبناء عمومة؛ بل فرقوا بين ضعيفهم وقويهم، وشريفهم ووضيعهم- كما تقدم- فكيف بهم مع غيرهم من الأمم؟ إن نظرة اليهود إلى غيرهم من الأمم والشعوب نظرة تعال وازدراء؛ فهم يرون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه كما أخبر الله عن مقالتهم هذه وأكذبهم فيها؛ فقال جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير﴾ ٣.\n_________\n١ م: كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة في الزنى ٣/ ١٣٢٧، ح ١٧٠٠.\n٢ تثنية: إصحاح ٢٢، فقرة ٢٠- ٢٥.\n٣ سورة المائدة آية ١٨.","vol":"1","page":188},{"text":"وكانوا يرون أن غيرهم من الأمم لا حق لهم في عدل ولا نصف؛ بل ويستحلون منهم الدماء والأنفس والأموال بحجة أن غير اليهود، كفار مشركون لا حرمة لهم. وقد نبأنا الله خبرهم وقولهم هذا وعدهم كذبة مفترين في ذلك فقال ﷿: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.\nومرادهم بالأميين العرب والمشركين وكل من ليس بيهودي. روى ابن جرير عن قتادة٢ ﵀ في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، قال: ليس علينا في المشركين سبيل، يعنون من ليس من أهل الكتاب٣.\nوفي أسفار التوراة المحرفة ما يشي بهذا المسلك الذي انتهجه يهود تجاه الأمم الأخرى؛ ففي \"سفر الخروج\" ضمن الوصايا العشر التي يزعمون أن موسى ﵇ تلقاها من ربه: \"لا تشهد على قريب شهادة زور، لا تشته بيت قريبك لا تشته امرأة قريبك، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئًا مما لقريبك\"٤؛ فمفهوم قوله \"قريبك\" في هذا النص، أن غير القريب يجوز لهم اشتهاء امرأته وبيته وو....، وقد فهم اليهود هذا الفهم، ونص التلمود على حل كل ذلك كما سيأتي ذكر نصوص منه.\nوفي \"سفر التثنية\" إباحة التعامل بالربا مع غير اليهودي، وتحريمه مع اليهودي: \"للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا\"٥؛ بل يمنع\n_________\n١ سورة آل عمران: آية ٧٥.\n٢ هو: قتادة بن دعامة السدوسي الضرير الأكمه، حافظ، مفسر، قال فيه الذهبي: حافظ العصر قدوة المفسرين. مات سنة ١١٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩.\n٣ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٦/ ٥٢٢.\n٤ سفر الخروج: إصحاح ٢ فقرة ١٦- ١٧.\n٥ خروج: إصحاح ٢٠ فقرة ١٦- ١٧.","vol":"1","page":189},{"text":"\"التلمود\"١ إقراض غير اليهود إلا بربي: \"غير مصرح لليهودي أن يقرض الأجنبي إلا بالربا\"٢، ولقد أخبرنا الحق ﵎ أنه نهاهم عن أكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل وأنهم لما خالفوا وظلموا وأكلوا الربا حرم عليهم بعض الطيبات التي كانت حلالًا عقوبة لهم في الدنيا.\n﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٣.\nوهذه بعض نصوص \"التلمود\" التي تبيح لليهود أموال الأميين بل ودماءهم وأعراضهم، نسوق منها نماذج باختصار ليتبين مدى ظلم القوم وجورهم.\n١- إباحة دماء غير اليهود:\nيقول \"التلمود\": \"اقتل الصالح من غير الإسرائيليين، ومحرم على اليهودي أن ينجي أحدًا من باقي الأمم من هلاك، أو يخرجه من حفرة يقع فيها؛ لأنه بذلك يكون حفظ حياة أحد الوثنيين\"٤.\n\"من العدل أن يقتل اليهودي بيده كل كافر؛ لأن من يسفك دم الكافر يقرب قربانًا لله\"٥.\nوكل من ليس بيهودي فهو كافر عندهم.\n_________\n١ التلمود: وهو الكتاب الذي يحتوي على التعاليم اليهودية والتشريعات، بزعم اليهود أن موسى ﵇ عندما تلقى التوراة من الله مكتوبة تلقى منه كذلك التلمود مشافهة، وهو تفسير وتفصيل للتوراة وهو عندهم أقدس منها. \"آي. بي. يرانايتس، فضح التلمود ص٢١\".\n٢ الكنز المرصود في قواعد التلمود، ترجمة د. يوسف نصر الله ص ٨٧.\n٣ سورة النساء: آية ١٦٠- ١٦١.\n٤ الكنز المرصود في قواعد التلمود، \"ترجمة د. يوسف نصر الله ص ٩٠\".\n٥ المصدر السابق ص ٩١.","vol":"1","page":190},{"text":"٢- إباحة عرضه:\nيقول \"التلمود\": لا يخطئ اليهود إذا تعدى على عرض الأجنبي؛ لأن كل عقد نكاح عند الأجانب فاسد؛ لأن المرأة التي لم تكن من بني إسرائيل كبهيمة والعقد لا يوجد مع البهائم وما شاكلها\"١.\nقال ميموند٢: \"إن لليهود الحق في اغتصاب النساء غير المؤمنات؛ أي: غير اليهوديات\"٣.\n٣ إباحة ماله:\nيقول \"التلمود\": \"إن الله حلل أموال باقي الأمم لبني إسرائيل لما رآهم قد خالفوا السبع الوصايا المختصة بعبادة الأوثان، والزنا، والقتل والسرقة، وأكل لحم الحيوانات غير المذبوحة، وخصاء الإنسان وإيلاد الحيوان من غير جنسه\"٤.\n\"إذا سرق أولاد نوح -أي: غير اليهود- شيئًا ولو كانت قيمته طفيفة جدًا، يستحقون الموت؛ لأنهم قد خالفوا الوصايا التي أعطاها الله لهم، وأما اليهود فمصرح لهم أن يضروا الأمي؛ لأنه جاء في الوصايا: \"لا تسرق مال القريب\"، قال علماء \"التلمود\" مفسرين هذه الوصية: إن الأمي ليس بقريب، وإن موسى لم يكتب في الوصية \"لا تسرق مالي الأمي\" فسلب ماله لم يكن مخالفًا للوصايا\"٥.\n_________\n١ الكنز المرصود في قواعد التلمود، \"ترجمة د. يوسف نصر الله\"، ص٩٥.\n٢ هو: موسى بن ميمون، الذي وضع الميشناه. راجع: التلمود، لظفر الإسلام ص ٩٦، وفضح التلمود لـ.أي. بي. برانايتش، ص٣٨.\n٣ الكنز المرصود ص٩٥.\n٤ نفس المصدر ص١٥٢.\n٥ نفس المصدر ص٧٨- ٧٩.","vol":"1","page":191},{"text":"وفي شأن رد الأموال المفقودة لغير اليهودي يقول \"التلمود\": \"إن الله لا يغفر ذنبًا ليهودي يرد للأمي ماله المفقود، وغير جائز رد الأشياء المفقودة من الأجانب\"١.\nوبعد فهذه بعض نصوص \"التلمود\" وهي تفصح أن القوم لا يرقبون في غير اليهودي إلا ولا ذمة؛ بل يظلمونه، ويستحلون دمه وعرضه وماله، ويعدون ذلك دينًا قاتلهم الله أنى يؤفكون، وعاملهم بعدله.\n_________\n١ الكنز المرصود في قواعد التلمود، \"ترجمة د. يوسف نصر الله\"، ص ٨٣.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>ثانيا: العدل عند النصارى</span>\n...\nثانيًا: العدل بين النصارى\nأ- العدل فيما بينهم\nالنصارى يتبعون التوراة في الأحكام والتشريعات، وما أمر به اليهود من العدل في الأحكام والمحدود، وإيفاء الكيل والوزن وخلاف ذلك؛ فإنه يسري على أمة النصارى كذلك.\nلكن لما بغى اليهود وقست قلوبهم، وأحلوا ما حرم الله، وأكلوا أموال الناس بالباطل، جاء المسيح ﵇ ليردهم إلى الجادة؛ فلم يأمرهم بالعدل فحسب بل تجاوزه إلى الفضل، والعفو، وأمرهم ألا يقابلوا الإساءة بمثلها، وأن لا يعتدوا على من اعتدى عليهم بل قال لهم كما جاء في إنجيل \"متى\" الذي يزعمون إنه مما أنزل على عيسى ﵇: \"قد سمعتم أنه قيل: العين بالعين والسن بالسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرير بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخل له رداءك أيضًا، ومن سخرك ميلًا فامش معه اثنين، من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تمنعه، قد سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك، أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم، وصلوا","vol":"1","page":192},{"text":"لأجل من يعنتكم ويضطهدكم\"١.\nلكن أمة النصارى لم تهتد؛ بل حرفت وبدلت فصلت عن سواء السبيل، ولئن كان اليهود مغضوبًا عليهم فإن النصارى ضالون، كما ثبت عن المصطفى ﷺ؛ أنه قال في تفسير قوله ﷿: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٢، قال: \"إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى\" ٣.\nوأول ضلالهم، وأعظم جورهم وبغيهم أن عدلوا بربهم غيره، وجعلوا له شركاء، إذا جعلوه ثالث ثلاثة، وتارة جعلوا المسيح ﵇ هو الإله وأخرى ابن الإله؛ قال الله ﷿ عن كفرهم وضلالهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٤، وقال في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ ٥، وقال ﷿ في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦. وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٧.\nوالشرك بالله، واتخاذ غيره إلهًا معه، من أعظم الظلم، كما أخبر الحق ﵎ على لسان العبد الصالح لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ\n_________\n١ إنجيل متى: الإصحاح السادس، فقرة ٣٨- ٤٤.\n٢ سورة الفاتحة: آية ٧.\n٣ حم: ٤/ ٣٧٨، من حديث عدي بن حاتم.\n٤ سورة المائدة: ١٧.\n٥ المائدة: آية ٧٢.\n٦ سورة المائدة: آية ٧٣.\n٧ سورة التوبة: آية ٣٠.","vol":"1","page":193},{"text":"يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١، ولما نزل قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢. شق ذلك على الصحابة ﵃؛ فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾؛ إنما هو الشرك\" ٣.\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله ﷿: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؛ \"أي: هو أعظم الظلم\"٤.\nفإذا كان القوم قد ارتكبوا أعظم الظلم وظلموا أنفسهم بجعلهم لله أندادًا ومعه شركاء؛ فماذا نتوقع منهم وقد ضلوا وظلموا، غير الظلم والجور في جل حياتهم وشئونهم؛ لأنهم بنوا دينهم عليه.\nفلم يكونوا قائمين بالعدل والقسط فيما بينهم، وقول الرسول ﷺ من قصة المخزومية التي سرقت: \"إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوا وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد\" ٥، يشملهم وإن كان هو في اليهود أظهر، وهؤلاء رهبانهم الذين هم عبادهم وعلماؤهم، وهم الصفوة فيهم والقدوة، والذين يفترض فيهم أن يكونوا أقرب القوم إلى العدل وعدم الظلم نجدهم ظلمة جائرين آكلين لأموال الناس بالباطل كما أخبرنا الله بذلك عنهم، وكما يدل على واقع الكنائس وسيرتها. يقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ\n_________\n١ سورة لقمان: آية ١٣.\n٢ سورة الأنعام: آية ٨٢.\n٣ حم ١/ ٣٧٨.\n٤ تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٣٨.\n٥ تقدم تخريجه انظر: ص١٦٩ هامش ٣.","vol":"1","page":194},{"text":"اللَّهِ﴾ ١.\nيقول الحافظ ابن كثير: \"ذلكم أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس، يأكلون أموالهم بذلك\"٢.\nولعل من أبرز مظاهر ذلك ما تمارسه الكنيسة من إصدار ما عرف بـ\"صكوك الغفران\"٣ وهي صكوك يصدرها أهل السلطة في الكنيسة من البابوات والمطارنة، والبطارقة، والقساوسة، باسم الكنيسة، يغفر بمقتضاها لحاملها ما اقترفه من الآثام والخطايا في حياته، مقابل أن يدفع مبالغ للكنيسة وهذا إلى جانب كونه أكلًا لأموال الناس بالباطل هو أيضًا قول على الله بلا علم وافتراء عليه، وتعد على ألوهيته ﷿؛ إذ لا يملك غفران الذنوب والعفو عنها إلا هو سبحانه، ولكن القوم ضلوا ضلالًا بعيدًا.\nومن صور جور هذه الأمة وعدم عدلها. أن كل فرقة وطائفة منها، إذا تسلطت على الفرق الأخرى، أذاقتها ألوانًا من الظم والبطش والاضطهاد ولم ترقب فيها إلا ولا ذمة. يقول د. أحمد شلبي: \"تكرر في تاريخ المسيحية حدث عظيم لم يتخل، وهو التجاء الجانب القوي إلى أعنف وأقسى وسائل الاضطهادات، والتعذيب، والتنكيل، والحرق، والإفناء يسلطها على الجانب الضعيف. والعجيب أن المسيحيين اضطهدوا من اليهود والرومان، ونزلت بهم الويلات في القرون الثلاثة الأولى؛ فلما بدأ جانبهم يشتد رأيناهم ينزلون نفس الويلات بمخالفيهم من أبناء دينهم، ومن اتباع الأديان الأخرى، ومن هنا فنيت مذاهب مسيحية كثيرة كان بعضها في وقت ما، له الغلبة في العدد ولكن\n_________\n١ سورة التوبة آية ٣٤.\n٢ تفسير القرآن العظيم ٤/ ٨٠.\n٣ للاطلاع على صورة وفحوى هذه الصكوك راجع كتاب محاضرات في النصرانية، لأبي زهرة ص ١٧٢، ط. دار الفكر. والمسيحية، للدكتور أحمد شلبي ص ٢٥٤ ط. السادسة ١٩٧٨.","vol":"1","page":195},{"text":"تنقصه القوة والسلطان، وكان فناء هذه المذاهب بسبب قسوة اليهود والرومان أحيانًا، وأحيانًا بسبب قسوة فرق مسيحية أخرى قويت واشتدت بالأباطرة وذوي النفوذ\"١.\nوهذا مصداق قوله ﵎: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٢.\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: \"أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا؛ فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية٣ تكفر اليعقوبية٤، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية٥.\n_________\n١ المسيحية ص٢٣٧.\n٢ سورة المائدة: آية ١٤.\n٣ الملكية، أو الملكانية: أصحاب ملكان الذي ظهر بأرض الروم، ومعظم الروم ملكانية، صرحوا بإثبات التثليث، وقالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته. انظر عنها: الشهرستاني، الملل والنخل ٢/ ٢٧.\n٤ اليعقوبية: نسبة إلى يعقوب البراذعي، مصري ظهر في منتصف القرن الاسدس الميلادي. وهم الذين يقولون بأن المسيح ذو طبيعة واجدة قد امتزج فيه عنصر الإله بعنصر الإنسان، وتكون من الاتحاد طبيعية واحدة جامعة بين اللاهوت والناسوت. انظر: محاضرات في النصرانية ص١٤٠، ١٥٩.\n٥ النسطورية: نسبة إلى نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، كان بطريرك القسطنطينية، يرى أن العذراء لم تلد إلهًا بل ولدت إنسانًا، وهو يرى أن الأقنوم الثاني وهو الابن لم يتجسد وتلده مريم كما يرى غيره من المثلثين. انظر: الشهرستاني، الملل ٢/ ٢٩، ومحاضرات في النصرانية، لأبي زهرة ص١٥٧.","vol":"1","page":196},{"text":"والآربوسية١، كل طائفة تكفر الأخرى\"٢.\nوكمثال على ما ذكر من ظلم أمة النصارى وجور بعضهم على بعض، ما لاقاه أقباط مصر -وهم من الطائفة اليعقوبية- من ظلم واضطهاد على يد أبناء دينهم البيزنطيين الذين كانوا يحكمونهم قبل الفتح الإسلام لمصر.\nيقول المستشرق توماس أرنولد: \"فإن اليعاقبة -وهم الأقباط- الذين كانوا يكونون السواد الأعظم من السكان المسيحيين، قد عوملوا معاملة مجحفة من اتباع المذهب الأرثوذكسي٣ التابعيين للبلاط، الذين ألقوا في قلوبهم بذرو السخط والحنق اللذين لم ينسهما أعقابهم حتى اليوم.\nكان بعضهم يعذب ثم يلقى بهم في اليم وتبع كثير منهم بطريقهم إلى المنفى، لينجوا من أيدي مضطهديهم، وأخفى عدد كبير منهم عقائدهم الحقيقية، وتظاهر بقبول قرار خلقدونية\"٤.\n_________\n١ الأربوسية: هم أصحاب آريوس وكان قيسًا بالإسكندرية، ومن قوله: التوحيد، المجرد وأن عيسى ﵇ عبد مخلوق وأنه كلمة الله التي بها خلق السماوات والأرض، ابن حزم، الفصل ١/ ٤٨.\n٢ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٦٢.\n٣ وهم التابعون للكنيسة الشرقية الأرثوذكية، وأكثر أتباعها من الروم الشرقيين ومن البلاد الشرقية. كروسيا والبلقان واليونان، وكان مقرها الأصلي القسطنطينية. انظر: شلبي، المسيحية ٢٣٨.\n٤ خلقدونية: هو ثغر منه المصيصة وطرطوس وأدنة في آسيا الصغرى على البسفور، وينسب إليه مجمع مسيحي عقد فيها سنة ٤٥١، حضره ٥٢٠ أسقفًا، وقيل: أكثر، وكان من أهم قراراته:\n١- أن المسيح فيه طبيعتان لا طبيعة واحدة وأن الألوهية طبيعة وحدها، والناسوت طبيعة وحدها؛ التقتا في المسيح.\n٢- لعن \"ديسقورس\" بطريرك كنيسة الإسكندرية ونفيه.\nانظر: محاضرات في النصرانية، لأبي زهرة ص ١٣٧.","vol":"1","page":197},{"text":"وقد جلب الفتح الإسلامي إلى هؤلاء القبط -ذلك اللفظ الذي يطلق على المسيحيين من اليعاقبة في مصر- حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان\"١.\nوكثيرًا ما كان الحكم الإسلامي مخلصًا لكثير من طوائف النصارى من حقد واضطهاد وظلم، وبجانب عامل العدل والتسامح الذي عرف به الفاتحون المسلمون، كان هذا من العوامل التي جعلت الكثير من المسيحيين يفضلون الحكم الإسلامي على حكم أبناء دينهم من أتباع الطوائف الأخرى. كما تقدم لنا شواهد ذلك في مبحث \"شهادة الأعداء بعدالة الأمة الإسلامية\"٢.\nب- العدل فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم:\nسبق لنا في بحث العدل فيما بينهم كيف أن المسيح ﵇، أمرهم بمقابلة السيئة بالحسنة، وأن لا يردوا على من أساء إليهم، وتلك مثالية عالية لم تبلغها همم القوم؛ ولعل ما نزل بهم من ظلم يهود ولارومان واضطهادهم المرير لهم أيام ضعفهم وذلتهم، ترك في أنفسهم الرغبة في الانتقام متى استطاعوا ذلك؛ بل والاعتداء إن قدروا.\nوإن نحن استنطقنا تاريخ القوم أفصح لنا عن سواءت يتوارى المرء منها خجلًا؛ إذ ثبت الوقائع التاريخية أن القوم كانوا شديدي الظلم والاضطهاد لمن يقع تحت سلطانهم من أهل الأديان الأخرى؛ إذ ليس لأهل هذه الأديان بينهم مقام؛ فإما التنصر وإما القتل أو الرحيل.\nولم يكن اضطهادهم للمخالفين عملًا فرديًا يبدو حينًا ويختفي حينًا؛ بل\n_________\n١ الدعوة إلى الإسلام ص١٢٣.\n٢ انظر: ص١٧٨ وما بعدها.","vol":"1","page":198},{"text":"كان سياسة ثابتة حاسمة تستهدف إفناء الخصوم ومحو آثارهم.\nفكانت المذابح العامة تدبر وتنفذ بوحشية بالغة ترتكب خلالها لضائع وجرائم يندى لها جبين الإنسانية فضلًا عن اتباع نبي كان من تعاليمه ما ذكرنا.\nولعل من أبلغ الأمثلة الشاهدة على مبلغ ظلم القوم وحقدهم تلك المذابح التي ارتكبها الصليبيون ضد سكان بيت المقدس إبان استيلاءهم عليها، عندما تخاذل عن الدفاع عنها العبيديون؛ إذ اكتفى واليهم آنذاك -افتخار الدولة- بتأمين نجاته مع حرسه الخاص، وترك المدينة للصليبيين يعيثون فيها فسادًا، بعد أن دافع عنها دفاعًا هزيلًا، ذرًا للرماد في العيون.\nوسنعيش أحداث هذه المأساة مع قسيس صليبي هو \"القس ريمند\" وهو شاهد عيان يروي لنا ما فعله أبناء عمومته، وهو غير متهم بالمبالغة في تصوير المأساة إن لم يحاول إخفاء بعض المخازي. يقول بعد دخوله بيت المقدس: \"وشاهدنا أشياء عجيبة؛ إذا قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رميًا بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من قول الأبراج، وظل بعضهم يعذبون عدة أيام، ثم أحرقوا في النقار، وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأرجل، والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل\"١.\nويقول المستشرق ستيفن رنسيمان في وصف ذلك:\n\"على أنه لم ينج من المسلمين بحياتهم إلا هذه الفئة القليلة -وهم افتخار الدولة والي العبيدييين على القدس وحرسه الخاص- إذ أن الصليبيين، وقد زاد في جنونهم ما أحرزوه من نصر كبير بعد شقاء وعناء شديد، انطلقوا في شوارع المدينة، وإلى الدور والمساجد يقتلون كل من يصادفهم من الرجال\n_________\n١ انظر: وول ديوارنت، قصة الحضارة ١٥/ ٢٥.","vol":"1","page":199},{"text":"والنساء، والأطفال دون تمييز، استمرت المذبحة طوال مساء ذلك اليوم وطوال الليل، ولم يكن علم تانكرد١ عاصمًا للاجئين إلى المسجد الأقصى من القتل؛ ففي الصباح الباكر من اليوم الثاني اقتحم باب المسجد ثلثة من الصليبيين فأجهزت على جميع اللاجئين وحينما توجه ريموند آجيل في الضحى لزيارة ساحة المعبد أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بغلت ركبتيه.\nوفر يهود بيت المقدس جميعًا ِإلى معبدهم الكبير؛ غير أنه تقرر إلقاء القبض عليهم بحجة أنهم ساعدوا المسلمين فلم تأخذهم بهم الرحمة والرأفة، فأشعلوا النار في المعبد، ولقي اليهود بداخله مصرعهم محترقين.\n- يقول: وتركت مذبحة بيت المقدس أثرًا عميقًا في جميع العالم، ليس معروفًا بالضبط عدد ضحاياها٢ غير أنها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود\"٣.\nفانظر الفرق والبون الشاسع بين دخول الصليبين هذه المدينة المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود، وبين دخول القائد المسلم صلاح الدين.\nوفي الأندلس عند أفول نجم الخلافة الإسلامية فيها، وتغلب النصارى عليها ألحقوا بالمسلمين ضروبًا من الظلم والأذى، يصور ذلك الدكتور توفيق الطويل في إيجاز فيقول:\n\"وقد استنفدت الكنيسة جهدها في إقناع المسلمين المقيمين في أسباينا، لكن يرتدوا عن دينهم ويعتنقوا المسيحية دينًا، وعلى غير جدوى ما بذلت من جهود، فاستجمعت محكمة التفتيش كل قواها، واعتصمت بالجرأة والتعصب،\n_________\n١ تانكر: أحد قواد الصليبيين، كان المسلمون لما رأوه استسلموا ورفعوا علمه على المسجد.\n٢ ذكر ابن الأثير أنهم يزيدون على سبعين ألفًا. الكامل ٨/ ١٨٩.\n٣ انظر: تاريخ الحروب الصليبية ١/ ٤٠٤- ٤٠٥، ط. الأولى ١٩٦٧ م.","vol":"1","page":200},{"text":"وصبت عذابها على المسلمين في غير رفق ولا عدالة، حتى اعتنق النصرانية خار في ميدان الكفاح، وهاجر من حار بين التمسك بعقيدته، واحتمال آلام العذاب. وفي عام ١٦٠٩ و١٦١٠ م تم إجلاء ألوف المسلمين عن أسبانيا بعد أن أغرقوا بدمهم أرضها، وكتبوا بمقاومتهم أنصح الصفحات في تاريخ الجهاد في سبيل الله\"١.\nولعل من أقرب الشواهد إلى الذاكرة على ظلم النصارى ومبلغ اضطهادهم لمعتنقي الأديان الأخرى، ما اقترفه نصارى لبنان -الموارنة- ضد المسلمين الفلسطينيين في مخيمي \"صبرا وشاتيلا\" من مجازر ومذابح أودت بأرواح الآلاف من قاطني المخيمين مع ما صاحب ذلك من النهب والتدبير الشامل لمحتويات المخيمين وذلك عقب اجتياح الجيش اليهودي الصهيوني لمدينة بيروت وغيرها من المدن اللبنانية عام ١٩٨٢ م - ١٤٠٢ هـ.\nيقول أحد شهود العيان: \"دفنت في يوم واحد عددًا إجماليًا مائة وثلاث عشرة جثة ... وعندما دخلت المخيم رأيت اللحم ملزقًا على الحيطان، وتستطيع أن تقول كل أساليب القتل قد استخدمت: الساطور، البارودة، الرصاص، العصى، كاتم الصوت. وكان بين الضحايا من كان عمره تسعين سنة. ومن بين الذين دفناهم أطفال أعمارهم بين ٦- ٧ سنوات ونساء من مختلف الأعمار، كانوا -أي: النصارى- يقتلون كل شيء يتحرك قدامهم\"٢، ٣.\n_________\n١ انظر: قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام ص ٧١ - ٧٢.\n٢ عبد الله محمد الغريب، وجاء دور المجوس ٢/ ٥٨، ٥٩.\n٣ ولعل ما يحدث في وقتنا هذا -وقت إعداد هذه الرسالة للنشر- من المجازر والمذابح التي يرتكبها الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك، على مرأى ومسمع من العالم خير شاهد وأكبر دليل على مبلغ ظلم النصارى واضطهادهم للمسلمين.","vol":"1","page":201},{"text":"وبعد: فإن النصارى ما كانوا في عدائهم عدولًا، ولا رحماء بمخالفيهم، كما هو شأن الإسلامِ؛ فقد كانت أفعالهم بخصومهم تفرق كل وصف، ولولا ما نقله شهود العيان مما أنزلوه بغيرهم من الظلم والعدوان لما استطاع المرء أن يتصور أن تصدر هذه الأعمال الموغلة في الوحشية والشناعة، من قوم لا دين لهم؛ فضلًا عن قوم يدعون أنهم أتباع من قال لهم: \"قد سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك؛ أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلوا لأجل من ينتكم ويضطهدكم\"١.\n_________\n١ إنجيل متى، الإصحاح الخامس فقرة ٤٣- ٤٤.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الفصل الثاني: في خيرية هذه الأمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الأول: في إثبات خيريتها</span>\nتقدم لنا في أول الباب١: أن الخيرية أحد المعاني المثبتة لهذه الأمة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٢؛ فسرها بذلك الحافظ ابن كثير وغيره.\nوقد نص الله ﵎ على خيريتها فيقول ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣.\nوقال ﷺ في تفسير هذه الآية: \"إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\" ٤.\n_________\n١ انظر: ص١٦١.\n٢ سورة البقرة آية ١٤٣.\n٣ سورة آل عمران آية ١١٠.\n٤ ت: تفسير سورة آل عمران ٥/ ٢٢٦، ح ٣٠٠١، وقال: \"هذا حديث حسن\".\nجه: زهد، باب صفة أمة محمد ﷺ ٢/ ١٤٣١، ح ٤٢٨٨. وقال الألباني: حسن صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٢٦.\nوقال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذبي ٤/ ٨٤، وقال الحافظ ابن حجر: \"وهو حديث حسن صحيح\"، وذكر من أخرجه. انظر: الفتح ٨/ ٢٢٥.","vol":"1","page":205},{"text":"وفي حديث آخر قال ﷺ: \"أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء؛ فقلنا: يا رسول الله! ما هو؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم\" ١.\nفهذه النصوص تدل على ثبوت عموم الخيرية لعموم هذه الأمة، وإن كان قد وردت بعض الآثار تدل على أن المراد: الصحابة أو بعضهم؛ ولكن كلها آثار موقوفة أو مقطوعة، ذكرها الإمام ابن جرير الطبري٢، ثم رجع أن المراد عموم الأمة؛ فقال عقب ذكره قول الحسن: \"نحن آخرها وأكرمها\" \"وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن\"٣، ثم ذكر حديث بهز بن حكيم المتقدم٤. كذا رجح ابن كثير حمل الآية على العموم فقال: \"والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم\"٥.\nورجح ذلك الحافظ ابن حجر أيضًا٦:\nوما رجحه هؤلاء الأئمة هو الحق؛ فإن النصوص الصحيحة صريحة في العموم، وما جاء من الآثار في تخصيص ذلك ببعض الأمة كالصحابة أو بعضهم، لا يقوى على ذلك إذ ليس شيء منها مرفوعًا.\n_________\n١ حم: ١/ ٩٨، من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وحسنه الحافظ ابن حجر ٨/ ٢٢٥، وقال ابن كثير: تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن\" ٢/ ٧٨، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. انظر: المسند بشرح أحمد شاكر ٢/ ١١٣، الثالثة، وعمدة التفسير ٣٢/ ٢١.\n٢ انظر: التفسير ٧/ ١٠٠- ١٠٤.\n٣ نفس المصدر والجزء ص ١٠٤.\n٤ وهو قوله ﷺ: \"إنكم تتمون سبعين أمة\".\n٥ تفسير القرآن العظيم ٢/ ٧٧.\n٦ انظر: فتح الباري ٨/ ٢٢٥.","vol":"1","page":206},{"text":"وعلى فرض أنها نزلت في الصحابة أو بعضهم؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في علم أصول التفسير.\nعلى أن الصحابة رضوان الله عليهم أول الداخلين في هذا العموم؛ إذ هم خير هذه المة بعد نبيها ﷺ، كما يدل عليه قوله ﷺ: \"خير أمتي قرني\" ١ فهم، خيار الخيار، وهم الصفوة الأخيار.\nإشكال وجوابه:\nقد يشكل على البعض ما ورد من تفضيل الله ﷿ بني إسرائيل على العالمين، واختياره لهم، في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِين﴾ ٣؛ فكيف تكون هذه الأمة خير الأمم، مع كون بني إسرائيل أفضل العالمين؟\nويزول الإشكال إذا علمنا أن المراد: بـ \"العالمين\" من قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾، هم عالم زمانهم، وليس جميع العالمين الذين خلقهم الله، أخرج ابن جرير ﵀ عن قتادة٤ في قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾، قال: \"فضلهم على عالم ذلك الزمان\"٥، كما أخرج أيضًا عن أبي العالية٦: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ قال: \"بما أعطوا من\n_________\n١ تقديم تخريجه. انظر: ص٩٧.\n٢ سورة البقرة آية ٤٧، وآية ١٢٢.\n٣ سورة الدخان آية ٣٢.\n٤ قتادة: هو ابن دعامة السدوسي. تقدمت له ترجمة، انظر: ص١٧٩.\n٥ جامع البيان عن تأويل اي القرآن ٢/ ٢٤.\n٦ أبو العالية هو: رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، ثقة كثير الإرسال. مات سنة تسعين وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: بعد ذلك، ابن حجر: تقريب ١/ ٢٥٢.","vol":"1","page":207},{"text":"الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالمًا\"١ وكذا من مجاهد٢: \"قال: على من بين ظهرانيه\"٣.\nوإلى هذا المعنى ذهب ابن جرير٤، وابن كثير٥ في تفسير الآية.\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀في الجواب عن هذا الإشكال: \"قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ لا يعارض قوله تعالى في تفضيل هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية؛ لأنه المراد بالعالمين عالموا زمانهم بدليل الآيات والأحاديث المصرحة بأن هذه الأمة أفضل منهم، كحديث معاوية بن حيدة القشيري٦ في \"المسانيد\" و\"السنن\"؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\" ٧.\nألا ترى أن الله جعل المقصتد منهم هو أعلاهم منزلة؛ حيث قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ٨، وجعل في هذه الأمة درجة أعلى من درجة المقتصد وهي درجة السابق بالخيرات؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ\n_________\n١ جامع البيان ٢/ ٢٤.\n٢ مجاهد هو: ابن جبر \"بفتح الجيم وسكون الموحدة\"، أبو الحجاج المخزومي مولاهم ثقة، إمام في التفسير وفي العلم. مات سنة ١، ٢، ٣، ١٠٤ هـ، وله ثلاثة وثمانون سنة. ابن حجر، التقريب ٢/ ٢٢٩.\n٣ جامع البيان ٢/ ٢٤.\n٤ جامع البيان ٢/ ٢٤.\n٥ تفسير القرآن المعظم ١/ ١٢٦.\n٦ وهو: معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري، صحابي، نزل البصرة، ومات بخراسان، وهو جد بهز بن حكيم. انظر: ابن حجر، القريب ٢/ ٢٥٩.\n٧ حم ٤/ ٤٤٧. وانظر: ص ٢٠٥.\n٨ سورة المائدة آية ٦٦.","vol":"1","page":208},{"text":"مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١، ٢.\nوهذه استدلال لطيف على تقدم هذه الأمة على بني إسرائيل في الفضل ألمح إليه الحافظ ابن كثير ﵀ ﷺ تعالى في تفسيره قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون﴾؛ حيث قال: \"فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ \" ٣.\n_________\n١ سورة فاطر آية ٣٢.\n٢ انظر: دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص٢١.\n٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٤٠- ١٤١.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الثاني: أوجه خيرية هذه الأمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الوجه الأول: إيمانها بالله ﷿</span>\n...\nالمبحث الثاني: أوجه خيرية هذه الأمة\nلم تنل هذه الأمة هذه المكانة السامقة بين الأمم، مصادقة ولا جزافًا ولا محاباة؛ فالله ﷾ منزه عن أن يكون في ملكه شيء من ذلك؛ فكل شيء عنده بمقدار، وهو يخلق ما يشاء ويختار.\nوهو سبحانه عندما أخبر أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بين وجه ذلك وعلته في نفس الآية؛ فقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ فبهذه الأمور الثلاثة العظيمة القدر كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ على أن هذه الأمور ليست هي كل ما كانت به هذه الأمة خير أمة؛ إذ هناك أمور وخلال كثيرة أهلت هذه الأمة لهذه الخيرية، ولكن هذه الثلاثة أهمها وأعظمها، إذ لا تدوم ولا تستمر هذه الخيرية ولا تحفظ إلا بإقامتها وأدائها، فإن فقدت هذه الأمور في جيل من أجيال هذه الأمة لم يكن حريًا بهذه الخيرية التي حظيت بها هذه الأمة.\nوسأعرض فيما يأتي لأهم أوجه هذه الخيرية، محاولًا الإيجاز وعدم الإطالة. فأقول وبالله التوفيق.\nالوجه الأول: إيمانها بالله ﷿\nوهذا الوجه وإن كان يظهر للوهلة الأولى أنه لا اختصاص لهذه الأمة به، فغيرها من الأمم يشاركها فيه، فما من أمة من الأمم بعث إليها رسول من الرسل إلا ووجد فيها من آمن به وصدقه واتبعه؛ إلا أن إيمان هذه الأمة يتميز عن إيمان سائر الأمم بأنه إيمان عام شامل، يشمل جميع الرسل التي أرسلت، والكتب التي أنزلت على جميع الأمم التي خلت ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا","vol":"1","page":210},{"text":"سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ ١. وقال ﷺ في حديث جبريل المشهور في بيان حد الإيمان الواجب على هذه الأمة: \"أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\" ٢.\nفحصل لهذه الأمة المحمدية من الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب ما لم يحصل لغيره باعتبار ما يأتي:\n١- أن هذه الأمة هي آخر الأمم، كما قال النبي ﷺ: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة\" ٣، وقال في حديث آخر: \"نكمل اليوم سبعين أمة نحن آخرها، وخيرها\" ٤، وفي حديث آخر: \"نكمل اليوم سبعين أمة نحن آخرها، وخيرها\" ٤، وفي حديث آخر: \"نحن آخر الأمم وأول من يحاسب\" ٥؛ فآمنت بجميع الرسل والكتب التي قبلها، مع إيمانها برسولها الخاتم، وكتابها المهيمن على جميع الكتب، ولم يقع ذلك إلا ولها؛ فحق لها أن تكون خير الأمم؛ لأنها جمعت خيرما عندهم من الإيمان بالكتب والرسل.\n٢- أن كثيرًا من الأمم التي قبلها، لم تؤمن بمن كان قبلها من الرسل والكتب، وبل كذبوا وكفروا بهم. وسيأتي لذلك زيادة إيضاح عند الكلام على وسطية هذه الأمة في باب أنبياء الله ﷿ إن شاء الله تعالى.\nوهذا الوجه وإن جاء في الآية تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه لمعنى اختلف المفسرون في تحديده٦، إلا أنه باتفاق الجميع هو الأساس الذي بني عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لم يكن ثمت إيمان على أساسه يتصور المعروف فيؤمر به، والمنكر فينهى عنه؛ فليس هناك أمر بمعروف ولا نهي عن منكر بالمعنى الشرعي.\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٨٥.\n٢ م: الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام ١/ ٣٦، ح ١.\n٣ خ: كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة ٢/ ٣٥٤، ح ٨٧٦.\n٤ جه: زهد، باب صفة أمة محمد ﷺ ص ١٤٣٣، ح ٤٢٨٧. وقال الألباني: \"حسن\" صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٢٦.\n٥ جه: زهد، باب صفة أمة محمد ﷺ ص ١٤٣٤، ح ٤٢٩٠. وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وقال الألباني: \"صحيح\" صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٢٧.\n٦ مما قيل في تعليل ذلك:","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الوجه الثاني: أنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر</span>\nوهذا من أعظم ما به كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ فهو من أظهر خصائصها، وأبرز ما تتيمز به عن سائر الأمم، ولذلك قدمهما الله ﷿ في الذكر على الإيمان به تعالى، مع كونه -أي: الإيمان- متقدمًا عليهما في الوجود والرتبة؛ فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقد أمر الله هذه الأمة بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن يكون فيها من يقوم بذلك فقال ﷿: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١، كما أوجب النبي ﷺ ذلك على أمته على حسب الاستطاعة وهي مراتب فقال: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\" ٢.\n_________\n= ١- أنه أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودًا ورتبة؛ لأن دلالتهما على خيريتهم أظهر من دلالته عليها.\n٢- وقيل: للتعريض بأهل الكتاب الذين كانوا يدعون الإيمان، ولا يقدرون على ادعاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم كانوا في مجموعهم لا يتناهون عن منكر فعلوه فهما من خصائص هذه الأمة المميزة لها.\n٣- ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج الإيمان، بهما يستمر نقاؤه وصفاؤه وتوهجه، بل واستمراره، وكلما ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ضعف الإيمان، ودخلت عليه البدع والمعاصي التي تحول دون تمامه وقوته. وراجع: تفسير أبي السعود ٢/ ٧١، وتفسير المنار ٤/ ٦٤، بتصرف.\n١ سورة آل عمران آية ١٠٤.\n٢ م: إيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ١/ ٦٩، ح ٧٨.","vol":"1","page":212},{"text":"قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: \"وأما قوله ﷺ: \"فليغيره\"؛ فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم، ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلاد عذر ولا خوف\"١.\nولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه المثابة، عدهما كثير من السلف شرطًا في استحقاق الخيرية المشار إليها في الآية، مع إيمان بالله ﷿: كما روى ابن جرير ﵀ بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁؛ أنه في حجة حجها قرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: \"يا أيها الناس! من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها\"٢.\nوهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوأخرج عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، يقول: \"على هذا الشرط: أن تأمروا باملعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله\"٣.\nولقد كانت هذه الأمة أكثر الأمم قيامًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل لم يكن في أمة من الأمم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل ما في هذه الأمة؛ إذ كانت أعظم الأمم التي قبلنا وهم بنو إسرائيل مفرطين فيهما غير قائمين بهما كما قص الله ﷿ علينا خبرهم في قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ\n_________\n١ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٢٢- ٢٣. \"ط. الثالثة ١٤٠٤ هـ. دار إحياء التراث العربي\".\n٢ جامع البيان ٧/ ١٠٢.\n٣ نفس المصدر والجزء والصفحة.","vol":"1","page":213},{"text":"بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١.\nفلما قامت هذه الأمة بهذا الأمر مع تقصير غيرها من الأمم وتفريطها فيه، كانت جديرة بما أثبته الله ورسوله لها من الخيرية؛ إذ خير الناس آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، كما جاء عن النبي ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن درة٢ بنت أبي لهب قال: \"قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ فقال ﷺ: خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم \"٣.\n_________\n١ سورة المائدة آية ٧٨- ٧٩.\n٢ وهي: درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، ابن عم النبي ﷺ، أسلمت وهاجرت. انظر: ابن حجر، الإصابة ٤/ ٢٩٧.\n٣ حم: ٦/ ٤٣٢.","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الوجه الثالث: كونها خير الأمم للناس وأنفعها لهم</span>\nوذلك أن هذه الأمة لما قامت بواجب الأمر بالمعورف والنهي عن المنكر، وكان من أعظم المعروف الذي تأمر به الإيمان بالله ﷿ وعبادته وحده، ومن أنكر المنكر الذي تنهى عنه وتحذر الناس منه: الإشراك بالله وعبادة غيره من دونه، كما قال عبد الله بن عباس ﵄: \"تأمرونهم بالمعروف؛ أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و\"لا إله إلا الله\" هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أنكر المنكر\"١؛ إنما كانت في الواقع تدعو الناس إلى ما فيه نفعهم ونجاتهم، وتنهاهم عما فيه هلاكهم، بأذلة في سبيل ذلك النفس والنفيس، ليس لها هدف إلا القيام بما أوجبه الله عليها من هداية الخلق إلى طريق النجاة، وإخراجهم\n_________\n١ ابن جرير الطبري، جامع البيان ٧/ ١٠٥.","vol":"1","page":214},{"text":"من ظلمات الجهل والشك، والوثنية، إلى نور التوحيد والإيمان، وتحريرهم من عبودية العباد إلى عبودية الخالق جلا وعلا، كما قال ربعي بن عامر١ ﵁ لرستم٢ قائد الفرس لما سأله: ما جاء بكم؟ قال: \"الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه، حتى نقضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي\"٣.\nلقد كان هذا الصحابي الجليل خير سفير لهذه الأمة إلى رستم وقومه، ترجم لهم مهمة هذه الأمة، وهدفها، وهو أنها لم تخرج لطلب مال، أو ملك، أو أرض، وغنما أخرجها الله، وابتعثها، كما قال ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ بالبناء للمجهول للدلالة على أنها لم تخرج بنفسها لهوى أو مصلحة ذاتية؛ وإنما أخرجت للناس، الله هو الذي أخرجها؛ لتدعوا بنفسها لهوى أو مصلحة ذاتية؛ وإنما أخرجت للناس، الله هو الذي أخرجها؛ لتدعو الخلق إلى عبادة الخالق دون المخلوق، ليس لها هدف سوى ذلك. فإن هو تحقق كان ذلك غاية ما تطمح إليه وتسعد به \"فمن قبل منا ذلك، قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا\".\nمن أجل ذلك كانت هذه الأمة خير الأمم للناس؛ لأنها تدعوهم إلى\n_________\n١ هو: ربعي بن عامر بن خالد، أمد به عمر المثنى بن حارثة، وكان من ِأشراف العرب، وكان على مجنبه جيش أبي عبيدة إلى العراق، وله ذكر في غزوة نهاوند، وولاه الأحنف بن قيس لما فتح خراسان على طخارستان. قال ابن حجر: \"وقد تقدم غيره مرة أنهم كانوا لا يؤمرون إلا الصحابة\". الإصابة ١/ ٥٠٣.\n٢ وهو: رستم بن الفرخزاذ الأرمني، قائد الفرس في القادسية. انظر: ابن كثير، البداية والنهاية ٧/ ٣٨.\n٣ ابن جرير، تاريخ الأمم والمملوك ٣/ ٥٢٠. وانظر: ابن كثير، البداية والنهاية ٧/ ٤٠.","vol":"1","page":215},{"text":"الخير، ولا ترجو منهم ثمنًا له؛ بل تجاهد من يحول بينها وبين تبليغ عباد الله دين الله، حتى يخلي بينهم وبينه، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إذا تبين للناس الرشد من الغي كما قال ﷿: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ١. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ٢.\nلكن هذه الأمة بما أوتيت من حب الخير للغير، تكره للناس أن ينتهوا إلى هذا المصير الرهيب، وتجهد نفسها -في غير ولا أذى- في سبيل أن تحول بينهم وبينه.\nإن أمة تحمل للبشرية كل هذا الخير، غير مبالية بما تلقى من عنت، وسغب، ونصب، بما في ذلك القتل والقتال، وفراق المال والعيال. لهي بحق خليفة بأن تكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنها تسعى لنفعهم وهدايتهم وإنقاذهم من العذاب والعقاب الذي ينتظرهم.\nيقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ في هذا المعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنها تسعى لنفعهم وهدايتهم وإنقاذهم من العذاب والعقاب الذي ينتظرهم.\nيقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ في هذا المعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: \"خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلون في الإسلام\"٣.\nوكذا قال غير واحد من السلف كابن عباس٤، ومجاهد، وعكرمة، والربيع بن أنس وغيرهم٥.\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٥٦.\n٢ سورة الكهف آية ٢٩.\n٣ خ: تفسير، باب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٨/ ٢٢، ح ٤٥٥٧ موقوفًا.\n٤ انظر: السيوطي، الدر المنثور ٤/ ٢٩٤.\n٥ انظر: ابن كثيرِ، تفسير القرآن العظيم ٢/ ٧٧.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الوجه الرابع: كونهم أكثر الناس استجابة للأنبياء</span>\n...\nالوجه الرابع: كونهم أكثر استجابة للأنبياء\nأشار إلى هذا الوجه الإمام ابن جرير ﵀ بقوله: \"وقال آخرون إنما قيل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام، ثم روى عن الربيع١ أنه قال في الآية: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة؛ فمن ثم قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢.\nيدل لذلك ما جاء في الصحيح من كونه ﷺ أكثر الأنبياء تبعًا. كما في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد\" ٣ وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة\" ٤.\nيوضح النبي ﷺ مبلغ هذه الكثرة فيقول في الحديث الذي رواه ابن عباس ﵄: \"عرضت على الأمم؛ فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط٥، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه. قيل: انظر إلى الأفق؛ فإذا سواد يملأ الأفق. ثم قيل لي: انظر هاهنا، وهاهنا -في آفاق السماء- فإذا سواد قد ملأ الأفق، وقيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير\n_________\n١ هو: الربيع بن أنس البكري البصري ثم الخراساني. روى عن أنس بن مالك وأبي العالية. قال العجلي: صدوق، وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إلي في أبي العالية، وقال النسائي: ليس به بأس. توفي سنة ١٣٩، وقيل: ١٤٠ هـ. ابن حجر، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٨.\n٢ انظر: جامع البيان ٧/ ١٠٣.\n٣ م: الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ١/ ١٨٨، ح ٣٣٢.\n٤ نفس المصدر والجزء والصفحة ح ٣٣١.\n٥ الرهط: عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة، وقال بعضهم: من سبعة إلى عشرة. وقيل: الرهط ما دون العشرة من الرجال. انظر: ابن منظور، لسان العرب ٧/ ٣٠٥، مادة \"رهط\".","vol":"1","page":217},{"text":"حساب\" ١.\nوهذه النصوص الصحيحة صريحة في بيان أن المؤمنين المتبعين للنبي ﷺ من هذه الأمة، أكثر من المتبعين لأي نبي من الأنبياء من الأمم السابقة؛ فهذه الأمة أقرب الأمم إلى الحق واعتناقه، وهذه علامة الخير والرشد، وبذلك كانت ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ لكون المؤمنين والمهتدين منها أكثر منهم في الأمم قبلها.\n_________\n١ خ: كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو ١٠/ ١٥٥، ح ٥٧٠٥.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الوجه الخامس: كونها لا تجتمع على ضلالة</span>\nوذلك أنها أمة ورثت الرسل في القيام بهداية البشرية ودعوتها إلى ما دعا إليه سائر الرسل من الإيمان بالله وعبادته وحده؛ فهي ذات رسالة تبلغها، وتستمر في إبلاغها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nولذلك ما كان لهذه الأمة أن تضل عن مهمتها ورسالتها مهما طال عليها الأمد، وامتد بها الأجل؛ لأنها إن ضلت هي فلن يهتدي أحد، لانقطاع الوحي والرسالة.\nوقد يضل بعض أفراداها وطوائفها عن الحق؛ بل قد يكفر ويلحد وينافق طوائف منها ولكنها لا تجمع ولا تجتمع على ذلك أبدًا. بذلك أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ؛ فقال فيما رواه أنس بن مالك ﵁: \"إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة\" ١، بخلاف من قبلها من الأمم؛ فإنه كان الحق يغلب فيهم حتى لا تقوم به طائفة منهم، فهؤلاء أهل الكتاب، اليهود منهم\n_________\n١ ابن أبي عاصم: السنة ١/ ٤١، وحسنه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بمجموع طرقه.\nانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٣١٩- ٣٢٠، ح ١٣٣١.","vol":"1","page":218},{"text":"والنصارى، اندثر الحق والدين الصحيح بينهم وانقرضت الفرقة التي كانت على الحق أو انحرفت، وأصبحت فرقهم كلها على ضلال وكفر وشك وشرك؛ فهاهم اليوم بسائر فرقهم وطوائفهم قد أجمعوا على الضلالة والكفر وأعرضوا عما جاء به الإسلام من الحق؛ فليس منهم رجل رشيد.\nأما هذه الأمة؛ فإنها والحمد لله لا تجتمع على ضلالة أبدًا؛ بل لا بد أن يبقى منها طائفة على الدين الصحيح ظاهرة قائمة به، كما قال ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون\" ١، وفي رواية أخرى: \"لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة\" ٢.\nفأمة تثبت على الخير والإيمان ولا يضمحل فيها نور النبوة والإسلام، بل يبقى مشتعلًا مضيئًا في يدها تحمله جيلًا بعد جيل إلى أن تلقى الله به آخر طائفة منها، لا شك أنها خير الأمم التي عرفتها البشرية، بما لم توغل، كما أوغل الكثير من الأمم قبلها في الكفر والضلالة، وبما بقي بها من الخير والهدى ما لم يبق في غيرها من الأمم.\n_________\n١، ٢ تقدم تخريجهما انظر: ص ١٢٢.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الوجه السادس: كون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتب السماوية</span>\n...\nالوجه السادس: كون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتاب السماوية\nوذلك من وجوه:\n١- أنه الكتاب الذي وصفه الله بأنه أحسن الحديث الذي أنزله؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١.\n_________\n١سورة الزمر آية ٢٣.","vol":"1","page":219},{"text":"قال الحافظ ابن كثير: \"هذا مدح من الله -﷿- لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسول الكريم\"١، وهو نص في أن القرآن الكريم أحسن وأفضل من غيره من الكتب السماوية التي أنزلها الله ﷿ قبله.\n٢- أنه الكتاب السماوي الوحيد الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من الزيادة والنقصان ومن التحريف والتبديل؛ فقال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢ فالمراد بالذكر: القرآن، والضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ راجع إليه على الصحيح.\nقال فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية، أن الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ راجع إلى الذكر الذي هو القرآن، وقيل: الضمير راجع إلى النبي ﷺ كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٣ والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق\"٤.\nوأخبر جلا وعلا: أن الباطل لا يتطرق إليه بحال؛ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٥؛ فكتاب هذه الأمة محفوظ بحفظ الله له، وقد مضى على نزوله الآن أربعة عشر قرنًا من الزمان، ولا يزال كما أنزله الله على عبده ورسوله محمد ﷺ، لم يستطع أحد أن يزيد فيه حرفًا، أو ينقص منه حرفًا، أو يبدل فيه حرفًا مكان آخر؛ فهو محفوظ في السطور والصدور، يحفظه عشرات الآلاف من المسلمين، ولو أراد مريد أن يزيد فيه حرفًا أو ينقصه منه لرد عليه صغار أبناء المسلمين قبل كبارهم وذلك من حفظ الله له.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٧/ ٨٤.\n٢ سورة الحجر آية ٩.\n٣ سورة المائدة آية ٦٧.\n٤ انظر: أضواء البيان ٣/ ١٠٧.\n٥ سورة فصلت آية ٤١- ٤٢.","vol":"1","page":220},{"text":"وهذه حقيقة ملموسة يعترف بها أعداء الإسلام فضلًا عن أبنائه.\nيقول وليم ميمور في كتابه \"حياة محمد\": وهو معروف بتحامله على الإسلام ونبيه ﷺ: \"لم يمض على وفاة محمد -ﷺ- ربع قرن حتى نشأت منازعات عنيفة، وقامت طوائف، وقد ذهب عثمان -﵁- ضحية هذه الفتن ولا تزال هذه الخلافات قائمة؛ ولكن القرآن ظل كتاب هذه الطوائف الوحيد، إن اعتماد هذه الطوائف جميعًا على هذا الكتاب تلاوة، برهان ساطع على أن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو الصحيفة التي أمر الخليفة المظلوم بجمعها وكتابتها؛ فلعله هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصًا محفوظًا من التحريف طيلة ألف ومائتي سنة\"١.\nويقول وهيري في تفسيره للقرآن:\n\"إن القرآن أبعد الصحف القديمة بالإطلاق عن الخلط والإلحاق، وأكثر صحة وأصالة\"٢.\nويقول المستشرق لين بول \"١٨٣٢- ١٨٩٥\"٣:\n\"إن أكبر ما يمتاز به القرآن أنه لم يتطرق شك إلى أصالته، إن كل حرف نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير منذ ثلاثة عشر قرنًا\"٤.\nوذلك بخلاف الكتاب السماوية السابقة، التي طرأ عليها الكثير من التحريف والتبديل، والزيادة والنقصان، بل والضياع أيضًا، وكان من ذلك ما\n_________\n١ حياة محمد ص٢٢- ٢٣، ط. ١٩١٢. اقتبسه الشيخ أبو الحسن علي الحسن الندوي في كتابه النبوة والأنبياء في ضوء القرآن ص٢١٢، ط. دار القلم السادسة.\n٢ ج١/ ٣٤٩، اقتبسه الشيخ أبو الحسن الندوي. المصدر السابق، نفس الصفحة.\n٣ عالم في الآثار المصرية، له عدة مؤلفات، انظر: المستشرقون، لنجيب العقيقي ٢/ ١٦٤.\n٤ عن كتاب \"النبوة والأنبياء، لأبي الحسن الندوي ص ٢١٣\".","vol":"1","page":221},{"text":"أشار إليه الحق ﵎ في غير ما آية من كتابه العزيز كقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٢.\nوقوله ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ ٣.\nوذلك لأن الله ﷿ لم يتكفل بحفظها؛ وإنما وكل ذلك إلى أهلها فضيعوا وحرفوا وبدلوا. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ ٤.\nقال الشيخ محمد الأمين -﵀ عليه: \"فإن قيل: ما الفرق بين التوراة والقرآن؛ فإن كلا منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله عليهم، والتوراة حرفت، وبدلت. والقرآن محفوظ من التحريف والتدبيل، ولو حرف منه أحد حرفًا واحدًا فأبدله بغيره أو زاد فيه حرفًا أو نقص منه آخر لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلًا عن كبارهم؟\nقال: فالجواب: أن الله استحفظهم التوراة، واستودعهم إياها؛ فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمدًا، والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى\n_________\n١ سورة البقرة آية ٧٥.\n٢ سورة البقرة آية ٧٩.\n٣ سورة آل عمران ٧٨.\n٤ سورة المائدة آية ٤٤.","vol":"1","page":222},{"text":"أحد حتى يمكنه تضييعه؛ بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات\"١.\n٣- أنه الكتاب المهيمن على الكتب قبله:\nلما كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية المنزلة، وهو الكتاب الذي يحمل الصورة الأخيرة لدين الله، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن المرجع الأخير في عقائد الناس، وشرائعهم ونظام حياتهم٢؛ فقد جعله الله الكتاب المهيمن على الكتب المنزلة قبله، فقال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٣؛ أي: هو الشهيد والأمين والمؤتمن والرقيب والحاكم على كل كتاب قبله كما أثر ذلك عن ابن عباس وغيره٤. يقول العلامة ابن كثير ﵀: \"وهذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى؛ فإن اسم \"المهيمن\" يتضمن هذا كله، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، وجعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٥، ٦.\n٤- أنه الكتاب الوحيد الذي تحدى الله البشر أن يأتوا بسورة من مثله:\n_________\n١ أضواء البيان ٢/ ٨٩- ٩٠.\n٢ انظر: سيد قطب في ظلال القرآن ٢/ ٧٤٧.\n٣ سورة المائدة: آية ٤٨.\n٤ راجع: ابن جرير، جامع البيان ١٠/ ٣٧٧- ٣٧٨.\n٥ سورة الحجر: آية ٩.\n٦ انظر: تفسير القرآن العظيم ٣/ ١١٩.","vol":"1","page":223},{"text":"القرآن الكريم معجزة الله الخالدة، التي آتاها نبيه ﷺ، للدلالة على صدقه ونبوته، فتحدى به الجن والإنس، أن يأتوا بمثله فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٢، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله؛ فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣؛ فلما لم يستطيعوا تحداهم أن يأتوا بسورة، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ ٤.\nوهذا التحدي هو من خصائص هذا الكتاب العزيز، ولم يقع لكتاب قبله؛ لأن الله ﷿ لم يجعلها معجزة لأنبيائه؛ وإنما اختص كل نبي منهم بمعجزة رئيسه من جنس ما برع فيه قومه؛ فكانت معجزة موسى ﵇ \"العصى\" و\"اليد\" لبروع قومه في السحر، وجعل معجزة عيسى ﵇ إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص لبروز قومه في الطب، ثم جعل معجزة نبينا ﷺ هذا الكتاب الكريم المعجز بنظمه ومعناه فتحدى به العرب مع فصحاتهم وبلاغتهم التي عرفوا بها.\nيقول ﷺ: \"ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر؛ وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله، فأرجو أن أكون أكثر تابعًا يوم القيامة\" ٥، قال الإمام ابن كثير في معنى قوله ﷺ في الحديث: \"إنما كان الذي أوتيته وحيًا\" أوحاه الله؛ فأرجو أن أكون أكثر تابعًا يوم القايمة\" ٥. قال الإمام ابن كثير في معنى قوله ﷺ في الحديث: \"إنما كان الذي أوتيته وحيًا\": \"أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن\n_________\n١ سورة الإسراء آية ٨٨.\n٢ سورة الطور آية ٣٤.\n٣ سورة هود آية ١٣.\n٤ سورة يونس آية ٣٨.\n٥ خ: فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي ٩/ ٣، ح ٤٩٨١.","vol":"1","page":224},{"text":"يعارضوه بخلاف غيره من الكتب الإلهية؛ فإنها ليست معجزة والله أعلم\"١.\nوبعد: فهذا غيض من فيض من فضائل هذا الكتاب العظيم، الذي أنزل على هذه الأمة؛ فهو الكتاب الوحيد الذي وصفه الله بأنه أحسن الحديث، والكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من بين سائر كتبه، وهو الكتاب الذي جعله الله مهيمنًا وشاهدًا على ما قبله من الكتب، حاويًا لأفضل وأحسن ما جاء فيها، وزايدًا عليها بفضائل كثيرة وهو الكتاب الوحيد الذي تحدي الله الجن والإنس أن يأتوا بمثله أو بمثل سورة من سوره.\nوإن اختيار الله ﷿ لكتاب بهذه العظمة وهذا الفضل ليكون الكتاب الذي ينزل على هذه الأمة ليدل على فضل هذه الأمة وخيريتها.\nيقول الإمام ابن كثير -يعد إيراده حديث بهز بن حكيم: \"أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\"٢-: \"وإنما فازوا بهذه ببركة الكتاب العظيم القرآن الذي شرفه الله على كل كتاب أنزله وجعله مهيمنًا عليه وناسخًا له وخاتمًا له\"٣.\nوقال الحافظ ابن حجر مبينًا مناسبة إيراد الإمام البخاري لحديث ابن عمر عن النبي ﷺ: \"إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس ومثلكم ومثل اليهود والنصارى، كمثل رجل استعمل عمالًا؛ فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود، فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء،\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ١/ ٨٩.\n٢ تقديم تخريجه. انظر: ص ٢٠٥ هامش ٤، وص ٢٠٨ هامش ٧.\n٣ انظر: ابن كثير، فضائل القرآن ص٦١ \"ط. مكتب مشرق لطباعة الأوفست- طنطا، نشر: مكتبة الصحابة\".","vol":"1","page":225},{"text":"قال: هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلي أوتيه من شئت\"١ في باب \"فضل القرآن على سائر الكلام\" قال: \"ومناسبة الحديث -أي: للباب- من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به\"٢.\n_________\n١ خ: كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآ، على سائر الكلام ٩/ ٦٦، ح ٥٠٢١.\n٢ فتح الباري ٩/ ٦٧.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الوجه السابع: كون نبيها أفضل الأنبياء والرسل عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام</span>\nلقد بين الله ﷿ في كتابه الكريم أنه فضل بعض الرسل والأنبياء على بعض؛ فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ١، وقال في آية أخرى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ٢.\nقال الإمام ابن كثير: \"ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصًا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٣، وفي الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤، ولا خلاف أن محمدًا ﷺ أفضلهم ثم بعده إبراهيم ثم موسى على المشهور\"٥.\n_________\n١ سورة البقرة: آية ٢٥٣.\n٢ سورة الإسراء: آية ٥٥.\n٣ سورة الأحزاب: آية ٧.\n٤ سورة الشورى: آية ١٣.\n٥ تفسير القرآن العظيم ٥/ ٨٥.","vol":"1","page":226},{"text":"فنبينا ﷺ أفضل الخلق قاطبة، وهو سيد البشر، كما أخبر عن ذلك ﷺ في قوله: \"أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ \" ١، ثم بين ﷺ أنه يشفع للخلق يوم القيامة حين لا يشفع هذه الشفاعة العظمى غيره من الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام.\nوقال ﷺ في حديث آخر: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع\" ٢.\nوهو ﷺ حين يقول ذلك ويخبر به لا يقوله من باب التفاخر والتعالي؛ فقد صرح بنفي الفخر في رواية أخرى فقال: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\" ٣؛ وإنما قاله لوجهين:\nأحدهما: امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ٤.\nوالثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه ﷺ بما تقتضي مرتبته، كما أمرهم الله تعالى٥.\nولأنه لا يمكننا معرفة ذلك إلا بخبره ﷺ؛ إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله٦.\n_________\n١ م: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ص١٨٤، ح ٣٢٧، وص١٨٦، ح ٣٢٨.\n٢ م: كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق ص١٧٨٢، ح ٢٢٧٨.\n٣ جه: كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة ٢/ ١٤٤٠، ح ٤٣٠٨. وصححه الألباني، انظر: صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٣٠، \"شرح الطحاوية ص ١٧٠.\n٤ سورة الضحى: آية ١١.\n٥ النووي، شرح صحيح مسلم ١٥/ ٣٧.\n٦ انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية ١٧٤.","vol":"1","page":227},{"text":"ولا يشكل على تفضيله ﷺ على غيره من الأنبياء والمرسلين، ما ورد من قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: \"لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش؛ فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله\" ١، وقوله ﷺ في رواية أخرى: \"لا تفضلوا بين الأنبياء\" ٢، وقوله ﷺ: \"لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى\" ٣.\nفإن المراد بالنهي: التفضيل المؤدي إلى تنقص المفضول من الأنبياء وهذا غير لازم لتفضيل النبي ﷺ؛ لأنهم أفاضل وهو أفضلهم من غير نقص أو تنقص لمكانتهم صلوات الله وسلامه عليهم.\nوقال بعض أهل العلم: \"المراد بالنهي: التفضيل المؤدي إلى الخصومة والتنازع، وقال بعضهم: أنه ﷺ نهى عن تفضيله على موسى أو غيره من الأنبياء تواضعًا وتأدبًا؛ وإلا فهو أفضلهم\"٤.\nعموم رسالته:\nوإن من أعظم ما به فضل نبي هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، ما خصه الله به، من عموم البعثة، وشمول الرسالة لجميع الأمم، وليس ذلك لأحد قبله من إخوانه الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n_________\n١ خ: الأنبياء، باب وفاة موسى ٦/ ٤٤١، ح ٣٤٠٨.\n٢ هو رواية أخرى لحديث أبي هريرة قبله.\nانظر: الفتح ٦/ ٤٤٤، وتخريج الألباني لشرح الطحاوية ص١٧١.\n٣ خ: أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ٦/ ٤٥٠، ح ٣٤١٣.\n٤ انظر: تفصيل ذلك في المراجع التالية: فتح الباري ٦/ ٤٤٦، وشرح النووي على مسلم ١٥/ ٣٨، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٤٤٩، وشرح العقيد الطحاوية ص١٧١ وما بعدها.","vol":"1","page":228},{"text":"وفي بيان عموم رسالته يقول المولى ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١. قال الإمام ابن جرير في تفسيرها: \"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ \"قُلْ\" يا محمد للناس كلهم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعضِ، كما كان من قبلي من الرسل مرسلًا إلى بعض الناس دون بعض؛ فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم\"٢.\nوقال الإمام ابن كثير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، ثم ذكر بعض الآيات الدالية على ذلك وقال: والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر.\nوهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم\"٣.\nومن الآيات الدالة على عموم رسالته ﷺ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٤، وقوله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ٥. ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما جاء في الصحيين من حديث جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بارعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي،\n_________\n١ سورة الأعراف: آية ١٥٨.\n٢ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٣/ ١٧٠.\n٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٨٨.\n٤ سورة سبأ آية ٢٨.\n٥ سورة الأنبياء آية ١٠٧.","vol":"1","page":229},{"text":"وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\" ١.\nوكل الأنبياء والرسل قبله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، كانوا يبعثون إلى أقوامهم خاصة دون غيرهم. كما أخبر الله ﷿؛ فقال عن نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٢. وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٣. وقال عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ٤، وقال عن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ٥، وقال عن لوط ﵇: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ٦ وقال عن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ ٧، وقال عن موسى ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِه﴾ ٨، وقال عن عيسى ﵇: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٩. وقال في حق محمد ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ لجميع الناس؛ بل والجن أيضًا، قد ثبت أنه ﷺ مرسل إليهم أيضًا، وقد بلغهم ﷺ كما ِأخبر المولى بذلك في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ\n_________\n١ خ: التيمم، ١/ ٤٣٥- ٤٣٦، ح ٣٣٥، م.:المساجد، ٢/ ٦٣.\n٢ سورة نوح: آية ١.\n٣ سورة الأعراف: آية ٥٩.\n٤ سورة الأعراف: آية ٦٥.\n٥ سورة الأعراف: آية ٧٣.\n٦ سورة الأعراف: آية ٨٠.\n٧ سورة الأعراف: آية ٨٥.\n٨ سورة هود: آية ٩٦- ٩٧.\n٩ سورة آل عمران: آية ٤٩.","vol":"1","page":230},{"text":"وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ ١.\nقال الإمام البيهقي: \"فبان بقوله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ أنهم عرفوا أنه مبعوث إليهم، وسمعوا دعوته إياهم والذين لم يحضروه من جملتهم؛ فلذلك قالوا: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، فقالوا: آمنا به\"٢، كما دل على ذلك قوله ﷿: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ٣.\nوقال الإمام ابن كثير في تفسيره لآية \"الأحقاف\": \"فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن؛ حيث دعاهم إلى الله وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّه﴾ ٤.\nختم النبوة به:\nومما يدل على مبلغ فضله ﷺ وعلو مقامه، أن الله ختم به النبوات، وبرسالته الرسالات، فلا تحتاج البشرية بعده إلى نبي، ولا بعد رسالته ودينه الكامل الشامل إلى رسالة أو دين. يقول ﷿: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٥.\nوفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ\n_________\n١ سورة الأحقاف آية ٢٩- ٣١.\n٢ الجامع لشعب الإيمان، \"ط. الأولى ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م. نشر: الدار السلفية، بومباي - الهند\"، ٤/ ١٠٤.\n٣ سورة الجن: آية ١- ٢.\n٤ تفسير القرآن العظيم ٧/ ٢٨٦.\n٥ الأحزاب: آية ٤٠.","vol":"1","page":231},{"text":"قال: \"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا؛ فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين\" ١.\nوبعد: فإن هذه الأمة إنما حازت قصب السبق إلى الخيرات بينهما محمد ﷺ؛ فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، بعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيًا قبله ولا رسولًا من الرسل؛ فالعمل على منهاجه وسبيله، يقول القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه٢.\nولأمة يختار الله لها أفضل رسله، وأعلاهم مكانة ومنزلة عنده وأحبهم إليه فيبعثه فيها هاديًا ونبيًا ورسولًا. لهي أمة حرية بأن تكون خير أمة؛ لأنها أمة خير الخلق والرسل منه تعلمت وعلى يديه تربت وبه بذت الأمم.\n_________\n١ خ: كتاب المناقب، باب خاتم النبيين ٦/ ٥٥٨، ح ٣٥٣٥.\n٢ انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٢/ ٧٨.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الوجه الثامن: تقديمها على الأمم في الحشر والحساب يوم القيامة ودخول الجنة مع كونها آخر الأمم</span>\nإن مما يدل على فضل هذه الأمة، وكونها خير الأمم ما خصها اللهبه من التكريم والتشريف وتقديمها على سائر الأمم يوم القيامة في الحشر والحساب، كما قال ﷺ: \"نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون والأولون\" ١.\nوفي \"الصحيح\" أنه ﷺ قال: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة؛ بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله؛ فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد\" ٢.\n_________\n١ تقدم تخريجه، انظر ص٢١١.\n٢ خ: كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة ٢/ ٣٥٤، ح ٨٧٦.","vol":"1","page":232},{"text":"يقول الحافظ ابن حجر في \"شرحه\": \"أي: نحن الآخرون زمانًا السابقون منزلة، قال: والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية؛ فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يحشر وأول من يحاسب وأول من يقضي بينهم، وأول من يدخل الجنة.\nوقيل: المراد بالسبق: إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل وهو يوم الجمعة، ويوم الجمعة وإن كان مسبوقًا بسبت قبله أو أحد لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا\"١.\nوظاهر الحديث يشمل الأمرين؛ فقد نص على سبقها يوم القيامة، كما هو نص في سبقها في الاهتداء لأفضل الأيام الذي هو يوم الجمعة مع تأخرها عن اليهود والنصارى في الزمان والله تعالى أعلم.\nوهي كذلك أول الأم دخولًا الجنة، مع كونها آخر الأمم زمانًا، وذلك من تكريم الله لها، وتفضيله إياها، يقول ﷺ في ذلك: \"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة\" ٢:\n_________\n١ فتح الباري ٢/ ٣٥٤.\n٢ م: كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ص٥٨٥، ح ٢٠ \"٨٥٥\".","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الوجه التاسع: كونها أكثر أهل الجنة</span>\nلا كانت هذه الأمة أكثر الأمم استجابة للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، حتى كان ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا، امتازت بأنها أكثر من يدخل الجنة من الأمم. وفي ذلك دلالة جلية على فضلها وخيريتها.\nيقول ﷺ: \"أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفس محمدبيده؛ إني لأرجو أن تكونوا","vol":"1","page":233},{"text":"شطر أهل الجنة الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر\" ١.\n_________\n١ خ: كتاب الرقاق، باب كيف الحشر ١١/ ٣٧٨، ح ٦٥٢٨.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الفصل الثالث: اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط والغلو والتقصير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>تمهيد</span>\n...\nتمهيد:\nتقدم في أول هذا الباب أن الاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو أحد معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١. وهو المعنى الذي مقال إليه الإمام ابن جرير ﵀ في تفسير الآية كما تقدم على أن اختياره له، لا ينافي المعاني الأخرى الثابتة في معنى الوسطية، والتي تقدم الكلام عليها في الفصلين السابقين من هذا الباب.\nوإن المتأمل في دين هذه الأمة واعتقادها، وعبادتها ومعاملاتها، ومواقفها بعامة؛ ليدرك أن الاعتدال والتوازن والتوسط أحد الخصائص الهامة التي تميزت بها هذه الأمة.\nفهي وسط بين الأمم، آخذه بزمام الاعتدال والتوازن، بعيدة عن طرفي الإفراط والغلو، والتفريط والتقصير والجفاء إذ كلاهما مذموم غير محمود، وغاية البعد عنهما هو التوسط بينهما؛ إذ هو نقطة التوازن والاعتدال.\nولعل من أهم مظاهر اعتدالها وتوسطها؛ كونها وسطًا بين الأمم الجوانب التالية:\n١- في توحيد الله وصفاته:\nفهي وسط في ذلك بين اليهود والنصارى.\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٤٣.","vol":"1","page":237},{"text":"فاليهود وصفوا الرب بصفات النقص التي يختص بها المخلوق، وشبهوا الخالق بالمخلوق؛ فقالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السماوات والأرض تعب فاستراح يوم السبت. إلى غير ذلك من قبيح قولهم.\nوالنصارى: وصفوا المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها؛ فشبهوا المخلوق بالخالق؛ حيث قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب.\nوالمسلمون: وحدوا الله ﷿، ووصفوه بصفات الكمال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، وأن يشابهه أو يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات، وقالوا: ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته١.\n٢- في أنبياء الله ورسله:\nفهذه الأمة في هذا الباب أيضًا وسط بين اليهود والنصارى.\nفاليهود: قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس، ورموهم بارتكاب الكبائر، وكذبوهم، وجفوهم، واستكبروا عن اتباعهم.\nوالنصارى: غلوا فيهم فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح ابن مريم.\nوأما المسلمون: فأنزلوهم منازلهم وعزروهم ووقروهم، وصدقوهم ولم يكذبوهم وأحبوهم وأطاعوهم وآمنوا بهم جميعًا عبيدًا لله رسلًا مبشرين ومنذرين، ولم يعبدوهم أو يتخذوهم أربابًا من دون الله.\n_________\n١ راجع: شيخ الإسلام ابن تيمية، منهاج السنة ٥/ ١٦٨- ١٦٩، والوصية الكبرى ص ١٤.","vol":"1","page":238},{"text":"٣- في الشرائع:\nفاليهود: منعوا الخالق أن يبعث رسولًا بغير شريعة الرسول الأول، وقالوا: لا يجوز أن ينسخ ما شرعه، أو يمحو ما يشاء ويثبت.\nوالنصارى: جوزوا لأحبارهم وأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا، كما ذكرالله ذلك عنهم؛ بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١، جاء في حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال بعد هذه الآية: \"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم؛ ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه\" ٢.\nوالمسلمون: قالوا: لله الخلق والأمر، يمحوا ما يشاء ويثبت، وقالوا: إن الله يحكم ما يريد، وأما المخلوق؛ فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى، مهما بلغت منزلته وعظم قدره.\n٤- في أمر الحلال والحرام:\nهي في ذلك أيضًا متوسطة معتدلة، وهي وسط بين اليهود والنصارى.\nفاليهود: حرم عليهم كثير من الطيبات؛ مما حرمه إسرائيل على نفسه ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ٣، ومما حرمه الله عليهم جزاء بغيهم وظلمهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ\n_________\n١ سورة التوبة: آية ٣١.\n٢ ت: كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة ٥/ ٢٧٨، ح ٣٠٩٥، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. وقال الألباني: \"حسن\" صحيح الترمذي ٣/ ٥٦، ح ٢٤٧١.\n٣ سورة آل عمران: آية ٩٣.","vol":"1","page":239},{"text":"الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ١.\nوالنصارى: أسرفوا في الإباحة، وأحلوا ما نصت التوراة على تحريمه، ولم يأت المسيح بإباحته؛ فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، كالميتة والدم ولحم الخنزير، حتى إنهم يتعبدون بالنجاسات كالبول والغائط ولا يغتسلون من جنابة، ولا يتطهرون لصلاة، وكلما كان الراهب عندهم أبعد عن الطهارة وأكثر ملابسة للنجاسات كان مغظمًا عندهم٢.\nوالمسلمون: أحلوا ما أحله الله ورسوله لهم من الطيبات، وحرموا ما حرم عليهم من الخبائث، واتبعوا في ذلك ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٣.\n٥- في العبادة:\nوهم وسط في ذلك بين:\nاليهود: الذين أعرضوا عن العبادات، واستكبروا عن عبادة الله، وتشاغلوا بالشهوات، وعبدوا أنفسهم للمادة، واشتغلوا بديناهم عن دينهم وآخرتهم؛ حتى إنك تكاد لا تجد فيما بين أيديهم من كتابهم ذكرًا للجزاء الأخروي على الأعمال والعبادات؛ وإنما يجعلون جزاء ذلك في الدنيا، من زيادة في المال والرزق ومعافاة في الجسد والبدن، وإن وجد ذكر لذلك وهو قليل، فعمل القوم على خلافه.\n_________\n١ سورة النساء: آية ١٦٠- ١٦١.\n٢ انظر: ابن تيمية، كتاب الصفدية، بتصرف ٢/ ٣١٣، \"بتحقيق د. محمد رشاد سالم، ط. الثانية ١٤٠٦ هـ\".\n٣ سورة الأعراف من آية ١٥٧.","vol":"1","page":240},{"text":"والنصارىِ: غلوا في الرهبنة، وتعبدوا ببدع ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أمرهم بها نبي ولا رسول، فاعتزلوا الناس، وانقطع عبادهم في الأديرة والخلوات وألزموا أنفسهم ما لم يلزمهم الله به مما يشق على النفس والجسد، ويغالب الفطرة البشرية ويضادها؛ فلم يستطيعوا الوفاء ألزموا أنفسهم به من ذلك كما قال ﷿ عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١.\nوالمسلمون: عبدوا الله وحده بما شرع، ولم يعرضوا ويستكبروا عن عبادته كما فعل اليهود، ولم يبتدعوا في عبادتهم ما لم يأذن به الله، كما فعل النصارى.\nولم يقصروا فيما فرض عليهم من العبادات، وأمروا به من الفراض والنوافل ولم يفرطوا في التعبد فيحملوا أنفسهم ما لا يطيقون؛ بل كانوا بين ذلك على صراط مستقيمِ، فصاموا وأفطروا، وقاموا الليل، وناموا، وتزوجوا النساء وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنسهم ولم ينسو نصيبهم وحظوظهم من الدنيا، قدوتهم في ذلك نبهيم ﷺ.\nوبعد:\nفجوانب وسطية هذه المة كثيرة ومظاهر ذلك يتعذر علينا حصرها، بله تفصيلها؛ فليس ذلك بسمتطاع في مثل هذا المقام؛ ولكن سنكتفي بما سبق أن أجملنا ذكره من ذلك، وسنعرض بشيء من التفصيل للمظهر الأول والثاني في المبحثين الآتيين، وبالله التوفيق.\n_________\n١ سورة الحديد من آية ٢٧.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبحث الأول: وسطيتها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>مدخل</span>\n...\nالمبحث الأول: وسطيتها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته\nإن المتأمل في كتاب الله ﵎ وما جاء فيه عن دعوات الرسل وما أنزل عليهم من الكتب ليخرج بحقيقة واحدة، أطبق عليها جمع الرسل، وأنزلت بها جميع الكتب السماوية. هذه الحقيقة هي: الدعوة إلى توحيد الله وعبادته دون سواه؛ فهي أس الرسالات وعمودها الفقري، وهي القاسم المشترك بينها. وإن اختلفت بعد ذلك الشرائع والمناهج فما من نبي أرسل ولا كتاب أنزل إلا وكان أول ما يدعوا إليه هو توحيد الله ﵎.\nيقول الله ﷿ في تقرير هذه الحقيقة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١، وفي آية أخرى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.\nوإذا استعرضنا القرآن الكريم في حديثه عن رسل الله عليهم الصلاة والسلام نجد أن كل رسول قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣. ابتداء من أولهم نوح ﵇، وانتهاء بخاتمهم نبينا محمد ﷺ.\nفالأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد، وهو الإسلام، وشرائعهم مختلفة كما قال المصطفى ﷺ: \"أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا\n_________\n١ سورة النحل: آية ٣٦.\n٢ سورة الأنبياء: آية ٢٥.\n٣ انظر مثلًا: سورة المؤمنين: آية ٢٣، والأعراف: آية ٦٥، ٧٣، ٨٥، والعنكبوت: آية ١٦، والمائدة: آية ٧٢.","vol":"1","page":242},{"text":"والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد\" ١.\nقال الحافظ ابن حجر: \"ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع. وقيل المراد: أن أزمنتهم مختلفة\"٢.\nوقال الحافظ ابن كثير في معنى الحديث: \"أي: القدر المشترك بينهم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٣، ٤.\nوكل الأنبياء أخبروا بأنهم مسلمون ودعوا قومهم للإسلام٥؛ لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله غيره ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٦، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٧.\nوهذا يدل على أن دين جميع الأنبياء واحد وهو الإسلام ودعوتهم واحدة وهي الدعوة لتوحيد الله ﷿ وإفراده بالعبادة، على هذا مضى رسل الله والمسلمون من أممهم.\nولكن قومهم غيروا وبدلوا بعدهم، وحرقوا وأدخلوا في دين الله ما لم يأذن\n_________\n١ خ: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٦/ ٤٧٨، ح ٣٤٣٤.\n٢ فتح الباري ٦/ ٤٨٩.\n٣ سورة المائدة: آية ٤٨.\n٤ تفسير القرآ، العظيم ٧/ ١٨٣.\n٥ انظر مثلًا الآيات: ٦٧، ٥٢، من سورة آل عمران، والآيات ١٢٨، ١٣٢ من سورة البقرة، وسورة المائدة: آية ١١١، والآيات ٣١، ٤٢، ٤٤، ٩١، وسورة يونس: آية ٨٤.\n٦ سورة آل عمران: آية ١٩.\n٧ سورة آل عمران: آية ٨٥.","vol":"1","page":243},{"text":"به الله، وشمل التحريف والتبديل أساس دعوة الرسل، وهو التوحيد. وما يتعلق بذات الله ﷿ من الأسماء والصفات؛ فتفرقت الأمم في ذلك ما بين مفرط، ومفرط، وغال ومقصر، لإعراضهم عن هدي المرسلين وإتباعهم غير سبيل المؤمنين.\nومن أعظم الأمم اختلافًا وضلالًا في هذا الباب، أمة اليهود والنصارى؛ فاليهود غلب عليهم التقصير والتفريط والجفاء، وإن كان لديهم غلو وإفراط، والنصارى غلب عليهم الغلو والإفراط وإن كان وقع منهم تفريط وتقصير في جوانب.\nوالمسلمون اتبعوا الرسل؛ فهدوا لأقوم السبل، فكان قولهم هدى بين ضلالتين، وحقًا بين باطلين، فهو كلبن سائغ يخرج من بين فرث ودم.\nوفي هذا المبحث سنبين ما ذهب إليه كل من هذه الأمم الثلاث في هذا الباب بعون الله تعالى.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>أولًا: موقف أمة اليهود</span>\nعرفنا مما تقدم أن أمة يهود، أمة غلب عليها طابع، التفريط، والتقصير في هذا الباب؛ بل هو الغالب عليهم في أكثر الأبواب.\nولعل من أبرز مظاهر تفريطهم وتقصيرهم في هذا الباب أمرين:\nالأول: اتخاذهم الأنداد لله ﷿، وعبادة الأصنام.\nوالثاني: إغراقهم في تشبيه الخالق بالمخلوق، ووصف الله ﷿ بالنقائض التي لا تليق إلا بالمخلوق.\nفأما الأمر الأول: وهو اتخاذهم الأنداد وعبادة الأصنام:\nفإن القوم، لما أنقذهم الله من عدوهم وجنوده، وجاوز بهم البحر مع موسى ﵇، وأغرق عدوهم على مشهد منهم، ومروا على قوم","vol":"1","page":244},{"text":"يعكفون على أصنام لهم. مالت نفوسهم إلى الوثنية وطالبوا موسى ﵇ أن يجعل لهم مثلها. يقول الله جل وعلا في ذلك: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١، ثم بين لهم موسى ﵇ ضلال أولئك وبطلان عملهم، وأن الإله الحق هو الله الذي فضلهم على العالمين؛ فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢.\nاتخاذهم العجل في زمن موسى:\nلم يلق نصح موسى ﵇ وتذكيره ووعظه من القوم قلبًا واعيًا وأذنًا صاغية؛ فما إن تركهم ﵇ وذهب إلى ربه يناجيه، حتى اتخذوا العجل من بعده إلهًا من دون الله قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٣. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٤.\nثم بين تعالى من تولى كبر إضلالهم وصناعة العجل لهم؛ فقال: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ٥.\nفبين تعالى أن الذي عمل لهم العجل هو السامري. ومن العجيب أن\n_________\n١ سورة الأعراف آية ١٣٨.\n٢ سورة الأعراف آية ١٣٩-١٤٠.\n٣ سورة الأعراف آية ١٤٨.\n٤ سورة البقرة آية ٥١.\n٥ سورة طه الآيات من ٨٥-٨٨.","vol":"1","page":245},{"text":"كتاب العهد القديم ينسب هذا العمل الشنيع إلى هارون ﵇ كما جاء في \"سفر الخروج\"١ كما سيأتي الكلام على ذلك في المبحث الثاني إن شاء الله٢.\nولقد تكرر من القوم اتخاذ الأصنام وعبادتها بعد موسى ﵇. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأهل الكتاب معترفون بأن اليهود عبدوا الأصنام مرات\"٣.\nوفي كتاب العهد القديم إشارات كثيرة لعبادتهم الأوثان والأصنام، من ذلك:\n١- ما جاء في \"سفر الملوك الثاني\" عن عودتهم لعبادة العجل في عهد رحبعام٤. يقول السفر: \"وعمل عجلي ذهب، وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم هو ذا ألهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر ووضع واحدًا في بيت أيل، وجعل الآخر في دان\"٥.\n٢- عبادتهم الأفعى وبعض التماثيل:\nيذكر \"سفر الملوك الثاني\" عن الملك حزقيال أنه: \"أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها\"٦.\n_________\n١ انظر: العهد القديم، سفر الخروج إصحاح ٣٢ فقرة ١- ٦.\n٢ انظر: ص٢٦٣.\n٣ الجواب الصحيح ٣/ ٢٤٧.\n٤ وهو: رحبعام بن سليمان ﵇. ملك بعد أبيه. انظر: سفر الملوك الأول إصحاح ١١ فقرة ٤٣، وانظر: محمد عزة دروزه، تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم، \"ط ١٣٨٩ هـ. نشر: المكتبة العصرية -بيروت\"، ص١٧٧.\n٥ سفر الملوك الأول، إصحاح ١٢ فقرة ٢٨- ٢٩.\n٦ إصحاح ١٨ فقرة ٤.","vol":"1","page":246},{"text":"على أن موسى ﵇ لم يعمل تمثالًا نحاسيًا للحية؛ وإنما كانت عصاه تنقلب إلى حية تسعى معجزة له، ثم تعود سيرتها الأولى بعد ذلك عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه؛ لكن لعل بني إسرائيل عملوا ذلك ونسبوه إلى موسى ﵇ لتروج عند الناس ويعظموها ويعبدوها. والله تعالى أعلم.\nوأما الأمر الثاني: وهو قولهم بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق:\nوهذا أمر مشهور عنهم، حتى عده الشهرستاني١ من طباعهم الملازمة لهم؛ فإن القوم أسرفوا في تشبيه الله ﷿ بالمخلوق، ووصفوه جلا وعلا بالنقائص التي تختص بالمخلوق.\nولقد سجل القرآن الكريم عليهم صورًا من ذلك. وكتابهم الذي بين أيديهم ينضح بالكثير من ذلك. ونحن نذكر يما يلي نماذج من أقوالهم التي شبهوا فيها الخالق ﷿ بخلقه:\n١- فمن ذلك: \"وصفهم الله بالفقر\".\nوهو صفة لا تليق بخالق البشر؛ ولكن القوم لا عقول لهم ولا حياء عندهم. يقول ﷿ في ذلك: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٢.\n٢- ومن ذلك: \"وصفهم له بأن يده مغلولة\".\nقال ﷿ ذاكرًا قولهم هذا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٣.\n_________\n١ انظر: الملل والنحل ١/ ١٠٦.\n٢ سورة آل عمران: آية ١٨١.\n٣ سورة المائدة: آية ٦٤.","vol":"1","page":247},{"text":"٣- وصفوه بأنه: \"يحزن، ويندم على أفعاله\"، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.\nيصفه \"سفر التكوين\" بذلك فيقول: \"ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه؛ إنما هو شريب كل يوم فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه؛ فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء؛ لأني حزنت أني عملتهم\"١.\n٤- ووصفوه: \"بالتعب والاستراحة\" تعالى عن ذلك.\nجاء في \"سفر الخروج\": \"أذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملًا أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك، ونزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب الأرض والسماء والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه\"٢.\nوفي \"سفر التكوين\": \"فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل\"٣.\n٥- وقالوا: \"بأنه إنسان وأنه صارع يعقوب ﵇ إلى الفجر\".\nففي \"سفر التكوين\": \"فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطلقني؛ لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. لا يدعي اسمك في ما بعد\n_________\n١ إصحاح ٦ فقرة ٥- ٨.\n٢ إصحاح ٢٠ فقرة ١- ١٧.\n٣ إصحاح ٢ فقرة ١- ٢.","vol":"1","page":248},{"text":"يعقوب بل إسرائيل؛ لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت فدعا يعقوب اسم المكان فينئيل قائلًا: لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي\"١.\n٦- وصفوه بما يفيد أنه \"لا يعلم الغيب ويحتاج علامات يميز بها بني إسرائيل من غيرهم، فوضع الدم علامة على بيوت بني إسرائيل ليميزها عن بيوت المصريين حتى لا يهلكهم\".\nففي \"سفر الخروج\": \"أن الرب كلم موسى ﵇ وقال له فيما قال: فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين أنا الرب، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر\"٢.\n٧- أنهم \"جعلوا له أبناء كما أن للمخلوق أبناء\".\nجاء في \"سفر التكوين\": \"وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهم حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا\"٣.\nوحكى الله ﷿ عنهم أنهم جعلوا له ابنًا فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٤.\n_________\n١ إصحاح ٣٢ فقرة ٢٤- ٣٠.\n٢ سفر الخروج، إصحاح ١٢ فقرة ١٢- ١٣.\n٣ إصحاح ٦ فقرة ١- ٢.\n٤ سورة التوبة: آية ٣٠.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>ثانيًا: موقف النصارى</span>\nلقد ضلت أمة النصارى في هذا الباب ضلالًا بعيدًا، ولعل أمة من الأمم لم تضل في دينها وربها وإلهها كما ضل الذين قالوا إنا نصارى. ولا عجب فالضلالة صفتهم المميزة لهم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في قوله: \"اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال\" ١. قال ذلك في تفسير قول الله ﷿: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٢.\nولعل من أعظم ضلالهم في باب توحيد الله وصفاته أنهم:\n١- شبهوا المخلوق بالخالق:\nوأضفوا عليه من الصفات والخصائص ما لا يليق إلا بالله ﷿. ولا يصلح إلا له سبحانه. فوصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، فقالوا: \"إنه يخلق، ويرزق، ويغفر، ويرحم، ويتوب على الخلق وثيب ويعاقب\"٣ إلى غير ذلك من خصائص الربوبية، وصفات الألوهية التي لا تكون إلا الله سبحانه.\nوذلك أن هذه الأمة الضالة، جعلت المسيح ﵇ هو الله، كما ذكر الله ﷿ قولهم هذا وأكفرهم به فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٤.\nوتارة جعلوه ابنًا لله سبحانه وتعالى عما يقول المبطلون، وعن قولهم هذا يقول الحق ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٥.\n_________\n١ ت: كتاب التفسير، باب ومن سورة الفاتحة ٥/ ٢٠٤، ح ٢٩٥٤، من حديث عدي بن حاتم ﵁.\n٢ سورة الفاتحة: آية ٧.\n٣ ابن تيمية، الوصية الكبرى، \"ط. الأولى ١٤٠٧ هـ. بتحقيق أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود، نشر: مكتبة ابن الجوزي\"، ص ١٤.\n٤ سورة المائدة: آية ١٧.\n٥ سورة التوبة: آية ٣٠.","vol":"1","page":250},{"text":"وقالوا تارة أخرى أنه شريك لله وجزء من ثلاثة يتكون منها الإله، كما ذكر الله قوله هذا وكفرهم به أيضًا. فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.\nفألهوا المسيح ﵇ وجعلوه شريكًا لله، وعبدوه من دونه؛ بل وصفوه بأخص صفات الألوهية والربوبية من الخلق والرزق والإحياء، والإماتة؛ وبذلك فارقوا عباد الأصنام والأوثان الذين قالوا في معبوداتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢، ولم يضيفوا إليها شيئًا من خصائص الربوبية كالخلق والرزق ونحو ذلك؛ بل أقروا بكل ذلك لله وحده كما قال ﷿: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٥، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦.\nأما هؤلاء فلئن سألتهم عن شيء من ذلك ليقولن المسيحِ؛ فهو عندهم الإله الخالق الرازق المحيي المميت، باعث الرسل، ومنزل الكتب، حكى\n_________\n١ سورة المائدة: آية ٧٣.\n٢ سورة الزمر: من آية ٣.\n٣ سورة يونس: آية ٣١.\n٤ سورة العنكبوت: آية ٦١.\n٥ سورة العنكبوت: آية ٦٣.\n٦ سورة لقمان: آية ٢٥.","vol":"1","page":251},{"text":"الإمام ابن القيم عنهم أنهم قالوا: \"وليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة \"هكذا\" بني ولا عبد صالح؛ بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم، ومؤيدهم ورب الملائكة\"١. ونقل عنهم أنهم يقولون في صلواتهم ومناجاتهم: \"أنت أيها المسيح اليسوع تحيينا وترزقنا وتخلق أولادنا وتقيم أجسادنا وتبعثنا\"٢.\nوفي قراراهم الذي قرروه في \"مجمع نيقيه\"٣ الذي عقدوه سنة ٣٢٥ م وسموه بـ \"الأمانة\"، ونصوا فيه على ألوهية المسيح ﵇، صرحوا بأنه هو الذي سينزل للقضاء بين الناس يوم القيامة ومحاسبتهم ومجازاتهم فقالوا: \"وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء\"٤.\nيقول أحد قساوستهم في رسالة إلى أبي عبيدة الخزرجي٥، صرحًا بألوهية المسيح، وأنه خالق السماوات والأرض: \"أما بعد حمد الله الذي هدانا لدينه، وأيدنا بيمينه، وخصنا بابنه ومحبوبه، ومد علينا رحمته بصلبه المسيح إلهنا، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهن، والذي أمدنا بدمه المقدس ومن\n_________\n١ هداية الحيارى، ط \"الأولى ١٤٠٨ هـ. بتعليق مصطفى أبو النصر الشلبي، نشر: مكتبة السوادي -جدة\"، ص ٢٦٩.\n٢ نفس المصدر ص٢٧٠.\n٣ سمي بذلك؛ نسبة إلى مدينة نيقية من أعمال إسطنبول التي اجتمع بها عدد من علماء النصارى، وكان من أهم قراراته القول بإلهية المسيح ﵇. انظر: ابن القيم، هداية الحيارى ٣٢٣، والنصرانية، لأبي زهرة ١٢٤، وانظر عن نسبته: الحموي، معجم البلدان ٥/ ٣٣٣.\n٤ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ٢/ ٢٨.\n٥ هو: أبو جعفر أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة \"بفتح العين المهملة، وكسر الباء الموحدة\"، الأنصاري الخزرجي الساعدي نسبة إلى سعد بن عبادة الصحابي؛ فقيه أندلسي، ولد في قرطبة عام ٥١٩ هـ، كان مشهورًا في شبابه بالذكاء والنبل، حافظًا للحديث. مات بفاس سنة ٥٨٢ هـ. عن حاشية محقق كتاب بين المسيحية والإسلام ص٤٧.","vol":"1","page":252},{"text":"عذاب جهنم وقانا\"١.\nوقال مخاطبًا أبا عبيدة داعيًا إياه للإيمان بألوهية المسيح الخالق: \"وما عقائدتكم كلها إلا حسنة، وكان عندكم عدل كثير في أصل دينكم، وخير شامل؛ فلو آمنتم بالمسيح وقلتم: إنه هو الله خالق السماوات والأرض لكمل إيمانكم\"٢.\nوهكذا نرى النصارى يصفون المسيح ﵇ بصفات الربوبية المختصة برب العالمين ﷿، وهذا أمر انفردوا به من بين العالمين.\nولم يقتصر الأمر على المسيح ﵇، بل جعلوا لغيره من الخلق بعض صفات الله ﵎. فجعلوا مريم ﵍ آلهة؛ لأنها أم الله بزعمهم، ووصفوها بالجلوس على العرش مع الله ﷿، وسألوها ما لا يسأل إلا من الله ﷿، يقول الإمام ابن القيم: \"وأما قولهم في مريم: فإنهم يقولون إنها أم المسيح ابن الله ووالدته في الحقيقة. وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب ﵎ والد ابنها، وابنها عن يمينه. قال: والنصارى يدعونها، ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر ومغفرة الذنوب\"٣.\nوهذه أمور لا يملكها إلا الله ﷿ ولا يسألها إلا هو سبحانه، ولقد أشار القرآن الكريم إلى قول النصارى بألوهية مريم في قوله ﵎ مخاطبًا عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ\n_________\n١ أبو عبيدة الخزرجي، بين المسيحيية والإسلام. \"ط. مطبعة المدني القاهرة. نشر: مكتبة وهبة، بتحقيق وتعليق د. محمد شامة\"، ص٧٢.\n٢ نفس المصدر ص٨٧.\n٣ هداية الحيارى ص٢٦١.","vol":"1","page":253},{"text":"عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ١.\nبل وخصوا كنائسهم وبابواتهم ومطارنتهم ببغض خصائص الله ﷿ كمغفرة الذنوب ودخول الجنة والحرمان منها.\nففي المجمع الثاني عشر من مجامعهم المعقود في سنة ١٢١٥م، قرروا: \"أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء\"٢؛ وبناء على هذا القرار قامت الكنيسة بإصدار ما يسمى بـ\"صكوك الغفران\".\nيقول أحد قسسهم في هذا: \"وقد جعل الله في أيدي المطارين ما لم يجعله في يد أحد؛ وذلك أن كل ما يفعلون في الأرض يفعله الله في السماء؛ فإذا أذنبنا فهم الذين يقبلون التوبات ويعفون عن السيئات بأيديهم صلاح الأحياء والأموات\"٣ ماذا أبقوا الله ﷿؟!\n٢- ومن ضلالهم في هذا الباب أيضًا أنهم سبوا الخالق ﷿ وتنقصوه:\nوذلك من وجهين:\nالأول: قولهم إنه اتخذ ولدًا؛ حيث قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٤، وقد نزه الله ﷿ نفسه عن اتخاذ الصحابة والولد؛ فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٥، وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ\n_________\n١ سورة المائدة: آية ١١٦.\n٢ أبو زهرة: النصرانية، ص ١٤٨. ود. أحمد شلبي، المسيحية، ص١٩٧.\n٣ أبو عبيدة الخزرجي، بين المسيحية والإسلام، \"بتحقيق د. محمد شامة\"، ص٩١.\n٤ سورة التوبة من آية ٣٠.\n٥ سورة البقرة: آية ١١٦.","vol":"1","page":254},{"text":"الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ١؛ فأنكر قولهم، ونزه نفسه عن أن يكون له ولد.\nوبين سبحانه في آية أخرى أن الولد لا يكون إلا من صاحبة، وهو سبحانه لا صاحبة له؛ فقال ﷿: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.\nقال ابن كثير في تفسيره هذه الآية: \"أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والوالد إنما يكون متولدًا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبه له ولا ولد\"٣.\nوقد بين سبحانه في الحديث القدسي، أن من نسب إليه اتخاذ الولد فقد شتمه وسبه بقوله ذلك؛ ففي الصحيح عن ابن عباس ﵄، عن النبي صلى الله عليه قال: \"قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي؛ فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا\" ٤.\nالثاني: زعمهم أن الله ﷾ عن قولهم علوًا كبيرًا \"ينزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانًا وحبل به وولد من مريم البتول وقتل وصلب\"٥.\n_________\n١ سورة مريم: آية ٨٨- ٩٣.\n٢ سورة الأنعام: آية ١٠١.\n٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٠٢.\n٤ خ: كتاب التفسير، باب ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ ٨/ ١٦٨، ح ٤٤٨٢. ورواه من حديث أبي هريرة في باب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٨/ ٧٣٩، ح ٤٩٧٤.\n٥ هذا نص ما جاء في أمانتهم المشهورة، انظر الشهرستاني، الملل والنحل ٢/ ٢٨.","vol":"1","page":255},{"text":"وقال القس القوطي في رسالته إلى أبي عبيدة الخزرجي يشرح فيها مذهبه \"فهبط بذاته من السماء والتحم في بطن مريم العذراء البتول أم النور فاتخذ لنفسه منها حجابًا كما سبق في حكمته\"١.\nيقول الإمام ابن القيم: \"إن هذه الأمة -أي: النصارى ارتكبت محذورين عظيمين، لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة:\nأحدهما: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلهًا آخر معه، وأنفوا أن يكون عبدًا له.\nوالثاني: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم؛ حيث زعموا أنه ﷾ عن قولهم علوًا كبيرًا -نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة وأقام تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو٢، وقد علته أطباق المشيمة والرحم، والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعًا صغيرًا يمص الثدي..... ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصفعوا قفاه، وصلبوه جهرًا بين لصين، وألبسوه إكليلًا من الشوك، وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم وهو المعبود المسجود له.\nولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم\"٣.\nوذكر عن عمر بن الخطاب ﵁؛ أنه قال فيهم: \"أهينوهم ولا تظلموهم؛ فلقد سبوا الله ﷿ مسبة ما سبه إياها أحد من البشر\"٤. وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من قول معاذ بن جبل رضي الله عنه٥.\n_________\n١ أبو عبيدة الخزرجي، بين المسيحية والإسلام ص ٨٣- ٨٤.\n٢ النجو: ما يخرج من البطن من ريح وغائط. انظر: لسان العرب ١٥/ ٣٠٦.\n٣ إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، \"نشر: شركة مكتبة ومطبعة الحلبي بمصر، بتحقيق محمد سيد كيلاني\"، ٢/ ٢٧٨.\n٤ المصدر السابق ٢/ ٢٧٨.\n٥ انظر: الجواب الصحيح ٢/ ٥٢.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>ثالثًا: موقف المسلمين</span>\nأما هذه الأمة المسلمة فقولها في هذا الباب هو ما جاء به المرسلون من توحيد الله وإفراده بالعبادة.\nفآمنت بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله غيره، ولا رب سواه، هو رب العالمين، وخالق الكون، ومدبره، ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.\nونزهوه سبحانه عن الأنداد، واتخاذ الصحابة والأولاد، تصديقًا لقوله تعالى عن نفسه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢،،وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٣، وقالوا كما قال مؤمنوا الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ ٤.\nووصفوه سبحانه بصفات الكمال والجلال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، كما نزهوه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات٥.\n_________\n١ سورة الأعراف آية ٥٤.\n٢ سورة المؤمنون آية ٩١.\n٣ سورة الإخلاص.\n٤ سورة الجن آية ٣.\n٥ شيخ الإسلام ابن تيمية، منهاج السنة ٥/ ١٦٩.","vol":"1","page":257},{"text":"ولم يصفوه إلا بما وصف به نفسه سبحانه، أو وصفته به رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، من غير تعطيل ولا تمثيل.\nفلم يشبهوه بشيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته - كما فعل اليهود- بل قالوا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.\nولم يشبهوا شيئًا من خلقه به، لا في ذاته ولا في شيء من صفاته، ولم يجعلوا له نظيرًا أو ندًا أو مثيلًا أو شريكًا في شيء من خصائص ألوهيته وربوبيته -كما صنع النصارى- بل نزهوه سبحانه عن التشبيه والنظير والكفء، والند والمثيل.\n_________\n١ سورة الشورى آية ١١.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الثاني: وسطيتها واعتدالها في باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>مدخل</span>\n...\nالمبحث الثاني: وسطيتها واعتدالها في باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام\nلقد كان من أعظم نعم الله ﷿ على عباده أن بعث فيهم رسلًا منهم، يعرفون نسبهم وأخلاقهم، اختارهم من خيارهم واصطفاهم من أوسطهم مكانة ونسبًا. يدعون قومهم إلى خير ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، ويحذرونهم وينهونهم عن كل ما فيه هلاكهم وضررهم في دنياهم وأخراهم، يدعونهم إلى عبادة الله وحده واتباع أوامره واجتناب نواهيه ويحذرونهم من الشرك بالله ومعصيته، ومخالفة أوامره وارتكاب نواهيه. فما من أمة إلا خلا فيها نذير، وبعث إليها رسلا أو رسولا؛ وذلك رحمة من الله بعباده، ولئلا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، يقول في ذلك ﵎: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ١. ويقول عزل وجل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٢.\nفبين سبحانه أنه أرسل رسله إلى عباده مبشرين ومنذرين، مبشرين من أطاعهم بعظيم الأجر والمثوبة، ومنذرين من عصاهم بأليم العذاب والعقوبة؛ لئلا يحتج من كفر بالله وعبد الأنداد أو ضل عن سبيله بأن يقول إن أراد الله\n_________\n١ سورة النحل آية ٣٦.\n٢ سورة النساء آية ١٦٣- ١٦٥.","vol":"1","page":259},{"text":"عقابه: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ١.\nولقد بلغ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ما أرسلوا به، ونصحوا لأممهم غاية النصح، وبينوا لهم أوضح بيان وأجلاه ما يجب عليهم في دينهم ودنياهم، وما أعد الله لأهل طاعته من ثواب، ولأهل معصيته من عذاب، وسلكوا في تبليغ قومهم رسالات ربهم كل مسلك، فدعوهم ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، لم يسألوهم على ذلك أجرًا؛ بل تحملوا في سبيل نصحهم وهدايتهم ألون الشدائد وضروب المتاعب والأذى.\nولقد تباينت مواقف الأمم تجاه أنبيائهم ورسلهم، ما بين مؤمن بهم متبع لهم، وبين كافر بهم مؤذ لهم، وبين غال فيهم منزل لهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها.\nوفي هذا المبحث سنعرض لبيان مواقف ثلاث من أعظم الأمم وأهمها في أنبياء الله ورسوله وهي:\n١- اليهود\n٢- النصارى\n٣- المسلمون.\nوإنما اخترنا هذه الأمم من بين سائر الأمم؛ لكونها أكثر الأمم أنبياء ورسلًا، ولكونهم أهل كتب سماوية نزلت إليهم، ولكونها آخر ثلاث أمم أرسل إليها رسل. أدرك بعضها بعضًا.\n_________\n١ سورة طه آية ١٣٤. وانظر: ابن جرير، جامع البيان ٩/ ٤٠٨.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>أولًا: موقف اليهود من أنبياء الله ورسله:</span>\nلقد كان ليهود من أنبياء الله ورسله مواقف شائنة مخزية، تنبئ عن خبث في الطوية، وفساد في السيرة والسريرة، وإتباع للنفس والهوى، وإعراض عن الحق والهدى.\nوإذا نحن أجلنا النظر في كتاب الله ﷿، تحصل لنا أن مواقف اليهود من رسل الله تتلخص في الأمور التالية:\nالأمر الأول:\nأنهم فرقوا بين رسل الله ولم يؤمنوا بهم جميعًا؛ بل آمنوا ببعض وكفروا بالبعض الآخر \"بمجرد التشهي والعادة، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية\"١.\nومن أعظلم الرسل الذين كفروا بهم وكذبوا برسالتهم، عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، على أنهم كذبوا وكفروا بأنبياء آخرين غيرهما بدليل قتلهم لكثير من أبنيائهم كما سيأتي.\nوقد عد الله من يؤمن ببعض الرسل ويكفر بالبعض الآخر كافرًا؛ بل هو الكافر حقًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٢.\nقال الإمام ابن جرير في تفسيره: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾؛ يعني: أنهم يقولون: نصدق بهذا ونكذب بهذا، كما فعلت اليهود في تكذيبهم عيسى ومحمد ﷺ، وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم، وكما فعلت النصارى من تكذيبهم محمدًا ﷺ وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم\"٣.\nوقال ﵀ في معنى قوله عزل وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾: \"يقول: أيها الناس! هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًا، فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرون بما يزعموا أنه به مقرون من\n_________\n١ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٢/ ٣٩٦.\n٢ سورة النساء آية ١٥٠- ١٥١.\n٣ جامع البيان ٩/ ٣٥١.","vol":"1","page":261},{"text":"الكتب والرسل؛ فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كذبة، وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل هو المصدق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن؛ فأما من صدق ببعض ذلك وكذب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاءبه جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب، وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاء به من عند ربهم؛ فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون كافرون، فهم الجاحدون وحدانية الله وبنوة أنبيائه حق الجحود المكذبون بذلك حق التكذيب\"١.\nالأمر الثاني:\nأنهم خذلوا أنبياءهم ولم يقوموا بنصرهم. وقد أخذ الله عليهم ميثاقهم لينصرنهم فقال: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٢.\nقال الحافظ ابن كثير: \"أي: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق\"٣. فلم يفوا بميثاقهم، وما لبثوا أن قالوا لموسى ﵇ لما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ٤.\n_________\n١ جامع البيان ٩/ ٣٥٣.\n٢ سورة المائدة آية ١٢.\n٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٦٢.\n٤ سورة المائدة آية ٢١.","vol":"1","page":262},{"text":"﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ ١.\nثم ما لبثوا أن أعلنوا خذلانه، وعدم القتال معه، وخلوا بينه وبين عدوه فـ ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ ٢.\nفكان جزاءهم التيه في الأرض أربعين سنة ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣.\nالأمر الثالث:\nأنهم تنقصوا بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورموهم بارتكاب كبائر الذنوب، وألصقوا بهم كل رذيلة، وكتابهم الذي بين أيديهم ويزعمون أنه التوراة، يفوح بألوان من المخازي، وينضح بالكثير من البهت، والأذى الذي عرف به يهود، لم يسلم من كبار أنبيائهم فضلًا عن غيرهم ممن بعث فيهم، وهاته نماذج مما رموا به بعض الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك:\n١- أنهم نسبوا إلى بعض أنبيائهم: الإعانة على الشرك بالله وعبادة غيره وتسهيل سبيل ذلك لقومهم.\nفنسبوا لهارون ﵇ أنه صنع لهم العجل، الذي عبدوه من دون الله، جاء في \"سفر الخروج\": \"ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم أصنع لنا آلهة تسير أمامنا؛ لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم\n_________\n١ سورة المائدة آية ٢٢.\n٢ سورة المائدة ٢٤.\n٣ سورة المائدة ٢٦.","vol":"1","page":263},{"text":"هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها؛ فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالأزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا، فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر؛ فلما نظر هارون بنى مذبحًا أمامه ونادى هارون وقال: غدًا عيد للرب فبكروا في الغد وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب\"١.\nهكذا يصور هذا السفر نبيًا عظيمًا من أنبياء الله -بعثه الله ليدعو الناس إلى توحيد الله- في صورة صانع للأصنام، مغر لقومه بعبادتها من دون الله ﷿.\nونحن نقطع بأن هذا النص مما كتبه اليهود بأيديهم وقالوا هو من عند الله وما هو من عند الله، وأنه \"ليدل على أن محرري هذه الأسفار لا يرعون لأنبيائهم حرمة، ولا يرجون لهم وقارًا، ولا يتورعون عن أن ينسبوا إليهم أية نقيصة حتى خيانة الرسالة نفسها التي بعثوا من أجلها، ودفع قومهم إلى الشرك بالله\"٢.\nولقد ذكر الله في القرآن الكريم قصة عبادة اليهود العجل، وبين أن الذي صنع العجل وأغراهم بعبادته هو السامري وليسهارون ﵇، بل أخبر ﷿ أن هارون ﵇ حذر قومه من ذلك ولكن القوم لم يلتفتوا إلى تحذيره وعصوه، وخالفوه إلى ما نهاهن عنه فقال ﷿: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ\n_________\n١ الكتاب المقدس، العهد القديم. سفر الخروج، الإصحاح ٣٢ فقرة ١- ٦.\n٢ انظر: د. علي عبد الواحد وافي، الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام ص.","vol":"1","page":264},{"text":"عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ، أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ١.\nفهذه الآيات تنطق في وضوح ببراءة هارون ﵇ مما نسبه إليه اليهود، وتشهد بافترائهم وكذبهم وتقولهم على الله ﷿، ورسل ألا بئسما يزرون.\nورموا نبي الله الأواب سليمان ﵇ بأنه في أواخر أيامه مال إلى ممالأة نسائه على عبادة الأوثان وبنى لآلهتهن المعابد وأن قلبه مال معهن إلى هذه الآلهة ولم يكن مخلصًا في إيمانه بربه ﷿.\nيقول \"سفر الملوك الأول\": \"وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه فذهب سليمان وراء عشتورث إلالهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشرقي عيني الرب ولم يتبع الرب تمامًا كداود أبيه. حينئذ بني سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم ولمولك رجس بني عمون. وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن؛ فغضب الرب على سليمان؛ لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين واوصاه في هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخي فلم يحفظ ما أوصى به الرب\"٢.\n_________\n١ سورة طه آية ٨٣- ٩١.\n٢ سفر الملوك الأول، إصحاح ١١ فقرة ٤- ١٠.","vol":"1","page":265},{"text":"هذا سليمان النبي الكريم، الذي لم يقر ملكه سبأ وقومها على عباده الشمس والقمر من دون الله، وبذل ما في وسعه لهدايتهم إلى عبادة الله رب العالمين؛ فأظهر لها من آيات الله التي أتاه ما حدى بها إلى الهداية والإسلام فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.\nومع ذلك ينسب إليه اليهود الميل إلى عبادة الأصنام والإذعان لرغبة نسائه في ذلك. سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.\n٢- نسبتهم لبعض الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شرب الخمر وارتكاب فاحشة الزنا والقتل.\nفنسبوا إلى أبي الأنبياء نوح ﵇ أنه شرب الخمر حتى سكر وثمل وانكشفت سوءته، كما جاء في \"سفر التكوين\": \"وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا؛ فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافها ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء؛ فلم يبصرا عورة أبيهما؛ فلما استقظ نوح من خمرة علم ما فعل به ابنه الصغير فقال ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته٢.\nهكذا يصور كتاب اليهود المقدس نوحًا ﵇ الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، في صورة فاسق لا يفيق من السكر، قاتلهم الله أنى يؤفكون.\nونسبوا إلى نبي الله لوط ﵇ الزنى بابنتيه؛ فقالوا: إن ابنتيه تأمرنا عليه وأسقتاه خمرًا حتى ثمل وزنى بهما وحملتا منه.\n_________\n١ سورة النمل آية ٤٤.\n٢ سفر التكوين، الإصحاح ٩ فقرة ١٨- ٢٦.","vol":"1","page":266},{"text":"ففي \"سفر التكوين\": \"وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه؛ لأنه خاف أن يسكن في صوغر فسكن المغارة هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمرًا ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلًا. فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة إني قد اضطجعت البارحة مع أبي نسقيه خمرًا في تلك الليلة فادخلي اضطجعي معه فنحيي من أبينا نسلًا؛ فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا وقامت الصغيرة واضطجعت معه ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها فحبلت ابنتا لوط من أبيهما فولدت البكر ابنًا ودعت اسمه موآب وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، والصغيرة أيضًا ولدت ابنا اسمه بن عمي وهو أبو بني عمون إلى اليوم\"١.\nوهذا نبي الله الملك الصالح داود ﵇ تنسب إليه التوراة المزعومة الزنى بامرأة أحد جنوده، وأنها حملت منه سفاحًا، وإنه لما خشي افتضاح أمره احتال لقتله، وتزوج امرأته من بعده.\nجاء في \"سفر صموئيل الثاني\": \"وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جدًا فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد: أليست هذه بتشبع بنت ألبعام امرأة أوريا الحثي، فأرسل داود رسلًا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود وقالت: إني حبلى\"٢.\nثم يذكر هذا الإصحاح ما قام به داود ﵇ من طلب عودة أوريا\n_________\n١ سفر التكوين، الإصحاح ١٩ فقرة ٣٠- ٣٧.\n٢ سفر صموئيل الثاني، إصحاح ١١ فقرة ٢- ٥.","vol":"1","page":267},{"text":"من المعركة ليقيم مع زوجته في محاولة من داود لإخفاء جريمته ونسبة الحمل لأوريا؛ ولكن أوريا لم يدخل على أهله، ولما يئس منه داود تاب إلى قائده يأمره لأوريا؛ ولكن أوريا يمقدمة الجيش والتراجع عنه عند اشتداد الخطر ليهلك يقول الإصحاح: \"وفي الصباح كتب داود مكتوبًا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا، وكتب في المكتوب يقول: أجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة وأجرعوا من ورائه فيضرب ويموت\"١.\nفانظر رحمك الله كيف صوروا نبيًا كريمًا بهذه الصورة المزرية؛ فلم يكفهم نسبة الزنا إليه، حتى جعلوه متآمرًا على القتل، بل آمرًا به.\nالأمر الرابع: أنهم قتلوا بعض أنبيائهم\nلقد سجل الله عليهم في القرآن الكريم هذا الموقف المشين من أنبيائهم في غير ما آية، مقرعًا ومبخًا لهم على هذا الصنع القبيح، والجرم العظيم الذي ارتكبوه في حق من أرسل لهدايتهم، وبعث لإرشادهم إلى صراط الله المسقيم، من أنبياء الله ورسله؛ ولكن القوم كانوا كلما جاءهم رسول بما يخالف أهواءهم ورغباتهم الهابطة لا يألون جهدًا في إيذائه وصده عن دعوته، متبعين في ذلك مختلف الأساليب سالكين شتى الطرق، فسبوهم وأهانوهم وتنقصوهم حتى أفضى بهم الأمر إلى أن قتلوهم.\nيقول جل وعلا مسجلًا عليهم هذا الموقف: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ٢. وقال ﷿: ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا\n_________\n١ سفر صموئيل الثاني، إصحاح ١١ فقرة ١٤- ١٦.\n٢ سورة البقرة آية ٨٧.","vol":"1","page":268},{"text":"كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ١.\nفاستجلبوا بهذا الموقف المخزي غضب الله ﷿ ومقته وسخطه واستوجبوا عذابه ونقمته: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٢. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٣.\nولقد أسرف القوم فيقتل الأنبياء واستمرؤا ذلك، وردوا على الكفر بالله وسفك دم أنبيائه، فكانوا يقتلون النبيأو الأنبياء، ثم يمارسون أعمالهم وحياتهم اليومية وكأنهم لم يرتكبوا إثمًا، أو يحدثوا جرمًا، أثر عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: \"وكانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار\"٤.\nومن أعظم الأنبياء الذين قتلوهم زكريا وابنه يحيى ﵉؛ فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: \"بعث عيسى بن مريم في اثني عشر رجلًا من الحواريين يعلمون الناس فكان ينهاهم عن نكاح ابنة الأخ وكان ملك له ابنة أخ تعجبه فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم حاجة فقالت لها أمها إذا سالت عن حاجتك فقولي له: أن تقل يحيى بن زكرياِ؛ فقال لها الملك: حاجتك فقالت: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا، فقال: سلي غير\n_________\n١ سورة المائدة آية ٧٠.\n٢ سورة البقرة آية ٦١.\n٣ سورة آل عمران آية ٢١.\n٤ ذكره ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ١/ ١٤٦، والسيوطي، الدر المنثور ١/ ١٧٨. وقال: أخرجه أبو داود الطيالسي، وابن أبي حاتم. انظر: تفسير ابن حاتم المسمى، تفسير القرآن العظيم ١/ ١٩٧، ح ٦٣٦، وقال محققه: رجاله ثقات.","vol":"1","page":269},{"text":"هذا؛ فقالت: لا أسأل غير هذا؛ فلما أتى أمر به فذبح\"١.\nوذكر الإمام ابن جرير٢ وغيره٣ قتل بني غرسائل زكريا عليها لسلام كما قتلوا ابنه يحيى، وقد أجمعوا قتل المسيح عيسى بن مريم ﵇؛ ولكن الله حفظه من كيدهم، ورفعه إليه، وألقى شبهه على غيره فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدون أنهم قتلوا المسيح ﵇، كما ذكر ذلك عنهم الحق ﵎: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤.\nوكما سجل الله عليهم في القرآن الكريم هذا الجزم العظيم، نجد نصوص الأسفار المقدسة عندهم تنص على وقوع ذلك أيضًا؛ ففي \"سفر الملوك الأول\" نرى كيف حاول بنو إسرائيل قتل نبي الله إلياس ﵇والسفر يذكره باسم \"إيليا\"- مما اضطره إلى الهرب والاختباء منهم؛ لأنهم تركوا عهد الله وقتلوا أنبياءه: \"وكان كلام الرب إليه يقول له: مالك ههنا يا إيليا؟ فقال: قد غرت غيره للرب إليه الجنود؛ لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف؛ فبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها\"٥.\nفهذا النص الذي سجله أحبار اليهود ومحرروًا أسفارهم، يدل دلالة\n_________\n١ المستدرك ٢/ ٢٩٠، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n٢ انظر: جامع البيان ٦/ ٢٨٤.\n٣ كالإمام ابن القيم. انظر: هداية الحيارى ص ٤٧، \"ط. الأولى، بتحقيق مصطفى أبو النصر\".\n٤ سورة النساء آية ١٥٧- ١٥٨.\n٥ الكتاب المقدس، العهد القديم. سفر الملوك الأول، إصحاح ١٩ فقرة ١٠.","vol":"1","page":270},{"text":"واضحة على أن هذا الخلق الذميم كان متأصلًا في نفوسهم العليلة، حتى إنهم لا يتحرجون من الاعتراف؛ بل من التباهي به، وكأنهم يسجلون عملًا جليلًا قاموا به، وقد رأينا قبل هذا كيف ادعوا واعتقدوا أنهم قتلوا المسيح بن مريم ﵇ وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ١.\nويبدو أن هذا الخلق ظل ملازمًا لهم تجاه أنبياء الله ورسله، ولم يكن ذلك منهم مع أنبيائهم فقط؛ فقد حاولوا قتل نبينا محمد ﷺ، فدسوا له السم صلوات الله عليه بغية قتله وحاول بنو النضير منهم اغتياله بإلقاء الصخرة عليه٢، جريًا على عادتهم في الخبث والكيد لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما ثبت في \"الصحيحيين\" من حديث أنس ﵁: \"أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها فجئ بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك؟ فقالك أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك على ذاك، قال: أو قال: \"علي\" قال: قالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا، قال فما زلت أعرفها في لهوات٣ رسول الله ﷺ\"٤.\nوتشير بعض الروايات إلى أن النبي ﷺ مات وهو يجد أثر سم اليهود له؛ ففي حديث عائشة ﵂: \"كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر؛ فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من السم\"٥\n_________\n١ سورة النساء آية ١٥٧.\n٢ انظر: ابن هشام، السيرة ٢/ ١٩٠.\n٣ اللهوات: جمع لهاة، وهي: اللحمات في سقف أقصى الفم. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث ٤/ ٢٨٤؛ والمراد: أنه بقي للسمل علامة وأثر من سواد وغيره.\n٤ خ: كتاب الهدية، باب قبول الهدية من المشركين ٥/ ٢٣٠، ح ٢٦١٧. م: كتاب السلام، باب باب السم ٤/ ١٧٢١، ح ٤٥ واللفظ له.\n٥ خ: المغازي، باب مرض النبي ﷺ ٩/ ١٣١، ح ٤٤٢٨.","vol":"1","page":271},{"text":"وبعد: فهذا هو موقف يهود من رسل الله وأنبائه صلوات الله وسلامه عليهم؛ إيمان ببعض وكفر ببعض، وتنقص منهم، وإيذاء، وسب، وشتم، وقذف بارتكاب جرائم السكر والعربدة، والزنا والقتل، ثم تشريد ومطاردة وقتل لبعضهم.\nوهي مواقف تدل على مبلغ تفريط القوم في حق أنبياء الله ورسله، وعظم تقصيرهم وشدة جفائهم وعداوتهم لهم، وهذا هو الطابع الذي غلب عليهم في هذا الباب١، على أنهم ربما غلوا وأفرطوا في حق بعض أنبيائهم، وأنزلوهم فوق مكانة النوبة والرسال، كما وقع منهم في حق العزيز ﵇؛ إذ قالوا إنه ابن الله كما ذكر الله ﷿ ذلك في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.\nومن مظاهر غلوهم اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، كما أخبر المصطفى ﷺ بذلك ولعنهم لأجله؛ فقال: \"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" ٣. وفي حديث آخر قال: \"قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" ٤.\nفالقوم كان لديهم غلو في بعض أنبيائهم؛ لكن لما كان الغالب عليهم الجفاء والتفريط في هذا الجانب ظن بعض الناس أنه لم يقع منهم غلو، لكثرة ما ورد في القرآن من نسبة قتل الأنبياء وتكذيبهم إليهم، بل ربما لهوى في نفوس البعض، حاول التشكيك في الأحاديث التي أشرنا إليها وأوهم أنها تعارض ما جاء في القرآن من ذكر جفائهم للأنبياء٥، وغفل أو تغافل عن القرآن الكريم كما جاء فيه نسبة التفريط إليهم، جاء فيه أيضًا نسبة الإفراط والغلو إليهم كما تقدم في شأن العزير ﵇.\n_________\n١ باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.\n٢ سورة براءة آية ٣٠.\n٣ خ: كتاب الصلاة ١/ ٥٣٢، ح ٤٣٦. وم: المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ١/ ٣٧٧.\n٤ خ: كتاب الصلاة ١/ ٥٣٢ ح ٤٣٧.\n٥ للشيخ عبد الله محمد الصديق الغماري رسالة في تحويز بناء القباب والمساجد على القبور أوهم فيها ذلك.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>ثانيًا: موقف النصارى</span>\nإذا كان اليهود غلب عليهم التفريط والتقصير والجفاء في حق أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مع غلوهم في بعضهم كالعزير ﵇. فإن النصارى قد ذهبوا إلى أقصى الطرف المعاكس فغلب عليهم الغلو والإفراط ولا سيما في نبي الله عيسى ﵊، على أنهم فرطوا وقصروا أيضًا في حق بعض رسل الله بل وفي حق عيسى ﵇ أيضًا، ويمكن إجمال مواقفهم في هذا الباب في الأمور التالية:\nالأمر الأول:\nأنهم لو يؤمنوا بجميع رسل الله وأنبيائه؛ بل فرقوا بينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وغلوا في البعض الآخر، وهم معنيون أيضًا بقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ١، وقدمنا إيراد هذه الآية في الكلام على موقف اليهود، وذكرنا ما قاله الإمام ابن جرير في تفسيرها، وفيه أن النصارى ممن آمن ببعض الأنبياء، وكفر ببعض حيث آمنوا بعيسى وموسى بزعمهم، وكفروا بمحمد ﷺ.\n_________\n١ سورة النساء آية ١٥٠ - ١٥١.","vol":"1","page":273},{"text":"الأمر الثاني:\nأنهم غلوا وأفرطوا في نبي الله عيسى ﵊، ورفعوه فوق المكانة التي جعله الله فيها، وأنزلوه فوق المنزلة التي أنزله الله إياها.\nفلم يؤمنوا به عبدًا لله ورسولًا نبيًا؛ وإنما جعلوه هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة يتكون منها الإله، وعبدوه من دون الله ﷿ وأضافوا إليه من الأفعال والأعمال ما لا يصح إضافته ونسبته إلا إلى الله ﷿؛ فكانت عقيدتهم فيه التي أجمعوا عليها بعد \"مجمع نيقية\"١ وسموها بـ \"الأمانة\" على النحو التالي: \"الإيمان:\n١- بإله واحد، آب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، صانع ما يرى وما لا يرى.\n٢- وبرب واحد يسوع، الابن الوحيد المولود من الأب قبل الدهور من نور الله إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خطايانا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء، وصلب حيًا على عهد بيلاطس وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه\"٢.\nولقد ذكر القرآن الكريم غلوهم في عيسى ﵇، وقولهم بألوهيته وبنوته لله ﷿، وكفرهم بذلك، فقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ\n_________\n١ تقديم التعريف به. انظر: ص٢٥٢.\n٢ نوفل بن نعمة الله بن جرجس سوسنة سليمان. اقتبسه د. علي عبد الواحد وافي.\nانظر: الأسفار المقدسة ص ١١١، وذكر هذه العقيدة الشهرستاني في الملل والنحل ٢/ ٢٨، وابن القيم، هداية الحيارى ص ٢٦٧ مع اختلاف في اللفظ.","vol":"1","page":274},{"text":"اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣.\nوورد في بعض الأناجيل بعض النصوص، التي اعتمد عليها النصارى في تالية المسيح وبنوته.\nمن ذلك ما جاء في إنجيل \"يوحنا\" كقوله: \"في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله، كل به كون وبغيره لم يكون شيء مما كون\"٤.\nفجعل المسيح هو الكلمة، وجعل الكلمة هي الله، فالمسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم.\nوفيه أيضًا أن المسيح ﵇ أبرأ أعمى فرده بصيرًا، وأن اليهود لما سألوه من رد إليك بصرك وأخبرهم بذلك ووعظهم طردوه \"وسمع يسوع أنهم طردوه خارجًا فلقيه وقال له: أتؤمن أنت بابن الله؛ فأجاب. وقال: ومن هو يا سيد لأومن به؛ فقال له يسوع قد رأيته وهو الذي يكلمك؛ فقال له: قد آمنت يا رب وسجد له\"٥.\nعلى أن في هذا الإنجيل وغيره من الأناجيل من التناقضات في هذا الباب\n_________\n١ سورة المائدة آية ٧٢.\n٢ نفس السورة آية ٧٣.\n٣ سورة التوبة آية ٣٠.\n٤ إنجيل ويحنا، الإصحاح الأول فقرة ١- ٤.\n٥ إنجيل ويحنا، الإصحاح التاسع. فقرة ٣٥- ٣٨.","vol":"1","page":275},{"text":"الكثير، بل فيه ما يدل على بشرية المسيح وعبوديته، وأنه نبي وليس بإله، وليس من غرضنا هنا ذكر ذلك؛ وإنما القصد الإشارة إلى قولهم بألوهية المسيح وبنوته لله ﷿.\nالأمر الثالث:\nخذلانهم لنبيهم وعدم نصرته: إن من الواجب على أتباع الرسل وخاصة أصحابهم وحوارييهم، أن ينصروهم ويعزروهم، ويفدوهم بأنسهم وأموالهم، كما تقدم ذكر أخذ الله ميثاق بني إسرائيل على نصر الرسل ومؤازرتهم.\nولكن قوم عيسى ﵇، وتلاميذه خذلوه ولم ينصروه عندما أراد أعداؤه من اليهود أخذه وقتله، بل أسلمه بعضهم ودل عدوه عليه لولا أن الله رفعه وألقى شبهة على بعض تلاميذه.\nويسجل عليهم إنجيل \"متى\" هذا الموقف المشين فيقول في ذلك: \"حينئذ مضى أحد الاثني عشر الذي يقال له يهوذا الأسخريوطي إلى رؤساء الكهنة، وقال لهم: ماذا تريدون أن تعطوني فأسلمه إليكم؟ فجعوا له ثلاثين من القصة، ومن ذلك الوقت يطلب الفرصة ليسلمه. وفيما هو يتكلم -أي: المسيح- إذ جاء يهوذا أحد الاثني عشر ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من قبل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلًا الذي أقبله هو هو فأمسكوه وللوقت دنا إلى يسوع، وقال له: السلام يا معلم وقبله؛ فقال له يسوع: يا صاحب لأي شيء جئت، حينئذ جاءوا وألقوا أيديهم على يسوع وأمسكوه. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا\"١.\nفانظر كيف تآمر عليه تلميذ وصاحب من أصحابه، وباعه لأعدائه بثمن بخس دراهم معدودة، ثم كيف هرب باقي تلاميذه وتركوه، نعم حاول بعضهم الدفاع عنه لكنهم في النهاية أسلموه لعدوه؛ على أنا لا نسلم لهم أن دعوه تمكن منه وما صلبوه وما قتلوه يقينًا ولكن شبه لهم.\nلكن الشاهد من هذا النص من الإنجيل أن النصارى يثبتون أن تلاميذ المسيح وأصحابه أسلموا لليهود وخلوا بينهم وبينه وقبض بعضهم ثمنًا لذلك. وهذا غاية الخذلان.\n_________\n١ متى، الإصحاح السادس والعشرون فقرة ١٤- ٥٧.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>ثالثًا: موقف المسلمين من أنبياء الله ورسله</span>\nينبع موقف المسلمين في هذا الباب من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ فهما سداه ولحمته، منهما تستقي هذه الأمة مواقفها واعتقادها وسائر أمور دينها، وعنهما تصدر.\nلذلك جاء موقفها من أنبياء الله ورسله موقفًا معتدلًا وسطًا، لا غلو فيه ولا إفراط، ولا تفريط أو تقصير فيه، ولم تضل فيه كما ضلت أمم قبلها؛ لأنها لم تقل يه بمجرد الرأي والهوى، ولم تبتدع فيه ما لم يأذن به الله ولا رسوله ﷺ.\nنوجز هذا الموقف في الأمور التالية:\nالأمر الأول:\nأن هذه الأمة آمنت بجميع الأنبياء والمرسلين ولم تفرق بين أحد منهم فتؤمن ببعض وتكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى.\nذلك أن الله ﷿ أمرها بذلك في كتابه الكريم بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.\nقال الإمام ابن كثير في تفسيره هذه الآية: \"أرشد الله تعالى عباده المؤمنين\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٣٦.","vol":"1","page":277},{"text":"إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا، وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم؛ بل يؤمنوا بهم كلهم\"١.\nوقال قتادة: \"أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم ولا يفرقوا بين أحد منهم\"٢.\nوعد الرسول ﷺ الإيمان بالرسل أحد أركان ايمان الستة التي لا يكون المرء مؤمنًا إلا إذا استكملها؛ فقال ﷺ في حديث جبريل المشهور: \"الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\"٣.\nفاستجابت هذه الأمة لأمر الله ورسوله وآمنت برسل الله جميعًا، وشهد الله لها بهذا الإيمان في محكم كتابه فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ ٤.\nوبلغ من عمق إيمانها برسل الله وتصديقها لهم، أنها تشهد لهم على أممهم بالبلاغ، كما تقدم٥ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، يقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ،\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٧١.\n٢ أخرجه ابن جرير في التفسير ٣/ ١١١.\n٣ م: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام ١/ ٣٦- ٣٧، ح١.\n٤ سورة البقرة آية ٢٨٥.\n٥ انظر: ص ١٧٥- ١٧٦.","vol":"1","page":278},{"text":"ويكون الرسول عليهم شهيدًا؛ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١ \" ٢.\nالأمر الثاني:\nأنها لم تنقص أحدًا منهم، كما فعل غيرها من الأمم؛ بل وقرتهم وعزرتهم ونصرتهم، ونفت عنهم كل ما يقدح في أشخاصهم أو نبوتهم ورسالتهم، وأثبت عصمتهم، من الكفر، وارتكاب الكبائر قبل الرسالة وبعدها، وفي الصغائر خلاف والجمهور على عصمتهم من تعمدها٣.\nلأنهم صفوة الله من خلقه، كما أخبر الله في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.\nوقال عن موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٥.\nوقال عن عدد من رسله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَار﴾ ٦.\nوقال عن جميع رسله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس﴾ ٧.\nفهذه الأمة تؤمن وتعتقد أن رسل الله وأنبياءه أفضل الخلق وأطهرهم\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٤٣.\n٢ تقدم تخريجه. انظر: ص ١٧٥ هامش \"١\".\n٣ راجع: السفاريني، لوامع الأنور ٢/ ٣٠٣- ٣٠٥، وفخر الدين محمد بن عمر الرازي، عصمة الأنبياء ٢٦ وما بعدها.\n٤ سورة آل عمران آية ٣٣.\n٥ سورة طه آية ٣٩.\n٦ سورة ص آية ٤٧.\n٧ سورة الحج آية ٧٥.","vol":"1","page":279},{"text":"وأزكاهم، وأنهم منزهون عن الدنايا مبرؤون من كل سوء، صادقون في أقوالهم، قدوة وأسوة في أفعالهم وأعمالهم، لا يأتون منكرًا ولا يقولون زورًا، ولا يستحقون ذمًا ولا يستوجبون عقابًا، أمرنا الله بالاقتداء، بهم واتباع هديهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.\nوقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢.\nوترى محبتهم واجبة، ونصرتهم لازمة؛ لذلك كان نبيها ورسولها محمد ﷺ، أحب إليها من النفس والمال، والولد والوالد، كما جاء في الحديث الصحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين\" ٣. وفي حديث عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي؛ فقال النبي ﷺ: \"لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحب إليك من نفسك\"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ: \"الآن يا عمر\" ٤.\nولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفدون النبي ﷺ بأموالهم وأنفسهم، فكان منهم من يقيه بجسده وقع السهام والنبال كما صنع أبو دجانة٥\n_________\n١ سورة الأنعام آية ٨٩- ٩٠.\n٢ سورة الأحزاب آية ٢١.\n٣ خ: الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ١/ ٥٨، ح ١٥.\n٤ خ: الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ ١١/ ٥٢٣، ح ٦٦٣٢.\n٥ أبو دجانة هو: سماك بن خرشه، وقيل: ابن أوس بن خرشه، متفق على شهوده بدرًا، وكان ممن ذب عن النبي ﷺ يوم أحد حتى كثرت جراحه، استشهد باليمامة. انظر: ابن حجر، الإصابة ٤/ ٥٨.","vol":"1","page":280},{"text":"﵁ في غزوة أحد١.\nولم يخذلوه قط أو يتخلفوا عن نصره والقتال بين يديه، حتى قال قائلهم يوم بدر وهو المقداد بن عمرو٢: \"يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك؛ والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ٣، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فهو الذي بعثك بالحق؛ لو سرت بنا إلى برك الغماد٤ لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه\"٥.\nيروي الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ هذا الموقف العظيم من المقداد ﵁ مشيدًا به متمنيًا أن يكون هو صاحبه؛ فيقول: \"شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا؛ لأن ِأكون صاحبه أحب إلي مما عدل به٦: أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم\n_________\n١ انظر: ابن هشام، السيرة ٢/ ٨٢، \"ط. الثانية ١٣٧٥ هـ، بتحقيق مصطفى السقا وزملائه.\n٢ هو المقداد بن عمرو الكندي، شهد بدرًا والمشاهد بعدها، وكان فارسًا يوم بدر مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ﵁، قيل: وهو ابن سبعين. ابن حجر، الإصابة ٣/ ٤٥٤.\n٣ سورة المائدة آية ٢٤.\n٤ برك الغماد \"بكسر الغين المعجمة\": وهو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: بلد باليمن، موضع في أقاصي أرض هجر، وقيل: أقصى حجر باليمن. الحموي، معجم البلدان ١/ ٣٩٩- ٤٠٠ \"ط. دار صادر ١٤٠٤ هـ\".\nوقد جاء في بعض الروايات: \"لئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسير معك\". انظر: ابن حجر، الفتح ٧/ ٢٨٨.\n٥ ابن هشام، السيرة ١/ ٦١٥.\n٦ عدل به \"بضم المهملة وكسر الدال\"؛ أي: وزن؛ أي: من كل شيء يقابل ذلك من الدنيويات، وقيل: من الثواب. قال ابن حجر: والمراد المبالغة في عظمة ذلك المشهد. انظر: فتح الباري ١/ ٢٨٧.","vol":"1","page":281},{"text":"موسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾؛ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره؛ يعني: قوله\"١.\nوقال سعد بن معاذ٢ ﵁ في هذا المقام: \"فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك؛ فوالذي بعثك بالحق؛ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله ﷺ يقول سعد ونشطه ذلك\"٣.\nفتأمل موقف هذه الأمة من نبيها، وانظر أي بون بينه وبين موقف قوم موسى ﵇ في قولهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، أو موقف النصارى الذين أسلموا نبيهم لأعدائهم ليقتلوا ويصلبوه بزعمهم، وتآمر بعض تلاميذه وحوارييه عليه، كما تقدم إيضاح ذلك في مواقف القوم من أنبيائهم.\nالأمر الثالث:\nأنهم لم يغلو فيهم أو يفرطوا في مدحهم بالباطل؛ وإنما قدروهم حق قدره، وعزروهم ونصروهم، وأحبوهم، وعظموهم وأجلوهم غاية التعظيم والإجلال، ولم يفرطوا في مدحهم ولم يبالغوا في إطرائهم والثناء عليهم ولم يجاوزوا الحد في ذلك، ولم ينزلوهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها. ولم يرفعوهم فوق المقام الذي لهم؛ فلم يجاوزوا بهم منزلة الرسالة والنبوة، ومقام\n_________\n١ خ: كتاب المغازي، باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ ٧/ ٢٨٧، ح ٣٩٥٢.\n٢ وهو: سعد بن معاذ بن النعمان سيد الأوس، شهد بدرًا، ورمى بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة. ثم انتقض جرحه؛ فمات وذلك سنة خمس. انظر: ابن حجر، الإصابة ٢/ ٣٧.\n٣ ابن هشام، سيرة ١/ ٦١٥.","vol":"1","page":282},{"text":"العبودية لله، وهما المقام والمنزلة التي أنزلهم الله إياها وأقامهم فيها وخاطبهم وذكرهم بها، في كتابه العزيز فقال عن نوح ﵇: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ١، وقال عن داود ﵇: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٢، وقال عن سليمان ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ ٣، وقال عن أيوب ﵇: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ٤، وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار﴾ ٥، ثم قال عن عيسى ﵇: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٦، وقال عن خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ٧، وقال ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٨.\nفمقام الرسالة والعبودية هو المقام الذي شرف الله به عباده المرسلين ومن عليهم به، وهم صلوات الله وسلامه عليهم يأبون أن يرفعوا فوق ذلك، وينهون أممهم ويحذرونهم من مجاوزة هذا المقام، ويقول في هذا المصطفى ﷺ: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله\n_________\n١ سورة الإسراء آية ٣.\n٢ سورة ص آية ١٧.\n٣ سورة ص آية ٣٠.\n٤ سورة ص آية ٤١.\n٥ سورة ص آية ٤٥.\n٦ سورة النساء آية ١٧٢.\n٧ سورة الإسراء آية ١.\n٨ سورة النجم آية ١٠.","vol":"1","page":283},{"text":"ورسوله\" ١، ويقول: \"يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا تسجرينكم الشياطين أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله\" ٢.\nفالأنبياء والمرسلون بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويتزوجون النساء، ولكثير منهم بنون، وحفدة، وليسوا بآلهة ولا أبناء إله، كما ضل النصارى في عيسى ﵇.\nيقول الحق ﵎ مقررًا هذه الحقيقة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣، ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤، ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٥، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ٦، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ٧.\nوبعد: فهذه منزلة الرسل والأنبياء عند هذه الأمة، لاإفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير؛ فهم عندها عبيد لا يعبدون، ورسل لا يكذبون، بل يطاعون ويتبعون.\n_________\n١ خ: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ٦/ ٤٧٨، ح ٣٢٤٥.\n٢ النسائي: عمل اليوم والليلة ص ٢٤٩، ح ٢٤٨ \"بتحقيق د. فاروق حماده، ط. الثانية ١٤٠٦،نشر: مؤسسة الرسالة\".\n٣ سورة الكهف آية ١١٠.\n٤ سورة إبراهيم آية ١١.\n٥ سورة الإسراء آية ٩٣.\n٦ سورة الرعد آية ٣٨.\n٧ سورة الفرقان آية ٢٠.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الباب الثاني: وسطية أهل السنة بين الفرق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>بين يدي هذا الباب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>مدخل</span>\n...\nالباب الثاني: وسطية أهل السنة بين الفرق\nبين يدي هذا الباب:\nتكلمنا في الباب الأول عن وسطية هذه الأمة بين الأمة، وبينا هناك أن أهل السنة والجماعة هم أول الناس دخولًا في هذه الوسطية، وأن كل معنى من معاني الوسطية ثبت لهذه الأمة؛ فلأهل السنة منه الحظ الأوفر، وما ذاك إلا لأنهم النموذج الأمثل للأمة التي جعلها الله أمة وسطًا، وأخبر أنها خير أمة أخرجت للناس؛ إذ هم الطائفة الوحيدة التي حققت المتابعة المحضة لكتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، بخلاف غيرهم من فرق وطوائف الأمة، فإنه ما من فرقة ولا طائفة منها إلا ولها من الأقوال والاعتقادات ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nلذلك كان أهل السنة خير فرق هذه الأمة وأوسط طوائفها، لتمسكهم بالسنة وحرصهم على متابعتها، والذب عنها؛ فهم الطائفة المنصورة، وهم الفرقة الناجية كما تقدم لنا بيان ذلك في أول هذه الرسالة.\nفهم كما قال شيخ الإسلام: \"وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل\"١. \"والسنة- التي هم أهلها وأخص الناس بها- أعز في الإسلام، من الإسلام في سائر الأديان\". كما قال الإمام أبو بكر بن عياش ﵀\n_________\n١ انظر: الوصية الكبرى ١٢.","vol":"1","page":287},{"text":"عليه١.\nوفي هذا الباب سنعرض لبيان وسطية أهل السنة بين فرق هذه الأمة، وقد جعلت الكلام على ذلك في خمسة، فصول، مصدرة بتهميد في بيان افتراق الأمة وأسباب ذلك.\nالفصل الأول: في بيان وسطيتهم في باب الأسماء والصفات.\nالفصل الثاني: في بيان وسطيتهم في باب الأسماء والأحكام والوعيد.\nوالفصل الثالث: في بيان وسطيتهم في باب القدر.\nوالفصل الرابع: في بيان وسطيتهم في باب أصحاب رسول الله ﷺ.\nوالفصل الخامس: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم رسول الله ﷺ والصالحين من أمته.\n_________\n١ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ٦٦. وانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٩٥- ٥٠٨.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>تمهيد: في بيان افتراق الأمة وأسباب ذلك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>أولًا: افتراق هذه الأمة</span>\nأخبر ﷺ أنه سيقع في أمته ما وقع في بني إسرائيل من التفرق والاختلاف؛ فقال: \"افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة\"١.\nوفي بعض الروايات: \"كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة\"٢.\nوفي بعضها: \"كلها في النار إلا واحدة\". قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\"٣.\nولم يقع في حياته ﷺ بين الأمة فرقة أو اختلاف؛ لأنه بين أظهرهم والوحي يتنزل عليه، فلا مجال لفرقة، ولا مرتع لبدعة.\nولما لحق ﷺ بالرفيق الأعلى، عاش الناس بعده في كنف الخلافة الراشدة المهدية، لم يظهر بينهم خلاف في أصول دينهم أو افتراق بسبب ذلك.\nفكان الناس على اجتماع وائتلاف خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وطرفًا من خلافة علي ﵁، ثم في منتصف خلافته ﵁ اشرأبت أعناق البدع، ونبتت ثوابت الفرقة والاختلاف في أصول الدين وأمور الإيمان ثم تتابع ظهور البدع والفرق مصداقًا لخبر المصطفى ﷺ.\nوقد تكلم أرباب الفرق والمقالات على تحصيل عدد هذه الفرق\n_________\n١ أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٨، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n٢ جه: كتاب الفتن ٢/ ١٣٢٢، ح ٣٩٩٣.\n٣ تقد تخريجها، انظر: ص ٤٨.","vol":"1","page":289},{"text":"ومقالاتها، وجهد بعضهم في أن يبلغ بها العدد المذكور في الحديث، وصنفوا في ذلك المصنفات١. وسلكوا في ذلك مسالك شتى.\nوالذي يعنينا هنا هو الكلام على أمهات الفرق التي فارقت أهل السنة، وخالفتهم في شيء من أصول الدين والإيمان.\nوسنذكر هنا: أشهر من عرف بذلك من الفرق مع نبذة عن نشأة كل فرقة، وأهم ما فارقت به أهل السنة، وخالفتهم فيه من الأصول.\nفمن تلك الفرق:\n١- الخوارج:\nوهي أول فرقة، أظهرت الخلاف وفارقت جماعة المسلمين.\n* وجه التسمية:\nسموا بذلك؛ لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ ولقولهم بالخروج على الأئمة٢.\n* تاريخ النشأة ٣:\nبرزت هذه الفرقة أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وبالتحديد سنة ٣٧ هـ بعد معركة \"صفين\" وقبول علي ﵁ تحكيم الحكمين؛ حيث كرهوا ذلك منه ونقموا عليه بسببه وقالوا: لا حكم إلا لله، مع أنهم هم الذين أكرهوه على قبوله في أول الأمر، فانحازوا إلى بلدة\n_________\n١ من ذلك: المقالات، لأبي الحسن الأشعري، والفرق بين الفرق للبغدادي، والملل والنحل للشهرستاني، والفصل في الملل والأهواء لابن حزم، والتبصير في الدين للإسفرائيني، والبرهان للسكسي. وغير ذلك.\n٢ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١١٤.\n٣ انظر: نفس المصدر ١/ ١١٥.","vol":"1","page":290},{"text":"\"حروراء\"١ وأعلنوا البراءة من علي والحكمين ومن رضي بالتحكيم، بل وكفروهم بسبب ذلك.\n* أهم آرائهم الاعتقادية:\nتتلخص المبادئ التي يرتكز عليها الخوارج في ثلاثة أمور رئيسية، بها حادوا عن سواء الصراط، فضلوا وأضلوا:\nالأمر الأول: تكفير علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، والحكمين ﵃.\nالأمر الثاني: القول بالخروج على الإمام الجائر.\nالأمر الثالث: قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار.\nهذه المبادئ الثلاثة هي جوهر اعتقاد الخوارج، وليس بينهم في ذلك خلاف؛ إلا خلافًا لبعضهم في تطبيق هذه المبادئ.\nيقول الإمام ابو الحسن الأشعري في حكاية ما أجمع عليه الخوارج من الآراء: \"أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب ﵁ أن حكم وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟\nوأجمعوا على: أن كل كبيرة كفر؛ إلا النجدات٢ فإنها لا تقول ذلك.\nوأجمعوا على: أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا؛ إلا\n_________\n١ حروراء: قرية بظاهر الكوفة نزل بها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب ﵁. انظر: الحموي، معجم البلدان ٢/ ٢٤٥.\n٢ النجدات: أتباع نجدة بن عامر الحنفي المقتول سنة ٦٩ هـ فرقة من فرق الخوارج. قالوا: من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة وأصر عليها؛ فهو مشرك، ومن زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر عليه؛ فهو مسلم إذا كان من موافقيهم. وأكفروا من خالفهم وقعد عن نصرتهم انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق ٨٩.","vol":"1","page":291},{"text":"النجدات أصحاب نجدة\"١.\nوقال المقدسي في ذلك: \"وأصل مذهبهم: إكفار علي بن أبي طالب ﵁، والتبرؤ من عثمان بن عفان، والتكفير بالذنب، والخروج على الإمام الجائر\"٢.\n٢- الشيعة:\n* وجه التسمية:\nيقول الأشعري في بيان وجه ذلك: \"وإنما قيل لهم الشيعة؛ لأنهم شايعوا عليًا رضوان الله عليه، ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله ﷺ\"٣.\nفكل من قال إن عليًا ﵁ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ، وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي٤.\n* تاريخ النشأة:\nظهر التشيع في زمن خلافة علي ﵁ على الصحيح، ولا عبرة ما يدعيه الشيعة من بدء ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلك حيث نص بعضهم على أن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة٥.\nوكان التشيع في أوله؛ يعني: تقديم علي ﵁ على عثمان في الفضل.\n_________\n١ المقالات ١/ ١٦٧- ١٦٨.\n٢ البدء والتاريخ ٥/ ١٣٥.\n٣ المقالات ١/، وسيأتي كلام شيخ الإسلام في أن التشيع في أوله لم يكن كذلك.\n٤ ابن حزم، الفصل ٢/ ١١٣ بتصرف.\n٥ محمد الحسين آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة وأصولها ص٨٧ \"ط. العاشرة، نشر: مكتبة العرفان بيروت\".","vol":"1","page":292},{"text":"إذ كان بعض الصحابة ﵃ أجمعين يرى تقديم علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان ﵄ في الفضل، ولم يقدموه على أبي بكر وعمر ﵄؛ بل كان الجميع بما فيهم على مجمعين على تقديم الشيخين في الخلافة والفضل، فقد \"تواتر عن علي ﵁ قال: \"خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر\"١ وهذا متفق عليه بين قدماء الشيعة، وكلهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر ﵄؛ وإنما كان النزاع في علي وعثمان ﵄ حين صار لهذه شيعة، ولهذا شيعة، وأما أبو بكر وعمر ﵄ فلم يكن أحد يتشيع لهما بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما حتى الخوارج؛ فإنهم يتولونهما ويترؤون من علي وعثمان ﵄\"٢.\nثم تغلظ التشيع على يد عبد الله بن سبأ، وهو يهودي أدى الإسلام وزعم محبة آل البيت وموالاتهم، وقال بالوصية لعلي بالخلافة، وله فيه غلو هو كفر٣.\nثم انقسم الشيعة إلى: غالية تؤله عليًا ﵁، ورافضة إمامية وزيدية كما سيأتي في المبحث الرابع.\n* أهم آرائهم وأقوالهم التي فارقوا بها أهل السنة:\nيجمع الشيعة الرافضة:\n١- القول بوجوب إمامة علي ﵁، وتقديمه وتفضيله على سائر الصحابة وأن الرسول نص على إمامته.\n٢- القول بعصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر.\n_________\n١ انظر: خ: كتاب فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذًا خليلًا ٧/ ٢٠، ح ٣٦٧١.\n٢ ابن تيمية، النبوات ١٩٦ ١٩٧٠، \"ط. ٢٥٠٣، نشر: دار الكتب العلمية -بيروت\".\n٣ انظر: مقالته وطائفته لدى البغدادي، الفرق بين الفرق ٢٣٣ وما بعدها.","vol":"1","page":293},{"text":"٣- القول بالتولي والتبري قولًا وفعلًا؛ أي: تولي علي ﵁ والتبري من أصحاب رسول الله ﷺ ولا سيما الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم١.\n٣- المرجئة:\n* وجه التسمية:\nنسبة إلى الإرجاء، وهو تأخير العمل عن الإيمان٢.\nوالإرجاء على معنيين:\nأحدهما: بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ ٣؛ أي: أمهله وأخره.\nوالثاني: إعطاء الرجاء٤.\nوهم أصناف أهمها:\nالمرجئة الخالصة: وهم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ومن هؤلاء جه وأصحابه.\nوسيأتي ذكر أقسامهم في الفصل الثاني بإذن الله.\n* نشأتهم:\nأول من تكلم في الإرجاء الذي هو تأخير الأعماء عن الإيمان غيلان\n_________\n١ انظر: الشهرستاني ١/ ١٤٦.\n٢ البغدادي، الفرق بين الفرق ٢٠٢.\n٣ سورة الأعراف آية ١١١.\n٤ الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٣٩.","vol":"1","page":294},{"text":"الدمشقي١ \"ت بعد ١٠٥ هـ\"، كما يقول الشهرستاني٢.\nوروى الخلال في \"السنة\" عن الإمام أحمد سئل \"أول من تكلم في القدر من هو؟ قال: يقولون أول من تكلم فيه ذر٣، ٤.\nأما الإرجاء المنسوب إلى \"أبي محمد الحسن بن محمد المعروف بابن الحنية\"؛ فليس هو الإرجاء في الإيمان؛ وإنما هو إرجاء أمر المتقاتلين من الصحابة إلى الله عز وجل٥.\n* أهم أقوالهم التي فارقوا بها أهل السنة:\n- قولهم بتأخير الأعمال عن مسمى الإيمان.\n- وقول الخالصة منهم: أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.\n_________\n١ وهو: غيلان بن مسلم أبو مروان الدمشقي القدري، أخذ القول بالقدر عن معبد الجهني، قال ابن قتيبة: كان قبطيًا قدريًا، أخذه هشام بن عبد الملك. المعارف ٤٨٤، وقال الذهبي: ضال مسكين. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣٣٨.\n٢ انظر: الملل والنحل ١/ ١٣٩.\n٣ وهو: ذر بن عبد الله بن زرارة المرهبي. قال أحمد: لا بأس به وهو أول من تكلم في الإرجاء، وقال غير واحد، أنه كان مرجئًا، وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير لذلك. وقد شهد مع ابن الأشعث قتال الحجاج سنة ٨٠ هـ. انظر: ابن حجر، التهذيب ٣/ ٢١٨.\n٤ انظر: السنة ص ٦٥٢، رسالة دكتوراة \"بتحقيق عطية عتيق الزهراني\". وقال محققه: إسناده صحيح.\n٥ انظر: محمد بن يحيى العدني، كتاب الإيمان ص١٤٨، \"بتحقيق حمد بن حميد الجابري، ط. الأولى ١٤٠٧، نشر: الدار السلفية\". وانظر أيضًا: ابن حجر، تهذيب التهذيب ٢/ ٣٢١.","vol":"1","page":295},{"text":"٤- الجهمية:\nوهم أصحاب جهم بن صفوان١ \"ت ١٢٨ هـ\" وسموا بذلك نسبة إليه.\nأهم مقالتهم التي فارقوا بها أهل السنة وجماعة المسلمين:\n١- نفي أسماء الله وصفاته.\n٢- القول بخلق القرآن.\n٣- القول بالجبر: وهو أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة؛ وإنما هو مجبور على أفعاله٢.\n٤- القول بالإرجاء وأن الإيمان هو المعرفة٣.\n٥ القول بفناء الجنة والنار٤.\n٥ المعتزلة:\n* وجه التسمية:\nسموا بذلك؛ لاعتزال مؤسس نحلتهم واصل بن عطاء \"٨٠- ١٣١\" مجلس الحسن البصري \"ت ١١٠\" بعد مخالفته له في مرتكب الكبيرة؛ حيث قال واصل أنه في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، ثم تنحى عن مجلس الحسن واعتزل جانبًا يقرر رأيه هذا٥ فقيل له ولأتباعه من يومئذ المعتزلة.\n_________\n١ وهو: جهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي الضال المبتدع، رأس الجهمية، قال الذهبي: هلك في زمان التابعين، وما علمته روى شيئًا لكنه زرع شرًا عظيمًا. ميزان الاعتدال ١/ ٤٢٦. قتل سنة ١٢٨. انظر: ابن كثير، البداية والنهاية ١٠/ ٢٧.\n٢ الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ٨٦.\n٣ المصدر السابق ١/ ٨٨.\n٤ انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق ٢١١، والإسفرائيني، التبصير في الدين ١٠٨.\n٥ انظر: الشهرستاني ١/ ٤٨، وزهدي جار الله، المعتزلة ص ٢.","vol":"1","page":296},{"text":"* أهم أقوالهم التي خالفوا فيها أهل السنة:\n١- نفي الصفات الإلهية.\n٢- القول بخلق القرآن.\n٣- قولهم أن العبد خالق لأفعاله خيره وشرها، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، وأن أفعالهم تقع منهم بغير إرادة الله ومشيئته.\n٤- القول: بأن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وأنه في منزلة بين ذلك، وأنه لا بد أن يدخل النار ويخلد فيها١.\n٥- قولهم باستحقاق العبد الثواب على الله إذا خرج من الدنيا طائعًا على سبيل الإيجاب والمعارضة٢.\nولهم أقوال أخرى، وما ذكرت هو أعظمها.\n٦- طائفة الأشعرية، أو الأشاعرة:\nوهي أكبر طوائف المسلمين، وأوسعها انتشارًا.\n* وجه التسمية:\nسمو بذلك؛ نسبة إلى مؤسس النحلة، وهو الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الإشعري \"٢٦٠- ٣٢٤ هـ\" الذي كان في أول أمره معتزليًا، ثم ترك الاعتزال لما تبين له خطله، وسلك طريقه ابن كلاب٣، فأثبت بعض الصفات وأول البعض الآخر، ثم هداه الله إلى مذهب أهل السنة في آخر حياته، فصنف\n_________\n١ راجع البغدادي، الفرق بين الفرق ١١٤- ١١٥، والشهرستاني، الملل والنحل ١/ ٤٤-٥٤.\n٢ الشهرستاني ١/ ٤٥.\n٣ تقدمت ترجمته ص ٧٢.","vol":"1","page":297},{"text":"الإبانة والمقالات، وذكر فيهما متابعته لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل، وقوله بكل ما قالهِ١.\nذكر هذه الأطوال الثلاثة لأبي الحسن الإمام ابن كثير ﵀ فقال: \"ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:\nأولاها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة\nالحال الثاني: إثبات الصفات السبع وهي: الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية؛ كالوجه واليدين والقدم والساق.\nوالحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريًا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا\"٢.\nوالمنتسبون إليه هم على مذهبه الكلابي الذي رجع عنه إلى مذهب السلف.\n* أشهر أقوالهم التي خالفوا فيها أهل السنة:\n١- نفي وتأويل بعض الصفات الخبرية؛ كالوجه واليدين والساق ونحو ذلك، وتأويل الصفات الاختيارية كالاستواء، والنزول، والغضب والرحمة.\n٢- القول: بأن كلام الله كلام نفسي بلا حرف ولا صوت.\n٣- قولهم: بأن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان.\n٤- قولهم: بالكسب الذي يؤول إلى الجبر.\nوسيأتي لذلك زيادة إيضاح في الفصول الآتية.\n_________\n١ انظر: الإبانة ص٢٠.\n٢ انظر: ابن كثير، طبقات الفقهاء من الشافعية، الطبقة الثالثة من أصحاب الشافعي ق ٢٦/ ب. مخطوط مصور بمكتبة الشيخ حماد الأنصاري متع الله بحياته، وعن رجوع أبي الحسن الأشعري راجع رسالة \"أبو الحسن الأشعري\"، لشيخنا حماد بن محمد الأنصاري حفظه الله فقد اوضح فيها الحق الذي تنشد.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثانيًا: أسباب افتراقها</span>\nيمكن تقسيم الأسباب الرئيسية التي أدت إلى هذا الافتراق إلى قسمين:\nأسباب داخلية:\nأسباب ومؤثرات جنبية خارجية:\nأ- فأما الأسباب الداخلية فمن أهمها:\n١- اتباع الهوى: فإنه أصل الزيغ ومفارقة الحق١.\n٢- الجهل: وهو من أعظم الأسباب المؤدية إلى الابتداء والتفرق والاختلاف.\n٣- الغلو والإفراط: وهو من الأسباب الهامة والعوامل المؤثرة في تكون الفرق واختلافها، ومن شواهد ذلك غلو الشيعة في علي ﵁، وأئمتهم وقولهم بعصمتهم. ثم غلو الخوارج والمعتزلة في آيات الوعيد، وغلو الجبرية في إثبات القدر.\n٤- فتح باب تأويل النصوص الشرعية بدون دليل، وهو من أعظم عوامل تفرق الأمم وابتداعها، يقول الإمام ابن القيم: \"وبالجملة فافتراق أهل الكتاب وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ إنما أوجبه التأويل، وإنما أريقت\n_________\n١ انظر: الشيخ عبد الله الغنيمان. أسباب ظهور الفرق الإسلامية، مقال منشور في مجلة كلية أصول الدين بجامعة الإمام عدد ٢ سنة ١٣٩٩- ١٤٠٠ هـ ص ١٥٤.","vol":"1","page":299},{"text":"دماء المسلمين يوم الجمل وصفين بالتأويل\"١.\n٥- تحكيم العقل في النقل وتقدميه عليه، واعتبار العقل هو الأصل والأساس فيما يقبل ويرد، وفيما يصح أو لا يصح، ويجوز على الله أو لا يجوز. كما يقول المعتزلة. يقول القاضي عبد الجبار وهو يترتب أنواع الأدلة: \"فاعلم أن الدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع، ومعرفة الله لا تنال إلا بالعقل\"٢.\nب- الأسباب والمؤثرات الأجنبية:\nويمكن تلخيص هذه الأسباب والمؤثرات في العناصر الآتية:\n١- احتكاك المسلمين بالأمم المجاورة والتأثر بثقافاتها وأفكارها الدينية، ولا سيما بعد المد الإسلامي واتساع الفتوح وسياحة المسلمين في البلدان المفتوحة.\n٢- دخول كثير من أصحاب الأديان الأخرى في الإسلام، ولم يتخلصوا من أفكارهم ومعتقداتهم السابقة، فأثروا الشبهات في الإسلام.\n٣- ترجمة كتب الفلسفة والمنطق، وتشجيع دراستها والتعمق فيها.\n٤- دخول بعض المغرضين من اليهود والمجوس في الإسلام بقصد الدرس والكيد للإسلام والمسلمين، ومن هؤلاء عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام، وفرق الأمة بما بثه من أفكار الغلو في علي ﵁ وأحقيته بالخلافة.\nومما يدل على مبغل أثر المؤثرات والأسباب الأجنبية في تفرق المسلمين ومدى مسؤوليتها عن ذلك. أنك إذا رجعت إلى أصول كثير من الفرق والبدع\n_________\n١ انظر: إعلام الموقعين ٤/ ٣١٧.\n٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ٨٨.","vol":"1","page":300},{"text":"تجدها أصولًا خارجية.\nفاصل مقالة التعطيل والقول بخلق القرآن مثلًا: يهودي، إذا يرجع إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، كما ذكر ابن الأثير في سياقه سلسلة التعطيل؛ حيث قال: \"وأخذ الجهم من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد بن أبان بن سمعان، وأخذه أبان بن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبدي بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت وكان زنديقًا فأفشى الزندقة\"١.\nوأصل القول في القدر يرجع إلى رجل نصراني، أخرج الآجرى، واللالكائي، وغيرهما عن الإمام الأوزاعي ﵀ أنه قال: \"أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد\"٢.\nواصل التشيع والرفض يرجع إلى يهودي هو: عبد الله بن سبأ كما تقدم.\nوهكذا نجد العوامل والمؤثرات الخارجية ذات تأثير مباشر في نشأة الفرق وتكونها ووقوع الخلاف.\n_________\n١ انظر: الكامل ٥/ ٢٩٤. وانظر أيضًا: ابن كثير، البداية والنهاية ٩/ ٣٦٤.\n٢ انظر: الشريعة ٢٤٣، وشرح أصول أهل السنة ٤/ ٧٥٠، ح ٧٤٩.","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الفصل الأول: في وسطية أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>تمهيد:</span>\nإن التالي لكتاب الله ﷿، ليجد في كثير من الآيات الكريمات ذكر اسم من أسماء الله ﵎، أو صفة من صفاته.\nوكذلك يجد المطالع للسنة المطهرة عددًا من الأحاديث الشريفة تشتمل على ذكر اسم من أسماء الله الحسنى أو صفة من صفاته العلى.\nوكان أصحاب رسول الله ﷺ يتلون آيات الله ﷿، ويتلقون عن رسول الله ﷺ سنته المطهرة.\nونجزم أنهم كانوا يقرأون القرآن قراءة تدبر، وأنهم كانوا يفهمون معاني ما يتلون ويقرأون؛ لأنهم يتلونه ليعلموا به، فيحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويعملوا بمحكمه ويؤمنوا بمتشابهه.\nوكذلك كان تلقيهم لسنة رسول الله ﷺ، تلقى فهم وتدبر؛ لأنهم متعبدون بالعمل بها كما هم متعبدون بالقرآن.\nوإذا أشكل عليهم شيء مما جاء فيها، أو خفي عليهم معناه، أو عزب أن أذهانهم فهم المراد منه، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فبين لهم ما نزل إليهم، ويوضح ما خفي عليهم.\nجاء في \"الصحيح\": \"أن عائشة زوج النبي ﷺ﵂كانت","vol":"1","page":305},{"text":"لا تسمع شيئًا لا نعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال: من حوسب عذب، قالت عائشة فقلت: أوليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ١ قالت: فقال: إنما ذلك الغرض؛ ولكن من نوقش الحساب يهلك\"٢.\nومع ذلك لم يرد قط من طريق صحيح، ولا سقيم، عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة، في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه ﷺ؛ بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكنوا عن الكلام في الصفات٣.\nوربما اختلفوا ﵃ في شيء من الأحكام وأمور الحلال والحرام؛ لكنهم لم يختلفوا في أسماء الله وصفاته وإثبات ما ورد منها.\nيقول الإمام ابن القيم ﵀ عليه موضحًا شأنهم في ذلك: \"وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانًا؛ ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدروها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالإيمان والتعظيم وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا.\n_________\n١ سورة الانشقاق آية ٨.\n٢ خ: كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع فيه ١/ ١٩٦، ح ١٠٣.\n٣ انظر: المقريزي، الخطط ٢/ ٣٥٦.","vol":"1","page":306},{"text":"واحدًا، وأجروها على سنن واحد\"١.\nمضى عصر الصحابة على ذلك، كلمتهم واحدة، ليس لهم في ذلك قولان، ولا تنازع في هذا الباب منهم اثنان.\nثم خلف من بعدهم أخلاف، وبسقت قرون بدع، ونبتت نوابت فرقة واختلاف، فاختلف الناس في هذا الباب بعد ائتلاف؛ فكانوا طوائف ثلاث:\nالأولى: أهل تعطيل.\nالثانية: أهل تمثيل.\nالثالثة: أهل سواء سبيل.\nفأما أهل التعطيل: فقد قالوا بنفي أسماء الله وصفاته، وبعضهم أثبت الأسماء ونفي الصفات، وأمثلهم أثبت الأسماء وبعض الصفات، ونفي أو أول البعض الآخر، وهم طوائف. بينهم تفاوت.\nوأما أهل التمثيل: فمالوا إلى ضروب من التمثيل والتشبيه، وهم أيضًا طوائف، ما بين مشبه للمخلوق بالخالق، وآخر مشبه للخالق بالمخلوق.\nوأما أهل سواء السبيل: فهم الذي سلكوا سبيل ذلك الرعيل الذي عاصر التنزيل؛ أعني: الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ اقتدوا بهم، واهتدوا بهديهم؛ فكان قولهم كقولهم، وهؤلاء هم أهل السنة وجامعة الذين سلموا من ضلالة النفي والتعطيل، ولم يرتكسوا في حمأة التشبيه والتمثيل، وكانوا بين ذلك على هدي قاصد وصراط مستقيم.\nوفي هذا الفصل سنعرض بإذن الله لبيان قول كل من الطوائف الثلاثة في هذا الباب من خلال كتبهم ومصنفاتهم ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، أو من خلال\n_________\n١ انظر: إعلام الموقعين ١/ ٥١- ٥٢.","vol":"1","page":307},{"text":"ما نقل وأثر من أقوال أئمتهم ورواد نحلتهم، ثم نذيل الفصل بذكر طرف من أقوال أهل العلم التي أشاروا فيها إلى وسطية قول أهل السنة في هذا الباب، ونماذج مختارة من بعض الصفات نبرز من خلالها صور وسطية أهل السنة في ذلك، ندل بها على باقي الصفات.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الأول: في بيان قول أهل التعطيل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الطائفة الأولى: نفاة الأسماء والصفات</span>\n...\nالمبحث الأول: في بيان قول أهل التعطيل\nوقيل ذكر أقوالهم، لنقف على معنى التعطيل في اللغة، والمراد به عند إطلاقه في هذا الباب.\nفالتعطيل في اللغة: من عطل، وهو يدل على خلو وفراغ، نقول: عطلت الدار، ودار معطلة، ومتى تركت الإبل بلا راع فقد عطلت، وكذلك البئر ذا لم تورد ولم يستق منها، قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ ١، ٢؛ أي: لا يستقي منها، ولايردها أحد٣.\nوالمراد بالتعطيل: إنكار ونفي ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات أو إنكار بعض ذلك٤، وهو يتضمن تعطيل الخالق جل وعلا من بعض أسمائه وصفاته، وتعطيل نصوص الكتاب والسنة عما دلت عليه من المعنى الحق في هذا الباب.\nوأهل التعطيل كما سبقت الإشارة طوائف، أخذ الخالف منهم بعض ما كان عليه السالف والجميع في ربقة التعطيل مرتبك.\nالطائفة الأولى: نفاة الأسماء والصفات\nوهؤلاء هم \"الجهمية\" وسموا بذلك نسبة إلى \"الجهم بن صفوان\" السمرقندي الترمذي، مولى بني راسب \"ت ١٢٨ هـ\"٥.\n_________\n١ سورة الحج آية ٤٥.\n٢ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ٤/ ٣٥١- ٣٥٢.\n٣ انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٥/ ٤٣٤.\n٤ انظر: محمد بن صالح بن عثيمين، فتح رب البرية بتلخيص الحموية ٥٥ ضمن مجموع رسائل في العقتيدة، \"ط. الأولى ١٤٠٤هـ، نشر: دار طيبة - الرياض\".\n٥ انظر ترجمته لدى ابن حجر، لسان الميزان ٢/ ١٤٢.","vol":"1","page":309},{"text":"وكان -كما يقول الإمام أحمد بن حنبل \"صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى\"١.\nتلقى عن شيخه \"الجعد بن درهم\"٢ الكلام والقول بإنكار الأسماء والصفات٣، ثم أشاعه وأظهر حتى نسب ذلك إليه دونه وكان أول ظهور مذهبه بـ \"ترمذ\"، وظل يبث آراءه في ذلك حتى قتله سلم بن أحوز المازني بـ \"مرو\" في آخر ملك بني أمية كما يقول الأشعري٤، وذكر الإمام ابن جرير وفاته في سنة مائة وثمان وعشرين٥.\n* ذكر قول جهم وأصحابه في الأسماء والصفات:\nلم يصل إلينا شيء من كتب الجهمية الأوائل؛ غير أننا نستطيع أن نقف على الكثير من أقوالهم واعتقاداتهم، من خلال ما دونه عنهم بعض الأئمة ومؤلفوا كتب الفرق والمقالات، وما سجله بعض المؤرخين من مقالاتهم في ثنايا تراجمهم وأخبارهم.\nفما بلغنا من قولهم في ذلك، ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل في كتاب: \"الرد على الجهمية والزنادقة\"؛ حيث قال: \"وزعم -أي: جهم- أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله كان كافرًا، وكان من المشبهة.\n_________\n١ انظر: الرد على الجهمية والزنادقة ١٠٢.\n٢ قال الذهبي: عداده في التابعين، مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر والقصة مشهورة. اهـ. ميزان الاعتدال ١/ ٣٩٩. وقصة قتله رواها الإمام البخاري في خلق أفعال العباد ص ٧.\n٣ قال الإمام البخاري: \"قال قتيبة: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم\". انظر: خلق أفعال العباد ص ٧.\n٤ انظر: المقالات ١/ ٣٣٨٣.\n٥ انظر: تاريخ الأمم والملوك ٧/ ٣٣٥.","vol":"1","page":310},{"text":"وإذا سألهم الناس عن قول الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقولون: ليس كثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان ولم يتكلم، ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد ي الدنيا ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة\"١.\nومن ذلك قول الأشعري عن الجهم: \"ويحكى عنه أنه كان يقول: لا أقول أن الله سبحانه شيء؛ لأن ذلك تشبيه له بالأشياء\"٢.\nومن ذلك ما نقله الملطي من قولهم: \"إن الله لا شيء، ولا يقع عليه صفة شيء.... -قال-: ومنهم صنف زعموا أن الله شيء، وليس كالأشياء، ولا يقع عليه صفة.... ولا سمع ولا بصر، ولا كلام، ولا يتكلم، وأن القرآن مخلوق، وأنه لم يكلم موسى، ولا يكلم قط ... -قال:- ومنهم صنف قالوا: لا نقول: إن الله قوي ولا شديد ولا حي، ولا ميت، ولا يغضب ولا يرضى، ولا يسخط، ولا يحب ولا يعجب، ولا يرحم، ولا يفرح، ولا يسمع، ولا يبصر ولا يقبض، ولا يبسط\"٣.\nذكر عن جهم أنه: أنكر أن يكون الله على العرش، وأنكر الكرسي، وأنكر النزول، والرؤية والوجه، والسمع والبصر، والتكلم واليد وغير ذلك٤.\nومن ذلك ما ذكره الشهرستاني، قال: \"وافق٥- أي: جهم- المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء:\n_________\n١ ١٠٤- ١٠٥.\n٢ انظر: المقالات ١/ ٣٣٨.\n٣ انظر: التنبيه والرد ٩٦- ٩٨.\n٤ راجع التنيه والرد ص ٩٩- ١٣٥.\n٥ الحق أن جهمًا تقدم المعتزلة ي القول في الأسماء والصفات، والمعتزلة هم الذين واقفوه في بعض قوله وأخذوا عنه نفي الصفات. فتنبه.","vol":"1","page":311},{"text":"منها: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقة؛ لأن ذلك يقضي تشبيهًا فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلًا خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق\"١.\nومن ذلك ما ذكره السمعاني في \"الأنساب\"؛ حيث قال في ترجمة جهم: \"والمنكر في عقيدته كثير، وأفظعها كان يزعم أن الله ﷿ لا يوصف بأنه شيء، ولا بأنه حي عالم ولا يوصف بما يجوز إطلاق بعضه على غيره، وزعم أن تسميته شيئًا، وتسمية غيره شيئًا، توجب التشبيه بينه وبين غيره، وكذلك تسميته حيًا وعالمًا، وتسمية غيره بذلك توجب التشبيه بينه وبين من سمى بذلك من المخلوقين.\nوأطلق عليه اسم القادر؛ لأنه - أي: الجهم- لا يسمى أحدًا من المخلوقين قادرًا من أجل نفيه استطاعة العباد واكتسابهم.\nقال: وفي هذا القول إبطال أكثر ما ورد به القرآن من أسماء الله تعالى، كالعليم، والحي، والبصير، والسميع، ونحو ذلك؛ لأن كل واحد من هذه الأسماء قد يسمى به غيره فيلزمه أن لا يسمى إلهه إلا باسم ينفرد به كالإله والخالق والرزاق ونحو ذلك، ويرد أسماءه حينئذ إلى عدد قليل\"٢.\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا كان جهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروى أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق؛ فلم يسمه إلا بالخالق القادر؛ لأنه كان جبريًا يرى أن العبد لا قدرة له\"٣.\nمن هذه النقول يتضح لنا مذهب جهم الذي يدور على:\n_________\n١ انظر: الملل والنحل ١/ ٨٦.٣\n٢ انظر: الأنساب ٢/ ١٣٣.\n٣ انظر: منهاج السنة ٢/ ٥٢٦.","vol":"1","page":312},{"text":"١- نفي كل اسم أو صفة يجوز أن يسمى أو يتصف بها غير الله.\n٢- إثبات اسم القادر والخالق؛ لأنه لا قادر ولا خالق غيره ولا يسمى بها أحد من خلقه.\n٣- إنكار رؤية الله ﷿ في الآخرة.\n٤- القول بخلق القرآن.\n٥- أن شبهته الرئيسية التي من أجلها قال بكل ذلك: نفي التشبيه؛ إذ يرى أن تسميته أو صفه بشيء يسمى به أو يوصف به غيره. تشبيه له سبحانه بالمخلوقات؛ فلما قام في قلبه التشبيه نزع إلى النفي والتعطيل.\n_________\n١ انظر: الرد على الزنادقة ١٠٤- ١٠٥.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الطائفة الثانية: من طوائف المعطلة</span>\nهم مثبتة الأسماء ونفاة الصفات وهؤلاء هم المعتزلة.\nأحذ المعتزلة عن الجهمية القول بنفي الصفات، والقول بخلق القرآن ونفي رؤية الله ﷿ في الآخرة.\nوقد أشار الإمام أحمد ﵀ إلى أن بعض أصحاب \"عمرو بن عبيد\" أحد رؤوس الآعتزال كما هو معلوم، -وقد تبع جهم بن صفوان على مقالته وأخذ عنه١.\nوكان بين جهم وواصل بن عطاء٢ زعيم المعتزلة الأولى مكاتبات٣. وقد أخذ بشر المريسي، المعتزلي مقالة الجهم بن صفوان واحتج لها، وجرد القول\n_________\n١ انظر: الرد على الزنادقة ١٠٤- ١٠٥.\n٢ وهو: واصل بن عطاء، يكنى بأبي حذيفة، ويلقب بالغزال، ولم يكن غزالًا؛ وإنما كان يلازم الغزالين، له مصنفات في الرد على مخالفية، مات سنة ١٣١ وعمره ٥١ عامًا. انظر: المنية والأمل ص ١٧ ٢١، وانظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٣٢٩.\n٣ انظر: ابن المرتضى، المنية والأمل ص ٢١، \"نشر: دار صادر\".","vol":"1","page":313},{"text":"بخلق القرآن وناظر عليه١.\nإذًا فهناك اتصال بين أقطاب التجهم وبين رواد الاعتزال، على إثره انتقلت بعض أفكار الجهمية ومذاهبهم إلى المعتزلة الذين تبنوها ودافعوا عنها؛ حتى أصبح يطلق عليهم الجهمية أيضًا لشدة تأثرهم بمقولة جهم وأتباعه؛ ولا سيما في نفي الصفات، والرؤية، والقول بخلق القرآن، قال القاسمي: \"إن تلقيبهم -أي: المعتزلة- بالجهمية إنما كان لما وجد من موافقتهم للجهمية في تلك المسائل -أي: نفي الرؤية والصفات- مع مراعاة سبقهم فيها على المعتزلة، وتمهيدهم السبيل للتوسع فيها -قال- فاحفظه\"٢.\nوهذه بعض النقول التي استقيناها من كتب القوم، وكتب الفرق والمقالات التي دونت أقوالهم ومذاهبهم، والتي تبين رأيهم ومعتقدهم في باب أسماء الله وصفاته.\nيقول ابن المرتضى المعتزلي في بيان ما أجمعت عليه المعتزلة: \"وأما ما أجمعوا عليه فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا، قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا، لا لمعان، ليس بجسم، ولا عرض، ولا جوهر عينًا واحدًا لا يدرك بحاسة\"٣.\nوقوله: \"لا لمعان\"؛ معناه: أنهم يثبتون كونه ﷿ قادرًاِ، عالمًا، حيًا، أسماء مجردة لا تدل على صفات؛ فهو قادر بدون قدرة، عالم بلا علم حي بلا حياة. يوضح هذا:\nقول الشهرستاني: \"والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول: بأن الله تعالى قديم والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلًا فقالوا:\n_________\n١ راجع: ميزان الاعتدال ١/ ٣٢٢.\n٢ انظر: تاريخ الجهمية والمعتزلة ص ٦٠.\n٣ المنية والأمل ص ٦.","vol":"1","page":314},{"text":"هو عالم بذاته، حي بذاته، لا يعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص لشاركته في الإلهية.\nواتفقوا على: أن كلامه محدث في محل. واتفقوا على أن الإرادة، والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته. واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار\"١.\nوقال السكسكي: \"وقد اجتمعت -أي: المعتزلة- على نفي الصفات عن الله ﷿، وتعالى عن قولهم، كالعلم والقدرة والسمع والبصر\"٢.\nوهذا القول مما أسس عليه الكيان المعتزلي؛ فقد \"كان شيخهم الأول -واصل ابن عطاء- يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إليهن\"٣.\nلذلك كان من أولى قواعد مذهبه: نفي الصفات بناء على رأيه هذا.\n_________\n١ انظر: الملل والنحل ١/ ٤٤- ٤٥.\n٢ انظر: البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ٥٠، \"ط. الأولى ١٤٠٨، نشر: مكتبة المنار - الأردن\".\n٣ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ٤٦.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الطائفة الثالثة: من طوائف أهل التعطيل</span>\nوهم الذين أثبتوا الأسماء وبعض الصفات ونفوا أو أولوا البعض الآخر:\nومن هذه الطائفة: الأشاعرة١.\nفإنهم متفقون على إثبات بعض الصفات التي يسمونها صفات المعاني، وهي القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع والبصر، والكلام٢.\n_________\n١ تقدم التعريف بهم. انظر: ص ٢٩٧.\n٢ انظر: محمد بن يوسف السنوسي، أم البارهيم، ضمن مجموع مهمات المتون ص ٣.","vol":"1","page":315},{"text":"يقول البغدادي: \"أجمع أصحابنا على أن قدرة الله ﷿، وعلمه وحياته وإرادته وسمعه وكلامه، صفات له أزلية\"١.\nواتفقوا على وجوب تأويل بعض الصفات ونفيها عن الله ﷿؛ وذلك مثل صفة المحبة والرضى وغيرها من الصفات الاختيارية التي تقع بمشيئة الله وإرادته.\nيبين الباقلاني عقيدتهم في مثل هذه الصفات فيقول: \"ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته ورضاه، ورحمته، وكراهيته، وغضبه، وسخطه، وولايته، وعداوته كلها راجع إلى إرادته\"٢، وقال: \"وأنه سبحانه لم يزر مريدًا ومحبًا ومبغضًا وراضيًا، وساخطًا، مواليًا، ومعاديًا، ورحيمًا ورحمانًا، وجيع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب بغيره، ورضى يسكنه طبعًا له، وحنق وغيظ يلحقه، وحقد يجده\"٣.\nوحقيقة قولهم نفي حقيقة هذه الصفات، وتأويلها بالإرادة.\nواختلف قولهم في بعض الصفات الذاتية التي تعرف بالصفات الخبرية؛ أي: التي لم تثبت إلا من طريق السمع ولا دخل للعقل في إثباتها، ولولا ورود السمع بها لما علمت؛ وذلك مثل صفة: اليدين، والعينين، والوجه.\nفبعض متقديمهم يثبت ما ثبت من ذلك، كالباقلاني٤. وأولها أكثرهم ولا سيما متأخروهم.\nالحاصل أن القوم يثبتون بعض الصفات، وينفون ويؤولون البعض الآخر، وهذا تعطيل وإن كان أخف بلا شك من تعطيل الجهمية والمعتزلة.\n_________\n١ انظر: أصول الدين ٩٠.\n٢ انظر: الإنصاف ص ٢٦.\n٣ انظر: الإنصاف ٢٤.\n٤ نفس المصدر ص ٢٤.","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الثاني: في بيان أهل التشبيه والتمثيل</span>\n...\nالمبحث الثاني: في بيان قول أهل التشبيه والتمثيل\nوهم صنفان: كما تقدم.\nصنف شبهوا المخلوق بالخالق. ومن هذا الصنف؛ السبأية١ من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا وقالوا: أنت الله حتى حرقهم بالنار على ذلك٢.\nوليس من غرضنا هنا الحديث عن هذا الصنف؛ لأنا إنما نريد معرفة قول النصف الثاني: وهم الذين شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين.\nوهذا النوع من التشبيه يكثر في الراوفض؛ بل هم أهله.\nفإن من أشهر من قال بهذا النوع من التشبيه منهم: هشام بن الحكم الرافضي٣ الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم أنه سبعة أشبار بشبر نفسه.\nوأنه جسم طويل عريض وروى عنه أنه كسبيكة الفضة\"٤.\n_________\n١ وهم فرقة من غلاة الرافضة، ينسبون إلى عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي ﵁ أنت الله، وكان يهوديًا ثم أظهر الإسلام، وكاد للإسلام كيدًا عظيمًا، انظر عن هذه الفرق: الشهرستاني الملل ١/ ١٧٤، والبغدادي الفرق بين الفرق ٢٣٣.\n٢ انظر: الفرق بين الفرق ٢٢٥ بتصرف.\n٣ وهو هشام بن الحكم الشيباني، كان من كبار الرافضة ومشاهيرهم، ومتكلميهم، وكان مجسمًا، مشبهًاِ.\nقال ابن النديم: مات بعد نكبة البرامكة، وقيل في خلافة المأمون انظر: الفهرست ٢٢٣- ٢٢٤، وانظر ترجمته في لسان الميزان لابن حجر ٦/ ١٩٤.\n٤ انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق ٢٢٧، والشهرستاني، الملل ١/ ٨٤.","vol":"1","page":317},{"text":"ومنهم هشام بن سالم الجواليقي١: الذي \"زعم أنه معبود على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت\"٢.\nومنهم: داود الجواربي٣ الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية٤ وقال: \"اعفوني عن الفرج واللحة واسألوني عما وراء ذلك\"٥. تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nوممن قال بالتشبيه من غير الرافضة: مقاتل بن سليمان المفسر٦ الذي قال فيه الأمم أبو حنيفة: \"أتانا من المشرق رأيان خبيثان؛ جهم معطل، ومقاتل مشبه\"٧.\nوقال ابن حبان: \"كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث\"٨.\n_________\n١ ذكره ابن النديم في الفهرست في متكلمي الإمامية ص٢٢٦، والمقريزي في الخطط. قال: الجولقي ٢/ ٣٦٨. ولم أقف على ترجمة له.\n٢ البغدادي، الفرق بين الفرق ٢٢٧.\n٣ قال الذهبي فيه: داود الجواربي رأس في الرفض والتجسيم. انظر: الميزان ٢/ ٢٣.\n٤ انظر: الفرق بين الفرق ٢٢٨.\n٥ انظر: الشهرستاني الملل والنحل ١/ ١٠٥.\n٦ وهو: مقاتل بن سليمان البلخي المفسر أبو الحسن. مات سنة ١٥٠ هـ. الذهبي، ميزان الاعتدال ٤/ ١٧٣- ١٧٥.\n٧ انظر: ابن حجر، لسان الميزان ١٠/ ٢٨١.\n٨ الذهبي، ميزان الاعتدال ٤/ ١٧٥.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الثالث: في بيان قول أهل سواء السبيل وهم أهل السنة</span>\nأما أهل السنة والجماعة فإن من أصولهم التي يدينون بها: إثبات ما ورد في كتاب الله ﷿، أو على لسان رسول الله ﷺ من أسماء الله وصفاته لا يفرقون بين أسماء الله وصفاته، ولا بين بعض صفاته وبعض؛ بل قولهم في الجمع واحد، لا ينفون ولا يؤولون شيئًا منها، ولا يكيفيون أو يشبهون شيئًا منها بصفات المخلوقين.\nيقول الإمام ابن عبد البر في ذلك: \"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يجدون فيه صفة محصورة\"١.\nويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل السنة وقولهم في ذلك بما لا مزيد عليه فيقول: \"ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل، يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، يثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال، ينزهون عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ رد على المعطلة\"٢. فمذهبهم إذًا بين التمثيل والتعطيل، دائر على الإثبات والتنزيه.\nولهم في ذلك منهج وسط، وقواعد مثلى عليها يدور مذهبهم، وقولهم في\n_________\n١ انظر: التمهيد ٧/ ١٤٥.\n٢ انظر: منهاج السنة ٢/ ١١١.","vol":"1","page":319},{"text":"أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وهي قواعد دل عليها كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ؛ فهي مستوحاة منهما، وكل من ضل في هذا الباب فإنما حصل له ذلك بسبب التفريط والإعراض عن شيء منها.\nأولى هذه القواعد وأعظمها:\nأن لا يوصف الله ﷿ إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث١.\nوكان مطرف يقول: الحمد لله الذي من العلم به الجهل بغير ما وصف به نفسه٢.\nوقال سحنون: من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه٣.\nفمن وصفه بما لم يصف به نفسه، أيو يصفه به رسوله فقد ضل، وقال على الله بلا علم، ومن ذلك صنيع الفلاسفة الذين سموه العقل الفعال، والمعتزلة الذين جعلوا القدم أخص صفاته، وهذا الاسم إلى كونه ليس في كتاب الله فإنه لا يؤدي المعنى الذي أناطوه به. واللفظ الشرعي الوارد في قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ ٤ أدل على المعنى المطلوب وأرضى للرب.\nومن لم يصفه بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله؛ فقد ضيع وفرط وضل وعطل الله ﷿ عن أسمائه وصفاته التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة.\nالقاعدة الثانية:\nالقطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه لصفاته\n_________\n١ ذكره ابن تيمية من قول الإمام أحمد: انظر: الفتوى الحموية ص ١٦.\n٢ انظر: ابن عبد البر، التمهيد ٧/ ١٤٦.\n٣ نفس المصدر والصفحة.\n٤ سورة الحديد آية ٣.","vol":"1","page":320},{"text":"بصفات خلقه، كما تقدم قول نعيم بن حماد: \"من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه أو تمثيل\"١\nوبسبب التفريط في هذا الأصل، ضل كل من طائفتي المعطلة، والمشبهة إذا اعتقد الجميع أن فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيهًا؛ فنفي المعطلة وأولوا ما دلت عليه النصوص من الصفات، وقال المشبهة بمماثلتها لصفات المخلوقات.\nالقاعدة الثالثة:\nقطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله سبحان٢، وكل من حاول إدراك ذلك خرج إلى ضرب من التشبيه.\nالقاعدة الرابعة:\nالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وبسبب الغفلة عن هذا الأصل ضل من أثبت بعض الصفات ونفي البعض الآخر؛ إذ لا فرق بين ما نفاه وما أثبته والقول فيهما واحد٣ وكذلك القول في الأسماء.\nالقاعدة الخامسة:\nوالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه ومثاله.\nفإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا\n_________\n١ تقدم تخريجه ص١٣١.\n٢ انظر: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٨. نشر الجامعة الإسلامية.\n٣ راجع: ابن تيمية، التدمرية ٣١.","vol":"1","page":321},{"text":"إثبات كيفية؛ فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف١.\nالقاعدة السادسة:\nالاعتصام بالألفاظ الشرعية الواردة في هذا الباب نفيًا وإثباتًا، والتوقف في الألفاظ التي لم يرد نص بذكرها نفيًا ولا إثباتًا كلفظ الجسم، والحيز والجهة، والمكان ونحو ذلك، والاستفصال عن مراد من أطلقها؛ فإن كان المعنى الذي أراده صحيحًا قبل وعبر عنه باللفظ الشرعي، وإن كان معنى باطلًا، لم يقبل.\nيقول شيخ الإسلام في هذا المعنى: \"فالواجب أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي؛ فنثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني.\nوأما الألفاظ التي تنازع فيها من ابتدعها من المتأخرين، مثل لفظ \"الجسم\" و\"الجوهر\" و\"المتحيز\" و\"الجهة\" ونحو ذلك؛ فلا تطلق نفيًا ولا إثباتًا، حي ينظر في مقصود قائلها فإن كان قد أراد بالنفي والإثبات معنى صحيحًا موافقًا لما أخبر به الرسول ﷺ صوف المعنى الذي قصده بلفظه؛ ولكن ينبغي أن يعبر عنه بألفاظ النصوص، ولا يعدل إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها - قال- والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، وأما إن أريد بها معنى باطل نفي ذلك المعنى، وإن جمع بين حق وباطل، أثبت الحق وأبطل\n_________\n١ رسالة للخطيب البغدادي في الكلام على الصفات ص ٢٠، ط. الأولى، بتحقيق: عمرو عبد المنعم، نشر: مكتبة العلم بجدة ١٤١٣ هـ. وانظر معنى هذه القاعدة لدى ابن تيمية في التدمرية ص ٤٣.","vol":"1","page":322},{"text":"الباطل\"١.\nويعد: فهذه بعض أهم القواعد التي تميز منهج أهل السنة في هذا الباب، وهي تدل على مدى اعتصامهم بالكتاب والسنة، والقول بما دلا عليه. بالسير عليها جاء قولهم معتدلًا مستصوبًا.\n_________\n١ انظر: منهاج السنة ٢/ ٥٤٤- ٥٥٥.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الرابع: بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>أولا: أقوال بعض السلف في وسطية قول أهل السنة في صفات الله تعالى</span>\n...\nالمبحث الرابع: بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب\nمما تقدم من عرض لأقوال الثلاث في هذا الباب، يتضح لنا أن مذهب أهل السنة وسط بين النفاة المعطلة وبين المشبهة الممثلة.\nوفي هذا المبحث سنذكر بعض أقوال أهل العلم من السلف الذين أشراوا إلى وسطية أهل السنة في هذا الباب، ثم نشير إلى صور من وسطيتهم من خلال قولهم وأقوال الفرق الأخرى في نماذج مختارة من الصفات.\nأولًا: أقوال بعض السلف في وسطية قول أهل السنة في صفات الله تعالى\n١- قول: الخطيب البغدادي:\nقال ﵀: \"أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية، والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه\"١.\n٢- وممن أشار إلى وسطيتهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه؛ فقال في \"الوصية الكبرى\": \"فهم -أي: أهل السنة- في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى شبهوه بالعدم والموات، وبين أهل\n_________\n١ رسالة الخطيب في الكلام على الصفات، ص ١٩.","vol":"1","page":324},{"text":"التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.\nفيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل\"١.\nوقال: \"ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على أهل التشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على أهل النفي والتعطيل.\nفالممثل أعشى، والمعطل أعمى، الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا\"٢\n٣- وممن أشار إلى وسطية قولهم من فضلاء أهل السنة المعاصرين الشيخ عبد المحسن العباد في شرحه لحديث: \"يضحك الله لرجلين\" في كتابه وعشرون حديثًا من صحيح مسلم، بعد أن ذكر القول الواجب في الصفات وذكر قول اهل التعطيل والتأويل وقول أهل التشبيه والتمثيل. قال: \"والحق وسط بين الإفراط والتفريط وسط بين الذين أثبتوا الصفات وأفرطوا إذ شبهوا الله بخقله، وبين الذين فرطوا فنفوا الصفات، أو تأولوها بقصد تنزيه الله عن مشابهة الخلق\".\nوالمذهب الحق وسط بين الطرفين ففيه الإثبات؛ فلا نفي ولا تأويل، وفيه التنزيه فلا تشبيه ولا تمثيل، وكل من المشبهة والنفاة جمعوا بين إساءة وإحسان.\nفالمشبهة: أحسنوا؛ إذ أثبتوا فلم ينفوا الصفات، وأساؤا إذا شبهوا ومثلوا.\nوالنفاة: أحسنوا إذ نزهوا الله عن مشابهة خلقه، وأساءوا إذ نفوا عنه الله\n_________\n١ انظر: الوصية الكبرى ١٥.\n٢ انظر: الفتاوى ٥/ ١٩٦، وانظر أقواله الأخرى في: منهاج السنة ٣/ ٤٦٨ و٥/ ١٧٢، والصفدية ٢/ ٣١٣- ٣١٤، الواسطية ص ١٠٧.","vol":"1","page":325},{"text":"ما أثبته لنفسه.\nوأهل السنة والجماعة جمعوا بين المحسنيين وسلموا من الإساءتين؛ فالإحسان الذي عند الطرفين عندهم، وليس عندهم ما عند كل من الإساءة، وذلك أنهم أثبتوا ما أثبت في الكتاب والسنة ما لصفات، ونزهوا الله عن مشابهة خلقه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾؛ فأول الآية تنزيه، وآخرها إثبات.\nفمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلني كاللبن السائغ الخالص السائغ للشاربين الذي يخرج من فرث ودم\"١.\nهذه بعض أقوال الأئمة في وسطية قول أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته، في عصور متفاوتة، وللائمة إلى ذلك إشارات وتهبيهات كثيرة إلى هذه الوسطية، وما ذكرت كاف ودال على أمثاله.\n_________\n١ انظر: عشرون حديثًا من صحيح مسلم ١٧٧- ١٧٨، \"ط. الأولى ١٣٩١ بالقاهرة\".","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>ثانيًا: صور من وسطية أهل السنة في هذا الباب</span>\nمن أعظم وأبلغ صور وسطية أهل السنة في هذا الباب:\nكونهم الطائفة الوحيدة التي أثبتت لله جميع ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ مع تحقيقها للتنزه وسلامة قولها من التشبيه والتمثيل. وليس ذلك إلا لها.\nفإن الجهمية المحضة، نفوا الأسماء والصفات كما تقدم.\nوالمعتزلة: أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات كما سبق ذكر ذلك.\nفكان قولهم خيرًا من قول أولئك؛ فإن من سمي الله بما سمي به نفسه أقرب إلى الحق والصواب ممن نفي ذلك.","vol":"1","page":326},{"text":"والكلابية والأشاعرة: أثبتوا الأسماء، وبعض الصفات، ونفوا وأولوا البعض الآخر؛ فقولهم خير وأقرب للحق من قول الجهمية والمعتزلة.\nوأهل السنة لما أثبتوا جميع الأسماء والصفات، كان قولهم خيرًا من قول الجميع.\nكونهم الطائفة الوحيدة التي عملت بمقتضى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ ١؛ إذ كل طائفة عداها إنما عملت بشطر من هذه الآية وضيعت الشطر الآخر كما تقدم إيضاح ذلك في كلام فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد.\nهذه بعض الصور العامة لوسطيتهم، وهناك صور كثيرة لهذه الوسطية نستطيع أن نلمسها من خلال أقوالهم في كثير من الصفات الإلهية.\nوسنختار بعض الصفات أمثلة ونماذج نوضح من خلالها هذه الوسطية؛ فمن ذلك:\n١- صفة العلو والفوقية:\nدلت كثير من الآيات والأحاديث النبوية على علو الله ﷿، وأنه فوق مخلوقاته، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ ٢، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٤، وغير ذلك من الآيات كثير.\nفاختلفت الطوائف والفرق في ذلك، ونزع قوم إلى إفراط، وآخرون إلى\n_________\n١ سورة الشورى: آية ١١.\n٢ سورة النحل: آية ٥٠.\n٣ سورة الأنعام: آية ١٨.\n٤ سورة فاطر آية ١٠.","vol":"1","page":327},{"text":"تفريط.\nفقال حلولية الجهمية: إن الله بذاته في كل مكان فقالوا: \"هو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان\"١.\nوقال معطلة الجهمية: ليس هو داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت.\nوهذا قول المعتزلة٢، وإليه يؤول قول الأشاعرة، الذين نفوا فوقيته لزعمهم أنه لا يصح أن يكون الباري في جهة؛ يقول الجويني: \"إن الرب تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات والإتصاف بالمحاذاة ولا تحيط به الأقطار\"٣.\nويقول الرازي: أعلم أنا ندعي وجود موجود لا يمكن أن يشار إليه بالحسن أن ههنا أو هنالك\"٤ ومؤداه أنه سبحانه ليس فوق سماواته مستو على عرشه.\nوقال أهل السنة: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، كما دل على ذلك الكتاب وإجماع سلف الأمة٥.\nفقول أهل السنة كما ترى وسط بين قول من جعله -تعالى عن قولهم- في كل مكان، وبين قول من جعله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا\n_________\n١ انظر: الإمام أحمد بن حنبل، الرد على الجهمية ١٠٥.\n٢ الأشعري، المقالات ١/ ٢٣٧، وهو قول الفوطي، وعباد بن سليمان، وأبي زفر وغيرهم وجمهوروهم على القول بأنه في كل مكان. وانظر: زهدي جار الله، المعتزلة ص ٨٣.\n٣ لمع الأدلة ٩٤- ٩٥.\n٤ أساس التقديس ص ٤.\n٥ ابن تيمية، الفتاوى ٢/ ٢٩٧.","vol":"1","page":328},{"text":"تحت.\n٢- رؤية الله ﷿:\nفقد أفرط قوم في إثبات ذلك فجاوزوا الحد، وقالوا: إنه سبحانه يرى في الدنيا والآخرة، وأنه يحاضر ويسامر وهذا قول بعض غلاة الحلولية١.\nوفرط قول فقالوا: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. وهذا قول: الجهمية والمعتزلة٢ وغيرهم من أهل البدع٣.\nوقال أهل السنة: -من الصحابة والتابعين- إن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه.\nلأن الله أخبر أن عباده يرونه في الآخرة فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤، وقال عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ ٥؛ فلما حجب الكفار عن رؤيته عقوبة لهم دل على أن أهل طاعته يرونه.\nوأخبر رسول الله ﷺ أنه لا يتمكن رؤيته في الدنيا فقال: \"تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت\" ٦.\nفقول أهل السنة كما ترى وسط بين من أثبت رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة، وبين من نفاها في الدارين؛ فأثبتوها في الآخرة دون الدنيا كما قال الله ورسوله ﷺ.\n_________\n١ انظر: ابن تيمية، الوصية الكبرى ١/ ٢٩، وانظر: ابن القيم، حادي الأرواح ٢٤١.\n٢ انظر قولهم لدى: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة ٢٣٢.\n٣ انظر: ابن القيم، حادي الأرواح ١٩٦.\n٤ سورة القيامة آية ٢٢- ٢٣.\n٥ سورة المطففين آية ١٥.\n٦ م: كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد ٤/ ٢٢٤٥.","vol":"1","page":329},{"text":"وبعد فإن صور وسطية أهل السنة في هذا الباب كثيرة فما من صفة إلا وقولهم فيها وسط بين الغلاة في الإثبات، والمغرقين في النفي والتأويل، وهم بين هؤلاء وهؤلاء على سواه السبيل وأسعد بالدليل.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الفصل الثاني: وسطية أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>تمهيد:</span>\nالخلاف في هذا الباب قديم؛ فهو من أوائل ما حصل فيه النزاع بين الفرق المنتمية إلى الإسلام، وأول من أظهر الخلاف في ذلك وخالف جماعة المسلمين الخوارج، ثم قابلهم المرجئة، ثم خرجت المعتزلة وجاءوا في هذا بما لم يأت به أولئك، والجميع دائر بين إفراط، وتفريط.\nولما كان ديدن أهل السنة هو السنة هو التمسك بكتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، والقول بما دلا عليه وأديا إليه؛ فقد جاء قولهم في هذا الباب وسطًا بين إفراط الخوارج وأهل الاعتزال، وتفريط أهل الإرجاء.\nولبيان قول كل ومذهبه، جعلت هذا الفصل في مبحثين:\nالمبحث الأول: في بيان وسطية أهل السنة في الأسماء والأحكام.\nالمبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في الوعد والوعيد.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الأول: في وسطيتهم في الأسماء والأحكام</span>\nالمراد بالأسماء: أسماء الدين مثل مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق.\nوالمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة١؛ أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء٢.\nفقد تنازع الناس في \"مرتكب الكبيرة المليء\" ماذا يسمى؟ أهو مؤمن؟ أم كافر؟ أم فاسق؟ أم منافق؟ وما حكمه في الدنيا؟ بنا على ذلك، وما هو حكمه في الآخرة؟ وافترقوا في ذلك إلى: طرفين، وواسطية.\nفالخوارج، والمعتزلة في طرف.\nوطوائف المرجئة في الطرف المقابل.\nوأهل السنة: وسط بين الطرفين.\nواختلافهم في ذلك مبني على اختلافهم في حقيقة الإيمان الواجب؛ لذا فإنا قبل عرض أقوالهم واختلافهم في اسم صاحب الكبيرة وحكمه، صنعرض بإيجاز لأقوالهم في تعريف الإيمان، وحقيقته عند كل منهم، وما بين مذاهبهم من فروق، وما فارقهم به أهل السنة، وامتازوا به عنهم من قول.\nتعريف الإيمان:\nأولًا: عند أهل السنة والخوارج والمعتزلة:\nذهب كل من أهل السنة، والخوارج، والمعتزلة إلى أن الإيمان يتألف من\n_________\n١ انظر: ابن تيمية، الفتاوى ١٣/ ٣٨.\n٢ انظر: صالح الفوزان العقيدة الواسطية ص١٢٦، \"ط. الرابعة ١٤٠٧ هـ، نشر: مكتبة المعارف - الرياض\".","vol":"1","page":334},{"text":"ثلاثة أمور:\n١- المعرفة والتصديق بالقلب.\n٢- الإقرار والنطق باللسان.\n٣-- العمل بالجوارح١.\nثم فارق كل من الخوارج، والمعتزلة أهل السنة بقولهم: إن الإيمان كل لا يتجزأ ولا يتبعض، وهو العمل بكل مأمور، وترك كل محظور، والذنوب لا تجامع الإيمان؛ بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام؛ فمتى ذهب بعضه بارتكاب شيء منها ذهب كله؛ ولهذا قالوا: بسلب الإيمان عن أصحاب الكبائر كما سيأتي.\nثم قالت الخوارج: يكون العاصي كافرًا.\nوقالت المعتزلة: لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا بل هو في منزلة بينهما٢، كما سيأتي.\nثانيًا: عند المرجئة:\nالمرجئة ثلاثة أصناف:\nالصنف الأول:\nقالوا: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، كالمحبة، والخضوع، ومنهم من لا يدخلها فيه، ويرى أنه مجرد المعرفة بالقلب فقط وهو قول جهم.\nوهذا الصنف: هم الذين يطلق عليهم المرجئة الخالصة، وهم الذين\n_________\n١ انظر: ابن حزم، المفصل ٣/ ١٨٨.\n٢ انظر: ابن تيمية، الفتاوى ١٢/ ٤٧٠.","vol":"1","page":335},{"text":"قالوا: \"لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة\"١.\nالصنف الثاني:\nقالوا: الإيمان مجرد قول اللسان فقط وهؤلاء هم الكرامية٢.\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا القول لا يعرف لأحد قبل الكرامية\"٣.\nوالصنف الثالث:\nمرجئة الفقهاء كأبي حنيفة وغيره: قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان٤.\nقول الأشاعرة في تعريف الإيمان:\nأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان؛ حيث قال عقب ذكره قول جهم السابق في الإيمان، وأنه المعرفة: \"وهذا الذي نصره هو -أي: الأشعري- وأصحابه\"٥.\nقلت: أما الأشعري، فقوله في كتاب \"الإبانة\" يدل على رجوعه عن ذلك؛ فإنه يقول: \"و-نؤمن- أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\"٦.\nوأما أصحاب الأشعري، والأشاعرة بعامة: فقول جمهورهم: أن الإيمان\n_________\n١ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٣٩.\n٢ الكرامية: هم أصحاب محمد بن كرام السجستاني، ت ٢٥٥ هـ. انظر: الملل ١/ ١٠٨ ح. وانظر: الأشعري، المقالات ١/ ٣٢٣.\n٣ الفتاوى ٧/ ١٩٥.\n٤ هذا التقسيم لطوائف المرجئة وأقوالهم في الإيمان مأخوذ بتصرف عن الفتاوى، لشيخ الإسلام ٧/ ١٩٥.\n٥ انظر: الفتاوى ٧/ ١٩٥٣.\n٦ انظر: الإبانة ٢٧.","vol":"1","page":336},{"text":"هو التصديق١، وزاد بعضهم: نطق اللسان، لتحقق الإيمان ظاهرًا.\nيقول الباقلاني: \"فإن قال قائل: خبرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب\"٢، يوضحه قوله في حد الكفر: \"وإن قال قائل: ما الكفر عندكم؟ قيل له: هو ضد الإيمان، وهو الجهل بالله ﷿، والتكذيب به السائر لقلب الإنسان عن العلم به؛ فهو كالمغطي عن معرفة الحق\"٣.\nويقول الجويني: \"والمرضي عندنا أن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على التحقيق كلام النفس، ولكن لا يثبت إلا مع العلم\"٤.\nوهذا القول فيه شائبة من قول جهم ويفضي إليه بوجه، ولهذا قال شيخ الإسلام فيهم ما قال.\nوللجويني قول آخر يرى فيه: أن من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه جحودًا أنه ليس بمؤمن، وإن لم ينطق به من غير جحود فهو مؤمن باطنًا، وإن نطق فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا. يقول: \"والمؤمن على التحقيق: من انطوى عقدًا على المعرفة بصدق من أخبر عن صانع العالم، وصفاته وأنبيائه فإن اعترف بلسانه ما عرف بجنانه؛ فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإن لم يعترف بلسانه معاندًا، لم ينفعه علم قلبه\"٥.\n_________\n١ انظر: أحمد عطية، الإيمان بين السلف والمتكلمين ص ١٢٩ رسالة ماجستير مطبوع على الآلة الكاتبة.\n٢ التمهيد ٣٤٦.\n٣ التمهيد ٣٤٨.\n٤ انظر: الإرشاد ٣٩٧.\n٥ انظر: العقيدة النظامية ٨٥.","vol":"1","page":337},{"text":"الفرق بين قول الخوارج والمعتزلة والمرجئة الخالصة وبين قول أهل السنة:\nمن خلال أقوال كل من الخوارج والمعتزلة، والمرجئة الخالصة. نلاحظ: أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا لا يتبعض ولا يتجزأ؛ فهو عند الخوارج والمعتزلة: مجموع: التصديق القلبي، والنطق اللساني، والعمل بالجوارح، وهو فعل الطاعات وترك المعاصي.\nوإذا ذهب بعضه باترتكاب كبيرة ذهب كله.\nوهو عند المرجئة الخالصة مجرد المعرفة، والأعمال ليست منه.\nأما أهل السنة فإنهم -وإن اتفقوا مع الخوارج والمعتزلة في تعريف الإيمان لكنهم- يرون أنه يتبعض ويتجزأ، ويزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا فرق ما بينهم وبين أولئك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عليه: وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة: أن الإيمان يتفاضل ويتبعض كما قال النبي ﷺ: \"من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان\" ١\"٢.\nوأما أولئك فإنه لما كان الإيمان عندهم لا يتبعض، قال الخوارج والمعتزلة: من فعل ذنبًا زال بعض الإيمان فيزول كله فيخلد صاحبه في النار.\nوقالت الجهمية: قد علمنا أنه ليس يخلد في النار، وأنه ليس كافرًا مرتدًا بل هو من المسلمين، وإذا كان من المسلمين وجب أن يكون مؤمنًا تام الإيمان ليس معه بعض الإيمان؛ لأن الإيمان لا يتبعض عندهم٣.\n_________\n١ خ: كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة، ١٣/ ٣٧٤، ح ٧٥١٠.\n٢ انظر: الفتاوى ٣/ ٣٥٥.\n٣ انظر: نفس المصدر ١٣/ ٥٠.","vol":"1","page":338},{"text":"وكل من الفريقين غالط فيما قال. والحق ما قال أهل السنة في ذلك.\nوإذا تقرر لدينا قول كل من هذه الطوائف في الإيمان، فلنشرع في بيان قول كل منهم في اسم مرتكب الكبيرة، وحكمه في الدنيا، والآخرة، وهم في ذلك كما أشرنا في أول المبحث طرفان، وواسطة على النحو التالي:\nأولًا: قول الطرف الأول \"وهم الخوارج والمعتزلة\":\nأ- قول الخوارج:\nيتخلص قول الخوارج في مرتكب الكبيرة في الأمور التالية:\n- حكموا بخروجه من الإيمان، وسموه كافرًا، إلا فرقة النجدات١ منهم، ثم اختلفوا هل كفره كفر شرك أو كفر نعمة؟ على ما سيأتي.\n- أن حكمه في الدنيا حكم الكفار، تجري عليه أحكامهم؛ فيكون حلال الدم والمال عند من قال: كفره، كفر شرك، وليس كذلك عند جعل كفره كفر نعمة أو نفاق.\n- أما حكمه في الآخرة فإنه خالد في النار لا يخرج منها.\nيقول أبو عمار عبد الكافي الإباضي \"قبل ٥٧٠ هـ\" وهو خارجي إباضي كما هو واضح من نسبته: \"اختلف من أثبت الوعيد لأهل الكبائر في أسمائهم، وفي كبائرهم ما هي؟ بعد إجماعهم على ثبوت الوعيد لهم، ونفي التسمية عنهم بالإيمان.\nفقال الصفرية٢: إن كبائرهم كفر شرك، وأسماءهم كفار مشركون\n_________\n١ تقدم التعريف بهم ص٢٩١.\n٢ الصفرية: فرقة من الخوارج، وهم أصحاب \"زياد بن الأصفر\"، وكانوا يرون أن مخالفيهم مشركون، السرة فيهم سرة أهل الحرب من المشركين. انظر: الأشعري، المقالات ١/ ١٨٢.","vol":"1","page":339},{"text":"محاربون كأهل حرب النبي ﷺ، تسفك دماؤهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وهم مع ذلك قد تورث أموالهم، وتنكح نساؤهم وتؤكل ذبائحهم، ويحج معهم، ويصلي معهم.\nوقالت الإباضية: كبائرهم كفر نفاق، لا كفر شرك، وأسماؤهم: كافرون منافقون ليسوا بمشركين، ولا مؤمنين ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ١، لا إلى المشركين في الحكم، والسرة ولا إلى المؤمنين في الاسم والثواب\"٢.\nوقال الأشعري: \"وأجمعوا -أي: الخوارج- على أن كل كبيرة إلا النجدات؛ فإنها لا تقول ذلك.\nوأجمعوا على أن الله -سبحانه- يعذب أصحاب الكبائر، عذابًا دائمًا إلا النجدات٣.\nوقال الشهرستاني -في معرض ذكر جماع قول الخوارج: \"ويكفرون أصحاب الكبائر\"٤.\nوقال الرازي: \"سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرًا بالذنب\"٥.\nوقال السكسكي: \"وقالوا من أذنب كبيرة فهو كافر؛ إلا النجدات،\n_________\n١ سورة النساء آية ١٤٣.\n٢ الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف ضمن كتاب آراء الخوارج الكلامية، للدكتور عمار طالبي ٢/ ١١٦، \"ط. ١٣٩، نشر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر\".\n٣ انظر: المقالات ١/ ١٦٨.\n٤ الملل والنحل ١/ ١١٥.\n٥ انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٤٦.","vol":"1","page":340},{"text":"فإنها لاتكفر من أذنب منهم، وتكفر من أذنب من غيرهم، وأن مرتكبي الكبائر مخلدون في النار معذبون بعذاب أهل النار\"١.\nب- قول المعتزلة:\nيتلخص قولهم في مركتب الكبيرة في الأمور التالية:\n- خروجه من مسمى الإيمان، لا إلى الكفر؛ ولكن إلى منزلة بينهما.\n- حكمه في الدنيا: حكم باقي المسلمين في حرمة الدم والعرض والمال، والتوارث ونحو ذلك.\n- حكمه في الآخرة: دخول النار، والخلود فيها، لكن يكون عذابه دون عذاب الكفار فيها.\nولنضع الآن لقول القاضي عبد الجبار المعتزلي وهو يدون مذهب أهل نحلته فيقول: \"صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا سامه اسم المؤمن؛ وإنما يسمى فاسقًا.\nوكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن؛ بل يفرد به حكم ثالث\"٢.\nوقال في موضع آخر: \"وجملة القول في ذلك أن الغرض بهذا الباب -أي: باب المنزلة بين المنزلتين - هو أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا؛ وإنما يسمى فاسقًا\"٣.\nوقال في بيان وجه عدم تسميته مؤمنًا: \"والذي يدل على الفصل الأول،\n_________\n١ البرهان ص ١٩.\n٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ص ٦٩٧.\n٣ انظر: شرح الأصول الخمسة ص ٧٠١.","vol":"1","page":341},{"text":"وهو الكلام أن صاحب الكبيرة لا يمسي مؤمنًا، هو ما قد ثبت أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن، والاستخفاف والإهانة وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة؛ فإذ قد ثبت هذان الأصلان؛ فلا إشكال في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنًا\"١.\nولم يجز أن يسمى كافرًا؛ لأن الشرع جعل الكافر اسمًا لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين. قال: إذا ثبت هذا، ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم، ولا تجري عليه هذه الأحكام؛ فلم يجز أن يسمى كافرًا٢.\nوهذا الكلام إلى جانب ما أفاده من عدم جواز تسمية صاحب الكبيرة كافرًا تضمن أيضًا الحكم الدنيوي له، وهو أنه تسري عليه أحكام المسلمين من المناكحة، والموارثة والدفن في مقابر المسلمين.\nويقول ابن المرتضي -وهو معتزلي أيضًا- في معرض كلامه عما أجمعت عليه المعتزلة: \"وأما ما أجمعوا عليه؛ فقد أجمعت المعتزلة على.... وعلى المنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا\"٣.\nوأما حكمه في الآخرة فترى المعتزلة: \"أن الفاسق يخلد في النار، ويعذب فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين\"٤.\nوذلك إذا مات على كبيرته ولم يحدث منها توبة، ذكر الإسفراييني\n_________\n١ انظر: نفص المصدر ٧٠١- ٧٠٢.\n٢ انظر: نفس المصدر ص ٧١٢.\n٣ انظر: المنية والأمل ص ٦، \"بتصحيح توما أرنلد، نشر: دار صادر -بيروت\"، صورة عن طبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن سنة ١٣١٦ هـ.\n٤ القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة ص ٦٦٦.","vol":"1","page":342},{"text":"اتفاقهم على ذلك فقال: \"ومما اتفقوا عليه. قولهم: إن حال الفاسق الملِّي منزلة بين منزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر، وأنه إذ خرج من الدنيا قبل أن يتوب يكون خالدًا مخلدًا في النار مع جملة الكفار، ولا يجوز لله تعالى أن يغفر له أو يرحمه\"١.\nومن خلال هذا العرض لقولي الخوارج والمعتزلة نلاحظ اتفاق الفريقين في صاحب الكبيرة على أمور:\nالأول: سلب اسم الإيمان عنه.\nالثاني: الحكم بأنه من أهل النار وأنه خالد فيها؛ إلا أن عذابه فيها دون عذاب الكفار عند المعتزلة.\nواختلفوا في أمرين:\nالأول: في اسمه.\nالثاني: في حكمه في الدنيا.\nفسمته الخوارج كافرًا، على الخلاف المذكور بينهم في نوع كفره، كما تقدم.\nوقال المعتزلة: لا نسميه مؤمنًا، ولا كافرًا؛ بل هو عندنا فاسق في منزلة بين الكفر والإيمان.\nوأما حكمه في الدنيا؛ فالمعتزلة: تجري عليه أحكام المسلمين كما تقدم.\nوأما الخوارج: فهم في ذلك فريقان كما تقدم:\nطائفة: تجري عليه أحكام الكفار، فتبيح دمه وماله.\n_________\n١ انظر: التبصير في الدين ص ٦٥، وانظر أيضًا الشهرستاني: الملل والنحل ١/ ٤٨.","vol":"1","page":343},{"text":"وطائفة: تجري عليه أحكام المسلمين فلا تستبيح ذلك منه.\nثانيًا: قول الطرف الثاني \"وهم طوائف المرجئة\":\nالأصل الذي يجمع المرجئة بمختلف طوائفها، والذي لأجله سموا بذلك كما تقدم هو: إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان؛ فهذا أصل أصول المرجئة، وأساس مذهبهم؛ حتى إنه لا يكون المرجئ مرجًا حتى يقول بذلك.\nلذلك جاء قولهم في مرتكب الكبيرة من أهل القبلة متساوقًا مع هذا الأصل الذي أصلوه ومتفرعًا عنه، ونتيجة له؛ فكان من قولهم: أن مرتكب الكبيرة:\n- مؤمن كامل الإيمان، وارتكاب الكبار لا يؤثر في إيمانه.\n- وأنه في الآخرة: من أهل الجنة إذا مات موحدًا مؤمنًا، وإن زنى وسرق وقتل.\nوقال المرجئة الخالصة منهم العبارة المشهورة: \"لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة\"١، وأفصح بعض طوائفهم عن مذهبهم فقالوا: \"الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع، له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب؛ فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو المؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان، ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ولا يعذب على ذلك، إذا كان الإيمان خالصًا، واليقين صادقًا\"٢.\nوقال العبيدية٣ منهم: \"ما دون الشرك مغفور لا محالة، وإن العبد إذا مات على توحيده، لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات\"٤.\n_________\n١ الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٣٩.\n٢ المصدر السابق ١/ ١٤٠.\n٣ العبيدية: هم أصحاب عبيد المكتئب، وهم طائفة من المرجئة الخالصة، انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٤٠.\n٤ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٤٠.","vol":"1","page":344},{"text":"ونقل الملطي أن منهم من يقول: \"من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحرم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله؛ دخل الجنة إذ مات، وإن زنى، وإن سرق وقتل، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وترك الصلاة والزكاة والصيام، إذًا كان مقرًا بها يسوف التوبة؛ لم يضره وقوعه على الكبائر، وتركه للفرائض، وركوبه الفواحش\"١.\nوحكى السكسكي إجماعهم على: \"أنه لا يدخل النار إلا الكفار فحسب\"٢.\nونقل الرازي عن بعض فرقهم أنهم: \"يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان معصية ما، وأن الله تعالى لا يعذب الفاسقين من هذه الأمة\"٣.\nفهذا موقف المرجئة من أصحاب الكبائر، وهذه أقوالهم فيهم، وهي أقوال غلب عليها التفريط كما هو ظاهر:\nعلى أن بعضًا من طوائف المرجئة والذين وافقوهم في تعريف الإيمان وحقيقته فقالوا بقولهم في استبعاد وتأخير الأعمال عن مسمى الإيمان كمرجئة الفقهاء؛ كأبي حنيفة وغيره، والأشاعرة، كل هؤلاء لا يقولون بقول المرجئة في مرتكب الكبيرة؛ وإنما يرون انه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وأمره في الآخرة إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإنشاء عفا عنه.\nيقول أبو المعالي الجويني في تقرير مذهب الأشاعرة: \"من مات من عصاة أهل الإيمان من غير توبة فأمره مغيب؛ إن شاء الله غفر له، أو شفع فيه شفيع، وإن شاء عرضه على النار بقدر ذنبه، ثم عاقبته الفوز الأكبر\n_________\n١ انظر: التنبيه والرد ص٤٣.\n٢ انظر: البرهان ص٣٣.\n٣ انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٧٠.","vol":"1","page":345},{"text":"والنجاة\"١.\nوهو موافق لقول أهل السنة كما سيأتي.\nثالثًا: قول أهل السنة والجماعة:\nأما أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة الصالحين، وخلفها المتبعين؛ فإنهم مع قولهم بأن الأعمال جزء من مسمى الإيمان، لا يرون في ارتكاب الكبائر ما يخرج المرء من الإيمان سوى الشرك بالله؛ فكان قولهم في مرتكب الكبيرة أنه:\n- مؤمن عاص، أو مؤمن فاسق، أو يقال: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته؛ فلا يزيلون عنه اسم الإيمان بالكلية بذهاب بعضه، ولا يعطونه اسم الإيمان المطلق.\n- أما حكمه في الآخرة، فيرون أنه إذا مات ولم يتب؛ داخل تحت مشيئة الله؛ إن شاء غفر له وأدخله الجنة دون عذاب، وإن شاء أدخله النار وعذبه بقدر ذنوبه.\n- ثم إنه لا يخلد في النار كالكفار؛ بل لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة.\nهذا هو مجمل قول أهل السنة في صاحب الكبيرة.\nوهذه بعض نصوص أئمة أهل السنة التي عبروا فيها عن معتقدهم وقولهم في أصحاب الكبائر من أهل القبلة، نسوقها هنا لنقف على حقيقة قولهم في ذلك.\nيقول إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل \"ت ٢٤١ هـ\" في اعتقاده\n_________\n١ انظر: العقيدة النظامية ص ٨٩- ٩٠، \"بتحقيق د. أحمد حجازي السقا، ط. الولى ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨ م، نشر: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة\".","vol":"1","page":346},{"text":"الذي ذكره اللالكائي: \"ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب، ويرجو له رحمة الله.\nومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه؛ فإن الله ﷿ يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.\nومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك في الدنيا؛ فهو كفارة، كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١.\nومن لقيه مصرًا غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله ﷿ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.\nومن لقيه كافرًا عذبه ولم يغفر له\"٢.\nوذكر الإمامان الجليلان أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم \"١٩٠- ٢٦٤ هـ\" وأبو حاتم محمد بن إدريس \"١٩٥- ٢٧٧\" الرازيان أنه كان من قول العلماء الذين أدركناهم في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا: \"وأهل الكبائر في مشيئة الله ﷿، ولا نكفر أهل القبلة بذنبوهم، ونكل سرائرهم إلى الله ﷿\"٣.\nويقول الإمام الطحاوي \"٣٢١هـ\" في عقيدته المشهورة: \"ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب٤ ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب\n_________\n١ سيأتي بنصه من حديث عبادة بن الصامت ﵁. انظر: ص٣٥١.\n٢ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٦٢.\n٣ نفس المصدر ١/ ١٧٦- ١٧٧.\n٤ الأولى أن يقال: \"بكل ذنب\"، كما نبه عليه ابن أبي العز في شرحه؛ لأن المراد مقابلة الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بكل ذنب م الكبائر، وأهل السنة ليسوا كذلك وإن كانوا يكفرون ببعض الذنوب؛ لورود النص فيها كترك الصلاة. عند طوائف منهم على تفصيل في ذلك.","vol":"1","page":347},{"text":"لمن عمله. نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة١. ونستغفر لمسيئهم، نخاف عليهم ولا نقنطهم. ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.\nوأهل الكبائر من -أمة محمد ﷺ٢ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين، يعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين، وهم في مشيئته وحكمه؛ إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر ﷿ في كتابه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ وإن شاء عذبهم في النار بعدله. ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته؛ وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته\"٤.\nوهذا الإمام عبيد الله بن بطة \"٣٠٤- ٣٨٧ هـ\" ينقل إجماع علماء السلف على ذلك فيقول: \"وقد أجمعت العلماء لا خلاف بيهم أنه لا يكفر أحد\n_________\n١ قال الشيخ عبد العزيز بن بازر معلقًا على قول الإمام الطحاوي، \"ولا نشهد لهم بالجنة\": \"مراده ﵀ إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه كالعشرة ونحوهم كما يأتي ذلك في آخر كلامه، مع العلم بأن عقيدة أهل السنة والجماعة الشهادة للمؤمنين والمتقين على العموم بأنهم من أهل الجنة، وأن الكفار والمشركين والمنافقين من أهل النار، كما دلت على ذلك الآيات الكريمات والسنة المتواترة عن رسول الله ﷺ ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الطور: ١٧] إلخ. انظر تعليقه على: العقيدة الطحاوية ص٢٠. مكتبة الصديق.\n٢ ذكر الشيخ الألباني أن هذه الجملة لم ترد في بعض النسخ، وقال: وحذفها أصح؛ لأن مفهومها أن أهل الكبائر من غير أمة محمد ﷺ قبل نسخ الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ وفي ذلك نظر. فإن النبي ﷺ قال: \"يخرج من النار ممن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان\"، ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقًا، فتأمله\". انظر: العقيدة الطحاوية، \"شرح وتعليق محمد ناصر الدين الألباني، ص٤٥، المكتب الإسلامي، ١٤٠٨ هـ\".\n٣ سورة النساء آية ٤٨.\n٤ انظر: العقيدة الطحاوية، بتعليق الشيخ ابن باز ص ١٩- ٢٠، ٢١، ٢٣، ٢٤.","vol":"1","page":348},{"text":"من أهل القبلة بذنب١ ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولا نقول بذلك بقول المعتزلة؛ فإنها تقول: من أتى ذنبًا واحدًا في عمره أو ظلم بحبة في عمره فقد كفر؛ فمن قال ذلك فقد أعظم الفرية على الله ﷿ ويراه مما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة والتجاوز والإحسان والغفران\"٢.\nويسوق الإمام الصابوني ٣٧٢- ٤٤٩ هـ\" عقيدة أهل السنة في ذلك قائلًا: \"ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله -﷿- إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب، واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار.\nوإن شاء عاقبه، وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيه؛ بل أعتقه وأخرجه منها إلى دار القرار\"٣.\nويحكي الإمام البغوي \" ... / ٥١٦ هـ\" اتفاق أهل السنة على ذلك فيقول: \"اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر؛ إذ لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنة برحمته، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة٤.\n_________\n١ تقدم التعليق على ذلك انظر ص٣٤٧.\n٢ انظر الشرح والإبانة ص٢٦٥.\n٣ انظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٧١- ٧٢.\n٤ سيأتي ذكر الحديث. انظر: ص٣٥١.","vol":"1","page":349},{"text":"واختلفوا في ترك الصلاة المفروضة عمدًا، فكفره بعضهم، ولم يكفره الآخرون\"١.\nوبعد: فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر من أهل القبلة كما دونها أئمتهم على ضوء نصوص الكتاب والسنة، قولهم في ذلك واحد لا يختلف فيه أحد، كلهم متفقون عليه كما صرح بذلك من نقل إجماعهم واتفاقهم عليه من الأئمة كما تقدم.\nوهو قول يدل على عدل واعتدال وتوسط واتزان، كل جزئية منه يدل عليها آية من كتاب الله، أو سنة عن رسول الله ﷺ.\nيدل لقولهم بإيمانه، وعدم زواله عنه وفسقه أو كفره، كما يقول المعتزلة والخوارج، كثير من الآيات والأحاديث المصرحة بإيمان العصاة مرتكبي الكبائر، كقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢ فخاطب الجميع باسم الإيمان مع أن فيهم من قد وجب عليه القصاص؛ لارتكابه كبيرة القتل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .\nوأثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، ولا شك في أن المراد بالأخوة الإخوة الإيمانية المذكورة في قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فدل ذلك على بقاء الإيمان مع كبيرة القتل.\nقال الإمام ابن الجوزي في الآية: \"ودل قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ على أن القائل لم يخرج عن الإسلام\"٣.\n_________\n١ انظر: شرح السنة ١/ ١٠٣.\n٢ سورة البقرة آية ١٧٨.\n٣ انظر: زاد المسير في علم التفسير ١/ ١٦٣، \"بتحقيق محمد بن عبد الرحمن عبد الله، ط. الأولى ١٤٠٧، نشر: دار الفكر -بيروت\".","vol":"1","page":350},{"text":"وكقوله ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١، فسمي الجميع مؤمنين، مع الاقتتال، وجعل الجميع إخوة؛ فدل ذلك على أن الكبيرة لا تخرج صاحبها من الإيمان، وقد استدل الإمام البخاري بهذه الآية فقال: \"باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال: فسماهم المؤمنين\"٢؛ أي: مع اقتتالهما.\nثم إن نصوص الكتاب والسنة، والإجماع تدل على أن الزاني، والسارق والقاذف لا يقتل؛ بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد٣ بارتكاب هذه الكبائر ولو كان كذلك لقتل.\nأما قولهم بأنه إذا مات من غير توبة؛ فهو داخل تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.\nفيشهد له قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ فجوز أن يغفر كل ذنب سوى الشرك بالله بما في ذلك الكبائر.\nويدل عليه قول المصطفى ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: \"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو\n_________\n١ سورة الحجرات: آية ٩، ١٠.\n٢ انظر: صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان ١/ ٨٤.\n٣ انظر: شرح الطحاوية ص٣٦.\n٤ سورة النساء آية ٤٨ وآية ١١٦.","vol":"1","page":351},{"text":"كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه\" ١.\nوالحديث نص في دخول من مات على شيء من الكبائر، تحت المشيئة كما يقول أهل السنة.\nوأما قولهم: إنه لا يخلد في النار إذا دخلها، وأنه لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة؛ فهو مأخوذ من مثله قوله ﷺ: \"يدخل أهل الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا -أو الحياة، شك مالك أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل\" ٢.\nفدل الحديث على خروج من في قلبه مثقال حبة من إيمان من النار وإدخالهم الجنة، ومعلوم أن أصحاب الكبائر مؤمنون، مع كثير منهم مثقال أو مثاقيل من الإيمان؛ فلا شك في خروجهم والحديث يتضمن أيضًا الرد على المرجئة الخالصة من قولهم: \"لا يضر مع الإيمان ذنب\"؛ إذ يثبت الحديث أن من المؤمنين من تضرة المعاصي فيدخل النار، ثم يخرج منها، فخروجه دل على أنه ليس بكافر؛ وإنما هو مؤمن عذب بقدر ذنبه ثم أخرج إلى الجنة.\nقال الحافظ ابن حجر موضحًا مراد الإمام البخاري بإيراد هذا الحديث: \"وأراد بإيراده الرد على المرجئة؛ لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود\"٣.\n_________\n١ خ: كتاب الإيمان ١/ ٦٤، ح ١٨.\n٢ خ: كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ١/ ٧٢، ح ٢٢.\n٣ انظر: فتح الباري ١/ ٧٣.","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الثاني: في وسطيتهم في نصوص الوعد والوعيد</span>\nالوعد في اللغة: يكون بالخير والشر.\nأما الوعيد: فلا يكون إلا بالشر١.\nوالمراد بالوعد: النصوص المتضمنة وعد الله لأهل طاعته بالثواب والجزاء الحسن والنعيم المقيم.\nويعرف أهل الكلام الوعد بأنه: كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير، أو دفع ضرر عنه في المستقبل٢.\nوأما الوعيد: فالمراد به: النصوص التي فيها توعد للعصاة بالعذاب والنكال٣.\nويعرفه المتكلمون بأنه: كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى العير أو تفويت نفع عنه في المستقبل٤.\nوإذا تقرر لدينا معنى الوعد والوعيد والمراد بهما؛ فاعلم أنه جاء في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ كثير من الآيات والأحاديث التي تدل على وعد الله ﷿ للمؤمنين والمطيعين بالثواب الجزيل، وأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ووعدهم بألوان من الأجر والجزاء. ومغفرة الذنوب فيما دون الشرك وتكفير السيئات وإبدالها حسنات ونحو ذلك.\nفمن النصوص الواردة في ذلك قوله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n١ ابن فارس: مجمل اللغة ٤/ ٩٣١.\n٢ انظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة ١٣٤.\n٣ انظر: صالح الفوزان، العقيدة الواسطية ص١٢٦.\n٤ انظر: شرح الأصول الخمسة ١٣٥.","vol":"1","page":353},{"text":"وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ١، وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ٢، ونحو ذلك مما فيه وعد بالجنة.\nومن نصوص الوعد بغفران الذنوب وتكفير السيئات: قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، وقوله ﷿: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤ وقوله ﷺ: \"من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار\" ٥.\nوقوله ﷺ: \"ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ... -قال الراوي- وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق\" ٦.\nكما ورد فيهما أيضًا آيات وأحاديث كثيرة، تتضمن الوعيد الشديد بالعذاب الأليم والخلود في النار لأهل الفسق والمعاصي وأصحاب الكبائر ووصفهم بالكفر والفسق والضلال ونحو ذلك، كما في قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين﴾ ٧، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٨، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ\n_________\n١ سورة التوبة آية ٧٢.\n٢ سورة الفتح آية ٥.\n٣ سورة النساء آية ٤٨.\n٤ سورة الزمر آية ٥٣.\n٥ م: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ١/ ٩٤، ح ١٥٢.\n٦ م: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ١/ ٩٥، ح ١٥٤.\n٧ سورة آل عمران آية ٩٧.\n٨ سورة النساء آية ١٠.","vol":"1","page":354},{"text":"جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١، ونحو قوله ﷺ: \"لا يزني الزاني حي يزني وهو مؤمن\" ٢، وقوله: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\" ٣.\nالحاصل أن النصوص الواردة في الوعد والوعيد كثيرة، سواء في كتاب الله ﷿، أو من سنة رسوله ﷺ.\nتجاه هذه النصوص وما شابهها افتراق الناس في باب الوعد والوعيد إلى طرفين وواسطة:\nطرف غلب نصوص الوعد، وأغفل نصوص الوعيد، وهم المرجئة الخالصة؛ فقالوا: كل ذنب سوا الشرك فهو مغفور واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.\nوالطرف المقابل لهم وهم الخوارج والمعتزلة قالوا: لا بد أن ينجز الله وعده ووعيده، ولا يصح أن يخلف أيًا منهما، وهذه بعض نصوصهم في ذلك من كتبهم تنبئ عن مذهبهم، وتفتي بحقيقة قولهم:\nيقول القاضي عبد الجبار في بيان مذهب المعتزلة في ذلك: \"وأما علوم الوعد والوعيد؛ فهو أن يعلم أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب، وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب\"٤.\nويقول أبو عمار عبد الكافي الإباضي في تقرير مذهب أهل نحلته من\n_________\n١ سورة النساء آية ٩٣.\n٢ جه: فتن، باب النهي عن النهية ٢/ ١٢٩٨، ح ٣٩٣٦.\n٣خ: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله ١/ ١١٠، ح ٤٨.\n٤ انظر: شرح الأصول الخمسة ١٣٥- ١٣٦.","vol":"1","page":355},{"text":"طوائف الخوارج ومن وافقهم: \"واتفق جمهور من ذكرنا في صدر المقالة من الأمة على أن الله منجز وعده، ووعيد، ومصدقهما بتمام ذلك وإمضائه في جميع من وعده وتوعده، لا تبديل لكلمات الله، ولا تحويل لأمره. واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ ١، ٢.\nولذلك قال هؤلاء: بخلود أصحاب الكبائر في النار؛ لأن الله توعدهم بها وعندهم أن الله لا يخلف الميعاد، وقد ذكرنا قولهم في أصحاب الكبائر وحكمهم فيهم في الدنيا والآخرة، وما بينهما من التمايز في المبحث الأول.\nوهؤلاء قد ضلوا في الوعد والوعيد جميعًا.\nفأما ضلالهم في الوعيد فواضح؛ حيث جرهم قولهم به إلى إكفار أصحاب الكبائر أو إخراجهم من الإيمان عند المعتزلة إلى الفسق ووجوب أصحاب الكبائر أو إخراجهم من الإيمان عند المعتزلة إلى الفسق ووجوب إدخالهم النار وتخليدهم فيها، وقالوا: إنه لا يجوز أن يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا، ويكفي أن قولهم هذا يناقض قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ فمن أين لهم أنه سبحانه لا يشاء المغفرة لهم، مع كونهم ليسوا كفارًا على مذهب المعتزلة، وليسوا مشركين على مذهب الإباضية، وطوائف من الخوارج، والنص إنما دل على عدم المغفرة للمشرك به سبحانه، والذين لا يغفر لهم هم الكافرون والمشركون.\nوما ضلالهم في الوعد: فلإيجابهم ذلك على الله سبحانه بطريق الاستحقاق والعوض. يقول القاضي عبد الجبار: \"أعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة؛ فلا بد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله\"٣.\nويقول الزمخشري -وهو أحد أقطاب المعتزلة- في تفسيره قوله تعالى:\n_________\n١ سورة الرعد: آية ٣١.\n٢ انظر: الموجز ضمن كتاب آراء الخوراج الكلامية، للدكتور عمار طالبي ٢/ ١٠٥.\n٣ انظر: شرح الأصول الخمسة ٦١٤.","vol":"1","page":356},{"text":"﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ١. قال: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: فقد وجب ثوابه عليه\"٢.\nقول أحمد السنة \"وهم الواسطية\":\nأما أهل السنة الذين يمثلون نقطة التوازن بين الطرفين؛ فإنهم يأخذون بنصوص الوعد والوعيد، فيجمعون بين الخوف والرجاء، لم يفرطوا في نصوص الوعيد كالمرجئة الخالصة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، ولم يغلوا غلو الخوارج والمعتزلة في نصوص الوعيد.\nفكان قولهم في الوعيد أنه: \"يجوز أن يعفو الله عن المذنب، وأنه يخرج أهل الكبائر من النار فلا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد\"٣.\nوتقدم ذكر قولهم في حكم أصحاب الكبائر في المبحث السابق، وخلاصة قولهم أن كل من مات غير مشرك بالله فهو داخل تحت المشيئة؛ إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. وأنه إن عذبه لا يخلده في النار كالكفار٤.\nوقالوا في الوعد: إن الله لا يخلف وعده، وإنه لا بد أن يثيب أهل الإيمان به وأهل طاعته بحكم وعده لهم بذلك، لا بحكم استحقاقهم عليه فإن العبد لا يستحق بنفسه على الله شيئًا\"٥.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمة: \"وأما الاستحقاق؛ فهم يقولون: إن العبد\n_________\n١ سورة النساء آية ١٠٠.\n٢ تفسير الكهف ١/ ٥٥٨.\n٣ ابن تيمية، منهاج السنة ١/ ٤٦٦- ٤٦٧.\n٤ انظر: ص٣٤٦ وما بعدها.\n٥ عواد بن عبد الله المعتق، المعتزلة وأصولها الخمسة ص٢١٧، \"ط. الأولى ١٤٠٩ هـ، نشر: دار العاصمة\".","vol":"1","page":357},{"text":"لا يستحق بنفسه على الله شيئًا، وليس له أن يوجب على ربه شيئًا لا لنفسه ولا لغيره، ويقولون: إنه لا بد أن يثيب المطيعين كما وعد؛ فإنه صادق في وعده ولا يخلف الميعاد\"١.\nوقال في موضع آخر: \"واتفقوا على أن الله تعالى إذ وعد عباده بشيء كان وقوعه واجبًا بحكم وعده؛ فإنه الصادق في خبره الذي لا يخلف الميعاد\"٢.\n_________\n١ انظر: منهاج السنة ١/ ٤٦٧.\n٢ انظر: منهاج السنة النبوية ١/ ٤٤٨.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفصل الثالث: وسطية أهل السنة في باب القدر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المبحث الأول: في معنى القدر وحكمه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>أولًا: معنى القدر</span>\nالقدر في اللغة؛ بفتح الدال وإسكانها؛ لغتان بمعنى: مبلغ الشيء وكنهه. قال صاحب مجمل اللغة: \"القدر: مبلغ الشيء وكذلك القدر١\"، وقال في \"معجم مقاييس اللغة\": \"القاف والدال الراء: أصل صحيح يدل على مبلغ في \"معجم مقاييس اللغة\": \"القاف والدال والراء: أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته؛ فالقدر: مبلغ كل شيء، يقال: قدره كذا؛ أي: مبلغه، وكذلك القدر..: قال والقدر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو: القدر أيضًا\"٢.\nوقال الجوهري: \"قدر الشيء مبلغه ... والقدر، والقدر أيضًا ما يقدره الله ﷿ من القضاء\"٣.\nوقدر كل شيء ومقداره: مبلغه٤.\nوقال اللحياني: القدر: الاسم، والقدرِ: المصدر٥.\n_________\n١ ابن فارس: مجمل اللغة ٣/ ٧٤٥.\n٢ ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ٥/ ٦٢.\n٣ انظر: الصحاح ٢/ ٧٨٦.\n٤ ابن منظور: لسان العرب ٥/ ٧٨.\n٥ ابن منظور: لسان العرب ٥/ ٧٤.","vol":"1","page":361},{"text":"القدر في الشرع:\nيراد به: أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾، وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها ﷾. قاله الإمام النووي١.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"والمراد؛ أي: بالقدر- أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته، وإرادته، -قال- هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية؛ وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة\"٢.\n_________\n١ انظر: شرح صحيح مسلم ١/ ١٥٤.\n٢ انظر: فتح الباري ١/ ١١٨.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>ثانيًا: حكمة ومنزلته من الدين</span>\nالإيمان بالقدر، أصل من أصول الإيمان، وركن من أركانه الستة التي نص عليها النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور؛ حيث قال في الإيمان: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونؤمن بالقدر خيره وشره\" ١ فجعل ﷺ الإيمان بالقدر ركنا من أركان الإيمان، فمن لم يؤمن به فليس بمؤمن.\nوقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على إثباته لله ﷿، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ ٢ وقوله ﷿: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٣ ومنها قوله ﷺ: \"كل شيء بقدر، حتى\n_________\n١ تقدم تخرجيه، انظر: ص ٢٧٨.\n٢سورة القمر آية ٤٩.\n٣سورة الفرقان آية ٢.","vol":"1","page":362},{"text":"العجز والكيس١، أو الكيس والعجز\"٢. قال طاووس: \"أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون \"كل شيء بقدر\"٣.\nوعند اللالكائي عنه قال: \"أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر\"٤، وذكر اللالكائي ممن يقول بذلك عددًا من أئمة التابعين وفقهاء الأمصار٥.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى\"٦.\nحقيقة القدر الذي يجب الإيمان به:\nأعلم أنه لا يعد المرء مؤمنًا بالقدر حتى يؤمن بمراتبه الأربع التي هي بمثابة الأركان منه، من أخل بإحداها؛ فليس هو بمؤمن بالقدر حقيقة.\nالأولى: علم الله سبحانه بالأشياء قبل كونها؛ فيجب الإيمان \"بأن الله ﷿ لم يزل عالمًا بالخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم، ولا يزال عالمًا بهم، ولم يزدد في علمه بكينونة الخلق خردلة واحدة\"٧.\nومن الأدلة على تقدم عللمه ﷿، قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْم\n_________\n١ الكيس: ضد العجز، وهو النشاط والحذق بالأمور، قال النووي، انظر: شرح صحيح مسلم له ١٦/ ٢٠٥.\n٢ م: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر ٤/ ٢٠٤٥، ح ٢٦٥٥.\n٣ نفس المصدر والجزء والصفحة.\n٤ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٥٣٥.٣\n٥ نفس المصدر ٤/ ٥٣٥- ٥٣٨.\n٦ انظر: الفتح ١١/ ٤٧٨.\n٧ عثمان بن سعيد الدارمي، الرد على الجهمية، \"بتحقيق بدر البدر، ص ١١٢، ط. الدار السلفية\".","vol":"1","page":363},{"text":"السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١، وقوله سبحانه ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢، ومن السنة، قوله ﷺ في أطفال المشركين: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" ٣.\nالمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة؛ أي: أن الله ﷿ قد كتب كل ما هو كائن قبل أن يكون، كما قاله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ ٤.\nقال الحافظ ابن كثير: \"وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله\"٥، وقال في قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾؛ أي: أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله -﷿؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون\"٦.\nومما يدل لذلك قوله ﷺ: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة\" ٧.\nوالنصوص في ذلك متكاثرة، متظافرة.\n_________\n١ سورة لقمان آية ٣٤.\n٢ سورة المزمل آية ٢٠.\n٣ م: القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ٤/ ٢٠٤٩، ح ٢٦٥٩.\n٤ سورة الحديد آية ٢٢.\n٥ انظر: تفسر القرآن العظيم ٨/ ٥٢.\n٦ نفس المصدر والجزء والصفحة.\n٧ م: كتاب القدر، باب حجاج آدم موسى ﵉ ٤/ ٢٠٤٤، ح ٢٦٥٣.","vol":"1","page":364},{"text":"المرتبة الثالثة: مشيئته سبحانه للأشياء قبل كونها، وأنه لا يقع شيء في الكون إلا بمشيئته، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة.\nمنها قوله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ١، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، وغير ذلك من الآيات.\nقال الإمام ابن القيم: \"قد دل على ذلك إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان وليس فيا لوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن\"٤.\nالمرتبة الرابعة: خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها.\nقال ابن القيم: \"وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم، وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر والعقول. وخالف في ذلك مجوس الأمة\"٥.\nوقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله سبحانه هو خالق الخلق وأفعالهم كقوله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٦\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٥٣.\n٢ سورة المائدة آية ٤٨.\n٣ سورة التكوير آية ٢٩.\n٤ انظر: شفاء العليل ص ٤٣، \"ط ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨، نشر: دار المعرفة -بيروت\".\n٥ انظر: شفاء العليل ص ٤٩.\n٦ سورة الزمر آية ٦٢.","vol":"1","page":365},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ ١، وقوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ ٢؛ فأخبر نه هو الذي يجعل السرابيل: وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا بعد أن تحليها صنعة الآدميين وعملهم؛ فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيأتها٣.\nومن أدلة ذلك من السنة قوله ﷺ: \"إن الله يصنع كل صانع وصنعته\" ٤. قال الإمام البخاري ﵀: \"فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة\"٥.\nوعبد: فهذه هي المراتب، إن شئت فقل الأركان التي يدور عليها رحى الإيمان بالقدر ذكرها الإمام ابن القيم، وأفاض في الكلام عليها والاستدلال لها فأفاد وأجاد رحمه الله٦.\n_________\n١ سورة الصافات آية ٩٦.\n٢ سورة النحل آية ٨١.\n٣ ابن القيم: شفاء العليل ٥٤- ٥٥.\n٤ الإمام البخاري، خلق أفعال العباد ص ٢٥، \"ط. الأولى ١٤٠٤، نشر: مؤسسة الرسالة\".\n٥ نفس المصدر والصفحة.\n٦ انظر: شفاء العليل ص ٢٩- ٦٥.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الثاني: في نشأة الكلام في القدر ونزاع الناس فيه</span>\nالحديث عن القدر والنزاع والمخاصمة فيه، والاحتجاج به، من الأمور التي صاحبت الإسلام منذ نشأته؛ بل أنا لا نعدوا لحقيقة إذا قلنا إن جذور الكلام والخوض فيه تمتد إلى ما قبل الإسلام.\nيؤكد ذلك نصوص من كتاب الله ﷿ ومن سنة رسوله ﷺ.\nفقد جاء فيهما ما يدل على أن كفار قريش، خاصموا رسول الله ﷺ في القدر ونازعوه فيه، واحتجوا به.\nيقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁: \"جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١، ٢.\nقال الإمام ابن القيم في هذه الآية: \"والمخاصمون في القدر نوعان:\nأحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كالذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا.\nوالثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق؛ والطائفتان خصماء الله\"٣.\nوأخبر ﷿ في آية أخرى أن المشركين كانوا يحتجون بالقدر ويتعللون بمشيئة الله وينسبون ما وقع منهم من كفر وشرك وعصيان إلى إرادة الله ذلك ومشيئته إياه، منكرين إرادتهم واختيارهم؛ وذلك تنصلًا من مسؤولية ما اقترفوا من شرك وإثم. يقول ﷿ في ذلك:\n﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا\n_________\n١ سورة القمر آية ٤٨- ٤٩.\n٢ م: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر ٤/ ٢٠٤٦، ح ٢٦٥٦.\n٣ شفاء العليل ٢٨.","vol":"1","page":367},{"text":"أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ١، ثم أخبر سبحانه عن تحقق وقوع ذلك منهم، وقولهم له، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ ٢. وقال أيضًا: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٣.\nومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهًا لما فعلنا؛ لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكنا منه٤.\nولو أراد لحال بيننا وبين عبادة الأصنام؛ فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه٥.\nوهل هذا القول منهم إلا احتجاج بالقدر، وقول بالجبر؟!\nوقول ﷿ في آية \"الأنعام\": ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وفي آية \"النحل\": ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يشير إلى أن جذور هذا القول ضاربة في أعماق الأمم المشركة، ويدل دلالة واضحة وصريحة على أن من شأن المشركين والكافرين من بني الإنسان، التعلل بالقدر والميل إلى الجبر لتبرير شركهم وكفرهم، أو على الأقل للتنصل من جريرة ذلك ومسؤليته.\nوفي آية أخرى من كتاب الله ﷿، نجد أن المنافقين في عهد رسول\n_________\n١ سورة الأنعام آية ١٤٨.\n٢ سورة النحل آية ٣٥.\n٣ سورة الزخرف آية ٢٠.\n٤ ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٤/ ٤٨٩.\n٥ نفس المصدر ٧/ ٢١٠.","vol":"1","page":368},{"text":"الله ﷺ بدر منهم ما يدل على عدم يقينهم بأن كل شيء يقدر، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ١.\nذكر الإمام ابن جرير أن الذين قالوا ذلك جماعة من المنافقين٢.\nخوض الصحابة في القدر:\nوفي عهد الرسول ﷺ، خاض بعض الصحابة الكرام في القدر فنهاهم الرسول ﷺ عن ذلك، فانتهوا ولم يعودوا لمثل ذلك أبدًا.\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: \"خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر؛ فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: بهذا أمرتم؟ أو لهذا خلفتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، بهذا هلكت الأمم قبلكم\"٣، ولم ينقل عن الصحابة ﵃ أنهم تكلموا في ذلك إلا عندما ظهرت بدعة القدرية فتكلم من عناصر ذلك منهم بالرد والإنكار عليهم كما سيأتي ذلك.\nظهور بدعتي نفي القدر والقول بالجبر:\nفي أواخر عصر الصحابة رضوان الله عنهم، كانت البداية الحقيقة لنشأة الاختلاف والكلام في القدر.\nإذ نبغ في وقتهم معبد الجهني٤ الذي قال بنفي القدر، كما روى الإمام\n_________\n١ سورة آل عمران آية ١٥٦.\n٢ انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٧/ ٣٣١- ٣٣٢.\n٣ جه: مقدمة، باب في القدر ١/ ٣٣٣، ح ٨٥، وقال الشيخ الألباني: \"حسن صحيح\".\nانظر: صحيح ابن ماجه ١/ ٢١، ح ٦٩، وقال أحمد شاكر: صحيح. انظر: شرع على مسند أحمد ١٠/ ١٥٣، ح ٦٦٦٨.\n٤ وهو معبد الجهني، قال ابن حجر: يقال إنه: ابن عبد الله بن عكيم، ويقال: ابن عبد الله بن عويم، ويقال: ابن خالد، كان صدوقًا في الحديث، وكان أول من تكلم في القدر بالبصرة، وكان رأسًا في القدر، قتله الحجاج سنة ٨٠ هـ، انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥- ٢٢٦.","vol":"1","page":369},{"text":"مسلم عن يحيى بن يعمر١ قال: \"كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. ثم ذكر يحيى أنه لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ فقال: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون٢ العلم. وإنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف٣، فقال ابن عمر منكرًا عليهم ذلك: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر\"٤.\nومعبد إنما تلقى هذه المقالة عن رجل نصراني، كان قد أسلم ثم تنصر مرة أخرى؛ فكان معبد أول من نشر ذلك ونادى به وأظهره، ولا سيما بالبصرة كما تقدم.\nقال الإمام الأوزاعي ﵀: \"أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن٥، وكان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان٦ عن معبد\"٧.\n_________\n١ يحيى بن يعمر بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة، البصري نزيل مرو وقاضيها، ثقة فصيح، وكان يرسل، مات قبل المائة وقيل بعدها. انظر: ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٦١.\n٢ يتقفرون العلم: أي: يطلبونه ويتتبعونه. شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٥٥.\n٣ أنف: أي: مستأنف، لم ييسبق به قدر ولا علم من الله تعالى؛ وإنما يعمله بعد وقوعه. المصدر نفسه ١/ ١٥٦.\n٤ م: كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام والإيمان ١/ ٣٦، ح ٨.\n٥ قيل: اسمه سوسن، وقيل: سنسويه وقيل: سنهويه، وقيل غير ذلك، ولم أقف له على ترجمة.\n٦ تقدمت ترجمته ص ٢٩٥.\n٧ الآجري، الشريعة ص ٣٤٣، واللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٧٥٠، ح ١٣٩٨.","vol":"1","page":370},{"text":"وقال ابن عون١: \"أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان، حتى نشأ ها هنا حقير، يقال له: سنسويه البقال، قال فكان أول من تكلم في القدر\"٢.\nفهؤلاء هم أقطاب القدرية الأوائل، وكان مذهبهم في القدر يدور على أمرين:\nأحدهما: نفي علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها.\nوالثاني: نفي خلقه لأفعال العباد، وأنها ليست واقعة بقدره.\nوهؤلاء هم غلاة القدرية الأوائل، وقد انقرض مذهبهم، والمتأخرون منهم يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها وينفن خلقه لأفعال العباد.\nقال القرطبي \"٦٧١ هـ\" وغيره: قد انقرض هذا المذهب -أي: مذهب غلاة القدرية- ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين.\nقال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها؛ وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العابد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من الأول\"٣.\nوهذا المذهب هو الذي تبنته المعتزلة وجعلته أصلًا من أصولها التي قام عليها كيان الاعتزال، وبسبب قولهم به عرفوا بالقدرية، لنفيهم القدر.\nوفي مقابل القول بنفي القدر، ظهر قول مضاد ومعاكس له، وهو القول بالجبر، ومضمونه: أن الإنسان مجبور على أفعاله وأنه لا يقدر منها على شيء؛ فهو كالريشة في مهب الريح، وأول من عرف عنه القول بذلك في الإسلام هو:\n_________\n١ هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون ت ١٥١ هـ، ترجمته لدى ابن سعد، الطبقات ٧/ ٢٦١، وأبي نعيم، الحلية ٣/ ٣٧.\n٢ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٧٤٩، ح ١٣٩٦.\n٣ ابن حجر: فتح الباري ١/ ١١٩.","vol":"1","page":371},{"text":"الجهم بن صفوان١ الذي كان من مقالته: \"وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده، وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة ودار الفلك، وزالت الشمس؛ وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله -سبحانه-\"٢.\nومن خلال مقالتي الطائفتين، يتبين لنا أن القدرة النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله قدرته، وقولهم: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم.\nكما يتضح لنا مدى غلو الجهمية الجبرية في إثبات القدر حتى سلبوا الإنسان مشيئته وإرادته وعدوه بمنزلة الجماد، وأنه لا فعل له في الحقيقة، وأنه مجبور على أفعاله غير مختار فيها. وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جرف هار، والطريف المستقيم القصد.\nفكل منهما قد أخطأ وضل في هذا الباب، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون مع كل منهما بعض الحق والصواب؛ لكن الحق المحض والصواب المحض ليس هو في قول واحد منهما؛ وإنما هو قول خارج عن قولهما جمع ما عند كل من الفريقين من حق وصواب، وخلا مما وقع فيه الفريقان من خطأ وضلال.\nذلك هو قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب، الذي هو حق بين الباطلين، وهدى بين الضلالتين، به كانوا وسطًا بين إفراط وتفريط الفريقين في هذا الباب، كما سنوضح ذلك في المبحث التالي بعون الله.\n_________\n١ تقدمت ترجمته ص ٢٩٦.\n٢ الأشعري، المقالات ١/ ٣٣٨.","vol":"1","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الثالث: في بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>مدخل</span>\n...\nالمبحث الثالث: في بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب\nفي المبحث السابق أشرنا إجمالًا إلى كون كل من فريقي القدرية، والجبرية، قد زال عن الصراط السوي؛ إما إلى تفريط، وإما إلى إفراط، وأن أهل السنة والجماعة هدوا إلى سواء الصراط في هذا الباب كغيره من الأبواب.\nوفي هذا المبحث سأحاول إبراز جوانب وسطية أهل السنة في ذلك، من خلال مقابلة ومقارنة قولهم بأقوال كل من الطائفتين؛ وذلك في بعض أمهات مسائل هذا الباب.\nوقيل ذلك أذكر نفسي وإياك بما سبق من الحديث عن أركان القدر أو مراتبه الأربع، التي لا يعد المرء بالقدر حقًا؛ إلا إذا حقق الأمان بها جميعًا وهي:\n١- علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها.\n٢- كتابته لها بعد علمه بها.\n٣- مشيئته وإرادته لها أنها لا تقع إلا بمشيئته وإرادته.\n٤- خلقه لجميع الأعمال وتكوينه وإيجاده لها، وأن كل ما سواه مخلوق.\nفأما العلم والكتابة؛ فلم ينازع فيهما إلا غلاة القدرية، الذين ذكرنا أنهم كانوا يقولون بنفي العلم، وأشرنا إلى انقراض هذا الصنف١.\nوأما القدرية الذين جاءوا بعدهم، وهم المعتزلة، فلم ينازعوا في العلم والكتابة، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: فغلاتهم أنكروا العلم والكتابة، ومقتصدتهم، أنكروا عموم مشيئة الله وخلقه وقدرته وهؤلاء هم\n_________\n١ انظر ص ٣٧١.","vol":"1","page":373},{"text":"المعتزلة ومن وافقهم١.\nويقول الخياط -وهو من مصنفي المعتزلة- عن إثبات المعتزلة لعلم الله بأفعال العباد: \"إن المعتزلة لم ينكروا العلم الأزلي؛ فالله تعالى عندهم لم يزل عالمًا بكل ما يكون من أفعال خلقه، ولا تخفى عليه خافية، ولم يزل عالمًا من يؤمن ومن يكفر ومن يعصى\"٢.\nوإنما حصل النزاع والتفرق والاختلاف والضلال، في مرتبتي، خلق أفعال العباد، وكونها تقع بمشيئته وإرادته، وفي ما تفرع عنهما، وتعلق بهما من مسائل.\nولذلك سوف أقصر حديثي عن وسطية أهل السنة في هذا الباب، على هاتين المرتبتين لأهميتهما.\n_________\n١ انظر: التدمرية ص٢٠٨، \"بتحقيق محمد بن عوده السعوي، ط. الأولى ١٤٠٥ هـ- ١٩٨٥ م\".\n٢ انظر: الانتصار ص١١٨، \"ط. دار الكتب المصرية ١٣٤٤ هـ ١٩٢٥ م\"، اقتبسه عواد بن عبد الله المعتق في كتابه المعتزلة وأصولهم الخمسة ص١٧٠، \"ط. الأولى ١٤٠٩، نشر: دار العاصمة\".\nولم أقف على هذا النص في طبعة الانتصار التي بين يدي بتحقيق ألبير نصر نادر.","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>أولًا: وسطيتهم في خلق أفعال العباد</span>\nهذه المسألة من أهم وأخطر مسائل القدر، ولقد زلت فيها أقدام، وحارت عقول وأفهام؛ فقد اختلف الناس هل الأفعال والأعمال الصادرة عن العباد مخلوقة لله ﷿ مقدورة له، أم لا؟ وافترقوا في ذلك إلى طرفين وواسطة:\nالطرف الأول \"الجبرية\":\nسموا بذلك نسبة إلى الجبر لقولهم به في باب القدر.","vol":"1","page":374},{"text":"والجبر هو: إسناد فعل العبد إلى الله١. وعرفه الشهرستاني بأنه: نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى٢.\nوالجبرية صفنان:\n- جبرية متوسطة.\n- وجبرية خالصة.\nفأما الجبرية الخالصة: فلا تثبت للعبد قدرة على الفعل أصلًا٣، وهؤلاء هم الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي كان يقول: \"إنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله -سبحانه\"٤.\nويرى جهم: \"أن الإنسان لا يقدر على شيء. ولا يوصف بالاستطاعة؛ وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار؛ وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات\"٥، وعنده أن الفاعل حقًا هو الله، ومن سواه ليس بفاعل على الحقيقة٦.\nفهذا قول الجبرية الخالصة، وهو صريح في نفي قدرة العبد على فعله وأن الفاعل هو الله وحده.\n_________\n١ علي بن محمد الجرجاني، التعريفات ص ٧٤، \"ط الأولى ١٤٠٣، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت\".\n٢ انظر: الملل والنحل ١/ ٨٥.\n٣ نفس المصدر ١/ ٨٥.\n٤ انظر: الأشعري، المقالات ١/ ٣٣٨.\n٥ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ٨٧.\n٦ انظر: ابن القيم، شفاء العليل ٥١.","vol":"1","page":375},{"text":"وأما الجبرية المتوسطة: فهي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة١. وبعد الجرجاني، والإيجي: الأشعرية من هذا الصنف في قولهما: \"الجبرية اثنتان: متوسطة تثبت لعبد كسبًا كالأشعرية، وخالصة لا تثبته كالجهمية\"٢.\nوإذا رجعنا لمصادر الأشاعرة لتبين حقيقة قولهم في أفعال العباد، نجد أنهم يقولون:\n١- إن أفعال العبد مخلوقة لله ﷿.\n٢- إنها مع كونها خلق الله فهي كسب للعبد. وله عليها قدرة غير مؤثرة.\nيقول البغدادي: \"واختلفوا في أكساب العباد وأعمال الحيوانات على ثلاثة مذاهب:\nأحدها: قول أهل السنة إن الله ﷿ خالقها، كما أنه خالق الأجسام والألوان والطعوم والروايح، لا خالق غيره؛ وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم\"٣.\nويشرح الجويني معنى كون العبد مكتسبًا لفعله فيقول: \"العبد غير مجبر على أفعاله؛ بل هو قادر عليها مكتسب لها، والدليل على إثبات القدرة للعبد أن العاقل يفرق بين أن ترتعد يده، وبين أن يحركها قصدًا.\nومعنى كونه مكتسبًا أنه قادر على فعله، وإن لم تكن قدرته مؤثرة في إيقاع المقدور\"٤.\n_________\n١ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ٨٥.\n٢ انظر: التعريفات ص٧٤، والمواقف ٤٢٨.\n٣ انظر: أصول الدين ص١٣٤، \"ط. مصورة عن طبعة إستانبول ١٣٤٦ هـ - ١٩٢٨ م\".\n٤ انظر: لمع الأدلة ص١٠٧، \"بتحقيق د. فوقيه حسين محمود، ط. الأولى ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م، نشر: المؤسسة المصرية العامة للتأليف - مصر\".","vol":"1","page":376},{"text":"والبيجوري يقول في تعريف الكسب: وقد عرفوا الكسب بتعريفين:\nالأول: أنه ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به.\nالثاني: أنه ما يقع به المقدور في محل قدرته١.\nوأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنهم فسروا الكسب بأنه ما يحصل في محل القدرة المحدثة مقرونًا بها، ثم عقب على ذلك بقوله: \"وأكثر الناس طعنوا في هذا الكلام\"٢.\nوعلى ضوء تفسير الأشاعرة للكسب، وأنه قدرة غير مؤثرة في وقوع الفعل ولكنها مصاحبة له، تبرز الصلة بين قولهم وقول الجبرية:\nفالجبرية -الجهم وأصحابه- عندهم أنه ليس للعبد قدرة البتة.\nوالأشاعرة يقولون: ليس للعبد قدرة مؤثرة.\nوالقدرة غير المؤثرة كعدمها.\nومن هنا قال بعض أهل العلم: إن الأشاعرة وافقوا جهمًا وأصحابه في المعنى.\nوذلك كقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإن الأشعرية وبضع المثبتين للقدر وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر، وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًا أتوا بما لا يقعل. وبالغوا في مخالفة المعتزلة في مسائل القدر حتى نسبوا إلى الجبر\"٣.\n_________\n١ انظر: تحفة المريد ص ١٠٤، \"ط. الأولى ١٤٠٣ هـ - ٢١٩٨٣ م، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت\".\n٢ انظر: منهاج السنة ١/ ٤٥٩.\n٣ انظر: منهاج السنة ١/ ٤٦٣- ٤٦٤.","vol":"1","page":377},{"text":"الطرف الثاني \"القدرية\":\nذكرنا فيما سبق أن القدرية الغلاة الأوائل انقرضوا، وأن المعتزلة١ تبنت القول بنفي القدر، وجعلته أحد أصول مذهبها؛ فعرفوا لأجل ذلك بالقدرية.\nوهو اسم أطلقه عليهم أهل السنة وغيرهم، وهم يتمنعون منه، ولا يقرون به، يقول القاضي عبد الجبار في ذلك: \"اعلم أن القدرية عندنا إنما هم المجبرة والمشبهة، وعندهم المعتزلة؛ فنحن نرميهم بهذا اللقب ويرموننا به\"٢.\nوعلى أي حال فقد أصبح علمًا عليهم، كطرف مقابل للجبرية.\nوكان قولهم في أفعال العباد أنها غير مخلوقة لله ﷿، وأنهم هم المحدثون لها من دونه.\nيقول القاضي عبد الجبار -وهو من أئمة القدرية: \"اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم، وقيامهم وقعودهم، حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها، ولا محدث سواهم، وأن من قال: إن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه\"٣.\nوعقد في كتاب \"شرح الأصول الخمسة\" فصلًا في \"أفعال العباد\" أشار فيه إلى أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها٤.\nوقال ابن المرتضى: \"وأجمعوا؛ -أي: المعتزلة- أن فعل العبد غير\n_________\n١ انظر: شرح الأصول الخمسة ص٧٧٢.\n٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ٧٧٢.\n٣ انظر: المغني في أبوال العدل والتوحيد ٨/ ص ٣، \"ط. الأولى ١٣٨٠ هـ - ١٩٦٠ م، نشر: دار الثقافة والإرشاد، مطبعة دار الكتب\".\n٤ ص ٣٢٣.","vol":"1","page":378},{"text":"مخلوق فيه\"١.\nفهذه النصوص من كتب المعتزلة كافية في تصوير مذهبهم، وإثبات قولهم في نفي خلق الله أفعال العباد.\nالواسطة بين الطرفين \"وهم أهل السنة\":\nوقولهم في أفعال العباد هو:\n- أنها مخلوقة لله ﷿ على الحقيقة.\n- وهي فعل للعباد على الحقيقة.\n- وأنهم قادرون على أفعالهم بقدرة حقيقة مؤثرة في وقع الفعل منهم، والله هو الذي أقدرهم على ذلك.\nهذا مجمل قول أهل السنة في هذه المسألة، الذي عليه سلف الأمة وأئمته، كما يتضح ذلك من خلال النقول التالية عنهم:\nيقول الإمام الصابوني: \"ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد إنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه\"٢.\nوعقد الإمام اللالكائي بابًا في سياق ما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالقين لهم من علماء الأمة \"أن أفعال العباد مخلوقة لله ﷿ وطاعاتها ومعاصيها\"٣.\nوقال محرر مذهب أهل السنة وضابط أصوله وقواعده بحق، شيخ الإسلام\n_________\n١ انظر: المنية والأمل ص ٦، \"بتحقيق توما آرنلد\".\n٢ انظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٧٥.\n٣ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/ ٥٣٤.","vol":"1","page":379},{"text":"ابن تيمية ﵀ عليه وعلى سائر أمة سلفنا الصالحين:\n\"وأما جمهور أهل السنة المتبعون للسلف والأئمة فيقولون: إن فعل العبد فعل له حقيقة؛ ولكنه مخلوق لله ومفعول لله، لا يقولون هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول\"١.\nوقال في موضع آخر: \"وأما سائر أهل السنة فيقولون: إن أفعال العباد فعل لهم حقيقة. ويقول جمهورهم الذين يفرقون بين الخلق والمخلوق: أنها مخلوقة لله ومفعولة له، ليست هي نفس فعله وخلقه الذي هو صفته القائمة به\"٢.\nفيرون أن الفعل غير المفعول؛ فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه مخلوقة له حقيقة، والذي قام بالرب ﷿ علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو: فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سحبانه المقدر لهم على ذلك، القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم٣.\nويقول شارح \"الطحاوية\" بعد أن ذكر قول الجبرية والقدرية في ذلك: \"وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق ﷾ منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه\"٤.\nوبعد: فمن خلال هذا العرض لأقوال الجبرية، والقدرية، وأهل السنة، نرى أن أهل السنة جمعوا ما في قول الطائفتين من حق فقالوا به، ولم يوافقوا أيًا\n_________\n١ انظر: منهاج السنة ٢/ ٢٩٨.\n٢ انظر: نفس المصدر ١/ ٤٥٩- ٤٦٠.\n٣ ابن القيم، شفاء العليل ٥٢.\n٤ انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية ص ٤٩٣.","vol":"1","page":380},{"text":"منهما فيما عندها من خطأ.\nفالجبرية:\nمحقون في قولهم: إن الله خالق أفعال العباد، ومخطئون في قولهم: إن العبد ليس بفاعل لأفعاله في الحقيقة؛ وإنما الفاعل هو الله.\nوالقدرية:\nمحقون في: إثباتهم قدرة العبد على أفعاله، وفعله لها ومسئوليته عنها.\nومخطئون في قولهم: إن العبد خالق أفعاله، وأن الله ليس بخالق لأفعال العبيد، فأثبتوا خالقين مع الله.\nوأهل السنة:\nقالوا بما مع الطائفتين من حق فقالوا: الله خالق أفعال العابد على الحقيقة؛ لأن العباد خلق له، وأفعال المخلوقين مخلوقة، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ ١، وقول النبي ﷺ: \"إن الله يصنع كل صانع وصنعته\" ٢، وقالوا: العبد فاعل لفعله حقيقة، وقادر عليه بإقدار الله له عليه، والله أثبت للعبيد فعلًا فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ٣، وقال: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون﴾ ٤ ونحو ذلك، وردوا ما مع الطائفتين من باطل.\n_________\n١ سورة الصافات آية ٩٦.\n٢ تقدم تخريجه: انظر: ص٣٣٦.\n٣ سورة البقرة آية ١٩٧.\n٤ سورة هود آية ٣٦.","vol":"1","page":381},{"text":"فلم ينفوا فعل العبد أصلًا كما قالت الجبرية.\nولم يجعلوا العباد خالقين لأفعالهم من دون الله عز ودل، كما قالت القدرية.\nفهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وعملوا بجميع النصوص الواردة في الباب، ولم يضربوا بعضها ببعض؛ فإن الجبرية عملوا بالنصوص الدالة على أن الله خالق كل شيء، وأن كل شيء بقدر الله وقضائه ومشيئته، وأغفلوا ما دل منها على أن للعبد فعلًا وقدرة وإرادة.\nوالقدرية أخذوا بالنصوص الدالة على أن العبد هو الفاعل لفعله على الحقيقة، وأن له قدرة وغرادة، ومشيئته، واختيارًا، وأهملوا ما دل منها على خلق الله لأفعال عبيده وعموم قدرته عليها، ومشيئته لها.\nوالحق هو إعمال جميع النصوص كل فيما دل عليه، وهو ما هدى الله له أهل السنة؛ فليس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تضارب أو تناقض، والجمع بين ما في ظاهره شيء من ذلك ممكن عند أهل الحق والعلم.\nفكل دليل صحيح يقيمه الجبري؛ فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه شياء كان وما لم يشأ لم يكن.\nولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة، ولا مريد، ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش، وهبوب الرياح وحركات الأشجار.\nوكل دليل صحيح يقيمه القدري؛ فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مريد له مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته.\nفإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى؛ فإنما يدل","vol":"1","page":382},{"text":"على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة، من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال. وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم.\nوهذا ما فعله أهل السنة؛ فكانوا بذلك وسطًا بين الطائفتين، وجاء قولهم هدى بين الضلالتين، ضلالة الجبر المفضي إلى تعطيل الأمر والنهي، وإبطال الثواب والعقاب، وضلالة نفي القدر الذي حاصله وجود خالقين من دون الله وتجويز أن يكون في ملكه ما لا يقدر عليه ولا يريده.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثانيًا: وسطيتهم في معنى إرادة الله ومشيئته ومحبته ورضاه</span>\nتقدم أن مشيئة الله وإرادته، إحدى مراتب القدر الأربع، التي لا بد من الإيمان بها في باب القدر؛ فلا بد من الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nومن المعلوم بداهة أنه يقع في الكون ما هو طاعة وإيمان وخير، وبر وإحسان، كما يقع فيه ما هو معصية وكفر وشر؛ فهل كل ذلك وقع بمشيئة الله وإرادته؟ الخير من ذلك والشر؟ الإيمان، والكفر، الطاعة، والمعصية؟\nوإذا قلنا: إن كل ذلك أراده الله وشاءه، وقضاه وقدره؛ فهل أحبه ورضيه، أم هو كره الكفر والمعصية والشر من ذلك؟\nوإذا قلنا أنه أحبه ورضيه فكيف يؤاخذ عباده عليه، ويعذبهم لأجله؟\nتجاه هذه الإيرادات والاستشكالات، تباينت مواقف الفرق، واختلفت أقوالها، فضل في ذلك طوائف، وهدى الله المعتصمين بكتابه، وسنة نبيه ﷺ لما اختلفوا فيه من الحق.","vol":"1","page":383},{"text":"١- فقالت المعتزلة:\nكل ما أراده الله وشاءه فقد أحبه ورضيه، فسووا بين إرادته ومشيئته وبين محبته وجعلوهما بابًا واحدًا.\nثم قالوا: الكفر والفسوق والعصيان لا يحبها ولا يرضاها؛ فلا يريدها ولا يشاؤها فأخرجوها من محيط إرادته وعموم مشيئته.\nيقول القاضي عبد الجبار في تقرير قولهم هذا: \"وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي، هو أنه لو كان مريدًا لها لوجوب أن يكون محبًا لها وراضيًا بها؛ لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت وبين أن يقول أردت\"١.\nوقال: \"إنه تعالى لا يريد القبائح ولا يشاؤها، بل يكرهها ويسخطها\"٢.\nوقال في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَاد﴾ ٣: \"يدل على أنه -تعالى- لا يريد الفساد ولا يحبه، سواء كان من جهته أو من جهة غيره\"٤.\nوواضح من هذه النصوص أن: المعتزلة لا يفرقون بين الإرادة والمشيئة، والمحبة والرضا، ومن ثم جعلوا الكفر والمعاصي والفساد ونحو ذلك، ليست مرادة لله ﷿، ولا واقعة بقدره ومشيئته؛ لأنه لا يحبها ولا يرضاها، إذا معنى الإرادة هو معنى المحبة والرضى.\n٢- وقالت الجبرية:\nالكون كله بقضاء الله وقدره والله هو الخالق الفاعل في الحقيقة؛ إذ\n_________\n١ انظر: شرح الأول الخمسة ٤٦٤.\n٢ نفس المصدر ص ٤٥٩.\n٣ سورة البقرة آية ٢٠٥.\n٤ شرح الأصول الخمسة ٤٦٠.","vol":"1","page":384},{"text":"الإنسان مجبور على أفعاله لا قدرة له ولا إرادة، كما تقدم؛ فكل ما وقع في الكون يكون محبوبًا مرضيًا له١، سواء في ذلك الإيمان والكفر، والطاعات والمعاصي؛ إذ كل ذلك واقع بإراداته ومشيئته، فسووا بين الإرادة والمحبة والرضى٢.\nلذلك احتجوا بالقدر على المعاصي، وقال قائلهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٣.\nوإذا كان هذا قول الجبرية الخالصة؛ فماذا يقول الجبرية المتوسطة، وهم الأشاعرة؟\nيرى الأشاعرة \"أن كل حادث مراد لله تعالى حدوثه، ولا يختص تعلق مشيئة الباري بصنف من الحوادث دون صنف؛ بل هو تعالى مريد لوقوع جميع الحوادث، خيرها وشرها نفعها وضرها\"٤؛ فكل الحوادث لا تخرج عن إرادته ﷿، وهذا كلام لا غبار عليه؛ لكن هل يحب الكفر والمعاصي إذا أرادها؟ ماذا يقول الأشاعرة؟ ومن مذهبهم أن المحبة والرضى بمعنى: الإرادة، بذلك يؤولون محبة الله ورضاه؛ فهل يقولون: إن الله أحب ذلك ورضيه؟ لقد اضطربوا في ذلك اضطرابًا بينًا واختلف أئمتهم في ذلك. يحدثنا إمام الحرمين الجويني عن ذلك؛ فيقول: \"ومما اختلف أهل الحق في إطلاقه، ومنع إطلاقه، المحبة والرضا؛ فإذا قال القائل: هل يحب الله تعالى كفر الكفار ويرضاه؟ فمن أئمتنا من لا يطلق ذلك ويأباه، ثم هؤلاء تحزبوا حزبين: -ثم ذكر قولهما- ثم قال: ومن حقق من أئمتنا لم يكع٥ عن تهويل المعتزلة، وقال: المحبة بمعنى:\n_________\n١ انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية ٢٧٩.\n٢ نفس المصدر ٢٧٩.\n٣ سورة الأنعام آية ١٤٨.\n٤ الجويني الإرشاد ٢٣٧.\n٥ يكع: أي: يجبن. انظر: ابن منظور، لسان العرب ٨/ ٣١٧.","vol":"1","page":385},{"text":"الإرادة، وكذلك الرضا، والرب تعالى يحب الكفر، ويرضاه كفرًا معاقبًا عليه\"١؛ فأثبت أن المحبة هي الإرادة.\n٣- وقال أهل السنة:\nليس معنى إرادة الله ومشيئته هو معنى محبته ورضاه؛ بل بينهما فرق لا بد من التنبه له.\nفإن الإرادة في كتاب الله نوعان:\n١- إرادة شرعية أمرية دينية:\nوهي التي تتضمن معنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ ٢، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٣.\n٢- إرادة قدرية كونية خلقية:\nوهي التي بمعنى المشيئة الشاملة لجميع الموجودات؛ وذلك مثل الإرادة في قوله ﷿: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ ٤، وقوله: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦.\n_________\n١ الجويني: الإرشاد ٢٣٨- ٢٣٩.\n٢ سورة البقرة آية ١٨٥.\n٣ سورة النساء آية ٢٧، ٢٨.\n٤ سورة البقرة آية ٢٥٣.\n٥ سورة هود آية ٣٤.\n٦ سورة الأنعام آية ١٢٥.","vol":"1","page":386},{"text":"وقالوا: إن الله وإن كان يريد المعاصي إرادة كونية قدرية؛ فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها؛ بل يبغضها ويسخطها، ويكرهها، وينهى عنها، هذا قول السلف والأئمة قاطبة.\nفيفرقون بين إرادته التي تتضمن محبته ورضاه، وبين إرادته ومشيئته الكونية القدرية التي لا يلزم منها المحبة والرضى.\nوبهذا التميز بين الإراداتين يمتاز قول أهل السنة عن قول كل من فريقي القدرية المعتزلة، والجبرية الخالصة والمتوسطة، الذين سووا بين الإرادة والمشئية وبين المحبة والرضى؛ فضل المعتزلة إذ ذهبوا إلى القول بأنه يقع في ملك الله ما لا يريد ولا يشاء، وهلك أهل الجبر بقولهم: إن الكفر والشرك والعصيان محبوبة لله مرضية عنده.\nومنشأ ضلال الفريقين إنما هو تسويتهم بين الإرادة والمشيئة، وبين المحبة والرضى، وجعلهم معنى إرادته هو معنى محبته ورضاه.\nوهدى الله أهل السنة لأحسن القول. فميزوا وفرقوا بين الأمرين، وخلصوا بالحق من بين الضلالتين، وهذا عنوان وسطيتهم، وآية اعتدالهم واتزانهم.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الفصل الرابع: وسطيتهم في باب الصحابة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>تمهيد:</span>\nقبل الحديث في مباحث هذا الفصل، أرى أن نعرض بشيء من الإيجاز لأمرين بحسن الإلهام بهما، ونحن نتحدث عن وسطية أهل السنة في أصحاب رسول الله ﷺ.\nالأول: التعريف بالصحابة من هم؟ من يدخل في مسمى الصحبة ومن لا يدخل؟\nوالثاني: بيان منزلة الصحابة من الكتاب والنسة؟\nحتى إذا عرفنا ذلك؛ بينا بعد مواقف الناس وأقوالهم في أصحاب رسول الله ﷺ، ورضوان الله عنهم، ومن وافق منهم ما قاله الله ورسوله فيهم، ومن أفرط أو فرط، وزال عن المنهج الوسط، والصراط المستقيم، وأخذت به الجهالات، والأهواء ذات اليمين أو ذات الشمال فهلك بإتباعه غير سبيل المؤمنين.\nتعريف الصحابي:\nأجمع وأوفى ما قيل في تعريف الصحابي، ما ذكره ابن حجر ﵀ في مقدمة كتاب \"الإصابة\" \"وهو: أن الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام\".","vol":"1","page":391},{"text":"وبين ﵀ أنه أصح ما وقف عليه من التعاريف١؛ وذلك أنه جامع مانمع، فيدخل في قولنا: \"من لقي النبي ﷺ\": من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.\nويخرج بقيد الإيمان في قولنا \"مؤمنًا به\": من لقيه مؤمنًا بغيره، من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، ولم يؤمن به.\nويدخل في قولنا: \"مؤمنًا به\" كل مكلف من الجن والإنس.\nويخرج بقولنا: \"ومات على الإسلام\": من لقيه مؤمنًا به، ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله.\nويدخل فيه: من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به ﷺ مرة أخرى أم لا٢.\nقال ابن حجر ﵀: \"وهذا تعريف بني على الأصح المختار عند المحققين، كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما، وراء ذلك أقوال أخرى شاذة\"٣.\nمنزلة الصحابة ومكانتهم في الكتاب والسنة:\nإن المتأمل في كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ ليدرك دونما أدنى مواربة المنزلة السامية والمكانة الرفيعة التي يتبوؤها أصحاب رسول الله ﷺ؛ ذلك بأنهم آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله وآووا، ونصروا، فهم أصحاب رسول الله، وأصهاره، ووزراؤه وأنصاره وحملة رسالته.\n_________\n١ الإصابة ١/ ٧.\n٢ نفس المصدر، بتصرف يسير ١/ ٧- ٨.\n٣ المصدر السابق ١/ ٨.","vol":"1","page":392},{"text":"ومبلغوا دعوته، بهم استقام الدين وعلى أيديهم انتشر الإسلام؛ فلهم في عنق كل مسلم منه، وعند كل مؤمن يد؛ فعن طريقهم وصل إليه الإسلام والهدى والنور.\nولقد أثنى الله ورسوله عليهم خيرًا، ودلت نصوص الكتاب والسنة على فضلهم وعظم منزلتهم من وجوه متعددة.\nمنها: التصريح بأنهم خير الخلق بعد الأنبياء: يدل على ذلك قوله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١، وقوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٢.\nوإن كان يدخل معهم غيرهم ممن جاء بعدهم واقتفى أثرهم؛ إلا أنهم بذلك أولى، إذا هم المشافهون والمخاطبون بهذه الآيات، ومن جاء بعدهم إنما ينال من ذلك ويصيب منه بقدر إتباعه لهم واقتدائه بهم.\nومما يدل على أنهم خير هذه الأمة قوله ﷺ: \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" ٣.\nفالمراد بقوله ﷺ \"قرني\"؛ أي: أهل قرني٤، وهم الصحابة رضوان الله عنهم.\nومنها: التصريح برضوان الله عنهم وإثباته إياهم.\nفقد أخبر ﷿ برضاه عمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة؛ وذلك\n_________\n١ سورة آل عمران آية ١١٠.\n٢ سورة البقرة آية ١٤٣.\n٣ تقدم تخريجه. ص ٩٧ هامش \"٤\"..\n٤ انظر: ابن حجر، فتح الباري ٧/ ٥.","vol":"1","page":393},{"text":"في غزوة الحديبية١.\nفقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢.\nفصرح سبحانه برضاه عن الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ في هذه الغزوة، وكان عددهم ألفًا وأربعمائة، وفي بعض الروايات أكثر من ذلك٣.\nوأخبر ﷺ بنجاتهم من النار؛ فقال: \"لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة\" ٤.\nكما أخبر ﷿ عن رضاه عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن أتبعهم بإحسان، وهذا يعم جميع الصحابة؛ فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٥.\nفصرح سبحانه برضاه عنهم، ورضاهم عنه، وبما أعد لهم من الجنات والنعيم المقيم، وفي إخباره بخلودهم في الجنة دلالة على موتهم على الإيمان والرضوان بخلاف قول أهل الزيغ والطغيان.\n_________\n١ وكانت هذه الغزوة في السنة السادسة من الهجرة، كما قال ابن كثير في البداية ٤/ ١٦٦. والحديبية: قرية متوسطة -ليست بالكبيرة- سميت ببئر هناك. قاله الحموي في معجم البلدان ٢/ ٢٢٩. وانظر عن هذه الغزوة، مرويات غزوة الحديبية، للشيخ حافظ حكمي.\n٢ سورة الفتح آية ١٨.\n٣ لتحقيق ذلك راجع: مرويات غزوة الحديبية، حافظ حكمي ص٣٩- ٥٣، \"ط. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية ١٤٠٦ هـ\".\n٤ ت: مناقب، باب فضل من بايع تحت الشجرة ٥/ ٥٩٥، ح ٣٦٨، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال اللالباني: صحيح. انظر: صحح الترمذي ٣/ ٢٤٠، ح ٣٠٣٣.\n٥ سورة التوبة آية ١٠٠.","vol":"1","page":394},{"text":"قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: \"فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم؛ أعني: الصديق الأكبر، والخليفة أبا بكر بن أبي قحافة ﵁\"١.\nومنها: ثناؤه عليهم ووعده لهم بالحسنى\nقال ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢.\nففي هذه الآية الكريمة أثنى الحق ﵎ على الذين أنفقوا من قبل الفتح -أي: فتح مكة كما هو رأي الجمهور-٣ وبين أنهم أعظم درجة ممن أنفق وقاتل بعد ذلك؛ \"ذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديد فلم يكن حينئذ إلا الصديقون، أما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا ودخل الناس في دين الله أفواجًا\"٤.\nوممن أنفق قبل الفتح وقاتل أئمة الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضوان الله عليهم ممن أسلم قبل الفتح وجاهد بنفسه في سبيل الله؛ فهم أعظم درجة وأفضل من بعدهم ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وقال القرطبي: \"أي: المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٤٢.\n٢ سورة الحديد آية ١٠.\n٣ انظر: ابن كثير. تفسير القرآن العظيم ٨/ ٣٧.\n٤ نفس المصدر ٨/ ٣٧.","vol":"1","page":395},{"text":"وعدهم الله جميعًا الجنة مع تفاوت الدرجات\"١.\nومنها: ثناؤه عليهم أيضًا ووصفه لهم بالشدة على أعداء الله، والرحمة للمؤمنين وكثرة وحسن عبادتهم، وإخلاصهم فيها لله ﷿.\nكما في قوله ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢.\nوقد دلت هذه الآية على عظم قدر أصحاب رسول الله ﷺ، وعظم منزلتهم وفضلهم، وأن الكفار هم الذين يغيظهم ذلك، ويغصون به، ولذلك قال الإمام مالك ﵀: \"من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية\"٣، وذكره القرطبي ثم قال عقبه: \"لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله؛ فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين\"٤.\nوقالت عائشة ﵂ في قوله ﷿: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ \"أصحاب رسول الله ﷺ أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم\"٥.\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١٥٧، \"ط. الأولى عام ١٤٠٨، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت\".\n٢ سورة الفتح آية ٢٩.\n٣ أبو نعيم/ الحلية ٦/ ٣٢٧، وذكره البغوي في معالم التنزيل ٤/ ٢٠٧.\n٤ انظر الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٩٥.\n٥ الحاكم: المستدرك ٢/ ٤٦٢، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. رواه ابن أبي عاصم في السنة ح ١٠٠٣، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط الشيخين.","vol":"1","page":396},{"text":"ومنها: النهي عن سبهم أو النيل منهم:\nومما جاء صريحًا في ذلك قوله ﷺ: \"لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد١ أحدهم ولا نصيفه\" ٢، ٣.\nوفيه إلى جانب النهي عن سبهم، بيان أن لا أحد يبلغ مبلغهم، وإن أنفق أكثر منهم: \"ذلك أن جهد المقل منهم واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه، أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم؛ وذلك لما في قلوبهم من صدق الإيمان وإخلاص وصفاء السريرة، وطهارة القلوب وزكاء النفوس\"٤.\nوبعد فهذا عرض مقتضب لمنزلة الصحابة ﵃، ومكانتهم في الكتاب والسنة على وجه العموم، ولكل منهم فضائل ومناقب، ومآثر ومفاخر ليس من غرضنا هنا ذكرها؛ وإنما القصد تذكير القارئ الكريم بعظم حقهم ومنزلتهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ليعلم مبلغ جرم وظلم من أزرى بهم، وتطاول على مقامهم، ممن جاء بعدهم وسيأتي ذكرهم؛ فإن مع وضوح فضلهم وظهوره كما تقدم، فقد هلك فيهم أقوام، وضل بسبب الكلام الآخر وأفرط، والحق بين غلو الغالين وجفاء المقصرين أبلج عليه من الله نور وكتاب مبين، عشت عنه أبصار الزنادقة الهالكين، ولم تهتد إليه أفئدة الجالهين المارقين، وأبصره وتمسك به\n_________\n١ المد \"بضم الميم في الأصل\": ربع الصاع؛ وإنما قدره به؛ لأنه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة. وهو رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق. انظر: النهاية لابن الأثير ٤/ ٣٠٨.\n٢ التصنيف: هو النصف كالعشير في العشر. انظر: نفس المصدر ٥/ ٦٥.\n٣ خ: فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\" ٧/ ٢١، ح ٣٦٧٣.\n٤ انظر: مختصر سنن أبي داود ومعه معالم السنن، للخطابي ٧/ ٣٤.","vol":"1","page":397},{"text":"من أراد الله به خيرًا من هذه الأمة، فعرف للصحابة الأجلاء فضلهم ومنزلتهم وسابقتهم في الإسلام، ولم يقصر أو يفرط في حقهم، ولم يبالغ أو يغلو فيهم أو في بعضهم فيزلهم فوق مكانتهم، ولم يعد بهم قدرهم ومنزلتهم التي هم عليها.\nوهؤلاء هم أهل السنة والجماعة؛ فهم أهل توسط واعتدال في هذا الباب، كما هم كذلك في غيره من سائر أمور دينهم كما تقدم، فهم في أصحاب رسول الله ﷺ وسط بين الخوارج وبعض أئمة الاعتزال، وبين الشيعة والرافضة، فأولئك جفوا، وهؤلاء جمعوا بين السيئتين فغلوا في بعض الصحابة وأفراطوا في ذلك، وفرطوا وقصروا في حق البعض الآخر، وسنين في هذا الفصل أقوال كل منهما، ثم نبين عقيدة أهل السنة في هذا الباب وتوسطهم فيه بإذنه ﷿.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>أولا: ذكر قول الخوارج</span>\n...\nالمبحث الأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة\nأولًا: ذكر قول الخوراج\nلما كان الخوارج يرون التكفير بالذنوب ولا سيما بالكبائر منها كما تقدم لنا ذلك، واعتبروا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ مذنبًا بتحكيمه الحكمين بينه وبين معاوية ﵁، طالبوه بالتوبة من الذنب الذي ارتكب بزعمهم، وقالوا: \"لا حكم إلا لله، تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك\"١.\nولما كان علي ﵁ لا يعد ذلك ذنبًا؛ وإنما هو عجز في الرأي هم سببه لم ير ما يوجب التوبة كما قال ﵁ لهم: \"ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي، وضعف من الفعل، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه\"٢.\nثم صرحوا بكفره واستحلوا الخروج عليه وقتاله، وأجمعوا على كفره٣ وكفر الحكمين ومن رضي بالتحكيم وقبله، وفيهم عدد كبير من الصحابة رضوان الله عنهم.\nوالقوم كما ذكر شيخ الإسلام وغيره؛ إنما أتوا من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا فمن لم يكن برًا تقيًا؛ فهو كافر وهو مخلد في النار.\nثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما\n_________\n١ ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك ٥/ ٧٢.\n٢ نفس المصدر ٥/ ٧٢.\n٣ المقالات ١/ ١٦٧.","vol":"1","page":399},{"text":"أنزل الله؛ فكانت بدعتهم لها مقدمتان:\nالواحدة: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.\nوالثانية: أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك١.\nولأجل ذلك قالوا بكفرهم. وهذا جهل منهم بالقرآن ومعانيه، وإن كانوا من أكثر الناس قراءة له وتعبدًا، كما قال ﷺ: \"يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\" ٢.\nوتكاد كتب الفرق والمقالات تجمع على قول الخوارج بتكفير علي وعثمان ﵄ ثم الحكمين ومن رضي بالتحكيم، وفيما يلي أورد جملًا من كلامهم في ذلك.\nيقول الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه \"مقالات الإسلاميين\" -الذي يعد من أجمع ما كتب في بابه: \"أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب ﵁ أن حكم وهم مختلفون: هل كفره شرك أم لا؟ \"٣.\nويقول المقدسي \"٣٥٥ هـ\": \"وأصل مذهبهم إكفار علي بن أبي طالب ﵁ والتبرؤ من عثمان بن عفان ﵁\"٤.\nوقال الملطي \"ت ٣٧٧ هـ\": \"ويتبرءون من عثمان وعلي، ويتولون أبا\n_________\n١ ابن تيمية: الفرقان بين الحق والباطل ص ٢٢- ٢٣، ضمن مجموعة الرسائل الكبرى.\nط. محمد علي صبيح ١٣٨٥ هـ.\n٢ خ: كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن ٩/ ٩٩، ح ٥٠٥٨.\n٣ انظر المقالات ١/ ١٦٧.\n٤ البدء والتاريخ ٥/ ١٣٥.","vol":"1","page":400},{"text":"بكر وعرم ﵃\"١.\nوقال الشهرستاني \"ت ٥٤٨ هـ\": \"ويجمعهم القول بالتبرئ من عثمان وعلي ﵄ ويقدمون ذلك على كل طاعة\"٢.\nوقال الرازي \"ت ٦٠٦ هـ\": \"سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرًا بالذنب، وهم يكفرون عثمان وعليًا ﵁ وطلحة والزبير وعائشة، ويعظمون أبا بكر وعمر ﵄\"٣.\nوقال السكسكي \"ت ٦٨٣هـ\": \"وقد اجتمعوا على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي لله عنهما وعلى تكفير علي وعثمان ﵄، وتكفير كل فرقة سواهم\"٤.\nبهذه النقول التي تبين موقف هؤلاء الخوارج من أصحاب رسول الله ﷺ، ندرك مدى تفريط القوم، وجفائهم لطائفة من أصحاب رسول الله ﷺ، بعضهم قد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وأكثرهم يدخل فيمن ﵁ ممن بايع تحت الشجرة؛ فأين غابت عقول هؤلاء، وكيف عميت أبصارهم حتى ضلوا هذا الضلال المبين؟! اللهم أجرنا من الخذلان، وثبت قلوبنا على دينك، ومحبة إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا لهم، ولا حقدًا على أحد منهم.\n_________\n١ التنبيه والرد ص ٥١.\n٢ الملل والنحل ١/ ١١٥.\n٣ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٤٦.\n٤ البرهان في عقائد أهل الأديان ص ١٩، \"ط. الأولى ١٤٠٨. نشر: مكتبة المنار- الأردن\".","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>ثانيًا: ذكر قول المعتزلة وعقيدتهم في أصحاب رسول الله ﷺ:</span>\nلم يتورع بعض أئمة المعتزلة وكبراؤهم عن الوقوع في بعض الصحابة\nرضوان الله عنهم، والنيل منهم والإزراء بهم؛ فلهم فيهم مذاهب باطلة، وأقوال شائنة نوجزها في الأسطر التالية:\n- تفسيقهم لطوائف منهم رضوان الله عنهم، ورد شهادتهم:\nمن ذلك قول كبيرهم ومؤسس مذهبهم: واصل بن عطاء بفسق أحد الفريقين من أصحاب الجمل١، وصفين٢، وعثمان وقاتليه، وزعم أن فرقة من الفريقين فسقة لا بأعيانهم، وأنه لا يعرف الفسقة منهما؛ فلو شهد عنده رجل من هذا الفريق، ورجل من الفريق الآخر لم يقبل شهادتهما، قال: لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه، وجلعهما بمنزلة المتلاعنين، حتى ولو كان الشاهدان عليًا وعائشة، أو عليًا وطلحة؛ فهو يقول في ذلك: \"ولو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم\"٣.\nوتابع واصلًا على ذلك تلميذه عمرو بن عبيد، فقال: \"لو أن عليًا وعثمان وطلحة والزبير شهدوا عندي على شراك نعل ما أجزته\"٤، وفي رواية \"والله؛ لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل ما أخذت بشهادتهم\"٥.\n_________\n١ أي: موقعة الجمل، وهي: معركة مشهورة جرت بين جيش علي بن أبي طالب ﵁ وبين المناوئين لعلي وعلى رأسهم عبد الله بن الزبير وطلحة وعائشة أم المؤمنين ﵃؛ وذلك سنة ست وثلاثين من الهجرة في مكان بين الكوفة والبصرة، وسميت بالجمل نسبة للجمل الذي كانت تركبه أم المؤمنين عائشة ﵂ في المعركة. راجع: البداية والنهاية ٧/ ٢٤١ وما بعدها.\n٢ صفين: معركة جرت بين جيش علي وجيش معاوية بن أبي سفيان ﵄ سنة ٣٧ هـ. وصفين مكان على شاطئ نهر الفرات. راجع: البداية والنهاية ٧/ ٢٦٤ وما بعدها.\n٣ الذهبي، ميزان الاعتدال ٤/ ٣٢٩.\n٤ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١٢/ ١٧٨.\n٥ الدارقطني، أخبار عمرو بن عبيد، ق ١٠٤/ أ، مخطوط بمكتبه الجامعة الإسلامية برقم ٤٨٨.","vol":"1","page":402},{"text":"وزاد عمرو على شيخه بأن قال بتفسيق الفريقين جميعًا؛ فلو شهد عنده رجلان من أحد الفريقيين لما حكم بشهادتهما بخلاف قول واصل١.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان قدماء المعتزلة وأئمتهم، كعمرو ابن عبيد، وواصل بن عطاء وغيرهم متوقفين في عدالة علي فيقولون، أو من يقول منهم: قد فسقت إحدى الطائفتين؛ إما علي وإما طلحة والزبير لا بعينها\"٢.\nقلته: هذا قول واصل، أما عمرو فكان يفسق الطائفتين ويرد شهادتهما كما ذكرت.\nتبرؤهم من بعض الصحابة:\nوذلك كقولهم بالتبرؤ من معاوية وعمرو بن العاص ﵄ ومن كان في شقهما.\nقال الخياط في رده على قول ابن الراوندي عن المعتزلة إنهم مجتمعون على البراءة من عمرو ومعاوية ومن كان في شقهما، قال: هذا قول لا تبرأ المعتزلة منه ولا تعتذر عن القول به\"٣.\nومعاوية وعمرو وكثير ممن كان معهما صحابة أجلاء. والبراءة إنما تكون من المشركين والكافرين، أما المؤمنون فبعضهم أولياء بعض.\n- طعنهم في بعض الصحابة وشتمهم واتهامهم إياهم بالكذب والجهل ونحو ذلك:\nنقل الذهبي عن ابن حبان عن عمرو بن عبيد وهو من أئمة الاعتزال كما\n_________\n١ انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق ١٢١، والشهرستاني، الملل والنحل ١/ ٤٩.\n٢ منهاج السنة ١/ ٧٠- ٧١.\n٣ الانتصار ص ٧٤.","vol":"1","page":403},{"text":"هو معلوم \"كان يشتم الصحابة\"١، وممل نقل عنه من ذلك:\n- سبه الصحابي الجليل سمرة بن جندب ﵁.\nروى عنه الخطيب البغدادي أنه قال فيه: \"....ما أرجو بسمرة، فعل الله بسمرة\"، وفي رواية أخرى: \"ما نصنع بسمرة قبح الله سمرة\"٢؛ وذلك لأنه روي حديثًا في السكتتين في الصلاة يخالف رأيه.\n- قوله في عثمان بن عفان ﵁: \"إن عثمان لم يكن صاحب سنة\"٣:\nوهذا النظام إبراهيم بن سيار زعم الفرقة \"النظامية\" من المعتزلة يوسع عددًا من أصحاب رسول الله ﷺ شتمًا وذمًا، ويتطاول عليهم منتقدًا بعض أقوالهم وفتاواهم واجتهاداتهم.\nفقد ذكر عنه ابن قتيبة ﵀ أنه: انتقد أبا بكر وعمر وعليًا ﵃، ورمى عبد الله بن مسعود ﵁ بالحكم بالظن، والقضاء بالشبهة، والفحش في القول على الله كما رماه بالكذب لروايته حديث انشقاق القمر٤. وقال: \"وهذا من الكذب الذي لا خفاء به\"، وحديث: \"الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه\"٥؛ لأنه يخالف مذهبه في القدر وانتقد عثمان ﵁، وكان يقول فيه القول القبيح، وشتم زيد بن ثابت رضي الله عنه٦.\n_________\n١ ميزان الاعتدال ٣/ ٢٧٤.\n٢ تاريخ بغداد ١٢/ ١٧٦ وفي سنده من تكلم فيه.\n٣ نفس المصدر والجزء والصفحة.\n٤ حديث صحيح أخرج \"خ: التفسير، باب وانشق القمر، ٨/ ٦١٧\" وغيره.\n٥ وهو حديث صحيح أيضًا، أخرجه م: كتاب القدر ٤/ ٢٠٣٧، ح ٢٦٤٥.\n٦ للاطلاع على هذه الأقوال الشنيعة وجواب ابن قتيبة عنها. انظر: تأويل مختلف الحديث ص١٩ وما بعدها. \"ط ١٣٩٣، بتصحيح محمد زهدي النجار\".","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المبحث الثاني: في ذكر قول من جمع بين الغلو والجفاء في أصحاب رسول الله ﷺ \"وهم الشيعة</span>\"\n...\nالمبحث الثاني: في ذكر قول من جمع بين الغلو والجفاء في أصحاب رسول الله صلى الله عليه ولم \"وهم الشيعة\" ١، ٢\nيجمع الشيعة في أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، بين سيئتي الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء؛ فلهم في بعض الصحابة غلو وإفراط، أشنعه القول بالألوهية والنبوة، وأدناه تفضيل وتقديم من غلو فيه على من هو أفضل وأولى بالتقديم منه، كما لهم في البعض الآخر من الصحابة تقصير وتفريط وجفاء، أعظمه القول بتكفيرهم ولعنهم، وأدناه القول بتأخيرهم عن مرتبتهم والقعود بهم عن مكانتهم، ولهم بين هذا وذاك فيهم أقوال وآراء، تتردد بين الغلو\n_________\n١ الشيعة: وهم الذين شايعوا عليًا ﵁ وقدموه على سائر أصحاب رسول الله ﷺ، قال الأشعري: وهم ثلاثة أصناف:\n١- الغالية: وهم الذين غلو في علي، وقالوا فيه قولًا عظيمًا وهم طوائف.\n٢- الرافضة الإمامة: وسموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر: هذا قول الأشعري، وقال بعضهم: سموا رافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لما خرج عن هشام بن عبد الملك فطعن عسكره في أبي بكر وعمر منعهم من ذلك وتولاهما، فرفضوه ولم يبق معه إلا مئتا فارس؛ فقال لهم زيد: رفضتموني. قالوا: نعم؛ فبقي عليهم هذا الاسم.\n٣- الزيدية: وهم الذين تمسكوا بقول زيد بن علي بن الحسين. قال الشهرستاني: ويجمعهم -أي: الشيعة القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولًا وفعلًا وعقدًا إلا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك، راجع: المقالات للأشعري ١/ ٦٥، ٨٨، ١٣٦، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي ص ٥٢ والملل ١/ ١٤٦.\n٢ للتوسع راجع رسالة موقف الشيعة الاثنى عشرية من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. للشيخ عبد القادر عطا، وهي رسالة جامعية نال بها المؤلف درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية.","vol":"1","page":405},{"text":"والإزراء، ليس لهم على شيء منها دليل، إلا اتباع الظنون والأهواء.\nوفي هذا المبحث سأبين أبرز مظاهر الغلو، والجفاء لديهم بإذن الله تعالى.\nفأما جفاؤهم لأصحاب رسول الله ﷺ فأمر معروف لدى العامة والخاصة؛ فلم تنل فرقة ولا طائفة من مقام أصحاب رسول الله ﷺ ما نال هؤلاء القوم فقد جفوهم وعادوهم واتخذوهم غرضًا، يرمونهم بكل نقيصة، ويكيلون لهم من ألوان السباب والشتائم ما لا يصح أن يوجه مثله لعامة الناس فضلًا عن سادتهم وقادتهم وحواريي رسول الله ﷺ وأصهاره وأنصاره وحماة دينه، ونقله شريعته، ومن مظاهر هذا الجفاء والتقصير:\n١- قولهم بتفضيل علي بن أبي طالب رض.;ي الله عنه على سائر الصحابة وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ واستحقاقه للخلافة قبلهم، وأكيسهم أجاز خلافة الشيخين وتولاهما مع تفضيل علي، وهو قول الزيدية١ منهم، وهذا أدنى درجات الجفاء لدى القوم.\n٢- سبهم وشتمهم أفاضل الصحابة ﵃:\nفلا يكاد يخلو مصنف من مصنفاتهم من ذلك٢؛ بل يعقدون لذلك أبوابًا وفصولًا خاصة٣ يذكرون تحتها ما تغيض به قلوبهم وتفوه به ألسنتهم من\n_________\n١ الزيدية: إحدى فرق الشيعة المشهورة، كما تقدم وعن مقالتهم في علي والخلفاء الثلاثة قبله ﵃ أجمعين راجع: الأشعري، المقالات ١/ ١٣٦- ١٣٧، والشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٥٤.\n٢ انظر: إحسان إلهي ظهير: الشيعة وآل البيت ص ١٨٨، \"ط. السابعة ١٤٠٤ هـ، نشر: إدارة ترجمان السنة -لاهور - باسكتان\".\n٣ كما فعل \"العاملي\" من مصنفيهم؛ فقال في كتاب الصراط المستقيم، باب في الطعن فيمن نقده بظلمه وعدوانه، عن كتاب الشيعة وآل البيت ص١٩١، وكما فعل عبد الله شبر، في كتاب حق اليقين ج ١/ ٣٠٨، \"ط. الأولى ١٤٠٤ هـ، نشر: دار الأضواء - بيروت\".","vol":"1","page":406},{"text":"الطعن في الصحابة والحط عليهم، ولعنهم ونسبة النقائص والقبائح غليهم.\nفمن ذلك: لعنهم أبا بكر وعمر ﵄ وتسميتهما بالجبت والطاغوت، وصنمي قريش ووضعوا في ذلك دعاء يعرف بذلك، وفيه: \"اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وإفكيهما وابنتيهما\"١ يقصد أبا بكر وعمر وابنتيهما عائشة وحفصة ﵃ أجمعين.\nومن ذلك رميهم بالجهل: يقول عبد الله بن شبر من مصنفيهم: \"ومنها؛ -أي: من المطاعن- أنه؛ يعني: أبا بكر -﵁- كان جاهلًا بأكثر أحكام الدين....\"٢.\nومنها رمي عمر بن الخطاب ﵁ بالظلم و\"أنه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز\"٣.\nوقال عن عثمان: \"وأما مثالب عثمان فهي لا تحصى ولا تسقصى\"٤، ثم ذكر هراء كثيرًا وزورًا من القول وهجرًا.\n٣- التبرؤ من أفاضل منهم:\nمن المسائل التي أجمع عليها الشيعة سوى الزيدية منهم: القول: بالتبرئ من أبي بكر وعمر وكثير من الصحابة، يقول الشهرستاني: \"ويجمعهم -أي: الشيعة- والقول بالتولي والتبرئ قولًا وفعلًا وعقدًا؛ إلا في حال\n_________\n١ انظر: صورة هذا الدعاء في رسالة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية، لجلال الدين محمد صالح، ملحق رقم ٣/ ٥٩٦.\n٢ حق اليقين ١/ ٣١٥.\n٣ نفس المصدر ١/ ٣٢٣.\n٤ عبد الله شبر، حق اليقين في معرفة أصول الدين ١/ ٣٢٥، \"ط. الأولى ١٤٠٤ هـ، نشر: دار الأضواء -بيروت\".","vol":"1","page":407},{"text":"التقية\"١. قلت: يخرج من ذلك \"الزيدية\"\nقال السكسكي: \"وقالوا -أي: الرافضة: بتفضيل علي على سائر الصحابة، وأنه الإمام بعد رسول الله ﷺ وتبرؤوا من أبي بكر وعمر وكثير من الصحابة ﵃ إلا فرقة الزيدية\"٢.\nوفي كتبهم التصريح بالبراءة كقولهم: \"واعتقادنا في البراءة انها من الأوثان الأربعة والإناث الأربع ومن جميع أشياعهم وأتباعهم وأنهم شر خلق الله، ولا يتم الإقرار بالله ورسوله والأئمة إلا بالبراءة من أعدائهم\"٣.\n٤- تكفيرهم جل الصحابة رضوان الله عنهم:\nلم يكتف القوم بما تقدم من ألوان الجفاء والتقصير، ولم يزل حبل جفائهم ممدودًا، وعقد تقصيريهم وتفريطهم مفروطًا، حتى تقحموا دركات الهاوية، وقالوا بإكفار خيار الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ، وأنهم ارتدوا بعد وفاته وكثير منهم نافق في حياته.\nذلك قولهم بأفواههم، وما كتبت أيديهم؛ فهو أمر مسطور في طروسهم، مزبور في كتبهم ومصنفاتهم، التي سطرها منهم أئمة عندهم، وآيات لهم.\nمن ذلك ما جاء في كتاب \"الكافي\" وهو أعظم كتبهم وأصحها لديهم وهو عندهم بمثابة \"صحيح البخاري\" عند أهل السنة، ذكر فيه عن \"الرضا\" أنه قال: \"إن الله لم يقبض نبيه ﷺ حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا؛ فقال ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ وأنزل في حجة\n_________\n١ الملل ١/ ١٤٦.\n٢ البرهان ص ٦٥.\n٣ عبد الله شبر، حقي اليقين ٢/ ٢٧٦.\n٤ سورة الأنعام آية ٣٨.","vol":"1","page":408},{"text":"الوادع وهي آخر عمره ﷺ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ١، وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض ﷺ حتى بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق وأقام لهم عليًا علمًا وإمامًا وما ترك لهم شيئًا تحتاج إليه الأمة إلا بينه؛ فمن زعم أن الله ﷿ لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله، ومن رد كتاب الله؛ فهو كافر به\"٢.\nفجعل القول بإمامة على بعد الرسول ﷺ مباشرة من إكمال الدين، وجعل من أنكر ذلك في عدد الكافرين، ولا شك أن هدفه ومراده إكفار الصحابة فتأمل.\nوإن أبيت إلا التصريح الصريح؛ فاعلم أن القوم لم يبخلوا به فهو بعض ما في صدورهم وما تخفي صدورهم أكبر، ألا وهو اجتثاث دين الإسلام من جذوره بالطعن في خيره أهله ونقلته حتى لا يصح لدى الناس شرع ولا دين.\nفلقد نصوا صراحة على كفر الصحابة وارتدادهم بعد رسول الله ﷺ سوى نفر منهم عدوهم، كما جاء في \"الكافي\" أيضًا: \"كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي\"٣.\nوجاء في كتاب سليم بن قيس العامري: \"أن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله غير أربعة\"٤.\n_________\n١ سورة المائدة آية ٣.\n٢ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، الأصول من الكافي ١/ ١٥٤، \"ط. ١٣٨٨، نشر: المكتبة الإسلامية - طهران\".\n٣ الكليني: كتاب الروضة من الكافي ٨/ ٢٤٥، \"ط. الثانية ١٣٨٩ هـ، عني بنشرة محمد الأخوندي-طهران\".\n٤ ص ٩٢، \"ط. دار الفنون - بيروت، عن إحسان إلهي ظهير\"، الشيعة وأهل البيت ص ٤٤.","vol":"1","page":409},{"text":"وقال المجلسي -أحد مصنفيهم: \"هلك الناس كلهم بعد وفاة الرسول ﷺ إلا ثلاثة أبو ذر والمقداد وسلمان\"١.\nوقال الطوسي -من علمائهم: \"عندنا أن من حارب أمير المؤمنين؛ فهو كافر والدليل على ذلك إجماع الفرقة المحقة \"بزعمه\" الإمامة على ذلك\"٢.\nولعلك تحسن الظن بالقوم فتحسب أن هذا متقدميهم، وأن المعاصرين منهم ليسوا على ذلك، وكم هو محبب إلينا أن يكون كما تظن، أو تحسب وأن يكون متأخروا القوم أرشد من أسلافهم؛ ولكن الحقيقة لا تدع للظن مكانًا، وقد ورث المعاصرون تركه السالفين منهم وعضوا عليها بالنواجذ، فها هو زعيم العصر فيهم إمامهم وآيتهم العظمى \"خميني\" يصرح بكفر الصحابة؛ فيكفر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فيقول: \"وقد جاء في \"صحيح البخاري\"، و\"مسلم\" و\"مسند أحمد\" أن ابن عباس كان يبكي ويقول: يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس؛ فقال النبي ﷺ: \"ائتوني بورق ودواة لأكتب لكم شيئًا حتى لا تضلوا\"، فقالوا: إن النبي يهذي.\nقال: وتشير كتب التاريخ أن هذا الكفر صدر عن عمر بن الخطاب، وأن البعض قد أيده في ذلك ولم يسمحوا للنبي بأن يكتب ما يريده\"٣.\nوقال في موضع آخر في نفس الموضوع: \"وأغمص -أي: الرسول ﷺ- عينيه، وفي أذنيه كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية، والنابعة أعمال الكفر والزندقة\"٤.\n_________\n١ حياة القلوب. له فارسي ٢/ ٦٤٠، اقتبسه إحسان إلهي ظهير، المصدر السابق ص ٤٦.\n٢ انظر: عبد الله شبر، حق اليقين ٢/ ٢٧٦.\n٣ انظر: كشف الأسرار ص ١٧٥- ١٧٦.\n٤ انظر: كشف الأسرار ص ١٣٧.","vol":"1","page":410},{"text":"فكفر عمر بن الخطاب ﵁ ومن أيده من أعلام الصحابة.\nمظاهر الغلو والإفراط لديهم:\nإن الواقف على كتب القوم، ومقالاتهم في كتب الفرق والمقالات، يمتري في أن أبرز سمات فرق الشيعة الغلو في أمير المؤمنين علي ﵁ وبعض أهل بيته؛ بل لا يكون مغاليًا؛ إذ قال إن هذا الغلو هو أحد الركائز الأساسية التي قام عليها بنيان الكيان الشيعي الرافضي.\nفأول مظهر من مظاهر غلو الشيعة:\n١- تفضيلهم علي بن أبي طالب على عثمان ﵄، ثم على سائر الصحابة ﵃، ثم أضافوا إلى ذلك القول بتقديمه في الإمامة على غيره من الخلفاء، وهذا المبدأ يمثل القاعدة العريضة لعقيدة الشيعة، وبه يتميز الشيعي من غيره؛ فمن لم يقل بتفضيل علي ﵁ وقتديمه على الإمامة؛ فليس بشيعي١، وقد تقدم٢ في تعريف الشيعة أنهم الذين شايعوا عليًا وقدموه على سائر الصحابة.\nومن نصوصهم في تقديم علي ﵁ ما رواه الكليني في الكافي عن ذريح، قال: سألت أبا عبد الله عن الأئمة بعد النبي ﷺ فقال: \"كان أمير المؤمنين ﵇ إمامًا، ثم كان الحسن إمامًا، ثم كان الحسين إمامًا، ثم كان علي بن الحسين إمامًا، ثم كان محمد بن علي إمامًا، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ﷺ\" ٣.\n_________\n١ هكذا أصح مفهوم التشيع، وما كان كذلك في أوله؛ إذ كان بعض المتقدمين يتشيع لعلي ويرى تقدميه على عثمان، وما كان أحد منهم يفضله أو يقدمه على أبي بكر وعمر بحال: انظر: ابن حجر: التهذيب ١/ ٩٤، وابن تيمية: منهاج السنة ٨/ ٢٢٤.\n٢ انظر: ص ٤٠٥.\n٣ أصول الكافي ١/ ١٣٩.","vol":"1","page":411},{"text":"فجعل الإمامة بعد رسول الله ﷺ في علي وبنيه، دون أبي بكر وعمر وعثمان ﵁ الجميع، وهذا معتقد الرافضة الإمامية، يقول صاحب كتاب وحق اليقين\" في تقرير ذلك: \"ذهبت الإمامة إلى أن الإمام بعد رسول الله ﷺ علي ابن أبي طالب ﵁ أمير المؤمنين، ومن بعده أولاده الظاهرون\"١.\n٢- ومن مظاهر غلوهم قولهم: بعصمة أئمتهم، وأولهم علي وابناه الحسن والحسين ﵃:\nيقول المجلسي -من أعيانهم: \"اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة أنهم معصومون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون\"٢، وقال أيضًا: \"اعلم أن الإمامة ﵃ على عصمة الأئمة. من الذنوب صغيرها وكبيرها؛ فلا يقع منهم ذنب أصلًا لا عمدًا ولا نسيانًا، ولا لخطأ في التأويل، ولا للإسهاء من الله ﷾. وذكر لبعضهم خلافًا في الإساء من الله\"٣.\nوينسب الكليني إلى أمير المؤمنين ﵁ أنه قال: \"إن الله ﵎ طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في أرضه وجلعنا مع القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا\"٤.\nوزعم أن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n_________\n١ عبد الله شبر، حق اليقين ١/ ٢٦١.\n٢ المجلسي، بحار الأنوار ج ٢٥/ ٢١١، اقتبسه جلال الدين محمد صالح في رسالته الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية ص ٢٠٥.\n٣ المجلسي، بحار الأنوار ج ٢٥ ص ٢٠٩، اقتبسه، جلال الدين محمد صالح في رسالته الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية ص ٢٠٥.\n٤ أصول الكافي ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":412},{"text":"\"أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون\" ١.\nوهكذا نرى مبلغ علو القوم في أئمتهم؛ ولا سميا علي وبنيه ﵃. وكيف زعموا لهم العصمة وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهذا لعمري مقام الملائكة لا البشر، ولكنهم يرون أن الأئمة أفضل من الأنبياء، والملائكة كما سيأتي ذلك.\n٣- ومن غلوهم زعمهم أن أئمتهم يعلمون الغيب:\nوقد أفرد الكليني لإثبات ذلك والاستدلال له بابًا في كتابه \"الكافي\" فقال: \"باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيء، صلوات٢ الله عليهم\"٣. ثم ساق تحتته بعض الروايات عن أئمة آل البيت في ذلك؛ فروى عن عدة من أصحابهم أنهم سمعوا أبا عبد الله ﵇ يقول: \"إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في\n_________\n١ الصدوق: إكمال الدين ص٤٧٤، اقتبسه جلال الدين في الإمامة عند الشيعة ص٢١٠.\n٢ في جواز الصلاة على غير الأنبياء تفصيل؛ فتجوز إجماعًا إذا كانوا تبعًا للأنبياء في الذكر كقولنا: \"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد\"، وإذا أفردوا فللعماء في ذلك قولان: الأول: أنه يجوز، والثاني -وهو قول الجمهور: أنه لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة؛ لأن هذا صار شعارًا للأنبياء إذا ذكروا فلا يلحق بهم غيرهم؛ فلا يقال: قال أبو بكر ﷺ، أو قال علي ﷺ، وإن كان المعنى صحيحًا كما لا يقال محمد ﷿، وإن كان عزيزًا جليلًا؛ ولأن هذا من شعار ذكر الله ﷿. وقال آخرون لا يجوز ذلك؛ لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء يصلون على من يعتقدون فيهم؛ فلا يقتدي بهم في ذلك.\nوكذلك الأمر في السلام، فلا يفرد به علي أو غيره من أهل بيته، من دون سائر الصحابة؛ فإنه وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يساوي بين الصحابة في ذلك. راجع: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٦٧- ٤٦٨.\n٣ انظر: الكافي ١/ ٢٠٣.","vol":"1","page":413},{"text":"النار، وأعلم ما كان وما يكون\"١، وروى أيضًا عن سيف التمار قال: \"كنا مع أبي عبد الله ﵇ جماعة من الشيعة في الحجر فقال علينا عين٢، فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدًا فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية -ثلاث مرات- لو كنت بين موسى والخضر؛ لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأن موسى والخضر أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثة\"٣.\nولا أدري كيف تستقيم لهم هذه الدعوة مع قوله ﷿ عن رسول ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ٤.\n٤- قولهم بتفضيل الأئمة على الأنبياء والملائكة:\nذكر أبو الحسن الأشعري اختلاف الرافضة في ذلك وأن طوائف منهم ترى: أن الأئمة أفضل من الأنبياء والملائكة، وأنه لا يكون أحد أفضل من الأئمة قال: وهذا قول طوائف منهم\"٥.\nويحدثنا مصنف شيعي رافضي عن مذهب أهل نحلته في ذلك، وهل المشهور عندهم بـ\"المفيد\"٦، فيقول: \"قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل\n_________\n١ الكافي ١/ ٢٠٤.\n٢ يعني: هل يرانا أو يرقبنا أحد، ولو كان حقًا يعلم ما كان وما يكون، كما ينسبون إليه؛ لعلم هل عليهم عين أم لا. فتأمل.\n٣ الكافي ١/ ٢٠٤.\n٤ سورة الأعراف آية ١٨٨.\n٥ انظر: المقالات ١/ ١٢٠.\n٦ هو: محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد، عالم الرافضة، أبو عبد الله بن المعلم صاحب التصانيف البدعية، وهي مئتا مصنف طعن فيها على السلف، وله صولة عظيمة في دولة عضد الدولة. انظر: الذهبي ميزان الاعتدال ٤/ ٣٠ بتصرف.","vol":"1","page":414},{"text":"الأئمة من آل محمد ﷺ من تقدم من الرسل والأنبياء سوى نبينا محمد ﷺ.\nوأوجب فريق منهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أولي العزم منهم ﵈، وأبى القولين منهم فريق آخر وقطعوا بفضل الأنبياء كلهم على سائر الأئمة.\nوهذا باب ليس للعقول في إيجابه والمنع منه مجال، ولا على أحد الأقوال فيه إجماع، وقد جاءت آثار عن النبي ﷺ في أمر المؤمنين \" ... \" وذريته من الأئمة، والأخبار عن الأئمة الصادقين أيضًا من بعد، وفي القرآن مواضع تقوي العزم على ما قاله الفريق الأول في هذا المعنى وأنا ناظر فيه\"١.\nفبعد عرضه الأقوال مال إلى اختيار القول بالتفضيل الذي هو القول الأول.\nوهذا أحد مصنفيهم المتأخرين يقرر عقيدة القوم في ذلك فيقول: \"يجب الإيمان بأن نبينا ﷺ وآله المعصومين، أفضل من الأنبياء والمرسلين ومن الملائكة المقربين لتظافر الأخبار بذلك، وتواترها فيما هنالك\"٢.\nويظهر أن القول بالتفضيل هو الغالب على الشيعة الرافضة؛ بل الواجب عنده، وأن الخلاف المذكور إنما كان لدى بعض المتكايسين من متقدميهم.\nوأما المعاصرون من الشيعة الرافضة فعلى القول بالتفضيل، لا يتوارون من القول به، ولا يبرؤون منه أو يعتذرون عنه؛ بل يصرح به صاحب أكبر عمة\n_________\n١ أوائل المقالات ص٨١، اقتبسه جلال الدين محمد صالح في رسالته الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية ص٢٤٦.\n٢ عبد الله شبر، حق اليقين س ١/ ٢٠٩.","vol":"1","page":415},{"text":"فيهم، مدونًا ذلك في أحدث مصنفاته فيقول: \"فإن للإمام مقامًا محمودًا، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل - إلى أن قال: وقد ورد عنهم \" ... \" أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء \" ... \"١.\nوهكذا يظهر مدى غلو القوم ومثابرتهم على ذلك. وأن متأخريهم ليسوا بأحسن حالًا من سابقيهم إن لم يكونوا أضل وأردى.\n٥- ومن مظاهر غلوهم زعمهم أن الإمام محدث يوحى إليه ملك:\nعقد الكليني بابًا في كتابه \"الكافي\" بعنوان \"باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث\"٢، وأورد تحته عددًا من الروايات التي تدل على أن الإمام يسمع كلام الملك ولا يراه؛ بينما النبي والرسول يسمعه ويراه.\nفروى عن زرارة بن ميمون قال: \"سألت أبا جعفر عن قول الله ﷿ ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ٣، ما الرسول؟ وما النبي؟ قال النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك.\nقلت: الإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية: \"وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث٤، ٥.\n_________\n١ الخميني: الحكومة الإسلامية ص٥٢- ٥٣، نشر المكتبة الإسلامية الكبرى.\n٢ انظر: الكافي ١/ ١٣٤.\n٣ سورة مريم، جزء من آيتي ٥١ و٥٤.\n٤ الآية من سورة الحج آية ٥٢، وليس فيها جملة \"ولا محدث\"؛ وإنما ذلك من تحريفات الشيعة الرافضة وزيادتهم في كتاب الله ﷿.\n٥ الكافي ١/ ١٣٤.","vol":"1","page":416},{"text":"وفي رواية أخرى قال: \"كتب الحسن بن العباس العروفي إلى الرضا \" ... \" جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ قال: فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام، أن الرسول الذي ينزل عليه جبرئيلفيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي. وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ﵇، والنبي: ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام: هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص\"١.\n٦- لعل أعظم مظاهر غلو الشيعة وإفراطهم:\nهو قول بعضهم بألوهية علي بن أبي طالب ﵁ وهو قول يتنصل أكثر الشيعة منه؛ لكنه يظل قول المؤسس الأول للشيعة الرافضة الإمامية عبد الله بن سبأ، الذي وضع مبادئ التشيع والرفض التي لا تزال الشيعة الرافضة إلى اليوم تقول بأكثرها، كالقول بتفضيل علي على سائر الصحابة، والنص على إمامته بعد الرسول بلا فصل، والطعن على أصحاب رسول الله ﷺ ﵃، كما تقدم إثبات ذلك عنهم من كتبهم.\nقال الشهرستاني: عن عبد الله بن سبأ أنه قال لعلي ﵁: أنت أنت؛ يعني: أنت الإله، فنفاه إلى المدائن٢.\nويقول المقدسي: إن السبأية، وهم أتباع عبد الله بن سبأ: \"قالوا لعلي: أنت إله العالمين أنت خالقنا ورازقنا، وأنت محيينا ومميتنا، فاستعظم على ذلك من قولهم وأمر بهم فأحرقوا بالنار فدخلوا النار وهم يضحكون ويقولون الآن صح لنا أنك إله؛ إذ لا يعذب بالنار إلا رب النار\"٣.\n_________\n١ الكافي ١/ ١٣٤.\n٢ الملل والنحل ١/ ١٧٤.\n٣ البدء والتاريخ ٥/ ١٢٥.","vol":"1","page":417},{"text":"ويقول البغدادي: \"السبئية: أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي ﵁، وزعم أنه كان نبيًا، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قومًا عن غواة الكوفة، ورفع خبرهم إلى علي ﵁ فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين\"١.\nوبعد فهذه نماذج من غلو الشيعة الرافضة، ذكرتها متدرجًا في القاعدة إلى القمة، وهي بعض ما عندهم؛ فالغلو أسس مذهبهم وسداه ولحمته، وما أشرت إليه من ذلك يكفي للدلالة على غلوهم.\n_________\n١ انظر: الفرق بين الفرق ٢٣٣.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المبحث الثالث: في ذكر قول أهل السنة والجماعة</span>\nعرفنا فيما تقدم موقف الخوارج وأئمة الاعتزال والشيعة الروافض من أصحاب رسول الله ﷺ، وتبين لنا مبلغ ابتعاد القوم عن الاعتدال والتوازن في هذا الباب، وجنوحهم إلى طرفي الإفراط والتفريط.\nوفي هذا المبحث، سأورد قول أهل السنة واعتقادهم في أصحاب رسول الله ﷺ، من خلال ما دونه بعض أئمة أهل السنة في أوقات وأزمان مختلفة متفاوتة، ومع ذلك فقولهم واحد لا تضارب فيه ولا اختلاف؛ لأنه ينبع من أصول ثابتة ينهل منها الجميع في كل عصر ومصر، كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع سلف الأمة.\nوسيظهر من خلال أقوالهم مدى توسطهم واعتدالهم واقتصادهم في ذلك، كما سأشير إلى مظاهر ذلك في آخر المبحث بإذن الله.\nعقيدة أهل السنة في الصحابة:\nدون كثير من الأئمة عقيدة أهل السنة في هذا الباب وغيره، وهذه نماذج مختصرة من أقوالهم.\n- يقول الإمام أحمد في بيان عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃: \"ومن السنة: ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن الذي شجر بينهم؛ فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحدًا فهو مبتدع رافضي.\nحبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآرائهم فضيلة.\nوخير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ: أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر،","vol":"1","page":419},{"text":"وخيرهم بعد عمر عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي رضوان الله عليهم، خلفاء راشدون مهديون.\nثم أصحاب محمد ﷺ بعد هؤلاء الأربعة لا يجوز لأحد منهم أن يذكر شيئًا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم؛ فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه؛ بل يعاقبه ثم يستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وجلده حتى يتوب ويراجع\"١.\nوقال الإمام أبو جعفر الطحاوي \"ت ٣٢٠هـ\" في عقيدته المشهورة: \"ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.\nونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.\nوأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله ﷺ، وقوله الحق وهم أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين.\nومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله ليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق\"٢.\n_________\n١ السنة. له ص ٣٨.\n٢ انظر: العقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز ص ٥٢٨- ٥٥٣.","vol":"1","page":420},{"text":"المهاجرين والأنصار.\nويؤمنون بأن قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: \"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\"١، وبأنه لا يدل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم٢؛ بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.\nويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ.\nويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عه وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة.\nويؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.\nويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ؛ حيث قال يوم غدير خم٣: \"أذكركم الله في أهل بيتي\" ٤.\n_________\n١ يشير إلى قوله ﷺ في قصة خاطب بن أبي بلتعة: \"ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد وجبت لكم الجنة؛ فقد وجبت لكم الجنة، أو: فقد غفرت لكم\" خ: المغازي، باب فضل من شهد بدرًا ٧/ ٣٠٤، ح ٣٩٨٣.\n٢ تقدم ذكر الحديث وتخريجه. انظر: ص٣٩٤.\n٣ غدير خم: اسم موضع بين مكة والمدينة بالجحفة أو على أميال منها انظر: الحموي، معجم البلدان ٢/ ٣٨٩.\n٤ م: فضائل الصحابة، باب من فضائل علي ٤/ ١٨٧٣ ح ٢٤٠٨.","vol":"1","page":422},{"text":"ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين.\nويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب١ الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.\nويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون.\nوهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر؛ حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.\nوقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه؛ فإذا كان هذا في الذنوب المحققة؛ فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور.\nثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم، قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.\n_________\n١ يطلق لفظ النواصب على من يؤدي أهل البيت، وهو مراد الشيخ هنا، ويطلقه الشيعة على كل من لا يتبرأ من الصحابة، كما تقدم.","vol":"1","page":423},{"text":"ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، ولا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله\"١.\nوبعد فهذه عقيدة أهل السنة في أصحاب رسول الله ﷺ وهذه أقوالهم فيهم، دونها هؤلاء، الأئمة، كما دونها غيرهم، كلهم متفقون على معرفة حقهم وفضلهم، وتوقيرهم والترضي عنهم، ليس لأحد منهم خلاف في ذلك.\nومن خلال هذه الأقوال تتجلى وسطية أهل السنة، ويبرز اعتدالهم واقتصادهم.\nفهم وسط: لأنهم لم يكفروا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ؛ في حين أن كلًا من الخوارج والمعتزلة، والشيعة كفروا أو فسقوا طوائف منهم، كما تقدم ذكر ذلك.\nوهم وسط: في التولي والتبري: فكل من فريقي الغلاة والجفاة يتولى فريقًا من الصحابة ويتبرأ من أكثرهم أو كثير منهم كما سبق بيانه.\nوأهل السنة: يتولون جميع الصحابة ولا يتبرؤون من أحد منهم.\nوهم وسط: لأنهم يترضون عن جميع الصحابة، ويترحمون عليهم ويستغفرون لهم كما أمر الله، ولا يسبون أو يشتمون أحدًا منهم؛ بينما كل من الخوارج وبعض أئمة المعتزلة، والشيعة، لا يترضون عن الجميع، ولا يترحمون أو يستغفرون لطوائف من الصحابة، ولبعضهم فيهم سب وشتم ونسبة إلى الجهل والظلم والفسق كما تقدم إيضاحه عنهم.\nوهم وسط: لأنهم يشهدون ويعتقدون من أصحاب رسول الله ﷺ خير خلق الله بعد الأنبياء، وأن خيرهم: الخلفاء الأربعة الراشدون فيما يطعن كل\n_________\n١ انظر: العقيدة الواسطية بشرح الهراس ص ١٤٢- ١٥١.","vol":"1","page":424},{"text":"من الجفاة والغلاة في كثير منهم، ويعدون بعضهم شر هذه الأمة كما يعتقد الشيعة الرافضة.\nوهم وسط في علي بن أبي طالب ﵁؛ فلم يغلوا فيه غلو الشيعة الرافضة فلم يرفعوه إلى مقام النبوة أو الألوهية كما فعل كثير من الشيعة.\nولم يكفروه، أو يفسقوه ويردوا شهادته كما يرى الخوارج وأئمة المعتزلة، كما تقدم.\nوهم وسط: لأنهم لا يعتقدون العصمة لأحد من الصحابة؛ بل يعتقدون أنهم بشر يقع منهم من الذنوب ما يقع من غيرهم، ومع ذلك لا يشنعون عليهم بذنب؛ بل يلتمسون لهم المخارج ويحملونهم على أجمل المحامل.\nوأهل البدعة: يعتقد بعضهم العصمة لعلي ﵁ وللأئمة من أهل بيته وأنه لا يقع منهم ذنب عمدًا ولا خطأ ولا سهوًا.\nويعتقدون في بعض الصحابة وقوع الكفر والنفاق والردة منهم وارتكاب المظالم والكبائر وينسبونهم إلى الزندقة.\nهذه بعض مظاهر وسطية أهل السنة في هذا الباب؛ على أن قولهم واعتقادهم في أصحاب رسول الله ﷺ لا يخرج عن دائرة القصد والاعتدال بأي حال.","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الفصل الخامس: وسطية أهل السنة في باب تعظيم النبى ﷺ والصالحين من أمته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>مدخل</span>\n...\nتمهيد:\nتقدم في الباب الأول الحديث عن كون هذه الأمة المحمدية وسطًا بين الأمم في أنبياء الله ورسله عليهم أفضل الصلة وأتم التسليم، وأنها لم تغل فيهم ولم تفرط، وأن اليهود والنصارى وقع منهم غلو وإفراط فيهم، كما وقع منهم أيضًا في جفاء لهم، وتفريط وتقصير في جنابهم صلوات الله وسلامه عليهم.\nولما كان من الثابت أن فئات من هذه الأمة سيتبعون تلك الأمم قبلهم كما أخبرنا الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في قوله: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم\" قال الراوي: قلنا: اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟ \"١.\nفإنه قد وقع من بعض هذه الأمة، شيء من الغلو أو التفريط في جناب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وذلك بسبب متابعتهم لتلك الأمم وتأثرهم بما نقل عنهم، ولا سيما بعد امتداد الإسلام وانتشاره، ودخول طوائف من أهل الكتاب في الإسلام، واختلاط المسلمين بكثير من أهل الذمة من أمتي اليهود والنصارى وغيرهم، كما تقدم لنا في أسباب افتراق هذه الأمة.\nوبسبب بعدهم عن كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ اللذين جاء\n_________\n١ خ: كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\" ١٣/ ٣٠٠، ح ٧٣٢.","vol":"1","page":429},{"text":"فيهما التحذير من ذلك، وبيان مكانة الرسول ﷺ ومنزلته التي أنزله الله إياها، وما يجب على أمته في حقه من التعظيم والتابعة والتسليم.\nوفي هذا الفصل سنعرض في المبحث الأول لبيان قول أهل السنة واعتقادهم في جناب الرسول ﷺ، كما سنوضح ما وقع فيه أهل البدع من الإفراط والتفريط في حقه ﷺ.\nوفي المبحث الثاني: سنبين موقف أهل السنة واعتقادهم في الصالحين من أمته ﷺ، وما ذهب إليه أهل الغلو والتفريط في ذلك بإذن الله.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المبحث الأول: في بيان وسطية أهل السنة في باب تعظيم النبي ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>أولا: موقف أهل السنة وقولهم في هذا الباب</span>\n...\nالمبحث الأول: في بيان وسطية أهل السنة في باب تعظيم النبي ﷺ\nوفي هذا المبحث سأورد عرضًا لعقيدة أهل السنة وقولهم في هذا الباب، ثم أبين مواقف أهل الغلو وأهل التفريط فيه على النحو التالي:\nأولًا: موقف أهل السنة وقولهم في هذا الباب\nأهل السنة في الإسلام، مثل هذه الأمة بين الأمم؛ فكما أن أمة محمد ﷺ خير الأمم وأوسطها؛ فكذلك أهل السنة بالنسبة لسائر الفرق والطوائف من أهل القبلة، وذلك لشدة تمسكهم بما دل عليه وأدى إليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ في سائر أمورهم؛ مما جعلهم على صراط سوي لا يميلون عنه إلى إفراط أو إلى تفريط، كما فعل غيرهم من الفرق والطوائف الأخرى.\nوموقفهم واعتقادهم في رسول الله ﷺ من الشواهد الدالة على صحة ذلك.\nوفيما يلي أورد عرضًا موجزًا لقولهم واعتقادهم في جناب المصطفى ﷺ:\n- فهم يعتقدون أنه ﷺ عبد الله ورسوله:\nفيجمعون له بين مقام العبودية، والرسالة: وهي أكمل المقامات، كما جمع بينها ﷺ لنفسه في قوله \"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله\" ١.\nفأتى ﷺ بهاتين الصفتين وجمعهما دفعًا للإفراط والتفريط؛ فإن كثيرًا ممن\n_________\n١ م: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة ١/ ٥٧، ح ٤٦.","vol":"1","page":431},{"text":"يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولًا وفعلًا، وفرط بترك متابعته١.\nيقول الإمام الطحاوي في \"عقيدة أهل السنة\" في ذلك: \"وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى\"٢، فيجمع له ﷺ بين العبودية والنبوة والرسالة ويشهد أهل السنة له بذلك.\n- ويشهدون ويعتقدون أنه أفضل المرسلين وسيد الخلق أجمعين:\nكما أخبر ﷺ بذلك في قوله: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\" ٣، وقد تقدم بيان ذلك في الباب الأول٤.\n- ويرون محبته ﷺ واجبة وأنها من الإيمان والدين:\nعملًا بقوله ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين\" ٥.\nوقوله ﷺ: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\" ٦. الحديث.\nفهم يحبونه ويعظمونه، وقد تقدم لنا كيف كان الصحابة رضوان الله عنهم يفدونه ﷺ بالنفس والنفيس، وأنهم كانوا يحبونه أكثر من أولادهم وأنفسهم كما في قصة عمر ﵁ وقد تقدمت الإشارة إليه في الباب الأول٧.\n_________\n١ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، فتح المجيد ٣٧، \"ط ١٣٨٦، مطبعة المشهد الحسين- القاهرة\".\n٢ انظر: الطحاوية مع الشرح ص١٥٧.\n٣ تقدم: تخريجه ص٢٢٧.\n٤ انظر: ص٢٢٧.\n٥ تقدم تخريجه ص٢٨٠.\n٦ خ: كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان ١/ ٦٠، ح ١٦.\n٧ انظر: ص٢٨٠- ٢٨٢.","vol":"1","page":432},{"text":"ويرون من لوازم محبته وعلامتها: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر؛ فاتبعه ومتابعته هي العلامة الدالة على محبته ﷺ؛ بل هي الدالة على محبة الله ﷾ أيضًا، كما قال ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.\nقال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: \"هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله\"٢.\nوكذلك من ادعى محبة رسوله الله ﷺ، ولم يتبع دينه وشرعه الذي جاء به في جميع أقواله، وأفعاله، وأحواله؛ فهو كاذب في دعواه محبته ﷺ.\n\"وإذا أراد الإنسان أن يقف يقينًا على مقدار ما في قلبه من المحبة لله ورسوله ﷺ فليعرض أقواله وأفعاله على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ فإنه وافقت الشرع المحمدي كان ذلك دليلًا على صدق المحبة، وإن خالفته دل على أن دعوى المحبة كاذبة\"٣.\nفإن من علامات محبته ﷺ إيثار شرعه وما جاء به إلى غيره من الهوى وشهوات النفس، قال القاضي عياض: \"اعلم أن من أحب شيئًا آثره وآثر موافقته؛ وإلا لم يكن صادقًا في حبه، وكان مدعيًا؛ فالصادق في حب النبي ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه\n_________\n١ سورة آل عمران آية ٣١.\n٢ انظر: تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٥.\n٣ انظر: عبد المحسن العباد، عشرون حديثًا من صحيح البخاري ١٦٦.","vol":"1","page":433},{"text":"ومكرهه وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١.\n- ويشهدون ويعتقدون أنه خاتم الأنياء:\nوكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى٢؛ إذ لا نبي بعده ﷺ، كما أخبر الحق جل وعلا بختم النبوة به في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٣.\nفمن ادعى النبوة بعده علم كذبه وضلاله.\n- ويرون ويعتقدون أنه ﷺ لا يعلم من الغيب في حياته إلا ما علمه الله؛ فكيف بعد وفاته؛\nوذلك عملًا بما ورد في ذلك من الأدلة امتثال قوله ﷿: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٤.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ ٥.\nوأنه لا يعلم الغيب إلا الله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ\n_________\n١ انظر: الشفا ٢/ ٢٤.\n٢ الطحاوية ١٧٦.\n٣ سورة الأحزاب آية ٤٠.\n٤ سورة الأنعام آية ٥٠.\n٥ سورة الأعراف ١٨٨.","vol":"1","page":434},{"text":"الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين﴾ ١.\nأما عباده وخلقه من ملائكته وجنه وإنسه بما فيهم أنبياؤه ورسله؛ فلا يعلم أحد منهم من الغيب إلا ما علمه الله وأطلعه عليه على حد قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ٢.\nفلم يظهر أحدًا على غيبه \"إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره على ما يشاء من الغيب؛ لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة التي تخبر عن الغيب\"٣.\nوهذا الإظهار لهم لا يكون إلا في حياتهم وعلى ما يشاء الحق ﷿ اطلاعهم عليه. أما بعد مماتهم؛ فقد انقطع الوحي عنهم وانتقلوا إلى بارئهم.\nوبهذا يعلم ضلال من ادعى أن النبي ﷺ يعلم الغيب بعد وفاته كما سيأتي.\n- وينأون وينهون عن إطرائه والغلو في مدحه والمبالغة في ذلك:\nوذلك لأنه ﷺ حذر أمته من ذلك؛ إذ الإطراء هو مجاوزة الحد في المدح بالباطل، وهو يؤدي إلى أن ينزل ﷺ فوق منزلته التي أنزله الله إياها وهي منزلة العبودية والرسالة، وليس بعدها إلا مقام الألوهية ومنزلة الربوبية، والنبي ﷺ يأبى أن تقع أمته في ذلك، وينهى أن تجاوز به منزلته ومكانته تلك؛ فيقول ﷺ: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله\" ٤؛ أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى،\n_________\n١ سورة الأنعام آية ٥٩.\n٢ سورة الجن آية ٢٦- ٢٧.\n٣ البغوي، معالم التنزيل ٤/ ٤٠٦.\n٤ خ: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ ٦/ ٤٧٨.","vol":"1","page":435},{"text":"فادعوا فيه الربوبية؛ وإنما أنا عبد الله فصفوني بذلك كما وصاني ربي وقولوا: عبد الله وسوله.\nفأبى عباد القبور إلا مخالفة لأمره، وارتكابًا لنهيه، وناقضوه أعظم المناقضة وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يدعي ولا يستغاث به، ولا ينذر له. أن في ذلك هضمًا لجنابه، وغضًا من قدره، فرفعوه فوق منزلته؛ فسألوه مغفرة الذنوب وتفريج الكروب١، وفي هذا مشابهة للنصارى وقد نهينا عن ذلك.\n- ويرون ويعتقدون وجوب الصلاة والسلام عليه:\nاستجابة لأمر الله المؤمنين بذلك في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.\nوقد علمنا ﷺ كيفية ذلك فقال لما قال له بعض الصحابة: قد أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: \"قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم\"٣.\nفمن ابتدع كيفية غير هذه؛ فهو على غير سنة، كما هو شأن كثير من أهل البدع المتصوفة ويعتقدون يشهدون أنه قد بلغ أمته ما أمره به ربه ولم يكتم منه شيئًا:\nقال أبو محمد بن حزم: \"واعلموا أن رسول الله ﷺ لم يكتم من\n_________\n١ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تيسير العزيز الحميد ص٣١٥ ط: الدار البيضاء ١٤١٢ هـ.\n٢ سورة الأحزاب: آية ٥٦.\n٣ م: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ ١/ ٣٠٥، ح ٤٠٥.","vol":"1","page":436},{"text":"الشريعة كلمة فما فوقها\"١.\nوقال القاضي عياض: \"لا خلاف أنهم -أي: الأنبياء- معصومون عن كتمان الرسالة، وعن التقصير في التبليغ\"٢.\nوكيف يتصور منه ﷺ كتمام شيء مما أنزل عليه، وقد أمره ربه بأن يبلغه عباده، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٣.\nوما كان له ﷺ أن يخالف أمر ربه، وما هو مظنة ذلك، وما هو على وحي ربه بمتهم.\nومن قال: إنه لم يبلغ منه شيئًا، أو أنه ادخر منه شيئًا لم يبلغه أو آثر به بعض أمته فقد أعظم عليه ﷺ الفرية وأتى بزور من القول ومنكر.\n_________\n١ الفصل في الملل والنحل ٢/ ١١٦.\n٢ الشقا ٢/ ١٤٤.\n٣ سورة المائدة آية ٦٧.","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>ثانيًا: ذكر قول بعض من غلا وأفرط في تعظيمه ﷺ</span>\nلقد حذر الرسول صلى الله يه وسلم أمته من الغلو بعامة فقال: \"إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو\" ١، يشير إلى أهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٢.\nوقد تقدم في الباب الأول ذكر صور من غلوهم.\nفحذر ﷺ أن يصنعوا كما صنع أولئك، ونهاهم عن الغلو فيه وإطرائه ومجاوزة الحد في مدحه، كما تقدم٣.\n_________\n١ انظر: ابن أبي عاصم، السنة ٩٨.\n٢ سورة المائدة آية ٧٧.\n٣ انظر: ص٤٣٥.","vol":"1","page":437},{"text":"لكن فريقًا ممن تفرقت بهم السبل عن سبيل الله المستقيم، خالفوا رسول الله ﷺ إلى ما نهاهم عنه؛ فغلوا فيه وقالوا ما ليس لهم به علم، ولا عندهم من الله ورسوله فيه برهان، فضلوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.\nوفيما يأتي أذكر صورًا ونماذج من غلو بعض طوائف هذه الأمة في جنابه ﷺ، ومن ذلك:\n- دعاء بعضهم إياه ﷺ، واستغاثتهم به بعد موته، وزعمهم أنه يعطي ويمنع، ويضر وينفع:\nكقول شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري \"٦٠٨- ٦٦٦ هـ\"١.\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم\nفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم٢\nقد تضمنت هذه الأبيات غاية الإطراء والغلو الذي وقعت فيه النصارى وأمثالهم؛ فإنه قصر خصائص الإلهية والربوبية التي قصرها الله على نفسه، وقصرها عليه رسوله ﷺعلى الرسول ﷺ- فصرفها لغير الله، فإن الدعاء مخ العبادة، واللياذ من أنواع العبادة.\nوقد جمع في أبياته الاستعانة والاستغاثة بغير الله، والالتجاء والرغبة إلى غير الله؛ فإن غاية ما يقع من المستغيث إنما هو الدعاء واللياذ بالقلب واللسان، وهذه هي أنواع العبادة التي ذكرها الله في مواضع كثيرة من كتابه٣.\n_________\n١ انظر ترجمته لدى: الكتبي، فوات الوفيات ٣/ ٣٦٢، والزركلي، الأعلام ٧/ ١١.\n٢ انظر: البردة، ضمن مجموع مهمات المتون ٩٠.\n٣ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، بيان المحجة في الرد على اللجة، ضمن مجموع الرسائل والمسائل النجدية، لبعض علماء نجد ص٢٢٧، \"ط. الثانية ١٤٠٨ هـ، نشر: مكتبة الشافعي - الرياض\".","vol":"1","page":438},{"text":"وسيأتي التعليق على قوله: \"ومن علومك علم اللوح والقلم\" في موضع آخر.\nومن هذا النوع من الغلو قول البريلوي١:\n\"إن رسول الله ﷺ مالك الأرضين، ومالك الناس ومالك الأمم ومالك الخلائق وبيده مفاتيح النصر والمدد، وبيده مفاتيح الجنة والنار، وهو الذي يعز في الآخرة ويكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، وهو الذي يكشف الكروب، ويدفع البلاء، وهو حافظ لأمته وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي بالاستجداء\"٢.\nومنه قوله أيضًا: \"إن رسول الله ﷺ هو المبرئ من السقم والآلام والكاشف عن الأمة كل خطب وهو المحيي، وهو الدافع عن المعضلات، والنافع للخلق، والرافع للمراتب، وهو الحافظ والناصر، وهو دافع البلاء أيضًا، وهو الذي أبرد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي، وحكمه نافذ وأمره جار في الكونين\"٣.\nولا أدري ماذا أبقى هذا البريلوي لله رب العالمين؟!\n- ومن صور الغلو فيه ﷺ زعم بعض طوائف الغلاة أنه ﷺ يعلم الغيب: من ذلك قول البوصيري فيه:\n_________\n١ هو: أحمد رضا البريلوي زعيم الطائفة البريلوية، ولد في مدينة بريلي من مدن الهند سنة ١٢٧٢ هـ، وكانت وفاته سنة ١٣٤٠ هـ. ولا تزال نحلته لها رواج في أقاليم الهند والباكستان. راجع عنه وعن طائفته: إحسان إلهي ظهير. البريلوية، عقائد وتاريخ ١٣- ٤٥.\n٢ أنوار رضا ص٢٤٠، مقال إعجاز البليلوي. اقتبسه إحسان إلهي. انظر: البريلوية ص٦٩.\n٣ الاستمداد على أجيال الارتداد، للبريليوي. ٣٢- ٣٣. اقتبسه إحسان إلهي. انظر: البريلوية ص ٦٨.","vol":"1","page":439},{"text":"فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nوكذا قول البريلويك \"إن علم اللوح وعلم القلم، وعلم ما كان وما يكون جزءًا واحدًا١ من علوم النبي صلى الله عليه وسلم٢.\nوقوله أيضًا: \"إن علومه -أي: النبي ﷺ- تتنوع إلى الجزئيات، والكليات وحقائق ودقائق وعوارض ومعارف تتعلق بالذات والصفات وعلم اللوح والقلم؛ إنما يكون سطرًا من سطور علمه ونهرًا من بحور حلمه\"٣.\nوهذا الذي قاله البريلوي، والبوصيري قبله من الغلو المفرط؛ إذ جعلا علم اللوح والقلم بعض علمه ﷺ.\nوقد بينا أن من قول أهل السنة أنه ﷺ لا يعلم، وأنه لم يعلم منه إلا ما شاء الله أن يعلمه، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله ﷿ وأوردنا هناك الآيات الدالة على ذلك، ونزيد هنا قوله ﷺ في ذلك: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله؛ لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله\" ٤.\nوقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: \"من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه؛ فقد كذب، وهو يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، ومن حدثك أنه يعلم الغيب؛ فقد كذب، وهو يقول: \"لا يعلم الغيب إلا الله\" ٥.\n_________\n١ كذا. وهو خطأ نحوي والصواب الرفع.\n٢ خالص الاعتقاد، للبريلوي ص٣٨، اقتبسه إحسان إلهي. المرجع السابق ٨٧.\n٣ خالص الاعتقاد للبريلوي ص٣٨. اقتبسه إحسان إلهي، البريلوية ص٨٧.\n٤ خ: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدً﴾ ١٣/ ٣٦١، ح ٧٣٧٩.\n٥ المرجع السابق، والجزء والصفحة، ح ٧٣٨٠.","vol":"1","page":440},{"text":"- زعم بعضهم أنه ﷺ نور خلق من نور الله، وليس ببشر كما يعتقد البربلوية ذلك، وغيرهم من غلاة المتصوفة.\nومن نصوصهم في ذلك قول أحمد يا البريلوي: \"إن الله خلق الصورة المحمدية من نور اسمه البديع القادر، ونظر إليها باسمه القاهر، ثم تجلى عليها باسم اللطيف الغافر\"١.\nولزعيم النحلة البريلوية رسالة سماها \"صلاة الصفا في نور المصطفى\"٢.\nوقد نص الله ﷿ في كتابه في غير ما آية على بشريته ﷺ؛ فقال جل وعلا: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣.\nوقال في سورة الكهف آمرا نبيه ﷺ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٤.\n- ومن الغلو فيه ﷺ: ما يفعله كثير من الضلال من اتخاذ قبره عيدًا بكثرة التردد إليه، واستقباله بالدعاء، والتمسح بالسياج المضروب حوله، بزعم أن في ذلك تعظيمًا له ﷺ.\nوالحق أن تعظيمه يكمن في طاعته واتباعه، وفعل ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، وقد نهى ﷺ أمته عن اتخاذ قبره عيدًا فقال: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" ٥.\n_________\n١ الفتاوى النعيمية ص٣٢٧، اقتبسه إحسان إلهي ظهير، البريولية ص١٠٢.\n٢ انظر: إحسان إلهي، البريلوية ص١٠٢.\n٣ سورة الإسراء آية ٩٣.\n٤ آية ١١٠.\n٥ حم ٢/ ٣٦٧.\nد: كتاب المناسك، باب زيارة القبور ٢/ ٥٣٤، ح ٦٠٤٢، وللحديث طرق وشواهد يبلغ بها درجة الصحة. انظر: جاسم الفهيد، النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد، ص ١١٩، ح ٢٢٩.","vol":"1","page":441},{"text":"والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائذًا بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك١.\nوأما الدعاء عند القبر؛ فكان السلف رحمة الله عليهم إذا سلم أحدهم على النبي ﷺ ثم أراد أن يدعو فإنه يستقبل القبلة بالدعاء، ويجعل الحجرة عن يساره٢.\n_________\n١ انظر: تيسير العزيز الحميد ٣٥١.\n٢ انظر: ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٩٩.","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>ثالثا: ذكر قول بعض من فرط وقصر في تعظيمه ﷺ</span>\n...\nثالثًا: ذكر في بعض من فرط وقصر في تعظيمه ﷺ\nفي مقابل تلك الصور للغلو والإفراط في تعظيم النبي ﷺ، نقف هنا أمام صور معاكسة، تنم عن جفاء وتقصير في حق النبوة والأنبياء بعامة ونبينا ﷺ خاصة؛ فمن تلك الصور:\n- تطاول بعض الطوائف على مقام النبوة والأنبياء بالتقليل من شأنهم، والحط من منزلتهم، وتفضيل غيرهم من أفراد الأمة عليهم.\nوذلك كقول الشيعة الرافضة بأن مقام أئمتهم فوق مقام الرسل والملائكة، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في الفصل الرابع، وأذكر هنا بقول الخميني في ذلك: \"وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل\"١.\nومنه تفضيل بعض غلاة الصوفية من زعموهم أولياء، على أنبياء الله ورسله.\n_________\n١ انظر: ص٤١٦ من هذه الرسالة.","vol":"1","page":442},{"text":"وقالوا في ذلك أقوالًا شنيعة مستكرهة. كقول بعضهم: \"معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب، وأوتينا ما لم تؤتوه\"١.\nوقول أبي يزيد البسطامي٢: \"تا الله إن لوائي أعظم من لواء محمد ﷺ، لوائي من نور تحته الجان والإنس كلهم من النبيين\"٣.\nومنه قوله بعضهم -شعرًا- في تفضيل مقام الولاية على مقام النبوة والرسالة:\nمقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي٤\nومن ذلك اختراعهم لقب خاتم الأولياء مضاهاة لخاتم الأنبياء وجعله أفضل من الأنبياء: \"وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي٥، وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء. وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي ﷺ من بعض الوجوه\"٦.\n_________\n١ انظر: عبد الكريم الجبلي، الإنسان الكامل ١/ ١٢٤، اقتبسه إحسان إلهي. انظر: التصوف ص١٨٨.\n٢ أبو يزيد البسطامي هو: طيفور بن عيسى، شيخ الصوفية، قال الذهبي: \"وله نبأ عجيب وحال غريب، قال: وقد نقلوا عن أبي يزيد أشياء الشأن في صحتها عنه، منها \"سبحاني، و\"ما في الحبة إلا الله\"، مات سنة إحدى وستين ومائتين\" ميزان الاعتدال ٢/ ٣٤٦- ٣٤٧.\n٣ لطائف المتن والأخلاق للشعراني، اقتبسه إحسان إلهي، التصوف ص١٨٨.\n٤ طبقات الشعراني ١/ ٦٨، \"ط. دار العلم للجميع\"، التصوف ص١٨٨.\n٥ وهو محمد بن علي بن الحسن بن بشير الترمذي المؤذن المعروف بالحكيم، صاحب كتاب نوادر الأصول المشهور، وله كتاب ختم الولاية وعلل الشريعة، هجر بسببه في ترمذ آخر عمره.\nقال ابن حجر: ومما أنكر عليه أنه كان يفضل الولاية على النبوة، وقال: عاش إلى حدود العشرين وثلاثمائة، وعاش نحوًا من تسعين سنة، والله أعلم، لسان الميزان ٥/ ٣٠٨- ٣١٠.\n٦ ابن تيمية، الفتاوى ١١/ ٤٤٤. وانظر أيضًا: ٢٢٣.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>مدخل</span>\n...\nالمبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين\nوقيل في بيان ذلك يحسن أن نبين من هو الصالحون؟\nالصلاح في اللغة: ضد الفساد١.\nوقد ورد الصلاح في القرآن الكريم لعدة معان٢:\nمنها \"الإيمان\": كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ ٣؛ يعني: من آمن من آبائهم، وقوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ٤؛ يعني: المؤمنين.\nومنها \"الطاعة\"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٥؛ يعني: أطاعوا الله.\nومنها \"حسن المنزلة وعلوها\"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٦؛ أي: من السعداء٧.\nوالمعاني الأخرى تدور على بعض الطاعات؛ كالأمانة والأمر بالمعروف ونحو ذلك.\n_________\n١ لسان العرب ٢/ ٥١٦\n٢ الدامغاني، قاموس القرآن ٢٨٢- ٢٨٣، وابن الجوزي، نزهة الأعين النواظر ٣٩٦- ٣٩٧.\n٣ سورة الرعد آية ٢٣.\n٤ سورة النور آية ٣٢.\n٥ سورة البقرة آية ٢٧٧.\n٦ سورة البقرة آية ١٣٠.\n٧ انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٦٩.","vol":"1","page":444},{"text":"وعلى هذا؛ فالصالحون هم المؤمنون الذي يعملون الصالحات.\nوأفضل الصالحين وقدوتهم هم رسل الله وأنبياؤه عليهم الصلاة والسلام؛ كما وصفهم الله ﷿ بذلك في كتابه الكريم:\nفقال عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١.\nوقال عن يحيى ﵇: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢.\nوقال عن عيسى ﵇: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٣.\nوقال عن إسحاق ويعقوب: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ ٤.\nوأمثال ذلك كثير في القرآن.\nثم يلي الأنبياء والرسل ﵈ أتباعهم ومن اهتدى بهديهم وعمل بما أمروا به وانتهى عما نهو عنه.\nوأفضل صالحي هذه الأمة بعد نبيها ﷺ، أصحابه رضوان الله عليهم، على تفاوت بينهم في ذلك، ثم يتلوهم الصالحون من أهل القرون الثلاثة المفضلة التي شهد لها الرسول ﷺ بالخيرية، ثم سائر صالحي هذه الأمة في كل زمان ومكان على درجاتهم في ذلك.\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٣٠.\n٢ سورة آل عمران آية ٣٩.\n٣ سورة آل عمران آية ٤٦.\n٤ سورة الأنبياء آية ٧٢.","vol":"1","page":445},{"text":"فأما الصحابة فقد تقدم الكلام عليهم على وجه الخصوص في الفصل الرابع، وبينا هناك منزلتهم ومكانتهم، وأقوال الناس فيهم، وموافقتهم منهم، وبينا وسطية أهل السنة والجماعة في بابهم.\nوحديثنا في هذا الفصل سيكون عن الصالحين بوجه عام، وأقوال الناس فيهم ومواقفهم منهم.\nوقد رأيت الناس في ذلك ثلاثة أصناف: صنف عرف للصالحين حقهم وقدرهم وقال فيهم بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وصنف أفرط في تعظيمهم وغلا في شأنهم، فرفعهم فوق منزلتهم، وقال فيهم غير الحق، وصنف ثالث لم يعرف فضلهم، ولم يقم بحقهم فهو مقصر فيما قال لهم.","vol":"1","page":446},{"text":"فأما<span data-type=\"title\" id=toc-118> الصنف الأول: \"فهم أهل السنة والجماعة</span>\"\nمذهبهم وقولهم في ذلك يتخلص في ما يأتي:\n١- يرون موالاة الصالحين ومحبتهم، والثناء عليهم وذكر محاسنهم والدعاء لهم؛ فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كما أخبر الحق ﵎ في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١.\nيقول الإمام الطحاوي مبينًا أن من عقيدة أهل السنة والجماعة محبة أهل الطاعات وموالاتهم ولا سيما أهل العلم والسنة منهم، وبغض أهل معصية الله ومجافاتهم: \"ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة ... وعلماء السلف من السابقين، من بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر -وأهل\n_________\n١ سورة التوبة آية ٧١.","vol":"1","page":446},{"text":"الفقه والنظر -لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل\"١.\n٢- ويرون أن المؤمنين الصالحين المتقين، هم أولياء٢ الله الذين قال فيهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٣ فكل من كان تقيًا كان لله وليًا، كما يقول الحافظ ابن كثير٤.\nيقول الإمام الطحاوي: \"والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن\"٥.\nفالطريق إلى ولاية الله هو الإيمان واتباع القرآن والسنة، وكل من ادعى الولاية أو رامها من غير هذا الطريق فهو على غير سبيل المؤمنين.\nوالمؤمنون يتفاضلون في ولاية الله تفاضلهم في الإيمان والتقوى٦.\n٣- يؤمن أهل السنة بكرامات٧ الأولياء، وما يجريه الله على أيدي\n_________\n١ انظر: العقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز ٤٣٢، ٥٥٤.\n٢ الولي: ضد العدو، كما في الصحاح ٦/ ٢٥٢٩. قال شيخ الإسلام: والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصلا لعداوة: البغض والبعد، وقد قيل: إن الولي سمي وليًا من موالاته للطاعات؛ أي: متابعته لها، والأول أصح، الفرقان٦.\nوالمراد بالولي: العالم بالله تعالى، المواضب على طاعته، المخلص في عبادته؛ قاله الحافظ ابن حجر، الفتح ١٣/ ٢٩٣.\nوقال الشوكاني: وهذا التفسير للولي، هو المناسب لمعنعنددى الولي المضاف إلى الرب سبحانه. قطر الولي على حديثا ولي ص ٢٣٧، \"بتحقيق د. إبراهيم هلال، نشر: دار إحياء التراث - بيروت\".\n٣ سورة يونس آية ٦٢- ٦٣.\n٤ تفسير القرآن العظيم ٤/ ٢١٣.\n٥ انظر: العقيدة الطحاوية، بشرح ابن أبي العز ٤٠٢، ٤٠٦.\n٦ راجه ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ٣٣.\n٧ الكرامة: أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي من أوليائه، والفرق بيننها وبين المعجزة: أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى الرسالة بخلاف الكرامة. انظر: شرح الواسطية، للهراس ١٥٢.","vol":"1","page":447},{"text":"الصالحين المتقين من خوارق العادات.\nيقول الإمام الطحاوي: \"ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم\"١.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات\"٢.\nولا تكون كرامة إلا إذا أجريت على يد تقي متبع لما جاء به الرسول ﷺ؛ فمن كان حاله غير ذلك فما يظهر على يديه من الخوارق ليس بكرامة؛ وإنما هي أحوال شيطانية٣؛ \"إذ قد أجمع العلماء على أن شرط الكرامة كونها على يد متبع للشرع المطهر\"٤.\nيقول الإمام الشوكاني في بيان الميزان الذي يفرق به بين الكرامة وغيرها: \"والميزان الذي لا يجور هو ميزان الكتاب والسنة؛ فمن كان متبعًا لهما معتمدًا عليهما فكراماته وجميع أحواله رحمانية، ولمن لم يتمسك بهما، ويقف عند حدودهما فأحواله شيطانية\"٥.\n٤- ويعتقد أهل السنة أن الصالحين والأولياء من المؤمنين غير معصومين من الذنوب؛ بل يجوز أن يقع منهم ما يقع من غيرهم، وأن العصمة لا تكون\n_________\n١ الطحاوية، بشرح ابن أبي العز ص٥٥٨.\n٢ العقيدة الواسطية، شرح الهراس ١٥١.\n٣ انظر: شيخ الإسلام ابن تيمة: \"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة\" ص٤٧، \"بتحقيق د. ربيع المدخلي\".\n٤ انظر: عبد العزيز الرشيد، التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية ص٣٣٥.\n٥ قطر الولي ص٢٧٢.","vol":"1","page":448},{"text":"لأحد بعد الأنبياء.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أجمع جميع سلف المسلمين وأئمة الدين من جميع الطوائف: أنه ليس بعد رسول الله ﷺ أحد معصوم ولا محفوظ من الذنوب ولا من الخطايا\"١.\nوقال الإمام الشوكاني: \"واعلم أن الأولياء الله غير الأنبياء ليسوا بمعصومين؛ بل يجوز عليهم ما يجوز على سائر عباد الله المؤمنين\"٢.\n٥- ومن عقيدة أهل السنة أنهم: لا يفضلون أحدًا من الأولياء والصالحين على أحد من الأنبياء بحال.\nيقول الإمام الطحاوي في تقرير عقيدة أهل السنة في ذلك: \"ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء\"٣.\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أولياء الله تعالى، على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء\"٤.\nفمقام الولاية دون مقام النبوة والرسالة، عكس ما يقوله الاتحادية -أهل وحدة الوجود- وغلاة المتصوفة، الذين جعلوا مقام الولاية أعلى من مقام النوبة والرسالة، كما تقدم الإشارة إلى قولهم من ذلك في المبحث الأول٥.\n٦- ومن عقيدة أهل السنة في الصالحين أنه لا يجوز الغلو فيهم بحال\n_________\n١ انظر: جامع الرسائل، \"بتحقيق محمد رشاد سالم ١/ ٢٦٦\".\n٢ انظر: قطر الولي ٢٤٨.\n٣ انظر: الطحاوية، بشرح ابن أبي العز ٥٥.\n٤ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٦٩.\n٥ انظر: ص٤٤٢ وما بعدها.","vol":"1","page":449},{"text":"وأن بناء المساجد والقباب على قبورهم، مظهر من مظاهر الغلو فيهم وهو محرم لنهي النبي ﷺ عنه وتحذيره من مضاهاة اليهود والنصارى في ذلك ولعنه إياهم بسبب ذلك.\nففي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" ١.\nوقال ﷺ: \"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك\" ٢.\nوقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة٣.\nلأن البناء عليها؛ غلو يفضي بأهليه إلى عبادة أصحاب القبور ودعائهم والاستغاثة بهم، وطلب جلب النفع ودفع الضر منهم من دون الله ﷿.\nفإن الغلو في الصالحين على هذا النحو كان سببًا في شرك قوم نوح ﵇، من قبل، كما أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله ﷿: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٤، أنها \"أسماء رجال صالحين من قوم نوح؛ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتسخ العلم عبدت\"٥.\n_________\n١ تقدم تخريجه ص٢٧٢.\n٢ م: كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ١/ ٣٣٧- ٣٧٨، ح ٥٣٢.\n٣ انظر: تيسير العزيز الحميد ٣٣٢.\n٤ سورة نوح آية ٢٣.\n٥ خ: كتاب التفسير، باب ﴿وَدًّا وَلا سُوَاعًا ...﴾ ٨/ ٦٦٧.","vol":"1","page":450},{"text":"وأما<span data-type=\"title\" id=toc-119> الصنف الثاني: \"وهم أهل الغلو والإفراط في تعظيم الصالحين</span>\"\nفهم طوائف الرفض، والتصوف، ومن شاكلهم من أهل البدع.\nوقد رأينا طرفًا من غلو الرافضة في أئمتهم، كغلوهم في علي ﵁، وغيره من صالحي أهل بيته، كما تقدم لنا ذلك في الفصل الرابع١.\nومن مظاهر غلوهم بناؤهم المشاهد على القبور والأضرحة، وجلعها عيدًا تزار وتشد الرحال إليها، وجعل ذلك أفضل من مناسك الحج.\nوزعموا أنا أبا عبد الله٢ قال: \"من أتى قبر الحسين -﵇- عارفًا بحقه، كان كمن حج مائة حجة مع رسول الله ﷺ وآله\"٣.\nوأما ضلال الصوفية؛ فلهم غلو في بعض من زعموا ولا يتهم وصلاحهم، يضاهي غلو الشيعة في أئمتهم إن لم يكن هو هو؛ فبين التصوف والتشيع نسب وسبب.\nومن غلوهم في أوليائهم ما أشرنا إليه في المبحث الأول من تفضيلهم الولي على النبي، وجعل منزلة الولاية فوق منزلة النبوة والرسالة٤.\nوقولهم بختم الولاية، مضاهاة لختم النبوة.\nوأما غلوهم في القبور، وبناء المساجد عليها وتزيينها بالستائر والسرج وغير ذلك؛ فهو من الأمور اللازمة لوجودهم في كل عصر ومصر وقد أجروا عليها،\n_________\n١ انظر: ص٤١٢ وما بعدها.\n٢ وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق ت ٤٨ هـ. انظر: الحلية ٣/ ١٩٢ والتقريب ١/ ١٣٢.\n٣ بحار الأنوار، لمحمد باقر المجلسي ٩٨/ ٣٤، ومستدرك الوسائل، لميرزا حسين النووي الطيرسي ١٠/ ٢٧٤، انظر: الرافضة وتفضيل زيارة قبر الحسين على حج بيت الله الحرام، لعبد المنعم السامرائي ص١٠٨.\n٤ انظر ص: ٤٤٢- ٤٤٣.","vol":"1","page":451},{"text":"الأوقاف، والصدقات.\nيقول الإمام الشوكاني: \"تكاثرت الأوقاف على القبر وبلغت مبلغًا عظيمًا؛ حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافه، ما يقتاته أهل قرية كبيرة من قرى المسلمين، ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة أغنى الله بها طائفة عظيمة من الفقراء، وكلها من النذر في معصية الله\"١.\n_________\n١ انظر: شفاء الصدور في تحريم رفع القبور، ضمن مجموع الرسائل المنيرية ١/ ٧٣.","vol":"1","page":452},{"text":"وأما<span data-type=\"title\" id=toc-120> الصنف الثالث \"وهم الذين قصروا وفرطوا في هذا الباب</span>\": فمنهم\nكل من أنكر أو نفى شيئًا مما ثبت لهم، كقول المعتزلة والجهمية بنفي كرامات الأولياء، بحجة أنه لو جاز ظهور الخوارق على أيديهم لالتبس النبي بغيره؛ إذ الفرق بين النبي وغيره وهو المعجزة التيهي الخارق للعادة.\nقال ابن ابي العز في الجواب عن شبهتهم هذه: \"وهذه الدعوى إنما تصح إذ كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن وليًا؛ بل كان متنبيًا كذابًا\"١.\nوأعلم أن أهل التصوف، قد فرطوا في حق الصالحين أيضًا من وجوه.\nالوجه الأول: أنهم جعلوا من ليس بصالح صالحًا، ومن ليس بولي وليًا؛ فقصروا في حق الأولياء، الأتقياء المتبعين للشرع، وافرطوا في حق من زعمهم أولياء ممن هو تارك للصلوات مرتكب للمحرمات.\nالوجه الثاني: على فرض أن من غلو فيه كان صالحًا تقيًا؛ فإنهم في الواقع يعدون مفرطين مقصرين؛ إذ لم يقتدوا به في صلاحه وتقواه والسير على\n_________\n١ انظر: شرح الطحاوية ٥٦٣.","vol":"1","page":452},{"text":"نهجه، وقالوا فيه ما لم يأمر به ولم يرضه؛ فإن الصالحين المتبعين لا يقرون الغلاة فيهم على ما يظهرون فيهم من الغلو والإطراء.\nالوجه الثالث: أنهم لو اتبعوا الصالحين على ما كانوا عليه من الهدى، وما دعوا إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ولحصل لهم الهداية والنجاة ولحصل لأولئك الصالحين الذين كانوا سببًا في هدايتهم الأجر والثواب؛\nفلما خالفوهم، ولم يهتدوا، انقطع ثواب الصالحين الذي كان يحصل بتوحيد هؤلاء وطاعتهم١.\nوهكذا يكون هؤلاء قد جمعوا بين الغلو والتقصير، نعوذ فالله من الخذلان وسوء المصير.\n_________\n١ انظر: ابن تيمية، الاستغاثة ٣٠٧.","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>خاتمة:</span>\nالحمد لله الذي بنعمته وتوفيقه تتم الصالحات ... وبعد:\nفي ختام عملي في هذه الرسالة، أود أن أذكر بأهم ما عالجته من مسائل ومباحث، وما خلصت إليه فيها من نتائج، ونظرًا لسعة موضوع الرسالة وتعدد مباحثها؛ فإني سأكتفي بعرض ذلك باقتضاب على النحو التالي:\n- تبين لي في \"معنى السنة\": أن المراد بها في إطلاق السلف: موافقة الكتاب والسنة، وخاصة في مسائل الاعتقاد، ولذلك سموا مصنفاتهم في العقيدة باسم \"السنة\".\n- كما تبين لي أن مصطلح \"أهل السنة\" مصطلح قديم معروف عند السلف ابتداء من عصر الصحابة رضوان الله عليهم، كما ورد استعمال ذلك في كلام ابن عباس، وفي ذلك رد على من ادعى أن ذلك أول ما أطلق على الأشاعرة.\n- كما تبين لي أن دعوى الأشاعرة أنهم هم أهل سنة دعوى عريضة فيها نظر؛ لأن اعتمادهم على العقل في أمور الاعتقاد وتقدميه على النقل ووردهم لكثير من نصوص السنة بمقتضاه يقعد بهم عن ذلك.\n- أن الطريق لمعرفة السنة والقول بها، هو النقل، والإتباع لا غير، وأنها","vol":"1","page":455},{"text":"لا تدرك بالعقول.\n- كما أثبت في هذه الرسالة أن أهل السنة هم أهل الجماعة، وهم الفرقة الناجية، وهم الطائفة المنصورة دون غيرهم من سائر الفرق.\n- كما بينت جواز إطلاق السلف والسلفية على أهل السنة، وصحة التلقب بذلك، وتهافت كلام من عد ذلك من البدع.\n- بينت حقد أهل البدع على أهل السنة، ونبزهم بالألقاب الشنيعة، وذكرت نصوصهم في ذلك في كتبهم ومصنفاتهم وما نقله الثقات من أقوالهم وبينت أن أهل السنة لا يلحقهم شيء من تلك الألقاب.\n- كما أثبت أن هذه الأمة المحمدية هي الأمة الوسط بين الأمم، وأن في إثبات وسطيتها إثباتًا لوسطية أهل السنة.\n- أثبت في هذه الرسالة أن الأمة المحمدية أعدل الأمم بشهادة الله لها بذلك، وشهادة أعدائها أيضًا.\n- كما أثبت مبلغ جور أمتي اليهود والنصارى، وظلمهم وبعدهم عن العدل فيما بينهم وفيما بينهم وبين الأمم الأخرى.\n- وأثبت أن هذه الأمة المحمدية هي خير الأمم وأوضحت ذلك من أوجه متعددة.\n- كما بينت مبلغ توسط هذه الأمة واعتدال أقوالها بين طرفي الإفراط والتفريط.\n- أثبت أن كلًا من اليهود والنصارى لديهم إفراط وتفريط، وغلو وجفاء ويظهر ذلك في باب توحيد الله، وباب أنبياء الله ورسله وغير ذلك من الأبواب، ودللت على ذلك من كتبهم المقدسة عندهم.\n- كما أثبت أن أهل السنة أوسط فرق هذه الأمة، وأنهم بين هذه الفرق","vol":"1","page":456},{"text":"كهذة الأمة بين الأمم في الاعتدال والتوسط والفضل.\n- فأثبت وسطيتهم في باب الأسماء والصفات واعتدال قولهم واعتقادهم في ذلك بين طرفي الإفراط والتفريط وهم المعطلة والمشبهة.\n- وبينت وسطيتهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد بين المرجئة والوعيدية من الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم.\n- وأثبت أنهم أهل توسط واعتدال في باب الإيمان بالفضاء والقدر، بين: الجبرية الذين يسلبون العبد اختياره ومسئوليته عن أفعاله، وبين القدرية الذين يجوزون أن يقع في ملك الله ما لا يريده ويقدره.\n- وبينت وسطيتهم واعتدالهم في باب أصحاب رسول الله ﷺ وسلامة أقوالهم من الوقيعة فيهم أو الإزراء بهم.\n- أثبت مبلغ جفاء الرافضة والخوارج لأصحاب رسول الله ﷺ وسوء اعتقادهم وأقوالهم فيهم.\n- بينت مذهب أئمة المعتزلة في هذا الباب، وسوء قولهم واعتقادهم في طوائف من الصحابة.\n- كما بينت وسطية قول أهل السنة وحسن اعتقادهم في باب تعظيم رسول الله ﷺ والصالحين من أمته، وأنهم وسط في ذلك بين غلو وتفريط وتقصير أهل البدع من المتصوفة ومن شاكلهم.\nهذه أهم المباحث التي عرضت لها في هذه الرسالة، والنتائج التي انتهيت إليها فيها؛ فإن وفقت وأصبت فبفضل الله وتوفيقه، وإن أخطأت وزللت فمن نفسي، وأستغفر الله لذنبي، وحسبي أني اجتهدت في ذلك. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الفهارس:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>فهرس المصادر والمراجع:</span>\n\"أ\":\n١- \"أبو نعيم، حياته وكتابه الحلية\": محمد لطفي الصباغ، الطبعة الثانية، نشر دار الاعتصام، ١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨ م.\n٢- \"إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين\": محمد الحسيني الزبيدي، نشر دار الفكر.\n٣- \"الإحكام في أصول الأحكام\": علي بن محمد الآمدي، بتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، ١٤٠٢ هـ.\n٤- \"أخبار عمرو بن عبيد\": أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، مخطوط بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم \"٤٨٨\".\n٥- \"آراء الخوارج الكلامية\": د. عمار طالبي، نشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر، ١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨ م.\n٦- \"الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد\": الجويني- بتحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد طبعة مطبعة السعادة، نشر مكتبة الخانجي، ١٣٦٩ هـ/ ١٩٥٠ م.\n٧- \"أركان الإيمان\": وهبي سليمان غاوجي الألباني، الطبعة الأولى، نشر مؤسسة الرسالة، ١٣٩٧ هـ / ١٩٧٧ م.","vol":"1","page":461},{"text":"٨- \"أسباب ظهور الفرق الإسلامية\": عبد الله الغنيمان. مقال منشور في مجلة كلية أصول الدين، عدد ١٣٩٩ هـ/ ١٤٠٠ هـ.\n٩- \"الاستقامة\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم. تحقيق د. محمد رشاد سالم. الطبعة الأولى. نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٣ م.\n١٠- \"الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام\": د. علي عبد الواحد وافي، نشر دار نهضة مصر للطبع والنشر - القاهرة، ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٢ م.\n١١- \"الأسماء والصفات\": البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين، الطبعة الأولى، نشر دار الكتب العلمية -بيروت، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٤ م.\n١٢- \"إسلام بلا مذاهب\": د. مصطفى الشكعة، طبعة شركة ومطبعة مصطفى الحلبي، بمصر، ١٣٩٦ هـ/ ١٩٧٦ م.\n١٣- \"الإصابة في تمييز الصحابة\": ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني، نشر دار الفكر - بيروت، ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م.\n١٤- \"أصل الشيعة وأصولها\": د. محمد الحسين آل كاشف الغطاء، الطبعة العاشرة طبعة مكتبة العرفان- بيروت.\n١٥- \"أصول الدين\": البغدادي: عبد القاهر بن طاهر التميمي، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، نشر دار الكتب العلمية -بيروت- مصور عن طبعة إستانبول، ١٣٤٦ هـ/ ١٩٢٨ م.\n١٦- \"أصول الرخي\": أبو بكرمحمد بن أحمد بن أبي سهل السرخي، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، طبعة مطابع دار الكتاب العربي، نشر لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن بالهند، ١٣٧٢ هـ.\n١٧- \"أصول السنة\": الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين، بتحقيق محمد إبراهيم هارون على الآلة الكاتبة، رسالة ماجستير، ١٤٠٣ هـ/ ١٤٠٤ هـ.\n١٨- \"أضواء البيان\": الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مطبعة المدني، ١٣٨٦ هـ/ ١٩٦٧ م.","vol":"1","page":462},{"text":"١٩- \"الاعتصام\": الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد، بتعريف السيد محمد رشيد رضا، نشر دار المعرفة -بيروت، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م.\n٢٠- \"اعتقادات فرق المسملين والمشركين\": الرازي: محمد بن عمر بن الحسين. بمراجعة وتحرير على سامي النشار، نشر دار الكتب العلمية -بيروت، ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م.\n٢١- \"الأعلام\": للزركلي: خير الدين، الطبعة الثالثة.\n٢٢- \"أعلام الموقعين عن رب العالمين\": ابن القيم: محمد بن أبي بكر، بتحقيق عبد الرحمن الوكيل، نشر دار الكتب الحديثة، ١٣٨٩ هـ/ ١٩٦٩ م.\n٢٣- \"إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان\": ابن القيم: محمد بن أبي بكر، بتحقيق محمد سيد كيلاني، نشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر، ١٣٨١ هـ/ ١٩٦١م.\n٢٤- \"الاقتصاد في الاعتقاد\": الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد، الطبعة الأولى، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n٢٥- \"اقتضاء الصراط المستقيم\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٢٦- \"إلجام العوام عن علم الكلام\": الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد، بتحقيق محمد المعتصم بالله بالغدادي، الطبعة الأولى، نشر دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٥ م.\n٢٧- \"أم البراهين\": السنوسي: محمد بن يوسف، ضمن مجموع مهمات المتون، الطبعة الرابعة، نشر مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي ١٣٦٩ هـ/ ١٩٤٩ م.\n٢٨- \"الإمام ابن تيمية وقضية التأويل\": د. محمد السيد الجليند، الطبعة الثالثة، نشر شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.\n٢٩- \"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، الطبعة الأولى، نشر دار الكتاب الجديد -بيروت ١٣٩٦ هـ.","vol":"1","page":463},{"text":"/ ١٩٧٦ م.\n٣٠- \"الانتصار لأهل الحديث\": السمعاني: أبو المظفر منصور بن أحمد، تعليق على سامي النشار ضمن كتاب صون المنطق والكلام للسيوطي، نشر مكتبة الباز - مكة.\n٣١- \"الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد\": الخياط: أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد، بتحقيق د. البير نصري نادر، نشر المطبعة الكاثوليكية - بيروت ١٩٥٧ م.\n٣٢- \"الأنساب\": السمعاني: أبو سعد عبد الكريم بن محمد، الطبعة الأولى، نشر دار الجنان، بيروت ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨.\n٣٣- \"الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به\": الباقلاني: أبو بكر بن الطيب، تحقيق محمد زاهد الكوثري الطبعة الثانية، نشر مؤسسة الخانجي ١٣٨٢هـ/ ١٩٦٣م.\n٣٤- \"أنيس الفقهاء\": قاسم القونوي، بتحقيق د. أحمد عبد الرزاق الكيسي، الطبعة الأولى، نشر دار الوفاء - جدة ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.\n٣٥- \"الإيمان\": أبو عبيد القاسم بن سلام، بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ضمن كتاب \"من كنوز السنة رسائل أربع\"، نشر المطبعة العمومية - دمشق.\n٣٦-\"الإيمان بين السلف والمتكلمين\": أحمد بن عطية الغامدي، رسائل ماجستير مطبوع على الآلة الكاتبة ١٣٩٧هـ.\n\"ب\":\n٣٧- \"الباعث على إنكار البدع والحوادث\": أبو شامة: شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل، الطبعة الثانية مطبعة لنهضة الحديثة - مكة ١٤٠١هـ.\n٣٨- \"البداية والنهاية\": ابن كثير: أبو الفداء الحافظ ابن كثير، تحقيق د. أحمد أبو ملح ورفاقه، الطبعة الأولى، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n٣٩- \"البدء والتاريخ\": المقدسي: مطهر بن طاهر، نشر مؤسسة الخانجي - مصر.\n٤٠- \"البدع والنهي عنها\": ابن وضاح: محمد بن وضاح، تحقيق محمد أحمد دهمان، الطبعة الثانية، نشر دار البصائر ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.","vol":"1","page":464},{"text":"٤١- \"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان\": السكسكي: أبو الفضل عباس بن منصور، تحقيق د. بسام علي سلامة العموش، الطبعة الأولى، نشر مكتبة المنار- الأردن ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.\n٤٢- \"البريلوية عقائد وتاريخ\": إحسان إلهي ظهير، الطبعة الثانية، نشر إدارة ترجمان السنة- لاهور ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م.\n٤٣- \"البيان لأخطاء بعض الكتاب\": د. صالح بن فوزان الفوزان، ط. الأولى ١٤١١ هـ، نشر دار ابن الجوزي.\n٤٤- \"بيان تلبيس الجهمية\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تصحيح وتعليق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ط. الأولى، نشر مطبعة الحكومة - مكة المكرمة.\n٤٥- \"بيان المحبة في الرد على اللجة\": عبد الرحمن بن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ضمن مجموع الرسائل والمسائل النجدية، ط: \"الثانية، نشر مكتبة الشافعي - الرياض ١٤٠٨ هـ.\n٤٦- \"بين المسيحية والإسلام\": أبو عبد الله الخزرجي، بتحقيق وتعليق د. محمد شامة، ط. مطبعة المدني -القاهرةِ، نشر مكتبة وهبة.\n\"ت\":\n٤٧- \"تاريخ الأمم والملوك\": الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، دار سويدان - بيروت.\n٤٨- \"تاريخ بغداد\": الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، بتصحيح السيد محمد سيد العرفي، نشر دار الكتاب العربي - بيروت.\n٤٩- \"تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم\": محمد عزه دروزة، نشر المكتبة العصرية - بيروت ١٣٨٩ هـ/ ١٩٦٩ م.\n٥٠- \"تاريخ التراث العربي\": فؤاد سزكين، نقله إلى العربية د. محمود فهمي حجازي ود. فهمي أبو الفضل، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٧.\n٥١- \"تاريخ الجهمية والمعتزلة: \"جمال الدين القاسمي الدمشقي، الطبعة الثانية، نشر","vol":"1","page":465},{"text":"مؤسسة الرسالة -بيروت ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م.\n٥٢- \"تاريخ الحروب الصليبة\": ستيفن - رنسمان، ترجمة د. السيد الباز العريني، الطبعة الأولى، نشر دار الثقافة - بيروت ١٩٦٧.\n٥٣- \"تاريخ المذاهب الإسلامية\": محمد أبو زهرة، نشر دار الفكر العربي.\n٥٤- \"التبصير في الدين\": الإسفرايني: أبو المظفر طاهر بن محمد، تحقيق كمال يوسف الحوت، نشر عالم الكتب ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م.\n٥٥- \"تبيين كذب المفتري\": ابن عساكر: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، الطبعة الثانية، نشر دار الفكر ١٣٩٩ هـ.\n٥٦- \"تحرير المقالة من شرح الرسالة\": مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تحت رقم \"٦٠٤\".\n٥٧- \"تحرير الوسيلة\": الخميني، الطبعة الثالثة ١٣٩٧ هـ.\n٥٨- \"التحف في مذاهب السلف: الشوكاني: محمد بن علي بن محمد. طبعة مطبعة المدني، نشر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٥٩- \"تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد: البيجوري: إبراهيم بن محمد، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n٦٠- \"تدريب الراوي\": السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، تحقيق د. أحمد عمر هاشم. الطبعة الأولى، نشر دار الكتاب العربي ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n٦١- \"التدمرية\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تحقيق محمد بن عودة السعوي، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n٦٢- \"تذكرة الحفاظ\": الذهبي: أبو عبد الله شمس الدين، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٦٣- \"التسعينية\": ضمن المجلد الخامس من الفتاوى الكبرى، ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، طبعة كردستان العلمية، بالقاهرة ١٣٢٩هـ.","vol":"1","page":466},{"text":"٦٤- \"التصوف والمنشأ والمصادر\": إحسان إلهي ظهير، الطبعة الأولى. نشر إدارة ترجمان السنة -لاهور ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦.\n٦٥- \"التعريفات\" علي بن محمد الجرجاني، الطبعة الأولى، نشر دار الكب العلمية - بيروت ١٤٠٣هـ.\n٦٦- \"تفسير أبي السعود\" المسمى \"إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم\": أبو السعود: محمد بن محمد العمادي ت: ٩٥١، نشر دار المصحف - القاهرة.\n٦٧- \"تفسير القرآن العظيم\": ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن كثير، تحقيق عبد العزيز غنيم ومحمد أحمد عاشور ونحمد إبراهيم البنا، طبعة مطبعة الشعب - القاهرة.\n٦٨- \"التفسير الكبير\": الرازي: فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر، الطبعة الثالثة، نشر: دار إحاء التراث العربي - بيروت.\n٦٩- \"تفسير المنار\": محمد رشيد رضا، الطبعة الثانية، دار المعرفة - بيروت.\n٧٠- \"التفكير الفلسفي في الإسلام\": د. عبد الحليم محمود، الطبعة الثالثة، نشر مكتبة الأنجلو المصرية ١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٨ م.\n٧١- \"تقريب التهذيب\": ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، نشر مكتبة محمد سلطان النمنكاني، المدينة المنورة.\n٧٢- \"التلمود تاريخه وتعاليمه\": ظفر الإسلام خان، الطبعة الثانية، نشر دار النفائس ١٩٧٢ م.\n٧٣- \"التمهيد\": الباقلاني: محمد بن الطيب بن الباقلاني، صححه الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي، نشر المكتبة الشرقية - بيروت ١٩٥٧ م.\n٧٤- \"التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع\": الملطي: أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، بتعليق محمد زاهد الكوثري ١٣٨٨ هـ/ ١٩٦٨ م.\n٧٥- \"التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية\": الرشيد: عبد العزيز الناصر، طبعة: دار الأصفهاني بجدة، نشر دار الرشيد للنشر والتوزيع.\n٧٦- \"التنبيهات اللطيفة\": الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي.","vol":"1","page":467},{"text":"٧٧- \"تنبيهات هامة على ما كتبه محمد بن علي الصابوني\": في صفات الله ﷿، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الطبعة الأولى، نشر الدار السلفية، الكويت ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.\n٧٨- \"تهذيب الآثار\": الطبري: محمد بن جرير، تحقيق د. ناصر سعد الرشيد وعبد القيوم عبد رب النبي، طبعة مطابع الصفا - مكة ١٤٠٢ هـ.\n٧٩- \"تهذيب الأسماء واللغات\": أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي، نشر دار الكتب العلمية - بيروت.\n٨٠- \"تهذيب التهذيب\": ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني، الطبعة الأولى، طبعة مصورة عن طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند ١٣٢٥ هـ، نشر دار صادر.\n٨١- \"تهذيب سنن أبي داود\": ابن القيم: محمد بن أبي بكر، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد فقي، نشر دار المعرفة - بيروت ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.\n٨٢- \"التوراة تاريخها وغايتها\": ترجمة وتعليق سهيل ديب، الطبعة الثانية، نشر دار النفائس- بيروت ١٣٩٧هـ ١٩٧٧هـ.\n٨٣- \"التوسل أنواعه وأحكامه\": ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية ١٣٩٧هـ.\n٨٤- \"التيجانية\" علي بن محمد الدخيل الله. طبعة دار مصر للطباعة، نشر دار طيبة - الرياض.\n٨٥- \"تيسير العزيز الحميد\": سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، الطبعة السادسة، نشر المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n\"ث\":\n٨٦- \"الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني\": جمع وتحقيق الشيخ صالح عبد السميع الأزهري، نشر دار الكتب العلمية - بيروت.\n\"ج\":\n٨٧- \"جامع بيان العلم وفضله\": ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد البر، الطبعة الثانية، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م.","vol":"1","page":468},{"text":"٨٨- \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\" الطبري: محمد بن جرير، تحقيق وتعليق محمد محمود شاكر، نشر دار المعارف بمصر.\n٨٩- \"جامع العلوم والحكم\": ابن رجب الحنبلي: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين نشر دار المعارف - بيروت.\n٩٠- \"الجامع لأحكام القرآن\": القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الطبعة الأولى، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.\n٩١- \"الجامع لشعب الإيمان\": البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين، الطبعة الأولى، نشر الدار السلفية -بومباي- الهند ١٤٠٨ هـ.\n٩٢- \"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، نشر مطابع المجد التجارية.\n\"ح\":\n٩٣- \"حاشية العدوى على شرح الحسن لرسالة ابن أبي زيد\": للشيخ على الصعيدي العدوي، ط. دار إحياء الكتب.\n٩٤- \"الحديث والمحدثون\": محمد محمد أبو زهو، نشر دار الكتاب العربي ١٤٠٤هـ.\n٩٥- \"حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، نشر دار الكتب العلمية - بيروت.\n\"خ\":\n٩٦- \"الخطط المقريزية\": المقريزي: تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي، نشر دار صادر - بيروت.\n٩٧- \"خلق أفعال العباد\": البخاري: محمد بن إسماعيل، الطبعة الأولى، نشر مؤسسة الرسالة ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n\"د\":\n٩٨- \"الدر المنثور في التفسير بالمأثور\": السيوطي: عبد الرحمن جلال الدين، الطبعة","vol":"1","page":469},{"text":"الأولى، نشر دار الفكر ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n٩٩- \"درء تعارض العقل والنقل\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تحقيق د. محمد رشاد سالم الطبعة الأولى، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n١٠٠- \"الدعوة إلى الإسلام\": سيرتوماس، ترجمة الأستاذ حسن إبراهيم حسن وزملائه، الطبعة الثانية، نشر مكتبة النهضة ١٩٥٧م.\n١٠١- \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\": الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، نشر مطبعة المدني بمصر ١٣٨٦هـ.\n١٠٢- \"دلائل النبوة\": البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين، تخريج وتعليق د. عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n١٠٣- \"الديباج المذهب\": ابن فرحون أبو إسحاق إبراهيم بن علي، تحقيق د. محمد الأحمدي أبو النور، نشر دار التراث - القاهرة.\n\"ر\":\n١٠٤- \"الرد على الجهمية\": عثمان بن سعيد الدارمي، تحقيق بدر البدر، الطبعة الأولى، نشر الدار السلفية ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n١٠٥- \"الرد على الجهمية والزنادقة\": الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، تحقيق عبد الرحمن عميرة، نشر دار اللواء- الرياض ١٣٩٧هـ/ ١٩٧٧م.\n١٠٦- \"الرد على من أنكر الحرف والصوت\": عيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي، تحقيق محمد باكريم، الطبعة الأولى، نشر مركز البحث وإحياء التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية ١٤١٣.\n١٠٧- \"الرد على المنطقيين\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، الطبعة الثانية، نشر إدارة ترجمان السنة - لاهور ١٣٩٦هـ/ ١٩٧٦م.\n١٠٨- \"الرسالة\": ابن أبي زيد القيرواني، مع شرحها الثمر الداني، نشر دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"1","page":470},{"text":"١٠٩- \"الرسائل- رسالة في التقية\": الخميني، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر ١٣٨٥هـ.\n١١٠- \"الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم\": أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوزير، طبعة دار المعرفة - بيروت ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n\"ز\":\n١١١- \"زاد المسير في علم التفسير\": ابن الجوزي: أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي، تحقيق محمد بن عبد الرحمن عبد الله، الطبعة الأولى، نشر دار الفكر - بيروت ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.\n\"س\":\n١١٢- \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\": محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩.\n١١٣- \"السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي\": د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر -دمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.\n١١٤- \"سنن ابن ماجه\": الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ٢١٣٩٥هـ/ ١٩٧٥م.\n١١٥- \"سن أبي داود\" أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق عزت عبيد الدعاس الطبعة الأولى، نشر وتوزيع محمد علي السيد -حمص ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٩م.\n١١٦- \"سنن الترمذي\" \"جامع الترمذي\": أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي.\n١١٧- \"السنن الكبرى\": البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين، دار الفكر.\n١١٨- \"السنة\": الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ضمن مجموع مع كتاب الرد على الجهمية، مطبعة عيسى البابي الحلبي - مصر.\n١١٩- \"السنة\": أبو بكر عمرو بن أبي عاصم، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني المكتب","vol":"1","page":471},{"text":"الإسلامي، الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n١٢٠- \"السنة\": أحمد بن محمد بن هارون بن الخلال، تحقيق عطية بن عتيق الزهراني، رسالة دكتوراة، مطبوع على الآلة الكاتبة ١٤٠٦هـ.\n١٢١- \"السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي\": د. مصطفى السباعي، الطبعة الثالثة، نشر المكتب الإسلامي ١٣٩٦هـ.\n١٢٢- \"سير أعلام النبلاء\": الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمدبن عثمان، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية، نشر مؤسسة الرسالة ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.\n١٢٣- \"سيرة النبي ﷺ: ابن هشام أبو محمد عبد الملك بن هشام، تحقيق مصطفى السقا وزملائه، الطبعة الثانية ١٣٧٥ هـ.\n١٢٤- \"السيف الصقيل في الرد على ابن زوفيل\": علي بن عبد الكافي السبكي، الطبعة الأولى، نشر مطبعة السعادة - مصر ١٣٥٦هـ/ ١٩٣٧م.\n\"ش\":\n١٢٥- \"الشامل في أصول الدين\": الجويني أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله إمام الحرمين، تحقيق د. علي سامي النشار وفيصل بدير عون وسهير محمد مختار، نشر: منشأة المعارف بالإسكندرية ١٩٦٩م.\n١٢٦- \"شذارات الذهب في أخبار من ذهب\": أبو الفرح عبد الحي بن العماد الحنبلي، نشر دار الآفاق الجديدة - بيروت.\n١٢٧- \"الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة\": عبيد الله بن بطة العكبري. تحقيق د. رضا بن نعسان معطي، نشر المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n١٢٨- \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\": اللالكائي: أبو القاسم هبة الله بن الحسين، تحقيق د. أحمد سعد حمدان، نشر دار طيبة - الرياض.\n١٢٩- \"شرح الأصول الخمسة\": عبد الجبار بن أحمد، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، الطبعة الأولى. نشر مكتبة وهبة. القاهرة ١٣٨٤هـ/ ١٩٦٥م.","vol":"1","page":472},{"text":"١٣٠- \"شرح السنة\": الإمام البغوي: أبو محمد الحسين بن سعود. تحقيق شعيب الأرناؤوط، وزهير الشاويش، نشر المكتب الإسلامي.\n١٣١- \"شرح صحيح مسلم\": الإمام النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراب العربي - بيروت ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n١٣٢- \"شرح الصدور في تحريم رفع القبور\": الشوكاني: محمد بن علي، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، مصورة عن الطبعة الأولى ١٣٤٣ هـ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n١٣٣- \"شرح العقيدة الأصفهانية\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تقديم حسنين محمد مخلوف، نشر دار الكتب الحديثة -مصر.\n١٣٤- \"شرح العقيدة الطحاوية\": ابن أبي العز علي بن محمد، تخريج محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الخامسة، نشر المكتب الإسلامي ١٣٩٩هـ.\n١٣٥- \"شرح القصيدة النونية\": ابن القيم، شرح وتحقيق د. محمد خليل هراس ط. الفاروق الحديثة - مصر.\n١٣٦- \"شرح الكوكب المنير\": ابن النجار: محمد بن أحمد. تحقيق د. محمد الزحيلي، ود. نزيه حماد، طبع: دار الفكر -دمشق، نشر جامعة الملك عبد العزيز ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.\n١٣٧- \"شرف أصحاب الحديث\": الخطيب البغدادي، تحقيق د. محمد سعيد خطيب أوغلي، نشر دار إحياء السنة النبوية.\n١٣٨- \"الشريعة\": الآجري: أبو بكر محمد بن الحسين، تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى، نشر دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n١٣٩- \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\": القاضي عياض اليحصبي، نشر دار الفكر - بيروت.\n١٤٠- \"شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل\": ابن القيم، نشر دار المعرفة - بيروت ١٣٩٨هـ / ١٩٧٨م.","vol":"1","page":473},{"text":"\"ص\":\n١٤١- \"الصحاح\": الجوهري: إسماعيل بن حماد، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ.\n١٤٢- \"صحيح البخاري\": البخاري: محمد بن إسماعيل، مع الفتح، نشر المطبعة السلفية ١٣٩٨٠هـ.\n١٤٣- \"صحيح سنن الترمذي\": الألباني: محمد ناصر الدين، الطبعة الأولى، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.\n١٤٤- \"صحيح سنن ابن ماجه\": الألباني: محمد ناصر الدين، الطبعة الثالثة، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.\n١٤٥- \"صحيح مسلم\": أبو الحسين: مسلم بن الحجاج، بترتيب محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث العربي -بيروت.\n١٤٦- \"صريح السنة\": الطبري: محمد بن جرير، تحقيق بدر بن يوسف المعتوق، الطبعة الأولى، نشر دار الخلفاء ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n١٤٧- \"الصفدية\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تحقيق د. محمد رشاد سالم الطبعة الثالثة ١٤٠٦هـ.\n١٤٨- \"صون المنطق والكلام\": السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، نشر مكتبة الباز - مكة.\n\"ض\"\n١٤٩- \"ضعيف الجامع الصغير وزياداته\": الألباني: محمد ناصر الدين، نشر المكتب الإسلامي ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n\"ط\":\n١٥٠- \"طبقات الحنابلة\": أبو الحسين محمد بن أبي يعلى، نشر دار المعرفة - بيروت.\n١٥١- \"طبقات الشافعية\": \"الحسيني: أبو بكر بن هداية الله، تحقيق عادل نويهض،","vol":"1","page":474},{"text":"الطبعة الثالثة، نشر دار الآفاق الجديدة ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.\n١٥٢- \"طبقات الشافعية الكبرى\": السبكي: عبد الوهاب بن علي، تحقيق محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو، ط. الأولى ١٣٨٣هـ/ ١٩٦٤م.\n١٥٣- \"طبقات الفقهاء من الشافعية\": أبو الفداء إسماعيل بن كثير، مخطوط بمكتبة الشيخ حماد الأنصاري.\n١٥٤- \"الطبقات الكبرى\": ابن سعد: محمد، نشر دار صادر - بيروت ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n\"ظ\":\n١٥٥- \"ظهر الإسلام\": أحمد أمين، الطبعة الخامسة، نشر دار الكتاب العربي.\n\"ع\":\n١٥٦- \"عشرون حديثًا من صحيح البخاري\": العباد: عبد المحسن بن حمد، الطبعة الأولى، نشر الطبعة السلفية ١٣٩٠هـ\n١٥٧- \"عشرون حديثًا من صحيح مسلم\": العباد: عبد المحسن بن حمد، الطبعة الأولى - القاهرة ١٣٩١هـ.\n١٥٨- \"عقيدة أهل السنة والجماعة \"الطحاوية\": الطحاوي، تعليق ابن مانع، نشر مكتبة دار المطبوعات.\n١٥٩- \"عقيدة التوحيد في فتح الباري\": أحمد عصام الكاتب، الطبعة الأولى، نشر دار الآفاق الجديدة - بيروت ١٤٠٣هـ.\n١٦٠- \"عقيدة السلف أصحاب الحديث\": الصابوي: أبو إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل، تحقيق بدر البدر، الطبعة الأولى، نشر الدار السلفية ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n١٦١- \"العقيدة الطحاوية\": تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز، ط. مكتبة الصديق.\n١٦٢- \"العقيدة النظامية\": الجويني: أبو المعالي، تحقيق د. أحمد حجازي السقا،","vol":"1","page":475},{"text":"الطبعة الأولى، نشر مكتبة الكليات الأزهرية -القاهرة ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.\n١٦٣- \"العقيدة الواسطية: صالح الفوزان، الطبعة الرابعة، نشر مكتبة المعارف- الرياض ١٤٠٧هـ.\n١٦٤- \"العقيدة الواسطية\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، بشرح الهراس، الطبعة الثالثة.\n١٦٥- \"علماء نجد\" البسام: عبد الله بن عبد الرحمن، الطبعة الأولى، نشر مكتبة ومطبعة النهضة بمكة ١٣٩٨هـ.\n١٦٦- \"العلو للعلي الغفار\": الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد، تقديم وتصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.\n١٦٧- \"عمدة التفسير\": أبو الفداء: إسماعيل بن كثير، اختصار وتحقيق أحمد محمد شاكر، نشر دار المعارف بمصر ١٩٥٦م.\n١٦٨- \"عمل اليوم والليلة\": النسائي: إسماعيل بن كثير، اختصار وتحقيق أحمد محمد شاكر نشر: دار المعارف بمصر ١٩٥٦م.\n١٦٩- \"العين والأثر في عقائد أهل الأثر\": المواهبي: عبد الباقي الحنبلي، تحقيق وتعليق عصام رواس قلعجي نشر دار المأمون للتراث الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ ١٩٨٧م.\n\"غ\":\n١٧٠- \"غاية المرام في علم الكلام\": الآمدي: سيف الدين، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، طبعة القاهرة، نشر لجنة إحياء التراث الإسلامي ١٣٩١هـ.\n١٧١- \"غريب الحديث\": الهروي: أبو عبيد القاسم بن سلام، الطبعة الأولى، طبعة مصورة عن طبعة دار المعارف العثمانية حيدر أباد، نشر دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٩٦هـ.\n١٧٢- \"الغنية لطالبي طريق الحق\": الجيلاني: عبد القادر، الطبعة الثالثة. نشر شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي - مصر ١٣٧٥هـ/ ١٩٥٦م.","vol":"1","page":476},{"text":"\"ف\":\n١٧٣- \"الفائق في غريب الحديث\": الزمخشري: جار الله محمود بن عمر، تحقيق علي البجاوي ومحمد أبي الفضل إبراهيم، الطبعة الثالثة، نشر دار الفكر ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n١٧٤- \"الفتاوى\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، طبعة المكتب التعليمي السعودي بالمغرب، نشر مكتبة المعارف بالرياض.\n١٧٥- \"فتاوى ابن الصلاح\": ابن الصلاح: تقي الدين أبو عمرو عثمان، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، نشر دار المعرفة - بيروت ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.\n١٧٦- \"الفتاوى الكبرى\": ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم طبعة كردستان العلمية ١٣٢٩هـ.\n١٧٧- \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\": ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني، بتحقيق وتصحيح الشيخ عبد العزيز بن باز، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، نشر المطبعة السلفية ومكتبتها بالقاهرة ١٣٨٠هـ.\n١٧٨- \"فتح رب البرية بتلخيص الحموية\": ضمن مجموع رسائل في العقيدة، ابن عثيمين: محمد بن صالح، الطبعة الأولى، نشر دار طيبة- الرياض ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٣م.\n١٧٩- \"فتح القدير\": محمد بن علي الشوكاني، الطبعة الثانية، نشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي ١٣٨٣هـ/ ١٩٦٤م.\n١٨٠- \"الفتح المبين بالرد على نقد عبد الله الغماري لكتاب الأربعين\": د. علي بن محمد بن ناصر فقيهي، الطبعة الأولى، مطابع الرشيد ١٤٠٨هـ.\n١٨١- \"فتح المجيد\": عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، طبعة مطبعة المشهد الحسني - القاهرة ١٣٨٦هـ.","vol":"1","page":477},{"text":"١٨٢- \"فتوح البلدان\": البلاذري: أبو الحسن، تعليق ومراجعة رضوان محمد رضوان، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n١٨٣- \"فتوح مصر والمغرب\": ابن عبد الحكم، تحقيق عبد المنعم عامر، نشر لجنة البيان العربي بمصر.\n١٨٤- \"الفتوى الحموية الكبرى\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم. طبعة مطبعة المدني، نشر مؤسسة عبد الفتاح المدني - جدة ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n١٨٥- \"الفرق بين الفرق\": البغدادي: عبد القاهر بن طاهر بن محمد، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر دار المعرفة - بيروت.\n١٨٦- \"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، الطبعة الخامسة، نشر المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠١هـ.\n١٨٧- \"فرق الشيعة\": النوبختي: أبو محمد الحسين بن موسى، تصحيح هـ. ريتر. طبعة الدولة، إستانبول ١٩٣١م.\n١٨٨- \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\": ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد، الطبعة الثانية، نشر دار المعرفة - بيروت ١٣٩٥هـ/ ١٩٧٥م.\n١٨٩- \"فضائل القرآن\": ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن كثير، طبعة مكتب مشرف لطباعة الأوفست طنطا، نشر مكتبة الصحابة.\n١٩٠- \"فضح التلمود\": آي. بي. برانايتس. إعداد زهدي الفاتح، الطبعة الأولى ١٣٩٤هـ / ١٩٧٤م.\n١٩١- \"فضل علم السلف على علم الخلف\": ابن رجب الحنبلي. تحقيق يحيى مختار غزاوي، الطبعة الأولى، نشر دار البشائر الإسلامية ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n١٩٢- \"الفقيه والمتفقه\": الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي، تصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري، نشر مكتبة أنس ١٤٠١هـ.\n١٩٣- \"الفهرست للنديم\": أبو الفرج: محمد بن أبي يعقوب، تحقيق رضا تجدد، طبعة طهران ١٣٥٠هـ ١٩٧١م.","vol":"1","page":478},{"text":"١٩٤- \"فوات الوفيات\": الكتبي: محمد بن شاكر، تحقيق د. إحسان عباس، نشر دار صادر -بيروت.\n١٩٥- \"في ظلال القرآن\": سيد قطب. الطبعة السابعة، نشر دار المعرفة - بيروت ١٣٩١هـ/ ١٩٧١م.\n١٩٦- وفي \"العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة\": د. محمود أحمد خفاجي، الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n١٩٧- \"في علم الكلام\": د. أحمد محمود صبحي، نشر مؤسسة الثقافة الجامعية - مصر- الإسكندرية ١٩٧٨م.\n\"ق\":\n١٩٨- \"القائد إلى تصحيح العقائد\": اليماني عبد الرحمن بن يحيى المعلمي تعليق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة نشر المكتب الإسلامي ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n١٩٩- \"قاموس القرآن\": نشر دار العلم للملايين ١٩٨٣م.\n٢٠٠- \"القاموس المحيط\": الفيروزآبادي: مجد الدين بن يعقوب، نشر دار الجبل - بيروت.\n٢٠١- \"قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام\": د. توفيق الطويل، ط. مطبعة دار نشر الثقافة - الإسكندرية، نشر دار الفكر ١٣٦٦هـ/ ١٩٤٧م.\n٢٠٢- \"قصة الحضارة\": وول ديورانت، ترجمة محمد بدران، الطبعة الثالثة، نشر لجنة التأليف والنشر ١٩٧٤م.\n٢٠٣- \"قطر الولي على حديث الولي\": الشوكاني: محمد بن علي، تحقيق د. إبراهيم إبراهيم هلال، نشر دار إحياء التراث العربي -بيروت.\n٢٠٤- \"قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر\": الصديق حسن خان، حقق وخرج أحاديثه د. عاصم بن عبد الله القريوني، نشر: شركة الشرق الأوسط للطباعة ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.","vol":"1","page":479},{"text":"٢٠٥- \"قواعد التحديث\" القاسمي: محمد جمال الدين، تحقيق محمد بهجة البيطار، طبعة عيسى الحلبي، نشر دار إحياء الكتب العربية.\n٢٠٦- \"قواعد العقائد: الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد، تحقيق مرسي محمد علي، الطبعة الثانية، نشر عالم الكتب -بيروت ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n\"ك\":\n٢٠٧- \"الكامل في التاريخ\": ابن الأثير، الطبعة السادسة، نشر دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.\n٢٠٨- \"كبرى اليقينيات الكونية\": البوطي: محمد سعيد رضمان، نشر دار الفكر - بيروت ١٤٠٥ مصورة عن طبعة ١٩٨٢م.\n٢٠٩- \"كتاب الإمامة والرد على الرافضة\": الأصبهاني: أبو نعيم، تحقيق د. علي ناصر فقيهي، الطبعة الأولى، نشر مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.\n٢١٠- \"كتاب الإيمان\": محمد بن يحيى العدني، تحقيق حمد بن حمدي الجابري، ط. الأولى ١٤٠٧هـ، نشر الدار السلفية.\n٢١١- \"كتاب التوحيد\": الماتريدي: أبو منصور، تحقيق فتح الله خليف، نشر المكتبة الإسلامية -تركيا.\n٢١٢- \"كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية\": الرازي: أبو حاتم أحمد بن حمدان، تحقيق عبد الله بن سلوم السامرائي، ملحق بكتاب الغلو والفرق الغالية للدكتور عبد الله سلوم السامرائي، نشر دار الحرية للطباعة - بغداد ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م.\n٢١٣- \"كتاب الكافي \"أصول الكافي\": الرازي: أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، صححه وقابله نجم الدين الأملي، قدم له وعلق عليه علي أكبر الغفاري، نشر المكتبة الإسلامية - طهران.\n٢١٤- \"الكتاب المقدس \"العهد الجديد\": الأناجيل.","vol":"1","page":480},{"text":"٢١٥- \"الكتاب المقدس العهد القديم\": طبعة جميعة التوراة الأمريكية.\n٢١٦- \"الكشاف\": الزمخشري: أبو القاسم جار الله محمود بن عمر، نشر دار المعرفة- بيروت.\n٢١٧- \"كشاف اصطلاحات الفنون\": الفاروقي: محمد علي، تحقيق لطفي عبد البديع، نشر المؤسسة المصرية للتاليف.\n٢١٨- \"كشف الأسرار\": الخميني: تقديم د. محمد علي الخطيب. الطبعة الأولى، نشر دار عمار للتوزيع عمان ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٧م.\n٢١٩- \"الكنز المرصود في قواعد التلمود\": ترجمة د. يوسف نصر الله، قدم له مصطفى أحمد الزرقا، ود. حسن ظاظا الطبعة الأولى، نشر دار القلم - دمشق ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٧م.\n\"ل\":\n٢٢٠- \"اللباب في تهذيب الأنساب\": الجزري: عز الدين ابن الأثير، نشر دار صادر - بيروت ١٤٠٠هـ ١٩٨٠م.\n٢٢١- \"لسان العرب\": ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، نشر دار صادر -بيروت.\n٢٢٢- \"لسان الميزان\": ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني، مطبعة دائرة المعارف النظامة حيدرآباد الدكن، تصوير مؤسسة الأعلمي للمطبوعات الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م.\n٢٢٣- \"لمع الأدلة\": الجويني: عبد الملك الجويني، تحقيق د. فوقية حسين محمود الطبعة الأولى، نشر المؤسسة المصرية العامة للتأليف - مصر ١٣٨٥هـ/ ١٩٦٥م.\n٢٢٤- \"لوامع الأنوار الإلهية\": السفاريني: محمد بن أحمد، مطبعة المدني.\n\"م\":\n٢٢٥- \"متشابه القرآن\": الهمذاني: عبد الجبار بن أحمد، تحقيق د. عدنان محمد زرزور، نشر دار إحياء التراث - القاهرة.","vol":"1","page":481},{"text":"٢٢٦- \"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد\": الهيثمي: نور الدين علي بن أبي بكر، الطبعة الثالثة، نشر دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.\n٢٢٧- \"مجمل اللغة\": ابن فارس: أحمد بن فارس، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان الطبعة الأولى، نشر مؤسسة الرسالة - بيروت ١٤٠٤هـ.\n٢٢٨- \"مجموعة الرسائل الكبرى\": ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، طبعة مطبعة محمد علي صبيح وأولاده ١٣٨٥هـ/ ٨ ١٩٩٦.\n٢٢٩- \"محاضرات في النصرانية\": أبو زهرة: محمد، طبعة مطبعة عقل، نشر دار الفكر العربي - القاهرة.\n٢٣٠- \"محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين\": الرازي: فخر الدين محمد بن عمر الخطيب. تقديم طه عبد الرؤوف سعد، نشر مكتبة الكليات الأزهرية.\n٢٣١- \"المحيط بالتكليف\": الهمذاني: عبد الجبار بن أحمد، تحقيق عمر السيد عزمي، نشر المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر.\n٢٣٢- \"مختصر الصواعق المرسلة\": لابن القيم، ابن الموصلي: محمد، نشر دار الفكر.\n٢٣٣- \"مختصر العلو للعلي الغفار للذهبي\": اختصار وتحقيق، الألباني: محمد ناصر الدين، الطبعة الأولى، نشر المكتب الإسلامي ١٤٠١هـ/ ١٩٨١م.\n٢٣٤- \"مذكرة في أصول الفقه\": الشنقيطي: محمد الأمين الجكني، مطابع دار الأصفهاني - جدة، نشر الجامعة الإسلامية.\n٢٣٥- \"المستدرك على الصحيحين\": الحاكم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله، طبعة دائرة المعارف النظامية، حيدرآباد، نشر دار الكتب العلمية.\n٢٣٦- \"المستشرقون\": نجيب العقيقي، الطبعة الرابعة، نشر دار المعارف.\n٢٣٧- \"المسند\": الإمام أحمد بن حنبل، ط. الثانية، المكتب الإسلامي - بيروت ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.","vol":"1","page":482},{"text":"٢٣٨- \"المسند\": الإمام أحمد بن حنبل، شرح وتعليق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثالثة، نشر دارالمعارف - بمصر ١٣٦٨هـ/ ١٩٤٩م.\n٢٣٩- \"المسيحية\": د. شلبي: أحمد، الطبعة السادسة، نشر مكتبة النهضة المصرية ١٩٧٨م.\n٢٤٠- مشكل الحديث وبيانه\": ابن فورك: أبو بكر محمد بن الحسن، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.\n٢٤١- \"المعارف\": ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم، تحقيق د. ثروت عكاشة الطبعة الرابعة، نشر دار المعارف.\n٢٤٢- \"معالم أصول الدين\": الرازي: فخر الدين محمد بن عمر، تقديم طه عبد الرؤوف سعد، نشر مكتبة الكليات الأزهرية.\n٢٤٣- \"معالم التنزيه\": البغوي: أبو محمد الحسين بن محمد الفراء، تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سورا، طبعة دار المعرفة - بيروت.\n٢٤٤- \"معاني القرآن وإعرابه\": الزجاج: أبو إسحاق إبراهيم بن السري، شرح وتحقيق د. عبد الجليل عبده شلبي، الطبعة الأولى، نشر عالم الكتب بيروت ١٤٠٨هـ.\n٢٤٥- \"المعتزلة وأصولهم الخمسة\": المعتق: عواد عبد الله، الطبعة الأولى، نشر دار العاصمة ١٤٠٩هـ.\n٢٤٦- \"معجم مقاييس اللغة\": ابن فارس: أبو الحسين أحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون، نشر دار الكتب العلمية - إيران.\n٢٤٧- \"معرفة علوم الحديث\": الحاكم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله، تصحيح وتعليق السيد معظم حسين، طبع مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الطبعة الثانية ١٣٨٥هـ/ ١٩٦٦.\n٢٤٨- \"والمغني في أبواب العدل والتوحيد\": الهمذاني: عبد الجبار بن أحمد، الطبعة الأولى، مطبعة دار الكتب، نشر دار الثقافة والإرشاد ١٩٦٠م.\n٢٤٩- \"مقالات الإسلاميين\": الأشعري: أبو الحسن علي بن إسماعيل، تحقيق محمد","vol":"1","page":483},{"text":"محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية نشر مكتبة النهضة المصرية ١٣٨٩هـ/ ١٩٦٩م.\n٢٥٠- \"الملل والنحل\": الشهرستاني: محمد عبد الكريم، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، طبعة دار الاتحاد العربي للطباعة، نشر مؤسسة الحلبي وشركاه ١٣٨٧هـ/ ١٩٦٨م.\n٢٥١- \"مناقب الإمام أحمد\": ابن الجوزي: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، الطبعة الثالثة نشر دار الأفاق ١٤٠٢هـ.\n٢٥٢- \"المنتقى من منهاج الاعتدال\": الذهبي: أبو عبد الله محمد بن عثمان، تحقيق محب الدين الخطيب.\n٢٥٣- \"منهاج السنة\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تحقيق د. محمد رشاد سالم، مطبعة المدني - القاهرة.\n٢٥٤- \"منهاج السنة\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تحقيق د. محمد رشاد سالم طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، مطابع الجامعة.\n٢٥٥- \"منهاج الكرامة\": ابن المطهر الحلي، مطبوع مع كتاب \"منهاج السنة\" مطبعة المدني.\n٢٥٦- \"منهج الأشاعرة في العقيدة\": سفر الحوالي، الطبعة الأولى، نشر الدار السلفية - الكويت ١٤٠٧هـ.\n٢٥٧- \"منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات\": الشنقيطي: محمد الأمين الجكني، نشر الجامعة الإسلامية.\n٢٥٨- \"المنية والأمل\": ابن المرتضى: أحمد بن يحيى، تصحيح توما آرنلد، دار صادر - بيروت، مصورة عن طبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن ١٣١٦هـ.\n٢٥٩- \"الموافقات في أصول الشريعة\": الشاطبي: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، شرح عبد الله دراز، نشر دار المعرفة - بيروت.\n٢٦٠- \"المواقف في علم الكلام\": الإيجي عبد الرحمن بن أحمد، نشر عالم الكتب -","vol":"1","page":484},{"text":"بيروت.\n٢٦١- \"الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف\": أبو عمار: عبد الكافي الإباضي، ضمن كتاب آراء الخوارج الكلامية، د. عمار طالبي، نشرة الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر ١٣٩٠هـ.\n٢٦٢- \"الموطأ\": الإمام: مالك بن أنس، تصحيح وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث العربي.\n٢٦٣- \"ميزان الاعتدال\": الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان، تحقيق على محمد البجاوي، نشر دار المعرفة للطباعة والنشر -بيروت، الطبعة الأولى ١٣٨٢هـ/ ١٩٦٣م.\n\"ن\":\n٢٦٤- \"النبوات\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.\n٢٦٥- \"النبوة والأنبياء في ضوء القرآن\": الندوي: أبو الحسن علي الحسني، الطبعة السادسة، نشر دار القلم - دمشق ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n٢٦٦- \"النجوم الزاهرة\": ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري، طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب، نشر المؤسسة المصرية العامة.\n٢٦٧- \"نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر\": ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن، تحقيق محمد عبد الكريم كاظم الراضي، الطبعة الأولى، نشر مؤسسة الرسالة - بيروت ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n٢٦٨- \"نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام\": النشار، د. علي سامي، الطبعة الثامنة، نشر دار المعارف بمصر.\n٢٦٩- \"نقض المنطق\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم. تحقيق محمد عبد الرزاق حمزة وسليمان الصينع، تصحيح محمد حامد الفقي، نشر مكتبة السنة المحمدية.\n٢٧٠- \"نهاية الإقدام\": الشهرستاني محمد عبد الكريم، تصحيح الفرد جيوم.","vol":"1","page":485},{"text":"٢٧١- \"النهاية في غريب الحديث\": ابن الأثير: محمد الدين أبو السعادات، تحقيق طاهر أحمد الزاوي وحمود محمد الطناحي، نشر المكتبة العلمية - بيروت.\n٢٧٢- \"النهاية في الفتن والملاحم\": أبو الفداء إسماعيل بن كثير، تحقيق محمد أحمد عبد العزيز، نشر دار التراث الإسلامي، الأزهر.\n٢٧٣- \"النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد\": أبو سليمان جاسم الفهيد الدوسري، الطبعة الأولى، نشر دار الخلفاء - الكويت ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n\"هـ\"\n٢٧٤- \"هداية الحيارى\": ابن القيم: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، تعليق مصطفى أبي النصر الشلبي، الطبعة الأولى، نشر مكتبة السوادي - جدة ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.\n\"و\":\n٢٧٥- \"وجاء دور المجوس\": عبد الله محمد الغريب، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.\n٢٧٦- \"الوصية الكبرى\": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تحقيق أبي عبد الله محمد ابن حمد الحمود، الطبعة الأولى، نشر مكتبة ابن الجوزي - الإحساء ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.\n٢٧٧- \"وفيات الأعيان\": ابن خلكان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد، تحقيق د. إحسان العباس، نشر دار صادر.","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>فهرس الآيات القرآنية الكريمة:</span>\nاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا ٢٣٩\nاصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ٢٨٣\nأفتطمعون أن يؤمنوا لكم ٢٢٢\nأفحكم الجاهلية يبغون ١٨٧\nأفلا يرون ألا يرجع إليهم قولًا ٢٦٥\nألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٤٤٧\nإلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ٤٣٥\nالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ١٩٤\nالذين آمنوا وكانوا يتقون ٤٤٧\nالذين يتبعون الرسول النبي الأمي ٢٤٠\nألم نشرح لك صدرك ١٣٧\nالله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ٣٦٥\nالله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا ٢١٩\nالله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس ٢٧٩\nإليه يصعد الكلم الطيب ٣٢٧\nآمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ٢١٠، ٢٧٨\nأم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ٢٢٤","vol":"1","page":487},{"text":"أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ٢٢٤\nإنا أرسنا نوحًا إلى قومه ٢٣٠\nإنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ١٨٤، ٢٢٢\nإنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ٢٥٩\nإنا كل شيء خلقناه بقدر ٣٦٢، ٦٣٧\nإنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ٢٢٠، ٢٢٣\nإنا وجدنا آباءنا على أمة ١٥٧\nإن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ١٥٧\nأن دعوا للرحمن ولدا ٢٥٥\nإن الدين عند الله الإسلام ٢٤٢\nإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ٤٤٤\nإن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ٩٢\nإن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ٢٢٠\nإن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا ٣٥٤\nإن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا ٢٦١، ٢٧٣\nإن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ٢٦٩\nإن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم ٢٧٩\nإن الله عنده علم الساعة ٣٦٣\nإن الله لا يخلف الميعاد ٣٥٦\nإن الله لا يغفر أن يشرك به ٣٥١، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦\nإن الله وملائكته يصلون على النبي ٤٣٦\nإن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ١٦٧\nإن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا ٢٥٥\nإنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم ٣٥١\nإن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ٢٤٥\nإن هي إلا فتنتك ١٣٠","vol":"1","page":488},{"text":"انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ١٢٧\nأولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ٢٨٠\nأولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ٢٨٠\nأولئك هم الكافرون حقًا ٢٦١\nبديع السماوات والأرض ٢٥٥\nبل يرفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا ٢٧٠\nتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ٢١٠\nتعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ١٣٠\nتكاد السماوات يتفطرن منه ٢٥٤\nتلك أمة قد خلت ١٥٨\nتلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ٢٢٦\nثم استوى على العرش ١٠٤\nثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ٢٠٩\nحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ٢١\nحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ١٧٣\nذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا ٢٨٣\nرب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان ٢٦٦\nربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان ١١٥\nرسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة ٢٥٩\nسبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام ٢٨٣\nسيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ٣٦٧- ٣٨٥\nشرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا ٢٢٦\nعالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا ٤٣٥\nعلم أن سيكون منكم مرضى ٣٦٤\nغير المغضوب عليهم ١٩٣، ٢٥٠\nفإذا فرغت فانصب ١٣٧","vol":"1","page":489},{"text":"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم ١١٥\nفأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار ٢٦٥\nفاذهب أنت وربك فقاتلا ٢٨١، ٢٨٢\nفأوحى إلى عبده ما أوحى ٢٨٣\nفبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ١٩٠، ٢٣٩\nفجعلناهم سلفًا ومثلًا للآخرين ٩٦\nفرجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا ٢٦٤\nفسوف يحاسب حسابًا يسيرًا ٣٠٦\nفكفارته إطعام عشرة مساكين ٢١.\nفلا تبتئس بما كانوا يفعلون ٣٨١\nفلا تزكوا أنفسكم ١٣٥\nفليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ٢٢٤\nفاليوم ننجيك ببدنك ١١٦\nفمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ٣٨٦\nفنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحرام ٤٤٥\nفوسطن به جمعًا ٢١، ٢٢\nفويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ٢٢٢\nقال أغير الله أبغيكم إلهًا ٢٤٥\nقال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ١٩\nقال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ٢٦٤\nقال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ٢٦٣\nقال هم أولاء على أثري ٢٦٤\nقالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ٢٨٤\nقالوا لن نبرح عليه عاكفين ٢٦٥\nقالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ٢٦٥\nقالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدًا ٢٦٣","vol":"1","page":490},{"text":"قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين ٢٦٣\nقل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ٤٣٣، ٤٣٤\nقل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ٢٨٤، ٤٤١\nقل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن ٢٣١\nقل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا ٢٨٤، ٤٤١\nقل لئن اجتمعت الإنس والجن ٢٢٤\nقل لا أقول لكم عندي خزائن الله ٤٣٤\nقل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا ٤٣٤\nقل من يرزقكم من السماء والأرض ٢٥١\nقل هو الله أحد ٢٥٧\nقل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ٢٤، ٤٣٧\nقل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا ٢٢٩\nقل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ٣٥٤\nقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ٢٧٧\nكان الناس أمة واحدة ١٥٧\nكذلك يضرب الله الحق والباطل ٢٧\nكل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل ٢٣٩\nكلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ١٤٦\nكنتم خير أمة أخرجت للناس ١٥٥، ١٥٨، ١٦١، ٢٠٥، ٢٠٨، ٢١٢، ٢١٣، ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧، ٣٩٣\nلا إكره في الدين ٢١٦\nلا تغلوا في دينكم ٢٣\nلتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ١٣٥\nلعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ٢١٣\nلقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وارسلنا إليهم رسلًا ٢٦٨\nلقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ٢٣٠","vol":"1","page":491},{"text":"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ١٦٥\nلقد جئتم شيئًا إدًا ٢٥٤\nلقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ٣٩٤\nلقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ٢٤٧\nلقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ٢٨٠\nلقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح ١٩٣، ٢٥٠\nلقد كفر الذين قالوا إن الله هوالمسيح بن مريم قل فمن يملك ١٩٣\nلقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ١٩٣، ٢٥١، ٢٧٤\nلكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ٢٤٣\nله الخلق والأمر ٢٥٧\nلن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ٢٨٣\nلولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ٢٦٠\nليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ٣٥٤\nليس علينا في الأميين سبيل ١٤٠\nليس كمثله شيء وهو السميع البصير ١٣١، ٢٥٨، ٣١١، ٣١٩، ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٢٧\nلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ٢٣٣\nلا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ٣٩٥\nما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ٢٥٧\nما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ٣٦٤\nما فرطنا في الكتاب من شيء ٤٠٨\nما كان محمدًا أبا أحد من رجالكم ٢٣١، ٤٣٤\nما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ٢٥١\nمحمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ٣٩٦\nمذبذبين بين ذلك ٣٤٠\nمنهم أمة مقتصدية وكثير منهم ساء ما يعملون ٢٠٨","vol":"1","page":492},{"text":"هو الأول ٣٢٠\nهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ١٣٣\nواتبع سبيل من أناب إلي ١٠٢\nواتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلًا ٢٤٥\nوادكر بعد أمة ١٥٨\nوإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ٢٢٦\nوإذا صرفنا إليك نفرًا من الجن ٢٣٠\nوإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ٢٥٣\nوإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ١٩٣\nواذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ٢٨٣\nواذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه ٢٨٣\nوإلى ثمود أخاهم صالحًا ٢٣٠\nوإلى عاد أخاهم هودًا ٢٣٠\nوإلى مدين أخاهم شعيبًا ٢٣٠\nوألقيت عليك محبة مني ٢٧٩\nوالسابقون الأولون من المهاجرين ١٠٢، ٣٩٤\nواعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ٩١\nوالله جعل لكم مما خلق ظلالًا ٣٦٦\nوالله خلقكم وما تعملون ٣٦٦، ٣٨١\nوالله لا يحب الفساد ٣٨٤\nوالله يريد أن يتوب عليكم ٣٨٦\nوالله يعصمك من الناس ٢٢٠\nوأما بنعمة ربك فحدث ٢٢٧\nوإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ١٨٦\nوأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا ٢٢٣\nوإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ٣٥١","vol":"1","page":493},{"text":"وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب ٢٢٢\nوأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدًا ٢٥٧\nوإنه في الآخرة لمن الصالحين ٤٤٤، ٤٤٥\nوإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ٢٧٩\nوبئر معطلة ٣٠٩\nوجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم ٢٤٥\nوجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون ١١٥\nوجد عليه أمة من الناس يسقون ١٥٨\nوجوه يومئذ ناضرة ٣٣٠\nوخلق كل شيء فقدره تقديرًا ٣٦٢\nوربك أعلم بمن في السماوات والأرض ٢٢٦\nورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ٢٥٩\nورسولًا إلى بني إسرائيل ٢٣٠\nورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ٢٤١\nوالصالحين من عبادكم وإمائكم ٤٤٤\nوضربت عليهم الذلة والمسكنة ٢٦٩\nوعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ٣٥٣\nوعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ٤٣٤\nوقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه ٣٦٨\nوقالت النصارى المسيح ابن الله ٢٥٤\nوقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ١٨٨\nوقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ٢٤٩، ٢٥٠، ٢٧٢، ٢٧٥\nوقالت اليهود يد الله مغلولة ٢٤٧\nوقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه ٢٥٤\nوقالوا اتخذ الرحمن ولدًا ٢٥٤","vol":"1","page":494},{"text":"وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ٤٥٠\nوقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ٣٦٨\nوقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ٢١٦\nوقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ٢٧٠\nوكان رسولًا نبيًا ٤١٦\nوكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ١٨٥\nوكذلك جعلناكم أمة وسطًا ١٨، ٩٣، ١٥٥، ١٥٨، ١٥٩، ١٦٠، ١٦١، ١٦٥، ١٧٥، ١٧٦، ٢٠٥، ٢٣٧، ٢٧٩، ٣٩٣\nولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ١٥٨\nولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ١٦٦، ١٦٧\nولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ٣٨٦\nولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس ٢٥١\nولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ٢٥١\nولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ٢٥١\nولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ٢١٢\nوالذين جاؤوا من بعدهم ٤٢١\nولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ٢٦٨\nولقد اخترناهم على علم على العالمين ٢٠٧\nولقد أخذ الله ميثق بني إسرائيل وبعثنا منهم ٢٦٢\nولقد أرسلنا رسلًا من قبلك ٢٨٤\nولقد أرسلنا موسى بآياتنا ٢٣٠\nولقد بعثنا في كل أمة رسولًا ٢٤٢، ٢٥٩\nولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به ٢٦٥\nولكن الله يفعل ما يريد ٣٨٦\nولله على الناس حج البيت ٣٥٤\nولوطًا إذ قال لقومه ٢٣٠","vol":"1","page":495},{"text":"ولو شاء الله ما اقتتلوا ٣٦٥\nولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ٣٦٥\nولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ٤١٤\nوما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ٢٢٩\nوما أرسلناك إلا كافة للناس ٢٢٩، ٢٣٠\nوما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ٢٤٢\nوما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ٢٨٤\nوما أعجلك عن قومك يا موسى ٢٦٤\nوما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ٣٦٥\nوما تفعلوا من خير يعلمه الله ٣٨١\nوما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا ٢٥٥\nومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ١٨٩\nومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ١٩٦\nومن ذريتنا أمة مسلمة لك ١٥٨\nومن صلح من آبائهم ٤٤٤\nومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه ٢٤٣\nومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ٣٥٧\nومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها ٣٥٤\nومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ٢٠٨\nوالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ٤٤٦\nوهو القاهر فوق عباده ٣٢٧\nووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب ٢٨٣\nووهبنا له إسحاق ويعقوب ٤٤٥\nويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ٣٤٨\nويكلم الناس في المهد وكهلًا ومن الصالحين ٤٤٥\nيا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ٢٤","vol":"1","page":496},{"text":"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ١٦٦.\nيا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ١٦٧\nيا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ١٩٤\nيا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ٣٦٩\nيا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ٣٥٠\nيا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ٤٣٧\nيا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ٢٠٧\nيا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ٢٦٢\nيا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ٢٤٢\nيخافون ربهم من فوقهم ١٣٠، ٣٢٧\nيريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ٣٨٦\nيريد الله أن يخفف عنكم ٣٨٦\nاليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ٤٠٩\nيوم تبيض وجوه وتسود وجوه ٤١\nيوم يسحبون في النار على وجوهم ٣٦٧","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>فهرس الأحاديث النبوية والآثار:</span>\n\"أ\":\nائتوني بورق ودواة لأكتب لكم ٤١٠\nأتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ٢٢\nأترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ٢٣٣\nإذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة ٢٧\nأذكركم الله في أهل بيتي ٤٢٢\nأعطه حقه ١٦٩\nأعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ٢٢٩\nأعطيت ما لم يعطه أحد من الأنبياء ٢٠٦\nافترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ٢٨٩\nاقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة \"أثر\" ٣٤\nاقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به ٢٤، ٢٨\nالله ابتعثنا والله جاء بنا \"اثر\" ٢١٥\nالله أعلم بما كانوا عاملين ٣٦٤\nالقط لي حصى ٢٤\nأما إنه ليس في النوم تفريط ٢٦\nأما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا ٢٣٩","vol":"1","page":499},{"text":"امض يا رسول الله لما أردت فنحن معك \"أثر\" ٢٨١، ٢٨٢\nأنا أكثر الأنبياء تبعًا ٢١٧\nأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ٢٤٢\nأنا أول شفيع في الجنة ٢١٧\nأنا سيد الناس يوم القيامة ٢٢٧\nأنا سيد ولد آدم ولا فخر ٢٢٧، ٤٣٢\nأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ٢٢٧\nأنا وعلي والحسن والحسين وتسعة ولد الحسين ٤١٣\nأنتم توفون سبعين أمة ٢٠٨، ٢٢٥\nأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ٢١١، ٣٦٢\nإن الله ﵎ طهرنا وعصمنا ٤١٢\nإن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة ٢١٨\nإن الله يصنع كل صانع وصنعته ٣٦٦، ٣٨١\nإن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة ٢٧١\nإن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ٩٢، ١٢٠، ١٥٦\nإن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلم ويهودي \"أثر\" ١٧٠\nإن في الجنة مائة درجة ١٩\nإنكم تتمون سبعين أمة ٢٠٥\nإنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ٢٢٥\nإنما الجماعة ما وافق طاعة الله \"أثر\" ٩٤\nإن مثلي ومثل الأنبياء قبلي ٢٣٢\nإنه ليس الذي تعنون ١٩٤\nإني فرطكم ٢٧\nإني لأرجو أن أكون أتقاكم لله ١٣٥\nأهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ١٨٧\nأهينوهم ولا تظلموهم \"أثر\" ٢٥٦","vol":"1","page":500},{"text":"خير الناس قرني ٩٧\nخير الناس للناس، تأتون بهم في السلائل \"أثر\" ٢١٦\nخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر \"أثر\" ٢٩٣\n\"س\":\nسباب المسلم فسوق ٣٥٥\nستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة ٥٣\nستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ٥٠\n\"ش\":\nشفاعتي لأمتي ١٥٩\nالشقي من شقي في بطن أمه ٤٠٤\n\"ع\":\nعدل صفوف أصحابه يوم بدر ١٦٨\nعرضت علي الأمم ٢١٧\nعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين ١٠٢\nعليه نبعث إن شاء الله ١٣٥\n\"ف\":\nفإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم \"أثر\" ٣٧٠\nفي تفسير قوله ﷿: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا﴾ \"أثر\" ٤٥٠\nفي قوله تعالى: ﴿وجعلناكم أمة وسطًا﴾ ١٦٠\nفي قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ \"أثر\" ٤١\n\"ق\":\nقاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ٢٧٢\nقال الله كذبني ابن آدم ٢٥٥","vol":"1","page":502},{"text":"قالت عائشة ﵂ في قوله ﷿: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ \"أثر ٣٩٦\nقد أمرنا أن نصلي عليك؛ فكيف نصلي عليك ٤٣٦\n\"ك\":\nكانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثة مائة نبي \"أثر\" ٢٦٩\nكان الرجل يقوت أهله قوتًا دونًا ٢١\nكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه ١٦١\nكان عمر ﵁ إذا مرت به جنازة \"أثر\" ١٧٧\nكان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف ١٨٦\nكان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه ٢٧١\nكتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ٣٦٤\nكل شيء بقدر ٣٦٢\nكل شيء بقدر \"أثر\" ٣٦٣\nكنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر ٢٨٠\n\"ل\":\nلتتبعن سنن من كان قبلكم ٤٢٩\nلعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم ٤٢٢\nلعن الله من جلس وسط الحلقة ٢٢\nلعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ٤٥٠\nلعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ٢٧٢\nلما جمع هرقل للمسلمين الجموع \"أثر\" ١٧٨\nلم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام في هذه الأمة \"أثر\" ٢١٧\nليأتين على أمتي ما أتى على نبي إسرائيل ٤٨.\n\"م\":\nما أنا عليه وأصحابي ٤٨، ٩٤، ١٠٣، ١٢٠","vol":"1","page":503},{"text":"ما تجددون في التوراة في شأن الرجم؟ ١٨٧\nما من الأنبياء نبي إلا ما أعطي من الآيات ٢٢٤\nما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك ٣٥٤\nما هو ذنب؛ ولكنه عجز من الرأي \"أثر\" ٣٩٩\nمثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ٥٠\nمذ كم تعبدتم الناس \"أثر\" ١٧١\nمروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا ١٧٧\nالمغضوب عليهم اليهود ١٩٣\nمفاتيح الغيب خمس ٤٤٠\nمن حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد كذب \"أثر\" ٤٤٠\nمن حوسب عذب ٣٠٦\nمن خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية ٩٢\nمن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ٢١٢\nمن سن في الإسلام سنة حسنة ٢٩\nمن شهد أن لا إله إلا الله ٤٣١\nمن كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ١٢٠\nمن كان مستنًا فليستن بمن قد مات \"أثر\" ١٠٣\nمن لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ٣٥٤\nنحن آخر الأمم وأول من يحاسب ٢١١\nنحن آخرها وأكرمها \"أثر\" ٢٠٦\nنحن الآخرون السابقون يوم القيامة ٢١١، ٢٣٢، ٢٣٣\n\"و\":\nالوالد أوسط أبواب الجنة ٢٠\nوسطوا الإمام وسدوا الخلل ٢٢\nوالذي نفس محمد بيده؛ لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ١٥٩.","vol":"1","page":504},{"text":"ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش \"أثر\" ٢٠\nوالوسط: العدل ١٦٠\nولا تزال طائفة من أمتي على الحق ١٢٤\n\"لا\":\nلا تجعلوا بيوتكم قبورًا ٤٤١\nلا تخيروني على موسى ٢٢٨\nلا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ١٢١، ١٢٤، ٢١٩\nلا تزال طائفة من أمتي منصورين ١٢٢، ٢١٩\nلا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم ٣٩٧، ٤٢١\nلا تصافحوهم ولا تبدؤوهم بالسلام ١٧٣\nلا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ٢٨٣، ٤٣٥\nلا تفضلوا بين الأنبياء ٢٢٨\nلا نقول كما قال قوم موسى \"أثر\" ٢٨١\nلا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ٣٩٤\nلا يزال أهل الغرب ظاهرون ١٢٤\nلا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ٣٥٥\nلا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس ٢٢٨\nلا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ٢٨٠، ٤٣٢\n\"ي\":\nيا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق ١٦٩، ١٨٦، ١٩٤\nيا أيها الناس إياكم والغلو في الدين ٢٤\nيا أيها الناس قولوا بقولكم ولا تستجرينكم الشياطين ٢٨٤\nيا رسول الله! امض لما أرك الله \"أثر\" ٢٨١\nيا معشر اليهود! أنتم أبغض الخلق إلي ١٧٢","vol":"1","page":505},{"text":"يجيء النبي ومعه الرجلان ١٧٦\nيحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ٢٥\nيخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ٤٠٠\nيدخل أهل الجنة وأهل النار النار ٣٥٢\nيدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك ١٧٥، ٢٧٨","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>فهرس الفرق والطوائف:</span>\n\"أ\"\nأئمة ١٢٤، ١٢٩، ١٣٩\nأئمة الأثر ١٤٣\nالإباضية ٣٤٠\nالبريلوية ٤٤١\nالاتحادية ٤٤٩.\nالأثرية ٧١، ٨٠، ٨١، ٨٧، ١١٩، ١٢٠\nآربوسية ١٩٧\nالإسماعيلية ١٢٥\nالأشاعرة ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٥٤، ٥٦، ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦١، ٦٣، ٦٩، ٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٦، ٧٧، ٨٠، ٨٢، ٨٣، ٨٦، ٨٩، ١١٦، ١٢٨، ١٣٠، ١٤٤، ٢٩٧، ٣١٥، ٣٢٧، ٣٢٨، ٣٣٦، ٣٤٥، ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٨٥\nالأشعرية ١٤٨، ١٤٩، ٣٧٦\nالأشعرية الكلابية ٥٦، ٥٧\nأصحاب الآثار ١٢٣\nأصحاب الأثر ١٠٦","vol":"1","page":507},{"text":"أصحاب الحديث ١١٦، ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٧\nالإمامية ٥٠، ٥١، ٢٩٣، ٤١٢\nأهل الإتباع ٧٨\nأهل الإثبات ١٠٧\nأهل الأثر ٧٨، ٨١، ٨٧، ١١٩، ١٢٠\nأهل الأهواء والبدع والخلاف ١٣٤، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠\nأهل الأهواء ٧٩، ١٢٦، ١٤٨\nأهل البدع ٤٨، ٥٣، ٧٠، ٧٧، ٧٩، ٩١، ١٠٠، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، ١١٩، ١٢٣، ١٢٦، ٣٢٩، ٤٢٥، ٤٣٦، ٤٥١\nأهل التشبيه ٣١٧، ٣٢١\nأهل التصوف ٨٤، ٤٥٢\nأهل التعطيل ٣٠٧، ٣٠٩، ٣١٥، ٣٢١، ٣٢٤\nأهل التمثيل ٣٠٧، ٣١٧، ٣٢٥\nأهل الجماعة ٥١، ٩١، ٩٤، ٩٥\nأهل الحديث ٤٥، ٤٨، ٥٦، ٦١، ٧١، ٨٢، ١٠٧، ١١٦، ١١٧، ١١٨، ١١٩، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٦، ١٢٧، ١٥٠\nأهل الحديث والسنة ٨٦، ١١٩، ١٢١، ١٢٤، ١٢٧، ١٤٥، ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩، ٤٢١\nأهل السنة ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٥، ٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٥٤، ٥٥، ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦١، ٧١، ٧٢، ٧٤، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣، ٨٤، ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨، ٨٩، ٩١، ٩٢، ٩٤، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٦، ١١٧، ١٢٠، ١٢١، ١٢٣، ١٢٣، ١٢٦، ١٢٧، ١٢٩، ١٣١، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٤٣، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٦، ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠، ١٥١، ١٥٢، ١٥٥، ١٥٧، ٢٨٧، ٢٩٧، ٣٠٤، ٣٠٨، ٣١٩/ ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٦،","vol":"1","page":508},{"text":"٣٢٨، ٣٣٠، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٦، ٣٤٨، ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٧٣، ٣٧٦، ٣٦٨، ٣٧٩، ٣٨٠، ٣٨٢، ٣٨٦، ٣٨٧، ٣٩٠، ٣٩٨، ٤٠٨، ٤١٩، ٤٢١، ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٣٠، ٤٣١، ٤٤٠، ٤٤٦، ٤٤٧، ٤٤٨، ٤٤٩؟\nأهل السنة والأثر ١٢٦، ١٢٨، ١٣٢، ١٤٤، ١٥١، ١٥٢\nأهل السنة والجماعة ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٥، ٤٩، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦١، ٧٣، ٧٤، ٨٠، ٨٣، ٩١، ١٠٧، ١٠٨، ١٢١، ١٢٣، ١٣٠، ١٣٤، ١٤٦، ١٥١، ١٥٥، ١٥٧، ٣١٩، ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٤٦، ٣٥٠، ٣٧٢، ٣٩٨، ٤١٩، ٤٢١، ٤٤٦\nأهل سواء السبيل ٣٠٧، ٣١٩\nأهل الشام ١٢٤، ١٢٦\nأهل العلم ١٠٦، ١٢٢، ١٢٣\nأهل الغرب ١٢٤\nأهل الكلام ١١٦\nأهل وحدة الوجود ٤٤٩\n\"ج\"\nالجبرية ١٠١، ١٢٧، ٢٩٩، ٣٧٤، ٣٧٥، ٣٧٧، ٣٧٨، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٢، ٣٨٤\nالجبرية الخالصة ٣٧٥، ٣٨٥، ٣٨٧\nالجبرية المتوسطة ٣٧٥، ٣٨٥، ٣٨٧\nالجماعة ٨١، ٩٢، ٩٣، ٩٤، ٩٦، ١٢٠\nالجمهور ١٣٨، ١٤٠، ٣٩٥\nالجهمية ٤٥، ٤٧، ٧٤، ٧٦، ٨٤، ٨٥، ١٠١، ١٠٥، ١٢٨، ١٣٠، ١٣١، ١٣٢، ١٤٣، ١٤٩، ٢٩٦، ٣٠٩، ٣١٠، ٣١٣، ٣١٦، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣٨، ٣٧٢، ٣٧٥، ٣٧٦، ٤٥٢","vol":"1","page":509},{"text":"الجهمية الجبرية ٣٧٢\n\"ح\"\nحشوية ١١٩، ١٢٧، ١٤١، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٦، ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠.\nالحلولية ٣٢٩\nحلولية الجهمية ٣٢٨\n\"خ\"\nالخوارج ٤٥، ٤٧، ٥١، ٨٤، ٨٧، ٨٨، ١٠٠، ١٠١، ١٠٥، ١٠٧، ١٤٩، ١٥١، ٢٩٠، ٢٩١، ٢٩٩، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٣، ٣٥٥، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٠، ٤١٩، ٤٢١، ٤٢٤\n\"ر\"\nالرافضة ٤٦، ٤٧، ٤٩، ٧٩، ٨٤، ١٠١، ١٠٧، ١٢٥، ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٤٣، ١٤٧، ١٤٩، ٢١٣، ٢٩٣، ٣١٧، ٣٩٨، ٤٠٨، ٤١١، ٤١٤\nالروافض ١٠٧، ١٤٢، ٣١٧، ٤١٩، ٤٢١، ٤٢٣\n\"ز\"\nالزرادشتيون ١٧٩\nالزنادقة ١١٩، ١٢٥، ١٢٨، ١٥٠، ٣١٠\nالزيدية ٣٠٦، ٣٠٧\n\"س\"\nالسبئية ٤١٧\nالسلف ٥٩، ٦٠، ٦٢، ٧٤، ٧٣، ٧٤، ٧٦، ٧٧، ٨٤، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦،","vol":"1","page":510},{"text":"١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٠، ١١١، ١١٢، ١١٣، ١١٤، ١١٥، ١١٦، ١١٧، ١١٨، ١١٩، ١٢٠، ١٢٢، ١٢٣، ١٣٢، ١٣٣، ١٤٨، ١٥٢، ٢١٣، ٢١٦، ٢٩٨، ٣٢٤، ٣٤٨، ٣٦٢، ٣٧١، ٣٨٠، ٤٤٦\nالسلفية ٩٦، ٩٩، ١١٠، ١١٢\nالسلفيين ١١١\n\"ش\"\nشكاك ١٣٤، ١٣٦\nالشيعة ٤٧، ٤٩، ٥٤، ٨٧، ١٠٥، ١٣٦، ١٣٧، ١٤٢، ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٩، ٣٩٨، ٤٠٥، ٤٠٧، ٤١١، ٤١٤، ٤١٧، ٤١٩، ٤٢٤، ٤٥٠\nالشيعة الرافضة ٤١٤، ٤١٧، ٤٢٥، ٤٤٢\n\"ص\"\nالصابئون ١٨١\nالصفاتية ٦٠، ٨٢، ٨٤\nالصفرية ٣٣٩\nالصليبيون ١٨١، ١٩٩، ٢٠٠\nالصوفية ١٠٧، ٤٤٢، ٤٥١\n\"ط\"\nالطائفة المنصورة ٥٤، ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٦\n\"ع\"\nالعامة ١٣٨، ١٤٠، ١٤٢\nالعبيدية ٣٤٤\nعلماء الحجاز ١٠٦","vol":"1","page":511},{"text":"\"غ\"\nغثاء ١٥٢\nغثراء ١٥٢\nغلاة المتصوفة ٤٤٩\n\"ف\"\nالفرقة الناجية ٤٩، ٥٠، ٥٣، ٥٤، ٥٦، ٦٠، ٨١، ٩٢، ١٠٣، ١٢٠، ١٢١، ١٢٤\nالفقهاء ١٠٧، ١٢٠\n\"ف\"\nالقدرية ٨٧، ٨٨، ١٠٠، ١٠١، ١٣٣، ٣٧١، ٣٧٢، ٣٧٣، ٣٧٨، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٢.\nالقرامطة ١٢٥\n\"ك\"\nالكرامية ١٠١، ١٠٧، ١٤٧، ٣٢٦\nالكلابية ٥٦، ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٧٥، ٧٦، ٧٨، ١٠٧، ٣٢٧\n\"م\"\nالماتريدية ٥٩، ٨١، ٨٢، ١٤٤، ١٤٨\nالمبتدعة ١٢٧\nالمتكلمون ١٠٨، ٣٥٣\nمجبرة ١٣٣، ٣٧٨\nالمجسمة ١٢٧، ١٤٣\nالمجوس ٣٠٠\nمخالفة ١٣٤","vol":"1","page":512},{"text":"المرجئة ٤٧، ٨٧، ١٠٠، ١٠١، ١٣٤، ١٣٦، ١٤٨، ١٤٩، ٢٩٣، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٣٨، ٣٤٤/ ٣٤٥.\nالمسلمون ١٧٩، ١٨٠، ١٨١، ١٨٢، ١٩٨، ١٩٩، ٢٠٠، ٢٠١، ٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٧٧، ٣٠٠، ٣٣٨، ٣٤٢، ٣٤٣، ٤٢٩، ٤٥٢\nالمسيحية ١٩٥، ١٩٦، ٢٠٠\nالمسيحيون ١٨٠، ١٨١، ١٩٥، ١٩٧، ١٩٨، ٢٠٠\nالمشبهة ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٣١، ١٣٢، ٣٢٥، ٣٧٨\nالمشبهة الممثلة ٣٢٤، ٣٢٥\nالمعتزلة ٤٥، ٤٦، ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٩، ٧٠، ٧١، ٧٤، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٤، ٨٥، ١٠١، ١٠٥، ١٠٧، ١١٦، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٣١، ١٣٣، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٧، ١٤٨، ١٥٠، ١٥١، ٢٩٧، ٣٠٠، ٣١٣، ٣١٤، ٣١٦، ٣٢٦، ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٥٢، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٧١، ٣٧٣، ٣٧٤، ٣٧٧، ٣٧٨، ٣٨٤، ٣٨٥، ٣٧٧، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠١، ٤٠٣، ٤٠٤، ٤١٩، ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٥٢\nمعطلة الجهمية ٣٢٨\nملكية ١٩٦\nالمؤولة ١٣٢\n\"ن\"\nنابتة ١٢٧، ١٤٦، ١٤٩، ١٥١\nالناصب ١٤٠، ١٤١\nالناصبة ١٢٧، ١٣٦، ١٣٧\nالنجدات ٣٣٩، ٣٤٠","vol":"1","page":513},{"text":"النسطورية ١٩٦\nالنصارى ١٨٤، ١٨٨، ١٩٢، ١٩٦، ١٩٧، ١٩٨، ٢٠٠، ٢٠١، ٢١٩، ٢٢٥، ٢٣٢، ٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٤، ٢٤٩، ٢٥٠، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٦، ٢٥٨، ٢٦٠، ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٥، ٢٧٧، ٢٨٢، ٢٨٩، ٣١٨، ٤٢٩، ٤٣٥، ٤٣٨، ٤٥٠\nالنفاة ١٣٢، ٣٢٥\nالنفاة المعطلة ٣٢٤\nنقصانية ١٣٤\nالنواصب ٤٢٣\n\"ي\"\nاليعقوبية ١٩٦، ١٩٧\nاليهود ١٧٢، ١٨١، ١٨٤، ١٨٧، ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠، ١٩١، ١٩٢، ١٩٣، ١٩٤، ١٩٥، ٢٠٠، ٢١٨، ٢٢٥، ٢٣٢، ٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٤، ٢٤٧، ٢٤٩، ٢٥٠، ٢٥٦، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٤، ٢٦٦، ٢٧٠، ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٥، ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٨٩، ٣٠١، ٣١٨، ٤٢٩، ٤٥٠","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>فهرس الموضوعات:</span>\n- المقدمة ٥\nسبب اختيار الموضوع ٧\nخطة البحث ٨\nتمهيد\n- المبحث الأول: في بيان معنى الوسطية ١٥\nأولًا: الوسطية في اللغة ١٥\nثانيًا: الوسطية في استعمال الشارع ١٨\nشرح بعض الألفاظ المقابلة للوسط ٢٣\n١- الغلو ٢٣\n٢- الإفراط ٢٥\n٣- التفريط ٢٥\n٤- الجفاء ٢٧\n- المبحث الثاني: في بيان معنى السنة في اللغة والاصطلاح ٢٩\nأولًا: السنة في اللغة ٢٩\nثانيًا: السنة في الاصطلاح ٣٠\nالسنة عند المحدثين ٣٠\nالسنة عند الأصوليين ٣٠","vol":"1","page":515},{"text":"السنة عند الفقهاء ٣١\nالسنة عند السلف ٣٢\nكلام سفيان بن عيينة في ذلك ٣٤\nكلام الإمام الشافعي ٣٥\nكلام علي بن المديني ٣٥\nكلام الإمام أحمد بن حنبل ٣٦\nكلام سهل بن عبد الله التستري ٣٦\nإطلاق السلف على مصنفاتهم في أمور الاعتقاد اسم \"السنة\" ٣٧\nتفريق السلف بين مفهوم السنة والحديث ٣٨\n- المبحث الثالث: المراد بأهل السنة ٤١\nأولًا: نشأة مصطلح أهل السنة وتاريخ إطلاقه إطلاق السلف له ٤١\nرواية ابن عباس في ذلك ٤١\nوروده عن أيوب السختياني ٤٢\nوروده عن سفيان الثوري ٤٢\nوروده عن الفضيل بن عياض ٤٢\nوروده عن أبي عبيد القاسم بن سلام ٤٢\nوروده عن الإمام أحمد بن حنبل ٤٣\nوروده عن الإمام ابن جرير ٤٣\nوروده عن الإمام أبي جعفر الطحاوي ٤٣\nالرد على من زعم أن مصطلح أهل السنة أول ما أطلق على الأشاعرة ٤٤\nثانيًا: معنى مصطلح أهل السنة يراد به أحد معنيين ٤٦\nالمعنى الأول: معنى عام ٤٦\nالمعنى الثاني أخص وأضيق من المعنى الأول ٤٧\nثالثًا: تنازع الطوائف لقب أهل السنة ٤٨\nادعاء الأشاعرة أنهم أهل السنة ٥٤","vol":"1","page":516},{"text":"كلام البغدادي في ذلك ٥٦\nكلام الإسفراييني ٥٧\nكلام الجويني ٥٧\nكلام الغزالي ٥٨\nكلام الرازي ٥٨\nكلام الخيالي ٥٨\nكلام البيجوري ٥٩\nكلام البوطي ٥٩\nكلام وهبي سليمان ٦٠\n- رابعًُا: طريق معرفة السنة وإدراكها ٦١\n- خامسًا: موقف الأشاعرة من النقل ٦٣\nكلام ابن فورك في ذلك ٦٤\nكلام البغدادي في ذلك ٦٤\nكلام الجويني في ذلك ٦٥\nكلام الغزالي في ذلك ٦٦\nكلام الرازي ٦٧\n- سادسًا: سلف الأشاعرة وموقف أهل السنة منهم ٧٢\nموقف أهل العلم من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة ٧٦\nالقول الأول: قول من يرى أنهم ليسوا من أهل السنة ٧٧\nالقول الثاني: قول من عدهم من أهل السنة ٨٠\nالقول الثالث: قول من يرى أنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة من أبواب الاعتقاد ٨٢\nالقول الرابع: اعتبارهم من أهل الإثبات والتفريق بين أئمتهم المتقدمين ومتأخريهم ٨٤\nفي كون الأشاعرة من أهل السنة أو لا تفصيل لا بد منه ٨٥","vol":"1","page":517},{"text":"اختيار أن لا يطلق عليهم لقب أهل السنة إلا مقيدًا ٨٩\n- المبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم وعند خصومهم ٩١\nأولًا: الأسماء المرضية عندهم ٩١\n١- أهل الجماعة ٩١\n٢- السلفية أو السلفيون ٩٦\nالسلف في اللغة ٩٦\nهل التحديد الزمني كاف لتحديد مفهوم السلف ١٠٠\nضرورة بيان مذهب السلف ١٠٥\nالانتساب إلى السلف والتلقب بالسلفية والرد على البوطي في كلامه في ذلك ١٠٩\n٣- أهل الحديث ١١٦\n٤- الأثرية أو أهل الأثر ١١٩\n٥- الفرقة الناجية ١٢٠\n٦- الطائفة المنصورة ١٢١\nثانيًا: ألقاب أهل السنة عند خصومهم من أهل البدع ١٢٦\nالغرض من ذكر ذلك ١٢٧\n١- مشبهة ١٢٨\nنبز الجهمية أهل السنة به ١٢٨\nنبز المعتزلة أهل السنة به ١٢٨\nنبز الأشاعرة أهل السنة به ١٣٠\nالرد عليهم في ذلك وبيان من هم المشبهة في كلام السلف ١٣١\n٢- مجبرة ١٣٢\nنبز المعتزلة أهل السنة به ١٣٢\n٣، ٤، ٥- نقصانية، مخالفة، شكاك ١٣٤","vol":"1","page":518},{"text":"نبز طوائف المرجئة أهل السنة بذلك ١٣٤\n٦- ناصبة ١٣٦\nنبز الرافضة أهل السنة به ١٣٦\n٧- العامة والجمهور ١٣٧\nنبز الرافضة أهل السنة به ١٣٨\n٨- حشوية ١٤١\nالمعنى اللغوي لهذا اللفظ ١٤١\nالمراد به في اصطلاح مع أطلقه ١٤١\nالفرق التي نبزت أهل السنة بهذا اللقب ١٤٤\n١ المعتزلة كلامهم في ذلك ١٤٤\n٢ الرافضة ١٤٧\n٣ الأشاعرة، نماذج من كلامهم في ذلك ١٤٧\n٤ الماتريدية ١٤٨\n٥ الخوارج ١٤٩\nالرد عليهم ١٤٩\n٩- نابتة أو نوابت ١٥١\nالمعنى اللغوي والاصطلاحي ١٥١\nمن أطلق ذلك على أهل السنة ١٥١\n١- المعتزلة ١٥١\n٢- الخوارج ١٥١\n١٠- غثاء وغثراء ١٥٢\nمعنى ذلك ١٥٢\nالباب الأول: في وسطية هذه الأمة بين الأمم\n- بين يدي هذا الباب ١٥٥\nالعلاقة بين وسطية هذه الأمة ووسطية أهل السنة ١٥٥","vol":"1","page":519},{"text":"معنى الأمة في اللغة ١٥٧\nمعنى الأمة في الشرع ١٥٩\nمعاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة ١٦٠\n١- العدالة ١٦٠\n٢- الخيرية ١٦١\n٣ الاعتدال والتوسط ١٦١\n- الفصل الأول: عدالة هذه الأمة ١٦٣\n- المبحث الأول: وجوب العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به ١٦٥\nأولًا: وجوب العدل عليها ١٦٥\nثانيًا: قيامها به وصور من ذلك ١٦٧\n- المبحث الثاني: وصف الله لهذه المة بالعدالة وشهادته لها بذلك ١٧٥\n- المبحث الثالث: اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها وشهادتهم لها بذلك ١٧٨\n- المبحث الرابع: العدل عند أهل الكتاب ١٨٤\nأولًا: مبدا العدل عند اليهود ١٨٤\nأ- العدل فيما بينهم ١٨٤\nب- العدل عندهم فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم ١٨٨\nثانيًا: العدل عند النصارى ١٩٢\nأ- العدل فيما بينهم ١٩٢\nب- العدل فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم ١٩٨\n- الفصل الثاني: خيرية هذه الأمة ٢٠٣\n- المبحث الأول: في إثبات خيريتها ٢٠٥\nإشكال وجوبه ٢٠٧\n- المبحث الثاني: أوجه خيرية هذه الأمة ٢١٠\nالوجه الأول: إيمانها بالله ﷿ ٢١٠\nالوجه الثاني: كونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ٢١٢","vol":"1","page":520},{"text":"الوجه الثالث: كونها خير الأمم وأنفعها للناس ٢١٤\nالوجه الرابع: كونها أكثر الناس استجابة للأنبياء ٢١٧\nالوجه الخامس: كونها لا تجمع على ضلالة ٢١٨\nالوجه السادس: كون كتابها خير الكتب السماوية ٢١٩\nالوجه السابع: كون نبيها أفضل الأنبياء والرسل ٢٢٦\nالوجه الثامن: تقديمها على الأمم في الحشر والحساب ودخول الجنة ٢٣٢\nالوجه التاسع: كونها أكثر أهل الجنة ٢٣٣\n- الفصل الثالث: اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط ٢٣٥\nتمهيد ٢٣٧\n- المبحث الأول: وسطيتها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته ٢٤٢\nأولًا: موقف أمة اليهود من هذا الباب ٢٤٤\nاتخاذهم الأنداد وعبادة الأصنام ٢٤٤\nقولهم بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق ٢٤٧\nثانيًا: موقف أمة النصارى ٢٤٩\nتشبيههم المخلوق بالخالق، وتأليه عيسى ﵇ ٢٥٠\nسبهم للخالق وتنقصهم له ٢٥٤\nثالثًا: موقف المسلمين ٢٥٧\n- المبحث الثاني: وسطيتها واعتدالها في باب أنبياء الله ورسله ٢٥٩\nأولًا: موقف اليهود من أنبياء الله ورسله ٢٦٠\nتفريقهم بين الرسل ٢٦١\nخذلانهم أنبيائهم وعدم نصرتهم ٢٦٢\nتنقصهم لهم ورميهم إياهم بالكبائر والموبقات ٢٦٣\nقتلهم للأنبياء ٢٦٨\nثانيًا: موقف النصارى ٢٧٣\nلم يؤمنوا بجميع الرسل ٢٧٣","vol":"1","page":521},{"text":"غلوهم في عيسى ﵇ ٢٧٤\nخذلانهم له وعدم نصرته ٢٧٦\nثالثًأ: موقف المسلمين ٢٧٧\nإيمانهم بجميع الأنبياء والرسل ٢٧٧\nتوقيرهم لهم جميعًا وعدم تنقصهم لأحد منهم ٢٧٩\nعدم الغلو والإفراط في مدحهم ٢٨٢\nالباب الثاني: في وسطية أهل السنة بين الفرق\nبين يدي هذا الباب ٢٨٧\nبيان افتراق الأمة وسبب ذلك ٢٨٩\nأولًا: افتراق الأمة وسبب ذلك ٢٨٩\n١- الخوارج ٢٩٠\n٢- الشيعة ٢٩٢\n٣ المرجئة ٢٩٤\n٤ الجهمية ٢٩٦\n٥- المعتزلة ٢٩٦\n٦- الأشاعرة ٢٩٧\nثانيًا: أسباب افتراقها ٢٩٩\nأ- الأسباب الداخلية لذلك ٢٩٩\nب- الأسباب والمؤثرات الأجنبية ٣٠٠\n- الفصل الأول: وسطية أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته ٣٠٣\nتمهيد ٣٠٥\n- المبحث الأول: في بيان قول أهل التعطيل ٣٠٩\n- المبحث الثاني: في باين قول أهل التشبيه ٣١٧\n- المبحث الثالث: في بيان قول أهل سواء السبيل وهم أهل السنة ٣١٩\nقواعد عامة لأهل السنة في هذا الباب ٣٢٠","vol":"1","page":522},{"text":"- المبحث الرابع: بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب ٣٢٤\nأولًا: أقوال بعض السلف في وسطية أهل السنة في صفات الله ٣٢٤\nثانيًا: صور من وسطية أهل السنة في هذا الباب ٣٢٦\nفي صفة العلو والفوقية ٣٢٧\nفي الرؤية ٣٢٩\n- الفصل الثاني: وسطية أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد\nتمهيد ٣٣١\n- المبحث الأول: في وسطيتهم في الأسماء والأحكام ٣٣٤\nتعريف الإيمان ٣٣٤\nعند الخوارج والمعتزلة وأهل السنة ٣٣٤\nعند المرجئة ٣٣٥\nالفرق بين قول الخوارج والمعتزلة وبين قول أهل السنة ٣٣٨\nقول الخوارج والمعتزلة في مرتكب الكبيرة ٣٣٩\nأ- قول الخوارج ٣٣٩\nب- قول المعتزلة ٣٤١\nقول طوائف المرجئة في ذلك ٣٤٤\nقول أهل السنة والجماعة ٣٤٦\n- المبحث الثاني: وسطيتهم في نصوص الوعد والوعيد ٣٥٣\n- الفصل الثالث: وسطية أهل السنة في باب القدر ٣٥٩\n- المبحث الأول: في معنى القدر وحكمه ٣٦١\nأولًا: معنى القدر ٣٦١\nثانيًا: حكمه ومنزلته من الدين ٣٦٢\nحقيقة القدر الذي يجب الإيمان به ٣٦٣\n- المبحث الثاني: نشأة الكلام في القدر ونزاع الناس فيه ٣٦٧","vol":"1","page":523},{"text":"مخاصمة المشركين في القدر ٣٦٧\nخوض بعض الصحابة فيه ونهي النبي إياهم ٣٦٩\nظهور بدعتي نفي القدر والقول بالجبر ٣٦٩\n- المبحث الثالث: بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب ٣٧٣\nأولًا: وسطيتهم في خلق أفعال العباد ٣٧٤\nالطرف الأول: الجبرية ٣٧٤\nالطرف الثاني: القدرية ٣٧٨\nالواسطة بين الطرفين، أهل السنة والجماعة ٣٧٩\nثانيًا: وسطيتهم في معنى إرادة الله ومشيئته ومحبته ورضاه ٣٨٣\nقول المعتزلة في ذلك ٣٨٤\nقول الجبرية في ذلك ٣٨٤\nقول أهل السنة في ذلك ٣٨٦\n- الفصل الرابع: وسطيتهم في باب الصحابة ﵃ ٣٨٨\nتمهيد ٣٩١\nتعريف الصحابي ٣٩١\nمنزلة الصحابة ومكانتهم في الكتاب والسنة ٣٩٢\n- المبحث الأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة ٣٩٩\nأولًا: ذكر قول الخوارج ٣٩٩\nتكفيرهم لعلي وعثمان وطلحة وغيرهم من الصحابة ٤٠٠\nثانيًا: ذكر قول المعتزلة ٤٠٤\nتفسيقهم لطوائف من الصحابة ورد شهادتهم ٤٠٢\nتبرؤهم من بعض الصحابة ٤٠٣\nطعنهم في بعض الصحابة وشتمهم ٤٠٣\n- المبحث الثاني: ذكر قول الشيعة الرافضة وجمعهم بين الغلو والجفاء ٤٠٥\nجفاؤهم ٤٠٦","vol":"1","page":524},{"text":"قولهم بتفضيل علي ﵁ على سائر الصحابة ٤٠٦\nسبهم وشتمهم أفاضل الصحابة رضوان الله عليهم ٤٠٦\nتبرؤهم من أفاضل منهم ٤٠٧\nتكفيرهم جل الصحابة ٤٠٨\nمظاهر غلوهم في بعض الصحابة ٤١١\nتقديم علي وتفضيله ٤١١\nقولهم بعصمة أئمتهم ٤١٢\nزعمهم أن أئمتهم يعلمون الغيب ٤١٣\nقولهم بتفضيل أئمتهم على الأنبياء ٤١٤\nزعمهم أن الإمام محدث يوحي إليه ٤١٦\nقول بعضهم بألوهية علي ﵁ ٤١٧\n- المبحث الثالث: في ذكر قول أهل السنة والجماعة ٤١٩\nسياق عقيدة أهل السنة في الصحابة ٤١٩\nقول الإمام محمد بن حنبل في ذلك ٤١٩\nقول الإمام الطحاوي في عقيدة أهل السنة في ذلك ٤٢٠\nقول الإمام الصابوني في ذلك ٤٢١\nكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك ٤٢١\nببيان وسطية أهل السنة في هذا الباب ٤٢٤\n- الفصل الخامس: وسطية أهل السنة في باب تعظيم النبي ﷺ والصالحين من أمته ٤٢٧\nتمهيد ٤٢٧\n- المبحث الأول: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم النبي ﷺ ٤٣١\nأولًا: موقف أهل السنة وقولهم في هذا الباب ٤٣١\nثانيًا: ذكر قول بعض من غلا وإفراط في تعظيمه ٤٣٧\nثالثًأ: ذكر قول من فرط وقصر ي حقه ﷺ ٤٤٢","vol":"1","page":525},{"text":"- المبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين ٤٤٤\nبيان من هم الصالحون ٤٤٤\nالناس في هذا الباب ثلاثة أصناف ٤٤٦\nالصنف الأول: أهل السنة والجماعة ٤٤٦\nذكر قولهم ومذهبهم في ذلك ٤٤٦\nالصنف الثاني: أهل الغلو والإفراط ٤٥١\nالصنف الثالث: أهل التقصير والتفريط ٤٥٢\n- الخاتمة ٤٥٥\nالفهارس\nفهرس المصادر والمراجع ٤٦١\nفهرس الآيات القرآنية الكريمة ٤٨٧\nفهرس الأحاديث النبوية والآثار ٤٩٩\nفهرس الفرق والطوائف ٥٠٧\nفهرس الموضوعات ٥١٥","vol":"1","page":526}]}