{"ً":{"ٌ":7414,"ٍ":"زهر الأكم في الأمثال والحكم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الأدب والبلاغة/زهر الأكم في الأمثال والحكم - اليوسي - ت حجي والأخضر - ط الثقافة 1-3","files":["00_65908.pdf|الغلاف","01_65908.pdf","02_65909.pdf","03_65910.pdf"]},"ّ":"الكتاب: زهر الأكم في الأمثال والحكم\nالمؤلف: الحسن بن مسعود بن محمد، أبو علي، نور الدين اليوسي (ت ١١٠٢هـ)\nالمحقق: د محمد حجي، د محمد الأخضر\nالناشر: الشركة الجديدة - دار الثقافة، الدار البيضاء - المغرب\nالطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م\nعدد الأجزاء: ٣\n [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[زهر الأكم في الأمثال والحكم - اليوسي]\n\nمن أشهر كتب الأمثال في المغرب. منه ست عشرة نسخة مخطوطة في خزانة المكتبة الملكية بالرباط، وكلها متفقة على انقطاع الكتاب في أثناء باب (الصاد) عند قول طرفة: (فتناهيت وقد صارت بقُر) . ويشتمل الكتاب في تصميمه (الذي لم ينفذ بحذافيره) على (٦٦) بابًا مقسمة إلى سمطين، في السمط الأول: الأمثال وما يلتحق بها، والثاني: الحكم وما يلتحق بها\n١- السمط الأول وما يلتحق به، في مقدمة وخاتمة وأربعة وثلاثين بابًا. تسعًا وعشرون بابًا في الأمثال، رتبت على حروف المعجم. أما الأبواب الخمسة التالية، فهي في الأمثال التركيبية والأعيان، والأمثال القرآنية، وأمثال الحديث والأبيات السائرة.\n٢- السمط الثاني يشتمل على الحكم وما يلتحق بها في اثنين وثلاثين بابًا. تسعة وعشرون في الحكم المرتبة على حروف المعجم، وفي الأبواب الثلاثة الأخيرة، طائفة من الحكم المجموعة وطائفة من النوادر.\nإلا أن اليوسي لم يتمه، فمات وهو لم يكتب منه غير المقدمة والخاتمة، وأربعة عشر بابًا من السمط الأول.\nوالقسم الذي كان قد كتبه يشتمل على أربعة عشر بابًا في الأمثال، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة. وقد بدأ في تقصيه للأمثال وأخبارها وما يتصل بحياة أشخاصها نموذجًا للعالم الموسعي الغني بالمعرفة والدراية بشؤون وشجون التاريخ الأدبي عند العرب والمسلمين.\nويعجب القارئ وهو يرى سعة عارضة اليوسي في مقدمته، إذا علم أنه ألف كتابه هذا وهو لم يطلع على أي كتاب من كتب المتقدمين في الأمثال. مع أنه استخرج من كتب الأدب والتاريخ معظم ما جمعوه في كتبهم. طبع الكتاب لأول مرة، في ثلاثة مجلدات، في الدار البيضاء سنة ١٤٠١هـ ١٩٨١م بتحقيق. محمد حجي: عميد كلية الآداب في الرباط، ود. محمد الأخضر. وطبعته دار ومكتبة الهلال - بيروت في ٣ أجزاء عام ٢٠٠٣ م تحقيق د. قصي الحسين","ٓ":"1.0","ٔ":452,"ٕ":32,"ٖ":1770154736,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","level":2,"page":1},{"title":"وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه","level":2,"page":1},{"title":"الأمثال وما يلتحق بها","level":1,"page":7},{"title":"السمط الأول","level":2,"page":8},{"title":"المقدمة","level":2,"page":8},{"title":"الفصل الأول:","level":2,"page":8},{"title":"معنى المثل والحكمة","level":2,"page":8},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":20},{"title":"فائدة المثل والحكمة وفضلهما","level":2,"page":20},{"title":"الفصل الثالث:","level":2,"page":32},{"title":"فضل الشعر","level":2,"page":32},{"title":"الفصل الرابع:","level":2,"page":39},{"title":"الأمثال الشعرية","level":2,"page":39},{"title":"خاتمة","level":2,"page":47},{"title":"في اصطلاح الكتاب","level":2,"page":47},{"title":"باب الألف","level":2,"page":48},{"title":"أبى الحقين العذرة","level":2,"page":48},{"title":"أتى الأبد، على لبد.","level":2,"page":48},{"title":"أتتك بحائن رجلاه.","level":2,"page":50},{"title":"أتيته صكة عمي","level":2,"page":51},{"title":"أتتهم فالية الأفاعي.","level":2,"page":52},{"title":"يأتيك كل غد بما فيه.","level":2,"page":52},{"title":"إحدى حظيات لقمان","level":2,"page":53},{"title":"الأخذ سلجان، والقضاء ليان","level":2,"page":53},{"title":"الأخذ سريط، والقضاء ضريط","level":2,"page":54},{"title":"اتخذ فلان حمارا للحاجات","level":2,"page":55},{"title":"أخذ الليل جملا","level":2,"page":55},{"title":"أخذهم ما قدم وما حدث:","level":2,"page":57},{"title":"خذ من جذع ما أعطاك:","level":2,"page":57},{"title":"خذ من الرضفة ما عليها:","level":2,"page":57},{"title":"خذه ولو بقرطي مارية:","level":2,"page":58},{"title":"آخر البز على القلوص:","level":2,"page":59},{"title":"آخر أقلها شربا.","level":2,"page":60},{"title":"أخوك أم الذئب","level":2,"page":60},{"title":"أخوك البكري ولا تأمنه!","level":2,"page":60},{"title":"إذا دخلت أرض الحصيب فهرول!","level":2,"page":61},{"title":"إذا رغب الملك عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة.","level":2,"page":61},{"title":"إذا ارجحن شاصيا فارفع يدا:","level":2,"page":61},{"title":"إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح.","level":2,"page":61},{"title":"إذا اشتريت فاذكر السوق.","level":2,"page":62},{"title":"إذا طلبت الباطل أنجح بك.","level":2,"page":62},{"title":"إذا عز أخوك فهن.","level":2,"page":62},{"title":"إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.","level":2,"page":63},{"title":"إذا نزل بك الشر فاقعد.","level":2,"page":64},{"title":"إذا نزل القضاء عمي البصر:","level":2,"page":64},{"title":"إذا لم تغلب فاخلب.","level":2,"page":65},{"title":"مأرب لا حفاوة:","level":2,"page":65},{"title":"آكل من أرضة.","level":2,"page":66},{"title":"آكل من سوس.","level":2,"page":66},{"title":"يأكلك الأسد ولا يأكلك الكلب.","level":2,"page":66},{"title":"آلف من حمام مكة.","level":2,"page":68},{"title":"آلف من غراب عقدة.","level":2,"page":70},{"title":"إليك يساق الحديث.","level":2,"page":70},{"title":"أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.","level":2,"page":70},{"title":"الأمور مخلوجة وليست بسلكى.","level":2,"page":71},{"title":"تأمير الأراذل، تدمير الأفاضل.","level":2,"page":72},{"title":"الأمر أشد من ذلك.","level":2,"page":72},{"title":"آمن من حمام مكة.","level":2,"page":72},{"title":"أما الدين فلا دن.","level":2,"page":73},{"title":"أنا بالقوس، وأنت بالقرقوس، متى نجتمع؟","level":2,"page":73},{"title":"أنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق","level":2,"page":74},{"title":"أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب.","level":2,"page":75},{"title":"أنا كلف، وأنت صلف، فكيف نأتلف","level":2,"page":79},{"title":"أنا اتلوص قبل أن أرمى.","level":2,"page":79},{"title":"أنا من هذا الأمر فالج بن خلاوة.","level":2,"page":79},{"title":"أنا من هذا الأمر كحاقن الإهالة.","level":2,"page":80},{"title":"أنا النذير العريان.","level":2,"page":80},{"title":"أنت شولة الناصحة","level":2,"page":81},{"title":"أنت صاحبة النعامة.","level":2,"page":81},{"title":"أنت غيري نغرة","level":2,"page":81},{"title":"إن جرجر العود فزده وقرا","level":2,"page":85},{"title":"أن ذهب عير فعير في الرهط.","level":2,"page":85},{"title":"الإيناس قبل الابساس","level":2,"page":85},{"title":"إن أعيى فزوده نوطا.","level":2,"page":86},{"title":"أنفك منك وإن كان أجدع.","level":2,"page":87},{"title":"إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا.","level":2,"page":88},{"title":"أن كنت ذا طب فطب لعينيك","level":2,"page":89},{"title":"أن يكن هذا من الله يمضه.","level":2,"page":89},{"title":"إن لا حظية فلا ألية","level":2,"page":89},{"title":"إن لا أكن صنعا فإني أعتثم.","level":2,"page":90},{"title":"لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم","level":2,"page":91},{"title":"إن البغاث بأرضنا يستنسر","level":2,"page":91},{"title":"إن البكري ليحسن السعدي","level":2,"page":94},{"title":"إن تحت طريقته لعنداوة.","level":2,"page":94},{"title":"إن الجواد عينه فرارة.","level":2,"page":95},{"title":"إن الحذر لا يغني من القدر.","level":2,"page":96},{"title":"إن الرثيئة تفثا الغضب","level":2,"page":97},{"title":"إن الرقين تغطي أفن الأفين","level":2,"page":98},{"title":"إن السقط يحرق الحرجة.","level":2,"page":99},{"title":"إن الشفيق بسوء الظن مولع","level":2,"page":101},{"title":"إن الشقراء لم يعد شرها رجليها","level":2,"page":102},{"title":"إن الشقي وافد البراجم.","level":2,"page":103},{"title":"إن العصا قرعت لذي الحلم.","level":2,"page":107},{"title":"إن فلانا باقعة.","level":2,"page":109},{"title":"إنه لذو بزلاء.","level":2,"page":109},{"title":"إنه ليسر حسوا في لرتغاء.","level":2,"page":109},{"title":"إنه لساكن الريح.","level":2,"page":110},{"title":"إنه لشراب بأنقع.","level":2,"page":111},{"title":"إنه لصل أصلال.","level":2,"page":111},{"title":"إنه لضعيف العصا.","level":2,"page":112},{"title":"إنه لضل إضلال.","level":2,"page":112},{"title":"إنه لعض.","level":2,"page":113},{"title":"إنه للين العصا.","level":2,"page":114},{"title":"إنه لنقاب.","level":2,"page":114},{"title":"إنه لنكد الحظيرة.","level":2,"page":115},{"title":"إنه لهتر اهتار.","level":2,"page":115},{"title":"إنه لواقع الطائر.","level":2,"page":116},{"title":"انك لا تجني من الشوك العنب.","level":2,"page":116},{"title":"إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع.","level":2,"page":117},{"title":"إن في المرنعة لكل قوم مقنعة.","level":2,"page":119},{"title":"إن في مض لمطمعا.","level":2,"page":119},{"title":"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.","level":2,"page":119},{"title":"إن الله لن يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه.","level":2,"page":120},{"title":"إن اللهي تفتح اللهي.","level":2,"page":120},{"title":"إنما يجزي الفتى ليس الجمل.","level":2,"page":121},{"title":"إنما سميت هانئا لتهنأ.","level":2,"page":121},{"title":"إنما اشتريت الغنم حذار العازبة.","level":2,"page":122},{"title":"إنما القرم من الأفيل","level":2,"page":122},{"title":"إنما هو كبارح الأروى.","level":2,"page":122},{"title":"إن مع اليوم غدا.","level":2,"page":123},{"title":"إن من بالنجف من ذي قدرة لقريب.","level":2,"page":124},{"title":"إن من البيان لسحرا.","level":2,"page":125},{"title":"إن من الشعر لحكمة.","level":2,"page":127},{"title":"إن من الشر خيرا.","level":2,"page":127},{"title":"إن منكم منفرين.","level":2,"page":127},{"title":"إن الهدايا على مقدار مهديها.","level":2,"page":128},{"title":"أهل مكة أعرف بشعابها.","level":2,"page":128},{"title":"أينما أذهب ألق سعدا.","level":2,"page":128},{"title":"أي داء أدوى من البخل","level":2,"page":128},{"title":"إياك أعني واسمعي يا جارة!","level":2,"page":129},{"title":"إنه ابن إحداها","level":2,"page":131},{"title":"إن كذبت فحلبت قاعدا","level":2,"page":131},{"title":"إن كذبت فشربت عبوقا باردا","level":2,"page":131},{"title":"إن فلانا لتدب عقاربه","level":2,"page":131},{"title":"إنه لفي حور بور","level":2,"page":131},{"title":"إنه لوابصة سمع","level":2,"page":131},{"title":"إذا امتلأت القربة ترشحت.","level":2,"page":132},{"title":"أبى منبت العيد ان أن يتغير.","level":2,"page":133},{"title":"إن المحب لمن يهواه زوار.","level":2,"page":133},{"title":"إن الحر حر","level":2,"page":134},{"title":"إن الحسان مظنة للحاسد.","level":2,"page":135},{"title":"إن التخلق يأتي دونه الخلق.","level":2,"page":137},{"title":"إن السم مشروب.","level":2,"page":137},{"title":"إن الكريم إذا خادعته انخدع.","level":2,"page":138},{"title":"إن ليتا وإن لوا عناء.","level":2,"page":138},{"title":"أي الرجال المهذب","level":2,"page":139},{"title":"باب الباء","level":2,"page":166},{"title":"بحث عن حتفه بظلفه","level":2,"page":166},{"title":"أبخر من الأسد.","level":2,"page":166},{"title":"أبخر من صقر","level":2,"page":167},{"title":"البدل أعور","level":2,"page":167},{"title":"برح الخفاء","level":2,"page":168},{"title":"أبرد من حبقر.","level":2,"page":169},{"title":"بر الكريم طبع، وبر البخيل دفع.","level":2,"page":169},{"title":"أبر من هرة.","level":2,"page":170},{"title":"بالرفاء والبنين.","level":2,"page":170},{"title":"برق لمن لا يعرفك.","level":2,"page":171},{"title":"أبرما قرونا.","level":2,"page":172},{"title":"أبصر من عقاب.","level":2,"page":174},{"title":"أبصر من غراب.","level":2,"page":174},{"title":"أبصر من فرس.","level":2,"page":175},{"title":"أبصر من المائح باست الماتح.","level":2,"page":175},{"title":"أبصر من هدهد","level":2,"page":176},{"title":"أبصر من وطواط بالليل.","level":2,"page":176},{"title":"بصبصن إذ حدين بالأذناب","level":2,"page":176},{"title":"بضرب خباب وريش المقعد","level":2,"page":176},{"title":"أبطأت بالجواب، حتى فات الصواب.","level":2,"page":176},{"title":"أبطأ من غراب نوح.","level":2,"page":181},{"title":"أبطأ من فند.","level":2,"page":181},{"title":"البطنة، تذهب الفطنة.","level":2,"page":181},{"title":"بطني وعطري، وسائري ذري!","level":2,"page":183},{"title":"أبعد من بيض الأنوق.","level":2,"page":184},{"title":"أبعدي عني ظلك، أحمل حملي وحملك!","level":2,"page":186},{"title":"بعض الشر أهون من بعض.","level":2,"page":186},{"title":"بعلة الورشان يأكل رطب المشان.","level":2,"page":187},{"title":"البغاث بأرضنا يستنسر.","level":2,"page":188},{"title":"أبلعني ريقي.","level":2,"page":188},{"title":"يبلغ الخضم بالقضم.","level":2,"page":190},{"title":"بلغ السكين العظم.","level":2,"page":191},{"title":"بلغ السيل الزبى.","level":2,"page":191},{"title":"بلغ الشظاظ الوركين.","level":2,"page":192},{"title":"بلغ الله بك اكلا العمر.","level":2,"page":193},{"title":"بلغ من العلم اطوريه.","level":2,"page":193},{"title":"ابله من ضب.","level":2,"page":193},{"title":"ابنك أبن ايرك، ليس بذي أب غيرك.","level":2,"page":194},{"title":"ابنك أبن بوحك.","level":2,"page":194},{"title":"ابنك من دمى عقبيك","level":2,"page":195},{"title":"به لا بظبي.","level":2,"page":195},{"title":"باءت عرار بكحل.","level":2,"page":196},{"title":"بال حمار فاستبال أحمرة.","level":2,"page":196},{"title":"بالت عليه الثعالب.","level":2,"page":196},{"title":"بات فلان بليلة ابن المنذر.","level":2,"page":196},{"title":"باتت المرأة بليلة حرة.","level":2,"page":197},{"title":"باتت بليلة شيباء.","level":2,"page":197},{"title":"باتت بليلة أنقد.","level":2,"page":197},{"title":"بيدي لا بيد عمرو.","level":2,"page":197},{"title":"بيدين ما أوردها زائدة.","level":2,"page":199},{"title":"بيض القطا يحضنه الأجدل.","level":2,"page":200},{"title":"بين الصبح لذي عينين.","level":2,"page":200},{"title":"وقولهم: بفلان تقرن الصعبة.","level":2,"page":201},{"title":"وقولهم: بعد اللتيا والتي.","level":2,"page":201},{"title":"وقولهم: هو ابن زوملتها","level":2,"page":201},{"title":"وقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها","level":2,"page":201},{"title":"وقولهم: البركات في الحركات.","level":2,"page":202},{"title":"كأنها تهفي على القلوب.","level":2,"page":215},{"title":"باب التاء والمثناة","level":2,"page":296},{"title":"تتابعي بقر!","level":2,"page":296},{"title":"أتبع الفرس لجامها، والناقة زمامها، والدلو رشاءها.","level":2,"page":296},{"title":"اتبع من الظل.","level":2,"page":298},{"title":"اتجر من عقرب.","level":2,"page":299},{"title":"تحفة المؤمن الموت.","level":2,"page":300},{"title":"أتخم من الفصيل.","level":2,"page":300},{"title":"تركت الرأي ببقة.","level":2,"page":302},{"title":"ترك الخداع من أجرى من المائة.","level":2,"page":302},{"title":"تركت فلانا بملاحس البقر أولادها.","level":2,"page":302},{"title":"تركته ترك الظبي ظله.","level":2,"page":303},{"title":"تركته كجوف الحمار.","level":2,"page":303},{"title":"تركتهم لحما على وضم.","level":2,"page":304},{"title":"ترك الوطن أحد السباءين.","level":2,"page":305},{"title":"اتق مأثور القول!","level":2,"page":305},{"title":"تلك التجارة لا انتقاد الدرهم.","level":2,"page":311},{"title":"تمرة خير من جرادة.","level":2,"page":311},{"title":"التمر في البئر على ظهر الجمل.","level":2,"page":312},{"title":"اتميميا مرة وقيسيا أخرى","level":2,"page":312},{"title":"تيسي جعار.","level":2,"page":315},{"title":"تحت طريقتك عنداوة.","level":2,"page":315},{"title":"تركته باست الأرض.","level":2,"page":316},{"title":"تركته على أنقى من الراحة.","level":2,"page":316},{"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","level":2,"page":346},{"title":"باب الثاء","level":2,"page":346},{"title":"الثابت يكسر الوثبات.","level":2,"page":346},{"title":"أثقف من سنور.","level":2,"page":346},{"title":"أثقل رأسا من فهد.","level":2,"page":346},{"title":"مثقل استعان بذقنه.","level":2,"page":347},{"title":"أثقل من حديث معاد.","level":2,"page":347},{"title":"أثقل من حمل الدهيم.","level":2,"page":350},{"title":"أثقل من الزواقي.","level":2,"page":350},{"title":"أثقل من مغن وسط.","level":2,"page":350},{"title":"أثقل من الفيل.","level":2,"page":352},{"title":"ثكل أرأمها ولدا.","level":2,"page":356},{"title":"الثور يحمي أنفه بروقه.","level":2,"page":359},{"title":"ثار حابلهم على نابلهم","level":2,"page":361},{"title":"باب الجيم","level":2,"page":377},{"title":"أجبن من صافر.","level":2,"page":377},{"title":"خلا لك الجو فبيضي واصفري","level":2,"page":377},{"title":"أجبن من الكروان.","level":2,"page":378},{"title":"أجبن من المنزوف ضرطا.","level":2,"page":378},{"title":"أجبن من النعامة.","level":2,"page":379},{"title":"الجحش لما بذك الأعيار!","level":2,"page":380},{"title":"جدك كدك.","level":2,"page":380},{"title":"جدع مازن انفه بكفه.","level":2,"page":381},{"title":"أجرأ من خاصي خصاف.","level":2,"page":382},{"title":"أجرأ من خاصي الأسد.","level":2,"page":382},{"title":"أجرأ من فارس خصاف.","level":2,"page":383},{"title":"جرب ثم باعد أو قرب.","level":2,"page":383},{"title":"يجري بليق ويذم.","level":2,"page":383},{"title":"جري المذكي حسرات عنه الحمر.","level":2,"page":383},{"title":"جري المذكيات غلاب.","level":2,"page":384},{"title":"جروا له الخطير ما أنجز لكم!","level":2,"page":384},{"title":"اجر الأمور على إذلالها!","level":2,"page":385},{"title":"أجرى من ذباب.","level":2,"page":386},{"title":"جزاه جزاء سنمار.","level":2,"page":386},{"title":"تجشى لقيم من غير شبع.","level":2,"page":387},{"title":"أجلسته عندي فاتكأ.","level":2,"page":387},{"title":"جلى محبا نظره.","level":2,"page":387},{"title":"جمع بين الأروى والنعام.","level":2,"page":388},{"title":"جمع بين الضب والنون.","level":2,"page":390},{"title":"أجمل من المذهب.","level":2,"page":391},{"title":"الجمل من جوفه يجتز.","level":2,"page":391},{"title":"تجنب روضة وأحال يعدو.","level":2,"page":391},{"title":"أجن من دقة.","level":2,"page":391},{"title":"أجود من لافظة.","level":2,"page":392},{"title":"الجواد يكبو.","level":2,"page":392},{"title":"أجناؤها أبناؤها.","level":2,"page":393},{"title":"يجني من الشوك الثمر.","level":2,"page":393},{"title":"تجمع الحرة ولا تأكل بثدييها.","level":2,"page":393},{"title":"جوع كلبك يتبعك!","level":2,"page":395},{"title":"أجوع من ذئب.","level":2,"page":396},{"title":"أجوع من كلبة حومل.","level":2,"page":397},{"title":"أجوع من لقوة.","level":2,"page":397},{"title":"أجول من قطرب.","level":2,"page":397},{"title":"الجار قبل الدار.","level":2,"page":398},{"title":"جاء بالضح والريح","level":2,"page":398},{"title":"جاء بالحظر الرطب.","level":2,"page":399},{"title":"جاء بما صأى وصمت.","level":2,"page":399},{"title":"جاء صريم سحر","level":2,"page":400},{"title":"جاء يضرب أسدريه.","level":2,"page":400},{"title":"جاء يفري ويقد.","level":2,"page":400},{"title":"جاء بأم الربيق، على أريق.","level":2,"page":401},{"title":"جاءوا مخلين فلاقوا حمضا.","level":2,"page":401},{"title":"جاءوا على بكرة أبيهم.","level":2,"page":402},{"title":"جاء ينفض مذرويه.","level":2,"page":402},{"title":"جاء على غبيراء الظهر.","level":2,"page":403},{"title":"جاء وقد لفظ لجامه.","level":2,"page":403},{"title":"جاء وقد قرض رباطه.","level":2,"page":403},{"title":"جاءوا قضهم بقضيهم.","level":2,"page":403},{"title":"أجدك تقول هذا","level":2,"page":404},{"title":"أجدت من هذا الأمر قروني","level":2,"page":404},{"title":"جاء ولكن لم يجيء لعصره.","level":2,"page":406},{"title":"الجواب ما ترى لا ما تسمع!","level":2,"page":406},{"title":"باب الحاء المهملة","level":2,"page":435},{"title":"أحب الحديث أصدقه.","level":2,"page":435},{"title":"حبك الشيء يعمي ويصم.","level":2,"page":435},{"title":"حبل فلان يفتل.","level":2,"page":436},{"title":"حتفها تحمل ضأن بأظلافها.","level":2,"page":437},{"title":"حتام تكرع ولا تنفع؟","level":2,"page":438},{"title":"المحاجزة قبل المنازلة.","level":2,"page":438},{"title":"حدأ حدأ وراءك بندقة.","level":2,"page":439},{"title":"حديث خرافة يا أم عمرو!","level":2,"page":440},{"title":"الحديث شجون.","level":2,"page":442},{"title":"حدث عن البحر ولا حرج!","level":2,"page":443},{"title":"حدث عن معن ولا حرج!","level":2,"page":444},{"title":"الحديد بالحديد يفل.","level":2,"page":444},{"title":"الحذر قبل إرسال السهم.","level":2,"page":444},{"title":"أحذر من ضب حرشته.","level":2,"page":445},{"title":"حذو النعل بالنعل.","level":2,"page":445},{"title":"الحرب خدعة.","level":2,"page":446},{"title":"الحرب سجال.","level":2,"page":446},{"title":"حرب عوان.","level":2,"page":447},{"title":"الحر إذا خودع تخادع، وإذا عظم تواضع.","level":2,"page":450},{"title":"حرة تحت قرة.","level":2,"page":450},{"title":"احر من دمع المقلات.","level":2,"page":451},{"title":"أحر من القرع","level":2,"page":452},{"title":"حر انتصر.","level":2,"page":452},{"title":"أحرس من الكركي.","level":2,"page":452},{"title":"محترس من مثله وهو حارس.","level":2,"page":453},{"title":"أحرص من نملة.","level":2,"page":453},{"title":"حرق عليه الأرم.","level":2,"page":454},{"title":"حرك خشاشه.","level":2,"page":454},{"title":"حرك لها حوارها تحن.","level":2,"page":455},{"title":"حزت حازة من كوعها.","level":2,"page":455},{"title":"أحزم من الحرباء.","level":2,"page":455},{"title":"أحزم من عقاب.","level":2,"page":456},{"title":"أحزم من قرلى.","level":2,"page":457},{"title":"حسبك من شر سماعه.","level":2,"page":458},{"title":"تحسبها حمقاء وهي باخس.","level":2,"page":462},{"title":"أحس وذق!","level":2,"page":463},{"title":"الحسن أحمر.","level":2,"page":463},{"title":"محسنة فهيلي!","level":2,"page":464},{"title":"أحسن من طاووس.","level":2,"page":464},{"title":"أحشك وتروثني!","level":2,"page":464},{"title":"أحشفا وسوء كيلة؟","level":2,"page":464},{"title":"الحفائظ تحلل الأحقاد.","level":2,"page":465},{"title":"الحق أبلج، والباطل لجلج.","level":2,"page":465},{"title":"تحقره وينتأ!","level":2,"page":466},{"title":"حقك أخذت.","level":2,"page":466},{"title":"تحككت العقرب بالأفعى.","level":2,"page":466},{"title":"احتك حكم الصبي على أهله!","level":2,"page":467},{"title":"أحكى من قرد.","level":2,"page":467},{"title":"حلأت حالئه عن كوعها.","level":2,"page":468},{"title":"أحلبت أم أجلبت","level":2,"page":468},{"title":"حلبت صرام.","level":2,"page":468},{"title":"لتحلبنها مصرا!","level":2,"page":469},{"title":"حلف له بالمحرجات.","level":2,"page":469},{"title":"حلم الأديم","level":2,"page":469},{"title":"أحلم من فرخ الطائر.","level":2,"page":470},{"title":"الحمد مغنم والمذمة مغرم.","level":2,"page":470},{"title":"أحمق ما يتوجه.","level":2,"page":471},{"title":"أحمق من جهبر.","level":2,"page":472},{"title":"أحمق من جهيزة.","level":2,"page":472},{"title":"أحمق من أبي غبشان.","level":2,"page":472},{"title":"أحمق من حبارى.","level":2,"page":473},{"title":"أحمق من دغة.","level":2,"page":473},{"title":"أحمق من رجلة.","level":2,"page":474},{"title":"أحمق من رخمة.","level":2,"page":475},{"title":"أحمق من صاحب ضأن ثمانين.","level":2,"page":475},{"title":"أحمق من ضبع.","level":2,"page":476},{"title":"أحمق من ناطح الصخرة.","level":2,"page":476},{"title":"أحمق من نعامة.","level":2,"page":477},{"title":"أحمق من هبنقة.","level":2,"page":478},{"title":"يحمل شن ويفدي لكيز.","level":2,"page":479},{"title":"الحمى أضرعتني إليك!","level":2,"page":480},{"title":"الحمى أضرعتني للنوم.","level":2,"page":481},{"title":"حمي الوطيس.","level":2,"page":482},{"title":"أحمى من مجير الجراد.","level":2,"page":482},{"title":"حن حنين الثكلى","level":2,"page":482},{"title":"حن قدح ليس منها.","level":2,"page":483},{"title":"حنت ولا تهنت.","level":2,"page":483},{"title":"حور في محارة","level":2,"page":484},{"title":"حيل بين العير والنزوان.","level":2,"page":485},{"title":"حال الجريض دون القريض.","level":2,"page":485},{"title":"حول حابله على نابله.","level":2,"page":486},{"title":"حوالينا لا علينا.","level":2,"page":486},{"title":"حيث لا يضع الراقي أنفه.","level":2,"page":487},{"title":"أحير من برغوث.","level":2,"page":487},{"title":"أحير من ضب.","level":2,"page":488},{"title":"الحية من الحيية.","level":2,"page":488},{"title":"أحيى من ضب.","level":2,"page":488},{"title":"حبا وكرامة.","level":2,"page":489},{"title":"حطني القصا.","level":2,"page":489},{"title":"تحللت عقد فلان.","level":2,"page":489},{"title":"أحسن من نار القرى.","level":2,"page":489},{"title":"أحقر من ذباب وأحقر من قلامة.","level":2,"page":490},{"title":"أحير من طير في شبكة.","level":2,"page":490},{"title":"أحير من بقة في حقة.","level":2,"page":490},{"title":"حل عبستك، ما أردت خبزتك!","level":2,"page":491},{"title":"الحمار حماري وأنا أركب من وراء!","level":2,"page":491},{"title":"باب الخاء المعجمة","level":2,"page":524},{"title":"خبأة خير من يفعة سوء.","level":2,"page":524},{"title":"خبط خبط عشواء.","level":2,"page":524},{"title":"خبقة خبقة ترق عين بقة.","level":2,"page":525},{"title":"أخدع من ضب.","level":2,"page":526},{"title":"مخرنبق لينباع.","level":2,"page":526},{"title":"تخرسي يا نفس لا مخرس لك.","level":2,"page":527},{"title":"خرقاء ذات نيقة.","level":2,"page":527},{"title":"الخرق شؤم.","level":2,"page":528},{"title":"خرقاء عيابة.","level":2,"page":529},{"title":"أخرق من حمامة.","level":2,"page":529},{"title":"خرقاء وجدت صوفا.","level":2,"page":530},{"title":"أخسر صفة من أبي غبشان.","level":2,"page":530},{"title":"خش ذؤالة بالحبالة.","level":2,"page":530},{"title":"خشية خير من ملء واد حبا.","level":2,"page":530},{"title":"أخطأت اسكت الحفرة.","level":2,"page":530},{"title":"أخطأ من ذباب.","level":2,"page":531},{"title":"أخطأ من فراش.","level":2,"page":531},{"title":"الخنفساء إذا مست نتنت.","level":2,"page":532},{"title":"أخف حلما من بعير.","level":2,"page":532},{"title":"أخف حلما من عصفور.","level":2,"page":532},{"title":"أخف رأسا من ذئب.","level":2,"page":533},{"title":"أخف من لا على اللسان.","level":2,"page":533},{"title":"أخف من يراعة.","level":2,"page":533},{"title":"تخلصت قائبة من قوب.","level":2,"page":533},{"title":"اختلط الحابل بالنابل.","level":2,"page":534},{"title":"اختلط الخاثر بالزباد.","level":2,"page":534},{"title":"خلع الدرع بيد الزوج.","level":2,"page":534},{"title":"أخلف من صقر.","level":2,"page":535},{"title":"أخلف من عرقوب.","level":2,"page":535},{"title":"خله درج الضب!","level":2,"page":535},{"title":"خلي سبيل من وهى سقاؤه!","level":2,"page":536},{"title":"خلاؤك أقنى لحيائك.","level":2,"page":537},{"title":"الخلة تدعو إلى السلة.","level":2,"page":537},{"title":"خلا لك الجو فبيضي واصفري!","level":2,"page":538},{"title":"خامري أم عامر!","level":2,"page":540},{"title":"الخنق يخرج الورق.","level":2,"page":541},{"title":"خير الأمور أوساطها.","level":2,"page":542},{"title":"خير العشاء سوافره.","level":2,"page":543},{"title":"خير العلم ما حوضر به","level":2,"page":544},{"title":"خير الغداء بواكره.","level":2,"page":544},{"title":"خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع.","level":2,"page":545},{"title":"خير ما رد في أهل ومال","level":2,"page":548},{"title":"خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة.","level":2,"page":548},{"title":"الخيل تجري على مساويها.","level":2,"page":549},{"title":"الخيل اعلم بفرسانها.","level":2,"page":550},{"title":"الخيل أعلم من فرسانها.","level":2,"page":551},{"title":"أخيل من مذالة.","level":2,"page":551},{"title":"أخرجت له حريشتي","level":2,"page":552},{"title":"أخشن من ليفة.","level":2,"page":552},{"title":"خفة الظهر أحد اليسارين.","level":2,"page":552},{"title":"خفيف الحاذ.","level":2,"page":553},{"title":"خفيف الرداء.","level":2,"page":553},{"title":"خلط عليك الأمر.","level":2,"page":554},{"title":"هو يخبأ وأبوه يكنز.","level":2,"page":554},{"title":"اخط الحسن يزيد من الحق وضوحا.","level":2,"page":554},{"title":"آلات الكتابة وأصناف الكتب.","level":2,"page":555},{"title":"أخف من دينار يحيى.","level":2,"page":564},{"title":"خالف تعرف!","level":2,"page":565},{"title":"باب الدال المهملة","level":2,"page":575},{"title":"دردب لما عضه الثقاف.","level":2,"page":575},{"title":"دفعت إليه الشيء برمته.","level":2,"page":575},{"title":"دع بنيات الطريق.","level":2,"page":576},{"title":"دعوا دما ضيعه أهله!","level":2,"page":576},{"title":"دعوا دعوة كوكبية.","level":2,"page":577},{"title":"دفن البنات من المكرمات.","level":2,"page":578},{"title":"دقك بالمنحاز حب القلقل.","level":2,"page":579},{"title":"دقوا بينهم عطر منشم.","level":2,"page":580},{"title":"دمث لنفسك قبل النوم مضطجعا!","level":2,"page":580},{"title":"الدم لا ينام.","level":2,"page":581},{"title":"دهدرين، سعد القين.","level":2,"page":581},{"title":"الدهر حبلى لا يدرى ما تلد.","level":2,"page":582},{"title":"أدهى من ثعلب.","level":2,"page":582},{"title":"دار الفسوق جدث، وحديثه حدث.","level":2,"page":583},{"title":"دون ذلك خرط القتاد","level":2,"page":583},{"title":"دون ذا وينفق الحمار!","level":2,"page":584},{"title":"دجاجة وتركل.","level":2,"page":584},{"title":"باب الذال المعجمة","level":2,"page":654},{"title":"الذئب يغبط بذي بطنه.","level":2,"page":654},{"title":"ذياب في ثياب.","level":2,"page":654},{"title":"الذيب يكنى أبا جعدة.","level":2,"page":655},{"title":"ذكرتني الطعن وكنت ناسيا.","level":2,"page":656},{"title":"ذكر ما فات يكدر الأوقات.","level":2,"page":657},{"title":"مذكية تقاس بالجذاع.","level":2,"page":658},{"title":"قياس البيض على الباذنجان.","level":2,"page":658},{"title":"أذكى من إياس.","level":2,"page":658},{"title":"ذليل عاذ بقرملة.","level":2,"page":659},{"title":"ضعيف عاد بقرملة.","level":2,"page":660},{"title":"أذل من بيضة البلد.","level":2,"page":660},{"title":"أذل من حمار.","level":2,"page":661},{"title":"أذل من حمار قبان.","level":2,"page":661},{"title":"أذل من السقبان بين الحلائب.","level":2,"page":662},{"title":"أذل من فراش.","level":2,"page":662},{"title":"أذل من فقع بقرقرة.","level":2,"page":662},{"title":"ذهبوا أيادي سبأ.","level":2,"page":663},{"title":"ذهبوا تحت كوكب.","level":2,"page":665},{"title":"ذهب دمه أدراج الرياح.","level":2,"page":665},{"title":"ذهبت هيف لأديانها.","level":2,"page":665},{"title":"الذود إلى الذود ابل.","level":2,"page":666},{"title":"ذلك الفحل لا يقدح انفه.","level":2,"page":666},{"title":"ذهب دمه خضرا مضرا.","level":2,"page":668},{"title":"لأذهبن فإما هلك وإما ملك.","level":2,"page":668},{"title":"أذهل من صب.","level":2,"page":668},{"title":"ذلك ما كنا نبغ.","level":2,"page":668},{"title":"ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها.","level":2,"page":668},{"title":"ذلك الظن بك يا أبا إسحاق!","level":2,"page":669},{"title":"باب الراء","level":2,"page":675},{"title":"أراك بشرا، ما أحار مشفر.","level":2,"page":675},{"title":"أريها السهى وتريني القمر!","level":2,"page":675},{"title":"رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.","level":2,"page":676},{"title":"ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل","level":2,"page":678},{"title":"أرى القدر، سابق الحذر","level":2,"page":679},{"title":"أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى.","level":2,"page":680},{"title":"أراك الكواكب بالنهار.","level":2,"page":680},{"title":"لأرينك لمحا باصرا!","level":2,"page":681},{"title":"الرأي مع الجماعة.","level":2,"page":681},{"title":"أرى الموت في الغرائر السود.","level":2,"page":682},{"title":"أرنيها نمرة أركها مطرة.","level":2,"page":682},{"title":"رب أخ لم تلده أمك!","level":2,"page":682},{"title":"رب أكلة منعت أكلات","level":2,"page":683},{"title":"رب رمية من غير رام.","level":2,"page":684},{"title":"رب ساع لقاعد.","level":2,"page":685},{"title":"رب سامع خبري لم يسمع عذري","level":2,"page":686},{"title":"رب سامع عذري لم يسمع قفوتي.","level":2,"page":686},{"title":"رب شد في الكرز!","level":2,"page":687},{"title":"رب صلف تحت الراعدة.","level":2,"page":687},{"title":"رب طمع يهدي إلى طبع.","level":2,"page":688},{"title":"رب عجلة تهب ريثا.","level":2,"page":689},{"title":"رب قول أشد من صول.","level":2,"page":689},{"title":"رب مملول لا يستطيع فراقه.","level":2,"page":690},{"title":"الرباح، مع السماح.","level":2,"page":690},{"title":"أربع على ظلعك!","level":2,"page":691},{"title":"يرتع وسطا ويربض حجرة.","level":2,"page":695},{"title":"رجع بخفي حنين.","level":2,"page":696},{"title":"رجع بصحيفة الملتمس.","level":2,"page":696},{"title":"رجع فلان إلى قرواه.","level":2,"page":699},{"title":"رزمة ولا درة فيها.","level":2,"page":700},{"title":"الرشف أنقع.","level":2,"page":700},{"title":"ارض من المركب بالتعليق!","level":2,"page":700},{"title":"مرعى ولا أكولة.","level":2,"page":701},{"title":"مرعى ولا كالسعدان.","level":2,"page":702},{"title":"فتى ولا كمالك.","level":2,"page":703},{"title":"رعى فأقصب.","level":2,"page":703},{"title":"الرغب شؤم والرفق يمن.","level":2,"page":704},{"title":"الخرق شؤم.","level":2,"page":704},{"title":"ارق على ظلعك!","level":2,"page":704},{"title":"ارق على ظلعك أن يهاض!","level":2,"page":705},{"title":"يرقم الماء.","level":2,"page":705},{"title":"رقة ينتجها ذنب خير من حسنة يتبعها عجب.","level":2,"page":705},{"title":"ركب جناحي النعامة.","level":2,"page":705},{"title":"ركب ذنب البعير.","level":2,"page":706},{"title":"ركب ذنب الريح.","level":2,"page":706},{"title":"ركب متن عشواء.","level":2,"page":706},{"title":"رمتني بدائها وانسلت.","level":2,"page":706},{"title":"رماه الله بداء الذيب.","level":2,"page":707},{"title":"رماه الله بأفعى حارية!","level":2,"page":707},{"title":"رعاه بأقحاف رأسه.","level":2,"page":707},{"title":"أرمى من أبن تقن.","level":2,"page":708},{"title":"الأرواح جنود مجندة.","level":2,"page":708},{"title":"استراح من لا عقل له.","level":2,"page":709},{"title":"أراد بيض الأنوق!","level":2,"page":712},{"title":"أردت عمرا وأراد الله خارجة!","level":2,"page":713},{"title":"رويد الغزو ينمرق!","level":2,"page":713},{"title":"رويدا يعدوان الجدد!","level":2,"page":714},{"title":"روغي جعار.","level":2,"page":714},{"title":"أروغ من ثعالة.","level":2,"page":714},{"title":"الراوية أحد الهاجين.","level":2,"page":715},{"title":"روت حزم، فإذا استوضحت فأعزم!","level":2,"page":717},{"title":"أروى من نملة.","level":2,"page":717},{"title":"أروى من نعامة.","level":2,"page":717},{"title":"رهبوتى خير من رحموتى.","level":2,"page":717},{"title":"تربع وتدسع","level":2,"page":718},{"title":"رجع عوده على بدئه.","level":2,"page":718},{"title":"مرحبا وسهلا.","level":2,"page":718},{"title":"رعد فلان وابرق.","level":2,"page":718},{"title":"أرقع ما أوهيت!","level":2,"page":719},{"title":"ركب فلان عرعره","level":2,"page":719},{"title":"ركب رأسه.","level":2,"page":719},{"title":"رماه بالذربين","level":2,"page":719},{"title":"رويد الشعر يغب!","level":2,"page":719},{"title":"رب حلية، انفع من قبيلة.","level":2,"page":719},{"title":"كم ترك الأول للآخر!","level":2,"page":723},{"title":"لطيفة:","level":2,"page":739},{"title":"باب الزاي الموحدة","level":2,"page":783},{"title":"زبيب وأنت حصرم.","level":2,"page":783},{"title":"زاحم بعود أو دع!","level":2,"page":783},{"title":"زعموا مطية الكذب.","level":2,"page":784},{"title":"زندان في وعاء.","level":2,"page":789},{"title":"أزكن من إياس.","level":2,"page":790},{"title":"أزنى من قرد.","level":2,"page":790},{"title":"أزهى من طاووس.","level":2,"page":791},{"title":"أزهى من ديك.","level":2,"page":792},{"title":"أزهى من غراب.","level":2,"page":792},{"title":"زوج من عود، خير من قعود.","level":2,"page":792},{"title":"زر غبا، تزدد حبا!","level":2,"page":794},{"title":"زيادة الأمل تقتضي نقصان العمل.","level":2,"page":795},{"title":"زدهم عنزا","level":2,"page":795},{"title":"زين في عين واله ولده.","level":2,"page":796},{"title":"كل خنفس عند أمه غزال","level":2,"page":797},{"title":"كل فتاة بأبيها معجبة.","level":2,"page":797},{"title":"باب السين المهملة","level":2,"page":801},{"title":"المسألة أخر كسب المرء.","level":2,"page":801},{"title":"أسائر اليوم وقد زال الظهر","level":2,"page":801},{"title":"تسألني برامتين سلجما","level":2,"page":802},{"title":"في دار البقر تصيب التبن.","level":2,"page":804},{"title":"أسأل من قرثع.","level":2,"page":805},{"title":"سبني واصدق.","level":2,"page":805},{"title":"سب من سبك يا هبار!","level":2,"page":805},{"title":"سبق السيف العذل!","level":2,"page":805},{"title":"سبقك بها عكاشة.","level":2,"page":807},{"title":"سحابة صيف عن قليل تقشع.","level":2,"page":807},{"title":"سد أبن بيض الطريق.","level":2,"page":807},{"title":"سداد في كفاف، أفضل من غنى مع إسراف.","level":2,"page":808},{"title":"يسدي ويلحم.","level":2,"page":808},{"title":"السراح، من النجاح.","level":2,"page":808},{"title":"سرك أسيرك، فإن نطقت به كنت أسيره،","level":2,"page":809},{"title":"أسرع من نكاح أم خارجة.","level":2,"page":809},{"title":"سرعان ذا إهالة!","level":2,"page":811},{"title":"أسرع من تلمض ورل.","level":2,"page":812},{"title":"أسرع السحب في المسير الجهام.","level":2,"page":812},{"title":"أسرق من زبابة","level":2,"page":812},{"title":"أسرى من جندب.","level":2,"page":813},{"title":"أسرى من قنفذ","level":2,"page":813},{"title":"أسعد أم سعيد؟","level":2,"page":813},{"title":"السعيد من وعظ بغيره.","level":2,"page":814},{"title":"أسفد من ديك.","level":2,"page":814},{"title":"أسفد من هجرس.","level":2,"page":814},{"title":"سفيه لم يجد مسافها.","level":2,"page":814},{"title":"سقط العشاء به على سرحان.","level":2,"page":815},{"title":"اسق أخاك النمري يصطبح!","level":2,"page":816},{"title":"اسق رقاش إنها سقاية!","level":2,"page":817},{"title":"سكت ألفا، والنطق خلفا.","level":2,"page":817},{"title":"أسكت من سمكة.","level":2,"page":819},{"title":"أسلح من حبارى.","level":2,"page":819},{"title":"أسلح من دجاج.","level":2,"page":819},{"title":"السلطان كالنار.","level":2,"page":819},{"title":"أسمع من حية.","level":2,"page":819},{"title":"اسمع من دلدل.","level":2,"page":820},{"title":"أسمع من سمع.","level":2,"page":820},{"title":"أسمع من فرخ عقاب.","level":2,"page":821},{"title":"أسمع من قراد.","level":2,"page":821},{"title":"اسمع جعجعة ولا أرى طحنا.","level":2,"page":822},{"title":"تسمع بالمعيدي خير من إن تراه.","level":2,"page":822},{"title":"أستسمن ذا ورم.","level":2,"page":824},{"title":"سمن كلبك يجوع أهله.","level":2,"page":825},{"title":"سمنكم في أديمكم.","level":2,"page":825},{"title":"سمن كلبك يأكلك!","level":2,"page":825},{"title":"استنت الفصال حتى القرعى!","level":2,"page":826},{"title":"سواء عليك هو والقفر.","level":2,"page":827},{"title":"سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة.","level":2,"page":827},{"title":"سوء الاكتساب يمنع الانتساب.","level":2,"page":828},{"title":"أساء سمعا فأساء جابة.","level":2,"page":828},{"title":"سال قضيب حديدا.","level":2,"page":829},{"title":"سلط الله عليه الورى وحمى خيبرا!","level":2,"page":829},{"title":"سله من كذا سل الشعرة من العجين.","level":2,"page":829},{"title":"أسلط من ذئب متنمر.","level":2,"page":829},{"title":"السؤدد مع السواد.","level":2,"page":829},{"title":"أسير من المثل.","level":2,"page":829},{"title":"اسأل السائل عن طيب اللبن!","level":2,"page":830},{"title":"سخر البخيل يدبر عليك!","level":2,"page":830},{"title":"باب الشين المعجمة","level":2,"page":850},{"title":"أشأم من البسوس.","level":2,"page":850},{"title":"أشأم من بني بسوس.","level":2,"page":850},{"title":"أشأم من خوتعة.","level":2,"page":852},{"title":"أشأم من الأخيل.","level":2,"page":852},{"title":"أشأم من داحس.","level":2,"page":853},{"title":"أشأم من الدهيم.","level":2,"page":853},{"title":"أشأم من سراب.","level":2,"page":854},{"title":"أشأم من الشقراء.","level":2,"page":854},{"title":"أشأم من طويس.","level":2,"page":854},{"title":"أشأم من عطر منشم.","level":2,"page":855},{"title":"أشأم من غراب البين.","level":2,"page":855},{"title":"أشأم من قدار.","level":2,"page":856},{"title":"أشأم من قاشر.","level":2,"page":858},{"title":"شب عمرو عن الطوق.","level":2,"page":858},{"title":"أشبه من الغراب بالغراب.","level":2,"page":860},{"title":"أشبه شرج شرجا لو إن أسميرا.","level":2,"page":861},{"title":"شتى تؤوب الحلبة.","level":2,"page":861},{"title":"أشجع من الديك.","level":2,"page":862},{"title":"يشج مرة ويأسو أخرى","level":2,"page":862},{"title":"الشجاع موقى والجبان ملقى.","level":2,"page":862},{"title":"شحمتي في قلعي.","level":2,"page":863},{"title":"شحيمة في حلقي.","level":2,"page":863},{"title":"شحمة الركى.","level":2,"page":864},{"title":"اشد من الفرس.","level":2,"page":864},{"title":"أشد من الفيل.","level":2,"page":864},{"title":"أشد من الدلم.","level":2,"page":864},{"title":"اشتدي زيم!","level":2,"page":864},{"title":"اشتدي أزمة تنفرجي!","level":2,"page":869},{"title":"شراب بأمقع.","level":2,"page":870},{"title":"شراب بأنقع.","level":2,"page":870},{"title":"أشرد من نعامة.","level":2,"page":871},{"title":"أشرد من ورل.","level":2,"page":871},{"title":"شر الرأي الدبري.","level":2,"page":872},{"title":"شر الرعاء الحطمة.","level":2,"page":872},{"title":"شر السير القحقحة.","level":2,"page":873},{"title":"الشر ألجأه إلى مخ العراقيب.","level":2,"page":873},{"title":"شر ما أجاءك إلى مخة عرقوب.","level":2,"page":873},{"title":"شر المال مالا يزكى ولا يذكى.","level":2,"page":874},{"title":"شر أهر ذاناب.","level":2,"page":874},{"title":"شر يوميها وأغواه لها.","level":2,"page":874},{"title":"الشرط أملك، عليك أم لك.","level":2,"page":875},{"title":"شرعك ما بلغك المحل.","level":2,"page":876},{"title":"يكفيك ما بلغك المحل.","level":2,"page":876},{"title":"شرق ما بين القوم بشر.","level":2,"page":876},{"title":"اشتر لنفسك وللسوق!","level":2,"page":877},{"title":"شغلت شعابي جدواي.","level":2,"page":877},{"title":"أشغل من ذات النحيين.","level":2,"page":877},{"title":"شغلهم الصفق بالأسواق.","level":2,"page":878},{"title":"شق العصا.","level":2,"page":878},{"title":"أشكر من بروقة.","level":2,"page":879},{"title":"أشكر من كلب.","level":2,"page":879},{"title":"شاكه أبا فلان.","level":2,"page":880},{"title":"شكا إلى غير مصمت.","level":2,"page":880},{"title":"الشماتة لؤم.","level":2,"page":881},{"title":"أشم من نعامة.","level":2,"page":881},{"title":"شنشنه أعرفها من أخزم","level":2,"page":882},{"title":"شاهد البعض اللحظ.","level":2,"page":884},{"title":"يشوب ويروب.","level":2,"page":884},{"title":"شب شوبا لك روبته!","level":2,"page":885},{"title":"شاورهن وخالفوهن!","level":2,"page":885},{"title":"شالت نعامته.","level":2,"page":885},{"title":"شوى حتى إذا نضج رمد.","level":2,"page":886},{"title":"شيئا ما يطلب السوط إلى الشقراء!","level":2,"page":886},{"title":"أشربتني ما لم أشرب.","level":2,"page":886},{"title":"الشعر أحد الوجهين.","level":2,"page":887},{"title":"شاهت الوجوه.","level":2,"page":887},{"title":"شوى في الحريق سمكته.","level":2,"page":887},{"title":"باب الصاد","level":2,"page":892},{"title":"أصبر من حمار.","level":2,"page":892},{"title":"أصبر من ذي الضاغط.","level":2,"page":892},{"title":"أصبر من عود بدفيه الجلب.","level":2,"page":892},{"title":"أصبر من قضيب.","level":2,"page":893},{"title":"صاحب الدابة أولى بمقدمها.","level":2,"page":893},{"title":"صادف بطنه بطن تربة.","level":2,"page":893},{"title":"صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب","level":2,"page":894},{"title":"اصح من عير أبي سيارة.","level":2,"page":894},{"title":"صرح حجير!","level":2,"page":895},{"title":"صرح الحق عن محضه.","level":2,"page":895},{"title":"صدقني سن بكره.","level":2,"page":895},{"title":"أصدق من القطا.","level":2,"page":896},{"title":"صدقك يبني عنك لا الوعيد.","level":2,"page":896},{"title":"أصرد من عنز جرباء.","level":2,"page":897},{"title":"أصرد من عين الجرباء.","level":2,"page":897},{"title":"صرفانية ربعية، تصرم بالصيف وتوكل بالشتية.","level":2,"page":897},{"title":"الصارم ينبو.","level":2,"page":898},{"title":"أصغر القوم شفرتهم.","level":2,"page":898},{"title":"صفرت وطابه.","level":2,"page":898},{"title":"أصفى من عين الديك.","level":2,"page":899},{"title":"صلاح رأي النساء فساد، ونفاقه كساد.","level":2,"page":899},{"title":"أصلح الغيث ما أفسد برده.","level":2,"page":900},{"title":"أصنع من دود القز.","level":2,"page":900},{"title":"أصنع من سرفة.","level":2,"page":901},{"title":"أصنع من تنوط.","level":2,"page":901},{"title":"صابت بقر.","level":2,"page":901}],"ٛ":{"1,11":1,"1,12":2,"1,13":3,"1,14":4,"1,15":5,"1,16":6,"1,17":7,"1,19":8,"1,20":9,"1,21":10,"1,22":11,"1,23":12,"1,24":13,"1,25":14,"1,26":15,"1,27":16,"1,28":17,"1,29":18,"1,30":19,"1,31":20,"1,32":21,"1,33":22,"1,34":23,"1,35":24,"1,36":25,"1,37":26,"1,38":27,"1,39":28,"1,40":29,"1,41":30,"1,42":31,"1,43":32,"1,44":33,"1,45":34,"1,46":35,"1,47":36,"1,48":37,"1,49":38,"1,50":39,"1,51":40,"1,52":41,"1,53":42,"1,54":43,"1,55":44,"1,56":45,"1,57":46,"1,58":47,"1,59":48,"1,60":49,"1,61":50,"1,62":51,"1,63":52,"1,64":53,"1,65":54,"1,66":55,"1,67":56,"1,68":57,"1,69":58,"1,70":59,"1,71":60,"1,72":61,"1,73":62,"1,74":63,"1,75":64,"1,76":65,"1,77":66,"1,78":67,"1,79":68,"1,80":69,"1,81":70,"1,82":71,"1,83":72,"1,84":73,"1,85":74,"1,86":75,"1,87":76,"1,88":77,"1,89":78,"1,90":79,"1,91":80,"1,92":81,"1,93":82,"1,94":83,"1,95":84,"1,96":85,"1,97":86,"1,98":87,"1,99":88,"1,100":89,"1,101":90,"1,102":91,"1,103":92,"1,104":93,"1,105":94,"1,106":95,"1,107":96,"1,108":97,"1,109":98,"1,110":99,"1,111":100,"1,112":101,"1,113":102,"1,114":103,"1,115":104,"1,116":105,"1,117":106,"1,118":107,"1,119":108,"1,120":109,"1,121":110,"1,122":111,"1,123":112,"1,124":113,"1,125":114,"1,126":115,"1,127":116,"1,128":117,"1,129":118,"1,130":119,"1,131":120,"1,132":121,"1,133":122,"1,134":123,"1,135":124,"1,136":125,"1,137":126,"1,138":127,"1,139":128,"1,140":129,"1,141":130,"1,142":131,"1,143":132,"1,144":133,"1,145":134,"1,146":135,"1,147":136,"1,148":137,"1,149":138,"1,150":139,"1,151":140,"1,152":141,"1,153":142,"1,154":143,"1,155":144,"1,156":145,"1,157":146,"1,158":147,"1,159":148,"1,160":149,"1,161":150,"1,162":151,"1,163":152,"1,164":153,"1,165":154,"1,166":155,"1,167":156,"1,168":157,"1,169":158,"1,170":159,"1,171":160,"1,172":161,"1,173":162,"1,174":163,"1,175":164,"1,176":165,"1,177":166,"1,178":167,"1,179":168,"1,180":169,"1,181":170,"1,182":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,186":175,"1,187":176,"1,188":177,"1,189":178,"1,190":179,"1,191":180,"1,192":181,"1,193":182,"1,194":183,"1,195":184,"1,196":185,"1,197":186,"1,198":187,"1,199":188,"1,200":189,"1,201":190,"1,202":191,"1,203":192,"1,204":193,"1,205":194,"1,206":195,"1,207":196,"1,208":197,"1,209":198,"1,210":199,"1,211":200,"1,212":201,"1,213":202,"1,214":203,"1,215":204,"1,216":205,"1,217":206,"1,218":207,"1,219":208,"1,220":209,"1,221":210,"1,222":211,"1,223":212,"1,225":213,"1,226":214,"1,227":215,"1,228":216,"1,229":217,"1,230":218,"1,231":219,"1,232":220,"1,233":221,"1,234":222,"1,235":223,"1,236":224,"1,237":225,"1,238":226,"1,239":227,"1,240":228,"1,241":229,"1,242":230,"1,243":231,"1,244":232,"1,245":233,"1,246":234,"1,247":235,"1,248":236,"1,249":237,"1,250":238,"1,251":239,"1,252":240,"1,253":241,"1,254":242,"1,255":243,"1,256":244,"1,257":245,"1,258":246,"1,259":247,"1,260":248,"1,261":249,"1,262":250,"1,263":251,"1,264":252,"1,265":253,"1,266":254,"1,267":255,"1,268":256,"1,269":257,"1,270":258,"1,271":259,"1,272":260,"1,273":261,"1,274":262,"1,275":263,"1,276":264,"1,277":265,"1,278":266,"1,279":267,"1,280":268,"1,281":269,"1,282":270,"1,283":271,"1,284":272,"1,285":273,"1,286":274,"1,287":275,"1,288":276,"1,289":277,"1,290":278,"1,291":279,"1,292":280,"1,293":281,"1,294":282,"1,295":283,"1,296":284,"1,297":285,"1,298":286,"1,299":287,"1,300":288,"1,301":289,"1,302":290,"1,303":291,"1,304":292,"1,305":293,"1,306":294,"1,307":295,"1,309":296,"1,310":297,"1,311":298,"1,312":299,"1,313":300,"1,314":301,"1,315":302,"1,316":303,"1,317":304,"1,318":305,"1,319":306,"1,320":307,"1,321":308,"1,322":309,"1,323":310,"1,324":311,"1,325":312,"1,326":313,"1,327":314,"1,328":315,"1,329":316,"1,330":317,"1,331":318,"1,332":319,"1,333":320,"1,334":321,"1,335":322,"1,336":323,"1,337":324,"1,338":325,"1,339":326,"1,340":327,"1,341":328,"1,342":329,"1,343":330,"1,344":331,"1,345":332,"1,346":333,"1,347":334,"1,348":335,"1,349":336,"1,350":337,"1,351":338,"1,352":339,"1,353":340,"1,354":341,"1,355":343,"1,356":344,"1,357":345,"2,5":346,"2,6":347,"2,7":348,"2,8":349,"2,9":350,"2,10":351,"2,11":352,"2,12":353,"2,13":354,"2,14":355,"2,15":356,"2,16":357,"2,17":358,"2,18":359,"2,19":360,"2,20":361,"2,21":362,"2,22":363,"2,23":364,"2,24":365,"2,25":366,"2,26":367,"2,27":368,"2,28":369,"2,29":370,"2,30":371,"2,31":372,"2,32":373,"2,33":374,"2,34":375,"2,35":376,"2,37":377,"2,38":378,"2,39":379,"2,40":380,"2,41":381,"2,42":382,"2,43":383,"2,44":384,"2,45":385,"2,46":386,"2,47":387,"2,48":388,"2,49":389,"2,50":390,"2,51":391,"2,52":392,"2,53":393,"2,54":394,"2,55":395,"2,56":396,"2,57":397,"2,58":398,"2,59":399,"2,60":400,"2,61":401,"2,62":402,"2,63":403,"2,64":404,"2,65":405,"2,66":406,"2,67":407,"2,68":408,"2,69":409,"2,70":410,"2,71":411,"2,72":412,"2,73":413,"2,74":414,"2,75":415,"2,76":416,"2,77":417,"2,78":418,"2,79":419,"2,80":420,"2,81":421,"2,82":422,"2,83":423,"2,84":424,"2,85":425,"2,86":426,"2,87":427,"2,88":428,"2,89":429,"2,90":430,"2,91":431,"2,92":432,"2,93":433,"2,94":434,"2,95":435,"2,96":436,"2,97":437,"2,98":438,"2,99":439,"2,100":440,"2,101":441,"2,102":442,"2,103":443,"2,104":444,"2,105":445,"2,106":446,"2,107":447,"2,108":448,"2,109":449,"2,110":450,"2,111":451,"2,112":452,"2,113":453,"2,114":454,"2,115":455,"2,116":456,"2,117":457,"2,118":458,"2,119":459,"2,120":460,"2,121":461,"2,122":462,"2,123":463,"2,124":464,"2,125":465,"2,126":466,"2,127":467,"2,128":468,"2,129":469,"2,130":470,"2,131":471,"2,132":472,"2,133":473,"2,134":474,"2,135":475,"2,136":476,"2,137":477,"2,138":478,"2,139":479,"2,140":480,"2,141":481,"2,142":482,"2,143":483,"2,144":484,"2,145":485,"2,146":486,"2,147":487,"2,148":488,"2,149":489,"2,150":490,"2,151":491,"2,152":492,"2,153":493,"2,154":494,"2,155":495,"2,156":496,"2,157":497,"2,158":498,"2,159":499,"2,160":500,"2,161":501,"2,162":502,"2,163":503,"2,164":504,"2,165":505,"2,166":506,"2,167":507,"2,168":508,"2,169":509,"2,170":510,"2,171":511,"2,172":512,"2,173":513,"2,174":514,"2,175":515,"2,176":516,"2,177":517,"2,178":518,"2,179":519,"2,180":520,"2,181":521,"2,182":522,"2,183":523,"2,185":524,"2,186":525,"2,187":526,"2,188":527,"2,189":528,"2,190":529,"2,191":530,"2,192":531,"2,193":532,"2,194":533,"2,195":534,"2,196":535,"2,197":536,"2,198":537,"2,199":538,"2,200":539,"2,201":540,"2,202":541,"2,203":542,"2,204":543,"2,205":544,"2,206":545,"2,207":546,"2,208":547,"2,209":548,"2,210":549,"2,211":550,"2,212":551,"2,213":552,"2,214":553,"2,215":554,"2,216":555,"2,217":556,"2,218":557,"2,219":558,"2,220":559,"2,221":560,"2,222":561,"2,223":562,"2,224":563,"2,225":564,"2,226":565,"2,227":566,"2,228":567,"2,229":568,"2,230":569,"2,231":570,"2,232":571,"2,233":572,"2,234":573,"2,235":574,"2,237":575,"2,238":576,"2,239":577,"2,240":578,"2,241":579,"2,242":580,"2,243":581,"2,244":582,"2,245":583,"2,246":584,"2,247":585,"2,248":586,"2,249":587,"2,250":588,"2,251":589,"2,252":590,"2,253":591,"2,254":592,"2,255":593,"2,256":594,"2,257":595,"2,258":596,"2,259":597,"2,260":598,"2,261":599,"2,262":600,"2,263":601,"2,264":602,"2,265":603,"2,266":604,"2,267":605,"2,268":606,"2,269":607,"2,270":608,"2,271":609,"2,272":610,"2,273":611,"2,274":612,"2,275":613,"2,276":614,"2,277":615,"2,278":616,"2,279":617,"2,280":618,"2,281":619,"2,282":620,"2,283":621,"2,284":622,"2,285":623,"2,286":624,"2,287":625,"2,288":626,"2,289":627,"2,290":628,"2,291":629,"2,292":630,"2,293":631,"2,294":632,"2,295":633,"2,296":634,"2,297":635,"2,298":636,"2,299":637,"2,300":638,"2,301":639,"2,302":640,"2,303":641,"2,304":642,"2,305":643,"2,306":644,"2,307":645,"2,308":646,"2,309":647,"2,310":648,"2,311":649,"2,312":650,"2,313":651,"2,314":652,"2,315":653,"3,7":654,"3,8":655,"3,9":656,"3,10":657,"3,11":658,"3,12":659,"3,13":660,"3,14":661,"3,15":662,"3,16":663,"3,17":664,"3,18":665,"3,19":666,"3,20":667,"3,21":668,"3,22":669,"3,23":670,"3,24":671,"3,25":672,"3,26":673,"3,27":674,"3,29":675,"3,30":676,"3,31":677,"3,32":678,"3,33":679,"3,34":680,"3,35":681,"3,36":682,"3,37":683,"3,38":684,"3,39":685,"3,40":686,"3,41":687,"3,42":688,"3,43":689,"3,44":690,"3,45":691,"3,46":692,"3,47":693,"3,48":694,"3,49":695,"3,50":696,"3,51":697,"3,52":698,"3,53":699,"3,54":700,"3,55":701,"3,56":702,"3,57":703,"3,58":704,"3,59":705,"3,60":706,"3,61":707,"3,62":708,"3,63":709,"3,64":710,"3,65":711,"3,66":712,"3,67":713,"3,68":714,"3,69":715,"3,70":716,"3,71":717,"3,72":718,"3,73":719,"3,74":720,"3,75":721,"3,76":722,"3,77":723,"3,78":724,"3,79":725,"3,80":726,"3,81":727,"3,82":728,"3,83":729,"3,84":730,"3,85":731,"3,86":732,"3,87":733,"3,88":734,"3,89":735,"3,90":736,"3,91":737,"3,92":738,"3,93":739,"3,94":740,"3,95":741,"3,96":742,"3,97":743,"3,98":744,"3,99":745,"3,100":746,"3,101":747,"3,102":748,"3,103":749,"3,104":750,"3,105":751,"3,106":752,"3,107":753,"3,108":754,"3,109":755,"3,110":756,"3,111":757,"3,112":758,"3,113":759,"3,114":760,"3,115":761,"3,116":762,"3,117":763,"3,118":764,"3,119":765,"3,120":766,"3,121":767,"3,122":768,"3,123":769,"3,124":770,"3,125":771,"3,126":772,"3,127":773,"3,128":774,"3,129":775,"3,130":776,"3,131":777,"3,132":778,"3,133":779,"3,134":780,"3,135":781,"3,136":782,"3,137":783,"3,138":784,"3,139":785,"3,140":786,"3,141":787,"3,142":788,"3,143":789,"3,144":790,"3,145":791,"3,146":792,"3,147":793,"3,148":794,"3,149":795,"3,150":796,"3,151":797,"3,152":798,"3,153":799,"3,154":800,"3,155":801,"3,156":802,"3,157":803,"3,158":804,"3,159":805,"3,160":806,"3,161":807,"3,162":808,"3,163":809,"3,164":810,"3,165":811,"3,166":812,"3,167":813,"3,168":814,"3,169":815,"3,170":816,"3,171":817,"3,172":818,"3,173":819,"3,174":820,"3,175":821,"3,176":822,"3,177":823,"3,178":824,"3,179":825,"3,180":826,"3,181":827,"3,182":828,"3,183":829,"3,184":830,"3,185":831,"3,186":832,"3,187":833,"3,188":834,"3,189":835,"3,190":836,"3,191":837,"3,192":838,"3,193":839,"3,194":840,"3,195":841,"3,196":842,"3,197":843,"3,198":844,"3,199":845,"3,200":846,"3,201":847,"3,202":848,"3,203":849,"3,205":850,"3,206":851,"3,207":852,"3,208":853,"3,209":854,"3,210":855,"3,211":856,"3,212":857,"3,213":858,"3,214":859,"3,215":860,"3,216":861,"3,217":862,"3,218":863,"3,219":864,"3,220":865,"3,221":866,"3,222":867,"3,223":868,"3,224":869,"3,225":870,"3,226":871,"3,227":872,"3,228":873,"3,229":874,"3,230":875,"3,231":876,"3,232":877,"3,233":878,"3,234":879,"3,235":880,"3,236":881,"3,237":882,"3,238":883,"3,239":884,"3,240":885,"3,241":886,"3,242":887,"3,243":888,"3,244":889,"3,245":890,"3,246":891,"3,247":892,"3,248":893,"3,249":894,"3,250":895,"3,251":896,"3,252":897,"3,253":898,"3,254":899,"3,255":900,"3,256":901,"3,257":902},"ٜ":{"1":[11,357],"2":[5,315],"3":[7,257]},"ٝ":["1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,353","1,355","1,356","1,357","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257"],"ٞ":{"1":[1,2,3],"7":[4],"8":[5,6,7,8],"20":[9,10],"32":[11,12],"39":[13,14],"47":[15,16],"48":[17,18,19],"50":[20],"51":[21],"52":[22,23],"53":[24,25],"54":[26],"55":[27,28],"57":[29,30,31],"58":[32],"59":[33],"60":[34,35,36],"61":[37,38,39,40],"62":[41,42,43],"63":[44],"64":[45,46],"65":[47,48],"66":[49,50,51],"68":[52],"70":[53,54,55],"71":[56],"72":[57,58,59],"73":[60,61],"74":[62],"75":[63],"79":[64,65,66],"80":[67,68],"81":[69,70,71],"85":[72,73,74],"86":[75],"87":[76],"88":[77],"89":[78,79,80],"90":[81],"91":[82,83],"94":[84,85],"95":[86],"96":[87],"97":[88],"98":[89],"99":[90],"101":[91],"102":[92],"103":[93],"107":[94],"109":[95,96,97],"110":[98],"111":[99,100],"112":[101,102],"113":[103],"114":[104,105],"115":[106,107],"116":[108,109],"117":[110],"119":[111,112,113],"120":[114,115],"121":[116,117],"122":[118,119,120],"123":[121],"124":[122],"125":[123],"127":[124,125,126],"128":[127,128,129,130],"129":[131],"131":[132,133,134,135,136,137],"132":[138],"133":[139,140],"134":[141],"135":[142],"137":[143,144],"138":[145,146],"139":[147],"166":[148,149,150],"167":[151,152],"168":[153],"169":[154,155],"170":[156,157],"171":[158],"172":[159],"174":[160,161],"175":[162,163],"176":[164,165,166,167,168],"181":[169,170,171],"183":[172],"184":[173],"186":[174,175],"187":[176],"188":[177,178],"190":[179],"191":[180,181],"192":[182],"193":[183,184,185],"194":[186,187],"195":[188,189],"196":[190,191,192,193],"197":[194,195,196,197],"199":[198],"200":[199,200],"201":[201,202,203,204],"202":[205],"215":[206],"296":[207,208,209],"298":[210],"299":[211],"300":[212,213],"302":[214,215,216],"303":[217,218],"304":[219],"305":[220,221],"311":[222,223],"312":[224,225],"315":[226,227],"316":[228,229],"346":[230,231,232,233,234],"347":[235,236],"350":[237,238,239],"352":[240],"356":[241],"359":[242],"361":[243],"377":[244,245,246],"378":[247,248],"379":[249],"380":[250,251],"381":[252],"382":[253,254],"383":[255,256,257,258],"384":[259,260],"385":[261],"386":[262,263],"387":[264,265,266],"388":[267],"390":[268],"391":[269,270,271,272],"392":[273,274],"393":[275,276,277],"395":[278],"396":[279],"397":[280,281,282],"398":[283,284],"399":[285,286],"400":[287,288,289],"401":[290,291],"402":[292,293],"403":[294,295,296,297],"404":[298,299],"406":[300,301],"435":[302,303,304],"436":[305],"437":[306],"438":[307,308],"439":[309],"440":[310],"442":[311],"443":[312],"444":[313,314,315],"445":[316,317],"446":[318,319],"447":[320],"450":[321,322],"451":[323],"452":[324,325,326],"453":[327,328],"454":[329,330],"455":[331,332,333],"456":[334],"457":[335],"458":[336],"462":[337],"463":[338,339],"464":[340,341,342,343],"465":[344,345],"466":[346,347,348],"467":[349,350],"468":[351,352,353],"469":[354,355,356],"470":[357,358],"471":[359],"472":[360,361,362],"473":[363,364],"474":[365],"475":[366,367],"476":[368,369],"477":[370],"478":[371],"479":[372],"480":[373],"481":[374],"482":[375,376,377],"483":[378,379],"484":[380],"485":[381,382],"486":[383,384],"487":[385,386],"488":[387,388,389],"489":[390,391,392,393],"490":[394,395,396],"491":[397,398],"524":[399,400,401],"525":[402],"526":[403,404],"527":[405,406],"528":[407],"529":[408,409],"530":[410,411,412,413,414],"531":[415,416],"532":[417,418,419],"533":[420,421,422,423],"534":[424,425,426],"535":[427,428,429],"536":[430],"537":[431,432],"538":[433],"540":[434],"541":[435],"542":[436],"543":[437],"544":[438,439],"545":[440],"548":[441,442],"549":[443],"550":[444],"551":[445,446],"552":[447,448,449],"553":[450,451],"554":[452,453,454],"555":[455],"564":[456],"565":[457],"575":[458,459,460],"576":[461,462],"577":[463],"578":[464],"579":[465],"580":[466,467],"581":[468,469],"582":[470,471],"583":[472,473],"584":[474,475],"654":[476,477,478],"655":[479],"656":[480],"657":[481],"658":[482,483,484],"659":[485],"660":[486,487],"661":[488,489],"662":[490,491,492],"663":[493],"665":[494,495,496],"666":[497,498],"668":[499,500,501,502,503],"669":[504],"675":[505,506,507],"676":[508],"678":[509],"679":[510],"680":[511,512],"681":[513,514],"682":[515,516,517],"683":[518],"684":[519],"685":[520],"686":[521,522],"687":[523,524],"688":[525],"689":[526,527],"690":[528,529],"691":[530],"695":[531],"696":[532,533],"699":[534],"700":[535,536,537],"701":[538],"702":[539],"703":[540,541],"704":[542,543,544],"705":[545,546,547,548],"706":[549,550,551,552],"707":[553,554,555],"708":[556,557],"709":[558],"712":[559],"713":[560,561],"714":[562,563,564],"715":[565],"717":[566,567,568,569],"718":[570,571,572,573],"719":[574,575,576,577,578,579],"723":[580],"739":[581],"783":[582,583,584],"784":[585],"789":[586],"790":[587,588],"791":[589],"792":[590,591,592],"794":[593],"795":[594,595],"796":[596],"797":[597,598],"801":[599,600,601],"802":[602],"804":[603],"805":[604,605,606,607],"807":[608,609,610],"808":[611,612,613],"809":[614,615],"811":[616],"812":[617,618,619],"813":[620,621,622],"814":[623,624,625,626],"815":[627],"816":[628],"817":[629,630],"819":[631,632,633,634,635],"820":[636,637],"821":[638,639],"822":[640,641],"824":[642],"825":[643,644,645],"826":[646],"827":[647,648],"828":[649,650],"829":[651,652,653,654,655,656],"830":[657,658],"850":[659,660,661],"852":[662,663],"853":[664,665],"854":[666,667,668],"855":[669,670],"856":[671],"858":[672,673],"860":[674],"861":[675,676],"862":[677,678,679],"863":[680,681],"864":[682,683,684,685,686],"869":[687],"870":[688,689],"871":[690,691],"872":[692,693],"873":[694,695,696],"874":[697,698,699],"875":[700],"876":[701,702,703],"877":[704,705,706],"878":[707,708],"879":[709,710],"880":[711,712],"881":[713,714],"882":[715],"884":[716,717],"885":[718,719,720],"886":[721,722,723],"887":[724,725,726],"892":[727,728,729,730],"893":[731,732,733],"894":[734,735],"895":[736,737,738],"896":[739,740],"897":[741,742,743],"898":[744,745,746],"899":[747,748],"900":[749,750],"901":[751,752,753]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>بسم الله الرحمن الرحيم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه</span>\nسبحان الله المتعالي عن الأشباه والأمثال، والحمد لله ذي الفضل العظيم والكرم المنثال، ولا إله إلا الله المتوحد بالكبرياء والأثال، والله اكبر أن يتطاول إلى سميّ جلاله خيالٌ أو مثال. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، نحمده على ما أسدى من جزيل الرغائب، وأجدى من جميل المواهب، وسنّى من جليل المآرب، وأسنى من كميل المراتب، وأولى من الجميل العميم. ونشكره على أفئدة بنور الأيمان هداها، والسنة أطال في شأو البيان مداها، وبصائر أسام سرحها إلى مراتع العبر وحداها، وانتجع بها مواقع غيث الفكر وجداها؛ حتى أصبحت نشوى من كؤوس العرفان تهيم، وتجلوا بلوامع التبيان كل ليل بهيم، ونصلّي على نبيه محمّد المختار المقتعد حقا ذروة الكمال والفخار، والمرتدي برداء الجلال والإكبار، والمبتعث من أطيب عنصر وأكرم نجار، في حسب حسيب وشرف قديم. الذي أنار بطلعته الغراء علم المهتدين، وسمك بعزته القعساء منار الدين، وثل بشرعته البضاء عروش الجاحدين والحائدين، واستأصل بشوكته الشوكاء شأفة العادين، وجعلة صفوة الصفوة، ونخبة النخبة، وسرَّ السر، وخلاصة الخلاصة، ومصاصة المصاصة، ولباب اللباب، وخيار الخيار، وصميم الصميم. صلى الله عيه صلاة تلوح في أفق مكانته العلياء قمرا، وتفوح على طلعته الغراء عنبرا، وتنهمل في جناب مجاته الفيحاء كوثرًا، وتخضل في روضتة جماله الغناء زهرا، ما هب نسيم، وذهب ذو رسيم. وعلى اله الأماثل، وأعلام الدين القويم، والصراط المستقيم، ما بدا على وجنات الورد تخجيل، من رشفات النسيم البليل، واصفر روعة وجه الأصيل، من","vol":"1","page":11},{"text":"لحظات طرف الليل الكحيل، وأسفر الصباح عن ثغر بسيم، ومنظر وسيم.\nأما بعد، فان العلم انفس علق يقتنى، وأحلى ثمر يجتنى؛ وأعدل حجة، وأقوم حجة، وأحصن جنة، وأضوء بدر في دجنة؛ وأربح متجر مثابر عليه، وأنجع مرعى ينتجع إليه؛ وأرجى بارق يشتام، وأفضل جناب يعتام؛ وأنور نور يستضاء به في الظلومات، وامنع وزر يعتصم به في الأزمات؛ وأوثق عروة يستمسك بها ذوو البصائر، وأعظم عدة تعقد عليها الخناصير؛ وأقوى مطية تركب، وأتم سلاح يتنكب؛ وأطيب نسمة تستنشق، وأجمل محبوب يعلق؛ وأبهى زينة يتحلى بها المتحلون، وارفع منصة يتجلى عليها المتجلون.\nفإن العلم غذاء العقل، وبه يعرف الحكم العدل؛ وإنّ الخصيصى التي بها شرف الإنسان إنّما هي العلم؛ فان المرء لو بلغ في كمال الجسم أطوريه، لا يكون أنسانا إلاّ بأصغريه:\nلولا العقول لكان أدنى ضيعة ... أدنى إلى شرف من الإنسان\nوما امتاز اللسن الذكي عن العييى إلاّ برجاحة الجنان، وفصاحة اللسان؛ فان الخليق للأفكار عند افتراعها المعاني الأبكار؛ والجدير للألسنة عند اقتطافها أزاهير البيان، واهتصارها أفانين التبيان، أن يتميز فيها الفائق من المائق، والسابق من السائق؛ وعند السياق في ميدانها الوثيم، أن يتجلى المجلى عن اللطيم، وعند مزاولة الغرض المعضل، أن يعرف المقرطس من المخضل. وعند انتياش مضارب الأفهام، أن يمتاز الصارم عن الكهام؛ وعند اقتباس حكمة تستشعر، أن يشرف المورى عن الأدعر؛ وعند اقتسام مزايا الفضل الفسيح، أن يفوز المعلى دون السفيح؛ وعند استفتاح المغالق، وتغشي المضائق، أن يعلم المجحم من المحجم، والهصور من","vol":"1","page":12},{"text":"الحصور. فلا جرم كان من اجل العلوم وأفخرها، وأحقها بالاعتناء به وأجدرها، علم الأدب، والتضلع من كلام العرب، إذ به تنحل عقله اللسان، وتزاح روعة الجنان. وهو لسان نبينا نخبة العالم، وصفوة ولد آدم، وكتابه الذي أخرس به مصاقع البيان، من بلغاء عدنان وقحطان، حتى عدلوا عن المجادلة إلى الطعان، وعن المعارضة إلى الادغان. صلى الله وسلم عليه وعلى آله ما لمع بارق، وطلع شارق، فهو لعمري أجل الكلام، وأشرف ما اعتورته الألسنة والأفهام، وأبها بدر يستجلى وعروس، وأسنى أثر يستبقى في ميادين الطروس. لا سيما علم أمثالها التي هي زمام كل معنى، ومناط لك مبنى، ومنار لك مرمى، ومصباح كل ظلما. وبها يرتاض كل جموح، ويصبح المنبهم ذا وضوح، وبها يعود الغائب مشهودا بل المعدوم موجودا.\nوكان الأقدمون بهذا الفن معتنين، ولنوادره ملقنين، ومدونين، يردون مواردها، ويقتنصون شواردها؛ ويقتطفون أزهارها النضرة، ويتنسمون نسماتها العطرة؛ ويرتشفون ثغورها، ويقتبسون نورها؛ ويشيمون لمحات تلك البوارق، ويشمون بدررها صفحات المهارق. فلما طال العهد بأزمان العرب، وقضى من تناسي أيامها كل أرب، تغلبت العجمة على الألسنة والطباع، فخلت من قطينها هاتيك الرباع، وأصبحت حديثا مهجورا، كأن لم تكن شيئا مذكورا، وعادت أيامها محض أوهام، فكأنها وكأنهم أحلام، وتقلص ضافي بردها، وتكدر صافي وردها، وذهبت المعارف والعوارف، وتقلص ظلها الوارف؛ وأمست رباع الأدب قفرا، وراحت الخواطر منه صفرا.\nوكانت نفس تشوقني إلى هذا الفن ومآثره، وتنازعني إلى تتبع داثره. فكنت أشتاق أن أرى في هذا موضوعا، وأصادف كتابا مجموعا، مما عني به الأقدمون، واقتفى أثرهم فيه المتأخرون. فلم يسمح بذلك الدهر العقيم، ولم يظفر بشيء منه الجد السقيم. ولما لم أذق من ذلك لملقا، ولم يزدد","vol":"1","page":13},{"text":"القلب إلاّ اشتياقا، طفقت أجول في عرصات كتب الأدب، وكل ما له ماسة بكلام العرب. ولم أزل أتتبع ظلالها، واشتف بلالها، وأرعاها قننًا ووهادا، وأنتجعها فتوحا وعهادا؛ وأحتلبها شصائص وشكارى، وأعتنقها عونا وأبكارا، حتى التقطت من ثمين جوهرها، واقتطفت من يغيع زهرها، ما يشفي العليل، وينقع الغليل، ويميس ميس الغصن المروح، ويسري في الجسوم مسرى الروح. فلما امتلأ بحمد الله من ذلك الوطاب، وعاد البلح إلى الأرطاب، هممت أن أجمع ما علق في هذا الوقت بخاطري، مما ترقى إليه نظري وناظري، في كن يؤويه، ومجموع يحويه، حذارا من النسيان، عند تطاول الزمان. فألفت هذا المجموع في الأمثال، وأود عته كل دمية وتمثال. ثم رأيت أن أضم إليها من الحكم جملة مما انتهيت إليه، ووقفت عند تطوافي عليه، وتتميما للفائدة، وتكميلا للعائدة، مع قرب ما بين النوعين جدا، كما ستقف عليه عند التعرض لهما فصلا واحدا. فجاء بحمد الله كتابا ممتعا، للآذان الصم مسمعا:\nجمهت به والجفن مغض على القذى ... وبالخد البلبال أصبح ذا خلدِ\nمحاسن تزوي بالنسيم إذا سري ... فحيى محيا السوسن الغض والوردِ\nوتزري بهاء بالمطير من الربى ... وبالعذب للصادي وبالكاعب الرادِ\nلآلئ ما غواصها بمصادف ... لها صدفا في ملتفى أبحر الهندِ\nولا حليت يوما بها جيد غاده ... ولا فصلت بالعسجد الصرد في عقدِ\nفرائد ما منهن إلاّ جريدة ... أعز على المرتاد في الأبلق الفردِ","vol":"1","page":14},{"text":"ومع هذا فإني اعتذر لذوي النفوس الوقادة، والصيارفة النقادة، من تقصير فيه، وخلل لم يتفق تلافيه. وكيف لا يعذر ذو بال متقسم، ووبال متكسم، وشخص لا يبين لمتوسم، مكلوم بفاغر من الخطوب متبسم، يرمق العيش برضا، ويقطع بسيط الحيرة طولا وعرضا، لا يترجى مددا، إلاّ كمدا. ولا يغتيق إلاّ عبرة، ولا يعتلف إلاّ زفرة، ولا يعد إلاّ ذنوب الدهر، ولا يعد إلاّ ذنوب نهر، في فتن تحول بين المرء وقلبه، وتذهل غيلان عن حبه، ودهر حال دون القريض، بالشجى والجريض، ورد الأوج إلى الحضيض، ولم يجعل بدا من مصادقة البغيض، وأعاد الصدور أعقابا، والنواصي أذنابا، وكدر كل صفو، وأورث كل شجو، وخلف من بينه كجلد الأجرب، وزباني العقرب، لا يتجرعون إلاّ علاقم، ولا يلتمسون إلاّ أراقم؛ أما أذنابها فرعراع، وشر شعاع، وفتنه وردها قعاع، وظلمة ليس بها شعاع؛ وأما ذراها فلا تعدو رضيعا تبكي المخالص الجرب لمصابه، وتشكو الصفر والبيض يد الضياع لصفر وطابه، وخليعا يذهب دهره ما بين الرخ والرخة، والفخ والفخة، وكلا النوعين قد أنزلهما أسود العين طرفه، وتضمنتهما القمران المشتبهان في بيت طرفة.\nوكان الأدب وسائر العلوم قديما إنّما يحيي غراسها، ويسني مراسها، ويطيب أنفاسها، ويحبب نفاسها الفضل، الهام والعدل الحام. فأما اليوم فلا ندى يستثمر الإبداع، ولا انتصاف يتلافى الانصداع. فأي علم يترجى، ممن زوال الروع عنده منتهى الرجا؟ قنوع من الغنيمة بالإياب، ومن الايراب، بنفاضة الجراب، ومن الشراب، بلمحة السراب. وكيف يمكن لمثلي أن يجمع بين كلمتين، فضلا عن فصلين؟ لكن لمّا لم يكن التجرع عند حلول الأقدار، من شيم الأحرار، قبضت على أحر من الجمر،","vol":"1","page":15},{"text":"وتجلد على ما بي من ضمر، وتثنيت الضلوع على أذاها، وأغيضت الجفون عل قذاها. فجمعت هذه الأحرف على حين لم يبق من العلم إلاّ رسمه، ومن التحقيق إلاّ اسمه، من غير كبير عدة أعتمد عليها وأرجع عند المعوصات إليها، ولا وجود مصنف في هذا الفن أهتدي بمناره، وأستضيء بضوء نهاره، وإنما أقتدحت الفكر السادر، فاقترحت نوادر، جمعتها من كل أوب، وحدرتها من كل صوب، ولا أكاد مع ذلك أجد مثلا منه متكلما عليه، ومنبها فيه على ما يحتاج إليه؛ وإنّما يذكرها مجردا، فألتقطه مفردا. ثم أتحمل أعباء شرح ألفاظه ومعانيه، وأتكلف من دواوين العرب ومن بعدهم إحضار شواهده ومبانيه. فكنت في ذلك شبه الواضع وإن سبقت، والمخترع وإن نقلت. وأضفت إلى ذلك من نفائس النوادر دررا، ومن نكت الفوائد غررا. وجمعت فيه من شعر الأقدمين والمحدثين عيونا، وقضيت من غريبه ديونا، وما ذكرت شعرا إلاّ اخترته، ولا ألممت بمنزع إلاّ حررته، ولا دفعت إلى مبهم إلاّ أوضحته، ولا افتتحت بابا إلاّ أتممته، مع جملة وافرة من علم اللغة، تكون للمقتصر علية كفاية وبلغة، لولا أنني رمت بذل على تقتير، وإنباضا بلا توتير. فان جاء وفق الغرض، وقضى الحق المفترض، فلله تعالى المنة، ومنه الحول والمنة؛ وإن اتفق خلل، وفرط زلل، فمن نفسي الغبية، وجهالتي الربية، وفطنتي الخامدة، وقريحتي الجامدة. فإنّ مثلي ليس يكون أهلا للتعلم فضلا عن التعليم:\nولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيمُ\nولمّا تم ما أرته بحمد ذي المن والفضل، وبرز من القوة إلى الفعل، سميته زهر الأكم، في الأمثال والحكم. وجعلته سمطين:","vol":"1","page":16},{"text":"السمط الأمل في\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الأمثال وما يلتحق بها</span>، وفيه مقدمة، وخاتمة، وأربعة وثلاثين بابا تسعة وعشرون منها في الأمثال العربية وما يلتحق بها على حروف المعجم، الباب الوفي ثلاثين في الأمثال التركيبية، الحادي والثلاثين في الأعيان، الثاني والثلاثين في الأمثال القرآنية، الثالث والثلاثون في الأمثال الحديثية، الرابع والثلاثون في التشبيهات الشعرية.\nالسمط الثاني في الحكم وما يلتحق بها، وفيه اثنان وثلاثون بابا: تسعة وعشرون في الحكم على حروف المعجم؛ الباب الوفي ثلاثين في حكم مجموعة، والحادي والثلاثون في النوادر، والثاني والثلاثون في الأوليات. فكان مجموع ذلك ستّة وستين بابا. والله أسأل أن يجعله عنده ذخيرة وحسنة، وأن يجعلنا من الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا ممن أدلى بحبل الغرور حتى حان، وسقط العشاء به على سرحان، وأعوذ بوجهه الكريم ممن إذا رأى قبيحا فار بطره، فشمت بالمساوي وأشمت؛ وإذا رأى جميلا ثار حسده، فصمت عن المحاسن وأصمت. وأعوذ به من إطراء المداجن، ومغث المشاجن، وأعوذ به ممن يتعرف الحق بالرجال، أو يحدد فضل الله بالآجال، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>السمط الأول</span>\nالأمثال وما يلتحق بها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المقدمة</span>\nالكلام في المقدمة وفيه أربعة فصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الأول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>معنى المثل والحكمة</span>\nأما الأول وهو المثل بفتحتين يرد على ثلاثة أضرب:\nالأول: الشبه، يقال: \" هذا مثل ذلك \" أي شبهة؛ ويقال أيضًا: \" هو مثله بكسر فسكون، ومثيله، كما يقال شبه وشبيه \" فإذا قيل: \" هو مثيله، وهم أميثالهم بالتصغير \" فقد أريد إنّ المشبه حقير، كما أن هذا حقير. ومن هذا قولهم: مسترد لمثيله، أي مثله يطلب ويشرح عليه. ومنه الأمثال من الناس وهو الأفضل، لأن معناه الأشبه بالأفضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم خيارهم. قال تعالى:) إذ يقول أمثالهم طريقه. ويذهبا بطريقتكم المثلى (أي هي أشبه بالحق والفضيلة، وهي تأنيث أمثل - وتقول: مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به تمثيلا وتمثالا بفتح التاء، كالتسيار والتطوف. وأما التمثال بالكسر فالصورة، جمعها تماثيل. يقال: مثله له صورة له حتى كأنه ينظر إليه. وتمثل تصور. قال تعالى:) فتمثل لها بشرًا سويًا. (وتماثل الشيئان: تشابها. ومثل الشيء: مقداره. وقوامه: مثلت بفلان مثلة، ومثلت به تمثيلا: أي نكلت به وأوقعت به عقوبة، من هذا، لان معناه أنّه جعله مثلا يرتدع به الغير.\nالضرب الثاني: الصفة. قال تعالى:) مثل الجنة التي وعد المتقون (أي صفتها ونحو هذا، وهو كثير في القرآن. وقال تعالى:) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى (أي لهم الصفات الذميمة وله الصفات العلى. ويقال في هذا المعنى أيضًا: مثال.","vol":"1","page":19},{"text":"الضرب الثالث: القول السائر المشبه مضربه بمورده، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال في القرآن. قال تعالى:) وتلك الأمثال نضربها للناس (الآية. وعلى هذا شاع إطلاق اسم المثل إذا أطلق.\nوقال الراغب: الذي يقال على وجهين بمعنى المثل، نحو شَبه وشِبه، ونِقض ونَقض، قال بعضهم: وقد يعبر بها عن وصف الشيء، نحو قوله تعالى) مثل الجنة (الآية. والثاني عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من معاني، أي معنى كان، وهو اعم والألفاظ الموضوعة للمشابهة. وذلك أن الند يقال فيما شاركه في جوهرية؛ والشكل يقال فيما شاركه في المساحة؛ والشبه يقال فيما يشاركه الكيفية فقط؛ والمساوي يقال فيما يشاركه الكمية فقط. والمثل عام في جميع ذلك. ولهذا إنما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال:) ليس كمثله شيء (انتهى. وقد ذكر غيره أن المماثلة هي المساواة من كل وجه، والمشابهة في اكثر الوجوه. والمناظرة هي المساواة من كل في شيء من الوجوه ولو في واحد، فيكون كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة أعم مما قبله. وكل ذلك مخالف لمّا في متون اللغة من تفسير المثل بالشبه، والعكس كما أوردنه قبل، ومخالف الظاهر صنيع البلغاء في باب التشبيه، حيث قسموا أوجه الشبه إلى ما يرجع إلى الشكل، وما يرجع إلى المقدار، وما يرجع إلى الكيفية، وغير ذلك، وسموا كل ذلك تشبيها وهو من الشبه، والأمر في هذا قريب. إذا عرفت هذا فأعلم إنّ مقصودنا من المثل بالذات في هذا الكتاب هو ثالث الأقسام السابقة وهو المثل السائر.\nوللناس في تعريفه عبارات. فقيل ما مر من إنّه القول السائر المشبه مضربه بمورده؛ وقيل هو قول مركب مشهور شبه مضربه بمورده، وهما بمعنى. فقيد السائر والمشهور يخرج ما لم يشتهر ويسر من الأقوال كلها. وقيل تشبيه المضرب أي المحل الذي ضرب فيه الآن بالمورد أي المحل الذي ورد فيه أولا يخرج ما اشتهر ولم يقع فيه هذا التشبيه ككثير من الحكم والأوامر والنواهي الشرعية مثلا. وقيل المثل هو الحجة، وهو صحيح لأنه يحتج به كما سيتبين في فائدته.\nوقال المرزوقي: المثل جملة من القول مقتضبة من أصلها أو مرسلها بذاتها، تتسم بالقبول وتشتهر بالتداول، فتنتقل عما وردت فيه إلى كل ما يصح","vol":"1","page":20},{"text":"قصده بها من غير تغير يلحقها في لفظها، وعما يوجبه الظاهر إلى أشباهه من المعاني. ولذلك تضرب وإن جهلت أسبابها التي خرجت عليها، وأستجيز من الحذف ومضارع ضرورات الشعر فيها ما يستجاز في سائر الكلام.\nوقال الراغب: المثل عبارة عن قول في شيء يشبهه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره، نحو قولهم: \" الصيف ضيعت اللبن \" فان هذا القول يشبه قولك: \" أهملت وقت الإمكان أمرك. \" قلت: وتلخيص القول في هذا المقام أن المثل هو قول يرد أولا لسبب خاص، ثم يتعداه إلى أشباهه فيستعمل فيها شائعا ذائعا على وجه تشبيهها بالمورد الأول؛ غير إنّ الاستعمال على وجهين:\nأحدهما أن يكون على وجه التشبيه الصريح، سواء صرح بالأداة كقولهم: \" كمجير أم عامر. \" وقولهم: \" كالحادي وليس له بعير. \" أو لم يصرح كقولهم: \" تركته ترك الصبي ظله. \" وهو كثير.\nالثاني إنّ لا يكون وجه التشبيه الصريح كقولهم: \" الصيف ضيعت اللبن. \"؛ وقولهم: \" هان علي الأملس ما لاقى الدبر \" ونحو ذلك، وهو اكثر من الأول.\nأما الوجه الأول فهو تشبيه من التشبيهات، إلى إنّه سار وذاع في بابه فعد مثلا سائرا لمّا عرفت من أن التشبيه كله تمثيل. ومن ثم تجد قدماء اللغويين وأهل العربية يطلقون المثل على المجاز، ويقيدون ما كان سائرا منه بالمثل السائر أو بأنه من أمثال العرب ليفهم ذلك.\nوأما الوجه الثاني فهو في مورده لا تشبيه فيه، ولكن يستعمل في مضاربه على وجه تشبيهها بالمورد من غير تصريح \" بالتشبيه \"، بل على أن يستعار اللفظ المستعمل في المورد الأول للشيء الشبيه بذلك. فقول القائل أولا للمرأة التي طلقها: \" الصيف ضيعت اللبن \" لا يريد تشبيها أصلا؛ وإنّما أراد انك فرطت في اللبن","vol":"1","page":21},{"text":"وتسببت في ضياعه عند زمن الصيف، إذ كنت تطلبين فراقي. ثم انك اليوم إذا رأيت أحد ٣ فرط في حاجة زمن إمكانها، ثم جعل يطلبها ثم أدبرت، ساغ لك أن لك أن تشبه هيئته بهيئة من ترك اللبن أو محله في وقت، ثم جعل يطلبه في وقت آخر، فتقول له لأجل هذه المشابهة: \" الصيف ضيعت اللبن \" أي حالتك هذه حالة التي قيل لها: \" الصيف ضيعت اللبن \" ولأجل هذا المعنى وهذا التقدير، تنقل لفظ المثل كما قيل أولا من غير تغيير، حتى انك في هذا المثل بعينه تكسر التاء في ضيعت وإن كنت تخاطب ذكرا. وهكذا سائر الأمثال، وهذا يسمى عند الأدباء استعارة تمثيلية، ويسمى التمثيل على سبيل الاستعارة، وهي إحدى قسمي الاستعارة التصريحية التي هي أن تشبه شيئًا بشيء، ثم تنقل لفظ المشبه به وتطلق على المشبه لأجله هذا التشبيه إطلاقا كأنه وضع له من غير تصريح بالتشبيه لا بالمشبه به على وجه يشعر بالتشبيه؛ غير أن لفظ المشبه به قد يكون فردا كلفظ الأسد الذي تنقله من السبع الموضوع هو له أوّلًا إلى الرجل الشبيه به في الجرأة. وقد يكون مركبا كلفظ \" الصيف ضيعت اللبن \" الذي تنقله من هيئة من ضيع اللبن إلى هيئة من ضيع حاجة من الحوائج. وهي الاستعارة في التركيب والتمثيل على سبيل الاستعارة. والأمثال الداخلة في الوجه الثاني كلها من هذا النمط. وقد سمعت تقدير ذلك وعرفت وجه عدم تغييرها، إذ كما أن الفرد إذا نقل على وجه الاستعارة لا سبيل إلى تغييره، كذلك المركب.\nفان قيل: فقد ظهر في الوجه الثاني أن للمثل مورد ٣ ومضربا، وإنّ الثاني يشبه بالأول؛ وأما في الوجه الأول فإنما ذلك مجرد تشبيه سائر يشترك فيه الناس كلهم، فأنى يكون به مورد خاص؟ وقي معناه نحو قولهم: \" اعز من مخ البعوض \" و\" اكفر من حمار \" ونحو ذلك وهو كثير، فكيف يعقل في هذا كله ما ذكر في تعريف المثل من تشبيه المضرب بالمورد حتى يشمله التعريف؟ قلنا: لا يلزم من كونه تشبيها أن لا يسبق إليه ناطق \" ينطق به أوّلًا في شيء من","vol":"1","page":22},{"text":"الأشياء، بل لا مرية من إنّه لابد من أن يقدم إليه أحد \" ينطق به بادئ بدء كما تقول: إنّ قولهم كحاطب ليل أوّل من قاله اكثم بن صيفي، وقولهم: امنع من عقاب الجو أوّل من قاله عدي بن نصر اللخمي في الزباء وهكذا غيرهما، سواء علمنا نحن ذلك أم لا، لأن هذا شأن الوجه الثاني أيضًا. قاله الأول في شيء كان ذاك مورده فتشبه به مضاربه، ولا فرق في أن التشبيه في هذا صريح دون القسم الثاني. وها هنا نظر في أمرين: أحدهما أنا قد بينا في الوجه الثاني وهو التمثيل على سبيل الاستعارة أن التشبيه فيه وقع بين هيئتين، وعلى ذلك قررها علماء البيان. ونحن ها هنا إذا قلنا مثلا فيمن أحسن إلى من لا يشكر أو يضر: هو كمجير أم عامر، فظاهر اللفظ أنه تشبيه هذا الشخص بذاك الشخص، لا الصورة بالصورة، وإن كان يصح أن يقال: المراد أن حالة هذا الشخص كحالة المجير على تقدير المضاف؛ لكنا في غنى عن هذا التقدير.\nالثاني: إنّ المشبه به هنا مثلا أو بحالته هو مجير أم عامر حقيقة أعني الشخص الذي أجارها فبقرت بطنه وهو عنصر المثل إنّما وقع بعد ذلك بانرئى شخص شبيه به فقال: هو كمجير أم عامر، ثم سار وشاع. فان جعلنا الذي صدر فيه هذا التشبيه أوّل صدوره موردا، فليس هو الذي تشبه سائر المضارب به، بل هذا المورد بعينه وكل ما بعده متشابهات بالمجير الحقيقي. وإنّ جعلنا المورد هو العنصر الأول، فهو لم يقع عليه لفظ المثل حتى ينقل منه إلى شيء آخر ويقال إنّه شبه بما ورد فيه أولا، وإنّما وقع يعده. على أن لقائل أن يقول أيضًا: يصح أن يكون الناس في مثل هذا مثلا سمعوا حديث مجير أم عامر، فجعلوا يشبهون كلهم. فمن الجائز أن يرى ذلك جماعة أو يسمعوه، ثم يشبه كل واحد على حدة من غير أن يكون لذلك سابق مخصص يتبع ويجعل مكان تشبيهه موردا. وهكذا كل ما يشبه هذا المثل. فقد علمت بهذا أن هذا الوجه مخالف للوجه الثاني، وأن في التعاريف السابقة ما فيها إلاّ","vol":"1","page":23},{"text":"على تسامح أو على أنها دائرة على وجه الثاني فقط دون الأول، وهو بعيد إلاّ أنّ يكون ثم إصلاح.\nوأعلم إنّ المثل بهذا المعنى الثالث مأخوذ من المعنى الأول وهو الشبه، لأنّه تمثيل، إلاّ أنه سار. وقيل من المثال وهو المقدار كما سبق، لأنّه يجعل مقياسا لغيره، وهو راجع إلى ذلك أيضًا. وقيل إنّما سمي مثلا لأنّه ماثل لخاطر الإنسان أبدا يتأسى به ويعظ ويأمر ويزجر. والماثل: الشخص المنتصب من قولهم: طلل ماثل، أي شاخص، وقد يقال: رسم ماثل أي دارس، وهو من الأضداد. إذا عرفت هذا كله وعرفت معنى استعمال لفظ المثل في المضرب تشبيها بالمورد، فاعلم إنّ ذلك هو معنى ضرب المثل يقال: ضرب الشيء مثلا، وضرب به، وتمثله، وتمثل به، وهو معنى قول بعضهم: ضرب المثل اعتبار الشيء بغيره وتمثيله به، وفسر المفسرون ضرب المثل الواقع في قوله تعالى:) إنَّ الله لا يستحي أ، يضربَ مثلًا (الآية، وقوله:) وتلكَ الأمثالُ نضربها للناس (الآية، بالتبيين والجعل والوصف.\nوفي الكشاف: ضرب المثال: اعتماده وصنعه.\nوقال الراغب: الضرب: اقاع شيء على شيء. ز بتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها، كضرب الشيء باليد والعصا والسيف ونحوها، وضرب الأرض بالمطر، وضرب الدرهم اعتبارا بضربه بالمطرقة، وقيل له الطبع اعتبارا بتأثير السكة فيه. وبذلك شبه السجية فقيل لها الضريبة والطبية، والضرب في الأرض الذهاب فيها وهو ضربها بالأرجل، وضرب الفحل الناقة تشبيها بالضرب بالمطرقة، كقولك: طرقها تشبيها بالطرق بالمطرقة، وضرب الخيمة لضرب أوتادها بالمطرقة. وتشبيها بضرب الخيمة قال تعالى:) ضربتُ عليهمُ الذلةُ (أي التحفتهم الذلة التحاف الخيمة بمن ربت عليه. ومنه استغير فضربنا على آذانهم في الكهف، وضرب اللبن بعضه ببعض بالخلط، وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. قال الله تعالى:) ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا (انتهى.","vol":"1","page":24},{"text":"وقيل: ضرب المثل مأخوذ من الضريب أي المثيل له. تقول: هو ضريبه، وهما من ضرب واحد، لأنه جعل للأول مثل. وقيل: من ضرب الطين على الجدار. وقيل: من ضرب الخاتم ونحوه، لان التطبيق واقع بين المثل ومضربه كما في الخاتم على الطابع.\nوأما الأمر الثاني وهو الحكمة فللناس في معناها أقوال عدة. واعلم أوّلًا إنّ الحكمة هي فعلة من الحكم أو الأحكام. أما الحكم فير بمعنيين: أحدهما القضاء؛ يقال: حكم الشارع أو القاضي بكذا حكم بضم فسكون؛ الثاني العلم؛ يقال: حكم حكما وحكمة. وأما الأحكام فيكون أيضًا بمعنيين: أحدهما الإتقان؛ يقال: أحكم فلان كذا إحكاما إذا أتقنه؛ الثاني المنع؛ يقال: أحكمت السفيه وحكمته أيضا أي منعته وأخذت على يده. قال جرير:\nأبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... أني أخاف عليكم أن أغضبا\nوأحكمت الفرس وحكمته جعلت له حكمة. والحكمة بفتحتين ما أحاط بحنكي الفرس وعلى أنفه من اللجام. وفيها العذران. قال زهير:\nالقائد الخيل منكوبا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا\nوالقد الجلد، والأبق شبه الكتان. ويقال: هو القنب وكانت تصنع منه الحكمات عند العرب، لأن غرضهم الشدة والشجاعة لا الزينة، إذا عرفت هذا فقيل: الحكمة هي العمل، وقيل: الإتقان، وقيل: العدل، والحلم، والنبوءة، والقرآن، والإنجيل. وقيل: كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح. قال عياض في قوله ﷺ: الحكمة يمانية، الحكمة عند العرب كل ما يمنع من الجهل، وبذلك سمي الحاكم لمنعه الظلم ومنه الحديث: إنّ من الشعر","vol":"1","page":25},{"text":"لحكمة، أي ما يمنع من الجهل وينفع وينهى عنه، والحكم والحكمة واحد. وقد قيل ذلك في قوله:) وأتيناه الحكم صبيًا (وقيل: حكمة أي عدلا يدعو إلى الخير والرشد ومحامد الأخلاق. وقيل الحكمة إصابة القول من غير نبوءة. وقيل ذلك في قوله:) اللهم علمه الحكمة. (وقيل: الحكمة العلم بالدين. وقيل: العلم بالقرآن وقيل: الخشية. وقيل: الفهم عن الله في أمره ونهيه. وهذا كله يصح في معنى قوله: الحكمة يمانية وقوله:) علمهُ الحكمةَ (لا سيما مع قوله: الفقه يمان. وقد قيل: الحكمة النبوءة. وقيل هذا في قوله:) يؤتي الحكمة من يشاء (انتهى.\nوقال أبن عطية: أختلف الناس في الحكمة في هذا الآية، فقال أبن عباس: المعرفة بالقرآن فقهه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه. وقال قتادة: الحكمة الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الحكمة الإصابة في القول والفعل. وقال أبن زيد، وأوه زيد أبن سالم: الحكمة العقل في الدين. وقال مالك: الحكمة المعرفة بالدين والفقه فيه والإتباع له. وروى عنه أبن القاسم إنّه قال: الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له. وقال أيضًا: الحكمة العقل في الدين والعمل. وقال الربيع: الحكمة الخشية. ومنه قول النبي ﷺ: \" رأس كل شيء خشية الله تعالى \" وقال إبراهيم: الحكمة الفهم وقال الحسن: هي الورع. انتهى. وقال النووي: الحكمة فيها أقوال كثيرة مضطربة، اقتصر كل من قائليها على مقتضى صفة الحكمة. وقد صفا لنا منها إنّها عبارة العمل المتصف بالإحكام، المشتمل على المعرفة بالله تعالى، المصحوبه بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق والعمل به، والصد عن إتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك. وقد تطلق الحكمة على القرآن. وهو مشتمل على ذلك. وقد يطلق على العلم فقط، وعلى المعرفة فقط، ونحو ذلك. انتهى. وقال بعضهم: أصح ما قيل في الحكمة إنّها وضع الشيء في موضعه، أو الفهم في كتاب الله. انتهى. ورد الغزالي الحكمة إلى العقل. قال في كتاب نهذيب النفس من الأحياء أمهات الأخلاق وأصولها الأربعة: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل قال: ونعني بالحكمة حال النفس بها تدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الأختيارية. وقال الراغب: الحكمة إصابة الحق بالقول والفعل. فالحكمة من الله تعالى","vol":"1","page":26},{"text":"ومعرفة الأشياء، وإجادها على غاية الإحكام؛ ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله) ولقد آتينا لقمان الحكمة (، ونبه على جملتها بما وصفه بها. فإذا قيل في الله حكيم، فمعناها إذا وصف به. ومن هذا الوجه قال: أليس الله بأحكم الحاكمين. وإذا وصف به القرآن، فلتضمنه معنى الحكمة، نحو:) تلك آيات الكتاب الحكيم (. وقيل الحكيم المحكم، نحو أحكمت آياته. وكلاهما صحيح، فانه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان. انتهى.\nوالعبارات عنهما كثيرة، ولا حاجة إلى التطويل بها، فان مرجعها شيء واحد؛ وإنّما سبب الاختلاف كثيرة اللوازم والخواص، فعبر عنها بما حضره من خواصها. نعم، ربما يظهر من بعض العبارات السوابق إنّ الاختلاف الحقيقي كالقول بأنها إصابة القول من غير نبوءة، مع القول بأنها النبوءة، ونحوه. لكن جل ما تقدم حائم على الإصابة في الأقوال والأفعال والفهوم. وفعلها حكم بالضم؛ يقال: حكم الرجل كشرف، فهو حكيم قال النمر بن تولب:\nوأبغض بغيضكم بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحما\nأي أن تكون حكيما. وقال النابغة:\nأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمدِ\nيقول: أصب في أمري ولا تخطيء كإصابة الزرقاء في عد الحمام، ولا تقبل قول من يسعى إليك في. وقيل: الحكم بمعنى القضاء. وفعله بالفتح كما مر. والحكم أعم من الحكمة، كما قال الراغب: فكل حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة. قلت: وهو صحيح في الحكمة الخيرة. وقد علمت أن الحكمة تكون في الأعمال والأخلاق أيضًا كما سنبينه. فبهذا تكون أخص من وجه لا مطلقا. وتقدمت الإشارة إلى الخلاف في اشتقاق الحكمة أيضًا فقيل: من الإحكام وهو الإتقان؛ وقيل: من المنع كما مر أخذا من حكمة اللجام. وتقدم اللفظان معا وهو فائدة تقديمها لشرح المادة. والكل محتمل، والأقرب المنع.","vol":"1","page":27},{"text":"ولا يبعد أن يكون الإحكام هو الإتقان من المنع أيضًا، كأن المحكم قد منع من الاختلال والفساد، وأبع عن مظان العيب والاعتراض. وتقدم أن الحكم الذي هو القضاء هو أيضًا منع للظلم، فصارت المادة كلها من المنع، والله اعلم. فإذا تتبعنا متفرقات المعاني المقولة في الحكمة على ما مر وجمعناها من ذلك أنها تتعلق بالقلوب والجوارح من الأيدي والألسنة. أما في القلوب، فعلى معنى الإصابة في اعتقاداتها وتصورها للأشياء وفي أخلاقها من الحلم، والعفو، والعفة، والعدل، ونحو ذلك. وأما في الأيدي فعلى معنى الإصابة في أفعالها وإتقان صنائعها؛ وكذا غيرها من الأعضاء بالجري على السنن في أفعالها، وكذا القصود. وأما في الألسنة فعلى معنى الإصابة في التعبير عن المعاني بإصابة المحز وتطبيق المفصل. غير أنا نقول: لابد في هذا كله عند إطلاق لفظ الحكمة ولفظ الحكيم عند أهل كل عرف من اعتبار دقة في ذلك، ولطافة، ونوع غرابة، وعظم فائدة، باعتبار أهل ذلك العرف، حتى يكون المعنى بالإصابة المذكورة إصابة خاصة لا مطلق الإصابة، للقطع بأنا لا نسمي اليوم من قال الله واحد ومحمّد رسوله ﷺ حكيما وإن كان في غاية الإصابة؛ ولا من بنى بناء معتادا، أو صاغ صياغة معتادة. وقد نبه على هذا المعنى بعضهم في قوله ﷺ الكلمة الحكمة ضالة المؤمن. فقال: المراد بالكلمة الجملة المفيدة، والحكمة التي أحكمت مبانيها بالعلم والعقل، وتدل على معنى فيه دقة، انتهى. ولأجل هذا يقال: أنزلت الحكمة على ثلاثة أعضاء في الجسد: قلوب اليونان، وألسنة العرب، وأيدي أهل الصين. وما ذلك إلاّ لاختصاص اليونان بميزة التبحر في علم الأشياء ومعرفة القوانين وإتقان البراهين، واختصاص أهل الصين بميزة عمل الصنائع العجيبة وإتقان الأعمال الغريبة؛ واختصاص العرب بمزية إبانة المعاني العجيبة، والأمثال والمواعظ المفيدة، في أشعارها وخطبها. ومن ثم قال النبي ﷺ إنّ من الشعر لحكمة. ودخل العجاج على عبد الملك بن مروان فقال: يا عجاج، بلغني أنك لا تقدر على الهجاء. فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية أمكنه خراب الأخبية. قال: فما يمنعك من ذلك؟ قال: إنّ لنا عزا يمنعنا من أن نظلم، وإنّ لنا حاما يمنعنا من أن نظلم، فعلام الهجاء؟ فقال عبد الملك:","vol":"1","page":28},{"text":"لكلماتك أشعر من الشعر؛ فأنى لك عز يمنعك من أن تنظم؟ قال: الأدب البارع، والفهم الناصع. قال: فما الحلم الذي يمنعك من أن يظلم؟ قال: الأدب المستطرف، والطبع التالد. قال: يا عجاج، لقد أصبحت حكيما. قال: وما يمنعني وأنا نجي أمير المؤمنين؟ انتهى.\nوستسمع أن شاء الله من كلام حكماء العرب ما تقضي منه الأرب. والكلام المذكور هو أيضًا مصداق ما مر من تعلق الحكمة بالقلوب والألسن وساير الجوارح، والله الموفق. وقد اتضح من هذا الفرق بين المثل والحكمة، وذلك فيما يحضر فكري الآن من ثلاثة أمور: أحدها أن الحكمة عامة في الأقوال والأفعال، والمثل خاص بالأقوال. ثانيها أن المثل وقع فيه التشبيه كما مر، دون الحكمة. ثالثها أن المقصود من المثل الاحتجاج، ومن الحكمة التنبيه والإعلام والوعظ. ويرد على الأول إنّه فرق بحسب أعمية المورد، ولا مساس له بالحقيقة. فلم يفد إلاّ أن الحكمة الفعلية تباين المثل ولا نزاع فيه، وليس بمفيد في الأقوال إذا تنوزع فيها أن شيئا منها حكمة أو مثل. على أنه قد يكون التمثيل بالفعل أيضًا كتصوير شكل المثلث لمن لا يعرفه. ومن ثم يعد من جملة الرسوم المعروفات الأشياء التعريف بالمثال. ويرد على الثاني أنه إن عنى تشبيه المضرب بالمورد حقيقة، فقد مر أن نوعا كبيرا من الأمثال لا يجري فيه ذلك على ما ينبغي؛ وإن عني مطلق التشبيه، فهو واقع في الحكم كثيرا، كقولهم: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء. على أنه قد عد من الأمثال ملا تشبيه فيه أصلا بوجه كقولهم: من قرع الباب ولجَّ ولج. وقولهم: \" الرباح مع السماح \" ونحو ذلك. ويرد على الثالث أن الاحتجاج صحيح في الحكم أيضًا، بل جلها قضايا كليات وقوانين تورد بحيث يصلح في كل أمر تكون حجة فيه محذوفة إحدى مقدمتيها. فإذا قلنا: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء أمكن إنّ نقول: إن فلان فسدت بطانته، وهو المقدمة الباقية، فيعلم أن فلانا هو كمن غص بالماء. وهذا الاستدلال هو الكاشف عن الصواب والخطأ في الأنظار والعلوم، وهو معنى الحكمة بالحقيقة؛ وإنما قلنا جل الحكم قضايا، لأن ذلك هو","vol":"1","page":29},{"text":"الصريح، وقد يكون منها غير ذلك، كالأوامر والنواهي؛ لكنها تتخذ قضايا بحسب الزوم. فالحكم كلها تصلح للاحتجاج، وهي بصدده كالأمثال؛ على أن الأمثال ليست كلها بصدد الاحتجاج، بل هي بالأصالة للتصوير؛ وإنّما تصلح للاحتجاج عندما يراد بها التصديق من مدح، أو ذم، أو تزيين، أو إظهار رغبة في شيء أو عدم مبالاة، أو نحو ذلك على ما ستقف عليه قريبا إن شاء الله.\nويجاب عنها، أما أوّلا فبأن القصد الفرق بين المثل والحكمة مطلقا أعم من الموردي والحقيقي، وهذا كاف في الأول وليس مقتصر عليه حتى يعد قاصرا. وأما ثانيا فبأنها نعني تشبيها خاصا لا مطلقا، أما في الوجه الثاني من الأمثال فهو تشبيه المضرب بالمورد كما مر. وأما في الأول فلا يخفى إن لم يكن فيها ذلك على وجهه أن فيها تشبيها بعنصر خاص معين هو سبب جريان ذلك الكلام ووقوع ذلك التشبيه على ما تقدم توضيحه، وليس ذلك بمنظور في الحكم. وأما ثالثا فبأن الاحتجاج في المثل واقع بالفعل حيثما أطلق على سبيل الخصوص، والحكمة إنّما تراد عامة على وجه الصلاح للاحتجاج بها في الخصوصيات لا على الفعل، فالاحتجاج خلاف الاحتجاج. نعم، يبقى من الأمثال ما لم يقع فيه تشبيه لا صريحا ولا مقدرا. والحق أن من الأمثال ما لا يشتبه بالحكمة في ورد ولا صدر، نحو: الصيف ضيعت اللبن، ومن الحكم ما لا يشتبه بالمثل ككثير من الحكم الإنشائية، ويبقى وراء ذلك وسط يتجول فيه الفريقان كالمثل السابق. فان كثيرا منها قد يعد مثلا تارة، وحكمة تارة، ولا فرق يظهر إلاّ بالحيثية، وهي إنها إن سيقت ملاحظا فيها التشبيه فمثل؛ وإن سيقت ملاحظا فيه التنبيه أو الوعظ أو إثبات قانون أو فائدة ينتفع بها الناس في معاشهم أو معادهم فحكمة. وهذا معروف بالاستقراء، ز شاهده الذوق بعد معرفة أن مرجع الحكمة الإصابة، ومرجع المثل التشبيه كما مر، حتى إن من يضرب للناس أمثالا غريبة ينتفعون بها يصح أن يقال إنه حكيم لأنه مصيب في ذلك المثل الذي ضربه، وهكذا يقال في التمثيل الفعلي السابق. فإن من صور صورة المسدس مثلا عد منه ذلك تمثيلا من حيث التشبيه، وحكمه من الإصابة والإتقان، ولا تنافي بين الغرضين. ومن وسع نطاق هذا الاعتبار أمكنه في كل مثل وحكمة هذا المقدار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>فائدة المثل والحكمة وفضلهما</span>\nأما الأول وهو المثل، فلا يخفى على ذي ميز ولا يشتبه على ذي لب ما جعل الله تعالى فيه من الحكمة، وأودع فيه من الفائدة، وناط به من الحاجة؛ فأن ضرب المثل يوضح المنبهم، ويفتح المغلق، وبه يصور المعنى في الذهن ويكشف المعمي عند اللبس، وبه يقع الأمر في النفس حسن موقع، وتقبله فضل قبول، وتطمئن به اطمئنانا، وبه يقع إقناع الخصم وقطع تشوف المعترض. وهذا كله معروف بالضرورة، شائع في الخاص والعام، ومتداول في العلوم كلها منقولها ومعقولها، وفي المحاورات والمخاطبات، حتى شاع من كلام عامة المتعلمين والمعلمين قولهم: \" بأمثالها تعرف أو تتبين الأشياء \" وسر ذلك إنّ المثل يصور المعول بصورة المحسوس، وقد يصور المعدوم بصورة الموجود والغائب بصورة المشاهد الحاضر، فيستعين العقل على إدراك ذلك بالحواس، فيتقوى الإدراك ويتضح المدرك. وتحقيق ذلك أن العقول، وأن كانت تدرك المعلومات، لكنها غير مستقلة بنفسها غلبا في إدراك جميعها ولا جلها استقلالا صرفا لا سيما القاصر. وذلك أن العقول إنما تستقل بإدراك أوائل الضروريات التي توجد في غرائزها ولا تدري لها سببًا غير اختراع الفاعل المختار. وما سوى ذلك فالعقول فيها إما مفتقرة إلى الحواس، كالمعلومات التجريبية التي موادها محسوسة بإحدى الحواس؛ وإما مستعينة بها ضربًا من الاستعانة على طريق التمثيل والتقرير ونحوه. وذلك في غير ذلك. وقد ذهب قوم من الأوائل إلى حصر العلوم في المحسوسات وعكس آخرون، ونحن لا نقول شيئًا من ذلك، وليس هذا محل تقرير المقاتلين ولا ردهما، ولكنا نشير إلى ما نحن بصدده نوع إشارة فنقول: إنّ الإدراك، سواء قلنا إنّه يكن بالعقل وبالحواس الخمس معا، أو قلنا إنّه بالعقل فقط","vol":"1","page":31},{"text":"بواسطة الحواس، لا يخفى أن ما كان من قبل الحواس الخمس هو أظهر واسهل، ولذا شاركت فيه الحيوانات العجم والإنسان، وأن ما لم يكن من ذلك بنوع تعلق أصلا أخفى وأصعب وإسراف، وبمزية الاختصاص به كان الإنسان اشرف. فكل ما يدركه بحسب العادة الجارية استقراء، إما شيء وصل إليه من طرق الحواس، فيقع فيه بعد تأديه إليه منها نوع من التصور ونوع من التصرف بالتحليل والتركيب؛ وأما شيء يتأد إليه بالحواس، وهو إما شيء يجده عند نفسه أوّلًا كعلمه بان الموجود لا يكون معدوما، وأن الشيء الواحد لا يكون زمانا واحدا في مكانين، ونحو ذلك؛ وإما شيء يجد نظيره عنده بنوع من التشابه، أو يتأدى إليه نظيره من الحواس، كعلمنا بأن لله علما وقدرة وحلما وغضبا، لمّا علمنا في أنفسنا من علم وحلم وغضب، وإن كان الحادث خلاف قديم، لكن بينها ضرب من التشابه؛ ولولا ما علمناه بالوجدان من ذلك ما قدرنا أن نثبت نظيره في جانب الباري، كما قال تعالى:) وفي أنفسكم أفلا تبصرون. (وقال ﷺ: \" من عرف نفسه عرف ربه \". إلاّ إن يخرق الله تعالى العادة في العقل فأنه مستعد لكل العلوم، وهكذا سائر الصفات. وكإدراكنا بحرًا من الزئبق، وجبلا من الياقوت، فانه لم يتأد إلى العقل قط من الحواس لعدم وجوده ولا وجود نظيره عنده كالأول؛ ولكن تأدى إليه نظير من الحواس، وكذلك إنّه تأدى إليه البحار من الماء والجبال من الأرض؛ وهو يعلم إنّ بحر الماء مثلا متركب من القطرات المائية؛ فإذا أدرك قطرات الزئبق بمشاهدة الحواس جوز أن تتركب وتتجمع اجتماع قطرات الماء، وتصور من ذلك بحرًا؛ وكذلك في أحجار الياقوت التي يراها، وما تصوره القوة الوهمية من أشياء لا حقيقة لها إنما ذلك من هذا القبيل، فإنها تستند إلى الحواس فتصور أشياء عل سبيل ما تأدى إليها منها، إلا إنها تحل ذلك حيث لا محل، كما تصور للغول أنيبا وأظفارا. فقد علم إن العقل غير واصل في العادة إلى غائب صرف من الأمور النظرية؛ وإنما مرجع إدراكه المحسوس هو أو نظيره بالحس الظاهر أو الباطن أو ما مادته ذلك. وكثيرًا ما يقع له الغلط في البابين لاشتباه الوهم أو لاشتباه الحس حتى فر الفارون إلى حصر العلوم في المحسوسات حذارًا من الوهم والالتباس الوقع بسببه، وفر الآخرون إلى حصرها في المعقولات حذارًا من اشتباه الحس،","vol":"1","page":32},{"text":"وهما النوعان المذكوران أنفا، وقد بين ذلك في محله. والحق حصول العلم من الجانبين، إلا أن الإنسان في مبدأ فطرته ليس عنده غالبًا إلا العقل الهيولائي الغريزي، وهو في إدراكاته الفعلية شبيه بالبهيمة من حيث إنّه إنما\nيدرك غالب الأمور المحسوسة، فلا يزال يربو عقله وينمو إدراكه، وكلما ازداد النفس من ألفة المحسوسات والاستئناس بها والركون إليها أزيد من ذلك وأكثر، وكأنها هي السابقة وهي أظهر. فإذا كمل إدراكه شيئًا ما بحيث أدرك الضروريات وأستعد للنظريات وصار له عقل بالملكة، كانت النفس إذ ذلك محيطة بعظم المحسوسات، قوية الأستاناس بها، متمكنة من الألفة بها. فأن كان صاحبها مع ذلك من العوام التاركين للعلوم والمعارف، وهم الأكثر، فقد اندفع في المحسوسات وأهمل عقله الخاص بنفسه في مألوفاتها، وصار شبيها بالبهائم في إنّه لا يدرك إلاّ هذه المحسوسات التي تدركها؛ وإنما يفوقها بضرب من التصرف ضعيف فيها. فمتى ذكر لهذا شيء مما وراء ما يشاهد ولم يكن من الضروريات الأوائل الحاصلة له وما أشبهها، احتاج غالبا إلى إنّ يضرب له مثل بشيء مما يشاهد، ويصور له بصورته إما فهما وأما اطمئنانا واستئناسا. وإنّ كان من الخواص الخائصين في العلوم وإدراك المعقولات، فقد علمت مما مر إنّ العقل عادة إنّما يدرك بنفسه الضروريات، وما سوى ذلك إنما يدركه بواسطة تأديه أو تأدى نظيره إليه من الحواس الظاهرة أو الباطنة. ومع ذلك، فالمتأدى إليه إنّما هو أمر جزئي بالضرورة، فمتى حاول جنسا من ذلك لم يكن الجنس بنفسه من حيث إنّه جنس متأديا بشيء منها، فأحتاج إلى أن يمثل بصورة من ذلك الجنس فيدركها لأنها هي التي كانت تتأدى إليه ليقيس عليها غيرها، وبذلك يمكنه أن يدرك القاعدة والقانون، وهو الذي نعني بالجنس في هذا المحل حيث أدرك مادته إلاّ إنّ يكون له من لطف الإدراك وقوة الذكاء ما يستحضر به تلك الصور وينتزع منها مراده من غير أن يصور منها شيء مخصوص، فهذا يستغني عن التمثيل، وقليل ما هم. ومع ذلك فالنفس قد قلنا إنّها قوية الاستئناس بالمحسوسات لوضوحها وسبقها:","vol":"1","page":33},{"text":"أتاني هواها بل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا\nفإذا خيض بها في شيء من غير ذلك جمت إلى مألوفها حنين الثكلى وقالت:\nما الحب إلى للحبيب الأول\nواستصعبت ذلك وخليت دونه، فاحتيج إلى أن يصور لها ذلك بصورة شيء مما كانت تألفه لتستأنس به وتطمئن. والاستئناس بالمألوف مركوز في جلية النفوس، حتى إنّه ورد في حديث الإسراء أن النبي ﷺ لمّا زج به في النور وفارقه جبريل أسمعه الله تعالى كلام صاحبه أبي بكر الصديق ﵁ تأنيسا له به في ذلك المقام الهائل وهذه حكمة ربانية تعجز العقول عن الإحاطة بها وحدها، فكيف بملكوت السماوات والأرض؟ فتبارك الله أحسن الخالقين! ثم إنّه كلما عرف الإنسان ضربا من العلوم ومارسه ألفته نفسه واستأنست به؛ فإذا ارتحل عنه إلى منزلة أخرى حنت النفس إلى الأولى المألوفة أيضًا، فاحتيج إلى أن يضرب لها مثل بشيء مما ألفه أو نظيره لتستأنس به ونطمئن إليه حتى لا يختص التمثيل بالمحسوسات الصرفة، وهكذا أبدا. فقد تبين بهذه الكلمات الاحتجاج إلى التمثيل ووجه الاحتجاج، وإنّه لا غنى عنه لعام ولا خاص؛ غير أن الاحتجاج قد يكون ضروريا، وذلك عند العجز عن الوصول إلى المطلوب بدونه، وقد يكون تحسينيا، وذلك عند الاحتياج إلى الاستعانة به والاستئناس والاطمئنان. هذا الأصل، وقد يكون الاحتياج لأغراض آخر ستأتي.\nهذا ما ألهمني الله تعالى في هذا المقام على سبيل الإجمال، وأما بسطه كل البسط فلا يسعه الوقت، وفيما ذكرناه كفاية، إذ ليس من الغرض الإكثار إذا فهم المقصود وأدرك المراد. فقد ظهر بهذا عظم فائدة التمثيل، وبذلك تبين فضله. وقد ضرب الله تعالى الحكيم في القرآن ضروبا من الأمثال للخلق، وقال تعالى:) إنَّ اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثلًا ما بعوضة فما فوقها (الآية. وقال تعالى:","vol":"1","page":34},{"text":") وتلك الأمثالُ نضربها للناسِ (الآية فعدها منة على الناس لمّا فيها من عظيم الفوائد. وقال تعالى:) وسكنتم في مساكن الذينَ ظلموا أنفسهم وتبينَ لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (إشارة إلى أنه لا إلتباس ولا إشكال بعد ضرب المثل ومع ذلك لم يعتبروا. وضرب النبي ﷺ الأمثال الكثيرة للناس، وسيأتي من جميع ذلك ما فيه غنية في محله أن شاء الله تعالى. ولم يزل إلى الآن المدرسون وشيوخ التعليم والتربية يضربون الأمثال في كل أمر، وكذا غيرهم. وكتب عمر ﵁ إلى الأنصار: علموا أولادكم العوم والفروسية، ورووهم ما سار من المثل وما حسن من الشعر. فهذا حض على تعلم الأمثال خصوصا السائرة، فإنها أقطع للنزاع والشغب، وحض على تعلم الشعر. ولمّا بعث سعد بن أبي وقاص ﵁ رسله إلى رستم صاحب جيوش فارس أيام القادسية فرجعوا، وبعث أليه آخرين يدعونه إلى الإسلام أو الجزية، قال لهم رستم: إني قد كلمت منكم نفرا، ولو أنهم فهموا عني لرجوت أن تفهموا، والأمثال أوضح من كثير من الكلام؛ وسأضرب لكم مثلكم: إنكم كنتم في بلاء وجهد وجوع، فأتيتم بلادنا فلم نمنعكم، فلما أكلتم طعامنا وشربتم شرابنا وأظلكم ظلنا وصفتم ذلك لقومكم فأتيتم بهم. فمثلكم في ذلك ومثلنا كمثل رجل له كرم فرأى فيه ثعلبا فقال: وما ثعلب؟ فانطلق الثعلب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعت عليه سد عليه صاحب الكرم مدخلها فقتلها. وقال لهم أيضًا: مثلكم كمثل جرذان ألفت جرة فيها حب وفي الحرة ثقب، فدخل الأول فأقام فيها، وجعلت الأخر تنقل وتخرج وتكلمه في الخروج فيأبى عليها، حتى إذا انتهى سمن الذي في الجرة فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله، ضاق عليه المخرج فلم يقدر على الخروج منها، فشكا الغلق إلى أصحابه وسألهم المخرج فقالوا: لست بخارج حتى تعود إلى حالتك الأولى. فكف وجوع نفسه وبقي في الجرة حتى أتاه صاحبها فقتله. وقال لهم أيضًا: لم يخلق الله خلقا أولع من ذباب ما خلاكم يا معشر","vol":"1","page":35},{"text":"العرب! ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع. ومثلكم في هذا مثل الذباب إذا رأى العسل طار وقال: \" من يوصيني إليه وله درهمان؟ حتى يدخلنه لا ينهنهه أحد \" إلا عصاه. فلما دخله غرق ونشب وقال يخرجني وله أربعة دراهم؟. وضرب لهم امثلًا أخرى على هذا النمط، فلما فرغ تكلم سعد ﵃ بما جاءوا به من الأعذار والإنذار. ثم قالوا: وإما ما ضربتم لنا من الأمثال فإنكم ضربتم للرجال وللأمور الجسام وللجد والهزل. ولكنا سنضرب لكم مثلكم: إنّ مثلكم مثل رجل غرس أرضا واختار لها الشجر والحب، وأجرى لها الأنهار، وزينها بالقصور، وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها، ويقيمون على جناتها. فخلفه الفلاحون في القصور بما لا يحب، وفي الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم. فلما لم يستجيبوا من تلقاء أنفسهم استعتبهم فكابروه، فدعا إليهم غيرهم فأخرجهم منها؛ فان ذهبوا عنها تخطفهم الناس، وإن أقاموا صاروا خولا لهم يملكونهم ويسومونهم الخسف أبدًا.\nولمّا عظم أمر المسلمين وولي يزدجرد على فارس، وهاله أمر المسلمين، بعث إلى رستم المتقدم ذكره فقال له: انك أنت اليوم رجل أهل فارس، وقد رأيت ما نزل يهم؛ وإني أريد أن أوجهك في هذا الوجه فأنت لها. فأظهر له رستم أن قد قبل منه وأثنى عليه. فقال له الملك: قد أحببت أن انظر فيما لديك لأعلم ما عندك؛ فصف لي العرب وفعلهم، وصف لي العجم وما يقولون عنهم، فقال له رستم: صفة الذباب صادفت غرة من رعاء فأفسدت فقال: ليس كذلك، إنّما سألتك رجاء أن تعرف صفتهم فأقويك لتعمل على ذلك فلم تصب، فأفهم عني إنّما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفت على مراقب عند جبل تأوي في ذراه الطيور تبيت في أوكارها. فلما أصبحت الطير أبصرت العقاب ترقبها فخافتها فلم تنهض وطمعت العقاب فلم ترم، وجعلت كلما شد منها طائر انقضت عليه العقاب فاختطفته حتى أفنتها. فلو نهضت بجميعها نهضة واحدة لنجت واشد شيء يكون في ذلك أن تنجوا كلها إلاّ واحدًا. فهذا مثلهم ومثل الأعاجم، فأعمل على قدر ذلك.\nوكان لبعض الملوك وزيران أحدهما كان يأمر ببذل الأموال لاجتلاب قلوب الرجال،","vol":"1","page":36},{"text":"ويقول انهم أنفع وأعود من المال. فقام الآخر ونهاه عن ذلك وقال: أمسك مالك فهو خير لك، متى كان عندك المال واحتجت إلى الرجال وجدتهم. فقال له الملك لابد لهذا من آيه؛ فمثل أي مثلا يتضح به ما ذكرته، فان الأمثال بها تنكشف الأشياء، فقال الوزير: علي بإناء عسل. فجيء به فقال: خمروه. ثم قال للملك: هل ترى هنا من نحل؟ قال: لا فأتى بإناء العسل، فلم يلبث أن جاءت النحل من كل أوب. فقال: هكذا الرجال على المال! فقام الوزي الآخر وقال: خمروا الإناء إلى الليل. فلما كان الظلام أخرج الإناء، فما تحركت نحلة أصلا ولا وقعت عليه. وهذا تشبه قصة الهررة والشمع، وستأتيك قريبا في الأمثال، وتتبع الحكايات يخرج عن العرض؛ وإنّما ذكرنا ما تقدم تنبيها على شدة اعتناء الناس بالتمثيل وعظم فائدته. وكان الحكماء الأولون مثلوا الدنيا بطائر رأسه المشرق وجناحاه اليمن والشام وذنبه المغرب، فبينوا بهذا المثل دناءة المغرب وخسته، لأن أخس ما في الطائر ذنبه. فلما خرج اليونان إلى الجزيرة واستخرجوا فيها المياه وغرسوا الأشجار وبنوا القصور حتى عادت الجزيرة احسن ما يكون قالوا: رجع الطائر طاووسا! لشرف ذنب الطاووس. ومن ما جعل الله تعالى فيما يراه النائم من أمثلة الأشياء، قضى العجب من حكمة الله تعالى وما أودعه في عالم المثال، وهو بحر عميق ليس من غرضنا ولسنا من رجال الخوض فيه، وما ذكرناه في الأمثال من حيث هي وستأتيك زيادة في الأمثال الشعرية في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله. وما ذكرناه أيضًا هو فائدة التمثيل الإصابة، لأن مرجع الغرض من التمثيل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، وفائدته العظمى التبيين والتوضيح كما مر. وقد يرد لأغراض أخرى غير ذلك، كالمدح أو الذم أو التزيين أو التشبيه أو غير ذلك مما قرر في علم الأدب؛ لكن مرجع الجميع إلى الفائدة الأولى وهي التبيين والتوضيح. فإنا إذا مثلنا أحدا بالبحر قصدنا إلى مدحه بالكرم، أو بالأسد قصدنا إلى مدحه بالشجاعة. فالقصد الأصلي بيان هذا الخصوصية التي يبلغ بها هذه الدرجة المخصوصة من الجود والجرأة لأنها هي المتلبسة علينا؛ لكن قد يتناسى هذا المعنى الأصلي ويفهم أن التمثيل سيف للمدح والذم حتى كأنه لا توضيح هنالك أصلا، ومثله في النعت. وأما سوق التمثيل لبيان الامكان أو بيان المقدار فلا إشكال أنه من المعنى الأصلي","vol":"1","page":37},{"text":"وهذا كله في التمثيل من حيث هو في الجملة. وأما الأمثال السائرة التي نحن بصددها فتكون هي أيضًا في الجملة للبيان والتوضيح، لكن لمقاصد كثيرة وضروب من الأغراض لا تكاد تنحصر؛ وستتلى عليك في هذا الكتاب. وأمثال القرآن كذلك بعد دلالتها على توضيح المراد وتقريبه وتصويره للعقل تكون لمقاصد كثيرة من مدح وذم ودلالة على تفاوت في الثواب، وعلى إحباط عمل وتذكير ووعض وحث وزجر واعتبار وغير ذلك مما يسرد على سمعك فيها إن شاء الله تعالى. وكذا أمثال الحديث النبوي، وستأتي إن شاء الله تعالى، والله الموفق.\nوأما الثاني وهو الحكمة، فلا يخفا أيضًا فائدتها وفضلها. وقد اثني عليها في الكتاب والسنة. قال الله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا. وقال: وآتيناه الحكمة وفصل الحطاب. وقال: وآتيناه الحكم صبيا. ونحو ذلك من الآي. وقال النبي ﷺ: الكلمة الحكمة ضالة المؤمن. ويروى: الكلمة الحكمة ضالة كل حكيم. فإذا وجدها فهو أحق بها. وقال ﷺ: كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها. وغير ذلك من الأحاديث والآثار التي يطول ذكرها. وقد أطبق العقلاء على مدحها والاعتناء بها، وليس الغرض إلاّ بيان فضلها وفائدتها فقط، وكيف يحسن منا ذلك وهي عين الفائدة والفضل؟:\nوكيف يصبح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\nوإنّما الغرض هو بيان ما هو الممدوح من مصدوق اسم الحكمة، وإذا الغلط قد وقع في مثل هذا لكثير من العقلاء من جهة شمول لفض الحكمة لأمور كثيرة بحسب كل عرف واصطلاح، بعض تلك الأمور ممدوح دون بعض، فكان كل من يحصل له شيء منها يجعله من مصدوقات الحكمة الممدوحة، فيتمدح بما انتحله ويثني عليه ويضيف ما ورد من","vol":"1","page":38},{"text":"الثناء عليها إلى نفسه. فرأينا أن نشير إلى هذا المقام بضرب من الإشارة قريب يتميز به الطيب من الخبيث وبعرف به الفائز من المغرور. وبسط ذلك يستدعي موضوعا على حدة، فلنقتصر منه على لمحة برق فنقول: قد عرفت فيها مر من تعريف الحكمة أن فيها أقوالا كثيرة مرجعها فيما أوردناه من كلام السلف ضربان: خاص وعام. فالخاص القول بأنها النبوءة والقرآن أو علم القرآن، أو الفهم أو الخشية لله تعالى أو فهم القرآن أو العمل له أو الأتباع له، أو إصابة القول من غير نبوءة ونحو هذا مما تقدم. والعام القول بأنها الإصابة في القول والفعل ونحوه. فأما إذا فسرناها باوجه الخاص وقلنا هي النبوءة، أو علم القرآن، أو العلم به، أو فهمه والاتباع له، أو الخشية، فلا خفاء في مدحها والثناء عليها في هذا المعنى وما أشبهه من كل ما يسترضي به الله تعالى ويتقرب به إليه كالعقل والعدل والحلم؛ إلاّ إنّه لابد في ذلك من تحقيق الحقيقة وحفظ الحيثية وهو تحقيق الإصابة، إذ ذلك هو الحكمة ومناط التقرب المذكور. فأما ما ينتحله المتنبئ الكاذب من النبوءة، وما ينتحله الملحد من فهم كتاب الله تعالى والبدعي من الاتباع، فكل ذلك قد يسميه صاحبه حكمة ويسمي نفسه به حكيما، وليس من الممدوح بل ذلك مذموم غاية الذم، وليس ذلك بنبوءة ولا فهم لكتاب الله إلاّ في تسميته، فقط، وكذا ما أشبه هذا وإن قلنا هي إصابة القول من غير نبوءة ونحو ذلك، فحكمه بعد. وأما إذا فسرناه بالمعنى العام، فقد علمت إنّها متناولة لجميع الإصابات في القول والأفعال والاعتقادات، ودخل في ذلك ما تقدم وغيره. ومجموع ذلك ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الحكم القولية، وهي كلها محدودة من حيث ذاتها بقيد أن تكون بحكمة في نفس الأمر، وإلاّ فقد يطعن ما ليس بحكمة حكمة، إذ قد يعد من الحكمة ما دل على إيثار العاجلة على الآجلة أو اتباع الهوى، أو على العدوان والعلو في الأرض وسفك الدماء، وعلى اكتساب النبوءة برياضة النفس وطول المجاهدة وبلوغ كمال المعرفة وكمال النفس بذلك من غير تعقيد بقانون الشرع، وعلى إيثار انقطاع الناس إلى الله تعالى بالإعراض عن نبيهم وعدم الالتفات إليه أصلا، توهما أن ذلك هو اللائق بتوحيد الباري والتعبد له ونحو ذلك؛ فكل ذلك وما أشبهه هوس باطل ليس من الحكمة في","vol":"1","page":39},{"text":"ورد ولا صدر، فان الحكمة مرجعها الإصابة كما ذكرنا قبل. ومن هذا النمط ما دونه حكماء الفلاسفة في العلم الإلهي من فنون الفلسفة من الهوس والأباطيل، والاعتقادات الزائغة والحجج الواهية، وكذا ما لنظرائهم من الطبيعيين وأشباههم من قرف المعتزلة وطوائف المبتدعة الضالين المضلين. وقد كان للفلاسفة في غير الإلهيات حكم تقتبس سراجا منيرا. وتورد زلالًا نميرا، فلما خاضوا في العلم الإلهي لم يهتدوا غالبا إلى الحق فيه، ولم يؤذن لهم في الدخول إلى ذلك الجناب النزيه. ومن يضلل الله فما له من هاد. ثم إنّ هذه الحكم القولية، وإن قلنا إنّها محمودة، فهي تختلف شرفا وفضلا بحسب جلالتها وما دلت عليه درجات كثيرة لا تكاد تنحصر. هذا بحسب ذاتها، وأما قائلها الذي صدرت منه فغير واجب أن يكون محمودا دائما ولا أن يعد حكيما، بل قد يكون محمودا، وذلك إذا علم ما يقول وعمل به وتخلف به ولم يكذب فعله وخلقه قوله، وقد يكون مذموما، وذلك إذا كان بخلاف ذلك بحيث يكون من علماء اللسان الثرثارين المتفيهقين، حتى إنّ المتكلمين بالحكم الشرعية من علماء الظاهر الذين تخالف أفعالهم أخلاقهم أقوالهم، ونحوهم من الوعاظ والقصاص في غاية الذم. ومن ثم قيل في ما مر: الحكمة هي الفهم في القرآن والعمل به والإتباع له. وقد تصدر الحكمة ممن هو عن مقتضاها خال وعن فضلها بمعزل. ولذلك قال النبي ﷺ: الحكمة ضالة المؤمن. كما مر. وقال أيضًا ﷺ: العلم ضالة المؤمن حيث وجده أخذه وقال: خذ الحكمة ممن سمعتموها، فانه قد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرمية من غير الرامي. فأشار ﷺ بذلك إلى أنه ينبغي للعاقل أن لا يبرح متتبعا للحكمة طالبا لها، كما يطلب الرجل ضالته وينشدها؛ فان الحكمة هي ضالة العاقل لأنها غذاء عقله، فهي أكبر الحاجات وأعظم المطلوبات. وفي","vol":"1","page":40},{"text":"الحديث تأديب الطالب المتعلم وتنبيهه على أنه لا يأنف مكن أخذ الحكمة حيثما وجدها، وإنّه يقبلها من كل من سمعها منه شريفا كان أو مشروفا عالما أو جاهلا برا أو فاجرا؛ ولا يستكبر عن أحد أن يتعلم منه كان فوقه أو دونه. فان طالب الضالة إذا وجدها فهو لا محالة يأخذها ولا يلتفت إلى خسة الآتي بها ولا شرفه، وأو ترك ضالته ومطلوبه الذي كان ينشده لخسة من جاء بها كان أحمق. وقد روي أن الحجاج خطب فقال: إنّ الله تعالى أمرنا بطلب الآخرة وكفانا مؤونة الدنيا، فليته كفانا مؤونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا! فقال الحسن: ضالة مؤمن عند فاسق فلنأخذها. وخطب خازم بن خزيمة فقال: إنّ يوما أسكر الكبار، وشيب الصغار، ليوم عسير، شره مستطير. فقال سفيان الثوري: حكمة من جوف خرب، ثم أخرج ألواحا فكتبها. ولهذا ورد: أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. وروي أن رجلا في بني إسرائيل حكيما ألف ثلاثمائة كتاب في الحكمة واشتهر فرأى إنّ له عند الله منزلة، فأوحى الله إلى نبي ذلك الوقت أن قل لفلان: ملأت الدنيا نفاقا. القسم الثاني في الحكم الفعلية بناء على إطلاق الحكمة عليه كما مر، وهي على تفصيل: فما كان منها خدمة لله تعالى وقيامها بوظائف تكاليفه كله من فعل الواجبات وأنواع القربات، فهو كله محمود. وهذا النوع إنّما يعد حكمة بحسب ما انضم من افهم في كتاب الله تعالى كما مر، فهو جزء منها. وما يرجع إلى إتقان الصنائع العجيبة والحرف المهمة، فهذا كله محمود عادة، وأما شرعا فإنما يحمد إذا كان مقربا إلى الله تعالى مباشرة أو بواسطة أو وسائط، على حكم التفصيل في سائر المباحات. ووراء هذين القسمين قسمان آخران:\nأحدهما تدبير الذهب والفضة ومعالجة تبديل الأشياء وصناعة الاكسير، وهذا النوع هو المعروف عند كثير من الأوائل بالحكمة، وهو محمود عندهم غاية ومن اجل علومهم، وإطلاق الحكمة عليه من حيث الإصابة والإتقان مع الغرابة واللطافة. وللمتكلمين في ذلك كلام وبحث في إنّ ذلك ممكن أمثال لا، وفي إنّه يعد إمكانه واقع أمثال لا. فهي أربعة مباحث قررت في محلها وليس من غرضنا التعرض لها، غير أنا نقول جريا على ما نحن بصدده:","vol":"1","page":41},{"text":"إن قلنا إن ذلك محال أو غير موجود، فالاشتغال به غير محمود لا عادة ولا شرعا، بل هو في غاية الذم لأنه تضييع للعمر بلا طائل وهوس وجنون. وإن قلنا أنه يوجد ويقع، فلا نشك بالاستقراء إنّه في غاية القلة والندور، وإنّه لا يقع عليه إلا الفرد من الناس في الدهور. وقد اعترف أهل هذا العلم إنّه اخطأ الناس طريقته ولم يعثروا على التحقيق فيه فضاع وبقي اسما بلا مسمى، فنقول: إنّه ينبغي أن يكون مذموما على هذا الوجه أيضًا كأنه تضييع للعمر غالبا بلا طائل، وعدول عن الأسباب المنصوبة للخلق في الاكتساب إلى سبب نادر قليل الجدوى مع كثرة الاين والتعب، منبت في القلب من الحرص والطمع ما تنبته الديم في الأرض الأريضة، ولا داء على القلب شر من الحرص والطمع! نعم، لو عثر على شيء صحيح منه بلا تعمل حرام ولا انجرار طمع واتخذ سببا، كان من جملة المباحات والتحق بحكم الصنائع السابقة.\nثانيهما خفة اليد والاحتيال بالشعبذة وأنواع النيروجات، فان كثيرا من هذا النوع قد يسمى حكمة أيضًا لمّا فيه من الغرابة، وهو ليس بممدوح في الجملة لا شرعا ولا عادة عند العقول السليمة. نعم، فيه تفصيل من جهة الحرمة والإباحة يطول بنا التعرف له، وليس كلامنا بالقصد في الفقهيات.\nالثالث الحكم القلبية، وهي إذا عممنا فيها وتوسعنا ضربان: ما يرجع إلى الأخلاق كالحلم والعدل والزهد والعفة والصمت ونحوها، وهذا النوع كله محمود شرعا وعادة، لأن من يطلق الحكمة في هذا الضرب أخذا مما مر إنّما يطلقها على المحمود من الأخلاق لا على مطلق الخلق حتى يدخل المذموم. وفي الحديث: الصمت حكم وقليل فاعله. وقد يذم بعض هذه الأخلاق المحمودة عند غوغاء الناس العمي البصائر، كالصمت عند المتشدقين الثرثارين والعفاف عند المجانين الفاسقين ونحو ذلك. ولا عبرة بهذا الذم، وهو في الحقيقة ذم للمذموم لا للمحمود، إلا أنه يقع الخطأ للذام والغلط. وذلك أن الصمت مثلا ليس بمحمود دائما، بل في محل يليق به، فقد يرى الجاهل محل الصمت غير محل له، بل محلا للكلام فيذم الصمت وقصده ذم الصمت المذموم، ولو عرف أن ذلك محله ما ذمه وما يرجع إلى","vol":"1","page":42},{"text":"الاعتقادات وهو كله أيضًا محمود، لأن الحكمة هنا أيضًا إنما تطلق فيما كان علما إذ هو محل الإصابة والعلم كله في نفسه محمود، أعني وصول النفس إلى شيء، لأن ذلك كمال النفس. وقد يعرض العلم الذم من جهة المعلوم، وللعالم الذم من جهة المخالفة عمله لعلمه وعدم جريه على موجبه كما قلنا في اللسان، أو من عدم طائل يعود به عليه مع إضاعة العمر النفيس فيه، أو من الاشتغال به عما هو أولى منه وجوبا أو ندبا أو نحو ذلك. ثم العلم يتفاوت بعد ذلك في الشرف بحسب شرف معلومة وثمرته. وهذا النوع هو الحكمة حقيقة، وكل ما تقدم من الأفعال والأقوال إنّما هو مظهرها وعنوانها عند التحقيق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الثالث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>فضل الشعر</span>\nذكرنا في هذا الفصل شيء مما ورد في فضل الشعر، لأنا قد أوردنا في هذا الكتاب جملة وافرة من الشعر؛ فرب جاهل أو جافي الطبع أو متنسك نسكا أعجميا يذم الشعر فيسري ذمه إلى ما في الكتاب ثم إلى الكتاب، فرأينا أن ننبه على شيء من فضله، ونحن عند التحقيق في غنى عن ذلك، بعد ذكر فضل المثل والحكمة، لأن جل ما أوردناه في الكتاب من هذين النوعين، وما سوى ذلك إما توابع وتتمات، وإما شواهد من كلام العرب مما اشترك في جلبها استشهادا كل ذي علم؛ ولكنا نذكر ذلك تقوية.\nاعلم أنّ الكلام العربي هو أشرف الكلام وأجله، كما وقع في الحديث: إنّ سيد الكلام العربي، وسيد الأنبياء محمد، وسيد الكتب القرآن. وفي الحديث أيضًا: القرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي. واعلم أن كلام العرب نوعان: منثور ومنظوم، وكان كله في أصله نثرا. فلما احتاجت العرب إلى ذكر أيامها وأعرافها، وتخليد مكارمها ومآثرها، توهموا أعاريض الشعر وأوزانه، وجعلوه آلة لذلك وعونا على حفظ ما ذكر وإبقائه، لسهولته على الطبع وميله إليه دون المنثور. ومن ثم يقال أن ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من المنظوم، ومع ذلك لم يحفظ من المنثور عشره، ولم يضع من المنظوم عشره: فكان للشعر بهذا فضل على النثر.","vol":"1","page":43},{"text":"ومما ورد في فضله قول النبي ﷺ: إن من الشعر لحكمة، وتقدم تفسير الحكمة. وروي عنه ﷺ أيضًا إنّه قال: إنّ من البيان لسحرا، وإنّ من الشعر لحكما، أي كلاما نافعا يمنع من الجهل والسفه. قيل أراد به المواعظ والأمثال التي ينتفع بها، وقد تقدم أن الحكم بمعنى الحكمة. وقيل الحكم هنا القضاء، بمعنى إنّه ينفذ أمره ويتبع ما يقضي به ويسلم له فيما حكم به كما يكون ذلك في حكم الحاكم؛ ولذلك وضع أقواما ورفع آخرين. وممن وضعهم بنو نمير، إذ هجاهم جرير، وكانوا إحدى جمرات العرب قيل ذلك؛ وبنو العجلان، إذ هجاهم النجاشي، وكانوا قبل ذلك يفتخرون بهذه التسمية، لأن أباهم سمي بذلك لتعجيله القرى للضيف، والربيع بن زياد العبسي، إذ هجاه لبيد، وكان قبل ذلك أحد ندماء النعمان بن المنذر، وكان لا يواكل غيره إذا حضر. وممن رفعه بنو أنف الناقة، حيث مدحهم الحطيئة فقلب هذا اللقب الذي كان يخزون به مدحا وفخرا؛ وعبد العزيز بن حنتم المعروف بالمحلق، حيث مدحه الأعشى وكان قبل ذلك خاملا؛ وهرم بن سنان، حيث مدحه زهير فشرف بذلك على أخيه خارجة بن سنان، وكان خارجة قبل ذلك أنبه منه وإن كانا معا سيدين؛ وغي هؤلاء. وتفصيل هذه الوقائع يطول بنا في هذا المحل، وهي مشهورة وسيأتي كثير منها. وقال النبي ﷺ: الشعر كلام من كلام العرب جزل تتكلم به في بواديها وتسل به الضغائن وروي عن عائشة ﵂ إن النبي ﷺ بنى لحسان بن ثابت في المسجد منبرا ينشد عليه الشعر. وروي أن عمر ﵁ مر بحسان وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله ﷺ فقال: أرغاء كرغاء البكر؟ فقال حسان: دعني عنك يا عمر، فو الله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك، فما يغير علي ذلك، فقال عمر: صدقت! ويحكى إنّ النبي ﷺ دخل في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة","vol":"1","page":44},{"text":"يمشي بين يديه وهو يقول:\nخلو بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله\nضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله\nفقال له عمر ﵁: يا أبن رواحة! بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال ﷺ: خل عنه يا عمر! فلهي أسرع فيهم من وقع النبل. ولمّا هجت قريش رسول الله ﷺ قال لحسان ﵁: اهجهم ومعك جبريل روح القدس فلهجائك أشد عليهم من وقع السهام، في غبش الظلام! وقال عمر ﵁: من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات يقدمها الرجل أمام حاجته فيستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم. وقال أيضًا: تعلموا الشعر، فإن فيه محاسن تبتغى ومساوئ تتقى. وكتب إلى أبي موسى الشعري: مر من قبلك يتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب. وقال معاوية ﵁: يجب على الرجل تأديب ولده والشعر أعلى مراتب الأدب وقال: رووا أولادكم الشعر واجعلوه أكبر همكم وأكثر آدابكم، فلقد رأيتني ليلة الهرير بصفين، وقد أتيت بفرس ووضعت رجلي في ركابه لأفر من شدة البلاء، فما حملني على الثبات إلا ذكر أبيات عمرو بن الأطنابة:\nأبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح\nوإقحامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح\nوقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي\nلأدفع عن مآثر صالحات ... واحمي بعد عن عرض صحيح\nوقال بعضهم: كنا عند عمار بصفين، وعنده شاعر ينشده، فقال رجل: أيقال فيكم الشعر وانتم أصحاب محمّد وأصحاب بدر؟ فقال له عمار: إنّ شئت فاسمع، وإنّ شئت فأذهب. أنا لمّا هجانا المشركون قال رسول الله صلى","vol":"1","page":45},{"text":"الله عليه وسلم: قولوا لهم كما قال لكم، فكنا نعلمه الاماء بالمدينة. وكان أبن عباس يقول: إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فان الشعر ديوان العرب. وقال أيضًا: إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر، فانه ديوان العرب. وكان كلما سئل عن حرف من القرآن أو من حديث رسول الله ﷺ أنشد عليه شعرا. وقيل لسعيد بن المسيب إنّ قموا بالعراق يكرهون الشعر، فقال: نسكوا نسكا عجميا! وسئل أبن سيرين في المسجد عن رواية الشعر في شهر رمضان إنّها تنقض الوضوء فقال:\nنبئت إنّ فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول\nثم قام فأم الناس وقيل بل أنشد:\nلق أصبحت عروس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رمح أسته لاستقرت\nوسئل ابن عباس هل الشعر من رفث القول، فأنشد:\nوهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا\nوقال إنّما الرفث عند النساء، ثم احزم للصلاة. وكان أبو السائب المخزومي يقول أما والله لو كان الشعر محرما لوردنا الرحبة كل يوم مرارا، يعني الرحبة التي تقام فيها الحدود. وقال عبد الملك لبنيه عليكم بالأدب، فإنكم إن احتجتم إليه كان لكم مالا، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالا، وكانت عائشة أم المؤمنين، وأبن عباس، وعمر، ﵃ أجمعين من رواية الشعر بالمحل الذي لا يدرك، حتى حكي عن عائشة إنّها قالت: رويت للبيد أثنى عشر ألف بين خلاف ما رويت لغيره. وكذا غير هؤلاء من الصحابة ﵃ وما أهل البيت النبوي إلاّ من قال الشعر، غير النبي ﷺ، وكذا الخلفاء الأربعة. وقد ذكر المعتنون بهذا الشأن ما ثبت عن كل منهم من الشعر؛ والتعرض لذلك يطول بنا، وليس من غرضنا نحن في هذا الكتاب إلاّ مجرد التنبيه؛ وما تقدم كاف في مدح الشعر وإباحته والرد على منكريه.","vol":"1","page":46},{"text":"وقد يحتج ذامه بوله ﷺ: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا. ومحل هذا الحديث عند العلماء أربعة أوجه: أحدهما أن المراد بهذا الشعر المذكور هنا الشعر الذي هجي به النبي ﷺ وقد وقع في رواية: شعر هجيت به بهذه الزيادة. وروى أن أبا هريرة، لمّا روى الحديث المذكور قالت عائشة ﵂ لم يحفظ، إنّما قال شعرا هجيت به. ولا شك أن هذا النوع من الشعر لو كان شطر بيت لكان كفرا، فكيف إذا أميلا الجوف فيه؟!.\nثانيها أنه ورد لأقوام كانوا في غاية الإقبال على الشعر فجاء على وجه المبالغة زجرا لهم ليقبلوا على القرآن والذكر والعبادة.\nثلثهما أنه في حق من أولع به حتى شغله عن الذكر والقرآن والعبادة، لأن ذلك هو يعني الامتلاء. وأما كان الغالب عليه القرآن والكر. فليس جوفه ممتلئل.\nرابعها أنه في الشعر المذموم دمن الممدوح، وسنبينه.\nوقوله ﷺ: أنَ من البيان لسحرا، لعلماء في هذا الحديث وجهان: أحدهما أنه ورد مورد الذم فشبهه بعمل السحر لغلبته على القلب وجليه إياها، وتزيينه الباطل وتحسينه القبيح وتقبيحه الحسن. ويكتسب به صاحبه من الإثم ما يكتسب الساحر بعمله كما قال ﷺ: ولعل بعضهم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فأنما أقطع له من النار. ثانيهما أنه ورد مورد المدح بمعنى أنه تمال به القلوب، ويسترضى به الساخط، ويستنزل به الصعب. ويشهد ليس لهذا قوله في نفس الحديث: إن من الشعر لحكمة. وهذا قول أكثر أهل العلم والأدب، لأن الله تعالى مدح البيان، وهو شامل للشعر والنثر. وقال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله حاجته فأحسن في السؤال: هذا والله السحر الحلال! وقضى حاجته. وأما قوله تعالى:) والشعراءُ يتبعهمُ الغلوون (الآية، فالمراد بها المشركون المشتغلون بالاذاية للنبي ﷺ وهجائه. وأما الشعراء","vol":"1","page":47},{"text":"المؤمنون كحسان وكعب وأبن رواحة وغيرهم فليسوا بداخلين. ولذلك استثناهم الله تعالى فقال:) إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ وذكروا اللهَ كثيرا (أي لم يشغلهم الشعر عن الذكر، وانتصروا من بعد ما ظلموا، أي بهجوم الكفار الهاجين للنبي ﷺ ظلما، كما قال الله تعالى:) لا يحب اللهُ الجهر بالسوءِ من القول إلاّ من ظُلم (. الآية المذكورة هي فصل الخطاب فيما مر. نعم، قال أبن عطيه: يدخل في الآية كل مخلط بهجو أو يمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور، كما يدخل في الاستثناء كل من كان بخلافه.\nفقد بان بهذا فضل الشعر وأن لا باس به أصلا، غير إنّه ليس على إطلاقه وأن الشعر كله محمود ومرضي، فان هذا خطأ وغلط، بل هو على تفصيل. فما كان متضمنا للثناء على الله تعالى، أو لمدح النبي ﷺ وأصحابه، أو الأنبياء والملائكة وكل من يجب تعظيمه وتوقيره والثناء عليه في الدنيا والترغيب في الآخرة، فهو مندوب إليه مرغوب فيه؛ وما كان متضمنا للتنبيه والوعظ والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة ونحو هذا فكذلك أيضًا؛ وما كان متضمنا للهجو وإيذاء كل من عرضه معصوم فهو حرام. ويتفاوت في القبح والشدة بحسب المؤذي، حتى ينتهي إلى الكفر كما في حق الأنبياء، وما كان خاليا عن هذين الأمرين فهو من المباح في الجملة، إلاّ أنه إن اشتمل على وصف القد والخد والمجون التي تحرك دواعي الشهوة والغواية، فهو قد يجرم وقد يكره وقد يباح بحسب حال القئل والمخاطب. وتحقيق ذلك أن الشعر كلام كالنثر، فكل ما يستقبح في النثر يستقبح في الشعر.\nفقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: إنما الشعر كلام مؤلف، فما وافق الحق منه فهو حسن، ز ما لم يوافق الحق فلا خير فيه. وقالصلى الله عليه وسلم: إنما الشعر كلام فمن الكلام خبيث وطيب. وقالت عائشة ﵂: الشعر كلام فيه حسن وقبيح، فخذ الحسن ودع القبيح. وقال أبن سيرين: الشعر كلام عقد بالقوافي، فما حسن في الكلام حسن في الشعر، وكذلك ما قبح منه","vol":"1","page":48},{"text":"هذا، مع أن الشعر قد حسنت فيه أشياء لم تجسم في النثر، وذلك مما يفضله به الأدباء؛ منها الكذب الذي وقع الإجماع على حرمته فانه جائز في الشعر، إلى إنّ في المبالغة والإيغال تفصيلا مذكورا في علم الأدب. وافضل الأمور الصدق ومما قرب منه؛ ومنها تزكية الإنسان نفسه ومدحه إياها، ومدح الإنسان بحضرته، ومدح المحرمات من الخمر والنساء الأجانب ونحو ذلك، ومنها خطاب الممدوح مثلا باسمه وبكاف الخطاب مما يكون في النثر استنقاصا، ونحو هذا. وقصيدة كعب بن زهير ﵁ اللامية متكفلة بأكثرها، وقد أنشدها بين يدي النبي ﷺ ولم ينكر عليه، بل أثابه بردته فاشتراها منه معاوية بثلاثين أو عشرين ألف درهم، وبقيت يتوارثها الخلفاء ويلبسونها في الجمع والأعياد تبركا بها. وقيل إنّه أعطاه مع البردة مائة من الإبل ويحكى إنّ الأحوص قال يخاطب عمر بن عبد العزيز ﵁ إذ توقف عن إعطاء الشعراء:\nوقبلك ما أعطى هنيدة جبلة ... على الشعر كعبا من سديس وبازل\nرسول الإله المستضاء بنوره ... ﵇ بالضحى والاصائل\nوبالجملة، ففي كل كلام ينطق به اللسان شعرا أو نثرا، إنشاء أو حكاية، فوائد وآفات فصلها علماء الشعر وحرروها، فمن ظفر بالفائدة وسلم عن الآفات فهو الذي ينبغي له أن يتكلم إما وجوبا أو ندبا بحسب الفائدة؛ ومن لم يظفر بالفائدة ووقع في الآفة أو توقعها فهو الذي لا ينبغي له أن يتكلم إما تحريما أو كراهة بحسب الآفة. ومن تعرضتا عنده فهو الذي ينبغي له أن يرجح أحد الجانبين وإلا كف، فإن درء المفسدة أهم، ومن عدمهما معا فهو الذي يباح له الكلام، ولذكر الله أكبر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الرابع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الأمثال الشعرية</span>\nاعلم أنا لمّا ذكرنا حكم الشعر عموما كما مر، أردنا أن نردفه بما كان منه مثلا خصوصا. وهذا النوع داخل فيما للذي قبله وداخل أيضًا فيما للمثل مطلقا، وقد فرغنا قبل من شرحه وفضله؛ غير أن هذا النوع له خصوصية كلام وبيان تعلق الغرض بذكره، وجعلنا الكلام في هذا الفصل في أربعة أمور بها يتم الغرض إن شاء الله تعالى: الأول في التمثل بالشعر وما ورد فيه يقال: تمثل بالبيت إذا أنشده وكان النبي ﷺ يتمثل بقول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود؛ إلى إنّه يقول ويأتيك من لم تزوده بالأخبار. ولذلك قال أبو بكر الصديق ﵁: أشد أنك رسول الله، لقوله تعالى: وما علمناه الشعر. وأما غير النبي ﷺ من الصحابة والتابعين فتمثلهم بالشعر شائع ذائع لا يحصى، وهو دليل ما تقدم في الفصل قبل هذا. ومما تمثل به أبو بكر ﵁ وهو على المنبر قول الغنوى:\nجزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا رجلنا في الواطئين وزلت\nأبو أن يملونا وأو أن آمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت\nهم أنزلونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأكنت\nوأراد بذلك ما فعل بهم الأنصار من الإحسان. وأما عمر ﵁ فكان لا ينزل به أمر ألا تمثل فيه بشعر، وكذا عائشة ﵂ ومما تمثلت به قول لبيد:\nذهب اللذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب\nورأت النبي ﷺ يوما يعرق جبينه وهو في عمل، وجعل عرقه يتلألأ نورا، فقالت له: لو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره فقال لها: وما يقول يا عائشة أبو كبير؟ قالت: يقول:\nومبرأ من كل غير حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل","vol":"1","page":50},{"text":"وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلهل\nفوضع ﷺ ما كان في يده وقام إليها فقبل ما بين عينيها وقال: جزاك الله يا عائشة خيرا. ما سررت بشيء كسروري بك! ومما تمثلت به فاطمة ﵂ يوم توفي أبوها ﵊ قول فاطمة\nقد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أضحى بأجرد ضاحِ\nقد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البيرار وكنت أنت جناحي\nفاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراحِ\nوإذا دعت قمرية شجنا لها ... يوما على فنن دعوت صباحِ\nوأغض من بصري وأعلم إنّه ... قد بان حدّ فوارسي ورماحي\nومما تمثل به علي كرم الله وجهه وهو على المنبر، معنفا للقوم في تقديمهم أبا موسى الأشعري في التحكيم بعد ما حذرهم منه قول دريد بن الصمة:\nأمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلى ضحى الغدِ\nومما تمثل به معاوية ﵁ قول قيس بن زهير:\nأظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم","vol":"1","page":51},{"text":"على لمحة قبيلة يزداد بها الناظر بصيرة على ما ذكرنا في المثل الأول. ولو تتبعنا ما تمثل به الصحابة في الوقائع، والتابعون وهلم جرا لكان وحده موضوعا.\nالثاني في المثل الشعري وأقسامه. اعلم إنّ المثل معروف الحقيقة مما قدمنا فيه، وهو يكون نثرا تارة، وذلك أكثره، وقد يكون نظما. فان المثل، وإنّ كان سائرا، لكنه إذا نظم كان أسير له وأسهل على اللسان وأحسن، ثم إنّه قد يقع بيتا كاملا، وقد يقع نصف بيت أو ربعه أو نحو ذلك من الأجزاء. وسئل حماد الراوية بأي شيء فضل النابغة، فقال: إنّ النابغة إن تمثلت ببيت من شعره اكتفيت، مثل قوله:\nحلفت فلم اترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب\nبل لو تمثلت بنصف بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله: وليس وراء الله للمرء مطلب، بل لو تمثلت بربع بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله: أي الرجال المهذب. ومن ورود المثل بيتا مستقلا قول طرفة مثلا:\nلعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لك الطول المرخى وثنياه باليد\nوقول أبي الطيب:\nومن نكد الدنيا على المرء أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد\nوهو كثير. ومن وروده نصف بيت الشطر الثاني من قول الحماسي مثلا:\nعليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق\nومن ورده ربعا الربع الأخير من قوله:\nولا يواتيك فيما ناب من حدث ... إلاّ أخو ثقة فأنظر بمن تثق","vol":"1","page":52},{"text":"واعلم إنّه قد لا يتم المثل إلاّ على بيتين، كقول الأول:\nإذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو صديق توافقه\nبخلت، وبعض البخل حزم وقوة ... ولم يبتذلك المال إلى حقائقه\nوقد لا يتم إلى على اكثر، كقول بعض الأدباء:\nلصيد اللخم في البحر ... وصيد الأسد في البر\nوقضم الثلج في القر ... ونقل الصخر في الحر\nوإقدام على الموت ... وتحويل إلى القبر\nلأشهى في طلاب العز ... ممن عاش في الفقر\nوقد يكون في البيت الواحد مثلان أو ثلاثة أو أربعة أو اكثر. فمن الأول قول امرئ القيس:\nالله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل\nومن الثاني قول ضابىء بن الحارث:\nوفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحرس الفتى ويصيب","vol":"1","page":53},{"text":"ومن الثالث قول الأول:\nفالهم فضل وطول العيش منقطع ... والرزق منقسم وروح الله منتظر\nومما فيه خمسة قول بعض الأدباء:\nخاطر تفد وأرتد تجد وأكرم تسد ... وانقد تقد وأصغر تعد الأكبرا\nومما فيه ستة قول أبن رشيق:\nخذ العفو وأب الضيم واجتنب الأذى ... وأغض تسد وأرفق تنل وأسخ تحمد\nالثالث فيما ينبغي له ويستحسن، وهو ثلاثة أشياء: أحدها أن يكون متزنا قائما بنفسه غير محتاج إلى غيره، وذلك إما أن يكون بيتا مستقلا، كقول طرفة السابق، وكقول السموأل:\nإذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل\nونحوه وهو كثير. وأما أن يكون جزءا من البيت مستقلا كقول الحماسي السابق، وكقول جميل بن عبد الله:\nأرى كل عود نابتا في أرومة ... أبى منبت العيدان أن يتغيرا\nفان الشطر الثاني مثل مستقل بالوزن والمعنى، وكذا الأول، أما إن كان جزءا محتاجا غير مستقل، كقول النابغة المذكور:\nولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال مهذب\nفان قوله: أي الرجال المهذب مثل، إلى إنّه محتاج في الوزن إلى ما قبله. وكذا قول الحماسي:\nوإن أبيتم فأنا معشر أنف ... لا نطعم الخسف إنّ السم مشروب","vol":"1","page":54},{"text":"فان قوله: إنّ السم مشروب مثل، وليس بمستقل، فهو كله غير مستحسن. ووجهه فيما يظهر لي ما تقدم من أن المثل إنّما نظم ليكون أيسر وأشهر. فإذا كان بيتا مستقلا حسن إنشاده من غير حشو هنالك ولا التباس؛ وإن كان شطرا تام الوزن، حسن أيضًا إنشاده وحده من غير حشو ولا فساد في النظم ولا خروج عن حكم الشعر؛ وإن كان جزءا غير تام الوزن فهو إن انشد البت المحتوى عليه كله كان ما زاد على المثل حشوا مع وقوع الالتباس تارة فيما أريد من البيت إذا لم يتعين المقصود، كما في قول النابغة: أي الرجال المهذب، فانه مثل وباقي البيت أيضًا مثل، وقد لا يدرى أيهما المراد بعينه، وإن كانا يرجعان إلى مقصود واحد. واكثر الأبيات يصح التمثيل بها فيقع الالتباس. وإن لم ينشد البيت كله، بل اقتصر على المثل وحده صار نثرا وبطلت فائدة نظمه. أما ما لا يتم من الأمثال في بيتين أو اكثر كما مر فهو من التام الوزن دون المعنى، وهو عيب التضمين. ويتقوى العيب بكون التضمين بين مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، ونحو ذلك. ويسهل بكونه بين الشرط والجزاء، أو بين القسم والجواب ونحوه. وتفصيله مذكور في علم القوافي.\nثانيهما أن يكون سالما عن التكلف سلسا، تستلذه الأسماع ليكون أوقع له في النفس وأعون على الشيوع. فان الشعر إذا كان متكلفا كان المنثور أحسن منه. وقد يكون التكلف بالإكثار من الأمثال في البيت الواحد أو في القصيدة، فان تعاطي الجمع بين أربعة أمثال في البيت لا يخلو عن تكلف، فضلا عن الخمسة والستة، وكذا في القصيدة. ولذلك قال أبن رشيد في عمدته: وهذه الأشياء في الشعر إنّما هي نبذة تستحسن، ونكت تستطرف، مع القلة وفي الندرة؛ فأما إذا كثرت فهي دالة على الكلفة. فلا يجب للشعر أن يكون مثلا كله وحكمة، كشعر صالح بن عبد القدوس: فقد قعد به عن أصحابه وهو يقدمهم في الصناعة، لإكثاره من ذلك. وكذا لا يجب أن يكون استعارة وبديعا كشعر أبي تمام ثم قال: وإنما هرب الحذاق عن هذه الأشياء لمّا تدعو إليه من","vol":"1","page":55},{"text":"التكلف لاسيما إن كان في الطبع ايسر شيء من الضعف والتخلف. وأشد ما تكلفه الشاعر صعوبة التشبيه، لمّا يحتاج أليه من شاهد العقل، واقتضاء العيان. ولا ينبغي للشعر أن يكون أيضًا خاليا مغسولا من هذه الحلى فارغا ككثير من شعر أشجع وأشباهه.\nثالثها أن يكون متحرى فيه الصدق وحسن الإصابة. وهذا لا يختص بالمثل الشعري، فان المثل كله أفضله أصدقه وأحكمه وأوجزه؛ وإنّما اشترطت الوجازة احتزازا عن التكلف والإملال: فان قوة البشر غالبا قاصرة عن إيراد الأمثال الطوال من غير تكلف ولا موجب إملال؛ ومن ثم وردت في القرآن الذي هو درجة الإعجاز قصارا وطوالا، وحسنت كلها لانتفاء المانع. فمن القصار قوله تعالى:) كمثل الحمار يحمل أسفارا (ونحوه، ومن الطوال قوله تعالى:) إنما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناهُ من السماءِ (الآية؛ وقوله تعالى:) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الرياح (الآية، و) الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةٍ (الآية، ونحو ذلك وهو كثير. وكذا في كلام النبي ﷺ وقعت قصارا وطوالا وحسنت لصدورها عن المصطفى الذي هو أفصح من نطق بالضاد ﷺ. فمن قصارها قولهصلى الله عليه وسلم: الناس كأسنان المشط، وقوله: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ونحو ذلك. ومن طوالها قوله: مثل البخيل والمنافق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد الحديث؛ وقوله: وإنّ مما ينبت الربيع لمّا يقتل حبطا أو يلم إلا أكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها الحديث وسيأتي الجميع في موضعه مستوفى مشروحا أن شاء الله تعالى.\nالرابع في معنى السائر. اعلم إنّه يقال: مثل سائر، سواء كان شعرا أو غيره، وهو من السير في الأرض استعمل في ذهاب المثل وشيوعه في أسماع الناس. ويقال أيضًا: مثل شارد وشرود، وهو من شرود البعير وهو نفوره، واستعمل في شيوع المثل إذا شاع لا يستطاع رده ولا يمكن إخماده. كما لا يستطاع رد الصعب الشرود من الإبل. ولذلك قال زهير يخاطب بني الصيداء، حيث ذهب الحارث بن ورقاء بإبله وغلامه يسار:","vol":"1","page":56},{"text":"فابلغ إن عرضت بهم رسولا ... بني الصيداء إن نفع الجوار\nبأن الشعر ليس له مرد ... إذا ورد المياه به التجار\nوقال أيضًا:\nأولى لهم ثم أولى أن تصيبهم ... مني فواقر لا تبقي لا تبقي ولا تذر\nوإن يعلل ركبان الحجيج بهم ... بكل قافية شنعاء تشتهر\nقال أبن رشيق: وزعم قوم أن الشرود ما لم يكن له نظير كالشاذ والنادر. فأما قول أبي تمام، وكان إمام الصنعة ورئيسها:\nلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس\nحين عيب عليه قوله في أبن المعتصم:\nإقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\nفإنه يشهد للقول الأول، لأن المثل بعمرو وحاتم مضروب قديما، وليس بمثل لا نضير له كما زعم الآخر.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>خاتمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>في اصطلاح الكتاب</span>\nاعلم إني رتبت ما ذكرته من الأمثال على حروف المعجم، جاعلا الباب الأول حروف الكلمة، فان اشتمل المثل على كلمات اعتبرت أولها كلمة، ثم أوّل هذه الكلمة حرفا ثم عند سرد أمثال كل باب اعتبر هذا الترتيب أيضًا في جمعها وتقديم بعضها على بعض، والمعتبر من جميع ذلك أوّل الحروف الأصلية دون الزائدة، إلاّ أن يكون لها مسوغ يخرطها في سلك الأصلية. فان كان الحرف مما ينبني عليه التركيب كلا وما النافيتين، وفي والباء الجارتين، اعتبر أيضًا. فإذا فرغت من الأمثال ذكرت شيئا مما يجري مجرى المثل وجعلته ملتحقا به، ثم ذكرت بعض ما يحضر فكري من الأمثال الوقتية من غير تكلف ولا كبير تأمل ولا مراجعة، ثم شرعت في الشعر فذكرت ما هو من الشعر مثل أو يحسن التمثل به في أمر من الأمور من شعر المتقدمين والمتأخرين، وليس في وسع أحد اليوم استقصاؤه ولا بلوغ جله، لكن اذكر من ذلك مقدارا يكون كفاية لمبتغيه، مع التجافي عن جانبي الإخلال والإملال، فان كلا طرفي قصد الأمور ذميم، واعلم أني ربما اذكر شيئا من أمثال المولدين ومن بعدهم، أو شيئا مما يتمثل به في وقتنا من ألفاظ الحديث وغيره. ولا اقتصر على أمثال العرب ولا على ما عد مثلا بالصراحة. وإذا عثرت على ما يحسن إيراده أوردته غير مبال بقائله ولا بتصحيح السند والرواية، فان الكتاب ليس موضوعا للعزو الصرف والحكايات المجردة، بل موضوع لينتفع به الأديب ويستعين به التصرف ويتضلع منه الكاتب والشاعر وغيرهما إنّ شاء الله تعالى. ولا حرج على من لعف العسل، أن لا يسل. وهذا حين أشرع بالمقصود، مستعينا بالفتاح الخبير الودود.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>باب الألف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>أبى الحقين العذرة</span>\nالاباية: الامتناع. يقال: أبى الشيء يأباه ويأبيه إباء وإباءة بكسر أولهما، إذا كرهه. والحقين: اللبن المحقون في السقاء. تقول: حقنت اللبن في السقاء إذا صببته فيه وجعلت حليبه على رائبه. واسم السقاء: المحقن على مثال منبر. واسم اللبن: الحقين. قال زهير يصف الخيل:\nويرجعها إذا نحن إنقلبنا ... نسيف البقل واللبن الحقين\nيقول إنّه يرجعها إلى ما كانت عليه من السمن ما تنسفه من البقل وتأكله، وما نسقيها من اللبن المحقون. والعذرة: العذر. قال النابغة يخاطب النعمان:\nها إن ذي عذرة إلاّ تكن نفعت ... فان صاحبها مشارك النكد\nومعنى المثل أن العذر باطل مع وجود اللبن. وسيأتي شيء من هذا في قولهم: أهون مظلوم سقاء مروب، إن شاء الله تعالى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>أتى الأبد، على لبد</span>.\nالإتيان: المجيء. يقال: أتاه أتيا وإتيانه وإتيانا وأتيا، كما يقال مأتى ومأتاه، إذا جاءه؛ وأتى فلان هذا الأمر إذا فعله؛ وأتى الدهر على فلان إذا أهلكه، وهو المقصود هنا. والأبد بفتحتين: الدهر. يقال: أبد أبيد، كما يقال: دهر داهر. ولبد: بضم ففتح آخر نسور لقمان بن عاد وبهلاكه هلك لقمان، وقصته مشهورة، وتلخيصها: إنّ عادا لمّا بعث الله إليهم نبيهم هودا، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فدعاهم، كذبوه وعتوا واستكبروا ولم يأمنوا، فاحتبس عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا فأوفدوا وفدا إلى البيت الحرام يستسقون لهم، فيهم لقمان بن عاد، ورأسهم رجل يقال له قيل. فانطلق الوفد حتى أتوا على معاوية بن بكر فنزلوا عليه وهو خارج الحرم، وهم أخواله وأصهاره. فمكثوا عنده شهرا يكرمهم، يشربون الخمر وتغنيهم قينتان له يقال لهما الجرادتان. فلما طال مقامهم عنده تذكر ما نزل بقومهم من البلاء، فشق عليه مقامهم وتركهم ما بعثهم فيه قومهم وقال: هلك أصهاري وأخوالي، والله ما أدري ما أصنع! إن أمرتهم بالخروج ظنوا بي إني ضاق بي مقامهم عندي فقال شعرا وأعطاه الجرادتين وأمرها أن تغنياهم به، وهو:","vol":"1","page":59},{"text":"ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يصبحنا غماما\nفيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما\nوإنّ الوحش تأتيهم جهارا ... فلا تخشى لعادي سهاما\nوأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما\nفقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما\nفأما غناهم بالشعر قال بعضهم لبعض: إنّما بعثكم قومكم لمّا نزل بهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لهم. وفيهم رجل يقال له يزيد بن سعد أو مرثد بن سعد ممن آمن بهود. فقال لهم: والله لا تسقون حتى تطيعوا نبيكم! وأظهر حينئذ إيمانه وقال في ذلك شعرا، فلم يجيبوه إلى ما قال، وقالوا لمعاوية بن بكر: احبس عنا يزيد لا يدخل معنا مكة وهو على دين هود. فانطلقوا حتى دخلوا مكة، وخرج يزيد وراءهم، فأدركهم قبل أن يدعوا بشيء، فقال: اللهم لا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد، فقام قيل وقال: اللهم إن كان هود صادقا فاسقنا فقد هلكنا! فإنشاء الله تعالى سحائب ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء، ونودي من السحاب. يا قيل، اختر لنفسك ولقومك! قال: قد اخترت السوداء لأنها اكثر السحاب ماء. فنودي: اخترت رمادا رمددا، لا يبقي من آل عاد أحدا. فساق الله السحابة السوداء بما فيها من النقمة إلى عاد، وأرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أيام، فلم تدع منهم أحدا إلاّ هلك. واعتزل هود ﵇ ومن معه إلى حديقة، فكانوا لا يصيبهم منها إلاّ نسيم يلين الجلود وتلذه الأنفس. وكان الوفد لمّا دعوا بمكة خيروا فأختار قيل أن يصيبه ما أصاب قومه فاقتلعته الريح فأهلكته. وسأل لقمان أن يعمر فخير بين عمر سبع بعرات سمر، من أظب عفر، في جبل وعر، لا يمسها القطر، وبين سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر. فأختار النسور. فكان يأخذ فرخ النسر حين يخرج من البيضة، فيغذيه حتى إذا هلك أخذ آخر، حتى بقي السابع وهو لبد. فكان يغذيه حتى هرم ولم يستطع النهوض، فأيقن حينئذ لقمان بالموت، فهلكا جميعا. وذكرت الشعراء هذا النسر في أشعارها كثيرا، قال النابغة:\nأمست خلاء وأمس أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد","vol":"1","page":60},{"text":"وسيأتي تتمة الكلام عليه في حرف الحاء، إن شاء الله تعالى.\nويضرب هذا المثل عند التأسي والاعتبار، والتعزي والاستبصار. وهو من الأمثال الحكيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>أتتك بحائنٍ رجلاه</span>.\nالإتيان: التقدم. والحائن: الهالك. ويقال حان الرجل يحين حينا كباع بيعًا إذا هلك، فهو حائن. واحنه الله: أهلكه.\nويضرب هذا المثل فيمن سعى إلى مضرته وطلب هلاكه وجرى إلى حتفه. وقال عبيد بن الأبرص. وسببه أن المنذر بن ماء السماء أو النعمان على خلاف بينهم، كان قسم دهره يومين: يوم نعيم ويوم بؤس. فكان كل من يلقيه في يوم النعيم اجزل صلته، ومن لقيه يوم البؤس قتله. فبينما هو في أيام بؤسه إذ طلع عليه العبيد بن الأبرص. فقال له الملك: ألا كان الذبح لغيرك؟ فقال عبيد: أتتك بحائنٍ رجلاه: قال الملك: أو اجل بلغ أناه، ثم قال له: أنشدني يا عبيد، فقد كان يعجبنا شعرك. فقال عبيد: حال الجريض، دون القريض، ويبلغ الحزام الطبيين. قال: أنشدني:\nأقفر من أهله محلوب ... فالقطبيات فالذنوب\nوهو من شعر عبيد. فقال عبيد:\nأقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد\nفقال: أنشدني هبلتك أمك! قال: المنايا على الحوايا. فقال بعض القوم: أنشد الملك هبلتك أمك! فقال: لا يرحل رحلك من ليس معك.\nوقال له آخر: ما اشد جزعك على الموت! فقال:\nلا غرو من عيشة نافده ... وهل غير ما ميتةٍ واحدة\nفابلغ بني وأعمامهم ... بأن المنايا هي الراصدة","vol":"1","page":61},{"text":"فلا تجزعوا لحمام دنا ... فللموت ما تلد الوالدة\nفقال له الملك: لا بد من الموت ولو لقيني أبي في هذا اليوم لم أجد بدًا من أن اذبحه. فأما إذ كنت لها وكانت لك فأختر مني ثلاث خصال: من الأكحل، وإنّ شئت من الأبجل، وإنّ شئت من الوريد. فقال عبيد: ثلاث خصال مقادها شر مقاد، وحاديها شر محاد، ولا خير فيها لمرتاد، فإن كنت لا محالة فاعلًا فأستقي الخمر حتى إذا ذهلت لها ذواهلي، وماتت لها مفاصلي فشأنك وما تريد! فسقاه، فلما أخذت فيه الحميا وقرب الذبح أنشد يقول:\nوخيرني ذو البؤس يوم بؤسه ... ثلاثًا أرى في كلها الموت قد برق\nكما خيرت عاد من الدهر مرة ... سحائب ما فيها لذي خيرة أنق\nسحائب ريح لم توكل ببلدةٍ ... فتتركها إلاّ كما ليلة الطلق\nفأمر به فذبح. وفي هذه القصة أمثال يأتي شرح كل منها في محله إن شاء الله تعالى. ولمّا دخل عبد الله بن زياد الكوفة، وسمع به مسلم بن عقيل بن أبي طالب، تحول إلى هانئ بن عروه المرادي، فوضع أبن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، فبعث محمّد بن الأشعث إلى هانئ فجاءه به من هناك. فلما نظر إليه أبن زياد قال: أتتك بحائن رجلاه! ثم قال:\nأريد حياته ويريد قتلي ... عذريك من خليلك من مراد\nوالقصة مشهورة في قتل الحسين ﵁، وسنلم ببقايا بعد إنّ شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>أتيته صكة عمي</span>\nالإتيان مر والصك: الضرب الشديد. والصكك: اضطراب الركبتين والعرقوبين.","vol":"1","page":62},{"text":"يقال: صكَّ، يصكُّ، صككّا، كما يقال مل، مللا. فهو أصك ومصك. واصطك أيضًا اصطكاكا وعمي: بتشديد الياء على مثال سمي، اسم رجل من العمالقة كان أغار على قوم ظهرًا فصكهم واستأصلهم، وبقي مثالًا لكل من جاء ذلك الوقت، وهو الهاجرة وشدة الحر. وقيل هو رجل كان يفتي في الحجم، فجاء في ركب، ونزلوا منزلًا في يوم حار. فقال لهم: من جاءت عليه الساعة من غد وهو حرام، بقي حرام إلى قابل فوثبوا حتى وافوا البيت من مسيرة ليلتين جادين. وقيل عمي اسم للحر بعينه. وقيل المراد به الظبي، لأنّه يصدر في الهواجر فيصطك بما يستقبله كاصطكاكا الأعمى، فصغر الأعمى تصغير الترخيم، فيه عمي، كما قالوا في تصغير أدرد، وأسود، وأزهر: دريد، وسويد، وزهير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>أتتهم فالية الأفاعي</span>.\nالإتيان مر. وفالية الأفاعي: خنفساء رقطاء. قال العبدي في شاعر من بني حميس:\nألا ينهى سراة بني حميسٍ ... شويعرها فويلية الأفاعي\nفصغرها كما صغر الشاعر تحقيرًا له. وهذه الخنفساء تألف العقارب والحيات في جحرها؛ فإذا خرجت أو رؤيت في موضع علم إنّ هناك العقارب والحيات، فيضرب المثل لأول شر ينظر بعده شر منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>يأتيك كل غد بما فيه</span>.\nالغد معروف، واصله غدو، ثم خفف بحذف لامه، وقد يؤتى به على أصله قال لبيد.\nوما الناس إلاّ كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع\nوهذا المثل من أمثالهم المشهورة يعنون به: \" المقادير كلها في علم الله تعالى قد قدرت،","vol":"1","page":63},{"text":"والأحداث بأصنافها قد فصلت وقسطت، وكل ما هو واقع منها فهو لا محالة كائن، وما قضي أن يبرز منها فهو بارز حتى يعاين، فكل غد فهو يأتيك بما فيه من خير وشر، ويسر وعسر، وفرح وترح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>إحدى حظيات لقمان</span>\nالإحدى: تأنيث الأحد بمعنى الواحد. والحظية تصغير حظوة، بفتح الحاء المهملة وسكون الظاء المشالة، وهي سهم صغير قدر ذراع. وفي الصحاح إنّه إذا لم يكن فيه نصل فهو حظية بالتصغير. وتطلق الحظوة أيضًا على كل قضيب تابت في أصل شجرة. ولقمان: هو أبن عاد. وحظياته: سهامه ومراميه. يضرب بمن عرف بالشرارة ثم جاءت منه هنة صالحة. وذكروا في أصل ذلك أن لقمان تزوج امرأة كانت طلقها رجل يقال له عمرو، فكانت تكثر أن تقول: لا فتى إلاّ عمرو! فإذا سمع منها لقمان ذلك اغتاظ فقال: والله لأقتلن عمرا! فنهته المرأة عن ذلك وقالت له: والله لأن تعرضت له ليقتلنك! فذهب لقمان حتى صعد سمرة عند مستقى عمرو لإبله، واتخذ فيها عشا، وترصد عمرا ليصيب منه غرة. فإذا بعمرو أورد إبله، فتجرد وأكب على البئر يسقي إبله فرماه لقمان من فوقه بسهم وأصاب ظهره. فقال عمرو: حس إحدى لقمان، فانتزعه ورفع رأسه إلى السمرة فإذا لقمان، فقال له: أنزل فنزل فأراد قتله فتبسم لقمان فقال: أضاحك أنت؟ قال: والله ما أضحك إلى من نفسي، أما إني قد نهيت عما ترى قال: ومن نهاك؟ قال: فلانة. قال: فإن وهبتك لها لتعلمنها بذلك، قال: نعم! فخلى سبيله. فأتاها لقمان فقال: لا فتى إلاّ عمرو، فقلت: لقد لقيته، قال نعم، لقد كان كذا وكذا وأراد قتلي ثم وهبني لك، فقالت لا فتى إلاّ عمرو، قال: صدقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الأخذ سلجان، والقضاء ليان</span>\nالأخذ: التناول. تقول: أخذت الشيء أخذا، وتقول خذ يا فلان بحذف فاء الكلمة. وأصله أأخذ، فلما استثقل الجمع بين الهمزتين حذفتا، ولم تبدل الثانية حرف مد ولو","vol":"1","page":64},{"text":"ادخل على الفعل الواو أو الفاء. وكذا الأمر من أكل وأمر؛ إلاّ أن الآخر إذا دخل عليه العاطف جاز رد فائه. والسلجان: الابتلاع يقال سلج اللقمة بالكسر يسلجها سَلجانا وسَلَجانا إذا ابتلعها. والسلجان بكسرتين مشدد اللام: الحلقوم. وطعام سليج وسَلَجلج وسُلَجلج: طيب، يُتسلج، أي يبتلع. واستعمل حسان ﵁ السلجج في السيف الماضي الذي يقطع الضريبة بسهولة، حيث قال يوم بدر:\nزين الندى معاود يوم الوغى ... ضرب الكمأة بكل ابيض سلجج\nولويت أمري عنه لين وليانا: طويته، ولويته بدينه ليا وليانا بكسرهما: مطلته. وفي الخير: لي الواجد يحل عرضه. وقال ذو الرمة:\nتريدن لياني وأنت ملية ... واحسن يا ذات الوشاح التقاضيا\nوقضاء الدين والحق معروف. ومعنى المثل إن الأخذ سهل ينساه في الحلق بسهولة، والقضاء بخلاف ذلك. فإذا اخذ الرجل الدين أكله غير مبال؛ فإذا حان القضاء تصعب الأمر وتلوى. وقد يقال في هذا المثل أيضًا: الأكل سلجان، والقضاء ليان، ولا فرق بين الأكل والأخذ في المقصد، فالمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الأخذ سريط، والقضاء ضريط</span>\nالأخذ مرّ. والسريط الاستراط. يقال: سرط اللقمة يسرطها، كذلك يدخل، وسرطها يسرطها، كفهم يفهم، سرطا إذا ابتلعها. والمسرط بكسر الميم وفتحها الحلقوم. والضراط معروف. يقال: ضرط بالكسر يضرط ضرطا، وضريطا ككتف، وضريطا وضراطا بالضم إذا فعل ذلك. وأضرطه وضرطه تضريطا: عمل به ما يضرط منه؛ وأضرط به: عمل بفيه كالضراط وهزئ به ومعنى المثل أنه يأخذ ألين فيسترطه ويبتلعه سهلا؛ فإذا طالبه صاحبه بالقضاء","vol":"1","page":65},{"text":"أضرط به كما في الذي قبله. ويقال هنا سريط وضريط، بضم أولهما وتشديد الراء؛ وسريطى وضريطى كذلك مع الألف المقصورة؛ وسريط وضريط وسريطى وضريطى على مثل خليفى؛ وسريطاء وضريطاء، مضمومتين مخففتين، والكل واحد. وقد يقال: الأخذ سريط، والعطاء ضريط ولا فرق بين القضاء والعطاء فالمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>اتخذ فلان حمارا للحاجات</span>\nالاتخاذ التصيير. والحاجات: جمع حاجة؛ وتجمع أيضًا على حاج وحوج وحوائج، وهذا الأخير على خلاف القياس، كأنه جمع حائجة. وكان بعض اللغويين ينكره ويقول إنّه مولد. وقال آخرون هو عربي وإن كان خلاف القياس، وأنشدوا:\nنهار المرء مثل حين يثضي ... حوائجه من الليل الطويل\nيضرب هذا المثل فيمن يمتهن في الأمور كالحمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>أخذ الليل جملًا</span>\nالاتخاذ مر، والليل معروف، وكذا الجمل من الإبل. يضرب هذا المثل لمن سرى الليل اجمع، إما لأنه بات ساريا مستيقضا عارفا بجميع ما مر عليه من أجزاء الليل كان مصاحبا لليل حقيقة، غير تارك له ولا غافل عنه بالنوم، ولا مفارق له كمصاحبة الراكب لراحلته، وأما لأنه صار الليل له سببا في وصوله إلى مأربه وبلوغه حين سراة، كما أن الجمل يكون سببا في وصول إلى مطلبه حين يركبه؛ وإما لأن الدلجة تعين على السير وتقطع المسافة البعيدة كما في الحديث فأشبهت الجمل لأن أقوى على السير، وأبقى على الأير، وأقطع للفلوات، وأنجح في بلوغ الحاجات. قال حبيب:\nجعل الدجى جملا وودع راضيا ... بالهون يتخذ القعود قعودا\nويحكى أن عبد الله بن سعيد لمّا افتتح أفريقية وقتل ملكها جرجير، بعث بالفتح إلى عثمان ﵁ مع عبد الله بن الزبير ﵄. فلما بلغ أبن الزبير قام في الناس خطيبا فقال: الحمد لله الذي ألف بيننا بعد الفرقة، وجعلنا متحابين بعد البغضة، الحمد لله الذي لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه؛ له الحمد","vol":"1","page":66},{"text":"كما حمد نفسه وكما هو أهله؛ ابتعث محمّدا ﷺ فاختاره بعلمه وائتمنه على وحيه؛ فاختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه فآمنوا به وعزروه ووقروه ونصروه وجاهدوا في الله حق جهاده، فأستشهد الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح، والبيع الرابح، وبقي منهم من بقي لا تأخذهم في الله لومة لائم، أيّها الناس - رحمكم الله - إذا خرجنا للوجه الذي قد علمتم، فكنا مع خير وال ولي فمحمد، وقسم فعدل، لم تفقد من بر أمير المؤمنين شيئا. كان يسر بنا البريدين يخفض بنا في الظهائر، ويتخذ الليل جملا. يعجل الرحل من المنزل القفر، ويطيل اللباث في المنزل المخصب الرحب. فلم نزل على احسن حالة يتعرفها قوم من ربهم حتى انتهى إلى أفريقية فنزل منا بحيث يسمع صهيل الخيل، ورعاء الإبل، وقعقعة السلاح، فأقام أياما يجم كراعه ويصلح سلاحه، ثم دعاهم إلى الإسلام والدخول فيه، فبعدوا منه، وسألهم الجزية عن صغار والصلح، فكانت هذه ابعد، فأقام فيهم ثلاث عشرة ليلة يتأنى بهم وتختلف رسله إليهم. فلما يئس منهم قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر النبي ﷺ فأكثر الصلاة عليه، ثم ذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر واحتسب. ثم ناهد لعدوه فقاتلهم اشد القتال يومه ذلك، وصبر الفريقان جميعا وكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، وأستشهد الله رجالا من المسلمين، فبتنا وباتوا، للمسلمين بالقرآن دوي كدوي النحل، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم، فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس، وزحف بعضنا إلى بعض فأفرغ الله علينا الصبر، ثم أنزل علينا النصر. ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، فبلغ فيها الخمس خمسين مائة ألف دينار. وتركت المسلمين قد قرت أعنهم وقد أغناهم التفل ووسعهم الحق وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين وإلى المسلمين، أبشره وإياهم بما فتح الله من البلاد وأذل من الشرك، فاحمد الله على آلائه، وما أحل بأعدائه، من بأسه الذي لا يرد","vol":"1","page":67},{"text":"عن القوم المجرمين. وزعموا أنه لمّا فرغ من الخطبة نهض إليه أبه الزبير فقبل بين عينيه وقال له: يا بني، إذا نكحت امرأة فأنكحها على شبه أبيها أو أخيها تأتك بأحدهما، والله ما زلت تنطق بلسن أبي بكر الصديق حتى صمت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>أخذهم ما قدم وما حدث:</span>\nالأخذ مر. وقدم الشيء بالضم فهو قديم: ضد الحادث؛ بالفتح يحدث، كنصر ينصر، فهو حادث. فإذا قرن حدث بقدم كما في هذا المثل ضمت دال حدث للمزاوجة كما قيل: لا دريت ولا تليت، وأرجعن ما زورات غير ما جورات والقياس في الأول تلوت، وفي الثاني موزورات؛ وكما قيل: هناني الطعام ومراني، والقياس أمراني؛ وكذا يقال في غير المزاوجة بالهمز؛ وكما قال ﷺ في دعائه: اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، والقياس: ومن أضلوا، فعبر بما والنون للمزاوجة.\nيضرب هذا المثل لمن يستولي عليه الهم، وكأنهم يريدون انه اجتمع عليه قديمه وحديثه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>خذ من جذع ما أعطاك:</span>\nالأخذ مر وجذع بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة اسم رجل، وهو جذع بن عمرو الغساني. وكانت غسان تؤدي إلى ملك سليح، وهي قبيلة باليمن، دينارين من كل رجل. وكان قابض ذلك سبطة بن المنذر السليحي. فجاء مرة يسأل الدينارين، فدخل جذع منزله وأشتمل بسيفه وخرج فضرب به سبطة حتى برد وقال له: خذ من جذع ما أعطاك! وقيل إنّه أعطى بعض الملوك سيفه رهنا فلم يأخذ، فضربه حتى قتله، وقال ذلك، فذهب مثلا يضرب في اغتنام ما يجود به البخيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>خذ من الرضفة ما عليها:</span>\nالرضفة، بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة: واحدة الرضف، وهي حجارة محماة يوغر عليها اللبن ويشوى عليها. وهذا المثل من معنى الذي قبله، والله أعلم.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>خذه ولو بقرطي مارية:</span>\nالقرط، بضم فسكون: ما يعلق في شحمة الأذن من الحلي، والجمع قرطة، يقال درج ودرجة؛ وقراط كما يقال رمح ورماح. وقرطت الجارية تقريطا: ألبستها إياه، فتقرطت هي. قال أعرابي يخاطب امرأته:\nقرطك الله على العينين ... عقاربا سودا وأرقمين\nومارية، بالراء المخففة على وزن صاحبة: امرأة من غسان. وهي مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة بن عوف بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو المعروف بمزيقياء بن عامر. وكان لها قرطان كان فيهما مائتا دينار. وقيل جوهر قوم بأربعين ألف دينار. وقيل كان فيهما درتان كبيضتي الحمامة لم ير الناس مثلهما. فأهدتهما إلى الكعبة، فضرب بهما المثل. وقيل: خذه ولو بقرطي مارية، أي على كل حال. ومارية هذه هي الواقعة في قول حسان ﵁:\nللهِ درُ عصابةٍ نادمتهم ... يوما بجلق في الزمانِ الأولِ\nأولاد جفنه حول قبر أبيهمُ ... قبر أبن ماريةَ الكريم المفضلِ\nوابنها المذكور هو الحارث الأعرج أبن الحارث الأكبر بن أبي شمر. وأولاده يزيد بن الحارث وابنه عمرو، وهو الذي مدحه النابغة الذبياني بقوله في قصيدته البائة المعروفة:\nعليَّ لعمرو نعمة بعد نعمةٍ ... لوالده ليس بذلتِ عقاربِ\nحلفتُ يمينا غير ذي مثنويةٍ ... ولا علمَ إلاّ حسنُ ظنٍّ بصاحبِ\nلئن كان للقبرينِ قبر بجلقةِ ... وفبرٍ بصيداء الذي عند حاربِ","vol":"1","page":69},{"text":"وللحارثِ الجفني سيدِ قومهِ ... ليلتمسن بالجيشِ دارَ المحاربِ\nوثقتُ له بالنصر إذ قيل قد غزا ... كتائبُ من غسانَ غيرُ أشائبِ\nبنو عمه دنيا وعمرو بن عامرِ ... أولئك قومٌ بأسهم غيرُ كاذبِ\nولشعر خسان قصة ظريفة مع جبلة بن الأيهم ستذكر في باب الأعيان إن شاء الله تعالى. وقيل هي مارية بنت ظالم، وقيل هي أم ولد جفنة، والله اعلم. وقد عرف مضرب المثل مما مر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>آخر البز على القلوص:</span>\nالآخر بالمد وكسر الخاء: ضد الأول؛ والبز: أمتعة البزاز من الثياب، والبز أيضًا: السلاح؛ والقلوص من النوق؛ الفتية بمنزلة الشابة من النساء. وهذا المثل قاله الزبان الذهلي، وكان ابنه عمرو بن الزبان بينه وبين قوم ترة، فذهب عمرو يوما هو وأخوته لأمر فرآهم خوعتة الغفلي، فدل عليهم أصحابه، فأتوهم وهم قعود يتغذون. فقال لهم عمرو: لا تشبوا الحرب بيننا وبينكم! فقالوا: كلا! بل نقتلك ونقتل أخوتك قال: فإن كنتم فاعلين، فأطلقوا هؤلاء الذين لم يلتبسوا بالحروب، فإنَ ورائهم طالبا أطلب مني، يعني أباهم، فقتلوهم وجعلوا رؤوسهم في مخلاة وعلقوها في عنق ناقة لهم يقال لها الدهيم. فجاءت الناقة والزبان جالس أمام بيته فبركت، فقامت الجارية فجست المخلاة فقالت: أصاب بنوك بيض النعام فأدخلت يدها فأخرجت رأس عمرو ثم رؤوس أخوته. فأخذها الزبان وغسلها ووضعها على ترس فقال: آخر البز على القلوص، فذهبت مثلا، أي آخر عهدي بهم فلا ألقاهم بعدها. ثم شب الحرب بينه وبين بني عقيلة حتى أبادهم، فقالت العرب: أشئم من خوتعة، وأشئم من الديهم، وأثقل من حمل الديهم. وسنأتي هذه الأمثال كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وكان هذا المثل هو الذي أشار إليه حبيب بقوله:","vol":"1","page":70},{"text":"وهرجاما بطست به فقلنا ... خيارُ البز جاء على القعودِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>آخر أقلها شربا</span>.\nالآخر تقدم. والأقل: ضد الأكثر. والشرب، بكسر الشين المعجمة: الحظ من الماء. وأصل هذا المثل في الإبل، فإن أواخرها وردا ترد وقد نزف الحوض ولم يبق فيه إلاّ قليل من الماء، فيكون ما تناله من الماء شيئا قليلا، فيضرب المثل لمن كان كذلك في الأمور والحظوظ كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>أخوك أم الذئب</span>؟\nالأخ معروف، وكذلك الذئب. والأخ والذئب على طرفي نقيض، فإنَ الأخ شأنه الوفاق والإيناس والإعانة والإحسان، والذئب شأنه الأذية والمعاداة. فيضرب المثل عند سؤالك أحدا أهو صديق أم عدو، وهو مثل مشهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>أخوك البكري ولا تأمنه</span>!\nهذا المثل مشهور وقديم، يضرب في استعمال الحذر وسوء الظن، ورد في الخبر عن عبد الله بن عمرو بن الفوعاء الخزاعي عن أبيه قال: دعاني رسول الله ﷺ، وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بعد الفتح، فقال: التمس صاحبا. قال: فجائني عمرو بن أمية الضمري، وهو أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناف، فقال: بلغني أنك تريد الخروج وتاتمس صاحبا. فقال: قلت أجل! قال: فأنا لك صاحب. قال: فجئت رسول الله ﷺ فقلت: قد وجدت صاحبا. قال. فقال: من؟ قلت: عمرو بن أمية الضمري. قال: إذا هبطت بلاد قومه فأحذره فإنه قد قال القائل: أخوك البكري ولا تأمنه! فخرجنا حتى إذا كنت بالأبواء قال: إني أريد حاجة إلى قومي بودان فالبث لي، قلت راشد. فلما ولى ذكرت قول النبي ﷺ، فشددت على بعيري وأوضعته حتى كنت بالأصفار إذا هو يعرضني في رهط. قال: وأوضعت فسبقته. فلما رأني فته انصرفوا، وجاءني فقال: كانت لي إلى قومي حاجة. قال. قلت: أجل! ومضينا حتى مكة، فدفعت المال إلى أبي سفيان. انتهى. والبكري صفة أخوك، والخبر محذوف تقديره \" أو مخوف \" أو نحو ذلك","vol":"1","page":71},{"text":"والمعنى إنّه أخوك شقيقك وأنت تحذره ولا تأمنه، فكيف بغيره؟ والبكري، إن كان نسبته إلى القبيلة، فهو بفتح الباء الموحدة. واستظهر بعضهم أن يكون يكسرها وكأنه يرى أنه من بكر الأولاد. يقال: امرأة بكر للتي ولدت بطنا واحدا، وبكرها ولدها الأول. والذكر والأنثى فيه سواء قال:\nيا بكر بكرين ويا خلب الكبد ... أصبحتَ مني كذراعٍ من عضد\nوهو بكسر الباء، وإلا إنّه يوصف به، ولا يحتاج إلى ياء النسبة. وعلى الاحتمال الأول يصح أن يكون البكري هو الخبر، ولا تقدير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>إذا دخلتَ أرض الحُصيبِ فهرول</span>!\nالدخول معروف، كذلك الأرض. والحصيب، بالحاء والصاد المهملتين مصغرا: موضع باليمن. والهرولة: الإسراع، أو بين المشي والجري. والحصيب فاقت نساؤه حسنا وجمالا، وأحسب لذلك أمر بالهرولة عند دخوله حذرا من فتنتهن. فإنَ كان الأمر كذلك، حسن أن يضرب المثل فيما يشبه ذلك من الحذر وطلب السلامة، والله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>إذا رغب الملك عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة</span>.\nهذا المثل مصنوع فيما يظهر، وهو ظاهر المعنى، وسيأتي في الحكم بسط هذا المعنى واستيفاؤه من كلام الحكماء، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>إذا ارجحن شاصيًا فارفع يدًا:</span>\nيقال ارجحن ارجحنانا إذا مال. وشصا بصر الرجل يشصو شصوًا: ارتفع، واشصاه صاحيه: رفعه. أي: إذا مال ساقطا، ورفع رجليه، فارفع يدك عنه ولا تضربه والمعنى: إذا خضع لك فاكفف عنه وارفق به، لأن القدرة تذهب الحفيظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبحٌ</span>.\nالسماع معروف والسرى على وزن هدى. يقال: سرى يسري سُرى، ومسرى، وسرية، وأسرى إذا مشى عامة الليل. والقين: الحداد وجمعه أقيان. والقين أيضًا: العبد، وجمعه قيان والصباح: الدخول في الصباح.\nيضرب هذا المثل في الكذب والإخلاف حيث يعرف كذب الرجل فيرد صدقه.","vol":"1","page":72},{"text":"وأصله أن قينا كان باليمن، فكان إذا كسد في موضع أخبرهم إنّه سيخرج غدا ثم لا يخرج، فضربوا به المثل. وسيأتي تمام القصة في حرف الدال، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>إذا اشتريت فاذكر السوق</span>.\nألفاظه ظاهرة. وهو من أمثال العرب المشهورة. يريدون به أنك إذا اشتريت سلعة فاذكر الصحة واطلبها، وتبصر العيوب وتجنبها، فانك ستحتاج فيما اشتريته إلى إنّ تقينه في السوق يوما لبيعه إن احتجت إلى ثمنه. فتذكر ذلك اليوم فانك إن اشتريت جيدا بعت جيدا. وفي معناه قول العامة اليوم: كما تشتري تبيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>إذا طلبت الباطل أنجح بك</span>.\nالباطل معروف: والنجاح والنجح: الظفر بالحاجة. يقال: نجحت حاجته وأنجح هو: صار ذا نجح. ويقال: أنجح بك إذا غلبك؛ فإذا غلبته فقد أنجحت به. وكانت الفتاة من العرب تزوجت شيخا، فكان يقعد لينتعل فتقول: يا حبذا المنتعلون قياما، فسمعها يوما فحاول أن ينتعل قائما فضرط، فقالت: إذا طلبت الباطل أنجح بك، أي ظفر بك ولم تظفر أنت بشيء، فسار مثلا يضرب عند الظلم في أداء الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>إذا عز أخوك فهن</span>.\nالعز خلاف الذل؛ يقال: عز الرجل يعز إذا قوى وامتنع بعد ذلة؛ وعز علي أن تفعل كذا، وعز علي هذا الأمر: أي أشتد. وهن يروى بضم الهاء وكسرها: فالضم من هان يهون هوانا إذا ذل وخضع. ومعنى المثل عليه إذا عز أخوك، أي عظم وتقوى فاخضع له أنت تسلم من شره. والكسر من هان يهون إذا لأن. والمعنى: إذا أشتد أخوك وتصعب، فلن أنت. هكذا ذكر بعض الناس، وهو صحيح من جهة المعنى؛ لكن ما ذكر من كسر الهاء، إنّها يصح إن وجدت مادة هذا يقال ن. والمعروف في اللغة إنّها هو مادة هذا ون؛ إلاّ إنّه إذا أريد الذلة والخضوع، قيل الهون بضم الهاء، والهونة؛ وإذا أريد الين والسكينة، قيل: الهون بفتح الهاء. قال تعالى:) والذين يمشونَ على الأرضِ همنا (. ويقال رجل هيِّن وهين كميت وميِّت، وليس يائيا بل واويا، فوقع القلب: ويقال: هون الله الأمر، إذا سهله. ومما يوافق المعنى الأول قول أبن أحمر:","vol":"1","page":73},{"text":"وقوارع من الأيام لولا ... سبيلهم لراحت عنك حينا\nدببت لها الضراء وقلت أبغي ... إذا عز أبن عمك أن تهونا\nوهو محتمل للمعنى الثاني أيضًا. ومن الضريح في الثاني قول الآخر:\nبنيَّ إذا ما سمك الذلَّ قادرٌ ... عزيزٌ فلن فاللين أولى وأحرزُ\nولا تسم في كل الأمور تعززًا ... فقد يورثُ الذلَّ الطويلَ التعززُ\nوالمثل للهذيل بن هبير. وسببه إنّه أغار على ضبة فغنم وأقبل بالغنائم. فقال أصحابه: أقسمها بيننا. فقال: أخاف أن يدرككم الطلب، فأبوا. فعند ذلك قال: إذا عز أخوك فهن، ونزل فقسمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>إذا لم تستحي فاصنع ما شئت</span>.\nالاستحياء الانقباض والحشمة؛ يقال: حيي منه بالكسر يحيى حياء بالمد، واستحيى، وهو حيي كغني: ذو حياء؛ وقد يقال: استحى يستحي. قال الشاعر:\nتقول يا شيخ أما تستحي ... في شربك الخمر على المكبر؟!\nوهذا الكلام يتمثل به، وليس من الأمثال. وفي الخبر: مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. وفسر بمعنيين: أحدهما ظاهر، وهو المشهور: إذا لم تستحي من العيب ولم تخش عارا ولا لوما مما تفعل، فافعل ما تحدثك به نفسك، حسنا أمثال لا. ولفظه أمر، ومعناها الخبر على وجه التوبيخ والتهديد، كأنه قيل: إذا لم يكن فيك حياء، فأنت صانع ما شئت من خير وشر. وفيه إشعار بأن الرادع للإنسان عن السوء هو الحياء؛ فإذا انخلع عنه كان كالمأمور بارتكاب كل محذور، وتعاطي كل قبيح وسيئة، كما قال الحماسي:\nإذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاءُ\nفلا والله ما في العيش خيرٌ ... ولا الدنيا إذا ذهبَ الحياءُ","vol":"1","page":74},{"text":"وقال أبو دلف العجلي:\nإذا لم تصن عرضًا ولم تخش خالقًا ... وتستحي مخلوفًا فما شئت فاصنعِ\nوقد أكثر الشعراء من هذا النحو.\nثانيهما أن يحمل الأمر على بابه، أي إذا كنت في فعلك آمنا أن تستحي لجريك على اسنن وليس من الأفعال التي يستحي منها، فافعل؛ وإلاّ فلا. وهذا قانون كلي، وهو مثل ما في الحكمة: إياك وما يعتذر منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>إذا نزل بك الشر فاقعد</span>.\nهذا مثال مشهور معناه: إذا رأيت شرا مقبلا، وهولا حاصلا، وفتنة ثائرة، فتربص وتأن، واحلم ولا تسارع، ولا تستهدف ولا تستشرف. وفي الحديث في ذكر الفتنة: من يستشرف لهل تستشرفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>إذا نزل القضاء عمي البصر:</span>\nهذا يتمثل به أيضًا. والمعنى أن ما قضى الله تعالى فهو كائن، وما قدره فهو واقع، لا ينجي منه الحذر، ولا نظر البصير. يحكى أن نافعا سأل أبن عباس - ﵁ - فقال له: سليمان ﵇، مع ما خوله الله تعالى من الملك، كيف عني بالهدهد مع صغره؟ يعني حيث تفقد الطير فسأل عن الهدهد وقال: لأعذبنه أو ليأتيني بسلطان مبين. فقال أبن عباس: إنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت له الأرض كالزجاج فقال نافع: قف يا وقاف! كيف يبصر الماء من تحت الأرض، ولا يرى الفخ إذا عطي له بقد إصبع من التراب؟ فقال أبن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر. وقال أبو عمر الزاهد في هذا المعنى:\nإذا أراد الله أمرًا بأمرءٍ ... وكان ذا عقلٍ ورأيٍ وبصر\nوحيلةٍ يفعلها في دفع ما ... يأتي بهِ محتومُ أسبابِ القدر\nغطى عليهِ سمعهُ وعقلهُ ... وسلهُ من ذهنه سلَّ الشَّعر\nحتى إذا نفذَ فيه حكمهُ ... ردَّ عليه عقلهُ ليعتبر","vol":"1","page":75},{"text":"وهو معنى ما في الحديث: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره سلب عقول الرجال الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>إذا لم تغلب فاخلب</span>.\nالخلابة: الخداع، والمثل ظاهر المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>مأرب لا حفاوة:</span>\nالمأرب الحاجة، والجمع مآرب وفي التنزيل: ولي فيه مآرب أخرى. وكذا المأربة مثلث الراء. والحفاوة: الاهتمام والاهتبال بالشيء، يقال. حفيت بالرجل بالكسر، فأنا به حفي، إي اهتممت به وبالغت في الألطاف به والسؤال عن حاله. قال تعالى:) سأستغفرُ لك ربيَ إنهُ كانَ بي حفيًا (. وقال الحماسي:\nفلما أتينا السفح من بطن حائلِ ... بحيثُ تناصى طلحها وسيالها\nدعوا لنزارٍ وانتمينا لطيئ ... كأسدِ الشرى إقدامه ونزالها\nفلما التقينا بيَّن السيفُ بيننا ... لسائلهِ عنَّا حفيَّ سؤالها\nيضرب هذا المثل للرجل يتملقك لا رغبة فيك ولا اهتماما بأمرك، ولطن لغرض يطلبه منك وحاجة ينالها عنك. ومأرب يصح أن يكون مبتدأ يقدر خبره، أي بك مأرب لا حفاوة، وأن يكون خبرا يقدم مبتدؤه، أي باعثك وحاملك على الدنو مني والتملق لي مأرب لا حفاوة. فإن قلت: هل يصح أن ينصب أو يقال إنه مرفوع عن منصوب في الأصل، كما قيل في: سلام وحنان، وصبر جميل؟ قلت: لو كان منصوبا لكان معناه تقصد أو ترتاد مأربا، وحينئذ لا يحسن العطف بهذا التقدير في حفاوة كما لا يخفى، ويحتاج إلى تقدير آخر كأنه قيل ترتاد مأربا ولا تحفي حفاوة، وفيه بعض التكلف، وإن كان يمكن تقدير فعل أعم كالملابسة.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>آكل من أرضة</span>.\nالأكل معروف. والأرضة بفتحتين والضاد المعجمة: دويبة صغيرة تأكل الخشب وفي قصة الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم أ، الله بعث عليها الأرضة فأكلت كل ما فيها من جور وظلم ز قطيعة رحم، وبقي ما كان فيها من ذكر. ويضربون المثل بالأرضة في كثرة الأكل وقوته. وينسب إلى القاضي عبد البوهاب:\nيا أهلَ مصر رأيتُ أيديكم ... عن بسطها بالنوالِ منقبضة\nلمّا عدمت النوال عندكم ... أكلتُ كتبي كأنني أرضة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>آكل من سوس</span>.\nالأكل مر. والسوس: الدود المعروف يقع في الصوف والطعام. قال امرؤ القيس:\nآليت حب العراقِ الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القريةِ السوسُ\nيضرب به المثل أيضًا في كثرة الأكل. قيل لخالد بن صفوان: كيف ابنك؟ فقال: سيد فتيان قومه ظرفا وأدبا. فقيل له: كم زقه؟ قال: درهم. فقيل: أيرتفع منه ثلاثون درهما في شهر وأنت تستغل ثلاثين ألفا؟ قال: الثلاثون أسرع في هلاك المال من السوس. ولهذا قالوا: العيال سوس المال كما سيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>يأكلك الأسد ولا يأكلك الكلب</span>.\nهذا فيما يظهر مثل مولد يضرب عند اختيار المرء صولة العزيز وعقوبة الكبير على صولة الذليل وعقوبة الحقير، فإنَ صولة الذليل أشد على النفس كما قيل: لو ذات سوار لطمتني والمثل قد وقع في الكلام الأمير شمس الدين قراسنقر، وذلك أن شمس الدين بن السلعوس كان يكرهه. فلما حضر الملك الاشرف إلى دمشق، وبلغ قراسنقر كراهية الوزير وعمله، بادر بهدية عظيمة وتقدمة حسنة إلى الملك، وأحضر ذلك بنفسه، فقال","vol":"1","page":77},{"text":"له السلطان: لأي شيء هذا؟ قال: بلغني أن إنّ السلعوس يعمل علي ويغير خاطر مولانا السلطان. وقد جئت أما بنفسي يأكلني السبع ولا يأكلني الكلب. وفي هذا قال الصابئ في أبي الورد البغدادي:\nومن عجب الأيام أنَّ صروفها ... تسوي إمرءًا مثلي بمثل أبي الوردِ\nفيا ليتها اختارت نظيرًا وأنه ... رماني بشنعاء الدواهي على عمدِ\nفكم بين معقور الكلاب وإن نجا ... ذليلًا ز مقتولِ الصراغة الأسدِ\nونحو قول المثقب العبدي:\nفإن أكُ مأكولًا فكن خير أكلِ ... وإلاّ فداركني ولمل أمزقِ\nويحكى أن العجير السلولي هجا قوما من بني حنيفة، فأقاموا عليه البينة عند نافع بن علقمة الكناني، فأمر به أن يقام عليه الحدّ في ملأ من الناس. فهرب العجير ليلا حتى أتى نافعا فقعد له متنكرا حتى خرج من المسجد، ثم تعلق به فقال:\nإليك سبقنا السوط والسجنَ تحتنا ... حُبالى يسامين الظلام ولقحُ\nإلى نافعِ لا نرتجي ما أصابنا ... تحومُ علينا السانحاتُ وتبرحُ\nفإن أكَ مجلودًا فكن أنت جالي ... وإن أكُ مذبوحًا فكن أنت تذبحُ\nفقال له: انج لنفسك، فإني سأرضي خصومك، فبعث إليهم وأرضاهم. وهذا المثل باق اليوم في ألسنة العوام يقولون: من أكله السبع خير ممن أكله الذئب.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>آلف من حمام مكة</span>.\nيقال ألِفَ فلان كذا، بكسر اللام، يألفه إلفًا بكسر الهمزة وفتحها فهو ألف، وهي آلفة، وهم آلاف، وهن آلفات وأو ألف. والألفة بضم الهمزة: اسم من الائتلاف. إلفك بكسر الهمزة: الذي تألفه كما يقال: حب وخدن. والحمام على مثال سحاب: اسم جنس واحدة حمامة للذكر والأنثى. وقد يقال للواحد حمام، قاله في الصحاح وأنشد عليه قوله الشاعر:\nحماما أيكة وقعا فطارا\nوقول الآخر:\nوذكرني الصبا بعد التنائي ... حمامةُ أيكةٍ تدعو حماما\nقلت: والأول محتمل لأن يكون تثنية جماعتين كما قال الآخر:\nهما سيدانا يزعمانِ وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماها\nفثنى الغنم وهو اسم جمع، وهذه التثنية لا تخص بالمفرد، بلهي جارية في أسماء الجموع، وجموع التكسير أيضا، كما علم في محله، فلا دليل فيها على المفرد. والثاني يحتملل أن يكون الحمام فيه اسم جنس، لا يقال مقابلته بالحمامة عاضد للأفراد، فهو ظاهر في المراد، لأنا نقول ذلك لو سلم أن الحمامة أريد بها الأنثى ليكون المقال ذكرا. لكنا نقول إنها للفرد من الجنس كما مر، ومقابل الفرد من حيث هو الجنس. والحمام قال في الصحاح: ذوات الأطراف من نحو الفواخت والقماري وساق حر والقطا وأشباه ذلك. قال: وهي عند العامة الدواجن فقط، وأنشد على الأول لحميد بن ثور:\nوما هاجَ هذا الشوق إلاّ حمامةٌ ... دعت ساقَ حرٍّ ترحه وترنما\nقال: والحمامة هاهنا قمرية قال وقال الأصمعي في قول النابغة:\nاحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراعٍ واردِ الثمدِ\nهذه زرقاء اليمامة نظرت إلى قطا. قلت: وبه حزم شارح ديوان النابغة عن أبي حاتم، وإن","vol":"1","page":79},{"text":"هذه المرأة كانت لها قطاة. فمر بها سرب من القطا فقالت ذلك. وأراد النابغة بالحمام ذلك القطا. ومكة البلدة الحرام ووصف حمامها بالألفة لأنه محترم لا يتعرض له أحد بمكروه ولا أذى، كما قال العجاج:\nورب هذا البلدِ المحرمِ ... قواطنًا مكة من ورقِ الحمِ\nأي الحمام، فرخم للضرورة فلما كان آمنا كان ثابت الجأش غير نفور من الناس نفور الصيد، كما قال النابغة:\nوالمؤمنِ العائذاتِ الطير يمسحها ... ركبانُ مكة بين الغيل والسعدِ\nوأراد بالعائذات هذه الطير، ولذا أتى بالطير بدلا منها، والمؤمن هو الله تعالى، وهو لفظ اسم فاعل متعد إلى مفعولين بهمزة النقل، والواو للقسم، والمفعول الثاني محذوف أي: أقسم بالله تعالى الذي أمن الطير العائذات أن تصاد أو أن تؤخذ. وقوله: يمسحها ركبان مكة، أي يمسحون عليها ولا يهجونها لألفتها لهم واستئناسها بهم. والغيل بفتح المعجمة وقيل بسكونها، والسعد أجمتان بين مكة ومنى. وقيل: الغيل بفتح الغين الماء الجاري على وجه الأرض. وهو هنا ماء يخرج من أصل أبي قبيس.\nواعلم أن هذه الصيغة وهي قولنا أفعل من كذا، مستعملة في باب المثل عند أرادة منتهى التشبيه وأقصاه، كما يقال: أعز من الأبلق العقوق، وأجود من حاتم، وأعيى من باقل، ونحو ذلك. وأنما يتم ذلك ببلوغ المضروب به غاية ذلك المعنى. لكن هذا أمر إضافي موكول إلى نظر القائل واعتبره وحكم خياله. فأيهما شيء استعظم درجته ساغ له أن يضرب به المثل. ولذا يصح له أن يضرب المثل بالحمام في الألفة، وإن كان غير الحمام فيها وأحق، لكنه لم يلتفت إلى الغير فاستعظمها في الحمام إذ ليس الألفة من شأن الطير، فهي مستغربة، والاستغراب زائد الاستعظام كما قالوا: أجرأ من خاصي الأسد. وفهم مثل هذا في كل ما يرد في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>آلف من غراب عقدة</span>.\nالألفة مرت، والغراب معروف، جمعه غربان واغربة. وعقدة، بضم العين المهملة، وسكون القاف: موضع. وهي أيضًا المكان المخضب الكثير الشجر أو النخل. وإنّما وصف غراب عقدة بالألفة لأنّه لا يطير لكثرة الشجر. إلاّ أن عقدة، إن جعلت مكان بعينه، لم تصرف؛ وإن جعلت اسما للمكان المخضب مطلقا صرفت. وهما جاريان هنا معا كما يقتضيه كلام القاموس، وسيأتي في قولهم: عيش لا يطير غرابه زيادة بيان لهذا المحل إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>إليك يساق الحديث</span>.\nالسوق معروف. يقال: ساق الماشية يسوقها سوقا وسياقا وسياقة، واستقاها. ثم يستعمل السوق في الكلام والحديث، لأنّه يؤتى به كما يؤتى بالماشية. وهذا المثل يضرب عند الإساءة في السؤال والاستعجال به قبل أوانه. وله قصة مذكورة عندهم، وقد نظمه بشار وبين معناه فقال:\nومرتْ فقلتُ متى نلتقي ... فهشَّ اشتياقًا إليها الخبيث\nوكادَ يمزقُ سربالهُ ... فقلتُ إليكَ يساقُ الحديث\nوقال الآخر:\nلا تعجبوا لسؤال ركبان الحمى ... فإليكمُ هذا الحديثُ يساقُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك</span>.\nالأمر معروف. والمبكيات والمضحكيات: المورثات بكاء أو ضحكا. وكانت فتاة من العرب لها خالات وعمات. فكانت إذا زارت عماتها ألهينها، وإذا زارت خالاتها ابكينها. فقالت لأبيها: إنّ عماتي يلهينني، وخالاتي يبكينني إذ زرتهن، فقال لها أبوها: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك، فذهبت مثلا يضرب عند الحذر والتحذير من الهوى والأمر باجتنابه.\nوالمعنى: أطع من يدلك على رشادك، ويبصرك بصلاح معاشك ومعادك، وينبهك من رقدة الغفلة والغرة، ويفطمك من مراضع الهوى المضرة، وإن كان ذلك يبكيك، ويثقل على نفسك ويؤذيك؛ ولا تطع من يأمرك بما تهوى، ويحسن لك ما يشينك في العاجلة والعقبى، وإن كان ذلك يضحكك ويلهيك، ويؤنسك ويسليك.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الأمور مخلوجة وليست بسلكى</span>.\nالأمور جمع أمر، وهو الشأن والحال والشيء الواقع: والخلج: الجذب والنزع؛ والمخلوجة: المجذوبة؛ والمخلوجة أيضًا: الطعنة المعوجة عن يكين وشمال؛ والسلكى، بضم الأول وألف مقصورة: الطعنة المستقيمة تلقاء الوجه. قال امرؤ القيس:\nمطغنهم يلكى ومخلوجة ... كزك لأيمن على نابلِ\nثم إنهم جعلوها في الأمور، وجعلوا المخلوجة والسلكى مثلا في الأمور باعتبار اعوجاجها واستقامتها قالوا: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، أي هي معوجة وليست بمستقيمة، وأصله في الطعن. قيل: وأوّل من نطق بهذا المثل الحارث بن عباد، وذلك أن جساس بن مرة لمّا قتل كليبا على ما سيأتي خبره، قام مهلهل بن ربيعة بثأر أخيه كليب، وكان ممن قتل بجير بن الحارث المذكور أو أخيه في قصة ستأتي.\nوفيه يقول مهلهل:\nوإني قد تركت بواردات ... بجيرًا في دم مثل العبير\nهتكت به بيوت بني عبادٍ ... وبعضُ الشرَّ أشفى للصدورِ\nفلما بلغ الحارث بن عباد مقتل بجير قال: نعم القتيل قتيل أصلح الله به بين بني وائل وباء بكليب! فقيل له: إن مهلهلا لمّا قتله قال له: بُؤبِشِسعِ نعل كليب! فعند ذلك غضب الحارث وقال: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، وقال:\nقربا مربط النعامةِ مني ... لقحت حربُ وائلٍ عن حيالِ\nقربا مربط النعامة مني ... إنّ بيع الكرام بالشسعِ غالِ","vol":"1","page":82},{"text":"لم أكن من جناتها علم الله ... وإني بجمرها اليوم صالِ\nوهي قصيدة. ونهض لحرب تغلب حتى أبارهم. وفر مهلهل حتى هلك غريب الدار كما سيأتي. وقلب أبو عبيد هذا المثل فأورده هكذا: الأمر سلكى وليست بمخلوجة، والصواب العكس، كما أورده غيره وهو الذي قدمنا، لأن الأمور في قضية الحارث ليست بسلكى، وهلم جرا. وقول امرئ القيس كرك لأمين على نابل، فيه كلام يبين بعد في تشبيهات امرئ القيس إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>تأمير الأراذل، تدمير الأفاضل</span>.\nالتأمير: تولية الإمارة: وأراذل الناس: سفلهم، والتدمير، بالدال المهملة: الإهلاك. وأفاضل الناس. خيارهم.\nومعنى المثل ظاهر، وهو فيما أظن مصنوع موجود في بعض تآليف البلغاء المصنوعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>الأمر أشد من ذلك</span>.\nقد يتمثل به، وهو من كلام النبي ﷺ حيث ذكر المحشر وأن الناس يحشرون حفاة عراة، فقيل له: وكيف ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ذلك. والحديث معروف مشهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>آمن من حمام مكة</span>.\nالأمن ضد الخوف؛ والحمام ومكة تقدما. وأمن الحمام في مكة أنه لا يتعرض له ولا يصاد ولا يقتل. ولذلك قال النابغة:\nوالمؤمن العائذاتِ الطير يمسحها ... ركبان مكةَ بين الغيلِ والسعد\nوقال عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي من قصيدة:\nفسحت دموع العينِ تبكي لبلدةٍ ... بها حرمٌ أمنٌ وفيها المشاعرُ\nوتبكي لبيتِ ليس يؤذى حمامهُ ... تطل به أمنًا وفيه العصافرُ\nوفيه وحوشٌ ليس ترامُ أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادرُ","vol":"1","page":83},{"text":"وهذا الشعر قله عندما نفتهم خزاعة وأخرجتهم إلى اليمن من مك، فجعل يتذكر مكة ويحزن ويبكي لفراقها. وتقدم شيء من معنى هذا المثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>أما الدَّينُ فلا دِن</span>.\nيتمثل به كثيرا، وهو كلام مسيلمة الحنفي الكذاب لعنه الله تعالى. وذلك أنه، لمّا غزاهم سيف الله خالد بن الوليد ﵁ في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا. فلما اشتد القتال آخرا على مسيلمة وأصحابه بني حنيفة وعظم عليهم الأمر وأيقنوا بالهلاك والدمار قال له بعض أصحابه: أين ما كنت تعدنا يا أبا ثمامة من نصر؟ فقال عبد ذلك: أما الدين فلا دين، ولكن قاتلوا على أحسابكم. فجعلوا يتندمون ويسبونه، وقتل في ذلك اليوم، لعنه الله. والقصة مشهورة ومعروفة في السير لا حاجة إلى سردها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>أنا بالقُوس، وأنت بالقرقوس، متى نجتمع</span>؟\nالقوس بضم القاف: صومعة الراهب. قال الشاعر يذكر امرأة: لا ستفتنتني وذا المسحين في القوس. والقرقوس، على مثال قربوس: القاع الصلب من الأرض، وبين المكانين بون بعيد. فيضرب عند التباعد في الأمكنة أو الخلال أو الشيم، كما قيل:\nهي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا\nفلن تستطيع إليها الصعودَ ولن تستطيع إليك النزولا\nأنا أبن بجدتها.\nيقال بجد بالمكان يبجد بجودا إذا أقام به. والبجيد بفتح الباء الموحدة وضمها مع سكون الجيم، وبضمهما معا: أصل الشيء ودخلة الأمر وباطنه، فيقال عند فلان بجدة هذا المر أي علمه، وهو أبن بجدتها أي العالم.","vol":"1","page":84},{"text":"قال أبو العلاء المعري:\nإذا أسكت المحتجُ كل مناظرٍ ... فعند أبن نصر بجدةٌ بحّوابِ\nوقال صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:\nلا لقبتني المعالي بابن بجدتها ... يومَ الفخار ولا بر التقى قسمي\nويقال أيضًا للدليل الهادي. ويقال أيضًا: هو عالم ببجدة أمرك وبجد أمرك، أي بداخلته. وقيل إنّما قسل: أنا أبن بجدتها، وهو أبن بجدتها من البجود وهو الإقامة، لأن المقيم بالمكان عالم به. يقال: هو أبن بجدة هذا البلد أي العالم بأمره لإقامته به. وقيل اصله من قولهم: فلان من أهل البجد أي من أهل البادية وهم العلماء باللسان على ما وضع به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>أنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق</span>؟\nالتئق: الممتلئ غضبا. واصله في الإناء يقال: تئق الإناء يتأق إذا امتلأ وأتأقته أنا ملأته. ويقال: التئق السريع إلى الشر. ويقال: هو الحديد قال الشاعر يصف كلبا:\nأصمعُ الكعبينِ مهضومُ الحشا ... سرطمُ اللحيينِ معاجٌ تئقْ\nوقال الآخر: يصف فرسا:\nضافي السبيبِ أسيل الخدِ مشترفٌ ... حابي الضلوعِ شديدٌ أسره تئقُ\nوقال الأخر يصف فرسًا:\nضافي السبيب أسيل الخد مشترف ... حابي الضلوع شديد أسره تئق\nوالمئق: الباكي يأخذ شبه الفواق عند البكاء والنشيج. يقال: مئق الرجل والصبي يأمق مأقا وماقة باتحريك وامتاق. قال رؤبة.\nكأنما عولتها بعد التأق ... عولة ثكلي ولولت بعد المأق","vol":"1","page":85},{"text":"وشأن التئق النزوع إلى الشر لغضبه، وشأن المئق ضيق الصدر عن الاحتمال، فلا يجتمعان. فيضرب للمتخالفين خلقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب</span>.\nلمّا قبض النبي ﷺ اجتمعت الأنصار إلى بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر وعمر من المهاجرين - رضي الله تعالى عليهم جميعًا - فتكلم أبو بكر، والقصة مشهورة. وتكلم رجل من الأنصار، وفي رواية وهو الحباب بن المنذر فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير. والجذيل تصغير جذل بكسر الجيم وتفتح، وبالذال المجمعة الساكنة. والجذل: ما عظم من أصول الشجر أو أصل الشجر وغيرها بعد ذهاب الفرع. والجمع أجذال وجذولة. قال امروء القيس:\nكأن على لباتها جمر مصطلي ... أصاب غضا جزلا وكف بالجذال\nوالجذال أيضًا: عود ينصب للجربى لتحكك به، وهو المقصود هنا. ويقال: هو عود ينصب في مبرك الإبل للتحكك به لتزيل ما عليها من قراد وكل ما لزق بها فتشتفي بذلك، ويكون كالتمرغ للدابة. وقال الراجز:\nلاقت على الماء جذيلا واتد\nويضرب مثلا للرجل فيقال: هو جذل محاكة وجذل حكاك. وقال الأصمعي:\nقلت لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تقم على مثلهم منجبة. قلت صفهم لي. قال: جهم وما جهم! ينصي الوهم، ويصد الدهم، ويفري الصفوف، ويعل السيوف. قلت ثم من؟ قال: غشمشم وما غشمشم! ماله مقسم، وقرنه مجرجم، جذل حكاك ومدرة لكاك. قلت: ثم من؟ قال: عشرب وما عشرب! ليث محرب، وسماهم مقشب؛ ذكره باهر، وخصمه عاثر؛ وفناؤه راحب، وداعيه مجاب. قلت: فصف لي نفسك. قال: ليث أبو ريابل، ركاب معاضل، عساف مجاهل؛ حمال أعباء، ناهض ببزلاء.","vol":"1","page":86},{"text":"قوله: ينضي الوهم أي يهزل الوهم، وهو الجمل الضخم من قوته؛ ويصد الدهم أي يكف الدهم، وهو العدد الكثير من العدو. ويفري الصفوف أي يشقها في القتال مقدما. ويعمل السيف أي يوردها دماء الأقران مرة ثانية من العلل في الشرب.\nوقوله: قرنه مجرجم أي مبارزه مجرجم أي مصرع؛ وجذل حكاك أي يستشفي به في الأمور كالجذال المنصوب الذي يستشفي به الإبل الجربى والمدره: لسان القوم. واللكاك: الزحام. والليث المحرب: المغضب، وهو أشد ما يكون؛ والمقشب: المخلوط. والباهر: الغالب. واليابل جمع ريبال يهمز ولا يهمز، وهو الأسد. والمعاضل: الدواهي؛ والعساف: الركاب الطريق على غير هداية. والمجاهل: الفلوات؛ والأعباء: الأثقال؛ والبزلاء: الرأي الجيد، وهو مثل سيأتي. وأما العذيق فهو تصغير عذق، وهو بالفتح: النخلة بحملها، وبالكسر القنو منها. والمقصود هنا الأول. والمرجب: المعظم. يقال: رجبته ترجيبا: عظمته. ومنه رجب لتعظيمهم إياه. ويقال: إنّ فلان لمرجب أي عظيم. وحدث الأصمعي قال: مررت في بلاد بني عامر بحلة في غائط يطؤهم الطريق، فسمعت رجلا ينشد في ظل خيمته له ويقول:\nأحقا عباد الله أن لست ناظرًا ... إلى قرقرى يومًا وأعلامها الغبرِ\nكأنَّ فوأدي كلما مر راكبٌ ... جناحُ غرابٍ رام نهضًا إلى وكرِ\nإذا رحلت نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاك الهوى واهتاج قلبكَ للذكرِ\nفيا راكب الوجناء أبت مسلمًا ... ولا زلتَ من ريبِ الحوادثِ في سترِ\nإذا ما أتيتَ العرضَ فاهتف بجواهِ ... سقيتَ على شحطِ النوى سبلَ القطرِ","vol":"1","page":87},{"text":"فانك من وادٍ إلى مرجبٍ ... وإن كنت لا تزدار إلا على عفرِ\nقال فلما رآني مصغيا إليه أشار إلي فاستأنسني وأنزلني ووضع طعاما فقلت: أنا إلى غير هذا أحوج، قال: ماذا؟ قلت: تنشدني، قال: أفعل. فلما أصبت من الطعام قلت: الوعد، فأنشدني:\nلقد طرقت أمُّ الخشيف وإنها ... إذا صرع القوم الكرى لطروقُ\nفيا كبدًا يحمى عليها وإنها ... مخافةَ هيضات النوى لخفوقُ\nأقام فريقٌ من أناسٍ يودهم ... بذات الغضا قابي وبان فريقُ\nلحاجة محزون يظل وقلبه ... رهين ببيضات الحجال صديقُ\nتحمان أن هبت لهن عشيةً ... جنوبٌ وأن لاحت لهن بروقُ\nكأن فضول الرقم حين جعلنها ... غديًا على أدمِ الجمال عذوقُ\nوفيهن من بخت النساء ربحلةٌ ... تكادُ بها غرُ السحاب يرقُ\nهيجانٌ فأما العصُ من أخرياتها ... فوعثٌ وأما خصرها فدقيقُ\nفقوله: فإنك من وادٍ إلى مرجبٍ أي معظم. وقوله في القطعة الثانية:\nكأن فضول الرقم حين جعلنها ... غديا على أدم الجمال عذوقُ\nأي نخلات، جمع عذق وهو النخلة كما ذكرنا قبل، أو قنوانها، وهو تشبيه مشهور عند القدماء، يشبهون الحمول والبرود المرقومة فيها بالنخيل إذا أينع ثمرها فأحمر وأصفر. قال امرؤ القيس:\nأو المكرعات من نخيل أبن يامنٍ ... دوين الصفا اللائي يلين المشقرا\nسوامق جبارٍ أثيتٍ فروعهُ ... وعالين قنوانا من البسرِ أحمرا\nوقال أيضًا:\nعلوانَ بأنطاكية فوق عقمةٍ ... كجرمة نخلٍ أو كجنة يثربِ\nوالترجيب في النخل أن يجعل للنخلة دكان تعتمد عليه اة يدعم بشيء إذا كثر حملها لئلا تنكسر. ويسمى ذلك الطكان الرجبة بضم الراء. وقيل أن يغرز الشوك حولها حتى لا يوصل إليها. وقيل أن تضم قنوانها إلى سعفاتها وتشد بالخوص حتى لا","vol":"1","page":88},{"text":"ينفضها الريح فيقال: نخلة مرجبة، وعذاق مرجب. ويقال: نخلة رجيبة بتخفيف الجيم وتشديدها.\nليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في سنة الجوائح\nولا يرجب من النخل إلاّ الكريمة. واعلم أن التصغير في كل من الجذيل والعذيق للتعظيم على ما اثبت الكوفيون من ورود التصغير للتعظيم كقول لبيد:\nفويق جبيل شامخ لن تناله ... بهمته حتى تكل وتعملا\nوقيل للتقريب كما في بني أخي. وقد تحصل في معنى الكلام بجملته إنه يقول: أنا الذي يرجع إليه في النائبات، ويستشفى بفضل رأيه في المعضلات المعوصات، كالجذيل الذي تستشفي بالاحتكاك به الإبل؛ وأنا لي أيضًا عشيرة يحفظوني ويؤووني، وعصبة ينصروني ويمنعوني، كالنخلة الممتنعة برجبتها، الكريمة على أهلها إذ لا يرجب من النخل إلاّ الكرام كما مر. وقد علم اشتمال الكلام على مثلين وليس مثلًا واحدًا؛ إلاّ إنّهما يقرن بينهما كثير. وفي مقامات البديع قوله: حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجر الجداك بينا ذيلة، قال أصبتم عذيقة، ووافيتم جذيلة الخ. وقيل معنى أنا جذيلها المحككك أنا صاحب رهان. والمحكك المعاود لها، كما قال الراجز: جذل رهان في ذراعيه حدب أي السير ويقال أيضًا. رجل محكك: أي مجرب للأمور بصير بخيرها وشرّها. وهو مدح في الرجال، ذم في النساء قال الحماسي:\nلا تنكحن الدهر ما عشت أيما ... مجربة قد مل منها وملت\nويقال أيضًا: أنا جحيرها المأرب، وعذيقها المجرب. والجحير تصغير جحر وهو الغار؛ والمأرب المقور الململم، ومعناه واضح من الذي قبله.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>أنا كلف، وأنت صلف، فكيف نأتلف</span>؟\nالكلف بفتحتين العشق والولوع بالشيء. يقال: كلف الرجل بكذا يكلف به بالكسر في الماضي، فهو كلف ككتف. والصلف بفتحتين: عدم الحظوة. ويقال: صلفت المرأة بالكسر إذا لم تكن لها مكانة عند زوجها ولا قدروا بغضها، فهي صلفة وهن صلائف. قال القطامي يذكر امرأة:\nلها روضة في القلب لم ترع مثلها ... فورك ولا المستعبرات الصلائف\nويقال للمرأة: اصلف الله رفغك أي بغضك إلى زوجك. والصلف أيضًا التكلم بما يكرهه صاحبك، والتمدح بما ليس عندك، ومجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا.\nوهذا المثل يضرب أيضًا للمتباينين في الأخلاق كالذي تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>أنا اتلوص قبل أن أرمى</span>.\nالتلوص بالصاد المهملة: التلوي والتقلب، والاصة: إدارة. والرمي معروف. وأعلم إنّ العقلاء من حكماء الفلاسفة والعرب وضعوا حكما كثيرة وأمثالًا جمة على ألسنة الجمادات والحيوانات والعجومات باعتبار حالها تعليما للناس وإرشادًا لهم إلى مصالحتهم معاشًا ومعادًا، وذلك من قبيل التمثيل الذي ذكرناه من قبل. وسيأتي في هذا الكتاب إنّ شاء الله كثير من هذا النوع، فكان من ذلك أن قالوا: إنّ الغراب وصى ابنه فقال له: يا بني، إذا رميت فتلوص، أي انحرف لئلا تصاب فقال: يا أبت، أنا اتلوص قبل أن أرمى يضرب في التحرز من الشيء وأخذ الحذر منه قبل كينونته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>أنا من هذا الأمر فالج بن خلاوة</span>.\nفالج بالفاء والجيم، على صيغة فاعل: اسم رجل من أشجع، وهو فالج بن خلاوة بفتح الخاء المعجمية بن سبيع بن بكر بن أشجع. وكان فالج هذا قيل له يوم الرقم إذ قتل أنيس الأسرى: انتصر أنيسًا؟ فقال: إني منه بريء. واليوم الرقم يوم من أيامهم، فقد فيه فرس عامر بن طفيل، فيقس لكل خلي من أمر متبرئ منه يقول: أنا منه فالج بن خلاوة أي أنا منه جلاء بريء بمنزلة ذلك الرجل.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>أنا من هذا الأمر كحاقن الإهالة</span>.\nالحقن: الحبس. يقال: حقن اللبن في السقاء إذا جمعه وخلط حليبه برائبه كما مر، وحقن البول: امسكه، وحقن دمه: منعه من القتل. وكل شيء أمسكته وحبسته فقد حقنته. والإهالة: الودك، وهو اشحم أو ما أذيب منه، أو الزيت وما يؤتدم به، فيقال: أنا من هذا الأمر كحاقن الإهالة، أي عالم به خبير بحاله، لأنه لا يحقن الإهالة في السقاء إلاّ من يعلم إنّها بردت لئلا يحترق السقاء بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>أنا النذير العريان</span>.\nالإنذار: الإبلاغ مع تخويف، والاسم النذر. قال تعالى:) فكيفَ كانَ عذابي ونذر (. والنذير فعيل بمعنى مفعل أي منذر. ويكون النذير أيضًا بمعنى الإنذار، والقصد هنا الأول. والعريان معروف. ويقال: عري الرجل بالكسر يعرى عراء فهو عريان بضم العين وعار؛ وجمع العريان عريانون، وجمع العاري عراة. وهذا المثل ورد بهذا اللفظ في الحديث من كلام النبي ﷺ، وهو مثل قديم للعرب يقال عند الإنذار بقرب العدو مع المبالغة في الإنذار. اصله أن النذير الجاد المغوث يتعرى من ثوبه فيمسك بيده ويشير به ويلمع لتسبقه رؤية الثوب سماع صوته، وإنّما ذلك عند قرب العدو وهجومهم، فكان مثلا عند الجد والتشمير في الإنذار بكل أمر هائل، كما قال النبي ﷺ لقومه: \" أرأيتم لو أخبرتكم أن بالوادي خيلًا تصبحكم أكنتم مصدقي؟ فقالوا: ما جربنا عليك من كذب. فقال: فأني نذير لكم بين يدي عذاب شديدً \"، أو كما قال ﷺ.\nوقال صاحب الروض في قوله تعالى:) يا أيّها المدثرُ (إنّ وجه ارتباطه مع قوله تعالى:) قم فأنذر (أن الإنذار من أوصافه ﷺ التي وصف بها نفسه بقوله: \" أنا النذير العريان \". ومعلوم أن الإنذار على هذا الشعار مخالف للتدثر بالثياب، فكان فيه من التطابق والالتئام مالا يخفى. وهو حسن ظاهر. ويقال أصل المثل في رجل من خثعم أخذه العدو وسلبوه ثيابه وقطعوا يده. فجاء قومه منذرًا على تلك","vol":"1","page":91},{"text":"الحال. ويقال إنّه في يوم ذي الخلصة حمل عليه عوف بن عامر فقطع يده ويد امرأته والله اعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>أنت شَولة الناصحة</span>\nشَولة بفتح الشين المعجمة فسكون: أمة كانت لعدوان، وكانت رعناء حمقاء، فكانت تنصح لمواليها فتعود نصيحتها شرًا عليهم ووبالًا لحمقها. فضرب بها المثل لكل ناصح أحمق يقال له:\n\nأنت شولة الناصحة، أي بمنزلة تلك الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>أنت صاحبة النعامة</span>.\nالنعامة واحدة النعام المعروف. وصاحبة النعامة امرأة من العرب وجدت ذات يوم نعامة عصت بصعرور، وهو صمغة، فأخذتاها وربطتها بخمارها إلى شجرة، وقد منعتها الغصة أن تهرب. فذهبت المرأة إلى الحي فهتفت بهم وجعلت تقول: من كان يحفنا ويرفنا فليترك، أي من كان يحسن إلينا ويلطف بنا فليقطع ذلك عنا. ثم قوضت خيمتها لتحمل على النعامة. فجائت إليها فوجدتها قد ساغت وفرت فبقيت المرأة لا هي بالنعامة ظفرت، ولا بنصيبها من الناس تمسكت، فيضرب بها المثل ويقال: أنت صاحبة النعامة: أو كصاحبة النعامة عند التشنيع على من وثق بغير ثقة وأغتر بغير طائل. وفي معنى هذه القصة ما تحكي العامة اليوم في الخرافات أن رجلًا وجد أرنبًا في فلاة قد نامت فجاء يشتد حتى انتهى إلى الحي فصاح بهم: إلاّ أنا قد قطعنا التذويق فيما بيننا، وهو الله تعالى يتهاداه الجيران فيما بينهم من نحو الفاكهة واللحم واللبن، وجعل يقول: قد قطعنا، حتى اسمع الناس ذلك واسمعوه مثله، فرجع فوجد الأرنب قد هبت من نومها وذهبت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>أنتِ غيري نغرةٌ</span>\nيقال: غار الرجل على امرأته يغار غيرًا وغيرة بالفتح وغارًا، فهو غيورهم غير، وهو غيران وهم غيارى وغيارى، ورجل مغيار؛ وغارت المرأة تغار، فهي غيور وغيرى، وهن غيارى: والنغرة: التي تلغي من الغيرة كما تنغر القدر أي تغلي. ويقال: نغر الرجل بالكسرة إذا أعتاظ وغلي جوفه من","vol":"1","page":92},{"text":"الغيظ، فهو نغر وهي نغرة. فيقال هذا عند اشتداد الغيرة. ويحكى أن امرأة جاءت عليًا كرم الله وجهه فذكرت أن زوجها يطأ جاريتها، فقال: إنّ كنت صادقة رجمناه، وإنّ كنت كاذبة جلدناك، فقالت: ردوني إلى أهلي غيري نغرة!\nقيل: وأوّل من نطق بهذا المثل عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن امامة، وهو الذي قتله مراد في قضيب، وذلك إنّ أباه المنذر بن امرئ القيس كان تزوج هند بنت الحارث أبن آكل المرار الكندي، فولدت له عمرًا، وهو الذي يقال له عمرو بن هند، والمنذر بن المنذر، وملك بن المنذر، وقابوس بن المنذر، وكان ملك أصغرهم. فلما كبرت هند عند أبيهم المنذر أعجبته بنت أخيها امامة بنت سلمة بن الحارث، فطلق هندًا وتزوج امامة فولدت له امامة عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن امامة. ثم إنّ المنذر جعل الأمر من بعده لابنه عمرو بن هند، ثم لقابوس، ثم للمنذر، ولم يجعل لعمرو بن امامة شيئًا. فكان ذلك سبب وقوع الشر بينه وبين اخوته لأبيه. فتملك عمرو بن هند الخورنق والسدير، وجعل لأخيه قابوس البدو، فغضب عمرو بن امامة وذهب نحو اليمن يطلب النصرة على اخوته، وقال في ذلك يخاطب عمرو بن هند:\nإلاّ بن أمك ما بدا ... ولك الخورنق والسدير\nفلامنعن منابت الضمر ... إنّ إذ منع القصور\nبكتائب تردي كما تر ... دي إلى الجيف النسور\nأنا بني العلات تقضي ... دون شاهدنا الأمور\nوالضمران بفتح الضاد: نبت من نبات البادية؛ والرديان: الجري يقال: ردت الخيل تردي إذا جرت؛ وأبناء العلات: أبناء أمهات شتى؛ وأبناء الأعيان: أبناء أمثال واحدة. ثم ن عمرو بن امامة لحق باليمن وتبعه ناس من قيس عيلان وغيرهم، فأتى ملكها يطلب منه جندًا ليقاتل أخاه على نصيبه من الملك. فقال له الملك: من أحببت، فأختار مرادًا، فسيرهم الملك معه، فلما انتهوا معه إلى وادٍ يقال له قضيب تلاومت مرادٌ فيا بينها وقالوا: كيف تتركون أموالكم وعشائركم وبلادكم وتتبعون هذا الأنكر؟ فقام","vol":"1","page":93},{"text":"هبيرة بن عبد يغوث، وهو سيد مراد إذ ذاك، فتمارض وشرب ماء الرفة وهي شجرة هناك، فأصفر لونه. فبلغ عمرا أن هبير مريض، فبعث إليه طبيبا. فجاءه الطبيب وقد شرب المغرة وجعل يمجها لمّا دخل عليه الطبيب مكاويه وجعلها على بطنه، فقال له: أصبت موضع الداء! وجعل يكويه حتى كشح بطنه بالنار، وهو يريه أنه لا يجد مسها، وبذلك سمي صبيرة المكشوح، فرجع الطبيب إلى عمر وقال: وجدته مريضا ورأيته لا يحس بالنار. فلما اطمئن عمرو بن أمامة صار إليه المكشوح في قومه من تلك الليلة وثار به. فلم يشعر حتى أحاطوا به، وكان عمرو تلك الليلة مع بعض حظاياه. فلما سمعت أم ولده الغسانية جلبة الخيل قالت: أبي عمرو، أتيت! وقالت: سال قضيب حديدا، أو جاءتك مراد وفودا، فذهبت مثلا. فقال لها عمرو: أنتي غيري نغرة، أي أنك إنّما قلت ذلك غيرة منك علي، فذهبت مثلا. ومر به قطيع من القطا فقالت: يا عمرو أتيت! لو ترك القطا لنام، فذهبت مثلا. فلما انتهوا إليه وثاروا إليه، ثار إلى سيفه فخرج عليهم وهو يقول:\nلقد عرفت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقهِ\nكل امرئٍ مقاتل عن طوقه ... كالثور يحمي جلده بروقهِ\nفزعموا إنّه لقيه غلام من مراد يقال له الجعيد أو تميم بن الجعيد، وقد كان عمرو قال فيه: نعم وصيف الملك هذا! فقال الغلام:\nأيَّ وصيف ملك تراني؟ ... أما تراني رابط الجنانِ؟\nأفليه بالسيف إذا استفلاني ... أجيبه لبيك إذ دعاني\nرويت منه علقًا سناني\nثم ضربه فقتله، فتفرق عنه الناس، ورجعت مراد إلى اليمن فاقبل الغلام الذي قتله بالغسانية وبابنيه وهما غلامان، فبلغ إلى عمرو بن هند، فقال له: أيّها الملك إني سترت عورتك، وقتلت عدوك. فقال له عمرو: إن لك لخباء أنت له أهل. اضرموا له نارا واقذفوه فيها! فقال الغلام: أيّها الملك إني كريم، فليطرحني فيها كريم فإنَ أي حسبا","vol":"1","page":94},{"text":"فأمر عمرو بن هند ابنه وأبن أخيه أن يتوليا ذلك، فانطلقا به. فلما دنوا من النار مسح شراك نعله فقالا: ما دعاك إلى مسح نعلك وأنت مطروح في النار؟ فقال: أحببت أن لا أدخل النار إلا وأنا نظيف. ثم قال:\nالخير لا يأتي به حبهُ ... والشر لا ينفع منه الجزعُ\nثم قذف بنفسه وبهما معا، فاحترقوا جميعا. وفي ذلك يقول طرفة ينعى عمرو بن إمامة إلى أخيه:\nأعمرو بن هند ما ترى رأي معشرٍ ... أفاتوا أبا حسان جارًا مجاورا\nفإن مرادًا قد أصابوا جريمةً ... جهارًا وأضحى جمعهم لك واترا\nدعا دعوة إذ شكت النبل صدره ... أمامة واستعدى هناك معاشرا\nفلو أنه نادى من الحصن عصبةً ... لألقوا عليه بالصعيدِ الشراشرا\nولو خطرت أبناء قرآن حوله ... لأضحى على ما كان يطلب قادرا\nولو شهدته تغلب بنت وائل ... لكانوا له عزًا عزيزًا وناصرا\nولكن دعا من قيس عيلان عصبةً ... يسوفون في أعلى الحجاز البرائرا\nإلاّ إنّ خير الناس حيًا وميتًا ... ببطن قضيبٍ عارفًا ومناكرا\nيقسم فيهم ماله وقطينه ... فياما عليه بالمالي حواسرا","vol":"1","page":95},{"text":"أنفت له على عداوةٍ بيننا ... وقلت ما قتيل بحائرا\nقوله: أفاتوا أبا حسان، أي أهلكوه، وهو عمرو بن أمامة. وقوله: استعدي أي استنصر؛ والحصن: ثعلبة بن غكابة: والشراشر: المحبة يقال: ألقى عليه شراشره إذا أحبه؛ وأبناء قرآن من بني حنيفة أي أهل قرآن، وهي قرية باليمامة والبرائر جمع بريرة، وهي ثمر الأراك؛ ويسوفون: يشمون، ومنه المسافة، لأن الدليل ربما تحير فشم التراب ليعلم أعلى قصد هو أم على جور. يقول إنهم قوم ضعاف ليس لهم طعام ألا الأراك. ويروي: يسوفون، أي يبتلعون؛ والمآلي جمع مئلات، وهي خرقة تكون مع النائحة؛ وبحائر: اسم لمراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>إن جرجر العود فزده وقرًا</span>\nالجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته، وذلك عند تشكيه من الحمل وضجره وتضرره. قال الراجز: جرجر لمّا عضه الكلوب.\nوقال الآخر: جرجر في حنجرة كالجب.\nوالعود: المسن من الإبل. قال أمرؤ القيس:\nوإني زعيمٌ إن رجعت مملكًا ... بسيرٍ ترى منه الفرانق أزورا\nعلى لا حبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\nيقول إنّ هذا الطريق إذا أشمه العود من الإبل ضج من، فكيف بغيره. والزيادة معروفة. والوقر بالكسر: الحمل. ويروي: إنّ جرجر فزده ثقلا، والثقل معروف. والمعنى: إنّ ضج بعيرك وتشكى من ثقل حمله، فزده ثقلا آخر ولا تلتفت إلى ضجره.\nيضرب عند الأمر بالإلحاح في سؤال البخيل، وهو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>أن ذهب عَير فعير في الرهط</span>.\nالذهاب معروف. والعير بفتح العين المهملة: الحمار؛ وعير القوم: سيدهم، وهو المقصود هنا. والمعنى ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الإيناس قبل الابساس</span>\nالإنس ضد الوحشة؛ وأنست الرجل تأنيسا، وأنسته إناسا.","vol":"1","page":96},{"text":"والأبساس عند الحلب أن يقال للناقة: بس، بس، وهو صويت للراعي يقول لها ذلك لتدر للحالب، فيقال: أبس بالناقة يبس أبساسا فهو مبس. قال الشاعر:\nفلحى الله طالب الصلح منى ... ما أصاب المبس بالدهماءِ\nوناقة بسوس: لا تدر إلاّ على الإبساس والمعنى إنّ الناقة لا ينبغي أن يبس بها حتى تؤنس قبل ذلك ويتلطف لها، فيضرب في أن الإنسان ينبغي أن لا يكلف أمرا أو يسأل حاجة حتى يتقدم إليه بتأنيس مالي أو فعلي أو قولي. قال الشاعر:\nولقد رفقت فما حظيت بطائل ... لا ينفع الإبساس بالإيناس!\nودخل العتابي على الرشيد فقال: تكلم يا عتابي! فقال: الإيناس قبل الإبساس! لا يمدح المرئ بأول صوابه، ولا يذم بأول خطئه لأنه بين كلام زوره، وعي حصره. أنتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>إن أعيى فزوده نوطًا</span>.\nالإعياء: الكلال في المشي. يقال: أعيى الماشي إعياء إذا كل، وعيى الرجل بأمره على مثال رضي، ويدغم: إذا لم يهتد بوجهه أو عجز عنه ولم يطق إحكامه. وعيي أيضًا في منطقه إذا حصر. والنوط بفتح النون وسكون الواو: جلة صغيرة يجعل فيها التمر وتعلق على البعير. قال النابغة الذبياني يصف قطاة:\nحذاء مدبرة سكاء مقبلة ... للماء في النحر منها نوطة عجب\nوأصل النوطة من النوط، وهو التعليق. يقال: نطت الشيء بالشيء، أي علقته به. والمعنى إنّ بعيرك إذا أعيى، فزد عليه تعليقا آخر. وهذا المثل هو كالذي تقدم: إن جرجر فزده ثقلا معنى ومضربا.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>أنفك منك وإن كان أجدع</span>.\nالأنف معروف؛ والجدع بالدال المهملة: القطع في الأنف. تقول: جدعت الرجل فهو أجدع، وهو ذو جدع بفتحتين.\nوالمعنى أن أنفك، فلا يمكنك مفارقته ومباعدته وإنّ كان به عيب وشين. فيضرب في استعطافم صاحبك على ذوي قرابتك، وحثك إياه على وصلهم وتحمل ما بهم وأن يلمهم على شعثهم، ولا يصارمهم كما لا يصارم أنفه المتصل به.\nقيل: وأوّل من نطق بهذا المثل قنفذ بن جعونة المازني، وذلك أن الربيع بن كعب المازني دفع إلى أخيه كميش فرسا من عتاق الخيل ليأتي به أهله. وكان كميش أحمق وأنوك. وكان عندهم رجل من بني مالك يقال له قراد بن جرم قدم عليهم ليصيب منهم غرة، وكان داهية فمكث فيهم لا يعرفون نسبه. فلما رأى كميشا ركب الفرس، ركب هو ناقته ثم عارضه فقال له: يا كميش، هلك في عانة لم تر مثلها ومعها عير من ذهب، أما الأتان فتروح بها على أهلك، فتفرح بها صدورهم، وتمتلئ قدورهم، وتشبع خصورهم، وأما العير فلا افتقار بعده. فقال كميش: فكيف لنا به؟ فقال له قراد: أنا لك به، ليس يدرك إلاّ فرسك. قال: فدونك! قال: نعم! وأمسك أنت على راحلتي وانتظرني في هذا المكان. وركب قراد الفرس. فلما توارى عنه أنشأ يقول:\nضيعت في العير ضلالا مهرك ... فسوف تأتي بالهوان أهلك\nوقبل هذا ما خدعت الانوكا\nوبقي كميش هناك ينتظره حتى أمسى، فانصرف إلى أهله وقال في نفسه: إن سألني أخي عن الفرس قلت له تحول ناقة فلما قدم على أخيه قال له: أين الفرس؟ فقال: تحول ناقة. فعلم أخوه أنه قد خدع وجعل يضربه. فقال عند ذلك قنفذين جعونة له: اله عما فاتك، فإن أنفك منك وأن كان أجدع! وأتى قراد أهله بالفرس وقال في ذلك:\nرأيت كميشا نوكه لي نافع ... ولم أر نوكا قبل ذلك ينفعُ\nوقلت له أمسك قلوص ولا ترم ... خدعا له مني وذو الكيد يخدعُ","vol":"1","page":98},{"text":"فأصبح يرمي الخافقين بطرفهِ ... واصبح تحتي ذو أفانين جرشعُ\nومثل هذا المثل قولهم: منك ربضك وإن كان سمارا، وسيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا</span>.\nالريح معروفة جمعه رياح وأرواح. قال:\nإذا هبت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهل ميّ هاج قلبي هبوبها\nويقال أيضًا أرياح. والإعصار بكسر الهمزة: ريح تثير غبارا يرتفع إلى السماء عمودا، أو ريح تهب بشدة في ما بين السماء والأرض. قال تعالى:) فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت (وجمعه أعاصير. قال الشاعر:\nوبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصيرُ\nوقال حارثة بن بدر يرثي زيادا، وقد مات في الكوفة ودفن في الثوية:\nصلى الإله على قبرٍ وطهره ... عند الثوية يسفي فوقه المورُ\nزفت إليه قريش نعش سيدها ... فثم كل التقى والبر مقبورُ\nأبا المغيرة والدنيا مفجعة ... وإنّ من غرت الدنيا لمغرورُ\nقد كان عندك بالمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكيرُ\nوكنت نغشى وتعطي المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجورُ","vol":"1","page":99},{"text":"الناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصيرُ\nوالمعنى أن كنت مثل الريح في الشدة والقوة، فقد لاقيت من هو مثل الإعصار الذي هو أشد الريح وأقواها.\nيضرب للرجل يكون صلبا جلدا فيصادف من هو أقوى منه وأشد، وهو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>أن كنت ذا طب فطب لعينيك</span>\nالطب مثلثة الطاء: علاج الجسم. والطب أيضًا: الرفق والسحر. ولفظ طب في المثل كذلك مثلث الطاء في الموضعين، والمنى ظاهر. وفي نحوه قيل:\nيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليمُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>أن يكن هذا من الله يمضه</span>.\nيتمثل به كثيرا، وهو من كلام المصطفىصلى الله عليه وسلم قال لعائشة: أريتك أو رأيتك في المنام في سرفة من حرير فقيل لي هذه زوجك، فقلت أن يكن هذا من عند الله يمضه، أو كما قال ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>إن لا حظية فلا ألية</span>\nالحظوة: المكانة كما مر يقال: حظيت المرأة عند زوجها بالكسر تحظى حظوة وحظة فهي حظية وهن حظايا ضد صلفت. والألو: التقصير يقال: إلاّ في هذا الأمر يألو ألوا وألوا وأليا، وائتلى إذا قصر فيه وابطئ فهو آل ومئتل. قال أمرؤ القيس:\nوما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا ألِ\nيضرب هذا المثل في مداراة الناس والتودد إليهم. والمعنى انك إن أخطاتك","vol":"1","page":100},{"text":"الحظوة فيما تريد، فلا تأل جهدا ولا تزل مجتهدا متوددا للناس حتى تستدرك ما فاتك مما تطلب. وأصله في المرأة إنها إن لم تحظ عند زوجها فلا ينبغي لها أن تقصر في طلب الحظوة حتى تنالها.\nقيل: وأصله أن رجلا كانت لا تحظى عنده امرأة فتزوج امرأة فلم تأل جهدا في أن تحظى عنده، فلم يقنعه ذلك وطلقها، فقالت ذلك أي: إن لم أحظ عنده فأني لم أقصر، فصار مثلا في كل من اجتهد في أمر ليناله وتعذر وهو لم يقصر في طلبه والسعي فيه.\nواعلم إنّه يقال في المثل بالنصب والرفع بحسب تقدير المحذوف، فمن نصب فمعناه باعتبار الأصل إن لا أكن عندك أيّها البعل حظية فلا أكون ألية في الحظوة بتحسين خلقي وخلقي حتى أدركها. ومن رفع فله وجهان: أحدهما أن تكون الحظية مصدرا لا وصفا. والمعنى إن أخطأتني الحظوة عندك فلا أكون ألية في طلبها أو فلا يقع مني ألو وتقصير. الثاني أن تكون الحظية وصفا على بابها إلاّ إنّها راجعة إلى غير القائلة والمعنى: إن لا تكن لك في الناس حظية تحظى عندك فأنا لا أكون ألية في طلبها حتى أنالها منك، أو نحو هذا من التقادير آتى يصح بها المعنى، كما يجري في نحو: إن خيرا فخير، وإن سيفا فسيف. وقد قرر في النحو ما فيه من التقادير وما هو الأرجح منها وهو معروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>إن لا أكن صنعًا فإني أعتثم</span>.\nالصنع: الحاذق الماهر. يقال: رجل صنيع وصنع بكسر فسكون، وصنع بفتحتين، ويروى بهما قول أبي ذؤيب:\nوعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبعُ\nوقال حسان ﵁ في الأخير:\nاهدي لهم مدحتي قلبٌ يوازرهُ ... فيما أحب لسانُ حائك صنعُ\nويقول: امرأة صناع، على مثال رزان، ضد الخرقاء. قال امرؤ القيس:\nوعينٌ كمرأة الصناع تديرها ... بمحجرها من النصيف المنقبِ","vol":"1","page":101},{"text":"والعثم: الانجبار الفاسد. يقال: عثم العظم المكسور، بالتاء المثلثة المفتوحة، أي انجبر على غير أستواء؛ وعثمته إذا لازم ومتعدِ؛ وعثمت المرأة المزادة: خرزتها خرزا غير محكم؛ وأعثمتها أيضًا. فمعنى المثل: إن لم أكن حاذقا ماهرا في هذا الأمر فإني أعمل بقدر طاقتي ومعرفتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم</span>\nيتمثل به وهو من كلام النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>إنّ البغاث بأرضنا يستنسر</span>\nالبغاث، مثلث الباء الموحدة في أوله بعدها غين معجمة فثاء مثلثة: طير أغبر؛ ويطلق على شرار الطير كلها، وما لا يصيد منها. قال الشاعر:\nإذا كر فيهم كرة افرجوا له ... فرار بغاث الطير صادفن اجدلا\nوقال دريد أبن الصمة:\nوترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدلِ\nوقال الحماسي:\nبغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزورُ\nوسيأتي تمام هذا الشعر في محله. واستنسر: صار نسرا، والنسر: الطائر المعروف. وسمي نسرا لأنه ينسر اللحم.\nومعنى المثل إنّ الضعيف من الناس إذا حل بأرضنا ووقع في جوارنا عز بنا وتقوى، كما إنّ البغاث الذي هو ضعاف الطير إذا عاد نسرا فقد تقوى. وقيل معناه، إنّ الضعيف يستضعفنا وتظهر قوته علينا، وعلى هذا إذا أريد الافتخار قيل: إنّ البغاث في أرضنا لا يستنسر.\nولشعر دريد المذكور قصة عجيبة رأيت أن اذكرها، وهي إنّ دريدا خرج في فوارس من قومه بني جشم بن بكر حتى إذا كانوا بواد لبني كنانة رفع لهم رجل في ناحية الوادي معه ظعينة. فلما رآه دريد قال لفارس من أصحابه: دونك فصح به: خل الظعينة وانج بنفسك! فلحقه الفارس فصاح به وألح عليه، فلما أبى أن ينكف عنه","vol":"1","page":102},{"text":"ألقى زمام الراحلة وقال للظعينة:\nسيري على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكنِ\nإنّ أنثنائي دون قرني شائني ... أبلى بلائي واخبري وعايني\nثم حمل على الفارس فطعنه طعنة جعلته كأمس الدابر وأخذ فرسه وأعطاه الظعينة. فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما فعل صاحبه، فلما انتهى إليه فرآه صريعا صاح على الرجل فتصامم عنه فظن أن لم يسمع فغشيه. فالقى الرجل زمام الراحلة إلى الظعينة ورجع إليه وهو يقول:\nخل سبيل الحرة المنيعة ... انك لاقٍ دونها ربيعه\nفي كفه خطية مطيعة ... أولا فخذها طعنة سريعه\nوالطعن مني في الوغى شريعة\nثم حمل عليه فصرعه. فلما أبطأ الأمر على دريد بعث فارسا ثالثا لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته ويجر رمحه فقال له: خل سبيل الظعينة! فقال الرجل للظعينة: اقصدي قصد البيوت! ثم اقبل على الفارس فقال:\nماذا تريد من شتيم عابس ... ألم تر الفارس بعد الفارس\nأرداهما عامل رمح يابس\nثم حمل عليه فصرعه وأنكسر رمحه. ثم إنّ دريدا ارتاب وظن إنّ الفوارس قتلوا الرجل وذهبوا بالظعينة، فجاء حتى لحق بالرجل وقد دنا من الحي، ووجد أصحابه صرعى فقال له: أيهما الرجل، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحا، والخيل ثائرة بأصحابها. فخذ رمحي هذا، فأني منصرف إلى أصحابي فمثبطهم عنك. فرجع دريد إلى أصحابه وقال لهم: إنّ صاحب الظعينة قد حماها وقد قتل أصحابكم وأنتزع رمحي ولا مطمع لكم فيه، فانصرفوا، فقال دريد بن الصمة:\nما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامي الظعينة فارسا لم يقتلِ\nأردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمر كأنه لم يفعلِ\nمتهلهلا تبدو أسره وجهه ... مثل الحسام جاءته كف الصيقلِ","vol":"1","page":103},{"text":"يزجي ظعينة ويسحب ذيله ... متوهجًا يمناه نحو المنزلِ\nوترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدلِ\nيا ليت شعري من أبوه وأمه ... يا صاح من يكُ مثله لا يجهلِ\nوقال صاحب الظعينة في ذلك، وهو ربيعة بن مكدم، أحد بني فراس بن كنانة:\nإن كان ينفعك اليقين فسائلي ... عني الظعينة يوم وادي الأخرمِ\nإذ هي لأوّل من أتاها نهبة ... لولا طعان ربيعة بن مكدمِ\nإذ قال لي أنى الفوارس ميتة ... خل الظعينة طائعا لا تندمِ\nفصرفت راحلة الظعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلمِ\nوهتكت بالرمح الطويل أهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفمِ\nومنحت آخر بعده جياشة ... نجلاء فارغة كشدق الأضجمِ\nولقد شفعتهما بآخر ثالثا ... وأبى الفرار لي الغداة تكرمي\nثم لم تلبث كنانة أن أغارت على بني جشم، فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نفسه. فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءته نسوة يتهادين نحوه، فصاحت إحداهن وقالت: هلكتم وأهلتم. ماذا جر عليها قومها؟ هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! فألقت عليه رداءها وقالت: يا آل فراس! أنا له جارة. فسألوه من هو فقال: أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم. قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته سليم، قال: فما فعلت الظعينة؟ قالت المرأة أنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم ووامروا أنفسهم. فقال بعضهم: لا ينبغي أن تكفر نعمة دريد على صاحبنا. وقال آخرون: والله لا يخرج من أيدينا إلاّ برضى المخارق الذي أسره. فلما أمست المرأة، وهي ريطة بنت جذل الطعان، رفعت عقيرتها وقالت:\nسنجزي دريدا عن ربيعة نعمة ... وكل امرئ يجزى بما كان قدما\nفإنَ كان خيرا كان خيرا جزاؤه ... وإنّ كان شرا كان شرا مذمما\nسنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرمح الطويل المقومى\nفقد أدركت كفاه فينا جزاءه ... وأهل بأن يجزى الذي كان أنعما\nفلا تكفروه حق نعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما","vol":"1","page":104},{"text":"فلو كان حيا لم يضق بثوابه ... ذراعا غنيا كان أو كان معدما\nففكوا دريدا من إسار مخارقٍ ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما\nفلما أصبحوا وأطلقوه، فكسته وجهزته ولحق بقومه. ولم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك. قلت: وفي بني فراس هؤلاء يقول علي كرم الله وجهه مخاطبا لأهل العراق إذ تخاذلوا عنه: يا ليت لي من بني فراس واحدا بعشرة منكم صرف الدينار بالدرهم!.\nولربيعة المذكور قصة أخرى في حماية الظعن تأتي في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>إنّ البكري ليحسن السعدي</span>\nالبكري منسوب إلى بكر، وفي العرب بكر بن وائل، وبنو بكر بن عبد مناة، والنسب إليهم بكري، وكذال النسبة إلى أبي بكر. وفي العرب أيضًا بنو أبي بكر بن كلاب، والنسبة إليهم بكراوي. والسعدي منسوب إلى سعد، وفي العرب سعود كثيرة: سعد تميم وسعد هذيم وسعد قيس وسعد بكر، كما قال طرفة:\nرأيت سعودا من شعوب كثيرةٍ ... فلم ترعيني مثل سعد بن مالك\nأبر وأوفى ذمة يعقدونها ... وخيرا إذا ساوى الذرى بالحوارك\nيريد سعد بن مالك بن ضبيعة. والحس: الرقة؛ تقول: حسست لفلان، بفتح السين وكسرها، حسا وحسا، إذا رققت له. قال القطامي:\nأخزك الذي لا تملك الحس نفسه ... ترفض عند المحفظات الكتائف\nوالكتائف: الأحقاد. قال كميت:\nهل من بكى الدار راج إنّ تحس له ... أو يبكي الدار ماء العبرة الخضل؟\nوفي الصحاح: قال أبو الجراح العقيلي: ما رأيت عقيليا إلاّ حسست له، أي رققت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>إنّ تحت طريقته لعنداوة</span>.\nالطريقة، بالتشديد على مثال سكين: الرخاوة واللين؛ ورجل مطروق: فيه رخاوة.","vol":"1","page":105},{"text":"قال أبن احمر:\nولا تحلي بالمطروق إذا ما ... سرى سرى في القوم أصبح مستكينا\nوالعنداوة: الصعوبة، من العنود، وهو رد الحق والحيدودة عن الطريق، وبعير عاند يحيد عن الطريق.\nوالمعنى أن سكونه ورخاوته قد يكون معه احيانًا عسرة وشراسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>إنّ الجواد عينه فرارة</span>.\nالجواد: العتيق من الخيل الكثير الجري، سمي به لأنّه يجود بنفسه. والعين تطلق على الباصرة، وعلى الشخص الشيء وهو المراد هنا؛ والفرارة: أن تفتح فإذا الدابة لتعلم سنها. يقال: فرها فرا وفرارا، مثلث الفاء، إذا فتح فاها لذلك. ومن قول الحجاج: ولقد فررت عن الذكاء، وفتشت عن تجربة، أي فررت فوجدت تام السن. فإن الذكاء يطل على السن، وهو أحد ما يفسر به قول زهير:\nيفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء\nومنه المثل الآتي: جري المذكيات غلاب. وإلى هذا المعنى أشار أبو بكر بن دريد ﵀ بقوله:\nوفر عن تجربة نابي فقل ... في بازل راض الخطوب فامتطي\nوكتب الحسن بن سهل إلى القاضي محمد بن سماعة: أما بعد فأني احتجت لبعض أموري إلى رجل جامع لخصال الخير، ذي عفة ونزاهة طعمة، قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب، ليس بظنيت برأيه ولا بمطعون في حسبه؛ إن أؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهما من الأمور أجزأ فيه؛ له سن مع أدب ولسان، تعقده الرزانة ويسكنه الحلم، قد فرعن ذكاء وفطنة، وعض على قارحة من الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده السكتة؛ قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام بأمورهم فحمد فيها؛ له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه. دلائل الفضل عليه لاحئة، وأمارة العلم له شاهدة؛ مضطلعا بها أستنهض، مستقلا بما حمل.","vol":"1","page":106},{"text":"وقد أثرتك بطلبه، وحبوتك بارتياده، ثقة بفضل اختيارك، ومعرفة بحسن تأتيك. فكتب إليه القاضي: إني عازم أن أرغب إلى الله ﷿ حولا كاملا في ارتياد مثل هذه الصفة وأفراس الرسل الثقات في الآفاق لالتماسه. وأرجو أن يمن الله بالإجابة فأفوز لديك بقضاء حاجتك، والسلام. ويصح أن يراد بالذكاء أيضا في كل ما مر معناه الذي هو الفطنة وحدة الفوائد. وعلى كل حال فذلك مثل للكشف والاختبار، وأصله في الدواب.\nومعنى المثل المذكور أن الجواد إذا نظر إليه العارف المعرب عرفه من غير احتياج إلى فره واختباره، وكان نظره إلى عينه، أي شخصه، فرارا له، أي قائما مقام الفرار، فيقال: فلان عينه فرار لهذا المعنى.\nويضرب لكل من يدل ظاهره على باطنه لكل معانيه. قال الشاعر:\nتعرف من عينيه نجابته ... كأنه بالذكاء مكتحل\nوقال الراجز في صفة الذئب:\nأطلس يخفي شخصه غباره ... في فمه شفرته وناره\nهو الخبيث عينه فراره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>إنّ الحذر لا يغني من القدر</span>.\nالحذر: التحرز من الشيء وهو ظاهر. والقدر: ما كتبه الله تعالى وقدره من الكائنات. ومعلوم أن ما قضى الله بوقعه فلا دافع له، وهذا من الأمثال الحكيمة. قال هانئ بن قبيصة الشيباني لقومه يحضهم يوم ذي قار وهو يوم مشهور أيامهم: يا معشر بكر! هالك معذور خير من ناج فرور. إنّ الحذر لا يغني من القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر. المنية ولا الدنية. استقبال الموت خير من أستدباره. الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور. يا آل بكر! قاتلوا، فما للمنايا من بد! ويحكى أنّ أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه كان إذا حمي وطيس الحرب انشد:\nأي يومي من الموت افر ... يوم لا يقدر أمثال يوم قدر\nيوم لا يقدره لا أرهبه ... ومن المقدور لا ينجي الحذر","vol":"1","page":107},{"text":"ثم يحمل ويغشى لظاها.\nإنّ دون الظلمة خرط قتاد هو بر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>إنّ الرثيئة تفثًا الغضب</span>\nالرثيئة: لبن مخلوط. يقال: ارتثأ اللبن بالثاء المثلثة والهمز إذا خثر؛ ورثات اللبن إذا حلبته على حامض فخثر؛ والاسم: الرثيئة والفثئ: التسكين؛ يقال: فثأت القدر بالثاء المثلثة إذا أسكنت غليانها. قال:\nتفور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنا إذا حمؤها غلا\nوقال الحماسي:\nفنفل شوكتها ونفثأ حميها ... حتى يبوخ وحمينا لم يبردِ\nوتقول: فثأت الرجل إذا كسرته عنك بقل أو غيره وسكنت غضبه. وفثأت الخبز، ويقال أيضًا بالتاء المثناة، وهي فعل تام في هذا المعنى غير مخصص بالنفي، كما أثبته أبن مالك وغيره. والغضب معروف، وهو حركة النفس، مبدأها إرادة الانتقام. غضب: بالكسر، يغضب، فهو غضبان. والمعنى أن شرب الرثيئة كاسر للغضب مسكن له نافع.\nيضرب في اصطناع المعروف مطلقا وفعل اليسير من البر فانه نافع.\nوأصله أن رجلا كان غضب على قوم، وكان مع غضبة جائعا، فسقوه رثيئة، فسكن غضبه وكان عنهم. وفي الرثيئة يحكى أن عمرو بن معد يكرب قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، أافرام بنو مخزوم؟ قال وما ذاك؟ قال: تضيفت خالد بن الوليد فأتى بقوس وكعب وثور. قال: إنّ في ذلك لشبعة. قال: لي أو لك؟ قال: لي ولك. فقال عمرو: حلا يا أمير المؤمنين فيما تقول. إني لأكل الجذع من الإبل أنتقيه عظما عظما، واشرب التبن من اللبن رثيئة وصريفا. أراد بالقوس البقية من التمر تبقى،","vol":"1","page":108},{"text":"وبالكعب القطعة من السمن، وبالثور القطعة من الأقط، وبالتبن القدح العظيم، وبالرثيئة ما صب كما مر، وبالصريف ما انصرف به عن الضرع حارا. وقوله حلا هي كلمة تقولها العرب في الأمر تكرهه بمعنى: كلا. ومنه قول الأحن بن قيس حين دخل على المصعب بن الزبير يكلمه في رجل وجد عليه، فقال مصعب: بلغني عنه الثقة، فقال الأحنف: حلا أيها الأمير، إنّ الثقة لا يبلغ! ويروى هذا المثل: إنّ الرثيئة مما يفتأ الغضب، على إنّه موزون كشطر بيت من البسيط. وقد جعل الشنتمري في شرح الحماسة هذا المثل حديثا، وهو غريب والله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>إنَّ الرقين تغطي أفن الأفين</span>\nالرقون: جمع رقية، وهي الفضة؛ يقال: ورق، مسكن الراء، مثلث الواو؛ وورق، بفتح فكسر، وبفتحتين، وجمع الكل أوراق. ويقال: رقة، بحذف الفاء، كعدة. ومنه الحديث: في الرقة ربع العشرة. وجمع الرقة: رقون، وهو شاذ، لأن هذا الجمع إنّما يشيع وراء بابه في المحذوف اللام، كنين وعضين وعزين. أما المحذوف الفاء كعدة وجدة ودية فلا، غير إنّه ورد فيه ألفاظ على وجه الندرة، كرقين في جمع الرقة، ما مر؛ وازين، في جمع الازة، وهي حفرة تحفر ويستوقد فيها؛ ولدين، في جمع اللدة، وهو مساويك في السن؛ وحشين في جمع الحشة، وهي الأرض المعشبة. والتغطية: الستر. والأفن: ضعف الرأي؛ يقال: أفن الرجل، بالكسر، أفنا محركا ومسكنا. قال قيس بن عاصم المنقوي رحمه الله تعالى:\nإني امرؤ لا يعتري حسبي ... دنس يفنده ولا أفنُ\nمن منقر في بيت مكرمة ... والفرع ينبت حوله الغصنُ\nوقد أفنه الله يأفنه، فهو مأفون وأفين. وقال الشاعر:","vol":"1","page":109},{"text":"وقد تزدري العين الفتى وهو عاقلُ ... ويؤفن بعض القوم وهو جريمُ\nومعنى المثل أنَّ وجدان المال يحلي المرء بحلية الكمال، ويستر ما فيه من ذميم الخصال، ويحببه إلى قلوب الرجال، حتى يروه بعين التوقير والاجلال، وإن كان من أحمق الحمقى وأجهل الجهال، كما قال حسان بن ثابت ﵁ وأحسن:\nربَّ حلم أضاعه عدم المال ... وجهلٍ غطى عليه النعمُ\nوقال آخر:\nوالناس أعينهم إلى سلف الفتى ... لا يسألون عن الحجى والأولقِ\nوقال أعرابي مر بأهله:\nسأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثانِ\nفللموت خيرٌ من حياة يرى بها ... على المرء ذي العلياء مس هوانِ\nمتى يتكلم يبلغ حكم مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيانِ\nكأن الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطقٌ بلسانِ\nوقال أبو الطيب:\nفلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا في الدنيا لمن قل مجدهُ\nويقال: المرء بنشبه وسيأتي في أثناء الكتاب جملة نافعة من هذا المعنى ومن ثناء الشعر على الثروة والغنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>إنَّ السقط يحرق الحرجة</span>.\nالسقط ما يسقط بين الزندين قبل استحكام الورى، وتثلث سيبه والإحراق والتحريق معروف. والحرجة بفتحتين: الشجر الكثير الملتف، جمعه حرج وأحراج وحراج. قال العجاج:","vol":"1","page":110},{"text":"عاين حيا كالحراج نعمه ... يكن أقصى شله محرنجمه\nوهذا المثل وقع في حكاية للأصمعي قال: بينما أنا بحمى ضربة إذ وقف عليَّ غلام من بني أسد في أطمار ما ظننته يجمع بين كلمتين. فقلت: ما اسمك؟ قال: حريقيص. فقلت: أما كفى أهلك إن يسمونك حرقوصا حتى ضغروا اسمك؟ فقال: إنَّ السقط يحرق الحرج. فعجبت من جوابه فقلت: أتنشدنا شيئا من أشعار قومك؟ قال: نعم، أنشدك لمرازنا قلت: افعل. قال:\nسكنوا شبيثا والاحص وأصبحوا ... نزلت منازلهم بنو ذيبانِ\nوإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعانِ\nوإذا فلان مات عن أررومةٍ ... رفعوا معاوز فقده بفلانِ\nقال. فكادت الأرض تسوخ بي لحسن إنشاده الشعر. فأنشدت الرشيد هذه الأبيات فقال: يا أصمعي، وددت لو رأيت هذا الغلام فكنت أبلغه أعلى المراتب! ومعنى المثل أنَّ الأمر الصغير قد يصير إلى أعظم، والرجل المستحقر قد يغني غناء المستعظم، بل الواحد قد يقوم مقام الجم. ومن هذا قول القائل:\nلا تحقرن صغيرًا في تقلبه ... إنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسدِ\nوللشرارة نارٌ حين تضرمها ... وربما أضرمت نارًا على بلدِ\nوقال الآخر:\nأرى خلل الرماد وميض نارٍ ... ويوشك أنَّ يكون لها ضرامُ","vol":"1","page":111},{"text":"فإنَ النار بالزندين تورى ... وإنَّ الحربَ أولها الكلامُ\nوقول المسكين: ولقد رأيت الشر بين الحي يبدؤه صغاره.\nوقول أبي العلاء:\nوقد ينمى من صغيرٍ ... وينبت من نوى القسب اللبان\nوقد بين هذا المعنى من قديم عدي بن زيد حيث يقول:\nشط وصل الذي تريدين مني ... وصغير الأمور ينجي الكبيرا\nوبعد هذا البيت:\nإنَّ للدهر غرة فاحذرنها ... لا تبيتين قد أمنت الدهورا\nقد ينام الفتى صحيحا فيردى ... ولقد بات آمنًا مسرورا\nأيّها المبتغي سبيل غناه ... الزم البر في الفؤاد ضميرا\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا\nووقع في شعر مرارٍ السابق شبيث والاحص وهما موضعان، والمعاوز وهي الخلفان، ويريد انهم كلما مات منهم كريم خلفه كريم يسد مسده. ومثله قول الحماسي السمؤل بن عاديا:\nإذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لمّا قال الكرام فعول\nوقول الحماسي الآخر:\nوليس يهلك منا سيد أبدا ... إلاّ اجتلينا غلاما سيدا فينا\nوقول أبي الطمحان: إذا مات منا سيد قام صاحبه ونحوه كثير في أشعارهم. والمقصود من ذلك كله أنَّ السؤدد في القوم شائع، والكرم كثير ذائع، فكلما فقد من السادات مفقود، فغيره موجود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>إنَّ الشفيق بسوء الظن مولع</span>\nالشفيق بفتحتين: الخوف وحرص الناصح على صلاح المنصوح. ويقال: أشفقت عليه شفقًا وإشفاقًا، فأنا شفيق ومشفق. قال خلف بن خليفة:","vol":"1","page":112},{"text":"تهوي حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت اكرم نزال على الحرام\nولا يقال: أشفقت عليه. وجوزه بعض اللغويين. والظن الراجح من طرفي التردد في الشيء. وقد يطلق على الاعتقاد مطلقا. والمولع بالشيء: المغرى به؛ يقال: ولع به بالكسر، ولعًا بفتحتين، وولوعًا مفتوح الأول؛ وأولعته أنا وأولع به، فهو مولع. ومعنى المثل إنَّ كان من تشفق عليه فأنت تتخوف عليه الأحداث، حتى إنَّ كل شيء ذكر أو سمع أو رئي تخشى أنَّ يكون قد وقع به، كما قال الحماسي دريد بن الصمة:\nتنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي\nوعبد الله هو بن الصمة أخو دريد. فكان دريد لمّا سمع قول الفوارس قد صرع فارس ظنه دريد أخاه فشفق عليه. وقيل إنّه ظنه أخاه لمّا علم من إقدامه وجرأته. وسوء الظن عند الشفق أمر معروف مشاهد في الناس، ولا سيما الضعفاء من كالنساء، حتى إنّه متى ذكر هلاك في الجيش غائب أو مسافرين، كان كل من هناك من يشفق عليه يتصور ذلك الهلاك فيه شفقة، وهو أوّل ما يسبق إلى وهمه.\nومما يشبه هذا ما وقع لإياس بن معاوية ﵀: نظر إلى نسوة ثلاث، وقد فزعن من شيء، فقال: هذه بكر، وهذه ظئر وهذا ظئر، وهذه حبلى. فسئلن عن ذلك فوجد الأمر كما قال. فقيل له: بم عرفت ذلك؟ قال: إنهن لمّا فزعن وضعت كل واحدة يدها على أهم المواضع عندها، فوضعت البكر على فرجها، والظئر على ثديها، والحبلى على بطنها. فانظر في هذه القصة كيف جعلت كل واحدة تظن الشر نازلًا بالمحل الذي لها مزيد إشفاق عليه!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>إنَّ الشقراء لم يعد شرها رجليها</span>\nالشقراء: فرس جمحت بصاحبها فأتت على وادٍ وهمت أنَّ تثبه، فقصرت ووقعت، فاندقت عنقها وسلم صاحبها. فسئل عنها فقال: إنَّ الشقراء لم يعد شرها رجليها، أي لم يتجاوزها إلى غيرها. ويقال فرس رمحت ابنها فقتلته. والمعنى إنَّ الشر لم يتجاوز ما كان برجلها، فيضرب في النحو هذا من الشيء النازل","vol":"1","page":113},{"text":"ولم يتعد. وكان عتبة بن جعفر بن كلاب أجار رجلا من بني أسد فقتله رجل من بني كلاب، فقال بشر بن أبي حازم الأسدي يهجو عتبة:\nفأصبحت كالشقراء لم يعد شرها ... سنابك رجليها وعرضك أوفرُ\nوفي الشقراء كلام آخر يأتي إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>إنَّ الشقي وافد البراجم</span>.\nالشقاء: العسر والشدة، يمد ويقصر. يقال: شقي الرجل بالكسر، يشقى، شقاوة بفتح الشين وكسرها، وشقا وشقاء وشقوة بالفتح والكسر أيضًا فهو شقي. والوافد: القادم؛ يقال وفد علي يفد أي قدم فهو وافد وهو وفد وأوفاد ووفود. ومن الأول قوله تعالى:) يومَ نحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفدًا (. والمفسرون يقولون: وافدا أي راكبا لأن الوفود سراة الناس. والبراجم: قوم من أولاد حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم.\nالمثل لعمرو بن هند وهو عمرو بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي بن أخت جذيمة الأبرش ملك الحيرة. وكان سبب ذلك أنَّ أخاة اسعد بن المنذر كان في بني دارم مسترضعا في حجر زرارة بن عدس الدارمي ويقال في حجر حاجب بن زرارة. فلما شب خرج يوما يتصيد فعبث كما تعبث الملوك لمّا انصرف من صيده وبه نبيذ، فرماه رجل من بني دارم بسهم فقتله. وقيل مرت به ناقة كوماء فعبث بها ورمى ضرعها، فشد عليه ربها سويد، أحد بني عبد الله بن دارم فقتله، ثم هرب فلحف بمكة وحالف قريشا. وكان زرارة بن عدس من خواص عمرو بن هند. وكان عمرو قبل ذلك قد غزا قوما من العرب ومعه زرارة فأخفق. فلما انتهى عبد رجوعه إلى جبل طيء قال له زرارة: أيّها الملك! إنَّ رجوع مثلك إذا غزا بغير شيء لعظيم، وها هي طيء بجنبك. فمال عليها أبن هند فقيل وأسر. فاضطغنت طيء من ذلك على زرارة وجعلوا يتربصون به فرصة، فلما بلغهم إنَّ دارما قتلت اسعد وكتم عمرو بن هند ذلك في نفسه،","vol":"1","page":114},{"text":"قال عمرو بن ملقط الطائي ينبه عمرا للنهوض إلى أثره ويغريه بقتل زرارة:\nمن مبلغ عمرا بأن ... المرء لم يخلق صباره؟\nها إنَّ عجزة أمه ... بالسفح أسفل من أوراه\nتسفي الرياح خلال ... كشحي هو قد سلبوا إزاره\nفاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زرارة!\nفوافى هذا الشعر عمرا وزرارة عنده. فقال له عمرو: ما يقول هذا؟ فقال: كذب قد علمت عداوتهم أي فيك. قال: صدقت! فلما أمسى زرارة، هرب ولحق بقومه. فغزاهم عمرو بن هند وحلف ليحرقن منهم مائة بأخيه. فلما نزل بأوارة، وقد نذروا به، تفرقوا عنه هربا. فتتبعهم حتى قبض تسعة منهم وحرقهم بالنار. فأراد إنَّ يكمل العدة بعجوز منهم. فلما أمرها قالت: إلاّ فتى يفدي هذه العجوز بنفسه؟ ثم قالت: هيهات! صار الفتيان حمما. ومر وافد البراجم، فاشتم رائحة الشواء ولم يشعر بالأمر، فظن أنَّ الملك قد اتخذ طعاما. فأقبل نحوه تخب به راحلته لينال منه، حتى وقف على عمرو فقال له: من أنت؟ قال: أبيت اللعن! أنا وافد البراجم. فقال عمرو: إنَّ الشقي وافد البراجم. فذهبت مثلا. ثم أمر به فقذف في النار.\nيضرب هذا المثل في الإنسان يجلب الحين على نفسه وهو من باب قولهم: بحث عن حتفه بظلفه، وسيأتي. وبهذه الواقعة سمي عمرو بن هند محرقا لتحريقه بني تميم. وقيل سمي محرقا لعتوه وفساده في الأرض فكأنه حرقها. وقيل لتحريقه نخل مللهم، وهو موضع بالبحرين ويسمى أيضًا مضطرب الحجارة لشدة وكأته. وكان جده امرء القيس أيضًا فيما يزعمون يسمى محرقا، وأباه يعني الأسود بن يعفر بقوله:\nماذا أؤمل بعد آل محرقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إيادِ\nأرض الخورنق والسدير ويارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سندادِ\nجرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعادِ\nوفي هذه القصة يقول الأعشى:\nويكون في الشوفِ الموازي ... منقرًا وبني زراره","vol":"1","page":115},{"text":"أبناءُ قومٍ قتلوا ... يوم القصيبة والأواره\nفجروا على ما عاودوا ... ولكلٍّ عاداتٍ أماره\nوالعود يعصرُ ماؤه ... ولكلٍّ عيدانٍ عصاره\nوقال جرير يعير الفرزدق:\nأين الذين بنار عمرو حرقوا؟ ... أم أين اسعد فيكم المسترضع؟\nوقال أيضًا:\nوأخزاكم ربي كما قد خزيتم ... وأدرك عمارًا شقي البراجم\nوبها أبلغ ليك بني تميمٍ ... بآية ما يحبون الطعاما\nوقال آخر:\nإذا ما مات ميتٌ من تميمٍ ... فسرك أن يعيش فجئ بزادِ\nبخبزٍ أو بلحمٍ أو بتمرٍ ... أو الشيء الملفف في بجادِ\nتراه ينقب البطحاء طرا ... ليأكل رأس لقمان بن عادِ\nودخل بعض أذكياء بني تميم، ويقال هو الأحنف، على بعض ملوك قريش، ويقال هو معاوية ﵁، فقال له الملك: ما الشيء الملفف في البجاد؟ قال السخينة، يا أمير المؤمنين. أراد الملك أنَّ يعيره بالطعام وأشار إلى الشعر السابق وأراد التميمي تعييره بالسخينة، وهي طعام، وكانت قريش تعير بها. ويشبه هذه القصة في تميم أيضًا ما يحكى أنَّ أعرابيا وقف على الفرزدق فقال له الفرزدق: ممن أنت؟ فقال: من فقعس. قال: كيف تركت القنان؟ قال: تركته يساير لصاف.\nأراد الفرزدق قول الشاعر:\nضمن القنان لفقعس سوءاتها ... إنَّ القنان بفقعس لمعمرُ\nوأراد الفقعسي بقوله يساير لصاف قول آخر:","vol":"1","page":116},{"text":"وإذا تسرك من تميم خصلةٌ ... فلما يسوءك من تميم أكثرُ\nوقد كنت أحسبهم أسود خفية ... فإذا لصاف تبيض فيها الحمر\nأكلت أسيد والهجيم ودارم ... أير الحمار وخصيته العنبر\nذهبت فشيشة بالأباعر حولنا ... سرقا فصب على فشيشة أبجر\nوالقنان، بفتح القاف، جبل لبني أسد، وهو الواقع في قول زهير:\nجعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم\nولصاف، بكسر اللام وبفتحها، معربا ومبنيًا على الكسر، جبل لتميم، وهو الواقع في قول النابغة:\nبمصطبحات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالًا يسرهن التدافع\nونحوه ما حكى الجاحظ قال: دخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات بقرب غدير فيه ضفادع. فقال عبد الله: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة لشدة أصواتها. فقال المحاربي: اصلح الله الأمير! إنّها أضلت برقع لها، فهي بغائه. أراد الهلالي قول الأخطل:\nتنق بلا شيء شيوخ محاربٍ ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري\nضفادع في الظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر\nوأراد المحاربي قول الشاعر:\nلكل هلالي من اللؤم برقع ... ولأبن هلال برقع وقميص\nومما شبه هذا في الذكاء والفطنة ما حكي عن بعض الناس إنّه قال: قعدت على جسر بغداد، فمرت امرأة بارعة الجمال، فائقة الكمال، من الرصافة إلى الجانب الغربي. فاستقبلها شاب ذهب نحو الرصافة، فقال الشاب: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري: ولم يقف واحد منهما، بل مر كلٌ لحاجته،","vol":"1","page":117},{"text":"مشرقًا ومغربًا قال: فتبعت المرأة، فقلت لها: إنَّ لم تقولي ما قلتما. فضحكت فقالت: أراد الشاب قول علي بن الجهم:\nعيون المهى بين الرصافة والجسر ... جلب الهوى من حيث ادري ولا ادري\nوأردت أنا قول أبي العلاء المعري:\nفيا دارها بالحزن إنَّ مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال\nفانصرفت وتركتها. وبعضهم ينكر في قصة عمرو بن هند التحريق، ويقول إنّه قتل تسعة وتسعين وإكمال العدة بوافد البراجم، وينشد قول الجرير: أين الذين بنار عمرو قتلوا؟ وفي القصة اختلاف وطرق، وسنعيدها في الباء إنَّ شاء الله تعالى على وجه آخر للحاجة إليها هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>إنَّ العصا قرعت لذي الحلم</span>.\nالعصا معروفة. والقرع: الضرب. والحلم: العقل. ومعنى المثل إنَّ الحليم إذا نبه انتبه. واختلف في أوّل من قرعت له العصا: فقيل عامر بن حممة، وقيل عمرو بن مالك، وقيل قيس بن خالد، وقيل عامر بن الظرب العدواني وهو الأشهر، وكان حكمًا من حكام العرب. فلما كبر، قيل وأتى عليه ثلاثمائة سنة أنكر من عقلة شيئًا، وكانت له بنت حكيمة، فكان إذا قعد للناس وصاها إنَّ تقرع له المجن بالعصا إذا زل في كلامة ليرجع. قال الملتمس:\nلذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلاّ ليعلما\nوأراد بذي الحلم عامرًا، وهو كنينه فيما يزعمون. وقال الحماسي الحرث بن وعلة","vol":"1","page":118},{"text":"الجرمي:\nقومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي\nفلئن عفوت لأعفون جللًا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي\nلا تأمنن قومًا ظلمتهم ... وبدأتهم بالشتم والرغم\nإنَّ يأبروا نخلًا لغيرهم ... والشيء تحقره وقد ينمي\nوزعمتم أنَّ لأحلوم لنا ... إنَّ العصا قرعت لذي الحلم\nووطئتنا وطئا على حنقٍ ... وطء المقيد نابت الهرم\nوتركنا لحما على وضمٍ ... لو كنت تسبقني من اللحم\nقيل: وعامر هذا أوّل من جلس على المنبر وتكلم. وفيه يقول الأسود بن يعفر:\nولقد علمت لو إنَّ علمي نافعٌ ... أنَّ السبيل سبيل ذي الأعداد\nوإليه اشار ذو الإصبع العدواني بقوله:\nعذير الحي من عدوان ... كانوا حية الأرض\nبغي بعضهم ظلما فلم ... يرع على بعض\nومنهم كانت السادات ... والموفون بالقرض\nومنهم من يجيز الناس ... بالسنة والفرض\nومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي\nيعني عامر بن الظرب، وسيأتي له مزيد من الخبر.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>إنَّ فلانًا باقعة</span>.\nالباقعة: الرجل الداهية؛ وأصله البقع في الأرض وهو الذهاب فيها وحوله بقاعها. يقال: ما أدري أين بقع أي ذهب. فالباقعة هو الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها فاستعمل في الداهية الذكي الذي لا يفوته شيء. ويقال الباقعة هو الطائر يرد البقاع وهي الأمكنة فيها ماء ويحيد عن المشارع والمياه المحصورة خوف أنَّ يحتال عليه فيصاد. فضرب مثلا للرجل الحذر المحتال.\nإنّه لحبل من أحبالها\nالحبل بكسر الحاء وتفتح الداهية من الدواهي جمعه حبول. قال كثير:\nفلا تعجلي يا عز أنَّ تتبيني ... بنصحي أتى الواشون أم بحبولِ\nويقال للرجل هو حبل من أحبالها إذا كان داهية كالمثل الذي قبله أو كان قائما على المال رفيقا بسياسته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>إنّه لذو بزلاء</span>.\nالبزلاء: الرأي الجيد؛ وهو إما مأخوذ من البزول يقال بزل ناب البعير إذا انشق وطلع؛ وبزلت الشيء: شققته فتبزل. فالبزلاء: الرأي الذي ينشق عن الصواب. ويقال: رجل بازل إذا احتنك، تشبيها بالبازل من الإبل. وقال الراعي:\nمن أمر ذي بدوات لا يزال له ... بزلاء يعي بها الجثامة اللبدُ\nوأما من البزلاء وهي الداهية العظيمة. ومنه قولهم: فلان نهاض ببزلاء إذا كان مطيقا للشدائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>إنّه ليسر حسوا في لرتغاء</span>.\nالسرار ضد الإعلان؛ والحسو: الشرب؛ يقال: حسا اللبن والماء والمرق وغير ذلك إذا شربه؛ واسم ما يحسى: الحسو، مقصورا وممدودا، والحسو على","vol":"1","page":120},{"text":"مثال عدو، والحسية. ورغوة اللبن، مثلثة الراء، ورغاوته، ورغايته، بضم الراءين، ويكسران: زبدة الطافي فوقه. قال نضلة السلمي في يوم غول، وكان حقيرا دميما، وكان ذا بأس ونجدة:\nألم تسل الفوارس يوم غول ... بنضلة وهو موتور مشيح؟\nرأوه فازدروه وهو حر ... وينفع أهله الرجل القبيحُ\nفشد عليهم بالسيف صلتا ... كما عض الشبا الفرس الجموحُ\nفاطلقت غل صاحبه وأردى ... قتيلا منهم ونجا جريحُ\nولم يخشوا مصاليه عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريحُ\nوالصريح: الخالص ويسمى المحض كما قال طرفة:\nويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطيته أترك لقلبي مجثما\nوكما قال الآخر: فقل جعل يستق في لبن محض. ويقال: ارتغى الرغوة إذا أخذها بفيه واحتساها.\nومعنى المثل إنّه يحسو اللبن وهو يظهر إنّه يزيل الرغوة بفيه ليصلحه لك.\nوضرب لمن يريك إنّه يعينك وهو يجر النفع لنفسه. وكذا من يريد أمرا وهو يظهر غيره. وقيل للشعبي: إنَّ رجلا قبَّل أمَّ امرأته. فقال: يسر حسوًا في ارتغاء، وقد حرمت عليه امرأته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>إنّه لساكن الريح</span>.\nمثل لرجل الوادع، وهو في الأصل إما مشبه بزمن قد سكنت ريحه","vol":"1","page":121},{"text":"وهدأت زعازعه، فورد مورد التمثيل؛ وإما مشبه بالريح الساكنة عن الاضطراب، وهو ضرب من التجريد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>إنّه لشرَّابٌ بأنقع</span>.\nالشرَّاب: الشارب بكثرة؛ والأنقع: جمع نقع بفتح فسكون وهو يطلق على الغابر ويطلق على محبس الماء المستنقع، وعلى الأرض الحرة الطين، يستنقع فيها الماء. فيضرب هذا لمن جرب المور وعاود خيرها وشرها أو للداهي المنكر.\nقيل: واصله في الدليل وهو إنّه إذا كان بصيرا بالفلوات حذف في الطريق وعلم أين يسلك إلى الأنقع حتى يردها. والأنقع هنا: المياه المستنقعة أو محالها بحسب ما فيها من الماء. فصار مثلا لكل بصير بالأمور يصل منها إلى موارخ.\nوقيل أصله أنَّ الطائر إذا كان حذرا منكرا لم يرد المياه التي يردها الناس مخافة الأشراك التي تنصب بحضرتها وإنّما يرد الأنقاع التي في الفلوات أي المياه المستنقعة. وحكى البكري بسنده عن رياح بن زيد قال: سألت أبن جرير عن آية وقلت إنَّ معمرا أخبرني بكذا فقال: إنَّ معمرا شرب العلم بأنقع. قال عبد الرزاق: الأنقع: الصفا الذي يصيبه الغيث فيكون هاهنا ماء وهاهنا ماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>إنّه لصل أصلال</span>.\nالصل، بكسر الصاد المهملة: الحية الخبيثة لا تنفع فيها الرقى ولا يبل سليمها. قال الشاعر:\nوالحية الصل لا تغررك هداته ... فكم سليم وموقوذ لنكرته!\nوقال صاحب تأبط شرًا يرثيه:\nمطرق يرشح موتا كما أطرق ... أفعى ينفث السم صلُّ\nوجمعه أصلال فضرب للرجل الداهي في الخصومات وغيرها، كأنه لحية الحيات. قال الشاعر:","vol":"1","page":122},{"text":"ماذا رزئنا به من حيةٍ ذكرٍ ... نضناضةٍ بالرزايا صلِّ أصلالِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>إنّه لضعيف العصا</span>.\nمثل لقليل الضرب للإبل. قال الراعي:\nضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما اجدب الناس إصبعا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>إنّه لضل إضلال</span>.\nمثل للداهي على نحو ما مر أنفا في الصاد، إلاّ إنّه يقال هناك: صل أصلال، بالصاد المهملة وبكسرها لا غير؛ ويقال هنا: ضل إضلال، بالضاد المعجمة المكسورة والمضمومة.\nومعناه إنّه يضل خصمه وقرنه فلا يهتدي ولا يعرف من حيث يأتيه ولا يتجه معه إلى وجه يخلصه منه. والضلال ضد الرشاد. قيل: وأصله قولهم: أرض ضل، إذا كانت تضلل أصحابها. وأما قولهم: إنّه ضل بن ضل. بكسر الضادين وضمهما، فمعناه إنّه منهمك في الضلال، أو إنّه لا يعرف له اصل، أو إنّه لا خير فيه. ويقال للباطل: ضل بتضلال. قال عمر بن شاس الأسدي:\nتذكرت ليلى لات حين أذكارها ... وقد حني الأصلاب ضل بتضلال\nوقيل في قول امرئ القيس:\nنواعم يتبعن الهوى سبل الردى ... يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال\nإنّه دعاء بالضلال، أي إذا رأين أهل الحلم قل لهن: أضلكم الله، ودعون عليهم إذ لا يتبعون اللهو، وهو البين. قيل: وأنكر أبو عبيد ضم الضاد في قولهم: ضلا بتضلال، وقال: لم اسمع الضم إلاّ في ضل بن ضل.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>إنّه لعض</span>.\nالعض بكسر العين المهملة وبضاد معجمة، يضرب للرجل الداهي المنكر البليغ. قال القطامي:\nأحاديث من أنباء عاد وجرهم ... يثورها العضان زيد ودغفل\nويروي: أحاديث من عاد وجرهم ضلة. ومعنى ضلة: لا يهتدي إليها، كما قالت السلكة أم السليك:\nليت شعري ضلة ... أي شيء قتلك\nومعنى يثورها: يحركها من مكانها، ويثيرها من مظانها. ويروي: ينورها بالنون، أي يكشفها ويبين ما استتر منها من النور الكاشف للظلمة. وزيد المذكور أحد بني هلال أبن ربيعة، وكان من اعلم الناس. ودغفل من بني ذهل بن ثعلبة نسابة.\nقيل: وأصل المثل من العض على النواجذ. يقال: عض الرجل على نواجذه إذا صبر على الأمر. قال علي كرم الله وجهه يحرض الناس يوم صفين: عضوا على النواجذ من الأضراس! فإنه أنبى للسيوف على الهام. وقال الحارث بن وعلة:\nالآن لمّا ابيض مسربتي ... وعضضت من نابي عجذم\nوالنواجذ بالذال المعجمة: أواخر الأضراس، وأحدها ناجذ. والعرب تسمي الناجذ ضرس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. قال النمر بن تولب:\nعلى إنّها قالت عشية زرتها ... المثل ينبت لذا حلمه بعدي\nورجل منجذ، أي مجرب أحكمته الأمور. قال سحيم بن وثيل:\nأخو خمسين مجتمع اشدي ... ونجذني مداورة الشؤون\nوقيل: إنه لعض المال، أي شديد القيام عليه، وعض سفر، أي قوي عليه، وعضاض عيش، أي صبور على الشدة، وغلق عض: لا يكاد ينفتح. والعض أيضًا: مال صغر من شجرة الشوك، كالشبرق والقتاد الأصغر؛ يقال: بلد ذو عض، وإبل عاضة: ترعاها؛ وأهلها معضون. فيصح إنَّ يكون أصل المثل من هذا أيضًا.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>إنّه للين العصا</span>.\nمثل لرقيق الحس السياسة لمّا ولي. قال الشاعر:\nعليه شريب وادع لين العصا ... يساجلها جماته وتساجله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>إنّه لنقاب</span>.\nمثل للرجل العالم الفهم الخبير بغوامض الأمور. قال أوس بن حجر:\nكريم جواد أخو مأقط ... نقاب يحدث بالغائب\nقيل: واصله من التنقيب في البلاد وتجريب الأمور. ونحوه قولهم في مثل آخر لمجرب الأمور: فلان قد ركب ظهر البر والبحر، وعرف حالتي الخير والشر، وذاق طعمي الحلو والمر. وقال الحكماء: لا ينال أحد الحكمة حتى ينسى الشهوات، ويجرب الفلوات، ويحالف الأسفار، وينتاب القفار، ويصل الليل باليوم، ويعتاض السهر من النوم. قالوا: النظر كالسيف، والتجارب كالمسن. وقالوا: مرآة العواقب، في يد ذي التجارب. وقال أبو تمام يصف بالتنقيب والتجريب:\nسلي هل عمرت القفر وهي سباسب ... وغادرت ركبي من ركابي سباسبا\nوغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا\nوقال أيضًا:\nخليفة الخضر من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أواني\nبالشام قومي وبغداد المنى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط إخواني\nأحبة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإنَّ فرقوا في الأرض جيراني\nوقول أوس المذكور يحدث بالغائب هو من شأن النقاب. والمعنى إنّه ذو ذكاء قوي وفراسة وضن مصيب، كما قالوا: فلان المعي وقول الشاعر:","vol":"1","page":125},{"text":"الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا\nوقال الآخر:\nبصير بأعقاب الأمور إذا التوت ... كأن له في اليوم عين على غد\nوقال ابن الرومي:\nكمال وإفضال وبأس ونجدة ... وظن يريه الغيب لارجم راجم\nوقال آخر:\nتجاوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من لم ينتفع بظنه، لم ينتفع بيقينه. وقال عبد الملك بن مروان: ما فرق بين عمر وعثمان إلاّ اختلاف الضن: ظن عمر فأصاب فتحفظ، وظن عثمان فأخطأ فأمهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>إنّه لنكد الحظيرة</span>.\nالنكد: لشدة والقلة؛ يقال: نكد عيش القوم إذا اشتد، ونكد ماء البئر إذا قل، وناقة نكود قليلة الدر، ورجل نكد: عسير؛ والحظيرة والحظار بالظاء المشالة: ما يجعل للماشية ويحاط بالشجر ونحوه للتأويل إليه ويمنعها من الحر والبرد، لأنها من الحظر وهو المنع.\nيضرب هذا المثل للرجل القليل الخير وللبخيل مع السعة، فكأن ضيق حضيرته كناية عن ضيق خيره وقلة فضله، كما يقال في المثل الآخر من هذا المعنى: فلان ضيق العطن، وإنّما العطن مبركة الإبل عند الماء؛ لكن جعل كناية عما مر. ويقال في ضده: فلان رحب الفناء، وسابغ الذيل، وغمر الرداء، ونحو ذلك. وقال أبو القاسم بن سلام: أراه سمى أمواله حظيرة لأنّه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وهو بعيد عن صنيع الكلام وأسلوب العرب في هذا النحو كما قررناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>إنّه لهتر اهتار</span>.\nالهتر بكسر الهاء وسكون المثناة الفوقية: العجب والداهية، فيقال: فلان هتر اهتار","vol":"1","page":126},{"text":"ويضرب مثلا للرجل الداهي، كما تقدم في قولهم: صل اصلال. قال أوس بن حجر في الهتر بمعنى العجب:\nالمَّ خيال موهنا من تُماضِرا ... هُدُوَّا ولم يطرق من الليل باكرا\nوكان إذا ما التمَّ منها بحاجةٍ ... يراجع هترا من تماضر هاترا\nوعن أبن الأعرابي: الهُتر والهِتر، \" بالضم والكسر: ذهاب العقل. وفي الصحاح: الهِتر: العجب والداهية، والهِتر \" السقط من الكلام، يقال: هتر هاتر، وهو توكيد. ومنه بيت أوس المذكور عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>إنّه لواقع الطائرِ</span>.\nمثل للرجل الساكن الأمور. وهو في الأصل أما مشبه بالبعير يقع غليه الطائر وينزع ما عليه من القراد، فيسكن البعير استلذاذًا لذلك ولا يتحرك لئلا ينفر الطائر فيطير عنه، كما يقال في المثل الآتي: كأن على رأسه الطير؛ وأما مشبه بالطائر الواقع في سكونه على ضرب من التجريد، كما مر في ساكن الريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>انك لا تجني من الشوك العنب</span>.\nيقال: جنى الثمرة، واجتناها، وتجناها، وكل ما يجنى من الثمر فهو جنى بالفتح والقصر وجناة؛ والشوك، بفتح الشين المعجمة، معروف؛ الواحدة: شوكة؛ وشجرة شاكة وشوكة وشائكة: ذات شوك: والعنب معروف. ومعنى المثل أنّ الشر لا تستحصل منه خيرا، والفساد لا تكتسب منه صلاحا، كما إنَّ العنب ليس بخارج من الشوك. فإذا أوقعت شرا أو ظلمت أحدا فقد غرست شوكا، ولا تحصده إلاّ شوكا. وفي الحكمة: من يزرع خير يحصد غبطة، ومن يزرع الشر يحصد الندامة. وما أحسن قول صالح بن عبد القدوس ناطما لهذا المثل بعينه:\nإذا وترت أمرءا فأحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا","vol":"1","page":127},{"text":"إنّما العدو وإنَّ أبدًا مجاملة ... إذا رأى منك فرصة وثبا\nوالمثل لأكثم بن صيفي حكيم العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع</span>.\nهو كلام النبي ﷺ، قاله للأنصار يصفهم بذلك. والفزع يكون على وجهين: أحدهما الذعر والجزع، وهو كثير الاستعمال، والأخر الاستنجاد والاستصراخ، ومنه قول سلامة بن جندل:\nكنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له فرع الظنابيب\nأي: إذا أتى مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته. يقال: قرع ظنبوبه في هذا الأمر إذا جد فيه. والظنبوب: مقدم عظم الساق. ويشق من هذا المعنى أنَّ يكون فزع بمعنى أغاث. قال هبيرة اليربوعي، المقلب بالكلحبة:\nفقلت لكاس الجهيما فإنما ... حللت الكثيب من زرود لأفزعا\nأي لأغيث. وكأس اسم جاريته. والطمع معروف.\nومعنى الكلام المذكور وصف الأنصار ﵃ بالشجاعة والإقدام، وبذل النفوس في نصرة الإسلام، وتجشم المضائق في ذلك والعظائم، والتسارع إلى المكارم مع الزهد التام، ورفع الهمة عن الحطام. وهو معنى قوله: وتقلون عند الطمع، أي عند وجود الطمع في الناس لسبب من أسبابه، ويصح أنَّ يراد بالطمع المال المطموع فيه، أي: تقلون عند حضور الأموال واقتسامها وانتهابها، والقلة على بابها، أو للنفي وهو ابلغ. وناهيك بهذا الكلام مدحا وثناء، وبالأنصار رفعة وسناءً! ومثل هذا المعنى قول عنترة:\nيخبركم من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المطعم\nومن هذا المعنى قول المهاجرين في الأنصار: انهم يكفوننا المؤونة، ويشاركوننا في المهنا. ومن باب المشاركة في الشدة قول أبي بكر الخوارزمي:\nأراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... لزاما وإنَّ أعسرت زرت لماما\nفما أنت إلاّ البدر إنَّ قل ضوءه ... أغب وإنَّ زاد الضياء أقاما","vol":"1","page":128},{"text":"وأصله قول الأول:\nفتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر\nوتمثل بهذا البيت علي كرم الله وجهه في طلحة حين رآه مقتولًا يوم الجمل. وورد في ضد هذه الصفة، وهو المشاركة في الرفاهية والخذلان في الشدائد أمثال كثيرة من الشعر كقول الشاعر:\nإذا ما علوا قالوا: أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب\nوقول الآخر:\nموالين إذا افتقروا إلينا ... وإنَّ اثروا فليس لنا موالي\nوقول الآخر:\nأبو راشد مولاي ماطل حقه ... فإن كانت الأخرى فمولى بني سهم\n\nإنَّ لله جنودًا مِنْهَا","vol":"1","page":129},{"text":"العسل.\nالجنود جمع جند، بضم فسكون، وهو العسكر. ويطلق ﵇ الأعوان وعلى المدينة، يقال الشام خمسة أجناد، ويراد مدنها الخمس؛ وعلى الصنف من الخلق على حدة. والعسل معروف. وهذا الكلام وقع لمعاوية، ﵀، لمّا بعث عمرو بن العاصي أميرًا على مصر، وفيها محمد بن أبي بكر أمير عن علي، كرم الله وجهه. فاقتتلا، فقتل محمّد بن أبي بكر واستولى عمرو على مصر. فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليًا، كرم الله وجهه، فأنفذ إلى مصر الأشتر النخعي في جيش، فزعموا إنّه لمّا سمعه معاوية دس إلى دهقان كان بالعريش أنَّ يقتل الأشتر، وجعل للدهقان أنَّ يترك له الخراج عشرين سنة. فسأل الدهقان أي الشراب احب إلى الأشتر، فقيل له العسل، فأتاه بعسل مسموم. فما استقر في جوفه إلاّ وقد تلف. فبلغ معاوية ذلك فقال: إنَّ لله جنودًا منها العسل. \" ولا ادري اهو أبو عذره أم كان مسبوقا. وظاهر كلام صاحب القاموس أنَّ الجند في هذا المثل أريد به المعنى الأخير من معانيه السابقة، وليس بظاهر، إذ لا معنى لأن يقال هذا أريد به المعنى الأخير من معانيه السابقة، والقصة أنَّ لله أصنافا من الخلق منها العسل \" وإنّما إنّه أعوان، ولا سيما كلامه يحكى تارة بلفظ: إن لله جندا في العسل، وبهذه العبارة رأيته في تاريخ المسعودي، والله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>إنَّ في المرنعة لكل قوم مقنعة</span>.\nيقال: رنع لون الرجل رنوعا إذا تغير وذبل؛ ورنعت الدابة الذباب: طردته؛ ورنع بالكسر يرنع: إذا لعب. والمرنعة على وزن مرحلة: السعة والدعة، وتطلق أيضًا على الروضة، وعلى الأصوات في اللعب، وعلى القطعة من الطعام ومن الشراب ومن الصيد. ويقال للحمقاء إذا أثرت: وقعت في مرنعة فعيشي، أي: وقعت في خضب. والمقنعة: الغنى، وهي من القناعة، أي: في المرنعة لكل أحد ما يقنع به ويستكفي. والمعنى ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>إنَّ في مض لمطمعا</span>.\nمض بكسر الميم وكسر الضاد المعجمة المثقلة: كلمة تستعمل بمعنى لا. قال: سألت هل وصل، فقالت: مض، وهي حكاية صوت الشفتين يكون معه نوع استهزاء، وهي مع ذلك مطمعة في الإجابة. ومن ثم قالوا: إنَّ في مض لمطمعا. ويشبه أنَّ يضرب عند التحريض على طلب الشيء وترجيه ما دامت مخائل بلوغه وإن ضعفت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>إنَّ الله ليؤيد هذا الدين بالرَّجل الفَاجِر</span>.\nهو كلام النبي ﷺ قاله في شأن قزمان بن الحارث لمّا أعجب المسلمين قتاله وغناؤه، ثم جرح وآلمته الجراحة، فاستعجل وقتل نفسه. وقد كان ﷺ اخبرهم قبل ذلك إنّه من أهل النار: وهو معنى ما في خبر آخر: إنَّ الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. وإنّما ذلك لآن كل من دخل في","vol":"1","page":130},{"text":"سواد المسلمين فهو قد يجاهد العدو ويدافع عن المسلمين ويقصم ظهور الكافرين، حتى يتأيد بتعزز المؤمنين، ويضعف الكفر بذل الكافرين، طلبا لإعلاء كلمة الله تعالى، وابتغاء لمرضاته، فنفع \" وانتفع. وقد يفعل ذلك لغير إعلاء كلمة الله أو يحبط العمل بوجه من الوجوه، فنفع \" ولم ينتفع ولم، عياذًا بالله تعالى! وما ذكره الشارع، صلوات الله وسلامه عليه، غير مختص بالجهاد، بل في كل وجه من وجوه التأييد كسياسة الأمة، والحكم بين الناس، وتعليم العلم، وقبض الأموال وتفريقها وبناء المساجد والأسوار والقناطر، ونحو ذلك مما لا ينحصر. وذلك واقع لا محالة، كما أخبر به ﷺ. وسيأتي تشبيه العالم غير العامل بالمصباح يضيء للناس وهو يحترق، نسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أنَّ يقينا شر هذه الورطة، ويقينا شر أنفسنا وشر كل ذي شر!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>إنَّ الله لن يرفع شيئًا من الدنيا إلاّ وضعه</span>.\nهو كلام النبي ﷺ أيضًا قاله في شأن ناقته، وكانت لا تسبق. فجاء أعرابي على قعود فسبقها. فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ ما ذكر. ز كل ذلك في الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>إنَّ الُّلهَي تفتح الَّلهي</span>.\nاللهي الأول بضم اللام جمع لهوة بضم اللام، وتفتح أيضًا، وهي العطية أو افضل العطايا؛ وكذا اللهية، وتطلق على الألف من الدنانير والدراهم. قال النابغة:\nعظام اللهي أولاد عذرة إنهم ... لها ميم يستلهونها بالحناجر\nوقال الحماسي:\nلعمري لئن أعمرتم السجن خالدًا ... وأوطأتموه وطأه المتثاقل\nلقد كان يروي المشرفي بكفه ... ويعطي اللهي في كل حق وباطل\nواللهوة أيضًا ما يرمية الطاحن بيده في فم الرحى، وكان هذا هو الأصل. واللهي الثاني بفتح اللام جمع لهاة، على مثل قناة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق، والجمع بإسقاط الهاء، وقد مده الشاعر ضرورة في قوله:","vol":"1","page":131},{"text":"يأكل من تمر ومن شيشاء ... ينشب في المعسل واللهاء!\nوالمعنى المثل أنَّ الإحسان، وتوارد العطايا الحسان، يلطف اللسان، بالثناء والشكران. وهذا المثل وقع في كلام الكميت، وقيل له: لم صارت أشعارك في بني امية أطيب منها من بني هاشم؟ فقال: إنَّ اللهى تفتح اللهى! ومن أظرف ما أتفق في هذا ما حكي شمس الدين بن خلكان أنَّ المعتمد بن عباد الأندلسي ذكر يوما قول أبي الطيب:\nإذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المعطي ورازمه\nفجعل يردده استحسانًا له وفي الخضرة عبد الجليل بن وهبون، فقال ارتجلا:\nلئن جاد شعر أبن الحسين فإنما ... تجيد العطايا ز اللهى تفتح اللهى\nتنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>إنّما يجزي الفتى ليس الجمل</span>.\nيضرب هذا المثل في المكافأة وهو للبيد بن ربيعة في شعره يقول فيه:\nفإذا اقترضت قرضًا فأنجزه ... إنّما يجزى الفتى ليس الجمل\nوإذا زمت رحيلا فأرتحل ... واعص ما يأمر توخيهم الكسل\nواكذب النفس إذا حدثتها ... إنَّ صدق النفس يزري بالأمل\nوهذه كلها أمثال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>إنّما سميت هانئًا لتهنأ</span>.\nالتسمية معروفة. وهانئ اسم رجل، والهنأ: الإعطاء؛ يقال هنأته هنئًا إذا أعطيته ورفدته، والاسم الهنئ بالكسر، قيل: وبالفتح أيضًا، وهو العطاء ويقال: هنأه شهرًا أو شهرين إذا عاله هنئا وهناءة. قال الشاعر:\nهنأتهم حتى أعان عليهم ... سوامي السماك ذي السلاح السواجه\nيضرب هذا المثل في الحضّ على بذل الافضال. وعن الكسائي: وسمعت إعرابيًا يقول: إنّما سميت هانئا لتهنأ، أي لتعول وتكفي.\nقلت: وينبغي أنَّ يضرب عند التحريض كل ذي وصف، أو لقب أو حرفة على فعل ما","vol":"1","page":132},{"text":"يوجب ذلك الوصف، أما حقيقة كان القاضي للقضاء بين الناس والمحتسب للاحتساب والمعلم للتعليم والصائغ للصياغة ونحو ذلك؛ وإما على الاشتقاق فقط كالافضال لمن اسمه فضل والحرث امن اسمه حارث والهنئ لمن اسمه هاني فإنَ ذلك هو أصل المثل. فيقال للذي تسمى بالقاضي وتأبى عن الحكم: إنّما سميت هانئا لتهنأ، أي قيل لكل قاض لتقضي بين الناس ونحو هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>إنّما اشتريت الغنم حذار العازبة</span>.\nالاشتراء والغنم معروف؛ والعزبة: الإبل، والعزوب بالزاي في الأصل: الذهاب والبعد. وعزبت الماشية، وعزب بها ربها: بعد بها في المرعى ولم ترح. ورجل عزيب: بعد عن أهله وماله. والعزيب من الإبل والشاة: ما يبعد عن أهله في المرعى. وكان لرجل إبل فباعها واشترى غنما لئلا تعزب ثم عزبت غنمه فقال: إنّما اشتريت الغنم حذار العازبة، فذهبت مثلا. ومضربه واضح من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>إنّما القرم من الأفيل</span>\nالقرم بالفتح: الفحل من الإبل وكذا الأقرم: والأفيل على مثل أمير: الفصيل وأبن المخاض فما فوقه؛ والجمع إفال، على مثل جبال. قال زهير:\nفاصبح يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إفال مزنمٍ\nوقال آخر:\nفإني لا تبكي عليَّ إفالها ... إذا شبعت من روض أوطانها بقلا\nوالمعذي إنَّ الجمل إنّما يكون قرما بعد ما يكون صغيرا أفيلا. فيضرب في أنَّ الأمر الكبير ينشأ عن الأمر الصغير، على نحو مر في أنَّ السقط يحرق الحرجة، وما يأتي في قولهم: العصا من العصية، ونحوه كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>إنّما هو كبارح الأروى</span>.\nالبارح من الظباء والطير وغيرها: ما ولاَّك مياسرة، وهو أنَّ يمر من ميمنتك إلى ميسرتك. يقال: برح الظبي ونحوه بفتح الراء، بروحا، فهو بارح؛ وعكسه: السانح. والعرب تتيمن بالسانح، وتتشائم بالبارح. وسنذكر ما في ذلك بعده إن","vol":"1","page":133},{"text":"شاء الله تعالى. والأروى بفتح الهمزة والواو مقصورا جمع أروية بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء أو اسم جمع لها والأروية: أنثى الأوعال. ويضرب هذا المثل للمر النادر القليل لأن الأروى مسكنها قمم الجبال. فلا يوجد منها بارح في الدهر إلاّ نادرا ولا سانح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>إنَّ مع اليوم غدا</span>.\nيضرب في تنقل الحالات وتبدل الساعات. وذلك لأن الخير والشر لمّا كانا متقاربين وكان زمانهما في علم الله تعالى مقسطين مقدرين علم أنَّ الشر متى حدث في زمن فللخير زمان يقابله يحدث فيه فعبر عن هذين الزمنين باليوم والغد لمّا بين اليوم والغد من التقابل بل كالذي بين الزمنين. فإذا وقع بك شر فذلك بوم الشر وللخير زمان يترقب هو عند ذلك اليوم فتقول تسليا: إنَّ مع اليو غدا.\nوكذا في العكس كما قيل:\nيا من يخاف أنَّ يكون ... ما يكون سرمدا\nأما سمعت قولهم ... إنَّ مع اليوم غدا؟\nوقال علي بن الجهم لمّا حبسه المتوكل:\nصبرًا فإن اليوم يتبعه غد ... ويد الخليفة لا تطاولها يدُ\nولكل خير معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما يحمدُ\nلا يؤنسنك من تفرج كربتة ... خطبٌ رماك به الزمان الأنكدُ\nكم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعوَّدُ\nوقال معن بن أوس المزني:\nوأني أخوك الدائم العهد لم أخن ... وإن زال خصمٌ أو نبا بك منزلُ\nوإن سؤتني يموا صبرت إلى غدٍ ... ليعقب يوما آخرٌ منك أولُ\nولمّا خرج المتوكل العباسي إلى دمشق ركب يوما إلى رصافة هشام بن عبد الملك بن مروان فنظر إلى قصرها. ثم خرج فرأى ديرا هناك قديما حسن البناء بين مزارع وأشجار","vol":"1","page":134},{"text":"ورياض وأنهار فدخله. فبينما هو يطوف به إذ رأى رقعة بصدره. فأمر بها فأزيلت وأتوتي بها فإذا فيها:\nيا منزلا بالدير أصبح خاليًا ... يلاعب فيه شمأل ودبورُ\nكأنك لم يسكنك بيض نواعم ... ولم يتبختر في فنائك حورُ\nوأبناء أملاك غواشم سادةٌ ... صغيرهم عبد الأنام كبيرُ\nإذا لبسوا ادرارهم فعوابسٌ ... وإن لبسوا تيجانهم فبدورُ\nعلى أنهم يوم اللقاء ضراغمٌ ... وأيديهم يوم العطاء بحورُ\nليالي هشام بالرصافة قاطنٌ ... وفيك ابنه يا دير وهو أميرُ\nإذ الدهر غض والأخلافة لدنٌ ... وعيش بني مروان فيك نضيرُ\nوروضك مرتاد ولونك مزهرٌ ... وعيش بني مروان فيك قريرُ\nبلى! فسقاك الله صوب غمامة ... عليك لها لعد الرواح بكورُ\nتذكرت قومي خاليًا فبكيتهم ... بشجو ومثلي بالبكاء جديرُ\nفعزيت نفسي وهي نفسٌ إذا جرى ... لها ذكر قومي أنه وزفيرُ\nلعل زمانًا جار عليهم فلم يكن ... لهم بالذي تهوى النفوس يدورُ\nفيفرح محزونٌ وينعم بائسٌ ... ويطلق من ضيق الوثاق اسيرُ\nرويدك إنَّ اليوم يتبعه غدٌ ... وإنَّ صروف الدائرات تدورُ\nفلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير وقال: أعوذ بالله من شر أقداره! واستدعى صاحب الدير وسأله عن الرقعة فقال: لا علم لي بها! ويذكر إنّه رجع حينئذ إلى بغداد فلم يلبث إلاّ أياما قلائل حتى قتله ابنه المنتصر رحمه الله تعالى. وقال الحماسي:\nعسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلًا أنَّ يكون له غدُ\nوالشعر في هذا المعنى كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>إنَّ من بالنجف من ذي قدرةٍ لقريبٌ</span>.\nالنجف، بفتحتين: الموضع المرتفع لا يعلوه الماء. والنجف هنا: موضع بقرب الكوفة، وكان قوم من أهل الكوفة فروا من الطاعون إلى هذا الموضع فقال شريح: إنَّ","vol":"1","page":135},{"text":"من بالنجف من ذي قدرة لقريب. يضرب مثلا للأحداث والأقدار وأنَّ لا ملجأ منها لديار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>إنَّ من البيان لسحرًا</span>.\nهذا من كلامه ﷺ وتقدم شرحه في فضل الشعر. وسببه أنَّ بني تميم وفدوا على النبي ﷺ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم فسأل النبي ﷺ عمرًا عن الزبرقان بحضوره فقال: مطاع في أدنيه شديد العارضة في قومه مانع لمّا وراء ظهره. فقال الزبرقان: يا رسول الله إنّه ليعلم مني اكثر من ذلك ولكنه حسدني. فقال عمرو: أما والله إنّه لزمن المرءة ضيق العطن ائيم الخال أحمق الولد. ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما علمت وغضبت فقلت أقبح ما علمت. فقال ﷺ: إنَّ من البيان لسحرًا! وقد بين أبن الأهتم بكلامه المذكور وجه الأمر في باب المدح والذم: فإنَ العرب كثيرا ما يمدحون الشيء ثم يذمونه بعينه حتى يكاد العقل يحكم بتناقض كلامهم وتهافت مقالهم. وليس فيه مناقضة وإنّما ذلك لاختلاف النظر كما قال عمرو المذكور.\nوبيان ذلك أنَّ جميع الكائنات التي هي بصدد التغيرات والآفات لا تخلو عن صفة كمال يتجلى الله بها فيها بالوصف الجمالي وصفة نقصان يتجلى الله تعالى بها فيها بالوصف الجلالي. فكل مخلوق مشتمل على محاسن ومساوئ أما تحقيقها كرجل يكون جوادا وحكيما وهو جبان أو شرير أو قبيح المنظر؛ وأما بوجه واعتبار وذلك أيضًا: أما تحقيقا لاختلاف النظر بحسب تعدد الموجب وتباينه أما عادة وشرعا كسفك الدماء ظلما يمدح عادة ويذم شرعا؛ وكالصمت والتعفف يكون غالبا بالعكس أو عادة وعادة ككثير من أوصاف الخلقة وأنواع الزينة والملابس والمراكب ونحو ذلك مما تختلف فيه العادات استحسانا واستقباحا وقد يختلف الأمر بحسب المكان والزمان والأقران والأحوال وذلك أمر لا ينحصر. وإنّما تخيلا وذلك أما بحسب التشبيه كالورد يحسن عندما يشبه بالخدود النواضر، ويقبح عندما يشبه بسرم البغل؛ وأما بحسب النظر","vol":"1","page":136},{"text":"والاعتماد على شبهة كالعسل، بعد كونه حسنا يقبح من حيث إنّه قيء زنبور؛ وكبذل المال جودا وسخاءً بعد كونه حسنا يقبح من حيث إنّه إتلاف للأموال وإضلعة لها وإفقار محوج إلى التذلل بالسؤال. وهذا تخييل أدى قوما من البخلاء إلى التصريح بالثناء على البخل الذي أجمع العقلاء على ذمه. وألف سهل بن هارون منهم في ذلك تأليف وقال قائلهم:\nيا رب جودٍ فقر امرئ ... فقام في الناس مقام الدليل\nفاشدد على مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل\nوقد عرفت بهذه الجملة إنّه يمكنك أنَّ تمدح الشيء وتذمه بحسب اختلاف اعتباراته من غير تهافت في الكلام ولا تناقض: فإنَ التناقض غير لازم إلاّ لو أردت حسنا وقبحا ومدحا وذما على محل واحد باعتبار واحد، لكن توارده على محلين؛ أو باعتبارين كما بينا. والتفطن لهذه المحال واستخراج هذه الاعتبارات الدقيقة هو مرمى البلغاء، ومجال فرسان الشعر والخطباء وهو محط البيان والسحر الحلال، كما وقع في القصة السابقة: فليس الكلام بمجرد الجمع والتلفيق، ولا الشعر بمجرد الوزن والتقفية كم قيل:\nإذا كنت لا تدري سوى الوزن وحده ... فقل أنا وزانٌ وما أنا شاعرُ\nوهذا كلام ليس من غرضنا ولكن الحديث شجون. وسنذكر بعد ما للشعراء في مدح الشيب والهرم وذمه ومدح طول الليل وذمه ونحو ذلك. ولنذكر الآن بعض ما ورد مما يدل على ما ذكرنا زيادة على القصة المذكورة. قال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل وأنت جبان؟ فقال: لأني حليم وأني عفيف. وقالت للحصين بن المنذر امرأته: كيف سدت وأنت دميم بخيل؟ فقال: لأني سديد الرأي شديد الأقدام.\nوصعد خالد بن عبد الله القسري منبر مكة أميرا للوليد بن عبد الملك فأثنى على الحجاج خيرا. فلما كانت الجمعة التالية، وقد مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان يأمره بشتم الحجاج وذكر عيوبه وإظهار البراءة منه. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ إبليس كان يظهر من طاعة الله ﷿ ما كانت الملائكة ترى له بها فضلا، وكان الله قد علم من غشه ما خفي عن ملائكته. فلما أراد فضحه ابتلاه بالسجود لآدم","vol":"1","page":137},{"text":"فظهر لهم ما خفي عنهم فلعنوه. وإنَّ الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له بها فضلا وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين على غشه أو نحوه فالعنوه لعنه الله! ثم نزل. وكان العباس بن علي عم المنصور يأخذ الكأس بيده ثم يقول لها: أما المال فتتلفين وأما المروءة فتخلقين وأما الدين فتفسدين. ويسكت ساعة ثم يقول: أما النفس فتسحين وأما القلب فتشجعين وأما الهم فتطردين؛ أتراك مني تفلتين؟ ثم يشربها.\nويحكى أنَّ عيسى ﵇ ما عاب شيئا قط فمر بكلب ميت فقال أصحابه: ما أنتن ريحه! فقال عيسى ﵇: ما أحسن بياض أسنانه! وكتب يزيد بن معاوية في كتاب إلى عبيد الله بن زياد حين ولاه محاربة الحسين ﵁ وأرضاه وأرغم أنوف واتريه، وكان قبل ذلك سيئ الاعتقاد فيه: أما بعد، فإنَ الممدوح مسبوب يوما وإنَّ المسبوب ممدوح يوما. وما ورد من هذا المعنى كثير فلنقتصر لئلا نطيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>إنَّ من الشعر لحكمة</span>.\nتقدم هذا أيضًا في فضل الشعر مبينا. وقد حكي أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لكعب الأحبار: يا كعب، هل تجد للشعر ذكرا في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل أنا جيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة ويضربون الأمثال لا نعلمهم إلاّ العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>إنَّ من الشر خيرًا</span>.\nيضرب عند تفاوت ما بين الشرين حتى يكون الأدنى خيرا بالقياس إلى الأعلى. وهو قريب من قولهم: بعض الشر أهون من بعض. وسيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>إنَّ منكم منفَّرين</span>.\nقد يتمثل به. وهو من كلام النبي ﷺ حين شكي إليه تطويل أصحابه بالناس في الصلاة، فقيل له: ما كدنا ندرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فغضب وقال ذلك وقال: فمن صلى منكم بالناس فليخفف، فإنَ فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة أو كما قال ﷺ والحديث في الصحيح.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>إنَّ الهدايا على مقدار مهديها</span>.\nوهو موجود في شعر وهو:\nجاءت سليمان يوم العرض هدهدةٌ ... أهدت إليه جرادًا كان في فيها\nوأنشدت بلسان الحال قائلةً: ... إنَّ الهدايا على مقدار مهديها\nلو كان يهدي إلى الإنسان قيمته ... لكان يهدى لك الدنيا وما فيها\nوهذه القصة تذكر في حرف الميم إن شاء الله تعالى. والمثل ظاهر المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أهل مكة أعرف بشعابها</span>.\nمكة معروفة، زادها الله شرفا. والشعاب جمع شعب وهو من الأرض بكسر الشين، ومن الناس بفتحها. وهذا مثل مشهور شائع الاستعمال، يضرب للمباشر للشيء والمخالط له إنّه أخبر به وأبصر بحاله وأعرف كقول القائل: وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>أينما أذهب ألق سعدًا</span>.\nقاله الأضبط بن قريع السعدي وكان غاضب قومه سعد بن مناة بن تميم فتجول في القبائل. فلما لم بجد منهم من يحمد عشرته، رجع وقال: أينما أذهب ألق سعدًا، أي أينما ذهب من الأرض ألق قوما ألقى منهم مثل الذي لقيت من سعد. ومضرب المثل واضح وسيأتي أيضًا\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>أيُّ داءٍ أدوى من البخلِ</span>؟\nالداء: المرض. يقال: داء الرجل يداء دواء وداء واداواء، فهو داء ومديء وأدأته أيضًا: أصبته بمرض، لازم منعد والبخل معروف. وهذا من كلام النبي ﷺ قدم عليه نفر من الأنصار فقال: من سيدكم؟ قالوا الجد بن قيس على بخل فيه. فقال رسول الله ﷺ\nوأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الأغر الأبيض عمرو بن الجموح. فقال شاعرهم في ذلك:","vol":"1","page":139},{"text":"وقال رسول الله والحق قوله ... لمن قال منا من تعدون سيدا\nفقلنا له: جد بن قيس على التي ... نبخله فيها وإن كان أسودا\nفتى ما تخطى خطوة لدنيةٍ ... ولا مد في يوم إلى سوءةٍ يدا\nفسود عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أنَّ يسودا\nإذا جاءه السؤال أنهب ماله ... وقال خذوه إنه عائدٌ غدا\nفلو كنت باجد بن قيس على التي ... على مثلها عمر لكنت المسودا!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>إياك أعني واسمعي يا جارة</span>!\nهذا مثل مشهور الاستعمال عند التعريض بإضهارك شيئًا وأنت تريد شيئًا وهو لنهشل بن مالك الفزاري في شعر له. وسببه أنه خرج يريد النعمان بن المنذر فمر ببعض أحياء طيء فسأل من سيد الحي فدل على حارثة بن لأم الطائي فقصد رحله فلم يصبه حاضرًا. فقالت له أخت حارثة: انزل على الرحب والسعة حتى يلحق حارثة. فأنزلته وأكرمت مثواه. ثم إنّه رأها وقد خرجت من خباء إلى خباء. فرأى جمالها باهرا، وحسنا فاتنا. وكانت عقيلة قومها وسيدة نساء حيها. فوقعت من قلبه كل موقع وجعل يقول:\nيا أخت خير البدو والحضاره ... كيف ترين في فتى فزارة؟\nأصبح بهوى حرة معطاره ... إياك أعني واسمعي يا جارة!\nفعرفت أنه يريدها فقالت: ما هذا بقول ذي عقل أريب ولا مصيبي ولا أنف نجيب.","vol":"1","page":140},{"text":"أقم ما أقمت مكرما وارتحل إذا ارتحلت مسلما! فاستحى وقال: واسوأتاه! فقالت: صدقت! وارتحل وأتى النعمان، فاكرمه وحياه فلما رجع نزل على أخيها حارثة وتبعت نفسه الجارية وكان جميلا محبوبا. فأرسلت إليه الجارية: إن كانت لك حاجة فاخطبني إلى أخي فإني سريعة إلى ذلك. فخطبها وتزوجها فسار بها إلى أهله.\nومما ينسج على هذا النمط ويسلك في هذا السفط قولهم: أخذ فلان رمح أبي سعد إذا اتكأ على العصا هرما. وأبو سعد قيل هو لقمان الحكيم وقيل هو كنية الكبر والهرم. وقيل مرثد بن سعيد أحد وفد عاد، وقد تقدم. وقولهم: أخذ بلغب رقبته بفتحتين إذا أدركه. وقولهم: أخذ بحذافيره أي بأجمعه. ويقال بحذاميره، وبأجمعه وجراميزه وجذاميره وبربانه، بفتح الراء وضمها، وبصنابته وسنابته وبجلمته وجلمته وبزغبره ز بزوبره وأنشدوا:\nوإن قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها حرب عدت عليَّ بزوبرا\nوبزابره وبصبرته وأصباره وبوأبجه وزأمجه وبأصيلته وبطليقته، وبأزمله. فهذه كلها معناها واحد. ويقال معنى: بربانه وبحداثته: بأوله وابتدائه. وقال:\nوإنما العيش بربانه ... وأنت من أفنانه مفتقر\nوقولهم: إذا وجدت الظباء الماء فلا عباب، وإن لم تجده فلا أباب، أي إن وجدته لم تعب فيه وإن لم تجده لم تؤب إليه أي لم تتهيأ لطلبه.\nوقولهم: إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وأيا الشواب! وقولهم: أكل فلان روقه إذا أسن. والمعنى أنه أكل شبابه وأفناه. يقال: فعله في روق شبابه وريقه، أي أوله. وكأنه ماخوذ من روق البيت ورواقه وهي الشقة في المقدمة. وقولهم: أنك بمحش صدق فلا تبرحه! أي أنك بموضع الخير فالتزمه! والمحش، بالحاء المهملة والشين المعجمة على مثال مرد: الموضع الكثير الحشيش وقولهم:","vol":"1","page":141},{"text":"إنه أحد الأحدين، وواحد الأحدين، وإحدى الأحد، أي لا مثل له، وهو ابلغ المدح. قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>إنه ابن إحداها</span>\nأي كريم الأباء والأمهات. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>إن كذبت فحلبت قاعدًا</span>\nأي ذهبت إبلك، فحلبت الغنم. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>إن كذبت فشربت عبوقًا باردًا</span>\nأي ذهبت الماشية فشربت الماء. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>إنَّ فلانًا لتدب عقاربه</span>\nأي يتعرض أعراض الناس. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>إنّه لفي حور بور</span>\nوبضم الحاء المهملة والباء الموحدة، أي في ضلال أو في غير صنعة قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>إنّه لوابصة سمع</span>\nأي يثق بكل ما يسمع. وقولهم: إنّما فلان هامة اليوم أو غدٍ، إذا كان مسنا، أي يموت في يومه أو غده. والهامة: طائر يخرج من رأس الميت. يزعمون إنّه إذا قتل القتيل خرج من رأسه طائر، فلا يزال يصيح: اسقوني! حتى يقتل قاتله، كما قيل:\nيا عمرو، إلاّ تدع شيمتي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة: اسقوني!\nوقال دريد بن الصمة فيما نحن فيه:\nوهون وجدي إنّما هو فارط ... إمامي وإني هامة اليوم أو غد\nوقال كثير:\nفإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد\nوكل خليل زارني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد","vol":"1","page":142},{"text":"وكأنه اعتبر هنا المعنى المقصود فقط دون السن. وتمثل بهذين البيتين يزيد حين ماتت جارية حُبابة في القصة المشهورة.\nومن الأمثال العامية في هذا الباب قولهم: \" إذا أراد الله إهلاك النملة جعل لها أجنحة تطير بها \"، يضرب للمتسبب سببا يعطب به، لأن الطير يصيدها إذا طارت. وإلى هذا المثل أشار أبو العتاهية بقوله:\nوإذا استوت للنمل أجنحةٌ حتى يطير فقد دنا عطبه\nوكان الرشيد كثير ما يتمثل به عند نكبة البرامكة. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>إذا امتلأت القربة ترشحت</span>.\nيضرب للرجل تكثر ذات يده، فلا بد أنَّ ينال شيء مما عنده. وقول أبي محمّد: أنا عربيد، وأنت رعديد، وبيننا بونٌ بعيد. والعربدة: سوء الخلق؛ والعربيد والمعربد: الموذي نديمة عند السكر. والرعديد، الجبان الفزاع. والبون: الفضل والمقدار. وقولهم: إنَّ لم تجدوا نارًا فاقلوا قلية! يضرب لمن استحمق فطلب أمرًا حيت المظنة عدمه. وقولهم: الآن يمد أبو حنيفة رجله! زعموا إنَّ الأمام أبا حنيفة، ﵀، كان به ذات مرة ألم في رجله، فكان يمدها في المجلس بين يدي أصحابه. ثم إنّه يومًا حضر مجلسه رجل ذو هيئة كث اللحية لا يعرفه، فتوهمه فقيها وقبض رجله استحياء وصبر على ذلك مدة، والرجل لا يتكلم بشيء فبان له منه خلاف الظن، فمد رجله وقال ذلك.\nهذا ما تيسر إيراده في هذا الباب من منثور الأمثال، بحمد ذي المن والافضال. وقد كنت أردت إنَّ أقتبس الأمثال المضروبة في الشعر وأجلبها، وأودع كل باب من هذا الكتاب جملة وافرة منها، مشروحة مع التنبيه على شجرتها، واصل ثمرتها. ثم بدا لي أنَّ ذلك بحر لا يدرك غوره، ومنزع لا ينال طوره. فرأيت أنَّ اقتصر على إيراد الأمثال النثرية، وإردافها بالأمثال الشعرية، متضمنة لمّا ضرب فيها إلاّ أنَّ يكون شيء قد انتزع قبل فأذكره. ورأيت","vol":"1","page":143},{"text":"أنَّ انبه في هذا الباب خصوصا على بعض ذلك ليقيس عليه من احب استعماله مستغنيًا بذلك عن إعادة مثله في كل باب، فأقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>أبى منبت العيد اَنِ أنْ يتغير</span>.\nأخذناه من قول جميل بن عبد الله بن معمر العذاري:\nبنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيرا\nأرى كل عودٍ نابتا في أرومةٍ ... أبى منبت العيدان أنَّ يتغيرا\nوقبل هذين البيتين يخاطب الحجاج:\nأبوك حبابٌ سارق الضيف رحله ... وجدي يا حجاج فارس شمرا\nوشمر: اسم فرس أنثى، وآباء الصدق: آباء الخير ز الصلاح والكرم. ومعنى سير أكثر السير. والمعنى أنَّ من كان كريم الأصل، رفيع الحسب، جرى على ذلك حيثما ذهب، وكيفما انقلب. والأرومة، بفتح الهمز، وتضم، الأصل. قال زهير:\nصبحنا الخزرجية مرهفات ... أبار ذوي أرومتها ذووها\nوالجمع أروم. قال أيضًا:\nله في الذاهبين أروم صدقٍ ... وكان لكل ذي حسب أروم\nوقوله: أبى منبت العيدان اَنِ الخ: يريد الناس أصول مختلفة، وأعراق متباينة، كما في حديث: الناس معادن، وكل أحد باق على أصله: فمن كان من أصل كرم لم يتحول منه، ومن كان من أصل لؤم لم ينحرف عنه وجعل الناس أعوادًا وأعرقها منابت على طريق التمثيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>إنَّ المحب لمن يهواه زوار</span>.\nطلع رجل من حجيج المغرب إلى عرفة، فلقي شيخا كبيرًا، فقال له الشيخ: من أين أنت؟ قال: من المغرب. قال: كم بينكم وبين هذا البيت؟ قال: نحو ستّة أشهر فقال الشيخ: اتحجون كل عام؟ قال: ل. فقال: الشيخ لو كنا منكم لم يفتنا الحج أبدًا. فقال له الرجل: وممن أنت؟ قال: من كذا بلد، بعيد بمسيرة عام أو نحوه وانشد:\nزر من تحب وإنَّ شطت بك الدار ... وحال من دونه سهل وأوعار\nلا يمنعنك بعد عن زيارته ... إنَّ المحب لمن يهواه زوار","vol":"1","page":144},{"text":"والهوى: العشق في الخير والشر. يقال: هويته بالكسر يهواه هوى، مقصور.\nوالزوار: الكثير الزيارة. وكان بشر بن مروان شديد على العصاة، وكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كرسي وسمر كفيه بالمسامير على الحائط، ثم نزع الكرسي من تحته، فيبقى معلقا يضطرب حتى يموت. وكان فتى من بني عجل مع المهلب بن صفرة في حروب الازارقة، وكان عاشقا لابنة عم له. فكتب إليه تستزيره فكتب إليها:\nلولا مخافة بشر أو عقوبته ... وأنَّ يشد على كفي مسمار\nإذا لعطت ثغري ثم زرتكم ... إنَّ المحب إذا ما اشتاق زوار\nفكتبت إليه:\nليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في إلفه النار\nبل المحب الذي لا شيء ينفعه ... أو يستقر ومن يهوى به الدار\nفلما كتبها عطل ثغره وجاءها وهو يقول:\nأستغفر الله إذ أخشى الأمير ولم ... اخش الذي أنا منه غير منتصر\nفشأن بشر بلحمي فليعذبه ... أو يعف عفو أمير خير مقتدر\nفما أبالي إذا أمسيت راضية ... يا هند ما نيل من شعري ومن بشري!\nفلم يلبث إنَّ وشي به إلى بشر فأتي به فقال: يا فاسق، عطلت ثغرك، هلم بالكرسي! فقال: عز الله الأمير! إنَّ لي عذرًا فقال: وما عذرك؟ فأنشده الأبيات، فرق له وكتب إلى المهلب أنَّ يثبته في أصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>إنَّ الحر حر</span>\nأخذناه من قول الشاعر:\nعرضت نصيحة مني ليحيى ... فقال غششتني والنصح مر\nومالي أنَّ أكون أعيب يحيى ... ويحيى طاهر الأثواب بر\nولكن قد أتانا أنَّ يحيى ... يقال عليه في نقعاء شر\nفقلت له: تجنب كل شيء ... يعاب عليك إنَّ الحر حر\nوالشاعر هو مخيس بن أرطأة الأعرج يخاطب رجلا من بني حنيفة يسمى يحيى كان","vol":"1","page":145},{"text":"يأتي امرأة في قرية من قرى اليمامة، وهي التي سماها في الشعر. وقوله إنَّ الحر حر، أي إنَّ الحر باق على ما عهد في الأحرار من الهمم العلية، والأخلاق الزكية، ومجانبة الريب، والحذر من سوء المنقلب.\nومثله قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري، أي شعري هو ذلك المعروف بجزالته وفصاحته وسلاسته.\nوكذلك قولهم: الناس أي هم على ما عهد فيهم.\nومثل ذلك قول العامة: الحر لا يكون إلاّ حرًا، والرجل لا يكون إلاّ رجلًا والعبد لا يكون إلاّ عبدًا. ونحو هذا يضربونه عند تقصير الإنسان عن بعض ما يحق له أو تعاطيه مالا ينبغي له.\nوقوله تجنب كل شيء يعاب عليك، هذا من حفظ المروءة. قيل الأحنف بن قيس: بم بلغت ما بلغت؟ فقال: لو عاب الناس الماء ما شربته. وقيل لعبد المالك بن مروان، وقد بالغ في الثناء على المصعب بن الزبير ﵁ يوم قتله: أكان المصعب يشرب الطلا؟ فقال: لو عيب ما شربه. ووصف عمرو بن العاصي بعض الأشراف فقال: إنّه أخذ بثلاث، تاركٌ لثلاث: آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، ويحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمرين عليه إذا خولف؛ تاركٌ للمراء، تاركٌ لمقاربة اللئيم، تاركٌ لمّا يعتذر منه. وقال أعرابي يوصي صديقًا له: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإنَّ كان عندك اعتذاره: فليس من حكى عندك نكرًا، توسعه فيك عذرًا. وهذا كما قال الأول:\nقد قيل ما قيل إنَّ صدقًا أو كذبًا، ... فما اعتذارك من قولٍ إذا قيلا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>إنَّ الحسان مظنة للحاسد</span>.\nأخذناه من قول الحماسي:\nبيضاء آنسة الحديث كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد\nموسومة بالحسن ذات حواسد ... إنَّ الحسان مظنة للحاسد\nالحسان جمع حسناء. يقال: جارية حسناء وحسنة وحسانة على مثال رمانة، فهم حسان وحسانات، ورجل حاسن وحسن. وحسين وحسان بضم الحاء مع","vol":"1","page":146},{"text":"تشديد السين وتخفيفها، فهم حسان وحسانون. ومظنة الشيء بكسر الظاء: موضع يضن فيه وجوده. والحسد جنع حاسد وحاسدة. والمعنى أنَّ الحسناء مظنة لأن تحسد على حسنها. وكذا كل من له فضيلة ما مزية ما فهو مظنة لأن يحسد كما يقال: كل ذي نعمة محسود. ومن يمتدح بكثرة الحساد ويذم بقلتهم لأن وجود الحساد كناية عن وجود الفضل والنعمة كما قيل:\nحسدوا مروءتنا فضلل سعيهم ... ولكل بيت مروءة أعداءُ\nوقال آخر:\nإن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا\nفدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجدُ\nأنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أردُ\nوقال أبو الأسود أو غيره:\nحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصومُ\nكضرائب الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغضًا إنّه لدميمُ\nوقال عمار بن عقيل بن بلال بن جرير:\nما ضرني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو النقصان\nوقال بشار:\nلا عشت خلوا من الحساد إنهم ... أعز فقدًا من الائي أحبوني\nأبقى لي الله حسادي برغمهم ... حتى يموتوا بداء غير مكنون\nوقال محمود:\nأعطيت كل الناس مني الرضى ... إلاّ الحسود فانه أعياني\nلا أنَّ لي ذنبًا لديه علمته ... إلاّ تظاهر نعمة الرحمنِ\nوقال أبن أبي الطاهر:\nولم يزل ذو النقص من نقصه ... يحسد ذا الفضل على فضله\nوقال الآخر: ونعمة الله مقرونٌ بها الحسدُ","vol":"1","page":147},{"text":"وقال الآخر: ولن ترى للئام الناس حسادًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>إنَّ التخلق يأتي دونه الخلُقُ</span>.\nأخذناه من قول الحماسي:\nعليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إنَّ التخلق يأتي دونه الخلق\nوالخلق بضم الخاء واللام وتسكن: السجية والطبع؛ وتخلق الرجل بغير خلقه: تكلف ذلك. والمعنى إنَّ السجايا لا تزول، والخلائق القديمة لا تحول كما قيل:\nيرام من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل\nومن كلام العامة: تنتقل الجبال ولا تنتقل الطباع: فمتى تخلق الإنسان بغير خلقه وتكلف ما ليس في طوقه لقى العناء الشديد أو افتضح غير بعيد كما قال حسان: إنَّ لا خلائق فاعلم شرها البدع وسيأتي إتمام المعنى في قولهم: الطبع أملك في حرف الطاء إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>إنَّ السم مشروب</span>.\nأخذناه من قول الحماسي عبد الله بن عنمة الضبي:\nما إن ترى السيد زيدًا في نفوسهم ... كما تراه بنو زيد ومرهوبُ\nإن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرعُ محقبة والسيفُ مقروبُ\nوإن أبيتم فإنا معشرٌ أنفٌ ... لا نطعم الخسف إنَّ السم مشروبُ\nفازجر حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذا يرد وقيد العير مكروبُ\nالسيد بالكسر: قبيلة من ضبة؛ وزيد ومرهوب: حيان من ذهل بن شيبان. يقول: إنكم لا تعظمون في نفوسنا كما يعظم بعضكم في نفوس بعض؛ فإنَ طلبتم الحق أعطيناه وكان السلم بيننا حتى تكون الدرع محقبة أي مجعولة في الحقائب وهو مؤخر الرحال وتكون السيوف مقروبة أي مجعولة في قربها لعدم الحاجة إلى استلالها. وقوله:","vol":"1","page":148},{"text":"أنف جمع أنوف. والخسف: الظلم والذل. والمعنى: إننا نمتنع أن تلمسنا يد الظالم ونعاف أن نطعم الهوان والضيم ويهون علينا في نيل العزة والارتفاع تجشم غمرات الدفاع واصطلاء جحيم القراع حتى نشرب سموم الموت المنقعة بأطراف الأسنة المشرعة. وضرب الطعم لنيل الهوان، وشرب السم للموت والألم مثلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>إنَّ الكريم إذا خادعته انخدع</span>.\nهذا في شعر لم أثبته الآن. وقد تمثل بهذا المثل الرشيد وذلك إنّه سخط على حميد الطوسي فدعا له بالنطع والسيف لتضرب عنقه. فلما أخذ من بين يديه لتضرب عنقه بكى فقال له الرشيد: ما يبكيك؟ أجزعًا من الموت؟ قال: لا ولكن بكيت أن أخرج من الدنيا وأمير المؤمنين عليَّ ساخط. فضحك الرشيد وأنشد: إنَّ الكريم إذا خادعته انخدع ثم وهبه للحسن بن قحطبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>إنَّ ليتًا وإنَّ لوًّا عناءُ</span>.\nأخذناه من قول الحماسي:\nإنّما مت غير أني حيّ ... يوم بانت بودها الحسناءُ\nمن بني عامرٍ لها شطر قلبي ... قسمةٌ مثل ما يشقُ الرداءُ\nأشربت لون صفرة في بياضٍ ... وهي في ذاك لدنةٌ غيداءُ\nكل عينٍ متى تراها من ... الناس أليها مديمة حولاءُ\nليت شعري وأين مني ليت ... إنَّ ليتا وإنَّ لوا عناءُ\nوأراد بالليت الضمني وجعله اسمه كقوله: ليت وهل ينفع شيئا ليت؟ ولو هنا هي التي تكون للتمني نحو: لو تأتينا فتحدثنا. وجعله اسما كقوله:\nألامُ على لو ولو كنت عالما ... بأذناب لو لم تفتني أوائله\nوالعناء: المشقة والتعب. يريد أنَّ ما ذكر بعيد المطلب فتمنيه مشقة وتعب. وللبيتين الأولين قصة ظريفة وهي إنّه فيما يزعمون لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ قاضٍ يميل إلى سماع الشعر فطرب لذلك طربا شديدا وقام من مجلسه وأخذ نعاله وعلقهما في أذنيه وجعل يقول: أهدوني فإني هدية! فبلغ ذلك عمر رضي الله","vol":"1","page":149},{"text":"عنه فعزله. قال: لم عزلتني؟ امرأته طالق لو سمعها لقال: أركبوني فإني مطية! فلما بلغ خبره عمر أمر أن يؤتى به مع الجارية. فلما جلسا بين يديه قال له: مرها أن تغني بذلك الغناء! فلما غنت اضطرب عمر لذلك اضطرابا شديدا ودخلته الأريحية واستعاد الصوت منها مرارا وبكى وقال للقاضي: قد قاربت يمينك ورده إلى قضائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>أي الرجال المهذبُ</span>؟\nأخذناها من قول النابغة يعتذر للنعمان:\nولست بمستبقٍ أخًا لا تلمهُ ... على شعثٍ أي الرجال المهذبُ؟\nوالتهذيب: التصفية والتنقيح؛ والرجل المهذب: المطهر الأخلاق. والاستفهام للنفي أي لا رجل يكون أبدا حسن الفعال طاهر الخلال محمود الخصال إلاّ من عصم كقول الآخر:\nمن ذا الذي ما ساء قط؟ ... ومن له الحسنى فقط؟\nوإذ بينا يقال هذا البيان على تيسر من الأمثال النثرية فلنلم بشيء من الأمثال الشعرية أو ما يكون جاريا على منهاجها وماضيا على أدراجها قال الحماسي أمية بن أبي الصلت الثقفي يمدح عبد الله بن جدعان القريشي التيمي:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إنَّ شيمتك الحياءُ\nوعلمك بالحقوق وأنت فرعٌ ... لك الحسب المهذب والسناءُ\nوأرضك كل مكرمةٍ بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لها سماءُ\nخليلٌ لا يغيره صباحٌ عن الخلق الكريم ولا مساءُ\nإذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناءُ\nتباري الريح مكرمة ومجدًا ... إذا ما الكلب أجحره الشتاءُ\nوالذي يتمثل به كثيرا منه قوله: أأذكر حاجتي. . البيت، وقوله خليل لا يغيره. . البيت، مع الذي بعده وقد يقرن بينهما. والمضرب واضح. وكثيرا ما","vol":"1","page":150},{"text":"ينشد السادات الصوفية: كريم ما يغيره صباح، الخ، يتمثلون بذلك عند التنبيه على أنَّ التعرض لمواهب المولى جلة كلمته، ومزيد منحه الجميلة ومنه الجزيلة بطريق الثناء والشكر والذكر وكثرة التحميد والتبجيل والتعبد والمجاهدة، أبلغ من التعرض لذلك بمجرد الدعاء طلبا لنيل حاجة. وهذا ورد في كلام الشارع صلوات الله وسلامه عليه: أفضل الدعاء الحمد لله! وقال تعالى:) لئن شكرتم لأزيدنكم (. وهذا مقام يبين في محله. وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:\nدع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ\nصفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجرٌ مسته سراءُ\nحتى قال:\nلتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ ... كانت تحل بها هندٌ وأسماءُ\nفقل لمن يدعي في الحب معرفةً ... عرفت شيئًا وغابت عنك أشياءُ\nوالذي يتمثل به منها كثيرا الشطر الأول والأخير. أما الأول فقد أخذه أبن قلاقس فقال:\nفدعي الملامة في التصابي واعلمي ... أنَّ الملامة ربما تغريني\nواكثر الشعراء في هذا النحو وكلهم مقتبسون منه حائمون عليه. فمن ذلك قول أبن شرف:\nقل للعذول: لو أطعت على الذي ... عاينته لعناك ما يعنيني\nأتصدني أم للغرام تردني ... وتلومني في الحب أم تغريني؟\nدعني فلست معاقبا بجنايتي ... إذ ليس دينك لي ولا لك ديني\nوقول الآخر:\nوما عذولي ناهيا عنكم ... لكنه بالصبر أمارُ\nقال: اسلهم إن لم تطق هجرهم ... قلت له: النار ولا العارُ\nوقول الآخر:","vol":"1","page":151},{"text":"يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زورٌ وبهتانُ\nما وجه من أحببته قبلةٌ ... قلت: ولا قولك قرآنُ\nوقول الآخر:\nيا عاذلي ليس مثلي من تفنده ... وليس مثلك مأمونا على عذلي\nما دمت خلوًا تنفك متهمًا ... أعشق وقولك مقبولٌ عليَّ ولي\nوقوله:\nمن منصفي من عاذل جاهل ... يخون باللوم لمن لا يخونُ\nإن قلت: ما نصحك إلاّ أذىً ... قال: وما عشقك إلاّ جنونُ\nوقوله:\nإنَّ قوما يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا\nسمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيبا وأعطوا خبيثا\nوقول الآخر:\nأسرفت في اللوم ولم تقتصر ... وزدت في لومك يا ذا العذول\nقد رضيت نفسي بمحبوبها ... وإنّما المولى كثير الفضول\nوقول الآخر:\nتعرض لي اللاحي وجاء يزورني ... وزجرف لي زور الكلام بمينهِ\nوقال: اسل عن هذا وعد عن غرامه ... فقلت له: هذا الفضول بعينهِ\nوقول الآخر:\nزعموا أنني هويت سواكم ... كذبوا ما عرفت إلاّ هواكم\nقد علمتم بصدق مرسل دمعي ... فسلوه إن كان قلبي سواكم\nقال لي عاذلي: متى تبصر الرشد ... وتسلو؟ فقالت: يوم عماكم\nوقول ابن سناء الملك:\nأيا عاذلي فيه لمّا رآه ... لئن كنت أعمى فإني أصم\nوهبك أبا ذر هذا الملام ... فأني أبو جهل ذاك الصمم","vol":"1","page":152},{"text":"وقوله أيضًا:\nوصفتك واللاحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذر وكان أبا جهلِ\nله شاهدا زور من النهي والنهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدلِ\nوقول آخر:\nوبي عاذلٌ يغري إلى الجهل لم يخل ... بأني في دعوى الغرام أبو ذرِّ\nوالمراد بهذا الصدق في الهوى. ومن هذا النمط قول آخر:\nوشادنٍ مبتسمٍ عن حبب ... مورد الخد مليح الشنب\nيلومني العاذل في حبه ... وما درى شعبان أني رجب\nوذلك لأن شعبان عند العرب يسمى العاذل ورجب يسمى الأصم. ومما نحن فيه قول الآخر:\nإذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصخت إلى الواشي فلج بها الهجرُ\nأشار بالشطر الأول إلى أن العذل يغريه. وقول البوصيري:\nمحضتني النصح لكن ليس أسمعه ... إنَّ المحب عن العذال في صممِ\nويقرب منه قول عفيف الدين التلمساني:\nولي على عاذلي حقوق هوى ... عليه شكري ببعضما يجبُ\nلام فلما رآه هام به ... فكنت في عشقه أنا السببُ\nوقول الآخر:\nأبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبلها رآهُ\nفقال لي: لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواهُ\nقل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواهُ\nفظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاهُ\nومن ذلك قول حفص العليمي:\nأقول لحلمي لا تزعني عن الصبا ... وللشيب لا تذعر عليَّ الغوانيا\nطلبت الهوى العذري حتى وجدته ... وصيرت في نجدٍ به ما كفانيا\nوقول الخزاعي:","vol":"1","page":153},{"text":"هددت بالسلطان فيك وإنّما ... أخشى صدودك لا من السلطانِ\nوقول أبي الشيص:\nأجد الملامة في هواك لذيذةٌ ... حبا لذكرك فليلمني اللومُ\nوأما بيته الأخير فينشده المتمثلون اليوم:\nقل للذي يدعي علما ومعرفة ... عرفت شيئا وغابت عنك اشياءُ\nعجيبة: حكي أنَّ المفضل الضبي قال له الرشيد - دلني على بيت أوّله أكثم أبن صيفي في أصالة الرأي وجودة الوعظة وآخرها بقراط في معرفة الدواء. فقال: يا أمير المؤمنين لقد هولت علي. فقال: هذا قول أبي نواس: دع عنك لومي. وسأل حامدبن العباس عليَّ بن عيسى الوزير فقال له: ما دواء الثمل وقد علق به؟ فأعرض عنه الوزير وقال: ما لنا وهذه المسألة؟ فخجل حامد وإذا بقاضي القضاة أبي عمر قد ورد عليهم فلما قعد سأله حامد عن ذلك فقال القاضي: قال الله تعالى:) وما آتاكمُ الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (. وقال رسول الله ﷺ: استعينوا على كل صنعة بصالحي أهلها والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية وقد فال في ذلك:\nوكاسٍ شربت على اذة ... وأخرى تداويت منه بها\nثم تلاه أبو نواس فقال في ذلك:\nدع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ\nفأشرق وجه حامد حينئذ وقال للوزير: ما ضرك يا بارد لو أجبت ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في الجواب بقول الله تعالى وبقول رسول الله ﷺ وبين الفتيا وأدى المعنى وتبرأ من العهدة؟ فكان خجل الوزير من حامد بهذا الكلام أكثر من حامد منه لمّا ابتدأه بالمسألة.\nقلت وهذا الكلام من القاضي كان على مجاراة أهل هذه الصنعة وتبيان ما ثبت في نفس الأمر من بعض منافع الخمر ولم يتعرض للحكم الشرعي من حرمة التداوي بها،","vol":"1","page":154},{"text":"لعلمه إن السائل يعرف ذلك، وإلاّ فكان الواجب أن يستدرك عقب كلامه بما ذكر النبي ﷺ فيمن تداوى بالحرام، والله اعلم.\nواعلم أن التصامم عن العذال قد تقدم في كلام الشعراء كثيرًا قبل أبي نواس، كقول زهير في الجود:\nوأبيض فياضٍ يداه غمامة ... على معتفيه ما تغلب نوافله\nبكرت عليه غدوة فرأيته ... قعودًا لديه بالصريم عواذله\nيفدينه طورًا وطورًا يلمنه ... وأعيى فما يدرين أين مخاتله\nفأقصرن منه عن كريم مرزءٍ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله\nغير إنَّ أبا نواس لم يكتف العذل ضائعًا، حتى جعله ناجعًا، في عكس المطلوب، ونقيض المرغوب. ولم يحضرني الآن أسبق بهذا أم لا. وقال الشاعر:\nألقاه في البحر مكتوفًا وقال له: ... إياك، إياك أن تبتل بالماء!\nوهو مثل مشهور يضرب عند إلزام الشخص ترك ما لا محيص له عنه عند وجود سببه، أو ارتكاب مالا قدرة عليه. ومنه التكاليف الشرعية عندنا معشر الاشاعرة عند النظر إلى التحقيق وباطن الأمر، إلاّ أنا نجوز في حق الملك الحق تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد من غير قبح في شيء من ذلك، بل حسن جار على وفق الاختيار، وتصرف من له الاقتدار، ولا سيما بحسب الظاهر. ويقرب من هذا المعنى قول بعض الشعراء في امرأة:\nسكت فقالت: قد سكت عن الحق ... ففهت فقالت ما دعاك إلى النطق؟\nفأومأت هل من حالة بين ذا وذا؟ ... فقالت: وذا الإيماء أيضًا من الحمق\nفلم أرلي إذ حلت الغرب راحةً ... من الشر إلاّ في المسير إلى الشرق\nفلما أتيت الشرق ألفيتها به ... وقد قعدت بي منه في أضيق الطرق\nفيا قوم هل من حيلة تعرفونها؟\nوقال الآخر:\nمن غص داوى بشراب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء؟","vol":"1","page":155},{"text":"ومضربه واضح. وفي معناه قول الأول:\nلو بغير الماء حلقي قد شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري\nوقول الآخر:\nإلى الماء يسعى من يغص بأكله ... فقل: أين يسعى من يغص بالماء؟\nوقول الآخر:\nفكيف نجيز غصتنا بشيءٍ ... ونحن نغص بالماء الشروب؟\nوقول الآخر:\nفلو كان هذا الحكم في غير ملككم ... لبؤت به أو غص بالماء شاربه\nوقول الآخر:\nمصاحبة المنى خطر وجهلُ ... وكم شرقٍ تولد من زلالِ!\nوقول أبن حبوس:\nمضى الكرماء صانوا ماء وجهي ... بما بذلوه عن ذل السؤال\nوها أنا بعدكم في الناس ابغي ... كريمًا يشتري شكري بمالِ\nأرى الاكدار يشرق شاربوها ... فوا شرقي من الماء الزلال!\nوقول الآخر:\nإني لأذكركم وقد بلغ الظمأ ... مني فأشرق بالزلال الباردِ\nوأقول ليت أحبتي عاينتهم ... قبل الممات ولو بيوم واحد!\nوقول الآخر:\nقد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي\nفرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال الباردِ\nوقول الآخر:\nكنت من محنتي أفر إليهم ... فهم محنتي فأين الفرار؟\nوقول أبن سناء الملك:\nأموت غراما حين احرم وصل من ... هويت وأحيا فرحة حين ارزق","vol":"1","page":156},{"text":"وإنَّ الفتى يحيا بما قد يميته ... فبالماء يحيا وهو بالماء يشرقُ\nوقال البحتري:\nتداويت من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الربى من بات بالماء يشرقُ\nوهو مخالف لمّا قبله باعتبار: فإنَ الأول ناظر إلى جنس الماء وإنّه يكون سببا للحياة والموت باعتباري مساغه والشرق به، وتنظير الأحبة بذلك باعتبار وصالهم وفراقهم صحيح. والثاني ناظر إلى من وقع له الشرق بالماء وإنّه لا ينتفع بالماء لمّا مر في الأناشيد وهو صحيح ولكن التنظير خطأ إلاّ أن يريد الأخبار عما وقع له هو من حصول الوحشة ممن يترقب منه الأنس ولم يلاحظ ما قال أبن ذريح:\nتداويت من ليلى بليلى من الهوى ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمرِ\nأخذه من قول الأعشى السابق:\nوكأس شربت على لذةٍ ... وأخرى تداويت منها بها\nوهذا كله وفق قول أبن سناء الملك. وقال الآخر:\nيا قوم قلبي عند زهراء ... يسمعه السامع والرائي\nلا تدعني إلاّ بيا عبدها ... فانه أشرف أسماءِ\nيتمثل بالبيت الثاني. وقد تمثل به العلماء في قصة تخيير النبي ﷺ بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا، واختياره أن يكون عبدا وهو أشرف الأمرين وأجل فإنَ الإضافة إلى الشرف تفيد شرفا. وأي شرف ومجد وعظمة وجلال وراء عظمة مالك الملك الحق تعالى! وأي منزلة أعظم من الانتساب إليه؟ وقال الآخر:\nسهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاءُ\nوقبله:\nأتهزأ بالدعاء وتزدريه؟ ... تأمل فيك ما صنع العاءُ!\nوتمثل صاحب التشرف بهذا الشعر حين ذكر أنَّ أبا الفضل أبن النحوي دخل فأسًا، فلما ظهر أصلب القاضي أبن دبوس منه غيرة وآذاه. فلما أزمع أبو الفضل الخروج قطع تلك الليلة التي يخرج في صبيحتها بسجدة دعا في آخرها وقال: اللهم عليك بابي دبوس! فأصبح القاضي ميتا. وقال الآخر وهو معنى رشيق، وكان عتب","vol":"1","page":157},{"text":"على الصمت:\nقالت الضفدعة قولًا ... فسرته الحكماءُ\nفي فمي ماءٌ وهل ينطقُ ... من في فيه ماءُ؟\nوقال ذي الرمة:\nأما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيلبك ممن يشرب الماءَ\nقومٌ يرون عما في صدورهم ... حتى إذا استحكموا كانوا هم الداءَ\nيشمرون إلى انصاف سوقهم ... هم اللصوص وقد يدعون قراءَ\nولهذا الشعر قصة وهي أنَّ ذا الرمة اجتمع هو وإسحاق بن سويد العدوي في مجلس. فأتيا بطعام فطعما، وأتيا بنبيذ فشرب ذو الرمة وأبى إسحاق أن يشرب. فقال ذو الرمة: أما النبيذ فلا يذعرك شاربه الأبيات. وقال إسحاق مجيبا له:\nأما النبيذ فقد يزري بشاربه ... ولن ترى شاربا أزرى به الماءُ\nالماء فيه حياة الناس كلهم ... وفي النبيذ إذا عاقرته الداءُ\nيقال هذا نبيذي يعاقره ... فيه عن البر والخيرات إبطاءُ\nوفيه إن قيل مهلا عن مصممة ... وفيه عند ركوب الإثم إغضاءُ\nومثل قول أبن الرومي قول الآخر وبنسب لابن الرومي في الفقهاء:\nأذيابا بدت لنا ... في ثياب ملونة\nإحلالًا وجتم ... أكلنا في المدونه\nوقوله أيضًا:\nإلاّ إنّما الدنيا ميتةٍ ... وطلابها مثل الكلاب الموامسِ\nوأعظمهم ذمًا لها وأشدهم ... لها شغفًا قومٌ طوال القلانسِ\nومثل قول إسحاق بن سويد في النبيذيين قول الآخر:\nبلوت النبيذيين في كل بلدةٍ ... فليس لأصحاب النبيذ حفاظُ\nإذا أخذوها ثم أغنوك بالمنى ... وإن فقدوها فالوجوه غلاظُ\nعكاظية لا قدس الله روحها ... وما ذكرت في الصالحين عكاظُ\nوسيأتي كل من الأمرين مستوفي إن شاء الله تعالى. وقال الآخر:","vol":"1","page":158},{"text":"إذا انقطع الرجا من كل حي ... ففي الله الكفاية والرجاءُ\nسيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناءُ\nوقد جمع بين الممدوح وهو الرجاء وبين مد المقصور وهو الغناء بكسر الأول ضد الفقر.\nوقال عدي بن الرقاع:\nوإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضنا به نظري إلى الفقراءِ\nبل ما رأيت جبال أرض تستوي ... فيما عسيت ولا نجوم السماءِ\nكالغيم فيه وابلٌ متتابعٌ ... غدقٌ وآخر لا يجود بماءِ\nوالحر يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياءِ\nومثل البيت الأول قول الحماسي:\nولمّا أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا اهلِ\nتسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي\nوقال الآخر:\nلم ألق بعدهم حيًا فأخبرهم ... إلاّ يزيدهم حبًا الي همُ\nوقال الحماسي عدي بن الرعلاء:\nليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنّما الميت ميت الأحياءِ\nإنّما الميت من يعيش كئيًا ... كاسفا باله قليل الرجاءِ\nوقال الآخر:\nيوما بحزوي ويومًا بالعقيق ... وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء\nوقال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:\nوما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلاّ عناءُ\nوبعض خرئق الأقوام داءٌ ... كداء البطن ليس له دواءُ\nيريد المرء أن يعطي مناه ... ويأبى الله إلاّ ما يشاءُ\nوكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاءُ","vol":"1","page":159},{"text":"فلا يعطي الحريص غنى لحرصٍ ... وقد ينمى على الجود الثراءُ\nغني النفس ما عمرت غني ... وفقر النفس ما عمرت شقاءُ\nوليس بنافع ذا البخل مالٌ ... ولا مزر بصاحبه السخاءُ\nوبعض الداء ملتمس شفاه ... وداء النوك ليس له شفاءُ\nوقال الآخر من شعراء الحماسة:\nوأرض عن مطامع قد أراها ... وأتركها وفي بطني انطواءُ\nفلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ\nيعيش المرء ما استحيى بخير ... ويبقى العود ما بقى اللحاءُ\nوقلت أنا في أمر حدث:\nتعلم أنَّ شر الأصدقاء ... صديق لا يدوم على الإخاء\nمتى ما تلقيه أرضاك بشرًا ... وليس إذا تغيبت ذا وفاء\nلعمرك ما الوداد سوى وداد ... يدوم على التداني والتنائي\nوفي الأتراب والترب المجلي ... أخاك وفي المسرة والبلاء\nوليس أخوك من يبدي ودادا ... بوجهك طاويا مكنون داء\nفإن أدبرت أتبعك أعتضاضًا ... بنابيه وعاد من العداء\nوقال الآخر:\nإنَّ الذي وهو مثر لا يجود حرٍ ... بفاقة تعتريه بعد إثراء\nقوله: وهو مثر جملة حالية فصل بها بين الموصول وصلته وذلك قيل؛ والمثري: الغني. وقال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:\nوكنت أمرء لا أسمع الدهر سبه ... أسب بها إلاّ كشفت غطاءها\nمتى يأت هذا الموت لا تلف حاجة ... لنفسي إلاّ قد قضيت قضاءها\nيريد: إلاّ قضيتها قضاء فأوقع القلب كما ترى. وقال الآخر:\nأقول لمقلتي لمّا التقينا ... وقد شرقت مآقيها بماء\nخذن اليوم من نظري بحظ ... فسوف تكونين إلى البكاء","vol":"1","page":160},{"text":"ومثله قول الآخر:\nترفق بدمعك فاستبقه ... فبين يديك بكاءٌ طويل\nوقال البحتري بن المغيرة بن أبي صفرة وكان المهلب بن أبي صفرة قد استعمل يزيد على حرب خراسان والمغيرة على خراجها ولم يوله هو شيئا. فكتب إليه:\nأقرأ السلام على الأمير وقل له: ... إنَّ المقام على الهوان بلاءُ\nأصل الغدو إلى الرواح وإنّما ... أذني وأذن الأبعدين سواءُ\nأجفى ويدعى من ورائي جالسًا ... ما بالكرامة والهوان خفاءُ\nفلما بلغ المهرب ذلك وجد عليه وألزمه بيته فكتب إليه:\nجفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يريد لي قد أزور جانبه\nوكلهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى ليسؤم إذا جاع صاحبه\nفيا عم مهلًا واتخذني لنوبة ... تلوم فإنَ الدهر جم نوائبه\nأنا السيف إلاّ أنَّ للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه\nفرضي عنه وعزل المغيرة وولاه. وقال خالد الكاتب:\nأعان طرفي على جسمي وأحشائي ... بنظرة وقفت جسمي على داءِ\nوكنت غرًا بما يجنى على بدني ... لا علم لي أنَّ بعضي بعض أدواءِ\nوأخذه من قول إبراهيم بن المهدي:\nإذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر\nفلم يعلم الواشون ما بيننا ... وقد قضيت حاجاتنا بالضمائر\nأقاتلتي ظلما بأسهم لحظها ... أما حكم يقضي على طرف جائرِ\nفلو كان للعشاق قاض من الهوى ... إذا لقضى بين الفؤاد وناظري\nومثله قول الآخر:\nوالله يا طرفي الجاني على بدني ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن\nولهذا الشعر قصة طريفة: حكي عن بعض المغنين قال قدم عليَّ فتى حسن الوجه","vol":"1","page":161},{"text":"عليه اثر السقم وقال: لي عندك حاجة! قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار وقال: اقبلها مني واصنع لي لحنا في بيتين وغنني بها. فقلت: نعم! حبا وكرامة فأنشد البيتين المذكورين. قال: فصنعت لحنا شجيا ثم غنيته إياه. فأغمي عليه حتى ظننته قد مات ثم أفاق وكأنما نشر من قبر. فقال: أعد عليّ! فناشدته الله في نفسه وقلت: أخشى والله أن تموت. فقال: ليت ذلك قد كان فأستريح! وجعل يتضرع لي حتى رحمته فأعدت الصوت. فصعق صعقة ظننت أن نفسه زهقت فيها. فجعلت أنضح وجهه بالماء. فلما أفاق وضعت دنانيره بين يديه وقلت: انصرف عني فإني لا أحب أن أشرك في دمك. فقال: لا حاجة لي بها ولك عندي مثلها. وأخرج ثلاثمائة أخرى وقال: أعد علي الصوت مرة أخرى وأنا أنصرف عنك. فشرهت نفسي إلى الدنانير وقلت: أفعل على ثلاث شروط. قال: وما هي؟ قال: الأول أن تأكل من الطعام ما تتقوى به؛ والثاني أن تشرب أقداحا من النبيذ تمسك قلبك والثالث أن تحدثني بقصتك فلعل ذلك ينفعك. فقال: نعم. فدعوت بالطعام فأصاب منه ودعوت بالشراب فشرب أقداحا وأنا أغنيه ما يحضرني. فلما رأيت النبيذ شد قلبه غنيت الصوت فطرب وأعته عليه مرارا رضي وسكن. فقلت: حدثني. فقال. أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزها وقد سال العقيق مع أصحاب لي. فخرج فتيات لمثل ما خرجنا إليه. فنظرت إلى فتاة منهن كأنها غصن بان، فعلقتها من وقتي وأطلت إليها وأبصرت هي ذلك مني. فلما تفرق الناس وجدت بقلبي جرحا ولم أعرف لها ولا لصواحبها خبرا. فمرضت لذلك حتى يئس مني أهلي. فخلت بي ظئري وسألتني عن ضري وضمنت لي كتمان السر والسعي فيما يصلح. فأخبرتها خبري، فقالت: لا بأس عليك سيعود المطر ويسيل العقيق فتخرج معك. فإذا رأيتها عرفتني بها فلا أفارقها حتى تقف على موضعها وأوصلك إليها وأسعى في تزوجها. فسكنت نفسي لقولها ولم نلبث أن جاء المطر وسال العقيق. فخرجت مع أصحابي ومعي ظئري وجلسنا مجلسنا الأول بعينه وإذا بالنسوة وفيهن صاحبتي. فأومأت إلى ظئري حتى عرفتها وقلت لها: انطلقي وقولي: يقول لك الفتى: والله لقد أحسن الذي يقول:\nرمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحا به وندوبا","vol":"1","page":162},{"text":"فمضت وقالت لها ذلك. فقالت: قولي له: لقد احسن القائل واحسن الذي يقول:\nبنا مثل ما يشكو فصبرا لعلنا ... نرى فرجا يشفي الفؤاد قريبا\nقال: فلما انصرفنا، تبعتها حتى عرفت مكانها، فتلطفت حتى جمعت بيننا على مخالسة، فظهر ما بيننا فحجبت عني ولم أقدر على لقائها. فبلغ ذلك أبي فخطبها من أبيها فقال: لو كان هذا قبل اشتهار حديثها لأسعفته؛ وأما الآن فلا أحقق مقالة الناس فيها بتزويجها منه. فيئست منها ومن نفسي، فخرجت هائما حتى بلغتك. قال المعني المذكور: ثم إنني حضرت مجلس جعفر بن يحيى، فغنيته بشعر الفتى، فقال: ويحكم! ما هذا الصوت وما قصته؟ فقلت: قصة أظرف منه. ثم حدثته بحديث الفتى، فأمر بإحضاره وسأله، فأعاد عليه الحديث كما حدثته فقال له: أنا ضامن لك تزويجها، فطابت نفسه. ثم ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه الحديث. فاستظرفه وأمر بإحضارنا جميعا، وسأل الفتى عن حديثه فحدثه وقال لي: غن الصوت فغنيته وطرب له وشرب عليه، وأمر بالكتب إلى عامل الحجاز بأشخاص الرجل وأهله وولده مكرمين. فلما حضروا عنده أعطى الرجل ألف دينار وأمره بتزويج الجارية من الفتى، وأعطى الفتى ألفي دينار، وأمر لي بألف دينار.\nوقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، من قصيدة:\nانظر وإياك الهوى لا تمكنن ... شيطانه من مقلةٍ شوشاء\nوقال أيضًا، من هذه القصيدة، يخاطب خالد بن يزيد:\nلو سيرت لالتقت الضلوع على أسى ... كلف قليل السلم للأحشاء\nولجف نوار الكلام وقلما ... يبقى بهاء الغرس بعد الماء\nوقال أيضًا، من أخرى:\nلا تسقيني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ما بكائي\nوفي إضافة الماء للملام، غرابه أوجبت بعض الهجنة والبرودة في الكلام يحكى إنّه عيب عليه ذلك حتى تحدث أن بعض عصرييه أرسل إليه إنَّ ابعث إلي بشربة من ماء الملام. فقال: حتى تبعث إلي بريشة من جناح الذل. وهذه خطيئة أبشع من الأولى،","vol":"1","page":163},{"text":"فإن الاستعارة في جناح الذل مأنوسة الاستعمال قديما وحديثا، ومدركا حسنها وفصاحتها بالذوق دون ماء الملام. وقد وقع له في هذه القصيدة نفسها ما يقرب من هذا، حيث قال:\nرأي لو استسقيت ماء نصيحةٍ ... لجعلته رأيا من الآراء\nغير إنَّ هذا، وإنَّ كان غريبا، يحسنه أن الرأي والنصيحة تحيا بهما النفوس كما تحيا بالماء الأبدان، ولا كذلك الملام. وقال أبو الطيب أحمد بن حسين المتنبي:\nعذل العواذل حول قلبي التائه ... وهوى الأحبة منه في سودائه\nوتقدم هذا المنزع وما فيه قبل. وقال أيضًا:\nأنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا انطلقت فأني الجوزاء\nوإذا خفيت على الغبي فعاذر ... ألا تراني مقلة عمياء\nوقال الآخر:\nإنَّ الحديث جانب من القرى ... ثم المنام بعد ذلك في الذرى\nوقال الآخر:\nإذا القوم قالوا من لعظيمةٍ ... فما كلهم يدعى ولكنه الفتى\nوقال الآخر:\nضاع سعيي وخبت وخابت أعاديك ... ومن يبتغي لك الأسواء\nواحتملت الحرمان والنقص والأبعاد ... والذل والعنا والجفاء\nوتحملت واصطبرت فلم يبق ... على عوادي الزمان لحاء\nأعلى هذه المصيبة صبر ... لا ولو كنت صخرة صماء\nومثله في التشكي قول الآخر:\nأسجنًا وقيد واشتياق وغربة ... ونأي الحبيب إنَّ ذاك عظيم!\nوإنَّ أمرءًا تبقى مواثيق عقده ... على مثل ما لاقيته لكريم","vol":"1","page":164},{"text":"وقول الآخر:\nولقد أردت الصبر عنك فأعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم\nيبقى على حادث الزمان وريبه ... وعلى جفائك إنّه لكريم\nوقال الآخر:\nقال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل\nوقال الآخر:\nوإذا ما الصديق صار عدوا ... كان في الشر أكبر الأعداء\nوقال الآخر:\nلا تعدن للزمان صديقا ... واعد الزمان للأصدقاء\nومثله قول الآخر:\nليس بالمنكر انقلاب صديقٍ ... ربما غص شارب بالشراب\nلا تصيع مودة من صديق ... فانقلاب الصديق شر انقلاب\nوقول منصور الفقيه:\nأحذر عدوك مرة ... وأحذر صديقك ألف مرة\nفلربما انقلب الصديق ... فكان أعرف بالمضره\nوقوله:\nأحذر مودة ماذق ... مزج المرارة بالحلاوة\nيحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوة\nوقول الآخر:\nكن من صديقك خائفا فلربما ... حال الصديق فصار غير الصديق\nوقول أبن الرومي:\nعدوك من صديقك مستفاد ... فأقلل ما استطعت من الصحاب\nفإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب\nوقول الآخر:\nدار الصديق إذا استشاط تغيظا ... فالغيظ يخرج من كامن الأحقاد","vol":"1","page":165},{"text":"قول أبن الخالدي:\nوأخٍ رخصت عليه حتى ملني ... والشيء مملول إذا ما يرخص\nما في زمانك ما يعز جوده ... إنَّ رمته إلاّ صديق مخلص\nوقول المنصور أيضًا:\nإذا تخلفت عن صديقٍ ... ولم يعاتبك في التخلف\nفلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف\nوقول الأنصاري:\nإلاّ رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته ساءك ما يفري\nلسان له كالشاهد مادت حاضرًا ... وبالمغيب مطرور على ثغرة النحر\nوقول أبي الطيب:\nومن نكد الدنيا على المرء إنَّ يرى ... عدوا له ما من صداقته بد\nوما يحكى إنَّ كسرى قال يوما لمرازبته: من أي شيء انتم اشد حذرًا؟ قالوا: من العدو الفاجر، والصديق الغادر. وقول موسى بن جعفر: اتق العدو وكن من الصديق على حذر، فإن القلوب سميت قلوب لتقلبها. وسيأتي كثير من هذا النمط بعد إنَّ شاء الله تعالى. وقال أبو الطيب:\nوهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء\nوقال أيضًا مادحا:\nوإذا مدحت فلا لتكسب رفعة ... للشاكرين على الإله ثناء\nوإذا مطرت فلا لأنك مجدب ... يسقى الخصيب وتمطر الادماء\nوالادماء: البحر. وقال أيضًا:\nإنّما التهنئات للأكفاء ... ولمن يدني من البعداء\nوأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء\nوقال أيضًا من هذه القصيدة يمدح كافورا وكان أسود:\nإنّما الجلد ملبس وابيضاض ... النفس خير من ابيضاض القباء\nوقال أيضًا:\nوما كل من قال قولا وفى ... ولا كل من سيم خسفًا أبى","vol":"1","page":166},{"text":"وقال:\nولا بد للقلب من آلة ... ورأي يصدع صم الصفا\nوقال:\nفكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والعمى\nوقال:\nوماذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكا\nوقال:\nومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى\nوقال الحماسي محرز الضبي يهجو بني عدي بن جندب، من أبيات:\nوإني لراجيكم على بطئ سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء\nواخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... ولو شئت قال المخبرون أساءوا\nوقال القاسم بن حنبل في بني سنان:\nلهم شمس النهار إذا استقلت ... ونور ما يغيره العماء\nهم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسن العشيرة حيث شاءوا\nبناة مكارم وأساء كلمٍ ... دماؤهم من الكلب الشفاء\nوإنّما قال ذلك لمّا يزعمون من أنَّ من أصابه الكلب، وهو شبه جنون يصيب من عضه الكلب، ثم سقي دم ملك أو شريف برئ، ومثله قول زهير:\nوإنَّ يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديما من مناياهم القتل\nوقول الآخر:\nأحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم من الكلب\nوقال الحسين بن مطير الأسدي يصف برقا وسحابا:\nمستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء\nفله بلا حزن ولا بمسرةٍ ... ضحك يراوح بيننا وبكاء","vol":"1","page":167},{"text":"كثرت ككثرة ودقه أطباؤه ... فإذا تحلب فاضت الأطباء\nوكأن عارضها حريق يلتقي ... أشب عليه وعرفج وآلاء\nلو كان من لجج السواحل ماؤه ... لو يبق في لجج السواحل ماء\nوللعرب فمن بعدهم في وصف السحاب والبرق والرعد إكثار وإطناب لا يأتي عليه الحصر ولكنا نذكر جملة من مستحسن ذلك ومما كان منه حسن إنَّ يتمثل به. فمن ذلك قول امرئ القيس:\nاصاح ترى برقها وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل\nيضيء سناه أو مصابيح راهب ... آمال السليط في الذبال المفتل\nوقوله:\nاعني على برق أراه وميض ... يضيء حبيا في شماريخ بيض\nويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتغتاب الكسير المهيض\nوتخرج منه لامعات كأنها ... اكف تلقى الفوز عند المفيض\nوقوله:\nديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر\nتخرج الود إذا ما اشجذت ... وتواريه إذا ما تستكر\nوهي قطعة أبيات في هذا. وأشجذت: أقلعت. وقوله:\nيساجل التؤم اليشكري ... وأواخر الأنصاف للتؤم\nوقوله:\nأحار ترى بريقا هب وهنا ... كنار مجوس تستعر استعارا\nأرقت له ونام أبو شريح ... إذا ما قلت قد هدأ استطارا\nكأن هزيره بوراء غيب ... عشار وله لاقت عشارا\nفلما أن دنا لقفا أضاح ... وهت أعجاز ريقه فحارا\nفلم يترك بذات السر ظبيا ... ولم يترك بجلهتها حمارا\nوقال عبيد أبن الأبرص:","vol":"1","page":168},{"text":"يا من لبق أبيت الليل ارقبه ... في عارض كمضي الصبح لماح\nدان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح\nكأن ريقه لمّا علا شطبا ... اقراب ابلق ينفي الخيل رماح\nينزع جلد الحصى أجش مبترك ... كأنه فاحص أو لاعب داح\nفمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح\nكأن فيه عشار جلة شرفا ... شعثا لهاميم قد همت بارشاح\nهدلا مشافرها بحا حناجرها ... تزجا مرابعها في صحصح ضاح\nوقول كثير:\nفالمستكن ومن يمشي بمروته ... سيان فيه ومن بالسهل والجبل\nوقول الحماني:\nدمن كأن رياضها ... يسبيان أعلام المطارف\nوكأنما غدرانها ... فيها عشور في مصاحف\nوكأنما أنهارها ... يهتز بالريح العواصف\nطرر الوصائف يلتقين ... بها إلى طرر الوصائف\nباتت سواريها تمخض ... في رواعدها القواصف\nثم انبرت سحا ... كباكية بأربعة ذوارف\nوكأن لمع بروقها ... في الجو أسياف المثاقب\nوقول عبيد:\nسقى الرباع مجلجل ... الأكناف لمع بروقه\nجون تكفكفه الصبا ... وهنا تمريه خريقه\nمري العسيف عشاره ... حتى إذا درت عروقه\nودنا يضيء ربابه ... غبا يضرمه حريقه","vol":"1","page":169},{"text":"حتى إذا ما ذرعه ... بالماء ضاق فما يطيقه\nهبت له من خلفه ... ريح الشماسية تسوقه\nحلت عزاليه الجنوب ... فثج واهيه خروقه\nوقال كثير:\nتسمع الرعد في المخيلة منها ... مثل هزم القرون في الاشوال\nوترى البرق عارضا مستطيرا ... مرح البلق جلن في الإجلال\nأو مصابيح راهب في يفاع ... سغم الزيت ساطعات الذبال\nوقوله:\nاهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمنه فرش الحيا فالمسارب\nيجر ويستأني نشاطا كأنه ... بغيقه حاد جلجل الصوت جالب\nتألق واحمومى وخيم بالربى ... احم الذرى ذو هيدب متراكب\nكما اومضت بالعين ثم تبسمت ... خريع بدا منها جبين وحاجب\nوقول عبد الله بن المعتز:\nومزنة جاد في أجفانها مطر ... فالروض منتظم والقطر منتثر\nترى مواقعه في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر\nوقوله أيضًا:\nكأن رباب الجون والفجر ساطع ... دخان حريق لا يضيء له جمر\nوقول أبي الغمر:\nنسجته الجنوب وهو صناع ... فترقى كأنه حبشى\nوقول الآخر:\nما ترى نعمة السماء على الار ... ض وشكر الرياض على الأمطار\nوقول الآخر:\nوموقرة بثقل الماء جاءت ... تهادي فوق أعناق الرياح\nفجاءت ليلها سحا ووبلا ... وهطلا مثل أفواه الجراح","vol":"1","page":170},{"text":"وقول الآخر:\nبدا البرق من نحو الحجاز فشاقني ... وكل حجازي له البرق شائق\nسرى مثل نبض العرق والليل دونه ... وأعلام أبلى كلها والاسالق\nوقول الطائي ومنه اخذ:\nإليك سرى بالمدح ركب كأنهم ... على العيس حيات اللصاب النضانض\nتشيم بروقا من نداك كأنها ... وقد لاح أولاها عروق نوابض\nوقول الآخر:\nأرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائبا منها يهب ويهجع\nسرى كإقتداء الصبر والليل ضارب ... بأوراق والصبح قد كاد يسطع\nوقول الآخر:\nأرقت لبرق سرى موهنا ... خفي كغمزك بالحاجب\nكأن تألقه في السماء ... يدا حاسب أو يدا كاتب\nوقول أبن المعتز:\nرأيت فيها برقها منذ بدت ... كمثل طرف العين أو قلب يجب\nثم حدت بها الصبا حتى بدا ... فيها من البرق كأمثال الشهب\nتحسبه فيها إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعة يضرب\nوتارة تحسبه كأنه ... ابلق مال جله حين وثب\nحتى إذا ما رفع اليوم الضحى ... حسبته سلاسلا من الذهب\n؟؟ وقول الآخر:\nنار تجدد للعيدان نضرتها ... والنار تلفح عيدان فتحترق\nوقول الطائي:\nيا سهم للبرق الذي استطارا ... ثاب على رغم الدجى نهارا\nآض لنا ماء وكان نارا\nوقول عبد الله بن عبد الله بن طاهر:\nأما ترى البرق قد رقت حواشيه ... وقد دعاك إلى اللذات داعيه؟","vol":"1","page":171},{"text":"وجاد بالقطر حتى خلت إنَّ له ... إلفا ناه فما ينفك يبكيه\nومثله قول الآخر:\nكأن سحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقى لهن مدامع\nوتتبع الشعر في هذا يطيل فلنمسك العنان. وقال أبو الأسود الدؤلي:\nوما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن القي دلوك في الدلاء\nتجيء بملئها طورا وطورا ... تجيء بحماة وقليل ماء\nوسيأتي إتمام هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى. وقال أبن نقطة:\nلا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في الضراء والسراء\nفلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء\nوقال أبو سعيد الخوارزمي في أبي بكر الخوارزمي الشاعر:\nأبو بكر له أدب فضل ... ولكن لا يدوم على الوفاء\nمودته إذا دامت لخل ... فمن وقت الصباح إلى المساء\nوقال عبد الله بن رواحة الأنصاري يوم خرجوا إلى مؤتة وأمره النبي ﷺ بعد زيد وجعفر ﵃ أجمعين:\nإذا بلغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء\nفشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا ارجع إلى أهلي وراء\nقوله: فشأنك فانعمي يريد إنّه قضى الوطر من ركوبها ولم تبق له تباعة على ظهرها وهي كناية على إنّه لا يحب المرجع ولا يشتهي مذهبا على ذلك الموضع. ومن ثم قال: ولا ارجع إلى أهلي بجزم الفعل قصدا للدعاء كأنه يقول: اللهم لا ترجعني إلى أهلي وأستشهدني! وما ذكره في الناقة قد تداوله الشعراء كثيرا فمن ذلك قول الشامخ في عرابة الأوسي:\nرأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين\nإذا ما راية رفعة لمجد ... تلقاها عرابة باليمين\nإذا بلغتني وحملت رحلي ... إليه فاشرقي بدم الوتين","vol":"1","page":172},{"text":"ومثل سراة قومك لم يجاروا ... إلى ربع الرهان ولا الثمين\nوكان الشماخ قدم المدينة فقال له عرابة: ما أقدمك؟ فقال: قدمت لأمتار. فملأ له عرابة رواحله تمرا وبرا وأعطاه غير ذلك فقال فيه ما تقدم. وقول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي رباح:\nإذا أبن أبي موسى بلالًا بلغته ... فقام بفأس بين وصليكِ جازرُ\nغي إنّه يعاب على هذين الشاعرين أن جعلا جزاء الراحلة التي بلغتهما ذلك المأمول العظيم والمطلب الخطير شرا، وما كان ينبغي لهما أن ينظرا لها عند الاستغناء عنها ويكافئها خيرا بما قضيا منها كما أشار إليه أبلغ البلغاء وأحكم الحكماء ﷺ حيث وردت المرأة راكبة على ناقته فقالت: إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال ﷺ: بئس ما جزيتها! لا نذر في معصية الله ولا نذر للإنسان في غير ماله. أو كما قال ﷺ وعلى هذا المنزع العجيب النبوي كان قول أبن رواحة السابق. وقول أبي نواس في محمد الأمين بن هارون الرشيد، وأوضح هذا المعنى:\nوإذا المطي بنا بلغنا محمدا ... فظهورهن على الرجال حرامُ\nقربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها عينا حرمة وذمامُ\nوقول الفرزدق:\nمتى تردى الرصافة تستريحي ... من التهجيري والدبر الدوامي\nولهذا الشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى. والعذر للأولين أن الدعاء عليها في نحو ذلك أبلغ في التنبيه على الاستغناء عنها وعدم الالتفات إليها. وليس هذا المعنى ملحوظا في قصة المرأة فليس يقاس عليه. ومن هذا الباب قول السلامي:\nإليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصار المطايا أن يلوح لها القصرُ\nولعل السابق إلى هذا المعنى الأعشى القيسي في قصيدته التي توجه بها إلى النبي ﷺ حيث يقول:","vol":"1","page":173},{"text":"متى ما تناخي عند باب أبن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله يدا\nفضمن لها عند النزول بابن هاشم ﷺ أن يخلي عن ظهرها ويريحها من كد الأسفار إذ لا مطلب ورائه ولا حاجة إلى أحد سواه. وقال أبو بكر بن دريد في مقصورته:\nوالناس كالنبت: فمنهم رائق ... غضٌ نضيرٌ عوده مر الجنى\nومنه ما تقتحم العين فإنَ ... ذقت جناه انساغ عذبا في اللهى\nوهذا المقصورة جلها أمثال وحكم، وهي مشهورة لا حاجة إلى ذكرها. وقال الآخر:\nيقولون هذه أم عمرو قريبةٌ ... نأت بك ارضٌ نحوها وسماءُ\nألا إنّما قرب الحبيب وبعده ... إذا هو لم يوصل إليه سواءُ\nوقال صالح بن جناح:\nإذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجهٍ إذا قل ماؤه\nوقال الآخر:\nورب دنيةٍ ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياءُ\nإذا رزق الفتى وجهًا وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاءُ\nوتقدم شيء من هذا في قولهم: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. وقال الآخر:\nإذا جار الأميرُ وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاءِ\nفويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ ... لقاضي الأرض من قاضي السماءِ!\nوقال زهير:\nوإنَّ الحق مقطعه ثلاثٌ ... يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ\nويروى أنَّ عمر ﵁ لمّا سمع هذا البيت جعل يردده استحسانا له وتعجبا من معرفته بالحقوق وإبانته أحكامها وإقامته أقسامها. وقال الآخر:\nخير ما ورث الرجال بينهم ... أدب صالح وحسن ثناءِ\nوقال سابق البربري:","vol":"1","page":174},{"text":"موت التقي حياة لا انقطاع لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياءُ\nومثله قول الآخر:\nأخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميمُ\nوذو الجهل ميتٌ وهو يمشي على الثرى ... يعد من الأحياء وهو عديمُ\nوقال أبن الرومي:\nإنَّ لله بالبرية لطفا ... سبق الأمهات والأباءَ\nوقال أيضًا:\nأنت عيني وليس من حق عيني ... غض أجفانها على الأقذاءِ\nوقال لبيد:\nكانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والامساءُ\nوقال عبد الله بن عيينة:\nكل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداءِ\nومثله في ذكر الشماتة قول الآخر:\nإذا ما الدهر جر على أناس ... بكلكله أناخ بآخرينا\nفقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا\nوقال عدي بن زيد:\nأيها الشامت المعير بالدهر ... أأنت المبرأ الموفور؟\nأم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهل مغرورُ\nمن رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفيرُ\nوقال منصور الفقيه:\nيا من يسرُ بموتي ... إذا أتاه البشيرُ\nأليس من كان بمثلي ... إلى مصيري يصيرُ\nوتمثل الشافعي ﵁، حين بلغه دعاء من دعا عليه بالموت ببيتي الشاعر:\nتمنى رجال أن أموت فإنَ أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحدِ","vol":"1","page":175},{"text":"فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدِ\nوقال الحماس في الملح:\nوما العيش إلاّ أكلة وتشرق ... وتمر كأكباد الجراد وماءُ\nالتشرق بالراء: القعود للشمس، والتمر الذي كأكباد الجراء: الصيحاني. وقال الآخر:\nمن فاته العلم واخطاه الغنى ... فذاك والكلب على حدٍ سوا\nولنقتصر على هذا القدر من هذا الباب، فإنَ فيه كفاية إن شاء الله تعالى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>باب الباء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>بحث عن حتفه بظلفه</span>\nالبحث: التفتيش. والحتف: الهلاك. والظلف بكسر الظاء للشاة والبقرة والظبي بمنزلة القدم لنا. واستعاره عمرو بن معدي كرب للخيل في قوله: وخيلٍ تطأكم بأظلافها.\nيضرب هذا المثل في الحاجة تؤدي صاحبها إلى التلف وجناية الإنسان على نفسه. وأصله أنَّ ما عزة لبعض العرب كانوا أرادوا ذبحها، فلم يجدوا شفرة يذبحونها بها فجعلت تنبش برجلها في الأرض حتى استخرجت بنبشها شفرة كانت ضاعت لهم في الأرض، فذبحوها بها وقالوا: بحثت عن حتفها بظلفها. فذهبت مثلا. وقال الفرزدق في ذلك:\nوكان يجير الناس من سيف مالكٍ ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها\nوكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت الثرى تستثيرها\nوقال أبو الأسود:\nفلا تكُ مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها\nفقام إليها بها ذابحٌ ... ومن تدع يوما شعوبٌ يجيها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>أبخر من الأسد</span>.\nالبخر بفتح الخاء المعجمة: نتن الفم وغيرها. يقال: بخير بالكسر، فهو أبخر وهي بخراء. وعلى هذا فالقياس أن لا يصاغ التفضيل من لفظه، بل يقال: أشد بخرا. فإنَ صح ورود لفظ المثل عنهم كان من الشواذ: وإلاّ فهو لحن. والأسد معروف، وهو مشهور ببخر الفم وبه يضرب المثل فيه ومن ثم قال البلغاء: لو قيل: جاء أسد، وأريد رجل أبخر، كان استعارة صحيحة، غير إنّها لا تكون مقبولة لعدم استعمالها: فإنَ الوجه فيها يشترط أن يكون بينا، ولا يكون بحيث يجعلها كاللغز. ومن الأمثال المشهورة للعامة قولهم: من يستطيع إنَّ يقول للأسد أنت","vol":"1","page":177},{"text":"أبخر الفم؟ يضربونه عندما يرون عيب أو أذى ممن لا يقدر أن يذكر له ذلك وينبهه عليه ويقبح له، أو تصدر كلمة باطلة مما لا يقدر أن ترد عليه. وكان من أصل ذلك مثل آخر لهم وهو قولهم: يبرأ الجرح السوء، ولا يبرأ الكلام السوء. وسيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>أبخر من صقر</span>\nالبخر: تقدم. والصقر، بفتح الصاد المهملة وسكون القاف: كل شيء يصيد من البزاة والشواهين. جمعه صقر بالضم، وأصقر وصقور وصقورة وصقار وصقارةٍ. ويقال تصقر الرجل: صاد بالصقر وهو أيضًا مما يوصف ببخر الفم. قال الشاعر:\nفله لحية تيس ... وله منقار نسر\nوله نكهة ليثٍ ... خالطت نكهة نسر\nوالنكهة: رائحة الفم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>البدل أعور</span>\nبدل الشيء بفتحتين والدال المهملة، وبدله بالكسر وبديله: خلفه والأعور معروف. يضرب هذا المثل في سوء الخلف والرجل المذموم يخلف بعد الرجل المحمود. وأصله أنَّ يزيد بن المهلب كان على خراسان ثم عزل عنها وولي مكانه قتيبة بن مسلم الباهلي وكان شيخا أعور شحيحا، فقال الناس: هذا بل أعور! فذهب مثلا لكل ما لا يرضى بدلا. وفي ذلك قال بعض الشعراء:\nكانت خراسان أرضًا إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوحُ\nحتى أتانا أبو حفص بأسرته ... كأنما وجهه بالخل منضوحُ\nوفيه قال أبن همام السلولي:\nأقتيب قد قلنا غداة أتيتنا ... بدل لعمرك من يزيد أعورُ\nقلت: ويظهر لي أنَّ المثل قديم ويد على ذلك ما نسبه أهل السيرة لدحية بن خليفة إنّه قال حيث أتى قيصر:","vol":"1","page":178},{"text":"ألا هل أتاها على نأيها ... بأني قدمت على قيصرِ\nفغررته بصلاة المسيح ... وكانت من الجوهر الأحمرِ\nوتدبير ربك أمر السماء ... والأرض فأغضى ولم ينكرِ\nوقلت تقر ببشرى المسيح ... فقال سأنظر قلت أنظرِ\nفكاد يقر بأمر الرسول ... فمال إلى البدل الأعورِ\nفشك وجاشت له نفسه ... وجاشت نفوس بني الأصفرِ\nعلى وضعه بيديه الكتاب ... على الرأس والمنخرِ\nفأصبح قيصر من أمره ... بمنزلة الفرس الأشقرِ\nوالله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>برح الخفاء</span>\nيقال: برح الرجل مكانه بالكسر إذا زال عنه. وأكثر استعماله مع النفي ونحوه، كقوله:\nوما برحت أقدامنا من مكاننا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا\nوقد يحذف لفظا كقول الآخر:\nوأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا\nوالنتطق: ذو السلاح، والمجيد بالضم: صاحب الجواد من الخيل. ومن هذا قولهم لا براح قال:\nمن صد عن نيرانها ... فأنا أبن قيس لا براحُ\nويقال للأسد والرجل الشجاع حبيل براح، بمعنى أنَّ كل منهما كأنه شد بالحبال فلا يبرح مكانه ولا يزول. ويقال: برح الخفاء بالكسر ومعناه وضح الأمر. قال بعض اللغويين: معناه ظهر الأمر وصار كأنه في براح وهو المكان المستوي من الأرض. ويقال: البراح من الأرض ما كان ظاهرا مكشوفا؛ ولذا قيل للشمس براح، وهو اسم معدول مكسور قال الراجز:\nهذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح","vol":"1","page":179},{"text":"ورباح اسم ساق كان يسقي لإبله. يريد إنّه أقامعاى السقي حتى دلكت الشمس أي مالت. وقيل: برح الخفاء أي ذهب السر وظهر. والخفاء هنا: السر. وقيل: الخفاء المتطأطئ من الأرض والبراح والمرتفع منها الظاهر. فإذا قيل: برح الخفاء فكأنه قيل أرتفع المتطأطئ حتى صار كالمرتفع الظاهر. وقال بعضهم: الخفاء ما غاب عنك. وقال بعض الأئمة: يقال: برح الشيء يبرحه إذا انتحى وذهب وبرح الخفاء: ذهب؛ وأبرحته أنا: أذهبته. قال أبن دريد: وأوّل من قاله شق الكاهن. وقال حسان ﵁:\nألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاءُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>أبرد من حبقر</span>.\nأبرد: من البرودة وهي معروفة وحبقر أصله حب قر والحب: حب الغمام، والقر: البرد. ويقال: أبرد من حب قر وأبرد من عبقر ومن عب قر. والعب من أسماء البرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>بر الكريم طبعٌ، وبر البخيل دفعٌ</span>.\nالبر: الحسان والفضل. ولا شك أنَّ الكريم ينبعث منه البذل طيبة به نفسه، بل يجد في ذلك أعظم اللذات، والبخيل لا يصدر عنه عطاء إلاّ عناء ومقاساة من نفسه حتى لا يكاد تسمع نفسه بالعطاء إلاّ عن رغبة أو رهبة كتوقي الأذى في النفس والمال والعرض. وهذا المنى بين مشروح في أبواب الكرن والبخل، مشهور لا حاجة إلى ذكره وما قيل فيه.\nومن الشديد الصعب في هذا المقام ما ذكره صاحب التشوق رحمه الله تعالى في مناقب الشيخ أبي العباس السبتي ﵁ عن أبي زيد عبد الرحمن بن يوسف الحسني قال: رأيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أريد أن أراك في النوم كل ليلة. فقال: هذا لا يمكن فإني مطلوب في المشرق والمغرب. فشكوت له حالتي فقري، فقال لي: البخل أضر بك. قال: فمر بنا أحمد بن دوناس، وهو رجل صالح من الأولياء الأخفياء من أهل أغمات، لا يمسك شيئًا وربما تجرد عن أثوابه فيؤثر","vol":"1","page":180},{"text":"بها ويستتر بالأبواب. فسلم علينا وانصرف. فقلت: يا رسول الله وهذا؟ فقال: البخل اضر به. فقلت: يا رسول الله بين لي ما هذا البخل. فقال لي: لأقولن لك فيه قولا ينقله إليكم علماؤكم، إذا خطر لأحدكم خاطر بالعطاء ثم عقبه خاطر آخر بالمنع فالتردد في الخاطر الأول بخل. قال: فسألته عن أبي العباس السبتي، وكنت سيئ الاعتقاد فيه فتبسم ثم قال لي: هو من السباق. فقلت له: بين لي. فقال لي: هو ممن يمر على الصراط كالبرق. قال: فأصبحت وخرجت فلقيت أبى العباس السبتي فقال: ما سمعت وما رأيت؟ فقلت له: دعني. فقال: والله لا تركتك حتى تعرفني. فذهبت معه إلى حانوت أبن مساعد، فأنشأت أحدثه إلى أن قلت له: التردد في الخاطر الأول بخل. فصاح وغشي عليه، ثم قال: كلمت الصفا من المصطفى، وصار متى يذكر هذا الكلام يغشى عليه. انتهى ملخصا. فليعتبر العاقل بهذه القصة وهذا الكلام ولينظر في أحوال نفسه وأحوال غيره كيف يلقى من نفسه عندما يهم بخير غاية التردد والمنازعة والعناء، حتى إذا أعطى قليلا واكدى أهمته نفسه أنه جواد كريم رؤوف رحيم. وليته عرف مقامه وتقصيره فيتوب أو يستغفر وينكسر، عسى أن يتخلص مما ورد على البخل من الوعيد الشديد والذم الأكيد! والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>أبر من هرة</span>.\nالبر يطلق على الخير وعلى الاتساع في الإحسان كما مر، وعلى الصلة وعلى الجنة وعلى الطاعة وعلى الصدق وعلى ضد العقوق وهو المراد هنا. يقال منه: بررته بكسر الراء وفتحها برًا ومبرة، أبره، فأنا بار، وهو مبرور. والهرة بكسر الهاء معروفة وهي الأنثى؛ والذكر هر. وإنّما وصفت الهرة بالبر لأنها تؤكل أولادها محبة لهن، كما قال الشاعر:\nأما ترى الدهر وهذا الورى ... كهرة تأكل أولادها\nوهي أيضًا توصف بالعقوق، وسيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>بالرفاء والبنين</span>.\nالرفاء بكسر الراء والمد على مثال كساء: الاتفاق والالتئام. ويستعمل عند تهنئة المتزوج والدعاء له بأن يرزق اجتماع الشمل ويرزق الأولاد. والرفاء مأخوذ من","vol":"1","page":181},{"text":"قولك: رفأت الثوب ورفوته يهمز ولا يهمز. ومعناه لأمته وضممت بعضه إلى بعض. يقال: من اغتاب خرق، ومن استغفر رفأ؛ وقال أبن هرمة:\nبدلت من حدّ الشبيبة ... والإبدال ثوب المشيب أردؤها\nملاءة غير جد واسعة ... أخيطها مرة وأرفؤها\nواستعمل الرفاء والمرافات في الموافقة. قال الآخر:\nولمّا أن رأيت أبا رويم ... يراعيني ويكره أن يلاما\nوبعض اللغويين يجعل هذا المعنى أصلا للمثل المذكور. وقيل هو دعاء بالسكون والطمأنينة أخذا من قولهم: رفوت الرجل أي سكنته من الرعب. قال أبو خراش:\nرفوني وقالوا: يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم همُ\nويقال: رفأت الرجل ترفيئا: قلت له بالرفاء والبنين وتزوج عقيل بن أبي طالب امرأة فقيل: بالرفاء والبنين. فقال، قال النبي ﷺ: إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: بارك الله لك وبارك عليك!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>برق لمن لا يعرفك</span>.\nيقال: برق الرجل وبرق وأبرق إذا أوعد وتهدد. ويقال أيضًا: رعد وبرق وأرعد وأبرق. قال أبن أحمر:\nيا جل ما بعدت عليك بلادنا ... فأبرق بأرضك ما بدا لك وأرعد!\nوقال الكميت:\nأبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر!\nوقال المتلمس:\nإذا جاوزت من","vol":"1","page":182},{"text":"ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد!\nوأنكر الأصمعي أبرق وأرعد رباعيا. ذكر القالي في نوادره عن أبي حاتم قال: قلت للأصمعي: أتقول في التهدد أبرق وأرعد؟ قال: لا لست أقول ذلك إلاّ أن أرى البرق أو اسمع الرعد. قلت: فقد قال الكميت أبرق وأرعد، البيت فقال، الكميت جرمقاني من أهل الموصل ليس بحجة؛ والحجة الذي يقول: إذا جاوزت من ذات عرق، البيت. فأتيت أبا يزيد فقلت له: كيف تقول من الرعد والبرق فعلت السماء؟ قال: رعدت وبرقت أو أرعدت وأبرقت من الرعد والبرق قلت: فمن التهدد؟ قال: رعدَ وبرقَ، وأرعد وأبرق، فأجار اللغتين جميعا. وأقبل إعرابي محرم فأردت أن أسأله، فقال لي أبو زيد: دعني فأنا أعرف بسؤاله. فقال أبو زيد: يا إعرابي، كيف تقول: رعدت السماء وبرقت أو أرعدت وأبرقت؟ فقال: رعدت وبرقت. فقال أبو زيد فكيف تقول للرجل من هذا؟ فقال: أمن الجخيف تريد؟ يعني التهدد. قال: نعم. فقال: أقول: رعدَ وبرقَ وأرعد وأبرق. ومعنى المثل: برق وتهدد على من لا يعرف موقع وعيدك ومنتهى تهديدك! وأما أنا فقد عرفتك. يضرب عند جواب الجبان إذا جعل يخوف ويتهدد. قد ذكر في هـ المثل الآخر، وهو قولهم: برق ورعد، فلا حاجة إلى إعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>أبرما قرونا</span>.\nالبرم بفتحتين: من لا يدخل مع القوم في الميسر وهو ذم عند العرب غاية؛ كما أنَّ الدخول فيه مدح. قال متمم:\nولا برم تهدى النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا\nهلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما؟\nيقول إنّه يغشى مستوقد القوم ليصيب مما نحروا، لأنه برم لا تسخو نفسه بالأخذ مع القوم والخول معهم؛ وجمعه أبرام. قال دريد بن الصمة:\nإذا عقب القدور عددن مالا ... أحب حلائل الأبرام عرسي\nوعقب القدور: ما يبقى في أسفلها فاضلا ولا تعد مالا إلاّ عند اشتداد الأمر؛ وحينئذ تبقى زوجات الأبرام لا مرقة عندهن فيحببن عرسي لمّا عندها من المرق والخير. وبرم الرجل بالكسر، يبرم. قال النابغة:\nلا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتاء من الامحال كالأدمِ\nويقال في ضده: يسر الرجل ييسر أي ضرب بالقداح. قال علقمة:\nوقد يسرت إذا ما الجوع كلفه ... معقب من قداح النبع مقروم\nورجل يسر والجمع أيسار قال الشاعر:","vol":"1","page":183},{"text":"وراحلة نحرت لشرب صدق ... وما ناديت أيسار الجزورِ\nوقال الحماسي:\nهينون لينون أيسارٌ ذوو كرمٍ ... سواسُ مكرمةٍ أبناء أيسارِ\nمن تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري\nوقال عنترة في معناه:\nومشك سابغةٍ هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلمِ\nربذٍ يداه بالقداح إذا شتا ... هناك غايات التاجر ملومِ\nواربذ المسرع. يريد إنّه يسرع إلى ضرب القداح إذا شتا؛ والتجار: باعة الخمر. ويريد إنّه مع ذلك يشرب الخمر ويسقيها في ثمنها حتى يعطي غاية ما يطلبه التاجر، وهو معنى هتك غاياتهم.\nوقلت عجوز أعرابية لثلاث بنات لها: لتصف لها كل منكن من تحب من الرجال! فقالت الكبرى: أريده أورع بساما أحذ مجذاما سيد ناديه وثمال عافيه ومحسب راجيه فناؤه رحب وقياده صعب. وقالت الوسطى: أريده عاي السناء، مصمم المضاء، عظيم نار، متمم أيسار، يفيد ويبيد ويبدئ ويعيد، في الأهل صبي وفي الجيش كمي، تستعبده الحليلة وتسوده الفضيلة. وقالت الصغرى: أريده بازل عام، كامهند الصمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضم قضقض، وإن دس أغمض وإن أخل أحمض. فقالت أمها: فض فوك! لقد فررت لي شرة الشباب جذعة. والأورع: الكريم وقيل الجميل. والأحذ: الخفيف السريع. والمجذام: القاطع للأمور من الجذم وهو القطع. والنادي: المجلس. والثمال: الغياث. والعافي والمعتفي: من جاء طالبا للمعروف. والفناء: الرحب الواسع. وصعب القياد من الرجال: العزيز الممتنع، وأصله في الدابة. والسناء بالمد: الشرف؛ والمصمم: الماضي في الأمور لا يثنيه شيء. والأيسار جمع يسر كما مر. والكمي: الشجاع. وحليلة الرجل: زوجه. والفصيلة: رهط الرجال المقربون. وبازل عام: التام الشباب، وأصله في الإبل، وستذكر بعد أسنانها إن شاء الله تعالى. وقضقض: كما يقضقض الأسد","vol":"1","page":184},{"text":"فريسته وهو أن يحطمها فيسمع لعظامها صوت؛ ودس الشيء: دفعه؛ والاخلال والأحماض: مثل، وسيأتي تفسير ذلك بعد أن شاء الله تعالى؛ والقرون فعول من قرن للمبالغة: يقال: قرن بين أحدين إذا جمع بينهما، فهو قارن وقرون وقرآن.\nوأصل المثل أنَّ رجلا كان برما فدخل على امرأته فوجدها تأكل لحما فجعل يأكل بضعتين. فقالت له: أبرما قرونا، فذهبت مثلا. والمعنى أن تكون برما قرونا، فتجمع بين مذمتي البخل والنهم. ولم يذكر في الصحاح أصل هذا المثل وقال: معناه هو برم ويأكل مع ذلك تمرتين انتهى. فجعل القرآن. وهو يحتمل أن يكون أصله أو من مضاربه وهو صحيح. ومثله في القاموس إلاّ إنّه فسر البرم في المثل بالثقل. ولا شك أنَّ البرم يطلق على السأم والضجر. يقال: برم به إذا ضجر وأبرمه: أضجره. قال الشاعر في ثقيل:\nمشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامقِ\nيظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واشٍ على عاشقِ\nويقال: كتب الأعمش نقشا في خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم! فإذا استقبل جليسا ناوله إياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>أبصر من عقاب</span>.\nالبصر: حس العين. يقال: بصر بالشيء، بالضم والكسر بصارة وبصرا، صار مبصرا له؛ وتبصره: نظر هل يبصره؛ وهو أبصر منه، أي أقوى إدراكا. والعقاب: الطائر المعروف، جمعه أعقب، لأنه مؤنث. قال امرؤ القيس:\nكأنَّ دثارًا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعلِ\nوالعقاب توصف بحدة البصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>أبصر من غراب</span>.\nالبصر معروف. والغراب جمعه غربان وأغربة وغرابين وغرب، ويوصف أيضًا بحدة البصر. وزعموا أنه يرى من تحت الأرض مقدار منقاره. وذكر بعض اللغويين أنَّ العرب تسمي الغراب أعور، ويزعمون أنه يغمض أبدا إحدى عينيه، ويقتصر على النظر بواحدة","vol":"1","page":185},{"text":"من قوة بصره. وقيل سموه أعور من حدة بصره على طريق التفائل، كما قال بشار بن برد:\nوقد ظلموه حين سموه سيدًا ... كما ظلم الناس الغراب بأعورا\nوقال أبن اللبانة:\nلمّا تناهيت علما ظل ينقصني ... عند الكمال خضيب النير السررِ\nوفي الغراب إذا فكرت مغربة ... من فرط إبصاره يعزى إلى العورِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>أبصر من فرس</span>.\nالفرس معروف للذكر والأنثى. ويوصف أيضًا بحدة البصر، وهو صحيح مجرب، بحيث إنَّ الفارس قد يرخي عنانه في الطريق غير الواضح، والظلام معتكر، فيسير به ويتخطى المهاوي والجراثيم التي لا شعور للراكب بها ولا إحساس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>أبصر من المائح باست الماتح</span>.\nالمائح: الذي ينول البئر ليملأ الدلو بيده إذا قلَّ الماء فيها، وقد ماح يميح. قال الراجز:\nيا أيها المائح داوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا\nوقال الآخر:\nفآنس سرب قطا قاربٍ ... جبى منهل لم تمحه الدلا\nوالماتح: المستقي النازع للدلو على جبى البئر. قال علقمة:\nكأنَّ ذراعيها على الخل بعد ما ... ونين ذراعا ماتحٍ متجردِ\nوقال ذو الرمة:\nكأمه دلو بئر جد ما تحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكربُ\nومن المعلوم أنَّ المائح الذي تحته يبصر عورته ويكون بصيرا باسته إن لم يتسرول؛ فلذلك قالوا ما تقدم. وقال بعض الأدباء:\nيا مائح العين عدمت الرقى ... من حرص هذي العين لم يستقي\nمن شيمة الماء انحدارٌ فلم ... ما جفوني أبًا يرتقي؟","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>أبصر من هدهدٍ</span>\nالهدهد معروف، ويقال له أيضًا هداهد بالضم والجمع هداهد بالفتح، ويوصف بحدة البصر أيضًا. وزعموا أنه يبصر الماء من تحت الأرض، وأنَّ الأرض كانت له كالزجاج. وقالوا إنه كان دليل نبي الله سليمان ﵇ على الماء، وإنه إنما غضب عليه وحلف ليعذبنه لكونه نزل على غير ماء. وحضرت الصلاة، فسأل الإنس والجن والطير على الماء فلم يجد عندهم علما، فتفقد الهدهد فلم يجده فغضب عليه وفي ذلك قصة طويلة. وتقدم من كلام أبن عبالس وأنَّ نافعا سأل لم اعتنى سليمان مع ما خوله الله تعالى من الملك بالهدهد مع صغره؟ فقال: أنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت له الأرض كالزجاج وأنَّ أبن الأزرق قال لابن عباس: قف يا وقاف! كيف يبصر الماء من تحت الأرض ولا يرى الفخ إذا غطي له بمقدار إصبع من تراب؟ فقال أبن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>أبصر من وطواطٍ بالليل</span>.\nالوطواط: الخفاش وهو معروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>بصبصن إذ حدين بالأذناب</span>\nيقال: بصبص الكلب والفحل وغيرهما إذا حرك ذنبه. وحدين: سقن من الحداء الذي يبعث به نشاط الإبل وهو بالدال المهملة. ويروى حذين بالذال المعجمة، من المحاذاة. يضرب هذا المثل في فرار الجبان وخضوعه واستكانته، وكأنه شطر بيت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>بضرب خبابٍ وريش المقعدِ</span>\nخباب: قينٌ بمكة كان يضرب السيوف؛ والمقعد كان يريش السهام. فتكالم الزبير وعثمان فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا، قال: أبالبعر، يا أبا عبد الله؟ فقال الزبير: بل\n\nبضرب خباب وريش المقعد، أي نتقاذف بالسيف والسهام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>أبطأتَ بالجواب، حتى فات الصواب</span>.\nقاله قصير لجذامة الأبرش في قصة طويلة. وملخصها على ما ذكر","vol":"1","page":187},{"text":"الأخباريون يزيد بعضهم عن بعض ويدخل حديث بعضهم في بعض، إنَّ جذيمة هذا وهو جذيمة بالذال المعجمة المكسورة أبن مالك بن فهم بن الأوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن يشرب بن يعرب بن قحطان. وقد قيل إنه من العرب الأولى من إياد بن أميم وكان بياض. فكرهت العرب أن تقول أبرص فقالت له أبرش والواضح. وقيل: الصواب أنَّ الواضح غير هذا. وقيل: سمي الأبرش لأنه أصابه حر ونار فبقي فيه نقطا سوداء وحمراء. كان ملك الحيرة وما حولها ستين سنة، وكان زمان ملوك الطوائف وكان يغير على من حوله من الملوك حتى غلبهم على كثير مما في أيديهم. وهو أول من أوقد له الشمع ونصب المجانيق للحرب. ثم إنَّ جذيمة غزا الحضر وهي مدينة بين دخلة والفرات. وإياه عنى عدي بن زيد العبادي بقوله:\nوأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابورُ\nشاده مركرًا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكورُ\nوكان صاحب الحضر إذ ذاك عمرو بن الظرب، وهو أبو الزباء كان ملك على الحضر، فظفر به جذيمة وقتله. وذهبت بنته الزباء مطرودة نحو الروم، وكانت من أجمل نساء زمانها، وكان لها شعر إذا أرسلته غطى بدنها وبذلك لقبت بالزباء وهي تأنيث الأزب أي الكثير الشعر. وعلى هذا فاسمها ممدود. وقال البكري: الزباء ألفها مقصورة. قال: وقد رد العلماء فيه المد لأنه تأنيث زبان الاسم المستعمل. فأما الزباء ممدودا فإنما هو تأنيث أزب، لم يستعمل اسما وإنما هو صفة للكثير شعر البدن. قال: والشاهد لمّا قلناه قول عدي بن زيد:\nفأضحت في مدائنها كأن لم ... تكن زبا لحاملةٍ جنينا\nقلت: وما أراه إلاّ وهما وغلطا، وذلك إنَّ فعاى بالقصر إنّما تأتي تأنيث فعلان، كعطشان وسكران. وزبان الذي هو اسم إنّما هو فعال أصيل النون من مادة الزبن والمزابنة لا فعلان. ومادة زبب لم يرد منه إلاّ زبان لصاحب الزبيب، وأزب للكثير الشعر. والأول لا يرد منه فعلى بالقصر كما من عشاب وبقال وحمَّار. وكذا الثاني، إنّما يرد منه فعلاء بالمد كأحمر وأشهب وأوطف وأجرد ومؤنثه حمراء","vol":"1","page":188},{"text":"ووطفاء وجرداء وكذا أزب وزباء وهذا أمر واضح. وأما قوله: إنَّ الأزب لم يستعمل اسما فغير بين فإنَ الأزب من أسماء الشياطين. وفي حديث العقبة هو شيطان اسمه أزب العقبة. والزباء اسم لبلد على الفرات ولفرس الأصيدف الطائي ولماء لبني سليط وآخر لطهية ولعين باليمامة. والزباء أيضًا اسم من أسماء الأست، والدهية الشديدة. فلم يصح قوله إنّه لم يستعمل اسما. ولم يمتنع أن يكون اسما للملكة المذكورة وإن كان وصفها في أصله بل لو لم يكن اسما في غيرها لم يمتنع أن يكون اسما فيها على أنه ليس اسما لها بادئ بدء. وإنّما لقبت به لكثرة شعرها كما قلنا أوّلًا فغلب عليها. واسمها فارعة وقيل نائلة وقيل ميسور. وأما البيت الذي استشهد به، فليس وحده بناهض في الاحتجاج لصحة قصر الممدود. والمعروف عند اللغويين إنَّ الزباء بالمد كما نطق به الإمام أبو بكر بن دريد في مقصورته حيث قال:\nفاستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتهى\nوهو الموافق للقياس. ومد المقصور أضعف من قصر الممدود. ثم إنَّ الزباء جمعت الأموال والأجناد وتوقفت وكانت نبيلة علقلة. فعادت إلى دياره أبيها وأزالت جذيمة عنها وملكت. فكانت تعد من ملوك الطوائف وحرمت الرجال على نفسها فهي بتول. وكان بينها وبين جذيمة مهادنة بعد حروب جرت. فلما همت بالقيام بثأر أبيها أرسلت إليه تخطبه على نفسها وترغبه في أن يتصل ملكه بملكها، فأحب ذلك. وقيل هو الذي حدثته نفسه بخطبتها فشاور خاصته فوافقوه كلهم إلاّ قصيرا. وهو قصير بكسر الصاد أبن سعد وكان عاقلا نبيلا وهو أبن عم جذيمة وصاحب أمره وعهده. قالوا ولم يكن قصيرا وإنّما سمي به فقط. قال له: أبيت اللعن أيها الملك! إنَّ الزباء حرمت الرجال فهي بتول عذراء لا ترغب في مال ولا جمال ولها عندك ثأر والدم لا ينام؛ وإنّما هي تاركتك رهبة وحذارًا والحقد دفين في سويداء القلب له كمون ككمون النار في الحجر إن اقتدحته أورى إن تركته توارى وللملك في بنات الملوك متسع. وقد رفع الله قدرك عن الطمع فيما هو دونك وعظم الرب شأنك فما أحد فوقك. فقال جذيمة: يا قصير الرأي ما رأيت ولكن النفس تواقة وإلى ما تحب مشتاقة ولكل امرئ قدر لا مفر منه ولا وزر! ثم وجه جذيمة إليها خاطبا وأمره أن يظهر لها","vol":"1","page":189},{"text":"ما ترغب به وتميل فلما جاءها الخاطب أجابت وأظهرت فرحا كبيرا وغبطة عظيمة وقالت: لولا أنَّ المسير في هذا أجمل بالرجال سرت إليه فوجهت الخاطب وبعثت معه إلى جذيمة بهدية سنية فيها من الإماء والكراع والسلاح والأموال والبقر والغنم وغير ذلك من الجواهر الرفيعة والطرف العجيبة ما يبهر الناظرين. فلما بصر جذيمة بذلك أعجبه مع ما بلغه من حسن جوابها وطيب كلامها وظن أنَّ ذلك كان رغبة منه فيه زوجا. فخرج إليها من فوره مع خاصته وفيهم قصير واستخلف على مملكته أبن أخيه عمرو بن عدي اللخمي وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى. فسار حتى بلغ موضعا يقال بقعة فأكل وشرب وأعاد المشوار فاستصوبوا أيضًا ما أراد إلاّ قيصرا فانه قال: أيه الملك كل عزم لا يؤيد بجزم فإلى أفن يكون كونه. فلا تثق بزخرف قول لا محصول له ولا تقذف الرأي بالهوى فيفسد لا الحزم بالمنى فيبعد! والرأي عندي للملك أن يتعقب أمره بالتثبت ويأخذ حذره بالتيقظ. ولولا أنَّ الأمور تجري بالمقدور لعزمت على الملك عزما بتا أن لا يفعل. فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة. فقال قصير: أرى القدر سائق الحذر لا يطاع لقصير أمر أو رأي. فأرسلها مثلا. ثم سار جذيم حتى قرب من ديار الزباء فأرسل إليها يعلمها بمجيئه. فلما جاءها الرسول أظهرت السرور والرغبة، وأمرت بحمل الضيافة إليه وقالت لأجنادها وخاصتها: تلقوا سيدكم ومالك دولتكم! وعاد الرسول بالجواب إليه وأخبره بما رأى وسمع. فلما أراد جذيمة أن يسير دعا قصيرا فقال له: أنت على رأيك؟ قال: نعم! وقد زادت بصيرتي فيه. أف أنت على عزمك؟ قال: نعم! وقد زادت رغبتي فيه. فقال قصير: ليس للدهر بصاحب من لم ينظر في العواقب. فأرسلها مثلا. ثم قال له: وقد نذرتك الأمر قبل فواته وفي يد الملك بقية هو بها قادر على استدراك الصواب؛ فإنَ وثقت بأنك ذو ملك وسلطان وعشيرة فقد نزعت يدك من سلطانك وفارقت عشيرتك وألقيتها في يد من لست آمن عليك مكره وغدره. فإن كنت فاعلا ولا بد فإنهم غدا يلقونك ويقومون لك صفين حتى إذا توسطهم أحدقوا بك؛ فهذه العصا لا يشق غبارها وهو أول من قاله. وكانت العصا فرسا لجذيمة لا تدرك فهي ناجية بك إن ملكت ظهرها وناصيتها. ويروى أنه قال له: انهم غدا إنَّ لقولك فترجلوا وحيوك فتقدموا، فقد كذب ظني، وإنَّ رأيتهم حيوك فطافوا بك، فإني اعرض لك العصا. فسمع جذيمة كلامه فلم يرد عليه جوابا. ثم سار جذيمة، وقصير عن يمينه، فقامت الزباء وبعث وقالت لهم: سيروا حتى إذا لقيتموه فقوموا صفين عن يمينه وشماله، فإذا توسطكم فانقضوا عليه اجمع، وإياكم أن يفوتكم! فلما أحاطوا به وعلم أنهم ملكوه أقبل على قصير، وكان مسايره، فقال له: صدقت يا قصير! فقال قصير: أبطأت بالجواب، حتى فات الصواب! فأرسلها مثلا. فقال جذيمة: فكيف الرأي؟ فقال: تركت الرأي ببقة! فأرسلها مثلا. ويروى إنّه","vol":"1","page":190},{"text":"قال له: هذه العصا فدونكها لعلك تنجو عليها! فأنك من ذلك. وقيل إنه عرضها له فشغل عنها، فركبها قصير فنجا. فلما نظر إليه جذيمة وهو عليها ينقطع دونه السراب\nقال: ما ذل من جرت به العصا! فأرسلها مثلا. ويروى إنّه قال، حين نظر إليه على ظهرها: ويل أمه حزما على ظهر العصا! فأرسلها مثلًا. ثم سارت الجيوش بجذيمة، فتطلعت عليه الزباء من قصرها فقالت: ما احسنك من عروس تجلى علي وتزف إلي! حتى دخلوا به عليها في قصرها وحولها جواريها. وكانت قد ربت شعر عانتها سنة وضفرته. فلما دخل عليها تكشفت له فقالت: أَشوار عروسٍ ترى؟ فقال: بل شوار أمةٍ بظراء. فقالت: أما إنه ليس من عدم المواسي، ولا من قلة الأواسي، ولكنه شيمة ما أقاسي فأمرت به فأجلس على نطعٍ وقطعت رواهشه. ويروى في طست من ذهب تفاؤلًا أن يذهب دمه هدرًا. وكان قد قيل لها: تحفظي بدمه، فإنه إنَّ وقعت قطرة منه على الأرض طلبت بثأره. فلما صعفت يده سقطت، فقطر منه في غير الطست شيء، فقالت: لا تضيعوا دم الملك! فقال: دعوا دما ضيعه أهله! ومات. وقيل إنّه قد قال: لا يحزنكم دم أراقه أهله! فقالت: والله ما وفى دمك، ولا شفى قتلك، ولكنه غيض من فيض فأرسلها مثلا. فلما قضى أمرت به فدفن. وكان عمرو بن عدي يخرج إلى ظهر الحيرة يستشرف خبر خاله. فبينما هو ذات يوم ينظر إذ رأى العصا تهوي بقصير، فقال عمرو: أما الفرس ففرس جذيمة، وأما الراكب فكالبهية، لأمر جاءت العصا. فأرسلها مثلًا. فإذا هو بقصير قد اقبل، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: سعى القدر بالملك إلى حتفه، على","vol":"1","page":191},{"text":"الرغم من انفي وانفه! وسيأتي تتمة القصة بعد هذا في خير فصير حيث قام بثأر جذيمة إنَّ شاء الله تعالى. وفي تقل جذيمة قال الشاعر:\nوقددت الأديم لراهشيه ... وألفي قولها كذبا ومينا\nوقال سويد بن أبي كاهل:\nوأبو ملك الملك الذي ... قتلته بنت عمرو بالخذع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>أبطأ من غراب نوح</span>.\nزعموا أنَّ نبي الله نوح ﵇ بعث الغراب لينظر له هل غرقت البلاد ويأتيه بخبرها. فذهب فوجد جيفة طافية على وجه الماء، فأشتغل بها وبقي ولم يأته بالخبر. فدعا عليه فغلت رجلاه وخاف من الناس. وأعلم أنَّ البطء ثلاثي ورباعي: يقال بطؤ بضم الطاء، وبطئا وبطاء بالكسر، وأبطأ: ضد أسرع. ويقال: هو أبطأ منه. وهو إنَّ كان صوغه من الثلاثي فمقيس اتفاقا؛ وإنَّ كان من الرباعي فهو جائز أيضًا عند سيبويه في هذا الوزن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>أبطأ من فندٍ</span>.\nالبطء: مر. وفند بكسر الفاء وسكون النون بعدها دال مهملة: اسم رجل. وهو مولى لعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، بعثته يأتيها بنار. فلما خرج وجد قوما يريدون مصر، فصحبهم وأقام بمصر سنة، ثم رجع فأتاها بالنار؛ وجاء يشتد فعثر وتبدد الجمر فقال: تعست العجلة! فضرب به المثل في البطء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>البطنة، تذهب الفطنة</span>.\nهذا من الأمثال الحكيمة. والبطنة بالكسر: امتلاء البطن طعامًا. والفطنة بكسر الفاء: الذكاء والحذق. يقال: فطن إليه، وفطن له، بضم الطاء وكسرها وفتحها، يفطن بالضم والفتح فطنا وفطانة. وفي الأثر يروى عن النبي ﷺ: \" ما احل الله حلالا أبغض من بطن يملأ طعامًا \". وقال ﵊: \" ما ملأ أبن آدم وعاء شرًا من بطنه، بحسب أبن آدم أكل أو لقيماتٌ يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلثٌ للنفس \". وعن عمر ﵁: أيها الناس، إياكم والبطنة، فأنها","vol":"1","page":192},{"text":"مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسد، مورثة للسقم. وعن علي كرم الله وجهه: إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للقلب. وقال الحارث بن كلدة: أربعة أشياء يهرمن البدن: الغشيان عن البطنة، ودخول الحمام على الامتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز. ويقال أقلل طعاما، تقلل سقاما. ويقال: النهم لؤم، والرغب شؤم. وقيل: أكبر الدواء، تقليل الغذاء. وجمع الرشيد أربعة من الأطباء العارفين: هنديًا وروميًا وفارسيًا وعربيًا، وقال لهم: ليصف لي كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه. فقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه الأهليلج الأسود. وقال الرومي: هو حب الرشاد الأبيض. وقال الفارسي: هو عندي الماء الحار. فقال العربي، وكان أعلمهم: الأهليلج يعفص المعدة وذلك داء، وحب الرشاد يرق المعدة وذلك داء؛ والماء الحار يرخي المعدة، وذلك داء. فقالوا له: وما الدواء الذي لا داء فيه عندك؟ قال: إنَّ تضع يدك في الطعام وأنت تشتهيه، وترفع يدك منه وأنت تشتهيه. فقالوا: صدقت! وسلموا له. ويروى حديثا: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأصل كل داء البردة: والبردة: النخمة. ويقال إن مالكا، ﵁، لمّا وادع يحيى بن يحيى قال له: أوصيكم بأربع كلمات: الأولى أجمع لك فيها فقه الفقهاء، إذا سئلت عن شيء لا تعرفه فقل لا ادري، والثانية أجمع لك فيها حكمة الحكماء، إذا جالست قوما فكن أصمتهم، فإن أصابوا أصبت معهم، وإنَّ أخطئوا سلمت، والثالثة أجمع لك فيها طب الأطباء، أنَّ تضع يدك في الطعام وأنت تشتهيه، وترفع يدك وأنت تشتهيه؛ فإنك إذا فعلت ذلك لم يصبك مرض إلاّ مرض الموت. وفي الحكمة: إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، ورقدت الأعضاء عن العبادة. وقال حاتم بن عبد الله الطائي:\nأكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صحابي حين حاجتنا معا\nأبيت هضيم الكشح منطوي الحشا ... من الجوع أخشى الذم أنَّ أتضلعا\nوإني لأستحيي رفيقي أنَّ يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا\nوانك إنَّ أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا","vol":"1","page":193},{"text":"وقد اكثر الحكماء من هذا النمط نثرًا وشعرًا، وفيما ذكرناه كفاية إنَّ شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>بطني وعطري، وسائري ذري</span>!\nالبطن: خلاف الظهر، وهو مذكر، جمعه أبطن، وبطون، وبطنان؛ ويقال أيضًا لمّا دون القبيلة من الناس بطن كما قيل:\nوإنَّ كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر\nوالمراد هنا الأول: والعطر، بكسر العين: الطيب. ويقال: منه عطرت المرأة، بالكسر، فهي عطرة؛ ويقال عطرت الرجل تعطيرا: طيبته والسائر: الباقي، وهو من السؤر، وهو البقية مهموز. يقال: أسأر الشيء وسأره إذا أبقاه، فهو سئار، وقياسه مسئر، وهو جائز أيضًا. وذهب كثير من الناس إلى أنَّ السائر يكون أيضًا بمعنى الجميع، وأنكره آخرون: وذري معناه اتركي يقال: ذره أي أتركه. وأصل الماضي منه. وذره بالكسر يذره كوسعه يسع، لكن لم يستعمل منه ماضٍ ولا مصدر. وأصل المثل أنَّ أعرابيًا ضاف قوما، فأمروه جارية لهم أن تطيبه فقال: بطني عطري، وسائري ذري! ومعناه ظاهر. وإضافة التعطير إلى البطن في نحو هذا يكون من المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، كقوله:\nقالوا: أقترح شيئًا نجد لك طبخه ... فقلت: اطبخوا أي جبة وقميصا!\nأراد أنَّ يقول: خيطوا لي جبة! فقال: اطبخوا! لصحبته للطبخ تحقيقًا. وكقوله تعالى:) وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها (، وقوله تعالى:) فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (. أطلقت السيئة والاعتداء على جزاء السيئة وجزاء الاعتداء عدلا لأجل المصاحبة، وإنَّ لم يكن الجزاء سيئة ولا اعتداء. وقوله تعالى:) تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك (. وهو كثير. وكقول أبن كلثوم:\nألا لا يجهلن أحد علينا، ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nوقد يتقدم المشاكل فتراعى صحبة المتأخر، كقول أبي تمام:\nمن مبلغ أفناء يعرب كلها ... إني ابتنيت الجار قبل المنزل؟\nوالافناء بالفاء: جماعة من الناس. ومن هذا أيضًا عند بعضهم قولهم:\nلا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي","vol":"1","page":194},{"text":"ومن هذا القسم لفظ المثل، لأن المراعي هو قوله: وسائري ذري! أي لا تعطري شيئًا من سائر بدني: ويحتمل إنَّ يكون قائله لم يعتبر هذا، وإنّما اعتبر قولهم للجارية عطريه، فيكون من القسم الأول. ويحتمل أنَّ يكون راعي فعل الجارية وما همت به من التعطير، فتكون المصاحبة إنّما وقعت تقديرًا، كقوله تعالى:) صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة (عبر الله عن تطهير الله بالإيمان، لوقوع ذلك في صحبة الصبغ الواقع للنصارى بغمسهم أولادهم في ماء اصفر تقديرًا، لأن سبب النزول دل على ذلك. ومثله لمن يغرس أشجارًا: غرس كما يغرس فلان! تريد رجلًا يصطنع المعروف إلى الكرام.\nتتمة: وقع في اللفظ الوارد على المشاكلة إشكال من حيث إنه لا يكون حقيقة، إذ ليس موضوعًا لذلك المعنى، ولا مجاز أيضًا لعدم العلاقة، فإن إطلاق اللفظ على المعنى لأجل الصحبة في المشاكلة صحيح، سواء وجد هنالك شيء مما يكون من العلاقات، كإطلاق السيئة على الجزاء المتسبب عنها في الآية السابقة، أو لم يوجد كإطلاق طبخ الجبة على خياطتها. قال سعد الدين التفتازاني في شرح المفتاح: ولا محيص سوى التزام قسم ثالث في الاستعمال الصحيح بأن يجعل نفس الوقوع في الصحبة مصححًا لاستعمال لفظ المصاحب عليه، أو القول بأن هذا النوع من العلاقة فيكون مجازًا. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>أبعد من بيض الأنوق</span>.\nالبعد معروف؛ يقال: بعد بالضم والكسر؛ وقد يستعمل البعد بمعنى الموت والهلاك. قالت الشاعرة:\nلا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر\nوالأنوق بفتح الهمزة، على مثال صبور: الرخمة، وهو طائر أسود أصلع الرأس أصفر المنقار. وهي تجعل بيضها حيث لا ينال، فتتخذ أوكارها في قنن الجبال الصعبة، فيضرب المثل ببيضها في البعد وعزة المنال، كما قيل:\nوكنت إذا استودعت سرًا كتمته ... كبيض الأنوق لا ينال لها وكر\nوقال الآخر:","vol":"1","page":195},{"text":"وأجازها قذفات كل تنوفة ... وكر العقاب بها وبيت الأعصم\nفوطئن أوكار الأنوق ... وروعت منها وبات المهر ضيف الهيثمِ\nوزعموا أنَّ رجلا أتى معاوية ﵁ فقال له: زوجني هند! يعني أمه. فقال: لا أرب لها في زوج. قال: فولني كذا! فأنشد معاوية:\nطلب الأباق العقوق ... فلما لم يجده أراد بيض الأنوقِ\nوالأبلق العقوق: الذكر الحامل وسيأتي وهو محال. فكأنه يقول طلب أمرا محالا، فلما أعجزه طلب أمرا بعيدا لا يناله. واعترضت الحكاية بأن أم معاوية ماتت سنة أربع عشرة، فكيف يطلب تزويجها يوم الولاية؟ وحكيت على وجه آخر يصح وهو أنَّ رجلا أتاه فقال له: افرض لي شيئا! قال: نعم! فقال: ولولدي؟ قال: لا! قال: ولعشيرتي؟ فأنشد البيت.\nقلت: وعلى كلا الوجهين لم يقع الانتقال موقعه لأنه إنما يحسن عندما يكون من الأضعف إلى الأقوى ولم يوجد ذلك في البيت على شيء من المجهين: فانه في أحدهما من المحال إلى الممكن البعيد وفي الآخر: من البعيد إلى البعد ضرورة أن الفرض للعشيرة أبعد من الفرض للولد وإن كان السائل يغتر بشبهة أنه لمّا فرض له أغنى ذلك عن الولد فلم يبق له استحقاق الفرض وكانت العشيرة أولى منه ولذا سأل لها بعده. ومن اللغويين من قال: إنَّ الأنوق الذكر من الرخم ووجدان البض له محال. ولا إشكال حينئذ إذ القصد النداء على ضلال السائل وحيويته حيث جعل ينتقل من محال إلى محال. ومنهم من قال: الأنوق يطلق على الذكر والأنثى والله أعلم.\nفائدة: قيل وفي الرخمة عشر خصال: تحضن بيضها وتمنع فرخها ولا تمكن من نفسها غير زوجها وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع وتألف ولدها.\nهي مع ذلك تحمق كما قيل:\nوذات اسمين والألوان شتى ... تحمق وهي كيسة الحويلِ\nأي الحيلة. والرخمة أحد لئام الطير وهي: الرخمة والغراب والبوم.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>أبعدي عني ظلك، أحمل حملي وحملك</span>!\nهذا من الأمثال الموضوعات على ألسنة العجماوات. زعموا أنَّ النخلة قالت ذلك لجارتها بمعنى أنها إذا تباعدتا حملت كل واحدة منها مثل ما تحملان معا. والحمل إذا أطلق على ما يحمل من الأمتعة على ظهر أو رأس فهو بكسر الحاء؛ وإذا أطلق على ما في بطن الأنثى فهو بالفتح؛ وإذا أطلق على ثمر الشجر فهو بالوجهين لمّا له من الشبه بالأمرين. هكذا قال بعض اللغويين وقال: ما بطن من الثمار فبالفتح وما ظهر فبالكسر. وقيل إنَّ الثمر كله بالفتح كما في البطن. وقيل إنَّ الثمر بالكسر ما لم يكثر ويعظم فإذا كثر فبالفتح. وجمع الحمل حمال ومنه: هذا الحمال لا حمال خيبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>بعض الشر أهون من بعضٍ</span>.\nهذا مثل مشهور وظاهر المعنى. ويوافق من أمثال العامة قولهم: نصف الخسارة ولا الخسارة كلها. وقال طرفة بن العبد لمّا حبس:\nأبا منذرٍ كانت غرورًا صحيفتي ... ولم أعطيك في الطوع مالى ولا عرضي\nأبا منذرٍ أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعضِ\nوقال أبو خراش الهذلي:\nحمدت إلا هي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعضِ\nوبعده:\nفوا لله ما أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسيما مشيت على الأرض\nعلى أنها تعفو الكلوم وإتما ... نوكل بالأذى وإن جل ما يمضي\nولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل عن ماجدٍ محضِ\nولم يك مثلوج الفؤاد مبهجا ... أضاع الشباب في الريبة والخفضِ\nولكنه قد لوحته مخامص ... على أنه ذو مرة صادق النهضِ\nكأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض\nيبادر قرب الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالتبسط والقبضِ","vol":"1","page":197},{"text":"وذكر صاحب القلائد أنَّ الظافر بن المعتمد لمّا قام عليه أبن عكاشة وأتباعه بقرطبة ودافعهم حتى قتل وجرد من ثيابه وكان ليلا مر به أحد المغلسين إلى الجامع فألقى ثوبا ولم يعرف من فعل ذلك. فكان أبوه المعتمد بن عباد إذا تذكر ذلك رفع عقيرته وأنشد: ولم أدار من ألقى عليه رداءه. ومن أظرف الاتفاق ما يحكى أبن الخطيب من قول بعضهم في طبيب يسمى نعمان ويكنى أبا المنذر:\nأقول لنعمان وقد ساق طبه ... نفوسا نفيسات إلى باطن الأرض\nأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض\nومما قيل في الطبيب الجاهل قول الآخر:\nيا ملك الموت وأن زهر ... جاوزتما الحكمة والنهاية!\nترفقا بالورى قليلا ... في واحدٍ منكما الكفاية!\nوقوله:\nأعمى وأفنى ذا الطبيب بطبه ... وبكحله الأحياء والبصراء\nفإذا نظرت رأيت من عميانها ... أمما على أمواته قراء\nوقول الآخر:\nقال حمار الطبيب تومي ... لم أنصفوني لكنت أركب\nلأنني جاهل بسيط ... وصاحبي جاهل مركب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>بعلة الورشان يأكل رطب المشان</span>.\nالورشان بفتحتين: طائر وهو ساق حر. وأنشدوا عن الأصمعي:\nأيها البلبل المغرد في النخل ... غريبا من أهله حيرانا\nأفراقا تشكوه أم ظلت تدعو ... فوق أفنان نخلك الورشانا؟\nهاج لي شجوك الغرد شجوًا ... رب صوت يهيج الأحزانا\nوالمشان بضم الميم وكسرها على مثال غراب وكتاب والشين معجمة: نوع من الرطب طيب؛ ورطب المشان في لفظ المثل بالإضافة ولا يقال الرطب المشان وأصل المثل أن قوما استحفوا غلاما لهم رطب نخلهم فكان يأكله وإذا سئل عن ذلك","vol":"1","page":198},{"text":"وعوتب عليه قال: أكله الورشان، فقالوا ذلك. يضرب ذلك لمن يظهر شيئا والقصد شيء آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>البغاث بأرضنا يستنسر</span>.\nتقدم معنى هذا المثل في الباب الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>أبلعني ريقي</span>.\nيقال: بلعت الشيء بكسر اللام وابتلعته بمعنى وأبلعته غيري: أمكنته أن يبلعه: والريق: ماء الفم ما دام لم ينفصل عنه فإذا انفصل فهو بزاق؛ والبعض منه ريقة. قال النابغة:\nزعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفي بريًا ريقها العطش الصدي\nوقال الآخر:\nيسقي امتياحا ندى المسواك ريقها ... كما تضمن ماء المزنة الرصف\nويقال: أبلغني ريقي أي أمهلني ساعة مقدار ما أبلعه ولا تعجل عليَّ! يضرب عند الاستمهال في مقام المحاورة والإكثار من السؤال واستدعاء الجواب حتى يعوق الاشتغال بالجواب عن بلع الريق. والقصد التأخير والتنفيس. قال شاس بن عبدة:\nحلفت بما ضم الحجيج إلى منى ... وما ثج من نحر الهدى المقلد\nلئن أنت عافيت الذنوب التي ترى ... وأبلغت ريقي وأنظرتني غدي\nلأستعتبن مما يسؤك بعدها ... وإن سبني ذو لكنة بين أعبِ\nويحكى أنَّ عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى قال يوما لحاجبه: هات بدرة! فأتى بها، فوضعها بين يديه وقال لمن حضر من وجوه العرب: أيكم أنشدني صدر هذا البيت: والعود أحمد، فله هذه البدرة! فلم يكن فيهم من يعرفه. فقال للحاجب: اخرج وانظر من بالباب من العرب، وقل: من ينشدني صدر البيت: والعود أحمد، فله جائزة! فخرج الحاجب وقال ذلك. فقام فتى من القوم فقال: أنا. قال الحاجب: فأنشدني! قال: لا! إلاّ أن أشافه أمير المؤمنين. فدخل الحاجب فأخبره فقال عبد الملك: هذا رجل طال مقامه بالباب وله حاجة. والله لئن دخل عليَّ ولم ينشدني لأعاقبنه. أدخله! فلما دخل وسلم قال له عبد الملك أنشدنا صدر بيتنا! فقال: يا أمير المؤمنين،","vol":"1","page":199},{"text":"حاجتي! قال: وما هي؟ قال: بنو عم لي باعوا ضيعتهم بالسواد فأدخلوا ضيعتي في ضيعتهم فقال عبد الملك: فإن أمير المؤمنين قد رد عليك ضيعتك فأنشدنا صدر بينتا! قال: نعم يا أمير المؤمنين! قالت تميم إنه بيتها. قال أوس بن حجر:\nجزينا بني شيبان صاعا بصاعهم ... وعدنا بمثل البدء والعود أحمد\nقال: أخطأت! قال: يا أمير المؤمنين، أبلعني ريقي! قال: قد أبلعتك قال: قالت اليمن أنه بيتها. قال امرؤ القيس:\nفإنَ كنت قد ساءتك مني خليقة ... فعودي كما نهواك والعود أحمدُ\nقال: أخطأت! قال: يا أمير المؤمنين، قالت ربيعة إنّه بيتها. قال المرقش:\nوأحسن فيما كان بيني وبينها ... وإن عاد بالإحسان فالعود أحمدُ\nقال: أصبت، وإنك لظريف. فمن أنت؟ قال أنا زيد بن عمرو. قال: ممن؟ قال من حي جانب عجرفية قيس، وعنعنة تميم، وكسكسة ربيعة وصأصأة اليمن وتأنيث كنانة: أنا امرؤ من عذرة. فأمر له بالبدرة. وكان بين أبي العباس بن سريج الفقيه الشافعي، وبين أبي بكر محمد بن داود الظاهري مناظرات. فقال له أبو بكر يوما: أبلعني ريقي! قال أبلعتك دجلة! وقال له مرة أخرى أمهلني ساعة! قال: أمهلتك إلى قيام الساعة! وقال له أخرى: أجيئك من الرجل، وتجيئني من الرأس، قال: هكذا شأن البقر: إذا حفيت أظلافها، دهنت قرونها. واجتمعا في مجلس الوزير أبي الحسن بن الجراح فتناظرا في مسألة من الأبلاء، فقال له أبن سريج: أنت بكتاب الزهرة اعرف منك بهذا الفن، حيث تقول فيه: ومن كثرت لحظاته، دامت مسراته. فقال أبو بكر: والله انك لا تحسن أن تقرأه، وإنّه لأحد مناقبي حيث أقول:\nأنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما\nوأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما\nوينطق طرفي عن مترجم خاطري ... ولو اختلاسي رده لتكلما\nرأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى حبا صحيحا مسلما\nفقال أبن سريج: أو علي تفخر بهذا وأنا القائل، ولو شئت لقلت:","vol":"1","page":200},{"text":"ومسافر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناتهِ\nصبا بحسن حديثه وغنائه ... وأردد اللحظات في وجناته\nحتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراتهِ\nفقال أبو بكر: يا وزير، إنه قد أقر: فعليه إقامة البينة أنه بخاتم ربه وبراته، وإلاّ أقمنا عليه الحد! فقال أبن سريج: هذا لا يلزمني: فإن مذهبي أنَّ من أقر بأمر وناطه بصفة، فان إقراره لا يلزمه إلاّ منوطًا بتلك الصفة. وقيل: بل قال له: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:\nأنزل في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما\nفضحك الوزير وقال: لقد جمعتما أو ملئتما علما وظرفا ولطفا! ويحكى أيضًا أنَّ الحجاج لمّا قال لأبي عمرو بن العلاء البصري ما وجه بياض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>يبلغ الخضم بالقضم</span>.\nبلوغ الشيء معروف. والخضم، بالخاء والضاد المعجمتين الأكل بجميع الفم، أو بأقصى الأضراس. وقيل خاص بالشيء الرطب كالقثاء؛ يقال منه: خضمت الشيء بكسر الضاد وفتحها أخضمه كذلك بالكسر والفتح. والقضم، بالقاف والضاد المعجمة: الأكل بأطراف الأسنان؛ يقال قضمت الشيء بكسر الضاد أقضمه. وفي الحديث أيترك يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ودخل إعرابي على أبن عم له بمكة فقال: إن هذه بلاد مقضم، وليست ببلاد مخضم. وقلت أنا زمن الصبا، من أبيات:\nلو كان لي تجارة غيرها ... أو كنت بين الخال والعمِ\nأو كنت في وسع لقيل اكتفى ... من ذاك بالقضم عن الخضمِ\nومعنى المثل أنَّ الخضم الذي هو الآكل الكثير يدرك وينال بسبب القضم الذي هو الأكل الضعيف، فالشبعة قد تدرك بالأكل بأطراف الفم. والمقصود من ذلك أنَّ الغاية البعيدة تدرك بالرفق. قال الشاعر:\nتبلغ بإخلاف الثياب جديدها ... وبالقضم حتى تدرك الخضم بالقضم","vol":"1","page":201},{"text":"وللعامة في نحو هذا المعنى أمثال كثيرة، منها قولهم: المهمل يبلغ وقولهم: الراحة تنزل شيئًا فشيئًا. واصله في المريض. وقولهم: لا يجيء دفعة إلاّ الموت؛ وقولهم: قطرة إلى قطرة فيسيل النهر؛ وقولهم: امش بالنعلين حتى تجد السباط، أي الخفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>بلغ السكين العظم</span>.\nالسكين بفتح السين وتشديدها معروف يذكر ويؤنث. قال في الصحاح: والغالب عليه التذكير. وأنشد:\nيرى ناصحا فيما بدا فإذا خلا ... فذلك سكين على الحلق حاذق\nويقال: سكين وسكينة والعظم معروف وبلوغ السكين العظم في القطع كناية عن بلوغ الأمر في الشدة نهاية وفي الصعوبة غاية كما قيل:\nوكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>بلغ السيل الزبى</span>.\nالسيل مصدر يقال: سال الماء يسيل سيلا وسيلانا. فإذا قيل للماء سيل فمعناه سائل وضع المصدر مكان الصفة. ويستعمل السيل في الماء الكثير السائل والزبى بالزاي جمع زبية وهي حفرة تتخذ للأسد في الموضع العالي ويغطى بشيء ويجعل عليها لحم. فإذا تناوله الأسد سقط فيه. هكذا ذكر بعضهم. ويقال تزبيتها: اتخذتها. قال الراجز:\nوكنت بالأمر الذي قد كيدا ... كالذي تزبى زبية فاصطيدا\nوهي في كتابة اللغة: إنَّ الزبية تطلق على المكان المرتفع لا يصل إليه الماء ومنه المثل وعلى حفرة الأسد. وقال الطرماح:\nياطيء السهل والأجبال موعدكم ... كمبتغي الصيد أعلى زبية الأسد\nنعم قال في الصحاح: إنّما سميت حفرة الأسد بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في الموضع العالي. فأصل الزبية الموضع العالي. والسيل لا يصل إليه وإن وصله كان جارفا مفراطا مجحفا. فإذا قيل: بلغ السيل الزبى، فمعناه أن الأمر قد بلغ غايته","vol":"1","page":202},{"text":"والهول أدرك نهايته كما قال الراجز: قد بلغ السيل الزبى فلا غير. أي قد عظم الأمر عن أن يغير ويصلح. وكتب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أيام حصير إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب ﵁: أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين وطمع في من لا يدفع عن نفسه ولم يفخر عليك كضعيف ولم يغلبك مثل مغلب فأقبل إلي على أي أمريك أحببت:\nفأما كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلاّ فداركني ولمّا أمزق\nوهذه أمثال أخرى سيأتي كل منها في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال أبو بكر بن دريد ﵀:\nلست إذا ما بهضتني غمرة ... ممن يقول: بلغ السيل الزبى\nومن أبلغ ما جاء في وصف قوة السيل قول امرئ القيس:\nكأن ذرى رأس المجيمر غدمة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل\nوالقى بصحراء الغبيط بعاه ... نزول اليماني ذي العياب المخول\nكأن اسودا فيها غرقى غدية ... بأرجائها القصوى أنابيش عنصل\nوالمحيمر: جبل وذراه أعالي وفلكة المغزل التي يدور بها معرفة. يريد إنَّ السيل قد أحاط بهذا الجبل، فكأنه يدور فلذا شبهه بفلك المغزل فهو من التخيلات. والغرقى جمع غرق والأرجاء: النواحي والقصوى: البعيدة والعنصل: البصل البري المعروف. والأنالبيش جمع انباش والأنباش جمع نبش وهو أصل المنبوش. يريد إنَّ هذا السيل لكثر أغراق السياع فصارت طافية فوق الماء كأنها انبش العنصل يقتلعها السيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>بلغ الشظاظ الوركين</span>.\nالشظاظ بكسر الشين وبظاءين مشالتين بينهما ألف: عويد يجعل في عروة الجوالق. قال الراجز:\nأين الشظاظين وأين المربعة ... وأين سقف الناقة الجلنفعة\nيقال شظظت الجوالق: شددت عليه شظاظه وأشظظته: جعلت له","vol":"1","page":203},{"text":"شظاظا والورك على وزن كتف: ما فوق الفخذين ويقال أيضًا ورك بسكون الراء مع فتح الواو وكسرها. قال الراجز: ما بين وركيها ذراعا عرضا. وبلوغ الشظاظ الوركين كناية عن اشتداد الأمر: من معنى الذي قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>بلغ الله بك اكلا العمر</span>.\nيقال: كلات الرجل بالهمز كمنعته أكلؤه كلاء وكلاءة بالكسر: حرسته وحفظته؛ وكلا الدين: تأخر والكالئ النسيئة. قال الراجز: وعينه كالكالئ المضمار. وفي الحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ. وهو يصح من كلأ إذا تأخر أو من كلاته: حفظته أي بيع المكلؤ لأن كلأ لصاحب شيئا. قيل وكان الأصمعي لا يهز الكالئ وينشد:\nإذا تباشرك الهموم ... فإنها كال وناجز\nوه المثل يقال في الدعاء فقيل: معناه بلغ الله بك أحفظ العمر كما يقال: كلأه الله أي حفظه. قال الشاعر:\nكلاك الله حيث عزمت وجها ... وحاطك في المبيت وفي الرحيل\nوقيل: الصواب أن معناه الدعاء بطول العمر أي بلغ الله بك أنسأ العمر أي أبعده من كلأ بمعنى تأخر كما مر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>بلغ من العلم اطوريه</span>.\nالطور بفتح فسكون: الحد ومنه قولهم: تعدى فلان طوره وملك الدار بطورها وطورها وأطوارها بمعنى. ويقال: هذا الدار أطور من هذه أي أوسع حدودا. فإذا قيل: بلغ من الأمر أطوريه فهو بكسر الراء جمع أطور أي بلغ منه أي أقصى حدوده. هكذا قاله أبو زيد بكسر الراء. وقال غيره: بلغ أطوريه بفتح الراء وهو تثنيه أطور أي بلغ منه حدّثني الطول والعرض. فيضرب في الانتهاء إلى غاية العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>ابله من ضب</span>.\nيقال: بله بكسر اللام يبله أو بلاهة فهو أبله والبلة: الغفلة وقيل: الغفلة عن الشر خاصة وقيل: الحمق بلا تمييز. وقيل الأبله: المأمون الشر؛","vol":"1","page":204},{"text":"وقيل: من غلبت عليه سلامة الصدر. والضب بالضاد المعجمة: الدويبة المعروفة والأنثى: ضبة وهو يضرب به المثل في أمور كثيرة مثل البله والعوق والخديعة وغير ذلك. وسيأتي الكل إن شاء الله تعالى. وإنّما ضرب به المثل في البله والذهول لمّا يزعمون من أن في طبعه الحيرة والنسيان وعدم الهداية. قالوا: ولذلك يحفر بيته في كدية وموضع مرتفع لئلا يضل عنه إذا خرج لابتغاء الطعم ورجع والله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>ابنك أبن ايرك، ليس بذي أب غيرك</span>.\nالأير بفتح الهمزة وسكون الياء: الذكر. والمعنى أن ابنك الذي يكون لاحقا بك وناصرا ومعينا هو الذي نشأ من نطفتك ولم ينتسب إلى غيرك. يضرب في تبني الرجل أو المرأة غير ولديهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>ابنك أبن بوحك</span>.\nهذا كالذي قبله في المعنى والمضروب. وبوح في هذا المثل بضم الباء الموحدة قيل هو الذكر وقيل النفس وقيل الوطء. وهو يطلق على الكل في اللغة ومرجعها إلى معنى واحد. ويقال أيضًا في هذا المثل: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك. قيل: وأول من نطق بهذا المثل الأحزن بن عوف العبدي وذلك إنّه كانت عنده امرأة فطلقها وذهبت بولد فتزوجها عجل بن لجيم بن بكر بن وائل فقالت لعجل حين تزوجها: أحفظ علي ولدي! وسماه عجل سعدا. وشب الغلام فخرج به عجل ليدفعه إلى الأحزن بن عوف أبيه. وأقبل حنيفة بن لجم أخو عجل فتلقاه بنو أخيه فلم ير فيهم سعدا فسألهم فقالوا: انطلق به أبونا إلى أبيه. فذهب حنيفة في طلبه فلقيه راجعا قد وضع الغلام في يد أبيه. فجمع حنيفة بني أخيه إليه وسار إلى الأحزن ليأخذ سعدا فوجده مع أبيه ومولى له فاقتتلوا. فقال الأحزن لسعد: يا بني! إلاّ تعينني على حنيفة؟ فكع الغلام عنه، فقال الأحزن حينئذ: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك فذهبت مثلا. وضرب حنيفة الأحزن بالسيف فجذمه فسمي جذيمة. وضرب الأحزن حنيف على رجله فحنفها فسمي حنيف وكان اسمه اثال بن لجيم. فأخذ حنيف سعدا فرده إلى عجل. وقال بعضهم: الباحة وسط الدار وجمعها بوح. ومن كلامهم: ابنك","vol":"1","page":205},{"text":"أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك. انتهى. فجعله في باحة الدار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>ابنك من دمى عقبيك</span>\nالدم اصله الدمي. تقول: دمي الشيء بالكسر يدمى فهو دم ودام وأدميته أنا ودميته تدمية. وهذا المثل كالذي قبله. قيل: وقائله امرأة الطفيل بن ملك بن جعفر بن كلاب. وكانت من بلقين وولدت للطفيل عقيل بن الطفيل فتبنته ضرتها كبش بنت عروة بن جعفر بن كلاب. ثم إنَّ عقيلا ذات يوم ضربته أمه فجاءت كبشة فمنعتها وقالت أبني! أبني! فقالت لها البلقينية ابنك من دمي عقبيك وهو بكسر الكافين مخطبة بها أي: ابنك هو الذي نفست به حتى ادمى النفاس عقبيك لا الذي تتبنينه ولم تلديه. ولمّا قالت البلقينية هذا الكلام لكبشة انقلبت عنها مغمومة منكسرة إذ لم يكن لها ولد وتعظمت عليها ضرتها بولدها فأشتملت كبشة على عامر بن الطفيل في تلك الليلة فجاءت اسود أهل زمانه وأنجد أهل زمانه وأفرس أهل زمانه حتى كان مناديه ينادي بعكاظ: هل من راجل فأحمله أو من خائف فأؤمنه؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>به لا بظبي</span>.\nالظبي معروف جمعه ظباء وأظبي وظبي. وهذا المثل يقال عند الدعاء على أحد المصائب والموبقات وأن لا يعدلن عنه عند الشماتة به. والمعنى: جعل الله ما أصابت لازماله! قال الفرزدق لمّا مات زياد وكان مسكين الدرامي رثاه بقوله:\nرأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين فارقها زياد\nفقال الفرزدق يرد على مسكين:\nامسكين أبكى الله عبنه إنّما ... جرى في ضلال دمعها فتحدرا\nفبكيت امرءا فظا غليظا مبغضا ... ككسرى على أعدائه وكقيصرا\nأقول له لمّا أتاني نعيته ... به لا بظبي بالصريمة اعفرا\nوقال أبو تمام في قصيدة له:\nقتلته سرا ثم قالت جهرة ... قول الفرزدق لا بظبي اعفرا","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>باءت عرار بكحلٍ</span>.\nيقال: باء إليه يبوء إذا رجع إليه وانقطع؛ وباء بذنبه بواء إذا احتمله أو اعترف به؛ وباء دمه بدمه: عدل به؛ وباء فلان بفلان إذا قتل به فقاومه. ومنه قول مهلهل البكري الذي قتله: بؤ بشسع نعل كليب! وقول الشاعر:\nفقلت له: بؤ بامرئ لست مثله ... وإن منت قنعانا لمن يطلب الدما!\nوعرار على وزن رقاش. وكحل بفتح الكاف وسكون الحاء: بقرتان وكانتا قد انتطحتا فماتتا معا فقيل: باءت عرار بكحل أي باءت هذه بهذه. يضرب إذا قتل القاتل بمقتوله. ويضرب لكل متكافئين متساويين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>بال حمارٌ فاستبال أحمرة</span>.\nالبول معروف. يقال: بال، يبول، بولا. والحمار معروف. ومعنى استبال أحمرة: حملهن على البول لمّا بال. وأما قول الفرزدق:\nوإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساعٍ إلى أسد الشري يستبيلها\nفقالوا: معناها في يده. ولا يبعد أن يكون معناه: يحملها أن تبول عليه، ويتعرض لذلك أي يتعرض لهجومي كما قال الآخر:\nتعرضت بياض لأهجوها ... كما تعرض لاست الخاريء الحجرُ\nوالمثل المذكور يضرب في تعاون القوم على المكروه وتنافسهم في الشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>بالت عليه الثعالب</span>.\nالثعالب جمع ثعلب. يضرب هذا المثل للشر الواقع بين القوم وفساد ما بينهم.\nفقط حميد بن ثور:\nألم تر ما بيني وبين محاربٍ ... من الود قد بالت عليه الثعالبُ\nوأصبح باقي الود بيني وبينه ... كأن لم يكن والدهر فيه عجائب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>بات فلان بليلةٍ ابن المنذر</span>.\nهو النعمان بن المنذر أي بليلة شديدة.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>باتت المرأة بليلةٍ حرةٍ</span>.\nأي إذا لم يقدر الزوج على افتضاضها ليلة هدائها. ويقال ليلة حرة بالوصف وهي أوّل ليلة من الشهر. قال النابغة:\nشمسٌ موانع كل ليلة حرةٍ ... يخلقن ظن الفاحش المغيار\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>باتت بليلة شيباء</span>.\nيقال: ليلة شيباء بالإضافة وليلة الشيباء وهي آخر ليلة من الشهر. ويقال ذلك إذا غلبت على نفسها عكس الذي قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>باتت بليلة أنقد</span>.\nالأنقد بالدال المهملة على مثل أحمر: القنقذ وهو يبيت الليل كله لا ينام، فيقال لمن بات غير نائم: بات بليل أنقد. وذكر في الصحاح أنَّ لفظ أنقد معروفة كأسامة للأسد. وجوز غيره أن تدخل عليه الألف واللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>بيدي لا بيد عمرو</span>.\nقالته الزباء الملكة السابق ذكرها. وعمرو هذا هو عمرو بن عدي بن نصر اللخمي ابن أخت جذيمة. وسبب ذلك أنَّ الزباء لمّا قتلت جذيمة كما مر رجع قصير إلى عمرو بن عدي فقال له: قم بثأر خالك من الزباء! فقال عمرو: كيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فأرسلها مثلا. فقال قصير: اطلب الأثر وخلاك ذم! فذهبت مثلا. فقال له إني والله لا أنام على طلب دمه ما لاح نجم أو طلعت شمس حتى أدركه أو تخترم نفسي دونه! ثم قال قصير لعمرو: اجدع أنفي، واقطع أذني واضرب ظهري حتى تؤثر فيه، وخلني وإياها! ففعل عمرو ذلك. وقيل إنَّ عمرا أبى عليه ففعل هو ذلك بنفسه فقالت العرب: لأمر ما جدع قصير أنفه فذهبت مثلا. قال المتلمس:\nومن طلب الأوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس\nثم إنَّ قصيرا ذهب فلحق الزباء فقالت له: ما أتى بك إلينا يا قصير وبيننا وبينك دم عظيم الخطر؟ فقال لها: يا ابنة الملوك العظام قد كان دم الملك يعني أباها يطلب جذيمة حتى أدركه؛ وقد أتيتك فيما فيه مثلي مثلك مستجيرا من عمرو،","vol":"1","page":208},{"text":"فانه اتهمني بقتل خاله وفعل بي ما ترين. وقد حال بيني وبين أهلي وولدي وخشيت على نفسي فأتيتك. فأعطته الجوار وأنزلته مكرما مخدما. فأقام مدة لا يكلمها وهو يتطلب لها الحيل ويتأمل الفرص. ثم قال لها يوما: إنَّ لي بالعراق أموالا كثيرة وذخائر نفيسة مما يصلح بالملوك. فإنَ أذنت لي في الخروج إلى العراق وأعطيتني شيئا اتعلل به تجارة وأتخذه وصلة إليها أتيتك بما أمكنني منها. فأعطته مالا، فرجع إليها بأرباح كثيرة وطرائف خطيرة. فلما رأت ذلك أعجبها وعظمت منزلته عندها ورغبت فيه. ولم يزل يتلطف إليها ويتقرب حتى أعادته مرة أخرى إلى العراق، فأضعف لها الأموال، وأتاها من الجواهر والخز والبز والديباج بشيء عظيم، فازدادت منزلته عندها. ويقال إنّه رجع مرة ثالثة فأتاها بأكثر من الأوليين. فبلغ منها مكانة عظيمة حتى إنها كانت تستعين به في مهماتها. وكان لبيبا أديبا. وكانت ابتنت على الفرات مدينتين عظيمتين واتخذت بينهما نفقا. فإذا أوجست شرا دخلت النفق. فلما بلغ قصير من مدخلها ما بلغ، عرف النفق وعرف الطريق إليه. فعند ذلك رجع مرة أخرى للتجارة. ويقال إنّها هي التي قالت له: أريد أن أغزو بلد كذا من أرض الشام، فاخرج إلى العراق فأتني بكذا وكذا من السلاح والكراع والعبيد والثياب! فقال قصير: ولي في بلد عمرو بن عدي ألف بعير وخزانة من السلاح فيها كذا وكذا وما لعمرو به علم. ولو قد علمه لاستعان به على حرب الملكة وقد كنت أتربص به المنون وها أنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فأتي الملكة بذلك مع الذي سألت فأعطته من المال ما أراد. ويذكر أنها قالت له إذ ذاك: يا قيصر! الملك يصلح لمثلك وعلى يد مثلك يصلح أمره. ولقد بلغني أن أمر جذيمة كان إيراده وإصداره إليك. وما يقصر بك عن شيء تناله يدي ولا يقعد بك حال ينهض بي فسمع كلامها رجل من خاصة قومها فقال: أسد خادر وليث ثائر قد تحفز للوثوب! فلما سمع قصير كلامها وعلم ما بلغ من قلبها قال: الآن تمكن الخداع! وخرج من عندها فأتى عمرا فقال له: قد أصبحت الفرصة. قال له عمرو: قل أسمع ومر أقبل فأنت طبيب هذه القرحة! قال: الرجال والأموال فقال عمرو: حكمك مسلط فينا عندي! فعمدا إلى ألفي رجل من فتاك قومه فحملهم على ألفي بعير في الغرائر السود. ويقال","vol":"1","page":209},{"text":"انه اتخذ الجوالق وهو أوّل من اتخذها وحمل فيها الرجال وجعل ربطها من داخل. فأتى بها وأخذ غير الطريق وجعل يسير الليل ويكمن النهار. وجاء عمرو معه. وكان عمرو قد صور للزباء قاعدا وقائما وراكبا. فلما عمي عنها خبر قصير سألت عنه فقيل لها إنّه أخذ على طريق الغور فقالت: عسى الغوير أبؤسا. فذهبت مثلا، وسيأتي. فلما قربوا تقدم قصير ودخل على الزباء فقال لها: قفي فانظري إلى العير! فرقبت سطحا وجعلت تنظر إلى الإبل تحمل الرجال. فقالت: يا قصير:\nما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا؟\nأم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا؟\nويقال إنَّ الزباء كان وشي لها بقصير فلما رأت مشية الأجمال ازدادت الريبة في قلبها فقالت ذلك. فلما دخلت العير القصر وعلى الباب بوابون من النبط وفيهم رجل بيده مخصرة فطعن بها جوالقا فأصابت المخصرة رجلا فضرط فقال البواب بالنبطية: بشتا! بشتا! أى الشر! الشر! فاستل قصير السيف فقتل النبطي فدخل عمرو وكان وراء الإبل. فبركت الإبل وخرج الرجال وذهب عمرو فوقف على فم النفق وكان قد وصفه له قصير وعرفه به. فجاءت الزباء نحو النفق. فلما رأت عمرا عرفته بما صور لها فمصت خاتما كان في يدها مسموما وقالت: بيدي لا بيد عمرو فماتت. ويقال إنّه هو قتلها بالسيف واستباح بلادها. ومعنى المثل ومضربه واضح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>بيدين ما أوردها زائدة</span>.\nاليد تطلق على الجارحة وعلى القوة الناشئة عنها. ويثنى بالمعنى الثاني أيضًا كما يثنى بالمعنى الأول الحقيقي. قال تعالى:) لمّا خلقتُ بيديَّ (. وقال عروة بن حزام:\nفقالوا شفاك الله والله مالنا ... بما حملت منك الضلوع يدانِ\nواليد في المثل إن كانت بالمعنى الحقيقي فهي كناية عن الجد والشدة والقوة لأن العامل عملا بكلتا يديه يكون عليه أقوى وأشد من الذي يعمله بيد واحدة؛ وإن كان بالمعنى الثاني فواضح وثنيت للمبالغة. والمثل يضرب للجلادة والقوة في العمل","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>بيض القطا يحضنه الأجدلُ</span>.\nالقطا: الطير المعروف، واحدته قطاة، وتقدم إنّها تعد في الحمام. وتبيض ولا تزيد غالبا على ثلاث بيضات، ومن ثم يقال للقطا أم ثلاث. قال الشاعر:\nوأم ثلاثٍ شببن عققنها ... وإنَّ متن كان الصبر منها على صبر\nوحضانة الأولاد معروفة، وأصل الحضن جعل الشيء تحت الإبط. والاجدل هو الصقر، مشتق من جدل وهو القوة، وغلبت عليه الصفة. وهذا المثل يضرب في الضعيف يستند إلى القوي ويأوي إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>بين الصبح لذي عينين</span>.\nمعناه أنَّ الليل لا ظلامه يستوي فيه البصير والأعمى، فإذا أقبل الصبح تبينت الأشياء لكل ذي بصر فأدركها. أو معناه أنَّ الصبح لظهوره يدركه كل ذي بصر لا يمتري فيه ولا يلتبس عليه. يضرب في الشيء يتضح وينجلي بحيث لا يتطرق إليه التباس. ويقال أيضًا: وضح الصبح لذي عينين. وأصل المثل لقيس بن زهير العبسي صاحب الحروب بين عبس وذبيان بسبب الفرسين داحس والغبراء. وسنشرح ذلك في موضوعه إن شاء الله تعالى. وكان قيس داهية من دهاة العرب، يضرب به المثل في ذلك كما سيأتي. فحكي أنَّ رجلًا مر بحي الاحوص، فلما دنا من الحي نزل عن راحلته فعمد إلى شجرة فعلق عليها سقاء من لبن، وجعل بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وصرة من شوك، ثم أستوى على راحلته وانطلق. فنظر القوم إلى ذلك فعمي عليهم أمره، فأرسلوا إلى قيس بن زهير، فلما جاءهم قال له الأحوص: المثل تخبرني أنه لا يرد عليك أمر إلاّ عرفت مأتاه؟ قال: ما ذلك؟ فأراه ذلك، فقال: وضح الصبح لذي عينين. فأرسلها مثلا، ثم قال: هذا رجل أسره جيش \" قاصد \" إليكم، ثم أنطلق بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق أن لا ينذركم، فعرض لكم بما ترون. أما الصرة من التراب فأنه يزعم أنه أتاكم عدد كثير؛ وأما الحنظلة فإنه يزعم أن بني حنظلة قد غزتكم، وأما الشوك فيخبر إنَّ لهم شوكة، وأما اللبن فإنه دليل على قرب القوم أو بعدهم إنَّ كان حلوًا أو حامضًا. فأشتد القوم فكان كما قال.","vol":"1","page":211},{"text":"ومما يتلحق بهذا الباب قولك مثلا. أبرد من الثلج، وابرد من قرة، ونحو ذلك وهذا النحو من الأمثال لا يختص بنوع ولا ينحصر في شيء، إذ ما من شيء اتصف بصفة وامتاز بميزة من برودة أو بله أو بطئ أو إبصار أو غير ذلك من الأوصاف، إلاّ ولك أنَّ تضرب به المثل، إما تفصيلًا أو تشبيها. وهكذا في باب؛ غير إنَّ ما اشتهر من ذلك يثبت في الكتاب، وما سواه فسائغ استعماله، غير محذور ارتكابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>وقولهم: بفلان تقرن الصعبة</span>.\nيقال للرجل إذا كان نافذا في أمور قويا عليها ناهضا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>وقولهم: بعد اللتيا والتي</span>.\nفي الأمر يكون بعد معاناة الكد ورؤية الشدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>وقولهم: هو ابن زوملتها</span>\nأي عالم بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>وقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها</span>\nإذا لم يدرك أين توجه. أو يراد به إنّه بأرض خالية لا يسمعه ولا يبصره إلاّ الأرض. وقيل أريد بسمع الأرض وبصرها طولها وعرضها. وضمن هذا المثل أبو محمّد بن عبدون ﵀! في قصيدته التي يرثي بها بني المظفر، فقال:\nوانفذ في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر\nومن أمثال العامة في هذا الباب قولهم: يبر الجرح السوء، ولا يبرا الكلام السوء. وأصله يزعمون أنَّ شخصًا أداة تطوافه إلى إنَّ سقط في مغارة الأسد منكسرًا، فوجد أشباله فلاذ بها. فلما دخل عليه الأسد ورآه على تلك الحال، رق له وجعل يأتيه باللحم ويقدمه إليه ويرفق به حتى برئ وذهب إلى أهله. فبينما هو يحدثهم ذات يوم بقصته مع الأسد، إذ جاء الأسد فأستمع من وراء البيت، وسمعه يقول لهام: ما رأيت في الأسد من عيب إلاّ بخرًا في فيه، يدنو مني فيؤذيني غاية الإيذاء. فلما سمع الأسد كلامه أحفظه. فبينما ذلك الشخص يوما في موضع إذ وجده ذلك الأسد وعرفه، فقال له الأسد: أما كان لي عليك حق وجزاء لنعمتي ورفقي وإحساني بك؟ أو نحو هذا. قال نعم! قال له: فإني أسألك أن تضربني بهذا الفأس ضربة بين عيني منكرة، فأبى عليه، وألح عليه الأسد حتى ضربه. فذهب، ومكث زمانا حتى برئت تلك الضرب وذهب أثرها. فرجع إليه","vol":"1","page":212},{"text":"حتى لقيه فقال له: أنظر هل ترى لضربتك التي ضربتني أثرًا! قال: لا! فقال له حينئذ: يبرؤ جرح السوء، ولا يبرؤ كلام السوء. يعني قوله فيه إنّه كان أبخر، وافترسه. ولنحو هذا يقول العامة في مثل آخر: من ذا يقدر إنَّ يقول للأسد: فوك أبخر؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>وقولهم: البركات في الحركات</span>.\nوقد ورد في مدح السفر والحضر على التحول والتحرك لنيل الأوطار كلام كثير. قال ﷺ: \" سافروا تصحوا، وأغزو تستغنموا! \". ويروى: \" سافروا تصحوا وتغنموا! \". وقال: \" الأرض أرض الله والعباد عباد الله: فحيث وجد أحدكم رزقه، فليتق الله وليقم \". وقال: \" ما مات ميت بأرض غربةٍ إلاّ قيس به من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة \". وقال: \" موت الغريب شهادة \". وقال: \" من مات غريبًا مات شهيدًا \". وفي التوراة: أبن أدم، احدث سفرا احدث لك رزقا. وفيها أيضًا: ابد آدم، خلقت من الحركة إلى الحركة: فتحرك وأنا معك!. وفي بعض الكتب: امدد يدك إلى باب من العمل، أفتح لك بابًا من الرزق! وقال ﷺ لوفد من قيس: ما المروءة فيكم؟ قالوا: العفة والحرفة. وقال موسى بن عمران ﵇: لا تلوموا السفر! فإني أدركت فيه ما لم يدرك أحد، يريد أنَّ الله كلمه. ونظمه أبو تمام بقوله:\nفإن موسى صلى على روحه ... الله صلاة كثيرة القدس\nصار نبيًا وعظم بغيته ... في جذوة للصلاة أو قبس\nقيل: وقد قال رجل لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ، أتحرك لطلب الرزق أمثال اجلس؟ قال: بل تحرك، فإنه أصلح لكّ! فقال له: أتقول هذا؟ قال: ما أنا قلته، ولكن ﷿ أمر به حين قال:) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (، ولو شاء أن ينزله عليها فعل. وفي هذا أنشد الثعالبي:","vol":"1","page":213},{"text":"ألم تر أنَّ الله أوحى لمريم ... فهزي إليك الجذع تساقط الرطب\nولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته ولكن كل شيء له سبب\nوقال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية، لأنك تحل يوم محلة لم تحللها، وتعاشر قومًا لم تعاشرهم. وقالوا: ربما أسفر السفر، عن الظفر. وقالوا: إنَّ من فضائل السفر أنَّ صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومحاسن الآثار، وأمثال يزيد علما بقدرة الله، ويدعو إلى شكر نعمته. وقالوا: السفر يشد الأبدان، وينشط الكسلان، ويسلي الثكلان، ويشهي الطعام، إذ ليس بينك وبين بلدٍ نسب، فخير البلاد ما حمل. وكتب أبن رشيق إلى بعض إخوانه: مثل الرجل القاعد، أعزك الله! كمثل الماء الراكد، وإنَّ ترك تغير، وإنَّ حرك تكدر؛ ومثل المسافر كالسحاب الماطر، هؤلاء يدعونه نقمة، وهؤلاء يدعونه نعمة. فإذا اتصلت أيامه، ثقل مقامة، وكثر لوامه. فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة! وقالوا: المسافر يسمع العجائب، ويكشف التجارب، ويحلب المكاسب. أوحش أهلك إذا كان انسك في إيحاشهم، واهجر وطنك إذا نبت عنك نفسك! وقيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب؟ أما ترضى بالدعة؟ فقال: لو دامت الشمس يومًا عليكم لمللتموها. وأخذ أبو تمام فقال:\nوطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجته فأغترب تتجدد\nفإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أنَّ ليست عليهم بسرمد\nوقال الحكماء: لا تنال الراحة إلاّ بالتعب، ولا تدرك الدعة إلاّ بالنصب. وقال أبو تمام:\nولكني لم أحو وفرًا مجمعا ... ففزت به إلاّ بشمل مبدد\nولم تعطني الأيام يومًا مسكنا ... ألذ به إلاّ بنوم مشرد\nوقال لنابغة الجعدي في هذا المعنى الذي نحن فيه:\nإذا المرء لم يطلب معاشًا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا\nفسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا الديار أو تموت فتعذرا\nوقال أبن صارة:","vol":"1","page":214},{"text":"سافر فأن الفتى من بات مفتتحا ... قفل النجاح بمفتاح من السفر\nإنَّ شئت خضرتها يا أبن الرجاء فكن ... في طي غبر الفيافي ثاني الخضر\nولا يصدنك عن وجه تصعبه ... قد ينبغ الكوثر السلسال من حجر\nوقال الآخر:\nتخوفي طول السفار وإنني ... لتقبيل كف العامري سفير\nذريني أرد ماء المفاوز آجنا ... إلى حيث ماء المكرمات نمير\nوإنَّ خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الجزاء خطير\nوقال الآخر:\nلا يمنعنك خفض العيش في دعةٍ ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان\nتلقى بكل بلاد أنت ساكنها ... أهلا بأهلٍ وجيرانا بجيران\nوقال البحتري:\nوإذا الزمان كساك حلة معدمً ... فليس له حلل النوى وتغرب\nوقال الآخر:\nليس ارتحالك ترداد لغنى سفرا ... بك المقام على خسف هو السفر\nوقال أبو الفتح البستي:\nفالحر حر عزيز النفس حيث ثوى ... والشمس في كل برج ذات أنوار\nوقال ديك الجن:\nوليس المرء ذو العزمات إلاّ ... فتى تلقاه كل غد بلاد\nوقال الآخر:\nيقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترنين المراميا\nوقال البحتري:\nوإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو صديق فإنني بالخيار\nوقال أبو الطيب:\nإذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب\nوقال:","vol":"1","page":215},{"text":"ما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق\nوقال الآخر:\nغب عن بلادك وارج حسن مغبة ... إنَّ كنت حقا تشتكي الإقلالا\nفالبدر لم يحجب به إبداره ... إلاّ بغير يطلب الإقبالا\nوقلت أنا من جملة قصيدة:\nلا يكسك الوطن الأليف مذلة ... أن كنت تكتسب العلى بتغرب\nفالجار من يدنو إليك مواتيًا ... في كل أرض بالجوار الأطيب\nومن احتبك مودة ونصيحةً ... في حالتيك فذاك خير الأقرب\nوهذا باب لا يحصى. وقد أكثروا في عكس هذا المقصد، وهو مدح الإقامة والإخلاد إلى الراحة وانتظار الفرج واستمطار الرجاء. قال الأعشى:\nومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرًا ومسحبا\nوتدفن منه الصالحات وإنَّ يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا\nوقال زهير:\nفقري في بلادك إنَّ قوما ... متى يدعوا بلادهم يهنوا\nوقال الآخر:\nلقرب الدار في الاقتدار خير ... من العيش الموسع في اغتراب\nوقال الآخر:\nوما زلت أقطع عرض البلا ... د من المشرقين إلى المغربين\nوأدرع الخوف تحت الرجا ... واستصحب الجدي والفرقدين\nواطوي وانشر ثوب الهمو ... م إلى أنَّ رجغت بخفي حنين\nوقال الآخر:\nيعطي الفتى فينال في دعةٍ ... ما لم ينل بالكد والتعب\nفأطلب لنفسك فضل راحتها ... إذ ليست الأشياء بالطلب\nإنَّ كان لأرزق بلا سبب ... فرجاء ربك أعظم السبب","vol":"1","page":216},{"text":"وقال الآخر:\nقد يرزق الخافض المقيم وما ... شد لعنس رحلا ولا قتبا\nويحرم المال ذو المطية والر ... حل ومن لا يزال مغتربا\nوقال الآخر:\nقد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم الرزق بالأسفار والتعب\nإني وعمرك لا أحصي ذوي حمق ... الرزق اغرى بهم من لاصق الجرب\nوقال الآخر:\nإلاّ رب باغي حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو جالس\nوقال الآخر:\nقد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي\nما مسني من غنى يوم ولا عدم ... إلاّ وقولي فيه الحمد لله\nوقلت أنا من جملة قصيدة:\nلا ولا بالحجى تنال الأماني ... لا ولا الجهل رائد الحرمان\nفالغنى بالحظاء لا بالتعني ... والثمى بالقضاء لا بالتواني\nكم لبيب ذي نجدة مات هزلا ... وغبي يحفه ألف هان\nوكريم اذيل بعد اعتزاز ... ووضيع يسمو على كيوان\nقسمة قدرات وأحكم مبن ... اها قضاء المهيمن الديان\nولنرجع إلى المقصود خشية الطول.\nوقولهم: بأضدادها تتبين الأشياء. ونظمه أبو الطيب حيث قال:\nمن يظلم اللؤماء في تكليفهم ... إنَّ يصبحوا وهم له أكفاء\nويذمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء\nونحوه قول أبي تمام:\nكثرة السفر يمنة وشمالا ... أضعفت في نفيسة العقيان\nونحوه قول المعري:","vol":"1","page":217},{"text":"والشيء لا يكثر مداحه ... إلاّ إذا قيس إلى ضدهِ\nلولا غضا نجدي وقلامه ... لم يئن بالطيب على رندهِ\nوقد يعاب الامتداح بنحو هذا بتبه امتداح بكمال إضافي، وقلما يخلو شيء من نحو هذا الكمال. والجواب أنَّ القصد إلى بيان كون الكمال إضافي لا حقيقيا، بل إلى بيان أنَّ الكمال اتضح غاية الاتضاح وإنَّ سبب اتضاحه كذا. والشيء قد يكون في غاية الكمال والفضل ويخفى لشدة ظهوره ولا يعرف إلى بالقياس لغيره. فلو لم يخلق الله المرض لم يعرف حسن الصحة؛ وكذا الفقر والغنى والمرارة والحلاوة ونحو ذلك. ولو لم يخلق الليل لمّا عرفت فائدة النهار كما قال حبيب:\nبين البين فقدها قلما ... تعرف فقدا للشمس حتى تغيبا\nولهذا ورد في الخير إنّه يرى المؤمن النار وما أبدله به الجنة؛ وكذا الكافر بالعكس. وشاع في ألسنة العامة قولهم: لا تمدحني حتى تجرب غيري، كما قال حبيب:\nوإساءات ذي الإساءة يذكر ... نك يومًا إحسان ذي الإحسانِ\nوقال أيضًا:\nإساءة دهر اذكرت حسن فعله ... إليَّ ولولا الشري لم يعرف الشهدُ\nوأما قول أبي الطيب:\nزانت الليل غرة القمر الطا ... لع فيه ولم يشنها سوادهُ\nفمراده به المبالغة في الثناء، وإنَّ طلعة الممدوح تكشف الظلماء مع غلبتها الأنوار، وأو أضاف إشراق طلعته إلى النهار لم يكن لذلك كبير فضل، من حيث إنَّ الشيء يظهر بالنهار ولو ضعيفا. ولم يعتبر هو ما مر، وإنّما اعتبر ما اعتبره النابغة حيث اعترض على حسان قوله: يلمعن بالضحى. وكان النابغة تضرب له قبة بسوق عكاظ، فيعرض عليه الشعراء أشعارهم. فدخل عليه يوما حسان بن ثابت وعنده الأعشى، وقد كان أنشده شعرا له فاستحسنه، وإذا بالخنساء فأنشدت:\nيا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل المياه وما في ورده عارُ\nمشي السبنتى إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان: أنياب وأظفارُ\nفما عجول على بوٍّ تحن له ... لها حنينان: إعلان وإسرارُ","vol":"1","page":218},{"text":"ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبارُ\nيومًا بأوجع مني يوم فارقني ... صخرٌ والدهر إحلاء وإمرارُ\nوإنَّ صخرًا لوالينا وسيدنا ... وإنَّ صخرا إذا نشتو لنحَّارُ\nوإنَّ صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ\nجوابُ قاصيةٍ جزارُ ناصيةٍ ... عقاد ألويةٍ للعيش جرارُ\nحامي الحقيقة محمود الخليقة ... مهدي الطريقة نقاع وضرارُ\nلم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجارُ\nفقال لها النابغة: لولا أنَّ أبا بصير يعني الأعشى أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر الإنس والجن فقال حسان: أنا اشعر منك ومنها ومن أبي بصير، حيث أقول:\nلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نسجه دما\nوليدنا بني العنقاء وأبن محرق ... فاكرم بنا خالا واكرم بنا أبنما!\nفقال له النابغة: انك لشاعر لولا انك قلت الجفنات فقللت العدد ولو قلت الجفان كان اكثر؛ وقلت يلمعن بالضحى، ولو قلت يشرقن بالدجى كان ابلغ وقلت يقطرن ولو قلت يجرين كان ابلغ؛ وفخرت بما ولدت ولم تفغر بمن ولدك على انك يا بني لا تحسن أن تقول:\nفانك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنَّ المنتآى عنك واسعُ\nفقام حسان خجلا منكسرا.\nفائدتان: الأولى قول النابغة: أشعر الإنس والجن أو الجن والإنس خطأ في العربية. فإن المعطوف في حكم المعطوف عليه واسم التفضيل إنّما يضاف على ما هم بعض منه، غير إنّه إن كانت الرواية تأخير الجن أمكن أن يستسهل في التابع ما لا يسوغ في المتبوع.\nالثاني: بيت النابغة الذي تبجح به وفخر به على حسان هو من جيد الشعر، وقد اعترضه الأصمعي في انتصاره للرشيد على البرامكة. فإنَ النهار سواء هو والليل في الإدراك واللحاق ولا مزية لليل حتى يخص بالذكر. وقصة محاضرتهم مشهورة. قلت: وأنت إذا علمت وأنصفت عرفت أن ليس لحاق النهار كلحاق الليل الذي تنقطع","vol":"1","page":219},{"text":"الحركات لإقباله ويستكن كل أحد لغشيانه، ويخضع تحت أطنابه: فتشبيه الملك به أحق. وليتنبه الأديب إلى كلام النابغة وانتقاداته ليعرف مبلغ شعراء الجاهلية في معرفة الشعر والغوص على المعاني ويقدرهم حق قدرهم في هذا الباب ويعرف أنَّ البلاغة طوع إيمانهم وإنها تدب على ألسنتهم دبيب النمل، وتجري منهم مجرى الدم وتسري في أفكارهم سريان العذب السلسال، حتى يعرف مقدار من تحداهم رب العزة بكلامه فأعجزهم، وأنهم لأمر ما عجزوا وأذعنوا. فلا يغتر الفتى الجاهل اليوم ويتوهم إذا سمع شقاشق أهل إعصاره أنَّ أولائك أغمار. وقولهم للإنسان غير المستوطن: بيته على ظهره. وأصله في السلحفاة. ومثله قول الشاعر:\nحيثما كنت لا أخلف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي\nوقد آن أن أذكر ما يتيسر من الأمثال الشعرية في هذا الباب وما يجري على نمطها. وينخرط في سفطها. قالوا:\nومن يكن الغراب له دليلا ... يدل به على جيف الكلابِ\nيريدون أنَّ من اتخذ الدنيء مرتادا واللئيم قوادا فهو يسوقه إلى سخفه أو يقع به إلى حتفه. وقال الآخر:\nومن لم يكن عقربا يتقى ... مشت بين أثوابه العقربُ\nوهو مثل قول العامة: من لم يكن ذئبا أكلته الذئاب. وقول أبن دريد:\nمن ظلم الناس تحاموا ظلمه ... وعز فيهم جانباه واحتمى\nوهم لمن لان جانبه ... أظلم من حيات أنباث السفا\nوقال مسكين الدارمي:\nرب مهزولٍ سمينٌ عرضه ... وسمين الجسم مهزول النسب\nأي رب وهزول البدن والجسم كريم الأب رفيع النسب صين الحسب، وبالعكس. وقال رجل من مذحج:\nإنَّ السوية إن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنبُ\nوإذا تكون كريهة ادعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندبُ","vol":"1","page":220},{"text":"هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إنَّ كان ذاك ولا أبُ!\nوالمثل هو البيت الوسط وفي معناه مثل من أمثال النساء يقلن: الطرية للهاتي، والقسية لأخواتي. وقال النابغة:\nولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟\nومثله قول الآخر:\nوإن كنت لم تصحب سوى ذي كمالة ... فأين من الأخوان من هو كاملُ؟\nوقولي من قصيدة:\nوإذا تبتغي صديقا بلا ذا ... مر فعش مفردا عن الخلانِ\nوقال أبو عبد الله بن شرف في معنى بيت النابغة:\nولا تعتب على نقص الطباع أخا ... فإنَ بدر الدجى لم يعط تكميلا\nوقال لبيد:\nذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجربِ\nوقال أبن شرف في معناه:\nكم خانني الدهر في أوفى الورى فمضى ... به وخلف مرذولا فمرذولا\nوقال الآخر:\nألا إنّما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانبُ\nالغضارة: الطين اللازب الأخضر وتطلق أيضًا على الخصب والنعمة.\nوقال أبن شرف في معنى البيت:\nولم يزل ثمر الدنيا لقاطفه ... رطبا ويبسا وماجوجا ومعسولا\nوقال الآخر:\nوإنَّ امرئ قد سار تسعين حجة ... على منهلٍ من ورده لقريبُ\nوقال الآخر:\nوأجرا من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوبِ\nوقال أبن شرف في معناه:\nولم تجد قط عيابا ومفتخرا ... إلاّ على العيب والعوراء مجبولا","vol":"1","page":221},{"text":"وقيل للأحنف بن قيس: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: اطلبه عيابا فانه لا يعيب الناس إلاّ بفضل ما فيه! وقال امروء القيس:\nوانك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب\nوفي البيت مثلان سيأتيان إن شاء الله تعالى. ومثله أبي تمام:\nوضعيفة فإذا أصابت قدرة ... قتلت: كذلك قدرة الضعفاء\nوقال الآخر:\nراحت مشرقة ورحت مغربًا: ... شتان بين مشرق ومغرب!\nومثله ما انشد الأصمعي من قول الشاعر:\nأذكرك مجالس بني أسد ... بعدوان فنحن إليهم القلب\nالشرق منزلهم ومنزلنا ... غرب: وأين الشرق والغرب؟\nمن كل أبيض جل زينته ... مسك أحم وصارم عضب\nمدجج يدعى بشكته ... وعقيره بفنائه تحبو\nوقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:\nالسيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\nبيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب\nوالعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين في السبعة الشهب\nوقال أيضًا:\nإذا المرء لم يستخلص الحزم نفسه ... فذروته للحادثات وغاربه\nأعذلتنا ما أخشن الليل مركبا ... وأخشن منه في الملمات راكبه\nدعيني وأهوال الزمان أفانها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه\nفإن نحن الحسام الهندواني إنّما ... خشونته ما لم تفلل مضاربه\nوقال:\nلأمر عليهم أنَّ تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه\nوقال أيضًا:","vol":"1","page":222},{"text":"سلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... وأدرت ربعي من ركابي سباسبا\nوغربت حتى لم أجد ذكر مشرقٍ ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا\nخطوب إذا لاقيتهم رددني ... جريحا كأني قد لقيت الكتائبا\nومن لم يسلم للذنوب أصبحت ... خلائقه طرًا عليه نوائبا\nوقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا\nفآفة ذا ألا يصادف مضربا ... وآفة ذا ألا يصادف ضاربا\nوقال أيضًا:\nكانت لنا ملعب نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب\nوعاذل هاج لي بالعذل مأربة ... باتت عليه هموم الصدر تصطخب\nلمّا أطال ارتجال العذل قلت له: ... الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب\nوقال:\nمالي أرى جلبا فعما وليست أرى ... سوقا ومالي أرى سوقا ولا جلب؟\nأرض بها عشب جرف وليس بها ... ماء وأخرى بها ماء ولا عشب\nوقال أيضًا في أبي دلف:\nيرى اقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلة خائب\nوأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المآرب\nوقال:\nولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب\nولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب\nوقال أيضًا:\nوما الأسد الضرغام يوما بعاكسٍ ... ريمته إن أن أو بصبص الكلب\nوقال أيضًا:\nلو رأى الله أنَّ للشبيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا\nوقال أيضًا:","vol":"1","page":223},{"text":"والحظ يعطاه غير طالبه ... ويحز الدر غير محتلبه\nوقال أيضًا:\nفاض اللئام وغاضت الاحساب ... واجتثت العلياء والآداب\nفكأن يوم البعث فاجأهم فلا ... أنسب بينهم ولا أسباب\nوقال:\nما إن سمعت ولا أراني سامعا ... أبدًا بصحراء عليها باب\nمن كل مفقود الحياء فوجه ... من غير بواب له بواب\nما زال وسواسي لعقلي خادعا ... حتى رجا مطرا وليس سحاب\nما كنت ادري لا دريت بأنه ... يجري بأفنية البيوت سراب\nوقال أيضًا يهجو يوسف السراج:\nسمعت بكل داهية نآد ... ولم اسمع بسراج أديب\nأما لو إنَّ جهلك عاد علما ... إذا لنفذت في علم الغيوب\nومالك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب\nفلو نشر المقابر عن زهير ... لصرح بالعويل وبالنحيب\nمتى كانت قوافيه عيالا ... على تسفير بقراط الطبيب؟\nوقال أيضًا:\nهو الدهر لا يشوي وهن المصائب ... واكثر آمال الرجال كواذب\nوقال:\nوقلت: أخي قالوا: أخ ذو قرابة ... فقلت لهم: إنَّ الشكول اقرب\nنسيبي في عزمي ورأيي ومذهبي ... وإنَّ باعدتنا في الأصول المناسب\nوقال:\nعلى إنّها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب\nوقال أيضًا:\nإنَّ ريب الزمان يحسن إنَّ يهدي ... الرزايا إلى ذوي الاحساب","vol":"1","page":225},{"text":"فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي\nوقال أيضًا:\nومن يكن طيبا فلا عجب ... إنَّ يأكل الناس من أطيابه\nوقال أيضًا:\nغير مستأنس بشيء إذا غبت ... سوى ذكرك الذي لا يغيب\nأنت دون الجلاس انسي وإنَّ كنت ... بعيدا فالأنس منك قريب\nوقال أيضًا:\nلعمر مع الرمضاء والنار تلتظي ... ارق وأحفى منك في ساعة الكرب\nمتى ابتغي النصف من قلب صاحب ... إذا لم يكن قلبي شفيقا على قلب\nوقال أيضًا يعاتب أبا دلف:\nأقمت شهورا في فنائك خمسة ... لقى حيث لا تهمي علي جنوب\nفإنَ نلت ما أملت فيك فإنني ... جدير وإلاّ فالرحيل قادب\nوقال أيضًا:\nيا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب\nليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنَّ السماء ترجى حين تحتجب\nوقال أيضًا:\nلعمرك لليأس غير المريب ... خير من الطعم الكاذب\nوللريث تحفزه بالنجاح ... خير من الأمل الخائب\nوقال أيضًا يصف غيثا:\nلم أر عيرا جمة الدؤوب ... تواصل التهجير بالنأويب\nابعد من أين ومن لغوب ... منها غداة الشار والمهضوب\nنجائب ولين من نجيب ... شبائه الأعناق بالعجوب\nكالليل أو كاللوب أو كالنوب ... منقادة لعارض غريب\nكالشمعة التفت على النقيب ... آخذة بطاعة الجنوب\nناقصة لمرر الخطوب ... تكف غرب الزمان العصيب","vol":"1","page":226},{"text":"محاءة للأزمة اللزوب ... محو استلام الركن للذنوب\nلمّا دنت الأرض من قريب ... تشوفت لوبلها السكوب\nتشوف المريض للطبيب ... وطرب المحب للحبيب\nوفرحة الأديب بالأديب ... وخيمت صادقة الشؤبوب\nوقالم فيها الرعد كالخطيب ... وحنت الريح حنين النيب\nفالشمس ذات حاجب محجوب ... قد أغربت من غير ما غروب\nوالأرض في ردائها القشيب ... في زاهر من نبتها رطيب\nبعد اشتهاب الثلج والضريب ... كالكهل بعد السن والتنحيب\nتبدل الشباب بالمشيب ... كم أنست من جانب غريب\nوغلبت من الثرى المغلوب ... ونفست من بأرض مكرب\nوسكنت من نافر الجبوب ... وأقنعت من بلد رغيب\nيحفظ عهد الغيث بالمغيب ... لذيذة الريق والصبيب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>كأنها تهفي على القلوب</span>.\nوتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول.\nوقال أيضًا:\nالصبر كاس وبطن الكف عارية ... والعقل عار إذا لم يكس بالنشب\nوما أضيع العقل إنَّ لم يرع ضيعته ... وفر وأي رحى دارت بلا قطب\nوقال:\nبأي وخد قلاص واجتناب فلا ... إدراك رزق إذا ما كان في هرب\nوقال:\nإذا قصدت لشلو خلت إني قد ... أدركته ادركتني حرفة الأدب\nوإنّما قال ذلك لمّا يزعم من إنَّ حرفة الأدب مشؤومة حليفة الفقر حتى قال قائلهم:\nالضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... ولا يرجى اجتماع المال والأدب\nوستأتي في هذا الباب حكايات ظريفة في هذا المعنى للأدباء.\nوقال أيضًا:","vol":"1","page":227},{"text":"إنَّ الأسود اسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب السلب\nوكانوا يرون الفضيلة عند اللقاء إنّما هي في الاهتمام بضرب الهام دون جمع الحطام. ومنه قول عنترة:\nهلا سألت القوم يا أبنت معبد ... إنَّ كنت جاهل بما لم تعلم\nإذ لا أزال على رحالت سابح ... نهد تعاوره الكماة معلم\nطورا يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم\nيخبرك من شهد الوقيعة إنني ... أغشى الوغى واعف عند المغنم\nوهذا المعنى هو الذي نبه عليه الأول وأوضحه. وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى. ولمّا سيق إلى المعتصم المازيار أسيرا فأمر بصلبه قال له: من علي ولك أموال جليلة الخطر! فأبى وانشد:\nإنَّ الأسود اسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب السلب\nوقال أيضًا:\nإذا ما شبت حسن الدين ... منك بصالح الأدب\nفمن شئت كن فلقد ... فلجت بأكرم النسب\nفنفسك قط أصلحها ... ودعني من قديم آب\nاصله قوله تعالى: إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم. وقال أبو الطيب:\nومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى ... بكى بعيون سرها وقلوب\nوقال:\nوقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيى دواء الموت كل طبيب\nسبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب\nتملكها الآتي تملك سالب ... وفارقها الماضي قراق سليب\nولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب\nوأوفى حياة الغابرين لصاحب ... حياة امرئ خانته بعد مشيب","vol":"1","page":228},{"text":"وقال:\nوما كل وجهٍ أبيضٍ بمباركٍ ... ولا كل جفنٍ ضيقٍ بنجيبِ\nوقال:\nكأنَّ الردى عادٍ على كل ماجدٍ ... إذا لم يعوذ مجده بعيوبِ\nوأولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوبِ\nوللتركُ للاحسان خيرٌ لمحسنِ ... إذا جعل الإحسان غير ربيبِ\nوقلا:\nفربَّ كئيبٍ ليس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيبِ\nوقال:\nإذا استقبلت نفس الكريم مصابها ... بخبثٍ ثنت فاستدبرته بطيبِ\nوللواحد المكروب من زفراته ... سكون عزاءٍ أو سكون لغوبِ\nوقال:\nوفي تعب من يحسد الشمس نورها ... ويجهد أن يأتي لها بضريبِ\nوقال أيضًا يمدح سيف الدولة:\nوكيف عرفنا رسم من يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا؟\nنزلنا عن الأوكار نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا\nوتمثل به أحد الفضلاء حيث أقبل على المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام! وقال:\nومن صحب الدنيا طويلًا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا\nوقال:\nومن تكن الأس الضواري جدوده ... يكن ليله صباحًا ومطعمه غصبا\nولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثا ما تناولت أم كسبا","vol":"1","page":229},{"text":"وقال:\nتهاب سيوف الهند وهي حدائد ... فكيف إذا كانت نزارية عربا؟\nويرهب ناب الليث والليث وحده ... فكيف إذا كان الليوث له صحبا؟\nويخشى عباب البحر وهو مكانه ... فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبا؟\nوقال:\nأرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهاما بها صبا\nفحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس اورده الحربا\nويختلف الرزقان والفعل واحدٌ ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا\nوقال أيضًا:\nوإن كان ذنبي كل ذنبٍ فانه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا\nوقال أيضًا يستعطف سيف الدولة على بني كلاب:\nترفق أيها المولى عليهم ... فإنَ الرفق بالجاني عتابُ\nوانهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لنائبة أجابوا\nوكأنه من قول أبن أبي عيينة:\nجلبنا الخيل من بغداد شعثا ... عرائس تحمل الأسد الغضابا\nبكل فتى أغر مُهلبي ... تخال بضوء صوته شهابا\nومن قحطان كل أخي حفاظٍ ... إذا يدعي لنائبةٍ أجابا\nوقال أيضًا:\nبأخوالي وأعمامي أقامت ... قريش ملكها وبها تهابُ\nمتى ما أذاع أخوالي لحربٍ ... وأعمامي لنائبةٍ أجابوا\nوقال:\nوعين المخطئين هم وليسوا ... بأول معشرٍ خطئوا فتابوا\nوكم ذنبٍ مولده دلال ... وكم بعد مولده اقترابُ\nوجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذابُ","vol":"1","page":230},{"text":"وقال:\nومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم جضابُ\nوهو معنى قول الآخر:\nفلا يمنعك من أرب لحاهم ... سواءٌ ذو العمامة والخمارِ\nوقال أيضًا:\nوإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإنَ في الخمر معنى ليس في العنبِ\nوقال:\nفلا تنلك الليالي إنَّ أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بلالغربِ\nولا يعن عدوًا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخربِ\nوإن سررن بمحبوبٍ فجعن به ... وقد أتينك في الحالين بالعجبِ\nوربما احتسب الإحسان غايتها ... وفاجأته بأمر غير محتسبِ\nوما قضى أحد منها لبانته ... ولا انتهى أرب إلاّ إلى أربِ\nتخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلاّ على شجب والخلف في الشجبِ\nفقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشك جسم المرء في العطبِ\nومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعبِ\nوقال أيضًا:\nومن ركب الثور بعد الجواد ... أنكر أظلافه والغبب\nوقال:\nويستنصران الذي يعبدان ... وعندهما أنه قد صلب\nويدفع ما ناله عنهما ... فيا للرجال لهذا العجب\nوقال أيضًا:\nلأي صروف الدهر فيه نعاتبُ ... وأي رزاياه بوترٍ نطالبُ؟\nوقال أيضًا:\nفالموت أعذر لي والصبر أجمل بي ... والبر أوسع والدنيا لمن غلبا","vol":"1","page":231},{"text":"وقوله: والدنيا لمن غلبا هو مثل مشهور ووقع في قول الآخر: والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا. وأنشد أبن الخطيب لبعض الأعراب:\nمن كان أبصر شيئا أو رأى عجبا ... فإنني عشت دهرا لا أرى عجبا\nالناس كالناس والأيام واحدٌ ... والهر كالهر والدنيا لمن غلبا\nفلا أدري لأوارده فيه أبو الطيب أم أخذه منه وهو في بيت الأعرابي أقعد وبسياقه أنسب. وتمام البيت المذكور ما أنشده المصعب الزبيري في أنساب قريش لبعض الشعراء في معاوية بن يزيد وهو:\nإني أرى فتنة تغلي مراجلها ... فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا\nوأراد بابي ليلى معاوية بن يزيد المذكور وفيه يقول عبد الله بن همام السلولي:\nتلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوية عن يزيدا\nفإنَ دنياكم لكم اطمأنت ... فأولوا أهلها خلقا سديدا\nوقال أيضًا:\nأظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقيًا مطرت عليَّ مصائبا\nوقال في وصف علي بن المنصور:\nكالبدر من حيث التفت وجته ... يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبا\nكالبحر يقذف للقريب جواهرًا ... جودا ويبعث للبعيد سحائبا\nكالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقًا ومغاربا\nوقال أيضًا:\nليس بالمنكر إن برزت سبقًا ... غير مدفوعٍ عن السيف الغرابُ\nوقال أيضًا:\nإذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فماذا الذي تغني كرام المناصب؟\nوما قريب أشباه قومٍ أباعدٍ ... ولا بعدت أشباه قومٍ أقاربِ\nإذا علوي لم يكن مثل طاهر ... فما هو إلاّ حجةٌ للنواصبِ\nوقال أيضًا:","vol":"1","page":232},{"text":"ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب\nحسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب\nوقال:\nأفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب\nولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب\nوقال:\nفما الحادثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب\nوقال أيضًا:\nوكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر إنَّ المانوية تكذب\nوقاك ردى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب\nوقال:\nوما الخيل إلاّ كل الصديق قليلة ... وإنَّ كثرت في عين من لا يجرب\nإذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عندك مغيب\nلحا الله ذي الدنيا منخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب\nإلاّ ليت شعري هل أقول قصيدة ... فلا اشتكي فيها ولا اتعب\nوقال يخاطب كافورا:\nوهبت على مقدار كفي زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب\nوقال:\nيضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وابكي من احب واندب\nاحن إلى أهلي وأهوى لقائهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب\nوقال:\nكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب\nوقال:\nواظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب","vol":"1","page":233},{"text":"قال صاحب الرسالة الحكيمة وهو قول ارسطوطاليس: اقبح الظلم حسدك لعبدك ومن تنعم عليه. قلت: وهو غلط. إنَّ كانت رواية هذه الحكمة هكذا فإنَ أبا الطيب إنّما أراد عكسها وهو إنَّ اقبح الظلم إنَّ يحسدك من تنعم عليه وتحسن إليه بدليل سياق كلامه.\nوقال:\nوقد يترك النفس التي لا تهابه ... ويحترم النفس التي تتهيب\nوقال أيضًا:\nوما العشق إلاّ غرة وطماعة ... يعرض كل نفس فتصاب\nوقال:\nاعز مكان في الدنيا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب\nوقال يخاطب كافورا:\nوهل نافعي إنَّ ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب\nوقال:\nوفي نفسي حاجات وفيك فطانة ... سكوتي جواب عندها وخطاب\nوما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب\nوقال يخاطبه:\nإذا نلت منك الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب\nوينشد العارفون رضوان الله عليهم والخطاب للملك الحق هكذا:\nفليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب\nوليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب\nإذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب\nواذكرني هذا المعنى حكاية عن الأصمعي قال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق في اذنيه قراط في كل جوهرة يضيء وجهه من ضوء الجوهرة وهو ربه بأبيات من الشعر وهي:","vol":"1","page":234},{"text":"يا فاطر الخلق البديع وكافلا ... رزق جميع سحاب جودك هاطل\nيا مسبغ البر الجزيل ومسبل ... الستر الجميل عميم طولك طائل\nيا عالم السر الخفي ومنجز ... الوعد الوفي قصاء حكمك عادل\nعظمت صفاتك يا عظيم فجل إنَّ ... يحصى الثناء عليك فيها قائل\nالذنب أنت له بمنكب غافر ... ولتوبة العاصي بحلمك قابل\nتعصيه وهو يسوق نحوك دائما ... مالا تكون لبعضه تستأهل\nمتصدق أبدًا وأنت لجوده ... بقبائح العصيان منك تقابل\nوإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت ... سبل الخلاص وخاب فيه الأمل\nوايست من وجه النجاة فما لها ... سبب وما يدنو بها متناول\nيأتيك من الطافه الفرج الذي ... لم تحتسبه وأنت عنه غافل\nيا موجد الأشياء من القي إلى ... أبواب غيرك فهو غر جاهل\nومن استراح بغير ذكرك أو رجا ... أحدا سواك فذاك ظل زائل\nرأي يلم إذا عرته ملمة ... بسوى جنابك فهو رأي فائل\nعمل أريد به سواك فأنه ... عمل وإن زعم المرائي باطل\nوإذا رضيت فكل شيء هين ... وإذا حصلت فكل شيء حاصل\nأنا عبد سوء ابق كل على ... مولاه أوزار الكبائر حامل\nقد أثقلت ظهري الذنوب وسودت ... صحفي العيوب وستر عفوك شامل\nها قد أتيتك حسن ظني شافع ... ووسائلي ندم ودمع سائل\nفأغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو ... فيقا لمّا ترضى ففضلك كامل\nفافعل به ما أنت أهل جميله ... والظن كل الظن انك فاعل\nقال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك. قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على دين إبراهيم الخليل ﵇ لا أتغدى كل يوم ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته","vol":"1","page":235},{"text":"فرحب بي وسرت معه حتى وافينا الخيمة فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة: يا لبيكاه! فقال: قومي إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى ابدأ بشكر المولى الذي ساقه إلينا. فصليت ركعتين لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة وأجلسني وأخذ شفرة فقام إلى عناق فذبحها. قال: فلما جلست في الخيمة نظرت إلى الجارية فإذا هي احسن الناس وجها. فكنت اسارقها النظر ثم فطنت لي فقالت لي: مم! أنا علمت انه نقل عن صاحب طيبة ﵊ إنّه قال: زنى العينين النظر. أما إني ما أردت بهذا إنَّ أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لئلا تعود إلى مثل هذا. فلما كان النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية داخلها. فكنت اسمع دوي القرآن إلى السحر بأحسن صوت وارقه. ثم سمعت أبيات من الشعر بأعذب لفظ وأشجى نغمة وهي:\nأبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته ... فأصبح عندي قد أناخ وطنبا\nإذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره ... وإن رمت قربا من حبيبي تقربا\nويبدو فأفنى ثم أحيا به له ... ويسعدني حتى ألذ واطربا\nفلما أصبحت قلت للغلام: صوت من سمعت؟ قال صوت أختي وذلك دأبها كل ليلة. فقلت: أنت أحق بهذا منها إذ أنت رجل وهي امرأة. فتبسم ثم قال: أما علمت إنّه موفق ومخذول ومقرب ومبعد؟ فودعتها وانصرفت. ولا يخفى إنَّ محل الاستشهاد قوله:\nوإذا رضيت فكل شيء هين ... وإذا حصلت فكل شيء حاصل\nوهذا الشعر يتمثل به الصوفية كثيرا. وقال أيضًا:\nوما يشق على الكلب ... أن يكون أبن كلبة\nوقال أيضًا:\nلابد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب المضجع على جنبه\nينسى بها ما مر من عجبه ... وما أذاق الموت من ركبه\nنحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه؟","vol":"1","page":236},{"text":"تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمن هي من كسبه\nفهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه\nلو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه\nوهو معنى قول ارسطوطاليس: النظر في عواقب الأشياء يزهد في حقائقها والعشق عمى النفس عن درك رؤية المعشوق. والذي قبله هو معنى قوله أيضًا: اللطائف سماوية والكثائف أرضية وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.\nوقال:\nيموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه\nونحوه قول بعضهم في أبن سينا:\nوكان أبن سينا يداوي الرجال ... وفي السجن مات أخس الممات\nفلم يشف ما قاله في الشفا ... ولم ينج ما قاله بالنجات\nوقال:\nوغاية اللمفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه\nوهو قريب من قول ارسطوطاليس: آخر افراط التوقي أوّل موارد الحذر.\nوقال:\nيدخل صبر المرء من مدحه ... ويدخل الإشفاق في ثلبه\nولم اقل مثلك اعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه\nوقال أيضًا:\nإذا اكتسب الإنسان من هن عرسه ... فيل لؤم إنسان ويا لؤم مكسب\nوقال الحماسي سعد بن ناشب:\nسأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالب\nواذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من ياقي المذلة حاجب\nويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالب","vol":"1","page":237},{"text":"وقال:\nإذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا\nولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا\nوقال موسى أبن جابر:\nلا اشتهي يا قوم إلاّ كارها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب\nومن الرجال أسنة مذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب\nمنهم ليوث ما ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب\nوقال بعض بني مازن:\nوما قتل جار غائب عن نصيره ... لطالب أوتار بمسلك مطلب\nوقال:\nوقد ذقتمونا مرة بعد مرة ... وعلم بيان الأمر عند المجرب\nوقال القتال الكلابي:\nنعرض للطعان إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للسباب\nومثله قول الهمداني:\nلقد علمت نسوان همدان إنني ... لهن غداة الروع غير خذول\nوابذل الهيجاء وجهي وأنني ... له في سوى الهيجاء غير بذول\nومن هذا قول أبي مخزوم النهشلي الدارمي من شعراء الحماسة:\nأنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن اغلينا\nوقال بعض الفقعسيين:\nرأيت بني عمي إلاّ لي يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب\nفهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... وفي الأرض مبثوقا شجاع وعقرب\nوقال:\nكأنهم لم تسبق من الليل ليلة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب\nوقال ربيعة بن مقروم الضبي:","vol":"1","page":238},{"text":"إذا ما المرء لم يحببك إلاّ ... مغالبا نفسه سئم الغلابا\nومن لا يعط إلاّ في عتاب ... يخاف يدع به الناس العتابا\nأخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودته وإن دعي استجابا\nإذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا\nيواسي في كريهته أخاه ... إذا ما مضلع الحدثان نابا\nوقال قراد بن عتاب الحماسي أيضًا:\nإذا المرء لم تغضب له حين يغضب ... فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبون\nولم يحبه بالنصر قوم اعزه ... مقاحيم في الأمر الذي يتهيب\nتهضمه أدنى العدو ولم يزل ... وإنَّ كان عضا بالظلامة يضرب\nالمقاحيم جمع مقحام وهو المقتحم في الأمور الجريء عليها ويتهيب يتخوف وتهضمه تنقصه وأدنى العدو اخسهم والعض بالكسر الرجل الداهية كما تقدم في الهمزة والظلامة الظلم. أي لا يزال يضرب أي يقابل ويرمي بالظلم وإن كان عضا إذا لم يكن له أنصار.\nوقال الاخنس بن شهاب:\nإذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى القوم الذين نضارب\nيقول: إذا ضاق مجال الحرب عن مضاربة الأقران بالسيوف خطونا إليهم وأقدمنا عليهم جرأة حتى نصل إليهم فنضربهم.\nومثله قول الآخر:\nنصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدمنا ونلحقها إذا لم تلحق\nوقال محمد بن بشير:\nوكل امرئ يوما سيركب كارها ... على النعش أعناق العدى والأقارب\nوقال نهشل الدارسي:","vol":"1","page":239},{"text":"وهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرؤا مات صاحبه\nومن ير بالأقوام يوما يروا به ... معرة قوم لا توارى كواكبه\nومثل بيته الأول قول الخنساء:\nلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\nوقال الغطمش الضبي:\nإلاّ رب من يغتابني ود إنني ... أبوه الذي يعزى إليه وينسب\nعلى رشدة من أمه ولغية ... فيغلبها فحل على النسل منجب\nفبالخير لا بالشر فارج مودتي ... وأي امرئ يغتال منه الترهب؟\nأقول وقد فاضت من العين عبرة ... أرى الأرض تبقى والإخلاء تذهب\nاخلاي لو غير الحمام أصابهم ... عتبنا ولكن ما على الدهر معتب\nالرشدة: النكاح والغية: الزنى. ويقال: انجب الرجل إذا ولد نجيبا.\nوقال الحكم بن عبدل الأسدي:\nاطلب ما يطلب الكريم من ... الرزق لنفسي واجمل الطلبا\nواحلب الثرة الصفي ولا ... اجهد إخلاف غيرها حلبا\nإني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا\nوالعبد لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئا إلاّ إذا رهبا\nمثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلاّ إذا ضربا\nولم أجد الخلائق إلاّ ... الدين لمّا اعتبرت والحسبا\nقد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنس رحلا ولا قتبا\nويحرم المال ذو المطية ... والرحل ومن لا يزال مغتربا\nالثرة: الناقة الغزيرة اللبن ومثلها الصفين ولذا وصفها بها. والإخلاف جمع خلف وهو حلمة الضرع. يقول: إني احلب الكثيرة الدر وآخذ منه عفوا ولا اجهد غيرها لاستخراج النزر واستنزل العسير وهذا تمثيل. والمراد إني اجمل في الطلب ولا أكد نفسي في استحصال الرزق علما مني بان ما قدر من الرزق ألي واصل وما قسم لا","vol":"1","page":240},{"text":"محالة حاصل.\nوقالت أم ثواب الهزانية في أبن لها عاق:\nربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا\nحتى إذا آض كالفحل شذبه ... آباره ونفى عن متنه الكربا\nانشا يمزق أثوابي ويضربني ... ابعد شيبى عندي يبتغي الأدبا؟\nأم الطعام: الحوصلة والفحال: ذكر النحل وهي أطولها وتشذيبه: تجريده وتنقيته من فضول الشوك والسعف وبذلك يطول في السماء والكرب: أصول السعف تبقى متصلة بالجذع.\nوقال حاتم:\nوما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركائب\nوما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لابعثها خفا واترك صاحبي\nإذا كنت ربا للقلوص فلا تدع ... رفيقك يمشي خلفا غير راكب\nوقال الاحوص وقد ضرب بنو عم له مولاه:\nلئن كنت لا ارمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النبل كحشي ومنكبي\nوهو مثل اصله إنَّ رجلا رمى آخر متقلد كنانة فقال له المرمي: ما هذا؟ فقال له: لم أرمك إنّما رميت كنانتك. فيضرب مثلا لمن نيل وليه بسوء.\nوقال أبو النشناش:\nإذا المرء لم يسرح سواما ولم يرح ... سواما ولم تعطف عليه أقاربه\nفللموت خير للفتى من قعوده ... عديما ومن مولى تدب عقاربه\nوقال:\nفلم أر مثل الهم ضاجعه الفتى ... ولا كسواد الليل أخفقت صاحبه\nفعش معدوما أو مت كريما فإنني ... أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه\nوقال قيس بن المغيرة:","vol":"1","page":241},{"text":"جفاني الأمير والمغيرة بعده ... وأمسى يزيد لي قد ازور جانبيه\nكلهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه\nوتقدم هذا الشعر وقصته قبل.\nوقال بعض بني أسد:\nوما أنا بالنكس الدني ولا الذي ... إذا صدعني ذو المودة احرب\nولكنني إن دام دمت وإن يكن ... له مذنب عني فلي عنه مذنب\nإلاّ إنَّ خير الود ود تطوعت ... به النفس لا ود آتى وهو متعب\nومعنى احرب اغضب ومعنى إن دمت دام أي إن دمت فقد دام إذ لو لم يدم ما دمت بديل ما بعده وإن شئت جعلته في القلب. وتقدم هذا المعنى مستوفى.\nوقال خالد بن نضلة الأسدي:\nلعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإنَّ عالوا به كل مركب\nمن الأبعد النائي وإن كان ذاغني ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب\nإذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب\nوإن حدثتك النفس انك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب\nوتقدم في الاغتراب ولزوم الأوطان من الشعر ما لا بد منه.\nوقال عبد الله بن الدمينة:\nوإني لأستحيك حتى كأنما ... علي بظهر الغيب منك رقيب\nوقال قيس بن ذريح:\nوكل مصيبات الزمان وجدتها ... سمى فرقة الأحبة هينة الخطب\nوقال اياس بن الارت:\nإذا ما تراخت ساعة فاجعلنها ... بخير فإن الدهر أعصل ذو شغب\nفإنَ يك خير أو يكن بعض راحة ... فانك لاق من غموم ومن كرب","vol":"1","page":242},{"text":"الأعصل: المعوج الملتوي، وأصل العصل اعوجاج في أنياب البعير إذا أسن؛ والشغب: الشر: وقال أيضًا:\nوما دهري بحب تراب أرضٍ ... ولكن من يحل بها حبيب\nوهو مثل قول قيس:\nوما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سن الديارا\nوقال أبن مفرغ:\nيقولون: هل بعد الثلاثين ملعب؟ فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب؟\nلقد جل قدر الشيب إنَّ كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب\nوسيأتي فصل في مدح الشيب ومذمة بعد إن شاء الله تعالى.\nوقال أبن ميادة:\nفو الله ما ادري أيبلغني الهوى ... إذا جد البين أم أنا غالبه\nفإن أستطع أغلب وإنَّ يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه\nوقال فرعان بن الأعرف في أبن له عاق ويسمى منازلا:\nجزت رحم بيني وبين منازلٍ ... جزاءًا كما يستنزل الدين طالبه\nلربيته حتى إذا أض شيظما ... يكاد يساوي غارب النخل غاربه\nوربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه\nفلما رآني أحسب الشخص أشخصًا ... قريب وذا الشخص البعيد أقاربه\nتغمد حقي ظالما ولوى يدي ... ولوى يده الله الذي هو غالبه\nوكان له عندي إذا جاع أو بكى ... من الزاد أحلى زادنا وأطايبه\nوجمعتها دهما جلادا كأنها ... أشاء نخيل لم تقطع جوانبه\nفأخرجني منها سليبا كأنني ... حسام يمان فارقته مضاربه\nأيظلمني مالي ويحنث ألوتي؟ ... فسوف يلاقي ربه فيحاسبه\nالدهم: الإبل الوتر تضرب إلى السواد. والأشاء: صغار النخل، شبه بها الإبل في","vol":"1","page":243},{"text":"عظمها؛ والالوة: اليمين.\nفقال منازل ابنه يجيبه:\nوكنت كمن ولى بأمر كتيبة ... فعي بها فارفض عنه كتائبه\nوماذا من جرى عقوق تعده ... ولا خلق مني بدا أنت عائبه\nويقول: انك أضررتني ففارقتك كمن تولى أمر جيش فأساء فيهم السيرة فتفرقوا عنه، وما ذاك مني من جرى عقوق، أي من أجله. ومن عجيب الاتفاق ما ذكر الشنتمري في شرحه على هذا المحل من الحماسة أنَّ منازلا هذا ولد له أبن يقال له خليع فعقه كما كان هو فعل بأبيه، فأستعدي إليه الوالي. فلما حضر ليضربه قال قائل للوالي: أتعرف أصلحك الله من هذا؟ قال: لا. قال: هذا منازل الذي يقول فيه أبوه، وانشد الأبيات السوابق.\nفقال الوالي: يا هذا:\nفلا تجز عن من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ من يسيرها\nثم أمر بإطلاق ابنه خليع.\nوفي نواد العامة أنَّ رجلا كان له أبن، ولمّا أسن وعجز عن العمل أخذه ابنه ذاك وذهب به إلى الفلاة من الأرض، فطرحه تحت شجرة وتركه هناك حتى هلك. فلما كبر هذا الابن وبلغ مبلغ أبيه كان له أبن له وهو لا يعلم بالقصة، فأخذ أيضًا وذهب به إلى الفلاة وطرحه تحت شجرة كما فعل هو بابيه. فلما تولى عنه التفت إليه فرآه يبتسم. فتعجب من ذلك ورجع إليه وقال له: مم تضحك، وقد أيقنت بالهلاك؟ فقال له أبوه: والله ما ضحكت إلاّ إنني تذكرت ما فعلت بأبي، وقص عليه القصة. فقال الولد حينئذ: لئن أنا تركته حتى مات ليفعلن بي عقبي مثل هذا. فأذه ورده إلى بيته. ومثل هذا ما قيل في آخر الرؤوس المحمولة إلى الولاة التي أولاها رأس الحسين، جمع الله شمله في الفردوس الأعلى، وجمع أعداءه في مصب الحميم المغلى! والقصة مشهورة وستأتي. وقال الآخر:\nإنَّ يعلموا الخير وإنَّ علموا ... شرًا أذيع وإنَّ لم يعلموا كذبوا","vol":"1","page":244},{"text":"وقال أبو مسلم الخراساني:\nمحا سيف اسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كل جانب\nوكان أبو مسلم لمّا آثار على بني أمية كتب إليه مروان، وكاتبه إذ ذاك عبد الحميد، فلم يو شيئًا أطنب فيه عبد الحميد مثل ذلك الكتاب، حتى قيل إنَّ الكتاب من عظم جرمه حمل على بعير. فلم يلتفت أبو مسلم إلى ذلك وأجابهم بالبيت المذكور.\nوقال بعض الأعراب:\nإذا كان الطباع طبع سوءٍ فليس بنافع فيها الأديب\nحكى الأصمعي قال: دخلت البادية فأتيت على عجوز، فإذا بين يديها جرو ذئب مقطع وشاه مقتولة. فقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا قالت: جرو ذئب أخذناه وأدخلناه في بيتنا. فلما كبر قتل شاتنا، وقلت في ذلك شعرًا. قلت: ما هو؟ فأنشدت:\nبقرت شويهتي وفجعت قومي ... وأنت لشاتنا أبدا ربيب\nغذيت بدرها وربيت فينا ... فمن أنباك إنَّ أباك ذيب؟\nإذا كان الطباع البيت\nوقال الآخر:\nلا تمدحن امرءًا حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب\nفرب خدن وإنَّ أبدى بشاشته ... يضحي على خدنه أعدى من الذيب\nوقال الآخر:\nوإنَّ مدحك من لم تلبه صلف ... وإنَّ مدحك بعد الذم تكذيب\nوقال الآخر:\nكل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب\nليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحباب؟\nوما احسن قول بشار:\nإذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه\nفعش واحدًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرةٍ ومجانبه","vol":"1","page":245},{"text":"إذا أنت ليس تشرب مرارًا على القذا ... ظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه؟\nوقول الآخر:\nالبس الناس ما استطعت على ... النقض وإلاّ لم تستقم لك خله\nعش وحيدًا إنَّ كنت لا تقبل العذر ... وإنَّ كنت لا تجاوز زله\nوتقدم هذا المعنى، ويأتي كلام مما يتعلق بالعتاب بعد إن شاء الله تعالى.\nوقال الأعشى: وهن شر غالب لمن غلب، يعني النساء. وزعموا إنّه ذهب يمتار لأهله في شهر رجب فهربت امرأته معاذة ناشزًا، ولاذت برجل عزيز قومه. فلما رجع الأعشى طلبها فتمنعت منه وأبى الذي لاذت به أنَّ يدفعها إليه وكان أعز منه. فأتى الأعشى النبي ﷺ فأشتكى إليه وانشأ يقول:\nيا سيد الناس وديان العرب ... أشكو إليك ذربة من الذرب\nكذائبة الغبشاء في ظل السرب ... خرجت ابغيها الطعام في رجب\nفخلفتني بنزاع وهرب ... وقذفتني بين عيصٍ مؤتشب\nأخلفت الواعد ولطت بالذنب ... وهن شر غالب لمن غلب\nفقال النبي ﷺ عند ذلك: هن شر غالب لمن غلب فكتب له إنَّ ترد إليه. الذربة: السليطة اللسان؛ والعيص: أصل الشجرة؛ والمؤتشب: المتلف. وقوله: لطت بالذب به على فرجها فسدت به على نفسها وامتنعت من الفحل. وقال الآخر:\nاحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى إنَّ يصوب سحابها\nبلاد بها حل الشباب تمائمي ... وأوّل أرض مس جلدي ترابها\nذكر بعض الأدباء عن بعض أهل نصيبين قال: أتاني أبن الرومي بقصيدة التي يمدح بها سليمان بن عبد الله بن طاهر وقال: انصفني! أيّها احسن: قولي في الموطن:","vol":"1","page":246},{"text":"ولي وطن أليت ألاّ أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا\nعمرت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا\nوحبب أوطان الرجال إليهم ... ومأرب قضاها الشباب هنالكا\nإذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا\nأم قول الأعرابي: احب بلاد الله الأبيات؟ قال. فقلت: بل قولك، لأنّه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة في ذلك.\nومثل هذا قول أبن الرومي أيضًا:\nبلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد\nفإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد\nومثله قول آخر:\nذكرت بلادي فاستهلت مدامعي ... يشوق إلى عهد الصبا المتقادم\nحننت إلى أرض بها اخضر جانبي ... وقطعتم عني فيها عقد التمائم\nوقال أبن غالب الرصافي:\nبلادي التي رشيت قويدمتي بها ... فريخا وآتوني قرارتها وكرا\nمبادئ لين العيش في ريق الصبا ... أبى الله إنَّ أنسى اغتراري بها غرا\nلبسنا بها ثوب الشباب لباسها ... ولكن عرينا من حلاه ولم نعرا\nوقال العسكري:\nإذا أنا لا أشتاق أرض عشيرتي ... فليس مكاني في النهى بمكين\nمن العاقل أن اشتاق أول منزل ... غنيت بخفض في ذراه ولين\nوروض رعاه بالأصائل ناظري ... وغصن ثناه بالغداه يميني\nوإني لا أنسى العهود إذا أتت ... بنات النوى دون الخليط ودوني\nإذا أنا لم أرع العهود على النوى ... فلست بمأمون ولا بأمين\nوقال رجاء بن هارون:\nاحن إلى وادي الأراك صبابة ... بعهد الصبا فيه وتذكار أول","vol":"1","page":247},{"text":"كأن نسيم الريح في جنباته ... نسيم حبيبٍ أو لقاء مؤملِ\nومثل قول الأعرابي قول أبن ميادة:\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث ربينني أهلي\nبلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ... وقطعن عني حيث أدركني عقلي\nومن الحنين إلى الوطن على الجملة قول الطائي:\nسقى الله أطلالًا بأخيلة الحمى ... وإن كنَّ قد أبدين للناس ما بيا\nمنازل لو مرت بهن جنازتي ... لقال صداي: حامليَّ انزل بيا\nوق الآخر:\nطيب الهواء ببغدادٍ يؤرقني ... شوقًا إليها وإن عاقت مقاديرُ\nفكيف أصبر عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهوائين: ممدود ومقصورُ\nوقولي:\nسقى الله أطلالًا بأكثبة الحمى ... من العارض الهتان صوب عهاد\nبلاد بها حلت سليمى ودارها ... فحل فؤادي عنها وودادي\nوأني بها أسقيتها أو بكيتها ... هياما فما أسقيت غير فؤادي\nوما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى مع تداول هذا الغرض بين الشعراء كثيرا. وسيأتي في أمثال الحنين إلى الوطن زيادة على ما ذكرنا. إن شاء الله تعالى.\nوقال راشد بن عبد ربه ﵁: لقد هان من بالت عليه الثعالب. وكان اسمه في الجاهلية غاوي بن عبد العزى، وكان سادن صبم لقومه بني سليم فبينما هو عنده ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى طلعا عليه فبالا عليه، فقال:\nأنَّ ربٌّ يبول الثعلبان برأسه؟ ... لقد هان من بالت عليه الثعالبُ؟\nثم كسره وقال: يا معشر سليم، والله ما يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع! ولحق بالنبي ﷺ فقال: ما اسمك؟ قال: غاوي بن عبد العزى. قال: بل أنت راشد بن عبد ربه، والثعلبان في البيت، بضم الثاء واللام، وهو ذكر الثعالب. هذا قول جماعة من اللغويين منهم الجوهري. وقال آخرون ومنهم صاحب","vol":"1","page":248},{"text":"القاموس: ذاك غلط، وإنّما هو بفتحهما على أنه تثنية ثعلب. وتمسكوا بالقصة السابقة وأنه أقبل ثعلبان وبالا معا على الصنم. وقال بعضهم: كان لرجل صنم وكان يأتي بالخبز والزبد فيضعه على رأسه ويقول أطعم! فجاء ثعلبان فأكلا الخبز والزبد. وقال آخرون: هذا خطأ في التفسير والرواية، وإنّما الحديث: فجاء ثعلبان وهو الذكر من الثعالب لا مثنى فأكل الخبز والزبد ثم فعل. فقام الرجل إلى الصنم فكسره وقال في ذلك شعره. قلت: والحق أنَّ القصة بعد صحتها على ما قال أهل التثنية من أنها ثعلبان لا تفيد أنَّ الواقع في البيت مثنى على التعيين إذ لا يلزم من وقوع البول من الثعلبين أن يذكرهما الشاعر، وإنّما المعول الرواية: فإنَ وردت بالإفراد كان حسنا وكان المقصود الجنس والنداء على هوان الصنم ببول الثعلب عليه لا شرح القصة. وإذا رد الأمر إلى النفس وجد فيها للفرد حلاوة، وعن التثنية كزازة والله أعلم.\nوقال الآخر:\nفقعدت كالمهريق فضلة مائه ... في ظل هاجرةٍ للمع سرابِ\nومثله قول الآخر:\nوكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلدِ\nوهذان البيتان يضمنا معنى المثل السابق في صاحب النعامة.\nوقال أبو الغريب:\nإنَّ اللئيم الأرس غير نازعٍ ... عن وذء جارة الغريب والجنب\nالأرس هو الأصل أي اللئيم الأصل والوذء: الشتم. والجنب: الأجنبي الغريب، وقال أعرابي:\nكلاب الناس أن فكرت فيهم ... أضر عليك من كلب الكلابِ\nلأن الكلب لا يؤذي صديقا ... وإنَّ صديق هذا في عذابِ\nويأتي حين يأتي في ثيابٍ ... وقد جزمت على رجلٍ مصابِ\nفأخزى الله أثوابا عليه ... وأخزى الله ما تحت الثيابِ\nومثل هذا يحكى عن بعضهم قال: وجدت إبراهيم بن أدهم ﵁ أو غيره من","vol":"1","page":249},{"text":"نظرائه مضطجعا وعند رأسه كلب نائم. فأردت أن أقيم الكلب فقال: دعه فانه خيرٌ من جليس السوء.\nوقال الشيخ القطب العارف أبو محمد عبد القادر الجيلاني فيما ينسب إليه وكان ينشده على الكرسي:\nأنا بلبل الأفراح أملأ دوحها ... طربًا وفي العلياء بازٌ أشهبُ\nوقال الآخر:\nأتطلب صاحبا لا عيب فيه ... وأي الناس ليس له عيوبُ؟\nوتقدم نحو هذا قبل.\nوقال الآخر:\nإذا رمتم قتلي وأنتم أحبتي ... إذًا فالأعادي واحدٌ والحبائبُ\nوقال الآخر:\nإذا الخل لم يهجرك إلاّ ملامهً ... فليس له إلاّ الفراق عتابُ\nوقال الآخر:\nإذا أنت جازيت المسيء بفعله ... ففعلك من فعل المسيء قريبُ\nوقال الآخر:\nإذا الغضب لم يثمر وإن كان أصله ... من المثمرات اعتاده الناس للحطبِ\nوقال الآخر:\nإذا المرء لم يحببك إلاّ تكلفًا ... فذلك من أفعاله ما يغالبُ\nومثله قول الحماسي السابق:\nإذا ما المرء لم يحببك إلاّ ... مغالب نفسه سئم الغلابا\nوقال الآخر:\nإذا جفاني بنو الدنيا وضقت بهم ... طالعت كتبي ونادمت الألى ذهبوا\nومثله قول الآخر:\nلنا جلساءٌ لا يمل حديثهم ... ألبَّاءُ مأمونون غيبًا ومشهدا","vol":"1","page":250},{"text":"وقال علي بن الجهم:\nأعاتب ذا المروءة من صديق ... إذا ما رابني نته اجتنابُ\nإذا ذهب العتاب فليس ودٌ ... ويبقى الود ما بقي العتابُ\nومثله من هذا الباب قول الآخر:\nأعاتب من أحببت في كل زلةٍ ... ليحتمي الأمر الذي معه العتبُ\nفإني أرى التأديب عند وجوبه ... بمنزلة الغيث الذي قبله الجدبُ\nوسيأتي في الحكم تمام هذا المعنى إن شاء الله تعالى.\nوقال الآخر:\nإذا شئت أن تلقي فزر متواترا ... وإن شئت أن تزداد حبًا فزد غبا\nوسيأتي تمامه وقال الآخر:\nإذا عبت أمرًا فلا تأته ... فذو اللب مجتنب ما يعيبُ\nوقال الآخر:\nإذا قلت للعذال: لست بعاشقٍ ... يقول لهم فيض المدامع: يكذبُ\nوقال الآخر:\nتعالوا نصطلح وتكون منا ... مصافاةٌ بلا عد الذنوبِ\nوقال الآخر:\nتقاربت الجسوم وأي نفعٍ ... يكون إذا تباعدت القلوبُ؟\nوقال الآخر:\nتكلفت لي هذا الوداد فلم يدم ... وكل ودادٍ بالتكلف يصعبُ\nوتقدم نحوه.\nوقال الآخر:\nتيهٌ بلا نسبٍ كبرٌ حسب ... فخرٌ بلا أدب هذا من العجبِ\nوقال الآخر:","vol":"1","page":251},{"text":"جهل الشريف يشين منصبه ... وأبن الوضيع يزينه أدبه\nوسيأتي تمام هذا المعنى.\nوقال الآخر:\nحبيبٌ غاب عن نظري وسمعي ... ولكن عن فؤادي ما يغيبُ\nوقال الآخر:\nطبع الفتى يسرق من طبع من ... يصحبه فانظر لمن تصحبُ\nومثله قول المراكشي في أرجوزته في الطريق:\nأختر لصحبتك من أطاعا ... أنَّ الطباع تسرق الطباعا\nوقال الآخر:\nقد قنعنا منكم برد جواب ... دون إسعافنا بما في الكتابِ\nوقال الآخر:\nقد يلام البريء من غير ذنبٍ ... ويغطى على المريب ذنوبُ\nوقال الآخر:\nكأنك لم تتعب وإن كنت متعبًا ... إذا أنت لاقيت الذي فيه تتعبُ\nوقال الآخر:\nكعصفورة في كف طفلٍ يسومها ... حياض المنايا وهو يلهو ويلعبُ\nوقال الآخر:\nكل امرئ لا بد يقضي نحبه ... إن كره الموت وإن أحبهُ\nوقال الآخر:\nكن للغريب إذا رأيت مساعدًا ... فعساك يومًا أن تصير غريبُ\nوقال الآخر:\nلئن غاب عن إنسان عيني شخصه ... فما هو عن فكري وقلبي بغائبِ\nوقال الآخر:\nلحى الله دنيا ألجأتنا لمعسرٍ ... فراقهم أشهى الأمور إلى قلبي","vol":"1","page":252},{"text":"وقال الآخر:\nلحوم أهل العلم مسمومةٌ ... ومن يعاديها سريع العطبِ\nوقال الآخر:\nليس الرزية في أيامن عجبًا ... بل السلامة فيها أعجب العجبُ\nومثله قول أبي بكر بن دريد:\nلا تعجبن من هالكٍ كيف هوى ... بل فاعجبن من سالمٍ كيف نجا\nوقال الآخر:\nليس التقي بمتقٍ في دينه ... حتى يطلب طعامه وشرابهُ\nوقال الآخر:\nليست الأحلام في حال الرضى ... إنّما الأحلام في حال الغضب\nوقال الآخر:\nليس يصفو إلاّ بقربك عيشي ... كيف لي أن تكون مني قريبا؟\nوقال الآخر:\nما أصعب الشيء ترجوه فتحرمه ... لا سيما بعد طول الجهد والتعبُ!\nوقال الآخر:\nما صاحبي من ودني حاضرًا ... بل صاحبي من ودني غائبا\nومثله قول الحماسي من هذا الباب:\nوليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب\nوقال الآخر:\nما يفتح الله باب الرزق من أحدٍ ... إلاّ ويفتح غير الباب أبوابُ\nوقال الآخر:\nمتى تكن مع صديقٍ أو عدو ... تخبرك الوجوه عن القلوبِ\nوقال الآخر:\nمن الناس من يغشى الأباعد نفعه ... ويحرم منه صحبه وأقاربه","vol":"1","page":253},{"text":"وقال الآخر:\nمن ذم من كان كل الناس يحمده ... فإنما يربح التكذيب والكذبا\nوقال الآخر:\nمن عوَّد الناس إحسانًا ومكرمةً ... لا يعتبنَّ على من لج في الطلبِ\nوقال الآخر:\nنحن ندعو الإله في كل كربٍ ... ثم ننساه عند كشف الحروبُ\nوقال الآخر:\nنفسك لا تعطيك كل الرضى ... فكيف ترجو ذاك من صاحبِ؟\nوقال الآخر:\nنوئاب هذا الدهر شتى وإنني ... أرى فرقة الأحباب أدهى النوائب\nوهو من قول قيس السابق. وقال الآخر:\nوأحزم الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يدبرها يجني عواقبه\nوقال الآخر:\nوإذا الزمان كساك حلة معدمٍ ... فالبس له حلل النوى وتغرب\nوتقدم مع ما يشاكله. وقال الآخر:\nوإذا تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يهب الرغائب فارغب\nوقال الآخر:\nواطلب قربي من حماكم وانتم ... إلى ناظري والقلب في غاية القرب\nوقال الآخر:\nوإنَّ كنت مسترعي ونحن رعية ... فكل سيلقى ربه فيحاسبه\nوقال الآخر:\nوانك إنَّ أهديت لي عيب صاحب ... امهدٍ إلى غيري جميع عيوبي\nوقال الآخر:\nوإني بكم في كل حالٍ لواثق ... ولكن سوء الظن من شدة الحب","vol":"1","page":254},{"text":"وقال الآخر:\nوبالناس عاش الناس قدما ولم يزل ... من الناس مرغوب إليه وراغب\nوقال الآخر:\nوتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب\nوقال الآخر:\nوخير عمر الفتى عمر يعيش به ... مقسم الحال بين الجد واللعب\nوقال الآخر:\nوعد العتاب إذا استربت بصاحب ... ليست تنال مودة بعتاب\nوقال الآخر:\nورث النجابة كابرًا عن كابرٍ ... كالرمح أنبوبا على أنبوب\nوقال الآخر:\nوسائل: ما الملك؟ قيل: الغنى ... فقلت: لا بل راحة القلب\nوقال الآخر:\nوعهد المشيب كأني به ... يمر كما مر عصر الصبا\nوقال الآخر:\nوقد كنت لا أخشى مع الذنب جفوة ... وقد صرت أخشاها ومالي من ذنب\nوقال الآخر:\nوقد نثر التوديع من كل مقلةٍ ... على كل خد لؤلؤا لم يثقب\nوقال الآخر:\nوقطعت في الدنيا العلائق ليس لي ... ولد يموت ولا جدار يخرب\nوقال الآخر:\nوكنا نستطب إذا مرضنا ... فجاء الداء من قبل الطبيب\nوتقدم ما يشكل هذا في حرف الهمزة، فيمن يغص بالماء. وقال الآخر:\nوكنت أرى أنَّ التجاريب عدة ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب","vol":"1","page":255},{"text":"وقال الآخر:\nولا خير في قربٍ لغيرك نفعه ... ولا في صديق لا تزال تعاتبه\nوقال الآخر:\nولا خير فيمن لا يوطن نفسهُ ... على نائبات الدهر حين تنوبُ\nوقال الآخر:\nولربما بخل الكريم وما به ... بخل ولكن سوء جظ الطالبُ\nوقال الآخر:\nولو أنَّ ما بي بالحصا فلق الحصا ... وبالريح لم يسمع لهن هبوبُ\nوقال الآخر:\nولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب علي ذنوبُ\nوقال الآخر:\nوليس بتقدير الكواكب ما ترى ... ولكنه تقدير رب الكواكب\nوقال الآخر:\nوليس بحاكم من لا يبالي ... أأخطأ في الحكومة أم أصابا\nوقال الآخر:\nوليس عتاب الناس للمرء نافعًا ... إذا لم يكن للمرء لبٌ يعاتبه\nوقال الآخر:\nوليلٍ أردنا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالصبح شائبا\nوقال الآخر:\nوما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه ... فكن طالبًا للنفس أعلى المراتبِ\nوقال الآخر:\nوما شرف الإنسان إلاّ بنفسه ... وإن عد أباءً كرامًا ذوي حسب\nوقال الآخر:\nوما كان لي ذنب فأخشى جزاءه ... ز عفوك مرجو وإن كان لي ذنبُ","vol":"1","page":256},{"text":"وقال الآخر:\nوما لقلوب العاشقين مزية ... إذا نظرت أفكارها في العواقبِ\nوقال الكميت:\nومالي إلاّ أحمد شيعةٌ ... ومالي إلاّ مذهب الحق مذهبُ\nوقال الآخر:\nومالي ذنب أستحق به الجفا ... وإن كان أي ذنب فإني تائبُ\nوقال الآخر:\nوما هي إلاّ غاطةٌ قد غلطتها ... وقد يغلط الإنسان ثم يتوبُ\nوقال الآخر:\nومن عادة الأيام أنَّ صروفها ... إذا ساء منها جانبٌ سر جانبُ\nوقال الآخر:\nومن مذهبي حب الديار وأهلها ... وللناس فيما يعيشون مذاهبُ\nوقال الآخر:\nومن ربط الكلب العقور ببابه ... فعقر جميع الناس من رابط الكاب\nوقال الآخر:\nويوهمني أنه ناصحٌ ... وفي نصحه حمة العقربِ\nوقال الآخر:\nهنيئا لكم ماء الفرات وطيبه ... إذا لم يكن لي في الفرات نصيبُ\nوقال الآخر:\nلا تجزعن من المداد ولطخه ... إنَّ المداد خلوف ثوب الكاتبِ\nوقال الآخر:\nلا تكونن للأمور هيوبا ... فإلى خيبةٍ يصير الهيوبُ!\nوقال الآخر:\nلا تنكحن لئيمة لمحاسنٍ ... فاللؤم يبقى والمحاسن تذهبُ","vol":"1","page":257},{"text":"ومصداقه قوله ﷺ: إياكم وخضراء الدمن، وسيأتي.\nوقال الآخر:\nلا تيأسن وإن عز الوصال فقد ... تجفو أناسٌ وهم في الغيب أحبابُ\nوقال الآخر:\nلا يقبل الصدق من الكذب ... ولو أتى بمنطق عجابُ\nوقال الآخر:\nيا بصيرًا إلاّ بإبصار كتبي ... وجوادًا إلاّ بردِّ جوابِ\nوقال الآخر:\nيخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه\nوقال الآخر:\nيذمون دنياهم وهم يطلبونها ... ولم ير كالدنيا تذمُ وتطلبُ\nوهو مثل قول الآخر:\nقد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا\nوهذا من توهيمات الخيال وأغاليط الشعراء وإلاّ فليس لهذا التعجب موقع ولا للألغاز محل، إذ العقول السليمة كلها ذامة للدنيا وليست بطالبة لها ومتى وقع منها طلب فمكلوبها غير مذموم كما أنَّ مذمومها غير المطلوب. فإنَ الدنيا من حيث إنّها مزرعة للآخرة وقنطرة يعبر منها إليها وزاد يبلغ إليها لا بد منها وهي محمودة غير مذمومة ومن حيث إنّها فتنة وعائقة عن الفوز ومبعدة عن النجاح وموجبة للعقاب أو العتاب، مذمومة عند كل بصير غير مطلوبة بل مهروب منها غاية الهرب ومنفور منها غاية النفور ولا يطلبها على هذا الوجه إلاّ أعمى البصيرة وهذا الله تعالى بذمها. وقد يذمها بلسانه وهو يحبها سرًا، وهو غير ذام لها بالحقيقة. وعلى مثل هذا الذي خالف قوله فعله يحسن من جهة الظاهر إنشاد الشعر السابق، ولا يصح الاتفاق ولكن الأكثر والأغلب هذا نسأل الله السلامة من فتنة المحيا والممات.","vol":"1","page":258},{"text":"وقال الآخر:\nيرحم الله صديقا ... جاء يهدي لي عيوبي\nوقال الآخر:\nدع المزاح فقد يزري بصاحبه ... وربما آل في العقبى إلى الغضب\nوقال الآخر:\nرأيت تباعد الإخوان قربا ... إذا اشتملت على الود القلوبُ\nوقال الآخر:\nرأيت الود ليس يكاد يبقي ... إذا كثر التعصب والعتابُ\nوقال الآخر:\nرب لحظ يكون أبلغ من لفظٍ ... وأبى لمضمرات القلوب\nوقال الآخر:\nسأرعاك في البعد المفرق بيننا ... كما كنت أرعى والمزار قريبُ\nوقال الآخر:\nسأصفيك الهوى من كل وحهٍ ... وأمنحك الرضى من لك بابِ\nوقال الآخر:\nستعلم هل ربحنا أم خسرنا ... إذا فكرت في أمر الحسابِ\nوقال الآخر:\nسقى الله أيام التواصل بيننا ... ورد إلى الأوطان كل غريبِ\nوقال الآخر:\nسل الخير أهل الخير قدمًا ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريبِ\nوقال الآخر:\nسمعت عتابًا يستطاب فليتني ... أطلت ذنزبي كي يطول عتابُ\nوقال الآخر:\nسيغني الله عن بقرات زيدٍ ... ويأتي الله باللبن الحليبِ","vol":"1","page":259},{"text":"وقال الآخر:\nشهدنا وجربنا أمورًا كثيرة ... فلا تهملوا نصح الصديق المجرب\nوقال أحد القدماء:\nصاح أبصرت أو سمعت بارعٍ ... رد في ضرع ما قرأ في الحلاب؟\nوقال الآخر:\nصروف الليالي أحوجتنا إليهم ... كما أحتاج صياد إلى صحبة الكلب\nوقال أبو العلاء المعري:\nوسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه\nوالغضب لا يشفي أمرءًا من ثأره ... إلاّ يفقد نجاده وقرابه\nوالله يرعى سرح كل فضيلة ... حتى يروحه إلى أربابه\nوقال أيضًا:\nوهجيرة كالهجر عودي منبر ... للظهر إلاّ إنّه لم يخطب\nفكأنه رام الكلام فيسمه ... عي فأسعده لسان الجندب\nوقال الآخر:\nوما رحم الأهلين إنَّ سالموا العدى ... بمجدية إلا مضاعفة الكرب\nولكن أخو المرء الذي إذا دعا ... أجابوا بما يرضيه في السلم والحرب\nوقال الآخر:\nما المرء أخوك أم لم تلفه وزرا ... عند الكريهة معوانا على النوب\nوأعلم أنَّ لفظ الأخ فيه لغات كثيرة: يقال أخ، وهي اللغة المشهورة، وأخو بسكون الخاء على مثال فرو، وهو الواقع في البيت المذكور ويقال في الجمع اخوة وأخون، وهذا الثاني هو الواقع في البيت الثاني من البيتين قبل هذا، وحذفت نونه للإضافة إلى المرء، وليس مفردا بدليل الإخبار عنه بالذين.","vol":"1","page":260},{"text":"وقال الآخر:\nلعمرك ما حق امرئ لا يعدلي ... على نفسه حقا علي بجواب\nوما أنا النائي علي بوده ... بودي وصافي خلتي بمقارب\nولكنه إنَّ مال يوما بجانبٍ ... من الصدق والهجران ملت بجانب\nوتقدم نحو هذا. ويقال جرير، كان اشترى جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد، ففركته وحنت إلى بائعها:\nتكلفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالمرقق والصناب؟\nوقالت: لا تضم كضم زيد، ... وما ضمني وليس معي شبابي؟\nفقال الفرزدق:\nوإنَّ تفركك عاجلة آل زيدٍ ... ويعوزك المرقق والصناب\nفقدما كان عيش أبيك مرا ... يعيش بما يعيش به الكلاب\nوالصناب، بكسر الصاد. قال المبرد: هو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب، ومن ذلك قيل للفرس صنابي إذا كان في ذلك اللون.\nوقال الآخر:\nويأخذ عيب المر من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب\nقيل وهذا البيت مبني على كلام الأحنف، وقد قال له رجل: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: أطلبه عيابا، فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه! وقال الآخر:\nلن المنابر من خوف ومن وهل ... واستطعم الماء لمّا جد في الهرب\nوألحن كل الناس قطابة ... وكان يوله بالتشديق في الخطب\nوهذا الشعر قاله بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسري، وكان من الخطباء البلغاء؛ فصعد المنبر ذات يوم فخرج عليه المغيرة بن سعد بالكوفة في عشرين رجلا، فعطعطوا به، فعيي خالد وقال: اطعموني الماء! وهو على المنبر، فعير","vol":"1","page":261},{"text":"بذلك، وكتب هشام إليه رسالة وبخه فيها، وقيل فيه ما تقدم وقال فيه أيضًا يحيى بن نوفل:\nلأعلاجٍ ثمانية وعبدٍ ... لئيم الأصل في عدد يسير\nهتفت بكل صوتك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير!\nوسيأتي في الحكم إن شاء الله ذكر كثير ممن أرتج عليه الكلام.\nوقال محمّد بن أبي عيينة يعاتب بعض الأشراف:\nأتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب\nوعندك معشر فيهم أخ لي ... كأن إخاءه الآل السراب\nوليست بساقط في قدر قوم ... وإنَّ كرهوا كما يقع الذباب\nورائي مذهب عن كان ناء ... بجانبه إذا عز الذهاب\nوقال الآخر:\nفلله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والبطالة جانب\nوقال الآخر:\nويعرف وجه الحزم حتى كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبها\nوقال الآخر:\nأخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون أحيان علي خطوبها\nإذا عبت منه خلة فهجرته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها\nوقال الآخر:\nمالي عقلي منتم إلى أحد ... فأنني منتم إلى أدبي\nوهذا مثل قول عامر بن الطفيل:\nوإني وإنَّ كنت أبن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب\nفما سودتني عامر عن وراثةٍ ... أبى الله إنَّ أسموا بأم ولا أب","vol":"1","page":262},{"text":"ولكني أحمي حماها واتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب\nوقول بعض الأشراف الطالبيين:\nلسنا وإنَّ أحسابنا كرمت ... يوما على الاحساب نتكل\nنبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا\nوقول الحسين ﵁، وقد أجزل صلة شاعر فليم على ذلك فقال: أتراني خفت أن يقول لست من فاطمة بنت النبي ﷺ ولا علي بن أبي طالب ﵁؟ ولكنني خفت أنَّ لست كمثلهما فيصدق ويحمل عنه، ويبقي مخلدًا في الكتاب على ألسنة الرواة. فقال ذلك الشاعر حينئذ: وأنت والله يا أبن الرسول الله أعرف بالمدح والذم مني! ويحكى أنَّ رجلًا تكلم بين يدي عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب. فقال له وقد أعجبه: أبن من أنت يا غلام؟ قال: أبن نفسي، يا أمير المؤمنين: والتي نلت بها هذا المقام منكم. وأخذه بعض الشعراء فقال:\nكن أبن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك مأثوره عن الحسب\nإنَّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي\nوآخر في قوله:\nكن أبن من شئت وكن مؤدبا ... فإنما المرء بفضل حسه\nوليس من تكرمه لغيره ... مثل الذي تكرمه بنفسه\nويحكى عن يحيى بن أكثم قال: بينما أنا يوما جالس مع المأمون إذ دخل الدار. فتى أبرع الناس زيًا وهيبة ووقارًا، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى، هذا لا يخلوا إنَّ يكون هاشميا أو نحوياُ. ثم بعث من يتعرف ذلك منه، فإذا هو نحوي. فقال المأمون: يا يحيى، أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس وعلو الهمة منزلة بني هاشم في شرفهم؟ يا يحيى، من قعد به نسبه، نهض به أدبه! ومثله يقول أبي العلاء المعري:","vol":"1","page":263},{"text":"لو يعلم الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده\nلولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في لحده\nومجدة أفعاله لا الذي ... من قبله كان ولا بعده\nوقال أبي محمد الحريري ﵀:\nلعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومه ... على ما تجلى يومه لا أبن أمسه\nوما الفخر بالعظم الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه\nوقول أبي الطيب:\nما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي\nوالشعر في هذا المعنى كثير، وأصل هذا كله قوله تعالى وجلت كلمته:) إنما المؤمنونَ اخوةٌ (وقوله تعالى:) إنَّ أكرمكم عندَ اللهِ أتقاكم (وقوله ﷺ في حجة الوداع: أيّها الناس إنّما الناس اخوة وليس لعربي على عجمي فضل إلاّ بالتقوى. أيّها الناس إنَّ ربكم واحد وإنَّ أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم. وهو قطع لمّا كانت فيه العرب من الافتخار بالآباء.\nولعلي كرم الله وجهه:\nالناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواءُ\nوينسب إليه:\nما الفخر إلاّ لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاءُ\nوقدر كل امرئ ما كان يحسبه ... والجاهلون لأهل العلم أعداءُ\nوقال الآخر:\nلئن فخرت بآباءٍ لهم كرمٌ ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا\nوقال الكميت:\nوما استنزلت في غيرها قدر جارنا ... ولا ثفئت إلاّ بنا حين تنصبُ","vol":"1","page":264},{"text":"وقال أبو الطمحان:\nوإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم ميت قام صاحبه\nنجوم سماء كلما انفض كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه\nأضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه\nوما زال منهم حيث كان مسودٌ ... تصير المنايا حيث صارت كتائبه\nقوله: نظم الجزع ثاقبه، يريد أنهم لو استضاء بضيائهم في غياهب الظلام من يثقب الخرز الذي هو أشد شيء لأبصر ذلك فكيف بما هو أظهر؟ وهذه غاية المبالغة في تنزيل المعقول منزلة المحسوس.\nوقال الآخر:\nشربنا طيبًا عند طيبٍ ... كذاك شراب الطيبين يطيبُ\nشربنا وأهرقنا على الأرض فضلة ... فالأرض من كأس الكرم نصيبُ\nوقال السلامي:\nتبسطنا على الآثام لمّا ... رأينا العفو من ثمر الذنوبِ\nوهو كقول المأمون:\nلو علم أرباب الجرائم تلذذنا ... بالعفو لتقربوا ألينا بالذنوبِ\nوهو مأخوذ من قول أبي نواس:\nتعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا\nوقال ضابئ بن الحارث:\nفمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فأني وقيار بها لغريبُ\nوما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحًا ولا عن ريثهن يخيبُ\nورب أمور لا تضير ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب\nولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب\nوقال الغنوي:","vol":"1","page":265},{"text":"وهلك الفتى أنَّ لا يراح على الندى ... وأنَّ يرى شيئًا عجيبا فيعجبا\nوقال جرير بن الخطفى:\nفعض الطرف أنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا!\nوبعده:\nولو وضعت شيوخ بني نمير ... على الميزان ما عدلتا ذبابا\nوكانت بنو نمير من جمرات العرب، لم يخالفوا أحد لعزتهم وقوتهم. فكان الواحد منهم إذا سئل يقول: من بني نمير، ويفخم صوته إدلالًا بعزته، حتى هجا جرير عبيد بن حصين منهم بما قدم من قصيدة، فوقعت فيهم الموقع، ولم يرفعوا، ولم يرفعوا بعدها رأسًا، حتى كانوا يفرون من الانتساب إلى نمير لمّا وسم به. فكان أحدهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من عامر بن صعصعة وهو الجد الأكبر.\nومما يحكى أن مولى لبعض بأهله كان يرد سوق البصرة، فسخر منه بنو نمير، فذكر ذلك لمواليه فقالوا له: إذا نبزك أحد منه فقل له:\nفعض الطرف انك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا\nفلما رجع، سخروا منه ونبزوه، فأراد أن يقول البيت فنسيه فقال: غمض وإلاّ جاءك ما تكره! فكفوا عنه عند ذلك وعلموا إنّه عرف قول جرير فيهم.\nوروي أن امرأة مرت بقوم من بني نمير، فأخذوا ينظرون إليها ويتواصفونها، فقالت: قبحكم الله يا بني نمير! ما امتثلتم واحدة من اثنين: لا قول الله تعالى حيث يقول:) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (ولا قول جرير حيث يقول: فغض الطرف \" البيت \". فأجمعوا بذلك وذهبوا.\nوأحاب بعض بني نمير جريرا عن شعره فقال:\nنمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا\nوإني إذ أسب بها كليبا ... فتحت عليهم للسخف بابا\nولولا أن يقال هجا نميرا ... ولو نسمع لشاعرهم جوابا\n؟ رغبنا عن هجاء بني كليبٍ وكيف يشتم الناس الكلابا؟","vol":"1","page":266},{"text":"فما ضر ذلك كليبا ولا جريرا ولا نفع نميرا. وقصيدة جرير مذكورة هي التي سماها الدامغة. ولاستمرار الضعة في بني نمير بهجاء جرير قال أبن مناذر يهجو ثقيفا:\nوسوف يزيدكم ضعة هجاني ... كما وضع الهجاء بني نمير\nوقال عنترة العبسي يخاطب امرأته:\nلا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب\nإنَّ الغبوق له وأنت مسودة ... فتأوي ما شئت ثم تحوبي\nكذب العتيق وما شن بارد ... إنَّ كنت سائلتي غبوقا فاذهبي!\nقوله العتيق، يجوز نصبه ورفعه، ومعناه على الجملة الإغراء، أي عليك بالعتيق، وهو التمر القديم، ولإعرابه تحقيق في علم النحو مشهور.\nوقال الآخر:\nخذ من أخيك العفو ذنوبه ... ولا تك في كل الأمور تعاتبه\nفإنك لن تلقى أخاك مهذبا ... وأي امرئ ينجو من العيب صاحبه؟\nأخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... ولا عند صرف الدهر يزور جانبه\nوليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... وإنَّ غبت يوما لسعتك عقاربه\nوقال رجل من بني ضبة لعبد الملك:\nوالله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب\nفلقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدًا سواك إلى المكارم ينسب\nفأصبر لعادتنا التي عودتنا ... أولا فأرشد إلى من نذهب\nفقال له عبد الملك: إلي! إلي! وأكرمه وحباه.\nوقال ضمرة بن ضمرة:\nبكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي!\nولقد علمت تظني غيره ... أنَّ سوف تخلجني سبيل صاحبي\nأأصرنا وبني عمي ساغب؟ ... فكفاك من إبة علي وعاب\nأنَّ رأيت إن صرخت منها هامتي ... وخرجت منها بالي الأثواب","vol":"1","page":267},{"text":"هل تخمشن إبلي عليَّ وجوهها ... لم تعصبن رؤوسها بسلابِ؟\nقوله بسل، أي حرام، كقول زهير:\nبلاد بها نادمتهم وألفتهم ... فإنَ تقويا منهم فانهم بسلُ\nوقوله تخلجني، أي تجذبني، والخلج الجذب، ومنه خليج الماء لا تجاذبه إلى ناحية؛ والساغب الجائع؛ والأبة: الحياء.\nوقال الآخر:\nتود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إنَّ الرأي منك لعازبُ\nوليس أخي من ودني رأي عينه ... وكان أخي من ودني وهو غائبُ\nوقال الآخر:\nإذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أمٍ ولا أبُ\nأي إذا غلبوا انتسبوا وتحببوا وتقربوا، وإن كانوا هم الغالبين تعثلموا وتبرؤوا وتبرموا وهذا فعل اللئيم.\nذكر أبو علي البغدادي عن أبي الكلبي عن أبيه قال: كان مرثد الخير بن ينكف قيلًا من أقيال اليمن وكان حدبًا على عشيرته محبًا لصالحها. وكان سبيع بن الحارث وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف حتى تشاحنا، وخيف أن يقع بين حييهما شرٌ فيتفانيا. فبعث إليهما مرثد فأحضرهما ليصلح بينهما فقال لهما: إنَّ التخفط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على هوةٍ في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة. فتلاقيا أمركما قبل انتكاث العقد، وانحلال العهد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة! وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة والمودة مثرية والبقيا معرضة. فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد وأصغى إلى التقاطع. ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم وكيف كان صيور أمرهم قبلا، فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثاني واستفحال الداء وإعواز الدواء! فانه إذا سفكت الدماء،","vol":"1","page":268},{"text":"استحكمت الشحناء وإذا استحكمت الشحناء تقصبت عرى الإبقاء، وشمل البلاء. فقال سبيع: أيّها الملك إنَّ عداوة بني العلات، لا تبرئها الأساة، ولا تشفيها الرقاة ولا تستقل بها الكفأة والحسد الكامن هو الداء الباطن. وقد علم بنو أبينا هؤلاء أنا لهم ردء إذا رهبوا وغيث إذا اجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا؛ وأنا وإياهم كما قال الأول:\nإذا ما علوا قلوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أبُ\nفقال ميثم: أيّها الملك إنَّ من نفس على أبن أبيه الزعامة وجدبه في المقامة، واستكثر له قليل الكرامة كان قرفًا بالملامة ومؤنبًا على ترك الاستقامة. وإنَّا والله ما نعتد لهم بيد إلاّ وقد نالهم منا كفاؤها ولا نذكر لهم حسنة إلاّ وقد تطلع إليهم منا جزاؤها، ولا تفيا لهم علينا ظل نعمة إلاّ وقد قوبلوا بشرواها. ونحن بنو فحل مقرم لم تغد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم. فعلام مط الخدود وخزر العيون والجخيف والتصعر والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد؟ وإنا وإياهم لكما قال الأول:\nلاه أبن عمك لا أفصلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني\nومقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة غفيرة. فقال الملك: لا تنشط عقل الشوادر ولا تلقحوا العون القواعد، ولا تورثوا نيران الأحقاد! ففيها التلفة المستأصلة والجائحة والأليلة؛ وعفو بالحلم، أبلاد الكلم، وأنيبوا إلى السبيل الأرشد، والمنهج المقصد! فإنَ الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور. ثم قال الملك:\nألا هل أتى الأقوال بذلي نصيحة ... حبوت بها مني سبيع وميثما؟\nوقلت اعلما أنَّ التدابر غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما\nفلا تقدحا زند العقوق وابقيا ... على العزة القعساء أن تتهدما\nولا تجنيا حربا تجر عليكما ... عواقبها يوما من الشر أشأما","vol":"1","page":269},{"text":"فإنَ جنات الحرب للحين عرضة ... تفوقهم منها الزعاف المقسما\nحذار فلا تستنبثوها فإنها ... تغادر ذا الأنف الأشم مكشما\nفقالا: أيها الملك بل نقبل نصحك ونطيع أمرك ونطفئ النائرة ونحل الضغائن ونثوب إلى السلم.\nقال أبو بكر بن دريد: التحفظ ركوب الرجل رأسه في الشر خاصة. قال أبو علي: ولم أسمع هذه الكلمة من غيره. فأما التخمط بالميم فالتكبر. انتهى. وكذا من رأينا من اللغويين لم يذكروا تلك المادة أصلا. وركب الرجل هجاجة: لج ومحك. قاله أبن دريد. وفي الصحاح: ركب هجاج غير منصرف، وركب هجاج كقطام: ركب رأسه، وأنشد: وقد ركبوا عاى لومي هجاج واستحقاب اللجاج استفعال، إما من حقيبة الرجل، وهو ما يكون وراء الرجل يملأ حشيشا أو تبنا وإما من الحقاب وهو بريم تشد به المرأة وسطها. وعلى الأول يكون استحقاب اللجاج معناه جعله في الوعاء؛ وعلى الثاني يكون معناه الأضرار به على المجاز فيهما؛ والهوة: الحفرة. والبوار: الهلاك؛ والأصيلة: الأصل: والانتكاث: الانتقاض. ورافة: ناعمة. وواطدة: ثابتة. ومثرية: متصلة، من الثرى وهو التراب الندي. والمعرضة: الممكنة، من أعراض الصيد إذا أمكن من عرضه أي جنيه ليرمى. وصيور الأمر: ما يؤول إليه. واستفحال الداء: اشتداده. وتقصبت: تقطعت. والأساة: الأطباء. والزعامة: الرئاسة: وجدبه في المقامة، أي عابه، والمقامة: المجلس وقد يراد به الجلاي، ويحتملهما قول زهير:\nوفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعلُ\nوقرفًا بالملامة أي خليقا لها. وشرواها: مثلها. والخزر: النظر بمؤخرة العين، وهو معروف عند العامة اليوم. والجخيف: التكبر. والمداجات: المساترة والغفيرة: الغفران. ولا تنشطوا: لا تحملوا. ولا تلحقوا العون: لا تسرعوا الحرب، وأصله في الإبل؛ يقال: لقحت الناقة إذا حملت وألقحها الفحل. والعون جمع عوان وهي الثيب","vol":"1","page":270},{"text":"وتستعار للحرب التي قوتل فيها مرة أخرى. وتورثوا: تذكوا. والاليلة: الثكل. والابلاد: الآثار، وأحدها بلد. والقعساء: الثابتة. وتفوقهم: تسقيهم الفواق أي ما بين الحلبتين. وتستنبثوها: تستخرجوا نبيثها والنبيثة في الأصل ما يخرج من البئر إذا حفرت. ومكشم: مقطوع.\nوقال الآخر:\nيرى الحاضر الشاهد المطوئن ... من الأمر ما لا يرى الغلئبُ\nوقال الأحوص:\nقالت وقلت تحرجي وصلي ... حبل امرئ بوصالكم صبُ\nصاحب إذا بعلي فقلت لها ... الغدر شيء ليس من ضربي\nثنتان لا أدنو لوصلهما: ... عرس الخليل وجارة الجنبِ\nأما الخليل فلست فاجعه ... والجار أوصاني به ربي\nعوجا كذا نذكر لغانيةٍ ... بعض الحديث مطيكم صحبي\nونقل لها فيهم الصدود ولم ... أذنب بل أنت بدأت بالذنبِ\nإن تقبلي نقبل وننزلكم ... من بدار السهل والرحبِ\nأو تدبري يكدر معيشنا ... وتصدي متلائم الشعبِ\nولمّا سمع أبو السائب هذا الشعر قال: هذا المحب عينًا لا الذي يقول:\nوكنت إذا حبيبٌ رام صرمي ... وجدت وراي منفسحًا عريضا\nاذهب فلا صحبك الله ولا وسع عليك! قلت: واتما قال ذلك لأنهم يرون أنَّ فضيلة المحب وكمال العاشق أن يتطبع بلواعج البلبال، ويستديم الصبابة على كل حال.\nوحدث بعض الأدباء قال: قال عروة بن عبد الله: نزل أبن أذينة في دارنا بالعقيق فسمعته ينشد:\nإنَّ التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها\nكيف الذي زعمت به وكلاهما ... أبدى بصاحبه الصبابة كلها؟","vol":"1","page":271},{"text":"ولعمرها لو كان حبك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذا لأظلها!\nوإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها\nبيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلطافة فأدقها وأجلها\nلمّا عرضت مسلما لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلها\nمنعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها!\nفدنا وقال لعلها معذورةٌ ... في بعض رقبتها فقلت لعلها\nقال وبلغ ذلك أبا السائب المخزومي فأتاني وقال: أنشدني ما سمعت من عروة أذينة، فأنشدته إياها فلما بلغت البيت الأخير طرب وقال: والله الدائم الصبابة الصادق لا الذي يقول:\nإن كان أهلك يمنعونك رغبةً ... عني فأهلي بي أضن وأرغبُ\nثم قلت: هلم الذي الطعام! فقال: والله ما كنت لأخلط بلذة هذه الأبيات طعاما إلى الليل! وأنصرف.\nقلت: ووقع ما يشبه العيب الذكور في قول امرئ القيس:\nأأسماء أمسى ودها قد تغيرا ... سنبدل إن أبدلت بالود آخرا\nومن نمط المحمود في استدامة الحب والصبابة قول بعضهم:\nإذا ما صديق أسا مرةً ... وقد كان فيما مضى مجملا\nذكرت المقدم من فعلهِ ... فلا ينقض الآخر الأولا\nوقال الآخر، وينسب للمجنون أو إبراهيم بن العباس:\nتطلع من نفسي إليك نوازعٌ ... عوارف أنَّ اليأس منك نصيبها\nوأزالت زوال النفس عن مستقرها ... فمن مخبري في أي أرضٍ غروبه؟\nحلالٌ لليلى أن تروع فؤادهُ ... بهجرٍ ومغفورٌ لليلى ذنوبها\nوقال الآخر:\nومن شغفي فيكم ووجدي أنني ... أهون ما ألقاه وهو هوانُ\nويحسن قبح الفعل إن جاء منكم ... كما طاب ريح العود وهو دخانُ","vol":"1","page":272},{"text":"وقال الآخر:\nإن أمت وجدًا فلي قدمٌ ... بي إلى حتف الهوى سعتِ\nأو ترق يلك اللحاظ دمي ... فهي في حلٍّ وفي سعةِ\nوقال الآخر:\nأبدا أزيدُ مع الوصال تلهفًا ... كالعقد في جيد المليحة يقلقُ\nويزيدني كلفا فأذكر فعلهُ ... كالمسك تسحقه الأكف فيعبقُ\nوقال الآخر:\nفرقت بيننا الحوادث لكن ... في نفسٌ إليكم أدنيها\nوكأني في الود فأرة مسكٍ ... أفرغوها ونفحة الطيب فيها\nوقال الآخر:\nوإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنه بألف شفيعِ\nوقال بعضهم فيه:\nما ذلتي في حبكم وخضوعي ... عارٌ ولا شغفي بكم ببديعِ\nدين الهوى ذلٌ وجسمٌ ناحلٌ ... وسهاد أجفانٍ وفيض دموعِ\nكم قد لحاني في هواكم لائمٌ ... وثنيت عطفي عنه غير سميعِ\nما يحدث التقبيح عندي سلوةً ... لكم ولو جئتم بكل فظيعِ\nوإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍ ... جائت محاسنه بألف شفيعِ\nوقال الحكيم:\nمستقبل بالذي بهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذورٌ بما صنعا\nفي وجهه شافعٌ يمحو أساءته ... من القلب وجيهٌ حيثما شفعا\nوقول أبي فراس الحمداني:\nأساء فزادته الإساءة حظوةً ... حبيبع ما كان منه حبيبُ\nتعدُ عليَّ الوشيات ذنوبه ... وأين من الوجه المليح ذنوبُ؟\nوقال الآخر:","vol":"1","page":273},{"text":"وكلما رمتُ أن أقابله ... على تماديه في تعديهِ\nجاءت على غفلةٍ محاسنه ... تلزمني الصفح عن مساويهِ\nوقال الآخر:\nكلما أذنب أبدى وجهه ... حجةً فهو مليٌ بالحججِ\nكيف لا يفرط في إجرامه ... من متى شاء من الذنب خرج\nوقال الآخر:\nعفت محاسنه عندي إساءته ... حتى لقد حسنت عني مساويهِ\nوقال الآخر:\nلي حبيبٌ كالظبي غرٍّو لكن ... بعذابي في الحب ما أغراهُ!\nوإذا كرر الذنوب فيكفيه ... اعتذارًا مما جنى أن أراهُ\nوقال الآخر:\nومستنصٍ في العذر مستعجل القلى ... بعيدٍ من العتبى قريبٍ من الهجرِ\nله شافعٌ في القلب مع كلِّ زلةٍ ... فليس بمحتاج الذنوب إلى العذرِ\nوقال أبي الطيب:\nفأن يكن الفعل الذي ساء واحدًا ... فأفعاله اللائى سررن ألوفُ\nوقال حاتم أو عمرو بن الأهتم:\nأضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحل جديبُ\nوما الخصب للأضيافِ أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيبُ\nوسنذكر ما في هذا النزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى. وقال رجل من عبس:\nإذا راح ركبٌ مسرعون فقلبه ... مع الرائحين المسرعين جنيبُ\nوإن هبَّ علويُّ الرياح رأيتني ... كأني لعلو يأتهن نسيبُ\nفلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيبًا ولم يطرب إليك حبيبُ\nوقال الآخر:\nمن كان يزعم أن سيكتم حبه ... حتى يشكك فيه فهو كذوبُ","vol":"1","page":274},{"text":"الحب أغلبُ للفؤاد بقهره ... من أن يرى للستر فيه نصيبُ\nوإذا بدا سر اللبيب فإنه ... لم يبد إلاّ أنه مغلوبُ\nإني لأبغض عاشقًا متسترًا ... لم تتهمه أعينٌ وقلوبُ\nوقال ذو الرمة:\nإذا هبت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهل ميٍّ هاج لبي هبوبها\nهوى تذوف العينان منه وإنما ... هوى كل نفسٍ حيث حل حبيبها\nوقال المجنون:\nيقولون لي يومًا وقد جئت حيهم ... وفي كبدي نارٌ يشب لهيبها\nأما تخشى من أسدنا؟ فأجبتهم ... هوى كلً نفسٍ حيث حل حبيبها\nوقال بعض الأعراب:\nشكوت فقالت كل هذا تبرمًا ... بحبي أراح الله قلبك من حبي!\nفلما كتمت الحب قالت لشدما ... صبرت وما هذا يفعل شجي القلبِ\nوأدنو فتقصيني وأبعد طالبًا ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي\nفشكواي يؤذيها وصبري سيوؤها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي\nفيا قوم هل من حيلةٍ تعرفونها؟ ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي!\nوتقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقريب منه وإن عاكسه في الترديد قول امرئ القيس:\nوقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك يدربِ\nوقال الإمام العارف بالله تعالى أبو بكر الشبلي ﵁ وقد دخل على شيخه الإمام أبي القاسم الجنيد ﵁ فوقف بين يديه وصفق بيده وقال:\nعودوني الوصال والوصل عذبُ ... ورموني بالصد والصدُ صعبُ\nزعموا حين أزمعوا أنَّ ذنبي ... فرط حبي لهم وما ذاك ذنبُ\nلا وحق الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحب إلاّ يُحَبُ\nفأجابه الشيخ فقال:","vol":"1","page":275},{"text":"وتمنيت أن أراك ... فلما رأيتكا\nغلبت دهشة السرور ... فلم أملك البكا\nوقال أبو علي الفارسي النحوي:\nخضبت الشيب لمّا كان عيبًا ... وخضب الشيب أولى أن يعابا\nولم أخضب مخافة هجر خلٍ ... ولا عيبا خشيت ولا عتابا\nولكن المشيب بدا دميما ... فصيرت الخضاب له عقابا\nوسيأتي ذكر ما في الشيب والخضاب مستوفي إن شاء الله تعالى.\nوقال عبد الله بن سعيد الموصلي الشافعي:\nقالوا سلا، صدقوا عن ... السلوان ليس عن الحبيبِ\nقالوا: فلم ترك الزيارة؟ ... قلت: من خوف الرقيبِ\nقالوا: فكيف يعيش مع ... هذا؟ فقلت: من العجيبِ\nوقال انو العرب الصقلي:\nلا تعجبن لرأسي كيف شاب أسىً ... وأعجب لأسود عيني كيف لم يشب\nالبحر للروم لا تجري السفين به ... إلاّ على خطرٍ والبر للعرب\nوسبب قوله ذلك إنَّ المعتمد بن عباد بعث إليه بخمسمائة دينار وأمره أن يتجهز بها ويقدم عليه، فكتب إليه الحصري:\nأمرتني بركوب البحر أقطعه ... غيري لك الخير فاخصصه بذي الداء\nما أنت نوحٌ فتنجيني سفينته ... ولا أنا أمشي على الماءِ\nوقال أبو الوفاء:\nومن كان في المسعى أبوه دليله ... تدانى له الشأو الذي هو طالبه\nوقال يحيى بن خالد بن برمك:\nأنصب نهارًا في طلاب العلى ... وأصير على فقد الحبيب القريب\nحتى إذا الليل أتى مقبلا ... واستترت فيه وجوه الغيوبُ","vol":"1","page":276},{"text":"فكابد الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب\nكم من فتى تحسبه ناكسًا ... يستقبل الليل بأمر عجيب\nغطى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب\nولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب\nوسبب هذا الشعر أن ابنه الفضل بن يحيى كان الرشيد قد ولاه عمل خراسان فأقام بها مدة ثم وصل كتاب صاحب البريد إلى الرشيد، ويحيى بين يديه جالس، مضمنه أن الفضل أشتغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية. فلما قرأ الرشيد الكتاب رمى به إلى يحيى وقال له: يا أبي! اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه ما يرده عن هذا. فكتب إليه يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك! قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه شاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية فأنكره، فعاود ما هو زين بك، فانه من عاد إلى ما يريبه ويشينه لم يعرفه أهل دهره إلاّ به، والسلام. وكتب في أسفله الأبيات المذكورة، والرشيد ينظر إلى ما يكتب. فلما فرغ قال: أبلغت يا أبي! فلما ورد الكتاب على الفضل، لم يفارق المسجد نهارًا إلى إنَّ انصرف عن عمله.\nوقال الإمام الشافعي ﵁: تزوجت امرأة بمكة من قريش، وكنت أمازحها فأقول:\nومن البليلة أنَّ تحب ... فلا يحبك من تحبه\nفتقول هي:\nويصد عنك بوجهه ... وتلج أنت فلا تغبه\nوقال الشريف الرضي:\nولقد وقفت على طلولهم ... وربوعهم بيد البلى نهب\nومن أعجب الاتفاق أن بعض الأدباء مر بدار الشريف هذا التي ببغداد، وقد خربت وذهبت بهجتها، ولم يبق منها إلاّ آثار تشهد لها بالحسن والنظارة. وفوقف وتمثل بالبيت المذكور وهو لا يعرف لمن الدار. فمر به شخص وسمعه ينشد البيت فقال له: أتعرف هذه الدار؟ قال: لا. قال: هي دار الشريف صاحب البيت. وهذه تشبه حكاية","vol":"1","page":277},{"text":"عبيد الجرهمي، وكان دخل على معاوية فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت. فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فاغرورقت عيناي بالدموع، وتمثل بقول الشاعر:\nيا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر، وهل ينفعنك اليوم تذكير؟\nفاستدر الله خيرا من وراضين به ... فبينما العسر إذ جاءت مياسير\nوبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير\nيبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور\nفقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا الشعر؟ فقلت: لا. فقال: إنَّ قائله هو الذي دفناه الساعون وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الخارج من قبره أمس الناس رحما وأسرهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا! وقال صر در:\nإنَّ الهلال يرتجي طلوعه ... بعد السرار ليله احتجابه\nوالشمس لا يويس من طلوعها ... وإنَّ طولها الليل في جنابه\nوقال:\nكم عودة دلت على دوامها ... والخلد للإنسان في مآبه!\nولو قرب الدر على جالبه ... ما لجج الغائض في طلابه\nولو أقام لازما أصدافه ... لم تكن التيجان في حاسبه\nما لؤلؤ البحر ولا مرجانه ... إلاّ وراء الهول من عبابه\nوقال الآخر:\nجروح الليالي ما لهن طبيب ... وعيش الفتى بالفقر ليس يطيب\nوحسبك أنَّ المرء في حال فقره ... تحمقه الأقوام وهو مصيب\nومن تعتوره الحادثات بصرفها ... يمت وهو مغلوب الفؤاد سليب\nوما ضرني أنَّ قال أخطأت جاهل ... إذا قال كل الناس أنت مصيب\nوقال علي بن الجهم:\nسقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... ودنى فؤادا من فؤاد معذب","vol":"1","page":278},{"text":"فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب\nوهذا معنى بليغ في العناق، أخذه من قول بشار:\nفبتنا معا لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور\nوأبلغ منه في هذا المعنى قول عبد الله من المعتز:\nما اقصر الليل على الراقد ... وأهون السقم على العائد\nويفديك ما أبقيت من مهجتي ... لست لمّا أوليت بالحاجد\nكأني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد\nفلو ترانا في قميص الدجى ... حسبنا من جسد واحد\nوهو مأخوذ من قول الآخر:\nخلوت فناداها ساعة ... على مثلها يحسد الحاسد\nكإنا وثوب الدجى مسبل ... علينا لمبصرنا واحد\nوابلغ من هذا عندي قول أبن الرومي:\nأعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان؟\nوألثم فاها كي تموت حرارتي ... فيشد ما ألقى من الهيمان\nولم يك مقدار الذي بي من الهوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان\nكأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان\nفإن الامتزاج أخص مطلق الوحدة وأصرح في قطع العدة، وذلك في الأرواح أبلغ وأبدع منه في الأجسام، غير إنّه في الشعرين السابقين إخبار عن أمر هو واقع أو كالواقع، بخلاف هذا.\nولابن عبدوس الفارسي في العناق أيضًا:\nلا والمنازل من نجد وليلتنا ... يفيد إذ جسدانا بيننا جسد\nكم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... نوما فما أنفك لا خد ولا عضد!\nوهو نحو ما للأولين وابلغ من حيث الجزم","vol":"1","page":279},{"text":"واصلح بن موسى:\nلي سيدٌ ما مثله سيدٌ ... تصدت الحمى له فاشتكا\nعانقته عند موافاتها ... والأفق بالليل قد أحلو لكا\nفجاءت الحمى لعادتها ... فلم تجد ما بيننا مسلكا\nوهو نحو ما لابن الجهم وأبلغ منه لأن عدم نفوذ المعنى أغرب من عدم نفوذ الجسم.\nولابن رشيق أيضًا:\nومهفهفٍ يحميه عن نظر الورى ... غيران سكنى الموت تحت قبابه\nفلثمت خدًا منه ضرم لوعتي ... وجعلت أطفئ حرها برضابه\nوضممته للصدر حتى استوهبت ... مني ثيابي بعض طيب ثيابه\nفكأن قلبي من وراء ضلوعه ... طربًا يخبر قلبه عما به\nولابن معتز:\nيا رب إخوان صحبتهم ... لا يرفعون لسلوة قلبا\nلو تستطيع قلوبهم خرقت ... أجسامهم فتعانقت حبا\nوهذا أبلغ ما سمعنا في الباب وتركنا ما قيل في مطلق العناق. وهو كثير خشية الإطناب.\nوقال أبو قتبان المصري في باب المدح:\nرغبت لنفسي أن أكون مصاحبًا ... أناسًا قيدوا إلى الذل أصحبوا\nفجاورت ملكا تستهل يمينه ... ندى حين يرضى أو ردى حين يغضبُ\nتدور كؤوس الحمد طورًا فينتشي ... وطورًا تعني المرهبات فيطربُ\nعرفت فكان الانتساب زيادة ... وغيرك يخفيه الخمول فينسبُ\nوفي بعض ذا المجد الذي ظفرت به ... يدرك غنى عما بنى الجد والأبُ\nقضى الله أن يزداد بينك رفعة ... على أنه فوق النجوم مطنبُ\nوقال أبو العلاء:\nردت لطافتة وحدة ذهنه ... وحش اللغات أو إنسًا يخاطبه","vol":"1","page":280},{"text":"كالنحل يجني المر من نور الربى ... فيعود شهدًا في طريف رضابه\nوقال أبو المظفر:\nيا من يساجلني وليس بمدرك ... شأوي وأين له جلاله منصبي؟\nوسيأتي تمام هذا الشعر بعد، إن شاء الله تعالى.\nوقال مالك بن المرحل:\nوبيداء كانت لي ضلوعًا تكنني ... كأني فيها لوعةٌ ووجيبُ\nوتحت قميص الليل مني مجمر ... وفوق رداء الصبح مني طيبُ\nوفي مقلة الظلماء مني موردٌ ... له بين أهداب السحاب دبيبُ\nوفي مبسم الإصباح مسواك إسحلٍ ... ولكنه مهما عجمت صليبُ\nفيقضي علي والليل أدعجٌ ... ويفصم عني الصبح وهو شنيبُ\nوقال الآخر يرثي صديقا له نصرانيًا:\nأخي بوداد لا أخي بديانتي ... ورب أخٍ في الود مثل نسيبِ\nوقالوا أتبكي اليوم من لست صاحبًا ... غدًا؟ إنَّ هذا فعل غير لبيبِ\nومن أين لا أبكي حبيبا فقدته ... إذا خاب منه في المعاد نصيبي؟\nوقال بعض الأعراب:\nأحجاج بيت الله في أي هودجٍ ... وفي أي بيت من بيتوكم حبي؟\nيقولون هذا آخر العهد منكم ... فقلت وهذا آخر العهد من قلبي\nوقال الآخر:\nليس ليوم البين عندي سوى ... مدامعٍ يجمعها سكبُ\nكأنما فض بأجفانها ... رمانةٌ فانتثر الحبُ\nوقال الآخر:\nوالغصن قد مال نحو النهر فالتقيا ... على هوى حين غنى الطائر الطربُ\nفقبل النهر غصنًا ثغره زهر ... وقبل الغصن نهرًا ثغره حببُ\nوقال الآخر:\nقم أدرها فالليل رق دجاه ... وبدا طيلسانه ينجابُ","vol":"1","page":281},{"text":"وكأن الصباح في الأفق بازٌ ... والدجى بين مخلبيه غرابُ\nوكأن السماء لجة بحر ... وكأن النجوم فيه عبابُ\nوسيأتي ما قيل في هذا المعنى من مختار الشعر.\nوقال محمد بن حسام الدين:\nألا إنَّ أرض الغرب أفضل موطنٍ ... تساق إليه الواخذات النجائبُ\nولو لم تكن في الغرب كل فضيلة ... لمّا حركت شوقا إليه الكواكبُ\nوقال الآخر:\nقوض خيامك عن أرض يهان بها ... وجانب الذل إنَّ الذل مجتنبُ\nوارحل إذا كانت الأوطان مضيعة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطبُ\nوتقدم هذا المعنى مستوفي. وفي معناه أيضًا قول سهل بن مالك:\nمنغص العيش لا يأمي إلى دعةٍ ... من كان ذا ولدٍ أو كان ذا بلدِ\nوالساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى مكان ولم يسن إلى أحدِ\nوقال لبن الخطيب:\nوإذا تنغصك الزمان ببلدةٍ ... فاطو المراحل كي تحوز كمالا\nلمّا توغل في السرى بدر الدجى ... أبصرته بدرًا وكان هلالا\nوقال الآخر:\nمللت حمص وملتني فلو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدرِ\nوسولت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدرِ\nوقول القاضي عبد الوهاب لن نصر:\nبغداد دار لأهل المال والسعة ... وللصعاليك دار الضنك والضيقِ\nأصبحت أمشي مضاعًا في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديقِ\nوقال الآخر في ضده:\nلا يعدم المرء ركنا يستكن به ... وشعبه بين أهليه وأصحابهِ\nومن نأى عنهم قلت مهابته ... كالليث يحقر لمّا غاب عن غابِ","vol":"1","page":282},{"text":"ومثله قول الآخر:\nإنَّ الهزير إذا نأى عن غيضه ... ضربت له الأيدي على ترقيصه\nوكذا الغريب إذا نأى عن داره ... أدته غربته إلى تنقيصه\nومثله قول الآخر:\nوقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسعٌ ... فقلت ولكن مسلك الرزق ضيقُ\nإذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... ولم أك ذا مالٍ فمن أين أنفقُ؟\nوقال أبن المهدي:\nواحن أيام الهوى يومك الذي ... يروع بالهجران فيه وبالعتبُ\nإذا لم يكن في الحب بسخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب؟\nوقال الآخر:\nشيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهابِ\nلم تبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحبابِ\nوسيأتي ما في هذا المنزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى.\nوقال مالك بن المرحل:\nمذهبي تقبيل خد مذهب ... سيدي ماذا ترى في مذهبي؟\nلا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل الغربِ\nوسيأتي ما قيل في التوجيه بعد إن شاء الله تعالى وقال عبد الجليل المرسي:\nما للعذار وكان وجهك قبله ... قد خط فيه من الدجى محرابا؟\nوأرى الشباب وكان ليس بخاشعٍ ... قد خر فيه راكعا وأنابا\nولقد علمت بكون ثغرك بارقًا ... أن سوف يرمي للعذار سحابا\nوقال نجم الدين بن بطريق:\nأعاذك الله من همٍّ ومن نصب ... ولا لقيت الذي ألقى من الحربِ\nهذا زماني أبو جقلٍ وذا حربي ... أبو معيط وذا قلبي أبو لهبِ","vol":"1","page":283},{"text":"وقال الآخر:\nقال حمار الطبيب قومي ... لو أنصفوني لكنت أركبُ\nلأنني جاهل بسيط ... وصاحبي مركب\nوقال أبو الفتح البستي:\nإذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فالحكم على ملكه بالويل والحرب\nأما ترى الشمس في الميزان ساقطة لمّا غدا وهو بيت اللهو والطرب؟\nقال أبو الحسن الوارد:\nيقولون: لاح الشيب فاله عن الصبا ... وعن قهوة تصبو لها وتنيب!\nفقلت: دعوني نصطبحها سلافة ... على صبح شيبي فالصبوح عجيب\nومثله قول الآخر:\nوقالوا: أنَّ تلهو والشباب قد انقضى ... وعمرك قد ولى يبق طائل؟\nوقال الآخر:\nوقائله: خل الهوى لرجاله ... فإن الهوى بعد المشيب جنون\nفقلت لها: إنَّ الهوى فيه راحة ... ألذ الكرى عند الصباح يكون\nوقال الآخر:\nولائمة لي إذ رأتني مشمرًا ... أهرول في سبل الصبا خالع العذر\nتقول: انتبه من رقدة اللهو والصبا ... فقد دب صبح الشيب في غسق الشعر\nفقلت لها: كفي عن اللوم واعلمي ... بأن ألذ النوم إغفاء الفجر!\nوقول أبن الساعاتي في ضده:\nلا تعجبين لطالب نال العلى ... كاهلا واخفق في الزمان المقبل!\nفالخمر تحكم في العقول مسنة ... وتدلس أوّل عصرها بالأرجل\nوقال كاشح في نتف الشيب:\nإذا ما مضى المنقاش يأتي بها أتت ... وقد أخذت من دونها جارة الجنب","vol":"1","page":284},{"text":"كجان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلق بالجيران من شدة الرعب\nومثله قول أبن النبيه:\nاقتطف البيضاء من لمتي ... دأبا مع السوداء إذ تشرف\nفتخلف البيض بأمثالها ... وتعضب السودا فما تخلف\nحمامة السودان معروفة ... يعرفها من كان لا يعرف\nوقال أبن الخطيب:\nإني لمثلي من بعد ما ... للوخط في الفودين أي دبيب؟\nلبس البياض وحل ذروة منبر ... مني ووالي الواعظ فعل خطيب\nوقال أيضًا:\nوقد كنت يهوى الروض طيب شمائلي ... ويمرح غص البان بين قبابي\nفمذ كتب الوخط الملم بعارضي ... حروفا أتى فيها بمحض عتابي\nنسخت بما قد خطه سنة الهوى ... وكم سنة منسوخة بكتاب!\nوقال أيضًا:\nوما كان إلاّ إنَّ جنى الطرف نظرة ... غدا لقلب رهنا في عقوبة ذنبه\nوما العدل أنَّ يأتي امروء بجريرة ... فيؤخذ في أوزارها جار جنبه\nوقال الآخر:\nقد قلت إذا سار السفين بهم ... والبين ينهب مهجتي نهبا:\nلو أن لي ملكا أصول به ... لأخذت كل سفينة غضبا\nوقال الآخر:\nرضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه طبيب\nكأنك من كل النفوس مركب ... فأتت إلى كل النفوس حبيب\nوقال أبن أبي العافية:\nودعتها ووداعها متضمن ... لوداع لذات الحياة وطيبها\nواصفر منها وجهها ففهمت ما ... معنى اصفرار الشمس عند غروبها","vol":"1","page":285},{"text":"وسيأتي ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.\nوقال الآخر:\nعجبت لطيف زار في الليل مضجعي ... وآب ولم يشف الفؤاد المعذبا\nفأوهمني أمرًا وقلت لعله ... رأى حالة لم يرضها فتجنبا\nوما ذاك من أمر يريب وإنّما ... رآني قتيلا في الدجى فتهيبا\nوسيأتي هذا أيضًا بعد إن شاء الله تعالى.\nوقال أبو محمّد المصري:\nسلام على الشيب الذي لا أريده ... ولا قلت أهلًا حين جلى ومرحبا\nولكنه ضيف كرهت قدومه ... وأكرمته إذ لم أجد عنه مذهبا\nوقال الميكالي:\nعيرتني ترك المدام وقالت: ... هل جفاها من الكرام أديب؟\nهي تحت الظلام نور وفي الأكباد ... برد وفي الخدود لهيب\nقلت: يا هذه عدلت عن النصح ... وما للرشاد منك نصيب\nإنها للستور هتك وللألباب ... قتل وفي المعاد ذنوب\nوقال الآخر:\nدعتني إلى لهو التصابي وما درت ... بأن زمان اللهو عني ذاهب\nفقلت لها: مالي وللهو بعد ما ... تولى الصبا وازور للغيد جانب\nوقد وخطت بيض من الشعر لمتي ... تخبر إنَّ البيض عني رواغب\nأألهو وفجر الشيب قد لاح نوره ... بفودي، فقالت: أوّل الفجر كاذب\nوقال الآخر:\nأن استحسنت مقلتي غيركم ... أمرت السهاد بتعذيبها\nوعاقبتها بالبكا دائما ... لمّا استحسنت غير محبوبها\nفلما تنظر العين إلاّ إليك ... لأنك غاية مطلوبها\nوقال أبو محمّد بن عبد البر ﵀:","vol":"1","page":286},{"text":"قل للوزير وقد قطعت بمدحه ... عمري فكان السجن منه ثوابي\nلم تعد في أمري الصواب موفقا ... هذا جزاء الشاعر الكاذب!\nوقال بعض الأدباء في طريق التورية:\nومعطر الأنفاس يبسم دائما ... عن در ثغر زانه ترتيب\nمن لم يشاهد منه عقد جواهر ... لم يدر ما التنقيح والتهديب\nومثله أيضًا في هذا المعنى:\nقلت والشعر يشي في خده ... لام حسن سهلت لومي علي\nبحياة الحب كوني للرضى ... لام جر لا تكوني لام كي!\nوقال الآخر على هذا الطريق:\nهبت مع لفجر لميعادها ... فافتضح الشارق والغارب\nفجران ذلك الوجه أسناهما ... هل يستوي الصادق والكاذب؟\nوقال آخر على قريب من هذا:\nدهر يمر وآمال مخيمة ... ولا أحتقاب يسوي وزر على الحقب\nتمضى الفروع على حكم الأصول ولا ... استذكار قلب ولا تمهيد منقلب\nخط المشيب على فوديك تذكرة ... بأن تنيب وحتى لأن لم تنب\nوقد نضى سيفه فأحذر صرامته ... فالسيف أصدق أنباء من الكتب!\nسلت عليك الليالي منه ذا شطبٍ ... في حده الحد بين الجد واللعب\nوكتب المستعصم بالله إلى أبن عمار على وجه العتب فيما بلغه عنه:\nوزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب\nفلم تراني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلاّ ساءني في العواقب\nولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلاّ كان إحدى المصائب\nفأجابه أبن عمار بقطعة منها:\nفديتك لا تزهد وثم بقية ... سيرغب فيها عن وقوع النوائب!\nوابق على الخلصان إنَّ لديهم ... على البدء كراتٍ بحسن العواقب","vol":"1","page":287},{"text":"وقال بعضهم، وقد زاره إخوان له:\nأهلًا وسهلًا بسادات لنا نجب ... كالذبل السمر أو كالأنجم الشهب!\nأجملتم وتفضلتم بزورتكم ... وليس ينكر فضل من ذوي حسب\nأضاء منزلنا من نور أوجهكم ... وطاب من عيشا ما كان لم يطب\nوقال أبن الرومي:\nأرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب؟\nهناك يحق الصبر والصبر واجب ... وما كان منه كالضرورة أوجب\nهو المهرب المنجى لمن أحدقت له ... مكاره دهر ليس عنهن مهرب\nوقال القاضي الفاضل في معناه:\nلا تلن للخطوب الحديد ما كان إلاّ ... حين أبدى لينا لحر اللهيب\nإنَّ ضرب الحديد ما كان إلاّ ... حين أبدى لينا لحر اللهيب\nوتقدم ما في هذا المنزع وهو كثير.\nوقال بعض الأعراب:\nلا يقنع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحان ولا الجلباب\nمن دون أن تلتقي الأركاب ... ويقعد الأير لعاب\nالأركاب جمع ركب بفتحتين، وهو ظاهر الفرج أو العانة أو منبتها؛ ويقعد معناها هنا يصير، أي يصير الأير وهو الذكر ذا لعاب.\nوقال الآخر:\nعجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب\nوأعجب من هذين من باع دينه ... بدنياه سواه فهو من ذين أخيب\nوقال الحماسي:\nوإنَّ أتوك فقالوا إنّها نصف ... فإنَ أطيب نصفيها الذي ذهبا\nوينشد هذا الشعر على ضر آخر وهو:\nلا تنكحن عجوزا أو مطلقة ... ولا يسوقنها في حبلك القدر\nوإنَّ أتوك وقالوا إنّها نصف ... فإنَ أطيب نصفيها الذي غبرا\nوفيه عيب القافية. والنصف من النساء بفتحتين: المتوسطة. وقوله أخلع","vol":"1","page":288},{"text":"ثيابك يحتمل أنَّ يريد به: انزع محبتك منها وتسل عنها ولا تلتفت إليها والثياب تطلق على لقلوب، فتطلق على المحبة باعتبار إنّها فيها. ومن الأول قول عنترة:\nفشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم\nأي شققت قلبه. ويصحان معا وفي قول امرئ القيس:\nوإنَّ كنت قد ساءتك مني خليفة ... فسلي ثيابك من ثيابك تنسل\nأي سلي قلبي من قلبك، أو محبتي من قلبك. وقيل في قوله تعالى:) وثيابك فطهر (، أي قلبك، ويكنى بالثياب عن الأعمال أيضًا. ورد إنَّ الميت يبعث في أثوابه أي أعماله.\nفائدة: ذكر أبو العباس أحمد بن عطاء الله أنَّ الشيخ أبا الحسن الشاذلي ﵄ بات ليلة، وضنها ليلة سبع وعشرين، بالمسجد الجامع وافتتح الصلاة، فجعل الأولياء يتساقطون عليه من كل ناحية، فلما اصبح قال: ما كانت البارحة إلاّ ليلة مباركة! سمعت النبي ﷺ يقول: يا علي طهر ثيابك من الدنس، تحظ بمدد الله تعالى في كل نفس في كل نفس! فقلت يا رسول الله، ما ثيابي؟ قال: كذا، وفسرها له بأخلاق قلبه ومقاماته؛ ونسيت اللفظ لطول العهد به. قال أبو الحسن: فعرفت حينئذ معنى قوله تعالى) وثيابك فطهر (.\nوقال الآخر:\nفإنَ تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب\nوهذا البيت من قصيدة، أضطرب في القائها، رثي بها رجل يقال له أبو المغوار، ورأيت أن أثبتها هنا مع طولها، لحسنها واشتمالها على الأمثال وهي:\nتقول سليمى: ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب؟\nفقلت، ولم يعي الجواب لقولها ... للدهر في صمم الإسلام نصيب:\nتتابع أحداث تخر من اخوتي ... وشيبن رأسي والخطوب تشيب\nلعمري لئن كانت أصابت منية ... أخي والمنايا للرجال شعوب\nلقد عمجت منا الحوادث ماجدًا ... عروفا لريب الدهر حين يريب","vol":"1","page":289},{"text":"وقد كان أما حلمه فمروح ... علينا وأما جهله فعيزب\nفتى الحرب إنَّ حاربت كأنَّ سهامها ... وفي السلم مفضال الدين وهوب\nهوت أمه ماذا تضمن قبره ... من الجود والمعروف حين يؤوب؟\nجموع خلا الخير من كل جانب ... إذا جاء جياء بهن ذهوب\nمفيد مفيت الفائدات معود ... لفعل الندى والمكرمات كسيب\nفتى لا يبالي إنَّ يكون بجسمه ... إذا نال خلات الكرام شحوب\nغنينا بخير حقبة ثم جلحت ... علينا التي كل الأنام تصيب\nفأبقت قليلًا ذاهبا وتجهزت ... لأخر والراجي الخلود كذوب\nواعلم أنَّ الباقي الحي منهما ... إلى أجل أقصى مداه قريب\nفلو كان حي يفتدى لفديته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب\nبعيني أو يمنى يدي وإنني ... ببذل فداه جاهدا لمصيب\nفإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب\nأخي كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدهر حين تنوب\nعظيم رماد النار رحب فناؤه ... إلى سند لم يحتجنه غبوب\nقريب ثراه ما ينال عدوه ... له نبطا أبي الهوان قطوب\nلقد افسد الموت الحياة أتى ... على يومه علق إلي حبيب\nحليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب\nإذا ما تراه أه الرجال تحفظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب\nأخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب\nعلى خير ما كان الرجال نباته ... وما الحظ إلاّ طعمة ونصيب\nويروى:\nعلى خير ما كان الرجال خلاله ... وما الخير إلاّ قسمة ونصيب\nحليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... ويدعوه الندى فيجيب\nهو العسل الماذي لينا وشيمة ... وليث إذا يلقى العدو غضوب","vol":"1","page":290},{"text":"حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت ... حبى الشيب للنفس اللجوج غلوب\nهوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يرد الليل حين يؤوب؟\nكعالية الرمح الرديني لم يكن ... إذا ابتدر الخير الرجال يخيب\nأخو شتوات يعلم الحي إنّه ... سيكثر ما في قدره ويطيب\nليبكك عار لم يجد من يعينه ... وطاوي الحشى نائي المزار غريب\nتروح تزهاه صبى مستطيفة ... بكل ذرى والمستزاد جذيب\nكأن أبا المغمور لم يوف مرقبا ... إذا ربا القوم الغزاة رقيب\nولم يدع الفتيان كرامة لميسر ... إذا هب من ريح الشتاء هبوب\nإذا حل لم تقصر مقامة بيته ... ولكنه الأدنى بحيث يجيب\nحبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيى شب وهو أديب\nيبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب\nكأن بيوت الحي ما لم يكن بها ... بسابس لا يفنى بهن غريب\nإذا شهيد الايسار أو غاب بعضهم ... كفى ذاك وضاح الجبين نجيب\nويروى:\nوإن شهدوا أو غاب بعض حماتهم ... كفى ذاك وضاح الجبين أريب\nوداع دعا: يا من يجيب إلى الندى؟ ... فلم يستجيه عند ذاك مجيب\nفقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب!\nويروى:\nيجبك كما قد كان يفعل إنّه ... نجيب لابواب العلاء طلوب\nفاني لباكيه وإني لصادق ... عليه وبعض القائلين كذوب\nفتى اريحي كان يهتز للندى ... كما اهتز ماضي الشفرتين قضيب\nوخبرتماني إنّما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا روضة وكثيب؟\nوقال جميل بن معمر بن عبد الله العذاري:\nوقالوا: يا جميل أتى أخوها ... فقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب","vol":"1","page":291},{"text":"احبك إنَّ نزلت جبال حسمى ... وإنَّ ناسبت بثنة من قريب\nوكانت حفصة بنت عمران مات عنها زوجها فخاطبها عبد الله بن الحسين بن حسن بن علي وإبراهيم بن هشام. فكان أخوها محمد بن عمران إذا دخل على إبراهيم أنشدت إبراهيم متمثلا: وقالوا: يا جميل أتى أخوها البيت وقال أبو محمد الحريري ﵀:\nوقع الشوائب شيب ... والدهر بالناس قلب\nإنَّ دان يوما لشخص ... ففي غد يتقلب\nفلا تثق بوميض ... من برقه فهو خلب\nوإذا هو أضرى ... بك الخطوب وألب\nفما على التبر عار ... في النار حين يقلب\nوقال أيضًا:\nلجوب البلاد مع المتربة ... احب ألي من المرتبة\nلأن الولاة لهم نبوة ... ومعتبة يا لها معتبة\nوما فيهم من يرب الصنيع ... ولا من يشيد ما رببه\nفلا يخدعنك لموع السراب ... ولا تأت أمرا إذا ما اشتبه\nفكم حالم سره حلمه ... وأدركه الروع لمّا انتبه\nوقال أيضًا:\nفاليوم من يعلق الرجاء به ... اكسد شيء في سوقه الأدب\nلا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم آل ولا نسب\nكأنهم في عراصهم جيف ... يبعد من نتنا ويجتنب\nوهذا منزع سيأتي ذكر ما فيه إن شاء الله تعالى. وقال أيضًا:\nسل الزمان علي عضبه ... ليروعني وأحد غربه\nواستل من جفني كراه ... مراغما وأساله غربه\nوأجالني في الأفق اطوي ... شرقه وأجوب غربه","vol":"1","page":292},{"text":"فبكل جو طلعه ... في كل يوم لي وغربه\nوكذا المغرب شخصه ... متغرب ومواه غربه\nالغرب الأول حدّثني السيف والغرب الثاني مجرى الدمع والثالث ضد الشرق والرابع فعلة من الغروب يقال: غرب غربة وطلع طلعة والخامس البعد يقال: نوى غربة أي بعيده.\nقال طرفة:\nأخبرك إنَّ الحي فرق بينهم ... نوى غربة ضرابة لي كذلك\nوفسرت هنا أيضًا بالحدة وهي من معانيها وغربة النوى بعدها.\nوقال أيضًا:\nلا تيأسن عند النوب ... من فرجة تجلو الكرب\nفلكم سموم هب ثم ... جرى نسيما وانقلب\nوسحاب مكروه تنشى ... فاضمحل وما سكب\nودخان خطب خيف منه ... فما استبان له لهب\nولطالما طلع الأسى ... وعلى تفيئته غرب\nفاصبر إذا ما ناب رو ... على فالزمان أبو العجب\nوترج من زوح الإله ... لطائف لا تحتسب\nوقال أيضًا:\nلعمرك ما تغني المغاني ولا الغنا ... إذا سكن المرء الثرى وثوى به\nفجد في مراضيه الله بالمال راضيا ... بما تقتني من اجره وثوابه\nوبادر به صرف الزمان فانه ... بمخلبه الاشقى يصول ونابه\nولا تأمن الدهر الخؤون ومكره ... فكم خامل أخفى عليه ونابه\nوعاص هوى النفس الذي ما أطاعه ... أخو ضلة إلاّ هوى من عاقبه\nولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يضاهي الوبل حال مصابه\nومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومعظم صابه","vol":"1","page":293},{"text":"وإنَّ قصارى مسكن الحي حفرة ... سينزلها مستنزلا عن قبابه\nفواها لعبد ساءه سوء فعله ... وأبدى التلافي قبل إغلاق بابه\nوقال أيضًا:\nاصرف بصرف الراح عنك الأسى ... وروح القلب ولاتكتئب\nوقل لمن لامك فيما به ... تدفع عنك الهم: قدك اتئب!\nوهذا مما يتمثل به أهل المجون لكنه بصدد أن يستعمل في الجد وخمر المحبة والعرفتن والأنس الرحماني، يعرف ذلك ذوو البصائر. وقال أيضًا:\nفإنَ فطنتم للحن القول بان لكم ... صديقي ودلكم طلعي على رطبي\nوإن شهدتم فإنَ العار فيه على ... من لا يميز بين العود والخشب\nوقال الآخر:\nومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ\nومن يتتبع حاهدًا كل عثرةٍ ... يجدها ولا يبقى له الدهر صاحبُ\nوتقدم هذا المعنى وما فيه.\nويحكى أنَّ يزيد بن عبد الملك بلغه أيام خلافته أنَّ أخاه هشامًا ينتقصه. فكتب إليه معاتبا له: مثلي ومثلك كما قال الأول:\nتمنى رجالٌ أن أموت فإن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحدِ\nلعل الذي يبغي ردائي ويرتجي ... به قبل موتي أن يكون هو الردي\nفكتب إليه هشام إنّما مثلي ومثلك كما قال الأول:\nومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب\nفكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون لك ما كان منك، حفظا لوصية أبينا فينا، وحضه إيانا على إصلاح ذات البين، وأنا أعلم كما قال معن بن أوس:\nلعمرك ما أدري لأوجل ... على أينا تعدو المنية أولُ\nوإني على أشياء منك تريبني ... قديما لذو صفحٍ على ذاك مجماُ","vol":"1","page":294},{"text":"ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تبدلُ!\nإذا سؤتني يوما رجعت إلى غدٍ ... ليعقب يومًا منك آخر مقبلُ\nويركب حدّثني السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحلُ\nوفي الناس إن رثت حبالك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى متحولُ\nإذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجهٍ آخر الدهر تقبلُ\nفلما جاء الكتاب هشاما رحل إليه فلم يزل في جواره حتى مات خوفا من شر الوشاة.\nوقال المولى أبو حمو موسى بن يوسف الملك الزياني:\nالحب اضعف جسمي فوق ما وجبا ... والشوق رد خيالي بالسقام هبا\nوالبين أشعل نار الوجد في كبدي ... والدمع يضرمها في القلب واعجبا!\nوماءٌ ونارٌ وأكبادي لها حطبٌ ... لكن عذابي به للحب قد عذبا\nما كنت أدريهما حتى صحبتهما ... كرهًا وقد يكره الإنسان من صحبا\nوقال الآخر:\nكل يومٍ قطيعةٌ وعتابٌ ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب\nليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحبابُ؟\nوتقدم هذا الشعر إلاّ أنَّ له حكاية تذكر.\nقال الجاحظ: بعث إلي المتوكل لتأديب ولده. فلما رآني استبشع منظري وأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. فلما خرجت من عنده لقيت محمد بن إبراهيم يريد الانحدار في سفينة إلى مدينة السلام، فركبت معه. فأمر يوما بنصب أستاره وأمر عوادة عنده أن تغني، فأخذت العود وغنت: كل يوم قطيعة وعتاب البيتين ثم سكتت. فأمر طنبورية كانت عنده أن تغني فأخذت الطنبور وغنت:\nوارحمة للعاشقين ... ما أرى لهم معينا!\nكم يظلمون ويهجرو ... ن ويقطعون فيصبرون!\nفقالت العوادة: وماذا يصنعون؟ فقالت: يصنعون هكذا! فهتكت الستارة ورمت بنفسها في الماء. وكان على رأس محمد غلام مثلها في الجمال، بيده مدية. فلما رأى ما","vol":"1","page":295},{"text":"صنعت ألقى المدية وجاء إلى الموضع الذي رمت بنفسها منه فقال:\nأنت الذي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمين\nلا خير بعدك في البقا ... والموت زين العاشقين\nثم رمى بنفسه في أثرها وعانقها في الماء، فكان آخر العهد بهما. فعظم الأمر على محمد والتفت إلي وقال: يا عمرو، حدثني بحديث تسليني به عن هذين، وإلاّ لحقت بهما! فقالت: جلس سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم فعرضت عليه بطاقة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج ألي جاريته فلانه حتى تغني لي ثلاثة أصوات فعل. فاغتاظ وأمر بإحضاره. فلما حضر قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك. فسري عنه وأمره بالجلوس وأمر الناس بالانصراف. ثم أمر بإخراج الجارية فجاءت بعودها وجلست. فقال لها الفتى: غني لي:\nتعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهدِ\nوزاد كما زدنا وأصبح ناميا ... وليس وإن متنا بمنتقض العهدِ\nولكنه باقٍ على حاله كذا ... وزائد ما في ظلمة القبر واللحدِ\nفلما غنته طرب طربا شديدا وقال: فداؤك أبي وأمي! قال: غني لي:\nإذا قلت: مابي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابتٌ ويزيدُ\nوإن قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيدُ\nيموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها ويعودُ\nفلما غنت طرب طربا أعظم من الأول وقال: فدتك نفسي! ثم قال: غني لي:\nمني الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرق بيننا الدهرُ\nوالله لا أنساكم أبدًا ... ما لاح نجم أو بدا بدرُ\nفما أتمتها حتى زج بنفسه في الهواء ثم انعكس على دماغه وسقط بالأرض فإذا هو ميت. فقال سليمان: عجل على نفسه. والله ما أخرتها إلاّ على ملكه! يا غلام خذ بيدها وانطلق بها فإن كان له أهل وإلاّ بيعت وتصدق بثمنها عليه. فانطلق بها، فلما توسطت الدار رأت حفرة أعدت لماء المطر فقالت:","vol":"1","page":296},{"text":"من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت!\nثم جذبت بيدها من يد الغلام، وألقت بنفسها في الحفرة على دماغها فماتت. قال: فسيري عن محمّد ووصلني وكساني. قال ثم حدثت بهذا الحديث محمّد بن جعفر الأخباري فقال: كان محمّد بن حميد الطوسي يوما مع ندمائه، فغنت جارية له:\nيا قمر القصر متى تطلع؟ ... أشقى وغيري بك يستمتع\nإنَّ كان ربي قد قضى ما أرى ... منك على رأسي فما أصنع؟\nوكان على رأس محمّد بن حميد غلام بيده قدح يسقيه به. فرما بالقدح من يده وقال: تصنعين هكذا! ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة. فلما رأت ذلك الجارية قامت ورمت بنفسها على أثره، فكان آخر العهد بهما. وقال آخر من الطفيليين:\nكل يوم أدور في عرصة الدار ... أشم القتار شم الذباب\nفإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب\nلم أعرج دون التقحم لا أرهب ... شتما ولكزة البواب\nمستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هياب\nذاك أهنا من التكلف والعز ... م وشتم البقال والقصاب\nوكان هذا الطفيلي أتى وليمة فأقتحم الدار وأخذ مجلسه من الناس فأنكره صاحب المنزل وقال له: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنّما واطراحها صلة. وجاء في الأثر: صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك! ثم إني أجمع فيها خلالا: أدخل مجالسا، وآكل موانسا، وأبسط رب دار وإنَّ كان عابسا وانشد ما تقدم.\nوقال الآخر:\nكنا نعاتبكم ليالي ... عودكم حلو المذاق وفيكم مستعتب","vol":"1","page":297},{"text":"فالآن حين بدا التنكر منكم ... ذهب العتاب وليس عنكم مذهب\nيحكى أنَّ قينة أجتمع عند أربعة من عشاقها، وكل يخفي أمره عن الآخرين. وكان أحدهم غائبا فقدم، والثاني عزم على السفر، والثالث قد انقضت أيامه، والرابع كما ابتدأ.\nفضحكت إلى الأول، وبكت إلى الثاني، وأبعدت الثالث، وأطمعت الرابع. وانشدها كل منهم ما يشاكل حاله، وأجابته بمثل ذلك. فقال لها القادم: جعلت فداك أتستحسنين:\nومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... وقول لعل أو عسى ويكون\nوما اخترت نأي الدار عنك لسلوة ... ولكن مقادير لهن شجون\nفقالت: نعم! وأنا أحذق بقول مطارحه، ثم غنت:\nوما زلت مذ شطت بك الدار باكيا ... أو مل منك العطف حين تؤوب؟\nفأضعف ما بي حين أبت وزدتني ... عذابا وإعراضا وأنت قريب\nوقال الذي عزم على السفر: جعلت فداك! أتحسنين:\nأزف الفراق فأعلني جزعا ... ودع العتاب فإنما سفر\nإنَّ المحب يصد مقتربا ... فإذا تباعد شفه الذكر\nفقالت: نعم! وأحسن من شكله. ثم غنت:\nلأقيمن مأتما عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النحيب\nربما أوجع النوى للقلوب ... ثم لا سيما فراق الحبيب\nوقال الذي انقضت أيامه: جعلت فداك! أتحسنين: كنا نعاتبكم ليالي عودكم البيتين السابقين. فقالت: ولكن أحسن في معناه، ثم غنت:\nوصلتك لمّا كان ودك خالصا ... وأعرضت لمّا صرت نهبا مقسما\nولن يلبث الحوض الجديد بناؤه ... على كثرة الوراد أنَّ يتهدما\nوقال الذي أقبلت أيامه جعلت فداك! أتحسنين:\nإني لأعظم أنَّ أبوح بحاجتي ... فإذا قرأت صحيفتي فتفهمي\nوعليك عهد الله إنَّ أثبته ... أحدا وإنَّ آذنته بتكلم","vol":"1","page":298},{"text":"فقالت: نعم! واحسن في معناه. ثم غنت:\nلعمرك ما استودعت سري وسرها ... سوانا حذار أنَّ تذاع السرائر!\nأكاتم ما بالقلب بقيى على الهوى ... مخالفة أنَّ يغرى بذلك ذاكر\nفانصرفوا، وكل قد لوح بحاجته، واخذ جوابه.\nوقالت امرأة كان زوجها غائبا عنها فذكرته:\nتطاول هذا الليل وأسود جانبه ... وأرقني ألا خليل ألاعبه\nفو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه\nوبت إلا هي غير بدع منعما ... لطيف الخشا لا يحتويه مصاحبه\nيلاعبني فوق الحشايا وتارة ... يعاتبني في حبه وأعاتبه\nولكنني أخشى رقيبا موكلا ... بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه\nمخافة ربي والحياء يصونني ... وحفظا لبعلي أنَّ تنال مراكبه\nويروى أنَّ أمير المؤمنين عمر ﵁ خرج ليلا فسمع هذا المرأة تنشد، فلما فرغت من الشعر المذكور، تنفست الصعداء وقالت لهان على أبن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني. فتأوه عمر لذلك ووجه في إقبال زوجها، وسأل النساء كم تصبر المرأة عن الزوج، فقلن أربعة اشهر، فجعل ذلك غاية الغيبة في المغازي كما في الايلاء وقيل ستة اشهر. وفي الشعر المذكور اختلافات كثيرة.\nوقال الآخر:\nرب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب\nوحديث ألذ من نظر الوا ... مق بدلته بسوء العتاب\nيحكى عن خالد الكاتب قال: دخلت دير فإذا أنا بشاب جميل موثق، فسلمت عليه فرد علي وقال: ومن أنت: فقلت خالد بن يزيد. وقال: صاحب الشعر الرقيق؟ فقلت: نعم! قال: إنَّ رأيت أنَّ تفرج عني بعض ما أنا فيه بإنشاد شيء من شعرك ففعل! فأنشده:","vol":"1","page":299},{"text":"ترشفتُ من شفتيها عقارًا ... وقبلت من خدها جلنارا\nوعانتفت منها كثيبًا مهيلًا ... وغصنًا رطيبًا وبدرًا أنارا\nوأبصرت من نورها في الظلا ... م ثال بكل مكان بليلٍ نهارا\nفقال: أحسنت لا فضض الله فاك! ثم قال: أجزاي هذين البيتين وأنشد: ربَّ ليلٍ أمد من نفس العاشق البيتين. قال خالد: فو الله لقد أعملت فكري وحاولت في الزيادة عليها فلم أقدر! وقال أبن بسام الورد:\nأما ترى الورد يدعو للورود على ... حمراء صافيةٍ في لونها صهبُ؟\nمداهنٌ من يواقيت مركبةٍ ... على الزبرجد في أجوفها ذهبُ\nخاف الملالة إذ طالت إقامته ... فصار يظهر حينًا ثم يحتجبُ\nوسيأتي ذكر ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.\nوقال الآخر:\nإذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه\nأي إذا لم يكن صاحب هبة وعطية فدولته ذاهبة لا بقاء لها.\nوقال التنسي:\nغن أهل العلم قوم سادة ... ما على نور سناهم من حجاب\nمن عدًا يجحد جهلا حقهم ... حاق في الأخرى به سوء العذاب\nوقال أيضًا:\nمن يكن بأبيه والأم برًا ... فهو من ربه بوصف اقترابِ\nوقال إبراهيم بن حسان:\nيشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه\nوقال الآخر:\nألم تر أنَّ العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التحاربِ\nوقال الآخر:","vol":"1","page":300},{"text":"وما سمى الإنسان إلاّ لأنسه ... ولا القلب إلاّ أنه يتقلبُ\nوقال الآخر:\nعليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولا ولا صعبا!\nوسيأتي هذا المعنى.\nوقال أبن المعتز:\nلحومهم لحمي وهم يأكلونه ... وما داهيات المرء إلاّ أقاربه\nومن كلام الكندي في هذا: الأب رب، والجد كد والولد كمد والأخ فخ والعم غم والخال وبال والأقارب عقارب وإنّما المرء بصديقه. ولبعضهم فيه:\nأقاربك العقارب في أذاها ... فلا تركن إلى عم وخال\nفكم عم أتاك الغم منه ... وكم خالٍ من الخيرات خالِ\nوقال أبن الرومي:\nعدوك من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرن من الصحاب!\nفإنَ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب\nوهذا منزع يتسع فيه القول أستوفي في غير هذا الموضع.\nوقال الآخر:\nومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعد معليبه\nوقال أبن الرومي:\nومن قلة الإنصاف أنك تبتغي ... مهذب أخلاقٍ ولست مهذبا\nوقال إبراهيم بن هرمة:\nفإنك وأطرا حك وصل سلمى ... لأخرى في مودتها نكوبُ\nكثاقبةٍ لحلي مستعارٍ ... لأذنيها فشانها الثقوبُ\nفأدت حلي جارتها إليها ... وقد بقيت بأذنيها ندوبُ\nوحاصل هذا الشعر وفحواه أنه لا ينبغي لك أن تطرح صاحبك إلى صاحب آخر وأنت تجد فيه إلاّ مثل ما في الأول أو شرًا منه. فعليك بالصفح والغفران والاستبقاء على","vol":"1","page":301},{"text":"الخلان.\nوقال صالح بن عبد القدوس:\nإذا وترت امرؤا فأحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا\nإنَّ العدو وإنَّ أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا\nوتقدم هذا في الباب الأول. وقال الآخر::\nقد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع بعد الكبر الأدب\nإنَّ الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب\nوقال الآخر:\nفما خلق الله مثل العقول ... ولا اكتسب المرء مثل الأدب\nوما كرم النفس إلاّ التقى ... ولا حسب المرء إلاّ النسب\nوفي العلم زين لأهل الحجى ... وآفة ذي الحلم طيش الغضب\nوقال كشاجم:\nلم أرض عن نفسي مخافة سخطها ... ورضى الفتى عن نفسه إغضابها\nولو إنني عنها رضيت لقصرت ... عما تزيد بمثله آدابها\nوتبينت آثار ذاك فأكثرت ... عذلي عليه وطال فيه عتابها\nوقال الآخر:\nاحب مكارم الأخلاق جهدي ... واكره إنَّ أعيب وإنَّ اعابا\nواصفح عن يباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا\nومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا\nوقال الآخر:\nفيا رب السنة كالسيوف ... تقطع أعناق أربابها!\nوقال عبد الله بن سليمان بن وهب:\nنوائب الدهر أدبتني ... وإنّما يوعظ الأديب\nفذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب","vol":"1","page":302},{"text":"لم يمض بؤس ولا نعيم ... إلاّ ولي منهما نصيب\nكذاك من صاحب الليالي ... تعروه في أمرها الخطوب\nوقال أبو الأسود:\nوما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب\nوقال الفضل بن العباس بن عتبة:\nوقد ترفع الأيام من كان جاهلًا ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب\nويحمد في الأمر الفتى وهو مخطئٌ ... ويذل في الإحسان وهو مصيب\nوقال النمر بني تولب:\nولا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فأغضب\nوقال النابغة:\nفإنَ يك عامر قد قال جاهلًا ... فإنَ مظنة الجاهل الشباب\nوقال عبيد بن الأبرص:\nوكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب\nوقال الآخر:\nلمعرك ما ود اللسان بنافعٍ ... إذا لم يكن أصل المودة في القلب\nوقال الآخر:\nوما الدهر والأيام إلاّ كما ترى: ... رزية مال أو فراق حبيب\nوقال الآخر:\nولا أتمنى الشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب\nوقال الكميت:\nإذا لم يكن إلاّ الأسنة مركب ... فلا رأي للمضطر إلاّ ركوبها\nوقال أيضًا:\nأيا موقد نارًا لغيرك ضوءها ... وياحاطبا في حبل غيرك تحطب!\nوقال أبن المعتز:","vol":"1","page":303},{"text":"وإنَّ فرصة أمكنت من العدى ... فلا تبد فعلك إلاّ بها\nوقال محمود:\nكم من حريص على شيء ليدركه ... وإنَّ إدراكه يدني إلى عطبه\nوقال السري الموصلي:\nإذا الحمل الثقيل توزعته ... اكف القوم خف على الرقاب\nوقال أعرابي يهجو بنيه:\nإنَّ بني كلهم كالكلب ... إبرهم أولاهم بنسب\nلم يغني عنهم أدبي وضربي ... ولا أتساعي لهم وحربي\nفليتني بت بغير عقب ... أو ليتني كنت عقيم الصلب\nوقال النابغة يمدح غسان:\nولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\nويروى إنَّ عروة بن الزبير ﵄ قال لعبد الملك بن مروان: أريد إنَّ تعطيني سيف أخي عبد الله بن الزبير. فقال له: هو بين السيوف ولا أميزه. فقال: إذا أحضرت ميزته أنا. فأمر عبد الملك بن مروان بإحضاره. فلما أحضره اخذ عروة سيفا مفلول الحد وقال: هذا سيف أخي. فقال عبد الملك: أكنت عرفته قبل اليوم؟ قال: لا قال: فكيف عرفته؟ قال: عرفته بقول النابغة:\nولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\nوقال بعض المتأخرين قبل عصرنا بقريب:\nوهبني جهلت النحو يزري بقسطه ... ففيم ارزق في المعاني الغرائب؟\nوكان هذا القائل مزجى البضاعة في النحو وله قريحة لا بأس بها. يحكى إنّه مدح بعض ملوك مراكش بقصيدة فكأنه رأى غضاضة من قبل الأعراب فقال ذلك. وهذا البيت مما يتعلق به في وقتنا البطالون عند الاعتذار عن التقصير في درك الأشياء. وكان هذا الرجل شبيها بالمعمار في زمنه وكان المعمار أحد الأدباء له شعر رائق ذكر كثير منه أبو بكر بن حجة الحموي في كتابه تقديم أبي بكر غير إنّه يقع في شعره أمور لا تساعدها العربية.","vol":"1","page":304},{"text":"وقال سحيم الفقعسي:\nوأكتم الأسرار لكن ابنها ... ولا ادع الأسرار تلغي على قلد\nوإنَّ قليل العقل من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جانبا إلى جند\nوهذه سخافة وسقاطة. ولولا أنَّ الكتاب بصدد أنَّ يذكر فيه ما يتمثل به إنَّ كان ما عجز على مثل هذا الكلام، لمنافاته الخلق الجميل. وقلت أنا معارضا له على هذا الأسلوب:\nلعمرك ما من بث سرا بذي لب ... ولا حاشاه منه أمسى على كرب\nولكن أخو الحلم الذي ما أذعته ... تنساه حتى ليس يهجس بالقلب\nوفي الخبر: من أسر إلى أخيه سرًا لم يحل له أنَّ يشفيه. وقال عمر ﵁: من كتم سره كان خياره بيده.\nوقال أكثم بن صيفي: سرك من دمك، فأنظر أين تريقه! وقال بعضهم:\nولو قدرت على نسيان مثال أشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر\nلكنت أوّل من ينسى سرائره ... إذ كنت من نثرها يوما على خطر\nويقال: من ضاق صدره، اتسع لسانه. وسيأتي ما قيل في كتمان السر مستوفي.\nوقال آخر في طبيب:\nلأبي العيص ألف قتيل ... كان يوم وليس ذا بعجيب\nأيّها الناس إنَّ ذا لغريبٌ ... ملك الموت في ثياب طبيب\nوقال آخر:\nعد عني لست من أربي ... كان هذا حين كنت صبي\nوجنة كانت أبا لهب ... فغدت حمالة الحطب\nوقال أبن المعتز:\nشهر الصيام مبارك ... لو لم يكن في شهر آب","vol":"1","page":305},{"text":"خفت العذاب فصمته ... فوقعت في عين العذاب\nوقلت أنا معارضا على هذا الأسلوب:\nشهر الصيام مارك ... ولا سيما في شهر آب\nإنَّ الصدى في حره ... يشفي صدى يوم الحساب\nوينيل ورد السلسبيل ... ورشف معسول الرضاب\nوقال أبو الغريب:\nسقيا لعهد خليل كان يأدم لي ... زادي ويذهب عن زوجاتي الغضب\nكان الخليل فأضحى قد تخونه ... مر الزمان وتطيعني به الثقب\nيا صاح بلغ ذوي لزوجات كلهم ... أنَّ ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب!\nكان أبو الغريب هذا شيخا، فتزوج ولو يولم. فاجتمع الفتيان ول خبائه، فصاحوا به: أولم ولو بيربوع، ولو بقدرٍ، مجدوع، قتلتنا من الجوع! فأولم. فلما عرس غدوا عليه فقالوا:\nيا ليت شعري عن أبي غريب ... إذ بات في مساحب وطيب\nمعانقا للرشا والربيب ... أأجمد المحفار في القليب\nأم كان رخوا يابس القضيب؟\nفصاح: يابس القضيب والله! ثم انشأ يقول: سقيا لعهد الخليل \" الأبيات \". يريد قضيبه.\nوقوله عرى الذنب يريد عرى الذكر، وهو العصب.\nوقال الحماسي\nأنخ فاصطنع قرصا إذا اعتادك الهوى ... بزيت لكي يكفيك فقد الحبائب\nإذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... نسيت وصال الغنيات والكواعب\nفدع عنك أمر الحب لا تذكرنه ... وبادر إلى تمر معد ورائب\nوفي هذا الكلام خلل وتدافع يغتفر في جانب الهزل والتلميح.\nومن معنى هذا ما روي أنَّ حميد المهلبي، وكان من النعماء، جلس يوما إلى","vol":"1","page":306},{"text":"قينة كاز يهواها، فجعلت تحدثه. فلما طال المجلس وغلب عليه الجوع قال لها: مالي لا أسمع للغداء ذكرًا؟ فقالت له: أما تستحي؟ أليس في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال لها جعلت فداك! لو أنَّ جميلًا وبثينة جلسا ساعة يتحدثان ولم يأكلا فيها شيئًا لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا! ولعل هذا القد يكفي من الباب، فلنمسك العنان خشية الطول،) والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>باب التاء والمثناة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>تتابعي بقر</span>!\nيقال بعت الرجل بالكسر أتبعه إذا مشيت وراءه؛ وكذا أتبعته، وتتابعوا: اتبع بعضهم بعضا، والبقر معروف يطلق على الإنسية المعروفة وعلى الوحشية، كقول الشاعر يصف نساء:\nأشبهن من بقر الخلساء أعينها ... وهن أحسن من صيرانها صورا\nوهن أربع أصناف: المها والأيل واليحمور والتيثلز وأصل المثل أنَّ بشر بن الحارث الأسدي خرج في سنة جهد وجدب، فمروا ببقر فنفرت منهم، فقام على راس الجبل ورماها بقوسه، فجعلت تلقي نفسها وهو يقول: تتابع بقر!، حتى تكسرت ثم رجع إلى قومه فأعلمهم بها فأخذوها. يضرب عند تتابع الأمر وسرعته. وعلى هذا فبقر منادى، تتابعي يا بقر. وحذف منه حرف النداء وإنَّ كان اسم جنس، وهو جائز على قلة، كقوله: ثوبي حجر! وقال الشاعر:\nفقلت له: عطار هلا أتينا ... بريح الخزامى أو بخوضة عفرج؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>أتبع الفرس لجامها، والناقة زمامها، والدلو رشاءها</span>.\nويقال أيضًا: أتبع المهرة لجامها الخ. وتقول اتبعت زيدًا إذا سبقك فلحته، واتبعته كذا إذا جعلت ذلك تابعا له: والفرس معروف، يقع على الذكر والأنثى والمهر ولد الفرس، وقيل أوّل ما ينتج منه ومن غيره؛ والأنثى مهرة. قال عنترة:\nلمّا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب!\nوقال حميدة بنت النعمان بن بشير:\nوما أنا إلاّ مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل","vol":"1","page":309},{"text":"والناقة معروفة، جمعها ناق ونوق وانوق ويهمز واونق واينق على القلب وانواق والزمام بكسر الزاي: ما يشد به جمعه أزمة والدلو معروف مؤنث وقد يذكر جمعه أدل ودلاء ودلي والرشاء بكسر الراء والمد: الحبل وهمزته مقلوبة عن واو جمعه ارشية وقال زهير:\nفشج به الأماعز وهي تهوي ... هوي الدلو أسلمها الرشاء\nأي شج هذا الحمار المذكور يعني علا بها أي بالأتان الاماعز وهي الأمكنة الغليظة وهي تهوي أي تسرع إسراع الدلو أسلمها الرشاء أي انقطع عنها حبلها فهوت إلى قعر البئر ولا أسرع منها حينئذ ومعنى جملة المثل ظاهر وهي عند التفصيل ثلاثة أمثال ومقصدها واحد تضرب عند الأمر باستكمال المعروف وإتمام الصنع. وسببه إنَّ ضرار بن عمرو أغار على حي عمرو بن ثعلبة وعمرو غير حاضر. فلما حضر تبعه فلحقه قبل أن يصل إلى أرضه فقال له: \" رد علي أهلي ومالي! \" فردهما عليه فقال له: \" رد علي قياني! \" فرد عليه القينة الرابعة وحبس ابنتها سلمى. فقال له حينئذ: \" يا أبا قبيضة اتبع الفرس! \" الخ. وفي معنى الجملة الأخيرة قول الحماسي قيس بن الخطيم:\nإذا ما شربت أربعا خط مأرزي ... واتبعت دلوي في السماح رشاءها\nيقول إذا شربت من الراح أربعا: يعني أربع اكؤس خط مأرزي أي جررت ردائي خيلاء واتبعت دلوي في السماح رشاءها أي تخلقت بالسماحة والفضل فأعطيت البذل وأوسعت الطول. وهم يفتخرون بالسماح حال السكر لأن ذلك من مكارم الأخلاق التي يحركها الثمل والنشوة كما قال طرفة:\nلا تعز الخمر إن طافوا بها ... بسباء الشول والكوم البكر\nفإذا ما شربوها وانتشروا ... وهبوا كل آمون وطمر\nثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر\nوالآمون كصبور التي يؤمن عثارها من النوق والطمر الوثاب من الخيل. يقول: إذا سكروا جادوا بالنجائب من الإبل والعتاق من الخيل. وقوله يلحفون الأرض هداب","vol":"1","page":310},{"text":"الأزر أي يجرون هداب الأزر على الأرض. هو كصدر بيت أبن الخطيم. وابلغ من هذا في الافتخار واشمل للوصف بالسماح حالتي السكر والصحو معا قول عنترة:\nفإذا انتشيت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم\nوإذا صحوت فما اقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي\nوكقول امرئ القيس يمدح أخاه سعد بن الضباب:\nوتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله من يزيد ومن حجر\nسماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر\nوهذا من الشعر الذي يوضع على كرائم الإحداق وترصع به نفائس الأطواق غير أن فيه ثلبا خفيفا هو توالي القبض! ومن ذا الذي يسلم من الاعتراض عند العرض؟ وقول طرفة \" لا تعز الخمر إن طافوا بها \" يريد: لا يعجزون عن شرائها لغلائها إنَّ جاءوا مريدين لها بل يبذلون فيها الشول والكوم البكر أي التي بكرت بالنتاج وهي احب أموالهم وهو كقول عنترة:\nبذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم\nوتقدم تفسيره. وهذا الوصف مدح عندهم لكن ما دام باقيا على سنن الاقتصاد والعدل وقد يمتدحون بإنفاق المال في النوائب واقتناء المحامد وترك أنفاقه في الشهوات كقول زهير في حصن بن حذيفة:\nأخ ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله\nومحتمل لأن يكون نفيا للوصف الخاص وهو الإتلاف في الخمر أو الفعل من اصله وهو الأنفاق فيها المؤدي إلى ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>اتبع من الظل</span>.\nالاتباع تقدم والظل معروف قيل وهو الفيء وقيل الظل بالغداة والفيء بالعشي وقد يستعمل في سواد الليل. قال ذو الرمة:","vol":"1","page":311},{"text":"قد اعرف النازح المجهول معسفه ... في ظل اخضر يدعو هامه البوم\nقال في الصحاح: وهو استعارة لأن الظل في الحقيق إنّما هو ضوء شعاع الشمس دون الشعاع. فإذا لم يكن ضوء فهو ظلمة وليس بظل. والمقصود من المثل إنَّ ظل الحيوان ونحوه تابع له أينما تحرك وملاصق له أينما تقلب لا يفارقه ولا يتلكأ عنه فضرب به المثل لذلك في كل تابع. ويسمى الظل تبعا على مثال سكر أما لهذا المعنى وأما لأنّه يتبع الشمس كما قيل. واحسن بعض الشعراء في ذكر الظل حيث قال:\nمثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك\nأنت لا تدركه متبعا ... فإذا ما ملت عنه اتبعك\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>اتجر من عقرب</span>.\nيقال: تجر في الشيء يتجر على مثال كتب يكتب فهو تاجر والتاجر من يبيع ويشتري في كل شيء وجمعه تجار وتجر. وقد يطلق على بائع الخمر خاصة وهو الكثير الاستعمال عند الأعراب في الجاهلية.\nقال امرؤ القيس:\nكأن التجار اصعد بسبيئه ... من الخص حتى أنزلوها على يسر\nوقال أيضًا:\nإذا ذقت فاها قالت طعم مدامة ... معتقة مما تجيء به التجر\nوالعقرب معروف يذكر ويؤنث وعقرب في المثل اسم رجل كان بالمدينة وكان من اكثر الناس تجارة وأشدهم مطلا وتسويقا حتى ضربوا بمطله النثل ويحكى إنّه اتفقت له معاملة مع الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وكان هو من اشد الناس اقضاء. فقال الناس: ننظر الآن ما يصنعان. فلما حل الأجل لزم الفضل باب عقرب وقيد حماره بالباب وقعد يقرأ القرآن. فأقام عقرب على المطل غير مكترث به. ثم إنَّ الفضل ترك ملازمة بابه واشتغ بهجائه. فمما اشتهر عنه فيه قوله:","vol":"1","page":312},{"text":"قد تجرت في سوقنا عقرب ... لا مرحبا بالعقرب التاجره\nكل عدو كيده في أسته ... فغير مخشي ولا ضائره\nكل عدو يتقلى مقبلا ... وعقرب يخشى من الدابره\nإن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضره\nوحكي إنَّ الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد كان في صباه هو وزوج أخته الشيخ تقي الدين بن الشيخ ضياء الدين يلعبان الشطرنج فأذن العشاء فقاما فصليا فقال الشيخ تقيي الدين: أما نعود؟ فقال صهره:\nإن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضرة\nفانف الشيخ من ذلك ولم يعد إلى إنَّ مات رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>تحفة المؤمن الموت</span>.\nوهو حديث والتحفة البر والصلة والبرة من الفاكهة ونحوها وتاؤه أصلية. يقال أتحفته. وحكى أبى أبن الأثير عن الأزهري إنَّ أصل التحفة وحفة فأبدلت الواو تاء. وعليه يكون موضعه الواو. والمعنى إنَّ المؤمن إنما ينجو من أذى الدنيا وأهوالها وأحزانها أدارها ويصل إلى ما اعد له عند الله من الخير وهيئ له من الكرامة بالموت. كما قيل:\nقد قلت إذا مدح الحياة وأسرفوا: ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف\nمنها أمان عذابه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>أتخم من الفصيل</span>.\nالتخمة بفتح الخاء كهمزة وتسكن في الشعر: داء يصيب من أكل الطعام معروف الجمع تخم وتخمات. يقال: تخم بفتح الخاء وكسرها وأتخم: أصابه ذلك وأتخمه الطعام. وهذا الطعام متخمة يتخم به. وأصل التخمة وخمة من قولك: وخم الطعام والنبات فهو وخيم إذا لم يوافق. وتوخمه واستوخمه إذا لم يستمره. وذكرناه في هذا الباب نظرا إلى ظاهر اللفظ: فإنَ الواو مستهلكة بالإبدال حتى وقع تصرف الفعل. والفصيل، بصاد مهملة: ولد الناقة إذا فصل عن","vol":"1","page":313},{"text":"أمه ويوصف بالتخمة. وقالوا لأنه يفرط في الرضاع أكثر مما يطيق.\nفائدة في ذكر أسنان الإبل. قال أهل اللغة: إذا وضعت الناقة، فقبل إنَّ يعلم أذكر ولدها أم أنثى، ولدها سليل، فإذا علم، فإن كان ذكرا فهو سقب، بفتح السين المهملة وسكون القاف، وأمه مسقب؛ وإنَّ كانت أنثى فهي حائل، وأمها أم حائل، كما قال الهذلي:\nفتلك التي لا يبرح القلب حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل\nومتى جاءت الناقة بذكر قيل أنَّ ذكرت، فهي مذكر؛ وإنَّ جاءت بأنثى قيل أنثت، فهي مؤنث. فإنَ كان من دأبها أن تلد الذكور قليل هي مذكار. قال النابغة على وجه التمثيل:\nلم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتق مذكار\nوإنَّ كان دأبها الإناث فهي مئناث؛ فإذا اشتد ولدها ومشى معها فهو راشح وهي مرشح؛ فإذا حمل في سنامه شحما فهو مجد ومكعد، ثم هو ربع، على وزن صرد. والذي يقوله الكثيرون إنَّ الربع ما نتج في أوّل الناتج كما إنَّ الهبع - بوزنه - ما نتج في أخره؛ ثم هو حوار، بضم الأول؛ فإذا فصل عن أمه، أي فطم عنها، فهو فصيل؛ فإذا أتى عليه حول فأبن مخاض، ولذلك قيل:\nوجدنا جعفر فضلت فقيما ... كفضل أبن المخاض على الفيصل\nوالأنثى بنت مخاض. وسمي أبن مخاض لأن أمه لحق بالمخاض من النوق، أي الحوامل وإنَّ لم تكن حاملا، فإذا استكملت السنة الثانية ودخل في الثالثة فصار لأمه لبن وكانت لبونا، فهو أبن اللبون، فإذا دخل في الرابعة فهو حق والأنثى حقة. وسمي بذلك لاستحقاقه أنَّ يحمل عليه ويركب؛ فإذا دخل في الخامس فهو جذع والأنثى جذعة؛ فإذا دخل في السادسة فهو ثني والأنثى ثنية؛ فإذا دخل في السابعة فهو رباع والأنثى رباعية؛ فإذا دخل الثامنة فهو سديس وسدس بفتح الدال للذكر والأنثى، وقد يقال الأنثى سديسة؛ فإذا دخل في التاسعة فهو بازل للذكر والأنثى؛ فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف. ولاسن بعد هذا، وإنما يقال بازل عام، وبازل عامين، ومخلف عام وعامين. وما ذكرنا في أوائل الأوصاف هو طريقة بعض","vol":"1","page":314},{"text":"اللغويين، وليس هذا محل بسط اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>تركت الرأي ببقة</span>.\nويروى: ببقة تركت الرأي. وهو مثل قاله قصير بن سعد لجذيمة لمّا صار في بلد الزباء. وتقدم هذا مستوفى. وفيه قال عدي بن الرقاع:\nدعا بالبقة الأمناء يوما ... جذيمة ينتحي عصبا ثمينا\nفطاوع نفسه وعصى قصيرًا ... وكان يقول: لو نفع اليقينا!\nوقال نهشل بن ضمرة:\nومولي عصاني واستبد بأمره ... كما لم يطع باليقين قصير\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>ترك الخداع من أجرى من المائة</span>.\nالترك معروف، والخداع: الختل والمكر، والخداع والمخادعة المخاتلة؛ والمائة حذف مميزة أي مائة غلوة، والغلوة بالفتح: ما بين موقف الرامي ومسقط سهمه. يقال: غلوت بالسهم غلوا وغلوا، وغاليته، وغاليت به: رفعت به إلى أقصى الغاية. وكل مرماة فهي غلوة وكان أصل المثل إنَّ الرهان، لمّا وقع بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر الفزاري أو أخيه حمل بن بدر، قال حذيفة: خدعتك يا قيس، ترك الخداع من أجرى من المائة! يريد أن أجرى فرسه وأرسله من مائة غلوة، فقد كشف أمره ولم يبق خداع. وقيل إنَّ أحد المتخاطرين في الرهان المذكور قال لصاحبه: الغاية على حكمي. فقال: الغاية مائة غلوة. قال: أتخدعني؟ فقال: ترك الخداع من أجرى من المائة. يضرب للرجل الذي قد حنكه السن مع العقل والحزم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>تركت فلانا بملاحس البقر أولادها</span>.\nويقال: تركته بملحس البقر. والملاحس جمع ملحس، وهو مفعل من اللحس. يقال: لحس القضعة ونحوها بالكسر، يلحسها لحسا؛ والملحس يكون مصدرًا","vol":"1","page":315},{"text":"بمعنى اللحس ومكانا له كما في النظارة. والمعنى: تركته بمكان ملحس البقر أولادها أي بحيث تلحس البقر أولادها يعنون به مكان البقر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>تركته ترك الظبي ظله</span>.\nالظبي معروف وجمعه اظب وظباء وظبي وظله بكسر الظاء المشالة: ما يأوي إليه ويستظل به من حر الشمس. وهو إذا تركه لا يعود إليه أبدًا. فيضرب للرجل عند نفوره. وعبارة صاحب القاموس: اتركه ترك الظبي ظله وهو نحو مما كتبنا نحن. وفعل ذلك لبيان إنَّ الراء في ترك ساكنه وهو مصدر أضيف إلى فاعله وكمل بمفعول أي تركا يشبه ترك الظبي لظله وقال: إنَّ فتح الراء من ترك كما عند الجوهري وهم.\nقلت: وهو كذلك في صحاح الجوهري مضبوطا بالقلم مفتوح في النسخة. ولعل الرواية كذلك عنه وإلاّ فهو محتمل لأن يكون مسكنا. وهو مصدر عاملة مقدرة وهو الذي أظهرناه أو ما يشبهه. ثم على الفتح لا مانع من صحته إنَّ تكلمت به العرب كذلك. ويكون فعلا ماضيا والظبي فاعله. فإذا نفر أحد من شيء نفرة عزما حسن إنَّ يقال: ترك الظبي ظله أي إنّه ذهب مذهبا لا مرجع فيه كأنه ظبي ترك ظله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>تركته كجوف الحمار</span>.\nويقال: هو كجوف حمار ويقال كجوف عير ومعناه خال لا خير فيه. واختلف العلماء فيه فقيل: المراد الحمار المعروف وجوفه ليس فيه شيء ينتفع به فلا خير فيه. وقيل: المراد حمار أبن مويلع وهو رجل من عاد وله موضع يقال له جوف كان يزدرعه احرقه الله تعالى واحرق ما فيه لمّا كفر بالله تعالى. وفيه يقال اكفر من حمار كما سيأتي. قال امرؤ القيس:\nوخرق كجوف العير قفر مضلة ... قطعة بسام ساهم الوجه حسان\nقال شارح ديوان عاصم بن أيوب: قول كجوف العير قال أبن الكلبي: هو واد باليمن","vol":"1","page":316},{"text":"قفر لا شيء به. قال: وقال القتبي: أراد كجوف الحمار. والحمار وإنَّ كان ذكيا لا ينتفع به ولا بشيء من حشاه فكأنه خال من كل خير. وقيل: وهو رجل من بقايا عاد كان يقال له حمار بن مويلع وكان على التوحيد فأصابت بنين به عشرة صاعقة فأحرقتهم فغضب وقال: لا اعبد ربا فعل بي هذا! ومال إلى عبادة الأوثان ومنع الضيفة. فأرسل الله عليه نارا فأحرقته وأحرقت جوفه وهو موضع كان يزدرعه من جميع ما كان فيه وجميع من دخل معه في عبادة الأوثان فاصبح الجوف كأنه الليل المظلم. فضربت العرب المثل قالوا: وادي الحمار وجوف العير. وقال أبن دريد: إذا قالت العرب: كأنه جوف حمار فأنهم يريدون وصف الموضع الخريب الوحش. وقال: أما جوف حمار فكان لحمار بن مالك أبن نصير بن أسد وكان جبارا عاتيا. فبعث الله عليه نارا فأحرقت الوادي بما فيه وصار مثلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>تركتهم لحما على وضم</span>.\nاللحم معروف بسكون الحاء ويجوز فتحها والوضم بفتحتين: ما وقي به اللحم من خشب وحصير ونحوهما. قال الشاعر:\nليس براعي ابل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم\nجمعه اوضام واوضمة. تقول وضمت اللحم بفتح الضاد إذا عملت له وضما أو وضعته على الوضم واوضمته واوضمت له إذا عملت وضما وتقول: تركتهم لحما على وضم أي مثل اللحم المجعول أي مثل اللحم المجعول على الاوضام وذلك إذا أوقعت بهم وأوجعت فيهم. قال الحماسي:\nوتركتنا لحما على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم\nوقال البوصيري في معناه:\nما زال يلقاهم في كل معترك ... حتى حكوا بالقنا لحما على وضم\nوقال صفي الدين الحلي:\nأبيت والدمع هام هامل سرب ... والجسم في أضم لحما على وضم","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>ترك الوطن أحد السباءين</span>.\nالوطن بالفتحتين معروف والسباء بالكسر والمد: الأسر. يقال: سبى عدوه يسبيه سبيا سباء واستباه إذ أسره. والمعنى إنَّ الخروج من الوطن ومفارقة الأهل والسكن شبيه بالسباء نوعان: أحدهما الأسر والآخر: السفر فسار السفر أحد السباءين وهذا ذم له. وتقدم في ذم السفر ومدحه من الآثار والأشعار ما أغنى عن الإعادة. وسيأتي ذكر ما في هذه التثنية الواقعة في السباء إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>اتق مأثور القول</span>!\nالتقوى معروف والمأثور: المروي المحكي. والمثل لحمل بن بدر قاله يوم الهباءة وهو اكبر أيام حرب داحس بين عبس وذبيان وسبب الحرب كلها. وصدور المثل على ضرب من الإيجاز والاختصار إنَّ قيس بن زهير فيما يزعمون وهو من بني عبس كان اشترى من مكة درعا تسمى ذات الفضول فاغتصبها منه عمه الربيع بن زياد وكان سيد عبس. فغضب قيس وتحل عنهم ونزل على بني ذبيان وسيدهم إذ ذاك حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر فأكرموه واحسنوا جواره. ثم إنَّ قيس بن زهير وحذيفة بن بدر تراهنا يوما على خطر عشرين بعيرا وجعلا الغاية مائة غلوة والمضمار أربعين ليلة والمجرى من ذات الاصاد. فاجرى قيس داحس والغبراء وأجرى حذيفة الخطار والحنفاء. فوضعت بنو فزارة رهط حذيفة كمينا في الطريق. فلما جاءت الغبراء وكانت سابقة لطموها وردوها. فقال قيس: سبقت فدفعوه عن ذلك حتى وقع بينهم الشر. فطلب منهم قيس بعيرا واحدا فقال جذيمة: ما كنا لنقر لكم بالسبق فلما رأى قيس ذلك ترحل عنهم وفارقهم. ثم إنّه أغار فلقي عوف بن بدر أخا حذيفة فقتله ووداه مائة ناقة عشراء. ثم خرج مالك بن زهير أخو قيس فلقيه حمل بن بدر فقتله. فأرسل قيس إلى حذيفة إنَّ اردد علينا ابلنا فقد قتلت مالك بن زهير بعوف بن","vol":"1","page":318},{"text":"بدر. وكانت الإبل قد تناجت عند حذيفة فدفعها دون أولادها. وامتنعت عبس إلاّ إنَّ يقابلهم ابلهم بأولادهم فهاجت الحرب بين الفريقين ودامت أربعين سنة فيما يزعمون إلى إنَّ اصلح بينهم الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريان كما سنذكر. وكانت بنو عبس وتروهم فاجتمعت القبائل وحلفاؤها وتعاقدوا وتحالفوا فسار حذيفة إلى عبس في جموع لا تحصى. فلما رأت عبس ذلك اجتمعوا إلى قيس بن زهير فقالوا له \" ما الرأي؟ فقال: خلوا الأموال والظغن وادخلوا في الشعب فإنَ الجموع إذا رأت الظعائن لا رجال فيها أمنوا فغنموا وتفرقوا فتدركوا منهم حاجتكم! فلما أشرفت جموع حذيفة على أموال بني عبس ظنوا انهم فروا فأمنوا وغنموا وجعل الجل يطرد ما قدر عليه من الأموال. فلما تفرقوا كرت عليهم خيل عبس فوضعت فيهم السلاح وانهزموا. وأسرفت في القتال حتى ناشدهم بنو ذبيان البقية وكان يوم شديد الحر. فمضى حذيفة وأخوه حمل حتى استغاثا بجفر الهباءة فنزلا ومعهما ورقاء بن بلال ونزعوا سلاحهم وسرجهم واقعدوا ربيئة يتطلع ولم يكن لعبس هم إلاّ في حذيفة. فبعثوا الخيل تقص أثره. فنظر الربيئة فقال: إني أرى شخصا كالنعامة فلم يكترثوا به وجعلوا يتحدثون فأذاهم بخيل عبس قد لحقهم وحالت بينهم وبين خيلهم. فلما حملوا عليهم وهم في الجفر قال حذيفة: يا بني عبس فأين الأحلام؟ فضرب أخوه حمل بين كتفيه وقال: اتق مأثور القول فأرسلها مثلا. يريد: انك تقول قولا تتذلل فيه وتخضع وتقتل ولا ينفع فتشتهر عنك أخباره ويبقى عليك عاره. فقتلوا حذيفة ومن معه وتمزقت بنو ذبيان.\nولا يخفى إنَّ هذا المثل حقه إنَّ يذكر في غير هذا الباب لكن الواو لمّا استهلكت بالإبدال اعتبرنا الظاهر تقريبا. وداحس بالدال المهملة على وزن فاعل من الدحس وهو الدفع. وسنئتي بذلك لأن أباه ذا العقال وهو فرس كان لرجل يسمى حوطا خرجت به جاريتان له يومان تقودانه فمرتا به على فرس أنثى لقرواش تسمى جلواء وهي إذ ذاك وديق والو الديق بالدال المهملة: المشتهية الفحل ومنه المثل الآتي: ودق العير إلى الماء فلما رآها ذو العقال ودق. فضحك شباب منهم فاستحيت الجاريتان فأرسلتا مقوده فزنا عليه. فلما جاء حوط وكان رجلا سيئ الخلق عرف النزو","vol":"1","page":319},{"text":"في عين ذي العقال فغضب وقال: أعطوني ماء فحلي فلما رأوا الخطب قد عظم قالوا: دونك وماء فحلك فأخذ الفرس وجعل يده في الماء والتراب وادخل اليد في رحمها حتى إنّه استخرج الماء. وقد اشتملت الرحم على ما فيها فنتجت قروش مهرا اسمه داحسا لدحس حوط إياه وخرج كأنه ذو العقال أبوه. ثم إنَّ قيس بن زهير أغار على بني يربوع فغنم فرأى داحس قد ركبه فتيان فقطعها الخيل ونجوا. فاعجب به قيس ودعا إلى إنَّ يجعله فداء المغنم كله. فأطوه إياه وكان سبب الحروب حتى قيل: أشأم من داحس وسيأتي. والخطار بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة بعدها ألف فراء وهم فرس لحذيفة والحنفاء: فرس له أيضًا تأنيث الأحنف. والحنف قيل هو الاعوجاج في الرجل وقيل أن يقبل إحدى إبهامي الرجل على الأخرى وقيل ميل في صدور القدم وقيل المشي على ظهر القدمين من شق الخنصر.\nويذكر في هذه القصة أيضًا أن حذيفة أجرى قرزلا والقرزل بالقاف والراء والزاي على وزن جحذب وهو فرس لحذيفة أيضًا ويحتمل إنّه الخطار المذكور. وقد قيل في هذه القصة إنَّ الصحيح إنَّ الرهان إنّما وقع بين قيس وحمل بن بدر لا حذيفة وإنَّ فرس قيس داحس وفرس حمل الغرباء. وفي القصة اضطرابات كثيرة اضربنا عنها. والهباء بفتح الهاء ثم باء موحدة وبعد الألف همزة مقلوبة عن واو ثم هاء التأنيث وهي أرض لغطفان فيها ماء. وفي الفرسين يقول عنترة بن معاوية بن شداد العبسي يرثي مالك بن زهير:\nلله عين من رأى مثل مالك ... عقير قوم إنَّ جرى فرسان\nفليتهما لم يجريا نصف غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان\nوليتها ماتا جميعا ببلدة ... وأخطاهما قيس فلا يريان\nوكان لهى الهيجاء يحمى ذماره ... ويضرب عند الكرب كل بنان\nلقد جلبا حينا وحربا عظيمة ... تبيد سراة الحي من غطفان\nوقال الربيع بن زياد أيضًا عم مالك المذكور يرثيه:\nإني أرقت فلم اغمض حار ... من سيء النبل الجليل الساري","vol":"1","page":320},{"text":"من مثله يمشي النساء حواسرا ... وتقوم معولة مع الأسحار\nأبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجوا النساء عواقب الأطهار؟\nما أن أرى في قتله لذوي النهى ... إلاّ المطي تشد والاكوار\nومجنبات ما يذقن عذوقة ... يقذفن بالمهرات والامهار\nومسارعا صدأ الحديد عليهم ... فكأنما طلب الموجوه يقار\nمن كل سرور بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار\nيجد النساء حواسر يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار\nقد كن يخبأن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدون للنظار\nيضربن حر وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار\nقوله: حار أراد يا حارث قوله: ترجوا النساء عواقب الأطهار يريد إنَّ النساء لا يأتين بمثله وفي عروض هذا البيت عيب القطع وهو لا يجوز إلاّ مع التصريع. والمنجبات: خيل يركبون الإبل فيقودونها هي لا يركبونها إلى موضع الغارة لتجم. ويقال ما ذقت عذوفا بالذال المعجمة وتهمل في لغة ربيعة وبالفاء أي شيء. ويقال عذوقا وعذوقة فإنَ كانت الرواية بغير هاء التأنيث ففي هذا العروض أيضًا عيب السابق. والمساعر جمع مسعر وهو الذي يسعر الحرب. قوله: قد قمن قبل تبلج الأسحار هكذا في الرواية. والجملة حال أي بجد النساء عند وصوله يندبنه وقد كن قمن إلى ذلك من الليل قبل تبلج الأسحار واستمررن على البكاء إلى وقت مجيئه. ويروى: يندبنه بالصبح قبل تبلج الأسحار. وقالوا يعني بالصبح هنا الحق والأمر الجلي وليس بظرف. ولا بد فيه مع ذلك من التقدير الذي في الرواية الأولى. ويصح إنَّ يكون الصبح أطلق على آخر الليل لقربه منه مجازا أو يكون على بابه. وقوله قبل تبلج الأسحار معمول لفعل مقدر كما في الرواية الأولى أو معمول ليندبه. ويكون بالصبح معمولا لحواسر على الألف والنشر مع تكلف. وأفاد بالبيتين انهم أدركوا ثأرهم لأن القتيل عند العرب لا يبكى حتى يؤخذ بثأره. وقال قيس بن زهير يرثي حمل بن بدر وهو أوّل من رثى مقتوله:","vol":"1","page":321},{"text":"تعلم إنَّ خير الناس ميت ... على جفر الهباء لا يريم\nولولا ظلمه مازلت أبكي ... عليه الدهر ما بدت النجوم\nولكن الفتى حمل بن بدر ... بغنى والبغي مرتعه وخيم\nأظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم\nومارست الرجال ومارسوني: ... فمعوج علي ومستقيم\nوفي ذلك قال أيضًا:\nشفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني\nقتلت باخوتي سادات قومي ... وهم كانوا لنا حلي الزمان\nفإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم اقطع بهم إلاّ بناني\nفائدة: حمل بن بدر المذكور بفتح الحاء المهملة وفتح الميم على لفظ ولد الضان. وفيه قال الشاعر:\nليت شعري يلحق الهيجا حمل ... ما احسن الموت إذا حان الأجل\nوتمثل بهذا الشعر فيما ذكر سعد بن معاذ ﵁ يوم الخندق. قال البكري: وفي همدان حمل بن زياد بن حسان بفتح الحاء وضم الميم وقي مدحج جمل كنانة بفتح الجيم والميم كلفظ واحد الجمال وفي كنانة خمل بن شق يعني بالخاء المعجمة مضمومة وتسكين الميم والله اعلم.\nوأما سبب الصلح بينهم على الحارث بن عوف فهو إنَّ الحارث قال يوما لخارجة بن سنان: أتراني اخطب إلى أحد من العرب فيردني؟ قال: ومن هو؟ أوس بن حارثة في بلاده. فلما رأى الحارث قال: مرحبا بك يا حار قال: ويك! قال: وما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قال: ليست هناك فانصرف ولم يكلمه. ودخل أوس إلى امرأته مغصبا وكانت من عبس فقالت: من الرجل الذي وقف عليك؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف. قالت: فما لك لم تستنزله؟ قال إنّه استمحق. قالت: وكيف؟ قال: جاءني","vol":"1","page":322},{"text":"خاطبا. قالت: أف تريد تزويج بناتك؟ قال: نعم! قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذاك. قالت: فتدرك ما كان منك! قال بماذا؟ قالت: بأن تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط مني ما فرط إليه؟ قالت: تقول انك لقيتني مغضبا بأمر. فانصرف ولك عندي ما تحب فانه سيفعل فركب حارة في أثره. قال خارجة: فو الله إنا لنسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته فأقبلت على الحارث وما يكلمني غنا. فقالت: هذا أوس بن حارثة قال: وما نصنع به؟ امض فلما رآنا لا نلتفت صاح: يا حار أربع علي فوقفنا له فكلمه بذاك الكلام فرجع مسرورا. ودخل أوس فقال لامرأته: ادعي لي فلانة كبرى بناته. فأتته فقال: يا بنية هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب وقد جاء خاطبا. فأردت إنَّ أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل قال: ولم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردة وفي خلقي بعض الحدة ولست بابنة عمه فيرعى رحمي وليس بجارك في البلد فيستحي منك ولا آمن إنَّ يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي وصمة. قال: قومي بارك الله فيك ثم دعى الوسطى فأجابته بنحو ذلك ثم دعى الصغرى فقال لها قالت: أنت وذلك. قال: إني عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. قالت: لكني الجميلة وجها الصناع يدا الحسيبة أبا. فإنَ طلقني فلا أخاف الله عليه. قال: بارك الله عليك ثم خرج إلينا قال: قد زوجتك بهنسة بنت أوس. قال: قد قبلت. أمر أمها إنَّ تهيئها وتصلح من شأنها. ثم أمر ببيت فضرب له وادخله إياه. فلما أدخلت إليه لبث هنيئة ثم خرج ألي فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله لمّا مددت يدي إليها قالت مه اعند أبي واخوتي؟ هذا لا يكون قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا بها معنا فسرنا ما شاء الله ثم قال لي: تقدم فتقدمت فعدل بها عن الطريق فما لبث إنَّ لحقني فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قالت لي: اكما يفعل بالأمة الجليبة والسبية الأخيذة؟ لا والله حتى تنحر الجزور وتذبح الغنم وتدعو العرب وتعمل ما يعمل لمثلي. قال خارجة: فقلت: والله لأري هيئة عقل وإني لأرجو أن تكون المرأة النجيبة. ثم سرنا حتى دخلنا بلادنا. فأحضر الإبل والغنم ثم","vol":"1","page":323},{"text":"دخل إليه وخرج. فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قلت: ولم ذلك؟ قال: دخلت عليها أريدها فقلت: قد أحضرنا من المال ما ترين. قالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف بما لا أراه فيك قلت: كيف؟ قالت: أتتفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضا؟ تعني عبسا وذبيان قلت: فتقولين ماذا؟ قالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فاصلح بينهم ثم ارجع إلى اهلك فلن يفوتك قلت: والله إني لأرى عقل وهمة ولقد قالت قولا فاخرج بنا فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فاصطلحوا على إنَّ يحسبوا القتلى من الفريقين ثم يؤخذ الفضل ممن هو عليه. فحملنا عنهم الديات وكانت ثلاثة آلاف بعير. وفي هذا الصلح يقول زهير يمدحهما:\nسعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم\nفأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم\nيموينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم\nتداركتما عبس وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم\nوعاش الحارث حتى أدرك النبي ﷺ فأسلم رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>تلك التجارة لا انتقاد الدرهم</span>.\nهذا في قول القائل:\nوإذا شكا مهري الي حرارة ... عند اختلاف الطعن قلت له: اقدم\nإنني بنفسي في الحروب لتاجر ... تلك التجارة لا انتقاد الدرهم\nومعناه ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>تمرة خير من جرادة</span>.\nالتمر بالمثناة الفوقانية وسكون الميم معروف وهو ما يبس من حمل النخيل. الواحدة تمرة والجمع تمرات وتمور وتمران والتمار بائع التمر والتمري من يحبه. وأما الثمر بالمثلثة وفتح الميم فهو حمل الأشجار كلها. والجراد معروف الواحدة جرادة والمثل ظاهر مشهور.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>التمر في البئر على ظهر الجمل</span>.\nالتمر تقدم والبئر معروف وكذا الجمل. وأصل المثل إنَّ المنادي كان يقوم في الجاهلية على اطم من اطام المدينة فينادي بذلك الكلام حتى يدرك التمر أي: من سقى نخيله بمياه الآبار على ظهور الجمال بالسواني وجد التمر وحمد عاقبة الأمر وأدرك غاية السقي ونجاح الرأي. وهذا كما تقول: الزرع في تحريك الأرض وتزبيلها والعنب في زبر الكرم وسقياه. وهذا كله تحضيض على أحكام الأسباب والاعتناء بالسوائل وتنبيه على إنَّ المقاصد منوطة بها ومرتبط صلاحها بصلاحها. وقريب منه المثل الآخر: وهو قولهم: عند الصبح يحمد القوم السرى وقول القائل:\nإذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن الزرع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>اتميميا مرة وقيسيا أخرى</span>؟\nيضرب لمن يتلون ويختلف كلامهم يقف على حال أي: أتنتسب إلى تميم مرة وإلى قيس مرة أخرى؟ وتميم وقيس قبيلتان عظيمتان من قبائل العرب. أما تميم فهو تميم بم مر بم آد بن طابخة بالباء الموحدة والخاء المعجمة بن الياس بن مضر بن نزار وأما قيس فهو قيس بن عيلان بفتح العين المهملة واسمه الياس بن مضر بن نزار وقيس لقب له. وقد قيل إنَّ عيلان هو أبو قيس. ويدل لصحته قول الحماسي:\nلحى الله قيسا عيلان إنّها ... أضاعت ثغور المسلمين وولت\nفشاول بقيس في الطعان ولا تكن ... أخاها إذا ما المشرفية سلت\nإلاّ إنّما قيس بن عيلان بقة ... إذا شربت الماء العصير تغنت\nفصرخ بأنه أبن عيلان. وبين القبيلتين أبدًا منافرات ومكافحات ومقاتلات. ومن ثم اشتهر بينهما التقابل كما في هذا المثل وشاع عند البيانيين في باب القصر التمثيلي بقولهم: فلان تميمي مراعاة لهذا الأمر. وفي بعض الأخبار قال رسول الله ﷺ: يا أبا الدرداء إذا فاخرت ففاخر بقريش وإذا كاثر فكاثر بتميم وإذا حاربت فحارب بقيس إلاّ إنَّ مجوهها كنانة","vol":"1","page":325},{"text":"ولسانها أسد وفرسانها قيس إلاّ إنَّ لله فرسانا في سمائه وهم الملائكة وفرسان في الأرض وهم قيس وإنَّ آخر من يقاتل عن الإسلام حين لا يبقى إلاّ ذكره ومن القرآن إلاّ اسمه لرجل من قيس. قلت: يا رسول الله من أي قيس؟ قال: من سليم.\nوسار معاوية يوما فإذا هو براكب فقال لبعض أصحابه: علي به من غير ترويع فاتاه وقال: اجب أمير المؤمنين فقال: إياه أدرت. فلما دنا حسر اللثام وانشد:\nمعاوية لم أزل آتيك تهوي ... برحلي نحو ساحتك الركاب\nتجوب الأرض نحوك ما تأبى ... إذا ما الاكم قنعها السراب\nوكنت المرتجى وبك استغثت ... لتنعشها إذا بخل السحاب\nفإذا ليلى الاخيلية فهش لها معاوية وأمر لخها بخمسين بعيرا. ثم سألها عن مضر فقالت: فاخر بقريش وحارب بقيس وكاثر بتمبم وناطق بأسد وتقدم إنَّ هذا في الحديث وسيأتي تمام حديث ليلى في الأعيان. ويسمى أولاد الياس خندفا وهي اسم أمها ومضر كلها راجعة إلى خندف وقيس.\nومن اظرف من يتفق في هذا النسب ويزيد بصيرة في هذا المقام. ما ذكر أبو علي البغدادي يرفع إلى أبي عبيدة أن يزيد بن شيبان بن علقمة خرج حاجا فرأى حين شارف البلد شيخ يحفه ركب على ابل عتاق برحال ميس ملبسة ادما. قال: فعدلت فسلمت عليهم وبدأت به فقلت: من الرجل ومن القوم؟ فإنَ القوم ينظرون إلى الشيخ هيبة له فقال الشيخ: رجل من مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف من قضاضة. فقلت: حياكم الله وانصرفت. فقال الشيخ: قف أيّها الرجل استنسبتنا فانتسبنا لك ثم انصرفت ولم تكلمنا ويروى: شاممتنا مشامة الذئب للغنم ثم انصرفت قال. قلت: ما أنكرت سوءا ولكنني ظننتكم من عشيرتي فانسبكم فانتسبتم نسبا لا اعرفه ولا أراه يعرفني. قال: فامال الشيخ لثامه وحسر عمامته وقال: لعمري لئن كنت من جذم من اجذام العرب لاعرفنك. قلت: فاني من اكرم اجذامها. قال: فإذا العرب بنيت على أربعة أركان: مضر وربيعة واليمن وقضاعة فمن أيهم أنت؟ قلت: من مضر. قال: أمن","vol":"1","page":326},{"text":"الأرجاء أمن الفرسان؟ فعلمت إنَّ الأرجاء خندف وإنَّ الفرسان قيس. قلت: من الأرجاء. قال: أنت إذا من خندف؟ قلت: اجل قال: افمن الأرنبة أم الجمجمة؟ فعلمت إنَّ الأرنبة مدركة وإنَّ الجمجمة طابخة. فقلت: من الجمجمة. قال: فأنت إذن من طابخة؟ قلت: اجل قال: افمن الصميم أم من الشويط؟ فعلمت إنَّ الصميم تميم وإنَّ الشويط الرباب فقلت: من الصميم. قال: فأنت إذا من تميم؟ قلت: اجل قال: افمن الاكرمين أم من الاحلمين أم من الاقلين؟ علمت إنَّ الاكرمين زيد مناة وإنَّ الاحلمين عمرو بن تميم وإنَّ الاقلين الحارث بن تميم. قلت من الاكرمين. قال: فأنت إذا من زيد مناة؟ قلت: اجل قال: افمن الجدود أم من البحور أم من الثماد؟ فعلمت إنَّ الجدود مالك وإنَّ البحور سعد بن زيد مناة وإنَّ الثماد بنو امرئ القيس بن زيد بن مناة. قلت: من الجدود. قال: فأنت إذا من بني مالك؟ قلت: اجل قال: افمن الذرى أنت أم من الارداف؟ فعلمت إنَّ الذرى حنظلة وإنَّ الارداف ربيعة ومعاوية وهما الكرد وسان. قلت: من الذرى. قال: فأنت إذا من بني حنظلة؟ قلت: اجل قال: افمن البدور أم من الفرسان أم من الجراثيم؟ فعمت إنَّ البدور مالك وإنَّ الفرسان يربوع وإنَّ الجراثيم البراجم. قلت: من البدور. قال: فأنت إذا من بني مالك بن حنظلة؟ قلت: اجل قال: افمن الأرنبة أم من اللحيين أم من القفا؟ فعلمت إنَّ الأرنبة دارم وإنَّ اللحيين طهي والعدرية وإنَّ القفا ربيعة بن حنظلة قلت من الأرنبة قال: فأنت إذا من دارم؟ قلت اجل قال: افمن اللباب أم من الهضاب أم من الشهاب؟ علمت إنَّ اللباب عبد الله وإنَّ الهضاب مجاشع وإنَّ الشهاب نهشل. قلت: من اللباب. قال: فأنت إذا من عبد الله؟ قلت اجل قال: افمن البيت أم من الزوافر؟ فعلمت إنَّ البيت بنو زرارة وإنَّ الزوافر الاحلاف. قلت: من البيت. قال: فأنت إذا من بني زرارة؟ قلت: اجل قال: فإنَ زرارة ولد عشرة: حاجيا ولقيطا وعلقمة ومعبدا وخزيمة ولبيد وأبا الحارث وعمرا وعبد مناة ومالك فمن أيهم أنت؟ قلت: من بني علقمة ولد شيبان لم يلد غيره فتزوج ثلاثة نسوة: مهدد بنت حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد فولدت له يزيد وتزوج عكرشة بنت حاجب بن زرارة بن عدس فولدت له المأمور وتزوج عمرة بنت بشر بن عمرو بن عدس فولدت","vol":"1","page":327},{"text":"له المقعد. فلأيهم أنت؟ قلت: لمهدد. قال: يا أبن أخي ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلاّ كنت في أفضلها حتى زاحمك أخزك فانهما إنَّ تلدني أما هما احب ألي من إنَّ تلدني أمك. يا أبن أخي أتراني عرفتك؟ قلت: أي وأبيك أتم معرفة قال: الميس ضرب من الشجر تعمل منه الرحال وارم القوم: سكنوا والوشيط الخسيس من الرجال والصميم الخالص. وفي معنى هذا المثل الذي نحن فيه قول زفر ابن الحارث لعمران بن حطان: ازدينا مرة واوزعيا أخرى؟ ومن التلون قول عمران المذكور:\nفاعذر أخاك أبن زنباع فإنَ له ... في النائبات خطوبا ذات ألوان\nيوما يمان إذا لا قيت ذا يمن ... وإنَّ لقيت معديا فعداني\nوقول الآخر:\nأفي الولائم أولاد لواحدة ... وفي المفاخر أولاد لعلات؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>تيسي جعار</span>.\nتيسي بكسر التاء الفوقانية المثناة بعدها مثناة تحتانية ساكنة بعدها سين مهملة. وجعار على مثال حذام وهي الضبع ويقال لها جعار وأم جعار وأم جعور ويقال أيضًا: عيثي جعار. أما تيسي فهي من مادة التيس ولم يذكروا لها فعلا بل قالوا إنّها كلمة تقال في معنى إبطال الشيء وأما عيثي وهو الإفساد واصله عيثي يا جعار قال الشاعر:\nفقلت لها عيثي جعار وجرري ... بلحم امرئ لم يحضر اليوم ناصره\nوسيأتي تمامه في محله ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>تحت طريقتك عنداوة</span>.\nوالطريقة على مثال السكينة الرخاوة واللين والعنداوة: الخديعة والمكر أي تحت إطراق مكر. وهو مثل المثل الآتي: مخرنبق لينباع وسيأتي قولهم:","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>تركته باست الأرض</span>.\nأي تركته عديما فقيرا. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>تركته على أنقى من الراحة</span>.\nومما يتمثل به تارة قوله ﷺ: لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع.\nومن أمثال العامة الحكيمة في هذا الباب قولهم: اترك الحب تحب أي لا تطمع فيما أيدي الناس يحبونك وإنَّ تكثر غشيانهم يملونك. قال زهير:\nومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يوما من الدهر يسام\nوفي الأثر المروي: أزهد في الدنيا يحبك الله، وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. ويشبه هذا المثل مسألة الطائر، إنَّ ترك الحبة المعلقة في الفخ نجا، وإنَّ وإنَّ اقتحمها هلك. ومن أمثالهم أيضًا قولهم:\nاترك صاحب الغاسول يسكت!\nزعموا إنَّ شخصين اصطحبا في طريق، لأحدهما حمل من حديد أو أشبه، وللأخر حمل من الغاسول، وهو طين يغتسل به الرؤوس، فأصابهما مطر في منزل، فجعل صاحب الحديد يتوجه ويتخوف على سلعته من البلل. فقال له صاحب الغاسول ما ذكر. ومعلوم أنَّ الحديد وشبهه لا يضره البلل، وأما الغاسول المذكور فأدنى شيء من البلل خلص إليه يحله ويفسده. فيضرب فيمن يتوجع ويتألم، أو يشتكي ويتظلم، أو يتأسف ويتندم، وثم من هو اجدر منه.\nوقد حان أن نذكر من الشعر ما يتيسر. قال الشاعر:\nكم من فتى تحمد أخلاقه ... ويسكن العافون في ذمته!\nقد كثر الحاجب أعداءه ... واحقد الناس على نعمته\nوسبب هذا الشعر أنَّ أعرابيًا دخل البصرة، فسأل عن دار عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عبد الله من فتيان قريش جودًا وسخاء، وكرمًا وحياء، فدل على الدار، فأناخ راحلته بالباب. فاشتغل عنه الحاجب والعبيد وبات طاويا. فلما أصبح ركب راحلته ووقف على الحاجب فأنشأ يقول:","vol":"1","page":329},{"text":"كأني ونضوي عند باب أبن عامرٍ ... من الجود ذئبا قفرة هلعان\nوقفت وصنبور الشتاء يلفني ... وقد مس برد ساعدي وبناني\nفلما أوقدوا نارًا ولا بذلوا قرى ... ولا اعتذروا عن عسرة بلسان\nفقال بعض شعراء البصرة ما تقدم. فلما بلغ أبن عامر، عاقب الحاجب وأمر أنَّ لا يغلق بابه ليلا ولا نهارًا.\nوقال الأخر:\nلا تنظرن إلى عقلٍ ولا أدبٍ ... إنَّ الحدود قرنات الحماقات\nواسترزق الله مما في خزائنه ... فكل ما هو آت مرة آت\nومثله قول الصابئ:\nإذا جمعت بين أمراين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو احذق\nفلا تتأمل منهما غير ما به ... جرت لهما الأرزاق حين تفرق:\nفحيث يكون النوك فالرزق واسع ... وحيث يكون الحذق فالرزق ضيق\nوقال صالح ب عبد القدوس:\nوليس رزق الفتى من حين حيلته ... ولكن جدود بأرزاق وأقسام\nكالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمى فيرزقه من ليس بالرامي\nوقال الأخر:\nمتى ما يرى الناس الغني وجاره ... فقير يقولون: عاجز وجليد\nوليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسمت وجدود\nوقولي، من قصيدة:\nوالحظ والمقدار ما حصرا ... في ذي الذكاء يبيت يستمري\nبل قسمة أزلية نشأت ... بيدي مدبرها على قدر\nوإذا نظرت رأيت في قرن ... عمر الغني وجهالة الغمر\nوترى اللبيب يبيت في ضعف ... بهمومه متقسم الفكر\nليكون فضل حجى الفتى عوضا ... عن فضل مل الأنوك الكثر","vol":"1","page":330},{"text":"وتكون أحكام الإله جرت ... في الخلق عن غلب وعن قسر\nوسيأتي ذكر ما في هذا المعنى من الشعر عند ذكر الجد، إنَّ شاء الله تعالى.\nوقال الحماسي عمرو بن معدي كرب:\nوجاشت إلي نفسي أوّل مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت\nومنه قول الآخر:\nصبرت على اللذات حي تولت ... وألزمت نفسي هجرها فاستقلت\nوكانت مدى الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت\nوالسادات الصوفية، رضوان الله عليهم، يتمثلون به كثيرًا في نجح الرياضة.\nوقول الحماسي أيضًا سيار بن قصير الطائي:\nعشية أرمي جمعهم بلبانها ... ونفسي قد وطنتها فاطمأنت\nوقول كثير:\nفقلت لها: غز كل مصيبة ... إذا وطئت يومًا لها النفس ذلت\nقال المبرد: وكان عبد الملك يقول: لو كان هذا البيت في صفة الحرب لكان أشعر الناس.\nوقوله أيضًا:\nفيا عجب للقب كيف اعتزامه ... والنفس لمّا وطئت كيف ذلت!\nوقول ضابئ بن الحارث:\nولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب!\nوقال الأخر:\nتمتع إذا ما أمكن الدهر واغتنم ... زمانك واعلم إنّه سيفوت!\nوقال الأخر:\nداء قديم وأمر غير مبتدع: ... جور الزمان على أهل المروآت\nوقال الأخر:\nسكت عن السفيه فظن إني ... عييت عن الجواب، وما عييت\nوقال الأخر:\nسروران ما لهما ثالث: حياة البنين وموت البنات","vol":"1","page":331},{"text":"وهذا من قول الأعراب: موت البنات، من المكرمات. وقال الأخر:\nكانت سليمى تنادي يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبت!\nوقال الأخر:\nكلام الناس أشتات ... ومعنى كله: هاتوا!\nوقال الأخر:\nكم عائد رجلا وليس بعائد ... إلاّ ليعلم هل يراه يموت!\nوقال الأخر:\nكم مات قوم وما ماتت مكارمهم ... وعاش قوم وهم في الناس أموات!\nوقال الأخر:\nوأنطقت الدراهم بعد عي ... أناس بعد ما كانوا سكوتا!\nوقال الأخر:\nوما تنفع الآداب والحلم والحجى ... وصاحبها عند الكمال يموت!\nوقال الأخر:\nويحسن إظهار التجلد للعدى ... ويقبح غير العجز عند الأحبة\nوقال الأخر:\nلا تتهم من شف فاك فانه ... أعطى الحياة وقدر الأقواتا\nوقال أبو الطيب:\nإنَّ الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها\nوقال: أبو العلاء المعري:\nفالأرض تعلم أنني من فوقها ... متصرف وكأنني من تحتها\nغدرت بني الدنيا وكل مصاحب ... صاحبته غدر الشمال بأختها\nشغفت بوامقها الحريص وأظفرت ... مقتي لمّا أظهرته من مقتها\nلابد للحسناء من ذامٍ ولا ... ذام لنفسي سيئ بختها\nوقال الأخر:","vol":"1","page":332},{"text":"إنَّ الصروف كما علمت صوامت ... عنها وكل عبارة في صمتها\nمتفقه للدهر إنَّ تستفتيه ... نفس عن جرمه لم يفتها\nوتكون كالورق الذنوب على الفتى ... ومصابه ريح تهب لحتها\nوقال أيضًا:\nرويدا عليها إنّها مهجات ... وفي الدهر محيى لامرئ وممات\nأرى غمرات ينجلن عن الفتى ... ولكن توافي بعدها غمرات\nولابد للإنسان من سكر ساعة ... تهون عله بعدها السكرات\nإلاّ إنّما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخوات\nفلا تطلب من عند يوم وليلة ... خلاف الذي مرت به السنوات\nوقال أيضًا:\nوالموت احسن بالنفس التي الفت ... عز القناعة من إنَّ تسال القوتا\nبت الزمان حبالي من حبالكم ... اعزز علي بكون الوصل مبتوتا\nوقال:\nأحسنت ما شئت في إيناس مغترب ... ولو بلغت المنى أحسنت ما شيتا\nوقال القاضي التنوخي:\nالقرآن العدو بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات\nفأحزم الناس من يلقي أعاديه ... في جسم حقد وأثواب المودات\nوقال الآخر:\nإذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت\nوهو مثل قول الآخر:\nأو كلما ظن الذباب طردته ... إنَّ الذباب إذا علي كريم\nيحكى إنَّ رجلا اسمع أبن هبيرة وهو معرض عنه فقال له الرجل: إياك اعني فقال: وعنك أنا اعرض! وقال الآخر وينسب لعثمان بن عفان ﵁:","vol":"1","page":333},{"text":"خليلي لا والله ما من ملمة ... تدوم على حي وإنَّ هي جلت\nفإنَ نزلت يوما فلا تخضعن لها ... ولا تكثر الشكوى إذا النعل زلت\nفكم من كريم قد بلى بنوائب ... فصابرها حتى انجلت واضمحلت\nوقال أبو محمّد الحريري:\nيا من تظن السراب ماء ... لمّا رويت الذي رويت\nوقال:\nفمهد العذر أو فسامح ... إنَّ كنت أجرمت أو جنيت\nوقال أيضًا:\nلا تحقرن أبيت اللعن ذا أدب ... لأن بدا خلق السربال سبروتا\nولا تضع لأخي التأميل حرمته ... أكان ذا لسن أم كان سكيتا\nوانفح بعرفك من وافك مختطبا ... وأنعش بغوبك من ألفيت منكوتا\nفخير مال الفتى مال اشد له ... ذكر تناقله الركبان أو صيتا\nوما على المشتري حمدا بموهبة ... غبن ولو كان ما أعطاه ياقوتا\nلولا المروءة ضاق العذر عن فطن ... إذا اشرأب إلى ما جاوز القوتا\nلكنه لابتناء المجد جد ومن ... حب السماح ثنى نحو الغنى ليتا\nوما تنشق نشر الشكر ذو كرم ... إلاّ وأزرى بنشر المسك مفتوتا\nوالحمد والبخل لم يقض اجتماعها ... حتى لقد ذا ضبا وذا حوتا\nالسمح في الناس محمود خلائقه ... والجامد الكف ما ينفك ممقوتا\nوللشحيح على أمواله علل ... يوسعنه أبدًا ذما وتبكيتا\nفجد بما جمعت كفاك من نشب ... حتى يرى مجتدي جدواك مبهوتا\nوخذ نصيبك من قبل رائعة ... من الزمان تريك العود منحوتا\nفالدهر أنكر من إنَّ تستمر به ... حال تكرهت تلك الحال أم شيتا","vol":"1","page":334},{"text":"قوله: أشاد له ذكرا أي رفعه وهذا محمود مطلوب. ففي الحديث: إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند الله فانظروا ما يتبعه من الذكر الحسن وقيل لبعض الحكماء: ما أحمد الأشياء؟ قال: أن يبقى للإنسان أحدوثة حسنة وقال اكثم بن صيفي: إنّما انتم خبر فطيبوا أخباركم وآخذه حبيب فقال:\nوما أبن آدم الاذكر صالحة ... وذكر سيئة تسري بها الكلم\nأما سمعت بدهر ... جاءت بأخبارها من بعدها الأمم\nوأبو بكر بن دريد حيث قال:\nوإنّما المرء حديث بعده: ... فكن حديثا حسنا لمن وعى\nوقال الأحنف بن قيس: وما ادخرت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتى للأحياء افضل من اصطناع المعروف عند ذوي الاحساب. وقيل لمعاوية: أي الناس احب إليك؟ فقال: من كانت له عندي يد صالحة. وقيل: إذا أقبلت عليك الدنيا فانفق منها فإنّها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنّها لا تبقى. واخذ هذا المعنى الشاعر فقال:\nولا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف\nفإنَ تولت فأحرى أن تجود بها ... والحد منها إذا ما أدبرت خلف\nوقال الآخر:\nإذا جادت الدنيا عليك فجد بها ... على الناس طرا قبل أن تنقلت\nفلا الجود يقنيها إذا هي أقبلت ... ولا البخل يبقيها إذا هي ولت\nقوله: فكن البيت مثله قول الآخر:\nلولا توقع معتر فأرضيه ... ما كنت أوثر أترابا على تربي\nوقال الآخر:\nلولا شماتة أعداء ذوي حسد ... وأن أنال بنفع من يرجيني\nلمّا خطبته إلى الدنيا مطايبها ... ولا بذلت لها عرضي ولا ديني","vol":"1","page":335},{"text":"قوله: وما تنشق نشر الشكر ذو كرم البيت نحوه ما يحكى عن بعضهم قال: رأيت رجلا من وجوه أهل مكة لا يزال دائبا في طلب حوائج الناس وادخل الرفق على الضعفاء. فقلت له: اخبرني عن الحال التي أوجبت لك هذا التعب. فقال: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار من فروع الأشجار وسمعت خفوق أوتار العيدان وترجيع أصوات القيان فما طلابت من صوت قط طربي من ثناء حسن على رجل قد احسن ومن شكر حر لرجل حر ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر وفي مدح الكرم وذم البخل قول الله تعالى: ومن يوق شح نفسه. وقول النبي ﷺ: \" إنَّ الله يحب الجود ومكارم الأخلاق، ويكره سفسافها \". وقوله ﷺ: أي داء أدوا من البخل؟ كما مر في قصته. وقيل لمحمود بن عياد: أنت متلاف! فقال: منع الجود، سوء الظن بالمعبود. أخذه محمود الوراق فقال:\nمن ظن بالله خيرًا جاد مبتديًا ... والبخل من سوء ظن المرء بالله\nوخوف بعض البخلاء بعض الأسخياء الإملاق، فرد عليه السخي وقال: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا. وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال. فقال: إنَّ الله تعالى عودني أنَّ يتفضل علي، ودعوته أنَّ أتفضل على عبيده؛ فأخاف أنَّ أقطع العادة، فيقطع عني عادته.\nوقال أيضًا:\nإنَّ الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت؟\nلكنه ما يشين الحر موجعة: ... فالمسك يسحق والكافور مفتوت\nوطالما أصلي الياقوت جمر غضا ... ثم انطفى الجمر والياقوت ياقوت\nوقال أيضًا:\nأستغفر الله من ذنوب ... أسرفت فيهن واعتديت\nكم خضت بحر الضلال جهرا ... ورحت في الغي واغتديت!","vol":"1","page":336},{"text":"وكم أطلعت الهوى اغترارًا ... واختلت واغتلت وافتريت!\nوكم خلعت العذار ركضا ... إلى المعاصي وما ونيت!\nوكم تناهت في التخطي ... إلى الخطايا وما انتهيت!\nفليتني كنت قبل هذا ... نسيا ولم أجد ما جنيت!\nفالموت للمجرمين خير ... من المساعي التي سعيت\nوقال طفيل الغنوي:\nجزى الله عنا جعفرًا حينما أزلقت ... بنا رجلنا في الواطئين وزلت\nأبوا أنَّ يلمونا ولو أنَّ أمنا ... تلاقي الذي يقولون منا لملت\nوهم أسكنوا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأكنت\nويروى أنَّ مالا جاء من البحرين فقسمه أبو بكر الصديق ﵁ بالسوية، فغضبت الأنصار وقالوا: لنا فضل. فقال: صدقتم! إنَّ أردتم أنَّ أفضلكم ذهب عملكم للدنيا، وإنَّ صبرتم كان ذلك لله. فقالوا: والله ما عملنا إلاّ لله! وانصرفوا. فخطب أبو بكر وقال أثناء خطبته: يا معشر الأنصار! لو شئتم لقلتم: أنا آويناكم في ظلالنا، ونشاطركم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا. يا معشر الأنصار! لكم من الفضل ما لا يحصيه العدد، وإنَّ طال به الأمد. فنحن وأنتم كما قيل طفيل الغنوي وأنشد الأبيات، متمثلا. وقال كثير:\nهنيئا مريئا غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من إعراضنا ما استحلت\nحكي أنَّ الشعبي أتى المسجد يوما فصادف فيه قوما يغتابونه، فأخذ بعضادتي الباب وقال: هنيئا مريئا \" البيت \". وهذا البيت من قصيدة كثير التائية المشهورة التي أولها:\nخليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قولوا صيكما ثم أبكيا حيث حلت!\nومنها:\nوكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت\nوكانت كذات الضلع لمّا تحاملت ... على ضلعها بعد العثار استقلت","vol":"1","page":337},{"text":"أريد الثواء عندها وظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت\nومنها.\nوإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت\nلك المرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوا منها للمقيل اضمحلت\nكأني وإياها سحابه ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت\nوذكر أبو علي البغدادي إنّه قيل لكثير: من أشعر؟ أنت أم جميل؟ قال: أنا. فقيل له: كيف، وأنت راويته؟ فقال جميل الذي يقول:\nرمى الله في عيني بثينة بالقذا ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح!\nوأنا أقول: هنيئا مريئا غير داءٍ مخامر، الخ.\nقلت: وقد وقع له بعد هذا البيت نحو ما لجميل، حيث قال:\nفإن تكن العتبي فأهلا ومرحبا ... وحقت لها التعبسي لدينا وقلت\nوإنَّ تكن الأخرى فإن وراءنا ... منادح لو سارت بها العيس كلت\nفقوله: وراءنا مناديح أضر على قلب عزة من القذى في العين، غير إنّه قال أيضًا:\nأسيئي بنا أو احسني لا ملومة ... لدينا ولا ملقية إنَّ تقلت\nوقال الأخر:\nسقوني وقالوا لا تغن، ولو سقوا ... جبال حنين ما سقوني لغنت\nذكروا أنَّ فتى أتي به بعض الخلفاء ثملا، فسأله. فأنشد ذلك، وقال آخرون: أتي بفتى من قريش إلى عبد الملك بن مروان، فقال له: أين شربت؟ فقال:\nشربت مع الجوزاء كأسا روية ... وأخرى مع الشعري إذا ما استقلت\nمعتقة كانت قريش تعافها ... فلما استحلت قتل عثمان حلت\nفاستظرفه وأمر بإطلاقه، وأعطاه عشره آلاف درهم. والسادات الصوفية، أسبل الله رضوانه عليهم، وحشرنا إليهم، يتمثلون بالبيت السابق في شرابهم المستطاب، الذي كل شراب","vol":"1","page":338},{"text":"دونه سراب أو عذاب؛ وفي ذلك قال الإمام المقدسي، مضمنا للبيت المذكور:\nأباحت دمي إذ باح قلبي بحبها ... وحل لها في حكمها ما استحلت\nوما كنت ممن يظهر السر إنّما ... عروس هواها في ضميري تجلت\nفشاهدتها فاستغرقتني فكرة ... أغيب بها عن كل كلي وجملتي\nوحلت محل الكل مني بكلها ... فإياي إياها إذا ما تبدت\nونمت على سري فكانت هي التي ... عليها بها بين البرية نمت\nإذا سألت من أنت؟ قلت أنا الذي ... بقائي إذا أفنيت قيل هويتي\nأنا الحق في عشقي كما أن سيهي ... هو الحق في حسني لغير معية\nفإن أك في سكري فإنني ... حكمت بتمزيق الفؤاد المفتت\nولا غرو إنَّ أصليت نار تحرقي ... ونار الهوى للعاشقين أعدت\nومن عجبي أنَّ الذين أحبهم ... وقد أعلقوا أيدي الهوى بأعنة\nسقوني وقالوا لا تغن، ولو سقوا ... جبال حنين ما سقوني، لغنت\nوقال الأخر:\nلقد بخلت حتى لو إني سألتها ... قذى العين من ضاحي التراب لضنت\nفإنَ بخلت فالبخل منها سجية ... وإنَّ بذلت أعطت قليلا وأكدت\nوسيأتي في هذا المعنى ما فيه كفاية، إن شاء الله تعالى.\nوقال أعرابي:\nشر قرين للكبير بعلته ... تولغ كلبا سؤره أو تكفته\nالبعلة: الزوجة، والرجل بعل. والمعنى أن الرجل إذا كبر تقذرته امرأته: فلا تشرب فضلة شرابه، بل تسقيه كلبا أو تكفته على الأرض.\nوقال الأخر:\nأقول إذ حوقلت أو دنوت، ... وبعض حيقال الرجال الموت:\nمالي إذا أنزعتها صأيت ... أكبر غيري أم بيت؟\nوالبيت: الزوجة أيضًا.","vol":"1","page":339},{"text":"فائدة: الزوجة لها أسماء عدة: منه البعلة والبيت وتقدم ومنها الشهلة. قال الشاعر:\nله شهلة شابت ومامس جيبها ... ولا راحتيها الشثنتين عبير\nوتطلق الشهلة على العجوز كقول الآخر:\nباتت تنزي دلوها تنزيا ... كما تنزي شهلة صبيا\nوهذا أيضًا محتمل. ومنها الحليلة وجمعها حلائل. قال الله تعالى: وحلائل آبائكم. ومنها العرس بكسر العين. قال امرؤ القيس:\nكذبت لقد أصبى على المرء عرسه ... وامنع عرسي أن يزن بها الخالي\nويقال للرجل أيضًا عرس وكذا العروس يستويان فيه غير إنّه إنّما يوصفان به ما دام في إعراسهما بخلاف العرس. وأما العرس بضم العين فاسم الوليمة ومنها الحنة. قال الشاعر:\nما أنت بالحنة الودود ولا ... عندك خير يرجى لملتمس\nومنها الطلة قال الشاعر:\nوإنَّ امرؤا في الناس كنت أبن أمه ... تبدل مني طلة لغبين\nدعتك إلى هجري فطاوعت أمرها ... فنفسك لا نفسي بذاك تهين\nومنها الربض ويقال الربض أيضًا لكل ما أويت إليه. قال الشاعر:\nجاء الشتاء ولمّا اتخذ ربضا ... يا ويح نفسي من حفر القراميص\nومنها القعيدة. قال الحطيئة:\nأطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدة لكاع\nومنها الزوج ويطلق على الذكر والأنثى. وقد بقال الزوجة على قلة كقول الفرزدق:\nوإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها\nوقال سليمان العدوي أو الخزاعي في مرثيته للحسين ﵁:\nإذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها ... وقتلنا قيس إذا النعل زلت\nوهو مثل قول اللحيص بيض:","vol":"1","page":340},{"text":"ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم ابطح\nوقرئ على قبر بالمدينة:\nيا مفردا سكن الثرى وبقيت لو ... كنت اصدق إذ بليت بليت\nالحي يكذب: لا صديق لميت ... لو صح ذاك ومت كنت أموت\nومثله قول الآخر:\nومن عجب أن بت مستشعر الثرا ... وبت بما زودتني متمتعا\nولم إنني أنصفتك الود لم أبت ... خلافك حتى تنطوي في الثر معا\nوقول الآخر:\nما وفي العباد حي لميت ... بعد ياس منه له في الإياب\nوقول الآخر:\nنسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن وارى التراب نسيب\nوقال أبو محمّد الحريري رحمه الله تعالى في غلام ابقل عذاره:\nقال العواذل ما هذا الغلام به: ... أما ترى الشعر في خديه نبتا\nفقلت والله لو إنَّ المفند لي ... تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا\nومن أقام بأرض وهي مجدبة ... فكيف يرحل عنها والربيع أتى؟\nوقال أبن زهر الاشبيلي إذ غلب عليه الشيب:\nإني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا\nرأيت فيها شيوخا لست اعرفه ... وكنت اعهده من قبل ذاك فتى\nفقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحل عن هذا المكان متى؟\nفاستضحكت ثم قالت وهي معجبة ... أتى الذي أنكرته مقلتاه أتى\nكانت سليمة تنادي: يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم: يا أبتا\nوتقدم بعضه قبل هذا الباب. وقال الآخر:\nالصبر محمود إلى غاية ... وهذه الغاية حتى متى؟\nما احسن الصبر ولكنه ... في ضمنه يذهب عمر الفتى","vol":"1","page":341},{"text":"وهو مأخوذ من قول بعض الحكماء: ما احسن الصبر لولا إنَّ النفقة عليه من العمر.\nوقال الآخر:\nألم تر إنَّ الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إلى سبت؟\nفقل لجديد العيش: لا بد من بلى ... وقل لاجتماع العيش: لابد من شت\nوقال الآخر:\nإذا لم يكن مني تصامم ... وفي بصري غض وفي منطقي صمت\nفحظي إذا من صومي الجوع والظما ... وإنَّ قلت إني صمت يوما فما صمت\nوفيه الجناس التام. وقال الآخر وقد قدم على المواريث:\nوما نلت من شغل المواريث غير إنَّ ... اسرح نعشا كلما مات ميت\nواكتب بالأموات صك كأنهم ... يخاف عليهم من الحساب التفلت\nكأني لعزرائيل صرت مناقضا: ... فهاهو يمحو كل يوم واثبت\nوقال الفرزدق:\nبنو دارم إكفاؤهم آل مسمع ... وتنكح في اكفائها الحبطات\nوكان بلغه إنَّ رجلا من الحبطات يخطب امرأة من دارم فقال ذلك. ودارم هو مالك بن حنضلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وآل مسمع كمنبر من بني قيس بن ثعلبة وهم بيت بكر بن وائل في الإسلام. والحبطات بنو الحارث بن عمرو بن تميم وكان أبوهم الحارث يلقب بالحبط بكسر الباء الموحدة والحبط هو الذي يصبه الحبط بفتحتين وهو انتفاخ بطون الماشية من أكل النبات كما مر. وأصاب ذلك الحارث في بعض أسفاره فقيل له الحبط وقيل لأولاده الحبطات. ويضرب هذا البيت مثلا لمن طمح إلى فوق قدره في هذا المعنى.\nوقال بعض الأعراب:\nوسائلي عن خبري لويت ... فقلت: لا ادري وقد دريت\nوقبله:","vol":"1","page":342},{"text":"ومنهل في الغراب ميت ... كأنه من الأجوان زيت\nسقيت منه القوم واستقيت ... وليلة ذات ندى سريت\nولم يلتني عن سراها ليت ... ولم تضرني كنة وبيت\nوجمة تسألني أعطيت ... وسائلي عن خبري لبيت\nوالبيت هنا أيضًا الزوجة والجمة القوم يسألون في الديات.\nوقال الآخر:\nخليلي هذي زفارة اليوم قد مضت ... فمن لغد من زفرة قد أظلت\nومن زفارات لو قصدن قتلنني ... تقص التي تبقى التي قد تولت\nوقال الآخر:\nالقني في لظى: فإن أحرقتني ... فيقين أن لست بالياقوت\nجمع النسيج كل من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت\nوهذا الشعر معروف مشهور ولم يعرف قائله ويتمثل به على نحو قولهم: ما كل سوداء تمرة وقولهم: مرعى ولا كالسعدان. وتقدم معنى البيت الأول في قول الحريري:\nوربما أصيل الياقوت جمر لطى ... ثم أنطفى الجمر والياقوت ياقوت\nوقال بعضهم في مناقضة البيتين المذكورين:\nأيّها المدعي الفخار دع الف ... خر لذي الكبرياء والجبروت\nنسيج داود لم يفد ليلة ... الغار وكان الفخار للعنكبوت\nوبقاء السمند في لهب ... النار مزيل فضيلة الياقوت\nوكذاك النعمام يلتقم الجزيرة ... مر وما الجمر للنعام بقوت\nوأراد إنَّ للعنكبوت شرف عظيما بنسيجها على فم الغار الذي دخله النبي ﷺ وأبو بكر وذلك مشهور. وقد قيل إنّها أيضًا نسجت على نبي الله داود ﵇ حين طلبه طالوت وعلى عبد الله بن انس حين بعثه النبي ﷺ إلى قتل خالد الهذلي وعلى عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي","vol":"1","page":343},{"text":"طالب ﵃ حين صلب عريان والله اعلم. والسمند الذي ذكره هو السمندل بالام وهو طائر يكون في أرض الهند لا يحترق بالنار تصنع منه المناديل فإذا اتسخت ألقيت في النار فأكلت النار ما عليها من الأوساخ وبقيت نظيفة فكان ذلك لها غسلا وإذا غمس شيء منها في الزيت وجعل في المصباح اشتعل بما فيه من الزيت ولم يحترق منه شيء أصلا ولو بقي ما بقي. وبعد كتابي هذا وجدت في بعض الدواوين أصل هذا الشعر وهوان بعض الملوك كان له وزير فعتب عليه شيئًا وحلف ليستبدلنه بمن لقي. فلقي أعرابي رث الهيئة فاستوزره فقال الوزير الأول وكان اسمه ياقوت يعرض للثاني:\nاحكم النسيج كل من حاك لكن ... نسيج داود ليس كالعنكبوت\nالقني في لظا البيت.\nفأجابه الثاني بقوله:\nنسج داود ما حمى صاحب الغار ... وكان الغار للعنكبوت\nوفراخ السمند في لهب النار ... أزالت فضيلة الياقوت\nوقالت امامة العامرية من شعراء الحماسة:\nوحرب يضج القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلة الدبرات\nسيتركها قوم ويصلى بحرها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات\nوقال جحدر:\nقد علمت والدتيي ما ضمت ... ولففت خرق وشمت\nإذا الكماة بالكماة التفت ... امخدج اليدين أم أتمت\nأي قد علمت مخائل الكرم في منذ ولدتني وعلمت إني تام الخلق غير ناقص لإقدامي وجراتي.\nوقال سنان بن فحل الطائي:","vol":"1","page":344},{"text":"وقالوا قد جننت فقلت كلا ... وربي ما جننت ولا انتشيت\nولكني ظلمت فكدت ابكي ... من الظلم المبرح أو بكيت\nفإنَ الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرة وذو طويت\nوقبلك رب خصم قد تمالوا ... علي فما جزعت ولا نيت\nولكني نصبت لهم جبيني ... وألة فارس حتى قريت\nوقال تأبط شرا:\nألم تعلم بأني لا كبير ... فتهونه ولا ضرع شخيت\nوإنَّ على وداعي كل خير ... وإنَّ قذافي الموت المميت\nالضرع: الضعيف والشخيت: الضئيل الحقير والوداع: المودعة والمسالمة والقذاف: المقاذفة اللسان وقال المأمون العباسي:\nوما أحد طالت له لحية ... فزادت اللحية في هيئته\nإلاّ وما ينقص من عقله ... اكثر مما زاد في لحيته\nوكان يوما جالسا مع ندمائه يذكرون أخبار الناس فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط إلاّ نقص من عقله بمقدار ما طال من لحيته وما رأيت عاقلا قط طويل اللحية فلم يسلم له جلساؤه ذلك. فبينما هم كذلك إذ اقبل رجل كبير اللحية حسن الهيئة حسن الثياب. فقال المأمون: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: هو رجل عاقل وقال آخر: يجب إنَّ يكون هذا قاضيا. فقال المأمون: علي به فلم يلبث أن صعد إليه فسلم وأجاد السلام واستنطقه بأحسن المنطق. فقال المأمون: أبو حمدوية. قال: ما الكنية؟ قال: علوية. فضحك المأمون واقبل على جلسائه فغمزهم عليه ثم قال: ما صنعتك؟ قال: أنا فقيه أجيد الشرح للسائل. فقال المأمون: نسألك عن مسألة؟ قال: سل عما بدا لك! فقال المأمون: ما تقول في رجل اشترى شاة من رجل فلما سلمها المشتري ومضى خرجت من أستها بعرة ففقأت عين رجل. على من تجب دية","vol":"1","page":345},{"text":"العين؟ قال: تجب على البائع دون المشتري. فقال المأمون: وما العلة التي أوجبت الدية على البائع دون المشتري؟ قال: لأنّه لمّا باعها لم يشترط إنَّ في أستها منجنيقا. قال: فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه وضحك كل من حضر من الندماء وأنشأ المأمون يقول: ما أحد طالت لحيته البيتين ومثله قول الآخر:\nإذا عظمت للفتى لحية ... فطالت وصارت إلى سرته\nفنقص عقل الفتى فاعلمن ... بمقدار ما زاد من لحيته\nوقول الآخر:\nلا تفخرن بلحية ... كثرت منابتها طويلة\nتهوي بها هوج الرياح ... كأنها ذنب السحلية\nقد يدرك الشرف الفتى ... يوما ولحيته قليلة\nالسحلية: ولد البقرة والجمع حسيل. وقول الآخر:\nوكل امرئ ذي لحية عثولية ... يقوم عليها ظن إنَّ له فشلا\nوما الفضل من طول السبال وعرضها ... إذا الله لم يجعل لصاحبها عقلا\nوقال الحسن بن المثنى: إذا رأيت رجلا له لحية طويلة ولم يتخذ لحية بين لحيتين كان في عقله شيء. وسيأتي من هذا المعنى ما في الكفاية إن شاء الله تعالى. وقول الآخر:\nإذا لم يكن فيك ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات\nوقال الآخر:\nيقوا أناس: لو نعت لنا الهوى ... ووالله ما ادري لهم كيف انعت\nفليس لشيء منه حدّثني أحده ... وليس لشيء منه وقت موقت\nإذا اشتد مابي كان آخر حيلتي ... له وضع كفي فوق خدي واصمت\nوانضح وجه الأرض طورا بعبرتي ... واقرعها طورا بظفري وانكت\nوقد زعم الواشون إني سلوتها: ... فما لي أراها من بعيد فأهبت؟\nوقال دعبل بن علي الخزعلي:","vol":"1","page":346},{"text":"أحببت ومي ولم اعدل بحبهم ... قالوا: تعصب جهلا قول ذي بهت\nدعني أصل رحمي إنَّ كانت قاطعها: ... لا بد للرحيم الدنيا من الصلة\nفاحفظ عشيرتك الادنين إنَّ لهم ... حقا يفرق بين الزوج والمرة\nوقال الأخر: ليس أعرابي من بالحارث:\nرئمت لسلمى فضيم وإنني ... قديما لآبي الضيم وأبن أبات\nفقد وقفتني بين شك وشبهة ... وما كنت وقافا على الشبهات\nوقال الحامسي:\nإذا ما يد لم تعط مما تخولت ... من المال في المعروف يوم فشلت\nفلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم احفل حتى متى ما أظلت\nفمنهن أن ألقى الصليب وأهله ... واقدم فوق القارح المتفلت\nومنهن أن أعطي الكريم بسؤله ... إذا شعب المعروف في الناس قلت\nومنهن إبراز الفتاة بنانها ... وقد أعطيت من صورة ما تمنت\nاصاح تروح نترك الجهل والصبا ... ونمح بقيا فتنة قد أظلت\nفما لك من ليلى ساء تحية ... تكون وداعا للفرق وقلت\nوزفرة مجزون وذكر مصيبة ... سلوت ولو عزت علي وجلت\nلم احفل: لم أبال وأظلت: أقبلت وغشيت وشعب المعروف: طرقه وأسبابه. وهذا التقسيم كأنه آخذه من قول طرفة بن العبد:\nفلولا ثلاث هن من عيش الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي\nفمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تجعل بالماء تزبد\nوكري إذا نادى المضاف مجنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد\nوتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطرف المعمد","vol":"1","page":347},{"text":"وسيأتي مع بيانه في محله إن شاء الله تعالى.\nوقال الشيخ أبي الفارض ﵁:\nكأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي\nوسيأتي إنشاد ما قيل في النحول إن شاء الله تعالى. وقال:\nأروم وقد طال المدى منك نظرة ... وكم من دماء دون مرامي طلت\nوقال:\nوجنبني حبيبك وصل معاشري ... وحببني ما عشت قطع عشيرتي\nوأبعدني عن أربعي بعد أربع ... شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي\nفلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا ... وبالوحش أنسي إذ من الأنس وحشتي\nوما ظفرت بالود روح مراحة ... ولا بالولا نفس صفا العيش ودت\nوأين الصفا؟ هيهات من عيش عاشق ... وجنة عدن بالمكاره حفت\nوحسن به تسبي النهى دلني على ... هوى حسنت فيه لعزك ذلتي\nوقال أبو الفرج بن هند:\nلا يرد الردى لزوم بيوت ... لا ولا يقتضيه جوب فلاة\nمولد الدر حماة فإذا سا ... فر حل التيجان واللماتسة\nوتقدم في هذا المعنى شعر كثير. ولنذكر هنا شيئا من غير ما مر من ذلك قول أبن الساعاتي:\nاهلك والليل منضيا جملك ... شمر فخير البلاد ما حملك\nلا خير في بقعة تروى من الأ ... رض إذا لم تنل بها املك\nحتام لا تعمل الجياد ولا ... تعمل في كل غاية جملك\nلقد تربص خيفة الأجل ... المحتوم لو كان دافعا أجلك\nوحبذا ذاك لو وجدت فتى ... افضل يوما عليك أو فضلك\nقال أبن قلاقس:","vol":"1","page":348},{"text":"سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا\nوالماء يسكب إن جرى ... طيبا ويخبث ما استقرا\nوبنقلة الدرر النفيسة ... بدلت بالبحر نحرا\nوله أيضًا:\nشرفي جاوز الغنى ومن العا ... رضما انحط عن رؤوس الجبال\nكيف لا أسرع التنقل والمشهر ... للبدر سرعة الانتقال\nوقوله أيضًا:\nإنَّ مقام المرء في بيته ... مثل مقام الميت في لحده\nفواصل الرحلة نحو الغنى ... فالسيف لا يقطع في غمده\nوالنار لا يحرق مشبوبها ... إلاّ إذا ما طار عن زنده\nوقول أبن الغنائم:\nسر طالبا غاياتها: أما ترى ... فوق الثريا أو ترى تحت الثرى\nلا تخلدن إلى المقام فإنما ... سير الهلال قضا له أن يقمرا\nلا تبك دارا فالفتى من إن دعا ... دمعا عصاه وإن دعاه ما جرى\nأين الكنائس من العرين وغزلا ... ن اللوى في المجد من أسد الشرى\nلو ينتج الوطن العلا ما سار عن ... غمدان سيد حمير مستنصرا\nوالليث لو وجد الفريسة رابضا ... أو ناهضا في خيسة ما اصحرا\nلا عار في بيع النفوس على الردى ... عندي إذا كان العلاء المشترى\nحتام حظي في الوهاد وأصحاب ... الدناءة في الشواهق والذرى؟\nما الجبن يحميني الحمام ولا أرى ... الأقدام يجلب لي سوى ما قدرا\nلا بد منها وثبة تسعى الظبى ... فيها وتكسو الجو فيها العيثرا\nأشكو إلى الأيام ما ألقى لها ... وجها على تلوينها مستبشرا","vol":"1","page":349},{"text":"ما عذر من لم يلق وجها ابيضا ... منهن إن لم يلق وجها احمرا\nوقال أبو الفضل التميمي:\nدعني اسر في البلاد متلمسا ... فضل مال إن لم يفر زانا\nفبيدق الرخ وهو ايسر ما ... في الدست إن سار صار فرزانا\nوقال أبن صردر:\nقلقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني للقصور\nلولا التغرب ما ارتقى ... در البحور إلى النحور\nوقول الآخر:\nدعي عزمات المستضام تسير ... فتنجد في عرض الفلا وتغور\nاللم تعلمي إنَّ الثواء هو التوى ... وإنَّ بيوت العاجزين قبور\nوقول أبي إسحاق الغزي:\nيا حليا عاطل البيد ... بوجه النجيبة الشملال\nزحل اكبر الكواكب لا ... يحمل إلاّ من قلة الانتقال\nوقول أبن قلاقس أيضًا:\nإن كنت تبغي وطنا ... من العلى فاغترب\nفالسمر في غاباتها ... معدودة في القصب\nوالشمس لا ترقب في ... المشرق لو لم تغرب\nوقول أبن الساعاتي أيضًا:\nوكن غنيا عن كل أرض بأختها ... وإنَّ حل مغناها كواعب عين\nفلولا فراق الدر أصداف بحره ... لأنكره تاج وصد جبين\nوقوله أيضًا:\nولا يصدنك عن شيء ترفعه ... فربما صار وردا نازح السحب\nلم يشرق الدر لولا هجر موطنه ... والبدر ما تم حتى جد في الطلب","vol":"1","page":350},{"text":"وقول الآخر:\nفالتبر كالتراب ملقى في موطنه ... والعود في أرضه نوع من الحطب\nومثله قول الآخر:\nأضيع في معشري وكم بلد ... يعود الكباء من حطبه\nوقول أبن السكن:\nقالوا نراك كثير السير مجتهدًا ... في الأرض طورًا وترتحل\nفقلت لو لم يكن في السير فائدة ... ما كانت السبع في الأبراج تنتقل\nوقال الأخر:\nأقول لجارتي والدمع جرٍ ... ولي عزم الرحيل من الديار\nذريني أنَّ أسير ولا تنوحي ... فإن الشهب أشرفها السواري\nوقال أبن سناء الملك:\nوأسعد الناس من لاقى بلا تعب ... مبدأ السعادة في مبدأ شبيبته\nوهذا البيت من أبيات يمدح بها والده الرشيد، وهي:\nإني لأرثي لدمعي من تزاحمه ... كما رثيت لشملي من تشتته\nأنا القوي بعزمي والرشيد أبي ... هو الرئيس على الدنيا بهمته\nأبني وأنشر بيت المجد مجتهدًا ... في لم لمته أو رم رمته\nأصبحت أحتال في حال ونضرتها ... به وارتع في عيشي وخضرته\nواسعد الناس \" البيت \" ومما مدحه به أيضًا قوله:\nيكفيك أني بك يا سيدي ... قد طاب أصلي وزكا محتدي\nجاوزت حدّثني البر بي صاعدًا ... فقف: فما أبقيت من مصعد!\nوقوله أيضًا من قصيدة:\nأني لي النقص إنَّ مجد أبي ... سام كما أنَّ قدره سابق\nهو الرشيد الذي رياسته ... سارت، فلا زاجر ولا سائق","vol":"1","page":351},{"text":"يكنى أبا الفضل وهو يعشق ... نفس الفضل، والمرء لابنه عاشق\nوأين هذا من أبن الرومي، حيث يقول في هجو أبيه، وبئس ما قال!:\nلو كان مثلك في زمان محمّدً ... ما جاء في القرآن بر الوالد!\nوأبن عنين في قوله:\nوجبتني أن أفعل الخير والد ... قليل إذا عد أهل المناسب!\nبعيد من الحسنى قريب من الخنا ... وضيع مساعي الخير جم المثالب\nإذا رمت أنَّ أسمو صعودًا إلى العلا ... غدا عرقه نحو الدنية جاذبي\nومثل هذا البيت قول الآخر في خالد بن عبد الله القسري، أو في غيره:\nإذا نبهته نخوة عربية ... إلى المجد قالت إرمنيته نم\nوممن هجا والده أبن بسام، حتى قال: فيه بعض الشعراء:\nمن شاء يهجو عليا ... فشعره قد كفاه\nلو إنّه لأبيه ... ما كان يهجو أباه\nوقال الأخر:\nلا تخف للخطوب في كل وقتٍ ... لا ولا تخشاها وإنَّ هي جلت!\nفحقيق دوامها ليس يبقى ... كثرت في الزمان أو هي قلت\nواردع للهموم صبرا جميلًا ... فالرزايا إذا توالت تولت\nوقال الأخر في هذا المعنى:\nاصبر إذا نائبه حلت ... فهي سواء والتي ولت\nواستنهض العزم فليس الظبا ... تربي وتفري كالتي كلت\nوفي هذا المعنى شعر كثير تقدم بعضه، وسيأتي في محل أخر، إن شاء الله تعالى.\nوقال الأخر:\nالقبر أخفى سترة للبنات ... ودفنها يروى من المكرمات\nأما رأيت الله جل اسمه ... قد وضع النعش بجنب البنات؟\nوسيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":352},{"text":"وقال الأخر:\nاقنع بأسير شيء أنت نائله ... واصبر ولا تتعرض للولايات!\nفما صفا النيل إلاّ وهو منتقص ... ولا تكدر إلاّ في الزيادات\nومثله قول أبن طباطبا:\nكن بما اوتيته مغتبطا ... تستدم عمر القنوع المكتفي!\nإنَّ في النيل المنى وشك الردى ... وقياس عند السرف\nكسراج دهنه قوته ... فإذا أغرقته فيه طفي\nوقال الأخر:\nخذ من العيش ما كفى\nكسراج منور ... إن طفا دهنته انطفا\nوسيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.\nوقال البحتري:\nإنَّ أبق أو اهلك فقد نلت التي ... ملأت صدور أقاربي وعداتي\nوغنيت ندمان الخلائف نابها ... ذكري وناعمة بهم نشواتي\nوشفعت في الأمر الجليل إليهم ... بعد الجليل فأنجحوا طلباتي\nووضعت في العرب الصنائع عندهم ... من رفد طلاب وفك عناة\nوقال دعبل الخزاعي:\nلا تعرضن بمزح لامرئ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة\nفرب قافية بالمزح جارية ... في محفل لم يرد إنماؤها نمت\nإني إذا قلت بيتا ماتب قائله ... ومن يقال له والبيت لم يمت\nونحوه قول الآخر:\nفللشعراء ألسنه حداد ... على العورات موفية دليله","vol":"1","page":353},{"text":"ومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... ودارهم مدارة جميلة\nإذا وضعوا مكاويهم عليه ... وإنَّ كذبوا فليس لهن حيله\nوسيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":354},{"text":"وقال الأخر يتشوق إلى أهله:\nولي كبد مكلومة لفراقكم ... أطمئنها صبرًا على ما أجنت\nتمنتكم شوقا إليكم وصبوة ... عسى الله أنَّ يدني لها ما تمنت\nوعين جفاها النوم واعتادها البكا ... إذا عن ذكر القيروان استهلت\nوقال تميم بن جميل بين يدي المعتصم، وقد قدم السيف والنطع ليقتله:\nأرى الموت بين النطع والسيف كامنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت\nواكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئٍ مما قضى الله يفلت؟\nوأي امرئ يدلي بعذر وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت؟\nيعز على الأوس بن تغلي موقف ... يهز علي السيف فيه وأسكت\nفما حزني إني أموت وإنني ... لأعلم أنَّ لموت شيء موقت\nولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت!\nكأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا\nفإن عشت عاشوا خافضين بنعمةٍ ... أذوذ الردى عنهم وإنَّ من موتوا\nفكم قائل لا يعبد الله داره ... وآخر جذلان يسير ويشمت!\nفعفا عنه المعتصم، واحسن إليه، وقلده عملا. ونحو البيت الأخير قول الأول:\nإذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع\nوقال أبن رشيق:\nأيّها الموحي إلينا ... نفثه الصل الصموت\nما سكتنا عنك عيا ... رب نطقٍ في السكوت\nلك بيت في البيوت ... مثل بيت العنكبوت\nإنَّ يهن وهنا ففيه ... حيلتا سكنى وقوت!","vol":"1","page":353},{"text":"ومثل هذا قوله أيضًا:\nواحرق أكال للحم صديقه ... وليس لجاري ريقه بمسيغ\nلست له ظنا بعرضي فلم أجب ... ورب جواب في السكوت بليغ\nوقول الآخر:\nواعلم بأن من السكوت إبانة ... ومن التكلم ما يكون خبالا\nوقول الآخر:\nأيا رب إنَّ الناس لا ينصفوني ... ولم يحسنوا قرضي على حسنات\nإذا ما رأوني في رخاء توددوا ... إلي وأعداء لدى الأزمات\nومهما أكن في نعمة حزنوا لها ... ذوو أنفس في شدتي جذلات\nثقاتي ما دامت صلاتي لديهم ... وإنَّ عنهم أخرتهم فعداتي\nسأمنع قلبي إنَّ يحن إليهم ... واصرف عن قاليا لحظاتي\nوالزم نفسي الصبر دائبا لعلني ... أعين ما أملت قبل مماتي\nألا إنّما الدنيا كفاف وصحة ... وأمن ثلاث طيب كل حياة\nوقال الأخر:\nوما النفس إلاّ حيث يجعلها الفتى: ... فإن توقت تاقت وإلاّ تسلت\nوقال الأخر:\nإذا ما مددت النفس التمس الغنى ... إلى غير من قال اسألوني فشلت\nسأصبر جهدي إنَّ في الصبر عزة ... وأرضى بدنياي وإنَّ هي قلت\nوقال الأخر:\nمن لي بذكري كلما أوحشته ... تمحو سلوي واشتياقي تثبت\nوسحاب دمع كلما أمطرته ... غير القتاد بمضجعي لا ينبت؟\nوقد كنت قلت معنى البيت الأخير، قبل إنَّ أراه، وهو مطلع قصيدة:\nطرقت من بعد الهدو بلابل ... تمهى كما طرق الخميلة وابل\nسحب متى تحلل بأكناف الحشى ... ينبت به منها القتاد الراعل","vol":"1","page":355},{"text":"إلاّ إنّه جعله في مطر الدموع، وأنا جعلته في مطر الأحزان؛ وجعله في المضجع، وأنا جعلته في وسط الفؤاد، وإليك ارتياد الإبلاغ!\nتقسم منك الترب قومي وجيرتي: ففي الظاهر إحيائي وفي البطن أمواتي\nوتقدم كثير مما قيل في ذكر الوطن، وسيأتي مزيد فيه، إن شاء الله تعالى.\nوقلت أنا في قوم غشوا لئيما فجعل جائزتهم الازدراء:\nلأن تهملوا أو يزدرى بوجوهكم ... فذوا ورطات خاضها الطين بابته\nومن يستبل يوما حميرًا ينلنه ... فلا يشجعه من بولهن إصابته\nولو كان حلم لأدري المرء إنّه ... من النوك أنَّ تمتد للصخر راحته\nإلاّ إنَّ برقا خلبا غير ممطر ... وشائمة الحرمان والغم غايته!\nودخلت يوما عليه للتسليم عليه، فرأيت من لقياه ما أكره، فقلت في نفسي ارتجالا أو شبه ارتجال:\nأتكبر يا أبن اللؤم بالكبر والخنا ... ولؤم لديه ما درى كرم الخلق؟\nوتلتمس ركن المعالي براحة ... مغللة منها البنان إلى العنق؟\nوتستقبلن وجه السيادة مسفرًا ... بوجه كوجه الضفدع التف في سحق؟\nوترقى سرير الملك يوما بأحمصٍ ... لو أعتسفت خضر الصوح بالمحق؟\nولو خاضت العذاب الفرات غدابها ... زعاقا يغص الشاربين وذا رنقِ\nوتجري تصريف الرعايا جميعها ... على مسكة العصفور ذي الطيش الخرق\nوتقدم في دفع الملمات عنهم ... بقلب هيوب يستفز من الوق\nفهيهات منك المجد إنَّ كنت عاقلًا ... فدعه وإنَّ كنت المهوس فأسترق!\nفلا خير فيه غير أن لقاءه ... يعلمك الهجو البليغ على صدق\nوإن هجا الناس ليس يسوؤه ... وهل ساء من على العرض يستبقي؟\nدخلت عليه زائرا فإذا أنا ... بكلب مطير عابس مائل الشدق\nواحسن إذا أخطأت إن زرت مثله ... فيعاقبني بالتيه أو سيئ الخلق\nوأنا أستغفر الله العظيم من هجو المسلمين، وثلب أعراض الغافلين. ولولا أن اغتياب","vol":"1","page":356},{"text":"البخيل، ورد فيه ترخيص وتسهيل، مع إبتناء الكتاب، على قصد الإمتاع من كل باب، ما مضمضت بالهجو لساني، وسطرته ببناني.\nوهيهفاء يحكيها القضيب تأودًا ... إذا ما انثنت في الريط أو حبراتها\nيضيق الإزار الرحب عن ردفها كما ... يضيق بها الأحشاء عن زفراتها\nوما ظبية أدماء تألف وحدة ... تزيد ظلال الضال أو أثلاتها\nبأحسن منها يوم أومت بلحظها ... إلينا ولم تنطق حذار وشاتها\nوقال أبن النبيه:\nمن لي بسلمى وفي أجفان مقلتها ... للحرب بيض حداد قط ما صحفت\nيهتز بين وشاحيها قضيب نقى ... حمائم في أفنانه صدحت\nوأسود الخال في محمر وجنتها ... كمسكة نفحت في جمرة لفحت\nوقال الحماسي في غير هذا المعنى:\nلا تنكحن الدهر ما عشت أيما ... مجربة قد مل منها وملت\nتحك قفاها من وراء خمارها ... إذا فقدت شيئًا من البيت جنت\nتجود برجليها وتمنع درها ... وإنَّ طلبت منها المحبة هرت\nوقوله تحك قفاها: يريد إنّها لا تحسن احتكاكا، فضلا عن غيره. وقوله تجود برجليها، الخ: يريد إنّها تتأتى لمن يريد غشيانها، ولا تصلح للولادة، لأنها قعدت عنها فلا در لها. وتقدم هذا المعنى. وقال الحماسي أيضًا في لتلميح:\nإذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... على الرجل المسكين كاد يموت\nوفي هذا القدر كفاية من هذا الباب، والله يقول الحق ويهدي السبيل.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>بسم الله الرحمن الرحيم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>باب الثاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>الثابت يكسر الوثبات</span>.\nالثابت: الرزانة والحلم، وهو ضد الخفة والطيش. والوثبات: جمع وثبة، وهي الصولة والانتقام. وهذا مثل ظاهر المعنى، وهو مصنوع فيما أظن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>أثقف من سنورٍ</span>.\nيقال ثقف الرجل، بضم القاف، يثقف ثقافة، فهو ثقف وثقيف؛ وثقف، بكسرها، يثقف ثقفا، فهو ثقف وثقف، كندس وندسٍ، إذا كان حاذقا فطنا خفيفا. ومنه، حديث أنس: وكان غلاما ثقفا. والسنور، على وزن جردحل: الهر المعروف، والأنثى سنورة، وله أسماء كثيرة، حتى حكي أنَّ أعرابيًا صاده ولم يعرفه. فلقيه إنسان، فقال له: ما هذا السنور؟ ثم لقيه أخر، فقال: ما هذا القط؟ ثم آخر، ثم آخر. فلما رأى كثرة أسمائه ظن أن ذلك لخير عظيم فيه، فقال: أبيعه، لعل الله تعالى يرزقني مالًا كثيرًا. فلما وقفه في السوق قيل له: بكم تبيعه؟ قال: بمائة دينار. فقيل له إنّه لا يساوي إلا نصف درهم. فرمى به وقال: لعنه الله! ما اكثر أسمائه، وأقل بركته! وهو في الخفة وسرعة الاختطاف النهاية. فمن ثم ضرب به المثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>أثقل رأسًا من فهدٍ</span>.\nالفهد، بفتح الفاء وسكون الهاء بعدها دال مهملة، الحيوان المعروف الذي يتصيد به، وهو سبع، ويزعمون إنّه متولد من بين الأسد والنمر. وفهد الرجل، بالكسر تشبه بالفهد في نومه وتمدده، كما في حديث أم زرع: إنَّ دخل فهد وإنَّ خرج أسد. ويقال فهد أيضًا إذا نام وتغافل عما يجب تعهده. والفهد كثير النوم ثقيله، ومن ثم قالوا: أنوم من فهد، وأثقل رأسًا من فهد.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>مثقل استعان بذقنه</span>.\nالمثقل، من الثقل المذكور، وهو ضد الخفة. ويقال: ثقل الشيء بالضم، يثقل، ثقلًا، على مقال عنب، فهو ثقيل؛ وثقله تثقيلا؛ وأثقله تثقيلا؛ وأثقله. والاستعانة: طلب العون. والذقن، بفتحتين والذال معجمة: معجم اللحيين من اسفل.\nيضرب هذا المثل للذليل يستعين بمثله أو أذل منه. وأصله في البعير يحمل عليه الثقل فلا يستطيع إنَّ ينهض به، فيضرب بذقنه على الأرض، معتمدا عليه ليقوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>أثقل من حديث معادٍ</span>.\nالثقل تقدم؛ والحديث: الخبر؛ والمعاد: الذي سمعته ثم أعيد عليك مرة أخرى فهو يثقل على السماع كثيرا لعدم الداعي إلى سماعه، مع الملل الحاصل للنفس من تكراره. والنفس للطافتها وروحانيتها اكثر من البدن تألما بالاذاية واقل صبرا واحتمالا، فلا تكاد ترتاح إلاّ إلى ما فيه غذاؤها، من علوم تستحصلها، أو غرائب ولطائف تتفكه بها. فإذا عمدت ذلك غلبها الضجر، ونفرت غاية النفر؛ ومن ثم تستثقل الكلام المعاد وتمل منه، ولو كان في نفسه بليغا عجيبا، إذ لم يبق لها حظ فيه. وكان عدم الملل في كتاب الله تعالى، مع معاودته على مرور الليلي والأيام، معجزة ظاهرة للعيان؛ ومن ثم قيل: كل مكرر مملول إلاّ القرآن. ومما قيل في ثقيل:\nيا ثقيلاُ على القلوب إذا عن ... لها أيقنت بطول الجهاد!\nيا قذى في العيون يا غلة بين ... تراقي حرارة في الفؤاد!\nيا طلوع العذول يا بين ألف ... يا غريما أتى على الميعاد!\nيا ركوما في يوم غيم وصيف ... يا وجوه التجار يوم الكساد!\nخل عنا فإنما أنت فينا ... وأو عمرو وكالحديث المعاد!\nوامض في غير صحبة الله ما عشت ... ملقى من كل فج وواد\nيتخطى بك المهامه والبيد ... دليل أعمى كثير الرقاد","vol":"2","page":6},{"text":"وقال بعضهم في صفة ثقيل: هو أثقل من دواء بلا علة، وأبغض من خراج بلا غلة؛ قد خرج عن حدّثني الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال؛ يحكي ثقل الحديث المعاد، ويمشي على القلوب والأكباد؛ إذا نظرت إلى مشيته أنشدت:\nمشى فدعا من ثقله الحوت ربه ... وقال: إلاهي زيدت الأرض ثامنه!\nوقد يستحسن إعادة الحديث، لا لذاته بل لأمر عارض فيه للنفس أرب أما رغبة في كلام المتكلم خصوصا، أو في نغمته، أو في النظر إليه، أو في دوام جلوسه، أو عدم قضاء الوطر من ذلك الكلام أو نحو ذلك، ومن ثم يستعدا حديث المحبين والمغنين، كما قيل:\nوكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها\nمن الخفرات ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها\nولهذا الشعر حديث عجيب: ذكروا إنَّ رجلًا خرج في طلب إبل له أضلها. قال: فبينما أنا في واد إذ سمعت صوت منشد ينشد: وكنت إذا ما جئت سعدي أزورها \" البيتين \". فدنوت من الصوت، فإذا أنا براعٍ قد ضم غنما له تحت شجرة وهو يترنم، فسلمت عليه، فرد علي السلام وقال: من الرجل؟ فقلت: منقطع مه المسالك، أتاك يستعين بك ويستجير. فقال: أهلًا ومرحبا، انزل على الرحب! فعندي وطاء وطي وطعام غير بطي. فنزلت فنزع شملته، فبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز، ثم قال: اعذرني في هذا الوقت! فقلت: والله إنَّ هذا لخير كثير! فمال إلى فرسي فربطه وساقه وعلق عليه. وفلما أكلت صليت واستندت فبينما أنا بين النائم واليقظان، إذ أقبلت من فوق الوادي جارية أطلعت الشمس في غير أوان طلوعها، فوثب الفتى إليها، وجعل يقبل الأرض حتى وصل إليها. فأخذ في حديث مستلذ، مع شكوى وزفرات، وأنا متناوم، وهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح. ولم يزالا كذلك حتى طلع الفجر، فعانقها وتنفس الصعداء وبكيا، ثم قال لها: يا ابنة العم، بالله لا تبطئي علي كما أبطأت الليلة! فقالت يا أبن العم، ما علمت أني أنتظر الرقباء والوشاة حتى يناموا؟ فودعها وافترقا، وكل منهما ينظر لصاحبه ويبكي. فبكيت رحمة لهما ثم قلت في نفسي: أستضيفه الليلة الأخرى حتى أنظر ما يكون من أمرهما. فلما أصبحنا قلت له: جعلني الله فداك الأعمال بخواتمها، وقد نالني أمس تعب، واحب إنَّ أستريح عندك اليوم. فقال:","vol":"2","page":7},{"text":"على الرحب والسعة! لو بقيت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلاّ كما تحب. فعمد إلى شاه فذبحها وشواها، فقدمها إلي فأكلت وأكل معي إلاّ إنّه أكل، أكل من لا يريد أكلا. فلما أزل معه نهاري ذلك، ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانبا ولا أحلى كلاما منه؛ إلاّ إنّه كالولهان، ولم أعلمه بشيء مما رأيت. فلما أقبل الليل وطأ وطائي، وصليت وأعلمته إني أريد الهجوع لتعبي. فقال: نم هنيئا! فتناومت فقام ينتظرها إلى هنيئة من الليل وأبطأت. فلما حان وقت مجيئها قلق قلقًا شديدًا، فبكى ثم جاء فحركني فأوهمته إني كنت نائما، فقال: يا أخي، هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني ز جاءتني البارحة؟ قلت: قد رأيتها. قال تلك ابنة عمي واعز الناس علي، وإني لها محب وعاشق، وهي كذلك وأكثر. ومنعني أبوها من تزويجها لفقري وفاقتي، وتكبر علي، فصرت راعيا بسببها، فكانت تزورني كل ليلة. وقد حان وقت مجيئها، واشتغل قلبي عليها، وتحدثني نفسي إنَّ الأسد قد افترسها، ثم انشأ يقول:\nما بال مية لا تأتي لعادتها؟ ... أعاقها طرب أم شدها شغل؟\nنفسي فداؤك قد أحللت بي سقما ... تكاد كم حره الأعضاء تنفصل!\nثم ذهب فغاب عني ساعة، ثم أتى بشيء فطرحة بين يدي، فإذا بالجارية قتلها الأسد وأكل أعضائها وشوه خلقتها. ثم اخذ السيف وانطلق. فغاب عني ساعة، فإذا هو قد جاء برأس الأسد، فطرحه ناحية ثم قال:\nألا أيها الليث المدل بنفسه ... هلكت لقد جريت حقا لك الشرا!\nأخلفتني فردًا وقد كنت آنسا ... وقد عادت الأيام من بعدها صفرا\nثم قال: بالله يا أخي إلاّ ما سمعت مني، فإني ميت لا محالة! فإذا أنا مت فكفني في عباتي، وضم إلي ما بقي من أعضائها، وادفنا في قبر واحد. وخذ شويهاتي هؤلاء وعصاي وثيابي، فسوف تأتيك عجوز، فأعطها ذلك فهي والدتي. وقال لها: مات ولدك كمدًا، فإنها تموت عند ذلك، فادفنها إلى جانب قبرنا، وعلى الدنيا منا السلام! فلم يكن إلاّ قليلا حتى صاح صيحة، ووضع يده على صدره فمات من ساعته. ففعلت به جميع ما أوصاني وبت حزينا باكيا فلما أصبحنا، أقبلت عجوز ولهى، فسألتني عنه، فأخبرته خبره، فجعلت تبكي حتى إذا أقبل الليل شهقت شهقة فارقت","vol":"2","page":8},{"text":"الدنيا. فدفنتها إليه وبت الليلة الرابعة. فلما أصبحت ركبت فرسي وسقت الغنم وإذا أنا بهاتف يقول:\nكنا على ظهرها والدهر يجمعنا ... والشمل مجتمع والدار والوطن\nففرق الدهر بالتفريق ألفتنا ... فصار يجمعنا في بطنها الكفن\nقال: فأتيت الحي ودفعت الغنم لبني عمهم وانصرفت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>أثقل من حمل الدهيم</span>.\nالثقل تقدم؛ والحمل معروف والدهيم على وزن زبير: اسم ناقة عمرو بن الريان الهذلي قتل هو واخوته فحملت رؤوسهم عليها. وتقدمت هذه القصة في حرف الهمزة فقالوا: أشأم من دهيم، وأثقل من حمل دهيم.\nوظهر كلام الصحاح أنَّ قولهم للداهية الدهيم وأم الدهيم مأخوذ من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>أثقل من الزواقي</span>.\nالثقل مر؛ والزقاء: الصياح. ثقال: زقا الصدا، ويزقو ويزقي زقاء وزقيا إذا صاح. قال:\nولو أنَّ ليلى الأخيلية سلمت ... علي وفوقي جندل وصفائح\nلسلمت تسليم البشاشة أو زقى ... إليها الصدى من جانب القبر صائح\nالزواقي في المثل: الديكة وجمع زاق وزاقية. وكانوا يسمرون بالليل، فإذا صاحت الديكة تفرقوا، فيستثقلونها بذلك فقالوا: أثقل من الزواقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>أثقل من مغن وسطٍ</span>.\nالثقل مر، والمغني اسم فاعل من الغناء، وبالمد، وهو الصوت. والوسط يكون تارة اسمًا غير وصف. فإن كان بالتحريك، فاسم صريح لمّا بين طرفي الشيء، وإنَّ كان بالسكون فظرف، كقول عنترة:\nما راعني إلاّ حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم\nويقال: كل موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين، وإلاّ فبالفتح. وقيل: هما جاريان فيما","vol":"2","page":9},{"text":"كان مصمتا كالحلقة؛ فإنَ كان متبادلين الأجزاء فبالسكون فقط. قال صاحب الفصيح فيما يثقل ويخفف باختلاف المعنى: تقول جلس وسط القوم يعني بينهم أي بالتسكين وجلس وسط الدار، وأحتجم وسط رأسه، أي بالتحريك وهذا الذي قلنا أولًا. وقد يكون الوسط وصفا، أما بمعنى الأعدال كقوله تعالى:) وكذلك جعلناكم أمة وسطا (. وأما بمعنى التوسط بين أمرين، ومنه المثل. قال السهيلي: الوسط من أوصاف المدح والتفضيل، ولكن في موضعين: في ذكر النسب وفي ذكر الشهادة. أما النسب فلأن أوسط القبيلة أعرقها وأولاها بالصميم وأبعدها عن الأطراف وأجدر ألا تضاف إليه الدعوة، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب، فكان الوسط، من أجل هذا، مدحا في النسب بهذا السبب. وأما الشهادة فنحو قوله سبحانه قال:) أوسطهم. وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (فكان هذا مدحا في الشهادة، لأنها غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا كالميزان لا يميل مع أحد، بل يصمم على الحق تصميما، لا يجذبه هوى ولا تميل به الرغبة ولا رهبة من هاهنا ولا من هاهنا، فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية والتعديل. وظن كثير من الناس أنَّ معنى الأوساط الأفضل على الإطلاق، وقالوا: معنى الصلاة الوسطى الفضلى. وليس كذلك، بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم، كما يقتضيه لفظ التوسط. فإذا كان وسطا في السمن فهو بين الممخة والعجفاء، والوسط في الجمال بين الحسناء والشوهاء إلى غير ذلك من الأوصاف، لا تعطي مدحا ولا ذما. غير انهم قالوا في المثل: أثقل من مغن وسط على الذم، لأنه إنَّ كان مجيدًا جدا أمتع وأطرب؛ وإنَّ كان بارد جدًا أضحك وألهى، وذلك أيضًا مما يمتع. قال الجاحظ: \" وإنّما الكرب الذي يجثم على القلوب ويأخذ بالأنفاس الغناء البارد الذي لا يمتع لحسن ولا يضحك بلهو \" انتهى. وقال أبن رشيق: \" قال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك. ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط \". وقد قال أبن الرومي يهجو أبن طيفور:\nعدمتك يا أبي الطاهر ... وأطعمت ثكلك من شاعر\nفما أنت سخن ولا بارد ... وما بين هذا سوى الفاتر\nوأنت كذاك تغثي النفوس ... تغثية الفاتر الخاثر","vol":"2","page":10},{"text":"ونحو هذا قول الآخر:\nمسيخ مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر!\nوسيأتي هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>أثقل من الفيل</span>.\nالثقل مر؛ والفيل بالكسر الحيوان المعروف وثقله معروف. ومما قال بعض الثقلاء يخاطب ثقيلا:\nأنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل\nأنت في المنظر إنسان ... وفي المخبر فيل\nولو تعرضت لظل ... فسد الظل الظليل!\nوقال الأخر:\nفما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسنا!\nويحكى إنَّ الأعمش كان ينشد هذا البيت عندما يستثقل جليسا، وزعموا إنّه قال: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء! وإنّه نقش على خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم!، فإذا أستثقل جليسا ناوله إياه؛ وإنّه قال له رجل يوما: مم عمشت عيناك؟ فقال: من النظر إلى الثقلاء!.\nوفي حق الثقلاء قال: جالينوس: لكل شيء حمى، وحمى الروح النظر إلى الثقيل. وقيل له: لم صار الرجل ثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ فقال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب عليه بالجوارح. وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح؟ قال: نعم، من ظل الثقلاء. قال: فمررت به يوما وهو بين ثقلين، فقلت له: كيف الروح؟ فقال: في النزع! كان بعضهم إذا رأى ثقيلًا يقول: قد جاءكم جبل. فإذا جلس قال: قد وقع عليكم! قيل لبعض الظرفاء، وكان له ثلاثة بنين ثقلاء: أي بنيك أثقل؟ فقال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلاّ الوسط. وكان بشار يأتيه ثقيل يقال له أبو سفيان. فسئل عنه بشار","vol":"2","page":11},{"text":"يوما فقال: لا ادري لم لا تحمل الأمانة أرض حملته، ولا كيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلته! كأن قربه أيام المصائب وليالي النوائب؛ وكأن عشرته فقد الحبائب، وسوء العواقب. ثم أنشد:\nربما يثقل الجليس وإنَّ كان ... خفيفا في كفة الميزان\nولقد قلت حين وتد في البيت ... ثقيل أربى على ثهلان\nكيف لا تحمل الأمانة ارضٌ ... حملت فوقها أبا سفيان؟\nوكان لبشار أيضًا صديق يقال له هلال، فقال لبشار يوما: يا أبا معاذ! إنَّ الله لم يذهب بصر أحد إلاّ عوضه منه شيئًا، فما عوضك؟ قال: الطويل العريض. قال: وما هو؟ قال: إلاّ أراك ولا أرى الثقلاء أمثالك! ثم قال: يا هلال، أتطيعني في نصيحة أخصك بها؟ قال: نعم! قال: انك كنت تسرق الحمير زمانا، ثم تبت وصرت رافضيا؛ فعد إلى سرقة الحمير، فهي والله خير لك من الرفض! وفي هلال هـ يقول بشار:\nوكيف يحق لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال\nقعودا عند دسكرتي وداري ... كأن لهم علي فضول مال؟\nإذا ما شئت صبحني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال؟\nواستأذن بعض الثقلاء على أبن المبارك، فلم يأذن له. فكتب إليه ذلك الثقيل:\nهل لذي حاجة إليك سبيل؟ ... لا طويل قعوده بل قليل!\nفأجابه أبن مبارك:\nأنت يا صاحب الكتاب ثقيل! ... وقليل من الثقيل طويل!\nووصف بعض الأذكياء ثقيلًا فقال: هو ثقيل السكون بغيض الحركة، كثير الشؤم قليل البركة، كأنه ثقل الدين، ووجع العين. وما أحقه بقول القائل:\nثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سره رغم انفي ألم\nلنظرته وخزة في القلوب ... كوخز المحاجم في الملتزم\nأقول له إذ أتى: لا أتى ... ولا حملته إلينا قدم\nعدمت خيالك لا من عمى ... وسمع كلامك لا من صمم!","vol":"2","page":12},{"text":"ووصف أخر ثقيلًا فقال: هو بين الجفن والعين قذاة، وبين القدم والنعل حصاة. ما أشبه طلعته إلاّ بغداة الفراق أو كتاب طلاق أو طلعة الرقيب أو موت الحبيب!\nمشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامق\nيظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واشٍ علىالعاشق\nوذكر عند العباس بن الحسن العلوي ثقيل يقال له أبو عمار، فقال: ما الحمام على الأصرار، وحول الدين على الأقدار، وشدة السقم في الأسفار، بأثقل على النفس من طلعة أبي عمار. وانشد:\nتحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض\nوقال الأخر:\nإلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد\nومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل مع الساعات تزداد\nوقال الأخر:\nوثقيل أشد من ثقل الموت ... ومن شدة العذاب الأليم\nولو عصت ربها الجحيم لمّا كان ... سواه عقوبة للجحيم\nوقال جحظة البرمكي في صفة ثقيل:\nيا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول\nيا شربة اليارج يا أجرة المنزل ... يا وجه العدو الثقيل\nيا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول\nيا نهضة المحبوب من غضبةٍ ... يا نعمة قد آذنت بالرحيل\nويا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوء بعذر طويل\nيا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول\nيا وثبة الحافظ مستعجلا ... بصرفه القينات عند الأصيل","vol":"2","page":13},{"text":"ويا طبيب قد أتى باكرًا ... على أخي سقم بماء البقول\nيا شوكة في قدم رخصةٍ ... ليس إلى إخراجها من سبيل\nيا عشرة المجذوم في رحله ... ويا صعود السعر عند المعيل\nيا ردة الحاجب عن قسوة ... يا نكسة بعد برء العليل!\nوقال آخر في ثقيل:\nليس من الناس ولكنه ... يحسبه الناس من الناس\nأثقل في انفس أصحابه ... من جبل رأسي على رأسِ\nوقال أخر:\nيا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهدِ\nإني لأذكره حينا فأحسبه ... من ثقله جالسا مني على كبدي\nوقال الآخر:\nنظر العين نحوه ... علم الله يمرض\nفإذا ما أردتم ... أن تروه فغمضوا\nلا تصبكم ملمة ... والملمات تعرض\nوقال الآخر:\nشخصك من مقلة النديم ... أوحش من نحسة النجوم\nيا رجلا وجهه علينا ... أثقل من منة اللئيم\nإني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصي من الجحيم\nوالشعر في هذا المعنى كثير. وقد قال المفسرون نزلت آية في الثقلاء: فإذا طعمتم فانتشروا. أد بهم الله بذلك. وكان حماد بن سلمة إذا رأى ثقيلا قال: ربنا اكشف عنا العذاب أنا مؤمنون. وذكر الأعمش ثقيلا كان يجلس إلى جانبه فقال: والله إني لأبغض شقي الذي يليه مني. وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه وأغمك بحديثه أو سؤاله فأعره عينا عمياء أذنا صماء. وأنشد أيضًا في ذلك:\nهذا فتى أثقل من أحد ... يصبح من يلقاه في جهد\nعلامة البغض على وجهه ... بينة مذ كان في المهد","vol":"2","page":14},{"text":"لو دخل النار طفا حرها ... ومات من فيها من برد\nوفي الاستبراد قال آخر في قينة:\nولو مازج النار في حرها ... حديثك اخمد منها اللهب\nوقال كشاجم:\nغناء بريح بأرض الحجاز ... يطيب وأما بحمص فلا\nلبرد الغناء وبرد الهواء ... فإنَ جمعا خفت أن يقتلا\nولقي برد الخيار المغنى أبا العباس المبرد على الجسر في يوم ثلج فقال له: أنت المبرد وأنا برد الخيار واليوم كما ترى اعتزلنا لا يهلك الناس الفالج بسببنا. وأذكرني هذا قول أبن الخطيب: بياض بمقدار نصف صفحة في النسخ كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>ثكل أرأمها ولدا</span>.\nالثكل بضم الثاء: الهلاك والموت وفقد الأحبة وفقد الأولاد وهذا هو الكثير الاستعمال. يقال: ثكله بكسر الكاف ثكلا فهو ثكلان وهي ثكلى مثل سكرى. قالت الحماسية:\nسيتركها قوم ويصلى بحرها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات\nويحكى إنَّ عمير بن جندب مات قبيل الإسلام. فجهزوه ثم كشف القناع عن رأسه فقال: أين القصل؟ والقصل بالقاف على الصحيح وبالصاد المهملة واللام على مثال صرد وهو أحد بني عمه. فقالوا: سبحان الله مر آنفا فما حاجتك إليه؟ فقال: أتيت فقيل لي: لامك الهبل إلاّ ترى إلى حفرتك تنثل وقد كادت أمك تثكل؟ أنَّ رأيت إنَّ حولناك إلى محول ثم غيب في حفرتك القصل الذي مشى فاحزأل ثم ملأناها من الجندل؟ أنَّ تعبد ربك وتصل وتترك سبيل من أشرك وضل؟ فقلت: نعم فأفاق عمير وتزوج وولد له الأولاد. ولبث القصل ثلاثا ثم مات ودفن في قبر عمير.","vol":"2","page":15},{"text":"وقال أسماء المرية:\nأيا جبلي وادي عريعرة التي ... نأت عن ثوى قومي وحق قدومها\nألا خليا مجرى الجنوب لعله ... يداوي فؤادي من جواه نسيمها\nوكيف تداوي الريح شوقا مماطلا ... وعينا طويلا بالدموع سجومها\nوقولا لركبان تميمية غدت ... إلى البيت ترجو أن تحط جرومها\nبأن بأكناف الرغام غريبة ... مولهة ثكلى طويلا نئيمها\nمفجعة أحشاؤها من جوى الهوى ... وتبريح شوق عاكف ما يريمها\nوالإرآم: التحبيب والتعطيف. يقال: رئم فلان كذا بالكسر يرأمه: احبه وألفه ورئمت الناقة ولدها رئما: عطفت عليه وأرأمتها: عطفتها على غير ولدها أو على البو وهو الجلد يحشى لها لتدر عليه. قال:\nرئمت لسلمى بوضيم وإنني ... قديما لآبي الضيم وأبن أباة\nوقال الحماسي:\nومولى جلت عنه الموالي كأنه ... من البؤس مطلي به القار أجرب\nرئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ... ولم يك فيها للمبسين محلب\nوقال الآخر:\nأنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن\nأم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن\nوالولد معروف. والمثل لبيهس المعروف بنعامة. وكان من حديثه أنه خرج مع أخوة له سبعة فلقيهم قوم في موضع يقال له الأثلاث فقتلوهم إلاّ بيهسا وكان أصغرهم. فاستحقروه واستبقوه ثم احتملوه معهم حتى إذا قام قائم الظهيرة نزلوا فنحروا ناقة من وسيقتهم فأكلوا منها ثم قال قائلهم: ظلموا لحم جزوركم فقال بيهس: لكن على الأثلاث لحم لا يظلل يعني لحوم إخوانه المقتولين فأرسلها مثلا. فقال أحدهم: إني لأسمع من هذا الإنسان أمر يوشك أن يكون وراءه شر: فاقتلوه فقال زعيمهم: أيعد علينا هذا بقتيل؟ خلوه لصغر سنه فهو أحقر من ذلك فاحتملوه حتى إذا بلغوا به سمت الحي قالوا له: ائت أهلك وانع إخوانك فانطلق","vol":"2","page":16},{"text":"حتى دخل على أمه فقالت له: أين اخوتك؟ قال: قتلوا. فقالت: وما الذي أتى بك دونهم؟ فقال لها: لو خيرتك القوم لاخترت! فأرسلها مثلا. وكانت تبغضه لكثرة شره، وتحب اخوته. فلما فقدتهم أحبته ورئمته. فقال حينئذ: ثكل أرأمها ولدًا، أي عطفها على هذا الولد - يعني نفسه - ولا رققها عليه ولا آلفها إياه إلاّ ثكلها أولادها الباقين، وفقدها أولادها المحبوبين. ومضرب المثل من هذا المعنى ظاهر. ثم جمعت له أمه تراث اخوته وأعطته إياه. فجعل يدير فيه وكان يقول: يا حبذا التراث لولا الذلة! فسارت مثلا. وصنع بعض أهل الحواء عرسا وحضره صبيان الحي، فلما رآهم بيهس يلعبون تجرد عن ثيابه وجعل يرقص معهم. فأتته أمه فقال له: ما هذا يا بيهس؟ فقال:\nالبس لكل حالةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها!\nفذهبت مثلا. فبينما هو ذات يوم يرعى غنما له إذ ألجأه الحر إلى غار يستظل فيه. فرأى قتلة اخوته وهم عشرة قد عقلوا إبلهم على طرف الغار وقالوا. فخلى غنمه وبادر إلى الحي فأخذ سلاحه وأتى خالًا له يقال له أبو حنش وكان جبانا. فقال له: أبا حنش هل لك في ظباء تصطادهن ألجئهن الحر إلى عار؟ قال: نعم. فتنكب قوسك وحيهلًا ورائي! فأقبل به حتى هجم على فم الغار. وخاف بيهس أن يهرب خاله، فصاح على القوم حتى ثاروا. فتقدم بيهس وتبعه خاله علمًا منه إنّه غير ناج إن فر وقتلا القوم ورجعا بسلاحهم إلى الحي، وقد ثأر بيهس باخوته. فكان من لقي خاله يقول له: ما اشجعك أبا حنش! فيقول له: مكره أخاك لا بطل! فذهبت مثلا. ويقال إنَّ مدركي الأوتار في الجاهلية ثلاثة: قيصر بن سعد - تقدم أمره - وسيف بن ذي يزن الحميري - وسنذكره - وبيهس هذا. قال الشاعر:\nمن يطلب الأوتار ما أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهسُ\nوإنّما لقب بنعامة لطول رجليه فرأته أمه يوما فقالت: نعامة والله! فقال: نعامة عرفتني، نسأها الله! أي أخر في أجلها. وقيل لصممه، وكان أصم أصلع، والعرب، والعرب","vol":"2","page":17},{"text":"تصف النعامة بذلك، يزعمون إنّه مصلمٌ لا أذن له ولا يسمع الأصوات أما حقيقة أو إنّه لا يلتفت إليها. قال علقمة يصف الظليم:\nفوهٌ كشف العصا لأيًا تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلومُ\nوقال زهير:\nكأن الرجل منها فوق صعلٍ ... من الظلماء جؤجؤهُ هواءُ\nأسكن مصلمُ الأذنين أجنى ... له بالسيِّ تنومٌ وآء\nوقال عنترة:؟ فكأنني أطس الإكام عشيةً بقريب بين المنسمين مصلمِ\n؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الثور يحمي أنفه بروقه</span>.\nالثور بفتح الثاء وسون الواو، معروف يطلق على الانسي والوحشي. والحماية: المنع والحفظ، يقال: حماه من كذا يحميه منعه وحفظه. والروق بالفتح القرن.\nوالمعنى أنَّ الثور يدافع عن نفسه بقرنه، فيضرب فقط الحث على حفظ الحريم، والدب بما أمكن. وتقدم في كلام عمرو بن أمامة حيث قال:\nلقد عرفت الموت قبل ذوقه: ... إنَّ الجبان حتفه من فوقه\nكل امرئ مقاتلٌ عن طوفه ... كالثور يحمي أنفه بروقه\nوفي خبر أبن إسحاق عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهي أوبًا أرض الله من الحمى. فأصاب أصحابه منها بلاء، وصرف ذلك عن نبيه. قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى. فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من شدة الوعك. فدنوت من أبي بكر فقالت له: كيف تجدك يا أبتِ؟ قال:","vol":"2","page":18},{"text":"كل امرئ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعلهِ\nقالت: فقلت والله ما يدري أبي ما يقول! قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:\nلقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنَّ الجبان حتفه من فوقهِ\nكل امرئ مجاهٌ بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقهِ\nقالت: فقلت والله ما يدري عامر ما يقول! قال: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي أذخرٌ وجليلُ؟\nوهل أردن يوما مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيلُ؟\nقالت: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم وقلت. إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى. فقال رسول الله ﷺ: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل وباءها إلى مهيعة. ومهيعة الجحفة.\nوالظاهر أنَّ عامرا ﵁ تمثل بالشعر وإن كان فيه بعض مخالفة. وبعد كتبي هذا رأيت السهيلي قال: يذكر قول عامر: لقد وجدت الموت قبل ذوقه أنه لعمرو بن أمامة. انتهى. وهو ما استظهرناه قبل. وقول بلال: بوادٍ يروى بفخٍّ أيضًا وفخ موضع بمكة فيه ماء وفيه اغتسل رسول الله ﷺ وهو محرم لدخول مكة وفيه قال الشاعر:\nماذا بفخ من الإشراق والطيبِ ... ومن جوار نقياتٍ رعابيبِ\nومجنة سوق من أسواق العرب؛ وشامة وطفيل عينان من الماء وقيل جبلان. قال السهيلي: وفي هذا الخبر وما ذكر من حنينهم إلى مكة ما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إلية وما كانوا عليه من الحنين إلى الاوطان الذي هو جبلة في البشر كما روي في حديث أصيل الغفاري ويقال فيه الهذلي حين قدم مكة فسألته عائشة: كيف تركت مكة يا أصيل؟ فقال: تركتها د ابيضت أباطحها وأحجر ثمامها وأعذق إذخرها وأمشر سلمها فاغرورقت عين رسول الله صلى الله عليه","vol":"2","page":19},{"text":"وسلم وقال: لا تشوقنا يا أصيل! ويروى أيضًا أنه قال له: دع القلوب تقر! وفي هذا المعنى قول الآخر::\nإلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلهٌ ... بوادي الخزامي حيث ربتني أهلي\nبلادٌ بها نيطت علي تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي\nانتهى كلام السهيلي. وهذا المعنى مستوفي في هذا الكتاب في غير هذا الموضع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>ثار حَابِلُهُم على نَابِلِهِم</span>\nالثور: الهيجان والوثب: ثار يثور ثورًا فهو ثائر وأثرته وثورته واستثرته.\nوالحابل يطلق على من شد الشيء بحبل، ومنه المثل الآتي: يا حابل اذكر حلًاّ! وعلى من نصب الحبالة للصيد أو أخذه فيها. يقال: حبل الصيد واحتبله: إذا أخذه أو نصب له. والنابل والنبل: صاحب النبل وصانعه. والنبل: السهم قال امرؤ القيس:\nنطعتهم سلكي ومخلوجة ... كرك لأمين على نابلِ\nأي نطعنهم طعنا مستقيما وطعنا معوجا من كل وجه. كرك لأمين أي كردك لأمين أي سهمين على نابل أي على رامٍ في السرعة. وقال أيضًا:\nوليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال\nويقال إنَّ الحابل في هذا المثل السدى والنابل الطعمة: فإذا قيل في القوم إنهم\n\nثار حابلهم على نابلهم كان معناه أنهم أشتجروا وأوقدوا الشر فيما بينهم.\nومما يلتحق بهذا الباب قولك: أثقل من الحديد ومن الرصاص ومن حلول الدين مع الاقتار، ونحو ذلك وهو مطرد. وقولهم: ثل عرش فلان إذا هوى أمره وتضعضع عزه وذهب ملكه. قال زهير:\nتداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان قد زلت بأقدامهم النعلُ\nوثلَّ اللهُ عرشه: فعل به ذلك. وقال الأخر:","vol":"2","page":20},{"text":"إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب\nوالعرش سرير الملك، وسقف البيت، والعز وقوام الأمر ومنه ما ذكر.\nولنذكر بعض ما تيسر من الشعر. قال أبن الرومي:\nيا مادح الحقد محتالا له شبه ... لقد سلكت إليه مسلكا وعثا\nيا دافن الحقد في ضعفي حنوانحه ... ساء الدفين الذي أضحت له جدثا\nالحقد داء دوي لا دواء له ... يدوي الصدور إذا ما جمره حرثا\nفأستشفينه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرئ المصدور ما نفثا\nإنَّ القبيح وإنَّ ضيعت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا\nكم زخرف القول ذو زور ولبسه ... على القلوب ولكن قل ما لبثا\nوإنّما قال ذلك لأنّه قال: أيضًا في مدح الحقد:\nلئن كنت في حفظي لمّا أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضي\nلمّا عبتني إلاّ بفضل أمانة ... ورب امرئ يزري على خلقٍ محض\nولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وترًا آخر الدهر ذو نقض\nوما الحقد إلاّ توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض\nفحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض\nواخذ ذلك من قول أبن صالح، حين أتي به الرشيد وهو في قيوده، فقال له يحيى بن خالد وأراد أنَّ يسكته: بلغني انك حقود! فقال له: أيها الوزير، إنَّ كان الحقد هو بقاء الخير والشر، انهما لباقيان في قلبي! ويروى إنّه قال له: إنّما صدري خزانة لحفظ ما استودعت من خير وشر. فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحدًا احتج للحقد بمثل ما احتج به! وقال الأخر:\nما طلب فرع أصله خبيث ... ولا زكا من مجده حديث\nوقال الأخر:\nإنَّ قوما يلحون في حب سعدي ... لا يكادون يفقهون حديثًا\nسمعوا وصفها فلاموا عليها ... وأخذوا طيبا وأعطوا خبيثا","vol":"2","page":21},{"text":"وتقدم هذا المعنى قبل مستوفي.\nوقال أبو دلامة:\nإنَّ الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإنَّ بحثوا عني ففيهم مباحث\nوكانت لرجل عنده شهادة في الحق، فلما طلبه بالأداء قال له: إنَّ شهادتي لا تنفعك عند القاضي. فقال له الرجل: لابد من شهادتك! فشهد أبو دلامة وانصرف وهو يقول الشعر المذكور. فحكم القاضي بشهادته وغرم المشهود عليه المال حتى قبضه المشهود له، فغرمه القاضي للمشهود عليه خوفا من ظلمه ليجمع المصلحتين. وقيل إنَّ أبا دلامة استأجر طبيبا ليعالج ابنًا له مبلغ من الأجرة، فلما داواه قال للطبيب: إنّه ليس عندي ما أعطيك، ولكن أذهب وادع بهذا المبلغ على من شئت! وقيل إنّه قال له ادع على فلان اليهودي به، وإني وأبني نشهد لك! فأدعى الطبيب على اليهودي، فجاء أبو دلامة وابنه يشهدان له عند القاضي أبن أبي ليلى أو أبن أبي شبرقة فلما علم أبو دلامة أن القاضي لا يجيز شهادتهما أنشد بحيث يسمعه القاضي ما مر. فلما سمع القاضي ذلك حكم بشهادتهما خوفا من أذاه، وغرم ذلك المبلغ للمحكوم عليه، والله اعلم.\nومن هذا المعنى ما ذكر أبن رشيق عن العتبي من أن رجلا من أهل المدينة ادعى حقًا على رجل، فدعاه إلى أبن حنظب، القاضي المدينة، فقال: من يشهد بما تقول؟ فقال: زنقطة فلما ولى قال القاضي: ما شهادته له إلاّ كشهادته عليه. فلما جاء زنقطة أقبل على القاضي وقال له: فداك أبي وأمي! أحسن والله الشاعر حيث يقول:\nمن الحنظبيين الذين وجوههم ... دنانير مما شيف في أرض قيصرا\nفأقبل القاضي على الكاتب وقال: كبير ورب السماء! ما أحسبه شهد إلاّ بالحق. أجز شهادته! وقال الصفدي:\nصبري الذي اقتسمته غربة ونوى ... كأنما لهما في ذاك ميراث\nوكل يومٍ على ما فيه من هرمٍ ... يلقى صروف الليالي وهي أحداث\nوقال أبن الحداد يرثي:","vol":"2","page":22},{"text":"شمس الظهيرة هل تدرين ما حدثا؟ ... شمس العشيرة حلت مغربا حدثا\nانظر ثبيرًا هل أنهدت جوانبه ... لحادث في ثبير الحلم قد حدثا\nومن المستحسن في باب الرثاء قول أبي الفرج الجوزي، وقد ليم على اكتحاله يوم عاشوراء:\nولائم لي على اكتحالي ... يوم أراقوا دم الحسين\nفقلت: كفوا! أحق شيءٍ ... فيه بلبس السواد عبني\nوقال الأخر يرثي بعض الأمراء:\nكان الأمير نظام الدين لؤلؤة ... قد صاغها الله من مجد ومن شرف\nعزت فلم تقدر الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف\nوقمل الآخر في غلام له يلقب بالسيف:\nستذرف أجفاني عليك دموعها ... ولا غرو أن تبكي على السيف أجفان\nبكتك عيون الشهب إذ كنت بدرها ... وغالك من قبل التتمة نقصان\nوشقت يمين الصبح فيك عن الدجا ... قميصا فأضحى وهو للحزن عريان\nوقال الزمخشري يرثي شيخه:\nوقائلةٍ: ما هذه الدرر التي ... تناثر من عينيك سمطين سمطين؟\nفقلت: هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني\nوقول أبن الحداد:\nشقيقك غيب في لحده ... وتشرق يا بدر من بعده!\nفهلا خسفت فكان الخسوف ... حدادًا لبست على فقده؟\nوقول أبن المعتز:\nلم تمت أنت إنّما مات من لم ... يبق للمجد والسماحة ذكرا\nلست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يسقى وقد تضمن بحرا؟\nوقول العطوي في رجل كان يعول أناسا كثيرين فمات:\nوليس صرير النعش ما تسمونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف\nوليس فتيت المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف","vol":"2","page":23},{"text":"وقال أبن عبدون الوراق:\nقبرٌ بسوسة قد قبرت به الفتى ... أدرجت قلبي في مدارج لحده\nأسكنته سكنى ورحت كأنني ... في الأرض لا بشرًا أرى من بعده\nصمت عليَّ مسامعي في وجهه ... ز صعقت من صعق الصراخ ورعده\nوجهدت أن أبكي فلم أجد البكا ... فسكت سكتة صارمٍ في غمده\nهبني بكيت له وما يجدي البكا؟ ... ماءٌ بخدي والتراب بخده!\nوهذا الباب كثير لا يأتي عليه الحصر.\nومن أشهر المراثي وأحسنها مرثية أبي الحسن الأنباري في أبي بقية حين قتله عضد الدولة وصلبه وأولها:\nعلوٌّفي الحياة وفي الممات: ... لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ!\nوهي مشهورة معروفة. ولمّا اشتهرت ووصلت إلى عضد الدولة وأنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب! وقال أبن نباتة في النسيب:\nيا رب خالٍ على خدِّ الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبثُ\nأورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عندي أنَّ الخال لا يرثُ!\nوفي الخال قول الحاجري:\nعجبت لخالٍ يعبد النار دائمًا ... بخدك لم يحق بها وهو كافرُ\nوأعجب من ذا الله تعالى طرفك منذرٌ ... يصدق في آياته وهو ساحرُ\nوما أخضر ذاك الخد نبتًا وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائرُ\nومذ أخبروني أنَّ قدك بانةٌ ... تيقنت أنَّ القلب مني طائرُ\nوفي القد قول الآخر::\nبروحي معشوق الجمال فما له ... شبيه ولا في حبه لي لائمُ\nتثنى فمات الغصن من حسد من حسدٍ له ... ألم تره ناحت عليه الحمائمُ؟\nوقول الآخر:","vol":"2","page":24},{"text":"قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك\nقال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى على غصن أن يستميلك\nويشبه هذا ما حكي أنَّ رجلا دخل دارا ينظرها ليشتريها فسمع في بعض خشبها صوتا فقال: ما هذا؟ فقال صاحب الدار: أعزك الله! هذا السقف يسبح لله ﷿. فقال: أخشى أن يلحقه الخشوع فيسجد.\nوقال لبن خفاجة:\nوعشيِّ أنسٍ أضجعتني نشوةٌ ... فيه تمهد مضجعي وتدمثُ\nخلعت عليَّ بها الأراكة ظلها ... والغصن يصغي والحمام يحدثُ\nوالشمس تجنح للغروب مريضةً ... والرعد يرقي والغمامة تنفثُ\nومما يستلذ في هذا المعنى قول الآخر:\nعرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثرِ\nولتغتبقها قهوةٌ ذهبيةٌ ... من راحتي أحوى المدامع أحوارِ\nوعشية كم كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد يعذرِ\nنلنا بها آمالنا في روضةٍ ... تهدي لناشقها نسيم العنبرِ\nوالورق يشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميصٍ أصفرِ\nوالروض بين مفضض ومذهبٍ ... والزهور بين مدرهم ومدنرِ\nوالنهر مصقول الأبطاح والربا ... والشط بين مزعفرٍ ومعصفرِ\nوكأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسل على بساط أخضرِ\nوكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهرِ\nوكأنه وجهاته محفوفةٌ ... بالورد والريحان خد معذرِ\nنهرٌ اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلاّ لفرقة حسن هذا المنظرِ\nوقول مالك بن المرحل:","vol":"2","page":25},{"text":"وعشيةٍ سبق الصباح عشاءها ... قصرًا فما أمست حتى أسفرا\nمسكينةٍ لبست خلى ذهبيةً ... وجلا تبسمها نقابًا أحمرا\nوكأن شهب الجم بعض حليها ... عثرت به من سعةٍ فتكسرا\nوقال أبو النصر عبد الجبار:\nعليك بأغباب الوصال فضده ... يعيد حبال الوصل منك رثاثا\nفلو كلف الإنسان رؤية وجهه ... لطلقه بعد الثلاث ثلاثا\nومثله قول الآخر:\nعليك بإغباب الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا\nوسيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى وقال الحموي:\nأنَّ قومًا يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا\nسمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيبًا وأعطوا خبيثا\nوهذا من الاقتباس وهو أن يؤتى في الكلام المنثور أو المنظوم بلفظ يشبه لفظ القرآن أو الحديث غير منوي به إنّه قرآن أو حديث. ولا بد من هذا القيد الآخر: ولذلك ساغ سوق اللفظ مع تغيير فيه أو في معناه ولا يلزم فيه كفر تبديل القرآن ولا خلاف نقل الحديث بالمعنى. ولنذكر طرفا من ذلك هاهنا: فمن الاقتباس من القرآن في النثر قول الحريري: فلم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب. وهو في الشعر أكثر. ثم إنّه قد يكون اللفظ المقتبس بيتا كاملا كقول أبي محمد بن السيد البطليوسي في بعض مواضعه:\nخففوا ثقل الخطايا ... أفلح القوم المخففون!\nكيف تعطون من الباقي ... وبالفاني تضنون؟\nلن ينالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبون!\nوقول أبن العفيف:\nيا عاشقين حاذروا ... مبتسما من ثغره!","vol":"2","page":26},{"text":"فطرفه الساحر قد ... شككتم في أمره\nيريد أن يخرجكم ... من أرضكم بسحره\nوقد يكون شطر البيت كقول أبي فراس:\nقد كان بدر السماء حسنًا ... والناس في حبه سواءُ\nلا تعجبوا! ربما قديرٌ ... يزيد في الخلق ما يشاءُ\nوقول محيي الدين البغدادي:\nإن لا مني من رلا رآه فقد ... جار على الغائب في الحكمِ\nوإن لحاني من رآه فقد ... أضله الله على علمِ\nوقول أبن الدماميني وقد رأى جرة خمر كسرت فساحت الخمر على الأرض:\nكسروا الجرة عمدًا ... ملؤوا الأرض شرابا\nقلت والإسلام ديني: ... ليتني كنت ترابا!\nوقلت أنا في نحو هذا أخذا منه:\nعثرت هيفاء تحكي ... بدر تمٍّ حين غابا\nقبَّلَ التراب لماها ... ونضا عنها النقابا\nوجنى وردًا وندًا ... وارتوى منها رضابا\nقلت لمّا عانقته: ليتني كنت ترابا!\nوقد يكون أقل من الشطر الثاني كقول أبن النبيه:\nقل لراسي الجفون إنَّ لجفني ... في بحار الدموع سبحا طويلا\nوهي قصيدة على هذا النمط، أخذ قوافيها من سورة المزمل.\nولابن سهل الإسرائيلي قصيدة أخرى مثلها، اخذ قوافيها من سورة مريم، وكلتاهما مشورة. ومن ذلك قول بعضهم:\nإذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب: ميعاد السلو المقابر\nسيبقى لها في مضمر القلب والحشى ... سرائر ود يوم تبلى السرائر\nوقولنا:\nفي ظيبة هيفاء من أجفانها ... سحر الجفون البابلي تواترًا","vol":"2","page":27},{"text":"فإذا انتضت من جفنها غضبين من ... جفنين قلنا: ساحران تظاهرًا\nوفي التورية في الجفنين. وهذا الاقتباس هنا مما اختلف فيه الأصل والفرع معنى من جهة الحقيقة والمجاز. ومثله قول أبن الرومي يخاطب رجلا مدحه ولم يثبه:\nلئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي:\nلقد أنزلت حاجتي ... بوادٍ غير ذي زرعٍ\nفأنه جعل مجازا عن الرجل الذي لا خير فيه وهو في الآية حقيقة.\nومن الاقتباس في الحديث قول بعضهم:\nقال لي إنَّ رقيبي ... سيئ الخلق فداره\nقلت: دعني وجهك ... الجنة حفت بالمكاره\nأخذ من الحديث: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وقول بعضهم في غلام اسمه بدر فيه تورية:\nيا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التجري\nوقبحوا لك وصلي ... وحسنوا لك هجري\nفليفعلوا ما أرادوا ... فإنهم أهل بدر!\nاخذ من الحديث: لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم! وقول بعضهم:\nومهفهفٍ يزري على القمر ... وجناته روض في الزهر\nخالسته نوار وجنته ... وأخذ منها على حذر\nفأخافني قوم فقلت لهم: ... لا قطع في ثمر ولا كثر\nفقوله: لا قطعتم في ثمر ولا كثر هو لفظ حديث. والكثر جمار النخل. وقد زاد بعضهم الاقتباس من الفقه، وزاد أخرون الاقتباس من سائر العلوم. فمن الاقتباس من علم الفقه قول أبي تمام:\nإنَّ حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصفد\nمثل الدنانير بالدراهم في ... الصرف حرام إلاّ يدا بيدِ","vol":"2","page":28},{"text":"شرطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع قربا يواصل\nفلما أردت الأخذ بالشرط عرضوا ... وقالوا يصح البيع والشرط باطل\nوقول مالك بن المرحل موريا:\nمذهبي تقبيل خد مذهبٍ ... صاحبي ماذا ترى في مذهبي؟\nلا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل المغرب!\nوقول أبن العفيف:\nقضاة الحسن ما صنعي بطرف ... تمنى مثله الرشا الربيب؟\nرمى فأصاب قلبي باجتهادٍ ... صدقتم: كل مجتهد مصيب!\nوقول أبي عبد الله الشران، وقد كان عند أبن جماعة إعذار، فدعا البلد، ولم يدع الشران فكتب إليه الشران:\nماذا أعد المجد من أعذاره ... في ترك دعوتنا إلى إعذاره؟\nإنَّ كان رسم دون محضرنا اكتفى ... لا بد إنَّ يبقى على إعذاره\nومن الاقتباس من علم قول أبي بكر بن حجة الحموي:\nأيا عرب الوادي المنيع حجابه ... وأعني به قلبي الذي به خيموا\nرفعتم قبابا نصب عيني نحوها ... تجر ذيول النوق والقلب يجزم\nمنعتم تحيات السلام لموتنا ... غراما وقد متنا فصلوا وسلموا!\nوقول البوصيري:\nخفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم\nوقول بهاء الدين زهير:\nيقولون لي أنت الذي طار ذكره ... فمن صادر يثنى عليك ووارد\nهبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي؟\nومرض شرف الدين بن عنين، فكتب إلى الملك المعظم بن المكل العادل:\nانظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلاف\nأنا كالذي يحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي\nفلما بلغه البيتان، نهض إلى زيارته واستصحب ألف دينار. فلما دخل عليه وعاينه قال له: أنت كالذي هو موصول، يحتاج إلى صلة وعائد، فهذه الصلة وأنا العائد.","vol":"2","page":29},{"text":"وقول السليماني:\nوإني الذي أقصيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي؟\nوقولنا من أبيات:\nفلم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر\nوفولنا من أخرى:\nقصر الهناء أسى لغير ضرورةٍ ... لولا نواكم، والهوى ممدود\nومن أظرف ما وقع في ذلك قول أبن جابر يخاطب معزولا عن ولاية:\nفلا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه!\nومن الاقتباس من علم الحديث قول أبن جابر:\nنقل المسواك فيما قد روى ... أنَّ ذاك الريق مسك وعسل\nقلت: عن من؟ قال: عن مبسمها ... قلت: هذا خبر صح وجل\nمذ تبدى جوهر الثغر لنا ... صح في حسن لدينا ما نقل\nوقولنا في هذا المعنى:\nنقل النسيم عن الأرائك محدثا ... عن ثغر سلمى الأشنب الواضح\nوحديثه المروي أنَّ رضابه ... عسل ومسك شوبا بالراح\nيفتر العقدين من برد صفا ... ولآلئٍ منضودة وأقاح\nصدقا أحاديث الصحيحين اعتلت ... عن ريبة تغزى لها من لاح\nومن الاقتباس من علم أصول الفقه قول أبن جابر:\nجئتها طالبا لسالف وعد ... فأجابت: لقد جهلت الطريقه\nإنّما موعدي مجاز فقلت: الأصل ... في سائر الكلام الحقيقه\nوقوله أيضًا:\nلا تعجبوا من عموم الحب في الرشإٍ ... كل الجمال له في الناس مخصوص\nبدر ولكن إلى الغزلان منتسب ... قد نص ذلك جيد منه منصوص!\nوقول آخر:","vol":"2","page":30},{"text":"كيف لي بالسلو عنها وقلبي ... قد هوى حمله بمهوى الخرص؟\nما تعصيت ظاهر الصبر إلاّ ... ردني جيدها بأوضح نص\nوقول أبي بكر بن حجة، رحمه الله تعالى، وهو في الفنين معًا.\nبوادي حماة الشام أيمن الشط ... وحقك تطوى شقة الهم بالبسط\nبلاد إذا ما ذقت كوثر مائها ... أهيم كأني قد ثملت بإسفنط\nفمن يجتهد في أنَّ بالأرض بقعة ... تماثلها قل: أنت مجتهد مخطي\nوصوب حديثي مائها وهوائها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي\nومن الاقتباس من علم الكلام قول أبن جابر:\nعرض الحب دون جوهر ذاك ... الثغر من أكبر المحال بجود:\nأجمع الناظرون في ذاك أنَّ لا ... عرض دون جوهر في الوجود\nوقولنا من أبيات:\nفالجسم بالٍ ذو وبالٍ بعدكم ... أبدا به عرض الشحوب جديد\nوفي هذا البيت الجناس بين بالٍ وبالٍ، والاقتباس في الجسم والعرض، ومراعاة النظير بذلك الاعتبار، والطباق بين البلى والجدة.\nومن الاقتباس من علم المنطق قول أبن جابر:\nمقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصله\nتمنعا الجمع والخلو معا ... وإنّما ذاك حكم منفصله\nوقول أبن الخطيب:\nحتى إذا فرض الجلاد جداله ... ورأيت ريح النصر ذات هبوب\nقدمت سالبة العدو وبعدها ... أخرى بعز النصر ذات وجوب\nوإذا توسط حد سيفك عندها ... جزئي قياسك فزت بالمطلوب\nوقول الآخر:\nيا دمع أجفاني أطرد يا حر ... أضلاعي أتقد يا قرح اكبادي أنتك","vol":"2","page":31},{"text":"ويقل إتلاف النفوس تلفها ... لفوات حظ منك لم يستدرك\nأملي يشك وعفوكم متواطئ ... فأصار من متواطئ لمشكك\nمالي سواك لمن أمد يد الرجا ... متمسكا يا ملجأ المتمسك!\nومن الاقتباس من علم العروض قول الآخر:\nله جيش نصر قد نضى السعد دونه ... صوارم روع لا تلقيها القوانس\nإذا ما قوافي الخيل فيه تداركت ... فأبشر بنصر بحره متكاوس!\nوقولنا من قصيدة:\nسلام طويل الحب فيكم مديده ... فليس بذي نهك وليس بذي شطر\nوقولنا أيضًا في التغزل:\nيا شادنا يصيد أساد غيل ... بقوس صدغين وسهم كحيل\nبم استبحت دمي الحرم في ... قتلي وحرمت وصالي الحليل؟\nوقطع سببي من ودا ... دك وذا لا يرضينه الخليل\nوفي الخليل التورية وفي الأبيات أنواع أخرى من البديع ظاهرة.\nومن الاقتباس من علم الهيئة قول الغزالي:\nيا حسن ليلتنا التي قد زارنا ... فيها فأنجز ما مضى من وعده!\nقومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خده\nوقوله أيضًا:\nحلت عقارب صدغه من خده ... قمرا يجل به عن التشبيه\nولقد عهدناه يحل ببرجها ... ومن العجائب كيف حلت فيه!\nومن الاقتباس من علم الهندسة قول أبن جابر:\nمحيط بشكل الملاحة حسنه ... كأن به أقليدسا يتحدث\nفعارضه خط استواءٍ وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث\nومن الاقتباس من علم الخط قول أبن جابر أيضًا:","vol":"2","page":32},{"text":"فوق خديه للعذار طريق ... قد بدا تحته بياض وحمره\nقيل ماذا؟ فقلت: أشكال حسنٍ ... تقتضني أنَّ أبيع قلبي بنظره\nواعلم أنَّ معظم ما نشدنا، لك إنَّ تجعله من باب الإيهام تورية أو توجهها لا من باب الاقتباس والخطب سهل.\nومما جمع ثلاثة فنون مما مر قول بعضهم:\nدارست قلبي الصبر أعتده ... عن عاصم لي منك أو نافع\nفلم يكن يرفع ما حل بي ... ورب فعل ليس بالرافع\nضل بي المذهب يا مالكي ... فهل لذلك الوجه من شافع؟\nومثل هذا قول الآخر:\nمن شافع لي عند مالك مهجتي؟ ... مالي سوى حبي وليس بنافعي\nفمن المحقق أن مذهب مالكٍ ... لا تستقيم لديه حجه شافعي\nوهذا الباب أكثر من أن يأتي عليه الحصر.\nوقال أبن العربي، وقد وقف عليه مليح وهو في مجلس فهز ومحا بيده، ارتجالا:\nيهز علي الرمح ظبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث\nفلو كان رمحا واحدا لا تقينه ... ولكنه رمح وثان وثالث!\nوهذا غاية في القوة العارضة أنسجاما وحسن سبك وصحة معنى، الارتجال وصعوبة القافية. وقد وقع إشكال لجماعة من الأدباء في الشعر وما أريد فيه، وذلك من حيث لم يعتد استعمال الرمح في العيون؛ وإلاّ فهو بين واضح.\nوقلت أنا:\nلا يلهينك من فتى سرباله ... وبهاء منظره ورونق نفثه\nأو تقتحمه من رثاثة زيه ... فتجول في إطرائه أو مغثه\nحتى تبين قدره عن فره ... ولجينه عن بحثه\nوتميز عن طول الزمان هشيمه ... من غضه وسمينه من غثه\nونفاذه غرض النوائب إنَّ دجت ... من طيشه ووفاء من ملثه\nومقام ما أستودعه من كامن ... الأسرار في كتمانه أو نثه","vol":"2","page":33},{"text":"وترى إذا ما شمت بارق وعده ... أن قد مطرت بوبله أو دثه\nوترى جلية قوله إما روى ... نبا لدى تهذيبه أو مقثه\nوترى بمرجاس البصيرة غوره ... في وده للأصدقاء ودعثه\nفهناك إن احمدته فلتصفه ... ودا وإلاّ فلتحد عن وعثه\nفلرب ذي ورم يروق رواؤه ... حسنا وسوف تمجه في دأثه\nولرب مرعى مونق في دمنة ... وإذا شممت صددت عنه لخبثه\nولرب حسي ترتوي من عذبه ... عفوا وتكدي أو تشوب بنبثه\nومهند ذكر حسام باتر ... خلق الجفير من الحوادث رثه\nأزرت به مرآته وإذا انتضي ... أرضاك مشهده ومرأى جثه\nهذا وإنَّ المرء ليس بحاصد ... أبدا سوى ما قد أتى من حرثه\nولسوف يجني كل ما هو غارس ... في دهره من كرمه أو رمثه\nويرى مغبة سعيه مذخورة ... لمآبه من رمثه أو عيثه\nالنفث: المراد به الكلام. والإطراء: المبالغ في المدح والمغث ضده واللجين مصغرا: الفضة واللجين مثل أمير زبد أفواه الإبل وما سقط من الورق عند الخبط. وأطلق اللجين واللجين على محمود الأخلاق ومذمومها كما يقولون: إنَّ فلان لا يفرق بين لجين الكلام ولجينه أي بين جيده ورديئه؟ والنفاذ والطيش أصلها في السهام وذكرهما مع ذكر الغرض في النوائب استعارة وفي الغرض مع ذلك توجيه. والملث: الوعد بلا نية الوفاء. والدث: المطر الضعيف. والمرجاس: حجر يرمى في البئر ليعلم به عمقها وفيه أقوال أخرى. واحمدت الرجل: وجدته محمودا وكذا اذممته: فإنَ قلته بلا همزة كان بمعنى الثناء والمناسب هنا الأول. والدأث بفتح الدال المهملة وسكون الهمزة: الأكل والحسي: بئر غير غارقة بمستنقع فيها الماء وينبع منها واكدى الحافر: بلغ كديه في حفره. والرمث بكسر الراء: شجرة معروفة من أشجار البادية وليس لها من الثمرة ما للكرم وهو ضجر العنب فكني بالكرم والرمث عن السعي الذي يجدى نفعا والذي لا نفع فيه كغارس","vol":"2","page":34},{"text":"الرمث المذكور. والمث بفتح الراء: الأصلاح وضده العيث وهو الإفساد.\nوقول الآخر:\nليل البراغيث داء لا دواء له ... لا بارك الله في ليل البراغيث\nكأنهن بجسمي إذ علقن به ... أيدي الشهود على مال المواريث\nوقال أبن شرف في معناه:\nلك منزل كملت ستارته ... للهو لكن تحت ذاك حديث\nغنى الذباب وظل يزهو حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث\nومثله قول الآخر:\nليل البراغيث والبعوض ... ليل طويل بلا غموض\nفذاك ينزو بغير رقص ... وذا يغني بلا عروض\nوقول أعرابي بات بمصر فآذاه البرغوث:\nتطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الغضا ليلي علي يطول\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل\nوقول الكناني ملغزا فيه:\nومعشر يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم\nإذا سفكت دما منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دمي\nوقول أبن سكرة في مليح يعرف بابن برغوث:\nبليت ولا أقول بمن لأني ... متى ما قلت من هو يعشقوه\nحبيبي قد نفى عني رقادي ... فإنَ غمضت أيقضني أبوه\nوقال البستي:\nلا در در نوازل الأحداث ... نقلت احبتنا إلى الأجداث\nفغدت مآنسنا وهن مقابر ... وغدت مدائحنا وهن مراث\nوفي هذا القدر من الباب كفاية. والله يقول الحق وهذا يهدي السبيل.","vol":"2","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>باب الجيم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>أجبن من صافر</span>.\nالجبن: الخور وهيبة الأقدام على الأمور. يقال: جبن بالضم يجبن جبنا بالضم وبضمتين وجبانة بالفتح فهو جبان بوزن سحاب وجبان كشداد وجبين كأمير والجمع جبناء. وهي جبان وجبانة وجبين. والصافر: المصوت يقال: صفر يصفر صفيرا إذا صوت فهو صافر وصفار. قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>خلا لكِ الجو فبيضي واصفري</span>\nويقال الصافر للخشاش والبغاث من الطير وهو ما يصيد منها. واختلف في المراد من الصافر في هذا المثل فقيل أريد كل صافر من الطير ولا يكون الصفير إلاّ في ضعافها وجشاشها ويوصف بالجبن لكثرة ما يتقي من جوارح الجو ومصايد الأرض. وقيل الصافر طائر بعينه إذ أمسى تعلق بالشجرة برجليه ونكس رأسه خوفا من أن ينام فيؤخذ فيبيت منكوسا ولا يزال يصيح حتى يصبح. وقيل: الصافر هنا بمعنى المصفور به وهو الذي ينذر بالصفير فيفزع ويهرب كما قالوا: ما بالدار صافر أي مصفور به قال الشاعر:\nخلت الديار فما بها ... ممن عهدت بهن صافر\nوعليه يكون فاعلا بمعنى مفعول كما في دافق أي مدفوق وراحلة أي مرحولة وذلك في المثال المذكور. والبيت محتمل غير متعين. وقيل: الصافر هو الذي يصفر للمرأة بالريبة وهو موصف بالجبن ساعتئذ لوجله وحذره أن يطلع عليه. قال الكميت:","vol":"2","page":37},{"text":"أرجو لكم أن تكونوا في مودتكم ... كلبا كورهاء تقلى كل صفار\nلمّا أجابت صفيرا كان آتيها ... من قابس شيط الوجعاء بالنار\nوهذه المرأة التي ذكرها الكميت وضرب بها المثل امرأة من العرب كان من حديثها إنَّ رجلا كان يعتادها فكان يأتيها وهي جالسة مع زوجها وبنيها فيصفر لها فإذا سمعت صفيره أخرجت إليه عجيزتها من وراء البيت وهي تحدث ولدها فيقضي منها وطره ويرجع. ثم إنَّ بعض بنيها فطن للأمر فلما جاء صاحبها وصفر بها فأخرجت عجيزتها على العادة فأخذ مسمارا محمى كان معه فكوى به صدغها حتى أحست بالموت وتجلدت. فلما جاء الخدن بعد ذلك وصفر بها قالت: لقد قلينا صفيركم فضرب بها الكميت المثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>أجبن من الكروان</span>.\nالجبن تقدم. والكروان بفتحتين طائر يشبه البط لا ينام الليل. وقيل هو الحجل. وانشد الجوهري:\nيا كروان صك فاكبأنا ... فشن بالسلح فلما شنا\nبل الذنابي عبسا مبنا\nويقال: أراد به الحبارى يصكه النازي فيتقيه بسلحه ويقال هو الكركي. ويقال للأنثى كروانة. ويقال للذكر الكرا ومنه المثل الآتي: أطرق كرا. وثقال إنّه سمي بالكرا وبالنعاس ضد ما كان عليه لمّا مر من إنّه لا ينام وهو أيضًا موصف بالجبن الكثير والفزع من سباع الطير كما قال الشاعر في خالد بن صوفان:\nترى خطباء الناس يوم ارتجاله ... كأنهم الكروان عاين اجدلا\nوالكروان بالكسر فالسكون جمع الكروان السابق. وقال الآخر:\nأمير أبو موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان ابصرن بازيا\nوسيأتي الكلام عن قولهم: أطرق كرا إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>أجبن من المنزوف ضرطا</span>.\nالجبن مر والنزف: النزح. يقال نزفت ماء العين انزفه أي نزحته","vol":"2","page":38},{"text":"كله ونزفت البئر فهي منزوفة. ويقال: نزفة عبرة الرجل بكسر الزاي إذا فنيت وانزفها الشوق. ويقال: نزف فلان دمه بالبناء للمجهول إذا سال عليه سيلانا مفرطا ونزف الدم فهو منزوف فيها. والضرط بالفتح والضراط بالضم صوت الريح. يقال: ضرط بالكسر ضراطا وضرطا فهو ضراط كشداد وضروط كصبور وضروط كسنور. واختلف في المنزوف ضرطا فقيل إنَّ نسوة كن لم يكن لهن أزواج فزوج إحداهن رجلا فكان ينام الصبحة فإذا آتيته بالصبوح ونبهنه قال: لو نبهتني لعادية أي الخيل فلما اكثر من ذلك قلن بينهن: إنَّ صاحبنا لشجاع فتعالين فآتينه بالصبوح على العادة فقال: لو لعادية نبهتنني كما كان يقول. فقلن له: هذا نواصي الخيل فجعل يقول: الخيل الخيل ويضرط حتى مات. وقيل إنَّ المنزوف ضرطا دابة بالبادية إذا صيح عليها وقع عليها الضراط فلا تزال تضرط حتى تموت. وقيل إنّه رجل خرج مع رفيق له. فبينما هما في فلاة إذ لاحت لهما شجرة فقال: أرى قوما رصدونا. فقال رفيقه: إنّما هي عشرة أي شجرة والعشر بضم العين وفتح الشين شجر يحشى في المخاد وهو أجود ما يقتدح به. فظنه يقول عشرة بالفتح. فجعل يقول: وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>أجبن من النعامة</span>.\nالجبن مر والنعامة: واحدة النعام وهو معروف اسم جنس مثل حمام وحمامة وجراد وجرادة والذكر منه يقال له ظليم. والنعام يوصف بالجبن كثيرا. ويقال إنَّ النعامة إذا خافت من موضع لا ترجع إليه أبدًا. وقال الشاعر في الحجاج:\nأسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر\nهلا برزت إلى غزالة في الوغى؟ ... بل كان قلبك في جناحي طائر\nوللشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الجحش لمّا بذك الأعيار</span>!\nالجحش ولد الحمار اهليا كان أو وحشيا والأنثى جحشة والجمع جحاش. قال زهير يصف حمار وحش:\nوقد خرم الطراد عنه جحاشه ... فلم يبق إلاّ نفسه وحلاله\nوالبذ بالذال المعجمة الغلبة. يقال بذك هذا الأمر أي غلبك. قال علقمة يصف بقرة وحشية:\nتعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكليب\nوالأعيار جمع عير بفتح العين وهو الحمار أهليا كان أو وحشيا. قال امرؤ القيس في الوحشي:\nكأني وردفي والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وادر الخبرات\nوقال الآخر في الأهلي:\nولا يقيم على ضيم يراد به ... إلاّ الأذلان عير الحي والوتد\nويجمع أيضًا على معيورات.\nومعنى المثل إنّه إذا غلبتك الاعيار ولم تدركها فعليك بالجحاش. وذلك إنَّ الصائد إذا أثار طريدة من الوحش فإنَ الكبار القوية منها تسبق وتتأخر الصغار. فإذا اعجزته الكبار السوابق فمن حقه إنَّ يظفر بالصغار ولا يفرط فيها. فيضرب في الرجل يطلب الأمر العظيم الخطير فيفوته فيقال له: اطلب ما دون ذلك أمالا وترجع خائب كما قيل:\nإذا حاجة ولتك لا تستطيعها ... فخذ طرفا من غيرها حين تسبق\nولفظ الجحش في المثل يكون منصوبا على الأغراء أي: عليك بالجحش ويجوز أن يرفع على الابتداء أو الخبر أي: الجحش حسبك أو حسبك الجحش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>جدك كدك</span>.\nالجد بالفتح: الرزق والحظ. ورجل مجدود: ذو حظ. والكد بالفتح: الشدة والإلحاح. ومعنى المثل انك إنّما تعيش وتنال بمالك من الحظوة والبخت لا بتعبك وكدك فإنَ الكد لا ينفع مع الحرمان كما قيل:","vol":"2","page":40},{"text":"عش بجد ولا يضرنك نوك ... إنّما عيش من ترى بالجدود\nوكما قلت أنا:\nكم لبيب ذي نجدة مالت هزلا ... وغبي تحتفه ألف هان\nوتقدم في هذا المعنى مستوفى وسيأتي أيضًا.\nقيل: وأول من قال في هذا المثل حاتم بن عميرة الهمداني. وكان بعث ابنيه: الحسل وعاجية في تجارة لوجهتين مختلفتين. فذهب الحسل حتى لقيه قوم من بني أسد فأسروه واخذوا ماله. وسار أخوه أياما حتى وقع على مال الحسل فاتبعه حتى بلغ نجران فنادى في قومه همدان فأخذه من أيدي سالبيه قبل إنَّ يبلغ إلى موضع متجره. وكانت الإبل موسومة بسمة ابيهما وعرفوا إنَّ ما كان من المتاع له فأخذه ورجع إلى أهله. وقال في ذلك:\nكفاني الله بعد السير إني ... رأيت الخير في السفر القريب\nوهذا القرب نلنا خيرا ... ولم نلق الخسارة في الدؤوب\nفلما رجع تباشر به أهله وانتظروا الحسل. فلما ابطأ عنهم بعث أبوه أخا له يقال له شاكر في طلبه والبحث عنه. فلما دنا شاكر من الأرض التي فيها الحسل وكان الحسل علئفا يجزر الطير فقال الحسل:\nتبشرني بالنجاة القطاة ... وقول الغراب لها شاهد\nتقول: أل قد دنا نارح ... فداء له الطارف التالد\nأخا لم تكن أمنا أمه ... ولكن أبونا أب واحد\nتداركني زلفة حاتم ... فنعم المرب الوالد\nتداركني بك يا شاكر ... ومن بك الملك الماجد\nفسأل عنه شاكر حتى عرف مكانه فاشتراه منهم بأربعين بازلا. فلما رجع به واخبر بما لقي من بلاء قال أبوه: اسع بجدك لا بكدك وهذا المثل قولهم: عارك بجد أودع وسيأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>جدع مازن انفه بكفه</span>.\nيأتي هذا في الكاف وهو هناك البق.","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>أجرأ من خاصي خصاف</span>.\nالجراة على وزن الجرعة الشجاعة والأقدام. تقول: جرؤ بالضم، جرأة وجراءة، فهو جريء. وجرأته على الأمر تجرئة، فأتجر عليه. وتقول: خصيت الفحل أخصيه خصاء، وبالكسر والمد إذا سللت خصييه، فهو خصي. وخصاف على وزن كتاب أو وزن قطام: اسم فرس كان لحمل بن بدر بن عوف بن بكر بن وائل، طلبه منه المنذر بن امرئ القيس ليستحلفه، فخصاه بين يديه لجرأته ومنعه منه، فسمي خاصي خصاف وقيل من خاصي خصافٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>أجرأ من خاصي الأسد</span>.\nالأسد معروف. وخاصي الأسد تزعم العرب إنّه رجل مر به الاسد، فوجده يحرث بثورين بادنين، فقال له: يا حراث ما اسمن ثوريك! فبم أسمنتهما وما أطعمتهما؟ فقال له الحارث: إني خصيتهما فسمنا لأجل ذلك. فقال الأسد: فهل لك إنَّ تخصيني عسى إنَّ اسمن سمنهما؟ فقال له: نعم! وأمكنه الأسد من نفسه، فخصاه الحراث وزعموا إنّه مر عنه الأسد ودمه يسيل، حتى رقى ربوة فأقعى فيها حزينا ينظر إلى الحراث. فبينما هو كذلك إذا بثعلب مر به، قال له: مالي أراك حزينا يا أبا الحارث؟ فذكر له ما فعل به الحراث، وما دهمه من المثل الخصاء. فقال له الثعلب: هل لك في أنَّ آتي الحراث واستدبره، عسى أن تمكنني منه فرصة فأثئر لك؟ قال: نعم! فداك أبي وأمي. فمضى الثعلب وجعل يراوغ الحراث ويطيف به. فتناول الحراث حجرا وقذفه به فدق فخذه. فأتى الأسد وهو على ثلاث قوائم، فأقعى معه على الرابية يشكوان بثهما وما دهيا به من ذلك الحراث حتى مرت بهما نغرة فقالت لهما: ما لكما على هذه الحال؟ فأخبراها خبرهما، فقال لهما: أنا أتيه، فأستدبره حتى أدخل في أنفه. فجاءت إليه، وتغافل الحراث عنها حتى دنت منه قبص عليها واخذ عودا فدسه في آستها وأرسلها، فجاءت إلى الأسد والثعلب وهي شر من حالهما، قد سد العود دبرها","vol":"2","page":42},{"text":"ومنعها وأثقلها عن الطيران، فبينما الثلاثة جلوس على الربوة يتشاكون، جاءت امرأة الحراث بغذائه. فتقدم إليها، ورفع رجليها، وجعل يطؤها، وهي بمرأى من تلك الحيوانات. فقال الأسد: ما ترون هذا المشؤوم يفعل بهذه المرأة المسكينة، والله إني لأظنه يخصيها. فقال الثعلب: ما أظنه إلا يكسر فخذها، فقالت لا والله! بل يدخل في آستها عودا. فكانت النغرة أقربهن إلى الصدق ظنا. وقيل إنَّ خاصي الأسد هو الإصبع التي يفرس بها من براثينه. حكاه البكري عن القاسم بن ثابت، والله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>أجرأ من فارس خصاف</span>.\nخصاف، بفتح الخاء على مثال قطام، وهي كانت لملك بن عمرو الغساني. وخصاف بوزن كتاب: حصان كان لشهير بن ربيعة الباهلي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>جرب ثم باعد أو قرب</span>.\nهذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. ومثله قول الشاعر:\nابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن فعالهم وتفقد\nفإذا ظفرت بذي اللبابة والعلى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>يجري بليق ويذم</span>.\nالجريان: العدو، وهو معروف؛ وبليق مصغر اسم فرس كان سباقا، وكان مع ذلك يذم، فيضرب به المثل في المحسن يذم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>جري المذكي حسرات عنه الحمر</span>.\nالجري تقدم؛ والمذكي من الخيل المسن. يقال: ذكى الفرس، تذكية بذال معجمة إذا أسن. والمذاكي من الخيل: التي أتى على قروحها سنة أو سنتان. والحمر جمع حمار. والمعنى أنَّ الحمار لا يستطيع أنَّ يسابق القارح من الخيل، بل","vol":"2","page":43},{"text":"والبرذون، كما قال زهير يمدح هرم بن سنان:\nيطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... مضارب حتى إذا ما ضربوا اعتنقا\nفضل الجياد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنوقا ولا نزقا\nيضرب هذا المثل في الرجل البارع المبرز على غيره في الفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>جري المذكيات غلاب</span>.\nالمثل من معنى ما قبله. والجري تقدم؛ وكذا المذكيات من الخيل. والغلاب: المغالبة، كأنها تغالب الجري. ويروى غلاء أي مغالاة في السير. والغلاء، بكسر الغين أيضًا، جمع غلوة، وقد روي المثل بذلك. والغلوة من كل غاية مقدار رمية السهم. وهذا المثل قاله قيس بن زهير، وذلك إنّه لمّا تراهن هو وحمل بن بدر على ما مر في هذه القصة، فأرسلا فرسيهما: فرس قيس وهو داحس، وفرس حمل وهو الغبراء، على ما في ذلك من الاضطراب، ظهرت الغبراء على داحس. فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس! فقال قيس: رويدا! يعدوان الجدد، فأرسلها مثلا. فلما خرجا عن الجدد وصار في الوعث، برز على الغبراء. فقال قيس حينئذ: جري المذكيات غلاب أو غلاء كما مر فذهبت مثلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>جروا له الخطير ما أنجز لكم</span>!\nالجر: السحب على الأرض مثلا. وجرت الفرس بمقوده، والجمل بزمامه، فانجر؛ والخطير، بالخاء المعجمة والطاء المهملة على مثال أمير زمام الناقة وجديلها. يسمى بذلك لأنّه يخطر أي يهتز عند مشيها. وبذلك يمس الرمح خطارا. والجديل ما كان من جلود، وقد يقال لغيره. والحبل إذا كان من خوص سمي شريطاٍ، وإذا كان من كتان سمي مرسا، كما قال امروء القيس:\nكأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل\nوإذا كان من ليف فهو مسد. وهذا المثل يروى عن عمار بن ياسر، ﵁ إنّه قاله في عثمان، ﵁، حين أنكر عليه الناس ما أنكروا، أي أتبعوه ما كان فيه","vol":"2","page":44},{"text":"موضع متبع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>اجر الأمور على إذلالها</span>!\nالأمور جمع أمر؛ والإذلال، بالذال المعجمة، جمع ذال بالكسر وذل الطريق: محجته. والمعنى: أجر الأمور على مجاريها ومسالكها. ويضرب في الأمر بحسن التدبير ويقال أيضًا: إنَّ أمور الله جارية إذلالها وعلى إذلالها، أي على مجاريها. ويقال: دعه على إذلاله أي حاله؛ وجاء على إذلاله، أي على وجهه.\n؟ التجريد لغير نكاح مثله.\nالتجريد معروف. تقول: جردت زيدا من ثيابه، وتجرد هو من ثيابه؛ وكذا النكاح. ومثله: النقص والمثلة: النقص والعيب والشين. والمعنى أنَّ تجريد العورة لغير النكاح عيب. ويضرب في وضع الأشياء في غير موضعها. وذكروا أن المثل لرقاش بنت عمرو بن ثعلب بن وائل وكانت شريفة عاقلة. فتزوجها كعب بن مالك بن تيم الله، فقال لها: اخلعي درعك؟ فقالت: خلع الدرع بيد الزوجز فقال: اخلعي درعك لأنظر إليك؟! فقالت: يا أبن عم: إنَّ التجريد لغير نكاح مثلةٌ! فأرسلها مثلا. فطلقها مكانها، فحملت إلى أهلها، فمرت بذهل أبن شيبان بن ثعلبة، فسلم عليها وخطبها إلى نفسها، فقالت لخادمها: انظري أيبعثر أم يقعر إذا بال؟ فنظرت الأمة فقالت لمولاتها: يقعر. فتزوجته.\nويحكى أيضًا إنَّ عثمان بن عفان ﵁، لمّا تزوج نائلة بنت الفرافصة بن الاحوص الكلبية، وساقها إليه أخوها، فأدخلت عليه، وخلا بها وقال لها: تقومين إلي أم أقوم إليك؟ فقالت: ما قطعت إليك عرض السمواة وأنا احب إنَّ تقطع إلي عرض البساط. فقامت وجلست إليه، فقال لها: لا يسؤنك ما ترين من شيبي، فإن وراءه ما تحبين. قالت: إني لمن نسوة أحب رجالهن السيد الكهل. إلى أن قال لها: ضعي الخمار! فوضعته. فقال لها: اخلعي الدرع! فخلعته. فقال لها: اخلعي الإزار!","vol":"2","page":45},{"text":"قالت: ذلك إليك! فلما دخل على عثمان، ﵁، يوم الدار، أكبت عليه وجعلت تنافحح بيدها حتى أصيبت بجراحات. فلما قتل ﵀، رثته فقالت:\nإلاّ إنَّ خير الناس بعد ثلاثةٍ ... قتيل التحبي الذي جاء من مصر\nومالي لا تبكين وتبكي قرابتي ... وقد حجبت عنا فضول أبي عمر؟\nويروى هذا الشعر أيضًا للوليد بن عقبة، وللكميت. والتحبي هو كنانة أبن بشر قاتل عثمان، ﵁. وهو منسوب إلى تجيب، بضم التاء وفتحها، بطن من كندة. فلما انقضت عدتها خطبها معاوية، فقالت لنسائها: ما يعجب الرجال مني؟ قلن لها: ثناياك. فعمدت إلى فهرٍ فدقت به ثنيتها وبعثت بهما إلى معاوية، فكف. ولم تزل محدًا بعد قتل عثمان حتى لحقت به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>أجرى من ذبابٍ</span>.\nالجريان مر، والذباب معروف، والواحدة ذبابة، وجمع القلة أذبةٌ. قال الشاعر: ضرابة بالمشفر الأذبة وجمع الكثرة ذبان، بالكسر كغربان قال امرؤ القيس:\nعصافير وذبان ودودٌ ... وأجرا من مجلحة الذئاب\nولا يخفى ماله من الجريان وسرعة الدوران وخفة الطيران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>جزاه جزاء سنمار</span>.\nالجزاء: المكافأة. وثقول: جزيت فلانا، أجزيه؛ وجازيته مجازاة وسنمار بكسر السين المهملة والنون، وشد والميم بعدها ألف فراء: اسم رجل، وهو إسكاف كان النعمان الأكبر، لمّا أراد أن يبني الخورنق لسابور، ليكون ولده فيها معه، اتخذ هذا الإسكاف، فبناه له وأحسن رصفه، وأبدع وصفها، وأكملها في عشرين حولا. فلما أتم بنائها، وأعجب الناس بحسنها، قال الأسكاف: إني لو شئت جعلت القصر يدور مع الشمس حيثما دارت. فقال الملك: انك لتحسن أنَّ تبني أجمل منه؟ فطرحه من أعلاه. فضرب به المثل لمن يجزي الإحسان بالإساءة. قال الشاعر:","vol":"2","page":46},{"text":"جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب\nسوى رصفه البنيان عشرين حجة ... يعل عليه بالقرامد والسكب\nفلما انتهى البنيان يوم تمامه ... وأض كمثل الطود والباذخ الصعب\nرمى بسنمار على حق رأسه ... وذاك لعمر الله من أعظم الذنب!\nوقال الأخر:\nجزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ ... وحسن فعلٍ كما يجزى سنمار\nوقيل إنَّ سنمار هو غلام لأحيحة بنى أطما فلما فرغ قال: أحكمته! فقال: إني لأعرف حجرا لو انتزع لتقوض من آخره. فسأله عن الحجر، فأراه إياه، فدفعه احيحة من الأطم فخر ميتا. وفي النوادر إنّه إنسان عمل أطما لبعض الملوك، فقال له إنَّ نزع هذا الحجر تداعى البناء كله. فرمي من فوقه لئلا يعلم به أحد غيره وأنشد: جزاء سنمار بما كان يفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>تجشى لقيم من غير شبعٍ</span>.\nالتجشي: تنفس المعدة، ويكون عند الشبع. ولقيم اسم رجل؛ والشبع بوزن عنب معروف. والمثل ظاهر المعنى، يضرب في التشبع بما لم يعط. وهو كقولهم: عاطٍ بغير نوطٍ وقولهم: كالحادي وليس له بعير؛ وسيأتيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>أجلسته عندي فاتكأ</span>.\nالجلوس معروف، وكذا الاتكاء. هذا المثل يضرب في عادة السوء يعتادها صاحبها. وهو كقولهم: أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>جلى محبًا نظره</span>.\nالتجلية: الإبداء والإظهار؛ والمحب خلاف المبغض؛ والنظر البصر. والمعنى إنّ نظر الإنسان يظهر ما انطوى عليه من محبة أو بغض. ومثله قولهم: شاهد","vol":"2","page":47},{"text":"البغض اللحظ؛ وقول الشاعر:\nفإنَ تك في عدو أو صديقٍ ... تخبرك العيون عن القلوب\nوقول الآخر:\nخذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا\nعين من لا يريد وصلك ... تبدي لك الجفا\nوقول الآخر:\nتخفي العداوة وهي غير خفية ... نظر العدو بما أسر يبوح\nوقالوا: إنَّ يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>جمع بين الأروى والنعام</span>.\nالجمع ضد التفريق؛ وتقدم تفسير كل من الأروى والنعام في هذا الكتاب. وهذا المثل يضرب في الجمع بين أمرين متنافيين، والتأليف بين شيئين متخالفين. يقال: تكلم زيد فجمع بين الأروى والنعام، وذلك لأن الأروى مسكنها قنن الجبال، كما قال امرؤ القيس:\nتلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل\nوالنعام مسكنها السهل من الأرض، فلا يجتمعان؛ وكذا الأروى والبقر.\nوسئل أعرابي عن صفة مطر فقال: استقل سد مع انتشار الطفل فشط واحزال؛ ثم أكفهرت أرجاؤه، واحمومت أرحاؤه، وابذعرت فوارقه، وتضاحكت بوارقه، واستطار وادقه، وارتقت حؤبه، وارتعن هيدبه، وحشكت أخلاقه، واستقلت أردافه، وانتشرت أكنافه؛ مرتجس، والبرق مختلس، والماء منبجس فأترع الغدر وانتبث الوجر وخلط الأوعال وبالآجال، وقرن الصيران بالرئال: فالأودية هدير والشراج خرير، والتلاع زفير؛ وحط النبع العتم، والقلل الشم، إلى القيعان الصحم. فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنثم، أو داحص مجرجم، وذلك من فضل رب العالمين، على عباده المذنبين!","vol":"2","page":48},{"text":"قوله استقل سد: السد بضم السين: السحاب المظلم؛ وكذا الجراد لأنّه يسد الأفق. واستقل: ارتفع؛ والطفل بفتحتين، والعشي إلى المغرب؛ وشصا ارتفاع، يقال: شصا الزق إذا امتلأ فارتفعت قوائمه؛ واحزأل: ارتفع أيضًا، وهو بالحاء المهملة والزاي؛ واكفهرت تراكم؛ أرجاؤه: نواحيه، وأحموت: اسودت؛ أرحاؤه: جمع رحى، وهي الوسيط. وابذعرت بذال معجمة: تفرقت؛ فوارقه: جمع فارق، وهي القطعة من السحاب الخارجة عن معظمه. والفارق في الأصل: الناقة تند عن الإبل عند نتاجها. واستطار: انتشر؛ وادقه: الوادق الذي كثر ماؤه، أو الذي دنا من الأرض. وارتتقت: التأمت؛ حؤبه: فرجه. وارتعن: استرخى؛ هيدبه: ما تدلى منه إلى الأرض، كهدب القيظفة. وحشكت: امتلأت؛ أخلاقه: ضروعه، جمع خلف وهو ما يقبض عليه الحالب من ضرع الناقة والبقرة. واستقلت: ارتفعت؛ أردافه: مآخره. هذه كلها استعارات. وأكنافه: نواحيه. ومرتجس: مصوت ومختلس: كأنه لشدة لمعانه يختلس الأبصار، ومنحبس: منفجر واترع: ملأ والغدر، بضمتين، جمع غدير والواجر، بضمتين جمع وجار وهو الحجر يلجه الثعلب والضبع وانتبثها بالثاء المثلثة، اخرج نباتها وأصل النبيثة تراب البئر؛ والأوعال جمع وعل وهو التيس الجبلي، والآجال جمع أجل، بكسر فسكون وهو القطيع من بقر الوحش. يقول: أن هذا المطر لشدته جمع بين الأوعال التي مساكنها قنن الجبال، وبين البقر التي مساكنها القيعان. والصيران جمع صوار، وهو القطيع من بفر الوحش، والرئال: فراخ النعام، جمع رأل، بفتح فسكون، وهي تسكن الجلد من الأرض، والصيران تسكن الرمال والقيعان فجمع بينهما أيضا لشدته والهدير: الصوت؛ والشراج مجاري الماء من الحرار، واحدها شرج، والتلاع: الشعاب التي يجري بها الماء من الجبال، وأحدها تلعة بفتح السكون والنبع شجر تتخذ منه القسي؛ والعتم بعين مهملة وتاء مثناة على مثال جرف: الزيتون الجبلي؛ والقلل أعالي الجبال، والشم المرتفعة؛ والقيعان جمع قاع وهو الأرض المطمئنة والصحم: التي تعلوها حمرة، جمع أصحم والمعصم: الذي استمسك بالجبال وتمنع فيها من الأوعال. يقال: فارس معتصم إذا أخذ بعرف فرسه، والمجرنثم: المنقبض، والداحص الذي يفحص برجليه عند الموت. قال علقمة:","vol":"2","page":49},{"text":"رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليب\nوالمجرم مصدوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>جمع بين الضب والنون</span>.\nالضب حيوان معروف، وجمعه ضباب وأضب، وكنيته أبو حسل، والحسل ولده، كما سيأتي، والنون: الحوت، وجمعه نينان. وهذا المثل كالذي قبله في المعنى، لأن الضب حيوان بري، ولا يرد الماء ويلازم الصحراء، واكثر ما يكون في الكدى، كما قال خالد أبن علقمة:\nترى الشر قد أفنى دواءر وهجه ... كضب الكدى أفنى براثنيه الحفر\nوقال الأخر:\nفلله أرض يعلم الضب إنّها ... بعيد من الآفات طيبة البقل\nبنى بيته فيها على رأس كدية ... وكل امرئٍ في حرفة العيش ذو عقل\nومن عجيب أمره إنّه يعيش سبعمائة سنة ولا تسقط له سن، وهو لا يشرب الماء. ويقال إنّه يبول في كل أربعين يومًا مرة. ومن كلام العرب: لا أفعل ذلك حتى يرد الضب، كما يقولون: حتى يشيب الغراب. ومن الكلام الموضوع على ألسنة العجماوات، قالت السمكة: رد يا ضب! فقال:\nأصبح قلبي صردا ... لا يشتهي إنَّ يردا\nوالنون حيوان بحري لا يفارق الماء أبدًا، فلا يجتمعان. قال الصابئ:\nالضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... وليس يرجى اجتماع المال والأدب\nوقال الأخر:\nولو انهم جاءوا بشيء مقارب ... لقلت: هو الشكل الموافق للشكل\nولكنهم جاءوا بحيتان لجة ... تقامس والمدعو فينا أبا الحسل\nولمّا بين الضب والنون من التنافي والتقابل، قال حاتم الأصم أو غيره:","vol":"2","page":50},{"text":"وكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر؟\nتكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... وللضب في البيدا وللحوت في البحر\nولوضوح ذلك يقال، عند التجهيل: فلان لا يفترق بين الضب والنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>أجمل من المذهب</span>.\nالجمال: الحسن؛ حمل الشخص، بالضم، ويجمل فهو جميل، والمذهب هو أبن عدنان، كان فائقا في الجمال والبهاء. فضربت العرب بجماله المثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>الجمل من جوفه يجتز</span>.\nالجمل بفتحتين من الإبل معروف، والجرة بكسر الجيم وتفتح، ما يخرجه البعير من جوفه، فيأكله ثانية. ويقال: اجتر الجمل فعل ذلك، يجتر اجترارا. وهذا المثل يضرب لمن يأكل من كسبه، أو ينتفع بشيء يعود منه الضرر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>تجنب روضة وأحال يعدو</span>.\nالتجنب معروف، والإحالة هنا الإقبال. يقال: أحال عليه بالسوط، أي أقبل عليه. قال الشاعر:\nوكنت كذئب السوء لمّا رأى دمًا ... يصاحبه يوما أحال على الدم\nومعناه: تجنب الخصب واختار الضيق. يضرب في الرجل تعرض عليه الكرامة فيختار الهوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>أجن من دقة</span>.\nالجنون معروف. يقال: جن الرجل، بالبناء للمفعول، فهو مجنون، وأجن من كذا، بنوه من فعل المفعول شذوذًا، كما قالوا: أشغل من ذات النحيين، وأزهى من ديك، وسيأتيان، ودقة، بضم الدال المهملة وتشديد القاف، اسم رجل، وهو دقة بن عبابة يضرب بجنونه المثل.","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>أجود من لافظة</span>.\nالجود معروف، ضد البخل. ويقال أيضًا: أسمح من لافظة؛ والسماح هو الجود. واختلف في اللافظة، فقيل: البحر لأنها تلفظ بالدرة الجليلة التي لا قيمة لها والهاء للمبالغة. قال الشاعر:\nيداك يد خيرها يرتجى ... وأخرها لأعدائها غائظه\nفأما التي خيرها يرتجى ... فأجود جودًا من اللافظه\nوأما التي شرها يتقى ... فنفس العدو بها فائظه\nوقال الأخر:\nتجود فتجزل قبل السؤال ... وكفك اسمح من لافظه\nوقيل: اللافظة الرحى، لأنها تلفظ ما تطحنه ولا تبقي. وقيل إنّها العنز، وجودها إنّها تدعى إلى الحلب، وهي تعلف، فتلقي ما فيها. وتقبل إلى الحالب. وقيل إنّها الحمامة لأنها تخرج ما في بطنها لفرخها. وقيل هي الديك، لأنّه يأخذ الحبة بمنقاره، فلا يأكلها، ولكن يلقيها إلى الدجاجة، إلاّ المسن منها، فإنه لاستغنائه عن الدجاج يأكل الحب دونها ويمنعها منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>الجواد يكبو</span>.\nالجواد هو الكريم من الخيل يجود بما في طاقته من الجري. والكبو: العثار. يقال: كبا، يكبو كبوا وكبوا. ويقال في هذا المثل أيضًا: لكل جواد كبوة، وهو إنَّ الكامل لا ينبغي إنَّ بذم إذا وقعت منه هفوة، كقولهم في المثل الآخر: لا تدعم الحسناء ذاما. وسيأتي جميع ذلك. وقال أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى:\nوالطرف يجتاز المدى وربما ... عن لمعداه عثار فكبا\nوقلت أنا:\nوكريم الجياد يكبو وما في ... كبوة للجواد من نقصان","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>أجناؤها أبناؤها</span>.\nالأجناء جمع جان. يقال: جنى فلان على فلان، يجني عليه فهو جان وهو جناء وأجناء. وهذا الثاني نادر إذ لا يجمع فاعل على أفعال والبناء جمع بان وهو نادر والمعنى أنَّ الذي جنوا على هذه الدار مثلا بالهدم هم الذين كانوا بنوها. ومضرب المثل من هذا واضح. قال الجوهري: وأنا أضن أنَّ أصل المثل: جناتها بناتها لأن فاعلا لا يجمع على أفعال؛ أما الأشهاد والأصحاب فإنما هو جمع شهد وصحب إلاّ أن يكون هذا من النوادر لأنّه يجيء في الأمثال ما لا يجيء في غيرها. انتهى. وهو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>يجني من الشوك الثمر</span>.\nتقدم تفسير هذه الألفاظ في الباب الأول. والمعنى أنك إذا ظلمت فأحذر الانتصار والانتقام!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>تجمع الحرة ولا تأكل بثدييها</span>.\nالجوع ضد الشبع. والحرة ضد الأمة والأكل معروف؛ وكذا الثدي وجمعه ثديّ. قال الشاعر:\nأبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورها\nويحكى أنَّ النبي ﷺ سئل: أيكون المؤمن كذابًا؟ فقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. ومعناه أنَّ الحرة قد يصيبها ألم الجوع وشدة الاضطراب ولا تؤجر نفسها على الإرضاع لتأكل أجر رضاعتها، فتلزم نفسها الاصطبار صونا لنفسها عن الهوان ة الابتذال. فيضرب في الحر يصون نفسه عن قبيح المكاسب ولا تمنعه شدة فقره وحاجته أن يلزم صيانته ويحفظ مروءته.\nوأصل المثل للحارث الأزدي أو الأسدي وكان خطب إلى علقمة بن حفص الطائي بنته","vol":"2","page":53},{"text":"ريا بنت علقمة وكان الحارث شيخا. فقال علقمة لامرأته: اختبري ما عند ابنتك! فقالت لابنتها: أي بنية أي الرجال أحب إليك: الكهل الجحجاح الواصل المياح أم الفتى الوضاح الذهول الطماح؟ قالت: بل الفتى. قالت: إنَّ الفتى يغريك وإنَّ الشيخ يمريك. قالت: يا أمتاه إنَّ الفتاة يحب الفتى كحب الرعاء أنق الكلا. قالت: يا بنية إنَّ الفتى شديد الحجاب كثير العتاب. قالت: يا أمتاه أخاف من الشيخ أن يدنس ثيابي ويبلي شبابي ويشمت بي أترابي! فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث وأرتحل إلى أهله. فبينما هو ذات يوم بفنائه وهي إلى جنبه إذ أقبل شاب من بني أسد. فتنفست الصعداء ثم بكت. فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ من كل حقول فنيخ؟ فقال: ثكلتك أمك! تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. ثم قال: وأبيك! لرب غارة شهدتها وسبيئة أرفدتها وخمرة شربتها فلحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك! وقال أبو عبيد في هذا المثل إنّه من أمثال أكثم بن صيفي. قال: وهو مثل قديم لكن العامة ابتذلته وحولته فقالت: ولا تأكل ثدييها يعني بإسقاط حرف الجر. قال بعض العلماء: ليس هذا بشيء إنّما بثدييها ومعناه عندهم الرضاع. يقال لا تكون ظئر القوم على جعل تأخذه منهم. انتهى.\nوقال بعض الأمة: إنَّ العرب كانوا يعدون أخذ الأجر على الرضاع سبة ولذلك قيل: تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها. وقال العلماء: بثدييها. والقولان صحيحان لأنها إذا أكلت ثمن لبنها فكأنها قد أكلت ثدييها. قال الراجز:\nإنَّ لنا أحمرة عجافًا ... يأكلن كل ليلةٍ أكافا\nأي: نبيع كل ليلة أكافًا من أكفتها ونعلفها ثمنه. قال: وكذلك قول الآخر في وصف إبل: نطعمها إذا شتت أولادها أي أثمان أولادها. انتهى.\nوقال السهيلي في الروض: والتماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر نساء العرب حتى جرى المثل: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. وكان عند بعضهم لا بأس به فكانت حليمة وسيطة في بني سعد كريمة من كرائم قومها بدليل اختارها الله إياها لرضاع نبيه ﷺ كما اختار أشرف البطون والأصلاب. والرضاع كالنسب لأنّه يغير الطباع.","vol":"2","page":54},{"text":"وفي المسند عن عائشة ترفعه: لا تسترضعوا الحمى فإنَ اللبن يورث! ويحتمل أن تكون حليمة وقومها طلبن الرضعاء للأزمة التي أصابتهم والسند الشهباء التي أقحمتهم اضطرارا. قال: وأما دفع قريش وغيرهم من أشراف العرب أولادهم إلى المراضع فقد يكون ذلك لوجوه: أحدها تفريغ النساء إلى الأزواج كما قال عمار بن ياسر لأم سلمة وكان أخاها من الرضاعة حين انتزع من حجرها زينب بنت لبي سليمة فقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة التي آذيت بها رسول الله ﷺ! وقد يكون ذلك منهم أيضًا لينشأ الطفل في الأعراب فيكون أفصح للسانه، وأجلد لجسده وأجدر أن لا يفارق الهئة المعدية كما قال عمر: تمعددوا وتمعززوا واخشوشنوا! وقد قال ﵊ لأبي بكر حين قال له: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله فقال: وما يمنعني وأنا من قريش وأرضعت في بني سعد؟ فهذا ونحوه كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى الأعرابيات. وقد ذكر أنَّ عبد الملك بن مروان كان يقل: أضر بنا حب الوليد! لأن الوليد كان لحانا وكان سليمان فصيحا لأن الوليد أقام مع أمه وسليمان وغيره من أخوته أسكنوا البادية فتعربوا ثم أدبوا فتأدبوا. انتهى. وقد قلت في نظم المثل المذكور من قصيدة:\nيعرى الفتى ويجوع وهو يرى ... متجملًا بالصبر والبشرِ\nوالحرة الشماء ربتما ... جاعت ولم ترضع على أحرِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>جوع كلبك يتبعك</span>!\nالجوع تقدم. وجوعت فلانا وأجوعته: تركته بلا طعام حتى جاع؛ والكلب معروف؛ وكذا الاتباع. والمثل ظاهر المعنى. قيل: وأوّل من قاله ملك من ملوك حمير كان جبارا عنيفا على أهل مملكته يغصبهم أموالهم وما في أيديهم. وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه وهو لا يبالي بذلك. وسمعت امرأة له أصوات السؤال فقالت له: إني لأرحم هؤلاء لمّا يلقون من الجهد ونحن في العيش الرغد وإني أخاف أن يكونوا عليك سباعًا بعد أم كانوا لك أتباعا! فرد عليها: جوع كلبك يتبعك! فأرسلها مثلا. ثم إنّه لبث كذلك زمانا ثم أغزاهم مع أخيه فغنموا ولم يقسم فيهم شيئا. فقالوا","vol":"2","page":55},{"text":"لأخي: قد ترى ما نحن فيه من الجهد ونحن نكره خروج الملك منكم إلى غيركم فساعدنا على قتل أخيك وأجلس مكانه! وعرف أخوه بغيه واعتداءه فأجابهم إلى ذلك فوثبوا عليه وقتلوه. فيقال إنّه مر به رجل يقال له عامر بن جذيمة وهو مقتول وقد سمع قوله: جوع كلبك يتبعك! فقال: ربما أكل الكلب مجوعه إذا لم ينل شبعه! وقال لبو جعفر المنصور يوما لقواده: صدق الإعرابي حيث يقول: أجع كلبك يتبعك! فقال له أبو العباس الطوسي منهم: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>أجوع من ذئب</span>.\nالذئب معروف يهمز ويخفف والأنثى ذئبية. قال الشاعر:\nفصرت كنعجة تضحي وتمسي ... تردد بين أخبث ذئبين\nوالذئب يوصفل بالجوع المفرط ومن ثم يقال للجوع داء الذئب. يقال: رماه الله بداء الذئب أي الجوع. وهو مع ذلك شديد الصبر عليه وربما اكتفى بالنسيم. ويقال إنّه إذا ألح عليه الجوع عوى فتجتمع عليه الذئاب فتحمل على إنسان حملة واحدة وكل منها حريص عليه؛ إلاّ إنّه إذا أدمي منها واحد وثبت عليه البواقي وتركت الإنسان. ومن ثم قال الشاعر يعاتب صديقا له أعان عليه في أمر نزل به:\nوكنت كذئب السوء لمّا رأى دمًا ... بصاحبه يومًا أحال على الدمِ\nوقال العجير السلولي:\nتركنا أبا الأضياف في ليلة الدجى ... بمر ومردى كل خصمٍ يجادله\nتركنا فتى قد أيقن الجوع أنه ... إذا ما ثوى في أرحل القوم قاتله\nفتى قُدَّ قَدَّ السيف لا متضائلٌ ... ولا رهلٌ لماته وبآدله\nإذا القوم أموا بيته فهو عامرٌ ... لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله\nجوادٌ بدنياه بخيلٌ بعرضه ... عطوفٌ على المولى قليلٌ غوائله","vol":"2","page":56},{"text":"فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوما دمًا فهو آكله\nإذا جد عند الجد أرضاك جده ... وذو باطل إن شئت أرضاك باطله\nيسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكل الذي حملته فهو حامله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>أجوع من كلبة حومل</span>.\nالكلبة الأنثى من الكلاب معروفة؛ وحوامله بالحاء المهملة على مثل جوهر امرأة من العرب كانت لها كلبة تجوعها بالنهار وهي تحرسها بالليل. فكانت تربطها بالليل للحراسة وتطردها بالنهار وتقول: التمسي لا ملتمس لك! حتى طال عليها الأمر فأكلت ذنبها جوعا. قال الشاعر:\nكما رضيت جوعا وسوء ولاية ... لكلبتها في أول الدهر حومل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>أجوع من لقوةٍ</span>.\nاللقوة بفتح اللام: الكلبة. وفيها يقال: أجوع من لقوة قاله بعض الناس. والمعروف في كتب اللغة أنَّ اللقوة بالفتح وتكسر المرأة السريعة اللقاح كالناقة. ومنه المثل الآتي: لقوة صادقت قبيسًا؛ وكذا العقاب الأنثى. قال امرؤ القيس:\nكأني بفتخاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي\nوقال أبو عبيدة: سميت العقاب لشدة لسعة أشداقها. وكأنه عنده مأخوذ من اللقوة، وهو الداء المعروف الذي يصيب في الجه. يقال لقي الرجل بالبناء للمفعول، فهو ملقو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>أجول من قطربٍ</span>.\nيقال: جال جولانا فهو جائل وجوال؛ والقطرب طائر يبيت سائرًا لا ينام الليل كله. ويقال دويبة. ويقال إنّه دويبة لا تستريح نهارها سعيا. وكان محمد بن المستنير النحوي يبكر إلى مجلس سيبويه فلا يفتح الباب إلاّ وجده فقال له: ما أنت إلاّ قطرب ليل! فبقي عليه قطرب لقبا. ويطلق القطرب أيضًا على الذئب الأمعط وعلى الفأر وعلى","vol":"2","page":57},{"text":"اللص وعلى ذكر الغيلان وغير ذلك من المعاني.\nوذكر أبن ظفر أنَّ القطرب حيوان يكون بالصعيد من أرض مصر يظهر للمنفرد من الناس فربما صده عن نفسه إن كان شجاعا وإلاّ لم يزل به حتى ينكحه فإذا نكحه داد دبره فهلك. وهو إذا رأوا من ظهر له قطرب قالوا: امنكوح أم مروع؟ فإن قال منكوح أيسوا وإن قال مروع عالجوه والله اعلم. وسيأتي ذكر نحو هذا الحيوان في قولهم ألوط من عدار في حرف اللام، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>الجار قبل الدار</span>.\nروي هذا حديثا عن النبي ﷺ قال: الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق. ويروى: الجار والرفيق مرفوعين والنصب فيهما حسن، أي: التمس الجار قبل الدار والتمس الرفيق قبل الطريق. وقال أبو تمام في هذا المعنى:\nمن مبلغ أبناء يعرب كلها ... أني أبتنيت الجار قبل المنزلِ؟\nووقال الأخر:\nيقولون: قبل الدار جارٌ موافقٌ ... وقبل الطريق النهج أنس طريق\nفقالت: وندمان الفتى قبل كأسه ... فما حث كأس الخمر مثل صديق\nوقال الأخر في المعنى:\nيلومونني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جارًا هناك ينغصُ\nفقالت لهم: بعض الملام! فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخصُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>جاء بالضح والريح</span>\nالمجيء معروف والضح بكسر الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة مشددة يطلق على الشمس وما طلعت عليه الشمس. وفي الحديث: لا يقعدن أحدكم بين الضح والظل فانه مقعد الشيطان. ذكره في الصحاح وأنشد لذي الرمة:\nغدا أكهب الأعلى وراح: إنّه ... من الضح واستقباله الشمس أخضرُ\nأي استقباله عين الشمس. وقال علقمة: أبيض أبرزه للضحى راقبه.\nوالريح معروفة. ومعنى جاء بالضح والريح: جاء بما طلعت عليه الشمس وما جرت","vol":"2","page":58},{"text":"عليه الريح. يقال ذلك عندما يجيء بالشيء الكثير. قال في الصحاح: والعامة تقول: جاء بالضيح والريح يعني الضيح بالياء المثناة من تحت. قال: وليس بشيء. انتهى. ومثله لصاحب القاموس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>جاء بالحظر الرطب</span>.\nالحظر بالظاء المشالة على مثال كتف الشجر المحتظر به والشوك الرطب. والرطب خلاف اليابس فيقال: جاء فلان بالحظر الرطب أي بكثرة من المال والناس وقيل بالكذب المستبشع. ويقال أيضًا: أوقد فلان في الحظر الرطب إذا بم ووقع في الحظر الرطب إذا وقع فيما لا طاقة له به. وذلك كله ظاهر.\nجاء بالطم والرم.\nالطم بكسر الطاء المهملة قيل الماء وقيل ما على وجه الماء وقيل ما ساقه من الغثاء ويطلق أيضًا على البحر وعلى العدد الكثير وعلى العجب وغير ذلك من المعاني. والرم بكسر الراء: ما يحمله من الغثاء أو ما على وجه الأرض من فتات الحشيش. ومعنى جاء بالطم والرم: جاء بالمال الكثير. وقيل: بالرطب واليابس أو بالتراب والماء أو بالبحر والثرى. وقال بعض الناس: الطم بالكسر إذا كان مع الرم؛ فإذا أفرد فتح فقيل: جاء بالطم مفتوحا كما قالوا: هنأني بالطعام ومراني؛ فإذا أفردوا لم يقولوا إلاّ أمراني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>جاء بما صأى وصمت</span>.\nيقال: صأى الفرخ وغيره يصأى كسعى يسعى صئيا على مثل فعيل إذا صوَّت. قال:\nمالي إذا أنزعها صأيت؟ ... أكبرٌ غيرني أم بيتُ؟\nوصمت يصمت ككتب يكتب صكتا وصموتا إذا سكت. فيقال: جاء بما صأى وبما صمت بحذف الموصول الثاني اختصارا كقول حسان ﵁:","vol":"2","page":59},{"text":"أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء؟\nأي: من يهجوه ومن يمدحه لاستحالة اجتماع الوصفين في موصوف واحد، وكذا الصئي والصمت لا يجتمعان. والصامت من المال: الذهب والفضة، والناطق: الإبل مثلا. ومنه قولهم: حصل الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت. وقد يقال: جاء بما صاء وصمت. وصاء مقلوب صأي، كما قالوا: راء في رأي. ومنه قولهم في المثل الآخر في العقرب: تلدغ وتضيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>جاء صريم سحرٍ</span>\nأي خائبا آيسا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>جاء يضرب أسدريه</span>.\nويقال أيضًا: جاء يضرب اصدريه بالصاد وازدريه بالزاي والمعنى في الجميع واحد. والإصدران عرقان تحت الصدغين، وقيل المنكبان، وقيل العطفان، ويقال: جاء يضرب اصدريه، أو اسدريه، أي يضرب عطفيه ومنكبيه. ومعناه: جاء فارغا ليس بيديه شيء ولم يقض حاجة. فإذا قضاها قيل: جاء ثانيًا من عنانه.\nويروى أنَّ الحسن البصري، ﵁، رأى الناس يوم عيد يضحكون فقال: تلقى أحدكم أبيض بضا، يلمح في الباطل ملخًا، ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه، يقول: هاأنا ذا فاعرفوني! قد عرفناك، فمقتك الله ومقت الصالحون! ومعنى يلمح في الباطل يلج فيه؛ وقيل يتثنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>جاء يفري ويقد</span>.\nالفري: القطع. تقول: فريت الشيء، أفريه، فريا إذا قطعته على","vol":"2","page":60},{"text":"وجه الإصلاح. وأفريته إذا قطعته على وجه الإفساد. قال زهير:\nولانت تفري ما خلقت، وبعض ... القوم يخلف ثم لا يفري\nأصله أنَّ الرجل يخلق الأديم أي يتهيأ لإصلاحه ويقدره، ثم يفري أي يقطعه. لذلك يقول: انك إذا تهيأت لأمر أنفذته وأمضيته، وكثير من الناس يهم ولا يفعل. وقيل: إنَّ فرى وأفرى، بمعنى واحد، وكل ذلك يكون في القطع للإصلاح والإفساد وتقول: فريت المزادة إذا خلقتها وصنعتها. قال الراجز:\nشلت يدا فارية فرتها ... مسك شبوب ثم وفرتها\nلو كانت الساقي صغرتها\nوالقد: القطع طولًا. يقال الأديم إذا شقه طولا. ومعنى: جاء يفري ويقد: جاء يعمل عملا محكما. ويقال أيضًا: هو يفري ويقد. ويقال: يفري الفري، بمعناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>جاء بأم الربيق، على أريق</span>.\nأم الربيق: الداهية؛ والأريق أصله وريق بالواو فقبلت همزة. والوريق تصغير أورق، تصغير الترخيم، كما يقال في أسود سويد، وفي أحمر حمير، وفي أدرد دريد. والأورق من الأبل ما في لونه بياض إلى سواد. وقيل: كان أصله أن يقول أوريق على أصله، فحذفت الواو ليزدوج الكلام. ويقال إنّه من أطيب لحما لا حملًا وسيرًا. وقيل لابنه الخس: أي الجمال شر؟ فقالت: الأورق. وزعموا أن رجلا رأى غولا على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق، أي الغول على جمل أورق، فضرب مثلا في جناية عظيم الدواهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>جاءوا مخلين فلاقوا حمضًا</span>.\nيقال: أخل الرجل إذا رعى إبلى في الخلة والخلة، بضم الخاء المعجمة: كل ما فيه حلاوة من النبات. مقابله الحمض، بفتح الحاء المهملة. ويقال: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها أو لحمها. وجاءوا مخلين: جاءوا وقد أكلت إبلهم الخلة.","vol":"2","page":61},{"text":"وهذا المثل يضرب لكل من جاء متهددا فصادف ما يقمع تهدده. وسنزيده بيانا بعد في محلة من الشعر إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>جاءوا على بكرة أبيهم</span>.\nالبكرة بالفتح فالسكون: الفتية من الإبل والفتى منها بكر. وكان يقال البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس؛ والبكرة بمنزلة الفتاة؛ والقلوص بمنزلة الجارية الشابة؛ والبعير بمنزلة الإنسان؛ والجمل بمنزلة الرجل؛ والناقة بمنزلة المرأة. والبكرة أيضا بكرة الدلو التي يستقى منها. واختلف في معنى هذا المثل فقيل: معنى جاءوا على بكرة ابيهم: جاءوا مجتمعين لم يتخلف منهم أحد. وليس هناك بكرة على الحقيقة. وفي الحديث جاءت هوازن على بكرة أبيها. وقيل هو وصف بالقلة والذلة أي جاءوا بحيث تكفيهم واحدة يركبون عليها وذكر الأب احتقارا.\nوقيل إنَّ أصل هذا المثل أنَّ قوما قتلوا فحملوا على بكرة أبيهم فقيل فيهم ذلك ثم صار مثلا للقوم يجيئون معا. وقيل إنَّ البكرة هاهنا هي بكرة الدلو والمعنى: جاءوا بعضهم في اثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد. وقيل: لأريد بالبكرة الطريقة أي: جاءوا على طريقة أبيهم يقتفون أثره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>جاء ينفض مذرويه</span>.\nالنفض معروف؛ والمذرى الخشبة التي ينقى بها الزرع؛ والمذروان جانبا الرأس، وما يقع عليه الوتر في القوس من أعلى وأسفل. قال بعض هذيل:\nعلى كل هتافة المذروين ... صفراء مضجعة في الشمالِ\nوالمذروان أيضًا طرفا الأليتين. قال عنترة لعمار بن زياد:\nأحولي تنفض أستك مذريها؟ ... لتقتلي فها أنذا عمارا!\nأي: يا عمارة! ولا واحد للمذروين في شيء من من هذه المعاني. وقيل إنَّ واحده مذرى ورد بأنه لو كان كذلك لقيل في التثنية مذريان بالياء لا بالواو. وهذا بحسب الظهور","vol":"2","page":62},{"text":"والرجحان؛ وإلاّ فلا مانع من أن يكون هذا من الشواذ.\nومعنى جاء ينفض مذرويه: جاء ينفض طرفيه. ويقال ذلك إذا وصف بالخيلاء. وأكثر أهل اللغة يقولون: معناه إنّه جاء متهددا، وهذا المفهوم من قول عنترة السابق؛ والخيلاء هو المفهوم من كلام البصري السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>جاء على غبيراء الظهر</span>.\nالغبيراء تصغير الغبراء مؤنث الأغبر. والمراد هنا الأرض ذات الغبرة. والظهر جلاف البطن. ويقال أيضًا: ترك فلان أباه على غبيراء الظهر. ومعناه أنه لم ينجح سعيه ولا ظفر بحاجته بمنزلة الرجل الطالب المرعى فصادف أرضا مغبرة الظهر مجدبة لا كلأ فيها ولا ماء. والتصغير في المثل للتعظيم كقوله:\nوكأنَّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهيةٌ تصفر منها الأناملُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>جاء وقد لفظ لجامه</span>.\nاللفظ الرمي؛ واللجام معروف. فقيل: جاء فلان من حاجته وقد لفظ لجامه إذا رجع منها وهو مجهود من الأعياء والعطش. ويقال أيضًا: جاء وقد دلق لجامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>جاء وقد قرض رباطه</span>.\nهذا كالذي قبله قاله أبو غبيد. وقال غيره: اكثر ما يقال ذلك في الموت. يقال: فلان قد قرض رباطه ولعق إصبعه وعطست به اللجم وضحا ظله. كل ذلك يقال إذا مات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>جاءوا قضهم بقضيهم</span>.\nمعناه جاءوا جميعا. يقال بنصب قضهم على نية المصدر أو الحال؛ وبرفعه.","vol":"2","page":63},{"text":"ويقال أيضًا بفتح القاف وكسرها. قال حصين بن الحمام المري:\nوجاءت جحاش قضها بقضيضها ... وجمع عوال ما أدق والأما\nوجحاش على مثل كتاب أبو حي من غطفان وهو جحاش بن ثعلبة بن سع بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان رهط الشماخ. وقال الآخر:\nأتتني سليم قضها بقضيضها ... تمسح حواي بالبقيع سبالها\nويقال أيضًا جاءوا قضهم وقضيضهم بالواو وقد قيل: القض: هو الصغير من الحصان، والقضيض: الكبير منه. والمعنى: جاءوا صغيرهم وكبيرهم. وقيل القض بمعنى القاض، والقضيض بمعنى المقضوض.\nومما يلتحق بهذا الباب قولهم في الرجل: جحيش وحده وهو ذم؛ والجحيش تصغير جحش، وقد تقدم. وقولهم أجد فلان بها أمرًا! أي أجد أمره بها، بنصب أمر على التمييز كما قالوا: قررت بها عينا أي قرت بها عيني. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>أجدك تقول هذا</span>؟\nبنصب جد أي أيجد منك؟ فانتصب على طرح الباء؛ أو أتجد جدك؟ فانتصب على المصدر. قال الشاعر:\nأجدك ما لعينك لا تنام؟ ... كأن جفونها فيها كلامُ!\nوقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>أجدت من هذا الأمر قروني</span>\nأي تركته. وقولهم: جعلوا الأرض عليه حيص بيص، وحيصا بيصا. أي ضيقوا عليه ومنعوه من التصرف. وقولهم للرجل:","vol":"2","page":64},{"text":"جعد القفا.\nأي لئيم الحسب وجعد البنان، أي بخيل، وقولهم: جاء بالأمر على قناديده، أي من وجهه. وقولهم: جاء بذات الرعد والصليل، أي جاء بالحرب لأن هديرها يشبه الرعد، وفيها صليل السلاح كما قال مهلهل:\nفلولا الريح أسمع من بنجدٍ ... صليل البيض تقرع بالذكور\nوقولهم: جاء بالصقر والبقر على مثال زفر فيها وبالصقارى والبقارى بفتح الراء فيها مع ضم الأول أي بالكذب الصراح وهو اسم لمّا لا يعرف. وقولهم: جاء به من حسه وبسه، مثلثي الأول أي من جهده وطاقته. وقولهم: جاء مضطرب العنان، أي منهزما منفردًا. وقولهم:","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>جاء ولكن لم يجيء لعصره</span>.\nبضم العين أي لم يجيء حين المجيء.\nومن الأمثال المحدثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>الجواب ما ترى لا ما تسمع</span>!\nواصله إنَّ أبا يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن أحد الملوك الموحدين بمراكش كان بينه وبين الادفونش النصراني صاحب طليطلة لعنه الله مكاتبات. فكان منها رسالة كتب بها الادفونش إلى الأمير يعقوب يتوعده ويتهدده ويطلب منه بعض الحصون من إنشاء وزيره أبن النجار وهي:\n\" باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض وصلى الله على السيد المسيح وروح الله وكلمته الفصيح. أما بعد فانه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب وعقل لازب انك أمير الملة الحنيفة كما أنا أمير الملة النصرانية. وقد علمت ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل والتكاسل وإهمالهم أمر الرعية وإخلادهم إلى الأمنية. وأنا أسموهم بحكم القهر إخلاء الديار وإسباء الذراري وأمثل بالرجال وأذيقهم عذاب الهون وشديد النكال. ولا عذر في لك في التخلف عن نصرتهم إذا أمكنتك يد القدرة وساعدك وعسا كرك وجنودك رأي وخبرة. وانتم تزعمون إنَّ الله تعالى قد رفض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم الآن خفف الله عنكم وعلم إنَّ فيكم ضعفا رحمة منه ومنا ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا إذ لا تستطيعون دفاعا ولا تملكون امتناعا. وقد حكي عنك انك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال وتماطل نفسك سنة بعد أخرى وتقدم رجلا وتؤخر أخرى. فلا ادري أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعدك به ربك إلى آخر الرسالة وفيها طول فلما وصل الكتاب إلى أمير المسلمين مزقه وكتب على قطعة منه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم أذلة وهم صاغرون. الجواب ما ترى لا ما تسمع وتمثل ببيت أبي الطيب في مدح سيف الدولة:","vol":"2","page":66},{"text":"ولا كتب إلاّ المشرفية عنده ... ولا رسل إلاّ الخميس العرمرم\nثم ضرب السرادقات من يومه بظاهر البلد وأمر باستنفار الجيوش من الأمصار وعبر من زقاق سبتة ودخل بلاد الإفرج فكسرهم كسرة شنيعة وعاد بغنائمهم رحمه الله تعالى ثم رأيت الحصري ذكر هذا الكلام عن المعتصم العباسي قال: كتب إليه ملك الروم كتابا يتهدده فيه فأمر بجوابه. فلما قرء عليه لم يرض بما فيه فقال لبعض الكتاب: اكتب: أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما تضمنه خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع. وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. قال: وهذا نظير قول قطري بن الفجاءة إلى الحجاج وقد كتب إليه كتابا يتهدده فيه فأجاب: أما بعد، فالحمد لله الذي لو شاء لجمع بين شخصينا فعلمت مثاقفة الرجال، من تسطير المقال والسلام. انتهى.\nومن معنى هذا المثل قول عنترة:\nومكروب كشفت الكرب عنه ... بطعنة فيصل لمّا دعاني\nدعاني دعوة والخيل تردي ... فما أدري أباسمي أم كناني؟\nفلم أمسك بسمعي إذ دعاني ... ولكن قد أبان له لساني\nفكان إجابتي إياه أني ... عطفت عليه خوار العنانِ\nبأسمر من الخط لدن ... وأبيض صارم ذكر يمانِ\nأي: كان جوابه له حين دعاني واستغاث بي أن عطفت عليه فرسا خوارا العنان أي سهل العنان يعني مرتاضا قد اعتاد الخول في الحرب والولوج في المضايق وذلك بأسمر ألخ. .، أي برمح وسيف صفتهما ما ذكر. ومنه قول الحماسي:\nوتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم\nوقول الآخر:\nكنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيبِ\nأي الاجتهاد في نصرته. وقرع الظنبوب كناية عن ذلك وقد تقدم. ومن أمثال العامة قولهم:","vol":"2","page":67},{"text":"جزاؤه على حماره.\nوقولهم: جاء يعينه في قبر أمه فهرب بالفارس.\nومعناه ظاهر.\nولنذكر في هذا الباب ما تيسر من الشعر. قال الحماسي محمد بن بشير:\nكم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا!\nإنَّ الأمر إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتجا\nلا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا!\nأخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأباب أن يلجا!\nقدر لرجلك قبل الخطو موضعها: ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا!\nوقال عبد الله بن الزبير الأسدي:\nلا أحسب الشر جارًا لا يفارقني ... ولا أحز على ما فاتني الودجا\nولا نزلت من المكروه منزلة ... إلاّ وثقت بأن ألقى لها فرجا\nوحز الودج: قطعه. وضربه مثلا للغم على ما فات من عرض الدنيا.\nوقال أبو تمام الطائي:\nاصبري أيتها النفس: ... فإنَ الصبر أحجا\nنهنهي الحزن فإنَ ... الحزن إن لم ينه لجا\nوالبسي اليأس من الناس ... فإنَ اليأس ملجا\nربما خاب رجاء ... وأتى ما ليس يرجى\nوقال أيضًا يهجو يوسف السراج:\nووجه البحر يعرف من بعيد ... إذا يسجو، فكيف إذا يموجُ؟\nوقال الأخر:","vol":"2","page":68},{"text":"وإني لأغضي مقلتي على الأذى ... وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا\nوإني لادعوا الله والأمر ضيق ... علي فما ينفك إنَّ يتفرجا\nوكم من فتى ضاقت عليه وجوهه ... أصاب لها في دعوة الله مخرجا!\nوقال الأخر:\nإذا تضايق أمر فأنتظر فرجا: ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج!\nوقال الأخر:\nرب أمر عز مطالبه ... قربته ساعة الفرج\nوقال الأخر:\nديار عليها من بشاشة أهلها ... جمال تسر الناظرين وتبهج\nوقال الأخر:\nرأى البيت يدعى بالحرام فحجه ... ولو كان يدعى بالحلال لمّا حجا\nوقال الأخر:\nعلي إني وإنَّ لاقيت شرا ... لخيرك بعد ذاك الشر راج\nوقال الأخر:\nكم عالم لم يلج بالعام باب غنى ... وجاهل قبل طرق الباب ولجا!\nوقال الأخر:\nمن راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج\nومثله قول الآخر:\nمن راقب الناس مات عما ... وفاز باللذة الجسور\nوقال الأخر:\nيا نفس صبرًا فعقبى الصبر صالحة ... لابد إنَّ يأتي الرحمان بالفرج!\nوقال الأخر:\nولي فرس بالحلم للحلم ملجم ... ولي فرس بالجهل للجهل مسرج\nفمن رام تقويمي فإني مقوم ... ومن رام تعويجي فإني معوج","vol":"2","page":69},{"text":"وينسب هذا لصالح بن جناح. وقبله:\nلئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجاهل في بعض الأحايين أحوج\nوما كنت أرضى الجاهل خدنا وصاحبا ... ولكني أرضى به حين أحرج\nولي فرس بالخير للخير ملجم ... وإلي فرس بالشر للشر مسرج\nوبعده:\nفإن قال بعض الناس في سماجة ... فقد صدقوا، والذل بالحر أسمج\nونحوه قول النابغة الجعدي:\nولا خير في حلمٍ إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوة إنَّ يكدرا\nولا خير في جهل إذا لم يكن له ... أريب إذا ما أورد الأمر أصدرا\nوقول الآخر:\nإذا أغضبت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أفعال اللئيم\nوقول الآخر:\nألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nوقول الآخر:\nولا خير في حلم إذا ذل جانبه\nوقول الآخر:\nوالعاقل النحرير محتاج إلى ... أن يستعين بجاهل معتوه\nوقول الآخر:\nولربما أعتضد الحليم بجاهل: ... لا خير في يمنى بغير يسار!\nوقال الإمام أبو الفضل يوسف بن النحوي، قدس الله سره!:\nوالرفق يدوم لصاحبه ... والخرق يصير إلى الهرج\nوقال:\nخيار الخلق هداتهم ... وسواهم من همج الهمج","vol":"2","page":70},{"text":"ومن أظرف ما يحكى فيما يناسب هذا المعنى ما حدث به عن الزهري قال: دخلت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين أقبلت يا زهري؟ قال قلت: من مكة. قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قلت؟ عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي قال: وبم سادهم؟ قلت بالديانة والرواية. فقال أن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا الناس. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء. قال: من كان كذلك ينبغي أنَّ يسود الناس. قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. فقال كما قال في الأولين. قال فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول الدمشقي. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نبوي أعتقته امرأة من هذيل. فقال كما قال: قمن يسود أهل لجزيرة؟ قلت ميمون بن مهران. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. فقال كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن البصري. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي قال: ويلك! فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب. فقال: ويلك يا زهري! فرجت عني الله!: تسودون الموالي على العرب حتى يخطب بها على المنابر وإن العرب تحتها! قال قلت: يا أمير المؤمنين، أمر الله ودينه. فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط! وقالت جارية من العرب ماتت أمها وأضرت بها زوجة أبيها:\nولو يأتي رسولي أم سعدٍ ... أتى أمي ومن يعينه حاج\nولكن قد أتى من بيني ودي ... وبين وداده غلق الرتاج\nومن لا يؤذه ألم برأسي ... وما الرئمان إلاّ بالنتاج\nوقال أم الضحاك المحاربية:\nحديث لو أنَّ اللحم يصلى بحره ... طريا، إذا أضحى به وهو منضج\nوكانت تحت رجل من الضباب وهي تحبه حبا شديدا، ثم طلقها فقالت:","vol":"2","page":71},{"text":"هل القلب إنَّ لاقى الضبابي خاليا ... لدى الركن أو عند الصفا متحرج؟\nوأعجلنا قرب المزار وبيننا ... حديث كتشنيج المريض مزعج\nوقال الأخر:\nلقد علمت أم الصبيين إنني ... إلى الضيف قوام السنان خروج\nإذا المرغث العوجاء بات يعزها ... على ضرعها ذو توءمين لوهج\nوإني لأغلي اللحم نيا وإنني ... لممن يهين اللحم وهو نضيج\nيريد: إني آخذها جيدة غالية الثمن، فأنحرها وأخلي بينها وبين الناس تهاونا بها، كما قال الآخر:\nوإني لأغلي لحما وهي نية ... ويرخص عندي لحمها حين تذبح\nوقال الحارث اليشكري:\nقلت لعمرو حين أرسلته ... وقد حبا من دونها عالج:\nلا تكسع الشول بأغبارها: ... إنك لا تدري من الناتج\nوأصيب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج!\nيقول: لا يبق اللبن في الضروع هذه النوق! والأغبار جمع غبر وهو بقية اللبن في الضرع، كانت العرب تفعل ذلك لسمن الأولاد التي في بطونها. وأصببه للناس، فإنك لا تدري من ينتجها، ولعلك تموت فيبقى ذلك للوارث! ومثله قول الآخر:\nوإن درت نياقك فاحتلبها ... فما تدري الفصيل لمن يكون\nوهذا كما في الحديث: يقول أبن آدم مالي مالي، ومالك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت. ومنه قول النمر أبن تولب:\nأعاذل إنَّ يصبح صداي بقفرة ... بعيد نآني صاحبي وقريبي\nتري أن ما أبقيت لم أك ربه ... وإنَّ الذي أنفقت كان نصيبي\nوذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في رعيها ودؤوب\nغدت وغد رب سواه يقودها ... وبدل أحجارا وجال قليب","vol":"2","page":72},{"text":"قوله: جال قليب، جال: الناحية، كما قال مهلهل:\nكأن رماحه أشطان بئر ... بعيد بين جاليها جرور\nومنه قول الآخر أيضًا:\nقأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأفعال إنَّ الثناء هو الخلد!\nوقول حاتم:\nأماوي إنَّ يصبح صداي بقفرةٍ ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر\nترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن يدي مما بخلت به صفر\nوقال أبن فارس اللغوي:\nوقالوا: كيف أنت؟ فقلت خير: ... تقضى حاجة وتفوت حاج\nإذا ازدحمت هموم الصدر قلنا: ... عسى يوما يكون لها انفراج\nنديمي هرتي وسروور قلبي ... دفاتري ومعشوقي السراج\nوقال أبو محمّد الحريري:\nتعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرج\nوألقي حبلي على غاربي ... وأسلكت مسلك من قد مرج\nفإن لامني القوم قلت: أعذروا ... فليس على أعرج من حرج!\nوقال أيضًا:\nما الحج سيرك تأويبا وإدلاجا ... ولا اعتيامك اجمالا واحداجا\nالحج إنَّ تقصد البيت الحرام على ... تجريد الحج لا تقضي به حاجا\nوتمتطي كاهل الإنصاف متخذًا ... ردع الهوى هاديا والحق منهاجا\nوإنَّ تواسي ما أوتيت مقدرة ... من مد كفا إلى جدواك محتاجا\nفهذه إنَّ حوتها حجه كملت ... وإنَّ خلا الحج منها كان إخداجا\nحسب المرائين غبنا غرسوا ... وما جنوا ولقوا كدا وإزعاجا\nوإنهم حرموا أجرا ومحمدة ... وألحموا عرضهم من عاب أو هاجى\nأخي فأبغ بما تبديه من قربٍ ... وجه المهيمن ولاجا وخراجا","vol":"2","page":73},{"text":"فليس تخفى على الرحمان خافية ... إنَّ اخلص العبد في الطاعات أو داجى\nوبادر الموت بالحسنى تقدمها: ... فما ينهه داعي الموت إن فاجا\nواقن التواضع خلقا لا تزايله ... عنك الليالي ولو ألبسنك التاجا\nولا تشم كل خال لاح بارقه ... ولو تراءى هتون السكب ثجاجا\nما كل داع بأهل أن يصاخ له ... كم قد أصم بنعي بعض من ناجى\nوما اللبيب سوى من بات مقتنعا ... ببلغة تدرج الأيام إدراجا\nفكل كثرة إلى قل مغبته ... وكل ناز إلى لين وإن هاجا\nوقال أيضًا في وصف سروج:\nبلدة يوجد فيها ... كل شيء ويروج\nووردها من سلسبيل ... وصحاريها مروج\nوبنوها ومغانيهم ... نجوم وبروج\nحبذا نفحة ريا ... ها ومرآها البهيج\nوأزاهير رباها ... حين تنجاب الثلوج\nوقال الآخر:\nلو ركبت البحور صارت فجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا\nولو إني وضعت ياقوتة حمراء ... في راحتي صارت زجاجا\nولو إني ردت عذبا فراتا ... عاد لا شك فيه ملحا أجاجا\nومثله قول الآخر:\nلو وردت البحار أطلب ماء ... جف قبل الورود ماء البحار\nأو لمست العود النضير بكفي ... لذوى بعد نضرة واخضرار\nأو رمى باسمي النجوم الدراري ... لا نزوى ضوؤها عن الأبصار\nولو إني بعت القناديل يوما ... لبدا الليل في ضياء النهار","vol":"2","page":74},{"text":"وقال الآخر:\nولمل التمست الرزق فانجذ حبله ... ولم يصف لي من بحره العذب مشرب\nخطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... فزوجنيها الفقر إذ جئت أخطب\nفلو تهت في البيداء والليل مسبل ... علي جنا حيه لمّا لاح كوكب\nولو جفت شرا فاستترت بظلمة ... لأقبل ضوء الشمس من حيث يغرب\nولو جاد إنسان علي بدرهم ... لعدت إلى رحلي وفي الكف عقرب\nولو يمطر الناس الدنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب\nوأن يقترف ذنبا ببرقة مذهب ... فإنَ برأسي ذلك الذنب يعصب\nوإن أر خيرا في المنام فنازح ... وإن أر شرا فهو مني مقرب\nأمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب\nوقول الآخر:\nأحمد الله لو أقل قط يابدر ... ويا موسى ويا كافور\nلا ولا قيل قد أتاك من ... الضيعة بر موفر وشعير\nأنا خلو من الممالك والأملاك ... جلد على البلايا صبور\nليس إلاّ كسيرة وقديح ... وقميص أتت عليه الدهور\nوقول الآخر:\nسل عن الرزق يا أبا العباس ... وجماح الزمن بالأكياس\nلو من الناس ساعدتي الدهر ... ولكنني من النسناس\nلو هوت صخرة من الجو جاءت ... تتخطى الأنام تطلب رأسي\nلا وحق الإله ما ابصر الشمس ... بعيني من شدة الإفلاس\nوقول الآخر:\nبرزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على أحد طلابي\nفمنزلي الفضاء وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع سحاب\nفأنت إذا أردت دخلت بيتي ... علي مسلما من غير باب\nلأني لم أجد مصراع باب ... يكون من السماء إلى التراب\nولا انشق الثرى عن عود تخت ... أؤمل أن اشد به ثيابي","vol":"2","page":75},{"text":"ولا خفت الأباق على عبدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي\nوفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدهر ذا أبدًا ودابي\nوقول الآخر:\nقد أراح الله من هم ... طويل وعذاب\nفاسترحنا من عيال ... وعبيد ودواب\nوغدو ورواح ... وهجاء وعتاب\nوقول الآخر:\nكسدت شواشينا وقل معاشنا ... فسعودنا مقرونة بنحوس\nفكأنما قطعت رؤوس الناس أو ... خلقوا لشقوتنا بغير رؤوس\nوقول الآخر:\nأنا في حال تعالى الله ... ربي أي حال:\nليس لي شيء إذا قيل ... لمن ذا قلت: ذالي\nفأرضي الله فرشي ... والسماوات ظلالي\nولقد اهزلت حتى ... محت الشمس خيالي\nولقد أفلست حتى ... حل أكلي بعيالي\nمن رأى شيئًا محالا ... فأنا نفس المحال\nلو بقي في الناس حر ... لم اكن في مثل حالي\nوقول الآخر:\nليس إغلاقي لبابي إنَّ لي ... فيه ما أخشى عليه السرقا\nإنّما أغلقه كي لا يرى ... سوء حالي من يمر الطرقا\nمنزل أوطنه الفقر فلو ... يدخل السارق فيه سرقا\nوقيل لبعض أجلاف المشايم: كيف المعاش؟ فقال: يوما يرزق ويوما لا يرزق. وليته هو مضروب ألف سوط وإنَّ الله لم يخلقه وقيل له: فلعل الله قد ذخر لك بهذا أجرا في الآخرة. فقال: أيهما اكرم على الله الدنيا أم الآخرة؟ فقيل له: الآخرة. فقال: هو لم يعطني الهينة عليه فيعطيني تلك الكريمة عليه!","vol":"2","page":76},{"text":"وقيل لآخر: أتعرف ربك؟ فقال: وكيف لا اعرف من أجاعني واعراني؟ وقيل لآخر وقد رئي مغتنما: ما غمك؟ فقال: سوء الحال وكثرة العيال. فقال له: لا تغتنم فإنهم عيال الله. فقال: صدقتم ولكن كنت أحب أن يكون الوكيل عليهم غيري! وقال بعضهم: كان لآدم ﵇ غلام يخدمه فنحن معاشر المحارفين من نسل ذلك الغلام ولا نسب بيننا وبين آدم فإنَ الله يقول: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات. وليس فينا ولا عندنا شيء من هذه الخصال فلو كنا بني آدم لكان لنا حظ من هذه الأشياء! واستقى قوم يوم الخميس فمطروا. فنظر إليهم بعض المشائيم وهم منصرفون فرحين بالسقايا فقال: والله ما بي إلاّ انهم يظنون إنَّ الله استجاب لهم. والله ما مطروا إلاّ أني غسلت ثيابي اليوم والله ما غسلتها قط إلاّ تغيمت السماء ومطرة ولا بأس فليرجعوا إلى خميس آخر: فإنَ مطروا فليحلقوا لحيتي! وقال أبو العباس أحمد المقري الفاسي يخاطب التاج التونسي:\nوالله ما انصفتنا يا تاج: ... فسقامنا لدوائكم مجتاج\nفقضية قد ركبت بشروطها ... أفممكن أن يخلف الإنتاج\nوقال الآخر:\nولم أر شيئًا بعد ليلى ألذه ... ولا منهلا أروى به فأعيج\nيقال: ما عجت بالدواء أي لم انتفع به. ويزعم كثير من اللغويين والنحويين إنّه لا يستعمل إلاّ في النفي كما مثلنا وكما في قول كثير:\nقلما نفعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجبت من أقاويلهم بفتيل\nوالبيت المذكور يرده إلاّ إنَّ يتأول إنّه لمّا كان الموصوف منفيا كانت الصفة وما عطف عليها أيضًا في معنى النفي والله اعلم.\nوقال الآخر في الأوصاف:\nفي ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقوف العاج\nوالصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجا بسراج\nومثله قول الآخر:\nيا رب ليل رقبناه وقد طلعت ... بقية البدر في أولى بشائره\nكأنما ادهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصبح خلى نعل حافره","vol":"2","page":77},{"text":"وقول الآخر:\nفكأن الليل حين لوى ... هاربا والصبح قد لاحا\nكلة سوداء احرقها ... عامد أوقد مصباحا\nوقول الآخر:\nسرى والصبح تحت الليل باد ... كطرف أبلق تحت الجلال\nبكأس من زجاج فيه أسد ... فرائسهن الباب الرجال\nوقول الآخر:\nوفتيان سروا والليل داج ... وضوء الصبح مهتم الطلوع\nكأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع\nوقال الآخر:\nلفتاة تسرنا في المثاني ... وعجوز تسرنا في المزاج\nأخذت من رؤوس قوم كرام ... ثأرها بين أرجل الأعلاج\nومثله قول أبي بكر بن زهير:\nوموسدين على الأكتاف خدودهم ... قد غالهم ضوء الصباح وغالني\nما زلت اسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالي\nوخمر تحسن كيف تأخذ ثأرها: ... إني أملت إناءها فأمالني\nوقال الآخر:\nولرب حان قد أدرت بديره ... خمر الصبا مزجت بصفو خموره\nفي فتية جعلوا الزقاق وكاءهم ... متضارعين تخشعا لكثيره\nيهدي إلينا الراح كل مصفق ... كالخشف خفرة التماح خفيره\nوإلى علي بطرفه وبكفه ... فأمال من رأسي لعب كبيره\nوتزنم الناقوس عند صلاتهم ... ففتحت من عيني لرجع هديره\nوالشعر في أوصاف الخمر كثيرة وأكثره يتنزه عن ذكره وسيأتي كثير منه.\nوقال أبو الفرج جعفر اليماني:","vol":"2","page":78},{"text":"عارض أقبل في ليل الدجى ... يتهادى كتهادي ذي الوجا\nبددت ريح الصبا لؤلؤه ... فانبرى بوقد عنه سرجا\nومثله قول أبن الخطيب:\nأخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كي تهتدي مصباحا\nوكأنَّ صوت الرعد خلف سحابها ... حادٍ إذا ونت الركائب صاحا\nوتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول. وقال الأخر:\nقالوا: تبدى شعره فأجبتهم: ... لابد من علم على الديباج!\nوالبدر أبهر ما يكون ضياؤه ... إن كان ملتحفا بليلٍ داجِ\nومن هذا المعنى قول الآخر:\nومهفهفٍ علق السقام بطرفه ... وسرى فعرس في معاقد خصره\nمزقت أستار الظلام بثغره ... ثم أنثنيت أحوكها من شعره\nوقال أبن صارة:\nومهفهفٍ أبصرت في أطرافه ... قمرا بآفاق الملاحة يشرقُ\nيقضي على المهجات منه صعدة ... متألق فيها سنان أزرقُ\nوقول الآخر:\nومعذرٍ عبث العذار بخده ... ظلمًا فشان ضياءه بظلامه\nكسفت محاسنه لأربع عشرة ... وكذا كسوف البدر عند تمامه\nوقال أبن رشيق:\nهمت عذاراه بتقبيله ... فاستل من عينيه سيفينِ\nوقامت الحرب على ساقها ... بين أميرين قتولين:\nفذلك المحمر من خده ... دماءُ ما بين الفريقينِ\nوقال الأخر:\nوأغيد من أبناء لمطة شادنٍ ... ينوء كما يعطو بخطوته البانُ\nذؤابته مهراقةٌ خلف ظهره ... كما التف بالغصن المنعم ثعبانُ","vol":"2","page":79},{"text":"وقول الآخر:\nومهفهفٍ كالغصن إلاّ أنه ... سلب التثني النوم عن أثنائه\nأضحى ينام وقد تورد خده ... عرقا فقلت: الورد رش بمائه!\nوقول الآخر:\nغزال إنسٍ كم استدنيته فنأى ... عني وأعرض مزورًا بجانبه!\nطالت علي ليلٍ من هواه كما ... طالت عليه ليالٍ من ذوائبه\nوقال الصنوبري:\nما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئًا ولا ألفاته من قده\nفكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من خده\nوهذا المعنى كثير. وقال الأخر:\nكأنَّ الثريا راحةٌ تشبر الدجى ... لتخبر طال الليل أم قد تعرضا\nعجبت لليلٍ بين شرقٍ ومغربٍ ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا\nوقول الآخر:\nكأنَّ بهرام وقد عارضت ... منه الثريا نظر المشتري\nياقوتةٌ يعرضها بائعٌ ... في كفه والمشتري مشتري\nوقول الآخر:\nوقد لاح من الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا\nوقال الأخر:\nوغريبتة الإنشاء صرنا فوقها ... والبحر يسكن تارة ويموجُ\nعجبا تؤم بها معاهدنا التي ... كرمت فعاج الأنس حيث نعوجُ!\nوقد استطال النور فوق الماء من ... شمس الأصيل فلاح وهو بهيجُ\nفكأنَّ متن البحر ذائب فضةٍ ... قد سال فيه من النضار خليجُ","vol":"2","page":80},{"text":"ومثله قول الآخر:\nلو أبصرت عيناك زورق فتيةٍ ... يبدي لهم لمح السرور مراحه\nوقد استداروا تحت ظل شعاعه ... كلٌ يمد بكأس راحٍ راحهُ\nلحسبته خوف العواصف طائرًا ... مد الحنان على بنيه جناحهُ\nوقال أبن الخطيب:\nإنَّ الهوى لشكايةٌ معروفة ... صبر التصبر من أجل علاجها\nوالنفس إن ألفت مرارة طعمه ... يوما ضمنت لها صلاح خراجها\nوقال السبتي:\nيا ساءلًا عن مذهبي عامدًا ... ليقتدي فيه بمنهاجي\nمنهاجي العدل وقمع الهوى: ... فهل لمنهاجي من هاجِ؟\nوقال أبو الحسن بن رشيق:\nولقد ذكرتك في السفينة والردى ... متوقع بتلاطم الأمواجِ\nوالجو يهطل والرياح عواصفٌ ... والليل مسود الذوائب داجِ\nوعلى السواحل للأعادي غارةٌ ... يتوقفون لغارة وهياجِ\nوعلت لأصحاب السفينة ضجةٌ ... وأنا وذكرك في أل تناجِ\nومثله وهو أصله قول عنترة:\nولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ ... مني وبيض الهند تقطر بالدمِ\nوقول الأرجاني:\nوإني لأرعاكم على القرب والنوى ... وأذكركم بين القنا والقنابلِ\nوقول الآخر:\nإلاّ من مبلغ المحبوب أني ... وقفت وللظبا حولي صليلُ\nوأني جلت في جيش الأعادي ... برمح وهو في ذكري يجولُ؟\nوقول الآخر:\nأرسلتها والعوالي في الطلا ترد ... في موقفٍ فيه ينسى الوالد الولدُ\nوما نسيتك والأرواح سائلةٌ ... على السيف ونار الحرب تتقدُ","vol":"2","page":81},{"text":"وقوله:\nولقد ذكرتك والصوارم لمع ... من حولنا والسمهرية شرع\nوعلى مكفاحة والعدو ففي الحشا ... شوق إليك تضيق عنه الأضلع\nومن الصبا وهلم جرا شيمتي ... حفظ الوداد فيف عنه أرجع؟\nوقول الصفي الحلي:\nولقد ذكرتك والعجاج كأنه ... منا وبين معفر في معفر\nوالشمس بين مجدل في جندلٍ ... منا وبين وجهك أو مساء مقمر\nوتعطرت أرض الكفاح كأنما ... فتقت لنا ريح الجلاد بعنبر\nوقوله أيضًا:\nولقد ذكرتك والسيوف مواطر ... كالسحب من وبل النجيع وطله\nفوجدت أنسا عند ذكرك كاملا ... في موقف يخشى الفتى من ظله\nوقلوه أيضًا:\nولقد ذكرتك والجماجم وقع ... تحت السنابك والأكف تطير\nوالهام في أفق العجاجة حوم ... فكأنها فوق النسور نسور\nفأعتادتني من طيب ذكرك نشوة ... وبدت علي بشاشة وسرور\nفظننت أني في مجالس لذتي ... والراح تجلى والكؤوس تدور\nوقول أثير الدين بن حيان:\nلقد ذكرتك والبحر الخضم طغت ... أمواجه والورى منه على سفر\nفي ليلة أسدلت جلباب ظلمتها ... وغار كوكبها عن أعين البشر\nوالماء تحت وفوق المزن وأكفه ... والبرق يستل أسيافا من الشرر\nوالروح من حزن راحت وقد وردت ... صدري فيالك من ورد بلا صدر!\nهذا وشخصك لا ينفك في خلدي ... ولا في فؤادي وفي سمعي وفي بصري","vol":"2","page":82},{"text":"ويقرب من هذا قولي:\nإلاّ ليت شعري هل أرى من ثنية ... عضها كموصوف الكتائب تشرف؟\nوهل أردن من سلسبيل مواردٍ ... هناك كالمعسول المباسم تشرف؟\nوهل أرين مغنى الدلاء عيشة ... كأن بنياه بجاد مفوف؟\nذكرتكم وهنا وإني لمدلج ... بأجواز أقطار الصحاري أطوف\nفقلت وقلبي ضمن شجو ولوعة ... وجفني بمنثور الجمان يكفكف:\nأدار سقيك الوبل غير مبرحٍ ... ولا برحت عنك الحوادث تصرف\nلقد هجت للقلب العميد صبابة ... تكاد لها صم الجبال تقصف!\nوقول الصفدي:\nولقد ذكرتكم بحرب ينثني ... عن بأسها الليث الهزبر الأغلب\nوالصافنات بركضها قد أنشأت ... ليلا وكل سنا سنان كوكب\nوالبيض تنثر كل ما نظم القنا ... والنبل يترب والعجاج يترب\nوحشاشة الأبطال قد تلفت ظما ... ودم الفوارس مستهل صيب\nوالنفس قد سالت على حد الظبا ... وأنا بذكركم أميل وأطرب\nوقول الآخر يصف الشمس في الغيم:\nوتنقبت بخفيف غيم أبيضٍ ... هي فيه بين تخفر وتغنج\nكتنفس الحسناء في المرأة إذ ... كلمت ولم تتزوج\nومن هذا المعنى قول أبن طباطبا العلوي:\nمتى أبصرت شمسا تحت غيمٍ ... ترى المرآة في كف الحسود\nتقابلها فتلبسها غشاء ... بأنفاس تزايد في الصعود\nوقال الوزير المهلبي:\nأما ترى الشمس وهي طالعة ... تمنع منا إدامة النظر؟\nحمراء صفراء في تلونها ... كأنها تشتكي من السهر\nمثل عروس غداة ليلتها ... تمسك مرآتها من القمر","vol":"2","page":83},{"text":"وقوله:\nوالشمس خيرًا خلف غيم عارض ... فكأنها في ضوء ليل مقمر\nوقوله:\nالشمس من مشرقها قد بدت ... نيرة ليس لها حاجب\nكأنها فوهية أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب\nوقول أبن المعتز:\nوالشمس كالمرآة في كف الأشل\nوقول أبي حفص بن برد، ومنه أخذ:\nكأن شعاع الشمس في كل غدوةٍ ... على ورق الأشجار أوّل طالع\nدنانير في كف الأشل يضمها ... لقبض فتهوي من فروج الأصابع\nونحو هذا قول الآخر في الخمر:\nكانت سراج أناس يهتدون بها ... في سالف الدهر قبل النار والنور\nتهتز في الكأس من ضعف ومن هرمٍ ... كأنها قبس في كف مقرور\nوقول أبن الرومي في الشمس:\nكأن جنوح الشمس عند غروبها ... وقد جنحت في مجنح الليل تمرض\nمحاجر عين مس أجفانا الكرى ... ترنق فيها النوم وهي تغمض\nوقال أبن خفاجة:\nوالنقع يكسر من سنى شمس الضح: ... فكأنه صدا على دينار\nوقال إبراهيم بن العباس الصولي:\nولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج\nكملت فلما استكملت حلقاتها ... فخرجت وكان يضنها لا تفرج\nوكان يقال: ما رددهما من نزلت به نازلة به إلاّ فرج الله عنه.\nوقال الأخر:\nرويدك! فالهموم لها رتاج ... وعن كثب يكون لها انفراج\nألم تر أنَّ طول الليل لمّا ... تناهى حان للصبح انبلاج؟","vol":"2","page":84},{"text":"وقال أبو فراس:\nألا، ربما ضاق بأهله ... وأمكن من بيت الأسنة مخرج\nومثله قوله أيضًا:\nخفض عليك ولا تكن قلق الحشا ... مما يكون وعله وعساه!\nفالدهر أقصر مدة مما ترى ... وعساك أنَّ تكفى الذي تخشاه\nوقول الآخر:\nتربص بيومك ما في غدٍ ... فإن العواقيب قد تعقب\nلعل غدا من أخيه حمى ... يلم لك الصداع أو يرأب\nوقال الحجاج:\nدعها سماوية تجري على قدرٍ ... لا تفسد برأي منك أرضي\nوقول أبن حميدس:\nما أغفل الفيلسوف عن طرقٍ ... ليس لأهل العقول منسلكه!\nمن سلم الأمر للإله نجا ... ومن عدا القصد واقع الهلكه\nوقول الآخر:\nلا تضف في الأمور ذرعا فقد ... يكشف عنها بغير احتيال\nربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال\nوقصة أبي عمرو بن لعلاء في هذا الشعر، حيث ألزمه الحجاج أنَّ يأتي بشاهد على قراءته غرفة فسمع هذا الشعر مقرونا بنعي الحجاج، معروفة.\nوقال الأخر:\nإذا دجا خطب وأيقنت من ... صعب بأن الأمر يأتي عسير\nينعكس الأمر ويأتي كما ... شئت: فسبحان اللطيف الخبير!\nوقول الآخر:\nلا تشك! فالأيام حبلى ربما ... جاءتك من أعجوبة بجنين\nفكذا تصاريف الزمان: مشقة ... في راحةٍ وخشونة في اللين!\nما ضاع يونس بالعراء مجردًا ... في ظل نابتة من اليقطين","vol":"2","page":85},{"text":"وقول الآخر:\nوالليالي كما علمت حبالى ... مقربات يلدن كل عجيب\nوقول الآخر:\nالدهر لا ينفك عن حدثانه ... والمرء منقاد لحكم زمانه\nفدع الزمان فانه لم يعتمد ... لجلالة أحد ولا لهوانه!\nكالمزن لم يخصص بنافع صوبه ... أفقا ولم يخش أذى طوفانه\nلكن لباريه بواطن حكمةٍ ... في ظاهر الأضداد من أكوانه\nوقول الآخر:\nدع المنى! ربما نيلت بلا طلبٍ ... وربما وقع الحرمان من المهن!\nوقول الآخر:\nالدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... من غير قصد: فلا تمدح ولا تذم\nلا تسأل الدهر في غماء يكشفها: ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم!\nوقوله: ولا تذم، إنَّ كان بكسر الذال من قولك ذامه يذمه ذيما وذاما أي عابه فهو صحيح؛ وإنَّ كان بضمها من قولك ذمه يذمه فهو مذموم فلحن أو ضرورة بشيعة.\nوقول أبي بكر الخوارزمي:\nما أثقل الدهر على من ركبه ... حدثني عنه لسان التجربه!\nلا تحمدن الدهر لشيء سببه ... فانه لم يعتمد بالهبه\nوإنّما أخطأ فيك مذهبه ... كالسيل إذ يسقي مكانًا أخربه!\nوالسم يستشفي به من شربه\nقلت: وشعر هذين الشاعرين ينحو منحى زهير إذ يقول:\nرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\nلا سيما الشاعر الأول. ولا شك إنَّ ما ذكره زهير خطأ وجهل بالتدبير الرباني، والتصريف الاختياري، وأنَّ كل ذلك واقع عن علم وسبق مشيئة. وإنَّ كان يمكن أنَّ يتأول الكلام لو صدر من موحد بأن ذلك بحسب الصورة الظاهرة. ومثل المنايا صروف الدهر وحوادثه سواء.","vol":"2","page":86},{"text":"ويشبه قول الخوارزمي:\nلا تمدحن أبن عباد وإن هطلت ... كفاه بالجود حتى أخجل الديما!\nفإنها خطراتٌ من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما\nوكتب البيتين فوضعهما حيث يجلس الصاحب ثم ارتحل من وقته. فلما وقف الصاحب عليهما فال:\nأقول لركبٍ من خراسان أقبلوا ... أمات خوارزميكم؟ قيل لي نعم!\nفقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره: ... إلاّ لعن الرحمن من يكفر النعم!\nومثل ما تقدم قول الآخر:\nمن يصحب الدهر لا يعدم تقلبه ... والشوك ينبت فيه الورد والآسُ\nتمر حينا وتحلو لي حوادثه ... فقلما جرحت إلاّ انثنت تأسو\nوقول الآخر:\nلا تجزعن لعسرةٍ من بعدها ... يسران وعد ليس فيه خلافُ!\nكم عسرة ضاق الفتى لنزولها ... لله في أعطافها ألطف!\nوقول الآخر:\nتصبر للعواقب واحتسبها ... فأنت من العواقب قافي اثنتينِ\nتريحك بالمنى أو بالمنايا ... فإنَ الموت إحدى الراحتين!\nوقول الأبيوردي:\nتنكر لي دهري ولم يدر إنني ... أعز وأنَّ الحادثات تهونُ\nفبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكونُ\nوقولنا من قصيدة:\nفإذا عرتك الحادثات فثق ... بمليكها ذي الخلق والأمرِ\nواصبر لروح الله مرتجيا ... فلتحمدن عواقب الصبرِ\nإنَّ اصطبار المرء مفتتحٌ ... متغلق البأساء والعسرُ\nومنفس عنه الكروب إذا ... ضاقت بهن جوانح الصدرِ\nكم من حزين بات مكتئبًا ... متعسر الأحشاء ذا زفرِ","vol":"2","page":87},{"text":"ما يرتجى جلباب ليلته ... أن ينزوي طرفاه بالسفرِ\nفاتته ألطافٌ منفسةٌ ... لفؤاده من حيث لا يدري\nولكم بعيد الضيق من سعةٍ ... ولكم بعيد العسر من يسرِ!\nهل بعد معتكر الظلام سوى ... بلج الصباح وطلعة الفجرِ\nأو بعد ظمأة هجمةٍ وردت ... إلاّ ارتواء جانب الغدرِ\nأو بعد خانقة التلاع سوى ... فيح الفجاج وفسحة البهرِ؟\nوقول الآخر:\nأمقتولة الأجفان مالك والهًا ... ألم ترك الأيام نجما هوى قبلي؟\nأقلي بكاءً: لستِ أول حرةٍ ... طوت بالأسى كشحا على مضض الثكلِ\nوفي أم موسى عبرةٌ إذ رمت به ... إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي\nولله فينا علم غيبٍ وحسبنا ... به عند جور الدهر من حكم عدلِ\nوالشعر في هذا المعنى اكثر من أن يحصى.\nوقال الغري:\nقالوا: بعدت ولم تقرب فقلت لهم: ... بعدي عن الناس في هذا الزمان حجا\nلولا التباعد بين الحاجبين به ... بان افتراقهما لم نعرف البلجا\nومثله قول الارجاني:\nأسفت على عمرٍ تصرم ضائعًا ... وجدت بدمعٍ يستهل هتونِ\nوآنسني بعدي من الناس جانبًا ... وإن هم على أحداقهو حملوني\nولمّا غدا عنا على جفن ناظري ... لقاء الورى من صاحبٍ وخدينِ\nألفت الفضا مستوطنًا ظهر ناقةٍ ... تلف سهولًا دائمًا بحزونِ\nوما سرت إلاّ في الهواجر وحدها ... كراهة ظل أن يكون قريني\nوقول أبي العلاء المعري:\nفظم بسائر الإخوان شرًا ... ولا تأمن على سرٍ فؤادا:\nفلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لمّا طلعت مخافة أن تكادا!\nوقوله أيضًا:\nجربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودِّ امرئ غرضا","vol":"2","page":88},{"text":"وقول أبن القلاقس:\nاعلق بأطراف الوداد فانه ... من دافع الأمواج مات غريقا\nوإذا انتهى الإخلاص أوجب ١ده: إنَّ التجمع ينتج التفريقا!\nوقول أبن الرومي، وهو المثل المشهور في هذا:\nعدوك من صديقك مستفادٌ: ... فلا تستكثرن من الصحابِ\nفإنَ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشرابِ!\nوقول الآخر:\nجزى الله خيرًا كل من ليس بيننا ... ولا بينه ودٌ ولا متعارفُ\nفما نالني ضيمٌ ولا مسني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت آلفُ!\nوقول الآخر:\nأحذر عدوك مرةً ... وأحذر صديقك ألف مرة\nفلربما انقلب الزمان ... فكان أعرف بالمضرة!\nوقول أبن سناء الملك:\nأبى الهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ: ... فيا ليت مني مكن الله ضده!\nيعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدى له من خوفه من أعده\nوقولي من قصيدة:\nوبنو دهرك العضال من الداء ... العديم الأساة ذو الأزمانِ\nوأضر الأدواء من تتولاه ... وتحجوه أقرب الإخوانِ\nإنما الأقرباء في الناس جساسٌ ... عليك في السر والإعلانِ\nيخبرون العورات حفظًا وإعدادًا ... ليوم البأساء والشنآنِ\nوقول الأنصاري الأول:\nألا رب من تحجو صديقًا ولو ترى ... مقاتله بالغيب ساءك ما يفري:\nلسانٌ له كالشهد ما دمت حاضرًا ... وبالغيب مطرورٌ على ثعرة النحرِ\nوقولي من قصيدة:\nفتوخ في الناس الوفي إذا ... عاشرتهم وحذار الله تعالى الغدرِ!\nواسبرهم قبل الإخاء ولا ... تغتر في الإخوان بالسبرِ!","vol":"2","page":89},{"text":"كم من أخٍ مذق الوداد على ... ما فيه من إجنٍ ومن سبرِ\nإن تلقه فالشهد مقولته ... وإذا تعيب يكون كالصبرِ\nيسمى بوجهك تستميل وإن ... أدبرت عنه فكية الظهرِ\nوإذا الزمان دعاك نائبه ... العازي إليه ترجى البرِ\nفسيحتبيك بوعد غانيةٍ ... أو وعد عرقوبٍ جنى التمرِ\nوإذا تعود يظل مكتلحًا ... متغيظًا ينزو ويستشري\nوإذا تصادف ذا الصفا فكن ... منه ولو صافحك ذا حذرِ\nوأسم سوائم سمعه طرقًا ... مطروقةً من مسرح السرِ\nوصن السرارة واللباب ولا ... تبذل له منه سوى القشرِ\nفلربما يلوي الزمان به ... فيكون أبص فيك بالضرِ\nوقول الآخر:\nفاقت بيوسفها الدنيا وفاح لها ... طيب طوى المسك في نشر لها أرجِ\nفإنَ يشاركه في اسم الملك طائفةٌ ... فإنَ شمس الضحى من جملة السرجِ\nويتمثل بالبيت الثاني. ومثله في المعنى قول الآخر:\nوفي البساتين أفنانٌ منوعةٌ ... وليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ\nوفي السماء نجومٌ ما لها عددٌ ... وليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ\nوقول أبي الطيب:\nفإنَ تفق الأنام وأنت منهم ... فأن المسك بعض دم الغزال\nوقول الآخر:\nوقد يسمى سماء كل مرتفعٍ ... وإنّما الفضل حيث الشمس والقمرُ\nوقول الآخر:\nالناس كالناس إلاّ تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصرِ\nوالأيك مشتبهاتٌ في منابتها ... وإنّما يقع التفضل في الثمرِ\nوقول الآخر:\nوقد يتقارب الوصفان جدًا ... وموصوفاهما متباعدانِ","vol":"2","page":90},{"text":"وقول الآخر:\nقد يبعد الشيء من شيء يناسبه ... إنَّ السماء نظير الماء في الزرقِ\nوقول الآخر:\nدع ما تناسب في الأبصار ظاهره ... ولا تقل بقياس غير مطردِ\nفصدمه المتنافي لا اعتداد بها ... شتان ما بين مهتزٍّ ومرتعدِ\nوقول الآخر:\nقد تشبه الحالة الأخرى وبينهما ... إذا تأملت فرقٌ عن سواك خفي\nفربما صفق المسرور من طربٍ ... وربما صفق المحزون من أسفِ\nوقول الآخر:\nلقد عرض الحمام لنا بسجعٍ ... إذا أصغى له ركبٌ تلاحى\nشجا قلب الخلي فقال غني ... وبرَّحَ بالشجي فقال ناحا\nوقال الشيخ عمر بن الفارض:\nلا كان وجدٌ به الأماق جامدةٌ ... ولا غرامٌ به الأشواق لم تهجِ\nوقال الراعي:\nومرسلٍ ورسولٍ غير متهمٍ ... وحاجةٍ غير مزجاةٍ من الحاجِ\nطاوعته بعدما طال النجي بنا ... وظن أني عليه غير منعاجِ\nما زال يفتح أبوابًا ويغلقها ... دوني وأفتح بابًا بعد إرتاجِ\nحتى أضاء سراجٌ دونه بقرٌ ... حمر الأنامل عين طرفها ساجِ\nيا نعمها ليلةٌ حتى تخونها ... داعٍ دعا في فروع الصبح سحاجِ\nلمّا دعا الدعوة الأولى فأسمعني ... أخذت بردي وأستمررت أدراجي\nوقال الأخر:\nما زلت ابغي الحي أتبع ظلهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودجِ\nقالت: وعيش أبي وحرمة أخوتي ... لأنبهن الحي إن أم تخرجِ\nفخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فعلمت أنَّ يمينها لم تحرجِ","vol":"2","page":91},{"text":"فلثمت فاها آخذًا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرجِ\nقوله ماء الحشرج أي الماء الجاري على الحجارة.\nوقال عمر بن أبي ربيعة:\nقد كنت حملتني عيظا أعالجه ... فإنَ تقدني فقد عنيتني حججا\nحتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا ... أكلت لحمك من غيظٍ وما نضجا\nوقبل هذين البيتين:\nيا ربة البغلة الشهباء هل لكم ... أن ترحمي عمرًا لا ترهقي حرجا؟\nقلت: بدائك مت أو عش تعالجه ... فما نرى لك فيما عندنا فرجل!\nوبعدهما:\nفقلت: لا والذي حج الحجيج له ... ما مج قلبك من قلبي وما مهجا\nولا رأى القلب من شيء يسر به ... مذبان منزلكم منا وما ثلجا\nكالشمس صورتها غراء واضحةٌ ... تعشي إذا برزت من حسنها السرجا\nضنت بنائلها عنه فقد تركت ... من غير جرم أبا الخطاب مختلجا\nوقال بعض المجان:\nإذا مررت بوادٍ لا أنس به ... فاضرب عميرة لا عارٌ ولا حرجُ\nضرب العميرة هي الخضخضة وهي الاستمناء باليد وشبهه. وكذب هذا القائل: فإنَ في الخضخضة لحرجا وعارًا وإنما محرمة عند جماهير الناس وفيها قول بعض الأعراب:\nإن تبخلي بالركب المحلوق ... فإنَ عندي راحتي وريقي\nوالركب بفتحتين وتقدم تفسيره.\nوقول الآخر:\nكفي ورجلي لا عدمت كليهما ... أصبحت أغنى من يروح ويغتدي\nأمشي على هذه وأنكح هذه ... فمطيتي رجلي وجاريتي يدي!\nوقول الآخر:\nخطبت إلى ساعدي راحتي ... وما كنت من شر خاطفيها\nوما إن تكلفت من مهرها ... سوى ريقةٍ أجتزي بها","vol":"2","page":92},{"text":"فإن شئت أوتى بها ثيبًا ... وبكرًا إذا شئت أوتى بها\nوقال بعضهم: مررت على برذعة الموسوس، وقد أدخل رأسه في جيبه يتخضض. فضربته برجلي، فانكشف فإذا هم منعض، فقلت: ما هذا؟ فقال: أما ترى في ذلك الروشن؟ وأشار إلى باب في علية فإذا جارية جميلة تتطلع. فقال: إني دعوتها فلما لم تجبني أجبتها. فقلت: قبحك الله! ووليت عنه. فلم ألبث أن لحق فقال: قضيت الحاجة على رغم أنفك وأنشد:\nأأنكرت ما عاينت من كف دالك ... وهل ينكر التداليك في قول مالك؟\nلقد أمن الدلاك من أن تنالهم ... حدود الزنى في واضحات المسالك\nوأني قد سكنت غربة غلمتي ... بحسن العيون والثدي الفوالك\nوكذب هذا الأحمق على مالك ﵁: فإنَ حرمة الاستمناء هي مذهبه وكذا مذهب الشافعي وغيره. وإنّما رويت رخصة عن عمر بن دينار إن صحت الحكاية عنه. وروى عن أبن عباس إنّه فال في الخضخضة: هي خير من الزنا.\nقلت: وليس في هذا الكلام ما يقضي حليتها، إذ ليست المحرمات كلها في درجة واحدة بل مقطوع بتفاوت ما بينها: فإنَ الزنى نفسه وهو محرم إجماعا على درجات بعضها أشد من بعض. ألا ترى إنَّ الزنا بحرة مطاوعة لا زوج لها ولا أهل يسبون بفعلها ة لا ترجو ولدا أخف من الزنى بغيرها وإن كان الكل حراما لأن الحق إذا انفرد وتمحض لله تعالى أخف مما إذا انضم إليه حق المزني بها المكره أو حق الزوج أو حق الأهل أو حق السيد في الأضرار بهم، ونحو ذلك من الحقوق. وهو أيضًا في الآيسة أخف منه في الولود، لمّا في الثانية من مزيد المفسدة باختلاط الأنساب وهو الحكمة الأصلية في التحريم. والمعلوم أنَّ الخضخضة ليست بمحل لهذه المفسدة لا تحقيقا ولا مظنة؛ ولكن فيها تضييع البذر وهو ماء النسل في وجهه فلتكن هي أخف. ولهذا المبحث محل يليق به وليس من غرضنا الآن التعرض له.\nوقلت أنا:\nإذا لحظتك عين المرء يومًا ... بدا منه صفاءٌ أو ضجاجُ\nوأنبت فيه عن حبٍّ ورغضٍ ... كما ينبي عن الماء الزجاجُ\nالصفاء بالكسر: المصفاة؛ والضجاج بالكسر: المضاجة، وهي المشاوره.","vol":"2","page":93},{"text":"وقلت أيضًا:\nلكل أخي داء دواءٌ يعده ... وأعيت دواء الضغن كل معالجِ\nإذا آنس النعمى تضاعفت داؤه ... وآض بغيظ للجوانح زامجِ\nوإن آنس البأساء اصبح شامتًا ... بقلبٍ من الشحناء والهزء رامجِ\nتقول: زمجت القربة إذا ملأتها وزمج الغيظ للجوانح مجاز. والمراج: الممتلئ الريان وهو هنا مجاز أيضًا.\nوقلت أيضًا:\nأرى الورى وصروف الدهر تخضمها ... مثل السفين تداعت فوقها اللججُ\nوهم رمايا مناياها فلا وزرٌ ... عنها ولا ملجأٌ منها ولا وحجُ\nكأنما هي حوض والورى وردٌ ... عطشى أناخوا عليه دائما وحجوا\nأو مثل هيمٍ لخمسٍ تغتشيه فلم ... يعن الياد لها عنه ولا العنجُ\nالخضم: الأكل ويستعمل في ملء الفم بالمأكول وهو مجاز هنا عن الاستئصال والوحج: الملجأ وهو عطف تفسير. والورد بضمتين جمع ورود؛ وحجوا: أقاموا. يقال: حجي به أي أولع به ولزمه. وبينه وبين الوحج الأول جناس تام بين الاسم والفعل. والهيم: الإبل يصيبها الهيام. والخمس بالكسر: زمان ورودها. والذياد: الطرد؛ والهنج بالتحريك: اسم من العنج بالسكون وهو أن يشد الراكب خطام البعير فيرده على رجليه.","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>باب الحاء المهملة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>أحب الحديث أصدقه</span>.\nالحب معروف. تقول: أحببت الرجل فهو محبوب على غير قياس. وقد يقال محب وهو قليل. قال عنترة:\nولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرمِ\nوقد يقال حببته ثلاثيا أحبه بالكسر فهو محبوب. أنشد الجوهري في الصحاح:\nأحب أبا مروان من أجل تمره ... وأعلم أنَّ الرفق بالمرء أرفقُ\nووالله لولا تمره ما حببته ... ولو كان أدنى من عبيدٍ ومشرقِ\nوليس عندهم مضعف متعد يتمحض فيه الكسر غير هذا. والحديث معروف أيضًا. والصدق ضد الكذب. وهذا كلام يروى عن النبي ﷺ لمّا جاءته هوازن تطلب منه أن يرد إليها ما أخذ منها من السبايا والأموال يوم حنين. فقال: أحب الحديث إلى الله أصدقه، أو: خير الحديث، إنَّ معي من يرون فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. فاختاروا السبي وقالوا: لا نعدل بالأحساب شيئا. والقصة مشهورة في المغازي.\nوقال كعب بن مالك ﵁:\nأبلغ قريشًا وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوي الألباب مقبولُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>حبك الشيء يعمي ويصم</span>.\nالحب مر؛ والعمى معروف وأعميته: فعلت به ذلك. وكذا الصمم وأصممته.","vol":"2","page":95},{"text":"وهذا أيضًا يروى عن النبي ﷺ. والعمى هنا يحتمل أن يكون عمى البصر وهو ظاهر أو عمى البصيرة وهو أدق وأليق.\nوالمعنى أنَّ المرء إذا أحب شيئا غلبت محبته على قلبه فلا يرى رشده ولا ينظر عاقبته ولا يسمع عاذله. والصمم هنا مجاز أيضًا عن عدم الإصغاء إلى المسموع وعدم الاهتبال به والانتفاع به. فكأنه أصم لا يسمع كما قال تعالى:) صمٌ بكمٌ عميٌ (. وقال الشاغر:\nصمٌ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بشرٍّ عنهم أذنوا\nوقال الأخر:\nفأصممت عمرًا وأعميته ... عن الجود والفخر يوم الفخار\nوفي معنى المثل قال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى:\nمحضتني النصح لكن لست أسمعه ... إنَّ المحب عن العذال في صممِ\nوهذا المثل يضرب في الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه.\nوفي حديث آخر عن النبي ﷺ: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم! وقال الشاعر:\nإذا طالبتك النفس يومًا بشهوةٍ ... وكان عليها للخلاف طريقُ\nفخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدوٌ والخلاف صديقُ\nوقال الأخر:\nوفي الحلم والإسلام للمرء وازعٌ ... وفي ترك طاعات الفؤاد المتيمِ\nبصائر رشدٍ للفتى مستبينةٌ ... وأخلاق صدق علمها في التعلمِ\nوفي هذا المعنى ما لا يحصى من الشعر والنثر يأتي في الحكم إن شاء الله تعالى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>حبل فلان يفتل</span>.\nالحبل بالفتح فالسكون: الرباط وهو معروف. وجمعه حبال وأحبال. قال الشاعر:","vol":"2","page":96},{"text":"أمن أجل حبلٍ لا أباك ضربته ... بمنسأةٍ؟ قد جر حبلك أحبالا\nوفتل الحبل معروف. قال امرؤ القيس:\nفيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل!\nأي بكل حبل أحكم فتله. ويقال: حبله يفتل إذا كان مقبلا على أمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>حتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها</span>.\nالحتف: الموت. والأظلاف جمع ظلف بالكسر وتقدم تفسيره. وهذا المثل يضرب في الهلاك يجتلبه القدر غمدان الإنسان أو يجره على نفسه. وأصله أنَّ النعمان بن المنذر عمد إلى كبش فعلق في عنقه مدية وأرسله يرعى ونذر أن يقتل من تعرض له. فكان الكبش يخرج ولا يمس. ثم مر على أرقم بن علباء اليشكري وقيل على علباء بن أرقم اليشكري فقال: كبش يحمل حتفه بأظلافه! ووثب عليه فذبحه وأشتواه. فقال في ذلك شعرا طويلا منه:\nأخوف بالنعمان حتى كأنني ... ذبحت له خالًا كريما أو أبن عمُ\nوقال أبو عبيد إنَّ هذا المثل تمثل به حريث بن حسان الشيباني بين يدي النبي ﷺ لقيلة التميمية وكان قدم بها الذي النبي ﷺ وذلك في قصة طويلة حتى قالت قيلة: فقدمنا تعني مع حريث على رسول الله ﷺ فصليت معه الغداة حتى إذا طلعت الشمس دنوت. فقال رجل: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول الله: وعليك السلام! وهو قاعد القرفصاء. فقالت: فتقدم صاحبي فبايعه على الإسلام فقال: يا رسول الله اكتب لي بالدهناء. فقال: يا غلام اكتب له. قالت: فشخص بي وكانت وطني وداري. فقلت: يا رسول الله الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم وهذه نساء بني تميم وراء ذلك. قال: صدقت المسكينة! المسلم أخو المسلم يسمعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان. وقال رسول الله صلى","vol":"2","page":97},{"text":"الله عليه وسلم: أيلام أبن هذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجر؟ انتهى.\nوهذا المثل هم مثل قولهم: بحث عن حتفه بظلفه وتقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>حتَّام تكرع ولا تنفع</span>؟\nحتى هنا حرف جر دخلت على ما الأستفهامية. ويقال كرع في الماء وفي الإناء بفتح الراء وكسرها كروعا وكرعا إذا تناول بفيه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء. والكرع بفتحتين: الماء يكرع فيه يجتمع من ماء السماء في غدير أو نحوه. قال عدي أبن الرقاع يصف راعي الإبل:\nيسنها ابلٌ ما إن يجزئها ... جزءًا شديدًا وما أن ترتوي كرعا\nويقال: نقع الرجل بالشراب وبالخبز بفتح القاف إذا استشفى به من غليله. قال كثير:\nفما نقعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجت من أقوالهم بفتيلِ\nوالمثل ظاهر معنى ومضربًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>المحاجزة قبل المنازلة</span>.\nويقال أيضًا: أن أردت المحاجزة فقبل النازلة. يقال حجزه عن الأمر إذا كفه عنه وصرفه فأنحجز هو. وحجز بين الناس فصل بينهم. وتحاجز القوم كف بعضهم عن بعضا. والحجز بفتحتين الذين يمنعون بعض الناس عن بعض ويفصلون بينهم جمع حاجز. ويقال: نجز حاجته وأنجزها: قضاها. والمناجزة المقابلة. وتناجز القوم تلاحموا وتقاتلوا. والمعنى إنَّ المحاجزة والمسالمة إنّما تكون قبل المناجزة والوقوع. فيضرب عند الحزم والفرار ممن لا يطاق أو عند طلب الصلح بعد القتال.","vol":"2","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>حدأ حدأ وراءك بندقةٌ</span>.\nالحداأة بكسر الحاء وفتح الدال المهملة بعدها همزة: الطائر المعروف جمعه حدأٌ مثل عنبة وعنب. قال الراجز: كما تدانى الحدأ الأوي.\nوقال الأخر:\nوتباىالألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحدأ القبلِ\nوضمير تبلي للمنون في البيت قبله. يقول: إنَّ المنية تبلي الين يستلئمون أي يلبسون اللأمات للقتال على الألى أي على النساء اللأئي تراهن يوم الروع أي يوم الفزع كالحدأ القبل جمع قبلاء وهي الناظرة بمقدمة العين. يصفهن بالإشفاق على أزواجهن فهن ينظرن إليهم هل سلموا. والبندقة بالضم هي التي يرمى بها. وحدأ في المثل أصله: يا حدأة وراءك بندقة! أي أحذري بندقة الرامي تصبك! وقيل إنَّ حدأ هي حدأ بن نمرة وبندقة هي بندقة بن مظلة وهما قبيلتان من سعد العشيرة. وكانت حدأ تنزل الكوفة فأغاروا على بندقة وكانوا ينزلون باليمن فنالوا منهم ثم كرت بندقة على حدأة فانحوا عليهم فصار يضرب لمن يفزع بعدوه أو يبلى بنظيره. ومن الناس من يرويه: حدا حدا بفتح الحاء غير مهموز على مثل عصا ويقول هو اسم القبيلة.\nويروى: حدث حديثين المرأة فإنَ أبت فعشرة. والحديثان والأربعة والعشرة أعداد معروفة. والمرأة فيها أربع لغات. يقال امرأة ومرأة ومرة ومراة. ويروى: حدث المرأة حديثين فإن لم تفهم فأربع. يقال: يربع إذا وقف وحبس. والمعنى: حدث حتى إذا كررت الحديث فلم يفهم عنك فأمسك ولا تتعب نفسك!","vol":"2","page":99},{"text":"يضرب في سوء السمع والإجابة. وهذا المعنى ظاهر في الرواية الأخيرة. وأما الروايتان الأوليتان فأولهما رواية أبي عبيد. قال البكري: وتصح على حذف يريد حدث حديثين المرأة فإن لم تفهم فأربعة لا تفهمها. وعلى الرواية الأخرى: فعشرة لا تفهمها. انتهى.\nقلت: وهذا المثل من الأمثال الموضوعة على ألسنة العجماوات. زعموا أنَّ الأرنب التقطت ثمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا إلى الضب يختصمان. فقالت الأرنب: يا أبا الحسل! فقال: سميعا دعوت. قالت: أتيناك انختصم إليك فأخرج إلينا. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت: إني وجدت ثمرة. قال: حلوة فكليها. فقالت: فاختلسها مني الثعلب. قال: لنفسه سعى. قالت: فلطمته. قال: حقك أخذت. قالت فلطمني. قال: حر انتصر. قالت: فاقض بيننا! قال: حدث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة! وهذه المقالة المنسوبة إلى الضب كلها أمثال سائرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>حديث خرافة يا أم عمرو</span>!\nالحديث معروف. وخرافة على مثل أسامة، رجل من عذرة استهوته الجن ثم نجا. فكان يخبر بأمور غريبة فكذبوه وقالوا: حديث خرافة ثم ضربوا به المثل وجعلوه لكل حديث مستملح أو لكل حديث لا حقيقة له. وهو مثل سائر قديما وحديثا. وقيل إنَّ خرافة كان له تابع من الجن فكان يخبره بأشياء عجيبة فيتحدث بها فتكون كما ذكر فنسبوه إليه الأحاديث الصادقة المعجبة الصادقة. قال الجوهري: ويروى عنه ﷺ إنّه قال: وخرافة حق. انتهى.\nوذكر بعض الأدباء إنّه روي بسند متصل إلى عائشة ﵂ قالت للنبي ﷺ: حدثني بحديث خرافة! فقال: رحم الله خرافة! كان رجلا صالحا فأخبرني أنه خرج ذات ليلة فلقي ثلاثة نفر من الجن فأسروه فقال أحدهم: نعفو عنه. وقال آخر: نقتله. وقال آخر: نستعبده. فبينما هم يتشاورون في أمره ورد عليهم رجل فقال: السلام عليكم! فقالوا وعليكم السلام! قال: وما أنتم عليه؟ قالوا: نفر من الجن أسرنا هذا فنحن نتآمر في","vol":"2","page":100},{"text":"أمره. قال: إن حدثتكم حديثا عجبا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: إني كنت ذا نعمة فزالت وركبني دين فخرجت هاربا. فأصابني عطش شديد فصرت إلى بئر فسبرت لأشرب فصاح بي صائح منها ولم أشرب. فغلبني العطش فعدت فصاح بي ثم عدت الثالثة فصاح بي فشربت ولم ألتفته. فقال: اللهم إن كان رجلا فحوله امرأة وإن كان امرأة فحولها رجلا. فإذا أنا امرأة فأتيت مدينة فتزوجني رجل فولدت منه ولدين. ثم تقت إلى بلدي فمررت بالبئر التي شربت منها فصاح بي كما صاح أولا. فشربت ولم ألتفت. فدعا كالأول فعدت رجلا كما كنت. فأتيت بلدي فتزوجت امرأة فولدت لي منها ولدان: فلي اثنان من ظهري واثنان من بطني. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم يتشاورون ورد عليهم ثور يطير. فلما جاوزهم إذا برجل بيده خشبة يحضر في أثره. فوقف عليهم فسألهم فردوا عليه مثل مردهم على صاحبهم فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: كان لي عم وكان لعمي عجل يربيه فأفلت فقال: أيكم رده فابنتي له. فأخذت خشبتي هذه وائتزرت ثم أحضرت في أثره وأنا غلام. وقد شبت فلا أنا ألحقه ولا هو ينكل. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم كذلك ورد عليهم رجل على فرس له أنثى وغلام له على فرس. فسلم كما سلم صاحباه فردوا عليه كردهم على صاحبيه. فسألهم فأخبروه فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا نعم! قال: كانت لي أم خبيثة. ثم قال للفرس الأنثى التي تحته: أنَّ كذلك؟ فقالت: نعم! وكنا نتهمها بهذا العبد وأشار إلى الفرس تحت غلامه: أنَّ هكذا؟ فقال برأسه نعم! فوجهت غلامي هذا الراكب على هذا الفرس في بعض حاجاتي فحبسه عندها فأغفى فرأى في منامه","vol":"2","page":101},{"text":"كأنها صاحت صائحة فإذا هو بجرذ قد خرج فقالت: أسجد! فسجد. ثم قالت: اكرب! فكرب. ثم قالت: ازرع! فزرع. ثم قالت: ادرس! فدرس. ثم دعت برحى فطحنت قدح سويق فأتت به الغلام وقالت له: ائت به مولاك! فأتاني به. فاحتلت عليها حتى سقيتها القدح فإذا هي فرس أنثى وإذا هو فرس ذكر. أكذلك؟ فقالت الفرس الأنثى برأسها: نعم! وقال الفرس برأسه: نعم! فقالوا: إنَّ هذا أعجب شيء سمعناه أنت شريكنا! فاجتمع رأيهم فأعتقوا خرافة. فأتى النبي ﷺ فأخبره بهذا الحديث. فما جاء من الأحاديث المحالية نسب إلى خرافة صاحب الحديث. انتهى.\nوقال في الصحاح: الراء في خرافة خفيفة ولا يدخله الألف واللام لأنه معرفة علم؛ إلاّ أن تريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل. انتهى.\nوقد استعمل اليوم في عرفنا اسما للحديث المستملح. يقول الرجل لصاحبه: اذكر لي خرافة أي حديثا من ذلك النوع ويحلى بالألف واللام لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>الحديث شجون</span>.\nويقال أيضًا ذو شجون. والشجون بضم الشين جمع شجن بفتح فسكون وهو الطريق في الوادي. والشواجن والشجون أيضًا: الأودية الكثيرة الشجر. قال:\nلمّا رأيت عدي القوم يسلبهم ... طلح الشواجن والطرفاء والسلم\nأو جمع شجنة بكسر الشين وهي الصدع في الجبل. والشجن بفتحتين غصن الشجرة المشتبك والشعبة في كل شيء والحاجة حيثما كانت. يقال لي بموضع كذا شجن. قال الراجز:\nإني سأبدي لك فيما ابدي ... لي شجنان: شجن بنجد\nوشجن لي في بلاد السند","vol":"2","page":102},{"text":"والجمع أيضًا شجون. والشجنة أيضًا مثلثة الشين والعروق المشتبكة. يقال: بيني وبين فلان شجنة رحم أي قرابة مشتبكة.\nوفي الحديث: الرحم شجنة من الله أي مشتبكة اشتباك العروق.\nومعنى المثل إنَّ الحديث ذو فنون وأغراض وطرق يدخل بعضها في بعض ويتشعب بعضها من بعض كالطرق المشتبكة المتقاطعة أو الأغصان والعروق. يضرب في الحديث سيذكر به حديث غيره. ومن ثم يضربه القصاص والأئمة عند استطراد المسائل والخروج من غرض إلى آخر. وقال الفرزدق:\nوإن كنت قد سألت دوني فلا تقم ... بأرض بها بنت الهوى تكون\nفلا تأمنن الحرب إذا استعارها ... كضبة إذ قال: الحديث شجون\nوالاستعارة بالسين والعين المهملتين من استعار النار. وروي اشتغار بالشين والغين المعجمتين أي هيجانها وثورانها وانتشارها ومن قولك: شغر برجله. يقول: إنَّ الحرب سببها الكلام كما قال الآخر:\nفإنَّ النار بالزندين تورى ... وإنَّ الحرب أولها كلام\nويقال الحرب أولها نجوى وأوسطها شكوى وآخرها بلوى.\nوقلت مضمنا لهذا المثل في غرض:\nتمنى بأوباش فتوح مدائن ... وذاك لعمري ضلة وجنون\nفأضحى كعمر إذ ترجى مراده ... بجيش مراد والحديث شجون\nوتقدم خبر عمرو بن أمامة مع مراد في الباب الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>حدث عن البحر ولا حرج</span>!\nالبحر معروف والحرج بفتحتين الضيق والاثم. وهذا يروى في الحديث عن النبي ﷺ وإنّه قال: حدثوا عن البحر ولا حرج أي حديث لا حرج عليكم في التحديث عنه فتكون الجملة حالية. وقد جعل هذا مثلا في الشيء الكثير الذي لا ينحصر أو لا يكاد بمعنى إنَّ المحدث عنه لا يضيق عليه المجال ولا يعزوه مقال.","vol":"2","page":103},{"text":"وورد من هذا النحو أيضًا حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وفي ذلك تأويلات ذكرها المحدثون ولا حاجة إلى التعرض لها. والمقصود من التمثيل واضح.\nوقال أبن اللبانة:\nوألغوا حديث البحر عند حديثه ... فكم بين ذي مد وكم بين ذي جزر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>حدث عن معن ولا حرج</span>!\nوهو معن بن زائدة الشيباني الجواد المعورف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>الحديد بالحديد يفل</span>.\nالحديد معروف وكذا الفل. وهذا المثل يضرب في الرجل القوي يلقى قرينه في البسالة والنجدة. وكان الوليد بن طريف الشيباني لمّا خرج على الرشيد اشتدت شوكته فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فقتله. فقال بكر بن النطاح:\nوائل بعضها يقتل بعضا ... لا يفل الحديد إلاّ الحديد\nلو تلقى الوليد غير يزيد ... لغدا ظاهرا عليه الوليد\nولمّا قتل الوليد رثته أخته الفارعة بنت طريف بشعرها المعروف منه:\nأيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على أبن دريف؟\nفتى لا يعد الزاد إلاّ من التقى ... ولا المال إلاّ من قنى وسيوف\nوهي قصيد معروفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>الحذر قبل إرسال السهم</span>.\nالحذر بفتحتين والحذر بكسر فسكون الاحتراز. يقال حذر بالكسر يحذر فهو حذر والإرسال: الإطلاق والمراد هنا الرمي والسهم معروف. وهذا من الأمثال العجماوية أيضًا.\nزعموا إنَّ غرابا رأى رجلا فوق سهما ليضرب به. فأراد ابنه أن يطير فقال له: يا بني اثبت حتى تعلم ما يريد الرجل. فقال له ابنه: يا أبت الحذر قبل إرسال السهم","vol":"2","page":104},{"text":"فذهبت مثلا. وهو يحسن أن يضرب عند الأمر بالاحتراز والاستعداد للمحذور قبل وقوعه وقبل فوات محل الحذر. وذلك ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>أحذر من ضب حرشته</span>.\nالحذر مر والضب الحيوان المعروف والحرش صيادته. يقال: حرش الضب يحرشه حرشا فهو حارش وذلك أن يحرك يده في فم جحره ليظنه حية فيخرج ذنبه ليضرب بها فيقبض على ذنبه ويمتلخه من الجحر قال الشاعر:\nوأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا\nومن هذا المثل الآتي: هذا اجل من الحرش.\nأحذر من غراب.\nالحذر تقدم والغراب معروف وتقدم أيضًا ويضرب به المثل في شدة الحذر وذلك معروف مشهور.\nوقد قال بعض الحكماء: أخذت من كل شيء أحسنه حتى انتهى بي الأمر إلى الكلب والهرة والخنزير والغراب. فقيل له: ما أخذت من الكلب؟ قال: إلفه لأهله وذبه عن صاحبه. فقيل له: ما أخذت من الهرة؟ قال: حسن تأنيها وتملقاها عن المسألة. فقيل: ما أخذت من الخنزير؟ قال: بكوره من حوائجه. فقيل: ما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>حذو النعل بالنعل</span>.\nتقول: حذوت النعل أحذوها حذوا إذا قطعتها وقدرتها وحذوت النعل بالنعل إذا قدرتها وقطعتها عليها. والنعل معروفة. والمثل يضرب في التساوي والتشابه. تقول في الشيئين يستويان: هما حذو النعل وذلك لأن كلا من النعلين تقدر بالأخرى وتقاس بقالبها. ومن ذلك قول الهذلي:","vol":"2","page":105},{"text":"وتأملت السبت الذي أحذوله ... فأنظر بمثل حذائه أخذولي\nويقال أيضًا: احتذيت حذو فلان أي فعلت فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>الحرب خدعة</span>.\nالحرب معروف مؤنث وقد يذكر. ويقال رجل حرب ومحرب أي شديد الحرب شجاع ورجل حرب أي عدو للواحد والجميع وللأنثى أيضًا. قال نصيب:\nوقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... اسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟\nوالخدع الختل. يقال: خدعه يخدعه أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. ولفظ خدعة هاهنا روي مثلثا والذي في الصحاح الفتح والضم مع سكون الدال. قال والفتح افصح. وروي أيضًا خدعة على مثال همزة. والمعنى إنّها تنقضي بخدعة. والذي يقتضيه الاتقاق لغة في هذا الضبط إنَّ الخدعة بضم الخاء وصف. فإن كان بفتح الدال كهمزة فهو وصف للرجل يكون كثير الخدع للناس. وإن كان بسكونها فهو وصف للذي يخدع. والخدعة بفتح فسكون مصدر وهو المرة من الخدع وبالكسر للهيئة من ذلك. وهذا الكلام يروى حديثا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>الحرب سجال</span>.\nالحرب مر والسجال يكون جمع سجل بفتح السين وسكون المعجمة وهو الدلو فيها ماء. ولا يقال لها سجل إلاّ وفيها ماء والمساجلة: المفاخرة والمباراة في السقي بالسجال. قال الفضل بن عباس بن عتيبة بن أبي لهب وقد وقف على زمزم:\nمن يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب\nثم استعملت المساجلة في المعارضة والمباراة في كل شيء من سبق أو رمي أو غير ذلك. وتساجلا: تباريا.\nومعنى المثل إنَّ الحوب دول بين الناس: سجل منها على هؤلاء وسجل على هؤلاء كما قال أبو سفيان لهرقل لمّا قال له: كيف الحرب بينكم وبينه؟ يعني النبي ﷺ فقال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه جال: يدال علينا مرة وندال عليهم أخرى. وقال زهير:","vol":"2","page":106},{"text":"تهامون نجديون كيدا ونجعة لك ... ليس أناس من وقائعهم سجل\nوقد يضرب في غير الحروب من كل ما يشبهها من نزاع وجدال مثلا. ولفظ السجال في المثل جمع كما فسرنا أوّلًا. ولا يصح أن يكون مصدرا أي الحرب هو مساجلة. وحاصل الأمر واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>حرب عوان</span>.\nاعلم إنَّ العرب ضربوا للحرب المثل بأوصاف شتى: فمن السائر من ذلك العوان واللأقح والرباعية. يقولون: حرب عوان وحرب لاقح وحرب رباعية. أما العوان فاصلها في النساء وهي النصف في سنها وكذا في سائر الحيوانات. قال تعالى: لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك. ويقال العوان التي لها زوج. قال النابغة:\nومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر\nوهذا أيضًا نحتمل. والجمع عون بالضم. واشتقاق العوان من العون وهو القوة لأنها عرضة للأعانة إن استعينت. وأما العوان من الحروب فهي التي كانت قوتل فيها مأخوذ من عوان النساء كأنهم جعلوها في المرة الأولى بكرا ثم تصير ثيبا. قال أبو جهل يرتجز يوم بدر:\nما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سن\nلمثل هذا ولدتني أمي\nوقال زهير:\nإذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل\nوقال الحماسي موسى بن جابر:\nوإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلي\nومعلوم انهم ما وصفوها بالعوان إلاّ للمبالغة وإرادة إنّها شديدة لا مجرد إنّها قوتل فيها مرة. وكان ذلك لأجل إنَّ المبتكرة يخف أمرها لعدم استحكام الضغائن فيها بعد بخلاف التي تقدمها قتلا غرس في القلوب الضغائن وأحفظها وأكثر الأوتار. فذلك مظنة","vol":"2","page":107},{"text":"الاشتداد مع عظم العود إلى الحروب على النفس ونفور النفوس منه وكراهيتها له كما قال الآخر:\nالحرب أوّل ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول\nحتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوز غير ذات حليل\nشمطاء ينكر لونها وتغيرت ... مكروهة للشم والتقبيل\nوأما تشبيه الأولى بالبكر والثانية بالعوان فذلك يكون لثلاثة اوجه: الوجه الأول إنَّ البكر من النساء هي التي لم تتقدم ممارستها ومخالطتها بخلاف العوان. وهذا بين وإليه أشار حبيب في التعبير عنها بالثيب حيث قال:\nولا اجتلبت بكر من الحرب ناهد ... ولا ثيب إلاّ منهم لها خطب\nالثاني إنَّ البكر لصغر سنها وجسمها في الحملة تشبه المرة الأولى لخفتها والعوان لعظم جسمها في الجملة وسنها تشبه الثانية لقوتها واشتدادها. وهذا من التوهم الخيالي.\nالثالث إنَّ البكر اسهل لغرتها وقناعتها بما تجد ولا كذلك العوان: فإنّها لاحتكاكها وتجربتها وطموح عينها اصعب محاورة واشد معاشرة وأدهى نكرا واعظم مكرا وهذا واضح. وقد يوصف بالعوان الأرض التي أصيبت بالمطر مرة بعد أخرى تشبيها كالذي مر. قال الحميد بن ثور الهلالي:\nولقد نظرت إلى أغر مشهر ... بكر توسن بالخميلة عونا\nمتسنم سنمتها متفجس ... بالدهر يملأ أنفسا وعيونا\nلقح العجاف له لخامس خمسة ... وشربن بعد تحلئ فروينا\nأراد بالأعر سحابا أبيض وبكونه بكرا أنه لم يمطر قبل ذلك وأراد بالخميلة الرمل ذات الشجر والعون جمع عوان وهي الأرض التي أصابها المطر مرة. ومعنى توسنها طرقها هذا السحاب ليلا عند الوسن أي النوم تقول: توسنت الرجل إذ أتيته وهو وسنان. والسنمات العظام الأسنمة من الإبل وأطلقها هنا على التلال والأكم. وقوله متنسم يريد يتسنمها أي يعلوها كالفحل الذي يتسنم الاينق. وقوله:","vol":"2","page":108},{"text":"متفجس أي متبكر بالدهر، أي رعده، تشبيها بهدر البعير؛ والعجاف أراد بها الأرضين المجدبة مجازًا؛ ومعنى لقحت حملت؛ أي أنبت عشبها. وقوله بعد تجلئ أي شربت بعد امتناع من الماء زمانا، من قولك: حلأته، أي دفعته وطردته. وأما اللاقح فأصلها في الحيوان أيضًا. يقال: لقحت الناقة بالكسر إذا حملت وألقحها الفحل، فهي لاقح ولقوح ولقحة بالكسرو يفتح. وحمع اللاقح لواقح ويجمع اللقوح لقح، وجمع اللقحة لقح، كقربة وقرب ولقح. وثم ضربوها مثلًا للحرب إذا عظمت واشتدت تشبيها لها بالناقة إذا جملت فعظم بطنها. قالت الفارغة بنت طريف:\nولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح ... وسمر القنا ينكزنها بأنوف\nومنه قول زهير السابق: إذا لقحت حرب عوان مضرة.\nومن أبلغ ما ورد في هذا المعنى قوله أيضًا في ميميته، حيث وصف الحرب فقال:\nوما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم\nمتى تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم\nفتعكرتم عرك الرحا بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم\nفتنتج لكم غلمان أشام كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضع فتفطم\nفتغلغل لكم مالا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم\nقوله تبعثوها ذميمة أي مذمومة، وكان الأفصح أن يقول ذميما، بغير هاء. ويروى بالدال المهملة، أي حقيرة، إشارة إلى معنى ما تقدم في قول الآخر: الحرب أول ما تكون فتية. وقوله عرك الرحا بثفالها، أي وهي على ثفالها. والثفال بالثاء المثلثة مكسورة ما يجعل تحت الرحا حال الطحن، يريد: تعرككم عرك الرحا إذا كانت طاحنة. وقوله تلقح كشافا: الكشاف إنَّ يحمل الفحل على الناقة سنتين ولاء أو كل سنة، أو أن تلقح حين تنتج، أو أن يضربها وهي حامل. وهي ناقة كشوفة، وقد كشفت تكشف، كشفا. وأراد أن هذه الحرب كلما خمدت عاجت. وقوله فتتئم، أي تأتي من حملها بتوءمين، وهذا تهويل وتعظيم لامر الحرب، وإيهام أنَّ شرها متكرر وهولها متضاعف. وشبهها بالناقة لما تقدم، ولأنها أيضًا يطول أمرها فتكون بمنزلة الناقة التي تضرب، ثم تحمل، ثم تنتج، ثم تفطم. وقيل لأنها يتحلب منها من الدماء مثل ما يتحلب من الناقة من اللبن. وقوله فتنتج لكم غلمان أشأم، فوضع أشأم","vol":"2","page":109},{"text":"موضع المصدر، أو غلمان شؤم أشأم على المبالغة، ونحو شغل شاغل، وليل أليل؛ أو غلمان امرئ أشأم. وقوله كلهم كأحمر عاد يعني عاقر الناقة، وهو يضرب به المثل في الشؤم، وأراد أحمر ثمود، فأضافه إلى عاد غلطا، كما قال الآخر: مثل النصارى قتلوا المسيحا وقيل ليس بغلط، لأن ثمود يقال لها عاد الآخرة، وهو دهم عاد الأولى. قال: تعالى:) وإنّه أهلك عادًا الأولى (. وأما الرباعية بياء مخففة فهي أيضًا في الإبل، وهي في السن التي بين الناب والثنية. ويقال للذي ألقى رباعية ربع، وجمعه ربع، كقذال وقذل. ويقال للغنم في السنة الرابعة أربعت، وللبقر وذات الحافر في الخامسة، ولذات الخف في السابعة. وتقدم ذكر أسنان الإبل إنَّ الرباعي منها والرباعية بين الثني والسدس. ويقال: جمل وفرس رباع ورباع، ونظيره ثمانٍ وثمانٌ، ونشاحٍ وناشحٌ، وجوارٍ وجوارٌ؛ والأنثى رباعية، وتوصف الحرب بالرباعية لشدتها وقوتها. قال الشاعر:\nإنها حرب رباعية ... مثلها آتي الفتى عبره\nوقيل لأمرأة من العرب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>الحر إذا خودع تخادع، وإذا عظم تواضع</span>.\nهذا مثل مصنوع، فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. ومثله قول الشاعر:\nإذا مدح الكريم يزيد خيرًا ... وإنَّ مدح اللئيم فلا يزيد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>حرة تحت قرة</span>.\nيقال: حر الرجل يحر، كظل يظل، حرارًا وحرة، فهو حران وهي حرى، إذا عطش. الحرة في المثل مكسورة للازدواج. والقر بضم القاف البرد، أو برد الشتاء خاصة؛ والقرة بالكسر ما أصابك منه. وهذا المثل يضرب للأمر يظهر وبعده أمر خفي. وأصل الحرة تحت القرة إنّها العطش مع البرد وهو إذ ذاك ينحاز إلى الجوف فيكون سعيرا ومع ذلك لا يظهر من حال صاحبه لمّا هو فيه من البرد إنّه عطشان.","vol":"2","page":110},{"text":"ويقال: اشد العطش حرة تحتب قرة ويقال أجد حرة تحت قرة ورماه الله بالحيرة تحت القرة.\nوفي الأمثال العامة قولهم: الشتاء على قرني والعطش قتلني. وهذا يضرب لأمر آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>احر من دمع المقلات</span>.\nالحرارة ضد البرد كالحر والحرورة. يقال: حر اليوم يحر كمل يمل وحر يحر كفر يفر حرارة فهو حار والدمع معروف والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد ومن النوق التي تضع ولدا تم لا تحمل مشتق من القلت بفتحتين وهو الهلاك. يقال قلت يقلت كفرح يفرح قلتا إذا هلك. وفي الخبر: المسافر ومتاعه على قلت إلاّ ما وقى الله تعالى. والمقلتة: المهلكة والقلات على وزن مفعال والجمع مقاليت كمقياس ومقاييس ومصباح ومصابيح قال طرفة:\nلا تلمني إنّها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نزر\nالرقد جمع رقود يعني أنهن مكفيات فهن يرقدن ولا يخدمن ولا يسعين وهن مقاليت لا تعيش أولادهن فيتحملن مؤنتهم وهن نزر أي قلائل الأولاد بالأصلة جمع نزور: فهن بذلك نعمات الأجسام نظائف الأذيال فائقات الكمال. وقال جرير في المفرد:\nخشاش الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور\nووصف دمعه المقلات بالحرارة لأنها تبكي حزنا على أولادها وهم يصفون دمعة الحزن بالحرارة ومن ثم يقولون في الدعاء على الرجل اسخن الله عينه ويصفون دمعة الفرح بالبرد ومن ثم يقولون: قرت عين فلان في السرور والفرح وأقر الله عينه!","vol":"2","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>أحر من القرع</span>\nالحرارة تقدمت والقرع بفتحتين بثر أبيض يخرج من أعناق الفصلان وقوائمها ودواؤه الملح وحباب ألبان الإبل. فإذا لم يجدوا ملحا نتفوا أوبارها ونضحوا جلودها بالماء ومنه المثل. قال في الصحاح: وربما قالوا أحر من القرع بالتسكين يعنون به قرع الميسم وهو المكواة. قال:\nكأن على كبدي قرعة ... حذارا من البين ما تبرد\nقال: والعامة تريد به هذا القرع الذي يؤكل. انتهى.\nقلت: وإنّما توهموا المأكول لأنّه تشتد حرارته إذا طبخ وتطول ولا يبرد بعد زمن حتى قالوا في زعاماتهم وأمثالهم: قال الذئب: لا آمنك يا قرع ولو كنت في الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>حر انتصر</span>.\nالحر بالضم خلاف العبد وحر كل شيء خياره والحر الجيد. يقال: ما هذا من فلان بحر أي جيد. قال طرفة بن العبد:\nلا يكن حبك حبا قاتلا: ... ليس هذا منك ماوي بجر\nوقال امرؤ القيس:\nلعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ... ولا مقصر يوما فيأتيني بقر\nوالنصر الإعانة نصره على عدوه ينصره نصرا: أعانه وأستنصر: طلب النصر وانتصر منه: انتقم. وتقدم هذا المثل وإنّه من الأمثال التي نسبت إلى الضب في تحاكم الثعلب والأرنب إليه. يضرب للرجل يظلم فينتقم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>أحرس من الكركي</span>.\nيقال: حرس الشيء بالفتح يحرسه حراسة حفظه والكركي على مثال الجندي طائر معروف جمعه كراكي يوصف بالحذر والحراسة.\nويزعمون إنَّ الكركي تحرس مداولة فيبقى الذي يحرس منها لا ينام. ويهتف بصوت","vol":"2","page":112},{"text":"خفي ينذر إنّه حارس حتى إذ قضى نوبته قام الذي كان نائما. ويقال إنّه لا يطأ الأرض أبدًا إلاّ بأحدى رجليه ويعلق الأخرى ولا يضعها على الأرض وإن وضعها وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>محترس من مثله وهو حارس</span>.\nالحرس والحراسة تقدم. وتقول: احترست منه وتحرست إذا تحفظت. وهذا المثل يضرب لمن يعيب الخبيث وهذا أخبث منه.\nواصله شعر عبد الله بن همام يقول لرجل كان على شرط الكوفة للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي يقال له الحمارس وهو:\nأقلي علي اللوم يا ابنة مالك ... وذمي زمانا ساد فيه الحمارس\nفساع من السلطان يسعى عليهم ... ومحترس ومن مثله وهو حارس\nوكم قائل: ما بال مثلك راجلا؟ ... فقلت له: من أجل أنك فارس\nإذا لم يكن صدر المجالس سيد ... فلا خير فيمن صدرته المجالس\nويروى: وذمي زمانا ساد فيه الفلاقس وهو جمع فلنقس. والفلنقس من أمة عربية وأبوه مولى. وقيل من أبواه عربيان وجدتاه أمتان. وقيل من أبواه موليان معا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>أحرص من نملة</span>.\nالحرص: الجشع يقال حرص يحرص كضرب يضرب وحرص يحرص كسمع يسمع حرصا. والنملة واحدة النمل وهو معروف. يقال إنّه ليس في الحيوانات من يحتكر الإنسان والعقعق والنمل والفأر. والنمل عظيم الاحتياط في الاحتكار. يقال إنّه إذا احتكر ما يخاف عليه أن ينبت قسمه نصفين وإذا خاف العفن على الحبوب أخرجه إلى ظاهر الأرض فنشره. وأكثر ما يفعل ذلك ليلا بضوء القمر.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>حرق عليه الأرم</span>.\nالحرق: البرد. يقال: حرق الشيء يحرقه كقتله يقتله إذ برده وحك بعضه ببعض وحرق نابه يحرقه: حكه بأسنانه حتى سمع له صريف والأرم بضم الهمزة وفتح الراء المشدد على مثال ركع الأسنان أو أطراف الأصابع. والأرم أيضًا الحصا فيقال: فلان يحرق عليك الأرم أي تغيظ وأشتد غيظه. قال الراجز:\nنبئت أحماء سليمى إنّما ... باتوا غضابا يحرقون الأرما\nوقال زهير في معناه:\nأبى الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله\nوقال الآخر:\nيلوك من حرد عليك الأرما\nأي يعلك أسنانه أو أصابعه. وقد قيل: الأرم هنا الشفاه ويحتمل الحصى وكل ذلك صحيح لأنّه يكون من شأن المتغيظ كما كان عد الحصى شأن الهموم في قول امرئ القيس:\nظلت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي\nوسميت الاسنان أرما من الأرم وهو الأكل إذ بها يكون. يقال: أرم ما على المائدة إذا اكله فلم يبق منه شيئًا. وهذا المثل هو مثل المثل الآتي: فلان يكسر عليك الفوق والأرعاظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>حرك خشاشه</span>.\nالتحريك معروف والخشاش بكسر الخاء المعجمة ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب وهو إذا حرك تضرر البعير بذلك فيقال: حركت خشاش فلان أي","vol":"2","page":114},{"text":"فعلت به فعلا يؤذيه ويغضبه. ويطلق الخشاش أيضًا على الغضب نفسه وعلى معان أخرى لا تناسب المحل.\nوأما الخشاش بمعنى الحشرات فمثلث الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>حرك لها حوارها تحن</span>.\nالحوار بضم الحاء على وزن أوار ولد الناقة قبل أن يفصل وتقدم الحنين الشوق. يقال: حن إليه يحن بالكسر فهو حان وحنان إذا تاقت إليه نفسه. وهذا المثل قاله عمرو بن العاصي لمعاوية رحمهما الله حين أراد أن يستنصر بأهل الشام. وهو مثل المثل السابق: الإيناس قبل الابساس. وفي كلام أبي الوليد بن زيدون يخاطب أبن جهور: فما أبسست بك إلاّ لتدر وحركت لك الحور إلاّ لتحن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>حزت حازة من كوعها</span>.\nيضرب في اشتغال القوم بأمرهم عن غيره. ولم اقف له على أصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>أحزم من الحرباء</span>.\nالحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة. حزم الرجل بالضم يحزم حرامة فهو حازم وهم حزمة وحزماء والحرباء على مثال علباء والأنثى حرباءة والألف للإلحاق بالقرطاس: دويبة برية لها سنام يشبه سنام البعير وهي تستقبل الشمس أبدًا بعينها وتدور معها كيف ما دارت قال كعب بن زهير ﵁:\nيوم يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول\nوقال أبن الرومي:\nما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحى ... أبدًا يكون رقيبها الحرباء\nقيل: ويتلون بألوان من صفرة وحمرة وخضرة كما قال الشاعر:\nوقد جعل الحرباء يصفر لونه ... ويخضر من لفح الهجير غباغبه","vol":"2","page":115},{"text":"ويوصف بالحزم والتحفظ، وذلك إنّه لا يزال متمسكا بأصل الشجرة، فلا يرسله حتى يستمسك بآخر.\nقال الشاعر:\nإني أتيح له حرباء تنضبةٍ ... لا يرسل الساق إلاّ ممسكا ساقا\nأي لا يرسل ساقا من شجرة إلاّ في حالة إمساكه ساقًا آخر. والتنضبة شجر يتعلق به الحرباء. فهو مضاف إليه، كما تقول ذئب غضا.\nويروى أنَّ رجلا خاصم أبن عمه إلى معاوية، ﵁، فلما سمع حججه قال له: أنت كما قال الشاعر، وانشد البيت المذكور، وضربه مثلا لمّا هو فيه من اللدد والاحتجاج، بحيث لا يرسل حجة إلاّ متمسك بأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>أحزم من عقابٍ</span>.\nالحزم مر؛ والعقاب تقدم في حرب الباء أيضًا، وهو يوصف بالحزم. وقالوا: من حزمه إنّه يخرج من بيضته على جبل عال، ولا يتحرك من مكانه ذلك حتى ينبت ريشه جميعا ويتكامل ولو تحرك قبل ذلك سقط.\nأذكر في هذا المعنى ما أخبر صاحب التشوف في ترجمة الشيخ أبي مهدي الدغوغي، رحمهما الله ونفعنا بهما، قال: حدثني داود بن الخالق حدثني وين الخير قال: كنت بمسجد أبي مهدي ادرس القرآن. فكان يقعد عندي ويدلني على طريق الآخرة. فجاءه ليلة بعض إخوانه. فلما صلينا العتمة تأخرا في المسجد إلى إنَّ انصرف الناس. فخرجنا من أحد أبواب المسجد، فشدا على أنفسهما أثوابهما وتلثما. فرأيتهما وثبا من الأرض كهيئة الغرانيق الثقيلة تطير على وجه الأرض. ومازالا يعلوان في الهواء إلى أنَّ غابا عني، فانكسرت انكسارا عظيما ونالتني حسرة القصور عن أحوال الرجال، وتكاسلت عن القرآن، وبقيت مفكرا طول ليلتي. فلما كان وقت صلاة الصبح صلى معنا أبو مهدي مع صاحبه صلاة الصبح. ثم جاء وقعد عندي على عادته، فرآني منكسرا متكاسلا عن القرآن، فقال: مالك لا تقرأ؟ فسكت. فقال: لعلك رأيتني البارحة؟ فهملت عيناي بالدموع، فقلت له: رأيتكما وأريد أن أصحبكما إذا ذهبتما. فقال لي: يا بني إنَّ الفرخ إذا نبت رغبه لم يطر مع الطير حتى يكمل نبات ريشه! قال. فلما كان ذات ليلة قال لي:","vol":"2","page":116},{"text":"اذهب إلى فلان في بلد تانوريت وهو بلد بني سمائل وقل له يأتيني لأصلي معه الصبح الآن، وبينهما مسيرة يومين، وقد قرب طلوع الفجر! قال. قلت في نفسي: كيف يمكن هذا؟ ثم تذكرت أحواله، فمشيت وتبعني ووادعني ورجع. فمشيت قليلا وأدركني شبه السنة، فما شعرت إلاّ وأنا أعاين مسجد تانوريت. فخرج إلي منه رجل فقال: بعثك إلي شيخ أبو مهدي؟ فقلت له نعم: وامرني أن أعلمك أن تصلي معه بمسجده الآن صلاة الصبح. فقال لي: تقدم! ودار حول المسجد، وغاب عني، وانقلبت راجعا. فأصابني أيضًا شبه السنة، فإذا أنا على قرب من مسجد أبي مهدي. فدخلت المسجد، فوجدت أبا مهدي وصاحبه يتحدثان وقد صليا صلاة الصبح. فصليت وظننت أني قد لحقت بالشيخ فأتيته. فقال لي: يا بني! أرأيت بعض ما يرى الرجال؟ فقلت له: يا سيدي، عسى أنَّ أصحبك في مسيرك إذ سرت طار الطائر الصغير قبل استكمال نبات ريشه مع الطائر الوافر الريش، فإنما يسير ميلين ويسقط في القفر، فيلتقطه الرعيان. وإنَّ جاء الرجال ليصلون إلى موضع لو طار الطائر إلى إنَّ يسقط ريشه وينبت آخر فطار حتى يسقط فينبت آخر، فطار حتى يسقط فينبت آخر، وما وصل موصل عباد الله الصالحين في طرفة عين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>أحزم من قرلى</span>.\nويقال أيضًا: أحذر من قرلى؛ ويقال أيضًا: احزم أو أحذر من قرلى، إنَّ رأى خيرا تدلى، وإنَّ رأى شرًا تولى أو تعلى.\nالحزم تقدم، وكذا الحذر. والقرلى بكسر القاف والراء، وبعد اللام ألف مقصورة، ويحكى أيضًا في القاف التثليث، طائر شديد الحذر، ولا يرى إلاّ على وجه الماء على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى الماء طعمًا ويرفع الأخرى حذرًا. فإنَّ رأى في الماء ما يصاد من السمك، أنقض عليه انقضاض السهم؛ وإنَّ رأى جارحا ذهب. ومن ثم: يقال: إنَّ رأى خيرًا تدلى أي إلى الماء، وإنَّ رأى شرا أي ما يخافه تولى فرارًا منه. وقيل: إنَّ قرلى في هذا المثل رجل من العرب كان لا يفوته طعام أحد، فحيثما كان الطعام","vol":"2","page":117},{"text":"في ناحية توجه إليه؛ غير إنّه إنَّ صادف في طريقه خصوما مثلا ترك ذلك الطريق ولم يمر به. ومن ثم قالوا: اطمع من قرلي، والمراد به هذا الرجل. قيل: ويمكن إنَّ يكون هذا الرجل شبه بهذا الطائر، وسمي باسمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>حسبك من شر سماعه</span>.\nيقال: احسبني الشيء يحسبني إحسابا، فهو محسب، أي كفاني. قال الشاعر:\nإذا ما رأى في الناس حسنا يفوقها ... وفيهن حسن لو تأملت محسب\nوقال الأخر:\nوتقفي وليد الحي إنَّ كان جائعا ... وتحسبه إنَّ كان ليس بجائع\nوقالت الخنساء:\nيكبون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تحسب المائة الوليدا\nوهذا الشيء حساب، أي كافٍ. قال تعالى:) عطاء حسابنا (. وحسبك درهم، أي يكفيك. قال تعالى:) حسبك الله (. وقال الشاعر:\nإذا كانت الهيجاء واشتقت العصا ... فحسبك والضحك سيف مهند!\nأي يكفيك ويكفي الضحاك.\nوقال امرؤ القيس:\nفتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري\nوهذا الشعر ينسبه الناس لامرئ القيس، وهو في ديوانه وقبله:\nألا إلاّ تكن ابل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي\nوجاد لها الربيع بواقصاتٍ ... فآرام وجاد لها الولي\nإذا مشت حوالبها أرنت ... كأن القوم صبحهم نعي\nفتوسع أهلها أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى وشبع وري","vol":"2","page":118},{"text":"وسبب قوله ذلك أنَّ بني النبهان، لمّا لم يقدروا أنَّ يفتكوا له إبله التي أخذتها جذيلة وأخذت منهم رواحله التي ركبوها في رد الإبل، استحيوا من ذلك فوهبوا له المعزى التي وصفها. وكان الأصمعي ينكر نسبة هذا الشعر لامرئ القيس ويقول: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، واحسبه للحطيئة. وسبب إنكاره قوله: وحسبك من غنى شبع وري، فإن هذا مناف لحال امرئ القيس ولمّا كان يقول في شعره من أنَّ مطلوبه الملك، لا ما دونه، كقوله:\nولو إنّما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال\nولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي\nقلت: وأنت خبير بأنه، مع حالته هذه، لا بعد في أنَّ يقول لوجهين: أحدهما أنَّ يقوله استهزاء ببني نبهان، حيث أغير عليه في جوارهم، ثم ركبوا رواحله في رد إبله، فانتزعت منهم زيادة على ما ذهب من الإبل، فوقعوا في هوان عظيم وذله وصغار. ثم لم ينتصروا وجعلوا يعطونه معزى عن الإبل العكر والرواحل النجب، فعظم أمر المعزى ضحكا منهم، وذلك هجاهم حيث يقول:\nفدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل!\nكأن دثار حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل\nوأعجبني مشي الخزقة خالدٍ ... كمشي أتان حلئت في المناهل\nخالد هذا هو الذي مشى في ردها فانتزعت منه الرواحل.\nالثاني إنَّ يريد ظاهره، وهو إنّها كافية، قائمة مقام الإبل الذاهبة شبعا وريا. ولا يعني إنَّ ذلك منيته وبغيته من الدنيا، وإنَّ ذلك كاف من يطلب العيش، ولا يعني نفسه.\nوقال نصيب:\nوقال رجال: حسبه من طلابها ... فقلت: كذبتم ليس لي دونها حسب!\nوقبل هذا البيت قوله:\nبزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إنَّ تمثيلنا ملك القلب\nوقل: إنَّ ننل بالود منك محبة ... فلا مثل ما لاقيت في حبكم حب\nوقل في تجنيها: لك الذنب إنّما ... عتابك من عاتبت فيما له عتب\nفمن شاء رام الصرم أوقال ظالما ... لذي وده ذنب وليس له ذنب","vol":"2","page":119},{"text":"خليلي من كعب ألما هيتما ... بزينب لا تفقدكما أبدا كعب\nمن اليوم زوارها فإن ركبنا ... غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب\nوقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... أسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟\nوقال رجال: حسبه من طلابها \" البيت \" وكان جرير يقول: \" وددت أني سبقت أبن السوداء إلى هذه الأبيات! \" يعني نصيبا.\nوقال الأعرابي:\nوحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر!\nولهذا الشعر حطاية ظريفة عن بعض أصحاب الأصمعي قال: ما رأيت كأعرابي وقف علينا وسلم وقال: أيكم الأصمعي؟ فقال له: هاأنا ذا! قال: أنت الذي يزعم هؤلاء انك أعرفهم بالشعر؟ قال: فمن هو اعلم مني؟ قال: أنشدوني من شعر أهل الحضر حتى أريه من شعرنا، فأنشده شعرًا قيل في مسلمة بن عبد الملك:\nأمسلم أنت البحر إنَّ جاء واردٌ ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها\nوأنت كسيف الهندواني إنَّ غدت ... حوادث من حرب يعب عبابها\nولا خلقت أكرومة في امرئ له ... ولا غاية إلاّ إليك مآبها\nكأنك ديدان عليها موكل ... بها وعلى كفيك يجري حسابها\nإليك رحلنا العيس إذ لم نجد لها ... أخاثقةٍ يجرى لديه ثوابها\nفتبسم الأعرابي وهز رأسه، فظننا إنّه استحسن الشعر، ثم قال: هذا شعر مهلهل النسج، خطؤه من صوابه: تشبهون الملك بالأسد، والأسد أبخر قبيح المنظر، وبالبحر، والبحر مر صعب، وبالسيف، وربما خان ونبا. هلا أنشدتموني كما قال صبي منا؟ فقال له الأصمعي: ما قال؟ فأنشد:\nإذا سألت الورى عن كل مكرمةٍ ... لم يعز أكرمها إلاّ إلى الهول\nفتى جواد أذاب المال نائله ... فالنيل يشكوا لديه كثرة النيل\nوالموت يكره إنَّ يلقى منيته ... في كره عند لف الخيل بالخيل\nلو زاحم الشمس أبقى كاسفة ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل","vol":"2","page":120},{"text":"أمضى من النجم إنَّ نابته نائبةٌ ... وعند أعدائه أجرى من السيلِ\nيقصر المجد عنه في مكارمه ... كما يقصر عن أفعاله قولي\nقال اللراوي: فبهتنا والله بما رأينا. فتأنى قليلا ثم قال: ألا تنشدني يا أصمعي شعرا ترتاح إليه النفس؟ فأنشدته قول عدي بن الرقاع:\nوناعمةٍ تجلو بعود أراكةٍ ... مؤشرةٍ يسبي المعانق طيبها\nكأن بها خمرًا بماء غمامةٍ ... إذا ارتشفت بعد المنام غروبها\nأراك إلى نجد تحن وإنما ... هوى كل نفسٍ حيث كان حبيبها\nفتبسم الأعرابي وقال: هذا قريب من الأول. ألا أنشدتني كما قلت:\nتعلقتها بكرًا وعلقت حبها ... وقلبي من كل الورى فارغٌ بكرُ\nإذا احتجبت لم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك فقد البدر إن حجب البدرُ\nوما الصبر عنها إن صبرت وجدته ... جميلًا ولا في مثلها يحسن الصبرُ\nوحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمرُ\nولو أنَّ جلد الذر لامس جلدها ... لكان للمس الذر في جلها أثرُ\nولو لم يكن للبدر ضدًا جمالها ... وتفضله في حسنها لصفا البدرُ\nقال: الراوي: فقال لنا الأصمعي: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد! انتهى.\nويقال أيضًا: حسبك بكذا. قال أبو تمام:\nنامت همومي عني حين قات لها: ... حسبي أبو دلفٍ حبي به وكفى!\nوقال العباس بن الأحنف:\nإن كان يرضيكم عذابي وأن ... أموت بالهجران والكربِ\nفالسمع والطاعة مني لكم ... حسبي بما ترضون لي حسبي\nوالشر ضد الخير؛ أنَّ الشر يكفيك منه سماعه وإن لم تعاينه إما على معنى أنَّ الشر من","vol":"2","page":121},{"text":"شناعته وقبحه يتبين بسماعه وإن لم تعانيه؛ أو أنه يحصل لك اتهام ما به من مجرد سماعه وإن لم تقدم عليه ولا انتسبت إليه؛ أو يكفي فيما انتسب إليك من الشر سماع الناس له وإن لم يعانوه. وهذا ما ذكر أبو عبيد أنَّ هذا المثل يضرب فيما يحذر من العار والعيب والمقالة السوء وإن كانت باطلا كقول الآخر:\nقد فيل ما قيل إن صدقًا وإن كذبًا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟\nوإما على معنى الأمر أي: اكتف من الشر بسماعه ولا تعانيه والله أعلم.\nوالمثل لأم الربيع بن زياد العبسي وكان ابنها الربيع أخذ من قيس بن زهير درعا فعرض قيس لأم الربيع وهي على راحلتها في طريق فأراد أن يقبضها في الدرع فقالت: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يمينا وشمالا وقال الناس ما قالوا؟ إنَّ حسبك من شر سماعه. فذهبت كلمتها مثلا.\nوقالت عاتكة بنت عبد المطلب من شعراء الحماسة:\nسائل بنا في قومنا ... وليكف من شر سماعه\nقيسًا وما جمعوا لنا ... في مجمع باقٍ شناعه\nوبعده:\nفيه السنور والقنا ... والكبش ملتمع قناعه\nبعكاظ يعيش الناظر ... ين إذا هم لمحوا شعاعه\nفيه قتلنا مالكًا ... قسرًا وأسلمه رعاعه\nومجندلًا غادرنه ... بالقاع تنهشه ضباعه\nتصف بهذا الكلام حرب الفجار بين قريش بعكاظ. وأرادت بقولها: وليكف من شر سماعه: أنا أوقعنا بهم من الشر ما ظاهر غني عن السؤال عنه والأخبار به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>تحسبها حمقاء وهي باخسٌ</span>.\nتقول: حسبت زيدا عالما بالكسر أحسبه وأحسبه محسبة ومحسبه وحسبانًا بالكسر إذا ظننته؛ والحمقاء مؤنث الأحمق؛ والباخس من البخس وهو النقص والظلم. يقال: بخسه حقه يبخسه بخسا فهو باخس","vol":"2","page":122},{"text":"وهي باخسة وباخس أيضًا. وورد به المثل وهو جائز كما قالوا: ناقة بازل ومغذ في السير وحائل. ومن شاء أن يؤنث في المثل أنث وهو الأصل.\nوأصل هذا المثل أنَّ رجلا خلط بماله مال امرأة يظنها حمقاء فطمع فيها. فلما تقاسما أخذت جميع حقها ثم لم ترض بذلك فشكته حتى افتدى منها من المال بما أحبت. ثم إنَّ الناس ظنوا إنّه يغبنها فلاموه وقالوا له: كيف تخدع امرأة؟ فقال عند ذلك: تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة فذهبت مثلا يضرب في الرجل يتباله أو يطيل الصمت حتى يظن به التغفل وهو ذو دهاء ومكر. ونحوه قولهم: مخرنبق لينباع كما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>أحس وذق</span>!\nالحسو الشربي. تقول: حسا الرجل المرق يحسوه إذا شربه شيئا بعد شيء. وكذا تحساه. وحسا الطائر الماء يحسوه. قيل: ولا يقال شربه؛ والذوق معروف. والمثل يقال لمن تعرض للمكروه فوقع فيه ومعناه ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>الحسن أحمر</span>.\nالحسن: الجمال وهو معروف؛ والحمرة معروفة. ويريد بهذا المثل أنَّ من أراد الحسن صبر على أشياء يكرهها.\nمحسنةٌ فهيلي!\nالإحسان في الفعل ونحوه ضد الإساءة؛ والهيل التفريغ والصب. يقال: هال عليه التراب يهيله هيلا وأهاله إهالة إذا صبه. وكل شيء صبه من غير كيل فقد هاله.\nقيل: وأصل المثل أنَّ الهائلة بنت منقذ من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة أم جساس بن مرة وهي أخت البسوس بنت منقذ التي كانت الحرب عليها بين وائل أربعين سنة ورد عليها ضيف ومعه جراب فيه دقيق. فقامت الهائلة وأخذت وعاء عندها كان فيه دقيق لتأخذ","vol":"2","page":123},{"text":"من وعاء الضيف دقيقا. فجاء الضيف فلما بصرت به جعلت تأخذ من وعائها فتهيل في وعاء الضيف. فقال: ما تصنعين؟ فقالت: أهيل من هذا في هذا. فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>محسنة فهيلي</span>! فسميت الهائلة بذلك وذهب قوله مثلا يضرب في استقامة الأمر قاله أبو عبيد. وقال غيره: يضرب للرجل يسيء في فعل فعله فيؤمر بذلك على سبيل الهزء به وهذا أظهر وأنسب بالأصل المذكور. نعم! يمكن أن ينقل إلى الجد حتى يقال للرجل يحسن حقيقة على وجه الاستزادة من فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>أحسن من طاووس</span>.\nالحسن مر؛ والطاووس على وزن قابوس طائر معروف بديع الشكل رائق الحسن وفي طبعه مع ذلك الزهو والخيلاء والإعجاب بريشه. وكان يقال: إنَّ الطاووس في الطير كالفرس في الدواب عزا وحسنا. وقال بعض الرجاز في وصفه:\nسبحان من مِن خلقه الطاووس ... طير على أشكاله رئيسُ!\nكأنه في نفسه عروس ... في الريش منه ركبت فلوسُ\nتشرق في داراتها شموس ... في الرأس منه شجر مغروسُ\nكأنه بنفسج يميس ... أو هو زهر جرم ينوسُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>أحشك وتروثني</span>!\nالحشيش ما يبس من الكلأ؛ وحششته أنا: قطعته؛ وحششت الفرس: ألقيت إليه الحشيش؛ والروث معروف. يقال: راثت الدابة تروث روثا. وهذا المثل يضرب لمن أحسنت إليه فأساء إليك. فانه قد صار بمنزلة الفرس إذا ألقيت إليه الحشيش فلطخك بروثه. وهذا ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>أحشفًا وسوء كيلةٍ</span>؟\nالحشف بفتحتين أردأ التمر. قال امرؤ القيس:\nكأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي","vol":"2","page":124},{"text":"وكليلة بكسر الكاف الهيئة من الكيل. يقال: كال له الطعام، وكاله إياه كيلا؛ وكال كيلة واحدة بالفتح وكيلة حسنة أو قبيحة بالكسر ومعنى المثل: أتجمع على أنَّ تعطيني حشفا وتكيل لي سيئة؟ ويضرب للأمر يكره من جهتين. وكان أصله إنَّ رجلاص اشترى تمرا من عند آخر فأتاه بتمر رديء، ثم أساء له الكيل مع ذلك، فقال له ذلك.\nاحطط عن راحلتك فقد بلغت!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>الحفائظ تحلل الأحقاد</span>.\nالحفائظ جمع حفيظة، وهو الغضب والحمية، والأحقاد جمع حقود والمعنى انك إذا رأيت حميك وقريب يظلم، وفي قلبك عليه ضغن، دعتك الحمية إلى نصره وزال عن قلبك ما فيه من بغضه، كما قال الشاعر:\nأخوك الذي لا تملك الحس نفسه ... وترفض عند المحفظات الكتائف\nوسيأتي زيادة في هذا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>الحق أبلج، والباطل لجلج</span>.\nالحق خلاف الباطل؛ والأبلج الواضح، ويقال الصبح بالفتح يبلج بالضم بلوجاء، وبلجت الشيء فتحته وأوضحته؛ وصبح أبلج: مشرق ومضيء. قال الراجز: حتى بدت أعناق صبح أبلجا.\nوكذا الحق أبلج أي واضح ظاهر لا التباس به؛ واللجلجة والتلجيج: التردد في الكلام. ويقال: تلجلجت اللقمة في حلقه، أي ترددت ولم تنسغ. قال زهير:\nتلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء","vol":"2","page":125},{"text":"والمعنى إنَّ الباطل يردد من غير إنَّ ينفذ، وهو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>تحقره وينتأ</span>!\nالحقر: الإذلال تقول: حقرت الرجل حقرا كضربته ضربا وحقرته تحقيرا، واحتقرته واستحقرته؛ وتقول: حقر الرجل كجلس وحقر يحقر ككرم إذا ذل والنتوء: الارتفاع، وتقول: نتأ الشيء ينتأ وتنوءًا إذا انتفخ وارتفع وقد تقول: نتأ ينتو، بغير همز. ومعنى المثل انك تحقره وتزدريه لسكونه، وهو يرتفع ويخادعك. وهذا مثل المثل السابق: تحسبها حمقاء وهي باخس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>حقك أخذت</span>.\nتقدم في كلام الضب مع الأرنب والثعلب وهو ظاهر المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>تحككت العقرب بالأفعى</span>.\nالحك معروف، حككت الشيء، وحككن الشيء بالشيء، وتحاك الشيئان: حك كل منهما صاحبه، واحتككت بهذا الشيء: حككت نفسي عليه، وفلان يتحكك بي: يتعرض لشري؛ والعقرب معروف، يذكر ويؤنث، والأنثى منه عقرباء بالمد غير مصروف وعقربة والذكر عقربان. قال الشاعر:\nكأن مرعى أمكم إذ غدت ... عقربة يكومها عقربان\nومرعى اسم الأم ويكومها ينزو عليها. والأفعى حية خبيثة. قال الراجز:\nكأن صوت شخبها المرفض ... كشيش أفعى أجمعت لعض\nوالذكر افعوان بضم الهمزة والعين قال الراجز:\nقد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما","vol":"2","page":126},{"text":"ومغنى تحكك العقرب بالأفعى لصقت بها وحلقت حواليها أو تعرضت لشرها. يضرب لمن يصارع أو ينازع أو يخاصم من هو أقوى منه أو يتشبه بغيره ويحكي فعله ولا يقوى قوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>احتك حكم الصبي على أهله</span>!\nالحكم: القضاء، ويقال: حكمت عليه بكذا حكما. وتقول: حكمته تحكيما إذا أذنت له أنَّ يحكم، فتحتم هو واحتكم. ولما كان الصبي مقبولا ما حكم به على أهله، ومسموعا ما طلب منهم، ومغتفرا ما تحامل به عليهم، ضرب الناس بحمه المثل في الناس كل من تسمع مقالته، ويتحمل انبساطه عليك، وتغفر دالته. كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: انك قد اخترتني جارًا، واخترت داري دارًا، فجناية يدك على دونك، فإن جنت يد فأحتكم علي حكم الصبي على أهله! وقال الشاعر:\nولا تحكما حكم الصبي فأنه ... كثير على ظهر الطريق مجاهله\nومن كلام أبي بكر بن القبرطانة يحق لي أنَّ أذهب شططا، وأتكلم منبسطا، وأبين غرضي كله ومذهبي، وأحتكم على مكارمه تحكم الصبي، وأبلغ بك كل أمل وأرب، وأملأ دلوي في رجائك إلى عقد الكرب. وأشار بهذا الأخير إلى قول القائل:\nمن يساجلني ماجدًا ... يملا الدلو إلى عقد الكرب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>أحكى من قردٍ</span>.\nيقال: حكيت الحديث وحكوته بالياء والواو ذكرته وحكيته عن فلان: نقلته عنه، وحاكيت قلانا وفعلت مثل فعله؛ والقرد بكسر القاف وسكون الراء معروف جمعه أقراد وقرود وقرد. وهذا الحيوان مع قبحه في الغاية من الإلهام والحذق بمحاكاة غيره وبالحرف وغيرها: فهو يعلم الخياطة والصياغة","vol":"2","page":127},{"text":"وغير ذلك؛ ويعلم حفظ الأمتعة وحراسة الحوانيت ونحوها؛ ويحاكي الإنسان في جميع أفعاله ما خلا النطق كما قال أبو الطيب:\nيريدون شأوي في كلام وإنّما ... يحاكي الفتى في ما خلا المنطق القرد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>حلأت حالئه عن كوعها</span>.\nيقال: خلا الجلد، بالفتح يحلؤه إذا قشرته أو إذا نزع تحليئه، والتحليء ما أفسده السكين من الجلد أو ما يبقى من الصفاق على باطنه عند السلخ؛ والكوع: رأس الزند الذي يلي الإبهام؛ والكرسوع: رأس الزند الذي يلي الخنصر.\nومعنى المثل أنَّ المرأة إذا حلأت الأديم، فإنَّ رفقت سلمت وإنَّ خرقت قطعت بالشفرة كوعها. فيضرب غي حذر الإنسان على نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>أحلبت أم أجلبت</span>؟\nيقال: أحلب الرجل بالحاء المهملة إذا ولدت إبله إناثا لأنها تحلب، وأجلب بالجيم إذا ولدت ابله ذكورًا لأن أولادها تجلب إلى السوق فتباع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>حلبت صرام</span>.\nالحلب بالتسكين استخراج ما في الضرع من اللبن حلب الشاة بالفتح يحلبها حلبا؛ وصرام على مثال غراب آخر اللبن بعد التغريز يحتاج إليه الرجل فيحلبه ضرورة. فضرب ذلك مثلا لاستخراج آخر ما في النفس، فإذا قيل: حلبت صرام، فكأنه قيل: بلغ العر آخره. قال الشاعر:\nألا أبلغ بني سعد رسولا ... ومولاهم فقد حلبت صرام\nوالصرام أيضًا اسم من أسماء الحرب والداهية.","vol":"2","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>لتحلبنها مصرا</span>!\nالحلب تقدم؛ والمصر بالفتح والسكون حلب جميع ما في الضرع حتى لا يبقى شيء. والتمضر حلب بقايا اللبن. وشاة أو الناقة مصور بطيئة خروج اللبن. وهذا المثل يضرب في توعد العدو، وكأنك تقول له: انك لا تنال مني شيئًا، وإنّما أنت بمنزله من يحلب الشاه الممصورة فوضعت المصدر موضع المفعول أي: لتحلبنها ممصورة لا لبن فيها كما يقال: ضرب الأمير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>حلف له بالمحرجات</span>.\nالحلف معروف يقال: حلف بالفتح يحلف حلفا بالكسر ككذب؛ والمحرجات: الأيمان الموقعة في الحرج وهو الإثم والضيق. ويقال: المحرجات الثلاث وهي الطلاق والعتاق والمشي إلى مكةز وقيل: هي الطلاق ثلاثا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>حلم الأديم</span>\nالأديم الجلد. ويقال: حلم الأديم بالكسر يحلم إذا فسد ووقع فيه دود. ثم يضرب للأمر يتناهى فساده. قال الوليد بن عقبة يخاطب معاوية رحمه الله تعالى:\nفإنك والكتاب إلي علي ... كدباغة وقد حلم الأديم\nوسيأتي تتمة هذا الشعر.\nوأول من قال هذا المثل خالد بن معاوية بن سنان السعدي، وذلك إنه استب، وهو بنو تميم، عند النعمان بن المنذر، فقال خالد يرتجز فيهم:\nدوما بني غنم ولن تدوما ... لنا ولا سيدكم مرحوم\nغنا سراة وسطنا قروم ... قد حملت أحسابنا تدوم\nفي الحرب حتى حلم الأديم\nفذهب قوله حلم الأديم مثلًا. وقال لهم أيضًا:","vol":"2","page":129},{"text":"إنَّ لنا يا أهل غنم علما ... أفواه أفراس أكلن هشما\nاستاه أم يغتدين لحما ... تركتم خير قويس سهما\nفذهب هذا أيضًا مثلا وسيأتي.\nثم أنَّ شاعر غنم رجز بخالد أيضًا ومع خالد أخ له. فاستعدوا عليه النعمان فقال خالد: أبيت العن! إذا أركب أنا وأخي ناقة ثم نتعرض لهم فإن استطاعوا فليعقروا بنا! فأعجب النعمان ذلك وقال: قد أعطوكم بحقكم. قالوا: قد رضينا. فقال النعمان: أما والله لتجدنه ألوى بعيد المستمر! فأرسلها مثلا وسيأتي.\nثم إنَّ خالدا وأخاه أكتفلا ناقتهما بكفل وتأخر أحدهما إلى العجز وجعل وجهه مما يلي الذنب وتقدم الآخر إلى الكتف وجعل كل واحد منهما يذبب بسيفه فلم يخلصوا إلى أن يعقروا بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>أحلم من فرخ الطائر</span>.\nالحلم بالكسر الأنات والعقل. يقال: حلم بالضم يحلم حلما فهو حليم وهم حلماء وأحلام؛ وجمع الحلم حلوم وأحلام؛ وافرخ معروف جمعه أفراخ وفراخ. ونسب الحلم إلى فرخ الطائر لأنّه يخرج من البيضة على قنة الجبل ثم لا يتحرك حتى يتم نبات ريشه؛ ولو تحرك سقط. وتقدم في قولهم: أحزم من عقاب ومن فرخ العقاب وهو المقصود هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>الحمد مغنم والمذمة مغرم</span>.\nهذا المثل ظاهر المعنى إفرادا وتركيبا يضرب عند اكتساب المحامد واجتناب المذام. ومثله قول مالك بن جرير: وإنَّ قليل الذم غير قليل وقبله:\nأجود على العافي وأحذر ذمه ... إذا ضن بالمعروف كل بخيلِ\nومثله قول عبيد:\nالخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت في زادِ","vol":"2","page":130},{"text":"وقول الحماسي:\nأيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد!\nإذا ما صنعت الزاد فلتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي\nأخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحداث من بعدي\nوكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد؟\nوللموت خيرٌ من زيادة باخل ... يلاحظ أطراف الأكل على عمدِ\nوإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلاّ يلك من شيمة العبدِ\nوقول حاتم:\nأكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صاحبي حين حاجاتنا معا\nأبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا\nوإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا\nوإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا\nوقول عمرو بن الأهتم:\nوكل كريم يتقي الذم بالقرى ... وللخير بين الصالحين طريقُ\nلعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيقُ\nوقول الآخر:\nألا يكن عظمي طويلًا فإنني ... له بالخصال الصالحات وصولُ\nولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم تزن حسن الجسوم عقولُ\nإذا قد رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم يحيهن أصولُ\nولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وإما وجهه فجميلُ\nوالشعر في هذا المعنى لا يحصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>أحمق ما يتوجه</span>.\nالحمق قلة العقل. حمق الرجل بالضم وحماقة وانحمق واستحمق فهو أحمق وهم حماق وحمق بضمتين وحمقى","vol":"2","page":131},{"text":"وحماقى؛ وتوجه: أقبل وولى وكبر. ويقال: أحمق ما يتوجه أي ما يحسن أن يأتي الغائط لحمقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>أحمق من جهبر</span>.\nالحمق مر؛ والجهبر أنثى الدب وهو دويبة معروفة يصطاد بها يزعمون أنها تترك ولدها وترضع ولد الضبع فوصفت بالحمق.\nواعلم أنهم بنوا صيغة التفضيل من حمق وهو من الخارج عن القياس: فإنَّ نحو هذه المادة لا يبنى منها قياس كما قرر في محله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>أحمق من جهيزة</span>.\nجهيزة بالجيم أوله والزاي آخره على وزن صحيفة هي أم شبيب بن زيد الشيباني الخارجي. كان أبوه يزيد اشتراها من السبي فقال لها: أسلمي! فأبت فضربها فلم تسلم فواقعها فحملت فلما أحست بالولد تحرك في بطنها قالت: إنَّ في بطني شيئا ينفر. فقال الناس حينئذ: أحمق من جهيزة وضرب بها المثل في الحمق.\nوقيل إنَّ جهيزة هي عرس الذئب تدع ولدها وترضع ولد الضبع. وفيها أو في مثلها ورد قول الشاعر:\nكمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال على قصد!\nوجهيزة أيضًا امرأة حمقاء. واجمع قوم يخطبون في الصلح بين حيين في دم لكي يرضوا بالدية. فبينما هم كذلك قالت جهيزة: ظفر بالقاتل ولي المقتول فقتله فقالوا: قطعت جهيزة قول كل خطيب!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>أحمق من أبي غبشان</span>.\nأبو غبشان بفتح الغين المعجمة وتضم أيضًا وبسكون الباء الموحدة رجل من خزاعة كان يلي سدانة الكعبة قبل قريش. فاجتمع هو وقصي في شرب بالطائف فأسكره قصي ثم اشترى منه المفاتيح بزق خمر وأشهد عليه. ودفعها قصي لابنه عبد","vol":"2","page":132},{"text":"الدار وأرسله في الحين إلى مكة. ثم أفاق أبو غباشة من سكره وهو أندم من الكسعي فضرب به المثل في الحمق وفي الندم وخسارة الصفقة كما يأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>أحمق من حبارى</span>.\nالحبارى بضم الحاء وبألف مقصورة للتأنيث طائر معروف يقع على الذكر والأنثى ويوصف بالحمق.\nوفي كلام عثمان ﵁: كل شيء يحفظ ولده حتى الحبارى! وإنّما خصها بالذكر لأنها مشهورة بالحمق ومع ذلك تحب ولدها وتطعمه وتعلمه الطيران كسائر الحيوانات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>أحمق من دغة</span>.\nالحمق مر ودغة بدال مهملة وغين معجمة مخففة على مثال ثبة وكرة والأصل دغي أو دغو. وهي امرأة من بني عجل وهي مارية بنت مغنج ومغنج هو ربيعة بن عجل. ودغة حمقاء مشتهرة بذلك ولذلك ضرب بها المثل.\nوكان من حمقها إنّها تزوجت في بني العنبر بن عمرو بن تميم. فلما أخذها الطلق ظنت إنّها تريد الخلاء فانطلقت إلى بعض الغيطان تتبرز فولدت واستهل الولد ورجعت إلى بيتها تقدر إنّها أحدثت. فقالت لضرتها: يا هنتاه هل يفتح الجعرافة؟ قالت: نعم ويدعو أباه فمضت ضرتها وأخذت الولد. فبنو العبير يدعون بذلك بني الجعراء وصار ذلك لقبا لهم.\nونظرت يوما إلى زوجها يقبل بنته ويقول: بأبي درادرك والدرادرك مغارز الأسنان. فذهبت هي ودقت أسنانها بفهر حتى بدت درادراها فجاءت زوجها وقالت له: كيف ترى درادري؟ فقال لها: أعييتني بأشر فكيف بدردر؟ وهو مثل سيأتي. وقال أبو نواس:\nوما لبكر بن وائل عصم ... إلاّ بحمقائها وكاذبها\nوقد خطأ أبو العباس المبرد أبا نواس في هذا وقال إنّه أراد بالحمقاء هبنقة القيسي ولا يقال للرجل حمقاء. ورد عليه بانه أراد دغة العجلية وعجل في بكر بن وائل.","vol":"2","page":133},{"text":"قال شمس الدين بن خلكان رحمه الله تعالى: وقد رأيت المبرد في المنام وأنا بالاسكندرية وفي سنة ست وثلاثين وستمائة وعندي الله تعالى ذاك الكامل للمبرد وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربة. فرأيت في العقد في ترجمة ما غلط فيه على الشعراء وذكر أبياتا نسبوا أصحابها إلى الغلط ولم يغلطوا وإنّما وقع الغلط ممن غلطهم منها ما ذكر المبرد في الروضة من تغليط أبي نواس في البيت السابق والغلط إنّما هو من المبرد كما قررنا. قال: فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة رأيت كأني بمدينة حلب في مدرسة القاضي بهاء الدين وكأننا صلينا الظهر جماعة. فلما فرغنا أردت الخروج فرأيت في أخريات الموضع رجلا واقفا يصلي فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد. فجئت إليه وقعدت إلى جانبه انتظر فراغه. فلما فرغ سلمت عليه فقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع كتابك الكامل. فقال لي: رأيت كتابي الروضة؟ فقلت: لا. وما كنت رأيتها قبل ذلك. فقال لي: قم حتى أريك إياه فقمت وصعد بي إلى بيته. فدخلنا ورأيت فيه كتب كثيرة. فقعد يفتش عليه وقعدت أنا ناحية. فأخرج مجلدا ودفعه لي ففتحته وتركته في حجري فقلت له: قد أخذوا عليك. فقال: أي شيء أخذوا؟ فقلت له: انك نسبت أبا نواس إلى الغلط في بيت كذا وأنشدته إياه. فقال: نعم غلط في هذا. فقلت؟ إنّه لم يغلط بل هو على صواب ونسبوك أنت إلى الغلط في تغليطه. فقال: وكيف هذا؟ فعرفته ما قاله صاحب العقد. فعض على رأس سبابته وبقي ساعة ينظر إلي وهو في صورة خجلان حتى استيقظت من منامي وهو على تلك الحال. انتهى ملخصا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>أحمق من رجلة</span>.\nالرجلة بكسر الراء وسكون الجيم: ضرب من النبات معروف ينبت في حميل السيل فيقتلعه فيوصف لذلك بالحمق. ويقال له بقلة الحمقاء والبقلة اللينة والبقلة المباركة. وقيل إنَّ البقلة المباركة هي الهندباء. وقولهم بقلة الحمقاء أضيف منه الموصوف إلى الصفة في الظاهر كقولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى.","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>أحمق من رخمة</span>.\nالرخمة بفتح الراء والخاء المعجمة طائر معروف جمعه رخم ويقال له الانوق كما مر. ومن تم يقال لها ذات الاسمين. وهي تتمنع في قلل الجبال كما تقدم وتتحرز ومع ذلك تحمق. قال الكميت:\nوذات أسمين والألوان شتى ... تحمق وهي كيسة الحويل\nوذكر الروافض عند الشعبي فقال: لو كانوا من الدواب لكانوا حمرا ومن الطير لكانوا رخما. والرخمة من لئام الطير ولئام الطير فيما يزعمون ثلاثة: الرخمة والغراب والبومة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>أحمق من صاحب ضأن ثمانين</span>.\nالضأن بسكون الهمزة وفتحها جمع ضائن مثل ركب لراكب وحرس لحارس والضائن خلاف الماعز من الغنم والأنثى ضائنة. ويقال: أضأن الرجل كثرت عند الضأن وثمانون عقد معلوم من العدد وصاحب ضأن ثمانين قالوا هو رجل بشر كسرى فقال له كسرى: سل مني ما شئت فقال: أسألك ضأنا ثمانين فقال: أحمق من صاحب ضأن ثمانين. وقيل إنّه رجل حكمه النبي ﷺ فقال له: أيما أحب إليك: ثمانون من الضأن أو أدعو الله تعالى أن يجمعك معي في الجنة. فقال: بل ثمانون من الضأن. فقال ﷺ: أعطوه إياه ثم قال ﷺ: إنَّ صاحبة موسى كانت أعقل منك. وذلك إنَّ عجوزا دلته على عظام يوسف ﵇ فقال لها موسى ﵇: أيما احب إليك: أسأل الله أن تكوني معي في الجنة أو مائة من الغنم؟ فقالت: الجنة.\nويروى أيضًا إنَّ رجلا وقف على النبي ﷺ وهو يقسم غنائم حنين فقال: إنَّ لي عندك موعدا يا رسول الله قال: صدقت فاحتكم ما شئت قال: إني أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها.","vol":"2","page":135},{"text":"فقال ﷺ: هي لك وقد احتكمت يسيرا. ولصاحبة موسى ﵇ التي دلته على عظام يوسف ﵇ كانت أحزم منك حين حكمها موسى فقالت: حكمي أن تردني شابة وأدخل مع الجنة.\nوفي هذا الرجل يقال: أقنع من صاحب الثمانين وراعيها كما سيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>أحمق من ضبع</span>.\nالضبع على مثال سبع معروف يقع على الذر والأنثى وهو مؤنث اللفظ. والذكر بخصوصه ضبعان بالكسر والأنثى ضبعانة ولا يقال ضبعة. وقيل يقال. ويقال للذكر منه أيضًا ذريح بكسر الذال المعجمة.\nوالضبع توصف بالحمق. ومن حمقها فيما يزعمون أن الصائد إذا أراد أن يصيدها رمى بحجر في وجارها فتحسبه شيئًا فتخرج إليه. وإنّها أيضًا يقال لها وهي في الوجار: خامري أم عامر أي أسترى كما سيأتي. فتبقى حتى يدخل إليها ويقيدها برجلها ويخرجها. ويقال لها أيضًا وهي في الوجار: اطرحي أم طريف خامري أم عامر أبشري: بجراد عظلى وشاة هزلي فتبقى حتى تقبض. ومن الناس من يرى إنَّ هذه من خرافات العرب فقط. وأهل زمانا أيضًا يزعمون إنَّ الصيادين إذا اجتمعوا حول وجاره وجعل بعضها يقول: ما هي هما وما هنا شيء فتتلبث هي حتى تقبض وإنّهم أيضًا قد يرونها فيعظمونها ويهولون أمرها ويقولون: ما هذا السبع؟ وما هذه الداهية؟ ونحو ذلك. فتبقى تنتفخ وتتعظم في نفسها ولا تفر حتى يقبضوها.\nومن شهرة حمقها على سائر الدواب يقول العرب يقال المثال الآخر في الشيء يدعى وضوحه جدا: ما يخفى هذا الأمر على الضبع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>أحمق من ناطح الصخرة</span>.\nالنطح دفع الشيء بالقرون والصخرة واحد الصخور المعروفة وناطح الصخرة هو الوعل والوعل هو التيس الجبلي كما مر جمعه أوعال ووعول. قال","vol":"2","page":136},{"text":"امرؤ القيس:\nتلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل\nوقال أمية بن أبي الصلت:\nكل حي وإن تطاول دهرا ... آئل أمره إلى أن يزولا\nليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا\nيحكى إنَّ أمية لمّا احتضر غشي عليه ثم أفاق فقال: لبيكما لبيكما أنا إذا لديكما: لا عشيرتي تحميني ولا مالي يفديني ثم غشي عليه. فلما أفاق قال: كل حي...... البيتين ففاظت نفسه. وهما من شعره الحكيم.\nويروى إنَّ عمرو بن العاصي تمثل بهما. وكان لمّا حضرته الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه! انك كنت تقول: يا ليتني ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت به حتى يصف لي ما يجد وأنت ذلك الرجل: فصف لي الموت! فقال: يا بني كأن السماء قد انطبقت على الأرض وكأني بينهما أتنفس من سم إبرة وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي. ثم أنشأ يقول: ليتني كنت......البيت. ومثل هذا عن عبد الملك بن مروان لمّا احتضر وكان في قصره مشرفا على الناس. فنظر فرأى بعض الغسالين يغسل الثياب فقال: ليتني كنت نثل هذا الغسال أكتسب قوتي يوم بيوم ولم أكن وليت الخلافة ثم تمثل بالبيتين السابقين فمات.\nويحكى إنّه لمّا بلغت قصته هذه بعض أهل زمانه قال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يعني الرؤساء يتمنون ما نحن فيه ولم يجعلنا نتمنى ما هم فيه.\nوقالوا في الوعل ناطح الصخرة لقول الأعشى:\nكناطح صخرة يوما ليقلعها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\nوقول الآخر:\nفرشني لا أكونن ومدحتني ... كناطح يوما صخرة بعسيل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>أحمق من نعامة</span>.\nالنعامة معروف وتقدم ما فيه. والنعامة توصف بالحمق وذلك إنّها تخرج طلبا","vol":"2","page":137},{"text":"للطعم وتدع بيضها. فمتى وجدت بيض نعامة أخرى حضنتها ونسيت بيضها. وفي ذلك يقول أبن هرمة:\nوإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندًا شحاحا\nكتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملحقة بيض أخرى جناحا\nومن حمقها إنَّ الصائد إذا أدركها أدخلت رأسها في كثيب رمل تقدر أنها اختفت عنه بذلك وهي بادية له. ومع ذلك فكان لها في بيضها أمر عجيب، وذلك إنّها تبيضها زوحا وتضعها فتقسمها قسمين: فقسما تحضنه وقسما تتركه يكون غذاء لمّا يكون من الأفراخ، على ترتيب في ذلك ووضع عجيب. فسبحان القادر على ما يشاء والملهم كل حي منافعه.\nوأما قول علقمة:\nحتى تلافى وقرن مرتفع ... أدحي عريسين فيه البيض مركوم\nفقد قيل إنّه غلط لأن بيض النعام لا يكون مركوما، أي بعضه على بعض، كما قلنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>أحمق من هبنقة</span>.\nويقال أيضا أحمق من ذي الودعات؛ وهبنقة بالفتحات مع تشديد النون. هو يزيد بن ثروان القيسي. ويقال له ذو الودعات ولقب بذلك لأنه كان يتقلد الودع، والودع بفتحتين خرز أبيض يستخرج من البحر، الواحد ودعة والجمع ودع وتسكن الدال أيضًا وودعات.\nوقال الشاعر في المفرد:\nأسن من جلفزيز عوزم خلقٍ ... والحلم حلم صبي يمرس الودعه\nوالجلفزيزي العجوز والناقة الهرمة؛ والعوزم العجوز والناقة المسنة فيها بقية. ومعنى يمرس الودعة: يمصها. ويقول إنه كبير الجسم، صغير العقل. وقال: الآخر في الجمع، مسكنا ومحركا:\nإنَّ الرواة بلا فهم لمّا حفظوا ... مثل الجمال عليها يحمل الودع:\nلا الودع ينفعه حمل الجمال له ... ولا الجمال بحمل الودع تنتفع","vol":"2","page":138},{"text":"قيل: الودع أشتق له من الودع وهو الترك، لمّا قالوا من البحر يتركه، وذلك إنّه يقذفه حيوانا فيموت ويصلب صلابة الحجر، ويعلق للعين. فكان هبنقة أتخذ قلادة من ودع وعظام خزف يجعلها في عنقه، وكان طويل اللحية. فقيل له: لم تعلق هذا؟ فقال: لئلا أضل. ثم إنَّ أخا له سرقها ذات ليلة وتقلدها. فلما صبح هبنقة ورآها في عنق أخيه فقال له: يا أخي، أنت أنا، فمن أنا؟ فضرب به المثل في الحمق.\nوقد حكيت عنه أخبار كثيرة في الحمق: منها أنه أشترى له أخوة بقرة بأربع أعنز. فلما ركبها وأعجبه عدوها، التفت إلى أخيه فقال له: زدهم عنزًا! فضرب به مثلا للمعطي بعد وجوب البيع. ثم إنّه سار بالبقرة حتى مر بأرنب تحت شجرة، ففزع منها، وركض البقرة حتى تجاوزها فقال:\nالله نجاني ونجى البقرة ... من جاحظ العينين تحت الشجرة\nومنها إنّه مان إذا رعى الإبل رد السمان منها إلى المرعى، ونحى المهازيل وقال: لا اصلح ما افسد الله! ومنها إنّه اختصم إليه بنو راسب والطفاوة في غلام تنازعه الفريقان، فقال: اذهبوا فاطرحوه في النهر: فإنَّ طفا فوق الماء فهو للطفاوة، وإنَّ رسب فيه فهو لبني راسب. وهذه أيضًا تحكى عن غير هبنقة، كما سيأتي، والله اعلم. ومنها إنّه ضل له بعير فقال: من جاء به فله بعيران. فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال انكم لا تعرفون حلاوة الوجدان! وقال اليزيدي:\nعش بجد ولا يضرنك نوك: ... إنّما عيش من ترى بالجدود\nرب ذي إربة مقل من المال ... وذي عنجهية مجدود\nعش بجد وكن هبنقة القيسي ... أو مثل شيبة بن الوليد!\nوسبب قول اليزيدي هذا الشعر إنّه تناظر، هو والكسائي، في مجلس المهدي، وكان شيبة أبن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي فهجاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>يحمل شن ويفدي لكيز</span>.\nالحمل معروف، تقول: حملت الشيء أحمله حملا كضربته أضربه","vol":"2","page":139},{"text":"ضربا؛ وشن اسم رجل وهو شن بن أفصى بن عبد القيس بن جديلة؛ وتقول فديت الرجل تفديه إذا قلت له: جعلت فداءك. قال امرؤ القيس:\nفيا رب مكروب كررت وراءه ... وعانٍ فككت الغل عنه ففداني\nوالعرب تقول في التفدية: فدتك نفسي، وأبي وأمي، وطارفي وتالدي. وتقول: فديت الرجل ثلاثيا، وفاديته إذا فككته؛ ولكيز بالزاي، على مثل زبير هو أبن أفصى، أخو شن المذكور. وكان شن وأخو لكيز مع أمهما ليلى بنت قرآن في سفره، فنزلا بموضع يقال له ذو طوى. فلما أرادت الرحيل فدت لكيز، ثم دعت شنًا ليحملها. فحملها وهو غضبان حتى إذا كانا بالثنية رمى بها عن بعيرها وقال: يحمل شن ويفدى لكيز! فذهبت ويضرب في وضع الشيء غير موضعه. ثم فقط عليك بجعرات أمك يا لكيز!.\nومثل هذا المثل، المثل الآتي: هيل خير حالبيك تنطحين، وقول الشاعر:\nوإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب!\nكما مر. وكل ذلك يضرب في الخطأ في مكافئة المحسن بالإساءة والمسيء بالاحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>الحمى أضرعتني إليك</span>!\nالحمي مرض معروف. يقال: حم الرجل بضم الأول وأحمته الله، فهو محموم؛ والاضراع: الإذلال. يقال: ضرع إليه بالفتح يضرع ضراعة: ذل وخضع، وأضرعة الغير. وهذا المثل يضرب عند الذل للحاجة.\nقال: أبو علي القالي: إنّما قيل هذا لأن صاب الحاجة تأخذه رعشة، من الحرص على حاجته. ويقول: فهذا الذي في من القل هو الذي أضرعني؛ والقل الرعدة. انتهى. وقوله: القل الرعدة، يعني بكسر القاف. وحصل ما ذكر أنَّ ما طلبه من الحرص المزعج له إزعاج الحمى هو الذي أضر وأذله، كما قال الآخر: أذل الحرص أعناق الرجال وهو ظاهر","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>الحمى أضرعتني للنوم</span>.\nهذا المثل كالذي قبله في المعنى، وهو هو بعينه. وأوّل من قاله قرين بن مصاد الكلبي. وكان لصا مبيرًا حتى إنّه كان يقال له الذئب لشدة لصوصيته. وكان له أخوان: مرارة ومرة؛ وإنَّ مرارة خرج يتصيد الأروى في جبل يقال له أبلق، فأختطفه الجن. فانطلق مرة أخوه بأثره حتى إذا كان بذلك المكان اختطف أيضًا. وكان قرين غائبا فلما قدم وعلم بأمر أخويه أقسم لا يشرب خمرًا ولا يمس رأسه غسلا حتى يطلب أخويه. فتكتب قوسه وانطلق إلى ذلك المكان. فمكث فيه سبعة أيام لا ينام ولا يرى شيئًا حتى كان اليوم الثامن، فإذا هو بظليم فرماه وأصابه، واستقبل الظليم حتى صار في أسفل الجبل. فلما وجبت الشمس بصر بشخص قام على صخرة ينادي:\nيا أيها الرامي الظليم الأسود ... ثبت مراميك ولمّا ترشد!\nفأجابه قرين:\nيا أيها الهاتف فوق الصخرة ... كم عبرة هجيتها وعبرة\nبقتلكم مرارة ومرة ... فرقت جمعا وتركت صخرة!\nفذهب الجني وتوارى عنه هونا من الليل. فأصابت قرينا حمى فغلبته عينه فنام. فأتاه الجني فاحتمله وقال: ما أنامك، وقد كنت حذرا؟ فقال قرين: الحمى أضرعتني للنوم. ثم أنطلق به حتى أتى حاضر الجن. فلما كان في وجه الصبح، خلى سبيله، فقال قرين عند ذلك:\nألا من بلغ فتيان قومي ... بما لاقيت بعدهم جميعا؟\nغزوت الجن أطالبهم بثأري ... لأسقيهم به سما نقيعا\nفيرض لي ظليم بعد سبعٍ ... فأرميه فأتركه صريعا\nوكنت إذا القروم تعاورني ... جريء الصدر معتز منيعا\nبنى لي معشري وجدود صدق ... بذروة شامخ بيتا منيعا\nوعزا سامعا ثبت الرواسي ... ترى شم الجبال خضوعا","vol":"2","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>حمي الوطيس</span>.\nتقدم في باب الهمزة من كلام النبي ﷺ، وسيأتي في الأمثال الحديثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>أحمى من مجير الجراد</span>.\nالحماية: المنع. وتقول: حميت الشيء أحميه حماية إذا حفظته ومنعته.\nقال جرير:\nحميت حمى تهامة بعد نجدٍ ... وما شيء حميت بمستباح\nوتقول: أجرت الرجال أخيره إذا منعته من أن يظلم، فهو جار. وقال الشاعر:\nوكنت إذا جاري دعا لمضيفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري\nوجار الرجل واستجار: طلب أنَّ يجار؛ والجراد معروف، واحده جرادة للذكر والأنثى، ومجير الجراد هو مدلج بن سويد الطائي. وذكروا إنّه بينما هو ذات يوم في ظل خيمة إذ رأى قوما من طيء قد أقبلوا ومعهم الأوعية، فقال: ما شأنكم فقالوا: جراد بات بفنائك، فجئنا نأخذه. فلما سمع ذلك، قام إلى فرسه فركبه وتسلح وقال لهم: أيكون الجراد بفنائي وتريدون أخذه؟ والله لا يعرض له أحد منكم إلاّ قتلته! فلم يزل يحرسه حتى طلعت عليه الشمس وطار، فقال: شأنكم الآن به، فقد تحول الآن عن جواري! فضرب به المثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>حن حنين الثكلى</span>\nتقدم معنى الحنين: التي فقدت ولدها وتقدم أيضًا. وحنين الثكلى شديد، كما تقدم في قولهم: أحر من دمع المقلات. وقالت أسماء المرية:\nفإن بأكناف الرغام غريبه ... مولهة ثكلى طويلا نئيمها\nوقال الخنساء في الثكلى من الإبل وحنينها:\nفما عجول على من تحن له ... لها حنينان: إعلان وإسرار","vol":"2","page":142},{"text":"ترتع ما غفلت إذا أذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار\nيوما بأوجع مني يوم فارقني ... صخر وللدهر إحلاءٌ وإمرار\nونحوه قول عبد الله بن الزبير الأسدي:\nرمى الحدثان نسوة آل زيدٍ ... بمقدارٍ سمدن له سمودا\nفرد شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن البيض سودا\nفإنك لو سمعت دعاء باكيةٍ حزينٍ ... أبان الهر وأحدها الفقيدا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>حنَّ قدحٌ ليس منها</span>.\nهذا المثل يضرب للرجل يدخل نفسه في القوم وليس منهم أو يمتدح بالشيء ليس من أهله. يروى أنَّ عقبة بن أبي معيط لمّا أمر رسول الله ﷺ بقتله قال: أأقتل من بين قريش؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁: حن قدح ليس منها! فقال رسول الله ﷺ: وهل أنت إلاّ يهودي من صفورية؟ وذلك أنهم ذكروا أنَّ أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام وأقام بها عشر سنين. فوقع على أمة يهودية للخم من صفورية يقال لها ترنى فولدت له ذكرا فاستلحقه أمية وكناه أبا عمرو وهو أبو أبي معيط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>حنت ولا تهنت</span>.\nهذا المثل لمازن بم مالك بن عمرو بن تميم وذلك أنَّ الهيجمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم بن مر كان عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها. فنهاه قومها عن ذلك فأبى حتى وقعت الحرب بين قومه وقومها. فأغار عليهم عبد شمس في جيشه فعلمت به الهيلمانة فأخبرت أباها. وكانوا يعرفون إعجاب الهيلمانة به كإعجابه بها. فلما قالت هذه المقالة لأبيها قال مازن بن مالك: حنت ولا تهنت! وأنى لها مقروع؟ ومقروع عبد شمس كان يلقب به، لأن القريع والمقروع في كلام العرب هو المختار","vol":"2","page":143},{"text":"فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنية اصدقيني! كذلك هو؟ فانه لا رأي لمكذوب. فقالت: ثكلتك إن أكن صدقتك فانج لا أخالك ناجيا! فذهبت كلمة مازن وكلمته وكلومتها أمثالا. فقال مازن: حنت ولا تهنت أراد أنها إنما كان غرضها أن تذكر عبد شمس ليجري اسمه على لسانها حبينا إليه وشوقا لا شفقة على قومها ولا نصحا لأبيها ولا تحذيرا. وقوله: ولا تهنت دعاء عليها أي: لا هناها الله بذلك! وأراد: لا تهنأت بالهمز من الهناء ثم خفف الهمزة وقلبها ألفًا ثم حذف الألف لملاقاة التاء الساكنة كما في نظائره.\nقيل: ويحتمل أن يريد: ولات هنا أي ليس هذا الوقت أو: أنَّ ذلك ولا حينه كما قال الأعشى:\nلات هنا ذكرى جبيرة أم من ... جاء منها بطائف الأهوال!\nأي ليس هذا حين ذكرها يأسا منها. وكما قال الراعي:\nأفي أثر الأظعان عينك تطمح؟ ... نعم! لات هنا إنَّ قلبك متيح!\nوكما قال جحل بن نضلة الباهلي:\nحنت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أحنت\nلمّا رأت ماء السلى شربا لها ... والفرث يعصر في الإناء أرنت\nوفي إعرابه كلام مبين في علم النحو. والتاء في لات لتأنيث الكلمة كما قيل في رب وثم ربت وثمت. وقيل إنها بدل من الألف لأن التاء تبدل من الألف عند الوقف وعند السجع كما قيل:\nمن بعدما وبعدما وبعدمت ... صارت نفوس القوم عند الغلصمت\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>حورٌ في محارةٍ</span>\nالحور بضم الحاء وفتحها وهو مضموما: الهلاك والنقصان ومفتوحا النقصان أيضًا والرجوع. يقال: حار إليه بحور حورا: رجع. قال مهلهل بن ربيعة التغلبي:","vol":"2","page":144},{"text":"أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري!\nأي: لا ترجعي! والمحاورة النقصان أيضًا.\nومعنى المثل: نقصان في نقصان. يقال للرجل يكون أمره في إدبار أو للرجل ينقص بعد الزيادة ويكون صالحا فيفسد ولمن لا يصلح. ومن ورود الحور بمعنى النقصان قول الشاعر:\nواستعجلوا عن خفيف المضغ فازدروا ... والذم يبقى وزاد القوم في حورِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>حيل بين العير والنزوان</span>.\nتقول: حال الشيء بيني وبين كذا يحول حيلولة: منعني منه؛ وحيل بين زيد وبين كذا. قال تعالى) وحيلَ بينهم وبينَ ما يشتهونِ (؛ والعير بالفتح الحمار وسيد القوم أيضًا؛ والنزوان مصدر قولك: نزا الفحل على الأنثى ينزو عليها نزوا ونزوانا.\nوالمثل يضرب للرجل يعوقه عن مطلبه عائق. وهو قول صخر بن عمرو بن الشريد:\nأهم بفعل الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان\nوسنذكره وما يتعلق به في الأمثال الشعرية إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>حال الجريض دون القريض</span>.\nالجرض الريق يغص به. يقال: جرض الرجل بريقه يجرض كفرح يفرح إذا ابتلعه بجهد على هم وحزن؛ والجريض الاختناق بالريق على الموت. قال امرؤ القيس:\nكأن الفتى لم يغن في الناس ساعة ... إذا اختلف اللحيان عند الجريضِ\nويقال: هو يجرض على نفسه أي يكاد يقضي ومن ذلك قول امرئ القيس أيضًا:\nوأفلتهن علباء جريضًا ... ولو أدركته صفر الوطاب\nوالقريض: الشعر.\nومعنى المثل أنَّ الاختناق بالريق منع من قول الشعر فيضرب في كل أمر يعوق عنه عائق.","vol":"2","page":145},{"text":"وأوّل من قاله جوشن الكلابي. وكان أبوه منعه من قول الشعر فمرض حزنا فرق له أبوه وقد أشرف فقال له يا بني انطق بما أحببت! فقال: هيهات! حال الجريض دون القريض. قيل: وأنشد:\nعذريك من أبيك بضيق صدري ... فما تغني بيوت الشعر عني!\nوقيل أول من قاله عبيد بن الأبرص حين وفد على النعمان في يوم بؤسه وأيقن بالموت وقال له النعمان: أنشدني! فقد كان يعجبني شعرك فقال عبيد: حال الجرض دون القريض! وقد تقدمت قصته في حرف الهمزة مستوفاة.\nوقال أبو محمد الحريري رحمه الله تعالى:\nما بات جارٌ لهم ساغبًا ... ولا لروع قال: حال الجريض\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>حوَّل حابله على نابله</span>.\nالحابل هنا السدى؛ والنابل اللحمة وقد تقدما. ومعنى حول حابله على نابله جعل أعلاه أسفله وهو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>حوالينا لا علينا</span>.\nيتمثل به كثيرا وهو من كلام النبي ﷺ حين استصحى فقال: اللهم حوالينا ولا علينا! أي أنزل المطر حوالينا ولا تنزله علينا! والحديث مشهور.\nوقال مشيرا إلى ذلك على طريق الاقتباس الصاحب بن عباد:\nأقول وقد رأيت لها سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا\nوقد سحت عزاليها يهطل: ... حوالينا الصدود ولا علينا!\nوتقول: جلست حول الرجل وحوليه وحواليه وأحواله مفتوحات الأول وكلها بمعنى واحد.","vol":"2","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>حيث لا يضع الراقي أنفه</span>.\nحيث من ظروف المكان؛ والوضع: الطرح والجعل. تقول: وضعت الشيء أضعه بفتح الضاد فيهما؛ والرقية بضم الراء العوذة رقاه يرقيه رقيا فهو له نفث في عوذته. قال عروة بن حزم:\nفما تركا من رقية يعلمونها ... ولا شربة إلاّ بها سقياني\nوهذا المثل يضرب في الأمر لا يدنى ولا يقرب منه.\nقال أبو علي القالي: وكأنهم يرون أنَّ أصل ذلك ملسوعا لسعا في آستة فلم يقدر الراقي أن يقرب أنفه مما هناك. انتهى.\nقالت: وأورده أبو عبيد في أمثاله بلفظ جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه وقال إنّه يضرب في الجناية لا دواء لها. فقال البكري عن أبن الكلبي: أوّل من نطق بهذا المثل امرأة من العرب وأظنها زوجة حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم أو بنته وكان حنظلة شيخا كبيرا. فأصابتهم ليلة ريح ومطر وبرق. فخرجت تصلح طنب بيتها وعليها صدار. فأكبت على الطنب وبرقت السماء برقة فأبصرها مالك بن عمرو بن تميم وهي مجيبة فشد عليها حتى خالطها فقالت:\nيا حنظل بن مالك لحرها ... يشفى بها من ليلةٍ وقرها!\nفأقبل بنوها وزوجها فقالوا لها: مالك؟ فقالت: لدغت. قالوا: أينه؟ فقالت: حيث لا يضع الراقي أنفه. فذهبت مثلا. ومات حنظلة بن مالك فتزوجها مالك بن تميم صاحب اللدغة فولدت له نفرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>أحير من برغوث</span>.\nتقول: حار الرجل يحار حَيرة وحِيرة وتحيرا: إذا نظر فلم يهتد؛ والبرغوث بضم الباء معروف. قال الأعرابي:\nإلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيلُ؟\nوهو يطير إلى وراء وذلك من لطف الله تعالى به ليرى من يكيده.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>أحير من ضب</span>.\nالحيرة تقدمت، والضب معروف يوصف بالحيرة، وذلك انهم يزعمون إنَّ في طبعه النسيان وعدم الهداية، ولذلك يحفر حجره عند صخرة، أو في أكمة ليلا يضل عنه إذا خرج لطلب الطعام، وذلك توجد براثينه كليلة من حفرة الكدى والأماكن الصلبة، كما قال خالد بن علقمة:\nترى الشر قد أفنى دوائر وجهه ... كضب الكدى أفنى براثينه الحفر\nوتقدم شيء من هذا في الباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>الحية من الحيية</span>.\nالحية معروف يقع على الذكر والأنثى، والتاء فيه للوحدة من الجنس، كالبطة والدجاجة وحكى بعض الأقدمين: رأيت حيا على حية، أي ذكر على أنثى.\nومعنى المثل أنَّ الأمر العظيم ينشأ عن الأمر الصغير، وهو كقولهم: العصا من العصية، وسيأتي. وقريب من قولهم: إنَّ السقط يحرق الحرجة، وقد تقدم. وقد جعل بعضهم نظير هذا المعنى من كتاب الله قوله تعالى:) ولا يلدوا إلاّ فاجرا كفارا (.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>أحيى من ضب</span>.\nيقال: حيي الشيء بالكسر يحيى حياة فهو حي؛ والضب معروف ووصف بكثرة الحياة وطول عمره. فقد ذكر إنّه يعيش سبعمائة سنة أو أكثر، ولا تسقط له سن، ويبول كل أربعين يوما مرة واحدة. قال الشاعر:\nإنك لو عمرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل\nوالصخر مبتل كطين الوحل\nوالحسل بالكسر ولد الضب ومن ثم يقال للضب أبو حسل؛ والفطحل على مثال هزبر فيما يزعمون: زمان كانت الصخر فيه رطبة.","vol":"2","page":148},{"text":"ومما يلحق بهذا الكتاب قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>حبا وكرامة</span>.\nيقول الرجل لآجر إذا طلبه شيئًا: نعم وحبا وكرامة. ويقال أيضًا: حبة وكرامة. والحبة بضم الحاء بمعنى الحب؛ والكرامة من الإكرام، ويقال أيضًا: حبا وكرامة، وحبا وكرمانا بضمها وقيل المراد بالحب هنا الحب الذي هو الجرة العظيمة وهي الخابية والكرامة غطاء الجرة.\nوقد يقال: أفعل كذا حبا وكرامة لك بالفتح وكرما وكرمة وكرمى وكرمة عين بضم الكل وليس له فعل ظاهر. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>حطني القصا</span>.\nأي تباعد عني، والقصا البعد، ويقال قصا الشيء يقصو قصوا، وقصي الرجل عن جواري بالكسر يقصي قصى أي تباعد. والقصا أيضًا فناء الدار ويمد والناحية. يقال. ذهبت قصا فلان، أي ناحيته. وقال الشاعر:\nفحاطونا القصا ولقد رأونا ... قريبا حيث يستمع السرار\nقال في الصحاح، عن الأصمعي: معنى حاطونا القصى أي تباعدوا عنا وهم حولنا وما كنا بالبعد منهم لو أرادوا أنَّ يدنوا منا. انتهى. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>تحللت عقد فلانٍ</span>.\nأي سكن غضبه. ومن الأمثال المشتهرة في هذا الباب على ألسنه الناس قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>أحسن من نار القرى</span>.\nكانت خولة بنت منظور بن زيان أجمل نساء قومها، فقدمت المدينة لزيارة أختها زوجة عبد الله بن الزبير، فسمع الناس بها فخطبوها وفيهم الحسن بن علي ﵁. فجعلت","vol":"2","page":149},{"text":"أمرها بيدي أختها، فوكلت أبن الزبير فزوجها من الحسن. فلما بلغ الخبر أباها جاء المدينة فركز رأيته عند المسجد ونادى: يا آل قيس! فلم يبقى قيسي إلاّ دخل تحت رايته. فبلغ ذلك الحسن فجاء إليه فقال له: شأنك بابنتك! فجاءها فحملها معه. فلما خرجا قالت له: أو يرضى أحد بمثل فعلك؟ الحسن بن علي وفاطمة، وسبط رسول الله ﷺ، وسيد شباب أهل الجنة، أين تجد مثله؟ فقال: صدقت، ولكن تعالي ننزل بقبا. فإن كان له غرض فيك فسيلحقنا! فبينما هم هنالك اقبل الحسن والحسن وأبن جعفر وأبن العباس، فردها إليه. فولدت للحسن الحسن المثنى، أكبر ولده. ولم تزل عنده حتى مات. فكثر خطابها، فقالت: والله لا كان لي حمء بعد رسول الله ﷺ! فكشفت القناع وبرزت للرجال في هيئة المتجالات، فيئسوا منها عند ذلك. وكانت معروفة بفعل الخير والتفضل ويقصدها الناس في حوائجهم فتقضيها. وعاشت كثيرًا.\nفحكي عن معبد المغني قال: جئتها ألتمس معروفا، وهي عجوز، وغنيتها شعرًا قاله فيها بعض من أراد تزويجها وهي شابة فلم تنكحه ومنه:\nقفا في دار خولة فاسألاها ... تقادم عهدها وهجرتماها\nبمحلال كأن المسك فيه ... إذا فاحت بأبطحه صباها\nفطربت وأهتزت وقالت: يا عبد بني قطن، أنا والله يومئذ أحسن من نار القرى في عين التائه الصدي! وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>أحقر من ذباب وأحقر من قلامة</span>.\nوهو ما يزال من الظفر. وهذا باب مطرد. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>أحير من طير في شبكة</span>.\nيريدون الطير المقنوص في شبكة الشديد الاضطراب والموجان؛ وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>أحير من بقة في حقة</span>.\nونحو هذا.","vol":"2","page":150},{"text":"ومن الأمثال العامية قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>حل عبستك، ما أردت خبزتك</span>!\nيضربون للرجل يعجز إنَّ يجامل الناس بحسن خلقه فضلا عن إنَّ يسامح بنداه. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>الحمار حماري وأنا أركب من وراء</span>!\nوقد آن أنَّ نذكر في هذا الباب ما يتيسر من الشعر. قال الشاعر:\nأخاك أخاك، إنَّ من لا أخاله ... مساع إلى الهيجا بغير سلاح\nوإنَّ أبن عم المرء فأعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح؟\nوقال الآخر:\nوإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا\nكتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا\nيريد النعامة، وقد تقدم ذلك فيها.\nوقال عروة بن الورد:\nوقلت بقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا وإنَّ رزح\nتنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من حمام مبرح\nوسيأتي ما يناسب هذا المعنى، إن شاء الله.\nومن يكن مثلي ذا عيال ومقترا ... يغرر ويطرح نفسه كل مطرح\nويبلغ عذرا أو يصيب رغيبة ... ومبلغ نفس مثل منجح\nوالكنيف حظيرة تعمل للماشية تحفظ فيها؛ والرزح جمع رازح وهو الساقط المعيي هزالا، وهو نعت القوم؛ والحمام بكسر الحاء الموت وجعله مبرحا أي شاقا لطوله لأنهم يبقون حتى يموتوا جوعا.\nوذلك أنَّ عروة مر بقوم من أهله قد جهدوا على أنفسهم حظيرة، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: أنا جهدنا وخفنا على أنفسنا السباع، فعملنا هذا نبقى فيه حتى نموت. فلامهم على ذلك واستنهضهم لطلب الرزق. فسار بهم حتى نزلوا ماء يقال له ماوان لبنى فزارة. فمر بهم راكب معه ظعينة على بعير ومائة ناقة. فقام إليه عروة فقاتله حتى قتله.","vol":"2","page":151},{"text":"فأخذ ذلك وقسمه على أصحابه.\nوقوله: ومبلغ نفس عذرها مثل منجح: مثل سائر عند القوم: ويريد به أنَّ من جد في الطلب، عانى المشقة والتعب، فهو إنَّ ظفر فذلك ما يسعى إليه، وإنَّ لم يظفر فلا ملامة عليه، كما قال امرؤ القيس: نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال أبن هرمة:\nيحب المديح أبو ثابتٍ ... ويفرق من صلة المادح\nكبكر تشهى لذيذ النكاح ... وتجزع من صولة الناكح\nوقال الحماسي عمرو بن الاطنابة الأنصاري:\nأبت لي عفتي وأبى بلائي ... وخذي الحمد بالثمن الربيح\nوإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح\nوقولي كلما جشأت وجاشت: ... مكانك تحمدي أو تستريحي\nلأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرضٍ صحيح\nالإجشام: الإكراه على تحمل المشقة؛ والمشيح والشائح: الجاد في الأمر؛ وجشأت نفس الرجل: تحركت واضطربت من جزع أو حزن؛ وجاشت: ماجت واضطربت، ومنه الجيش، لموجانه بعضه في بعض؛ والمآثر ما يذكر عن الإنسان ويؤثر عنه؛ والعرض الصحيح: الذي لم يتعلق به عيب فيمرضه.\nوقال جميل بن معمر:\nأريد صلاحها وتريد قتلي ... فشتى بين قتلي والصلاح!\nوقبله:\nتنادى آل بثنة بالرواح ... وقد تركوا فؤادك غير صاح\nفيا لك منظرا ومسير ركبٍ ... شجاني حين أمعن في الفياحي\nويا لك خلة ظفرت بعقلي ... كما ظفر المقامر بالقداح!\nوبعده أريد صلاحها \" البيت \"\nلعمر أبيك لا تجدن عهدي ... كعهدك في المودة والسماح","vol":"2","page":152},{"text":"ولو أرسلت تستهدين نفسي ... أتاك بها رسول في سراح\nوقال أبو الطيب:\nوما ترك الشعر إلاّ إنّه ... تقصر على نفسي وصف الأمير المدائح\nقلت: وما أحق أنَّ يتمثل بك بهذا عند ترك الاشتغال بمديح النبي ﷺ! فإن أكثر الفحول تركوه واشتغلوا بمديح غيره. وما ذلك إلاّ عجزًا: فإن نباهة مكانه ﷺ، وجلالة جانبه تبهر العقل وتحير الفكر، فلا يستطيع إنَّ يجول فيه، ولو جال لقصر. وقد ذكر أبن الخطيب ﵀ هذا المعنى في صدر كتاب السحر والشعر له، بعد إنَّ ذكر مقطعات لبعض الأدباء في مدحه ﷺ، فقال وكما أنَّ الشعر لم يتعلمه رسول الله ﷺ ولا ينبغي له لئلا يرتاب المبطلون، وذلك في حقه الكامل، بخلاف غيره، كذلك يبعد أو يمتنع أنَّ وجد قسم السحر في مدحه، إذ أصله الإغياء والمحاكاة والخيال والتمجين، حتى قال: ووقار جانبه ﷺ يبهر النفس ويمنع من استرسالها في ذلك. فالمجيد فيه من عول على نصاعة اللفظ، وقصد الحق، وقرب المعنى، وإيثار الجد. انتهى. قلت: ومن أسباب ذلك إنَّ المديح إنّما يحسن لاشتماله على المحاسن وأوصاف كمال للممدوح، ويتفطن لها الشاعر دون غيره، ويبالغ فيها أكثر مما يستحق الممدوح ويظن به.\nوقد علم في حق النبي ﷺ أنَّ كل ما يتخيله الشاعر من المحاسن والكمالات، فالنبي ﷺ زائد على ذلك وارفع منه إذ لا يبقى فوق كماله ﷺ إلاّ كمال الألوهية، وليس لأحد أنَّ يثبته له، فلم يبق للشاعر إلاّ إنَّ يبين ما هو عليه أو أنقص، وكلاهما لا طائل فيه، مع أن إتيان قدره ﷺ نتعذر عادة، إذ لا تصل إليه العقول فليس إلاّ القصور. ولله در القائل:\nما قصر الشعراء فيك تعمدا ... بل دق في أفكارهم معناكا\nنعم! يمكن الإتيان بشيء من حلاه ﷺ وأوصفه على نوع من الغرابة وضرب من المبالغة، بحسب ما يرى الناس من حاله ﷺ.","vol":"2","page":153},{"text":"وقال أيضًا:\nأيكون الهجان غير هجان؟ ... أيكون الصراح غير صراح؟\nجهلوني وإنَّ عمرت قليلًا ... نسبتي لهم رؤوس الرماح\nوقال أيضًا:\nتخفي العداوة وهي غير خفيةٍ ... نظر العدو بما أسر يبوح\nوقال أيضًا:\nفقلت لكل حي يوم سوء ... وإنَّ حرص النفوس على الفلاح\nوقال أبو العلاء المعري:\nوأمراض المواعد أعلمتني ... بأن وراءها سقما صحيحا\nوقال:\nأعباد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا\nوقال:\nوما للمسك في أنَّ فاح حظ ... ولكن حظنا في أنَّ يفوحا\nوقال:\nوذلك إنَّ شعرك طال شعري: ... فما نلت النسيب ولا المديحا\nومن لم يستطع علام رضوى ... لينزل بعضها نزل السفوحا\nوهذا في معنى ما مر لأبي الطيب: وقال الشاعر:\nإذا أبطا رسولك فارج يسرا: ... ففي إبطائه أثر النجاح!\nوهذا يشبه قول أبي الطيب:\nومن الخير بطئ سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام\nوقال الآخر:\nإذا أنت لم تصلح لنفسك لم تجد ... لها أحدًا من سائر الناس يصلح\nوقال الآخر:\nجبينك والعمامة والثنايا ... صباح في صباح في صباحٍ","vol":"2","page":154},{"text":"وقال الآخر:\nدع الناس طرا واهجر الناس كلهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح!\nوقال الآخر:\nصديق بلا عيب قليل وجوده ... وذكر عيوب الأصدقاء قبيح\nوقال الآخر:\nطلبت بك التكثير قلة ... وقد يخسر الإنسان في طلب الربح\nوقال الآخر:\nكأنني الجزار في فعله: ... ما قال بسم الله إلاّ ذبح\nوقال الآخر:\nكن في أمان الله من خاطر: ... مثلك لا يهجى ولا يمدح\nوقال الآخر:\nليس عارًا بان يقال مقل: ... إنّما العار أنَّ يقال شحيح\nومثله قول الآخر:\nألم تعلمني يا عمرك الله إنني ... كريم على حين الكرام قليل\nوإني لا أخزى إذا قيل مملق ... كريم وأخزى أنَّ يقال بخيل\nقول الآخر من شعراء الحماسة:\nأجلك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكل غني في العيون جليل\nوليس الغنى إلاّ غنى زين الفتى ... عشية يقرى أو غداة ينيل\nوقال إحسان بن حنظلة:\nتلك ابنة العدوي قالت باطلا ... أزرى بقومك قلة الأموال\nأنا لعمرك أبيك يحمد ضيفنا ... ويسود مقترنا على الإقلال\nوقول الآخر:\nلنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح\nوقول الآخر:\nبكر العواذل بالسواد يلمنني ... جهلا يقلن: ألا ترى ما صنع؟\nفأتيت مالك في السفاه، وإنما ... أمر السفاهة ما أمرنك أجمع","vol":"2","page":155},{"text":"وقتود ناجية وضعت بقفرة ... والطير عاشية العوافي وقع\nبمهند ذي حليةٍ جردته ... يبرى الأصم من الكعوب ويقطع\nلتنوب نائبة فيعلم إنني ... ممن يغر على الثناء فيخدع\nإني مقسم ما ملكت فجاعل ... أجرًا لآخره ودنيا تنفع\nوقول أبي زياد الأعرابي:\nله نار تشب على يفاعٍ ... إذا النيران ألبست القناعا\nولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا\nوقول الآخر:\nوليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفة أوسع\nوقال الآخر:\nوتبا لمن بخلت نفسه ... بشيء يؤول إلى المستراح\nأي: المرحاض: وقال الآخر:\nوشيئان معدومان في الأرض: درهم ... حلال، وخل في الحقيقة ناصح\nوقال الآخر:\nويؤلمني جميل لا أكافا ... عليه كأنه عندي قبيح\nوقال الآخر:\nهجوت زهيرا ثم أني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح\nوقال الآخر:\nلا يصحب الإنسان في قبره ... غير التقى والعمل الصالح\nوقال الآخر:\nوما العيش إلاّ في خمول مع الغنى ... وعافية تغدوا بها وتروح\nوقال الآخر:\nوما كل حين يصدق المرء ظنه ... ولا كل أصحاب التجارة يربح\nوقال معن بن أوس:\nرأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهن لا تكذب نساء صوالح\nوفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح","vol":"2","page":156},{"text":"وقال الآخر:\nولا تفش سري إلاّ إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا!\nفإني رأيت غواة الرجال لا يتركون أديما صحيحا\nوقيل: وكان أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه يتمثل بهذين البيتين كثيرا، وقيل انهما له. والأديم: الجلد، استعير هنا للعرض، وجعل لام الوشاة سهاما يرما بها الأعراض حتى تهتكها. ومثله قول أبن الخياط:\nفلا تعدل إلى الواشين سمعا ... فإنَّ كلام أكثرهم كلام\nوإنَّ الود عندهم نفاق ... إذا طاوعتهم والحمد ذام\nوأقوال إذا سمعت سهام ... تقصر عن موقعها السهام\nفلما نصحوا لمجدك بل مرادًا ... لمّا قد ساءني قعودا وقاموا\nفليتك تسمع القولين حتى ... تبين في من الحق الخصام!\nوقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية ترثي أخاها وقيل ليلى بنت يزيد بن الصعق ترثي ابنها قيس بن زياد:\nلقد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أضحى بأجرد ضاح\nقد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي\nفاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح\nوأغض من بصري وأعلم إنّه ... قد مات خير فوارس ورماح\nوإذا دعت قمرية شجبنا لها ... يوما على فنن دعوت صباحي\nوتمثلت بها فاطمة أم السبطين ﵂ يوم وفاة أبيها ﷺ. ومعنى: دعوت صباحي أي قلت: وأسوء صباحاه! لعدم ناصري فيه. وفي معنى الأول قول أبي الوفاء يرثي غازي:\nأيا تاركي ألقى العدو مسلما ... متى ساءني بالجد قمت ألاعبه\nوقال سعد بن قيس:\nكشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح\nفالهم بيضات الخدور ... هناك لا النعم المراح","vol":"2","page":157},{"text":"والضمير في كشفت للحرب في قوله:\nيا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا\nوكشف الساق كناية عن اشتدادها، أخذ من كشف الرجل عن ساقه وتشميره إذا جد في الأمر، كما قيل:\nوكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... اشمر حتى ينصف الساق مئزري\nوالصارح: الخالص أصله اللبن الذي ذهبت رغوته، كما مر؛ فالهم بيضات الخدور الخ. . فيه وجهان: أحدهما إنّه يقول: أما حينئذ لا نبالي بأموالنا أن تذهب، وإنّما همنا الدفع عن حريمنا؛ والآخر: إنَّ يريد: أنا ظهرنا على العدو ولم نلتفت إلى أموالهم وأخذها، وإنما همنا منهم القتل والسباء وهو أفخر.\nوقال أحد بني يشكر:\nإلاّ أبلغ بني ذهل رسولا ... وخص إلى سراة بني البطاح\nبأنا قد فتلنا بالمعلى ... عتيبة منكم وأبا الجلاح\nفإن ترضوا فأنا قد رضينا ... وإنَّ تأبوا فأطراف الرماح\nمقومة وبيض مرهفات ... تبين جماجما وبنان راح\nوقال الحيض بيض:\nملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح\nوحللتم قتل الأسارى وطالما ... غدونا على الأسرى فنعفو ونصفح\nويحكى عن بعضهم قال: رأيت الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة وتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يؤثم على ولدك الحسين مآثم؟ فقال لي: أسمعت أبيات الصيفي في هذا، وهو الحيص بيض؟ فقلت: لا. قال: اسمعنا منه! قال: فانتبهت، فلما أصبحت بادرت إلى دار الحيص بيص فأخبرته بالقصة فبكى وحلف بالله ما خرجت من فيه إلى أحد وما نظمها إلاّ في ليلته، فأنشدني: ملكنا فكان العفو منا البيتين.\nوقال الحماسي أحد بني الحارث بن كعب:\nلنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح","vol":"2","page":158},{"text":"وقال مالك بن أسماء، من شعراء الحماسة أيضًا:\nوحسبك تهمة ببرئ قومهم ... يضم على أخي سقم جناحا\nوقبله:\nهجوت الأدعياء فنا صبتني ... معاشر خلتها عربا صحاحا\nفقلت لهم وقد نجوت طويلا ... إلى وما أجبت لهم نباحا\nأمنهم أنتم فأكف عنكم ... وأدفع عنكم الشتم الصراحا؟\nوحسبك \" البيت \"\nوالمناصبة: المعاداة. ويقول: إنَّ عاديتموني بسببهم وذهبتم عنهم، فأنتم منهم ولا أهجوكم للؤمكم، وكفى بكم ريبة إنَّ تضموا الجناح على المريبين.\nوقال الآخر:\nوإني لأغلي لحمها وهي حية ... ويرخص عندي لحمها حين تذبح\nبذا فآندبيني فإنني ... فتى تعتريني هزة حين امدح\nوتقدم هذا الشعر وما كان بمعناه.\nوقال الآخر:\nونصر الفتى في الحرب أعداء قومه ... على قومة للمرء ذي الطعم فاضح\nوقبله:\nدعاني أبو نصر وأهدى نصيحة ... إلي ومما أنَّ تعز النصائح\nلأجزر لحمي كلب نبهان كالذي ... دعا القاسطي حتفه وهو نازح\nأو البرجمي حين أهداه حينه ... لنار عليها موقدان وذابح\nورأي أبي سعد وإنَّ كان حازما ... بصير وإنَّ ضاقت عليه المسارح\nأعان به ملعون نبهان سيفه ... على قومه والقول عاق وجارح\nونصر الفتى في الحرب \" البيت \"\nوقوله: لأجزر لحمي أي: أصير نفسي جزرة، والجزرة البدنة تنحر. قال: عنترة:\nإنَّ يعفرا مهري فإنَّ أباهما ... جزر لخامعة ونسر قشعم","vol":"2","page":159},{"text":"والقاسطي الذي ذكره هو أحد القارضين الهالكين، وسيأتي فيهما المثل؛ والبرجمي هو وافد البراجم المتقدم؛ وقوله: للمرء ذي العقل والمعرفة. وقال الحماسي أشجع السلمي:\nمضى أبن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلاّ له فيه مادح\nوما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح\nفاصبح في لحد من الأرض ميتا ... وكان به حيا تضيق الصحاصح\nفما أنا من رزء، وإنَّ جل، جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح\nكأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلاّ عليك النوائح!\nوقال أبن المعتز:\nكما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا يخلق المرء العيون الطوامح\nومن هذا قولهم: طول المجالسة يخلق: وقد قال أزدشير لأبنه: لا تمكن الناس من نفسك: فإن أجرا الناس على الأسود أكثرهم لها معاينة! وقال أبو بكر بن النطاحي في المدح:\nيتلقى الندى بوجه حيي ... وصدور القنى يوجه وقاح\nهكذا هكذا، المعالي: ... طرق الجد غير طرق المازح!\nوالبيت الثاني ذهب مثلا سائرا. وقال مجد الدين الاربلي:\nطرفي وقلبي: ذا يسيل دما، وذا ... بين الورى أنت العليم بقرحه\nوهما بحبك شاهدان وإنّما ... تعديل كل منهما في جرحه\nونحو هذا من التوجيه قول الآخر:\nزرت الإمام الشافعي ولم أكن ... يوما زيارة قبره بالتارك\nفوجدت مولاي الحبيب يزوره ... فظفرت عند الشافعي بمالك\nوقول الآخر:\nوعاطيته علم البديع وخده ... يعلمني تلوينه علم جابر\nوصفحت من شوقي مدونة الرضى ... لثغر فأفتاني بنص الجواهر\nوقول الآخر:\nلا غزو إنَّ يصلي الفؤاد ببعدكم ... نارا تؤججها يد التذكار:","vol":"2","page":160},{"text":"قلبي إذا غبتم يصور شخصكم ... فيه وكل مصور في النار!\nوقال الآخر في هذا المعنى:\nإلاّ إنَّ حالي في هواك خفيفة ... ولكن لعيني بالصبابة تبريح\nعجبت لدمع لا يزال مرويا ... فيقبل في آثاره وهو مطروح\nوأعجب من ذا أن خدي شاهد ... يصادق في أقواله وهو مجروح\nوقال أيضًا:\nومحكم اللحطات في مهج الورى ... تحكيم نار هواه بين جوانحي\nجريح الفؤاد فطار من ولع به ... فكيف الخلاص لطائر من جارح؟\nومثله أيضا قوله:\nأحادثه بالفكر فهو منادمي ... على الدهر لا أبغي عليه بديلا\nتملك قلبي فهو رهن اعتقاله ... فمن شاء يبصر مالكا وعقيلا\nوتقدم لنا هذا المعنى في حرف الثاء، مستوفى، وسنعيد منه كثيرا.\nوقال القاضي أبو الفضل عايض ﵀:\nانظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد ماست أمام الرياح\nكتبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح\nومثله قوا الآخر:\nفتح الشقائق جرحها ومغنمها ... وشيء الربيع، وقلاها من الثمر\nلأجل هذا إذا هبت طلائعه ... تدرع النهر واهتزت قنا الشجر\nونحو هذا من حسن التعليل في هذا المعنى قولي:\nإنَّ بين الغمام والزهر الغض ... لرحما قديمة وإخاء\nبان إلف عن إلفه فتوارى ... في الثرى ذا وذاك حل السماء\nفإذا ما لغمام زارت جانبا ... أذنت فيه بالحبيب اللقاء\nذكرت عهده القديم فحنت ... عند لقياه فاستهلت بكاء\nفترى الزهر بارزا من خباياه ... يحيى الوفود والأصدقاء\nبادي البشر والبشاشة جذلا ... ن لبوسا من كل لون رداء\nثملا من شموس شمس الضحى ... وهو على بسط سندس خضراء","vol":"2","page":161},{"text":"راقصات والصبا تهنيه والو ... رق غواني القيان تشدو غناء\nوما رأيت أحدا ولا أظنه سيبقي إلى هذا المعنى، ولا تصريحا ولا تلويحا.\nوقال الحسن بن هانئ:\nمازلت أشرب روح الزق في لطفٍ ... وأستميح دما من غير مجروح\nحتى أغديت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح جسم بلا روح\nوقال أيضًا في هذا المعنى:\nأذكى السراج وساقي القوم يمزجها ... فلاح في البيت كالمصباح مصباح\nكدنا على علمنا للشك نسأله: ... أراحنا نارنا أم نارنا الراح؟\nوسيأتي هذا المعنى مستوف في بعد. وقال أبن الخياط في صفحة الحساب:\nأخفى مسالكها الظلام فأوقدت من برقها كي تهدي مصباحا\nوكان صوت الرعد خلف سحابها ... حادٍ إذا ونت الركائب صاحا\nوتقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقال عبد الله بن المعتز:\nكأن سماءنا لمّا تجلت ... خلال نجومها عند الصباح\nرياض بنفسج خضل ثراه ... تفتح بينه نور الأقاح\nوقال أبن الزقاق:\nفبت وقد زارت بأنعم ليلة ... تعانقني حتى الصباح صباح\nعلى عاتقي من ساعديها حمائل ... وفي خصرها من ساعدي وشاح\nوقال إدريس بن اليماني:\nثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح\nحفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح\nوقال الآخر في وصف الروض:\nورياض من الشقائق أضحت ... تتهادى بها نسيم الرياح\nزرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الراح\nقلت: ما ذنبها؟ فقال مجيبا: ... سرقت حمرة الخدود الملاح!\nوقال الآخر في زورق:\nلو أبصرت عيناك زورق فتيةٍ ... بيدي لهم لمح السرور مراحة","vol":"2","page":162},{"text":"وقد استداروا تحت ظل شراعه ... كل يمد بكأس راح راحه\nلحسبته خوف العواصف طائرا ... مد الحنان على بنيه جناحه\nوقال أبن الرومي:\nقالت: علا الناس إلاّ أنت قلت لها: ... كذاك يسفل في الميزان مارجحا\nوقال أبو إسحاق بن الحاج:\nيا مالكي بصبيح وجهٍ حسنه ... أربى على فلق الصباح الأوضح\nما شك قلبي فيك أنك مالك ... لمّا عرفت وسامة بالإصباحِ\nوقال سيف الدولة:\nلا أواخذك بالجفاء فإني ... واثقٌ منك بالوفاء الصريحِ\nفجميل العدو غير جميلٍ ... وقبيح الصديق غير قبيحي!\nوقال مهيار:\nاذكرونا مثل ذكرانا لكم ... رب ذكرى قربت من نزحا\nوارحموا صبا إذا غنى بكم ... شرب الدمع وعاف القدحا\nوقال شرف الدين الحموي شيخ الشيوخ:\nحديثي في المحبة ليس يبرح: ... فدعني من حديث اللوم واسرح\nفما لك مطمع ببراح قلبي ... عن الحب الذي أعيا وبرح\nفكم من لائم ألحى إلى أن ... تأمل من هويت فما تنحنح\nفيا لله ما أشهى وأبهى ... ويا لله ما أحلى وأملح!\nله طرفٌ يقول: الحرب أحرى ... ولي قلبٌ يقول: الصلح أصلح\nسألت سواره المثري فنادى ... فقير وشاحه: الله يفتح\nوماس من القوام بغصن بان ... إذا أنشدت أغزالي ترنح\nوحياني بألحاظٍ مراضٍ ... صحيحاتٍ فأمرضني وصحح\nأعاتبه فلا يصغي لعتبي ... ولا أسلو فأتركه وأربح\nوقال عبد المحسن الصوري:\nوأخٍ مسه نزولي بقرحٍ ... مثل ما مسني من الجوع قرحُ","vol":"2","page":163},{"text":"بت ضيفًا له كما حكم الد ... هر وفي حكمه على الحر قبحُ\nفابتداني يقول وهو من السكر ... ة بالهم طافحٌ ليس يصحو:\nلم تغربت؟ قلت: قال رسول ... الله والقول منه نصح ونجح:\nسافروا تغنموا. فقال: وقد قال ... تمام الحديث: صوموا تصحوا!\nوقال أبن الوردي:\nقد عجبنا لأميرٍ ... ظلم الناس وسبح\nفهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح\nوقال شهاب الدين الخفاجي وهو من باب التورية اللطيفة:\nوصفت خصره الذي ... أخفاه ردف راجحُ\nقالوا: وصف جبينه ... فقالت: ذاك واضح!\nوقال أيضًا وفيه نحو ما في الذي قبله من التورية:\nلله أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح!\nذاك زمان مر حلو الجنى ... ظفرت منه بحبيب وراح\nوقال أبو محمد الحريري:\nلزمان السفار وجبت القفار ... وعفت النفار لأجنبي الفرح\nوخصت السيول ورضت الخيول ... لجر ذيول الصبا والمرح\nومطت الوقار وبعت العقار ... لحسو العقار ورشف القدح\nولولا الطماح إلى شرب راح ... لمّا كان باح فميبالملح\nولا كان ساق دهئي الرفاق ... لأرض العراق بحملي السبح\nفلا تغضبن ولا تصخبن ... ولا تعتبن فعذري وضح\nولا تعجبن لشيخ أبن ... بمغنى أغن ودن طفح:\nفإنَّ المدام تقوي العظام ... وتشفي السقام وتنفي الترح\nوأصفى السرور إذا ما الوقور ... أماط ستور الحيا وأطرح\nوأحلى الغرام إذا المستهام ... أزال اكتتام الهوى وافتضح\nفبح بهواك وبرد حشاك ... فزند أساك به قد قدح\nوداوي الكلوم وسل الهموم ... ببنت الكروم التي تقترح","vol":"2","page":164},{"text":"وخص العبوق بساق ... بلاء المشوق إذا ما طمح\nوشاد يشيد بصوت تميد ... جبال الحديد له إن صدح\nوعاص النصح الذي لا يبيح ... وصال المليح إذا ما سمح\nوجل في المحال ولو بالمحال ... وجع ما يقال وخذ ما صلح\nوفارق أباك إذا ما أباك ... ومد الشباك وصد من سنح\nوصاف الخليل وناف البخيل ... وأول الجميل ووال المنح\nولذلك بالمتاب أمام الذهاب ... فمن دق باب كريم فتح\nوقال أيضًا:\nنهاني الشيب عما فيه أفراحي ... فكيف أجمع بين الراح والراحِ؟\nوهل يجوز اصطباحٌ من معتقةٍ ... وقد أنار مشيب الرأس إصباحي\nأنَّ ليت لا خامرتني الخمر ما علقت ... روحي بجسمي وألفاظي بإفصاحي\nولا اكتست لي بكاسات السلاف يدٌ ... ولا أجلت قداحي بين أقداح\nولا صرفت إلى صرفٍ مشعشعة ... همي ولا رحت مرتاحا إلى راح\nولا نظمت على مشمولة أبدًا ... شملي ولا اخترت ندمانًا سوى الصاحي\nمحا المشيب مراحي حين خط على ... رأسي: فأبغض به من كتاب ماح!\nولاح يلحى على جري العنان إلى ... ملهى: فسحقًا له من لائح لاح!\nولو لهوت وفودي شائب لخفى ... بين المصابيح من غسان مصباحي\nقومٌ سجاياهم توقير ضيفهم ... والشيب ضيفٌ له التوقير يا صاح!\nوقال أيضًا:\nأعدد لحسادك حدّثني السلاح ... وأورد الأمل ورد السماح\nوصارم اللهو ووصل المهى ... وأعمل الكوم وسمر الرماح\nواسع لإدراك محل سما ... عماده لا لادراع المراح\nوالله ما السؤدد حسنو الطلا ... ولا مراد الحمد رؤد رداح\nواها لحر صده واسع ... وهمه ما سر أهل الصلاح","vol":"2","page":165},{"text":"مورده حلو لسؤاله ... وماله ما سألوه مطاح\nما اسمع للآمل ؤدًا ولا ما طله والمطل لؤم صراح\nولا أطاع اللهو لمّا دعا ... ولا كسا راحا له كأس راح\nسوده إصلاحه سرة ... وردعه أهواءه والطماح\nوحصل المدح له علمه ... ما مهر الحور مهور الملاح\nوقال عوف بن محلم:\nألا يا حمام الأيك إلفك حاضرٌ ... وغصنك ميادٌ ففيم تنوحُ؟\nأفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيحُ\nولوعًا فشطت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد جريحُ\nوزعموا إنّه خرج مع عبد الله بن طاهر في بعض غزواته فسمع عبد الله يوما وهما يتسايران صوت حمامة فأنشد أبيات عوف ثم التفت إلى عوف وقال له: هل حضرك شيء في هذا المعنى وهذه القافية؟ فقال عوف:\nأفي كل عامٍ غربةٌ ونزوح؟ ... أما للنوى من ونيةٍ فتروحُ؟\nلقد ظلم البين القذوف ركائبي: ... فهل أرين البين وهو طليحُ؟\nوأرقني بالري نوح حمامةٍ ... فنحت وذو الشوق الغريب ينوحُ\nعلى أنها ناحت ولم تدر عبرةً ... ونحت وأسراب الدموع سفوحُ\nوناحت جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتلقى عصا التسيار وهي طريحُ\nفإنَّ الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الغنى بالقترين نزوحُ\nفرق له عبد الله وصرفه إلى أهله بعطاء جزيل وقال: يصلك عطاؤك كل سنة لموضعك.\nوللشعراء قديما وحديثا الإكثار من ذكر الحمام والفواخت والورشان في أشعارهم واستحسان أصواتها. فمن مستحسن ما للأولين في ذلك قول الشاعر:\nسيغنيك عن مزمار آل مخارق ... وبربطهم تغريد تلك الحمائمِ\nبأيكة ناظر تجاوبن بالضحى ... على شاهقات آفلاتٍ نواعمِ","vol":"2","page":166},{"text":"قول الآخر:\nأحن إلى حوائط ذات عرقٍ ... لتغريد الفواخت والحمامِ\nألم بها بكل فتى كريمٍ ... من الفتيان مخلوع الزمامِ\nإذا غنت على الأغصان ورقٌ ... أجبناها بإعمال المدامِ\nوقول أبي صخر:\nولمّا دعت غورية الأيك سجعت ... فسجع دموعي يستهل ويستشري\nيذكرني شجي دعاء حمامةٍ ... ويبعث لوعات الصبابة في صدري\nبكت حزنًا رزء الهديل وشفني ... فراق حبيب ضاق عن فقده صبري\nوقول الآخر:\nأيها البلبل المغرد في النخ ... ليس غريبا من أهله حيرانا\nأفراقا تشكوه أم ظلت تعو ... فوق أفنان نخلك الورشانا؟\nهاج لي شجوك المغرد شجوًا ... رب صوتٍ يهيج الأحزانا\nوقول حميد بن ثور:\nوما هاج هذا الصوت إلاّ حمامةٌ ... دعت ساق حر ترحةً وترنما\nمحلاة طوقٍ لم يكن بتميمةٍ ... ولا ضرب صواغٍ بكفيه درهما\nتغنت على غصنٍ عشاءً فلم تدع ... لنائحةٍ في نوحها متلوما\nإذا حركته الريح أو مال ميلةً ... تغنت عليه مائلًا ومقوما\nعجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما\nفلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيًا شاقه صوت أعجما!\nوقول الآخر:\nومن بستان إبراهيم حنت ... حمائم بينها فننٌ رطيبُ\nوقول عدي بن الرقاع:\nومما شجاني أنني كنت نائمًا ... أعلل من برد الكرى بالتنسمِ\nإلى أن دعوت ورقاء في غصن أيكةٍ ... تردد مبكاها بحسن الترنمِ","vol":"2","page":167},{"text":"فلو قيل مبكاها بكيت صبابةً ... بسعي شفيت النفس قبل التندمِ\nولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت: الفضل للمتقدمِ\nوقال المجنون:\nوأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العصم سهل الاباطحِ\nتجافيت عني حين لا لي حيلةٌ ... وخلفت ما خلفت بين الجوانحِ\nوزعموا أنَّ رجلا دخل بني عامر يسأل عن المجنون فقيل له إنّه في هذه لبصحراء قد استوحش وإنّه إذا رآك نفر منك؛ ولكن إذا رأيته فاجلس كأنك لا تقصده فانه يجلس إليك. فإذا جلس إليك فإن كان عندك شيء من شعرا بن ذريح فاذكره فانه يصغي إليك. قال: ففعلت ذلك. فلما جلس إلي قالت: ما أشعر قيس بن ذريح حيث يقول:\nوإني لمفنٍ دمع عيني بالبكا ... حذارًا لمّا قد كان أو هو كائنُ\nوقالوا: غدًا أو بعد ذاك بليلةٍ ... فراق حبيبٍ بان أو هو بائنُ\nوما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفي إلاّ الله تعالى ما حان حائنُ\nقال: فبكى طويلا ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:\nأبى القلب إلاّ حبها عامريةً ... لها كنيةً عمرو وليس لها عمرُ\nتكاد يدي تندى إذا لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضرُ\nعجبت لسعي الهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الهرُ\nثم أوغل في الصحراء وتركني فانصرفت. فلما كان الغد رجعت فقلت: ما أشعر قيسا حيث يقول:\nيبيت ويضحى كل يومٍ وليلةٍ ... على منهج تبكي عليه القبائلُ\nقتيلٌ للبنى صدع الحب قلبه ... وفي الحب شغلٌ للمحبين شاغلُ\nفبكى أيضًا طويلا ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:\nسلبت عظامي لحمها فتركتها ... معرقةً تضحى لديك وتخصرُ\nوأخيلتها من مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفرُ\nإذا سمعت ذكر الفراق تقطعت ... علائقها مما تخاف وتحذرُ\nثم قام هاربا وتركني. فانصرفت ثم عدت في الغد فقلت: ما أشعر قيسا حيث يقول:\nهبوني امرءًا إن تحسنوا فهو شكرٌ ... لذاك وإن لم تحسنوا فهو صافحُ","vol":"2","page":168},{"text":"فأن يك قومٌ قد أساؤوا بهجرنا ... فإنَّ الذي بيني وبينك صالحُ\nفبكى أيضًا طويلا ثم قال: أما والله أشعر منه حيث أقول: وأدنيني حتى إذا ما سبيتني \" البيتين \". ثم فر عني وانصرف. وعدت من الغد فلم أجده فأخبرت قومه فانطلقوا يطلبونه فوجدوه بعد يومين ميتا في شعراء بين حجرين.\nقلت: وفي البيتين المذكورين قال جرير لمّا أنشده إياها بعض أصحابه وهما متوجهان إلى الشام: لو كان النخير يصلح لنخرت حتى يسمعني هشام على سريره من هاهنا! وقال أبن الدمينة:\nإلاّ يا حمى وادي المياه قتلتني ... أباحك لي قبل الممات مبيحي\nولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بها كبدًا ليست بذات قروحِ\nأبى الناس ريب الناس لا يشترونها ... ومن ذا الذي يشتري دوى بصحيحِ؟\nوالدوى: المريض الشديد المرض والمرض الشديد أيضًا والأحمق.\nوينشد هذا الشعلا أيضًا على إسقاط البيت الأول وزيادة آخر وهو:\nأئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب جريحِ\nويحكى عن إبراهيم الموصلي المغني المشهور أنه قال: سألت الرشيد أن يهب لي يوما أخلو فيه بنفسي وكان أمره أن لا يتغيب عنه يوما أصلا قال: فقال لي إني أستثقل يوم السبت فآله فيه بما شئت! قال: فأعددت يوما شرابا وأطعمة منتخبة وأصبحت عازما على أن لا آذن لأحد. فأمرت البواب بإغلاق الأبواب وجلست وحولي جواري والخدم يترددون بين يدي فإذا أنا بشيخ ذي هيئة وجمال حسن الثياب بيده عكازة مقمعة بفضة وقد سطع منه ريح المسك حتى ملأ البيت. قال: فامتلأت غيظا على البوابو عزمت على غقوبته. فسلم علي الشيخ بأحسن السلام فرددت عليه وأمرته بالجلوس. فجلس فأخذ في أحاديث العرب وذكر أيامها وأشعارها حتى أذهب ما بقلبي. وقلت: لعل البواب عرف أدبه فأراد مسرتي به فقلت له: هل لك في الطعام؟ فأبى. فقلت: هل لك في الشراب؟ فقال: ما أكرهه. فشربت وسقيته فقال: يا أبا إسحاق وهل لك أن تغني لنا من صنعك؟ فقد نبغت فيها عند الخاص والعام وأحسن فيها ما استطعت حتى نكافئك بمثلها! فأخذت العود وغنيته أصواتا حسانا في كلها يقول: أحسنت يا سيدي! ويطرب ويستزيدني. ثم وضعت العود فقال: أتأذن لعبدك في الغناء؟","vol":"2","page":169},{"text":"فاستصعبت لكني أذنت له. فلما أخذ العود وجسه خلته والله ينطق بلسان عربي. ثم اندفع يغني:\nولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني\nإلى آخر الأبيات الثلاثة المتقدمه. فو الله لقد ظننت أنَّ الحيطان والأبواب وكل ما في البيت يغني معه حتى خلت عظامي وثيابي تجاوبه وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام لمّا خالط قلبي. ثم غنى:\nألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فأني إلى أصواتكن حزينُ\nفعدن فلما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهن أبينُ\nدعون بترديد الهدير كأنما ... شربن الحميا أو بهن جنونُ\nفلم تر عيني مثلهن حمائما ... بكين ولم تدمع لهن عيونُ\nفكاد والله عقلي يذهب طربا وارتياحا لمّا سمعت. ثم غنى:\nألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد. ... فقد زادني مسراك وجدا على وجدِ\nلقد زعموا أنَّ المحب إذا دنا ... يمل وأنَّ النأي يشفي من المجدِ\nبكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أنَّ قرب الدار خيرٌ من البعدِ\nعلى أنَّ قرب الدار ليس بنافعٍ ... إذا كان من تهواه ليس بذي ودِ\nثم قال: يا إبراهيم هذا الشعر الماخوري فانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك! فقلت: أعده علي! فقال: لست تحتاج إلى إعادته. فغاب عن بصري فارتعت وقمت إلى السيف فجردته وعدوت نحو الباب فوجدته مغلقا. فسألت البواب عن الشيخ فقال: والله ما دخل علي اليوم أحد! فرجعت متحيرا فإذا هو هتف بي من بعض جوانب البيت: لا بأس عليك أبا إسحاق! فقال هو إبليس اخترت مندمتك اليوم فلا ترع! فال إبراهيم: فركبت من فوري إلى الرشيد وقلت: لا أطرفه بطرفة أحسن من هذه! فلما دخلت حدثته الحديث فقال: ويحك غن لي ما غناك! فأخذت العود وغنيته إياها كأنها من محفوظاتي. فطرب الرشيد وجلس للشرب ولم يكن عزم عليه وأمر لي بصلة وقال: الشيخ كان أعلم حيث قال إنك أخذتها. فليته متعنا بنفسه يوما كما أمتعك! انتهى. قوله الماخوري: هو نسبة إلى الماخور وهو بيت الريبة معرب. وقيل إنّه عربي من مخرت السفينة الماء لتردد الناس إليه. وقال أبن عبد المنان:","vol":"2","page":170},{"text":"صبحته عند المساء فقال لي: ... ماذا الصباح وظن ذاك مزاحا\nفأجبته: إشراق وجهك غرني ... حتى توهمت المساء صباحا\nوسبب قوله هذا الشعر إنّه دخل وهو ثمل على السلطان أحمد المريني عشية فصبحه. فنظر السلطان إليه نظر منكر، وقال له: أي وقت هذا؟ وأي معنى للصباح فيه؟ فأفاق من سكره وانشد ما مر ارتجالا، وهذه بديهة لا بأس بها.\nومثله ما يحكى إنّه وقع ليحيى بن أكثم، وكان الأمين بن الرشيد شرب يوما مع عبد الله بن ظاهر، ومعهما يحيى. فتغامزا عليه، وأمر الساقي فأكثر له حتى أسكره. وكان بين أيديهم ردم من رياحين. فأمر يحيى فدفن فيه، وأمر قينة أنَّ تغني عند رأسه بيتين علمهما. فغنت:\nناديته وهو ميت لا حراك به ... مكفن في ثياب من رياحين\nفقلت: قم؟ قال: رجلي لا تطاوعني ... وقلت: خذ! قال: كفي لا تواتيني\nفأنتبه يحيى لصوت العود وصوت الجارية، فأخذ العود منها وغنى:\nيا سيدي وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني\nإني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما رأيت سليب العقل والدين\nلا أستطيع نهوضا قد وهى بدني ... ولا أجيب لداع حين يدعوني!\nوقال أبو الفتح البستي:\nأفد طبعك المكدود بالجد راحة ... يجم وعلله بشيء من المزح\nولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بقدر الذي يعطى الطعام من الملح\nوقال آخر في معناه:\nممازحة الصديق تزيد ودا ... إذا كانت تضاف إلى الملاحه\nفمازح من تحب وتصطفيه ... فمزحك مع صديق في راحه\nوقال الآخر في المدح:\nإذا نزل الضيف ليلا بهم ... رأى أوجها لاح منها الصباح\nكرام الوجوه لمن أمهم ... وعند وجوه الكرام السماح\nوهذا من العكس، وهو عند أهل البديع قسمان: تعاكس الكلم وتعاكس الحروف.\nفمن الأول في النثر قولهم: عادات السادات سادات العادات: وقولهم عقول الملوك","vol":"2","page":171},{"text":"ملوك العقول؛ وكلام الملوك ملوك الكلام؛ وفول بعضهم، وقد قيل له لا خير في السرف، لا سرف في الخير، ونحو هذا. وفي الشعر ما مر وقول صاحب الحلية:\nخير الليالي ليالي الخير في إضمٍ ... والقوم قد بلغوا أقصى مرادهم\nوقول أبي الطيب:\nفلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده\nوقول أبن جابر:\nعطفت قدها النضير فقالت: ... هل رأيتم لحسن هذا نظيرا؟\nبذلت للمحب يوم وصالٍ ... فرأينا وصال يوم كثيرا\nونحوه وهو كثير.\nومن التالي في النثر كقوله تعالى:) كل في فلك (وقوله تعالى:) وربك فكبر (وقول العماد الاصبهاني للقاضي الفاضل: سر، فلا كبا بك الفرس! وقول بعضهم:\nسرو حماة بربها محروس؛ وقولك أرض خضراء ورمح أحمر، ونحو ذلك وهو كثير.\nومن الشعر قول الشاعر:\nمودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم؟\nومن النوع الأول قولي في أبيات:\nنتائج أبناء كرام غطارفٍ ... كرام بنين ماجدين كبار\nوقول الآخر:\nإذا المرء لم يمدح بحسن فعاله ... فمادحه يهذي وإنَّ كان يفصح\nوقول الآخر في معناه:\nوما شرف أنَّ يمدح المرء نفسه ... ولكن أعمالًا تذم وتمدح\nوقول الآخر يروي لأبن الفارض، ﵁:\nخليلي إنَّ زرتما منزلي ... ولم ترياه فسيحا فسيحا،\nوإنَّ رمتا منطقي من فمي ... ولم ترياه فصيحا فصيحا،\nوقول أبي بكر بن عمار في الاستعطاف:\nسجاياك إنَّ عافيت واسمح ... وعذرك إنَّ عاقبت أجلى وأوضح\nوإنَّ كان بين الخطيتين مزية ... فأنت إلى الأدنى من الله أجنح","vol":"2","page":172},{"text":"وقال أبو عيسى بن لبون في النسيب:\nسقى أرضا نووها كل مزن ... وسايرهم سرور وارتياح\nفما ألوى بهم ملل ولكن ... صروف الدهر والقدر المتاح\nسأبكي بعدهم حزنا عليهم ... بدمع في أعنته جماح\nوقال أيضًا:\nيا رب ليل شربنا فيه صافية ... حمراء في لونها تنفي التباريحا\nترى الفراش على الأكواس ساقطة ... كأنها أبصرت منها مصابيحا\nوقال أبو محمّد بن عبدون:\nسقاها الحيا من مغان فساح ... فكم لي بها من معان فصاح؟\nوحلى أكاليل تلك الربى ... ووشى معاطف تلك البطاح\nفما أنس لا أنس عهدي بها ... وجري فيها ذيول المراح\nونومي على حبرات الرياض ... يجاذب بردي مر الرياح\nولم أعط أمرا النهى طاعة ... ولم أصغ سمعا إلى لحي لاح\nوليل كراجعة طرف المريب ... لم أدرله شفقا من صباح\nوقلت أنا:\nأم والمهيمن إنني من بعدكم ... لكطائر قد قُدَّ منه جناح\nأوديتم بمحبكم من بعدكم ... أو ليس على المضر جناح؟\nقد كان فيهم أعصرا بوصالهم ... قد طبن روح للنفوس وراح\nفكأنني صبرا سقيت فكيف لي ... صبر وقد زموا المطي وراحوا؟\nوقلت أيضًا:\nنقل النسيم عن الأراك محدثا ... عن ثغر سلمى الأشنب الوضاح\nوحديثه المروي إنَّ رضابه ... عسل ومسك شوبا بالراح\nصدقا أحاديث الصحيح قد اعتلت ... عن ريبة تعزى لها من لاح\nوقال بعض السادات الصوفية ﵃:\nقد كنت أحسب إنَّ وصلك يشترى ... بنفائس الأموال والأرواح\nحتى رأيتك تجتبي وتخص من ... تختاره بنفائس الأرباح","vol":"2","page":173},{"text":"فعلمت انك لا تزال بحيلة ... ولويت رأسي تحت طي جناح\nوجعلت في عشق الغرام إقامتي ... أبدا وفيه تحويلي ورواحي\nوقال الآخر:\nأبدًا نحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح\nوقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى كمال جمالكم ترتاح\nوارحمة للعاشقين تحملوا ... ألم المحبة والهوى فضاح\nبالسير إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح\nوقال الآخر:\nراحوا فبانت راحتي ... صفرا وأضحى حبهم لي راحا\nفتحوا على القلب الغموم وأغلقوا ... باب السرور وضيعوا المفتاحا\nوقال بشار:\nخليلي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما لعمود الصباح لا يتوضح؟\nأضل النهار المستنير طريقه؟ ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح؟\nوطال علي الليل حتى كأنه ... بليلين موصول فما يتزحزح\nواعلم إنَّ الشعراء في الليل قديما وحديثا مقصدين مختلفين لباعثين متباينين: فتارة يستطيلونه ويستبطئون الإصباح وذلك لأجل الاختناق بتباريح الأشواق عند احتساء كأس الفراق المر المذاق وتارة يستقصرونه ويودون أن لو دام وذلك عند اجتناء ثمرات الوصال والاشتغال بلذات الإقبال. فمن الأول قول مهلهل:\nأليلتنا بذي حسم أنبري ... إذا أنت أنقضيت فلا تحوري\nولم يحضرني لمن قبله شيء في هذا الباب. وقول امرئ القيس:\nوليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي\nفقلت له لمّا تمطا بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل\nإلاّ أيّها الليل الطويل إلاّ أنجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\nفيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل\nكأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل","vol":"2","page":174},{"text":"وقوله أيضًا:\nأعني على التهمام والذكرات ... يبتن على ذي الهم معتكرات\nبليل التمام أو وصلن بمثله ... مقياسة أيامها نكرات\nوهو أوّل من أبدع في هذا الباب فيما علمنا. وقول النابغة:\nفبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع\nيسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع\nتناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورا وطورا تراجع\nوقوله أيضًا:\nكليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب\nتطاول حتى قلت ليس بمنص ... وليس الذي يرعى النجوم بآءب\nوصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف في الحزن من كل جانب\nوقوله أيضًا:\nكتمتك ليلا بالجمومين ساهرا ... وهمين هما مستكنا وظاهرا\nأحاديث نفس تشتكي ما يربها ... وورد هموم لن يجدن مصادرا\nوقوله أيضًا:\nأتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب\nفبت كأن العائدات فرشنني ... هراسا به يعلى فراشي ويقشب\nوقول جندح:\nفي ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصل\nلا فارق الصبح كفي إن ظفرت به ... وإن بدت غرة منه وتحجيل\nلساهر طال في صول تململه ... كأنه حية بالسوط مفتول\nحتى أرى الصبح قد لاحت مخائله ... والليل قد مزقت عنه السراويل\nليل تحير ما ينطح في جهة ... كأنه فوق متن الأرض مشكول\nنجومه ركد ليست بزائلة ... كأنما هن في الجو القناديل\nما أقدر الله أن يدنى على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول\nالله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الربع منه وهو مأهول","vol":"2","page":175},{"text":"وقول الحصري:\nيا ليل الصب متى غده ... أقيام الساعة موعده؟\nوقول الآخر:\nإلاّ هل على الليل الطويل معين ... إذا نزحت دار وحن حزين؟\nأكابد هذا الليل حتى كأنما ... على نجمه إلاّ يغور يمين\nوتالله ما فارقتكم قاليا لكم ... ولكن ما يقضي فسوف يكون\nوقول الآخر:\nما لنجوم الليل لا تغرب ... كأنها من خلفها تجذب؟\nروادك ما غار في غربها ... ولا بدا من شرقها كوكب\nوقول العباس بن الأحنف:\nأيّها الراقدون حولي أعينوني ... على الليل حسبه وآئتجارا\nحدثوني عن النهار حديثا ... أوصفوه فقد نسيت النهارا\nوقال السويد بن أبي كاهل:\nوإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأول منه فرجع\nيسحب الليل نجوما ظلعا ... فتواليها بطيآت التبع\nويزجيها على إبطائها ... مغرب اللون إذا الليل انقشع\nوقول أبن الرومي:\nرب ليل كأنه الدهر طولا ... قد تناهى فليس فيه مزيد\nذي نجوم كأنهن نجوم الشيب ... ليست لكن تزيد\nوقول سعيد بن حميد:\nيا ليل بل يا أبد ... أنام عندك غد؟\nيا ليل لو تلقى الذي ... ألقى بها أو تجد\nقصر من طولك أو ... ضعف منك الجلد\nأشكو إلى ظالمة ... تشكو الذي لا تجد\nوقف عندها ناظري ... وقف عنها السهد","vol":"2","page":176},{"text":"وقول الآخر:\nيخيل إلي إنَّ الشهب في الدجى ... وشدت بأهداب إليهن أجفان\nوقول الآخر:\nرب ليل أمد من نفس العاشق ... طولا قطعته بآنتحاب\nوحديث ألذ ممن نظر الوامق ... بدلته بسوء العتاب\nوقول أبن شهيد:\nوبتنا نراعي الليل لم يطو برده ... ولم يجن شيب الصبح في فزعه وخطا\nتراه كملك الزنج من فرط كبره ... إذا رام مشيا في تبختره أبطا\nمطلا على الآفاق تاجه ... وقد علق الجوزاء من أذنه قرطا\nوقال بعضهم: كان علي بن الجهم يستنشدني شعر خالد الكاتب فأنشده فيقول: ما صنع شيئًا حتى أنشدته يوما له:\nرقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر\nولم تدر بعد ذهاب الرقاد ... ما صنع الدمع من ناظري\nفقال: قاتله الله لقد أدمن الرمي حتى أصاب الغرة.\nومن الاعتبار الثاني قول الأعرابي:\nوليل لم يقصره رقاد ... وقصر طوله وصل الحبيب\nوقول أبن المستوفي:\nحسد الليل الصباح لمّا ضمنا ... غيظا ففرق بيننا داعيه\nوقول الآخر:\nرأيت في المنام أقل بخلا ... وأطوع منك في غير المنام\nفليت الصبح زال فلا نراه ... وليت الليل يبقى ألف عام\nولو إنَّ النعاس يباع حينا ... لأغليت التعاس على النيام\nوقول القاضي الفاضل وهو السحر حقا:\nبتنا جميعا كيف شاء الهوى ... وربما لا يمكن الشرح\nبوابنا الليل وقلنا له: ... إن غبت عنا دخل الصبح","vol":"2","page":177},{"text":"وقول أبن الصمد بن المعذل:\nأقول وجنح الدجى ملبد ... ولليل في كل فج يدُ\nونحن ضجيعان في مسجدٍ ... فلله ما ضمنا المسجدُ:\nقيا ليلة الوصل لا تبعدي ... كما ليلة الهجر لا تنفدُ\nويا غد إن كنت لي راحما ... فلا تدن من ليلتي يا غدُ!\nوقول الآخر:\nشباب المرء ثوبٌ مستعار ... وأيام الصبا أبدًا قصارُ\nولأجل الاعتبالرين كان قول الأعرابي:\nتطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الغضا ليلي علي يطولُ\nوقول أبي الوليد بن زيدون:\nأجل إنَّ ليلي فوق شاطئ بيطة ... لأقصر من ليلي بآنة فالبطحا\nوقول عمر بن أبي ربيعة:\nفيالك من ليلٍ تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصرُ\nومن الثاني أيضًا قال الآخر:\nلله أيام الشباب وعصره ... لو يستعار جديده فيعارُ\nما كان أقصر ليله ونهاره ... وكذاك أيام السرور قصارُ!\nوقول أبي بكر بن دريد:\nيا رب يومٍ جمعت قطريه لي ... بنت ثمانين عروسًا تجتلى\nوقد شرح الاعتبارين الوليد بن يزيد في قوله:\nلا أسأل الله تغييرًا لمّا فعلت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها\nفالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها\nوالآخر في قوله:\nأخو الهوى يستطيل الليل من أرقٍ ... والليل في طوله جارٍ على قدر\nليل الهوى سنةٌ في الهجر مدته ... لكنه سِنةٌ في الوصل من قصر\nوالآخر في قوله:\nليلي وليلى سواءٌ في اختلافهما ... قد صيراني جميعًا في الهوى مثلا","vol":"2","page":178},{"text":"يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا\nوقول جميل:\nوقالوا: لا يضرك نأي شهرٍ ... فقالت صاحبي: فمن يضيرُ؟\nيطول اليوم إن شحطت نواها ... وحولٌ نلتقي فيه قصيرُ\nوقول بشار:\nلا أظلم الليل ولا أدعي ... أنَّ نجوم الليل ليست تغيورُ\nليلي كما شاءت فإن لم تجد ... طال وإن جادت فليلي قصيرُ\nتصرف الليل على حكمها ... فهو على ما صرفته يدورُ\nوقول الآخر:\nتعالوا أعينوني على الليل إنه ... على كل عينٍ لا تنام طويل!\nوقول الآخر:\nلم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألم\nوقول الفرزدق:\nيقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يبكي من الشوق يسهرُ\nوهذا المعنى أكثر من أن يستقصى. وترقى عن الاعتبارات قول بعض العارفين المحبين:\nلست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من\nلو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلا\nإنَّ للعاشقين عن قصر الليل ... وعن طوله من الهم شغلا\nوقال أبن حمديس الصقلي في مجونه:\nقم هاتها من كف ذات الوشاح ... فقد نعى الليل بشير الصباح\nباكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح\nمن قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الاقاح!\nوقال أيضًا:\nبت منها مستعيرًا قبلًا ... كن لي منها على الهر اقتراح\nوأروى غلل الشوق بما ... لم يكن في قدرة الماء القراح","vol":"2","page":179},{"text":"وقال الآخر:\nسل المفتي المكي هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاء جناحُ\nفقال: معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراحُ\nوالمعنى هنا بالمفتي هو عطاء بن أبي رباح الإمام الفقيه المشهور أحد الكبراء من التابعين. وكان بمكة مفتيا.\nقال شمس الدين بن خلكان في تأريخه: لمّا بلغه هذان البيتان قال: والله ما قلت شيئا من هذا! وقال فخر الدين التكريتي:\nوما ذات طوق في فروع أراكةٍ ... لها رنةٌ تحت الدجى وصدوحُ\nترامت بها أيدي النوى وتمكنت ... لها فرقةٌ من أهلها ونزوحُ\nفحلت بزوراء العراق وزغبها ... بعسفان ثار منهم وطليحُ\nتحن إليهم كلما ذر شارقٌ ... وتسجع في جنح الدجا وتنوحُ\nإذا ذكرتهم هيجت ذا بلابل ... وكادت بمكتوم الغرام تبوحُ\nبأبرح من وجدي بذكراكم متى ... تألق برقٌ أو تنسم ريحُ\nوقال أبن الزيات:\nسماعًا يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاحِ\nفإنَّ الحب آخره المنايا ... وآخره يهيج بالمزاحِ\nوقالوا: دع مراقبة الثريا ... ونم فالليل مسود الجناحِ\nفقلت: وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباحِ؟\nوقال مؤيد الدين الموصلي:\nيا قالة الشعر قد نصحت لكم ... ولست أدهى إلاّ من النصحِ\nفقد ذهب الدهر بالكرام وفي ... ذاك أمورٌ طويلة الشرحِ\nوأنتم تمدحون بالحسن والظرف ... وجوها في غاية القبحِ\nوتطلبون السماح من رجلٍ ... قد طبعت نفسه على الشحِّ","vol":"2","page":180},{"text":"من هاهنا تحرمون كدكم ... لأنكم تكذبون في المدحِ\nصونوا القوافي فما أرى أحدًا ... يعثر فيه الرجاء بالنجاحِ\nفإن شككتم فيما أقول لكم ... فكذبوني بواحد سمحِ!\nونحو هذا البيت في المعنى ما حكي أنَّ بعض ظرفاء السؤال مر بقوم يأكلون فقال لهم: يا بخلاء! فأنكروا عليه. فلما سمع إنكارهم قال لهم: كذبوني بلقمة! وقال أبن ميادة:\nفنظرن من خلل الحجال بأعينٍ ... مرضى يخالطها السقام صحاحِ\nوأرشن حين أردن أن يرمينني ... نبلًا بلا ريشٍ ولا بقداحِ\nوقال آخر يخاطب الناس:\nتبعتم السابح في لجه ... ورعتم في الجو ذات الجناح\nهذا وأنتم غرضٌ للردى ... فكيف لو خلدتم يا قباحِ؟\nوقال أبن الساعاتي:\nوكم فيك من عذراء زفت ... لفهمك في غدو أو رواحِ\nمن الغيد الحسان بلا شبيهٍ ... فكيف يفوتها حظ القباحِ؟\nوقال الآخر:\nوإذا الفتى من دهره كملت له ... خمسون وهو إلى التفى لم يجنحِ\nطلعت عليه المخزيات وقلن قد ... أرضيتنا فكذاك كن لا تبرحِ\nوإذا رأى إبليس صورته بدت ... حيى وقال: فديت من لم يفلحِ\nومثله قول التهامي:\nإذا بلغ الفتى عشرين عامًا ... وأعجزه الفخار فلا اعتذارُ\nإذا ما أوّل الخطي أعطى ... فما يرجى لآخره انتظارُ\nوقول الآخر:\nوصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعة قدرُ\nأتاني بها يحيى وقد نمت نومةً ... وقد غابت الشعرى وقد طلع النسرُ\nفقالت اغتبقها أو لغيري فاسقها ... فما أنا بعد الشيب ويحك والخمرُ\nإذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياءٌ ولا سترُ","vol":"2","page":181},{"text":"فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... ولو جر أسباب الحياة له الهرُ\nوقال الآخر:\nوقولوا: في الهجاء عليك إثمٌ ... وليس الإثم إلاّ في المديح\nلأني إن مدحت كذبًا ... وأهجو حين أهجو بالصحيحِ\nوقال الآخر:\nقالوا: تعشقها عمياء قلت لهم: ... ما شأنها ذاك في عيني ولا قدحا\nبل زاد وجدي فيها أنها أبدًا ... لا تعرف الشيب في فودي إذا وضحا\nإن يجرح السيف مسلولا فلا عجبٌ ... وإنّما العجب سيفٌ مغمدٌ جرحا\nكأنما هي بستان خلوت به ... ونام حارسه سكران قد طفحا\nتفتح الورد فيه من كمائمه ... والنرجس الغض فيه بعد ما انفتحا\nومثله قول أبن سناء الملك:\nفتنتني مكفوفةٌ ناظرها ... كتبا لي من الجراح أمانا\nفهي لم تسلل الجفون حسامًا ... لا ولم تحمل الفتور سنانا\nوهي بكر العينين محصنة الأجفان ... ما افتض ميلها الأجفانا\nقصرت عشقها علي فلم تع ... شق فلانًا إذ لم تعلين فلانا\nعميت من الهوى وأرتحل الانسا ... ن من عينها وأخلى المكانا\nعلمت غيرتي عليها فخافت ... أن تسمي غيري لها إنسانا\nوقال أبن قاضي ميلة:\nوكيف لا تدركه نشوةٌ ... واللحظ راح وجنى الريق راح؟\nلو لم تكن ريقه خمرةً ... لمّا تثنى عطفه وهو صاح\nوقال أبن نباتة السعدي:\nوغانية هذه الدنيا فسادٌ ... فكيف نكون منها في صلاحِ؟\nهي الخرقاء تنقص بعد نسجٍ ... فما فيها لحيي من فلاحِ\nوسيأتي هذا المعنى مستوفي في الحكم إن شاء الله تعالى.\nوقال الآخر وكان أبو بكر بن دريد يتمثل به كثيرا أو هو قائله:\nفواحزنًا إنَّ الحياة لذيذةٌ ... ولا عملٌ يرضي به الله صالحُ","vol":"2","page":182},{"text":"وقلت أنا:\nتصبر إن أصابك نبل عوض ... وضاق عليك متسع البراح\nفإنَّ الدهر ليس بذي اصطبار ... عليك بل التول والبراح\nوإنَّ الخطب أسرع من ذناب ... بمنسجم يسيل إلى سراحي\nوما أمر يضيق عليك إلاّ ... بآخره يصير إلى سراح\nفكم أمسيت ذا حزن وأصبحت ... تصبح مسرور كؤوس راح\nالعوض: الدهر كما قال الحماسي:\nولولا نبل عوض في ... خضماتي وأوصالي\nلطاعنت صدور الخيل ... طعنا ليس بالآلي\nوالبراح: المتسع من الأرض لا زرع فيها ولا شجر والبراح في البيت الثاني: الزوال مصدر برح مكانه أي زال عنه والذناب مسيل بين التلعتين والسراحي بالياء الكثمانية جمع سرحان وهو هنا وسط الحوض والسراح في البيت بعده الانسراح والانفراج وتصبح تستقي تقول: صبحت زيدا إذا سقيته الصبوح فهو مصبوح وقولي مسرور فحذفت نون من وهو جائز فصيح.\nولنكتف بهذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"2","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>باب الخاء المعجمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>خبأة خير من يفعة سوء</span>.\nالخبأ الستر تقول: خبأت الشيء خبأ وخبيئة إذا سترته والخبأة على مثال همزة المرأة تلازم بيتها. وفي الصحاح: الخبأ المرأة تطلع ثم تختبئ. واليفع التل والمرتفع من الأرض ووصف للغلام. يقال: غلام يفع بفتحتين ويفعة.\nوالمعنى إنَّ بنتا تلزم بيتها تخبأ فيه خير من غلام يفعة لا خير فيه وهو واضح. والمسوغ للابتداء بالنكرة في هذا وما يشبهه نحو تمرة خير من جرادة القصد إلى العموم ذكره أبن مالك في شرحه على التسهيل. وهو أحسن من التعبير بأن المسوغ كونه مثلا إذ لا يكون مثلا إلاّ بعد حين. وهو مفتقر أول وهلة إلى المسوغ مع إنَّ كونه مثلا وإن حصل ابتداء لا يناسب أن يكون مسوغا بوجه كما لا يخفى إذ التسويغ إنّما هو بالتخصيص أو التعميم المخرج للقضية عن الإهمال المحض لفظا ومعنى. نعم المعنى قد يفهم بقرائن وإن لم يكن ثم مسوغ ظاهر فيكفي ذلك ويمكن أن يدعى إنَّ هذا المثل ونحوه من ذلك. مع إنّه في مثلنا يدعى إنَّ الميوغ كون المبتدأ وصفا لمحذوف هو المبتدأ حقيقة. فإنَّ المعنى امرأة خبأة خير من غلام يفعة. وفي المسألة كلام وليس من غرضنا ولا هذا محله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>خبط خبط عشواء</span>.\nالخبط: الضرب يقال: خبط البعير الأرض إذا ضربها برجله. والعشى بالقصر سوء البصر بالليل. يقال: عشى بالكسر يعشى وعشى أيضًا عشى فهو أعشى وهي عشواء. والعشواء في المثل الناقة الضعيفة البصر والتي لا","vol":"2","page":185},{"text":"تبصر أمامها وهي تضرب وتخبط بيديها كل شيء فيضرب بها المثل. ويقال: خبط فلان هذا الأمر خبط عشواء وذلك إذا دخل فيه بغير بصيرة وهو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>خبقة خبقة ترق عين بقة</span>.\nالخبق على مثال هجف وعلى مثال فلز الطويل من الرجال والخيل. وقيل: الخبق من الخيل: السريع والخبق أيضًا الرجل الوثاب. وهكذا وقع هذا الكلام في القاموس. والذي في الصحاح: حزقة حزقة ترق عين بقة. والحزقة الرجل القصير أو الذي يقارب الخطو لضعف بدنه. يقال: رجل حزق على مثال عتل ورجل حزقة. قال الشاعر في الأول:\nحزق إذا ما القوم ابدوا فكاهة ... تفكر آإياه بعون أم قردا\nوقال امرؤ القيس في الثاني:\nوأعجبني مشي الجزقة خالد ... كمشي أتان حلئت في المناهل\nحلئت: منعت وطردت والترقي: الصعود والبق: البعوض أو أعظمها. قال ذو الرمة يذكر خيلا:\nقياما تذوذ البق عن نخراتها ... بنهز كإيماء الرؤوس الموانع\nالنخرات بالنون والخاء المعجمة مخارج النفس من الأنوف ونهزات الدابة برأسها إذا ذبت به.\nوروي في الحديث إنَّ النبي ﷺ كان يرقص أحد سبطيه فيقول: حزقة حزقة ترق عين بقة وقوله: ثرق أي اصعد إلى النماء. ويقال أيضًا: رجل حبقة بالحاء المهملة وبسرتين مشددة القاف أي قصر. ورجل حبق على مثال صرد أي ضعيف العقل. وكذا امرأة حبقة. قل الراجز:\nحبقة يتبعها شيخ حبق ... وإن يوفقها لخير لا تفق","vol":"2","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>أخدع من ضب</span>.\nالخدع: الختل. يقال: خدعه خدعا إذا ختله وأراد به المكروه من حيث لا يشعر واختدعه أيضًا اتداع فانخدع هو والاسم الخديعة. والضب تقدم ما فيه وهو يوصف بالخديعة والمكر. قال الشاعر:\nوأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا\nوإنّما قال ذلك لأنهم يزعمون إنَّ بين الضب والعقرب ألفة فتأوي إلى حجره فمن مد يده إليه لسعته.\nقال المبرد في الكامل: العرب تزعم إنّه ليس من ضب إلاّ في جحره عقرب. فهو لا يأكل ولد العقرب وهي لا تضربه فهي مسالمة له وهو مسالم لها. وأنشد البيت السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>مخرنبق لينباع</span>.\nالآخرنباق: انقماع الرجل المريب واللصوق بالأرض والسكوت والإطراق والانبياع: سيلان العرق. يقال: انباع العرق إذا سال ويقال: انباعت الحية إذا بسطت نفسها بعد تحويها لتساور.\nومعنى مخرنبق لينباع: مطرق وساكت ليثب إذا أصاب فرصة. والمعنى إنّه ساكت لداهية يريدها. ويضرب في الرجل يطيل الصمت حتى يسحب مغفلا وهو ذو نكراء. والمخرنبق: اللاصق بالأرض لينباع ليثب. أو المخرنبق: الساكت على ريبة لينباع ليظهر ما طوله من الشر. والمقصد واحد. ويروى: مخرنبق لينباع ومعناه ليندفع. وقيل ليأتي بالبائقة أي الداهية. ويروى لينباغ بالمعجمة أي ليتحرك بالشر الذي في طيه فيظهره كأنه من تبوغ الدم بمعنى هاج أو من تبوغ زيد إذا غلب.\nوفي معنى هذا المثل قول النابغة الذبياني:\nلقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن ترفعهم في كل أصفار\nوقلت يا قوم إنَّ الليث منقبض ... على براثينه لوثبة الضاري","vol":"2","page":187},{"text":"قوله: عن اقر هو موضع. وقوله: في كل أصفار هو جمع صفر بالتحريك اسم الشهر، وكان صفر يومئذ في زمن الربيع، وقيل غير ذلك. وأراد بالليث النعمان بن حارث الأكبر الغساني أو أخاه عمرو بن الحارث. وقوله: لوثبة الضاري - بالإضافة أي لوثبه الأسد الضاري، ويروى للوثبة الضار، فيكون الضاري وصفا لليث.\nومثل ذلك أيضًا قول أبن الرومي:\nسكت سكوتا كان رهنا بوثبة ... عموسٍ كذاك الليث للوثب يلبد\nوسيأتي أمثال من هذا المعنى كثيرة، وتقدم بعضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>تخرسي يا نفس لا مخرس لك</span>.\nالخرس بالضم طعام الولادة. قال الراجز:\nكل طعام تشتهي ربيعة ... الخرس والأعذار والنقيعه\nوالخرسة بالضم أيضًا طعام النفاس نفسها. وتقول: خرست على المرأة تخريسًا إذا أطعمت في ولادتها، وتخرست هي اتخذت ذلك لنفسها، وخرست جعل لها الخرسة. قال الهذلي:\nإذا النفساء لم تخرس ببكرها ... غلاما ولم يسكت بحتر فطيمها\nالحتر: الشيء القليل الحقير، أي لهم شيء يسكتون به الصبي من الطعام ولو قليلا لشدة المجاعة. وكانت امرأة ولدت ولم يكن لها من يهتم بأمره فقالت: تخرسي يا نفس لا مخرس لك! فذهب مثلا يضرب عند اعتناء المرء بنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>خرقاء ذات نيقةٍ</span>.\nالخرق بالضم عدم الرفق في الأمور، وعدم إتقان الصنعة والحمق. خرق الرجل بالكسر والضم فهو اخرق وهي خرقاء. قال:\nإذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب\nويريد أنَّ المرأة الخرقاء لا تشتغل بالغزل في الصيف بل تتمادى على التسويق والتفريط، حتى إذا طلع سهيل وذلك حين يقبل البرد قامت إلى قرائبها ليعنها، وجعلت","vol":"2","page":188},{"text":"تفرق بينهن غزلها. فيسما سهيلا بكوكب الخرقاء لهذه العلاقة. وذات بمعنى صاحبة. والنيقة بكسر الأول اسم من التنوق. يقال: تنوق الرجل في الشيء يتنوق إذا تأنق فيه، أي تخير.\nوالمعنى إنّها خرقاء، ومع ذلك تتأنق. فيضرب في الجاهل بالشيء يدعي فيه المعرفة ويتخير في الإرادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>الخرق شؤم</span>.\nتقدم أنَّ الخرق يكون عدم الرفق في الأمور بتناولها على غير وجهها، مع عجلة وإفراط تجاوز مقدار. والشؤم بضم الشين وسكون الهمزة ضد اليمن.\nوالمعنى أنَّ من خرق في أمر فلا بد أنَّ يعود عليه شؤمه. وهذا الكلام يروى حديثا مرفوعا إلى النبي ﷺ، وإنّه قال: \" الرفق يمن والخرق شؤم \". وقال أيضًا ﷺ: \" إنَّ الله يحب الرفق في الأمر كله \". وقال: \" ما كان الرفق في شيء قط إلاّ زانه، وما كان الخرق في شيء إلاّ شانه \". وقال: \" يا عائشة، من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة \". وقال ﷺ: \" إذا أحب الله تعالى أهل بيت أدخل عليهم الرفق \". وقال ﷺ: \" إنَّ الله تعالى ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق، وإذا احب الله تعالى عبدا أعطاه الرفق، وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلاّ قد حرموا \". وقال ﷺ: \" إنَّ الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف \". وقال ﷺ: \" يا عائشة ارفقي فإنَّ الله تعالى إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم علي باب الرفق \". وقال ﷺ: \" من يحرم الرفق يحرم الخير كله \". وقال ﷺ: \" التأني من الله والعجلة من الشيطان \". وقال","vol":"2","page":189},{"text":"ﷺ: \" إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإنَّ المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى \".\nوما أحسن قول أبي الفضل بن النحوي في هذا:\nوالرفق يدوم لصاحبه ... والخرق يصير إلى الهرج\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>خرقاء عيابة</span>.\nالعيابة: التي تعيب الناس كثيرا. وهذا مثل للأحمق وذي العيوب، يعيب غيره وينسى عيوبه. قال إسماعيل بن القاسم:\nيا من يعيب وعيبه متشعب ... كم فيك من عيب وأنت تعيب!\nلله درك كيف أنت وغاية ... يدعوك ربك عندها فتجيب؟\nوفي الحديث: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>أخرق من حمامةٍ</span>.\nالخرق مر، والحمام أيضًا تقدم ما فيه، ووصف بالخرق لأن الحمامة تبيض على أعواد ولا تحكم عشها، فربما وقع بيضها فتكسر. وقد تأتي إلى غصن شجرة فتبني عليه عشها في الموضع الذي يحركه الريح، فلا يكاد يسلم بيضها. قال عبيد بن الأبرص:\nعيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضها الحمامة\nجعلت لها عودين من ... نش وآخر من ثمامة\nويقال أيضًا: أحمق من حمامةٍ.\nخرقاء وجدت صوفًا.\nتقدم أنَّ الخرق يكون بمعنى عدم الإتقان؛ والمرأة الخرقاء من هذا المعنى ضد الصناع؛ والصوف معروف، البعض منه صوفة.\nومعنى المثل أنَّ المرأة غير الصناع إذا وجدت صوفا عاثت فيه وودرته. يضرب مثلا","vol":"2","page":190},{"text":"للأحمق يجد مالا فيضيعه ويتلفه، أو لمن يخرق في كل ما وجده وتمكن منه. يحكى إنَّ الحسن ﵁ لقي سباج وهو يسرع، فجل الحسن يومئ إليه بإصبعه كفعل الغازلة ويقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>خرقاء وجدت صوفا</span>.\nوهذا المثل كالمثل الآخر الآتي: عبد وخلى في يديه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>أخسر صفة من أبي غبشان</span>.\nالخسارة ضد الربح. خسر الرجل بالكسر يخسر خسرًا وخسارة: وأبو غبشان هو الخزاعي. وتقدم هذا المثل وما كان من قصته في حرف الحاء المهملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>خش ذؤالة بالحبالة</span>.\nالخشية: الخوف، خشي بالكسر يخسى خشية؛ وخشية أنا تخشية: خوفة؛ وخشى فلانا تخشية: خوفه؛ وذؤالة بذال معجمة، على مثال ثمامة الذئب، مأخوذ من الذالان، وهو مشية فيها إسراع أو خفة وميس. يقال: ذال يذال ذال وذالانا إذا مشي تلك المشية؛ والحبالة: التي يصاد بها.\nوالمعنى: خوف الذئب بالحبالة. ويضرب عند الأمر بالتهديد والتبريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>خشية خير من ملء وادٍ حبًا</span>.\nأي: أن تخاف أرفع لمقدارك وأسمى لجانبك من أن تحب.\nوهذا كقولهم: رهبوتى، خير من رحموتى؛ وقول الغضبان بن القبعثري للحجاج: أو فرق خير من حبين، وسيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>أخطأت اسكت الحفرة</span>.\nالخطأ ضد الصواب. ويقال: أخطأ يخطئ إخطاء فهو مخطئ؛ ويقال","vol":"2","page":191},{"text":"خطئ بالكسر يخطأ إذا سلك سبيل الخطأ، عامدا أو غير عامد، فهو خاطئ. وقيل: الخاطئ هو المتعمد؛ والاست بهمزة الوصل والسته: الدبر أو حلقته؛ والحفرة بضم الحاء معروفة. وهذا المثل يضرب لمن يحيد عن الصواب في مقصده، ويضع الشيء في غير موضعه. ومعناه ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>أخطأ من ذبابٍ</span>.\nالخطأ مر، وكذا الذباب، ووصف بالخطأ لأنه يقع في الهلاك بنفسه: فقد يسقط في الماء الحار فيموت، أو في الشيء الذي يلتزق به ولا يخلص منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>أخطأ من فراشٍ</span>.\nالفراش بفتح الفاء بوزن سحاب هو الذي يتهافت على السراج، واحده فراشة. ووصف بالخطأ أيضًا كما ذكر في الذباب، لأنه يلقي نفسه على السراج والنار كلها فيحترق. وقال الشاعر:\nجهالة سنور وخطأ فراشةٍ ... وانك من كلب التهارش أجهل\nوفي الحديث: إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم، أو كما قال ﷺ. وما احسن من قول الأدباء:\nلهيب الخدين بدا لطرفي ... هوى قلبي عليه كالفراش\nفأحرقه فصار عليه خالا ... وها أثر الدخان على الحواشي\nوقول الآخر:\nجلت محاسنه عن كل تشبيه ... وجل عن واصف في الحسن يحكيه\nأنظر إلى حسنه واستغن عن صفةٍ ... سبحان خالق سبحان باريه!\nالنرجس الغض والورد الجني له ... والأقحوان النضير الضوء في فيه\nدعا بألحاظه قلبي إلى عطبي ... فجاءه مسرعا طوعا يلبيه\nمثل الفراشة تأتي إذ ترى لهبا ... إلى السراج فتلقي نفسها فيه","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>الخنفساء إذا مست نتنت</span>.\nالخنفساء: الدويبة السوداء المعروفة. يقال إنها خنفساء وخنفس وخنفسة ونونها زائدة. والنتن قبح الرائحة. يقال: نتن الشيء بالضم وأنتن فهو منتن. والخنفساء معروفة بالنتن فيضرب ذلك مثلا للرجل المشتمل على الخبث والعيب وإنّه يترك ويجتنب. والمعنى: لا تفتش ما عنده فانه يؤذيك بنتن معايبه!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>أخف حلمًا من بعير</span>.\nالخف ضد الثقل. خف الشيء يخف خفة فهو خفيف. والقياس خافٌ كدب يدب فهو داب. ولكن حملوا الخفة على ضدها وهو الثقل خفيف كما قالوا: ثقيل. والحلم تقدم. والبعير معروف. وهذا كما قال الحماسي:\nلقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعيرُ\nيصرفه الصبي بكل وحهٍ ... ويحسبه على الخسف الجريرُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>أخف حلما من عصفورٍ</span>.\nالحلم مر، والعصفور: الطائر الصغير المعروف وهو على أنواع كثيرة. والأنثى عصفورة. قال الشاعر:\nكعصفورة في كف طفلٍ يسومها ... حياض المنايا وهو يلهو ويلعبُ\nويضرب المثل في خفة الحلم بالعصفور ولا خفاء بذلك. قال حسان بن ثابت ﵁:\nلا باس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير!\nوقال الآخر:\nإن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا ... عني وما سمعوا من صالح دفنوا\nمثل العصافير أحلامًا ومقدرةً ... لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>أخف رأسًا من ذئبٍ</span>.\nالذئب معروف ويوصف بخفة الرأس ويعنون في النوم لمّا يزعمون من أنه لا ينام إلاّ بإحدى مقلتيه كما قيل:\nينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجعُ\nوقالوا أيضًا: أخف رأسا من الذباب ومن الطائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>أخف من لا على اللسانِ</span>.\nالخفة مرت ولا: حرف نفي وهي خفيفة على اللسان. فيضرب المثل بذلك في الخفة وهو يحتمل أن تكون الخفة من جهة اللفظ لقلته وهو ظاهر، أو من جهة المعنى لملائمة الإنكار للطبع غالبا وخفة التبري والتنصل على النفس في أكثر الأمور أو منهما معا. ويقال أيضًا: كلا ولا في التعبير عن السرعة والخفة. قال:\nيكون نزول القوم فيها كلا ولا ... غشاشًا ولا يدنون رحلًا إلى رحلِ\nغشاشا: أي على عجل. وقال الآخر:\nوأروع أهداه لي الليل والفلا ... وحس بمس الأرض لكن كلا ولا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>أخف من يراعةٍ</span>.\nاليراعة بفتح الياء المثناة من تحت ثم راء ثم ألف ثم عين مهملة واحد اليراع وهو يطلق على طائر يطير بالليل كأنه نار. وهو في هذا المثل يجوز أن يراد به القصبة وأن يراد به الطائر.\nوالمعنى الأول هو مراد البلغاء والأدباء عند وصف أحد بالكتابة. وقولهم مثلا: إنَّ فلان من أرباب اليراعة وفرسان اليراعة وهذا في الشعر والنثر لا يحصى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>تخلصت قائبةٌ من قوبٍ</span>.\nالتخلص: النجاة. خلص الرجل تخلصا فتخلص هو: نجا؛ والقابية: البيضه؛ والقوب: الفرخ؛ وأما بالفتح فمصدر. يقال: قاب","vol":"2","page":194},{"text":"الطائر بيضته إذا فلقها، قوبا، فانقابت هي وتقوبت.\nومعنى تخلصت قابية من قوب على هذا: تخلصت البيضة من الفرخ. يضرب لمن انفصل من صاحبه. وعليه ففي المثل قلب لأن الذي يتخلص هو الفرخ لا البيضة؛ غير أنه يصح إسناده إلى البيضة باعتبار كما تقول: تخلصت الحامل من ذي بطنها. وقيل إنَّ القائبة الفرخ والقوب البيضة؛ فلا قلب والأول أنسب.\nولفظ المثل عند الجوهري: برئت قائبة من قوبٍ. وهذا اللفظ لا يكون معه قلب على كلا التفسيرين لأن نسبة البراءة إليها معا صحيحة.\nوحكي أنَّ أعرابيا استخفر أحدًا فقال له: إذا بلغت بكل مكان كذا فبرئت قائبة من قوب أي فقد تخلصت من خفارتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>اختلط الحابل بالنابل</span>.\nالاختلاط معروف؛ والحابل الذي يصيد بالحبل؛ والنابل الذي يصيد بالنبل فيضرب ذلك في اختلاط الرأي ويقال الحابل هنا هو السدى والنابل الطعمة وهذا كما مر في قولهم: حول حابله على نابله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>اختلط الخاثر بالزباد</span>.\nهذا المثل كالذي قبله. والخاثر ضد القيق. يقال: خثر اللبن بالضم والكسر فهو حاثر. والزباد على مثال رمان نبت والزباد أيضًا من اللبن ما لا خير فيه. فكأن المعنى أنه اختلط الجيد بالرديء والصحيح بالسقيم.\nوقال البكري في شرح الأمثال: الزباد نبت كانوا يضعون ورقه على ظرف اللبن. ويقال أيضًا: زبدت المرأة الصوف والشعر إذا نفسته. فيحتمل أن يريد في المثل أنَّ خاثر اللبن اختلط بمنفوش الصوف فلا يؤكل. انتهى. وما ذكرناه أوّلًا أظهر والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>خلع الدرع بيد الزوج</span>.\nهذا مثل يضرب عند الخطأ في وضع الأشياء غير موضعها وتقدمت قصته ومن قاله في حرف الجيم عند قولهم: التجريد لغير نكاح مثله، فأنظره هنالك.","vol":"2","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>أخلف من صقرٍ</span>.\nيقال: خلف فم الصائم بفتح الآم يخلف خلوفا وخلوفة بضمهما؛ وأخلف إذا تغير رائحته. ومنه: نومة الضحى مخلفة للفم.\nوفي الحديث أيضًا: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. والصقر: الطائر المعروف وتقدم. ضربوا المثل بخبث رائحة فمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>أخلف من عرقوبٍ</span>.\nأخلف اسم تفضيل من الإخلاف في الوعد. لكن المعروف فيه الرباعي. يقال: أخلفني فلان ما وعدني وهو أن يثول شيئا ولا يفعله على الاستقبال. وقد يقال: أخلفه إذا وجد وعده خلفا. قال الأعشى:\nأثوى وفصر ليلة ليزودا ... فمضت وأخلف من قتيلة موعدا\nأي مضت الليلة.\nنعم يجوز بناء اسم التفضيل من الرباعي على أفعل عند بعض المحققين كأعطى. وعرقوب رجل من العمالقة وعد أخاه تمرا فأخلفه وسيأتي. قال علقمة:\nوقد وعتك موعدًا لو وفت به ... مواعيد عرقوبٍ أخاه بيثربِ\nوقال كعب بن زهير ﵁:\nكانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلا ... وما مواعيدها إلاّ الأباطيلُ\nوقلت أنا من قصيدة:\nفسيحتبيك بوعدٍ غانيةٍ ... أو وعد عرقوب جنى التمر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>خله درج الضب</span>!\nالتخلية: الترك والدرج بفتحتين الطريق؛ والضب معروف.\nوالمثل يضرب في الأنفة من مصاحبة من يرغب عن صحبته.\nوالمعنى: خله يذهب حيث شاء وقيل معناه الذهاب، كأنه قيل: يذهب ذهاب","vol":"2","page":196},{"text":"الضب! أي خله كخلال الضب! لأن الضب أسوأ الحيوان هداية ولذلك يضرب به المثل فيقال. أضل من ضب. ويقال أيضًا: خل درج الضب! أي خل طريقه لئلا يمر بين يديك فتنتفخ! وهذا قريب في المعنى مما تقدم من قولهم: الخنفساء إذا مست نتنت، كما مر ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>خلي سبيل من وهى سقاؤه</span>!\nالتخلية مرت، وتقول: خليت سبيل الرجل إذا تركته ولم تتعرض له. ووهى السقاء بالفتح يهي وهيًا: تمزق. والسقاء بالكسر والمد القربة.\nقال الشاعر:\nأقول لعبد الله لمّا سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهي: شم!\nأي أقول له حين وهى سقاؤنا ونحن بوادي عبد شمس: شم البرق! أي انظر إليه! فشم، في آخر البيت فعل أمر وهو معمول القول. وهذا المثل قد يروى رجزًا فيقال:\nخل سبيل من وهى سقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه\nيقال: أرقت وهرقت بقلب الهمزة هاء فأنا مريق ومهريق بفتح الهاء وكان القياس حذف الهاء لأنها في مكان همزة أفعل وهي تحذف في المضارع لكنها لمّا صارت هاء ذهب الثقل فبقيت. قال الشاعر:\nفظللت كالمهريق فضلة مائه ... في ظل هاجرةٍ للمع سرابِ\nوقد يقال: أهرقته بتسكين الهاء والجمع بين الهمزة وبدلها تناسيا لأصل فأنا مهريق بالسكون أيضًا. قال:\nفصرت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فرق رابية صلدِ\nوالفلاة: القفرة والجمع فلى وفلوات.\nوهذا المثل كالذي قبله مضربا. وقد قيل إنّه يضرب في الرجل لا يستقيم في أمره وإنّه لا ينبغي أن يعاني. وقيل إنه يضرب في اقتناء السر بمعنى إنّه إذا باح صاحبك بسرك ونضح به كما ينضح هذا السقاء الواهي بالماء فدعه عنك ولا تؤاخه ولا تصاحبه فلا خير لك فيه! وهذا مناسب لتشبيههم من لا يكتم السر بالغربال كما قال الحطيئة:","vol":"2","page":197},{"text":"أغربالًا إذا استودعت سرًا ... وكانونا على المتحدثينا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>خلاؤك أقنى لحيائك</span>.\nالخلاء بفتح الخاء والمد يطلق مصدرا من قولك: خلا المكان وغيره يخلو خلاء وخلوا. ومكان حالٍ وخلاء: لا أحد به. قال حسان ﵁:\nعفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء\nوقد يطلق على المتوضأ كما في الحديث ويطلق على المكان القفر لا شيء به وهو المراد. قال زهير:\nفأما ما فريق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاءُ\nوالحياء بالمد معروف وقني الرجل الحياء وقناه بالكسر والفتح وأقناه واقتناه: لزمه وحفظه. قال عنترة:\nقامت تخوفني الختوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزلِ\nفأجبتها: إنَّ المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهلِ\nفاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتلِ!\nأي: الزمي حياءك واحفظيه ولا تضيعيه! وقال العطوي:\nأيقني جميل الصبر من هد ركنه ... وهيض جناحاه وجد الأنامل؟\nومعنى المثل أنَّ منزلك إذا خلوت به هو ألزم وأحفظ لحيائك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>الخلة تدعو إلى السلة</span>.\nالخلة بفتح الخاء الحاجة والخصاصة والفقر. قال:\nرأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلتِ\nويقال للرجل إذا مات: اللهم أخلف على أهله بخير واسدد خلته! أي فرجته التي تركها. قال أوس بن حجر:\nلهلك فضالة لا تستوي ... الفقود ولا خلة الذاهب","vol":"2","page":198},{"text":"يقول: إنّه كان سيدا فلما مات ترك ثلمة لم تسد. تقول: خل الرجل وأخل به بالضم إذا احتاج. ورجل مخل ومختل وخليل أي فقير. قال زهير:\nوإن أتاه خليلٌ يوم مسألة ... يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم\nواختل إليه: احتجاج. وفي كلام أبن مسعود: عليكم بالعلم! فإنَّ أحدكم لا يدري متى يختل، أي متى يحتاج الناس إلى ما عنده، وما أخلك إليه، أي ما أحوجك! والأخل الأفقر. ويقولون: \" الأخل فالأخل، أي الأفقر فالأفقر \". والسلة بفتح السين: السرقة وكذا الاسلال. ويقال في بني سلة أي سرقة. والمعنى أنَّ الحاجة والخصاصة تدعوا إلى السرقة وتلجئ إليها، عياذًا بالله تعالى! وأما الخلة بضم الخاء فهي الصداقة. والصديق أيضًا للذكر والأنثى، ورجل خلة لي وامرأة خلة. وقال امرؤ القيس:\nوكان لها في سالف الدهر خلة ... يسارق بالطرف الخباء المسترا\nأي خليل. وقال الآخر:\nألا أبلغها خلتي جابرًا ... بأن خليك لم يقتل!\nوقال الآخر:\nشبعت من نوم وزاحت علتي ... وطرفي في المنام خلتي\nما علمت إنّها ألمت ... حتى قضت حاجتها وولت\nأي خليلتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>خلا لك الجو فبيضي واصفري</span>!\nالجو معروف، وباضت الدجاجة ونحوها، تبيض؛ وصفر الطائر، يصفر، صفيرًا: صوت.\nوهذا المثل يضرب للأمر يقدر عليه الإنسان متمكنا. وأوّل من قاله كليب بن ربيعة التغلبي الوائلي في شعر له، وذلك إنّه كان له حمي لا يقرب، فباضت فيه قبرة؛ والقبرة بضم القاف وفتح الباء المشددة الطائر المعروف؛ فأجاره وقال يخاطبها:","vol":"2","page":199},{"text":"يالك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري!\nوانقري ما شئت أنَّ تنقري!\nوذلك إنّه إنّما يصفر الطائر ويتغنى في الخصب. فدخلت ناقة البسوس الحمى، فوطئت بيض القبرة، فرمى كليب ضرعها، فقتل جساس كليبا، وهاجت من ذلك حرب البسوس بين بني وائل أربعين سنة. وفي ذلك يقول الشاعر:\nكليب لعمري كان أكثر ناصرًا ... وايسر جرما منك ضرج بالدم\nرمى ضرع ناب فأسمر بطعنةٍ ... كحاشية البرد اليماني المسهم\nوسيأتي تتمة هذا الحديث.\nوقيل إنَّ أوّل من قاله طرفة بن العبد وذلك إنّه قال لأمه وهو غلام: إني أريد صيد القنابر، فابعثي أمتك مع البهم! القنابر جمع قنبرة وهي القبرة، فقالت له أمه: يا بني إنَّ المضيع من وكل ماله وأضاع عياله. ثم إنّها أرسلت أمتها مع البهم. وخرج طرفة وصاحب له معهما فخ، حتى أتيا مكانا كانا يعهدان به القنابر كثيرة. فنصب الفخ، وتنحيا غير بعيدين. فجعلت قبرة تحوم حول الفخ، ثم فقرته فأخطأها. فأقبل طرفة نحو فخه وهو يقول: قد يعثر الجواد، وتمحل البلاد، ويذهب التلاد، ويضعف الجلاد. ثم نصب فخه، فوقعت القنابر حول الفخ، وهي تحيد عنه وتلقط ما أصابت. فلما طال ذلك به، ضجر وانتزع فخه وهو يقول:\nقاتلكن الله من قنابر ... مهتديات بالفلا نوافر\nولا سقيتن معين الماطر ... ولا رعيتن جنوب الحاجر!\nوانصرف هو وصاحبه راجعين. ثم التفت فإذا القنابر قد سقطن بالموضع الذي نصب فيه فخه يلتقطن، فقال: يا لك من قبرة. . الأبيات المذكورة. فلما أتى منزله، ورأته أمه لم شيئًا، فقالت له: حدك اليوم حاد، وصدك صاد! فقال لها طرفة:\nما كنت محدودًا إذا غدوت ... وما رأيت مثل ما لقيت\nمن طائر ظل بنا يحوت ... ينصب في اللوح فما يفوت\nيكاد من رهبتنا يموت!\nفقالت أمه: إني لأرجو أنَّ تكون شاعرا، وأنَّ تشبه خالك! وحات، ويحوت: أسرع.","vol":"2","page":200},{"text":"ورد أنَّ أبن عباس ﵄، تمثل بهذا المثل، وذلك حين خرج الحسين، ﵁، إلى العراق، فلقي أبن عباس أبن الزبير، فقال له: خلا لك الجو فبيضي وأصفري. وهذا حسين يخرج إلى العراق ويخلي لك الحجاز!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>خامري أم عامر</span>!\nخامري: معناه تستري وتغطي، كأنه من التخمير وهو التغطية والستر. ومنه الخمرو الخمار؛ وأم عام: الضبع. قال:\nومن يجعل المعروف من دون أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر\nوسيأتي. وللضبع كنى كثيرة: يقال لها أم عامر وأم عمرو، وأم الهنبر وأم خنور؛ ويقال لها أيضًا: حضاجر بفتح الحاء على وزن الجمع، وجعار، وجيال؛ ويقال لها الموقفة. قال معاوية بن زهير:\nفدونكم بني لأيٍ أخاكم ... ودوني مالكا يا أم عمر\nفلولا مشهدي قامت عليه ... موقفة القوائم أم أجر!\nأردنا موقفة القوائم أنَّ في قوائمها الأوقاف، وهي الخلاخل، جمع وقف، ويعني السواد الذي في قوائمها. ويقال: الجارية موقفة: لبست الوقف. والاجري جمع حرو، وهب أولادها. ومثلها قول الهذلي:\nوغودر ثاويا وتأوبته ... موقفت أميم، لها فليل\nوقال لها عرفاء والخامعة أي العرجاء قال الشنفري:\nولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط زهول وعرفاء جيئل\nوقال الآخر:\nيا لهف من عرفاء ذات فليلةٍ ... جاءت إلي على ثلاث تخمع\nوتظل تنشطني وتلحم أجريا ... وسط العرين وليس حي يدفع!\nلو كان سيفي باليمين دفعتها ... عني ولم أوكل وجنبي الأضيع\nوقال عنترة:\nإنَّ يعقرا مهري فإنَّ أباهما ... جزر لخامعة ونسر قشعم","vol":"2","page":201},{"text":"ولذلك قال أبن المهلب: الضبعة العرجاء، فلحن في قوله الضبعة، إذ لا قال كما مر.\nويقال إنَّ الذي بها من العرج ليس عرجا حقيقة، وإنّما يتخيل كذلك للناظر من إفراط الرطوبة في أحد جانبيها. الضبع أحمق الحيوان، كما مر ذلك في الحاء. وهي أفسقها أيضًا وأشبقها. ويزعمون إنّها لا يمر بها حيوان من نوعها إلاّ علاها، وإنّها تقلب الميت على قفاه وتستعمل كمرته، ولذلك يقال لها حين تصطاد: أبشري أم عامر بجراد عضال، كمر الرجال! ويخدعونها بذلك. وقال الشاعر:\nفلو مات منهم جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الشريب عرائسا\nوقولهم في هذا المثل: خامري أم عامر، تقدم انهم يقولونه للضبع عند الاصطياد يخدعونها به. فبقي مثلا للمغرور ومن عرف الدنيا وتقلبها ونقضها ما أبرمت وسلبها ما وهبت، ثم يسكن إليها مع ذلك ويغتر بها كما تغتر الضبع بقول القائل: خامري أم عامر. وقال البهاء زهير يشير إليه:\nيا هذه لا تغطي ... والله مالي فيك خاطر\nخدعوك بالقول المحا ... ل فصح انك أم عامر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>الخنق يخرج الورق</span>.\nالخنق بفتح الخاء وكسر النون، كالكذب مصدر. يقال: خنقته بفتح النون خنقا، فهو خنق أيضًا وخنيق ومخنوق؛ وخنقته فاختنق.\nوالخناق بالكسر الحبل يختنق به وبالضم: داء يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرئة والقلب. والورق بوزن كتف: الدراهم المضروبة، ويقال لها الرقة بحذف الواو على مثال عدة، والورق بفتحتين والورق بسكون وتثليث الواو.\nوالمعنى انك إذا اشتدت على الرجل وضيق عليه أعطاك وهذا دأب الدنيء لا يسمح إلاّ رهبة أو رغبة، كما قيل:\nرأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطا لبه حين يكسر","vol":"2","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>خير الأمور أوساطها</span>.\nالخير هنا اسم تفضيل. يقال: فلان أخير من فلان. وتحذف الهمزة غالبا فيقال: خيرٌ منه. فإن أطلق تناول جميع أوصاف المدح، وإن قيد بشيء تقيد؛ والأمور جمع أمر وهو عام؛ والأوساط جمع وسط بمعنى متوسط بين طرفين.\nوهذا الكلام يروى حديثا وهو من جوامع كلمه التي أعطيها ﷺ وهو متناول لأمور من الديانات والأخلاق والآداب والسياسات والمعاشرات والمعاملات تعجز عقول الخلق عن إحصائها. وقد صنف ذوو البصائر من أهل العلم في تفاصيل ذلك دواوين. وهو بحر لا ساحل له، جمع له ﷺ في جملة واحدة كما قال ﷺ: أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا.\nقال الجاحظ: ينبغي للرجل أن يكون سخيا لا يبلغ التبذير حائطا لا يبلغ البخل شجاعا لا يبلغ الهوج محترسا لا يبلغ الجبن حييا لا يبلغ العجز ماضيا لا يبلغ القحة قوالا لا يبلغ الهذر صموتا لا يبلغ العي حليما لا يبلغ الذل منتصرا لا يبلغ الظلم وقورا لا يبلغ البلادة نافذا لا يبلغ الطيش. قال: ثم وجد رسول الله ﷺ جمع ذلك في كلمة واحدة وهي قوله ﵇: خير الأمور أوساطها وما ذلك إلاّ لأنّه ﷺ أوتي جوامع الكلم. انتهى. وإلى هذا أشار بعض الشعراء بقوله:\nعليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا!\nوالآخر بقوله:\nلا تذهبن في الأمور فرطا ... وكن من الناس جميعًا وسطا!\nوالمعري في قوله:\nفإن كنت تهوى العيش فبالغ توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاولُ\nتوقى البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كواملُ","vol":"2","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>خير العشاء سوافره</span>.\nخير: تقدم؛ والعشاء بالفتح والمد طعام العشي. ولا يخرجه التأخير عن كونه عشاء كما قال الحطيئة:\nوآنيت العشاء إلى سهيلٍ ... أو الشعرى فطال بي الإناء\nوآنيته: جعلت أناه أي وقته ذلك الزمان المتأخر. ويروى: وأكريت العشاء. . الخ فطال بي الكراء أي أخرت؛ والسوافر جمع سافرة يقال أسفرت الشمس وسفرت إذا أضاءت وسفرت المرأة عن وجهها: كشفت عنه. والمراد أنَّ خير العشاء ما أكل منه بضوء النهار وكأن اللقمة حينئذ تسفر للظلام عن وجهها.\nوهذا المثل يكلم به الأصمعي للرشيد. ذكر بعض الأدباء عن أبي بكر بن شقير النحوي قال: دخلنا على محمد اليزيدي وهو يتغدى فقال: يا أبا بكر خير الغداء بواكره فما خير العشاء؟ فقلت: لا أدري. فقال: دخلت على عبيد الله بن سليمان وهو يتغدى فقال: خير الغداء بواكره فخير العشاء ماذا؟ فقلت لا أدري. فقال: دخلت على حسين الخادم وهو يتغدى فقال: يا أبا القاسم خير الغداء بواكره فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري. فقال: كنت بحضرة الرشيد وهو يتغدى فدخل الأصمعي فقال: يا أصمعي خير الغداء بواكره فخير العشاء مادا؟ فقال: بواصره ومعناه ما يبصر من الطعام. انتهى.\nوزعما أنَّ تأخير العشاء يورث ضعفا بالبصر. ومن ثم قال أبو بكر بن دريد:\nوأرى العشا في العين ... أكثر ما يكون من العشاءِ\nالعشا الأول بألف مقصورة وهو ضعف البصر وبالمد الطعام. وقال كشجام:\nونديم مخالفٍ ... لا يشاء الذي أشا\nهو في الصحو لي أخ ... وعدوٌ إذا انتشا\nاقترحت العشاء يو ... مًا عليه فاندهشا\nساعة ثم قال لي: ... العشا يورث العشا!\nوورد في بعض الأحاديث نهيا عن ترك العشاء: لا تدعوا العشاء ولو بكف من حشف فإن تركه مهرمةٌ.","vol":"2","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>خير العلم ما حوضر به</span>\nالمحاضرة: المذاكرة. والمعنى أنَّ خير العلم ما حصل الإنسان في صدره فوجده عند المحاضرة وكان عدة له عند المذاكرة. ويقال حرف في قلبك خير من ألف في كتبك. ويقال: لا خير في علم لا تعبر به الأودية ولا تعمر به الأندية. ويقال: حفظ سطرين خير من حمل وقرين ومذاكرة اثنين خير من هذين. وينسب للشافعي:\nعلمي معي حيثما مشيت يتبعني ... وعاؤه القلب لا بيتي وصندوقي\nإن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق\nوقال الآخر:\nعليك بالحفظ دون الكتب تجمعها ... فإن للكتب آفات تفرقها\nالماء يغرقها والنار تحرقها ... والفأر يخرقها واللص يسرقه\nلكن قد يولع المرء بالحفظ حتى يفوته تصور المعاني فيكون كالحمار يحمل أسفارا. ولذلك روي في الخبر: همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الدراية. وقال أبن مسعود: كونوا للعلم وعاة ولا تكونوا له رواة فقد يروى ما لا يدرى ويدرى ما لا يروى. وحدث الحسن البصري بحديث. فقال له رجل: عمن؟ فقال: وما تصنع بعمن؟ قد نالتك عطيته وقامت عليك حجته. وربما وثق بصدره ولم يقيد فيطرأ عليه النسيان ويضيع علمه ولذلك ورد في الخبر: قيدوا العلم بالكتاب.\nوورد أنَّ رجلا شكا إلى النبي ﷺ كثرة النسيان فقال له استعمل يدك أي اكتب! وشاع في أمثال الناس: ينسى الرأس ولا ينسى الكراس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>خير الغداء بواكره</span>.\nالغداء بالفتح والمد والدال مهملة ضد العشاء وتقدم هذا. والمراد أنَّ خير الغداء أيضًا ما ابتك به. ولهذا علة وتحقيق يذكر في الطب. ومنهم من رأى في الغداء","vol":"2","page":205},{"text":"التأخير. ويروى قول علي كرم الله وجهه أو غيره من الحكماء: من أراد النساء ولا نساء فليكر الغداء وليبكر العشاء وليخفف الرداء وليقلل غشيان النساء. انتهى. قوله فليكر الغداء: أي يؤخره كما في بيت الحطيئة. وأراد بتخفيف الرداء أن يجنب نفسه ثقل الدين: فإن هم الدين يهرم كما قال: لا هم إلاّ هم الدين ولا وجع إلاّ وجع العين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع</span>.\nالغنى بكسر الغين وألف مقصورة ضد الفقر. قال:\nفتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلتِ\nوقد يمد للضرورة. قال:\nسيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناءُ\nوالقنوع: السؤال والتذلل للمسؤول. وقد قنع الجل بالفتح قنوعا فهو قانع وقنيع. قال:\nلمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أخف من القنوع\nوالمفاقر جمع فقر على غير قياس مثل مذاكير لذكر ومحاسن لحسن على ما في ذلك من كلام عند النحويين. ومنه قول النابغة:\nفأهلي فداء لامرئ إن أتيته ... تقبل معروفي وسد المفاقرا\nوقال عدي بن زيد العبادي:\nوما خنت ذا عهد وأنت بعهده ... ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا\nأي سائلا. وفي كلامهم: نسال الله القناعة ونعوذ به من القنوع.\nوقلت في هذه المادة من قصيدة:\nإن دعا القنوع ليس بشافيه ... هذا المرء نيل اقصى الأماني\nومن اعتز بالقناعة أمسى ... في نعيم وعزة وأمانِ\nوقد يكون القنوع بمعنى القناعة وهو الرضى بالقسم على الضد وهذا هو المراد في المثل. قال الشاعر:\nوقالوا قد ذهبت فقلت كلا ... ولكني أعزني القنوعُ","vol":"2","page":206},{"text":"والقانع: الراضي. قال لبيد:\nفمهم سعيد آخذٌ بنصيبه ... ومنهم شقى بالمعيشة قانعُ\nويقال إنما سمي السائل قانعا لنه يرضى بما أعطي وإ، كان قليلا. فيكون معنى القنوع والقناعة واحد أبدا؛ غير أنَّ فعل القناعة هو بالكسر يقال قنع بالكسر يقنع قناعة فهو قنع وقانع وقنوع وقنيع. ة الفقر بفتح الفاء الحاجة: والخضوع: التذلل.\nومعنى المثل واضح في صيانة الحر نفسه عن خسيس المكاسب. وهو من كلام أوس بن حارثة.\nروي أنه عاش دهرا وليس له إلاّ ابنه مالك. وكان لأخيه الخزرج خمسة أولاد: عمرو وعوف وجشم والحارث وكعب. فلما احتضر أوس قال له قومه: كنا نأمرك بالزواج في شببك فلم تتزوج حتى حضرك الموت. فقال: الأوس: لم يهلك هالك ترك مثل مالك يعني مالك بن أوس ولده وإن كان الخزرج ذا عدد وليس لمالك ولد. فلعل الذي استخرج العذف من الجريمة والنار من الوثيمة أن يجعل لمالك مسلا ورجالا بسلا يا مالك المنية ولا الدنية والعتاب قبل العقاب والتجلد لا التبلد! وأعلم أنَّ القبر خير من الفقر؛ وشر شارب المشتف وأقبح طاعم المقتف؛ وذهاب البصر خير من كثير من النظر؛ ومن كرم الكريم الدفاع عن الحريم ومن قل ذل ومن أمر فل. وخير الغنى القناعة وشر الفقر الضراعة؛ والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فكلاهما سينحسر. فإنما تعز من ترى ويعزك من لا ترى. ولو كان الموت يشترى لسلم منه أهل الدنيا ولكن الناس فيه مستوون: الشريف الأبلج واللئيم المعلهج؛ والموت المفيت خير من أن يقال لك هبيت. وكيف بسلامة من ليست له إقامة؟ وشر من المصيبة سوء الخلف وكل مجموع إلى تلف. حياك إلاهك! انتهى.\nفنشر الله من مالك بعدد بني الخزرج. والعذق بالفتح النخلة نفسها وبالكسر كباستها كما مر في الهمزة؛ والجريمة النواة؛ والوثيمة الموطوءة من الحجارة بحوافر الخيل ونحوها من الوثم وهو الكسر كما قال عنترة:","vol":"2","page":207},{"text":"خطارة غب السرى موارة ... تطس الاكام بذات خف ميثمِ\nوهذا الكلام يحلف به العرب يقولون: لا والذي أخرج العذق من الجريمة والنار من الوثيمة! ومن أيمانهم أيضًا: لا والذي شقهن خمسا من واحد! أي الأصابع ولا والذي أخرج قابية من قوب! أي فرخا من بيضة كما مر؛ و: لا والذي وجهي زمم بيته! بفتحتيناي تلقاءه وتجاهه؛ والبسل: الشجعان وأحدهم باسل والبسالة: الشجاعة؛ والمشتف هو المستقصي ما في إنائه ومنه حديث أم زرع: إن شرب اشتف. والمقتف: الآخذ للشيء بعجلة؛ وأمر الرجل: كثر عدده؛ وتعز: تغلب؛ والمعلهج: المتناهي في الدناءة واللؤم، وقيل هو العريق فيه اللئيم بن اللئيم، والهبيت: الأحمق الضعيف، ويقال له الجبان المخلوع القلب. وضده الثبيت. قال طرفة:\nفالهبيت لا فؤاد له ... والثبيت قلبه قيمه\nويروى: فهمه قيمه.\nوقد علمت أنَّ لفظ المثل في هذه الوصية التي سردنا من كلام أوس: خير الغنى والقناعة، وشر الفقر الضراعة. ورواية المثل على هذا الوجه هو رأي من لا يرى أنَّ القنوع يكون بمعنى القناعة، وبذلك اعترض البكري على أبي عبيد في إيراده المثل على الالفظ السابق، وقد علمت مما مر إنّه صحيح ومثل هذا المثل قول الفارعة بنت طريف ترثي أخاها:\nفتى لا يعد الزاد إلاّ من التقى ... ولا مال إلاّ من قنى وسيوف\nوقول الأبيرد اليربوعي:\nفتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر\nوقول إبراهيم بن العباس الصولي:\nأسد ضار إذا استنجدته ... وأب بر إذا ما قدرا\nيعرف الأبعد إنَّ أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا\nوقوله أيضًا:","vol":"2","page":208},{"text":"ولكن الجواد أبا هشام ... نقي الجيب مأمون المغيب\nبطي عنك ما استغنيت عنه ... وطلاع عليك مع الخطوب\nوقول الآخر:\nإذا أعطشتك اكف اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريا\nفكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا\nفإنَّ إراقة ماء الحيا ... ة دون إراقة ما المحيا!\nوتقدم ما في ذكر القناعة من الشعر وسيأتي أيضًا كثيرا، إن شاء الله تعالى! ووصية أوس المذكورة مشتملة على أمثال عدة، وقد نبهنا على غريبها، والباقي واضح\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>خير ما رد في أهلٍ ومالٍ</span>\nهذا يستعمل في الدعاء بالخير للقادم من سفر. والمعنى: جعل الله ما جئت به خير ما رجع به الغائب! وقيل: المعنى أنَّ مجيئك بنفسك خير مارد في أهلك ومالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة</span>.\nالمال معروف؛ والسكة بالكسر: الحديد التي تضرب عليها الدراهم، والتي يحرث بها. وتطلق أيضًا على السطر من الأشجار؛ والمأبورة: المصلحة، يقال: أبر نخلة، يأبره، أبارا وغبارة ككتب كتبا وكتابا وكتابة؛ وأبرة تأبير: ألقحه وأصلحه؛ وأئتبر الرجل: طلب غيره أنَّ يأبره له. فقال طرفة:\nولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر\nوتأبرت النخل: قبلت الإبار. قال الراجز:\nتأبري يا خير فسيل ... إذ ضن أهل النخل بالفحول!\nوالمهرة معروف، والمأمورة: كثيرة النسل والنتاج. تقول: آمرته بالمد: كثرته. فكان القيلس أنَّ يقال مؤمرة، كما تقول أعمرتها فهي معمرة؛ ولكنه قيل مأمورة إتباعا لمأبورة، كما قيل لا دريت ولا تليت أي تلوت وأرجعن مازورات، غير ما جورات أي مزورات. على إنّه قد يقال أمرته كنصرته","vol":"2","page":209},{"text":"فهو مامور، كثرته، وهو لغية. وقد قيل بذلك في قوله تعالى:) وإذا أردنا أنَّ نهلك قرية أمرنا مترفيها (. أي كثرنا. ويقال: أمر القوم بالكسر أي كثروا ومنه قول أوس بن حارثة السابق: من أمر فل، وقول الآخر:\nنعلهم كلما يبني لهم سلف ... بالمشرفي ولولا ذاك قد أمروا\nوقول أبي وجرة: أمرون لا يرثون سهم القعدد أي كثيرون اسم فاعل أمر. وقول الآخر: أم جوار ضنؤها غير أمر أي نسلها. وقول الآخر:\nوالإثم من شر ما يصال به ... والبر كالغيث نسله أمر\nوالسكة هنا أريد بها الأشجار. والمعنى أنَّ خير المال نخيل قمت عليه وأصلحته، أو فرس ولود. وقيل: أريد بالسكة الحديدة التي يحرث بها. ومعنى مأبورة: مصلحة. والمعنى أنَّ خير المال الحرث والبطن. وأعلم أن هذا الكلام ذكره اللغويون، وظاهر كلامهم إنّه من كلام العرب. وفي الصحاح إنّه حديث، والله أعلم! ووري في الحديث أيضًا من هذا المعنى: خير المال عين ساهرة لعين نائمة. وروي: تسعة أعشار الرزق في التجارة. ووري إنّه ﷺ كان يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ويأمر الفقراء باتخاذ الدجاج. وقات ابنه الخس: مائة من المعز قني، ومائة من الضأن غنى، ومائة من الإبل مني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>الخيل تجري على مساويها</span>.\nالخيل جماعة الأفراس. قال عنترة:\nوالخيل تقحم الخبار عوابسا ... ما بين شيظمة وأجرد شيظم\nولا واحد لها. وحكى بعض اللغويين في واحده خائل من الختيال وهو التبختر. والخيل أيضًا جماعة الفرسان. قال امرؤ القيس:\nفيا رب مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا","vol":"2","page":210},{"text":"وقال الآخر:\nعلام تقول الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت؟\nوالجري معروف والمساوي: المعائب قيل لا واحد لها وقيل جمع مسوء على غير قايس والإظهار إنّه جمع مساءة كما تقول في منارة منائر قال الشاعر في المفرد:\nلئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك\nوقول الآخر في الجمع:\nوعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا\nيقال ساء يسوؤه سوءا بالفتح وسوءا وسوائية كعلانية وسواية بحذف الهمزة ومساء ومساءة ومسائية ومساية إذا فعل به ما يكره. وهذا المثل يضرب في حماية الحريم والدفاع عنه مع الضرر والخوف. والمعنى أن الخيل وإن كانت بها أواصب وعيوب فإنَّ كرمها مع ذلك يحملها على الجري. فذلك الحر من الرجال يحمي حريمه على ما فيه من علة. وقيل إنَّ المراد بالمثل إنَّ الرجل يستمع به وفيه الخصال المكروهة وهو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>الخيل اعلم بفرسانها</span>.\nالخيل تقدم والفرسان جمع فارس والفارس صاحب الفرس كما قالوا لابن وتامر لصاحب اللبن والتمر. ويجمع على فوارس. قال عنترة:\nفإنَّ يك عبد الله لاقى فوارس ... يردون خال العارض المتوقد\nوالفراسة بالفتح والفروسة والفروسية الحذق بركوب الخيل وأمورها. وقد فرس الرجل بالضم يفرس. قال أبن ظفر: وليس من ركب الفرس له حكم الفراسة عند العرب ولكن الفارس عندهم من أحسن الجلاد على الفرس واشتهر بالشجاعة كعمرو بن معدي كرب وربيعة بن مكدم وملاعب الأسنة وعنترة العبسي وأضرابهم. فهؤلاء فرسان العرب. قال الشاعر:\nلعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس\nفلم يمتدح بنفس الركوب. انتهى.","vol":"2","page":211},{"text":"والمثل يضرب لمن يظن إنَّ عنده غنى ولا غنى عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>الخيل أعلم من فرسانها</span>.\nهذا المثل يضرب لمن تظن به ظنا فتجده على ما ظننت هكذا قال بعض العلماء. ويحتمل إنَّ هذين المثلين واحد وإنّما وقع التحريف في أحدهما. والتفسير الثاني انسب بالأول كما لا يخفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>أخيل من مذالة</span>.\nيقال: خال الرجل يخال واختال إذا تكبر وتبختر عجبا فهو خال وخائل وخال كقاص مقلوبا ومختال. والإذالة بالذال المعجمة: الإهانة. يقال: أذلت الرجل فهو مذال. قال زيد الخيل يخاطب بني الصيداء وكان غزا غزوة فطلع بعض خيله فأدركوه فأخذوه:\nيا بني الصيداء ردوا فرسي ... إنّما يصنع هذا بالذليل\nلا تذيلوه فإني لم أكن ... يا بني الصيدا لمهري بالمذيل\nعودوه كالذي عودته ... دلج الليل وإطاء القتيل\nويحكى إنَّ أبا تمام الطائي خرج قاصدا البصرة وفيها عبد الصمد بن المعذل. فلما سمع عبد المد بقدومه إليه كتب إليه:\nأنت بين اثنتين تبرز للناس ... وكلتاهما بوجه مذال\nلست تنفك راجيا لوصال ... من حبيب أو طالبا لنوال\nأي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال؟\nفلما وقف أبو تمام على الأبيات رجع وقال: شغل هذا ما وراءه ولا حاجة لنا فيه. وقريب من هذا قول بعضهم في هجو أبي الطيب المتنبي:\nأي فضل لشاعر يطلب الفضل ... من الناس بكرة وعشيا؟\nعاش حينا يبيع في الكوفة الماء ... وحينا يبيع ماء المحيا\nوإنّما قال: ذلك لمِا يحكى إنَّ أبا الطيب المتنبي كان سقاء بالكوفة والله اعلم.","vol":"2","page":212},{"text":"ونحو الأول قول الإسعري في مجونه الهجوية:\nأنت بين اثنين يا نجل يعقوب ... وكلتاهما مقر السيادة\nلست تنفك راغبا عرد عبد ... مستبطرا أو حاملا خف عادة\nأي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل البغا وذل القيادة\nوالمذالة في هذا المثل أرادوا بها الأمة لأنها تذال أي تمتهن بالخدمة ويرها وهي أكثر خلق الله اختيالا وتبخترا وعجبا وذلك من ضعف عقلها وسقاطة نفسها ونقصان همتها فإنَّ الهموم بقدر الهمم.\nومما يلتحق بهذا الباب قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>أخرجت له حريشتي</span>\nأي ملك يدي. وقولك مثلا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>أخشن من ليفة</span>.\nوالخشونة ضد اللين والليف بالكسر ليف النخل وهو معروف والواحدة ليفة بالهاء وهذا المعنى مطرد كما مر في نظائره.\nومن هذا الباب قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>خفة الظهر أحد اليسارين</span>.\nجعلوا خفة الظهر كنية عن عدم أو قلة الحقوق اللازمة والنفقات الواجبة فإنّها للزومها كالشيء المحمول على الظهر يخف ويثقل. ولا فرق في إنَّ الأحمال المحسوسة يحملها البدن المحسوس والحقوق تحملها اللطيفة الروحانية من البدن وهي القلب وهذه أقل صبرا على الثقل للطافتها. واليسار: الغنى. وثنى بحسب حقيقته ومجازه لا تفاق اللفظ. وقد قالوا من هذا النحو: الغربة أحد السباءين واللبن أحد اللحمين وتعجيل اليأس أحد اليسرين والشعر أحد الوجهين أي النظر إلى الشعر كالنظر إلى الوجه والحمية إحدى الموتتين أي امتتاع الطعام والقلم أحد اللسانين والخال أحد الأبوين والراوية أحد الهاجيين","vol":"2","page":213},{"text":"أي رواية الهجو كقائله. وهذا كله من تثنية الحقيقة والمجاز. وفي ذلك خلاف عند النحويين والمشهور المنع والصحيح جوازه وإنّه لا يشترط اتفاق معنى المثنيين بل اللفظ فقط.\nومما يشهد لصحته هذا الذي ذكرناه من الأمثلة فإنّها أمثال من كلام العرب ودليله من الشعر قول الشاعر:\nكم ليث اعتنى لي أشبل غرثت ... فكأنني أعظم الليثين إقداما\nأي كان أعظم الليثين إقداما إياي. وقول الآخر:\nيداك كفت إحداهما كل بائس ... وأخراهما كفت أذى كل معتد\nوإن كان في هذا المثل ضعيف. ومما يدل عليه قول جحدر: ليث وليث في محل ضنك إذ لا فرق بين نحو هذا العطف وبين التثنية فانه أصلها. وليس هذا محل تحرير المسألة والاحتجاج لها.\nوقولهم أيضًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>خفيف الحاذ</span>.\nالحاذ بالذال المعجمة الظهر. وألفه عن واو والذال لام الكلمة ومحل الأعراب وليس بعدها ياء كما يصحف. ومعنى خفيف الحاذ: قليل الماء والعيال. وفي الحديث: مؤمن خفيف الحاذ. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>خفيف الرداء</span>.\nأي قليل العيال والدين. والرداء بالكسر والمد يطلق على الملحفة المعروفة وعلى السيف والقوس وعلى الجهل وعلى ما زان وما شان وعلى الضد وعلى الوشاح وعلى الدين. ومما يحسن أن يتمثل به في هذا الباب قول النبي ﷺ لابن صياد:","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>خلط عليك الأمر</span>.\nوالقصة مشهورة وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>هو يخبأ وأبوه يكنز</span>.\nوذلك إنَّ خبيئة بن كناز ولي في خلافته الابلة فقال عمر ﵁: لا حاجة لنا وهو يخبأ وأبوه يكنز.\nومن الأمثال المولدة قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>اخط الحسن يزيد من الحق وضوحا</span>.\nبمعنى إنّه إذا أجيد الخط وبينت الحروف تبينت الألفاظ المؤدية للمعاني وانشرحت النفس وانبسطت إليها وأقبلت عليها فكان قبولها للمعاني أتم وفهمها لها أكثر. وقد قالوا: الخط الحسن أحد اللسانين. وقالوا حسن الخط إحدى الفصاحتين. وقال جعفر بن يحيى: الخط بسط الحكم: به تفصل شذورها وينتظم منثورها. وقال المبرد: رداءة الخط زمانة الأدب. وقال الإمام الماوردي: خطوط العلماء في الأغلب رديئة لاشتغالهم بالعلم حتى قال الفضل أبن سهل: من سعادة المرء رداءة خطه أي لئلا يشغله تعلم الخط عن تعلم العلم. قيل: والأسباب المخلة بالخط ثمانية: إسقاط ألفاظ منه أو زيادة ألفاظ فيه أو إسقاط بعض حروف الكلم أو زيادة حروف أثناءها أو وصل المفصول أو فصل الموصول أو تغيير الحرف حتى يشتبه حرف بغيره أو ضعف الخط جملة أو إهمال النقط أو الشكل.\nقيل: وقد استقبح الكتاب النقط والشكل في مكاتبهم ورأوا ذلك من تقصير الكتاب وسوء نظرتهم في فهم المكتوب لا سيما مكاتبات الرؤساء. كما حكي إنَّ بعض كتاب الديوان حاسب عاملا فشكاه في رقعته إلى عبيد الله بن سليمان فوقع فيها: هذا هذاء. فظن العامل إنَّ عبيد الله أراد: هذا هذا إثباتا لذلك القول كما تقول في إثبات الشيء هو هو. فحمل الرقعة للذي يحاسبه فخفي عليه ما يقتضي التوقيع فطيف به على الكتاب فلم يفهموه. فرد إلى عبيد الله. فشدد الثانية وكتب تحتها: والله","vol":"2","page":215},{"text":"المستعان استعظاما لقصور نظرهم.\nواستحسن آخرون لنقط والشكل، وقالوا: المعجمة كالبرود المعلمة. وقالوا: إعجام الخط يمنع استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. وقيل، رب علم لم تعجم فصوله فاستعجم محصوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>آلات الكتابة وأصناف الكتب</span>.\nوإذ أنجز بنا الكلام في الخط فلنكمل الغرض بذكر ما تيسر من آلات الكتابة، ومعنى الكتاب، والبراءة، والطبع، والتوقيع، والعنوان، وأصناف الكتاب، وجملة من شعر الأدباء في ذلك، وهذا باب واسع ألف فيه الناس. لكن نشير نحن إلى جملة يسيرة على وجه الاختصار وينتفع بها.\nفمن الآلات الدواة ووزنها فعلة كالشجرة، ثم قلبت الياء ألفا فصارت كفتاة وقناة، ز الجمع دويات كقنوات ودوي كقنى. قال الشاعر:\nلمن الدار كخط باللدوى؟ ... أنكر المعروف منها وأمحى\nودوي بضم الأول على فعول كما يقال قني وعصي في الجمع. قال الشاعر\nعرفت الديار كرقم الدوي ... حبره الكتاب الحميري\nوقال الآخر:\nوكم تركت ديار الشرك تحسبها ... تلقى الدوي على أطلالها ليقا\nواشتقاقها من الدواء، لأن بها صلاح أمر الكاتب. واشتقها بعض الأدباء من قولك: دوي الرجل بالكسر دوي إذا مرض فقال:\nأما الدواة فأدوى حملها جسدي ... وحرف الحظ تحريف من القلم\nأي أمرضه. ونحو هذا الاشتقاق لا يعتمد عليه. ويقال لصانعها مدو، كما يقال لصانع القني مقني، ولبائعها دواء كحناط لبائع الحنطة، ولحاملها داوٍ كسائف لصاحب السيف ولمتخذها مدو، وقد أدوى دواة. ولمّا تصان به صوان وغشاء وغلاف وما تسد به صمام وسداد وعفاص، وكذا غيرها يقال لصفوتها إذ أنفشت لتعمل فيها","vol":"2","page":216},{"text":"قبل أنَّ تبلّ، البوهة بالضم، وإذا بلت فهي الليقة، وقد تسمى به قبل ذلك مجازًا. ولقت الدواة فهي ملقية، وألقتها فهي ملاقة. فإنَّ كانت من قطن فهي العطبة والكرسفة، والقطن كله يقال له ذلك. ولمدادها نقس بكسر الأول، ويفتح. والمداد يذكر ويؤنث. ومددت الدواة مدًا: جعلته فيها؛ وأمددتها: زدتها منه؛ واستمددت: أخذت بالقلم من المداد؛ وأمددت فلانا من دواتي: أعطيته. ويقال للدواة محبرة بالفتح لأنها محل الحبر بالكسر وهو النقس؛ ويقال لها النون والجمع أنوان ونينان؛ ويقال لها الرقيم أيضا. وأمهت الدواة وموهتها جعلت فيها ماء.\nومنها القلم، والجمع قلام وأقلام كجبال وأجبال. ويقال له المزبر والمذبر بالذال المعجمة لأنه يزبر به ويذر أي يتب وقيل الذبر، بمعنى القراءة. ويقال للقصبة يراعة وأباءة والجمع يراع واباء؛ ويقال لعقدة الكعوب: فإنَّ كانت فيه عقدة تشينه فهي الابنة؛ ولمّا بين العقد الأنابيب، وكذا في الرماح. ويقال لطرفي القلم اللذين يكتب بهما السنان والشعيرتان، والواحد سن وشعيرة. فإنَّ سويا في القطع فهو قلم مبسوط، وإنَّ جعل أحدهما أطول فهو محرف.\nومنها السكين والمقص. قال أبن عبد ربه: ينبغي للكتاب أنَّ يصلح آلته التي لا بد له منها، وأداته التي لا تتم صناعته إلاّ بها، وهي دواته. فلينعم ربها وإصلاحها، وثم يتخير من أنابيب القصب أقله عقدة، وأكتافه لحما، وأصلبه قشرا، وأعد له استواء. ويجعل لقرطاسه سكينا ليكون عونا على بري أقلامه، ويبريها من ناحية نبات القصب. انتهى.\nويقال السكين والمدية والمجزاة والمبراة والفالية والشلقاء بالكسر والمد، وغير ذلك ويقال المقص والمقراض والمقطع بكسر أوائلها والجلم، وأكثر ما يقال بالتثنية. قال الشاعر:\nولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصوت في حافاتها الجلمان\nيعني لحيته. وجاء فيه الأفراد. قال سالم بن وابصة:\nداويت صدرا طويلا غمرة حقدًا ... منه وقلمت أظفارا بلا جلم\nوقال أعرابي:\nفعليك ما استطعت الظهور بلمتي ... وعلي أنَّ ألقاك بالمقراض","vol":"2","page":217},{"text":"وأما الكتاب فهو مكتوب ويقال له الزبور والزبير والذبير. قال امرؤ القيس:\n... كخط زبور في مصاحف رهبانِ\nوقيل: الزبور في هذا البيت هو الكتاب وهو الظاهر. فإن كان ما يكتب فيه من جلود فهو رق وقرطاس بكسر القاف وضمها؛ وإن كان من خرق فهو كاغد بدال مهملة وروي بمعجمة. وقد يستعمل القرطاس في الكل. ويقال لمّا يكتب الصحيفة والمهرق على وزن مكرم والجمع مهارق. قال الأعشى:\nربي كريم لا يغير نعمة ... وإذا تنوشد بالمهارق أنشدا\nوالقضيمة. قال امرؤ القيس:\n... وبين شبوبٍ كالقضيمة قرهبِ\nوالسجل والصك والقط. وكذا كتب الجوائز والصلات والجمع صكوك وقطوط. قال الأعشى:\nولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفقُ\nوقال المتلمس:\nألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضللِ\nفإن كتب فيها بعد محو فهي طرس. ونمقت الكتاب نمقا ونمقته تنميقا، وحبرته ورقشته وزورته تحبيرا وترقيشا وتزويرا؛ وكذا زبرجته وزخرفته زبرجة وزخرفة أي كتبته كتابة حسنة. فإذا نقطه قلت وشمه وشما، وأعجمته إعجاما ورقشته ترقيشا. قال طرفة:\nكسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشيمه\nفاا أفسد الخط قلت مجمجه وشرمجه وهلهله ولهلهه مجمجة وشرمجة وهلهلة ولهلهة وثبجه تثبيجا. وإذا لم يبينه قلت دحمسه دحمسة ومجمجه وعقمه عقما وعقله عقلا. فإذا أدق الحرف وقارب بعضها بعض قلت قرمط وقرصع قرمطة وقرصعة. فإذا مد الحروف قلت مشق مشقا وقيل المشق سرعة الكتابة وخفتها. فإن نقص شيئا فألحقه فهو لحق وجمعه إلحاق.","vol":"2","page":218},{"text":"قال الشاعر:\nعورٌ وحولٌ وثالثٌ لهم ... كأنه بين أسطر لحقُ\nفإن وضعت عليه بعد الكتب ترابا قلت تربته تتريبا وأتربته إترابا؛ أو نشارة قلت نشرته تنشيرا.\nوأما البراءة فهي في الأصل مصدر قولك: برئت من الأمر بالكسر براءة أي تبرأت؛ وأما هذه البراءة المستعملة في صناعة الكتاب فقال أبو محمد بن السيد ﵀: سميت بذلك لمعنيين: أحدهما أن يكون من قولهم برئت إليه من الدين براءة إذا أعطيته ما كان له عندك وبرئت إليه من الأمر براءة إذا تخلف عنه فكأن المرغوب إليه يتبرأ إلى الراغب مما أمله لديه ويتخلى له عما رغب فيه إليه. وقيل إنّما كان الأصل في ذلك أنَّ الجاني كان إذا جنى جناية يستحق عليها العقاب ثم عفا عنه الملك كتب له أمانا مما كان يتوقعه ويخافه فكان يقال: كتبت لفلان براءة أي أمانا ثم ضار مثلا واستعار في غير ذلك. قال: وقد جرت عادة الكتاب ألا يكتبوا في صدر البراءة: بسم الله الحمن الرحيم اقتداء بسورة براءة التي كتبت في المصحف من غير بسملة.\nوأما الطبع فهو طبع الكتاب. تقول: طبعت الكتاب طبعا وختمته ختما وأفقته أفقا ومن ذلك قول الأعشى السابق: يعطي القطوط ويأفق أي يختم ويقال لمّا يطبع به طابع. قيل: وأول من طبع الكتب عمرو بن هند وذلك أنه لمّا أعطى المتلمس الصحيفة ليقتل ثم استقرأها فهرب كما سيأتي حديثه أمر عمرو بعد ذلك بالكتب تختم. فكان يؤتى بالكتاب مطبوعا فقيل من عني به فلذلك سمي العنوان عنوانا. ثم لمّا كتب النبي ﷺ كتابا إلى ملك الروم ولم يختمه قيل له إنه لا يقرؤه إن لم يكن مختوما. فأمر أن يعمل له خاتم وينقش على فصه: محمد رسول الله فصار الختم سنة في الإسلام. وقيل أول من ختم الكتاب سليمان أبن داود ﵇. وقيل في تأويل قوله تعالى: إني ألقي إلي كتاب كريم أي مختوم. وأكرمت الكتاب ختمته وهو أول من افتتح كتابه بالبسملة. قيل: وكانت العرب تقول في افتتاح كتبها وكلامها. باسمك اللهم! فجري الأمر على ذلك في صدر الإسلام حتى نزلت: بسم الله مجراها ومرساها فكتب رسول الله","vol":"2","page":219},{"text":"ﷺ: بسم الله حتى نزلت قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فكتب: بسم الله الرحمن. ثم نزلت: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فصارت سنة إلى يومنا هذا.\nوأوّل من كتب من فلان إلى فلان رسول الله ﷺ فصار ذلك سنة يكتب الكتاب ويبدأ باسمه قبل اسم من يخاطبه ولا يكتب لقبا ولا كنية حتى ولي عمر بن الخطاب وتسمى بأمير المؤمنين فكتب من أمير المؤمنين عمر. فجرت السنة بذلك إلى أيام الوليد بن عبد الملك فكان الوليد أوّل من اكتنى في كتبه وأوّل من عظم الخط والكتب وجود القراطيس. ولذلك قال أبو نواس:\nسبط مشارفها رقيق جطمها ... وكأن سائر خلفها بنيانُ\nواحتازها لون جرى في جلدها ... يقف كقرطاس الوليد هجانُ\nفجرت سنة الوليد بذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز ويزيد الكامل فإنهما لمّا وليا ردا الأمر إلى ما كان عليه في زمن رسول الله ﷺ وزمن أحابه رضوان الله عليهم. فلما ولي مروان رجع إلى أمر الوليد فجرى الأمر عليه. ذكر ذلك أبو محمد بن السيد رحمه الله تعالى.\nوأما التوقيع فهو ما يلحق بالكتاب بعد الفراغ منه ممن رفع إليه كالسلطان ونحوه من ولاة الأمر كما إذا رفعت إلى السلطان أو إلى الوالي شكاة فكتب تحت الكتاب أو على ظهره: ينظر في أمر هذا أو: يستوفى لهذا حقه أو نحو ذلك. فهذا توقيع.\nورفع إلى جعفر بن يحيى كتاب يشتكى فيه بعامل فكتب على ظهره: يا هذا قد قل شاكروك وكثر شاكوك فإما اعتدلت وإما اعتزلت! ورفع إلى الصاحب بن عباد كتاب فيه: إنَّ إنسانا هلك وترك يتيما وأموالا جليلة لا تصلح لليتيم وقصد الكاتب إغراء الصاحب. فأخذها فوقع الصاحب فيها: الهالك ﵀ وو اليتيم أصلحه الله والمال ثمرة الله والساعي لعنه الله! ونحو هذا من التوقيعات. والتوقيع في الأصل التأثر في الشيء. يقال: حمار موقع الظهر أي أصابته في ظهره دبرة فسمي هذا توقيعا لنه تأثر في الكتاب حسنا أو في الأمر معنى؛ أو في الوقوع لأنه سبب لوقوع الأمر المذكور أو لأنه إقاع لذلك المكتوب: فتوقيع كذا بمعنى إيقاعه.","vol":"2","page":220},{"text":"وأما العنوان فهو ما يجعل عليه ليستدل به عليه ويقال قيه: عنوان وعنيان بضم الأول فيهما وكسره. وأصله عنان على مثل رمان لأنّه مشتق من قولك: عن لي الأمر يعن إذا عرض لأنّه هو يعرض للكتاب من ناحية وعننه وعنونه وعناه: كتب عنوانه. ويقال فيه أيضًا علوان باللام وعلون الكتاب وعلاه تعلية: كتب عنوانه وكل ظاهر شيء استدلت به على باطنه فهو عنوان له. قال الشاعر:\nرأيت لسان المرء رائد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون!\nوقال الآخر:\nضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا\nوما أصناف الكتب فكثيرة منها: كاتب التدبير وهو أجلها وأعلاها درجة وهو كاتب السلطان الذي يكتب سره؛ ومنها كاتب أرباب الأحكام وأجلها كاتب القاضي ثم كاتب صاحب المظالم ثم كاتب صاحب الديوان وهو الخراج ثم كاتب صاحب الشرطة؛ ومنها كاتب العامل وكاتب المجلس إلى غير وكل واحد منها له أحكام وآداب ذكرت في محلها.\nولهم أقلام مختلفة اصطلحوا عليها في الكتابة. انتهى. مجموعها بحسب ما ذكروا إلى أحد وعشرين وهي الجليل والسجلى ويسمى قلم الثلثين والقلم الرئاسي والنصف وخفيف النصف والثلث وخفيف الثلث والمسلسل وغبار الحلبة وصغير الغبار وهو قلم المؤامرات وقلم القصص والحوائجي والمحدث والمدمج وثقيل الطومار وخفيف الطومار والشامي ومفتح الشامي والمنثور وخفيف المنثور وقلم الجزم.\nواختلف في أوّل من كتب: فقيل آدم ﵇ كتب الصحف قبل موته بثلاثمائة سنة في طين ثم طبخه. فلما كان بعد الطوفان أصاب كل قوم كتابهم؛ وقيل أوّل من كتب إدريس ﵇؛ وقيل أوّل من وضع الكتابة إسماعيل ﵇ وضعها بلفظه ومنطقه؛ وقيل أوّل من كتب قوم من الأوائل أسمائهم أبجد هوز حطي إلى آخرها. وكانوا ملوك مدين وقيل هم أبجد هوز إلى قرست ملوك مدين فوضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم وكان سيدهم كلمن فهلكوا يوم الظلة فقالت ابنة كلمن ترثيه:","vol":"2","page":221},{"text":"كلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله\nسيد القوم أتاه ... الحتف نارٌ وسط ظله\nجعلت نارٌ عليهم ... دراهم كالمضمحله\nويروى أيضًا:\nألا يا شعيب قد نطقت مقالةً ... سبقت بها عمرًا وحي بني عمرِ\nملوك بني حطي هوز منهم ... وسعفص أهل للمكارم والفخرِ\nوقيل هم ملوك الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم ﵇ فألقيت إلى العرب؛ وقيل أسماء ملوك الجبابرة.\nوقيل أوّل من وضع الخط العربي نفر من طيء من بولان وهم: مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وعامر بن حدرة. فساروا إلى مكة فتعلمه منهم شيبة بن ربيعة بن حرب بن عبد شمس وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهشام بن المغيرة المخزومي. ثم أتوا الأنبار فتعلمه نفر منهم. ثم أتوا الحيرة فتعلمه منهم جماعة منهم: سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم وولده يسموه بالكوفة بني الكاتب. ثم أتوا الشام فعلموه جماعة فانتهت الكتابة إلى رجلين من أهل الشام يقال لهما الضحاك وإسحاق بن حماد واخترع منه خطا أخف فسماه الثلثين السابق. ثم جعل الناس يختصرون ويغيرون حتى انتهى إلى ما مر. وليس هذا محل تفصيل هذا.\nوأما ما قيل من الشعر في وصف الكتاب أو الأقلام أو المحابر أو تفضيل القلم على السيف أو العكس فأكثر من أن يحصى. وقد وضعت في ذلك موضوعات مستقلة. فمن مستحسن ذلك قول أبي الفتح البستي:\nإن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كمي هز عاملهُ\nوإن أقر على رقٍّ أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام لهُ\nوقال الآخر:\nيمسك الفرس رمحا بيدٍ ... وأنا أمسك فيه قصبه\nفكلانا فارسٌفي شأنه: ... إنَّ الأقلام رماحُ الكتبه","vol":"2","page":222},{"text":"وقول الآخر:\nوما روض الربيع وقد زهاه ... ندى الأشجار يأرج بالغداةِ\nبأوضاع أو بأبسط من نسيمٍ ... توديه الأفاوه من دواةِ\nوقول الآخر في خلاف هذا:\nدعي في الكتابة لا رويٌ ... له فيما يعد ولا بديهُ\nكأن دواته من ريق فيه ... تلاق فريحها أبدًا كريهُ!\nوقول بعضهم وقد نظر إلى فتى عليه أثر المداد وهو يستره:\nلا تجزعن من المداد فإنه ... عطر الرجال وحلية الكتاب!\nويقال: أثر المداد دليل على الفضل حتى إنَّ عبيد الله بن سليمان رأى صفرة زعفران في ثوبه فطلاها بالحبر وقال: المداد أحسن بنا من الزعفران! وأنشد:\nإنما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدوات عطر الرجالِ\nوقول الآخر يهجو كاتبا:\nحمارٌ في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حربٍ في زيادِ\nفدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرقت ثوبك في المدادِ!\nوقال بعضهم: كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتابا فوقعت من القلم نقطة مفسدة فمسحها بكمه فتعجبت فقال: لا تعجب! المال فرع والقلم أصل والأصل أحوج من الفرع إلى المراعات وبهذا السواد جاءت الثياب. ثم أطرق قليلا فأنشد:\nإذا ما الفكر ولد حسن لفظٍ ... وأسلمه الوجود إلى العيانِ\nووشاه فنمنمه مشدٍ ... فصيحٌ في المقال بلا لسانِ\nترى حلل البيان منشراتٍ ... تجلى بينها صور المعاني\nوكتب سليمان بن وهب بقلم صلب واعتمد عليه فصر تحت يده فقال:\nإذا ما التقينا وانتضينا صوارمًا ... يكاد يصم السامعين صريرها\nتساقط في القرطاس منها بدائعٌ ... كمثل اللآلي نظمها ونثرها\nتقود أبيات البيان بفطنةٍ ... يكشف عن وجه البلاغة نورها\nتظل المنايا والعطايا شوارعًا ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها\nإذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها ... تجلت بنا عما تسر ستورها","vol":"2","page":223},{"text":"وقول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات من قصيدة:\nلك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصلُ\nله الخلوات اللاء لولا نجيها ... لمّا اختلفت للملك تلك المحافلُ\nلعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنا اشتارته أيدٍ عواسلُ\nله ريقٌ طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابلُ\nفصيحٌ إذا استنطقته وهو راكبٌ ... وأعجم إن خاطبته وهو راجلُ\nإذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافلُ\nاطاعته أطراف القنى وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ\nإذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافلُ\nوقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأناملُ\nرأيت جليلًا شأنه وهو مرهقٌ ... ضنى وسمينًا خطبه وهو ناحلُ\nوقول أبي الفتح البستي:\nإذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد والكرم\nكفى قلم الكتاب مجدًا ورفعةً ... مدى الدهر أنَّ الله أقسم بالقلم\nوقول البحتري:\nتعنو له وزراء الملك قاطبةً ... وعادة السيف أن يستخدم القلما\nوقول الآخر:\nإن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأممُ\nفالموت والموت لا شيء يقابله ... ما زال يتبلع ما يجري به القلمُ\nبذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنَّ السيوف لها مذ أرهفت خدمُ\nوقول أبي الطيب مناقضا لهذا:\nحتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلمِ\nاكتب بذا أبدًا بعد الكتاب لها ... فإنما نحن للأسياف كالخدمِ\nوقول سليمان بن جرير النمري في نحوه:\nجهابذةٌ وكتابٌ وليسوا ... بفرسان الكريهة والطعانِ\nستذكرني وتعرفني إذا ما ... تلاقى الحلقان من الباطنِ","vol":"2","page":224},{"text":"وقول كشاجم:\nهنيئًا لأصحاب السيف بطالةً ... تقضى بها أيامهم في التنعمِ!\nوكم فيهم من دائم الأمن لم يرع ... بحربٍ ولم ينهد لقرن مصممِ\nوكل ذوي الأقلام في كل ساعةٍ ... سيوفهم ايست تجف من الدمِ\nوقول الآخر في مدح القلم وأهله:\nقومٌ إذا أدخلوا الأقلام من قصبٍ ... ثم استمدوا بها ماء المنياتِ\nنالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لا ينال بحد المشرفياتِ\nوقول البحتري يمدح الحسن بن وهب ويصف أقلامه:\nوإذا تألق في الني كلامه ... المصقول خلت لسانه من عضبهِ\nوإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبهِ\nفاللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربهِ\nحكمٌ فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليلها من قلبهِ\nفكأنها والسمع معقودٌ بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبهِ\nوقوله أيضًا في أبن الزيات:\nلتصرفت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميدِ\nفي نظام من البلاغة ما شك ... امرؤ أنه نظام فريدِ\nوبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديدِ\nما أعيرت منه بطون القراطيس ... وما حملت طهور البريدِ\nحزن مستعمل الكلام أخبارًا ... وتجنبن ظلمة التعقيدِ\nكالعذارى غدون في الحلل الصفر ... إذا رحن في الخطوب السودِ\nومن أمثال الأدباء قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>أخف من دينار يحيى</span>.\nوهو يحيى بن علي أعطى بعض الأدباء دينار خفيفا فقال فيه عدة مقاطع منها:\nدينار يحيى زائد النقصان ... فيه علامة سكة الحرمانِ","vol":"2","page":225},{"text":"قد راق منظره ورق خياله ... فكأنه روح بلا جثمان\nأهداه مكتتما إلي برقعةٍ ... فوجدته أخفى من الكتمان!\nومن أمثال العامة قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>خالف تعرف</span>!\nونحوه قول الشاعر:\nخلافا لرأي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم: خالف فتذكر!\nويظهر من هذا البيت إنَّ المثل قديم، والبيت انشده الجاحظ.\nولنلم الآن بشيء في هذا الباب. قال الشاعر:\nتركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء نقاخا\nشراب النبيئين والمرسلين ... ومن لا يحاول منه اطباخا\nرأيت النبيذ يدل العزيز ... ويكسو التقي النقي اتساخا\nفهبني عذرت الفتى جاهلا ... فما العذر فيه إذا المرء شاخا؟\nقوله ماء نقاخا، أي باردًا عذبا صافيا، وهو بضم النون وبالقاف على مثال غراب. وقال الآخر:\nنعوذ بالله من أناسٍ ... تشيخوا قبل إنَّ يشيخوا\nتقوسوا وانحنوا رياء ... فأحذرهم: انهم فخوخ!\nوأشار بهذا التمثل في الرياء إلى نحو ما حكي في الإسرائيليات إنَّ عصفورة على فخ فقالت له: مالي اراك منحنيا؟ قال:: لكثرة صلاتي انحنيت. قالت: فمالي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي، بدت عظامي! قالت: فما هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي لبست الصوف. قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكؤ عليها وأقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبة في يدك؟ قال: قربان إنَّ مر بي مسكين أناوله إياها. قالت: فإني مسكينة. قال: خذيها! فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها، فصاحت: قعى! قعى! وتفسيره: لا غرني مراءٍ بعدك أبدًا! ومما جاء في الرياء، أعاذنا الله منه!، قوله ﷺ: \" إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر \". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:","vol":"2","page":226},{"text":"\" الرياء \". يقول ﷿ يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا، فانظروا كيف تجدون عندهم الجزاء. وقوله ﷺ: \" من راأى، راأى الله به، ومن سمع، سمع الله به \". وقوله ﷺ: \" من أسر سريرة ألبسه الله رداءها، خيرا فخير وإنَّ شرا فشر. والآيات والأحاديث والآثار في ذم الرياء والتنفير عنه لا تحصى وهي مشهورة. وفي معنى ذلك قول الشاعر:\nوإذا أظهرت شيئًا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر\nفمسر الخير موسم به ... ومسر الشر موسوم بشر\nوقول الآخر في المتشابهين:\nأهل الرياء لبستهم ناموسكم ... كالذئب يدلج في الظلام العاتم\nفملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقستم الأموال بابن القاسم\nوركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم\nوقول الآخر:\nقل للأمام سنا الأئمة مالكٍ ... نور العيون ونزهة الأسماع:\nلله درك من همام ماجد ... قد كنت راعينا فنعم الراعي!\nفمضيت محمود النقيبة طاهرا ... وتركتنا قنصا لشر سباع\nأكلوا بك الدنيا وأنت بمعزلٍ ... طاوي الحشا متكفت الأضلاع\nتشكوك دنيا لم تزل بك برة ... ماذا رفعت بها من الأوضاع\nوقال محمود الوراق لابن أخته:\nتصوف كي يقال له أمين ... وما معنى التصوف والأمانة؟\nولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانة\nوقول الآخر:\nصلى وصام لأمر كان يطلبه ... ومذ حواه فما صلى ولا صاما!\nوقول الآخر:\nشمر ثيابك واستعد لقابل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم","vol":"2","page":227},{"text":"وعليك بالغنوي فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيمِ!\nوقول الآخر:\nلا شيء أخسر صفقة من عالمٍ ... لعبت به الدنيا مع الجهالِ\nفغدا يفرق دينه أيدي سبا ... ويديه حرصًا بجمع المالِ\nلا خير في كسب الحرام وقلما ... يرجى الخلاص لكاسب الحلالِ\nفخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلةٍ ... فالفضل تسأل عنه أي سؤالِ!\nوقول بعضهم وقد رأى ثم افتضح نعوذ بالله!:\nبينا أنا في توبتي مفبلًا ... قد شبهوني بابن روادِ\nوقد حملت العلم مستظهرًا ... وحدوثوا عني بإسنادِ\nالله تعالى خطر الشيطان بي جطوة ... نكست منها في أبي جادِ\nوقال آخر يخاطب معزولا:\nولوك إذ علموا بجهلك منصبًا ... علموا بأنك عن قليل تبرحُ\nطبخوا بنار العزل قلبك بعد ذا ... وكذا القلوب على المناصب تطبخُ\nوقال الآخر في حمام:\nحمامكم قيمته أسود ... هربت منه وأنا صارخُ\nقد سلخت جسمي أظافره ... يا قوم هذا الأسود السالخُ\nوفي هذين الشعرين التورية وهي إن يذكر الشاعر لفظاله مهنيان: قريب وبعيد. ويريد البعيد نحو قوله تعالى: الرحمن على العرشِ استوى فإنَّ المراد أحد معنيي الاستواء وهو الاستيلاء قهرا وغلبة وهو المعنى الأبعد لأنّه مجاز وتسمى التورية إيهاما. فإن كان المعنيان مستويين سمي ذلك توجيها. وقد تقدم في ذلك جملة من الشعر في الأبواب السابقة ونحن نريد هنا من مستحسن ذلك قول بعضهم يهنيءبعيد النحو:\nتهن بعيد النحو وابق ممتعًا ... بأمثاله سامي العلى نافذ الأمرِ!\nتقلدنا فيه قلائد أنعمٍ ... واحسن ما تبدو القلائد في النحرِ\nوقول الآخر:\nبروحي أفدي خاله فوق خده ... وما أنا في الدنيا فأفديه بالمالِ","vol":"2","page":228},{"text":"تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخالِ\nوقول الآخر:\nمهفهف القد إذا ما انثنى ... قال ولا يخشى من الود\nما أنت كفلي يا كثيب اللوى ... ولست يا غصن النقا قدي!\nلو نلت من خده تقبيلةً ... تزين الريحان بالوردِ\nوقول الآخر:\nقلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك\nقال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى يا غصن أن تستميلك!\nوقول الآخر:\nتهاون شمس الين بي وهو صاحبٌ ... وأظهر لي أضعاف ما يظهر العدا\nنزلت به أبغي النا وهو طالعٌ ... وعند طلوع الشمس يرتفع الندا!\nوقول الآخر في حق النبي ﷺ:\nيا عين إن بعد الحبيب وداده ... ونأت مرابعه وشط مزارهُ\nفلقد ظفرت من الزمان بطائلٍ ... إن لم تريه فهذه آثارهُ\nوقول الآخر:\nعاينته ودموعي غير جاريةٍ ... لأن دمعي من طول البكا نشفا\nفقال: لم أدر وكف الدمع قلت له: ... حسيبك الله يا بدر الجا وكفا!\nوقول الصفدي مع حسن التضمين:\nملكت كتابا أخلق الدهر جلده ... وما أحدٌ في دهره بمخلدُ\nإذا عاينت كتبي الصحيحة حاله ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلد!\nوقول أبي بكر بن حجة:\nعزمت على السلو لطول هجري ... فجاءتني عوارضه تعارض\nوكان العذر يقبل في سلوي ... ولكن ما سلمت من العوارض\nوقول البدر الدماميني:\nوبي وجنةٌ حمراء زاد صفاؤها ... فأبدت صفات أبع الحسن كونها\nفدع لائمي فيها عن الحب جهده ... فما أنا بالسالي صفاها ولونها","vol":"2","page":229},{"text":"وقول أبن جعفر العسقلاني:\nقد جئت في علم الأصول لنا وفي ... علم الفروع بخالص الابريز\nبرزت في هذا وفي هذا على ... الرازي بالإحسان والتبريزي\nوقوله:\nخليلي ولى العمر منا ولم نتب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا\nفحتى متى نبني بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وما تبنا؟\nوقول المعمار:\nإنَّ قام يتلو سورة الشمس المنيرة في ضحاها\nيا حسنه فكأنه القمر المنير إذا تلاها\nوقوله:\nتملك قلبي صارم قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد\nأقول لصاحبي حين يرنو بلحظه: ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي\nوقول الآخر:\nيا من تولى قاضيا ... هذا قضاء أم قدر؟\nعذرك في نسياننا ... أنَّ القضا يعمي البصر!\nوقول أبن العفيف:\nليس خليليا ولكنه ... يضرم في الأحشاء نار الخليل\nيا ردفه جرت على خصره ... وفقا به ما أنت إلاّ ثقيل!\nوقوله مما يكتب على كأس:\nأدور لتقبيل الندامى ولم أزل ... أجود للندامى وأنفاسي\nوأكسو أكف الشرب ثوبا مذهب ... فمن أجل هذا لقبوني بالكأس\nوقوله في مليح خيالي:\nخيالي أخاف الهجر منه ... وليس أراه يرغب في وصالي\nوكنت عهدتني قدما شجاعا ... فمالي صرت أفزع من خيالي؟\nوما قيل في التورية والتوجيه أكثر من إنَّ يحصى. ولولا خوف الإطالة لأوردنا من مستحسن ذلك ما يكون جزءا مستقلا، وليس ذلك من غرضنا. وأنا أذكر هنا بعض ما اتفق لي نظمه","vol":"2","page":230},{"text":"في باب التورية أو التوجيه من غير تعبئة لنزول هذا الميدان، ومطاردة هؤلاء الفرسان. فمن ذلك قولي:\nبنفسي من أضحى فؤادي طائرا ... على غصن من قده اللدن ميال\nعلى روضة من خده الخال عارض ... وأبهج روض ما علا عارض الخال\nوفيه التورية بالطائر من حيث إنّه اسم فاعل أو اسم ذي الجناح على التشبيه وحرف الجر بعده للتعليل على الأول والاستعلاء على الثاني، والتوريه بالخال من حيث إنّه النقطة أو الغيم المخيل بالمطر مع الجناس بين على وعلا والعكس.\nوقولي:\nمررت على بالٍ من الربع دارس ... بكل ربابٍ عارض اسحم خال\nففاضت شؤون الجفن من ذكر حيرتي ... وثار هواهم إذ مررت على البال\nوفيه التورية بالخال من حيث إنّه وصف للدارس من الخلو أو وصف للرباب بمعنى المخيل كما مر. والتورية بالبال آخرًا من حيث إنّه راجع إلى الربع من البلى أو إنّه الفكر والخاطر ومعمول مررت عليهن محذوف عي عليه.\nوقولي:\nوعاذل عن الهوى عادل ... يدعو لأمر في الهوى إمر\nقال أسلهم واصبر فكم ذائق ... أمر في الهجر من الصبر\nوزع عنان القلب عما جرى ... عليه من بلواء أو يجري\nفأي عذر في اتباع الصبا؟ ... قلت له إنَّ الهوى عذري\nوفيه التورية بالصبر من حيث إنّه معناه أو إنّه المر المعروف. وأصله صبر ثم خفف بالتسكين والتورية يجري من حيث إنّه من الجريان بقرينة العنان أو إنّه من الوقوع. والمعنى عليهما واضح. والتورية بالعذر من حيث إنّه الاعتذار أضيف إلى ياء المتكلم أونسوب إلى بني عذرة، وهو الهوى الشديد، والمعيان ظاهران وقولي:\nقال العذول إذ بدا ... بعارض معذر:\nالوجه الاعتزال عن ... هذا الوجيه الأشعر\nفقلت: ذلك الوجه ... يبقى فيه فضل نظر","vol":"2","page":231},{"text":"وفيه التورية في الاشعر مع الاعتزال من حيث إنّه وصف كأحمر أي ذو شعر أو بياء النسبة، والتورية في النظر والوجه من حيث إنّه نظر البصر أو نظر البصيرة، والوجه وجه الحبيب أو وجه الدليل.\nوقولي من قصيدة زمن الصبا أخاطب شيخنا الإمام الهمام أمتعني الله به:\nوفينا معان بينت قدم الهوى ... فليس لعمري بالبديع إلى الصدر\nوقد أعربت جزما بنصب أدلة ... فيرفع ما بينى على الظن من هجر\nفإنَّ لم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر\nوهذه التوريات واضحة كلها، وقد وقع لي مثل هذا النوع كثيرا ولم أذكره.\nوقولي من قصيدة أخرى موريا بالعباب و\" الجوهري \" من كتب اللغة:\nوعبرت من لجج العلوم عبابها ... حتى أنثنيت بمنفسات الجوهر\nوهذه القصيدة خاطبت بها بعض فضلاء العصر. فلما وقف عليها استحسنها هو وجماعة من الفضلاء الواقفين عليها غاية. وكان من أغبياء الطلبة بعضهم من لم يرتق فهمه إلى ألفاظها، فضلًا عن معاينتها، فتعلل لنفسه القاصرة بأنها مشتملة على الوحشي من اللغة. فلما بلغني ذلك قلت:\nتسامى لأذيالي مذال ولم أكن ... لكل ذليل بالذلول ولا السهل\nورام مرامات امرئ طالما علا ... على الحزن من فيح البلاغة والسهل\nوأرسلتها غراء ليس يذيمها ... سوى العمي عن شمس الظهيرة والجهل\nفأنكر جهلا ما حوته رسالتي ... ولا غرو فالتكذيب شان أبي جهل!\nوفيه التورية بابي جهل مع الجناسات الكثيرة. والجهل بضم فسكون جمع جاهل. وتخلف بعض أصحابي عن مجلس الدرس في اليوم المسمى بالعجوز، وآخر ينير، حبسه البرد، فكتبت إليه على سبيل المطايبة:\nأعجزت عنا العجوز ولم يكن ... رجل لتمنعه عجوز عائده؟\nوعدلت عن أبكار فكري بكرة ... اتباع بكر بالعجوز الباردة؟\nوفيه التورية بالعائدة من حيث إنّه وصف للعجوز أي صارفة وعائقة وإنّه معمول المنع بمعنى العطية والصلة، وفي العجوز أيضًا بين اليوم والمرأة بقرينة ذكر الرجل. وينشد أيضًا عجوز جالدة أو فائدة، وفي كليهما التورية: فالجالدة إما بمعنى ذات الجليد، من","vol":"2","page":232},{"text":"قولك جلدت الأرض بالكسر، تجلد فهمي جلدة والجالدة، اعتبارًا للعجوز بمعنى اليوم على قصد الليلة أو الصبيحة أو البكرة؛ وإما بمعنى المدافعة والمقاتلة، من قولك جلدته بالعصا: ضربته، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة؛ والفائدة إما بمعنى الإفادة وهو معمول المنع، أو بمعنى الهالكة، من قولك: فاد يفيد، فيدا، إذا هلك ومات، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة وإنّها هرمة فانية، فكيف تغلب الرجل؟ والتورية في العجوز الباردة واضحة؟ وأعلم أنَّ التورية والتوجيه أعلى فنون البديع وأجلها وأدقها، وهو أحد معاريض البلغاء الذي يرفلون به في الحلل الرقائق، وينجون بفسحتها من المضائق. فمن أظرف ما وقع من ذلك ما روي عن خالد بن الوليد، ﵁، إنّه لمّا نزل على الحيرة أتاه عبد المسيح الغساني، وهو أبن ثلاثمائة وخمسين سنة. فلما مثل بين يديه قال له: انعم صباحا أيها الأمير! فقال له خالد: قد أغنى الله عن تحيتكم بسلام عليكم. ثم قال له خالد: من أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي. قال: من أين خرجت؟ قال من بطن أمي. قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض. قال: فيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: أتعقل؟ قال: أي والله، وأقيد. قال: أبن كم أنت؟ قال: أبن رجل وامرأة. قال: كم سنك؟ قال: اثنان وثلاثون بيض ضرس وغضيض. قال: كم لك من السنين؟ قال: السنون كلها لله. قال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء لقتلني. قال: كم عمرك؟ قال: لا يعلمه إلا الله. فقال خالد: ما رأيت كاليوم إنسانا أسأله عن شيء وهو ينحوا في غيره. فقال: ما أجبتك إلا عن مسألتك. وما روي عن النبي ﷺ حيث قال له الأعرابي: من أنتم؟ فقال ﷺ: نحن من ماء، والقصة مشهورة.\nوما روي من أنَّ رجلا وقف بباب المأمون ليشكو فلم يجد من يدخله فصاح: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث! فأخذ وأدخل على المأمون وقيل له إنّه تنبأ عن أمره فذكر شكواه فقال له: ما هذا الذي حكي عنك؟ قال: ما هو؟ قال: انهم قالوا إنك تنبأت. قال: معاذ الله! إنّما قلت: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث، وأنت يا أمير المؤمنين تحمده، وكذلك هؤلاء. فاستظرفه المأمون وأمر بأنصافه.\nوما روي عن بشار بن برد من أنه خاط له رجل أعور يعرف بعمرو بردا فلم يعجبه فقال له:","vol":"2","page":233},{"text":"ما هذه الخياطة؟ قال له: خطته لك كذلك لتلبسه إنَّ شئت على وجهه، وإنَّ شئت من باطنه. فقال له بشار: وأنا قد قلت فيك شعرا، إنَّ شئت جعلته مدحا وإنَّ شئت جعلته هجوا، ثم انشد:\nخاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء\nفأحاجي الناس طرا ... أمديح أم هجاء!\nويروى:\nخاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء\nفسل الناس جميعا ... أمديح أم هجاء!\nوهو على نصب الجزأين بليت.\nوما روي إنّه نشأ ببغداد غلامان أحدهما أبن حجام والآخر أبن مراق، فبرعا في الأدب. فخرجا ليلة وهما ثملان من نبيذ. فأخذهما العسس فأتوا بهما إلى صاحبهما. فلما مثلا بين يديه قال لهما: ما أخرجكما جوف الليل؟ فقالا: القدر والقضاء. فقال من أنتما؟ فقال أبن المراق:\nأنا أبن الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإنَّ نزلت يوما فسوف تعود\nترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود\nوقال أبن الحجام:\nأنا أبن من ذلت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها\nتأتيه طوعا إليه خاضعة ... يأخذ من مالها ومن دمها\nفقال في نفسه: الأول من أبناء الكرام، والثاني من أبناء الملوك. فقال لأعوانه: خلوا عنهما، فإنه بلغنا عن رسول الله ﷺ إنّه قال: اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. فلما انصرفا أخبر بأمرهما، فاسترجعهما بالغد وقال لهما: ويحكما! خدعتماني. فقالا: ما خدعناك إلاّ بما هو صفة والدينا. فلما تأمل كلامهما وجده صدقا وقال: انطلقا! من لم ين منكما شريف فلقد كان ظريفا. وما روي عن أبي الفرج الجوزي، ﵁، إنّه كان في مجلسه في السنية والشيعة، فسأله سائل، أي الناس كان احب إلى رسول الله ﷺ، أبو بكر أم علي؟ فتغافل، فقيل ما عندك! فقال: أحبهما إليه من كانت ابنته تحته.","vol":"2","page":234},{"text":"ويروى: أفضلهما من كانت ابنته تحته على إنَّ السؤال كان على الأفضلية. ففهم السنية أبا بكر وفهم الشيعة عليا ورضي الفريقان. ومحاسن هذا النوع أكثر من أن تحصى. وقد خرجنا عن الغرض فلنعد إلى المقصود. وقال أبو محمّد الحريري:\nيقولون إنَّ جمال الفتى ... وزينته أدب راسخ\nوما أن يزين سوى المكثرين ... ومن طود سودده شامخ\nفأما الفقير فخير له ... من الأدب القرص والكامخ\nوأي جمال له أن يقال ... أديب يعلم أو ناسخ\nالكامخ: شيء يؤتدم به أو طعام يتخذ من الحنطة واللبن على أنواع والعرب كانت لا تعرفه. وقدم لأعرابي فقال: ما هذا؟ فقيل له: كامخ. فقال: مم صنع؟ فقيل: من الحنطة واللبن. فقال: أبوان كريمان وما أنجبا وقلت:\nإذا المرء إن أرضيته كان لي أخا ... وإن أس عادني فما هولي بأخ\nفلا خير في ود امرئ ليس صافيا ... تراه بأدران المساوي قد اتسخ\nولا خير في ود يكون تكلفا ... ولا في ودود حيث لنت له شمخ\nوما الود إلاّ ما تكنفه الحشا ... متى تهزز الأحداث أغصانه رسخ\nوقلت أيضًا في هذا المعنى:\nولا تبت من فتى على ثقة ... ولا يغرن حجاك من آخى\nحتى تراه لدى النوائب إن ... قاضيه في الحاجات هل ساخى\nوعند سعي الوشى هل ثبتت ... رجلا حشاة في الود أم ساخا\nسخى الأول فاعل من السخاء وهو الكرم وساخ الثاني من ساخ يسوخ ويسيخ إذا هوى في الطين ونحوه وفيهما يكون الجناس التام.\nولنكتف بهذا القدر من هذا الباب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"2","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>باب الدال المهملة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>دردب لمّا عضه الثقاف</span>.\nالدردبة عدو على الخوف وهو أن يجري ويلتفت وراءه من الخوف. وعضضت الشيء بالكسر كعلمت وبالفتح كمعت: أمسكته بأسناني أو بلساني ثم يستعمل العض فيما يشبه هذا من إلمام الحوادث ووقع الخطوب: والثقاف بالكسر الخصام والمجادلة. ويقال: ثقفة كعلمه إذا صادفه أو أخذه أو أدركه وظفر به. قال الشاعر:\nمن يثقفن منهم فليس بآئب ... أبدًا وقتل بني قتيبة شاف\nوقال ذو الكلب الهذلي:\nفإما تثقفوني فاقتلوني ... فإنَّ أثقف فسوف ترون بالي\nوالثقاف أيضًا بالكسر الخشبة تسوى بها الرماح وهو المقصود في هذا المثل. فمعنى دردب لمّا عضه الثقاف: خضع وذل. ومضربه واضح. وقال عمرو بن كلثوم:\nإذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا\nوثقف الرمح بالثقاف تثقيفا: سويته وقومته فهو مثقف ومقوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>دفعت إليه الشيء برمته</span>.\nالدفع هنا الإعطاء. والرمة بالضم القطعة من الحبل البالية. ودفع رجل لآخر بعيرا في رقبته حبل فقيل: دفعه إليه برمته وذهب مثلا لكل من أعطى الشيء أو أخذه بأجمعه. قال الأعشى يخاطب خمارا:","vol":"2","page":237},{"text":"فقلت له: هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقدادها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>دع بنيات الطريق</span>.\nدع: معناه اترك أصله الودع وهو الترك لكن لم يستعمل هذا المصدر إلاّ قليلا كقوله ﷺ: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة الحديث. ولم يستعمل منه أيضًا الماضي إلاّ قليلا كقوله ﷺ: دعوا الحبشة ما ودعوكم. وقرئ: ما ودعك ربك وما قلى، بالتخفيف من هذا وإنّما المستعمل منه كثيرًا المضارع والأمر وهما بفتح عين الكلمة لمكان حرف الحلق نحو قع ويقع. وقد علمت من هذا إنَّ حق هذا الحرف أن يذكر في باب الواو ولكن كتبناه في هذا الباب تقريبا لمّا أن الواو مستهلكة لا تظهر كما مر نظيره في حرف التاء. وبنيات الطريق الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الكبيرة وكأنها بنات لها من حيث إنها تنشأت عنها وخرجت منها. ثم أطلقوا بنيات الطريق على الأباطيل فضرب المثل عند أمر الرجل أن يقصد معظم الشأن ويدع سفساف الأمور. قال أبن منادر في قاضي البصرة:\nأي قاض أنت للنقض ... وتعطيل الحقوق؟\nيدع الحق ويهوي ... في بنيات الطريق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>دعوا دما ضيعه أهله</span>!\nالدم معروف وفيه لغات: يقال دم وهي الفصحاء وأصله دمو ودمي فحذفت اللام. ويقال دم بالتضعيف كقوله:\nأهان دمك فرغا بعد عزته ... يا عمرو بغيك إصرار على الحسد؟\nقد شقيت شقاء لا انقضاء له ... وسعد مرديك موفور على الابد\nويقال دمى بالقصر مثل فتى وعصى كقوله:\nكأطوم فقدت برزغها ... أعقبتها الغبس منها عدما","vol":"2","page":238},{"text":"غفلت ثم أتت تطلبه ... فإذا هي بعظام ودما\nالأطوام بوزن صبور البقرة والبرزغ ولدها والتضييع معروف. وهذا المثل من كلام جذيمة الأبرش المتقدم ذكره.\nوكانت الزباء لمّا احتالت على قتلته كما مر قيل لها: احتفظي بدمه فإنه إن يضع وتقع منه قطرة بالأرض طلبت بثأره. فلما قبضت على جذيمة وأجلس على النطع وجعل الخدم يقطعن رواشيه قالت الزباء: لا تضيعن دم الملك! فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله! والمعنى: اتركوا دما أراقه أهله! أي مستحقوه وهم الزباء أي فلا يهولنكم ضياعه ولا يهمكم حفظه ولا تتخوفوا إذا ضاع أن تطالبوا به لأنكم لم تريقوه ظلما. وهذا كما في الرواية الآخرى: لا يحزنك دم أرقه أهله! يخاطب الزباء. وتقدمت القصة مستوفاة. وجذيمة يحتمل أن يكون في هذه الرواية عبر بتضييع الدم عن إراقته مجازا ليشاكل لفظ الزباء؛ ويحتمل أن يريد معناه لصحته في المعنى؛ وقد يكون جذيمة أراد أهله هو وأنهم ضيعوا دمه فيقول: إنَّ دما جمعه وواليه ز خانه ناصره وحاميه جدير أن يحتفظ عليه وأن يضيع ولا يلتفت إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>دعوا دعوةً كوكبيةً</span>.\nالدعاء: الرغبة إلى الله تعالى دعا له وعليه يدعو دعاء والمرة منه دعوة. والكوكبية: قرية كان أهلها ظلمهم عامل فدعوا عليه دعوة فمات عقبها فضرب المثل بذلك.\nومما يشبه هذا ما حكاه صاحب المدخل أنَّ قرية من أعمال السودان كان أهلها إذا ولى عليهم سلطان عاملا فانبسط عليهم دعوا فهلك. فلما أعيا السلطان أمرهم وتحير قام إليه بعض الحاضرين فقال: أنا ألي عليهم! فولاه السلطان بعد أن عرفه بكنه الأمر. فذهب ذلك الوالي فغصب ملحا واستصحبه معه ولم يكن في بلد السودان الملح. فلما بلغ موضع عمله قعد في المسجد ولم يصعد إلى موضع الأمير. فقالوا له: ألا تصعد إلى موضعك؟ فقال: إنما جئت على أن أكون واحدا منكم وأباشركم ولا أصدر إلاّ عن","vol":"2","page":239},{"text":"رأيكم أو كما قال. وبقى على ذلك حتى أعجبهم وحسنوا به الظن. فتمارض حينئذ فسألوه عن موجب مرضه فقال لهم: موجب المرض فقد الملح. فقالوا: نأتيك بالملح. فقال: لا أعرف أصله وإنَّ عندي ملحا بالبلد أعرف جهته وأصله فلعله يكون فيه الشفاء. فإن أردتم أن أرسل من يأتي به وإلاّ فلا. فأذنوا له فأرسل إليه حتى بلغه ففرقه عليهم على وجه التبرك. فلما علم أنهم قد أكلوه قام إليهم ومد اليد إليهم وطلع إلى موضع الولاية حينئذ. وكان قبل يخشى من دعائهم لاقتياتهم الحلال الصرف. فلما دخل أجوافهم ذلك الملح علم أنَّ دعاءهم لا يسمع عليه وكان في القوم رجلان تفطنا لذلك فلم يأكلا ملحهما. فلما ظهر أمره أتياه بما عندهما لم يفسد شيئا منه. فلما علم أنهما قد بقيا هرب خوفا منهما.\nومثل هذا حكي عن الحجاج لمّا دخل العراق واليا وكانوا لا يلي عليهم أحد ويظلمهم إلاّ دعوا فهلك. فلما خاف الحجاج من دعائهم طلب منهم أن يأتوه كلهم ببيضة بيضة لحاجة ذكرها وقعد على الصحن. فكل من أتى ببيضة أمره أن يطرحها في الصحن. فاستخفوا البيض منه وفعلوا ما أمرهم. فلما اجتمع البيض واختلط أمرهم أن يأخذ كل واحد بيضة وأراهم أنه قد بدا له في ذلك ورجع عما أراد. فأخذ كل واحد بيضة من البيض ولا يدري عين بيضته. فلما علم الحجاج أنهم تصرفوا في ذلك مد يده إليهم فدعوا عليه فمنعوا الإجابة. قال رحمه الله تعالى: ولأجل هذا كثرت المظالم وكثر الدعاء على فاعلها وقلت الإجابة أو عدمت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>دفن البنات من المكرمات</span>.\nالدفن معروف؛ والبنات جمع بنت؛ والمكرمة فعل الكرم.\nوهذا المثل مشهور ومثله المثل الآخر: نعم الصهر القبر! وقال الشاعر مضمنا المثل:\nالقبر أخفى سترةٍ للبنات ... ودفنها يروى من المكرمات\nأما رأيت الله عز اسمه ... قد وضع النعش بجنب البنات!\nوقول الآخر:\nأحب بنيتي وأود أني ... دفنت بنيتي في قعر لحدِ","vol":"2","page":240},{"text":"وشبه هذا قول الأمير أبن أبي حفصة:\nوفي الدار خافي صبيةٌ قد تركتهم ... يطلبون إطلال الفراخ من الوكرِ\nجنيت على روحي بروحي جنايةً ... فأثقلت ظهري بالذي خف من ظهرِ\nوالشعر في هذا المعنى كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>دقك بالمنحاز حبَّ القلقلِ</span>.\nالدق معروف. والمحاز بالحاء المهملة وبالزاي الهاون وهو المهراس. ونحزت الشيء: دققته. والقلقل بقافين مكسورين على مثل زبرج: نبن له حب اسود اصلب ما يكون من الحبوب حسن الشم. قال أبو النجم:\nوآضتِ البهمى كنبل الصقيل ... وطارت الريح يبيس القلقلِ\nوقد يقال في هذا المثل بفائين مضمومتين وهو الفلفل المعروف من الأبزار وجعله الأصمعي تصحيفا من العامة. ومن الناس من ادعى أنَّ هذا هو الصواب وأنَّ الأول هو التصحيف لأن حب القلقل بالقاف لا يدق. وهذا المثل يضرب في الإلحاح على الشحيح والحمل عليه وكأنه شطر بيت من الرجز.\nدقوا بينهم عطر منشمٍ.\nالدق مر؛ والعطر بالكسر معروف؛ ومنشم على مثال مجلس وعلى مثال مقعد قيل ويروى أيضًا مشئم بالهمز؛ ومن شم مفصولة. واختلف في معناه: فقيل منشم اسم الشر؛ وقيل المنشم يكون في سنبل العطر يسمى قرون السنان وهو سم ساعة. وقيل منشم اسم امرأة. واختلف في اشتقاقه أيضًا: فقيل منشم وضِع وضع الأعلام؛ وقيل مشتق من قولهم: نشم في الشيء إذا بدأ وأخذ فيه ويستعمل في الشر. وقيل هو مركب من اسم وفعل والأصل من شم على أنَّ شم فعل ماض من شم الرائحة وهو صلة من. ثم وصل وحذف الميم الثانية من الفعل وجعل الأعراب على الأولى. وعلى رواية مشأم فهو من الشؤم. واختلف أيضًا","vol":"2","page":241},{"text":"في سبب المثل ومعناه: فقيل إنَّ منشم اسم امرأة وهي بنت الوجيه وكانت عطارة بمكة. وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا الحرب تطيبوا من طيبها فكثرت القتلى فجعلوا يقولون: أشئم من عطر منشم.\nوقيل كانوا إذا أرادوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا أن يستميتوا في الحرب ولا يولوا. فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>دقوا بينهم عطر منشم</span>. فلما كثر منهم هذا القول صار مثلا للشر العظيم. قال زهير:\nتداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشمِ\nوقيل إنَّ منشم امرأة كانت تبيع الحنوط فسموا حنوطها عطرا في قولهم عطر منشم لأنهم أرادوا عطر الموتى. وأما من ذهب إلى أنه مركب فزعم أنَّ امرأة من العرب كانت تبيع العطر فورد عليها بعض أحياء العرب فأخذوا عطرها وفضحوها. فلحقها قومها ووضعوا السيف فيهم وجعلوا يقولون: اقتلوا من شم منطيبها! فبقي من شم اسما مركبا من هذا.\nوقيل إنَّ سبب المثل قتال يوم حليمة الذي قيل فيه: ما يوم حليمة بس. وكانت فيه الحرب بين الحارث بن أبي شمر ملك الشام وبين المنذر بن المنذر بن امرئ القيس ملك العراق. وأخرجت حليمة إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب الداخلين في الحرب فقاتلوا من أجل ذلك حتى تفانوا. وسيأتي شرح هذه القصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>دمث لنفسك قبل النوم مضطجعًا</span>!\nالتدميث: التسهيل. يقال: مكان دمث كفرح أي لين سهل. ودمث الشيء بالكسر يدمث دماثة فهو دمث. ودمثته أنا تدميثا: سهلته ولينته؛ والمضطجع بالفتح مكان الاضطجاع.\nوالمعنى أنك إذا أردت أن تنام فسو المكان ولينه وأزل ما فيه من الخشونة قبل اضطجاعك! يضرب في الاستعداد للنوائب قبل نزولها. ومثله قول تأبط شرا:\nولكن أخو الحزم الذي ليس نازلًا ... به الأمر إلاّ وهو للقصد مبصرُ\nوقول الآخر:\nولكن من لا يلق أمرًا ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزلُ","vol":"2","page":242},{"text":"وقول أم المؤمنين عائشة ﵂ في عمر ﵁: كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها. ويروى إنَّ من رأى عمر أبن الخطاب علم أنه خلق غناءً للاسلام. كان والله أحوذيًا. . الخ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>الدم لا ينام</span>.\nهذا المثل من كلام قصير بن سعد لجذامة حيث شاورهم على الخروج إلى الزباء فقال له قصير: إنَّ الزباء قتلت أباها والدم لا ينام وتقدم ذلك مشروحا. والمراد أنَّ من كان له قبلك ثأرٌ وثبت له عندك دم لا يغفل عنك وعن أخذ ثأره منك ليلا ولا نهارا ولا يكن منه سلم صحيح ولا مصافحة خالصة أبدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>دهدرين، سعد القين</span>.\nدهدرين بضم الدالين وفتح الراء المشددة، وقد اختلف فيه: فقيل هو اسم مبنى بصيغة المثنى؛ وقيل هو تثنية دهدر وهو الباطل. ويقال أيضًا دهدن بالنون على وزنه. قال الراجز:\nلأجعلن لابنه عمرو فنا ... حتى يعود مهرها دهدنا\nوهو في هذا المثل منصوب بفعل مضمر وسعد منادى وهو قين كان ادعى أنَّ اسمه سعد زمانا ثم تبين كذبه والقين وصف له فقيل له ذلك أي جمعت كذبا إلى كذب يا سعد الحداد! وقيل إنَّ دهدرين اسم فعل مبني بمعنى بطل كما بني شتان وهيهان وسعد فاعله والقين وصف له. والمعنى: بطل سعد القين. والمراد بطلان استعماله لتشاغل الناس عنه بالقحط. وحذف تنوين سعد في هذا الوجه تخفيفا لكثرة الاستعمال نحو: ولا ذاكر الله إلاّ قليلا. وقيل إنَّ دهدرين موضعه رفع على الابتداء كأنه قيل: كلامك باطل أو فعلك باطل. وكذلك سعد أي أنت سعد القين أي مثله. وقيل إنّه مركب وأصله ده أمر من الدهاء وكان الأصل دهى ثم قلب فقيل داه بجعل اللام موضع العين كما قيل: لاع ولائع ودرين من قولك: در الشيء إذا تتابع. والمعنى: بالغ في الكذب يا سعد! وقد قيل إنه حداد عجمي يدور في اليمن. وكان إذا كسد في مخلاف قال بالفارسية: ده بدرود أي بالوداع","vol":"2","page":243},{"text":"يخبرهم إنّه يخرج غدا ليستعملوه، فعرفوا به المثل في الكذب والباطل. وقالوا: إذا سمعت بسرى القين فانه مصبح، وقد تقدم ورواه بعضهم: دهدرين وسعد اليقين بالواو ونصب سعد. وروى آخرون: دهدرى مقصود بغير نون التثنية، وقالوا موضعه في ضرب المثل إذا رد على مخبر خبره، أو على فعله، أو حمق أحمق. وروى آخرون: دهدرين ساعد اليقين.\nوالمقصود من ذلك كله واحد وهو الباطل باللغو. فيضرب عند التكذيب للحديث وادعاء بطلان الأمر. وقال أبو زيد: يقال للرجل يهزأ به: طرطبين ودهدرين ودهدرا وسعد القين.\nوللنا في هذا اللفظ أقاويل هذا حاصلها، والله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>الدهر حبلى لا يدرى ما تلد</span>.\nالدهر بفتح فسكون، وتحرك الهاء الزمان الطويل، والزمان الممدود، أو ألف سنة: هذا قول اللغويين. وللفلاسفة فيه كلام بيناه في علم الكلام؛ والحبلى: الحامل. قال امرؤ القيس:\nفمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... وألهيتها عن ذي تمائم محول\nحبلت المرأة بالكسر، حبلًا، فهي حابلة، والجمع حبلة؛ وحبلى، والجمع حبليات وحبلى، والولادة معروفة. والمعنى أنَّ الدهر، لا نبهام الأقدار الجارية فيه، وخفاء التصاريف الواقعة بذويه، شيبه الحلبى المنبهم أمر ذي بطنها، لا تعرف له ذكروة ولا أنوثة، ولا كمال ولا نقص، ولا حسن ولا قبح، حتى تلد فيتبين ذلك. وكذا الدهر لا يعرف فيما يأتي به من الأقدار والحوادث، أخير أم شر، وزيادة أم نقص، وسعة أم ضيق، حتى يقع ذلك فيظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>أدهى من ثعلبٍ</span>.\nالدهاء والدهي: المكر وجودة الرأي. ورجل داهٍ ودهٍ وداهية، والجمع دهاة ودهون. وقد دهي الرجل بالكسر، دهيا ودهاء ودهاءة، وتدهى: فَعَلَ","vol":"2","page":244},{"text":"فِعْلَ الدهاء؛ والثعلب: الحيوان المعروف، وتقدم فيه كلام. وهو موصوف بالمكر والاحتيال مشهور بذلك، ومن مكره إنّه إذا رأى الغلبة عليه تماوت حتى لا يشك في موته فإذا غفل عنه وثب هاربا.\nومن مكره المحكي في الخرافات عند العرب انهم قالوا: إنَّ الضبع صادت ثعلبا فقالت: أخيرك يا ثعلب بين خصلتين، فاختر أيهما شئت. قال: ماهما؟ قالت: أما أنَّ أكلك، وأما أنَّ أنكحك. فقال الثعلب: أما تذكرين يوم نكحتك؟ فقالت: متى؟ وانفتح فوها. فأفلت الثعلب وهرب. فضربوا به المثل بذلك وقالوا: عرض عليك خصلتي الثعلب. وقالوا أيضًا: إنَّ الثعلب اطلع على بئر وهو عطشان، وعليها رشاء ودلوان، فقعد في الدلو العليا، فانحدرت به إلى البئر حتى شرب وبقي هناك، فإذا بضبع اطلعت على البئر، فرأت بياض القمر انتصف الماء، والذئب قاعد في ضوئه، فقالت له: ما تصنع هنا؟ فقال لها: إني أكلت نصف هذه الجيفة وبقي نصفها وبقي نصفها، فانزلي تأكليها! قالت: وكيف انزل؟ قال: تقعدين في الدلو الآخرى. فلما التقيا في وسط البئر قالت له ما هذا؟ قال: كذا التجارب تختلف! فضربوا ذلك المختلفين في الأمور. ومثل هذه الحكايات كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>دار الفسوق جدث، وحديثه حدث</span>.\nهذا مثل مصنوع فيما أظن وهو ظاهر المعنى؛ والجدث بالجيم القبر. قال الشاعر:\nجدث يكون مقامه ... أبدًا بمختلف الرياح\nوالجمع أجداث واجدث. قال الآخر: أنشده الجوهري:\nعرفت بأجدث فنعاف عرق ... علامات كتحبير النماط\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>دون ذلك خرط القتاد</span>\nدون نقيض فوق وبمعنى أمام. ويكون ظرفا للمكان عن الغاية فيما يضاف اليه، ثم يطلق على كل رتبة أدنى من أخرى في الأمكنة والأزمنة والمعاني؛ والخرط النزع، وتقول: خرطت الشجرة خرطا إذا انتزعت الورق منها اجتذابا؛ والقتاد على","vol":"2","page":245},{"text":"مثال سحاب شجر صلب شوكه كالإبر شديد، يضرب به المثل كما قال أبو تمام:\nنثا خبر كأن القلب أمسى ... يجر به على شوك القتاد\nوقال أيضًا:\nغدت تستجير الدمع حوف نوى غد ... وعاد قتاد عندها كل مرقد\nوخرطه أشد شيء، فضرب المثل به. وتقدم مثله في حرف الهمزة. قال أبو المظفر:\nيا كم يساجلني وليس بمدرك ... شأوي وأين له جلالة منصبي\nلا تتعبن فدون ما حلولته ... خرط القتاد وامتطاء الكوكب!\nجدي معاوية الأغر سمت به ... جرثومة من طينها خلق النبي\nوروثته شرفا رفعت مناره ... فبنو أمية يفخرون به وبي\nوقال الآخر:\nمال أبن دارة دونه لعفاته ... خرط القتاد والتمس الفرقد\nمال لزوم الجميع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادى المفرد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>دون ذا وينفق الحمار</span>!\nدون تقدم معناه، والنفاق: الروجان، تقول، نفق البيع بالفتح ينفق، نفاقا على مثال سحاب إذا راج؛ ونفقت الدابة أو الرجل: مات؛ والحمار معروف. ودخل رحل السوق بحمار له يبيعه. فقام رجل يقال له أبو يار يمدح الحمار، وجعل يقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحبه: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! فذهب مثلا يضرب للمفرط في الثناء والمدح. ومعنى شاكه: شابه وقارب في المدح ولا تفرط من المشاكهة وهي المشابهة. وسيأتي المثل في الشبن. إن شاء الله.\nومن أمثال العامة في هذا الباب قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>دجاجة وتركل</span>.\nيضرب لاستبعاد الصولة من الضعيف، والدجاجة معروفة مثلة الأول والجمع دجاج، والركل ضرب الأرض برجل واحدة، وركض الفرس بالرجل، والأرض المركلة","vol":"2","page":246},{"text":"المكدود بحوافر الدواب. قال امرؤ القيس يصف فرسا:\nمسح إذا ما السحابات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركل\nويستعمل الركل، في لسان العرب، في الضرب بالرجل مطلقا، وهو المراد.\nثم نذكر من الشعر في هذا الباب ما تيسر، والله المستعان.\nقال طرفة بن العبد:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\nوإلى معنى هذا البيت أشار أبن شرف في لاميته بقوله:\nلا تسأل الناس والأيام عن خبر ... هما يبثانك الأخبار تطفيلا!\nوقال دريد بن الصمة:\nوهل أنا إلاّ من غزية إنَّ غوت ... غويت وإنَّ ترشد غزية أرشد\nوغزية قبيلة، وهي فيما أظن بفتح المعجمة وكسر الزاي. وهكذا رأيته في نسخة من الصحاح مضبوطا بالقلم، ويؤيده ما في القاموس من انهم يسمون غازية وغزية كغنية ولم يثبت في أسمائهم غزية. بلفظ التصغير. وقال من هذه القصيدة أيضًا:\nأمرتهم أمري بمنزعج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد\nوتمثل بهذا البيت أمير المؤمنين على كرم الله وجهه على المنبر، في قصة التحكيم حين وقع ما وقع من الحكمين يعاتب أهل العراق ويوبخهم على سفاهة رأيهم في ذلك وتوجيههم أبا موسى الأشعر، والقصة مشهورة. وعلى هذا البيت نبه أبن شرف بقوله في لاميته:\nيرى البليد البلايا بعد ما نزلت ... وذو الذكاء يرى الأشياء تبخيلا وقال الأسود بن يعفر:\nجرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد\nونظمه أبن شرف في لاميته بقوله:\nبادوا كأنهم للفرقة اتعدوا ... فلم يكن ذلك الميعاد ممطولا\nوقال الآخر:\nأجل إذا طالبت في طلب ... فالجد يغني عنك لا الكد!","vol":"2","page":247},{"text":"ونظمه أبن شرف بقوله:\nوالجد يغني الفتى عم كد مهجته ... فليغتد تكثير حرص المرء تقيلا!\nوقال الشاعر:\nالسيف يقطع وهو ذو صدإٍ ... والحد يفري الهام لا الغمد\nونظمه أبن شرف بقوله:\nوالنفس جوهرة ملبوسها صدف ... والسيف يقطع رذل الغمد مفلولا\nوقال:\nهل تنفعن السيف حليته ... يوم الجلاد إذا نبا الحد\nونظمه أبن شرف بقوله:\nورب سيف كهامٍ لا مضاء له ... وقد تراه محلى المد مصقولا\nوقال الآخر:\nوإنَّ أمرءًا يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلاّ ما جنى لسعيد\nونظمه أبن شرف بقوله:\nومن يعاقب بما تجني يداه بلا ... ظلم التجني فقد نال اليد الطولى\nوقال الآخر:\nوغيظ على الأيام كالنار في الحشى ... ولكنه غيظ الأسير على القد\nونظمه أبن شرف بقوله:\nلنا على الدهر غيظ ليس ينفعنا ... غيظ الأسير أسير القد مغلولا\nوقال الآخر:\nماذا لقيت من الدنيا وأجبه ... إني بما أنا باك منه محسودا!\nونظمه أبن شرف بقوله:\nقل للحسود على أشياء تحزنني: ... خذها احتقارًا وتهوينًا وترذيلا!","vol":"2","page":248},{"text":"وقال بعض العرب:\nإذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبرٍ أعضادها\nوجعلت أوصابها تعتادها ... فهن زروع قد دنا حصادها\nوقال الآخر:\nلقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي!\nوما أحسن قول عز الدين المقدسي في كتابه كلام الطيور والأزهار على لسان الغراب:\nأنوح على ذهاب العمر مني ... وحق أن أنوح وأن أنادي\nوأندب كلما عاينت ربعا ... حدا بهم لوشك البين حادِ\nيعنفني الجهول إذا رآني ... وقد ألبست أثواب الحدادِ\nفقلت له: اتعظ بلسان حالي ... فإني قد نصحتك باجتهادِ!\nوها أنا كالخطيب وليس عيبًا ... على الخطباء أثواب السوادِ\nألم ترني إذا عاينت ركبًا ... أنادي بالنوى في كل نادِ\nأنوح على الطول فلم يجبني ... بساحتها سوى خرس الجمادِ\nفأكثر في نواحيها نواحي ... من البين المفتت للفؤادِ\nفما من شاهدٍ في الكون إلاّ ... عليه من شهود الغيب نادِ\nفكم من رائحٍ فيها وغادٍ ... ينادي من دنوٍّ أو بعادِ\nلقد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي!\nوقال الحطيئة: وما قلت إلاّ بالذي علمت سعدُ وهذا مثل مشهور وصدر البيت:\nوتعذلني أبناء سعدٍ عليهم\nوهذا البيت من جملة أبيات له وهي من جيد شعره. يقول فيها:\nوإنَّ التي نكبتها عن معاشرٍ ... عليَّ غضابٍ أن صددت كما صدوا\nأتت آل شماش بن لأيٍ وإنّما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العدُ\nفإنَّ الشقي من تعادي صدورهم ... وذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا\nيسوسون أحلامًا بعيدًا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُ","vol":"2","page":249},{"text":"أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا!\nأولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا\nوإن كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا\nوإن قال مولاهم على جل حادثٍ ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا\nفكيف ولم أعلمهم خذلوك ... على معظمٍ ولا أديمكم قدوا؟\nمطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آبائهم وبنى الجدُ\nفمن مبلغ أبناء سعدٍ فقد سعى ... إلى السورة العليا لهم حازمٌ جلدُ\nرأى مجد أقوامٍ أضيع فحثهم ... على مجدهم لمّا رأى أنه الجهدُ\nوتعذلني أبناء سعدٍ \" البيت \"\nوقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:\nما لامرئٍ خاض في بحر الهوى عمر ... إلاّ وللبين فيه السهل والجدُ\nكما نما البين من إلحاحه أبدًا ... على النفوس أخ للموت أو ولدُ\nوقال يخاطب محمد بن يوسف:\nواعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إنَّ العلى حسنٌ في مثلها الحسدُ!\nوقال أيضًا في وداعه لعلي بن الجهم يمدحه:\nهي فرقةٌ من صاحب لك ماجدٍ ... فغدًا إذابة كل دمعٍ جامدِ\nفافزع إلى ذخر الشؤون وغربه: فالدمع يذهب بعض جهد الجاهدِ\nفإذا فقدت أخًا فلم تفقد له ... دمعًا ولا صبرًا فلست بفاقدِ\nومنها:\nإن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاءٍ تالدِ\nأو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ\nأو نفترق نسبًا يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ\nوقال أيضًا من قصيدة أخرى:\nسقته ذعافًا غارة الدهر فيهم ... وسم الليلي فوق سم الأساودِ","vol":"2","page":250},{"text":"ومنها:\nغدا قاصدا للحمد حتى أصابه ... وكم من مصيبٍ قصده غير قاصد!\nومنها:\nيصد عن الدنيا إذا عنَّ سؤددٌ ... ولو برزت في زي عذراء ناهد\nإذا المرء لم يزهد وقد صبغت له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهد\nوقال أيضًا من أخرى:\nإذا انصرف المحزون قد فل صبره ... سؤال المغاني فالبكاء له ردُ\nومنها:\nنوى كانقضاض النجم كانت نتيجة ... من الهزل يومًا إنَّ هزل الهوى جدُ\nفلا تحسبا هندا لها العذر وحدها ... سجية نفسٍ كل غانيةٍ هندُ\nومنها:\nوقدٌ من الأيام وهي قديرةٌ ... وشر السجايا قدرةٌ حازها حقدُ\nإساءة دهرٍ أذكرت حسن فعاله ... إلي ولولا الشري لم يعرف الشهدُ\nوقال أيضًا:\nومن يأذن إلى الساعين يسلق ... مسامعه بألسنةٍ حدادِ\nوقال أيضًا:\nولكم عدوقال لي متمثلًا: ... كم من ودودٍ ليس بالمودودِ!\nومنها:\nوإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسودِ\nلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العودِ\nلولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسودِ\nيعطي لها البشرى الكريم ويحتبي ... بردائها في المحفل المشهودِ\nبشرى الغنى أبي البنات تتابعت ... بشراه بالفارس المولودِ\nوقال أيضًا:\nوإني رأيت الوسم في خلق الفتى ... هو الوسم لا ما كان في الشعر والجلدِ","vol":"2","page":251},{"text":"وقال أيضًا:\nولكنني لم أحو وفرًا مجمعًا ... ففزت به إلاّ بشملٍ مبددِ\nولم تعطني الأيام نوما مسكنًا ... ألذ به إلاّ بنوم مشردِ\nوطول مقام المرء في الحي مخلقٌ ... لديباجته فاغترب تتجددِ!\nفإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ\nومنها:\nوليس يجلي الكرب رأي مسددٌ ... إذا هو لم يؤنس برمح مسددِ\nومنها:\nمحاسن أصناف المغنين جمةٌ ... وما قصبات السيف إلاّ لمعبدِ\nوقال ابيضا:\nأحلى الرجال من النساء مواقعًا ... من كان أشبههم بهن خدودا\nحتى إذا ما الشعر سود وجهه ... كان المسود بينهن مسودا\nومنه:\nما إن ترى الأحساب بيضًا وضحًا ... إلاّ بحيث ترى المنايا سودا\nومنها:\nأيقنت أنَّ من السماح شجاعةٌ ... تدمي وأنَّ من الشجاعة جودا؟\nومنها:\nإنَّ القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا\nهي جوهرٌ نثرٌ فإن ألفته ... بالشعر صار قلائدًا وعقودا\nفي كل معتركٍ وكل مقامٍ ... يأخذن منه ذمةً وعقودا\nوقال أيضًا:\nشاب رأسي وما رأيت مشيب ... الرأس من فضل شيب الفؤادِ\nوكذاك الرؤوس في كل بؤسٍ ... ونعيمٍ طلائع الأجسادِ\nطال إنكاري البياض وإن عمر ... ت شيئا أنكرت لون السوادِ!\nومنها:\nوضياء الأمور أفسح في الطرف ... وفي القلب من ضياء البلادِ","vol":"2","page":252},{"text":"ومنها:\nغير أنَّ الربى إلى سبل الأنواء ... أدنى والحظ حظ الوهادِ!\nومنها:\nكأنَّ شيء غثٌ إذا عاد والمعروف ... غث ما كان غير معادِ\nوقال أيضًا:\nوما شيء من الأشياء أمضى ... على المهجات من رأي سديدِ\nوقال أيضًا:\nلم تنكرين مع الفراق تبلدي ... وبراعة المشتاق أن يتبلدا؟\nوقال أيضًا:\nوالسيف أعمى غير أنَّ غراره ... يقظٌ إذا هادٍ نحاه لهادِ\nومنها:\nومن العجائب شاعرٌ قعدت به ... هماته أوضاع عند جوادِ\nوقال أيضًا:\nما كل من شاء استمرت بالندى ... يده ولا استوطا فراش الجودِ\nوقال أيضًا:\nوكذا المنايا يطأن بمنسمٍ ... إلاّ على أعناق أهل الؤددِ\nوقال أيضًا:\nلو يعلم الناس علمي بالزمان وما ... عاثت يداه لمّا ربوا ولا ولدوا!\nوقال أبو الطيب أحمد بن الحسن المتنبي:\nفما ترجي النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمودِ\nإنَّ نيوب الزمان تعرفني ... أنا الذي طال عجمها عودي\nوفي ما قارع الخطوب وما ... آنسني بالمصائب السودِ\nوقال أيضًا من قصيدة:\nإذا كنت تخشى العار في كل خلوةٍ ... فلم تتصباك الحسان الخرائدُ\nومنها:\nأهم بشيءٍ والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطاردِ","vol":"2","page":253},{"text":"وحيدٌ من الخلان في كل بلدةٍ ... إذا عظم المطلوب قل المساعدُ\nومنها:\nولكن إذا يحمل القلب كفه ... على حالةٍ لم يحمل الكف ساعدُ\nومنها:\nأحقهم بالسيف من ضرب الطلا ... وبالأمن من هانت عليه الشدائدِ\nومنها:\nبذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ\nونظمه أبن شرف بقوله:\nوموت قومٍ حياةٌ عند غيرهم ... وقد أبى الدهر بين الناس تعديلا\nومنها:\nوكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائدُ\nومنها:\nفإنَّ قليل الحب بالعقل صالحٌ ... وإنَّ كثير الحب بالجهل فاسدُ\nوقال أيضًا من أخرى:\nلكل امرئ من دهره ما تعمدا\nومنها:\nومن يجعل الضرغام في الصيد بازه ... تصيده الضرغام فيمن تصيدا\nونظمه أبن شرف بقوله:\nولا تضمن ليثًا كي تصيد به ... فتغتدي خاتلًا للصيد مختولا\nومنها:\nوما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟\nإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا\nووضع النى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندا\nومنها:","vol":"2","page":254},{"text":"ودع كل صوتٍ غير صوتي فإنني ... أنا الصئح المحكي والآخر الصدا\nومنها:\nوقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا\nوقال أيضًا:\nيا عاذل العاشقين دع فئةً ... أضلها الله كيف ترشدها\nومنها:\nفعد بها لا عدمتها أبدًا: ... خير صلات الكريم أعودها\nوقال أيضًا:\nعش عزيزا أو من وأنت كريمٌ ... بين طعن القنا وخفق البنودِ!\nفرؤوس الرماح أذهب للغيظ ... وأشفى لغل صدر الحقودِ\nلا كما قد حييت غير حميدٍ ... وإذا مت، مت غير فقيدِ\nفاطلب العز في لظى ودر الذل ... ولو كان في جنان الخلدِ!\nيقتل العاجز الجبان وقد يعجز ... عن قطعٍ بخنق المولودِ\nويوقى الفتى المخش وقد خوَّ ... ض في ماء لبه الصنديدِ\nلا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودِ\nوقال أيضًا:\nيفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفذُ؟\nوقال أيضًا:\nوكم للهوى من فتى مندف ... وكم للنوى من قتيل شهيدِ!\nومنها:\nفما لك تقبل زور الكلام ... وقدر الشهادة قدر الشهودِ؟\nوقال أيضًا:\nوما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يومٌ يمر بمستعادِ\nومنها:\nفإنَّ الجرح ينفر بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فسادِ","vol":"2","page":255},{"text":"وإنَّ الماء يخرج من جمادٍ ... وإنَّ النار تخرج من زنادِ\nوقال أيضًا:\nسأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مردُ\nثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا ... كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا\nومنها:\nومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صدلقته بدُ\nيروح ويغدو كارها بوصاله ... وتضطره الأيام والزمان النكدُ\nوزعموا أنه قد قيل له إذ تنبأ: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ فقال: هذا البيت.\nوقال أيضًا:\nمن خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الهر شيئًا يحمدُ\nوقال أيضًا:\nإذا غدرت حسناء أوفت بعدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهدُ\nوإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فاذهب فما فركها قصدُ\nوإن حقدت لم يبق في قلبها رضى ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقدُ\nكذلك أخلاق النساء وربما ... يصل بها الهدي ويخفى بها الرشدُ\nومنها:\nيرمون شأوي في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى فيما سوى المنطق القردُ\nومنها:\nوأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ\nوقال أيضًا:\nأبى خلق الدنيا تدميه ... فما طلبي منها حبيبا تردهُ\nوأسرع مفعولٍ فعلت تغيرًا ... تكلف شيء في طباعك ضدهُ\nونظم الأول أبن شرف بقوله:\nقد يحتني الدهر من كفيك ما اجتنتا ... فكيف ما كان عن كفيك معزولا؟","vol":"2","page":256},{"text":"ومنها:\nوأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده\nومثله قول الإمام الشافعي ﵁:\nوأحق خلق الله بالهم امرؤٌ ... ذو همة يبلى بعيشٍ ضيقِ\nوبعده:\nفلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل نجدٌ كان بالمل عقدهُ\nودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زندهُ\nفلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجدهُ\nونظم هذا أبن شرف بقوله:\nلا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولا ... مالٌاذا لم يكن بالمجد مشمولا\nهكذا وجدته وكأنه تحريف وإنّما قال هكذا:\nلا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولا ... مجدٌ إذا لم يكن بالمال مشمولا\nأو هكذا:\nلا مجد إلاّ بمالٍ فالتمسه ولا ... مالٌ إذا لم يكن بالمج مشمولا\nومنها:\nإذا كنت في شك من السيف فابله: ... فإنما تنفيه وإما تعدهُ\nوما الصارم الهني إلاّ كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمدهُ\nوقال أيضًا:\nحسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحسادِ\nومنها:\nوكلام الوشاة ليس على الأحباب ... سلطانه على الأضدادِ\nإنما تنجح المقالة في المرء ... إذا وافقت هوى في القادِ\nومنها:\nقد يصيب الفتى المشير ولم يجهد ... ويشوي الصاب بعد اجتهادِ\nومنها:\nوإذا الحلم لم يكن في طباعٍ ... لم يحلم تقادم الميلادِ","vol":"2","page":257},{"text":"ومنها:\nإنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولادِ\nومنها:\nهذه دولة المكارم والرأ ... فة والمجد والندى والأيادي\nومنها:\nكيف لا يطرق الطريق لسيلٍ ... ضيقٍ عن أتيه كل وادِ\nوقال أيضًا:\nإذا أردت كميت اللون صافيةً ... وجتها وحبيب النفس مفقودُ\nماذا لقيت من الدنيا وأجبه؟ ... أني بما أنا باكٍ منه محسودُ\nومنها:\nالعبد ليس لحر صالح بأخٍ ... لو أنه في ثياب الحر مولودُ\nلا تشتري العبد إلاّ والعصا معه ... إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ!\nما كنت أحسبني أحيى إلى زمنٍ ... يسيء بي فيه كلبٌ وهو محمودُ\nومنها:\nإنَّ امرءًا أمه حبلى تدبره ... لمستضامٌ سخين العين مفؤودُ\nوعندها لذلك طعم الموت شاربه ... إنَّ المنية عند الذل قنديدُ\nوقال أيضًا:\nإنَّ في الموج للغريق لعذرًا ... واضحا أن يفوقه تعداده\nوقال أيضًا:\nوغيظٌ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القدِّ\nومنها:\nوليس حياء الوجه في الذئب شيمةً ... ولكنه من شيمة الأسد الوردِ\nوقال أيضًا:\nرأوك لمّا بلوك نابتةً ... يأكلها قبل أهله الرائدُ","vol":"2","page":258},{"text":"وخل زيًا لمن يحققه: ... ما كل دامٍ جبينه عابدُ\nومنها:\nفالأمر لله رب مجتهدٍ ... ما خاب إلاّ لأنه جاهدُ\nوقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري:\nغير مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوح باكٍ ولا ترنم شادِ\nوشبيهٌ صوت النعي إذا قيس ... بصوت البسير في كل نادِ\nومنها:\nتعبٌ كلها الحياة فما أعجب ... إلاّ من راغبٍ في ازديادِ!\nإنَّ حزنًا في ساعة الموت أضعا ... فقط سرور في ساعة الميلادِ\nخلق الناس للبقاء فضلت ... أمةٌ يحسبونهم للنفادِ\nإنّما ينقلون من دار أعما ... لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشادِ\nضجعة الموت رقدةٌ يستريح ... الجسم فيها والعيش مثل السهادِ\nومنها:\nزحلٌ أشرف الكواكب دارًا ... من لقاء الردى على ميعادِ\nوالنار المريخ من حدثان ... الدهر مطفٍ وإن علت في اتقادِ\nومنها:\nوإذا البحر غاض عني ولم أرو ... فلا ري بادخار الثمادِ\nكل بيتٍ للهدم ما تبنتني الور ... قاء والسيد الرفيع العمادِ\nوالفتى ظاعنٌ ويكفيه ظل ... السدر ضرب الأطناب والأوتادِ\nبان أمر الإله واختاف النا ... سُ فداعٍ إلى الضلال وهادِ\nوالذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدثٌ من جمادِ\nواللبيب اللبيب من ليس يغتر ... بكونٍ مصيره للفساديِ\nوقال أيضًا:\nأحسن بالأحد من وجده ... صبرٌ يعين النار في زنده\nومن أبى في الرزء إلاّ الأسى ... كان أساه منتهى جهدهِ","vol":"2","page":259},{"text":"ومنها:\nوالشيء لا يكثر مداحه ... إلاّ إذا قيس إلى ضدهِ\nلولا عضى نجدٍ وقلامه ... لم يثن بالطيب على رندهِ\nليس الذي يبكي على وصله ... مثل الذي يبكي على فقدهِ\nوالطرف يرتاح إلى غمضه ... وليس يرتاح إلى سهدهِ\nومنها:\nإن لم يكن رشد الفتى نافعًا ... فغيه أنفع من رشدهِ\nومنها:\nلو عرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبدهِ\nأمس الذي مر على قربه ... يعجز أهل الأرض عن ردهِ\nومنها:\nسلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عندهِ\nلا يعدم الأسمر في غابه ... حتفًا ولا الأبيض في غمدهِ\nوقال أيضًا:\nأفوق البدر يوضع لي مهاد ... أم الجوزاء تحت يدي وسادُ؟\nقنعت فخلت أنَّ النجم دوني ... وسيان التقنع والجهادِ\nوأطربني الشباب غداة ولى ... فليت سنيه صوتٌ يستعادُ!\nوليس صبًا يعاد وراء شيبٍ ... بأعوز من أخي ثقةٍ يفادُ\nومنها:\nسفاهٌ ذاد عنك الناس حلمٌ ... وغيٌ فيه منفعةٌ ورشادُ\nوقال أيضًا:\nثلاثة أيامٍ هي الدهر كله ... وما هو غير الأمس واليوم والغدِ\nومنها:\nوقد يجتدى نيل الغمام وإنّما ... من البحر فيما يزعم الناس يجتدي\nويهدي الدليل القوم والليل مظلمٌ ... ولكنه بالنجوم يهدي ويهتدي","vol":"2","page":260},{"text":"ومنها:\nوليس قضيب الهند إلاّ كنابتٍ ... من القصب في كف الهدان المعردِ\nالهدان على مثال كتاب: الجبان ويقال هو الأحمق الثقيل.\nومنها:\nأرى المجد سيفًا والقريض نجاده ... ولولا نجاد السيف لم يتقلدِ\nوخير حمالات السيوف حمالٌ ... تحلت بأبكار الثناء المخلدِ\nوقال أيضًا:\nكذاك الليالي ما يجدن بمطلبٍ ... لخلقٍ ولا يبقين شيئًا على عهدِ\nوقال أيضًا:\nأرى العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا!\nوما نهنهت في طلبٍ ولكن ... هي الأيام لا تعطي قيادا\nفلا تلم السوابق والمطايا ... إذا غرضٌ من الأغراض حادا\nومنها:\nإذا ما النار لم تطعم ضراما ... فأوشك أن تمر بها رمادا\nفظن بسائر الأخوانشرًا ... ولا تأمن على سرٍّ فؤادا\nفلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لمّا طلعت مخافة أن تكادا\nتجنبت الأنام فما أواخي ... وزدت عن العدو فما أعادى\nولمّا أن تجهمني زماني ... جريت مع الزمان كما أرادا\nوقال أيضًا يخاطب خاله وقد سافر إلى المغرب:\nظعنت لتستفيد أخًا وفيًا ... وضيعت القديم المستفادا\nوقال طرفة بن العبد:\nوظلم ذوي القربى أشد وضاضةً ... على الحر من وقع الحسام المهندِ\nوقال عدي بن زيد:\nإذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه: ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي\nإذا ما رأيت الشر يبعث أهله ... وقام جنلت الشر للشر فاقعدِ","vol":"2","page":261},{"text":"وقال الأعشى:\nإذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا\nندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للموت الذي كان أرصدا\nوقال المهلبي:\nوكيف جحود القلب والعين تشهدُ؟\nوقال أيضًا:\nولا خير فيمن لا يدم له عهدُ\nوقال الخريمي:\nوحسبك مني أن أود فأجهدا\nوقال الخوارزمي:\nلا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسدُ!\nعدوى البليد إلى الجليد سريعةٌ ... والجمر يوضع في الرماد فيخمدُ\nوقال عمر بن أبي ربيعة:\nحسنٌ في كل عينٍ من تود\nوقال أيضًا:\nوكل ريحٍ لها هبوبٌ ... يوما فلا بد من ركودِ\nوقال الآخر:\nإذا أكل الأحباب لحمي بغيبةٍ ... فأهون منه ما ستأكله الدودُ!\nوقال الآخر:\nإذا قل عقل المرء قلت همومه ... ومن لم يكن ذا مقلةٍ كيف يرمدُ؟\nوقال الآخر:\nإذا كان غير الله للمرء عدةً ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد\nوقال الآخر:\nتخونون عهدي في الهوى وأحبكم ... كذا الورد محبوبٌ وليس له عهد","vol":"2","page":262},{"text":"وقال الآخر:\nتشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي!\nوقال الآخر:\nتصافحت الأكف وكان أشهى ... إلينا لو تصافحت الخدودُ\nوقال الآخر:\nتعدون ذنبًا واحدًا إن جنيته ... عليكم ولا أحصي ذنوبكم عدا\nوقال أبو الطيب:\nتفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد\nوقال الآخر:\nثوبي على من كسوت في نظري ... أزين من كونه على جسدي\nوقال الآخر:\nجامل عدوك ما استطعت فإنما ... بالرفق يطمع في صلاح الفاسد!\nوقال الآخر:\nجدلي يعفوك يا من دأبه الجود ... فالجود عندك مأمول ومعهود\nوقال الآخر:\nجعلت إليك يا ربي انقطاعي ... إذا انقطع العباد إلى العبادِ\nوقال الآخر:\nحاشاك أن يقبض الزمان يدي ... عن نيل سؤالٍ وأنت لي عضدُ\nومثله:\nحاشاك يا قوتي ويا سندي ... يضعف ركني وأنت لي سندُ\nوقال الآخر:\nحسبي بقلبي شاهدٌ لك في الهوى ... والقلب أعدل شاهدٍ يشهدُ\nوقال الآخر:\nذو العقل يسخو بعيش ساعته ... وبالذي بعدها تشح يده\nغيره:\nرأيت دنو الدار ليس بنافعٍ ... إذا كان ما بين الفؤاد بعيدا","vol":"2","page":263},{"text":"غيره:\nرسول الله كذبه الأعادي ... فلا تجزع لتكذيب الجحودِ!\nغيره:\nرينك الله في القلوب كما ... زين في قلب والدٍ ولدا\nغيره:\nسقى الله أيامًا تقضت بقربكم ... كأني بها قد كنت في جنة الخلدِ!\nغيره:\nسقى الله دهرًا لم أبت فيه ليلةً ... من العمر إلاّ من حبيبٍ على وعدِ!\nغيره:\nصحح لنا والدةً أولًا ... وأنت في حل من الوالدِ\nغيره:\nصل من دنا وتناس من بعدا: ... لا تكرهن على الهوى أحدا!\nغيره:\nطعم عيشي مرٌ إذا لم تزرني أبدًا ... قصير عمر الأعادي والمواعيدِ\nغيره:\nقد جن أصحابك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة!\nغيره:\nقد حفظوا القرآن واستعملوا ... ما فيه إلاّ سورة المائدة!\nغيره:\nقد يصاد القطا ويغدو سليما ... ويحل البلاء بالصيادِ\nغيره:\nقلَّ الثقات فإن ظفرت بواحدٍ ... فاشدد يديك وأين ذاك الواحدُ؟\nغيره:\nقليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفسادِ","vol":"2","page":264},{"text":"غيره:\nكل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسادِ\nغيره:\nكلما زادت الذبالة ضوءًا ... كان أدنى لها إلى الإخمادِ\nغيره:\nكلما قلت أعتق الشكر رقي ... صيرتني لك المكارم عبدا\nغيره:\nكلوا اليوم من رزق الإله وابشروا: ... فإنَّ على الرحمن رزقكم غدا!\nغيره:\nكم تائه بولايةٍ ... وبعزله يغدو البريد!\nغيره:\nلأخرجن من الدنيا وحبكم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد\nغيره:\nلمائدةٍ موضوعةٍ ألف عائبٍ ... وعيب التي لم توضع الدهر واحدُ\nغيره:\nلم أبك من زمن أشكو مساءته ... إلاّ بكيت عليه حين أفقده\nغيره:\nلو علمنا مجيئكم لفرشنا ... تحت أقدامكم بساط الخدودِ\nغيره:\nليس في العلمين أفقنع مني ... أنا أرضى بنظرةٍ من بعيدِ\nغيره:\nما كلف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يدٌ إلاّ بما تجدُ\nغيره:\nمعاتبة الأحباب تحسن مرةً ... فإن أكثروا منها تؤول إلى الصدِّ\nغيره:\nمن لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكبادِ","vol":"2","page":265},{"text":"غيره:\nنعم الإله على العباد كثيرةٌ ... وأجلهن نجابة الأولادِ\nغيره:\nوأحسن من وجه الصنيعة شكرها ... وأقبح من حرمان نعمى جحودها\nغيره:\nوإذا صفا لك من زمانك واحدٌ ... فهو المراد وأين ذاك الواحدُ؟\nغيره:\nوحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... شجونًا فزدني من حديثك يا سعدُ!\nغيره:\nودع ظلم العباد فليس شيءٌ ... أضر عليك من ظلم العبادِ!\nغيره:\nوكل أخٍ عند الهوينا ملاطفٌ ... ولكنما الإخوان عند الشدائدِ\nغيره:\nوكنت من الناس في محفلٍ ... فقد صرت في محفلٍ من قرودِ!\nغيره:\nولا بدلي من خفةٍ في وصاله ... فمن لي بخلٍّ أودع العقل عندهُ؟\nغيره:\nولرب عودٍ قد يشق لمسجدٍ ... نصفًا وآخره لبيت يهودي!\nغيره:\nولربما نال المراد مرفهٌ ... لم يسع فيه وخاب سعي الجاهدِ\nغيره:\nوليس قريبًا من تخاف بعاده ... ولا من يرجى قربه ببعيدِ\nغيره:\nوما الدهر إلاّ ما ترى: فتى علت ... يداك بدنيا فاصطنع بهما يدا!\nغيره:\nوما الشعر إلاّ روضةٌ راق زهرها ... ولا سيما إن كان قد وقع الندا","vol":"2","page":266},{"text":"غيره:\nوما المال والأيام إلاّ معرةٌ: ... فما استطعت من معروفها فتزودِ\nغيره:\nوما حملت من ناقةٍ فوق راحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمدِ\nوهذا أصدق بيت قاله شاعر بعد قول لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل!\nغيره:\nوما كان طرفي بالسهاد معودا ... ولكنه لمّا هجرتم تعودا\nغيره:\nوما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يومٌ يسر بمستعادِ\nغيره:\nويفسد بالإكثار ما هو صالحٌ ... ويصلح بالإقلال ما هو فاسدُ\nغيره:\nلا تحقرن صغيرًا في تقلبه ... إنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسد!\nغيره:\nوللشرارة نارٌ حين تضرمها ... وربما أضرمت نارًا على بلدِ\nغيره:\nلا تلق إلا بليلٍ من تواعده: فالشمس نمامةٌ والبدر قوادُ\nغيره:\nلا يحسد المرء إلاّ من فضائله ... لا عاش من عاش يومًا غير محسودِ!\nغيره:\nيا أخلاي هل يعود التداني ... منكم بالحمى يعود رقادُ؟\nغيره:\nيا رب من أسخطنا بجهده ... قد سرنا جهلًا بغير قصدهِ","vol":"2","page":267},{"text":"غيره:\nيا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عودًا وحرق عودا!\nغيره:\nيا من يعد الميتين تعجبًا ... عما قليل سوف تدخل في العدد\nغيره:\nيجود بالنفس إذ ضن الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ\nغيره:\nيدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريدُ\nغيره:\nيرى عاقبات الرأي والأمر عازبٌ ... كأن له في اليوم عينا على غدِ\nومثله:\nيرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كهانُ\nغيره:\nيشرون مثل ثيابه وعبيده ... أفيقدرون على شراء أسوده؟\nغيره:\nإلهي على كل الأمور لك الحمد ... فليس لمّا أوليت من نعمٍ حدُ!\nوقال ابن أبي عيينة:\nكل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسادِ\nومثله قول حبيب:\nأجرؤ لكني نظرت فلم أجد ... أجرأ يفي بشماتة الأعداءِ\nوقال الآخر:\nلم يبق إلا نفس خافت ... ومقلةٌ إنسانها باهتُ\nومدنفٌ تصرم أحشاؤه ... بالنار إلاّ أنه ساكتُ\nرق له الشامت مما به: ... يا ويح من يرثي له الشامتُ!\nويروى أنه قيل لأيوب ﵇: أي شيء كان في بلائك أشد عليك؟ فقال: شماتة الأعداء!","vol":"2","page":268},{"text":"وقال علقمة الفحل:\nويلم لذات الشباب معيشته ... مع تاكثر يعطاه الفتى المتلف الندي\nوقد يقصر القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجدِ\nالقل بالضم: الإقلال؛ وهمه: ما يهم بفعله من المكارم والعطايا فيمنعه الفقر من ذلك كما قال الإمام الشافعي ﵁:\nأرى نفسي تتوق إلى أمورٍ ... يقصر دون مبلغها مالي\nفنفسي لا تطاوعني لبخلٍ ... ومالي لا يبلغني فعالي\nوقال أيضًا:\nيا لهف نفسي على ملٍ أفرقه ... على المقلين من أهل المروءاتِ\nإنَّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيباتِ\nوفلان طلاع أنجد أي ذو أفعال كريمة ومآثر عظيمة؛ والأنجد جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض جعل طلوعه كناية عن البروز والاستعلاء وعدم الاستتار كقول الآخر:\nأنا أبن جلا وطلاع الثنايا\nوقول دريد بن الصمة:\nكميش الازار خارجٌ نصف ساقه ... بعيدٌ من السوءات طلاع أنجدِ\nوقال الآخر:\nلعمري ما يدري الفتى أي يومه ... وإن كان محروسًا على الرشد أرشدُ\nأفي عاجلات الأمر أم آجلاته ... أم اليوم أدنى للسعادة أم غدُ؟\nوقال المثقب:\nوللموت خيرٌ للفتى من حياته ... إذا لم يثب للأمر إلاّ بقائدِ\nويروى:\nإذا لم يطق علياء إلاّ بقائدِ\nوبعده:\nفعالج جسيمات الأمور ولا تكن ... هبيت الفؤاد همه للوسائدِ\nإذا الريح جاءت بالحمام تشله ... هذاليله شل القلاص الطرائدِ","vol":"2","page":269},{"text":"وأعقب نوء المرزمين بغبرةٍ ... وقطر قليل الماء بالليل باردِ\nكفى حاجة الأضياف حتى يريحها ... على الحي منا كل أروع ماجدِ\nتراه لتفريج الأمور ولفها ... لمّا نال من معروفها غير زاهدِ\nوليس أخونا عند شيء يخافه ... ولا عند خيرٍ إن رجاه بواحدِ\nإذا قيل من للمعضلات أجابه ... عظام اللهى منا طوال السواعدِ\nالهبيت الفؤاد: الضعيف، والهذاليل جمع هذلول وهو ما طال من الرمال. وهذاليل الريح: ما امتد منها؛ والمرزمان نجمان مع الشعريين.\nوقال حارث بن عمرو:\nإذا هتف العصفور طار فؤاده ... وليثٌ حديد الناب عند الثرائدِ\nوهذا الشعر هجا به أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. فقال عبد الملك بن مروان يوما لأمية هذا: مالك ولحرثان بن عمرو إذ يقول فيك: إذا هتف العصفور \" البيت \"؟ فقال: يا أمير المؤمنين وجب عليه حدّثني فأقمته عليه. فقال: هلا درأت بالشبهات عنه؟ فقال: كان حده أبين وكان زعمه علي أهون. فقال عبد الملك: يا بني أمية! أحسابكم أنسابكم لا تعرضوها للجهال: فإنه باق ما بقي الدهر والله ما يسرني أني هجيت بهذا البيت وأن لي ما طلعت عليه الشمس:\nتبيتون في المشتى ملئ بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا\nوما يبالي من مدح بهذين البيتين إلاّ يمدح بغيرهما:\nهنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا\nعلى مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذلُ\nقلت: وهذان البيتان لزهير وقبلهما:\nإذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الجحرة الأكلُ\nرأيت ذوي الحاجات حول بيتهم ... قطينا بها حتى إذا نبت البقلُ\nهنالك \" البيت \"\nوبعده\nوفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههم ... وأنديةٌ ينتابها القول والفعلُ","vol":"2","page":270},{"text":"على مكثريهم \" البيت \" قوله: إن يستخبلوا، الاستخبال أن يستعير الرجل من آخر إبلا يحلبها ويشرب ألبانها فإذا أخصب ردها. وأنكر بعضهم هذا اللفظ وقال: لعله قال يستخولوا والاستخوال يملكها إياه.\nوقوله: أن ييسروا يغلوا، يريد أنهم إذا يسروا بالقداح أعطوا سمان الإبل وأغلاها ثمنا. وتقدم هذا المعنى. وقال أعرابي كان يمنعه أبوه من الضرب في الأرض وطلب المعيشة شفقة عليه فكتب إلى أبيه:\nألا خلني أذهب لشأني ولا أكن ... على الناس كلا إنَّ ذا لشديدُ\nأرى الضرب في البلاد يغني معاشرا ... ولم أر من يجدي عليه قعودُ\nأتمنعني خوف المنايا ولم أكن ... لأهرب مما ليس عنه محيدُ؟\nفدعني أجول في البلاد لعلني ... أسر صديقًا أو يساء حسودُ\nفلو كنت ذا مالٍ لقرب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت سديدُ\nوسياتي ما قيل في هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى وقال كلثوم بن عمرو:\nإنَّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيًا وهو مجهودُ\nوللبخيل على أمواله عللٌ ... زرق العيون عليها أوجهٌ سودُ\nوكان كلثوم هذا كتب إلى صديق له: أما بعد أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة! فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس لها وتستريح القلوب إليها. وكنا نعفيها من النجعة استتماما لزهرتها وشفقة على خضرتها وادخارا لثمرتها حتى اصابها سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف واشتد علينا كدها وغابت عنا فضلها وكذبتنا غيومها وأخلفتنا بروقها وفقدنا صالح الإخوان فيها فانتجعتك وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك مع علمي بأنك نعم موضع الزاد وأنك نغطي عين الحاسد. والله يعلم أني ما أعدك إلاّ في حومة الأهل. وأعلم أنَّ الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل ولم يحضره الكثير لم يعرف","vol":"2","page":271},{"text":"جوده ولم تظهر همته. وأنا أقول في ذلك:\nظل اليسار إلى العباس ممدود ... وقلبه أبدًا بالمحل ممدودُ\nإن الكريم. . الخ قيل: فشاطره ماله حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه.\nواجتمع جماعة بباب دار عدي بن الرقاع فخرجت إليهم بنية له صغيرة فقالت لهم: ما تريدون؟ فقالوا لها: نريد أباك. فقالت: وما حاجتكم به؟ فقالوا: جئنا إليه نهاجيه. فقالت على الفور:\nتجمعتم من كل أوب ووجهةٍ ... على واحدٍ لا زلتم قرن واحدِ\nوقال أبو مسلم الخرساني:\nأدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا\nما زلت أسعى بجدي في دمارهم ... والقوم في غفلة الأيام قد رقدوا\nحتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحدِ\nومن رعى غنما في أرض مسبعةٍ ... ونام عنها تولى رعيها الأسدُ\nوقال الآخر:\nوأكرم نفسي إن أهنها لأنها ... وحقك لم تكرم على أحدٍ بعدي\nحدث الأصمعي قال: مررت في بعض سكك الكوفة فإذا رجل خرج من حش على كتفه جرة وهو يقول: وأكرم نفسي \" البيت \". قال: فقلت له: أبمثل هذا تكرمها؟ قال: نعم! وأستغني عن مسألة مثلك. فصاح: يا أصمعي! فالتفت فقال:\nلنقل الصخر من قلل الجبال ... أحب إلي من منن الرجال\nيقول الناس كسب فيه عارٌ ... وكل العار في ذل السؤال!\nوقال الآخر:\nيا أيها الأخوان أوصيكم ... وصية الوالد والوالدة\nلا تنقلوا الأقدام إلاّ إلى ... من ترتجي من عنده فائدة\nإما لعلم تستفيدونه ... أو لكريم عنده مائدة!","vol":"2","page":272},{"text":"وروي عن الأصمعي قال: لقيني أبو عمرو بن العلاء وأنا ماشٍ في بعض أزقة البصرة فقال: إلى أين يا أصمعي؟ قلت: لزيارة بعض إخواني. فقال: يا أصمعي إن كان لفائدة أو لمائدة وإلاّ فلا! وقال الآخر:\nولمّا رأيت الدهر أنحت صروفه ... علي وأوهت بالذخائر والعقد\nحذفت فصول العيش حتى رددتها ... إلى القوت خوفًا أن أجاء إلى أحد\nوقلت لنفسي: أبشري وتوكلي ... على قاسم الأرزاق والواحد الصمد\nفإلا تكن عندي دراهم جمةٌ ... فعندي بحول الله ما شئت من جلد\nوقال الآخر:\nإن يحسدوني فإني غير لائمهم: ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا\nفدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا عيطًا بما يجدُ\nأنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أردُ\nوقال أبو نواس:\nقد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا أشتد الزمان وساعدي\nفرميت منك بضد ما أملته ... والماء يشرق بالزلال الباردِ\nوقال أبن الضرير النهرواني:\nلا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعدِ\nكم دخلت لقمةٌ حشى شرهٍ ... فأخرجت روحه من الجسدِ\nوقال الوزير المهلبي في غلام قدمه معز الدولة على سرية من أبيات:\nجعلوه قائد عسكرٍ: ... ضاع الرعيل ومن يقوده\nوقال أبو الفتح أبن جني النحوي وقيل أبو منصور الديلمي:\nصدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نيةٍ فاسدة\nفقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحدة\nوقال الإمام السهروردي لمّا ضعف وكبر:\nيا رب لا تحيني إلى زمنٍ ... أكون فيه كلأ على أحدِ\nخذني قبل أن أقول لمن ... ألقاه عند القيام: خذ بيدي!","vol":"2","page":273},{"text":"وقال أبو محمد اليزيدي:\nعش بجد ولا يضرنك نوكٌ: ... إنما عيش من ترى بالجدودِ\nرب ذي إربةٍ مقل من الما ... لِو ذي عنجهيةٍ مجدودِ\nعش بجدٍّ وكن هبنقة القيس ... أو مثل شيبة بن الوليدِ\nوسبب قوله ذلك أنه تناظر هو والكسائي في مجلس المهدي وكان شيبة بن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي فهجاه بذلك والله اعلم. وقال السلامي يصف الدرع:\nيا رب سابغة حبتني نعمةً ... كافأتها بالسوء غير منفندِ\nأضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذل لكل مهندِ\nوقال الآخر:\nأخٌلك ما مودته بمذقٍ ... إذا ما عاد فقر أخيك عادا\nسألناه الجزل فما تلكى ... وأعطى فوق منيتنا وزادا\nفعدنا ثم عدنا ثم عدنا ... فأعطى ثم عدت له فجادا\nمرارا ما نعود إليه إلاّ ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا\nوقال الآخر:\nهجرتك لا قلي مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدودِ\nكهجر الحائمات الورد لمّا ... رأت أنَّ المنية في الورود\nتغيظ نفسها ظلمًا وتخشى ... حمامًا فهي تنظر من بعدِ\nتصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بألحاظ الورودِ\nوقال أبو نواس:\nليس من الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحدِ\nوهذا المعنى سبق إليه جرير فقال:\nإذا غضبت عليك بنو تميمٍ ... رأيت الناس كلهم غضابا\nإلاّ إنَّ قول أبي نواس أشمل. ومن هذا المعنى قول السلامي:\nفبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهرُ","vol":"2","page":274},{"text":"وأخذه الأرجاني فقال:\nقد زرته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار\nومنه أيضًا قول أبي الطيب:\nهي الغرض الاقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق\nوبيتا السلامي والارجاني أساس وأفخم مع انتقاض الزمن من بيت أبي الطيب إلاّ إنَّ قوله: وأنت الخلائق إن لم يقصره العرف ويقوم مقام قول أبي نواس في الشمول. وهذا المعنى موجود في بعض أبيات البوصيري في البردة في حق النبي ﷺ. وقول الأفوه الأودي:\nبني معاشر لم يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا\nلا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهم ... فالجهل منهم معا والغي ميعاد\nأضحوا كقيل بن عمرو في عشيرته ... إذ أهلكت بالذي قد قدمت عاد\nويروى: كانوا كمثل لقيم في عشيرته إذ أهلكت............. البيت.\nأو بعده كقدار حين تابعه ... على الغواية أقوام فقد بادوا\nوالبيت لا يبنى إلاّ له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وسكان بلغوا الأمر الذي كادوا\nوإن تجمع أقوام ذوو حسب ... اصطاد أمرهم بالرشد مصطاد\nلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جالهم سادوا\nونظمه أبن شرف بقوله:\nإذا تساوى الورى ضاعوا وحفظهم ... أن يجعلوا فاضلا منهم ومفضولا\nتهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد\nونظمه أبن شرف بقوله:\nفإن هم سودوا جهالهم هلكوا ... هلك الدليل إذا ما ضل مدلولا\nوقد علمت إنَّ ما يطابق آخر شطر البيت قبله:\nإذا تولى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم فازدادوا","vol":"2","page":275},{"text":"أمارة الغني أن تلقى الجميع لدى ... الابرام للأمر والأذناب اكتاد\nوبعده:\nحان الرحيل إلى قوم وإن بعدوا ... فهم صلاح لمرتاد وإرشاد\nفسوف أجعل بعد الأرض دونكم ... وإن دنت رحم منكم وميلاد\nإنَّ النجاة إذا ما كنت في تفر ... من لجة الغم أبعاد فأبعاد\nوالخير تزداد منه ما لقيت به ... والشر يكفيك منه قلما زاد\nوقال بشار:\nفخير منك ما لا خير فيه ... وخير من زيارتكم قعودي\nوسبب قوله ذلك إنّه تعشق امرأة فراسها مرارا. فلما ألح عليها شكته إلى زوجها فقال لها: أجيبيه وعديه أن يأتي هنا فوجهت إليه فجاء وزوجها معها ويشار لا يشعر فجعلا يتحدثان ثم قال لها بشار: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة. فقال:\nأمامة قد وصفت لنا بحسن ... وإنا نراك فالمسينا\nفأخذت يده ووضعتها على أير زوجها وقد أنعط من حسن ما سمع من حديثهما. ففزع ووثب قائما وقال:\nعلي ألية ما دمت حيا ... أمسك طائعا إلاّ بعود\nولا اهدي لأرض أنت فيها ... سلام الله إلاّ من بعيد\nطلبت غنيمة فوضعت كفي ... على أير أشد من الحديد\nفخير منك............... البيت.\nومثل هذا البيت في المعنى قول طرفة:\nفليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور\nمن الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور\nيشاركنا لنا رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور\nيقول: ليت لنا بدل هذا الملك وهو عمرو بن هند رغوثا أي شاة ترضع من الزمرات أي القليلات الصوف وضرتها أي لحم ضرعها مركنة مجتمعة ويعني إنّها قليلة الصوف صغيرة الجسم ومع ذلك يرضعها رخلان أي ولدان لها وهي هزيلة تعلوها","vol":"2","page":276},{"text":"الكباش للسفاد فما تنور أي ما تستطيع أن تنفر لهزلها. ومعلوم أنها إذا كانت على هذه الأوصاف لم يكن بها خير من صوف ولا لبن ولا لحم ومع ذلك فهي خير لنا من هذا الملك. وهذا الشعر كان سبب قتل عمرو بن هند طرفة، وسنشرح قصته بعد إن شاء الله تعالى. وقال عبيد بن الأبرص:\nلأعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي!\nوهو مثل سائر يضرب للرجل يضيع حق أخيه في حياته ثم يبكيه بعد الموت.\nيروى عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في بعض أسفاره فإذا بركب على الطريق فقال: ما وراءك؟ قال: أمر جليل. قال: ويحك ما هو؟ قال: مات خالد بن الوليد! فاسترجع عمر استرجاعًا طويلا فقالت له: يا أمير المؤمنين:\nألا أراك بعيد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي؟\nفقال: يا طلحة لا تؤنبني! وقال من شعراء الحماسة عمرو بن معدي كرب الزبيدي:\nليس الجمال بمئزرٍ ... فاعلم وإن رديت بردا!\nإنَّ الجمال معادنٌ ... ومناقبٌ أورثن مجدا\nومنها:\nكل امرئٍ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا\nومنها:\nكم من أخٍ لي ماجدٍ ... بوأته بيدي لحدا\nما إن جزعت ولا هلعت ... ولا يرد بكاي زندا\nألبسته أثوابه ... وخلقت يوم خلقت جلدا\nأغني غناء الميتين ... أعد للأعداء عدا\nذهب الذين أحبهم ... وبقي مثل السيف فردا\nوقال العباس بن مرداس السلمي:\nإذا طالت النجوى بغير أولى النهى ... أضاعت وأصغت خد من هو فاردُ","vol":"2","page":277},{"text":"فحارب فإنَّ مولاك حارد نصره ... ففي السيف مولى نصره لا يحارد\nالفارد: المنفرد؛ وحارد نصره: قل من قولك: حاردت الإبل إذا قل درها.\nوقال العباب العجلي:\nلعل الذي قاد النوى أنيردها ... إلينا وقد يدني البعيد من البعد\nوعل النوى في الدار تجمع بيننا ... وهل يجمع السيفان ويحكفي غمد؟\nومنها:\nفكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابيةٍ صلدِ\nكمرضعةً أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال عن القصدِ!\nوقال عقيل بن علفة المري:\nوأبغض من وضعت إلي فيه ... لساني معشر عنهم أذودُ\nولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهودُ\nولا ملق لذي الودعات سوطي ... ألاعبه وريبته أريدُ\nولست بصادر عن بيت جاري ... صدور العير غمره الورود\nالعير: الحمار؛ والتغمير: أن يشرب دون ري. يقول: لست بخارج من بيت جاري مريبا ألتفت وأتحير خشية أن أرى كالعير المزعج عن الماء قبل أن يروي أوّ لا أخرج متلفتا عاملا على العود إلى الريبة مرة أخرى كالعير المتلفت إلى الماء لبقاء العطش. وقال قيس بن كلثوم:\nقد يخطم الفحل قسرًا بعد عزته ... وقد يرد على مكروهه الأسد\nالخطم: أن يشد على البعير خطامه فيملك بذلك. وقال تأبط شرا:\nوإنك لو أصلحت ما أنت مفسدٌ ... توددت الأقصى الذي تتوددُ\nوكان لك أبن العم يحمي ذمامه ... ويمنعه حين الفرائص ترعد\nأخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك لها والمستعدون رقدُ\nوقال الفرزدق:\nوفي الأرض عن ذي الجود منأى ومبعدٌ ... وكل بلاد أوطنت كبلادِ","vol":"2","page":278},{"text":"وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن خلفنا حفير زياد؟\nوقال غسان بن وعلة:\nإذا كنت في سعد وأمك منهم ... غريبا فلا يغررك خالك من سعدِ\nفإنَّ أبن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأبٍ جلدِ\nوقال شبيل الفزاري:\nوما عن ذلةٍ غلبوا ولكن ... كذلك الأسد تفرسها الأسود\nوقال دريد بن الصمة:\nصبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: ابعد\nوكان الأصمعي يقول: هذا أحسن بيت قالته العرب! ومنها:\nوهون وجدي إنما هو فارط ... أمامي وأني هامة اليوم أو غد\nوقال عبد الله بن ثعلبة:\nلكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد\nوما إن يزال رسم دار قد أخلقت ... وعهد لميت بالفناء جديد\nفهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد\nوقال الآخر في أبن له:\nألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده\nوكيف يلام محزون ... كبير فاته ولده؟\nوقال رجل من خثعم:\nخلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد\nوهذا مثل مشهور. روي أنَّ حارثة بن الغداني خرج ومعه كعب مولاه. فجعل لا يمر بمجلس من بني تميم إلاّ قالوا: مرحبا بسيدنا! فقال كعب: ما سمعت قط كلاما أقر لعيني من هذا! فقال حارثة: ما سمعت كلاما أكره إلي منه! وتمثل بالبيت.\nويروى أيضًا أنَّ أمة مرت بابن جريج أحد علماء المدينة وهو يصلي وقد خط خطا بين يديه. فقالت: وا عجبا لهذا الشيخ وجهله بالسنة! فأشار إليها أن قفي! فلما أن قضى صلاته قال: ما رأيت من جهلي؟ فقالت: إنك تخط خطا تصلي عليه وقد","vol":"2","page":279},{"text":"حدثتني مولاتي عن أمها عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنّه قال: الخط الباطل لأن العبد إذا كبر تكبيرة الاحرام سدت ما بين السماء والأرض. فسألها أن تقفوه لمولاتها. ففعلت فحدثته بذلك وقالت: أتجهل وأنت من علماء المدينة؟ فقال عند ذلك: خلت الديار فسدت غير مسود.......البيت وقال الآخر:\nإنَّ المساءة للمسرة موعد ... أختان رهن للعشية أو غد\nفإذا سمعت بهالك فيتقنن ... إنَّ السبيل سبيله فتزود\nوقال رجل من بني قريع:\nمتى ما ير الناس الغني وجاره ... فقير يقولوا: عاجز وجليد\nوليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاط قسمت وجدود\nإذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد\nوكائن رأينا من غني مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد\nوقال المقنع الكندي:\nيعاتبني في الدين قومي وإنّما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا\nألم ير قومي كيف أوسر مرة ... وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا\nفما زادني الاقتدار منهم تقربا ... ولا زادني فضل الغنى منهم بعدا\nأسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطلقوا لها سدا\nومنها:\nوإنَّ الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا\nأراهم إلى نصري بطاء وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيت لهم شدا\nإذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن يهدوموا مجدي بنيت لهم مجدا\nوإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا\nوإن رجزوا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا\nولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا","vol":"2","page":280},{"text":"لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا\nوإني لعبد الضعيف ما دام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا\nوقال محمّد بن أبي شحاذ الضبي:\nإذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد\nإذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد\nإذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمة ورواعد\nإذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد\nوقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد\nإذا أنت لم تترك طعاما تحبه ... ولا مجلس تدعى إليه الولائد\nتجللت عارا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم والقصائد\nوقال أعرابي قتل أخوه ابنا له فقرب إليه ليقتنص منه فألقى السيف من يده وقال:\nأقول للنفس تأساء وتعزية: ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد\nكلاهما خلف من فقد صاحبه: ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي\nوقال أحد بني فقعس:\nوذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الأفناد\nناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصديق أعادي\nكيما أعدهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد\nالضباب: جمع ضب هو الحقد.\nوقال الآخر:\nتمنى لي الموت المعجل خالد ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده\nوقال الآخر:\nوانك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد؟\nعسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن يكون له غد\nوفي كثرة الأيدي على الجهل زاجر ... وللحلم أبقى للرجال وأعود\nوقال شبيب بن البرصاء:","vol":"2","page":281},{"text":"إذا المرء أعراه الصديق بدا له ... بأرض الأعادي بعض ألوانه الربد\nأعراه: انفرد به وأفضى به العراء. يقول: إذا أنفرد الرجل بمن يعتده صديقا وصار معه في بلاد العدو فاحتاج إلى نصرته ومشورته أنكشف له أمره وبان له حينئذ أنه عدو له أم صديق. والربد الغبر المظلمة. ضربه مثلا لمّا يخى من الصداقة والعداوة. وقال الحسن بن المطير:\nكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها\nخليلي ما بالعيش عتب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها\nوقال الآخر:\nهل الحب إلاّ زفرة بعد زفرة ... وحر على الأحشاء ليس له برد؟\nغيره:\nوما كل ما في النفس للناس مظهر ... ولا كل مالا تستطيع تذود\nوقال آخر من الحارث بن كعب:\nمنى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلاّ فقد عشنا بها زمنا رغدا\nوقال حطائط أخو الأسود بن يعفر:\nأريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا\nوقال يزيد الحارثي:\nوإذا الفتى لاقى الحمام رأيته ... لولا الثناء كأنه لم يولد\nوقال آخر وتروى لقيس بن عاصم ﵁:\nأيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد\nإذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي\nأخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي\nوكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد؟\nوللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد\nوإني بعد الضيف ما دمت ثاويا ... وما في إلاّ تلك من شيمة العبد\nوقال الآخر:\nونبئت ركبان الطريق تناذروا ... عقيلا إذا حلوا الذناب فصر خدا","vol":"2","page":282},{"text":"فتى يجعل المحض الصريح لبطنه ... شعارا ويقري الضيف عضبا مهندا\nوقال الآخر:\nوأنا لنجفو الضيف من غير علة ... مخافة أن يغري بنا فيعود\nغري: كلف.\nوقال الأسود بن يعفر:\nولقد علمت لو إنَّ علمي نافع ... إنَّ السبيل سبيل ذي الأعواد\nماذا أؤمل بعد آل محرق؟ ... تركوا منازلهم وبعد إياد\nأرض الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذو الشرفات من سنداد\nجرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد\nولقد غنوا فيها بأكرم غنية ... في ظل ملك ثابت الأوتاد\nفإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاذ\nوتقدم بعض هذا الشعر. وذو الأعواد رجل أسمه غوي بن سلامة أو سلامة بن غوي وقيل غير ذلك. وكان له خراج على مضر. فلما شاخ وضعف كان يحمل على سرير ويطاف به على مياه العرب فيجيبها. وقيل هو جد لأكثم بن صيفي الحكيم المعروف. وكان أعز أهل زمانه فكان لا يأتي سريره خائف إلاّ أمن وجائع إلاّ شبع. ومثل هذا الشعر ما روي إنّه وجد في حفير رجل عليه خفان وعند رأسه لوح فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن حيان بن نفيلة:\nحلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد\nوكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلة كؤود\nوكدت أنال بالشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود\nودخل أرطأة بن سهيل على عبد الملك: كيف حالك؟ وكان قد أسن فقال: ضعف حالي وقل مالي وكثر مني ما كنت أحب أن يقل وقل مني ما كنت أحب أن يكثر قال: فكيف أنت في شعرك؟ قال: والله ما أغضب ولا أطرب ولا أرهب. وما الشعر إلاّ من نتائج هذه على إنني القائل:\nرأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد\nوما تبقى المية حين تأتي ... على نفس أبن آدم من مزيد\nوأعلم أنها عمال قليل ... ستوفي نذراها بأبي الوليد","vol":"2","page":283},{"text":"فارتاع عبد الملك ثم قال: بل توفي نذرها بك ويلك مالي ولك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا ترع والله ما عنيت إلاّ نفسي فقال: أما والله لتلمن بي وأبو الوليد كنية لعبد الملك وكنية لأرطأ أيضًا. وقال الآخر:\nلنا عز ومرمانا قريب ... ومولى لا يدب مع القراد\nوقوله لا يدب مع القراد أشار به إلى رجل من العرب كان يخرج ومعه شنة فيها قردان فيشدهما في ذنب بعير من الإبل فإذا قرصته القردان نفر فنفرت الإبل لقعقة الشن. فإذا نفرت أستل منها بعيرا فذهب به.\nوقال الآخر:\nستبكي المخاض الجرب إن مات هيثم ... وكل البواكي غيرهن جمود\nيقول إنّه كان بخيلا يستبقينه وينحرهن: فهن يبكين عليه إن مات لمّا أحسن إليهن ولا يبكي عليه أحد من الناس لعدم خيره وإحسانه. وهذا من أقبح الهجو غير أنَّ في قوله جمود مغمزا. وضد هذا من المدح قول الآخر:\nقتيلان لا تبكي المخاض عليهما ... إذا شعبت من قرمل وأفان\nوالأفاني جمع افانية والأفانية والقرمل نبتان يرعيان. وقال الآخر:\nإذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد\nونحوه قول الفرزدق السابق:\nوماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد؟\nوتقدم تفسير رعد وبرق بما أغنى عن إعادته. ونحوه قال الآخر:\nيا جل ما بعدت عليك بلدنا ... فابرق بأرضك ما بدا لك وأرعد\nوقال الآخر:\nما قام عمرو في الولاية ... قائما حتى قعد\nوسبب هذا أنَّ بعض الوزراء قلد أبن حجاج ولاة فخرج إليها يوم الخميس وتبعه عزله يوم الأحد فقال فيه:\nيا من إذا نظر الهلال ... إلى محاسنه سجد\nوإذا رأته الشمس كادت ... أن تموت من الحسد","vol":"2","page":284},{"text":"يوم الخميس بعثتني ... وصرفتني يوم الأحد\nوالناس قد غنوا علي ... كما خرجت من البلد\nما قام عمرو........ البيت وقال جميل:\nفأقسم طرفي بينهن فيسوى ... وفي الصدر بينهن بعيد\nوقال أيضًا:\nيموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود\nوهذان البيتان من قصيدة لجميل يقول فيها:\nإلاّ ليت أيام الصفاء جديد ... ودهرًا تولى يا بثين يعود\nفتغنى كما كنا نكون وأنتم ... صديق وإذ ما تبذلين زهيد!\nوما أنس من أشياء لا أنس قولها ... وقد قربت نضوي أمصر تريد؟\nولا قولها: لولا العيون التي ترى ... أتيتك فاعذرني فدتك جدود!\nخليلي ما أخفي من الوجد ظاهر ... ودمعي بما أخفي الغداة شهيد\nألا قد رأى الله أنَّ رب عبرةٍ ... إذا الدار شطت بيننا ستزيد\nإذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابت ويزيد\nوإنَّ قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيد\nفلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبها فيما يبيد يبيد،\nجزتك الجوازي يا بثين ملامة ... إذا ما خليل بان وهو حميد\nوقلت لها: بيني وبينك فأعلمي ... من الله ميثاق له وعهود\nوقد كان حبيكم طريفا وتالدًا ... وما الحب إلاّ طارف وتليد\nوإنَّ عروض الوصل بيني وبينها ... وإنَّ سهلته بالمنى لصعود\nفأفنيت عيشي بانتظاري نوالها ... وأبلت بذاك الدهر وهو جديد\nفليت وشاة الناس بيني وبينها ... يدوف لهم سما طماطم سود\nوليت لهم في كل ممسىً وشارقٍ ... تصاعق أكباد لهم وقيود!\nويحسب نسوان من الجهل أنني ... إذا جئت إياهن كنت أريد","vol":"2","page":285},{"text":"وبعده:\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادِ القرى إني إذا لسعيد!\nوهل أهبطن أرضا تظل رياحها ... لها بالثنايا القاويات وئيد\nوهل ألقين سعدي من الدهر مرة ... ومارث من حبل الصفاء جديد؟\nوهل تلتقي الأهواء من بعد يأسةٍ ... وقد تطلب الحاجات وهي بعيد؟\nوهل أزجرن حرفا علاة شملة ... بخرق تباريها سواهم سود\nعلى ظهر مرهوب كأن ستوره ... إذا جاز هلاك الطريق رقود\nسبتني بعيني جؤذر وسط ربربٍ ... وصدر كفاثور اللجين وجيد\nتزيف كما زافت إلى سلفاتها ... مباهية طي الوشاح ميود\nإذا جئتها يوما من الدهر زائرًا ... تعرض منقوصا اليدين صدود\nيصد ويغضي عن هواي ويجتني ... ذنوبا علينا إنّه لعنود\nفأصرمها خوفا كأني مجانب ... ويغفل عنا مرة فنعود\nفمن يعط في الدنيا قرينا كمثلها ... فذاك في عيش الحياة رشيد!\nوبعده:\nيقولون: جاهد يا جميل بغزوة! ... وأي جهاد غيرهن أريد؟\nلكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد\nفمن كان في حبي بثينة يمتري ... فبرقاء ذي ضالٍ علي شهيد\nألم تعلمي يا أم ذي الودع أنني ... أضاحك ذكراكم وأنت صلود؟\nوقال الآخر:\nإذا كنت تهوي الحمد والمجد مولعا ... بأفعال ذي غي فلست براشد\nولست وإنَّ أغيى أباك مجادة ... إذا لم ترم ما أسلفاه بماجد\nوقوله: اباك، أي أبواك، فثني لفظ الأب من غير إنَّ يرد لأمه. وقال الآخر:\nشريت بردًا ولولا ما تكنفني ... من الحوادث ما فارقته أبدًا!\nوقال الآخر:","vol":"2","page":286},{"text":"أتعجب أن رأيت علي دنيا؟\nوقال الأشهب بن رحيلة:\nأسود شرى لاقت أسود خيفة ... تساقت على حرد دماء الأساود\nوقال الآخر:\nإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند!\nوقال أعرابي في السجن:\nأيا واليي سجن اليمامة أشرفا ... بي القصر أنظر نظرة هل أري ونجدا!\nفقال اليمانيان لمّا تبينا ... سوابق دمع ما ملكت لها ردًا:\nأمن أجل أعرابية ذات بردة ... تبكي على نجد وتبلى كذا وجدا؟\nلعمري لأعرابية في عباءةٍ ... تحل دماثا من سوقية أو فردا\nأحب إلى القلب الذي لج في الهوى ... من اللأبسات الريط يظهرن كيدا\nوقال الآخر، ويقال الشافعي، ﵁:\nتمنى رجال أنَّ أموت فأن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحد!\nيقال: لست في هذا الأمر بأوحد، أي لا أخص به: وقال الآخر، ويقال هو هاتف سمع لمّا ولي عمر بن عبد العزيز، ﵁:\nمن الآن قد طابت وقر قرارها ... على عمد المهدي قام عمودها\nوقال يزيد بن الصقيل العقيلي، وكان يسرق الإبل ثم تاب:\nألا قل لأرباب المخائض أهملوا ... فقد تاب عما تعلمون يزيد\nوإنَّ أمرءًا ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد!\nوتقدم هذا الثاني. والإهمال ترك الإبل بلا راع. وقال الآخر:\nتمنيتم مائتي فارسٍ ... فردكم فارس واحد\nوقبلها:\nفليت لها بارتباط الخيول ... ضأنًا لها حالب قاعد!\nألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد؟\nوغامد أبو قبيلة، وهو غامد بين نصر بن الأزد بن الغوث، فهاجم هذا الشاعر. وقال حاتم:","vol":"2","page":287},{"text":"وإنَّ الكريم من تلفت حوله ... وإنَّ اللئيم دائم الطرف أقود\nوقال نبهان العبشمي:\nيقر بعيني إنَّ أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود\nوأنَّ أرد الماء الذي شربت به ... سليمى وقد مل السرى كل واخد\nوأخلط أحشائي ببرد ترابه ... وإنَّ كان مخلوطا بسم الأساود!\nوالعقدات واحد العقدة - بكسر القاف وفتحها وهو ما تراكم من الرمل وانعقد؛ والأبرق حجارة يخالطها رمل أو طين؛ والنتقاود: المنقاد المستقيم؛ الأساود جمع أسود، وهو الأسود السالخ. وقال أبو الحسن بن أبي الطيب:\nلا تنكري يا عز إنَّ ذل الفتى ... ذو الأصل واستعلى خسيس المتحد\nإنَّ البزاة رؤوسهن عواطل ... والتاج معقود برأس الهدهد\nوقال الحارث بن كلدة:\nولقد رأيت معاشرا ... جمعوا لهم مالا وولدا\nوهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا\nالناس وجهالهم الحائرين. وقوله: لا تسمع الآذان رعدا، أي لا تسمع آذانهم صوت الرعد لصممهم، فأقام الألف واللام مقام ضمير وقال الآخر:\nفأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأفعالنا إنَّ الثناء هو الخلد!\nومثله قول الآخر:\nفإذا باغتم أرضكم فتحدثوا ... ومن الحديث مثالب وخلود!\nوتقدم ذكر هذا المعنى. وقال: أبن اللبانة يمدح المعتمد:\nلقد ضم أمر الملك حتى كأنه ... نطاق بخصر أو سوار على زند\nوحسن طعم العيش حتى أعاده ... ألذ من الإغفاء في عقب السهد\nوحسب الليالي إنّها في زمانه ... بمنزله الخيلان في صفحة الخد\nتوقد عن نارين للحرب والقرى ... وقام على طودين للحلم والمجد\nوجاءت به الأيام تاجر سؤددٍ ... يبيع نفيسات المواهب بالحمد\nيغيث في محل يعينك في ردى ... يروعك في درع يروق في برد","vol":"2","page":288},{"text":"جمال وإجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد!\nوقال أيضًا:\nإليه وإلاّ قيودا قدم السرى ... وفيه وإلاّ أخرسوا ألسن الحمد\nوعنه أفيضوا، إنّه مشعر الهدى ... وحوليه طوفوا: إنّه كعبة القصد\nوألغوا حديث البحر عند حديثه: ... فكم بين ذي جزر وكم بين ذي مد!\nوقال الآخر:\nقلدتني منك الجميل قلائد ... ورحمتي حتى سبتك والدا\nوالله لو جاز السجود لمحسنٍ ... ما كنت إلاّ راكعا لك ساجدا!\nوقال أبو جعفر البطروني:\nوما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد\nثمار أيادٍ دانيات قطوفها ... لأغصانها ظل علينا ممدد\nترى جاريا ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري لا تزال تغرد\nوقال أبن اللبانة أيضًا:\nوهو صبح وربيع وحيا ... ويجتلى أو يجتنى أو يجتدى\nوهو طود وشهاب ولظى ... مارسا أو ماسرى أو ماعدا\nوقال بكر بن النطاح:\nملأت يدي من الدنيا مرارًا ... فما طمع العواذل في قيادي\nوما وجبت علي زكاة مالٍ ... وهل تجب الزكاة على الجواد؟\nوقال الآخر:\nبفعالي عرفت لا بمقالي ... وبذاتي شرفت لا بجدود\nإنَّ رأيي ورأيت بلغاني ... غايتي هذه بحكم السعود\nوقال أبن الخطيب:\nتعجلت وخط الشيب في زمن الصبا ... لخوضي غمار الهم في طلب المجد\nفمهما رأيتهم شيبة فوق مفرقي ... فلا تنكروها إنّها شيبة الحمد!\nوقال أبن الحداد، وللشعر حكاية:\nشقيقك غيب في لحده ... وتطلع يا بدر من بعده","vol":"2","page":289},{"text":"فهلا خسفت فكان الخسوف ... حدادًا لبست على فقده؟\nوقال آخر في التعزية:\nلابد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد\nكن المعزي لا المعزى به ... إنَّ كان لابد من الواحد!\nوقال الوزير المهلبي:\nخليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على ريب الزمان لواجد\nأيبقى جميعا شملها وهي سبعة ... وأفقد من أحببته وهو واحد؟\nوقال الآخر:\nدهى الله مصرا وسكانها ... وفتت أكبادهم وبالحسد!\nمتى يرتجي مفلس عندهم ... غنى وعلى كل فلس أسد؟\nوقال الآخر:\nما للمعيل وللسفار وإنما ... يجلى بوصل البيد من هو فارد\nفالشمس تجتاب السماء فريدة ... وأبو بنات النعش فيها راكد\nوقال أبن سكرة:\nقيل: ما أعددت للبرد ... وقد جاء بشده؟\nقلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده\nوقال الآخر:\nبين اللثام وصدغه المعقود ... خمران: من ريق ومن عنقود\nيلوى على زرد العذار دلاله: ... كم فتنةٍ بين اللوى وزرود!\nوقال الآخر:\nأهلا بطيفك زائرًا أو عائد ... تفديك نفسي غائبا أو شاهدا!\nيا من على طيف الخيال أحالني ... أتظن طرفي مثل طرفك راقدا؟\nما نمت لكن الخيال يلم بي ... فيجله طرفي فيطرق ساجدًا\nوقال الراضي بن عباد:\nمروا بنا أصلا من غير ميعاد ... وأوقدوا نار قلبي أي إيقاد\nلا غزو إنَّ زاد في قلبي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلة الصاد!","vol":"2","page":290},{"text":"وقال الآخر:\nقالوا: خسرت القلب حين علقته ... وربحت فيه شماتة الحساد\nفأجابهم: لا تعذلوني إنني ... صانعته عن مهجتي بفؤاد!\nوقال بعض المشارقة:\nألحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود\nجرح بجرح فاحسبوا ذابذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود؟\nوقال أبو العباس بن الفياض:\nقم اسقني بين الناي والعود ... ولا تبع طيب مفقود بموجود\nنحن الشهود وصوت العود خاطبنا ... فزوج أبن غمام بنت عنقود!\nوقال أبو البركات في غرناطة:\nرعى الله من غرناطة متبوءًا ... يسر كئيبا أو يجير طريدا!\nتبرم منها صاحبي عندما رأى ... مسارحها بالبرد عدن جليدا\nهي الثغر صان الله من أهله به ... وما خير ثغر لا يكون برودا\nوقال أبن الحجاج في صاحب وليمة أبطأ بالطعام فيها.\nيا جائيا في داره ذاهبا ... لغير معنى لا ولا فائدة\nقد جن أصحابك من جوعهم ... فأقرًا عليهم سورة المائدة!\nوتقدم بعضه. وقال الآخر:\nمال أبن دارة دونه لعفاته ... خرط القتاد والتماس الفرقد\nمال لزوم الجيمع يمنع صرفه ... في راحةٍ مثل المنادى المفرد\nوقال الآخر:\nفأكثر من الإخوان للدهر عدة: ... فكثرة در العقد من شرف العقد\nوعظم صغير القوم وأبدا بحقه: ... فمن خنصري كفيك تبدأ في العد!\nوقال الآخر:\nألا! إنّه كلنا بائد ... وأي بني آدم خالد؟\nوبدؤهم كان من وبهم ... وكل إلى ربه عائد\nفيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد","vol":"2","page":291},{"text":"ولله في كل تحريكةٍ ... وتسكينة أبدًا شاهد\nوفي كل شيء له آية ... تدل على إنّه واحد\nوقال البستاني:\nأبوك حوى العليا وأنت مبرز ... عليه إذا نازعته قصب المجد\nوللخمر معنى ليس في الكرم مثله ... وللنار نور ليس يوجد في الزند\nوقال أبو القاسم الاصبهاني:\nأصبحت صبا دنفا ... بين عناء وكمد\nأعوذ من شر الهوى ... بقل هو الله أحد!\nوقال ابن الجهم:\nانفس حرة ونحن عبيد ... إنَّ رق الهوى لرق شديد\nلي حبيب نأى الهجر عني ... وأشد الهوى القريب البعيد\nوقال الآخر:\nوكم ليلة بت من حبكم ... تطول على طرفي الساهد\nكأن نجوم الدجى في الدجى ... صوار تفرقن عن صائد\nوقال أبن الرومي:\nلما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد\nوإلاّ فما يبكه منها وإنّها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد؟\nوقال الآخر في التورية:\nتقول سليمى إذ رأت شيب لمتي: ... لقد حال من ذلك الشباب سواده\nوما تنر الحسناء من خط كاتب ... إذا ابيض من طول الكتاب مداده\nوقال كثير:\nفإنَّ تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد!\nوكل خليل زارني فهو قائل: ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد!\nوتقدم أنَّ بن عبد الملك تمثل به على قبر جاريته حبابة لمّا ماتت: وقال أبو جعفر المنصور العباسي، وله قصة ستأتي في اللام:","vol":"2","page":292},{"text":"إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة: ... فإنَّ فساد الرأي إنَّ يترددا\nولا تمهل الأعداء يوما بقدرة ... وحاذرهم أنَّ يملكوا مثلها غدا!\nوسبب ذلك أنَّ جارية له أهدت إليه تفاحة بعد إنَّ طيبتها، وكتبت عليها:\nهدية مني إلى المهدي ... تفاحة تقطف من خدي\nمحمرة مصفرة طيبت ... كأنها من جنة الخلد!\nوقال عروة بن أذينة، ﵁:\nإذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم ابترد\nهبني بردت ببرد الماء ظاهرة ... فمن لنار على الأحشاء تتقد؟\nوقال الإمام الشافعي، ﵁، فيما زعموا:\nخذوا بدمي ذلك الغزال فانه ... رماني بسهمي مقلتيه على عمد\nولا تقتلوه أنني أنا عبيده ... وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد!\nوقال القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، ﵀:\nونائمة قبلتها فتنبهت ... وقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد!\nفقلت لها: إني لثمتك غاضبا ... وما حكموا في غاضب بسوى الرد\nخذيها وكفي لي عن إثم ظلامتي ... وإنَّ أنتِ لم ترضي فألفا من العد\nفقالت: قصاص يشهد العقل إنّه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد\nفباتت يميني وهي هيمان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد\nوقالت: ألم أخبر بأنك زاهد؟ ... فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد\nوقال مسكين الدارمي:\nقل للملحة في الخمار الأسود: ... ماذا فعلت بزاهد متعبد؟\nقد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد\nردي عليه صلاته وصيامه ... لا تفتنيه بحق جاه محمد!\nوزعموا إنّه كان مشتهرا بالمجون، فنسك ولزم المسجد، وصار من العباد. فورد بعض تجار العراق على المدينة، على سكانها الصلاة والسلام، بسلة فيها خمر مختلفة الألوان. فباعها","vol":"2","page":293},{"text":"جميعا إلاّ الأسود من الخمر. فتحير في أمرها وجاء نحو المسجد وسلأل عن من به من أهل الخير. فدل على مسكن الدارمي المذكور. فجاء وشكا إليه أمره وسأله الدعاء بتيسير بيع اللون فدفعها له وقال له: غن بها حيثما أمكنك فإنّها لى! فذهب يغني بها في سكك المدينة فظن الناس إنّه ترك التنسك وعاد إلى المجون ولامه أصحابه في ذلك فقال: ولتعلمن نبأه بعد حين! وشاع في المدينه أنَّ الدارمي تعشق صاحبة الخمار الأسود فبيعت بذلك خمر التاجر وعاد الدارمي إلى نسكه.\nوهو القائل:\nوسميت مسكينًا وما بي حاجةٌ ... وإني لمسكين إلى الله راغبُ\nوإني امرؤ لا اسأل الناس ما لهم ... بشعر ولا تعيي على المكاسبُ\nوينسب إلى القاضي التنوخي في معارضة أبيات الخمار المذكورة:\nقل للمليحة في الخمار المذهب: ... أفسدت نسك أخي التقي المترهبِ\nنور الخمار ونور خدك تحته ... عجبًا لوجهك كيف لم يتلهب!\nوجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن نهجيهما من مذهبِ\nوإذا أتت عين اتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي!\nوقال الفرزدق:\nوخير الشعر أشرفه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيدُ\nوسبب قوله ذلك إنّه اجتمع مع نصيب الشاعر الأسدي في مجلس سليمان بن عبد المكل فقال الفرزدق شعرا يفخر فيه بأبيه ومنه:\nوركبٍ كأن الريح تطلب عندهم ... لهاترةً من جذبها بالعصائبِ\nسروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائبِ\nإذا آنسوا نارًا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالبِ!\nفأعرض سليمان كالمغضب ففطن له نصيب فقال له: أيأذن أمير المؤمنين أن أقول؟ قال: قل! فقال نصيب:","vol":"2","page":294},{"text":"أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قاربُ\nقفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالبُ\nفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ\nوقالوا: تركناه وفي كل ليلةٍ ... يطوف به من طالب العرف راغبُ\nفلو كان فوق الناس حيٌّ فعاله ... كفعلك أو في الفضل منك يقاربُ\nلقلنا له شبهٌ ولكن تعذرت ... سواك على المستشفعين المطالبُ\nهو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل تسبه البدر المنير الكواكبُ\nفطرب سليمان وأمر لنصيب بعسرة آلاف. ثم التفت إلى الفرزدق فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته. فقال سليمان: وأهل جلدتك! فغضب الفرزدق وقال:\nوخير الشعر أشرفه رجالًا ... وشر الشعر ما قال العبيد!\nوعن دعبل قال: نودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا فتى يجر رمحه بين يدي فقال: يا دعبل اسمع مني! وأنشد:\nأنا في أمري رشاد ... بين حب وجهادِ\nبدني يغزو عدوي ... والهوى يغزو فؤادي!\nثم قال: كيف ترى؟ قلت: جيد والله! فقال: ما خرجت إلاّ هاربا من الحب! ثم قاتل حتى قتل.\nوقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تخاطب زوجها عمر بن عمر بن عبد العزيز حيث اشتغل بأمور الخلافة ولم يتفرغ لها:\nألا يا أيها الملك الذي قد ... سبى عقلي وهام به فؤادي\nأراك وسعت كل الناس عدلًا ... وجرت علي من بين العبادِ\nوأعطيت الرعية كل فضل ... وما أعطيتني غير السهادِ\nوقال الآخر:\nنحن قوم تذيبنا الأعين النجل ... على أننا نذيب الحديدا\nنقتل الأسد ثم تقتلنا البيض ... المصروفات أوجهًا وخدودا\nوتراني لدى الكريمة أحرارًا ... وفي السلم للحسان عبيدا","vol":"2","page":295},{"text":"وزعموا أنَّ العلوي قائل هذا الشعر حاصر قلعة حتى كاد يقتحمها. وكانت فيها امرأة ذات حسن وجمال فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره! فتبرقعت وخرجت نحو العسكر وقالت: أبلغوني إلى الأمير! فأبلغوها إليه فقالت: أنت القائل:\nنحن قوم تذيبنا الأعين\nفقال: نعم! فنزعت البرقع عن وجهها وقالت: أحسنا ترى أم قبيحًا؟ فقال: والله ما أرى إلاّ حسنا! فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: فأرحل عنا وانصرف راشدًا قال: نعم: وأمر بالرحيل. فقال له أهل العسكر: إنَّ المدينة بأيدينا. فقال: لا سبيل إلى الإقامة ساعة واحدة. ثم خطب تلك المرأة وتزوجها، فكانت عنده أحظى نسائه.\nوقال الآخر في الثقلاء:\nإلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد\nومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل على الساعات ترداد\nوقال الآخر:\nإذا هز الكريم يزيد خيرًا ... وإنَّ هو اللئيم فلا يزيد\nوروي أنَّ أعرابيا وقف على مروان بن الحكم، وهو يفرض العطاء بالمدينة، فقال له: أفرض لي! فقال: قد طوي الكتاب! فقال له الأعرابي: أما علمت إني القائل: إذا هز الكريم؟ فقال: نشدتك الله، وأنت القائل له؟ قال: نعم! فقال مروان: افرضوا عليه ما يرضيه! وقال الآخر:\nلا يوجد الخير إلاّ في معادنه ... والشر حيث طلبت الشر موجود\nويحكى عن جعفر بن يحيى إنّه في بعض أسفاره عرض عليه مماليك رجل جفاه السلطان، وفيهم غلام جميل. قال: فقلت له: ما اسمك؟ قال: ماهر. قلت وما صنعتك؟ قال: الأدب والشعر والغناء، وما شئت من بعد. فسألت عن ثمنه فقيل خمسمائة دينار على الضرورة. فوزنت ثمنه وسألته إنَّ يسمعني شيئًا من غنائه. فأخذ العود واندفع يغني:\nحملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف\nظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف؟","vol":"2","page":296},{"text":"فأطربني غناؤه وشجاني، فأجرته وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. فلما أجزت منزل مولاه بمقدار ميل أنشأ يقول:\nوما كنت أخشى معبدا أنَّ يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفرًا\nأخوهم ومولاهم وحامل سيرهم ... ومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا\nأشوق ولمّا يمض لي غير ساعةٍ ... فكيف إذا سار المطي بنا شهرا؟\nفقلت له: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هنا؟ فقال: وهل تخفى معالم الحب؟ فقالت: أذهب فأنت حر لوجه الله! ووهبت له ألف دينار. فقال لي زميلي: أمثل هذا يعتق؟ فقلت له ويحك! وهل مثله يملك؟ فأنطلق وهو يقول:\nلا يوجد الخير إلاّ في معادنه\nوقال محمد بن عبد الملك الزيات:\nوأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد؟\nوكان سبب ذلك أنَّ إبراهيم بن المهدي اقترض من التجار أموالا كثيرة ببغداد. فيها لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار. فلما لم يتم لها أمر الخلافة لوى التجار أموالهم. فصنع محمد أبن عبد الملك قصيدة يخاطب المأمون، وهذا صغير، منها:\nتذكر أمير المؤمنين قيامة ... بإيمائه في الهزل منه وفي الجد\nووالله ما من توبةٍ نزعت به ... إليك ولا ميل إليك ولا ود\nومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادي به بين السماطين عن بعد؟\nوأي امرئ سمى بها قط نفسه\nوعرضها على إبراهيم وقال له: إما أنصفت أبي، وإما أنشدتها المأمون! فأذى إلى أبيه ماله دون سائر التجار، واستحلفه على كتمانها، فحلف له، وهذا من فوائد الشعر. وقال أبن الرومي يمدح النرجس:\nللنرجس الفضل المبين وإنَّ أبى ... آبٍ وحاد عن طريقة حائد\nوللنرجس احتاز الملاحة كلها ... وله فضائل جمة وفوائد\nومنها:\nشتان بين اصنين: هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد!","vol":"2","page":297},{"text":"وسيأتي تتمة هذا الشعر وما عورض به وما قيل في ذلك، إن شاء الله.\nوقال الآخر:\nوتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ندي\nوقال الآخر:\nإذا أنت وليت الخؤون أمانة ... فأنك قد أسندتها شر مسند!\nوقال الآخر يصف الكتب:\nلنا جلساء لا يمل حديثهم ... ألباء مأمونون غيبا ومشهدا\nويفيدوننا من علمهم علم من مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا\nفلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ... ولا تتقي منهم لسانا ولا يدًا\nفإنَّ قلت: أموات فلست بكاذب ... وإنَّ قلت: أحياء فلست مفندا!\nوقال الآخر:\nعلي لأخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد\nيذكرنيهم في مغيب ومشهد ... فسيان منهم غائب وشهيد\nوإني لأستحيي أخي أنَّ أبره ... قريبا وأنَّ أجفوه وهو بعيد\nوقال الآخر:\nرأيت صلاح المرء يصلح حاله ... ويعيدهم داء الفساد إذا فسد\nويعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد\nوقال الآخر:\nأرى صاحب النسوان يسحب أنها ... سواء، وبون بينهن بعيد\nفمنهن جنات تفيء ظلالها ... ومنهن نيران لهن وقود!\nوقريب من هذا قول الأعرابي:\nوإنَّ من النسوان من هي روضة ... تهيج الرياض دونها وتصوح\nغيره:\nوكل أخس عند الهواينا ملاطف ... ولكنما الأخوان عند الشداد!\nغيره:","vol":"2","page":298},{"text":"ما خطب من حرم الإرادة وادعا ... مثل الذي حر الإرادة جاهدا\nغيره:\nولقد أصرف الفؤاد عن الشيء ... حياء وحبة في السواد\nغيره:\nعود لسانك قول الصدق تحظ به ... إنَّ اللسان لمّا عودت معتاد\nموكل بتقاضي ما سننت له ... في الخير والشر فأنظر كيف ترتاد!\nوقال أبو الفتح البستي:\nتكلم وسدد ما استطعت فإنما ... كلامك حي والسكوت جماد!\nفإنَّ لم تجد قولا سديدًا تقوله ... فصمتك عن غير السداد سداد\nوقال أبن الرومي. وقد سمع رجلا يثني عن آخر مبالغا:\nإذا ما وصفت أمرءا لامرئٍ ... فلا تغل في وصفه وأقصد\nفإنك إنَّ تغل تغل، الظنون ... فيه إلى الآمد الأبعد\nغيره:\nألم تر أن الدهر من سوء فعله ... يكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى\nفمن سره ألا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئًا يخاف له فقدا\nغيره:\nإنّما الدنيا هبات ... وعوار مستردة\nشدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدة\nغيره:\nلو إنَّ ما انتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا!\nلكنني عالم إني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا\nغيره:\nصل من دنا وتناس من بعدا ... لا تكرهن على الهوى أحدا\nقد أكثرت حواء إذ ولدت ... إذا جفا ولد فخذ ولدا!\nغيره:","vol":"2","page":299},{"text":"إذا اجتمع الناس في واحدٍس ... وخالقهم في الرضى واحدُ\nفقد دل إجماعهم دونه ... على عقله أنه فاسدُ\nغيره:\nوإخوان اتخذتهم درعًا ... فكانوا ولكن للأعادي\nوخلتهم سهاما صائباتٍ ... فكانوها ولكن في فؤادي\nوقالوا: قد صفت منا قلوبٌ ... لقد صدقوا ولكن من ودادي\nوقالوا: قد سعينا لك سعيٍ ... لقد صدقوا ولكن في فسادي!\nوقال أبو محمد الحريري:\nولمّا تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده\nتعامت حتى قيل إني أخو عمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده!\nوله: والشبل في البخر مثل الأسد وله أيضًا:\nمن ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضي في صعده\nسماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده\nوله أيضًا:\nخذها إليك وصيةً ... لم يوصها قبلي أحد\nغراء حاويةً خلاصات ... المعاني والزبد\nنقحتها تنقيح من ... محض النصيحة واجتهد\nواعمل بما مثلته ... عمل اللبيب أخي الرشد\nحتى يقول الناس هذا ... الشبل من ذاك الأسد\nوقال أبن الساعاتي:\nحددت بجفنيها على رشف ريقها ... ومن شرب الصهباء يلزم بالحدِّ\nوقال شرف الدين الحموي:\nونحن معاشرٌ نأبى الدنيا ... ونلبس من صوان العرض بردا\nنعانق من رماح الخط بانًا ... وننشق من سيوف الهند وردا","vol":"2","page":300},{"text":"وقال المتلمس:\nإنَّ الهمان حمار الذل يألفه ... والحر ينكره والفيل والأسدُ\nولا يقيم بدار الذل يألفها ... إلاّ الأذلان: عير الحي والوتدُ\nهذا على الخسف مربوطٌ برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحدُ\nوقال أبن قلاقس:\nإنَّ مقام المرء في بيته ... مثل مقام الميت في لحده\nفواصل الرحلة نحو الغنى ... فالسيف لا يقطع في غمده\nوالنار لا يحرق مشبوبها ... إلاّ إذا ما طار عن زنده\nغيره:\nقد تعففت وارتضيت بترفيع ... زماني وقلت إني وحدي\nلا لأني أنفت مع ذا من الكد ... ية أين الكرام حتى أكدي\nوقال أبو دلف:\nأطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون الجيادِ\nورسولٌ يأتي بوعد حبيبٍ ... وحبيبٌ يأتي بلا ميعاديِ\nوسببه أنه قد قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة بالشحم مكروبة بالمسك مشبوبة. وسئل الأعشى فقال: صهباء صافية يمزجها ساقية من صوب غادية. وسئل طرفة عن ذلك فقال: مركب وطي وثوبٌ بهي وطعامٌ شهي. قال بعضهم: فحدثت بذلك أبا دلف فقال: أطيب الطيبات. . البيتين وقال: وحدثت بذلك حميدا الطوسي فقال:\nفلولا ثلاثٌ هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي\nفمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد\nوكري إذا نادى المضاف مجنبًا ... كسيد الغضى نبهته المتوردِ\nوتقصير يوم الدجن والدجن معجبٌ ... ببهكنةٍ تحت الطرف النعمدِ","vol":"2","page":301},{"text":"قال: وحدثت بذلك الزبير بن عبد الله فقال: ما أدري ما أقول ولكني أقول:\nفاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عينًا بعيشه نفعه\nقلت: والأبيات الأربعة التي أنشدها حميد ليست له وإنّما تمثل بها وهي لطرفة بن العبد من قصيدته الدالية المشهورة؛ وكذا البيت الذي أنشده الزبير هو لشاعر قديم وسيأتي ذكره مع غيره في موضعه. وشيع طرفة في ذكر الثلاث جماعة من الفضلاء. فمن ذلك قول عز الدين بن هبة الله المعتزلي معارضا:\nلولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبدِ\nأن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلًا جهدي\nوأن أناجي الله مستمتعًا ... بخلوة أحلى من الشهدِ\nوإن أتيه الدهر كبرًا على ... لئيم \" بياض \" الخدِّ\nلذلك أهوى لا فتاة ولا ... خمرًا ولا ذا ميعةٍ نهدِ\nوقول الآخر:\nلولا ثلاثٌ هن والله من ... أكبر آمالي في الدنيا\nحجٌ لبيت الله أرجو به ... أن يقبل التوبة والسعيا\nوالعلم تحصيلا ونشرًا لمّا ... رويت أو سعت الورى ريا\nوأهل ود أسأل الله أن ... يمتع بالبقيا إلى اللقيا\nما كنت أخشى الموت أني أتى ... بل لم أكن التذ بالمحيا\nوقال اثير الدين:\nأما إنه لولا ثلاث أحبها ... تمنيت أني لا أعد من الأحيا\nفمنهن صوني النفس عن كل جاهل ... لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا\nومنها رجائي أن أفوز بتوبةٍ ... تكفر لي ذنبًا وتنجح لي سعيا\nأتترك نصًا للرسول وتقتدي ... بشخصٍ لقد بدلت بالرشد الغيا؟\nوقول الصفدي:\nلولا ثلاث هن أقصى المنى ... لم أهب الموت الذي يردي\nتكميل ذاتي بالعلوم التي ... تنفعني أن صرت في لحدي","vol":"2","page":302},{"text":"والعي في رد الحقوق التي ... أصاحبي نلت بها قصدي\nوأن أرى الأعداء في صرعةٍ ... لقيتها في جمعهم وحدي\nفبعدها اليوم الذي حم لي ... عندي استوى في القرب والبعدِ\nوقولي أنا من هذا الباب:\nلولا ثلاث فوائدٍ ترجى لمّا ... أحببت تنفيس الحياة إلى مدا\nقربٌ من المولى وعلم نافعٌ ... وأجٌ يؤازرني ويشفع لي غدا\nوذكر الجاحظ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أنشده رجل قول طرفة المذكور فقال: لولا أن أسير في سبيل الله وأضع جبهتي لله وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب الثمار لم أبال أن أكون قد مت. قال: عامر بن عبد الله القيسي: ما آسى من العراق إلاّ على ثلاث: على ظمأ الهواجر وتجاوب المؤذنين وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال إعرابي:\nلولا ثلاث هن عيش الدهر: ... الماء والنوم وأم عمرو\nلمّا خشيت من مضيق القبر وقال الآخر:\nصنت نفسي عما يليق بمثلي ... وتحصنت بالجفاء الشديدِ\nما يساوي قضاء حقِّ الموالي ... ما يقاس من سوء خلق العبيدِ\nوقال البحتري:\nولست ترى شوك القتادة خائفًا ... سموم الرياح الآخذات من الرندِ\nولا كلب محومًا وإن طال عمره ... ألا إنّما الحمى على الأسد الوردِ\nغيره:\nلقد كسدت سوق الفضائل كلها ... وللهزل أحظى في الزمان من الجدِّ\nفلست أرى إلاّ كريمًا يفر من ... لئيم وحرًا يشتكي الضيم من عبدِ\nغيره:\nوما زال هذا الدهر يلحن في الورى: ... فيرفع مجرورًا ويخفض مبتدا","vol":"2","page":303},{"text":"وقال أبن سناء الملك:\nأبى الدهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ ... فيا ليت مني مكن الله ضدهُ\nيعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدا له من خوفه من أعدهُ\nغيره:\nتحفظ من ثيابك ثم صنها ... ة إلاّ سوف تلبسها حدادا\nوميز عن زمانك كل حينٍ ... ونافر أهله تسد العبادا\nوضن بسائر الأجناس خيرًا ... وأما جنس آدم فالبعادا\nأرادوني بجمعهم فردوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى\nوعادوا بعد ذا إخوان صدقٍ ... كبعض عقاربٍ رجعوا جدادا\nوقال الأرجواني:\nأرى بين أيامي وشعري قد بدا ... لتعجيل أتلافى خلافًا يجددُ\nفقد أصبحت سودًا وشعري أبيضًا ... وعهدي بها بيضًا وشعري اسودُ\nوقال بعض أهل المجون:\nتعشقته شيخًا كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمينٌ على وردِ\nأخا العقل يدري ما يراد من النهى ... أمنت عليه من رقيبٍ ومن ضدِّ\nغيره:\nلام العواذل إذ عشقت فتى له ... سبعون عامًا غير عامٍ واحدِ\nلا تعذلوني في هواه فإنني ... عاينت فيه لمحةً من والدي\nقيل لبعض أهل المجون: لم لا تميل الذي النسوان؟ قال: أذكر أمي فاستحي. فقيل له: لم لا تذكر بالذكور أباك؟ وعكس هذا الشاعر ذلك المعنى. ومن هذا النمط قول بهاء الدين بن النحاس:\nقالوا: حبيبك قد تبدى شيبه ... فإلام قلبك في هواه يهيم؟\nقال: اقصروا فالآن تم جماله ... وبدا سفاه فتى عليه يلزمُ\nالصبح عرته وشعر عذراه ... ليلٌ ونبت الشيب فيه نجومُ\nوقول أبن الوكيل وهو لطيف لولا عيب القافية:","vol":"2","page":304},{"text":"شب وجدي بشائبٍ ... من سنا البدر أوجهُ\nكلما شاب ينحني ... بيض الله وجههُ\nوقال الصفدي:\nعشقت شيخًا بديع حسنٍ ... لام على حبه العذولُ\nكأن ياقوت وجنتيه ... لا شيب فيها جبال لولوُ\nأي لؤلؤ. وقال الآخر:\nشمس الضحى يعشى العيون ضياؤها ... إلاّ إذا روقت بعينٍ واحدة\nفلذاك تاه العور واحتقروا الورى ... فاعرف قضيتهم وخذها فائدة\nنقصان جارحةٍ أعانت أختها ... فكأنها قويت بعينٍ زائدة\nوقال أبو نواس:\nإني وما جمعت من صفد ... وحويت من سبدٍ ومن لبدِ\nهممٌ تصرفت الخطوب بها ... فنزعت من بلدٍ إلى بلدِ\nيا ويح مذ حسمت قناعته ... سبب المطامع عن غدٍ فغدِ\nلو لم يكن لله متهما ... لم يمس محتاجًا إلى أحدِ\nوقال محمد بن كنانة الأسدي:\nومن عجب الدنيا تيقنك البلا ... وأنك فيها للبقاء مريدُ\nإذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى ... فإنَّ فطام النفس عنه شديدُ\nوقال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى يمدح الشيخ أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى ونفع به:\nقل للذين تكلفوا زي التقى ... وتخيروا للدرس ألف مجلدِ:\nلا تحسبوا كحل الجفون بحيلةٍ ... إنَّ المهى لم تكتحل بالاثمدِ!\nالكحل بفتحتين أن يعلو منابت الأشفار سوادٌ خلقةً أو أن تسود مواضع الكحل. يقال: كحلت بالكسر فهي حكلاء وهو أكحل. وهذا مثل قول الآخر: ليس التكحل في العينين كالكحل وسيأتي. وقال الآخر:","vol":"2","page":305},{"text":"وكنا كزوجٍ من قطا في مفازةٍ ... لدى خفض عيش معجب مونق رغدِ\nأصابها ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئًا قط أوحش من فردِ\nحكي عن أبي الموءل قال: دخلت منزل نخاس في شراء جارية فسمعت في بيت بإزاء البيت الذي فيه صوت جارية وهي تقول: وكنا كزوجٍ. . \" البيتين \" فقلت للنخاس: اعرض علي هذه المنشدة! فقال: إنها شعثة مرهاء حزينة. فقلت: ولم ذاك؟ قال: اشتريتها من ميراث فهي باكية على مولاها. ثم لم ألبث أن أنشدت:\nوكنا كغصني بانةٍ وسط روضةٍ ... نشم جنى الرضات في عيشةٍ رغدِ\nفأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌ ... فيا فردةً باتت تحنُ إلى فردِ\nقال أبو السموءل: فكتبت إلى عبد الله بن طاهر أخبره بخبرها فكتب إلي أن ألق هذا البيت عليها فإن أجابت فاشتريها ولو بخراج خراسان! والبيت هو:\nقريبٌ صد بعيد وصلٍ ... جعلته منه لي ملاذا\nقال: فألقيته فقالت في سرعة:\nفعاتبوه فذاب شوقًا ... ومات عشقًا فكان ماذا؟\nقال: فاشتريتها وحملتها إليه فماتت في الطريق فكانت إحدى الحسرات.\nوقال عمرو بن معدي كرب:\nأريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مرادِ\nوهذا مثل مشهور كان علي كرم الله وجهه فيما يروون يتمثل به عندما يرى ابن ملجم. وتمثل به غيره أيضًا كما في حرف الهمزة. والعذير: العاذر والحال التي تحاولها لتعذر عليها. والعرب يقولون: عذريك من فلان وينصبونه بعامل لا يظهر. والمعنى: هلم من يعذرك من فلان فيلومه ولا يلومك كما قال النبي ﷺ: من يعذرني من أناس أبنو أهلي في حديث الافك. وقال زيد الخيل:\nأمرتحلٌ قومي المشارق غدوةً ... وأترك في بيتٍ بفردة منجدِ؟\nإلاّ رب يومٍ لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهدِ","vol":"2","page":306},{"text":"فليت اللواتي عدنني لم يعدنني ... وليت اللواتي غبن عني شهدي!\nوقال أعرابي:\nإذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبتردُ\nهبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقدُ\nوقال الآخر:\nما لعيني كحلت بالسهاد ... ولجنبي نائيا عن وسادي؟\nلا أذوق النوم إلاّ غرارًا ... مثل حسو الطير ماء التمادِ\nابتغي إصلاح سعدى بجهدٍ ... وهي تسعى جهدها في فسادي\nفتتاركنا على غير شيء ... ربما أفسد طول التمادي\nوقال المعتد بن عباد في باب الغزل:\nأباح لطيفي طيفها الخد والنهدا ... فعض به تفاحةً واجتنى وردا\nولو قدرت زارت على حال يقظةٍ ... ولكن حجاب البين ما بيننا مدا\nأما وجدت عنا الشجون معرسًا ... ولا وجدت منا خطوب النوى بدا؟\nسقى الله صوب القطر أم عبيدةٍ ... كما قد سقت قلبي على حرة بردا\nهي الظبي جيدًا والغزالة مقلةً ... وروض الربا عرفًا وغصن النقى قدا\nوقال الرئيس أبو مروان بن رزين:\nوروضٍ كساه الطل وشيًا مجددا ... فأضحى مقيمًا للنفس ومقعدا\nإذا صافحته الريح خلت غصونه ... رواقص في خضر من العشب ميدا\nإذا ما انسكب الماء عاينت خلته ... وقد كسرته راحة الريح مبردا\nوإن سكنت عنه حسبت صفاءه ... حسامًا صقيلًا صافي المتن جردا\nوغنت به ورق الحمائم بيننا ... غناءً ينسيك الغريض ومعبدا\nفلا تجفون الدهر ما دام مستعدًا ... ومد إلى ما قد حباك به يدا\nوخذها مدامًا من غزالٍ كأنه ... إذا ما سقى بدرٌ يحمل فرقدا\nوقال أبو بكر بن عمار من قصيدة:\nوما هذه الأشعار إلاّ مجامرٌ ... تضوع فيها للنوى قطع الند\nوقال أيضًا:","vol":"2","page":307},{"text":"تبرعت بالمعروف قبل سؤاله ... وعدت بما أوليت والعود أحمد\nوقال أبو الحسن بن الحاج اللورقي يتغزل في معذر:\nوقد كان ينبت زهر الرياض ... فأصبح ينبت شوك القتادِ\nأين لي متى كان بدر التمام ... يدرك بالكون أو بالفسادِ\nوهل كنت في الملك من عبد شمسٍ ... فأخفى عليك ظهور السوادِ؟\nوقال أبو محمد بن عبد البر في مجذوم:\nمات من كنا نراه أبدًا ... سالم العقل سقيم الجسدِ\nبحر سقمٍ ماج في أعضائه ... فرمي في جلده بالزبدِ\nكان مثل السيف إلاّ أنه ... حسد الدهر عليه فصدي\nوقال أبو بكر بن الملح:\nوالروض يبعث بالنسيم كأنما ... أهداه يضرب لاصطباحك موعدا\nسكران من ماء النعيم فكلما ... غناه طائره وأطرب رددا\nيأوي إلى زهر كأن عيونه ... رقباء تعقد للأحبة مرصدا\nزهر يبوح به اخضرار ذباته ... كالزهر أسرجها الظلام وأوقدا\nويبيت في فنن توهم ظله ... بالصبح في عين القرارة مرودا\nقد خف موقعه عليه وربما ... مسح النسيم بعطفه فتأودا\nوقال الفقيه أبو الحسن بن زنباع:\nومن يطفي بنزر الماء نارًا ... فليس يزيدها إلاّ اتقادا\nوقال أبو جعفر التطيلي:\nتنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن سوف تقتلهم لذاتها بددا\nتبادروها وقد آذتهم فشلًا ... وكلثروها وقد أحصتهم عددا\nقل للمحدث عن لقمان اة لبدٍ ... لم يترك الموت لقمانًا ولا لبدا\nولا الذي همه البنيان يرفعه ... إنَّ الردى لم يغادر في الشرى اسدا\nما لابن آدم لا تفنى مطالبه ... يرجو غدًا وعسى إلاّ يعيش غدا؟\nوقال الآخر:","vol":"2","page":308},{"text":"باح مجنون عامرٍ بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي\nفإذا كان في القيامة نودي: ... من قتيل الهوى؟ تقدمت وحدي!\nوقال الآخر:\nيقولون: إنَّ الحب كالنار في الحشى ... لقد كذبوا فالنار تذكو وتخمد\nوما هو إلاّ جذوة مس عودها ... تسعر قلبا للمشوق وتوقد!\nوقال الآخر:\nأمسك ملامك عني إنني كمد ... إذ لم تجد في الهوى يوما كما أجد\nإنَّ لم تصدق دموعي في الذي شهدت ... فأنظر إلى جسدي إنَّ كان لي جسد\nيا ويح أهل الهوى إني لأرحمهم ... تبلى الجسوم وأثواب الهوى جدد\nلولا ترحمهم أيقنت انهم ... يشقون دهرهم أضعاف ما سعدوا!\nوقال الآخر:\nكفى حزنا إني مقيم بلذةٍ ... وأحباب قلبي نازحون بعيد\nأقلب طرفي في الديار فلا أرى ... وجوها لأحبابي الذين أريد!\nوقد قلت في غرض الباب قصيدة، فرأيت إنَّ أثبتها هنا، وإنَّ كان فيها بعض ول، وهي:\nأبى الدهر إلاّ أنَّ يجوز على القصد ... وأنَّ يعكس الآمال في كل ما يبدي\nويبسط بين الفرقدين يد النوى ... ويدني الثريا من سهيل على بعد\nويسمو بالوهد الحضيض على الذرى ... ويسفل بالطود السمي على الوهد\nويستبدل البردي في الطعن بالقنا ... وغصن النفى الأملود بالصارم الهندي\nوأنَّ يجعل العقبان في الجو طعمة ... لورقاء والضبعان مفترس الأسد\nويهدي بالضب القطاة ركية ... على العشر والسمع النتائف بالخلد\nويرفع أقدار اللئام على الألى ... لهم فدم في المجد والشرف العد\nويلوي تدبير الورى كل مائقٍ ... وفضل الغنى كل امرئ شكس نكد\nأجل إنّها الأحداث تجري مدارة ... مقاليدها في قبضة الصمد الفرد!\nمقادير منه أبرمت عن مشيئةٍ ... قديما وعن علم محيط وعن قصد\nوعدل وأحكام مبين وحكمة ... تحار النهي في نيل فياضها المد\nوليست بما تهوى النفوس صروفها ... ولا حذر المحتال في صرفها يجدي","vol":"2","page":309},{"text":"ولا يحرم الوفر الفتى بجهالةٍ ... وعجز ولا يحظى بعقل ولا كد\nولكنها الأرزاق أعددن للفتى ... قديما على قدر الشقاوة والجد\nفكائن رأينا من حليم مفتر ... عليه وغمر بات في عيشةٍ رغد\nأراني عروفا بالزمان فمن يكن ... كمثلي لم يصبح على الدهر ذا نقد\nولم يبتئس إنَّ مسه بمضوفةٍ ... ولم يزه بالدنيا إذا فاز بالوجد\nوقد قرعتني الحادثات فلم تلن ... قناتي لغمز من شابها ولا لهد\nوما رسنني حتى نزعن عن امرئٍ ... بعيد الهوى ثبت الحشا حازم جلد\nإذا ظفرت كفاه لو يزه فاخرًا ... وإنَّ نيل لم يضرع ولم يمس ذا وجد\nفأصبحت لا آسى على فقد هالكٍ ... ولا يعتريني بين غانية رأد\nولا أبتغي امرئ عن تكلف ... وإنَّ كان حسن العهد ديني لذي ود\nولو ملني من الدهر معصمي ... لفارقته طوعا ولم يشكه عضدي\nورب غبي يزدريني إنَّ رأى ... شحوبي من حادث آونةٍ لد\nولم يدر أنَّ الأجرد النهد فضله ... بإحضاره لا باللجام ولا اللبد\nوأنَّ الحسام الهندواني إنّما ... بمضربه يعتام لا جده الغمد\nوأنَّ وراء الوهم لن يبق عزة ... عليه إذا ما قاده أصغر الولد\nالوهم: الجمل العظيم الذلول، ورواؤه: منظره.\nوإنَّ براٍ الهدهد التاج وهو لم ... يفز بالذي للباز والنسر من مجد\nوإنَّ بهار الدفل كالورد منظرًا ... وحسنا وبعد الخبر محمدة الورد\nوغمر جهول يرتجي نيل منصبي ... رجاء حضيض أنَّ سيرقي إلى النجد\nيصبو إلى ما نلته مثل ما صبا ... حصور إلى ما نيل من عذر الخرد\nويسعى إلى إدراك شأوي كما سعت ... أتان خريع خلف صافنةٍ جرد\nوغرته مني لينة وبشاشةٍ ... كما غر غمرًا كشرة الأسد الورد\nومن مد للبدر المنير يمينه ... ليمسكه فيلبسن ضيعة المد!\nوذي ثروة يستأمني بلعاعةٍ ... ليقتادني قود الوديق إلى الورد\nولم يدر إني أجتوي الأري شابه ... هوان وأستحلي بعز جنى الهبد\nوأنَّ لست للباغي ضيما بمصحب ... ولا باذل ماء وجهي على شكدِ","vol":"2","page":310},{"text":"وإني لو أرتاد ما ضاق مذهبي ... بحول ولم يصلد لمفلقة زندي\nولكن صون النفس عن كل موردٍ ... تهان به أحظى بعزته عندي\nوإني لفضاض السجايا دميثها ... لالفي ونشاب إذا شئت اللغد\nوأنَّ لساني الصبر ما لم أزمه ... وإنَّ كان أحلى للودود من الشهد\nوإني لو هاجيت دان أبن غالبٍ ... لأمري ولم يعرض لسيلي فتى العبد\nولو ثلاث هن أجررن مقولي ... عن الشر وائتمت به جدد الجد:\nفمنها تحاشى أنَّ يمر به الخنا ... فإن الخنا من شيمة الدانيء الهد\nومنها تجافي أنَّ أناصب معشرا ... لئاما فمن لؤم مناصبة الوغد\nومنها التحامي عن وعيد التي إلى ... مداها جميع العالمين على وخد\nوما المرء إلاّ حيث حل برحله ... فكن نازلا بالنفس في يفع الحمد\nوكن رابئا عن كل ورد دنيةٍ ... بنفسك تغشاه مع الشرع الورد\nوحم بجانب الورد إنَّ كنت صاديا ... فإنَّ تسرب فلتوله صفحة الصد\nكما أعرضت كدر عن الماء عندما ... توجسن ذعرا فانثنين على جهد\nولا تك كالعير الوديق يؤمه ... فيحلأ عنه بالهراوى وباللكد!\nفإنَّ حايض العز تغشى سخينة ... وإنَّ حايض الذل تقلى على برد\nوما ضيم غير الفقع يوطأ بمنسمٍ ... على قرقر من غير نكر ولا رد\nوغير تريك بيضة بلدية ... وغير أتان الحي تعصى أو الود\nوكن حافظا بالغيب والسخط والرضى ... لعهد مصافيك الهوى دائم الود!\nألم بنا إلمامة بعد هداةٍ ... من الليل طيف من أميمة أو هند\nسرى ورواق من دجى الليل منطب ... بما لو سرته الريح ضلت من البعد\nفلم أر مثل الطيف جواب لاحبٍ ... بلا سائق يحدو ولا سابق يهدي\nولا والجا لا يغلق الباب دونه ... ولا يتلقى منه بسرور ولا سد\nوأمن من لحظ الرقيب وريبه ... إذا زار ونه الرقيب على رصد!\nفهيج أشجانا من القلب وانثنى بلا طائل منها عتيد ولا وعد\nبأسرع من لحظ الجفون إذا رنا ... إليك وبالبرق والوميض من الرعد\nفيا ليت شعري والحوادث جمة ... وعهد الغواني كالسراب على صلد!","vol":"2","page":311},{"text":"أقامت على ما بيننا من صبابةٍ ... أميمة أم غيت مودتها بعدي؟\nفخال من الأخدان كل مساعدٍ ... على أي حالٍ خضته صادق العهد\nحليم غضيض الطرف عما يربيه ... سليم الحشا من هاجس الضغن والحقد!\nفإنَّ وداد المرء كالظل زائل ... إذا لم يكن بين الجوانح عن عقد\nوإنَّ حبال الوصل منقوضة العرى ... إذا لم تكن في القلب محكمة المسد\nوإنَّ بناء شدته وأشتده ... لواهٍ إذا لم يرس عن ثابت العمد\nوإنَّ ركيا ردته ووردته ... لغور إذا لم يزك من باطن المد\nفهل تستوي عادية بخميلةٍ ... بها الماء عد دائم بحسى ثمد؟\nوإنَّ أليف المرء إلف مشاكل ... وأحسن شيء ضمك الند للند\nولا تطمعن من غير شكل مودة ... تودم ويجني الود فيها على الود!\nفإنَّ السجايا في الأنام سوية ... وشتى وبدع صحبة الضد للضد\nوانك ما أبصرت أسدًا أليفة ... لحمر وغربانا تحن إلى العفد\nوما المرء إلاّ أبن الثرى فمراحه ... وإنَّ عاش أزمانا إلى ذلك المهد\nوعمر الفتى المضمار بينا جواده ... يباري مداه إذ هوى في هوى اللحد\nوبينا الفتى يزهو بمال وأسرةٍ ... إذا هو يشجى بالرزايا وبالفقد\nإذا ما سمعت الدهر عولة حائر ... فكن حائر فكن راصد أمثالها إنّها تعدي\nوقلت أيضًا:\nأستغفر الله قد ضيعت نحوكم ... خطا وذلك من أخطائي السددا\nسلكت فيها خبارًا بل وطئت بها ... شوك القتاد ولم أسلك بها جددا\nلو كنت أعلم ما ألقى ببابكم ... جعلت تصفيد رجلي دونكم صفدا\nوقال الآخر:\nإنَّ وصفوني فناحل الجسد ... أو فتشوني فأبيض الكبد\nأضعف وجدي وزاد في سقمي ... أنا لست أشكو الهوى إلى أحد\nأهٍ من الحب أهٍ من كبدي ... إنَّ لم أمت في غد فبعد غد\nجعلت كفي على فؤادي من ... حر الهوى وانطويت فوق يدي\nكأن قلبي إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدي أسد!","vol":"2","page":312},{"text":"وقال الآخر:\nتغرب أمري فانفردت بغربة ... فصرت فريدا في البرية أوحدا\nتسرمد وقتي فكيف فهو مسرمد ... وأفنيت عني فصرت مجددا\nوقال الآخر:\nلو كنت املك طرفي ما نظرت به ... من بعد فرقتكم يوما إلى أحد\nولست أعتده من بعدكم نظرًا ... لأنه نظر من ناظري رمد\nوقال الآخر:\nتزود من الدنيا النقاخ ولن ترى ... بوادي الغضا ماء نقاخا ولا وردا\nونل من نسيم ألبان والرند نفحة ... وهيهات وادٍ ينبت ألبان والرندا!\nوكرر إلى تجدٍ بطرفك أنه ... متى تغد لا تنظر عقيقا ولا نجدا!\nوقال الآخر:\nأكلف القلب أنَّ يهوى وألزمه ... صبرا وذلك جمع بين أضداد\nوأكتم الركب أوطاري وأسأله ... حاجات نفسي لقد أتعبت روادي\nهل مخبر عنده من منكر خبر ... وكيف يعلم حال الرائح الغادي؟\nفإنَّ رويت أحاديث الذين مضوا ... فعن نسيم الصبا والبرق إسنادي\nوقال الآخر:\nزعموا أنَّ من تباعد يسلو ... ولقد زادني التباعد وجدا\nإنَّ وجدي بكم وإنَّ طال عهدي ... وجد يعقوب حين فارق عهدا\nخليلي إنَّ الجزع أضحى ترابه ... من الطيب كافورا وأغصانه رندا\nوأصبح ماء البحر خمرًا وأصبحت ... حجارة درًا وأوراقه وردا\nوما ذاك إلاّ إنَّ مشت بجانبه ... أميمة أو جرت بتربته بردا\nوهذا الشعر يتمثل به السادات في انخراق العوائد واستحالة الأشياء ببركة من جاورها ومسها أو استدعاها من الصالحين.\nوذكر صاحب التشوف رحمه الله تعالى عن بعض الناس قال: كنت أتوضأ في البحر على","vol":"2","page":313},{"text":"قرب من الشيخ أبي عبد الله الصنهاجي، المعروف بابن أمغار. قال: وكان أبو عبد الله شرع في الوضوء من البحر، فتطعمت ماء البحر فوجدته حلوا، فقلت له: يا أبا عبد الله، إنَّ ماء هذا البحر حلو! فقال لي: هو كما قلت! وقال بعض الناس: كنت بالحرم الشريف مكة، فخرجت وقت السحر لأشرب من زمزم، فوجدت شيخا قد أخذ الدلو فشرب وأفضل، فوجدت الماء أحلى من العسل والسكر. فلما كان الغد، خرجت في ذلك الوقت أيضا إلى زمزم، فوجدت صاحبي. فلما شرب، أخذت الفضلة، فتعلقت به وقلت: سألتك بالله إلاّ أخبرتني من أنت! قال: أنا سفيان الثوري، واستر علي!\nوحدث صاحب التشوف أيضًا عن بعضهم قال: مررت بالشيخ أبي موسى الدكالي السلاوي المشهور، وهو يأكل عسلوجا من عسالج الكلخ. فناولنيه فأكلته فوجدته طيبا. وعن أبي الحسن الأنصاري، المعروف بابن الصائغ، قال: زرت الشيخ أبا يعزى، فلما كان غروب الشمس خرجت للضوء مع جماعة، فبعدنا عن القرية، فحال الأسد بيننا وبين القرية. فقيل للشيخ أبي عز: حال الأسد بين أصحابك وبين القرية. فأخذ الشيخ عصاه بيده وجعل يضرب الأسد، ففر أمامه وقربنا منه، فجعل يأكل عيون الدفلى، فقال لترجمانه: قل لأبي الحسن: ما تقولون انتم معشر الفقهاء فيمن يأكل الدفلى؟ فقلت له: قل له: يقولون: من أكل الدفلى طرد الأسد! فأعلمه الترجمان بقولي، فرأيته يبتسم.\nومن هذا ما حدثني به بعض الثقات، وإنَّ بساحل حاحة، عند ضريح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي، المعروف بالسائح، تلميذ الشيخ سيدي سعيد بن عبد المنعم المناني. قال: حدثني فلان وكان أصحاب أبي العباس قال: جئت مع أبي العباس عند هبوطه إلى هذا الساحل، فأتينا على مصلى الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، وكان مصلاه معروفا هناك بشاطئ البحر يزار. قال: فأقمنا في المصلى يومين أوقال ثلاثة. واحسبه قال - قال: لا نطعم شيئًا حتى أحسست بجوع شديد. فقال لي أبو العباس: قم إلى الضرو فخذ لنا من أوراقه! والضرو شجر معروف أوراقه أمر شيء. قال فقمت إلى الشجرة منها، فملأت حجري من الورق، وجئت به إليه فطرحته أمامه وأحسبه قال - قال: فحركه، فعاد زبيبا ولوز. قال: فأكلنا حتى اكتفينا. فلما قمنا من ذلك الموضع ومررنا على قرب من موضع الشجرة، تركت الشيخ حتى أدبر، فانسللت منه","vol":"2","page":314},{"text":"وأتيت الشجرة، فاقتطفت قبضة من أوراقها وجعلتها في فمي ومضغتها، فوجدتها أمر شيء، فمججتها، واتبعت الشيخ فأدركته يتوضأ في شعب هنالك. فلما رآني جعل يبتسم وقال لي: أفعلت كيت وكيت؟ قلت نعم! فقال لي ما معناه: أفتحسب أنَّ لا اله إلاّ الله في أفواه الرجل سواء؟ وقد وقع مثل هذا لإبراهيم بن أدهم. وحكايات الصالحين في نحو هذا لا تنحصر، وإنّما أردنا أنَّ نتبرك ببعض ذلك، نفعنا الله بمحبتهم وحشرنا في زمرتهم! وهذا القدر يكفي، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"2","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>باب الذال المعجمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>الذئب يغبط بذي بطنه</span>.\nالذئب معروف، مهموز، ويترك همزه تخفيفا؛ والأنثى ذيبة. والغبطة: المسرة، وتكون للحسد تارة، وهو أن يتمنى إنَّ يعطى ما للغير من النعمة مع زوالها عن الغير وهو مذموم، وتارة لا مع محبة زوالها عن الغير وهو المحمود. والغبطة بهذا المعنى خلاف الحسد. ويقال: غبطة يغبطه كضربة يضربه، وغبطة يغبطه كسمعة يسمعة؛ غبطة. والبطن معروف وذو البطن: صاحب البطن، وهو ما فيه.\nومعنى المثل إنَّ الذئب يضن به أبدا الشبع والبطنة لمّا يروى من عدوه على الناس والمواشي، ولا يظن به الجوع، وإنَّ كان مجهودا من الجوع. فيضرب للرجل يتهم بالمال ولا مال له.\nومثل هذا قول الشاعر:\nومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع\nونحو هذا في أمثال العامة قولهم: من رأى الجمل الأبيض ظنه كله شحما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>ذياب في ثيابٍ</span>.\nالثياب جمع ثوب. وهذا المثل مشهور في ذم الناس وانهم كالذياب مكرًا وخداعا وإنَّ كانوا في الصورة خلافها.\nوروي إنّه لمّا ولد عبد الله بن الزبير، ﵅ نظر إليه النبي ﷺ؛ فقال: هو، هو! فلما سمعت بذلك أمه أسماء، ﵂، أمسكت عن","vol":"3","page":7},{"text":"إرضاعه. فقال لها النبي ﷺ: أرضعيه ولو بماء عينيك، كبش بين ذياب، وذياب عليها ثياب، ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه! انتهى. وفي حديث آخر عن النبي ﷺ في ذم علماء السوء إنّه أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون الكباش وقلوبهم كقلوب الذياب، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخدعون، وبي يستهزئون، لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران. انتهى.\nقال الشاعر:\nوأنت كجرو الذيب ليس بآلف ... أبى الذيب إلاّ إنَّ يخون ويظلما!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>الذيب يكنى أبا جعدة</span>.\nالذيب مر، والكنية والكنوة بضم الكاف وكسرها فيهما: الاسم. وكنيت الرجل أبا فلان، وكنيته بالتضعيف، وأكنيته، كنيته بالكسر والضم سميته به. وكنيته بابي فلان أيضًا. وأبو جعدة: كنية الذيب. ويقال: أبو جعادة أيضًا. قال الشاعر:\nفقالت له: يا أبا جعادة إنَّ تمت ... تمت سيئ الأخلاق لا تتنقل\nوكني الذيب أبا جعدة، وإنَّ لم تكن له بنت تسمى بذلك. ومن ثم قال الكميت يصفه:\nومستطعم يكنى بغير بناته ... جعلت له حظا من الزاد أوفرا\nوالجعدة يكون وصفا للمؤنث، من الجعودة في الشعر، ضد البسوطة، والمذكر جعد. والجعد أيضًا الثرى الندي. وقول امرئ القيس:\nويأكلن بهمى جعدة حبشية ... ويشربن برد الماء في السبرات","vol":"3","page":8},{"text":"أراد به الندية، أي بهمى ندية حبشية، أي شديدة الخضرة تضرب إلى السواد. ورجل جعد: كريم أو بخيل. وجعد اليدين: بخيل. والجعدة أيضًا نبت ينبت على شاطئ الأنهار، وهو المراد في المثل. ويقال إنّه نبت طيب الريح، ينبت في الربيع ويجف سريعا. والجعدة أيضًا: الشاة. فقيل كني الذئب بها لكثرة افتراسه إياها، وقيل: كني أبا جعدة لأنه بخيل يقال له الجعد كما مر. وانشدوا: أخشى أبا جعد وأم العمر يعني الذيب. وقيل من النبت السابق.\nومعنى المثل أنَّ الذيب كنيته حسنة وفعله خبيث منكر. يضرب للرجل يظهر لك إكراما وهو يريد بك غائلة.\nويروى هذا المثل أيضًا: هي الخمر تكنى الطلاء كما الذيب بكنى أبا جعدة.\nويحكى إنّه لعبيد بن الأبرص لمّا هم المنذر بن ماء السماء بقتله قال له عبيد: وقالوا:\nهي الخمر تكنى الطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة\nويروى:\nهي الخمر يكنوها بالطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة\nأي إنّه يظهر لي الإكرام وهو يريد قتلي، كما إنَّ الخمر وإنَّ سموها الطلاء وحسنوا أسمها ففعلها قبيح. وكذا الذئب وإنَّ كان اسمه حسنا فإنَّ فعله قبيح. ويحكى عن أبن الزبير سئل عن المتعة فقال: الذيب يكنى أبا جعدة. والمعنى أنَّ المتعة حسنة الاسم قبيحة المعنى، لأنها طلاق، كما أن الذئب حسن الاسم قبيح المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>ذكرتني الطعن وكنت ناسيا</span>.\nالذكر والتذاكر: الحفظ للشيء، وذكره وتذكره إياه بالتضعيف،","vol":"3","page":9},{"text":"وأذكرته. وما زال مني على ذكر بالضم والكسر أي تذكر. والطعن: الضرب بالرمح أو نحوه، والوخز به، طعنه بالفتح يطعنه بالفتح والضم طعنا: ضربه، فهو مطعون وطعين، والنسيان ضد الحفظ، نسي الأمر بالكسر ينساه، نسيا ونسيانا ونساوة بكسر الثلاثة ونسوة بالفتح: ضد حفظه؟ وهذا المثل يضرب في ذكر الشيء بغيره، وفي الرجل يسمع كلمة فيتذكر بها شيئًا. وأصله فيما يقال إنَّ رجلا حمل على آخر ليقتله، وكان مع المحمول عليه الرمح، فنسيه دهشا، فقال له الحامل: ألق الرمح! فقال عند ذاك: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا أي ذكرتني ما اطعن به: أو ذكرتني الطعن بتذكير الرمح الذي أطعن به فذهبت مثلا. ثم كر عليه فهزمه.\nويقال إنَّ الحامل في هذا القصة هو صخر لن عمرو بن الشريد، والمحمول عليه هو يزيد أبن الصعق. وقد ذكر ذلك أبو عبيد، إلاّ إنّه قال: فكر عليه فقتله أو هزمه على الشك فوهمه البكري بما ثبت من أنَّ صخرا إنّما مات بطعنة ربيعة بن ثور الأسدي. وسيأتي لنا ذكر قصته، إن شاء الله تعالى.\nويروى أيضًا إنَّ رهيم بن حزم الهلالي عرج بأهله وماله يريد النقلة في بلاد من أرض إلى أرض. فبينما هو يسير إذ لقيه ثلاثون رجلا من تغلب، فقال لهم: يا بني تغلب، شأنكم بالمال وخلوا الظعينة! فقالوا: قد رضينا إنَّ ألقيت الرمح! فقال: وإنَّ لرمحي لمعي! فقتل رجلا وصرع آخر وقال ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>ذكر ما فات يكدر الأوقات</span>.\nوهذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى، وقريب من قولهم: ذكر أيام الجفاء في أيام الصفاء جفاء.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>مذكية تقاس بالجذاع</span>.\nالمذكي من الخيل: المسن الذي جاوز القراح بعام، كما مر في الجيم. والجذاع جمع جذعة وهو الصغير السن، والقياس: اعتبار الشيء بالشيء وإلحاقه به في أمر. وهذا المثل يضرب عند الخطأ في التشبيه وقياس الكبير بالصغير. واشتهر في هذا المعنى على ألسنه الناس قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>قياس البيض على الباذنجان</span>.\nوزعموا إنَّ أصله رجلا كان ساق إلى آخر باذنجانا أو نحوه، فوجد مسكنه مغلقا ولم يجد صاحبه هناك، فلم يمكنه إنَّ يدخل إلى المسكن ما أتى به. فلما جاء صاحبه قال له: إذا جئت بشيء من ذلك فأرمه من الخوخة إلى البيت قم إنّه يوما اتفق لهذا أنَّ جاء ببيض فرماه من الخوخة، عملا بوصية صاحبه وظن إنَّ البيض والباذنجان سوء. فوقع البيض وانكسر وفسد، وذهب ذلك مثلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>أذكى من إياس</span>.\nالذكاء سرعة الفطنة: يقال ذكي الرجل يذكى كرضي يرضى، وذكى يذكى كسعى يسعى، وذكو يذكو ككرم يكرم ذكاء بالمد فهو ذكي. وإياس بوزن كتاب هو إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة. كان أعجوبة الزمان في الذكاء وسرعة الجواب. ومن ثم قال أبو تمام.\nإقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\nولذكاء إياس وفراسته وفطنته أخبار عجيبة وحكايات غريبة. ومن أوّل ما كان يعرف به من ذكائه إنّه دخل الشام وهو صغير ونازع رجلا في أمر وقدمه إلى القاضي عبد الملك بن مروان، وكان القاضي يعرف الرجل فقال لإياس: أما تستحي إنَّ تقود شيخا كبيرا؟ فقال: الحق اكبر منه! قال القاضي: اسكت! قال إياس: فمن يتكلم بحجتي إذا سكت؟ فقال له القاضي","vol":"3","page":11},{"text":"ما أظنك تتكلم بحق حتى تقوم. قال إياس: أشهد أن لا إله إلاّ الله وإنَّ محمّد رسول الله! فوثب القاضي قائما ودخل على عبد الملك فأخبره خبره. فقال له عبد الملك أقض حاجته! وأصرفه عن الشام لا يفسد علينا الناس! ثم ولي القضاء في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ وكان سبب ذلك إنَّ عمر بعث رجلا من أهل الشام فقال له: اجمع بين القاسم وربيعة وإياس، فول القضاء أيهما انفذ! فجمع بينهما وتمنع كل منهما. فقال إياس للشامي وعن القاسم فقيهي المصر: الحسن وأبن سيرين! فعلم القاسم إنّه إنَّ سألهما أشارا به. فقال للشامي: لا تسل! فوالله الذي لا إله إلاّ هو إنَّ إياس لأفضل مني وأعلم بالقضاء. فإنَّ كنت ممن يصدق فينبغي لك إنَّ تصدق قولي، وإنَّ كنت كاذبا فما يحل لك أنَّ توليني القضاء وأنا كاذب! فقال إياس للشامي: إنك جئت رجل فأقمته على شفير جهنم، فافتدى نفسه من النار بيمين كاذب سيستغفر الله غز وجل منها وينجو من النار. فقال الشامي: أما إذ فطنت لها فأنا أوليك القضاء. فاستقضاه. وكان إياس قيل له: إنَّ فيك عيبين: إعجابا بقولك وعجلة في الجواب. فقال: أما الإعجاب، أليس يعجبكم ما أقول؟ قالوا: بلى! قال: فأنا أحق بالإعجاب بقولي، وأما العجلة، فكم هذه؟ وأمد أصابع يده فقالوا: خمس قال: عجلتم الجواب ولم تعدوها إصبعًا، إصبعًا. قالوا: وكيف نعد ما نعلم؟ قال: كذلك أنا في الحكم! وسيأتي شيء من أخباره وفراسته بعد، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>ذليل عاذ بقرملةٍ</span>.\nالذل ضد العز، ذل الرجل يذل فهو ذليل، والعياذ: الالتجاء، ويقول: عاذ به يعوذ بذال معجمة عوذا وعياذا ومعاذا ومعاذة. والقرملة شجرة ضعيفة لا شوك لها، تنفتح إذا وطئت، والجمع قرمل. قال الشاعر:\nقتيلان لا تبكي المخاض عليهما: ... إذا شبعت من قرمل وأفان","vol":"3","page":12},{"text":"وهذا المثل يضرب في الضعيف يلتجئ إلى أضعف منه أو مثله، والذليل يأوى إلى أذل منه. قال جرير:\nكان الفرزدق إذ يعوذ بخاله ... مثل الذليل يعوذ تحت القرمل\nويقال أيضًا في المثل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>ضعيف عاد بقرملةٍ</span>.\nومثله قول العامة: أستند المريض إلى المريض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>أذل من بيضة البلد</span>.\nالذل مر، والبيضة معروفة واحدة البيض؛ والبلد بفتحتين أدحي النعام، وهو حفرة يتخذها في الأرض لبيضه. قال علقمة يصف الظليم:\nحتى توافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عريسين في البيض مركوم\nوبيضة البلد يقال بيضته التي يتركها فيه، ضرب بها المثل في الذلة لأنها لا تمتنع من كل من ظفر بها، كما قيل: فقع القرقر، على ما يأتي. قال الشاعر:\nلو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا بن الرقاع ولكن لست من أحد\nتأبى قضاعة أنَّ تدري لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد\nوجوز أبو عبيدة في قولهم: كان فلان بيضة البلد أنَّ يراد به المدح على ما قيل في بيضة القعر، كما سيأتي. وزعم البكري إنّه قد ضرب هذا ثلا للمنفرد عن أهله وأسرته، فلا يكون مدحا ولا ذما، وانشده:\nلو كان حوض حمار ما شربت به ... إلاّ بأذن حمار أخر الأبد\nلكنه حوض من أودى بأخوته ... ريب الزمان فأضحى بيضة البلد!\nوفيه نظر: لأنَّ الشاعر يخبر بأنه قد هان وذل بذهاب اخوته وأنصاره، لا بمجرد فقد الأنصار وإنّه منفرد.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>أذل من حمارٍ</span>.\nالحمار معروف، وهو يوصف بالذلة والهوان، كما يوصف بالجهل والبلادة. قال الشاعر:\nولا يقيم على الضيم يراد به ... إلاّ الأذلان: عير الحي والوتد\nهذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد\nوالخسف: الهوان، كما قيل:\nحراجيح ما تنفك إلاّ مناخة ... على النفس أو نرمي بها بلدا قفرا\nوالزمة: القطعة من الحبل. وقوله في الوتد، يشج أي يضرب على رأسه، فلا يرثي له أحد، أي لا يرق له أحد ولا يحمه، ومثله قول عبد الرحمان بن حسان بن ثابت الأنصاري يهاجي عبد الرحمن بن الحكم بن العاصي الأموي:\nفأما قولك: الخلفاء منا ... فهم منعوا وريدك من وداج\nولولاهم لكنت كركب بحرٍ ... هوى في مظلم الغمرات داج\nوكنت أذل من وتد بقاع ... يشج رأسه بالفهر واج\nولمّا وقع هذا بينهم كتب معاوية، ﵁، إلى مروان بن الحكم إنَّ يؤد بهما، وكانا قد تقاذفا. فضرب عبد الرحمن بن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين. فقيل لعبد الرحمن بن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فشنع أمره وارفعه إلى معاوية! فقال: إذا، والله، لا أفعل، وقد حدني كما يحد الرجال الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد، فأوجعه بهذا الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>أذل من حمار قبان</span>.\nويقال: عير قبان دويبة صغيرة من دواب الأرض؛ وقبان بفتح القاف والباء المشددة، على وزن فعلان، من قب، وكأنه من القبب وهو ضمور البطن. قال الشاعر:\nيمشين مشي قطا البطاح تأود ... قب البطون رواجح الأكفال\nوذلك لضمور بطنه. والدليل على إنّه فعلان منع الصرف فيه. قال الشاعر:","vol":"3","page":14},{"text":"يا عجبا لقد رأيت عجبا: ... حمار قبان يسوق أرنبا\nخالطها يمنعها أن تذهبا ... فقال: أردفيني! قالت: مرحبا!\nولو كان فعلا لصرفه إلاّ أن يلاحظ فيه تركيبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>أذل من السقبان بين الحلائب</span>.\nالسقبان بالضم جمع سقب بفتح فسكون، وهو ولد الناقة مطلقا أو ساعة يولد. قال علقمة:\nرغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليبُ\nأراد أبن ناقة ثمود والأنثى سقبة. وقيل: السقب مخصوص بالذكر ولا يقال للأنثى سقبة وإنّما يقال لها حائل وأمها أم حائل كما مر. وجمع السقب: أسقب وسقوب وسقاب وسقبان. وناقة مسقاب إذا كانت عادتها أن تلد السقبان. قال الراجز: غراء مسقاب لفحل أسقب.\nوالحلائب جمع حلوبة والحلوبة من النوق المحلبة. قال الشاعر يرثي رجلا:\nيبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوبُ\nوجمع الحلوب والحلوبة الحلائب. وضربوا المثل بالسقبان بين الحلائب أي بين النوق التي تحلب لأنها تقبض وتردد وتدفع وتشدد فينالها الهوان والصغار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>أذل من فراشٍ</span>.\nالفراش بفتح الفاء وتقدم في حرف الخاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>أذل من فقع بقرقرةٍ</span>.\nالفقع بفتح فسكون الكمأة البضاء الرخوة وتكسر الفاء. وجمع الكل فقعة كعنبة قاله الجوهري. والقرقرة والقرقر: الأرض المطمئنة اللينة فيقال للذليل أذل من فقع بقرقرة وهو فقع بقرقرلأنه لا يتمنع على من يجتنبه أو","vol":"3","page":15},{"text":"لأنه يوطأ بارجل الناس والبهائم ويمتهن. وينسب للنابغة بهجو النعمان بن المنذر:\nحدثوني بني الشقيقة ما ... يمنع فقعًا بقرقر أن يزولا؟\nوقال بعض العرب لقوم: ما أنتم إلى ريف فتأكلوه، ولا إلى فلاة فتعصموه ولا إلى وزر فينجيكم! فأنتم نهزة لمن رامكم ولعقة لمن قصدكم وغرض لمن رماكم كالفقعة الشرباخ يشدخها الواطئ ويذريها السافي. الشراخ الفاسدة المسترخية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>ذهبوا أيادي سبأ</span>.\nالذهاب معروف يقال: ذهب بالفتح يذهب ذهابا والأيادي جمع أيد والأيدي جمع يد وهو بمعنى الجارحة وبمعنى النعمة وبمعنى الطريق. وسبأ قيل أبو قبائل اليمن وهو لقب وأسمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب وسمي سبأ قيل لأنه أول من سبى السبي. وقيل سبأ اسم أمهم وتسمى البلدة سبأ باسم سكانها وكانت أخصب بلاد الله كما الله تعالى:) جنتانِ عن يمينٍ وشمال (. قيل: وكانت مسافة شهر في شهر للراكب المجد يسير الماشي في الجنان من أولها إلى آخرها لا يفارقه الظل، مع تدفق الماء وصفاء الهواء واتساع الفضاء. فمكثوا مدة في أمن لا يعاني ملك إلاّ قصموه. وكانت في بدء الأمر تركبها السيول فجمع ملك حمير أهل مملكته وشاورهم فاتخذوا سدا في بدء جريان الماء ورصفوه بالحجارة والحديد وجعلوا فيه مخارق للماء. فإذا جاءت السيول انقسمت على وجه يعمهم نفعه في الجنات والمزروعات. ويقال بانيه لقمان بن عاد ووقع في شعر الأعشى أنَّ حميرا هو بناه حيث قال:\nرخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤها لم يرم\nفلما كفرو نعم الله تعالى ورأوا ملكهم لا يبيده شيء وعبدوا الشمس سلط الله على سدهم فأرة فخرقته وأرسل عليهم السيل فمزقهم الله كل ممزق وأباد خضراءهم كما قال في القرآن.\nفحكي أنه لمّا انتهى الملك إلى عمرو بن عامر المعروف بمزيقياء وسمي بذلك","vol":"3","page":16},{"text":"لأنه كان يلبس حلة حتى إذا أمسى مزقها أنفة من أن تعاد عليه أو يلبسها غيره أو لأنه مزق الأزد في البلاد. وكان أخوه عمران كاهنا فأتته كاهنة وأخبرته بدنو فساد السد وفيض السيل وأنذرته فقال لها: وما آية ذلك: فقالت: إذا رأيت جرذا يكثر بيده الحفر ويقلب برجليه الصخر فاعلم أنه قد اقترب الأمر. قال: وما الأمر؟ قالت: وعد من الله ينزل فيغيرك يا عمرو! ثم إنَّ عمرا يوما نظر في السد فرأى جرذا يقلب صخرة ما يقلبها خمسون رجلا. فرجع وهو يقول:\nأبصرت أمرا هاج لي برح السقم ... من جرذ كفحل خنزير أجم\nله مخاليب وأنياب قضم\nفأجمع على الخروج منها. واحتال في بيع ماله وإنَّ لا ينكر الناس عليه. فقال لابنه: إني صانع طعاما وداع إليه أهل مأرب، فأردد على كلامي إذا تكلمت! ففعل ورد عليه ابنه أقبح الرد، فتغاضب عمرو وصاح: واذلاه! يجيبني صبي! وحلف ألا يقيم ببلد فيه ضيم فيه. فجعل يبيع أمواله وقومه يقولون بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو قبل إنَّ يرضى! واشتروا منه. فلما باع واجتمعت له أمواله أخبرهم خبر السد والسيل، وأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران: إني أصف لكم بلدانا، فاختاروا أيّها شئتم، من كان منكم ذا غنم بعيد، وجمل غير شرود، فليلحق بالشرود، فليلحق بالشعب من كؤود! فلحق به همدان. ثم قال: ومن كان منكم ذا سياسة وصبر، على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر! فلحق به خزاعة. قال: ومن منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل! فنزلها الاوس والخزرج. قال: ومن كان يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، فليلحق ببصرى وسدير! وهي أرض الشام. فلحق بها غسان. قال: ومن كان منكم يريد الثياب والرقاق والخيل العتاق، والذهب والأوراق، فليلحق بالعراق فلق بها ملك بن فهم الأزدي. وتخلف مالك اليماني في قومه حتى أخرجهم السيل منها، فنزلوا نجران وانتسبوا في مذحج، ودخلت جماعة منهم على معد، فأخرجتهم معد بعد حروب، ونزلوا بجبل السراة، على تخوم الشام. فلما","vol":"3","page":17},{"text":"تفرقت قبائل سبأ هذا التفرق، وتمزقوا هذا التمزق، ضربت العرب بهم المثل فقالوا: ذهب القوم أيدي سبأ وأيادي سبأ، أي تفرقوا في كل طريق ووجهة، إما على أنَّ اليد بمعنى الجارحة، لأنهم كانوا، إذ كانوا مجتمعين، يدا واحدة. فلما تفرقوا صارت اليد أيادي كثيرة؛ أو بمعنى النعمة، أي تفرقوا تفرق نعم سبأ، أو كائنين كنعم أهل سبأ، أو بمعنى الطريق، أي تفرقوا في كل طريق أهل سبا، حيث تمزقوا، وأيدي سبأ جعل اسما مركبا كمعدي كرب وسكنت الياء تخفيفا وإنَّ انتصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>ذهبوا تحت كوكبٍ</span>.\nهذا كالذي قبله في المعنى أيضًا، وهو التفرق، وألفاظه ظاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>ذهب دمه أدراج الرياح</span>.\nالذهاب مر، وكذلك الدم، والأدراج جمع درج بفتحتين وهو الطريق تقول رجعت أدراجي أي في الطريق الذي جئت فيه. والرياح جمع ريح، قلبت الواو ياء في المفرد والجمع لانكسار ما قبلها. وهذا المثل يقال في بطلان الشيء. فإذا قيل: ذهب دمه أدراج الرياح، أريد إنّه ذهب هدرًا. والمعنى إنّه مسالك الرياح الذاهبة أو كان في مسالكها فنسفته وأذهبته. وكذا في غير الدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>ذهبت هيف لأديانها</span>.\nالذهاب مر، والهيف بالفتح ريح حارة تهب من نحو اليمن نكباء بين الجنوب والدبورز قال ذو الرمة: هيف اليمانية في مرها نكب وهي تيبس ما مرت به وتعطش الحيوان. الهيف أيضًا شدة العطش، والأول المراد والأديان جمع دين بكسر الدال وله معان كثيرة: منها العادة، وهو المراد هنا. قال امرؤ القيس:\nكدينك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل","vol":"3","page":18},{"text":"أي كعادتك. ويروي كدابك، بمعناه. وقال الآخر:\nتقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني؟\nومعنى ذهبت هيف لأديانها: ذهبت لعدتها، لأنها تجفف كل شيء. فيضرب عند تفرق القوم ليس لشأنه، أو لمن يلزم عادته. وقال أبو عبيد: يضرب في نظر الرجل لنفسه وإقباله على شهوته وهواه. وقيل إنّه يضرب الشيء إذا انقضى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>الذود إلى الذود ابل</span>.\nالذود بفتح الذال وسكون الواو بعدها دال مهملة، من الإبل ما بين الثلاث والعشر، مؤنث ولا واحد له، والجمع أذواد. قال النابغة:\nلعمرك ما خشيت على يزيدٍ ... من الفخر المضلل ما أتاني\nكأنَّ التاج معصوبا عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان\nوقال امرؤ القيس:\nأرى المرء ذا الأذواد محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض\nوالإبل معروف، لا واحد له، وقد تسكن الباء. قال:\nألبان إبل تعله بن مسافرٍ ... ما دام يملكها علي حرام\nوالجمع آبال.\nوالمعنى أنَّ الذود وهي القليلة العدد مجموعة إلى ذود أخرى تكون إبلا. أو إلى بمعنى مع، أي الذود مع الذود. يضرب عند اجتماع القليل إلى القليل، وإنّه يكون كثيرا. وتقدم مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>ذلك الفحل لا يقدح انفه</span>.\nذلك: إشارة إلى البعيد، شخصا كان أو مكانا. وأصله ذوي، أو ذيي، وعلى الخلاف المعروف في علم النحو؛ والفحل من الإبل معروف، ويكون في غيرها، والجمع فحول وفحال وفحالة. قال: فحالة تطرد عن شوالها","vol":"3","page":19},{"text":"والقدع بالدال المهملة: الكف والضرب. تقول: قدعت الفرس إذا كبحته؛ وقدعتالفحل إذا ضربت أنفه بالرمح حتى يرجع وذلك إذا كان غير كريم فيريد أن يطرق الناقة الكريمة فيضرب حتى يرجع. قال الشماخ:\nإذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوعِ\nيصف حمارا يستاف أتنا أي يشمهن لأنَّ الاستياف والسوف هو الشم كما قال امرؤ القيس:\nعلى لاحبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\nومن ذلك سميت المسافة من الأرض لأنَّ الدليل يشم التراب ليعرف أين هو. وقوله: وكان الرمح أي المكان الذي يصيبه الرمح من أنف القدوع. والقدوع: المقدوع وهذا البناء يكون بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل أيضًا. فمن الأول قولهم: دابة ركوب وناقة حلوب وحوار رغوث وفحل قدوع أي مركوبة ومحلوبة ومرغث ومقدوع؛ ومن الثاني قولهم: قدوع وركوب للدوابو ناقة رغوث أي قادع وراكب ومرغث. وقال الحجاج في خطبة له: أيها الناس اقدعوا هذه الأنفس فإنّها أسأل شيء إذا أعطيت وأمنع شيء إذا سئلت. فرحم الله امرءًا جعل لنفسه خطامًا وزماما فقادها إلى طاعة الله وعطفها بزمامها عن معصية الله! فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.\nوهذا المثل قاله ورقة بن نوفل بن خويلد لمّا قيل له إنَّ محمد بن عبد الله ﷺ خطب خديجة بنت خويلد فقال ورقة: ذلك الفحل لا يقدع أنفه أي كريم يروم كريمة فلا سبيل إلى التعرض له دونها وصده عنها وهو أشرف أكفائها. ويقال إنّه تمثل به فقط. ويقال: تمثل به أبو سفيان ن حرب لمّا خطب النبي ﷺ ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فقيل له إنَّ محمدا تزوج ابنتك وأبو سفيان يومئذ مشرك فقال ذلك؛ غير أنَّ اللفظ المروي من كلام أبي سفيان هو: الفحل لا يقدع أنفه والله أعلم.","vol":"3","page":20},{"text":"ومن هذا الباب قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>ذهب دمه خضرًا مضرًا</span>.\nبكسرها وسكون الضاد المعجمة أي هدرًا.\nوقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>لأذهبن فإما هلك وإما ملكٌ</span>.\nومعناه قول امرئ القيس:\nبكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا\nفقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا!\nوقولك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>أذهل من صبٍّ</span>.\nوالذهول: الغفلة والنسيان والصب: العاشق ذو الصبابة وهو لمّا به يغلب عليه ذلك.\nومما يجري على ألسنة القراء تمثلا قول الله تعالى إخبارا عن نبيه موسى ﵇:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>ذلك ما كنا نبغِ</span>.\nوينبغي أن يكون المتمثل بشيء نحو هذا أن يلاحظ فيه ما يلاحظ عند الاقتباس ليكون أحفظ للأدب وأبعد عن الإسفاف والتبذل وترك كله أحوط وأسلم.\nوقوله ﷺ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا</span>.\nويحكى أنه لمّا نصب معاوية ﵁ ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء. فجعل الناس يسلمون على معاوية ويميلون إلى يزيد حتى جاء رجل ففعل","vol":"3","page":21},{"text":"ذلك. ثم رجع إلى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين اعلم أنك لو لم تول هذا أمر المسلمين لأضعتها. وكان الأحنف بن قيس جالسا فقال له معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ وهي كنية الأحنف. فقال الأحنف: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيرا! وأمر له بألوف. فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم إنَّ شر من خلق الله هذا وابنه ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال. فلسنا نطمع في استرجاعها إلاّ بما سمعت! فقال له الأحنف: يا هذا أمسك! فإنَّ المجهين خليق أن لا يكون عند الله وجسها.\nوقول عمر ﵁:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>ذلك الظن بك يا أبا إسحاق</span>!\nوهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة ﵁ لمّا شكاه أهل الكوفة فقال له عمر ﵁: إنهم شكوك في كل شيء حتى الصلاة! فقال: إني أفعل ما رأيت النبي ﷺ يفعل أركد في الأولين وأحذف في الأخيرين. فقال عمر: ذلك الظن بك! وأما الشعر، فقال ضابئ:\nلكل جديد لذة غير إنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ!\nوقال الآخر:\nطلبت الجميع ففات الجميع ... فمن طول حرصك لا ذا وذا!\nغيره:\nما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه!\nوقال الصابئ:\nوالعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخره القذا\nومنه قول أبن النبيه:\nخذ من زمانك ما أعطاك مغتبطا ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره\nفالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره!\nويقال إنّه لمّا سمع أبن التعاويذي قول الصابئ، قال:","vol":"3","page":22},{"text":"من شبه العمر كأسا يقر ... قذاه ويرسب في أسفله\nفإني رأيت القذى طافيا ... على صفحة الكأس من أوله!\nومن ذلك قول الفاضل:\nإليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أربي ما يقتضي أربي\nفالعمر كالكأس والأيام تمزجه ... والشيب فيه موضع الحبب\nأقول إذ فاض فيض فضته: ... يا وحشة لشباب ذاهب الذهبِ!\nوقول الخالدي:\nلقد فرحت بما عاينت من عدم ... خوف القبيحين من كبر ومن بطر\nوربما الأعمى بحالته ... لأنه قد نجا من طيرة العور\nولست أبكي على شيء منيت به ... يبكي على الشيب من يأسى على العمر\nوما بكيت زماني وهو يصعدني ... فكيف أشكره في حال منحدر؟\nوقال الشيخ أبن فارض، ﵀:\nأهوى رشا هواه للروح غذا ... ما أحسن فعله ولو كان أذى\nلم أنس وقد قلت له الوصل متى ... مولاي إذا مت أسى قال إذا\nوقال أبو نواس في مجونه، عفا الله عنا وعنه!\nوقائل: هل تريد الحج قلت له: ... نعم إذا فنيت لذات بغداد\nوكيف بالحج لي ما دمت منغمسا ... في بيت قوادةٍ أو بيت نباذ؟\nومثله قول الآخر:\nألم ترني وبشار حججنا ... وكان الحج من خير التجارة؟\nخرجنا طالبي سفر بعيد ... فمال بنا الطريق إلى زرارة\nفآب الناس قد حجوا وبروا ... وأبنا موقرين من الخسارة!\nونحوه ما يحكى أنَّ موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج، فقال لأبي دلامة:\nاحجج معي ولك عشرة آلاف درهم! فقال له: هاتها! فدفعها إليه فقبضها وهرب إلى","vol":"3","page":23},{"text":"السواد، فجعل ينفقها هنالك في شرب الخمر. فطلبه موسى فلم يجده وخشي فوت الحج فخرج. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجا من قرية إلى أخرى سكران. فأمر به فأخذوه وقيد وطرح في محمل بين يديه. فلما سار غير بعيد اقبل على موسى وقال:\nيا أيها الناس قولوا أجمعون معا: ... صلى الإله على موسى بن داود\nكأنَّ ديباجتي خديه من ذهبٍ ... إذا بذلك في أثوابه السود\nإني أعوذ بداود وأعظمه ... من أنَّ أكلف حجا يا أبن داود\nخبرت أنَّ طريق الحج معطشة ... من الشراب وما بتصريد\nوالله ما في من أجر فتطلبه ... ولا الثناء على ديني بمحمود!\nفقال موسى: ألقوه على المحمل، لعنه الله! فألقي به إلى قصفة بالسواد حتى أنفق المال. وقد قلت أنا قصيدة أكثرها يتعلق بالباب، فأثبت هنا، وهي:\nهام الفؤاد بسعدي بعدما نزحت ... وأصبح الصبر عنها وهو مجذوذ\nوالعين منها سوابق الدموع على ... ميدان خد رديات مهابيذ\nوأصبحت في الحشى من بينها حرق ... يصلى بها لن جراحات مغاذيذ\nكأنما القلب إذ بانت ركائبها ... من الجوى صلب في النار محنوذ\nوكنت قدما بها في روضة أنف ... من الوداد ثراها الدهر مرذوذ\nأيام ورد المنى عذب مشاربه ... وغصن الود مهصور ومجبوذ\nوإذ غفت مقل الأحداث وابتسمت ... سن المنى ولنا في الدهر تلميد","vol":"3","page":24},{"text":"فلم يدم والغواني عهد وصلتها ... آل: من أغتر منه فهو موقوذ\nلو إنّها أحكمت حبل الوصال مسا ... لم يأته الصبح إلاّ وهو مهذوذ\nوما يمنين من جدوى ومن صلةٍ ... خضراء في الحزن مرعاها معاويذ\nإنَّ الهوى لجة سهل مشارعها ... لكن يعز بها ناجٍ ومنقوذ\nوما الفتى غير خلو عن عمايته ... ذو همة ذيله للجد مشموذ\nعاط كؤوس رشاد لا كؤوس الهوى ... فالغي مطرح والرشاد مأخوذ\nسام إلى كل ما يعلى مزاوله ... كما سما عن حضيض الأرض خنذيذ\nفالعون مورده مر مذاقته ... وإنَّ حلا وأجاج العز ملذوذ\nوما المنى بالهوى يجرين بل بمنى ... ما أحد كل ما يرجوه مفلوذ\nوالدهر مخلوجة أحداثه تركت ... فكر اللبيب لديها وهو مبذوذ\nدجى حوالك لا يجلو مغالقها ... إلاّ فطين ذكي القلب خنذيذ\nوللمفكر آيات تبصره ... لا يقطع السيف إلاّ وهو مشحوذ\nوالناس في الحب أخياف وأكثرهم ... وإنَّ بدا منهم ود ملاويذ\nبور مناكيس لا يزكوا معاشرهم ... جريب يعادون عرا كلما حوذوا\nفلا منوح نوالا إنَّ هم سئلوا ... في الجهل عندهم التحقيق منبوذ\nسبحان إنَّ ليس يحز وفر الغنى حصير ... وباقل عندهم إنَّ جد خنذيذ","vol":"3","page":25},{"text":"فلا تثق إنَّ هم ذموا وإنَّ مدحوا: ... فهم عن الرشد عمي أو مماليذ\nوالصدق أشرف خيم أنت لابسه ... وخير ما يحتلي الصيد المشاويذ\nوخير ذخر الفتى دهر قناعته ... فذاك أوثق ما عض النواجيذ\nوعفة وندى يحمي مسارحه ... إنَّ تتحاماه ألسن ملاجيذ\nوالمرء يمضي ويبقي بعده نبأ ... مدح يخلد أو نيل منافيذ\nوالموت حتم لديه الكل مرتهن ... إذا أتى الحتم لم تجد التعاويذ\nوقلت أيضًا:\nتحل بسبط الخلق واحتمل الأذى ... من الناس إنَّ عاشرتهم ودع البذا\nوكن مغضيا عما يريبك باذلًا ... نداك ولا تغلل يديك فتنبذا\nفإنَّ بني الدنيا بنو الحاج ما أجتنوا ... من العود إلاّ مثمرا غصنه غذا\nوإني رأيت الحوض يغشى إذا صفا ... ويلقى إذا كان المشوب أو الوذا\nوللنحل فضلا دون كل ذبابةٍ ... وللمسك والكافور عم كل ذي شذا\nعلى أنَّ هذا الجيل آساد بيشة ... ملاذك منهم للحسام مشحذا\nمتى تعتلق أظفارهم كاهل أمرئ ... أصاروه رهنا للبلايا وللأذا\nوإنَّ يعلقوا قلبا أعاروه حيرة ... وإنَّ يركبوا ظهرا تفتا أو ارتذا\nفمن يستطع عنهم نوى فليجافهم ... بعاد ومن ألفى معاذًا تعوذا\nفإنَّ البحار الخضر تحمى ظهورها ... زخورا وتعلوها مع الركدة الشذا\nوتعدوا على الشاء الذياب بلا حمى ... وأكبادها من مربض الليث تهتذا\nوما ذل إلاّ الفقع يوطأ بقرقر ... وإلاّ حمار الحي إنَّ رمته خذا","vol":"3","page":26},{"text":"وذو الهمة العلياء من ليس جاعلا ... مقادته للجاهل النذل مأخذا\nولا تارك الأقذار تعلوا ذيولته ... إليه ولا في عرضه الناس لجذا\nولنكتف بهذا المقدار. من هذا المضمار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>باب الراء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>أراك بشرا، ما أحار مشفر</span>.\nالرؤية: الإبصار. تقول: رأيت الشيء أراه. وأصله أرءاه، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفت الهمزة. والعرب يلتزمون النقل في هذه الكلمة إلاّ تيم اللات. قال شاعرهم:\nأري عيني ما لم ترءياه: ... كلانا عالم بالترهات\nوالبشر بفتحتين: الإنسان، وظاهر الجلد كالبشرة، وهو المراد. والحور. الرجوع، وأحارة: رده، وتقول: طحنت فمما أحارت شيئًا، أي فما ردت شيئًا من الدقيق. والمشفر بوزن منبر، ويفتح للبعير بمنزلة الشفة للإنسان.\nومعنى المثل أنَّ رؤية الظاهر تغنيك عن رؤية الباطن. وأصله في البعير، وانك إذا رأيت بشرته وجسمه دلك ما به من سمن أو هزال، على ما احار مشفره، أي على كيفية أكله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>أريها السهى وتريني القمر</span>!\nالرؤية مرث، والسهى بالضم والقصر نجم خفي في بنات نعش الصغرى. والقمر معروف وجمع بينه وبين السهى لمّا بين وصفيهما من المقابلة بالتضاد، لأنَّ القمر غاية الظهور، والسهى في غاية الخفاء. فضرب بهما المثل في الأمر الجلي والخفي.\nوهذا المثل يصح لك إنَّ تضربه من ترمز له وتشير وهو يفصح، أو في من تنحو به منحى اللطائف والدقائق وهو يتبع الظواهر، أو من تأتيه بالأمر المستغرب العزيز ويأتيك بالأمر المبتذل المطروق، ونحو ذلك، والله اعلم!","vol":"3","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>رأي الشيخ خير من مشهد الغلام</span>.\nالرأي: الاعتقاد، والجمع آراء ورئى. والشيخ والغلام معروفان. وهذا الكلام يحكي عن علي، كرم الله وجهه، وهو تفضيل للسن، في ملاقاة الخطوب، على الشباب.\nوللعرب في هذا مذهبان: تارة يمتدحون بالسن والتجريب، وتارة بالشباب والقوة. فمن الأول كلام علي المذكور، وقول الشاعر وهو زهير بن مسعود:\nفلم أرقه إنَّ ينج منها، وإنَّ يمت ... فطعنة لاغس ولا بمغمر\nالغس: اللئيم والمغمر: الذي لا تجريب له ولا سن. وقول إلي الطيب:\nسأطلب حقي بالقنا ومشائخٍ ... كأنهم من طول ما التمثوا مرد\nومن ذلك قول حارثة بن سراقة الكندي، حين منعوه الزكاة أيام الردة: يمنعها شيخ بخديه شيب، لا يحذر الريب. ومن الثاني قول عامر بن الطفيل يخاطب النبي ﷺ: والله لأمنعنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا! وذلك لحالتين مختلفتين: فأنهم إذا أرادوا الحزم وحسن الذي رأي والتدبير والتأني والثبات إذا اشتدت الخطوب، فالشيوخ أولى؛ وإذا أرادوا الجلادة والقوة، فالشباب أولى، مع أنَّ كلا من الأمرين قد يوجد في كل من الطرفين: فانه كما لا خير في رأي الشباب الغمر الجاهل، لا خير في رأي الشيخ الخرف. ومن ثم قيل في الحكمة: إياك ومشاورة شاب معجب برأيه، أو كبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه! وأما قول قطري بن الفجاءة:\nولقد أراني للرمح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي\nحتى خضبت بما تحدر من دمي ... أحناء سرجي أو عنان لجامي\nثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الأقدام\nفقد فسر بمعنين: أحدهما وهو الظاهر من العبارة إنّه يقول: انصرفت وقد أصبت من أعدائي ما أحب من القتل والفتك والكناية، ولم أصب أنا منهم، بل انصرفت سالما وأنا جذع البصيرة، أي قويها، كامل المريرة، لم يضعف عزمي ولا هنت بنيتي بما أصاب","vol":"3","page":30},{"text":"جسمي من الجراحة، وأنا أيضًا قارح الأقداح أي كامله شديده لأنَّ القارح من الخيل الذي تناهت سنه وكملت قوته.\nوالثاني هي الخفي أنه يقول: أصبت من الأعداء وانصرفت عنهم وأنا لم أصب أي لم أوجد جذع البصيرة قارح الأقدام بل وجدت قارح البصيرة جذع الأقدام؛ لأنَّ بصيرة القارح المجرب هي التي لا تضطرب ولا تستحيل وبصيرة الجذع أي الصغير لا تثبت ولا تدوم وإقدام الجذع قوي ماض لأنّه لا ينثني ولا يردعه شيء.\nواستظهار هذا التفسير الثاني الذي امتدح فيه بالسن على الأول الجلي إنّه يستحيل أن يقول: انصرفت ولم أصب من أعدائي بشيء. وكيف وهو يقول قبله: حتى خصبت بما تحذر من دمي: أحناء سرجي؟ فهذا اعتراف بأنه أصيب بالجرح. فكيف ينقض كلاوه؟ وأجيب من قبل أهل المذهب الأول بأنه أراد بقوله: لم اصب لم أقتل. يقال: فلان أصيب أي قتل كما قال النبي ﷺ في أمرئه: أميركم زيد: فإنَّ أصيب فجعفر فإنَّ أصيب فعبد الله بن رواحة. فقتلوا كلهم.\nوقال أصحاب الرأي الثاني: كيف يحسن منه أن يقول: أقتل وهو ينشدهم الشعر والمصيبة تطلق على أعم من القتل؟ قال تعالى:) الذين أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّ إليه راجعون (.\nقلت: وهذا الكلام ضعيف إذ لا مانع من أن يقول افتخارا: قتلتهم وأهلكتهم ولم يقتلوني. وأما عموم المصيبة فغير مانع من التخصيص بقرينة المقام وسياق الكلام مع أن استنكافه من يكون إقدامه قارح ورضاه بإقدام الجذع مخول فإنَّ العرب ما زالت تفضل القارح على الجذع كما قال زهير:\nيفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء\nولذلك قيل في المثل: مذكية تقاس بالجذاع. وقيل أيضًا: جري المذكيات غلابٌ، ة قد تقدم في هذا الكتاب معًا.\nوقول زهير بن مسعود السابق: فلم أرقه إن ينج منها يريد الطعنة التي طعن.","vol":"3","page":31},{"text":"وقبل البيت:\nعشية غادرت الجليس كأنما ... على النحر منه لون بردٍ محبرِ\nجمعت له كفي بلدنٍ يزينه ... سنان كمصباح الدجى المستعرِ\nفلم أرقه \" البيت \" وإنّما قال هذا لأنَّ العرب كانت تزعم أنَّ المطعون يبرأ إذا نفث عليه الطاعن ورقاه. قال عنترة:\nفإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقدُ\nوقال عمرو بن ثعلب الشيباني:\nأتبعته طعنة مرةً ... يسيل على النحر منها صبيبُ\nفإن ينجُ منها فلم أرقه ... وإن قتلته فجرحٌ رعيبُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل</span>؟\nالفتيان جمع فتى. ودخل الرجل بالفتح والكسر: نيته ومذهبه من جميع أمره. وكذا دخيله ودخلله ودخيلاؤه.\nومعنى المثل أنك قد ترى الرجال حسان الظواهر والزي ولا تعرف حقيقة أمرهم وحال باطنهم. يضرب لمن له منظر حسن ولا خير عنده.\nقيل: وأوّل من نطق به غنمة أو عثمة بنت مطرود البجلية وكانت امرأة عاقلة ذات رأي مسموع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خود ذات جمال وكمال. فقدم عليهم ذات مرة خمسة أخوة من غامد بطن من أزد يخطبون أختها خودا وهم في زي مونق لابسو الحلل اليمانية على النجائب المهرية والرحال العلافية مكسوة بالثياب العبقرية. فأنزلهم أبوها وأكرمهم. ثم غدوا عليه خاطبين معهم الشعثاء كاهنة لهم. فقال لهم مطرود: أقيموا حتى نرى رأينا. ثم دخل على بنته فقال: ما ترين؟ فقالت: أنكحني على قدري ولا تشطط في وهري: فإن تخط أحلامهم لا تخط أحسابهم. لعلي أصيب ولدا وأكثر عددا! فخرج إليهم وقال لهم: اخبروني عن أفضلكم؟ فقالت له الشعثاء: اسمع أخبرك عنهم! هم أخوة كلهم أسوة. أما الكبير فعمرو بحر غمر،","vol":"3","page":32},{"text":"سيد صقر يقصر دونه الفخر؛ وأما الذي يليه فعاصم صلد صارم أبي حازم جيشه غانم وجاره سالم؛ وأما الذي يليه فوثاب ليث غاب سريع الجواب عتيد الصواب كريم النصاب؛ وأما الذي يليه فمدرك بذول لمّا يملك عزوف عما يترك يغني ويهلك؛ وأما الذي يليه فجندل مقل لمّا يحمل يعطي ويبذل لا يخيم ولا ينكل. فأبلغها أباها ذلك فشاورت أختها غنمة فيهم فقالت: ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل؟ اسمعي كلمة ناصحة: إنَّ شر الغريبة يعلن وخيرها يدفن فأنكحي في القرباء ولا تغررك أجسام الغرباء! فلم تقبل منها وأرسلت إلى أبيها: أنكحني مدركا. فأنكحها منه على مائة بعير برعاتها. فحملها مدرك فلم يلبث معها إلاّ قليلا حتى أغار على غامد فوارس من بني كنانة فاقتتلوا ساعة ثم انكشف زوجها وقومه فسباها بنو مالك أبن كنانة فيمن سبوا وجعلت تبكي. فقيل لها: وما يبكيك؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبحه الله! قالوا: لقد كان جميلا. قالت: قبح الله جماله لا منعة معه! إنّما أبكي على عصياني أختي. وأخبرتهم خبرها. فقال رجل منهم يقال له أبو نواي وكان أسود أفوه مضطرب الخلق: أترضين بي على أن أمنعك من ذؤبان العرب؟ فقالت لأصحابه: أنَّ كذلك هو؟ قالوا: نعم! إنه مع ما ترين ليمنع الخليلة وينقب القبيلة. قالت: هذا أجمل جمالا وأكمل كمالا قد رضيت إياه. وقال الشاعر:\nترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخلُ؟\nوكلٌ في الهوى ليثٌ ... وما في نلبه فسلُ\nوليس الشأن في الوصل ... ولكن أن يرى الفضلُ!\nوقالت الأخرى:\nوقالت قولةً أخني ... وحجوا لها عقلُ\nترى الفتيان كالنخل ... وما يدرك ما الدخل؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>أرى القدر، سابق الحذر</span>\nهذا المثل ظاهر المعنى وهو من كلام جذيمة الأبرش وسبق في شرح قصته مع الزباء.","vol":"3","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى</span>.\nيضرب عند التردد في الأمر. وأصله أنَّ الرجل مثلا إذا قام ليذهب إلى جهة ثم يبدو له ويتحير فتارة يريد الذهاب فيقدم وتارة لا يريد فيؤخر. وهذا ظاهر في المقصود لكن قولهم: يقدم رجلًا ويؤخر أخرى يحتمل باعتبار دلالة عبارته في أصلها أربعة أمور: إحداها أن يكون المعنى أنه يقف في مكانه ويحرك إحدى رجليه: فتارة يقدمها لأرادة الذهاب وتارة يؤخرها رجوعا عن الذهاب حتى توازي أختها مكا كانت أولا. وعلى هذا فلفظ الأخرى فيه تجوز بأن يجعل الشخص الواحد متعددا حالتيه ولفظ التأخير أيضًا لم يصح فيه إلاّ بالنسبة.\nالثاني أن يكون المعنى أنه يقدم رجلا لأرادة الذهاب ثم يبدو له أن لا يذهب فيبقى واقفا على تلك الحال إحدى رجليه متقدمة والأخرى متأخرة عنها. وعلى هذا ففي لفظ التأخير تجوز إذ معناه إبقاؤها متأخرة نحو: يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا على وجه.\nالثالث أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه إلى القدام ويؤخر الخرى إلى الوراء. وهذا ظاهر اللفظ ولكن لا وجه له ولا وجود من خارج.\nالرابع أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه وتبقى الأخرى متأخرة ثم يقدم هذه وتبقى الأخرى وهكذا. وهذا أيضًا ظاهر من اللفظ لكن لا يصح أيضًا هنا لأنّه حالة الماشي لا الوقوف المتردد. فقد علمت أنَّ في العبارة عند تفتيشها تجوزا وخفاء مع وضوح المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>أراك الكواكب بالنهار</span>.\nالكواكب: النجوم. وهي لا ترى عادة بالنهار لغلبة ضوء الشمس عليها فضرب المثل برؤيتها نهارا عند اشتداد الأمر وملاقاة ما لم يعتد ويضن أو غلبة الهم والحزن.","vol":"3","page":34},{"text":"وأصل ذلك أنَّ الحرب إذا اشتدت ارتفع النقع وتراكم في الجو وسد الأفق واستحدث الظلام فربما ستر ضوء الشمس إذا كانت في أحد الجانبين فتظهر النجوم من الجانب البعيد عنها.\nوزعموا أنَّ النجوم ظهرت يوم حليمة فضرب ذلك مثلا. قال طرفة بن العبد:\nإن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري في الظهر\nوقال الأعشى:\nرجعت بما رمت مستحسرًا ... ترى للكواكب ظهرًا وميضا\nوللفرزدق:\nلعمري لقد سار أبن شيبة سيرةً ... أرتك نجوم الليل واضحةً تجري\nفأصبحت قد صبحت على ظهر خالدٍ ... شآبيب لم يرسلن من سبل القطرِ\nوهذا المثل باق اليوم في ألسنة العوام يقولون: أراني فلان النجوم في السماء أو النجوم في النهار إذا أراه شدة ومكرا وأناله من المكروه ما لم يعهد به ذكرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>لأرينك لمحًا باصرًا</span>!\nويقال أيضًا: دون ذلك لمح باصر. يضرب في التهدد والايعاد. واللمح: النظر. فقيل: المعنى نظر مفزع وقيل هو النظر بتحديق شديد. وقيل: المعنى لأرينك نظرًا صادقًا! وقال البكري: معنى المثل: لأرينك من أعادي لك أمرا واضحا جليا. وباصر في تأويل عيشة راضية أي مرضية وماء دافق أي مدفوق. وكذلك سر كاتم. انتهى.\nوهو ظاهر لكن إذا تؤول الباصر فلا بد أن يتناول اللمح أيضًا. وكأنه لذلك فسر بالأمر الجلي الواضح ولا إشكال أنه يبصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>الرأي مع الجماعة</span>.\nهذا أيضًا من كلام جذيمة في قصته السابقة كما مر وهو ظاهر.","vol":"3","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>أرى الموت في الغرائر السود</span>.\nالغرائر جمع غرارة بكسر الغين وهي الجوالق. والسود جمع سوداء.\nوهذا الكلام للزباء حين رأت إبل قصير وعمرو موقرة بالرجال في الجوالق.\nوتقدمت القصة مشروحة فلتراجع! وأطلقت الموت على سببه الفاعلي وهم الرجال القاتلون مجازًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>أرنيها نَمِرَة أُرِكها مَطِرَة</span>.\nيقال: نمر السحاب بالكسر ينمر كفرح يفرح إذا صار أرقط على لون النمر وقولهم نمرة وصف للسحاب. وقياسه نمراء والمذكر أنمر كحمراء وأحمر كما قالوا للفرس أنمر إذا صار على لون النمر. وبكنهم جاءوا به على فعل نحو قوله تعالى:) فأخرجنا منه خضرًا (أي أخضر. والمطر: ماء السحاب؛ ومطرتهم السحاب: أصابتهم بمطر؛ ويوم ممطر ومطر بوزن كتف: ذو مطر. ومعنى المثل: تكفل لي بوجود السحاب الأرقط وأنا أتكفل لك بالمطر حينئذ. يضرب لمّا يتيقن وقوعه إذا ظهرت مخائله ولاحت إمارته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>رُبَّ أخٍ لم تلدهُ أمك</span>!\nرب حرفٌ جار يدل على الكثرة والقلة معا أو على إحداهما فقط أو أكثر أو لا يدل على شيء منهما إلاّ بالقرائن خلاف شهير في النحو لا نطيل بذكره ولا بشواهده، والأخ معروف وفيه لغات معروفة.\nوأصل المثل أنَّ لقمان بن عاد رأى مع امرأة رجلا يلاعبها وتلاعبهٍ خاليين ومعهما صبي صغير يبكي وهما مقبلان على شأنهما لا يكترثان به. فقال لها: من الرجل؟ قالت: أخي فقال حينئذ: رُبَّ أخٍ لم تلده أمك! تكذيبا لها في دعواها. يقال: إنه أخوك في الصداقة والمودة لا بالقرابة والنسب.\nوقريب من هذه الحكاية ما حكي عن بعضهم أنه دخل عليه رجل نصراني ومعه","vol":"3","page":36},{"text":"فتى وسيم من أهل ملته فقال له: من هذا الفتى؟ فقال: بعض إخواني. فأنشد حينئذ:\nدعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبانِ\nدعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يصنع الأخوانِ\nوقال أيضًا في معنى هذا المثل: رُبَّ بعيدٍ أقرب من قريبِ. وقالوا: القريب من قرب نفعه. وقالوا: القريب من تقرب لا من تنسب. وقال حبيب:\nولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصفوا من الأسبابِ\nفإذا القرابة لا تقرب قاطعًا ... وإذا المودة أقرب الأنسابِ\nوقال أبن هرمة في نحو هذا:\nهش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدامِ\nفإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحامِ\nغيره:\nذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وإخواني أسوة عندي لخلاني\nأحبة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني\nأرواحنا في مكان واحدٍ وغدت ... أجسامنا بعراقٍ أو خراسانِ\nوقال حبيب أيضًا:\nأو نفترق نسبًا يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ\nوتقدم هذا وما يشبه وسيأتي أيضًا منه إن شاء الله تعالى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>رُبَّ أكلةٍ منعت أكلاتٍ</span>\nالأكل معروف؛ والأكلة بالفتح: المرة منه وبالضم: شيء يؤكل وما يجعله الأكل في فيه.\nوالمعنى أنَّ الإنسان ربما أكل شيئًا فأداه إلى ترك الأكل مدة بهيضة وتخمة أو مرض مثلا. قال أبي هرمة:","vol":"3","page":37},{"text":"وربت أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعةٍ أكلات دهرِ\nوكم من طالبٍ يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري!\nويضرب في كل من اقتحم شيئا يفوت عليه بسببه ما هو أكثر منه أو أشرف كمن رضي من عرض الدنيا الفاني بما فوت عليه من الآخرة ونعيمها المقيم عياذًا بالله!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>رُبَّ رميةٍ من غير رامٍ</span>.\nالرمية فعلة من الرمي. يقال: رمى يرمي رميا ورمية ورمى السهم عن القوي وعلى القوس أيضًا رميا ورمية بالكسر ولا تقل: رميت بالقوس. ورماه مراماة ورماء؛ وارتمى القوم وتراموا.\nومعنى المثل أنَّ الغرض قد يصيبه من ليس من أهل الرماية. فيضرب عندما يتفق الشيء لمن ليس من شأنه أن يصدر منه. وقد يحذف رُبَّ فيقال: رمية من غير رامٍ.\nويذكر أنَّ المثل لحكيم بن عبد يغوث المنقري وكان من أرمى الناس. فحلف يوما ليعقرن الصيد حتما. فخرج بقوسه فرمى فلم يعقر شيئًا فبات ليله بأسوأ حال وفعل في اليوم الثاني كذلك فلم يعقر شيئًا فلما أصبح قال لقومه: ما أنتم صانعون؟ فإني قاتل اليوم نفسي إن لم أعقر مهاة! فقال له ابنه: يا أبت احملني معك أرفدك! فانطلقا فإذا هما بمهاة فرماها فأخطئها. ثم تعرضت له أخرى فقال له ابنه: يا أبت ناولني القوس! فغضب حكيم وهم أن يعلوه بها. فقال له ابنه: أحمد بحمدك فإنَّ سهمي سهمك! فناوله القوس فرماها الابن فلم يخطئ. فقال عند ذلك حكيم: رُبَّ رمية من غير رامٍ! وإلى هذه القصة أشار بعضهم بقوله:\nرماها مطعمٌ من غير علمٍ ... بمس القوس لم يخطئ صلاها\nوكان أبوه قد آلي عليها ... فلم يبرر أليته مهاها\nومطعم هو أبن حكيم المذكور. وقال أبن ظفر: هذا مثل عامي وأصله قولهم: مع الخواطئ سهمٌ صائبٌ.","vol":"3","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ</span>.\nالساعي: الكاسب سعى يسعى سعيًا والقاعد ضده مجازًا من القعود الذي لزوم الأرض. ومعنى المثل أنَّ المرء ربما سعى في جمع المال أو إدراك الحاجة حتى إذا تهيأ ذلك رزقه بعض من لم يسعى فيه دون الساعي. فيضرب في اكتساب المرء ما لغيره من المال ونحوه.\nوأوّل من قاله النابغة الذبياني وكان وفد على النعمان بن المنذر في وفود العرب ومنهم رجل من عبس يقال له شقيق فمات عنده. فلما حبا الوفود بعث إلى أهل شقيق مثل ما حبا به الوفود فقال النابغة: رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ. وقال في يخاطب النعمان:\nأبقيت للعبسي فضلا ونعمة ... ومحمدة من باقيات المحامدِ\nأنى أهله منه حباءٌ ونعمةٌ ... ورُبَّ امرئ يسعى لآخر قاعدِ\nوقيل: أوّل من قاله معاوية وذلك أنه قال يوماص لابنه يزيد بن معاوية: هل بقى في نفسك. من الدنيا؟ قال: نعم أم خالد! وهي امرأة عبد الله بن عامر بن كريز عامل معاوية على البصرة. فأمر عمرو بن العاصي أن يكتب إليه يشير عليه بالوفادة على أمير المؤمنين معاوية لعله يعمل له في تزويج بنته هند بنت معاوية. فخف لذلك أبن عامر حتى وصل إليه فأزلفه معاوية وقربه ثم غفل عنه. فساء ذلك عبد الله واشتكى إلى عمرو بن العاصي فقال عمرو إنّه كره أن يدخل بنته على ضرة فطلق أم خالد وأقام أيامًا. فقال معاوية: إنَّ أهل البصرة تواترت كتبهم يذكرون اضطرابًا في البلد! وأمره بالعود إلى عمله ووعده بإنفاذ ما ابتدأه فانصرف أبن عامر. فلما انقضت عدة أم خالد بعث معاوية أبا هريرة إلى المدينة يخطبها على يزيد. فلما دخل المدينة بدأ بالمسجد فصلى وألم بالقبر فسلم ودعا ثم مال إلى حلقة الحسن والحسين فسلم وقعد فسألوه فأخبرهم فقال له الحسن: اذكرني لها! فذهب حتى استأذن على أم خالد وخبرها بما بعث له وبما أوصاه به الحسن. فقالت: بأيهما تشير يا عماه؟ قال: أرددت الأمر إلي؟","vol":"3","page":39},{"text":"قالت: نعم! قال: فأرى إلاّ تؤثري أحدا على من رأيت رسول الله ﷺ يفتح فاه ويلثم ثناياه يعني الحسن ﵁ وبلغ الخبر معاوية فقال: رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ واعلمي أم خالد. وكأنه شعر من مجزر الخفيف. ونحوه قول الشاعر:\nوما الناس إلاّ جامع لمضيعٍ ... وذو تعبٍ يسعى لآخر نائمِ!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>رُبَّ سامعٍ خبري لم يسمع عذري</span>\nيضرب في العذر يكون لك ولا يمكنك أن تبديه. وهو ظاهر مادة وصورة. ومثل ذلك في المعنى قول منصور النمري:\nلعل له عذرًا وأنت تلوم: ... وكم من ملومٍ وهو غير مليمِ\nيقال ألام يليم فهو مليم إذا أتى بما يلام عليه وليم فهو ملوم إذا عتب وعذل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>رُبَّ سامعٍ عذري لم يسمع قفوتي</span>.\nالعذر بالكسر العذر كما مر في الهمزة. والقفوة: القذف. يقال: قفاه يقفوه قفوًا إذا رماه بفجور. وفي الحديث: لا حدّثني إلاّ في القفو البين قاله في الصحاح. وقفاه أيضًا: رماه بقبيح. والاسم من ذلك كله قفوة بالكسر كما في المثل.\nيضرب عند اعتذار المرء من شيء لم يعلم منه بعد فيكون ذلك الاعتذار تسميعا بنفسه. ويمكن أن يرد أحد المثلين إلى الآخر فيكون واحدًا.","vol":"3","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>رُبَّ شدٍّ في الكرز</span>!\nالشد بالفتح: العدو وكذا الاشتداد. قال الراجز:\nهذا أوان الشد ... فاشتدي زيم!\nوالكرز على مثل قفل: خرج الراعي ويسمى الكبش الذي يحمله الراعي علية الكراز. قال الراجز:\nيا ليت أني وسبيعًا في غنم ... والخروج منها فوق كراز أجم!\nولا يكون الكراز فيما يزعمون إلاّ أجم لأنَّ الأقرن يشتغل بالنطاح عن حمله.\nوذكر ابن علي القالي في النوادر أنَّ الكرز الجوالق والأول هو المعروف.\nوأصل المثل أنَّ رجلا خرج يركض فرسا فألقت مهرًا فأخذه وجعله في كرز بين يديه. فقال له رجل: لم تحمله؟ وما تصنع به؟ فقال: رُبَّ شد في الكرز! أي رُبَّ عدو وسبق واشتداد في هذا المهر الذي في الكرز كما قد كان ذلك في أمه! فذهبت مثلا يضرب في الرجل ونحوه يحتقر عندك وله مخبر تعلم به أنت. وإنّما جعل الشد في الكرز على طريق الكنانة لأنَّ ذا الشد فيه كما قال الأول:\nإنَّ السماحة والمروءة والندى ... في قبةٍ ضربت على أبن الحشرجِ\nوالآخر:\nإن السماحة والمروءة ضمنا ... قبرًا بمرؤ على الطريق الواضحِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>رُبَّ صلفٍ تحت الراعدةِ</span>.\nالصلف: قلة النزل في الطعام وقلة الماء. يقال: سحاب صلف على مثل كتف: كثير الرعد قليل الماء؛ والراعدة: السحاب ذات الرعد.\nوالمعنى أنَّ السحاب ربما رعدت ولم يكن منها خير. يضرب للبخيل مع سعة ذات اليد. وقيل للرجل يكثر الكلام والمدح لنفسه ولا خير عنده. وقيل لمن يتوعد ثم لا يقوم به وهو صالح للكل. وقد اعترض على قائل الأول بان السحاب إذا كثر فيها الماء لم يقل لها صلف.","vol":"3","page":41},{"text":"قلت: يعني فلا يشبه بها الرجل الكثير المال لبخله. ويجاب بأن قلة الماء المسمى بالصلف إنّما هو باعتبار النزول إلى الأرض. فصح تشبيه البخيل بذلك وإن مثر ماله باعتبار قلة ما يخرج من يده. وإن أريد بالصلف أن لا يكون ماء في السحابة نفسها أصلا فالمراد حينئذ التشبيه باعتبار ما فيها من أصوات الرعد والبرق فإنه مظنة السقي؛ كما أنَّ كثرة المال مظنة النفع. وضمن هذا المثل أبن الشبل البغدادي ذا يقول:\nصحة المرء للسقام طريقٌ ... وطريق الفنا هو البقاءُ\nبالذي نغتذي نموت ونحيى ... أقتل الداء للنفس الدواءُ\nما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاءُ\nصلفٌ تحت راعدٍ وسحابٌ ... كرعت منه مومسٌ خرقاءُ\nراجعٌ جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يسترد المساءُ\nليت شعري حلمٌ تمر به الأيام ... أم ليس تعقل الأشياءُ\nمن فساد يكون في عالم الكون ... فما للنفوس منها اتقاءُ\nوقليلًا ما تصحب المهجة الجسم ... ففيم الشقا وفيم العناءُ\nقبح اله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباءُ\nنحن لولا المجود لم نألم الفقد ... فإجادها علينا بلاءُ\nوضمنته أنا أيضًا في قصيدة يأتي في هذا الباب فقلت:\nولربَّ ذي رعدٍ على صلفٍ ... ومهدرٍ في العنة الحجرِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>رُبَّ طمع يهدي إلى طبع</span>.\nالطمع: الحرص طمع فيه بالكسر طمعا وطماعا وطماعية، والطبع بفتحتين: الدنس والوسخ الشديد والشين والعيب.\nوالمعنى أنَّ الطمع لا يزال بصاحبه حتى يتلطخ بكل ريب ويتلوث بكل عيب. قال: الشاعر:","vol":"3","page":42},{"text":"لا خير في طمع يهدي إلى طبع ... وغفةٌ من قوام العيش تكفيني\nالغفة بضم الغين المعجمة بعدها فاء: البلغة من العيش. ويقال للفأر أيضًا لأنّه بلغة للسنور. وأما العفة بالعين المهملة المضمومة فهي بقية اللبن في الضرع ومعناه صحيح في البيت أيضًا. وسيأتي ما في ذم الطمع والحرص مستوفي إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>رُبَّ عجلةٍ تهبُ ريثًا</span>.\nالعجلة معروفة. يقال: عجل بالكسر يعجل عجلًا وعجلة فهو عجل بالكسر وعجلان؛ والهبة: العطية. وهب الشيء يهبه بالفتح فيهما هبة. والريث بالمثلثة: البطء. يقال: راث ريثًا. أي رُبَّ عجلة منك تعطيك ريثا وتهب لك بطئًا.\nوالمعنى أنَّ الرجل ربما عجل في أمر ليفعله سريعا فأداه عجله إلى البطء وذلك بسبب تضييع ما ينبغي أن يحافظ عليه فيضطر إلى العودة إليه ثانيا. وعبر بلفظ الهبة مجازا لمّا كان ذلك سببا لذلك.\nويقال في المثل: رُبَّ عجلة وهبت ريثا وتهب ريثا بلفظ الماضي والمضارع والمعنى واحد.\nورأيت في نسخة عتيقة من نوادر أبي علي القالي: تهب ريثا مضموم الهاء مشدد الباء بضبط القلم على إنّه من الهبوب. وهو يفيد المعنى غير أنَّ الأول أوضح في المقصد وكأنَّ هذا تصحيف والله اعلم. وهذا المثل في ألسنة العوام اليوم موجود معناة يقولون: من عجل أبطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>رُبَّ قول أشد من صول</span>.\nالقول معروف والصول: القهر والسطوة والاستطالة. صال عليه يصول صولا. والمعنى إنّه رُبَّ كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من الصولة. وهذا من كلام أكثم بن صيفي.","vol":"3","page":43},{"text":"ويحكى في مثله عن النبي ﷺ إنّه لمّا هجاه المشركون قال لحسان ﵁: اهجهم، فهجاؤك اشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام! ومثله قول الشاعر: القول ينفذ من مالا تنفذ الإبر وقول الآخر:\nوقد يرجى لجرح السيف برء ... وجرح الدهر ما جرح اللسان\nوقالوا: اللسان، أجرح جوارح الإنسان.\nوقال الصاحب: حفظ اللسان، راحة الإنسان، فحفظه حفظ الشكر للإحسان، فآفة الإنسان في اللسان! وقال امرؤ القيس:\nإذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>رب مملول لا يستطيع فراقه</span>.\nالملل معروف. وهذا من كلام أبي الأسود، وكان دخل في ثوب خلق على بعض أصدقائه. فلما رآه قال له: يا أبا الأسود آن لهذا الثوب أنَّ يبدل؟ فقال أبو الأسود: رب مملولٍ. . الخ. ثم أرسل إليه بعد ذلك أثوابا. فقال أبو الأسود يمدحه:\nكساك ولم تستكسه فشكرته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر\nوإنَّ أحق الناس إنَّ كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>الرباح، مع السماح</span>.\nالرباح والربح واحد. قال الشاعر:\nرأيت التقى والجود خير تجارةٍ ... رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا\nوالسماح والسماحة: والجود والكرم.","vol":"3","page":44},{"text":"والمعنى إنَّ السماح يربح. ويأتي إن شاء الله ما في هذا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>أربع على ظلعك</span>!\nيقال: ربع يربع إذا وقف وتحبس. ويقال أربع على نفسك، أي ارفق. وفي الحديث: أربعوا على أنفسهم! والظلع بالظاء المشالة في البعير ونحوه: غمزة برجله في مشيته. يقال: ظلع البير بالفتح يظلع.\nقال أبو ذؤيب يذكر فرسا:\nيعدوا به نهش المشاش كأنه ... صدع سليم رجعه لا يظلع\nفهو ظالع والأنثى ظالعة.\nوقول النابغة الذبياني:\nأتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ظالع\nيروى بالمشالة وفسر بالجائر المذنب، من الظالع في البعير، وهو غمز برجله لداءٍ يصيبه، وبالضاد المعجمة، وهو الجائر المائل عن الحق.\nومعنى المثل انك ظالع، فأرفق بنفسك في مشيتك لأجل ما بك من الظلع! فيضرب للضعيف، وإنّه ينبغي له أنَّ ينتهي عما لا يطيق.\nوحكى أبو علي إنّه اجتمع طريف بن العاصي الدوسي والحارث بن ذبيان عند بعض مقاول حمير فتفاخر، فقال الملك للحارث: يا حار، ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم من قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقال: أخبرك أيّها الملك: خرج هيجان منا يرعيان غنما لهما، فتشاولا بسيفهما، فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث فيه السيف فنزف فمات. فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهي نصف دية الصريح، فأبى قومي، وكان لنا رباء عليهم، فأبينا إلاّ دية الصريح، وأبوا إلاّ دية الهجين.","vol":"3","page":45},{"text":"وكان اسم هجيننا بن زبراء صاحبهم عنقش بن مهيرة، وهي سوداء أيضًا. فتفاقم الأمرين الحيين، فقال رجل منا:\nحلومكم يا قوم لا تعزبنها ... ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر\nوأودى إلى الأقوام عقل أبن عمهم ... ولا ترهقونهم سبة في العشائر\nفإنَّ أبن زبراء الذي فاد لم يكن ... بدون حليف أو أسيد بن جابر\nفإنَّ لم تعطوا الحق فالسيف بيننا ... وبينكم والسيف أجور جائر\nفتضافروا علينا حسدا، فأجمع ذوو الحجا منا أن نلحق بطن من الأزد، فلحقنا بالنمر بن عثمان. فوالله ما فت في أعضادنا نأينا عنهم، ولقد أثارنا بصاحبنا وهم رأغمون، فوثب طريف بن العاصي من مجلسه، فجلس بازاء الحارث ثم قال: تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من الصواب، ولا اقرب من خطل، ولا أجلب لقذع، من قول هذا. والله، أيها الملك، ما قتلوا بهجينهم بذجا، ولا رموا ودجا، ولا أنطوا به عقلا، ولا اجتفروا به خشلا. ولقد أخرجهم الحق عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى الإزعاج، ولجئوا إلى ضيق الولاج، قلا وذلا! فقال الحارث: أتسمع يا طريف؟ وإني والله ما أخالك كافا غرب لسانك، ولا منهنها شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد جماحك، وتكبت تترعك، وتقمع تسرعك! فقال طريف: مهلا يا حار، لا تعرض لطمحة استناني، وذرب سناني شبابي، وميسم سبابي، فتكون كالأظل الموطوء، والعجب الموجوء! فقال الحارث: إياي تخاطب بهذا القول؟ فوالله لو وطئتك لأسختك، ولو وهطتك لآوهطك، ولو نفحتك لأفدتك! فقال طريف متمثلا:\nوإنَّ كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها!\nأما والأصنام المحجوبة، والأنصاب المنصوبة، لئن لم تربع على ظلع وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلا، وغمرك ضحلا، وصفاك وحلا! فقال الحارث: أما والله لورمت ذلك لمرغت بالحضيض، وأعصصت بالجريض، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقنى تهاداه الروامس، بالسهب الطامس","vol":"3","page":46},{"text":"فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفز إعجال، يمنع معه تطأ من الإمهال! فقال الملك: أيّها عنكما، فما رأيت كاليوم نقال رجلين لم يقصبا ولم يثلبا، ولم يلصوا ولم يقفوا! انتهى.\nقوله: مقاول، والمقاول: الملوك دون الملك الأعظم؛ وكذا الأقيال والأقوال. وقال امرؤ القيس:\nوماذا عليه إنَّ ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقوال؟\nوتشاولا: تضاربا؛ وعاث السيف: افسد: ونزف: سال دمه حتى ضعف. والهجين من الناس: الذي أبوه عربي وأمه غير عربية؛ والمقرف عكسه؛ والصريح: الخالص الطرفين، والرباء: زيادة العقل: الدية وأرهقه: كلفته، وفاد: مات. قال لبيد:\nرعى خزرات المكل عشرين حجة ... وعشرين حتى فاد والشيب شامل\nوفت: أوهى وأضعف، وأثارنا: افتعلنا، من الثأر، والخطل: الخطأ، والقذع: الكلام القبيح، والبذج: الخروف، الفارسي معرب، وأنطوا: أعطوا. قال الأعشى:\nجياد في الصيف في نعمةٍ ... تصان الجلال وتنطى الشعيرا\nواجتفؤوا: صرعوا، يقال: جفاه إذا صرعه، والخشل مسكنا ومحركا شجر المقل الواحد خشلة، والقل: القلة والذل: الذلة، والنزوالن: الوثوب: والتترع: التسرع إلى الشر، يقال: تترع تترعا إذا كان سريعا إلى الشر، وطمحة السيل: دفعته، والذرب: الحدة، والأظل: اسفل خف البعير، والعجب: أصل الذئب، وهصته: كسرته؛ وأوهطته: صرعته؛ وتربع: تكف وترفق، كما مر، والظلع: الغمز؛ والضحل: الماء القليل، والضيض: القرار الأسفل، والروامس: الرياح، ترمس، أي تدفن. والحفر: الدفع. وقول الملك: يقصبا، أي يشتما، والقصب: القطع ويلصوا: يقذا، يقال: لصا إليه إذا أنضم إليه لريبة، ولصا المرأة يلصوها: قذفها، ويقفوا: يرميا بالقبيح، قفوته أقفوه: رميته بالقبيح أو قذفته.\nوذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الأحياء إنَّ عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها، فجعل يسألهم، وكلهم عامراص الشعبي، فجعل لا يسأله عن شيء إلاّ وجد عنده فيه علما. ثم أقبل على الحسن البصري، فسأله","vol":"3","page":47},{"text":"ثم قال: هما هذان: هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن. فأمر الحاجب، فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن. فأقبل على الشعبي وقال: يا أبا عمرو، إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم، فأنا احب حفظهم وتعهد ما يصلحهم من النصيحة لهم. وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أخذ عليهم فأقبض طائفة فأضعه في بيت المال ومن نيتي إني رد عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضته على ذلك من النحو، فيكتب إلي أنَّ لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه، وإنّما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟ قال الشعبي: فقلت، أصلح الله الأمير، إنّما السلطان والدي يخطئ ويصيب. قال: فسر بقولي وأعجب له ورأيت البشر في وجهه، قال: فلله الحمد! ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قد سمعت قول الأمير يقول إنَّه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليه ورجل مأمور على الطاعة أبتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لمّا يصلحهم، وحق الرعية لازم لك وحق أنَّ تحوطهم بالنصيحة. وإني سمعت عبد الرحمان ب سمرة القرشي صاحب رسول الله ﷺ يقول: من استرعي رعية فلم يحفظها بالنصيحة حرم عليه الجنة. وتقول إنّما قبضت من عطاياهم إرادة صلاحهم واستبطالهم وإنَّ يرجعوا إلى طاعتهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضتها على ذلك النحوا فيكتب إلي إنَّ لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أنَّ تطيع ولا طاعة في معصية الله. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله غز وجل، فإنَّ وجدته موافقا لكتاب الله ﷿ فأنفذه! يا أبن هبيرة، واتق الله، فأنه يوشك إنَّ يأتيك رسول من رب العلمين يزيلك عن سريرك، ويخرجك عن سعة قصرك إلى مضيق فبرك، فتدع سلطانك ودينك خلف ظهرك، وتقدم على ربك وتنزل على عملك! يا أبن هبيرة وإنَّ الله","vol":"3","page":48},{"text":"يمنعك من يزيد، وإنَّ يزيد لا يمنعك من الله، وإنَّ أمر الله فوق كل أمر، وإنّه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين. فقال أبن هبيرة: أربع على ظلعك أيّها الشيخ عن ذكر أمير المؤمنين! فإنَّ أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحلم وصاحب الفضل؛ وإنّما ولاه الله ولاية هذه الأمة لعلمه به وما يعلم من فضله ونيته. قال الحسن، يا أبن هبيرة، الحساب من ورائك سوطا بسوط، وعصا بعصا، والله بالمرصاد. يا أبن هبيرة انك أنَّ تلقى من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر أخرتك خير من أنَّ تلفى رجلا يغرك ويمنيك!\nفقام أبن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه. قال الشعبي: فقلت: يا أبا سعيد، أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته. قال: إليك عني يا عامر! قال: فخرجت إلى الحسن الطرف والتحف، وكانت له المنزلة، واستخف بنا وجفينا، فكان أهلا لمّا أدى إليه، وكنا أهلا أنَّ يفعل ذلك بنا. فما رأيت مثل الحسن فما رأيت من العلماء إلاّ مثال الفرس العربي بين المقاريف، وما شهدنا مشهدا إلاّ برز علينا، وقال لله ﷿ وقلنا مقاربة. قال عامر الشعبي: وأنا أعاهد الله أنَّ أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأجابه!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>يرتع وسطا ويربض حجرة</span>.\nالترع معروف، وكذا الوسط. وتقدم ما فيه من الفرق: والرابض بفتحتين ما حول المدينة والجمع أرباض. قال:\nحتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع\nوالربض أيضًا مأوى الغنم. قال العجاج يصف ثورا وحشيا: واعتاد أرباضا لها آري والربض أيضًا كان ما يأوي إليه الإنسان من أهل ومسكن ونحوه. قال:\nجاء الشتاء ولمّا تخذ ربضًا ... يا ويح نفسي من حفر القراميص!","vol":"3","page":49},{"text":"وربضت الشاة بالفتح تربض ربضا وربضة وربوضا، وهو في الشاة كالبروك في الإبل؛ والحجرة بالفتح فسكون: الناحية والجمع حجر وحجرات. وأما الحجرة بالضم فحظيرة الإبل والغرفة.\nوهذا المثل يضرب في المرء يشاركك عند النعمة والرخاء والفرح، ويجنبك عند البلاء والكربة والاحتياج، تشبيها بالشاة تدخل الوسط عند الأكل، وعند الفراغ تعتزل إلى ناحية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>رجع بخفي حنينٍ</span>.\nالرجوع معروف. والخف بالضم: الذي يلبس، والجمع خفاف؛ والحنين كزبير إسكاف من أهل الحيرة، ساومه أعرابي خفين حتى أحرجه ولم يشترهما. فغضب الأسكاف ورجع بخفيه إلى طريق الأعرابي، فوضع أحد الخفين على الطريق، ثم مر ساعة فوضع الآخر، وكمن فجاء الأعرابي وقف على الخف الأول في الطريق فقال: ما أشبه هذا الخف بخفي حنين! لو كان معه الآخر لأخذتهما. ثم سار حتى وجد الآخر، فندم على أنَّ فرط في الأول، فأناخ راحلته وأخذ هذا وعقل راحلته ورجع إلى الأول ليأخذه، فخرج حنين إلى الراحلة فأخذها وما معها ومضى لوجهه. فجاء الأعرابي بالخفين إلى أهله، فإذا قيل له: بم جئت؟ قال: بخفي حنين، فضربوه مثلا لمن رجع بالخيبة وآب بالخسران.\nوقيل: حنين هو رجل أدعى إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف، فأتى عبد المطلب وعليه خفان أحمران، فقال: يا عم: أنا أبن أسد بن هاشم بن عبد مناف. فقال عبد المطلب: لا، وثياب هاشم! ما أعرف شمائل هاشم فيك، فارجع! فقالوا: رجع حنين بخفيه، فذهب مثلا.\nوقيل هو لص إنَّ أخذ فصلب. فجاءت أمه نحوه وعليه خفان، فنزعتهما ورجعت فقبل: رجعت بخفي حنين، أي رضيت منه بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>رجع بصحيفة الملتمس</span>.\nالصحيفة بفتح الصاد المهملة: الكتاب والجمع صحائف وصحف، على","vol":"3","page":50},{"text":"غير قياس؛ والملتمس: شاعر معروف، وهو جرير لن عبد المسيح. ولقب بالملتمس لقوله:\nوذلك أوان العرض طن ذبابه ... زنابيره والأزرق الملتمس\nوصحيفته: كتاب كتب له عمرو بن هند يذهب إلى عامله بالبحرين ليقتل، وأوهمه أنَّ المكتوب فيها الحباء يأخذه من العامل. فضرب المثل بهذه الصحيفة لمن يستحصب هلاكه وهو يضنه نفعا.\nوشرح هذه القصة أنَّ طرفة بن العبد الشاعر المشهور البكري الوائلي، هجا عمرو بن هند مضرط الحجارة لمتقدم ذكره قوله:\nفليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور\nمن زمرات أسبل قادمها ... وضرتها مركنة درور\nيشاركنا لها رحلان فيها ... تعلوها الكباش فما تنور\nلعمرك إنَّ قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير\nقسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الدهر يقصد أو يجور\nلنا يوم وللكروان يوم ... تطر المائسات وما نطير\nفما يومنا فنظل ركبنا ... وقوفا ما نحل وما نسير\nوما يومهن فيوم سوءٍ ... يطاردهن بالحدب الصقور\nوتقدم بعض هذه الأبيات، وقوله قسمت الدهر، الخ. . إشارة إلى ما يحكى أنَّ عمرو بن هند كان دأبه أنه يصطاد يوما ويوما يقف الناس ببابه: فإنَّ اشتهى حديث رجل منهم أذن له. فلبث على ذلك دهره. وكان لطرفة أخت تزوجها عبد عمرو، وعبد عمرو هذا كان أقرب الناس إلى عمرو بن هند منزلة. فجاءت أخت طرفة يوما تشكو زوجها هذا، فهجاه طرفة بقوله:\nيا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما","vol":"3","page":51},{"text":"ولا خير فيه غير أنَّ قيل واجد ... وإنَّ له كشحا إذا قام أهضما\nوإنَّ نساء الحي يركضن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما\nله شربتان بالنهار وأربع ... من الليل حتى آض سخدا مورما\nويشرب جزيرة يغمر المحض قلبه ... وإنَّ أعطه أترك لقلبي مجثما\nكأنَّ السلاح فوق شعبة بانة ... ترى نفخا ورد لأسرة أصحما\nوكان عبد عمرو أجمل أهل زمانه جسما وكشحا، وذلك وصفه بالكشح الأهضم، أي الضامر العسيب: عسيب النخل. وملهم: موضع باليمن ذو نخل، وسرارته أكرم موضع فيه، وكذا سرارة كل واد. والسخد: الورم وقيل السلا. شبه جسده في نعمته ورجرجته بالورم أو السلا المنتفخ؛ والنفخ: انتفاخ البطن، وقوله: ورد الأسرة، أي أسرته مرودة بالطيب والزعفران حتى صار أصحم، وهو الأحمر المائل إلى السواد. وهذا كله من أوصاف النساء، لا الرجال، وهو هجو خبيث. ثم إنَّ عمرو بن هند خرج يوما إلى الصيد ومعه عبد عمرو، فرمى عمرو حمارًا فقعره، فقال لعبد عمرو: أنزل فاذبحه! فنزل وعالجه فأعياه الحمار وضحك منه عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: ولا خير فيه. . \" البيت \". فيروى إنّه لمّا قال له ذلك، قال عبد عمرو، أبيت اللعن! ما قال لك أشد مما قال لي. قال: وما قال؟ فأنشده الأبيات السابقة. فغضب عمرو وقال: قد بلغ من أمره أن يقول! فأرسل إليه ليكتب له إلى رجل من عبد القيس بالبحرين، وهو المعلى، وكان عامله عليها، ليقتله. فقال بعض جلسائه: إنّه حليف المتلمس، فإنَّ أوقعت بطرفة هجاك المتلمس. فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس، فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس معا، فأتياه، وهو بالبقة، قريبا من الحيرة، فكتب إلى عاملة بالبحرين ليقتلهما، وأخفي ذلك عنهما أنَّ ارتياح عمرو لي ولك لأمر مريب، وإنَّ انطلاقي بصحيفة لا أدري ما فيها لغرور فقال طرفة: أنك لمسيء الظن. وما تخشى من صحيفة إنَّ كان فيها الذي وعدناه، وإلاّ رجعنا إليه، فأبى المتلمس، وأبى طرفة أنَّ يجيبه، ففض المتلمس خاتم صحيفته","vol":"3","page":52},{"text":"وقام إلى من أهل الحيرة يستقي فدفعها إليه، فقرأها الغلام فقال: أنت المتلمس؟ قال: نعم! قال: النجاء! النجاء! قد أمر بقتلك. فجاء بالصحيفة حتى قذفها في نهر الحيرة، ثم قال:\nألقيتها بالثنى من جنب كافر ... كذلك أقنوا كل قط مضلل\nرضيت لمّا بالماء لمّا رأيتها ... يجور بها التيار في كل جدول\nوقيل انهما مرا في طريقهما ذلك على رجل يتغدى وهو يقضي حاجة الإنسان ويلفي ثوبه. فقال المتلمس: ما رأيت أحمق من هذا. فقال وما رأيت من حمقي؟ إنّما آكل غذائي وأخرج دائي وأقتل أعدائي. وهل الأحمق إلاّ من يحمل حتفه على كتفه؟ أو كلاما نحو هذا. فحينئذ إستراب المتلمس أمر الصحيفة فاستقرأها كما مر، ثم قال لطرفة: تعلم أن في كتابك مثل ما في كتابي؟ فقال طرفة: لئن اجترأ عليك، ما كان ليقدم علي. فلما أعياه طرفة وأبى أن يطيعه، وخرج الملتمس من فوره ذلك إلى الشام هاربا وقال:\nمن مبلغ الشعراء عن إخوانهم ... نبأ فتصدقهم بذلك الأنفس\nأودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حياته المتلمس\nولقد نصحت له فرد نصيحتي ... وجرت له بعد السعادة أنحس\nوفي ذلك قيل:\nألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها\nوخرج طرفة حتى أتى صاحب البحرين بكتابه، فدفعه إليه، فقال صاحب البحرين: إني رجل في حسن وبيني وبين أهلك إخاء قديم، فأهرب إذا خرجت من عندي، فقد أمرت بقتلك! فإن كتابك إنَّ قرئ لم أجد بدا من قتلك! فأبى وطن إنّه لا يجترئ على قتله. فحبسه حتى قتله. وفيه يقول طرفة، يخاطب العامل:\nأبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي\nآيا منذر أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>رجع فلان إلى قرواه</span>.\nوروي: القروي بألف مقصورة. يقال: رجع فلان على قرواه، أي رجع إلى خلق","vol":"3","page":53},{"text":"كان يعتاده. يضرب في عادة السوء يتركها صاحبها ثم يرجع إليها. والمعروف في اللغة: القرواء بالمد وهو العادة.\nويروى هذا حديثا: لا ترجع هذه الأمة على قروائها أي على أمرها الأول والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>رزمةٌ ولا درة فيها</span>.\nالرزمة بفتحتين صوت الناقة عندما ترأم ولدها تخرجه من حلقها ولا تفتح به فاها؛ والدرة فعلة من درت الناقة باللبن تدر.\nيضرب هذا المثل لمن يعد ولا يفي كالناقة تروم وتحن ولا تدر ولا خير في ذلك ورزمة خبر مبتدأ يقدر بحسب المقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>الرشف أنقع</span>.\nالرشف: المص. يقال: رشف الماء يرشفه كنصر ينصر ورشف يرشف كسمع يسمع رشفا وارتشافه وترشه إذا مصه ونقع الرجل بالشراب ينقع بالفتح فيها: استقى به وأنقعه الماء: أرواه. والمعنى أنَّ امتصاص الماء وترشفه شيئا فشيئا هو أنقع للنفس وأقطع للعطش ولذلك أمر النبي ﷺ بالمص وقال إنّه أهنى وامرئ ونهى عن العب.\nفيضرب في ترك العجلة في الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>ارضَ من المركب بالتعليق</span>!\nالرضى ضد السخط رضي بالكسر يرضى. والمركب هنا إما أن يراد به الركوب ومن للبدل كقوله:\nلو أنَّ لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانًا وركبانًا\nوالمعنى: ارضَ بدل ركوبك بأن تعلق أمتعتك. وأما أن يراد به المركوب ومن","vol":"3","page":54},{"text":"على بابها أي: ارضَ من هذا المركوب بان تعلق أمتعتك عليك أو بان تتعلق به في عقبتك ونوبتك. فيضرب عند الأمر بالقناعة بادراك اليسر من الحاجة والرضى بصغير الأمر دون عظيمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>مرعى ولا أكولة</span>.\nالمرعى: مفعل من الرعي يقال رعت الماشية بالفتح رعيا ومرعى ويطلق المرعى أيضًا على المكان وعلى النبات المرعي؛ وهو الرعي أيضًا بكسر الراء.\nقال زهير:\nتربع بالقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاءُ\nأي دعاه إليه ما فيه من الرعي أبي الكلأ والخلوة. والأكل معروف وهو أكول وهي أكولة فإنَّ علم الموصوف من الكلام كان القياس حذف الهاء كغيره من نظائره.\nوالمعنى أنَّ هذا مرعى أي نبات كثير ولم توجد ماشية ترعاه أو مكان ذو رعي ولا راعية له. يضرب في المال الكثير يجده الرجل ولم يجد من ينفقه عليه.\nوقال الشاعر في معنى المثل الأصلي:\nأرعت الأرض لو أنَّ مالًا ... لو أنَّ نوقًا لك أو جمالا\nأو ثلة من غنمٍ إمالا\nأي: إن كنت لا تجد غيرها.\nومن اللطائف في هذا ما أنشده أبو علي البغدادي من قول الشاعر:\nفجنبت الجيوش أبا زينبٍ ... وجاد على مسارحك السحابُ\nفإنَّ البيت يحتمل أن يريد فيه الدعاء للمذكور على ما يبدو في بادئ الرأي بان يرزق العافية والأمن والخصب والدعة؛ ويحتمل أن يريد به الدعاء عليه بأن يفقر ويسلب المال حتى لا يكون له شيء تقصده الجيوش عليه وتتوجه بسببه الغارات إليه ويخصب مع ذلك حواليه حتى يكثر أسفه وحزنه إذ لا راعية له. وهذا الوجه هو الأصح وهو من أحسن معاريض البلغاء.","vol":"3","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>مرعى ولا كالسعدان</span>.\nالمرعى تقدم: والسعدان بوزن سكران: نبت شديد الشوك.\nوفي الحديث في وصف جهنم أعاذنا الله منها: إنَّ فيها كلاليب مثل شوك السعدان.\nوقيل لرجل من أهل البادية خرج عنها: أترجع إلى البادية؟ فقال: أما ما دام شوك السعدان مستلقيا فلا! يعني: لا ارجع إليها أبدا لأنَّ شوك السعدان لا يفارقها.\nويحكى عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وذكره أبو العباس المبرد إنّه قال: دخلت على أبي بكر ﵁ في علته التي مات منها فقلت: إني أراك بارئا يا خليفة رسول الله ﷺ فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع ولمّا لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير وأتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان! والذي نفسي بيده لأنَّ يقوم أحدكم فتضرب عنقه في غير حق خير له من أن يخوض في غمرات الدنيا! يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البحر! فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله فإنَّ هذا يهيضك إلى ما بك. فو الله ما زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شيء فاتك من الدنيا ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلاّ خيرا! قوله: نضائد الديباج هو الوسائد جمع نضيدة أي المنضودة المجموع بعضها إلى بعض. قال الراجز:\nوقربت خدامها الوسائدا ... حتى إذا ما علوا النضائدا\nسبحتُ ربي قائمًا وقاعدا\nوالصوف الأذربي منسوب إلى أذربيجان؛ وقوله: إنّما هو الفجر أو البحر يريد: إن تربصت حتى يضيء لك الفجر الطريق عرفت قصدك وإن خبطت الظلماء وركبت متن عشواء ضللت. وضرب ذلك مثلا للدنيا وتحييرها أربابها.","vol":"3","page":56},{"text":"ويذكر في بعض الأخبار إنّه يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب على حسك السعدان. وهذا النبت من أفضل مراعي الإبل يسمنها ويغذيها غذاء حسنا. قال النابغة:\nالوهاب المائة الأبكار زينها ... سعدان يوضح في أوبارها اللبد\nولذلك ضربت به العرب المثل.\nوقال أبو علي البصير يمدح عبيد الله بن خاقان وله:\nيا وزراء السلطان ... أنتم وآل خافان\nكبعض ما روينا ... في سالفات الأزمان\nماء ولا كصدى ... مرعى ولا كالسعدان\nوهذان مثلان: ومثلهما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>فتى ولا كمالكٍ</span>.\nوهي كلها تضرب في الشيء يكون الفضل وغيره أفضل منه. وسيأتي بقيتها إن شاء الله تعالى.\nقيل: وأوّل من قال: مرعى ولا كالسعدان امرأة من طيء تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان القيس مفركا. فقال لها يوما: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان! وكانت هذه المرأة تزوجها قبل ذلك رجل آخر ففضلته على امرئ القيس. قيل: وهذا الرجل هو قيس بن مسعود بن قيس بن خالد وهو الذي يقال له ذو الجدين لأنّه كان له جد عند الملوك وجد في الحروب. وقيل لأنّه أسر أسرين شريفين كان لهما فداء كثير ولم يؤسر أحد في زمانه أشرف منها ولا أكثر فداء فسمي ذا الجدين. وإياه يعني الحماسي بقوله:\nأيا بنت عبد الله وابنة مالكِ ... ويا أبنت ذي الجدين والفرس الورد\nإذا ما صنعت الزاد فلتمسي له ... أكيلًا فإني لست أكله وحدي!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>رعى فأقصبَ</span>.\nالرعي تقدم؛ والقصب: القطع ومنه قيل للجزار قصاب لأنّه يقطع","vol":"3","page":57},{"text":"اللحم. وتقول: قصبت البعير وغيره إذا قطعت عليه شربه قبل أن يروي؛ وقصب البعير أيضًا شربه إذا امتنع منه قبل أن يروي فهو بعير قاصب. قال الراجز: وهن مثل القاصبات القمحِ وأقصب الرجل إذا فعلت إبله ذلك فيقال: رعى فأقصب مثلا للراعي المسيء الرعي وذلك أنه إذا أساء رعيها فخلت أجوافها من الكلأ امتنعت من الشرب إذ لا تشرب على جوع فكان امتناعها من الماء كناية عن تجويعه إياها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>الرغبُ شؤمٌ والرفقُ يمنٌ</span>.\nتقدم معنى هذا المثل عند الكلام على ضده وهو قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>الخرق شؤمٌ</span>.\nوتقدم ذلك في الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>ارقَ على ظلعك</span>!\nيقال: ارقِ بفتح القاف وكسرها وبالهمزة. أما على الأول فمن الرقي وهو الصعود.\nوالمعنى: تكلف ما تطيق لأنَّ الرقي في السلم إذا كان يظلع يرفق بنسه. ويقال عند أمر الإنسان أن يبصر ما فيه من العيب والنقص ولا يتجاوز الحد في وعيده ويتخطى المقدار في تهديده.\nوأما على الثاني فهو من الرقية وكأنك تقول له: لا ظلع بي أنا أداويه ولكن ارق أنت ما فيك من الظلع! وأما على الثالث فمن القوء. يقال: رقأ الدمع يرقأ إذا سكن ورقأ بين القوم: أصلح.\nفيحتمل أن يكون من الأول أي: ارفق بنفسك واعمل على فيك من ضعف! أو الثاني أي: اصلح ما فيك من العيب أولًا!","vol":"3","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>ارقَ على ظلعك أن يهاضَ</span>!\nهذا كالذي قبله؛ والهيض أن يكون العظم قد جبر من كسر ثم يكسر ثانيا. قال امرؤ القيس:\nويهدأ تاراتٍ سناه وتارةً ... ينوء كعتاب الكسير المهيضِ\nوقال الآخر:\nومولى كمولى الزبر قان دملته ... كما دملت ساقٌ تهاض بها وقرُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>يرقم الماء</span>.\nالرقم: الكتب. فيضرب في الاستقامة والحذق. ويقال: فلان يرقم يرقم الماء أي إذا بلغ من حذقه إنّه يرقم حيث لا يثبت الرقم. قال أوس بن حجر:\nسأرقم في الماء القراح إليكم ... على نأيكم إن كان للماء راقمُ\nوقد يقال: يرقم على الماء لإرادة أنه لا يثبت من عمله على شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>رقةٌ ينتجها ذنب خيرٌ من حسنةٍ يتبعها عجب</span>.\nهذا فيما أظن مثل مصنوع وهو نحو قول الشيخ تاج الدين أبن عطاء الله في حكمه: معصية أورثتك ذلا وانكسارا خيرٌ من طاعة أورثتك عزا واستكبارا.\nوليس هذا محل تقرير هذا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>ركب جناحي النعامة</span>.\nالركوب معروف ركب بالكسر ركوبا الجناح للطائر معروف. والنعامة تقدم ما فيها. وهذا المثل يقال لمن جد في أمر كانهزام أو غيره. قال الشماخ:\nفمن يسع أو يركب جناحي نعامةٍ ... ليدرك ما قد قدمت بالأمس يسبق","vol":"3","page":59},{"text":"وهذا الشعر مرثي به عمر بن الخطاب ﵁ في أبيات معروفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>ركب ذنب البعير</span>.\nذنب كأنَّ شيء بفتحتين: مؤخره والجمع أذناب والبعير معروف وتقدم ذكر مرتبته في أسنان الإبل.\nويقال هذا المثل للإنسان يرضى بالهوان ويقنع بالنقص كالذي لم يجد مستقرا على ظهر البعير وإنّما ارتدف على الذنب. وقول النابغة:\nفإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرامُ\nونأخذ بعده بذناب عيشٍ ... أجب الظهر الله تعالى له سنامُ\nيحتمل أي يريد أنه تعلق بعيش صفته ما ذكر ويحتمل أن يريد مع ذلك أنه ما تمسك منه إلاّ بالذنب فيكون من هذا النمط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>ركب ذنب الريح</span>.\nيقال للذي يسبق فلا يدرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>ركب متن عشواء</span>.\nالعشواء: الضعيفة البصر وهي مؤنث الأعشى. ومن ركب متنها خبط وخلط.\nوتقدم هذا في قولهم: خبط خبطَ عشواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>رمتني بدائها وانسلت</span>.\nكان سعد بن زيد مناة بن تميم تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن كلب بن وبرة. وكانت من أجمل النساء فولدت له مالك بن سعد. وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن لها: يا عفلاء! فشكت ذلك إلى أمها فقالت: ابدئيهن بعفلك إذا سببت فأرسلتها مثلا. ثم إنها سابتها واحدة من ضرائرها","vol":"3","page":60},{"text":"يوما بعد ذلك فقالت لها رهم: يا عفلاء! كما وصتها أمها. فقالت الضرة حينئذ: رمتني بدائها وانسلت! فذهب مثلا يضرب في تعييرك صاحبك بعيب هو فيك.\nونحو هذا قول العامة اليوم: قولي لها قبل أن تقول لك! وكان أصله فيما زعموا أنَّ امرأة عوراء سابت امرأة فقامت بنية للعوراء فقالت لأمها: يا أم قولي لها: يا عوراء قبل أن تقوله لك! وكان يقال لبني مالك بن سعد بنو العفلاء وبهم عرض النقري في قوله:\nما في الدوائر من رجلي من عتل ... عند الرهان ولا اكوى من العفلِ!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>رماه الله بداء الذيب</span>.\nداء الذيب هو الجوع والذيب أصبر السباع على الجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>رماه الله بأفعى حاريةٍ</span>!\nالأفعى معروفة. والحارية: الناقصة. تقول: حرى الشيء يحري حريا: نقص وأحواه الزمان والحاوية: الأفعى التي نقص جسمها من الكبر فلم يبق إلاّ رأسها ونفسها وسمها وذلك أخبث ما تكون فدعي بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>رعاه بأقحاف رأسه</span>.\nالأقحاف جمع قحف بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وهو العظم فوق الدماغ. ويقال هو ما انفلق من الجمجمة فبان ولا يقال لجميع الجمجمة قحف إلاّ أن يتكسر فيقال للمتكسر قحف إذا بان. والجمع أقحاف وقحوف. والمعنى: رماه بالدواهي المهلكة. يقال للرجل تسكته بداهية توردها عليه.\nوقيل المعنى: رماه بنفسه ونطحه عما يحاوله.\nفعلى الأول يكون المعنى إنّه لمّا رماه بالداهي فكأنه رماه بأفلاق رأسه إذ رماه بما","vol":"3","page":61},{"text":"يؤول إلى ذلك. ويكون الضمير المضاف إليه للرمي. فتقول مثلا: رميت زيدا بأفلاق رأسه.\nوعلى الثاني يكون المعنى إنّه باشر دفاعه بنفسه فشبه نفسه بالكبش الناطح برأسه والتعبير بالأقحاف حينئذ للمبالغة بأن كل جزء باشر النطح. والضمير يكون على هذا للرامي فتقول: رميت زيدا بأقحاف رأسي والله أعلم.\nومثله قولهم: رماه بثالثة الأثافي.\nقال خفاف بن ندبة:\nوإنَّ قصيدة شنعاء مني ... إذا حضرت كثالثة الأثافي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>أرمى من أبن تقن</span>.\nأبن تقن بكسر التاء المثناة وسكون القاف بعدها نون رجل كان جيد الرمي يضرب به المثل. قال الراجز:\nيرمي بها أرمى من أبن تقنِ\nوأبن تقن هذا هو عمرو بن تقن الذي قيل فيه: لا فتى إلاّ عمرو! وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه مشروحًا.\nووقع في الصحاح والقاموس أنَّ التقن هو رجل كان راميا جيد الرمي وكأنه مسامحة. ثم رأيت للشنتمري في شرح قول الحماسي:\nأهلك عادًا وقبله ... أهلك طسمًا وذا جدونِ\nوأهل جاش ومأربٍ ... وحتى لقمان والتقونِ\nقال: التقون جمع تقن وهو رجل من عاد وفيه قيل: أرمى من أبن تقن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>الأرواح جنود مجندةٌ</span>.\nهذا يروى حديثا عن النبي ﷺ أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.","vol":"3","page":62},{"text":"وهذا إخبار بأنَّ بين الأرواح تارة تناسبا باطنيا يوجب الالتئام والتوافق وتارة تباينا يوجب الوحشة والاختلاف بإذن الله تعالى وهو مشاهد مجرب. ومن ثم قال أبو الطيب:\nأصدق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم\nوقال الآخر:\nوقائل لي: لم تفارقتما؟ ... فقلت قولًا فيه إنصافُ\nلم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكالٌ وآلافُ\nوقال طرفة في أبيات:\nوأنت امرؤ منا ولست بخيرنا ... جوادٌ على الأقصى وأنت بخيلُ\nوأنت على الأدنى شمالٌ عريةٌ ... شآميةٌ تزوي الوجوه بليل\nوأنت على الأقصى صبا غير قرةٍ ... تذاءب منها ومرزغٌ ومسيلُ\nوأعلم علمًا ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليلُ\nوأنَّ لسان المرء ما لم يكن له ... حصاةٌ على عوراته لدليلُ\nوأنَّ امرءًا لم يعف يوما فكاهةً ... لمن لم يرد سوءًا بها لجهولُ\nتعارف أرواح الرجال إذا التقت: فمنهم عدوٌ يتقى وخليلُ\nوقال المجنون:\nتعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعدها كنا نطافًا وفي المهدِ\nوقال أبن الرومي:\nذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وأخوتي أسوةٌ عندي لخلانُ\nأحبةٌ جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني\nأرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدت ... أجسامنا بعاقٍ أو خراسانِ\nوالشعر في هذا المعنى لا يحصى. ومثله المثل الآتي: وافق شنٌ طبقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>استراح من لا عقل له</span>.\nالاستراحة ضد التعب. تقول: أرحت الرجل فاستراح؛ وإنّما استراح الذي","vol":"3","page":63},{"text":"لا عقل له لأنَّ النفس إذا خليت أخلدت إلى الشهوات الحاضرة ولا تبالي بعزمة وتستنكف عن منقصة كالبهيمة والعقل ينزع بها إلى طلب الكمال والتحلي بالحمد والتخلي عما يذم. وفي ذلك أتعابهًا لجسمها عن مألوفها المستذل واقتحام الأخطاء بها لاكتساب الثناء والفضل وإطالة الهموم والأفكار عليها نظرًا في عواقب الأمور واحترازا عما يشين ويضير. وليس قال الحماسي:\nيا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا!\nوقال الآخر:\nوقائلةٍ: لم عركت الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم؟\nفقلت: ذريني على حالتي ... فإنَّ الهموم بقدر الهمم!\nوسمع الأحنف رجلا يقول: ما أبالي أمدحت أم هجيت! فقال: استرحت من حيث تعب الكرام! ومما ورد في العقل وفضله أنَّ أدم لمّا أهبط إلى الأرض خير في ثلاث: الحياء والدين والعقل. فاختار العقل: الحياء والدين أمران أن لا تفارق العقل.\nوورد عن النبي ﷺ أنه قال: ثلاث من حرمهن فقد حرم خير الدنيا والآخرة: عقل يداري به الناس وحلم يداري به السفيه وورع يحجزه عن المحارم.\nوفي حكمة داود ﵇: على العقل أن يكون عارفا بزمانه مالكا للسانه مقبلا على شأنه.\nوقال علي ﵁: لا مال أعود من العقل ولا فقر أشد من الجهل ولا وحدة أوحش من الجهل ولا مظاهر أحسن من المشاورة ولا حسب كحسب الخلق.\nوقال مطرف بن الشخير: عقول الناس على قدر أزمانهم.\nويقول: ثلاثة تدل على عقول أهلها: الكتاب والرسول والهدية.\nوذكر المغيرة يوما عمر فقال: كان والله أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.","vol":"3","page":64},{"text":"وفي كتاب كلية ودمنة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع.\nوقال الحجاج يوما: العاقل من يعرف عيبه. فقال له عبد الملك بن مروان: فما عيبك يا حجاج؟ قال: حسود حقود. فقال عبد الملك: ما في إبليس شر من هاتين! ويقال: لا دين لمن لا عقل له.\nوقال علي ﵁: لا تؤاخ الأحمق ولا الفاجر. أما الأحمق فدخوله عليك وخروجه من عندك شين، وأما الفاجر فيزين لك فعله ويود أنَّ تكون مثله.\nوقال أيوب بن القرية إنَّ نطق أصاب، وإنَّ سئل أجاب؛ والأحمق إنَّ تكلم عجل، وإنَّ سئل ذهل. والفاجر إنَّ ائتمنته خانك، وإنَّ صحبته شانك.\nوقال عمر بن عبد العزيز: لا يعدم الأحمق خصلتين: كثرة الالتفات وسرعة الجواب. وقال الحسن: هجر الأحمق قربة. وقال: لا يتم دين امرئ حتى يتم عقله. وفي الحكمة: ينبغي للعاقل أنَّ يتمسك بست خصال: أن يحوط دينه، ويصون عرضه، ويصل رحمه، ويحفظ جاره، ويرعى إخوانه، ويخزن عن البذاء لسانه. ويقال: الفقر بالعقل، والرزق بالجهل.\nويحكى إنّه قيل لعيسى ﵇: يا روح الله، تبرئ ألاكمه والأبرص وتحيي الموتى، فما دواء الأحمق؟ قال: ذلك أعياني! وكان كسرى إذا غضب على عاقل سجنه مع جاهل.\nوقال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين، وإنَّ كانوا عقلاء: الغضبان، والغرثان والسكران. وفي الخبر: العاقل إنَّ تكلم غنم، وإنَّ سكت سلم.\nومما ينسب لعلي ﵁:\nيقاس المرء بالمرء ... إذا المرء ما شانه\nفلا تصحب أخا الجاهل ... وإياك وإياه\nفكم من جاهلٍ أردى ... حليما حين أخاه\nوللشيء على الشيء ... نظائر وأشباه\nوللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه","vol":"3","page":65},{"text":"وصالح بن عبد القدوس:\nولأنَّ يعادي عاقلا خير له ... من إنَّ يكون صديق أحمق\nفآربا بنفسك أنَّ تصادق أحمق ... إنَّ الصديق على الصديق مصدق\nولغيره:\nعدوك ذو العقل أبقى عليك ... وأجدى من الصاحب الأحمق\nولغيره:\nقد عرفناك باختيارك إذ كان ... دليلا على اللبيب اختياره\nولآخر:\nتحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولا تلقهم بالعقل إنَّ كنت ذا عقل!\nولآخر:\nإنَّ جئت أرضًا أهلها كلهم ... عور فغمض عينك الواحده!\nوقال هشام بن عبد الملك: يعرف الأحمق بأربع: طول اللحية، وشناعة الكنية، ونقش الخاتم، وإفراط الشهوة.\nودخل عليه يوما رجل طويل اللحية فقال: انظروا فيه غيرها! فسئل عن كنيته فقال: أبو الياقوت. فقيل: وما نقش خاتمك؟ قال: وجاءوا على قميصه بدم كذبٍ.\nويحكى مثل هذه القصة عن معاوية وإنّها وقعت له مع رجل إلاّ إنّه قال في الكنية: أبو الكوكب الدري، ونقش الخاتم: وتفقد الطير. وتقدم شبه هذا للمأمون العباسي مع آخر، في حرف التاء.\nوقيل:\nألا إنَّ عقل المرء عينا فؤاده ... فإنَّ لم يكن عقل فلن يبصر القلب\nآخر:\nلسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم!\nوسيأتي في أجوبه الحمقى ومضحكاتهم شيء كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>أراد بيض الأنوق</span>!\nيضرب عند إرادة الممتنع. وتقدم في الباء وما فيه.","vol":"3","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>أردت عمرًا وأراد الله خارجة</span>!\nكثيرًا ما يتمثل به عندما تقصد إيقاع شيء ثم لم يتفق لك وأوقعت شيئًا آخر مكانه. وهو من كلام أحد الخوارج الذي أرسلوه إلى مصر ليقتل عمرو بن العاصي، حيث اتفقوا على قتله وقتل أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ومعاوية ﵁. فذهب إلى كل واحد من الثلاثة من يقتله. فأما على كرم الله وجهه فقتل وفاز؛ وما معاوية فأصيب ونجا وقال في ذلك:\nنجوت وقد بل المرادي سيفه ... من أبن أبي شيخ الأبطاح طالب\nوأما عمرو فاستخلف خارجة المذكور، فنجا وقتل خارجة. فقال القاتل: أردت عمرًا وأراد الله خارجة، أي أردت قتل عمر فلم يتفق إذ لم يرده الله تعالى، وأراد الله إنَّ أقتل خارجة، فوقع ما أراد الله تعالى:\nفما شئت كان وإنَّ لم أشأ ... وما شئت أم لم تشأ لم يكن\nوالقصة مشهورة فلا نطيل بها.\nوما احسن قول أبن عبودن في قصيدته:\nوليتها إذ فدت عمرًا بخارجةٍ ... فدت عليا بما شاءت من البشر!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>رويد الغزو ينمرق</span>!\nرويدا: مهلًا، وهو مصغر رود. يقال: أورد الرجل إرواد وموردًا ورويدًا إذا رفق. ويكون لفظ رويدًا على أوجه: اسم فعل أمر بمعنى أمهل، وتدخل عليه الكاف، نحو: رويدا زيدًا، ورويد كني؛ وصفة، نحو سار سيراُ رويدا؛ وحالا، نحو: سار القوم رويدا، وهو محتمل لمّا قبله؛ ومصدرا، نحو: رويد زيد، بالإضافة. والغزو معروف. وهو أما منصوب إنَّ جعل رويد اسم فعل مجرور إنَّ جعل مصدرا. والمروق: الخروج. يقال: مرق السهم وغيره، أي خرج. وفي الحديث: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.","vol":"3","page":67},{"text":"والمراد هنا خروج الولد. كانت امرأة تغزو، فحلبت فذكر لها الغزو فقالت: رويد الغزو ينمرق! أي أمهل الغزو حتى يخرج الولد!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>رويدًا يعدوان الجدد</span>!\nالعداء: المجاوزة. والجدد من الأرض خلاف الوعث. وتقدم هذا المثل من كلام قيس بن زهير في رهان بينه وبين بني بدر. والضمير في يعدوان للفرسين المجريين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>روغي جعار</span>.\nالروغان: الحيودة. يقال: راغ الرجل، وراغ الرجل، وراغ الثعلب بالعين المعجمة يروغ رواغا إذا مال وحاد عن الشيء، وجعار علم على الضبع، وتقدم ما فيه. وقد يقال روغي جعار وانظر أين المفر. ويضرب في فرار الجبان، أو للذي يهرب ولا يقدر إنَّ ينفلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>أروغ من ثعالة</span>.\nثعالة بالضم اسم لجنس الثعلب، معروفة، وروغان الثعلب في غاية الخفة والسرعة. فضرب به المثل. يقال: أروغ من ثعالة، اورغ من ثعلب، وراغ روغان الثعلب. قال الشاعر:\nفأحتلت حين صرفتني ... والمرء يعجز لا محاله\nوالدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعاله\nوالمرء يكسب ماله ... والشح يورثه الكساله\nوالعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله\nوقال الآخر في الثعلب:","vol":"3","page":68},{"text":"وكل خل لي خاللته ... لا ترك الله له واضحه\nكلهم أروغ من ثعلبٍ ... ما أشبه الليلة بالبارحة!\nيحكى أن أمير المؤمنين عمر ﵁ قال يوما وهو على المنبر: إنَّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعلب.\nولمّا هزم المهلب بن أبي صفرة عبد ربه الأصغر وأجلى قطريا حتى أخرجه من كرمان نحو أرض خرسان، وأوفد على الحجاج كعب بن معدان الأشقري. فقال له الحجاج: كيف كان محاربة المهلب للقوم؟ قال: كان إذا وجد الفرصة سار كما يسور الليث، وإذا دهمته الطمحة راغ كما يروغ الثعلب، وإذا ماده القوم صبر صبر، الدهر قال: وكيف كان فيكم؟ قال: كان لنا منه إشفاق الوالد الحدب، وله مناطاعة الوالد البر. قال: فكيف أفلتكم قطري؟ قال: كدنا ببعضنا ما كدناه به، والأجل أحصن جنة وأنقذ عدة. قال: فكيف أتبعتم عبد ربه وتركتموه؟ قال: آثرنا الحد على الفل، وكانت سلامة الجند أجب الينا من شجب العدو. فقال له الحجاج: أكنت أعددت هذا الجواب قبل لقائي؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله! قوله: شجب العدو، أي هلاكه. يقال شجب الرجل يشجب شجبا. قال امرؤ القيس:\nوقالت: بنفسي شباب له ... ولمته قبل أنَّ يشجب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>الراوية أحد الهاجين</span>.\nيقال: روي الشعر بالفتح يرويه، فهو راوٍ، ورواية بزيادة الهاء للمبالغة، كما في مدركة وعلامة، ورويته أنا تروية. والهجو والهجاء معروف. ويعنون بهذا الكلام إنَّ من روى الهجو في الناس فهو كمن قاله أوّلًا، فيمون أحد الهاجين، كما يقال في الغيبة إنَّ المستمع شريك القائل إذا لم ينكر ولا عذر، فكيف يمن يحكي ويأثره؟ كما قيل:\nلعمرك ما سب الأمير عدوه ... ولكنما سب الأمير المبالغ!","vol":"3","page":69},{"text":"ولأجل ما وقع للنابغة الذبياني في بني سيار، وكان النابغة قد نهى قومه إنَّ يرتعبوا حمى نعمان بن الحارث الغساني، فعصوه، وترعبوه، فأغار عليهم. وقال النابغة في ذلك:\nلقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربعهم في كل أصفار\nوقلت: يا قوم إنَّ الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري\nوهي قطعة مشهورة، منها:\nأما عصيت فأني غير منفلتٍ ... مني اللصاب فجنبا حرة النار\nأو أضع البيت في سوداء مظلمةٍ ... تقيد العير لا يسري بها الساري\nيريد إنّه يلج الشعاب الضيفة أو المهامه الفيح حتى لا يصل إليه الجيش، ثم إنّه لم يفعل ذلك حتى أصابه الغارة مع قومه وأسر بعض أهله فيمن أسر. فقال في ذلك بدر بن حزاز الفزاري يعير النابغة:\nأبلغ زيادًا وحين المرء مردكه ... وإنَّ تكيس أو كان أبن احذار\nاضطرك الحرز من ليلى إلى بردس ... تختاره معقلا عن شج أعيار\nحتى لقيت أبن كهف اللؤم في لجيبٍ ... ينفي العصافير والغربان جرار\nفالآن فاسع بأقوام غررتهم ... بني ضباب ودع عنك أبن سيار\nقد كان وافد أقوام فجاء بهم ... وانتاش عانيه من أهل ذي قار!\nثم إنَّ النابغة بلغه إنَّ زبان وخزيمة أبني سيار أعانا بدرا ورويا شعره، فقال في ذلك:\nإلاّ من مبلغ عني خزيما ... وزبان الذي لم يرع صهري؟\nفأياكم وعورا داميات ... كأنَّ صلاءهن صلاء جمر!\nفإني قد أتاني ما صنعتم ... وما رشحتم من شعر بدر\nفلم يك نولكم إنَّ تشقذوني ... ودوني عازب بلاد حجر","vol":"3","page":70},{"text":"فإن جوابها في كل يومٍ ... ألم بأنفس منكم ووفر\nومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>روت حزم، فإذا استوضحت فأعزم</span>!\nيقال: رويت في الأمر بالتضعيف: نظرت فيه وتفكرت، والحزم والحزامة: ضبط الأمر والأخذ فيه بالقوة والجد. يقال: حزام الرجل بالضم يحزم حزامة فهو حازم. واستيضاح الشيء: استكشافه أو جعله واضحا. والعزم معروف.\nومعنى المثل أنَّ من حزم الإنسان إنَّ يتروى في الأمر ويتفكر في مجاريه وعواقبه إذا أراد أنَّ يأتيه، حتى إذا تبين له إنّه محمود فليقدم عليه بعزم ولا يتوان فيه حتى يدرك فتور فيتعطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>أروى من نملةٍ</span>.\nيقال: روي من الماء بالكسر يروى ريا، فهو ريان، والنملة واحدة النمل، وهو معروف. وإنّما وصفت بالري لأنها تكون في الفلوت فلا ترد الفلوات، وهذا من المجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>أروى من نعامةٍ</span>.\nالنعامة معروفة، وتقدم الكلام عليها. ووصفت بالري أيضًا لمّا يزعمون من إنّها لا تشرب الماء ولا تطلبه، وإنَّ رأته شربته عبثًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>رهبوتى خير من رحموتى</span>.\nالرهب: الخوف. يقال: رهب بالكسر وهبة ورهبا بالضم والفتح ورهبا بفتحتين والاسم منه رهباء بالمد وبالقصر مضموما ومفتوحا. ويقال رهبوت بزيادة تاء للمبالغة كملكوت، ورهبوتى بألف مقصورة، والرحمة:","vol":"3","page":71},{"text":"العطف والرقة رحمة بالكسر رحمة، ورحما بالضم وبضمتين ومرحمة؛ والرحموت من الرحمة استعمل للازدواج.\nوالمعنى انك أنَّ ترهب خير لك من إنَّ ترحم، لأن المرهوب عزيز ممتنع، والمرحوم بمحل عدوان العادين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>تربع وتدسع</span>\nومما يلتحق بهذا الباب قوله ﷺ في خطبته يروى عن ربه تعالى يقول لعبده: المثل أوتك مالا وأفضل عليك، فماذا قدمت؟ وفي رواية: ألم أوتك مالا وجعلتك تربع وتدسع؟ فقوله: تربع وتدسع تمثيل. وأصله في الرئيس من العرب كان يربع قومه، أي يأخذ المرباع وهو ربع المغنم إذا غزوا؛ ويدسع، أي يعطي الدسيعة وهي العطية. ومنه قولهم: فلان ضخم الدسيعة.\nوقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>رجع عوده على بدئه</span>.\nأي رجع في طريق الذي جاء منه. ويقال أيضًا: رجع في عوده وبدئه، وفي عودته وبدئته، عودا وبدءًا.\nوقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>مرحبا وسهلًا</span>.\nأي صادفت سعة. ويقال أيضا: مرحبك الله ومسهلك! ومرحبا بك الله ومسهلًا! وقولهم في الايعاد والتهديد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>رعد فلان وابرق</span>.\nوتقدم ما فيه.","vol":"3","page":72},{"text":"وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>أرقع ما أوهيت</span>!\nأي أصلح ما أفسدت. وأصله في السقاء ونحوه إذا أوهاه أي خرقه رقعه.\nوقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>ركب فلان عرعره</span>،\nأي ساء خلقه، والعرعر ما بين المنخرين، وعرعرة الأنف: أعلاه. وكذا عرعرة الجبل وعرعرة السنام. كل ذلك بضم العين. وهذا مثل قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>ركب رأسه</span>.\nوقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>رماه بالذربين</span>\nأي بالشر والخلاف.\nوقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>رويد الشعر يغب</span>!\nيقال: غب الرجل وأغب إذا بات.\nومن الأمثال الجارية على الألسن قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>رب حليةٍ، انفع من قبيلة</span>.\nولنذكر في هذا الباب من الأمثال الشعرية ما تيسر وما جرى على مثالها، وأنتسج على منوالها","vol":"3","page":73},{"text":"قال البارقي:\nفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينًا بالإياب المسافرُ\nوقبله:\nوحلت سليمى في هضاب وأيكةٍ ... فليس عليها يوم ذلك قادرُ\nقيل: كان يزيد بن عبد الملك يقول: ما يقر عيني بما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة وحبابة جاريتان لبعض أهل الحجاز حتى اشتريتا له. فلما اجتمعتا في ملكه قال: أنا اليوم كما قال الشاعر: فألقت عصاها. . \" البيت \". ثم قال: ما يشاء بعد من أمور الدنيا فليفتني.\nويقال لمّا بويع لأبي العباس السفاح قام خطيبا فسقط القضيب من يده فتطير من ذلك. فقام رجل وأخذ القضيب ومسحه إليه وأنشد: فألقت عصاها. . \" البيت \".\nوقيل إنَّ قتيبة بن مسلم لمّا قدم واليا على خراسان رقي المنبر ليخطب فسقطت المخصرة من يده فتطير من ذلك. فقام بعض الأعراب فمسحها وناوله إياها وقال: أيّها الأمير ليس كما ظن العدو وساء الصديق ولكنه كما قال الشاعر: وألقت عصاها. . \" البيت \"! فسري عنه. وقيل هو القائل ذلك.\nومثل هذا ما روي أنَّ خالد بن يزيد لمّا دخل الموصل واليا عليها اندق منه اللواء في بعض أبوابها فتطير من ذلك فبادره أبو الشمقمق وكان معه قائلا:\nما كان مندق اللواء لطيرة ... تخشى ولا سوء يكون معجلا\nلكن هذا الرمح أضعف متنه ... خطر الولاية واستقل الموصلا\nفسرى عن خالد وكتب صاحب البريد بذلك الذي المأمون فزاده ديار ربيعة فأعطى أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم. ومثل ذلك ما يحكى أنَّ طاهر بن الحسين لمّا خرج لقتال علي بن عيسى بن ماهان وفي كمه دراهم يفرقها على الضعفاء وغفل عنها فأسبل كمه فتبددت فتطير بذلك. فأنشده شاعر كان معه:\nهذا تفرق جمعهم لا عيره ... وذهابها منه ذهاب الهمِ\nشيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إمساكه في كمِ","vol":"3","page":74},{"text":"والعرب ضربت المثل بإلقاء العصى في الاستقرار والراحة من الأسفار ولذلك قال حبيب:\nكريمٌ إذا ألقى عصاه مخيمًا ... بأرضٍ فقد ألقى بها رحله المجدُ\nوقال أبن عنين:\nولمّا استقرت في ذراه بي النوى ... وألقت عصاها بين مزدحم الوفد\nتنصل دهري واستراح من الوجى ... قلوصي ونامت مقلتي وعلا جدي\nوقال عمارة اليمني:\nإنَّ الكفالة والوزارة لم تزل ... يومي إليك بفعلها وتشارُ\nكانت مسافرة إليك وتبعد ... الأخطار ما لم تركب الأخطارُ\nحتى إذا نزلت عليك وشاهدت ... ملكًا يزين الملك منه سوارُ\nألقت عصاها في ذراه وعريت ... عنها السروج محطة الأكوارُ\nوقال صردر:\nعلى رسلكم في الهجر إنَّ عصابةً ... إذا ظفرت بالحب ضل ضميرها\nسواءٌ على المشتاق والهجر حظها ... أألقت عصاها أم أجد بكورها\nوقال أيضًا:\nأنعمت في نعماء مطمئنة ... تحكم الفؤاد في أطرافهِ\nألقت عصاها وارتمت ركابها ... في سرر الوادي وفي شعافه\nقال الحسين بن إبراهيم:\nألا ليت شعري هل أقولن مرة ... وقد سكنت مما أجن الضمائرُ\nومالي إلى باب المحجب حاجةٌ ... وما بي عما يخفض العرض زاجرُ\nفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينًا بالإياب المسافرُ\nوقال الآخر:\nإذا لم ير الإنسان عند قدومه ... محياك مثل البدر والبدر سافرُ\nفأقسم ما ألقت عصاها يد النوى ... ولا قر عينًا بالإياب المسافرُ\nوقال كليب بن ربيعة أو طرفة:","vol":"3","page":75},{"text":"يا لك من قبرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري\nونقري ما شئت أن تنقري!\nوتقدم ذكر هذا وما فيه.\nوقال المجنون:\nأمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا\nوما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا\nوتقدم ما يشبه في حرف الباء.\nومثله أيضًا قول الآخر:\nفإن تدعي نجدًا أدعه ومن به ... وإن نسكني نجدًا فيا حبذا نجدُ!\nوقبل هذا البيت:\nسقى دمنتين ليس لي بها عهد ... بحيث التقي الدارات والجرع الكبدُ\nفيا ربوة الربعين حييت ربوةً ... على النأى منا واستهل بك الرعدُ\nقضيت الغواني غير أنَّ مودةً ... لذلفاء ما قضيت آخرها بعدُ\nإذا ورد المسواك ضمآن بالضحى ... عوارض منها ظل يخصره البدُ\nوألين من مس الرخامات يلتقي ... بمارنه الجادي والعنبر الوردُ\nجرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما جرت البردُ\nفإن تدعي نجدًا. . \" البيت \" وبعده:\nوإن كان يوم الوعد أدنى لقائنا ... فلا تعذلني أن أقول متى الوعدُ\nوقال تأبط شرًا:\nوأبت إلى بهمٍ وما كدت آئبًا ... وكم مثلها غادرتها وهي تصفرُ!\nوالشطر الثاني مثل سائر في عدم الاكتراث بالشيء.\nومن لطائف شرف الدين الحلاوي أنه أنشد بين يديه لغز في الشبابة وهو:\nوناطقةٍ خرساء بادٍ شحوبها ... تكنفها عشرٌ وعنهن تخبرُ\nيلذ إلى الأسماع رجع حديثها ... إذا سد منها منخر جاش منخرُ","vol":"3","page":76},{"text":"وهذا الشطر الأخير لتأبط شرا أيضًا ضمنه فأجاب في الحال:\nنهاني النهى والشيب عن وصل مثلها ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفرُ!\nضمن تضمينا حسنا ونقل المعنى إلى الشبابة فوقعت لفظة تصفر أحسن موقع.\nوقال الآخر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>كم ترك الأول للآخر</span>!\nوهو مثل مشهور ضمنه أبو تمام في قوله:\nيقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر!\nأو هو المخترع.\nوضده قول الآخر:\nلم يدع من مضى ... للذي قد غبر\nفضل علم سوى ... أخذه بالأثر\nوقال الآخر:\nسوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرسٌ تحتك أم حمارُ\nغيره:\nفيا عطشى والماء الزلال أخوضه ... ويا وحشتي والمؤنسون كثيرُ!\nوقال بعض الأعراب:\nدببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا\nوكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ... وعانق المجد من وافى ومن صبرا\nلا تحسب المج تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا!\nوقال الأخطل:\nقومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء وإن باتت بأطهارِ\nحكى أبو العباس المبرد في الكامل أنَّ صاحب اليمن بعث إلى عبد الملك بن مروان بجارية وكتب معها: إني وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتها بمال عظيم ولم ير مثلها. وكان ذلك وقت محاربتهم لابن الأشعث. فلما دخل بالجارية على عبد الملك رأى وجها جميلا وخلقا نبيلا. فألقى إليها قضيبا كان في يده فنكست لتأخذه فرأى من جسمها","vol":"3","page":77},{"text":"ما بهره. فلما هم بها أعلمه الآذن أنَّ رسول الحجاج بالباب. فأذن له ونحى الجارية فأعطاه كتابا من عبد الرحمن بن الأشعث فيه سطور أربعة:\nسائل مجاور هل جنيت لهم ... حربا تزيل بين الجيرة الخلط؟\nوهل سموت بجرار له لجبٌ ... جم الصواهل بين الحم والفرط؟\nوهل تركت نساء الحي ضاحيةً ... في ساحة الدار يستوفدن بالقنطِ\nوتحته:\nقتل الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوامِ\nفكتب إليه عبد الملك كتابا وجعل في طيه جوابا لابن الأشعث:\nما بال من أسعى لأجبر كسره ... حفاظًا وينوي من سفاهته كسري؟\nأظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركبٍ وعرِ\nوإني وإياهم كمن نبة القطا ... ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري\nأناة وحلما وانتظارا بهم غدًا ... وما أنا بالواني ولا الضارع الغمرِ\nقال: ثم بات يقلب كف الجارية ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك! فتقول: ما بالك يا أمير المؤمنين وما يمنعك؟ فقال: ما قاله الأخطل لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب: قومٌ إذا حاربوا. . \" البيت \" فما إليك سبيل أو يحكم الله بيني وبين عدو الرحمن بن الأشعث. فلم يقربها حتى قُتل عبد الرحمن.\nوقال الآخر:\nالله يشكر ما مننت به ... إذ كان يقصر دونه شكري\nغيره:\nإلهي زد في عمره من حياتنا ... وأعمرنا حتى يطول له العمرُ!\nغيره:\nأبى الله تدبير أبن آدم نفسه ... وأن يكون المرء إلاّ مدبرا","vol":"3","page":78},{"text":"غيره:\nأخاف عليك من سيف ورمح ... طميل العمر بينهما قصرُ\nغيره:\nإذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا ... ندمت على التفريط في زمن البذر\nغيره:\nإذا صح عون الله للمرء لم يكن عسيرٌ من الآمال إلاّ تيسرا\nغيره:\nإذا لم تكن في منزل المرء حرةٌ ... تدبره ضاعت مصالح داره\nغيره:\nتبقى المنابر بعد القوم باقية ... ويذهب المال والأيام والعمرُ\nغيره:\nتشتاقكم كل أرض تنزلون بها ... كأنكم لبقاع الأرض أمطارُ\nغيره:\nتعب المنجم حيث أفنى عمره ... في علم ما لا يدرك الأفكارُ\nغيره:\nتميز البعض في الألفاظ إن نطقوا ... وتعرف الحذق في الألفاظ إن نظروا\nغيره:\nتنسى مرارة كل نازلة ... بحلاوة في النهي والأمرِ\nغيره:\nثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى\nغيره:\nثلاثةٌ موصوفةٌ تجلو البصر: ... الماء والوجه المليح والخضر\nغيره:","vol":"3","page":79},{"text":"جار الزمان علينا في تقلبه ... وأي دهر على الأحرار لم يجرِ؟\nغيره:\nجاء البشير مبشرًا بقدومكم ... فملئت من قول البشير سرورا\nغيره:\nجاور إذا جاورت بحرًا يا فتى ... فالجار يشرف قدرة بالجارِ!\nغيره:\nحبي لكم طبعٌ بغير تكلفٍ ... والطبع في الإنسان لا يتغيرُ\nغيره:\nخاطر بنفسك لا تقعد بمعجزةٍ ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذورِ!\nغيره:\nخذ ما صفا لك فالحياة غرور ... والدهر يعدل تارة ويجورُ\nغيره:\nخير ما ساعد الرجال نساءٌ ... صالحات يكن خلف الستورِ\nغيره:\nدخولك من باب الهمى إن أردته ... يسير ولكن الخروج عسيرُ\nغيره:\nدع النوم للنوام إنك إن تنم ... فإنك نصف العمر تغبن خاسرا\nغيره:\nذروني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقيرُ\nغيره:\nرأيت بلاد الله وهي عريضةٌ ... على الخائف المذعور أضيق من القبر\nغيره:\nرأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطي لبه حين يكسرُ\nغيره:\nرُبَّ فقير غني نفسٍ ... وذي غنى بائس فقيرُ","vol":"3","page":80},{"text":"غيره:\nردك الله إلينا سالمًا ... بعد غنمٍ ونجاحٍ وظفر\nغيره:\nزرتني قبل أن أزورك شوقًا ... فلك الفضل زائرًا ومزورا!\nغيره:\nزعمتم بأن الصبر أكرم صاحبٍ ... صدقتم ولكن قد تقضى به العمرُ\nغيره:\nسأكتم حاجتي عن الناس كلهم ... ولكنها للناس تبدو وتظهرُ\nغيره:\nسرور شهرٍ وغم دهرٍ ... ووزن وهرٍ ودق ظهرِ\nغيره:\nسيصرف الله ما تخشى وتحذره ... فاصبر قليلًا فعقبى صبرك الظفرُ\nغيره:\nشباب المرء ثوبٌ مستعارٌ ... وأيام الصبا أبدًا قصارُ\nغيره:\nصفقةٌ غير خاسرة ... بيع دنيا بآخره\nغيره:\nضيعت وقت في المحال ... فلا تضيع وقت غيرك!\nغيره:\nعبارتنا شتى وحسنك واحدٌ ... وكلٌ إلى ذاك الجمال يسيرُ\nغيره:\nعتبت على عمرو فلما فقدته ... وجربت أقوامًا بكيت على عمرو\nغيره:\nعلى المرء أن يسعى لمّا فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهرُ!\nغيره:","vol":"3","page":81},{"text":"قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبرِ\nغيره:\nقد كنت أبكي وداري منك دانيةٌ ... فكيف صبري وقد شطت بي الدار؟\nغيره:\nقد كنت أسمع ما أرى فيروعني ... واليوم ليس بروعي ما أنظر!\nغيره:\nقد كنت أحذر من دهري وأحذره ... حتى قدمت فزال الروع والحذرُ\nغيره:\nقضى الله في بعض المكارم للفتى ... بخيرٍ وفي بعض الهوى ما يحذرُ\nغيره:\nقف أنا في الطريق إن لم تزرنا ... وقفةٌ في الطريق نصف الزيارة!\nغيره:\nقومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار\nغيره:\nكأن العام ليس بعام حجٍّ ... تغيرت المواسم والدهورُ\nغيره:\nكفا حسودي جهلًا أنه رجلٌ ... معاندٌ لقضاء الله والقدرُ\nغيره:\nكل امرئٌ حسن في عين والده ... والخنفساء تسمي بنتها القمرُ\nغيره:\nكل عيبٍ تراه في الغير بالظن ... له فيك باليقين نظيرُ\nغيره:\nكنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار\nغيره:\nلا تستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلاّ لصابرِ","vol":"3","page":82},{"text":"غيره:\nلقد طال هذا القيل والقال بيننا ... وما طال قول الشرح إلاّ ليقصرا\nغيره:\nلقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السوء باقٍ معمرُ\nغيره:\nلكم الأرض كلها فأعيروا ... عبدكم ما احتوى عليه جداره!\nغيره:\nلي النقاب على القباح فريضةٌ ... وعلى الملاح خطيئة لا تغفرُ\nغيره:\nليس ارتحالك في كسب العلا سفرًا ... بل المقام على ذل هو السفرُ\nغيره:\nليس التفضل منك أمرًا نادرًا ... لكن مثلك في التفضل نادرُ\nغيره:\nليس السعيد الذي دنياه مسعدة ... إنَّ السعيد الذي ينجو من النار\nغيره:\nليس ما ليست له حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ\nغيره:\nما العمر ما طالت به الدهور ... العمر ما تم به السرورُ\nغيره:\nما بال دارك حين تدخل جنة ... وبباب دارك منكرٌ ونكيرُ؟\nغيره:\nما حك جسمك غير ظفرك ... فتول أنت جميع أمرك!\nغيره:\nما ذاق طعم الغنى فلا قناع له ... ولا ترى قانعًا في الناس مفتقرا","vol":"3","page":83},{"text":"غيره:\nما كان ذاك العيش إلا سكرة ... لذاتها ذهبت وحل خمارها\nغيره:\nما كل من زار الحمى سمع الندا ... من أهله: أهلًا بهذا الزائر!\nغيره:\nما يضر البحر أمسى زاجرًا ... إن رمى فيه سفينةٌ بحجر!\nغيره:\nمتى تقضي حاجات من ليس واصلًا ... إلى حاجة حتى تكون له أخرى\nغيره:\nمحن الفتى يخبرن على فضل الفتى ... والنار مخبرةٌ بفضل العنبر\nغيره:\nمفتاح باب الفج الصبر ... وكل عسر بعده يسرُ\nغيره:\nمن أبرم الأمر بلا تدبير ... صيره الدهر إلى تدميرِ\nغيره:\nمن كان يهوى منظرًا بلا خبر ... فما له أوفق من عشق القمر\nغيره:\nنزلوا والخدود بيضٌ فلما ... أزف البين عدن بالدمع حمرا\nغيره:\nوأحمق خلق الله من جرب أمرًا ... وعاد إلى تجربته مرة أخرى\nغيره:\nوإذا أتتك مصيبةٌ فاصبر فقد ... عظمت مصيبة مبتلى لا يصبرُ\nغيره:\nوإذا بغى باغٍ عليك بجهله ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر!\nغيره:","vol":"3","page":84},{"text":"وإذا ظلمت ولي بكم متعلقٌ ... فعلى علاكم لا علي العارُ\nغيره:\nوإذا عتبت على الصديق شكوته ... سرًا إليه وفي المحافل أشكرُ\nغيره:\nوإذا لم يكن من الذل بدٌ ... فالق بالذل إن لقيت الكبارا!\nغيره:\nوأفرح كلما يزداد مالٌ ... ولا أبكي على نقصان عمرِ!\nغيره:\nوالمعروف من يأته يحمد عواقبه: ما ضل عرفٌ وإن أوليته حجرا!\nغيره:\nوالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره\nغيره:\nوالنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للعين لا للنجم في الصغر\nغيره:\nورُبَّ جوادٍ امسك الله دوده ... كما يمسك الله السحاب من القطر\nغيره:\nوقى الله مولانا جميع المكاره ... ولا دار صرف الدهر يومًا بداره\nغيره:\nوقد زعمت ليلى بأني فاجرٌ ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها!\nغيره:\nوقد يهلك الإنسان من باب أمنه ... وينجو بأمن الله من حيث يحذرُ\nغيره:\nوكل من أعيتك أخلاقه ... دواؤه الصبر أو الهجرُ","vol":"3","page":85},{"text":"غيره:\nوكل أذى فمصبورٌ عليه ... وليس على قرين السوء صبرُ!\nغيره:\nوكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر!\nغيره:\nوكم من طالبٍ يسعى لرزقٍ ... وفيه هلاكه لو كان يدري\nغيره:\nوكنت أمشي على ثنتين معتدلًا ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر\nغيره:\nوكيف يذهب عن سمعي وعن بصري ... من كان مثل سواد القلب والبصر؟\nغيره:\nولازم الصمت إن سئلت وقل: ... لا علم عندي بالجهل مستترا\nغيره:\nولست أخاف الفقر ما عشت في غدٍ ... لكل غدٍ رزق من الله باكر\nغيره:\nولم أر بعد الدين خيرًا من الغنى ... ولم ار بعد الكفر شرًا من الفقر\nغيره:\nوما الزين في لبس الثياب وإنما ... يزين الفتى مخبره حين يخبر\nغيره:\nوما عسرة فاصبر لها إن لقيتها ... بباقية إلاّ سيعقبها يسرُ\nغيره:\nوما كنت أرضى أن أعيش ببلدة ... وتنأى ولكن لا يغالب مقدار\nغيره:\nوما من نعمة شملت كريمًا ... كنعمة عورةٍ سترت بقيرِ\nغيره:\nومن كان ذا عذرٍ قبلت أعذاره ... وإن لم يكن عذرٌ فعندي له عذرُ","vol":"3","page":86},{"text":"غيره:\nومن يكن الغراب له دليلا ... فما غير الغراب له مصير\nغيره:\nونعلم أنَّ المال غادٍ ورائح ... وخير من المال الأحاديث والذكر\nغيره:\nوهون عندي ما ألاقي من الأذى ... بأنك أنت المبتلى والمقدر!\nغيره:\nويخبرني عن غائب الأمر هديه ... كفى الهدي عما غيب المرء مخبر!\nغيره:\nويعرف فضل عقول الرجال ... بتدريبها وبآثارها\nغيره:\nهي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إنَّ تقويم الضلوع انكسارها\nغيره:\nهي المقادير فلمني أو فزد ... إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر\nغيره:\nلا تعاشر إلاّ الأكابر واعلم ... أنَّ في عشرة الصغار صغارا\nغيره:\nيا ليل طل يا شوق دم: ... إني على الحالين صابر!\nغيره:\nيفر من المنية كل حينٍ ... وما يغنى عن الموت الفرار!\nغيره:\nيلقى الحسود تجلدي فيسوءه ... إني على ريب الحوادث أصبر\nغيره:","vol":"3","page":87},{"text":"يمينك منها اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى منهما بشرى!\nغيره:\nينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأيام ما لم يحاذر\nغيره:\nينسى صنائعه وعده ... ويبيت في إنجازه يتفكر\nوقال أبو الأسود:\nوإنَّ أحق الناس إنَّ كنت شاكرًا ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر\nوتقدم تمام هذا الشعر وسببه.\nومثله قول الآخر:\nوفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خالِ\nأعطاك قبل سؤاله ... كفاك مكروه السؤال\nوقول أبي تمام:\nوما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي!\nوقول أبي نواس:\nإذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار\nولا تشرب بأقداح صغار: ... فقد ضاق الزمان على الصغار!\nيضربه الواعظ السادة الصوفية عندما يدبر الشباب ويقبل المشيب، ويكاد يذوي الغصن الرطيب، في الإكثار من القربات، والجد في العمل، وتلافي الخير قبل فوات الأجل، وكذا ما يشبه من كل ما يطلب اغتنام الفرصة فيه قبل فواته.\nوقال أيضًا:\nألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر\nوبح باسم من تهوى ودعني من الكنى: ... فلا خير في اللذات من دونها ستر!\nوإنّما قال: وقل لي هي الخمر، لأنه إذا سمعها عندما نظر إليها التذ مسمعه باسمها، ومنظره بشخصها، وأشرابت نفسه إليها، فتلقتها بأعظم لذة.","vol":"3","page":88},{"text":"وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من قصيدة:\nلا شيء ضائر عاشق، فإذا نأى ... عنه الحبيب فكل شيء ضائره\nومنها:\nأبكر فقد بكرت عليك بمدحه ... غرر القصائد: خير أمرٍ باكره\nومنها:\nوإذا الفتى المامول انجح عقله ... في نفسه ونداه أنجح شاعره\nوقال أيضًا:\nعفت آياتهن وأي ربعٍ ... يكون له على الزمن الخيار\nومنها:\nكذاك لكل سائلةٍ قرار\nوبعده:\nمضى الأملاك وانقرضوا وأضحت ... سراة ملوكنا وهم تجار\nوقوف في الظلام الذم تحمى ... دراهمهم ولا يحمي الذمار\nفلو ذهبت سنات الدهر عنه وألقي عن مناكبه الدثار\nلعدل قسمة الأيام فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار!\nومنها:\nوأي النار ليس له شرار؟\nومنها:\nوكان المطل في بدءٍ وعودٍ ... دخلنا للصنيعة وهي نار\nنسيب البخل مذ كان وإلاّ ... يكن نسب فبينهما جوار\nلذلك قيل بعض المنع أدنى ... إلى مجدٍ وبعض الجود عار\nوقال أيضًا:\nشر الأوائل والأواخر ذمة ... لم تصطنع وصنيعة لم تشكر\nوقال أيضًا:","vol":"3","page":89},{"text":"إنَّ الكرام كثير في البلاد وإنَّ ... قلوا كما غيرهم قلو وإنَّ كثروا\nلا يدهمنك من دهمائهم عدد ... فإنَّ جلهم أو كلهم بقر\nوكلما أمست الأخطار بينهم ... هلكى تبين من أمسى له خطر\nلو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيال لم تحمد الأوضاح والغرر\nومنها:\nبالشعر طول إذا أصطكت مصادره ... في معشر وبه قصر\nوقال أيضًا:\nوالبخل حلو ولكن غبه مضر ... فاكظم فلا إلاّ وزنبرو!\nوقال أيضًا يرثي بن حميد:\nفاثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها: من تحتك أخمص الحشر\nغدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلاّ وأكفانه الأجر\nتردى ثياب الموت حمرًا فما أتى ... لها الليل إلاّ وهي من سندس خضر!\nوقال أيضًا من أخرى:\nسيأكلنا الدهر الذي غال من مضى ... ولا تنقضي الأشياء أو يوكل الدهر\nوأكثر حالات أبن آدم خلفة ... يضل إذا فكرت في كنهها الفكر\nفيفرح بالشيء المعار بقاؤه ... ويحزن لمّا صار وهو له ذخر\nعليك بثوب الصبر إذ فيه ملبس ... فإنَّ ابنك المحمود بعد ابنك الصبر\nوما أوحش الرحمان ساحة عبده ... إذا عاشر الجلى ومؤنسه الأجر!\nوقال أيضًا:\nإنّما البشر روضة فإذا كان ... ببذل فروضة وغدير\nفاقسم اللحظ بيننا إنَّ في اللحظ ... لعنوان ما يجن الضمير!\nوقال أيضًا:\nفلا تمكن المطل من ذمة الندى ... فبئس أخو الأيدي الغزار وجارها\nفإنَّ الأيادي الصالحات كبارها ... إذا وقعت تحت المطال صغارها\nوما نفع من قد مات بالأمس صاديا ... إذا ما سماء اليوم طال انهمارها","vol":"3","page":90},{"text":"وما العرف بالتسويف إلاّ كنخلة ... تسليت عنها حين شط قرارها\nوخير عادات الحر مختصراتها ... كما إنَّ خيرات الليالي قصارها\nوقال أيضًا:\nوما القفر بالبيد الخواء بل التي ... نأت بي وفيها ساكنوها هي القفر\nومن قامر الأيام على ثمراتها ... فأحجم بها أن تنجلي ولها القمر\nفإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر\nومنها:\nهل المجد إلاّ الجود والبأس والشعر\nوقال أبو الطيب:\nوما في سطوة الأرباب عيبٌ ... ولا في ذلة العبدان عار\nوقال أيضًا:\nإني لأعلم واللبيب خبير ... أنَّ الحياة وإن حرصت غرورُ\nورأيت كلًا ما يعلل نفسه ... بتعلة وإلى الفناء يصير\nومنها:\nإنَّ المحب على البعاد يزور\nوبعده:\nوقنعت باللقيا وأوّل نظرةٍ ... إنَّ القليل من الحبيب كثيرُ\nوقال أيضًا:\nفلو كنت امرءًا تهجى هجونا ... ولكن ضاق فترٌ عن مسيرِ\nالفتر بالكسر: ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة إذا فتحتها. وضربه مثلا.\nوقال أيضًا:\nذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... مفترق جاران دارهما عمرُ","vol":"3","page":91},{"text":"ولا تحسبن المجد زقًا وقينةً ... فما المجد إلاّ السيف والفتكة البكرُ\nوتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجرُ\nوتركك في الدنيا دويًا كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشرُ\nإذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... بلاهبةٍ فالفضل فيمن له الشكرُ\nومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقرُ\nومنها:\nوإني مثل قول الحكيم: أعظم ما على الإنسان إعظام ذوي الدناءة. ونحو البيت الأول قول الحكيم: من قصر عن أخذ لذاته عدمها وعدم صحة جسمه. ونحو السادس قول الحكيم: من أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد اسلم نفسه إلى العدم.\nونظم أبن شرف معنى البيت الأخير فقال:\nومنفق العمر في الأموال يجمعها ... مستعجل فقره لوما وتسفيلا\nغيره:\nومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى\nوقال فيه أبن شرف:\nوكل من ليس يدري كنه قيمته ... فالناس فيه يحقون الأقاويلا\nغيره:\nطوى الدهر ما بيني وبين محمدٍ ... وليس لمّا تطوي المنية ناشر\nوقال أبن شرف:\nقد يوصل الشيء مقطوعا وما قطعت ... يد المنون فلن تلقاه موصولا\nغيره:\nمن عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقاته: السمع والبصر","vol":"3","page":92},{"text":"وقال أبن شرف:\nومثال يطل عمره يفقد أحبته ... حتى الجوارح والصبر الذي عيلا\nغيره:\nعليَّ نحت المعاني من معادنها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقر!\nوينشد:\nعليَّ نحت القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ لهم أن تفهم البقرُ!\nوقال أبن شرف:\nوناطقٍ بصوابٍ ما عليه سوى ... ما قال إن أخطئوا ظنًا وتأويلا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>لطيفة:</span>\nذكر العلامة محمد بن مرزوق في صدر شرح الجمل أنَّ العلامة أبا القاسم الشيرازي شارح لبن الحاجب الأصلي والعلامة الكاتبي شارح المحصل أرادا ذات مرة أن يحضرا مجلس أبي عبد الله الخنوجي بحيث يخفي مكانهما. فغيرا حالتهما وحضرا عنده وأرادا أبحاثا. فكان من ملح ما صار بينهما أنهما لم ينصفاه في بعض أبحاثه وادعيا عدم بيان قوله وجعلا يستعيدان كلامه بزعمهما. فأنشد لهما:\nعليَّ نحت المعاني من معادنها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ!\nبفتح تاء \" تفهم \" مبنيا للفاعل. فقلا له: ضم التاء! يعني ليبني للمفعول.\nفقال: حينئذ يكون أحدكما شيرازيا والآخر كاتبيا! فقلا: نعم! فتناصفا.\nوقال أبو العلاء المعري في قصيدة:\nلو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر\nوهذا المعنى وقع لعلي بن جبلة قال: زرت أبا دلف في الجبل. فلما حللت الكرخ أظهر من بري وإكرامي أمرا مفرطا حتى تأخرت عنه تأخرا كثيرا. فوصل معقل بن عيسى فقال: يقول لك الأمير: انقطعت عني وأحسبك استقللت بري فلا يغضبنك ذلك فسأزيد فيه حتى ترضى! فقلت: والله ما قطعي عنه إلاّ إفراطه! وكتبت له:","vol":"3","page":93},{"text":"هجرتك لو أهجرك من كفر نعمةٍ ... وهل يرجى نيلي الزيادة في الكفرِ!\nولكنني لمّا أتيتك زائرًا ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكرِ\nفما لآن لا أتيك إلاّ مسلما ... أزورك في الشهرين يوما أو الشهرِ\nفإن زدتني برا تزيدني جفوة ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشرِ\nفلما وصلت إليه قال: قاتله الله ما أشعره وأدق معانيه! فأجابني لوقته وكان حسن البديهة:\nألا رُبَّ ضيفٍ طارقٍ بسطته ... وأنسته قبل الضيافة بالبشرِ\nأتاني يرجيني فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نيله ستري\nوجدت له فضلًا عليَّ بقصده ... إليَّ وبرًا زاد فيه على برِ\nفزودته مالًا يقل بقاؤه ... وزودني مدحًا يدوم مدى الدهرِ\nوبعث إليَّ بها وبألف دينار مع وصيفة فقلت حينئذ:\nإنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره\nفإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره\nملكٌ تندى أنامله ... كانبلاج النوء عن مطره\nمستهل عن مواهبه ... كابتسام الروض عن زهره\nجبلٌ عزت مناكبه ... أمنت عدنان في ثغره\nكل من في الأرض من عربٍ ... بين باديه ومحتضره\nمستعيرٌ منه مكرمةً ... يكتسبها مفتخره\nويقال إنَّ البيت الثاني هو الذي أحفظ المأمون على أبن جبلة حتى سل لسانه من قفاه وقوله: وجدت له فضلا عليَّ. . \" البيت \". أوّل من رأينا استعمل هذا المعنى في الشعر الحارث أبن عوف المري صاحب الحملات بين عبس وذبيان حيث يقول:\nكم من يدٍ لا أودي حق نعمتها ... عندي لمختبطٍ طار ومن منن","vol":"3","page":94},{"text":"إذا جاء يسعى إلى رحلي لأسعفه ... أليس قد ظن بي خيرًا ولم يرني؟\nوقوله: فزودته مالًا يقل بقائه. . \" البيت \" هو معنى ما حكي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إنّه قال لإحدى بنات هرم بن سنان المري: ما أعطى أبوك زهيرا إذا امتدحه؟ فقالت: أعطاه مالا وأثاثا أفناه الدهر. فقال أمير المؤمنين: لكن ما أعطاكم زهير لا يفنيه الدهر أو كلاما نحو هذا. وتقدم شيء منه وسيأتي.\nومنها:\nحسنت نظم كلامٍ توصفين به ... ومنزلا بك معمورا من الخفر\nفالحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشَّعر\nومنها:\nوالخل كالماء يبدى لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدرِ\nومنها:\nفلا يغرنك بشرٌ من سواه بدا ... وإن أنار فكم نورٍ بلا ثمر\nومنها:\nوافقتهم في اختلاف من زمانكم ... والبدر في الوهن مثل البدر في السحر\nالمرقدون بنجدٍ نار بالديةٍ ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر\nومنها:\nفالعين يسلم منها ما رأت فنبت ... عنه وتلحق ما تهوى من الصور\nومنها:\nهاجت نميرٌ فهاجت منكم ذا لبد ... والليث أفتك أفعالا من النمرِ\nهموا فأموا فلما شارفوا وقفوا ... كوقفة العير بين الورد والصدر\nومنها:\nوالنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر\nومنها:","vol":"3","page":95},{"text":"والمرء ما لم تفد نفعا إقامته ... غيمٌ حمى الشمس لم يمطر ولم يسر\nومنها:\nوالكبر والحمد ضدان اتفاقهما ... مثل اتفاق فتاء السن والكبر\nيجني تزايد هذا من تناقص ذا ... والليل إن طال غال اليوم بالقصر\nخف الورى وأقرتكم حلومكم ... والجمر تعدم فيه خفة الشرر\nوقال أيضًا:\nجمال المجد أن يثنى عليه ... ولولا الشمس ما عرف النهار\nوللماء فضيلة كل حينٍ ... ولا سيما إذا اشتد الأوار\nومنها:\nوليس يزيد في جري المذاكي ... ركابٌ فوقه ذهبٌ ممارُ\nورُبَّ مطوقٍ بالتبر يكبو ... بفارسه وللنقع اعتكارُ\nوزندٍ عاطلٍ يحظى بمدحٍ ... ويحرمه الذي فيه سوارُ\nوقال إبراهيم بن نصر القاضي:\nجود الكريم إذا ما كان عن عدةٍ ... وقد تأخر من لم يسلم عن الكدر\nإنَّ السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعا إذا هي لم تمطر على الأثر\nوماطل الموعد مذمومٌو إن سمحت ... يداه من بعد طول المظل بالبدر\nيا دوحة الجود لا عتب على رجلٍ ... يهزها وهو محتاج إلى الثمر!\nوقال إبراهيم الصولي:\nدنت باناسٍ عن تناء زيارةٌ ... وشط بليلى عن دنو مزارها\nوإنَّ مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها\nوقال أبن دارج القسطلي من قصيدة:\nألم تعلمي أنَّ الثواء هو النوى ... وأنَّ بيوت العاجزين قبور\nوقال أبو نواس في الخصيب يمدحه في قصيدة:\nفما فاته جودٌ ولا حلَّ دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصيرُ\nوإني جديرٌ إذ بلغتك بالمنى ... وأنت بما أملتُ منك جديرُ","vol":"3","page":96},{"text":"فإن تواني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عادرٌ وشكورُ\nوقال الصاحب إسماعيل بن عباد:\nرق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابهتا فتشاكل الأمرُ\nفكأنما خمرٌ ولا قدحٌ ... وكأنما قدحٌ ولا خمرُ\nوقال أبو الفضل بن الحنزابة:\nمن أحمل النفس أحياها وروحها ... ولم يبت طاويًا منها على ضجرِ\nإنَّ الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العلي من الشجرِ\nوقال أبو نواس:\nتكثر ما استطعت من الخطايا ... فانك بالغٌ ربًا غفورا\nستبصر إن وردت عليه عفوا ... وتلقى سيدًا ملكًا كبيرا\nتعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا!\nوقال الطغراني لمّا ولد له مولود بعدما بلغ سبعا وخمسين من عمره:\nهذا الصغير الذي وافى على كبر ... أقر عيني ولكن زاد في فكري\nسبعٌ وخمسون لو مرت على حجرٍ ... لبان تأثيرها في صفحة الحجرِ\nوقال عروة بن اذينة:\nقالت وأبثتها سري فبحت به ... قد كنت عندي تحت الستر فاستتر!\nألست تبصر من حولي؟ فقالت لها: ... غطي هواك وما ألقى على بصري!\nوهذا مثل مشهور عند الصوفية وأهل المحبة والمشاهدة والفناء ﵃.\nيحكى أنَّ السيدة سكينة بنت الحسين ﵂ وعن أسلافها مرت يوما بعروة هذا وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين فقالت له: أنت القائل: قالت وأبثتها سري. . \" البيت \"؟ فقال: نعم! فالتفتت إلى جوار لها كن معها فقالت: هنَّ هن حرائر إن كان خرج هذا عن قلب سليم قط! ومن ملح ما جرى بينها وبينه أيضًا إنّه مات لعروة أخ يقال له بكر فرثاه عروة بقوله:\nسرى همي وهو المرء يسري ... وغاب النجم إلاّ قيد فترِ","vol":"3","page":97},{"text":"أرقب في المجرة لك نجمٍ ... تعرص أو على المجرات يجري\nلهم ما أراك له قريبًا ... كأن القلب أبطن حر جمرِ\nعلى بكر أخي فارقت بكرًا ... وأي العيش يصلح بعد بكر؟\nفلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت: ومن بكر هذا؟ فوصف لها. قالت: أهو ذلك الأسيد الذي كان يمر بنا؟ قالوا: نعم! قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت! والأسيد تصغير أسد.\nويحكى أنَّ بعض المغنين غنى بهذا الشعر عند الوليد بن يزيد بن عبد الله الملك الأموي في مجلس أنسه فقال: من يقول هذا؟ قيل: عروة بن أذينة. فقال: وأي عيش بعد بكر هذا العيش الذي نحن فيه؟ واله لقد حجز واسعًا.\nوقال عبد الله بن المعتز:\nفكان ما كان مما لست اذكره ... فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر!\nوهذا مثل مشهور. وقبله قوله:\nسقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطال من مطر\nفطالما نبهتني للصبوح بها ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر\nأصوات رهبان دير في صلاتهم ... سود المدامع نعارون بالسحر\nمزنرين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلًا من الشعر\nكم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يكسر جفنيه على حور\nلاحظته بالهوى حتى استعاد له ... طوعًا وأسلمني الميعاد بالنظر\nوجاءني في قميص الليل مستترًا ... يستعجل الخطو من خوفٍ ومن حذر\nفقمت أفرش خدي في الطريق له ... ذلًا وأسحب أذيالي على الأثر\nولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحها ... مثل القلامة قد قصت من الظفر\nفكان ما كان. . \" البيت \" وقال عبد الله بن طاهر:","vol":"3","page":98},{"text":"اغتفر زلتي لتحرز فضل ... الشكر مني ولا يفوتك أحري\nلا تكلني إلى التوسل بالعذر ... لعلي ألا أقوم بعذرِ!\nوقال أبو نواس في مدح أهل البيت:\nمطهرون نقياتٌ جيوبهم ... تجري الصلاة عليهم إنما ذكروا\nمن لم يكن علويا حين تنسبه ... فما له في قديم الدهر مفتخرُ\nالله لمّا برا خلقًا فأتفنهم ... صفاكم واصطفاكم أيها البشرُ\nفأنتم الملأ الأعلى وعندكم ... علم الكتاب وما جاء به السورُ\nوقال القاضي الجرجاني:\nوقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى! ... وما علموا أنَّ الخضوع هو الفقرُ\nوبيني وبين المال شيئان حرما ... عليَّ الغنى: نفسي الأبية والدهرُ\nوإن قيل هذا أليس أبصرت دونه ... مواقف خيرٌ من وقفي بها العسرُ\nوقال الفضل بن الربيع:\nعسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حالٍ والزمان عثورُ\nفتقضي لباناتٌ وتشفى حسائفٌ ... وتحدث من بعد الأمور أمرُ!\nوقال الأمير قابوس:\nقل للذي بصروف الدهر عيرنا: ... هل حارب الدهر إلاّ من له خطرُ؟\nأما ترى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... وتستقر بأقصى قعره الدررُ؟\nفإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضررُ\nففي السماء بجوم مالها عددٌ ... وليس يكسف إلاّ الشمس والقمرُ\nوحدثني بعض الأصحاب أنَّ ملك مراكش كتب إلى المعتمد بن عباد حين اعتقله بمدينة أغمات بقول الآخر:\nحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدرُ\nوساعدتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدرُ\nفأجابه المعتمد من سجنه:\nمن ذا الذي بصروف الدهر عيرنا؟ ... لا ينكر الدهر إلاّ من له القدرُ","vol":"3","page":99},{"text":"وفي البساتين أفانٌ منوعةٌ ... وليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ\nوفي السماء نجومٌ مالها عددٌ ... وليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ\nوالله أعلم بالمخترع! وقال الآخر وينسب لعثمان ﵁:\nغنى النفس يغني النفس حتى يكفها ... وإن عضها حتى يضر بها الفقرُ\nوما عسرةٌ فاصبر لها إن لقيتها ... بكائنةٍ إلاّ ويتبعها اليسرُ\nوقال أيضًا:\nتفنى اللذات ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعرُ\nتبقى عواقب سوءٍ من معقبها ... لا خير في لذةٍ من بعدها النارُ\nوقال أبن رفاعة وكان عبد الملك بن مروان لمّا قتل المصعب بن الزبير ودخل الكوفة فصعد المنبر وقال: أيها الناس إنَّ الحرب صعبة وإنَّ السلم أمن ومسرة: فاستقيموا على سبيل الهدى ودعوا الأهواء الموجبة للردى وتجنبوا فراق جماعة المسلمين ولا تكلفونا أفعال المهاجرين الأولين وأنتم لم تعملوا عملهم ولم تسلكوا سبيلهم ولا اظنكو تزدادون بعد الموعظة إلاّ صعوبة ولن تزداد وابعد الأعذار إليكم إلاّ عقوبة. فمن عاد عدنا وإن زاد زدنا وإنَّا معكم كما قال أبو قيس بن رفاعة:\nمن يصل ناري بلا ذنبٍ ولا ترةٍ ... يصل بنار كريمٍ غير غدارِ\nأنا النذير لكم مني مجاهرة ... كي لا ألام على نهيٍ وإنذارِ\nفإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خزيًا ظاهر العارِ\nلا ترجعن أحاديثًا ملفقةً ... لهو المقيم ولهو المدلج الساري\nمن كان في نفسها حوجاء يطلبها ... عندي فإني له رهنٌ بإضمارِ\nأقيم عوجته إن كان ذا عوجٍ ... كما يقوم قدح النبعة الباري\nوصاحب الوتر ليس الدهر يدركه ... عندي وإني لدراكٌ بأوتارِ\nوقال الآخر:","vol":"3","page":100},{"text":"رأيتك إن أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أعجبتك المناظرُ\nرأيت الذي لا كله أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ\nوهذا مثل مشهور.\nوعن الأصمعي قال: كنت في بعض مياه العرب فسمعت الناس يقولون: جاءت! جاءت! فنظر فإذا جارية وردت الماء ما رأى الراؤون مثلها. فلما رأت إلحاح الناس بالنظر إليها أرسلت برقعا كأنه غمامة غطت شمسا. فقالت لها: تمنعين الناس من النظر إلى هذا الوجه الحسن؟ فقالت: رايتك إن أرسلت طرفك. . \" البيتين \"\nفنظر إليها أعرابي فقال: أنا والله ممن ولى صبره! ثم أنشد:\nأوحشية العينين أين لك الأهل؟ ... أب الحزن حلوا أم محلهم السهلُ؟\nوأية أرض أخرجتك فإنني ... أراك من الفردوس أنسأك الأصلُ\nأم البدر أنشأك المنير فإن يكن ... لبدر الدجى نسلٌ فأنت له نسلُ\nحسنت فأما الوجه منك فمشرقٌ ... وعينان كحلاوان زينهما كحلُ\nقفي خبرينا ما طعمت وما الذي ... شربت ومن أين استقل بك الرحلُ\nفإنَّ علامات الجنان مبنيةٌ ... عليك وإنَّ الشك يشبهه الشكلُ\nوقال:\nفإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضعٍ تمرا إلى أرض خيبرا\nوقال يحيى بن طالب الحنفي:\nتعزيت عنها كارها فتركتها ... وكان فريقها أمرَّ من الصبرِ\nوكان يحيى هذا سخيا جوادا. ثم إنّه ركبه دين فادح فجلا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان في قضاء دينه. فأراد رجل من أهل اليمامة الشخوص إليها من بغداد فشيعه يحيى. فلما جلس الرجل في الزورق ذرفت عينا يحيى فأنشأ يقول:\nأحقًا عباد الله أن لست ناظرًا ... إلى قرقرا يومًا وأعلامها الخضر؟\nإذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكرِ\nأقول لموسى والدموع كأنها ... جداول ماء في مساربها تجري:","vol":"3","page":101},{"text":"ألا هل لشيخٍ وأبن ستين حجةً ... بكى طربًا نحو اليمامة من عذر؟\nكأن فؤادي كلما مر راكبٌ ... جناح غرابٍ رام نهضًا إلى وكرِ\nيزهدني في كل خيرٍ صنعته ... إلى الناس ما جربت من قلة الشكرِ\nفيا حزنًا ماذا أجن من الهوى ... ومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر؟\nتعزيت عنها كارها. . \" البيت \" وحجر بالفتح قصبة اليمامة.\nثم إنَّ الرشيد غني بشعر ليحيى هذا وهو:\nأيا أثلات القاع من بطن توضحٍ ... حنيني إلى أطلالكن ويلُ\nويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكن مقيلُ؟\nويا أثلات القاع قلبي موكلٌ ... بكن وجدوى نيلكن قليلُ\nألا هل إلى شم الخزامى ونظرةٍ ... إلى قرقرا قبل الممات سبيلُ؟\nفأشرب من ماء الحجيلاء شربةً ... يداوي بها قبل الممات عليلُ\nأحدث عنك النفس أن لست راجعًا ... إليك فحزني في الفؤادي دخيلُ\nأريد هبوطا نحوكم فيردني ... إذا رمته دينٌ عليَّ ثقيلُ\nفقال الرشيد: يقضى دينه! فلتمس فإذا هو مات قبل ذلك بشهر.\nوقالت جارية تخاطب نفسها:\nإذا لم يكن للأمر عند حيلةٌ ... ولم يجدي بدًا من الصبر فاصبري!\nوكانت هذه الجارية لرجل من قيس عيلان فكان بها كلفا. ثم أصابته حاجة وجهد فقالت له: لو بعتني فلو نلت طائلا عدت به عليك! فأخرجها للبيع وعرضت على أبن معمر المذحجي فأعجبته فاشتراها بمائة ألف درهم. فلما مضت لتدخل القصر ودعت مولاها وأنشدته:\nهنيئًا لك المال الذي قد أصبته ... ولم يبق في كفي إلاّ تفكري\nأقول لنفسي وهي في كرب عيشةٍ ... أقلي فقد بان الحبيب أو اكثري!\nإذا لم يكن للأمر عندك. . \" البيت \" فأجابها مولاها:","vol":"3","page":102},{"text":"فلولا نبو الدهر عني لم يكن ... لفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري\nأؤوب بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلبًا طويل التفكرِ؟\nعليك سلامٌ لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلاّ أن يشاء أبن معمرِ\nفقال له: خذ بيدها فهي لك وثمنها! وقال الخليل بن أحمد:\nإن منت لست معي فالذكر منك معي ... يرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري\nالعين تفقد من تهوى وتبصره ... وناظر القرب لا يخلو من النظر\nوهو مثل مشهور للصوفية:\nأما والذي لو شاء لم يخلف الهوى ... لئن غبت عن عيني لمّا غبت عن قلبي\nيوهمنيك الشوق حتى كأنما ... أناجيك من قربٍ وإن لم يكن قربي\nوقال الآخر:\nأبلغ أخانا تولى الله صحبته ... أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه\nوإنَّ قلبي موصولٌ برؤيته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه\nوقال الآخر:\nإذا اشتاقت العينان منك بنظرةٍ ... تمثلت لي في القلب من كل جانبِ\nوحكي عن الإمام الشبلي ﵁ أنه رأى يوما مجنونا والصبيان خلفة يرمونه بالحجارة وقد أدموا وجهه وشجوا رأسه. فأخذ الشبلي يزجرهم عنه فقالوا له: يا شيخ دعنا نقتله فإنه كافر! فقال لهم: وما الذي بان لكم من كفره؟ فقالوا: يزعم أنه يرى ربه ويحادثه. فقال: أمسكوا عليَّ قليلا! فتقدم الشبلي فوجده يتحدث ويضحك ويقول في أثناء ذلك: هذا جميل منك تسلط عليَّ الصبيان ليشغلوني عنك! فقال: يا شبلي وما الذي قالوا؟ قال: تقول إنك ترى ربك وتحدثه. فصاح صيحة عظيمة ثم قال: يا شبلي نعم وحق من تيمني بحبه وهيمني بين بعده وقربه! لو احتجب عني طرفة عين لتقطعت من البين. ثم ولى وهو يقول:\nلئن غبت عن عيني وشط بك النوى ... فأنت بقلبي حاضرٌ وقريبُ","vol":"3","page":103},{"text":"أراك بعين الوهم في مضمر الحشا ... وليس على عين الفؤاد رقيبُ\nخيالك في وهمي وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيبُ؟\nوقال سويد بن الصامت:\nألا ربما تدعوا صديقًا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري\nلسانٌ له كالشهد ما دمت حاضرًا ... وبالغيب مطرورٌ على ثغرة النحر\nقوله \" مطرور \" أي محدود تقول: طررت السكين. والثغرة بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة نقرة النحر بين الترقوتين.\nغيره:\nكم من أخً لك لست نكره ... ما دمت من دنياك في سترِ\nمتصنعٍ لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشرِ\nيطري الوفاء وذا الوفاء ويلحي ... الغدر مجتهدًا وذا الغدرِ\nفإذا عدا والدهر ذو غيرٍ ... دهر عليك عدا مع الدهرِ\nفارفض بإجمال مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثري\nوعليك من حاله واحدٌ ... في العسر إما كنت واليسرِ\nلا تخلطنهم بغيرهم ... من يخلط العقبان بالصقرِ\nغيره:\nاخط مع الهر إذا ما خطا ... واجر مع الهر كما يجري\nمن سابق الدهر كبا كبوة ... لم يستقلها آخر الهرِ\nليس لما ليست له حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ\nويروى:\nحيلةٌ ما ليست حيلةٌ ... حسن عزاء النفس والصبرِ\nوقال المخزومي:\nالعيب في الجاهل المغمور مغمور ... وعيب ذي الشرف المذكور مذكور\nكفوفةِ الظفر تخفي من حقارتها ... ومثلها في سواد العين مشهور","vol":"3","page":104},{"text":"ونحوه قول إبراهيم بن المهدي:\nلولا الحياء وأنني مشهور ... والعيب بالرجل الكبير كبير\nلحللت منزله الذي يحتله ... ولكان منزلنا هو المهجورُ\nوقال أبو سليمان الخطابي:\nأنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فدام الأنس لي ونما السرورُ\nوأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزورُ\nولست بسائل ما دمت حيًا ... أسار الجيش أم ركب الأميرُ\nغيره:\nلصيد اللخم في البحر ... وصيد الأسد في البرِ\nوقضم الثلج في القر ... ونقل الصخر في الحرِ\nوإقدام على الموت ... وتحويل إلى القبرِ\nلأشهى في طلاب العز ... ممن عاش في الفقرِ\nاللخم بالخاء المعجمة حيوان بحري يصعب المنال.\nغيره:\nخاطر بنفسك لا تقعد بمعجزة ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذورِ\nإن لم تنل في مقام ما تحاوله ... فأبل عذرًا بإدلاج وتهجيرِ\nلن يبلغ المرء بالإحجام حاجته ... حتى يباشرها منه بتغريرِ\nحتى يواصل في أنحاء مطلبها ... سهلا بحزن وأنجادًا بتغويرِ\nغيره:\nلعمرك ما الزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعيرُ\nولكن الرزية موت نفس ... يموت بموتها بشر كثيرُ\nونحوه قول الآخر في قيس بن عاصم المنقري ﵁:\nفما كان قيسٌ هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما\nغيره:","vol":"3","page":105},{"text":"ومن يجعل المعروف من دون أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر\nوسيأتي تتميم هذا الشعر وشرح قصته في الكاف إن شاء الله تعالى.\nوقال شيخ من الأعراب نظر إلى امرأته تتصنع وهي عجوز:\nعجوزٌ ترجى أن يكون فتيةً ... وقد لحب الجنبان واحد ودب الظهرُ\nتدس إلى العطار سلعة بيتها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهرُ؟\nوزيد فيه:\nوما غرني إلاّ خضابٌ بكفها ... ونجلٌ بعينيها وأثوابها الطهرُ\nوجاؤوا بها قبل المحاق بليلةٍ ... فكان محاقها كله ذلك الشهرُ!\nفقالت امرأته مجيبة:\nألم تر أنَّ الناب تحلب علبةً ... ويترك ثلبٌ لاضرابٌ ولا ظهرُ؟\nثم استغاثت بالنساء واستغاث بالرجال فإذا هم خلوف فاجتمع عليه النساء فضربنه.\nقوله: لحب الجنبان أي قل لحمهما يقال لحب الرجل بالكسر إذا أنحله الكبر.\nقوله: سلعة بيتها يريد السويق والدقيق ونحوهما والعرب تقول لكل عرض سلعة والناب: الناقة المسنة. والعلبة بالضم: القدح العظيم من الخشب أو من جلود الإبل يحلب فيه والثلب بالثاء المثلثة على مثال قرد: الجمل إذا سقطت أسنانه هرما وتناثر شعر ذنبه تقول: إنَّ الأنثى فيها نفع وإن أسنت بخلاف الذكر إذا أسن.\nوقال بعض الأدباء:\nوأتم الأشياء حسنًا ونورًا ... بكر شكر زفت إلى صهر بر\nما قرآن السعدين في الحوت أبهى ... منظرًا من قرآن بر وشكر!\nوقال سعد بن ناشب:\nتفدني فيما ترى من شراستي ... وشدة نفسي أم سعدٍ وما تدري\nفقلت لها: إنَّ الكريم وإن حلا ... ليلفى على حالٍ أمر من الصبرِ\nوفي اللين ضعفٌ والشراسة هيبةٌ ... ومن لا يهب يحمل على مركب وعرِ\nوما بي على من لأنَّ لي من فظاظةٍ ... ولكنني فظ أبي على القسرِ","vol":"3","page":106},{"text":"أقيم صغى ذي الميل حتى أرده ... وأخطمه حتى يعود إلى القدرِ\nفإن تعذليني تعذلي بي مرزءًا ... كريم نثا الإعسار مشترك اليسرِ\nإذا هم ألقى بين عينيه همه ... وصمم تصميم الريجي ذي الأثرِ\nقوله: كريم نثا الإعسار بتقديم النون: ذكر الرجل بجميل أو قبيح فهو مشترك. يقول إنه يثني عليه في الإعسار بخير وكرم وعفة والأثر بفتح الهمزة وكسرها: فرند السيف وهو رونقه وماؤه.\nوقال سالم بن وابصة:\nأحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأنَّ به عن كل فاحشةٍ وقرا\nسليم دواعي الصدر لا باسطًا آذى ... ولا مانعًا خيرًا ولا ناطقًا هجرا\nإذا ما أتت من صاحبٍ لك زلةٌ ... فكن أنت محتالًا لزلته عذرا\nغني النفس ما يكفيك من سد خلةٍ ... وإن زاد شيئًا عاد ذاك الغنى فقرا\nوقال كثير وكان قد دخل على عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى فقال له: أأنت كثير؟ قال: نعم! قال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! قال: يا أمير المؤمنين كل عند محله رحب الفناء شامخ البناء عالي السناء. ثم أنشأ يقول:\nترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد عصورُ\nويعجبك الطرير إذا تراه ... فيخيل ظنك الرجل الطريرُ\nبغاث الطير أطولها رقابًا ... ولم تطل البزاة ولا الصقورُ\nخشاش الطير أكثرها فراخًا ... وأم الصقر مقلات نزورُ\nضعاف الأسد أكثرها زئيرًا ... وأصرمها اللواتي لا تزيرُ\nوقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعيرُ\nينوخ ثم يضرب بالهراوى ... فلا عرفٌ لديه ولا نكيرُ\nيقوده الصبي بكل أرضٍ ... وينحه على الترب الصغيرُ\nفما عظم الرجال لهم بزينٍ ... ولكن زينتهم كرمٌ وخيرُ\nفقال عبد الملك: لله دره ما أفصح لسانه! وأضبط جنانه! وأطول عنانه! والله إني لأظنه كما وصف نفسه! قوله: أسدٌ هصور الهصر بالصاد المهملة: الكسر","vol":"3","page":107},{"text":"والجذب. والمقلات: التي لا يعيش لها الأولاد. والنزور: القليلة الولد كما مر. والطرير من الرجال: ذو المنظر والرواء الحسن. والخير بالكسر: الكرم والشرف والأصل ونسب هذا الشعر أيضًا لغير كثير وهو في الحماسة.\nوقال الزبرقان من بدر:\nتعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي مربض المستأسد الضاري\nيحكى أنَّ عمر بن أبي ربيعة بينما هو يطوف إذ بصر بامرأة في الطواف فأعجبته فكلمها فنفرت وقالت: إليك عني فإني في حرم الله وفي موضع عظيم الحرمة! فلما ألح عليها وشغلها عن الطواف ذهبت إلى بعض محارمها فقالت له: احضر معي تريني المناسك! فجاء معها فلما رآه عمر تباعد عنها فتمثلت حينئذ بهذا البيت. فبلغ المنصور خبرها فقال: وددت لو لم تبق بنت في خدرها إلاّ سمعته.\nوقال الحماسي:\nومن أنتم آنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصير؟\nفأنتم إلى جئتم مع البقل والدبا ... فطار وهذا شخصكم غير طائرِ\nالدبا بالدال المهملة وبالباء الموحدة المفتوحتين: أصغر الجرد والنمل الواحد دباة. قال الراجز:\nكأنَّ خرق قرصها المعقوب ... على دباة أو على يعسوب\nوقال الآخر:\nيا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكيرُ؟\nحتى متى أنت منها مدنف ولهٌ ... لا يستبيك سواها البدن الحور؟\nتأتي أمور فما تدري أعاجلها ... خيرٌ لنفسك أم ما فيه تأخيرُ\nفاستقدر الله خيرًا وارضينَّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسيرُ\nوبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصيرُ","vol":"3","page":108},{"text":"يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابة في الحي مسرور\nحتى كأن لم يكن إلاّ تذكره ... والدهر أينما حالٍ دهاريرُ\nفذاك آخر عمر من أخيك إذا ... ما ضمنت شلوه اللحد الحناشيرُ\nوقال الآخر:\nنصبرت مغلوبًا وإني لصابرٌ ... كما صبر الضمآن في البلد القفرُ\nوقبله:\nيا عمرو لم اصبر ولي فيك حيلةٌ ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبرِ!\nغيره:\nوإنَّ سعيد الجد من بات ليلةً ... واصبح لم يشوب ببعض الكبائر\nفمولاك لا يهضم لديك وإنّما ... هضيمة مولى المرء جدع المناخرِ\nوجارك لا يذممك الله تعالى مسبةً ... على المرء في الأدنين ذم المجاورِ\nفإن قلت فاعلم ما تقول فإنه ... إلى سامع ممن تعادي وآثرِ\nفإنك لا تستطيع رد مقالةٍ ... شأتك وزلت عن فكاهة فاغرِ\nكما ليس رامٍ بعد إرسال سهمه ... على رده قبل الوقوع بقادرِ\nإذا أنت عاديت الرجال فلا تزل ... على حذر لا خير في غير حاذرِ\nومن لا يصانع في أمور كثيرةٍ ... يضرس بأنيابٍ ويوطأ بحافرِ\nترى المرء مخلوقا وللعين حظها ... وليس بإحناء الأمور بحابرِ\nفذلك كماء البحر لست مسيغه ... ويعجب منه ساجيًا كل ناظرِ\nوتلقى الأصيل الفاضل الراي جسمه ... إذا ما مشى في القوم ليس بقاهرِ\nكذلك جفن رث عن طول مكثه ... على حدّثني مفترق الغرارين باترِ\nوعاش بعينيه لمّا لا يناله ... كساع برجليه لأدراك طائرِ\nومستنزل حرباع غير ثروةٍ ... كمقتحم في البحر ليس بماهرِ\nوملتمس ودًا لمن لا يوده ... كمعتذر يومًا إلى غير عاذرِ","vol":"3","page":109},{"text":"ومتخذ عذرًا فعاد ملالة ... كوالي اليتامى ما لهم غير وافرِ\nفسارع إذا سافرت في الحمد واعلمن ... بأن ثناء الركب حظ المسافرِ\nوطاوعهم فيما أرادوا وقل لهم: ... فدًا للذي رمتم كلال الأباعرِ\nوإن كنت ذا حظ من المال فالتمس ... به الأجر وأرفع ذكر أهل المقابرِ\nفإني رأيت المال يفنى وذكره ... كظل يقيك حر الهواجرِ\nوقال عروة بن المرد المعروف بعروة الصعاليك العبسي:\nلحى الله صعلوكًا إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفًا كل مجزرِ\nينام ثقيلًا ثم يصبح قاعدًا ... يحت الحصى عن جنبه المتعفرِ\nيعين نساء الحي ما يستعنه ... فيمضي طليحًا كالبعير المحسرِ\nولكن صعلوكًا صفيحة وجهه ... كضوء سراج القابس المتنورِ\nمطلًا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهرِ\nوإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المنتظرِ\nفذلك إن يلق المنية يلقاها ... حميدًا وإن يستغن يوما فأجدرِ\nوقال الشريف الرضي:\nأودى وما أودت مناقبه ... ومن الرجال معمر الذكرِ\nغيره:\nطربت إلى الأصيبية الصغار ... وهاجك منهم قرب المزارِ\nوأبرح ما يكون الشوق يومًا ... إذا دنت الديار من الديارِ\nوقال كثير:\nوقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغيرُ؟\nتغير جسمي والخليقة مثلما ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبرُ","vol":"3","page":110},{"text":"دخلت عزة هذه على عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى فقال: أنت عزة كثير؟ قالت: أنا أم بكر الضمرية. فقال لها: أتروين قول كثير: وقد زعمت. . \" البيتين \"؟ فقالت: لا اروي هذا ولكني أروي قوله:\nصفوحًا فما تلقاك إلاّ بخيلةً ... فمن مل منها ذلك الوصل ملتِ\nوهذا البيت من تائية كثير المشهورة التي مطلعها:\nخليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلتِ!\nوقال الآخر:\nما للكواعب يا عيساء قد جعلت ... تزور عني وتطوي دوني الحجرُ\nقد كنت فتاح أبوابٍ مغلقةٍ ... ذب الرياد إذا ما خولس النظرُ\nفقد جعلت أرى الشخصين أربعة ... والواحد اثنين مما بورك البصرُ\nوكنت أمشي على رجلين معتدلًا ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر\nغيره:\nخبروها بأنني قد تزوجت ... فظلت تكاتم الغيظ سرا\nوبعده:\nثم قالت لأختها ولأخرى ... جزعًا: ليته تزوج عشرا\nوأشارت إلى نساء لديها ... لا ترى دونهن للسر سترا\nما لقلبي كأنه ليس مني ... وعظامي أخال فيهن فترا\nمن حديث نكى إلي فظيعٍ ... خلت في القلب من تلظيه جمرا؟\nغيره:\nشربنا من الرازي حتى كأننا ... ملوك لهم بر العراقين والنحرُ\nفلما انجلت شمس النهار رأينا ... تولى الغنى عنا وعاودنا الفقرُ!\nومثله قول الأعرابي:\nولقد شربت الراح حتى خلتني ... لمّا خرجت أجر فضل المئزرِ\nقابوس أو عمرو بن هند ما تلا ... يجبني له ما دون دارة قيصرِ","vol":"3","page":111},{"text":"وقال لقيط بن زرارة:\nشربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدانِ\nأمشي في بني عدس بن بدر ... رخي البال منطلق اللسانِ\nغيره:\nإني هزئت من أم الغمر إذ هزئت ... من شيب رأسي وما بالشيب من عارِ\nما شقوة المرء بالإقتار يقتره ... ولا سعادته يوما بإكثارِ\nإنَّ الشقي الذي في النار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النارِ\nأعوذ بالله من أمر يزين لي ... لوم العشيرة أو يدني من العارِ\nوخير دنيا تنسي شر آخرةٍ ... وسوف ينبئني الجبار أخباري\nلا أقرب البيت أحبو من مؤخره ... ولا أكسر في أبن العم أظافري\nإن يحجب الله أبصارًا أراقبها ... فقد يرى الله حال المدلج الساري\nقوله: لا أقرب البيت. . الخ أي لا آتي لرؤيته كقول الآخر:\nولست بصادر من بيت جارٍ ... كفعل الغير غمره الورود\nيقال: تغمره الشارب إذا لم يرو فهو يلتفت وراءه وكذا المريب وتقدم هذا قوله: ولا أكسر في أبن العم أظفاري أي لا أغتابه كقول الحطيئة:\nملوا قراه وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنيابٍ وأضراسِ\nوقال جرير:\nفلا تبوسوا بيني وبينكم الثرى ... فإنَّ الذي بيني وبينكم مثر\nوقال عبد الحميد بن يحيى الكاتب:\nأسر وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره؟\nوسيأتي سبب هذا الشعر في الأعيان إن شاء الله تعالى.\nغيره:\nإذا كنت في نجد وطيب نعمة ... تذكرت أهلي باللوى فمحسر\nوإن كنت فيهم زدت شوقًا ولوزعة ... إلى ساكني نجد وعيل تصبري\nلقد طال ما بين الفريقين موقفي ... فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري؟","vol":"3","page":112},{"text":"غيره:\nأوليتني نعيما أبوح بشكرها ... وكفيتني كل الأمور بأسها\nفلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها\nوقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:\nإذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر\nوإن برقت من فخيل الصواب ... عمياء لا تجتليها الفكر\nمقنعةٌ بغروب الأمر ... وضعت عليها ضحيح الفقر\nلسانًا كشقشقة الأرحبي ... أو كالحسام اليماني الذكر\nوقلبًا إذا استنطقته الغيوب ... ابر عليها بود درر\nولست بإمعةٍ في الرجال ... يسائل هذا وذا ما الخبر\nولكنني مذرن الأصغرين ... يبين مع ما مضى ما غبر\nيروى إنّه سئل عن نازلة فدخل مبادرا ثم خرج في حداء ورداء وهو متبسم. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنك كنت إذا سئلت عن المسألة تكون فيها كالسكة المحماة. قال: إني كنت حاقنا ولا رأي لحاقن! ثم أنشأ يقول: إذا المشكلات تصدين. . \" الأبيات \".\nوقال أبو العباس التطيلي:\nوالناس كالناس إلاّ أن تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصر\nكالأيك مشتبهات في منابتها ... وإنما يع التفضيل بالثمر\nوقال التهامي في مثله:\nومن الرجال مجاهلٌ ومعالم ... ومن النجوم غوامض ودراري\nوالناس مشتبهون في إرادهم ... وتفاضل الأقوام في الإصدار\nولربما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار\nوقال القاضي الجليس المصري:\nومن عجب أنَّ السيوف لديهم ... تحيض دماء والسيوف ذكور\nوأعجب من ذا أنها بأكفالهم ... تؤجج نارًا والكف بجور\nوقال أبن المعتز في التعزية:","vol":"3","page":113},{"text":"لم تمت أنت مات من لم ... يبق للمجد والمكارم ذكرا\nلست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يسقى وقد تضمن بحرا؟\nوقال الآخر:\nوأصبر حتى يحسب الناس إنني ... بي الهجر لا والله ما بي لكم هجر!\nولكن أروض النفس أخبر هل لها ... على فرقة من بعد أحبابها صبر\nوقال الآخر:\nلا غرو أنَّ يصلى بهجركم ... نارًا تؤججها يد التذكار\nقبلي إذا غبتم يصور شخصكم ... فيه وكل مصور في النار\nوقال أبن الخطيب:\nبلد يحف به الرياض كأنه ... وجه جميل والرياض عذاره\nوكأنما واديه معصم فضة ... ومن الجسور المحكمات سواره\nوقال أبو الربيع:\nفتح الشقاق جراحها ومغنمها ... وشي الربيع، وقتلاها من الثمر\nلأجل هذا إذا هبت طلائه ... تدرع النهر واهتزت قنى الشجر\nوقال القاضي الشريف:\nواحور وسنان الجفون مرابط ... سبى حسنه لب الحبيب وصبره\nحمى ثغره عني بسيف لحاظه ... ولا غرو أنَّ يحمي المرابط ثغره!\nوقال إبراهيم أبن المهدي:\nإذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر\nفلم يعلم الواشون ما دار بيننا ... وقد قضيت حاجتنا بالضمائر\nوقال الخوارزمي:\nعليك بإظهار التجلد للعدا ... ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا!\nألست ترى الريحان يشع يانعا ... ويطرح في الميضات مهما تغيرا؟\nوقال الآخر:\nتواضع إذا نلت المعالي علا ... وتكتسب الشكر الجميل من الورى","vol":"3","page":114},{"text":"فلن يشكر الغيث الربيع محله ... قرين الثريا أو يعود إلى الثرى\nوقال صالح بن شرف:\nالدهر لا يبقى على حالةٍ ... لكنه يقبل أو يدبر\nفإنَّ تلقاك بمكروهه ... فأصبر فإنَّ الدهر لا يصبر!\nوقال الرصافي:\nصون الفتى وجهه أوقى لهمته ... والرزق جارٍ على حد ومقدار\nقنعت، وامتد مالي فالسماء يدي ... وبدرها درهمي والشمس ديناري\nوقال أبن طباطبا العلوي:\nقالت: أراك خضبت الشيب، قلت لها: ... سترته عنك يا سمعي ويا بصري\nفاستضحكت ثم قالت من تعجبها: ... تكاثر الغش حتى صار في الشعر!\nوقال الآخر:\nإنَّ الليالي الأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأغمار\nفقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار\nوقال الآخر:\nالنار آخر دينار نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري\nوالمرء بينهما ما لم يكن ورعا ... مقلب القلب بين الهم والنار\nوقال عبد الله بن طاهر:\nإلى كم يكون الهجر في كل ساعةٍ ... وكم لا تملين القطيعة والهجرا!\nرويدك إنَّ الدهر فيه كفاية: ... بتفريق ذات البين، فانتظر الدهرا!\nوقال قيس بن الذريح:\nلو إنَّ امرءًا أخفى الهوى عن ضميره ... لمت ولم يشعر بذاك ضمير\nولكن سألقى الله والقلب لم يبح ... بسرك والمستخبرون كثير!\nوقال أبن خفاجة:\nأرى الناس يولون الغني كرامةً ... وإنَّ لم يكن أهلا لرفعة مقدار\nويولون عن وجه الفقير وجوههم ... وإنَّ كان أهلا أم يلاقى باكبار\nبنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلاّ حديث أبن دينار!","vol":"3","page":115},{"text":"وقال أبن معروف:\nأحذر عدوك مرة ... وأحذر صديقك ألف مرة\nفلربما أنقلب الصديق ... فكان أعلم بالضمرة!\nوقال البستي:\nإذا حيوان كان طعمة ضده ... توقاه كالفأر الذي يحذر الهرا\nولا شك أنَّ المرء دهره ... فما باله يا ويحه يا من الدهرا؟\nوقال الآخر:\nإذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار!\nلطيفة: حكي عن الجاحظ قال: عبر يوما على معلم الكتاب، فرأيت هيئة حسنة. وقام إلي وأجلسني معه، ففاتحته القرآن هو فيه ماهر. ففاتحته النحو فوجدته ماهرا، ثم في أشعار العرب واللغة كاملا في كل ما يراد منه، فقلت: قوى والله هذا عزمي الكتاب مغلقا. فسألت عنه فقيل: مات له ميت. فسرت إليه لأعزيه، فدققت الباب عليه، فخرجت جارية وقالت: ما تريد؟ فقلت: أريد مولاك. فقالت: هو جالس وحده في العزا، ما يعطي الطريق لأحد. فقلت: قولي له: صديقك فلان. فدخلت وخرجت وقالت: ادخل! فدخلت وقلت له: أعظم الله أجرك! لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وهذا سبيل لابد منه، فعليك بالصبر! ثم قلت له: هذا الميت ولدك؟ قال: لا. قلت: والدك؟ قال: لا. قلت: أخوك؟ قال: لا. قلت: فمن؟ قال: صفيتي. فقلت في نفسي: هذا أول المناحس! ثم قلت: سبحان الله! النساء كثير، وتجد أحسن منها. فقال لي وكأني رأيتها؟ فقلت: وهذه منحسة ثانية! ثم قلت: وكيف عشقت من لم تره؟ فقال: كنت في الطارمة فسمعت مفنيا يقول:\nيا أم عمرو جزاك الله مكرمة ... دري علي فؤادي أينما كانا!\nفقلت في نفسي: لولا إنَّ أم عمرو هذا ما في الدنيا مثلها، ما قيل فيها هذا الشعر! فعلق قلبي بها.\nفلما كان بعد أيام، مر بي ذلك الرجل وهو يقول:","vol":"3","page":116},{"text":"إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار!\nفعلمت إنّها ماتت. فحزنت ليها وجلست للعزاء منذ ثلاثة أيام. قال الجاحظ: فعادت عزيمتي وقويت على إبقاء الدفتر بأم عمرو.\nوقال النابغة الجعدي:\nولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوة إنَّ يكدرا\nولا خير في رأي إذا لم تكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا\nيروى إنّه لمّا انشد قصيدته هذه بين يدي النبي ﷺ وبلغ هذا الموضع قال له ﷺ: لا يفضض الله فاك! فعاش مائة وعشرين سنة، لم تنفض له ثنية ببركة ﵊. وقال المكيالي:\nإنَّ كنت تأنس بالحبيب وقربه ... فأصبر على حكم الرقيب وداره!\nإنَّ الرقيب إذا صبرت لذله ... بواك في ربع الحبيب وداره\nوقال التغري ﵀:\nمن لي بزوره أحمد الهادي الذي ... من زاره غفرت له أوزاره؟\nوأحط رحلي في جوار محمّد ... لمقام عز لا يضام جواره\nحوم عظيم عظمت حرامته ... واختال في خلع الرضى زواره\nوقال أيضًا:\nيا خير خلق الله دعوة نازح ... بانت حبته وشط مزاره\nوتقسمته يد النوى فبمغرب ... أوطانه وبمشرق أوطاره\nوقال:\nلأولي الحجي رفع الحجاب فشاهدوا ... قمر الحجاز تلألأت أنواره\nواستنقشوا أرج النسيم فساقهم ... شوقا لنجد شيحه وعراره\nوقال آخر يهجو قاضي بلده:\nلا مثل قاضي رأيناه ببلدتنا ... في الجهل منه وفي الجور الورى حاورا\nفهو من النفر الأدين منزلةٍ ... من حاكم منه وفي الجور الورى حاورا\nمسذوم بذال معجمة بلد بحمص، أو هو قرية قوم لوط. وقاضي سذوم المشهور هو","vol":"3","page":117},{"text":"الذي زعموا إنّه شكا إليه رجل مر بقوم ومعه امرأته على حمار. فضربوا الحمار وقطعوا ذنبه، فتخبط وطرح المرأة فأسقطت جنينا. فقال له: ادفع إليهم امرأتك يطؤونها حتى تحل ويردونها إليك: وأعطهم الحمار يستخدمونه حتى ينبت ذنبه ويردونه إليك! فيقال إنَّ الرجل دعا عليهم، فسخف بهم ولم يبق من أهل سذوم أحد.\nوقال محي الدين الاسكندراني:\nومقعد أنَّ الرئاسة في الكبر ... فأصبح ممقوتا به وهو لا يدري\nيجر ذيول العجب طالب رفعة ... ألا فأعجبوا من طالب الرفع بالجر!\nوقال العرجي العثماني:\nأضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر!\nويحكى إنّه كان فتى يجاور الأمام أبا حنيفة، ﵁، وكان يشرب كل ليلة، فإذا دب فيه الشراب جعل يغني. فكان أبو حنيفة يقوم من الليل ويسهر على النظر ويانس بغنائه. وكان أكثر ما يغني بقول العرجي هذا: أضاعوني وأي فتى أضاعوا. . الخ.\nوبعده:\nكأني لم اكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتي في آب عمر\nثم ن الفتى خرج ليلة فأخذ العسس وحبس، فقد أبو حنيفة صوته في تلك الليلة. فلما أصبح سأل عنه فقيل إنّه محبوس، فدعا بدابته وركب إلى الأمير عيسى بن موسى. فلما استأذن عليه قال: أئذنوا له وأدخلوه راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ بساطي! ففعلوا، فوسع له الأمير في مجلسه وأجلسه معه وقال: ما حاجتك؟ قال: جار لي أخذه العسس، فأمر بتخليته! قال: نعم، وكل من أخذ معه في تلك الليلة! فأطلقوا جميعا، وقيل إنّه بعد ثلاث ليال من حبسه. فقال الأمير: وكل من أخذ من تلك الليلة إلى وقتنا. وأطلق الجميع. فلما خرجوا دعا أبو حنيفة بالفتى فقال له: ألست كنت تغني أضاعوني وأي فتى أضاعوا، فهل أضعناك؟ قال: لا والله! بل حفظت وز رعيت جزاك الله خيرا، وعلي عهد الله ألا اشرب الخمر أبدًا! وتاب إلى الله تعالى. وقال إسحاق الموصلي:","vol":"3","page":118},{"text":"لاح بالمفرق منك القتير ... وذوى غصن الشباب النضير\nهزئت أسماء مني وقالت: ... أنت يا أبن المصلي كبير!\nورأت شيبا علاني فأنت ... وأبن ستين بشيب جدير\nإنَّ تري شيبًا علاني فإنني ... مع ذاك الشيب حلو مزير\nقد يفل السيف وهو جراز ... ويصول الليث وهو عقير\nوقوله: حلو مزير، المزير: المعظم المكرم، وقيل الظريف؛ والسيف الجراز: القاطع. وقال الربيع بن ضبع الفزاري:\nفارقنا قبل أنَّ نارقه ... لمّا قضى من جماعنا وطرا\nوالضمير للشباب.\nوقبله:\nأقفر من مية الحديب إلى ... الرحبين إلاّ الظباء والبقرا؟\nكأنها درة منعمة ... من نسوة كن قبلها دررًا\nأصبح مني الشباب مبتكرا ... إنَّ ينأ عني فقد ثوى عصرا\nوبعده:\nأصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إنَّ نفرا\nوالذيب أخشاه إنَّ مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا\nها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدركت عمري ومولدي حجرا\nأبا امرئ القيس قد سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا\nوقال أعرابي من ضبة، قدم البصرة وخطب امرأة فاشترطوا عليه الصداق:\nخطبت فقالوا: هات عشرين بكرة ... ودرعا وجلبابا فهذا هو المهر\nوثوبين مرويين في كل شتوةٍ ... فقلت: الزنى خير من الحرب القسر!\nوقال خنافر بن التوأم الحميري:\nوكان مضلي من هديت برشده ... فلله مغو عاد بالرشد آمرا!\nوقصته في إسلامه مشهورة في السير، فلا نطيل بسردها.","vol":"3","page":119},{"text":"غيره:\nإني رأيتك كالورقاء يستوحشها ... قرب الأليف إذا نحرا\nغيره:\nفإنَّ تبك للبرق الذي هيج الهوى ... أعنك وإنَّ تصبر فلست بصابر\nوقبله:\nسقى الله حيا بين صارة والحمى ... حمى فيد صوب المدجنات المواطر\nأمين فادى الله ركبا إليهم ... بخير ووقاهم حمام المقادر\nكأني طريف العين يوم تطاولت ... بنا الرمل سلاف القلاص الضوافر\nحذار على القلب الذي لا يضره ... احاذر وشك البين أم لم يحاذر\nأقول لقمقام بن زيد: أما ترى ... سنا البرق يبدو للعيون النواظر؟\nفإنَّ تبك. . \" البيت \"\nغيره:\nوما تعرف الأعراب مشيا بأرضها ... فكيف ببيت من رخام ومرمر؟\nوهذا القائل أعرابي دخل البصرة على أبن عم له. فلما كان يوم الجمعة رآه البصري أشعث، فقال له: إنَّ الناس يتطهرون للجمعة ويتنظفون ويلبسون أحسن الملابس، فتعال ادخلك الحمام لتتنظف من شظف البادية وتتطهر للصلاة! فدخل معه الحمام، فعندما وطئ الأعرابي فرش أوّل بين الحمام لم يحشن المشي عليها لملاستها، فزلق وسقط وصدف حرف مدخل البيت وشجه الحرف في وجهه شجة منكرة، فخرج مذعور ودمه يسيل وهو ينشد:\nوقالوا: تطهر إنّه يوم جمعة! ... فأبت من الحمام غير مطهر\nتزودت منه شجة فوق حاجبي ... بغير جهاد بئس ما كان مجتري!\nيقول لي الأعراب حين رأينني: ... به لا بظبي بالصريمة أعفر\nوما تعرف الأعراب. . \" البيت \"\nغيره:\nتمنع من شميم عرار نجد ... فما بعد العيشة من عرار!\nوقبله:","vol":"3","page":120},{"text":"أقول لصاحبي والعيس تحذى ... بنابين المنيفة فالضمار\nوبعده:\nألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه بعد القطار\nوهلك إذ يحل الحي نجدًا ... وأنت على زمانك غير زار\nشهور ينقضين وما شعرنا ... بإنصاف لهن ولا سرار\nوإنّما نسوق مثل هذا لأنه ما من موضع أو أمر إلاّ ولك إنَّ تعتبره لنفسك نجدا، وما من طيب بل وما من خير إلاّ ولك أنَّ تعتبره عرارًا، وتعتبر اغتنامه شميما، فتضرب هذا في انتهاز الفرصة من الشيء قبل فواته. وكثير ما نورد مثل هذا أو أغمض منه في هذا الكتاب، والذكي السديد يفقهه، والغبي البليد ينجهه.\nوقال أبو صخر الهذلي:\nإلاّ أيّها الركب النخبون هل لكم ... بساكن أجزاع الحمى لعدنا خبر؟\nوقبله:\nلليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر\nكأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر\nوقفت برسميها فعي جوابها فقلت وعيني دمعها سرب همر:\nألا أيّها الركب. . \" البيت \"\nفقالوا طوينا ذاك ليلا وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر\nوفي النوادر لأبي على عن أبي العباس: قال عبد الله بن شبيب: حدثني أم المغوار الباهلية قالت: كنت بفناء بيتي في السحر، فمر بنا ركب، فتمثلت بهذا البيت: إلاّ أيّها الركب. . \" البيت \"، فأجابني غلام من صدر راحته:\nفقالوا: طوينا ذلك ليلا وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر\nخليلي هل يستخبر المرث والغضا ... وطلح الكدى من بطن مران السدر؟\nوقال المعتمد بن عباد، وقد رأى قمرية تنوح بين يديها وكر فيه طائرتان يترنمن:\nبكت أنَّ رأت إلفين ضمهما وكر ... مساء وقد أخنى على إلفها الدهر","vol":"3","page":121},{"text":"ناحت وباحت واستراحت بسرها ... وما نطقت حرفا بيوم به سر\nفمالي لا أبكي أم القلب صخرة ... وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر!\nبكت واحدًا لم يشجها غير فقده ... وأبكي لآلاف عديدهم كثر\nبني صغير أو خليل موافق ... يمزق ذا قفر ويغرق ذا بحر\nوقال أيضا يخاطب نفسه من أبيات مشهورة:\nقد كان إنَّ تأمره ممتثلا ... فردك الدهر منهيا ومأمورًا\nمن بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بأحلام مغرورًا\nوقال الراضي بالله لأبنه يخاطبه:\nلا يكرثنك خطب الحادث الجاري ... فما عليك بذاك الخطب من عار\nماذا على ضيغم أمضى عزيمته ... إنَّ خانه حد أنياب وأظفار؟\nلئن أتوك فمن جبن ومن خور ... قد ينهض العير نحو الضيغم الضاري\nوقال الوزير أبو محمد بن عبدون يرثي بيني المظفر مشهورة:\nما لليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وخانتها يد الغير\nتسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر؟\nكم دوله وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك بالخبر!\nهوت بدار وفلت غرب قاتله ... وكان عضبا على الأيام ذا أثر\nواسترجعت من بني ساسن ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر\nوأتبعت أختها طسما وعاد على ... عادٍ وجرهم منها ناقص المرر\nوما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر\nومزقت سبئا في كل قاصية ... فما التقى رائح منها بمبتكر\nوأنفذ في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر\nولم ثرد على الضليل صحته ... ولا ثنت أسدا عن ربها حجر\nودوخت آل ذبيان وجيرتهم ... لخما وعضت بني بدر على النهر\nوألحقت بعدي بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعر\nوبلغت يزد جرد الصين وأختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر","vol":"3","page":122},{"text":"ومزقت جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظلام للجرز\nوأشرفت بخيب فوق فارغة ... وألصقت طلحة الفياض بالعفر\nوأجزرت سيف أشقاها أبا حسنٍ ... وأمكنت من حسين راحتي شمر\nوليتها إذ فدت عمرًا بخارجةٍ ... فدت عيها بما شاءت من البشر!\nوما رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزود إلاّ الضيح في الغمر\nوفي أبن هند وفي أبن المصطفى حسن ... أتت بمعضلة الألباب والفكر\nفبعضنا قائل ما أغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يموت من حصر\nوعممت بالردى أبي انس ... ولم ترد الردى عنه قنا زفر\nوأنزلت معصما من رأس شاهقةٍ ... كانت به مهجة المختار في وزر\nولم تراقب مكان الزبير ولا ... رعت عياذته بالبيت والحجر\nولم تدع لآبي الذبان قاضبة ... ليس لها عمرو بمنتصر\nوأظفرت بالوليد ين اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر\nولم تعد قضب السفاح نابية ... عن رأس مروان أو أشياعة الفخر\nوأسبلت دمعه الروح الأمين على ... دم هريق لآل المصطفى هدر\nوأشرقت جعفر والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بريق الصارم الذكر\nولا وفت بمعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مرر\nوأوثقت في عراها كل معتمدٍ ... وأشرقت بقذاها كل مقتدر\nوروعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر\nوقال الحاجب أبو مروان بن رزين، وقد سقط عن الفرس:\nإني سقطت ولا جبن ولا خور ... وليس يدفع ما قد شاءه الذكر\nلا يمشين عدوي إنَّ سقطت فقد ... تكبوا الجياد وينبو الصارم الذكر\nهذا الكسوف يرى تأثيره أبدا ... ولا يعاب به شمس ولا قمر!\nوقال أبو بكر بن عمار:","vol":"3","page":123},{"text":"قالوا: اضر بك الهوى فأجبتهم: ... يا حبذاه وحبذا إضراره!\nقلبي هو أختار السقام لنفسه ... زيا فخلوه وما يختاره!\nعيرتموني بالنحول وإنّما ... شرف المهند وما ترق شفاره!\nوقال الوزير أبو القاسم بن الجد:\nعجبت لمن يهوى من الدر تومة ... وقد سال في أرجاء معدنه التبر!\nوقال الوزير الفقيه أبن سراج:\nبث الصنائع لا تحفل بموقعها ... فيمن نأى أو دنا ما كنت مقتدرا\nكالغيث ليس يبالي حيثما انسكبت ... منه الغمام تربا كان أو حجرا\nوقال الحماسي:\nولا يكشف الغماء إلاّ أبن حرةٍ ... يرى غمرات الموت ثم يزورها\nوقال تأبط شرًا:\nإذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر\nولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الخطب إلاّ وهو للخطب مبصر\nفذاك قريع الدهر ما عشت حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر\nومنها:\nهما خطنا أما إسار ومنة ... وأما دم والقتل بالحر أجدر\nوقال القطامي:\nوما يعلم الغيب أمرؤ قبل إنَّ يرى ... والأمر حتى تستبين دوابره\nدوابر الأمر: أواخره، جمع دابرة، كالعواقب.\nوقال عبد الله بن سبرة:\nإذا شالت الجوزاء والنجم طالع ... فكل مخاضات الفرات معابر\nوإني إذا ضن الأمير ببابه ... على الإذن من نفسي إذا شئت قادر\nوقال أبن حبناء التميمي:\nإذا المرء اولاك الهوان فأوله ... هوانا وإنَّ كانت قريبا أواصره","vol":"3","page":124},{"text":"إذا أنت عاديت أمرءًا فاطفر له ... على عثرة إنَّ امكنتك عواثره\nفان أنت لن تقدر على إنَّ تهينه ... فذره إلى يوم الذي أنت قادره\nوقارب إذا ما لم تك لك حيلة ... وصمم إذا أيقنت انك عاقره\nوقال جميل بن عبد الله:\nبنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيرا\nأرى كل عود نابتا في أرومة ... أبى منبت العيدان إنَّ يتغيروا\nوكل كسير يعلم الناس إنّه ... سوى عظم سوء لا ترى فيه مجبرا\nفلا تأمن النوكى وإنَّ كان أهلهم ... وراء عدولات وكنت بقيصر!\nوقوله: يعلم الناس إنّه، أي إنّه لا ينجبر سوى عظم سوء، بحذف خبر إنَّ للعلم به.\nوقال التميمي يرثي منصور بن زياد:\nيثني عليك لسان من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير\nوقال سلمة الجعدي يرثي أخاه:\nفتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر\nوقال مسافع العبسي:\nوليس وراء الشيء شيء يرده ... عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر\nوقال منقذ الكلابي:\nالدهر لاءم بين ألفتنا ... وكذلك فرق بيننا الدهر\nوكذاك يفعل في تصرفه ... والدهر ليس يناله وتر\nكنت الضنين بمن فجعت به ... وسلوت حين تقادم الأمر\nولخير حظك في المصيبة إنَّ ... يلقاك عند نزولها الصبر\nغيره:\nإياك والأمر الذي إنَّ توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر\nفما حسن إنَّ يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر!","vol":"3","page":125},{"text":"وقال أبن البرصاء المري:\nتبين أعقاب الأمور إذا مضت ... وتقبل أشبها عليك صدورها\nوقال الآخر:\nرأيت أخا الدنيا وإنَّ كان خافضا ... على سفر يسري به وهو لا يدري\nمقيمين في دار نروح ونغتدي ... بلا أهبة الثاوي المقيم ولا سفر\nوقال الرقاشي:\nإلاّ ليقل من شاء ما شاء إنّما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر!\nوقال الآخر، من الحماسيين:\nفإنك واستبضاعك الشعر نحوها ... كمستبضع تمرا إلى أرض خيبرا\nوتقدم إنشاده، على غير هذا الوجه، لغير هذا الحماسي.\nغيره:\nوجاءت للقتال بنو هليكٍ ... فسحي يا أسماء بغير قطر!\nوهذا الشاعر استعظم مجيء هؤلاء للقتال، لصغر شأنهم وهوانهم وحقارتهم عنده، فقال: سحي يا أسماء بغير قطر، أي بدم لا يقطر، استهزاء بهم وسخرية.\nغيره:\nومن عجب إنَّ الصوارم في الوغى ... تحيض بأيدي القوم وهي ذكور\nوأعجب منه إنّها بأكفهم ... تسعر نارًا والأكف بحور!\nوقال يزيد بن مفرع الحميري\nسقى الله دارا لي وأرضا تركتها ... إلى جنب دار معقل بن يسار\nأبو ملك جار لها وأبن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!\nوذكر أبو العباس المربرد في الكامل أن سليمان بن على سأل خالد بن صفوان عن ابنيه جعفر ومحمد فقال: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال خالد متمثلا بهذا البيت:\nأبو ملك جار لها وأبن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!\nقال: فأعرض عنه سليمان. وكان هذا من احلم الناس وأكرمهم وهو في ذلك","vol":"3","page":126},{"text":"الوقت والي البصرة وعم الخليفة المنصور. قال: وكان خالد بن صفوان ممن إذا عرض له القول قال: وكان الحسن رحمه الله تعالى يقال: لسان العاقل من وراء قلبه فإن عرض له القول نظر فإن كان له أن يقول قال وإن كان عليه القول أمسك. ولسان الأحمق إمام قلبه فإذا عرض له القول فال عليه أو له.\nوقال الآخر:\nنزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينًا لغيرك دمعها مدرارُ\nمن ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عينًا للبكاء تعار؟\nوقال حجية بن مضر يمدح يعفر بن زرعة أحد الملوك، ملوك ردمان:\nشكرت لكم آلاءكم وبلاءكم ... وما ضاع معروف يكافئه شكرُ\nوقبله:\nإذا كنت سئَّالًا عن المجد والعلا ... وأين العطاء الجزل والنائل الغمرُ\nفنقب عن الملوك وأهتف بيعفر ... وعش جار ظل لا يغالبه الدهرُ\nأولئك قومٌ شيد الله فخرهم ... فما فوقه فخرٌ وإن عظم الفخرُ\nأناس إذا ما الدهر أظلم وجهه ... فأيديهم بيض وأوجههم زهرُ\nيصونون أحسابًا ومجدًا مؤثلًا ... ببذل أكف دونها المزن والبحرُ\nسموا في المعاليرتبة فوق رتبةٍ ... أحلتهم حيث النعائم والنسرُ\nأضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشمس المضيئة والبدرُ\nفلو لامس الصخر الأصم أكفهم ... لفاضت ينابيع الندى ذلك الصخرُ\nولو كان في الأرض البسيطة منهم ... لمختبط عافٍ لمّا عرف الفقرُ\nشكرت لكم. . \" البيت \" وقلت أنا معرضًا بقوم يغشون طغاما ليصيبوا منهم طعاما:\nإنَّا أناس لست تبصرنا ... نتحين الطعام التي تزري\nيعري الفتى ويجوع وهو يرى ... متجملًا بالصبر والبشرِ","vol":"3","page":127},{"text":"والحرة الشماء ربما ... جاعت ولم ترضع على أجرِ\nوالمورد العذب الفرات إذا ... راثته حمرٌ سيم بالهجرِ\nوإذا ترى طيرًا بمزبلةٍ ... فالطير غير الباز والصقرِ\nوإذا رأيت المرء محتسيًا ... كأس الهوان فليس بالحرِ\nووقف عليها جماعة من فضلاء العصر فاستحسنوها غاية فحاولت أن أزيد عليها شيئا من هذا النمط يتم به الغرض فانجر الأمر بها حتى كانت قصيدة رأيت أن أثبتها هنا على طولها لأنها كلها أمثال وحكم وهي:\nوالحر حياته بسوى ... عز الجناب ورفعة القدر\nلا بالطعام ولا الشرب ولا ... استلقائه بأرائك وثر\nوإذا تزايلك الحياة فما ... من عيشة تبقى ولا عمر\nوسؤال ذي لؤم وذي بخل ... ورجاء نعشته من العثر\nأنكى لقلب أخي المروءة من ... إصلائه بلوافح الجمر\nوأشد من عد الرمال ومن ... نقل الجبال ومحمل الصخر\nواضر من كل النوائب إن ... عظمت عليك وكل ما شر\nوتقلد للمن من يده ... غل على هاديك في الأسر\nبل وخزة في القلب ناكئة ... بل طعنة في لبة النحر\nوغناك عنه بالقناعة في ... حاليك من يسر ومن عسر\nأجدى من الملك الذي جمعت ... أبناء هرمز غابر الهر\nوألذ من سنة الشباب على ... جدة ومن وثرٍ على وثر\nولباس صونك عن تملقه ... أبهى من الأستبرق الخضر\nوحلى الوقار عليك أجمل من ... أن تحتلي بقلائد النصر\nوصبابة من ماء وجهك أنفس ... من رحيق سلسل غمر","vol":"3","page":128},{"text":"فإذا عرتك الحادثات فثق ... بمليكها ذي الخلق والأمر\nواصبر لروح الله مرتجيًا ... فلتحمدن عواقب الصبر\nإنَّ اصطبار المرء مفتتح ... متغلق البأساء والعسر\nومنفس عنه الكروب إذا ... ضاقت بهن جوانح الصدر\nكم من حزين بات مكتئبًا ... متسعر الأحشاء ذا أفر\nلا يرتجي جلباب ليلته ... أن ينثني طرفاه بالسفر\nفأتته ألطاف منفسة ... لفؤاده من حيث لا يدري\nولكم بعيد الضيق من سعة ... ولكم بعيد العسر من يسر\nهل بعد معترك الظلام سوى ... بلج الصباح وطلعة الفجر\nأو بعد ظمأة هجمة وردت ... غير ارتواء جانب الغدرِ\nأو بعد خانقة التلاع سوى ... فيح الفجاج وفسحة البهر\nوإذا تحاول نيل مكرمة ... فانهض إليها نهضة الشمر\nوأركب جواد الجد مكتفيا ... ذيل الملالة منك والفتر\nفلربَّ ذي أمل على ملل ... ومهدر في العنة الحجر\nوالربَّ ذي رعد على صلف ... فتراه يخلق ثم لا يفري\nومخاطرًا بالنفس فيه فما ... يرجى الخطير بغير ذي خطر\nوأعلم بأنَّ الغوص في لجج ... خضر يخف لجالب الدر\nوتعسف القنن الصعاب علي ... خصب يخف لحالب الدَّر\nولدى الرياح الكثر بحمد ما ... جاب المفاوز صاحب التجر\nولدى الصباح يكون مغتبطا ... وينال بغيته الذي يسري\nوتسنمن ذرى الأمور ولا ... تخلد إلى سفسافها الخضر\nواعلم بأنك ما استطبت جنى ... إلاّ لطيب الجذر والبذر","vol":"3","page":129},{"text":"والكرم يجدي المجتني عنبًا ... والشوك لا يجدي سوى الشصر\nولكم ترى مرعى ولست ترى ... كرعاية السعدان والثغر\nوالناس كالغوغاء هائمة ... لو كان يبلو الناس ذو خبر\nوالمرء كل المرء بينهم ... ذو الملبس الزاهي وذو الوفر\nلا ينظرون إلى الوفاء ولا ... فصل الذكاء وثاقب الفكر\nلو أقبلت دغة لهش لها ... كل إذا راحت إلى دثر\nأو جاء قيس يستغيث صدى ... لم يسق إن أمسى أخا فقر\nلم يدروا أنَّ الكمال لذي ... فضل الندى والحلم والحجر\nلا ذي الحلى المسبور مائله ... أعطافه بالزهو والكبر\nفالعجب بالملبوس من سخف ... في اللب وهو لربة الخدر\nوالسيف ليس يشينه خلق ... في الجفن وهو العضب ذو الأثر\nوكذا ذبول المتن ليس يرى ... عيبا على الخطية السمر\nوالطرف ليس يعاب من ضمر ... يعشاه بعد تداول الحصر\nولكم ترى نبتًا يلد على ... شحبٍ وكم من ناعم مر\nولكم ترى دمنًا تعاف إذا ... تشتم وهي أنيقة الزهر\nفتوخ في الناس الوفى إذا ... عاشرتهم وحذار ذا الغدر\nواسبرهم قبل الإخاء ولا ... تغتر في الأخوان بالسبر\nكم من أخ مذق الوداد على ... ما فيه من إحن ومن سبر\nإن تلقه فالشهد مقوله ... وإذا تغيب يكون كالصبر\nسيمى بوجهك تستميل وأن ... أدبرت عنه فكية الظهر\nوإذا الزمان دعاك نائبه ... العاري إليه ترجى البر\nفسيحتبيك بوعد غانيةٍ ... أو وعد عرقوب جنى التمر","vol":"3","page":130},{"text":"وإذا تعود يظل مكتلحًا ... متغيظًا ينزو ويستشري\nوإذا تصادف ذا الصفاء فكن ... منه ولو صافاك ذا حذر\nوأسم سوائم سرحه طررًا ... مطروقةً من مسرح السر\nوصن السرارة واللباب ولا ... تبذل له منه سوى القشر\nفلربما يلوي الزمان به ... فيكون أبصر فيك بالضر\nوإذا تصاحب أو تجالس أو ... تستب فالتمس ذوي القدر\nفصداقة النبهاء مفخرة ... وكذا نواؤهم من الفخر\nوصداقة اللؤماء معقبةٌ ... لؤما كمثل حكاك ذي العر\nوالساقط الداني مشاتمه ... كالبائع العقيان بالصفر\nوالحظ والمقدار ما حصرا ... في ذي الذكاء يبيت يستمري\nبل قسمة أزلية نشأت ... بيدي مدبرها على قدر\nوإذا نظرت وجدت في قرنٍ ... غمر الغنى وجهالة الغمر\nوترى اللبيب يبيت في ضففٍ ... بهمومه متقسم الفكر\nليكون فضل حجى الفتى عوضًا ... عن فضل مال الأنوك الكثر\nوتكون أحكام الإله جرت ... في الخلق عن غلبٍ وعن قسر\nوالمرء ممدودٌ له أجلٌ ... فسح مداه نصائب القبر\nيسدي ويلحم في مزاولة ... ما ليس يدركه مدى العمر\nويبيع بالآل المعين وبالخزف ... الكسير نضائد التبر\nوأمن تبدل زائلا صدرا ... من دائم قد باء بالخسر\nفأعد لليوم الذي خضعت ... فيه الطلا لرواجف الذعر\nوتحولت فيه الذين هم ... قنن الذرى شمما إلى الذر\nوتدوسهم أقدام طائفةٍ ... كانت لديهم موقع السخر\nوازمم ركابك للرحيل غدًا ... إنَّ الخليط غدوا على ظهر","vol":"3","page":131},{"text":"وتسل عن ليلى فقد أزفت ... عنها النوى ومضاضة الهجر!\nوتخل عن كل الآلاف إلى ... ألفا ألف واصل بر!\nوتسوغن بجميل صبرك ما ... تسقى بغيرهم من الصبر\nوف بالعهود ولا تكن ألفا ... نقضا ولو قبضا على جمر!\nواعلم بان الوجه ذو شحط ... ومخاوف ومجاهل غبر!\nفارتد خفير إنابة ولجا ... والعلم خريتا إذا تسري!\nوتزودن وخير زادك من ... تقوى المهيمين سامع الأمر!\nوأجعل مزاد الصدق محكمة ... وتخيرين نجائب الصبر!\nوتخير الرفقاء مجتنبا ... قرب الددان وصحبة المزري\nوإذا ارتحلت فلا تشذ وسر ... وسط الخليط ومعظم السفر!\nوحذار رحلك يقتفي سبلا ... عن نهجهم فيضل في القفر!\nوارع البطاح إذا مرعن ولا ... تترقين بحالق وعر!\nوإذا الرياح عصفن في شرفٍ ... فلتسهلن أو غل في جحر!\nوإذا ظمئت ففي الأصيل فرد ... فردا عن الضوضاء والكدر!\nوإذا رأيت سفينة خرقت ... فتأن لا تجعل إلى النكر!\nوإذا تكون نزيل ذي كرم س ... رحب الذرى متفضل غمر\nلا يعدم العافي نداه ولا ... يعتل عن ذهل ولا فقر\nفأرح فؤادك أنَّ يكون به ... هم إلى زاد على ذكر!\nوحذار أنَّ يلقاك مرتجيا ... ما يجتنيه سواه من جبر\nوكن الخلي وأنت ضائفه ... عار النزيل على الذي يقري!\nوإذا الهوى ناواك محتفلا ... ومجمعا بمعسكر مجر\nفلتعددن ما استطعت من وجل ... وضارعة فتدال بالنصر","vol":"3","page":132},{"text":"واستمددن من واهب رؤوفٍ ... نورا يقيك مداحض الحكر\nوكل الأمور إليه ملتجئا ... متبريا ملحول والارز!\nوإذا حللت بساطه فغدا ... يسقيك صرف عتيقة الخمر\nفلترعين أدب الجليس ولا ... تغتل حجاك غوائل السكر!\nوإذا مليك الدار في طرفٍ ... منها أناخ مطاك أو عقر\nفالزم مناخك أو يحوله ... برضى الجنان وغاية السكر\nولتعتزز بحماه معتصما ... ناهيك من سند ومن حظر!\nوثقن بما أولاك من عدة ... فالنقد موعد مفضل مثري!\nوتجلى في ثوبي عبودته ... ناهيك من شمم ومن ذكر!\nوتحل بالخلق الجميل على ... لقيا الورى وحوادث العصر!\nولتلقهم وحشاك مشربه ... صاف من الشحناء والغمر!\nوبليغ نصحك للقصي وللأدنى ... سوي السر والهجر\nواجعل معاقرة المنون على ... بالٍ فيا ناهيك من ذخر!\nوقال الآخر:\nإلى كم يكون الصد في كل ساعةٍ ... وكم لا تملين القطيعة والهجرا؟\nرويدك إنَّ الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين فأنظر الدهرا!\nوقال الآخر:\nهب النسيم فأهدى نشرهم سحرا ... وأزهر الروض من أنفاسهم عطرا\nإني وإنَّ أبعدت عني منازلهم ... فلا أزال أروي عنهم الخبرا\nقل للسعيد الذي يحظى برؤيتهم: ... أني لتحسد عيني فيكم النظرا\nغيره:\nوحقكم مالي على فقدكم صبر ... وما طاب لي عيش ولم يصف لي سر","vol":"3","page":133},{"text":"وكيف يسر القلب يوما بلذةٍ ... ومنزلكم يا سادتي منزل قفر\nفما الدار دار مذ نأيتم ولا الكرى ... لذيذ وحلو العيش بعدكم مر\nغيره:\nلو كان لي مسعد بالراح يسعدني ... لمّا انتظرت بشرب الراح إفطارا\nالراح أشرف شيء أنت شاربه ... فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا\nيا من يلوم على صهباء صافيةٍ ... دع الجنان ودعني أسكن النارا!\nوفي لطائف المنن للتاج أبن عطاء الله أنَّ هذا الشعر أنشده منشد بين يدي الشيخ. فأنكر عنك هذا. فإنه محجوب! انتهى بالمعنى وهو بين، فإنَّ الخمر خمران، والنار ناران، والجنان جنانان. فكل يشرب بحسب ذوقه، ويقهم بمقتضى قصده.\nوقال الآخر:\nهلا رأيت وقائع الدهر ... أفلا تسئ الظن بالعمر؟\nبينا الفتى كالطرود تمنعه ... هضباته والعضب ذو الأثر\nيأبى الدنية في عشيرته ... ويجاذب الأيدي على الفخر\nزل الزمان بوطء أخمصه ... ومواطئ الأقدام للعثر\nغيره:\nأين الملوك وما بنوه وشيدوا؟ ... ماتوا جميعا في التراب وساروا\nآثارهم تنبيك عن أخبارهم ... هذي هي الأطلال والأخبار\nإنَّ سلت عنهم قل لنفسك بعدهم ... لم يبق إلاّ الواحد القهار!\nغيره:\nيا راقد الليل مسرور بأوله ... إنَّ الحوادث قد يطرقن إسحارا\n! وله:\nلو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء أعتصار\nغيره:","vol":"3","page":134},{"text":"الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم ... لا يستوون كما لا يستوي الشجر\nهذا له ثمر حلو مذاقته ... وذاك ليس له طعم ولا ثمر\nوقال النمر بن تولب:\nفيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر\nسلم الخاسر:\nمن راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور\nأبن المعتز:\nلا تأمنوا من بعد خير شرا ... كم غصن أخضر صار جمرا!\nالصنوبري:\nمحن الفتى يخبرن عن فضل الفتى ... كالنار تخبرنا بفض العنبر\nغيره:\nكم كافر بالله أمواله ... تزداد أضعافا على كفره\nوالمؤمن ليس له درهم ... يزداد أيمانا على فقره!\nغيره:\nيا صاح إنَّ من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر\nفطنا بكل مصيبة حاله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر!\nوقال الآخر:\nعتبت على الدنيا لتقيد جاهل ... وتأخير ذي علم فقالت خذ العذرا\nبنو الجهل أبنائي وكل فضيلة ... فأبناؤها أبناء ضرتي والأخرى\nوقال الآخر:\nغائظ صديقك تكشف عن ضمائره ... وتهتك السر عن محجوب أستار\nفالعود يبنيك عن مكنون باطنه ... دخانه حين تدنيه من النار!","vol":"3","page":135},{"text":"وهكذا كقول الحكيم: إذا أردت إنَّ تعرف صديقك فأغضبه! وذلك لأن الرضى يصلح معه كل أحد، ولا يصلح على الغضب إلاّ الأصفياء الصادقون، وقليل ما هم.\nغيره:\nسقى الله أياما لنا لسن رجعا ... وسقيا لعصر العامرية من عصر\nليالي أعطيت البطالة مقودي ... تمر الليالي والشهور وما ندري!\nحكى أبو علي البغدادي في نوادره عن أبي بكر بن دريد عن حاتم قال: كان فتى من أهل البصرة يختلف معنا إلى الأصمعي فافتقده، فلقيت أباه فسألته عنه فقال: سألني عن بيتين كان الأصمعي يرددهما:\nسقى الله أياما \" البيتين \"\nفقلت له: يا بني، انك لست بعاشق، ولولا ذلك لعرفت ما يفعله الذكر بصاحبه! قال: فبعثته عشق لجاجا.\nولنكتف بهذا القدر من الباب مخافة السآمة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"3","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>باب الزاي الموحدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>زبيب وأنت حصرم</span>.\nهذا مثل مشهور، غير إنّه مولد. وهو من كلام أبي علي الفارسي، قاله لأبي الفتح عثمان بن جني لمّا مر به وهو في حلقته. فلما قال له ذلك قام أبو فتح فترك حلقته وتبعه حتى تمهر. ذكر ذلك شمس الدين بن خلكان، رحمه الله تعالى. ويضرب فيمن يتعاطى رتبة قبل إنَّ يصل إليها.\nومنه قول أبن النقيب:\nإذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ ... ولا فاخت في أيكة يترنم\nوما الموت إلاّ طيب طعمه إذا ... تدايك فروج وزبب حصرم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>زاحم بعودٍ أو دع</span>!\nالمزاحمة معروفة. يقال زحمته على كذا، زحمته، وزاحمته، وازدحم القوم على هذا الأمر وتزاحموا عليه، ازدحاما وزحاما ومزاحمة. والعود بفتح العين المهملة وسكون الواو: المسن من الذي جاور البازل والمخلف سنا. قال امرؤ القيس:\nعلى لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\nوالجمع عودة كزوجة، والأنثى عودة، والجمع عود البعير تعويدا: بلغ ذلك. والعود أيضا: الطريق القديم. قال الراجز:\nعود على عود لأقوام أوّل ... يموت بالترك ويحيا بالعمل\nأي جمل مسن على طريق قديم. وفي الصحاح: وبما قالوا: سؤدد عود أي قديم وانشد للطرماح:","vol":"3","page":137},{"text":"هل المجد إلاّ العود والندى ... ورأب الثأي والصبر عند المواطن؟\nوالمراد من المثل المعنى الأول، وهو التمثيل والتشبيه. والمعنى انك إذا حاولت أمرا أو زاولت حربا، ينبغي لك أنَّ تستعين عليه بأهل السن والمعرفة والتجريب. فإنَّ رأي المشايخ كثيرا ما كان أنفع من مشاهد الشباب، على إنَّ مشهد الشيوخ وأهل البصيرة والصدق أيضًا هو المشهد، كما قال أبو الطيب:\nسأطلب حقي بالقنى ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما ألتثموا مرد\nثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا\nوعلى أسلوب هذا المثل ما يقال: قائل بسعد أو بجد وإلاّ فلا!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>زعموا مطية الكذب</span>.\nالزعم: الظن، يقال: زعم كذا وكذا واقعا، يزعمه. قال: زعمتني شيخا وليس بشيخ. .\nوقال كثير\nوقد زعمت إني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟\nولها معان أخرى مراده هنا. والمطية: الناقة التي يركب مطاها أي ظهرها. قال امرؤ القيس:\nويوم عقرب للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل!\nويحك إنَّ أبن عمر، ﵄، قال: رأيت رجلا يطوف بالبيت حاملا أمه على ظهره وهو يقول:\nإني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر\nما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر!\nوذكر في الصحاح أنَّ المطية تؤنث وتذكر، وانشد على التذكير لربيعة بن مقروم الضبي جاهلي","vol":"3","page":138},{"text":"ومطية ملث الظلام بعثته ... يشكو الكلال إلي دامي الأظلل\nوكان المطية على هذا هو المركوب، جملا كان أو ناقة. وجمع المطية مطي ومطايا. قال امرؤ القيس:\nسريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يفدن بأرسان\nوفي الحديث رواية يشكو إنَّ يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما من عالم المدينة.\nوقال جرير:\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمبن بطون راح؟\nومنه قول إلي نؤاس:\nوإذا المطي بنا بلغن محمّدًا ... فظهورهن على الرجال حرام\nومنه قول أبي دلامة:\nإنَّ المطايا تشكيك إذا أراد إنَّ يتحدث قال: زعموا كذا وكذا، وزعموا إنَّ الأمر كذا وإنَّ كذا واقع. فلما كان هذا اللفظ يقدمه إمام كلامه ويتوصل به إلى حاجته، جعل مطية تشبيها بالمطية المركوبة، بالجمع التواصل بهما إلى الغرض. ثم انهم قالوا: إنّما يقال هكذا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنّما يجري على الألسن، وأكثر ما يكون ذلك كذب.\nوفي الحديث: حسب الرجل من الكذب أنَّ يتحدث بكل ما سمع. فجعل زعموا مطية للكذب، أي للتحديث به من اجل هذا. وقد يعتبر به من يعتمد الكذب لسهولته إذ ذاك وتستره حيث لم يتعين المكذوب عليه ولا المنقول عنه حتى يفتضح الناقل عند سؤاله.\nفائدتان. الأولى قال الجلال السيوطي في كتابه الهمع: قولهم زعموا مطية الكذب لم أقف عليه شيء من كتب الأمثال. وذكر بعضهم إنّه روى: مظنة الكذب بالظاء المعجمة والنون. وإخراج أبن أبي حاتم في تفيسره، عن صفوان بن عمرو","vol":"3","page":139},{"text":"الكلابي، قال: بئس مطية المسلم زعموا مطية الشيطان. واخرج أبن سعد في الطبقات، من طريق الأعمش عن شريح القاضي قال: زعموا كنية الكذب. انتهى.\nوذكر بعضهم: زعموا مطية الكذب حديثا عن النبي ﷺ.\nوقال بعضهم: لا يوجد زعم فصيح الكلام إلاّ عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله، أو تبقى عهدته على الزاعم. ففي ذلك ما ينجوا إلى تضعيف وقول سيبويه: زعم الخليل كذا، وإنّما يجيء فيما تفرد الخليل به. انتهى.\nقلت: ولم يكن يأتي به سيبويه على إنَّ ذلك كذب، بل من اجل ذلك التفرد وبقاء العهدة فقط. وقد يأتي زعم مع القطع بصدق الزاعم، كما في السير من قول سعد، ﵁، للقريشي بمكة إنَّ محمّد يزعم إنّه قاتلك، ولم يكن المخبر يش في صدق محمّد ﷺ، بل أيقن القريشي مع كفره بذلك فقال: أنا لا نكذب محمّد في خبره. والقصة مشهورة.\nالثانية: قول جرير السابق. قالوا: هو امدح بيت قالته العرب. وكان امتدح به عبد الملك بن مروان من قصيدة، وكان أولها أنَّ قال: أتصحو أم فؤادك غير صاح فقال عبد الملك: بل فؤادك! ثم تمادى في الإنشاد إلى إنَّ قال:\nتعزت أم حزرة ثم قالت: ... رأيت الواردين ذوي امتياح\nثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالجناح\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟\nفطرب الملك وأخذته الأريحية وكان متكئا فجلس وقال: من مدحنا فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت! ثم قال: يا جرير، أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة سود الحدق؟","vol":"3","page":140},{"text":"فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الإبل إباق ونحن مشايخ ليس بأحدنا فضل على راحلته. فلو أمرت بالرعاة؟ فأمر له بثمانية أعبد وكنت بين يدي عبد الملك صحاف فضة يقرعها بقضيب بيده. فقال جرير: والمحالب، يا أمير المؤمنين؟ وأشار إلى صفحة منها. فنبذها إليه بالقضيب. وفي ذلك قال جرير:\nأعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم منٌّ ولا سرف!\nقلت: وما ذكر في بيت جرير هو بحسب ما فيه من شمول بذكر العالمين، وإلاّ فلزهير أبيات هي الغرر في جبهات المديح، كقوله:\nبل اذكرن خير قيس كلها حسبا ... وخيرها نائلا وخيرها خلقا\nفانه يجمع أوصافا من المديح مع السبك العجيب والاتساق البديع. إلاّ إنّه خصصه بقيس وهو لا يوجب كبير قصور، لأنَّ العناية بتفضيل الممدوح وتعليته إنّما هي بحسب أقرانه ومزاحميه في الشرف، مع إنَّ هذا اقرب إلى الصدق، وليس الكذب البشع بممدوح في الشعر. إلاّ إنَّ يريد جرير رهط الممدوح جميعا حتى يدخل النبي ﷺ فيكون كلامة صدقا. وقوله:\nإنَّ تلق يوما على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا\nفإنَّه ترك إثبات السماحة والندى للممدوح إلى إثبات كونهما من سجايا وخلائقه، إيهاما لكون ثبوتهما ليس متوقف العقول، لاتضاحه كالنهار، واشتهاره غاية الاشتهار. ووقع لزهير غير هذا ولغيره أيضًا مما يطول تتبعه.\nقالوا: وأهجى بيت قالته العرب قول الأخطل يهجو جريرا:\nقوم إذا أستنبح الضيفان كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار!\nوبعده:\nفتمسك البول بخلا إنَّ تجود به ... فما تبول لهم إلاّ بمقدار!\nوتقدم هذا: واحكم بيت قالته العرب قول طرفة:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار ما لم تزود","vol":"3","page":141},{"text":"وأحمق بيت قول أبي محجن:\nإذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي عند عروقها!\nولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا مت ألا أذوقها\nوأغزل بيت قالته العرب قول جرير:\nإنَّ العيون التي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا\nوبعده:\nيصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن اضعف خلق الله أركانا\nقلت: وأصدق بيت قالته العرب قبل النبي ﷺ قول لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل\nوبعده قول الآخر:\nوما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمدِ\nعجيبة. أبو العتاهية في شعره السابق امتدح عمر بن علاء فأمر له بسبعين ألف درهم وأمر من حضره من خدمه وغلمانه أن يخلعوا عليه حتى لم يقدر على القيام لمّا عليه من الثياب. ثم إنَّ جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر فقال بعضهم: يا عجبا للأمير! يعطي أبا العتاهية سبعين ألفا. فبلغ ذلك عمر فقال: غليَّ بهم! فأدخلوا عليه. فقال: ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء! إنَّ أحدكم يأتينا يريد مدحنا فيشبب بصديقه في قصيدته بخمسين بيتا فما يبلغنا حتى يذهب لذاذة مدحه ورونق شعره. وقد أتانا أبو العتاهية فشبب ببيتين ثم قال:\nإني أمنت من الزمان وريبته ... لمّا علقت من الأمير حبالا\nلو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الوجوه نعلا\nما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمرًا ولو يومًا تزول لزالا\nإنَّ المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسبًا ورمالا","vol":"3","page":142},{"text":"فإذا أتيت بنا أتيت مخفة ... وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا\nويذكر إنّه لمّا امتدحه قال له: أقم حتى أنظر في أمرك! فأقام أياما فلم ير شيئا. وكان عمر ينتظر مالا من وجه فأبطأ عليه. فكتب إليه أبو العتاهية:\nيا أبن العلاء ويا أبن القرم مرداس ... إني امتدحتك في صحبي وجلاسي\nأثنيت عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فاستحيي من الناس\nحتى إذا قيل ما أعطاك من صفدٍ ... طأطأت من سوء حالٍ عندها رأسي\nفقال عمر لحاجبه: اكفيه أياما! فقال له الحاجب كلاما دفعه به وقال: تنتظر! فكتب إليه:\nأصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر\nأصابتك عين في سخائك صلبةٌ ... ويا رُبَّ عين صلبة تفلق الحجر\nسنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق منها رقيناك بالسور\nفضحك عمر وقال لصاحب بيت ماله: كم عندك؟ قال: سبعون ألف درهم. فقال: ادفعها إليه! ويقال إنّه قال له: اعذرني عنده ولا تدخله عليَّ فإني أستحي منه!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>زندان في وعاءٍ</span>.\nالزند بفتح الأول العود الذي يقدح به. والوعاء معروف. يضرب هذا في تساوي الرجلين فيقال: هما زندان في وعاء وكزندين في وعاء.\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ولا يكاد يوضع في المدح. إنما هو في موضع الخساسة والدناءة.\nفقال البكري: لا أعلم لم جعل في موضع الدناءة إلا أن يتناولوا فيه قولهم اللئيم مزند والتزنيد: التضييق.\nقلت: ولا يخفى بعده. والمزند بصيغة اسم المفعول وهو البخل الضيق. قال الحماسي:\nومن الرجال أسنة مثال ذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب\nوقد أتى الحريري في مقامته البغدادية بهذا المثل في مطلق الاستواء أو في الاستواء في","vol":"3","page":143},{"text":"المدح بالحذق والذكاء. فقال أبن ظفر: المشهور استعماله يعني هذا المثل في الحقارة والخساسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>أزكن من إياسٍ</span>.\nالزكن: العلم تقول: زكنته بالكسر أزكنته زكنا إذا علمته. قال أبن أم صاحب: ويروى: زنكنت منهم على مثل الذي علموا.\nوالزكن أيضًا: التفرس وهو علم خاص. وإياس هو أبن معاوية قاضي البصرة. وضرب به المثل في الفراسة والذكاء وله في ذلك أخبار كثيرة تقدمت جملة منها في ذكائه من حرف الذال. وكان يحكى أنه قال: تعلمت الزكن من أمي وكانت خرسانية وأهل بيتها يزكنون أي يتفرسون. قيل: وقد ألف في أخباره كتاب يسمى \" زكن إياس \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>أزنى من قرد</span>.\nالزنى بالزاي المكسورة والنون معروف يمد ويقصر. قيل: والقصر لغة الحجاز لقوله تعالى:) ولا تقربوا الزنى (والمد لغة نجد كقول الفرزدق:\nأبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكر\nوزنى الرجل بالفتح يزني زنى وزاني مزاناة وزناء. وفي عد الكبائر: وأن تزاني حليلة جارك. والقرد بكسر القاف معروف وتقدم في الحاء وهو يوصف بالزنى. وقد وقع في السيرة إنّه زنى قرد في الجاهلية فرجمته القردة. وزعموا أنَّ القرد أزنى الحيوان.\nوقيل إنَّ المعنى في هذا المثل ليس القرد المعروف بل رجلا من هذيل يقال له قرد بن معاوية وبه ضرب المثل والله تعالى أعلم!","vol":"3","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>أزهى من طاووس</span>.\nالزهو: الإعجاب والتكبر. يقال: زهي بالبناء للمفعول يزهى فهو مزهو. ويقال أيضًا: زهى بالفتح يزهو زهوا. وهي لغة حكمها أبن دريد. والطاووس: الطائر المعروف وتقدم في الحاء. وإنّما وصف بالزهو لمّا مر من أنَّ طبعه حب الزهو لنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه: ثم إنهم بنوا اسم التفضيل هنا من فعل المفعول وعلى الشذوذ كما قالوا: أشغل من ذات النحويين وأجن من دغة وأولع من قرد. وتعجبوا منه أيضًا فقالوا: ما أزهاه! وما أشغله! وما أجنه! وهو مسموع في هذه الألفاظ ونحوها. ولا يقال في المضروب والمجروح ونحوهما: أضرب من كذا ولا أجرح ولا: ما اضربه! وأجرحه! ومن الشاذ قول سبويه رحمه الله تعالى: واعلم أنَّ العرب يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى وهو من عناهم وعنوا به فهم معنيين به.\nقال الإمام السهيلي رحمه الله تعالى: وسبب جوازه يعني في الأفعال المذكورة دون غيرها أنَّ المفعول فيها فاعل في المعنى: فالمزهو متكبر في المعنى. وكذلك المنحو والمشغول مشتغل وفاعل لشغله والمعني بالأمر كذلك والمجنون كالأحمق فيقال: ما أجنه! كما يقال ما أحمقه! وليس كذلك وضروب ولا مركوب ولا مشتوم ولا ممدوح فلا يقال في شيء منه: ما أفعله ولا: هو أفعل من كذا.\nقال: فإنَّ قلت: فعلى هذا القياس كان ينبغي أيضًا أن يؤمر فيه بغير اللام كمأمور الفاعل إذ قلتم إنه فاعل في المعنى يعني وليس الأمر كذلك لأنك إنما تقول في أمر المخاطب من عني وزهي وشغل: لتعن ولتزه ولتشغل! كما يؤمر الغائب في سائر الأفعال.\nقال: فالجواب أنَّ الأمر إنّما هو بلفظ المستقبل وهو: تضرب وتخرج. فإذا أمرت حذفت حرف المضارعة وبقيت حروف الفعل على بنيتها. وليس كذلك زهيت فأنت تزهى ولا شغلت فأنت تشغل. لأنك لو حذفت منه حرف المضارع لبقي لفظ الفعل على بنية لست للغائب ولا للمخاطب لأنَّ بنية الأمر للمخاطب: أفعل وبنيته للغائب:","vol":"3","page":145},{"text":"فليفعل. والبنية التي قدرناها لا تصلح لواحد منها لأنك كنت تقول: أزه من زهت ومنت تقول من شغلت: أشغلت فتخرج من باب شغلت فأنت مشغول إلى باب شغلت غيرك فلم يستقم فيه الأمر بالام. انتهى. وهو حسن وهذا في زهي إنّما هو على أنَّ التفضيل جاء فيه على اللغة المشهورة. وإنّما على أنه على اللغة الثانية التي ذكرها أبن دريد فلا شذوذ فيه.\nقال الجوهي بعد ذكره هذه اللغة: ومنه قولهم ما أزهاه وليس هذا من زهي لأنَّ اسم المفعول لا يتعجب منه. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>أزهى من ديكٍ</span>.\nتقدم الزهو. والديك بكسر الدال المهملة معروف جمعه ديكة وديوك. وهو موصوف بالزهو والتبختر والتمايل في مشيته وذلك معروف فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>أزهى من غرابٍ</span>.\nالزهو مر وكذا الغراب وهو أيضًا موصوف بالزهو. قال الشاعر:\nلذا صاحبٌ مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب\nألج لجاجًا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>زوجٌ من عود، خيرٌ من قعود</span>.\nالزوج ضد الفرد. والزوج أيضًا بعل المرأة وهي أيضًا زوجة. فالزوج للذكر والأنثى هذا هو الفصيح. قال تعالى:) أسكن أنتَ وزوجكَ الجنة (وقد يقال زوجة. قال الفرزدق:\nوإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساعٍ إلى أسد الشرا يستبيلها!\nوتقدم هذا. والعود بضم العين المهملة: معروف جمعه عيدان وأعواد والقعود: الجلوس وقد يفرق بينهما فيقال: القعود ضد القيام. فإذا كان أحد واقفا قيل له: أقعد! ولا يقال: اجلس! وإذا كان مضطجعا ثم استوى جالسا قيل: إنّه قد جلس.","vol":"3","page":146},{"text":"ومعنى المثل أنَّ التزوج ولو بأدنى زوج خير من البقاء بلا زوج. قالته بنت همام بن مرة الوائلي البكري. وكان له فيما زعموا أربع بنات. فكان يخطبن إليه فيستأمرهن فيمنعهن الحياء أن يأذن فلا يزوجن. وكانت أمهن تأمره بتزويجهن فلا يفعل. فخرج ذات ليلة إلى متحدث لهن فجعل يستمع حديثهن وهن لا يعلمن. فقلن: تعالين نتمن ولنصدق! فقالت الكبرى:\nإلاّ ليت زوجي من أناس ذوي غنى ... حديث الشباب طيب النشر والعطرِ\nطبيبٌ بأدواء النساء كأنه ... خليفة جانٍ لا يبيت على وترِ!\nفقلن لها: انك تحبين رجلا ليس في قومك. وقالت الثانية:\nألا هل أرها مرة وضجيعها ... أشم كماضي الشفرتين مهندِ\nلصوقٌ بأكباد النساء واصله ... إذا ما انتهى من أهل سري ومحتدي؟\nوقالت الثالثة:\nألا ليته على الجفان مدلب ... له جفنةٌ تشفى بها النيب والجزرُ\nبه محكمات الشيب من غير كبرةٍ ... تشين فلا العاني ولا الضرع الغمرُ!\nفقلن لها: تحبين رجلا شريفا. فقلن للصغرى: تمني أنت! فقالت: ما أريد شيئا. فقلن: والله لا تبرحين حتى نعلم ما في نفسك! فقالت: زوجٌ من عودٍ خيرٌ من قعودٍ. فلما سمع أبوهن ذلك زوجهن.\nوهكذا حكي عن بعضهم هذه القصة. والذي ذكر صاحب القاموس في اللغة أنَّ همام بن مرة له ثلاث بنات وآلا على نفسه ألا يزوجهن. فلما عنسن قالت إحداهن بيتا وأسمعته إياه متجاهلة. فقالت:\nأهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي الآئي يكون مع الرجالِ\nفأعطاها سيفا وقال: هذا يكون مع الرجال! فقالت أخرى: ما صنعت شيئا ولكني أقول:\nأهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي قنفاء مشرفة القذال\nوالقنفاء تطلق عند العرب على الغليظة من آذان المعزى كأنها نعل مخصوف. وتطلق","vol":"3","page":147},{"text":"على الكمرة العظيمة وهو مراد القافية. فقال أبوها: وما قنفاء؟ تريدين معزى. فقالت الصغرى: ما صنعتما شيئا ولكني أقول:\nأهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي عردٍ أسد به مبالي\nفقال: أخزاكن الله! وزوجهن. والعرد بفتح العين وسكون الراء: الذكر.\nويحكى أيضًا في نحو هذه القصة أنَّ رجلا من العرب كان له ثلاث بنات قد عضلهن ومنعهن الأكفاء. فقالت إحداهن: إن أقام أبونا على هذا الرأي فارقنا وقد ذهب حظ الرجال منا فينبغي لنا أن نعرض له بما في نفوسنا وكان يدخل إلى كل واحدة منهن يوما. فلما دخل على الكبرى تحادثا ساعة. فلما أراد الانصراف أنشدت:\nأيزجر لاهينا ويحلى على الصبا ... وما نحن والفتيان إلاّ شقائقُ؟\nيؤبن حييَّاتٍ مرارًا كثيرةً ... وتنباق أحيانًا بهن البوائقُ\nفلما سمع الشعر ساءه. ثم دخل على الوسطى فتحادثا. فلما أراد الانصراف أنشدت:\nألا أيها افتيان إنَّ فتاتكم ... دهاها سماع العاشقين فخنت\nفدونكم أبغوها فتى غير زملٍ ... وإلاّ صبت تلك الفتاة وجنت!\nفلما سمع الشعر ساءه. ثم دخل على الصغرى في يومها. فلما أراد الانصراف أنشدت:\nأما كان في ثنتين ما يزع الفتى ... ويعقل هذا الشيخ إن كان يعقلُ\nفما هو إلاّ الحل أو طلب الصبا ... ولابد منه فائتمر كيف تفعلُ!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>زر غبًا، تزدد حبًا</span>!\nالزيارة معروفه والغب في الماء أن ترد الإبل يوما وتدع يوما. فهي إبل غابة وغواب وغب كل شيء: عاقبته.\nوأما في الزيارة فقال الجوهري: قال الحسن: الغب في الزيارة كل أسبوع. يقال: زر غبا تزدد حبا. انتهى. وهذا الكلام قد يروى حديثا مرفوعا وهو أمر بأوسط الأمور وأفضلها في الزيارة المحبة للمحبة ودوام الوصل. ووراء ذلك طرفان كلاهما مذموم:","vol":"3","page":148},{"text":"أحدهما الإكثار من الزيارة والإفراط فيها وهو يوجب السأم والملل والضجر. والثاني الإقلال منها جدا والإفراط في الغيبة والقطيعة. وهو يوجب الوحشة والتقاطع والتباعد. ونظم بعض الشعراء الكلام المذكور فقال:\nإذا شئت أن تلقى فزر متتابعًا ... وإن شئت أن تزدد حبًا فزر غبا\nوقال الثعالبي:\nعليك بإقلال الزيارة إنما ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا\nفإني رأيت القطر يسأم دائمًا ... ويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا!\nوقال أبو العتاهية:\nأقلل زيارتك الصديق ولا تطل ... إتيانه فيلح في هجرانه!\nإنَّ الصديق يلج في غشيانه ... لصديقه فيمل في غشيانه\nحتى تراه بعد طول سروره ... وكأنه متبرم بمكانه\nوإذا تولى عن صيانة نفسه ... رجلٌ تنقص واستخف بشانه\nوقالوا: قلة الزيارة أمان من الملالة. وقالوا في الطرف الآخر يرك الزيارة سبب القطيعة. وينسب لعلي كرم الله وجهه:\nالصبر من كرم الطبيعة ... والمن مفسدة الصنيعة\nترك التعاهد للصديق ... يكون داعية القطيعة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>زيادة الأمل تقتضي نقصان العمل</span>.\nهذا مثل مصنوع فيما أظن وهو ظاهر المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>زدهم عنزًا</span>\nالزيد والزيادة معروف. يقال: زدته الشيء أزيده زيادة وزيدا وأزددت كذا","vol":"3","page":149},{"text":"أزديادا. والعنز بفتح العين وسكون النون الأنثى من المعز ومن الظباء والأوعال. والعنز أيضًا اسم فرس وهي التي في قول الشاعر:\nدلفت له بصدر العنز لمّا ... تحامته الفوارس والجالُ\nوالعنز أيضًا اسم قبيلة من هوازن وهي التي في قول الآخر:\nوقاتلت العنز نصف النهار ... ثم تولت مع الصادر\nوالعنز أيضًا الأكمة السوداء وهي في قول رؤبة: وارم أخرس فوق عنزٍ وأراد بالإرم العلم المبني من حجارة وبكونه أخرس أنه بناء أصم. وقوله: فوق عنز أي أكمة.\nوعنز أيضًا امرأة من طسم سبيت فحملوها في هودج وألطفوها بالقول والفعل فقالت: هذا شر يومي! أي: حين صرت أكرم للسباء. وقال الشاعر:\nشر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملا\nوسيأتي. والمراد هنا العنز من المعز وقائله هبنقة القيسي الأحمق ذو الوداعات. وكان أخوه اشترى له بقرة بأربع أعنز فركبها وركضها. فلما أعجبه عدوها التفت إلى أخيه فقال: زدهم عنزًا! فصار مثلا يضرب في الإعطاء بعد إمضاء البيع.\nويحكى إنّه سار بها فرأى أرنبا تحت شجرة ففزع منها وركض البقرة وقال:\nالله نجاني ونجى البقرة ... من جاحظ العينين تحت الشجرة!\nوأخباره في الحمق كثيرة تقدم بعضها في الحاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>زين في عين واله ولده</span>.\nيضرب في عجب الرجل برهطه وعترته ونحو ذلك. وهو في قول الشاعر:\nنعمَ ضجيع الفتى إذا برد ... الليل سحيرًا قرقف الصرد\nزينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والدٍ ولد!\nومثله في أمثلة العامة قولهم:","vol":"3","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>كل خنفس عند أمه غزالٌ</span>\nومن قمل العرب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>كل فتاةٍ بأبيها معجبةٌ</span>.\nوسيأتي.\nولنذكر بعض الشعر في هذا الباب. قال أبن الرومي:\nخير ما استعصمت به الكف عضبٌ ... ذكرٌ حده أنبث المهزِّ\nما تأملته بعينيك إلا ... أرعت صفحاته من غير هزِّ\nمثله أفزع الشجاع إلى الدرع ... فغالى بها على كل بزِّ\nما يبالي أصممت شفرتاه ... في محزٍّ أم حارتًا عن محزِّ\nوقال أبو الطيب يمدح علي بن صالح الروذباري:\nليس كل السراة بالروذ باري ... ولا كل من يطير ببازِ\nوقال الآخر:\nإذا ما اعتز ذو علم بعلمٍ ... فعلم الفقه أشرف في اعتزاز\nفكم طيب يفوح ولا كمسكٍ ... وكم طير يطير ولا كباز\nوقال بعض السادة:\nرجال الله قد سعدوا وفازو ... ونالوا رحمة المولى وحازوا\nرجالٌ طلقوا لادنيا بتاتا ... ولو جاز الرجوع لمّا استجازوا\nبدا علم النجاة فميزوه ... يحركهم بدار وانحفازُ\nفبعضٌ تشرق الأمطار منه ... وبعضٌ تستنير به النفازُ\nتميز كل ذي دنيا بدنيا ... وهم لهم بدينهم امتيازُ\nوما عزوا بمخلوق ولكن ... لهم بالخالق الأحد اعتزازُ\nأردت لحاقهم فعجزت عنهم ... وحدت عن الإجازة إذ أجازوا\nأتطمع في اللحاق ولا نهوضٌ ... وتفرح بالرحيل ولا حفازُ؟","vol":"3","page":151},{"text":"وأنت أخوهم نسبًا ولكن ... طرازٌ فوقه ذاك الطرازُ\nدع الدنيا فلست لهم بندٍّ ... وهل تخفى الحقيقة والمجازُ؟\nوقال الآخر:\nلي صديق هو عندي عوزٌ ... من سداد لا سداد من عوز\nوجهه يذكرني دار البلا ... كلما أقبل نحوي وغمز\nوإذا جالسني جر عني ... عصص الموت بكربٍ وعلز\nيصف الود إذا شاهدني ... فإذا غاب وشى بي وهمز\nكحمار السوء يبدي مرحًا ... وإذا سيق إلى الحمل غمز\nليتني أعطيت منه بدلًا ... بنصيبي شر أولاد المعز\nقد رضينا بيضةً فاسدةً ... عوضًا منه إذا البيع نجز\nالعوز بفتحتين: الحاجة. تقول: عوز الشيء بالكسر أي لم يوجد. وسداد الشيء: ما يسد به. تقول: هو سداد من عوز ووجدت سدادا من عيش أي ما تسد به الخلة وهو بكسر السين والفتح ضعيف أو لحن. والسداد بالفتح: الصواب. والعلز بفتحتين: القلق والضيق. تقول: علز بالكسر علزا في مرضه.\nوقال الآخر:\nأرضنا اللت آوت ذوي الفقر والذل ... فاضوا ذوي غنى واعتزاز\nقوله: اللت بسكون التاء لغة في التي الموصول.\nوقال أبن الرومي:\nوحديثهما السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز\nإن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث إنما لم توجز\nشرك العقول ونزهةٌ ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز\nونحوه في ذكر الحديث قول الآخر:\nوحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا\nفأصاخ يرجو أن يكون حيًا ... ويقول من فرحٍ هيا ربَّا!\nوقول الآخر:","vol":"3","page":152},{"text":"فبتنا على رغم الحسود وبيننا ... حديثٌ كمثل المسك شيبت به الخمرُ\nحديثٌ لو أنَّ الميت نودي ببعصه ... لأصبح حيًا بعدما ضمه القبرُ\nوقول الآخر:\nمنعمةٌ يحار الطرف فيها ... كأنَّ حديثها سكر الشرابِ\nمن المتصديات لغير سوءٍ ... تسيل إذا مشت سيل الحبابِ\nوقول الآخر:\nوكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها\nمن الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثةٌ لو تعيدها\nوتقدمت قصة هذا الشعر. وقول بشار:\nوكأنَّ رفض حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا\nوكأنَّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا\nوتخال ما جمعت عليه ... ثيابها ذهبًا وعطرا\nوكأنها برد الشراب ... صفا ووافق منك فطرا\nوفي استكراه الحديث قول أبي علي البصير:\nغنائك عندي يميت الطرب ... وضربك بالعود يحيي الكرب\nولم أر قبلك من قينةٍ ... تغني فأحسبها تنتحب\nولا شاهد الناس أنسية ... سواك لها بدن من خشب\nووجهٌ رقيبٌ على نفسه ... ينفر عنه عيون الريب\nولو مازج النار في حرها ... حديثك أخمد منه اللهب\nفكيف تصدين عن عاشقٍ ... يودك لو كان كلبًا كلب\nوقال الآخر:\nأويت في الدهليز مذ أربعٍ ... ولم أكن آوي الدهاليزا\nخبزي من السوق وشعري لكم ... تلك لعمري قسمةٌ ضيزا\nوقالت أنا:\nإذا كنت مرتادًا أخًا ذا صداقةٍ ... فلا تصحبن إلا البقال أنت رائزُ","vol":"3","page":153},{"text":"فعيب الفتى غيبٌ إذا تركته ... وعند احتكاك الجدل تبدو الغرائزُ\nوإنَّ إخلاء الرفاهة جمةٌ ... ولكن إخوان الكروب معاوزُ\nوقلت على وجه التلميح والمطايبة لبعضهم:\nأتهمز يا أبن الأسود اسمي آفكًا ... فهل حسن لولا الضلالةُ يهمزُ؟\nنعم تهمز الأنذال مثلك كلما ... تعاورها نظم القريض وتلمزُ\nفهل أنت عن تلك السفاهة مقصرٌ ... فتنجو من سيل له أنت مركزُ؟\nوإلا فبحري لا تدركه الدلا ... ومتن قناتي لا يرى فيه مغمزُ\nتوافيك مني بكرة وعشية ... قوافي بها طمر الهجاء يطرزُ\nعلى أنَّ هجو النذل مثلك شائنٌ ... وما الهجو إلاّ الهجو للكفء يبرزُ\nوإذ لست بالكفء الكريم فلا يكن ... بقلبك مني أو لحائي معلزُ\nولعل هذا القدر يكفينا من هذا الباب. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"3","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>باب السين المهملة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>المسألة أخر كسب المرء</span>.\nالسؤال: الطلب والسؤل بالضم مهموزا ومخففا: ما تسأله؛ وسألته الشيء وعنه وبه سؤالا ومسأله وتسآلا. وقد يقال سال مخفف الهمز قال الشاعر:\nومرهقٍ سال إمتناعًا بأصدته ... لم يستعن وحوامي الموت تغشاه\nالأصدة: قميص صغير يلبس تحت الثوب والكسب معروف.\nوهذا من أمثال أكثم بن صيفي في استقباح مسألة الناس. قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال البكري: بل هو من كلام قيس بن عاصم قال لبنيه: إياكم ومسألة الناس فإنها أخر كسب الرجل! قال: وأخر على وزن فعل ومعناه أبعد من الخير وأرذله.\nومن حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد أنَّ رجلا من أسلم أتى النبي ﷺ فقال: إن الأخر زنى أي الأبعد. قال: ولا يحسن أن يقال هنا آخر بالمد الذي هو نقيض أول لأنَّ ذلك إباحة للمسألة وإن يكون من آخر ما يكسب به المرء والمسألة مكروهة منهي عنها في الجاهلية والإسلام وقد أمر النبي ﷺ بأن يحتطب المرء على ظهره ولا يسأل الناس. انتهى.\nوالذي في الصحاح: يقال في الشتم أبعد الله الأخر بقصر الهمزة وكسر الخاء وهو قريب مما مر ودليل على صحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>أسائر اليوم وقد زال الظهر</span>؟\nالسائر: الباقي وقد يستعمل بمعنى الجميع وتقدم ما فيه. والظهر معروف والهمزة للاستفهام الإنكاري.","vol":"3","page":155},{"text":"وسبب هذا قوما أغير عليهم فاستصرخوا ببني عمهم فأبطؤوا عنهم حتى أسروا وذهب بهم. فجاؤوا يسألون عنهم فقال لهم المسؤول: أسائر القوم وقد زال الظهر؟ أي كيف تطمعون فيما بعد وقد تبين لكم اليأس والفوات؟ وذلك أنَّ من كانت حاجته اليوم جميعه ثم زال الظهر وجب أن ييأس من الحاجة كما ييأس منها بغروب الشمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>تسألني برامتين سلجمًا</span>\nالسؤال تقدم ورامة اسم موضع. قال زهير:\nلمن طلل برامتة لا يريم؟ ... عفا وخلا له حقبٌ قديمُ!\nوثنوه في هذا المثل اتساعًا.\nومثله قول الآخر:\nلمن الديار برامتين فعاقل؟ ... دست وغير أيّها القطرُ!\nوهذه الثنية هكذا شائعة في أسماء المواضع عند العرب.\nومثله قول ورقة:\nببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا\nوإنّما يريد مكة.\nوقول الفرزدق: عشية سال المربدان كلاهما وإنّما يريد مربد البصرة.\nوجعل السهيل من هذا قول زهير:\nودارٌ لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم\nوقول عنترة:\nشربت بماء الدحر ضين فأصبحت ... زوراء تنقر عن حياض اليلمِ\nفي اصح القولين.","vol":"3","page":156},{"text":"وقال أيضًا:\nكيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغليم؟\nوقولهم: صدنا بقنوين. ويقال: عنيزة اسم موضع وقنا اسم جبل وقال غيره: عنيزتان اسم موضع وأما الدحرضان فهو على التغليب لمائين: أحدهما يقال له دحرض والآخر: وسيع فثناهما الشاعر وغلب لفظ أحدهما على الآخر كالقمرين.\nوحكى الجوهري أول كلامه أنَّ الدحرض اسم موضع وهو يوافق ما قال السهلي وأما الرقمان في قول زهير ففي شرح ديوان الشعراء هما موضعان: أحدهما قرب المدينة والآخر قرب البصرة. فأراد أنَّ الدارين بين الرقمتين كما تقول: فلان بمكة أي بين بيوت مكة.\nوفي القاموس: الرقمتان روضتان بناحية الصمان. والرقمة أيضًا الوادي والروضة ومنه قول زهير عند الجوهري. ويحتمل أن يوافق ما قال السهلي أو يخالفه إذ لا مانع من أن يريد روضتين. فتجيء التثنية على بابها. ووجه تثنية الموضع الواحد في كل ما مر الإشارة إلى جانبيه.\nقال السهلي وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة أو بستان فتسميتها جنتين في فصيح الكلام إشعارًا بأن لها وجهين وأنك كلما دخلتها ونظرت يمينا وشمالا رأيت من كلا الطرفين ما يملأ العين قرة والصدر مسرة.\nوفي التنزيل: جنتان عن يمينٍ وشمالٍ إلى قوله: وبدلناهم بجنتهم جنتين. وفيه: جعلنا لأحدهما جنتينِ من أعناب وفي آخرها: ودخل جنته فأفر بعد ما ثنى وهي هي. قال: وقد حمل بعض الفقهاء على قوله سبحانه: ولمن خاف مقام ربه جنتان. انتهى.\nومن هذا والله أعلم أيضًا عمايتان في قول الآخر:\nلو أنَّ عصم عمايتين ويذبلٍ ... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا!\nوإن وقع في كلام أبن مالك في شرح \" التسهيل \" وأتباعه أنهما جبلان فإنَّ الذي في متون اللغة المتداولة أنَّ عماية جبل من جبال هذيل وليس فيهما ذكر الجبلين. وكما","vol":"3","page":157},{"text":"ثنت العرب البقاع للمعنى السابق كذلك جمعتهما أيضًا إشارة إلى جواب الذي إلا أنَّ الجمع أقل.\nومنه قول مطرود بن كعب الخزاعي:\nوهاشمٍ في ضريح عند بلقعةٍ ... تسفي الرياح عليه وسط غزاتِ\nيعني غزة وهو بلد بفلسطين مات به هاشم بن عبد الله مناف.\nومثله: بغاذين من بغذان كما وقع في شعر بعض المولدين. ولأبي الطيب معه قصة ذكرها صاحب العمدة. ويرد هنا سؤال هو أنَّ العلم إذا ثني سلب التعيين فجازت تحليته بال. وهذه التثنيات المذكورات في أعلام البقاع ليست على وجهها: فإنها في اللفظ تثنية وفي المعنى إفراد إلا على حال واعتبار. والظاهر أنَّ الوجه الذي به تسوغ التثنية وقد مر شرحه يسوغ به إدخال الألف واللام وبذلك الوجه كان اللفظ مثنى لفظا ومعنى. ويدل لهذا قول السابق المكتين. على أنا لو سلمنا أنه تثنية في اللفظ خاصة دون المعنى منعنا دخول الألف واللام إذ التثنية الملزومة كما تزاد في المفرد العلم نحو:\nرأيت الوليد بن اليزيد مباركًا ... شديدًا بأعباء الخلافة كاهله\nوالسلجم نبت بوزن جعفر. والسلجم أيضًا: الطويل من الخيل أو الرجال.\nوالسلجم أيضًا: البئر العادية الكثيرة الماء.\nوهذا المثل لم اقف له بعد على تفسير وكأنه شطر رجز. والظاهر أنَّ المراد بالسلجم فيه النبت أو البئر وإنّه استباقًا لسؤال ذلك وطلبه في هذا المكان الذي هو رامة لعدمه فيه. فيكون على معنى المثل الآتي: تسألني أبا الوليد جملا يمشي رويدا ويكون أولا في طلب ما لا يكون. ومثله قول العامة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>في دار البقر تصيب التبن</span>.","vol":"3","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>أسأل من قرثع</span>.\nالسؤال تقدم؛ وقرثع بثاء مثلثة على مثل جعفر رجل من تغلب ثم من أوس كان من أشد الناس سؤالا فضرب به المثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>سبني واصدق</span>.\nالسب: الشتم. والسب أيضًا: الطعن في السبة أي الاست. قال:\nوما كان ذنب بني مالكٍ ... بأن سب منهم غلامٌ فسبَّ\nأي شتم فعقر. وتساب الرجلان: تشاتما أو تقاطعا. والسبة بالضم: العار ومن يسبه الناس كثيرا؛ والسببة كهمزة من يسبهم؛ والسب بالكسر الكثرة وسبك من يسابك. قال حسان:\nلا تسبنني فلست بسبي ... أنَّ سبي من الرجال الكريم\nوالصدق ضد الكذب. والمعنى أنك إذا ساببتني وجانبت الكذب فلا أبالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>سبَّ من سبكَ يا هبَّارُ</span>!\nيتمثل به كثيرا وهو من كلام النبي ﷺ وكان هبار بن الأسود تبع زينب بنت رسول الله ﷺ حين خرجت من مكة مهاجرة فروعها وأسقطت ذا بطنها في قصة مشهورة في السير. ثم أسلم وصحب النبي ﷺ فكان المسلمون يسبونه بما فعل حتى شكا إلى النبي ﷺ فقال له: سبَّ من سبك يا هبار! فكف الناس عن سبه بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>سبق السيف العذل</span>!\nالسبق معروف والسيف كذلك والعذل بالذال المعجمة: الملامة؛ والعذل بالتحريك الاسم منه. وهذا المثل يضرب في الأمر يفوت ولا يطمع في تداركه وتلافيه.","vol":"3","page":159},{"text":"وأصله أنَّ الحارث بن ظالم ضرب رجلا بسيفه فقتله فأخبر بعذره فقال: سبق السيف العذل! وقيل إنَّ أصله إنَّ سعدًا وسعيدًا، أبني ضبة بن أد خرجا في طلب لهما، فرجع سعد وفقد سعيد. وكان ضبة إذا رأى شخصا مقبلا قال: أسعد أم سعيد؟ ثم إنّه في بعض مسائره أتى مكانا ومعه الحارث بن كعب في شهر الحرام، فقال: قتلت هنا فتى صفته كيت وكيت، وأخذت منه هذا السيف. فتناوله ضبة فعرفه فقال: إنَّ الحديث ذو شجون، ثم ضربه فقتله، فعذل فقال: سبق السيف العذل! وقال جرير:\nيكلفني رد الغراب بعد ما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله\nوذكر البكري أبو عبيد إنَّ أوّل من قال: سبق السبق العذل، خريم بن نوفل الهمداني، وذلك أنَّ النعمان بن ثواب العبدي كان له بنون: سعد وسعيد وساعدة. فأما سعد فكان رجلا شجاعا بطلا؛ وأما سعيد فكان جوادا سمحا ذا إخوان وصنائع؛ وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندمان. وكان أبوهم النعمان ذا شرف. وكان يوصيهم ويحملهم على أدبه. فقال لسعد، وكان صاحب حرب: إنَّ الصارم ينبو، والجواد يكبو، والأثر يعفو، والحليم يهفو. فإذا شهدت حربا فرأيت نارها تستعر، وبحرها يزخر، وبطلها يخط، وضعيفها يبصر فإياك أنَّ تكون صدي رماحها ونطيح نطاحها! وأعلم عند ذلك انهم ينصرون! ثم قال لسعيد، وكان جوادًا: يا بني إنّه يبخل الجواد، ويصلد الزناد، ويحمد الثماد، وتحمل البلاد. فلا تدع إنَّ تجرب إخوانك وتبلوا أخدانك! ثم قال لساعدة: يا بني، إنَّ كثرة الشراب يفسد القلب ويقل الكسب، ويحدث اللغب. فأنظر نديمك واحم حريمك، وأعن غريمك. واعلم أن الظمأ القامح، خير من الري الفاضح. وعليك بالقصد، فإنَّ فيه بلاغا!\nثم إنَّ النعمان توفي، فقال سعيد: آخذن بأدب أبي ولابلون أوثق أخوتي في نفسي! وعمد إلى كبش فذبحه، ثم أضجعه في قبته وغشاه ثوبا. ثم دعا رجلا كان","vol":"3","page":160},{"text":"أوثق إخوانه في نفسه فقال: يا أبا فلان، إنّما أخوك من صديقك بعهده أحاطك برفده، وأقام معك بجهده، وسواك بولده. قال: صدقت! قال: فأني قتلت فلانا فما عندك؟ قال: فالسوأة السوأى وقعت فيها وانغمست. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أنَّ تعينني عليه حتى أغيبه. قال: لست لك في ذلك بصاحب! فتركه وانطلق. ثم دعا سعيد رجلا آخر من إخوانه يقال له خريم بن نوفل فقال: يا خريم، ما عندك؟ قال: ما يسرك. قال: فإني قتلت قلانا. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أنَّ تعينني حتى أغيبه. قال: لهان ما فزعت فيه إلى أخيك! ثم قال، وعبد لسعيد معهما: هل أطلع على هذا عبدك هذا؟ فقال: لا. فأهوى خريم بالسيف إلى العبد فقتله وقال: ليس عبد بأخ لك! ففزع لذلك سعيد وقال: ما صنعت إنما أردت تجربتك. فقال خريم: سبق السيف العذل! انتهى.\nوقال الطغرائي:\nإنَّ كان ينجع شيء في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>سبقك بها عكاشة</span>.\nيتمثل بها كثيرا، وهو من كلام النبي ﷺ. لمّا ذكر الدين يدخلون الجنة بغير حساب، قام إليه عكاشة بن محصن، ﵁، فقال: أمنهم أنا، يا رسول الله، أو أدع الله أنَّ يجعلني منهم؟ فقال: نعم! فقام رجل آخر فقال مثل ذلك، فقال ﷺ: سبقك عكاشة. والحديث مشهور معروف ما فيه من المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>سحابة صيفٍ عن قليلٍ تقشع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>سد أبن بيضٍ الطريق</span>.\nالسد ضد الفتح معروف، وإنَّ أبن بيض بكسر الباء، وقيل بالفتح رجل من عاد تاجر","vol":"3","page":161},{"text":"عقر ناقته على ثنية فسد بها الطريق ومنع الناس من سلوكها. ويقال إنَّ أبن بيض لمّا حضرته الوفاة قال لابنه: لا تقارب لقمان في أرضه! فإذا مت فسر بأهلك ومالك حتى إذا كنت في ثنية كذا فاقطعها بأهلك واترك فيها للقمان حقه، فإنَّ له عندنا في كل عام حلة وجارية وراحلة. فإنَّ هو قبلة فهو حقه عرفناه له لا جارته وخفارته؛ وإنَّ هو لم يقبل وبغى، أخذه الله تعالى ببغيه. فلما مات، فعل الفتى ما أمره به. فأتى لقمان الثنية وأخذ ذلك وقال: سد أبن بيض الطريق! وقال عمر بن الابرد في ذلك:\nسددنا كما سد أبن بيض سبيلها ... فلم يجدوا عند الثنية مطلعا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>سداد في كفافٍ، أفضل من غنى مع إسرافٍ</span>.\nهذا مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. وتقدم ضبط السداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>يسدي ويلحم</span>.\nالسداد من الثوب معروف. واسديت الثوب وسديته. واللحمة بضم اللام من الثوب: ما سوى السدا. وألحمت الثوب: نسجته. ثم جعل مثلا في الاشتغال بالشيء وإتمامه، كما قالوا في المثل الآخر: ألحم ما أسديت! أي تمم ما ابتدأت وقال أبو تمام في الأول: وقلت أنا من قصيدة تقدم إنشادها:\nيسدي ويلحم في مزاولهٍ ... ما ليس يدركه مدى العمر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>السراح، من النجاح</span>.\nالسراح بالفتح اسم من التسريح وهو التطليق سرحت المرأة تسريحا والنجاح معروف. والمعنى انك إذا لم تقدر على قضاء حاجة إنسان فأيسته بمرة، كان ذلك بمنزلة ما لو قضيت مطلوبه.","vol":"3","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>سرك أسيرك، فإنَّ نطقت به كنت أسيره</span>،\nهذا من الأمثال الحكيمة في حفظ السر.\nومثله ما روي أنَّ معاوية ﵁ أسر إلى الوليد بن عقبة حديثا فقال الوليد لأبيه: يا أبت إنَّ أمير المؤمنين أسر إلى حديثا وما أراه يطوي عنك ما بسط إلى غيرك. قال: فلا تحدثني به فإنَّ من كتم سره كان الخيار له ومن أفشاه كان الخيار عليه! قال: قلت: يا أبت وإن هذا لديك بين الجل وبين أبيه؟ قال: لا والله يا بني! ولكن أحب أن لا تلل لسانك بأحاديث. قال: فأتيت معاوية فحدثته فقال: يا وليد أعتقك أخي من رق الخطأ!.\nوحكى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال: اجتمع أربعة ملوك: ملك الهند والصين وكسرى وقيصر فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل. وقال الآخر: إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني. وقال الثالث: عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه. وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر على رد ما قلت.\nوسيأتي إتمام هذا المعنى في الحكم بأشبع من هذا إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>أسرع من نكاح أم خارجة</span>.\nالسرعة بالضم والسرع بفتحتين والسرع بوزن عنب ضد البطء. سرع الرجل بالضم فهو سريع؛ وأسرع أيضًا فهو مسرع. قيل: وأصل الرباعي التعدي بنفسه أي أسرع نفسه أو مشيه كما في الحديث: فليسرع المشي! لكنه يحذف لظهوره.\nوالنكاح بالكسر: الوطء والعقد أيضًا. يقال: نكحها ينكح بالفتح والكسر؛ ونكحت هي أيضًا فهي ناكح أي ذات زوج قال تعالى: حتى تنكح زوجا غيره. وقال الشاعر:\nلصلصلة اللجام برأس طرفٍ ... أحب إلي من أن تنكحيني","vol":"3","page":163},{"text":"واستنكحها بمعنى نكحها؛ وأنكحها: زوجها والاسم منه النكح بالكسر والضم وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها. يقول الخاطب: خطبٌ بكسر الخاء وضمها ويقول المخطوب: نكح بكسر النون أيضًا وضمها؛ وأم خارجة امرأة من بجيلة ولدت قبائل كثيرة من العرب واسمها عمرة بنت سعد وخارجة ابنها.\nقال في الصحاح: ولا يعلم ممن هو ويقال هو خارجو بن بكر بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان. وكانت أم خارجة من الشهوة والشبق إلى الرجال في غاية. فكان يقال لها: خطبٌ فتقول: نكحٌ فقالوا: أسرع من نكاح إم خارجة.\nويحكى أنَّ السيد الحميري خرج يوما سكران، فلقي بنت فجاءة بن عمرو بن قطري الخارجية، وكانت حسناء. فأوقفها وانشد من شعره، فأعجب كل واحد منهما صاحبه ثم خطبها، فقالت: كيف يكون هذا ونحن على ظهر الطريق؟ قال: يكون كنكاح أم خارجة، قيل لها: خطب، قالت: نكح. فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت؟ فقال:\nإنَّ تسأليني بقومي تسألي رجلًا ... في ذروة العز من أجواد ذي يمن\nثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... من كبة النار للهادي أبي حسن\nفقالت: لا شيء أعجب من هذا: يماني وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف يجتمعان؟ فقال: بحسن رأيك في تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور؟ قال: إنّما أعرض عليك. قالت وما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزنى. قال: تلك أخت الزنى. قال: أعيذك بالله إنَّ تكفري بعد الإيمان! قالت: وكيف؟ قال لها:) فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة (. فقالت: استخير الله وأقلدك إذ كنت صاحب قياس وتفتيش. فانصرفت معه وبات معرسا بها. وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا: تزوجت بكافر. فجحدت وكانت تخلف إليه مرة وتواصله.\nقلت: وأين هاتان المرأتان من أم حكيم الخارجية؟ وكانت اجمل نساء زمانها ومن أشجع الناس وأحسنهم بديهة. خطبها جماعة من أشراف الخوارج، فردتهم. وهي القائلة\nألا إنَّ وجها حسن الله خلقه ... لأجدر أنَّ تلقى به الحسن جامعا","vol":"3","page":164},{"text":"وأكرم هذا الحرم عن أنَّ يناله ... تورك فحل همه أنَّ يجامعا\nوكانت مع قطري بن الفجاءة في عسكر الأباضية. فكانت ترتجز في تلك الحروب وتقول:\nأحمل رأسًا قد سئمت حمله ... وقد مللت دهنه وغسله\nألا فتى يحمل عني ثقله؟\nوالخوارج يفدونها بالآباء والأمهات. وكان قطري يشبب بها وفي ذلك يقول في وقعة دولاب:\nلعمرك إني في الحياة لزاهدٌ ... وفي العيش ما لم ألق أم حكيمِ\nمن الخفرات البيض لم ير مثلها ... شفاء لذي بث ولا لسقيمِ\nلعمرك إني يوم ألطم وجهها ... على نائبات الدهر جد لئيمِ\nولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميمِ\nغداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميمِ\nفلم أر يوما كان أكثر مقطعًا ... يمج دمًا من فائضٍ وكليمِ\nوضاربةٍ خدًا كربوًا على فتى ... أغر نجيب الأمهات كريمِ\nأصيب بدولاب ولم يك موطنًا ... له أرض دولاب ودير حميمِ\nفلو شهدتني يوم ذاك وخيلنا ... تبيح من الكفار كل حريمِ\nرأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدنٍ عنده ونعيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>سرعان ذا إهالة</span>!\nالسرعة تقدمت. ويقال: سرعان ذا خروجا مثلثة السين أي سرع هذا خروجا. ويقال: لسرعان ما صنعت كذا! أي ما أسرع! والإهالة: الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت وكل ما ائتدم به وهمزتها أصلية ورجل مستأهل: آخذ الإهالة أو آكل لها. قال:\nلا بل كلبي يا أم واستأهلي ... إنَّ الذي أنفقت من ماله!","vol":"3","page":165},{"text":"وأصل المثل أنَّ رجلا كانت له نعجة عجفاء يسيل رغامها من أنفها فقيل له: ما هذا؟ قال: ودكها يظن الرغام شحما. فقال السائل: سرعان ذا إهالة! ونصب إهالة أما على التمييز المحول من الفاعل أي: سرع إهالة هذه أو على الحال أي: سرع هذا الرغام حال كونه إهالة فيضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته.\nوسمعت قديما من بعض الأشياخ أنَّ أصل هذا أنَّ أعرابية كان لها أبن أحمق فذهب فوجد نعجة عجفاء فاشتراها فقال لأمه: إني اشتريت نعجة سمينة. فلما أخرجها إلى أمه ورغامها يسيل من أنفها قال لها: انظري إلى إهالة ما علفتها! فقالت أمه: سرعان ذا إهالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>أسرع من تلمض ورلٍ</span>.\nيقال: لمظ بالظاء المشالة وتلمظ إذا تتبع بقية الطعام في فيه بطرف لسانه أو أخرج لسانه فمسح به شفته؛ واللماظة بالضم: البقية التي يتلمظها. قال الشاعر يصف الدنيا: لماظة أيامٍ كأحلام نائمٍ والورل بفتحتين والراء المهملة حيوان كالضب جمعه أورال وورلان. وهو سريع التلمظ أي الأكل بطرف اللسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>أسرع السحب في المسير الجهام</span>.\nهذا شطر بيت لأبي الطيب وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>أسرق من زبابةٍ</span>\nالسرقة معروفة سرق الشيء بالفتح يسرقه سرقا بفتحتين وسرقة كنبقة.","vol":"3","page":166},{"text":"والزباب بالزاي وباءين موجودتين والواحدة زبابة: فارة صماء عظيمة تسرق ويضرب بها المثل في السرقة وشبه بها الجاهل. قال الشاعر:\nوقد رأيت معاشرًا ... جمعوا لهم مالا وولدا\nوهم زباب حائرٌ ... لا تسمع الآذان رعدا\nأي لا تسم آذانهم رعدا لصممهم. وحذف الضمير من اللفظ أو استغنى عنه بالألف واللام على ما عرف في المذهبين. ويعني أنَّ من الناس من رزق أموالا وأولادا وهو ما هو في الجهل والحيرة والدناءة. وذلك من الدليل على أنَّ الله تعالى هو مستند الأرزاق لا العقول والحيل وإنّه تعالى لم يجعل الدنيا الدنية مقصورة على العقل الشريف ولا كفأًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>أسرى من جندبٍ</span>.\nالسرى بوزن الهدى: سير الليل. يقال: سرى يسري سرى ومسرى وأسرى إذا مشى فيه؛ والجندب بضمتين ويجوز فتح الدال ضرب من الجراد الجمع جنادب. قال كعب ﵁:\nوفال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركض الحصا قيلوا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>أسرى من قنفذٍ</span>\nالسرى تقدم؛ والقنفذ بالذال المعجمة بوزن جندب معروف والأنثى قنفذة ويقال له الأنقذ وتقدم في حرف الباء وأنه يسري الليل ولا يكاد يظهر إلاّ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>أسعدٌ أم سعيدٌ</span>؟\nهذا يقولنه مثلا في السؤال أي هذا الشيء مما يحب أم مما يكره؟ وأصل ذلك أنَّ سعدًا وسعيدًا أبني ضبة بن أد خرجا في طلب إبل لهما. فرجع سعد وفقد سعيد وتقدمت الحكاية في هذا الباب فصار سعيد يتشاءم به.","vol":"3","page":167},{"text":"وقد روي عن عبد الله بن الحارث قال: بعثني أبي وبعث العباس ابنه الفضل ﵄ إلى النبي ﷺ يسألانه أن يجعل لنا السقاية. فلما أتيناهما منصرفين قالا: ما وراءكما؟ أسع أم سعيد؟ قالا ووقع مثل ذلك لبيهس المعروف بنعامة إذ قتل أخوته. ذكر ذلك كله أبو عبيد القاسم بن أمثاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>السعيد من وعظ بغيره</span>.\nهذا مثل في الأمر بحسن التدبير. وتمامه: والشقي من وعظ بنفسه. ويروى الأول حديثا والله اعلم. وفي معناه ما أنشد الجاحظ:\nلا أعرفنك إنَّ أرسلت قافية ... تلقى المعاذير إنَّ لم تنفع العذر\nإنَّ السعيد له في غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>أسفد من ديكٍ</span>.\nيقال: سفد الذكر على الأنثى يسفد كضرب يضرب وسفد يسفد كعلم يعلم، سفادًا، إذا نزل عليها؛ والديك معروف، وهو كثير السفاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>أسفد من هجرسٍ</span>.\nالهجرس بالكسر ولد الثعلب، وقيل هو الثعلب والقرد والدب، وقيل كل ما يعس بالليل مما دون الثعلب وفوق اليربوع.\nوفي المثل أيضا: أغلم من هجرس، والغلمة: شهوة النكاح وسيأتي، وأزنى من هجرس وتقدم.\nوالهجرس أيضًا: أبن كليب بن ربيعة التغلبي، ذكر في حرب البسوس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>سفيه لم يجد مسافها</span>.\nالسفه والسفاه والسفاهة بالفتح ضد الحلم أو الخفة أو الجهل، وسفهه","vol":"3","page":168},{"text":"تسفيها: نسبه إليه، وسافهه مسافهة: شاتمه وسابه، وسافه الشراب: أسرف فيه. والمثل عند الجوهري من المعنى الأول. وكذا أبو عبيد، ذكره في أمثال الملاحة والتشاتم قال البكري: وهذا المثل يروى عن الحسن بن علي إنّه قاله لفلان. وأنشد في نحو ذلك لحاجب بن زرارة:\nأغركم إني بأحسن شيمة ... وفيق وإني بالفواحش أخرق\nوانك قد فاحشتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالفاحش أرفق\nومثلي إذا لم يجز أفضل سعيه ... تكلم نعماه بفيها فتنطق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>سقط العشاء به على سرحانٍ</span>.\nالسقوط معروف؛ والعشاء بفتح العين المهملة والمد طعام العشي كالعشى بالكسر جمعه أعشية؛ وعشوت الرجل وأغشيته وعشيته تعشية: أطعمته ذلك، وتعشى هوقال: الفرزدق:\nتعش فأن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من، يا ذئب، يصطحبان\nوهو عيشان؛ والعشى بالقصر سوء البصر بالليل والنهار، كالعشاوة أو العمى، عيشي بالكسر يعشى، وعشا يعشو، فهو عش، وأعشى، هي عشواء؛ والسرحان بالكسر: الذئب. قال امرؤ القيس:\nله إبطا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تنفل\nوهو بلغة هذيل الأسد، قال الشاعر يرثي ميتا:\nهباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان\nوهذا المثل يضرب للرجل يطلب حاجة فيقع في الهلكة.\nواختلفوا في أصله فقيل دابة خرجت تلتمس العشاء، فوقعت على الأسد أو على الذئب فأكلها.\nوقيل رجل خرج كذلك، فوقع عليه.\nوقيل إنَّ سرحانا اسم رجل، وهو سرحان بن متعب اليربوعي. وكان فاتكًا، فحمى واديا فجاء عوف الأسدي فقال: لأرعين إبلي بهذا الوادي! فرعاها فأتاه سرحان فقتله، وقال هداة بن متعب، أخوه، لامرأة الأسدي يقال لها نصيحة:","vol":"3","page":169},{"text":"أبلغ نصيحة أنَّ راعي إبلها ... سقط العشاء به على سرحان\nسقط العشاء به على مقتمرٍ ... طلق اليدين معاود لطان\nوعلى هذا كله، فالعشاء بالمد.\nوقيل أنَّ أصله أنَّ رجلا أعشى البصر وقع ذئب فأكله. وعليه، فيكون العشى مقصورا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>اسق أخاك النمري يصطبح</span>!\nالسقي معروف، يقال: سقيته وأسقيته، وسقيته تسقيه.\nوقيل أسقيته: دللته على الماء، وأسقيت ماشيته أو أرضه: جعلت لها ماء. وسقاها الله غيثا: أنزله عليه، واستسقيته أنا: قلت له: سقاك الله أو سقيا! قال امرؤ القيس:\nفأسقي به أختي ضعيفة إذ نأت ... وإذ بعد المزار غير القريض\nأي أدعو لها بالسقيا.\nأي ادعوا لها بالسقيا.\nوقال ذو الرمة: فما زلت أسقي ربعها وأخاطبه وقلت أنا في هذا المادة:\nسقى الله أطلالا بأكثبة الحمى ... من العارض الهتان صوب عهاد\nبلاد بها حلت سليمى وأهلها ... فحل فؤادي عندها وودادي\nوإني متى أسقيتها أو بكيتها ... هيما فما أسقيت غير فؤادي!\nويجوز أنَّ يقع أحدهما موقع الآخر كما قال لبيد:\nسقى قومي بين مجد وأسقى ... نمير والقبائل من هلال\nوالنمري بفتح الميم نسبة إلى النمر بن قاسط بكسر الميم، وهو أبو قبيلة من جذيلة. وإنّما فتحت الميم في النسبة، كنظائوه، كراهية توالي ما هو في حكم الكسرات.","vol":"3","page":170},{"text":"وأصطبح الرجل: شرب الصبوح بالفتح، وهو ما يشرب صباحا؛ وأصبح أيضا: أوقد المصباح.\nولم أقف بعد على تفسير هذا المثل، وأظن أنَّ معناه إنّه لثقله إذا سقيته انتظر للصبوح فيكون كالمثل السابق: أجلسته عندي فاتكًا، والمثل الآتي: أطعم العبد الكراع، فيطمع في الذراع!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>اسق رقاش إنّها سقاية</span>!\nالسقي مر؛ ورقاش اسم أمرأة، ويقال ساقية وسقاءة بالتشديد فيهما وجاز في الياء القلب وعدمه، نظر إلى اعتبار زيادة هاء التأنيث وإلى لزومها في هذا البناء. ويضرب للمحسن أي: احسنوا إليه لكونه محسنا. قال الحماسي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>سكت ألفا، والنطق خلفا</span>.\nالسكوت معروف؛ والألف عدد معروف؛ والنطق خلاف السكوت؛ والخلف نقيض القدام. والخلف أيضًا الرديء من الكلام ومنه المثل. ومعناه: سكت عن ألف كلمة صواب ثم نطق بخطأ. وهكذا فسروه.\nوحكوا أنَّ أعرابيا جلس مع قوم، فحبق حبقة فتشور، فأشار بإبهامه إلى أسته وقال: إنّها خلف نطقت خلفا! وهذا صحيح في لفظ الخلف في المثل. وأما في لفظ الألف، فالذي يظهر منه لا. وادبيهة أنَّ المراد به ألف سنة أو نحو ذلك من الأزمان، ويكون المراد الأخبار عن إطالة السكوت، لا حقيقة الألف. وكأنه قيل: إنّه أطال السكوت ثم لمّا تكلم لم ينطق إلاّ بالرديء من الكلام. ومن هذا يحكى إنَّ شابا كان يجالس الأحنف وكان صموتا، فأعجب الأحنف ذلك منه. ثم خلت الحلقة يوما فقال له: يا أبن أخي، مالك لا تتكلم؟ فقال: يا عم، أرأيت لو أنَّ رجلا سقط من شرفة هذا المسجد، أيضره شيء؟ فقال الأحنف: ليتنا تركناك، يا أبن أخي!","vol":"3","page":171},{"text":"ثم انشد متمثلا:\nوكائن ترى من صامت معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم\nلسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلاّ صورة اللحم والدم!\nويحكى أيضًا إنَّ رجلا كان يكثر مجالسه أبي يوسف ويطيل الصمت. فقال له أبو يوسف يوما: إلاّ تسأل؟ فقال: بلى! متى يفطر الصائم؟ فقال: إذا غربت الشمس. قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟ فضحك أبو يوسف وتمثل بقول أبي الخطفا:\nعجبت لإزراء الغبي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالعلم اعلما\nوفي الصمت ستر للغبي وإنّما ... صحيفة لب المرء إنَّ يتكلما\nومن معنى هذا الشعر قول الآخر:\nالمرء يعجبني وما كلمته ... ويقال لي: هذا اللبيب اللهذم\nفإذا قدحت زناده وسبرته ... في كف زاف كما يزف الدرهم\nوقول الآخر:\nترى الناس أشباها إذا جلسوا معا ... وفي الناس زيف مثل زيف الدراهم\nوقال عدي بن الرقاع:\nالناس أشباه وبين حلومهم ... بون كذلك تشابه الأشياء\nومن معنى الحكايتين المذكورتين، من سؤال المغافلين، ما يحكى عن الإمام الماوردي، ﵀، قال: كنت بمجلس درسي بالبصرة، فدخل علي شيخ مسن قد ناهز الثمانين أو جاوزها، قال: قصدتك بمسألة اخترتك لها. فقلت: ما هي؟ وظننت إنّه يسأل عن حادثة نزلت به. فقال عن طالع إبليس وطالع آدم من النجوم ما هو؟ فإنَّ هذين لعظيم شأنهما، لا يسأل عنهما إلاّ علماء الدين. قال، فعجبت وعجب من في المجلس من سؤاله. وبادر إليه قوم منهم بالإنكار والاستخفاف، فكففتهم وقلت: هذا لا يقنع مع ما ظهر من حاله، إلاّ بجواب مثله! فأقبلت عليه وقلت: يا هذا، إنَّ النجمين يزعمون إنَّ نجوم الناس لا تعرف إلاّ بمعرفة مواليدهم. فإنَّ ظفرنا بمن يعرف وقت ميلادهما أخبرك بالطالع. فقال: جزاك الله خيرا! وانصرف مسرورا. فلما كان بعد أيام","vol":"3","page":172},{"text":"عاد وقال: ما وجدت إلى وقتي هذا من يعرف مولدهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>أسكت من سمكةٍ</span>.\nالسمكة بفتحتين: واحدة السمك وهو الحوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>أسلح من حبارى</span>.\nالسلاح بالضم كغراب: النجو يقال: سلح الرجل وغيره يستلح كمنع يمنع. والحبارى: الطائر المعروف.\nوذكروا إنَّ للحباري خزانة في دبرها فيها أبدا سلح رقيق فمتى ألحت عليها الجوارح سلحت عليها فينتف ريشها، وفي ذلك هلاكها. قالوا: فجعل سلحها سلاحا لها.\nوقال الشاعر:\nوهم تركوك أسلح من حباري ... رأت صقرا وأشرد من نعام\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>أسلح من دجاجٍ</span>.\nالدجاج مثلث الدال المهملة معروف، واحدة دجاجة. ويقال: أسلح من الحباري حال الخوف، وأسلح من دجاج حال الأمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>السلطان كالنار</span>.\nهذا من الأمثال الحكيمة، وتمامه: إنَّ باعدتها بطل نفعها، وإنَّ قاربتها عظم ضررها، وسيأتي في الحكم، إن شاء الله تعالى، استيفاء هذا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>أسمع من حيةٍ</span>.\nالسمع حس الأذن، يقال: سمعه بالكسر يسمعه سمعا وسماعا وسماعة وسماعية، وتسمع وأستمع، ورجل سميع: سامع أو مسمع. قال","vol":"3","page":173},{"text":"عمرو بن معدي كرب:\nأمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع؟\nحية. وهي موصوفة بالسماع القوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>اسمع من دلدلٍ</span>.\nالدلدل بالدالين مهملتين، على مثال جندب: القنفذ، أو أعظم القنافذ. والدلدل أيضًا: الاضطراب. أنشد في الصحاح، لأبي معدان الباهلي:\nجاء الحزائم والزبائن دلدلاٍ ... لا سابقين ولا مع القطان\nأي: لا إلى هؤلاء ولا الذي هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>أسمع من سمعٍ</span>.\nويقال: اسمع من السمع الأزل، والسمع بكسر فسكون: ولد الذئب من الضبع وهو سبع مركب من هذين، فاستفاد قوة الضبع وجرأة الذئب. ويوصف بقوة السمع. قال الأعراب:\nتراه حديد الطرف أبلج واضحا ... أغر طويل البياع أسمع من سمع\nويوصف أيضًا بالسرعة. يقال إنّه في عدوه أسرع من الطير، ووثبته تزيد على ثلاثين ذراعا.\nوفي بعض المجامع إنَّ ربيعة بن أبي مراد قال: أخبرني خالي قال: لمّا أظهر الله علينا رسول الله ﷺ، أشعبنا في كل شعب، لا يلوي حميم على حميم. فبينما أنا في بعض الشعاب قد رأيت ثعلبا قد تحوى عليه أرقم، والثعلب يعدو عدوًا شديدا فانحنيت عليه بحجر فما أخطأه. فانتهيت إليه فإذا الثعلب سبقني بنفسه، وإذا الأرقم تقطع وهو يضرب. فقمت أنظر اليه، فهتف بي هاتف ما سمعت","vol":"3","page":174},{"text":"أفصح من صوته يقول: تعسا لك وبؤسا! قد قتلت رمسا ووترت تيسا! ثم قال: يا دامر، يا دامر! فأجابه مجيب من العدوة الأخرى: لبيك لبيك بادر إلى بني الغدافر، فاخبرهم بما صنع الكافر! فناديت: إني لم أشعر، وأنا عائد بك فأجرني! فقال: كلا، والحرم الأمين، لا أجير من قاتل المسلمين، وعبد عبر رب عالمين! قال. فناديت: إني مسلم! فقال: إنَّ أسلمت سقط عنك القصاص، وفزت بالخلاص، وإلاّ فلات حين مناص! قال. فقلت إنَّ لا اله إلاّ الله، وأشهد إنَّ محمّد رسول الله. قال. فقال: نجوت وهديت، ولولا ذلك لرديت. فأرجع من حيث جئت! قال: فرجعت أقفو أدراجي، فإذا هو يقول: امتط السمع الأزل، فقد بدا إليك هنالك أبو عامر يتبع بك ألفان. قال. فالتفت فإذا سمع كالأسد، فركبه فمر ينسل حتى أتى إلى تل عظيم فاسندني إلى تل فأشرفت منه خيل المسلمين، فنزلت عنه وصوب من الحدور نحوهم. فلما دنوت منهم خرج إلي فارس فقال: ألق سلاحك، لا أم لك! فألقيت سلاحي فقال: ما أنت؟ قلت مسلم: فقال سلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته! فقلت: وعليك السلام والرحمة والبركة، من أبو عامر؟ قال: أنا هو. قلت: الحمد لله! قال: لا بأس عليك! هؤلاء إخوانك من المسلمين. ثم قال: إني رأيت بأعلى التل فارسا، فأين فرسك؟ قال: فقصصت عليه القصة، فأعجبه ما سمع مني، وسرت مع القوم أقفو آثار هوزان حتى بلغوا من الله ما أرادوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>أسمع من فرخ عقابٍ</span>.\nالفرخ ولد الطائر والأنثى فرخة والجمع أفرخ وأفراخ. قال الحطيئة:\nماذا أقول لأفراخ بذي مرخٍ ... حرم الحواصل لا ماء ولا شجر؟\nيعني أولاده، والعقاب: الطائر المعروف، وتقدم الكلام عليها في حرف الباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>أسمع من قرادٍ</span>.\nالقراد كالغراب معروف جمعه قردان، وقردت البعير تقريدًا: أزلت عنه القراد والتقريد أيضًا: الجذاع وأصله في البعير إذا أراد أنَّ يأخذه وهو صعب قردة","vol":"3","page":175},{"text":"أوّلًا ليرتاح إليه فيأخذه.\nقال الشاعر: وهم يمنعون جارهم أنَّ يقردا وقال الحطيئة:\nلعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع\nويزعمون إنَّ القراد يسمع وطء أخفاف الإبل، من مسيرة يوم، فيتحرك لها ويزعمون أيضًا انهم ربما رحلوا عن ديارهم بالبادية وتركوها خالية، والقردان منتشرة في أعطان الإبل، ثم لا يخلفهم فيها ولا يعودون إلى تلك الديار إلاّ بعد عشر سنين وعشرين سنة فيجدون القردان حية وقد أحست بروائح الإبل قبل إنَّ توافيها فتتحرك لها. ومن ثم قالوا: اعمر من قراد، أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>اسمع جعجعة ولا أرى طحنا</span>.\nالجعجعة صوت الرحى، وتطلق أيضًا بمعنى الحبس والتضييق، كما في كتاب أبن زياد: جعجع بالحسين ﵁! والطحن معروف، وتقول طحنت البر بالفتح إذا صيرته دقيقا والطحن بالكسر الدقيق نفسه، ومنه المثل. والمعنى: اسمع صوت الرحى ولا أرى دقيقا. يضرب في سماع جلبة لا يعقبها نفع، وفي الجبان يوعد ولا يوقع، والبخيل يعد ولا يفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>تسمع بالمعيدي خير من إنَّ تراه</span>.\nالمعيدي تصغير المعدي مشدد بالدال، ثم خففت عند التصغير كراهية اجتماع السكانين. قال النابغة:\nضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب\nوهذا على ما وقع في الصحاح وغيره من المعيدي في هذا المثل إلى معد","vol":"3","page":176},{"text":"بالتشديد وقيل: المعيدي نسبة إلى معدٍ بسكون العين وتخفيف الدال، وهي قبيلة. وتصغيرها معيد. والمعيدي المذكور رجل من هذه القبيلة كان فاتكا يغير على مال النعمان بن المنذر، فيأخذه ولا يقدرون. فأعجب به النعمان لشجاعته وإقدامه فأمنه. فلما حضر بين يديه ورآه، استزرى مرآته، لأنه كان دميم الخلقة، فقال: لأن تسمع بالمعيدي خير من أنَّ تراه! فقال: أبيت اللعن، إنَّ الرجال بجزر، وإنّما يعيش المرء بأصغريه: قلبه ولسانه! فأعجب النعمان كلامه وعفا عنه، وجعل من خواصه إلى أنَّ مات.\nوقوله: تسمع، مضارع ينسبك مع أنَّ مقدرة بالمصدر. وربما أظهرت فقيل: أنَّ تسمع بالمعيدي. وهذا المصدر مبتدأ مخبر عنه بما بعده.\nوالمعنى: إنَّ سماعك بالمعيدي خير من رؤيتك إياه. ويضرب للرجل يكون له صيت وذكر حسن، فإذا رأيته اقتحمته عينك، وكان عند خبره دون خبره. وقيل: معناه أسمع به ولا تره، على الأمر.\nوذكر أبو عبيد أنَّ هذا المثل أول ما قيل لجشم بن عمرو بن النهدي المعروف بالصقعب النهدي، قال فيه النعمان بن المنذر. قال: وهذا على من قال إنَّ قضاعة من معد، لأن نهدًا من قضاعة. والقصعب المذكور هو الذي ضرب به المثل فقيل: أقتل من صيحة الصقعب. زعموا إنّه صاح في بطن أمه، وإنّه صاح بقوم فهلكوا عن أخرهم.\nوقيل: المثل للنعمان بن ماء السماء، قاله لشقة بن جمرة التميمي، وذلك إنّه سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه، فقال أن تسمع بالمعيدي خير من أنَّ تراه! فقال شقة، أيّها الملك، إنَّ الرجل لا تكال بالقفزان ولا توزن بالميزان، ولست بمسوك يسقى فيها الماء، وإنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إنَّ قال قال، ببيان وإنَّ صال صال، بجنان! فاعجب المنذر لمّا سمع منه وقال: أنت ضمرة بن ضمرة! وذكر شمس الدين بن خلكان أنَّ أبا محمّد القاسم بن علي الحريري، ﵀، جاءه إنسان يزوره ويأخذ عنه شيئًا، وكان الحريري دميم الخلقة جدا. فلما رآه الرجل استزرى خلقته ففهم الحريري ذلك. فلما طلب الرجل إنَّ يملي عليه قال له: اكتب:\nما أنت أوّل سار غرة قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن","vol":"3","page":177},{"text":"فأختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيدي فأسمع بي ولا تراني!\nانتهى.\nويزاد في هذه القصة أنَّ الرجل قال:\nكانت مسائلة الركبان تخبرنا ... عن قاسم بن علي أطيب الخبر\nحتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري!\nوربما جعل في هذا الشعر، مكان القاسم بن علي، أحمد بن علي، وإنّه قيل في أحمد بن علي، أحد الفقهاء، وإنَّ قائله لقي الزمخشري فأنشده إياه. فذكر له الزمخشري عن النبي ﷺ إنّه قال: ما بلغني عن رجل ثم لقيته إلاّ وجدته دون ما بلغني عنه، إلاّ ما كان من زيد الخيل، فأني وجدته فوق ما قيل عنه، أو كلاما هذا معناه كال عهدي به.\nوحدثني الرئيس الأجل أبو عبد الله محمّد الحاج بن محمّد بن أبي بكر أنَّ رجلا كان يحضر مجلس والده ويطيل الصمت لا يتكلم ولا يعرفه أحد. ومكث ذلك مدة، ثم كتب رقعة بخط رفيع فائق وذهب. فأخذوا الرقعة فإذا فيها مكتوب:\nكانت مسائلة الركبان تخبرنا ... عن مجدكم وثناكم أطيب الخبر\nحتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>أستسمن ذا ورم</span>.\nتقول: استسمنت الشيء إذا عددته سمينا؛ والورم نتوء وانتفاخ في الجسد يقال، ورم الجسد بالكسر ورما، تورم واستسمن ذي ورم هو إنَّ يرى الحجم الناتئ من علة فيحسب ذلك سمنا وشحما.\nوالمثل مشهور عند المتأخرين يضربونه عند خطأ الرأي في أستجادة القبيح واستحسان الخبيث واستصواب الخطأ لأمارة وهمية كاذبة: قال أبو الطيب:\nأعيذها نظرات منك صادقة ... أنَّ تحسب الشحم فيمن شحمه ورم\nوما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم","vol":"3","page":178},{"text":"وفي المقامات الحريرية: قد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>سمن كلبك يجوع أهله</span>.\nالكمن ضد الهزل يمن كفرح سمنا وسمانة فهو سامن وسمين وسمنته تسمينا؛ والكلب كل سبع عقور إلا إنّه غلب على النابح المعروف؛ والجوع معروف.\nيضرب هذا المثل في الرجل يأكل مال غيره فيسمن وينعم. وأصله أنَّ الكلب إذا وقع الموتان والهلاك سمن هو بالك الجيف وأهله جياع.\nوقيل إنَّ رجلا سئل رهنا فرهن أهله ثم تمكن من أموال من رهنهم فاستاقها وترك أهله. وحكى أبو علي البغدادي أنَّ رجلا من أهل الشام كان مع الحجاج يحضر طعامه فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك. فكتبت إليه:\nأتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطينُ!\nإذا غبت لم تذكر صديقًا وإن تقدم ... فأنت على ما في يديك ضنينُ\nفأنت ككلب السوء جوع أهله ... فيهزل أهل البيت وهو سمينُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>سمنكم في أديمكم</span>.\nالسمن بفتح فسكون معروف؛ والأديم هنا فسره بعضهم بالزق وأنكر ذلك آخرون وقالوا: الأديم هنا الطعام المأدوم فعيل بمعنى مفعول فيقال أديم ومأدوم كما يقال قتيل ومقتول. وعلى كل حال فمعناه أنَّ خيرهم موقوف عليهم وفضلهم راجع إليهم فيضرب للبخيل ومن لا يتعداه خيره ومن ينفق على نفسه دون غيره. وقد يقال: سمنكم هريق في أيديكم وهو معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>سمن كلبك يأكلك</span>!\nالتسمين معروف تقدم؛ والكلب مر أيضًا.\nوهذا مثل قديم مشهور. وقد تمثل به غب بن أبي ركن المنافقين في غزوة بني","vol":"3","page":179},{"text":"المصطلق حيث اختصم المهاجرين والأنصار فقال أبن أبي: ما نحن وهؤلاء يعني المهاجرين إلاّ كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! وفيها قال: لا تنفقوا على أصحاب محمد! وقال: لئن رجعنا إلى المدينة لتخرجن الأعز منها الأذل كما ذكر الله جل اسمه في سورة المنافقين.\nولفظ المثل إما أن يكون على معنى الإخبار كأنه قيل: إن سمنت كلبك أكلك كما في الآخر: اسق أخاك النمري يصطبح! أي إن سقيته اصطبح وقد تقدم وأما أن يكون إنشاء على ظاهره كأنه قيل: سمن كلبك ليأكلك! كما يقال: اضرب عبدك يستقم! أي ليستقيم على معنى قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب! وهو أيضًا راجع إلى الخبر بهذا الاعتبار وفي معنى المثل قول الشاعر:\nأعلمه الرماية كل حينٍ ... فلما اشتد ساعده رماني\nوكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافيةً هجاني!\nثم رأيت في عماد البلاغة أنَّ الكلب المضروب به المثل لرجل من طسم وذلك إنّه ارتبط كلبا وجعل يشبعه اللبن رجاء أن يصطاد به ثم أبطأ عليه طعامه فوثب على مولاه فافترسه فصار مثلا في كفران النعمة ومجازاة المحين بالإساءة وفيه قيل: سمن كلبك يأكلك! وقال مالك بن أسماء:\nهم سمنوا كلبًا ليأكل بعضهم ... ولو ظفروا بالحزم لم يسمن الكلبُ!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>استنت الفصال حتى القرعى</span>!\nيقال: استن الفرس وغيره إذا قمص وهو أن يرفع يديه ويضعها معا ويعجن برجليه؛ والفصل جمع فصيل من الإبل معروف؛ والقرعى جمع أقرع والقرع داء يصيب الفصلان في أعناقها وتقدم تفسيره في حرف الحاء تقول: منه قرع الفصيل بالكسر قرعا فهو أقرع والأنثى قرعاء ودواؤه أن ينضح الفصيل بالماء ويجر في أرض سبخة أو مرشوشة بملح فتقول: قرعت الفصيل تقريعا إذا فعلت به ذلك فهو مقروع","vol":"3","page":180},{"text":"قال أوس بن حجر:\nلدى كل أخدود يغادرن دارعا ... يجركما جر الفصيل المقروعُ\nوالقرعى لا يمكنها الاستنان فيضرب هذا المثل في الضعيف يباري القوي وعند تمدح الرجل بالشيء ليس من أهله. وقد قيل إنَّ استنت هنا معناه سمنت من قولهم: سن الراعي إبله إذا أحسن رعيها وأسمنها وكأنه صقلها بذلك وزينها. قال النابغة:\nضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب\nوهو على مضربه أيضًا بأن يراعى في الكلام نوع تهكم وسخرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>سواءٌ عليك هو والقفرُ</span>.\nيضرب للبخيل الذي لا خير عنده إذا نعت بمعنى إنّه بمنزلة القفار الممحلة. قال ذو الروه:\nتخط إلى القفر امرأ القيس إنّه ... سواءٌ على الضيف امرؤ القيس والقفر!\nيحب امرؤ القيس القرى أن يناله ... ويأبى مقاريها إذا طلع النسرُ\nالنسر: أول الليل يطلع عند شدة البرد وكلب الزمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>سوء الاستمساك خيرٌ من حسن الصرعة</span>.\nيقال: ساءه يسوءه إذا فعل به ما يكدره ولاسم منه السوء بالضم ويقال: استمسك يه ومسك وامسك وتمسك احتبس وأتصم به والصرع: الطرح في الأرض؛ صرعه صرعا وصرعة. والصرعة بالكسر: النوع من ذلك ومنه المثل. ويروى فيه بالفتح على معنى المرة.\nوهذا المثل يضرب على في المداراة والتودد. قاله أبو عبيد القاسم بن سلام وقال: معناه لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل وطريق الإحسان والصواب خير من أن تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة والخرق. وهذا التفسير لا يعطيه المثل ولا يدل عليه ولا يتم","vol":"3","page":181},{"text":"وضربه المذكور به وإنّما معناه كما قال غيره: لأن يستمسك ولا يصرع وإن كان سيء الاستمساك خير من أن يصرع ولو صرعة حسنة لا تضره. وهو واضح ومضربه أيضًا على هذا النحو ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>سوء الاكتساب يمنع الانتساب</span>.\nهذا ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>أساء سمعًا فأساء جابةً</span>.\nالإساءة ضد الإحسان؛ والسمع تقدم؛ والجابة اسم من الإجابة يقال: أجابه إجابة والاسم الجابة كالطاعة والطاقة بمعنى الإطاعة والإطاقة. قال الشاعر:\nوما من تهتفين به لنصرٍ ... بأقرب جابة لك من هديلِ\nيضرب في سوء المسألة والإجابة في المنطق والإجابة على غير فهم. ونظمه أبو العتاهية فقال:\nإذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ ... أسأت إجابة فأسأت سمعا\nولست الدهر متسعًا لحل ... إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا\nأساف حتى ما يشتكي السواف.\nيقال: ساف المال يسوف إذا هلك؛ والسواف كسحاب موتانٌ في الإبل وقيل بالضم أو هو بالفتح في الناس والمال وبالضم مرض في الإبل ويجوز فتحه؛ وأساف الرجل: هلك ماله. قال:\nفأبل واسترخى به الخطب بعدما ... أساف ولولا سعينا لم يؤبل\nغيره: أساف من المال التلاد وأعدما ويضرب فيمن تعود الحوادث.","vol":"3","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>سال قضيبٌ حديدًا</span>.\nقضيب اسم واد باليمن وقد تقدم هذا وقصته هذا وقصته في حرف الهمزة.\nومما يلحق بهذا الباب قولهم في الدعاء:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>سلط الله عليه الورى وحمى خيبرا</span>!\nوالورى بالتحريك اسم من قولك: ورى القيح جوفه يريه إذا أكله؛ وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>سله من كذا سل الشعرة من العجين</span>.\nيحكى أنه لمّا هم حسان بن ثابت ﵁ أن يهجو أهل مكة قال له النبي ﷺ: كيف وأنا منهم؟ أو كما قال ﷺ فقال حسان: لأسلنك سل الشعرة من العجين! وأتي بعض الملوك في الصدر الأول برجل وضاع يضع الحديث كذبا فقال اضربوا عنقه! فذهبوا به ليقتلوه. فلما خرجوا قال لهم: أنظروني حتى أجرد كلامي وأسقطه من دواوين الحديث لئلا يلبس على الناس! فرجعوا إلى الملك وشاوروه فقال لهم: اقتلوه! فإنَّ هنا رجالا يسلون كلامه سل الشعرة من العجين. وقولك مثلا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>أسلط من ذئبٍ متنمرٍ</span>.\nوقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>السؤدد مع السواد</span>.\nأي إنّما يحصل زمان الفتوة وسواد الشعر. ونحوه قول الحماسي:\nإذا المرء أعيته السيادة ناشئًا ... فمطلبها كهلًا عليه عسيرُ\nوقولك مثلا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>أسير من المثلِ</span>.","vol":"3","page":183},{"text":"ونحو ذلك.\nومن أمثال العمامة قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>اسأل السائل عن طيب اللبن</span>!\nيضربون في مخالط الشيء المعنى له إنّه اعرف به. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>سخر البخيل يدبر عليك</span>!\nوأما الشعر فقالوا: تحسبها حمقاء وهي باخس وتقدم في الحاء. وقال جرير:\nوابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس\nوتقدم تفسير أبن اللبون والبازل والقرن بفتحتين: الحبل يجمع فيه البعيران. ومنه قول جرير:\nوأبلغ خليفتنا إنَّ كنت لاقيه إني لدى الباب كالمشدود في قرن!\nولززت البعير وغيره لزا ولزازًا، وألأززته: شددته وألصقته؛ والقناعيس جمع قنعاس بالكسر وهو العظيم من الإبل.\nوقال الحطيئة:\nمن يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس\nوقبله:\nلمّا بدا لي منكم عيب أنفسكم ... ولم يكن لجراحي منكم آس\nأزمعت يأسا مريحا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للحر كالياس\nجارا لقوم أطالوا هون منزله ... وغادروه مقيما بين أرماس\nملوا قراه وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنياب وأضراس\nدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي","vol":"3","page":184},{"text":"من يفعل الخير. . \" البيت \"\nوخاطب بهذا الشعر الزبرقان، وعليه سجنه أمير المؤمنين عمر ﵁. وقال زيد الخيل:\nأقاتل حتى لا أرى مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلاّ المكيس\nيروى مقاتلا بكسر التاء، وبفتحها على معنى موضع القتال.\nوقال أوس بن حجر:\nوليس فرار اليوم عارًا على الفتى ... إذا عرفت منه شجاعة بالأمس\nومثلهما قول عمرو بن معدي كرب:\nولقد اجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور\nولقد أعطفها كارهة ... حين للقوم من الموت هرير\nآخر:\nرب مغروس يعاش به ... عدمته كف مغترسه\nوكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه\nالمأتم بالتاء المثناة من فوق، على وزن مقعد كل مجتمع في حزن أو فرح، وقيل خاس بالنساء، وقيل بالشواب. وأطلق هنا على مجتمع الحزن. وأما المأثم بالثاء المثلثة فهو مفعل ما لا يحل كالاثم؛ والعرس بضمتين: طعام الوليمة. قال الراجز:\nأنا وجدنا عرس الحناط ... لئيمة مذمومة الحواط\nويخفف. والعرس بالفتح: الإقامة في الفرح، والعمود في وسط الفسطاط؛ والعرس بفتحتين الدهش؛ والعرس بالكسر: زوج الرجل؛ ولبؤة الأسد، وزوج المرأة أيضًا. وأما العروس فوصف يقع على الذكر والأنثى، ما داما في أعراسهما. والمعنى أنَّ حزن الدهر قريب من فرحه، كما أنَّ فرحه قريب من حزنه، وكذا الصحة والعافية والضيق والسعة ونحو ذلك.","vol":"3","page":185},{"text":"وقال الآخر:\nإنَّ كنت لا ترجى ولا تتقى ... فأنت كالميت في رمسه\nونظمها أبن شرف فقال:\nإنَّ لم تضر ولم تنفع فكن حجرا ... أو ميتا عن أمور العيش مشغولا\nوقال صالح بن عبد القدوس:\nوإنَّ من أدنته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه\nحتى تراه ناضرا مونقا ... بعد الذي أبصرت من يبسه\nوالشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في الثرى رمسه\nونظم هذا الأخير أبن شرف فقال:\nومن يعش وهو مطبوع على خلقٍ ... لاقى به التراب مضموما ومنقولا\nوقال الآخر:\nمن يزرع الخير يحصد ما يسر به ... وزارع الشر منكوس على الرأس\nوقال الآخر:\nما أقبح الكذب المذموم صاحبه ... وأحسن الصدق عند الله والناس\nوقال العباس بن الأحنف:\nوما مر يوم أرتجي فيه راحه ... فأخبره إلاّ بكيت على أمس\nولمحمود:\nأخو البشر محمود على كل حالةٍ ... ولن يعدم البغضاء من كان عابسا\nويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم أر مثل الجود للعرض حارسا\nغيره:\nيا حبذا الوحدة من أنيس ... إذا خشيت من أذى الجليس!\nغيره:\nلا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإنَّ أصبت فما الحزم من باس!\nالعجز ضعف وما بالحزم من ضرر ... وأزم الحزم سوء الظن بالناس\nغيره:","vol":"3","page":186},{"text":"وما نكد الدنيا على طيب ظلها ... وقرب حماها العذب شيء سوى الإنس؟\nغيره:\nيا راكب الفرس السامي يحكى لونه القبس\nلا أنت تبقى على سيف ولا فرس ... وليس يبقى عليك السيف والفرس!\nغيره:\nأقول له حين ودعته ... وكل بعبرته ملبس:\nلئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس!\nوللخنساء:\nترى الأمور سواء وهي مقبلة ... وفي عواقبها تبيان ما التبسا\nترى الجليس يقول القول تحبسه ... نصحا وهيهات ما نصحا به التمسا\nويحكى أنَّ أمير المؤمنين عمر ﵁ استنشدها فأنشدته هذا الشعر، فقال لها: أنت أشعر كل ذات هنٍ! فقالت: وكل ذي خصيين! قيل: وكان بشار يقول: ما قالت امرأة شعرا إلاّ ظهر عليه الضعف. فقيل له: حتى الخنساء؟ فقال: لا! تلك لها أربع خصى! غيره:\nتعب يدوم لذي الرجاء مع الهوى ... خير له من راحة في اليأس\nوهذا خلاف ما طلب امرؤ القيس في قوله:\nأماوي هل لي عندكم من معرس ... أم الصرم تختارين بالوصل نيأس؟\nأبيني لنا، إنَّ الصريمة راحة ... من الشك ذي المخلوجة المتلبس\nلكن طلب البيان من طول الضجر، ولا يقضي أن يكون التأييس خيرا من لا ترجيه.\nغيره:\nثنيت عزمي عن الدنيا وساكنها ... فأسعد الناس من لا يعرف الناسا\nغيره:\nجفوت أناسا كنت آمل قربهم ... وما بالجفا عند الضرورة من باس","vol":"3","page":187},{"text":"غيره:\nحفظ اللسان سلامة للرأس ... والصمت عز في جميع الناس\nغيره:\nرأيتك لا تهوين لا دراهمي ... عليك سلام الله قد ينفذ الكيس!\nغيره:\nصدر المجالس حيث حل لبيبها ... فكن اللبيب وأنت صدر المجالس!\nغيره:\nضحوك السن إنَّ نطقوا بخير ... وعند الشر مطراق عبوس\nغيره:\nقالوا: نفوس الدار سكناها ... وانتم عندي نفوس النفوس!\nغيره:\nلولا محبتكم لمّا عاتبتكم ... ولكنتم عندي كبعض الناس\nغيره:\nلو نظر الناس لأحوالهم ... لاشتغل الناس عن الناس\nغيره:\nما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت ولم أبصرك في الناس\nغيره:\nما بال دينك ترضى أنَّ تدنسه ... وثوب جسمك مغسول من الدنس؟\nغيره:\nما هذه أوّل ما مر بي ... كم مثلها مر على رأسي!\nغيره:\nمن لا رأى مصرا ولا أهلها ... فلا رأى الدنيا ولا الناسا\nغيره:\nنسيت مودتي أنَّ طال عهدي ... نعم! قد قيل: طول العمر ينسي!","vol":"3","page":188},{"text":"غيره:\nوما من هالك في الناس إلاّ ... ورأس هلاكه طلب الرياسه\nوقال أبو تمام:\nما في النجوم سوى تعلة باطل ... قدمت وأسس إفكها تأسيسا\nإنَّ الملوك هم كواكبنا التي ... تخفى وتطلع أسعدا ونحوسا\nومنها:\nلو أنَّ أسباب العفاف بلا تقى ... نفعت لقد نفعت إذا إبليسا!\nوقال أيضًا:\nوالدمع فيه خاذل ومواسي\nومنها:\nلا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناس\nوقال أيضًا:\nأرى الآفاتٍ قد كتبن على رأسي ... بأقلام شيب في مهارق انقاسي\nفإنَّ تسأليني من يخط حروفها ... فكف الليالي تستمد بأنفاسي\nجرت في قلوب الغانيات لشيبتي ... قشعريرة من بعد لين وإيناس\nوقد كنت أجرى في حشاهن مرة ... مجاري صافي الماء في قضب الآس\nفإنَّ أمس من حظ الكواعب آيسا ... فآخر آمال العباد إلى الياس!\nوقال الآخر:\nالكلب أعلى قيمة ... وهو النهاية في الخساسة\nممن ينازع في الرئاسة ... قبل أوقات الرئاسة\nغيره:\nاستودع العلم قرطاس فضيعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس!\nقال أبو علي العبادي في نوادره: وسمع يونس رجلا ينشد هذا البيت فقال: قاتله الله! ما أشد صبابته بالعلم وصيانته للحفظ! إنَّ علمك من روحك ومالك من بدنك، فصن علمك صيانة روحك، ومالك صيانة بدنك.","vol":"3","page":189},{"text":"وقال محمد بن إبراهيم يخاطب بعض أهله:\nأظنك أطغاك الغنى فنيستني ... ونفسك والدنيا الدنية قد تنسي\nفإنَّ كنت تعلو عند نفسك بالغنى ... فإني سيعليني عليك غنى نفسي\nوقال أعرابي سأل آخر حاجة، فتشاغل عنه:\nكدحت بأظفاري وأعلمت معولي ... فصادفت جلمود من الصخر أملسا\nوأقبلت أنَّ أنعاه حتى رأيته ... يفوق فواق الموت ثم تنفسا\nتشاغل لمّا جئت في وجه حاجتي ... وأطرف حتى قلت: قد مات أو عسا\nفقلت له: لا بأس لست براجع ... فأفرخ تعلوه السمادير مبلسا\nالسمادير: أم يتراءى للإنسان عند السكر.\nغيره:\nلئن درست أسباب ما كان بيننا ... من الود ما شوقي إليك بدارس\nوما أنا من أنَّ يجمع الله بيننا ... على خير ما كنا عليه بآيس\nوقال أحد بني شيبان:\nوما أنا من ريب المنون بجبا ... وما أنا من سيب الإله بآيس\nيقال: جبأ عن كذا يجبأ عنه، إذا هابه، ورجل جبأ.\nوقال مهلهل:\nنبئت إنَّ النار بعد أوقدت ... واستب معدك يا كليب المجلس\nوتكلموا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينسبوا!\nقوله المجلس أي الجالسون، والنبس: النطق، يقال نبس فلان.\nغيره:\nوالشيب إنَّ يحلل فإنَّ وراءه ... عمرًا يكون خلاله متنفس\nلم ينتقص مني المشيب قلامة ... الآن حين بدا ألب وأكيس\nومثله، في مدح الشيب، قول الآخر:\nلا يرعك المشيب يا بنت عبد ... الله، فالشيب حلة ووقار\nإنّما يحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلاها الأنوار!","vol":"3","page":190},{"text":"وسنذكر بعد ما قيل في الشيب، إن شاء الله.\nوقالت الخنساء:\nولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي!\nوقالت أيضًا:\nوما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي\nوهذان البيتان من قطعة لها تعارض فيها دريد بن الصمة، وكان دريد خطب الخنساء في حياة أخويها. فأراد أخوها معاوية إنَّ يزوجها، وكان أخوها صخر غائبا في غزاة له، فأبت وقالت: لا حجة لي به! فأراد أنَّ يكرهها، فقالت:\nتباكرني حميدة كل يومٍ ... بما يولي معاوية بن عمرو\nفلا أعط من نفسي نصيبا ... لقد أودى الزمان إذا بصخر\nأتكرهني هبلت على دريدٍ ... وقد أحرمت سيد آل بدر\nمعاذ الله يرصعني حبركى ... قصير الشبر من جشم بن بكر\nيرى مجدا ومكرمة أتاها ... إذا عشى الصديق جريم تمر\nالحبركي: القصير الجرلين، الطويل الظهر؛ والقصير الشبر: القليل الخير والعطاء. فقال دريد:\nلمن طلل بذات الخمس أمسى ... عفا بين العقيق فبطن طرس؟\nأشبهها غمامة يوم دجن ... تلألأ برقها أو ضوء شمس؟\nفأقسم ما سمعت كوجد عمرو ... بذات الخال من جن وانس\nوقاك الله يا ابنة آل عمرو ... من الفتيان أمثالي ونفسي\nفلا تلدي ولا ينكحك مثلي ... إذا ما ليلة طرقت بنحس\nوقالت إنّه شيخ كبير ... وهل خبرتها أني أبن أمس؟\nتريد أفيحج الرجلين شثنًا ... يقلع بالجديرة كل كرس\nإذا عقب القدور عددن مالا ... أحب حلائل الإبرام عرس\nوقد علم المراضع في جمادي ... إذا استعجلن عن حز بنهس\nبأني لا أبيت بغير لحم ... وأبدأ بالأرامل حين أمسي","vol":"3","page":191},{"text":"وإني لا يهر الضيف كلبي ... ولا جاري يبيت خبيث نفس\nواصفر من قداح النبع فرع ... به علمان من عقب وضرس\nدفعت إلى المفيض إذا تستقلوا ... على الركبات مطلع كل شمس\nفلما مات صخر قالت الخنساء تعارض دريدا في كلمته:\nيؤرقني التذكر حين أمسي ... ويردعني مع الأحزان نكسي\nعلى صخر، وأي فتى كصخر ... ليوم كريه وطعان خلس\nوعان طارق أو مستضيف ... يروع قلبه من كل جرس\nولم أر مثله رزءًا لجن ... ولم أر مثله رزءًا لإنس\nأشد على صروف الدهر منه ... وأفضل في الخطوب لكل لبس\nألا يا صخر لا أنساك حتى ... أفارق مهجتي ويشق رمسي!\nولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\nولكن لا أزال أرى عجولا ... تساعدن نائحا في يوم نحس\nتفجع والها تبكي أخاها ... صبيحة رزئه أو غب أمس\nيذكرني طلوع الشمس صخرًا ... وأبكيه لكل غروب شمس\nوقال أبو علي، عن أبن دريد: طلوع الشمس للغارات وغروبها للضيفان.\nوقال الآخر:\nتقوس بعد مر العمر ظهري ... وداستني الليالي أي دوس\nفأمشي والعصا تهوي أمامي ... كأنَّ مواءها وتر لقوسي\nونحوه الآخر:\nقوس ظهري المشيب والكبر ... والدهر يا عمرو كله غير\nكأنني والعصا تدب معي ... قوس لها وهي يدي وتر\nغيره:\nإذا تمنيت بت الليل مغتبطا ... إنَّ المنى رأس أموال المفاليس\nغيره:\nالله يعدل والآمال كاذبة ... وكل هذا المنى في القلب وسواس","vol":"3","page":192},{"text":"ومثله لحبيب:\nمن كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا\nولغيره:\nمنى إنَّ تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلاّ فقد عشنا بها زمنا رغدًا\nولمسلم:\nلولا منى العاشقين ماتوا ... غما وبغض المنى غرور\nوقال الصابئ:\nوكم من يد بيضاء حازت جمالها ... يد لك لا تسود إلاّ من النقس\nإذا رشقت بيض الصحائف خلتها ... تطرز بالظلماء أردية الشمس!\nأبن المعتز:\nإني إذا لم أجد يوما مراسلة ... وضاقت بي منتهى أمري وملتمسي\nلمرسل عبرة في إثرها نفس ... يا ليت شعري هل يأتيكم نفسي؟\nوقال أبو محمّد الحريري، رحمه الله تعالى:\nجزيت من أعلق بي وده ... جزاء من يبني على اسه\nوكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه\nولم أخسره وشر الورى ... من يومه أخسر من أمسه\nوكل من يطلب عندي جنى ... فماله إلاّ جنى غرسه\nلا ابتغي الغبن ولا أنثني ... بصفقة المغبون في حسه\nولست بالموجب حقا لمن ... لا يوجب الحق على نفسه\nورب مذاق الهوى خالني ... أصدقه الود على لبسه\nوما درى من جهله إنني ... أقضي غريمين الدين من جنسه\nفأهجر من أستبغاك هجر القلى ... وهبه كالملحود في رمسه\nوالبس لمن في وصله لبسة ... لباس من يرغب في انسه\nولا ترج الود ممن يرى ... انك محتاج إلى فلسه!\nوله أيضًا:","vol":"3","page":193},{"text":"حيارى يميد بهم شجونهم ... كأنهم آرتضعوا الخندريسا\nأسالوا الغروب وعطوا الجيوب ... وصكوا الخدود وشجوا الرؤوسا\nوله أيضًا:\nلعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومه ... على ما تجلى يومه لا أبن أمسه\nوما الفخر بالعظام الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه!\nوقال أيضًا:\nلبست لكل زمان لبوسا ... ولابست صرفيه نعمى وبوسا\nوعاشرت الرواة أدير الكلام ... وبين السقاة أدير الكؤوسا\nوطورا بوعظي أسيل الدموع ... وطورا بلهوي أسر النفوسا\nوأقري المسامع أما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا\nوإنَّ شئت أرعف كفي اليراع ... فساقط درًا يحلي الطروسا\nوكم مشكلات حكين إليها ... خفاء فبصرن بكشفي شموسا\nوكم ملح لي خلبن العقول ... وأسأرن في كل قلب رسيسا!\nوعذراء فهمت بها فانثنى ... عليها الثناء طليقا حبيسا\nعلى إنني من زماني خصصت ... بكيد ولا كيد فرعون موسى\nيسعر لي كل يوم وغى ... أطأ من لظاها وطيسا وطيسا،\nويطرقني بالخطوب التي ... يذبن القوى ويشبن الرؤوسا\nويدني إلى البعيد البغيض ... ويبعد عني القريب الأنيسا\nولولا خساسة أخلاقه ... لمّا كان حظي منه خسيسا\nوقال أيضًا:\nوليس كفء البدر غير الشمس\nومنها:\nوالفقريلجي الحر حين يمسي ... إلى التجلي في لباس اللباس\nوله:","vol":"3","page":194},{"text":"ما لي مقر بأرض ... ولا قرار لعنسي\nيوما بنجد ويوما ... بالشام أضحي وأمسي\nأزجي الزمان بقوت ... منغص مسخس\nفلا أبيت وعندي ... فلس ومن لي بفلس؟\nومن يعش مثل عيشي ... باع الحياة ببخس!\nغيره:\nلا يصعبن عليك في طلب العلا ... طول التنقل أو فراق المكنس\nفالبدر لو لم ينتقل عن برجه ... ما كان يعرف نوره في الحندس\nوالخمر يحجب نورها في دنها ... وتروق مهما نقلت للأكؤس\nوقال أبن المرزبان:\nكم ليلةٍ أحييتها ومؤانسي ... طرف الحديث وطيب حث الأكؤس\nشبهت بدر سمائها لمّا دنت ... منه الثريا في ملاءة سندس\nملكا مهيبا قاعدا في روضةٍ ... حياه بعض الزائرين بنرجس\nغيره:\nولم أدخل الحمام يوم فراقهم ... لأجل نعيم قد رضيت ببوسي\nولكم لتجري عبرة مطمئنة ... فأبكي ولا يدري بذلك جليسي\nغيره:\nتذكر أخي إنَّ فرق الدهر بيننا ... أخا في هواك الآن أصبح أو أمسى\nولا تنس بعد البعد حق مودتي ... فمثلي لا يَنسى ومثلك لا يُنسى!\nغيره:\nأدرها على أمن ولا تخش من باس ... وإنَّ خددت آذانها ورق الآسي\nوما هي إلاّ ضاحكات غمائم ... لواعب من ومض البروق بمقباس\nووفد رياح زعزع النهر مرة ... كما وطئت درعا سنابك أفراس\nغيره:\nبلد أغارته الحمامة طوقها ... وكساه ريش جناحه الطاووس","vol":"3","page":195},{"text":"فكأنما الأنهار فيه مدامة ... وكأنَّ ساحات الديار كؤوس\nغيره:\nأكره إنَّ أدنو من داركم ... لأنني أخشى على نفسي\nضرسي طحون وعلى خبزكم ... من أكل مثلي آية الكرسي\nهو الذي أقعدني عنكم ... فكيف أمشي ومعي ضرسي؟\nغيره:\nأفرط نسياني إلى غاية ... لم يدع النسيان لي حسا\nفصؤت مهما عرضت حاجة ... مهمة ضمنتها الطرسا\nوصرت أنسى الطرس في راحتي ... وصرت أنسى إنني أنسى!\nغيره:\nعلي ثياب دون قيمتها الفلس ... وفيهن نفس دون فيمتها الأنس\nفثوبك مثل الشمس من دونها الدجا ... وثوبي مثل من تحته الشمس!\nوقال أبو الطيب:\nألذ من المذام الخندريس ... وأحلى من معطاة الكؤوس\nمعاطاة الصفائح والعوالي ... وأقحامي خميسا في خميس\nفموت في الوغى عيشي لأني ... رأيت العيش في أرب النفوس!\nوقال أيضًا يخاطب محمّد بن زريق الطروسي:\nإني نثرت عليك درا فانتقد ... كثر المدلس فأحذر التدليسا!\nومنها:\nخير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا\nلو جادت الدنيا فدتك بنفيسها ... أو جاهدت كتبت عليك حبيسا\nوقال أيضًا:\nأنوك من عبد ومن عرسه ... من حكم العبد على نفسه\nوإنّما يظهر تحكيمه ... تحكم الإفساد في حسه","vol":"3","page":196},{"text":"ما من يرى انك في وعده ... كمن يرى انك في حبسه\nالعبد لا تفضل أخلاقه ... عن فرجه المنتن أو ضرسه\nلا ينجز الميعاد في يومه ... ولا يعي ما قال في أمسه\nوإنّما تحتال في جذبه ... كأنك الملاح في قلسه\nفلا ترج الخير عند امرئٍ ... جالت يد النخاس في رأسه\nوإنَّ عراك الشك في نفسه ... بحال فأنظر إلى جنسه!\nوقال أبو العلاء المعري:\nلا يوهمك أنَّ الشعر لي خلق ... وإنني بالقوافي دائم الأنس\nفإنما كان إلمامي بساحتها ... في الدهر إلمام طير الماء بالعلس\nالعلس: حب معروف وطير الماء لا تأكل الحبوب، وإنّما تصطاد السمك الصغار. وأراد بذلك التبرئة من قول الشعر.\nوقال أسقف نجران:\nمنع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي\nوطلوعها حمراء صافيه ... وغروبها صفراء كالورس\nتجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس\nلطيفة: حدث بعض الأدباء عن الأصمعي قال: حضرت مجلس الرشيد، وعند مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال له: ما أحدثت بعدنا؟ يا أبا نواس! فقال: يا أمير المؤمنين، ولو في الخمر؟ فقال: قاتلك الله، ولو في الخمر! فأنشده:\nيا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم!\nوفيها قوله:\nفتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم\nحتى أتى على أخرها. فقال: أحسنت يا غلام، أعطه عشرة آلاف وعشر خلع! فأخذها وخرج. فلما خرجنا من عنده قال مسلم بن الوليد: ألم تريا أبا سعيد إلى الحسن بن هانئ كيف سرق من شعري وأخذ به مالا وخلعا؟ فقالت: وأي معنى سرق؟ قال: قوله:","vol":"3","page":197},{"text":"فتمشت في مفاصلهم. . \" البيت \". فقلت: وأي شيء قلت؟ قال: قلت:\nغراء في فرعها ليل على قمرٍ ... على قضيب على غصن النقا الدهس\nأذكى من المسك أنفاسًا وبهجتها ... أرق ديباجة ًمن رقة النفسِ\nكأنَّ قلبي وشاحها إذا خطرت ... وقلبها قلبها في الصمت والخرسِ\nتجري محبتها في قلبِ وامقها ... جري السلافة في أعضاء منتكسِ\nفقلت: ممن سرقت أنت هذا المعنى؟ فقال: لا أعلم أنني أخذته من أحد. فقالت: بلى! من عمر بن أبي ربيعة حيث يقول:\nأما والراقصات بذات عرقٍ ... وربَّ البيت والركن العتيقِ\nوزمزم والطواف ومشعريها ... ومشتاقٍ يحن إلى مشوقِ\nلقد دب الهوى لك في فؤادي ... دبيب دم الحياة إلى العروقِ\nقال: ممن سرق عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: من بعض العذريين حيث يقول:\nواشرب قلبي حبها ومشى به ... كمشي حميم الكأس في عقل شاربِ\nودب هواها في عظامي وحبها ... كما دب في الملسوع سم العقاربِ\nفقال لي: من أخذ هذا العذاري؟ قلت: من أسقف نجران يعني السابق.\nوقال أبو الفتح البستي:\nيا أكثر الناس إحسانا إلى الناس ... وأكرم الناس إغضاء عن الناس\nنسيت عهدك والنسيان مغتفر ... فاغفر فأول ناس أوّل الناس!\nوقال مسلم بن الوليد في تفضيل الورد:\nكم من يد للورد مشهورة ... عندي وليس كيد النرجس\nالورد يأتي ووجوه الربى ... تضحك عن ذي برد أملس\nوقد تحلق بعقود الندى ... ثابتة في الأرض لم تغرس\nولن ترى النرجس حتى ترى ... روض الخزامى رثة الملبس\nوتخلف النكباء ما جددت ... أيدي الغوادي في سنا السندس\nوهناك يأتيك غريبا على ... شوقٍ من الأعين والأنفس\nغيره:","vol":"3","page":198},{"text":"من أحسن الظن بأعدائه ... تجرع الهم بلا كاس\nقال الصفدي: ولو كنت ناظم هذا البيت لقلت: من احسن الظن بأحبابه، ولم اقل: بأعدائه.\nولله در القائل:\nجزى الله خيرا كل من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا متعرف\nفلا نالني ضيم ولا مسني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت أعرف!\nوقال: يقال إنَّ رجلا كان على عهد كسرى يقول: من يشري ثلاث كلمات بألف؟ ولا يجد، إلى أن اتصل بكسرى، فأحضره وسأله عنها فقال: ليس في الناس كلهم خير. قال: صدقت! ثم ماذا؟ فقال: ولا بد منهم! قال: صدقت! ثم ماذا؟ قال: فألبسهم على حذر! فقال قد استوجبت المال، فخذه! قال: لا حاجة لي به، وإنّما أردت أن أرى من يشتري الحكمة! وقال أبو فراس:\nمالي أعاتب دهري أين يذهب بي؟ ... قد صرح الدهر لي بالمنع والياس\nأبغي الوفاء بدهر لا وفاء به ... كأنني جاهل بالدهر والناس\nونحوه في المعنى قوله أيضًا:\nأين الخليل الذي يرضيك باطنه ... مع الخطوب كما يرضيك ظاهره؟\nوقول أبن الساعاتي:\nلا يغرنك لتودد من قوم ... فإنَّ الوداد منهم نفاق\nوالقلوب الغلاظ لا ينزع الأحقاد ... منها إلاّ السيوف الرقاق\nوقول آخر:\nلا تثق من آدمي ... في وداد بصفاء!\nكيف ترجو منه صفوًا ... وهو من طين وماء؟\nوقول الآخر:\nومن يك اصله ماء وطينا ... بعيد من جلبته الصفاء\nوقال أبن قلاقس:","vol":"3","page":199},{"text":"غاض الوفاء وفاض ماء ... الغدر أنهارا وغدرا\nوتطابق الأقوام في ... أقوالهم سرًا وجهرا\nفأنظر بعينيك هل ترى ... عرفا وليس تراه نكرا!\nوهو من قول الطغرائي:\nغاض الوفاء وفاض الغدر وانفجرت ... مسافة الخلف بين القول والعمل\nوما أعدل قول محي الدين بن تميم في هذا:\nلك الخير كم صاحبت في الناس صحبا ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا\nوجربت أبناء الزمان فلم أجد ... فتى منهم عند المضيق ولا أنا!\nومثله لبعضهم:\nطفت زمانا على من ينصفني فلما أنصفت خنته أنا\nوتتميم هذا الغرض في موضع آخر، إن شاء الله تعالى.\nغيره:\nلم يكفني في الرأي خيبة منظري ... حتى حرمت لذاذة الإيناس\nكالأعور المسكين أعدم عينه ... وأعتاض منها بغضة في الناس\nووقال الآخر: محي الدين محمّد بن تميم في مليح ينسى كثيرا:\nبروحي الذي نسيانه صار عادة ... وأفرط حتى كاد يعدمه الحشا\nفلو إنّه بالهجر أضحى مهددي ... لمّا ساءني علما به إنّه ينسى\nوقال الآخر:\nوالله ما طلعت شمس ولا غربت ... إلاّ وأنت مني وقلبي ووسواسي\nولا جلست إلى قوم أحدثهم ... إلاّ وأنت حديثي بين جلاسي\nولا هممت بشرب الماء من ظمأ ... إلاّ رأيتن خيالًا منك في الكأس!\nوقال الآخر:\nإنَّ صحبنا الملوك تاهوا علينا ... واستخفوا جهلا بحق الجليس\nأو صحبنا التجار عدنا إلى البؤس ... وصرنا إلى عديد الفلوس\nفلزمنا البيوت نستعمل الحبر ... ونملا به وجوه الطروس","vol":"3","page":200},{"text":"وقعنا بما رزقنا فصرنا ... أمراء على الملوك الرؤوس!\nفقال آخر، مذيلًا لهذا الشعر:\nلو تركنا وذاك كنا ظفرنا ... من أمانينا بعلق نفيس\nغير أنَّ الزمان أعني بنيه ... حسودا على حياة النفوس\nوقلت أنا:\nإني امرؤ لا أنثني غبنا ... يوم المصاع بصفقة الوكس\nوإذا استطان البون من فرق ... لا ينزوي خلدي على رجس\nوإذا الزمان أحال نائبه ... حالي عففته فلم يحل نفسي\nوإذا تطاول لم\nوإذا استطاب الهون محتسبا ... نذل فلست تراه في كأسي\nأرعى الهبيد على القنان ولا ... أرعى بوهد أطيب الخلس\nوألذ آنية المياه إذا ... كان الفرات يشاب بالكرس\nوإذا استينت الخسف في بلدٍ ... يوما ومت لغيره عنسي\nإنَّ البلاد لذي الحجى وطن ... والناس كلهم بنو جنس\nويحكى إنَّ أبن سكرة في آخر أمره، لمّا مات الوزير المهلبي، سأل: ما أعددت للشتوة؟ فقال:\nقيل: ما أعددت للبرد ... فقد جاء بشده؟\nقلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده!","vol":"3","page":201},{"text":"وقلت أنا فيها، وجعلتها ثمانيا:\nإذا أومض البرق اليماني وأظنبت ... على الأرض من جنون الولي قباب\nفلد بثمان هن في الدهر للفتى ... وقاء إذا ما نالها وحجاب:\nكباب وكانون وكن وكاعب ... وكأس وكيس وكسوة وكتاب!\nوجمع بعضهم للصيق راآت ثمانية قابل بها كافات الشتاء، فقال:\nعندي فديتك راآت ثمانية ... ألقى بها الحر إنَّ وافى وردا:\nرب وروح وريحان وريق رشا ... ورفرف ورياض ناعم وردا\nوقد فتن الأدباء في هذا الغرض، فجمعوا هذا النمط أعداد، كقول بعضهم:\nرمتنا يد الأيام عن قوس خطبها ... بسبع وهل ناج من السبع سالم:\nغلاء وغارات وغزوة وغربة ... وغم وغدر ثم غبن ملازم!\nوكقول أبن التعاويذي:\nإذا اجتمعت في مجلس الشرب سبعة ... فبادر فما التأخير عنه صواب:\nشواء وشمام وشهد وشادن ... وشمع وشاد مطرب وشراب!\nوقول الآخر:\nعجل إلي فعندي سبعة كملت ... وليس فيها اللذات أعوان:\nطار وطبل وطنبور وطاس طلا ... وطفلة وطباهيج وطنان\nوقوله:\nجاء الخريف وعندي من حوائجه ... سبع بهن قوام السمع والبصر:\nموز ومن ومحبوب ومائدة ... ة مسمع ومدام طيب ومري\nوقول الصفدي:\nإذا تبين لي في مصر واجتمعت ... سبع فإني في اللذات سلطان:\nخدر وخمر وخاتون وخادمها ... وخلسة وخلاعات وخلان\nوقوله:\nثمانية إنَّ يسمح الدهر لي بها ... فليس عليها بعد ذلك مطلوب:\nمقام ومشروب ومزح ومأكل ... ومله ومشموم ومال ومحبوب","vol":"3","page":202},{"text":"وقوله:\nإلى متى أنا لا انفك في بلدٍ ... ورهن جيمات جورٍ كلها عطب:\nالجوع والجري والجريان والجدري ... والجهل والجبن والجرذان والجرب؟\nوقول الآخر:\nإذا كان في اسم المرء شين هوت به ... إلى الشر فليحذر أذاه المحاذر:\nشريف وشيعي وشيخ وشاهد ... وشمر وشريب وشرح وشاعر\nسوى الشافعي أو شاهد راق حسنه ... كذا الشهداء المتقون وشاكر\nوهذه الأشعار، كما ترى، الكثير من أصحابها يقصد إلى إحراز غرض يفوته أغراض، فتجده إذا وفى بذلك الغرض تعلل به ولم يتحرز عن اللفظ الخسيس، ولا عن المقصد السقيم، ولا عن التركيب المختل، والسبك الركيك والحشو، وغير ذلك مما ينبئ إنَّ قائله متكلف رازم العارضة لين الجلدة، غير مطبوع.\nوقال أعرابي يهجو قوما من طيء:\nولمّا أن رأيت بني خريقٍ ... جلوسا ليس بينهم جليس\nيئست من التي أقبلت أبغي ... لديهم إنني رجل يؤوس\nإذا ما قلت: أيهم لأي ... تشابهت المناكب والرؤوس!\nقوله: ليس بينهم جليس، أي لا ينتجع الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم وهذا من أقبح الهجو.\nوقال أبو بكر الخوارزمي:\nيا من يحاول صرف الراح يشربها ... ولا يفك لمّا يلقاه قرطاس\nالكأس والكيس لم يقض امتلاؤهما ... ففرغ الكيس حتى تملأ الكاسا!\nوقال عمرو بن معدي كرب:\nأتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس؟\nفلا تفخر بملكك، كل ملك ... يصير لذلةٍ بعد الشماس!\nولنكتف بهذا القدر من هذا الباب! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"3","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>باب الشين المعجمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>أشأم من البسوس</span>.\nالشؤم ضد اليمن، الشؤم الرجل بالضم على قومه وشئم عليهم بالبناء للمجهول: صار شؤما عليهم، وهو مشؤوم ومشوم والجمع مشائيم. قال الشاعر:\nمشائيم ليسوا مصالحين عشيرة ... ولا ناعب إلاّ ببين غرابها\nوشأمهم وشأم عليهم بالفتحح فيهما فهو شائم؛ والبسوس بالفتح الناقة لا تدر إلاّ بالابساس أي التلطف بها بأن يقال لها: بس، بس! كما مر. والبسوس أيضًا امرأة مشومة، وهي المضروب بها المثل.\nوكانت هذه المرأة أعطي زوجها ثلاث دعوات مستجابات، فقالت له: اجعل لي واحدة منهم! قال:: نعم فما تريدين؟ قالت: أدع الله أن يجعلني اجمل امرأة في بني إسرائيل! ففعل فرغبت عنه وهت بسيئ فدعا الله إنَّ يجعلها كلبة نباحة. فجاءه بنوها وقالوا: ما لنا على هذا من قرار يعيرنا بها الناس، فادع الله إنَّ يعدها إلى حالها! فدعا لها فهبت الدعوات كلها بشؤمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>أشأم من بني بسوس</span>.\nويقال أشام من البسوس. والبسوس أيضًا اسم امرأة من العرب، وهي خالة جساس بن مرة. وكان لمرة هذا عشرة من الولد، منهم جساس، ونضلة والحارث وهمام بنو مرة وهم من بني بكر بن وائل. وكان كليب بن ربيعة التغلبي من العزة والشرف في وائل بالمحل الذي لم يدرك وكان تحت كليب جليلة بنت مرة أخت جساس وكان لكليب حمى حماه لا يقربه أحد. ثم إنَّ جساس جاءته خالته البسوس فنزلت عليه،","vol":"3","page":205},{"text":"وكان لها أبن، وناقة يقال لها سراب بفصيلها. فدخلت سراب حمى كليب، فوجدها فيه وقد كسرت بيض حمر قد أجارها. فرماها بسهم فأصاب ضرعها. ويقال إنّه سأل عن الناقة فقيل له إنّها لخالة جساس، فقال: أو يبلغ من قدره إنَّ يجير دون إذني؟ وكان لا يجير أحد إلاّ بإذن كليب. فقال: يا غلام، ارم ضرعها! فرماه بسهم وقتل فصيلها، ونفى ابل جساس عن المياه وطردها على شبيث والاحص، وهما ماءان، حتى بلغ غدير الذئاب، فجاء جساس فقال: نفيت عن المياه مالي حتى تهلكه! فقال كليب: أنا للمياه شاغلون فقال استحللت تلك الإبل! فعطف عليه جساس فرسه فطعنه. فلما أحس بالموت قال: يا جساس، اسقني ماء! فقال: تجاوزت شبيبا والأحص! وآحتز رأسه وجاء مسرعا. فقالت أخته لأبيه: إنَّ جساس جاء خارجة ركبتها. فقال: والله وا خرجتا إلاّ لأمر! فلما بلغه قال: ما وراءك؟ قال: طعنت طعنت لتشغلن شيوخ وائل رقصا! قال: فتلت كليبًا؟ قال: نعم! قال: وددت انك وأخوتك متم قبل هذا! ما بنا إلاّ أنَّ تتشاءمنا وائل! ثم لقيه أخوه نضلة فقال:\nوإني قد جنيت عليك حربا ... تغيض الشيخ بالماء القراح\nفأجابه نضلة:\nفإنَّ تك قد جنيت علي حربا ... فلا وانٍ ولا رث السلاح\nوكان أخوه همام قد آخى مهلهلا، أخا كليب، وعاهده إلاّ يكتمه شيئًا. فجاءته أمه له وعنده مهلهل، فأسرت إليه الخبر. فقال الملهل: ما قالت؟ فلم يخبره، فذكر العهد فقال أخبرت أنَّ جساسا قتل أخاك كليبا. فقال: أست أخيك أضيق من ذلك! فقال مهلهل في ثأر أخيه، واجتمعت أشراف تغلي وأتوا مرة فتكلموا في القصاص من جساس وإخوانه. فذهب مرة إلى الدية فغضبت تغلب ووقعت الحرب بينهم أربعين سنه حتى ضربت بها العرب المثل الشؤم والشدة. وهي التي يقال لها حرب البسوس. ومن جملة ما وقع بينهم خمس وقائع عظام، أولاها يوم عنيزة، وهو المذكور في قصيدة مهلهل الرائية المشهورة، حيث قال:\nكأنا غدوة وبني أبينا ... ببطن عنيزة رحيا مدير","vol":"3","page":206},{"text":"وآخرها قتل جساس بن مرة. وكان سبب قتله أنَّ نساء تغلب لمّا اجتمعن للمأتم على كليب، قلن لأخت كليب: رحلي جليلة عن مأتمك، فإنَّ قيامها عار علينا وشماتة بنا! فقالت لها: اخرجي يا هذه عن مأتمنا، فإنك شقيقة قاتلنا! فرحلت وهي حامل. فولدت غلاما وسمته هرجسا، ورباه جساس، فكان لا يعرف أبا غيره، فزوجه ابنته. فوقع يوما بينه وبين بكري كلام، فقال البكري: ما أنت بمنته حتى الحقك بأبيك فأمسك عنه ودخل إلى أمه فسألها الخبر. فلما أوى إلى فراشه وضع أنفه بين ثديي زوجته وتنفس تنفسة نفط ما بين ثدييها من حرارتها. فقامت الجارية فزعة ودخلت إلى أبيها فأخبرته فقال: ثائر ورب الكعبة! فلما أصبح أرسل إلى الهجرس فأتاه فقال: إنما لأنت ولدي ومعي وقد كانت الحرب في أبيك زمنا طويلا حتى تفانيا وقد اصطلحنا الآن. فانطلق معي حتى نأخذ عليك ما أخذ علينا! فقال: نعم ولكن مثلي لا يأتي قومه إلاّ بسلاح! فأتيا جماعة من قومهما فقص عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء وما صاروا إليه من العافية ثم قال: هذا أبن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه. فلما قربوا الدم أخذ بوسط رمحه وقال: وفرسي وأذنيه ورمحي ونصليه وسيفي وغراريه ودرعي وزريه! لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه. ثم طعن جساسا فقتله ولحق بقومه. فكان آخر قتيل نتهم.\nوفي هذه القصة اضطراب كغيرها من الحكايات الجاهلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>أشأم من خوتعة</span>.\nخوتعة بالتاء المثناة على مثل جوهرة هو رجل من بني عقيلة ذل كنيف بن عمر التغلبي وأصحابه على بني الزبان الذهلي لترةً كانت لهم في عمرو بن الزبان فقتلهم. وتقدم شرح القصة وما يعرف به وجه الشؤم في حرف الهمزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>أشأم من الأخيل</span>.\nالأخيل هو الشقراق وقيل طائر آخر وهو مشؤوم وجمعه خيلٌ بكسر الخاء.","vol":"3","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>أشأم من داحس</span>.\nداحس بوزن فاعل فرس لقيس بن زهير وعليه وقعت المسابقة بينه وبين أبني حذيفة حتى هاجت الحرب بذلك بين عبس وذبيان أربعين سنة. ويقال لهذه الحرب حرب داحس. وتقدم تفسير القصة في حرف التاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>أشأم من الدهيم</span>.\nالدهيم بوزن الزبير الداهية؛ والدهيم أيضًا: الأحمق؛ والدهيم أيضًا: ناقة عمرو بن الزبان الذهلي قتل هو واخوته وحملت رؤوسهم عليها وقالوا: أشأم من الدهيم. وتقدم أنَّ خوتعة هو الذي ذل عليهم. والقصة في حرف الهمزة.\nوذكر أبو عبيد أنَّ هذا هو الأصل في إطلاق الدهيم على الداهية.\nوذكر البكري أيضًا هذه القصة فقال: كان من خبر الدهيم أنَّ مالك بن كرمة الشيباني لقي كنيف بن عمرو وكان مالك نحيفا وكان كنيف ضخما. فلما أراد مالك أسر كنيف اقتحم كنيف عن فرسه لينزل إليه مالك فيبطش به. فأوجره مالك السنان وقال: والله لتستاسرن أو لأقتلنك. فأدركهما عمرو بن الزبان فاختصما فيه هو ومالك فقالا: قد حكمنا كنيفا. فقال: من اسرك يا كنيف؟ فقال: والله لولا مالك لكنت في أهلي! فلطمه عمرو بن الزبان فغضب مالك وقال: أتلطم أسيري؟ ثم قال: إنَّ فاءك يا كنيف مائة ناقة وقد وهبتها لك بلطمة عمرو وجهك! فجز ناصيته وأطلقه. ولم يزل كنيف يطلب عمرو بن الزبان باللطمة حتى دله عليه رجل من عقيلة وقد ند لهم إبل. فخرج عمرو واخوته في طلبها وأدركها وذبحوا حوارا واشتووه وجعلوا يأكلون. فغشيهم كنيف في ضعف عددهم. فلما كشف كنيف عن وجهه قال له عمرو: يا كنيف إنَّ في خدي وفاء من خدك وما في بكر بن وائل أكرم من خدي. فلا تشب الحرب بيننا وبينك! فقال: كلا! أو أقتلك وأقتل اخوتك. فقتلهم وجعل رؤوسهم في مخال وعلقها على ناقة لهم يقال لها الدهيم فجاءت الناقة إلى الحي على نحو ما ذكرنا في الهمزة. فضرب حمل الدهيم مثلا في البلايا العظام.","vol":"3","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-666>أشأم من سراب</span>.\nسراب بوزن قطام هي ناقة البسوس خالة جساس بن مرة قاتل كليب وبسببها وقعت حرب البسوس. فتشاءمت العرب بها وتقدم آنفا شرح القصة. وهذا المثل هو المحفوظ في هذه القصة.\nوأما قولنا أوّلًا: أشأم من بني بسوس فهو على ما وقع في كلام بعض الأدباء وليس بجيد لأن المتشاءم به هو إما البسوس نفسها لا بنوها وأما ناقتها سراب كما هنا. ولو قيل: أشأم من بني مرة وهم جساس وإخوته لكن أيضًا صحيحا كما قال مرة لجساس حين قتل كليبا: ما بنا إلاّ أن تتشاءم منا أشياخ وائل! وقدم هذا كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>أشأم من الشقراء</span>.\nالشقراء مؤنث أشقر وهي هنا علم فرس شيطان بن لاطم قتلت وقتل صاحبها فقالوا: أشأم من الشقراء. وفيها كلام تقدم في الهمزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>أشأم من طويس</span>.\nطويس على مثل زبير مخنث كان بالمدينة وكان اسمه طاووسا. فلما تخنث سمي طويسا وهو مصغره بحذف الزوائد ويكنى أبا عبد المنعم. ويقال إنه أول من غنى في الإسلام. وكان يقول: إنَّ أمي كانت تمشي بالنمائم بين النساء الأنصار فولدتني في الليلة التي توفي رسول الله ﷺ وفطمتني يوم مات أبو بكر وبلغت الحلم يوم مات عمر وتزوجت يوم قتل عثمان وولد لي يوم قتل علي. فمن مثلي؟ ويقال إنه قال: يا أهل المدينة توقوا الدجال ما دمت بين أظهركم فإذا مت فقد أمنتم لأني ولدت في الليلة التي توفي رسول الله ﷺ الخ ما مر. وكان يقول في نفسه: أنا أبو عبد المنعم أنا طاووس الجحيم أنا أشأم من يمشي على ظهر الحطيم إلى غير ذلك مما لا نطول به من أخباره.","vol":"3","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>أشأم من عطر منشمٍ</span>.\nالعطر بالكسر معروف وتقدم في حرف الباء؛ ومنشم على مثل مجلس امرأة كانت بمكة عطارة وهي بنت المجية. وكانت خزاعة وجرهم إذا اقتتلوا تطيبوا من عطرها. فكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فقالوا:\n\nأشأم من عطر منشم.\nوقال زهير بن أبي سلمى:\nتداركتما عبسًا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشمِ\nوالمنشم أيضًا بكسر الشين وفتحها عطر صعب القرآن وقيل هو قرون السنبل سم ساعة وحمل عليه بيت زهير المذكور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>أشأم من غراب البين</span>.\nغراب البين قيل هو الحمر النقار والرجلين وقيل الأبقع منها وهو الذي في صدره بياض. قال عنترة:\nضعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقعُ\nوإنّما قال ذلك لأنه سمع نعيبه قبل رحيلهم فتشاءم به والعرب تتشاءم به. وسموه غراب بين لأنه بان عن نوح ﵇ لمّا وجهه لتنظر إلى الماء فذهب ولم يرجع ولذلك تشاءموا به. وقيل لأنّه ينعب في منازلهم إذا بانو عنها وينزل في مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا منها. فلما كان يوجد عند بينونتهم اشتقوا له اسما من البينونه وتشاءموا به لإنذاره بالبين وإعلامه بالفراق من كلام عنترة. وعلى هذا كل غراب فهو غراب البين. وقد قيل إنّما اشتقت الغربة والاغتراب والغريب من الغراب وأهل الزجر يلمحون ذلك ويتطيرون به كما قال قائلهم:\nوصاح غرابٌ فوق أعواد بانةٍ ... بأخبار أحبابي فقسمني الفكر\nفقلت: غراب لاغترابٍ وبانةٌ ... ببين النوى تلك العيافة والزجرُ\nوهبت جنوبٌ باجتنابي منهم ... وهاجت صبًا قلت: الصبابةُ والهجر!\nوقال الإمام المقدسي في وصف غراب البين: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين","vol":"3","page":210},{"text":"المصاب وينعق بين الخلان والأحباب إن رأى شملا مجتمعا أنذر بشتاته ربعًا عامرا أنذر بخرابه ودروس عرصاته يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن ويحذر الآكل غصة المأكل ويبشر الراحل بقرب المراحل ينعق بصوت فيه تحزين كما يصيح بالتأذين. وأنشد على لسان حاله:\nأنوح على ذهاب العم مني ... وحق أن أنوح وأن أنادي\nوأندب كلما عاينت ربعًا ... حدا بهم أوشك البين حادي\nوتقدم تمام هذه القصيدة في الدال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>أشأم من قدارٍ</span>.\nقدار بالقاف والدال المهملة على مثل غراب هو قدار بن سالف عاقر الناقة والقدار: الجزار. وقد قيل إنَّ قدارا هذا كان جزارا.\nوقد يقال في المثل: أشأم من أحمر ثمود وهو قدار المذكور. قال زهير:\nفتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطمِ\nقيل: أراد \" أحمر ثمود \" فغلط. وقيل ثمود من عاد وكان من خبره في عقر الناقة على اختصار أنَّ ثمودا كانت تبني على طول أعمارها. فاتخذوا من الجبال بيوتا يسكنوها في الشتاء كما قال الله تعالى وبنو قصرا يسكنونها في الصيف. فلما بعث الله إليهم صالحا على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال له زعيمهم: إن كنت صادقا فأظفر لنا من هذه الصخرة ناقة على صفة كيت وكيت! فأتى الصخرة فتمخضت كالحامل وانشقت عن الناقة ثم تلاها سقبها. فآمن به كثير منهم. فكان شربها يوما وشربهم يوما. فإذا كان يوم شربها حلبوها فملؤوا من لبنها كل إناء ووعاء. فلما امتنعت إياهم من الماء في يوم شربها استثقلوها. وكان فيهم امرأتان: عنزة وصدوق بذلنا أنفسهما لقدار على أن يعقر الناقة. وكان قدار أشقر أزرق قصيرا. وكان له صديق يعينه على الفساد في الأرض وكانا في تسعة من أهل الفساد. فضرب قدار عرقوبها بسيفه وضرب صاحبه العرقوب الآخر والتهموا لحمها. فخرجت ثمود إلى صالح وتزعم أنها لا ذنب لها.","vol":"3","page":211},{"text":"فقال: انظروا هل تدركون فصيلها، فعسى أنَّ يرفع العذاب! فالتمسوه، فصعد إلى جبل يقال له الغارة، وطال الجبل به السماء حتى ما تناله الطير وبكى، ثم أستقبلهم ورغا ثلاثا صالح: دعوة أجهلها ذاك تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. ذلك وعد غير مكذوب! وآية ذلك أنَّ تصبح وجوههم في اليوم الأول مصفرة، وفي الثاني محمرة، وفي الثالث مسودة. فلما رأوا صدقه في أوّل يوم أرادوا قتله، فمنع منهم. فلما رأوا صدقه في الثالث تجملوا وتكفنوا وبكوا وضجوا، وجعلوا ينظرون من أين يأتيهم في ديارهم جاثمين. فعقروها يوم الأربعاء وأصيبوا يوم الأحد.\nقيل: وإنّما أصيبوا والمذنب بعضهم، لأنهم رضوا فعله، أي فصاروا كلهم مذنبين بذلك. وبلدهم بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الجبشي. وقد مر النبي ﷺ بقريتهم ونهى الناس عن دخولها، ولمّا رأى صالح إنّها دار سخط ارتحل بمن معه إلى مكة. فلم يزالوا بها حتى توفاهم الله تعالى. قيل: قبورهم في غربي البيت بين دار الندوة والحجر. وقال الشاعر:\nكانت ثمود ذوي عز ومكرمةٍ ... ما إنَّ يضام لهم في الناس من جار\nفأهلكوا ناقة كانت لربهم ... قد أنذروها فكانوا غير أبرار\nوقال الآخر في المثل المذكور:\nوكان أضر فيهم من سهيل ... إذا أوفى وأشأم من قدار\nومراد هذا الشاعر،، بصدر البيت، ما يزعمون من إنَّ أكثر موت البهائم يكون عند طلوع سهيل. قال أبو الطيب:\nوتنكر موتهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أولاد الزناء\nوقال أبو العلاء:\nلا تحسبي إبلي سهلا طالعا ... بالشام فالمرئي شعلة قابس\nبل وغير البهائم أيضا، كما قال الأول: بال سهيل في الفضيخ ففسد","vol":"3","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>أشأم من قاشرٍ</span>.\nقاشر بالقاف والشين على وزن صاحب قال الجوهري: وهو فحل كان لبني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وكانت لقومه ابل تذكر. فاسطرقوه رجاء أنَّ تؤنث، فماتت الإبل والنسل. وقال الحريري: هو فحل كان في بعض قبائل سعد بن زيد أبن مناة، ما طرق إبلا إلاّ ماتت.\nوقيل: المراد به العام المجدب. وسمي قاشر لقشرة وجه الأرض من النبات. انتهى. قلت: والمعروف في اللغة إنَّ العام المجدب يقال له القاشور. قال الراجز:\nوابعث عليهم سنة قاشوره ... تحتلق المال أحتلاق النورة!\nوالقاشور أيضًا: المشؤوم. ويقال: قشرتم إذا شأمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>شب عمرو عن الطوق</span>.\nالشباب: الفتاء يقال شب الغلام يشيب شبابًا؛ وعمرو هو أبن عدي بن نصر اللخمي، أبن أخت جذيمة، أوّل ملوك لخم بالحيرة، بعد خاله جذيمة، كما تقدم ذلك في قتله للزباء؛ والطوق بالفتح حلي يجعل للعنق، وكل ما أستدار بالشيء. وكان من خبر عمرو في الطوق إنَّ جذيمة بلغه أنَّ غلاما من لخم يقال له عدي بن نصر عند أخواله من أيادٍ غاية في الظرف والأدب. وكان جذيمة قد أغار على أياد، فسرقت أياد صنمين كانا لجذيمة مشهورين. ثم عاهدوا على أنَّ يردوا إليه صنمية وأنَّ لا يغزوهم أبدا في قصة مشهورة. فشرط عليهم أنَّ يبعثوا مع الصنمين بالغلام الموصوف. فلما انتهى إليه ولاه مجلسه وكأسه والقيام على رأسه. فتعشقته رقاش بنت مالك، أخت جذيمة فقالت له: يا عدي، إذا سقيتهم فأمزج لهم وعرق الملك! أي امزج له قليلا كالمعروق فإذا أخذت منه الخمر فأخطبني له وأشهد الجماعة؟ ففعل الغلام، وزوجه جذيمة وأشهد عليه. فانطلق إليها وعرفها. فعلمت إنّه سينكر إذا أفاق، فقالت له: أدخل لأهلك! فبات عدي معرسا بها، وأصبح في ثياب جدد. ودخل على جذيمة فقال:","vol":"3","page":213},{"text":"ما هذه الآثار، يا عدي؟ قال: آثار العرس. قال: أي عرس؟ قال: عرس رقاش. فنخر جذيمة وأكب لوجهه غضبا. فهرب عدي ولحق بقومه، وبقي هناك حتى مات وقيل: بل أدركه جذيمة فقتله وبعث إلى أخته رقاش يقول:\nحدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين؟\nأم بعبد فأنت أله لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟\nفقالت له: زوجتني كفئًا كريما من أبناء الملوك! وقالت تجيبه:\nأنت زوجتني وما كنت أدري ... وأتاني النساء للتزيين\nذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصبا والمجون!\nثم إنّه جعلها في قصره، فاشتملت على حمل، فولدت وسمته عمرا ورشحته، فلما ترعرع حلته وعطرته وألبسته كسوة وأزارته خاله. فأعجب به وألقيت عليه منه محبة وقيل تبناه، وكان لا يولد له. وخرج جذيمة في عام مخصب وبسط له في روضة، وخرج عمرو بن عدي في غلمة يجنتون الكمأ، فكان منهم من وجد طيبة أكلها، وعمرو إذا أصابها خبأها. ثم أقبلوا يسرعون، وعمرو يقدمهم وهو يقول:\nهذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه!\nفالتزمه جذيمة وحباه.\nثم إنَّ الجن استهوت عمرًا ففقد فطلبه جذيمة في آفاق الأرض، فلم يسمع له خبرا حتى أقبل رجلان من بلقين وهما مالك وعقيل، ابنا فالح من الشام يريدان الملك بهدية ومعهما قينة يقال لها أم عمرو. فبينما هما على ماء، وقد هيأت لهما القينة طعاما وجعلا يأكلان، إذ أقبل رجل أشعت الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله. فناولته القينة طعاما وسقت صاحبيها. فقال عمرو: اسقني! فقال: لا تطعم العبد الكراع، فيطمع في الذراع! وأوكت سقاءها. فقال عمرو:\nصددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا\nوما شر الثلاثة أم عمرو ... بصحابك الذي لا تصحبينا!\nفقالا له: من أنت يا فتى؟ قال أنا عمرو بن عدي. فأخذاه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي عنده أنفس ولا هو عليها أكثر","vol":"3","page":214},{"text":"صفدا من أبن أخته! وحملاه معهما حتى بلغاه جذيمة. فسر به سرورًا شديدًا وصرفه إلى أمه وقال: تمنيا علي! فقلا: منادمتك، ما بقيت وما بقينا. فنادمهما. ويقال انهما أقاما في منادمه أربعين سنة يحدثانه، فما أعادا عليه حديثا. وهما ندما جذيمة المشهوران المضروب بهما المثل في شدة الألفة والمصاحبة، في قول أبي خراش:\nتقول: أراه بعد عروة لا هيا ... وذلك زرء لو علمت جليل\nفلا تحسبني أنَّ قد تناسيت عهده ولكن صبري يا أميم جميل\nألم تعلمي أنَّ قد تفرق قبلنا ... نديما صفاء: مالك وعقيل؟\nوفي قول متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا:\nوكنا كندماني جذيمة حقبه ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا\nفلما تفرقا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا!\nوفي قول بعض المحدثين:\nنحن كنا في التصافي ... مثل ندماني جذيمه\nفأتى الصرم بيوم ... دونه يوم حليمه\nتقدح الأيام حتى ... في المودات القديمه\nوكان قبل ذلك جذيمة لا ينادم أحدا، زهوا وكبرا، ويقول: هو أعظم من أن ينادم إلاّ الفرقدين! فكان يشرب كأسا ويريق للفرقدين كأسا. ثم إنَّ رقاش أخذت ابنها عمرا وأدخلته الحمام. فلما خرج ألبسته من فاخر الثياب وجعلت في عنقه طوقا من ذهب كان له، وأمرته بزيارة خاله. فلما رأى جذيمة لحيته، والطوق في عنقه، قال: شب عمرو عن الطوق! وقيل إنّها لمّا أرادت أنَّ تعيد الطوق عن عنقه قال لها جذيمة: كبر عمرو عن الطوق! فذهبت مثلا يضرب للابس ما دون قدره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>أشبه من الغراب بالغراب</span>.\nأشبه بالكسر والشبه بفتحتين، والشبيه: المثل، وجمعه اشباه؛ وشابهه، وأشبهه: ماثله؛ واشتبها وتشابها: تماثلا؛ وشبهته إياه وبه تشبيها مثله؛ والغراب تقدم. ولمّا كانت الغرابان غالبا على صفة واحدة","vol":"3","page":215},{"text":"ولون واحد، وحصل بينها تشابه مطرد وتساو متفق، فضربوا بتساويها المثل فقالوا: فلان أشبه بفلان من الغراب بالغراب: ومنه قول الغرابة، من المبتدعة، إنَّ عليا أشبه النبي ﷺ من الغراب بالغراب. وبدعتهم معروفة تحاشينا عن تلويث الكتاب بها، لعنهم الله وأخلى منهم الأرض!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>أشبه شرج شرجا لو إنَّ أسميرًا</span>.\nالشبه مر، والشرج بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها جيم واد باليمن والشرج مسيل الماء من الحرة إلى السهل مطلقا، وله معان أخر. وأما الشرج بفتحتين فهو مسيل الوادي، وأسمير تصغير اسمر بضم الميم والأسمر جمع سمرة وهو الشجر المعروف يقال سمرة والجمع سمر وسمرات وأسمر، وتصغيره أسيمر.\nوهذا المثل يضرب في الشيئين يتشابهان ويفترقان. وكان أصله أنَّ لقمان بن عدا قال للقيم بن لقمان: أقم هاهنا حتى أنطلق إلى الإبل! فنحر لقيم جور فأكلها ولم يخبئ شيئًا للقمان، فخاف لومه فحرق ما حوله من السمر الذي بهذا الوادي، وهو شرج ليخفي ذلك المكان. فلما جاء لقمان: جعلت الإبل تثيل الجمر بأخفافها، فعرف لقمان ذلك المكان وأنكر ذهاب السمر منه، فال حينئذ: أشبه شرج شرجا لو إنّه أسيمرا!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>شتى تؤوب الحلبة</span>.\nالشتى جمع شتيت، وهو المفترق. وقال رؤبه يصف إبلا:\nجاءت معا وأطرقت شتيتا ... وهي تثير الساطع السختيتا\nوالأوب: الرجوع يقال: آب يؤوب أوبا وإيابا والحلبة جمع حالب وحلب الناقة والشاة معروف.\nوالمعنى انهم إذا ذهبوا اجتمعوا، وإذا قضوا مآربهم رجعوا متفرقين. ومضربه ظاهر.","vol":"3","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-677>أشجع من الديك</span>.\nالشجاعة معروفة، شجع الرجل بالضم فهو شجاع كغراب والديك معروف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>يشج مرة ويأسو أخرى</span>\nالشج معروف، والأسو: المداواة، أساه، يأسوه أسوا: داواه، وآسى بين القوم أصلح، فمعنى المثل إنّه يفسد أحيانا ويصلح أحيانا، ويضرب لمن يصيب مرة ويخطئ أخرى، أو يضر مرة وينفع أخرى، ونحو ذلك ونظمه صالح بن عبد القدوس فقال:\nقل للذي لست أدري من تلومه: ... أناصح أم على عيش يداجيني؟\nإني لأكثر مما سمتني عجبا ... يد تشج وأخرى منك تأسوني\nلو كنت أعلم منك الودهان له ... علي بعض الذي أصبحت توليني\nلا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني\nأرضى عن المرء ما أصفى مودته ... وليس شيء من البغضاء يرضيني\nلا أبتغي ود يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>الشجاع موقى والجبان ملقى</span>.\nمعناه إنَّ الشجاع مع إقدامه وتعطيه المهالك بنفسه، محفوظ غالبا والجبان مع مثرة حذره هالك قال البكري: وهذا كما روي عن أبي بكر وعن علي، ﵄: أحرص على الموت توهب لك الحياة! وقال الشاعر:\nتأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... انفسي حياة مثل أنَّ أتقدما\nانتهى.\nقلت: ومثله شاع اليوم في ألسنه العامة، يقولون: متى طلب الرجل إنَّ يموت لم يجد قاتلا؛ غير أنَّ ما ذكره البكري في البيت الحصين بن الحمام المذكور","vol":"3","page":217},{"text":"محتمل وأظهر منه إنَّ يريد بالحياة عند التقدم ما يكتسبه من شرف الذكر الباقي بعده. فإنَّ بقاء الاسم والذكر والمآثر والمفاخر حياة انفع عند ذوي الهمم من حياة الجسم مع سبة الفرار واللوم. فكأنه يقول: تأخرت أستبقي حياة جسمي فبدالي الله تعالى الحياة الأخرى افضل لي. ولو كان على ما قاله البكري لم يكن لافتخاره محل لأنّه إنّما يطلب الحياة بإقدامه ولم يقدم شجاعة ولقاء بأس فإقدامه كالفرار ولا فضيلة له وهذا باطل. وقد قال بعد هذا البيت:\nوليس على الإدبار تدمى كلومنا ... وكان على أقدامنا تقطر الدما\nوقول أبي الطيب:\nيرى الجبناء أنَّ الجبن حزمٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيمِ\nوحتما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>شحمتي في قلعي</span>.\nالشحمة: القطعة من الشحم وهو معروف؛ والقلع بفتح القاف وسكون اللام وتحرك أيضًا شيء يجعل فيه الراعي زاده وأداته يشبه الكنف بكسر الكاف وهو وعاء أدوات الراعي. قال الراجز:\nيا ليت أني وقشامًا نلتقي ... وهو على ظهر البعير الأورقِ\nوأنا فوق ذات غربٍ خيفق ... ثم اتقي وأي عصر اتقي\nبعلبةٍ وقلعه المعلقِ\nيضرب هذا المثل في الشيء يكون في ملكك وحوزك تتصرف فيه كيف شئت كما أنَّ الشحمة إذا كانت في قلعك كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>شحيمةٌ في حلقي</span>.\nالشحيمة تصغير الشحمة وتقدم؛ والحلق بفتح الحاء المهملة الحلقوم. وهذا المثل مما وضع على لسان الذئب. يقولون: قيل للذئب: ما رأيك في غنيمة ترعاها جويرية؟ قال: شحيمةٌ في حلقي يعني إنّها حاصلة بلا تعب","vol":"3","page":218},{"text":"وصغرها تقللا واستسهالا. قيل: فغنيمة يرعاها غليم. قال شعراء في إبطي أخشى حظواته. الشعراء ذباب أزرق له لدغ يقع على الإبل والدواب والحظوات سهام صغار من قصب لينة يتعلم بها الغلمان؛ وكذلك الجماح ولا نصل له.\nقال الشاعر:\nأصابت حبة القلب ... بسهم غير جماحِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>شحمة الرُكى</span>.\nشحمة الرُكى على وزن ربى وهو الذي يذوب سريعا. يضرب لمن يعينك في الحاجات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>اشد من الفرس</span>.\nالشدة بالكسر اسم من الاشتداد. واشتد الأمر فهو مشتد؛ والفرس معروف وتقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>أشد من الفيل</span>.\nالفيل بالكسر معروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>أشد من الدَّلم</span>.\nالدَّلم بفتحتين والدال المهملة شيء يشبه الحية يكون بالحجاز. وقيل نوع من القرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>اشتدي زيم</span>!\nالاشتداد هنا العدو؛ وزيم بكسر الزاي ز فتح الياء المثناة من تحت بوزن عنب اسم فرس. وهذا في شعر للحطم القيسي يقول:","vol":"3","page":219},{"text":"هذا أوان الشد فاشتري زيم وتمثل به الحجاج في خطبته الكوفية.\nقال أبو العباس المبرد في الكامل: حدثني الثوري في إسناد ذكره آخره عبد الملك أبن عمر الليثي قال: بينما نحن بالمسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة إذ ذاك في حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أتانا آت فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرا على العراق! فإذا به قد دخل المسجد معتمًا بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلدا سيفًا متنكبًا قوسًا يؤم المنبر فمكث ساعة لا يتكلم. فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق! حتى قال عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى تنظر! فلما رأى عيون الناس أليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال:\nأنا أبن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني!\nثم قال: يا أهل الكوفة أني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى! ثم تمثل فقال:\nهذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم\nليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزارٍ على ظهر وضم\nثم قال:\nقد لفا الليل بعصلبي ... أوزع خراجٍ من الدوي\nمهاجرٍ ليس بأعرابي\nوقال:\nقد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا\nوالقوس فيها وترعد ... مثل ذراع البكر أو اشد!\nأي: والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين. ولق فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة. وإنَّ أمير المؤمنين نثر كنانته","vol":"3","page":220},{"text":"فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا واصلبها مكسرا فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل! فإنكم كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف. وإني والله ما أقول إلاّ وفيت ولا أهم إلاّ أمضيت ولا أخلق إلاّ فريت! وإنَّ أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم إلى محاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة وإني اقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذه عطاءه بثلاثة أيام إلاّ ضربت عنقه! يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين١ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين. . فلم يقل أحدٌ منهم شيئا. فقال الحجاج: اكفف يا غلام! ثم أقبل على الناس فقال: أسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئا؟ هذا أدب أبن لهيعة! أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن! اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين! فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم! لم يبق أحد في المسجد إلاّ وقال: على أمير المؤمنين السلام! ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم. فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي أبن هو أقوى مني على الأسفار أتقبله بدلا مني؟ فقال له الحجاج: نفعل أيّها الشيخ! فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا. قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي يقول:\nهممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله\nودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا فوطئ بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه. فقال: ردوه! فقال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين بدلا يوم الدار إنَّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاحًا للمسلمين! يا حرس اضربا عنقه! فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل ويأمر وليه أن يلحقه بزاده. وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:\nتجهز فإما أن تزور أبن ضابئ ... عميرًا وإما أن تزور المهلبا","vol":"3","page":221},{"text":"هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا\nفأضحى ولو كانت خرسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي اقربا!\nوفي هذه القصة ألفاظ تخفى. فقوله: أنا أبن جلا، أي المنكشف الأمر، وهو لسحيم بن واثلة وفيه كلام يأتي من حرف النون، إن شاء الله تعالى.\nوقوله، أرى رؤوسا قد أينعت، أي أدركت، يقال: أينعت الثمرة إيناعا وينعت أيضًا ينعا. قال تعالى:) انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه (. وقال الشاعر في الفعل:\nولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا\nخرفه حتى إذا أرتبعت ... ذكرت من جلت بيعا\nفي قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا\nوقوله: هذا أوان الشد فاشتدي زيم! وهي فرس كما مر. وقال المبرد: يعني فرسا أو ناقة.\nوقوله: بسواق حطم، الحطم: الذي لا يبقي من السير شيئًا، ويهلك المال بذلك. ومنه قيل النار التي لا تبقي حطمة.\nوقوله: على ظهر وضم، والوضم بفتحتين كل ما يقطع عليه اللحم. وتقدم في التاء. قال الشاعر:\nوفتيان صدق حسان الوجوه لا يجدون لشي ألم\nمن آل المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحم الوضم\nوقوله: بعصلبي، العصلب بالعين والصاد المهملتين، على مثال جحدب، والعصلبي بياء النسبة، والعصلوب: القوي الشديد الخلق، العظيم؛ وأروع أي ذكي.\nوقوله: خراج من الدوي الدو بتشديد الواو؛ والدوى والداوية: الفلاة لا علم فيها ولا أمارة. قال الحطيئة:\nوأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي\nيريد: بخروجه من الدو أنَّ يخرج من كل غماء وشدة على طريق التمثيل.","vol":"3","page":222},{"text":"وقوله: وتر عرد، أي شديد. ويقال أيضًا عرند بالنون.\nوقوله: ما يقعقع لي بالشان، واحدتها شن بالفتح، ويقال أيضًا شنة وهي قربة البالية اليابسة، فيقعقع بها فتنفر الإبل من صوتها. وضرب ذلك مثلا لنفسه في الثبات. قال النابغة:\nكأنك من جمال بني أقيشٍ ... يقعقع بين رجليها بشن\nوقوله: فررت عن ذكاء هنا تمام السن. ومنه قول أبن زهير: جري المذكيات غلاب.\nويطلق الذكاء أيضًا على حدة القلب. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:\nيفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء\nوقوله: عجم عيدانها، أي مضغها ليعرف الأصلب. قال النابغة:\nفظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق غير ذي أود\nوقال علقمة:\nسلاءه كعصل النهدي غل بها ... ذو فيئة من نوى قرآن معجوم\nوقوله: طالما أوضعتم الأضياع: ضرب من السير.\nوقول الأسدي: فأضحى ولو كانت خرسان دونه أي دون سفره فإنه يراها قريبة لخوفه وطاعته. وأما قول ضابئ بن الحارث: هممت ولم أفعل. . \" البيت \"، فكان من قصته إنّه وجب عليه حبس وأدب عند عثمان ﵁، فعثر عليه، فأحسن أدبه، فقال في ذلك:\nوقائلة: إنَّ مات في السجن ضابئ ... لنعم الفتى تخلو به وتواصله!\nوقائلة: لا يبعدن ذلك الفتى ... ولا تبعدن أخلاقه وشمائله\nوقائلة: لا يبعدن الله ضابئا ... إذا الخصم لم يوجد له من يقاوله!\nفلا تتبعي إنَّ هلكت ملامة ... فليس بعار قتل من لا أقاتله!\nهممت ولم أفعل. . \" البيت \"\nوما الفتك ما أمرت فيه الذي ... تخبر من لاقيت انك فاعله","vol":"3","page":223},{"text":"ويشبه ما وقع لابن ضابئ ما وقع لأبي شجرة السلمي، وكان من فتاك العرب. فأذى عمر بن الخطاب، ﵁، ليحمله، فقال له عمر: ومن أنت؟ قال: أنا أبو شجرة السلمي. فقال له عمر: ألست القائل، حيث ارتددت:\nورويت رمحي من كتيبة خالدٍ ... وإني لأرجو بعدها أعمرا\nوعارضتها شهبا تخطر بالقنا ... ترى البيض في حافاتها والسنورا؟\nثم أنحى عليه بالدرة. فسعى إلى ناقة وحل عقالها وأقبل بها حرة بني سليم باحث سير هربا من الدرة وهو يقول:\nقد ضن عنها أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق\nفمال يضربني حتى خذيت له ... وجال من دوني بعض الرغبة الشفق\nثم التفت إليها وهي حانية ... مثل الرتاج أنا ما لزه الغلق\nفي أبيات.\nوقوله: وكل متخبط يوما له ورق، أي كل مسؤول فله فضل يسيده، ونوال يوليه وأصل في الشجرة انك تختبطها ببعضها ونحوها، فيسقط ورقها. قال زهير:\nوليس مانع ذي قربى ولا رحمٍ ... يوما ومعدم من خابط ورقا\nقوله: حتى خذيت له، يقال: خذاله، وخذئ له بالفتح والكسر مهموزا واستخذى له، إذا خضع له وانقاد؛ وخذا يخذوا وخذوا إذا استرخى وخذيت أذنه بالكسر تخذى، إذا استرخت من أصلها وانكسرت، مقبلة على الوجه. فيحتمل أنَّ يكون قوله: خذيت له، من المهموز أو غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>اشتدي أزمة تنفرجي</span>!\nالاشتداد تقدم، والأزمة: الشدة والقحط، يقال: أصابتهم سنة أزمتهم أزما، أي استأصلتهم، وأزم الدهر إي اشتد وقل خيره؛ وأزم الرجل بصاحبه: لزمه، وألزمه: عضه؛ والانفراج: الانفتاح والاتساع. وهذا اللفظ حديث يروى. ولمّا كانت الحكمة الإلهية جرت بتنقلات الحوادث وتحولات الأحوال، وعدم استقرارها على حال، صارت الشدة إذا تناهت لم يعقبها إلاّ الفرج، كما أنَّ الفرج إذا تناهى لم يعقبه","vol":"3","page":224},{"text":"إلاّ شدة فصارت الشدة مفتاح الفرج وسببا فيه بهذا الاعتبار. فإذا طلبت الشدة فذاك طلب الفرج، وإقامة للسبب مقام المسبب. قال تعالى:) فإن مع العسر يسرا (. وفي الحديث الآخر: احفظ الله يحفظك! احفظ الله تجده أمامك! تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة! وأعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك! وأعلم أنَّ النصر مع الصبر، وإنَّ الفرج مع الكرب، وإنَّ مع العسر يسرًا! وقال الشاعر:\nضاقت ولو لم تضق لمّا انفرجت ... فالعسر مفتاح كل ميسور\nغيره:\nخفض الجأش واصبرن رويدًا ... فالرزايا إذا توالت تولت!\nوقيل: وكان الإمام سحنون يقول إذا ضاقت عليه أمر ضيقي تفرجي يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>شراب بأمقعٍ</span>.\nالشراب معروف، وتثلث شينه، شرب بالكسر شربا وتشرابا، فهو شارب وشراب للمبالغة وأشربته أنا. وقيل: الشرب بالفتح مصدر وبالكسر والضم اسمان والشرب بالكسر أيضًا الحظ من الماء؛ والمقع بفتح الميم وسكون القاف: أشد الشرب. وفلان شراب بأمقع، أي معاود للأمور، يأتيها حتى يبلغ أقصى مراده\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>شراب بأنقع</span>.\nالانقع جمع نقع بفتح والنون وسكون القاف، وهو الماء المستنقع. وهذا أيضًا يضرب لمن جرب الأمور وعودها، كالذي قبله، أو للداهي المنكر، لأن الدليل إذا عرف الفلوت حذف بسلوك الطرق إلى الماء، وعرف أين يهتدي إلى الأنقع حتى يشرب منها","vol":"3","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>أشرد من نعامةٍ</span>.\nالشرود: الفرار؛ والنعام معروف، ولا أسرع منه عند شروده. قال:\nوهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرًا وأشرد من نعام\nغيره:\nوولو سراعا كشد النعام ... ولم يكشفوا عن ملك حصيرا\nغيره: وكانوا نعاما عند ذلك منفرا والعرب تضرب به المثل في الجبن أيضًا مع ذلك، كما قال عمران بن حطان:\nأسد علي في الحروب نعامةٌ ... فتخاء تنفر من صفير الصافر\nوكما قال محكم اليمامة: إنَّ خالد لقي أسدًا وغطفان، فأشار عليهم بذباب السيف، فكانوا كالنعام الجافل، أو كما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>أشرد من ورلٍ</span>.\nالشرود مر، والورل بفتحتين حيوان على خلقة الضب وهو أعظم منه وتقدم في حرف السين.\nفائدة: ذكر بعضهم، إنّه لا يجتمع الراء واللام في لغة العرب إلاّ في أربعة ألفاظ: الورل المذكور وأرل اسم جبل والغرلة وهي القلفة، وجرل وهو ضرب من الحجارة. انتهى.\nقلت: أما الورل فقد ذكرنا ضبطه، وأما أرل فبضمتين، وهو اسم جبل واسم موضع ببلد فزارة أيضا، وأما الغرلة فبضم الغين وسكون الراء. ورجل أرغل والجمع غرل، كما في الحديث: يحشر الناس حفاة عراة غرلا؛ وأما الجرل فبالجيم والراء المفتوحتين وهو الحجارة أو مع الشجر أو مع المكان الصلب الغليظ، جرل المكان بالكسر فر جرل ككتف والجمع أجرال.","vol":"3","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>شر الرأي الدبري</span>.\nشر أسم تفضيل. يقال: هذا أشر من هذا وشر منه بغير همز تخفيفا، كما يقال: هذا خير من هذا، وهو الأكثر استعمالا؛ والرأي: الاعتقاد، جمعه آراء ورئي، والدبري بفتحتين: الرأي الذي يسنح للإنسان أخرا، بعد فوات الحاجة. والدبري أيضًا: الصلاة آخر وقتها. قيل: والضم فيها من لحن المحدثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>شر الرعاء الحطمة</span>.\nالحطمة على مثال همزة من الرعاة: الذي يهلك الماشية ويهشم بعضها ببعض، من الحطم، وهو الكسر ويضرب في سوء السياسة.\nقال في الصحاح إنّه مثل، ومثله قول الراجز:\nلقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس يراعي إبل ولا غنم\nووهمه صاحب القاموس وقال أنه حديث صحيح عن النبي ﷺ. قلت: وليس فيه كبير وهم، إذا لا منافاة. وكذلك وقع لأبي عبيد في كتابه إنّه مثل من أمثالهم.\nوقال البكري في شرحه إنّه كلام يروى في حديث مرفوع عن النبي ﷺ. قال الحسن: دخل العائد بن عمرو المزني وكان من صالحي أصحاب محمّد ﷺ، على عبيد الله بن زياد فقال له: إي بني، إني سمت رسول الله ﷺ يقول: من شر الرعاء الحطمة. فإياك أنَّ تكون منهم! قال عبيد الله: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمّد ﷺ! قال: وهل كانت فيهم نخالة؟ وإنّما النخالة بعدهم في غيرهم. فائدة: إذا كان راعي الإبل أو الماشية كلها اخرق يظلمها قيل له حطمة، كما مر؛ وإذا كان رفيقا بها يحسن رعايتها قيل له ترعية وترعاية. وقيل أنَّ هذا لمن كانت صناعته وصناعة آبائه رعاية الإبل.","vol":"3","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>شر السير القحقحة</span>.\nالسير معروف، والقحقحة: السير المتعب. ويقال قهقهة بقلب الحاء هاء ومنه قول رؤبة:\nيصبحن بعد القرب القهقهة ... بالهيف من ذاك البعيد الأمقه\nقال أبو علي البغدادي في نوادره: قال مطرف بن الشخير لأبنه: عليك بالقصد وإياك وسير القحقحة! يريد الأتعاب.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قيما يضرب من الأمثال في التوسط في الأمور: منه قول مطرف بن عبد الله بن الشخير: الحسنة بين السيئين وخير الأمور أوساطها، وشر الأمور سير القحقحة. انتهى.\nقال البكري: قال مطرف يوصي ابنه: يا عبد اله، إنَّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق ولا تنغص إلى نفسك عبادة ربك! فإنَّ الحسنة بين سيئتين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير القحقحة، وإنَّ المنبت لا أرض قطع ولا ظهر أبقى انتهى.\nقال: ومن قوله: إنَّ هذا الدين متين. . إلى آخر الحديث، مرفوع إلى النبي ﷺ وأسير بيت في هذا قول الشاعر:\nعليك بأوساط الأمور فأنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>الشر ألجأه إلى مخ العراقيب</span>.\nويقال أيضًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>شر ما أجاءك إلى مخة عرقوبٍ</span>.\nالشر نقيض الخير؛ ولجأ الرجل إلى كذا بالفتح والكسر لا ذبه وألجأته إليه: أضطررته وأجأته إليه أيضا بمناه؛ والمخ نقى العظم وعظم ممخ: ذو","vol":"3","page":228},{"text":"نقي؛ والعراقيب جمع عرقوب، وهو العصب فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يديها، وكل ذات أربع فعرقوباها في رجليها، وركبتاها في يديها. والمعنى أنَّ الشر هو الذي ألجأك إلى سؤال اللئام. فيضرب عند الاضطرار إلى المسألة البخيل. وإنّما خص العرقوب لأنه شر المخاخ، كما إنّه شر العظام، كما قال الاخطل لكعب بن جعيل:\nوسميت كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>شر المال مالا يزكى ولا يذكى</span>.\nالمال: معروف، والتزكية إخراج الزكاة والتذكية الذبح للأكل. والموصوف بما ذكر الحمار ونحوه، لأنّه لا زكاة فيه وزكاة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>شر أهر ذانابٍ</span>.\nالشر تقدم؛ وهر الكلب يهر هريرا: صوت ولم ينبح. قال حسان، ﵁:\nيغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل\nغيره:\nويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا\nوذو الناب: الكلاب؛ وأهررته أنا: حملته على الهرير.\nوهذا المثل يضرب عند ظهور أمارات الشر وتبين مخائله.\nوأصله أنَّ قائله سمع هريرا الكلب في الليل، فأشفق من طارق بشر، فقال ذلك تعظيما للحال وتهويلا للأمر عند نفسه ومستمعه، أي: ما أهر ذا ناب إلاّ شر عظيم.\nولأحل هذا الوصف المنوي، حسن الابتداء بلفظة \" شر \" حتى حصل من ذلك الحصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>شر يوميها وأغواه لها</span>.\nهذا يضرب عند إظهار البر باللسان لمن يراد به الغوائل. وهو شطر بيت تمامه:","vol":"3","page":229},{"text":"ركبت غز بحدج جملا\nوسيأتي في حرف اللام استيفاء الكلام عليه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>الشرط أملك، عليك أم لك</span>.\nالشرط بفتح فسكون إلزام الشيء والتزامه. ويكون أيضًا بمعنى سق الجلود، كفعل الحجام، وأما الشرط بالتحريك فهو العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي علامتها؛ والملك مثلث الميم: لاحتواء على الشيء والقدرة عليه.\nوالمعنى إنَّ ما أشترط فهو لازم وأولى أنَّ يتفع سواء كان ذلك الشرك عليك أم كان لك.\nوهذا المثل نطق به القاضي شريح، ولا أدري أهو المخترع له أم قيل قبله.\nذكر السكاكي في المفتح إنّه حكى أنَّ عدي بن أرطة أتى ومعه امرأة له مثال أهل الكوفة يخاصمها. فلما جلس بين يدي شريح قال له عدي: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: إني امرؤ من أهل الشام. قال: بعيد وسحيق. قال: وإني قدمت العراق. قال: خير مقدم. قال: وتزوجت هذه. قال: بالرفاء والبنين! قال: إنّها ولدت لي غلاما. قال: ليهنك الفارس! قال: وأردت أنَّ أنقلها إلى داري. قال: المرء أحق بأهله. قال: كنت شرطت لها وكرها. قال: الشرط أملك منك! قال: أقض بيننا! قال: فعلت! قال: فعلى من قضيت؟ قال: على أبن أمك! قوله: أين أنت؟ يريد: في أي شغل أنت هذا الوقت؟ هل أنت متفرغ للنظر فيما بيننا؟ ولا يريد السؤال عن المكان حقيقة، ولكن لمّا كان فضولا مع ما فيه من سوء الأدب حمله القاضي على حقيقته وأجاب بنفس المكان، تجهيلا له وتعريضًا إنّه بين جمادين وهما عدي والحائط.\nوقوله الرفاء والبنين: متعلق بمحذوف، أي تزوجت وأعرست مصحوبا بالرفاء، أي بالموافقة والألفة وبالبنين، أي الذكور دون البنات.\nوقوله: ليهنك الفارس! دعاء له وتفاؤل، أي: ليكن ولدك هنيئا لك لائقابه، ويبلغ مبلغ الفروسة!","vol":"3","page":230},{"text":"وقوله: الشرط أملك منك؟ أي ملكه وتصرفه أقوى من تصرفك، فلا ينبغي أنَّ يخالف. وقوله: على أبن أمك، أي عليك. وإنّما عدل عن التصريح إلى ما ذكر، كراهية موجهته بالحكم عليه، لمّا جلبت عليه النفوس من كراهية ذلك. ومثل هذا ما يحكى عن شريح أيضًا من إنَّ رجلا أقر عنده بشيء ثم أنكر، فلما قال له: أعط الحق! قال: من يشهد علي؟ قال: شهد عليك أبن أختك خالتك. فعدل عن التصريح ستر عليه وكراهية أنَّ ينسبه إلى الحمق بالإنكار بعد الإقرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>شرعك ما بلغك المحل</span>.\nيقال: هذا الشيء شرعك، أي حسبك، ومررت برجل شرعك من رجلٍ! أي حسبك. ومعنى إنّه من النحو الذي يشرع فيه؛ والتبليغ معروف؛ والمحل: الموضع الذي تريده.\nوالمعنى أنَّ ما بلغك المحل المراد فهو حسبك. فيضرب في التبليغ باليسير.\nوقال أبو عبيد: من أمثالهم في جود الرجل بما فضل عن حاجته بماله قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>يكفيك ما بلغك المحل</span>.\nقال البكري: المشهور في هذا: شرعك ما بلغك المحل، أي حسبك. وقال: آخر في هذا المعنى:\nحسب الفتى من دهره ... زاد يبلغه المحلا\nخبر وماء بارد ... والظل حين يريد ظلا\nقال: والمحل هو الدار الباقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>شرق ما بين القوم بشر</span>.\nيقال: شرق بالماء بالكسر إذا غص به. قال عدي بن زيد:\nلو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري","vol":"3","page":231},{"text":"ويقال في هذا المثل إذا نشب الشر بين الناس.\nوالمعنى إنّه امتلأ ما بينهم بالشر، فكأنه غص. وهكذا كما تقول: غص المجلس بأهله، أي امتلأ، على طريق التمثيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>اشتر لنفسك وللسوق</span>!\nهذا مثل يضرب في الاحتياط. ومثله قولهم: إذا اشتريت فأذكر السوق! وقد تقدم في الباب الأول. ومثله ما حكى البكري أنَّ عمر بن الخطاب ﵁، كان يقول: إذا اشتريت بعيرا فاجعله ضخما، فإنَّ أخطئك خيرًا لم يخطئك سوقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>شغلت شعابي جدواي</span>.\nالشغل بالضم وبضمتين، وبالفتح وبفتحتين ضد الفراغ شغله شغلا بالفتح، وأشغله أيضا؛ والشعاب جمع شعب بالكسر من الأرض؛ والجدوى: المطر العام والعطية أيضًا.\nويضرب هذا المثل فيما إذا لم يكن لمالك أو عطائك أو علمك أو نحو ذلك فضل عن نفسك أو عن من يتعلق بك، كالمطر تشغله شعابك، فلا يصل إلى موضع آخر.\nومعنى ذلك إنّه إذا قل المطر الواقع في الشعاب أو النازل إليها من التلاع، شربته وشغلته بذلك عن إنَّ يخلص إلى ما بعدها من الأودية والبقاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>أشغل من ذات النحيين</span>.\nالشغل مر؛ والنحي بكسر النون وسكون الحاء المهملة: الزل. وقيل مخصوص بما كان للسمن؛ وذات النحيين امرأة من تيم الله بن ثعلبة، كانت خرجت في الجاهلية تبيع السمن فأتاها خوات بن جبير الأنصاري ﵁ فسألوها فحلت نحيا مملوءًا فنظر إليه ثم قال: امسكيه حتى أنظر إلى الآخر! ثم حل نحيا آخر فقال: امسكيه حتى انظر إلى خيره! فلما شغل يدها معا وقع عليها حتى قضى","vol":"3","page":232},{"text":"أربه منها فهرب. فضربت العرب بشغلها المثل وقالوا: اشغل من ذات النحيين، وبنو أشغل من شغل بالبناء لمّا لم يسم فاعله، على وجه الشذوذ. وتقدم نظيره وتوجيهه.\nوقال خوات في ذلك\nوذات عيال واثقين بعقلها ... خلجت لها جار أستها خلجات\nوشدت يداها إذ أردت خلاطها ... بنحيين من سمن ذوي عرجات\nفكان لها الويلات من ترك سمنها ... ورجعت صفرًا بغير بتات\nفشدت على النحيين كفا شحيحة ... على سمنها والفتك من فعلاتي\nقال في الصحاح: ثم اسلم خوات وشهد بدرا، فقال له الرسول ﷺ: يا خوات، كيف شراؤك؟ وتبسم ﷺ. فقال: يا رسول الله، قد رزق الله خيرًا، واعوذ بالله من الحور وهجا رجل تيم الله فقال:\nأناس ربه النحيين منهم ... فعدوها إذا عد الصميم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>شغلهم الصفق بالأسواق</span>.\nيتمثل له وهو كلام عمرو بن أبي هريرة ﵄ لمّا ذكر لعمر حديث عن النبي ﷺ لم يروه. قال: اخفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ شغلني الصفق بالأسواق، أي بالبيع والشراء، لأن المشتري والبائع يضرب أحدهما بيده على يد صاحبه وهو الصفق.\nوقال أبو هريرة: إنَّ إخواني من المهاجرين والأنصار شغلهم الصفق بالأسواق، وكانت ألزم رسول الله ﷺ على شبع بطني، كما في الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>شق العصا</span>.\nالشق: الصدع والعصا بالقصر العود يضرب به. والعصا أيضًا: اللسان وعظم الساق وجماعة الإسلام. وقولهم: شق فلان العصا أي فارق الجماعة ويقال","vol":"3","page":233},{"text":"في الخوارج: شقوا عصا المسلمين، أي فارقوا جماعتهم.\nوقال الشاعر:\nإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحبسك والضحاك سيف المهند!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>أشكر من بروقةٍ</span>.\nالشكر بالضم أنَّ تعرف الإحسان وتشكره: والشكر من الله تعالى: المجازاة والثناء الجميل؛ والبروقة بكون الراء واحدة البروق، وهو شجر ضعيف، إذا غامت السماء أخضر، فوصف لذلك الشكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>أشكر من كلبٍ</span>.\nالشكر مر، والكلب معروف، وشكره رضاه بالموجود وحياطته لصاحبه وقيامة عليه واتباعه له مع ذلك. ومما يحكى في هذا عن بعضهم قال: دخلت على العتابي، فوجدته جالسا على حصير وبين يديه شراب في إناء، وكلب رابض حوله يشرب كأسا ويولغه أخرى. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: إنّه يكف عني أذاه ويكفيني أذى من سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيني ومقيلي، فهو من الحيوان خليلي.\nقال الراوي: فتمنين والله أنَّ أكون كلابا لأحوز هذا النعت منه! ويقال إنَّ الحارث بن صعصعة كان له ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم فخرج في بعض متنزهاته ومعه ندماؤه. فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا. فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما ميتين وعرف الأمر. فأنشأ يقول:\nفيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون","vol":"3","page":234},{"text":"ما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون!\nويوثر في الحديث إنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلا مقتولا فقال: ما شأنه؟ قالوا: إنّه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال ﷺ؛ قتل نفسه وأضاع دينه وعصى ربه وخان أخاه وكان الكلب خير منه.\nويحكى عن أبن عباس ﵁: كلب أمين خير من صاحب خؤونٍ وقد ألف بعض العلماء تأليفا في فضل الكلاب على كثير من لبس الثياب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>شاكه أبا فلانٍ</span>.\nالمشاكهة: المشابهة.\nوأصله أنَّ رجلا عرض فرسا له في السوق، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال: رُبَّ الفرس: شاكه، أي قارب في المدح ولا تفرط. فيضرب في الأمر بالقصد في المدح.\nويحكى أيضًا في هذا القصة إنَّ الأعرابي أقام فرسه للبيع فقال صاحبه: إنّها لتصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له: رُبَّ الفرس، لا أبالك، كذب كذبا مؤاما به الدهر! أي موفقا به الدهر في تقلباته وأحواله الجائزة الوقوع.\nوقيل إنَّ رجلا أدخل حمارا له في السوق، فجعل يقال له أبو اليسار يمدحه ويقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحب الحمار: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! وتقدم هذا في الدال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>شكا إلى غير مصمتٍ</span>.\nالشكوى أنَّ تذكر الغير بسوء فعله بك، تقول: شكوت فلانا أشكوه شكوى وشاكية وشكية، فهو مشكو ومشكي؛ واشتكيه: فعلت به ما يشكوه، أو أعتبته وأزلت شكواه. فهو من الأضداد. قال الراجز:","vol":"3","page":235},{"text":"تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها\nوصمت يصمت صموتا وصمتا، وأصمت إصماتا وصمت تصميتا: سكت؛ وأصمته أنا وصمته تصميتا: أسكته، لا زمان متعديان. فيقال: شكا فلان إلى غير مصمت، أي إلى من لا يبالي به، فلا يصمته لأن من شكا إلى من يعنى بحاجته ويهتبل بأمره ويقوم بحقه ويقضي أربه ويزيل شكواه ويشفي ما في صدره فيصمت عن الشكوى حينئذ.\nقال الراجز:\nانك لا تشكوا إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت!\nونحوه المثل الآتي: هان على الأملس ما لقي الدبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>الشماتة لؤم</span>.\nالشماتة: الفرح بمصيبة العدو، ويقال: شمت به بالكسر يشمت شماتا وشماتة، فهو شامت. قال أبو صخر الهذلي:\nوتجلدي للشامتين أريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع\nواللؤم بضم اللام وسكون الهمزة ضد الكرم، ولؤم بالضم لؤما فهو لئيم وهو لؤماء. وهذا الكلام يعزي لأكثم بن صيفي، حكيم العرب.\nوالمعنى إنّه لا يتشمت بالغير ولا يفرح ببليته إلاّ من لوم أصله. وقال أبن أبي عيينة\nكل المصائب قد تمر على الفتى ... تهون غير شماتة الحساد\nوقال الآخر:\nإذا ما الدهر جر على أناسٍ ... كلاكله أنام بآخرينا\nفقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>أشم من نعامةٍ</span>.\nالشم حاسة الأنف، تقول: شممت بالكسر والفتح، أشم مفتوحا ومضموما","vol":"3","page":236},{"text":"شما وشميما وشميمي؛ وتشممته؛ والنعام تقدم. يقال إنّه لا سمع له، ومن ثم يقال إنّه أصم. فأعطي قوة الشم بأنفه ما ينوب عن السماع، حتى إنّه يشم رائحة القناص عن بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>شنشنه أعرفها من أخزم</span>\nالشنشنة بالكسر: الطبيعة والخلق: وأخزم بالزاي رجل من طيء، وهو أبن أبي أخزم جد حاتم، أو جد جده. مات أخزم هذا وترك بنين، فوثبوا يوما على جدهم فأدموه فقال:\nإنَّ نبي زملوني بالدم ... من يلق أساد الرجال يكلم\nومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم\nلأنه كان عاقا كذلك.\nويحكى إنَّ عقيل بن علفة بضم العين المهملة وفتح اللام المشددة بعدها فاء على وزن قبرة بن الحارث المري، خرج هو وأبناه، جثامة وعملس، وأختهما الحوراء حتى أتوه ابنة أخ ناكحا في بني مروان بالشام. ثم قفلوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال عقيل:\nقضت وطرا من دير سعد وكالما ... على عرض نطحنه بالجماجم\nثم قال: أجز، يا جثامة! فقال:\nوأصبحن بالهومات يحملن فتية ... نشاوي من الإدلاج هيل العمائم\nثم قال: أجز يا علمس! فقال:","vol":"3","page":237},{"text":"إذا علم غادرنه بنتوفة ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم\nثم قال: يا حوراء، أجيزي! فقالت:\nكأنَّ الكرى ساقهم صرخ يده ... تدب دبيبا في المطا والقوائم\nفقال عقيل: شربتها، وربَّ الكعبة! ثم شد عليها بالسيف، فقال أخوها: ما ذنبنا؟ إنّما اجازت شعرا! فشد عليه أحدهم فخدشه بسهم يتمعك في دمه ويقول:\nإنَّ بني ضرجوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم\nشنشنة أعرفها من أخزم\nثم توجه ولده للطريق. فلما مروا ببني القين قالوا لهم: هل لكم في الجزور انكسرت! قالوا: نعم! قالوا: الزموا هذه ارواحل! فذهب القوم حتى انتهوا إلى عقيل، فحملوه وعالجوه حتى برئ ولحق بهم. فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من أمثالهم في التشبيه الرجل بأبيه: شنشنة اعرفها من أخزم. قال: وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب ﵁. قاله في أبن عباس، ﵄، شبهه في رأيه بابيه. قال البكري: أخزم هذا هو جد حاتم بن عبد الله الطائي، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أبي أخزم بن أبي أخزم. وقيل هو جد عقيل بن علفة. الشنشنة: النطفة، من شنشنت إذا أرقت. ويراد ما أراق من النطفة في الرحم.\nقال أبو بكر: وقال قوم: شنشنة: الغريزة والطبيعة. فمن جعل أصل المثل لأخزم الطائي قال: كان أخزم جوادا. فلما نشأ حاتم وعرف جوده قال: الناس: شنشنة من أخزم، أي قطرة من نطفة أخزم. قال: وذكر علي بن الحسن إنَّ عقيل بن علفة أبن الحارث المري أتى منزله فإذا بنوه مع بناته وأزواجه مجتمعون. فشد على عملس منهم، فحاد عنه وتغنى ابنه علفة:\nقفي يا ابنه المري أسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتا قبل\nفإنَّ شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإنَّ شئت لا يفنى التكارم والبذل!\nفقال عقيل: يا أبن اللخناء متى منتك نفسك هذا؟ وشد عليه بالسيف. فحال","vol":"3","page":238},{"text":"علمس بينه وبينه، وكان أخاه لأمه وأبيه. فشد على علمس بالسيف وترك علفة ولم يلتفت إليه فرماه علمس بسهم وأصاب ركبته. فسقط عقيل يتمكع بالدم وهو يقول:\nإنَّ بني سربلوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم\nومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم\nقال المدائني: شنشنة أعفها من أخزم مثل ضربه، وأخزم فحل كان لرجل من العرب وكان منجبا، فضرب في ابل رجل آخر ولم يعلم صاحبه فرأى بعد ذلك من نسله جملا فقال شنشنة أعرفها من أخزم. انتهى كلام البكري.\nوقال أبن ظفر في شرح المقامات: هذا المثل ضربه جد حاتم حين نشأ حاتم وتقيل أخلاقه جده أخزم في الجود، فقال: شنشنة. . الخ. وتمثل عقيل بن علفة به حين قال: إنَّ بني. . الخ. ومن أدعى إنَّ المثل فقد سها فيه. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>شاهد البعض اللحظ</span>.\nمثله قولهم أيضًا: رب لحظ انم من لفظ كما مر من قول زهير:\nفإنَّ تك في عدو أو صديقٍ ... تخبرك العيون عن القلوب\nوقول أبن أبي حاتم:\nخذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا\nعين من لا يحب وص ... لك تبدي لك الجفا\nوقول الآخر:\nتخفي العداوة وهي غير خفية: ... نظر العدو بما أسر يبوح\nوقالوا: يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>يشوب ويروب</span>.\nالشوب: الخلط تقول: شبت اللبن وغيره بالماء، وأشوبه شوبا والروب الرائب وهو اللبن الخاثر قبل أن يحمض. ولا يزال يمسك بذلك حتى يمخض وينزع زبده. ثم يبق ذلك الاسم على بعد. قال الشاعر:","vol":"3","page":239},{"text":"سقاك أبو ماعز رائبا ... ومن لك بالرائب الخاثر؟\nيقول: سقاك الممخوض، ومن لك بالذي لم يمخض. وهذا قول أبي عبيد.\nورابت اللبن وروبته وراب هو يروب روبا. والمروب: السقاء الذي يروب فيه.\nويقال: ما له شوبٌ ولا روبٌ أي مرق ولا لبن.\nوقيل الشوب العسل والروب اللبن وفلان يشوب ويروب: يخلط ويصفي ويمزج الهزل بالجد.\nيضرب من إصابته مرة وأخطائه أخرى. ويقال: يشوب ولا يروب أي يخلط ولا يخلص.\nوأصل يروب في المثالين يريب وإنّما قيل يروب للازدواج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>شب شوبًا لك روبته</span>!\nالشوب تقدم؛ والروبة بضم الراء روبة اللبن وهي خميرة تلقى فيه من الحامض يروب.\nوهذا كما يقال: أحلب حلبا لك تنظره! كذا في الصباح. وهو يناسب أن تكون الأم في لك للملك والاستحقاق فيما يستقبل؛ ويحتمل أن يكون الملحوظ فيها المضي فيقال لمن شب نار فتنة أو تسبب في أمر من الأمور كأنه قيل له: اجر في فتنة أنت مثيرها أو منك كان أقوى أسبابها والإعانة فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>شاورهن وخالفوهن</span>!\nأي النساء. يتمثل به وهو حديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>شالت نعامته</span>.\nيقال: شالت الناقة بذنبها تشول شولًا وشولانا وأشالته: رفعته","vol":"3","page":240},{"text":"وشال الذنب نفسه: ارتفع لازمٌ متعد: وشال بالحجر أيضًا وأشاله: رفعه؛ والنعامة الحيوان المعروف. والنعامة اسضا: جماعة القوم وباطن القدم يقال للقوم: شالت نعامتهم إذا خفت منازلهم أو تفرقت كلمتهم أو ذهب عزهم. وشالت نعامة فلان إذا خف وغضب ثم سكن. هكذا قال بعض العلماء. وقال آخرون: يقال شالت نعامة فلان إذا هلك. ومن هذا قول الشاعر:\nيا ليتنا أمنا شالت نعامتها ... أيما أبى جنةٍ أيما إلى نارِ!\nقيل وذلك لأنَّ النعامة باطن القدم وشالت: ارتفعت ومن شأن من هلك أن ترتفع رجلاه وينكسر رأسه فتظهر نعامة قدمه. ومن ثم يقال: تنعم فلان إذا مشى حافيًا على نعامته كقوله:\nتنعمن لمّا جاءني سوء فعلهم ... إلاّ إنّما البأساء للمتنعم!\nواختلف في قول عنترة:\nفيكون مركبك القعود ورحله ... وأبن النعامة عند ذلك مركبي\nفقيل: أبن النعامة: الطريق وقيل: باطن القدم. وسمي الطريق بذلك لأنّه مركب لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>شوى حتى إذا نضج رمد</span>.\nشيُّ اللحم معروف؛ والنضج كما الطبخ؛ والترميد: جعله في الرماد وتعفينه به. فيقال لكل من أفسد الشيء بعدما صلح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>شيئًا ما يطلب السوط إلى الشقراء</span>!\nالسوط معروف؛ والشقراء فرس لبعض العرب ركبها فجعل كلما ضربها زادته جريًا.\nيضرب لمن طلب حاجة وجعل يدنو من قضائها والفراغ منها. كذا في القاموس. ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>أشربتني ما لم أشرب</span>.","vol":"3","page":241},{"text":"أي ادعيت علي ما لم افعل. وقولهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>الشعر أحد الوجهين</span>.\nأي النظر إليه كالنظر إلى الوجه.\nوقول النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>شاهت الوجوهُ</span>.\nفانه كثيرا ما يتمثل به. وقول الحريري:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>شوى في الحريق سمكته</span>.\nوالحريق اسم من الاحتراق؛ والسمكة: الحوتة وهي إنّما تشوى في النار القوية وفي اللهب ما دام؛ فإذا سكن تعب في شيها.\nفيضرب ذلك مثلا لقضاء الحاجة من القاضي ما دام غضبه للكرام بتحريكه للنوال بالشعر وانتهاز الفرصة منه قبل سكون غضبه فقد لا يوجد إذ ذاك.\nوإذ فرغنا من الأمثال المنثورة فلنذكر ما تسمى من الشعرية.\nقال الشاعر:\nلقد كثر الظباء على خداشٍ\nوهذا المثل مشهور ويمام البيت:\nفما يدري خداشٌ ما يصيدُ\nغير أنه إذا تمم خروج عن هذا الباب.\nوقال بعض الوعاظ مضمنا لهذا المثل في ذم الدنيا:\nيا راكضًا في طلاب دنيا ... ليس لمن تصرعُ انتعاشُ\nتنح يا عرضة لرامٍ ... أسهمه بالردي تراشُ\nلا تغش نارًا \" \" لظاها ... بمن له نحوها انحياشُ!","vol":"3","page":242},{"text":"أعذر منك الفراش حالًا ... علمت ما يجهل الفراشُ\nتطلبها لا تنام عينٌ ... عنها ولا يستقر جاشُ\nمن كل بالري من شرابٍ ... يشتد من شربه العطاشُ؟\nدعها فطلابها رعاعٌ ... طاشت بألبابهم فطاشوا\nوأظمأ لتروى وكن كقومٍ ... ماتوا بها عفةً فعاشوا!\nلم يردوها فهم رواءٌ ... وواردوها هم العطاشُ\nكأنَّ المنايا ظباءٌ ... وأنت من حيرةٍ خداشُ\nإنَّ لأيامنا انبساطًا ... به لأعمارنا انكماشُ\nكأنَّ آجالنا صقورٌ ... ونحن من تحتها خشاشُ\nوقال الآخر:\nما لقوي عن ضعيفٍ غنى ... لا بد للسهم من الريش!\nوقال أبو الطيب:\nونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش\nوقال الآخر:\nوقد كنت مركبكم في الصدور ... فصرت بها ملحقًا في الحواش\nوقال سابق البربري:\nفلا تخبر بسرك كل سرٍّ ... إذا ما جاوز الاثنين جاشا!\nوالاثنتين هنا الشفتين.\nومثله عند عضهم قول الآخر:\nإذا جاوز الاثنين سرٌ فانه ... ببثٍّ وإفشاء الحديث قمينُ\nوقال القائم بأمر الله أحد ملوك بني العباس:\nالقلب من خمر التصابي منتشٍ ... هل لي غديرٌ من شرابٍ معطشِ؟\nوالنفس من برح الهوى مقتلةٌ ... ولكم قتيلٍ في الهوى لم ينعشِ!\nجمعت عليَّ من الغرام عجائبٌ ... خلفن قلبي في إسارٍ موحشِ\nخلٌ يصد وعاذلٌ متنصحٌ ... ومنازعٌ يغري ونمامٌ يشي","vol":"3","page":243},{"text":"غيره:\nإذا الواشي بغى يومًا صديقًا ... فلا تدع الصديق لقول واشِ!\nوقلت أنا:\nولائمةٍ هبت بليلٍ تلومني ... وثوب الدجى ما للصبح به نقشُ\nوليس لديباجِ السماء الذي سما ... علينا سوى ترقيش أنعمه رقشُ\nوقد جبت آفاقها فكأنها ... من السندس الخضر السرادق والعرشُ\nكأنَّ النجوم الزهر في جنباتها ... وجوهٌ زهتهن الملاحة والبشُ\nتلوم على أن لم تر الدهر مسعدًا ... مناي وصرف الدهر ليس له حفشُ\nوأشجى حشاها أن تبدى بعاتقي ... لأنيابه عضٌ وفي عضدي نهشُ\nوأن تفضي من رزاياه طارفي ... وأن قد جرى منه على أعضمي محشُ\nفباتت يناجيها الأسى ويجيشها ... إليَّ تناجيني ويغلبها الجهشُ\nوتمحضني منها تخالُ نصيحةً ... ولم تدر أنَّ النصح آونةً غشُ\nتقول: التجئ للمترفين فإنه ... إلى نارهم من نابه دهره يعشو\nفقالت لها إذ كان زورًا مقالها ... مقالة شهمٍ ليس في قيله رفشُ\nهو الدهر ما يبقى على متخشعٍ ... جزوعٍ ولا يرثي لشاكٍ إذا يشطو\nوأحداثه تجري فمن ذي هوادةٍ ... أليفٍ وذي شحناء أخذته بطشُ\nوما الدهر إلاّ واديان فمعشٌ ... أنيس لمرادٍ وذو جردٍ وحشُ\nوداران دارٌ ذات نعمى هنيئةٍ ... وفرشٍ وأخرى لا نعيمٌ ولا فرشُ\nويومان يومٌ أنت فيه متوجٌ ... على العرش أو يومٌ به حسبك الفرشُ\nوما المال إلاّ مزن صيفٍ وقلما ... يدوم ويجدي للصدى ذلك الطشُ\nوليلة سارٍ بينما هو مقمرٌ ... بصحراء غاب البدر فاستوسق الغبشُ\nوليس الفتى من ليس يبرح ضارعًا ... هلوعًا إذا يرمه من دهره خدشُ\nكئيبٌ بئيسٌ إن عرته ملمةٌ ... وتغشاه إن أثرى الشراسة والفحشُ","vol":"3","page":244},{"text":"سؤولٌ لما وافى منوعٌ لمّا حوى ... ودودٌ لمن أثرى بغيضٌ لمن يغشو\nعزيزٌ على المولى ذليلٌ على العدا ... عبوسٌ إذا يسمو طليقٌ إذا يلشو\nولكن من إن ناله لا شباته ... تفل ولا في حزمه يدرك النفشُ\nضنينٌ بماء الوجه لا يستثيره ... إلى مطمعٍ في غير خالقه حرشُ\nصبورٌ على علاته متجرعٌ ... دوين الهوان ما تهرعه الرقشُ\nعليمٌ بأن النائبات إذا عرت ... فملجؤها السامي بسلطانه العرشُ\nهو المرتجى في فتح ما كان مرتجا ... وتنوير ما أمسى به أظلم الغطشُ\nوثيقٌ بهذا لا تلين صفاته ... إذا قرعت أحشاءه النوب المحشُ\nقريبٌ من المولى صفيٌ إذا اعتنى ... ومبتعدٌ عنه إذا مسه خيشُ\nفلا عرضه يبلى ولا حزمه يهي ... ولا وهنه يبدو ولا سره يفشو\nفذلك ما عاش السميُّ مكانه ... وأخلق بأن يسمو إذا حفه النعشُ\nقوله: السرادق والعرش، السرادق: البيت من الكرسف والذي يمد فوق صحن الدار؛ والعرش: الخيمة وسقف البيت وما يستظل به.\nوالبش والبشاشة: طلاقة الوجه.\nوالنقربات: الخيل تقرب مرابطها.\nوالبرش في شعر الفرس نكت صغار تخالف سائر لونه.\nوالخفش: الطرد والمحش: قشر الجلد من اللحم وشدة الأكل.\nوالجهش: الفزع يقال: جهش إليه جهشًا إذا فزع. وهو يريد البكاء كالصبي.\nوالرفش: الضعف والوهن أو الخلط من قوله: رفشت الشيء إذا دققته وهرسته مجازًا.","vol":"3","page":245},{"text":"والكشو: العض.\nوالغبش: ظلمة آخر الليل وأثرى الرجل: كثر ماله وغشاه يغشوه وغشيه يغشاه: أتاه.\nولشا الرجل: خس بعد رفعة.\nوالحرش: التحرك والاصطياد.\nولنكتف بهذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>باب الصاد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>أصبر من حمارٍ</span>.\nالصبر خلاف الجزع صبر بالفتح صبرا فهو صابر وصبور وتصبر واصطبر. والصبر أيضًا: الحبس واللزوم؛ والحمار معروف وطبعه الصبر على الأثقال والأحمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>أصبر من ذي الضاغط</span>.\nالصبر مر وذو الضاغط: البعير والضاغط انفتاق في إبطه.\nوفي عبارة بعضهم هو البعير الذي حز مرفقه جنبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>أصبر من عودٍ بدفيه الجلب</span>.\nالعود: المسن من الإبل كما مر؛ والدفان: الجنبان؛ والجلب جمع جلبةٍ على مثال غرفةٍ، وهو أثر الدبر.\nوالمثل الأول من هذين. قال البكري: هو لسعيد بن أبان بن عيينة بن حصن؛ والثاني لحلحلة بن قيس بن أشيم وكلاهما فزاريان.\nقال: وخبر ذلك أنَّ كلبا أوقعت ببني فزارة وقتلوا منهم نيفا وخمسين رجلا. فتلافى عبد الملك أمرهم وتحمل لبني فزارة نصف الحمالات وأداها إليهم وضمن النصف الآخر إلى العام المقبل. ثم إنَّ فزارة أخفرت ذلك وغزت كلبا. فلقوهم ببنات قين فتعدوا عليهم في القتل فغضب عبد الملك لإخفارهم ذمته فكتب إلى الحجاج يأمره إذا فرغ من أبن الزبير أن يوقع ببني فزارة. فلما فرغ الحجاج من شأن أبن الزبير نزل ببني فزارة. فأتاه سعيد وحلحلة المذكوران، فأوثقهما وبعث بهما إلى عبد الملك. فلما مثلا بين يديه","vol":"3","page":247},{"text":"قال عبد الملك: من كان عنده دين وتر فليقم إليها! فقام أبن سويد الكلبي وكان أبوه ممن قتل ببنات قين فقال: يا حلحلة هل أحسمت سويدا؟ فقال: عهدي به يوم بنات قين وقد انقطع خروه في بطنه. فقال: أما والله لأقتلنك! قال: كذبت ما أنت تقتلني وإنّما أبن الزرقاء! والزرقاء إحدى امهات مروان بن الحكم يعابون بها. فنادى بشر بن مروان وأمه فزارية فقال: صبرا حلحل! فقال حلحلة:\nأصبر من عودٍ بدفيه الجلب ... قد أثر الباطن فيه والحقب\nثم التفت إلى أبن سويد فقال: يا أبن أستها أجد الضربة! فقد وقعت بأبيك مني ضربة أسلحته. فضرب أبن سويد عنقه.\nثم قدم سعيد بن أبان ليضرب عنقه فناداه بشر: صبرا يا سعيد! فقال:\nأصبر من ذي ضاغطٍ عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك\nفضرب عنقه وألحقه بصاحبه.\nوالعركرك: البعير الغليظ؛ والزور: الصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>أصبر من قضيبٍ</span>.\nقضيب بالقاف والضاد المعجمة على مثال أمير رجل من ضبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>صاحب الدابة أولى بمقدمها</span>.\nيتمثل به وهو يروى أثرا أو حديثا. ومعناه ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>صادف بطنه بطن تربة</span>.\nيقال: صادفه إذا لقيه ووجده؛ والبطن خلاف الظهر، من الحيوان ومن الأرض أيضًا؛ وتربة على مثال همزة وادٍ معروف يصب في بستان أبن عامر. فيقال هذا عند مصادفة الخصب وسعة العيش كأنه صادف هذا الوادي.","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب</span>\nهذا المثل من الأمثال الحكيمة، وهو قول الشاعر:\nلا تصاحبن السلطان في حالةٍ ... صاحبه ليث الشرى يركب\nيهابه الناس لمركوبه ... وهو لمّا يركبه أهيب\nوسيأتي استيفاء هذا المعنى في الحكمة، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>اصح من عير أبي سيارة</span>.\nالصحة ضد السقم، والعير بالفتح الحمار الوحشي. قال امرؤ القيس:\nكأني ورفد والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وارد الخيرات\nوقد يطلق على الأهلي، كما قال الآخر:\nولا يقيم على ضيم يراد به ... إلاّ الأذلان عير الحي والوتد\nهذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد!\nوأبو سيارة بفتح السين وتشديد الياء عميلة بن خالد العداوني. وكان له حمار اسود جاز عليه من مزدلفة إلى منى أربعين سنة. وقيل: ولا يعرف حمار أهلي عاش أكثر من هذا الحمار. وضرب به المثل في الصحة وقال السهلي: هي أتان عوراء سوداء خطامها ليف. وكان أبو سيارة يقول:\nلا يهم لي في الحمار الأسود ... أصبحت بين العالمين أحسد\nبت أبا سيارة المحسد ... من شر كل حاسد يحسد!\nوهو الذي يقول: أشرق ثبير كي ما نغير! وكان يقول في دعائه: اللهم بغض بين رعائنا، وحبب بين نسائنا، واجعل المال في سمحائنا!","vol":"3","page":249},{"text":"وفيه يقول الشاعر:\nخل الطريق عن أبي سياره ... وعن مواليه بني فزاره\nحتى يجيز سالما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره!\nوقد أجار الله من أجاره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>صرح حجير</span>!\nالتصريح خلاف التعريض؛ وحجير رجل من اليمامة كان مؤذنا لمسيلمة الكذاب لعنه الله! وكان أوّل ما أمر أنَّ يذكر مسيلمة في الأذان توقف. فقال له محكم بن الطفيل: صرح حجير! فذهبت مثلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>صرح الحق عن محضه</span>.\nالتصريح خلاف التعريض، وصرح فلان بما في نفسه: كشفه؛ والمحض الخالص، وصرح الحق عن محضه انكشف واتضح.\nوأورده أبو عبيد القاسم بن سلام، لإعلان السر وإبدائه بعد كتمانه باللفظ السابق. فقال البكري: جميع العلماء إنّما أوردوه: صرح الحقين. قال. وتقدم ذكر الحقين وتفسيره؛ ومحضه: خالصه. انتهى.\nقلت: وهذا اللفظ أحسن وأبين تمثيلا، وأنسب لذكر المحض. وقد تقدم لنا نحن أيضًا تفسير الحقين من اللبن والمحض: الخالص منه؛ قال طرفة:\nويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإنَّ أعطه اترك لقلبي مجثما\nفإذا انكشف الأمر عن ستره وظهر بعد التباسه، كان كاللبن المنكشف رغوته عن محضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>صدقني سن بكره</span>.\nالصدق خلاف الكذب، وصدقت الرجل: أخبرته بصدق، فهو مصدوق؛ والسن بالكسر واحدة أسنان الفم، ومقدار لعمر أيضا؛ والبكر بالفتح: الفتي من الإبل، جمعه بكار وبكارة بكسرهما.","vol":"3","page":250},{"text":"وهذا المثل يضرب لمن يخبرك بسره، وما انطوت عليه ضاوعه.\nوأصله أنَّ رجلا ساوم آخر في بكر فقال: ما سنه؟ قال: بازل. ثم نفر البكر. فدنا إليه صاحبه يسكنه وجعل يقول: هدع! هدع! وهي كلمة يسكن بها الصغار من الإبل. فلما سمعه المشتري قال: صدقني سن بكره. وهو أما أنَّ يكون برفع سن على إسناد الصدق إليه مجاز، وأما بنصبه على حذف المضاف أو الجار، أي: صدقني خبر سن بكره، أو في سن بكره، وهما وجهان في المثل، وفاعل الفعل على هذا البائع، وهو أما أنَّ يكون صدقه إياه بأخباره الأول إنّه بازل، ويكون خرج مخرج الهزء والسخرية أو بكلامه الثاني الذي يسكن به البعير وهو الأظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>أصدق من القطا</span>.\nالصدق مر؛ والقطا طائر معروف، وتقدم أيضًا، قيل: وسميت قطا لأنها تقول في صوتها: قطا! قطا! فسميت بحكاية صوتها. ومن ثم قالوا: أصدق من القطا وأنسب من القطا قال الكميت:\nلا تكذب القول إنَّ قالت قطا صدقت ... إذ كل ذي نسبة لابد ينتحل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>صدقك يبني عنك لا الوعيد</span>.\nالصدق مر؛ ويبني، من النبوة وهو الارتفاع. تقول: نبأ الشيء غير مهموز، ينبو، نبوة، أي أرتفع؛ ونبا الشيء عن الشيء: تجافى عنه ولم يعمل فيه أو لم يطمئن عليه. قال الشاعر:\nإنَّ جنبي عن الفراش لنائب ... كتجافي الأسر فوق الظراب\nوالأسر: البعير يصيبه السرر داء في صدره يمنعه البروك والطمأنينة، وانبيته عني: جافيته ودافعته؛ والوعيد: الوعد بشر.\nوالمعنى أنَّ صدقك في لقائك عدوك ودفاعهم هو الذي يدفعهم عنك، لا وعيدك إياهم من غير فعل. وكذا كل أمر تزاوله إنّما يظفرك منه بما ترغب، وينجيك مما ترهب،","vol":"3","page":251},{"text":"صدقك وجدك وسعيك جلبًا ودفعًا، لا مجرد اللسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>أصرد من عنزٍ جرباء</span>.\nالصرد: البرد بفتح فسكون، وصرد الرجل بالكسر صردًا فهو صرد: وجد البرد سريعا. قال الشاعر:\nأصيح قلبي صردا ... لا يشتهي أنَّ يردا\nوالعنز معروف والجرب بفتحتين معروف جرب بالكسر فهو أجرب، وجربت فهي جرباء. والعنز الجرباء لا تستطيع ألم البرد، ولا تمسك نفسها عنده. فضرب بها المثل لمن يجد البرد سريعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>أصرد من عين الجرباء</span>.\nالصرد مر؛ والحرباء: الحيوان المعروف، وتقدم ما فيه، وناه يستقبل عين الشمس أبدًا ويدور معها حيثما دارت. ومن ثم أبن الرومي الرقيب بالحرباء حيث قال:\nما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبدًا قبيح قبح الرقباء!\nما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحى ... أبدًا يكون رقيبها الحرباء\nفصارت الحرباء لذلك عن بعضهم أنَّ المثل الأول تصحف هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>صرفانية ربعية، تصرم بالصيف وتوكل بالشتية</span>.\nالصرفان بالفتح والتحريك: تمر رزين صلب يعده العبيد والأجراء وذوو العيال لعيشهم لكفايتهم ومنها قول الزباء:\nما للجمال مشيتها وئيدًا ... أجندلا يحملن أم حديدا\nأم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا؟\nوفي الصحاح: قال أبو عبيدة: ولم يكن يهدي إليها شيء كان أحب إليها من التمر الصرفان. وانشد:","vol":"3","page":252},{"text":"ولمّا أتاها العير قالت: أباردٌ ... من التمر أم هذا حديد وجندل؟\nوثرم التمر قطعه؛ والشتية تصغير الشتاء.\nوالمثل ظاهر المعنى، ولم أقف بعد على أصله وسببه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>الصارم ينبو</span>.\nالصارم: السيق القاطع؛ ونبوه: تجافيه عن الضريبة، كما مر آنفا في تفسير النبوة.\nوهذا من أمثال أوس بن حارثة. ومثله الجواد يكبو. والمراد من ذلك أنَّ الكريم تكون له الزلة والشريف تكون له السقطة، واللبيب تكون له هفوة والجواد تكون له الوقفة، ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>أصغر القوم شفرتهم</span>.\nالصغر ضد الكبر، والشفرة بفتح فسكون السكين العظيم جمعه أشفار. والمعنى أصغر القوم خادمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>صفرت وطابه</span>.\nيقال: صفر الشيء بالكسر فهو أصفر، والصفرة لون معروف. وصفر البلد أيضًا والبيت ونحوه إذا خلا من سكانه. ومنه قولهم: نعوذ بالله من صفر الناء! أي خلوه بهلاك المواشي؛ والوطب بالفتح سقاء اللبن والجمع أوطب وأوطاب ووطاب.\nويقال صفرت وطابه أي مات فخلا وطبه من روحه. قال امرؤ القيس:\nألا يا لهف هند أثر قومٍ ... هذا كانوا الشفاء فلم يصابوا\nوقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالاشقين ما كان العقاب\nوأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطب\nأي: لو أدركنه لمات.","vol":"3","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>أصفى من عين الديك</span>.\nالصفاء ضد الكدر، صفاء الشيء بالفتح يصفو صفاء، فهو صافٍ؛ والديك معروف؛ والعين تطلق على الباصرة وعلى ذات الشيء. والمراد هنا الأول. ضربوا المثل بعين الديك في صفائها. قال الأخطل:\nوكأس مثل عين الديك صرف ... تنسي الشاربين لها العقولا\nوسمعت أعرابية رجلا ينشد:\nوكأس سلاف يحلف الديك إنّها ... لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن\nفقالت: بلغني أنَّ الديك من صالحي طيركم وما كان ليحالف كاذبا! ويحكى عن دعبل قال: كنا يوما عند سهل بن هارون، فأطلنا الحديث حتى أضر به الجوع. فدعا بغذائه، فإذا بصفحة فيها مرق ولحم ديك لا يؤثر فيه ضرس. فأخذ قطعة من خبزة فقلع بها جميع المرق ثم بقي مطرقا ساعة، فرفع رأسه إلى الغلام فقال له أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: ولم؟ قال: ظننتك لا تأكله. قال: ولم ظننت ذلك؟ فو الله إني لأمقت من يرمي برجله، فضلا عن رأسه، والرأس رئيس، وفيه الحواس الخمس ومنه يصيح الديك، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل فيقال: شراب مثل عين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلب. فإنَّ كان يبلغ من جهلك أني لا آكله فإنَّ عندنا من يأكله: انظر أين هو! قال: والله ما أدري أين رميت به! قال: أنا والله أدري: رميت به في بطنك! وسهل هذا ممن يضرب به المثل في البخل، وسنلم بشيء من أخباره بعد، إن شاء الله تعالى. وقال عدي بن زيد:\nقدمته على عقار كعين الديك ... صفا سلافها على الراووق\nولهذا الشعر حكاية حسنة لحماد الراوية، وهي مشهورة، وعسى أنَّ نذكرها في موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>صلاح رأي النساء فساد، ونفاقه كساد</span>.\nمثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى.","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-749>أصلح الغيث ما أفسد برده</span>.\nالصلاح ضد الفساد كالصلوح، صلح الشيء بالفتح والضم صلاحا فهو صلح بالكسر وصالح وصليح؛ والغيث: المطر وقد غاث المطر الأرض أي أصابها وغاثها الله يغيثها فهي أرض مغيثة ومغيوثه. والغيث أيضًا: النبات سمي بما نشأ عنه. قال امرؤ القيس:\nوقد أغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خال\nوقال:\nوغيث من الوسم حول تلاعه ... تبطنه بشظيم صلتان\nويحتمل الآخر.\nوهذا المثل يضرب للرجل يكون فاسدا ثم يصلح. والأنسب لمعناه إنّه للشيء يصلح من وجه بعد ما فسد من وجه آخر، كالجواد يجبه السائل بالشتم ثم يحسن إليه ويعتبه أو يماطل زمانا ثم يوسع برا ومعروفا فيكون إكثاره الخير جبرا لمّا في المطل من الإساءة، ونحو هذا من الاعتبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>أصنع من دود القز</span>.\nالصناعة بالكسر حرفة الصانع؛ والصنعة بالفتح علمه صنع الشيء بالفتح يصنعه صنعا، ورجل اليدين بالكسر وبفتحتين، وصنيع اليدين وصناعهما: حاذق في الصنعة، وصنع اللسان، ولسان صنع أي بليغ؛ وامرأة صناع اليدين: حاذقة وتقدم هذا، ودود القز هي دود الحرير، وصناعتها فيه أمر عجيب. ولو قيل أيضًا أضيع من دود القز بالضاد والياء المثناة من تحت، كان حسنًا لأنها تلف على نفسها حتى تموت. وبها يضرب الحكماء المثل لجامع المال الحريص عليه ثم يخزنه وبمنعه الحقوق حتى يهلك في جمعه، فيأخذه الوارث كما يؤخذ الحرير بعد موت الدودة.","vol":"3","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>أصنع من سرفة</span>.\nالصنع مر؛ والسرفة بضم السين ويكون الراء المهملتين وبالفاء دويبة، ويقال هي الأرضة، وهي تتخذ بيتا من دقاق العيدان، ثم تلزقه بعود بمثل نسيج العنكبوت إلاّ إنّه أصلب. ثم تلزقه بعودان من أعواد الشجر وقد غطت رأسها وجميعها فتكون فهي ويقال تدخل فيه فتموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>أصنع من تنوطٍ</span>.\nالتنوط بفتح التاء وضم الواو المشددة، وبضمها وكسر الواو: الطائر، والواحدة تنوطية، وهذا الطائر يدلي خيوطا من شجرة وينسج عشه كقارورة الدهن منوطًا بتلك الخيوط فيفرخ فيه. ولذلك سمي التنوط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>صابت بقر</span>.\nالصوب مجيء السماء بالمطر وصاب نزل قال:\nفلست لأنسى ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب\nوصابه المطر أي مطر والصوب أيضًا: القصد، تقول: صاب السهم أي قصد ولم يجر؛ والصوب أيضًا واصواب صد الخطأ والقر بضم القاف البرد وقر الرجل بالضم أصابه القر فهو مقرور ويوم قر بالفتح بارد قال: امرؤ القيس:\nلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم إني افر\nتميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر\nإذا ركبوا الخيل وأستلاموا ... تحقت الأرض واليوم قر\nوالقر أيضًا بالضم القرار ومنه قولهم: صابت بقر أي صارت الشدة في قرارها. قال: طرفة:\nكنت فيكم كالمغطي رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر","vol":"3","page":256},{"text":"سادرًا أحسب غيي رشدًا ... فتناهيت وقد صابت بقر\nهذا تمام ما وجد من هذا التأليف العجيب، والأسلوب الغريب، بخط الشيخ المؤلف، رحمه الله تعالى ونفعنا به على يد كتابه وناسخه عبد السلام بن عبد الرحمن العدلوني، كان الله له وليا ونصيرًا، وفي ثاني عشر من رجب الفرد الحرام، عام أربعة وثلاثين ومائة وألف.\nالحمد لله! قوبلت هذه النسخة بأصلها، أصل المؤلف رحمه الله تعالى عليه بجد وجد في طرق تصحيحها بذلك منه بفقدها ما وجدته في حيز الضد. والحمد لله الذي هو سنى ذلك حق الحمد حمدًا واري الزند سامي البند، ذاكي الرند وصلاة الله العديمة الند الفائحة الند، على من ليس لمن يرتجي شفاعة من الصلاة عليه من بد، وعلى آله ويلم تسليما.\nقال هذا وكتبه بيده مصححها محمّد بن قاسم بن محمّد أبن زاكور الفاسي عامله الله!","vol":"3","page":257}]}