{"ً":{"ٌ":7436,"ٍ":"التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية\nالمؤلف: محمد منير مرسي\nالناشر: عالم الكتب\nالطبعة: طبعة مزيدة ومنقحة ١٤٢٥هـ/ ٢٠٠٥م\nعدد الصفحات: ٤٨٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1500,"ٕ":23,"ٖ":1770155675,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمات","level":1,"page":1},{"title":"نبذة تفصيلية عن المؤلف","level":2,"page":1},{"title":"مقدمة","level":2,"page":4},{"title":"الفهرس","level":1,"page":5},{"title":"تمهيد: مشكلات منهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية","level":1,"page":7},{"title":"الفصل الأول: التربية الإسلامية","level":1,"page":17},{"title":"تربية العرب قبل الإسلام","level":2,"page":17},{"title":"مدخل","level":3,"page":17},{"title":"فضل القلم","level":3,"page":19},{"title":"فضل الخط","level":3,"page":20},{"title":"فضل الكتب","level":3,"page":21},{"title":"مكانة العلم في الإسلام","level":2,"page":22},{"title":"مدخل","level":3,"page":22},{"title":"فضل المسلمين على العلم","level":3,"page":24},{"title":"لماذا انطفأت شعلة العلم الخلاقة في المجتمعات الإسلامية","level":3,"page":32},{"title":"تأثير الفكر الإسلامي في الغرب","level":3,"page":34},{"title":"الرحلة في طلب العلم","level":3,"page":36},{"title":"التعليم الإسلامي بين الأصالة والتجديد","level":3,"page":41},{"title":"كيف نبدأ","level":3,"page":44},{"title":"حول توصيات المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي","level":3,"page":49},{"title":"الفصل الثاني","level":1,"page":55},{"title":"أهداف التربية الإسلامية","level":2,"page":55},{"title":"مدخل","level":3,"page":55},{"title":"لماذا خلقنا؟","level":3,"page":61},{"title":"ما يصلح به حال الإنسان","level":3,"page":65},{"title":"العبادة غاية الوجود الإنسان وأساس السلوك الأخلاقي","level":3,"page":67},{"title":"التكسب واجب","level":3,"page":69},{"title":"أسس التربية الإسلامية","level":2,"page":72},{"title":"التربية الإسلامية تربية تكاملية شاملة","level":3,"page":72},{"title":"التربية الإسلامية تربية مثالية واقعية","level":3,"page":75},{"title":"التربية الإسلامية تربية سلوكية عملية","level":3,"page":78},{"title":"التربية الإسلامية تربية فردية واجتماعية معا","level":3,"page":80},{"title":"التربية الإسلامية تربية لضمير الإنسان","level":3,"page":82},{"title":"التربية الإسلامية تربية لفطرة الإنسان وإعلاء لدوافعه","level":3,"page":83},{"title":"التربية الإسلامية تربية موجهة نحو الخير","level":3,"page":85},{"title":"التربية الإسلامية تربية مستمرة","level":3,"page":87},{"title":"التربية الإسلامية تربية متدرجة","level":3,"page":89},{"title":"التربية الإسلامية تربية محافظة مجددة","level":3,"page":91},{"title":"التربية الإسلامية تربية إنسانية عالمية","level":3,"page":92},{"title":"أساليب التربية الإسلامية","level":2,"page":93},{"title":"أسلوب القدوة الصالحة","level":3,"page":93},{"title":"أسلوب الثواب والعقاب","level":3,"page":94},{"title":"أسلوب التوجيه والنصح","level":3,"page":95},{"title":"أسلوب الحوار والمناقشة","level":3,"page":96},{"title":"أسلوب المعرفة النظرية","level":3,"page":99},{"title":"أسلوب الممارسة العملية","level":3,"page":100},{"title":"أسلوب الرسم والإيضاح","level":3,"page":101},{"title":"أسلوب التلقين والحفظ","level":3,"page":102},{"title":"أسلوب الرسول الكريم","level":3,"page":103},{"title":"التعليم الإسلامي","level":2,"page":104},{"title":"خصائص التعليم الإسلامي التقليدي","level":3,"page":104},{"title":"المنهج المدرسي","level":3,"page":106},{"title":"وسائل التدريس","level":3,"page":107},{"title":"مساكن الطلبة","level":3,"page":109},{"title":"الجمع بين طلب العلم والتكسب","level":3,"page":110},{"title":"الدولة والتربية في الإسلام","level":3,"page":111},{"title":"أهل الحسبة ورعاية المصالح العامة والتعليم","level":3,"page":115},{"title":"وجوب التعليم","level":3,"page":116},{"title":"التعليم في الإسلام فرض وابج وليس مجرد حق","level":3,"page":117},{"title":"الفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية","level":1,"page":120},{"title":"أولا: الإسلام والكون \"مدخل أطولوجي\"","level":2,"page":120},{"title":"خالق الكون","level":3,"page":120},{"title":"البرهنة على وجوده","level":3,"page":122},{"title":"الفرق بين التصديق والإيمان","level":3,"page":126},{"title":"خلق السموات والأرض","level":3,"page":127},{"title":"حقيقة الكون","level":3,"page":128},{"title":"نظرة الإسلام للكون","level":3,"page":129},{"title":"الأنبياء وكتب الشرائع","level":3,"page":133},{"title":"الكون والتطور","level":3,"page":135},{"title":"رفض علماء المسلمين لنظريات التطور الغربية","level":3,"page":140},{"title":"دورة الحياة","level":3,"page":142},{"title":"ما تصلح به حال الدنيا","level":3,"page":144},{"title":"ثانيا: المعرفة في الإسلام \"مدخل ابستمولوجي\"","level":2,"page":146},{"title":"مدخل","level":3,"page":146},{"title":"طبيعة المعرفة وأنواعها","level":3,"page":150},{"title":"تعلم الإنسان من غيره من المخلوقات","level":3,"page":162},{"title":"ثالثا: الأخلاق في الإسلام \"مدخل اكسيولوجي\"","level":2,"page":163},{"title":"الفصل الرابع: تربية الطفل في الإسلام","level":1,"page":220},{"title":"مقدمة","level":2,"page":220},{"title":"نشاط الطفل دليل صحة","level":2,"page":224},{"title":"مراحل التربية الخلقية","level":2,"page":227},{"title":"آداب المتعلم","level":2,"page":244},{"title":"شروط تحصيل العلم","level":2,"page":249},{"title":"خاتمة","level":2,"page":255},{"title":"الفصل الخامس: تعليم المرأة في الإسلام","level":1,"page":256},{"title":"مقدمة","level":2,"page":256},{"title":"المرأة والحجاب","level":2,"page":258},{"title":"قضية تعليم المرأة وقضية تربيتها","level":2,"page":260},{"title":"المرأة والتعليم","level":2,"page":263},{"title":"آراء علماء المسلمين في تعليم المرأة","level":2,"page":265},{"title":"أولا: آراء غريبة عن الإسلام","level":3,"page":265},{"title":"ثانيا: آراء معتدلة تتفق مع روح الإسلام","level":3,"page":267},{"title":"التعليم المختلط","level":2,"page":269},{"title":"التربية الزوجية","level":2,"page":270},{"title":"حق الزوجة على زوجها","level":2,"page":272},{"title":"الفصل السادس: المعلم في التربية الإسلامية","level":1,"page":273},{"title":"مقدمة","level":2,"page":273},{"title":"أهمية المعلم ومكانته","level":2,"page":274},{"title":"واجبات وأدوار المعلم","level":2,"page":277},{"title":"أخلاق المعلمين","level":2,"page":281},{"title":"أجر المعلم","level":2,"page":283},{"title":"الفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى","level":1,"page":286},{"title":"مراحل تطور التربية الإسلامية","level":2,"page":286},{"title":"مدخل","level":3,"page":286},{"title":"المرحلة الأولى للتربية الإسلامية: مرحلة البناء","level":3,"page":288},{"title":"المرحلة الثانية: مرحلة العصر الذهبي أو الازدهار","level":3,"page":300},{"title":"السمات العامة للتربية الإسلامية في العصر الذهبي","level":2,"page":308},{"title":"دخول العلوم العقلية","level":3,"page":308},{"title":"نشأة المدارس","level":3,"page":313},{"title":"ظهور الآراء التربوية المتميزة","level":3,"page":314},{"title":"الفصل الثامن: مركز التعليم الإسلامي","level":1,"page":316},{"title":"أولا: المساجد","level":2,"page":316},{"title":"ثانيا: الكتاب","level":2,"page":321},{"title":"هدف الكتاب","level":3,"page":321},{"title":"الدراسة في الكتاب","level":3,"page":322},{"title":"نقد طريقة التعليم بالكتاب","level":3,"page":323},{"title":"معلم الكتاب","level":3,"page":324},{"title":"مكان التعليم","level":3,"page":325},{"title":"ثالثا: المدارس","level":2,"page":326},{"title":"مدخل","level":3,"page":326},{"title":"أسباب إنشاء المدارس","level":3,"page":329},{"title":"نمط المدرسة الإسلامية الأولى","level":3,"page":330},{"title":"طريقة التعليم","level":3,"page":331},{"title":"مناقب ومثالب","level":3,"page":332},{"title":"رابعا: المكتبات","level":2,"page":333},{"title":"خامسا: دور الحكمة","level":2,"page":335},{"title":"بيت الحكمة في بغداد","level":3,"page":335},{"title":"بيت الحكمة في رقادة","level":3,"page":336},{"title":"دار الحكمة بالقاهرة","level":3,"page":337},{"title":"سادسا: حوانيت الوراقين","level":2,"page":338},{"title":"سابعا: الرباطات","level":2,"page":339},{"title":"ثامنا: البيمارستانات والمستشفيات","level":2,"page":340},{"title":"تاسعا: منازل العلماء","level":2,"page":342},{"title":"الفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط","level":1,"page":343},{"title":"ابن سحنون وآراؤه التربوية","level":2,"page":343},{"title":"القابسي وآراؤه التربوية","level":2,"page":350},{"title":"ابن مسكويه وآراؤه التربوية","level":2,"page":355},{"title":"مدخل","level":3,"page":355},{"title":"مؤلفات ابن مسكويه","level":3,"page":356},{"title":"تأثر ابن مسكويه بفلاسفة الأغريق","level":3,"page":357},{"title":"آراؤه التربوية","level":3,"page":358},{"title":"النفس الإنسانية","level":3,"page":360},{"title":"الفضيلة وصفاتها الأخلاقية","level":3,"page":362},{"title":"الكمال الإنساني","level":3,"page":363},{"title":"الأخلاق","level":3,"page":365},{"title":"أمراض النفوس وعلاجها","level":3,"page":367},{"title":"تربية النشء","level":3,"page":374},{"title":"الماوردي وآراؤه التربوية","level":2,"page":377},{"title":"مقدمة","level":3,"page":377},{"title":"الماوردي والأصفهاني وابن خلدون","level":3,"page":379},{"title":"الإنسان مدني بطبعه","level":3,"page":380},{"title":"العقل أس الفضائل","level":3,"page":381},{"title":"ضرورة التأديب","level":3,"page":382},{"title":"شرف العلم وفضله","level":3,"page":383},{"title":"شروط طلب العلم","level":3,"page":384},{"title":"الباعث على طلب العلم","level":3,"page":385},{"title":"التدرج في طلب العلم","level":3,"page":386},{"title":"كبير السن والتعلم","level":3,"page":387},{"title":"أسباب التقصير في طلب العلم","level":3,"page":389},{"title":"أخلاق العلماء","level":3,"page":391},{"title":"آداب رياضة النفس واستصلاحها","level":3,"page":394},{"title":"الغزالي وآراؤه التربوية","level":2,"page":402},{"title":"مدخل","level":3,"page":402},{"title":"الغزالي ناقل عن ابن مسكويه وغيره من المسلمين والإغريق","level":3,"page":404},{"title":"منهج الغزالي في تربية الطفل","level":3,"page":414},{"title":"ابن تيمية وآراؤه التربوية","level":2,"page":419},{"title":"مقدمة","level":3,"page":419},{"title":"أسرته","level":3,"page":422},{"title":"عصره","level":3,"page":423},{"title":"وفاته","level":3,"page":439},{"title":"ابن خلدون وآراؤه التربوية","level":2,"page":440},{"title":"الفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة","level":1,"page":453},{"title":"مقدمة","level":2,"page":453},{"title":"مدخل","level":3,"page":453},{"title":"الحركة الإصلاحية السلفية والتعليم","level":3,"page":456},{"title":"دعوات التغريب والتشكيك الفكري","level":3,"page":460},{"title":"الفصل الحادي عشر: أعلام النهضة التربوية في الشرق العربي الحديث","level":1,"page":474},{"title":"محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية","level":2,"page":474},{"title":"مقدمة","level":3,"page":474},{"title":"تأثير ابن تيمية","level":3,"page":477},{"title":"آراؤه وجهوده التربوية","level":3,"page":478},{"title":"رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية","level":2,"page":480},{"title":"مدخل","level":3,"page":480},{"title":"آراؤه التربوية","level":3,"page":482},{"title":"أخلاق المعلمين والمتعلمين","level":3,"page":485},{"title":"طريقة التعليم","level":3,"page":486},{"title":"على مبارك وآراؤه التربوية","level":2,"page":487},{"title":"مدخل","level":3,"page":487},{"title":"جهوده الفكرية والثقافية","level":3,"page":489},{"title":"جهوده في التربية والتعليم","level":3,"page":491},{"title":"الشيخ محمد عبده وآراؤه التربوية","level":2,"page":495},{"title":"مدخل","level":3,"page":495},{"title":"مدرسة الإمام","level":3,"page":497},{"title":"جهوده العلمية والفكرية","level":3,"page":498},{"title":"آراؤه في التربية","level":3,"page":499},{"title":"مراتب التعليم","level":3,"page":500},{"title":"على الأغنياء بذل المال في إنشاء المدارس","level":3,"page":502},{"title":"تطوير الأزهر","level":3,"page":503},{"title":"تعليم المرأة","level":3,"page":504},{"title":"وفاة الإمام","level":3,"page":506},{"title":"الفصل الثاني عشر: الاتجاهات التربوية في العصر الحديث","level":1,"page":507},{"title":"اقتباس النظم التعليمية الحديثة","level":2,"page":507},{"title":"ظهور حركة التربية الحديثة","level":2,"page":508},{"title":"استقدام الخبراء الأجانب","level":2,"page":511},{"title":"تقرير كلاباريد","level":3,"page":511},{"title":"تقرير مان","level":3,"page":513},{"title":"الاهتمام بإعداد المعلمين","level":2,"page":514},{"title":"إنشاء الجامعات الحديثة","level":2,"page":515},{"title":"ظهور الاتجاهات التعليمية المتميزة","level":2,"page":516},{"title":"سياسة الأبعاد الثلاثية \"نجيب الهلالي\"","level":3,"page":516},{"title":"اتجاه الكم أو سياسة الماء والهواء \"طه حسين\"","level":3,"page":518},{"title":"اتجاه الكيف أو تعليم الصفوة \"إسماعيل القباني\"","level":3,"page":520},{"title":"تطوير الأزهر","level":2,"page":521},{"title":"مراجع الكتاب","level":1,"page":525},{"title":"كتب المؤلف","level":1,"page":536}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":20,"1,20":22,"1,21":23,"1,22":24,"1,23":25,"1,24":26,"1,25":27,"1,26":28,"1,27":29,"1,28":30,"1,29":31,"1,30":33,"1,31":35,"1,32":37,"1,33":38,"1,34":39,"1,35":40,"1,36":41,"1,37":42,"1,38":43,"1,39":45,"1,40":46,"1,41":47,"1,42":48,"1,43":50,"1,44":51,"1,45":52,"1,46":53,"1,47":54,"1,48":55,"1,49":56,"1,50":57,"1,51":58,"1,52":59,"1,53":60,"1,54":62,"1,55":63,"1,56":64,"1,57":66,"1,58":68,"1,59":69,"1,60":70,"1,61":71,"1,62":73,"1,63":74,"1,64":75,"1,65":76,"1,66":77,"1,67":78,"1,68":79,"1,69":80,"1,70":81,"1,71":83,"1,72":84,"1,73":85,"1,74":86,"1,75":88,"1,76":89,"1,77":90,"1,78":92,"1,79":93,"1,80":94,"1,81":95,"1,82":96,"1,83":97,"1,84":98,"1,85":100,"1,86":102,"1,87":103,"1,88":105,"1,89":106,"1,90":108,"1,91":109,"1,92":111,"1,93":112,"1,94":113,"1,95":114,"1,96":116,"1,97":118,"1,98":119,"1,99":120,"1,100":121,"1,101":122,"1,102":123,"1,103":124,"1,104":125,"1,105":127,"1,106":128,"1,107":129,"1,108":130,"1,109":131,"1,110":132,"1,111":133,"1,112":134,"1,113":135,"1,114":136,"1,115":137,"1,116":138,"1,117":139,"1,118":141,"1,119":143,"1,120":144,"1,121":145,"1,123":147,"1,124":148,"1,125":149,"1,126":150,"1,127":151,"1,128":152,"1,129":153,"1,130":154,"1,131":155,"1,132":156,"1,133":157,"1,134":158,"1,135":159,"1,136":160,"1,137":161,"1,138":162,"1,139":164,"1,140":165,"1,141":166,"1,142":167,"1,143":168,"1,144":169,"1,145":170,"1,146":171,"1,147":172,"1,148":173,"1,149":174,"1,150":175,"1,151":176,"1,152":177,"1,153":178,"1,154":179,"1,155":180,"1,156":181,"1,157":182,"1,158":183,"1,159":184,"1,160":185,"1,161":186,"1,162":187,"1,163":188,"1,164":189,"1,165":190,"1,166":191,"1,167":192,"1,168":193,"1,169":194,"1,170":195,"1,171":196,"1,172":197,"1,173":198,"1,174":199,"1,175":200,"1,176":201,"1,177":202,"1,178":203,"1,179":204,"1,180":205,"1,181":206,"1,182":207,"1,183":208,"1,184":209,"1,185":210,"1,186":211,"1,187":212,"1,188":213,"1,189":214,"1,190":215,"1,191":216,"1,192":217,"1,193":218,"1,194":219,"1,195":220,"1,196":221,"1,197":222,"1,198":223,"1,199":225,"1,200":226,"1,201":227,"1,202":228,"1,203":229,"1,204":230,"1,205":231,"1,206":232,"1,207":233,"1,208":234,"1,209":235,"1,210":236,"1,211":237,"1,212":238,"1,213":239,"1,214":240,"1,215":241,"1,216":242,"1,217":243,"1,218":245,"1,219":246,"1,220":247,"1,221":248,"1,222":250,"1,223":251,"1,224":252,"1,225":253,"1,226":254,"1,227":256,"1,228":257,"1,229":258,"1,230":259,"1,231":260,"1,232":261,"1,233":262,"1,234":263,"1,235":264,"1,236":265,"1,237":266,"1,238":268,"1,239":270,"1,240":271,"1,241":272,"1,242":273,"1,243":274,"1,244":275,"1,245":276,"1,246":277,"1,247":278,"1,248":279,"1,249":280,"1,250":281,"1,251":282,"1,252":283,"1,253":284,"1,254":285,"1,255":286,"1,256":287,"1,257":288,"1,258":289,"1,259":290,"1,260":291,"1,261":292,"1,262":293,"1,263":294,"1,264":295,"1,265":296,"1,266":297,"1,267":298,"1,268":299,"1,269":300,"1,270":301,"1,271":302,"1,272":303,"1,273":304,"1,274":305,"1,275":306,"1,276":307,"1,277":308,"1,278":309,"1,279":310,"1,280":311,"1,281":312,"1,282":315,"1,283":316,"1,284":317,"1,285":318,"1,286":319,"1,287":320,"1,288":322,"1,289":323,"1,290":324,"1,291":325,"1,292":327,"1,293":328,"1,294":329,"1,295":330,"1,296":331,"1,297":332,"1,298":333,"1,299":334,"1,300":335,"1,301":336,"1,302":337,"1,303":339,"1,304":340,"1,305":341,"1,306":342,"1,307":343,"1,308":344,"1,309":345,"1,310":346,"1,311":347,"1,312":348,"1,313":349,"1,314":350,"1,315":351,"1,316":352,"1,317":353,"1,318":354,"1,319":355,"1,320":356,"1,321":358,"1,322":359,"1,323":361,"1,324":362,"1,325":363,"1,326":364,"1,327":365,"1,328":366,"1,329":367,"1,330":368,"1,331":369,"1,332":370,"1,333":371,"1,334":372,"1,335":373,"1,336":374,"1,337":375,"1,338":376,"1,339":378,"1,340":379,"1,342":382,"1,343":383,"1,344":384,"1,345":385,"1,346":387,"1,347":388,"1,349":390,"1,350":391,"1,351":392,"1,352":393,"1,353":395,"1,354":396,"1,355":397,"1,356":398,"1,357":399,"1,358":400,"1,359":401,"1,360":402,"1,361":403,"1,362":405,"1,363":406,"1,364":407,"1,365":408,"1,366":409,"1,367":410,"1,368":411,"1,369":412,"1,370":413,"1,371":415,"1,372":416,"1,373":417,"1,374":418,"1,375":419,"1,376":420,"1,377":421,"1,378":422,"1,379":423,"1,380":424,"1,381":425,"1,382":426,"1,383":427,"1,384":428,"1,385":429,"1,386":430,"1,387":431,"1,388":432,"1,389":433,"1,390":434,"1,391":435,"1,392":436,"1,393":437,"1,394":438,"1,395":439,"1,396":440,"1,397":441,"1,398":442,"1,399":443,"1,400":444,"1,401":445,"1,402":446,"1,403":447,"1,404":448,"1,405":449,"1,406":450,"1,407":451,"1,408":452,"1,409":453,"1,410":454,"1,411":455,"1,412":457,"1,413":458,"1,414":459,"1,415":461,"1,416":462,"1,417":463,"1,418":464,"1,419":465,"1,420":466,"1,421":467,"1,422":468,"1,423":469,"1,424":470,"1,425":471,"1,426":472,"1,427":473,"1,428":474,"1,429":475,"1,430":476,"1,431":477,"1,432":478,"1,433":479,"1,435":481,"1,436":482,"1,437":483,"1,438":484,"1,439":486,"1,441":487,"1,442":488,"1,443":489,"1,444":490,"1,445":492,"1,446":493,"1,447":494,"1,448":495,"1,449":496,"1,450":497,"1,451":499,"1,452":500,"1,453":501,"1,454":503,"1,455":505,"1,456":507,"1,457":508,"1,458":509,"1,459":510,"1,460":511,"1,461":512,"1,462":513,"1,463":515,"1,464":516,"1,465":517,"1,466":519,"1,467":520,"1,468":522,"1,469":523,"1,470":524,"1,471":525,"1,472":526,"1,473":527,"1,474":528,"1,475":529,"1,476":530,"1,477":531,"1,478":532,"1,479":533,"1,480":534,"1,481":535,"1,482":536,"1,483":537,"1,484":538},"ٜ":{"1":[1,484]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,18","1,19","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,29","1,30","1,30","1,31","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,53","1,54","1,55","1,56","1,56","1,57","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,74","1,75","1,76","1,77","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,84","1,85","1,85","1,86","1,87","1,87","1,88","1,89","1,89","1,90","1,91","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,95","1,96","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,117","1,118","1,118","1,119","1,120","1,121","1,121","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,237","1,238","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,281","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,320","1,321","1,322","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,338","1,339","1,340","1,241","1,241","1,342","1,343","1,344","1,345","1,345","1,346","1,347","1,347","1,349","1,350","1,351","1,352","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,411","1,412","1,413","1,414","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,433","1,435","1,436","1,437","1,438","1,438","1,439","1,441","1,442","1,443","1,444","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,450","1,451","1,452","1,453","1,453","1,454","1,454","1,455","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,462","1,463","1,464","1,465","1,465","1,466","1,467","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484"],"ٞ":{"1":[1,2],"4":[3],"5":[4],"7":[5],"17":[6,7,8],"19":[9],"20":[10],"21":[11],"22":[12,13],"24":[14],"32":[15],"34":[16],"36":[17],"41":[18],"44":[19],"49":[20],"55":[21,22,23],"61":[24],"65":[25],"67":[26],"69":[27],"72":[28,29],"75":[30],"78":[31],"80":[32],"82":[33],"83":[34],"85":[35],"87":[36],"89":[37],"91":[38],"92":[39],"93":[40,41],"94":[42],"95":[43],"96":[44],"99":[45],"100":[46],"101":[47],"102":[48],"103":[49],"104":[50,51],"106":[52],"107":[53],"109":[54],"110":[55],"111":[56],"115":[57],"116":[58],"117":[59],"120":[60,61,62],"122":[63],"126":[64],"127":[65],"128":[66],"129":[67],"133":[68],"135":[69],"140":[70],"142":[71],"144":[72],"146":[73,74],"150":[75],"162":[76],"163":[77],"220":[78,79],"224":[80],"227":[81],"244":[82],"249":[83],"255":[84],"256":[85,86],"258":[87],"260":[88],"263":[89],"265":[90,91],"267":[92],"269":[93],"270":[94],"272":[95],"273":[96,97],"274":[98],"277":[99],"281":[100],"283":[101],"286":[102,103,104],"288":[105],"300":[106],"308":[107,108],"313":[109],"314":[110],"316":[111,112],"321":[113,114],"322":[115],"323":[116],"324":[117],"325":[118],"326":[119,120],"329":[121],"330":[122],"331":[123],"332":[124],"333":[125],"335":[126,127],"336":[128],"337":[129],"338":[130],"339":[131],"340":[132],"342":[133],"343":[134,135],"350":[136],"355":[137,138],"356":[139],"357":[140],"358":[141],"360":[142],"362":[143],"363":[144],"365":[145],"367":[146],"374":[147],"377":[148,149],"379":[150],"380":[151],"381":[152],"382":[153],"383":[154],"384":[155],"385":[156],"386":[157],"387":[158],"389":[159],"391":[160],"394":[161],"402":[162,163],"404":[164],"414":[165],"419":[166,167],"422":[168],"423":[169],"439":[170],"440":[171],"453":[172,173,174],"456":[175],"460":[176],"474":[177,178,179],"477":[180],"478":[181],"480":[182,183],"482":[184],"485":[185],"486":[186],"487":[187,188],"489":[189],"491":[190],"495":[191,192],"497":[193],"498":[194],"499":[195],"500":[196],"502":[197],"503":[198],"504":[199],"506":[200],"507":[201,202],"508":[203],"511":[204,205],"513":[206],"514":[207],"515":[208],"516":[209,210],"518":[211],"520":[212],"521":[213],"525":[214],"536":[215]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>نبذة تفصيلية عن المؤلف</span>\n...\nنبذة تفصيلية عن المؤلف:\nالاسم بالكامل: محمد منير مرسي البري، وشهرته منير مرسي.\nولد في ٢١/ ٩/ ١٩٣٣ ببركة السبع، محافظة المنوفية.\nكان والد ﵀ من رجال التربية والتعليم.\nحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة العياط الابتدائية بمحافظة الجيزة عام ١٩٤٧، وعلى شهادة التوجيهية من مدرسة الإبراهيمية الثانوية بجاردن سيتي بالقاهرة عام ١٩٥٢، وعلى ليسانس كلية دار العلوم - جامعة القاهرة ١٩٥٢.\nوعلى الدبلوم العامة في التربية ١٩٥٧ والدبلوم الخاص في التربية ١٩٥٨ ودرجة الماجستير في التربية ١٩٦١ من كلية التربية - جامعة عين شمس. وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية \".PH. D\" من جامعة لندن - إنجلترا عام ١٩٦٩.\nعمل مدرسا بمدرسة النقراشي النموذجية الإعدادية في بداية حياته المهنية، ثم عمل بإدراة تعليم الكبار وإدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم.\nأعير للعمل أستاذا للغة العربية بجامعة تاجيكستان بالاتحاد السوفيتي سابقا في الفترة من ١٩٦٠-١٩٦٢. وبعد عودته كتب كثيرا من المقالات عن الثقافة العربية وعن تجربته العلمية والدراسات العربية في مجلة \"المجلة\" ومجلة \"الرسالة\" ومجلة \"الثقافة\". وكان لتشجيع الكاتب الكبير يحيى حقي أثر كبير في ذلك. وترجم وقتها إلى العربية بعض الكتب القيمة بالروسية عن الأدب والشعر والثقافة العربية منها: \"مع المخطوطات العربية\" لكراتشكوفسكي\" و\"الشعر العربي في الأندلس\" له أيضا، وأراجيز الملاح العربي لفاسكودي جاما أحمد بن ماجد، وهي أطروحة علمية لشوموفسكي، والرسالة الثانية لأبي دلف من تأليف أنس خالدوف.\nحصل عام ١٩٦٥ على بعثة حكومية لكلية التربية جامعة عين شمس لدراسة الدكتوراه بجامعة لندن بإنجلترا. وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية تخصص تربية مقارنة منها عام ١٩٦٩. وكان أستاذه المشرف عليه هو عالم التربية المقارنة المعروف \"جوزيف لاواريز\". كما تعلم وقتها أيضا من نجوم مرموقين يعتبرون الآن روادا يشار إليهم بالبنان في الميدان من أمثال \"نيقولا هانز\" و\"برايان هولمز\"","vol":"1","page":1},{"text":"و\"إدموندكنج\"، والمؤرخ العربي المشهور عبد اللطيف الطيباوي ﵀، والذي حصل على أرفع الدرجات العلمية من جامعة لندن \"D.Lit\" وصاحب المؤلفات العربية والإنجليزية القيمة في تاريخ العرب والإسلام. ومن أحدث كتبه باللغة الإنجليزية كتابه عن التربية الإسلامية بين التقليد والمعاصرة. وبلغ من ثقته العلمية في شخصية صاحب النبذة أن طلب منه قراءة أصول الكتاب قبل طباعته. ولم ينس أن يشكره على ذلك في مقدمة الكتاب بعد صدوره باللغة الإنجليزية.\nبعد عودته إلى مصر عام ١٩٦٩ التحق بالعمل مدرسا بقسم أصول التربية بكلية التربية جامعة عين شمس. ثم لم يلبث أن انتقل إلى قسم التربية المقارنة والإدارة التعليمية بنفس الكلية. ثم رقي إلى أستاذ مساعد بنفس القسم عام ١٩٧٤ ثم إلى أستاذ بنفس القسم عام ١٩٧٩ بناء على قرار اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة بجلستها بتاريخ ٢٧/ ٩/ ١٩٧٩. ثم عين أستاذا بجامعة قطر بقرار مجلس الجامعة بتاريخ ٢٦/ ١٢/ ١٩٧٩.\nعند عودته من البعثة الدراسية أحس بحاجة ميدان التربية بصفة عامة وميدان التربية المقارنة والإدراة التعليمية بصفة خاصة إلى المصادر العربية الحديثة التي يستعين بها في تدريس مقرراته للطلاب. وبدأ بالتدريج في توفير هذه المصادر عن طريق الترجمة من الإنجليزية مبتدئا بترجمة جزء من رسالته للدكتوراه صدر بعنوان إدارة وتنظيم التعليم العام. وفي نفس الوقت اتجه إلى ترجمة مجموعة حديثة مختارة من الكتب الإنجليزية بالتعاون أحيانا مع بعض زملائه. منها كتاب المدرسة الشاملة \"لروبين بيدلي\" ومدارس بلا فشل \"لجلاسر\" والتعليم والتنمية القومية من تحرير آدامز\" وانثروبولوجيا التربية \"وفلسفة التربية\" لجورج نيللر\" والتاريخ الاجتماعي للتربية لروبرت لك. واتجه أيضا إلى التأليف فألف وقتها كتاب \"الإدارة التعليمية أصولها وتطبيقاتها \"و\"التعليم العام في البلاد العربية\" و\"الإدارة المدرسية الحديثة\".\nأعير للعمل بجامعة قطر ابتداء مع العام الجامعي ٧٥/ ١٩٧٦. وعمل بها أستاذا مساعدا ثم أستاذا طيلة فترة عمله بها حتى عام ١٩٩٠.\nكان المدير المؤسس لمركز البحوث التربوية بجامعة قطر منذ تأسيسه عام ١٩٨٠ حتى انتهاء عمله بجامعة قطر في أكتوبر ١٩٩٠.","vol":"1","page":2},{"text":"ألف خلال حياته العلمية والمهنية كثيرا من الكتب، وقام بكثير من الدراسات والبحوث. ونشر كثيرا من المقالات باللغة العربية والإنجليزية مما يتضح من قائمة المؤلفات في نهاية الكتاب.\nأشرف على عدة رسالات علمية لدرجة الماجستير والدكتوراه، كما اشترك في مناقشة كثير من الرسائل العلمية.\nقام بتحكيم كثير من الدراسات والبحوث والأعمال العلمية والأكاديمية في ميدان التخصص منها أعمال علمية للترقية إلى وظائف أعلى لهيئة التدريس \"أستاذ مساعد، أستاذ\" في عدة دول عربية منها الأردن والعراق والسعودية واليمن والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة.\nشارك في أعمال استشارية ومهمات علمية تطويرية تجديدية وتدريبية كثيرة في مختلف الدول العريبة منها اليمن وليبيا والسعودية والبحرين والكويت ودولة الإمارات وقطر وماليزيا.\nاشترك في كثير من المؤتمرات التربوية الدولية في كثير من بقاع العالم منها أمريكا وإنجلترا وفرنسا والفلبين والمكسيك وماليزيا، وشارك في أعمال هذه المؤتمرات بالجهود العلمية كتابة وتحدثا. وله صلات علمية بالجامعات البريطانية والأمريكية.\nحاضر في كثير من الجامعات الأجنبية والمصرية منها جامعات الاتحاد السوفيتي سابقا وبريطانيا وجامعات والإسكندرية وطنطا والزقازيق والمنصورة والأزهر وكلية التربية وكليات البنات بجامعة عين شمس وكلية التربية بجامعة قطر.\nقام بزيارة بلاد أخرى كثيرة منها تركيا وباكستان والهند وهونج كونج وماليزيا وتايلاند ودول بحر البلطيق وإيطاليا وهولندا وألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا والمكسيك والفلبين.\nاسمه مدرج في الموسوعة القومية للشخصيات المصرية الهامة التي أصدرتها مصلحة الاستعلامات في مصر عام ١٩٢٢. وهي تتضمن معلومات وبيانات تفصيلية أخرى عنه.","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة:</span>\nعلى الرغم من الأهمية الحيوية لموضوع التربية الإسلامية فإن المكتبة العربية تعاني من فقر شديد في الكتابات الحديثة عن هذا الموضوع. وما زالت الحاجة ماسة لكتابات أصيلة عن التربية الإسلامية تسبر أغوارها. وتكشف جوانبها لتعمق فهمنا لما ينبغي أن يكون عليه طريقنا في تنشئة الأجيال الصاعدة تنشئة صحيحة.\nوهذا الكتاب يتناول التربية الإسلامية من حيث أصولها ومبادئها واتجاهاتها وتطورها في البلاد العربية عبر تاريخها الطويل منذ ظهور الإسلام حتى العصور الحديثة. والكتاب خطوة متواضعة، بيد أنه يسد حاجة قائمة. وهو يهم بالدرجة الأولى كل المشتغلين بالتربية والمعنيين بشئونها بصفة خاصة. والتربية الإسلامية خاصة، ويهم كل المربين والمعلمين والآباء والأمهات.\nوالكتاب أيضا يهم كل مسلم لأنه بحكم إسلامه راعٍ وهو مسئول عن رعيته. ومن هذا فإن هذا الكتاب يمثل اهتمامًا مشتركًا لكثير من أبناء أمتنا الإسلامية.\nوقد صدرت أول طبعة من هذا الكتاب عام ١٩٧٧. وهو يخرج في هذه الطبعة الجديدة في صورة مزيدة ومنقحة. فقد أضفنا جزءا عن الماوردي وابن مسكويه وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وآرائهم التربوية. ونقحنا وأضفنا وعدلنا أجزاء متفرقة من الكتاب حتى يخرج في صورة أفضل للمهتمين بموضوعه. وشعاري الذي أتمسك به دائما هو قوله تعالى ﷿: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .\nالقاهرة، ٢١ سبتمبر ١٩٩٩\nأ. د. محمد منير مرسي","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفهرس:</span>\nنبذة تفصيلية عن المؤلف ١\nمقدمة ٤\nتمهيد: مشكلات منهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية ٧\nالفصل الأول: التربية الإسلامية: مدخل أولي ١٧\nالفصل الثاني: أهداف التربية الإسلامية وأسسها وأساليبها ٤٨\nالفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية: ٩٩\nأولا: الإسلام والكون: مدخل أنطولوجي ٩٩\nثانيا: المعرفة في الإسلام: مدخل إبستمولوجي ١٢١\nثالثا: الأخلاق في الإسلام: مدخل إكسيولوجي ١٣٨\nالفصل الرابع: تربية الطفل في الإسلام ١٩٥\nالفصل الخامس: تعليم المرأة في الإسلام ٢٢٧\nالفصل السادس: المعلم في التربية الإسلامية ٢٤٢\nالفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى ٢٥٥\nالفصل الثامن: مراكز التعليم الإسلامي ٢٨٣\nالفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط. ٣٠٧\n١- ابن سحنون وآراؤه التربوية. ٣٠٧\n٢- القابسي وآراؤه التربوية. ٣١٣\n٣- ابن مسكويه وآراؤه التربوية. ٣١٩\n٤- الماوردي وآراؤه التربوية. ٣٣٨\n٥- الغزالي وآراؤه التربوية. ٣٦٠","vol":"1","page":5},{"text":"٦- ابن تيمية وآراؤه التربوية. ٣٧٥\n٧- ابن خلدون وآراؤه التربوية. ٣٩٦\nالفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة ٤٠٩\nالفصل الحادي عشر: أعلام النهضة التربوية في العصر الحديث: ٤٢٨\n١- محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية. ٤٢٨\n٢- رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية. ٤٣٣\n٣- علي مبارك وآراؤه التربوية. ٤٤٨\nالفصل الثاني عشر: الاتجاهات التربوية في العصر الحديث ٤٥٦\n١- اقتباس النظم التعليمية. ٤٥٦\n٢- ظهور حركة التربية الحديثة. ٤٥٧\n٣- استقدام الخبراء الأجانب. ٣٦٠\n٤- الاهتمام بإعداد المعلمين. ٤٦٢\n٥- إنشاء الجامعات الحديثة. ٤٦٣\n٦- ظهور الاتجاهات التعليمية المتميزة. ٤٦٣\n٧- تطوير الأزهر. ٤٦٧\nالمراجع. ٤٧١\nكتب أخرى للمؤلف ٤٨٢","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>تمهيد: مشكلات منهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية</span>\nقد يعجب دارس تاريخ التربية من إغفال مراجع التربية المؤلفة في الغرب لموضوع التربية الإسلامية على الرغم من أن التربية الإسلامية قد عاشت أزهى فتراتها في وقت خيم فيه ظلام العصور الوسطى على الغرب. وإذا كانت هذه الفترة من الظلام قد ميزت القرون الخمسة الأولى من العصور الوسطى في الغرب فإن شمس الحضارة كانت تشرق عالية في الشرق. بل إن النهضة الأوربية التي بدأت في النصف الثاني من القرون الوسطى قد اعتمدت في غذائها الثقافي والفكري على نتاج الثقافة العربية والإسلامية إبان عصرها الذهبي.\nولعل العذر في هذا الإغفال من جانب المؤلفين الغربيين يرجع إلى عدم اهتمامهم بالموضوع رغم أهميته أو لجهلهم به أو ربما لتحيزهم وتعصبهم في بعض الأحيان. ويذكر كاتب هذه السطور أنه عندما قام مع زميلين له بترجمة كتاب التاريخ الاجتماعي للتربية لمؤلفه روبرت بك من الإنجليزية إلى العربية؛ تم الاتصال بالمؤلف الأمريكي لاستئذانه في الترجمة العربية مع طلب مقدمة منه لهذه الترجمة. وفي رده عبر عن إحساسه بهذا النقص من الكتاب وعلل ذلك بعدم معرفته بهذا الجانب الهام من التربية في الشرق. وقد نشرت الترجمة ولم تنشر معها المقدمة لأنها وردت متأخرة.\nوقد تكون دهشة دارس تاريخ التربية أشد عندما يرى أن المؤلفات العربية تعالج موضوعات التربية الإسلامية عند الكلام عن التربية في العصور الوسطى وكأن دراسة الموضوع تقف عند هذه الفترة الزمنية.\nصحيح أن التربية الإسلامية -كما قلنا- عاشت أزهى عصورها في هذه الفترة التي أعقبها فترة تدهور وانحطاط. لكن هذا لا يقلل من دراسة التربية الإسلامية خلال تلك الفترة لمتابعة تطورها ونمو اتجاهاتها حتى نأتي إلى العصور الحديثة لتكتمل الصورة.","vol":"1","page":7},{"text":"وللأسف الشديد أن الفجوة في تتبع دراسة تطور التربية الإسلامية حتى العصورة الحديثة ما زالت قائمة، ولا توجد حتى الآن محاولة جادة في هذا الاتجاه. وليس من قبيل التواضع القول بأن ما يقدمه المؤلف في هذا الكتاب ليس إلا خطوة على الطريق أو هي جهد المقل إن صح هذا التعبير.\nوعلى الرغم من وجود محاولات متزايدة للكتابة عن التربية الإسلامية في السنوات الأخيرة، فإن هذه المحاولات تقصر في الأغلب والأعم عن إشباع حاجات وتطلعات المهتمين بهذا النوع من الدراسات. وتبقى الكتابة عن التربية الإسلامية كالصخرة التي تتحدى ناطحها. وقد أردنا من هذه السطور أن نعرض لأهم المشكلات والصعوبات التي تكتنف الكتابة عن هذا الموضوع الحيوي الهام. ونحب أن نوضح منذ البداية أن ما نعنيه بالتربية الإسلامية هنا هو ليس مفهومها العام وإنما مفهومها الاصطلاحي الذي يخص المربين وأساتذة التربية والذي يتصل بالمفاهيم والأسس والمبادئ التي تحكم النظرية التربوية في الإسلام بأبعادها المختلفة. وسنحاول في السطور التالية أن نعرض لأهم هذه المشكلات المنهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية.\nأولا: أن الكتابة عن التربية الإسلامية تحتم على الباحث أو الكاتب الخوض في التراث، وهي عملية ليست سهلة وتكتنفها صعوبات كثيرة سنشير إلى بعضها فيما بعد. لكن مما يتصل بكلامنا هنا من هذه الصعوبات ما يتعلق بتناثر الكتابات عن التربية الإسلامية في التراث بصورة تحول دون الإلمام بشتاتها، وتحتاج هذه الكتابات إلى محاولات منسقة لحصرها وتصنيفها وتبويبها بحيث تقدم في صورة متكاملة يمكن للمربين والمشتغلين بالعلوم التربوية أن يستفيدوا منها. ومع أن هناك بعض الدراسات والمحاولات الجادة التي عملت في هذا السبيل فإنها تعتبر محاولات مرحلية لعبت دورها في تمهيد الطريق لدراسات أخرى تالية تستفيد منها وتضيف إليها.\nإن إحدى الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على هذه الدراسات هو منهجها في البحث والتحليل الذي قد يفتقر أحيانا إلى النظرة الشمولية والاستقصائية والربط والتفسير والوصول إلى الاتجاهات أو المبادئ العامة. مثلا إحدى هذه","vol":"1","page":8},{"text":"الدراسات عن التربية الإسلامية استعرضت آراء مختلفة عن أغراض أو أهداف التربية الإسلامية ووصلت بعد هذا الاستعراض إلى أن الصواب في نظر صاحب الدراسة هو ذكر صاحب المذهب ثم ذكر الغرض من التعليم الذي يلائم هذا المذهب. فهل هذا الاستنتاج صحيح؟ وهل هذا هو نوع الاستنتاج العام الذي نريد الوصول إليه؟\nثانيا: أن الكتابة عن التربية الإسلامية في معظمها تأخذ المنظور التاريخي الجزئي. بمعنى أنها تنظر إلى التربية الإسلامية على أنها فترة تاريخية معينة وعادة ما تكون هذه الفترة هي فترة العصور الوسطى التي تشمل فترة مجد الإسلام وازدهاره وبرز فيها علماء كثيرون كتبوا عن التربية والتعليم. ولذلك تهتم هذه الكتابات عادة بعرض الآراء. ومن الطبيعي أن يأتي عرض هذه الآراء حسبما اتفق دون نظام فكري معين. وغالبا ما تتكرر الآراء دون تمييز للسابق على اللاحق. وكثيرا ما يصعب على القارئ أن يخرج بصورة متكاملة مترابطة. كما يصعب على القارئ أن يربط بين ما قرأه وبين الوضع الراهن للتربية والتعليم بحيث يمكن أن يستفيد منه كمعلم أو كمربٍّ أو كمتخصص في علوم التربية.\nثالثا: أن الكتابة في التربية الإسلامية قد يغلب عليها الأسلوب الإنشائي أو الخطابي أو أسلوب الوعظ والإرشاد. وهو أسلوب وإن كان له استخداماته فإنه لا يصلح للمعالجة الموضوعية والدراسة العلمية للتربية الإسلامية بمفهومها المهني الذي يفهمه المربون وأساتذة التربية وليس بمعناها العام كما أسلفنا ويتصل بذلك الخلط الذي يحدث كثيرا بين مفهوم التربية ومفهوم التعليم.\nفالتربية أعم من التعليم، وصلة التعليم بالتربية هي صلة الخاص بالعام. وهذا يعني أن التربية كعملية ليست مسئولية المدرسة وحدها وإنما تشترك معها كل القوى الأخرى المربية في المجتمع. كما أن المدرسة وإن كان معظم وظائفها تعليمية فإن لها أيضا وظيفة تربوية. وبالمثل يمكن الكلام عن المعلم فهو معلم بالمعنى الخاص ومربٍّ أيضا بالمعنى العام. فالمعلم في علاقته بالتلميذ لا يمكن أن","vol":"1","page":9},{"text":"يقتصر تأثيره على المادة العلمية أو التخصصية التي يدرسها وإنما يتعدى تأثيره إلى ما هو أبعد من ذلك من حيث القيم أو المثل أو السلوك وغيرها من المجالات التي يؤثر فيها المعلم على التلميذ. وعلى هذا ونظرا لهذا التداخل بين مفهومي التربية والتعليم نجد على سبيل المثال أن بعض المشتغلين بالتربية الإسلامية قد يرفض على غير حق اعتبار أسلوب الوعظ والإرشاد كأحد أساليب التربية الإسلامية. وينظر إلى أن أساليب التربية الإسلامية إنما تقتصر على الإلقاء أو الحفظ أو التلقين أو التسميع أو المحاورة أو الإملاء وغيرها من الأساليب التي تكون ألصق ما يكون بمفهوم التعليم.\nرابعا: أن الكتابة في التربية الإسلامية قد تصطدم بمشكلة وضوح الرؤية في تتبع مسار الأصالة والتجديد للفكر الإسلامي عبر العصور المختلفة. فمن المعروف أن الفكر الإسلامي وإن كان يرجع في أصوله المتفق عليها إلى أصول واحدة هي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. فإنه تعرض لتأثير عناصر فكرية غريبة عنه حتى منذ العصور الأولى للإسلام.\nفبعض المسلمين دخلوا الإسلام ليهدموه ويروجوا البدع فيه وهم في حمايته وتحت رايته. وقصة عبد الله بن سبأ مع علي بن أبي طالب معروفة. فعبد الله بن سبأ يهودي أسلم ورأى مرة سيدنا عليا يرفع بيده ثقلا كبيرا يصعب على إنسان واحد أن يرفعه ولعله غطاء بئر على ما أذكر. فقال له عبد الله بن سبأ: والله ما رفعته بقوة جسمانية، وإنما بقوة ملكوتية، مرددا بذلك نظرية الفيض الإلهي عند المجوس، التي هي غريبة على روح الإسلام، وعندها نجد أن الإمام عليًّا يدرك المغزى وينكر على ابن سبأ هذا القول ويهدده بقوله: والله لو عدت إلى هذا القول لرجمتك. وهذا مجرد مثال واحد أردنا أن نورده للتدليل على دخول أفكار غريبة في الإسلام على يد أناس أسلموا ليكونوا معاول هدم الإسلام. وكم في الإسلام أناس من أمثال عبد الله بن سبأ. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"تتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة والباقون هلكى\" قيل: ومن الناجية؟، قال: \"أهل السنة والجماعة\". قيل: وما السنة والجماعة؟ قال: \"ما أنا عليه اليوم وأصحابي\".","vol":"1","page":10},{"text":"ومن المعروف أن الأقوام الكثيرة التي دخلت الإسلام حملت معها بالطبع عاداتها وتقاليدها وعقائدها وتاريخها. فاليهود عملوا على ترويج أخبارهم ونشرها بين المسلمين فيما عرف فيما بعد بالإسرائيليات. والنصارى ساروا على نفس النهج، وكذلك الفرس الذين روجوا من الأخبار ما لا يخلو من العصبية والأفكار الغريبة عن الإسلام. ويعتبر كعب بن مانع -المشهور باسم كعب الأحبار المتوفى ٣٤هـ وهو يهودي يمني أسلم في خلافة أبي بكر- أكبر مروج للإسرائيليات التي تفشت في كثير من الكتب الإسلامية. وكان من الذكاء وسعة الاطلاع بحيث استطاع أن يؤثر في عدد غير قليل من علماء المسلمين الأولين منهم ابن عباس وأبو هريرة. وكانت فيه جرأة غريبة لدرجة أنه كما يقول ابن سعد في طبقاته الكبرى كان يجلس في المسجد وأمامه أسفار التوراة غير متحرج من ذلك \"مصطفى الشكعة ص٣٢\" ومع أن كثيرين من علماء المسلمين قد أخذ رواياته بكثير من الحيطة والتحفظ إلا أن بعضهم نقل عنه مثل الكسائي الذي نقل عنه قصص الأنبياء.\nإن مثل هذه الأفكار الغريبة سواء كان دخول بعضها مغلفا أو مكشوفا أصبح جزءا من التراث ويحتاج منا إلى جهود جادة لغربلة هذه الشوائب وتنقيتها. وهي عملية ليست سهلة كما يبدو. وإنما تحتاج إلى تضافر جهود مخلصة واعية قادرة. وبدون ذلك يظل طريق الكتابة عن التربية الإسلامية محوطا بالأشواك.\nيضاف إلى ذلك أيضا عناصر الفكر اليوناني التي شقت طريقها بسلطان إلى الفكر الإسلامي من خلال التراجم العربية لفلسفة الإغريق وقيام الفلاسفة المسلمين أنفسهم بترويج هذه الآراء على ألسنتهم بعضها أشعار نرددها دون وعي أحيانا. فنحن قد نردد قصيدة ابن سينا في النفس والتي يقول فيها: \"هبطت إليك من المحل الأرفع\" دون أن نعرف أنها ترديد لأساطير أفلاطون. وهذا أبو حامد الغزالي حجة الإسلام وأكثر المدافعين فيه يردد على لسانه آراء أفلاطون وأرسطو وغيرهما. ومن قبله ابن مسكويه في كتابه \"تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق\" نجده متأثرا بفلاسفة الإغريق. بل إنني تعجبت جدا عندما","vol":"1","page":11},{"text":"قرأت كتاب ابن قيم الجوزية \"تحفة المودود بأحكام المولود\" ووجدت أنه يورد آراء علماء الإغريق في هذا الكتاب الذي يحمل عنوانا لا نتصور معه وجود مكان فيه لمثل هذه الآراء.\nوعلى هذا تواجه الكتابة عن التربية الإسلامية مشكلة التمييز فيما يورده علماء المسلمين من آراء بين ما هو أصيل ودخيل. هناك بالطبع أشياء يمكن لنا تحديدها ومعرفتها. فنحن نعرف مثلا أن كتابات كل من ابن سحنون عالم القرن الثالث الهجري والقابسي عالم القرن الرابع الهجري والماوردي، عن التربية والتعليم هي كتابات إسلامية أصيلة خالصة. وهم من أوائل من كتبوا عن التربية الإسلامية كتابة متخصصة. ونعلم أيضا أن القرن الرابع الهجري يعتبر نقطة تحول واضحة بالنسبة للفكر الإسلامي عندما بدأت روافد الفكر الإغريقي تأخذ طريقها مع حركة الترجمة التي شهدت العصر العباسي الزاهر، ولهذا نجد أن الكتابات التي تلت ابن سحنون والقابسي بدأت تختلط بالعناصر الإغريقية، وهذا يصدق على ابن مسكويه عالم القرن الرابع الهجري والغزالي عالم القرن الخامس الهجري ومن بعدها.\nإن إحدى المشكلات التي تثيرها الكتابة عن التربية الإسلامية في محاولة تتبع تطور الفكر التربوي في الإسلامي تتمثل في جانبين رئيسيين:\nالجانب الأول: تحديد الآراء المتميزة لكل عالم إسلامي على حدة:\nفمن المعروف أن الخلف ينقل عادة من السلف. فالقابسي نقل عن ابن سحنون، والغزالي نقل عن مسكويه، وابن خلدون والطهطاوي نقلا عن سابقيهما وهكذا. وقد يكون لكل منهما اجتهاده الخاص إلى جانب الآراء الأخرى التي نقلها عن غيره. فليس كل ما يرد على لسان عالم من العلماء يمثل آراءه هو، وإنما قد يكون كثير منها قد تردد لدى سابقيه ونقله عنهم. إننا نجد رسائل علمية للماجستير أو الدكتوراه تبحث في الآراء التربوية لعالم من علماء المسلمين ولا تنتبه إلى هذه النقطة وترد الآراء التي يذكرها هذا العالم على لسانه في مؤلفاته على أنها آراؤه هو بصرف النظر عن مدى التحقق من كون هذه الآراء هي له حقيقة أم أنه مجرد ناقل لها عمن سبقه. مثلا يشار إلى عبارة \"الإنسان","vol":"1","page":12},{"text":"مدني بالطبع\" على أنها لابن خلدون مع أنها ترددت قبله بما يزيد عن ثلاثة قرون ونصف عند ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق، وعند الماوردي في أدب الدنيا والدين والأصفهاني في الذريعة.\nالجانب الثاني: تحديد الأصيل والدخيل على الفكر الإسلامي فيما يرد على لسان العلماء من آراء:\nوهذه نقطة على جانب كبير من الأهمية سواء بالنسبة لموضوع التربية الإسلامية أو غيرها من جوانب الفكر الإسلامي عامة. إن كثيرا من الآراء الغريبة قد دخلت إلى الفكر الإسلامي على ألسنة العلماء المسلمين أنفسهم وفي ظل قوة سلطانهم. خذ كلام فلاسفة المسلمين عن النفس والعقل وهو موضوع ألصق ما يكون بفلسفة التربية الإسلامية تجد أن معظم ما يوردونه يمثل آراء فلاسفة الإغريق. وبعض علماء المسلمين يقسمون المنهج المدرسي إلى علوم إسلامية هي العلوم النقلية واللسانية، وعلوم غير إسلامية هي العلوم العقلية. فهل هذا تقسيم مقبول؟ أليست كل العلوم علوما إسلامية ما دامت في الحدود التي رسمها لنا الله؟\nوقد يصل الخلط أحيانا إلى تشويه ما هو إسلامي خالص بخلطه عن غير وعي وإدراك بمتشابهات غير إسلامية. مثلا نردد كثيرا أن الإسلام هو دين التوسط والاعتدال. وهذا الكلام إسلامي خالص، ثم قد نتبع ذلك بالقول بأن الفضيلة توسط بين ذيلتين فالشجاعة فضيلة تتوسط الجبن والتهور، وأن علاج الرذيلة يكون بالمبالغة في ضدها حتى يحصل التوسط فعلاج الجبن الإسراف في الشجاعة وعلاج البخل الإسراف في الكرم. هذا الكلام غير إسلامي لأنه تردد على ألسنة فلاسفة الإغريق من قبل وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو.\nوقد نردد أيضا عبارات مثل الإنسان حيوان عاقل أو مفكر ناطق أو غيرها.. ووصف الإنسان بالحيوان أو ما جاء على لسان أرسطو. ومثل هذا الوصف غريب على الفكر الإسلامي. والمصدران الرئيسيان للإسلام لم يصفا الإنسان بهذا الوصف، بل إنهما كرما الإنسان غاية التكريم، وجعله الله خليفته في الأرض وفضله على كثير من خلقه. ألم يصف الغزالي الإنسان بأنه أشرف","vol":"1","page":13},{"text":"مخلوق على الأرض؟\nإن الإنسانية ضد الحيوانية والبهيمية ولا يجوز في الفكر الإسلامي الصحيح أن نجري وراء أرسطو أو داروين أو سبنسر أو غيرهم لنعتبر الإنسان من صنف الحيوان ثم نضفي عليه بعد ذلك الصفات الأخرى من العقلانية أو الاجتماعية أو غيرها. إن الإنسان جنس من صنف الأجناس التي خلقها الله. وهو مميز بذاته وكرمه الله على كثير من خلقه وجعله خليفته على الأرض. وقد يقال مثلا إن الحيوانية من الحياة، ومن ثم فوصف الإنسان بأنه حيوان يعني أن به حياة. وأنا أعتقد أن هذا المعنى هو آخر ما يتوارد على عقولنا عندما نصف الإنسان بذلك. إن ما أقصده هنا هو وضع الأمور في إطارها الصحيح وفي منظورها الإسلامي السليم دون تمحك أو تكلف في التخريج.\nخامسا: أن محاولات تجديد الفكر الإسلامي في العصور الحديثة لم تصل إلى غاياتها ولم تستطع أن تصل حاضر المسلمين المتخلف المؤسف بماضيهم التليد الزاهر، فقد خيم على العالم الإسلامي فترة ركود فكري وثقافي امتدت عبر قرون طويلة، وبدأت بخطوات سريعة منذ تدمير المغول لحضارة الإسلام ودار السلام في بغداد ثم ما تلا ذلك من فترة الحكم التركي العثماني. فالذي لا شك فيه أن السياسة التركية العثمانية قد أدت إلى ظهور تيارات ثقافية مختلفة وفكرية متباينة في العالم العربي والإسلامي وخلقت أوضاعا غريبة.\nففي ظل الحكم التركي العثماني ظهرت الدعوات الشعوبية كالدعوة الطورانية أو الجامعة التركية التي كانت ترمي إلى سلخ تركيا عن الإسلام والبعد عن الجامعة الإسلامية التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. وظهرت أيضا الدعوة الفرعونية في مصر والفينيقية في الشام والآشورية في العراق والبربرية في المغرب وهكذا.\nوفي ظل هذه البلبلة الفكرية كان هناك أيضا الدعوة إلى القومية العربية في مقابل الأمة الإسلامية. فمن المعروف أن لا شعوبية في الإسلام، والإسلام للناس كافة ولكل شعوب الأرض على اختلاف شاكلتهم وألوانهم وأجناسهم. وقد حسمت هذه الدعوى الشعوبية منذ فجر الإسلام فلا فضل لعربي على عجمي إلا","vol":"1","page":14},{"text":"بالتقوى وصالح العمل. والناس كأسنان المشط في المساواة. والمسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة. ومع أن دعوى القومية العربية غريبة عن روح الإسلام فإنها في العصور الحديثة إلى العالم العربي تحت تأثير عاملين رئيسيين:\nالعامل الأول: هو سياسة التمييز الديني الذي سارت عليه السياسة التركية العثمانية، وعاملت المسيحيين العرب واليهود العرب معاملة الأقليات الأجانب، وعلى هذا كان من حقهم إنشاء المدارس الخاصة بهم لتعليم أبنائهم باللغة العربية في حين عومل المسلمون العرب معاملة باقي أرجاء الخلافة. فكان تعليمهم يسير على نظام المدارس التركية. وكانت اللغة التركية هي اللغة الرسمية للاتصال والتعليم معا. فاستعجمت العربية في عقر دارها وعاشت كلغة هامشية. وكان تأثير كل هذا أن ظهر بين المسيحيين واليهود من العرب من قاد حركة الثقافة الفكرية العربية خلال القرنين ١٩، ٢٠، كما أن المسيحيين العرب كان عليهم أن يجدوا لأنفسهم ما يربطهم بهذا الوطن العربي الذي عاش عليه أجدادهم في حين أن تركيا تنظر إليهم كأغراب فيه. ووجد هؤلاء المسيحيون في الدعوة إلى القومية العربية ما يحقق انتماءهم إلى وطنهم العربي ويربطهم به.\nالعامل الثاني: نمو الحركة القومية في أوربا بصورة متزايدة خلال القرن التاسع عشر تحت تأثير من فكر هيجل أن الأمة المثالية هي التي تنتمي إلى قومية واحدة. ووجد المسيحيون العرب في هذه الدعوى ضالتهم المنشودة التي تجعل منهم مواطنين لا رعايا في أوطانهم. وارتبطت هذه الحركة القومية عند المسيحيين العرب بتعريب الكنائس العربية واستخدام اللغة العربية في الصلوات والطقوس والترانيم.\nوكانت المحصلة النهائية لكل هذه الدعوات المختلفة إضافة المزيد من التناقضات التي تعمق من فرقة العالم الإسلامي. وعندما نسأل أنفسنا: من نحن؟ لا نجد إجابة واحدة.\nوتجديد الفكر الإسلامي لا بد أن يضع في اعتباره العمل على تخليصنا من التناقضات الثقافية والفكرية. وحتى يتم ذلك ستظل الكتابة عن التربية","vol":"1","page":15},{"text":"الإسلامية تبحث لنفسها عن مخرج، وعندما نطرح سؤالا عن أهداف التربية الإسلامية أو العربية فكيف تكون إجابتنا عن هذا السؤال في ظل كل تلك التناقضات؟\nوكيف نستطيع إذًا أن نحدد منطلقاتنا الرئيسية للعمل التربوي الجاد ونحن نواجه منذ البداية بهذه الصعوبات. إن أمامنا عملا كبيرا يتطلب جهودا مخلصة متضافرة تعمل على دفع حركة الفكر الإسلامي في تيارها الصحيح بما يمكن الباحثين من العمل الإيجابي الهادف البناء سواء في ميدان التربية الإسلامية أو غيرها من الميادين.\nسادسا: أن البلاد العربية في محاولة تجديد أوصالها والنهوض من كبوتها في العصور الحديثة اعتمدت على اقتباس النظم التعليمية من الغرب فأنشأت المدارس الحديثة على النظام الأوربي، وتركت مؤسسات التعليم الإسلامي على حالها حتى انطفأت تدريجيا. وهكذا نشأ نظام تعليمي جديد عرف بنظام التعليم الحديث تمييزا له عن النظام التعليمي القديم أو التقليدي كما يشار إليه أحيانا.\nوقد ترتب على ذلك وجوه ثنائية تعليمية بين النظامين انتهت بغلبة النظام الجديد وذبول أو اندثار النظام القديم، بل إن ما بقي من مؤسسات تعليمية إسلامية كالأزهر مثلا قد أدخل عليه تطوير كبير في أول الستينيات من هذا القرن غير كثيرا من صورته السابقة. والمشكلة التي تتحدى عصرية الكتابة عن التربية الإسلامية أو الوضع الراهن لها تتمثل في عدم وجود مؤسسات أو نظم واضحة لها وجود في العالم الإسلامي يمكن أن نطلق عليها مؤسسات تعليمية إسلامية. وبمعنى آخر إذا أردنا أن نتكلم الآن عن مؤسسات التربية الإسلامية في البلاد العربية، فعن أية مؤسسات نتكلم؟ لقد كان ذلك وما زال مصدر حيرة لمؤلف هذا الكتاب. ففي طبعته الأولى كان هناك فصل عن التعليم في البلاد العربية في العصور الحديثة، ثم صدرت الطبعات التالية للكتاب بدون هذا الفصل. وما زال التساؤل قائما. وقد وجهته لبعض قمم علماء المسلمين المعاصرين ممن أعرفهم ولم أخرج بإجابة شافية.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الأول: التربية الإسلامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>تربية العرب قبل الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>مدخل</span>\n...\nالفصل الأول: التربية الإسلامية\nتربية العرب قبل الإسلام:\nاعتمدت التربية عند العرب قبل الإسلام على التقليد والمحاكاة، فكان الصغار ينشئون على تقليد ومحاكاة الكبار، وكانت القبيلة وما بها من عشائر وبطون تقوم بتعليم صغارها وفقا للمبادئ والقيم الاجتماعية السائدة في القبيلة. فكان للعرب قيمهم التي كانوا يفتخرون بها ويتغنون بها في أشعارهم.\nأما العلوم التي كانوا يعرفونها فيقول الشهرستاني في \"الملل والنحل\":\n\"اعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثلاث أنواع من العلوم. أحدها علم الأنساب والتواريخ والأديان ... وثانيها علم الرؤيا، وكان أبو بكر ﵁ ممن يعبر الرؤيا في الجاهلية ويصيب فيرجعون إليه ويستخيرون عنه. وأما النوع الثالث فهو علم الأنواء وذلك مما يتولاه الكهنة\". أما الشعر فهو ديوان العرب وكانوا يتطارحونه في الأسواق.\nوكان العرب في جاهليتهم أميين لا يعرفون القراءة والكتابة لاعتمادهم على المشافهة والرواية في النقل، وكان للشعر رواته الذين يحفظونه ويروونه، ولكن هذا لا يعني عدم وجود من يعرف القراءة والكتابة وإن كان عدد هؤلاء قليلا. ويشير ابن خلدون إلى إن الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة وهؤلاء تعلموها من الحميريين. ويقول الجاحظ في البيان والتبيين: إن العرب كانوا أميين لا يكتبون ولذا لم يكن لهم كتب موروثة فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم. ويروي لنا البلاذري في \"فتوح البلدان\" أن الإسلام دخل وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح وطلحة بن الزبير ويزيد بن أبي سفيان وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وحاطب بن عمرو وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية وأخوه خالد بن سعيد وعبد الله بن أبي سرح العامري وخويطب بن عبد العزى العامري وأبو سفيان بن حرب ومعاوية بن أبي سفيان وجهيم بن الصلت والعلاء بن الحضرمي\". ويروي أيضا أن قليلا من نساء العرب","vol":"1","page":17},{"text":"كن يعرفن الكتابة منهن \"حفصة بنت عمر إحدى زوجات النبي ﷺ\". وكانت عائشة أم المؤمنين تقرأ ولا تكتب. وكذلك أم سلمة. وهما أيضا من زوجات النبي. ويروي البلاذري أن بعض اليهود كان يعلم الصبيان بالمدينة الكتابة العربية في الزمن الأول قبل الإسلام. وهكذا كانت معرفة القراءة والكتابة مقصورة على عدد قليل جدا من العرب قبل الإسلام. وكان ظهور الدين الإسلامي مرحلة جديدة للعرب قبل الإسلام. ومعها بدأت صفحة جديدة لتربية جديدة قوامها الإسلام الذي أكد منذ البداية على العلم والمعرفة كقيمة رئيسية في هذه التربية الجديدة، وهو ما سنتناوله في السطور التالية:","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فضل القلم:</span>\nالقلم من أدوات تحصيل العلم والاشتعال به. وقد قال العتابي في فضل القلم: الأقلام مطايا الفطن، وببكاء الأقلام تبتسم الكتب. وقال ابن أبي داود: العلم سفير العقل ورسوله ولسانه والأطول وترجمانه الأفضل. وقال طروح بن إسماعيل الثقفي: عقول الرجال تحت أسنان أقلامهم. وقال عبد الحميد بن يحيى الكاتب: القلم شحرة ثمرها الألفاظ والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. وفيه ري العقول الظميئة. وقال الشاعر في فضل القلم\nوأعلم بأن العلم أرفع رتبة ... وأجل مكتسب وأسنى مفخر\nفاسلك سبيل المقتنين له تسد ... إن السيادة تقتني بالدفتر\nوالعالم المدعو حبرا إنما ... سماه باسم الحبر حمل المحبر\nويضمر الأقلام يبلغ أهلها ... ما ليس يبلغ بالجياد الضمر","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>فضل الخط:</span>\nالخط والكتابة من أدوات تسجيل العلم وتداول تعلمه. وقد قال أفلاطون: الخط عقال العقل. وقال إقليدس الإغريقي: الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية. وقال أبو دلف رحالة القرن العاشر الميلادي: الخط رياض العلوم. وقال النظام المعتزل: الخط أصيل في الروح وإن ظهر بحواس البدن. ويورد ابن النديم في \"الفهرست\" ما معناه أن المصريين علموا الإغريق القدماء الخط والكتابة، وفي ذلك يقول:\n\"لم يكن اليونانيون يعرفون الخط في القديم حتى ورد رجلان من مصر يسمى أحدهما قيمس والآخر أغنور. ومعهما ستة عشر حرفا فكتب بها اليونان. ثم استنبط أحدهما أربعة أحرف فكتب بها ثم استنبط آخر أربعة فصارت أربعة وعشرين\". \"نقلا عن: عبد اللطيف محمد العبد: ص١٢\".","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>فضل الكتب:</span>\nتضم الكتب بين أوراقها مكنون العلوم. وبالكتب تنتشر العلوم ويسهل تحصيلها. وقد قال بزرجمهر الحكيم: الكتب أصداف الحكم تنشق عن جواهر الشيم. وقال آخر: هذه العلوم موارد فاجعلوا الكتب لها نظاما، وهذه الأبيات شوارد فاجعلوا الكتب لها زماما. وقال الآخر: الكتاب هو المسامر الذي لا يبتدئك في حال شغلك ولا يدعوك في وقت نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل له. والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك والناصح الذي لا يستزلك. وقيل خير أنيس للصحاب كتاب. وقال الشاعر في هذا المعنى:\nنعم المؤانس والجليس كتاب ... تخلو به إن ملك الأصحاب\nلا مفشيا سرا ولا متكبرا ... وتفاد منه حكمة وصواب\nمن طريف خصائص اللغة العربية: اللغة العربية هي وسيلتنا في تحصيل العلم. وقد شرفها الله بأن جعلها لغة القرآن الكريم. ومن طريف ما يورده ابن النديم عن خصائص اللغة العربية قوله: عدد حروف اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفا على عدد منازل القمر. وغاية ما تبلغ الكلمة منها مع زيادتها سبعة أحرف على عدد النجوم السبعة. وحروف الزوائد اثنا عشر حرفا على عدد البروج الاثني عشر. ومن الحروف ما يدغم مع لام التعريف وهي أربعة عشر حرفا مثل منازل القمر المستترة تحت الأرض، وأربعة عشر حرفا ظاهرة لا تدغم مثل بقية المنازل الظاهرة. وجعل الإعراب ثلاث حركات: الرفع والنصب والخفض لأن الحركات الطبيعية ثلاث حركات: حركة من الوسط كحركة النار، وحركة إلى الوسط كحركة الأرض، وحركة على الوسط كحركة الفلك.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>مكانة العلم في الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>مدخل</span>\n...\nمكانة العلم في الإسلام:\nلقد ضرب الإسلام مثلا فريدا يستحق الإعجاب على اهتمامه بقيمة العلم والعلماء والقرآن الكريم والسنة الشريفة بل وتاريخ الإسلام نفسه حافل بالأمثلة التي لا يعيبها الحصر. فقد كانت أول آية نزلت على الرسول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ والإسلام لا يسوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وفضل الله الذين أوتوا العلم درجات، وجعل العلماء ورثة الأنبياء. وقد فضل الرسول ﷺ مجلس العلم على مجلس الذكر وساوى مداد العلماء بدماء الشهداء. وورد قوله ﵊: \"من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة\" وأمرنا ديننا بأن نحرص على طلب العلم، وأن نتحمل كل مشقة في سبيله، وقال ﵊: \"من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ومن أرادهما معا فعليه بالعلم\". وقد روي عن النبي ﷺ قوله: \"فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب\". وقوله ﷺ: \"إن الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك\".\nوورد عن أبي ذر الغفاري أن النبي ﷺ قال: \"حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة، وحضور مجلس علم أفضل من عيادة ألف مريض، وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة\"، فقيل: يا رسول الله، ومن قراءة القرآن؟ فقال النبي: \"وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم\". ويقول الغزالي في إحياء علوم الدين إن العلم فضيلة في ذاته على الإطلاق \"فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال\".\nومما يروى أن علي بن أبي طالب ﵁ قال لكميل النخعي: \"يا كميل إن هذه القلوب أوعية فاحفظ عني ما أقول: الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم عنده سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق مع كل ريح يميلون لم يستضيئوا بالعلم ولم يركنوا إلى ركن وثيق. يا كميل العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق. يا كميل","vol":"1","page":20},{"text":"محبة العلم دين يدان به تكسب المرء الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته. ومنفعة المال تزول بزواله، والعلم حاكم والمال محكوم عليه. يا كميل مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر\". وقال رسول الله ﷺ: \"تعلموا العلم وعلموه الناس\" وقال ﵊: \"تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة، ودراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه عبادة وتعليمه صدقة وبذله لأهله قربة\". وروي عن سلمان الفارسي أنه كتب إلى أبي الدرداء: \"إن العلم كالينابيع يغشى الناس فيختلجه هذا وهذا فينفع الله به غير واحد، وإن حكمة لا يتكلم بها، جسد لا روح فيه، وإن علما لا يخرج، ككنز لا ينفق، وإنما مثل العلم كمثل رجل عمل سراجا في طريق مظلم يستضيء به من مر به وكل يدعو إلى الخير\".\nوقد ورد عن هارون الرشيد أنه قبل الجزية كتبا. كما أن المأمون دفع وزن ما ترجم ذهبا. وهذا دليل واضح على اهتمام خلفاء المسلمين بالعلم وتقديرهم لأهميته. وما هذه إلا أمثلة معدودة من أمثلة أخرى لا حصر لها أردنا بها أن نؤكد حرص الإسلام على العلم وتقديره لقيمته وقيمة المشغلين به.\nومن مظاهر اهتمام المسلمين بالعلم الارتحال في طلبه، فقد كان العلماء ينتقلون من مكان إلى آخر استزادة في العلم ونشرا له. وسنفصل الكلام عن هذه النقطة عند كلامنا عن الرحلة في طلب العلم. وكما يجب على المتعلم أن يلح في طلب العلم يجب على صاحب العلم ألا يخفيه عن الناس يقول، ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ . وروي عن النبي ﷺ قوله: \"من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار\" وقوله ﷺ: \"لا تمنعوا العلم أهله فإن في ذلك فساد دينكم والتباس بصائركم\". كما أن الرسول ﷺ دعا إلى تحبيب الناس في التعليم، فقال: \"علموا ويسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا\".","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>فضل المسلمين على العلم:</span>\nإن فضل المسلمين على العلم لا يحصى فقد ألف العلماء العرب والمسلمون في العلوم المختلفة ومنها النبات والحيوان والكيمياء والصيدلة والطب والفلك والموسيقى، وفي علوم البحار والهندسة وحساب المثلثات وغيرها. كما لا يجحد فضل ابن سينا والبيروني والكندي والغافقي والفارابي والبغدادي والقزويني والجاحظ والخازن وجابر بن حيان وابن البيطار وابن ماجد ملاح فاسكودي جاما والرازي والمقدسي والبتاني، وموسى بن شاكر وغيرهم.\nوظلت مؤلفات العرب والمسلمين في مختلف العلوم والمعرفة هي المراجع التي تدرس في جامعات أوربا حتى القرن الثامن عشر، واعترف عدد كبير من مؤرخي العلم بفضل المسلمين والعرب على العالم والإنسانية وكان لهم باع كبير في كل الميادين، من أمثلة ذلك أنهم تكلموا عن التطور من وجهة النظر الإسلامية قبل داروين في القرن ١٩، وقد كتب في التطور ابن مسكويه وإخوان الصفا وتحدث المسلمون من أمثال ابن خلدون عن أثر البيئة على الأحياء فهو بذلك سابق لامارك ودارون. وتحدث علماء العرب عن الجاذبية قبل نيوتن فابن الخازن كتب عنها قبل نيوتن بمئات السنين.\nوابن النفيس شرح الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي بقرون، والحسن بن الهيثم كتب عن الضوء وانكساره وقوانينه وسرعته قبل علماء أوربا. كذلك أضاف القباني والفرغاني والكندي والصوفي كثيرا من المعارف الفلكية والرياضية. وابتدع الخوارزمي استعمال الأرقام في الحساب واختار سلسلته من الأرقام الأولى ما يعرف بالأرقام الهندية ١، ٢، ٣، والثانية ما يعرف بالأرقام \"الغبارية\" العربية ١، ٢، ٣ وتستعمل الأولى في البلاد العربية والثانية في بلاد المغرب العربي وأوربا.\nكذلك أنشأ الخوارزمي من الحساب والجبر علما بعد أن كان مجرد معلومات مشتتة. والعرب أول من أطلقوا اسم الجبر على هذا العلم كما استعملوا الصفر والإحصاء العشري. وكان الخوارزمي رياضي بلاط المأمون الذي كلفه بأن يؤلف رسالة في الجبر تكون صالحة لاستعمال الجمهور. ومن هذه الرسالة استطاع الغرب أن يطلع على هذا العلم بعد زمن طويل.\nوفي الطب والصيدلة قضى الإسلام على الكهانة وحارب التنجيم والشعوذة","vol":"1","page":22},{"text":"وقاوم استخدام السحر في معالجة الأمراض، واتجه المسلمون بالطب من الخرافة والشعوذة إلى الطب العلمي التجريبي واستعانوا بالآلات في طب الجراحة وجعلوا لهذه الآلات قسما مستقلا من أقسام الطب كما أنشئوا المستشفيات والبيمارستانات. كما كان لهم الفضل في وضع نظام الترخيص الشرعي لممارسة الطب والصيدلة. وهم بذلك أول من ارتقى بالطب إلى المهنة القائمة على الاحترام والاحتراف معا. هذا في الوقت الذي حرمت فيه الكنيسة في أوربا طب علاج الأمراض لأن المرض عقوبة من الله.\nومن أعلام الطب التجريبي في الإسلام الشيخ ابن سينا أعظم من كتب في الطب في العصر الوسيط. وقد ولد في ميشن ببخارى عام ٩٨٠م وتوفي في همذان عام ١٠٣٧م. وهو من أعظم علماء الإسلام، فهو أول من جعل للتجربة مكانا عظيما في دراساته وطبه. ومن أشهر كتبه \"القانون\" في قواعد الطب بأجزائه الخمسة، واهتم به علماء أوربا، وترجم إلى اللاتينية، وطبع في أوربا حوالي خمس عشرة مرة. وظل المرجع الذي يدرس في الطب في جامعات أوربا حتى القرن الثامن عشر أي طيلة ستة قرون. كما ظل يستخدم حتى القرن التاسع عشر في كلية مونبليه التي أنشأها العرب قبل ذلك بألف سنة. وله أيضا كتاب \"الأدوية القلبية\" وعدد من قصائد في الطب.\nوعلي بن العباس الذي عاش في أواخر القرن العاشر طبيب آخر نال شهرة كبيرة وهو صاحب مؤلف كامل في الطب سماه \"الملكي\" ويشمل كتابه عشرة أجزاء في الطب النظري وعشرة أجزاء في الطب العملي وأظهر في كتابه أخطاء كثيرة لبقراط وجالينوس وأريباسيوس. وترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية عام ١١٢٧م. وهو كتاب \"التصريف لمن عجز عن التأليف\" وهو أشهر كتاب في الجراحة في أوربا زهاء خمسة قرون، ومنهم ابن زهر الإشبيلي الطبيب اللامع في القرن الثاني عشر وأستاذ ابن رشد. وابن رشد نفسه حجبت شهرته شارحا","vol":"1","page":23},{"text":"لأرسطو مكانته العلمية كطبيب. ولابن رشد شرح على القانون لابن سينا وعلى مؤلفات جالينوس وله أيضا رسالة في الترياق في السموم والحميات.\nومن الكتب الهامة التي شاعت في العالم اللاتيني من أطباء القرون الوسطى كتاب \"زاد المسافر\" من تأليف ابن الجزار المتوفى عام ١٠٠٩م. وقد ترجم إلى اللاتينية وفيه شروح للأمراض الباطنية. وكتاب ابن زهرة \"التيسير في المداواة والتدبير\" وهو مؤلف في فن الاستشفاء. وكتاب \"التذكرة\" أو تذكرة الكحالين لعلي بن عيسى أعظم أطباء العيون في القرون الوسطى. وقد ولد في أوائل القرن العاشر ببغداد وظل كتابه يدرس في أوربا حتى القرن الثامن عشر، وكتاب الحاوي أضخم مؤلف طبي لمؤلفه أبي بكر الرازي الذي كان حجة الطب في ترجم الكتاب إلى اللاتينية، وكان مرجعا لعلماء أوربا والمدارس والجامعات حتى منتصف القرن الرابع عشر. وهو مؤسس الكيمياء الحديثة في الشرق والغرب.\nوقد شغل العرب بالطب منذ القرون الأولى للهجرة. ولخص ابن أبي أصبيعة في كتابه \"طبقات الأطباء\" تراجم أكثر من ٤٠٠ طبيب ومؤلفاتهم. وعرف عن المسلمين أنهم أول من أنشأ فن الصيدلة وتحضير الأقربازين أي الأدوية. ويقال أن ابن البيطار اكتشف ما يقرب من ألف وأربعمائة دواء من النباتات. كما عرف المسلمون الرقابة على الصيدلة والصيدليات وكانوا أول من أسس مدارس الصيدلة ووضع المؤلفات فيها. كما أنهم عرفوا التخدير في العمليات الجراحية.\nوفي الفيزياء والكيمياء يعتبر العرب مؤسسين حقيقيين للعلوم الطبيعية إلا أنه مما يؤسف له أنه ضاع كثير من المؤلفات العربية الهامة في علم الفيزياء ولا تعرف بعضها في الوقت الحاضر إلا بعناوينها فقط، بيد أن ما وصل إلينا بالفعل من هذه المؤلفات العربية يشيد بطول باع العرب في هذا المضمار. وليس من المبالغة في القول بأنه لا وجود للكيمياء كعلم قبل العرب.\nوكان علم الفلك أول علم جذب اهتمام المسلمين. وقد عني به كثير منهم في المشرق والأندلس وكذلك كثير من السلاطين السلجوقيين والجنكيزيين","vol":"1","page":24},{"text":"والتيموريين. وكان لجميع المدن الكبرى في الإمبراطورية الإسلامية مراصدها ومن أشهرها مراصد بغداد والقاهرة وقرطبة وطليطلة وسمرقند. ونالت مدارس الفلك ببغداد والقاهرة والأندلس بصفة خاصة شهرة كبيرة. ومع أن العلماء المسلمين اتخذوا من مؤلفات علماء اليونان نقطة لانطلاق دراستهم فإن هؤلاء العلماء لم يتقيدوا بالقواعد المقررة في هذه المؤلفات. فقد انتقدوا بشدة نظريات بطليموس على سبيل المثال. وكان لهذا التحرر الفكري للعلماء المسلمين أثره الكبير في تحقيق اكتشافات علمية في ميدان الفلك. ومن أشهر الفلكيين في القاهرة ابن يونس عالم أوائل القرن الحادي عشر مخترع المزولة وابن الهيثم الذي ألف أكثر من ٨٠ كتابا من أهمها مجموعة الأرصاد الفلكية وتفسير المجسطي وتفسير آخر للتعاريف في مبادئ إقليدس ورسالة البصريات. وقد كان أول من أوصى بإنشاء سد أسوان لرفع مستوى النيل.\nوكان للعرب فضل كبير في الجغرافيا، ويرتبط فضلهم في الجغرافيا بفضلهم في علم الفلك، ولعل رسالة النضر البصري التي ظهرت عام ٧٤٠م أقدم كتاب عربي في الجغرافيا. ثم يأتي وجيز الإصطخري الذي نشر في منتصف القرن التاسع. وكان الولع بالأسفار والرحلات من أبرز صفات العرب المسلمين وكتبوا بها أنصع الصفحات في تاريخ البشرية، وكان للملاحة العربية دور هام ويكفي أن نشير إلى أنه مع التفوق الكبير الذي أحرزته إسبانيا والبرتغال في القرنين ١٥ و١٦ كانت السيادة البحرية للعرب. بل إن الملاح الذي مكن فاسكودي جاما البرتغالي من الوصول إلى الشرق كان الملاح العربي أحمد بن ماجد. وكانت مؤلفات المسعودي وابن حوقل والإصطخري عامرة بالمعلومات القيمة عن شتى الأماكن والحياة والطباع لدى سكان البقاع البيعدة. فالمسعودي الذي ولد في آواخر القرن التاسع وتوفي في القاهرة عام ٩٥٦ مؤلف مروج الذهب قضى ما يقرب من ربع قرن من حياته في الأسفار في شتى أنحاء الخلافة. فزار الهند وسيلان ومدغشقر وزنجبار. وشرح في مروج الذهب وصف الممالك والدول والبلدان والجبال والوديان والأنهار وشعوب العرب والعجم.\nوالإدريسي الذي ولد في سبتة بالأندلس عام ١٠٩٩م ودرس في قرطبة ثم","vol":"1","page":25},{"text":"استقر به المطاف ليعمل في جزيرة صقلية في بلاد ملكها \"روجر\" كان حلقة الوصل بين جغرافية المدرسة اللاتينية وجغرافية المدرسة الإسلامية. وكان الأستاذ الذي علم أوربا هذا العلم طيلة ثلاثة قرون. ولم تكن لأوربا خريطة العالم إلا ودرسها الإدريسي. ولم يقع الإدريسي في الأخطاء التي وقع فيها بطليموس في كتابه المجسطي. ومن المعروف أن العرب صححوا ما في هذا الكتاب من أخطاء وعملوا جداول فلكية مدققة. بل إن كتاب الإدريسي يعتبر أكمل بحث جغرافي ورثته أوربا عن العرب وهو ما جاء على لسان دائرة المعارف الفرنسية.\nوابن بطوطة أكثر رحالة بالمسلمين شهرة قام بعدة أسفار في طول القارات وعرضها. وقد ولد في طنجة بالمغرب عام ١٣٠٤ وجاب شمال إفريقيا ومصر وزار مكة وسوريا وفلسطين وآسيا الصغرى والقسطنطينية والهند مارا بنهر الفولجا في روسيا وزار خوارزم وبخارى وأفغانستان والصين وسيلان والبنغال وكثيرا غيرها.\nانظر إلى أعظم الكشوف الجغرافية مثل كشوف كولمبس لأمريكا أو فاسكو دي جاما لرأس الرجاء الصالح والشرق الأقصى. إن هذين الكشفين العظيمين إنما تما على أيدي البحارة العرب الذين قادوا هذه الرحلات، وما كان ذلك ليتم بدون ارتقاء علوم الجغرافيا والملاحقة عند العرب، ومن المعروف أن المسلمين كشفوا منابع النيل قبل الإفرنج، وكان المسلمون حيث ينزلون يمهدون السبل ويعمرون المرافق ويقيمون الفنادق والرباطات ويرتبون سير القوافل، كما كانت المدن الإسلامية أوساطا تجارية كبرى.\nويلمع ابن مسكويه وهو من أهم علماء الأخلاق في الإسلام وله كتاب \"تهذيب الأخلاق\" ولا يعرف شيء كثير من حياته فمنها أنه كان خازنا لدى السلطان البويهي عضد الدولة، وأنه مات عام ١٠٣٠م، وفي كتاب \"تجارب الأمم\" يبحث ابن مسكويه في تاريخ قدماء الفرس وفي تاريخ العرب حتى عصره.\nوفي التاريخ هناك أبو جعفر الطبري \"٨٣٩-٩٢٢م\" صاحب التاريخ المشهور وابن الأثير المولود عام ١١٦٠م الذي واصل تاريخ الطبري ووضع خلاصة","vol":"1","page":26},{"text":"واضحة لتاريخه، وأضاف إليه أخبارا مستقاة من منابع أخرى. وامتد بالأحداث حتى ١٢٣٠م. كما أنه حوى أخبارا كثيرة عن الجزء الغربي من الدولة الإسلامية. وهناك أبو الفدا الأيوبي أمير حماة وكتابه \"المختصر في أخبار البشر\" وطبع في ليبزج عام ١٧٥٤م. والمقري الذي هو أهم مؤرخي الأندلس الإسلامية وكتابه \"نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب\" نشر في ليدن عام ١٨٥٥م. ومنهم أيضا حاجي خليفة مؤرخ الحروب البحرية التركية ومؤلف الكتاب القيم المعروف \"كشف الظنون\".\nوفي السياسة والاجتماع نجد في القرن الثالث الهجري \"التاسع الميلادي\" الكندي من مشاهير الفلسفة الإسلامية وقد عني بالسياسة على الطريقة الإغريقية كعلم مستقل يشكل قسما من الفلسفة. وأبو النصر الفارابي أحد كبار الفلاسفة المسلمين يؤلف \"المدينة الفاضلة\" عبر فيها عن أهم أرائه وهي:\n١- أن الناس خلقوا ليعيشوا في جماعة.\n٢- غرض الدولة في نظره أخلاقي بحت هو أن تضمن للمواطنين حكومة كاملة في الدنيا وسعادة أبدية بعد الموت.\n٣- يجب أن يقوم بإدارة المدينة الفاضلة أو المثالية رئيس على درجة عالية\nمن الذكاء والفهم والطلاقة. وأن يكون محبا للتعليم والاستفادة، محبا للصدق، عادلا قوي العزيمة.\n٤- يفضل النظام الملكي في الحكم إذا كان الملك جامعا للشروط السابقة. وإن كان ينتهي مثل أفلاطون إلى حكومة من الحكماء أو الجمهورية الأرستقراطية.\nوابن ظفر من عرب صقلية في القرن الـ ١٢م ويقرن كتابه \"سلوان المطاع\" بكتاب \"الأمير\" لميكافيللي وفيه الكياسة والمكر. والماوردي \"٩٧٢-١٠٥٨م\" كان فقيها وقاضيا كبيرا في أستوا القريبة من نيسابور وكتابه \"الأحكام السلطانية\" يتناول فيه نظم الدولة الإسلامية والسياسة والاجتماعية والقضائية ويقول فيه: \"إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين","vol":"1","page":27},{"text":"وسياسة الدنيا\" وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفرنسية وله كتاب \"أدب الدنيا والدين\" وهو كتاب عظيم الشأن وقد ترجم إلى الإنجليزية.\nومن هذا العرض السريع المركز يبدو فضل العرب والمسلمين على مختلف العلوم. والعجيب أنه رغم هذا الوضوح الزائد لموقف الإسلام من العلم وتلك النهضة العلمية التي شهدها، نجد من بين المتعصبين ضد الإسلام من يتهمونه بمحاربة العلم ويرجعون تخلف المسلمين إلى هذا السبب. وهذا ادعاء باطل لا يستند إلى أساس، واتهام باطل لا يحتاج تفنيده إلى جهد كبير، ويكفي أن أصحابه معروفون بتعصبهم.\nإن تاريخ الإسلام بالإضافة إلى أنه شاهد عيان على تأكيد أهمية العلم وقيمته لا يعرف مثلا واحدا على اضطهاد العلماء بالصورة التي نجد لها أمثلة كثيرة في أوربا منها على سبيل المثال ما حدث لجاليليو الذي حكم عليه بالقتل لأنه قال بدوران الأرض حول الشمس ولم يسلم من اضطهاد الكنيسة. ومع أنه تراجع في الظاهر عن موقفه حتى يرضي الكنيسة فإنه عاد ونظر إلى الأرض وقال: \"ومع ذلك فإنها تدور\". ومن أمثلة المتعصبين الذين ادعوا هذا الزعم الباطل ضد الإسلام \"رينان\" ورغم ذلك فقد اعترف بقيمة العلماء المسلمين فقال:\n\"أجل وجد في البلدان الإسلامية منذ سنة ٧٧٥م تقريبا حتى نحو أواسط القرن ١٣ أي خلال خمسمائة سنة علماء ومفكرون ممتازون ... \" بل إن من الغريب أن \"رينان\" نفسه وهو المعروف بتعصبه ضد العرب عبر عن حسرته أن لم يكن مسلما وفي ذلك يقول أيضا:\n\"إنني لم أدخل مسجدا إلا وخررت خاشعا وشعرت بشيء من الحسرة على أنني لم أكن مسلما\" \"حيدر بامات: ص٧٧\". وقد رد الشيخ جمال الدين الأفغاني على آراء \"رينان\" وفندها ودحضها. ونختتم كلامنا عن هذه النقطة باقتباس مما يورده محمد إقبال في كتابه \"تجديد الفكر الديني في الإسلام\". \"محمد إقبال: ص١٤٩\" إذ يقول:\n\"لقد كانت أوربا بطيئة نوعا ما في إدراك الأصل الإسلامي لمنهجها العلمي، وأخيرا جاء الاعتراف بهذه الحقيقة. وسأتلو عليكم فقرة أو فقرتين من","vol":"1","page":28},{"text":"كتاب \"بناء الإنسانية\" making of humanity الذي ألفه \"بريفو\" \"briffault\".\nيقول \"بريفو\" \"إن روجر بيكون درس اللغة العربية والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد على خلفاء معلميه العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميه الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي. فلم يكن روجر بيكون إلا رسولا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوربا المسيحية. وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة. والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي، هي طرف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوربية. وقد كان منهج العرب التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشارا واسعا، وانكب الناس، في لهف، على تحصيله في ربوع أوربا\". \"لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام\".","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>لماذا أنطفأت شعلة العلم الخلاقة في المجتمعات الإسلامية</span>؟:\nيقول الدكتور محمد عبد السلام العالم الباكستاني العالمي المشهور في الفيزياء النظرية والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٧٩ في تساؤله عن السر في إنطفاء شعلة العلم الخلاق في مجتمعات الحضارة الإسلامية بأن ذلك يرجع لأسباب داخلية أكثر منها خارجية. وأول هذه الأسباب يتمثل في تقوقع هذه المجتمعات على نفسها وتحولها إلى الداخل وانعزال منشآتنا العلمية. ويتمثل السبب الثاني في عدم تشجيع الإبداع.. بسبب التقليد. فإن الجزء الأخير من القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر -حينما بدأ التدهور- يمثل فترات نزاعات دينية وطائفية عميقة وذات دوافع سياسية، حتى إن رجلا مثل الإمام الغزالي كتب حوالي عام ألف ومائة ميلادية \"١١٠٠م\" يقول بأنها جريمة ضد الدين يقترفها من يتصور أن الإسلام تتم حمايته برفض العلوم الرياضية. ذلك أنه لا يرى في هذه العلوم ما يتعارض مع جوهر الدين \"ص٣٥، ٣٦\".","vol":"1","page":29},{"text":"ويرتبط بهذا الموضوع أيضا النقص الكبير في عدد المشتغلين بالعلوم والبحث في الدول العربية والإسلامية. فقد جاء في دراسة قدمت للاجتماع الأول للجنة العلمية التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في إسلام أباد في الفترة من ١٠-١٣ مايو ١٩٨٣م أن عدد المشتغلين بالبحث العلمي في جميع البلاد الإسلامية حوالي خمسة وأربعين ألف عالم ومهندس مقابل مليون ونصف في الاتحاد السوفيتي سابقا، وأربعمائة ألف في اليابان، وما يقرب من خمسة وثلاثين ألفا في إسرائيل مع الفارق الكبير بينها وبين البلاد الإسلامية في عدد السكان. إذ تصل نسبة سكان إسرائيل إلى سكان العالم الإسلامي حوالي نصف في المائة. ويرتبط بذلك أيضا قلة الأموال التي تخصصها البلاد الإسلامية للبحث العلمي والتكنولوجيا بالنسبة للدول المتقدمة. إذ لا يتعدى ما تخصصه الدول الإسلامية لهذا الغرض ما يقرب من ١% من ناتجها القومي الإجمالي في حين تصل النسبة في الدول المتقدمة إلى حوالي ٦%.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>تأثير الفكر الإسلامي في الغرب:</span>\nإن التيار الرئيسي لتأثير الفكر الإسلامي في الغرب كان عن طريق الكتب العربية في العلوم الطبيعية والفلسفية وغيرها التي ترجمت إلى اللاتينية وغيرها فترجمت كتب الرازي وابن سينا والغزالي والفارابي وغيرهم. وعن طريق ترجمة كتاب الخوارزمي دخلت الأرقام الهندية - العربية إلى بلاد الغرب.\nوقد أحدثت هذه التراجم كلها في أوربا اللاتينية ثورة عظيمة الخطر؛ ذلك أن تدفق النصوص العلمية من بلاد الإسلام واليونان كان له أعمق الأثر في استثارة العلماء الذين بدءوا يستيقظون من سباتهم، وكان لا بد أن تحدث تطورات جديدة في النحو وفقه اللغة، ووسعت نطاق المناهج الدراسية، وأسهمت بنصيب في نشأة الجامعات ونمائها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وكان عجز المترجمين عن أن يجدوا مفردات لاتينية تؤدي المعاني التي يريدون نقلها إلى تلك اللغة هو الذي أدى إلى دخول كثير من الألفاظ العربية في اللغات الأوربية. ولم يكن هذا أكثر من حادث عارض في أعمال الترجمة. ولكن أهم من هذا أن الجبر وعلامة الصفر والنظام العشري في الحساب قد دخلت كلها في بلاد الغرب","vol":"1","page":30},{"text":"المسيحية بفضل هذه التراجم، والطب من ناحيته النظرية والعلمية قد تقدم تقدما عظيما بفضل ما قام به العلماء المترجمون اليونان واللاتين والعرب واليهود، وما كان لعلم الهيئة اليوناني والعربي من شأن خطير قد أحدث وكان لا بد أن يحدث، توسعا في علوم الدين، وفي تعديل أفكار العلماء عن الإله، وكان ذلك إرهاصا بتغيير في هذه الناحية أوسع مدى جاء بعد عهد كوبرنيق. وإن في إشارات روجر بيكون المتكررة لابن رشد، وابن سينا، والفارابي لدليلا على ما كان لهؤلاء العلماء من تأثير وحافز جديد، وفي ذلك يقول روجر بيكون نفسه: \"لقد جاءت إلينا الفلسفة من العرب\"، ومعقول أن الذي دعا توماس الأكويني لتأليف كتابه الجامع في اللاهوت هو أن يحول دون تسرب التفاسير العربية لأرسطو إلى علوم الدين المسيحية. وهكذا رد الإسلام إلى أوربا ما أخذ عن اليونان بطريق بلاد الشام كما قدم لها زادا علميا وفكريا اعتمدت عليه في اندفاعتها القوية إبان عصر النهضة وما بعده. ويقول محمد إقبال في كتابه \"التجديد الديني في الإسلام\" \"ص١٣\": لقد أتى على الفكر الأوربي حين من الدهر تلقى فيه وحي النهضة من العالم الإسلامي.. والثقافة الأوربية في جانبها العقلي ليست إلا ازدهارا لبعض الجوانب الهامة في ثقافة الإسلام. لذلك فإنه لا يرى تعارضا في ذلك والاستفادة من نتائج العلم أو الفكر الأوربي، ويقول في ذلك بأنه لا بد أن يصاحب يقظة الإسلام تمحيص بروح مستقلة لنتائج الفكر الأوربي والكشف عن المدى الذي تستطيع به النتائج التي وصلت إليها أوربا أن تعييننا به في إعادة النظر في التفكير الديني في الإسلام \"المرجع السابق ص١٤\".","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الرحلة في طلب العلم:</span>\nحث الإسلام على طلب العلم وألا يدخر الإنسان جهدا في سبيل تحصيله ولو كان في الصين. واعتبر السفر في طلب العلم جهادا في سبيل الله. ورد عن النبي ﷺ قوله: \"من سافر في طلب العلم كان مجاهدا في سبيل الله\"، ومن مات وهو مسافر بطلب العلم كان شهيدا، فالعلم ضالة المسلم المؤمن ينشدها حيث كانت\". ومن الأقوال المأثورة: سافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفريج هم","vol":"1","page":31},{"text":"واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد.\nويتفق علماء المسلمين على مشروعية شد الرحال من أجل طلب العلم شأنه في ذلك شأن زيارة الأرحام والسعي وراء الكسب لأن هذه الأشياء كما يقول أحمد بن حجر \"ص٤٥\" وردت بها أوامر شرعية. وهكذا كانت الرحلة في طلب العلم ملحما متميزا لتربية الإسلامية منذ عصورها الأولى ... وكان طلاب العلم يتكبدون الصعاب في الارتحال والأسفار. ومع ذلك فإنهما كانوا يستهينون بكل صعب في سبيل طلب العلم من مناهلة ودراسته على أيدي المشاهير من رجاله. ويقول الزرنوجي \"ص٤٥\" لا بد من تحمل التعب والمشقة في سفر التعلم. وقد قال الله تعالى على لسان موسى ﵇ في سورة الكهف ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، فسفر العلم لا يخلو من التعب لأن طلب العلم أمر عظيم وهو أفضل من الجهاد عند أكثر العلماء. والأجر على قدر التعب.\nوقد أفرد ابن خلدون فصلا في أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم. وهو يشير إلى أن الرحلة لا بد منها في طلب العلم واكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال. ويفسر ذلك بأن الرحلة في طلب العلم تمكن الطالب من لقاء شيوخ كثيرين. ولكل شيخ من مشاهير الشيوخ في البلاد المختلفة طريقة خاصة في البحث والدراسة والتعليم. ولذا فإن مخالطة الطالب لهم واحدا بعد الآخر تفيده في معرفة طريق الدراسة التي يتبعها كل شيخ في تدريسه وما يتصل بها من التمييز بين المفاهيم والمصطلحات العلمية. وهكذا يحصل الطالب على ملكة علمية أقوى مما لو درس على يد شيخ واحد. ويقول ابن خلدون: \"إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل تارة عملا وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا. فعلى قدر كثرة الشيوخ تكون تربية الملكات ورسوخها ... فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال\". ويجب أن يقصد طالب العلم جهابذة العلم والعلماء الراسخين فيه. وقال شاعرنا العربي:\nلا تأخذ العلم إلا عن جهابذة ... بالعلم نحيا وبالأرواح نفديه","vol":"1","page":32},{"text":"أما ذوو الجهل فارغب عن مجالسهم ... قد ضل من كانت العميان تهديه\nوكان الطلاب المغاربة أول ما يمرون بمصر فيأخذون من علمائها العظام أمثال أشهب وابن القاسم والإمام الشافعي ثم يؤمون الحجاج لأداء فريضة الحج والسماع من علماء المدينة الكثيرين أمثال: مالك بن أنس وسفيان الثوري وشيوخهما وتلاميذهما. فلذلك مال أهل المغرب إلى المغرب إلى المذهب المالكي واختصوا به. \"إبراهيم التورزي ص١٤٥\".\nولم تكن الرحلة في طلب العلم مقصورة على أهل المغرب وإنما كانت ظاهرة عامة في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه. ويقول نيكلسون NICHOLSON في كتابه A LITERARY HISTORY OF THE ARABS \"وكان جلة الباحثين وطلاب العلم يرحلون في حماسة ظاهرة عبر القارات الثلاث ثم يعودون إلى بلادهم ليرووا شغف الجماهير التي كانت تنتظر عودتهم لتلتف حولهم فينالوا من علومهم ومعارفهم زادا وخيرا عميما، كما كان هؤلاء الباحثون يعكفون أحيانا على تدوين ما جمعوا وما سمعوا ثم يخرجون للناس كتبا هي بدوائر المعارف أشبه مع نظام رائع وبلاغة عذبة. وهذه الكتب هي المصادر الأولى للعلوم الحديثة بأوسع ما تحتل كلمة العلوم من معنى ... وهي مرجع العلماء والباحثين، ومنها يستمدون فنونا من الثقافة والمعرفة أعمق بكثير مما يظن الناقدون\".\n\"وكانت قيمة الطالب في نظر الناس تتناسب مع ما قام به من رحلات لطلب العلم ومع عدد المدرسين الذين تلقى عنهم. وكل هذه الظروف شجعت الطالب أو قل دفعته ليتلقى أفانين من العلم في أي بقعة من بقاع الأرض. ولم تكن هذه الحماسة مقصورة على طلاب العلوم الدينية ولكنها شملت أيضا طلاب الدراسات اللغوية والفلسفية والطب وغيرها\". \"أحمد شلبي: ص٣٢٠\".\nوهكذا كان الطلاب يرتحلون في طلب العلم على يد مشاهير العلماء حيثما كانوا وكانوا يتكبدون في سبيل ذلك المشاق والصعاب وأحيانا كان العلماء يسافرون المسافات الطويلة حاملين كتبهم على ظهروهم أحيانا، ويروى أن التبريزي العالم اللغوي المعروف الذي عمل فترة من حياته أستاذا في المدرسة","vol":"1","page":33},{"text":"النظامية ببغداد حمل على ظهره أيام شبابه معجما كبيرا من تبريز إلى بلاد الشام لكي يدرسه عند شاعر معروف النعمان المشهور أبي العلاء المعري. ويقال إن هذا المعجم كان يبدو في مظهره بعد موت التبريزي مبللا بالعرق من طول ما حمله التبريزي على ظهره. \"كراتشكوفسكي: ص٢٣\".\nكما يروى أن أبا القاسم سليمان بن أحمد الطبراني الذي ولد بطبرية ٢٦٠هـ اختلف إلى كثير من البلاد ثلاثا وثلاثين سنة سمع فيها من ألف شيخ. كما أثر عن القاضي عبد الله محمد بن أحمد مولى عبد الرحمن الناصر الأندلسي أنه رحل من قرطبة وتنقل ببلاد الحجاز ومصر والشام وأخذ العلم على مائتين وثلاثين شيخا ثم عاد إلى الأندلس سنة ١٤٥هـ. \"حسن إبراهيم ج٣، ٢٣٩\".\nوكان طلاب العلم في المغرب الإسلامي كما أشرنا يرحلون في طلب العلم مارين بمصر فيتلقون العلم على يد علمائها ومنهم الشافعي ثم يرحلون إلى الحجاز لأداء الحج والتتلمذ على يد علماء المدينة من أمثال مالك بن أنس.\nوكثير من علماء شمال إفريقيا رحلوا في طلب العلم وعانوا في سبيل تحصيله منهم أسد بن الفرات المولود ١٤٢هـ وارتحل من القيروان إلى المشرق ودرس على يد علمائه، ومنهم الإمام أبو سعيد سحنون بن حبيب التنوخي الذي ولد بالقيروان عام ١٦٠هـ ورحل إلى مصر والحجاز والشام وتعلم الفقه على يد علماء هذه الأمصار. ومنهم محمد بن سحنون التنوخي القيرواني المولود سنة ٢٠٢هـ وأول من كتب في التربية والتعليم من العرب المسلمين، وكتابه المعروف \"آداب المعلمين\" وقد رحل في طلب العلم إلى الشرق. ومنهم أيضا أبو الحسن القابسي الذي ولد في القيروان عام ٣٢٤هـ \"٩٣٥م\" صاحب الكتاب القيم الذي يعرفه دارسو التربية الإسلامية \"الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين\"، وقد ارتحل إلى الشرق واستمع إلى علمائه في مصر والحجاز، ومنهم ابن القزاز التميمي شيخ اللغة والأدب في إفريقيا ومؤلف أكبر معجم لغوي عرف في عصره هو \"الجامع في اللغة\" وغيرهم كثيرون. بل وقد حث العلماء أنفسهم على السفر لما فيه من فوائد ليس أقلها طلب العلم واكتسابه.","vol":"1","page":34},{"text":"وقد درجت الدول العربية الإسلامية في العصور الحديثة على إرسال طلابها في طلب العلم والدراسة في مختلف المعاهد والجامعات بدول العالم المختلفة. ومع أننا بهذا نحيي سنة قديمة سنها سلفنا الصالح فإنه يبدو في بعض الأحيان وجود تخوف من نتائج إرسال البعثات العلمية الدراسية إلى الخارج ولا سيما لدول غير الإسلامية التي تختلف في ثقافتها ونظامها الاجتماعي. وقد تردد هذا التخوف في توصية للمؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة سنة ١٩٧٧م فأشارت التوصية إلى قصر إرسال هذه البعثات على التخصصات النادرة بعد مرحلة الليسانس نظرا لما يتعرض له الشباب في الخارج من فتنة جارفة في عقيدته. وهذه التوصية تستحق في الواقع وقفة لعدة أمور أشرنا إليها في تعليقنا على هذه التوصية. وهو ما سيأتي ذكره.\nوينبغي أن نشير هنا إلى أن الرحلة في طلب العلم ظلت طيلة القرون الأربعة الأولى من مجيء الإسلام الوسيلة الأساسية لطلب العلم لأنه لم تكن هناك مدارس آنذاك. وفي آخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري ظهرت المدارس وانتشرت وضمت المشايخ والعلماء. فكانت وسيلة أيسر من الرحلة في طلب العلم، وصار طالب العلم في غنى عن الارتحال في طلبه وبدأ طلاب العلم يرتحلون إلى المدارس بل ويقيمون فيها حيث يتلقون العلم على يد شيوخها وعلمائها.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>التعليم الإسلامي بين الأصالة والتجديد:</span>\nإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ماذا نعني بالأصالة والتجديد؟ وللإجابة على هذا السؤال نجد إذا نحن اتجهنا أولا إلى المعاجم اللغوية. أن المعجم الوسيط يعرف الأصالة بأنها أصل الشيء الثابت الذي يبنى عليه. وأصالة الرأي جودته وأصالة الأسلوب ابتكاره وأصالة النسب عراقته. ويعرف التجديد بأنه استحداث الشيء وجعله جديدا. وتكون الأصالة في ثقافتنا الإسلامية بالارتباط بالعقيدة التي كانت دائما حجر الزاوية في كيان الأمة. وينبغي في أي محاولة للتجديد أن نحرص على مقومات العقيدة الإسلامية وما يتصل بها من التوحيد والإيمان بالله ﷾ وإفراده بالألوهية والربوبية، وما يتصل أيضا بماهية الإنسان والغرض من خلقه وبيان مآله في اليوم الآخر. وما هي وسائل تحسن سلوكه، وما السبل الممكنة في الحياة الدنيا والارتقاء بها \"هنري لاوست: ٤٨، ٤٩\". وكان السلف الصالح من علماء المسلمين يعنون بالتجديد إحياء السنة وإماتة البدعة وإحياء ما اندرس والرجوع بالإسلام إلى مصادره الأولى لتصحيح العقيدة.\nويرى ابن تيمية أن التجديد ارتقاء وتقدم بالأمة لتسلك طريقها مرة أخرى كلما بعدت عن الصحيح الأصيل المتوارث.. ويرى المسلمون في التجديد عملية دورية تتم على رأس كل مائة عام لقول رسول الله ﷺ: \"إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها\". كما يرون أن التجديد عملية مستمرة حتى يتحقق للإسلام الصلاحية الدائمة لكل زمان ومكان، ومسايرة تقدم الإنسانية وترقيها. كما يتحقق له أيضا القدرة الدائمة على الاستمرار والبقاء. ولذلك يعتبر المسلمون التجديد واجبا على علماء الجماعة الإسلامية أو ساستها أن يقوموا به.\nوقد ارتبط التجديد عند المسلمين بالاجتهاد وعدوه من ضرورات ودعائم تقدم المجتمع الإسلامي لدرجة أنهم قالوا بعدم جواز خلو عصر من مجتهد. وبعضهم اشترط ألا يقل عدد المجتهدين في كل عصر عن ثلاثة. ونعى الإمام جلال الدين السيوطي \"ت ٩١١\" على الأمة الإسلامية تناقص المجتهدين فيها فيقول بأنه كان أول طبقات الصحابة وهم مائة وأربعة عشر ألف نفس كلهم مجتهدون ثم طبقة التابعين وهم يقاربون هذ العدد، وهم مجتهدون. ثم تناقص الأمر في وسط الملة. ومع ذلك يكون في العصر الواحد من العلماء الأئمة ألوف. منهم من هو بصفة الاجتهاد نحو مائة أو أكثر، بحيث إن المصنفين في الأصول حكوا خلافا: هل يجوز قلة المجتهدين في عصر بحيث ينقصون عن عدد التواتر فمنهم من منع ذلك وقال إنه مستحيل الوقوع، ومنهم من جوزه إلى ثلاثة وقال لا يجوز أن يكون في العصر الواحد أقل من ثلاثة مجتهدين. ومنهم من جوزه إلى واحد، وقال بجواز قلة المجتهدين والعياذ بالله بحيث لا يكون في العصر الواحد إلا مجتهد واحد. ولا يجوز خلو عصر من مجتهد، ثم يبدي","vol":"1","page":36},{"text":"السيوطي أسفه أخيرا بقوله: \"فيا ليت أولئك الذين لم يجوزوا قلة المجتهدين في عصر ونقصهم عن عدد التواتر يقومون من قبورهم فينظرون إلى هذا الزمان\".\nوقد ألف بعض علماء المسلمين كتبا عن التجديد والمجددين في الإسلام، فألف السيوطي \"القرن العاشر الهجري\" \"تحفة المهتدين في بيان أسماء المجددين\" وهي منظومة. وله كتاب منشور مخطوط منه نسخة في دار الكتب المصرية بعنوان \"التنبئة بمن يبعث الله على رأس كل مائة\". وللحافظ ابن حجر كتاب \"الفوائد الجمة فيمن يجدد الدين لهذه الأمة\". وهذه مجرد أمثلة.\nويعتبر علماء المسلمين الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز المجدد الأول في الإسلام على رأس المائة سنة الأولى. وعلى رأس المائة الثانية هارون الرشيد والإمام الشافعي. وعلى رأس المائة الثالثة المقتدر بالله مع ابن شريج القاضي البغدادي. وعلى رأس المائة الرابعة القادر بالله مع أبي حامد الإسفراييني. وعلى رأس المائة الخامسة المستظهر بالله مع حجة الإسلام الإمام الغزالي ... وهكذا. وكان من طلائع المجددين في العصر الحديث محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية وجمال الدين الأفغاني وتلميذه الأستاذ الإمام محمد عبده في مصر.\nوقد يفضل بعض علماء المسلمين مجددا آخر، ويرجحون عليه مثل ما فعله السبكي في طبقات الشافعية عندما فضل ابن شريج الفقيه الشافعي على أبي الحسن الأشعري المتكلم المعروف. في حين فضل ابن عساكر أبا الحسن الأشعري ورجحه على ابن شريج. وقد يتعدد المجددون في القرن الواحد، ولكل منهم ميدانه العلمي الذي يشتغل به. ويتفق المسلمون على اختيار واحد منهم. وإذا لم يحدث هذا الاتفاق فقد يكون هناك أكثر من مجدد واحد.\nوقد يقول أحد علماء المسلمين برأي جديد لم يسبق له، أو قد يرجع أو يعدل عن رأي قديم له. وهذا يرجع إلى تغير الزمن، أو تغير الأحوال الظروف، أو تطور الرأي. وهي سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.\nونحن في محاولة البحث عن التجديد والسعي إليه ينبغي ألا نجري وراء الأمم الأخرى لتقليدها، لأننا بذلك نكون قد ابتعدنا أو نبذنا نموذجنا الحضاري","vol":"1","page":37},{"text":"الإسلامي الذي صمد الزمن مئات من السنين. وذلك أن آفة التقليد تأتي عندما ننس أصالتنا. وينبغي هنا أن نشير إلى الحكمة النبوية في الحديث الشريف الذي رواه البخاري \"لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون \"الأمم\" قبلها شبر بشبر وذراعا بذراع\".\nوينبغي أن نميز في محاولتنا للتجديد بين تقليد مقومات الشخصية والعقائد والتصورات الدينية والثقافية وبين تقليد النتائج العلمية والأخذ بها. إذ لا وطن للعلم ولا جنسية للاكتشافات والبحوث الإنسانية في مختلف ميادين العلم والمعرفة. لأنها نتاج جهود البشرية على اختلاف جنسياتها وأوطانها. فليس هناك طب أوروبي أو هندسة أمريكية أو فلك روسي أو جيولوجيا يابانية \"هنري لاورست: ٤٨، ٤٩\". ومن المعروف أن العلماء المسلمين قد أسهموا في هذه الميادين جميعا وفي غيرها بجهود لا ينكرها إلا جاحد.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>كيف نبدأ</span>؟:\nالواقع أن أي بداية لتأصيل التعليم الإسلامي أو تجديده ينبغي أن تضع في اعتبارها الصورة الكاملة لتطور التعليم الإسلامي عبر العصور المختلفة حتى الفترة الواهنة. وينبغي أن تكون الرؤية واضحة لهذه الصورة الكاملة بكل تفاصيلها. وهناك بالطبع كثير من الدروس المستفادة التي يمكن أن نخرج بها ... وبصرف النظر عن الدخول في التفصيلات التي لا يتسع لها المقام هنا فإنه يمكن القول بأن التعليم الإسلامي في حركة تطوره عبر العصور المختلفة شهد عدة تطورات هامة سواء من حيث الشكل أو المضمون. فمن حيث الشكل اعتمد التعليم الإسلامي في العصور الإسلامية الأولى على المسجد والكتاب والمكتبات كمراكز للتعليم ... ثم ظهرت المدارس فيما بعد في القرن الخامس الهجري على يد نظام الملك الوزير السلجوقي الذي أنشأ المدرسة النظامية في بغداد وغيرها من المدارس في البصرة والموصل وبلخ وأصفهان. وازدهرت حركة إنشاء المدارس في العالم العربي الإسلامي فيما بعد حتى الفترة التي خضعت فيها البلاد العربي للحكم التركي العثماني. وعندها أخذت حركة التعليم والمدارس في الذبول، وكان ذلك نتيجة طبيعية للسياسة التركية في الأقطار العربية من ناحية وضعف","vol":"1","page":38},{"text":"الدول العثمانية وتأخرها من ناحية أخرى. وعندما نصل بسرعة إلى بداية الاستقلال والتحرر الوطني في البلاد العربية نجد الاهتمام بتطوير نظم التعليم والمدارس. وقد سار هذا التطوير في اتجاهين رئيسيين: الاتجاه الأول تمثل في محاولة إصلاح معاهد التعليم القائمة ومراكزه التقليدية كالأزهر والقرويين والزيتونة والكتاتيب. وقد ارتبط بهذا الاتجاه عدة محاولات إصلاحية هامة منها محاولة الإمام الشيخ محمد عبده والشيخ العروسي والطهطاوي وعلي مبارك.\nأما الاتجاه الثاني فقد تمثل في إنشاء المدارس الحديثة على غرار المدارس الأوربية ولا سيما الفرنسية منها. وقد ترتب على هذا الاتجاه وجود نظامين للتعليم أحدهما النظام الديني التقليدي والثاني النظام الحديث المقتبس. وقد شكل هذا الوضع ثنائية تعليمية كان لها أثار بعيدة على الوحدة الفكرية والثقافية بل والاجتماعية للبلاد العربية.\nوبصرف النظر عن اختلاف التربويين في تقييم الآثار المترتبة على اقتتباس المدارس الحديثة فإنها قد استطاعت أن تقوم بدور هام في سد احتياجات البلاد ومتطلباتها الثقافية في نهضتها الحديثة. بل واستطاعت هذه المدارس أن تؤثر من حيث الشكل والمضمون على نظام المدارس التقليدية. وهناك نتيجة هامة أخرى ترتبت على وجود نظام المدارس الحديثة هي وجود سلطة من غير رجال الدين للإشراف على هذه المدارس.\nوينبغي ألا يفهم من ذلك أن تعليمنا الإسلامي التقليدي قد فقد أصالته لما طرأ عليه من هذا التغيير في الشكل وإنما يجب أن ينظر إلى هذا التغيير على أنه مرحلة تطورية لم يكن لها أن تحدث ما لم تكن مناسبة لثقافتنا وقيمنا الإسلامية. وهناك كثير من الأمثلة على أن الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل قد انفتحت على الثقافات الأخرى واقتبست منها ما يناسبها سواء في نظام الحكم أو الإدارة أو التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو الثقافة أو التعليم. ولم يشعر السابقون بغضاضة في ذلك. فما بالنا لا نتعظ بهم. إن عالمية الرسالة الإسلامية تعني فيما تعني انفتاح المسلمين على العالم كله بخبراته وتجاربه عن وعي وبصيرة وإدراك حقيقي دون ترك الحبل على الغارب بالطبع. أما التطور الذي","vol":"1","page":39},{"text":"حدث للتعليم الإسلامي وهو التطور في المضمون فمن المعروف أن التعليم الإسلامي بدأ بالعلوم النقلية وهي علوم القرآن الكريم وما يتصل بها من تفسير وفقه وعبادات ثم أضيفت إليها علوم اللغة واللسان باعتبارها علوما مساعدة لفهم العلوم النقلية ومعرفتها. وفيما بعد دخلت العلوم العقلية من رياضيات وطب وكيمياء وفلك وفلسفة وغيرها. وقد تطورت هذه العلوم وتنوعت نتيجة للتقدم المعرفي الهائل الذي شهده العالم. وينبغي ألا يكون لدينا أي تخوف من الاستفادة من هذه العلوم ما دامت هي مصدر قوة للمسلمين. وما دامت تعمق فهمنا للدين وتمكننا من السيطرة على الكون ومعرفة قوانينه التي تدل على عظمة الخالق ﷿. كما تساعدنا هذه العلوم أيضا على تعمير الأرض واستغلال ثرواتها وخيراتها التي خلقها الله لنا.\nلقد جعل الله الإنسان خليفته على الأرض وأمره بأن يسكنها ويعمرها ويستفيد من خيراتها ورزقها. وفضل الله الإنسان على كثير من خلقه ووهبه هذا العقل الذي يستطيع أن يتميز به عن سائر المخلوقات. وهو مطالب بأن يستخدم هذا العقل وأن يسخره في أداء الرسالة التي كلف بها على الأرض. وهكذا نعتبر كل العلوم علوما إسلامية ما دامت تزيد من فهمنا لديننا وتعمق إيماننا بربنا وتمكننا من الاستفادة من نعم الله التي خلقها لنا في الكون.\nبيد أن أهم نقاط الضعف التي جعلت تعليمنا المعاصر يبتعد عن أصالته الإسلامية تتمثل في أن تدريس العلوم العقلية المختلفة يفتقر إلى توجيهه الوجهه الإسلامية الصحيحة. فهذه العلوم تدرس موضوعاتها عادة على أن معرفتها هدف في حد ذاتها ولهذا نجد أنه لا فرق بين تدريس هذه المواد في مدارسنا ومدارس غيرنا اللهم إلا في كونها مكتوبة بلسان عربي.\nوعلينا إذا أردنا أن نؤصل هذه العلوم العقلية أن نوجه تدريسها وجهة إسلامية. وهذا يعني أن يتمشى تدريسها مع الأهداف التي تسعى التربية الإسلامية إلى تحقيقها. ومن ثم يجب أن تدرس هذه العلوم لبيان عظمة الخالق ﷿ وترسيخ إيماننا به وإحكام سيطرتنا على الطبيعة والكون واستغلال ثرواتها ولكن ماذا عن النظريات العلمية التي لا تتمشى مع الفكر الإسلامي كنظرية","vol":"1","page":40},{"text":"التطور مثلا أو نظرية النشوء والارتقاء؟ ... هل نمنع تدريسها في مدارسنا؟\nالواقع أنه ينبغي ألا يكون هناك مجال لمثل هذه النظريات في المراحل الأولى من التعليم. وربما جاز لنا تدريس بعض هذه النظريات في المرحلة الأخيرة من التعليم الثانوي. ويكون تدريسها بهدف نقدها في ضوء النظرية الإسلامية وإبراز نقاط الضعف فيها. أما في التعليم الجامعي والعالي فالمجال يتسع لنقد المذاهب الفكرية أو النظريات العلمية المغايرة. بحيث يكون الطالب أكثر نضجا وأكثر إيمانا بدينه وعقيدته. ولنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة. فجمال الدين الأفغاني على سبيل المثال ألف رسالة في الرد على الدهريين وانتقد فيها نظرية دارون ولامارك في التطور. ولقد أردت بهذا المثال أن أؤكد على ألا يحجر على عقول الشباب المسلم بحجة عصمته وحمايته، وإنما ينبغي أن نحرر فكره من الجمود في ظل إيمان لا يتزعزع وعقيدة إسلامية راسخة. وهذا يتطلب ضرورة العناية باختيار موضوعات المناهج الدراسية الإسلامية الصحيحة التي تخدم أغراض التربية الإسلامية كما سبق أن أشرنا. ويجب على من يتصدى لهذا العمل أن يكون على حظ كبير من المعرفة بأمر دينه. وعقيدته إلى جانب تخصصه العلمي. وأن يكون قادرا على توجيه تخصصه وجهة إسلامية صحيحة، ومع أن تحقيق ذلك ليس بالأمر السهل كما يبدو فإنني أعتقد أن هذا هو الطريق الصحيح لتأصيل تعليمنا الإسلامي.\nوهناك نقطة ضعف أخرى جعلت تعليمنا الإسلامي يبتعد عن أصالته الإسلامية. وهي تتمثل في قلة عنايته بالعلوم الدينية وعدم إعطائها المكانة التي تستحقها بل وعدم تقديمها في أسلوب محبب إلى النفس وبصورة يجد فيها المتعلم مجالا كبيرا للاستفادة منها وتطبيقها في حياته ... إن افتقار الناحية الوظيفية في برامج التربية الدينية والعلوم الإسلامية في مدراسنا من أكبر عوامل هدمها ونفور التلاميذ منها. ولهذا إذا أردنا أن نؤصل هذا الجانب في تعليمنا الإسلامي والتجديد، فإلى أي حد يكون التجديد في نطاق الأصالة وإلى أي حد نمتد بالأصالة في نطاق التجديد؟ إن حل هذه المعادلة يستند إلى روح الإسلام الحقة التي تقوم على التوسط والاعتدال. فخير الأمور الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ","vol":"1","page":41},{"text":"أُمَّةً وَسَطًا﴾ وفي هذا الإطار ينبغي ألا نجعل يبدنا مغلولة إلى عنقنا وألا نبسطها كل البسط. فعلينا أن نجعل لتدريس العلوم الدينية مغزى وظيفيا في حياة التلميذ يرتبط بحياته التي يحياها كما يرتبط بمعاملاته الفردية والاجتماعية. ويجب أن تستهدف هذه العلوم الدينية مساعدة الإنسان المسلم على معرفة أصول دينه وأحوال دنياه وأن تنمي فيه الانتماءات الإسلامية الصحيحة.\nإن تجديد التعليم الإسلامي مطلوب بمقدار حرصنا على أصالته. والأصالة لا تتعارض مع التجديد. ذلك أن التعليم الإسلامي في حركته إلى الإمام ينبغي أن يكون أصيلا متجددا في نفس الوقت. لأنه رسالة أصيلة متجددة صالحة لكل زمان ومكان ومناسبة لكل الناس على اختلاف دوران أمورهم وأحوالهم. ولكن قد تبدو المعادلة صعبة ومع ذلك فإن التجديد ينبغي أن يأخذ بأسباب الأصالة، وبهذه الروح فقط يصبح للتجديد معناه الحقيقي.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>حول توصيات المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي:</span>\nعقد المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من ٢١-٢٠ ربيع الثاني سنة ١٣٩٧هـ \"٣١ مارس-٨ إبريل ١٩٧٧م\" وقد دعت إلى هذا المؤتمر جامعة الملك عبد العزيز تحت رعاية جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود. ويمثل عقد هذا المؤتمر أهمية خاصة لعدة اعتبارات رئيسية من أبرزها أنه أول مؤتمر من نوعه. فلم يشهد التعليم الإسلامي من قبل هذا الاهتمام الكبير الذي تمثل في هذا المؤتمر الضخم الذي ضم ٣١٣ عضوا يمثلون أربعين بلدا، وقدم فيه من البحوث حوالي ١٥٠ بحثا إلى جانب الدراسات المسحية عن حالة التعليم في البلاد الإسلامية.\nيضاف إلى ذلك التنظيم الرشيد الذي وضع لهذا المؤتمر والضمانات المختلفة التي تضافرت على إنجاحه وتوفيقه، فقد عقد هذا المؤتمر في مكان أحسن اختياره، إنه مكان محبب إلى قلب كل مسلم ونعني بذلك مكة المكرمة مهبط الإسلام وحصنه الحصين. وتعتبر توصيات المؤتمر على جانب كبير من الأهمية باعتبارها خلاصة جهد المؤتمر وعمله، ولما يرتجي منها من إثارة الوعي والاهتمام بالتعليم الإسلامي من ناحية وتوجيه مساره في الطريق الصحيح من ناحية أخرى.","vol":"1","page":42},{"text":"وقد انتهى المؤتمر إلى ٣٨ توصية تدور كلها حول ما فيه خير التعليم الإسلامي وترسم له اتجاهات تطويره وإصلاحه.\nوقد وضع المؤتمر التربية والتعليم في مكانها الصحيح من الأهمية البالغة في حياة الأمم، وعبر عن إحساسه بعظم المسئولية الملقاة على كاهل علماء المسلمين وقادة الفكر والعاملين في ميدان التربية والتعليم في دعم التضامن الإسلامي وخدمة قضايا المسلمين. كما عبر المؤتمر في توصياته عن إحساسه بعدم الرضا عن الأوضاع التعليمية الحالية السائدة في معظم البلاد الإسلامية لأنها لا تمثل الصورة الصحيحة للإسلام.\nوأكد المؤتمر أن العلوم المختلفة من طبيعية ورياضية وإنسانية نظرية كانت أو تجريبية أو تطبيقية كلها علوم إسلامية، ما دامت متفقة مع الإطار الإسلامي الصحيح وما دامت لا تنحرف إلى استخدامها في الفساد والشر والعدوان. وبهذا التأكيد وضع المؤتمر حدا لما يثار عادة من تقسيم العلوم في الإسلام إلى علوم إسلامية وغير إسلامية أو علوم عقلية ونقلية، وأن الأولى ليست مرغوبة بنفس درجة الثانية.\nوقد أبرز المؤتمر التربية الإسلامية ودورها في تنشئة الإنسان المسلم الذي يعبد الله ويعمر أرضه ويستثمرها ويسخر ما أودعه الله فيها من ثروات، وأكد المؤتمر أيضا على دور التربية الإسلامية في تقوية الروابط الإسلامية بين المسلمين ودعم قضاياهم وتضامنهم الإسلامي. وهذه ولا شك عناصر رئيسية في أهداف التربية الإسلامية. وكنا نود أن يولي المؤتمر اهتمامه للعناصر الرئيسية الأخرى التي تكون المفهوم الحضاري الشامل للتربية الإسلامية ومنها على سبيل المثال أن التربية الإسلامية تربية إسلامية عالمية تقوم على الأخوة في الإسلام فالمسلم أخو المسلم. والرسالة الإسلامية رسالة إنسانية موجهة إلى الخير وما فيه الخير وهي رسالة عالمية للناس قاطبة. ومنها أيضا أن التربية الإسلامية تربية متجددة فهي تمتد من المهد إلى اللحد وتتجدد مطالبها بتجدد أحوال الناس لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.\nوفي توصيات المؤتمر عن مصادر المعرفة في التصور الإسلامي يرد تقسيمها","vol":"1","page":43},{"text":"إلى نوعين:\nأ- الوحي وذلك في الجوانب التي يعلم الله ﷾ أن الإنسان لا يهتدي فيها إلى الحق من تلقاء نفسه.\nب- العقل البشري وأدواته في تفاعله مع الكون المادي نظرا وتأملا وتجربة وتطبيقا في الأمور التي تركها الله ﷾ لاجتهاد هذا العقل.\nوهناك بالطبع مصادر أخرى للمعرفة غير هذين النوعين كنا نحب ألا يغفلها المؤتمر ما دام قد تعرض لهذه القضية، ومنها حواس الإنسان من سمع وبصر وحس، فقد خلق الله هذه الحواس ليهتدي بها الإنسان وجعله مسئولا عنها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ .\nوهناك أيضا النقل عن السلف وهو مصدر هام للمعرفة في الإسلام فقد كان للسلف فضل اجتهادهم وتجاربهم، ويعتبر ذلك مصدرا هاما لمعرفتنا المعاصرة، وهناك أيضا القياس والاجتهاد، وهناك تحفظ على اعتبار الوحي مصدرا للمعرفة ذلك الوحي خاص بطبقة محدودة من الناس هم طبقة الأنبياء ومن في مرتبتهم. ولا يمكن أن نتصور المسلم العادي يعتمد على الوحي في الحصول على المعرفة التي تأتي من عند الله ﷾، ويتصل بذلك أيضا الكلام عن \"الحدس\" أو الإلهام الإلهي وهو بالطبع شيء مختلف عن الوحي. ويمكن الرجوع في هذا الكتاب إلى الكلام عن مصادر المعرفة في الإسلام.\nوقد أشارت التوصيات إلى ضرورة الأخذ بمفهوم متكامل للتربية الإسلامية يقوم على تربية الجسم والعقل والنفس وهو ما يؤكد تكامل النظرة إلى الطبيعة الإنسانية في التربية الإسلامية وهي ناحية على جانب كبير من الأهمية تتحرر بها التربية الإسلامية من النظرة الثنائية أو الجزئية للطبيعة الإنسانية والتي سادت على تفكير المربين في الغرب قرونا طويلة.\nوكنا نود أن تشير التوصيات إلى بلوغ الكمال كهدف رئيسي للتربية الإسلامية. ومع أن الكمال لله وحده إلا أن الإنسان خليفته على الأرض وعليه","vol":"1","page":44},{"text":"أن يشد الكمال وأن يسعى إليه وله في هذا السعي لذة والكمال الإنساني أمر يفرضه أيضا كمال الدين الإسلامي نفسه باعتباره الدين الذي أتم به الله علينا ديننا وأكمل به نعمته علينا. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ وهو أمر أيضا تفرضه طبيعة الرسالة الإسلامية \"وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق\".\nوقد أكد المؤتمر تأكيدا كبيرا على تدريس العلوم الإسلامية والاهتمام به في كل المراحل ولا سيما مرحلة التعليم العام. وهي نقطة في غاية الأهمية نظرا لتفاوت الدول الإسلامية في درجة الاهتمام بتدريس هذه العلوم في مراحل تعليمها المختلفة. ويجب أن نتذكر أن الإسلام دين ودولة وهو أسلوب متكامل للحياة ويجب أن تأخذ العلوم الدينية نصيبها من الاهتمام في المناهج المدرسية بل وفي الحياة المدرسية بصفة عامة.\nكما أكد المؤتمر على ضرورة تبني فكر إسلامي أصيل في مختلف العلوم يبتعد بهذه العلوم عن كل ما هو دخيل أو غريب على الإسلام وهي أيضا نقطة هامة لأن الثقافة الإسلامية بالرغم من أن أصولها واحدة إلا أنها لم تسلم من الشوائب التي علقت بها.\nوقد وضع المؤتمر اللغة العربية في البلاد الإسلامية في مكانها الصحيح فنادى بضرورة العناية بتعليمها لأنها مفتاح فهم القرآن والدين، وأوصى المؤتمر باعتبار اللغة العربية مادة إجبارية في كل العالم الإسلامي. وهذا في الواقع هو المسار الصحيح للوحدة الإسلامية. وعروبة القرآن بمعنى نزوله بلسان عربي مبين تحتم على كل مسلم أن يعرف اللغة العربية. وبدون أي خلط بين تفضيل عربي على عجمي تقول بأن اللغة العربية هي تمام كمال المسلم بل ومن تمام دينه.\nوهناك تخوف من إرسال البعثات العلمية الدراسية إلى الخارج فأشارت التوصيات إلى قصر هذه البعثات على التخصصات النادرة بعد مرحلة الليسانس نظرا لما يتعرض له الشباب في الخارج من فتنة جارفة في عقيدته. وهذه التوصية تستحق في الواقع وقفة طويلة بعض الشيء لعدة أمور منها:\nأولا: أرجو ألا يفهم من هذه التوصية أنها دعوة ضد الدراسة في الخارج","vol":"1","page":45},{"text":"أو أنها ضد الانفتاح الفكري والثقافي للعالم الإسلامي على تجارب وعلوم المجتمعات الأخرى، لأن العالم الإسلامي كما هو معروف بلغ قمة ازدهاره بانفتاحه على الثقافات الأخرى.\nثانيا: أن الرحلة في طلب العلم كانت دائما سمة مميزة لسلفنا الصالح من علماء المسلمين، والأمثلة على ذلك لا يعيها الحصر، فقد كان العلماء يرتحلون في طلب العلم سنين طويلة يتلقونه على أهله وثقاته. قد يقال إن سلفنا كان يتلقى العلم عن أيدي علماء المسلمين فالمسلمون يتعلمون عن المسلمين وهذا صحيح إلا أن تراثنا الإسلامي لم ينكر تلقي العلم وأخذه على يد غير المسلمين من العلماء أو أن يرتحل في طلبه إلى أقاصي البلاد \"اطلبوا العلم ولو في الصين\" بل إن الرسول ﵇ قبل أن يعلم الكفار واليهود أبناء المسلمين، وكان يفك أسر من يعلم منهم عشرة من صبيان المسلمين كما هو معروف. والنبي ﷺ لم يجد غضاضة أو حرجا في الاستعانة بخبرة دليل مشرك هو عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق أثناء هجرته هو وأبي بكر من مكة إلى المدينة.\nثالثا: أن العلم لا وطن له وحيثما يزدهر نوع من العلوم التي يحتاج إليها المسلمون لتضيف إلى قوتهم فإنه ينبغي أن يحرصوا على تحصيلها، وإذا كان من يتعلم لغة قوم يأمن شرهم فإن تحصيل علومهم من باب أولى إذا كان فيها ما يخدم مصالح المسلمين في إطار الإسلام الصحيح. قال ﷺ: \"الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها\".\nرابعا: أن التخوف من فتنة طلاب البعثات الدراسية أو فرض القيود عليها إنما تكون بوضع الضمانات التي تكفل تحقيق الأهداف التي تنشدها منها. وفي مقدمة هذه الضمانات حسن اختيار العناصر الصالحة من الطلاب وتوفير الرعاية المالية والاجتماعية لهم أثناء دراستهم وتوفير المكان المناسب والمرتب المناسب لهم بعد عودتهم. هو ما أشارت إليه التوصيات فيما بعد. وأعتقد أن هذه هو الطريق الصحيح لحسن توجه بعثاتنا الدراسية إلى الخارج.\nوهذه الملاحظات لا تقلل بالطبع من أهمية التوصيات التي تعتبر بحق نقطة","vol":"1","page":46},{"text":"تحول هامة في الانتقال بالتعليم الإسلامي والتربية الإسلامية من مرحلة الدراسات التاريخية التي تقوم على دراسة تطور التربية الإسلامية عبر العصور إلى مرحلة تطوير التعليم الإسلامي المعاصر ليكتسب صورته الإسلامية الصحيحة. وهناك توصيات أخرى كثيرة لم نشر إليها ولها أهميتها الكبرى تتعلق بتعليم المرأة بما يتناسب مع طبيعتها ورسالتها في الحياة ومنها ما يتعلق بتعليم أبناء المسلمين في فلسطين المحتلة وتعليم الأقليات الإسلامية في الدول المختلفة وضرورة العمل على مساندة كل الجهود التي تبذل من أجل العناية بتعليم هذه الأقليات ودراسة أحوالهم وغيرها من الجوانب الأخرى الهامة التي ينبغي قراءتها والرجوع إليها في تقرير المؤتمر وتوصياته.\nوإني أعتقد أن الحل العملي لتنفيذ هذه التوصيات كان من صنع المؤتمر عندما حالفه التوفيق بإنشاء مركز عالمي للتعليم يسمى المركز العالمي للتعليم الإسلامي بمكة المكرمة ليقوم بتنفيذ هذه التوصيات. وإنني أدعو الله مخلصا أن أرى هذه التوصيات وقد أخذت طريقها إلى حيز التنفيذ لتعيد للإسلام مجده الذي فقدناه عندما فرطنا في أمرنا وقد آن الآوان لينهض العالم الإسلامي ويحتل مكانته ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفصل الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>أهداف التربية الإسلامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>مدخل</span>\n...\nالفصل الثاني: أهداف التربية الإسلامية وأسسها وأساليبها\nتعتبر كلمة التربية بمفهومها الاصطلاحي من الكلمات الحديثة التي ظهرت في السنوات الأخيرة مرتبطة بحركة التجديد التربوي في البلاد العربية في الربع الثاني من القرن العشرين. ولذلك لا نجد لها استخداما في المصادر العربية القديمة. وما كانت تستخدمه هذه المصادر هي كلمات مثل \"التعليم\" و\"التأدبيب\" و\"التهذيب\" وهي مرتبطة بالتربية كما نفهمها اليوم أوثق الارتباط وقد وردت كلمة \"التربية\" عند ابن خلدون بمعنى التنشئة في كلامه في المقدمة عن مراتب الملك والسلطان والألقاب. \"مقدمة ابن خلدون: ص٢٣٥\".\nوترجع كلمة التربية في أصلها اللغوي العربي إلى الفعل \"ربا\" \"يربو\" أي نما وزاد. وفي التنزيل الحكيم ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي نمت وزادت لما يتداخلها من الماء والنبات. وتقول رباه بمعنى نشأه ونمى قواه الجسدية والعقلية والخلقية. وفي التنزيل الحكيم ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ... ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ .\nوقد كتب الذين ألفوا عن التعليم في الإسلام من المتقدمين عن أغراض التعليم، ونقل عنه المحدثون وتناولوه في كتابتهم عن أغراض أو أهداف التربية الإسلامية. وبعضهم يجمل الكلام عن هذه الأهداف فيركزها في الهدف الديني الذي يقوم على تعلم القرآن ومعرفة العبادات المفروضة، أو بعبارة أخرى: معرفة الدين علما وتطبيقا. وهذا هدف كبير يمكن أن يشمل التربية الإسلامية كلها باعتبار الدين الإسلامي دينا ودولة، وبعضهم ولا سيما المحدثون يفصلون هذه الأهداف إلى أهداف دينية وعقلية وثقافية ونفسية \"أسماء فهمي: ١٩٤٧\" وبعضهم يقسمها إلى أهداف دينية وعقلية واجتماعية ومادية \"خليل طوطح: ص٣٥٢\".","vol":"1","page":48},{"text":"وواضح أن هناك اشتراكا كبيرا وشبه اتفاق على هذه الأهداف مع اختلاف المعالجة في التركيز أو التفضيل. ويصبح من الصعب إذن أن نتقبل ما يذهب إليه أحد المؤلفين في التربية الإسلامية من المحدثين عندما يقول: \"والرأي عندنا أنه لا يوجد أغراض للتربية عند العرب تعمهم على الإطلاق وإنما الصواب أن نذكر صاحب المذهب ثم نذكر الغرض من التعليم الذي يلائم هذا المذهب\" \"أحمد الأهواني: ص٢٩\".\nوتميز إحدى الدراسات بين ثلاثة أنواع من الأهداف في التعليم الإسلامي:\nالأداتية أو الوسيلية \"Instrumental\" والمعلنة \"Expressive\" والمعيارية NORMATIVE \"WILK: P.٣٣٤\". وتكون أهداف التعليم أداتية عندما يتركز الاهتمام على تحقيق شيء ما أو الحصول عليه. كأن ينظر المتعلم إلى التعليم على أنه للحصول على الشهادة الدراسية أو المؤهل الدراسي كوسيلة للحصول على وظيفة أو عمل. هنا يكون التعليم مجرد وسيلة أو أداة لغرض معين في نفس المتعلم. وعلى هذا فإن الأهداف الأداتية بصفة عامة تعمل على تشجيع النزعة الفردية التنافسية بين التلاميذ أكثر من تشجيعها لهم على التعاون والعمل الجماعي.\nأما الأهداف المعلنة فهي على العكس من ذلك تعمل على تكوين رابطة توحد بين التلاميذ وتحقق المساواة بينهم. وهي أهداف معلنة لأنها تعبر عن النموذج المثالي أما الأهداف المعيارية فهي تهتم بتنمية أنماط معيارية للسلوك والمعتقدات لدى المتعلم من خلال التعلم.\nوالتربية الإسلامية كما أشرنا في مكان آخر لا تعلق أهمية كبرى على الحصول على المؤهلات والشهادات الدراسية كما هو ملاحظ في التعليم الرسمي في الدول العربية وغيرها من الدول. ولذلك فإن التربية الإسلامية تركز على الأهداف المعلنة والمعيارية، وقد عبر ابن خلدون عن أهمية الأهداف المعيارية بقوله إن كل علوم الحديث تقوم على أساس المادة الشرعية للقرآن والسنة وهما القانون الذي أرسله الله ورسوله.\nإن بعض النقاد يدعون على غير حق أن الإسلام يعوق النمو والتقدم، وماكس ويبر MAX WEBER هو أحد نقاد الإسلام. وحجته تستند جزئيا على أن","vol":"1","page":49},{"text":"الإسلام لا يعطي أولوية كبرى للأهداف الأداتية \"TUNER: ١٩٧٤\" وهو يدعي أن الإسلام تحكمه أخلاقيات الحرب والجهاد. وأنه بسيطرته الجامدة على أبنائه يحد من نمو الاتجاهات الرأسمالية وأنشطة العمل.\nوهو يقارن ذلك بنظرة المسيحية البروتستانتية التي يرى أنها أكثر فردية وتنافسية. ويشارك \"ويبر\" في هذه النظرة كارل ماركس وإنجلز رائدا النظرية الشيوعية الماركسية وهما يريان على غير حق أن الإسلام ضد التطوير وضد التحديث. إن \"إنجلز\" يرى أن الغزو الفرنسي للجزائر كان خطوة هامة محظوظة نحو تقدم الحضارة وأن الفرنسيين جلبوا الصناعة والنظام وتنويرا نسبيا على الأقل لمجتمع \"بربري\" وهي دعوى مسمومة يرددها أعداء الإسلام.\nإن أي تصور لأهداف التربية الإسلامية لا بد أن يضع في اعتباره أن مجيء الإسلام يمثل بداية تربية جديدة للمجتمع العربي، وأنه كان من الطبيعي إذن أن يرسم الإسلام مثلا أعلى للحياة مغايرا لما كان عليه حال العرب في الجاهلية أو قبل الإسلام. وعلى هذا يمكن القول بأن أهم أهداف التربية الإسلامية هو بلوغ الكمال الإنساني لأن الإسلام نفسه يمثل بلوغ الكمال الديني فهو خاتم الأديان وأكملها وأنضجها. ويقول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ويقول ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ .\nومن تمام الكمال الإنساني مكارم الأخلاق، وقد جاء الإسلام ليصل بهذا الكمال الإنساني إلى قمته. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق\". وهكذا يعتبر بلوغ الكمال الإنساني هدفا رئيسيا للتربية الإسلامية. ومع أن الكمال لله وحده فإن الإنسان لا بد أن يتصف بالكمال باعتباره خليفة الله على الأرض. قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ . وعلى الإنسان أن يسعى إلى هذا الكمال وله في هذا السعي لذة تحفزه دائما إلى مزيد من الكمال. يقول الغزالي: \"إن أشرف مخلوق على الأرض هو الإنسان، وقد كرمه الله على كثير من خلقه\". وهذا التشريف والتكريم يدفع الإنسان دائما على بلوغ مزيد من الكمال.","vol":"1","page":50},{"text":"إن موضوع التربية الإسلامية شأنها شأن غيرها من أنواع التربية هو الإنسان لكل مقوماته الجسمية والعقلية والنفسية والوجدانية ذلك أن طبيعة الإنسان من المنظور الإسلامي تتضمن كل هذه المقومات لتحقيق حياة خلق من أجلها ورسالة كلف بأدائها. ومن ثم فإن التربية الإسلامية تقوم على أساس أن الكمال موجود بالقوة في طبيعة الإنسان، بمعنى أن الإنسان قادر على بلوغ هذا الكمال إذا ما وجد من الرعاية والعناية والتربية ما يساعده على ذلك. وتصبح الوظيفة الرئيسية للتربية في الإسلام هي الانتقال بهذا الكمال الموجود بالقوة إلى كمال موجود بالفعل يكتسبه الإنسان من خلال أساليب التربية والتنشئة التي يتعرض لها في مراحل حياته المختلفة.\nومن أهداف التربية الإسلامية أيضا تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة وهو هدف تتزن فيه أسس التربية الإسلامية كما سيتضح من كلامنا عن هذه الأسس فيما بعد. وتقوم التربية الإسلامية على أساس الواقع المادي والروحي للإنسان دون اقتصار على جانب واحد فقط. فهي لا تريد أن يعيش الإنسان في السماء وهو في الأرض، ولا تريد كذلك أن يعيش منغمسا في الحياة الأرضية المادية وحدها لأن في كيانها وجودا روحيا. فعالمه أوسع من عالم الحياة المادية الأرضية وحدها وأوسع من الحياة السماوية الروحية وحدها كذلك. \"مقداد يالجن: ص٤٥\".\nإن التربية الإسلامية في اهتمامها بالواقع المادي والدنيوي للإنسان تسعى إلى الاهتمام بالجانب الروحي على قدم المساواة. وتهدف من رواء ذلك إلى أن تمتد بحياة الإنسان إلى ما هو أبعد من حياة الأرض قصيرة الأجل وتعده لحياة سعيدة أبدية في الدار الآخرة.\nوتهدف التربية الإسلامية إلى تنشئة الإنسان الذي يعبد الله ويخشاه، فالله ﷾ يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وطريقة عبادة الله وخشيته إنما تكون بالعلم، فإنما يخشى الله من عباده العلماء. والعلم هو سبيل التقوى الصحيحة إلى معرفة الله ﷿، ولذلك حث الإسلام على العلم والسعي في طلبه وفضل أهله على غيرهم ورفعهم درجات. ومن ثم يرى","vol":"1","page":51},{"text":"المربون المسلمون أن من المعايير الهامة التي تقوم عليها أهداف التربية الإسلامية والتي تحدد بالتالي المضمون التربوي التعليمي في الإسلام قيمة هذا المضمون وأثره في تربية الإنسان لبلوغ الفضيلة وكمال النفس عن طريق العلم بالله ﷿ وحسن التوجيه إلى الحياة الخيرة الفاضلة، وتنمية العقل وكسب الرزق، وكذلك قيمة هذا المضمون في نفع الإنسان في دنياه وآخرته على السواء. فالعلم فضيلة وتعرف فضيلة العلم بثمرته وهي التقرب من الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أما في الدنيا فثمرته العز والوقار والاحترام وبلوغ المكانة والبعد عن السؤال.\nإن الإنسان متدين بالطبع وبالفطرة: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومهمة التربية الإسلامية تربية فطرة المسلم على الإيمان الصحيح وخشية الله وعبادته. والتعليم والقدوة أساس الفضيلة والأخلاق، ولذلك كانت سيرة الرسول لها قيمة تربوية خلقية. وقد أمرنا الله بأن نتبع الرسول وأن نأخذ ما آتانا وبه وننتهي عما نهانا عنه.. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ . كما أن الدين ضرورة اجتماعية لأنه ينظم حياة الناس والعلاقات بينهم ويربط بينهم بسياج متين والدين أيضا ضرورة نفسية للفرد يدفعه إلى بلوغ الكمال في الحياة، والسعي والحركة والنشاط. كما يساعد على التغلب على كثير من المشكلات الاجتماعية والنفسية التي يواجهها الفرد في حياته. خذ مثالا بسيطا عندما تضيق الدنيا في وجه إنسان وتنسد أمامه السبل والمسالك عندها يجد في الدين تفريجا عن كربه وتهدئة لنفسه.\nويتصل بالعبادة أيضا دور الإنسان في تعمير الأرض وتسخير ما أودعه الله فيها من ثروات لخدمة حياة الإنسان وتحقيق الخير، وما يتطلبه ذلك من استخدام للعلوم المختلفة. وهكذا تصبح العلوم المختلفة من طبيعية ورياضية وإنسانية ونظرية كانت أو تجريبية أو تطبيقية كلها علوما إسلامية ما دامت","vol":"1","page":52},{"text":"متفقة ومتمشية مع الإطار الإسلامي الصحيح وما دامت لا تستخدم استخداما سيئا يخرج بها عن غرضها فتنحرف إلى الفساد والشر والعدوان.\nومن أهداف التربية الإسلامية أيضا تقوية الروابط بين المسلمين ودعم تضامنهم وخدمة قضاياهم. ويتم ذلك عن طريق ما تقوم به التربية الإسلامية من توحيد الأفكار والمشارب والاتجاهات والقيم بين المسلمين في مشارق الأرض وجمع شملهم وتكتيل جهودهم وجعلهم جميعا على قلب رجل واحد. والتربية الإسلامية تربية لضمير الإنسان باعتباره الرقيب على كل تصرفاته وخير عاصم له، وصلاح الإنسان مرهون بصلاح ضميره. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ . ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾، وهذا يعني أن الله رقيب على الرقيب من نفس الإنسان. ولا خير في الضمير إذا لم يكن حيا. فإذا تبلد الضمير أصبح الإنسان كالحيوان وتبلد معه الشعور ونامت الفضيلة والنخوة لديه، فالشخص بلا ضمير هو إنسان ميت الحس، وتربية الضمير تكون بالإيمان الصحيح بالله الذي يعلم السر والجهر وتكون بعبادته: \"أن تعبد الله كأنك تراه\".","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>لماذا خلقنا</span>؟\nإن أي تحديد لأهداف التربية ومضمونها لا بد أن يتعرض بالضرورة منذ البداية إلى السبب الذي نحيا من أجله، ولماذا خلقنا في هذا العالم؟ وما الهدف من وجودنا في هذه الدنيا؟ هل نحن نعيش لنأكل أم نأكل لنعيش؟ وما هو نوع الحياة التي ننشدها؟ ولا شك في أن الإجابة عن هذه الأسئلة تختلف باختلاف المنطلقات الإنسانية والفلسفية والدينية والاجتماعية. ويهمنا هنا المنظور الإسلامي.\nيذكر الراغب الأصفهاني في كتابه \"الذريعة إلى مكارم الشريعة\" ثلاثة أسباب أو مقاصد خلق من أجلها الإنسان لتحقيق رسالته في الحياة على وجه الأرض هي:\n١- عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ لتحصيل المعاش","vol":"1","page":53},{"text":"لنفسه ولغيره.\n٢- عبادة المولى ﷿ المذكورة في قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ والعبادة هنا تعني كل أفعال الإنسان وتصرفاته في الحياة تجاه الله والآخرين والامتثال لما أمر به الشرع في كل أمور الحياة.\n٣- خلافته في الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وغيرها من الآيات، وقوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ويستحق الإنسان الخلافة بتحري مكارم الشريعة بطهارة النفس والحكمة والعفة والصبر والعدل والإحسان وحسن سياسة نفسه وبدنه وما يختص به وحسن سياسة غيره من دونه وأهل بلده. ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح لسياسة نفسه. ولهذا ذم الله تعالى من ترشح لسياسة غيره فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وهو غير مهذب في نفسه فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ .\nهذه المقاصد الثلاثة التي يحددها الأصفهاني لخلق الإنسان تحدد أهداف تربية الإنسان في الإسلام لتهيئته لما خلق له.\nإن قيمة الإنسان في هذا الكون ومنزلته فيه كبيرة وعالية دون سائر الكائنات. فالإنسان سيد هذا الكون. وكل منا خلق فيه لأجله ومسخر لمنفعته وخدمته. وهذا تكريم من الله ﷾ للإنسان خليفته على هذه الأرض، وقد أوجد الله تعالى كل ما في العالم من أجل الإنسان ومن أجل نفعه وخدمته وراحته.\nوقد خلق الله الإنسان من بين سائر الكائنات خلقة تؤهله للدارين: الدنيا والآخرة. وفي تفسير ذلك يقول الراغب الأصفهاني في تفصيل النشأتين \"ص٩٠\": إن الله تعالى قد أوجد ثلاثة أنواع من الأحياء: نوعا لدار الدنيا وهو الحيوانات ونوعا لدار الآخرة وهو الملأ الأعلى \"الملائكة\"، ونوعا للدارين وهو الإنسان. وهو كالحيوانات في الغذاء والتناسل والشهوة البدنية والمهارشة","vol":"1","page":54},{"text":"والمنازعة وغير ذلك من أوصاف الحيوانات، والملائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والصدق والوفاء ونحو ذلك من الأخلاق الشريفة. وهكذا اجتمعت له القوتان وتحققت فيه الصفتان الدنيوية والآخروية حتى يصلح لعمارة الأرض وخلافة الله وعبادته.\nوقد ضرب أمير المؤمنين علي ﵁ لذلك ثلاثة أمثال فقال: إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا تترجح إحداهما إلا بنقصان الأخرى، وكالمشرق والمغرب كل من قرب من أحدهما بعد عن الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ولذلك يرى قوم أكياسا في تدبير الدنيا بلهاء في تدبير الآخرة وقوم أكياسا في أمور الآخرة بلهاء في أمور الدنيا، حتى قال ﵊ \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" \"الأصفهاني: الذريعة إلى أحكام الشريعة ص٩٦\". وبلوغ الكمال والتمام في العقل والخلق أمر صعب عسير ولذلك يقع الإنسان في الذنب والخطأ مهما كانت درجته، ولذلك قال النبي ﷺ: \"ما منا نبي إلا أذنب أو هم\".\nويبين الله في كتابه العزيز أن الغاية المستهدفة من خلق الإنسان هي الخلافة في الأرض. وفي توضيح معنى الخلافة في تحقيقه لكتاب النشأتين وتحصيل السعادتين للراغب الأصفهاني يقول الدكتور عبد المجيد النجار \"ص١٠٥\": \"والخلافة هي الخلافة عن الله بمعنى القيام في الأرض بتطبيق أوامره ونواهيه التي تجتمع كلها عند تحقيق مصلحة الإنسان الشاملة عبر التفاعل مع الكون بما يؤدي إلى الترقي الروحي عقلا وفضيلة، الترقي المادي باستثمار الكون في الأغراض المادية بهذا المعنى، فإن الخلافة تتم بالعبادة جهادا للنفس وجهادا للتعمير، ويتحقق نقع الإنسان في الدنيا والآخرة.\nوقد أوجد كل ما في الكون من أجل الإنسان ومن أجل نفعه ومصلحته وراحته وخدمته. وأباح الله الانتفاع بهذه النعم جميعا ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ . فللإنسان أن ينتفع بكل ما في العالم في غذائه ودوائه وملبوساته ومشموماته ومركوباته وزينته والالتذاذ بصورته ورؤيته والاعتبار به واستفادة علم منه والاقتداء بفعله فيما يستحسن منه","vol":"1","page":55},{"text":"والاجتناب عنه عما يستقبح منه \"الأصفهاني: تفصيل النشأتين: ص١١٠\".\nويوضح الدكتور عبد المجيد النجار الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات في الغاية من خلقها بقوله: \"إذا كانت الموجودات جميعا خلقها الله لحكم وغايات فإن الفارق بين الإنسان وغيره في تحقيق الغاية أن الإنسان يحقق غايته باختياره وسائر الموجودات تحقق غاياتها بالطبع. وذلك مظهر تكريمه وعنوان علوه\"\n\"الراغب الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص١١٠\".","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>ما يصلح به حال الإنسان:</span>\nيقول الماوردي إن ما يصلح به حال الإنسان ثلاثة أمور هي قواعد أمره ونظام حاله وهي نفس مطيعة إلى رشدها منتهية من غبها، وألفة جامعة تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها، ومادة كافية تسكن نفس الإنسان إليها ويستقيم أوده بها.\nأما الأمر الأول وهو النفس المطيعة فلأنها إذا أطاعته ملكها وإذا عصته ملكته ولم يملكها. ويقول الماوردي إن للنفس آدابها هي تمام طاعتها وكمال مصلحتها. أما الأمر الثاني وهو الألفة الجامعة فلأن الإنسان مقصود بالأذية محسود بالنعمة فإذا لم يكن ألفا مألوفا تخطفته أيدي حاسديه وتحكمت فيه أهواء أعاديه فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مدة فإذا كان آلفا مألوفا انتصر بالألفة على أعاديه وامتنع على حاسديه فسلمت نعمته منهم وصفت مدته عنهم وإن كان صفر الزمان عسرا وسلمه خطرا. وقد روى ابن جريح عن عطاء رحمهما الله عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس\". ويذكر الماوردي أسبابا خمسة للألفة هي الدين والنسب والمصاهرة والمودة والبر. فالدين يبعث على التناصر ويمنع التقاطع والتدابر. يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ . والنسب من أسباب الألفة لأن تعاطف الأرحام وحمية القرابة يبعثان على التناصر والألفة ويمنعان من التخاذل والفرقة. وقد روي عن النبي ﷺ: \"إن الرحم إذا تماست تعاطفت\". ولذلك","vol":"1","page":56},{"text":"حفظت العرب أنسابها لما امتنعت عن سلطان يقهرها ويكف الأذى عنها لتكون به متظافرة على من ناواها متناصرة على من شاقها وعادها حتى بلغت بألفة الأنساب تناصرها على القوى الأيد. والمصاهرة كأحد أسباب الألفة هي استحداث مواصلة وتمازج مناسبة صدرا عن رغبة واختيار وانعقدا عن خير وإيثار. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ . أما المؤاخاة بالمودة كسبب للألفة فلأنها تولد المصافاة والإخلاص والوفاء، وهذا أعلى مراتب الألفة. ولذلك آخى النبي ﷺ بين أصحاب من المهاجرين والأنصار. وأما البر كسبب للألفة فلأنه يوصل للقلوب ألطافا ويثنيها محبة وانعطافا. قال تعالى: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ . وروي عن ابن مسعود أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها\".\nوأما الأمر الثالث فهو المادة الكافية لأن حاجة الإنسان لازمة لا يعرى منها بشر. قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ . فإذا عدم المادة التي هي قوام نفسه لم تدم له حياة ولم يستقم له دين. وإذا تعذر شيء منها عليه لحقه من الوهن في نفسه والاختلال في دينه بقدر ما تعذر من المادة عليه. لأن الشيء القائم بغيره يكمل بكماله ويختل باختلاله. \"الماوردي: ٢٠٨\".","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>العبادة غاية الوجود الإنسان وأساس السلوك الأخلاقي</span>\n...\nالعبادة غاية الوجود الإنساني وأساس السلوك الأخلاقي:\nيرى الأصفهاني أن الإنسان تحصل له الإنسانية بقدر ما تحصل له العبادة التي خلق من أجلها. فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ عن الإنسانية فصار حيوانا ودون الحيوان كما قال تعالى في صفة الكفار ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ \"الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص١٥٠\".\nوهكذا يضع الأصفهاني العبادة أساس الإنسانية والسلوك الأخلاقي عند الإنسان. وهو يقول إن كل شيء يمدح بلفظ نوعه فيقال فلان إنسان وهذا السيف سيف. ولهذا قيل الإنسان المطلق هو نبي كل زمان. ويعلق الدكتور عبد المجيد","vol":"1","page":57},{"text":"النجار على هذه الفكرة بقوله إنها مماثلة لفكرة رائجة عند الصوفية وهي فكرة الإنسان الكامل، ويقصدون بها ذروة الكمال في الإنسان وهي المتحققة في الأنبياء والرسل أو في ورثتهم عند انقطاع الرسل \"الأصفهاني: تفصيل النشأتين: ص١٥٢\".\nوالعبادة كما يعرفها الأصفهاني في كتاب النشأتين \"ص١٥٧\" هي \"فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله طاعة للشريعة\". وهو يعتبر الأفعال المباحة كالأكل والشرب ومجامعة المرأة عبادة إذا تحرى بها حكم الشريعة، أي يكون مقصودا بها تحقيق حكم شرعي مأمور به أو منهي عنه كالأكل للقوة على العمل والعبادة والجماع للنسل والامتناع عن الزنا والزينة لإظهار نعمة الله. والعبادة عنده ضربان: علم وعمل وحقهما أن يتلازما. لأن العلم كالأس والعمل كالبناء. وكما أنه لا يغني أس ما لم يكن بناء ولا يثبت بناء ما لم يكن أس كذلك لا يغني علم بغير عمل. ولا عمل بغير علم. والعلم أشرفهما ولكن لا يغني بغير عمل. ولشرفه قال رجل للنبي ﷺ: أيما الأعمال أفضل يا رسول الله؟ فقال: \"العلم\" فأعاد عليه السؤال فقال: \"العلم\". فقال الرجل في الثالثة: أسألك عن العمل لا عن العلم. فقال ﵇: \"عمل قليل مع العلم خير من عمل كثير مع الجهل\". وقال ﵇: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم\" \"تفصيل النشأتين: ص١٥٩\".\nوالغرض من العبادة تطهير النفس واجتلاب صحتها ليحقق للإنسان حياة أبدية وسلامة باقية. وطهارة النفس بإزالة رجسها ونجسها. فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة. ومن طهرت نفسه طهر قلبه وفعله لأن السائل من لون الإناء وكل إناء بالذي فيه يرشح، ولهذا قيل: من طابت نفسه طاب عمله ومن خبثت نفسه خبث عمله. وطهارة النفس شرط لخلافة الله وإكمال عبادته وعمارة أرضه \"الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص٣٦\". وهكذا يبين الأصفهاني أن العبادة هي غاية الوجود الإنساني وأساس السلوك الأخلاقي السليم والسعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>التكسب واجب:</span>\nقال عمر بن الخطاب ﵁: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق يقول ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. وقد حثنا الله على الكسب. قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ . وقال ﷺ: \"من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة\". وقال ﷺ: \"إن الله يحب العبد يتخذ المهنة ليستغنى بها عن الناس\". وقال ﷺ: \"عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق\" وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بني استعن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته. وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به.\nيعد تكسب الإنسان لمعيشته في الحياة الدنيا من المباحات في الشرع لكنه واجب عليه، ولهذا ذم من يدعي التصوف فيتعطل عن المكاسب. وقد استحسن النبي ﷺ من وفد عبد قيس لما سألهم: \"ما المروءة؟ \" فقالوا: العفة والحرفة. \"الراغب الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص٢٦٧\". وقد جعل الله الرزق على قدر العمل. ولهذا قال ﵊: \"من رضي من الله بقليل من الرزق ﵁ بقليل العمل\". ويقول الراغب الأصفهاني في تفصيل النشأتين \"ص١١٢، ١١٣\" إن الناس خلقوا على اختلاف في أجسامهم وقواهم وهممهم ليكون كل ميسرا لما خلق له أي إلى صنعة معينة. ويرد محقق الكتاب الدكتور عبد المجيد النجار على هذا القول بأن هذه المقدمة نفسها غير مسلم بها. فهل الأجسام والقوى هي السابقة في الخلقة على الاختصاص بالصناعات التي تناسبها أم أنها نتيجة لاحقة للصنعة نفسها؟ إن الملاحظ بالعيان أن الصنعة المعينة تكسب محترفها من الصفات البدنية بل والنفسية ما كان خلوا منه قبل تعاطيه إياها، ومن هنا فإن القول بأن اختصاص الناس بصنائعهم أمر توفيقي طبيعي يفضي إلى سلب الاختيار وثبوت ضرب من الحتمية الاجتماعية يكون قولا غير مسلم به بل لعله يكون ضعيفا. واختلاف الناس في","vol":"1","page":59},{"text":"صنائعهم الوارد في القرآن. وكذلك التسخير المبني على ذلك الاختلاف لا يحتمان هذه الجبرية الاجتماعية بل ويصحان مع الاختيار. وقد كانت الثقافات القديمة الفرعونية والهندية واليوناينة والفارسية تقوم على تقسيم المجتمع إلى طبقات بحسب الوظائف وكل طبقة لها موضع لا تتعداه في السلم التفاضلي الاجتماعي فيما يشبه الجبرية المهنية الاجتماعية. والإسلام جاء هادما لهذه الجبرية مؤصلا للاختيار في الفعل بما في ذلك اختيار الصناعات والحرف. \"الراغب الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص١١٣، ١١٤\".\nإن الناس يختلفون في قدراتهم وإمكاناتهم الجسمية والبيولوجية والعقلية والنفسية. فكل ميسر لما خلق له. كما أن البشر يتفاوتون في الأخلاق والقيم والصفات المعنوية. ومن هنا يتفاضل الناس ويتمايزون في كسب المعيشة والرزق وفي الفرص المتاحة لهم في الحياة. وقد أشار القرآن الكريم في بعض آياته في سورة القصص على لسان بنت النبي شعيب ﵇ لأبيها مشيرة إلى موسى ﵇: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ . فهاتان صفتان إحداهما جسمية وهي القوة. والأخرى خلقية وهي الأمانة. كلتا الصفتين أهلت صاحبها وهو موسى ﵇ أن يكون أفضل من غيره في العمل والكسب والاستخدام والتقبل الاجتماعي.\nويرى علماء المسلمين أن على الإنسان في طلب الرزق والسعي إليه أن يسلك كل الأساليب والطرق المشروعة من زراعة وتجارة وصناعة وما شابهها انطلاقا من الاعتراف بحريته وقدرته على الفعل والترك. وإذا كان الله ﷿ هو الرزاق ذو القوة المتين. وأنه خالق الأرزاق ومنزلها ومقسمها، فإن الإنسان هو المسئول عن تحصيل الرزق والسعي في سبيله ما أمكنه إلى ذلك سبيلا مشروعا. فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة كما يقولون. وكسب الرزق والسعي في سبيله واجب عين على القادرين من المكلفين لأن في ذلك دفعا للضرر عن النفس والولد. وهو مما أوجب العقل والشرع والأخذ به وحثا عليه لقوله تعالى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ وعن الرسول ﷺ: \"خيركم من أكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده\". وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ","vol":"1","page":60},{"text":"صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ . وإذا قصر الإنسان في تحصيل رزقه أو اعتمد فيه على غيره مع قدرته على القيام به كان غيره أفضل منه وأعلى منه رتبة ودرجة لأن اليد العليا خير من اليد السفلى كما ورد في الأثر. وضرب الرسول ﷺ المثل في ذلك حين مر بالمسجد فرأى رجلا معتكفا ليله ونهاره، فسأله عمن يعوله. فقيل له أخوه. فقال ﷺ: \"أخوه خير منه\". ووجوب السعي في طلب الرزق والكسب تصحح حالة التواكل والكسل التي تظهر في طبقة من الجهلاء والخاملين الذين يعتبرون الدين نوعا من الرهبنة والعكوف في المساجد. ولقد أطلق القاضي عبد الجبار على هذه الطبقة اسم المتآكلة أو المتواكلة الذين يشيعون جو الخمول والكسل بين أفراد الأمة مدعين أن السعي في طلب الرزق نوع من سوء الظن بالله، وأن حسن التوكل على الله يقتضي القعود عن طلب الرزق \"محمد السيد الجليند: ٣٣١\". وهذا فهم خاطئ لمعنى التوكل والصحيح أن نعقلها أولا ثم نتوكل.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>أسس التربية الإسلامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>التربية الإسلامية تربية تكاملية شاملة</span>\n...\nأسس التربية الإسلامية:\nتستند التربية الإسلامية إلى مجموعة من الأسس والركائز الرئيسية تشكل في مجملها المفهوم الشامل للتربية الإسلامية، ويمكننا أن نعرض هذه الأسس فيما يأتي:\n١- التربية الإسلامية تربية تكاملية شاملة:\nوقصد بالتكامل أو الشمول هنا أنها لا تقتصر على جانب واحد من جوانب شخصية الإنسان فالتربية الإسلامية ترفض النظرة الأحادية أو الثنائية إلى الطبيعة الإنسانية التي تقوم على التمييز بين العقل والجسم وسمو العقل على الجسم، وإنما هي تنظر إلى الإنسان نظرة متكاملة تشمل كل جوانب الشخصية فهي تربية للجسم وتربية للنفس والعقل معا. ولا شك أن كل جانب من هذه الجوانب يؤثر في الآخر ويتأثر به، وقديما قالوا: العقل السليم في الجسم السليم. كما أن في الجسم مضغة إذا صحت صح الجسم، وإذا فسدت فسد الجسم ألا وهي القلب. والجسم هو مطية النفس والعقل في أداء الواجبات وتنفيذ أوامر","vol":"1","page":61},{"text":"الشرع، ولأهمية الجسم في التربية الإسلامية أمرنا الإسلام بالعناية بصحتنا وأجسامنا \"إن لبدنك عليك حقا\"، فهناك حق البدن على صاحبه وجعل طهارة الجسم شرطا للعبادة. كما أمرنا أن نجمل مظهرنا بنظيف الثياب وأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد. وتخاطب التربية الإسلامية حواس الإنسان وقواه. وتحتكم إليها ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ . والإنسان مسئول عن الحفاظ على حياته وحمايتها من الخطر والحفاظ على جسمه وضرورة العناية به ووقايته وحمايته وعلاجه إذا ألم به مرض. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: \"كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات ... فقال الله بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة\". وورد عن النبي ﷺ أيضا قوله: \"من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديديته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا\".\nوالتربية الإسلامية تربية للعقل لأنها تخاطب العقل وتحتكم إليه، والإسلام دين العقل والنظر والتفكير والتأمل. ويحتل العقل في الإسلام مكانا هاما قل أن نجد له نظيرا في غيره من الشرائع. فهو أساس التكليف والاختيار والحساب. واعتبرت المعرفة والعلم وهو غذاء العقل أساس التفاضل بين الناس. والتفكير وهو وظيفة العقل فريضة إسلامية. وهو ما حدا بمؤلف العبقريات الإسلامية عباس العقاد أن يجعله عنوانا لكتاب من كتبه الخالدة. والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث على إعمال العقل والفكر والنظر والتأمل ووزن الأمور بميزان المنطق، ونبذ ما يتنافى معه من خرافات وأباطيل وأوهام. وقد ذم الله في كتابه العزيز من يسمع القرآن ولا يفقه معناه ولا يتدبره، ومدح من يسمعه ويفقهه، قال تعالى في سورة محمد ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .\nوالقرآن الكريم يعلمنا من خلال الأمثلة الكثيرة أهمية المعرفة العلمية والتقنية من أجل السيطرة على الطبيعة واستعمار الأرض التي استخلفنا فيها","vol":"1","page":62},{"text":"الله. فضرب لنا مثل داود ﵇ الذي ألان له الحديد وأوحى له أن يعمل منه دروعا، ومثل سليمان ﵇ الذي سخر له الريح لتحمل بساطه هو وخاصته إلى حيث يشاء، وأسال له النحاس وذلل له الجن في استخدام النحاس المذاب أو المصهور ليعمل منه أنواعا من المصنوعات. قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ . ويضرب لنا القرآن الكريم أيضا مثل ذي القرنين وقيامه ببناء السد والحاجز الحصين لدرء خطر يأجوج ومأجوج وهما قبيلتان مفسدتان من ولد يافث بني نوح ﵇. وتم له ذلك بمساعدة قوة من الفعلة واستخدام كتل الحديد والنحاس المصهور. قال تعالى في سورة الكهف ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ .\nوالتربية الإسلامية تربية نفسية لأنها تخاطب عاطفة الإنسان ووجدانه وقلبه وضميره وتحتكم إليها ... أمرنا ديننا بأن نربي نفوسنا على الفضيلة والخير وحب الناس والتجرد من الأنانية وحب الذات، وجعل أساس الحساب على الأعمال ما استقر في النفس لا بما ظهر من السلوك. وأمرنا ديننا بالتعفف وعزة النفس ورياضتها وتدريبها والتحكم فيها. بل لقد اعتبر ديننا جهاد النفس جهادا أكبر من جهاد الحرب والقتال، فقد ورد عن النبي ﷺ قوله بعد عودته من الحرب: \"رجعت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر\" قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: \"جهاد النفس\".\nإن التربية الإسلامية تربية تحررية لأنها تحرر العقل من التعصب الأعمى والتزمت أو الانغلاق وضيق الأفق والإيمان بالأوهام والأساطير. كما أنها تحرر النفس من الخوف والعبودية والضعف. فالمسلم القوي خير من المسلم الضعيف.\nوتحررها أيضا من الخبث والدنس واللؤم وكل ما يشينها، وهي أيضا تحرر الجسم من كل ما يدنسه ويعيبه وتقيمه على الطهارة والنظافة والعناية والاهتمام به كما تحرره من الخضوع للذات والشهوات.\nويقول العقاد في هذا المعنى في كتابه \"الإنسان في القرآن\": إن الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه كل لا يتجزأ. للجانب الجسمي أو البيولوجي حاجاته ومتطلباته وللجانب الروحي والعقلاني حاجاته ومتطلباته. ومن هنا لا يجوز له الإسراف في مرضاة هذا ولا في مرضاة ذاك.","vol":"1","page":63},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-30> التربية الإسلامية تربية مثالية واقعية:</span>\nتستمد التربية الإسلامية خاصيتها المثالية من الشريعة الإسلامية نفسها. فقد استخلف الله الإنسان في الأرض وجعله خليفته فيها. وفي أصل خلقه فقع فيه من روحه وكرمه على كثير من خلقه. وجعله أشرف مخلوق على الأرض. ومن هنا تنشد التربية الإسلامية السمو بهذا الإنسان وبلوغه درجة الكمال والرفعة بالتدريج. وقد أشرنا إلى ذلك في كلامنا عن أهداف التربية الإسلامية.\nوالتربية الإسلامية تربية واقعية، وهي تستمد هذه الخاصية أيضا من واقعية الشريعة الإسلامية. فالتربية الإسلامية. فالتربية الإسلامية تراعي جانب الواقعية في التطبيق تمشيا مع قوله ﷿ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . ولذلك قامت التكاليف الإسلامية والعبادات على أساس اليسر والسهولة في أدائها والقيام بها. كما قامت على أساس تجنيب الإنسان المشقة والضيق والحرج. قال تعالى في سورة الحج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . وقال ﷺ: \"بعثت بالحنيفة السمحاء\" إشارة إلى قوله تعالى ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ . كما ورد عنه قوله ﷺ: \"لا تشددوا على أنفسكم يشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم\". فلا رهبنة في الإسلام. ومن قبيل المقارنة نشير إلى أن أحد القوانين المنظمة للرهبنة المسيحية وهو قانون \"بنيديكت\" قد حدد ثلاثة التزامات على المرء أن يخضع لها في ترهبه وهي: العفة والفقر والطاعة. ويتضمن التزام العفة نبذ العلاقة الزوجية والأسرية واستبدالها بروابط","vol":"1","page":64},{"text":"دينية وروحية ويتضمن التزام الفقر التخلي عن كل ثروته وأملاكه للدير ويتضمن التزام الطاعة التخلي عن كل قوة أو جاه أو سلطان والخضوع التام لنظام الدير.\nإن حق النفس على الإنسان في الإسلام أن يروح عنها وأن يعطيها من الراحة والأمن والطمأنينة والغذاء والتسلية والهدوء في حدود ما أباحه الله. لقد قال النبي ﷺ لمن فهم أن الدين ليس إلا تعبدا وتهجدا وصياما وابتعادا عن النساء: \"إني أخشاكم لله، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء\". إن إرهاق النفس ولو في طلب العبادة لا يطلبه الإسلام لا يرضاه. لأن فيه مشقة فوق المعتاد لا يمكن المداومة عليه. وقد ينقطع به الجهد عنه. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى\". ومن واقعية التربية الإسلامية المبدأ التشريعي الذي يقول بأن الضرورات تبيح المحظورات، وعدم محاسبة المرء على الأمور التي تكون خارج نطاق إرادته. قال ﷺ: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\". والتربية الإسلامية في وقعيتها تتمشى مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها. ومن واقعية التربية الإسلامية أيضا وسطيتها واعتدالها في كل الأمور شأنها شأن الشريعة الإسلامية نفسها. فلا إفراط ولا تفريط. قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ . ومن واقعية التربية الإسلامية التوسط بين أمور الدينا والآخرة. وقد ورد في الأثر \"أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا\". وقال تعالى ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ . إن الإسلام يتطلب المحافظة على خمسة أمور هي أساس الحياة الدنيوية ولا تستقيم الحياة الإنسانية الكريمة إلا بها. هذه الأمور الخمسة هي: الدين والنفس والمال والعقل والنسل \"محمد أبو زهرة: ص٨٦\".\nومن واقعية التربية الإسلامية الاستمتاع بما أحله الله لنا. وقد عاب الإسلام من حرم على نفسه طيبات ما أحل الله. قال تعالى في سورة المائدة ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وأمرنا بأكل الحلال من رزقه والاستمتاع به. قال تعالى في نفس السورة ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا","vol":"1","page":65},{"text":"طَيِّبًا﴾ . ويروى عن النبي ﷺ أنه علم بأن نفرا من أصحابه حرم على نفسه أكل اللحم والنوم على فراش وعدم الزواج، فقال النبي ﷺ محذرا المسلمين من ذلك: \"ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني\". وهو ما أشرنا إليه من قبل.\nإن رسالة الإنسان في الدنيا في نظر الإسلام ليست للتكفير عن خطيئة آدم كما تذهب المسيحية وإنما للقيام بمسئولية استخلافة في الأرض بتعميرها والتنعم بخيراتها. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ . وورد عن النبي قوله: \"إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعلمون\". ويقول الماوردي في كتابه \"أدب الدنيا والدين\" تحت عنوان: الأخذ من الدنيا بنصيب: \"إن الله تعالى جعل الدنيا دار تكليف وعمل. كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء. فلزم ذلك أن يصرف الإنسان إلى الدنيا حظا من عنايته. لأنه لا غنى له عن التزود منها لآخرته، ولا بد فيها من سد حاجته وليس في ذلك القول نقص\". وقد قال الله تعالى لنبيه الكريم ﴿فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . ومعنى هذا أنه إذا فرفت من أمور دنياك واقصد عبادة ربك وقال سفيان الثوري رحمة الله: كتب في التوراة: وإذا كان في البيت بر فتعبد. وإذا لم يكن فاطلب. يابن آدم حرك يدك يسبب رزقك\". وقال محمود الوراق:\nلا تتبع الدنيا وأيامها ... ذما وإن دارت بك الدائرة\nمن شرف الدنيا ومن فضلها ... أن بها تستدرك الآخرة\nبيد أن استمتاع الإنسان بالدنيا مرتبط أيضا باستمتاعه في الدار الآخرة لأن صلاح الدنيا من صلاح الآخرة. وينبغي أن نشير إلى أنه قد ورد ذكر كلمة الدنيا والآخرة في القرآن الكريم بعدد متساوٍ وهو ١١٥ مرة \"انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ص٢١، ص٢٦٢\" ومن واقعية التربية الإسلامية ثلاثية الجزاء وهو من جنس العمل. وهناك الثواب والعقاب والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والجنة والنار. وهناك أيضا باب التوبة والاستغفار.","vol":"1","page":66},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-31> التربية الإسلامية تربية سلوكية عملية:</span>\nفهي لا تكتفي بالقول وإنما تتعداه إلى العمل والممارسة، ونحن إذا نظرنا إلى المبادئ الرئيسية الخمسة التي بني عليها الإسلام نجدد أنها تتطلب سلوكا عمليا. فالشهادة بواحدانية الله ونبوة رسوله محمد ﷺ وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان كلها تتطلب سلوكا عمليا. ومن تمام كمال الإنسان المسلم أن تتطابق أقواله مع أفعاله. كما اهتمت التربية الإسلامية بتكوين العادات السلوكية الحسنة عند الفرد منذ طفولته الأولى لما في هذه العادات من أثر طيب في اكتساب الفضائل والبعد عن الشرور والرذائل.\nوقد أكد علماء المسلمين على أن يقوم المجتمع الإسلامي على العمل فالكسب الحلال حلال وجمع المال الحلال حلال والأنبياء كانوا متكسبين فآدم أبو البشر ﵇ كان زارعا وإدريس كان خياطا ونوح كان نجارا وإبراهيم كان بزازا وموسى كان أجيرا وعيسى كان يعمل ومحمد كان راعيا وأجير وكان يتاجر لزوجته خديجة وإن نبي الله دواد كان يأكل من عمل يده. إن الإسلام لا يؤمن كما يرى البعض بأن ترك الدنيا أفضل من الكسب فيها. فمحمد بن الحسن الشيباني عالم القرن الثاني الهجري والمحاسبي علام القرن الثالث الهجري يحرمان الكسب بحجة أنه يصرف الفرد عن الله، وهذا من الأوهام التي استقرت في بعض النفوس ولا تستقيم من منطق الإسلام وروحه.\nوقد حدد علماء المسلمين وجوه الكسب الاجتماعية وحصروها في أربعة:\nالإمارة والتجارة والزراعة والصناعة. والتعليم والاشتغال به بالطبع هو من جملة الصنائع كما يقول ابن خلدون. ويقول أبو حنيفة النعمان بن ثابت عالم القرن الثاني الهجري في رسالة إلى المتعلم \"أبي مقاتل\":\n\"اعلم أن العمل تبع للعلم، كما أن الأعضاء تبع للبصر. فالعلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير. ومثال ذلك الزاد القليل الذي لا بد منه في المفازة مع الهداية أنفع من الجهل مع الزاد الكثير، ولذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nوالعمل لغة من نفس الحروف \"ع، م، ل\" ولذا قالوا بوثوق الارتباط","vol":"1","page":67},{"text":"بينهما، فلا علم بلا عمل ولا عمل بلا علم. وقال بعض الحكماء: \"مثل العلم بلا عمل كمثل الشجرة بلا ثمر والرعد والبرق بلا مطر والقوس بلا وتر\". وسئل ابن شهاب: \"أيهما أفضل: العلم أو العمل؟ فقال: العلم لمن جهل والعمل لمن علم\".\nقد أشار القرآن الكريم إلى نبي الله داود ﵇ ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ . ومن المعروف أن داود ﵇ كان يصنع الدروع بإلانة الحديد فكان أول من صنع الدروع. وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك.\nوالعلم في الإسلام لا بد أن يرتبط بالعمل لدرجة أن الإسلام ينظر إلى الإيمان على أنه كما قال النبي ﷺ: \"ما وقر في القلب وصدقه العمل\". فالعمل إذن ثمرة المعرفة والعلم ولا قيمة لمعرفة أو علم لا يستفاد منه بالعمل. ويقول الإمام الغزالي في رسالته \"أيها الولد المحب\": \"فلو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها ولم يعمل بها لا تفيده إلا بالعمل\". وتشبه هذه العبارة عبارة أخرى تقول: \"لو قرأت العلم مائة سنة وجمعت ألف كتاب لا تكون مستعدا لرحمة الله إلا بالعمل\" و\"العلم بلا عمل جنون والعمل بغير علم لا يكون\" ويقول الغزالي في مكان آخر: \"إن العلم والعمل مفتاح السعادة الأبدية\".\nويعتبر الغزالي أن عدم العمل والعلم انحراف؛ لذا يحذر منه لأنه تسيير للأمور في غير مجراها، ولأن صاحبه يندرج تحت علماء السوء. ويورد الماوردي في كتابه \"أدب الدنيا والدين\" قول سفيان الثوري بأنه مكتوب في التوراة \"يابن آدم حرك يدك يسبب لك رزقك\" أي أن كسب الرزق وتحصيله إنما يكون بالعمل لا بالتواكل ... وهو ما سبق أن أشرنا إليه وأكده الإسلام.","vol":"1","page":68},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-32> التربية الإسلامية تربية فردية واجتماعية معا:</span>\nتقوم التربية الإسلامية على تربية الإنسان تربية فردية ذاتية فهي تربية على الفضيلة ليكون مصدر خير لجماعته وتحمله مسئولية أعماله وتصرفاته، فكل امرئ بما كسب رهين. وكل مسلم راعٍ وهو مسئول عن رعيته. وفي نفس الوقت يربي الإسلام الفرد تربية اجتماعية، فالمسلم أخو المسلم. والمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. و\"مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى\". وهي تربية تجرد الفرد من روح الأنانية البغيضة: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\". و\"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم\".\nوتؤكد التربية الإسلامية على أهمية القدوة والوسط الاجتماعي في تنشئة الفرد. واهتمت بتكوين العادات الحسنة منذ النشأة الأولى للطفل لمخالطته للنماذج الطيبة وإبعاده عن قرناء السوء، فمثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير. كما اهتمت أيضا بالوسط الأسري الاجتماعي كعامل هام في تربية الفرد، فالإنسان يولد على الفطرة وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. إن من أهم الأسس التي تقوم عليها علاقة الفرد بالمجتمع في الإسلام هو أن الاتصال الصحيح للفرد بذاته هو الاتصال الصحيح بالآخرين.\nوقد اتجه الإسلام إلى إقامة مجتمع قوي بأفراده ويقوم على أساس العدل والمصلحة العامة والتكافل الاجتماعي، ولتحقيق هذه الغاية السامية اتجه الإسلام إلى تربية الفرد وتهذيبه ليكون مصدر خير لجماعته، كما اهتم بإقامة العدل في الجماعة الإسلامية. والمسلمون يتساوون في أخوة رفع الظلم بينهم. فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه وأمرنا الإسلام بالعدل في المعاملة وأن نعامل الناس بما نحب أن يعاملونا به، كما أمرنا بالعدل في الأحكام والقضاء والشهادة وغيرها. ويرى بعض علماء المسلمين أن أجمع آية لمعاني القرآن قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .\nومن تمام التربية الاجتماعية للفرد محافظة الإسلام على المصالح الاجتماعية. ويرى جمهور الفقهاء المسلمين أن المصالح الاجتماعية تتركز في خمسة أمور يسمونها بالضرورات الخمس لأنها أمهات لكل الأحكام الفرعية. وهي واجبة على كل مسلم من أجل الحفاظ على نفسه وأهله ومجتمعه. هذه الأمور أو الضرورات هي: حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ المال","vol":"1","page":69},{"text":"وحفظ النسل. ويكون الحفاظ على النفس بحمايتها وصيانتها والمحافظة عليها من أي سوء أو ضرر أو اعتداء عليها أو إزهاق لها إلا بالحق. وتكون المحافظة على العقل بحمايته من التلف ومن كل ما يعيقه عن أداء وظائف وفي مقدمتها التفكير. كما تكون أيضا بابتعاد الإنسان عن كل ما يذهب العقل أو يؤثر عليه سلبيا وفي مقدمة ذلك المسكرات والمخدرات بكل أنواعها. وقد حرمها الإسلام لإضرارها بالعقل وما يترتب على ذلك من فساد حال الإنسان. وتكون المحافظة على الدين بالالتزام بأوامره ونواهية وحماية العقيدة من الانحلال أو الانحراف. وتكون المحافظة على المال بكسبه عن طريق حلال وبترشيد انفاقه فيما شرع الله بالعدل وبدون تقتير أو تبذير، وبحمايته من النهب والسرقة وأكله بالباطل. وتكون المحافظة على النسل بالزواج الحلال والابتعاد عن الزنا وحسن اختيار الزوج أو الزوجة الصالحة التي إن نظر إليها زوجها سرته وإن غاب عنها حفظته. ويكون أيضا بحسن تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة صالحة على غرار ما فصلناه في كلامنا عن تربية الطفل في الإسلام. وينبغي أن نشير إلى أن مسئولية الحفاظ على هذه الأمور الخمسة هي مسئولية مشتركة بين الفرد وبين المجتمع ممثلا في قوانينه وشريعته وأولي الأمر فيه. وهي بهذا مسئولية فردية اجتماعية معا.","vol":"1","page":70},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-33> التربية الإسلامية تربية لضمير الإنسان:</span>\nفضمير الإنسان هو الموجه لسلوكه والرقيب على أعماله. وقد حرصت التربية الإسلامية على تربية هذا الضمير ليكون حيا يقظا في السر والعلانية. فالله رقيب على تصرفات الإنسان حيثما كان. وعلى الإنسان أن يعبد الله كأنه يراه، والله يعلم السر والجهر ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ . قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ .\nوالضمير الحي خير عاصم للإنسان من الزلل، وقوة كبيرة لحفزه على العمل، وعندما يعرف الإنسان أن هناك ربا يحاسبه على أعماله وأنه رقيب عليه حيث كان يفكر في كل عمل قبل أن يقدم عليه، وتربية الضمير تربية لإدارة الإنسان بحيث يصبح متحكما في تصرفاته ولا يكون رهن نزواته وشهواته، وفي تكوين الضمير لجأ الإسلام إلى أسلوب الثواب والعقاب وهو أسلوب يتمشى مع طبيعة النفس الإنسانية. وسنفصل الكلام عن الضمير الإنساني وعلاقته بالسلوك الأخلاقي فيما بعد.","vol":"1","page":70},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-34> التربية الإسلامية تربية لفطرة الإنسان وإعلاء لدوافعه:</span>\nتقوم التربية الإسلامية على التسليم بفطرة الطبيعة الإنسانية وأن الإنسان يولد بطبيعة إنسانية فطرية محايدة، وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"ما من مولود إلا ويولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه\" ويقول الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ .\nوالتربية الإسلامية هي تربية لهذه الفطرة الإنسانية، وهي تعمل على تنمية الميل الفطري لدى الإنسان في معرفة ما يجهل وتستثمر حب المعرفة والبحث عن المجهول لديه. وقد استخدم الإسلام كل وسيلة ممكنة للوصول بهذا الميل الفطري إلى مرتبة الشغف بالعلم والتلهف الشديد المستمر لمعرفة ما في الوجود من معارف وأسرار.\nوالتربية الإسلامية تربية لفطرة الإنسان لأن الإسلام دين الفطرة وكل أوامره ونواهيه وتعاليمه تعترف بهذه الفطرة وتتمشى معها ولا تخالفها، واعترفت التربية الإسلامية من ناحية أخرى بجوانب الضعف في الطبيعة الإنسانية ولم تحملها فوق طاقتها. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" ... وأساس التكليف في الإسلام الاستطاعة فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.\nوالتربية الإسلامية في تربيتها لفطرة الإنسان تتمشى مع روح الإسلام التي تقوم في أساسها على التوسط والاعتدال فخير الأمور الوسط، وقد أمرنا ديننا بالابتعاد عن الإسراف فالله لا يحب المسرفين، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾، ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ... وغيرها من الآيات الكريمة التي تبين روح التوسط في الإسلام. وتسمو التربية بالإنسان وتعلي من شأنه باعتباره خليفة الله في","vol":"1","page":71},{"text":"الأرض؛ ولهذا كرم الله بني آدم وفضلهم على كثير من خلقه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ... ويقتضي هذا السمو إعلاء لغرائز الإنسان حتى لا يكون عبدا لهذه الغرائز وينحط إلى مستوى الحيوان. ونحن نستخدم كلمة الغرائز هنا لتعني الدوافع الفطرية في الإنسان. وقد عنيت التربية في الإسلام بأن تنشئ الفرد على التحكم في رغباته وعدم الانسياق وراء شهوته ونزواته، فموقف الإسلام الاعتدال والتوسط كما أشرنا، ويمكننا أن ننظر إلى الصوم على أنه إعلاء لشهوة الطعام عند الإنسان، كما أن الصوم أيضا إعلاء لشهوة الجنس لديه ... وقد ورد في الحديث \"من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\" ... أي حماية وعصمة من الخطأ والانسياق وراء النزوات.\nوطريقة الإسلام في الإعلاء لنوازع الإنسان ودوافعه تقوم على أساس وضع معايير وأهداف عليا للحياة الإنسانية وتكوين الإدارة القوية للإنسان. وهي عملية تدريب على الضبط الإداري للإنسان وتحكمه في شهواته وبواعث الهوى لديه والتحكم في عواطفه ومشاعره بقوة الإرادة. فلا يسلم نفسه للغضب يسيطر عليه ولا الغلط يتحكم فيه ولا الرغبة في الانتقام تتسلط عليه. كما تعود الإنسان على القيام بالأعمال الصالحة وشغل وقت فراغه بطريقة مفيدة بناءة فيما يفيده ويعود عليه النفع إما بالعمل والعبادة أو التسلية التي لا ضرر فيها وبالأمور المتاحة مثل الرياضة الجسمية والعقلية. وبفكر الإنسان يستطيع أن يغلب العقل على الهوى ... فإذا استخدم الإنسان عقله تغلب به على الهوى والعكس صحيح. وفي ذلك يقول الإمام الغزالي: \"الفكرة مترددة بين الشهوة والعقل ... والعقل فوقها والشهوة تحتها، فمتى مالت الفكرة نحو العقل ارتفعت وشرفت وولدت المحاسن، وإذا مالت إلى الشهوة تسفلت إلى أسفل السافلين وولدت القبائح\" \"الغزالي: ميزان العمل ص٥٦\" قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .","vol":"1","page":72},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-35> التربية الإسلامية تربية موجهة نحو الخير:</span>\nذلك أن مجيء الإسلام كرسالة كان من أجل الرحمة بالبشر. وقد خاطب ﷾ نبيه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . إن التربية الإسلامية موجهة لما فيه خير الفرد والمجتمع فهي توجه الإنسان إلى الفضيلة بالالتزام بالخلق الكريم والتحلي بجميل الصفات ومعاملة الناس بالحسنى \"فالدين المعاملة\"، وحث الإسلام المسلمين على الخير وكل ما فيه سعادة الناس جميعا وجعل حب الخير للآخرين من تمام الإيمان \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\". كما اهتم بتنمية نزعات الخير في الإنسان من تعاطف وتراحم وتواد وتآخ وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر و\"مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى\".\nويقول الغزالي: \"إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الحق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكننا نعني بالمصلحة على مقصود الشرع من الخلق خمسة. وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة. وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعها مصلحة\" \"الغزالي: المستصفى. ج١، ص٢٨٧\". وجعل الإسلام مصالح العباد من أفضل العبادات، ويقول ﵊: \"الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله\". وقال الشاعر في نفس المعنى:\nالخلق كلهم عيال الله تحت سمائه ... وأحبهم طرا إليهم أبرهم بعياله\nوالتربية الإسلامية تقوم على إقامة العدل في المجتمع الإسلامي ... ولإقامة العدل جوانب متعددة منها العدل في المعاملة \"عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به\" ومنها العدل في القضاء فالمسلمون سواء أمام الإسلام لا فضل لغني على فقير ولا لقوي على ضعيف ولا لعربي على عجمي، ومنها العدل الاجتماعي؛ فالقوي يساعد الضعيف، والغني يساعد الفقير بل وفي أموال الأغنياء حق معلوم للسائل والمحروم، ومن العدل أيضا التساوي بين الناس في الحقوق والواجبات، ومن هذه الحقوق حق العمل وحق التعليم. وفي تفسير ما يتعلق بالتعليم قال بعض فقهاء المسلمين إنه يجب أن يكون التعليم على ثلاث مراحل","vol":"1","page":73},{"text":"المرحلة الأولى فرض عين فيها يتعلم كل شباب الأمة الإسلامية، فمن كان يستطيع بكفاءته الفكرية التي كشفتها تلك المرحلة أن يدخل الثانية دخلها، ومن وقفت كفاءته الفعلية عن الدخول فيه وقف عند فرض كفاية تحتاج إليه الجماعة إذ الأمة في حاجة إلى عمال يدويين وزراع يفلحون ويقومون على الحرث، وإلى من يمهرون في الصناعات المختلفة التي لا تحتاج إلى تفكير كثير وإنما إلى أيد ماهرة كسبت مهارتها بالتمرين والعمل.\nوالذين اجتازوا المرحلة الثانية بنبوغ يدخلون المرحلة العليا وهي الثالثة، ومن وقف دون الدخول في هذه الأخيرة وقف عن فرض كفاية فإن الجماعة محتاجة إلى ذوي ثقافات متوسطة ليشرفوا على الأعمال ويديروا نظامها. ومن اجتازوا المرحلة العليا كان منهم قادة الفكر والمخترعون وبمقدار قواهم الفكرية لا بمقدار عددهم تكون قوة الأمة الإسلامية وعظمتها المادية والروحية، فالاعتبار في هؤلاء بقواهم لا بالأعداد الكثيرة \"محمد أبو زهرة. ص٨٤\". إن إحدى الغايات الرئيسية المنشودة في التربية الإسلامية غاية أخلاقية تقوم على تربية الإنسان الخير الذي يحيا حياة خير بعيدة عن الشر والأذى على المستوى الفردي والاجتماعي.","vol":"1","page":74},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-36> التربية الإسلامية تربية مستمرة:</span>\nفهي تربية لا تنتهي بفترة زمنية معينة ولا بمرحلة دراسية محددة وإنما تمتد على طول حياة الإنسان كلها، فهي تربية من المهد إلى اللحد. وهي تربية متجددة باستمرار تنمي شخصية الفرد وتثري إنسانيته، كما أنها تأخذ به إلى الأمام في طريق النمو والتقدم المستمرين.\nإن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة فهي تتغير وتتطور ولا بد للإنسان أن يساير هذا التطور وإلا تخلف عن ركب الحياة. والإسلام يساير التطور باستمرار لأنه صالح لكل زمان ومكان؛ لأنه يستند إلى كتاب أحكمت آياته وفصلت، والشريعة الإسلامية مطاوعة لكل زمان ومكان ومتمشية مع كل عصر، وذلك لتطور الأحوال ودورانها على مصالح الناس واحتياجاتهم المتجددة، والتربية الإسلامية هي انعكاس صادق لهذا التطور المستمر. وقد ورد عن علي بن أبي","vol":"1","page":74},{"text":"طالب قوله: \"علموا أولادكم غير ما علمتم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم\".\nوفي الإسلام ليس هناك نهاية أو سن محدودة لطلب العلم، ويقول الزرنوجي في \"تعليم المتعلم طريق التعلم\" إنه لا عذر لصحيح الجسم والعقل في ترك طلب العلم مهما كان عمره. وسئل أبو عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ أجاب: ما دامت الحياة. وسئل حكيم: ما حد التعليم؟ فأجاب: حد الحياة. وسئل ابن المبارك: إلى متى تتعلم؟ قال: إلى آخر يوم في عمري فلعل الكلمة التي تنفعني لم أتعلمها بعد. ويرى ابن قتيبة أنه \"لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل\" فالحكمة ضالة المؤمن ينشدها حيثما كانت ما دامت فيه الحياة، وقد أشرنا إلى الرحلة في طلب العلم في الإسلام في مكان آخر في هذا الكتاب. ويقول الماوردي في هذا المعنى:\n- اعلم أن العلوم شريفة ولكل علم منها فضيلة، والأحاطة بجميعها محال، قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلوم؟ فقال: كل الناس. وروي عن النبي ﷺ قال: \"من ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه ووضعه في غير منزلته التي وضعه الله بها، حيث يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وفوق كل ذي علم عليم\". وقال بعض العلماء: لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته لكنا قد بدأنا العلم بالنقيصة، ولكنا نطلبه لننقص في كل يوم من الجهل ونزداد في كل يوم من العلم. وسئل سفيان بن عيينة: من أحوج الناس على طلب العلم؟ قال: أعلمهم، لأن الخطأ منه أقبح. وحين انقطع أبو يوسف عن حضور مجلس أبي حنيفة واتخذ لنفسه منفصلا كتب إليه أبو حنيفة بما أعجزه عن الجواب ثم علق على عجزه بقوله: من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه. وسئل عبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم قال: حتى الممات إن شاء الله. لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد. قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل لا يولد عالما وإنما العلم بالتعلم. وقد قال الشاعر العربي في هذا المعنى:\nتعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل","vol":"1","page":75},{"text":"٩-<span data-type=\"title\" id=toc-37> التربية الإسلامية تربية متدرجة:</span>\nقلنا إن هدف التربية الإسلامية بلوغ الكمال الإنساني بالتدريج. وهذا التدرج صفة مميزة للتربية الإسلامية؛ ذلك أن التربية الإخلاقية تتأتى للفرد بالتدرج. وقد كان الإسلام نفسه في أول أمره تربية متدرجة للعرب ... فقد نزلت آياته وأحكامه بالتدرج لفترة تزيد عن ثلاث وعشرين سنة.\nويعتبر التدرج في التربية الأخلاقية أساسا من الأسس المعروفة في التربية الإسلامية. فالتربية نفسها عملية أخلاقية واكتساب الأخلاق بما فيها التحلي بالفضائل والترفع عن الرذائل عملية تحتاج إلى وقت حتى يكتسب الإنسان السلوك المطلوب والعادة المرغوبة. إن الإسلام في تربيته للمسلمين الأوائل لم ينتقل بهم طفرة من أخلاقهم القديمة إلى الأخلاق الإسلامية الجديدة. إنما تدرج معهم في الأمور حتى تؤتي التربية نتائجها وثمارها. وهكذا لم يكلف المسلمون في أول عهدهم بالإسلام بما يشق عليهم فعله أو تركه. وسلك الإسلام بهم سبيل التدرج والرفق حتى يتهيئوا للتكليف فالصلاة مثلا في أول الأمر لم تفرض عليهم خمس مرات في اليوم بل طلبت منهم بالغداة والعشي، ولم تفرض عليهم الزكاة والصيام إلا بعد الهجرة بسنة، وكان التكليف قبل ذلك بما استطاعوا من صدقة أو صوم. ومن المعروف أيضا أن تحريم الخمر على المسلمين تم على مراحل، وبعد أن تدرج القرآن معهم حتى انتهى بهم إلى تحريمه بطريقة طبيعية. ولم يحرم عليهم الميسر وكثيرا من عقود الزواج والربا والمعاملات التي كانت يتعاملون بها في جاهليتهم إلا بالمدينة. \"عبد الوهاب خلاف: ص٢٨٩\".\nوقد اهتم الإسلام بتوفير الضمانات المناسبة لتنشئة الخلف الصالح فأوصانا بأن نتخير من البداية لنطفنا فإن العرق دساس. كما طالبنا باختيار الزوجة الصالحة المتدينة لأنها أساس تربية الأبناء. قال رسول الله ﷺ: \"ما ورث والد ولدا خيرا من أدب حسن\" وقد اهتم الإسلام بتنشئة الطفل من ولادته. ويشير الغزالي إلى أهمية المرضعة وأثر لبنها على أخلاق الطفل الرضيع، فيقول: \"فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا وقع عليه نشوء الصبي عجن طينته من الخبث فيميل طبعه إلى ما يماثل الخبائث\" \"الغزالي: الإحياء ج٢ ص٧٢\" وقد","vol":"1","page":76},{"text":"ورد عن النبي ﷺ قوله: \"لا تسترضعوا الورهاء\" أي الحمقاء. ويقول ابن سينا \"فإذا فطم الصبي عن الإرضاع بدئ بتأديبه ورياضته قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة، وتفاجئه الشيم الذميمة ... فإن الصبي تبادر إليه مساوئ الأخلاق وتنثال عليه الضرائب الخبيثة فما تمكن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطع له مفارقة ولا عنه نزوعا ... فينبغي لمعلم الصبي أن يجنبه مقابح الأخلاق وينكب عنه معايب العادات بالترغيب والترهيب بالإيناس والإيحاش وبالإعراض والإقبال وبالحمد مرة وبالتوبيخ أخرى ما كان كافيا\" \"ابن سينا: كتاب السياسة ص١٢\". وقد اهتم المربون المسلمون بضرورة مراعاة التدرج في التعليم، ويقول الغزالي في ذلك:\nإن أول واجبات المربي أن يعلم الطفل ما يسهل عليه فهمه لأن الموضوعات الصعبة تؤدي إلى ارتباكه العقلي وتنفره من العلم. ويطالب الغزالي المعلم ألا يخوض في العلم دفعة واحد بل يتدرج فيه مع مراعاة الترتيب، ويبتدئ بالأهم وكذلك ينبغي عليه ألا يخوض في علم إلا بعد أن يستوفي ما قبله فالعلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق بعض. ويشاركه في ذلك ابن سحنون والماوردي وابن خلدون وغيرهم من المربين المسلمين.","vol":"1","page":77},{"text":"١٠-<span data-type=\"title\" id=toc-38> التربية الإسلامية تربية محافظة مجددة:</span>\nالتربية الإسلامية تربية محافظة مجددة، فهي محافظة بما تقوم عليه من مبادئ سماوية راسخة ثابته، وقيم أصيلة عريقة تمتد بجذورها في التاريخ إلى ما يقرب من خمسة عشر قرنا من الزمان. وتعمل التربية الإسلامية على استمرار هذه المبادئ والتقاليد والقيم ونقلها إلى الأجيال الإسلامية المتعاقبة، وهي تقوم بهذا الدور الأصيل للتربية في التنشئة الاجتماعية للأفراد وتشكيل شخصياتهم الإنسانية الإسلامية ليشبوا مسلمين. ولكن التربية الإسلامية ليست تربية محافظة فحسب، وإنما هي تربية مجددة ... فالإسلام صالح لكل زمان ومكان، والمسلمون تتجدد أحوالهم بتجدد ظروف هذا الزمان والمكان، ولذلك كان على التربية الإسلامية أن تكون متجددة لتواجه متطلبات العصر ولتفي بالمطالب المتجددة لحاجات المسلمين ومصالحهم على مر العصور والأزمان.\nوقد سبق أن أشرنا إلى قول علي بن أبي طالب: \"علموا أولادكم خير ما تعلمتم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم\".","vol":"1","page":77},{"text":"١١-<span data-type=\"title\" id=toc-39> التربية الإسلامية تربية إنسانية عالمية:</span>\nفهي تربية لها صفة العموم التي تتصف بها رسالة الإسلام. فهي للناس كافة ولا تقتصر على فئة معينة من الناس كالعرب مثلا. وإنما هي تربية عامة لك البشر والإنسانية. وهي تربية بعيدة عن التعصب أو التمييز العرقي أو الاجتماعي فلا شعوبية في الإسلام ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . وورد عن النبي ﷺ: \"أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب\". وهي تربية يتساوى فيها الجميع والتفاضل بينهم يكون على أساس التقوى والإيمان لا الحسب والنسب والجاه. وهكذا يؤكد الإسلام على وحدة الألوهية ووحدة البشرية والإنسانية. والمسلمون متساوون في العبودية المطلقة لله ﷿. وقد ألزم الإسلام نبيه بالعدل ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، كما أمره بالمساواة في المعاملة بين الناس دون تمييز فالمسلمون سواء في الحقوق أو التكاليف والمسئوليات. ويقول ﵊: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم حرب على من سواهم\"، والتربية الإسلامية تربية إنسانية لأنها تقوم على أخوة الإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، \"والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره\"، فالمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ومن كل عرق ولون أعضاء في الأسرة الإسلامية الواحدة يؤلف الإسلام بين قلوبهم ويجمعهم على قلب رجل واحد في جسد واحد، وهي تربية عالمية والإسلام رسالة عالمية جاء للناس كافة وعالمية الرسالة الإسلامية تعني أيضا عالمية التربية الإسلامية.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>أساليب التربية الإسلامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>أسلوب القدوة الصالحة</span>\n...\nأساليب التربية الإسلامية:\nيقوم منهج التربية الإسلامية على أساليب متنوعة بحسب مناسبتها لتحقيق الغرض المطلوب منها. على أن هذه الأساليب تتكامل فيما بينها لتناسب كل المواقف وتتكيف حسب الأغراض. ومن أهم هذه الأساليب:\n١- أسلوب القدوة الصالحة:\nللقدوة الصالحة أهمية كبرى في تربية الفرد وتنشئته على أساس سليم ولا سيما في الفترة الأولى من حياة الإنسان حتى مرحلة النضج والبلوغ. فالطفل منذ ولادته يكتسب ألوان السلوك من خلال تقليده ومحاكاته للآخرين ويتوقف ما يكتسب الطفل من عادات مرغوب فيها أو غير مرغوب فيها على نوع القدوة التي تعرض في تربيته، وهذا يؤكد أهمية القدوة في تحديد سلوك الإنسان والعادات التي يكتسبها، وتؤكد التربية الإسلامية أهمية أسلوب القدوة الصالحة في تنشئة الأجيال الإسلامية تنشئة سليمة يتحقق معها الخير لأنفسهم والمسلمين جميعا. وقديما قال الشاعر:\nوكل قريب بالمقارن يقتدي\nوينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عودة أبوه\nوقد دعانا الإسلام إلى الاقتداء بالرسول نبينا الكريم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وضرب الرسول ﵇ مثل الجليس الصالح والجليس السوء وشبههما ببائع المسك ونافخ الكير. وهذا يعني أن نتخير لأبنائنا ولأنفسنا القدوة الصالحة التي يكون في تقليدها الخير والمنفعة والابتعاد عن مخالطة قرناء السوء تجنبا للشر ودفعا لمضرة. كما يجب أن يكون الأبوان في المنزل والمعلمون في المدرسة نماذج طيبة في السلوك حتى يساعدوا الناشئة على تشرب العادات الإسلامية الطيبة منذ نعومة أظفارهم. وينبغي أن يدرك المعلمون ذلك تماما وأن يتعدوا حدود النظرة الضيقة التي تحدد ميدان تأثيرهم على تلاميذهم في مادة تخصصهم التي يدرسونها لهم.","vol":"1","page":79},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-42> أسلوب الثواب والعقاب:</span>\nيعتبر أسلوب الثواب والعقاب من الأساليب والطبيعية التي تستند إليها التربية في كل زمان ومكان. فهذا الأسلوب يتمشى مع طبيعة الإنسان حيثما كان، وأيا كان جنسه أو لونه أو عقيدته فالإنسان يتحكم في سلوكه ويعدل فيه بمقدار معرفته بالنتائج الضارة أو النافعة والسارة والمؤلمة التي تترتب على عمله وسلوكه. والتربية الإسلامية تستخدم أسلوب الثواب والعقاب لما له من أهمية بالغة في التنشئة الصالحة لأبنائنا. فأسلوب القرآن الكريم في تصوير الجنة ونعيمها والنار بأهوالها وعذابها إنما هو أسلوب مناسب لطبيعة الإنسان التي تسعى دائما وراء المنفعة وتبتعد ما أمكن عن المضرة. وهكذا يصبح الجزاء من جنس العمل وهو مبدأ منطقي لا يستطيع أحد أن يجادل فيه ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .\nوالآباء في تعاملهم مع أبنائهم والمعلمون مع تلاميذهم بل والمجتمع الإسلامي الكبير يستخدم هذا الأسلوب التربوي على أوسع نطاق. بيد أنه ينبغي أن نشير إلى أن الأسلوبين وإن كانا لازمين في الاستخدام لتفاوت طبائع الناس واختلافهم في الامتثال للأصول والقواعد الإسلامية لا يتساويان في قيمة الأثر الذي يحدثه كل منهما. فأسلوب الثواب أفضل من أسلوب العقاب والترهيب؛ لأن الأسلوب الأول إيجابي وأثره باقٍ؛ لأنه يعتمد على استثارة الرغبة الداخلية للإنسان. في حين أن الأسلوب الثاني سلبي وأثره موقوت لأنه يعتمد على الخوف. وقد ضرب الله لنا مثلا بأنه وإن كان يحاسب الناس على ذنوبهم يترك الباب مفتوحا أمامهم للتوبة والعودة إلى الله ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ . و﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ وفي حين أن الله ﷾ يضاعف الحسنات لأصحابها فإنه يتجاوز عن السيئات في الحدود التي أوضحها لنا. ويكون استخدام العذاب أو العقاب بعد أن تكون الأساليب الأخرى من نصح وهداية وإرشاد قد عجزت عن أن تحقق المطلوب منها. وهذا يعني أن يعول في التربية الإسلامية على أسلوب الثواب والترغيب بصورة أكثر ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ .\nإن الإنسان معرض للخطأ والوقوع فيه. فجل من لا يخطئ، ومن منا كملت صفاته؟ ولذلك نجد أن الأسلوب الإصلاحي للتربية الإسلامية يفتح الباب أمام العودة إلى الطريق السليم. وفي هذا صلاح للمذنب أو المخطئ وإلا تمادى في خطئه. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . وفي الحديث الشريف: \"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون\".","vol":"1","page":80},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-43> أسلوب التوجيه والنصح:</span>\nوهو من الأساليب المعروفة في التربية الإسلامية وله تأثيره الحسن في النفوس؛ لأنه يتطرق إلى النفس الإنسانية من مداخلها الحقيقية، ويجعل الناصح في نظر المنصوح شخصا طيب النوايا حريصا على المصلحة. ومن هنا يكون لكلامه قبول حسن. ويكون هذا الأسلوب فعالا ويؤتي ثماره عندما يكون النصح صادرا من القلب. لأن ما يصدر عن القلب يصل على القلب. وفي القرآن الكريم عظات كثيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ . بل إن القرآن كله موعظة وهدى ورحمة للمؤمنين.\nوفي أسلوب التوجيه والنصح مجال كبير للمعلمين في توجيه طلابهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم وإلى ما فيه رقي مجتمعهم وأمتهم. إلا أنه ينبغي على المعلم أن كون ذكيا لبقا في نصحه. وأن يبتعد عن أسلوب الأوامر والنواهي على طريقة اعمل كذا ولا تعمل كذا. فإن هذه الطريق إلى جانب أنها قد تكون منفرة للمتعلم لا تحقق الهدف المنشود منها. وأولى للمعلم أن يستخدم الأسلوب غير المباشر في النصح والتوجيه كأن يستعين بالقصص. وللقصص كما هو معروف أثر في النفوس. ويمكن أن تتضمن القصة المغزى الأخلاقي أو التربوي المرغوب. وقد جاء القرآن الكريم بالقصص المعلمة ذات المغزى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ و﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ . ويمكن للمعلم أيضا أن يستعين بدروس من التاريخ وما فيه من عظات وعبر. فكم من أمم هوت لفساد أخلاق أبنائها، وكم من حضارات انهارت لتفكك مجتمعاتها وانحلالها. وكم من أناس هلكوا لطغيانهم وكفرهم وغير ذلك من الدروس التاريخية التي يمتلئ بها القرآن الكريم وكتب التاريخ.","vol":"1","page":81},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-44> أسلوب الحوار والمناقشة:</span>\nمن الأساليب التي تقوم عليها التربية الإسلامية في توجيه الإنسان نحو الحق والخير أسلوب الحوار والمناقشة والإقناع والاقتناع عن طريق العقل والمنطق. والقرآن الكريم مليء بالأمثلة التي تؤكد أهمية الصبغة العقلية للإنسان. وعلينا كمسلمين أن نستخدم عقولنا في التمييز بين الصواب والخطأ. وبين الصالح والطالح من الأمور. وقد ضرب الله مثلا لرسوله الكريم بأن يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعطة الحسنة ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ .\nويتضمن أسلوب الحوار والمناقشة في التربية الإسلامية ضرورة تعريف الناشئة بالأساس العقلاني والمنطقي لأي قضية مطروحة أمامهم، وألا يرددوا المعلومات ترديدا أعمى دون فهم لمضمونها الحقيقي. أو دون إدراك لارتباطها بواقعهم الفردي والاجتماعي. كما يجب أن تتاح لهم الفرصة للمناقشة الجادة البناءة التي تحلل أبعاد الموضوع المطروح للمناقشة وتلقي الضوء على جوانبه المختلفة. ومن الطرق التي يمكن أن يلجأ إليها المعلم لإقناع التلاميذ في الأمور الدينية ولا سيما في الغيبيات أن يوضح لطلابه أن هناك أنواعا مختلفة من المعرفة من بينها المعرفة اللدنية الغيبية والنقل عن السلف الصالح، وأن هذا اللون من المعرفة قد يقصر عقل الإنسان عن فهمه وتصوره وما أكثر الأمور التي تبين ذلك حتى في ميدان العلم الطبيعي أو التجريبي، والكون من حولنا مليء بالظواهر التي لا نراها ولا نحسها ولا نسمعها ومع ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر وجودها، ومن أمثلتها الموجات الصوتية والضوئية فهناك كائنات متناهية في الدقة مثل دبيب النمل لا يمكن سماعه بالأذن العادية. وهذه أمور موجودة لم يكن يعلم الإنسان من قبل عنها شيئا. وقد يصعب على العقل مثلا تصور اختراق الأشعة السينية للأجسام الصلبة. وليس من الضروري أن تستدل على الشيء بوجوده المباشر، وإنما عن طريق آثاره، فقديما قالوا: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير.\nومظاهر إبداع الكون تدل بالتالي على عظمة خالقه. والعلم الحديث يأخذ بهذا الأسلوب في التفكير، فالطاعة مثلا هو موضوع علم الطبيعية برمته، ومن الصعب تعريفها تعريفا مباشرا إلا من خلال آثارها التي تحدثها أو من خلال ما يعرف \"بالتعريف الإجرائي\" الذي يعرف الظاهرة بإجراءاتها وعملياتها التي تتضمنها. ونحن في التربية لا نعرف على وجه التحديد ماذا يحدث في عقل الإنسان نتيجة لعملية التعلم. نحن نسلم بأن الإنسان يتعلم ألوانا من المعارف والسلوك والمهارات أما كيف يحدث هذا التعلم في الإنسان وما الأثر الذي يحدثه","vol":"1","page":82},{"text":"في عقله؟ فهذا اجتهاد للنظريات الكثيرة التي تحاول تفسير التعليم عند الإنسان.\nوالحياة نفسها فيها المعقول واللامعقول. ونحن قد نرفض قبول الجانب اللامعقول فيها عندما نفكر بطريقة عقلية منطقية. ومع ذلك نحن نعيش هذا الواقع ونتأثر به. كم منا مثلا من يسلم علميا أو منطقيا بما يقال أحيانا \"من عاش بالصحة مات بالمرض\" أي أنه من يعيش ملتزما تماما بالأصول الصحبة لا بد أن يموت مريضا، ومع ذلك فإن الحياة قد تظهر لنا في بعض الأحيان أنه أحد قوانينها. والنظرية العلمية نفسها ليست خالدة، وكم من نظريات العلم التي سادت التفكير في فترة ما ثبت خطؤها أو عدم صحتها فيما بعد. وأرجو ألا يفهم من ذلك أنني أشكك في العلم أو أقلل من أهمية منجزاته، فإنني أردت من كلامي السابق أن أبين اختلاف أساليب الإقناع وأن العقل الإنساني نفسه محدود والإنسان قد يصل إلى الاقتناع العقلي، ومع ذلك يكون أسيرا لعادة تحكمت فيه، فكثير منا مثلا مقتنع بمضار التدخين ومع ذلك لا يستطيع أن يمتنع عنه. وقد يكون الإنسان مقتنعا بشيء من الناحية العقلية المنطقية لكنه غير مقتنع من الناحية العاطفية أو الوجدانية مما يحول بينه وبين السير في الطريق الذي يمليه التفكير العقلي والمنطقي، ويبدو هذا الأمر بوضوح في المسائل التي تتصل بعواطف الإنسان، ولذلك تهتم التربية الإسلامية بتربية الإنسان المسلم تربية سليمة تمكنه من التحكم في عواطفه والسيطرة عليها والبعد عن التعصب الأعمى. ويجب أن يهتم المعلم في إقناعه لتلاميذه بالأساس العقلي الذي يساعد تزكية العواطف النبيلة لدى الإنسان ومثله العليا في الحق والخير والجمال.\nويؤكد ابن خلدون أن الطريقة الصحيحة في التعليم هي التي تهتم بالفهم والوعي والمناقشة لا الحفظ الأعمى عن ظهر قلب، ويشير إلى أن \"ملكة العلم\" إنما تحصل بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة في مواضيع العلم وهو يعيب طريقة الحفظ عن ظهر قلب ويعتبرها مسئولة عن تكوين أفراد ضيقي الأفق عقيمي التفكير لا يفقهون شيئا ذا بال في العلم.\nوالواقع أن المربين المسلمين قد اهتموا بأسلوب المناظرة والحوار في التدريس","vol":"1","page":83},{"text":"واعتبروه أسلوبا مفضلا مجديا في التعليم. يقول الزرنوجي: إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار. وقد احتاط المربون المسلمون من سوء استخدام أسلوب المناظرة والحوار بأن له بعض الشروط التي تجعل منه أسلوبا فعالا للتعلم والبحث العلمي من أهمها أن يكون هدف المناظرة الوصول إلى الحقيقة لا التضليل وحب الانتصار بالباطل. كما يشترط في المتناظرين الإلمام بموضوع المناظرة والتحلي بالهدوء وسعة الصدر وعدم التكلف وغيرة الصدر. ومع أن أسلوب المناظرة هو أقرب إلى الدراسات العالية فإننا نجد صورة مبسطة منه في أسلوب الحوار والنقاش الذي يدبره المعلم مع تلاميذه ليحفزهم على التفكير.","vol":"1","page":84},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-45> أسلوب المعرفة النظرية:</span>\nيعتبر أسلوب المعرفة النظرية من أقدم وأشيع الأساليب المستخدمة في التربية. وهو يعتبر من الأساليب التي تقوم عليها التربية الإسلامية. وللمعرفة والعلم قيمة حقيقية في الإسلام فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون بصرف النظر عن ماذا يعلمون. وقد أشرنا في مكان آخر إلى أن الإسلام اعتبر العلم طريقا لطاعة الله وخشيته. كما سبق لنا أن بينا بالتفصيل مكانة العلم في الإسلام والمعرفة النظرية مهمة في حد ذاتها لأنها تنمي عقل الإنسان وفكره وتساعد على تكوين خلفية ثقافية تمكنه من التعامل مع مجتمعه وتساعده على القيام بدور المواطنة الصالحة فيه، ولقد تعالت الصيحات من جانب المربين يتساءلون حول جدوى المعرفة النظرية، وانتقدوا التعليم المعاصر لأنه تعليم لفظي نظري يفتقر إلى مغزاه الوظيفي والتطبيقي، وقد ترتب على ذلك عزلة التعليم عن مجتمعه ونفور الطلاب في بعض الأحيان منه وعزوفهم عنه. وقد حدا هذا الوضع ببعض المربين إلى وصف المعلمين بأنهم أناس يحاولون أن يعلموا أناسا أخرين أشياء لا يرغبون في تعلمها. وقد تكون في الأمر بعض المبالغة التي تغلف ما في هذه الدعوى من صحة. ولكن ذلك لا يقلل بأي حال من الأحوال من المعرفة النظرية. ولن يكف التعليم المدرسي في يوم ما عن تقديم هذا اللون من المعرفة لضرورته وأهميته. إن أية فكرة عملية لا بد أن تبدأ بفكرة في عقل الإنسان يفكر بالرموز. والإسلام كما أشرنا يحترم العلم وأهله ويقدرهم. كما أنه يعتبر المعرفة أساس المساءلة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . ولكن التربية الإسلامية في اهتمامها بأسلوب المعرفة النظرية كأحد الأساليب التي تستخدمها فإنها أيضا تؤكد أهمية الأساليب الأخرى التي تتكامل فيما بينها لتكون المنهج الشامل للتربية في الإسلام.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>أسلوب الممارسة العملية</span>\n...\n٦- أسلوب الممارسة العلمية:\nمن الأساليب التي تهتم بها التربية الإسلامية الممارسة العملية. وقد سبق أن أشرنا إلى أن التكاليف الإسلامية كلها والمبادئ الرئيسية للإسلام من شهادة بواحدانية الله ونبوة محمد ﷺ وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان إنما تتطلب ممارسة وأسلوبا عمليا من جانب الإنسان. ويجب أن يتطابق سلوك المسلم الحق مع ما في ضميره وقلبه \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\". وأن الله ﷾ يحاسبنا على أعمالنا بمقدار ما ترتبط هذه الأعمال بنوايا الإنسان وسرائره. فالله ﷾ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وينبغي على المربي المسلم أن يهتم بتنمية السلوك العلمي الرشيد، وأن يدرك أن تلاميذه إنما يحسن تعليمهم إذا هم مارسوا ما تعلموه من خلال خبرتهم وتجربتهم المباشرة. كما يجب أن يهتم العلم بإظهار الجوانب الوظيفية التطبيقية لما يتعلمه التلميذ في واقع حياته كفرد في واقع المجتمع الإسلامي الكبير. إن الناشئة الصغار لا يمكن أن يتعلموا ألوان السلوك الديني والاجتماعي إلا إذا مارسوها وأصبحت عادة لديهم وهذا يعني ألا يقتصر المعلم على المعرفة اللفظية وإنما يجب أن يتعدى ذلك ليربط بين الفكر والعمل والنظرية والتطبيق.","vol":"1","page":85},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-47> أسلوب الرسم والإيضاح:</span>\nومن أساليب التربية الإسلامية الرسم والإيضاح. فقد كان الرسول ﷺ يشرح لأصحابه بالرسم والشكل بعض المفاهيم الهامة تقريبا لأذهانهم وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قوله: \"خط لنا رسول الله ﷺ خطا مربعا، وخط خطا خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا في الوسط من جانبه الذي في الوسط. فقال: \"هذا الإنسان وهذا أجله محيط به، وهذا الذي خارج \"أي خارج عن الخط\" أمله. وهذه الخطوط الصغار والأعراض هو الحوادث والنوائب المفاجئة. فإن أخطأ هذا نهشه هذا، وإن أخطأ هذا نهشه هذا. وإن أخطأه كلها أصابه الهرم\". وهذا هو المخطط الذي خطه ﵊ \"نقلا عن عبد الله علوان: ص٧١٧\"","vol":"1","page":85},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-48> أسلوب التلقين والحفظ:</span>\nساد أسلوب التلقين والحفظ في الممارسات التعليمية القديمة، وما زال يمارس حتى الآن. ويرجع ذلك بالطبع إلى التصور الذي كان يؤمن به المعلمون بالنسبة لعملية التعلم؛ فقد كان الهدف من التعليم في نظرهم حشو عقل التلميذ بالمعلومات عن طريق الحفظ والتلقين، وكأن التحصيل الدراسي غاية في ذاته وقيمة التليمذ تقاس بمقدار ما حفظه من معلومات وتحصل في عقله من معارف وليست التربية الإسلامية وحيدة زمانها في ذلك وإنما هي ممارسة شاعت في التعليم في مختلف المجتمعات وعلى مر العصور والأزمان. وتركز الطريقة التلقينية على تعليم المواد الدراسية وتعطيها كل عنايتها دون اهتمام خاص أو عناية بالمتعلم نفسه. وقد انتقد المربون المسلمون الطريقة التلقينية وطريقة الحفظ بدون فهم وفضلوا عليها طريقة المناقشة، والحوار.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>أسلوب الرسول الكريم:</span>\nيشير عبد الله علوان \"ص٧٢١\" إلى الأساليب التربوية التي يتبعها النبي ﷺ في توجيه الصغار والكبار وإرشادهم وتنوير أذهانهم وتفتيح عقولهم فيقول كان ﵊ لا يختص بأسلوب واحد في إرشاد الناس وهدايتهم وإصلاحهم وتوجههم. وإنما كان ينتقل بهم من القصة إلى الحوار والاستجواب ومن التأثير الخاشع إلى المداعبة اللطيفة، ومن ضرب الأمثال إلى التوضيح بالرسم أو التمثيل باليد.. ومن الموعظة بالكلمة إلى الاقتداء بالفعل ومن التذكير بالقرآن الكريم إلى استجلاء العبرة بانتهاز المناسبة.. ومن السؤال المهم إلى السؤال الأهم، ومن النهي بالقول إلى النهي بالمشاهدة. ويعلق على ذلك ويقول: \"لا يخفى ما في هذا التنوع من الأساليب من أثر كبير في ترسيخ المعلومات وإثارة الفهم وتحريك الذكاء وقبول الموعظة وقدح الفطنة والانتباه لدى المخاطب والولد.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>التعليم الإسلامي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>خصائص التعليم الإسلامي التقليدي</span>\n...\nالتعليم الإسلامي:\nبعض خصائص التعليم الإسلامي التقليدي:\nلنظام التعليم الإسلامي التقليدي صفات وخصائص كانت تميزه عن غيره من النظم من أهمها:\n١- أنه نظام أكثر مرونة ويقل الاعتماد فيه على الإجراءات الإدارية والتنظيمية الكثيرة المتبعة في شئون الطلاب والمعروفة في النظم الأخرى. ومن الأمثلة التي توضح ذلك نظام الدراسة الذي كان متبعا في الماضي ونظام الدراسة الآن.\n٢- أن التعليم فيه ممتد طول الحياة فالطالب يستطيع أن يتعلم مدى الحياة دون التقيد بسن أو زمان أو مكان. ومن المعروف أن التعليم الحديث في الدول المعاصرة على سبيل المثال لا يحبذ بقاء التلاميذ في التعليم مددا طويلة، وإنما ينتهي تعليمهم رسميا عند سن الإلزام. لكن هناك نظم متعددة لتعليم الكبار حتى مراحل عمرهم المتأخرة.\n٣- أنه يقلل من أهمية الشهادات على عكس التعليم في الغرب. مع أنه كان يوجد نظام لها يعرف \"بالإجازة\" حيث يمنح الأستاذ إجازة \"شهادة\" لتلميذه. أي أنها إجازة لتدريس العلم الذي أجازه فيه، ويتصل بالإجازة ما يعرف","vol":"1","page":87},{"text":"بالإسناد. والإسناد يعني تسلسل النقل من عالم لآخر في رواية الحديث وصحته أو في تدريس علم معين. مما يبرهن مصداقية الإجازة. فالطالب كان يستطيع أن يعرف مكانة أستاذه من قائمة إسناده أي قائمة أسماء العلماء الذين تلقى عليهم العلم، وكما كانت قيمة هؤلاء العلماء كبيرة زاد ذلك من قيمة الأستاذ العلمية.\n٤- أنه كان يعتمد على تلقي العلم على يد أهله من الأساتذة لا من بطون الكتب. ولذا كانت الرحلة في طلب العلم سمة مميزة لعلماء المسلمين. وقد امتدح ابن خلدون الرحلة، في طلب العلم. وسبق أن أشرنا إليها.\nلقد انتقد التعليم الإسلامي في الماضي بأنه يركز منذ البداية على تعليم وتحفيظ القرآن قبل أن يتعلم التلميذ شيئا من العربية. وقد عاب ابن خلدون هذه الطريقة وفضل عليها طريقة ابن العربي في الأندلس التي تبدأ بتعليم اللغة والأدب ثم القرآن. وقد أثار بعض النقاد المحدثين من الغرب انتقادات مماثلة واعتبروا التعليم الإسلامي على هذا النحو قليل الجدوى من الناحية التربوية، وأشاروا إلى أنه في كثير المجتمعات الإسلامية غير المتحدثة بالعربية يردد التلاميذ آيات القرآن دون أن يعرفوا معناه \"BRAY: P.٨٣\".\nوهناك نقاد آخرون يختلفون في وجهة نظرهم. منهم \"ويلكس\" WILKS في دراسة عن التعليم الإسلامي في مالي وغينيا وبوركينا فاسو وساحل العاج وغانا. وهو يرى أن كثيرا من الانتقادات التي وجهت إلى التعليم الإسلامي كانت قاسية جدا. وهو يرى أن مدارس هذا النوع من التعليم الإسلامي تقدم على الأقل أرضية لتعليم العربية يمكن أن يبني عليها من أوتي القدرة والاهتمام. وهو يرى أيضا أن المتعلم الموهوب يستطيع إذا أجيد تعليمه أن يجيد العربية بسرعة، وأنه يستطيع في أوائل شبابه أن يقرأ ويدرس المؤلفات الأساسية في الشريعة الإسلامية. \"WILKS: P.١٦٦\".","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المنهج المدرسي </span>الإسلامي:\nهناك بعض الاعتبارات الرئيسية التي تتحكم في اختيار المواد الدراسية والعلوم التي تقدم للمتعلم في الإسلام. ويأتي في مقدمة هذه الاعتبارات أهمية العلوم ونقاوتها في الدرجة والشرف وأشرف العلوم وأعلاها ما يتعلق منها بمعرفة الله ﷿، وهو أمر يتمشى مع الهدف الأسمى من التربية الإسلامية وهو معرفة الخالق وما يتصل بها من علوم اللسان واللغة التي تمهد لدراسة العلوم الدينية. فالعلوم عند أهل الديانات ثلاثة كما يقول ابن عبد البر القرطبي: علم أعلى وعلم أسفل وعلم أوسط، فالعلم الأعلى عندهم علم الدين والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا كعلم الطب والهندسة والعلم الأسفل هو أحكام الصناعات وضروب الأعمال مثل السباحة والفروسية والخط وهي التي تحصل بتدريب الجوارح. \"ابن عبد البر القرطبي: ج٢ ص٤٦\".","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>وسائل التدريس </span>١:\nأشهر وسائل التدريس عند علماء المسلمين هي السماع والإملاء والإجازة وهي تتفاوت فيما بينها من حيث الأهمية. فالسماع يكون بأن يقرأ الأستاذ من كتابه أو من ذاكرته ما يريد روايته لطلبته وهو أعلى طرق التعليم. ولم يكن مسموحا للطلاب بأن يكتبوا أثناء قراءة الأستاذ مما اضطر الأساتذة إلى عقد مجالس الإملاء. وقد يكون السماع بأن يقرأ الطالب من كتاب أستاذه أو من نسخته هو أو من ذاكرته بحضور أستاذه، وهذا يسمى \"العرض\"، ومن العلماء من كان لا يحبذ السماع أو العرض خشية أن يكون الطلبة غير منتبهين لما يقرأ عليهم أما الإملاء فقد عده أغلب العلماء خير وسائل التعليم حتى لمن يأخذون بأسلوب السماع. وكانت مجالس الإملاء تعقد يوم الجمعة في الغالب. ويكون الإملاء من الكتب أو الذاكرة، وعندما تكون المجالس كبيرة يستعان بالمستملين الذين يمكن أن يسموا مدرسين مساعدين أو \"معيدين\" مهمتهم إعادة ما يلقيه الأستاذ ليسمعه البعيدون عنه. وقد يتعدد المستملون حسب كثرة عدد الحاضرين. وقد عرف بعضهم بقوة الصوت، وهذه هي أهم صفاتهم. إلا أنه كان\n_________\n١ اعتمدنا في الكلام عن هذا الجزء على كتاب: تاريخ التعليم عند المسلمين والمكانة الاجتماعية لعلمائهم حتى القرن الخامس الهجري، ترجمة وتعليق د. سامي الصقار، الناشر دار المريخ الرياض، المملكة العربية السعودية ١٩٨١.","vol":"1","page":89},{"text":"من واجبهم معرفة الموضوع الذي يملونه وإجادة اللغة مع صحة التلفظ. وقد وجد بين هؤلاء المستملين علماء من ذوي الشهرة. وفضلا عن ذلك كان عليهم أن يتحلوا بسعة الصدر لا سيما عندما يطلب إليهم إعادة الإملاء أكثر من مرة. ويبدو أن الأساتذة هم الذين كانوا يعينون المستملي. وكان البعض يتخذ الاستملاء مهنة يعيش منها. وقد يطلب الأستاذ إلى أحد طلابه أن يساعده في الإملاء إذا لم يتيسر وجود مستمل. والمستملي يقف عادة على رجليه بخلاف الأستاذ والطلبة إلا إذا وجد مقعدا عاليا يجلس عليه بحيث يراه الطلاب ويسمعونه، ومن طريق ما يروى أن أحد المستملين ارتقى نخلة وصار يملي منها. وكان على المستملي أن يعيد قراءة ما أملي في نهاية المجلس ويعد نسخة مكتوبة للدرس كله. إلا أن بعض الطلبة كانوا لا يحبون السماع إلا من الشيخ نفسه بدون واسطه رغم أن المستملي ينقل ما يسمع حرفيا وليس له أن يغير شيئا منه بل حتى ولا يصحح ما قد يقع من أغلاط.\nأما الإجازة فهي السماح بنقل العلم إلى الآخرين. ولها ستة أشكال منها:\nالمناولة وذلك أن يعطي الشيخ كتبه أو بعضها لتلميذه أو لأحد العلماء مؤكدا لهم أنها بخط يده، ويخبره باسم الشيخ الذي أخذ ما فيها عنه وشكل إجازته له بها ويجيزهم بإعطائها للآخرين. وبعض العلماء يعدون المناولة كالسماع في القوة. وتوسع البعض فيها فيجيز الشيخ كتب مكتبته كلها. ومنها أن يجيز الشيخ جميع قراءته ومسموعاته للآخرين وهذا هو الشكل الثاني ولم يقبله بعض الشيوخ.\nالشكل الثالث هو أن يرسل أحاديث معينه أو أجزاء من كتب الحديث المكتوبة ويجيزها لمن أرسلت إليه. والشكل الرابع هو إجازة شخص ما برواية الأحاديث الصحيحة في كتاب ما دون تحديد. وهذا النوع لقي أيضا بعض المعارضة، أما الشكل الخامس فهو أن يتقدم أحدهم بورقة مكتوب فيها حديث أو رأي ويسأل الشيخ عما إذا كانت هي له فإذا أيدها ذلك الشيخ أصبحت إجازة لصاحبها. والشكل السادس هو أن يصدر الشيخ إجازة لغيره برواية ما تلقاه هو بالإجازة.\nوهناك نوع رابع من وسائل التدريس نشأ حوله بعض الخلاف يسمى \"الوجادة\" من وجد، وهو أن يتبنى الإنسان شيئا وجده أو قرأه في كتاب أو تعليق ولم يطلب الإجازة من كاتبه ولم يسمعه منه. وقد انتفع العلماء أو على الأقل بعضهم بهذا النوع من التدريس ولكنهم في الغالب اتهموا بالسرقة أو على الأقل اتهموا بأنهم يروون شيئا لم يجازوا بروايته. وكان التعليم يتم أيضا خلال الأسفار والرحلات ومواسم الحج. وقد أوعز الخليفة المهدي للإمام مالك بن أنس بروايته كتابه \"الموطأ\" أثناء موسم الحج ليتلقاه عنه علماء الأمصار.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>مساكن الطلبة:</span>\nكانت هناك بيوت يستأجرها الطلبة الغرباء للإقامة فيها، كانت المساجد أكثر الأماكن ارتيادا منهم وكان بعض الأساتذة يدعون طلابهم الغرباء للإقامة معهم في بيوتهم حتى إن أحدهم وكان غنيا استضاف خمسين طالبا منهم. هذا بالإضافة إلى وجود الخانات والفنادق في المدن الكبرى حيث يحل عادة المسافرون الغرباء.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الجمع بين طلب العلم والتكسب:</span>\nيقول الزرنوجي: إن كان لا بد لطالب العلم من الكسب لنفقة عياله وغيرهم فليتكسب وليكرر وليذاكر ولا يكسل. وكان الناس في الزمان الأول يتعلمون الحرفة ثم يتعلمون العلم حتى لا يطمعوا في أموال الناس. وفي الحكمة من استغنى بمال الناس افتقر. والعالم إذا كان طماعا لا تبقى له حرمة علم ولا يقول بالحق. وقد كان الإمام أبو حنيفة يطلب العلم ويشتغل به في الوقت الذي كان فيه يبيع الثياب ليتكسب معاشه.\nويعيب الماوردي من شغلته المعيشة واكتساب الرزق عن التماس العلم ومع أنه يلتمس العذر له أكثر من غيره إلا أنه يقول إن الواجب عليه أن يصرف للعلم خظا من زمانه. فليس كل الزمان زمان اكتساب. ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة. ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يدرك لها فراغا إلى غيره فهو من عبيد الدنيا وأسراء الحرص. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"لكل شيء فترة -أي زمان سكون- فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا\".","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الدولة والتربية في الإسلام:</span>\nلفهم علاقة الدولة بالتربية في الإسلام ينبغي منذ البداية أن تذكر أن الإسلام دين ودولة. وهو بهذا يحتل مكانة متميزة بين الديانات السماوية الأخرى، كما أنه يتميز أيضا عن النظم الوضعية الدستورية والمدنية. ومنذ العصور الأولى للإسلام كانت السلطة الدينية والمدنية تتمثل في شخص واحد هو أمير المؤمنين فهو إمامهم وحاكمهم العادل، وعلى الرغم من التطور الذي حدث للإسلام فيما بعد فما زال حاكم المسلمين راعيا ومسئولا عن مصالحهم الدينية والدنيوية على السواء، ويتضح الدور الهام في الإسلام مما ذكره الحسن البصري لعمر بن عبد العزيز عندما طلب منه أن يصف له الإمام العادل فكتب إليه الحسن البصري يقول:\n\"اعلم يا أمير المؤمنين أن الله قد جعل الإمام العدل قوام كل مائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف ونصفه كل مظلوم ومفزع كل ملهوف والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة. ويحميها من السباع يكنها من أذى الحر والقر. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده. يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرها ووضعته كرها وربته طفلا تسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتهتم بشكايته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين موصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده. والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله، ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزع بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من","vol":"1","page":92},{"text":"يليها، وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم. واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده من الفزع الأكبر. واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، ويسلمونك في قعرة فريدا وحيدا، فتزود له بما يصحبك ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها، فالآن يا أمير المؤمنين وأنك في مهل، وقبل حلول الأجل وانقطاع الأمل لا تحكم يا أمير المؤمنين بحكم الجاهلين. ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة. فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك. ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم بذهاب طيباتك في آخرتك. لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدا، وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقف بين يدي الله في مجمع الملائكة والنبيين والمرسلين ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ . وإني يا أمير المؤمنين، وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي لم آل من شفقة نصحا، فأنزل كتابي عليك كمداوي حبيبه بسقية الأدوية الكريهة لما يرجو له من العافية والصحة والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته\". وهكذا يتضح الدور الهام الذي يلعبه حاكم المسلمين في تصريف شئونهم والرعاية على مصالحهم. ومنه بالطبع ما يتعلق بالتربية والتعليم وغيرها من أمور العباد. فولاة أمور المسلمين رعاة على أمورهم وهم مسئولون عن رعيتهم في تصريف أمور دينهم ودنياهم وحياتهم على السواء ويعتبر فقهاء المسلمين أن أوجب حقوق الأمة على الخليفة \"نشر العلوم والشريعة وتعظيم العلم وأهله ورفع مناره ومحله ومخالطة العلماء والأعلام النصحاء لدين الإسلام ومشاورتهم في موارد الأحكام ومصادر النقض والإبرام\". وهذا يعني أن على الدولة في الإسلام مسئولية تعليم أبناء المسلمين. وكانت الدولة في صدر الإسلام بالفعل تخصص نفقات لدور العلم وإن كانت هذه النفقات في صدر الإسلام قليلة وذلك يرجع إلى زهد القائمين بالتعليم واعتبار ما يقومون به واجبا","vol":"1","page":93},{"text":"دينيا. فقد لعن الإسلام من يخفي علمه على الناس كما أنهم اكتفوا بما كانوا يصيبونه من الفيء والصدقة. وكان الخلفاء يقدمون مساعدات مالية للعلماء والزهاد الذين حبسوا أنفسهم في المساجد للعبادة. وقد أثر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت المال حتى يأتيك كتابي هذا فإن خير الخير أعجله والسلام \"حسن إبراهيم: ط١ ص٥٢٣\". ومن المعروف أن عمر بن الخطاب أمر ببناء بيوت المكاتب ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم.\nوقد نشأت المدارس مرتبظة بالحكم من ناحية وبهدف الترويج لمذهب ديني معين من ناحية أخرى، ولعل من الأمور المتميزة في علاقة الدولة بالتربية في الإسلام أن الخلفاء والحكام أنفسهم كانوا يهتمون بالعلم والثقافة ويسعون إليها. وكان منهم العلماء والشعراء والأدباء وكانوا يجعلون من قصورهم منتدى للفكر والثقافة والأدب يجتمع فيها العلماء والآدباء. وكانت تعقد المناظرات العلمية والأدبية بين هؤلاء العلماء والأدباء كما كان يلقى بها الدروس أيضا، ومن أشهر المجالس العلمية والأدبية ما كان يعقده الخلفاء الأمويون والعباسيون من أمثال هارون الرشيد وولده المأمون وسنوا بذلك تقليدا تبعه من جاء بعدهم من الحكام والأمراء الذين كانوا يبعثون في استقدام مشاهير العلماء والأدباء إلى قصورهم.\nوإلى جانب هارون الرشيد والمأمون كان هناك خلفاء آخرون كثيرون اهتموا بالعلم والتعليم، منهم نظام الملك الذي كان أول من أنشأ المدراس في الإسلام ونور الدين زنكي والحاكم بأمر الله وصلاح الدين الأيوبي. وفي الأندلس البعيدة كان الحاكم المستنصر صاحب المكتبة المعروفة في قصره بقرطبة والذي يصفه المقري بأنه كان غزير العلم واسع الإطلاع ذا معرفة بالأخبار والأنساب.\nوقد ارتبطت علاقة الدولة بالتربية باعتبارها أن الإسلام دين ودولة. إلا أن هذه العلاقة كانت مرهونة باحتياجات نشر الدين الجديد وتثبيته. فالنبي ﷺ ترك معاذ بن جبل في مكة بعد فتحها ليعلم المسلمين مبادئ الدين الإسلامي وعمر أرسل بعض الصحابة إلى الأمصار الإسلامية لنشر مبادئ الدين الجديد وتعليمها.","vol":"1","page":94},{"text":"وكانت الدولة هي التي تنشئ المساجد وتساعد العلماء القائمين بالتدريس فيها لكن بصورة منظمة، كما أن الدولة أيضا كانت تقوم ببناء المكتبات والرباطات، وكلها كانت تقوم بخدمات تثقيفية وتعليمية، وقد أصبح للدولة دور رئيسي في التربية مع حركة إنشاء المدارس، فالدولة هي التي قامت بإنشاء هذه المدارس للدعاية لمذهبها وهي التي كانت تنفق على أجور المعلمين ونفقات الطلاب ومعيشتهم. وكان يخصص لهذه المدارس مميزات سنوية، وقد ورد أن نظام الملك كان ينفق على التعليم ٦٠٠ ألف دينار سنويا كما كان للمدارس أوقاف تدر عليها أموالا سنوية، وظلت علاقة الدولة بالتربية تتدعم على مر الأيام إلى أن أصبحت الدولة الآن في البلاد الإسلامية هي التي تتولى شئون التعليم بكل أنواعه بل يمتد سلطانها أيضا إلى ميدان التعليم الجامعي. وهكذا يتأكذ ما يقوله جمال الدين الأفغاني وهو أحد زعماء الإصلاح في العصر الحديث إن الإسلام أوجب على الدولة تعليم أبنائها وتنوير عقولهم بالمعارف والعلوم.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>أهل الحسبة ورعاية المصالح العامة والتعليم:</span>\nالحسبة كما يقول ابن خلدون هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهله. ويحدد ابن خلدون الوظائف التي تقوم بها أهل الحسبة فيما يأتي:\n١- البحث عن المنكرات وتعزيز وتأديب من يرتكبها.\n٢- حمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل منع المضايفة في الطرقات ومنع الحمالين من الإكثار في الحمل.\n٣- الحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة.\n٤- الضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرهم لمبالغتهم في ضرب الصبيان المتعلمين.\n٥- الحكم في دعاوي الغش والتدليس في المعايش والمكايل والموازين.\n٦- حمل المماطلين على الإنصاف والوفاء بالتزاماتهم.\nوهكذا نجد أن وظيفة الحسبة متعلقة بالعدل والقضاء فيما يتعلق بالمصالح العامة للمسلمين ومنها \"التعليم\".","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>وجوب التعليم:</span>\nتعتبر كلمة \"إلزامية التعليم\" من الكلمات الحديثة التي برزت في الفكر التربوي نتيجة لغلبة المؤسسات الديمقراطية وظهور مفاهيم العدالة والرفاهية الاجتماعية. كما تأكدت بشكل واضح على المستوى العالمي في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. وقد استخدم علماء المسلمين كلمة وجوب تعليم الصبيان واعتبروا أن من حق الصبي على والده أن يعلمه. واستشهدوا في ذلك بما ورد عن النبي ﷺ: \"ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن\" وقوله ﷺ: \"رحم الله عبدا أعان ولده على بره بالإحسان إليه والتآلف له وتعليمه وتأديبه\". وقوله ﷺ: \"لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق في كل يوم بنصف صاع على المساكين\".\nويعتبر القابسي أول من نادى بوجوب التعليم جميع الصبيان بصرف النظر عن حالتهم المالية، واعتبر تعليمهم ضروريا وواجبا شرعيا. ويرى رفاعة الطهطاوي ضرورة تعميم التربية وشمولها لجميع أبناء الأمة ذكورا وإناثا على السواء وفي ذلك يقول: \"وبالجملة فتربية أولاد الملة وصبيان الأمة وأطفال المملكة ذكورا وإناثا من أوجب الواجبات\".","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>التعليم في الإسلام فرض وابج وليس مجرد حق</span>\n...\nالتعليم في الإسلام فرض واجب وليس مجرد حق:\nلقد ذهب الإسلام إلى أبعد مما نصت عليه دساتير الدول والمواثيق الدولية وميثاق حقوق الإنسان الذي اعتبر التعليم حقا لكل فرد تكفله له الدولة وتوفره. والإسلام يعتبر التعليم ليس مجرد حق وإنما هو فرض واجب وفرض عين على كل مسلم ومسلمة. والفرق كبير لأن كون التعليم حقا يعني أن يناله الإنسان أو لا يناله. فما أكثر الحقوق الضائعة. بل إنه إذا ناله الإنسان فإنه قد يعمل في سبيل تحصيله أو لا يعمل. وأما كونه واجبا وفرض عين فهذا يعني المسئولية الكاملة لكل من الدولة والفرد. فعلى الدولة أن توفره لأبنائها وعلى الفرد أن يعمل من أجل تحصيله والاستفادة منه. يضاف إلى ذلك أن الدولة لو قصرت أو","vol":"1","page":96},{"text":"تقاعست في تقديم التعليم وتوفيره لأبنائها فعلى المسلمين المقتدرين إنشاء المدارس والإنفاق عليها وإيقاف بعض أموالهم لهذا الغرض. كما أن على الفرد المسلم أن يسعى بكل طاقته في تعليم نفسه بالجهد الذاتي وبكل الطرق الممكنة له. قال الشاعر:\nولما رأيت سواد قو ... مي في دجى ليل بهيم\nيسقون من أمية ... هي غصة الوطن الكظيم\nأيقنت أن الجهل علة ... كل مجتمع سقيم\nوروى عن عمر بن الخطاب إنشاده:\nتعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل\nوقال الشاعر:\nكن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب\nإن الغني من يقول ها أنذا ... ليس الغني من يقول كان أبي\nوقد ميز علماء المسلمين بين تعليم فرض العين وهو على كل مسلم وتعليم فرض الكفاية وهو على مجموعات من الناس دون غيرهم. وتعليم فرض العين هو التعليم الواجب على الدولة أن توفره لأبنائها كما أنه من الواجب على هؤلاء الأبناء أن يتعلموا وأن يستفيدوا من التعليم الذي يقدم لهم وأن يحرصوا على تعليمه ولا يتهاونوا فيه وإلا كانوا مقصرين في أداء فرائض الواجب. ومن مسئولية الآباء التأكد من أن أبناءهم يتلقون هذ التعليم. وهذا النوع من التعليم يعرف الآن في أنظمتنا التعليمية العربية والإسلامية وغيرها بالتعليم العام. وهو يتاح لكل فرد في سن التعليم تقدمه الدولة بالمجان وتضع له الشروط والأنظمة أما تعليم فرض الكفاية فهو تعليم لا يطالب به كل مسلم وإنما تقوم به مجموعة","vol":"1","page":97},{"text":"قادرة لتكفي المسلمين حاجتهم إلى المهن والصنائع والحرف المختلفة. وهذا النوع من التعليم هو للقادرين عليه والمهيئين له عملا بما ورد في الأثر \"كل مهيأ لما خلق له\" ويتساوى حظ المرأة مع حظ الرجل في تعليم فرض العين وفرض الكفاية لأنها تتساوى معه في التكاليف الشرعية وفي موازين الحساب يوم القيامة.\nوهكذا نرى أن الإسلام قد سن مبدأ إلزامية التعليم ووجوبه على كل مسلم بل جعله فرضا وفريضة. كما سن مبدأ مجانية التعليم العام وقيام الدولة بتوفيره. ومن المعروف أن المدارس ومعاهد التعليم الإسلامية في العصور المختلفة كانت بالمجان وكان الطلاب يمنحون المسكن والإقامة والإعانة المالية وتوفير الكتب والغذاء لهم. وبهذا يكون الإسلام سابقا بقرون عديدة كل ما جاء على البشرية من أنظمة تعليمية عصرية ومتقدمة في النظرية التربوية أو تطبيقاتها.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>أولا: الإسلام والكون \"مدخل أطولوجي</span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>خالق الكون</span>\n...\nالفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية\nسنتناول الكلام في هذا الفصل عن فلسفة التربية الإسلامية حسب الطريقة المنهجية المتعارف عليها لدراسة الفلسفة بجوانبها الثلاثة: الجانب الأنظولوجي أو الغيبيات. والجانب المعرفي أو الأبستمولوجي والجانب الأخلاقي أو الأكسيولوجي. وسنتناول كل جانب من هذه الجوانب في السطور الآتية:\nأولا: الإسلام والكون \"مدخل أنطولوجي\"\nسنتناول الكلام عن الإسلام والكون تحت عناوين فرعية نبدؤها أولا بالحديث عن خالق هذا الكون وهو الله ﷾ الذي تجلت قدرته في بديع صنعه.\nخالق الكون:\nهو الله ﷿. والقرآن الكريم حافل بالآيات الدالة على ذلك. منها على سبيل المثال: قال تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] . ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] . و﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . و﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .\nصفاته:\nإن كلمة الله أو لفظ الجلالة من الناحية اللغوية غير مشتق من أصل آخر ولا يسمى به إلا الله ﷿: إنه الاسم الذي تفرد به ﷾ وأختص لنفسه. بقول الشاعر العربي:\nيا ذا الذي قد دنا بالبحث والطلب ... عن سر معنى سما عن رتبة النسب\nاقبل نصيحة من قال معترفا ... لا تجعلن إلى التشبيه عن سبب\nلاسم الإله الذي قد حل منفردا ... عن اشتقاق من اسم لذي أرب\nقد ارتضاه له اسما ونزهه ... بالذكر عن خلف في سائر الكتب","vol":"1","page":99},{"text":"واختصه باسمه في ذاته فأتى ... من بينها سائر الأسماء بالعجب\nمنها الثناء الذي قد عم مشتملا ... شكرا على نعم والذكر في الخطب\nفاعلن به أبدا وأحذره عن خلف ... إن كنت ذا همم أو كنت ذا أدب\nوفي كل الديانات السماوية هناك إله واحد هو رب العالمين. وهو فرد صمد لم يلد ولم يولد. ذلك أن التوحيد هو لب العقائد الدينية. وعندما تتعدد الآلهة في الديانات غير السماوية، فهذا يكون شركا بالله وإساءة لاستعمال اللغة. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .\nوقد وصف الله ﷿ نفسه بصفات كثيرة منها: الحي. القيوم. البصير. العليم. القدير. وفي تفسير هذه الصفات يقول علماء المسلمين إنها صفات تختص بالله وحده دون سواه. وتختلف عما يقصد بها بالنسبة للإنسان خليفته في الأرض. فالله ﷾ سميع لا كسمعنا، وبصير لا كبصرنا، وهكذا للصفات الأخرى. والواقع أن علماء المسلمين يتحرجون من تصور صفات الله أو حياته على مثال حياة البشر. ولعل هذا التحرج هو الذي حدا بابن حزم العالم الأندلسي المسلم إلى التردد في نسبة الحياة إلى الله. فقال في براعة لبقة: \"إن الله ينبغي أن يسمى حيا لا لأنه حي بحياة كحياة البشر، بل لأن القرآن وصفه بالحياة ... ولولا النص الوارد بتسميته تعالى بأنه حي قيوم وقدير عليم، ما اسميناه بشيء من ذلك\". \"محمد إقبال: ٧١ نقلا عن ابن حزم: الفصل والنحل: ج٢ ص١٥٨، ١١٨\". ويعلق محمد إقبال على ذلك بقوله: \"ولا بد أن يكون ابن حزم قد أحس بأنه لا يمكن إثبات الكمال للذات الإلهية إلا بنفي الحياة عنها\". \"محمد إقبال: ٧١\".","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>البرهنة على وجوده:</span>\nاهتدى علماء المسلمين للبرهنة على وجود الله ووحدانيته بالأدلة النقلية والعقلية. ومن غير المسلمين نجد أن الفيلسوف الفرنسي ديكارت \"١٥٩٦-١٦٥٠\" يقول بأن الإنسان يصل إلى معرفة الله بواسطة نور العقل الطبيعي.\nوهو ما ذهب إليه بعض المسلمين أيضا. ولكن فلاسفة آخرين منهم \"كانط: ١٧٢٤-١٨٠٤\" يرى أن العقل لا يستطيع أن يدرك حقيقة المعبود الأعلى لأن العقل لا يستطيع أن يتجاوز عالم الماديات والأشياء. وهو يرى أنه من غير المعقول أن ندعي معرفتنا بشيء ليس موضوعا لتجربة ممكنة. ولما كان المعبود الأعلى ليس موضوعا لتجربة ممكنة فلا يحق للعقل أن يدعي معرفته. وهو يرى أن وجود الله أمر تفرضه ميتافيزيقا الأخلاق. \"نازلي إسماعيل حسين. ص١٥٨\".\nويقول العارف بالله الإمام عبد الحليم محمود: \"وإذا كان هناك حديث في مسألة الاستدلال فإنه لا يكون بشأن الألوهية لأنها فطرية، وإنما يكون بشأن النبوة. ومن أجل ذلك يقول ابن عطاء الله السكندري هذه الكلمات النفيسة في وجه كل من تحدثه نفسه بمحاولة الاستدلال على وجود الله تعالى: \"إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار التي توصل إليك؟ \" \"عبد الحليم محمود: ١٢٧-١٢٧٨\".\nوإلى جانب الاستدلال الفطري أو البديهي على وجود الله، يتعرض الدكتور عبد الحليم محمود لقضية إثبات وجود الله بطريق العقل المحض من خلال قصة \"حي بن يقظان\" لابن طفيل. وقد تحرى في كتابة هذه القصة أربعة أهداف هي: \"المرجع السابق: ١٣٣-١٣٧\".\n١- هل يصل الإنسان بعقله إلى إثبات وجود الله تعالى وإلى رسم طريق للسلوك يرضى عنه الله ﷾؟\n٢- هل يصل الإنسان روحيا إلى القرب من الله تعالى وإلى المعرفة عن طريق مباشر؟ أو بتعبير آخر. هل طريق الرياضة الروحية موصل إلى ذلك؟\n٣- هل يلتقي الطريق العقلي والطريق الروحي في انسجام لا اختلاف فيه.\n٤- هل يلتقي ذلك كله بمبادئ الوحي أو بالطريق الديني في تناغم ووحدة وائتلاف؟","vol":"1","page":101},{"text":"ومن أجل الإجابة على هذه الأسئلة كتب ابن طفيل قصته المشار إليها وهي قصة خيالية عقلية لطيفة يعرضها لنا الأستاذ عبد الحليم محمود في السطور الآتية:\nإنها قصة طفل نشأ في جزيرة منذ طفولته الأولى وأخذ ابن طفيل يتدرج معه في تطوره الجسمي إلى أن اكتمل جسميا وأخذ يتدرج معه في تطوره العقلي من فكرة إلى فكرة، ومن مبدأ إلى مبدأ حتى وصل الفتى إلى إثبات وجود الله بطريق العقل المحض ... ثم بدأ فتانا يفكر فرأى أن كل موجود يمكن الاتصال به على وضع يليق به، فأخذ يفكر في كيفية الاتصال.. ونحن نحب أن ندع ابن طفيل نفسه يتكلم: إنه يرى أن هناك رتبة من المعرفة ينتهي إليها بطريق العلم النظري، والبحث الفكري، وهذه الرتبة تعتبر طورا من أطوار \"حي بن يقظان\". وبعد أن شب وترعرع وبلغ دور التمييز، وانتهى إلى مرحلة التعقل، والاستدلال، والبرهان، أدرك بطريق النظر حقيقة الجسم، وأنه منتاه، وأدرك أبدية العالم، وحصلت عنه فكرة نظرية عما وراء الطبيعة، واستقام له الحق بطريق البحث والنظر. فلما انتهى من هذه المرحلة بدأ في المرحلة الثانية: مرحلة الوصول إلى الحكمة بطريق الرياضية الروحية. وكان مما يقوم به من هذا الارتياض أنه كان يلازم الفكرة في الوجود الواجب الوجود. ثم يقطع علائق المحسوسات، ويغمض عينيه ويسد أذنيه، ويضرب جهده عن تتبع الخيال، ويروم بمبلغ طاقته ... ألا يفكر في شيء سواه، ولا يشرك به أحدا. ويستعين على ذلك بالاستدارة على نفسه، وبالاستحثاث فيها، فكان إذا اشتد في الاستدارة غابت عنه جميع المحسوسات، وضعف الخيال، وسائر القوي التي تحتاج إلى الآلات الجسمانية، وقوي فعل ذاته، التي هي برئية من الجسم. وكانت فكرته في بعض الأوقات قد تخلصت من الشوب، ويشاهد به الموجود. والواجب الوجود. ثم تكر عليه القوى الجسمانية فتفسد عليه حاله، وترده إلى أسفل السافلين، فيعود من ذي قبل فإن لحقه ضعف يقطع به عن غرضه، تناول بعض الأغذية بحسب شرائط معينة، ثم انتقل إلى شأنه. ثم رأى أن الحركة من أخص صفات الأجسام، وكان يريد طرح الأوصاف الجسمية عن ذاته، فأخذ يقتصر على السكون في مغارته مطرقا، غاضا بصره، معرضا عن جميع","vol":"1","page":102},{"text":"المحسوسات، والقوى الجسمانية، فتجتمع الفكرة في الموجود، الواجب الوجود وحده دون شركه. فمتى سنح لخياله سانح سواه، طرده عن خياله جهده. ودافعه وراض نفسه على ذلك، وذهب فيه مدة طويلة، بحيث تمر عليه عدة ايام لا يتغذى فيها ولا يتحرك.\nوفي خلال شدة مجاهدته هذه، وربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميعا الأشياء إلا ذاته، فإنها كانت لا تغيب عنه في وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الأول الحق، الواجب الوجود. فكان يسوءه ذلك، ويسلم أنه شوب في المشاهدة المحضة، وشركه في الملاحظة.\nوما زال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق، حتى تأتي له ذلك وغابت عن ذكره وفكره السماوات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية، والقوى المفارقة للمواد، والتي هي الذوات العارفة بالموجود الحق، وغابت ذاته في جملة تلك الذوات، وتلاشى الكل، واضمحل، وصار هباء منثورا، ولم يبق إلا الواحد الحق، الموجود الثابت الوجود، وهو يقول بقوله، الذي ليس معنى زائدا على ذاته: \"ولمن الملك اليوم، الله الواحد القهار\". ففهم كلامه، وسمع نداءه، ولم يمنعه عن فهمه كونه لا يعرف الكلام ولا يتكلم واستغرق في حالته هذه، وشاهد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\".\nوبعد أن وصل إلى الله بطريق العقل وبطريقة الرياضة الروحية، تأمل في ثمرة الطريقين فوجد أن نتيجتها واحدة، وأنهما لا تختلفان إلا في درجة الوضوح، وأبان عن ذلك، وبذلك يكون قد وصل إلى الإجابة عن السؤال الثالث وأتاحت المصادفة للشيخ -حي بن يقظان- أن يلتقي برجل يدين بدين منزل صحيح وتفاهم معه في كل ما وصل إليه عقله، وما وصل إليه قلبه، فوجد التطابق التام. ووصل ابن طفيل برسالته اللطيفة الحجم إلى كل ما كان يرجو أن يصل فيه إلى جواب صحيح يرضي العقل ويرضي الدين. وكانت آمال وأماني فلاسفة الإسلام الوصول -عن طريق المحاولات العقلية المستمرة- إلى التوفيق بين الدين والفلسفة.","vol":"1","page":103},{"text":"وكان كل ما وصل إليه ابن طفيل عن طريق هذه الرياضة منسجما تماما -فيم يزعم- وما وصل إليه عن طريق العقل. ويستطرد الأستاذ عبد الحليم محمود فيقول: \"وابن طفيل في هذا يسير على نمط سار فيه ابن سينا من قبله، وهذا التوافق بينهما بالغ الأهمية: إنهما من كبار المفكرين، ويكاد فكرهما يكون متطابقا تماما في أن العقل الإنساني يصل إلى الله بالدليل والبرهان، وفي أن القلب الإنساني يصل إلى الله بالرياضة الروحية: العبادة، صلاة وصياما وذكرا. ولقد أثبت ابن سينا وجود الله بالفعل. ودليله المرتكز على \"الإمكان والوجود\" معروف مشهور.. أما جانب الرياضة الروحية فيقول عنها ابن سينا في كتابه الذي كان يعتز به كثيرا. والذي ألفه في أواخر حياته وهو كتاب الإشارات\".\nوالواقع أن التفكير في ذات الله من المباحث الفلسفية والفكرية العالية التي يختص بها كبار المفكرين وعلماء المسلمين، ولا يجوز لغيرهم الخوص أو الدخول فيها. بل إن الإسلام نهانا عن التفكير في ذاته حتى لا نضل وننحرف وأمرنا بدلا من ذلك أن نفكر في خلقه وبديع صنعه، فهذا أدعى إلى تثبيت إيماننا به.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفرق بين التصديق والإيمان:</span>\nهناك فرق بين التصديق والإيمان. فالتصديق يعني عدم الرفض أو عدم الشك في موضوع التصديق، وتقبله بدون تفكير أو مناقشة. فأنت قد تصدق خبرا سمعته لأنه صادف هوى في نفسك. وقد تقف موقف التردد عندما تسمع إشاعة مغرضة، أما الإيمان فهو أعلى من التصديق لأنه يأتي عن قناعة، ولا بد أن يرتبط بالعمل. ولذلك عندما سئل النبي ﷺ عن الإيمان أجاب بأنه \"ما وقر في القلب وصدقه العمل\" والمسلم القوي، قوي بإيمانه، وهو خير من المسلم الضعيف. ويقول حجة الإسلام الإمام الغزالي إن العلم طريق الإيمان بالله. وهو يقسم الإيمان إلى ثلاثة مراتب:\nأ- إيمان العوام الذين يصدقون ما يسمعون ومثلهم مثل من قيل لهم فلان بالدار فصدقوا.\nب- إيمان العلماء وهو مبني على الاستنباط ومثلهم مثل من سمعوا ورأوا ما يدل على أن فلانا بالدار فصدقوا.\nج- يقين العارفين الذين يشهدون الحق دون حجاب ومثلهم مثل من دخلوا الدار ورأوا بأعينهم وهو الأنبياء والرسل ومن في مرتبتهم.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>خلق السموات والأرض</span>\n...\nخلق السماوات والأرض:\nاختلف المفسرون قديما وحديثا في فهمهم لمسألة خلق السماوات والأرض. فمنهم من قال بأن خلق الأرض كان قبل خلق السماء. ومنهم من قال بعكس ذلك أي أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض. ومنهم من قال بأنهما خلقتا معا. وفي ذلك يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ . إن السماوات والأرض كانتا شيئا واحدا وفصل الله بينهما بالهواء. ويعلق الدكتور محفوظ علي عزام في كتابه عن \"نظرية التطور عند مفكري الإسلام\" بأن هذه الحقيقة القرآنية عجيبة كبرى يؤيد القرآن بها العلم الحديث في قوله بأن الكون كله كان شيئا منبثا واحدا قبل أن توجد فيه أرض أو نجم أو سديم \"ص٦٠\". وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة على أن الله ﷿ قد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام. كما دل على ذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة. قال تعالى في سورة \"ق\": ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ . وهنا ينبغي أن نشير إلى أن المتأمل في آيات الخلق في القرآن الكريم عليه أن يتذكر أن أيام خلق الكون ليست كالأيام عند الناس، وأن يختار لكل منهما عند تخصيصها معنى يتناسب مع الحقيقة التي قام عليها البرهان عند أهلها من العلماء. فاليوم قد يعني اليوم العادي مثل يوم الجمعة و\"يوم بدر\" و\"يوم حنين\". وقد يطلق على الحقيقة من الزمن يتجاوز طولها كل ما يمكن أن يخطر ببال إنسان كما في قوله تعالى في سورة \"المعارج\": ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . وقوله ﷿ في سورة \"الحج\": ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . وقوله ﷾ في سورة \"السجدة\": ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . ويلخص لنا أحد الباحثين المسلمين خلق العالم في النقاط الخمس الآتية: \"محفوظ على عزام: ٦٤\"\n١- وجود ست مراحل للخلق عموما.\n٢- تداخل مراحل خلق السماوات مع مراحل خلق الأرض.\n٣- خلق الكون ابتداء من كومة أولية فريدة كانت تشكل كتلة متماسكة.\n٤- تعدد السماوات وتعدد الكواكب التي تشبه الأرض.\n٥- وجود خلق وسيط بين السماوات والأرض.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>حقيقة الكون:</span>\nانقسم الفلاسفة غير المسلمين في نظرتهم إلى حقيقة الكون وجوهره. فقال بعض الفلاسفة بأن طبيعة الكون مادية، وآخرون قالوا بأن طبيعته روحية. ومجموعة ثالثة قالوا بأنها روحية مادية. وهذا هو منشأ الفلسفة الثنائية. وهؤلاء الثنائيون انقسموا فيما بينهم حسب تغليبهم لأي من الجانبين على الجانب الآخر. فبعضهم مهتم بالجانب الروحي أكثر من المادي وهم المثاليون، فهم يرون أن الروح هي الأصل أو الجوهر والمادة مظهر لها. ويضعون الروح في مرتبة أرقى من المادة. ويعتبر رونية أوبير عن هدف التربية في ظل هذه الفلسفة فيقول: \"رونية أوبير: ص٢٦٨\". بأن هدف التربية أن تقود الإنسان إلى جوهره المثال.\nأما الفلسفة الواقعية فهي تقوم على أساس أن الواقع المادي هو أساس هذا الكون. وهي تؤمن بالروح والمادة معا إلا أنها تعطي الجانب المادي والحسي في حياة الإنسان أهمية على الجانب الروحي. وتهتم التربية في ظل هذه الفلسفة بالواقع المادي والطبيعي والاجتماعي إلى جانب الإيمان بوجود الله ووجود الروح.\nأما الفلسفة التكاملية فتقوم على تكامل النظرة إلى كل من المادة والروح ولكليهما نفس الأهمية في ظل هذه الفلسفة \"ص٤٦\" يقول: \"إننا نعيش جميعا في عالمين: عالم مادي وعالم روحي، وهذا العالم الروحي هو عالم القيم. ولو أننا ضحينا به في مذبح العلوم أو الاقتصاديات لكان في ذلك هلاكنا\".\nوهدف التربية في نظر هذ الفلسفة هو النمو المتكامل للشخصية الإنسانية، وقد رض هذا الاتجاه نفسه على الفكر التربوي في العصر الحديث ونادى به كثير من المربين وأصحاب النظريات التربوية في الغرب.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>نظرة الإسلام للكون:</span>\nيقوم الفكر الإسلامي على تكامل النظر إلى كل من المادة والروح باعتبارها مظهرين متكاملين للكون والحياة، وهناك عدة نقاط رئيسية ينبغي أن نبرزها في نظرة الإسلام للكون هي:\n١- أن هذا الكون من بديع صنع الله ﷿، فالله ﷾ هو خالق كل مظاهر الحياة في هذا الكون وما فيه من ثروات وأجناس من الطير والحيوان والنبات. ومن الآيات القرآنية الكثيرة الدالة على ذلك نستشهد بما يأتي: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ . ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ .\n٢- أن خالق الكون هو الله ﷾ إله واحد منزه على كل الصفات المادية والبشرية غير محدود بزمان ومكان لا تدركه العقول ولا الأبصار، سرمدي أبدي لا يتغير ولا يتبدل لا شريك له ولا مثيل له. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . لم يلد ولم يولد واحد أحد، فرد صمد، فعال لما يريد بحكمته وعلمه، ﷾، وله المثل الأعلى في الحق والخير والجمال.\n٣- أن هذا الكون لم يخلق عبثا ولا لهوا وإنما لحكمة إلهية ربانية، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾، وهو يسير وفق قوانين لا تخطئ ونظام محكم يدل على عظمته ﷾. قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ","vol":"1","page":107},{"text":"وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .\nوهو بالغ الإحكام والإتقان ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ . كما أنه مليء بمظاهر الجمال والزينة. قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ . وقد ورد في كتاب \"الله يتجلى في عصر العلم\" الذي ألفه مجموعة من العلماء الغربيين قول أحد العلماء: \"أينما اتجهت ببصري في دنيا العلوم رأيت الأدلة على التصميم والإبداع والقانون والنظام على وجود الخالق الأعلى\".\n٤- أن هذا الون ليس ثابتا جامدا وإنما هو متحرك متغير وقابل للزيادة. قال تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ وقال ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ . و﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ .\n٥- أن الكون محدث وليس قديما فالله هو الذي خلق هذا الكون بكل ما فيه قانون المادة يقول: \"بإن المادة لا تفنى ولا تستحدث\" بمعنى أن المادة المكونة لهذا الكون في عناصرها المختلفة تأخذ أشكالا مختلفة ودورات متعاقبة تعود بعدها إلى ما كانت عليه. بمعنى أن الأوكسجين والآيدروجين مثلا عنصران منفصلان فإذا اتحدا بنسبة معينة كونا الماء والماء كما يقول القرآن: يخرج منه كل شيء حي قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أهذا الحي لا بد أن يكون لعمره نهاية عندها يموت ويفنى ويتحلل مرة أخرى إلى العناصر الأصلية ومنها الأوكسجين والآيدروجين اللذان يعودان بدورهما إلى الاتحاد ويكونان الماء وهكذا، ويمكننا أن نضرب أمثلة كثيرة على ذلك منها المادة التي تحرق سواء كانت ورقا أو خشبا أو غير ذلك باحتراقها تتحلل إلى عناصرها الأولية كالكربون وغيره مثلا وهذه العناصر الأولية تعود بدورها إلى الاتحاد مع عناصر أخرى لتكون مادة حية من جديد","vol":"1","page":108},{"text":"يكون مآلها الفناء والتفتت تعود بعدها العناصر الأولية الناتجة إلى دورتها الأولى وهكذا.\n٦- أن الكون والطبيعة سلام وأمن للإنسان وليسا حربا عليه. وهذه النظرة على عكس ما تذهب إليه نظرية التطور التي قال بها لامارك وسبنسر وداروين من أن الإنسان يعيش في بيئة غير مطاوعة. وأن يد الطبيعة ملطخة بالدماء وأن البقاء للأصلح. فالطبيعة في نظر الإسلام هي دليل قدرة الخالق وعظمته ومنها يستمد الإنسان قوة لإيمانه بالله. وعليه أن يستخدم عقله وفكره وإمكانياته لمعرفتها والكشف عن قوانيها واستغلال خيراتها وكنوزها لمصلحته ومنفعته. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ .\n٧- أن الله ﷾ قد استخلف الإنسان في هذا الكون دون سائر خلقه لما حباه الله من تفضيل وتكريم عليهم وزوده بالعقل والتفكير الذي يمكنه من السيادة على الكون وتسخير ما فيه من قوى طبيعية وثروات وإمكانيات من أجل خدمته وراحته ومنفعته وتقدمه ورقيه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ . قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ .\n٨- أن هذا الكون ليس واديا للدموع كما تقول المسيحية وليس دارا للبلاء والعذاب والتكفير عن الذنب والخطيئة الكبرى لآدم، وإنما هو دار جعل الله لنا فيها متاعا ومستقرا إلى حين وعلى الإنسان أن يشكر الله عليه. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ .\nلقد لعن العقد القديم الأرض باعتبارها مستقر للعصاة والآثمين لأن آدم","vol":"1","page":109},{"text":"نزل إليها بعد أن عصى ربه وقد جاء في سفر التكوين الإصحاح الثالث ١٧-١٩ ما نصه: \"وقال: آدم لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل منها ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها لأنك تراب وإلى تراب\" ونقرأ في إنجيل لوقا الإصحاح ١٢: ٢٩-٣٤ قول عيسى ﵇ لتلاميذه: \"فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا فإن هذه كلها تطلبها أمم العالم. وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه بل اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تزاد لكم ... بيعوا ما لكم وأعطوا صدقة. اعملوا لكم أكياسا لا تفنى وكنزا لا ينفد في السماوات\". أما الإسلام فعلى العكس من ذلك لا يعتبر الأرض ساحة للعذاب سجنت فيها إنسانية شريرة إنما هي دار متاع واستمتاع للإنسان بحياته كاملا. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ . بيد أن الإسلام كما أشرنا في اهتمامه بالواقع الدنيوي للإنسان إلى ما هو أبعد من حياة الأرض القصيرة ليعده لحياة سعيدة أبدية في الآخرة يجد فيها كل النعيم وما لم يخطر على قلب بشر. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ .\nإن على المسلم ألا يذم الدنيا. وقد ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب ﵁ فقال علي: \"الدنيا صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غني لمن تزود منها ومهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه ومتجر أوليائه ربحوا فيها الرحمة واكتسبوا فيها الجنة\".\nويحكى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الربيع بن زياد الحارثي شكا إليه عاصم بن زياد لأنه لبس العباءة وترك الملاءة وغم أهله وأحزن ولده. فأرسل علي ﵁ في طلب عاصم فلما جاء عبس في وجهه وقال: \"ويلك يا عاصم أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره أخذك منها؟ لأنت أهون على الله من ذلك ... أو ما سمعته يقول: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ . والله إن ابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال. وقد سمعته ﷿ يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ... وإن الله ﷿ خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ .","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الأنبياء وكتب الشرائع:</span>\nيتحدث ابن النديم في كتابه الفهرسب عن الأنبياء وكتب الشرائع فيقول جميع الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي. منهم المرسلون بالوحي شفاها وهم ثلاثمائة وخمسة وعشر نبيا. وجميع ما أنزل الله تعالى من الكتب مائة وأربعة كتب. من ذلك صحيفة أنزلها الله تعالى فيما بين آدم وموسى. فأول كتاب منها أنزله جل اسمه صحف آدم ﵇ وهي إحدى وعشرون صحيفة. والكتاب الثاني أنزله الله على \"شيث\" ﵇ وهو تسع وعشرون صحيفة. والكتاب الثالث الذي أنزله الله على \"أخنوخ\" وهو إدريس ﵇ وهو ثلاثون صحيفة. والكتاب الرابع أنزل جل اسمه على إبراهيم ﵇ وهو عشر صحائف. والكتاب الخامس على \"موسى\" وهو عشر صحائف. فذلك خمسة كتب في مائة صحيفة. ثم أنزل الله ﵎ \"التوراة\" على موسى ﵇. بعد الصحف بزمان، في عشرة ألواح. فلما نزل موسى من الجبل ووجد أصحابه قد عبدوا العجل، رمى بها فانكسرت. ثم ندم فسأل الله ﷿ أن يردها عليه. فأوصى الله جل اسمه أني أردها في لوحين. وفعل الله له ذلك. فأخذ اللوحين: \"لوح الميثاق\" والآخر \"لوح الشهادة\". ثم أنزل الله ﷿ على داود \"المزامير\" هو الزبور الذي في أيدي اليهود والنصارى. وهو مائة وخمسون مزمورا. أنزل الله جل اسمه على موسى التوراة وهي خمسة أخماس. وينقسم كل خمس إلى سفرين. وينقسم السفر إلى عدة \"فراسات\" ومعناها السورة. وتنقسم كل فراسة إلى عدة \"أبسوقات\" ومعناها الآيات. ولموسى كتاب يقال له \"المشنا\" ومنه يستخرج اليهود علم الفقه والشرائع والأحكام. وهو كتاب كبير ولغته \"كسداني\" و\"عبراني\" ومن كتب الأنبياء","vol":"1","page":111},{"text":"بعد ذلك: كتاب يهوسع، وكتاب سفطي، وكتاب شمويل، وكتاب سفر أشعيا، وكتب سفر أرميا، وكتاب سفر حزقيل، وكتاب ملخي، وهو سفر داود وأصحابه ويعرف بتفسير ملخي الملوك من كتاب النصارى التي خرجت إلى اللسان العربي كتاب الصورة. وينقسم إلى قسمين الصورة العتيقة والصورة الحديثة. أي العهد القديم والعهد الجديد. فالعتيقة هي السند القديم على مذهب اليهود، والحديثة على عهد مذهب النصارى. والصورة العتيقة \"العهد القديم\" تستند على عدة كتب. أولها كتاب التوراة وهي خمسة أسفار، وكتاب محتوى ويحتوى على عدة كتب منها: كتاب يوشع بن نون، وكتاب الأسباط، وهو كتاب القضاة، وكتب شماويل وقضية داود، وكتاب أخبار بني إسرائيل، وكتب قضية رعوث، وكتب سليمان بن داود في الحكم، وكتاب قوهلت، وكتاب ابن سيري، وكتاب الأنبياء، ويحتوي على أربعة كتب: كتاب أشعيا النبي ﵇، وكتاب أرميا النبي ﵇، وكتاب الاثني عشر نبيا ﵈ وكتاب حزقيل.\nأما كتاب الصورة الحديثة \"العهد الجديد\" فيحتوي على الأناجيل الأربعة: كتاب إنجيل متى، وكتاب إنجيل مرقس، وكتاب إنجيل لوقا، وكتاب إنجيل يوحنا، وكتاب الحواريين ويعرف \"بفراكسيس\"، وكتاب \"بولس\" أربع وعشرون رسالة. \"انظر أيضا الدكتور عبد اللطيف محمد العبد: ص٥٥-٥٦\".\nوعن القرآن الكريم يقول ابن النديم إن أمير المؤمنين أبا بكر طلب من زيد بن ثابت كاتب الوحي لرسول الله ﷺ أن يقوم بجمع القرآن من الرقاع واللخاف والسعف وصدور الرجال. ويقول زيد بن ثابت في ذلك: فوالله لنقل جبل من الجبال كان أهون علي من الذي أمرني به أمير المؤمنين. فقد ألفت كتب في تفسيره ومعانيه، ومجازه ومشكله، وغريبه ولغاته وقراءاته، ونقطه وشكله ولاماته، والوقف والابتداء منه ووقف التمام، واختلاف مصاحفة، وما اتفقت ألفاظه ومعانيه ومتشابهة وهجاء المصاحف أي تهجيها، ومقطوع القرآن وموصوله، وأجزائه، وفضائله، وعدد آية وناسخه ومنسوخه، ونزوله وأحكامه.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الكون والتطور:</span>\nتحدث علماء المسلمين عن الثبات والتغير على الكون. كما تحدثوا أيضا عن التطور. ويتفق مفكرو الإسلام ومفكرو الغرب في أن الكون يتطور، وأن التطور هو قانون الكون، لكنهم يختلفون في تفسير طبيعة عملية التطور، والكيفية التي تتم أو تحدث بها. فالقرآن الكريم يقول إن أصل العالم كان شيئا واحدا. أما بالنسبة لمفكري الغرب فإن بداية الكون لديهم غير معلومة، ويختلفون في شرحها. فمنهم من قال بنظرية الانفجار العظيم. وهي تذهب إلى أن الكون نتج عن انفجار كتلة واحدة من المادة، وأنه يتمدد باستمرار. ومنهم من قال بنظرية حالة الاستقرار ومعناها أن الكون كان له دائما تركيبه الحالي، وأن المادة تتشكل باستمرار، وهناك من قال بنظرية التذبذب وهي تعني أن الكون يتمدد ويتقلص بانتظام على مدى آلاف الملايين من السنين. وهذه النظريات هي مجرد نظريات تحتاج إلى البرهنة على صحتها. وعلى الرغم من هذا فإنها لا تقدم لنا إجابة شافية على السؤال الهام: من أين أتت المادة الأصلية أو الطاقة التي تنتج المادة لتشكيل الكون كله؟ وهكذا يظل التكهن ببداية الكون سرا مكنونا لا يزال بعيدا عن تصور العقل البشري \"محفوظ على عزام: ١٦٧، ١٦٨\".\nويعتبر القرن التاسع عشر قرن نظريات التطور في العالم الغربي. من هذه النظريات ما يعرف بنظرية التطور الطبيعي. ومن أهم روادها \"لامارك\" \"١٧٤٤-١٨٢٩\" وهو عالم فرنسي في علم الأحياء أو البيولوجيا. ويعتبر أول من وضع نظرية عامة للتطور. وتقوم نظريته على أساس توارث الصفات المكتسبة. بمعنى أن جميع الصفات المكتسبة عن طريق الاستعمال أو غير الاستعمال، والتي تكون بتأثير البيئة، تبقى وتتوارث في الأجيال التالية. ومن رواد نظرية التطور الطبيعي أيضا \"داروين\" \"١٨٠٩-١٨٨٢\" وهو عالم إنجليزي في علم الأحياء أو البيولوجيا، صاحب نظرية الاختيار الطبيعي والتطور العضوي. ومن مبادئ هذه النظرية: ميل جميع الكائنات للزيادة بنسبة هائلة للغاية، ومع ذلك يظل عدد كل نوع من الحيوان ثابتا لأن كثيرا منه يهلك نتيجة المرض أو الأعداء أو التنافس أو المناخ. ومن هنا استنتج \"داروين\" فكرة","vol":"1","page":113},{"text":"التنازع على البقاء، والبقاء للأصلح، نتيجة الانتخاب الطبيعي في الأفراد التي تكون أكثر ملاءمة للحياة، والأصلح يولد صفاته في أجياله ويخلدها فيهم، وتنتقل من جيل لآخر.\nومن الأخطاء الشائعة عن نظرية داروين تسميتها بنظرية النشوء والارتقاء وصحة تسميتها نظرية أصل الأنواع Origin Of Species وهو اسم الكتاب المشهور الذي ضمنه الكلام عن نظريته. ومن الأخطاء الشائعة عنه أيضا أنه قال بأن أصل الإنسان قرد. وهذا غير صحيح. والذي ذكره دارون في كتابه المشار إليه هو أن الإنسان تطور من نوع سابق له من الكائنات بدون أن يحدد هذا النوع السابق. وجاء الفيلسوف البريطاني هاكسلي Huxley واستنتج بنفسه أن ذلك النوع السابق هو القرود، وذلك بمقارنة الهيكل العظمي للإنسان بهياكل الحيوانات الأخرى. إن \"دارون\" في كلامه عن أصل الأنواع لم يتعرض لأصل الإنسان، لكنه أشار إلى إمكانية الكشف عن أصل الإنسان وتاريخه من خلال نظريته التي تنتهي إلى أن الكائنات تنازعت البقاء وتواءمت مع حاجات هذا التنازع حتى بقي الأصلح الذي استطاع أن يوائم نفسه للمقاومة. أي مقاومة قوى الطبيعة والمخلوقات الأخرى \"عمارة نجيب: ٢٩\". ومن نظريات التطور ما يعرف بنظرية التطور الكوني العام التي تنسب إلى زعيمها ورائدها \"هربرت سبنسر\" \"١٨٢٠-١٩٠٣\". وقد عرض نظريته في كتابه \"المبادئ الأولى\" الذي نشر لأول مرة عام ١٨٦٠ أي بعد نشر كتاب داروين \"أصل الأنواع بسنة واحدة فقط. ولا يمكن أن يقال بأن سبنسر استفاد من داروين لأن نظرية سبنسر تتعلق بالتطور الكوني العام أكثر من كونها في مجال التطور العضوي \"محفوظ على عزام: ١٩٣\".\nوبالنسبة للفكر الإسلامي نجد ما يعرف بنظرية \"الكمون\" التي تفسر عملية التطور. وتنسب هذه النظرية إلى \"النظام\" أحد متكلمي المعتزلة. ويوضح الخوارزمي في كتابه \"مفاتيح العلوم\" معنى الكمون بقوله: \"هو استتار الشيء عن الحس كالزبد في اللبن قبل ظهوره، وكالدهن في السمسم. ويذكر \"الشهرستاني\" في كتابه المعروف \"الملل النحل\" ما يذهب إليه النظام في نظريته عن الكمون وهو أن الله ﷿ قد خلق الموجودات دفعة واحدة علي ما","vol":"1","page":114},{"text":"هي عليه الآن، معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا. ولم يتقدم خلق آدم ﵇ خلق أولاده، غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض. فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها\". وهكذا يكون \"الكمون\" طريقة في فهم التطور دون تحول نوع إلى نوع آخر، فلا يولد الإنسان من الحيوان، ولا القمح من الفول، ولا الجراد من السمك، والعكس صحيح. ولهذا نجد من الباحثين الغربيين من قام بعمل مقارنة بين نظرية الكمون ونظرية التطور كما عرضها \"لامارك\" و\"داروين\" و\"سبنسر\" \"المرجع السابق: ١٢٩-١٣٠\".\nإن التطور عند مفكري المسلمين وعلمائهم يعني نوعا من الترتيب والتصنيف والتقسيم للكائنات يعتمد على بيان أفضلية بعضها على بعض، وشرف بعضها على بعض. فهم قسموا الكائنات الحية إلى نبات وحيوان، وقسموا كلا منهما إلى أقسام فرعية. كما قسموا الطير إلى أنواع رئيسية وأخرى فرعية. وعقدوا مقارنات لبيان وجه الشبه بين الإنسان والطير والحيوان من الناحية النفسية والتشريحية. فقارنوا بين الإنسان والحمام، وبين الإنسان والقرد والفرس وبعض الحيوانات الأخرى. وهم يستدلون من ذلك على وجود الخلق والخالق \"محفوظ على عزام: ١٥٠\" وانظر أيضا: كتاب الحيوان للجاحظ، وحياة الحيوان الكبرى للدميري. ويقولون بأن الله هو الخالق لكل الكائنات، وهو أيضا المطور لها والمغير لها ولأحوالها بالحركة والسكون والزيادة النقصان. قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ . وقال تعالى في سورة فاطر: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وقد اقتضت حكمة الله في الخلق وجود زوجين من كل شيء. قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .\nإن أصل الحياة في الكون كما يؤكده القرآن هو الماء. قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ . ويقول ﷿ في سورة النور: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى","vol":"1","page":115},{"text":"رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ . فالله سبحانه خلق جميع أنوع الحيوانات والدواب على اختلاف اشكالها وأنواعها وأصنافها. كما أنه خلق جميع أنواع النبات والزرع والثمار. وهي جميعا تسقى بماء واحد، وتنبت في أرض واحدة. قال تعالى في سورة الرعد:\n﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وتكاثر الحيوان والنبات يتم من خلال التزاوج بين العناصر الذكرية والعناصر الأنثوية. قال تعالى في سورة يس: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ . فهناك عملية الإخصاب بالنسبة لتكاثر الإنسان والحيوان. وهناك عملية التلقيح بالنسبة لتكاثر النبات. وهناك الذكر والأنثى من النبات، كما أنه قد يجتمع في النبات الواحد عناصر الذكورة والأنوثة معا.\nإن فكرة قانون البقاء للأصلح Survival of The Fittist التي استخدمها \"داروين\" ومن بعده هربرت سبنسر ترجع في أساسها إلى العالم الرياضي المتشائم المعروف \"مالتس\" Malthus المشهور بنظريته التشاؤمية عن تزايد السكان. وقبل هؤلاء جميعا تحدث المفكرون المسلمون عن هذا القانون على أنه خاصية أو سمة في الحيوان فطره الله عليها للدفاع عن نفسه والحفاظ على حياته دون أن يترتب على ذلك فناء أي نوع منها لأن الله ﷾ أعطى لكل كائن وسيلة الدفاع عن نفسه. وقد تحدث عن ذلك \"إخوان الصفا\" وأشاروا إلى ما في جبلة الموجودات من محبة البقاء وشهوته وكراهية الفناء وبغضه. وما فيها أيضا من طلب المنافع وفرارها من الضرر. وهذا ينطبق على الإنسان والحيوان. ومن الحيوان ما يطلب المنافع بالغلبة والقهر كالسبع. ومنا ما يطلبها بالحيلة \"كالعنكبوت\" ومنها ما يدفع العدو عن نفسه بالقتال كالسباع وبعضها بالفرار كالأرانب والظباء والطير. وبعضها يتحصن في الأرض كالفأر والزواحف.\nوابن مسكويه يرى أن الله ﷿ أعطى لكل حيوان آلة \"وسيلة\" يتناول بها حاجاته ويدفع بها الضرر عن نفسه، كما يجلب بها المنفعة. وتحدث ابن خلدون في مقدمته عن هذا القانون فيقول: \"ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل الله ﷾ لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعة ما يصل","vol":"1","page":116},{"text":"إليه من عادية غيره\".\nوتحدث علماء المسلمين منهم ابن خلدون عن تأثير المناخ والظروف البيئية والهواء والحر والبرد على الكائنات الحية، وتأثيرها أيضا على لون بشرة الإنسان ومزاجه وصفاته. ويرى إخوان الصفا أن للبيئة أثرا في اختلاف السنة الناس وألوانهم وطباعهم وآدابهم ومذاهبهم. وكذلك في اختلاف الحيوانات والنباتات والمعادن. كما يرون أن لكل مكان خاصية ليست لآخر. فينبت فيه أنواع معينة من النبات، ويوجد فيه أنواع معينة من المعادن والحيوانات. \"محفوظ على عزام: ١٥٧\" وقد شرح \"أبودلف\" رحالة القرن العاشر الميلادي في رسالته الثانية١ عن رحلته في وسط آسيا وما شاهده فيها من أقوام وبلاد وأنهار ونبات وحيوان ومعادن.\n_________\n١ هذه الرسالة ترجمها مؤلف هذا الكتاب عن الروسية إلى العربية وعلق عليها. وهي من نشر وتحقيق بطرس بولفاكوف، وأنس خالدوف. وناشرها عالم الكتب، القاهرة ١٩٧٠م.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>رفض علماء المسلمين لنظريات التطور الغربية:</span>\nكان من الطبيعي أن يرفض علماء المسلمين نظريات التطور التي شاعت في الغرب، والتي سبق أن أشرنا إليها عند \"لامارك\" و\"داروين\" و\"سبنسر\". من هؤلاء العلماء إبراهيم الحوراني في كتابه \"مناهج الحكماء في النشوء والارتقاء\" و\"الحق اليقين في الرد على بطل دارون\". ومنهم أبو الأعلى الموردي في كتابه \"الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة\". ويعتبر جمال الدين الأفغاني من أبرز علماء المسلمين في الرد على نظريات التطور، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق. وقد ضمن رده في رسالته الصغيرة الحجم العظيمة القدر المعنونة باسم \"الرد على الدهريين\". وفي رده على \"داروين\" يقول: لو عرضت على دارون الحيوانات المختلفة البنى، والصور والقوى والخواص وهي تعيش في منطقة واحدة، ماذا تكون حجته في علة اختلافها؟ وإن قيل لداروين هذه أسماك بحيرة \"أورال\" وبحر \"كسين\" مع تشاركها في المأكل والمشرب","vol":"1","page":117},{"text":"وتسابقها في ميدان واحد ترى فيها اختلافا نوعيا، وتباينا بعيدا في الأشكال والألوان والأعمال. فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ وإن سئل دارون عن الأشجار القائمة على غابات الهند والنباتات المتولدة فيها من أزمان بعيدة لا يحددها التاريخ إلا ظنا. وأصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء واحد، وعروقها تسقى بماء واحد. فما السبب في اختلاف كل منها عن الأخر في بنيته وشكل أوراقه وطوله وقصره وضخامته وزهره وثمره وطعمه ورائحته وعمره. فأي فاعل خارجي أثر فيها حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظن لا سبيل إلى الجواب سوى المعجز عنه \"جمال الدين الأفغاني: ٤٢-٤٣\".\nويشير الأفغاني إلى فكرة أخرى لدارون فيقول: ومن واهياته، أي داروين ما كان يرويه من أن جماعة كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما واظبوا على عملهم هذا قرونا، صارت الكلاب تولد بلا أذناب، كأنه يقول حيث لم تعد للذنب حاجة كفت \"أي توقفت\" الطبيعة عن هبته \"أي إعطائه\". ويرد الأفغاني على ذلك بقوله: وهل صمت أذن هذا المسكين عن سماع خبر العبرانيين والعرب وما يجرونه من الختان ألوفا من السنين، ولا يولد مولود حتى يختن. وإلى الآن لم يولد واحد منهم مختونا إلا لإعجاز \"المرجع السابق: ٤٤-٤٥\".","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>دورة الحياة:</span>\nإن النظرة الدينية في الإسلام والرسالات السماوية الأخرى ترى أن الحياة البشرية بدأت بخروج آدم من الجنة ونزوله إلى الأرض أو الحياة الدنيا لتعميرها بما حباه الله من عقل وجسم وقدرات مختلفة هو وذريته من بعده حتى تنتهي هذه الحياة لتبدأ دروة حياة أخرى هي حياة الآخرة. فهذه الدورة البشرية من الحياة دورة تاريخية لكنها لا تتكرر. وقد يختلف المفكرون ورجال الدين وغيرهم تفاؤلا وتشاؤما فيما يتعلق بالحياة الآخرة التي وصفت بأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقد وصفها الله ﷿ في قرآنه الكريم بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ . بيد أن هذه الأرض التي نطؤها بأقدامنا ليست كتلة من جسد أموات كما وصفها المعري والخيام في أشعارهما. بل إنها كائن حي","vol":"1","page":118},{"text":"يتدفق قوة وحيوية تبذر فيها البذور فتترعرع نباتا غضا طريا يتغذى به الإنسان والحيوان.\nإن قدرة الله وعظمته تتجلى في مظاهر الطبيعية الكون. وقد أمرنا ﷿ أن نتأمل هذه المظاهر، وأن نفكر فيها حتى يزداد إيماننا به بدلا من التفكير في ذاته فنضل. وهذا الكون هو مجال عمل الإنسان عليه أن يرعاه. وأن ينميه، وأن يحافظ عليه، وأن يشكر الله على ما حباه من نعم وخيرات فيه.\nهل هناك حياة أخرى في الكون خارج هذه الأرض التي نحيا عليها؟ إن الإجابة على هذا السؤال تستدعي منا التفكير في بعض الآيات القرآنية: منها قوله ﷿ في سورة الشورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ . فالفهم العام الذي يتبادر إلى الذهن من ضمير التثنية في كلمة \"فيهما\" يوحي بأن هناك حياة أخرى لأن الدابة هو كل ما يدب على الأرض حتى الإنسان يقال له دابة. وفي تفسير هذه الآية يقول ابن كثير بأن من آيات الله الدالة على قدرته وعظمته خلق السماوات والأرض وما ذرأه فيهما أي خلقه في السماوات والأرض من دابة. وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم. وقد فرقهم في أقطار السماوات والأرض. ويذهب إلى نفس التفسير محمد فريد وجدي في تفسيره المعروف بالمصحف المفسر فيقول: ومن آياته خلق السماوات والأرض على ما فيها من عجائب الإبداع وما نشر فيها وقت يشاء. ويقول الله تعالى أيضا في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ فتكرار اسم الموصول مرتين مرة متعلقة بالسماوات والأخرى متعلقة بالأرض يؤكد نفس المعنى الذي ذهبت إليه الآية السابقة. وهكذا يذكر القرآن الكريم ما يشير إلى وجود حياة خارج الأرض التي نحيا عليها.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>ما تصلح به حال الدنيا:</span>\nيقول الماوردي تحت هذا العنوان: \"اعلم أن ما تصلح به الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة ... ستة أشياء أو أمور هي: دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح\". فهو يرى أن الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها لأنه يصرف النفوس عن شهواتها ويعطف القلوب عن إرادتها حتى يصير قاهرا للسرائر زاحرا للضمائر، رقيبا على النفوس في خلواتها نصوحا لها في ملماتها. كما أن الدين به صلاح الآخرة أيضا. ومن هنا كان على العاقل أن يكون به متمسكا وعليه محافظا.\nأما الأمر الثاني الذي تصلح به الدنيا هو السلطان القاهر فيقول الماوردي إن برهبته تتألف الأهوار المختلفة وبهيبته تجتمع القلوب المتفرقة وبسطوته تنكف الأيدي المتعالية ومن خوفه تنقمع النفوس المتعادية ولأن في طباع الناس من حب المغالبة والمنافسة على ما آثروه والقهر لمن عاندوه ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي ورادع تلي وقد أفصح المتنبي في ذلك بقوله:\nلا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم\nوالظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعله لا يظلم\nوقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم\". وروى عنه قوله ﷺ أيضا: \"إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن\".\nأما الأمر الثالث وهو العدل الشامل فإنه كما يقول الماوردي يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة وتعمر به البلاد وتنمو به الأموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان. وإذا كان العدل إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه ثم بعدله في غيره فإذا عدل الإنسان في نفسه فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح. وأما عدله مع غيره فيكون بعدل الإنسان فيمن دونه، كالسلطان في رعيته. ويكون بعدل الإنسان مع من فوقه كالرعية مع سلطانها. ويكون بعدل الإنسان","vol":"1","page":120},{"text":"مع أكفائه.\nأما الأمر الرابع الذي تصلح به الدنيا وهو الأمن العام فإليه تطمئن النفوس وفيه تنتشر الهمم وفيه يكن البريء ويأنس الضعيف. فليس لخائف راحة ولا لحاذر طمأنينة. وقد قال بعض الحكام: الأمن أهنأ عيش والعدل أقوى جيش.\nوأما الأمر الخامس وهو خصب الدار ووفرة العيش فيه تتسع النفوس ويشترك فيه ذوو الإكثار والإقلال. فيقل في الناس الحسد وينتفي عنهم تباغض العدم. ولأن الخصب يئول إلى الغنى. والغنى يورث الأمانة والسخاء. وقال بعض السلف: \"إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى، وشر الدنيا والآخرة في الفجور والفقر\". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:\nولم أر بعد الدين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر\nأما الأمر السادس وهو الأصل الفسيح فإنه يبعث على اقتناء ما يقصر العصر عن استيطابه. ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: $\"الأمل رحمة من الله لأمتي ولولاه ما غرس غارس شجرا ولا أرضعت أم ولدا\". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:\nوللنفوس وإن كانت على وجل ... من المنية آمال تقويها\nفالصبر يبسطها والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها والموت يطويها\nويفرق الماوردي بين الآمال والأماني. فالآمال ما تقيدت بأسباب والأماني ما تجردت عنها. أي أن الأمل يتعلق بتحصيل شيء يمكن حصوله. أما الأمنية فهي رجاء وتمني لشيء من الصعب أو المحال تحقيقه.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>ثانيا: المعرفة في الإسلام \"<span data-type=\"title\" id=toc-74>مدخل </span>ابستمولوجي</span>\"\nمدخل\n...\nثانيا: المعرفة في الإسلام \"مدخل أبستمولوجي\"\nشغل علماء المسلمين بالبحث في العلوم والمعارف وأنواعها وتصنيفاتها والمفاضلة بينها. ويقول ابن خلدون: \"ومن الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم من العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي\". \"والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة ... والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين\". وقد فاضل علماء المسلمين بين العلوم شريفها ووضيعها ومحمودها ومذمومها. وكانت الفلسفة أكثر العلوم موضعا للجدل. فقد نظر إليها الغزالي على أن كثيرها مذموم لما تؤدي إليه من الشك أو الإلحاد، واعتبرها ابن خلدون صناعة عاطلة.\nوقد ورد عن الجاحظ أنه مدح الفلسفة وذمها فيما مدحه وذمه من العلوم معربا عن قدرته على الكلام وبعد شأوه في البلاغة. قال مادحا الفلسفة: إنها أداة الضمائر وآلة الخواطر ونتائج العقل وأداة لمعرفة الأجناس والعناصر وعلم الأعراض والجواهر، وعلل الأشخاص والصور واختلاف الأخلاق والطبائع والسجايا والغرائز. وقال في ذم الفلسفة: إنها كلام مترجم وعلم مرجم بعيد مداه قليل جدواه مخوف على صاحبه سطوة الملوك وعداوة العامة. ومن المعروف أن الجاحظ كان من المعتزلة وهي إحدى فرق الكلام الإسلامية التي تحتكم إلى العقل في منهجها الفلسفي.\nوهكذا نجد أن المتقدمين من المسلمين قد اختلفوا في تقديرهم للفلسفة بين مادح وقادح، لكنهم لم يصلوا إلى درجة المبالغة في معاداة الفلسفة وتحريم الاشتغال بها على غرار ما نجده عند بعض علماء المسلمين الذين جاءوا في فترة متأخرة. فالشهرزوري أحد علماء القرن الثالث عشر يذكر في فتواه فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعلما وتعليما قوله:\nالفلسفة أس السفه والانحلال ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة.. من تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان.. وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه من إباحة الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين ... ومن زعم أن يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشيطان ومكر به. فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم ويخرجهم عن المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بفنهم \"مصطفى عبد الرازق: ص٨٥\".","vol":"1","page":121},{"text":"ويذكر الشيخ جمال الدين أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي عالم القرن العاشر الميلادي في الرد على الفلاسفة: هم قوم من اليونانيين تحذلقوا في المعقولات حتى وقعوا في وادي الحيرة والخباط ... ويزعمون أنهم أكيس خلق الله وسياق مذهبهم يدل على أنهم أجهل خلق الله وأحمق الناس. وأساس الإلحاد والزندقة مبني على مذهبهم والكفر كله شعبة من شعبهم. وكانوا يترهبون لقطع النسل. ورئيسهم أفلاطون الملحد لعنه الله وإخوانه كأرسططاليس وسقراط وجالينوس كلهم ملاحدة العصر وزنادقة الدهر يقينا. ثم إن الله ﷾ علم خبث سرائرهم فأرسل عليهم سيلا ففرقهم. وعلومهم المشئومة عربتها أقوام في عهد المأمون الخليفة بإذنه ووصيته ... فهم مشركون ملحدون لعنهم الله.\nوواضح هنا أن الكلام عن الفلسفة اليونانية ولا يمكن أن يفهم منه أن الخوارزمي يعادي الفلسفة بصفة عامة. بل إن الخوارزمي يورد في نفس الكتاب ما يؤكد أن النظر والتفكير واجب بل هما من الفرائض الإسلامية. ولعل هذا ما حدا بمؤلف العبقريات الإسلامية أن يجعل عنوان أحد كتبه: التفكير فريضة إسلامية: أليس هذا سندا شرعيا كافيا للفلسفة؟\nوهناك مثال آخر للعلماء المعادين للفلسفة الذين ظهروا في فترة متأخرة نجده فيما يذكره أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كوبري زاده عالم القرن السادس عشر الميلادي في كلامه عن موضوعات العلوم فيقول: وإياك أن تظن من كلامنا هذا أو تعتقد كل ما أطلق عليه اسم العلم حتى الحكمة المموهة التي اخترعها الفارابي وابن سينا ونقحها نصر الدين الطوسي ممدوحا. هيهات هيهات إن كل ما خالف الشرع فهو مذموم سيما طائفة سموا أنفسهم حكماء الإسلام عكفوا على دراسة ترهات أهل الضلال وسموها الحكمة، وربما استجهلوا من عرى عنها وهم أعداء الله وأعداء أنبيائه ورسله المحرفون علم الشريعة عن مواضعه. ولا تكاد تلقي أحد منهم يحفظ قرآنا ولا حديثا وإنما يتجملون برسوم الشريعة حذرا من تسلط المسلمين عليهم ... فالحذر الحذر منهم وإن الاشتغال بحكمتهم حرام في شريعتنا.","vol":"1","page":123},{"text":"وعلى النقيض من ذلك نجد إخوان الصفا يعتبرون الفلسفة أشرف الصنائع البشرية بعد النبوة. واعتبرها آخرون ضرورية لفهم الدين بل إن الشرع يحث على تعلمها. ويقول ابن رشد في \"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال\" إن النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع بل إن الشرع يحث على تعلم الفلسفة لأن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات كما أن الشرع قد حث على معرفة الله تعالى وسائر موجوداته بالبرهان. وكان من الأفضل أن الأمر الضروري لمن أراد أن يعرف الله ﵎ وسائر الموجودات بالبرهان أن يعرف أنواع البراهين وشروطها وكيف يختلف القياس البرهاني عن القياس الجدلي والقياس الخطابي والقياس المغالطي، وهذا بدوره يقتضي معرفة القياس وأنواعه وأجزائه ومكوناته وغير ذلك من الأساليت التي تقتضيها طبيعة النظر في الموجودات.\nويعرض الغزالي في \"معارج القدس ص٤٦\" لفكرة أهمية العقل وضرورته كأساس فيقول: \"فالعقل كالأس والشرع كالبناء ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس ... فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان\". ويقول ابن رشد في نفس المعنى: \"إن الحكمة هي صاحبة الشرعية والأخت الرضيعة وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة\" ويقول الدكتور دراز: في كتابه: الدين ص٥٣. \"إن من الأهداف الرئيسية للفلسفة معرفة أصل الوجود وغايته ومعرفة سبيل السعادة الإنسانية في العاجل والآجل وهذا أيضا موضوعا الدين بمعناه الشامل للأصول والفروع\".\nيقول فرانسيس بيكون في الرد على اتهام معاصريه له بالإلحاد: \"إن القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد ولكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الإيمان ذلك لأن عقل الإنسان قد يقف عندما يصادفه من أسباب ثانوية مبعثرة فلا يتابع السير إلى ما وراءها ولكنه إذا أمعن النظر فشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها لا يجد بدا من التسليم بالله\".\nكل تلك الأمثلة السابقة أردنا أن نوضح بها الصلة بين الدين والفلسفة. وقد درس علماء المسلمين أيضا علاقة المنطق بالفلسفة ويمثل علم المنطق في نظر","vol":"1","page":124},{"text":"إخوان الصفا وغيرهم ميزان الفلسفة وأداة الفيلسوف.\nوقد اختلف علماء المسلمين في المفاضلة بين العلوم الحسية والعلوم العقلية أو النظرية فذهب فريق منهم أبو العباس القلانسي إلى تفضيل العلوم النظرية العقلية على الحسية. وذهب فرق آخر منهم أبو الحسن الأشعري إلى تفضيل العلوم الحسية على العلوم النظرية العقلية لأنها أصول لها ويقول ابن خلدون في المقدمة: \"وأما العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن يميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة، فاختصت بها العجم وتركها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلا المعلمون من العجم شأن الصنايع كما قلنا\".\nوقد قسم ابن طاهر البغدادي العلوم النظرية أي التي تعتمد على النظر والعقل إلى أربعة اقسام:\n- القسم الأول: يقوم على الاستدلال بالعقل والقياس مثل مباحث الغيبيات والإلهيات والوجود وغيرها.\n- القسم الثاني: يقوم على التجارب والعادات مثل علوم الطب والدواء والحرف والصناعات.\n- القسم الثالث: هي العلوم المعلومة من جهة الشرع مثل معرفة أصول الدين وأحكام الفقه.\n- القسم الرابع: هي العلوم المتحصلة عن طريق الإلهام وهي علوم يختص بها بعض الناس دون البعض مثل معرفة فنون الشعر وصناعة الألحان وما شابهها.\nويقول الدكتور محمد عبد السلام عالم الفيزياء العالمي المسلم المشهور \"إن الذي لا يرى والذي لا يدركه البشر والذي لا يمكن معرفته هو ما تعبر عنه الكلمات العربية الأصيلة في قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ \"محمد عبد السلام: ٤٥\".","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>طبيعة المعرفة وأنواعها:</span>\nشغل المسلمون بالحديث عن طبيعة المعرفة في الإسلام وتكلموا عن\nخصائصها وقد انقسموا إزاءها إلى رأيين:\n- أحدهما يرى أن المعرفة توقيفية أي أنها توقيف من الله على عبده ويستدلون على ذلك بقوله ﷾: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ فإذا كان آدم أبا البشر والله ﷾ علمه الأسماء كلها فهو قد علمها لذريته من بعده. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ .\n- والرأي الثاني يرى أن المعرفة مكتسبة وهو رأي يستند إلى أسانيد من القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .\nكما شغل علماء المسلمين بالحديث عن المعرفة وأنواعها ومصادرها. ويشير أبو حنيفة إلى أن مصادر المعرفة في الإسلام أربعة: كتاب ناطق وخبر مجتمع عليه واجتهاد وإجماع. ويمكن القول بأن أهم أنواع المعرفة التي تقوم عليه التربية الإسلامية هي:\n١- المعرفة اللدنية:\nالمعرفة اللدنية هي المعرفة التي يكشفها الله للإنسان، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ . وقال ﷿: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ . والله ﷿ في معرفته غير المحدودة يلهم بعض الناس المختارين ويوحي لهم بتعاليمه ليحملوها إلى الناس وتكون متاحة أمام جميع الجنس البشري. وهذه المعرفة بالنسبة للمسلمين توجد في القرآن الكريم والسنة. والشخص يتقبلها على أساس الإيمان ويعمل على دعمها كلما أمكن ذلك بالعقل والخبرة. والمسلم الصحيح هو الذي يتقبل ما جاء من عند الله على لسان نبيه الكريم على أنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فالقرآن أو الكتاب هو كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ، بلسان عربي مبين، تبيانا لما به صلاح الناس في دنياهم وآخراهم وهو حجة واجبة العمل بما ورد فيه من أحكام، وهو قانون واجب الاتباع والرجوع إليه، ومصدر التشريع وأحكامه، ومنبع هداية وإرشاد، والدليل على ذلك أنه من عند الله وقد احتوى","vol":"1","page":126},{"text":"على الأمر الصريح بوجوب اتباعه، والعمل بما تضمنه من الأحكام قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ .\nويمكن أن نستمد المعرفة من القرآن فيما يتعلق بالأمور الآتية:\n١- العقائد التي يجب التصديق بها كالإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر.\n٢- الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة التي تهذب النفوس وتصلح من شأن الفرد والجماعة.\n٣- الإرشاد وطلب النظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله فيها.\n٤- قصص الأولين أفرادا وجماعات.\n٥- الأحكام العلمية، فقد وضعها أو وضع أصولها وكلفنا اتباعها وما ينظم علاقة البشر بربهم، وعلاقتهم مع بعضهم البعض.\nوالسنة في اللغة الطريقة، فإذا أضيفت إلى الرسول ﷺ لفظا أو دلالة كان المراد ما أثر عنه من قول أو فعل أو تقرير والسنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي وهي مكملة له. وهي تنقسم إلى قسمين:\n- السنة المتواترة: وهي ما رواها عن رسول الله ﷺ جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك من أول السند إلى منتهاه.\n- السنة غير المتواترة: وتسمى السنة الآحادية عند غير الحنفية، وهي التي لم تتواتر في جميع العصور الثلاثة.\nوقد أثبت المحققون من العلماء كثيرا من الأحكام التشريعية بالسنة القولية والعلمية واعتبروها حجة، وأصلا من أصول التشريع، ومصدرا من المصادر الشرعية والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وهذا النوع من السنة هو ما يعرف بالسنة التشريعية الملزمة. وهناك نوع آخر من السنة لا يحمل طابع التشريع أو الإلزام وهو يشمل الأحاديث التي تتعلق بحياة الرسول البشرية مثل حبه لبعض الأطعمة والأشربة واللباس وما","vol":"1","page":127},{"text":"شابه ذلك من الأحاديث التي لا تمت بصلة مباشرة إلى الشريعة بمعناها العام ولقد وضع النبي ﷺ ذلك بقوله: \"أنتم أعلم بأمور دنياكم فإنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر\"، يقول الراغب الأصفهاني \"توفي ٥٠٢هـ/ ١١٠٨م\" أحد أئمة السنة في كتابه \"تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين\": واعلم أن العقل بنفسه قليل الغناء لا يكاد يتوصل إلا إلى معرفة كليات الأشياء دون جزئياتها ... والشرع يعرف كليات الأشياء ويبين ما الذي يجب أن يعتقد ولا يعرفنا العقل مثلا أن الخنزير والدم والخمر محرم وألا تنكح ذوات المحارم وألا تجامع المرأة في حال الحيض فإن أشباه ذلك لا سبيل إليها إلا بالشرع. فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة.\n٢- المعرفة الوثقى:\nهذه المعرفة تصدر عن كبار العلماء والمختصين. فالمعرفة الموجودة بدوائر المعارف الإسلامية، والفتاوى الكبرى المشهورة وكذا أمهات الكتب الإسلامية مثل الرسائل العلمية والمطبوعات المتخصصة التي اضطلع بها أناس متمكنون معترف بهم كلها أمثلة للمعرفة الوثقى، ولهذه المعرفة قيمتها الكبرى لأنها تصدر عن مصادر موثوق بها. ويحدث ذلك في كل العلوم بصرف النظر عن طبيعتها الدينية أو العلمية ونحن مثلا في التعليم المدرسي نقبل دون مناقشة صيغا لحل بعض المسائل الرياضية مثلا أو نستظهر بعض القواعد والصيغ والقوانين أو المعادلات، وبوسعنا أن نتحقق من صحة هذه الصيغ والقوانين شخصيا، ولكننا نفضل تقبلها بقصد الاقتصاد في الوقت والجهد، وفي نهاية الأمر تحظى هذه القواعد بالاحترام في أنظار الثقاة في العلم لمدة طويلة. وكثير من معرفتنا الواقعية يقوم على هذه الثقة وأصبح لها قيمة كافية لتخليدها والاحتفاظ بها.\n٣- النقل عن السلف:\nوهو يمثل مسلك الخبر الصادق الذي يفيد العلم والمعرفة، وهناك أخبار","vol":"1","page":128},{"text":"مقطوع بصدقها مثل أخبار القرآن الكريم ورسله وأنبيائه ومن هم في مرتبتهم وهناك الأخبار التي يرجع صدقها واشترط الإسلام لقبولها بالنسبة للأخبار العادية من علمية وتاريخية أن يتوافر في صاحبها ثلاثة شروط: العدالة وهي ألا يكون قد عهد عليه كذب أو معصية، والأهلية الفكرية لنقل الأخبار دون تعرض لنسيان أو اضطراب، وأخيرا اتصال الراوي بمصدر الخبر أو بمن رواه.\nويعتبر النقل عن السلف مصدرا من مصادر المعرفة في الإسلام، وهو يمثل خلاصة تجارب أسلافنا الصالحين وخبرتهم، ويهمنا أن نعرف ما قاله هؤلاء السلف حتى ننسج على منوالهم ونواصل حياتنا من حيث انتهوا إليه. ولهذا يجب أن نهتم بتراثنا الأصيل وأن نخلصه من الشوائب ونقدمه لشبابنا ونشئنا في صورة مقبولة تحببهم فيه.\n٤- التقليد:\nيقول ابن عبد البر النمر القرطبي في جامع بيان العلم وفضله \"ص١٢، ٤٥\" إن حد العلم عند العلماء هو ما استيقنته وتبينته. وكل من استيقن شيئا وتبينه فقد علمه ومن لم يستيقن الشيء وقال به تقليد لم يعمله. والتقليد عند جماعة العلماء غير الاتباع. لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه فهذا هو التقليد الأعمى. وقد قيل لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد. ومن منظوم القرطبي في التقليد قوله في هذا المعنى: \"ج٢، ص١٤٠\".\nيا سائلي عن موضع التقليد خذ ... عني الجواب بفهم لب حاضر\nلا فرق بين مقلد وبهيمة ... تنقاد بين صنادل ودعائر\nتبا لقاض أو لمفت لا يرى ... عللا ومعنى للمقال السائر\nفإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ ... ـمبعوث بالدين الحنيف الطاهر\nثم الصحابة عند عدمك سنة ... فأولاك أهل نهى وأهل بصائر\nوكذاك إجماع الذين يلونهم ... من تابعيهم كابرا عن كابر\nإجماع أمتنا وقول نبينا ... مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر\nوإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد ... ومع الدليل فمل بفهم وافر","vol":"1","page":129},{"text":"وعلى الأصول فقس فروعك لا ... تقس فرعا بفرع كالجهول الحائر\nوالشر ما فيه فديتك أسوة ... فانظر ولا تحفل بزلة ماهر\nوهذا يعني أن التقليد بدون فهم أو وعي لا يجوز لأهل العلم والعلماء.\nأما العامة من الناس فلا خلاف في أنهم يقلدون علماءهم وهم المقصودون بقوله ﷿: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . وقد أجمع العلماء على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره من الثقات إذا أشكلت عليه معرفة القبلة. فكذلك من لا علم له ولا بصر لا بد له من تقليد عالمه.\nويقصد بالتقليد في معنى من المعاني المعرفة التي تؤخذ عن رجال يطمأن عليهم ويوثق في علمهم وهو ما صنفناه تحت المعرفة الوثقى. ولكن التقليد الذي نقصده هنا هو الاقتداء تمشيا مع قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقد ضرب لنا الرسول ﷺ مثلا عندما قال لأصحابه: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" والتقليد بهذا المعنى مصدر من مصادر المعرفة.\nبيد أن ما يعنيه الإسلام هو التقليد الواعي الحكيم الذي يتحقق به منفعة محققة للإنسان. أما القليد الأعمى فهو مكروه في الإسلام لما يترتب عليه من عدم تمييز بين الخير والشر والحق والباطل والصالح والطالح، والإنسان قد يتوصل إلى أشياء مفيدة ونافعة نتيجة اجتهاداته الشخصية وتقليده في هذه الحالة مفيد، وكذلك يصبح تقليد القدوة الصالحة مسلكا مرغوبا في الإسلام حث عليه كمنهج سليم للتربية وضرب له مثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير. ومن الأمور العادية المعروفة أن الصغير يقلد الكبير والابن يقلد أباه والبنت تقلد أمها والتلميذ يقلد معلمه. والتقليد مهم إذن في التربية الخلقية وفي تزكية السلوك الرشيد. والتقليد يترسخ بالتقليد وهي نقطة هامة ينبغي أن تولي التريبة اهتمامها بها وأن تكون المدرسة نموذجا يقتدى للتقاليد الإسلامية السليمة.","vol":"1","page":130},{"text":"٥- المعرفة العقلية:\nمن المعارف ما يكتسب عن طريق العقل والتأمل الفكري من مسالك اكتساب المعارف والعلوم وما يرتبط بذلك من تحليل وتركيب وقياس واستنتاج وربط. والقرآن الكريم حافل بالأمثلة التي تحث المسلمين على استخدام عقولهم وتفكيرهم في الاختيار والتمييز والمفاضلة، بل وتحث المسلمين أيضا على تحكيم العقل في الأمور التي لم يرد فيها نص ديني صريح، ولقد ارتقى الله بالإنسان بأن جعل له عقلا يميز به وهو مطالب بأن يستخدم هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه. والعقل مصدر هام للمعرفة التي منها نستمد أحكاما يتسق بعضها مع بعض. فمثلا نجد أن الحقائق المنطقية والرياضية هي أنواع من المعرفة التي تحتكم إلى العقل. خذ مثلا القضية القائلة بأن القوانين المتناقضين لا يمكن أن يكونا صادقين في نفس الوقت، أو القضية القائلة بأن الخطين المتوازيين لا يلتقيان. فهاتان القضيتان مستقلتان عن الأمثلة الواقعية وغير مستمدتين من الحواس. إنهما صحيحتان بغض النظر عن خبرتنا بهما. هؤلاء الذين يؤكدون أن العقل هو العامل الهام في المعرفة في شكل حقائق مجردة وفي شكل انطباعات منفصلة، ولكنهم يعتقدون أن الفكر يقوم بتفسير وتنظيم هذه الأجزاء الضئيلة من المعلومات فيما يمكن أن نطلق عليه اسم المعرفة الثابتة ذات القيمة.\nإن المعرفة عند ابن سينا تنقسم إلى ثلاثة أنواع: معرفة بالفطرة، ومعرفة بالفكرة، ومعرفة بالحدس، فأما المعرفة بالفطرة فهي المبادئ الأولى كقولنا: \"إن الواحد نصف الاثنين\". وأما المعرفة بالفكرة فهي معرفة مكتسبة وتكون أكبر من مجهود النوع الأول ولا يدركها إلا من وصل إلى مرتبة العقل المستفاد. وهناك نوع ثالث من المعرفة هو المعرفة بالحدس ... فمن الناس من لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعال إلى كبير عناء وإلى تخريج وتعليم، بل تراه كأنه يعرف كل شيء بنفسه حدسا بلا قياس وبلا معلم كأن فيه روحا قدسية. وهذا الاستعداد الحدسي ليس على درجة واحدة في جميع الناس وإنما هو متفاوت تفاوتا لا ينحصر في حد.\nعلى أن المعرفة المستفادة من خلال العقل لها حدود عامة. فهي تنحو إلى","vol":"1","page":131},{"text":"أن تكون مجردة. ذلك أنها تتناول عالم العلاقات والمعاني ولا تقدم سوى فهم ضئيل لعالم الأشياء. وحيث إن حياتنا منغمسة بلا مناص في العالم الفيزيائي المادي، فإننا بحاجة إلى عون من الأنماط الأخرى من المعرفة، وأكثر من هذا فإن عملياتنا العقلية قد تكون متأثرة بالتحيزات والاهتمامات والميول التي تمنع العقل في الغالب من أن يكون موضوعيا. ولهدا انتقد الغزالي ومن بعده الفيلسوف الألماني \"كانط\" العقل واتهماه بالعجز والقصور في التوصل إلى إدراك الذات الإلهية أو المعبود الأعلى.\nويستخدم العقل الصرف في نطاق أضيق في الوقت الحاضر عما كان عليه الحال في العصور القديمة للفلسفة عندما اعتقد الإنسان أن العقل وحده هو المهيمن. وعلى هذا فما يزال هو الفيصل والقاضي في المعرفة إذا ما أريد للمعرفة أن تكون معقولة. فهنا يجد العقل نفسه في ضع صعب بلا ريب. وذلك لأن العقل البشري كما يبدو يجب أن يحكم على نفسه بالفعل. وقد حث الإسلام على استخدام العقل والتفكير وجعلهما أساسا للمسلم الحق الذي يتقي الله حق تقاه قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . وقد جعل الإسلام العقل أساس التكليف وأسقطه عمن ذهب عقله أو أصابه الخبل، ومن لا يعقل فهو من شر الدواب. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ .\nومن أهم مبادئ الإسلام: \"خاطبوا الناس على قدر عقولهم\" وقد أشار الغزالي إلى هذا بقوله: أن يقتصر المعلم بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه فينفره أو يخبط عليه عقله\".. وقد اقتدى الغزالي في ذلك بسيد البشر ﷺ عندما قال: \"نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم\".\nفقد وضع الدين الإسلام العقل موضعا عظيما فجعل طريقه هداية للناس بمدى كمال عقولهم فلا يخاطب العاقل بما يخاطب به الجاهل ولا يخاطب ذوو العقول الخفيفة بما يخاطب به العقلاء ذوو العقل الكامل، وقد قال ﷺ: \"ما أحد يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كانت فتنة على بعضهم\". فهنا","vol":"1","page":132},{"text":"يراعي الرسول ﷺ مستوى العقول رعاية عظيمة فلا يخاطب الأذكياء بما يخاطب به الأغنياء، ولا يخاطب الخاصة بما يخاطب به العامة، فالذكي يفهم الشيء بالإشارة، والغبي ربما لا يفهمه إلا بعد أن يكرر له عدة مرات، ولذلك قيل: كِلْ لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك وضع كل شيء في موضعه.\nويعتبر الاجتهاد نمطا من أنماط المعرفة ومصدرا من مصادرها في التربية الإسلامية، وقد كان الاجتهاد دائما دليلا على تقدم المسلمين ورقيهم لأنه يساعدهم على تطويع أمور دينهم لدنياهم على اختلاف أحوالها على مر السنين. ويرتبط الاجتهاد بالعقل والقياس كما أنه يرتبط بالمعرفة الوثقى التي سبق أن عرضنا لها.\n٦- المعرفة الحسية:\nتعرف المعرفة التي تأتي عن طريق الحواس بالمعرفة الحسية. فنحن نشكل صورتنا عن العالم من حولنا عن طريق البصر والسمع والشم واللمس والذوق، وبذا تتكون المعرفة من أفكار تتشكل وفق وقائع تمت ملاحظتها. ونحن نكتسب المعرفة الحسية عندما نرى أو نسمع أو نلمس أو نشم أو نتذوق بينما نكتسب المعرفة العقلية عندما نتأمل الأشياء من خلال العقل.\nفهناك من المعارف ما يكتسبه الإنسان عن طريق استخدام الحواس الظاهرة بشكل مباشر. فمن الأشياء ما يبصر العين أو يلمس باليد أو يشم بالأنف هكذا. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذه الحواس تساعدنا على إدراك ما حولنا في الكون والفضاء وما يجري فيه من أمور مختلفة من حركات وسكنات وألوان وأصوات وغيرها، نحس بالأشياء إحساسا مباشرا الصلبة منها واللينة والثقيلة والخفيفة كما نحس بالسعادة والحزن والألم والفرح والحب والكراهية وغير ذلك من المشاعر والأحاسيس.","vol":"1","page":133},{"text":"ويؤكد الفارابي في نظريته للمعرفة على أهمية الحس فيقول: \"فالمعارف إنما تحصل على النفس بطريق الحس\" ... ويستشهد بقول أرسطو في كتاب \"البرهان\": \"إن من فقد حسا فقد علما\" ... بيد أن الفارابي لا يلغي دور العقل بل يؤكده لأنه يرى أن المعرفة لا تحصل للإنسان بمجرد مباشرة الحس للمحسوسات وإنما بعد تدخل قوى نفسية. يقول الفارابي:\n\" ... وقد يظن أن العقل تحصل فيه صورة الأشياء عند مباشرة الحس للمحسوسات بلا توسط وليس الأمر كذلك، بل بينهما وسائط، وهو أن الحس يباشر المحسوسات فتحصل صورها فيه ويؤيدها إلى الحس المشترك حتى تحصل فيه فيؤدي الحس المشترك تلك الصور إلى التخيل والتخيل إلى قوة التمييز ليعمل التمييز فيها تهذيبا وتنقيحا ويؤديها منقحة إلى العقل ... \".\nإن المعرفة عند الغزالي نوعان: نوع محسوس يعرف عن طريق الحواس ونوع معقول يعرف عن طريق العقل، ويقول في ذلك: \"فإذا عرفت انقسام الموجودات إلى محسوسات وإلى معلومات بالعقل ولا تباشر الحس والخيال. فأعرض عن الخيال رأسا وعول على مقتضى العقل فيه\".\nويرى الغزالي أن المعرفة المستمدة من الحواس مثلها مثل المعرفة المستمدة من العقل غير يقينية لما تنطوي عليه من خداع. وفي ذلك يقول في \"المنقذ من الضلال\": \"من أين الثقة بالمحسوسات وأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك وتحكم بنفي الحركة؟ ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك.. وتنظر إلى الكواكب فتراه صغيرا في مقدار دينار ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار ... فقلت قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا\". ويتفق في هذا الرأي مع الغزالي الفيلسوف الفرنسي المعروف \"ديكارت\". فهو يرى أن المعلومات المستمدة من الحواس قابلة للشك. وحجته في ذلك أن ثمة أحلاما نراها وأوهاما نتصورها، ونعتقد اعتقادا جازما في وجودها مع أنها مجرد أحلام وخيالات. \"عمارة نجيب: ٣٦\".\nويعتبر الغزالي تمشيا مع المدرسة المثالية أن المعرفة المستمدة من العقل تعلو في قيمتها على المعرفة المستمدة من الحواس لأن الحواس، في نظره خادعة","vol":"1","page":134},{"text":"ومضللة. ولذلك جعل معرفة العقل حاكما ومسيطرا على معرفة الحواس يقول الغزالي: \"فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي فجاء حاكم العقل فكذبني. ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي\".\nبيد أن الغزالي يتشكك في المعرفة العقلية ويعتبر أن هناك نوعا من المعرفة يعلو فوق مستوى العقل، وهو يقول في ذلك \"فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى العقل فكذب الحس في حكمه. وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته\" ويرى الغزالي أن الشك الفلسفي هو الذي يوصلنا إلى أن المعارف العقلية والحسية لا تؤدي بنا إلى المعرفة اليقينية التي يسعى إليها الفيلسوف.\nوابن حزم القرطبي \"٣٨٤هـ - ٤٥٦هـ\" يعلي من شأن العقل ويمجده ويقول: \"من أبطل العقل فقط أبطل التوحيد إذ لولا العقل لم نعرف الله ﷿\" وهو يعتبر العقل والحواس مصدرين رئيسيين للمعرفة في الإسلام ويقول: \"المعرفة تكون بشهادة الحواس بأول العقل ببرهان راجع من قرب أو من بعد إلى شهادة الحواس\".\nومن الطريف أن بعض علماء المسلمين ومتكلميهم اهتم بالمفاضلة بين حاستي السمع والبصر فذهب فريق إلى القول بأن السمع أفضل من البصر لأن الإنسان يسمع من كل الجهات كما أنه يسمع في النور والظلمة على السواء. في حين أن الإنسان يبصر ما يراه أمام عينيه فقط ويقتصر إبصاره على النهار أو الضوء دون الليل أو الظلمة. وذهب فريق آخر هو أكثر المتكلمين إلى تفضيل البصر على السمع لأن البصر يدرك الأشياء كلها من أجسام وألوان وأشكال مختلفة في حين أن السمع يقتصر على إدراك الصوت والكلام فقط.\nوهذه المفاضلة لا تعني بالطبع الاهتمام بحاسة وإغفال الأخرى وإنما تعني توضيح الأهمية النسبية لكلتا الحاستين كمصدرين هامين للمعرفة مع التسليم سلفا بأن كلتيهما تتساويان في الأهمية ولا غنى للإنسان عنهما في اكتساب المعرفة.","vol":"1","page":135},{"text":"بيد أن المعرفة المستمدة من الحواس يكون مجال الاتفاق عليها عادة أكثر من تلك المستمدة من العقل. وعلى الرغم من أننا نعتمد على حواسنا بالنسبة لمعرفتنا المتعلقة بالحياة اليومية، فإن هذه الحواس تخدعنا في بعض الأحيان. كما هو الحال في المثال التقليدي الخاص بالعصا التي تبدو منحنية في الماء. ولكن يتضح أنها مستقيمة عندما تقوم بلمسها. ولقد تؤثر أيضا في انحيازاتنا في طريقة رؤيتنا.. ففي بعض الأحيان نرى ما نحب رؤيته، لا ما هو واقع بالفعل. ولقد نقل دقة حواسنا أكثر فأكثر بسبب العوارض التي تطرأ على الإنسان ومنها المرض أو بسبب بعض العناصر المؤثرة كالبرد والضباب والحرارة والصوت. ومع هذا فإن للحواس دورها الخاص الذي تلعبه في تشكيل المعرفة.\nويرتبط منهج العلم ارتباطا وثيقا بهذا الجانب بالذات من نظرية المعرفة، وذلك لأن العلم الحديث تجريبي. والعلوم التجريبية أو الطبيعية تُعنى بدراسة عالم الأشياء المحسوسة أو عالم المادة وهي تبحث في الأشياء الواقعة تحت التجربة أو الذرات فإن العلم التجريبي يستطيع أن يفسرها بغيرها. والعقل يدخل في دراسة هذه العلوم. فالأصوات والألوان وما شابهها تتوقف على عقل الشخص المدرك لها. فعندما نرى لون ماء البحر أزرق أو السماء زرقاء فهذا لا يعني أن الزرقة صفة موجودة في ماء البحر. وشكل السماء، وإنما هو إحساس \"بهذا اللون مرهون بفعل المادة وتأثيرها. فإدراك الألوان أو الأصوات أحوال ذاتية للشخص المدرك وليست جزءا من الطبيعة. يقول محمد إقبال \"ص٥٢\":\nإن ما نسميه بالعلم ليس نظرة واحدة متسقة للحقيقة، بل هو مجموعة من النظرات الجزئية لها. فالعلوم الطبيعية تبحث في المادة وفي الحياة وفي العقل، ولكنك إذا سألت عن كيفية العلاقة المتبادلة بين هذه الأمور الثلاثة وهي المادة والحياة والعقل أخذت تتجلى لك عند ذلك جزئية العلوم المختلفة التي تتناول البحث فيها، وتبين لك عجز كل واحد منها عن أن يجيب وحده عن سؤالك إجابة شافية\". فكل علم من العلوم يدرس جزءا من الحقيقة وجانبا منها. وهكذا نرى أن العلوم الطبيعية أو التجريبية جزئية بطبيعتها.. وهي لا تستطيع أن تقيم","vol":"1","page":136},{"text":"نظرياتها مع اعتبار أنها رأي كامل عن الحقيقة. ومن ثم فإن الدين وهو ينشد الحقيقة على أنها كل لا يتجزأ لم يكن ليخشى أي رأي من الآراء الجزئية عن الحقيقة. وليست المعرفة التجريبية بالضرورة أكثر أنواع المعرفة وثوقا من بين أنواع المعرفة الأخرى كما قد يزعم البعض. فهي تتخذ مكانها جنبا لجنب مع الأنماط الأخرى كإحدى الطرق المؤدية إلى فهم الحقيقة. ويستطيع المعلم مساعدة الطلاب على الفهم والتمييز بين الرأي والواقع وبين الاعتقاد والإيمان والمعرفة.\nويستطيع المدرس أيضا أن يناقش الطرق التي تكتسب المعرفة بواسطتها سواء عن طريق الله أو الوحي أو النقل عن السلف أو الحدس أو العقل أو الحواس أو التجريب. واليوم نجد أن المعرفة المستمدة من خلال التجريب العلمي هي أكثر المعارف شيوعا. وهذا لا يعني أن الطرائق الأخرى خاطئة أو بلا فائدة، بل على العكس فإن المدرس يستطيع أن يظهر أن الطرق المختلفة تكمل بعضها بعضا. فالإدارك الحسي وحده سوف يوفر وقائع ومعلوما ت مجزأة. ولكننا بحاجة إلى العقل لكي نفسر المكتشفات التجريبية ونوحد بينها في نظرية أو قانون. بيد أن التفكير المنطقي إذا ما ترك يعمل وحده، فإنه سوف يصبح خاويا من المضمون وتعمل كل من المعرفة اللدنية والمعرفة الحدسية والمعرفة الوثقى والنقل عن السلف أحسن من غيرها من مواقف الحياة المختلفة.\nوالواقع أن الحياة متباينة جدا وغير قابلة للتنبوء بالنسبة لأي شخص بحيث لا يستطيع أن يقدم قضايا نهائية حولها. والسؤال الهام بالنسبة للمدرس هو \"كم من الوقت والجهد ينبغي أن يكرس لكل من هذه الطرائق؟ \". ولسوف تعتمد الإجابة إلى حد بعيد على المادة التي يقوم بتدريسها. فالمواد تختلف في طبيعتها والتالي تختلف في استخدام نوع المعرفة الموصل إليها، فالمعرفة اللدنية تكون أكثر استخداما في العلوم الدينية والمعرفة العقلية في العلوم الطبيعية والرياضية وكلتاهما يستخدم لمساعدة الطالب على تكوين أسلوب رشيد له في الحياة.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>تعلم الإنسان من غيره من المخلوقات:</span>\nيقول الراغب الأصفهاني في تفصيل النشاتين \"ص١١٠\": إن الله تعالى قد نبه على منافع جميع الموجودات وأطلع الخلائق عليها، إما بألسنة الأنبياء ﵈ وإما بإلهام بعض الأولياء. وكما أن حق الإنسان أن يعرف منافع الحيوانات في ذواتها فينتفع بها في المطاعم والملابس والأدوية فحقه أن يعرف أخلاقها وأفعالها فينتفع بها في اجتناب ما يستحسن واجتناب ما يستقبح منها فقد أحسن من قال: \"تعلمت من كل شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب حمايته على أهله ومن الغراب بكوره في حاجته\" وقديما تعلم قابيل \"ابن آدم\" من الغراب كيف يواري جثة هابيل في التراب بعد أن قتله، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ وقد أشار الله إلى ذلك أيضا في وضف النحل فقال ﷿: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فنبه إلى أن الإنسان حقه أن يقتدي بالنحل في مراعاته لوحي الله ﷿. وهناك أمثلة كثيرة على تعلم الإنسان من غيره من مخلوقات الله. فقد تعلم الطيران والغوص والحياة تحت سطح الماء من الأسماك.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>ثالثا: الأخلاق في الإسلام مدخل إكسيولوجي</span>\nمقدمة:\nتمثل الأخلاق أهمية كبرى للأفراد والجماعات والشعوب. فهي المقوم الرئيسي لوجودها وحياتها. وقد بعث النبي محمد ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق وقد عبر الشاعر أحمد شوقي عن أهمية الأخلاق في حياة الأمم والشعوب فقال:\nإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا\nوقال أيضا:\nوإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقم عليهم مآتما وعويلا\nإن التربية في جوهرها عملية أخلاقية، وفي ذلك يقول جون ديوي: \"إن","vol":"1","page":138},{"text":"عملية التربية والعملية الأخلاقية شيء واحد ما دامت الثانية لا تخرج عن أنها انتقال الخبرة باستمرار من أمر سيئ إلى أحسن منه وأفضل\" \"جون ديوي: تجديد في الفلسفة: ص٢٩٩\" ويقول في مكان آخر: \"إن النمو الأخلاقي هو الغاية القصوى من العمل المدرسي كله \"جون ديوي: المبادئ الأخلاقية في التربية ص٥٤\" \"وقيل جون ديوي ذهب \"جون لوك\" إلى أن هدف التربية هو غرس الفضيلة في النفوس.\nبيد أن التربية الأخلاقية ليست عملية سهلة، وإنما هي عملية صعبة شاقة تقتضي منا الفكر والنظر، وفي ذلك يقول هربرت سنسر في كتاب التربية \"ص٩٠\": \"ولم يهمل ولاة الأمور شيئا إهمالهم إنعام الفكرة في تأديب أطفالهم والخطب سهلا فحسبوا أنهم قادرون بلا فحص ولا بحث أن يردعوا طبائع صبيانهم ما شاءوا من المناقب. ولم يعلموا أن علم تهذيب النفوس علم صعب المآخذ وعر الملتمس. وحق لمغفله أن يخيب في تأديب غلامه\".\nاهتمام الإسلام بالأخلاق:\nاهتم الإسلام بالأخلاق الحميدة واعتبرها الأساس الذي تستند إليها كل معاملات الإنسان مع خالقه ومع نفسه ومع الآخرين. ولقد امتدح رب العزة نبيه الكريم ووصفه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . وقد جاء الإسلام بكل خلق حسن وحث المسلمين على التحلي به. لقد قال أكثم بن صيفي من حكماء العرب في دعوته لقومه إلى الإسلام: \"إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينا لكان في أخلاق الناس حسنا\". ونختتم كلامنا عن هذه النقطة بما ورد عن النبي ﷺ خاصا بها.\n- \"خير الناس أنفعهم للناس\".\n- \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\".\n- \"أكمل المؤمنين أحسنهم أخلاقا\".\n- \"الإسلام حسن الخلق\".","vol":"1","page":139},{"text":"- قال ﷺ لأبي هريرة: \"عليك بحسن الخلق، إن أحسن الناس خلقا أحسنهم دينا\".\n- وقال ﷺ: \"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق\".\n- وفي القول المأثور من حسن خلقه حسن دينه، فكمال دين الفرد هو من كمال خلقه. قال النبي ﷺ: \"أكمل المسلمين إيمانا أحسنهم أخلاقا\".\n- وفي الحديث الشريف: \"كل شيء يرجى له توبة إلا سوء الخلق\" وفي حديث آخر \"إن سوء الخلق ذنب لا يغفر\".\nيقول الرسول ﷺ: \"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسم كله وإذا فسدت فسد الجسم كله إلا وهي القلب\" والمقصود بالقلب هنا الضمير وهو ميزان الأخلاق.\nلقد أولى الإسلام التربية الخلقية للفرد والمجتمع أهمية كبيرة، ويذكر الإمام الغزالي أن ما يقرب من ربع آيات القرآن الكريم تتعلق بالأخلاق وحدها، وقد صنف الغزالي الآيات التي تتعلق بالأخلاق في القرآن إلى قسمين: قسم يتصل بالأخلاق النظرية وعدد آياته ٧٦٤ آية قرآنية وقسم ثان يتصل بالأخلاق العملية والسلوك وعدد آياته ٧٤١ آية قرآنية ومجموع آيات هذين القسمين معا ١٥٠٤ آيات تمثل في مجملها ربع آيات القرآن تقريبا.\nوقد أحصى الإسلام الفضائل كلها وعددها وأكد عليها. وطالب الإنسان بتعلمها والعمل بها والتمسك بها. وفاضل علماء المسلمين بين الفاضل والمفضول من الأخلاق والرذيل والمرذول منها ليتبين للمسلمين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ولينيروا الطريق أمام من يريد التحلي بالأخلاق الحسنة والفضائل المستحبة.\nالاتجاهات النظرية للأخلاق:\nيبجث علم الأخلاق في أعمال الناس وتصرفاتهم من حيث هي خير أو شر، كما يبحث في غايات الحياة ومثلها العليا التي ينبغي أن يستهدفها الناس في سلوكهم. ويعرف علم الأخلاق أيضا بأنه علم الواجب. ويمكننا أن نميز ثلاثة","vol":"1","page":140},{"text":"اتجاهات رئيسية في النظر إلى الأخلاق:\n- الاتجاه الأول هو الاتجاه الروحي الذي يعتبر الغاية من الأخلاق، هو التحلي بالفضيلة وتهذيب النفس وترويضها والسمو بالروح وتصفيتها من الشوائب. ويمثل هذا الاتجاه أهل التصوف أو المتصوفون؟\n- الاتجاه العقلي في الأخلاق ويتزعمه المعتزله كما يمثله ابن سينا وابن مسكوية فالمعتزلة يرون أن الحسن ما حسنه العقل والقبح ما قبحه العقل وبنوا التكاليف على العقل. والمعروف أن أرسطو هو أصل الاتجاه العقلي في الأخلاق. وقد ذهب إلى القول في كتاب الأخلاق بأن الفضيلة مقترنة بالعقل.\n- الاتجاه الروحي العقلي الذي يجمع بين الاتجاهين السابقين ويمثله ابن مسكويه وحجة الإسلام الإمام الغزالي. وسيشار إلى آرائهما في التربية الخلقية فيما بعد عند تناولنا الكلام عنهما.\nالأخلاق في الثقافات الأخرى:\nتختلف الأخلاق في الإسلام عن غيرها في الديانات أو الحضارات الأخرى. فالأخلاق عند الإغريق القدماء تقوم على اللذة والمتعة والسعادة الدنيوية للإنسان. والأخلاق المسيحية تقوم على الاتصال الروحي بالله، والمحبة والتسامح بين البشر. والأخلاق في الفلسفة البراجماسية نفعية ووسيلية وتتغير بتغير الأحوال والظروف. فإذا كنا مثلا نفضل العدالة على الظلم فذلك يرجع في نظرهم إلى أن العدالة نافعة ومفيدة والظلم ضار وغير مفيد.\nوفي مقابل الأخلاق النفعية وهي شخصية فردية تفضل مصلحة الفرد دائما هناك أخلاق الواجب وهو مذهب الفيلسوف الألماني المعروف \"كانط\" \"١٧٢٤-١٨٠٤\" وله باع كبير في الأخلاق والفلسفة الحديثة. وقد تميز منهجه بنقد العقل وبيان قصوره. وله في الأخلاق نظرات ثاقبة. والقيمة الأخلاقية حسب هذا المذهب هي في ضمير الإنسان ولا وجود لها خارجه. فالإنسان عندما يسلك وفق أخلاق الواجب فإنه يتسامى ويرتفع فوق ذاته، ويرتفع فوق ملذاته ونزواته الشخصية. ويجب أن تكون الأخلاق من أجل الإنسانية الكريمة. والواجب","vol":"1","page":141},{"text":"قيمة أخلاقية تقوم على أساس ما ينبغي أن يكون لا ما هو قائم بالفعل. والواجب كقيمة أخلاقية يفرض نفسه على الضمير الأخلاقي. وعندها يتحدد سلوك الإنسان وتصرفه، ويسلك حسبما تمليه أخلاق الواجب، وهو ما يقول به المعتزلة ويتبعهم في ذلك الفيلسوف الألماني \"كانط\" الذي بنى فلسفته الأخلاقية على مبدأ الواجب الأخلاقي. وتتميز الأخلاق في الإسلام بأنها أخلاق دنيا ودين معا وهو ما سيأتي تفصيل الكلام عنه.\nالإنسان والأخلاق:\nإن نظرة الإسلام إلى الإنسان هي نظرة أخلاقية بصفة أساسية. ذلك أن الهدف من حياة الإنسان هو عمل الخير في الحياة الدنيا. ولا يكتمل عمل الخير للإنسان في الدنيا إلا بإقامة شعائر الله والتمسك بالأخلاق الحسنة. وغاية الأخلاق الحسنة تحقيق سعادة الفرد في الدارين. والشريعة هي التي تربي نفس الإنسان على الآداب الحسنة والأخلاق الكريمة حتى تتعودها النفس وتصبح لها طبعا وسليقة. والمسلمون في الإسلام سواسية ويتفاضلون على بعضهم بالتقوى وصالح العمل. وقد ورد في الأثر \"المسلمون كأسنان المشط في المساواة، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى وصالح العمل \"كما ورد أيضا\" المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم\".\nاختلاف الأخلاق باختلاف النفوس:\nتختلف الأخلاق باختلاف النفوس. فمن الناس من جبلت نفوسهم على الخير. ومنهم من جبلت نفوسهم على الشر. ويمكن تحسينها بالنصح والإرشاد والتوجية والزجر والعقاب والوعد والوعيد. وهناك نوع ثالث لا يقبل طبعه الأخلاق الحسنة لخبث معدنه. وهذه الطائفة في نظر بعض علماء المسلمين من جملة الأشرار الذين لا يرتجى صلاحهم. كما أن الأخلاق تختلف باختلاف الأمم والشعوب فلكل أمة أخلاقها الخاصة بها. ومن الطبيعي أن يكون للأمة الإسلامية أخلاقها الخاصة بها. كما أن الأخلاق تختلف باختلاف العصور والأزمنة. ومنها الثابت الأصيل ومنها المتغير حسب أحوال الناس وتغير زمانهم.","vol":"1","page":142},{"text":"الأخلاق من تمام الإيمان والكمال الإنساني:\nتعتبر الأخلاق في الإسلام من تمام الإيمان والكمال الإنساني. وذلك أن الإيمان يكتمل بالأخلاق. قد سئل النبي ﷺ: أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: \"أحسنهم خلقا\". وعندما سئل ﷺ عن أحب عباد الله إليه، قال: \"أحاسنهم أخلاقا\". ويعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القواعد الأخلاقية الإسلامية الأصيلة، ومن تمام كمال المسلم.\nالأخلاق بالتخلق:\nعندما يتحرى الإنسان في سلوكه مراعاة الأخلاق الحسنة الالتزام بآداب السلوك وما تمليه الفضيلة فإنه يصبح بالتدريج إنسانا خلوقا فاضلا. فقد روي عن النبي ﷺ قوله: \"إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتخير الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه\" وقد قيل في ذلك. اجعلوا أقوالكم أقوى لكم لا تجعلوا أفمالكم أفعى لكم ولا تجعلوا أعمالكم أعمى لكم. ويروى عن النبي ﷺ قوله: \"خالق الناس بخلق حسن\".\nمن الأخلاق الإسلامية ما هو صدقه:\nبلغ من حرص الإسلام على حث المسلم على اتباع السلوك الأخلاقي المرغوب أن جعله صدقه يثاب عليها. فالكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أمر الضلال صدقة. وإناطة الأذى عن الطريق صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة. فهذه كلها وما شابهها أمور أخلاقية من تمام كمال الإنسان. وهي صدقات ينال المرء ثوابها إلى جانب قيمتها الأخلاقية.\nالقدوة ضرورية لتعليم الأخلاق:\nوهذا يعني أن تعليم الأخلاق من خلال النصح والإرشاد والتوجيه لا يؤتي ثماره إلا إذا كان القائم به يعمل بما يقول. وللأسف أننا نجد أن كثيرا من الآباء والمعلمين ينصحون أبناءهم بعمل شيء وهم أنفسهم لا يعلمونه أو يعملون عكسه فكلاهما ينهي الأبناء عن التدخين مثلا وهما يدخنان. والأب قد يأمر ابنه","vol":"1","page":143},{"text":"بالصدق في القول وعدم الكذب ولكنه في موقف آخر يقول له مثلا: إذا سأل فلان عني فقل له إنني غير موجود. ومن هنا كان من الضروري في الأخلاق تطابق القول مع العمل. ويروى أن الإمام \"سفيان الثوري\" كان يعظ الناس يوما فدخلت عليه امرأة وسلمته رقعة وانصرفت. فأخذ يقرؤها فإذا فيها:\nيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم\nتصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم\nونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدًا وأنت من الرشاد عديم\nابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nلا تنه عن خلق وتأتيَ مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nفلما قرأ الإمام النوري هذا الكلام تأثر به وقام واعتزل الناس واعتكف في بيته حتى وافاه الأجل.\nالأخلاق طريق العيش والكسب:\nذلك أن الإنسان الذي حسنت أخلاقه وصفاته يجد أبواب الحياة أمامه مفتوحة. ويرضى عنه الناس كما يرضى عنه ربه لأن رضا الله من رضا الناس. ويجعل الله في وجهه القبول، ويحبه الناس ويثقون فيه ويطمئنون إلى التعامل معه. وهذه كلها صفات تؤهله لفتح أبواب الرزق أمامه. وقد قال تعالى في سورة القصص على لسان بنت النبي شعيب ﵇: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ . فهاتان الصفتان إحداهما جسمية وهي القوى والأخرى خلقية وهي الأمانة. وكلتا الصفتين أهلت صاحبها إلى أن يكون أفضل من غيره في الاستخدام والتقبل الاجتماعي. وهو ما سبق أن أشرنا إليه.\nالفضيلة هي المعرفة:\nإن الفضيلة كما يقول سقراط الحكيم هي المعرفة وبدون المعرفة لا يتم العمل. فكل فضيلة علم. فالتقوى مثلا هي العلم بما يجب على الإنسان نحو ربه وخالقه. والعدالة هي العلم بما يجب على الإنسان نحو الآخرين. والقناعة هي","vol":"1","page":144},{"text":"العلم بما يجب على الإنسان نحو نفسه. وهكذا. \"جورج غريب: ١٥\".\nالأخلاق قابلة للتعديل:\nينظر الإسلام إلى الأخلاق على أنها قابلة للتغيير والتعديل. وهذا على عكس الرأي الذي يرى أن الأخلاق ثابتة من حيث إنها مقتضى المزاج والطبع، وإن الخلق صورة الباطن. وقد انتقد الغزالي هذا الرأي كما سنشير فيما بعد وذهب إلى القول بقابلية الأخلاق والسلوك للتعديل مستدلا في ذلك بقول النبي ﷺ: \"حسنوا أخلاقكم\". فلو كانت الأخلاق ثابتة لما كانت قابلة للتعديل أو التحسين. وكون الأخلاق قابلة للتعديل والتحسين فإن هذا يفتح الباب أمام التربية لتقوم بدور هام في التنشئة الأخلاقية للفرد.\nضرورة التأديب:\nيقول الماوردي في ضرورة التأديب \"فالنفس قائمة على أخلاق وآداب لا يستغنى عنها. ولا يعتمد على العقل فقط دون الأدب لقول الرسول ﷺ: \"بعثت لأتمم مكارم الأخلاق\". وقد شبه العالم عديم الأدب بالبنيان الخراب الذي كلما علا اشتدت وحشته. وشبه أيضا بالنهر اليابس الذي كلما كان أعرض وأعمق كان أشد لوعورته، وبالأرض الجيدة المعطلة التي كلما طال خرابها ازداد نباتها غير المنتفع به التفافا، وصار للهوام مسكنا\". ويقول ابن المقفع: \"ما نحن على ما نتقوى به على حواسنا من المطعم والمشرب بأحوج إلى الأدب الذي هو لقاح عقولنا. فإن الحية المدفونة في الثرى لا تقدر أن تطلع زهرتها إلا بالماء الذي يعود إليها من مستودعاتها.\nطبيعة القرارات الصحيحة:\nإن الموقف الأخلاقي يطرح أكثر من بديل للتصرف فعلى سبيل المثال في موقف ما قد يكون البديلان المطروحان هما: ادفع بالتي هي أحسن، أو الشر بالشر، وفي موقف آخر قد يكون البديلان: اصنع جميلا ولو في غير موضعه أو \"من يصنع المعروف في غير أهله يندم\" وغيرها من الأمثلة. فبأي البديلين يأخذ الفرد في الموقف الأخلاقي. وما هي المعايير الأخلاقية التي يهتدي بها في","vol":"1","page":145},{"text":"اختيار أفضل البديلين؟ وهنا يكون دور التربية لأن مهمة التربية في الجانب الأخلاق أن تزود الفرد بما يساعده على اختيار البديل الأفضل والمناسب للموقف. إن أحكامنا وقراراتنا تعتمد في مدى صحتها ومناسبتها على مدى فهمنا للموضوع وما نعرفه عنه من معلومات واختلاف الحكم أو القرار قد ينتج عن اختلاف في الفهم واختلاف في درجة المعلومات المتاحة. ومن هنا كان من الضروري للوصول إلى قرار سليم أن يتحرى الإنسان فهم الموضوع من جوانبه المختلفة وهذا يتطلب الحصول على كل المعلومات الممكنة التي تساعد الفرد على هذا الفهم. وتعتمد أحكامنا وقراراتنا أيضا في اختلافها وتباينها على اختلاف القيم والمعتقدات العامة للفرد وما يعتقد أنه صحيح أو غير صحيح. ويبدو هذا بوضوح في القرارات الأخلاقية التي نتخذها في المواقف المختلفة، وقد يكون القرار مصحوبا بالمعاناة الأخلاقية عندما تكون البدائل المتاحة متعارضة أو حلوها مر أو مشحونة بالانفعالات والمشاعر المتعارضة والضغوط الاجتماعية المختلفة.\nودور التربية ينبغي أن يتركز على مساعدة الفرد على تكوين فلسفة رشيدة له في الحياة توجهه بصفة عامة وتجعله قادرا على حسن التصرف في المواقف المختلفة. ويمكن القول بصفة عامة بأن هناك عوامل رئيسية تحدد اتجاه القرار الذي يتخذه الفرد من أهمها:\n- النفعية والمصلحة وبالعكس الضرر والخسارة.\n- سمو المقاصد والغايات وبالعكس سوء النوايا والمقاصد.\n- النتائج المحتملة لأعمالنا وأفعالنا سواء كانت مادية أو معنوية من سعادة أو ألم أو فرح أو حزن.\nالأخلاق فطرية أم مكتسبة؟:\nهناك وجهتا نظر متعارضتان في النظرة إلى الأخلاق الإنسانية بصفة عامة. إحداها تقول بأن الأخلاق فطرية لأن الإنسان يستطيع أن يميز بفطرته بين الخير والشر وبين ما ينبغي عمله وما لا ينبغي. ويمثل هذا الرأي المثاليون وعلى","vol":"1","page":146},{"text":"رأسهم أفلاطون. فهناك أخلاق السادة وأخلاق العبيد لأن الناس خلقوا إما سادة وإما عبيدا في نظره. كما أن بعض الناس خلقوا أخيارا وبعضهم خلقوا أشرارا. وهذه النظرة تجعل من الطبيعة الإنسانية شيئا جامدا ثابتا لا يمكن تغييره أو تعديله أو إصلاحه وهذا عكس ما هو حادث بالفعل. والواقع أن الإسلام ينظر إلى طبيعة الإنسان على أنها محايدة بالفطرة وتكتسب لونها من خلال التنشئة والتربية. قد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه\". وورد عنه أيضا قوله ﷺ: \"حسنوا أخلاقكم\" وقوله ﷺ: \"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق\". فهذا يدل على أن النظرة الإسلامية إلى الأخلاق على أنها مكتسبة وتتعدل وتتحسن وينصلح حالها بالتوجيه. وهذا يجرنا إلى الكلام عن وجهة النظر الثانية التي نرى أن الأخلاق مكتسبة وليست فطرية. وكون الأخلاق مكتسبة يؤكد أهمية تعليم وتربية النشئ تربية صالحة وتوجيهه من البداية إلى طريق الحق والخير على أساس سليم وإبعاده عن قرناء السوء. لكن الإنسان لا يتعلم شيئا إلا إذا كان مستعدا له غير ممتنع عليه. كالبذرة في الأرض لا تنبت إلا إذا كانت الأرض مستعدا ومهيأة لها ولنموها. ومن هنا كان اختلاف الناس في تقبل الأخلاق معتمدا على استعداد كل منهم لتقبل هذا الخلق أو ذاك. وجميع الناس ليسوا على درجة واحدة أو مستوى واحد في تقبل الأخلاق الحميدة أو غيرها.\nالأخلاق عند فلاسفة الغرب وفلاسفة المسلمين:\nالأخلاق عند فلاسفة الغرب أخلاق دنيوية تنظم علاقة الفرد مع الآخرين وسلوكه في الحياة الدنيا بصفة عامة وهي تقوم على جانبين رئيسيين: جانب الحق وجانب الواجب. فكل حق يقابله واجب. ولذلك ترتبط الحقوق بالواجبات. ولكي يستمتع الإنسان بحقه عليه أن يؤدي واجبه. والواجب قد يمليه القانون وقد يمليه العرف الاجتماعي وقد تمليه التقاليد والثقافات السائدة وقد يمليه الضمير الإنساني.\nأما الأخلاق في الإسلام وعند فلاسفة المسلمين فهي أخلاق دنيا ودين وتشمل جميع أوجه النشاط الإنساني وسلوكه في الحياة الدنيوية في ارتباطه","vol":"1","page":147},{"text":"بالحياة الأخروية. وعلى هذا فالأخلاق الإسلامية تنظم علاقة الإنسان مع نفسه ومع بني جنسه من أفراد مجتمعه ومع غيره من المجتمعات والإنسانية جمعا، والكون بكامله. وأخيرا وليس آخرا تنظم علاقة الإنسان مع ربه وخالقه.\nالفرق بين الأخلاق والسلوك:\nالأخلاق صورة النفس الباطنة والسلوك هو صورتها الظاهرة التي تدل عليها. ونحن نستدل على طبيعة أخلاق المرء بسلوكه الظاهر.\nالضمير الأخلاقي:\nالضمير قوة ذاتية في داخل الإنسان تأمره بفعل الخير وتنهاه عن الشر وتحاسبه عن أعماله. وتكون للضمير قيمة عندما يكون يقظا متنبها. أما إذا نام أو تبلد أو مات فإن الإنسان يفلت زمامه ويكون بلا عاصم وينفلت قيد زمامه. ذلك أن صلة الضمير بالأخلاق كصلة العقل بالفكر والأمور العقلية وهو شعور داخلي يحسه الإنسان عندما يقوم بعمل ما. فإذا كان راضيا عن هذا العمل أحس بالارتياح والاطمئنان والسعادة. أما إذا كان غير راض عن هذا العمل فإنه يحس بوخز الضمير وتأنيبه كما يشعر أحيانا بالندم والمرارة والحسرة. وحدة شعور الضمير أو المرارة يتوقف على مدى ضخامة أو فداحة العمل الذي قام به المرء. فالضمير قوة شعورية أخلاقية تحكم على مدى أعمالنا الصالحة منها والطالحة على السواء. فهو بمثابة ميزان العمل في حياتنا. وهو يعمل أيضا كإشارات المرور التي تعطي الضوء الأخضر إذا كان العمل مقبولا ومسموحا به كما تعطي الضوء الأحمر للتحذير والأمر بالامتناع عن العمل. وعندما يصيب الخلل هذا الميزان أو تتعطل عن العمل هذه الإشارات الضوئية فإن الضمير يتوقف عن العمل. وهو ما يحدث والعياذ بالله في حالة الأفراد الذين نصفهم بأنه لا ضمير لهم أو أن ضميرهم نائم أو أنهم متبلدو الضمير. ومثل هذا النوع من البشر يصعب التعامل معه ولا يوثق به ويحتاج إلى رعاية وتوجيه وإرشاد متصل لإعادته إلى جادة الطريق الصحيح. والضمير يتكون لدى الإنسان منذ مولده ومن خلال تربيته وتنشئته طول أيام حياته. وتزداد حساسية الضمير لديه أو نقل أو تحدث تبعا","vol":"1","page":148},{"text":"لنوع التربية التي ينشأ فيها وحسب الظروف الاجتماعية التي يمر بها. ومع أن الظروف الاجتماعية القاسية والظروف الاقتصادية الطاحنة قد تكون عاملا مؤثرا في تحجير الضمير وإصابته بالبلاد واللامبالاة فمما لا شك فيه أن التربية الدينية السليمة والقدوة الصالحة منذ الطفولة تعتبر خير عاصم للإنسان من أن يتردى في هذه الهاوية. ومن الناس من تسمو ضمائرها لأنها نشأت في بيئات صالحة.\nالمعنى اللغوي للضمير:\nإذا رجعنا إلى المعاجم اللغوية لتحديد معنى الضمير لغويا نجد أنها تورد تحت مادة \"ضمر\" معان متعددة. فالفعل ضمر ضمورا يعني هزل جسمه وقل لحمه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ . وضمر الفرس للسباق ونحوه يعني ربطه وعلفه وسقاه مرة من الزمن وركضه في الميدان حتى يخف ويدق. ومدة التضمير عند العرب أربعون يوما. وأضمر في نفسه شيئا يعني عزم عليه بقلبه دون أن يظهره للناس، ومنه الضمير. وهو ما تضمره في نفسك ويصعب الوقوف عليه. وتحدد هذه المعاجم معنى الضمير بأنه استعداد نفسي لإدراك الخبيث والطيب من الأعمال والأقوال والأفكار والتفرقة بينها واستحسان الحسن واستقباح القبيح منها. والجمع ضمائر \"انظر المعجم الوجيز مادة ضمر\" ونحن في اللغة العربية نقول: \"هو\" ضمير الغائب و\"هي\" ضمير الغائبة و\"هم\" ضمير الغائبين و\"هن\" ضمير الغائبات. وهذا المعنى يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعنى السابق للضمير لكمال الاتصال بينها.\nالضمير في القرآن الكريم:\nإذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجد أنه لا ترد به من مادة \"ضمر\" إلا كلمة \"ضامر\" في الآية التي سبق أن أشرنا إليها. لكنه يستخدم عبارات أخرى تدل عليه مثل قوله في سورة يوسف: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [سورة يوسف: ٦٨] وقوله في نفس السورة: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [سورة يوسف: ٥٣] . وقوله في سورة الشمس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس: ٧] . وقوله في سورة المائدة: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ .","vol":"1","page":149},{"text":"[سورة المائدة: ١١٦]، وقوله أيضا في نفس السورة: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٣٠] . وقوله في سورة طه: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [سورة طه: ٩٦]، وقوله في سورة يوسف: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [سورة يوسف: ٧٧] . وقوله في سورة \"ق\": ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [سورة ق: ١٦] . وقوله في سورة الإسراء: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [سورة الإسراء: ٢٥] . وقوله في سورة البقرة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥] . وقوله في نفس السورة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤] . وفي سورة يوسف: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [سورة يوسف: ٨٣] . وقوله في سورة إبراهيم: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٢٢] . وقوله في سورة آل عمران: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ٣١]، وقوله في سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الرعد: ١١]، وقوله في سورة الأنبياء: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٦٤] . وقوله في سورة المجادلة: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [سورة المجادلة: ٨] .\nوالقرآن الكريم من ناحية أخرى يذكر أوصافا متعددة للنفس. فهناك \"النفس اللوامة\" التي أشار إليها رب العزة في سورة القيامة بقوله: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ . وهناك \"النفس المطمئنة\" التي أشار إليها القرآن في سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ . وهناك النفس \"الأمارة بالسوء\" التي تشير إليها سورة يوسف: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ وهذه الأوصاف تصدق أيضا على الضمير. وإذا نحن رجعنا إلى التعريف اللغوي للضمير الذي سبق أن أشرنا إليه بأنه استعداد نفسي أمكننا القول بكمال الاتصال بين الضمير وبين النفس.\nوقد اختلفت الآراء ووجهات النظر في تحديد كنه الضمير وماهيته.. فقيل إنه حاسة فطرية يولد بها الإنسان شأنها شأن الحواس الأخرى التي يميز بها الأشياء. فإذا كان الإنسان يستطيع أن يميز بعينه بين النور والظلمة والأبيض والأسود وإذا كان بحاسة الشم يميز بين الطيب والخبيث من الرائحة والتذوق يستطيع أن يميز بين الحلو والمر بحاسة اللمس بين الساخن والبارد، فكذلك","vol":"1","page":150},{"text":"يستطيع أن يميز بضميره بين الخير والشر والحسن والقبيح من الأعمال الخلقية. وممن ذهب هذا المذهب من المفكرين المفكر الفرنسي \"روسو\" والفيلسوف الألماني المثالي \"كانط\" وقيل إن الضمير مكتسب من خلال التنشئة الاجتماعية للفرد. وهي وجهة نظر مناقضة لوجهة النظر السابقة التي تقول بأن الضمير فطري يولد مع الفرد. وكون الضمير مكتسبا يعني أهمية التربية في تكوينه وتشكيله. ومن أنصار هذا الرأي \"جون لوك\" و\"دور كايم\" و\"كونت\". وكلتا النظريتين لا تقدمان تفسيرا كاملا لمعنى الضمير. فوجهة النظر الأولى تعني أن التربية لا دخل لها في تكوين الضمير شأنه في ذلك شأن حواس الإنسان الخمس لا يحتاج إلى تربيتها. وهذا غير صحيح ولا يستقيم مع الخبرة البشرية وتجاربها. ذلك أن الضمير كما هو مشاهد بالتجربة يخضع للتربية. وكذلك الحواس وإن كان لها جانب فيها فطري إلا أن هناك أيضا جانب الاكتساب. فالذوق واللمس والشم والنظر والسمع كلها تخضع للتعلم والاكتساب في بعض جوانبها. ويستطيع أن يتحكم الفرد فيها بالتوجيه وتحديد الغرض. بل إنها تتلون بحالته النفسية والجسمية وقد عبر الشاعر العربي عن هذا المعنى بقوله:\nومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا\nفالحواس تمرض وكذلك ضمير الإنسان قد يمرض. من ناحية أخرى نجد أن النظرة القائلة بأن الضمير مكتسب لا تفسر لنا لماذا يختلف الأفراد في ضمائرهم مع أنهم تعرضوا لتربية واحدة؟ ولماذا نجد من الصعب تربية ضمير بعض الأفراد؟ ومن هنا نخلص إلى القول بأن الضمير فطري ومكتسب شأنه شأن ذكاء الإنسان وطبعه ومزاجه وحواسه. ويطلق \"كانط\" على الضمير الأخلاقي اسم \"العقل العملي\" وأخلاق الواجب التي تستند إليها نظريته في الأخلاق هي أخلاق نداء الضمير الداخلي.\nالضمير والقلب:\nيرى بعض علماء الأخلاق من المسلمين أن هناك صلة بين الضمير والقلب ويستندون في ذلك إلى التحليل اللغوي لكلمة الضمير. فالضمير كما تعرفه المعاجم اللغوية هو السر أو الخاطر وأضمر الشيء في قلبه. ومن هنا قالوا بأن","vol":"1","page":151},{"text":"محل الضمير هو القلب. ولكن يمكن الرد على ذلك بأننا نقول أيضا أضمر الشيء في نفسه وهنا يكون الضمير من وظائف النفس الإنسانية. وهناك دليل آخر للربط بين الضمير والقلب لدى علماء المسلمين وهو ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال عندما سئل عن الإيمان \"بأنه ما وقر في القلب وصدقه العمل\". وما روي عنه ﷺ أيضا: \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\"، وقوله ﷿ في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . وما ورد عن النبي ﷺ في رده على وابصة بن معبد عندما سأله عن البر والإثم فقال النبي ﷺ: \"يا وابصة استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس. والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن افتاك الناس وأفتوك\".\nالضمير والحاسة الخلقية:\nهناك من يرى أن الإنسان مزود بحاسة خلقية فطرية تصرف أفعاله الخلقية وتصدر الأحكام عليها. وهذه الحاسة شأنها شأن بقية حواس الإنسان يستخدمها الإنسان للتمييز بين الخير والشر. وهي قوة داخلية لا تحتاج إلى قوة خارجية لتصريف أمورها أو التحكم فيها. ويطلق البعض على هذه الحاسة الخلقية لفظ الضمير.\nوظيفة الضمير:\nللضمير وظيفتان رئيسيتان أحدهما في توجيه سلوك الإنسان إلى الخير وإبعاده عن الشر. والثانية الحكم على سلوك الإنسان تقبلا ورفضا واستحسانا واستهجانا. وهو بالوظيفة الأولى يعتبر قائدا وموجها وبالوظيفة الثانية يعتبر قاضيا وحكما.\nوالضمير إذا كان حيا يبعث في الإنسان الإحساس بالندم إذا أقدم على فعل متهور أو متسرع لم يحسن التصرف فيه. والضمير حالة فردية تتعلق بالشخص. وهو يختلف من فرد لآخر باختلاف حساسيته وحيويته فمن الأفراد من يكون ضميره حيا كما أشرنا ومنهم من يكون ضميره ميتا متبلدا والعياذ","vol":"1","page":152},{"text":"بالله. ويندرج تحت هذا الصنف من البشر الذين يستبيحون حرمات الله ويأكلون مال الناس بالباطل. وقد يستخدم الضمير بصورة مجازية فتقول ضمير الجماعة أو ضمير الأمة أو ضمير الشعب. ونحن نقول أحيانا \"نداء الضمير\" ونعني به الصوت الخفي غير المسموع الذي يلح على الإنسان بالقيام بعمل معين. هذا العمل هو ما يسميه الفيلسوف الألماني \"كانط\" بالواجب أي \"فعل الواجب\". وقد شهر كانط بهذا الجانب الأساسي في فلسفته الأخلاقية والتي تعرف \"بأخلاق الواجب\" وعندما لا يطيع الإنسان نداء ضميره فإنه يكون قد خالف ضميره. وقد يحدث له إذا كان ذا ضمير حي ما يسمى \"بأزمة الضمير\". أما إذا كان الضمير متبلدا فلن يكون له هذا النداء أو الصوت. ومن ثم لا توجد لدى صاحبه أزمة ضمير على طريقة قول الشاعر \"ما لجرح ميت إيلام\". وقد يحدث لبعض الناس أن يبيع ضميره بالمال أو الجاه أو المنفعة العارضة أو الخوف أو التهديد. وهذا مندرج تحت ما يعانيه المجتمعات من أمراض اجتماعية بسبب مرض نفوس بعض أبنائها.\nالشهوة والضمير والعقل:\nتعرف المعاجم اللغوية الشهوة بأنها الرغبة الشديدة وما يشتهي من الملذات المادية والجمع شهوات. والشهواني هو الشديد الرغبة في الملذات المادية وهو نسبة إلى الشهوة. وفي القرآن الكريم ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [سورة آل عمران: ١٤] . وتأتي الشهوة في القرآن الكريم مرتبطة بالنفس. قال تعالى في سورة \"فصلت\": ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾، وفي سورة الأنبياء: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾، وفي سورة الزخرف: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ . وواضح من هذا العرض أن الشهوة رغبة شديدة للنفس يترتب على إشباعها لذة نفسية ومادية كما في شهوة الجنس والمال والبنين والأموال والذهب والفضة وما شابه ذلك. وقد تزداد حدة الرغبة فتصبح شهوة عارمة أو جامحة أو جارفة بمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يقاومها وتضعف أمامها إرادته وضميره. وهنا نتساءل: أيهما أقوى الشهوة أم الضمير؟ وللإجابة على هذا السؤال نستعين بما يذكره","vol":"1","page":153},{"text":"محمد ضياء الدين الكردي في كتابه عن الأخلاق الإسلامية والصوفية \"ص٥٧\" يقول ما معناه: إن معظم الناس اتباع شهواتهم. تدفعهم الشهوة أولا ويحاسبهم الضمير ثانيا. فالشهوة قوة أولية والضمير قوة ثانوية. وبمقدار تسلط الشهوة على الإنسان يكون عجز إرادته عن إيقاظ ضميره. والشهوة أكثر انتصارا وأقل من الضمير اندحارا. والشهوة للخير أقل من الشهوة للشر كما أن للشهوة منازل ودرجات. وهو يدلل على أن الشهوة أقوى من الضمير فعلا في النفس بأن الضمير لا يستيقظ إلا نادرا وبعد وقوع الفعل في الغالب. فالشهوة إذًا أقوى من الضمير أثرا في السلوك الإنساني. والضمير محتاج إلى العقل لموازنة الفعل من الناحية الخلقية. كما أن الشهوة محتاجة أيضا إلى تحكيم العقل لكبح جماحها والسيطرة على حد تعبير الشاعر العربي:\nأقول لها وقد طارت شعاعا ... من الإقدام ويحك لن تراعي\nفصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع\nوينبعي أن نشير إلى أن الضمير في حد ذاته لا يصدر عنه خير أو شر وإنما ما يضمره الإنسان في نفسه قد يكون خيرا وشرا. ولكي يتحول ما يضمره الإنسان إلى فعل يحتاج إلى عزم وإرادة وسلوك.\nوالإسلام لا يحاسب المرء على ما يضمره في نفسه من خير أو شر وإنما يحاسبه على أعماله وأقواله وما يصدر منه من أفعال. قال ﷺ: \"إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\". وقوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" لا يعني محاسبة المرء على النية وإنما العمل هو الصورة الظاهرة للنية ويدل عليها. ولكل امرئ حسب نواياه من الأفعال إن خيرا أو شرا. ومن مأثور القول \"النية محلها القلب\". والقلب هنا لا يقصد به معناه الجسمي الذي ينصب على العضلة المعروفة وإنما يقصد به داخل الإنسان وسريرته وهو مرادف هنا أيضا لمعنى الضمير ومعنى النفس. وهذا المعنى المعنوي غير الجسمي للقلب هو المقصود بقوله ﷺ: \"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\". وكلمة \"مضغة\" وهي التي تعني لغويا القطعة الصغيرة من اللحم","vol":"1","page":154},{"text":"تسوغ فهم القلب على أساس جسمي أيضا. ومن المعروف أن لقلب الإنسان دورا رئيسيا هاما في حياة الإنسان. والواقع أن للقلب هذه الصفة المزدوجة في اتصاله بكل من البدن والروح. ولتوضيح هذه النقطة يقول أحد علماء المسلمين: \"إذا حاولنا أن نفسر اتصال الروح بالبدن فإننا لن نستطيع تفسير ذلك إلا عن طريق القلب. فكما ارتبطت به الحياة الظاهرة عن طريق ضخ الدم. وارتبطت به الحياة الباطنة عن طريق اتصاله بالروح\" \"المرجع السابق ص٦٢\". ولذلك نجد أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن صلاح الإنسان وفساده في الحياة الباطنة يشير إلى القلب. قال تعالى في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .\nالمنطق والأخلاق:\nيدرس المنطق أصول وقواعد التفكير السليم. أما الأخلاق فتدرس أصول وقواعد الأخلاق السليمة. وهكذا يكون المنطق متعلقا بالعقل وسلامة التفكير والأخلاق تتعلق بالنية والإرادة وتقويم السلوك. ويتفق المنطق مع الأخلاق في أن كليهما يضع للإنسان المعايير التي يقيس بها سلوكه وأعماله.\nمعايير السلوك الأخلاقي في الإسلام:\nيحدد الإسلام معايير واضحة للسلوك الأخلاقي من خلال المحللات والمحرمات. فالحلال بين والحرام بين ولكن بينهما أمور متشابهات. والحلال درجات منه ما هو واجب يتحتم على المرء الالتزام به، ومنه ما هو مندوب ويتعلق بالأمور التي يثاب الأمر عليها إذا فعلها ولا يعاقب عليها إذا تركها. وثمة ما هو مباح ويتعلق بالأمور التي ترك الإسلام الخيار للمرء بين فعلها وتركها. والأصل في الأشياء الإباحة ما لم يكن هناك نفي بقيدها أو يحرمها. ومن الحلال ما هو مكروه ويتعلق بالأمور التي نهى الشرع عنها نهيا غير جازم. ويكون من الأفضل تركها.\nوهناك عدة معايير للحكم على جانبي الحسن والقبح أو الخير والشر في العقل أو السلوك الأخلاقي من أهمها:","vol":"1","page":155},{"text":"١- النية والقصد والإرادة من وراء الفعل أو السلوك: فلكل عمل نية أو قصد أو إرادة أو دافع له. وقد قال الإمام الغزالي: \"اعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات متواردة على معنى واحد. وهي حالة وصفية للقلب يكتنفها أمران: علم وعمل. والعلم يقدم العمل لأنه أصله وشرطه. والعمل يتبع العلم لأنه فرعه وثمرته. وكل عمل لا يتم إلا بثلاثة أمور علم إرادة وقدرة.. ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض. ومن هنا يرتبط العمل أو السلوك الأخلاقي بحرية الفرد في ممارسة وأداء عمله وواجباته من ناحية وبمسئوليته عن استخدام هذه الحرية من ناحية أخرى. والمسئولية ترتبط بالجزاء. كما أن حرية الفرد تدور في الإطار الاجتماعي فليس هناك حرية في فراغ. وحرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين. وعلى هذا فإذا كانت النية أو القصد أو الدافع من وراء الفعل حسنا أو خيرا كان العقل خيرا أو حسنا والعكس صحيح. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\".\n٢- الأثر أو النتيجة المترتبة على الفعل بالنسبة للآخرين. والسلوك هو الصورة الظاهرة التي تدل على الصورة الباطنة للأخلاق. وهو عمل إرادي متجه نحو غاية معينة. فإذا كانت النتيجة خيرا أو حسنة كان الفعل خيرا أو حسنا والعكس صحيح. والإنسان يتحمل نتيجة عمله وتصرفه عملا بقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . والإنسان هو الذي يأتي أعماله بمحض إرادته واختياره وتصرفه. فالله ﷾ لا يخلق أفعال الناس ولا يكتبها عليهم.\n٣- طبيعة الفعل أو السلوك الأخلاقي: فالفعل أو السلوك الأخلاقي يكون حسنا أو قبيحا في ذاته وليس في شيء خارج عنه. فلكل فعل أو سلوك أخلاقي صفة ذاتية تجعله حسنا أو قبيحا. فالصدق صفة ذاتية جعلته حسنا والكذب فيه صفة ذاتية جعلته قبيحا. ولذلك يشترك العقلاء فيما يستحسنون أو يستقبحون.","vol":"1","page":156},{"text":"٤- أمر الشرع به والنهي عنه: فالشرع يأمر بالشيء لحسنه وينهى عنه لقبحه. وقد لا تكون حكمة الحسن أو القبح ظاهرة أو مما يدركه الفعل في السلوك الأخلاقي مثل النهي عن صوم أيام العيدين كما أشرنا. ومع ذلك يجب الالتزام بما أمر به الشرع أو نهى عنه.\nشروط القانون الأخلاقي:\nهناك عدة شروط تحكم القانون الأخلاقي والإلزام الخلقي من أهمها:\nأ- أن يكون في استطاعة المرء القيام به على طريقة إذا أردت أن تطاع فمر بما يستطاع. ولذلك لا يسأل العبد عن الأفعال التي تقع خارج قدرته. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" لأن هذه أمور تخرج عن استطاعة الإنسان ومن قدرته. وقد قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . و﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ . فالله ﷾ لا يكلف عباده بما لا يطيقونه وهذا هو العدل. وعندما يكلف الإنسان إنسانا آخر فوق طاقته وفوق قدرته فإن هذا هو الظلم بعينه والله ﷾ منزه عنه.\nب- أن الإنسان لا يحاسب على ما يدور في داخل نفسه من صراع بين الخير والشر والحب والكرامة إلا عندما يترجم شعوره الداخلي إلى عقل خارجي عملي واقعي. وقد ورد عن الرسول ﷺ أنه كان يعدل بين زوجاته في الأمور التي يستطيعها أما فيما عدا ذلك من الأمور التي لا يستطيع أن يسيطر عليها شعوريا أو داخليا فكان يترك الأمر لله. وقد أثر عنه قوله في ذلك \"اللهم إني عدلت فيما أملك فلا تحاسبني فيما لا أملك\". يريد بذلك مشاعره وأحاسيسه وعواطفه التي لا يمكنه أن يسيطر عليها.\nج- أن المرء يحاسب على نتيجة فعله ويتحمل مسئولية هذه النتيجة. لأن المرء في هذه الحالة هو الذي يقوم باختيار الفعل بحريته وعليه إذن أن يتحمل مسئولية ما فعله لأن الحرية تعني المسئولية. والمسئولية تعني الجزاء خيرا أو شرا.\nد- من شروط القانون الأخلاقي اليسر ولا العسر لأن الدين يسر لا عسر. قال","vol":"1","page":157},{"text":"تعالى في سورة البقرة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وفي سورة النساء: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ . وقال في سورة الأنفال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ . وهكذا يكون من شروط القانون الأخلاقي تيسير وتسهيل مهمة القيام به على صاحبه. فهذه أفضل الطرق لأداء الواجب الأخلاقي.\nهـ- أن يكون صاحب العمل أو السلوك الأخلاقي عاقلا مكتمل الصحة والأهلية فليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج ولا على المجنون أو فاقد العقل حرج ولا على النائم حرج. لأن هؤلاء يخرجون عن نطاق اكتمال الصحة والأهلية والمسئولية.\nومراعاة حالات الضرورة والحالات الطارئة: فالضرورات تبيح المحظورات في الإسلام. كما أن الإسلام راعى في قانون أخلاقه الحالات الطارئة أو العارضة التي يصعب فيها الالتزام بالقانون الأخلاقي. وقد جعل الإسلام لكل حالة مخرج. فقد يكون ذلك المخرج بالإعفاء الكلي الكامل للمكلف وسقوط التكليف عنه كما في حالة فاقد العقل أو المجنون أو المريض مرضا لا شفاء منه. وقد يكون بالإعفاء الجزئي كما في حالة قصر الصلاة للمسافر وقد يكون بإرجاء أو إحلال عمل سهل يسير بعمل آخر صعب عسير مثل إطعام المساكين في كفارة الحلف أو اليمين. وهذه المخارج التي أباحها الإسلام للحالات الطارئة إنما هي دليل على سماحة الإسلام ومرونة التشريع الإسلامي وصلاحيته لكل زمان ومكان. ولا ينبغي أن يساء استخدامها للتهاون في الالتزام الأخلاقي.\nز- الترتيب في تحديد الواجبات الأخلاقية: يقول الدكتور محفوظ على عزام في كتابه الأخلاق في الإسلام بين النظرية والتطبيق \"ص٣٤-٣٦\" إن الإسلام رتب الأعمال الخلقية إلى ما هو لازم وما هو ألزم. فألزمها فرض العين ثم فرض الكفاية ثم الواجب ثم السنة المؤكدة ثم السنة غير المؤكدة ثم النوافل وأخيرا الكماليات. كما رتب الإسلام المحرمات والشرور إلى كبائر","vol":"1","page":158},{"text":"وصغائر ومكروهات. ثم قسمها من ناحية أخرى من حيث الواجبات المحدودة وغير المحدودة والمؤقتة وغير المؤقتة. وحدد مسافة بين الخير والشر، لا هي خير ولا هي شر. وهي المباحات. وأحد طرفيها متصل بالخير والآخر متصل بالشر. وأمر الناس بالاتجاه إلى الخير والابتعاد عن الشر.\nمصادر القيم الأخلاقية:\nتختلف مصادر القيم الأخلاقية والإلزام الخلقي باختلاف الثقافات والمجتمعات. فلكل ثقافة أو مجتمع مصادره الخاصة التي يستقي منها قيمه الخلقية ويحدد على أساسها إطاره الأخلاقي. ويمكن القول بصفة عامة بأن من أهم مصادر القيم الأخلاقية للثقافات المختلفة الدين أو الشرائع السماوية أو غير السماوية والأيديولوجيات الفكرية أو الفلسفية أو الاجتماعية السائدة، والعرف والتقاليد والقوانين الوضعية والمدنية. ويصدق ذلك على الدول الإسلامية كما يصدق على غيرها من الدول. بيد أنه بالنسبة للدول الإسلامية نجد أن القرآن الكريم يعتبر أهم مصدر لقيمنا الأخلاقية. وهو الينبوع الرئيسي الذي نستمد منه أحكامنا وواجباتنا وقيمنا الخلقية. وقد بين الله للإنسان طريق الصواب وطريق الخطأ من خلال أوامره ونواهيه. وزوده بالعقل والحواس ليكون بصيرا بنفسه. قال تعالى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ . وقال أيضا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ و﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ و﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ . ويرى علماء المسلمين أن قضية التحريم والتحليل في الإسلام تمشي مع الفطرة الإنسانية التي فطر الله الإنسان عليها كما تتمشى مع طبيعة العقل البشري ولذلك فإنهم ينظرون إلى مفهوم \"العدل\" على أن ما يقتضيه العقل من الحكمة وهو إصدار العقل على وجه المصلحة أو الصواب. فالقتل والسرقة والكذب حرام لأنها أفعال يرى فيها الشرع أنها منافية للفطرة والعقل والقصاص والأمانة والصدق حلال لأنها أفعال مشروعة بحكم تمشيها مع الفطرة والعقل. وعندما يقصر الإنسان في حق ما أمره به الله أو نهاه عنه فإن الله ﷾ يحاسبه ويعاقبه على تقصيره. وإن أخطأ وتاب فإن","vol":"1","page":159},{"text":"الله يعفو عنه كما يعفو عن كثير. وقد أشرنا إلى قضية الجبر والاختيار في أعمال الإنسان في مكان آخر من هذا الكتاب.\nوالمصدر الثاني للقيم الخلقية الإسلامية فهو السنة المطهرة فهي مكملة للتشريع الرئيسي وهو القرآن الكريم. فقد كان ﵊ لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ .\nوقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . وقد دعا المسلمين إلى الأخذ بكل ما جاء به الرسول ﵇. وهناك حديثان هامان بصفة خاصة لأنهما مكملان لما أحله الله أو حرمه علينا من الأكل والطعام الأول هو: \"أحلت لكم ميتتان ودمان. أما الميتتان فهما السمك والجراد وأما الدمان فهما الكبد والطحال\". والثاني هو \"حرم عليكم كل ذي ناب من السبع وكل ذي مخلب من الطير\". وهذا الحديث رغم خطورة فحواه -لأنه بدونه يباح أكل كل ما يدب على الأرض من سباع وطيور جارحة وهوام- هناك رأي لا يجيز العمل بهذا الحديث على أساس أنه ضعيف أو ليس بحديث مع أنه ورد في الصحيحين. وعلى أساس ذلك أشار الإمام محمد الغزالي في كتابه عن الإسلام خارج حدوده إلى أن لحم الكلب لا يوجد دليل شرعي على تحريم أكله. وقد تألم كاتب هذه السطور عند قراءة هذا الرأي وكان وقتها أستاذا في جامعة قطر حيث يعمل فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي عميد كلية الشريعة آنذاك. وبمناقشتي معه حول الموضوع ثنى على كلام الشيخ الغزالي وذكر أبياتا شعرية عن مدح المالكية في لحم الكلب مع أنه استند إلى هذا الحديث في كتابه الحلال والحرام في الإسلام. ولما قلت له إن لعاب الكلب نجاسة يتطهر منها بالغسل سبع مرات آخرها بالتراب فقال لي: النجس لعابه فقط. فتعجبت ولم أقتنع وقلت في نفسي إذا كانت القاعدة الفقهية المعمول بها: ما يسكر قليله فكثيره حرام. فلماذا لا يكون ما ينجس قليلة يكون كثيره حراما. وقلت في نفسي أيضا أليس من المعمول به في بعض المذاهب الفقهية الأخذ بالأحاديث الضعيفة في الجوانب الأخلاقية لا سيما في هذا الحديث الهام إذا كان ضعيفا على رأيهم؟ أعود إلى","vol":"1","page":160},{"text":"نفسي لأبعث فيها الطمأنينة والرضى فأقول إن الله طيب لا يحب إلا الطيب ويكره ما عداه من الخبائث. وأعيد ثقتي بالنفس عندما أتذكر أيام شبابي عندما درست هذين الحديثين فيما درست في كلية دار العلوم على يد علماء مسلمين أفاضل جزاهم الله خير الجزاء. لقد كان الرسول ﷺ كما قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ . ونود أن نلفت النظر هنا إلى أن النبي ﷺ قد أشار في أحاديثه إلى أنه ينبغي علينا أن نميز بين نوعين من أفعاله وأقواله: النوع الأول وهي الأقوال والأفعال الموحى بها إليه من الله ﷿. وهذه لا جدال فيها إذ يجب الأخذ بها والعمل بمقتضاها على أنها من تمام الدين والشرع. النوع الثاني هي الأقوال والأفعال التي كان يقوم بها الرسول باعتباره بشرا يسري عليه ما يسري عليهم باستثناء واحد عبر عنه الشاعر بقوله:\nفإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال\nولقد ورد عن الرسول ﷺ قوله: \"إذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله\". وورد عنه قوله لبعض جماعته في موقف عام وقد شهي عليه في الصلاة \"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني\". فهو غير معصوم عن الخطأ كبشر لكنه معصوم عن الخطأ فيما بلغ عن ربه. وقد لقي النبي التوجيه من ربه عندما مال كرأي أبي بكر بأحد النداء من أسرى بدر من المشركين وغلبه على رأي عمر الذي أشار بقتلهم فنزل قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ كما أن الله ﷾ عاتبه على استغفار لعمه أبي طالب وقد أبى عليه الإسلام فنزل قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ . ويقول الشيخ محمد عبد الله دراز: \"إن النبي ﷺ لا يمكن أن يستمر مطلقا على رأي خاطئ وإذا لم يعد إلى الصواب بالطريق المعتاد فإن الوحي يتدخل حتما لتصحيح خطئه وإقامته على السراط المستقيم وإلا وقعت الجماعة كلها في الخطأ والتزمت باتباعه في طريق الضلال.","vol":"1","page":161},{"text":"يضاف إلى ذلك أن أئمة علماء المسلمين يفهمون ما ورد في السنة ويفسرونه في ضوء ما ورد في القرآن الكريم والتوجهات العامة لأحكامه. كما درج علماء المسلمين على استقصاء أحاديث الرسول ﷺ والعمل بالمتواتر والصحيح منها وترك ما هو مدسوس أو مختلق عليه ﷺ. وهكذا نكون من متطلبات المصدر الثاني للتشريع الإسلامي تأصيل ما رود عن الرسول ﷺ والتحقق منه لأن هناك بعض الأحاديث المختلفة والمنسوبة عن غير حق لرسول الله، ويسيء استغلالها بعض المغرضين من المسلمين وإن لبسوا العمامة وأطالوا اللحى. وهو في هذا يختلف عن المصدر الأول للتشريع وهو القرآن الكريم. وإلى جانب هذين المصدرين الرئيسين للتشريع الإسلامي هنا مصدران ثانويان آخران هما الإجماع والقياس وكلاهما يقوم على المصدرين الرئيسين السابقين في ضوء الدراسة الفاحصة لمتطلبات الموقف الجديد. وهذه المصادر الأربعة هي في الواقع مصارد رئيسية للقيم الأخلاقية والإسلامية.\nالوسائل والغايات:\nترتبط الوسائل بغاياتها. فالغايات النبيلة والمقاصد الشريفة تكون وسائلها فضيلة وشريفه. وقد تتعدد الوسائل لتحقيق غاية واحدة على طريقة أن كل الطرق تؤدي إلى روما. وهناك مثل أو مبدأ يقول بأن الغاية تبرر الوسيلة. وهذا قول لا يمكن أن يقبل على علاته وإنما يجب أن توضع له الضمانات حتى لا ينحرف عن مساره الطبيعي ويصبح مبدأ ميكيافيليا مرفوضا. فالغاية إذا كانت شريفة ومقبولة أخلاقيا والوسيلة شريفة ومقبولة أخلاقيا فلا ضير أن تبرز الغاية الوسيلة. أما إذا كانت الغاية مقبولة اجتماعيا والوسيلة غير شريفة وغير مقبولة اجتماعيا يصبح الأمر مرفوضا. فإذا كانت الغاية أو الهدف تحقيق الغنى أو الجاه أو جمع المال وتكون الوسيلة هي السرقة والنهب والاستيلاء على أموال الناس. عندئذ يكون هذا المبدأ ميكيافيليا مرفوضا أخلاقيا. وأخلاقنا الإسلامية تنبذ مثل هذه المبادئ وترفضها لأنها تتعارض مع طبيعة الأخلاق الإسلامية التي تقوم على الحق والخير والعدل والجمال.","vol":"1","page":162},{"text":"الفرق بين الأومر والنواهي:\nالفرق الرئيسي بين الأوامر والنواهي أن الأخيرة تحريم مطلق يسري في كل مكان وزمان وفي كل الأحوال وبدون أي استثناءات إلا في الحالات التي حددها الإسلام وهي حالة الخطأ والنسيان وما استكره عليه الإنسان. أما الأوامر فليست لها هذه الصفة المطلقة من الإجبار والحتمية. وإنما تتمشى حسب ظروف الفرد. فإذا كان مريضا أو على سفر في حالة الصوم مثلا فعدة من أيام أخر. وللمصلي أن يجمع ويقصر في صلاته في حالة سفره. وباختصار تخضع الأوامر لما ذكره رب العزة في كتابه الكريم ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .\nالإيثار ضد الأنانية:\nتختلف النظرة الأخلاقية من حيث جانب الإيثار أو الأنانية. فالإيثار تفضيل الإنسان غيره على نفسه. وقد حثنا الإسلام على الإثرة في قوله ﷿ في سورة الحشر: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . أي يقدمون غيرهم على أنفسهم ولو كانوا محتاجين وقوله ﷿ في سورة آل عمران: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ .. والإيثار صفة خلقية محبوبة لأنها تعزز الروابط الاجتماعية بين الناس وتحقق التراحم بينهم. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\". وفي مأثور الحكم \"ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط. وقد عبر عن ذلك الشاعر العربي أو العلاء بقوله:\nفلا نزلت علي ولا بأرضي ... سحائب ليس تنتظم البلادا\nوقد ضرب صحابة الرسول ﷺ. أمثلة رائعة في الإيثار سطرها التاريخ. ومن الأمثلة الفذة ما يرويه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن \"ج١٨ ص٢٨\" عن الحذيفة العدوي في قوله: \"انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي، ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته. فإذا أنا به. فقلت: أسقيك؟ فأشار برأسه أن: نعم. فإذا أنا برجل يقول: آه آه. فأشار إلى ابن عمي أن انطلق إليه. فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن:","vol":"1","page":163},{"text":"نعم. فسمع آخر يقول: آه آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. وهكذا لم يشرب أحدهم الماء لإيثار كل منهم صاحبه عليه. والإيثار كقيمة أخلاقية يتعبر من أنبل الأخلاق وأفضل المكارم الإنسانية.\nأما الأنانية فهي صفة أخلاقية مرفوضة لأنها تقوم على حب الذات وتمركز الشخص حول نفسه ومصلحته بصرف النظر عن الآخرين. فلا يهم الفرد إلا مصلحته هو وليمت الآخرون. وقد عبر الشاعر العربي عن هذه الصفة الأنانية التي تشينه بقوله: \"إذا مت ظمان فلا نزل القطر\". أي المطر. فهو يدعو بألا يعم الخير على الآخرين إذا هو لم يصبه هذا الخير أولا. وهذه أنانية بغيضة نهانا عنها ديننا الحنيف.\nوينبغي أن نشير هنا إلى أن الفيلسوف الفرنسي المعروف أوجست كونت يتمشى مع الإسلام في هذه الناحية وإن كان يغلب جانب الآخرين. ذلك أن مبدأه الأخلاقي يقوم على أساس الشعار الذي وضعه لنفسه وهو: \"عش من أجل غيرك\". وهو يرى أن \"الحب هو المبدأ، والنظام هو القاعدة، والتقدم هو الغاية\". وهو يختلف عن الفيلسوف الألماني \"كانط\" فيما ذهب إليه من أن العواطف مفسدة للجانب الأخلاقي وإن كان كونت يتفق معه في تجريد الأخلاق من كل اعتبار يقوم على المنفعة والمصلحة. ويرى كونت أن رقة العاطفة هي منشأ الحب ومصدره، وأنها هي التي يجب أن ينتظر منها الجميع ألوان التراحم والتعاون والتضحيات. وهي التي يجب أن تنمى في قلب الطفل منذ أيامه الأولى. وإذا كانت المرأة هي أفضل صورة للإنسانية -كما يقول كونت- فذاك لأنها هي أرق النوعين الإنسانيين عاطفة وأوفرهما حنوا. \"كريسون: ص٢٥٢\".\nوينبغي أن نشير من قبيل المقارنة إلى أن الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت\" يتشدد في مذهبه الداعي إلى حب الغير وإيثار الآخرين لدرجة أنه يحرم على المربي أن يطري أو يمدح فضيلة، كائنة ما كانت، بسبب ما يمكن أن يجنيه الفرد من فائدة من ورائها. ويضرب لذلك مثلا للطفل الذي يقال له: كن نظيفا لتحافظ على صحتك. والأولى أن يقال له: كن نظيفا لتحافظ على صحة","vol":"1","page":164},{"text":"ونظافة المجتمع وحتى لا يتأذى بك الغير. ويضرب مثلا آخر عندما يقال للطفل \"اجتهد لكي تكون من العظماء وذوي الرفعة المكانية\". والأولى في نظره أن يقال له اجتهد لكي تكون عضوا نافعا للمجتمع والإنسانية. ويرى كونت أن أي مسلك أخلاقي يخالف ذلك يكون خدعة في طيها جنابة \"كريسون: ص٢٥٤\".\nويبدو من هذه النظرة الأخلاقية أن \"كونت\" يفرق بل يبالغ في تأكيد الجانب الاجتماعي وتغليبه على الجانب الفردي. وفي هذه النقطة بالذات نجد أن النظرة الإسلامية تختلف. فهي وإن أكدت أهمية جانب المجتمع والإنسانية بصفة عامة فإنها لا تغفل أيضا جانب الفرد. فإذا عدنا للمثال السابق وهو مثال الطفل، نجد أن النظرة الإسلامية تجمع بين قولنا للطفل كن نظيفا لتحافظ على صحتك وبين كونه نظيفا ليحافظ على سلامة المجتمع وحتى لا يتأذى به الغير.\nوبالمثل يمكن القول في المثال الثاني الخاص بالاجتهاد ليكون الطفل من ذوي الرفعة وليكون أيضا عضوا نافعا للمجتمع والإنسانية. وقد سبق أن أشرنا إلى أن التربية الإسلامية هي تربية فردية واجتماعية معا.\nإن الإيثار وحب الغير فضيلة أخلاقية تجلب حب الناس وبالتالي حب الله. أما الأنانية فهي رذيلة ممحوجة لا تجلب لصاحبها إلا الكراهية والنفور وبعض الناس له وبالتالي بغض ربه وخالقه.\nالطبيعة الإنسانية في الإسلام:\nيعتبر موضوع الطبيعة الإسلامية من الموضوعات الهامة التي لا يستغني عنها أي دارس للتربية الإسلامية لأن الإنسان موضوع التربية ومن المهم إذن أن نعرف ما يقوله الإسلام عن هذه الطبيعة حتى يمكن توجيهها وتنشئتها على أساس سليم.\nويقول المربون: إن فلسفة التربية هي فلسفة الإنسان قبل كل شيء، وبهذا الشرط وحده تستطيع أن تؤدي رسالتها وهي العمل على تنظيم الكائن الإنساني ووحدته وتأليفه تأليفا جديدا ومستمرا وحمايته قبل كل شيء من القوى المختلفة التي تتنازعه في اتجاهات متباينة، ووقايته من مخاطر تشتت فكره وانحلال","vol":"1","page":165},{"text":"إرادته. ولما كانت التربية عملية توجيه ونمو للأفراد، فإن طبيعة الفرد تصبح مسألة على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة لفلسفة التربية. ويقصد بالطبيعة الإنسانية من المنظور الإسلامي فطرة الإنسان التي فطره الله عليها. ترى ما هي طبيعة الإنسان وفطرته في الإسلام؟\nهناك ثلاثة أمور رئيسية يمكن تناولها لتوضيح مفهوم طبيعة الإنسان من الوجهة الإسلامية. أول هذه الأمور يتعلق بماهية الإنسان نفسه هل هو مادة أم روح أم كلاهما معا؟ ثاني هذه الأمور يتعلق بجانب الخير والشر فيه. أي هل الإنسان خير بطبيعته أم شرير بطبيعته أم كلاهما معا، أم أن طبيعته محايدة لاهي خيرة ولا شريرة. وثالث الأمور يتعلق بإرادة الإنسان. هل هي مطلقة أم محدودة وهل هو مخير أم مسير أم كلاهما معا؟ وسنتناول كل موضوع من هذه الموضوعات الثلاثة للطبيعة الإنسانية بشيء من التفصيل في السطور التالية:\nأولا: ماهية الإنسان:\nإن الإنسان الأول وهو آدم خلقه الله من تراب أي من غير أب. وهو بهذا يشبه عيسى ﵇ الذي خلقه الله من غير أب. يقول ﷿ في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .\nفآدم أبو البشر جميعا في أول الخلق. وقد خلقه الله وخلق منه زوجته حواء. قال تعالى في سورة الزمر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ . ويذكر ابن سيرين في كتابه \"تفسير الأحلام الكبير \"ص٢٥\". وهو الكتاب الذي يتشكك أحمد أمين في نسبته١ إن أول رؤيا على الأرض هي ما رآه سيدنا آدم ﵇ فقد أوحى الله تعالى إليه: \"إنك قد\n_________\n١ يقول أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام ص٢٩٤: إن ابن سيرين اشتهر بتفسير الأحلام وزيف عليه كتاب في ذلك. وقد ذكره ابن النديم في الفهرست ونسبه إليه. ولكنا لا نجد أثرا لشهرته في تعبير الرؤى في كتب المتقدمين أمثال طبقات ابن سعد.","vol":"1","page":166},{"text":"نظرت في خلقي فهل رأيت فهم شبيها؟ \" قال: لا يا رب، وقد كرمتني وفضلتني وعظمتني، فاجعل لي زوجا تشبهني أسكن إليها حتى توحدك وتعبدك معي، فقال الله تعالى له: \"نعم\". فألقى عليه النعاس، فخلق منه حواء على صورته. وآراه في منامه ذلك. فانتبه وهي جالسة عند رأسه. فقال له ربه: \"يا آدم ما هذه الجالسة التي عند رأسك؟ \". فقال له آدم: الرؤيا أريتني في منامي يا إلهي:\nوقد ورد في الأثر \"إن المرأة خلقت من ضلع أعوج وأن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء\" ولكن الإنسان فيما بعد آدم ذكرا كان أم أنثى من مني يمنى. قال تعالى في سورة القيامة: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ وقال تعالى في سورة الحج: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ . وقال في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ .\nويلخص لنا القزويني في كتابه \"عجائب المخلوقات\" ص٢٣١ حقيقة الإنسان كما شرحها ووضحها مفكرو الإسلام فيقول:\nاعلم أن الإنسان مجموع مركب من النفس والبدن، وأنه أشرف الحيوانات وخلاصة المخلوقات. ركبه الله تعالى في أحسن صورة روحا وبدنا. وخصه بالنطق والعقل سرا وعلنا. وزين ظاهره بالحواس والحظ الأوفى، وباطنه بالقوى ما هو أشرف وأقوى. وهيأ للنفس الناطقة الدماغ وأسكنه أعلى محل وأوفق رتبة. وزينه بالفكر والذكر والحفظ. وسلط عليه الجواهر العقلية لتكون النفس أميره والعقل وزيره، والقوى جنوده، والحس المشترك مريده، والأعضاء خدمه، والبدن محل ممكلته، بالحواس يسافرون في جميع الأوقات في عالمهم، ويلتقطون الأخبار والموافقة والمخالفة، ويعرضونها على الحس المشترك الذي هو واسطة بين النفس والحواس.. وهو يعرضها على القوة العقلية لتختار ما يوافق، وتطرح ما يخالف، فمن هذا الوجه فالإنسان عالم صغير. ومن حيث إنه يتغذى وينمو قالوا نبات. ومن حيث إنه يحس ويتحرك قالوا حيوان. ومن حيث إنه يعلم","vol":"1","page":167},{"text":"حقائق الأشياء قالوا ملك. فصار مجمعا لهذه المعاني. فإذا صرف همه إلى جهة من هذه الجهات ليلتحق بها فإن كان قد صرف همته إلى الجهة الطبيعية فيكون راضيا من أمر دنياه بالتقوى وتنقية الفضول. وإن كان إلى الحيوانية فيكون إما غضويا كسبع، أو أكولا كبقرة، أو شرها كخنزير، أو جزعا ككلب، أو حقودا كجمل، أو متكبرا كنمر، أو ذا روغان كثعلب. أو يجمع هذا كله فيكون شيطانا مريدا. وإن كان صرف همته إلى الجهة الملكية فيكون متوجها إلى العالم الأعلى، ولا يرضى بالمنزل الأسفل والمربع الأدنى. فيكون مرادا من قوله ﷿ في سورة الإسراء: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ . \"محفوظ على عزام: ص١٦٣-١٦٤. نقلا عن القزوين: عجائب المخلوقات\".\nوقد شغل كثير من علماء المسلمين بالبحث في ماهية الإنسان. وفي كلامهم عن هذه الماهية يميزون بين جانبين رئيسيين: الجانب المادي فيها وهو الجسم أو البدن والجانب غير المادي ويشمل العقل والنفس والروح. ولا يعني هذا التمييز وجود انفصال بين الجانبين. وقد أدرك المسلمون منذ عصورهم الأولى أن هناك صلة وثيقة بين الجسم والعقل، وعبروا عن هذه الصلة بالحكمة القائلة: \"بأن العقل السليم في الجسم السليم\" وقد عنوا بالجسم وخففوا عنه الأعباء ليستطيع أن يحمل النفس الكبيرة ويساعد العقل على الدرس والتدريس والتعلم والتعليم. ولم يجز المسلمون أن يرهق الإنسان قواه الجسمانية أو يضعف من احتمالها من أجل عبادة يسرف فيها أو حرمان مما أحل الله للناس.\nوقد أدرك المربون المسلمون أن الجسم المريض لا يساعد العقل على الفهم وأوصى الأصفهاني بترفيه النفس في طلب العلم محذرا الطالب من مواصلة الدرس والجهد دون أن يتخلل ذلك راحة ورياضة فهذا الجهد المتواصل سيكون نتيجته الفشل. ويأتي بدليل على كلامه من حديث الرسول ﷺ: \"إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرًا أبقى\". ويضيف الأصفهاني أيضا أن على الطالب أن يواصل الدرس ما نشط عقله وفطن فإذا أحس في عقله فتورا فليتوقف عن العمل وليلجأ إلى اللعب فإن العقل المكدود ليس لرؤيته لقاح ولا لرأيه نجاح.\nوقد كان المربون المسلمون يدركون أن من طبيعة الطفل أن يكون نشيطا","vol":"1","page":168},{"text":"كثير الحركة، وكانوا يغذون فيه هذه الطبيعة لعلمهم أن في نشاط الجسم يقظة العقل وصفاء الذهن، وكانوا يرون أن من غير الطبيعي أن يكون الطفل هادئا ساكنا ويرجعون سكونه إلى مرض أصابه أو بأس نزل به، فالمربون المسملون جعلوا للعب مكانته في التربية غير أنهم اقتصروا على الجانب الترويحي منه بعد الفراغ من العمل، ولم يذهبوا مذاهب المحدثين في جعل اللعب جزءا من العمل التربوي، وفي جعل العمل التربوي يتم عن طريق اللعب.\nوكان اهتمام فلاسفة المسلمين شديدا بالجانب غير المادي للطبيعة الإنسانية باعتباره الجانب الغامض الملغز المحير في الإنسان. فدرسوا فيما درسوا العقل. والعقل في اللغة قيد البعير وسمي هذا الجوهر به تشبيها على عادة العرب في استعارة أسماء المحسوسات للمعقولات. والعقل قيد الإنسان فهو مقيد له وعاصم من الزلل والخطأ. \"الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة: ص٩٨\" وسمي العقل قلبا، وذلك أنه لما كان القلب مبدأ تأثير الروحانيات والفضائل سمي به. ولذلك عظم الله تعالى أمره لاختصاصه بما قد أوجد لأجله؟ قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ . \"الأصفهاني: الذريعة إلى أحكام الشريعة ص٩٩\". وقال رسول الله ﷺ: \"إن في البدن مضغة إذا استقامت استقام البدن وإذا اعوجت اعوج البدن ألا هي القلب\". والعقل عند الفلاسفة يمثل القوة الإدراكية. وهو عند متكلمي الإسلام ليس جوهرا وإنما هو عرض يتمثل في جملة من العلوم والمعارف الأولية التي تقوم عليها المعرفة البشرية. كما يعرف بأنه الملكة أو القوة التي يستطيع الإنسان بها أن يميز بين الخير والشر ومنها يكتسب المعارف.\nورد عن النبي ﷺ قوله: \"إن أول ما خلق الله خلق العقل\" ويقال: إن المقصود هو العقل في قوله تعالى: \"وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز علي ولا أفضل منك بك آخذ وبك أعطي\". وقد سبق أن أشرنا إلى أن العقل أساس العقائد في الإسلام كما أن التفكير وهو وظيفة العقل فريضة إسلامية كما أن للنفس مظاهر عاطفية وجدانية تتمثل في الانفعالات والمشاعر والأحاسيس. وهكذا ينظر الإسلام إلى ماهية الإنسان على أنها مركبة تركيبا عضويا يتلاحم","vol":"1","page":169},{"text":"فيها الجانب الجسمي مع العقلي والنفسي.\nوبعض علماء المسلمين لا يفرق بين العقل والنفس والروح والقلب ويستخدمونها استخداما مترادفا أو متشابها. كما أن بعض علماء المسلمين تأثر بما ذكره فلاسفة الإغريق عن ماهية الإنسان وما يتعلق منها بالعقل والنفس. فالرئيس ابن سينا الذي يعتبر إمام فلاسفة المسلمين في دراسة النفس ويقول في قصيدته المشهورة عن النفس ما يذكرنا أحيانا بأساطير أفلاطون:\nهبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع\nوصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات تفجع\nفلأي شيء أهبطت من شامخ ... سام إلى قعر الحضيض الأوضع\nإن كان أهبطها الإله لحكمة ... طويت عن الفذ اللبيب الأروع\nفهبوطها لا شك ضربه لازب ... لتكون سامعة لما لم تسمع\nوتعود عالمة بكل خفية ... في العالمين فخرقها لم يرقع\nالنفس وتعريفها:\nيعرف قدماء فلاسفة الإسلام النفس بأنها الكمال الأول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة وهو تعريف نقلوه عن أرسطو. وفي الكتب الإسلامية القديمة يرد التعبير جسم آلي \"كترجمة لكلمة Organism أي كينونة عضوية حية، في تعريف أرسطو للنفس. وكلمة بالقوة In potentia تمييزا لها عن كلمة بالفعل In act فالبذرة شجرة بالقوة أما الشجرة فهي شجرة بالفعل. وهي جوهر روحي قائم بذاته إلا إذا اتصلت بالبدن فإنه يدخل في تعريفها لا على أنها صورة منطبعة فيه بل على أنها شرف وكمال له في الوجود. وكمال النفس عند ابن سينا كمالان: كمال أول وهو الذي يصير النوع به نوعا بالقوة كالإنسان والحيوان والنبات بأنواعه، وكالشكل بالنسبة للجماد كالسيف أو السكين مثلا. والكمال الثاني هو ما يتبع نوع الشيء من أفعال وصفات وانفعالات كالحركة والرؤية والإحساس والتمييز بالنسبة للإنسان، خاصية المضاء والقطع بالنسبة للسيف أو السكين. وهذا الكمال الثاني هو من تمام الكمال الأول. وهو الذي يجعل الشيء","vol":"1","page":170},{"text":"شيئا بالفعل بعد أن كان كامنا بالقوة. \"فتح الله خليف: ص٦٤\" والبدن والنفس يشكلان طبيعة واحدة للإنسان. وللنفس قوى منها القوى العاقلة والغاضبة والشهوية. وكل واحدة من هذه القوى عند علماء المسلمين داخلة في سلطان ما فوقها ومتآمرة على من دونها. فحق القوة الشهوية أن تكون مؤتمرة للقوة الغضبية، وحق هذه القوة أن تكون مؤتمرة للقوة العاقلة. وحق هذه القوة العاقلة أن تكون مستضيئة بنور الشرع ومؤتمرة لمراسمه حتى تصير هذه القوى متظاهرة غير متعادية \"الراغب الأصفهاني: تفضيل النشأتين ص٩٣\" وفي نفس الإنسان قوى رديئة من الهوى والشهوة والحسد تطلب الفساد وتعادي العقل والفكر. ولذلك يجب للعقل أن يعادل الهوى وألا يستسلم له. فالهوى من أعداء الله بدلالة قوله ﵇: \"وما في الأرض معبود أبغض إلى الله من الهوى\". ويرتبط بذلك صفتان متضادتان للنفس. فهناك شرف النفس وهي صفحة تنأى بصاحبها عن إتيان المذموم من الفعال، وتقابلها خسة النفس وهي صفة أصحاب النفوس الوضيعة الذين لا يستحون من فعل القبيح لا يستنكرونه.\nوالإسلام يخاطب النفس ويهدف إلى تربيتها من خلال الثواب والعقاب. فهناك الثواب المادي من جنة وزيادة في الرزق والتمتع بزينة الحياة الدنيا من مال وبنين. وهناك ثواب غير المادي من إعلاء مكانة وعلو المرتبة والطمأنينة النفسية وراحة البال والضمير. وهناك العقاب المادي من نار وقلة في الرزق وحرمان من متع الدنيا. وهناك العقاب غير المادي من تأنيب الضمير والخزي والحسرة والندم وعدم الرضا لله والناس. وللنفس مظاهر إدراكية تتمثل في العقل. والعقلانية هي أرقى صفة للإنسان. وقد أشار القرآن الكريم إلى عدة أصناف من النفس منها النفس اللوامة والنفس الأمارة والنفس المطمئنة والنفس الراضية والنفس المرضية. ويرى علماء المسلمين أن النفس تتميز عن البدن وأنها ليس جزءا منه أو حالا من أحواله. وهي جوهر مفارق لجوهر البدن ومخالف له في طبعه كما أن النفس من عالم آخر هو عالم الروح الذي يختلف عن عالم الجسم وهو عالم المادة. ومن هنا استدل علماء المسلمين على أن الجسم فان أما الروح فلا تفنى بفناء","vol":"1","page":171},{"text":"الجسم.\nإن الإنسان في نظر الإسلام مادة وروح معا. ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ . والله ﷾ هو الذي خلق هذا الإنسان فسواه فعدله، في أحسن صورة ركبه. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . لقد صنع الإنسان صنعا عجيبا تحار في فهمه العقول وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ .\nفالنظرة الإسلامية تعتبر الإنسان بكل مكوناته وحدة عضوية تتكامل وتتآلف فيما بينها بين القوى الإدراكية والانفعالية والجسمية. وبهذا يقف الإسلام موقفا فريدا من الإنسان يختلف عن موقف الثقافات والعقائد الأخرى. فالمسيحية على سبيل المثال تنظر إلى الإنسان على أنه قوى متناقضة متصارعه، جسم يناقض الروح لأنه يسجنها في داخله ويعوقها عن الرجوع لبارئها. كما أن الفلاسفة الإغريق والفلاسفة المثاليين نظروا إلى الإنسان على أنه عقل محمول على جسم، ومجدوا العقل وقللوا من شأن الجسم. وقد أثبت العلم الحديث أن الدماغ هو مركز الإدراك والسلوك عند الإنسان وأن كل القوى الإدراكية والسلوكية تتركز في مخ الإنسان وتتوزع كل منها على مناطق معينة فيه.\nكمال النفس بالتربية:\nإن الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية. ويقول الغزالي \"الإحياء: ص٣، ص٥٩\" وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية والغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال. وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم.\nوهو يعتبر أن الجهل من أمراض النفس وعلاجه بالتعليم كما أن علاج","vol":"1","page":172},{"text":"مرض الكبر يكون بالتواضع وعلاج مرض البخل بالتسخي. فعلاج كل مرض يفيده. ويورد مثالا طريفا يحكي عن بعضهم أنه كان يعود نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شدة الغضب بأن يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ويكلف نفسه الصبر ويكظم غيظه حتى صار الحلم عادة له حتى ضرب به المثل. ونحن في زماننا لا نحتاج إلى تأجير من يقوم لنا بذلك فنحن نصادفه ونتعايش معه كل يوم وعلينا أن نستفيد منه في رياضة نفوسنا وكظم غيظنا مع توفير فلوسنا. فهذه خدمة أخلاقية مجانية يقدمها مجتمعنا المعاصر لمن أراد إلى ذلك سبيلا.\nإن العلم من كمال النفس الإنسانية لكنه وحده لا يكفي. ولا بد أن يكتمل كمال النفس بتربيتها الأخلاقية. وقد عبر الشاعر العربي عن ذلك بقوله:\nلا تحسبن العلم ينفع وحده ... ما لم يتوج ربه بخلاق\nفالعلم والخلق مهمان لكمال النفس ويقول ابن خلدون في مقدمته \"ص٢٧٤\" إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة.\nأثر الوراثة والبيئة:\nهناك وجهتا نظر تتعلقان بالكلام عن الوراثة أو البيئة إحداهما يمثلها فرانسيس جالتون Franics galton وعبر عنها في كتابه \"العبقري بالوراثة\" HEREDITARY GENIUS وهو يعتقد أن القدرات الطبيعية للإنسان موروثة وأنه يمكن إنتاج سلالة من البشر على درجة عالية من الموهبة عن طريق الزواج المضبوط خلال أجيال متعاقبة. ووجهة النظر هذه قديمة ولم توضع موضع الاختيار. وخضعت فيما بعد لكثير من الهجوم والنقد لا سيما من جانب المربين علماء النفس الأمريكيين.\nووجهة النظر الثانية يمثلها عالم النفس الأمريكي المعروف واطسون WATSON،J الذي يؤكد أثر البيئة والتربية. وفي ذلك يقول: \"أعطني دستة أطفال أصحاء وأعطني عالمي الخاص لتربيتهم وأنا أضمن لك أن أحول كل فرد منهم إلى أي نوع من الرجال تشاء: فنان أو عالم أو جندي أو بحار أو شحاذ أو","vol":"1","page":173},{"text":"حرامي. وقد يكون واطسون قادرا على عمل ذلك إلا أن معظم الآباء والمدارس قد لا يحالفهم الحظ.\nويورد الراغب الأصفهاني في \"تفصيل النشأتين\" سبعة أسباب لاختلاف الناس وتفاوتهم تبين أثر كل من الوراثة والبيئة على الإنسان \"ص١١٥-١٢٠\" وهي:\n١- اختلاف الخلقة والأمزجة وتفاوت الطبيعة. وقد يرث الإنسان عن والديه مشابهتهما في الخلقة. فهو هنا يؤكد عامل الوراثة.\n٢- اختلاف أحوال الوالدين من حيث الصلاح والفساد. ذلك أن الإنسان يتأثر بمعاشرة والديه، وقد يأخذ عنهما ما هما عليه من جميل السيرة والخلق وقبيحها وهو هنا يؤكد عامل البيئة والتربية وقد قال النبي صلى الله عليه سلم: \"إياكم وخضراء الدمن\"، قيل: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: \"المرأة الحسنة في المنبت السوء\". قال الشاعر:\nوهل يرجى لأطفال كمال ... إذا ارتضعوا ثدي الناقصات\n٣- اختلاف طبائع الوالدين وتأثير عوامل الوراثة، وما تتكون منه النطفة التي يكون منها الولد ودم الطمث الذي يتربى به الولد؟ فذلك له تأثير بحسب طيب ما تكون منه وخبثه. ولهذا قال ﵇: \"تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس\" وقال: \"الناكح غارس فلينظر أين يضع غرسه\".\n٤- اختلاف أثر الغذاء والرضاع وطيب المطعم الذي يربي به الولد. ولتأثير الرضاع تقول العرب لمن تصفه بالفضل: لله دره. والدر تعني اللبن ولله دره تعني لله خيره وعطاؤه تشبيها بعطاء در الناقة أي لبنها لأن اللبن من أعلى أنواع النعم. ولا شك في أن لطيب أثر الغذاء أثرا بالغا في تكوين بناء شخصية الإنسان جسميا ونفسيا وهو سبب من الأسباب الهامة لاختلاف الناس وتفاوتهم. وقد قال النبي ﷺ: \"لا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يورث\".\n٥- اختلاف التأديب والتلقين وتعويد العادات الحسنة والقبيحة. فحق الولد أن","vol":"1","page":174},{"text":"يؤخذ بالآداب الشرعية، ويعود فعل الخير ويصان من مخالطة الأشرار في صباه.\n٦- اختلاف الصحبة والمخالطة وتأثيرها على سلوك الفرد وقد قال الشاعر طرفة بن العبد:\nعن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي\n٧- اختلاف الاجتهاد في تزكية النفس بالعلم والعمل.\nوهكذا يلخص الراغب الأصفهاني أثر كل من الوراثة والبيئة في تنشئة الطفل في هذه العوامل السبعة. وهي أن يكون طيب الطينة والنطفة ودم الطمث معتدل الأمزجة جاريا في أصلاب آباء صلحاء ذوي أمانة واستقامة مرتضعا بدر طيب مأخوذا من صغره من قبل مربيه بالآداب الصالحة ومقتضى الشرع والبعد عن مصاحبة الأشرار ومجتهدا بنفسه في تزكية النفس بالعلم والعمل. ومع أن كثيرا من هذه العوامل جبرية ومفروضة على الإنسان ولا حيلة فيها إلا أنه يرى أن الإنسان حر ومختار لأفعاله، ويجب أن تستخدم هذه الإرادة الحرة في تقويم أخلاقه ورياضة نفسه واكتساب الفضائل ما وسعه ذلك.\nالطبع والتطبع:\nيتعلق الطبع بالجانب الفطري الموروث في الإنسان وما يقوم به مطاوعة بدون تكلف. وتعرف المعاجم اللغوية الطبع بأنه الخلق والجمع طباع. والطبيعة تعني السجية أو مزاج الإنسان المركب من الأخلاط والطبائع. ويقال أمر طبيعي أي غير متكلف. وفلان مطبوع على كذا أي أنه ذو موهبة واقتدار في فن أو مجال معين يعالجه بلا تكلف. والطبع والطبيعة من نفس المعنى ويعنيان السجية والمزاج. وقد قال الشاعر العربي:\nإذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ... فلا خير في ود يجيء تكلفا\nوالطبع في الإسلام شأنه شأن ذكاء الإنسان. منه ما هو فطري ومنه ما هو مكتسب. فالطبع الفطري ما طبع عليه الإنسان منذ نشأته وفطر عليه. والطبع هنا يعني مزاج الإنسان وحالته الوجدانية والانفعالية والنفسية. أما التطبع فهو","vol":"1","page":175},{"text":"المكتسب من خلال التربية والتنشئة واكتساب العادات. فنحن لو ننظر مثلا إلى صفات مزاجية وانفعالية معينة مثل الحلم والأناة والحياء والحمق والغضب والرعونة وسرعة الانفعال وما شابهها نجد أن جانبا منها فطري عند علماء المسلمين وجانبا منها مكتسب يتمثل في التحكم والسيطرة على الصفة المزاجية قدر المستطاع. ومما يستدل به على فطرية مثل هذه الصفات في طبع الإنسان ومزاجه ما ورد في حديث الأشج بن قيس إذ قال له رسول الله ﷺ: \"إن بك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة\" وفي رواية أخرى عند البخاري \"الحلم والحياء\". قال الأشج: أجبله جبلني الله عليها \"أي فطرني الله عليها\" قال: نعم. قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله وسوله. من ناحية أخرى نجد قول الرسول ﷺ: \"إنما الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم\" قياسا على ذلك يقال إنما الخلق بالتخلق والطبع بالتطبع. وهذا القول يشير إلى الجانب المكتسب للطبع من خلال مداومة الإنسان على اكتساب العادة. ويقول حجة الإسلام الإمام الغزالي: \"إن الخَلق والخُلق عبارتان مستعملتان معا. يقال: فلان حسن الخَلق والخُلق أي حسن الظاهر والباطن فيراد بالخَلق الصورة الظاهرة ويراد بالخُلق الصورة الباطنة. وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح ونفس مدركة بالبصيرة. ولكل منهما هيئة وصورة إما قبيحة أو جميلة. فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر. ولذلك عظم الله أمرها بإضافتها إليه إذ قال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين والروح من رب العالمين. والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد. فالخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية.\nوهذا يعني أن الخلق صار تطبعا في الإنسان. ومن المعروف أن التطبع أو تطبيع الإنسان بمعنى تعويده على عادات وطبائع جديدة واكتسابه لها هو لب معنى التربية ووظيفتها الأولى الرئيسية. وهذه الوظيفة سواء أحسن توجيهها أو أسيء، هي أشبه بعملية الطلاء أو الدهان للأشياء لتعطيها شكلا ظاهريا وصورة","vol":"1","page":176},{"text":"خارجية قد تختلف أو تتفق مع جوهرها الحقيقي أو الداخلي. فإن كان الجوهر جيدا وكانت تربيته جيدة صح التطابق وصار الإنسان مستويا في شكله ومضمونه أو جوهره. ويكون حسن تربيته مواتيا لحسن جوهره. وهذا هو الإنسان المثالي. وكذلك الأمر إذا كان الجوهر خبيثا والتربية خبيثة أيضا ثم التطابق وصار الإنسان خبيثا في شكله ومضمونه وهو الإنسان المرفوض غير المرغوب الذي يعتبر جناية على الوالدين وعلى المجتمع ولا يرجى له صلاح أو فلاح. أما الإنسان الذي حسن جوهره وأسيئت تربيته فهو أشبه بخضراء الدمن التي حذرنا منها نبينا الكريم بقوله ﷺ: \"إياكم وخضراء الدمن\". قالوا ما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: \"المرأة الجميلة في المنبت السوء\". لكن مثل هذه الإنسان قد يرجى من روائه صلاح وفلاح إذا أحسنت تربيته من جديد لأن جوهره طيب قابل للإصلاح والتوجيه. أما إذا كان جوهر الإنسان خبيثا أو سيئا وحسنت تربيته فإن سلوكه يكون حسنا في الظاهر وفي المواقف العادية. أما إذا تغير الموقف وأصبح غير عادي فإن هذا الإنسان ينقلب إلى جوهره السيئ ليكشف عن حقيقته السيئة. مثال ذلك الإنسان في حالة الثورة والغضب الذي يلهب آذان خصمه بأقذر ألوان السباب والشتائم. ولذلك نصح الحكماء بحسن اختيار الناس: الجار قبل الدار والصديق قبل الطريق. ونصحوا أيضا باختيار مدى صدق الحبيب أو الصديق بالمواقف التي تظهره على حقيقته. وقالوا: لا يعرف الصديق إلا وقت الضيق والمثل الشعبي المصري يقول: \"حبيبك اللي أنت عشمان فيه كتر عليه بالأسية يبان لك جميع ما فيه\". وقد عبر عن ذلك الشاعر العربي بقوله:\nما أكثر الإخوان حين تعدهم ... لكنهم في النائبات قليل\nوهناك قصة معروفة عن الأعرابي الذي ربى في منزله جرو ذئب منذ نعومة أظفاره وأرضعه بلبن شاة كانت عنده. ولما كبر الذئب واختلى بالشاة هجم عليها وقتلها في غيبة صاحبها فلما رأى ذلك قال هذه الأبيات:\nقتلت شويهتي وفجعتنيها ... وأنت لشاتنا ولد ربيب\nغذيت بدرها وربيت فينا ... فمن أنباك أن أباك ذيب\nإذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب","vol":"1","page":177},{"text":"وفي هذا المعنى قال شاعر آخر:\nمن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي كما لاقى مجير أو عامر\nأعد لها لما استجارت بقربه ... من الدر ألبان اللقاح والدوائر\nأعدت له حتى إذا ما تكمنت ... فرته بأنياب لها وأظافر\nوأم عامر كنايه عن الضبع. وكان أحد الأعراب قد أواها وأطعمها فلما قويت واشتدت وثبت عليه وهو نائم وقتلته.\nونجد نفس المعنى في قول الشاعر:\nومن يفعل المعروف في غير أهله ... يكن حمده ذما عليه ويندم\nوهناك وجهة نظر مناقضة لذلك تقول:\nأصنع جميلا ولو في غير موضعه ... ما خات قط جميل أينما وضعا\nويبدو أن المسألة تتعلق بالشخص الذي عمل فيه الجميل. فمن الناس من يشكر الجميل لصاحبه. ومن الناس من يعض اليد التي تقدم له الخير كما عبر الشاعر:\nإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا\nوقال شاعر آخر:\nأحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فلطالما استعبد الإنسان إحسان\nويقال إن الكفر بالنعمة وعدم شكرانها مخبثة لنفس المنعم أي أن نفسه تتألم لذلك وقد تكف عن عمل الخير.\nوينبغي أن نشير إلى أنه من الثابت علميا أن الإنسان له قدرات فطرية مثل الذكاء والقدرات العقلية. وبالمثل يمكن أن يقال بأن للإنسان مزاجا وطبعا مزاجيا عاما قد يتفق فيه مع غيره وقد يختلف. يقول الجاحظ: \"اعلم أن الله جل ثناؤه خلق خلقه ثم طبعهم على جلب المنفعة ودفع المضار ... وهذا فيهم طبع مركب وجبلة مفطورة.. وهذه الخلال غرائز في الفطرة وكوامن في الطبع جبله ثابتة وشيمة مخلوقة\". ومن طباع البشر أنها لا تقبل من المعارف إلا ما","vol":"1","page":178},{"text":"يلائمها ويناسبها. كما أن النفوس يتحصل لها من العلوم بحسب ما تكتسبه منها. وقضية الطبع والتطبع قضية جدلية يحتدم حولها النقاش. وهذه القضية تحتاج منا إلى جهد كبير لفهمها وتوضيحها وإلقاء الضوء عليها حتى نحكم تربية وتنشئة الإنسان على أساس من الفهم الصحيح لطبعه ومزاجه. وعندها نستطيع أن نحسن من أساليب تطبيعنا له أي تربيتنا وتنشئتنا له. وذلك أن الطبع والتطبع وجهان لعملة واحدة.\nويشير الغزالي إلى السبب في حسن الخلق فيقول: قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة وإلى اعتدال قوة الغضب والشهوة وكونها للعقل مطبعة وللشرع أيضا. وهذا الاعتدال يحصل على وجهين: أحدهما بجود إلهي وكمال فطري بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل حسن الخلق. والوجه الثاني اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة. \"الأحياء: ج٣: ص٥٦\". وهكذا يؤكد الغزالي على جانبي الطبع والتطبع في أخلاق الإنسان. وهو يقول في مكان آخر: إن الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع والفطرة وتارة تكون باعتياد الأفعال الجميلة وتارة بمشاهدة أرباب الأفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير معا. \"نفس المرجع: ص٥٨\".\nالناس معادن:\nيتعلق الطبع بجوهر الناس ومعادنهم ويرى كثير من الفلاسفة ومنهم الفلاسفة المسلمون أن الناس يختلفون في طباعهم كالمعادن. فالناس معادن ومن كل المعادن تصادف أناسا في حياتك. لقد نوه النبي ﷺ إلى أن الناس معادن وأنهم يتفاوتون في الوضاعة والشرف والخير والشر بقوله في الحديث الشريف \"الناس معادن في الخير والشر. خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا\". \"عبد الله علوان: ص٣٧\".\nوقديما قسم أفلاطون حكيم الإغريق الناس إلى ثلاثة معادن: الذهب والفضة والنحاس. وقد خضعت كثير من المجتمعات في تطورها إلى تقسيم الناس إلى طبقات حسب معدنها وجوهرها. ومن أشهر التقسيمات الطبقية","vol":"1","page":179},{"text":"القديمة في المجتمعات ما ساد في الهند القديمة من تقسيم الناس إلى طبقات أعلاها البراهمة وأدناها المنبوذون. كما ساد تقسيم الناس إلى سادة وعبيد في المجتمع الإغريقي أو اليوناني القديم. وهناك تفسيرات وتقسيمات كثيرة لطبع الإنسان. فمنهم من يقسم طبع الإنسان إلى ناري وترابي وبعضهم يقسم مزاج الإنسان إلى صفراوي وسوداوي ودموي وما إلى ذلك، وهناك جدل كثير حول طبع الإنسان وما زال هذا الجدل محتدما ولم نصل بعد إلى رأي فاصل قاطع فيه إنما هي مسألة اجتهادات لتفسير الموضوع. ولكل مجتهد نصيب. وإذا نحن رجعنا إلى القرآن الكريم نجده بأنه وصف الإنسان بالهلع والجزع والمنع في قوله تعالى في سورة المعارج: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . ويقول ﷾ في سورة الروم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ . وفي تفسير هذه الآية حسب تفسير البيضاوي المسمى أنواع التنزيل وأسرار التأويل يرد القول بأن الفطرة أو الخلقة التي طبع الله الناس عليها هي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه أو ملة الإسلام. فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها. وهذا يعني أن الله ﷾ زود الإنسان بأشياء في طبعه يدركها بالفطرة. ومن ناحية أخرى نجد أن هذه الفطرة أو هذا الطبع يكتسب أشياء من خلال التربية والتنشئة.\nويبدو أن تطبع الإنسان أو ما يكتسبه بالتنشئة والتربية ما هو إلا قشرة أو غطاء على السطح تخفي تحتها الطبع الحقيقي للإنسان: فالإنسان الذي يبدو وديعا مؤدبا في الظاهر قد ينكشف عن إنسان سليط اللسان يسمعك أقذر الشتائم واللعنات إذا ما كشر عن أنيابه واستثاره الغضب كما أشرنا. هذا في الإنسان الذي معدنه رخيص. أما معدن الذهب من البشر فيتكشفون في أي موقف عن طبع أصيل كريم المحتد. فالتربية والتنشئة الاجتماعية والتعليم والتهذيب كلها أمور تخفي تحتها معدن الإنسان الحقيقي وطبعه المطبوع عليه. ويظهر هذا المعدن الحقيقي للإنسان في مواقف الاختيار والشدة. ولذلك قيل لا يعرف الصديق إلا وقت الضيق. والإنسان اللئيم أو الماكر أو المخادع من يخفي طبعه الحقيقي بالمعسول من القول لكنه لا يستطيع أن يخفي طبعه بالفعال إلا إذا","vol":"1","page":180},{"text":"كانت مصطنعة ومقصودة. فالفعال عادة تكشف حقيقة مثل هؤلاء اللئام أو الماكرين أو المخادعين. وقد عبر عن ذلك شاعرنا بقوله:\nيعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب\nوقال آخر:\nثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا اكتسيت به فإنك عار\nوقد يقال بأن صفات مثل اللؤم أو الدهاء أو الرياء أو الجود أو الشجاعة أو الجود أو البخل وغيرها هي صفات مكتسبة بمعنى أن الإنسان يكتسبها من خلال نوع التربية التي خضع لها والتنشئة التي نشأ عليها. وهذا صحيح. لكن لا ننسى أن كل إنسان ميسر لما خلق له. ولن يكتسب الإنسان شيئا ما لم يكن طبعه مواتيا له.\nجانب الخير والشر في الإنسان:\nتختلف وجهات النظر حول الخير والشر في الطبيعة الإنسانية وهناك ثلاثة اتجاهات رئيسية تدور حول هذا الموضوع. الاتجاه الأول يقول بأن الإنسان شرير بطبعه، والخير عارض عليه وهم البوذيون والمسيحيون الذين يرجعون في ذلك إلى خطيئة آدم أبي البشر. فلولا تأصل الشر في طبيعته لما عصى ربه وخالقه.\nوقد قال بذلك أيضا كل من الفيلسوفين هوبر وسبنسر اللذين يريان أن الإنسان متوحش مطبوع على الشر وسوء الخلق ويمكن تغييره بالتربية. والاتجاه الثاني يقول بأن الإنسان خير بطبعه والشر عارض عليه، وقد أخذ بهذا الرأي سقراط وجالينوس والرواقيون من فلاسفة الإغريق والفيلسوف الفرنسي المعروف جان جاك روسو وقال به من فلاسفة المسلمين وعلمائهم المعتزلة وابن تيمية وابن قيم الجوزية والسلف عموما.\nإن القول بأن طبيعة الإنسان شريرة أو خيرة يعني أن الطبيعة التي خلق بها الإنسان ثابتة لا يمكن تغييرها أو تعديلها، وأنه لا قيمة للتربية والتعليم في تعديل سلوك الإنسان. وهذا غير صحيح لقوله ﷺ: \"حسنوا أخلاقكم\" فالأخلاق تتحسن وقوله ﷺ: \"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق\". فالأخلاق","vol":"1","page":181},{"text":"ليست ثابتة وإنما لها تمام وكمال.\nوهناك رأي ثالث يقول بأن الطبيعة الإنسانية محايدة، ويقول بهذا الرأي الفيلسوف الألماني كانط وبرتراند راسل البريطاني ودور كايم الفرنسي. ومن المسلمين الغزالي وابن سينا. وقد عبر عن ذلك تعبيرا جيدا \"فيلون الإسكندري\" الإغريقي بقوله: \"ليس الإنسان في أصله وفطرته طيبا أو شريرا بل خلق والفضيلة فيه بالقوة ثم أصبح سيئا أو شريرا بالسقوط في اللذة أو يصبح طيبا بمقاومتها والابتعاد عنها. ويقول وليم مكدوجل في كتابه \"الأخلاق والسلوك في الحياة\": \"إن كل نزعة من النزعات الفطرية ينبوع من الطاقة. أما أن هذه الطاقة ستتجه إلى الخير أم الشر فأمر يتعلق بتوجيهها إلى غايات نبيلة أو وضعية، كما يتعلق بالتحكم الرشيد في هذا التوجيه. إن كل النزعات الفطرية قديرة على فعل الخير والشر\". وهذا يعني أن التربية والتوجيه ضروريان لنزعات الإنسان الفطرية إذا أردنا أن نوجهها وجهة خيرة نبيلة.\nويرى ليبنتز وابن عربي وغيرهما أن النفس الإنسانية تحتوي على جميع أفعالها فطريا. ويذهبان إلى القول بأن الشر في سلوك الإنسان ناتج عن سوء استخدام الإنسان لحريته، ولهذا نظم الإسلام هذه الحرية في إطار نظام أخلاقي محكم. إن الإسلام يقف موقفا وسطا من الطبيعة الإنسانية، فهو ينظر إليها على أنها محايدة. فكل مولود يولد على الفطرة وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. وهذا يعني أن الإنسان يكتسب جانب الخير أو الشر بالتطبع لا بالطبع، وذلك من خلال التنشئة الاجتماعية التي يتعرض لها. ويقول الغزالي: \"إن الصبي خلق قابلا للخير والشر جميعا، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين\". وابن خلدون أيضا يقول: إن النفس مهيأة للخير والشر معا، ولكن استعدادها للخير أكثر فالإنسان أقرب إلى الخير من حيث إنه إنسان. وهذا يعني بالنسبة للتربية الإسلامية أهمية المؤثرات التربوية في تشكيل الإنسان. وإن شخصية الإنسان ما هي إلا محصلة نهائية للقوى والمؤثرات التربوية التي خضع لها في نشأته. كما يعني أيضا ضرورة العناية بتربية النشء المسلم على الخير والكمال والفضيلة. ولقد آثر المعتزلة أن يعبروا عن فلسفتهم الخلقية","vol":"1","page":182},{"text":"بالحسن والقبيح بدلا من الخير والشر. لأن الخير والشر في نظرهم من الصفات النسبية العارضة للحسن والقبح. وليس كل حسن خيرا ولا كل قبيح شرا \"محمد السيد الجليند: ص٢٤٣\".\nالطبيعة الإنسانية وحرية الإرادة:\nاختلفت النظرة الفلسفية إلى حرية الإرادة عند الإنسان ويمكننا أن نميز ثلاثة اتجاهات رئيسية:\nالاتجاه الأول: الاتجاه الجبري أو الحتمي: وهو الاتجاه الذي يرى أن الإنسان مجبر في أعماله لا حرية له ولا إرادة فيما يفعل. والذين قالوا بأنه مسلوب الإرادة أمام إرادة الله يعرفون بالجبريين الميتافيزيقيين ومنهم الجبرية من المتكلمين المسلمين، وزعيمها الجهم بن صفوان ولذلك تسمى هذه الفرقة أيضا بالجهمية نسبة إليه. وهو أي الجهم بن صفوان من أهل خراسان من الموالي وأقام بالكوفة وكان فصيحا وخطيبا مصقعا يدعو الناس فيجذبهم إلى قوله. وقد ظهر مذهبه في \"ترمذ\" وكان كاتبا \"وزيرا\" للحارث بن سريح. ويقول جهم بن صفوان: إن الإنسان مجبور لا اختيار له ولا قدرة وإن الله قد قدر عليه أعمالا لا بد أن تصدر منه. فكما يجري الماء ويتحرك الهواء ويسقط الحجر فكذلك تصدر الأفعال عن الإنسان يصدرها الله وتنسب إلى الإنسان مجازا كما تنسب إلى الجمادات. فكما يقال: أثمرت الشجرة وجرى الماء وطلعت الشمس وأمطرت السماء وأنبتت الأرض كذلك يقال: كتب محمد وقضى القاضي وأطاع فلان وعصى فلان كلها من نوع واحد على طريق المجاز. والثواب والعقاب جبر كما أن الأفعال جبر. والله قدر لفلان كذا وقدر أن يثاب وقدر على الآخر المعصية والعقاب. وقد نهض كثير من علماء المسلمين لمقاومة هذا المذهب والرد عليه. ويقول أحمد أمين في كتابه \"فجر الإسلام\" عن مصير القدرية والجبرية أو الجهمية بأنهما ذابا في غيرهما من المذاهب ولم يعد لهما وجود مستقل وظهر على أثرهما مذهب المعتزلة. والذين قالوا بأنه مسلوب الإرادة أمام قوانين الطبيعة كالريشة في مهب الريح سموا بالجبريين الطبيعيين ومنهم من غير المسلمين هربرت سبنسر وشوبنهور.","vol":"1","page":183},{"text":"والاتجاه الثاني: الاتجاه الحر: الذي يرى أن الإنسان يمارس حرية الإرادة في أعماله وأنه قادر على التصرف بمحض اختياره وبإرادته. ومن أنصار هذا المذهب أفلاطون وأرسطو وليبنتز وكانط. ومنهم أيضا القدرية والمعتزلة والماتريدية من المتكلمين المسلمين ومن بينهم المعتزلة.\nويقول أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام \"ص٤٥\" الذي طبع عام ١٩٩٦ بمعرفة الهيئة المصرية العامة للكتاب: \"وسمي الذين يقولون بأن الإنسان حر الإرادة وله قدرة على أعماله \"بالقدرية\" وسماهم بذلك خصومهم لحديث ورد: \"القدرية مجوس هذه الأمة\" وكان الذين يقولون بحرية الإرادة ومنهم القدرية يرون أن أولى الناس بأن يطلق عليهم اسم القدرية هم الذين يقولون بأن القدر يحكم جميع أعمال الناس من خير وشر. وعلى كل حال فقد لصق الاسم بالطائفة الأولى وصار لقبا لها ويوجد خلط وسوء فهم في بعض الكتابات العربية عن هذه الطائفة. ويفهمونها خطأ من اسمها على أنها تنكر حرية إرادة الإنسان \"انظر على سبيل المثال: د. فيصل بدير عون: ص٣٩٩\".\nوعلى عكس \"القدرية\" هناك طائفة \"الجبرية\" وكان من أولهم جهم بن صفوان. ولذلك تسمى هذه الفرقة \"الجهمية\". وهي ترى أن الإنسان مجبر في كل أعماله ولا اختيار له فيها كما أشرنا.\nويقول المعتزلة أن معاوية بن أبي سفيان أول من قال بالجبر في الإسلام وعمل على إشاعته بين الرعية ليبرر ولايته بأنها كانت بقضاء الله وهو ما أعلنه معاوية. لأن الخلفاء يتخذون من القدرية وسيلة لنهب الأموال وسفك الدماء وانتهاك حرمة الدين \"محمد السيد الجلينيد: ص٧\".\nوكثيرا ما يسمى المعتزلة بالقدرية لأنهم وافقوا القدرية في قولهم: \"إن للإنسان قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى. وأحيانا يلقب المعتزلة بالجهمية لأنهم وإن خالفوهم في القول بأن الإنسان مجبر على أعماله فقد وافقوهم في نفس الصفات عن الله وفي القول بأن القرآن مخلوق. وقد ألف البخاري والإمام أحمد كتابين في الرد على الجهمية وقصدا بهم المعتزلة لكن المعتزلة يتبرءون من تسميتهم بالجهمية أو القدرية ولا يرضون بأن يتصفوا","vol":"1","page":184},{"text":"بهم. وكانو يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد. أما العدل فلأنهم نزهو الله عما يقول خصومهم من أنه قدر على الناس المعاصي ثم عذبهم عليها وقالوا إن الإنسان حر في أفعاله. ومن أجل هذا يحاسب عليها سواء كانت خيرا أو شرا، وينال عليها ثوابا أو عقابا. وفي هذا عدل. وأما التوحيد فلأنهم نفوا صفات الله وعدوا القول بها تعديدا لله \"أحمد أمين: ٤١٨-٤٥٥\". ومن أوائل الداعين إلى الاعتزال واصل بن عطاء وعمر بن عبيد. أما واصل فكان من الموالي ولد في المدينة سنة ٨٠هـ ثم انتقل إلى البصرة وسمع من الحسن البصري وغيره وتوفي عام ١٣١هـ. وأما عمرو بن عبيد فكان من الموالي أيضا وتتلمذ على الحسن البصري واعتنق رأي واصل بن عطاء في الاعتزال. وتوفي عام ١٤٥هـ.\nوينقل أحمد أمين عن أحمد بن يحيى المرتضى في كتابه المسمى \"بالمنية والأمل\" في شرح كتاب الملل والنحل\" قوله بأن مذهب الاعتزال يرجع إلى الصدر الأول للإسلام. فقد عد من الطبقة الأولى للمعتزلة الخلفاء الأربعة. وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم. ومن الطبقة الثانية الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وسعيد بن المسيب وغيرهم. ومن الطبقة الثالثة الحسن بن الحسن وعبد الله بن الحسن وأبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وهو الذي أخذ عنه واصل بن عطاء. ومن الطبقة الرابعة غيلان الدمشقي وواصل بن عطاء. \"المرجع السابق: ص٤٦٩\".\nوقد نشأ الاعتزال في البصرة وسرعان ما انتشر في العراق واعتنقه من خلفاء بني أمية يزيد بن الوليد ومروان بن محمد. وفي العصر العباسي تكونت مدرستان كبيرتان للاعتزال، مدرسة البصرة ومدرسة بغداد وكان بينهما جدال وخلاف في كثير من المسائل.\nوكان المعتزلة أسرع الفرق استفادة من الفلسفة اليونانية وصبغها صبغة إسلامية والاستعانة بها في نظرياتهم وجدلهم. وكان من أشهر من استخدم الفلسفة من المعتزلة أبو الهذيل بن العلاف والنظام والجاحظ. ويقول أحمد بن أمين المعتزلة هم الذين خلقوا علم الكلام في الإسلام وأنهم أول من تسلح من المسلمين بسلاح","vol":"1","page":185},{"text":"خصومهم في الدين. ويعني بهم من دخل الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس والدهريين وأثاروا كثيرا من الشبهات والشكوك حوله لأنهم لم يكونوا منصفين أو مخلصين في إسلامهم. وقد تصدى المعتزلة لهم وجادلوهم جدالا عنيفا وردوا عليهم شبهاتهم وشكوكهم.\nالاتجاه الثالث: الاتجاه التوفيقي أو الوسط: الذي يقف في منتصف الطريق فلا يسلب الإنسان من إرادته وفي نفس الوقت هو مجبر وقادر معا. فهو مقيد بقوانين الطبيعة ويمارس حرية الإرادة في ظل هذه القوانين. ومن أنصار هذا الاتجاه ابن مسكويه والغزالي وابن رشد والأشاعرة من المتكلمين المسلمين.\nفالإنسان يكون مجبرا في مواقف مختلفة لا يملك إزاءها حرية في التصرف منها الجبرية الميتافيزيقية التي تتمثل في الموت الذي هو ملاقيه باعتباره قضاء مقدر عليه. ومنها الجبرية الطبيعية التي تتمثل في حاجاته الأساسية التي تكفل هل الحياة من طعام وشراب وراحة ونوم وغيرها. فليس أمام الإنسان مجال للاختيار في هذه النواحي، وعليه سواء رغب أو لم يرغب أن يأكل وأن يشرب وأن يرتاح وأن ينام وإلا تعرضت حياته للخطر. والإنسان يكون مخبرا في المواقف الأخرى التي يكون أمامه فيها بدائل للاختيار ويبدو ذلك بوضوح في المواقف الحياتية والأخلاقية والمعاملات وتحمل المسئولية. ففي المواقف الكثيرة التي تتضمنها هذه المجالات يطرح الموقف أكثر من بديل للتصرف، ومهمة التربية هنا هي تمكين الإنسان من اختيار البديل الأفضل في السلوك.\nولفهم حرية الإرادة في الإسلام ينبغي أن نعرف أن الحرية بمعناها المطلق غير موجودة فلا حرية مطلقة ولا حرية في فراغ وإنما تستمد الحرية مضمونها ومغزاها من النظام والأصول والقواعد. فهل سير القطار على القضبان تقييد لحركة القطار؟ إن القضبان في الواقع شرط لحرية القطار في الحركة. وإلا لما سار على الإطلاق. خذ على سبيل المثال سائق السيارة الذي يسير في الشارع وعليه أن يتوقف عندما يرى الضوء الأحمر ولا يسير إلا إذا رأى الضوء الأخضر. هل يعتبر ذلك قيدا على حريته؟ وهو يمكن له أن يدعي بأنه حر في قيادة السيارة دون مراعاة القواعد والأصول؟ إن حريته هنا مرتبطة بالنظام. وبالمثل يمكن","vol":"1","page":186},{"text":"التمثيل بلاعب الكرة في الملعب هل هو حر في أن يضرب الكرة في أي اتجاه أم أن حريته مقيدة بأصول اللعبة وقوانينها. خذ مثالا آخر لرجل ترك وحده في الصحراء. هل يعتبر هذا الرجل حرا يتصرف كما شاء أم أن حريته محدودة بظروف المكان فهو إن أراد أن يأكل أو يشرب مثلا لا يجد ما يأكله أو يشربه فأين حريته إذن؟\nوالواقع أن هناك عدة عوامل تحدد الحرية منها عوامل داخلية وأخرى خارجية. أما العوامل الداخلية فهي تتعلق بالإنسان نفسه. ذلك أن التركيب الجسمي والعقلي والنفسي للفرد يحدد مدى حريته. فالإنسان ذو الجسم الضعيف الهزيل أو الذي يعاني من مرض أو نقص جسمي لا يعتبر حرا في نطاق القيود التي تفرضها عليه هذه الأبعاد الجسمية. فهو ليس حرا أن يأكل ما يشاء أو يحيا كما يشاء، وليس حرا في أن يتخلص من الألم الذي يعانيه. وبالعكس يمكن القول عن الجسم الصحيح، فصحة البدن إذن شرط للحرية، ولذلك يعتبر كل تقدم في الميدان الصحي في البلاد عاملا مهما لتحقيق حرية الأفراد كما أن التربية الحديثة لا بد أن تتضمن العناية بالجسم وتقويته. والناحية العقلية للفرد شرط آخر لحريته. ذلك أن الذكاء الإنساني ضروري للحرية. فنجاح الإنسان في حياته يتوقف على تصرفه الذكي. وأمور الحياة لا تستقيم لإنسان غبي. بل إن الحياة نفسها تلفظه وتحاربه باستمرار وحيثما كان. والإنسان الذكي هو الإنسان القادرة على الفهم السليم والتصرف وإدراك العلاقات بين الأشياء في أهدافها القريبة والبعيدة. هو الإنسان المبدع المفكر القادر على التخيل الذي يساعده على تشكيل إمكانيات المستقبل واحتمالاته.\nوالحرية لا يستقيم عودها مع الجهل. فكيف يكون الإنسان حرا لفهم ما حوله من ظواهر الكون والحياة والتعامل الاجتماعي الرشيد وهو جاهل. إن الجهالة قيد على عقله وفكره، وبالتالي لا يمكن أن يكون حرا. وهناك مثل معروف يقول: كلما تعلم الإنسان زادت حريته. ولهذا فإن ذكاء الإنسان وتثقيف عقله وفكره ضرورة تفرضها حريته. وعلى أي برنامج تربوي أن يولي هذه الجوانب عناية كبرى. وكذلك الناحية النفسية للفرد بأبعادها المختلفة من","vol":"1","page":187},{"text":"حب وكره وتعصب وتحيز وتقبل ورفض كلها تحدد سلوك الإنسان. فكيف يستطيع الإنسان ادعاء حريته وهو في الواقع عبد لنزعات النفس وخلجاتها وعبد للعادات التي كونها. خذ مثلا الشخص الذي أصبح التدخين عادة متأصلة لديه، ومستحكمة فيه هل يستطيع أن يمتنع عنها؟ إنه قد يدخن رغم أنفه بحكم قوة العادة وسيطرتها عليه حتى مع أنه من الناحية العقلانية يعرف مضار التدخين على ماله وصحته. فهل تعتبر هذا الإنسان حرا؟ إن حرية الإرادة شرط ضروري لحرية الإنسان ولا يمكن لإنسان أن يكون حر الإرادة وهو غير قادر على التحكم فيها إذ إنه يستسلم لرغباته ونزواته أو دوافعه الجامحة. ولذلك يجب على التربية أن تهدف إلى غرس العادات عند الإنسان منذ بواكير الطفولة، وأن تهتم بالقدوة الصالحة والبعد عن قرناء السوء. وأن تربي الفرد على التحكم في نفسه ليستطيع أن يكبح زمامها وأن يسيطر عليها. كما ينبغي أن نربي ضمير الفرد لأنه خير عاصم له. وعندها يمكن أن يكون الإنسان حرا. ذلك أن الحرية الحقيقية لا تتوافر إلا في ظل الشخصية الكاملة المتكاملة. أما كيف يكتسب الإنسان هذا الكمال والاكتمال فهو موضوع التربية برمته.\nأما العوامل الخارجية التي تحد من حرية الإنسان فتمثل البيئة المادية والاجتماعية التي تحيط بالإنسان. هذه العوامل الخارجية الهامة هي التي تحدد حريته. فالفقر والغنى مثلا صورتان لمدى ما يتيحه أي مجتمع من ثروة لأفراده. وكلتاهما تحدد مدى الاختيارات والإمكانيات المتاحية للإنسان وبالتالي تحدد حريته. ولذلك يعتبر تحسين مستوى معيشة الأفراد عاملا هاما نحو الحرية ومن ناحية أخرى نجد أن الإنسان الحديث قد استطاع السيطرة على ثرواته المادية والطبيعية بمقدار ما أتيح له من تقدم تكنولوجي هائل. وهو شرط ضروري لحرية المجتمعات المدنية. إلا أن التقدم في هذا الجانب كان بمعدل أسرع من معدلات النمو في الجوانب الأخرى الداخلية والخارجية المحددة للحرية.\nويجب على التربية أن تزود الأفراد بالمهارات المعرفية والسلوكية التي تحكمهم وتمكنهم من زيادة دخلهم وتحسين مستوى معيشتهم في الحياة وتنمي تطلعاتهم وآمالهم في الحياة. كما يجب على التربية أن تزود الإنسان أيضا","vol":"1","page":188},{"text":"بالمهارات المعرفية والعملية التي تمكنه من السيطرة على بيئته المادية واستغلال ثرواتها الطبيعية.\nومن ناحية أخرى نجد أن الإنسان نفسه يعتمد على غيره منذ أن كان نطفة أو علقة في بطن أمه وهو محتاج إلى العناية والرعاية. وهذا الاحتياج يعني عدم حريته. فالإنسان المحتاج ليس إنسانا حرا. وهو بعد ولادته يظل محتاجا لهذه العناية. وفي تعامله وهو كبير راشد مع الآخرين محتاج إلى تعاونهم اعتماد الناس بعضهم على بعض بصورة متزايدة في المجتمعات الحديثة. وبدون مساعدة الآخرين لن يجد رغيف الخبز الذي يأكله أو الملبس الذي يلبسه أو المواصلة التي يركبها. وغيرها من الأمثلة التي لا تحصى. وهذا يعني تزايد اعتماد الناس بعضهم على بعض. كما يعني ارتباط حرية الفرد بحرية الآخرين. وكذلك نجد أن المعايير والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع وقوانينه وتشريعاته كلها تمثل حدودا لمدى حرية الفرد. وهذا يعني لأي برنامج تربوي ضرورة العناية بتكوين الاتجاهات الصحيحة للفرد نحو نفسه ونحو مجتمعه. وتنمية حساسيته الاجتماعية نحو النظام الاجتماعي وقيمه السائدة. وتعريفه بهما وتعويده على احترامها. وكذلك احترام القوانين والتشريعات وحماية الملكية العامة. إن أعلى مراتب الحرية الكاملة التي ترتبط بالله ﷿، فهو الذي خلق الكون وأحسن صنعه وخلق الإنسان فأحسن تقويمه. ورتب الناس أمور حياتهم بما يحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة. ولذلك يجب ألا يستمد الحرية التي ننشدها للفرد والمجتمع إلا منه وأصولها من المبادئ السامية التي رسمها لنا.\nوهكذا يصبح الفرد مقيدا في حريته بتأثير البيئة الاجتماعية والطبيعية وما نسميه بحرية الاختيار أو الإرادة هي حرية ظاهرة مقيدة بالنظام فالله ﷾ بين لعباده الحلال والحرام وطريق الخير وطريق الشر، وعلى الإنسان أن يختار بينهما إما شاكرا وإما كفورا. فالإنسان إذن مخير وحر الإرادة في الإطار الاجتماعي، وإلى الحد الذي يستطيع معه أن يمارس هذا الاختيار. وهو مجبر أو مسير بمقدار ما تتحكم فيه البيئة الاجتماعية والطبيعية، وبمقدار","vol":"1","page":189},{"text":"ما يتعامل مع القوانين الإلهية التي لا سلطان له عليها.\nالإنسان إذن مجبر ومسير معا، فهو مجبر لأن الله ﷾ منحه عقلا وإرادة يوازن بهما بين الأشياء. ويختار لنفسه ما يحلو له بمحض إرادته. وقد بين الله ﷾ للإنسان طريق الخير وطريق الشر وهو الذي يختار لنفسه الطريق الذي يسير فيه ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وهو مسير لأن الله ﷾ خلق الكون وما فيه وفق نواميس وقوانين تتحكم في الإنسان وتوجيهه. والإنسان محدود في قدرته الجسمية والعقلية وله حدود لا يتعداها والإنسان يحاول أن يفهم هذه القوانين ما وسعه إلى ذلك سبيلا وقد يستطيع أن ينجح في تسخير قوى الطبيعة والسيطرة عليها. ولكنه في النهاية مقيد بحدود الزمان والمكان. تلك سنة الله في خلقه ولله في خلقه شئون.\nوهذا يعني بالنسبة للعملية التربوية والمنهج المدرسي أن نعني بتزويد التلميذ بما يمكنه من معرفة الكون والقوانين التي تحكمه بترتيب وانسجام هو من صنع الخالق ﷿. كما يجب أن يربى التلميذ على احترام النظام واتباع أوامر الدين واجتناب نواهيه. فالله ﷾ خلقنا نتحمل المسئولية وأعطانا ضميرا وإرادة حرة. ولكنه أيضا أقام الدين وتعاليمه كقوة تربوية عليا توجهنا وترشدنا فإذا كنا عقلاء، فإننا سوف نتقبل توجيهها ونسير على هديها.\nوعلى الإنسان أيضا أن يؤمن بالقدر خير وشره فذلك من تمام إيمانه من ناحية واعترافا منه بحكمه الخالق ﷿ التي قد يعز على الإنسان أن يحيط بها. وينبغي أيضا أن يربى الإنسان على الإيجابية لا السلبية فإذا كانت الصحة والمرض من عند الله فإن هذا لا يعني عدم الوقاية ولا عدم سعي الناس للطبيب لعلاجهم إذا مرضوا. فالله خلق الداء وخلق الدواء وطالب عباده بأن يتطيبوا وأن يذهب الإنسان إلى الطبيب لعلاجه إذا مرض. كما يجب ألا يربى المسلم على أن يكون متواكلا سلبي الإرادة. وإنما يجب أن يعرف له دورا يقوم به ومسئولية يجب أن يتحلمها وأنه في ضوء معرفته لقوانين الكون والطبيعة قادر على تسخير ما فيها لتحقيق رفاهيته وسعادته. كما أن الإنسان وهو يمارس حرية الإرادة أو حرية الاختيار في أعماله لا بد وأن يخضع لمبدأ المسئولية والجزاء فهو","vol":"1","page":190},{"text":"مسئول عن أعماله وما يترتب عليها من خير أو شر أو نفع أو ضرر وينبغي أن يحاسب عليها.\nمعرفة الإنسان لنفسه:\nقال رسول الله ﷺ: \"من عرف نفسه فقد عرف ربه\".\nويقول الأصفهاني في كتابه تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين \"ص٦١\": إن أول شيء يلزم الإنسان معرفته نفسه وقد احتلت معرفة الإنسان نفسه مكانة كبيرة في الفكر الفلسفي والعقائدي فقديما اتخذ سقراط لنفسه شعارا \"اعرف نفسك بنفسك\" ولذلك يقال إنه أنزل الفلسفة إلى الأرض أي الاهتمام بالنفس بدلا من الغيبيات. وقالت بعض فرق المتكلمين الإسلاميين منهم الأشاعرة إلى أن أول ما يجب على الإنسان معرفة الله. ويقول الأصفهاني ليس هناك تناقض بين القولين \"معرفة النفس ومعرفة الله\" لأن من عرف نفسه فقد عرف الله. فقد روي أن ما أنزل الله كتابا إلا وفيه اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك.\nولمعرفة الإنسان لنفسه جوانب متعددة من أهمها \"الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص٦٢-٦٦\":\n١- أن الإنسان من خلال معرفته لنفسه يتوصل إلى معرفة غيرها ومن جهلها جهل كل ما عداها. لأن نفس الإنسان مجمع الموجودات ومن عرفها يعرف حقائق هذه الموجودات فانيها وباقيها وحقيقة السماوات والأرض. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ .\n٢- أن من عرف نفسه عرف أعداءه الكامنة فيه المشار إليها بقوله ﵇: \"أعدى عدو لك نفيسة بين جنبيك\".\n٣- أن من عرف نفسه عرف أن يسوسها، ومن أحسن سياسة نفسه أحسن سياسة العالم فيصير من خلفاء الله المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ .\n٤- أن من عرف نفسه لم يجد عيبا في أحد إلا رآه موجودا في ذاته إما ظاهرا أو كامنا فيه كمون النار في الحجر. فلا يكون همازا ولمازا وعيابا","vol":"1","page":191},{"text":"طرق معرفة الله الإنسان لعيوبه:\nيقول الغزالي إن الله ﷿ إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه ويورد طرقا أربعة لعمل ذلك:\nالطريقة الأولى: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ويحكمه في نفسه ويتبع إشارته في مجاهدتها. وهذا شأن المريد من شيخه والتلميذ مع أستاذه. فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه. ويعلق على هذه الطريقة بأنه قد عز في الزمان وجودها.\nالطريقة الثانية: أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا فينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله. فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه إليه. فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين. ويضرب مثلا بداود الطائي الذي اعتزل الناس، فقيل له: لما لا تخالط الناس؟ فقال: وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي؟ وهذا يعني أن على الناس أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم لهم.\nالطريقة الثالثة: أن يستفيد من ألسنة أعدائه في معرفة عيوب نفسه لأنه عين السخط تبدي المساويا على حد تعبير الشاعر في قوله:\nوعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا\nولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه. ويعلق الغزالي على ذلك بقوله إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد. ولكن البصير لا يخلو من الانتفاع بقول أعدائه لأن مساوئه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم.\nالطريقة الرابعة: أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق يقيس نفسه عليه. لأن المؤمن مرآة المؤمن. فيرى عيوب نفسه من خلال عيوب غيره. ويعمل على تطهر نفسه من كل ما يشينه ويعيبه. وهذا يعتبر تأديبا له. ولو أن الناس تركوا ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب. ويورد الغزالي قول عيسى ﵇ عندما سئل من أدبك؟ قال: ما أدبني أحد رأيت جهل","vol":"1","page":192},{"text":"الجاهل شينا \"أي معيبا\". فاجتنبته. \"الإحياء ج٣ ص٦٢-٦٣\".\nالإسلام يعترف بضعف الإنسان:\nإن الإسلام يتمشى مع الطبيعة الإنسانية. ونظرا لأن هذه الطبيعة الإنسانية يجتمع فيها نوازع الخير والشر والخوف والحب لذلك دعا الإسلام إلى مخافة الله وخشيته وحبه وطاعته. فالنفس الأمارة بالسوء لا ترتدع عن الشر إلا بالخوف والوعيد. وفي حين أن النفس المطمئنة تكون مدفوعة بالحب وطاعة الله نحو فعل الخير والتمسك بالفضيلة.\nاعترفت التربية الإسلامية بموضع الضعف في الطبيعة البشرية ومنها الخطأ والنسيان والاستكراه. ولا يحاسب المسلمون على الأعمال التي يمليها عليهم هذا الضعف. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\". والإسلام يخفف عن المسلم في حالة ضعفه.. ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ . و﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . يقول الشاعر:\nما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أن يتقلب\nوقال تعالى في سورة الكهف: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ . وقال في سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .\nواعترف الإسلام بجوانب أخرى من ضعف النفس الإنسانية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وهذه النفس إذا ضعفت قد تدفع الإنسان إلى الشر ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ . كما وصف القرآن الإنسان بكثير من الصفات التي تدل على ضعفه. قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وروي عن النبي ﷺ قوله: \"لولا أن الله تعالى أذل ابن آدم بثلاث ما طأطأ رأسه لشيء: الفقر والمرض والموت\" \"الماوردي: ٢٣٩\". وقد ورد في الأثر: \"كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون\".\nويقول الماوردي: \"إن الله ﷾ قد خلق الإنسان وجعله أكثر حاجة من جميع الحيوان؛ لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه\". كما وصف الإنسان بالهلع والجزع إذا مسه","vol":"1","page":193},{"text":"الشر بالطغيان وإذا غنى ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ . ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . وهذا يعني بالنسبة للتربية الإسلامية أن يهتم المعلم بأن يبرز لتلاميذه أن قدرة الإنسان محدودة مهما تقدم ومهما بلغ من العلم وأنه مهما بلغ من القوة لا يخلو من نقاط ضعف. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . ولهذا ينبغي أن يعرف الإنسان حدوده وألا يتكبر وأن يكون متواضعا وأن يصبر على المكاره كما يجب أن يتذكر نعمة الله عليه ويشكره في حالة اليسر والرخاء. وقال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ .\nمصير الإنسان:\nيقول الأصفهاني في \"الذريعة إلى مكارم الشريعة\" \"ص١٥\" إن الإنسان في هذه الدار كما قال علي ﵁: الناس سفر والدنيا دار ممر لا دار مقر وبطن أمه مبدأ سفره والآخره مقصده وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطاه يسافر به سير السفينة براكبها. فالإنسان في دنياه مسافر ويحتاج في رحلة حياته في الدنيا إلى التزود بما يلزمه في السفر. وعليه في سبيل ذلك أن يكد ويكدح حتى ينتهي إلى دار القرار. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ \"الأصفهاني تفضيل النشأتين: ص١٣٦\" وبالموت يتم كمال الإنسان وفي ذلك يقول الأصفهاني: اعلم أن الموت المتعارف الذي هو مفارقة الروح البدن هو أحد الاسباب الموصلة للإنسان إلى النعيم الأبدي وهو انتقال من دار إلى دار ... ولولا هذا الموت لم يكمل الإنسان. فالموت إذًا ضروري في كمال الإنسانية \"تفضيل النشأتين: ص٢٠٠\".","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الفصل الرابع: تربية الطفل في الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>مقدمة:</span>\nتمتاز التربية الإسلامية بكثير من مميزات التربية الحديثة في شمولية النظرة إلى التربية كعملية ونتيجة معا. وتعني التربية الإسلامية في مفهومها المطلق بلوغ الكمال الإنساني بالتدريج. والكمال لله وحده ﷿. وهو مسألة نسبية، لذلك قلنا في مفهومها المطلق. ويبرر هذا الكمال قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ كما أن الإسلام آخر الديانات وأكملها وأتمها. ويضاف إلى ذلك أيضا التشريف والتكريم الذي خص الله به الإنسان وحده دون غيره من سائر المخلوقات وتفضيله إياه على كثير من خلقه. بل وجعله خليفته في الأرض بما تتضمنه هذه الخلافة من رسالة إنسانية سامية. وقلما نجد نظير للتربية الإسلامية في الاهتمام بالطفل وتكريمه. فقد أوجب الإسلام العناية به حتى وهو جنين في بطن أمه وحرم إيذاءه أو إلحاق الضرر به بأي شكل من الأشكال بما في ذلك الإجهاض. وعند مولده يحتفى به ويكرم، ومن مظاهر هذا التكريم ما يعرف في اصطلاح الفقهيين \"بالعقيقة\" وهي شاة تذبح له في اليوم السابع احتفاء بمولده.\nوقد حدد الإسلام مراحل نمو الطفل ابتداء من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم الجنين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . ويذكر ابن قيم الجوزية في كتابه تحفة المودود بأحكام المولود أن الطفل عند مولده يسمى رضيعا طالما أنه يرضع اللبن فإذا فطم عنه فهو فطيم. فإذا درج فهو صبي. فإذا قارب السبع سنوات فهو غلام مميز. وإذا بلغ العشر سنوات فهو غلام ناشئ ويسمى مراهقا حتى سن البلوغ. إذا قارب الحلم فهو غلام بالغ. فإذا اخضر شاربه لم يعد غلاما وإنما هو فتى أو شاب للذكر وفتاة أو شابة للأنثى. ويسمى","vol":"1","page":195},{"text":"بهذا حتى سن الأربعين. وبعدها حتى سن الستين يكون كهلا وبعدها يكون شيخا.\nوقد اعترف الإسلام بحقوق الطفل منذ لحظة خروجه حيا إلى الدنيا فأوجب له حق الميراث كالكبير. كما أوجب اختيار أحسن الأسماء له. وإذا مات الطفل فإنه يعامل معاملة الكبير فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن. وإذا كان الإسلام قد حرم قتله قبل خروجه إلى الدنيا فمن الطبيعي أن يمتد هذا التحريم إلى ما بعد خروجه إليها قال تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ .\nومن أهم الأشياء التي أوجبها الإسلام للطفل حق الرعاية والتربية حتى ولو كان الطفل لقيطا أو منبوذا. فقد أوجب الإسلام تربية الطفل اللقيط أو المنبوذ ورعايته والإحسان إليه حتى يكبر. وهناك كثير من الأدلة التي تؤكد أن تربية الطفل وتعليمه هي من أوجب الأشياء على ولي الأمر نحو ولده. والأحاديث النبوية التالية هي بعض أمثلة على ذلك:\n- \"ما نحل والد ولدا أفضل من أدب من حسن\".\n- \"رحم الله عبدا أعان ولده على بره بالأحسان إليه والتآلف له وتعليمه وتأديبه\".\n- \"لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع على المساكين\".\n- \"حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي\".\nويقول ابن قيم الجوزية: \"من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة. وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم\". ويتساوى في هذا الاهتمام بالتعليم الولد والبنت على السواء، فتعليم البنت حق كالولد، ويعترف المربون المسلمون منهم القابسي وغيره بحق البنت في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة. وهذا يتفق مع روح الإسلام الحقيقية التي جعلت من طلب العلم فريضة","vol":"1","page":196},{"text":"على كل مسلم ومسلمة. ومع تسليم المربين المسلمين بهذا الحق للبنت فإن بعضهم ومنهم ابن سحنون والقابسي على سبيل المثال، يذهب إلى عدم الخلط بين الصبيان والإناث في التعليم لاعتبارات أخلاقية تربوية، كما ينبغي أن تعلم البنت ما فيه صلاحها ويبعدها عن الفتنة.\nمن أين تبدأ:\nمن الأمور الطبيعية أن تبدأ تربية الطفل بتنمية الجسم حتى يشب صحيحا قويا. أما التعليم المنظم فيبدأ عندما يصل الطفل إلى سن العقل أو التمييز، ولنستعرض أولا هذه النصوص:\n- قال ﵊: \"أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم\". وقال ﷺ: \"مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع\". ومما يروى: \"لاعب ولدك سبعا وصاحبه سبعا ثم اترك حبله على غاربه\". ويقول ابن سينا: \"إذا فطم الصبي عن الرضاع بدأ تأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة، فإن الصبي تتبادر إليه مساوئ الأخلاق فما تمكن منه ذلك غلب عليه فلم يستطع له مقاومة\"، \"وإذا أتى عليه \"الطفل\" من أحواله ست سنين فيجب أن يقدم إلى المؤدب والمعلم\" لأن في هذه المرحلة \"تشتد مفاصل الصبي ويستوي لسانه ويتهيأ للتلقين ويعي سمعه\". ومما يروى أيضا: \"اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد\".\nويذكر ابن أبي أصيبعة في \"عيون الأنباء\" في ترجمته لعلي بن رضوان المصري نصا قاله عن نفسه ذكر فيه أنه بدا تعليمه في السادسة فيقول: \"فلما بلغت السادسة أسلمت نفسي في التعليم\". ويقول أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: \"وللقوم في التعليم سيرة بديعة وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب\".\nومن الأمثلة السابقة يتضح أن سن التربية في الإسلام بمفهومها الواسع الشامل يبدأ منذ لحظة الميلاد، أما بداية التعليم المنظم فتكون عند بلوغ سن العقل والإدراك والتمييز. وهذا السن يتراوح عادة بين السادسة والسابعة. وليس هناك ما يمنع من أن يكون قبل ذلك إذا كان ما يبرر ذلك أو يقتضي","vol":"1","page":197},{"text":"ذلك من مصلحة أو منفعة. ومن المعروف أن علم وظائف الأعضاء قد توصل إلى أن اكتمال نمو العين عند الأطفال يكون في سن السادسة وقبل هذه السن يكون الطفل إما طويل النظر أو قصير النظر. أليس ذلك مبررا لجعل هذه السن بداية سن التعليم المدرسي المنظم في كثير من النظم التعليمية المعاصرة. وتبعا لاختلاف نمو الصبيان في بلوغ سن العقل والتمييز. ومع تقدم السن تزداد مطالب التعليم وتنمية العقل.\nكما يتضح أيضا أن مرحلة ما قبل سن التعليم المنظم تنصرف إلى تنمية الجسم وبنائه بناء صحيحا قويا. وهكذا تبدأ تربية الطفل بتربية الجسم وتحقيق مطالب نموه. وفي هذه المرحلة تكون تربية الجسم موزعة بين الغذاء واللعب والاستجمام والراحة كمطالب رئيسية. يقول ابن سينا: \"إذا انتبه الصبي من نومه فالأحرى أن يستجم ثم يخلي بينه وبين اللعب ساعة ثم يطعم شيئا يسيرا ثم يطلق له اللعب وقتا أطول ثم يستجم ثم يغذى\".","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>نشاط الطفل دليل صحة:</span>\nأدرك المربون المسلمون أن من طبيعة الطفل أن يكون نشيطا كثير الحركة، وأدركوا أن نشاط الطفل دليل على صحة جسمه ويقظة عقلة وصفاء ذهنه.\nوإذا بدا الطفل هادئا قليل النشاط فإن ذلك يعتبر أمرا غير طبيعي بالنسبة له وقد يرجع ذلك لمرض أصابه أو أمر أحل به، وهكذا عكس ما هو شائع لدى الكثير من الناس إذ ينظرون إلى الأطفال كثيري الحركة على أنهم \"أشقياء\" وأما قليلو الحركة والنشاط فينظرون إليهم على أنهم \"عقلاء\" ومتزنون.\nفطرة الطفل محايدة:\nقال ﷺ: \"ما من مولود إلا ويولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه\". وقال ابن مسكويه في \"تهذيب الأخلاق\" عن نفوس الأطفال في مرحلة المهد إنها: \"ساذجة لم تنتبش بصورة\" وقال \"ابن الجزار\" علام القرن الرابع الهجري في \"سياسة الصبيان\" وتدبيرهم: \"وليس لهم \"الصبيان\" عزيمة تصرفهم عما يؤمرون به من المذاهب الجميلة والأفعال الحميدة","vol":"1","page":198},{"text":"فمن عود ابنه الأدب والأفعال الحميدة والمذاهب الجميلة في الصغر حاز بذلك الفضيلة ونال المحبة والكرامة وبلغ غاية السعادة\". ويقول الغزالي في نفس المعنى: \"الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يقال فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه كل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له\". وهكذا تؤكد هذه النصوص أن فطرة الطفل محايدة عند مولده وأنها تتشكل فيما بعد تبعا للون التربية الذي تتلقاه.\nالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر:\nيرى الكثير من علماء المسلمين، منهم الغزالي وابن خلدون وغيرهما، أن التعليم في الصغر يكون أشد رسوخا كما أنه يكون أصلا لما بعده. وهكذا ينبغي أن يبدأ تعليم الصبيان من صغرهم فقد ورد في الأثر: \"التعليم في الصغر كالنقش على الحجر\" وقد سبق أن أشرنا إلى ما يؤكده الغزالي على سبيل المثال عندما يقول عن الصبي \"وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش عليه\". وقد ردد هذا القول \"جون لوك\" بعد حوالي ١٣ قرنا من الزمان عندما ذهب إلى أن عقل الطفل صفحة بيضاء تنقشه الخبرة والتعليم.\nالصبي عن الصبي ألقن:\nمن المبادئ التربوية التي أخذ بها المربون المسلمون تعلم الصبيان من بعضهم فالصبي يتعلم من الصبي ويأخذ عنه. وعبر ابن سينا عن ذلك أحسن تعبير عندما قال: \"ويكون مع الصبي في مكتبه \"مدرسته\" صبية حسنة آدابهم مرضية عاداتهم لأن الصبي عن الصبي ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس\".\nومن قبيل المقارنة نشير إلى أن هذا المبدأ التربوي القديم في التربية الإسلامية هو من المبادئ التي تقوم عليها التربية الحالية في مدارس روسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقا وبعض البلدان الأخرى.","vol":"1","page":199},{"text":"ليس الكل سواء:\nتسلم التربية الإسلامية بأن الأطفال يختلفون في استعداداتهم وما هيئوا له، وأن بينهم فروقا في القدرة على التعلم وأن بعض الأطفال أقدر من غيرهم في تعلم مجالات معينة من العلم. كما أن منهم من لا يصلح تعليمه إلا لحد معين لا يتعداه. ويرى المربون المسلمون ضرورة توجيه الطفل أو الصبي إلى ما يناسبه من تعليم، وأن يترك ما لا يقدر عليه إلى ما يقدر عليه. ويقول أبو يحيى الأنصاري في اللؤلؤ النظيم في روم التعليم: \"إن على كل صبي أن يعرف طرفا من العلوم الضرورية في الحياة كالقراءة والكتابة والحساب. ثم عليه بعد ذلك أن يتجه إلى العلم أو الحرفة على حسب استعداده وتكوينه إذ ليس كل أحد يصلح لتعلم العلوم يصلح لجميعها\" ويقول الزرنوجي في \"تعليم المتعلم طريق التعليم\": \"إنه لا ينبغي على المتعلم أن يختار نوع العلم بنفسه بل يفوض أمره إلى الأستاذ فإن الأستاذ قد حصل له من التجارب في ذلك ما يفيد فهو أعرف بما ينبغي لكل واحد وما يليق بطبيعته\". ويقول ابن جماعة: \"وإذا علم \"المعلم\" أو غلب على ظنه أنه \"أي المتعلم لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه\".\n- وقد قال الشاعر:\nإذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع\nويقول ابن سينا: \"ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية، ولكن ما شاكل طبعه وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملاءمة ما كان أحد غفلا من الأدب. وإذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الآداب وأرفع الصناعات، فينبغي لمدرب الصبي إذا رام اختيار صناعة أن يزن أولا طلب الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكائه مبينا له الصناعات طبقا لذلك\". كما يرى ابن سينا أن بعض الناس لا يصلحون للتعليم فيقول: \"ربما نافر طباع إنسان جميع الآداب والصنائع فلم يعلق منها بشيء\" ويضرب لذلك مثلا فيقول: \"إن إناسا من أهل العقل رأوا تأديب أولادهم واجتهدوا في ذلك وأنفقوا فيه الأموال فلم يدركوا من ذلك ما حاولوا\".","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>مراحل التربية الخلقية:</span>\nيميز علماء المسلمين بين مرحلتين رئيسيتين في التربية الأخلاقية للطفل، المرحلة الأولى ويسمونها بمرحلة \"التخلية\" أي تخلية طبع الطفل من كل رذيلة وإبعاده عن كل مؤثرات الشر والسوء وعدم مخالطته لقرناء السوء، فقد نهانا الرسول عن قرناء السوء فقال: \"إياك وقرين السوء\" وقال ﷺ: \"لا تصاحب الفاجر فتتعلم فجوره\" وقال: \"إن الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل\".\nأما المرحلة الثانية فهي مرحلة التحلية والتزكية ويقصد بها تحلية الطفل بالفضائل الكريمة والأخلاق المحمودة عن طريق تشربه لهذه الأخلاق واكتسابه العادات الحسنة من مخالطته للقدوات الصالحة. والمسلم الكامل هو الذي اكتملت أخلاقه بإكمال دينه وإيمانه. يقول الرسول ﷺ: \"خيركم إسلاما أحاسنكم أخلاقا إذا فقهوا\". يضاف إلى ذلك أيضا ما سبق أن قلناه عن التربية الإسلامية باعتبارها تربية متدرجة.\nالتدرج في تربية الطفل:\nالتربية الإسلامية كما سبق أن أشرنا تربية متدرجة تتمشى مع طبيعة نمو الإنسان، وقد جاء الإسلام نفسه متدرجا في أحكامه التي ربي عليها المسلمون الأوائل، ومن مظاهر تدرج التربية الإسلامية الاهتمام بتربية الجسم في السنوات الأولى من حياة الطفل حيث تكون هذه التربية ألزم ما تكون لنموه الجسمي السريع في هذه المرحلة. ثم تأتي مرحلة التأديب والتهذيب والتعليم بعد هذه المرحلة عندما يصل الطفل إلى سن العقل والتمييز، ولهذا تكون التربية في هذه المرحلة تربية عقلية أخلاقية. وأخيرا تأتي مرحلة النضج والاكتمال حيث يكون الإنسان قد وصل إلى المرحلة التي فيها المسئولية كاملة ويقوم بواجباته وأدواره الاجتماعية في الحياة كراشد مسئول يتحمل فيها نتائج تصرفاته وأعماله.\nوعلى مستوى تعليم الصبيان أشار علماء المسلمين إلى ضرورة التدرج في تعليم الصبي والبدء بالأشياء السهلة ثم الانتقال منها إلى ما هو أصعب.","vol":"1","page":201},{"text":"ويطالبون المعلم بألا يخوض في العلم دفعة واحدة بل يتدرج فيه مع مراعاة الترتيب بالأهم. وكذلك ينبغي عليه ألا يخوض في علم إلا بعد أن يستوفي ما قبله، فالعلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق بعض.\nويميز ابن خلدون بين ثلاث مراحل سماها \"تكرارات\" في التعليم. المرحلة الأولى يكون التعليم فيها إجمالا والثانية تفصيلا والثالثة تتناول ما استشكل في العلم ومسائل الخلاف فيه. وسنشير إلى تفصيل رأي ابن خلدون.\nويؤكد الغزالي على ضرورة فهم المعلم لطبيعة الصبي، وهذا يتأتى من دراسته لنفسية الصبيان الذين يعلمهم فهم ليسوا سواء، وهذه الدراسة تساعده من ناحية أخرى على إيجاد الصلة الإنسانية بينه وبينهم. وعلى المعلم أن يتدرج في تعليم الصبي وأن يبدأ معه من السهل إلى الصعب. وفي ذلك يقول الغزالي: \"إن أول واجبات المربي أن يعلم الطفل ما يسهل عليه فهمه لأن الموضوعات الصعبة تؤدي إلى ارتباكه العقلي وتنفره من العلم\".\nتعلم آداب المأكل والمشرب والملبس وبعض الآداب العامة:\nوضع الإسلام للمأكل والمشرب والملبس آدابا كما وضع آدابا عامة ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم. كما ينبغي على كل مسلم أن ينشئ أولاده وأهله عليها. فمن الآداب العامة في كل هذه الأمور الاتزان، والاعتدال، وعدم المبالغة فيها، أو التباهي بها، أو التفاخر. فقد ورد في الأثر \"حسب ابن آدم من طعامه لقيمات يقمن صلبه\". و\"ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه\". و\"جوعوا تصحوا\". و\"نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع\". وقد حدثنا ديننا على أن نراعي في مطعمنا ومشربنا ألا نملأ معدتنا بالطعام حتى لا نصاب بالبطنة وهو مرض يصيب المسرفين الجشعين في الطعام والشراب، وأن نراعي أن يكون ثلث معدتنا للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس. كما أن الإنسان يأكل ليعيش ولا يعيش ليأكل. قال ابن قدامة: \"شهوة البطن من أعظم المهلكات وبها أخرج آدم ﵇ من الجنة. ومن شهوة البطن تحدث شهوة الفرج والرغبة في المال، ويتبع ذلك آفات كثيرة كلها من بطر الشبع\". وهذا يذكرنا بما ورد في الأثر عن جماعة من الناس \"قوم إذا جاعوا سرقوا وإذا شبعوا زنوا\". وبالنسبة للملبس أو","vol":"1","page":202},{"text":"اللباس فالغرض منه ستر العورة وحماية الجسم. ويجب أن يتخير المرء من اللباس ما يحقق هذا الغرض بدون إسراف أو رغبة في التفاخر، وأن يتخير لنفسه ولأهله من اللباس ما لا يرهقه بالمال أو لا يقدر عليه فالمثل يقول: \"على قدر لحافك مد رجليك\".\nومن الآداب التي نادى بها علماء المسلمين في تربية الأطفال والصبية على آداب الطعام أن نعودهم منذ البداية إذا جلسوا على مائدة الطعام ألا يبادروا أو يسرعوا إلى الطعام بل عليهم أن ينتظروا حتى يجتمع شمل الجميع ويبدءوا جميعا في الأكل معا. كما لا ينبغي لهم ألا يقبلوا على الطعام بنهم أو شره أو أنانية ولا يأخذوا منها إلا كمية قليلة تقل عن حاجتهم فإذا أرادوا المزيد فليتزودوا بحيث لا يتركون فائضا من الطعام في طبقهم أو أمامهم. وعليهم ألا يبلعوا الطعام أو يزدردوه ازدرادا بل عليهم أن يحسنوا مضغة لأن في جودة المضغ تسهيل لهضمة ولا ينبغي للأطفال أو الصبية أن يديموا النظر أو يمنعوه في أنواع الطعام الموجودة أمامهم وأن يتناولوا منها ما هو أقرب إليهم وألا يزاحموا أحد آخر إذا كان قد سبقهم إلى نوع من الطعام. بل عليهم الانتظار قليلا حتى ينتهي من سبقهم ويأتي دورهم. وينبغي على الصبي ألا يحدث صوتا أثناء الأكل أو أثناء مضغ الطعام أو أثناء شرب الماء وأن يصغر لقمته بمقدار فمه ولا يملأ فمه بالطعام المتواصل وتوالي اللقم بسرعة بل ينتهي أولا من مضغ ما أكل وبلعه ثم يبدأ في تناول غيره. وينبغي على الصبي أيضا ألا يلطخ أو يوسخ يده أو فمه أو ثوبه بالطعام لأن هذا يثير اشمئزاز الجالسين معه ولو كانوا أهله وأخوته. وينبغي ألا يلحظ من يؤاكله ولا يتتبع بنظره مواقع يده من الطعام وأن يؤثر غيره بما يليه وإن كان أفضل مما عنده وأن يضبط شهوته ويقتصر على أدنى الطعام. وينبغي أن يربي الصغير على أن الطعام يراد به صحة الجسم للعيش لا لذة الطعام والإسراف فيها لأننا نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل كما سبق أشرنا. ويرى بعض علماء المسلمين أن تكون الوجبة الرئيسية هي العشاء وليست الغذاء كما يجري العادة لأن ذلك يساعد على عدم الكسل أو النوم أثناء النهار. كما يرون أن من الأنفع للصبي عدم الإسراف في أكل اللحم أو الحلوى لأن الأكثار منها يضر الجسم كما","vol":"1","page":203},{"text":"أنه يعود الصبي النهم والشره ومحبة الأكل. وينبغي أن يعود الطفل على الأكل في مواعيد منتظمة كما ينبغي أن يقتصد جهد الطاقة فيما يدخل بطنه من أطعمه أو حلوى أو مشروبات بين الوجبات أو بين كل أكله وأخرى. وينبغي أن يبدأ طعامه بالبسملة وينهيه بحمد الله وشكره والدعاء بإدامة النعمة من الله. كما ينبغي عليه أن يستخدم يده اليمنى في الأكل لقوله ﷺ ينصح غلاما: \"يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك\" وينبغي أن يغسل يديه وفمه بعد الأكل ويفضل أن يستخدم السواك أو الفرشاة لتنظيف أسنانه بعد كل وجبة لا سيما بالليل وفي أول الصباح. وبالنسبة للباس والزينة فيجب أن يقتصد الصبي فيها على قدر الحاجة ولا يتشبه بالنساء في اللباس أو لبس الخواتم أو السلاسل أو الساعات الذهبية أو المصنوعة من الذهب أو الجواهر الثمينة أو ما يوحي بحب الظهور أو التفاخر. ولا يجب أن يفتخر الصبي على أقرانه بأي شيء يملكه بل يجب أن يكون متواصعا مع كل من يعامله من الرفاق. كما ينبغي أن يعود الصبي على عدم ترك شعره طويلا بل يبادر إلى قصه وحلاقته كما يقص أظافره ويقلمها أيضا كلما طالت.\nومن الآداب العامة الأخرى التي ينبغي تعويد الطفل عليها أن يعود على طاعة الله وطاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه وأن يمنع من الكذب وعدم الحلف صادقا أو كاذبا وأن يتعود الصمت وقلة الكلام ويكون للرد أو الجواب دون لغو في القول، وأن يمنع من السب والشتم واللعن، وأن يعود التأدب والوقار والاحتشام والتواضع، وأن يحترم ويوقر من هو أكبر منه وأن يعطف علي ويرحم من هو أصغر منه وأن يعود خدمة نفسه ومن وهو أكبر منه. وأن نربيه على الإيثار لا الأنانية وحب الذات. كما نربيه على السعي في الخير وأداء الواجب وعدم التقصير فيه ومراعاة حقوق الغير كالجار والصديق والفقير والمريض والمحروم واليتيم والضعيف وما شابه ذلك.\nويجب أن يحبب إلى الصبي العلم وتلقيه والحرص عليه وأن نطالبه بحفظ ما تيسر من القرآن الكريم وجيد الشعر والنثر ومحاسن الأخبار وسير العظماء. وعلى الأهل والآباء أن يمتدحوا في الصبي كل ما يبدو منه من فعل جميل وخلق","vol":"1","page":204},{"text":"نبيل وسلوك حسن. وأن يكرموه ويكافئوه عليه. وفي حالة الخطأ أو التقصير لا يجب أن يكاشف به ولا يوبخ عليه ويتغافل عنه لا سيما إذا حاول الصبي إخفاءه وستره لأنه عندئذ يكون قد أحس بخطئه ولهذا تترك له الفرصة لتقويم نفسه بنفسه؟ فإن عاد إلى ذلك وكرره أو لم يحاول إخفاءه وجب توجيهه وإرشاده بطريقة غير مباشرة. ولا يجب أن يستخدم التأديب أو اللوم أو التقريع أو الضرب لتأديب الصبي لأن ذلك يسبب له بلادة الحس وينمي في نفسه نزعة التمرد والعصيان. ويكون استخدام مثل هذه العقوبات بقدر يسير دون زيادة في الألم في حالة الضرورة وفي نهاية المطاف على طريقة العرب في العلاج والتي يحددها القول المعروف \"آخر العلاج الكي\" ويرى بعض علماء المسلمين منهم الغزالي وابن مسكويه أن يؤذن للصبي في بعض الأوقات باللعب لعبا جميلا يستريح إليه من عناء التعب والتعليم وحضور الدروس وأن يكون لعبه في غير ألم أو عنف أو تعب شديد. وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك في كلامنا عن الغزالي ويستحسن الرجوع إليه.\nتعلم آداب الاستئذان:\nومن الآداب التي يتعلمها الطفل من صغره أيضا أدب الاستئذان. إذ يجب عليه أن يتعلم الاستئذان في الدخول على أهله ولا سيما في أوقات معينة مثل وقت الراحة والنوم حين يكون الإنسان معرضا لظهور عورته فيطلع عليها الطفل. قال تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ . وإذا بلغ الطفل الحلم ويبلغ الرجال فليستأذن: قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ .\nالدين أصل الأخلاق:\nيعتبر المربون المسلمون الذين أصل الأخلاق، فالدين أساس التربية الخلقية في الإسلام، ولذلك يجب أن يعمل التعليم على تهذيب الأخلاق، وأساس","vol":"1","page":205},{"text":"الأخلاق عنده الضمير الخلقي الحي المستمد من الدين الذي يعتمد على ما ورد عن النبي ﷺ عندما سئل: ما الإيمان؟ قال: \"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\". ويكون اكتساب الأخلاق عن طريق التعليم والقدرة، ولذلك كانت سيرة الرسول ﷺ ذا فائدة تعليمية خلقية عظيمة. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ويبين ابن مسكويه أثر الدين في أخلاق الصبيان فيقول:\n\"والشريعة هي التي تقوم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسانية\". \"وعلى الوالدين أخذهم بها وبسائر الآداب الجميلة بضروب السياسات من الضرب إذا دعت إليه الحاجة أو التوبيخات أو الإطماع في الكرامات أو غيرها مما يميلون إليه من الراحات أو يحذرونه من العقوبات، حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن يعلموا براهين ما أخذوه تقليدا\".\nالطاعة أساس الفضائل:\nتعتبر الطاعة أساس الفضائل في التربية الإسلامية، وقد أوجبها الله ﷿ بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . فالطاعة لكل هؤلاء مظهر للخلق الكريم. ويقول ابن مسكويه: \"وينبغي أن يعود الطفل طاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه وأن ينظر إليه بعين الجلالة والتعظيم ويهابهم\".\nالفضائل والرذائل:\nإن الفضائل من تمام كمال الإنسان وقد تنبه المسلمون إلى أثر تكوين العادة في اكتساب الفضائل لدى الإنسان، ولذا يوصون المعلم بتوجيه الصبيان إلى العادات الحسنة وإبعادهم عن الرذيلة، وأول الصفات الطيبة التي يتحلى بها في نظرهم هي الطاعة كما سبق أن أشرنا.\nومن الصفات الطيبة النظام، فالفوضى مفسدة للصبيان ويقتضي النظام من الصبيان الانتظام في الحضور وعند الانصراف من الدرس والتحلي بالنظام في","vol":"1","page":206},{"text":"الدرس والأعمال المدرسية.\nوالعبادات الإسلامية خير ما يعود على الطاعة والنظام، ولذا كانت ممارستها واجبة. والمعلم مطالب بتعليمها للصبيان باعتبارها أصل الفضائل وعصمة الرذائل -كما أشرنا أيضا.\nويؤكد ابن الجزار على أخذ الصبيان بالأدب منذ الصغر، لأن العادة طبيعة ثانية وقد قال أحد الفلاسفة: \"إن أكثر الناس إنما أوتوا سوء مذاهبهم من عادات الصبا إذا لم يتقدمهم تأديب وإصلاح أخلاقهم وحسن سياستهم فلذلك أمرنا نحن أن يؤدب الصبيان وهم صغار لأنهم ليست لهم عزيمة تعرفهم بما يؤمرون من المذاهب الجميلة والأفعال الحميدة والطرائق المثلى، ولم تغلب عليهم بعد عادة رديئة تمنعهم من اتباع ما يراد بهم من ذلك. فمن عود ابنه الأدب والأفعال الحميدة والمذاهب الجميلة في الصغر حاز بذلك الفضيلة ونال المحبة والكرامة وبلغ غاية السعادة، ولما كان للعادة هذا التأثير الكبير وجب أن يؤدب الأطفال ويعودوا على الأشياء الجميلة وتربيتهم تربية فاضلة.\nوقد قال الشاعر:\nوينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه\nويقول ابن الجزار القيرواني عالم القرن الثالث الهجري \"التاسع الميلادي\" في كتابه سياسة الصبيان وتدبيرهم: أن يؤخذ الصبيان بالأدب منذ الصغر لأنهم أسلس قيادة وأحسن مواتاة وقبولا. فإن قال لنا قائل: قد نجد من الصبيان من يقبل الأدب قبولا سهلا، ونجد منهم من هو كثير الحياء ونجد منهم من يعني بما يعلمه ويتعلمه بجد واجتهاد ونجد من هو يمل التعليم ويبغضه، وقد نجد أيضا ذوي العناية منهم وذوي العلم من إذا مدح تعلم علما كثيرا. ومنهم من يتعلم إذا عاتبه المعلم ووبخه، ومنهم من لا يتعلم إلا للخوف من الضرب. وكذلك نجد اختلافا كثيرا ومطردا في الذين يملون التعليم ويبغضونه.\nويبدو أن ابن الجزار يأخذ في تربية الأطفال بمبدأ الطبع من التطبع أي أن طبائع الأطفال إنما تكون بتطبعهم وتربيتهم، وهذا مبدأ إسلامي سليم، ويتمشى","vol":"1","page":207},{"text":"ابن الجزار أيضا مع المبدأ الإسلامي في تربية الطفل بأن آخر العقاب الضرب بعد أن تفشل الوسائل الأخرى مثل الترغيب والترهيب.\nالعدل في المعاملة:\nإن أساس المعاملة في الإسلام هو العدل، يستوي في ذلك الصغار والكبار على السواء. فقد أوجب الإسلام على الآباء العدل بين أولادهم. قال ﷺ: \"اعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدل بينكم\" وقال ﷺ: \"اتقوا الله واعدلوا في أولادكم\". كما أوجب على الآباء المساواة بين الأبناء وعدم التمييز بينهم في المأكل والملبس والعطاء والمحبة والتقدير.\nاحترام الطفل ومعاملته باللطف:\nتؤكد التربية الإسلامية على ضرورة احترام الطفل واحترام شخصيته وعدم التقليل من شأنه لصغره. كما يجب معاملته باللطف واللين، ومن الشواهد على ذلك: أن النبي ﵊ كان إذا مر على الصبيان سلم عليهم، واقتدى صحابته به في ذلك. وفي حديث النبي ﷺ: \"ليس منا من لا يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا\" وكان النبي ﷺ يلاطف الأطفال ويمازحهم ليدخل السرور على قلوبهم كما كان يهش ويبش في وجوههم. ويروى أن أناسا من الأعراب قدموا على الرسول ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قال: \"نعم\" قالوا: لكنا والله ما نقبل: قال صلى الله عليه سلم: \"أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلوبكم\" وقال ﷺ: \"من كان له صبي فليتصاب له\".\nالرفق في المعاملة:\nمن الاعتبارات الإسلامية الهامة في معاملة الصبي الرفق به، وعلى المعلم أن يترفق بتلاميذه ولا يتشدد معهم. ومن حسن رعايته لهم أن يكون بهم رفيقا وعليه أن يجريهم منه مجرى بنيه. وإذا ما أخطأ الصبي منتهكا الطريق السوي راضه المعلم مبينا له السبيل التي ينبغي سلوكها وأول سبل الرياضة الإفهام والتنبيه. يقول ابن مسكويه:\n\"وإذا أخطأ الصبي فأولى ألا يوبخ عليه ولا يكاشف بأنه أقدم عليه بل","vol":"1","page":208},{"text":"ويتغافل عنه تغافل من لا يخطر بباله أنه قد تجاسر على مثله ولا هم به ولا سيما إن ستره الصبي واجتهد في أن يخفي ما فعله عن الناس\". \"فإن عاد فليوبخ عليه سرا ... ويحذر من معاودته فإنك إذا عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة وحرضته على معاودة ما كان استقبحه وهان عليه سمع الملامة\". \"والذنب الأول الذي يرتكبه الصبي يعفى عنه والثاني يعاتب عليه عتابا غير مباشر كأن يقال له: إن فعل كذا وكذا قبيح والثالث يعاتب عتابا مباشرا. فإن عاد إلى ذلك ضرب ضربا خفيفا. فإذا استعمل المعلم هذه الطرق ولم ينته الصبي فعليه أن يتركه مدة ثم يعود إليه بنفس الطرق\".\nالشدة مضرة بالمتعلم:\nعقد ابن خلدون فصلا في مقدمته عن الشدة على المتعلمين وأنها مضرة بهم قال فيه: \"إن إرهاق الجسد في التعليم يضر بالمتعلم ولا سيما في أصاغر الولد لأن من كان مرباه بالعنف والقهر من المتعلمين ذهب نشاط نفسه ودعاء ذلك إلى الكسل وحمله على الكذب والتظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه. وربما صارت له هذه عادة وخلقا فتفسد معاني الإنسانية عنده وتكسل نفسه عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل\".\nضرورة المدح والتشجيع:\nيتفق المربون المسلمون على ضرورة مدح الطفل وتشجيعه إذا ما أظهر أي شيء يستحق المدح، وذلك تشجيعا له. ويقول ابن مسكويه في \"تهذيب الأخلاق\": \"ويمدح الصبي بكل ما يظهر فيه من خلق جميل وفعل حسن يكرم عليه\" \"وعلى المعلم أن يغبطه على إحسانه ... ليعرف وجه الحسن من القبح فيدرج على اختيار الحسن\".\nلزوم التأديب:\nإن تأديب الطفل كما يقول الماوردي يلزم من وجهين: أحدهما ما لزم الوالد لولده في صغره. والثاني: ما لزم الإنسان في نفسه عند نشأته وكبره. فأما","vol":"1","page":209},{"text":"التأديب اللازم للأب، فهو أن يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها، فينشأ عليها فيسهل عليه قبولها عند الكبر، لاستئناسه بمبادئها في الصغر، لأن نشأة الصغير على الشيء تجعله متطبعا به، ومن أغفل في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيرا. وقد روى عن النبي \"ﷺ\": أنه قال: \"ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن يفيد إياه أو جهل قبيح يكفه ويمنعه منه\" وقال بعض الحكماء: بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال وتفرق البال ... وقال بعض الشعراء:\nإن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا يلين إذا قومته الخشب\nقد ينفع الأدب الأحداث في الصغر ... وليس ينفع عنده الشيبة الأدب\nوقال آخر:\nينشو الصغير على ما كان والده ... إن الأصول عليها ينبت الشجر\nوقال شاعر آخر في هذا المعنى:\nوينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه\nوذلك لأن النفس البشرية تحتاج دائما على التطبع بالخصال الحميدة وإلا خرجت عن طبيعتها. وقد قال البوصيري في بردته المشهورة:\nوالنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم\nآخر العقاب الضرب:\nإن العقوبة مشروعة في الإسلام وجعل الله لنا في القصاص حياة. وقد أقر المربون المسلمون مبدأ عقاب الصبيان، لكنهم اشترطوا الرفق بهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو. كما أن منزلة المعلم من الصبي هي منزلة الوالد. وهو مطالب أن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه، ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إلا إذا أخطأ الطفل، وإنما ينبهه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب. وقد نهى المربون المسلمون عن استخدام أسلوب الحرمان من الطعام والشراب في العقاب، لما له من أثر على صحة الطفل في هذه المرحلة، ونهوا المعلم عن الانتقام في العقاب، وضرب الصبيان في حالة الغضب","vol":"1","page":210},{"text":"حتى لا يكون \"ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه\". وأشاروا إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان. فأقروا الضرب كعقوبة إلا أنهم اشترطوا لها شروطا من أهمها:\n١- لا يجوز ضرب الأطفال قبل العاشرة لقوله: \"واضربوهم لعشر\".\n٢- لا يجوز ضرب الطلاب الذين تقدمت أعمارهم.\n٣- ألا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب وللضرورة القصوى ولا يكثر فيه.\n٤- أن يكون العقاب على قدر الذنب لا للتشفي.\n٥- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك.\n٦- أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان.\n٧- أن يكون الضرب على الرجلين ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم.\n٨- أن تكون آلة الضرب هي الدرة أو الفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا.\nضرورة الترويج واللعب:\nمن المعروف أن الطفل يقضي جزءا كبيرا من سنوات عمره الأولى في اللعب ... وبعض صغار الحيوانات على سبيل المثال كالقطط والجراء وهي صغار الكلاب تقضي وقتا كبيرا من حياتها تلعب وتمرح. والأم سواء بالنسبة للإنسان أن الحيوان تشارك الصغار في هذا اللعب. ويميل الأولاد عادة إلى اللعب بالأشياء الميكانيكية الآلية والعسكرية وبناء القلاع والحصون. أما البنات الصغيرات فيملن إلى اللعب بالعرائس والمنازل والحيوانات. وهذه الأشياء كما يبدو تتصل بحياة وأعمال الكبار. وقد لا يكون للأطفال الاختيار في لعبهم لأن الكبار هم الذين يقدمونها لهم. وهم بذلك يحددون نوع اللعب المناسبة للبنت والولد في ضوء أفكارهم وقيمهم وتوقعاتهم.\nوقد أكد المربون في الشرق والغرب أهمية اللعب في التربية لأن الطفل من","vol":"1","page":211},{"text":"خلاله يكتسب مهارات معرفية وحركية وجسمية فضلا عن أنه عن نفسه بل إن بعض الباحثين يرى أن البحث العلمي ما هو إلا استمرار لنزعة اللعب عند الصغار وامتدادها لحياة الكبار \"Pickering: p.١١\". وفي الغرب أكد المربون من أمثال جون لوك وجان جاك روسو وياسيدو وكومينيوس على أهمية اللعب في التربية. بل إن فرويل الذي أنشأ رياض الأطفال كان معلما ناجحا واستخدم اللعب كوسيلة تربوية للأطفال. وفي الشرق نجد أن التربية الإسلامية تهتم بتربية الطفل خلال اللعب والترويح عن نفسه. وفي تربية الولد يشير الغزالي إلى ضرورة الترويح عن الصبي، وأشار إلى موضوع اللعب الذي قال: إن له ثلاث وظائف: يروض جسم الصغير ويقويه، ويدخل السرور على قلبه، ويريح الصبي من تعب الدروس، ويروح عن تعب النفس كللها ومللها. ويقول ابن مسكويه في نفس المعنى:\n\"وينبغي أن يؤذن له في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب الأدب، ولا يكون في لعبه ألم ولا تعب شديد\".\nأفضل الأوقات:\nأفضل الأوقات لطالب العلم شرخ الشباب بالنسبة للعمر ووقت السحر وما بين العشاءين للاستذكار كما يقول الزرنوجي. وينبغي لطالب العلم أن يستغرق جميع أوقاته فإن مل من علم يشتغل بعلم آخر. وهذه نظرة ثاقبة من الزرنوجي تتفق مع أحدث نظريات وآراء علم النفس التعليمي. ويشير الزرنوجي إلى ابن عباس ﵁ أنه كان إذا مل من الكلام يقول: هاتوا ديوان الشعراء. وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل وكان يضع عنده الدفاتر. وكان إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر. وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء. وكان يقول: إن النوم من الحرارة فلا بد من دفعه بالماء البارد.\nتوجيه المتعلم إلى دراسة ما يناسبه:\nيشير الزرنوجي إلى ما يعرف الآن بالإرشاد الأكاديمي ودور المعلم في توجيه المتعلم إلى نوع الدراسة الملائمة له فيقول: \"وينبغي لطالب العلم ألا يختار","vol":"1","page":212},{"text":"نوع علم بنفسه. بل يفوض أمره إلى الأستاذ. فإن الأستاذ قد حصلت له من التجارب في ذلك فكان أعرف بما ينبغي لكل أحد، وما يليق بطبيعته\". ويورد قول الإمام الأجل الأستاذ برهان الدين: \"كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوضون أمروهم في التعليم إلى أستاذهم فكانوا يصلون إلى مقاصدهم ومرادهم. والآن يختارون بأنفسهم فلا يحصل مقصودهم من العلم والفقه\". ويحكى عن الإمام البخاري أنه كان يتعلم شيئا آخر على يد محمد بن الحسن فنصحه ﵀ بأن يذهب ويتعلم الحديث لما رأى أن ذلك العلم أليق بطبعه. فطلب علم الحديث. فصار فيه مقدما على جميع أئمة الحديث.\nويشير الدكتور أحمد شلبي في كتابه عن التربية الإسلامية \"ص٢٩٩\" إلى ما ورد في مناهج المتعلم من حديث طريف عن اختبارات الذكاء يقرر أنه يجب على المعلم أن يشخص طبيعة المتعلم المبتدئ من حيث الذكاوة والغباوة. ويعلمه على مقدار وسعه. كما يشير إلى أن المربين المسلمين كانوا يعتمدون على التجربة. فهم يعلمون الطفل ثم يحكمون عليه بمقدار النتيجة التي يستطيع أن يحصل عليها. كما كانوا يختبرون ذاكرة التلميد ليروا ما إذا كان يميل إلى الحفظ أو التعمق في التفكير فإذا كانت الأولى فليدرس علم الحديث مثلا وإن كانت الثانية فليدرس الفلسفة والمناظرة وعلوم الجدل والكلام. ويقول ابن جماعة في كتابه: \"تذكرة السامع والمتعلم في آدب العالم والمتعلم\" إذا علم المعلم أن تلميذا لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه. وقد روي أن يونس بن جبيب كان يختلف إلى الخليل بن أحمد يتعلم منه العروض فصعب عليه تعلمه. فقال له الخليل يوما: من أي بحر قول الشاعر:\nإذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع\nففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض وأخذ يتعلم النحو وقواعد اللغة حتى أصبح في ذلك إماما وعالما شهيرا. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإمام البخاري كان يتعلم الفقه على يد محمد بن الحسن فوجهه لدراسة الحديث لما رأى أنه أكثر مناسبة له. وقد بز البخاري علماء عصره في ذلك وأصبح أحد كبار مشاهير رجال الحديث.","vol":"1","page":213},{"text":"تربية بالقدوة:\nللقدوة دور هام في التربية ولا سيما في مرحلة الطفولة، فالطفل يقتدي بمن يراهم ويقلدهم في أعمالهم وسلوكهم، ولذلك عنيت التريبة الإسلامية بالقدوة الحسنة. وقد قال عمرو بن عتبة لمؤدب ولده:\n\"ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك فإن عيونهم معقودة بك فالحسن عندهم ما فعلت، والسيئ عندهم ما تركت. علمهم كتاب الله وروهم من الحديث أشرفه ومن الشعر أعفه ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم وعلمهم سنن الحكماء وجنبهم محادثة النساء\".\nوينصح ابن المقفع من نصب نفسه للناس إماما في الدين أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والرأي واللفظ، فيكون تعليمه للناس بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ .\nوفي هذا المعنى قال الشاعر:\nيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسه كان ذا التعليم\nتصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم\nونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم\nلا تنه عن خلق وتأتيَ مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nويؤكد المربون المسلمون على أهمية القدوة بالعلم والعمل وضرورة توافرهما في العالم والمعلم حتى يهتدي بها المتعلم. ولذلك اعتبروا أخذ العلم مباشرة من العلماء لا من بطون الكتب. فالإمام الشافعي ومن بعده ابن جماعة وغيرهما يرفضون التعلم من بطون الكتب أو تمشيخ الصحيفة. وفي ذلك يقول الشافعي: \"من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام. وكان بعضهم يقول: من أعظم البلية تمشيخ الصحيفة. أي الذين تعلموا من الصحف\".","vol":"1","page":214},{"text":"تربية بالموعظة:\nإن القرآن الكريم حافل بالمواعظ والعبر والحكم التي يمكن أن تساعد المربين على تربية النشء تربية إسلامية صحيحة ويقدم لهم المادة والمواقف والأحداث التي تمكنهم من عمل ذلك. ولا شك في أن العظات ذات المغزى الخلقي الكريم ومثيلتها من العبر والحكم والنصائح لها فعل السحر في نفوس الناس صغارا أو كبارا لأنها تتبع الأسلوب غير المباشر في التوجيه وغرس القيم الخلقية والدينية المرغوبة. ومن أساليب التربية بالمواعظة أسلوب الخطاب العقلي المشحون بالمشاعر مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ . وقوله ﷿ في سورة يوسف: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وهناك الأسلوب القصصي الذي يعتبر أهم مصدر للصغار والكبار للتربية بالموعظة. فهو أسلوب مشوق وحبب للنفس يستطيع المربون من خلاله أن ينشئوا أولادنا على المثل العليا والأخلاق الإسلامية النبيلة. قال تعالى في سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾، وقوله في سورة الأعراف: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . من هذه القصص قصص الأنبياء ﵈ مثل سيدنا نوح ولقمان ويعقوب وإبراهيم وموسى وعيسى. ومنها قصة مريم وقصة يوسف وقصة فرعون وثمون وعاد ولوط وذي القرنين وبلقيس ملكة سبأ وهاجر وإسماعيل وهناك أيضا قصص الطير والحيوان.\nتربية بالمخالطة:\nتهتم التربية الإسلامية بالأثر الذي تحدثه مخالطة الصبي لرفاقه وتأثير هؤلاء الرفاق على سلوكه وشخصيته. ولذلك تحرص على حسن اختيار الرفاق الذين يصاحبهم أو يخالطهم، واشترطت أن يكونوا من ذوي الأدب والخق حتى ينشأ الصبي نشأة صالحة؛ لأنه في مخالطته لهم يقتدي بهم في سلوكه كما أن هذا الاختلاط يساعد بعضهم بعضا على التعلم. وقد ضرب لنا الرسول ﷺ مثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير. ويقول ابن سينا. \"ينبغي أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية من أولاد الجلة حسنة آدابهم","vol":"1","page":215},{"text":"مرضية عاداتهم. فإن الصبي عن الصبي ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس. وانفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب الأشياء لضجرهما، فإذا راوح المؤدب بين الصبي والصبي كان ذلك أتقى للسآمة وأبقى للنشاط وأحرى للصبي على التعليم والتخرج فإنه يباهي الصبيان، والمحادثة تفيد انشراح العقل وتحل منعقد الفهم لأن كل واحد من أولئك إنما يتحدث بأغرب ما رأى وأغرب ما سمع فتكون غرابة الحديث سببا للتعجب منه والتعجب منه سببا لحفظه وداعيا إلى التحدث به ... ثم إنهم يترافقون ويتعارضون الزيارة ويتكارمون ويتعارضون الحقوق، وكل ذلك من أسباب المباراة والمساجلة والمحاكاة، وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم وتحريك لهمهم وتمرين لعاداتهم.\nوينصح الزرنوجي في \"تعليم المتعلم\" الطالب بألا يصادق من زملائه إلا المجد الورع وصاحب الطبع المستقيم وأن يفر من الكسلان والمعطل والمكثار والمفسد والفتان ويورد قول الشاعر:\nعن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي\nفإن كان ذا شر فجانبه سرعة ... وإن كان ذا خير فقارنه تهتدي\nوقو آخر:\nلا تصحب الكسلان في حالاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد\nعدوى البليد إلى الجليد سريعة ... كالجمر يوضع في الرماد فيخمد\nالعلم يكون بالمثابرة:\nيكون تحصيل العلم بالجد والمثابرة على الدرس والقراءة والاطلاع. فالعلم لا يفتح أسراره لقارئ عابر أو دارس طارئ. ذلك أن مغالق العلم وأسراره لا تنفتح إلا بكثرة البحث في سبيل معرفتها والمعاناة من أجل التوصل إليها. وقديما قال الشاعر:\nأخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ\nوقال آخر: \"من طلب العلا سهر الليالي\". وقال ابن راشد: \"لا يحصل العلم إلا بالعناية والملازمة والبحث والنصب والصبر على الطلب\". كما حكى","vol":"1","page":216},{"text":"الله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وأنه قال لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ وقال سعيد بن المسيب: \"إني كنت أرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي\" ولهذا ساد أهل عصره وسمي سيد التابعين. وقال مالك ﵁: \"أقمت خمس عشرة سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز وأقيم عنده إلى صلاة الظهر\" ولهذا ساد مالك أهل عصره وسمي إمام الهجرة. وهكذا يجب على طالب العلم أن يتحلى بالصبر والمثابرة في طلب العلم وتحصيله، وعلى المعلم أن يساعد تلاميذه على تكوين الاتجاهات الصحيحة نحو العلم وتحصيله وأن يبين لهم أنه بقوة الإرادة والعزيمة يستطيع الإنسان أن يتغلب على صعاب العلم وأن يصل في النهاية إلى المكانة التي يريدها.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>آداب المتعلم:</span>\nيورد علماء المسلمين منهم الزرنوجي والعلموي والأصفهاني في \"الذريعة إلى أحكام الشريعة \"ص١٤٩\": عدة آداب يجب أن يتحلى بها المتعلم من أهمها:\n١- أن يطهر نفسه من رديء الأخلاق كما تطهر الأرض للبذر من خبائث النبات لأن الطاهر لا يسكن إلا بيتا طاهرا. ويعتبر الزرنوجي الأخلاق الذميمة كلابا معنوية أي مؤذية. وعلى المتعلم أن يحذر منها. كما ينبغي عليه أن يبتعد عن الكسل لأنه شؤم وآفة عظيمة. وقد قال الشاعر:\nفلم أر لكسالى الحظ يعطي ... سوى ندم وحرمان الأماني\n٢- أن يقلل من الاشتغال الأعمال الدنيوية ما دام يدرس ليتوفر فراغه على العلوم الحقيقية. أي يتفرع للعلم والاجتهاد في تحصيله بما لا يصرفه عنه. وقد قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ . وأن يغتنم للتحصيل وقت الفراغ والنشاط وحال الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة.\n٣- ألا يتكبر على معلمه وأن يعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر،","vol":"1","page":217},{"text":"وتعظيم حرمته مثوبة، والتشمير في خدمته شرف. قال ﷺ: \"تعلموا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تأخذونه منه\". وأخذ ابن عباس ﵄ مع جلالته وميزته بركات زيد بن ثابت ﵁، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، ويقال إن الشافعي ﵀ عوتب على تواضعه للعلماء فقال:\nأهين لهم نفسي فهم يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها\nوعلى المتعلم أيضا إذا وجد معلما أن يأتمر له ولا يتآمر عليه، ولا يراده فيما ليس بصدده تعلمه ولم يبلغ منزلة معرفته بعد.\n٤- ألا يتكبر على العلم. فالعلم خراب للمتعالي كالسيل خراب للمكان العالي ولهذا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإن أعطيته كلك فإنك من إعطائه إياك بعضه على خطر.\n٥- يقول الزرنوجي ليس لصحيح البدن والعقل عذر في ترك العلم والتفقه. وإذا كان عذر المرء هو الفقر فلن يكون أفقر من أبي يوسف رحمه الله تعالى لم يمنعه من التفقه والعلم ومن كان له مال كثير فنعم المال الصالح للرجل الصالح المنصرف في طريق العلم.\n٦- يقول الزرنوجي: من الورع في العلم أن يجترز طالب العلم عن الشبع لأن البطنة تذهب الفطنة. كما يحذر من كثرة النوم وكثرة الكلام فيما لا ينفع وأن يتحرز عن أكل السوق إن أمكن لأن طعام\nالسوق أقرب للنجاسة والخباثة. وأبعد عن ذكر الله وأقرب إلى الغفلة. ولأن أبصار الفقراء تقع عليه، ولا يقدرون على الشراء منه. فيتأذون بذلك فتذهب بركته. وحكى أن الشيخ الإمام الجليل محمد بن الفضل ﵀ كان في حال تعلمه لا يأكل من طعام السوق. وكان أبوه يسكن في \"الرستاق\" وهو موضع فيه بيوت مجتمعة أو قرى ويهيئ إليه طعامه ويدخل إليه يوم الجمعة فرأى في بيت ابنه خبز السوق يوما. فلم يكلمه ساخطا عليه فاعتذر ابنه وقال: ما اشتريته أنا ولم أرض به. ولكن أحضره شريكي. فقال له أبوه: لو كنت تحتاط وتتورع عن مثله لم يجترئ شريكك على ذلك. ويبدو أن تطبيق ذلك","vol":"1","page":218},{"text":"صعب في عصرنا الراهن لتزايد اعتماد حياة سكان المدينة على المطاعم والمخابز والأكلات المعدة أو الجاهزة. ولكن ما زال الكلام يصدق على محلات الأكل غير النظيفة والمشبوهة والباعة الجائلين أو المتنقلين.\n٧- لا بد لطالب العلم من الهمة العالية في العلم، فإن المرء يطير بهمته كالطير يطير بجناحيه. وقد قال الشاعر:\nإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام\nولا بد لطالب العلم من سهر الليالي. فمن طلب العلا سهر الليالي كما يقول الشاعر. ومن مأثور الحكم اتخذ الليل جملا تدرك به أملا. وقال الشاعر في هذا المعنى:\nمن شاء أن يحتوي آماله جملا ... فليتخذ ليله في دركها جملا\nأقلل من طعامك كي تحظى به سهرا ... إن شئت يا صاحبي أن تبلغ الكملا\n٨- يقول الزرنوجي \"ص٣٨\": لا بد لطالب العلم من المذاكرة والمناظرة والمطارحة. فإن المناظرة والمذاكرة مشاورة، والمشاورة إنما تكون لاستخراج الصواب. وفائدة المطارحة والمناظرة أقوى من فائدة مجرد التكرار. ومثل مطارحة ساعة خير من تكرار شهر إذا كانت المطارحة مع منصف سليم الطبع. ويحذر المتعلم من المذاكرة مع متعنت غير مستقيم الطبع. فإن الطبيعة متسربة والأخلاق متعدية والمجاورة مؤثرة. أي أن التعنت ينتقل إلى المتعلم ويعديه. وقد تفقه أبو حنيفة بكثرة المطارحة والمذاكرة في دكانه حين كان يزازا \"أي بائع ثياب\". ومن هنا تعلم أن تحصيل العلم قد يجتمع مع كسب العيش. وكان أبو حفص الكبير ﵀ يكتسب الرزق ويحصل العلوم. فإن كان لا بد لطالب العلم من الكسب لمعيشة عياله أو غيرهم فليكتسب وليذاكر ويتعلم ولا يكسل. وهناك أمثلة كثيرة لأناس عصاميين شقوا طريقهم في الحياة وهو يكسبون عيشهم ويحصلون تعليمهم في وقت واحد. ومن فوائد المصارحة والمناظرة الأخذ والعطاء. وقد سئل أبو يوسف ﵀ بم أدركت العلم؟ قال: ما استنكفت من الاستفادة وما بخلت بالإفادة.","vol":"1","page":219},{"text":"٩- وينبغي لطالب العلم أن يكون متأملا في جميع الأوقات في دقائق العلوم ويعتاد ذلك فإنما تدرك الدقائق بالتأمل. ولهذا قيل: تأمل تدرك. ولا بد من التأمل والتفكير قبل الكلام حتى يكون صوابا. فإن الكلام كالسهم فلا بد من تقويمه بالتأمل قبل الكلام حتى يكون مصيبا. وقيل رأس العقل أن يكون الكلام بالتثبت والتأمل.\n١٠- على طالب العلم إذا مل من علم أن يشتغل بعلم آخر. وكان ابن عباس ﵁ إذا مل من الكلام يقول: هاتوا ديوان الشعر. وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل وكان يضع عنده الدفاتر. وكان إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر. وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء. وكان يقول: إن النوم من الحرارة فلا بد من دفعه بالماء البارد كما أشرنا.\n١١- ينبغي أن يكون طالب العلم مستفيدا في كل وقت حتى يحصل له العقل بطريقة الاستفادة أن يكون معه في كل وقت قلمه وكشكوله حتى يكتب ما يسمع من الفوائد العلمية. وينبغي عليه أن يأخذ العلم من أفواه الرجال لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون ويقولون أحسن ما يحفظون.\n١٢- يقول الزرنوجي \"ص٢٥\": وينبغي لطالب العلم ألا يختار نوع العلم بنفسه بل يفوض أمره إلى الأستاذ فإن الأستاذ قد حصلت له التجارب في ذلك فكان أعرف بما ينبغي لكل أحد وما يليق بطبيعته. ويقول أيضا \"كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوضون أمرهم في التعليم إلى أستاذهم فكانوا يصلون إلى مقاصدهم ومرادهم. والآن يختارون بأنفسهم فلا يحصل مقصودهم من العلم والفقه. وهذه نظرة ثاقبة من الزرنوجي سبق بها ما تنادي به التربية الحديثة وهو ما سبق أن أشرنا إليه.\n١٣- ألا يشتغل بتعلم الاختلافات المشكلة والشبه الملتبسة في تحصيله للعلم ما لم يتهذب في قوانين ما هو بصدده حتى لا تتولد له شبهة تصرفه عن التوجه فيؤدي ذلك إلى الارتداد عن تحصيل العلم.\n١٤- أن يعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه قبل حفظه تصحيحا متقنا على شيخه أو غيره ممن يكون أهلا لذلك، ثم يكرر عليه بعد حفظه تكرارا جيدا.","vol":"1","page":220},{"text":"ومنها أن يذاكر محفوظاته ويديم الفكر فيها ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد.\n١٥- أن يحسن تقسيمه لأوقات ليله ونهاره واغتنام ما بقي من عمره. ويقول العلموي: \"إن أجود الأوقات للحفظ والأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل. وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. ومنها أن يبكر بدرسه لخبر: \"بورك لأمتي في بكورها\". ويجعل ذلك \"البكور\" يوم الخميس. وفي رواية \"بورك لأمتي في بكورها يوم سبتها وخميسها\". وجاء في الخبر أنه ﷺ قال: \"اطلبوا العلم يوم الاثنين فإنه ييسر لطالبيه\". ورأيت كثيرا من مشايخنا يتحرون الابتداء من يوم الأحد، فينبغي مزيد الاعتناء بهذه الأيام وهذه الأوقات إلا تجري عادة الشيخ بغير ما ذكر، فلا يعترض عليه. ويقول الزرنوجي: أفضل أوقات التحصيل شرخ الشباب ووقت السحر وما بين العشاءين. كما يقول أيضا لا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك.\n١٦- في آداب المتعلم مع الكتب وهي أداة العلم يقول العلموي: \"ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في العلوم النافعة ما أمكنه شراء أو إجارة أو عارية، لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم وقد أحسن القائل:\nإذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>شروط تحصيل العلم:</span>\nيورد الزرنوجي شروط تحصيل العلم، وفيها تشابه مع ما ذكر عن آداب التعلم، ويورد الزرنوجي بعض أشعار تنسب لعلي بن أبي طالب تحدد ستة شروط لتحصيل العلم هي:\nألا لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان\nذكاء وحرض واصطبار وبلغة ... وإرشاد أستاذ وطول زمان","vol":"1","page":221},{"text":"والبلغة هنا معناها ما يكفي لسد الحاجة كما أن من معانيها أيضا \"المداس\" أو ما يلبس في الرجل والمقصود بطول زمان طول معايشة العلم والاشتغال به.\nوقد فصل الزرنوجي الكلام عن هذه الشروط وغيرها بالنسبة لطالب العلم وما يجب أن يتحلى به من أخلاق وصفات. وفي شروط تحصيل العلم الجد والمواظبة والملازمة. وقد قيل \"من جد وجد\" ومن قرع الباب ولج ومن زرع حصد. ومن نظم الإمام الشافعي في هذا المعنى\nالجد يدني كل أمر شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق\nوقال شاعر آخر:\nبقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي\nومن رام العلا من غير كد ... أضاع العمر في طلب المحال\nوقيل: من أسهر نفسه بالليل فرح قلبه بالنهار، ولا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره. فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك. وقد قال الشاعر في هذا المعنى:\nيا طالب العلم باشر الودعا ... وجنب النوم واترك الشبعا\nداوم على الدرس لا تفارقه ... فالعلم بالدرس قام وارتفعا\nولا بد لطالب العلم من الهمة العالية. فإن المرء يطير بهمته كما يطير الطير بجناحيه. وقد قال أبو الطيب المتنبي:\nعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم\nوتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم\nوعلى طالب العلم أن يتجنب الكسل لأنه كما يقول الزرنوجي شؤم وآفة عظيمة. وقد قال الشاعر:\nالجد في الجد ... والحرمان في الكسل\nوقال شاعر آخر:","vol":"1","page":222},{"text":"فكل ذي عمل في الخير مغتبط ... وفي بلاء وشؤم كل ذي كسل\nونظم الزرنوجي في هذا المعنى:\nدعي نفسي التكاسل والتواني ... وإلا فأثبتي في ذا الهوان\nفلم أر للكسالى الحظ يعطي ... سوى ندم وحرمان الأماني\nوقال الشاعر في هذا المعنى:\nلا تصحب الكسلان في حالاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد\nعدوى البليد إلى الجليد سريعة ... كالجمر يوضع في الرماد فيخمد\nوعلى طالب العلم ألا يكتب شيئا لا يفهمه لأن ذلك كما يقول الزرنوجي يورث كلالة الطبع ويذهب الفطنة ويضيع الوقت.\nويجب أن يجتهد طالب العلم في الفهم والتفكير والتأمل فإنما تدرك الدقائق بالتأمل. ولا بد له من المناظرة والمطارحة بدون شغب أو غضب. ولا تكون نيته من المناظرة إلزام الخصم أو قهوة أو التضليل أو التمويه أو الحيلة وإنما تكون لإظهار الحق والحقيقة. ويرى الزرنوجي أن المطارحة والمناظرة أكثر فائدة لطالب العلم من مجرد الحفظ والتكرار. فمطارحة ساعة خير من تكرار شهر. وعلى طالب العلم أن يستفيد في جميع الأحوال والأوقات من جميع الأشخاص. فقد قال رسول الله ﷺ: \"الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها\". ويروى أن أبا حنيفة ﵀ تفقه في العلم بكثرة المطارحة والمذاكرة في دكانه حين كان بزازا أي بائع ثياب.\nوعلى طالب العلم أن يتحرز عن الشبع وكثرة النوم وأكل طعام السوق إن أمكن لأن طعام السوق كما يقول الزرنوجي أقرب إلى النجاسة والخباثة وأبعد عن ذكر الله وأقرب إلى الغفلة ولأن أبصار الفقراء تقع عليه ولا يقدرون على الشراء منه فيتأذون بذلك فتذهب بركته \"الزرنوجي: ص٥٣\". وهو ما أشرنا إليه.\nوعلى طالب العلم أن يتحرز عن الغيبة والنميمة ومجالسة المكثار في الكلام. لأن الإكثار في الكلام في نظر الزرنوجي يسرق العمر ويضيع الوقت. ولذا وجب على المتعلم أن يتجنب أهل الفساد والمعاصي والتعطيل ويجاور الصلحاء. وقد","vol":"1","page":223},{"text":"قال الشاعر العربي في فضل السكوت وذم الكلام:\nالنطق زين والسكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثارا\nما أن ندمت على سكوت مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا\nوعلى طالب العلم أن يتحمل المعاناة لا سيما من السفهاء. فقد ورد عن عيسى ﵇ قوله: \"احتملوا من السفيه واحدة كي تربحوا عشرا\". \"الزرنوجي: ص٤٩\".\nويجب على طالب العلم ألا يجهد نفسه إجهادا ولا يضعف نفسه حتى ينقطع عن العمل فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. بل يستعمل الرفق مع نفسه والرفق أصل عظيم في جميع الأشياء كما يقول الزرنوجي.\nوينصح الزرنوجي طالب العلم باحترام أستاذه وتقديره فيقول: \"اعلم بأن طالب العلم لا ينال العلم ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم أهله وتعظيم الأستاذ وتوقيره\". ويورد قول علي كرم الله وجهه: \"أن عبد من علمني حرفا واحدا. وإن شاء باع، وإن شاء أعتق، وإن شاء استرق\". ويروي ذلك بعبارة أخرى تقول:\nمن علمني حرفا صرت له عبدا. وقال الشاعر:\nإن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما\nفاصبر لدائك إن جفوت طيبه ... واقنع بجهلك إن جفوت معلما\nويقول الزرنوجي أيضا: لا بد لطالب العلم من تحمل المشقة والمذلة في طلب العلم والتملق مذموم إلا في طلب العلم فإنه لا بد له من التملق للأستاذ للاستفادة منه. وقد قيل: العلم عز لا ذل فيه لا يدرك إلا بذل لا عز فيه. وقال الشاعر في هذا المعنى:\nأرى لك نفسا تشتهي أن تعزها ... فلست تنال العز حتى تذلها\nويتفق الماوردي مع الزرنوجي في هذه النقطة فيقول \"ص٧٥\": \"اعلم أن المتعلم في زمان تعلمه تملقا وتذللا. إن استعملها غنم. وإن تركها حرم. لأن التملق للعالم يظهر مكنون علمه والتذلل له سبب لإدامة صبره. وبإظهار مكنونة تكون الفائدة، وباستدامة صبره يكون الإكثار. وقد روى معاذ عن النبي","vol":"1","page":224},{"text":"ﷺ: \"ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم\" وقال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. وقد روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: \"من وقر عالما فقد وقر ربه\".\nويورد الماوردي تسعة شروط لتحصيل العلم يتوفر بها علم الطالب وينتهي معها كمال الراغب وهي تتفق إلى حد كبير مع ما أشار إليه الزرنوجي. وهي:\n١- العقل الذي يدرك به حقائق الأمور.\n٢- الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم.\n٣- الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره وفهم ما علمه.\n٤- الميل والاهتمام الذي يسميه الماوردي بالشهوة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليها الملل.\n٥- الاكتفاء بمادة \"مال\" تكفيه عن كلف الطلب.\n٦- الفراغ الذي يكون معه التوفر ويحصل به الاستكثار.\n٧- عدم القواطع \"أي الموانع والحوائل\" المذهلة من هموم وأشغال وأمراض.\n٨- طول العمر واتساع المدة لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال.\n٩- الظفر أو الفوز بعالم أي أستاذ سمع بعلمه متأن في تعليمه.\nفإذا استكمل طالب العلم هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب وأنجح متعلم. وقد قال الإسكندر: يحتاج طالب العلم إلى أربع: مدة، وجدة، وقريحة، وشهوة \"اهتمام\" وتمامها في الخامسة وهي معلم ناصح.\nويقول الماوردي: لن يدرك العلم من لا يطيل درسه ويكد نفسه. وكثرة الدروس كد لا يصير عليه إلا من يرى العلم مغنما والجهالة مغرما، فيحتمل تعب الدرس ليدرك راحة العلم وينفي عنه معرة الجهل فإن نيل العظيم بأمر عظيم وبحسب الراحة يكون التعب. وربما استثقل المتعلم الدرس والحفظ واتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها عند الحاجة فلا يكون إلا كمن أطلق ما مصاده ثقة بالقدرة عليه بعد الامتناع منه. فلا تعقبه الثقة إلا خجلا والتفريط إلا ندما. ويرجع الماوردي السبب في ذلك إلى ضجر المتعلم من معاناة","vol":"1","page":225},{"text":"الحفظ ومراعاته، وطول الأمل في التوفر عليه عند نشاطه. وليس يعلم أن الضجور خائب وأن الطويل الأمل مغرور. والعرب تقول في أمثالها: \"حرف في قلبك خير من ألف في كتبك\".\nوقد يكون السبب أيضا عناية المتعلم بالحفظ من غير فهم أو تصور حتى يصير حافظا للألفاظ دون فهم المعاني. ويروي بغير روية ويخبر عن غير تجربة. فهو كالكتاب الذي لا يدفع شبهة ولا يؤيد حجة. وقد روي عن النبي ﷺ قوله: \"همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الرعاية\". وقال ابن مسعود ﵁: \"كونوا للعلم رعاة ولا تكونوا له رواة. فقد يرعوي من لا يروي، ويروي من لا يرعوي\" وهناك سبب آخر يذكره الماوردي هو أن يكون المتعلم قد اعتمد على حفظه وتصوره وأغفل تقييد العلم في كتبه ثقة بما استقر في ذهنه. وهذا خطأ منه. لأن الشك مفترض والنسيان طارئ. وقد روى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: \"قيدوا العلم بالكتاب\". وروي أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ النسيان فقال له: \"استعمل يدك\" أي أكتب حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت. وقد قيل: لولا ما عقدته الكتب من تجارب الأولين لا نحل مع النسيان عقود الآخرين. وقال بعض العلماء: إن هذه الآداب نوافر تند \"أي تنفر\" عن عقل \"قيود\" الأذهان فاجعلوا الكتب عنها حماة والأقلام لها رعاة.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>خاتمة:</span>\nفهذه لمحات عن تربية الطفل في الإسلام حاولنا خلالها أن نتحدث بلسان النصوص القرآنية والأحاديث، وما ورد عن علماء المسلمين ومربيهم السابقين. ولقد أردنا أن نؤكد أن في هذه النصوص زادا لكل مرب معاصر يستطيع أن يجد فيها أصول الفكر التربوي الحديث. وأردنا من ناحية أخرى أن نبين أن ميدان التربية الإسلامية ميدان خصيب يحتاج إلى جهود مخلصة للكشف عنه والغوص في جوهره. فحركة العلم دائمة لا تتوقف، وهي متجددة باستمرار، ومن تعاليم ديننا الحنيف أن الإنسان يظل عالما ما دام يطلب العلم. وفي هذا فليتنافس المتنافسون.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الفصل الخامس: تعليم المرأة في الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>مقدمة:</span>\nقلما نجد في أي دين من الديانات أو نظام من المجتمعات ذلك التكريم الذي أعطاه الإسلام للمرأة. ففي كل المجتمعات التي سبقت ظهور الإسلام على اختلاف زمانها ومكانها لم تكن المرأة تتمتع بنظرة محترمة، وكانت مكانتها الاجتماعية تتسم بالدونية بدرجات متفاوتة في هذه المجتمعات تشتد حينا وتخف حينا آخر.\nففي الهند القديمة كان ينظر إلى المرأة على أنها دورة للروح في حياة شريرة، وكان الهنود يؤمنون بتناسخ الأرواح. وفي مصر الفرعونية كانت المرأة أقل من الرجل في قيمتها ومكانتها الاجتماعية رغم أننا نجد نساء وصلن إلى مرتبة الحكم مثل: حتشبسوت وكليوباترا. وفي وصية الحكيم أني لابنه يقول له: \"احذر أن تمشي في طاعة أنثى أو تسمح لها بأن تسيطر على رأيك\".\nوعند اليونان والرومان كانت المرأة ظلا للرجل ومجرد تابع له، ولا تملك من أمرها شيئا. وفي المسيحية كان ينظر للمرأة على أنها فخ نصبه الشيطان للرجل، وأنها سلاح إبليس للفتنة والإغراء. ورغم أن تقديس العذراء مريم قد رفع من النظرة إلى المرأة فإن ذلك لم يغير شيئا كثيرا من الوضع الاجتماعي للمرأة. وفي أوربا لم يكن للمرأة أي حقوق حتى العصور الحديثة، وكان القانون الإنجليزي في أوائل القرن التاسع عشر يبيح للزوج أن يبيع زوجته بمبلغ زهيد.\nوفي الجاهلية كانت المرأة في وضع لا تحسد عليه فقد كانت مخلوقا للخدمة والمتعة للرجل. وجاء الإسلام ليشرع للمرأة أول قانون كامل يضمن لها منزلتها وكرامتها ويحقق لها حياة تتفق مع طبيعتها ورسالتها.\nوكان النبي ﷺ المثل الأعلى في معاملة زوجاته. ويقول في ذلك \"ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه\"","vol":"1","page":227},{"text":"ويقول أيضا: \"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخيارهم لنسائهم\" وقوله في آخر خطبة له: \"استوصوا بالنساء خيرا\". وروى البخاري عن النبي صلى الله عليه سلم قال: \"نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين\". وروى البخاري أيضا عن النبي ﷺ قال: قالت النساء للنبي ﷺ: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك فواعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن.\nوقد أسهمت المرأة المسلمة في كثير من جوانب الحياة الإسلامية منها السياسية وشئون الحكم وإدارة شئون الدولة التي تزخر بها كتب التاريخ. وسنعرض لبعض الأمثلة في كلامنا عن المرأة والتعليم. وقد عبر أحمد شوقي أمير الشعراء عن مكانة المرأة في الإسلام بقوله:\nهذا رسول الله لم ... ينقص حقوق المؤمنات\nالعلم كان شريعة ... لنسائه المتفقهات\nوكذا التجارة والسياسة ... والعلوم الآخريات\nوحضارة الإسلام تنطق ... عن مكان المسلمات\nكما عبر عن خطورة جهل المرأة وعدم تعليمها بقوله:\nوإذا النساء نشأن في أمية ... رضع الرجال جهالة وخمولا\nليس اليتيم من انتهى أبواه من ... هم الحياة وخلفاه ذليلا\nإن اليتيم هو الذي تلقى له ... أما تخلت أو أبا مشغولا\nالمرأة والحجاب:\nمن الأخطاء الشائعة التي روج لها المغرضون أن حجاب المرأة نظام جاء به الإسلام وأصبحت المرأة المحجبة رمزا للمرأة المسلمة. والواقع أن حجاب المراة كان معروفا في المجتمعات القديمة قبل الإسلام ففي الهند القديمة كان نظام \"البردة\" Purda معروفا. وتعني البردة \"الستار\" أو \"الطرحة\" تغطي بها المرأة","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المرأة والحجاب:</span>\nمن الأخطاء الشائعة التي روج لها المغرضون أن حجاب المرأة نظام جاء به الإسلام وأصبحت المرأة المحجبة رمزا للمرأة المسلمة. والواقع أن حجاب المراة كان معروفا في المجتمعات القديمة قبل الإسلام ففي الهند القديمة كان نظام \"البردة\" Purda معروفا. وتعني البردة \"الستار\" أو \"الطرحة\" تغطي بها المرأة ووجهها عند خروجها من المنزل. كما كان لها في المنزل مكان خاص لها تنعزل فيه.\nوكان حجاب المرأة وعزلتها في المنزل وخارجه معروفا لدى اليونان القدماء. ويشير هوميروس في \"الأوديسة\" إلى \"بنيلوب\" زوجة يوليسس كمثال على الزوجة الشابة المخلصة لزوجها الواقرة في منزلها. وكان الرومان يحرمون على المرأة الظهور متزينة في الشوارع. بل وحرموا عليها المغالاة في التزين في البيوت.\nوكان حجاب المرأة معروفا عند العبريين من عهد إبراهيم ﵇، وظل معروفا عندهم ما بعد المسيحية. وقد تكررت الإشارت إلى \"البرقع\" في العهد القديم. والتوراة و\"العهد الحديث\" أي \"الإنجيل\". ففي الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين عن \"رفقة\" أنها رفعت عينها فرأت إسحاق \"فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي؟ فقال العبد: هو سيدي فأخذت البرقع وتغطت\".\nويقول \"بولس\" الرسول في رسالة \"كورنشوس الأولى\" إن النقاب شرف للمرأة، فإن كانت ترخي شعرها فهو مجد لها لأن الشعر بديل من البرقع ... \".\nوكانت المرأة عندهم تضع البرقع على وجهها حين تلقى الغرباء وتخلعه حين تنزوي في الدار بلباس الحداد \"عباس العقاد: المرأة في القرآن ص٦٣\". ويقول العقاد: \"جاء الإسلام والحجاب في كل مكان وجد فيه تقليد سخيف وبقية من بقايا العادات الموروثة لا يدري أهو أثرة فردية أو وقاية اجتماعية. بل لا يدري أهو مانع للتبرج وحاجب للفتنة أم هو ضرب من ضروب الفتنة والغرابة. فصنع الإسلام بالحجاب ما صنعه بكل تقليد زال معناه وتختلف بقاياه بغير معنى، فأصلح منه ما يفيد ويعقل، ولم يجعله كما كان عنوانا لاستحواذ الرجل على ودائعه المخفية. بل جعله أدبا خلقيا يستحب من الرجل ومن المرأة ولا يفرق بين الواجب على كل منهما إلا لما بين الجنسين من فارق في الزينة واللباس والتصرف بتكاليف المعيشة وشواغلها\".\nوقد نهى الإسلام الرجال عن الزينة المخلة بالرجولة ونهى النساء عن التبرج","vol":"1","page":229},{"text":"وعدم إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها. قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ إلى آخر الآية الكريمة.\nوقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ . وقد استدعت هذه الآية الأخيرة اجتهاد المفسرين فجمهور المفسرين. وغالبيتهم يفهمون من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أنه أمر بالقرار أو الجلوس في البيت وبعضهم يرى أن هذا الأمر مقصور على نساء النبي ﷺ فقط لأنهن المخاطبات في هذه الآية الكريمة. وبعض آخر يرى تعميم هذا الأمر على كل النساء باعتبار أن نساء النبي قدوة حسنة لغيرهن من المسلمات. وبعض الشراح أو المفسرين استنتج من ذلك المكان الطبيعي للمرأة هو المنزل وقيدوا خروجها منه.\nوهناك تفسير آخر يورده أبو الأعلى المودودي في كتابه \"الحجاب\" ولم أقرأه عند أحد غيره هو أن الأمر في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يعني الأمر بالوقار أي الاحتشام والتأدب. وهذا تخريج لطيف لمعنى الفعل \"وقر\" الذي يحتمل المعنيين كما جاء في المعاجم اللغوية. تقول وقر في بيته وقرا ووقورة أي جلس ووقر فلان وقارا أي رزن رزانة. \"المعجم الوسيط ط١ ص١٤٩\".\nوقد استخدمت الكلمة بهذا المعنى الأخير في القرآن في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ . ويقول العقاد: إن المفهوم من الحجاب في الإسلام ليس إخفاء المرأة وحبسها في المنزل. فلا حجاب في الإسلام بمعنى الحبس والحجر والمهانة، ولا عائق فيه لحرية المرأة حيث تجب الحرية وتقضي المصلحة. وإنما هو الحجاب مانع الغواية والتبرج والفضول وحافظ الحرمات وآداب العفة والحياء \"عباس العقاد: المرأة في الإسلام ص٦٦\".","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>قضية تعليم المرأة وقضية تربيتها:</span>\nينبغي أن نميز بين قضيتين مهمتين توضيحا للأمور: قضية تعليم المرأة وقضية تربيتها. فتعليم المرأة وإن اتصل بأمر تربيتها إلا أنه يختلف عنها في الغاية والوسيلة. فغاية التعليم التنور والعرفان واكتساب المعارف العقلية والمهارات اليدوية والعملية ووسيلته التمدرس والالتحاق بالمدارس. أما التربية فغايتها إكساب الفضيلة والآداب والأخلاق الحميدة ووسيلتها التنشئة الأسرية السليمة وعناية الآباء بتربية الأبناء. فعلى الأسرة والمنزل تقع المسئولية الكبرى في تعليمهم. ومع الآباء قد يقومون بدور تعليمي لأطفالهم كما أن المدرسة قد تقوم بدور تربوي لهم، إلا أن هذه الوظيفة ثانوية تأتي مصاحبة للوظيفة الأساسي لكل من الآباء والمدرسة.\nإن التعليم في حد ذاته لا يعتبر سببا في فساد أخلاق المرء أو سوء تربيته، كما أنه لا يعصم المرء من سوء الخلق والتربية. فمن النساء سواء كن متعلمات أو جاهلات من هن فضليات ومنهن من لا خلاق لهن ويسئن معاملة الآخرين. وكثير منهن يعرفن الحلال والحرام والحسن والقبيح. ويتبعن هذا ويعرضون عن ذاك، وأخريات لا يتبعهن هذا ولا يعرضن عن ذاك. وما ذلك إلا لأنهن لم يتعودن الفضيلة والأخلاق الحميدة منذ صغرهن وعلى طول سنوات تربيتهن في المنزل. ومن هنا ندرك الفرق بين قضية تعليم المرأة وقضية تربيتها. ونستطيع أن نميز بينهما. وهذا التمييز مهم لنقنع به أولئك الذين ما زالوا يتخوفون من تعليم المرأة ويتشككون فيه.\nيقول قاسم أمين وهو أحد دعاة الإصلاح عن أهمية تعليم المرأة: \"إننا نجد في هدي نبينا ما ينبغي أن نقتدي به حين قال في شأن عائشة: \"خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء\". وعائشة امرأة لم تؤيد بوحي ولا بمعجزة وإنما سمعت فوعت وعلمت فتعلمت. ولذا ينبغي أن نبدأ بتربية المرأة تربية تنقذنا من جميع العيوب التي يقذفنا بها الأجنبي كل يوم.. ولكن ما بال الرجال يعارضون تعليمها وتثقيفها في الوقت الذي يشكون فيه مر الشكوى من جهالتها؟ لقد رسخ في أذهانهم أن تعليمها وعفتها لا يجتمعان. وقال بعضهم في ذلك حكايات غريبة ونوادر استدلوا بها على أن تعليم المرأة يزيدها براعة في الاحتيال ويعطيها سلاحا جديدا تتقوى به على تنفيذ شهواتها.. وبالجملة فإنا نرى أن","vol":"1","page":231},{"text":"تربية العقل والأخلاق تصون المرأة ولا يصونها الجهل. بل هي الوسيلة العظمى لأن يكون في الأمة نساء يعرفن قيمة الشرف وطريق المحافظة عليه. وأرى أن من يعتمد على جهل امرأته مثله كمثل أعمى يقود أعمى مصيرهما أن يترديا في أول حفرة تصادفهما في الطريق. \"نقلا عن: ماهر حسن فهمي: ص١٢١\".\nوعن أهمية تعليم المرأة أيضا يقول قاسم أمين في كتابه \"المرأة الحديدة\" \"ص٩٩\" إن على الأم أن تعرف أفضل الطرق لتغذية الطفل لأهميتها في نمو جسمه، وكيف تقي جسم ولدها من أعراض الحر والبرد؟ وما هو الماء الذي ينبغي استعماله في نظافة جسمه من حار وفاتر أو بارد؟ وعليها أن تعرف أن للهواء والشمس أثرا حميدا في الصحة فلا تحرمه من التمتع بهما. وهكذا يقال في الأشياء الأخرى كالنوم واللعب وما أشبه ذلك. ثم يجب عليها من جهة أخرى أن تكون على علم تام بعلم نفس الطفل ووظائف قواه العقلية والأدبية وإلا كانت أول عامل في فساد أخلاق ولدها.\nوهو يعيب على المرأة المصرية أسلوب تعاملها مع طفلها. فهي تمنعه من اللعب كي لا يشوش عليها وهي لا تدري أنها بمنعها له من اللعب تقف في سبيل نموه. وإذا أرادت أن تؤدبه هددته بما لا تستطيع أو بما لا تريد أن تنفذه، أو خوفته بموهومات تثير في ذهنه خيالاته ومخاوف ربما لازمته مدة حياته \"أمنا الغولة أو أبو رجل مسلوخة\". وإذا أرادت أن تكافئه وعدته بوعود لا تفي بها فتكون له بذلك قدوة في الكذب وتحدث في نفسه ضعف الثقة بالقول. وهي في أغلب حالاتها تظهر الغضب عليه وتنهره بالصوت الشديد وتزعجه بحركات التهديد. وربما كان السبب الذي أثار غضبها لا يستحق من ذلك كله شيئا. فإذا رأت منه انفعالا مما صدر منها، لم تلبث أن تضمه وتقبله وتظهر له غاية الندم على ما صدر منها. والولد المسكين لا يدري كيف استحق غضبها أولا ثم رضاها ثانيا.\nويخلص إلى القول بأن جميع العيوب التي تشاهد عند الأطفال مثل الكذب والخوف والكسل والحمق هي ناشئة عن جهل أبويه بقواعد التربية. وهو يرى أن","vol":"1","page":232},{"text":"مدار تربية الطفل كلها على الأم. فسواء كان ذكرا أو أنثى لا يعرف ولا يرد على حواسه إلا الصور التي تعرضه لها، فنفسه صحيفة بيضاء وأمه تنقشها كما تشاء. ومن هنا وجب على كل أب وكل أم أن يلم بهذه القواعد وأن يحسن تربية الأبناء.\nويرى كثير من علماء المسلمين ومربيهم ومصلحيهم أن من المهم في تنشئة الطفل العناية بتربيته الدينية والروحية حتى ينشأ منذ صغره على الفضيلة والآداب الحميدة. ويتجنب الرذيلة والأخلاق الفاسدة. والمسئولية الأولى في ذلك تقع على أسرته ووالديه. يقول أحد العلماء المسلمين: إن التربية الناقصة للطفل تنجم عنها خسارات كبيرة يتجرعها الطفل وأبواه أولا ثم يجني المجتمع ثمارها حنظلا مريرا. فإهمال تربية البنين جريمة الآباء في حق الأبناء. وقد قال الشاعر العربي في هذا المعنى:\nإهمال ترية البنين جناية ... عادت على الآباء بالنكبات\nويعلق على أهمية الأم المتعلقة فيقول إن الأم المتعلمة أقدر على متابعة العملية التربوية لأولادها في المنزل وإدراك حاجات الطفل الجسمية والعقلية. كما أنها أقدر على تفهم طبيعة الحياة والمجتمع وتطلعاته وأقدر على أداء دورها في ارتقائه \"عبد المتعال محمد الجبري: ص٦٥\".\nويقول الغزالي في هذا المعنى: اعلم أن الطريق إلى رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال إليه. فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة. وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له مؤدب. وإن عود الشر وأهل إهمال البهائم شقي وهلك. وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له. ومن هنا تتضح أهمية دور الأم في تربية الأبناء. ولكي تستطيع أن تقوم بذلك علينا أن نحسن تربيتها من البداية.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المرأة والتعليم:</span>\nلم يرد نص من القرآن أو السنة يحرم تعليم البنت أو يفرض قيودا على تعليمها بل إننا نجده على العكس من ذلك حث على طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم. وتنكير كلمة مسلم هنا يفهم منها الاستغراق كما يقول علماء البلاغة بمعنى أن تستغرق كل المسلمين وتشمل الذكر والأنثى على السواء. وروي عن النبي ﷺ قوله: \"من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فأدبهن وأحسن إليهن وزوجهن فله الجنة\". وورد في الأثر \"أيما رجل كانت عند وليدة -أي عبدة أو أمة- فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران\".\nوهناك كثير من الأمثلة والشواهد التي تلقي الضوء على تعليم المرأة في عصور الإسلام الأولى منها:\n١- يروي البلاذري في فتوح البلدان أنه عند مجيء الإسلام كان هناك خمسة من نساء العرب يكتبن منهن الشفاء بنت عبد الله العدوة التي كانت تعلم حفصة واستمرت في تعليمها بناء على طلب الرسول ﷺ حتى بعد زواجه منها. وروى الواقدي أن عائشة وأم سلمة زوجتي رسول الله ﷺ تعلمتا القراءة والكتابة.\n٢- وقد ورد النبي ﷺ قوله: \"خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء\" يقصد زوجته عائشة التي روت عنه ألف حديث رواية مباشرة. وهو ما لم يتوافر لسواها كما أنها برعت في قول الشعر وروايته ونقده.\n٣- وقد عقد محمد بن سعد جزءا من كتابه \"الطبقات الكبرى\" لرواية الأحاديث عن النساء ذكر فيه ما يزيد على سبعمائة امراة روين عن الرسول ﷺ وعن أصحابه الثقات.\n٤- ترجم ابن حجر في كتابه \"الإصابه في تمييز الصحابة\" لكثير من النساء المحدثات الثقات العالمات.\n٥- خصص كل من النووي في كتابه \"تهذيب الأسماء\" والخطيب البغدادي في كتابه \"تاريخ بغداد\" والسخاوي في \"الضوء اللامع\" حيزا كبيرا للحديث عن النساء اللائي كن على ثقافة عالية لا سيما في العلوم الدينية ورواية الحديث. ومن بين هؤلاء الشهيرات في العلوم الدينية نفيسة بنت الحسن بن","vol":"1","page":234},{"text":"زيد بن الحسن بن علي، وكانت من خير المحدثات في عصرها وسمع عنها الإمام الشافعي عندما حضر إلى مصر. كما كان هناك عالمات يجلسن للتدريس في المساجد للرجال والنساء على السواء، وكان يجلس في حلقاتهن مشاهير العلماء والمجتهدين.\n٦- كان عيسى بن مسكين \"٢٧٥هـ\" يعلم طلبته في الصباح وبعد العصر كان يعلم بنتيه وبنات أخيه وحفيداته. وكذلك علم أسد بن الفرات بنته أسماء وعني الإمام سحنون بتعليم بنته خديجة وكانت لها حلقة لتعليم النساء.\n٧- يذكر ياقوت في معجم الآدباء أن الخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد قرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزي، وأنه كان لها دور كبير في تكوين هذا العالم الكبير، كما يذكر أيضا أن ابن عساكر في تعداده لأساتذته وشيوخه الذين تلقى عنهم العلم ذكر من بينهم إحدى وثمانين امرأة.\n٨- وهناك أدلة كثيرة على وصول النساء العربيات إلى مكانة عالية في العلوم والمعارف المختلفة، وكان من بينهن عالمات فاضلات تعلم على أيديهن كثير من رجالات الإسلام. فقد ذكر ابن خلكان أن السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور التي يرجع نسبها إلى الحسن بن علي بن أبي طالب والتي ولدت بمكة الكرمة \"١٤٥هـ\" وتوفيت بمصر سنة \"٢٠٨هـ\" ولها مقام معروف باسمها كان لها في مصر مجلس على حضره الإمام الشافعي نفسه وسمع عليها في الحديث، وذكر أبو حيان من بين أساتذته ثلاثا من النساء هن: مؤنسة الأيوبية بنت الملك العادل أخي صلاح الدين الأيوبي. وشامية التيمية وزينب بنت المؤرخ والرحالة المعروف عبد اللطيف البغدادي صاحب كتاب \"الإفادة والاعتبار\".\n٩- كتب التاريخ والأدب حافلة بأسماء مشاهير النساء المسلمات اللائي برعن في الأدب والشعر، وقد ترجم السيوطي في مخطوطه \"نزهة الجلساء في أشعار النساء\" لسبع وثلاثين شاعرة. كما أن هناك نساء مسلمات برعن في صناعة الطب والجراحة والمداواة، وكانت لهن شهرة كبيرة وقد ترجم ابن أبي أصيبعة لبعضهن في كتابه \"طبقات الأطباء\".\nواشتهرت كثيرات في الطرب والغناء وقد عرض الأصفهاني في كتابه الأغاني لذكر أسماء كثير منهن.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>آراء علماء المسلمين في تعليم المرأة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>أولا: آراء غريبة عن الإسلام</span>\n...\nآراء علماء المسلمين في تعلم المرأة:\nكان من الطبيعي بالنسبة لموضوع حساس مثل تعليم المرأة أن تكثر حوله الآراء وتتباين ويمكن بصفة عامة أن نقسم هذه الآراء إلى مجموعتين:\nالمجموعة الأولى: تمثل آراء غريبة عن روح الإسلام وتراثه وتاريخه تفرض قيودا كثيرة على تعليم المرأة ولا سيما في الأمور التي تزيد من حريتها كتعليم القراءة أو الكتابة أو الأمور التي يخشى منها فتنتها وانحرافها مثل قرض الشعر أو دراسته، بل إن التحفظ بلغ أشده في تحريم تعليم المرأة لبعض سور القرآن الكريم مثل سورة يوسف لما يخشى عليها من الغواية. بل إن بعض الآراء تذهب إلى الاقتصار على تعليمها \"سورة النور\" من بين القرآن الكريم كله. وواضح أن كل هذه الآراء تحركها دوافع الغيرة الشديدة على المرأة والتخوف الشديد من كل ما يحتمل فيه مجال الغواية والانحراف لها.\nالمجموعة الثانية: تمثل الآراء المعتدلة لعلماء المسلمين التي تتمشى مع روح الإسلام وتقاليده وتسلم بتعليم المرأة في إطار من الثقة الكاملة بأن تعليمها هو خير ضمان لعصمتها وحمايتها من الانحراف والزلل.\nوسنعرض في السطور التالية لكل مجموعة من هذه الآراء:\nأولا: آراء غريبة عن الإسلام:\nترددت بعض الآراء عن تعليم المرأة تعتبر غريبة عن روح الإسلام وبل عن تراثه وتاريخه كما أشرنا. فلقد رأينا كثيرا من النماذج لمسلمات مشهورات كان لهن باع طويل في العلم والتعليم. ومن هذه الآراء الغريبة:\n١- لا تعلموا بناتكم الكتاب \"أي الكتابة\" ولا ترووهن الشعر وعلموهن القرآن ومن القرآن \"سورة النور\". وقد أورده الجاحظ في كتابه البيان والتبيين \"ج١ ص١٨٠\" وكأنه يتهكم عليه. كما فند شمس الحق العظيم أبادي أحاديث النهي عن تعليم المرأة الكتابة واعتبرها كلها باطلة، وموضوعة","vol":"1","page":236},{"text":"وألف في الرد رسالته المسماة: \"عقود الجمان في جواز تعليم الكتابة للنسوان\".\n٢- ذهب القابسي إلى تعليم المرأة القرآن والعلم، وأما أن تعلم الترسل والشعر وما أشبه فهو مخوف عليها.\n٣- ذهب أبو الثناء الألوسي إلى تحريم تعليم البنت الكتابة، وقد ألف كتابا في هذا المعنى سماه \"الإصابة في منع النساء من تعليم الكتابة\" \"إبراهيم التوزري ط١ ص١٢٢\" ويسمى كتابه الإصابة أي وجه الصواب. وهو ليس كذلك كما سنرى من رد علماء المسلمين على ذلك.\n٤- أباح بعض علماء المسلمين تعليم الجواري دون الحرائر لأن تعليم الجارية يرفع ثمنها. وإذا كان التعليم يرفع من الثمن أو قيمة الجارية أليس تعليم الحرائر أولى وفيه -أي العلم- كمال صفاتهن وخلقهن كما سنرى في كلام الشيخ الطهطاوي فيما بعد.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>ثانيا: آراء معتدلة تتفق مع روح الإسلام:</span>\n١- يعترف المربون المسلمون بحق البنت في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة، وهذا يتفق مع روح الإسلام الحقيقية التي جعلت من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.\n٢- وكان الإمام محمد عبده من المؤمنين بضرورة تعليم المرأة وتنوير عقلها فقد رأى أن المرأة قد ضرب بينها وبين العلم بما يجب عليها في دينها ودنياها. ونادى بتكوين جمعية نسائية تقيم المدراس لتعليم البنات. وقد دافع عن تعلميم المرأة مع تلميذه قاسم أمين فيما جاء بكتاب \"تحرير المرأة\" عن تعليمها.\n٣- يعتبر الطهطاوي التربية أساس صلاح المرأة وتمام كمالها، ويرفع قدرها في نظر الرجل. والتعليم يزيل عنها سخافة العقل والطيش الذي يصيب المرأة الجاهلة. كما أن التعليم يمكن المرأة من العمل على قدر قوتها وطاقتها وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة فإن فراغ أيديهن عن العمل","vol":"1","page":237},{"text":"يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل. فالعمل يصون المرأة عما لا يليق ويقربها من الفضيلة. ويرد الطهطاوي على التخوف من تعليم المرأة فيقول:\n\"إن التجربة في كثير من البلاد قضت أن نفع تعليم البنات لا ضرر فيه\". ويستعين أيضا بما روي في كتب الأحاديث وما كان في زمن الرسول من تعليم النساء.\nوالتعليم الذي يليق بالبنات في نظره هو القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع كالخياطة والتظريز. وهو يرد على من ذهب إلى تحريم تعليمهن القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع، وأنها مكروهة في حقهن لما قد يؤدي إليه من إساءة استخدام بأن ذلك لا ينبغي أن يكون على عمومه. ويضرب أمثلة بمن كان يعرف القراءة والكتابة من زوجات النبي ﷺ وغيرهن من النساء في كل زمان. ويرجع التشدد في عدم تعليم المرأة إلى المبالغة في الغيرة عليها وفي ذلك يقول: \"وليس مرجع التشدد في حرمان البنات من الكتابة إلا التغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ما كانت في ميدان الرجال تبعا للعوائد المحلية المشوبة بحمية جاهلية، ولو جرب خلاف هذه العادة لصحت التجربة\".","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>التعليم المختلط:</span>\nأشرنا في مكان آخر من هذا الكتاب إلى أن المرأة تتساوى مع الرجل في حق التعليم سواء كان فرض عين أم فرض كفاية وذلك لتساويها معه في التكاليف الشرعية وفي الحساب يوم القيامة. ويرى علماء المسلمين أنه لا يجب الجمع بين البنين والبنات في التعليم في مدرسة واحدة وإنما يجب الفصل بينهما في مدارس خاصة بكل منهما. ويجوز أن يقوم بأمر التعليم في كل من النوعين من المدارس الذكور والإناث من المعلمات على السواء وقد يجمع بين الأطفال الصغار ذكورا وإناثا معا في مرحل التعليم الأولى في دور الحضانة ورياض الأطفال. وقد تجمع بينهم في مدرسة واحدة أو معهد واحد مع وضع ضمانات وأنظمة للفصل بينهما في أماكن الجلوس أو ممارسة الأنشطة الرياضية. وينبغي أن نشير إلى أن في كثير من دول العالم المتقدم مثل أمريكا وروسيا وإنجلترا وفرنسا واليابان توجد مدارس خاصة بالبنات لا يختلطن فيها بالذكور. وبالنسبة للتعليم الجامعي والعالي والثانوي توجد معاهد وكليات منفصلة لكل من البنين والبنات. بل توجد في داخل التعليم الجامعي أنظمة للفصل بين البنين والبنات بحيث يدرس كل منهما في انعزال تام عن الآخر. وهذا موجود بالفعل في بعض الدول العربية والإسلامية.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>التربية الزوجية:</span>\nاشتمل القرآن الكريم على ثقافة الزواج والتزاوج ينبغي على كل مسلم ومسلمة صغيرا أو كبيرا أن يتفهمها بمقدار حاجته \"أو حاجتها\" إليه.. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة يمكن أن يستمد منها المربون مادة مناسبة للتربية الزوجية للفتى والفتاة من هذه الآيات:\n- قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ .\n- قوله تعالى في سورة الدهر: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ .\n- قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ .\n- قوله في سورة البقرة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ .\n- قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ .\n- وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ .\nوقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .","vol":"1","page":239},{"text":"- قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ .\nويقول عبد الله علوان في كتابه تربية الأولاد في الإسلام \"ص: ٥٩٨\": \"ولا يمكن أن يقول متبصر عاقل إن على المربي أو المعلم أن يطمس معاني هذه الآيات بتفسيرات أخرى لا تمت إلى المعنى المراد بصلة أو أن يمر عليها مرور الكرام دون توضيح لها أو تفسير لمضمونها. لأن هذا المسلك غير سليم يتنافى مع قواعد التربية الإسلامية الأصيلة، ويتناقض مع دعوة القرآن الكريم إلى فهمه وتدبيره\". وينبغي أن يراعى في التربية الزوجية للنشء المرحلة العمرية التي يمر بها وأنسب هذه المراحل مرحلة سن المراهقة لأن الفتى أو الفتاة في هذه السن يكون في حاجة إلى تلقي المعلومات الصحيحة عن التغيرات الجسمية والجنسية التي يمر بها. فالمثل يقول إنما يطرق الحديد وهو ساخن. كما أن الشباب في هذه السن يحتاج إلى فلسفة رشيدة في الحياة توجه سلوكه الاجتماعي والأخلاقي. ويحتاج أيضا إلى معرفة الدور الاجتماعي لكل من الذكر والأنثى وكيف يختار زوجة أو تختار زوجها؟ وإعداد نفسه أو نفسها لمستقبل الحياة الاجتماعية والوظيفية. وينبغي أن يقوم بمهمة التربية الزوجية معلم للذكور ومعلمة للإناث. وقد يكون ذلك من خلال توجيه الأب لابنه والأم لابنتها. كما يمكن تقديم المعلومات المطلوبة من خلال دروس التربية الدينية أو من خلال دروس الأحياء وعلم البيولوجيا أو في دروس مستقلة تعد خصيصا لهذا الغرض ضمن المنهج المدرسي.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>حق الزوجة على زوجها:</span>\nأشار الغزالي إلى صلة الرجل بالمرأة والزوج بزوجته فقال: إن سيادة البيت تكون للرجال. وبدون ذلك لا تستقيم الحياة ولا توجد السعادة. وقال: من أطاع المرأة وملكها نفسه فقد عكس القضية. إذ حق للرجل أن يكون متبوعا لا تابعا وقد أشار ﷿ إلى ذلك بقوله في سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وسمي الزوج سيدا فقال تعالى في سورة يوسف: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ .\nولكن الغزالي من ناحية أخرى يعطي للمرأة حقوقا مقدسة ويفرض على الرجل واجبات يؤديها لها. ويقول الغزالي في ذلك: \"ليس الخلق مع المرأة كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها\". ويأمر الغزالي الرجل بأن يكون هاشا باشا مرحا مع زوجته. فيطيب قلبها بالمزاح والمداعبة ولا يقتر عليها في الإنفاق عليها. بل يجب عليه أن يتحفها دائما بالهدايا والحلوى. كما أن عليه أن ينظر في حاجة المرأة إلى حقوق البدن وندائه. وهو أساس التحصين والعفة. كما يطالب الرجل بالاعتدال في الغيرة على زوجته ولا يبالغ في الظن والتعنت وتجسس البواطن. فهذه قاعدة السعادة والهناء في الحياة الزوجية. ذلك أن مبدأ الاعتدال في الغيرة من أسمى المبادئ بل هو أصل من الأصول المؤدية إلى هناء العش الزوجي وإطلاق النور والمحبة والصفاء في رحابه \"طه عبد الباقي سرور: ص١١٨-١١٩\".","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الفصل السادس: المعلم في التربية الإسلامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>مقدمة:</span>\nاعتبر المسلمون التعليم من جملة الصنائع التي تحتاج إلى المعرفة والدربة التي تؤهل صاحبها للاشتغال بهذه الصناعة. قال ابن عبدون في رسالته: \"والتعليم صناعة تحتاج إلى معرفة ودربة فإنه كالرياضة للمهر الصعب الذي يحتاج إلى سياسة ولطف وتأنيس حتى يرتاض ويقبل التعليم\".\nوعقد ابن خلدون فصلا خاصا في مقدمته عن أن \"التعليم للعلم من جملة الصنائع\" قال فيه: \"وذلك أن الحذق في التعلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل ... ويدل أيضا على أن تعلم العلم صناعة لاختلاف الاصطلاحات فيه. فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها\".\nولم تكن صناعة التعليم في البداية وظيفة حكومية كالقضاء والحسبة وغيرها، وإنما كان الشيوخ والمعلمون يقومون بالتدريس احتسابا لوجه الله وابتغاء لمرضاته، فمن آنس منهم في نفسه المقدرة على تعليم العلم حبس للتدريس. وهكذا كان التعليم في الملة الإسلامية واجبا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو كالجهاد فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الكل. وكل هؤلاء الشيوخ يتكسبون ويعيشون من كد يمينهم أو من مساعدة الملوك والأمراء وأهل الخير من العامة. كما أن الشيوخ والعلماء كانوا يتلقون أحيانا الهدايا والعطايا السخية من رجال الدولة وكبار الأعيان. وكانت الهدايا تشمل في بعض الأحيان حمولة دواب من الطعام والعسل والزيت إلى جانب النقود والمال. وكان الموسرون من الطلبة لا يبخلون بمالهم على مشايخهم ويقدمون لهم الهدايا، وكان الشيوخ والعلماء لا يجدون غضاضة في قبول هذه الهدايا \"إبراهيم التوزري: ط١ ص١٤٢\".","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>أهمية المعلم ومكانته:</span>\nيحتل المعلم مكانة رئيسية في التربية الإسلامية اقتداء بسيد الخلق ﷺ معلم هذه الأمة فيما رود عنه قوله: \"إنما بعثت معلما\". فالمعلم عنصر رئيسي وهو أحد الأركان الرئيسية للعملية التعليمية. ولذلك أوجب المربون المسلمون أن يؤخذ العلم من شيخ لا من كتاب وسموا من يأخذ من صفحات الكتب فقط صحفيا.\nولم يعولوا عليه وكرهوا \"تمشيخ\" الصحيفة، أي أن يحتل الكتاب مكانة الشيخ والأستاذ. وقد سبق أن أشرنا إلى كلام ابن خلدون في هذا الصدد والذي يقول فيه: \"إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل تارة عملا وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا. فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون تكوُّن الملكات ورسوخها\". وهكذا يؤكد ابن خلدون على أهمية تلقي العلم من المعلم مباشرة.\nوروي عن سلمان الفارسي أنه كتب إلى أبي الدرداء \"إنما مثل المعلم كمثل رجل عمل سراجا في طريق مظلم ليستضيء به من مر به وكل يدعو إلى الخير\" وهناك كثير من الأمثلة التي تعلي من شأن المعلمين وتضعهم في مكانة محترمة لائقة بالمهنة الشريفة التي ينتمون إليها. ويروي الثعالبي عن النبي ﷺ قوله: \"خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون\". ويؤكد الغزالي أهمية الاشتغال بالتعليم، ويعلي من قدر أصحابها ويعظم من شأن وخطر المسئولية الملقاة عليهم، وفي ذلك يقول الغزالي:\n\"فمن علم وعمل بما علم فهو الذي يدعي عظيما في ملكوت السماوات فإنه كالشمس تضيء لغيرها، ومن اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرا عظيما وخطرا جسيما\". والمعلم في نظره \"متصرف في قلوب البشر ونفوسهم\" وهو \"يمارس أشرف الصناعات بعد النبوة\". ويقول الغزالي: \"إن أشرف مخلوق على الأرض هو الإنسان وإن أشرف شيء في الإنسان قلبه والمعلم مشتغل بتكميله وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله ﷿\".\nوقد دافع الجاحظ عما يتهم به معلمو الكتاب من الحمق حتى ضرب بهم","vol":"1","page":243},{"text":"المثل \"أحمق من معلم كتاب\" فقال: \"وكيف نظن الظنون بمعلمي الكتاب جميعا وفيه الفقهاء والشعراء والخطباء مثل الكميت بن زيد وعبد الحميد الكاتب وقيس بن سعد، وحسين المعلم وأبي سعيد المعلم. وما كان عندنا بالبصرة رجل أدرى بصنوف العلم ولا أحسن بيانا من أبي الوزير وأبي عدنان المعلمين\".\nوقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي معلم كتاب وهو الخطيب المفوه والسياسي المحنك صاحب الفضل في إرساء قواعد الدولة الأموية. ولا ينكر الجاحظ وجود عناصر سيئة بين المعلمين وهو يبرر ذلك بقوله: \"ففي كل طائفة أشرافها وسفلتها فلا يدفعنا ذلك إلى إطلاق الحكم على الطائفة بأسرها بسوء الخلق وصغار النفس والحمق\".\nويجب أن نميز بين معلمي الكتاب ومعلمي المساجد والمدارس والمؤدبين الذين كانوا يؤدبون أبناء الحكام والأمراء. ومن المؤدبين المشهورين المفضل الضبي الذي كان مؤدبا للمهدي العباسي والكسائي مؤدب الأمين والفراء مؤدب ابن المعتز. وكان هؤلاء المؤدبون يحصلون على أجور مرتفعة ويغدق عليهم الهبات والعطايا من جانب الخلفاء والأمراء، ولهذا كان يحيون حياة رخاء. في حين أن أجور معلمي الكتاب كانت بسيطة متواضعة. ويمكن القول بصفة عامة أن أجور المعلمين بصفة عامة كانت متفاوتة وتتوقف على قيمتهم ومكانتهم العلمية.\nويستمد المعلم مكانته وأهميته من تأثيره على تلاميذه، ذلك أن للعلم تأثيرا كبيرا في نفوس الصبيان، فهو قدوة لهم يتأثرون به وبشخصيته. وقد روى الجاحظ من كلام عقبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده قوله:\n\"يكون أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك فإن أعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت\".\nويستمد المعلم أهميته من دوره في العملية التعليمية، وإذا كان الناس قد اختلفوا حول إمكانية حصول العلم بدون المعلم فإن الواقع في مجاري العادات أن لا بد من المعلم كما يقول الشاطبي في \"الموافقات\" وقد قالوا: إن العلم كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب وصارت مفاتيحه بأيدي الرجال، وهذا يقضي","vol":"1","page":244},{"text":"بأن لا بد في تحصيله من الرجال\". \"إن أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين منه على الكمال والتمام\". ويقول الشاطبي:\n\"وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقتان: أحدهما المشافهة وهي أنفع الطريقتين وأسلمهما لأن كثيرا من مسائل العلم يقرؤها المتعلم في كتاب ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضيرة، وبه من فوائد مجالسة العلماء إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم.. ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم وتأدبهم معه واقتدائهم به. فهذا الطريق نافع على كل تقدير.\nثانيهما: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين. هو أيضا نافع في بابه لأن المتعلم يحصل له فهم مقاصد العلم ومعرفة اصطلاحات أهله وما يتم له به النظر في الكتب. وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء أو مما هو راجع إليه. وهذا معنى قول من قال: \"كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب ومفاتيحه بأيدي الرجال\". والكتب وحدها لا تفيد الطالب كثيرا دون فتح العلماء لأسرارها بالشرح والتعليق. وعلى المعلم أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد به من غيرهم من المتاخرين \"أبو إسحاق الشاطبي: ج١ ص٥١\".\nوبالنسبة للعوامل التي تؤثر على مكانة المعلمين فمن المعروف أن المكانة الاجتماعية للمعلمين تتحدد بكثير من العوامل، منها مقدار ما يأخذه من أجر ومنها سن التلاميذ الذين يعلمهم. فكلما زادت سن التلميذ زادت مكانة الأستاذ فمعلم الصبية أقل من معلم الفتيان. ومنها أيضا الطبقة الاجتماعية للتلاميذ. فإذا كان التلاميذ الذين يعلمهم المعلم من طبقة أعلى زادت قيمته، فمعلم أولاد العامة أقل من معلم أولاد الخاصة. وفي ذلك يقول الجاحظ في البيان والتبيين \"ج١ ص١٤٠-١٤١\" \"والمعلمون عندي على ضربين، فمنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة فإلى تعليم أولاد الملوك أنفسهم المرشحين للخلافة فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية وسفلة فما هم في ذلك إلا كغيرهم ... \".","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>واجبات وأدوار المعلم:</span>\nتتعدد الواجبات والأدوار التي يقوم بها المعلم، فهو يقوم بدور الوسيط بين الأجيال ودور ناقل الثقافة وشارحها ومفسرها وهو رسول المعرفة وباني البشر وهو في كل هذه الأدوار يعتمد على ما لديه من إمكانيات تؤهله للقيام بهذه الأدوار. وإن فاقد الشيء لا يعطيه ولا يمكن للمعلم أن يعطي ما لم يكن لديه ما يستطيع أن يقدمه لتلاميذه من زاد فكري وثقافي وتربوي. ولهذا اشترط المربون المسلمون في المعلم أن تكون لديه القدرة التي تؤهله للتدريس. وأوجبوا على المعلم ألا يتصدى للعمل بالتدريس إلا إذا كان أهلا لذلك وآنس في نفسه المقدرة والكفاءة للقيام به.\nوقد كتب عن واجبات المعلم كثير من علماء المسلمين منهم عبد الله بن المقفع في أوائل القرن الثاني للهجرة في كتابه \"الأدب الصغير\" و\"الأدب الكبير\" وابن سحنون عالم القرن الثالث الهجري في رسالته \"آداب المعلمين والمتعلمين\" والقابسي عالم القرن الرابع الهجري في رسالته المفصلة عن آداب المعلمين والمتعلمين\" والإمام أبو الحسن الماوردي عالم القرن الخامس الهجري في \"أدب الدنيا والدين\" والإمام أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي عالم القرن الثامن الهجري في كتابه \"قناطر الخيرات\" والشيخ عبد الباسط العلموي عالم القرن العاشر الهجري في كتابه \"المعيد في أدب المفيد والمستفيد\" والنمر القرطبي في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\" وبرهان الإسلام الزرنوجي في كتابه \"تعليم المتعلم طريق التعلم\" وغيرهم. وهناك اتفاق كثير بين هؤلاء جميعا على واجبات المعلم. وسنحاول في السطور التالية أن نلخص أهم واجبات المعلم، كما وردت عند هؤلاء العلماء وهي:\n١- أن يكون تقيا ورعا قائما بفروض دينه.\n٢- أن يكون على معرفة بأصول دينه.\n٣- أن يحرص على تعليم غيره لأن أي عالم إذا لم يكن له من يفيده من العلم صار كعاقر لا نسل له، فيموت ذكره بموته. ومتى استفيد بعلمه كان في الدنيا موجودا وإن فقد شخصيته كما قال أمير المؤمنين: \"العلماء باقون","vol":"1","page":246},{"text":"ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة\".\n٤- أن يكون مجيدا للعلم الذي يدرسه وأن يجيد توصيله لعقول الآخرين.\n٥- أن يكون عاملا بعلمه لئلا يكون كما قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ .\n٦- أن يجري المتعلمين منه مجرى بنيه في التعهد بأحوالهم لقوله ﷺ: \"إنما أنا لكم مثل الوالد لولده\" وأن يوقرهم ويحترمهم لقوله ﷺ: \"وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه العلم\".\n٧- أن يستعلم أسماء طلبته وحاضري مجلسه وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم وأن يوقر تلاميذ وأن يعظمهم ويحسن خلقه معهم ويرحب بهم إذا لقيهم ويعاملهم بالبشاشة وطلاقة الوجه وأن يخاطب كلا منهم بأحب الأسماء إليه.\n٨- أن يكون وقورا مع تلاميذه فلا يرفع التكليف بينه وبينهم ولا يتبسط معهم ولا يضاحك أحدا بشرط ألا يكون عبوسا فذلك من الفظاظة الممقوتة.\n٩- أن يكون رفيقا بتلاميذه وألا يعنف متعلما ولا يحقر ناشئا ولا يستصغر مبتدئا لقوله ﷺ: $\"علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف\" وقوله ﷺ: \"لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون\".\n١٠- أن يوجه المتعلم إلى الفضيلة والابتعاد عن الرذيلة بلطف المقال، وأن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف. قال ﷺ: \"لو منع الناس عن فت البعر لفتوه وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء\". والتعريض أبلغ من التصريح لأن النفس الفاضلة تميل إليه وبه لا تنتهك أستار الهيبة والحشمة. كما أن للتصريح وجها واحدا وعبارة واحدة، وللتعريض وجوه وعبارات مختلفة. فمن هنا كان أبلغ. وقد يكون صريح النهي داعيا إلى الإغراء على حد","vol":"1","page":247},{"text":"قول الشاعر \"دع عنك لومي فإن اللوم إغراء\".\n١١- أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله لقوله ﷺ: \"نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم\".\n١٢- أن يكون عادلا بين تلاميذه وأن يعاملهم معاملة سواء دون اعتبار للمكانة الاجتماعية أو الجاه أو السلطان قال ﷺ: \"إيما مؤدب ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حشر يوم القيامة مع الخائنين\".\n١٣- ألا يطيل الحديث ويكثر القول في الأمر لدرجة تبعث الملل والسأم في نفس تلاميذه وتفقدهم الاهتمام بما يقول: فالإنسان يشبع من الكلام كما يشبع من الطعام، وما زاد على ذلك تزهد فيه النفس. وقد قال بعض الحكماء: \"خير العلماء من لا يقل ولا يمل\" وورد عن المبرد قوله: \"من أطال الحديث وأكثر القول فقد عرض أصحابه للملال وسوء الاستماع ولئن يدع من حديثه فضلة يعاد إليه أصلح من أن يفضل عنه ما يلزم الطالب استماعه من غير رغبة فيه ولا نشاط له\".\n١٤- أن يخلص في تعليم تلاميذه وألا يبخل عليهم بتعليم ما يحسن لقوله ﷺ: \"لا تمنعوا العلم أهله فإن في ذلك فساد دينكم والتباس بصائركم\". ولا يمنع من إفادة ما يعلم، وأن يجيب ما سأله متعلما، وأن يفيد من عاوده مستفهما ولا يضجر منه وأن يسهل لتلاميذه سبيل طلب العلم ويبذل على جهده من أجل معاونتهم ومساعدتهم. قال ﷺ: \"تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده\". وقوله ﷺ: \"تعلموا وعلموا فإن أجر المعلم والمتعلم سواء\". قيل: وما أجرهما؟ قال: \"مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة\".\n١٥- أن يكون أوسع الناس صدرا وأكثرهم صبرا وأجملهم لقاء وأحسنهم أخلاقا، لأن المتعلمين منه يحذون خلائقه ويتخذون طريقه. فلا يمنع طالبا ولا يثبط راغبا ولا ينفر متعلما لما في ذلك من قطع الرغبة منه والزهد فيما لديه.","vol":"1","page":248},{"text":"١٦- ألا يعجل بالجواب إذا سئل وإن كان له حافظا حتى يفكر فيه ويعرفه معرفة صحيحة فيجيب بعلم ويقين فإن ذلك من آداب العلماء لقوله ﷺ: \"المؤمن وقاف والمنافق وثاب\".\n١٧- ألا يشتغل عن تعليم تلاميذه بأي شيء آخر.\n١٨- ألا يستخدم تلاميذه لقضاء مصالحه وأغراضه الشخصية.\n١٩- ألا يقبح في نفس المتعلم العلوم الأخرى التي يدرسها غيره فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين.\n٢٠- أن يكون المعلم قدوة حسنة لتلاميذه في كل شيء.\n٢١- أن يكون على فراسة في التعرف على قدرات المتعلم، يقول الماوردي: إنه ينبغي أن يكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم، ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه، ليعطيه ما يتحمله بذكائه. أو يضعف عنه ببلادته، فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم. وقد روى ثابت عن أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ: \"إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم\". قال عمر بن الخطاب ﵁: إذا أنا لم أعلم ما لم أره، فلا علمت ما رأيت. وقال عبد الله بن الزبير: لا عاش بخير من لم ير برأيه، ما لم ير بعينه.\n٢٢- من المبادئ الهامة في التعليم التي نأخذها عن الإمام الشافعي ﵁ حرصه وهو يلقي درسه على حرية الطلبة العقلية وشعوره باستحالة القهر العقلي ما دام العقل يؤدي عمله. فهو يقول لطلابه: إذا ذكرت لكم ما لم تقبله عقولكم فلا تقبلوه. فإن العقل مضطر إلى قبول الحق. وفي قوله: \"إن العقل مضطر\" الدلالة على شعوره بضرورة هذه الحرية العقلية \"أمين الخولي: ص٨٤ نقلا عن السيوطي في التنبئة\"","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>أخلاق المعلمين:</span>\nتختلط الآراء فيما كتب عن أخلاق المعلمين فمنهم من يتهمهم بالحمق وروجوا عنهم الأمثال التي تصفهم بذلك مثل قولهم: \"أحمق من معلم كتاب\" وقد رد الجاحظ على هذا الزعم، وقال: كيف نستطيع أن نزعم أن الكسائي وقطرب وأتباعهما يقال لهم حمقى. ونفى هذه الصفة عن المعلمين بصفة عامة بقوله: \"ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم\". وأمير الشعراء أحمد شوقي مع أنه عظم المعلم بقوله:\nقم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا\nيقول في قصيدته بعنوان \"مصاير الأيام\": إن عدوى الصبية تمتد إلى المؤدب فتلقبه صبيا مثلهم. يقول شوقي في ذلك:\nألا حبذا صحبة المكتب ... وأحبب بأيامه أحبب\nوياحبذا صبية يمرحون ... عنان الحياة عليهم صبي\nخليون من تبعات الحياة ... على الأم يلقونها والأب\nكأنهم بعد تلقي الدروس ... مهار عرابيد في الملعب\nجنون الحداثة من حولهم ... تضيق به سعة المذهب\nعدا فاستبد بعقل الصبي ... وأعدى المؤدب حتى صبي\nوقد ورد أيضا أن معلم الكتاب لا تقبل شهادته، وقد يكون تفسير ذلك على أنه تشكك في ذمة المعلم وضميره وإنما على أنه سد الباب أما ترك المعلم لتلاميذه وعمله للإدلاء بالشهادة.\nومن المعروف أن معلم الكتاب كان يحرم عليه ألا يترك عمله ولا ينشغل عن تلاميذه لأي سبب من الأسباب، ولذلك حرم عليه -إلا في حالة الضرورة- أشياء منها عيادة المريض والصلاة على الجنازة أو السير فيها أو الإدلاء بالشهادة في البيع أو النكاح لأن هذه الأشياء تجعله يترك عمله وتلاميذه. بل لا يجوز للمعلم أن ينشغل عن تلاميذه بأن يكتب لنفسه أو لغيره كتب الفقه وغيرها إلا بعد انتهاء عمله مع الصبيان. ويصف ابن جماعة المعلم بأنه \"الذي كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته وكان أحسن تعليما وأجود تفهيما\".\nأما بالنسبة لأخلاق وآداب العلماء فإن الكتابات عن هذا الموضوع تضعهم في مكانة عالية رفيعة، ويجب أن يكونوا نبراسا لغيرهم من المشتغلين بالعلم","vol":"1","page":250},{"text":"والتعليم. وإلى جانب بعض الآداب التي سبق ذكرها.. يرى أبو حنيفة أن على العالم المسلم أن يعرف \"أن الله ﷿ إنما بعث رسوله رحمة ليجمع به الفرقة وليزيد به الألفة ولم يبعثه ليفرق الكلمة ويحرش المسلمين بعضهم على بعض\" وكذلك من واجبات العالم المسلم أن يبشر ولا ينفر وألا يرمي غيره بالكفر أو غيره من التهم إن اختلفوا معه في الرأي. ولا يجوز أن يصير هذا الخلاف في الرأي خلافا في الدين، فإن صار كذلك كان العالم نفسه مخطئا خطأ تتفاوت حدود امتداده بتفاوت حجم الضرر الناجم عنه.\nويقول الماوردي: ومن آدابهم \"أي العلماء\" نصح من علموه وتسهيل السبيل عليهم والا يمنعوا طالبا ولا ينفروا راغبا ولا يوئسوا متعلما لما في ذلك من قطع الرغبة فيهم والزهد فيما لديهم.\nويضيف العلموي إلى ذلك أنه إذا سئل عن شيء لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم.\nقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وقال ابن عمر أيضا: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية ولا أدري. وقال بعضهم: \"تعلم لا أدري فإن قلت لا أدري علموك حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري\".\nقال الحميدي وهو تلميذ الإمام الشافعي: \"صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل ويستفيد مني الحديث\". وفي الصحيح أنه ﷺ قال: \"المتشبع بما لم يعط كلابس ثوب زور\". وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى والخضر ﵉ حين لم يرد موسى العلم إلى الله تعالى لما سئل: هل أحد في الأرض أعلم منك.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>أجر المعلم:</span>\nهناك خلط وسوء فهم في الكتابات العربية عن أجر المعلم وهل يجوز للمعلم أن يأخذ أجرا عن التعليم أم لا. ويرجع هذا الخلط إلى عدم التمييز أو التفرقة بين أخذ المعلم أجرا عن التعليم من المتعلم وبين أخذه أجرا عن التعليم كمهنة يتعيش منها من أولي الأمر. ومن قصد المعنى الأول من علماء المسلمين قال بعدم أخذ المعلم أجرا عن التعليم وإنما يبتغي به مرضاة الله لقوله ﷺ: \"قل لا أسألكم عليه من أجر. إن أجري إلا على الله\". ومن ذهب إلى هذا القول قلة من علماء المسلمين منهم الغزالي والجيطالي. ومن قصد المعنى الثاني من علماء المسلمين قالوا بأن المعلم يستحق أجرا على تعليم القرآن وغيره وذلك استنادا إلى ما ورد في الأثر: \"أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى\". وذهب كل من ابن سحنون والقابسي وغيرهما إلى القول بهذا الرأي، ومنهم الغزالي أيضا عند قصد هذا المعنى إذ يقول: \"للمدرس أن يأخذ ما يكفيه ليفرغ قلبه عن المعيشة وليتجرد لنشر العلم فيكون مقصوده نشر العلم وثواب الآخرة. ويأخذ الرزق بلغة ميسرة للمقصود أي مساعدة له على العيش والحياة. ويبرز القابسي إعطاء المعلم أجرا عن التعليم بقوله: لو اعتمد الناس على التطوع لضاع كثير من الصبيان ولما تعلم القرآن كثير من الناس فتكون هي الضروروة القائدة إلى السقوط في فقد القرآن من الصدور، والداعية إلى تثبيت أبناء المسلمين بالجهالة فلا وجه لتضييق ما لم يأت فيه ضيق.\nويروى عن ابن مسعود قوله: ثلاثة لا بد للناس منهم: أمير يحكم بينهم ولولاه لأكل بعضهم بعضا، وشراء المصاحف وبيعها ولولاه لقل كتاب الله، ومعلم يعلم أولادهم ويأخذ على ذلك أجرا ولولا ذلك لكان الناس أميين. ويروى أيضا أن سعد بن مالك قدم برجل من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ويعطونه الأجر. ويروى عن مالك قوله: لا بأس بما يأخذ المعلم على تعليم القرآن وإن اشترط شيئا كان حلالا جائزا ولا بأس بالاشتراط في ذلك، وحق الختمة سواء اشترطها أم لم يشترطها. وهذه كلها أمثلة تؤكد استحقاق المعلم للأجر على اشتغاله بالتعليم.\nوكان الإمام مالك وجميع علماء المدينة يجيزون أخذ الأجر على تعليم الصبيان القرآن والكتابة. فقد ورد عن ابن وهب صاحب الموطأ قوله: \"سئل مالك عن الرجل يجعل للرجل عشرين دينارا يعلم ابنه الكتاب والقرآن حتى يحذقه. فقال: لا بأس بذلك وإن لم يضرب أجلا. ثم قال: \"والقرآن أحق","vol":"1","page":252},{"text":"ما يعلم\" وقد ورد في فتح الباري بشرح البخاري ٥/ ٣٦٠ \"كتاب الإجازة\" قول الحكم: \"لم أسمع أحدا كره أجر المعلم\".\nوأورد ابن وهب في موطئه عن عبد الجبار بن عمر قوله: كل من سألت بالمدينة لا يرى لتعليم المعلمين بالأجر بأسا. وهناك أمثلة واقعية لمعلمين كانوا يأخذون أجرا على تعليمهم من أشهرهم المبرد الذي كان لا يعطي الدروس مجانا وكان الزجاج يدفع إليه درهما في اليوم لقاء تعليمه.\nوقد رد الطهطاوي في العصور الحديثة على من قال بعدم جواز أخذ أجر عن التعليم، وذهب مذهب جمهور المسلمين في القول بأن يأخذ المعلم أجرا على التعليم، وقد كان المعلم في العصور الإسلامية ولا سيما معلم الكتاب يأخذ أجرا يتفق عليه من أولياء الأمور وكان هذا الأجر يدفع عادة إما مشاهرة \"بالشهر\" أو مساناة \"أي بالسنة\". وقد يكون نقديا بالمال أو عينيا بالغلال والحبوب وغيرها من الخيرات أو بهما معا. وقد يترك أمر الأجر لتقدير الآباء وحسب كرمهم وأريحيتهم.\nأما المعلمون أو العلماء الذين كان يعينهم الولاة والحكام في مدارسهم التي كانوا ينشئونها كالفاطميين في مصر ونظام الملك في بغداد ونور الدين زنكي في الشام وصلاح الدين الأيوبي في مصر فكانت لهم أجور منتظمة تدفع لهم من خزانة الدولة ومن بيت المال.\nوهناك اختلاف بين المؤرخين حول مسألة بدء ترتيب أجور منتظمة للعلماء والمعلمين. فهناك رأي يقول: إن نظام الملك هو أول من رتب الأجور للعلماء والمدرسين في مدارسه النظامية، ورأي آخر يقول: إن ترتيب الأجور للمعلمين بدأ قبل نظام الملك. وهناك رأي يقول: إن الفاطميين أول من رتب أجور منتظمة للعلماء والمعلمين ولكن من المعروف أن العباسيين شيدوا بيت الحكمة في بغداد، وعينوا له العلماء والمترجمين والنساخ ورتبوا لهم المرتبات والأجور. ومن بعدهم بني الفاطميين الأزهر لخدمة المذهب الشيعي ووكلوا إلى رجالهم وعلمائهم الإشراف عليه وتوجيهه.\nثم أنشأ نظام الملك عدة مدارس عرفت باسمه أشهرها نظامية بغداد وكان","vol":"1","page":253},{"text":"الهدف من إنشائها مقاومة المذهب الشيعي الذي كان منتشرا في عهد البويهيين، وعملت هذه المدارس على ترويج المذهب السني. وقد عين لهذه المدراس العلماء والمعلمون ورتبت لهم المرتبات والأجور. ويصدق ذلك أيضا على المدارس التي أنشأها كل من نور الدين زنكي في الشام وصلاح الدين الأيوبي في مصر، فكانت هذه المدارس تروج لمذهب فقهي معين تسير الدراسة وفقا له ويقوم بالتدريس فيها علماء المذهب وشيوخه.\nولم يكن التعليم هو الوسيلة أو المهنة التي يعتمد عليها المعلم في كسب رزقه إذ كان لكل معلم مهنته الخاصة. وقد قام أحد الباحثين الأجانب١ بإحصاء للعلماء المسلمين في القرنين الثالث والرابع للهجرة فوجد أن ٧٥% منهم كانوا من التجار وأصحاب الحرف. فالزجاج كان يعمل في خرط الزجاج. وكان أبو حنيفة خزازا يبيع الخز وكان الواقدي يضارب بالحنطة. ولذلك نجد أن معظم العلماء كانوا في حالة الاكتفاء من الناحية المادية بل إن بعضهم كان من الموسرين لدرجة أنه كان يساعد طلابه المجتاجين. وكان هناك بالطبع عدد قليل من العلماء الفقراء الذين كانوا يتلقون العون والمساعدة من الخلفاء والأعيان.\n_________\n١ انظر: تاريخ التعليم عند المسلمين: ترجمة د. سامي الصفار.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>مراحل تطور التربية الإسلامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>مدخل</span>\n...\nالفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى\nمراحل تطور التربية الإسلامية:\nيمكننا أن نميز بين أربع مراحل متميزة مرت بها التربية الإسلامية في تطورها هي:\nالمرحلة الأولى: مرحلة البناء\nوتبدأ منذ ظهور الإسلام حتى نهاية الدولة الأموية. وأهم السمات العامة للتربية الإسلامية في تلك الفترة هي:\n١- أنها كانت تربية عربية إسلامية خالصة.\n٢- أنها استهدفت إرساء قواعد الدين الجديد.\n٣- أنها اعتمدت أساسا على العلوم النقلية واللسانية.\n٤- أنها اهتمت بالكلمة المكتوبة كوسيلة هامة للاتصال.\n٥- أنها أفسحت المجال لتعلم اللغات الأجنبية.\n٦- اعتمادها على الكتاب والمسجد والمكتبة كمراكز للتعليم.\nالمرحلة الثانية: مرحلة العصر الذهبي\nوتبدأ بالعصر العباسي حتى انهيار الخلافة العباسية وسقوط بغداد. وأهم السمات العامة للتربية الإسلامية في هذه الفترة هي:\n١- دخول العلوم العقلية.\n٢- إنشاء المدارس.\n٣- ظهور الآراء التربوية المتميزة.\nالمرحلة الثالثة: مرحلة التطور والانحطاط\nوتبدأ بالحكم التركي العثماني حتى استقلال البلاد العربية، وأهم السمات العامة للتربية الإسلامية في هذه الفترة هي:","vol":"1","page":255},{"text":"١- تجمد الفكر الإسلامي.\n٢- العودة إلى الاقتصار على العلوم النقلية.\n٣- جمود المؤسسات التعليمية.\n٤- غلبة الثقافة التركية.\n٥- التمييز الثقافي للأقليات الدينية غير الإسلامية.\n٦- دخول المؤثرات التربوية الغربية.\nالمرحلة الرابعة: مرحلة التجديد وإعادة البناء\nوتشمل هذ الفترة بداية استقلال البلاد العربية من الحكم التركي وتمتد حتى العصر الحاضر. وأهم السمات العامة للتربية في هذه الفترة هي:\n١- اقتباس النظم التعليمية الغربية.\n٢- العناية بالعلوم العقلية والحديثة.\n٣- تغلغل الثقافة الغربية.\n٤- محاولة تطوير مؤسسات التعليم التقليدية\nوسنحاول أن نفصل الكلام في الصفحات التالية عن التربية الإسلامية، خلال المرحلتين الأوليين باعتبار وقوعهما زمنيا في العصور الوسطى مرجئين الكلام عن المرحلتين الأخيرتين إلى فترة العصور الحديثة.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المرحلة الأولى للتربية الإسلامية: مرحلة البناء</span>\nمقدمة: بين العروبة والإسلام\nكان العرب قبل الإسلام يعيشون في المنطقة التي تعرف الآن بشبه الجزيرة العربية، وكانت حياتهم حياة بداوة بسيطة تحكمها الصحراء بجدبها والقبيلة بعصبيتها. ولم تكن هناك وحدة سياسية تشملهم وإنما عاشوا في حالة تفكك اجتماعي وسياسي كبير. ولم يكن يوجد بينهم إلا اللغة والشعر يتطارحونه في أسواقهم الأدبية المعروفة، وهي عكاظ ومجنة وذو المجاز. ولم يكن لهم غير ذلك من نصيب كبير في مجال العلوم والفنون كما أشرنا. وكانوا يعبدون الأصنام ويشربون الخمر ويلعبون الميسر، ويؤمنون بالتطير ويتاجرون في العبيد.\nوكانت مكة تحظى بأهمية خاصة لوجود البيت الحرام بها. وهو البيت الذي بناه إبراهيم ﵇ إلى جانب أنها كانت أهم مركز تجاري. وكانت التجارة أهم الوسائل التي تربط العرب بالمجتمع الخارجي وتمثلت الطبقة الغنية هناك في طبقة التجار الذين كانوا يجلبون التجارة من بلاد فارس والشام واليمن. وكانت تجاور العرب في تلك الفترة دولتان كبيرتان على حظ كبير من الحضارة أولاهما دولة الفرس في الشرق وثانيتهما دولة الروم أو الدولة البيزنطية في الغرب، وكانت هذه الدولة الأخيرة تسيطر على العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا.\nوجاء الإسلام، وكان ثورة اجتماعية شاملة ضد التفكك والتخلف وسرعان ما وحد العرب تحت لوائه. ولكن الإسلام لم يكن لأهل الجزيرة العربية فحسب وإنما للناس قاطبة من عرب وعجم. ومن ثم بدأت رسالة الإسلام تأخذ طريقها إلى خارج الجزيرة لتبشر بالدين الجديد. وقد استطاع العرب تحت لواء الدين الجديد أن يهزموا أكبر دولتين في عصرهما \"أي أوائل القرن السابع الميلادي\". ولم يمض على وفاة الرسول ﵊ سوى حوالي ثلاثة أرباع قرن من الزمان إلا وكان الإسلام يرفرف على رقعة هائلة تمتد من المحيط الهندي شرقا حتى المحيط الأطلسي وغربا. فقد فتح العرب دمشق سنة ٦٢٥م والعراق سنة ٦٣٧م ومصر وفارس سنة ٦٤١م وبرقة سنة ٦٤٣م وواصلوا فتحهم لشمال إفريقيا سنة ٦٤٤م ولم تأت سنة ٧٠٨م إلا وكانت لهم السيطرة عليها تماما. ودخل العرب إسبانيا سنة ٧١١م وقد انتشر الإسلام بسرعة كبيرة في مناطق أخرى من العالم حتى أصبح يضم اليوم ما يقرب من خمسمائة مليون مسلم في جميع أنحاء العالم. وقد صاحب المد العربي انتشار الإسلام، بل وعندما انحسر الامتداد العربي بقي الإسلام كما هو بل واتسعت رقعته. والمهم من كل هذا هو أن نبين أن ما يعرف الآن بالوطن العربي دخل إلى العروبة عن طريق الإسلام. ومع حركة التعريب اللغوي والثقافي التي شملت هذا الوطن انصهر في بوتقة العروبة","vol":"1","page":257},{"text":"على مر الزمان وكون معها وحدة عضوية متجانسة، وقد ساعد على ذلك وحدة الأرض والتاريخ والآمال والانتماء المصيري.\nوهكذا يتضح أن كلمة عرب بمعناها الواسع لا يقصد بها أساس عرقي عنصري وإنما مفهوم ثقافي يطلق على الشعوب والأقوام التي دخلت الإسلام وانصهرت في بوتقة الثقافة العربية من خلال الإسلام واتخذوا اللغة العربية ميراثا مشتركا واكتبوا بها مؤلفاتهم في مختلف العلوم والفنون والآداب في عصر ازدهار الإسلام.\nإن التمييز الحادث بين العروبة والإسلام لا يمكن أن نفهمه إلا من خلال النظرة الفاحصة المتمهلة للأصول التاريخية التي يكون بها العالم الإسلامي. إن الإسلام في جوهره الأساسي لم يقم على دعوة عنصرية عرقية كاليهودية مثلا التي يدعي أبناؤها أنهم شعب الله المختار وإنما كان الإسلام للناس كافة. ومن هنا كان لا بد أن يمتد الإسلام خارج جزيرة العرب كما قلنا. وكان حملة لوائه هم العرب أنفسهم لأنه جاء قرآنا عربيا بلسانهم وعلى يد نبي عربي من جلدتهم. وهكذا كان المد الديني والإسلامي مقترنا بالمد الثقافي العربي. وكان هذا المد هائلا وشمل مختلف أرجاء المعمورة ولكن النتيجة لم تكن واحد بالنسبة لكل أرجاء العالم الإسلامي. ذلك أنه حيثما تم انصهار الشعوب في بوتقة العروبة والإسلام تكونت الثمرة الناضجة التي تمثل الآن ما يعرف بالعالم العربي، أما حيثما لم يكتمل الانصهار في بوتقة العروبة والإسلام انحسر مد العروبة لكن بقي مد الإسلام وهذه المناطق تعتبر ثمرة لم تنضج بعد. وقد ترتب على هذا الوضع وجود تمييز درج الناس عليه بين العالم العربي والعالم الإسلامي ومثل هذا التمييز أوجد كثيرا من البلبلة في العقول. وإذا أردنا أن نضع الأمور في مكانها الصحيح قلنا العالم الإسلامي الناطق بالعربية والعالم الإسلامي غير الناطق بالعربية. ولو تصورنا أن العالم الإسلامي غير الناطق بالعربية أصبح يتحدث العربية لاختفى هذا التمييز، ومن هنا يمكن أن نفهم الوحدة الإسلامية الحقيقة. إن انضمام الصومال وموريتانيا إلى عضوية الجامعة العربية حدث له معناه وفحواه، وهو يؤكد القضية التي نحن بصددها ونتمنى أن نرى العالم الإسلامي","vol":"1","page":258},{"text":"كله، وقد تحققت وحدته الفكرية على أساس من اللغة العربية. لقد عرف العالم الإسلامي قمة ازدهاره ومجده عندما كانت اللغة العربية أساس هذه الوحدة الفكرية، وكانت اللغة الراقية للعالم والجنس البشري طيلة أربعة قرون من الزمان منذ القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر. وتعلمها كثير من غير أبنائها باعتبارها لغة الثقافة والعلم، وقد كتبوا وألفوا بها. ولم يكن علماء المسلمين من مختلف الأجناس يشعرون بأي غضاضة بالكتابة بالعربية. ولذا نجد جميع علماء الإسلام من عرب وفرس وترك يؤلفون مؤلفاتهم بالعربية، مع أنهم كانوا يعرفون لغاتهم الأصلية. وقد روي عن العالم الإسلامي الكبير البيروني قوله: \"والله لأن أهجى بالعربية أحب إلي من أن أمدح بالفارسية\". يضاف إلى ذلك أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتعلمها من كمال تمام الدين. وقد روى عمر بن الخطاب قوله: \"تعلموا العربية فإنها من دينكم\". ولا شك أن الأمر هنا موجه إلى كل المسلمين. ويقول العلامة ابن تيمية: \"إن اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب. ذلك أنه فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا باللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب\". ويرى الإمام الشافعي أن على كل مسلم أن يتكلم العربية وأن تعلم اللغة العربية فرض على كل مسلم.\nوهكذا يصبح من واجب كل مسلم أن يتعلم العربية. وإذا كان غير المسلم يتحتم عليه أن يتعلم اللغة القومية لدولته إلى جانب لغته الأم لدواعي الحياة والمعيشة كما في دول مختلفة في العالم في سويسرا أو الاتحاد السوفيتي أو الهند وغيرها فما بالك بالمسلم الذي يعتبر تعلم اللغة العربية بالنسبة له من تمام دينه؟\nإن على العالم الإسلامي غير الناطق بالعربية أن يسعى حثيثا لا هوادة فيه إلى نشر تعلم اللغة العربية بين أبنائه بنشر مراكز تعليمها على أوسع نطاق. كما يجعل اللغة العربية أجباريا من السنوات الأولى للتعليم في مدارسه ويجب على العالم الإسلامي العربي أن يشجع كل خطوة في هذا الاتجاه، وأن يقدم لها العون المادي والبشري على السواء.","vol":"1","page":259},{"text":"السمات العامة للتربية الإسلامية في فترة البناء:\nتميزت الفترة الأولى من ظهور الإسلام بفترة الحكم الشوري للخلفاء الأربعة الأوائل الذين عاصروا الرسول الكريم وتأثروا به كما أنهم قادوا الفتوحات الأولى للإسلام وعملوا على تثبيت أركان الدين والدولة. وفي العصر الأموي أصبح منصب الخليفة وراثيا، فالخليفة يوصي بمن يخلفه، واستمرت خلافتهم ما يقرب من تسعين عاما بين عام ٤٠-١٣٢هـ و٦٦١-٧٥٠. وفي بداية حكمهم نقلوا عاصمة الدولة من المدينة إلى دمشق، وكانت الدولة الأموية دولة عربية على الرغم من أنها نقلت عاصمتها من قلب العروبة إلى منطقة تلتقي فيها الحضارة الرومانية والفارسية. وقد ازدهر الأدب والشعر، وتجلت روائع الفن الإسلامي في مسجد دمشق. كما شهد العصر الأموي بداية حركة الترجمة إلى العربية إلا أنها كانت مقصورة على أفراد وتمثل اهتمامات فردية أو جهودا شخصية. أما في العصر العباسي فكانت تمثل مدرسة كاملة ترعاها الدولة وتباركها. كذلك اهتمت الترجمة في العصر الأموي بالعلوم ترعاها مثل الطب والكيمياء ولم تتعدها إلى العلوم العقلية في الرياضيات والمنطق والفلسفة. ولذا كانت هذه العلوم وليدة الدولة العباسية ذاتها وسيأتي تفصيل الكلام فيما بعد. وقد سبق أن أشرنا إلى أهم السمات العامة للتربية الإسلامية في فترة البناء وسنحاول في السطور التالية أن نفصل الكلام عنها:\n١- كانت عربية إسلامية خالصة:\nتميزت هذه الفترة من التربية الإسلامية التي تمتد من ظهور الإسلام حتى نهاية الدولة الأموية بأنها كانت إسلامية عربية خالصة، وقد يرجع ذلك إلى غلبة العرب وأن العناصر الإسلامية الجديدة لم تكن قد انصهرت انصهارا ثقافيا كاملا، كما أن العناصر العربية هي التي توجه الحكم والسياسة والدين والثقافة بصورة رئيسية. وفي هذه الفترة ولا سيما في عهد الأمويين نظمت حلقات الدروس في المساجد وقد ساعد على ذلك ظهور المذاهب والفرق الإسلامية والدينية المختلفة","vol":"1","page":260},{"text":"ومنها الخوارج والشيعة والمعتزلة، وقد اعتنق بعض الخلفاء الأمويين مذهب الاعتزال الذي يعتبر من المدارس التقدمية في الإسلام وهو مذهب النزعة العقلية، وقد عمل انتشار المذاهب والفرق الإسلامية على زيادة اهتمام العلماء ببحث المسائل الدينية المختلفة ومنها مسائل القضاء والقدر والجبر والاختيار وارتكاب الكبيرة، وهكذا كان الاهتمام مركزا على الجوانب الدينية في الإسلام كما أن المسلمين لم يشتغلوا بشيء إلا بلغتهم وثقافتهم، وفي ذلك يقول صاعد الأندلسي في كتابه طبقات الأمم \"ص٤٧\".\n\"كانت العرب في صدر الإسلام لا تعني بشيء من العلم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد من العرب غير منكرة عند جماهيرهم لحاجة الناس طرا إليها، ولما كان عندهم من الأثر عن النبي ﷺ في الحث عليها حيث يقول: \"يا عباد الله تداووا فإن الله ﷿ لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا داء واحدا وهو الهرم\" أي: الكبر والشيخوخة. وينبغي أن نشير هنا إلى أنه بعد فتح الممالك تفرق الصحابة في الأمصار. وكان منهم علماء رحلوا للتعليم فكانوا نواة لمدارسها.\n٢- استهدفت إرساء قواعد الدين الإسلامي الجديد:\nكان من الطبيعي أن تستهدف التربية الإسلامية في هذه الفترة الأولى من حياة الإسلام العمل على نشر الدين وتعاليمه؛ ولذلك نجد أن هذه الفترة تميزت بالفتوحات الإسلامية لنشر الدين وتثبيت أركانه وإلى جانب إرساء قواعد الدين وتثبيت أركانه شغل خلفاء المسلمين الأوائل بإرساء قواعد الحكم أيضا باعتبار أن الإسلام دين ودولة فالحاكم هو في نفس الوقت خليفة المؤمنين. وفي عهد عمر بن الخطاب كان من الطبيعي أمام اتساع الدولة أن يهتم بالأمور الدينية والشرعية والاصلاحات الإدارية. وفي عهده أنشئت الدواوين ووضعت سجلات لدخل الدولة. وفي صدر الإسلام ظهرت الخطابة كفن هام له دوره في نشر الدعوة الإسلامية وعلا شأنها على الشعر ولا سيما بعد أن هاجم القرآن الشعراء بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وكان الرسول هو أصحابه يبثون الدعوة ويعلمون الناس في","vol":"1","page":261},{"text":"المدينة وكان يرسل أصحابه ودعاته ورسله إلى الجهات النائية من شبه الجزيرة وغيرها ليعلموا الناس ويقرئوهم القرآن الكريم. وتفرق الصحابة في الأمصار الإسلامية يعلمون الناس ويثقفونهم ويرشدونهم إلى أمور دينهم ويفقهونهم فيه.\nوكان الخلفاء أيضا يرسلون العلماء إلى الأمصار ومع الجيوش لنشر الدعوة الإسلامية فيها، كما كانوا أيضا يوصون ولاتهم في الأمصار بضرورة الاهتمام بنشر الدين وتعاليمه. وكان عمر على سبيل المثال عندما يرسل صحابيا إلى بلد ما يبعث معه بخطاب يعرف فيه الناس بقدره ومكانته مثلما فعل مع عبد الله بن مسعود وهو من خيرة الصحابة حين أرسله إلى الكوفة فبعث معه برسالة إلى أهلها يقول لهم فيها \"إني بعثت لكم بعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وآثرتكم به عن نفسي فخذوا عنه\" وكان لكل صحابي مدرسة من مريديه يعرفون بالتابعين، كما كان لهؤلاء المريدين أيضا مريدون يعرفون بتابعي التابعين. وهكذا وضع الأساس لحركة علمية تعليمية ثقافية وفكرية تستند إلى الدين الجديد، وقد ازدهرت هذه الحركة بعد جيلين أو ثلاثة من جيل الصحابة والتابعين. \"مصطفى الشكعة: ص٢١\". كما أرسل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز إلى شمال إفريقية عشرة من الفقهاء لتعليم أبناء البربر تعاليم الدين الإسلامي.\n٣- اعتمدت أساسا على العلوم النقلية واللسانية:\nاعتمدت التربية الإسلامية خلال هذه الفترة على العلوم النقلية وتشمل علوم الدين المختلفة من قراءات وتفسير وحديث وفقه، وما يتصل بها من علوم لسانية وهي النحو واللغة والأدب، وهذه النزعة النقلية واللسانية للجانب الثقافي من التربية الإسلامية تتمشى مع ما سبق أن أشرنا إليه من كون التربية في هذه الفترة عربية إسلامية خالصة واستهدفت إرساء قواعد الدين بصورة رئيسية.\n٤- اهتمت بالكلمة المكتوبة كوسيلة هامة للاتصال:\nإلى جانب ما أشرنا إليه من استخدام الخطابة كأسلوب هام في التربية الإسلامية في صدر الإسلام برزت أيضا أهمية الكلمة المكتوبة كوسيلة هامة","vol":"1","page":262},{"text":"للاتصال ولم تكن هذه الأهمية موجودة من قبل.\nفقد كان مجيء الإسلام عاملا هاما في ظهور أهمية الكتابة. وبرزت أهميتها أول ما برزت عندما أراد النبي ﷺ كتابة الوحي وما ينزل عليه من آيات القرآن الكريم. وقد استعان بمن كانوا يعرفون الكتابة آنذاك.\nوكان أول من كتب له أبي بن كعب الأنصاري وزيد بن ثابت الأنصاري إذ كانا يقومان بكتابة ما يوحى به إليه ﷺ. ومن كتب له أيضا علي وأبو بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي قبل أن يرتد وعثمان بن عفان وشرحبيل بن حسنة وأبا بن سعيد والعلاء بن الحضرمي ومعاوية بن أبي سفيان وحنظلة بن الربيع والزبير بن العوام وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وعبد الله بن رواحة وغيرهم. ويروى أن هؤلاء الكتبة للوحي لم يكونوا مهرة في الكتابة ولم تكن كتابتهم تسير على نمط واحد أو تخضع لقواعد واحدة من الكتابة أو الإملاء فكانوا لا يميزون بين مواقف الألف يحذفونها في موضع ويضيفونها في موضع آخر ما تساوي الموضعين في الإملاء، وكتبوا التاء المربوطة مفتوحة وغير ذلك. ويقول ابن خلدون في تعليل ذلك: هو ضعفهم في صناعة الخط والكتابة وأنهم لم يبلغوا حد الإجادة فيها.\nوكان كتبة الوحي يكتبون على الرقاع والأضلاع وسعف النخل والحجارة الرقائق. كذلك كان نشر الدين الإسلامي عاملا هاما في ظهور أهمية القراءة والكتابة، فالمسلمون الأوائل بدءوا يحسون بالحاجة إلى القراءة والكتابة ليعرفوا أمور دينهم على الوجه الصحيح. وآيات القرآن الكريم كانت تكتب ويتلوها من يعرف القراءة على من لا يعرف وكان من الطبيعي إذن أن يحس المسلمون بحاجتهم إلى تعلم القراءة والكتابة. وقد أقبل الناس على القرآن يقرءونه ويفهمون معانيه ويفسرون آياته ويستنبطون منه الأحكام. كما أن حاجة الرسول ﷺ إلى نشر الدين تطلبت منه الاتصال بمن جاوره من الملوك والأمراء عن طريق الكتابة إليهم وبعث الرسائل لهم، وفي ذلك يقول ابن هشام:\n\"فبعث رسول الله ﷺ رسلا من أصحابه، وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام. فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك","vol":"1","page":263},{"text":"الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعباد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وخوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة، وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن شمر الغساني ملك تخوم الشام ... وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن\". وهذه الرسائل مكتوبة بالعربية لكنه احتاج إلى من يحسن الرومية والفارسية والحبشية والقبطية لترجمة مضمون هذه الرسائل إلى من وجهت إليهم من غير العرب. ولم تقتصر كتابة الرسائل على الملوك وإنما شملت أيضا كثيرا من رجال العرب وأقوامهم. وقد خصص ابن سعد في طبقاته كلاما مفصلا عن الرسائل العديدة التي بعث بها الرسول ﷺ إلى أولئك الرجال والأقوام \"ابن سعد: الطبقات الكبرى ط١ ص٢٥٨\".\nوقد اتخذ النبي ﷺ له كثيرا من الكتاب الذين يكتبون القرآن ويحررون الكتب التي كان الرسول ﷺ يرسلها إلى الملوك والأمراء وغيرهم من الأقوام. ولذا كان ديوان الإنشاء أي الكتابة أول ديوان وضع في الإسلام يليه ديوان الجيش في عهد عمر. وقد عدد إبراهيم الأبياري في موسوعته القرآنية أربعة وعشرين كاتبا لرسول الله ﷺ \"إبراهيم الأبياري ج١: ص٢٩١\" كما أن هناك من المؤلفين القدماء من عدد ٤٢ كاتبا لرسول الله ﷺ \"عبد الحي الكتاني: ص١١٦\".\nومن ناحية أخرى نجد أن الحاجة إلى كتابة معاهدات الصلح والمواثيق والعهود منذ بداية عهد النبي ﷺ كانت عاملا آخر في تأكيد أهمية الكتابة، ولم تكن هذه الحاجة موجودة بهذه الدرجة من قبل. كذلك نجد أن القرآن قد أمر بكتابة الدين ضمانا لحقوق الدائن وإثباتا على المدين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ .","vol":"1","page":264},{"text":"ويورد الكتاني نقلا عن \"أبو الوفاء الهوريني المصري\" أنه لم تكثر الكتابة العربية في المدينة إلا بعد الهجرة النبوية بأكثر من سنة. وذلك أنه لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة.\nجعلوا على كل واحد من الأسرى فداء من المال وعلى كل من عجز عن الاقتداء بالمال أن يعلم الكتابة لغيره من صبيان المدينة فلا يطلقونهم إلا بعد تعليمهم. فبذلك كثرت فيهم الكتابة وصارت تنتشر في كل ناحية فتحها الإسلام في حياته ﵊ وبعده حتى بلغت عدة كتابه ﵇ ٤٢ رجلا. ولما تولى أبو بكر الخلافة اتخذ عثمان بن عفان كاتبا له، واتخذ عمر زيدا بن ثابت وعبد الله بن الأرقم واتخذ عثمان مروان بن الحكم.\nوروى الجهشياري أن عليا كرم الله وجهه قال لكاتبه عبد الله بن رافع: \"يا عبد الله ليق دواتك\" \"أي اجعل لها ليقة أو خرقة توضع في المداد\" وأطل شباة قلمك \"أي سنة ومقدمته\" وفرج بين السطور وقرمط بين الحروف \"ويعني بها التقريب بين الحروف مع الدقة\". \"حسن إبراهيم ج١: ص٤٥٢\".\nكما أن الاهتمام بأعمال الخلفاء الأول وتسجيل أعمالهم وفتوحاتهم وما اتصل بها من أحداث هامة قد أوجبت تدوينها في كتب السير والمغازي منها على سبيل المثال ما ألفه عروة بن العوام \"٢٣-٩٤هـ\" الذي يعتبر أقدم من ألف في سيرة الرسول وأبان بن عثمان بن عفان \"٢٢٢-١٠٥هـ\" الذي جمع له تلميذه عبد الرحمن بن المغيرة كتابا في السير ووهب بن منبه \"٣٤-١١هـ\" الذي ألف كتابا في المغازي وموسى بن عقبة المتوفى ١٤١هـ الذي جمع كتابا في المغازي. ولما انتقلت الخلافة إلى بني أمية تعدد الكتاب لتعدد مصالح الدولة وأصبح الكتاب خمسة: كاتب الرسائل وكاتب الخراج وكاتب الجند وكاتب الشرطة وكاتب القاضي. وكان كاتب الرسائل أهم هؤلاء الكتاب في الرتبة. وكان الخلفاء لا يلون هذا المنصب إلا أقرباءهم وخاصتهم وظلوا إلى ذلك أيام العباسيين.\nوقد ازدادت أهمية الكتابة العربية مع تعريب الدواوين في الأمصار الإسلامية في عهد عبد الملك بن مروان. وقد حذا الوليد حذو أبيه عبد الملك \"شوال","vol":"1","page":265},{"text":"٨٦هـ - جمادى الآخرة ٩٦هـ\" وحول كتابة الدواوين في مصر إلى العربية بعد أن كانت باليونانية التي كانت اللغة الرسمية في مصر حتى عهده. وهكذا نجد أن إنشاء الدواوين في الإسلام وتعريبها قد تطلب الاهتمام بالكتابة العربية أيضا. ومن المعروف أن عمر بن الخطاب هو أول من أنشأ الدواوين أي الإدارات الحكومية في الإسلام وفي ذلك يقول محمد كرد على المؤرخ المعروف: \"وما تعلقت به همة عمر إحداث أوضاع جديدة اقتضتها حالة التوسع في الفتوح فهو أول من حمل الدرة وهو أول من دون الدواوين على مثال دواوين الفرس والروم دونها له عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نبهاء قريش لهم علم بالأنساب وأيام الناس\" ويستطرد فيقول: \"والديوان الدفتر أو مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية. وعرفوا الديوان بأنه موضع لحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال وأطلق بعد حين على جميع سجلات الحكومة وعلى المكان الذي يجلس فيه القائمون على هذه السجلات والأضابير والطوامير\" \"محمد كرد علي: ١٩٣٤\".\nومن المعروف أن أول ديوان وضع في الإسلام هو ديوان الإنشاء كما أشرنا في مكان آخر من هذا الكتاب، وكانت دواوين الشام تكتب بالرومية ودواوين العراق بالفارسية ودواوين مصر بالقبطية يتولاها النصارى والمجوس دون المسلمين. وكذا فرضت الحاجة إلى تعريب هذه الدواوين أهمية خاصة على الكتابة العربية وضرورة قيام نفر من المسلمين بأمرها، وقد تطلب ذلك الاهتمام بها وتعلمها.\nويقول ابن خلدون \"المقدمة: ص٤١٩-٤٢١\" لما جاء الملك العرب وفتحوا الأمصار وملكوا الممالك ونزلوا البصرة والكوفة. واحتاجت الدولة إلى الكتابة طلبوا صناعتها وتعلموها وبلغت رقبة من إتقان الخط في الكوفة والبصرة إلا أنها كانت دون الغاية ثم انتشر العرب في الأقطار والممالك وفتحوا إفريقية والأندلس، واختلط بنو العباس بقباء، فترقت الخطوط فيها إلى الغاية لما استجرت في العمران ... وعم العمران والحضارة كل قطر في الدول الإسلامية وعظم الملك، وازدهرت العلوم ونسخت الكتب وأجيد نسخها وتجليدها وملئت بها القصور","vol":"1","page":266},{"text":"والخزائن الملوكية وتنافس في ذلك أهل الأقطار.. ولما انحل نظام الدولة الإسلامية وضعف شأن بغداد بضعف الخلافة انتقل شأن العلم والكتابة إلى مصر والقاهرة وأصبح للخط والكتابة معلمون يعلمون حسب قوانين متعارفة بينهم.. أما أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها ... فانتشروا في المغرب وبأفريقية وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع فغلب الأندلسي بتونس وما إليها لتوفر أهل الأندلس بها. ولما تراجع أمر الحضارة بتراجع العمران وتقلص الدول، زاد الميل بالخط وفسدت رسومه فصارت الخطوط بأفريقية والمغرب مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل منها لمتصفحها إلا العناء والمشقة لكثرة ما يقع منها من الفساد والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة.\n٥- أفسحت المجال لتعليم اللغات الأجنبية:\nظهرت الحاجة إلى تعليم اللغات منذ أيام الإسلام الأولى وإن كان ذلك على نظاق ضيق. فقد كانت نتيجة لاتصال المسلمين بالأقطار الأخرى واتساع رقعة الإسلام خارج حدود الجزيرة العربية أن برزت الحاجة إلى تعلم اللغات الأجنبية وقد حث النبي ﷺ بعض أصحابه على أن يتعلموا اللغات الأخرى غير العربية لدواعي الحاجة إليها وفي الحديث الشريف أنه \"من تعلم لغة قوم أمن من شرهم\".\nويقول ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\": إن النبي ﷺ لما رجع من \"الحديبية\" في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتابا. فقيل: يا رسول الله إن الملوك لا يقرءون كتبا إلا مختومة. فاتخذ رسول الله يومئذ خاتما من فضة فصه منه نقشه ثلاثة أسطر: \"محمد رسول الله\" وختم به الكتب فخرج ستة منهم في يوم واحد، وذلك في المحرم سنة سبع وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم\" \"ابن سعد: ص٢٥٨\". وقد دعا النبي ﷺ أصحابه لتعلم العبرية والسريانية ليدون بها","vol":"1","page":267},{"text":"رسائله. ويروى عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال له: \"إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا فتعلم السريانية\" تعلمها في سبع عشر يوما كما يروى عن زيد بن ثابت أيضا أن النبي ﷺ طلب منه أن يتعلم الكتابة اليهودية \"العبرية\" ليتولى مراسلات النبي معهم ففعل زيد وكان يقوم بالكتابة لهم على لسان النبي كما كان يقرأ للنبي ما يرسلون له. هكذا كان تعلم اللغات الأجنبية مطلبا للتربية الإسلامية منذ ظهورها للوفاء باحتياجاتها التي فرضت عليها الطبيعة الإنسانية العالمية للدين الإسلامي.\n٦- اعتمدت على الكتاب والمسجد:\nاعتمدت التربية الإسلامية على الكتاب والمسجد بصورة رئيسية كمراكز للتعليم ولم تكن المدارس قد أنشئت بعد. كما أن المكتبات لم يكن لها شأن كبير في هذه الفترة. فكانت مجالس القضاة في المساجد حافلة بكل أنواع المعرفة والتثقيف. ففي مسجد الرسول كان الإمام جعفر الصادق يجلس ليعلم الناس ويثقفهم ويفقههم في أمور دينهم. وفي مسجد البصرة كان مجلس الحسن البصري، وإلى جانب مجلسه كانت هناك في نفس المسجد حلقات أخرى للدرس. وقد عملت هذه المجالس والحلقات على تنشيط الحركة الفكرية والثقافية الإسلامية ونشطت العقل الإسلامي ودربته على الجدل وتفنيد الحجج والأدلة ومناقشة اليهود والنصارى في محافل عامة أو مجادلة الفرق الكلامية الإسلامية بعضها البعض \"مصطفى الشكعة: ص٣٣\". ونظرا لأن هذه المراكز قد استمرت تلعب هذا الدور الهام فيما بعد فإننا سنفصل الكلام عنها فيما بعد عند كلامنا عن مراكز التعليم.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المرحلة الثانية: مرحلة العصر الذهبي أو الازدهار</span>\nمقدمة تاريخية:\nفي هذه الفترة من التربية الإسلامية بلغت أملاك الإسلام أقصى حدودها من المحيط الأطلسي في أقصى الغرب إلى حدود الصين في أقصى الشرق ومن وسط آسيا في الشمال إلى وسط إفريقيا في الجنوب، وامتد الإسلام في أوربا حتى جبال البرانس وبلاد الغال جنوب فرنسا. وصهرت أمم هذه الأقطار الواسعة البالغة، الكثيرة في بوتقة الإسلام فأسهمت في حضارة تعد من أسطع ما عرف العالم من الحضارات الفكرية والمادية على السواء.\nوكان أكثر أدوار الحضارة الإسلامية ازدهارا هو دور الخلافة العباسية ببغداد التي امتدت خمسة قرون \"٧٥٠-١٢٥٨\" ودور الأمويين بإسبانيا \"٧١١-١٤٩٢\" الذي امتد ما يقرب من ثمانية قرون.\nيقول غوستاف لوبون \"كانت بغداد وقرطبة هما القاعدتان اللتان كان السلطان فيهما للإسلام من مراكز الحضارة التي أضاءت العالم بنورها الوهاج\" ولهذا سنخصص في هذه المقدمة التاريخية الكلام عن الدولة الإسلامية في المشرق والدولة الإسلامية في المغرب.\nأولا: الدولة الإسلامية في المشرق:\nترتبط هذه الفترة التاريخية في المشرق بالدولة العباسية كما قلنا. وفي هذه الفترة انتشرت اللغة العربية في جميع أنحاء آسيا انتشارا سريعا فحلت محل اللغات القديمة بها حتى أصبحت اللغة العربية بالنسبة لدول المشرق كاللاتينية بالنسبة لدول الغرب. وقد تمكن العباسيون بفضل الازدهار الذي غمرهم من القيام بكثير من الأعمال العظيمة ذات النفع العام في شتى الميادين، منها شق الطرق التي تربطها جميع البلاد وإنشاء مرابط للخيل والاستراحات أو الفنادق للقوافل وحفر صهاريج المياه التي تزود المسافرين بالماء. وتقدمت الزراعة والصناعة واستغلت الثروات الطبيعية التي كانت تملأ الخلافة شرقا وغربا فاستغلت مناجم الحديد بخراسان ومناجم الرصاص بكرمان ورخام طوروس كما استغلت مصادر النفط والأحجار الكريمة.\nوازدهرت الفنون والآداب وظهرت ألف ليلة وليلة التي غذت خيال الشعراء والأدباء، وارتبطت بهارون الرشيد. وبنيت المستشفيات والمختبرات الطبية والمراصد الفلكية. ومن أئمة علماء هذه الفترة فقيها الإسلام العظيمان أبو حنيفة ومالك اللذان عاشا أوائل الحكم العباسي وعاشا في عهد الخليفة العباسي الثاني","vol":"1","page":269},{"text":"المنصور \"٧٥٤-٧٧٥\" وكانا يقومان بإلقاء دروسهما.\nويبرز الخليفة المأمون شديد الاهتمام بالتعليم والأدب، وكان يجمع من الأقاليم التابعة له كسوريا وإفريقيا ومصر ما يوجد فيها من كتب بدلا من الضرائب. وكانت مئات الجمال ترى وهي تدخل بغداد حاملة ورقا وكتبا فقط. وكانت تترجم للعربية الكتب القيمة. وكان بلاط المأمون يبدو وكأنه مجلس للعلوم والأدب أكثر من كونه مركزا للحكومة والخلافة إذ كان يتألف من الأساتذة والنقاد والمترجمين والشراح.\nوكان المأمون يخلو بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ويلتذ بمذاكرتهم إيمانا منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عبادة؛ فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدجى وسادة البشر فأوحشت الدنيا لفقدهم، بل إن المأمون لما فرض السلم على قيصر الروم طلب أن تكون الجزية مجموعة من الكتب، وازدهرت بغداد لا كعاصمة الخلافة العباسية فحسب بل كمركز للثقافة والفنون والآداب لم تشهد له البشرية مثيلا. وحملت بغداد شعلة العلم والمعرفة إلى كل ربوع آسيا: في الهندوستان تحت رعاية الغزنويين في مطلع القرن ١١ على يد البيروني ولدى السلاجقة في أواخر القرن ١١ على يد عمر الخيام ولدى المغول حوالي منتصف القرن ١٣ على يد نصر الدين الطوسي. وفي الصين حوالي أخريات القرن ١٣ على يد \"كوشو كينج\" ولدى العثمانيين في النصف الأول من القرن الرابع عشر.\nوقد قامت على أنقاض الدولة العباسية دول وإمارات. وكانت مصر في العهد الفاطمي في القرن \"١١م\" وارثة الخلافة في بغداد بعد انحطاط مركزها السياسي والفكري، وقامت إمارات آل سليمان وآل بويه الفارسية، ودول الأتراك السلاجقة والخوارزميين والمغول وامتدت الحضارة الإسلامية إلى الهند والصين وحمل الأغالبة في شمال إفريقية حضارة العرب إلى صقلية، وكذلك كانت الدولة العثمانية وريثة أيضا للدولة العباسية، وعرفت هذه الممالك الإسلامية كثيرا من الأدباء والعلماء والمفكرين الذين أسهموا في بناء صرح الإنسانية. ومن هؤلاء الفردوسي صاحب الشاهنامة، وأحد كبار الشعراء","vol":"1","page":270},{"text":"الحماسيين عاش في بلاط السلطان محمود الغزنوي، وفي دولة بني بويه. وفي فارس السلجوقية ظهر الفيلسوف والعالم الإسلامي الشهير أبو حامد الغزالي الملقب بحجة الإسلام وابن سينا الذي ولد في بخارى وتوفي في همذان، كما ظهر أيضا عمر الخيام العالم الرياضي، المشهور أكثر بشاعريته ولا سيما رباعياته التي لاقت شهرة كبير لا في العالم الإسلامي فحسب بل في دول الغرب أيضا.\nثانيا: الدولة الإسلامية في المغرب:\nيتضمن الكلام عن الدولة الإسلامية في المغرب في العصور الوسطى الكلام عن شمال إفريقيا والأندلس.\nأ- في شمال إفريقيا:\nقبل الفتح الإسلامي كان ما يعرف الآن بالمغرب جزءا من الإمبراطورية الرومانية كما كانت مصر وبلاد الشام جزءا من هذه الإمبراطورية أيضا. وقد عمل الرومان على نشر ثقافتهم اللاتينية في بلاد شمال إفريقيا ونقلوا إليها مدارسهم وأنظمتهم التعليمية، كما كانت الآداب والفنون اليوناينة مزدهرة في روما فإنها قد وجدت لها مراكز خصبة في شمال إفريقيا طيلة القرنين الأولين من استيلاء الرومان على إفريقيا.\nوكانت قرطاجنة التي بعثت من جديد بعد أن دمرها الرومان مركزا هاما للثقافة والفنون الهلينية في العالم الروماني حتى أصبحت تفاخر وتنافس جامعتي روما وأثينا. وكانت اللغتان اليوناينة واللاتينية تحييان بها جنبا إلى جنب. وإلى جانب المدارس ومراكز الثقافة الرومانية كانت هناك أيضا المعابد والهياكل الدينية بما فيها من مكتبات وما كان يعقد فيها من محاضرات وندوات وكذلك المسارح والملاعب التي عمت القرى والمدن الإفريقية وعملت على نشر الثقافة الرومانية، وفيما بعد مع بداية القرن الثالث الميلادي نرى أنه قد تعاقب على عرش روما أباطرة أفارقة من آل البينوس \"سوسة\" وآل سفيروس من أبناء طرابلس الغرب ومكرينوس الشرشابي وآر غرديانوس القرطاجني.","vol":"1","page":271},{"text":"وكان هؤلاء الأباطرة مشغوفين بالعلم مكرمين لأهله كما كانوا يعتزون بأفريقيتهم ويحنون لوطنهم ويعطفون على أبناء جلدتهم فأغدقوا عليهم العطايا وخلعوا عليهم الوظائف السامية كما بنوا المدارس والمعابد بإفريقيا.\nوإبان القرن الرابع الميلادي والنصف الأول من القرن الخامس الميلادي بدأت المسيحية بعد أن اعترف بها دينا رسميا في روما تغزو شمال إفريقيا ونجد هناك من يروجون لها.\nولما احتل البيزنطيون شمال إفريقيا وإبان القرن السادس الميلادي لم يعنوا كثيرا بالثقافة والعلم إذ كان عصرهم عصر حروب ومقاومة وثورات وانحطاط فكري وثقافي \"إبراهيم التوزري: ج١ ص٢٨-٧٣\" وكان ذلك إيذانا بميلاد عصر جديد برز نوره وأخذ يمتد سناه نحو الغرب وكان ذلك مع بشائر الفتح العربي الإسلامي.\nوبدون الدخول في تفصيلات تاريخية يمكن القول بأنه عندما تقدمت الجيوش في شمال إفريقيا أقام القائد العربي عقبة بن نافع مدينة القيروان عام ٥٠هـ \"٦٧٠م\" وأصبحت مركزا سياسيا وحربيا هاما للعرب وتم لهم السيطرة على البرابرة الذين دخلوا في دين الله وأقبلوا على تعلم اللغة العربية وأصبحت القيروان إلى جانب كونها عاصمة سياسية ودينية منتجعا للعلم والثقافة يفد إليها طلاب العلم من مختلف الأصقاع.\nوفي عهد الدولة الأغلبية التي أسسها إبراهيم بن الأغلب التميمي الوالي العربي في القيروان في الفترة من ١٨٥هـ-٨٠٠م إلى ٢٩٥هـ-٩٠٩م انتشرت اللغة العربية وازدهرت العلوم وخلفت الدولة الأغلبية الدولة الفاطيمة والعبيدية التي عملت على تشجيع العلوم والمعارف على الرغم من الصراعات والفتن المذهبية التي كانت تقلقها وتعكر صفوها.\nوبلغت العلوم والمعارف أوج ازدهارها في عهد الدولة الصنهاجية البربرية \"الزيرية\" التي خلقت الفاطميين بعد رحليهم إلى مصر عام ٣٦٢هـ-٩٧٣م وانقرضت هذه الدولة على يد الموحدين المغاربة عام ٥٥٦هـ-١١٦٠م، عندما اختفت هذه النهضة الثقافية الفكرية. وهكذا كانت مدينة القيروان مركزا هاما","vol":"1","page":272},{"text":"من مراكز الثقافة العربية الإسلامية خلال العصور الوسطى، وسنشير إلى بعض جوانب الحركة الثقافة فيها فيما بعد.\nوبالنسبة لنشأة المدارس فقد تأخر ظهور المدرسة في المغرب والأندلس عن مثيلتها بالمشرق. وترجع نشأة المدارس بالمغرب إلى القرن السابع الهجري عندما أنشأ أمير المؤمنين يعقوب بن عبد الحق \"٦٥٦-٦٨٤هـ\" الملقب بالمؤيد والمنصور والقائم مدرسة بفاس وأوقف عليها الأوقاف وأجرى على طلاب العلم بها المرتبات ... واتبع ابنه السلطان أبو سعيد عثمان بن يعقوب سنة أبيه في بناء المدارس فأسس مدرسة \"المدينة البيضاء\" بفاس \"والمدرسة العظمى\" بفاس أيضا سنة ٧٢٣هـ والتي عرفت فيما بعد بمدسة العطارين. وفي وصف هذه المدرسة يقول المؤرخ أبو العباس الناصري في كتابه \"الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى\": من أعجب مصانع الدول لم يبن ملك قبله مثلها وأجرى فيها الماء من بعض العيون ورتب فيها الطلبة وجعل لها إماما ومؤذنين وقومة يقومون بأمرها. ورتب فيها فقهاء التدريس وأجرى على هؤلاء المرتبات والمؤن الزائدة عن الكفاية. وقد اشترى لأجل ذلك عدة أملاك وأوقفها عليها.\nوكان الخلفاء والولاة في عاصمة الدولة الإسلامية يهتمون بنشر الدين في الأقاليم البعيدة. وقد أرسل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز إلى شمال إفريقيا عشرة من الفقهاء لتعليم أبناء البربر مبادئ الدين، كما أن بعض الحكام والسلاطين المحليين أظهروا اهتمامهم بالتعليم أيضا منهم على سبيل المثال السلطان أبو الحسن بن أبي سعيد المريني \"٧٣٢-٧٤٩هـ\" قد أظهر اهتمامه ببناء المدارس حتى قبل تولية الخلافة، إذ بنى سنة ٧٢١هـ مدرسة في فاس غرب جامع الأندلس. وبنى حولها سقاية ودار وضوء وفندقا لسكنى الطلاب. وعين فقهاء للتدريس وأجرى عليهم جميعا الإنفاق والكسوة وأوقف لها ربوعا كثيرة. وأنشأ مدارس عديدة بفاس منها \"مدرسة الوادي\" ومدرسة الصهريج ومدرسة \"الرخام\" ومدرسة \"الحلقاويين\" ومدرسة \"المصباح\" نسبة إلى أول فقية تولى التدريس فيها، وهو أبو الضياء مصباح بن عبد الله الباصلواتي. كما أنشأ مدارس أخرى خارج العاصمة فاس في سبتة وطنجة وآزمور وأغمات والعقد","vol":"1","page":273},{"text":"الكبير والعباد وغيرها \"أبو العباس الناصري: ج٢ ص٦٥-١١٢\". وسار ابنه السلطان أبو عنان فارس بن أبي الحسن المتوكل \"٧٤٩-٧٥٩\" على سنة والده أبي الحسن في بناء المدارس فبنى المدارس العنانية على اسمه ومدرسة أخرى بسلا.\nب- في الأندلس:\nنعني بالكلام عن الدولة الإسلامية في المغرب \"الأندلس: بصفة خاصة، وقد فتحها العرب في القرن الأول الهجري \"أوائل السابع الميلادي\" وكان العرب يطلقون اسم \"الأندلس\" على جميع بقاع إسبانيا التي خضعت للمسلمين، وترجع التسمية إلى القبائل التي كانت تسكن إسبانيا. فقد ظلت إسبانيا تحت حكم الرومان حتى أغارت عليها قبائل تعرف بقبائل الوندال فأطلق عليها العرب \"الأندلس\".\nويورد ليفي بروفنسال في كتابه: \"حضارة العرب في إسبانية\" القاهرة ١٩٣٨ دليلا على لسان \"ألفارو\" القرطبي المسيحي الذي كان من غلاة المتعصبين في شبة الجزيرة الأندلسية في القرن التاسع يوضح فيه مدى انتشار الثقافة العربية بين المسيحين ويصرخ مما أصاب أهله من انتشارها يقول فيها: \"أبناء ديني يحبون إنشاد الأشعار العربية بل إنهم يدرسون مؤلفات علماء الكلام لا ليدحضوها ويفندوها وإنما ليقوموا نطقهم العربي تقويما صحيحا ... إن جميع شبان النصارى بما لهم من نبوغ لا يعرفون غير اللغة العربية وأدابها، وإنهم يقرءون الكتب العربية ويدرسونها باهتمام بالغ. وكونوا لأنفسهم مكتبات منها أنفقوا عليها أموالا كثيرة معلنين في كل مكان إعجابهم بهذه الكتب والآداب. واحسرتاه! لقد نسي النصارى لسانهم الديني ولا تكاد تجد بين كل ألف منا واحد يستطيع أن يكتب بصورة لائقة رسالة باللاتينية إلى صديق له. أما إذا كان الأمر يتعلق بكتابة رسالة بالعربية وجدت الكثير من الناس قادرا على التعبير بهذه اللغة تعبيرا مناسا. بل إن من بينهم من يقدر على نظم القصائد بالعربية بصورة قد تفوق من الناحية الفنية ما ينظم العرب أنفسهم\". وهذا يوضح مدى انتشار الثقافة العربية في الأندلس آنذاك. ومع أن الأندلس لم يكن","vol":"1","page":274},{"text":"لها صلة بالشرق إلا لمدة حوالي ٤٤ سنة من آخر سنوات الدولة الأموية وقطعت هذه الصلة بقيام الدولة العباسية فإن العرب في إسبانيا استطاعوا في أقل من قرن بالأندلس أن يحيوا ميت الأرض ويعمروا خراب المدن ويقيموا أفخم المباني ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بجميع الأمم.\nومن الأندلس كان العرب يصدرون منتجات المناجم ومعامل الأسلحة ومصانع الحرير والجلود والسكر إلى الشرق وإفريقيا. وأنشئوا المدارس والمساجد والفنادق والمستشفيات في كل مكان إلى جانب أنهم شقوا الطرق والجسور.\nوكانت الزراعة موضع عناية خاصة بهم فقد درس العرب أمر الزراعة دراسة قائمة على معرفة تامة بالإقليم والأرض ونمو النبات وتكاثر الحيوان لدرجة يقال معها أحيانا إنه لم يتوفر لأي أمة متمدنة في أوربا وآسيا أو إفريقيا من أصول الزراعة بمثل ما توفر لعرب الأندلس. ولم تصل أي بلد من الازدهار الزراعي درجة أعلى مما وصلت إليه الأندلس العربية ولا سيما مملكة غرناطة. فقد كان إقليم الأندلس يدر ثلاثة محاصيل في كل عام. وكان العرب أول من أدخل إلى الأندلس زراعة الأرز والموز واللوز والفستق والنخيل وقصب السكر وجلبوا إليها الزهور والخضر التي لم تكن معروفة ومنها انتشرت فيما بعد إلى أوربا. ولا تزال معظم أسماء الزهور في اللغة الإسبانية شاهدا على ما استعير مباشرة من العرب والمسلمين. كما كان للصناعة نهضة فاستغلت مناجم الزئبق والياقوت كما استخرج اللؤلؤ والمرجان من الشواطئ. وطورت صناعة الجلود ودباغتها ونسج القطن والكتان والقنب.\nأما الناحية العقلية والفكرية فكان للأندلس نشاط بالغ في ميدان العقل والفكر إلى جانب الازدهار المادي. وبلغت أسماء ابن رشد وابن ماجه وابن عربي وابن حزم شهرتها، وكانت الأندلس في عهد العرب أعظم دول الغرب في هذا العصر ازدهارا وحضارة. وظهرت قرطبة أكبر عواصم أوربا آنذاك نورا وكثرت القصور والمدارس، والمراصد والمكتبات. وقد أنشأ العرب مدرسة الطب في مونبليه في جنوب فرنسا.\nويروي مؤلفو الغرب أنه كان يوجد في الأندلس في ذلك الحين سبعون","vol":"1","page":275},{"text":"مكتبة عامة، وأن مكتبة الخليفة \"الحكم\" بقرطبة كانت تشتمل على أربعمائة ألف مجلد منها ٤٤ مجلدا للفهارس وحدها. وكانت بلاطات ملوك المسلمين في المدن الأندلسية المختلفة مثل طليطة وبطليوس وبلنسية والمرية وغرناطة وإشبيلية على الخصوص ندوات يجتمع فيها الشعراء والأدباء والعلماء والفلاسفة والأطباء والمتخصصون في العلوم المختلفة وكانوا يحصلون على مكافآت مادية مجزية يدفعها لهم أمراء متنورون نصراء للعلم والأدب.\nوقد ظلت الحياة الفكري مزدهرة واستمرت بالرغم من التدهور السياسي حتى انقراض إمارة غرناطة التي كانت آخر الإمارات الإسلامية. وقد كانت الحياة العقلية والفكرية مزدهرة في هذه الإمارة ولا سيما في مدينتيها الكبيرتين \"مالقة والمرية\". وجاءت النهاية الحزينة في الثاني من يناير ١٤٩٠ الذي كان يوما حزينتا مشئوما استسلمت فيه غرناطة آخر الإمارات الإسلامية. وبعدها بدأ اضطهاد العرب بل والموريسيكيين منهم، \"وهم المسلمون الذين تنصروا سرا\" واستمر الاضطهاد طيلة حوالي قرن من الزمان بلغ ضحاياه في تقدير المؤرخين ثلاثة ملايين من العرب ... وينتهي دور الاضطهاد عام ١٥٥٦ بطرد جميع العرب من الأندلس إلى إفريقية. ونقل مليونه منهم بطريقة بالغة القسوة. ويروي المؤرخون أنه ذبح في الطريق ثلاثة أرباعهم. وحرقت الكتب والمخطوطات العربية الثمينة، وفي غرناطة وحدها أحرق ما يقرب من ثمانين ألف مخطوط عربي. وقد كانت هذه النهاية نهاية الأندلس الإسلامية ونهاية إسبانيا المسيحية أيضا. إذ خسرب بفقد العرب شريان حياتها الدافق. وترك العرب وراءهم فراغا كبيرا انعكس على الحياة في إسبانيا لعدة قرون تالية ولم يكن يملأ هذا الفراغ كل الذهب الذي جمعه غزاة الإسبان من المكسيك وبيرو وجاءوا به إلى إسبانيا وطنهم الأم. لقد جفت المياة الجارية ونضبت الينابيع المتدفقة وجفت الزهور اليانعة وعم الأرض البور والخراب وخلت المدن من سكانها، وتدهورت الفنون والحرف. ولم تلبث الدولة التي كانت على رأس جميع الأمم أن هوت إلى الحضيض. ويحدد القرن التاسع الهجري \"السادس عشر الميلادي\" النهاية الحزينة لسقوط الحضارة الإسلامية بعد أن كانت منارة الإنسانية طيلة العصور الوسطى، وتلك سنة الله في خلفه ولله في خلقه شئون.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>السمات العامة للتربية الإسلامية في العصر الذهبي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>دخول العلوم العقلية</span>\n...\nالسمات العامة للتربية الإسلامية في العصر الذهبي:\nكان من أهم السمات العامة للتربية الإسلامية في هذه الفترة دخول العلوم العقلية وإنشاء المدارس وظهور الآراء التربوية المتميزة وهو ما سنفصل الكلام عنه في السطور التالية:\n١- دخول العلوم العقلية:\nيميز علماء المسلمين بين العلوم النقلية وهي علوم العقيدة والشريعة الإسلامية وبين العلوم العقلية. يقصد بها: علوم الفلسفة والرياضيات والهندسة والجبر والفلك والطب والطبيعية والكيمياء والموسيقى والتاريخ والجغرافيا.\nوقد سبق أن أشرنا إلى فضل المسلمين على هذه العلوم. بيد أنه لا يمكن أن تغفل أثر حركة الترجمة الهائلة التي قام بها المسلمون في العصر العباسي لترجمة علوم الإغريق وكتبهم. ويقول ابن خلدون في \"المقدمة\" في كلامه عن العلوم العقلية: \"واعلم أن أكثر من عني بها في الأجيال الذين عرفنا أخبارهم الأمتان العظيمتان في الدولة قبل الإسلام وهما فارس والروم.. وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما. ولما فتحت أرض فارس وجدوا فيها كتبا كثيرة\". وقد بلغت الثقافة العربية قمة ازدهارها عندما انفتحت على الثقافات الأخرى وتفاعلت معها، وقد قام المسلمون بترجمة علوم اليونان ودراستها وكان للخليفة المنصور شرف المبادرة في اتخاذ الخطوة الأولى وسار على نهجه الخلفاء من بعده المهدي والرشيد والمأمون. ويذكر صاعد الأندلس في كتابه \"طبقات الأمم\" \"ص٤٧\": أن الخليفة المأمون طلب من ملوك الروم كتب حكماء اليونان فأرسلوا إليه على سبيل الهدية مؤلفات أفلاطون وأرسطو وبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس. وبلغ من اهتمام الخليفة المأمون بهذه الكتب أنه أمر بترجمتها وحث الناس على قراءتها ودراستها. وقد نالت هذه الكتب شهرة ورواجا في عصره وراجت الفلسفة اليونانية وكثر المشتغلون بها وأغدق عليهم","vol":"1","page":277},{"text":"المأمون من كرمه بالجوائز والمناصب الرفيعة. وأصبحت الدول العباسية منافسة للدولة الرومية في هذه العلوم.\nومن المعروف أنه عندما نفي الإمبراطور الروماني جستنيان فلاسفة الإغريق وعلماءهم من \"أثينا\" لوثنيتهم فروا إلى بلاد الفرس لما وجدوه من ترحيب كسرى أنو شروان \"٥٣١-٥٧٨\". وكان قد أسس في \"جند يسابور\" من أعمال خوزستان في وسط آسيا دارا للعلم قام فيها هؤلاء العلماء بتدريس الفلسفة والطب. وبقي أثرها في تلك البلاد حتى ظهرت الدولة العباسية. كما غدت \"حران\" مركزا من مراكز الثقافة اليونانية ببلاد العراق. وتكلم أهلها وهم \"الصابئة\" اللغة العربية في سهولة ويسر، وساعدوا إلى حد كبير على نشر الثقافة اليونانية بين المسلمين. وإليهم يرجع الفضل في ترجمة كثير من الكتب عن اللغات الأجنبية، وشهد العالم الإسلامي حركة علمية كبيرة بلغت ذروتها في القرن الرابع الهجري. وكان قوام هذه الحركة ترجمة المسلمين لعلوم الإغريق واليونان والرومان والفرس والهنود من علوم مختلفة في الطب والفلسفة والرياضيات والطبيعة والفلك والموسيقى. وقد أعجب المسلمون إعجابا كبيرا بهذه العلوم الجديدة وأقبلوا على دراستها، بل ولقبوا أرسطو أحد مشاهير روادها بالمعلم الأول. والحسن بن الهيثم \"٩٦٥-١٠٣٩م\" وهو من أكبر علماء الفيزياء على مر العصور وله جهود عظيمة في علم البصريات ودرس العلوم المختلفة من طب وفلسفة ورياضيات والإلهيات كتب يقول موضحا سر اهتمامه بهذه العلوم ومعلنا إعجابه بأرسطو:\n\"ازدريت أعوام الناس ولم ألتفت إليهم واشتهيت إيثار الحق وطلب العلم واستقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا شيئا أجود ولا أشد قربة من الله من هذين الأمرين. فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات وأنواع العلوم والبيانات، فلم أحظ من شيء منها للحق منهجا ولا إلى الرأي اليقيني مسلكا جددا، فرأيت أنني لا أصل إلا عن آراء يكون عنصرها الأمور الحسية وصورتها الأمور العقلية فلم أجد ذلك إلا فيما قرره أرسطو من علوم المنطق والطبيعيات والإلهيات. فلما تبينت ذلك أفرغت وسعى في طلب الفلسفة وهي ثلاثة","vol":"1","page":278},{"text":"علوم رياضية وطبيعية وإلهية\" \"ابن أبي أصيبعة: ج٢ ص٩٢\".\nوالفيلسوفان المعروفان الفارابي \"ب٣٣٩هـ\" وابن سينا \"ت٤٢٨هـ\" اعترفا بعظمة أرسطو. وابن رشد \"ت٥٩٥هـ\" يفوق السابقين في تعظيمه لأرسطو وتقدير مكانته لدرجة لا مثيل لها. وهناك من ناحية أخرى من علماء المسلمين في الفلسفة من رفض في أول الأمر فلسفة أرسطو ومنطقه. وتصدى كثير منهم للرد عليه. وكان علماء المعتزلة أول من فعل ذلك. منهم النظام وأبو علي الجبائي. وفي القرن الثالث الهجري ألف حسن بن موسى النويختي كتاب \"الآراء والديانات\" رد فيه على بعض المسائل المنطقية عند أرسطو. وفي القرن الرابع الهجري ألف الإمام أبو بكر الباقلاني كتاب بعنوان \"الدقائق\" فند فيه الفلسفة وأثبت فضل منطق العرب على اليونان، وفي القرن الخامس الهجري قام الشهرستاني صاحب كتاب \"الملل والنحل\" المعروف وألف كتابا في الرد على برقلس وأرسطو. ونقض فيها أولهما وفق أصول المنطق وقواعده. وقام الغزالي في نهاية القرن الرابع الهجري بتأليف كتابه المعروف \"تهافت الفلاسفة في نقد الفلسفة\". وفي القرن السادس الهجري قام أبو البركات البغدادي بتأليف كتاب \"المعتبر\" أبطل فيه أفكار أرسطو \"أبو الحسن الندروي: ١٩٨٧، ص١٦٥\". وقام ابن تيمية بنقد الفلسفة اليونانية ونقد أرسطو مؤيدا حججه بالأدلة والبراهين. ويمكن الرجوع إلى تفصيل نقده في الجزء الخاص به من هذا الكتاب.\nوفي القرن السابع الهجري تبرز شخصية نصر الدين الطوسي \"المتوفى ٦٧٢هـ\" الذي عرف باسم المحقق الطوسي في أوساط وحلقات الفلسفة. ودافع عن فلسفة أرسطو ونفخ فيها روحا جديدة. ومن المعروف عنه أنه عاش إبان غزو التتار وسقوط بغداد بل إن كان من مستشاري زعيم التتار هولاكو ومن المقربين إليه. وقد توفي بعد عشر سنوات من مولد ابن تيمية \"المرجع السابق: ١٦٦\".\nولا شك أن العرب في نقلهم لعلوم اليونان والرومان قد نقلوها بعد تطويعها لثقافتهم الإسلامية فالإسلام لا يعرف التعصب ولا يعرف الانغلاق وقد لعب العرب دور الوسيط في نقل هذه العلوم. وقد عبر أحد المؤرخين بقوله، وهي","vol":"1","page":279},{"text":"شهادة شاهد من غير أهله:\n\"كان العرب مستعدين استعدادا عجيبا لتمثيل دور الوسيط وكانوا ذوي نشاط منقطع النظير يعتبر آية على دورهم الممتاز في تاريخ الدنيا. وكانوا على عكس بني إسرائيل المتعصبين راغبين في مصاهرة الأمم المغلوبة من غير جحود لخلقهم القومي وتقاليدهم على الرغم من تغلبهم في مختلف الأمصار\".\n\"ولو أن دور الحضارة الإسلامية اقتصر على إنقاذ علوم القدماء وعلى الاحتفاظ بها ذخيرة كاملة تسلم إلى الأجيال القادمة لاعتبر هذا الدور خدمة جليلة للإنسانية لا تقدر بثمن. بيد أن دور العرب والمسلمين لم يقتصر على مجرد حفظهم لعلوم اليونان والرومان وإنما أضافوا لها وزادوا عليها. ذلك أنهم لم يتلقوا هذه العلوم كتلامذة وإنما كأساتذة\". ويعتقد كثير من المؤرخين أنه بدون هذا الدور الذي قام به العرب بالنسبة لعلوم اليونان والرومان لتعذر ظهور عصر النهضة الأوربية. ويقول المؤرخ الفرنسي \"سيديللو\" في كتابه عن تاريخ العرب \"باريس ١٨٥٤\" \"إن العرب وحدهم كانوا ممثلي الحضارة في القرون الوسطى فدحروا توحش أوربا التي زلزلتها غارات أمم الشمال\". ومع هذا ردد كثير من الأوربيين الدعوى القائلة بأن حضارة العرب في القرون الوسطى لم تكن إلا ظل الحضارة اليونانية وأن العرب كانوا مجرد ناقلين أو حافظين لهذه الحضارة. وفي هذه الدعوى كثير من الزيف والخطأ والتعصب وقد رفضها المنصفون من علماء الأوربيين أنفسهم. وفي هذا القول يقول درابر DRAPER \"ادعينا طويلا أن المسلمين لم يفعلوا شيئا أكثر من نقل علوم اليونان ونحن لا نستطيع أن نسير في مثل هذا النهج الغامض دون أن نتهم بالجهل والخطأ\". وفي هذا يقول أيضا جورج سارتون SARTON أنه من سذاجة الأطفال أن نفترض أن العلم بدأ في بلاد الإغريق لأن المعجزة الإغريقية سبقتها آلاف الجهود العلمية في مصر وفي بلاد ما وراء النهرين وغيرها من البلاد، إن العلم اليوناني كان إحياء أكثر منه اختراعا وكفانا سوءا أننا أخفينا الأصول الشرقية المصرية والبابلية التي لم يكن التقدم الهليني ممكنا بدونها.\nويقول العالم الفرنسي سيديللو SIDILLOT الذي سبقت الإشارة إليه في كتابه","vol":"1","page":280},{"text":"\"تاريخ العرب العلام\" إن العرب كانوا أساتذة أوربا في جميع فروع المعرفة. وقد حاول الأوربيون أن يقللوا من شأن العرب ولكن الحقيقة ناصعة وليس من مفر أمامنا إلا أن نرد العرب عاجلا أو آجلا ما يستحقونه من عدل.\nوعلى كل حال فإن دخول العلوم العقلية تمثل مرحلة جديدة في التربية الإسلامية مكنت الفكر الإسلامي من القيام بدوره في إثراء الفكر العالمي ودخلت هذه العلوم العقلية إلى منهاج التربية الإسلامية في مراكز التربية والتعليم المختلفة وفي مقدمتها المدارس.","vol":"1","page":281},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-109> نشأة المدارس:</span>\nشهدت هذه الفترة ظهور المدارس ولم تكن معروفة من قبل ويقال إن نظام الملك هو أول من أنشأ المدارس في الإسلام فكان إنشاؤها يمثل قمة التربية المدرسية الإسلامية. وسنتناول الكلام بالتفصيل عن المدارس في كلامنا فيما بعد عن مراكز التعليم في الإسلام.","vol":"1","page":281},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-110> ظهور الآراء التربوية المتميزة:</span>\nكان من أهم السمات التي تميزت بها التربية الإسلامية خلال هذه الفترة تصدي علماء المسلمين للكتابة عن موضوع التربية والتعليم كتابة مستفيضة تعكس اهتماما خاصا بها. وكان أول المؤلفين في هذا الموضوع، ابن سحنون في القرن الثالث الهجري والقابسي في القرن الرابع الهجري وغيرهم كثيرون ممن تناولوا الكلام في هذا الموضوع من أشهرهم ابن مسكويه والغزالي في القرن السادس الهجري وابن خلدون في القرن الثامن الهجري وألف برهان الدين الزرنوجي المتوفى عام ٥٩١هـ كتاب \"تعليم المتعلم طريق التعلم\" الذي ترجم إلى اللاتينية وحظى بشهرة كبيرة عند المسلمين. ويقول عنه الأهواني: إن قيمته ضئيلة الشأن لا تتعدى حجمه الصغير ويبرر ذلك بقوله إن صاحبه لم يأت بجديد وإنه كثيرا ما كان ينزل إلى مستوى العامة في الاعتقاد بأوهام لا تستند إلى أساس علمي \"أحمد فؤاد الأهواني: ص٢١٠\" وربما كان هذا الحكم قاسيا على الزرنوجي فهو لا يقف وحيدا في النقل عن السلف كما أن كتابه لا يخلو من قيمة تربوية وقد اعتبره إبراهيم سلامة واحدا من أهم كتابين في التربية ثانيهما هو","vol":"1","page":281},{"text":"كتاب القابسي كما أن المتأخرين من دارسي الزرنوجي قد اعتبروا كتابه ذا أهمية تربوية ونفسية. ويتضح ذلك من آرائه التربوية التي أشرنا إلى بعضها في هذه الكتاب والتي تدل على سعة أفقه وعمق تفكيره إلى جانب خبرته وتجاربه.\nويلاحظ أن من ألف في التعليم من المتأخرين اعتمد بصورة أساسية على تلخيص آراء المتقدمين وأحيانا بدون ذكر المصادر التي أخذوا عنها. فالقابسي في رسالته المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين نقل كثيرا من آراء ابن سحنون أول من ألف في الموضوع \"رسالة آداب المعلمين\" والغزالي نقل عن ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق. والعجب أن ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق نقل عن بروسين وعن الإغريق. وشمس الدين الإنبابي في رسالته \"رياضة الصبيان\" نقل أيضا عن ابن مسكويه. وشيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري في كتابه \"اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم\" نقل عن الغزلي. وهكذا كان الخلف ينقل عن السلف. كما لم يجد علماء المسلمين حرجا في النقل عن الإغريق وفي مقدمتهم أرسطو الذي لقبوه بالمعلم الأول.\nوسنتناول تفصيل الكلام عن بعض مشاهير علماء المسلمين الذين تحدثوا عن التربية والتعليم واهتموا بدراسة الموضوع دراسة تحليلية تفصيلية فيما بعد عند الكلام عن أعلام التربية في الإسلام.","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الفصل الثامن: مركز التعليم الإسلامي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>أولا: المساجد</span>\n...\nالفصل الثامن: مركز التعليم الإسلامي\nكان المسجد والكتاب من أهم مراكز التعليم الإسلامي في العصور الأولى. وعرفت المدارس فيما بعد وقامت بدور كبير في التعليم في البلاد الإسلامية. وإلى جوار هذه المراكز كانت هناك أيضا المكتبات ودور الحكمة وبلاط الخلفاء وحوانيت الوراقين والرباطات والبيمارستانات كمراكز تعليمية مع تفاوت نسبي في الأدوار بينها. وسنفصل الكلام عن هذه المراكز في الصفحات التالية:\nأولا: المساجد\nيميز المؤرخون في الإسلام بين نوعين من المساجد: المسجد الصغير وهو لقضاء الصلوات العادية، أما المسجد الجامع فهو مسجد كبير واسع الأركان تقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة العيدين. وكان مركزا للحياة الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية والقضائية.\nوقد لعبت المساجد دورا تربويا هاما في أول الدعوة الإسلامية وكانت مركزا للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، وكانت تقوم بوظائف متعددة من أهمها:\n١- أنها كانت دورا للعبادة والصلاة.\n٢- أنها كانت مراكز تربوية وثقافية هامة يعقد بها حلقات العلماء لدراسة القرآن الكريم والفقه واللغة كما كانت أماكن للفتوى.\n٣- أنها كانت تستخدم أيضا كمعاهد لتعليم الناشئة أصول الدين واللغة والأدب.\n٤- كانت مكانا للتقاضي يجتمع فيه القضاة للفصل في الشكاوى والخصومات.\n٥- كانت مراكز لتصريف شئون الدولة قبل إنشاء الدواوين الحكومية فكان النبي ﷺ يستقبل السفراء في المساجد ويدير شئون الدولة فيها.\n٦- كان المسجد مكانا إعلاميا هاما فيه تذاع الأخبار الهامة التي تتعلق","vol":"1","page":283},{"text":"بالمصالح الهامة وفيه التجهيز للحروب والغزوات. ومن الأمثلة على ذلك أن عمر أعلن من على المنبر تقهقر جيوش المسلمين في العراق واستحث قومه على السير إلى هذه البلاد ... وعلى المنبر أيضا وقف عثمان يدافع عن نفسه.\n٧- كان الخليفة بعد مبايعته يصعد المنبر ويلقي خطبته الأولى مضمنا إياها سياسته في الحكم، كما كان يلقي خطبة على الناس أثناء خلافته أو التشاور معهم في الأمور الهامة التي تعنيهم كما كان يجلس فيه للفض في الخصومات بين الناس.\nومن أشهر المساجد والجوامع المعروفة: المسجد النبوي الشريف بالمدينة والجامع العتيق أو جامع عمرو \"المؤسس سنة ٢١هـ في القاهرة\" وجامع ابن طولون في القاهرة أيضا، ومسجد الكوفة \"١٤هـ\"، ومسجد البصرة \"١٧هـ\" الذي كان يضم حلقات الشعر والأدب والجدل، ومسجد دمشق ويعرف الآن بالمسجد الأموي \"بني ١٩هـ\" في تونس وجامع الزيتونة في تونس، ومسجد القرويين في فاس، وجامع قرطبة في الأندلس والجامع الكبير في صنعاء. والجامع الأزهري الذي بناه الفاطميون وسموه بالأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء بنت الرسول ﷺ جدة الفاطميين. وكان كعبة لكل طلاب العلم من مشرق العالم الإسلامي لمغربه وكان في بدايته يدعو لمذهب الفاطميين وهو أساس إنشائه، ولكن كان يدرس فيه إلى جانب ذلك العلوم العقلية والنقلية بما فيها من فلسفة ومنطق وطب ورياضيات.\nويذكر ابن خلدون أن المساجد الكبرى العظيمة أو الجامعة هي التي كان يتولى شئونها الخلفاء أو الحكام فيعينون أئمتها وأهل العلم والفتوى والتدريس بها. أما المساجد الصغيرة فلم تكن تحظى بهذه الرعاية. ويفصل ابن خلدون القول فيقول: فاعلم أن المساجد في المدينة صنفان: مساجد عظيمة، كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهودة، وأخرى دونها مختصة بقوم أو نحلة، وليست للصلوات العامة. فأما المساجد العظيمة، فأمرها راجع إلى الخليفة أو من يفوض","vol":"1","page":284},{"text":"إليه، من سلطان أو من وزير أو قاض فينصب لها الإمام في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والخسوفين والاستسقاء، وتعيين ذلك إنما هو من طريق الأولى والاستحسان. ولئلا يفتات الرعايا عليه في شيء من النظر في المصالح العامة وأما المساجد المختصة بقوم أو نحلة فأمرها راجع إلى الجيران، ولا تحتاج إلى نظر خليفة ولا سلطان.\nوأما \"الفتيا\" فللخليفة تصفح أهل العلم والتدريس، ورد الفتيا إلى من هو أهل لها، وإعانته على ذلك ومع من ليس أهلا لها وزجره لأنها من مصالح المسلمين في أديانهم، فتجب عليه مراعاتها لئلا يتعرض لذلك من ليس له بأهل فيضل الناس، وللمدرس الانتصاب لتعليم العلم وبثه والجلوس لذلك في المساجد، فإن كانت من المساجد العظام التي للسلطان الولاية عليها والنظر في أئمتها كما مر فلا بد من استئذانه في ذلك وإن كانت من مساجد العامة، فلا يتوقف ذلك على إذن، على أنه ينبغي أن يكون لكل واحد من المفتين والمدرسين زاجر من نفسه، يمنعه عن التصدي لما ليس له بأهل فيدل به المستهدي ويضل به المسترشد \"مقدمة ابن خلدون ص١٥٩\".\nالمسجد كمركز تعليمي:\nكان النبي ﷺ أول من اتخذ المسجد مكانا للدعوة والتعليم ففي أول الأمر كان يتخذ من منزله ومن دار الأرقم بن أبي الأرقم مكانا لنشر الدعوة وبعد الهجرة كان إنشاء المساجد فانتقل الرسول ﷺ بنشاطه الديني والتعليمي إلى المسجد، وكان مسجد قباء أول المساجد التي بنيت في الإسلام وأنشئ بعده مسجد الرسول ﷺ بالمدينة المنورة. وتوالى بعدها إنشاء المساجد.\nوكان التعليم في المساجد يقوم على تعليم أمور الدين وتذكير الناس بالآخرة. وكان التعليم في هذه الأمور يعتمد على الأسلوب القصصي ممتزجا بالعلوم والحكمة والموعظة، كما كانت تدرس أيضا العلوم الدينية من قرآن وتفسير وحديث.\nوكان أصحاب المذاهب والملل والنحل المختلفة يجتمعون في المساجد ويلقون الدروس وفقا لمذاهبهم وأحيانا يحرم التدريس في المساجد على مذهب معين","vol":"1","page":285},{"text":"كالشيعة مثلا. وكان أحيانا يحرم التدريس فيها. إلا من كان على مذهب أهل السنة. وقد اتسعت الدراسة بالمساجد وتنوعت فشملت علوم الكلام والفقه وكان يقوم بالتعليم بالمسجد أحد الشيوخ من يأنس في نفسه المقدرة على التعليم. وكان الشيخ يجلس على حصير أو بساط ووسادة أحيانا كان يجلس على كرسي مرتفع حتى يسمعه الحاضرون. وكان الطلاب يجلسون من حوله في حلقة تتفاوت في حجمها حسب مكانة الشيخ العلمية وحسب ظروف العمل للطلاب.\nوكان الشيخ يفتتح الدرس بالبسملة والحمد لله والحوقلة والصلاة على النبي. وقد يتلو آيات من القرآن الكريم أو الحديث الشريف ما يتصل بطلب العلم وبحث عليه. ثم يبدأ في الكلام عن موضوع درسه وكانت الدروس تتنوع فمنها ما يهدف إلى التوعية العامة بأمور الدين وأصوله وأحكامه ومنها ما كان دروسا منظمة في علم من العلوم. وفي هذه الحالة كان الشيخ يستمد درسه من معلوماته أو من مذكرات كتبها لنفسه ويقوم بإملائها على تلاميذه. ومن أشهر الأمالي المعروفة أمالي أبي على القالي وأمالي سعيد بن الحداد وأمالي هبة الله بن طالب في ثلاثة أجزاء.\nوكان الشيخ يقوم بالإملاء بتؤدة وتأن وبترتيب المسائل والأمور، ويقوم الطلاب بتسجيل ما يملى عليهم في كناشاتهم. وقد يقوم الشيخ بتملية النص ثم يكمل الشيخ أماليه كانت تعرض عليه أو يقوم الشرح على هامش النص. وعندما يكمل الشيخ أماليه كانت تعرض عليه أو يقوم الطلاب بقراءتها عليه لتصحيح ما قد يكون بها من أخطاء. ثم يوقع الشيخ على نسخة الطالب مجيزا إياه على روايته وتدريس هذه الأمالي من بعده. وكان للطالب أن يسأل أستاذه بتأدب للاستيضاح. وعليه أن يختار الوقت المناسب للسؤال وكان الأستاذ أحيانا هو الذي يوجه الأسئلة لاختيار فهم طلابه وكان يقوم بالإجابة على ما يصعب من الأشياء. وكان الشيخ ينهي درسه عادة بعبارة \"والله أعلم ورسوله\". ثم تتلى فاتحة الكتابة وبعدها يتقدم الطلاب بشكر الشيخ والترحم على والديه والدعاء له وقد يقومون بالسلام عليه وتقبيل يديه.","vol":"1","page":286},{"text":"وكان الشيوخ والعلماء يقومون بالتعليم في المساجد احتسابا لوجه الله وتجنبا للعنة التي أوجبها الإسلام على من أخفى علمه عن الناس.\nوكان الشيوخ يعيشون من التكسب من كد يمينهم وعلمهم كما كانوا يتلقون المساعدة والعطايا والهدايا من الملوك والأمراء والأعيان وأهل الخير من العامة. وكان الموسرون من الطلبة لا يبخلون بمالهم على مشايخهم كما كان المشايخ يقبلون الهدايا من طلابهم.\nوفي تقويم إجمالي للمسجد كمركز تعليمي يمكن القول بأن العلماء المسلمين في آلاف المساجد المنتشرة في البلاد الإسلامية من قرطبة في غرب أوربا إلى سمرقند في وسط آسيا لم يكونوا في عددهم أقل من عدد ما فيها من الأعمدة. وكانت إيواناتها تردد أصداء علمهم وفكرهم.","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>ثانيا: الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>هدف الكتاب</span>\n...\nثانيا: الكتاب\nيقول ابن منظور في كتابه لسان العرب \"الكتاب\" موضع تعليم الكتاب أي الكتابة. وكان الكتاب أحد مراكز التعليم في الإسلام. ويقال إنه عرف في بلاد العرب قبل الإسلام على نطاق ضيق محدود. وقد يطلق على الكتاب أحيانا اسم \"مكتب\". وكان الكتاب عبارة عن مكان مستقل أو غرفة في منزل أو حجرة مجاورة للمسجد أو ملحقة به أو خيمة من جملة خيام الحي في البداية \"خيمة المؤدب\" كما كان يعرف في تونس في شمال إفريقيا. واختلف حجم الكتاب من حجرة صغيرة إلى مكان واسع يتسع لأعداد كبيرة من التلاميذ. فقد روى ابن خلدون أن كتاب أبي قاسم البلخي كان به ثلاثة آلاف تلميذ وكان فسيحا جدا لدرجة أن البلخي كان يركب حمارا ليمر به على التلاميذ، ويشرف على تعليمهم. وقد انتشرت الكتاتيب منذ القرن الأول الهجري في الأمصار الإسلامية ويروى أن الكتاتيب أنشئت في مدينة القيروان منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري.\nهدف الكتاب:\nكان الهدف الأساسي من الكتاب تحفيظ القرآن الكريم وتعليم القرآن والكتابة لأن حفظ القرآن لا يسهل إلا بتعليمها. وكان يشترط في تعليم القرآن حسن الترتيل وجودة قراءته. ولما كانت معرفة القرآن معرفة صحيحة تستلزم الإلمام بقواعد الإعراب كان معلم الكتاب يعلم تلاميذه عبارات النحو واللغة وكان يدرس أحيانا الحساب وأيام العرب وتواريخها. وكان الكتاب يمثل بداية مراحل التعليم ينتقل منه الصبي إلى إكمال تعليمه في المسجد حيث يتوسع في طلب العلم.","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الدراسة في الكتاب:</span>\nكانت الدراسة في الكتاب عادة تمتد من يوم السبت إلى الخميس باستثناء يوم الجمعة والنصف الثاني من يوم الخميس. وكان الصبيان يبدءون يومهم المدرسي بحفظ القرآن عندما يكونون مكتملي النشاط، ويستمر ذلك إلى الضحى ثم ينقلون بعد ذلك إلى تعلم الكتاب حتى الظهر. ثم ينصرف التلاميذ إلى بيوتهم. وكان في بعض الكتاتيب فترة في المساء يدرس فيها الصبيان النحو والحساب وأيام العرب وتاريخهم. وكان يوم الخميس يخصص عادة للمراجعة، كما كانت الدراسة تعطل بمناسبة الأعياد. وكان التلاميذ يذهبون إلى الكتاب في الصباح الباكر فيجدون معلمهم جالسا في المكان المخصص له فيجلسون من حوله على اليمين واليسار قعودا على الحصير المصنوعة من السمار أو نبات الحلفاء، وقد كان ذلك هو الأثاث المتواضع الشائع للكتاب. وكان كل منهم يضع في حجره لوحه المصنوع من الخشب المصقول أو الصقيع وعلى اللوح ما كتبه بالأمس فيشرع كل منهم في الحفظ وتتصاعد أصواتهم متشابكة مختلفة لاختلاف ما يقرؤه كل منهم بعد الآخر لتفاوت مستوياتهم. ويقوم معلم الكتاب بالاستماع إلى كل واحد منهم بعد الآخر للتأكد من حفظهم لما كتبوه على الألواح يقوم بعدها الصبي بمسح اللوح بوضعه في إناء به ماء طاهر ثم يجففه. وفي بداية تعلم الصبي للكتابة كان المعلم يقوم بإملاء آية أو آيات من القرآن على كل واحد يطالبه بكتابتها ثم ينتقل إلى صبي ثان ثم ثالث وهكذا. ثم يعود إلى الصبي الأول ليراجع له كتابه. أما كبار التلاميذ فكانوا يقومون بنسخ كتابتهم على الألواح من المصحف مباشرة وكان المعلم يستعين بهؤلاء التلاميذ الكبار كعرفاء يساعدونه في تعليم المبتدئين. ولكل تلميذ لوح ودواة وقلم متواضع من القش أو القصب ومصحف في بعض الأحيان.\nوكان الصبي تتم دراسته في الكتاب عادة بحفظ القرآن كله وهو ما يسمى \"بالختمة\" أي أن الصبي يختم القرآن كله. وكانت تعتبر مناسبة سعيدة قد تشهد احتفالا متواضعا. وقد تعطل الدراسة يوما أو يومين احتفاء بهذه المناسبة وأحيانا كثيرة كان الصبي يكتفي وفقا لقدرته بحفظ نصف القرآن أو ثلثه أو ما تيسر له منه.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>نقد طريقة التعليم بالكتاب:</span>\nعرض ابن خلدون لاختلاف الأمصار الإسلامية في تعليم الولدان وكانت هذه الأمصار تختلف فيما بينهما من حيث المواد التي تمزجها مع تعليم القرآن وتحفيظه كله أو جزئه وهو ما يمثل البرنامج الإجباري الرئيسي للكتاب.\nويورد ابن خلدون طريقة أبي بكر بن العربي الأندلسي التي تقوم على إرجاء تعليم القرآن والبدء بتعليم العربية والشعر والحساب حتى يسهل على الطفل بعد ذلك فهم القرآن وحفظه، ومع أن ابن خلدون استحسن هذه الطريقة إلا أنه يقول: إن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال.\nكما انتقد ابن خلدون طريقة التلقين التي كانت سائدة في التعليم وفضل عليها طريقة المحاورة والمناظرة، وقد عرضنا لتفصيل ذلك عند الكلام عن آراء ابن خلدون. وبالرغم من هذه الانتقادات فلا يمكن أن ننكر الدور الهام الذي لعبه الكتاب في الحياة الثقافية والفكرية. وكان القاعدة العريضة التي تعلم فيه كثير من علمائنا النابهين.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>معلم الكتاب:</span>\nمقدمة: خضع معلمو الكتاب لكثير من السخرية والتهكم في الكتابات العربية القديمة وانتشرت عنهم الأمثلة التي تحقر من شأنهم واتهامهم بالحمق والسخف وغيرها من النقائص. وهناك من دافع عنهم مثل الجاحظ كما سبق وأن أشرنا. وهناك من ألهبهم بلسان من نار مثل ابن حوقل في وصفه لمعلمي كتاتيب صقلية \"صورة الأرض ص١٢٠\".\nشروط معلم الكتاب:\nكان من أهم الشروط التي ينبغي توافرها في المعلم أن يكون حافظا للقرآن الكريم عالما بأمور الدين وعارفا بالقراءة والكتابة والنحو، ولا بأس من إلمامه بفنون المعرفة الأخرى كالحساب واللغة والأدب. وإلى جانب هذه الشرط الرئيسي هناك أيضا شروط دينية وخلقية منها أن يكون المعلم تقيا ورعا قائما بفروض دينه مشهودا له بالخلق الكريم.\nأخلاقيات معلم الكتاب:\nهناك كثير من الكتابات التي تناولت أخلاقيات المعلم بصفة عامة ومنها معلم الكتاب. فمن الناحية الخلقية يجب أن يكون معلم الكتاب رفيقا بالصبيان رحيما بهم وأن يسوي في المعاملة بينهم وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"أيما مؤدب ولي ثلاثة من صبية هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حشر يوم القيامة مع الخائنين\".\nوكان المعلم يتخذ معه عريفا يساعده إذا زاد عدد التلاميذ. واشترط فيه أن يكون قد حفظ القرآن وهو مستغن عن التعليم. وكان المعلم يلتزم بالوقار مع صبيانه فلا يتبسط في الأمور معهم فيتجرءون عليه، وكان عليه أن يحسن رعاية تلاميذه لأنه راعٍ لتلاميذه وهو مسئول عن رعيته ولا يجوز للمعلم أن يسخر تلاميذه لخدمته أو قضاء حوائجه.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>مكان التعليم:</span>\nوكان المعلم هو الذي يقوم بتأجير الكتاب وتأثيثه، وفي بعض الأحيان كان آباء الصبيان يتعاونون في تأجير المكان للمعلم. وكان الكتاب يضم معلما واحد، وفي بعض الأحيان كان يضم أكثر من معلم. وقد ذكر ابن حوقل أنه رأى في مدينة \"بالرمو\" بصقلية كتابا واحدا يقوم بالعمل فيه خمسة معلمين. ويرجع ذلك إلى إعفاء المعلمين من الجهاد ففزع كثير من الرجال إلى هذه المهنة وحسنه لديهم جهلهم فرارا من الجهاد وشرفه والغزو وعزه. وذلك أن بلدهم ثغر من ثغور الروم وناحية تحاد العدو والجهاد فيهم لم يزل قائما \"ابن حوقل ص١٢٠\".\nالدرة والفلقة:\nكانت الدرة والفلقة من عدة المعلم يستخدمها في عقاب المقصرين من تلاميذه. ولكن الضرب بالدرة والفلقة كان لا يستخدم عادة إلا إذا فشل النصح، والتقريع بالكلام غير البذيء أو الجارح. وكان الضرب عادة بعيدا عن العنف والقسوة وفي أماكن من الجسم لا يترتب عليها إلحاق ضرر بالطفل، وعادة ما يكون الضرب على الرجلين في حدود ضربة واحدة إلى ثلاث.\nأجر معلم الكتاب:\nسبق أن أشرنا إلى أجور المعلمين وبالنسبة لمعلمي الكتاب هنا نقول: إنه كان يتقاضى أجرا عن التعليم إما شهريا أو سنويا وذلك بالاتفاق مع آباء التلاميذ وأحيانا يترك تحديد الأجر بما تجود به همتهم.\nوقد قال معظم فقهاء المسلمين يجوز أخذ المعلم أجرا على التعليم على الرغم من أن بعضهم ومن بينهم الغزالي والماوردي استقبح ذلك. وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>ثالثا: المدارس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>مدخل</span>\n...\nثالثا: المدارس:\nكان طالب العلم قبل ظهور المدارس يسعى إليه بالسفر والارتحال في طلبه على يد الشيخ الذي يريده. وكان يبذل الجهد والمال في طلب المشهورين أو المرموقين من الشيوخ. وكانت المساجد أماكن للدرس والتدريس للشيوخ والعلماء يفد إليهم الطلاب من كل صوب وحدب. وفي أواخر القرن الرابع وبداية الخامس الهجري بدأ ظهور المدارس، وبدأ الملوك والأمراء في إنشاء المدارس. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة \"إن إنشاء المدارس في الإسلام ابتدأ في أواخر القرن الرابع الهجري. وكان يقوم بإنشائها بعض الأمراء وبعض الملوك إذاعة لنفوذهم أو خدمة لدينهم أو نشرا للنور والمعرفة بين شعوبهم. وكانوا يجمعون العلماء في هذه المدارس، فصار طالب العلم لا ينتقل إلى العلم فقد انتقل إليه العلم وصار لا يبحث عن شيخه فقد جاء الشيخ إليه ... كما أن بعض العلماء الذين أوتوا بعض اليسار كانوا يقومون بإنشاء المدارس مثل مدرسة بني قدامة بالشام \"محمد","vol":"1","page":291},{"text":"أبو زهرة ١٩٧٧: ١٥٥-١٥٦\" وكان يوجد أحيانا مدرسة تختص بفرع واحد من فروع العلوم الإسلامية لا سيما الفقه والحديث.\nومن أوائل المدارس وجودا مدرسة أبي علي الحسيني المتوفى سنة ٣٩٣هـ بخراسان وكانت لتعليم الحديث وكان بها ما يقرب من ألف طالب. وكان هناك مدرسة ابن فورك المتوفى سنة ٤٠٦هـ بخراسان أيضا؛ ومدرسة أبو حاتم البستي المتوفى سنة ٤٢٠هـ. ويعقب الشيخ محمد أبو زهرة على ذلك بقوله: \"وترى من هذا أن فارس وخراسان سبقا البلاد الإسلامية \"الأخرى\" بإنشاء المدارس\". \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ١٥٦-١٥٧\".\nبيد أن بعض الباحثين منهم جرجي زيدان \"ج٣ ص٢٢٥\" يرى أن نظام الملك الوزير السلجوقي الفارسي هو أول من بنى المدارس في الإسلام في القرن الخامس الهجري واشتهر بها. وكان أشهر هذه المدارس النظامية في بغداد. مع أنه أنشأ مدارس نظامية أخرى في البصرة والموصل وبلخ وأصفهان ونيسابور وهراة ومرو. وكانت نظامية بغداد قد تولى بناءها سعيد الصوفي عام ٤٥٧هـ على شاطئ نهر دجلة وكتب عليها اسم نظام الملك. وبنى حولها أسواقا تكون محبسة عليها وابتاع ضياعات وخانات وحمامات وقفها عليها \"جرجي زيدان: ٢٢٠\". وكان لهذه المدرسة شأن كبير في العالم الإسلامي. فقد تخرج منها جماعة من رجال العلم طار ذكرهم في الآفاق. أول أساتذتها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ثم الإمام أبو نصر الصباغ ثم أبو القاسم الدبوسي وأبو حامد الغزالي والشاشي والهراسي والسهروردي وكمال الدين الأنباري وغيرهم من أقطاب العلم\" \"المرجع السابق\".\nويقول \"السبكي\" في \"طبقات الشافعية: إنه ليس صحيحا أن نظام الملك هو أول من بنى المدارس في الإسلام فقد وجد في نيسابور مدارس قبل المدارس النظامية منها المدرسة السعدية التي أنشأها نصر بن سبكتكين حاكم نيسابور والمدرسة البيهقية التي بناها الشيخ أحمد البيهقي في نيسابور أيضا. ويتفق كل من المقريزي والسيوطي مع السبكي في هذه الرأي. وهو رأي مخالف لما ذهب إليه جرجي زيدان.","vol":"1","page":292},{"text":"وبعد نظام الملك جاء محمود نور الدين زنكي فأنشأ مدرسة دمشق للحديث وحبس عليها أحباسا كثيرة. وبنى مدارس أخرى في حلب وحمص وغيرها من بلاد الشام. ثم جاء صلاح الدين فأكثر من إنشاء المدارس بمصر والشام وكان يحضر بعض الدروس فيها. وقد وضع لها نظما ثابتة مقررة \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ١٥٨\". فنظم أجر المعلم وجعله أربعين دينارا، وأجر المعيد عشرون دينارا، كما كان يصرف للمعلم كل يوم ستون رطلا من العيش عدا الكعك واللحم في عيدي الفطر والأضحى وكان يطلق على أجر المعلمين وغيرهم في أيام المماليك جامكية \"جمع جوامك\". وكانت أول مدرسة نظامية في القاهرة في عهد الأيوبيين المدرسة الناصرية التي بناها السلطان العادل زين الدين كتبغا المنصوري وأتمها السلطان محمد بن قلاون سنة ٧٠٣هـ. وقد وصفها المقريزي في خططه بأنها من أجمل مباني القاهرة وبأنها من أعجب ما صنعته يد بشر. وهكذا ازدهرت المدارس في عهد الأيوبيين. ثم جاء المماليك فساروا على سنة الأيوبيين في عنايتهم بإنشاء المدارس والإنفاق عليها ورصد الأموال لها.\nوعمت حركة إنشاء المدارس كل العالم الإسلامي. ويذكر المؤرخون أنه كان في الصالحية وهي أحد أحياء دمشق قرابة ٣٦٠ مدرسة لتعليم مختلف العلوم من مختلف التخصصات التي كان لها شأن. فكانت هذه المدارس داخله في نطاق الأوقاف الإسلامية يضاف إليها المستشفيات، والبيمارستات والملاجئ التي يأوي إليها ذوو العاهات وأصحاب الحاجات. وكانت هذه المنشآت التعليمية والخيرية أحسن حالا وأكثر متانة ورونقا من قصور الأثرياء وذوي الجاه والسلطان آنذاك. وشملت النهضة أيضا شمال إفريقيا ومن أشهر المدارس هناك مدرسة القيروان السنية وفي مصر يذكر المقريزي أنه كان في القاهرة وحدها ١٣ مدرسة.\nوأما في الأندلس فيستفاد مما ذكره المقري صاحب نفح الطيب \"ج١ ص١٠٤\" أنها لم تعرف المدارس بالصورة التي كانت عليها في الشرق وإنما اعتمدت على المساجد كمراكز للتعليم. يقول المقري: \"وليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم يقرءون جميع العلوم في المساجد بأجرة\".","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>أسباب إنشاء المدارس:</span>\nيقول جرجي زيدان \"ج٣ ص٢٢٥\" \"ومن الأسباب التي كانت تحمل الأمراء غير العرب على إنشار المدارس والمساجد -غير التماس الأجر والثواب- أنهم كانوا ينشئون في بلاط السلطان ويغلب أن يكونوا من صنائعه أو مواليه فيكون له عليهم حق الولاء أو الرق. فإذا توفي أحدهم عن مال أو ضياع وأراد السلطان قبضها فعل وحرم أبناءه منها. فكان الرجل منهم إذا بلغ الإمارة وكثر ماله خاف عادية السلطان على ما يخلفه من ذريته فيبني المدارس أو الزوايا أو الربط. ويقف عليها الأوقاف المغلة من ضياعه أو أبنيته. ويجعل في شروط الأوقاف أن يتولاها بعض ولده وله نصيب منها. والأوقاف ثابته فيأمن بذلك على أولاده الفقر\".\nوهو يشير إلى سبب آخر لإنشاء المدارس هو ترويج وتأييد المذهب الذي يتبعه السلطان أو الأمير ويضرب مثلا لذلك بالقاهرة التي كانت شيعية منذ بنيت وكان إنشاء الجامع الأزهر لترويج هذا المذهب. وكانت الدروس التي تلقى فيه على هذا المذهب. فلما تولاهم صلاح الدين الأيوبي أبطل هذا المذهب وأحيا المذهبيين المالكي والشافعي. فأنشأ المدارس لتعليم هذين المذهبيين. فبنى المدرسة الناصرية سنة ٥٦٦هـ للمذهب الشافعي. وهي أول مدرسة بمصر. واقتدى به من جاء بعده من الأكراد والأتراك \"المرجع السابق\". ويقول الشيخ محمد أبو زهرة \"كانت المساجد أماكن الدرس لأكابر العلماء حتى إذا جاء القرن الخامس أخذ الملوك والأمراء ينشئون المدارس إذاعة لنفوذهم أو خدمة لدينهم أو نشرا لنور المعرفة بين شعوبهم \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧ ص١٥٦\". وهنا نجد أنه يضيف سببين جديدين لإنشاء المدارس، وبالإضافة إلى ما سبق أن أشار إليه جورجي زيدان.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>نمط المدرسة الإسلامية الأولى:</span>\nيروى أن المدارس الإسلامية الأولى بنيت على الطراز المعماري للمساجد ولم يكن يميز المدرسة عن المسجد إلا وجود الإيوان وهو قاعة الدرس بالإضافة إلى أماكن إقامة المعلمين والطلاب وما يتطلبه ذلك من مرافق خاصة. وربما يرجع ذلك إلى تداخل وظيفة المدرسة أول ظهورها بوظيفة المسجد. فقد كان يعين للمدارس مؤذنون ويقام فيها منابر للخطابة. وأقيمت فيها الصلاة كالمسجد، كما استخدمت في بعض الأغراض الأخرى للمسجد كمركز للتقاضي وفض المظالم.\nوكانت المدرسة تتكون عادة من صحن أو فناء ومن إيوانات تحيط بها عليها قباب وكانت تلحق بها مكتبة. وكان برنامج الدراسة يتضمن موادا أساسية هي علوم الدين والعلوم الفرعية وهي الحساب والتاريخ والأدب.\nوقد تعرض ابن بطوطة في رحلته المشهورة المسماة \"تحفة المنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار\" إلى إشارات عن المدارس والتعليم في البلاد التي زارها. ووصف ابن بطوطة المدرسة المستنصرية التي بناها أمير المؤمنين العباسي المستنصر بالله في بغداد عام ٦٣١هـ \"١٢٣٤م\" وكانت أشبه بمدينة فيها أربعة أروقة يختص كل منها بمذهب خاص من مذاهب السنة وكان عدد طلابها ثلاثمائة موزعين على هذه الأروقة. وكان الطلاب يقيمون إقامة داخلية بالمدرسة. وكانت إقامتهم وتعليمهم بالمجان كما كان الطالب يعطى دينارا من الذهب في الشهر. وعندما زارها ابن بطوطة كان يدرس بها المذاهب الأربعة فيقول في وصفها: \"لكل مذهب إيوان فيه المسجد وموضع التدريس وجلوس المدرس في قبة خشب صغيرة على كرسي عليه البسط ويقعد المدرس وعليه السكينة والوقار لابسا ثياب السواد معتما وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كل ما يمليه. وهكذا ترتيب كل مجلس من هذه المجالس الأربعة وفي داخل هذه المدرسة حمام لطلبة ودار الوضوء. ووصف جامع دمشق المعروف بجامع بني أميه وعرض باختصار لمدرسيه ومعلميه ووصف طرقهم في التعليم وأشهر المدرسين به. وذكر أيضا مدارس الشافعية بدمشق كالعادلية والظاهرية وإن كانت مجرد إشارة إلى الأسماء فقط دون التعرض بالتفصيل لوصفها. وذكر بعض علماء مصر والإسكندرية وذكر أن مدارسها يعييها الحصر لكثرتها. وابن جبير الرحالة العربي المشهور في القرن الثاني عشر وصف مدارس بغداد وعد منها ثلاثين مدرسة وأهمها المدرسة النظامية التي أنشئت ٤٥٧هـ \"١٠٦٥م\" وتم بناؤها في عامين. وكان التلاميذ يتلقون العلم بالمجان كما كانوا يحصلون على الطعام والعناية الطبية ويأخذ كل منهم دينارا من الذهب كل شهر لنفقاته كما أشرنا سلفا. ويرجح أن النساء كن أيضا يذهبن إلى المدارس في بعض الأحوال ذلك لأننا سمعنا عن اشتغال النساء بالتدريس \"جلال مظهر: ٢٦٧\".","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>طريقة التعليم:</span>\nكانت طريقة التعليم في هذه المدارس تختلف باختلاف الأماكن فكانت هناك الطريقة القيروانية والقرطبية والبغدادية والمصرية. وقد كتب ابن خلدون في مقدمته فصلا ممتعا عن تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه يقول فيه: \"فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف جملة القرآن فيه لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر.. وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو وهذا هو الذي يراعونه في التعليم فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتابة ولا يختص عنايتهم بالقرآن دون غيره بل عنايتهم بها من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة.\nوأما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب ومدارسه قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن واستظهار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه وعنايتهم بالخط تبعا لذلك. وبالجملة فطريقتهم في تعليم القرآن كذلك على ما يبلغنا ولا أدري أهل الأندلس. وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم وصف العلم وقوانينه في زمن التشبيبة. ولا يخلطون بتعليم الخط بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده كما تتعلم سائر الصنائع ولا يتداولونها في مكاتب الصبيان وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر على الإجادة\".","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>مناقب ومثالب:</span>\nترتب على إنشاء المدارس نتائج متباينة تتراوح بين النعمة والنقمة. فمن الناحية الأولى عملت المدارس على انتشار العلم وكثرة المشتغلين به من علماء ومتعلمين. كما ساعدت على كثرة التأليف في العلوم المختلفة بل وظهور الموسوعات العلمية التي ألفها كبار الشيوخ والعلماء سواء في العلوم النقلية أو العلوم العقلية. يضاف إلى ذلك أن المدارس بما جمعته من شيوخ وعلماء وطلاب علم أصبحت بوتقة علمية ينصهر فيها عقول العلماء وطلاب العلم يتلاحقون في فكرهم ويشحذون عقولهم وتفكيرهم.\nأما من الناحية الثانية فنقتبس ما يقوله الشيخ محمد أبو زهرة من أن إنشاء المدارس مع أنه أدى إلى نشر العلم وكثرة تحصيله قد أدى إلى التعصب الفكري وكثرة الأتباع، وقلة التفكير الحر المستقل الذي ينظر إلى الدليل وما يوصل إليه البرهان من غير تقليد أو اتباع. وإن تساهلنا وقلنا إن ذلك التحيز الفكري قد اقترن بإنشاء المدارس فإنه لا بد أن ذلك كان بعض أسبابه وإن لم يكن كلها. \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ١٥٧\". ويضيف الشيخ محمد أبو زهرة نتيجة سلبية أخرى لإنشاء المدارس هي أن المخلصين وغير المخلص ويطلبه ذوو الأدب وذوو الدين ويطلبه العلية ويطلبه السفلة. حتى ليروى أن علماء ما وراء النهر عندما علموا بإنشاء المدارس وجلب العلماء لها أقاموا مأتما للعلم لأنهم حسبوا ذلك يؤدي إلى ضياعه وفساد الأمر \"المرجع السابق\".","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>رابعا: المكتبات</span>\nلم يكن للمكتبات شأن كبير في العصر الأموي ولكنها انتشرت في العصر العباسي مع انتشار استخدام الورق في نسخ الكتب وظهور كثير من الوارقين وانتشار حلقات الأدباء والعلماء.\nكان استخدام الورق في الكتابة معروفا في البلاد الإسلامية منذ القرن الثامن الهجري ويقال إنه نقل عن بلاد الصين التي عرفت الورق في وقت مبكر وكان للمسلمين فضل إدخاله إلى أوربا إذ كانت الأندلس أول من عرف الورق من البلاد العربية في منتصف القرن العاشر الميلادي، في حين لم تعرفه ألمانيا إلا في النصف الأول من القرن الثالث عشر وإنجلترا في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي.\nوقد أنشئ أول مصنع للورق في البلاد الإسلامية في بغداد عام ٧٩٤م على يد الفضل بن يحيى وزير هارون الرشيد وكان من الطبيعي أن يسهل ذلك تأليف الكتب وتداولها. وقد حرص المسلمون على اقتناء الكتب تقديرا منهم لقيمة العلم ولم يبخلوا بالأموال في شراء الكتب النفيسة القيمة يجلبونها من كل البلاد.\nوصارت المكتبات من أهم مراكز التربية والثقافة الإسلامية وكانت هناك مكتبات عامة في المدن تقام لها أبنية خاصة أو تلحق بالمساجد والمدارس والرباطات والبيمارستانات. وكانت هذه المكتبات مفتوحة لراغبي العلم يجلسون في الأروقة المخصصة للاطلاع فقد كانت هناك حجرات خاصة لرواد المكتبة، وحجرات خاصة للنساخ يقومون فيها بنسخ الكتب. وكان أثاث المكتبات العامة متواضعا بسيطا إذ كانت تفرش أرضها بالبسط أو الحصر يجلس عليها القراء كما كان بالمكتبة خزانات وفهارس لها.\nوكان يشرف على المكتبة خازن كان عادة من رجال العلم والأدب وكان هناك النساخ والمجلدون والمترجمون والخدم الذين يقومون بخدمة القراء.\nومن أشهر المكتبات العامة مكتبة بيت الحكمة في بغداد التي بناها هارون الرشيد وبيت الحكمة في رقادة بشمال إفريقيا ودار الحكمة في القاهرة التي بناها الحاكم بأمر الله الفاطمي، وسيأتي تفصيل الكلام عنها. وكانت هناك مكتبة الموصل التي أسسها بعض محبي الخير سنة ٩٥٠م وكان الطلبة يتزودون فيها بالورق والكتب. ومكتبة الري كانت تضم عددا كبيرا من الكتب لدرجة أن فهارس كتبها وصلت إلى عشرة أجزاء، ومكتبة البصرة التي كانت تمنح معاشات شهرية للعلماء المشتغلين فيها، ومكتبة مرو وخوارزم التي يروى أن ياقوت الجغرافي الحموي قضى ثلاث سنوات فيها يجمع معلومات لمعجم بلدانه. وكانت توجد في معظم المدن دور عامة للكتب مفتوحة لطلاب العلم. وكانت هذه المكتبات تعطي رواتب وإعانات لمن يشتغلون فيها من الطلاب.","vol":"1","page":298},{"text":"وعندما قوض المغول بغداد كان يوجد بها ٣٦ مكتبة عامة، وكانت هناك أيضا مكتبة القيروان بشمال إفريقيا التي كانت ملحقة بجامع القيروان وكان لها نفس نظام المكتبات في الشرق إلا أن أدوات الكتابة كان يصنع أغلبها بمدينة القيروان فكانوا يكتبون على جلود الخرفان المصقولة، أو على ورق البردي المجلوب من الإسكندرية، وفيما بعد يصنع الورق من خرق القماش البالي. وكانت النساء تقوم بصنعه وتغطيته بطبقة من الغراء لتزيد تماسكه وصقله. وكان الحبر يصنع من الصمغ أو المواد الكيميائية، وكانت المحابر تصنع من الخزف، أو من الزجاج أو النحاس وكانت الكتابة أحيانا بالرمل الناعم الملون.\nوكانت توجد في معظم المساجد مكتبات عامة كما كانت هناك مكتبات خاصة يبنيها الأمراء في قصورهم أو العلماء في بيوتهم. وكانت هذه المكتبات ضخمة جدا لدرجة أنه يروى أن الصاحب بن عباد في القرن العاشر كانت تضم مكتبته من الكتب ما يوازي كل الكتب التي كانت تضمها مكتبات أوربا مجتمعة في ذلك الوقت. كما يروى أيضا أن أحد أطباء العيون العرب رفض دعوة سلطان بخارى للإقامة ببلاطه لأنه يحتاج إلى ٤٠٠ بعير لنقل مكتبته، وعندما مات الواقدي ترك وراءه ستمائه صندوق مملوءة بالكتب يحتاج كل منها إلى رجلين لنقله. وهذا يدل على مدى اهتمام المسلمين باقتناء الكتب وجمعها وأحيانا ما كانوا هم أنفسهم يقومون باستنساخها وكانت المكتبات في هذه الفترة مما لا يحصى ولا يعد.\nوقد زخرت مكتبة قرطبة التي أنشأها الحاكم المستنصر في مقره بقرطبة في منتصف القرن الرابع الهجري، وكانت تضم بين خزائنها ٤٠٠ ألف مجلد في وقت لم تعرف فيه الطباعة، وكانت تحتوي على ١٤ مجلدا للفهارس، وكانت تضم الباحثين والعلماء الذين كانوا يعملون لحساب الخليفة الأموي في الأندلس وانتشروا في جميع أنحاء العالم الإسلامي لجلب الكتب والمؤلفات وكان بها عدد كبير من الناسخين والمجلدين والمزخرفين.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>خامسا: دور الحكمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>بيت الحكمة في بغداد</span>\n...\nخامسا: دور الحكمة:\nشهد تطور الحركة الفكرية والثقافية في العصر العباسي ميلاد دور الحكمة التي كانت تعتبر مظهر لما وصل إليه الرقي الفكري، كما أن اسمها يعكس مدى الاحترام الشديد للعلم باعتباره مفتاح الحكمة.\nويمكن القول مما يورده المؤرخون عن دور الحكمة: إنها كانت مركزا علميا للبحث والدراسة؛ ولذا نجد بعض الكتابات تطلق عليها اسم الجامعة ولها من الجامعة وظيفة البحث والدراسة. فمدرسة الإسكندرية التي كانت الحاضرة الثقافية والفكرية للعصر الهليني بعد أثينا أخذت شهرتها ومكانتها من مكتبتها ومتحفها.\nوما نريد أن نخلص إليه هنا أن دور الحكمة كانت مركزا للدراسة والبحث يقوم العلماء ومحبو العلم بالوفود إليها ليجدوا في مكتبتها غايتهم، كما كانت تدرس في بعضها العلوم وكان يلحق ببعضها مساكن لإقامة الطلاب وكان يصرف لهم الغذاء والكساء.\nوأهم دور الحكمة المعروفة بيت الحكمة في بغداد وبيت الحكمة في رقادة بشمال إفريقيا ودار الحكمة في القاهرة، وسنفصل الكلام عن كل واحدة منها في السطور التالية:\nأ- بيت الحكمة في بغداد:\nوقد أسسها هارون الرشيد وجمع فيها الكتب المؤلفة والمترجمة وجعلها مركزا للترجمة والنقل، وكان لها مدير يشرف على شئونها يسميه المؤرخون العرب صاحب بيت الحكمة ... وتوسع المأمون فيها وألحق بها عددا كبيرا من أشهر علماء عصره ومترجميه وأصبحت مركزا للترجمة والنسخ والمطالعة والتأليف، فكان يجتمع فيها القراء والمؤلفون للاطلاع على المصادر التي يريدون مراجعتها، ويجتمع فيها المترجمون للترجمة وبين أيديهم الكتاب الحذاق يكتبون ما يملون عليهم والنساخ في أماكن خاصة بهم ينسخون لأنفسهم أو لغيرهم بالأجر. وكانت بيوت الحكمة أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي فظلت قائمة حتى هدم المغول بغداد سنة ٦٥٦هـ، ورموا بكل ما فيها من الكتب في نهري دجلة والفرات.","vol":"1","page":300},{"text":"ب-<span data-type=\"title\" id=toc-128> بيت الحكمة في رقادة:</span>\nبناه الأمراء الأغالبة بمدينة رقادة، بشمال إفريقية. وأرادوا له أن يكون على غرار بيت الحكمة الذي أسسه العباسيون في بغداد. وينسب بناء بيت الحكمة إلى إبراهيم الثاني الأغلبي الذي اشتهر بولعه الشديد بحب العلوم والحكمة، وهو الذي أنشأ أيضا مدينة رقادة سنة ٢٦٤هـ، ٨٧٨م.\nومن المرجح أن بيت الحكمة كان ملحقا بقصر رقادة، وكان يضم مجالس أو غرفا كثيرة بعضها للمكتبة وبعضها للنسخ وبعضها للدرس والمناقشة والمناظرة وبعضها للرصد. وكانت هذه الغرف مفروشة بالحصر واللباد والبسط القيروانية الشهيرة. وكان للأمير فيه سرير يجلس عليه ليشرف فيه على المناقشات أو المناظرات التي كانت تدور بين العلماء في حضرته. وكان محبو العلم والطلاب يفدون أيضا إلى بيت الحكمة للاطلاع ونسخ الكتب، وكان من يتولى الإشراف على بيت الحكمة يسمى \"صاحب بيت الحكمة\" كما أشرنا، وكان أبو اليسر إبراهيم الشيباني البغدادي تلميذ الجاحظ أول من تولى هذا المنصب وكان إلى جانب هذا يقوم بتدريس الأدب في بيت الحكمة. وكان الأمراء الأغالبة يوفدون في كل عام سفارة إلى البلاط العباسي لتجديد العهد ودفع الخرج السنوي، وكانوا يكلفون رئيس الوفد بأن يشتري لهم أنفس الكتب المؤلفة والمترجمة، وأن يجلب إلى رقادة فطاحل علماء العصر. وهكذا وجدت في بيت الحكمة مصنفات في جميع العلوم والفنون ومن مختلف الملل والنحل. كما وجد علماء أجلاء من مختلف أقطار العالم الإسلامي.\nولما انقرضت دولة بني الأغلب سنة ٢٩٦هـ آل بيت الحكمة إلى بني عبيد الفاطميين الذين انتزعوا الملك منهم. وبهذا أصبح بيت الحكمة مركز إشعاع للدعوة الفاطمية الإسماعيلية، وعندما أنشأ عبد الله المهدي الفاطمي مدينة المهدية سنة ٣٠٨هـ بتونس نقل إليها بيت الحكمة بما كان فيها من أثاث ونفائس وكتب وأدوات وآلات الرصد فأفل نجم رقادة إلى الأبد وتعطلت الرسالة الثقافية لبيت الحكمة وتحولت إلى حركة إسماعيلية، وبعد أن شع بعلومه وثقافته طيلة أربعين عاما. ولما انتقل الفاطميون إلى القاهرة حملوا معهم ما تجمع لديهم من الكنوز والنفائس العلمية وهكذا كانت مكتبة بيت الحكمة في رقادة النواة الأولى لمكتبة دار الحكمة التي بناها الفاطميون في مصر، كما كانت بيت الحكمة في القيروان نواة المدرسة الطبية القيروانية الشهيرة التي انتشر تأثيرها طيلة ثلاثة قرون متتالية.","vol":"1","page":301},{"text":"ج-<span data-type=\"title\" id=toc-129> دار الحكمة بالقاهرة:</span>\nأنشأها الحاكم بأمر الله الفاطمي سنة ٣٩٥هـ وقد كانت كما أرادها أروع من نظيرتها في بغداد. ويؤكد ذلك وصف المقريزي لها بأنها كانت من عجائب الدنيا \"المقريزي ص٢٥٥\" ولم يكن لها نظير في الأمصار الإسلامية كما أنها حوت عددا من الكتب يزيد على المليون ونصف المليون وضمت النفيس النادر من المخطوطات في العلوم والآداب المختلفة، ويروى أنها كانت تضم ستة آلاف كتاب في الطب وحده. وكان في هذه المكتبة خريطة جغرافية دقيقة مرسومة على الحرير وصورة لأقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها.\nوقد أنفق عليها الحاكم بأمر الله بسخاء فأمدها بكل ما كانت تحتاجه من النساخين والورقين والأقلام. وكانت موئلا للعلماء والأدباء. وظلت دار الحكمة قائمة حتى أيام صلاح الدين الأيوبي هدمها وبنى عليها مدرسة الشافعية.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>سادسا: حوانيت الوراقين:</span>\nظهرت في مطلع الدولة العباسية. وكانت تبيع الكتب الهامة كما كان الوراقون يقومون بنسخ الكتب الهامة فيها. وإلى جانب هذا كانت تقوم بمهمة المكتبة العامة التي يفد إليها الناس للاطلاع وكانت تعقد بها المناقشات والمناظرات، يشترك فيها إليها الوراقون أنفسهم فقد كانوا على حظ من الثقافة والاطلاع. وكانوا يحرصون على اجتذاب العلماء إلى حوانيتهم. وقد ارتبط ظهور حوانيت الوراقين باختراع الورق للكتابة. ومع أن أصل صناعة الورق ترجع إلى الصين منذ عام ١٠٥م إلا أن تطوير هذه الصناعة بحيث يستخدم في أغراض الكتابة يرجع إلى العرب. وقد تأسست أول صناعة للورق في بغداد سنة ٧٩٤م كما أشرنا. وذلك عندما أنشئ أول مصنع له بفضل الفضل بن يحيى وزير هارون الرشيد. ومن بعدها انتشرت هذه الصناعة بسرعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي فدخلت سوريا ومصر وشمالي إفريقيا والأندلس. ويقول القلقشندي في صبح الأعشى: إن الرشيد أمر ألا يكتب الناس إلا في الكاغد \"الورق\" بعد أن كانوا يكتبون على اللخاف والرق. وقد كان هذا الاختراع عاملا هاما في انتشار الكتب في كل مكان في العالم الإسلامي.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>سابعا: الرباطات:</span>\nيختلف معنى الرباطات في الشرق الإسلامي عنه في الغرب الإسلامي والرباطات جمع رباط ويقصد في الشرق الإسلامي البيوت التي كان يقيم بها الفقراء ويتفرغون للعبادة والتعليم ومنها رباط البغدادية للشيخة زينب البغدادية بني ٦٨٤هـ ... وكانت تسكنه مع عدد النساء اللاتي انقطعن للتعليم والعبادة.\nأما الرباط في المغرب الإسلامي. فهو ثكنة عسكرية محضة ذات صحن واسع تحيط به غرف وقد يكون على طابق واحد أو على طابقين تعلوه صومعه مستديرة للأذان وخصوصا لمراقبة السواحل اتقاء للغارات البحرية الموجهة من طرف أساطيل الروم.\nفالرباط حصن دفاعي أخذ تسميته من مرابطة المجاهدين في سبيل الله فيه. فكان هؤلاء المجاهدون يرابطون فيه ويقضون يومهم وليلهم في العمل أو العبادة. وجميع الرباطات في المغرب العربي بنيت على ساحل البحر، وكانت تتصل بعضها البعض بواسطة العلامات النارية أو الحمام الزاجل. وكان لكل رباط من الرجال رباط النساء، يتعبدن فيه ويساعدن الرجال في الأشغال الفلاحية وغيرها. وكان المرابطون يقومون بعدة أشغال منها صنع الورق والحبر وهما لازمان لما كانوا يقومون به من نسخ المصاحف وكتب الفقه والحديث. وكان المؤلفون وأصحاب التصانيف يعطون مؤلفاتهم الأصلية التي كتبوها بخط أيديهم إلى الرباطات لتنسخ منها نسخ أخرى ويحتفظ بالأصل للرجوع إليه عند الالتباس. وكان المرابطون يقومون بنسخ الكتب وتوزيعها على طلاب العلم مجانا.\nوكان الرباط مدرسة يؤمها العلماء والطلبة، وكان العلماء يرابطون فيها فترة من العام قد تكون شهرا ليدرسوا العلم احتسابا لوجه الله. كما كان الطبيب يرابط أيضا فترة من أجل مداواة المرضى، وكذلك رجل البريد. فالكل يرابط من أجل الجهاد في سبيل الله. وفي كل رباط مكتبة مقامة في الجدار على هيئة طاقات في الحائط بها النسخ الأصلية والفرعية للمؤلفات والتصانيف. وأقدم الرباطات التي شيدها العرب بإفريقية هو رباط المستنير، الذي بناه الأمير هزيمة بن أيمن والي القيروان سنة ١٨١هـ وهو ما زال قائما حتى اليوم، ومن الرباطات الأخرى الموجودة حتى الآن رباط سوسة والرباط الأعلى والرباط الأسفل بتونس.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>ثامنا: البيمارستانات والمستشفيات</span>\nالبيمارستان كلمة فارسية مركبة من كلمتين: بيمار: مريض، وستان: دار فهي إذن دار المرضى، وظلت هذه الكلمة تطلق على دور العلاج والمرضى حتى حلت محلها كلمة مستشفى عند إنشاء مستشفى أبو زعبل في مصر ويقول المقريزي: إن أول من بنى البيمارستانات في الإسلام الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨هـ وجعل فيها الأطباء وأجرى فيها الإنفاق. وهذا خلاف ما ذكره ديورانت أن أول بيمارستان معروف لنا أنشئ في بغداد أيام هارون الرشيد. \"ديورانت: ١٣ ص١٩٨٠\".\nوقد انتشرت دور الاستشفاء أو المستشفيات في العالم الإسلامي تحصيها كتب التاريخ بثلاث وأربعين دارا كانت منتشرة من فارس إلى مراكش ومن شمال سوريا إلى مصر. وكان في بغداد وحدها سنة ٩٣١م ثمانمائة وستون طبيبا مرخصا، وكانت أجورهم ترتفع حسب قربهم من بلاط الخلفاء. وقد حقق بعضهم ثروات هائلة فقد جمع ابن بختيشوع طبيب هارون الرشيد والمأمون والبرامكة ثروة تقدر بحوالي سبعة ملايين دينار. ويقول عنه المؤرخون إنه كان يتقاضى من","vol":"1","page":304},{"text":"الخليفة مائة ألف درهم نظير حجامته مرتين في العام ومثل هذا المبلغ لإعطائه مسهلا كل نصف عام.\nوقد أسس ابن طولون أول مستشفى في مصر سنة ٨٧٢م ومن بعده كان هناك البيمارستان المنصوري الكبير الذي بني ٦٨٣هـ وكان من أشهر البيمارستانات. وأنشأ نور الدين في دمشق سنة ١١٧٠م بيمارستانا ظل ثلاثة قرون يعالج المرضى من غير أجر ويمدهم بالدواء من غير ثمن. ولما وفد ابن جبير إلى بغداد سنة ١١٨٤م دهش من بيمارستانها العظيم الذي كان يرتفع كما ترتفع القصور الملكية على شاطئ نهر دجلة. وكان يطعم المرضى ويعالجهم ويمدهم بالدواء كما أشرنا.\nوربما يكون مستشفى السلطان قلاون الذي تأسس بالقاهرة سنة ١٢٨٥م أعظم مستشفيات العالم الإسلامي وأكثرها شهرة في العصر الوسيط، وقد أورد له المقريزي وصفا رائعا في خططه \"ج - ص٢٦٠\".\nوكانت هذه البيمارستانات معدة ومنظمة جيدا فكان بها قسم للرجال وآخر للحريم. وكل قسم مجهز بالآلات والعدد والمشرفين والخدم وفي كل قسم قاعات لمختلف الأمراض. قاعة للأمراض الباطنية وأخرى للجراحة وثالثة للحاملة ورابعة للتجبير. وكان للبيمارستان صيدلية سميت \"شرانجاز\" في العصر المتأخر ولها رئيس يسمى شيخ صيدلي البيمارستان.\nوكان لك بيمارستان رئيس أطفال يلقى دروسه على طلبة الطب ويأذن لمن أتم دراسته منهم وقدم رسالة في فرع الطب الذي يختاره بممارسة المهنة ويعطيه ترخيصا كتابيا أو إجازة بذلك، ولم يكن يجوز لأحد أن يمارس هذه المهنة إلا إذا قدم لامتحان يعقد لهذا الغرض.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>تاسعا: منازل العلماء</span>\nلعبت منازل العلماء دورا كبيرا في نشر العلم وتوسيع مجالات التعليم فقد كان الطلبة يقفون على أبواب الشيوخ ليسألوهم أو ليسمعوا منهم. وكانت الدروس المنتظمة تلقى في تلك البيوت التي كانت تصاميم بنائها تلائم هذه الأغراض. وربما عقدت مجالس الدروس عند عتبة الباب حيث يجلس الطلبة في الطريق مع شيخهم الذي يلقي عليهم دروسه. كما كان يجلس هناك بعض رفاقه. ومن هذه المجالس مجالس النظر التي كان يعقدها القاضي المجاملي كل يوم أربعاء وتبحث فيها المسائل الفقهية وقد استمر هذا المجلس حتى بعد وفاته، ومن هذه المجالس أيضا مجلس القاضي السمناني ومجلس اللغة لإبراهيم الحربي الذي واظب على حضوره النحوي المشهور ثعلب مدة خمسين عاما. وكان منزل الإمام أحمد بن حنبل ملتقى لعلماء بغداد وللوافدين عليها وكان يقصده عدد كبير من الطلبة.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>الفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>ابن سحنون وآراؤه التربوية</span>\n...\nالفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط\nالمقدمة:\nسبق أن أشرنا إلى تميز المرحلة الثانية من تطور التربية الإسلامية بظهور الآراء التربوية المتميزة، وسنحاول في الصفحات التالية أن نعرض لأهم آراء أعلام التربية في الإسلام مبتدئين برائدهم ابن سحنون.\n١- ابن سحنون وآراؤه التربوية:\nالاسم الكامل له هو محمد بن سعيد بن حبيب، التنوخي القيرواني، ولد بالقيروان بتونس ٢٠٢هـ ومات سنة ٢٥٦هـ ودفن بجوار أبيه في القيروان، وقد نشأ ابن سحنون في بيئة مثقفة متدينة فقد كان أبو الإمام سحنون عالما متدينا ذائع الصيت وقاضيا متنورا عادلا تولى القضاء في عهد الأمير أبي العباس أحمد بن الأغلب وباشر الحسبة والمظالم بنفسه واستحق أن يلقب بسراج القيروان وقد تلقى ابنه محمد العلم عنه وعن غيره من علماء عصره، وارتحل إلى الشرق حبا في الاستزادة في طلب العلم.\nوقد ألف محمد بن سحنون كتبا كثيرة تزيد على العشرين مصنفا في مختلف العلوم. إلا أن شهرته بالنسبة لدراسة التربية الإسلامية ترتبط بكتابه المعروف \"آداب المعلمين\" الذي نشر ١٣٤٨هـ - ١٩٢٩م وقامت بنشره اللجنة التونسية لنشر المخطوطات العربية على أساس نسخة خطية من مخطوطات يرجع تاريخها إلى القرن الثامن الهجري.\nوقد نسب ابن خلدون في مقدمته هذا الكتاب خطأ إلى محمد بن أبي زيد. والكتاب نفسه صغير الحجم عظيم القدر فهو يقع في اثنتي عشرة صفحة في النسخة الخطية وفي ٢٦ صفحة في النسخة المنشورة، وقد نقل ابن سحنون هذا الكتاب عن أبيه كما يتضح من التذييل المكتوب في نهاية الكتاب، وكما يتضح أيضا من محتويات الكتاب نفسه. ويتضمن الكتاب عشرة أبواب على الترتيب هي:","vol":"1","page":307},{"text":"١- ما جاء في تعليم القرآن العزيز.\n٢- ما جاء في العدل بين الصبيان.\n٣- باب ما يكره محوه من ذكر الله تعالى.\n٤- ما جاء في الأدب ما يجوز في ذلك وما لا يجوز \"العقاب\".\n٥- ما جاء في الختم وما يجب في ذلك للمعلم \"من حيث الأجر\".\n٦- ما جاء في القضاء بعطية العيد.\n٧- ما ينبغي أن يخلى الصبيان فيه \"العطلات المدرسية\".\n٨- ما يجب على المعلم من لزوم الصبيان.\n٩- ما جاء في إجازة المعلم ومتى تجب \"أجر المعلم\".\n١٠- ما جاء في إجازة المصحف وكتب الفقه وما شابهها.\nوهناك تداخل أحيانا وتكرار أيضا في الآراء التي يوردها ابن سحنون تحت هذه العناوين بل إنه قد يرد تحت العنوان كلام لا يدخل في بابه أو موضوعه. وفي ضوء هذا التنبيه وهذه الإشارة سنعرض لأهم الآراء والمبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذه العناوين مع التزامنا بترتيبها كما أوردها، ولا يعتبر ذلك نقدا لابن سحنون أو تقليلا لأهمية الآراء التي أوردها فهو صاحب فضل وسبق كبير باعتباره أول من ألف في التربية الإسلامية من العرب والمسلمين، فلم يرد قبله كتاب تناول هذا الموضوع. وهو بهذا يعتبر رائدا في الكتابة عن التربية الإسلامية. وقد اعتمد عليه من ألف بعده في نفس الموضوع، ومنهم القابسي في رسالته عن أحوال المعلمين والمتعلمين، بل إن القابسي كان ينقل أحيانا نقلا حرفيا عن ابن سحنون وأحيانا أخرى كان ينقل بتصرف في العبارة دون إخلال بالمعنى.\nأهم الآراء التي وردت في رسالة ابن سحنون:\nلا يورد ابن سحنون آراء وأحكاما مستقلة تعبر عن رأيه وإنما يستخلص هذه الآراء من الكتاب والسنة ويوردها منسوبة إليهما أو الروايات المدققة.","vol":"1","page":308},{"text":"فضل تعليم القرآن وتعلمه:\nكان أول ما أكده ابن سحنون فضل تعلم القرآن الكريم وتعليمه، ويقتبس لذلك أحاديث للنبي كقوله ﷺ. \"أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه\". \"ويرفع الله بالقرآن أقواما\" و\"أن لله أهلين من الناس: حمله القرآن هم أهل الله وخاصته\" و\"من قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد\".\nالعدل بين الصبيان:\nفي إشارته إلى عدل المؤدب بين الصبيان يورد ابن سحنون حديث النبي ﷺ الذي يقول: \"أيما مؤدب ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حشر يوم القيامة مع الخائنين\".\nما يكره محوه من ذكر الله تعالى:\nيستدل ابن سحنون في الكلام عما يكره محوه من ذكر الله تعالى بما ورد عن أنس بن مالك قوله: \"إذا محت صبية الكتاب تنزيل رب العالمين من ألواحهم بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره ثم لم يبال حين يلقى الله على ما يلقاه عليه\".\nويورد على لسان أنس تفسيره للطريقة التي كانت تمحى بها الألواح وما عليها من القرآن أيام الخلفاء الأربعة فيقول: كان للمؤدب \"إجانة\" وكان كل صبي يأتي يوم نوبته بماء طاهر يصبه فيها، وتمحى الألواح بغمسها في الإجانة المملوءة بالماء ثم يوضع الماء بعد الانتهاء في غسل الألواح في حفرة في أرض يصب فيها لينشف كما يمكن مسح الألواح بلعقها أو بمسحها بالمنديل وما أشبه.\nما يجوز في الأدب وما لا يجوز:\nيورد ابن سحنون تحت هذا العنوان روايات تتضمن أقوالا للنبي ﷺ تحدد مدى ما يجوز للمعلم في عقاب الصبيان وتأديبهم، منها قول النبي ﷺ: \"لا يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط إلا في حد\" وقوله ﷺ: \"أدب الصبي ثلاث درر فمن زاد عليه قوصص -من القصاص- يوم القيامة\". وهذا يعني أن ضرب المعلم الصبي يجوز بين ثلاث درر ولا يزيد عن عشرة عند تأديبهم","vol":"1","page":309},{"text":"على اللعب والبطالة. ويكون التأديب بهدف منفعتهم لا بسبب غضب المؤدب. ولا يجوز أن يزيد في ضربه على ثلاث درر في تأديب الصبي على قراءة القرآن ويجب أن يكون التأديب على قدر الذنب دون إسراف.\nوفي ختمة القرآن وما يجب للمعلم:\nيفهم مما يورده ابن سحنون أن ختمة القرآن إما بحفظ القرآن كله أو معظمه أو نصفه أو ثلثه أو ربعه، ويكون ذلك حسب قدرة المتعلم ولا يجوز للمعلم أن يحمل المتعلم فوق ما يريد أن يحفظه من القرآن إلا بإذن أبيه. كما يجوز للمعلم أن يأخذ هدايا من الصبيان في مناسبة الختمة والأعياد فقط ولا يجوز له أن يأخذ منهم هدايا فيما عدا ذلك إلا بإذن الآباء.\nوفي عطية العيد:\nلا يجوز للمعلم أن يكلف الصبيان فوق أجره شيئا من هدية أو غير ذلك، وحرام عليه أن يقبل منهم هدية سألهم عليها ولا جناح عليه أن يقبل الهدية إذا جاءت منهم بدون سؤال، ولا يجوز له أن يعاقبهم أو يهددهم على عدم إهدائهم، كما لا يحل له أن يخليهم إذا أهدوا له لأن التخلية داعية إلى الهدية وهو أمر مكروه.\nما ينبغي أن يخلى الصبيان فيه:\nيفهم مما يذكره ابن سحنون أن إجازة الصبيان في الأعياد تكون من يوم إلى ثلاثة في عيد الفطر ومن ثلاثة أيام إلى خمسة في عيد الأضحى. ولا يجوز للمعلم أن يرسل أحد من صبيانه في طلب من تغيب منهم إلا بإذن أولياء الأمور إلا أن تكون الأماكن قريبة لا تلهي الصبي عن دراسته، وعليه أن يتعهد المتغيبين من الصبيان بنفسه، وأن يخبر آباءهم بتغيبهم. ومن الأفضل ألا يكلف أحد صبيانه في القيام بالضرب وألا يجعل لهم عريفا عليهم إلا إذا كان قد ختم القرآن وعرفه وأصبح مستغنيا عن التعليم فلا بأس من أن يستعين به في التعليم لما في ذلك من منفعة للصبي. وله أن يستأذن والده في ذلك. ويجوز له أن يستأجر من يعينه إذا كان في مثل كفاءته.","vol":"1","page":310},{"text":"ما يجب على المعلم من لزوم الصبيان:\nمما يورده ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يلي:\n١- لا يحل للمعلم أن ينشغل عن الصبيان وهو يقوم بتعليمهم اللهم في الأوقات التي تتخلل عمله فلا بأس من أن يتحدث وهو يتفقدهم وعينه عليهم.\n٢- يعرض ابن سحنون لتحريم رمي الفاكهة على الناس عند الاحتفال بختم القرآن لأن ذلك يعتبر طعاما ننهبه، وقد نهى الرسول ﷺ عن أكل الطعام النهبة.\n٣- يجب على المعلم أن يتفرغ لتلاميذه ولا يترك عمله للصلاة على الجنائز إلا في حالات الضرورة، ولا يجوز له أن يترك عمله للسير في الجنائز أو عيادة المرضى.\n٤- ينبغي أن يخصص المعلم لتلاميذه وقتا لتعليم الكتاب وينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن والشكل والهجاء والخط الحسن والقراءة الحسنة والتوقيف والترتيل أما تعليم الحساب والشعر والعربية والنحو فليس واجبا عليه إلا إذا اشترط عليه ذلك.\n٥- لا يجوز للمعلم أن يضرب الصبي على رأسه أو وجهه ولا يجوز له أن يمنع من طعامه وشرابه إذا أرسل في طلبه.\n٦- لا يجوز للمعلم أن يوكل تعليم الصبية لبعضهم بل يجب أن يتولى ذلك بنفسه.\n٧- لا يجوز للمعلم أن ينشغل عن الصبيان بأن يكتب لنفسه أو لغيره كتب الفقه إلا بعد انتهاء الصبيان من القراءة.\n٨- على المعلم أن يحضر الدرة والفلقة وعليه أيضا استئجار الحانوت وليس على الصبيان شيء من ذلك كله، ولكن إذا استأجر الآباء المعلم على تعليم الصبيان لمدة سنة فعليهم استئجار المكان للمعلم.\n٩- على المعلم أن يختبر مدى تقدم صبيانه في التعليم.","vol":"1","page":311},{"text":"١٠- على المعلم أن يخصص وقتا معلوما لمراجعة حفظ القرآن مثل عشية الأربعاء ويوم الخميس وأن يعفيهم \"أي التلاميذ\" من الحضور للدراسة يوم الجمعة.\n١١- لا يجوز للمعلم أن يعلم صبيانه قراءة القرآن بالألحان والغناء لأنه مكروه.\n١٢- يجعل المعلم وقت الدراسة بالكتاب من الضحى إلى وقت الظهر، \"الانقلاب\".\n١٣- يجوز للمعلم أن يجعل صبيانه يملي بعضهم بعضا لما في ذلك من منفعة لهم ويجب أن يتفقد إملاءهم أو يفحصها.\n١٤- لا يجوز للمعلم أن ينقل الصبي من سورة إلى سورة إلا إذا حفظها بإعرابها وكتابتها.\n١٥- لا يجوز للمعلم أن يرسل الصبيان في قضاء حوائجه.\n١٦- يجب على المعلم أن يأمر الصبي بالصلاة إذا كان ابن سبع سنين ويضربه عليها إذا كان ابن عشر. وعليه أن يعلمهم الوضوء والصلاة لأنها من تمام دينهم، ويعلمهم أيضا سنن الصلاة، والابتهال إلى الله.\n١٧- لا يجوز تعليم الصبيان في المسجد لأنهم لا يتحفظون من النجاسة ولم ينصب المسجد لتعليم الصبيان.\n١٨- لا يجوز للمعلم أن يعلم أولاد النصارى القرآن.\n١٩- من المكروه تعليم الجواري باختلاطهن بالغلمان لأن ذلك فساد لهم.\n٢٠- على المعلم أن يؤدب الصبيان إذا آذى بعضهم بعضا.\n٢١- إذا أدب المعلم الصبي الذي يجوز له تأديبه فأخطأ ففقأ عينيه أو أصابه فقتله كان على المعلم حد الكفارة في القتل والدية إذا جاوز حد التأديب إلى القسوة وإذا لم يجاوز المعلم الحد فلا دية عليه. وإذا ضرب المعلم الصبي بشيء غير مسموح به فقتله فعلى المعلم القصاص.\nومن الإشارات الطريفة عن المعلمين لابن سحنون قوله: إنهم كانوا يسرون بوقوع الحبر على ثيابهم دلالة على اجتهادهم الشديد في تعليم الصبيان.","vol":"1","page":312},{"text":"ما جاء في إجازة \"أجر\" المعلم ومتى تجب:\nمن أهم المبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يأتي:\n١- يجوز أن يؤجر المعلم شهريا أو سنويا أو يدفع له الأجر حسب الاتفاق.\n٢- يستحق المعلم الأجر المتفق عليه ولو كان لمدة سنة في حالة مرض الصبي أو خروجه مع والده في سفر.\n٣- يجوز أن يستأجر المعلم لجماعة من الصبيان إذا تراضى الآباء بذلك ويقوم كل منهم بدفع نصيبه.\n٤- يمنع المعلم من التعليم إذا عرف عنه التفريط أو التقصير في تعليم تلاميذه.\n٥- يجوز للمعلم أن يعلم مع صبيان استؤجر على تعليمهم صبيانا آخرين بحيث لا يضر بتعليمهم.\nما جاء في إجازة المصحف وكتب الفقه:\nمن أهم المبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يأتي:\n١- يجوز أن يستأجر المصحف للقراءة فيه كما يجوز بيعه لأن ما يباع هو الحبر والورق.\n٢- ويجوز أيضا إجازة كتب الفقه وبيعها إذا علم من استأجرها واشتراها.","vol":"1","page":313},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-136> القابسي وآراؤه التربوية:</span>\nالاسم الكامل للقابسي هو أبو الحسن علي بن محمد خلف المعافري المعروف بالقابسي، ولد بالقيروان سنة ٣٢٤هـ \"٩٣٥م\" وبها تربى وتعلم وعلم. وبها مات ودفن سنة ٤٠٢هـ \"١٠١٢م\". ويرجع نسب القابسي على الأرجح إلى قرية المعافرين التي ينتسب إليها وكانت ضاحية من ضواحي تونس.\nوكان القابسي عالما ضريرا فقيها ورعا. وله مؤلفات كثيرة تصل إلى ١٥ كلها في الفقه والحديث والمواعظ باستثناء واحد أفرده القابسي لشئون التعليم في الإسلام هي رسالته المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين. وقد صنفها في النصف الثاني من القرن الرابع وضاع الأصل وبقيت منه نسخة خطبة فريجة ترجع إلى عام ٧٠٦هـ وهي محفوظة بالمكتبة القومية بباريس ومكتوبة بخط مغربي جميل.\nوهذه الرسالة أكبر من حجمها من رسالة ابن سحنون وقد تأثر بما كتبه ابن سحنون ونقل عنه نقلا حرفيا في بعض الأحيان، كما سبق أن أشرنا، كما نقل أيضا عن الفقهاء الذين أخذ عنهم ابن سحنون كابن القاسم وابن وهب إلا أن للقابسي فضل التوسع والاستفاضة في الأبواب والمعالجة.\nآراء القابسي التربوية:\nتصدى القابسي في رسالته إلى الكلام عن تعليم الصبيان من حيث أغراضه ومناهجه وطرق تدريسه وأماكنه ومراحل. كما تحدث عن بعض الأحكام الخاصة بالمعلم. وقد تناول القابسي في الجزء الأول من رسالته فضل تعلم القرآن وتعليمه. وهو بهذا يشترك مع ابن سحنون بل إنه ينقل نفس الأحاديث النبوية إلا أنه يتوسع في الكلام.\nالغرض من التعليم معرفة الدين علما وعملا:\nيجعل القابسي من تعليم القرآن غرضا هاما لتعليم الصبيان. بالقرآن ضرورة لمعرفة الدين. والصلاة لا تتم إلا بقراءة شيء من القرآن وهي مفروضة على المسلمين لأنها ركن من أركان الدين. وهو يتفق مع غيره من علماء المسلمين في أن الغرض الأول من تعليم الصبيان هو معرفة الدينه علما وعملا أو نظرا وتطبيقا وممارسة.\nوجوب تعليم الصبيان:\nيتعرض القابسي لقضية لم ترد عند ابن سحنون هي قضية القول بضرورة تعليم جميع الصبيان فتعليمهم واجب وجوبا شرعيا. وهو يدلل على هذا الوجوب بوجوب معرفة القرآن والعبادات، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولذا كان التعليم واجبا لأنه شرط معرفة القرآن والعبادات. وهكذا نجد بذور فكرة التعليم الإجباري الإلزامي عند القابسي، وقد كان صريحا كما كان جريئا","vol":"1","page":314},{"text":"فيها. وقد استقر هذا المبدأ عند فقهاء المسلمين فيما بعد عندما أصبح طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.\nوتقتضي ضرورة تعليم الصبيان أن يكون الوالد مكلفا بتعليم ابنه بنفسه فإن لم يستطع فعليه أنه يرسله لتلقي العلم بالأجر فإذا لم يكن قادرا على ذلك قام التكليف أقرباؤه. فإذا عجز الأهل عن نفقة التعليم قام بها المحسنون أو قام معلم الكتاب بتعليم الفقراء احتسابا لوجه الله، أو دفع لهم الحاكم أجر تعليمهم من بيت المال. وهكذا يتحقق تعليم كل المسلمين بصرف النظر عن الغني أو الفقير.\nتعليم البنت حق:\nيعترف القابسي بحق البنت في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة. وهو يتفق مع روح الإسلام الحقيقة التي جعلت من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة على حد سواء. إلا أنه ذهب إلى عدم الخلط بين الصبيان والإناث وهو مبدأ سبق أن أكده ابن سحنون لاعتبارات أخلاقية وينبغي أن تعلم البنت ما فيه صلاحها ويبعدها عن الفتنة.\nمنهج الدراسة:\nيذهب القابسي إلى أن الغاية الدينية هي التي تحدد العلوم التي يدرسها الصبيان، وأول هذه العلوم حفظ القرآن وقراءته وكتابته ونطقه وتجويده. وتعليم الحساب والمواد في نظره ليس بشرط لازم، وهو يتفق مع ابن سحنون في هذا الرأي.\nالدين أصل الأخلاق:\nيعتبر القابسي الدين أصل الأخلاق، فالدين أساس التربية الخلقية في الإسلام. لذلك يجب أن يعمل التعليم على تهذيب الأخلاق وأساس الأخلاق عنده الضمير الخلقي الحي المستمد من الدين الذي يعتمد على ما ورد عن النبي ﷺ عندما سئل ما الإيمان؟ قال: \"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك\" ويكون اكتساب الأخلاق عن طريق التعليم والقدوة. ولذلك كانت سيرة الرسول ﷺ ذات فائدة تعليمية خلقية عظيمة. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ","vol":"1","page":315},{"text":"فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ .\nالفضائل والرذائل:\nإن الفضائل من تمام كمال الإنسان. وقد تنبه القابسي إلى أثر تكوين العادة في اكتساب الفضائل لدى الإنسان ولذا يوصي المعلم بتوجيه الصبيان إلى العادات الحسنة وإبعادهم عن العادات الرذيلة. وأول الصفات الطيبة التي يتحلى بها الصبيان في نظره الطاعة وهي ليست واجبة عليهم نحو المعلم فحسب بل هي واجبة نحو الله والرسول وأولى الأمر كما جاء في القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .\nومن الصفات الطيبة النظام. فالغوضي مفسدة للصبيان. ويقتضي النظام من الصبيان الانتظام في الحضور وعند الانصراف من الدرس والتحلي بالنظام في الدرس والأعمال المدرسية. والعبادات الإسلامية خير ما يعود الإنسان على الطاعة والنظام ولذا كانت ممارستها واجبة. والمعلم مطالب بتعليمها للصبيان باعتبارها أصل الفضائل وعصمة من الرذائل.\nالرفق بالصبيان:\nإن العقوبة مشروعة في الإسلام وجعل لنا في القصاص حياة. وقد أقر القابسي مبدأ عقاب الصبيان لكنه يترفق معهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو. وينزل المعلم من الصبي منزلة الوالد، وطالبه بأن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه. ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إذا أخطأ الطفل وإنما ينبهه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب وقد نهى القابسي عن استخدام أسلوب الحرمان من الطعام والشراب في العقاب. بل طلب من المعلم أن يترفق بالصبيان فيأذن لهم بالانصراف إلى تناول الغذاء من طعام وشراب ثم يعودون. وهذا يعني أن الدراسة بالكتاب كانت تمتد إلى العصر. ونهى القابسي عن الانتقام في العقاب ولذا نهى المعلم عن ضرب الصبيان في حالة الغضب حتى لا يكون \"ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه\".","vol":"1","page":316},{"text":"وأشار القابسي إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان فأقر الضرب كعقوبة إلا أنه اشترط لها شروطا من أهمها:\n١- لا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب.\n٢- أن يكون العقاب على قدر الذنب.\n٣- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك.\n٤- أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان.\n٥- أن يكون الضرب على الرجلين، ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم.\n٦- أن تكون آلة الضرب هي الدرة والفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا. وهذه نفس الشروط تقريبا التي أشار إليها ابن سحنون من قبل.\nنظام الدراسة:\nإن نظام الدراسة الذي أشار إليه القابسي هو النظام المتعارف عليه وهو يقوم على أساس الدراسة طول أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة والنصف الثاني من يوم الخميس، ويخصص مساء الأربعاء وأول يوم الخميس للمراجعة والتدقيق من جانب المعلم للصبيان، وتكون الدراسة في أول النهار حتى الضحى مخصصة للقرآن الكريم ومن الضحى إلى الضحى إلى الظهر لتعليم الكتابة، وعند الظهر ينصرف التلاميذ لتناول الغداء ثم يعودون بعد صلاة الظهر حيث يدرس الصبيان لفيما يتبقى من النهار بقية العلوم كالنحو والحساب والشعر. وهو يتفق في كثير من هذه الأمور مع ابن سحنون.\nالنهي عن تعليم غير المسلمين:\nيتفق القابسي مع ابن سحنون في النهي عن تعليم غير المسلمين في الكتاتيب والنهي أيضا عن تعليم أبناء المسلمين في المدارس النصرانية، ومن الواضح الأساس الذي بني عليه هذا النهي.","vol":"1","page":317},{"text":"المعلم:\nاقتصر القابسي في رسالته على الكلام عن معلمي الكتاتيب الذين يتصلون بأولاد العامة وذاع عنهم الحمق فقيل في المثل: \"أحمق من معلم الكتاب\". وهكذا وصفوا بالحمق وقلة العقل ولم تقبل شهادتهم. وقد انتصر الجاحظ لمعلمي الخاصة وهم المؤدبون الذين كانوا أكثر احتراما من معلمي الصبيان. ولعل هذه الوصمة لحقت بمعلمي الصبية من جراء العناصر الوضيعة التي اشتغلت بالمهنة والممارسات السيئة التي عرفت عنهم مما يتضح مما نهى القابسي المعلمين عنه. ولم تكن هناك شروط يسمح للمعلم بناء عليها بمزاولة المهنة. ولكن كان الأمر يعتمد على الشعور بالقدرة فمن آنس في نفسه المقدرة على التعليم جاز له ذلك، وقد اشترط القابسي في المعلم معرفة القرآن والنحو والشعر وأيام العرب إلى جانب شخصيته الدينية وسمعته الطيبة. وهو بهذا يتفق مع ابن سحنون ويتفق معه أيضا في مطالبة المعلم بعدم الانشغال عن تعليم الصبيان وعدم طلب الهدايا منهم أو إرسال تلاميذهم في قضاء حوائجهم والحصول على طعام باسمهم في مناسبات الأفراح أو إحضار الطعام والحطب من بيوتهم.\nولا يجوز للمعلم أن يترك عمله للصلاة على الجنازة أو السير فيها أو عيادة المرضى أو حضور شهادة البيع والنكاح. وربما من هنا جاءت فكرة عدم قبول شهادة معلم الصبية لا لنقص فيه ولكن لأنه منهي عن الانشغال عن التعليم وهو واجبه بأعمال أخرى.\nومن الواضح أوجه الاتفاق والشبه الكبير بين ما يقول القابسي وما ذهب إليه ابن سحنون. وكلاهما يتفقان أيضا على أن يأخذ المعلم أجرا نظير عمله إما مشاهرة أو مساناة. وأعطى القابسي للمعلم سلطة كبيرة على الصبي تساوي سلطة الوالد، ولكنه حمل المعلم المسئولية والنتيجة النهائية لعمله، وليس له أن يعتذر عن فساد النتيجة بنقص سلطته أو إلقاء اللوم على الصبيان. ولهذا صح عقاب المعلم ومحاسبته على التقصير في أعماله، وقد يصل العقاب إلى حد منعه من الاشتغال بالتعليم.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>ابن مسكويه وآراؤه التربوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>مدخل</span>\n...\n٣- ابن مسكويه وآراؤه التربوية\"\n\"٣٢٠هـ-٤١٢هـ، ٩٣٣م-١٠٣٠م\"\nهو فارسي الأصل كما يبدو من اسمه الذي يتكون من مقطعين مسك وهو العطر المعروف و\"ويه\" وتعني رائحة. فيكون معنى اسمه رائحة المسك. واسمه الكامل هو أحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه. ومسكويه هو اسمه واسم جده أيضا، ولذلك يقال له مسكويه وابن مسكويه \"شريف: ١٥٩\". أصله من الري وسكن أصفهان وتوفي بها. وإذا كان بعض علماء المسلمين قد لقبوا أرسطوا بالمعلم الأول والفارابي بالمعلم الثاني فابن مسكويه يلقب بالمعلم الثالث.\nوكانت ولادته سنة ٣٣٠هـ - ٩٣٣م، ووفاته عام ٤٢١هـ - ١٠٣٠م. وهذا يعني أنه قد عاش ما يقرب من مائة عام. ويعتبر ابن مسكويه من أعيان الشيعة فقد كان شيعيا مخلصا يؤمن كغيره من الشيعة فإقامة سيدنا علي في خلافة المسلمين بعد رسول الله ﷺ. اشتغل بالكيمياء والفلسفة والمنطق مدة طويلة. ثم أولع بالأدب والتاريخ والإنشاء. اشتهر بالخازن لأنه كان أمينا على خزانة كتب ابن العميد ثم كتب عضد الدولة ابن بويه.\nوحياة ابن مسكويه مليئة بالتناقض. فقد عاش في شبابه حياة ترف ولهو استمتاع ومجون. ولكنه عدل من ذلك فيما بعد في مرحلة متقدمة من عمره. وهو نفسه يشير إلى ذلك في كتابه تهذيب الأخلاق في كلامه عن تأديب الصبية والأمور التي تسيء إلى تربيتهم من سماع الأشعار السيئة ومرافقة أهل السوء وميل طبعه إلى كثرة الطعام واللباس والزينة. ويعقب على ذلك بقوله: \"كما اتفق لي مثل ذلك في بعض الأوقات\". وقد يرجع سبب ذلك إلى إهمال والديه تربيته منذ الطفولة. فقد تركا له الحبل على الغارب ولم يعوداه على السلوك السليم منذ صغره. بل إن أمه لم تكن مثلا يحتذى له في حياته. فقد تزوجت بعد موت أبيه برجل أقل شأنا منه وكان غير راض عن سلوكه وتصرفاته. والغريب أن هذا الشاب المترف الماجن المستهتر يعود في آخر سنوات حياته ليكتب كتابا عن \"تهذيب الأخلاق\" يعتبر من أهم الكتب في فلسفة الأخلاق الإسلامية. وربما يكون السبب في ذلك أسفه وندمه الشديد على ما فعله في شباب وتكفيره عن ذلك بكتابه هذا الكتاب الذي اعتمد في كتابته على معرفته بالعلوم الفلسفية وخبرته الذاتية الشخصية.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>مؤلفات ابن مسكويه:</span>\nيعتبر كتاب \"تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق\" من أهم وأشهر كتبه. وهو كتاب صغير الحجم عظيم القدر يبدو منه بوضوح تأثيره على فكر حجة الإسلام الغزالي الذي جاء من بعده ونقل عنه كثيرا من أفكاره. وهناك كتب أخرى لابن مسكويه منها \"كتاب الفوز الأصغر والفوز الأكبر وفوز النجاة\" و\"كتاب ترتيب السعادات\" وكتاب \"آداب العرب والفرس\" و\"كتاب تجارب الأمم\"، وله كتاب \"الحكمة الخالدة\" تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي. ويقول الدكتور أحمد عبد الحليم عطية محقق كتاب السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية لأبي الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى ٣٨١هـ في ص١٧ أن ابن مسكويه نقل فيه عن العامري وخصص فيه فصلا طويلا عن وصايا العامري وآدابه١. هذا إلى جانب بعض الرسائل الصغيرة ما زال الكثير منها إن لم يكن معظمها مخطوطا. من هذه الرسائل رسالة \"في النفس والعقل\" ورسالة \"اللذات والآلام\" و\"ورسالة في جوهر النفس والبحث عنها\".\n_________\n١ يقول التوحيدي -الذي ينقل في مؤلفاته عن أستاذه العامري- في كتابه الإمتاع والمؤانسة ج١ ص٣٦. إن ابن مسكويه رغم تتلمذه على العامري الذي سكن الري خمس سنين ودرس وأملى وصنف وروى لم يأخذ عنه كلمة واحدة ولا مسألة حتى كأن بينهما سدا.","vol":"1","page":320},{"text":"تأثير ابن مسكويه بفلاسفة الإغريق:\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>تأثر ابن مسكويه بفلاسفة الإغريق </span>شأنه في ذلك شأن كثير من فلاسفة الإسلام كالكندي وكالفارابي وابن سينا والعامري والغزالي وغيرهم. وهو يشير إلى آراء جالينوس وأرسطو وسقراط وفورفيوس وبروسن وفيثاغورث وبقراط وأفلاطون والرواقيين من فلاسفة الإغريق وينقل عنهم. بل إنه يعترف صراحة بأنه نقل عنهم \"ابن مسكويه: ص٦٦، ٨٤، ٨٧، ٩١، ١٦٧، ١٨٠\". ويقول أحد الباحثين إن مسكويه اعتمد في كتابه تهذيب الأخلاق على كتاب الأخلاق النيقوماخية لأرسطو \"محمد الجليند: ٢٦٥\" نسبة إلى نيقوماخوس والد أرسطو.\nتأثيره على حجة الإسلام الغزالي: كان لابن مسكويه تأثير واضح على حجة الإسلام الغزالي. ويبدو هذا التأثير فيما نقله نقلا حرفيا عنه في كلامه عن النفس وتقسيماتها والفضائل وأمهاتها وصفاتها الأخلاقية والصفات التي تتدرج تحتها وغير ذلك مما سنشير إليه في كلامنا عن ابن مسكويه وفي كلامنا أيضا عن الغزالي. ويقول ابن الخطيب محقق كتاب ابن مسكويه وشارح غريبه \"ص٦\" في تعليقه على الكتاب إنه كان قد قرأ أبوابا برمتها منه في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فظن بادئ ذي بدء أن ابن مسكويه نقل عن الغزالي هذه الأبواب. ولكن بعد البحث وجد أن ابن مسكويه توفي في عام ٤٢١هـ في حين أن الغزالي توفي عام ٥٠٥هـ فيكون ابن مسكويه أسبق من الغزالي. وبذلك يكون الغزالي هو الناقل عن ابن مسكويه.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>آراؤه التربوية:</span>\nيتحدث ابن مسكويه عن ضرورة الاجتماع البشري ويذكر عبارة \"الناس مدينون بالطبع\" \"ص١٢٦\" ويكررها في \"ص١٦٧\". وهو بهذا يكون سابقا للماوردي والأصفهاني وابن خلدون في القول بذلك. والواقع أن أستاذ ابن مسكويه وهو أبو الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى ٣٨١هـ يذكر مثل هذه العبارة في كتابه \"السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية\" \"ص٢٥٧\" وينسبها إلى أرسطو. وتكلم ابن مسكويه في أمور كثيرة تتعلق بالعقل والقلب والنفس والأخلاق وتربية الصبيان وسنعرض في السطور التالية لبعض آرائه.\n١- إعلاؤه لشأن العقل: ينزل ابن مسكوية العقل منزلة كبرى تمشيا مع فلاسفة الإغريق الذين يمجدون العقل كأعلى قيمة في حياة الإنسان. والواقع أن الإسلام الذي ينتمي إليه ابن مسكويه يعلي من شأن العقل إلى درجة كبيرة قل أن نجد لها نظيرا في الأديان الأخرى. والقرآن الكريم مليء بالشواهد الكثيرة التي تدل على ذلك. ويتردد في القرآن دائما في عبارة مثل \"لعلهم يعقلون\" \"ألا يعقلون\"، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ \"ولعلكم تتفكرون\"، \"أفلا تنكرون\"، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُون﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون﴾ .\nوالمفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد ﵀ كتب كما أشرنا كتابا بعنوان \"التفكير فريضة إسلامية\" فإذا كان التفكير وهو وظيفة العقل فريضة في الإسلام ألا يدل ذلك على إعلاء الإسلام من شأن العقل؟ ولا شك في أن ابن مسكويه قد تأثر في كلامه بما يقوله الإسلام عن العقل إلا أن لأسلوب كلامه طابعا يونانيا قديما.","vol":"1","page":321},{"text":"والعقل عند ابن مسكويه يعتبره على غرار الإغريق قوة النفس الناطقة. ذلك أنه يرى أن للنفس قوى مختلفة لها مراكز جسمية. والعقل والفكر في الدماغ والغضب في القلب والشهوة في البطن.\nوهو يرى أن العقل هو مناط التكليف الإلهي. وعلى أساسه يكون حساب الإنسان ثوابا عقابا. وبه يستطيع المرء أن يكون قاب قوسين أو أدنى من سدرة المنتهى التي أشار إليها القرآن الكريم في سورة النجم بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ . وبه أيضا يهوى إلى الدرك الأسفل من النار شأنه شأن المنافقين الذين قال عنهم القرآن الكريم في سورة النار ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ . أو يكون شبه الحيوانات والأنعام الذين قال فيهم رب العزة في سورة الفرقان ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ .","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>النفس الإنسانية:</span>\nتحدث ابن مسكويه عن النفس من حيث طبيعتها وصلتها بالجسم. فمن حيث طبيعتها يناقش ما إذا كانت النفس الإنسانية نفسا واحدة أم أنها متعددة. ويصل إلى القول بأن النفس واحدة ترد إليها قوى مختلفة هي بمثابة الفروع للشجرة الواحدة. ومن حيث صلة النفس بالجسم يتساءل هل هي جزء من الجسم تفنى بفنائه؟ ويجيب على ذلك بقوله إن النفس مغايرة للبدن وليست جزءا منه ولا حالا من أحواله. ويستدل على ذلك بأن النفس هي التي تحرك البدن وقد تكون هذه الحركة مخالفة لطبيعته كالصعود إلى أعلى أو التحرك من مكان إلى مكان. كما أن الجسم يعتريه التغيير والتبديل والزيادة والنقصان. ومع ذلك يظل الإنسان مدركا لنفسه في كل ذلك. وهذا يعني أن هناك جوهرا غير الجسم مسئول عن ذلك. ويقول أيضا إن النفس ليست جسما بل هي جوهر مفارق للبدن ومخالف له في الطبع. فهي من عالم آخر غير عالم المادة الذي ينتمي إليه الجسم. ويرى ابن مسكويه أن النفس بعد الموت تصعد إلى بارئها أما الجسم فيفسد ويتحلل وهذا يعني أن النفس خالدة ولا تفنى بفناء الجسم. فهي ليس جزاء منه. وهو بهذا يخالف الفلاسفة الحسيين الذين يقولون بأن النفس جزء من","vol":"1","page":322},{"text":"الجسم وأنها تفنى بفنائه.\nوينقل ابن مسكويه عن فلاسفة الإغريق وعلى رأسهم أفلاطون تقسيم قوى النفس إلى ثلاث: قوة العقل وآلتها الدماغ وقوة الغضب وآلتها القلب وقوة الشهوة أو القوة البهيمية وآلتها الكبد. وهو يرى أن هذه القوى الثلاث إذا أحسن المرء توجيهها والتحكم فيها فإنها تكون مصدر خيره وسعادته. أما إذا ترك لها الحبل على الغارب وانساق وراء أهوائها فإنه يصبح عبدا لها وتكون وبالا عليه وشرا مستطيرا. وهو يذكر أن لكل قوى من هذه القوى الثلاث للنفس فضيلتها. ففضيلة العقل الحكمة وفضيلة القلب الغضب أو الشجاعة وفضيلة الحس الشهوة أو العفة. ومن هنا كانت صفة العدل شرطا أساسيا لهذه الفضائل وإذا انتفت صفة العدل عن الإنسان لم يعد إنسانا فاضلا وانقلبت هذه الفضائل إلى رذائل. وكان لابن مسكويه تأثيره الواضح على الغزالي في هذا التقسيم الثلاثي لقوى النفس ونقله عنه نقلا كاملا. ويذكر ابن مسكويه أن النفس العاقلة أو ما يسميها بالناطقة أو العالمة تتصف بالحكمة والمعرفة. أما النفس الغضبية فهي حوشية الطبع لكنها تقبل الأدب والتهذيب. أما النفس الشهوانية فلا تقبل التأديب أو التهذيب في نظر ابن مسكويه. ويشبه ابن مسكويه هذه النفوس الثلاث أو القوى الثلاث للنفس بمثال الصياد الذي يركب دابته ومعه كلبه. فإذا كانت القيادة للصياد أمكنه الوصول إلى غايته. أما إذا كانت لدابته أو لكلبه فإنه يضل الطريق ولا يصل إلى مراده. لأن الدابة تمثل قوة الشهوة ولا هم لها إلا إشباع معدتها بالحشائش الخضراء غير عابئة بالعوائق التي تعترض طريقها.\nوفي هذا خطر على الصياد. والكلب وهو يمثل قوة الغضب يندفع ويجري بعيدا باحثا عن صيد. وقد يجر الصياد إلى المهالك التي تقضي عليه. وهذا المثال يذكرنا بأسطورة أفلاطون عن السائق والعربة التي يجرها جوادان أحدهما سلس القيادة والآخر عصي جامح. وذلك في حديثه عن قوى النفس العاقلة والغضبية والشهوانية. والسائق في الأسطورة يمثل العقل والعربة تمثل الجسم أو البدن، والجواد سلس القيادة يمثل إرادة أو قوة الغضب والجواد العصي أو الجامح يمثل الشهوة. \"انظر محمود قاسم ص٤٢\".","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الفضيلة وصفاتها الأخلاقية:</span>\nيسلك ابن مسكويه في نظرته إلى المستقبل مسلك أرسطو الذي يقول بأن الفضيلة وسط بين رذيلتين أو نقيضين كل منهما ليس بفضيلة. ويؤكد ابن مسكويه أن هذه الفضائل لا تحقق إلا بالممارسة والتعامل بين الناس. وذلك أن فصيلة الفرد من فضيلة الجماعة والعكس. كما أن خير الفرد من خير الجماعة والعكس صحيح أيضا. ومن هنا تكون العلاقة بين الفرد والجماعة علاقة تفاعلية تبادلية تقوم على أساس الأخذ والعطاء وكل منهما يستمد قوته من الطرف الآخر.\nوأمهات الفضائل عن ابن مسكويه الحكمة والشجاعة والعفة والعدل. وإذا كانت الحكمة ترتبط بالعقل والشجاعة ترتبط بالقلب والعفة ترتبط بالحسن فإن العدل كما يراه ابن مسكويه هو العدل بين هذه الفضائل حتى لا تشط إحداها إلى أحد طرفيها فتصبح رذيلة. فالحكمة قد تصبح سفها أو بلاهة والشجاعة قد تصبح تهورا أو جنبا والعفة قد تصبح شرها أو خمودا \"عزوفا\". وينقلب الإنسان من أخلاق الفضيلة إلى أخلاق الرذيلة، ويندرج تحت ما يسميه ابن مسكويه بالنفوس الضالة الشريرة.\nويورد ابن مسكويه الصفات الأخلاقية التي تتدرج تحت كل فضيلة. ففضيلة الحكمة يندرج تحتها صفات منها الذكاء وهو سرعة اقتراح النتائج وسهولتها على النفس. ومنها الذكر أو التذكير وهو ثبات صورة ما يخلعه العقل أو الوهم من الأمور. ومنها التعقل وصفاء الذهن وقوته وسهولة التعلم وحدة الفهم للأمور النظرية. وفضيلة العدل أو العدالة يندرج تحتها صفات منها حسن القضاء والمعاملة والألفة والمحبة وصلة الرحم وترك الحقد والمعادة واستعمال اللطف وترك القيل والقال والبحث عن السؤال. ويندرج تحت فضيلة العفة صفات أخلاقية منها الحياء والورع والوقار والقناعة ومقاومة الهوى بالصبر والعطاء. ويندرج تحت فضيلة الشجاعة صفات أخلاقية منها عظم الهمة وكبر النفس والنجدة والشهامة والثبات والحلم واحتمال الكد والكدح. وقد نقل الغزالي عن ابن مسكويه كثيرا من هذه الصفات. \"انظر: طه عبد الباقي سرور: ص١١٤، والإحياء: ص٣، ص٥٣\".","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الكمال الإنساني:</span>\nيرى ابن مسكويه أن الكمال الإنساني يعتمد على قوتين في نفسه. قوة عالمة تدفع الإنسان إلى الاشتياق إلى تحصيل المعارف والعلوم وقوة عاملة يحتاج إليها الإنسان في تنظيم أموره وتسييرها. وهذه القوة هي التي تتعلق بالكمال الأخلاقي. وإذا كانت القوة العالمة تتعلق بالنظر والفكر والعقل وتحصيل المعارف فإن القوة الثانية تتعلق بأسلوب عمل الإنسان وسلوكه. ولا يتم الكمال الإنساني إلا بتمامهما معا. لأن العلم مبدأ والعمل أو السلوك تمام له. والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا والتمام بدون مبدأ يكون مستحيلا. والواقع أن علماء المسلمين قد أكدوا على ضرورة ارتباط العلم بالعمل واعتبروهما وجهين لعملة واحدة. فلا علم بدون عمل ولا عمل بدون علم وهو ما سبق أن فصلنا الكلام عنه.\nويرى ابن مسكويه أن كمال المرء في تميزه عن غيره في أفعال خاصة به لا يشاركه فيها غيره. فكمال الفرس أو الحصان على سبيل المثال هو في هيئته المميزة له وفي قوته وسرعة عدوه. فإذا فقد كمال هيئته وقوته وسرعته فإنه يكون قد فقد كماله كحصان. وكذلك النجار كما له في إتقان صنعته فإذا فقد إتقانه فإنه يفقد كماله كنجار ويصبح إنسانا عاديا.\nوهو يرى أن الناس يتفاوتون في الرفعة والوضاعة والشرف والخسة بمقدار اتباعهم للعقل وتحقيقهم لخيرهم وسعادتهم. وأعلى مراتب النفوس تلك التي تخلصت من شهوات البدن وأهوائه وأخذت في تجلية مرآتها حتى تستطيع أن ترى فيها تجلي إشراقات النور الإلهي. وأدنى مراتب النفوس النفوس الضالة التي لا هم لها إلا إشباع الجسم ونزواته. ولهذا صدأت مرآتها فعجزت عن رؤية تجلي النور الإلهي. والفاضل أو الكامل من الناس من يحرص على إعلاء سلطة العقل فوق شهوة الحس.\nويرى ابن مسكويه أن السعادة والفضيلة لا تتحقق عن طريق الزهد والعزلة وابتعاد الفرد عن مخالطة الناس وهو ما يفعله الرهبان المسيحيون والصوفية من","vol":"1","page":325},{"text":"المسلمين. ولا بد من العيش مع الناس ومعاشرتهم والتعامل معهم حتى يظهر المرء ما لديه من فضائل. وبدون ذلك تصبح الفضائل لا قيمة لها. فكيف يطبق الإنسان العدل بدون التعامل مع البشر؟ وكيف يظهر عفته وهو بمعزل عن الناس والبشر؟ وكيف يمارس أي نوع من الفضائل ما لم يحتك بالناس ويتعامل معهم؟ فالفضيلة تتكشف بالممارسة والتعامل مع البشر. ويعرض ابن مسكويه للفضيلة الزائفة التي لا تصدر عن طبع وسجية ونفس خالصة بعيدة عن الرياء والمداهنة. فقد يعمل بعض الناس على الظهور بمظهر العدل وليسوا بعادلين، أو الظهور بمظهر العفة وليسوا بعفيفين. وقد يتظاهرون بالكرم أو السخاء وليسوا بكرماء أو أسخياء، وبالجود أو البر وليسوا من أهله. وهكذا في كل الفضائل والأخلاق الحميدة. ومن هنا كان من الضروري أن يتطابق مظهر الفضيلة مع مخبرها حتى تكون صادقة وإلا اعتبرت زائفة غير حقيقية. وكثير من الناس في واقع حياتهم يتظاهرون بما ليس من حقيقة نفوسهم الداخلية. وهم يتدرجون تحت صفات الغش والخداع والرياء والنفاق حتى لو اكتسوا بثوب الفضيلة. وقد صدق الشاعر حين قال:\nثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا التحفت به فإنك عار\nوقال شاعر آخر:\nإذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ... فلا خير في ود يجيء تكلفا","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الأخلاق:</span>\nعقد ابن مسكويه في كتابه تهذيب الأخلاق حديثا مستفيضا عن الأخلاق وهو يرى تمشيا مع الاتجاه الأخلاقي العام في الإسلام أن الغاية من الأخلاق هي \"بلوغ الكمال\" و\"السعادة التامة\". وهو يرى أن طريق الوصول إلى هذه السعادة إنما يتحقق بمعرفة الله والعمل بما أنزله في كتابه الكريم. ويرفض ابن مسكويه الرهبنة التي رفضها الإسلام. فلا رهبنة في الإسلام. كما أنه يرفض حياة التصوف التي اعتقدت خاطئة أن الحياة انطواء وانعزال عن الناس وزهد وعزوف عما أحله الله لعباده من الطيبات من الرزق والاستمتاع بها. ويرى ابن مسكويه أن علم الأخلاق عظيم الشأن جليل القدر لأنه يتعلق بجوهر الإنسان الذي فضله الله على كثير من خلقه وجعله أشرف المخلوقات. وإذا كان للإنسان هذا الشرف الكبير فإن العالم الذي يختص به له نفس الدرجة من الشرف والتشريف.\nويرى ابن مسكويه أن الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية. وهي على قسمين: قسم طبيعي من أصل المزاج كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب. وقسم بالعادة والاكتساب والتدريب. وربما كان مبدؤه بالرؤية والفكر ثم يستمر عليه أولا فأول حتى يصير ملكه وخلقا. وهذا يعني أن للأخلاق جانبين: جانب الطبع أو المزاج، وجانب التطبع والاكتساب. ويقول في \"ص١٨١\" \"ولذلك حكمنا أن بعض الناس أخيار بالطبع وبعضهم أخيار بالشرع والتعليم\". ويقول في نفس الصفحة: \"وتجد من الناس من هو خير فاضل من مبدأ تكوينه نرى فيه النجابة طفلا ونتفرس فيه الفلاحة \"أي الفلاح\" ناشئا بأن يكون حييا كريم الخيم \"السجية والطبع\" يؤثر مجالسة الأخيار ومؤانسة الفضلاء وينفر من أضدادهم. وليس يكون ذلك إلا بعناية تلحقه من أول مولده. ونجد أيضا من لا يكون بهذه الصفة من مبدأ تكوينه بل يكن كسائر الصبيان إلا أنه يسعى ويجتهد ويطلب الحق إذا رأى اختلاف الناس فيه. ولا يزال كذلك حتى يبلغ مرتبة الحكماء. أعني أن يصير علمه صحيحا وعمله صوابا. وليس يبلغ هذه الدرجة إلا بالتفلسف وإطراح العصبيات، وسائر ما حذرنا منه. ونجد أيضا من يوجد بهذه السيرة أخذا على الإكراه إما بالتأديب الشرعي وإما بالتعليم الحكمي.\nوهناك غموض فيما يقوله ابن مسكويه لأنه يعود فيقول بأن كل خلق ليس من الطبع وذلك باستخدام القياس المنطقي في قضية تتكون من مقدمتين ونتيجة على النحو التالي:\nالمقدمة الأولى: كل خلق يمكن تغييره.\nالمقدمة الثانية: كل ما يمكن تغييره ليس من الطبع.\nوالنتيجة هي: كل خلق ليس من الطبع.","vol":"1","page":327},{"text":"فكيف نوفق إذن بين قوله هذا وبين ما سبق أن أشرنا إليه من قوله بأن بعض الناس أخيار بالطبع؟ وهو يدلل على صحة المقدمة الأولى بما جاءت به الشرائع السماوية لهداية الخلق وتوجيههم وبما هو واقع ومشاهد في العيان من وجوب التأديب ونفعه وتأثيره في الأحداث والصبيان. ويستدل على صحة المقدمة الثانية بأننا لا نروم أبدا تغيير شيء مما هو بالطبع. فلا أحد يروم تغيير حركة الحجر في سقوطه إلى أعلى بدلا من سقوطه إلى أسفل. ولو رامه ما صح له تغيير شيء منه ولا يجوز منه ولا مما يجري مجراه.\nومن الواضح أن ابن مسكويه ويتبعه الغزالي في ذلك لا يقول بفطرية الخلق أو الأخلاق كما ذهب الفلاسفة المثاليون ولا يقول بأن الأخلاق كلها مكتسبة كما يقول الفلاسفة التجريبيون والوصفيون. وإنما تجمع الأخلاق بين هذا وذاك \"انظر الإحياء. ج٣ ص٥٩\" ويرى ابن مسكويه أن مسئولية تهذيب الأخلاق تقع على الفرد نفسه فهو المسئول عن أفعاله وأعماله. وهو الذي يستطيع أن يغير طبعه ويشذبه ويهذبه. وهو يرى أن المبادئ والمعايير الخلقية تكتسب بالتأديب والتعليم. وليس هناك في فطرة الإنسان ما يمنعه عن هذا الاكتساب بالتأديب والتعليم. فالأخلاق استعداد وتهيؤ لدى الإنسان. واختلاف الناس في قبول الأخلاق ترجع إلى اختلاف استعدادهم وتهيؤهم. فكل مهيأ لما خلق له. كما ترجع إلى مسئولية كل فرد في تهذيب خلقه كما أشرنا.\nوهو يرى أن الإرادة أساس الفعل الأخلاقي بل إنها تعتبر شرطا رئيسيا لاعتبار الفعل أخلاقيا. فنحن نحكم على الإنسان بكونه خيرا أو شرا حسب اتجاه إرادته نحو الخير والشر. فالإنسان كائن مريد. وهو في هذا يختلف عن الكائنات الأخرى التي تحيا طبيعتها الحيوانية. ومن ثم فهي لا تتصف بصفات أخلاقية ولا تسلك وفقا لأي سلوك أخلاقي.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>أمراض النفوس وعلاجها:</span>\nيتحدث ابن مسكويه حديثا مستفيضا عن أمراض النفوس وعلاجها ويخصص لها جزءا كبيرا في كتابه يقول فيه: إن النفوس تمرض كما يمرض البدن، وأن أمراض النفوس تؤثر في البدن. وأمراض النفس قد تكون بالغضب أو بالحزن أو بالعشق أو بالشهوات الهائجة. والمريض بها تتغير صورة بدنه حتى يضطرب ويرتعد ويصفر ويحمر ويهزل ويسمن ويلحقه ضروب التغبر المشاهدة بالحس. ولعلاج أمراض النفوس يقول: علينا أن نتفقد مبدأ المريض إذا كان من نفوسنا. فإن كان مبدؤه من ذاتها كالفكر في الأشياء الرديئة وإحالة الرأي فيها. وكاستشعار الخوف، والخوف من الأمور العارضة والمترقبة، والشهوات الهائجة قصدنا علاجها بما يغضها. وإن كان مبدؤه من المزاج ومن الحواس كالخور الذي مبدؤه ضعف حرارة القلب مع الكسل والرفاهية. وكالعشق الذي مبدؤه النظر مع الفراغ والبطالة قصدنا علاجه أيضا بما يخصه. إن طب الأبدان ينقسم إلى قسمين: أحدهما حفظ صحتها إذا كانت حاضرة، أي إذا كانت الصحة موجودة. والثاني رد صحة الأبدان إذا كانت غائبة أي غير موجودة. وكذلك طب النفوس ينقسم إلى القسمة بعينها. فنحفظ على النفوس صحتها إذا كانت حاضرة، ونردها إليها إذا كانت غائبة. فإذا كانت النفوس خيرة فاضلة تحب نيل الفضائل وتحرص على إصابتها، وتشتاق إلى العلوم الحقيقية والمعارف الصحيحة، فيجب على صاحبها أن يعاشر من يجانسه ويشاكله ويماثله ولا يأنس بغيرهم ولا يجالس سواهم. ويحذر كل الحذر من معاشرة أهل الشر والمجون ولا يصغى إلى أخبارهم مستطيبا، ولا يروي أشعارهم مستحسنا، ولا يحضر مجالسهم مبتهجا. ذلك أن حضور مجلس واحد من مجالسهم أو سمع خبر واحد من أخبارهم يعلق من وضره ووسخه بالنفس المحنك وغواية العالم المستبصر فضلا عن الحدث الناشئ المسترشد. ومما يحفظ على النفس صحتها مداومة النظر والفكر والنشاط. وذلك أن النفس متى تعطلت عن النظر وعدمت الفكر والغوص عن المعاني تبلدت وبلهت وانقطعت عنها مادة كل خبر. وإذا ألفت الكسل واختارت العطلة قرب هلاكها لأن في عطلتها هذه انسلاخا من صورتها الخاصة بها، ورجوعا منها إلى رتبة البهائم. وهذا هو الانتكاس في الخلق نعوذ بالله منه. وهو يرى أن من أمراض النفوس النسيان وهو آفة العلم ويوصي بالمتعلم بألا يتكاسل عن معاودة ومراجعة ما علمه وتعلمه ودرسه. ويورد قول الحسن البصري ﵀:","vol":"1","page":329},{"text":"\"اقدعوا هذه النفوس \"أي كفوها عن الآثام\" فإنها طائعة وحادثوها فإنها سريعة الدثور\" أي النسيان. ويعلق على هذه العبارة بقوله: واعلم أن هذه الكلمات مع قلة حروفها كثيرة المعاني وهي مع ذلك فصيحة واستوفت شروط البلاغة \"ابن مسكويه: ١٨٥-١٨٨\". ومما يحافظ على صحة النفس ألا يحرك المرء قوته الشهوانية والغضبية بل يتركها حتى يتحركا بأنفسهما. ولذلك يجب ألا يتذكر أعمال هاتين القوتين حتى لا يشتاق إليهما ويتحرك نحوها. بل يتركهما فإنهما يهيجان عند حاجتهما ويلتمسان ما يحتاج البدن إليه. ويتخذان من باعث الطبيعة ما يغني عن باعث الفكر. لأن الله تعالى إنما وهب هاتين القوتين لنا لنستخدمهما عند الحاجة إليهما لا لنخدمهما ونتعبد لهما.\nومن الأمور التي ينصح بها ابن مسكويه في المحافظة على صحة النفس أن يمعن المرء النظر في كل ما يعمل ويدبر حتى لا يخالف ما يجب تمييزه وتعقله. فما أكثر ما يعرض للإنسان من أفعال تخالف ما عقد عليه عزمه ورأيه. وعندما يقع له ذلك وجب عليه أن يضع لنفسه عقوبات لمقابلة مثل هذه الأخطاء أو الذنوب. فإذا أنكر من نفسه مبادرة إلى طعام ضار أو تناول فاكهة أو حلواء غير موافقة عاقب نفسه بصوم لا يفطر منه إلا على ألطف ما يقدر عليه وأقله، وإن أمكنه الطي \"أي طي البطن وهو الجوع\" فليفعل ويمكن في توبيخه لنفسه أن يقول لها: إنما قصدت تناول النافع فتناولت الضار. وهذا فعل من لا عقل له. وإن أنكر من نفسه كسلا وتدانيا في مصلحة له فليعاقب نفسه بسعي فيه مشقة أو صلاة فيها طول أو بعض الأعمال الصالحة التي فيها كدر وتعب. وليحذر في كل أوقاته ملابسة رذيلة أو مساعدة رفيق عليها أو مخالفة صواب. ولا يستحقون شيئا مما يأتيه من صغار السيئات. ولا يطلبن رخصة منها فإن ذلك يدعوه إلى أعظم منها. ومعظم النار من مستصغر الشرر. ويجب على المرء أن يتعود الصبر على ما يجب الصبر عليه والحلم عما ينبغي أن يحلم عنه ويضبط النفس عن الشهوات الرديئة ولا ينتظر دفع هذه الرذيلة وقت هجائها فإن الأمر يكون عن ذلك صعبا جدا. ولعله غير ممكن البته. ومن تعود في أول نشأته وشبابه ضبط النفس عن شهواتها عند ثورة غضبه وحفظ لسانه واحتمال أقرانه خف عليه","vol":"1","page":330},{"text":"ما يثقل على غيره ممن لم يتأدب بهذه الآداب \"المرجع السابق: ١٩٤-١٩٦\".\nومن الأمور التي يحافظ بها المرء على صحة نفسه معرفته لعيوبها حتى يسهل عليه علاجها. ويورد ابن مسكويه ما ذكره جالينوس في هذا الصدد بقوله: \"إنه لما كان كل إنسان يحب نفسه خفيت عليه معايبه ولم يرها وإن كانت ظاهرة. وينتقد ما أشار به جالينوس من علاج لتخلص المرء من عيوبه. وذلك باختيار صديق كامل فاضل يحكمه في بيان عيوبه ومساوئه. ويعلق فيه. ويرى بدلا من ذلك أن العدو في هذا الموضع أنفع من الصديق. فالعدو لا يحتشم في إظهار عيوبنا. بل يتجاوز ما يعرف منا إلى التحرض والكذب فيها. فننتبه إلى كثير من عيوبنا. بل نتجاوز ذلك إلى أن نتهم نفوسنا بما ليس فيها.. ويعود فيقول إن لجالينوس مقالة أخرى يذكر فيها إن خيار الناس ينتفعون بأعدائهم. ويوافقه على ذلك. ويورد ابن مسكويه ما قاله في ذلك أبو يوسف بن إسحاق الكندي. وهو أن على طالب الفضيلة أن يتخذ صور جميع معارفه من الناس مرآة له تريه صورة كل واحد منهم عندما تعرض له آلام الشهوات التي تثمر السيئات حتى لا يغيب عنه شيء من السيئات التي له. وبذلك يكون متفقدا لسيئات الناس. فإذا رأى سيئة بادية من أحد ذم نفسه عليها كأنه هو الذي فعلها، وأكثر عتبه على نفسه من أجلها. وإذا وقف عند محاسبته لنفسه، فإن النفوس بهذا ترتدع عن المساوئ وتألف الحسنات. ويعلق ابن مسكويه على ما ذكره الكندي بأنه أبلغ مما قاله من سبقوه وتقدموا عليه \"المرجع السابق: ١٩٦-١٩٨\".\nومن الأمراض الغالبة على النفس الغضب. ويقول عنه ابن مسكويه إن الغضب في الحقيقة حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة للانتقام. فإذا كانت هذه الحركة عنيفة أججت نار الغضب واحترامتها فاحتد غليان دم القلب وامتلأت الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضطربا يسوء منه حال العقل ويضعف فعله. فلذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصم عن الموعظة. بل تصير المواعظ في","vol":"1","page":331},{"text":"تلك الحالة سببا لزيادة الغضب ومادة اللهب والتأجج. وليس له في تلك الحال حيلة. فالناس يتفاوتون بحسب المزاج. فإن كان المزاج حارا يابسا كان أشبه بالكبريت الذي إذا أدنيت منه الشرارة الضعيفة التهب. وإن كان بالضر فماله بالضر. ولكن إذا احتدم الغضب فيكاد الحال يتفاوت مثله مثل اشتغال النار في الحطب اليابس والرطب. ومثل اشتعال النار بسرعة وشدة من الكبريت والنفط. كما أن الاحتكاك وإن كان ضعيفا في توليد النار فربما قوي حتى تلتهب منه الأمة العظيمة. وكذلك النفس إذا استشاطت غضبا فليس يرجى لها حيلة البتة.\nوأسباب الغضب كما يذكرها ابن مسكويه هي: العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاج والتيه والاستهزاء والغدر والضيم أو الظلم وطلب الأمور التي فيها لذة ويتنافس فيها الناس ويتحاسدون عليها. وغاية هذه الأسباب جميعا شهوة الانتقام. وعواقبها الندامة وتوقع العقاب عاجلا أو آجلا وتغير المزاج وتعجل الألم. ذلك أن الغضب جنون ساعة أو لحظة وربما أدى إلى التلف باختناق حرارة القلب فيه. وربما كان سببا لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف. ومن لواحقه أيضا مقت الأصدقاء وشماتة الأعداء واستهزاء الحساد والأراذل من الناس. ويرى ابن مسكويه أن لكل من أسباب الغضب السابقة علاجا يبدأ به حتى يقتلع من أصله.\nفالعجب وهو من أسباب الغضب، هو في حقيقته ظن كاذب بالنفس باستحقاق مرتبة غير مستحقة لها. وعلى المرء أن يعرف أنه لا يخلو من عيوب ونقائض فالفضل مقسوم بين البشر. ولا يكمل المرء إلا بفضائل غيره. ومن كانت فضيلته عند غيره وجب عليه ألا يعجب بنفسه. وكذلك الافتخار بما هو خارج عنه فقد باهى بما لا يملكه. وكيف يملك ما هو معرض للزوال في كل ساعة وفي كل لحظة. وأوضح مثال على ذلك ما ذكره القرآن الكريم في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا","vol":"1","page":332},{"text":"وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ .\nوأما المزاج واللجاج فيولدن الفرقة والتباغض بين الإخوان ولذلك ينبغي الابتعاد عنها وتجنبها. وأما المزاج المعتدل منه محمود وكان رسول الله صلى الله عليه سلم يمزج ولا يقول إلا حقا. ولذلك ينبغي الاعتدال في المزاج وعدم التمادي فيه حتى لا يخرج عن حده وينقلب إلى ضده. فيثير غضبا كامنا ويزرع حقدا باقيا. وقد قال الشاعر في هذا الصدد:\nورب حرب جره اللعب ... وبعض الحرب أوله مزاح\nوأما التيه فهو قريب من العجب. والفرق بينهما أن التياه ينبه على غيره ولا يكذب نفسه أما العجب فيعجب بنفسه ويكذب عليها فيما يظن لها. وعلاج الاثنين واحد. وذلك بأن يعرف المرء أن ما يتيه به لا مقدار له عند العقلاء وأنهم لا يعتدون به لخساسة قدره وزوال نعمه.\nوأما الاستهزاء فيستعمله الماجنون من الناس ومن لا يبالي بمن يقابل به والحر القاضل من يبتعد عن هذا المقام حتى يكرم نفسه وعرضه بعدم تعرضها للسفهاء الذين قال فيهم رب العزة في سورة النساء: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ . ونحن نقول في دعوانا ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.\nوأما الغدر فهو مذموم بكل لسان وينفر السماع من ذكره وضده الوفاء. ومن عرف قبح الغدر باسمه ونفور العقلاء منه وجب عليه أن يبتعد عنه وينفر منه.","vol":"1","page":333},{"text":"أما الضيم فهو الظلم الذي قد يكون شهوة للانتقام. وقد نفى رب العزة الظلم عن نفسه فقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . ولذلك وجب أن يبتعد المرء عن الضيم لأنه مدمر للحياة الاجتماعية وعكسه العدل الذي سبق أن أفضنا في الكلام عنه. ويجب ألا يسرع المرء إلى الانتقام عندما يحيق به ظلم أو يلحقه ضيم حتى لا يعود عليه بضرر أعظم من احتمال الظلم أو الضيم.\nأما طلب الأمور التي فيها لذة ويتنافس فيها الناس مثل الجواهر النفيسة والأحجار الكريمة وغيرها من المقنيات فلا يقدر عليها إلا الموسرون. وهي قليلة الانتفاع بها والحاجة إليها وعادة ما تقتني لخزنها وقد لا ينتفع بها إلا نادرا. والتنافس على شرائها وامتلاكها خطأ من القادرين على شرائها فضلا عن أوساط الناس \"المرجع السابق: ص٢٠٥-٢١٣\".\nومن أمراض النفس الخوف. ويكون من توقع مكروه وانتظار محذور. والتوقع والانتظار إنما ذكن للحوادث في الزمان المستقبل. وهذه الحوادث قد تكون عظيمة أو يسيرة وقد تكون ضرورية أو ممكنة. والأمور الممكنة قد تكون نحن أسبابها وقد يكون غيرنا سببها. وجميعها لا ينبغي للعاقل أن يخاف منها. وهي تقع أو تكون وقد لا تقع ولا تكون. ويجب على المرء ألا يصر على أنها تكون فيستشعر الخوف منها ويتعجل مكروه التألم بها وهي لم تقع بعد ولعلها لا تقع بالمرة. ويجب أن يكون الخوف من مكروه على قدر حدوثه. وإنما يحسن العيش وتطيب الحياة بالظن الجميل والأمل القوي وترك الفكر في كل ما يمكن ألا يقع من المكاره. وأما ما كان سببه سوء اختيارنا وجنايتنا على أنفسنا فينبغي أن نحذر منه بترك الذنوب والأعمال التي نخاف عواقبها ولا تؤمن غوائلها وأما الأمور الضرورية كالهرم وكبر السن وتوابعه فعلاج الخوف منه أن تعلم أن الإنسان إذا أحب طول الحياة فقد أحب لا محالة الهرم. ومع الهرم يحدث نقصان الحرارة الغريزية والرطوبة الأصيلة التابعة لها. وضعف الأعضاء الأصيلة كلها. ويتبع ذلك قلة الحركة وبطلان النشاط وضعف آلات الهضم وسقوط آلات الطحن ونقصان القوى المدبرة للحياة. وأما الخوف من الموت فسببه الجهل بحقيقته وحقيقة مصير الناس بعده لأن الإنسان يخاف من المجهول. وهذا الجهل","vol":"1","page":334},{"text":"هو الذي حمل الحكماء على طلب العلم والتعب به. وهو تعب فيه راحة من الجهل وأن التعب الحقيقي هو تعب الجهل لأنه مرض مزمن للنفس، والبرء من خلاص لها وراحة سرمدية ولذة أبدية. ولذلك هانت عليهم أمور الدنيا كلها واستحقروا جميع ما يستعظمه الجمهور من المال والثروة واللذات الحسية والمطالب التي تؤدي إليها. أما صاحب النفس المطمئنة الذي يعرف أنها ترجع إلى ربها راضية مرضية لتشاهد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهو لا يخاف الموت ولا يخشاه بل يتلقاه ويتقبله بنفس راضية. ولأن الموت تمام حد الإنسان فهو حي ناطق ميت. والموت كمال ربه يصير إلى الأفق الأعلى. وقد جزم الحكماء بأن الموت موتان: موت إرادي وعنوا به إماته الشهوات وترك التعرض لها، وموت طبيعي وهو مفارقة النفس للبدن. ومن خاف الموت الطبيعي فقد خاف ما ينبغي أن يرجوه ومن أجهل ممن يخاف تمام ذاته؟ ومن خاف الموت ظنا منه أن ينبغي أن يرجوه ومن أجهل ممن يخاف تمام ذاته؟ ومن خاف الموت ظنا منه أن للموت ألما عظيما فعلاجه أن يبين له أن هذا ظن كاذب لأن الألم إنما يكون للحي. أما الجسم الذي ليس فيه أثر النفس فإنه لا يألم ولا يحس. ومن خاف الموت لأجل العقاب على ذنوبه وسيئاته. فالواجب عليه أن يحذر في حياته تلك الذنوب ويجتنبها.\nومن أمراض النفس التي يشير إليها ابن مسكويه أيضا الحزن. ويقول عنه إنه ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوات مطلوب. وسببه الشرة إلى الشهوات البدنية والحسرة على ما يفقده المرء أو يفوته منها ويورد ما حكى عن سقراط عندما سئل عن سبب نشاطه وقلة حزنه فقال: لأنني لا أقتني ما إذا فقدته حزنت عليه. وهو يذكر أن الحزن مرض عارض. والعاقل من ينظر إلى أحوال الناس في الحزن وأسبابه ليعلم أنه ليس يختص من بينهم بمصيبة غريبة ولا يتميز عنهم بمحنة بديعة وأن غايته من مصيبته السلوة. ومن رأى مصيبة غيره وبلواه هانت عليه مصيبته.\nأما الحسد فيقول عنه إنه أشنع الشرور وأقبح الأمراض. وقد قال الشاعر:\nوأظلم أهل الأرض ما بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب\nوقد أشار رب العزة في سورة الفلق إلى التعوذ من شر حاسد إذا حسد ومن المعروف أن الحسد مكروه لأن الحاسد يتمنى زوال نعمة المحسود. أما الغبطة فتعني تمنى المرء مثل ما للمغبوط من نعمة من غير تمني زوالها. فهو يغبطه على نعمته ولا يحسده عليها.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>تربية النشء:</span>\nأكد ابن مسكويه في تربية النشء على أهمية الدين واعتبره دعامة قوية في هذه التربية لأنه حصن للشباب وغير عاصم لهم من الزلل والخطأ. وهو يرى أن تربية الصبي وتنشئته على الخلال الحميدة إنما تكون عن طريق العقل، وأن ظهور الحياء عليه دليل على بزوغ عقله وأنه أصبح يدرك القبيح والحسن ويميز بينهما. كما أنه يرى أن نفس الصبي مهيأة للإدراك والمعرفة. فهي أشبه بصفحة بيضاء ولم تنتقش بعد صورة ولا رأي لها وعزيمة تمليها من شيء إلى شيء. فإذا تفشت بصورة وقبلتها نشأت عليها واعتادتها. وقد تردد صدى هذا القول لابن مسكويه عند الغزالي فيما بعد \"الإحياء: ج٣٥، ص٦٩\". كما ذهب جون لوك في العصور الحديثة إلى القول أيضا بأن عقل الطفل صفحة بيضاء Tabula Rasa. ولهذا يرى ابن مسكويه أنه يجب أن نطبع في نفس الصبي القيم والمثل العليا والاعتزاز بالنفس والكرامة. كما يجب أن نطالب الصبي بحفظ جيد الأشعار ومحاسن الأخبار، وأن نجنبه سماع الأشعار السيئة ومرافقة أهل السوء. ويشير ابن مسكويه إلى ناحية تربوية هامة في التعامل مع الصبي وهي أن نمدحه على كل ما يظهر منه من خلق جميل وفعل حسن ونكافئه عليه وإن حدث منه مخالفة فالأولى ألا يوبخ عليها ولا يكاشف بها بل يتغافل عنها لا سيما إذا حاول إخفاءها. ذلك أنه إذا تعود على التوبيخ والمكاشفة حمله ذلك على الوقاحة وحرضه على معاودة ما كان قد استقبحه. وهان عليه سماع الملامة في ركوب القبائح التي تدعو إليها نفسه. وهو ما نقله الغزالي نقلا يكاد يكون حرفيا \"انظر الإحياء: ج٣ ص٧٠\" وبالنسبة لأدب العلم والتعلم يقول ابن مسكويه إنه ينبغي أن يعود الصبي على خدمة نفسه ومعلمه وكل من كان أكبر منه. وأن يعود على طاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم. وفي تلقيه العلم من أستاذه عليه ألا يعترض ولا يسأل بل يكتفي في بداية أمره","vol":"1","page":336},{"text":"بالقبول حتى إذا بلغ في العلم شأنا يمكنه من معرفة الأسباب والعلل طالع الحكمة فوجدها موافقة لما تقدمت عادته به فاستحكم رأيه وقويت بصيرته ونفذت عزيمته.\nوينبغي أن يؤذن للصبي في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب الأدب ولا يكون في لعبة ألم ولا تعب شديد. وقد نقل الغزالي هذا القول عن ابن مسكويه وردده في كتابه إحياء علوم الدين. \"الإحياء ج٣: ص٧١\".\nوتعرض ابن مسكويه بتفصيل كبير إلى آداب الأكل والطعام. فأشار إلى عدة مبادئ هامة منها أن يوضح للنشء أن الأطعمة إنما تراد للصحة لا للذة أي أننا نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل. وهو مبدأ صحي وأخلاقي سليم فالأطعمة والأغذية شبيهة بالأدوية نداوي بها الجوع كما نداوي بالأدوية المرض. ومن مبادئ آداب الطعام أيضا أن يعلم الصبية إذا جلسوا مع غيرهم على مائدة الطعام ألا يبادروا إلى الطعام أولا، وألا يديموا النظر إلى أنواعه الموجودة. ولا ينبغي لهم أن يتسرعوا في الأكل أو يضخموا الكمية المتناولة. وينبغي عليهم أن يمضغوا الطعام جيدا ولا يبادروا ببلعه. ولا ينبغي للصبي أن يلطخ يده أو ثوبه بما يتناوله من طعام. وهو ما ردده الغزالي فيما بعد \"الإحياء: ج٣: ص٧٠\". ويشير إلى الشعوب العربية والإسلامية. وهي ألا يجعل غذاءه الرئيسي نهارا لأن ذلك يحمله على الكسل ويلجئه إلى النوم ويتبلد ذهنه وفهمه. وإنما يستوفي غذائه العشى لأن هذا أصح له وأنسب بعد عناء يومه. ومن الواضح أن هذا على نقيض ما تجري عليه عادة الكثيرين منا من جعل وجبة الغذاء هي الوجبة الرئيسية.\nوينصح ابن مسكويه بمنع الصبي من الإكثار من أكل اللحم، وإن منع منه في أكثر أوقاته كان أنفع له حتى لا يتعود على الترف. أما الحلوى فيمنع منها البتة إن أمكن وإلا فليتناول القليل منها لأنها تستحيل في بدنه فتكثر انحلاله كما أنها تعوده على الشر والاستكثار من الأكل. وهذا عكس ما يفعله كثيرون منا مع أبنائهم إذ يغمرونهم باللحوم من مختلف الأنواع وبالحلوى من مختلف","vol":"1","page":337},{"text":"الأشكال والمذاق.\nوبالنسبة إلى آداب اللباس يشير ابن مسكويه بألا يتزين الصبي بملابس النساء، ولا يلبس الخليع منها، ولا يفتخر على أقرانه بشيء من مأكله وملبسه ولا بما يملكه والده. ويجب أن يعود الصبي على التواضع وكرم المعاشرة وعدم الكذب وعدم الحلف باليمين البتة سواء كان صادقا أم كاذبا. ويجب أن يعود الصمت وقلة الكلام. ويمنع من خبيث الخلام ومن السب واللعن ولغو الكلام. وقد أشار الغزالي إلى نفس هذه الآداب نقلها عن ابن مسكويه نقلا يكاد يكون حرفيا. \"انظر كتاب الإحياء: ج٣. ص٦٩-٧١\".","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الماوردي وآراؤه التربوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>مقدمة</span>\n...\n٤- الماوردي وآراؤه التربوية:\n\"٣٦٤هـ-٤٥٠هـ\"\nمقدمة:\nالاسم الكامل للماوردي هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، ولد بالبصرة وتلقى تعليمه بها. ثم انتقل إلى بغداد حيث واصل تعليمه في دراسة الفقه والحديث وغيرهما من العلوم. وقد امتدت حياته من عام مولده سنة ٣٦٤هـ حتى مماته سنة ٤٥٠هـ وله من العمر ست وثمانون عاما. وهذا يعني أنه عاش خلال الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري والنصف الأول من القرن الخامس الهجري. وهي الفترة التي كانت الثقافة الإسلامية في قمة ازدهارها. وهو علم من أعلام الفكر الإسلامي وأكبر فقهاء الشافعية يقول عنه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى إنه كان إماما جليلا له اليد الباسطة في المذهب والتفنن التام في سائر العلوم. ويقول عنه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد إنه كان من وجوه الفقهاء الشافعيين، وله تصانيف عدة في أصول الفقه وفروعه وغير ذلك، وتولى القضاء في بلدان كثيرة وكان ثقة. كما اشتغل بالتدريس عدة سنين في البصرة وبغداد.","vol":"1","page":338},{"text":"شيوخه وأساتذته:\nتلقى الماوردي تعليمه على يد شيوخ وأساتذة عديدين نذكر منهم الحسن بن علي بن محمد الجبلي ومحمد بن الفضل البغدادي ومحمد بن المعلي الآزدي وأبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفراييني.\nتوليه القضاء:\nتذكر كتب التاريخ أن الماوردي تولى القضاء في بلدان كثيرة. ويقول عنه ياقوت إنه كان يلقب بأقضى القضاة. وكان رئيس القضاة في إحدى نواحي نيسابور. واختير سفيرا بين رجالات الدولة في بغداد وبني بويه من \"٣٨١هـ-٤٢٢هـ\" فكانت له منزلة كريمة عند الخليفة القادر وعند آل بويه كذلك \"الماوردي طبعة بيروت. مقدمة لمصطفى السقا ص٤\".\nكتبه ومؤلفاته:\nترك لنا الماوردي كتبا كثيرة تقدر بنحو اثني عشر كتابا بعضها لم يطبع وهي تشمل كتبا دينية وأخرى لغوية وأدبية وثالثة في السياسة والاجتماع. ومن أضخم كتبه كتاب الحاوي الكبير وهو موسوعة ضخمة في فقه الشافعية تقع في أكثر من عشرين جزءا، وكتاب الإقناع وهو مختصر من الحاوي، وكتاب أدب القاضي وهو لم يطبع وكتاب أعلام النبوة لم يطبع أيضا، وكتاب الأحكام السلطانية وقد طبع في مصر عدة طبعات. تكلم فيه عن نظم الدولة والقضاء والإمارة والحدود والجزية والحسبة، وكتاب قوانين الوزارة وسياسة الملك وقد طبع في مصر عام ١٩٢٩ بعنوان \"أدب الوزير\"، وكتاب البغية العليا في أدب الدين والدنيا. وهو أكثر كتبه شهرة وانتشارا. وعرف باسم كتاب \"أدب الدنيا والدين\" وقد طبع بمصر عدة طبعات كما ترجم إلى الإنجليزية. ويتناول الكتاب الأخلاق والفضائل الدينية مستندا إلى ما جاء في القرآن والسنة كما يتناول الكتاب كثيرا من الآداب الاجتماعية. وهو كتاب عظيم الشأن يضم آراءه في تربية النشء وله في ذلك نظرة ثاقبة. وسنعتمد في بيان آرائه التربوية على ما جاء في هذا الكتاب.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الماوردي والأصفهاني وابن خلدون:</span>\nيقول الأستاذ مصطفى السقا في مقدمته لكتاب \"أدب الدنيا والدين\" طبعة دار الكتب العلمية ببيروت إنه يلوح له من مباحث الماوردي أنه كان أحد الرواد الأوائل الذين مهدوا لابن خلدون عالم الاجتماع والتاريخ سبيل القول في كثير من الأبواب والفصول التي وضعها في مقدمته لتاريخه الكبير. وهذه ملاحظة قيمة له يعود بعدها فيقول إن إثباتها يحتاج إلى بحث مستقل. وكنت قبل قراءتي لهذه الملاحظة في هذه الطبعة قد قرأت كتاب أدب الدنيا والدين الذي طبعته مطبعة صبيح وأولاده بالقاهرة. وتوصلت إلى نفس الملاحظة وأشرت إليها في طبقة سابقة لكتابي عن التربية الإسلامية. وقد اتسع نطاق هذه الملاحظة عندما قرأت كتابي الراغب الأصفهاني \"الذريعة في أحكام الشريعة\" و\"تفصيل النشأتين\" فوجدت عبارات مشابهة لما ورد عن الماوردي وهو سابق له أيضا. وسأشير هنا إلى بعض الأمثلة.\nكثير منا عندما تذكر عبارة \"الإنسان مدني بالطبع\" ينسبها للتو إلى ابن خلدون وقد ذكرها في مقدمته في الباب الأول في أول كلامه عن العمران البشري وقد سبق أن وردت هذه العبارة كعنوان نصه الإنسان مدني بطبعه في أول كلام عن باب أدب الدنيا. كما وردت هذه العبارة بنفس النص عند الراغب الأصفهاني في كتاب الذريعة المشار إليه والواقع أن ابن مسكويه قد ذكر هذه العبارة وهو سابق لهم جميعا. وهو ما سبق أن أشرنا إليه عند كلامنا عن ابن مسكويه. وكلام الماوردي عن التدرج في طلب العلوم \"ص٥٥ طبعة بيروت\" يتشابه مع كلام ابن خلدون في حديثه عن وجه الصواب في تعليم العلوم. وسنفصل الكلام عن ذلك. وكلام ابن خلدون عن الظلم مؤذن بخراب العمران يتشابه مع ما ذكره الماوردي في قوله ص١٤١: \"وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور -أي الظلم-\".","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>الإنسان مدني بطبعه:</span>\nيقول الماوردي تحت هذا العنوان في أول الكلام عن باب أدب الدنيا \"اعلم أن الله تعالى لنافذ قدرته وبالغ حكمته خلق الخلق بتدبيره وفطرهم بتقديره فكان من لطيف ما دبر وبديع ما قدر أن خلقهم محتاجين وفطرهم عاجزين ... ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من الحيوان لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه\".\nويقول ابن خلدون في أول كلامه في الباب الأول الكتاب الأول عن العمران البشري: \"إن الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع. وهو معنى العمران ... إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء ... ويحتاج ... في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوان ... أكمل من حظ الإنسان.. فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه \"الإنسان\" وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتم حياته.\nومن الواضح التشابه بينهما. كما أن ابن خلدون لا ينسب إلى نفسه عبارة \"الإنسان مدني بالطبع\" مما يوضح أنه ناقل لها من غيره.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>العقل أس الفضائل:</span>\nيعتبر الماوردي العقل أصل الفضائل وأساسها. وهو ينبوع الآداب. جعله الله تعالى للدين أصلا وللدنيا عمادا فأوجب التكليف بكماله وجعل الدنيا تدبر بأحكامه. وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم وتباين أغراضهم ومقاصدهم. ويورد حديث النبي ﷺ \"ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردي\"، وقوله ﷺ: \"أفضل الناس أعقل الناس\". وهو يقسم العقل إلى قسمين غريزي ومكتسب. والعقل الغريزي هو الفطري الذي يولد به ويميزه عن سائر الحيوان. أما العقل المكتسب فهو الذي يتكون لدى الإنسان من الخبرة والتجارب التي يمر بها في الحياة \"المرجع السابق: ٢٠\". والماوردي بهذا سابق -بهذا القول- لعلماء النفس المحدثين لا سيما عالم النفس الأمريكي كاتل CATTELL الذي خرج علينا بفكرته عن الذكاء الفطري أو الطبيعي والذكاء المكتسب FLUID AND CRYSTALLIZED INTELLIGENCE في الأربعينيات من القرن العشرين وبدأت في الذيوع عام ١٩٦٥ عندما جاء جون هورن JOHN HORN أحد تلاميذ كاتل في الدكتوراه وعمل على نشرها من خلال بحوثه. وهو يقول إن العقل سمي بذلك تشبيها بعقل الناقة لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا جبحت كما يمنع العقال الناقة من الشرود إذا نفرت. ويؤيد قوله بما ورد في السنة عن النبي ﷺ قوله: \"العقل نور في القلب يفرق بين الحق والباطل\".","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>ضرورة التأديب:</span>\nيروي الماوردي أن التأديب ضروري لأن النفس مجبولة على شيم مهملة وأخلاق مرسلة لا يستغنى محمودها عن التأديب والتهذيب. لأن النفس ربما جمحت عن الأفضل وهي به عارفة، ونفرت عن التأديب وهي له مستحسنة، لأنها عليه غير مطبوعة فتصير منه أنفر ولضده آثر. وقد قيل: ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه. وإذا شرفت النفس كانت للآداب طالبة وفي الفضائل راغبة فإذا مازجها صارت طبعا ملائما. ويقول الماوردي إن الأدب مكتسب بالتجربة ومستحسن بالعادة. وقد روي عن النبي ﷺ قوله: \"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق\".\nوهو يرى أن التأديب يلزم من وجهين أو جانبين. أحدهما ما يلزم الوالد لولده في صغره. والثاني ما يلزم الإنسان في نفسه عند نشأته وكبره ... وقد سبق أن أشرنا إلى الجانب الأول في كلامنا عن تربية الطفل في الإسلام. أما الأدب اللازم للإنسان عند نشأته وكبره فيذكر الماوردي أنه على نوعين: أدب مواضعه واصطلاح وأدب رياضة واستصلاح. أما النوع الأول وهو أدب المواضعة والاصطلاح فيؤخذ تقليدا على ما استقر عليه اصطلاح العقلاء واتفق عليه استحسان الأدباء. وهذا الاصطلاح والاستحسان هو نوع من العرف المتفق عليه ولا يخضع لتعليل عقلي ولا دليل علمي يبرهن عليه. وإنما هو عادات درج الناس عليها مثل أصول السلوك الإنساني في المواقف المختلفة وكيف يأكل وينام ويشرب ويلبس ويتعامل مع الناس.\nأما النوع الثاني وهو أدب الرياضة واستصلاح فهو ما لا يختلف العقلاء في صلاحه وفساده. ويمكن تعليله بالعقل والبرهنة عليه بالدليل. وأول هذا النوع من الأدب ألا يسارع الإنسان إلى حسن الظن بنفسه فلا يرى مذموم شيمه وأخلاقه وما فيه من عيوب. لأن النفس أمارة بالسوء. وقد قال رسول الله ﷺ: \"أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك ثم أهلك ثم عيالك\". وقد قال بعض الحكماء: \"من ساس نفسه ساد نفسه\". وقال عمر بن الخطاب ﵁: \"العاجز من عجز عن سياسة نفسه\".\nويورد الماوردي بعد ذلك فصولا وكلاما مطولا عن آداب الرياضة، والنفس واستصلاحها. وسنتناول الكلام عنها فيما بعد.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>شرف العلم وفضله:</span>\nيورد الماوردي في أول كلامه عن أدب العلم في الباب الثاني من كتاب أدب الدنيا والدين قوله ﷿: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ويعلق على ذلك بقوله إن الله ﷾ منع المساواة بين العالم والجاهل لما قد خص به العالم من فضيلة العلم. وهو يورد أمثلة كثيرة على شرف العلم وفضله على صاحبه. منها قول عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني تعلموا العلم. فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم.\nويقول الماوردي في المفاضلة بين العلوم: إن العلوم شريفة ولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها محال. ويقول أيضا إنه لا حد للعلم ولا نهاية ويذكر ما وروي عن النبي ﷺ أنه قال: \"من ظن أن للعلم نهاية، فقد بخسه حقه ووضعه في غير منزلته التي وصفه الله بها حيث يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ \" وقول بعض العلماء: \"المتعمق في العلم كالسابح في البحر ليس يرى أرضا ولا يعرف طولا ولا عرضا\". وهو يعتبر أن أفضل العلوم علوم الدين ويورد قول النبي ﷺ: \"العلماء ورثة الأنبياء\" ويعلق على ذلك بقوله: لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم.\nومن قبيل المقارنة بين فضل العلم وفضل المال يفضل الماوردي العلم على المال ويورد قول علي بن أبي طالب ﵁ في فضل العلم على المال \"العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. العلم حاكم والمال محكوم عليه. مات خزان الأموال وبقي خزان العلم أعيانهم مفقودة وأشخاصهم في القلوب موجودة\".\nوقيل لبزر جمهر العلم أفضل أم المال؟ فقال: بل العلم. قيل: فما بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بمنفعة المال وجهل الأغنياء بفضل العلم.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>شروط طلب العلم:</span>\nيتناول الماوردي الكلام عن الشروط التي يجب أن تتوافر في طالب العلم ويورد تسعة شروط هي:\n١- العقل الذي يدرك به حقائق الأمور.\n٢- الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم.\n٣- الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره وفهم ما علمه.\n٤- الشهوة أو الرغبة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليها الملل.\n٥- الاكتفاء بمادة تغنيه عن تلقي الطلب.\n٦- الفراغ الذي يكون معه التوفر ويحصل به الاستكثار.\n٧- عدم القواطع \"أي ما يسبب الانقطاع\" المذهلة من هموم وأشغال وأمراض.\n٨- طول العمر واتساع المدة لينتهي بالاستكثار مراتب الكمال.\n٩- الظفر بعالم سمح بعلمه متأن في تعليمه.\nويقول الماوردي إن طالب العلم الذي استكمل هذه الشروط التسعة هو أسعد طالب وأنجح متعلم. وقد قال الإسكندر في هذا المعنى يحتاج طالب العلم إلى أربعة. مدة، وجدة، وقريحة، وشهوة \"رغبة\". وتمامها في الخامسة معلم ناصح.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الباعث على طلب العلم:</span>\nتحدث الماوردي عن الدافع أو الباعث على طلب العلم. وفي ذلك يقول اعلم أن لكل مطلوب باعثا وهو ما يقرره علم النفس الحديث. ويستطرد الماوردي فيقول: والباعث على المطلوب شيئان رغبة ورهبة أو ثواب وعقاب بلغة علم النفس الحديث. ويقول فليكن طالب العلم راغبا راهبا. أما الرغبة ففي ثواب الله تعالى لطالبي مرضاته وحافظي مفترضاته. وأما الرهبة فمن عقاب الله تعالى لتاركي أوامره ومهملي زواجره. فإذا اجتمعت الرغبة والرهبة أدتا إلى كنه العلم وحقيقة الزهد لأن الرغبة أقوى الباعثين على العلم. والرهبة أقوى السببين في الزهد. وقد قالت الحكماء: أصل العلم الرغبة وثمرته السعادة وأصل الزهد الرهبة وثمرته العبادة. فإذا اقترن الزهد والعلم فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة ويروى عن النبي ﷺ قوله: \"من ازداد في العلم رشدا ولم يزدد في الدنيا زهوا لم يزدد في الدنيا إلا بعدا\"، وقول مالك بن دينار: \"من لم يؤت من العلم ما يقمعه فما أوتي منه لا ينفعه\".","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>التدرج في طلب العلم:</span>\nيقول الماوردي تحت هذا العنوان: \"اعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها. فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها. ولا يطلب الآخر قبل الأول ولا الحقيقة قبل المدخل فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة لأن البناء على غير أس لا يبني والثمر على غير غرس لا يجني. ويتشابه كلام الماوردي مع ما ذكره ابن خلدون \"توفي ٨٠٨هـ ١٤٠٦م\" في مقدمته فيما بعد في حديثه عن وجه الصواب في تعليم العلوم حيث يقول: \"اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا فشيئا وقليلا قليلا. يلقى إليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال. ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه. حتى ينتهي إلى آخر الفن\".\nوينبغي أن نشير إلى أن الغزالي وهو سابق لابن خلدون ولاحق للماوردي قد أشار أيضا إلى ضرورة مراعاة التدرج في التعليم وقد أشرنا إلى ذلك في مكان آخر من هذا الكتاب.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>كبير السن والتعلم:</span>\nيرى الماوردي أن الشخص كبير السن مهما كان عمره عليه أن يتعلم ويطلب العلم. ويقول في ذلك إنه ربما امتنع الإنسان من طلب العلم لكبر سنه واستحيائه من تقصيره في صغره أن يتعلم في كبره فرضي بالجهل أن يكون موسوما به وآثره على العلم أن يصير مبتدئا به. وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل، لأن العلم إذا كان فضيلة فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى. والابتداء بالفضيلة فضيلة، ولأن يكون شيخا متعلما أولى أن يكون شيخا جاهلا. وقد حكي أن بعض الحكماء رأى شيخا كبيرا يحب النظر في العلم ويستحيي. فقال له: يا هذا، أتستحيي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله؟ وذكر أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه، فقال: يا عم، ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر. فقال: لم لا تتعلمه اليوم؟ قال: أويحسن بمثلي طلب العلم؟ قال: نعم، والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل. قال: وإلى متى يحسن بي طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة، لأن الصغير أعذر، وإن لم يكن في الجهد عذر لأنه لم تطل به مدة التفريط ولا استمرت عليه أيام الإهمال. وقد قيل في منثور الحكم: جهل الصغير مقدور وعلمه محقور. فأما الكبير فالجهل به أقبح، ونقصه عليه أفضح، لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلا ولم يفده علما، وكانت أيامه في الجهل ماضية، ومن الفضائل خالية، كان الصغير أفضل منه. لأن الرجاء له أكثر. والأمل فيه أظهر. وحسبك نقصا في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه.\nويورد الماوردي إلى جانب استحياء كبير السن وخوفه من التقصير في التعلم وطلب العلم كسب في العزوف عنه سببا آخر هو طلب المادة والتكسب والبحث عن لقمة العيش. ويقول الماوردي وربما امتنع \"كبير السن من طلب العلم لتعذر المادة وشغله اكتسابها عن التماس العلم. وهذا وإن كان أعذر من غيره، مع أنه قلما يكون ذلك إلا عند ذي شره، وعيب شهوة مستعبدة. فينبغي أن يصرف للعلم حظا من زمانه. فليس كل الزمان اكتساب ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة. ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يترك لها فراغا إلى غيره، فهو من عبيد الدنيا وأسرار الحرص. وقد روي عن النبي","vol":"1","page":346},{"text":"ﷺ أنه قال: \"لكل شيء فترة -أي سكون بعد نشاط- فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا\".\nويورد الماوردي سببا ثالثا يمنع كبير السن عن طلب العلم هو ما يظنه من صعوبته. يقول في ذلك وربما منعه \"كبير السن\" من طلب العلم ما يظنه من صعوبته وبعد غايته ويخشى من قلة ذهنه وبعد فطنته. وهذا الظن اعتذار ذوي النقص وخيفة أهل العجز. لأن الإخبار قبل الاختيار جهل، والخشية قبل الابتلاء عجز. وقد قال رجل لأبي هريرة ﵁: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. فقال: كفى بترك العلم إضاعة ... ولا ينبغي لمن قل حظه أن ييأس من نيل القليل وإدراك اليسير الذي يخرج به من حد الجهالة إلى أدنى مراتب التخصيص فإن الماء مع لينه يؤثر في صم الصخور فكيف لا يؤثر العلم الزكي في نفس راغب شهي وطالب خلي \"خالي من التردد\" لا سيما وأن طالب العلم معان. قال النبي ﷺ: \"إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب\".\nوهكذا يرى الماوردي أسباب ثلاثة لعزوف الكبير عن طلب العلم والسعي فيه هي الاستحياء والخوف من التقصير والانشغال بالحياة وكسب العيش وصعوبة التعليم وتحصيل العلم. وهي نفس الأسباب التي يتحدث عنها أساتذة تعليم الكبار والباحثين فيه في العصر الحديث.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>أسباب التقصير في طلب العلم:</span>\nيورد الماوردي عدة أسباب للتقصير في طلب العلم وهو يصفها بأنها أسباب فاسدة ودواع واهية هي:\n١- أن يكون في نفس طالب العلم أغراض تختص بنوع من العلم، فيدعوه الغرض إلى قصد ذلك النوع ويعدل عن مقدماته، كرجل يؤثر القضاء ويتصدى للحكم فيقصد من علم الفقه إلى أدب القاضي وما يتعلق به من الدعوى والبينات، أو يحب الاتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات، لئلا يصير موسوما بجهل ما يعاني، فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جمهوره وأدرك منه مشهوره. ولم ير ما بقي منه إلا غامضا طلبه عناء، وعويصا استخراجه فناء، لقصور همته على ما أدرك، وانصرافها عما ترك، ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك، لأن بعض العلم مرتبط ببعض ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها.\n٢- أن يحب طالب العلم الاشتهار به، أي يقصده طلبا للشهرة أو التكسب أو التجمل، فيقصد من العلم ما اشتهر من مسائل الجدل وطريق النظر، ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه، ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق ويجادل الخصوم وهو لا يعرف مذهبا مخصوصا ... وهذه طريقة من يقول اعرفوني وهو غير عروف \"عارف\" ولا معروف. وهي أيضا طريقة الديماجوجيين والمغالطين المكابرين في الحق، وطريقة كل من يقول خالف تعرف.\n٣- أن يغفل طالب العلم عن التعلم في الصغر ثم يشتغل به في الكبر فيستحيي أن يبتدئ بما يبتدئ به الصغير، ويستنكف أن يساويه الحدث الغرير. فيبدأ بأواخر العلوم وأطرافها، ويهتم بحواشيها وأكنافها، ليتقدم على الصغير المبتدئ ويساوي الكبير المنتهي. وهذا ممن رضي بخداع نفسه. وقنع بمداهنة حسه.\nوقد قال الشاعر:\nترق إلى صغير الأمر حتى ... يرقيك الصغير إلى الكبير\nفتعرف بالتفكير في صغير ... كبيرا بعد معرفة الصغير\nولهذا المعنى وأشباهه كان التعلم في الصغر أحمد كما يقول الماوردي. وهو يروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: قلب الحدث كالأراضي الخالية. ما ألقي فيها من شيء قبلته. وإنما كان ذلك لأن الصغير أفرغ قلبا وأقل شغلا وأيسر تبذلا وأكثر تواضعا. وقد قيل في منثور الحكم المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء.\nويورد الماوردي ما حكي عن الأحنف بن قيس أنه سمع رجلا يقول: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. فقال الأحنف: الكبير أكثر عقلا ولكنه أشغل قلبا. وقد قال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي","vol":"1","page":347},{"text":"في ذلك الجهل أبدا. وقال بعض حكماء الفرس: إذا قعدت وأنت صغير حيث تحب، قعدت وأنت كبير حيث لا تحب.\n٤- أن يكون طالب العلم كثير الشهوات مقسم الأفكار.\n٥- أن تحل بطالب العلم الهموم المذهلة والطوارق المزعجة وقد قيل في منثور الحكم الهم قيد الحواس.\n٦- أن تكثر أشغال طالب العلم لدرجة أنها تستوعب زمانه وتستغرق كل وقته. فإذا كان ذا يابسة ألهته وإن كان ذا معيشة قطعته. ولذلك قيل \"تفقهوا قبل أن تسودوا\" أي تعلموا قبل أن يصيروا سادة في قومكم فتمنعكم الأنفة عن التعلم فتعيشوا جهالا. وينسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب ﵁. وقال بزر جمهر: الشغل مجهدة والفراغ مفسدة فينبغي لطالب العلم ألا يني في طلبه. وينتهز الفرصة به. فربما شح الزمان بما سمح وضن بما فتح. ويبتدئ من العلم بأوله ويأتيه من مدخله ... ولا ينبغي أن يترك ما استصعب عليه ... لأن العلم طلبه صعب على من جهله، سهل على من علمه ... وقد قال بعض الحكماء العلوم مطلعها من ثلاثة أوجه: قلب مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور ... وقد قال بعض العلماء: من أكثر المذاكرة بالعلم، لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>أخلاق العلماء:</span>\nيقول الماوردي فيما يجب أن تكون عليه أخلاق العلماء أن يتحلوا بكل ما هو خلق حميد يليق بهم. وفي مقدمة ذلك التواضع ومجانبة العجب. ويورد قول النبي ﷺ: \"إن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب\". ويذكر قول عمر بن الخطاب ﵁: \"تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة، والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون ليتواضع لكم من تعلمونه ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم\". فالعلم أكثر من أن يحيط به بشر. وكل متناه في العلم سجد من هو أعلم منه. وقد قال الله ﷾: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ . ويورد قول الجاحظ في كتاب \"البيان والتبيين\" قوله: \"اللهم إننا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن. كما نعوذ بك من العجب بما نحسن. ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر \"أي حدة اللسان وإكثار الكلام بدون فائدة\". كما نعوذ بك من شر العي والحقد\" \"أي عدم القدرة على البيان حياء أو خوفا أو ضعفا\".\nومن أخلاق العلماء عدم التكلف فيما لا يحسن. ومن قال لا أدري فقد أفتى، لأن ليس إلى الإحاطة بكل العلم سبيل. وليس من العار أو العيب أن يجهل الإنسان بعضه وقد قال بعض الحكماء: \"من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم. فحسبك جهلا من عقلك أن تنطق ما لا تفهم. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"من سئل فأفتى بغير علم فقد ضل وأضل\".\nومن أخلاق العلماء ألا يحقر شيئا من العلم وأن يعمل بما علم. وقد روي عن عبد الله بن وهب وهو من كبار المحدثين توفي عام ١٩٧هـ عن سفيان أن الخضر ﵇ قال لموسى ﵇: يابن عمران تعلم العلم لتعمل به ولا تتعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره \"إثمه وفساده\" ولغيرك نوره. وقال علي بن أبي طالب إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم. وقيل في منثور الحكم لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به. وقال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به وثمر العمل أن يؤجر عليه. وقال بعض الأدباء: ثمرة العلوم العمل بالمعلوم.\nومن أخلاق العلماء وآدابهم أن يبذلوا العلم لطالبه وألا يبخلوا بتعليم ما يحسنون ولا يمتنعون عن إفادة ما يعلمون. وقد قال الله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: \"من كتم علما يحسنه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار\". ويقول الماوردي إن النبي ﷺ جعل التعليم صدقة لقوله ﷺ: \"تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده\". وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: \"تعلموا وعلموا فإن أجر العالم والمتعلم سواء. قيل: وما أجرهما؟ قال: مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة\".","vol":"1","page":350},{"text":"ومن أخلاق العلماء الصلاح والهداية وحسن الخلق والسلوك وحسن المعاملة فقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد\". فقيل: يا رسول الله أي الناس أشر؟ فقال: \"العلماء إذا أفسدوا\".\nومن أخلاق العلماء وآدابهم أن يكون لهم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه أو يضعف عنه ببلادته.\nومن أخلاق العلماء التأدب مع رجال الحكم والسلاطين. فبعضهم تكون له رغبة في العلم لفضيلة نفسه وكرم طبعه فلا يجعل ذلك كما يقول الماوردي ذريعة في الانبساط عند الإدلال عليه بل يعطيه ما يستحقه بسلطانه وعلو يده. فإن للسلطان حق الطاعة والإعظام وللعالم حق القبول والإكرام. ثم لا ينبغي أن يبتدئه إلا بعد الاستدعاء ولا يزيد على قدر الاكتفاء. فربما أحب بعض العلماء إظهار علمه للسلطان فأكثره. فصار ذلك ذريعة إلى ملله ومفضيا إلى بعده فإن السلطان منقسم الأفكار مستوعب الزمان فليس له في العلم فراغ المنقطعين إليه ولا صبر المنفردين به. وقد حكى الأصمعي ﵀ قال: قال لي الرشيد: يا عبد الملك. أنت أعلم منا ونحن أعقل منك. فلا تعلمنا في ملا ولا تسرع في تذكيرنا في خلا. واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال. فإذا بلغت من الجواب قدر الاستحقاق فلا تزد إلا أن نستدعي ذلك منك. وانظر إلى ما هو ألطف في التأديب، وأنصف في التعليم وأبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم. لكن على العالم أن يحذر اتباع أولي السلطان فيما يجانب الدين ويضاد الحق موافقة لرأيهم ومتابعة لهواهم. فربما زلت أقدام العلماء في ذلك رغبة أو رهبة فضلوا وأضلوا مع سوء العاقبة وقبح الآثار.\nويذكر الماوردي من آداب العلماء أيضا تنزيه أنفسهم عن شبهة المكاسب والقناعة بالميسور عن كد المطالب فإن شبهة المكتسب إثم وكد الطالب ذل. والأجر أجدر به من الإثم والعز أليق به من الذل. ذلك أن لذة العلم فوق كل لذة. وقد قال بعض البلغاء من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوة ومن أنسه قراءة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان.\nويذكر الماوردي من آداب العلماء رأيا هو موضع جدل بل ومخالف لما","vol":"1","page":351},{"text":"سبقوه من أمثال القابسي وابن سحنون. هو أن يعلموا بلا أجر ويقصدوا بتعليمهم غيرهم وجه الله ويطلبوا ثوابه دون أن يلتمسوا عليه رزقا. ويذكر قول الله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وقول النبي ﷺ: \"أجر المعلم كأجر الصائم القائم\". وقد ذكرنا في مكان آخر من هذا الكتاب تفصيل الكلام عن ذلك وأوردنا الآراء والبراهين التي تبيح للمعلم أخذ أجر عن التعليم.\nومن آداب العلماء التي يذكرها الماوردي أيضا نصح من علموه والرفق بهم وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود في مساعدتهم ومعونتهم.. ومن آدابهم أيضا ألا يعنفوا متعلما ولا يحقروا ناشئا ولا يستصغروا مبتدئا. فقد روي عن النبي ﷺ قوله: \"علموا ولا تعنفوا\"، وقوله ﷺ أيضا: \"وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه\".","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>آداب رياضة النفس واستصلاحها:</span>\nيتحدث الماوردي حديثا مطولا عن آداب رياضة النفس واستصلاحها فيتحدث عن مجانب الكبر والإعجاب لأنهما يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل. ويتحدث عن حسن الخلق ويذكر ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الله تعالى اختار لكم الإسلام دينا فأكرموه بحسن الخلق والسخاء فإنه لا يكمل إلا بهما\". ويتحدث عن الحياء فيقول: اعلم أن الخير والشر معان كامنة تعرف بسمات دالة فسمة الخير الدعة والحياء وسمة الشر القحة والبذاء. وكفى بالحياء خيرا أن يكون على الخير دليلا. وكفى بالقحة والبذاء شرا أن يكونا إلى الشر سبيلا. وقد روى حسان بن عطية عن أبي أمامة أن الرسول ﷺ قال: \"الحياء والعي -أي الصمت- شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان -أي التشدق- شعبتان من النفاق\".\nويتحدث عن الحلم والغضب. وهو يقول إن الحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد وذكر الأسباب التي تدعو إلى الحكم. ويقول إن الحليم لا يعرف إلا في الغضب. ويذكر قول الشاعر:\nليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام في حال الغضب","vol":"1","page":352},{"text":"ويتحدث عن الصدق والكذب فيقول: إن الصدق ممدوح أما الكذب فهو إجماع كل شر لسوء عواقبه وخبث نتائجه. ويذكر ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة، فإن فيه النجاة وتجنبوا الكذب وإن رأتيم فيه الهلكة\"، وقوله ﷺ: \"لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عنه الله صديقا ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا\".\nويقول الماوردي إن من الصدق ما هو مذموم. وهو يقوم مقام الكذب في القبح والمعرة ويزيد عليه في الأذى والمضرة. ويذكر من الصدق المذموم الغيبة والنميمة والسعاية أي الوشاية. كما أن من الكذب ما هو محمود أو مرخص به. والكذب المحمود الذي يمنع شرا أو فتنة ويرخص بالكذب في الحرب وإصلاح ذات البين على وجه التورية والتأويل دون التصريح. ومن أمثلة ذلك ما روي عن النبي ﷺ: -وهو الذي لا يقول إلا حقا وصدقا- أن امرأة عجوزا سألته: أأدخل الجنة يا رسول الله؟ فقال لها: \"لا يدخل الجنة عجوز\". فقالت له:ولم يا رسول الله؟ فقال ﷺ: \"ألم تسمعي قول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ \" أي أنها لن تكون عجوزا في الآخرة.\nويتحدث عن الحسد والمنافسة. ويقول عن الحسد إنه خلق ذميم مع إضراره بالبدن وإفساد للدين حتى لقد أمر الله بالاستعاذة من شره. قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ . وهو يقول فضله كثر حساده. وقد قال النبي ﷺ: \"استعينوا على قضاء الحوائج بسترها فإن كل ذي نعمة محسود\".\nويتحدث عن فضل الكلام والصمت. ويذكر أن للكلام أربعة شروط تجنب المتكلم الزلل وهي: أن يكون الكلام لداع وأن يكون في موضعه وفي حينه وأن يقتصر منه على قدر حاجته دون زيادة أو نقصان وأن يتخير اللفظ الذي يتكلم به. ويقول الشاعر في هذا المعنى:\nوزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عيوب ذوي العيوب المنطق\nومن آداب الكلام عدم التجاوز في المدح وعدم الإسراف في الذم وعدم","vol":"1","page":353},{"text":"الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عنها المتكلم ولا يقدر على الوفاء بها. ومن آداب الكلام العمل بالقول وأن ما يقال يصدقه العمل ومن آدابه أيضا مراعاة مخارج الكلام بحسب مقاصده وأغراضه. فإن كان ترغيبا قرن الكلام باللين واللطف وأن كان ترهيبا خلطه بالخشونة والعنف. ومن آدابه أيضا ألا يرفع بكلامه صوتا مستكرها وأن يتأنى مستقبح الكلام، وليعدل إلى التلميح فيما استقبح فيه التصريح. ومن آداب الكلام اجتناب أمثال العامة الغوغاء والتمثل بأقوال العلماء والأدباء.\nويتحدث عن الصبر والجزع. ويذكر ما روي عن النبي ﷺ: \"الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب\". وقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ . وقال بعض البلغاء: \"من صبر نال ما تمنى\". والصبر مفتاح الفرج. ويقول الشاعر:\nإن الأمور إذا سدت مطالبها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتجا\nلا تيأس وإن طالب مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا\nأخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا\nويتحدث عن الجزع فيذكر إن من أسبابه تذكر المصاب وشدة الحسرة والأسف وكثرة الشكوى واليأس.\nويتحدث عن المشورة ويعتبر أن من الحزم لكل ذي لب ألا يعمل شيئا إلا بمشورة ذوي الرأي الناصح وذي العقل الراجح. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: \"المشورة حصن من الندامة وأمان من الملامة\".\nويروي الماوردي ضرورة توفر خصال خمس في الشخص المطلوب مشورته هي العقل الكامل وكثرة التجارب والدين والتقوى وأن يكون ناصحا ودودا، سليم الفكر وألا يكون له غرض في الأمر موضع الاستشارة. ويتحدث الماوردي عن كتمان السر فيرى أنه من أقوى أسباب النجاح وأدوم لأحوال الصلاح.\nويتحدث عن المزاح والضحك فيرى في المزاح ذهاب الهيبة وتجرئ أو","vol":"1","page":354},{"text":"تشجيع الغوغاء والسفهاء. ويقول إنما سمي المزاح مزاحا لأنه يزيح عن الحق. وقيل في منثور القول المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب. ويذكر الماوردي أن من المزاح ما هو لطيف عندما يكون هدفه إيناس المصاحبين والتودد إلى المخالطين والتخلص من السأم. وقد روي عن النبي ﷺ قوله: \"إني لأمزح ولا أقول إلا حقا\".\nأما الضحك فيقول عنه الماوردي إن الإكثار منه يزيل الهيبة والوقار. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: \"من كثر ضحكه قلت هيبته\". وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه\" ويتحدث الماوردي عن الطيرة والفال فيقول: \"اعلم أنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة\". ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر\". والعدوى ما يظنه الناس من تعدي العلل والأمراض وانتقالها. وأما الهامة فهو ما كانت العرب في الجاهلية تعتقده من أن القتيل إذا طال دمه فلم يدرك بثأره صاحت هامته في القبر. اسقوني أي أنها تطلب الثأر من القاتل. وأما الصفر فهو كالحبة يكون في الجوف يصيب الماشية والناس وهو أعدى عن العرب من الجرب.\nويقول الماوردي إن الفرس كانوا أكثر الناس طيرة. كانت العرب إذا أرادت سفرا نفرت أول طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيمنت. وإن طار يسرة رجعت وتشاءمت. فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وقال: \"اقروا الطير على وكناتها\": وقال الشاعر لبيد:\nلعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع\nأما الفأل فيقول الماوردي إنه يقوي العزم ويبعث على الجد ويعين على الظفر. فقد تفاءل رسول الله ﷺ في غزواته وحروبه وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ سمع كلمة فأعجبته فقال: \"أخذنا فألك من فيك\". وروي أن يوسف ﵇ شكا إلى الله تعالى طول الحبس فأوصى الله تعالى إليه: يا يوسف أنت حبست نفسك حيث قلت: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ ولو قلت:","vol":"1","page":355},{"text":"العافية أحب إلي لعوفيت.\nويتحدث الماوردي عن المروءة ويرى أنها من شواهد الفضل ودلائل الكرم وحلية النفوس وزينة الهمم.\nويتحدث الماوردي عن أدب المأكل والمشرب فيقول إن الأكل والشرب مندوب إليه عقلا وشرعا لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ . وينهي الشرع عن الوصال بين صوم اليومين لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ويعجز عن العبادة. وكل ذلك يمنع منه الشرع ويدفع عنه العقل. أما الزيادة والإكثار من الطعام والشراب عن قدر الحاجة فهو ممنوع عقلا وشرعا. وقد روي عن النبي ﷺ قوله: \"إياكم والبطنة فإنها مفسدة للدين ومورثة للسقم مكسلة عن العبادة\". وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: \"ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات -لقيمات- يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلت لشرابه وثلث لنفسه\".\nويقول الماوردي عن آدب اللباس إن الحاجة إليه أدعى من المأكل والمشرب لما فيه من حفظ الجسد ودفع الأذى وستر العورة وحصول الزينة. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ .\nأما بالنسبة للراحة والنوم فيقول الماوردي إن للنفس حالتين حالة للنوم تستريح فيها، وإن حرمت منها، كلت وتعبت، وحالة اليقظة للتصرف والعمل إن استراحت فيها أخلت بواجباتها. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"نومة الصبحة، معجزة منفخة مكسلة مورمة مفشلة منسأة للحاجة\". وقيل في منثور الحكم: \"من لزم الرقاد عدم المراد\". فإذا أعطى النفس حقها من النوم والدعة واستوفى حقه بالتصرف واليقظة خلص بالاستراحة من عجزها وكلالها وسلم بالرياضة من بلادتها وفسادها. ويجعل الماوردي من الليل فرصة ليحاسب الإنسان نفسه على ما صدر من أفعال نهاره لأن الليل أكثر مدعاة للخاطر وأجمع للفكر فإن كان محمودا أمضاه وإن كان مذموما استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل. وقد سبق أن أشرنا إلى كلام ابن مسكويه عن أمراض النفوس","vol":"1","page":356},{"text":"وعلاجها. وهناك اشتراك كبير في المعنى بينه وبين كلام الماوردي.\nاختيار الإخوان قبل اصطفائهم:\nيقول الماوردي تحت هذا العنوان على المرء أن يكتشف أخلاق إخوانه ويعرف أحوالهم قبل اصطفائهم وإخائهم لقول الحكماء \"اسبر أي اختبر تخبر\". ويجب ألا تدفع المرء وحدته على الإقدام قبل الخبرة، ولا حسن الظن على الاغترار بالتصنع، فإن الملق مصايد العقول، والنفاق تدليس الفطن. وهما سجيتا المتصنع. ولذلك قالت الحكماء \"اعرف الرجل من فعله لا من كلامه واعرف محبته من عينه لا من لسانه\". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:\nكم من أخ لك ليس تنكره ... ما دامت في دنياك في يسر\nمتصنع لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشر\nفإذا عدا، والدهر ذو غير ... دهر عليك عدا مع الدهر\nفارفض باجمال مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثرى\nوعليك من حالاه واحدة ... في العسر إما كنت واليسر\nويقول الماوردي إن الإنسان موسوم بسيماء من قارب ومنسوب إليه أفاعيل من صاحب. وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: \"ما من شيء أدل على شيء، ولا الدخان على النار، من الصاحب على الصاحب\"، وقال بعض الحكماء \"اعرف أخاك بأخيه قبلك\". وقال عدي بن زيد في هذا المعنى\nعن المرء لا تسأل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي\nإذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردي فتردى مع الردي\nوقال بعض الأدباء لا تثق بالصديق قبل الخبرة. وقال الشاعر:\nلا تحمدن امرأ حتى تجربه ... ولا تدمنه من غير تجريب\nفحمدك المرء ما لم تبله خطأ ... وذمه بعد حمد شر تكذيب\nويجب ألا يغتر المرء بالمظاهر الخداعة. فقد يكون جمال الوجه أو البسمة","vol":"1","page":357},{"text":"أو مدهون الكلام خداعا. فليس كل ما يلمع ذهبا. وعلى حد قول الشاعر\nإذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم\nوقول آخر:\nلا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم\nويذكر الماوردي أربع خصال هل أصل الاتفاق في اصطفاء الإخوان هي: العقل الموفور والدين ومحمود الأخلاق والميل والرغبة في المؤاخاة. أما بالنسبة للعقل الموفور فلأن العقل يهدي إلى الرشد. والحمق لا تثبت معه مودة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"البذاء -أي الفحش في القول- لؤم وصحبة الأحمق شؤم\". وأما بالنسبة للدين فلأنه يدفع صاحبه إلى الخير. وقال بعض الحكماء: \"اصطف من الإخوان ذا الدين والحسب والرأي والأدب. فإنه رد لك عند حاجتك ويد عند نائبتك وأنس عند وحشتك وزين عند عافيتك\". أما بالنسبة لمحمود الأخلاق فلأن فعاله مرضية ويؤثر الخير ويأمر به ويكره الشر وينهي عنه. مودة الشرير تكسب العداء وتفسد الأخلاق. ولا خير في مودة تجلب عداوة وتورث مذمة وملامة. وأما بالنسبة لميل الصاحب إلى صاحبه والرغبة في مؤاخاته فلأن ذلك أوكد لحال المؤاخاة وأمد لأسباب المصافاة. فليس كل مرغوب إليه راغب وليس كل مطلوب إليه طالب. ومن طلب مودة ممتنع عليه كان معنى خائبا.\nويقول الماوردي إنه إذا اكتملت هذه الخصال الأربع في إنسان وجب إخاؤه وتعين اصطفاؤه. لكن الماوردي يضع شرطا احترازيا هو أن يكون الميل إلى اصطفاء الصديق والثقة فيه بمقدار توفر هذه الخصال فيه. وغلبة إحداها عليه. لأن الإخوان على طبقات مختلفة ولكل واحد منهم حال يختص بها، والتباين في الناس غالب. وبينهم اختلاف في الشيم والصفات وليس هناك من كملت صفاته. وقال بعض الحكماء الرجال كالشجر شرابه واحد وثمره مختلف. وقال الشاعر في هذا المعنى:\nبنو آدم كالنبت ... ونبت الأرض ألوان\nفمنهم شجر الصندل ... والكافور والبان\nومنهم شجر أفضل ... ما يحمل قطران","vol":"1","page":358},{"text":"وقال المأمون: \"الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا.\nويعلق الماوردي على كلام المأمون بقوله \"ولعمري إن الناس على ما وصفهم\". ثم يستدرك بقوله: ولكن ليس من كان منهم كالداء من الإخوان المعدودين بل هم من الأعداء المحذورين.\nويقول الماوردي إنه يجب الإغضاء عن هفوات الإخوان وذلاتهم وأخطائهم فمن منا كملت صفاته. والكمال لله وحده وابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. وقد قال أبو الدرداء رضي الله: \"معاتبة الأخ خير من فقده ومن لك بأخيك كله؟ وقد قال الشاعر في هذا المعنى:\nومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه\nوقال النابغة الذبياني:\nولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب\nويتحدث الماوردي عن حق الصديق على الصديق فيقول: \"إن أول حقوقه اعتقاد مودته ثم إيناسه بالانبساط إليه في غير محرم ثم نصحه في السر والعلانية ثم تخفيف الأثقال عنه ثم معاونته فيما ينوبه من حادثة أو يناله من نكبة. فلا يعرف الصديق إلا وقت الضيق\".\nويذكر الماوردي ناحية هامة في علاقة الصديق بالصديق هي ألا يفرط ولا يكثر في محبته لأن الإفراط داع إلى التقصير، والشيء إذا زاد عن حدة انقلب إلى ضده. وقد روى ابن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما\". ومن مأثور القول:\nاحذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة ... فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الغزالي وآراؤه التربوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>مدخل</span>\n...\n٥- الغزالي وآراؤه التربوية:\n٤٥٠هـ-٥٥٥هـ، ١٠٥٨م-١١١١م\nمن المرجح أن أبا حامد الغزالي ولد بطوس من أعمال خراسان ببلاد فارس سنة ٤٥٠هـ - ١٠٥٨م وأنه توفي في الطابران ٥٥٥هـ - ١١١١م. ومن المرجح أيضا أن تسميته بالغزالي ترجع إلى مهنة والده وهي غزل الصوف، وهناك من يقول: أنها نسبة إلى غزالة وهي بلد ينسب إليها.\nوقد درس الغزالي في نيسابور على يد الإمام أبي المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين وإمام الشافعية وأخذ عنه المذهب وطرق الجدل. كما درس علم الكلام والحكمة والفلسفة وقرأ للفارابي وابن مسكويه وابن سينا وغيرهم. ويقول الغزالي في كتابه \"المنقذ من الضلال\": إنه لا يوجد فيلسوف لم يدرس منهاجه ولا متكلم لا يتتبع كلامه ولا صوفي لم يخض في أسراره، وقد لقي الوزير السلجوقي نظام الملك فأعجب به الأخير وعلت مكانته لديه. فعينه أستاذا بالمدرسة النظامية التي بناها ببغداد لنشر المذهب السني بعد أن أنشأ الفاطميون الأزهر بالقاهرة لنشر المذهب الشيعي.\nوقد قام الغزالي بالتدريس في المدرسة النظامية عندما رحل إليها سنة ٤٨٤هـ وكان عمره آنذاك ٣٤ سنة. واستمر بالتدريس بها طيلة أربع سنوات زهد بعدها في الدنيا وآثر العزلة ورحل إلى البلد الحرام في طلب الحج. وذهب بعدها إلى دمشق حيث اعتكف للزهد والتصوف فترة من حياته. وأقام فترة في الإسكندرية لكنه عاد أخيرا إلى مسقط رأسه \"طوس\" ليقضي بقية عمره في وعظ الصوفية. واشتغل بتأليف الكتب. وقد ترك الغزالي ما يزيد عن سبعين مؤلفا في الدين والفلسفة والجدل والفقه والأخلاق والتصوف والدفاع عن الدين والرد على الفلاسفة. ويبرز من بينها جميعا كتابه \"إحياء علوم الدين\" الذي يدل على عبقريته ونفاذ بصيرته. وقد عرض هذا الكتاب آراءه في التربية والتعليم وفي الأخلاق الحقة، وبين في مقدمة الكتاب سبب تأليفه له فقال: \"إن طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا قد أصبح بين الخلق مطويا وصار","vol":"1","page":360},{"text":"نسيا منسيا ... ولما كان هذا ثلما في الدين معما وخطبا مدلهما رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب، إحياء لعلوم الدين وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين وأيضا لمناحي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين\".\nوقد قسم كتاب الإحياء إلى أربعة أجزاء أو أقسام: الربع الأول خاص بالعبادات وقد ذكر فيه آدابها وسننها وأسرار معالجتها. والربع الثاني خصصه للعادات، وقد احتوى على أسرار المعاملات الجارية بين الخلق ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها. والربع الثالث خاص بالمهلكات وعرض فيها إلى الأخلاق المذمومة من حيث حدها وحقيقتها والأسباب التي تتولد عنها الآفات التي تترتب عليها والعلاقات التي تعرف بها وطرق معالجتها وتزكية النفس عنها وتطير القلب منها. وخصص الربع الأخير للمنجيات وفيه عرض للأخلاق الحميدة والخصال المرغوبة.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الغزالي ناقل عن ابن مسكويه وغيره من المسلمين والإغريق:</span>\nاعترف الغزالي صراحة بأنه نقل عن ابن مسكويه في كتاب تهذيب الأخلاق ويقول زكي مبارك \"ص٥٨\": إنه نقل حرفيا عن أبي طالب المكي المحاسبي وغيره من رجال الصوفية. كما أنه تأثر بفلاسفة الإغريق ولا سيما أفلاطون ونقل عنهم. والواقع أن الغزالي استقى آراءه الفكرية والثقافية من روافد شتى وقع تحت تأثيرها. وإلى جانب ما أشرنا إليه للتو نورد هنا ما يذكره ابن تيمية عنه. يقول ابن تيمية: \"إن من أساتذة الغزالي أبو المعالي مؤلف \"الإرشاد\" \"والشامل\" وأن الغزالي احتفظ بكثير من الشبه بينه وبين الباقلاني. أما في أصول الفقه فلم يكن ابن تيميه يوقره في شيء لأنه كان يرى أنه -لفرط وفائه لتعاليم الباقلاني- كان متأثرا بأبي زيد الدبوسي في فهمه لنظرية القياس المنطقي. وكان الغزالي في الفلسفة تلميذا لابن سينا ولإخوان الصفا كما كان تلميذا لأبي حيان التوحيدي في التصوف. وقد ضلع منه الغزالي وذاعت شهرته إلا أن أصالته كانت مقتبسة في بعضها من الحارسي المحاسبي وفق أبي طالب المكي الذي أثر بكتابه \"قوت القلوب\" في الإحياء تأثيرا شاملا \"هنري لاودست: ٢١٩\". كما استفاد الغزالي أيضا من رسالة القشيري \"المرجع السابق: ٨١\".","vol":"1","page":361},{"text":"وينبغي أن نشير إلى أنه بالرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهها ابن تيمية إلى الغزالي فإنه كان يقدر تماما أهمية إنتاجه الضخم ومقدار فضله عليه. وكان يشير في كثير من الأحيان إلى ما ورد في \"الإحياء\"، و\"كيمياء السعادة\"، و\"التفرقة\" و\"المستظهر\"، و\"المقاصد\"، و\"المستصفى\"، و\"الرد على الباطنية\" ويستخدم ذلك في كتاباته. وكان الغزالي أول من تلقى منه ابن تيمية تاريخ الفرق الإسلامية والفلسفة وكان حجته في الجدل الكلامي في مناسبات عديدة ... كما اقتبس منه كل مصطلحات المنطق التي استخدمها ... وتمييزه بين التصديق والقصور ومنطقة في المفهوم وفي الحكم وفي الاستنباط الفقهي \"المرجع السابق: ٢٢٠\".\nالغزالي والتربية:\nجاءت آراء الغزالي في التربية انعكاسا لآرائه الفلسفية الصوفية. من ذلك أنه رأى أن الهدف من التربية هو مساعدة الفرد على التقرب إلى الله والعمل للحياة الآخرة. كما دعا إلى الأخذ بأساليب الخشونة والتقشف والبعد عن ملذات الحياة حتى تلك التي أحلها الله من جميل اللباس وطيب الطعام ومتعة الحياة. وقد تناول الغزالي موضوع التربية بفكر واضح يبدو فيه تأثره بأفلاطون وأرسطو ففي كلامه عن الفضيلة مثلا يقول: إنها الاعتدال والتوسط بين أركان النفس الأربعة وقواها، وهي:\n- قوة الغضب واعتدالها الشجاعة.\n- قوة الشهوة واعتدالها العفة.\n- قوة الحكمة والإفراط فيها مضر.\n- قوة العدل والإفراط فيها أيضا مضر.\nوفي كلامه عن القلب يخلط بينه وبين النفس والعقل ويقول عنه: \"إنه لطيفة ربانية روحانية لها تعلق القلب وهذه اللطيفة هي حقيقة الإنسان لأنه الجزء المدرك فيه\". وفي كلامه عن العقل يقول عنه: \"إنه القلب نفسه أو تلك اللطيفة الربانية\" ويقول عنه أيضا: إنه صفة القلب لأنه جاء من النفس الناطقة، التي","vol":"1","page":362},{"text":"تنقسم إلى عقل علمي يرتبط بالدوافع والانفعالات والقوى المحركة للجسم وعقل نظري هو آلة الإدراك. وتأثر من ناحية أخرى بابن مسكويه في كتاب \"تهذيب الأخلاق\" الذي تأثر فيه بدوره بالفلاسفة الإغريق. ولكن الغزالي حاول المزاوجة والتوفيق بين من نقل عنهم وبين الإسلام ويشير في قوله عن الحكمة إلى قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ .\nالغاية من التربية:\nيعتبر الغزالي أن الغاية من التربية هي التقرب إلى الله ﷿، والدليل على ذلك طلب العلوم ومحاسن الأخلاق، وفي ذلك يقول: على المعلم أن ينبه المتعلم على أن الغرض من طلب العلوم هو التقرب إلى الله دون الرياسة والمباهاة.\nوغاية الأخلاق عنده حب الله وحب لقائه والبعد عن الدنيا، وهو يقول: \"مهما كان الأب يصون ولده من نار الدنيا فليصنه عن نار الآخرة أولى وصيانته أن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق\".\nولم يرفض الغزالي الهدف التربوي التثقيفي من التعلم، ففي كلامه عن قيمة دراسة العلوم يذكر من بين ما يذكر مدى منفعتها للإنسان في تثقيفه واستمتاعه وتدخلها في حياته الاجتماعية، ومثل لها بالشعر والتاريخ والسياسة وقد جعل العلم طريقا للإيمان ففي كلامه عن الإيمان يقسمه إلى ثلاث مراتب:\n١- إيمان العوام الذين يصدقون ما يسمعون مثل من قيل لهم فلان بالدار فصدقوا.\n٢- إيمان العلماء وهو مبني على استنباط ومثاله أنهم سمعوا أو رأوا ما يدل على أن فلانا بالدار فصدقوا.\n٣- يقين العارفين الذين يشهدون الحق دون حجاب ومثاله هم الذين دخلوا الدار ورأوا بأعينهم وهم الأنبياء والرسل ومن في مراتبهم.\nتقسيم العلوم والمنهج التعليمي:\nقسم الغزالي العلوم إلى أربعة أنواع:\n- الأصول وتشمل القرآن الحدث.","vol":"1","page":363},{"text":"- الفروع وتشمل الفقه.\n- المقدمات وتشمل ما لا غنى عنه في دراسة الأصول مثل النحو واللغة.\n- المتممات وتشمل القراءات والتفسير.\nومن حيث قيمتها يقسمها الغزالي إلى:\n- علوم مذموم قليلها وكثيرها مثل علوم السحر والطالع والتنجيم لأنه لا يرجى نفع منها في الدنيا والآخرة.\n- علوم محمود قليلها وكثيرها وهي العلوم الدينية لأنها تطهر النفس وتقرب الإنسان من ربه.\n- علوم قليلها وكثيرها مذموم لأنها تشكك الإنسان مثل الفلسفة قد تؤدي إلى الإلحاد وهو هنا يحمل على الفلسفة التي ألف لها \"تهافت الفلاسفة\".\nومن حيث أهمية العلوم يقرر الغزالي أنها تقسم إلى نوعين:\n- ما هو فرض عين على كل فرد وهي العلوم الدينية لأنها الأساس إلى معرفة الله وهي فرض على كل واحد.\n- ما هو فرض كفاية وهي التي ليست مفروضة على كل فرد مثل علوم الحساب والطب والصناعات.\nويعتمد تقسيم علوم المنهج على نظرة الغزالي إلى أهمية العلوم. ويعتبر أن أساس معرفة العلوم يعتمد على عدة معايير أهمها:\n١- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان في حياته الدينية وتقربه من الله.\n٢- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان من حيث خدمتها لعلوم الدين وهي علوم النحو واللغة.\n٣- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان في حياته الدنيا مثل علم الطب والحساب والطبيعة.\n٤- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان من تثقيفة واستمتاعه وتدخلها في حياته","vol":"1","page":364},{"text":"الاجتماعية مثل الشعر والتاريخ والسياسة.\nوهكذا يقسم المنهج عند الغزالي إلى:\n- العلوم النقلية وهي العلوم المنقولة من السلف وهي علوم القرآن والحديث.\n- العلوم اللسانية وهي العلوم التي تخدم أمور الدين.\n- العلوم العقلية بما فيها الفلسفة والتي قسمها إلى خمسة فروع هي الرياضيات والعلوم المنطقية والطبيعيات والسياسيات والخلقيات.\nالعقل عند الغزالي:\nيرى الغزالي أن العقل يعجز عن الوصول إلى أحكام جازمة في الدين. لأن العقل في جوهره متناه ومن ثم لا يقدر على إدراك غير المتناهي. وقد أثر هذا التشكك الفلسفي الذي اصطنعه الغزالي في قدرة العقل على المذهب العقلي في الفلسفة. ويقول محمد إقبال في تجديد الفكر الديني في الإسلام \"ص١٠\" بأن هذه الدعوة التي نهض بها الغزالي تكون دعوة للتبشير بمبدأ جديد مثلها في ذلك مثل الدعوة التي قام بها الفيلسوف الألماني \"كانط\" في القرن الثامن عشر. وهي الدعوة التي تقوم على نقد العقل وبيان عجزه وقصوره. إلا أن هناك فارقا هاما بين الغزالي وكانط. ذلك أن كانط تمشى مع مبادئه تمشيا لم يستطع معه أن يثبت أن معرفة الله ممكنة. أما الغزالي فعندما خاب رجاؤه في الفكر التحليلي ولي وجهه شطر الرياضة الصوفية ووجد فيها مكانا للدين مستقلا عن العلم وعن الفلسفة الميتافييزيقية. وهذا يذكرنا بما قاله \"برتراند راسل\" أستاذ الفلسفة كما أفهمها شيء وسط بين اللاهوت أي الدين والعلم. فهي كاللاهوت تتكون من تكهنات حول أمور تكون المعرفة فيها غير يقينية. وهي في نفس الوقت كالعلم تخاطب العقل الإنساني.. فالمعرفة المحددة تنتمي إلى العلم والعقيدة تنتمي إلى الكهنوت والدين ... وبين العلم والدين والكهنوت جزيرة لا تنتمي إلى أيهما، لكنها تهاجم من كليهما.. هذه الجزيرة هي الفلسفة\". \"محمد منير مرسي: فلسفة التربية، ص١٤\".","vol":"1","page":365},{"text":"الغزالي وديكارت وكانط:\nالغزالي سابق لديكارت الفيلسوف الفرنسي المعروف بما يزيد عن خمسة قرون وسابق لكانط الفيلسوف الألماني المعروف الذي أشرنا إليه بما يقرب من سبعة قرون. ومن المعروف عن ديكارت أسلوبه الفلسفي الذي يقوم على الشك المنهجي للوصول إلى اليقين. وأثر عنه عبارته المشهورة في ذلك \"أنا أفكر.. إذن أنا موجود\" CAGITO ERGO SUM وهو الأسلوب الذي حاول الدكتور طه حسين استخدامه في دراسته المثيرة للجدل عن الأدب الجاهلي.\nوهناك رأي يقول بأن ديكارت تأثر في شكله المنهجي بالغزالي. كما أن كانط في دعوته التي تقوم على نقد العقل وبيان عجزه وقصوره عن إدراك الحقيقة الإلهية متأثر أيضا بالغزالي. ولهذا الرأي ما يبرره فقد كانت علوم المسلمين هي الغذاء العقلي لأوربا ومفكريها وعلمائها وجامعاتها آنذاك.\nوقد أشرنا في مكان آخر من هذا الكتاب إلى ما يقوله محمد إقبال في كتابه عن التجديد الديني في الإسلام إلى أن الفكر الأوربي أتى عليه حين من الدهر تلقى فيه وحي النهضة من العالم الإسلامي وأن الثقافة الأوربية في جانبها الفعلي ليست إلا إزدهارا لبعض الجوانب الهامة في ثقافة الإسلام. ومن الثابت المعروف أن كثيرين من علماء الغرب من أمثال \"روجر بيكون\" مدينون فيما حصلوه من العلوم للعلماء المسلمين وللجامعات الإسلامية في الأندلس. ويقول محمد إقبال إن القسم الخامس من كتاب \"روجر بيكون\" cepus maius الذي خصصه للبحث في البصريات هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب \"المناظر\" لابن الهيثم \"٩٦٥م-١٠٣٩م\" وكتاب بيكون في جملته شاهد ناطق على تأثره بابن حزم. وقد سبق أن أشرنا في هذا الكتاب إلى تأثير كثير من علماء الغرب بأفكار علماء المسلمين ومنهجهم التجريبي.\nالمعرفة عند الغزالي:\nتناول الغزالي الكلام عن المعرفة ولها في نظره صفتان رئيسيتان:","vol":"1","page":366},{"text":"أ- أنها نسبية:\nفقد ذهب الغزالي إلى القول بأن المعرفة نسبية وهي تستند إلى الأمثلة المألوفة الملموسة فيقول: هب أن نفرا من العميان لم يروا الفيل قط بل ولم يعرفوا له وصفا وفي يوم علموا بمجيء هذا الحيوان ويودون تكوين فكرة عنه، فيتحسسون هذا الحيوان. ويقع أحدهم على رجل الفيل، والآخر على نابيه، والثالث على أذنه. ثم يطلب منهم أن يصفوه فيقول أحدهم إن الفيل شبيه بالعامود ويرفض الثاني هذا الرأي ويقول مؤكدا: إن الفيل كالوتد ويذهب ثالث إلى أن الفيل كالخيمة الكبيرة.\nوهكذا يصف كل منهم الفيل حسب العضو أو المكان الذي لمسه، والحق بجانب كل واحد منهم لأن كلا منهم صدق في قوله ولكن غاب الكل عن علمهم وهذا صحيح بالنسبة إلى معظم المسائل التي نبحثها.\nب- قال الغزالي بأنه ليس من الضروري أن تكون كل الحقائق بما يؤديها العقل فهناك من الحقائق ما يعجز عن الوصول إليها. وليس مما يخالف الصواب في نظره وجود افتراض قائل بوجود دائرة أخرى فوق دائرة العقل، وإن شئت فقل دائرة التجلي الرباني. ونحن وإن كنا نجهل سنن تلك الدائرة ونواميسها جهلا تاما فإننا نجد الكفاءة في قدرة العقل على الاعتراف بإمكاناتها.\nالإدراك عند الغزالي:\nوفي كلام الغزالي عن الإدراك يقسمه إلى إدراك حسي وإدراك معنوي أو نفسي. والإدراك الحسي يتعلق بالعالم المادي ويدرك بالحواس أما الإدراك النفسي فيتعلق بالعالم الخفي عالم الملك والملكوت. إلا أن الإدراك النفسي محدد بقيود الجسم ولذا يجب أن يتحرر منها بالتطهر الجسمي والمادي. وواضح مدى تغلب النزعة الصوفية على فكر الغزالي في هذا التفسير.\nالأخلاق عند الغزالي:\nدون الغزالي علم الأخلاق وفلسفته في كتابه إحياء علوم الدين والكتب","vol":"1","page":367},{"text":"المشابهة له مثل كتاب \"كيمياء السعادة\" الذي ألفه باللغة الفارسية وهو لا يختلف عن كتاب \"الإحياء\" شكلا أو موضوعا غير أنه يختصر فيه الموضوعات التي يفصلها في الإحياء.\nويقوم علم الأخلاق عند الغزالي على روح إسلامية صوفية. وقد أطلق عليه أسماء متعددة مثل علم طريق الآخرة وعلم صفات الأخلاق وأسرار معاملات الدين وأخلاق الأبرار. ويقصد به تكييف النفس إلى ما رسمته البشرية وخططه رجال المكاشفة من علماء الإسلام ومن سبقهم من الأنبياء والصديقين \"زكي مبارك: ص١١٣\".\nوعلم الأخلاق عند الغزالي علم معاملة لا مكاشفة، بمعنى أنه يبحث في الأعمال وفيما ينبغي على المرء أن يفعله ليكون سلوكه موافقا لروح الشريعة.\nوأمارات حسن الخلق في نظر الغزالي هي التي تتفق مع ما ورد في القرآن الكريم. وعلى الإنسان الذي يريد أن يعرف محاسن أخلاقه أن يقيس صفاته بما ورد في القرآن الكريم. وقد نظر الغزالي إلى الفضيلة على أنها حالة التوسط والاعتدال بين رذيلتين وحدين متقابلين تطبيقا للمبدأ القرآني خير الأمور الوسط فاعتدال الغضب \"الشجاعة\" توسطا بين التهور والجبن واعتدال الشهوة \"العفة\" توسطا بين الشره والجمود واعتدال العقل \"الحكمة\" توسطا بين الخبث والبلاهة. ومعيار الاعتدال في نظره يقوم على العقل والشرع.\nأمهات الفضائل:\nإن أمهات الفضائل عند الغزالي أربعة:\n- الحكمة وهي حالة للنفس يمكن بها تمييز الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية.\n- الشجاعة وتكون بانقياد شهوة الغضب للعقل في إقدامها وإحجامها.\n- العدل وهي حالة للنفس أن تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة.\n- العفة وتكون بتأديب قوة الشهوة بتأديب الشرع والعقل.","vol":"1","page":368},{"text":"وهذا التقسيم هو نفس تقسم ابن مسكويه الذي سبق أن أشرنا إليه. وقد نقله الغزالي عنه.\nالوسيلة إلى الأخلاق الحسنة:\nإن الوسيلة إلى الأخلاق الحسنة في نظر الغزالي هي التخلق أي بتعويد النفس على الخلق الحسن وقد قسم الناس إلى أربعة أقسام:\nقسم يمثله الإنسان الطفل الذي لا يعرف الحق من الباطل والقبيح من الحسن وهو أكثر الأقسام قبولا للرياضة والتوجيه. ولا يحتاج إلا إلى مرشد وإلى باعث يحمله على الاتباع.\n- قسم يمثله الإنسان الذي يعرف القبيح من الحسن لكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له سوء عمله فيقدم عليه انقيادا لشهواته وإعراضا عن صواب رأيه.\n- قسم يمثله الإنسان الذي يرى القبيح حسنا وجميلا. ويرى الغزالي أن هذا النوع لا يرجى صلاحه إلا على الندرة.\n- قسم يمثله الإنسان الذي يتباهى بفساد خلقه وفساد أمره وكثرة شره. وهذا الصنف هو أصعب المراتب في مجاهدة النفس وتعويدها على الأخلاق الكريمة.\nويقول الغزالي: إن كل ذي بصيرة نافذة يرى عيوبه ويسهل عليه علاجها يصلحها إذا رأى فيها اعوجاجا ويكون علاج عيوب النفس بمجاهدتها وتعويدها على فعل الضد. أي أن الرذائل تعالج بضدها، فالبخل مثلا يعالج بالسخاء والجهل والتعليم والتكبر بالتواضع وهكذا.\nالأخلاق قابلة للتغيير:\nيرى الغزالي أن الأخلاق قابلة للتغيير عن طريق رياضة النفس وتزكيتها وتهذيبها. وهو يورد رأي من قال بأن الأخلاق غير قابلة للتغيير. وحجتهم في ذلك أن الخلق صورة الباطن والخلق يجعل نفسه طويلا ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى.. وكذلك حسن الخلق.. من مقتضى المزاج والطبع. وهو يرد على هذا","vol":"1","page":369},{"text":"الرأي فيقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول الله ﷺ: \"حسنوا أخلاقكم\". وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد. وكل ذلك تغير للأخلاق \"الإحياء: ج٣ ص٥٤\".\nوهو يقول ما قاله ابن مسكويه من: \"أن الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة. وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يقال فإن عنود الخير وعمله نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه كل معلم له مؤدب. وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له\".","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>منهج الغزالي في تربية الطفل:</span>\nيقدم لنا الغزالي منهجا علميا في تربية الطفل تربية إسلامية صحيحة. فبعد أن أكد أن الطفل قابل لكل نقش وصورة نصح الأب بأن يؤدب ابنه وينشئه على محاسن الأخلاق وأن يحفظه من قرناء السوء، وأوصى الأب بألا يحبب ابنه في أسباب الرفاهية حتى لا يتعود على نعيم العيش فيصعب تقويمه بعد ذلك، وعليه أن يعوده على اللباس المحتشم الوقور وأن يمنعه من النوم نهارا وتعويده الحركة والرياضة وأن يمنعه من الافتخار على العطاء لا الأخذ حتى ولو كان فقيرا وأن ينهاه عن القسم صادقا أو كاذبا تأكيدا لقول الله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، وأن ينهاه عن الأعمال غير المستحسنة كالبصاق والتثاؤب ولا سيما في المجالس وأن يعوده على الإقلال من الكلام إلا لحاجة وبقدر ما تتطلبه هذه الحاجة وأن يخوفه من السرقة وأكل الحرام وغيرها من الأخلاق المذمومة وأن يعوده على الصبر وأن يأذن له باللعب بعد الدرس حتى يستريح ويتجدد ذكاؤه ونشاطه ويروح عن نفسه مشقة العلم.\nوقد أشار إلى أن أول ما يغلب على الطفل شره الطعام، وهو في هذا يتفق مع ابن مسكويه وطالب الأب بأن يؤدبه في ذلك وأن يعوده أخذ الطعام بيمينه والبدء باسم الله والأخذ بما يليه. وأن يقبح عنده كثرة الأكل بطريق غير مباشر","vol":"1","page":370},{"text":"كأن يذم الطفل الشره ويمدح المتأدب قليل الأكل. كما طالب الأب بألا يتساهل مع ابنه إذا بلغ سن التمييز في كل ما يحتاج إليه أمر الشرع. ويقدم لنا الغزالي أسلوب الثواب والعقاب لتأديب الصبي إلا أنه يرى ألا يكون العقاب لكل أمر بل من الأفضل التغاضي عن بعض الأمور إذا خجل الطفل منها وتستر لإخفائها ولا يكون العقاب علنا حتى لا يشجع الطفل على تعود الخطأ. ويجب أن يقل من العقاب حتى لا يتعود الطفل المهانة ويهون عليه سماع اللوم والتأنيب.\nتعليم الصبيان:\nيؤكد الغزالي في كلامه عن تعليم الصبيان عدة مبادئ تربوية هامة من أبرزها:\nالبدء بالتعليم في الصغر:\nينبغي أن يبدأ تعليم الصبيان من صغرهم، وقديما قالوا: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. ويؤكد الغزالي نفس المعنى عندما يقول عن الصبي: وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش عليه. وقد ردد هذا القول كما أشرنا جون لوك بعد حوالي ١٣ قرنا من الزمان عندما ذهب إلى أن عقل الطفل صفحة بيضاء تنقشه الخبرة والتعليم، ويؤكد الغزالي أن التربية والتعليم عملية تتعاون فيها طبيعة الصبي مع بيئته.\nمراعاة طبيعة الصبي:\nيؤكد الغزالي ضرورة فهم المعلم لطبيعة الصبي، وهذا يتأتى من دراسته لنفسية الصبيان الذين يعلمهم. فهم ليسوا سواء وهذه الدراسة تساعده من ناحية أخرى على إيجاد الصلة الإنسانية بينه وبينهم. وعلى المعلم أن يتدرج في تعليم الصبي وأن يبدأ معه من السهل إلى الصعب. وفي ذلك يقول الغزالي: \"إن أول واجبات المربي أن يعلم الطفل ما يسهل عليه فهمه لأن الموضوعات الصعبة تؤدي إلى ارتباكه العقلي وتنفره من العلم\" \"الغزالي: الإحياء ج١ ص٥٢\" ويشير الغزالي إلى قضية نفسية هامة هي \"أن صحة النفس تتحقق من اعتدال مزاج البدن عندما يتكامل الجسم والنفس\".","vol":"1","page":371},{"text":"التدرج في التعليم:\nإلى جانب ما أشار إليه الغزالي من التدرج في تعليم الصبي والبدء بالأشياء السهلة ثم الانتقال منها إلى ما هو أصعب، ويطالب الغزالي المعلم ألا يخوض في العلم دفعة واحدة بل يتدرج فيه مع مراعاة الترتيب ويبتدئ بالأهم، وكذلك ينبغي عليه ألا يخوض في علم إلا بعد أن يستوفي ما قبله، فالعلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق بعض.\nضرورة الترويح واللعب في تربية الولد:\nيشير الغزالي إلى ضرورة الترويح عن الصبي، وأشار إليه بموصوع اللعب الذي قال إن له ثلاث وظائف:\n- يروض الجسم الصغير ويقويه.\n- يدخل السرور على قلبه.\n- يريح الصبي من تعب الدروس. ويروح عن تعب النفس كللها ومللها.\nوفي بيان أهمية اللعب للطفل يقول الغزالي \"وينبغي أن يعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل\" وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من المكتب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب العلم بحيث لا يتعب في اللعب. فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه في التعليم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه.\nتربية البنت:\nيرى الغزالي أن العلم واجب على الرجال والنساء، ولكنه لم يهتم بالحديث عن تربية البنت ولم يكتب عنها إلا النزر اليسير.\nالمعلم في نظر الغزالي:\nيؤكد الغزالي أهمية الاشتغال بالتعليم ويعلي من قدر أصحابه ويعظم من شأن وخطر المسئولية الملقاة عليهم. وفي ذلك يقول الغزالي: \"فمن علم وعمل بما علم فهو الذي يدعى عظيما في ملكوت السماوات فإنه كالشمس تضيء لغيرها. ومن اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرا عظيما وخطرا جسيما فليحفظ آدابه\" \"الغزالي: الإحياء ج١ ص٤٩\".","vol":"1","page":372},{"text":"والمعلم في نظره \"متصرف في قلوب البشر ونفوسهم\" وهو يمارس أشرف الصناعات بعد النبوة. وهو يعتبر أن حق المعلم بالنسبة للطفل أعظم من حق الوالدين لأن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، أما المعلم فهو سبب الحياة الباقية والمفيد للحياة الآخرة. فهو معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة، وقد أوصى المعلم بعدة أمور من أهمها:\n١- الشفقة والرحمة على الصبي فهو منه بمنزلة الولد وهو ما سبق أن ذكره ابن سحنون والقابسي.\n٢- ألا يزجر الصبي عما يبدو منه من سوء الخلق بطريقة الرحمة لا التوبيخ وأن يكون تأديبه بالبرهنة والتوجيه لا بالتخويف والضرب والوعيد.\n٣- أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله اقتداء في ذلك بسيد البشر ﷺ حيث قال: $\"نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم\" وقد قيل: \"كِلْ لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه\".\n٥- ألا يقبح في نفي المتعلم العلوم الأخرى التي يدرسها غيره كمعلم اللغة في عادته تقبيح علم الفقه ومعلم الفقه في عادته تقبيح علم الحديث والتفسير.\n٦- أن يكون المعلم قدوة حسنة، وأن يطابق قوله فعله وأن يكون متحليا بالورع والتقوى لأن أعين الصبيان إليه ناظرة وآذانهم إليه مصغية فما استحسن فهو عندهم الحسن وما استقبح فهو عندهم القبيح.\n٧- أن يعود الصبي على الأخلاق الكريمة فيقوم احتراما لمن هو أكبر منه كما يعوده على ألا يبصق في المجلس ولا يتمخط ولا يتثاءب.\n٨- يجب ألا يرفع العلم التكليف بينه وبين التلميذ حتى لا يتجرأ عليه وحتى الكسل خلقه، وأن يبتعد به عن التدليل ويعوده الخشونة حتى لا يغلب عليه الكسل وأن يراعي التوسط والاعتدال في معاملته.\n٩- أن يكون وقورا رزينا لا ثرثارا أهوج ولا يظهر أمام تلاميذه بمظهر الخامل الناعس.","vol":"1","page":373},{"text":"١٠- ألا يطلب المعلم على العلم أجرا وإنما يقصد به ابتغاء وجه الله. وقد عيب على الغزالي هذا الرأي من جانب دارسي التربية الإسلامية لأنه رأي لا يتفق مع الواقع بل إنه في هذا الرأي خالف سابقيه من علماء المسلمين الذين قالوا بجواز أخذ أجر عن التعليم، بل اعتبروا ذلك ضرورة لنشر العلم بين الناس وهو ما يتضح من عرضنا السابق لآراء ابن سحنون والقابسي. والأدلة التاريخية أيضا تدحض هذا الرأي للغزالي فقد كان المعلمون يحصلون على أجر بالفعل نظير قيامهم بتعليم الصبيان.\nويروي عن ابن مسعود قوله: ثلاث لا بد للناس منهم: أمير يحكم بينهم ولولاه لأكل بعضهم بعضا وشراء المصاحف وبيعها ولولاه لقل كتاب الله، ومعلم يعلم أولادهم ويأخذ على ذلك أجرا ولولا ذلك لكان الناس أميين. ويروى أيضا أن سعد بن مالك قد مر برجل من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ويعطونه الأجر. ويروي عن مالك قوله: لا بأس بما يأخذ العلم على تعليم القرآن وإن اشترط شيئا كان حلالا جائزا ولا بأس بالاشترط في ذلك. وهذه كلها أمثلة تؤكد استحقاق المعلم للأجر على اشتغاله بالتعليم. ولعل الغزالي متأثر في هذا الرأي بما ورد لدى أفلاطون الذي كان يؤمن بنفس الرأي وعاب على السفسطائيين في عصره أنهم يأخذون أجرا على التعليم. وقد انتقد آخرون هذا الرأي لأفلاطون واعتبر رأيا مثاليا لا يتفق مع واقع المجتمع ولا واقع الاشتغال بالتعليم كمهنة. الغريب أن الغزالي نفسه أباح أخذ الأجر لمعلم العلوم غير الدينية مثل الحساب والطب فكيف يحرمه على الآخرين.\nكما أننا في كلامنا السابق عن أجر المعلم أشرنا إلى قول الغزالي بأن يأخذ المعلم ما يكفيه ليفرغ قلبه عن المعيشة وليتجرد لنشر العلم فيكون مقصوده نشر العلم وثواب الآخرة ويأخذ الرزق بكلفة وميسرة للمقصود أي مساعدة له على العيش والحياة. وقد شرحنا هناك السبب في اختلاف الرأيين. وأرجعناه إلى أن تحريم أخذ العلم للأجر يقصد به الأجر من المتعلمين أما أخذ الأجر كمهنة من أولي الأمر فلا حرج فيه.","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>ابن تيمية وآراؤه التربوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>مقدمة</span>\n...\n٦- ابن تيمية وآراؤه التربوية:\n٦٦١-٧٢٨هـ، ١٢٦٣-١٣٢٨م\nمقدمة:\nاسمه الكامل هو أحمد تقي الدين أبو العباس بن الشيخ شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني. وترجع نسبته الحراني إلى حران التي ولد بها يوم الاثنين العاشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٦١هـ ١٢٦٣م وقليل من المؤرخين يذكر أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. ولعلهم -كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة- يريدون أن يقولوا إنه ولد في اليوم الذي ولد في الرسول ﷺ لأنه سيحيي شريعته. \"محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص١٧\" وكانت مدينة حران التي ولد بها مهدا للفلسفة والفلاسفة والصابئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام. كما كانت مركزا من مراكز الثقافة اليونانية في بعض العصور وكانت مركزا مهما للتبادل والاتصال الفكري والثقافي.\nولكن ابن تيمية لم يعش بهذه المدينة طويلا إذ تركها عام ٦٦٧هـ إلى دمشق وعمره سبع سنوات مع أسرته فرارا من غزو التتار أو المغول، أما تسميته بابن تيمية فقد اختلف العلماء فيها. فقيل إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء فرأى هناك طفله اسمها تيمية وعندما رجع وجد امرأته قد ولدت بنتا فسماها تيمية. وقيل إن جده محمدا كانت أمه واعظة وكان اسمها تيمية فنسبت الأسرة إليها وعرفت بها.\nوقد عاش ابن تيمية حوالي سبعة وستين عاما منها السبع سنوات الأولى في مسقط رأسه حران وأكثر من سبع سنوات أخرى من ٧٠٥-٧١٢هـ في القاهرة ومعظم سنوات عمره قضاها في دمشق. وكانت وقتها مجمع العلماء ومركزا هاما من مراكز الثقافة العربية الإسلامية إلى جانب القاهرة.\nسار ابن تيمية إلى مصر عام ٧٠٥هـ قادما من دمشق. وكان قد عرف","vol":"1","page":375},{"text":"فضل مصر على الإسلام لا سيما في صد حملات التتار وإجلائهم عن دمشق. ومع أن ابن تيمية ولد بعد حوادث الصليبيين والتتار ولم يشهد إلا أنه وحد آثارها وسمع عنها ممن عاشوها وشاهدوها. وعندما وصل إلى القاهرة استطاع أعداؤه وخصومه أن يكيدوا له كيدا حتى انتهى الأمر بسجنه في مصر في رمضان من نفس السنة. وامتد الأذى إلى الحنابلة الذين ينتمي إليهم وحصل لهم بالديار المصرية كما يقول ابن كثير في تاريخه إهانة عظيمة كثيرة.\nوقد مكث في السجن نحو سنة ونصف وخرج منه في ٢٣ من ربيع الأول عام ٧٠٧هـ. وهكذا كانت إقامته بمصر بين نعمة ونقمة. ثم غادر مصر إلى دمشق في مستهل ذي القعدة سنة ٧١٢هـ حيث واصل اشتغاله بالعلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة والاجتهاد في الأحكام الشرعية. وتعرض هناك أيضا للسجن والتعذيب حتى وفاته بسجن القلعة بدمشق عام ٧٢٨هـ.\nوابن تيمية فقيه سلفي حنبلي المذهب مجتهد وليس مقلدا. وكان محمد بن عبد الوهاب من المعتنقين لآرائه ومبادئه وعمل على نشرها في الجزيرة العربية في القرن ١٩ في ظل دعوة المشهورة \"بالوهابية\".\nوالدعوة الوهابية هي دعوة تجديدية سلفية تترسم خطي ابن تيمية والسلف الصالح. وقد عبر عن ذلك الملك عبد العزيز في خطبة له بقوله: \"يسموننا بالوهابيين ويسمون مذهبنا بالوهابي باعتبار أنه مذهب خاص. وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعاية الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض. نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة. ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله وما عليه السلف الصالح. نحن نحترم الأئمة الأربعة ولا فرق بين الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأبي حنفية. كلهم محترمون في نظرنا \"انظر كتاب خير الدين الزركلي: الوجيزة في سيرة الملك عبد العزيز، دار العلم للملايين. بيروت\".\nويتلخص هدف الدعوة السلفية في تطهير العقيدة الإسلامية من شوائب البدع والخرافات والشعوذة والعودة بها إلى منابعها الإسلامية الأصيلة وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وما درج عليه الصحابة والسلف الصالح.","vol":"1","page":376},{"text":"كما تهدف أيضا إلى التربية الصحيحة للشخصية الإسلامية، وفتح الذهن البشري لقبول كل جديد في ميادين العلوم بما يتفق مع أصول ديننا الإسلامي الحنيف.\nكان لابن تيمية شخصية متميزة وفكر متميز من صغره. ويقول الذهبي إنه في سن السابعة عشرة كان أهلا للإفتاء. وقد شغل منصب أبيه في التدريس وهو في سن الحادية والعشرين. وكان نادرة زمانة ذكاء وألمعية وعلما وحفظا ورواية وتفقها في علوم الدين.\nلقد امتدت اطلاعات ابن تيمية إلى جميع العصور التاريخية السابقة له تقريبا. بيد أنه كان يفضل عصورا على غيرها منها عصور الخلفاء الراشدين والسلاجقة وصلاح الدين ونور الدين ولم يخف إعجابه بهم وكم تمنى خلود تقاليدهم السياسية \"هنري لاوست: ٢٦٠\". وامتلأ ابن تيمية في شبابه حماسة بانتصارات الإسلام على الفرنجة والصليبيين. كانت ثقافة ابن تيمية عربية إسلامية خالصة. واستطاع أن يستوعب جميع جوانب الثقافة الإسلامية المعروفة في عصره. وتعمق في دراسة المعارف القرآنية وعلوم الحديث والتوحيد. وكان للقرآن الكريم تأثير كبير على فكره وشغل طوال حياته كلها بتفسيره تفسيرا شاملا. وللقرآن هو في الواقع الأساس لكل آرائه الدينية والتربوية. يقول الدكتور مصطفى حلمي: \"إن أبرز معالم شخصية ابن تيمية هو المدافع عن الإسلام في دائرة العقيدة والفقه، الحاذق للحديث، الخائض في صراع دائم مع المتكلمين والفلاسفة والصوفية والفقهاء لبيان مواضع الخطأ والصواب في أفكارهم ونظرياتهم \"المرجع السابق: ١٢٤\".\nوقال العمري في ابن تيمية: هو نادرة العصر، وهو البحر من أي من النواحي أتيته. وهو البدر من أي الضواحي أتيته. قطع الليل والنهار دائبين. واتخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن أسر السلف بهداه، ونأى الخلف عن بلوغ مداه. جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، إلا أن شمسه طمست تلك النجوم، وبحره غرق تلك العلوم. ترد إليه الفتاوى فلا يردها، وتغدو عليه من كل وجه فيجيب عنها بأجوبة كأنه كان قاعدا لها يعدها. تقدم راكبا منهم إماما ولولاه ما ركبوا وراءه\" \"ابن تيمية: ١٩٨٨: ص٥\".","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>أسرته:</span>\nينتمي ابن تيمية إلى أسرة عريقة من الفقهاء الذين كان لهم تأثير كبير على تكوين شخصيته فكان جده مجد الدين عالما جليلا من أئمة الفقة الحنبلي وله كتابات قيمة في أصول وقد رحل إلى البلاد في سبيل العلم ودرس وأفتى \"محمد أبو زهرة: ابن تيمية: ص١٩-٢٠\".\nوكان والده عبد الحليم قد ولد بحران سنة ٧٢٧هـ وتعهده أبوه بالعلم ولما مات أبوه أصبح شيخ حران وخطيبها وحكيمها إلى أن غادرها إلى دمشق فرارا من التتار كما كان عمه فخر الدين عالما وخطيبا وواعظا وجمع تفسيرا للقرآن في مجلدات ضخمة.\nويقول هنري لاوست: \"إن العادة جرت على أن يعهد بالتربية الإسلامية التقليدية إلى سلطة شرعية متخصصة في الأسرة كالأب أو العم مما أسهم في تكوين سلالات من العلماء الأمجاد وفي ضمان استقرار التطور الثقافي الإسلامي\" \"هنر لاوست ص٢٠٤\".\nويقول الشيخ محمد أبو زهرة \"إن أسرة ابن تيمية حنبلية كلها وأنه تلقى الفقه الحنبلي عن أبيه واشترك في كتاب عن الفقه الحنبلي ابتدأه جده وعمل فيه أبوه وأتمه هو. ولذلك يعده أكثر العلماء فقيها حنبليا خالصا وإن كانت له اجتهاداته الخاصة التي انفرد بها وخالف فيها الحنابلة. ولكن على الرغم من نزعته الحنبلية فإنه كان يعتبر مذهب أحمد بن مالك أمثل المذاهب الإسلامية وأقربها إلى السنة. وفي ذلك يقول: \"كان أحمد أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان\". وهو يقدر الأئمة من ناحية منازلهم الفقهية أبلغ تقدير. لكنه يوصي الفقيه المحقق ألا يلتزم مذهبا معينا إذا وجد الحق في غيره. بل عليه أن يترك المذاهب كلها إذا وجد حديثا يخالفها \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٣٥٢-٣٥٤\".\nولعل هذا هو الذي دفع الدكتور مصطفى حلمي إلى معارضة المستشرق الفرنسي هنري لاوست في كتابه عن ابن تيمية عندما ذهب إلى القول بأن ابن تيمية فقيه حنبلي. إذ يقول في تعليقه إن ابن تيمية لم يكن حنبليا بالمعنى المذهبي المعروف. بل كان مجتهدا وله اجتهاداته الخاصة التي ربما خالف بها المذهب الحنبلي \"هنري لاوست: ١٢٢\".\nويكرر الشيخ محمد أبو زهرة القول بأن ابن تيمية حنبلي النشأة والمذهب والطريقة الفقهية في الجملة ونصب نفسه للدفاع عن طريقة الحنابلة \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٥٢\".","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>عصره:</span>\nعاش ابن تيمية في النصف الثاني من القرن السابع الهجري والنصف الأول من القرن الثامن الهجري. وكانت هذه الفترة من تاريخ الأمة الإسلامية التي عاشها ابن تيمية فترة تفكك وانقسام للدولة الإسلامية إلى ممالك ودويلات صغيرة يحكمها أمراء من العجم لا يخضعون لسلطان الخليفة في بغداد.\nويقول المقريزي في \"تاريخ السلاطين\": كانت تربية الأمراء \"الأتراك والمماليك\" عسكرية بحته وكان إلمامهم باللغة العربية ضئيلا وعلمهم بالإسلام ضحلا وكانت لغتهم هي اللغة التركية واقتصرت معلوماتهم عن الإسلام عن المبادئ الأولية التي لقنهم إياها فقهاء معينون لهذا الغرض.\nوالسلاطين الذين عاصرهم ابن تيمية هم: بيبرس ٦٥٨-٦٧٦هـ وبركة خان \"٦٧٦-٦٧٨هـ\" وشلامش ٦٧٨هـ وقلاون \"٦٧٨-٦٨٩هـ\" وخليل بن قلاون \"٦٨٩-٦٩٣هـ\" ومحمد بن قلاون \"٦٩٣-٦٩٤هـ\" وكنيفا \"٦٩٤-٦٩٦هـ\" ولاجين \"٦٩٦-٦٩٨\" ومحمد بن قلاون \"٦٩٨-٧٠٨هـ\" وبيبرس الثاني \"٧٠٨-٧٠٩هـ\" ومحمد بن قلاون \"٧٠٩-٧٤١هـ\" ومن الخلفاء عاصر ابن تيمية خليفتين هما الحاكم \"٦٦١-٧٠١هـ\" والمستكفي الثاني \"٧٠١-٧٤٠هـ\".\nومن المعروف أن الخلافة قد سقطت في بغداد عام ٦٥٦ بعد غزو التتار لها واستيلائهم عليها وتدميرها وتخريبها. وانتقلت الخلافة إلى مصر واستولى التتار على دمشق سنة ٦٥٨هـ وهدوا مصر. ولكن الله ﷾ قد","vol":"1","page":379},{"text":"مكن مصر من صد التتار واستطاع رجالها أن يوقفوا زحفهم بل وأجلوهم عن دمشق وغيرها من المدن السورية تحت قيادة الظاهر بيبرس وقبله قطز من حكام المماليك. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة إن مصر أنقذت العالم من شر التتار بدمها ومالها فكانت حقا كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصم الله ظهره \"محمد أبو زهرة: ابن تيمية ١٣٧\".\nوخلال هذه الفترة خيم الضعف على المسلمين وعجزوا عن مقاومة أعدائهم الصلبيين والتتار. كما خيم على الحياة الثقافية الركود والجمود نضوب معين الفكر فقفل باب الاجتهاد وشاعت الخرافات والبدع والشعوذة والغش في المعاملات وانتشرت الفاقة وعم الفقر وأهملت الفرائض والعبادات كالصلاة وحل محلها الأوراد والأذكار \"هنري لاوست: ٢٠٢\".\nومن المعروف أن ابن تيمية عاش في دمشق والقاهرة في ظل حكم المماليك الذي تميز نظام حكمهم بالسيطرة والاستقلال والتخلف. ولذلك تعتبر آراء وأفكار ابن تيمية الدينية والسياسية بمثابة رد فعل واحتجاج على هذه الأوضاع فقد حرص على أن يستبدل نظام الحكم الذي يقوم على الاستقلال الاجتماعي من جانب أقلية عسكرية بمبدأ أسمى للتعاون الجماعي الذي يحقق للإسلام مجده الغابر \"المرجع السابق ص٢٠٣\".\nيقول الشيخ محمد أبو زهرة \"١٩٧٧: ٢٠٨\" كان عصر ابن تيمية يموج بالاضطراب السياسي والمنازعات الحربية. كما كان يسوده التقليد والاتباع في عامة أبواب العلم. وكان الحنابلة الذين انتمى إليهم يخالفون الجمهور في استمساكه بآراء الأشاعرة فكان لذلك نزاع. وكان التصوف يسيطر على العامة في مصر والشام. فجرد ابن تيمية عليه سيف الدليل وناقشه الحساب. وكان الشيعة يتغلغلون في الربوع الإسلامية يبثون فيها أقوالا مخالفة لما تقرر لدى السلف. وقد تصدى ابن تيمية لهم وبين ما في آرائهم من فساد.\nلم يكن تلقي العلم في عصر ابن تيمية من أفواه الرجال فقط كما كان الحال في عصر أبي حنيفة ومالك. بل كان تلقيه كما هو في عصر تدوين العلم الكتب يدرسها طالب العلم ويفحصها وينقب فيها ويمعن النظر فما حوته إلى","vol":"1","page":380},{"text":"جانب الرجال أيضا يوجهون ويلقنون ويتخرج العالم عليهم. \"محمد أبو زهرة: ١١١\".\nوكان ابن تيمية إلى جانب تلقيه العلم عن أبيه وعمه قد تتلمذ على يد شيوخ وفقهاء كثيرين يزيد عددهم في تقدير بعض المؤرخين عن مائتين. منهم الجبائي وأبو القاسم الإسكافي وإسحاق الإسقراييني وابن الجوزي خطيب بغداد وواعظها.\nوقد تابع تعليمه في مدارس القرآن والحديث والفقه بدمشق. وتخرج في المدارس الحنبلية فقد كان للحنابلة مدارس خاصة بهم مثل المدرسة الجوزية والمدرسة السكرية والمدرسة العمرية \"محمد أبو زهرة: ابن تيمية ٢٦\". ويقول الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي في مقدمته لتفسير سورة الإخلاص لابن تيمية، إن ابن تيمية درس في المدرسة السكرية بدمشق وتخرج منها كما تخرج والده من قبل. \"ابن تيمية: ص٤\".\nوقد ربى ابن تيمية نفسه تربية عالية فتعلم العلوم الرائجة في عصره ولم يترك بابا من أبواب العلم إلا اتقنه. وقد قال فيه أحد معاصريه \"قد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد\". \"المرجع السابق: ٢٨\".\nوقد بلغ من سعة اطلاع ابن تيمية في التفسير أنه كما يقول هو عن نفسه ربما طالعت على الآية الواحدة مائة تفسير ثم أسأل الله الفهم، وأقول يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأفرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم علمني \"المرجع السابق: ص٦\". ودرس الفقه والحديث على أكبر شيوخه ودرس علوم اللغة كلها على يد شيوخها حتى وصل إلى درجة مكنته من نقد سيبويه إمام النحاة القدماء أمام أبي حيان كبير النحاة في عصره. وكان اهتمامه بدراسة فقه اللغة العربية لأهميته في تفسير نصوص القرآن الكريم والحديث تفسيرا صحيحا. كما درس العلوم العقلية على يد ذوي المهارة فيها. فدرس المنطق وعلم الكلام دراسة فاحصة.\nولقد درس ابن تيمية المؤلفات الرئيسية التي صنفها علماء العقيدة","vol":"1","page":381},{"text":"السنيون منها \"المقالات\" للأشعري وكتاب \"الفصل في الملل والنحل\" لابن حزم وكتاب الشهرستاني عن الملل والنحل أيضا. وقد استأثرت نظريات الأشاعرة باهتمام ابن تيمية لأنها كانت سائدة ويعتنقها الغالبية. وكان موقفة من أبي الحسين الأشعري يتسم بالاحترام والتقدير وذلك لموافقته مذهب السنة والحديث في صفات الله تعالى والقدر والإمامة وفضائل والصحابة والشفاعة والصراط والميزان ولما له من ردود على المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية وبيان تناقضهم \"هنري لاوست: ٢١٦\".\nكما درس ابن تيمية الأصول الفلسفية التي بنت عليها الفرق الإسلامية المنحرفة مذاهبها ومناهجها أو حاولت أن تستعين بها لتأييد انحرافها. درس ذلك كله. ثم تقدم للميدان مناظرا بالقول. فأرهفت المناظرة قواه وزادته إيمانا بقضاياه فإن المناظرة تنير السبيل في فكر المناظر. وقد تهديه إلى حقائق لما كان ليهتدي إليها وهو في هدأة التفكير والتجرد النفسي. فإن احتكاك الأفكار المتضاربة يؤلق بينها برقا منيرا \"محمد أبو زهرة: ١٢١\" وفي هذا درس مستفاد لنا ولأبنائنا مفاده أنه لكي نحمي عقيدتنا من أعدائها ينبغي عليها أن ندرس فكرهم وثقافتهم حتى نستطيع أن نرد عليها. وإذا كان قد ورد في الأثر \"من تعلم لغة قوم أمن شرهم\" فإن اللغة هي الوعاء الثقافي لأي أمة أو جماعة ومن هنا فإن دراسة ثقافة هذه الجماعة إذا كانت مغرضة ضد الإسلام تكون واجبة لحماية عقيدتنا والدفاع عنها.\nوينبغي أن نشير هنا إلى أن ابن تيمية كان على معرفة باللغة العبرية وفي ذلك يقول ابن تيمية، والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة كما تتقارب الأسماء في الاشتقاق الأكبر. وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب حتى صرت أفهم كثيرا من كلامهم العبري بمجرد المعرفة العربية \"مجموع الفتاوى ج٤ ص١١٠. الرياض ١٣٨١هـ\".\nونجد في مؤلفات ابن تيمية إشارات إلى الغزالي وكان يقدر عاليا أهمية إنتاجه الضخم ومقدار فضله عليه. وكان يشير كثيرا إلى ما ورد في كتب","vol":"1","page":382},{"text":"الغزالي ومنها \"الإحياء\" و\"كيمياء السعادة\" و\"المستظهر\" و\"المقاصد\" و\"المستصفى\" و\"الرد على الباطنية\". ومع ذلك فقد وجه ابن تيمية انتقادات عديدة للغزالي رغم أنه يسميه بحق أستاذنا ويبدي إعجابه بما جاء في نظرياته من الأمور الحسنة والكثير من القيم السامية والقيم الأخلاقية منقطعة النظير.\nيدين ابن تيمية بكثير للإمام الشافعي أيضا وهو يشير إلى كتاب \"الأم\" وأحيانا إلى سنته وإلى كتاباته الجدلية ... وكان يمجده بوصفه مؤسسا لعلم أصول الفقه \"هنري لاوست: ٢٥٦-٢٥٧\".\nلقد كان ابن تيمية مضرب المثل في غزارة العلم وسعة الاطلاع. وكان أول ثلاثة قال فيهم الشاعر:\nثلاثة ليس لهم رابع ... في العلم والتحقيق والنسك\nوهم إذا شئت ابن تيمية ... وابن دقيق العيد والسبكي\n\"محمد خليل هراس: ١٨٥\".\nالفتوى الحموية الكبرى.\nحقق ابن تيمية شهرة مدوية في الحياة السياسية من خلال قضية تتعلق بالعقيدة. فقد طلب إليه أهل حماة سنة ٦٩٨هـ ١٢٩٨م إبان إقامته في سوريا فتوى شرعية يبين لهم فيها صفات الله وطبيعتها وأوفق طريقة لفهم العلاقة بين الذات والصفات ... وفي ربيع الأول من عام ٦٩٨هـ عكف ابن تيمية في عصر يوم واحد كما يقول كتاب سيرته على كتابه إجابة مطولة في ست ورقات من الحجم المتوسط خلدت بعد ذلك في التاريخ باسم \"العقيدة الحموية الكبرى\" ... وكانت كتابة مثل هذه المؤلفات التعليمية بواسطة الأفراد عادة قديمة في الإسلام استلزم ظهورها عدم وجود سلطة مختصة بتحديد العقيدة الرسمية في الدولة مما","vol":"1","page":383},{"text":"حدا بكل عالم أن يحدد جوهر عقيدته. \"هنري لاوست: ٢٧٠\" وكان لهذا الفتوى دوي هائل وأثارت موجة من الاحتجاجات من معارضيه واضطهد بسببها.\nاختصام الناس فيه:\nاختصم الناس في ابن تيمية واشتد اختلافهم حوله. بل لعل تاريخ الإسلام في عصوره الوسطى والأخيرة لم يشهد شخصية اختلف الناس اختلافهم في ابن تيمية أو كان لها من كثرة الخصوم والأنصار ما كان له. فهو -كما يقول محمد خليل هراس \"ص٧\"- في نظر فريق من الناس شيخ الإسلام وقدوة الأنام وأحد المجددين للدين وزعيم النهضة الإسلامية الحديثة. قمع البدعة وأظهر السنة ورجع بالناس إلى طريقة السلف الأول من الصحابة والتابعين ... وهو في نظر فريق آخر من المسلمين ضال مضل وكافر ملحد يشبه الله بخلقه ويصفه بأنه مستوٍ على عرشه وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يتكلم بحرف وصوت. كما اختصموا في كونه فقيها حنبليا وهو ما أشرنا إليه في مكان آخر. ويؤكد الشيخ محمد أبو زهرة هذا المعنى الخلافي حول شخصيته فيقول: \"إن ابن تيمية في محاولته إعادة الإسلام إلى مجده الأول وإزالة ما علق به من غبار وما شابه من أفكار غريبة عنه أثار إعجاب كثيرين كما أثار غضب وعداوة كثيرين أيضا. وقد انقسم الناس إزاءه إلى ثلاثة أقسام. فريق شايعه وناصره ورفعوه إلى أعلى مراتب الاجتهاد وفريق قاومه ونازله ومنهم من كفره وفريق خالفه. \"محمد أبو زهرة: ٣١\".\nتأثره بالصوفية:\nيقول هنري لاوست المستشرق الفرنسي إن للصوفية تأثيرا كبيرا على فكر وآراء ابن تيمية لكن مع اجتهاد منه. فقد أدمج جميع العوامل الوجدانية التي جاء بها الصوفية في مذهبه وهي المحبة والذوق والمعرفة الحدسية والإلهام والمكاشفة الداخلية. ويقول أيضا نقلا عن ابن تيمية أن الصوفية أسسوا مذهبهم على \"الإرادة\" كما بنى أهل الحديث مذهبهم على السنة وعلماء الكلام على العقل. وهو يرى أن المبدأ الصوفي الوحيد الذي سن عليه ابن تيمية حربا لا هوادة","vol":"1","page":384},{"text":"فيها كان وحده الوجود عند ابن عربي \"هنري لاوست:٢٣٣\". كما أنه يرى أن ابن تيمية كان متأثرا بالصوفية لا على طريقة ابن عربي وإنما على طريقة الصوفية الأخلاقية التي تتجلى في الحاجة إلى الحياة الوجدانية المنظمة والتي تسمح بأن تضم إلى الشجاعة الناقذة المستقلة معنى التفاني الجارف من أجل الجماعة \"المرجع السابق ٢٦٤\".\nمعادات لمنطق أرسطو:\nكان ابن تيمية معاديا للفلسفة اليونانية ولمنطق أرسطو وخصه بمؤلفات لبيان خطئه منها: \"الرد على المنطقيين\" و\"نقض المنطق\" ومنها ما بثه في ثنايا مؤلفاته. وهي جميعا تنطق بمعارضة ابن تيمية للمنطق الأرسطاليسي وانتقاده للفقهاء والأصوليين الآخذين به \"هنري لاوست: ص١٥٨ - هامش\".\nلقد قام ابن تيمية بنقد الفلسفة اليونانية ونقد أرسطو مؤيدا حججه بالأدلة والبراهين. وكان في موقفه من النقد متزنا معتدلا. فهو يفرق بين الطبيعيات والرياضيات والإلهيات. وهو يعترف بصحة معظم مسائل الطبيعيات والرياضيات. وفي ذلك يقول: \" نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد\". كما يقول \"لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية. وهذا بحر علمهم وله تفرغوا وفيه ضيعوا زمانهم.\nوالجانب الهام الذي يعارض فيه ابن تيمية فلاسفة اليونان هو جانب \"الإلهيات\" فهو يؤكد عجز فلسفة اليونان عن إدراك سر الإلهيات وفقرها وقلة بضاعتها وفي ذلك يقول: للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات فإنهم أجمل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها. وكلام أرسطو معلمهم فيه كثير الخطأ \"أبو الحسن الندوي: ص١٦٩. نقلا عن معارج الوصول لابن تيمية ص١٨٦\".\nوفي مكان آخر يقول ابن تيمية \"تفسير سورة الإخلاص ص٥٧\": \"وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدا وأما ملائكته وكتبه ورسله فلا يعرفون ذلك البتة ولم يتكلموا فيه ولا ينفي ولا بإثبات. وإنما تكلم في ذلك المتأخرون الداخلون في الملل\". ويقول في مكان آخر الرد على المنطقين","vol":"1","page":385},{"text":"ص٣٩٤، وأما ما جاءت به الأنبياء فلا يعرفه هؤلاء التبة وليسوا قريبين منه. بل كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بالأمور الإلهية.\nوهو يفرق بين المتقدمين من فلاسفة اليونان مثل فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وبين المتأخرين منهم أمثال أرسطو فيقول: إن الأساطين الأوائل من فلاسفة اليونان ويقصد بهم الثلاثة الذين سبق ذكرهم كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام ويتلقون عن لقمان الحكيم ومن بعده من أصحاب داود وسليمان ﵉. ولذلك كانوا أقرب إلى فهم الحقائق الغيبية ومعرفة المفاهيم الدينية. أما أرسطو فلم يسافر إلى أرض الأنبياء ولم يكن عنده من العلم بالأنبياء ما عند سلفة. وكان عنده قدر يسير من الصابئية الصحيحة فابتدع لهم هذه التعاليم القياسية وصارت قانونا مشي عليه اتباعه. \"أبو الحسن الندوي: ١٩٨٧: ص١٧٣: نقلا عن نقض المنطق لابن تيمية: ص١١٣\".\nاختلافه عن الغزالي:\nإن ابن تيمية في دراسته للفلسفة يختلف عن الغزالي. فقد درس ابن تيمية الفلسفة وما عند الفلاسفة لا ليطلب الحقائق من ورائها بل ليبين بطلان ما يعارض الدين منها ... أما الغزالي فقد درس الفلسفة ليطلب الحقيقة من روائها. وخلص نفسه من كل شيء ليصل إلى الحق المستقيم واعتبر الشك هو الطريق للوصول إلى الحق. ولكن تبين له بطلان ما يقوله الفلاسفة. فعاد إلى الدين وأشرق في نفسه نور الحقائق في خلوات صوفية عرف فيها نفسه ثم حمل حملته على الفلاسفة وبين تهافتهم \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٢٣٧\".\nابن تيمية والتربية والتعليم:\nلم يتناول ابن تيمية الكلام عن التربية بمعناها المدروس المعروف الضيق وإنما اتجه إلى معالجة القضايا الكبرى للعقيدة الإسلامية ودرسها دراسة متسفيضة في ضوء القرآن الكريم والسنة والنبوية الشريفة وما ورد عن الصحابة والسلف والصالح. كما قام بالتعليم والتدريس داخل السجن وخارجه. وهو بهذا يكون أكبر مرب للأمة الإسلامية كلها. ففي فكره وعلمه واجتهاده وآرائه نور","vol":"1","page":386},{"text":"وهداية للمسلمين جميعا. كما أن شخصيتة وما تتمتع به من صفات تعتبر قدوة ونبراس لأبناء المسلمين. قد تبين من عرضنا السابق مكانة الرجل العلمية والثقافية التي أهلته لأن يكون باعث النهضة الإسلامية في عصره.\nومن هنا فإننا سنتناول في السطور التالية الكلام عن قيامه بالتدريس داخل السجن وخارجه وعن صفات ابن تيمية ومضاميتها التربوية ثم نعرض لبعض الموضوعات الهامة التي طرقها وتناولها ورأيه فيها. وهو ما يعتبر في حد ذاته مؤشرات تربوية للعمل التربوي.\nأولا: قيامه بالتدريس داخل السجن وخارجه:\nيذكر أبو الحسن الندوي في كتابه عن ابن تيمية ص٧٣ نقلا عن الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي صاحب \"الكواكب الورية\" فيما يرويه الشيخ علم الدين البرزالي معاصرا ابن تيمية وزميله إذ يقول: \"ولما دخل ابن تيمية الحبس وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب يلتهون بها عما هم فيه كالشطرنج والنرد مع تضييع الصلوات. فأنكر الشيخ ذلك عليهم وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء. وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه. ورغبهم في أعمال الخير، وحضهم على ذلك حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرا من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدارس وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده\". كما اشتغل ابن تيمية قبل وبعد خروجه من السجن بالتدريس واستفاد من دروسه ومجالسه الكثيرون وأعجب الناس بعلمه الفياض وإخلاصه في خدمة العقيدة الإسلامية.\nثانيا: صفات ابن تيمية ومضامينها التربوية:\nكان ابن تيمية يتمتع بصفات طيبة حباه بها الله. وفي مقدمتها الذاكرة أو الحافظة القوية الواعية التي كانت موضع حديث عصره. وهذا يعني أن تحصيل العلم والنبوغ فيه إنما يعتمد على حافظة واعية قوية. وبهذا يتكون لدى المتعلم بالتدريج مخزون علمي وثقافي يساعده على النمو والنضج وبلورة فكره والوصول إلى استنتاجه الخاصة. وقد يؤدي به ذلك في النهاية إلى أن","vol":"1","page":387},{"text":"تتكون لديه شخصية علمية متميزة مستقلة. وهذا ما نحتاج إليه في تربية أبنائنا إذا كان لهم أن يتفوقوا علميا وثقافيا وتربويا وتكون لهم شخصياتهم المتميزة.\nومن صفاته أيضا الشجاعة الأدبية فقد كان يجابه العلماء بما يوحيه فكره وما يعتقد أنه حق وصواب يعلنه بين الناس بعد طول الفحص والدراسة خصوصا ما يكون مخالفا كما جرى عليه الناس.\nومن صفات ابن تيمية أيضا العمق والتأمل في دراسة المسائل الفقهية والدينية. بل ربما قضى الليالي متفكرا في مسألة واحدة حتى يحل مغلقها وينتهي إلى الأمر الحازم فيها. وكان يتأمل الآيات والأحاديث وقضايا العقل. ويوازن ويقايس بفكر مستقيم حتى ينبلج له الحق واضحا. ولذلك كان من أدق العلماء وأقدرهم على استنباط المعاني من الأحاديث وآيات القرآن الكريم \"محمد أبو زهرة: ٩٧\". وهذه صفة العالم الحق وينبغي على المعلمين والمربين والآباء وكل المعنيين بتربية النشء أن يحثوا شبابنا على الاقتداء بهذه القدوة الجليلة وأن يشجعوهم في مجال الدراسة وتلقي العلم على إعمال الفكر والتعمق والتأمل في دراسة الأمور حتى تنمو لديهم هذه السمة العقلية الهامة التي لا غنى عنها لكل إنسان في عالمنا المعاصر. وليس الهدف أن يصبح كل متعلم على مستوى ابن تيمية في هذه الناحية ولكل نسعى إلى حثه على أن يصل فيها إلى أقصى ما تسمح به استعداداته وتكوينه العقلي. وبهذا تنفتح أمام المتعلم أسرار العلوم ودقائقها. ذلك أن العلم لا ينفتح لمتعلم عابر ولا يكشف عن مكنوناته وجواهره لمتعجل سطحي.\nومن صفات ابن تيمية الاستقلال الفكري وهي أبرز صفاته في تكوين علمه وشخصيته. وهو في كل ما يصل إليه من علم وفكر ورأي لا هادي له إلا كتاب الله وسنة رسوله وآثار السلف الصالح من الصحابة وكبار التابعين \"محمد أبو زهرة: ١٩\" وما أحوجنا نحن المربين إلى تنمية هذه الصفة الحميدة في نفوس أبنائنا وشبابنا في مدارسنا وجامعاتنا.\nوشتان بين الإمعة الذي يقول أنا مع الناس أي أنه فرد في القطيع وبين","vol":"1","page":388},{"text":"صاحب الفكر المستقل. ولا يعني الفكر المستقل مخالفة الآخرين كهدف وإنما يكون الفكر مستقلا عندما يتسم بالعقلانية والموضوعية والبعد عن التعصب والتوصل إلى الآراء أو النتائج أو الأحكام التي تستند إلى الأدلة والحقائق والبراهين وليس على العواطف أو الأهواء. ومن صفات ابن تيمية أيضا الإخلاص في طلب الحق. فقد كان إدراكه للأمور مستقيما لا عوج فيه. ولا شيء يضلل العقل ويجعله يحيد عن طريق الهداية أكثر من الغرض والهوى والتواء المقاصد.\nوقد أخلص ابن تيمية في طلب الحقيقة فأدركها وأخلص في نصرة الحق في هذا الدين. وقد وصل إخلاصه وتفانيه في طلب الحق إلى حد الجهاد في سبيله وتحمل هوان السجن والصمود على الضر وتحمل ألوان شتى من الكيد والإيذاء من خصومه وأعدائه. ونخرج من ذلك نحن المربين بنتيجة مفادها أنه ينبغي توجيه شبابنا سواء في دور العلم أو العبادة إلى الإخلاص في طلب العلم والحق وألا يتكاسلوا ويقنعوا من الغنيمة بالإياب. ولكل مجتهد نصيب.\nومن الصفات الأخرى لابن تيمية حضور البديهة وقوة فراسته وفصاحة لسانه وقدرة بيانه والشجاعة والصبر وقوة الاحتمال. وهي كلها صفات حميدة ينبغي أن يتحلى بها المسلم عملا بتعاليم دينه. وهي صفات ينبغي على المعلمين في تربيتهم للنشء أن يلفتوا أنظارهم إليها وأن يحثوهم على التحلي بها اقتداء بسلفنا الصالح. \"لتفصيل الكلام عن هذه الصفات انظر محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٩٦-١١٠\".\nثالثا: بعض القضايا التربوية الهامة:\nنعرض هنا لبعض القضايا الهامة التي تعرض لها ابن تيمية وهي قضايا لها مضامينها التربوية:\n١- المثل الأعلى:\nلقد سعى ابن تيمية إلى إيجاد الدعائم الصحيحة للسلوك الإنساني المتفق مع أحكام الشريعة. لقد نظر في دوافع الإنسان ومراميه ووضع مثلا أعلى له يتجه إلى عبوديته لله ﷾ وحده وفسر كل أمر بالتزكية في القرآن","vol":"1","page":389},{"text":"بأنها تزكية الأخلاق وكانت اتجاهاته الأخلاقية والوجدانية قرآنية بحتة لا أثر فيها لاتجاهات الصوفية \"هنري لاوست: ٢٦٥\".\nكما كان ابن تيمية يشعر طوال حياته بالحاجة الملحة إلى تنظيم سلوك الفرد داخل الجماعة. وقد عمق معنى التفاني من أجل الجماعة وطوره إلى درجة تحريم الدعوة إلى الثورة حتى على الحكام الفجرة \"المرجع السابق ص٢٣٢\".\n٢- العلم والعمل متلازمان:\nيرى ابن تيمية أن العلم يقتضي العمل. فلا يكفي علم بلا عمل ولا عمل بلا علم. وهذه نظرة صحيحة إلى قيمة العلم في ارتباطه بالعمل وقيمة العمل في توجهه بالعلم. بل إن الكلمتين تتكونان من نفس الحروف. وقديما قالوا علم بلا عمل وبال وعمل بلا علم ضلال وعلم وعمل كمال. ولا خير في علم لا يعمل به صاحبه وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:\nيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم\nتصف الدواء لذي السقام وذي الغنى ... كيما يصحوا به وأنت سقيم\nونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم\nابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\n٣- النفس الإنسانية:\nإن حديث ابن تيمية عن النفس الإنسانية مستمد من الشرع فهو يرى أن الروح مدبرة للبدن وهي التي تفارق بالموت بعد أن نفخت فيه عند بدء الحياة. وهو يستخدم الآيات والأحاديث التي تشير إلى الروح والنفس بمعنى واحد كمترادفين.. \"هنري لاوست: ص١١٠\".\nويقال إن النفوس ثلاثة أنواع: وهي النفس الأمارة بالسوء التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي والنفس اللوامة وهي التي تذنب وتتوب لأنها تلوم صاحبها على الذنوب لأنها تلوم أي تردد بين الخير والشر. والنفس المطمئنة وهي التي تحب الخير والحسنات وتبغض الشر والسيئات \"المرجع السابق: ص١١٠\".","vol":"1","page":390},{"text":"وهذه الصفات للنفس وأحوالها وليست أنواعا مستقلة عن بعضها أو منفصلة قائمة بذاتها.\nأما عن علاقة النفس بالبدن ومكانها فيه فإننا لا نعلم مسكنها من الجسد إذ لا اختصاص للروح بشيء منه بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع البدن. فإن الحياة مشروطة بالروح في الجسد. فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح فارقته الحياة \"المرجع السابق ص١١١\".\n٤- حرية إرادة الإنسان:\nيرى ابن تيمية أن للإنسان مشيئة وإرادة كاملة تجعله مسئولا عما يفعل. وفي الوقت الذي يقرر فيه ابن تيمية أن عموم الإرادة الإلهية والقدرة الكونية وشمولها لكل شيء ثابت بالنصوص يقرر أيضا أن القدرة الإنسانية ثابتة بالحس والشعور. ولا سبيل لإنكار ما ثبت بالنص ولا مجابهة الحس. وأن الناس بالحس والشعور يتحملون مسئوليات أعمالهم في الدنيا. ولا يحتج بقدره وقضائه وأن القدر لازم لا مناص منه إلا عندما يغالط حسه ويكابر نفسه. فليس لأحد أن يحتج في الذنوب بقدر الله تعالى وعليه ألا يفعلها. وإذا فعلها فعليه أن يتوب منها كما فعل آدم. ولهذا قال بعض الشيوخ اثنان إذنبا ذنبي إبليس وآدم. فآدم تاب فتاب الله عليه واختاره وهداه. وإبليس أصر واحتج بالقدر. فمن تاب من ذنبه أشبه آباه آدم ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس.\n٥- الثقة في العقل ليست مطلقة:\nكان ابن تيمية يرى أن الثقة في العقل ليست مطلقة لأن العقل قد يخطئ صواب السبيل وقد يغالط في الأحكام والاستنتاجات. لا سيما في مقدمات الحكم على العقائد من حيث سلامتها أو عدم صحتها وخصوصا في متشابه الأمور. ولذلك يأخذ على الفلاسفة والمتكلمين طريقتهم في التفكير والمقدمات التي يبنون عليها النتائج. ويعزو خلافه معهم في النتائج إلى اختلاف الطريقة واختلاف المنهاج \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٢١٣\". وهو لا يهمل العقل وإنما","vol":"1","page":391},{"text":"يجعله تابعا لا متبوعا ومحكوما بالقرآن ومقدماته في الاستدلال لا حاكما على أدلة القرآن ومنهاج القرآن. وبالتالي لا يكون متأولا للقرآن إن خالفه بل عليه أن يتجه إلى القرآن يتفهمه بالفكر وبموازنة القرآن بعضه ببعض. فتأويل القرآن يكون من القرآن لا من أقوال المتفلسفين والمتكلمين وأمثالهم. وهو يلوم الذين يجعلون العقل حاكما على النصوص ويعرض بالغزالي لأنه في بعض أرائه الفكرية نهج ذلك المنهاج \"المرجع السابق: ٢١٥\".\n٦- لا تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل:\nيذكر أبو الحسن الندوي في كتابه عن ابن تيمية \"ص٢٤٩\" أنه أي ابن تيمية كان لا يرى أي تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل وأنه لم يعثر على أي تعارض بين العقل والنقل خلال دراسته الطويلة الواسعة بشرط أن يكون العقل سليما والنقل صحيحا ومحفوظا. وقد ألف ابن تيمية في هذا الموضوع كتابا ضخما باسم \"بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول\" أثبت فيه بالدلائل وبكل التفاصيل ألا تعارض بين المعقول والمنقول. وتوصل إلى أن الأمور التي ثبتت صحتها بالكتاب والسنة والوحي والنبوة يصدقها العقل الكامل الصحيح.\n٧- تقديره لغيره من العلماء وإن خالفهم:\nكان ابن تيمية يقدر في غيره العلم وإن كان مخالفا له فهو لا يلعن المخالف ولا يكذبه ولا يرميه بالبهتان ولكنه يعتذر له ويقدره في خلافه ووفاقه. ويرى أن العالم مجتهد والمجتهد يخطئ ويصيب وله أجره في كلا الحالين. وهذه سمة العالم الحق. بل إنه كتب رسالة العنوان: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، يعتذر فيها عنهم إذا جاءت أفواههم مخالفة للسنة الصحيحة بأعذار قوية ترفع عنهم الملام. ويدعو إلى تقديرهم وإكبارهم فيقول:\n\"يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن وخصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها إلا المسلمين. فإن علماءهم","vol":"1","page":392},{"text":"خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته والمحيون لما مات من سنتة. بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا. وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ. وإذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه. جميع الأعذار ثلاثة أصناف. أحدها عدم اعتقاده بأن النبي ﷺ قاله. والثاني عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. \"محمد أبو زهرة: ١٩٧٧: ٢١٩\".\n٨- طاعة ولي الأمر في غير معصية:\nيرى ابن تيمية أن طاعة ولي الأمر واجبة ما دامت في غير معصية تمشيا مع قوله ﷺ: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\". ولقوله ﷿: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . وروى البخاري أن الرسول ﷺ قال: \"اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة\". وفي صحيح مسلم عن أم الحصين أنها سمعت الرسول ﷺ يقول في حجة الوداع: \"وإن استعمل عليكم أسود مجدع يقودكم كتاب الله فاسمعوا وأطيعوا\" ويتساءل ابن تيمية هل تجوز الثورة على الظالم أو من يكره الناس على الطاعة في المعاصي؟ ويجيب ابن تيمية على ذلك بالنفي. فهو لا يسوغ الثورة لأنها تؤدي إلى الفتن والفوضى والهدم. ويأمر بالاحتمال مع الصبر. واستقراء التاريخ يبين أن الفتنة لا تقيم عدلا ولا ترفع ظلما. ويرا أن الطريق الصحيح يكون بالإرشاد والموعظة الحسنة والكلمة الحق تقل للظالمين من الحكام أو أولى الأمر مهما يكن ما يترتب عليها من قتل أو سجن أو تعذيب. وهو يرى أن من واجب العلماء إرشاد الحكام الظالمين بكلمات الحق والعدل. وذلك في نظره أخص أعمالهم وألزمها تمشيا مع قوله ﷺ: \"أفضل الجهاد كلمة حق لسلطان جائر\". وهو لا يرى مطلقا الدعوة إلى الفتنة أو الثورة لأنها لا تغير من الظلم شيئا فضلا عن أنت نتائجها وخيمة. وهو يورد قول النبي ﷺ: \"من ولي","vol":"1","page":393},{"text":"عليه وال قرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره مما يأتي من معصية ولا ينزعن يدا عن طاعة\".\n٩- منع التقرب إلى الله بالموتى وزيارة قبور الصالحين:\nلا يسوغ ابن تيمية التقرب إلى الله بالموتى من الأنبياء والصالحين. لأن التقرب إلى الله بالاقتداء بهم والنهج على منهاجهم وليس لأجل أن يستغاث بهم أو يطلب الدعاء منهم؛ يؤدي إلى الشرك بالله ... وإذا كان الطلب من الموتى ولو كانوا أنبياء ممنوعا خشية الشرك، فالنذر للقبور أو لسكانها والعاكفين عليها نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان وفي ذلك يقول: \"ومن اعتقد أن في النذر للقبور نفعا أو أجرا فهو ضال جاهل ... ومن يعتقد أنها باب الحوائج إلى الله وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق وتحفظ العمر، فهو كافر مشرك يجب قتله\". ويعلق الشيخ محمد أبو زهرة على هذا الرأي لابن تيمية والحكم بالكفر بأنه مغالاة دفعته إليها حدة الجدال ولو أنه اقتصر على أنه ضلال لا كفر لما كان في ذلك تطرف ولا مغالاة \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٣٢٣\".\nأما بالنسب لزيار قبور الصالحين فهو يرى أن زيارتها للاتعاظ جائز بل مندوب إليه لأنها عبرة واعتبار وتذكرة واستبصار. أم القصد إلى زيارة قبر رجل صالح بعينه أو نبي بعينه فإن ذلك لا يجوز ... والأساس الذي بنى عليه المنع هو الأساس الذي بنى عليه عدم دعاء الميت لأنه يرى أن ذلك يؤدي إلى الوثنية والشرك. ولأن النبي ﷺ نهى عن أن يتخذ قبره مسجدا حتى لا يزار ولذلك دفن في حجرة عائشة ﵂. فقد جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال في مرض موته: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\". وقد خالف أبو حامد الغزالي وأبو محمد بن قدامة. ابن تيمية في رأيه بمنع زيادة القبور لعموم قوله ﷺ: \"زوروا القبور\". \"محمد أبو زهرة ١٩٧٧: ٣٢٢-٣٢٤\". ويتفق الشيخ محمد أبو زهرة مع ابن تيمية في عدم زيار قبور الصالحين ولكنه يختلف معه بالنسبة لزيارة قبر الرسول ﷺ اختلافا تاما لأن زيارة قبر نبي الوحدانية استشعار لحقيقتها وتقديس لمعناها ... كما أن الناس يزورون قبر الرسول على مر العصور إلى يومنا هذا. ومع ذلك لا ينظر إليه أحد نظرة عبادة أو وثنية \"المرجع السابق: ٣٢٦\".","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>وفاته:</span>\nيقول الشيخ محمد أبو زهرة \"١٩٧٧: ٩٠\": إن ابن تيمية توفي في سجن القلعة في دمشق في العشرين من شوال عام ٧٢٨هـ عقب مرض لم يمهله أكثر من بضعة وعشرين يوما. وكان عمره سبعة وستين عاما ويذكر أحد الباحثين المسلمين في رسالة علمية له عن ابن تيمية أنه توفي في العشرين من ذي القعدة سنة ٧٢٨هـ ١٣٢٨م. وذلك نقلا عن ابن كثير \"البداية والنهاية ج١٤ ص١٣٥\" \"انظر: صبري المتولي: ص١٨\". ويتفق مع هذا الباحث في تحديد تاريخ وفاة ابن تيمية المستشرق الفرنسي هنري لاوست إذ يذكر أن وفاة ابن تيمية في كانت في العشرين من ذي القعدة عام ٧٢٨هـ \"هنري لاوست: ٣٠١\". ودفن في مقابر الصوفية خارج مدينة دمشق وسط حشد ضخم من مودعيه قدر بمائتي ألف رجل وخمسة عشر ألف امرأة \"صبري المتولي: ١٨ نقلا عن دائرة المعارف الإسلامية\". وكان الحزن عليه عميقا في كل مكان وما وصل خبر وفاته إلى بلد إلا صلى عليه في جميع جوامعه خصوصا أرض مصر وسوريا والعراق.\nويقول المؤرخون إن الحياة توقفت في دمشق فأغلقت الأسواق وحضر ناس من كل الأوساط لتشييع الجنازة. وانفعل بعض الناس إلى حد أن شرف بعضهم ماء غسله. ويروى أن بعض الناس دفع خمسمائة درهم ثمنا للطاقية التي يلبسها. وكان الزحام شديدا على نعشة وكان الناس يلقون على النعش مناديلهم وعمائمهم للترك. وخرج الناس من جميع أبواب المدينة، من باب الفرج حيث مرت الجنازة ومن باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية. ودفن في مقابر الصوفية خارج المدينة بجوار قبر أخيه شرف الدين \"هنري لاوست ٣٠٠-٣٠١\".","vol":"1","page":395},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-171> ابن خلدون وآراؤه التربوية:</span>\n٧٢٢هـ-٨٠٨هـ ١٣٢٢م-١٤٠٦م\nيعتبر ابن خلدون من أئمة علماء العرب ومن أشهر علماء المسلمين الذين تعددت شهرتهم حدود بلادهم وطوقت الآفاق. وقد ولد عبد الرحمن بن خلدون ٧٣٢هـ - ١٣٢٢م في تونس وتوفي ٨٠٨هـ - ١٠٤٦م في القاهرة، ومقبرته لا تزال موجودة حتى الآن. ودرس العلم وحصله على أيدي علماء كثيرين. وإلى جانب اشتغاله بالعلم اشتغل بالسياسة وخاض غمارها وجرب المصائب والمؤامرات والحروب كان لا يستقر في مكان واحد. فقد أمضى ما يقرب من ثلث حياته \"٢٤\" سنة في تونس وثلث آخر في المغرب والأندلس وثلث ثالث في الشام والحجاز ومصر. وقد وصف مصر بأنها حاضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر وإيوان الإسلام وكرسي الملك. وتقلد بعض الوظائف بينها خطة المظالم أي القضاء، وصار وزيرا وسفيرا وخطيبا ومدرسا ودرس بالجامع الأزهر أستاذا وشيخا من شيوخ رواق المغاربة فيه. وسافر بعدها لأداء فريضة الحج وعاد إلى القاهرة وتولى منصبه الذي يشغله من قبل وهو القضاء المالكي الذي تولاه في مصر أكثر من مرة.\nوقد نشأ ابن خلدون في أسرة جمعت بين العلم والرياسة والسلطان. فقد تولوا في تونس مراتب عليا في الدولة وشاركوا في الكثير من حروبها دون أن تنقطع صلتهم بالعلم والأدب. وفي ظل هذه البيئة العائلية كما يقول ساطع الحصري تولد في نفسه نزعتان قويتان: حب المنصب والجاه من ناحية وحب الدرس والعلم من ناحية أخرى.\nوقد كانت حياة ابن خلدون مليئة بالهموم فقد هلك أبواه في الطاعون الجارف الذي اكتسح وطنه وقضى على كثير من العلماء والشيوخ وكان عمر ابن خلدون آنذاك ١٧ عاما، وهكذا حرم من والديه في ريعان الشباب. لم يعرف","vol":"1","page":396},{"text":"الاستقرار طول حياته فقد كانت مليئة بالقلاقل وكانت أشد صدمة عليه ما حدث لزوجته وولديه وبناته الخمس عندما كانوا في طريقهم إليه من المغرب إلى القاهرة فغرقت بهم السفينة ولم ينج منهم إلا ولداه. حدث ذلك في وقت كان فيه ابن خلدون لا يحسد عليه. وفي ذلك يقول: \"ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد. وصلوا من المغرب في السفن \"السفينة\" فأصابها قاصف من الريح فغرقت وذهب الموجود والسكن والمولود فعظم المصاب والجزع ورجع الزهد\".\nولابن خلدون مؤلف معروف بعنوان كبير هو كتاب \"العبر وديوان المتبدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر\" وهو في سبعة أجزاء أشهرها الجزء الأكبر الذي يعرف بالمقدمة وهي مقدمة ضخمة يرتبط بها من سلطان. وكانت هذه المقدمة منهلا لطلاب العلم في كل فن وعرض فيها لكل أنواع العلوم المعروفة في عصره وعرض فيها للعلوم والتعليم في الأمصار الإسلامية وعرض لآرائه في التربية والتعليم.\nوقد نقل ابن خلدون في مقدمته عن كثيرين غيره وهو يورد فيها عبارات توضح ذلك مثل ... ويعبر الحكماء عن كذا أو على ما ذكره الحكماء، وتبين في كتب الحكماء ... وهكذا.\nويشير ابن خلدون في مقدمته أيضا إلى جالينوس في كتاب منافع الأعضاء وينقل عنه وقوله الذي يقارن فيه بين الإنسان والحيوان: \"ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعته. وجعل للإنسان عوضا عن ذلك ... الفكر واليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر. والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوان للدفاع مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة، والسيوف عن المخالب الجارحة ... كما يشير إليه وغيره في كتب التشريح. ويشير إلى بطليموس في كتاب الجغرافيا وينقل عنه تقسيمه للأرض كما يعتمد على المشاهدة والأخبار والمتواترة","vol":"1","page":397},{"text":"الآراء التربوية لابن خلدون:\nالواقع أن كثيرا من الآراء التربوية التي عبر عنها ابن خلدون وردت عند من سبقوه في الكلام عن هذا الموضوع من أمثال ابن سحنون القابسي والغزالي وغيرهم. وسنعرض في السطور التالية لأهم آرائه في التربية.\nكلمة التربية:\nوردت كلمة \"التربية\" عند ابن خلدون مرة واحدة في كلامة في الفصل \"٣٤\" عن مراتب الملك والسلطان وألقابها يقول \"ص٢٣٥\":\n\"إن الاستعانة إذا كانت بأولي القربى من أهل النسب أو التربية أو الاصطناع القديم للدولة كانت أكمل لما يقع في ذلك من مجانسة خلقهم لخلقه فتتم المشاكلة في الاستعانة\". قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ وواضح أن المقصود بالتربية هنا معناها اللغوي الذي ينصرف إلى التنشئة وليس إلى معناها الاصطلاحي الذي نقصده عادة.\nالعلم والتعليم طببيعي في العمران البشري:\nيقول ابن خلدون: إن الإنسان مدني بالطبع، وهي عبارة ترددت قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف عند ابن مسكويه في كتاب تهذيب الأخلاق وعند العالم الإسلامي الشافعي الكبير أبي الحسن الماوردي \"توفي ٤٥٠هـ\" في كتابه \"أدب الدنيا والدين ص:١٣٢\" وعند الراغب الأصفهاني \"توفي ٥٠٢هـ\" في كتابه الذريعة إلى أحكام الشريعة، وتفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين. وهو ما سبق أن أشرنا إليه.\nيقرر ابن خلدون أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري ذلك لأن الإنسان تميز عن الحيوان بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيئ لذلك التعاون وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله","vol":"1","page":398},{"text":"تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه فهو مفكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمنا من الصنائع. وهو يقرر في فصل آخر أن الصنائع تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته وأن العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة.\nالرحلة في طلب العلم:\nيقرر ابن خلدون أن الرحلة في طلب العلم مفيدة ولا بد منها لما فيها من اكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومعاشرة الرجال، وقد أشرنا إلى تفصيل كلامه عن ذلك في موضع سابق.\nالقرآن أصل التعليم:\nذهب ابن خلدون كسابقيه إلى القول بأن القرآن هو أول العلوم التي يتعلمها الصبي، فالقرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل من الملكات.\nاختلاف الأمصار الإسلامية في تعليم القرآن:\nيقارن ابن خلدون بين الأمصار الإسلامية في تعليم القرى، واختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات. فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط. وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله واختلاف حمله القرآن فيه، ولا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه، ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة. وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن تجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة. وكذا في الكبير إذا راجع مدرسة القرآن بعد طائفة من عمره. فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم. أما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو١ وهذا\n_________\n١ أي يعلمونهم الكتابة من حيث هي على الإطلاق لا رسم فقط واختلاف حملة القرآن فيه كما يفعل أهل المغرب.","vol":"1","page":399},{"text":"هو الذي يراعونه في التعليم.\nإلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك ورأسه، ومنبع الدين والعلوم وجعلوه أصلا في التعليم. فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجود الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى التشبيبة وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر والبصر بهما. وبرز في الخط والكتاب وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند لتعليم العلوم. لكنهم ينقطعون عند ذلك لانقطاع سند التعليم في آفاقهم، ولا يحصل بأيديهم إلا كما حصل من ذلك التعليم الأول، وفيه كفاية لمن أرشده الله تعالى واستعداد إذا وجد العلم. أما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب، ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن، واستظهار الولدان إياه، ووقوفهم على اختلاف رواياته، وقراءاته أكثر مما سواه، وعنايتهم بالخط تبعا لذلك. وبالجملة فطريقتهم في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الأندلس، لأن سند طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس الذين أجازوا عند تغلب النصارى على شرق الأندلس، واستقروا بتونس، وعنهم أخذ ولدانهم بعد ذلك.\nوأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما بلغنا ولا أدري بم عنايتهم منه. والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن التشبيبة ولا يخلطون بتعليم الخط، بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون على انفراده، كما نتعلم سائر الصنائع، يتداولونها في مكاتب الصبيان. وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر عن الإجادة. ومن أراد تعلم الخط فعلى ما يسنح له بعد ذلك من الهمة في طلبه ويبتغيه من أهل صنعته.\nفأما أهل إفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة، وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة كما أن البشر","vol":"1","page":400},{"text":"مصروفون عن الإتيان بمثاله، فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها، وليس لهم ملكة في غير أساليبه فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العرب، وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام. وربما كان أهل إفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه، فيقتدرون على شيء من التصرف ومحاذاة المثل بالمثل، إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة كما سيأتي في فصله.\nأما أهل الأندلس فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها فكانوا لذلك أهل خط وأدب بارع أو مقتصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصبا.\nتقديم تعليم العربية وتأخير تعليم القرآن: \"طريقة ابن العربي\".\nيشير ابن خلدون إلى طريقة ابن العربي في تقديم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم وتأخير البدء بتعليم القرآن بعد أن يكون المتعلم قد تعلم العربية وهي وسيلته في فهم القرآن. ويقول ابن خلدون في تفصيل هذه الطريقة \"ص٥٠٧\": \"ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم، وأعاد في ذلك وابدأ. وقدم اللغة العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس قال: \"لأن الشعر ديوان العرب ويدعو إلى تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة. ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين. ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة\". ثم قال: \"ويا غفلة أهل بلادنا أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، يقرأ ما لا يفهم وينصب في أمره غيره أهم عليه\" ثم قال: \"ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه\". ونهى مع ذلك أن","vol":"1","page":401},{"text":"يخلط في التعليم علما إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط ويمتدح ابن خلدون هذه الطريقة ويعتبرها مذهبا حسنا في التعليم لكنه يستدرك فيقول: إن العادات المتبعة في التعليم لا تساعد على اتباع هذه الطريقة والأخذ بها لأن العرف درج على البدء بتعليم القرآن. وفي تفسير ذلك يقول \"ص٥٠٧-٥٠٨\": \"ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب. وخشية ما يعرض للولد من جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح التشبيبة فألقته بساحل البطالة. فيغتنمون في زمان الحجر وربقة الحكم تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه. ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المطلب الذي ذكره القاضي أولى مما أخذ به أهل المغرب والمشرق ولكن الله يحكم ما يشاء، لا معقب لحكمه، سبحانه\".\nتعليم اللغة أساس لتعليم سائر الفنون:\nاعتبر ابن خلدون تعليم اللغة أساسا لتعليم سائر الفنون، وهذا صحيح لكنه قال: إن اللغة الدارجة أهون على التعبير ولذا نصح بتعليم اللغات الدارجة إلى جانب اللغة العربية وهو رأي غريب لا يمكن أن نوافقه عليه لما يؤدي ذلك إلى التقليل من شأن اللغة العربية التي تعتبر الربط الثقافي والفكري لكل البلاد العربية.\nتعليم اللسان العربي:\nيؤكد ابن خلدون في تعليم اللسان العربي على كثرة حفظ كلام العرب وأشعارهم والتمرن على النسخ على منوالهم حتى يصبح اللسان العربي سليقة: يقول ابن خلدون: \"المقدمة: ص٥٢٦\" \"ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة \"ملكة اللسان العربي\" ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم","vol":"1","page":402},{"text":"الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عبارتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتها رسوخا وقوة. ويحتاج مع ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عبارتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة. ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب، وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال.\nويشير ابن خلدون إلى أن مجرد معرفة قوانين النحو والإعراب لا تكون ملكة اللسان العربي ويشرح ذلك فيقول:\n\"فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل. ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابه سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامه أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي. وكذا تجد كثيرا من يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئا من قوانين صناعة العربية \"المقدمة ص٧٢٥\".\nويقارن بين أهل الأندلس وأهل المغرب في تعليم اللسان العربي فيقول: \"أهل صناعة العربية بالأندلس ومعلموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم، لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم، والتفقه في كثير من التراكيب في مجالس تعليمهم، فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم","vol":"1","page":403},{"text":"فتنقطع النفس لها ويستعد إلى تحصلها وقبولها\".\nوأما من سواهم من أهل المغرب وإفريقية وغيرهم فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثا وقطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب إلا أن أعربوا شاهدا أو رجحوا مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه. فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته، وما ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه، وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم، فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان، وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم، لكنهم أجروها على غير ما قصد بها، وأصاروها علما بحتا، وبعدوا عن ثمرتها \"المقدمة ص٥٢٨\" وقد امتدح كتاب سيبويه لأنه لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط بل لأنه مملوء بأمثال العرب وأشعارهم، كما امتدح طريقة أهل الأندلس التي أشرنا إليها لأنها أقرب إلى تعليم هذه الملكة من الاهتمام بكلام العرب وأشعارهم وأمثالهم.\nالفلسفة صناعة باطلة:\nاعتبر ابن خلدون الفلسفة صناعة باطلة لأن الفلاسفة يزعمون أنهم يعرفون كل شيء والعالم أوسع من أن يحاط به.\nسمو التعليم النظري:\nردد ابن خلدون ما ذهب إليه أفلاطون من سمو تدريب العقل على الجسم فاعتبر ابن خلدون التعليم النظري أرقى من تعلم الفنون العملية لأن التعليم النظري يقوم على العقل. وهو رأي وإن ساد الفكر التربوي ردحا من الزمن إلا أنه بمعايير الفكر التربوي المعاصر لا يمكن قبوله.\nالتعليم في الصغر أشد رسوخا:\nيردد ابن خلدون ما قاله الغزالي وغيرهم من المربين المسلمين أن التعليم في","vol":"1","page":404},{"text":"الصغر أشد رسوخا وأنه أصل لما بعده.\nالشدة مضرة بالمتعلمين:\nيكرر ابن خلدون ما أكده سابقوه من الرفق بالمتعلم لأن الشدة مضرة به، وقد بين ضرر الشدة على المتعلم وما يترتب عليه من آثار ضارة فتسلمه إلى التبلد والكذب والخبث. ويقول ابن خلدون \"المقدمة ص٥٠٨-٥١٩\":\n\"ومن أحسن مذاهب ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال: \"يا أحمد إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه. فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له حيث وضعك أمير المؤمنين. أقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، واخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجلس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمر بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه. وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.\nالتدرج في التعليم:\nنادى ابن خلدون بما نادى به سابقوه من مراعات التدرج في تعليم الصبيان ومراعاة قدراتهم. إلا أنه يتميز عن سابقيه فيما ذهب إليه بالقول مبدأ التكرارات الثلاثة في عملية التعليم. وتشير هذه التكرارات إلى ثلاث مراحل متدرجة في التعليم.\nيكون التعليم في المرحلة الأولى إجمالا وفي الثانية تفصيلا وفي الثالثة تعميقا بدراسة ما استشكل في العلم ووسائل الخلاف فيه. ويقول ابن خلدون في ذلك:\n\"إن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا","vol":"1","page":405},{"text":"فشيئا وقليلا قليلا. يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، يقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية ضعيفة. وغايتها أنها هيأته لفهم الفن، وتحصيل مسائله. ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر أن له ما هناك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته. ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته. هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات. وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه\".\nويعيب ابن خلدون على المعلمين الذين يجهلون الطريقة الصحيحة للتعليم أنهم يقدمون للمتعلم في أول عهده بالتعليم المسائل الصعبة أو المشكلة مما يعوق تعليمه. يقول ابن خلدون:\n\"وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه ... فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا. ويكون المتعلم في أول الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل، وعلى سبيل التقريب والإجمال بالأمثلة الحسية.\nعدم إطالة الفواصل الزمنية بين الدروس:\nنادى ابن خلدون بعدم إطالة الفواصل الزمنية بين دروس العلم الواحد حتى لا ينسى المتعلم ما سبق أن درسه.","vol":"1","page":406},{"text":"الاختصارات في العلوم مخلة بالتعليم:\nمن الإشارات التربوية الهامة لدى ابن خلدون أيضا قوله بأن الاختصارات المؤلفة في العلوم تعتبر في نظره مخلة بالتعليم. وهي نظرة سليمة من ابن خلدون لما يترتب على هذه الاختصارات من إخلال بالعلم.\nالتعليم يكون بالمحاورة ولا الحفظ:\nيؤكد ابن خلدون أن الطريقة الصحيحة في التعليم هي التي تهتم بالفهم والوعي والمناقشة لا الحفظ الأعمى عن ظهر قلب، ويشير إلى أن \"ملكة العلم\" إنما تحصل بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة في مواضع العلم.\nوهو يعيب طريقة الحفظ عن ظهر قلب ويعتبرها مسئولة عن تكوين أفراد ضيقي الأفق عقيمي التفكير لا يفقهون شيئا ذا بال في العلم. وهو يشير في ذلك إلى الطريقة التي اتبعت في المغرب، فيقول في المقدمة \"ص٣٩٨\".\n\"وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حس التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان، ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم. وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب من شأنها ويحصل مرامها. فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل من التصرف في العلم والتعليم، ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم، وما آتاهم القصور إلا من قبيل \"رداءة طريقة\" التعليم وانقطاع سنده. وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك. ومما يشهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين. وهذه المدة بالمدارس على المتعارف هي أقل ما","vol":"1","page":407},{"text":"يأتي فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها. فطال أمدها في المغرب لهذه المدة لأجل عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك\".\nوقد تردد هذا القول في القرن العشرين لدى بعض الباحثين الغربيين الذين قاموا بدراسات التعليم الحديث في المغرب وذهبوا إلى القول بأن الطفل المغربي بعد دراسته الأولى في المدارس القرآنية يذهب إلى المدرسة العامة الحديثة وهو يتمتع بقدرة فائقة على التذكر تنطفئ معها قدرتها على التخيل والتصور والتفكير الناقد١.\nوالواقع أن المربين المسلمين قد اهتموا بأسلوب المناظرة والحوار في التدريس واعتبروه أسلوبا مفضلا مجديا في التعليم. يقول الزرنوجي إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار.\nوقد احتاط المربون المسلمون من سوء استخدام المناظرة والحوار بأن له بعض الشروط التي تجعل منه أسلوبا فعالا للتعلم والبحث العلمي من أهمها أن يكون هدف المناظرة الوصول إلى الحقيقة لا التضليل وحب الانتصار بالباطل. كما يشترط في المتناظرين الإلمام بموضوع المناظرة والتحلي بالهدوء وسعة الصدر وعدم التكلف وغيرة الصدر. ومع أن أسلوب المناظرة هو أقرب إلى الدراسات العالية فإننا نجده صورة مبسطة منه في أسلوب الحوار أو النقاش الذي يديره المعلم مع تلاميذه ليحفزهم على التفكير.\n_________\n١ نقلا عن: D. Wanger في دراسته التي قدمها إلى:\nThe Annual Meetings Of The Middle East Studies Association: Symposium On Traditional Factors In Modern Morocco.، Ann Arbor، Michigan، Nov. ١٩٧٨","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>الفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>مقدمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>مدخل</span>\n...\nالفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة\nمقدمة:\nتركنا البلاد العربية الإسلامية في العصور الوسطى وقد وصلت إلى قمة ازدهارها وعظمة مجدها وكانت مشعل الحضارة والعلم الذي أضاء عصر النهضة لأوربا ومن بعدها نهضتها الحديثة. وشهدت تلك الفترة نهضة في الفكر التربوي الإسلامي ونهضة في التعليم وإنشاء المدارس. ولكن لكل شيء إذا ما تم نقصان. وقد عجل بهذا النقصان سقوط الدولة الإسلامية فريسة للتتار والمغول في منتصف القرن الثالث عشر عندما سقطت لهم بغداد كعبة العلم والثقافة. وورثوا تراث المسلمين وخلفوهم في الحكومة. \"وناهيك بؤسا وشقاء للإنسانية وخرابا للعالم أن تتولى قيادة العالم أمة جاهلة وحشية ليس عندها دين ولا علم ولا ثقافة ولا حضارة\" \"أبو الحسن الندوي: ص٢٥٧\".\nولم يلبث أن ظهر الأتراك على المسرح العالمي كقوة حربية هائلة مكنتهم من السيطرة على الشعوب العربية منذ عام ١٥١٧م عندما استولوا على مصر وسوريا ومن بعدها امتدت سيطرتهم على بقية ربوع العالم الإسلامي. ولم تجد الشعوب الإسلامية غضاضة في الحكم التركي تحت شعار الإسلام بل وبعث الأمل فيها من جديد لإعادة مجد الإسلام على يد الأتراك. وكان الأتراك قد اتخذوا الهلال شعارا لهم من القرن الثالث عشر باعتباره رمزا دينيا وحربيا. ومن سوء حظ المسلمين أن الأتراك لم يحققوا هذا الأمل وشغلوا ببناء قوتهم العسكرية وتوسيع ملكهم حتى استنزفت قوتهم وانتهى بهم الأمر إلى الضعف والتدهور.\nوكان شر ما أصيبوا به جمود الحياة الفكرية والثقافية، وكانت النتيجة وخيمة على العالم الإسلامي إذ استسلم لفترة من النوم العميق امتدت إلى ما يقرب من أربعة قرون. وكان حال العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر أسوأ مما كان في القرن الثالث عشر، وهذا يعني أن العالم الإسلامي كان متأخرا بست","vol":"1","page":409},{"text":"قرون. وكانت أحوال التعليم بالطلب انعكاسا لهذا التأخر. فقد كانت متأخرة أيضا بنفس الدرجة كما سيتضح فيما بعد.\nوأصيب الإسلام وهو روح الأمة الإسلامية بالجمود والركود وتحولت إيجابياته إلى سلبيات، وأصبح شعارا أكثر من عمل. وتوقفت اللغة العربية عن النمو ونافستها التركية فغلبت عليها العجمي. ولم يعد القرآن دستور المسلمين الحيوي بقدر ما كان كتابا يقرأ على القبور ويكتب بماء الذهب بحروف جميلة على ورق مصقول وهو ما اشتهر به الأتراك. ونضب معين الفكر لم يعد مجاله إلا المجادلات الكلامية حول المسائل الشكلية والموضوعات الفقهية الفرعية.\nويمكن أن توصف الفترة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين حتى نهاية الحرب العالمية الأولى بأنها كانت فترة من عدم الرضا عن واقع العالم الإسلامي وما آل إليه الحال من الانحطاط. وفي هذه الفترة تعالت الدعوات بأنه لا صلاح لحال المسلمين إلا بتجديد الإسلام وإصلاح العقيدة والعودة إلى منابع الإسلام وأصوله، وظهرت في العالم الإسلامي روح الجهاد الوطني الديني التي قادها العلماء المسلمون الوطنيون من أمثال محمد بن عبد الوهاب الذي أول صيحة لليقظة الإسلامية في العصر الحديث وكان طليعة الحركة السلفية التي كان لها دور في التجديد الإسلامي.\nكما كانت الحملة الفرنسية على مصر سنة ١٧٩٨ بمثابة ناقوس الخطر الذي نبه العالم الإسلامي وفتح عينه على الفجوة الحضارية الخطيرة بين الشرق والغرب. كما أنها أيضا كانت نذيرا بما يتوعد العالم العربي الإسلامي في مستقبله من وقوعه تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي والإنجليزي وفرض التجزئة عليه. ولم تكن الحملة الفرنسية أول من أيقظ العالم العربي فقبل الحملة بعشرين عاما تقريبا علا صوت محمد بن عبد الوهاب في الحجاز. وكان كما أشرنا أول صوت ينادي بتجدد الإسلام وتصحيح العقيدة، ويؤكد أنه لا مخرج للمسلمين مما هم فيه من تخلف إلا بالعودة إلى أصول دينهم الحنيف.\nوبصرف النظر عما يقال من تقليل دور الحملة الفرنسية في التجديد الثقافي في مصر والشام في العصور الحديثة فلا شك أنها كانت دافعا قويا لهذا","vol":"1","page":410},{"text":"التجديد. لقد كان المضمون التربوي للحملة الفرنسية مضمونا حضاريا وثقافيا. كان لما قام به نابليون من إحلال اللغة العربية محل التركية والمصريين محل الأتراك والمماليك في الحكومة أكثر من مغزى.\nوقد تميزت الفترة خلال الحكم التركي العثماني باتجاهات سلبية وإيجابية كان لها تأثير بعيد المدى على التطور الحضاري للبلاد العربية. فعلى الجانب الإيجابي كانت هناك الدعوة إلى تجديد الإسلام وتصحيح العقيدة وهي ما تمثل في الحركة السلفية التي بدأها محمد بن عبد الوهاب وتبعه فيها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. وعلى الجانب السلبي كانت هناك دعوات التغريب والتشكيك الفكري والدعوات الشعوبية وهو ما سنفصل الكلام عنه في السطور الآتية:","vol":"1","page":411},{"text":"١-<span data-type=\"title\" id=toc-175> الحركة الإصلاحية السلفية والتعليم:</span>\nشهدت البلاد العربية ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن عشر انتفاضة ضد الوجود العثماني والضعف والتخلف الذي سيطر على العالم الإسلامي وقد امتدت هذه الحركة خارج البلاد العربية.\nوكانت حركة إصلاحية تجديدية محافظة. فهي محافظة لأنها دعت إلى العودة إلى المصادر الأساسية للإسلام وهي القرآن الكريم والسنة الإسلامية. وتجديدية في دعوتها لتجديد الإسلام وتصحيح العقيدة وتخليصها مما علق بها من أوهام وأباطيل تحول دون الفهم الصحيح للدين.\nكما دعت إلى فتح باب الاجتهاد وإحياء الشخصية الإسلامية على أساس الإخاء الإسلامي وتوحيد الاتجاهات الإسلامية بين المسلمين وجعل اللغة العربية صالحة لأن تكون لسان العالم الإسلامي. وقد عرفت هذه الحركة بالسلفية أيضا لأنها تصدر عن السلف الصالح من أمثال ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية.\nجاءت أول خطوة في هذه الحركة المباركة في العصور الحديثة من قلب الجزيرة العربية قادها محمد بن عبد الوهاب من الحجاز سنة ١٧٥٨ فكانت تعبيرا صادقا عن أصالة الإسلام. فمن هذه الأرض الطيبة بدأ ومن هذه الأرض الطيبة","vol":"1","page":411},{"text":"أيضا قامت حركة تجديده. وكانت حركة رائدة تمثلت بها الحركة الإصلاحية والإسلامية التي تلتها في العالم الإسلامي، كالحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان، والدعوة إلى الجامعة الإسلامية التي قادها جمال الدين الأفغاني ومن بعده تلميذه محمد عبده وتلميذ الشيخ محمد رشيد رضا.\nوكانت هذه الحركة الإصلاحية بمثابة المناخ الفكري الذي قاد حركة النضال ضد الاستعمار في الوطن العربي فيما بعد ففي مصر قاد عمر مكرم الحركة الإسلامية الوطنية في مصر ضد الفرنسيين وضد الوالي التركي خورشيد حتى عزله وأعلن أن من حق الشعب عزل الحاكم إذا ظلم. وكانت دعوة جريئة تذكرنا بقوة وعظمة المسلمين الأوائل. وفي ليبيا إلى جانب الحركة السنوسية كان هناك عمر المختار الذي قاد مقاومة الاستعمار الإيطالي في ليبيا وعبد القادر الجزائري وعبد الرحمن بن باديس في الجزائر أيضا. ومنهم محمد عبد الله الشوكاني الداعية الإسلامي في اليمن ومحمود شكري الألوسي في العراق وخير الدين التونسي في تونس.\nوقد امتد صدى هذه الحركة خارج البلاد العربية إلى أصقاع أخرى في البلاد الإسلامية فقاد المجاهد \"شامل\" حركته ضد السيطرة الروسية في القوقاز.\nوكان من أهم أساليب الحركة السلفية الإصلاحية في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها التربية والتعليم فكان محمد بن عبد الوهاب يحارب الأمية في سبيل نشر الدعوة ويلزم أتباعه بتعلم القراءة والكتابة مهما كانت سنه، ومهما كانت منزلته حتى الأمراء كانوا يقرءون مثل بقية الناس. فصار منهم العلماء المعلمون أمثل الإمام سعود الكبير الذي كان يلقي دروسا في التوحيد إلى جانب أعمال الإمارة. وكانت طريقته في التعليم تقوم على ما ذكره في إحدى رسائله.\n\"اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع رسائل: الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية العمل به. الثالثة الدعوة إليه الرابعة الصبر على الأذى فيه\".\nوقد ساند هذه الدعوة الوهابية الإصلاحية الأمراء السعوديون. ثم جاء","vol":"1","page":412},{"text":"الملك عبد العزيز آل سعود فوحد البلاد وأنشأ المملكة العربية السعودية وأقام أسسها على تعاليم الإسلام والدعوة إلى العدل والسلام.\nوفي ليبيا كانت الحركة السنوسية تركز نشاطها التربوي في الزوايا التي كانت تنشئها ولا سيما في برقة. وكانت الزاوية \"تعتبر معهد علم ومركز إصلاح ومحكمة للتقاضي وفض الخصومات ومدرسة لتحفيظ القرآن لكريم وتربية الرجال وإعداد الدعاة للطريقة وحارسا لحفظ البلاد من غارات الأعداء حيث كانت كل زاوية تضم مسجد للصلاة ومدرسة قرآنية كما يلحق بها مضيفة خاصة لاستقبال الضيوف للقيام بواجب الضيافة طيلة ثلاثة أيام كما جرى به العرف عند العرب من أهل البلاد\".\nوقد انشرت الزوايا في كل أنحاء ليبيا حتى أصبح لكل قبيلة زاوية أو أكثر يرسلون إليها أولادهم لحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ العلوم الدينية واللغوية، وكان المتفوقون منهم يواصلون الدراسة العالية بالزاوية البيضاء وهي الزاوية التي كانت تعتبر بمثابة المركز الرئيسي للزوايا. إلا أن هذه الزواية أسلمت زعامتها فيما بعد إلى زاوية الجغبوب التي أنشئت سنة ١٨٥٦م. وسميت بذلك الاسم نسبة إلى مدينة الجغبوب على الحدود الشرقية لليبيا مع مصر.\nوكان جمال الدين الأفغاني رائد الجامعة الإسلامية وروحها الدافق وكان مدرسة تربوية تخرج فيها قادة الإصلاح كما كانت خطبة ذات أثر كبير على الجماهير. وقد كان داعية إلى التحرر من الظلم والاستبداد. وكانت كلماته مؤثرة في أعماق القلوب مدوية في النفوس. لقد خاطب المصريين بقوله: إنكم معشر المصريين قد أنشأتم في الاستعباد وربيتم في حجر الاستبداد وتناولتكم أيدي الفرس واليونان والرومان تسومكم حكوماتهم الحيف والجور والذل وأنتم صابرون صامتون.. انظروا إلى أهرام مصر ومشاهدة سيوة وحصون دمياط فهي شاهد بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم. هبوا من غفلتكم واصحوا من سكرتكم وعيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء.\nوكان لخطبه وكتاباته أثر كبير في اليقظة الفكرية الإسلامية وحمل الدعوة من بعده تلميذ الشيخ الإمام محمد عبده. وجاهد في سبيلها في مصر وسوريا","vol":"1","page":413},{"text":"وفي لبنان وتونس والجزائر وفي كل مكان ذهب إليه. وكان يرى أن الطريق الوحيد للنهضة والتجديد في العالم الإسلامي هو التربية، وفي ذلك يقول: \"إنني أدعو إلى التربية لأنني عرفت أية ثمرة تجنيها الأمم من غراس تغرسه وتقوم على تنميته السنين الطوال\".\nوسار في هذا الطريق الذي رسمه محمد عبده المسلمون في المغرب العربي منهم عبد الحميد بن باديس في الجزائر فقد أنشأ من خلال جمعية العلماء المسلمين التي تزعمها حوالي ٣٠٠ مدرسة حفظت اللغة العربية والإسلام في الجزائر. ووصل الصدى إلى الأصقاع البعيدة في الهند فنجد هناك أحمد خان ينشئ جامعة عليكرة في الهند وشلبي النعماني أنشأ ندوة العلماء في لكنو بالهند ومن روادها أبو الحسن الندوي العالم الإسلامي المعروف.\nوقد اتجهت ندوة العلماء في نفس الطريق فقامت بإنشاء مدرسة كبرى للعلوم في مدينة \"لكنو\" كان عملها الأساسي هو \"نشر المعارف وإعادة مجد اللغة العربية في بلاد الهند\".\nكما كان السيد أحمد خان مؤسس جامعة عليكرة وسيد أمير علي وشلبي النعماني ومحمد إقبال في مقدمة الدعاة الذين آمنوا بأن التربية والثقافة هي الوسيلة الأساسية لإزالة آثار التخلف الإسلامي.","vol":"1","page":414},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-176> دعوات التغريب والتشكيك الفكري:</span>\nشهدت هذه الفترة دعوات وحركات مختلفة نشطة للتغريب والتضليل والتشكيك الفكري في الإسلام ومحاربة اللغة العربية وهي الدعامة الإساسية للدين. ومن هذه الحركات حركة التبشير والحركة الصهيونية والدعوة إلى العامية بدل الفصحى واستخدام الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية. وسنفصل الكلام عن كل واحدة منها في السطور التالية:\nالحركة التبشيرية ونشاطها التربوي:\nكانت الحركة التبشيرية التي شهدها العالم العربي في ظل الحكم العثماني التركي صورة أخرى للحروب الصليبية انتقلت فيها المعركة إلى داخل الوطن","vol":"1","page":414},{"text":"العربي الإسلامي نفسه. وقد ارتبطت هذه الحركة بنشاط المبشرين من الأوربيين، والأمريكيين في القرن التاسع عشر في مصر والشام وما قاموا به من إنشاء المدارس والمستشفيات لخدمة أغراضهم.\nوقد أصبح التبشير حركة عالمية منذ سنة ١٨٣٠ عندما أقره البابوات ورسموا خطته ورصدت له الدول الأوربية الأمور الضخمة للإنفاق عليه. وقد سار العمل التبشيري في طريقين:\n١- طريق الاحتلال العسكري، وليس من قبيل الصدفة أن تقوم فرنسا باحتلال الجزائر في نفس السنة التي أصبح فيها التبشير حركة عالمية.\n٢- طريق العمل التربوي وكان في تأثيره أقوى مضاء من السيف، وقد عملت الحركة التبشيرية على ترويج الأفكار التي تخدم مصالح التبشير وفي مقدمتها التشكيك في القيم العربية الإسلامية وفي التاريخ الإسلامي وفي فضل العرب والمسلمين على الحضارة العالمية. وقد تغذت في نشر أفكارها على الشبهات والمزاعم التي أثارها المستشرقون.\nوقد اهتمت حركة التبشير بإنشاء مدارس رياض الأطفال ومدارس البنات بصفة خاصة ليسهل التأثير على عقول النشء. وقد عبرت عن هذا أحسن تعبير إحدى المبشرات في كلامها عن مدرسة تبشيرية للبنات بالقاهرة قالت:\n\"في المدارس بنات الباشوات والبكوات وليس هناك مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ التبشيري، وليس هناك طريق إلى حصن الإسلام أقصر من هذه المدرسة\".\nوقد عبرت بصراحة عن هذا الهدف القرارات التي اتخذتها مؤتمرات التبشير العالمية التي عقدت في العواصم الإسلامية والأوربية في النصف الأول من القرن العشرين. فقد ورد في هذه القرارات فيما بتعلق بالتربية والتعليم ما نصه:\n\"يجب أن يكون العمل في كل ميدان موجها نحو النشء الصغير من المسلمين. ويجب أن يقدم هذا العمل على كل عمل عداه في الأقطار الإسلامية ذلك أن بزوغ روح الإسلام في النشء الحديث يبدأ من فترة مبكرة من عمره ومن","vol":"1","page":415},{"text":"ثم يجب أن يؤتى بالنشء الصغير من المسلمين قبل أن يتكامل نمو عقلهم ويتم إبعادهم عن القوالب الإسلامية فتقسوا عقليتهم وأخلاقهم. إن التعليم التبشيري ما يزال أفضل طريقة للوصول إلى المسلمين\".\nومن الإشارات ذات المغزى عن دور الاستعمار في مناهج التربية في العالم الإسلامي إشارة تقول: \"إن السياسية الاستعمارية لما قبضت على برامج التعليم في المدارس الابتدائية حذفت منها القرآن ثم تاريخ الإسلام وبذلك أخرجت ناشئة لا هي مسلمة ولا هي مسيحية ولا هي يهودية. ناشئة مضطربة مادية الأغراض لا تؤمن بعقيدة ولا تعرف حقا فلا للدين كرامة. ولا للوطن حرمة\".\nوإلى جانب المدارس اهتمت الحركة التبشيرية بإنشاء المستشفيات لعلاج الطبقة الفقيرة وتقديم المساعدات الاجتماعية لهم بهدف التأثير على نفوسهم وأفكارهم.\nوكانت مالطة أول مركز للبعثات التبشيرية في الشرق الأوسط منذ مطلع القرن التاسع عشر. وكانت بيروت ثاني مركز وفيه تركزت الحركة التبشيرية ونشأت بها جامعة الجيزويت الكلية السورية الإنجيلية \"الجامعة الأمريكية\" سنة ١٨٦٦ التي لعبت دورا تربويا بارزا. قد خرجت منذ نشأتها الآلاف ومنهم الكثيرون الذي تولوا مراكز القيادة في البلاد. وكان منهم رؤساء الوزارات والأساتذة ورجال الفكر والصحفيون والقضاة والأطباء. وإلى جانب الكلية السورية الإنجيلية أنشئت كلية القديس يوسف \"الكلية الفرنسية\" سنة ١٨٧٣. كما كان للجمعيات التبشيرية في لبنان مدارسها الابتدائية والثانوية. وكان إنشاء جميعة المقاصد الخيرية الإسلامية التي تأسست في بيروت بأوقافها الخاصة من أراض وعقارات في عهد مدحت باشا الوالي التركي رد فعل للمدارس التبشيرية. إذ كان الغرض من إنشائها تهيئة السبل لإنشاء مجالس إسلامية تعنى بشئون التعليم الخاص بالطائفة الإسلامية على غرار المجالس المسيحية التي تتعهد شئون التعليم لدى الطوائف المسيحية.\nوكانت مصر تقوم بتزويد هذه المدارس بالمدرسين والكتب. وفي سوريا وجدت الجمعية السورية التي أنشئت سنة ١٨٤٧ بتوجيه وحماية المبشرين","vol":"1","page":416},{"text":"الأمريكيين وحملت لواء الدعوة القومية العربية لتفت في عضد الإسلام.\nوكان في المغرب مدارس أنشأتها الإرساليات اليهودية والمسيحية منذ أوائل القرن التاسع عشر. ووجدت المدارس التبشيرية في السودان في النصف الأول من القرن العشرين، وقد جاهر غوردون البريطاني بضرورة تنصير السودان. ووجدت المدارس التبشيرية في إستانبول في قلب الدولة العثمانية نفسها. ذلك أن السياسة الداخلية للدولة العثمانية منحت الطوائف الدينية من غير المسلمين امتيازات خاصة في كل ما يتعلق بالشئون الدينية، واعتبرت شئون التعليم من الأمور المرتبطة بالأديان فخولت الطوائف المسيحية والإسرائيلية حق تأسيس المدارس وإدارتها.\nوكانت فرنسا أنشط الدول الأجنبية في التبشير لأنها اعتبرت نفسها حامية الكوثوليك كما اعتبرت روسيا القيصرية نفسها حامية الطائفة الأرثوذكسية وأسست لها مدارس في الشام. وكانت الإرساليات الإنجيلية أنشطها، كما كان هناك مدارس أنشأتها الإرساليات الألمانية والإيطالية والإيرلندية والدانمركية. وفي مصر وجدت الحركة التبشيرية مجالا خصبا في ميدان التربية في القرن التاسع عشر.\nففي سنة ١٨٤٠ أنشأ الآباء العازاريون أول مدرسة فرنسية لهم في الإسكندرية وكذلك أنشأت الجمعية الإنجيلية البروتستانتية مدارس لها. وتبعهم الفرير والإرسالية الأمريكية البروتستانية. وتبعهم بعد ذلك الآباء الجزويت وحتى عام ١٨٧١ كانت توجد ١٦٠ مدرسة أجنبية تضم ٥٥٩١ تلميذا. ولم تكن هناك أي قيود على هذ المدارس بل إن الأغرب من هذا أن المدارس كانت تلقى التشجيع الأدبي والمادي من الحكام المصريين. فكانت تقدم لهم الهبات وتمنح الأراضي وكميات سنوية من القمح وتدفع لها أجور ومرتبات معلمي اللغة العربية وتقدم لها مجانا الكتب الدراسية ومساعدات مالية سنوية أيضا.\nالحركة الصهيونية:\nشهد العالم الإسلامي في العصور الحديثة أكبر مؤامرة تدبر ضده وتعتبر امتداد للحروب الصليبية التي انتهت بالنصر للمسلمين. وأخذت الحركة","vol":"1","page":417},{"text":"التبشيرية صورة أخرى للحروب الصليبية انتقلت منها المعركة إلى قلب الوطن العربي الإسلامي ذاته وقد فصلنا الكلام عن ذلك في تناولنا للحركة التبشيرية.\nوكانت الصهيونية صورة أخرى للحروب الصليبية استهدفت إيجاد جسم غريب دائم يعمل على استنزاف طاقات العالم العربي الإسلامي ويشتت جهوده ويحول دون تقدمه. وقد عملت الحركة الصهيونية منذ نشأتها على يد هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر على تزييف حقائق الإسلام وتشويهها في كل الموسوعات التاريخية والثقافية في الغرب كما شوهت الصورة العربية في أعين الأوربيين وغيرهم. وقد انتهى الأمر بالصهيونية إلى خلق كيان لها في الوطن العربي. ووجودها يفرض على البلاد العربية تحديا حضاريا خطيرا تلعب التربية والتعليم الدور الرئيسي في تحديد النتيجة النهائية له، فقد أثبت هذا التحدي أن العبرة ليست بكم البشر وأن على الدول العربية أن تأخذ بالأسلوب الحضاري الشامل إذا كان عليها أن تثبت وجودها أمام هذا التحدي الخطير.\nالدعوة إلى العامية واستخدام الحروف اللاتينية:\nبدأت الدعوة إلى العامية بدل الفصحى في مصر في يناير ١٨٩٣ عندما ألقى المهندس الإنجليزي وليم ويلكوكس محاضرة في نادي الأزبكية كان موضوعها: لماذ لا توجد الآن لدى المصريين قوة الابتكار؟ زعم فيها أن قوة الابتكار تأتي من قوة الفكر التي يرثها الفرد عن أبيه ومن قوة الخيال التي يرثها عن أمه. وقال: إن أهم عائق يمنع المصريين من الابتكار أنهم يؤلفون ويكتبون باللغة العربية الفصحى، ولو أنهم ألفوا وكتبوا بالعامية لصاروا مبتكرين. واستدل على ذلك بأن الإنجليز لم يكونوا مبتكرين عندما كانوا يؤلفون باللاتينية فلما اختاروا لغة الفلاحين وكتبوا بها صاروا مبتكرين. وضرب مثالا بشكسبير وبيكون. وقد قام ويلكوكس بترجمة الإنجيل إلى اللغة العامية المصرية، كما ألف كتبا بالعامية المصرية أيضا وكان يوزعها مجانا على الناس. وللأسف أن الدعوة العامية رغم ما فيها من شر مستطير لا يخفى على العين فإنها قد وجدت آذانا مصغية تستجيب لها.\nوقد ردد سلامة موسى في مجلة \"الهلال\" دعوة \"ويلكوكس\" إلى العامية","vol":"1","page":418},{"text":"وأثنى على ويلكوكس كأحد الإنكليز المخلصين لمصر شغل بها كثيرا حتى أصبحت همومه مصرية أكثر منها إنجليزية.\nوكانت الدعوة إلى العامية رد فعل للشبهات التي أثيرت حول قدرة اللغة الفصحى على الوفاء بمتطلبات العصر من ناحية وأنها لغة لا تستخدم في التخاطب من ناحية أخرى، كما كانت هناك دعوة أخرى مغرضة ترمي إلى إحلال الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية. وهي دعوة سلمت منها البلاد العربية الإسلامية وأثبتت أنها قادرة على تحدي كل محاولات التغريب والتشكيك.\nوللأسف أن الدعوة إلى استخدام الحروف اللاتينية قد وجدت من أبناء العربية من يناصرها فهذا عبد العزيز باشا فهمي أحد شيوخ مجمع اللغة العربية يقدم إلى المجمع في أوائل شهر مايو سنة ١٩٤٣ اقتراحا بتيسير الكتابة العربية عن طريق استخدام الحروف اللاتينية بدل العربية. وكتب أنيس فريحة، أستاذ اللغة العربية في الجامعة الأمريكية ببيروت \"يطالب بعض الناس بتبني الحروف اللاتينية تسهيلا للقراءة وتخفيفا لنفقات الطباعة ونحن من المؤمنين بهذه النظرية ولا نرى حلا للكتابة إلا بتبني الحرف اللاتيني وضبط الكلمات فيه مرة واحدة\".\nوكان دعاة استخدام الحروف اللاتينية هم دعاة استخدام العامية بدل الفصحى وفي ذلك يقول أنيس فريحة أيضا:\n\"إن الفصحى ليست لغة الكلام فلا يرجى منها أن تعبر عن الحياة بحلاوتها ومرارتها وقسوتها ولينها كما تستطيع العامية، الدليل ظاهر فإنك لا تستطيع أن تقول بالفصحى ما تقوله بالعامية وإذا نقلته إلى الفصحى أتى قاسيا جافا خلوا من العنصر الإنساني اللصيق باللغة\".\nإن من الغريب أن يأتي هدم اللغة الفصحى من أناس تصدوا لخدمتها والعمل على رفعتها. ويبدو أن هذه الدعوة اختلطت بدعوات أخرى منها تبسيط اللغة العربية من حيث قواعدها وأسلوب كتابتها دون هجرها إلى غيرها، والارتقاء باللغة العامية لتقترب من الأدبية الفصحى، وقضية تعريب الكلمات الأجنبية بالعربية، وتقريب الفجوة بين اللغة الفصحى والعامية وتجديد الأدب العربي.","vol":"1","page":419},{"text":"ظهور الدعوات الشعوبية:\nكان من أهم الملامح السلبية التي ظهرت في البلاد العربية في ظل الحكم التركي العثماني في القرن التاسع عشر الدعوات الشعوبية المختلفة. وكانت هذه الدعوات غريبة عن روح الإسلام فلا شعوبية في الإسلام وقد ظل طيلة ثلاثة عشر قرنا من الزمان سابقة لهذة الفترة يدعو إلى الأخوة البشرية والمساواة الإنسانية.\nفنجد الدعوة الطورانية أو الجامعة التركية التي كانت ترمي إلى سلخ تركيا عن الإسلام وبعث حضارتها الجاهلية القديمة لأن الإسلام -في نظرهم- لا يصلح شأنهم. ودعت إلى العودة إلى أسلافهم الطورانيين. فكعبتهم طوران ومثلهم الأعلى جنكيز خان وأمجادهم فتوحات المغول. وكان شعارهم إهمال الجامعة الإسلامية التي دعا إليها الأفغاني إلا إذا كانت خادمة للدعوة الطورانية. وهذا يعني أنهم أتراك أولا ثم مسلمون ثانيا. كما ظهر حزب تركيا الفتاة في نفس الاتجاه.\nوظهرت القومية في فارس أيضا وأخذ كثير من الفرس يبحثون عن دين فارس القديم كالزرادشتية أو المانوية أو المزدكية وغيرها. وظهرت أيضا الدعوة إلى الإقليمية الانفصالية كالدعوة إلى مصر الفرعونية ولبنان الفينيقية والعراق والآشورية، وفي المغرب العربي كانت الدعوة إلى الانتماء إلى الأصول العرقية للبربر.\nوهذه الدعوات كانت خطيرة على العالم العربي الإسلامي وعملت على بلبة الأفكار وتفتيت الوحدة الإسلامية كما ساعدت على تعميق التناقضات الفكرية والثقافية في البلاد العربية. وكان من أخطر القضايا التي عرفها العالم العربي آنذاك أيضا الدعوة إلى القومية العربية.\nإن الدعوى إلى القومية غريبة عن روح الإسلام لأن الإسلام كما هو معروف لا يعرف الشعوبية ولا التعصب العرقي. وقد جاء للناس كافة دون تميز في الجنس أو اللون أو الغنى أو الفقر. وجاء ليقرر أن الناس كأسنان المشط في المساواة ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. ومن المعروف تاريخيا أن الدعوة إلى القومية العربية لم تعرف طريقها إلى العرب إلا خلال القرن الماضي، وقد كان","vol":"1","page":420},{"text":"دخول الفكرة القومية إلى العرب تحت عاملين رئيسيين:\nأولهما: سياسة التمييز الديني التي اتبعتها الخلافة التركية الإسلامية بين العرب والمسلمين وبناء على هذه السياسية عاملت تركيا غير المسلمين معاملة الأقليات الأجنبية. وعلى الرغم من الاعتراض الذي يمكن أن يوجه لهذه السياسة فإن المسيحيين العرب تمتعوا بميزات لم يكن يحظى بها إخوانهم من المسلمين العرب، وهي حقهم في إنشاء المدارس الخاصة بهم التي كانت تعلم باللغة العربية. هذا في حين أن المسلمين العرب كانوا تائهين في ظل النظام التركي الذي فرض اللغة التركية لغة للتعليم وكانت تدرس العربية كلغة أجنبية هامشية. ومن هنا يمكن أن نفهم السر في كون كثير من حملة مشعل الثقافة العربية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر من غير المسلمين العرب. وقد ساعد ذلك من ناحية أخرى على تأجج الشعور القومي لدى المسيحيين العرب وأخذوا يبحثون عن الرباط الذي يربطهم بهذا الوطن الذي نبتوا على أرضه وبين أحضانه ترعرعوا ولكنهم يعاملون فيه من قبل تركيا معاملة الغرباء. وقد جاءتهم الإجابة من أوربا التي كانت تعيش في ذلك الوقت فترة تعرف في تاريخ أوربا بتكوين القوميات، وكان لهذه السياسة آثار تربوية بعيدة المدى على العالم العربي الإسلامي وهو ما سنعرض له عند الكلام عن السياسة التربوية للدولة العثمانية.\nالعامل الثاني: يتمثل في حرب القوميات التي كانت تخوضها أوربا في القرن التاسع عشر وهو القرن الذي يلقب بقرن القوميات. فقد عمت أوربا موجة من الشعور القومي الذي يستند على أساس فكرة هيجل التي تقول بأن الدولة الحقة هي التي تتكون من قومية واحدة. نظرا لأن الدولة الأوربية لم تكن قائمة على هذا الأساس، وإنما على قوميات مجزأة بين دول مختلفة فقد بدأت نيران الحرب تضطرم بين هذه الدول من أجل تحقيق الفكرة القومية لها. وهكذا شهدت أوربا صراعا مريرا في سبيل تشكيل قومياتها وتحقيق الوحدة القومية لها. وفي هذا الوقت الذي كان يحتدم فيه الصراع كان المسيحيون يبحثون عن سند حقيقي يستندون فيه لتبرير وجودهم الغربي. وهكذا كانت فكرة القومية العربية فكرة خلابة بالنسبة لهم جذبتهم ببريقها وتحمسوا لها. وقد جاءتهم نتيجة اتصالهم","vol":"1","page":421},{"text":"بأوربا من خلال الروابط الكنسية والدينية وكان في مقدمة النتائج التي ترتبت على ذلك تعريب الكنائس المسيحية العربية واستخدام اللغة العربية في الصلوات والطقوس والترانيم الكنسية.\nوهكذا دخلت فكرة القومية العربية إلى البلاد العربية في القرن التاسع عشر فقط على يد المسيحيين العرب. وقبل هذا القرن لم يكن لهذا المصطلح وجود بل إن شيوع استخدامه في العربية يرجع إلى هذا التاريخ الحديث. ومن هنا أيضا نكرر القول بأن فكرة القومية هي فكرة غريبة عن الثقافة العربية والإسلامية وتعتبر دخيلا عليها على الرغم من الترويج الكبير الذي تحمس له الكثيرون في السنوات الأخيرة، وقد ترتب على ذلك وجود كثير من الدعاوي التي أحدثت البلبلة في العقول واختلطت الأمور أمام أعين الكثيرين حتى المفكرين منهم لدرجة أننا نجد عالما مسلما كبير مثل ساطع الحصري على ما له من أفضال علمية كبيرة يؤلف كتابا بعنوان له معناه هو \"العروبة أولا\". إن الإسلام ينبغي أن يفهم لا على أنه دين فحسب، إنه نظام حياة اجتماعية تشمل المسلمين والمسيحيين على السواء باعتراف المنصفين من المسيحيين أنفسهم.\nويقول منيف الرزاز في كتابه \"معالم الحياة العربية الجديدة\": إن المسيحيين العرب لم يكتسبوا صفتهم العربية إلا من خلال الإسلام فمن أين جاءهم اللسان العربي المبين الذي يتحدثون به ويكتبون ويؤلفون به؟ وعندما نقول اللسان فإننا نعني بذلك ما يرتبط باللغة من فكر ومعان باعتبارها الوعاء الثقافي وليست مجرد كلمات أو وسيلة للاتصال. يضاف إلى ذلك أن التراث المسيحي نفسه جزء لا يتجزأ من تراث الإسلام.\nوهكذا ينبغي أن نفهم الإسلام على أنه ثقافة تتكامل في جوانبها المختلفة تقوم في أساسها على اللغة العربية، وهو بهذا ينسحب على المسلمين وغيرهم على السواء ما داموا يعيشون على أرض وطن واحد يجمعهم انتماء مصيري يربط بينهم.\nالسياسة التعليمية العثمانية في البلاد العربية:\nقامت السياسة التعليمية التي اتبعتها السلطات التركية العثمانية في","vol":"1","page":422},{"text":"البلاد العربية على أساس جعل اللغة التركية اللغة الرسمية في دواوين الحكومة ولغة التعليم في المدارس وكان فرض اللغة التركية كلغة رسمية للحكومة مثارا لشكوى الناس وسخطهم لتعطل أمورهم ومصالحهم بسبب جهلهم باللغة التركية. فكان الضباط المتقاعدون في الجيش العثماني يقومون بتعليم اللغة التركية في المدارس القائمة في الولايات العربية الإسلامية.\nوكان التعليم في هذه الولايات تعليما تقليديا وكان يتم في الكتاتيب والمساجد والزوايا أو المدارس التي أنشئت بالجهود الفردية وغيرها.\nوهذه المعاهد التعليمية كانت تقتصر على تعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ الدين، أي أنها اقتصرت على العلوم النقلية، وأهملت العلوم العقلية، ومن كان يريد إكمال تعليمه كان يرحل إلى الجامع الأزهر في مصر أو جامع الزيتونة في تونس. وفي العهد العثماني ظل التعليم التقليدي على حاله متروكا للجهود الأهلية والفردية والتطوعية ولم يعط التعليم الحديث أي اهتمام من جانب العثمانيين لفترة طويلة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بل وعندما بدءوا يظهرون نوعا من الاهتمام به استخدموه لخدمة أغراضهم العسكرية.\nوكان للهزائم المتتالية للسلطنة العثمانية أمام الدول الأوربية رد فعل كبير على الاصطلاحات التعليمية والأخذ بالتعليم الحديث. فقد كانت الرغبة في بناء جيش حديث على غرار الجيوش الأوربية هي الدافع الرئيسي وراء إنشاء المدارس الحديثة في السلطنة العثمانية، ولذلك نجد أن المعاهد التعليمية التي أنشئت في بدء اليقظة الفكرية والسياسية في الدولة العثمانية؛ كانت كلها من نوع المدارس العسكرية المقتبسة من النظام الفرنسي. فقد كانت فرنسا آنذاك من أقوى الدول الأوربية، وكان الغرض الأساسي من إنشاء هذه المدارس تعليم الفنون العسكرية، وكان دخول العلوم الحديثة كالتاريخ والجغرافيا والعلوم والرياضة والطبيعة ضرورة استلزمها تعليم الفنون العسكرية في المراحل التعليمية المختلفة. وكانت هذه المراحل تتمثل في المدارس الابتدائية وكان يدرس بها اللغة التركية والتاريخ التركي إلى جانب اللغة العربية والدين الإسلامي والجغرافيا والرياضيات.","vol":"1","page":423},{"text":"والمدارس الرشدية وهي مدارس حديثة أو عسكرية متوسطة مدتها ثلاث سنوات، وكانت اللغة التركية لغة التعليم بها وكان المعلمون من التراك غالبا. والمدارس الإعدادية العسكرية التي تقوم مقام المدرسة الثانوية، وأخيرا المدارس العسكرية الاختصاصية التي تقوم مقام المدارس العالية. وكانت هذه المدارس العالية موجودة في إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية وحدها، وأما المدارس الإعدادية والرشدية العسكرية فقد كانت موجودة في الولايات تحت الإدارة العثمانية وكان الطلاب يتمون الدراسة الرشدية والإعدادية في مراكز الولايات التي ينتسبون إليها، وبعد ذلك ينتقلون إلى عاصمة الدولة لإتمام دراستهم العالية في المعاهد القائمة فيها. وكانت الولايات العربية ترسل بعثات طلابية لمواصلة تعليمهم في المدرسة العسكرية العالية وكذلك للالتحاق بمدرسة العشائر التي كانت أيضا في عاصمة السلطنة في إستانبول وكان هدفها تعليم أبناء العشائر تعليما خاصا يؤهلهم لتولي بعض الخدمات العسكرية والمدنية.\nوهناك نقطة أخرى هامة تتعلق بالسياسة التعليمية للدولة العثمانية في البلاد العربية هي أن السياسة الداخلية للدولة العثمانية منحت الطوائف الدينية من غير المسلمين امتيازات خاصة في كل ما يتعلق بالشئون الدينية. وقد اعتبرت الدولة العثمانية شئون التعليم من الأمور المرتبطة بالأديان والمذاهب فخولت جميع الطوائف المسيحية والإسرائيلية حق تأسيس المدارس وإدارتها أيضا. وكانت هذه المدارس الطائفية بادئ الأمر من نوع المدارس الدينية حقيقة غير أنها تطورت بعد ذلك بسرعة وتحولت إلى معاهد تعليمية عصرية. وكانت هذه المدارس تسير على مناهج خاصة بها تختلف باختلاف أديان الجامعات ومذاهبها، ولا تمت بأي صلة إلى مناهج المدارس الحكومية واتجاهاتها. وكثيرا ما كانت تستلهم خططها ومناهجها من المدارس الأجنبية نفسها، وكانت الحقوق الممنوحة لهذه الطوائف تشمل \"لغة التعليم\" بهذه المدارس أيضا. فكان يجوز لكل طائفة أن تعلم أبناءها بلغتها وكان للمسيحيين العرب الحق في أن يعلموا في مدارسهم باللغة العربية. وقد أدت هذه السياسة العثمانية إلى نتائج غريبة بالنسبة للبلاد العربية، فقد ترتب عليها نشاط كبير في إنشاء المدارس الطائفية والأجنبية كما","vol":"1","page":424},{"text":"أدت إلى مفارقات ثقافية بين العرب المسلمين وإخوانهم العرب المسيحيين: فقد انحصرت الفرص التعليمية أمام العرب المسلمين في الكتاتيب والمدارس القديمة أو المدارس الرسمية التي كانت تعلم باللغة التركية في حين أن إخوانهم المسيحيين أسسوا مدارس خاصة بهم وجعلوا اللغة العربية لغة التعليم بها. ولهذا السبب انتشر التعليم العربي الحديث بين المسيحيين قبل المسلمين. ولهذا السبب أيضا كان معظم الكتاب والمؤلفين والخطباء الذين ظهروا في الولايات العربية في العهد العثماني مسيحيين بالرغم من قلة عدد هؤلاء بالنسبة إلى المسلمين.\nوقد لعبت المدارس الأجنبية دورا تأثيريا مماثلا. فقد تأسست هذه المدارس في أول الأمر على أيدي الإرساليات الدينية والجماعات التبشيرية. وكانت كل إرسالية من هذه الإرساليات تعتمد على دولة من الدول الأجنبية، وتصبح بذلك واسطة لنشر لغة تلك الدولة بجانب تعليم العلوم المختلفة من جهة وتعلم اللغة العربية لاجتذاب العرب إليها من جهة أخرى.\nوكانت فرنسا أنشط الدول الأجنبية في هذا المضمار لأنها اعتبرت نفسها حامية الكاثوليك كما كانت روسيا القيصرية حامية الأرثوذكس وأسست لها مدارس في الشام وهو ما أشرنا إلى تفصيله في الكلام عن الحركة التبشيرية.\nوقد أشرنا إلى أن اللغة التركية كانت اللغة الرسمية في المدارس والدواوين في البلاد العربية باعتبارها لغة أصحاب السلطان. وكانت اللغة عربية تعيش غريبة في وطنها وكانت تدرس كلغة أجنبية حتى غلبت عليها العجمة. وقد استمر نفوذ اللغة التركية حتى أخذت البلاد العربية في الاستقلال عن الدول العثمانية. وكانت مصر أسبق الدول العربية في ذلك. ومع ذلك ظل نفوذ اللغة التركية فيها قويا واستمرت تدرس باهتمام حتى سنة ١٨٨٨ عندما أصبحت لغة إضافية تدرس اختياريا لمن يرغب في دراستها.\nتطور التربية الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء:\nللإسلام تاريخ طويل في إفريقيا وهو يرجع إلى القرن السابع الميلادي عندما انتشر الإسلام في شمال إفريقيا. وبعدها في القرن الثامن بدأ الإسلام في الانتشار في باقي أنحاء إفريقيا عن طريق التجارة في السودان والغرب الإفريقي","vol":"1","page":425},{"text":"وشرق إفريقيا. وكان الطلاب الإفريقيون يغدون إلى الأزهر للتعلم. وكانت هناك مراكز إسلامية وحكام مسلمون، ومن أهم المراكز في غرب إفريقيا منذ القرن الرابع عشر الميلادي تمباكتو Timbuktu حيث كانت مركزا للتعليم الإسلامي وكان لها تأثير كبير على منطقة مالي وموريتانيا المعاصرة. وكانت هناك مراكز أخرى غيرها.\nوكانت هناك في غرب إفريقيا مراكز إسلامية طيلة قرون طويلة قبل إنشاء الجامع الأزهر عام ٩٩٦م. مثل مدرسة القرويين في المغرب. وفي عام ١٩١٠ كان يوجد في غينيا guinea ما يقرب من ٦٤٠٠ مدرسة إسلامية تضم ٢٧ ألف تلميذ، حيث لم تكن هناك أي مدارس أخرى غريبة \"johnson: ١٩٧٥ p٢٢٣\".\nويروى أن المصلح الإسلامي من شمال نيجيريا عثمان بن فودي usuman dan fodio \"١٧٤٥-١٨١٧\" قد رحل إلى النيجر عام ١٧٧٤ لتلقي العلم على يد الشيخ جبريل عمر. \"hiskett p.٢٣\": في عام ١٩٧٧ أسس في كانو في نيجيريا معهد لتخريج معلمات اللغة العربية والعلوم الإسلامية \"bray: p.٨٥\". بيد أن الشيخ أحمد بن حجر \"ص٧٧-٨٧\" ينسب الشيخ عثمان بن فودي إلى السودان ويقول إنه أحد أفراد قبيلة الفولا وهي من قبائل رعاة السودانيين وأنه بعد التقائه بعلماء الدعوة الوهابية في موسم الحج وبعد اعتناقه المبادئ التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الله الوهاب عاد إلى بلاده وأخذ يحارب البدع الشائعة بين عشيرته وقومه ويعمل للقضاء على بقايا الوثنية وعبادة الأموات التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في نفوس السودانيين وأخذ ينشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة ويذيع مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب فاستطاع أن يجمع حوله قبيلته في وحدة متماسكة برباط الدين المتين. وبعد ذلك ابتدأ حروبه سنة ١٠٨٢م ضد قبائل الهوسا الوثنية وقضى على \"مملكة غير\" التي كانت تقع على مجرى النيجر. وما مضت سنتان حتى أقام مملكة \"سوكوتو\" في السودان على أساس من الدعوة الوهابية، ومدت رواقها على جميع الأقطار الواقعة بين \"تمبكتو\" وبحيرة \"تشاد\". وبقيت محافظة على استقلالها ووحدتها نحو قرن حتى استطاع الاستعمار الأوربي أن يقضي عليها.","vol":"1","page":426},{"text":"ومع أن المدارس الغريبة بدأت تنتشر في إفريقيا لأسباب استعمارية معروفة فإنه توجد في بعض مناطق مالي وموريتانيا مدارس إسلامية أكثر من المدارس الغربية. وقد بذلت محاولات متعددة لتطوير المدارس الإسلامية وتحديثها وتدعيمها. ومن أشهر مراكز التعليم في إفريقيا جنوب الصحراء جامعة الخرطوم الإسلامية في السودان، والمعهد الإسلامي في داكار بالسنغال والمعهد الإسلامي للتعليم العالي في بوتلميت بموريتانيا ومركز التعليم الإسلامي في كانو بنيجيريا \"BRAY: ١٩٧٦ P.٨٠\".\nويعتبر التعليم الإسلامي في الدول الإفريقية أداة تطوير المجتمعات الإفريقية ولا سيما تلك التي تحاول أن تتحرر من الاستعمار، وأن تبني اقتصادها ووحدتها القومية.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>الفصل الحادي عشر: أعلام النهضة التربوية في الشرق العربي الحديث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>مقدمة</span>\n...\nالفصل الحادي عشر: إعلام النهضة التربوية في الشرق العربي الحديث\nسنحاول في السطور التالية أن نعرض لآراء بعض أعلام النهضة التربوية في الشرق العربي في العصور الحديثة وهم: محمد بن عبد الوهاب ورفاعة الطهطاوي وعلي مبارك والشيخ محمد عبده.\n١- محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية:\n١١١٥هـ-١٢٠٦هـ، ١٧٠٣-١٧٩١م\nمقدمة:\nهو إمام مصلح حنبلي المذهب عاش في القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي. ولد في بلدة العيينة في نجد بشبه الجزيرة العربية عام ١٧٠٣م وتوفي عام ١٧٩١م. ويذكر الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن تيمية أن وفاته كانت عام ١٨٨٧. وواضح أن هناك خطأ في التاريخ.\nتلقى أول تعليمه ببلدته التي ولد فيها ثم سافر إلى المدينة حيث واصل تعليمه وقد عاش في بغداد والبصرة عدة سنوات. ورحل إلى أماكن إسلامية أخرى منها كردستان وهمذان وأصفهان وقم. ثم عاد أخيرا إلى بلدة ومسقط رأسه حيث اعتكف عدة شهور. وبعدها خرج على الناس بدعوته الإصلاحية الجديدة التي عرفت بالدعوة الوهابية نسبة إليه، وهي دعوة سنية سلفية تقوم على التمسك بالقرآن الكريم وسنة رسوله الكريم وأقوال وأفعال الصحابة والسلف الصالح وتهدف إلى العودة بالدين الإسلامي إلى مساره الصحيح وتطهير العقيدة الإسلامية من البدع والخرافات والأوهام. وهي في هذا الأطار دعوة إسلامية إصلاحية سلفية محافظة. ويورد الشيخ أحمد بن حجر \"ص٥١-٥٢\". قول الشيخ عمران ﵀ مفتخرا بانتمائه إلى الوهابية ومشيرا إلى أهم مبادئها في الأبيات الآتية:","vol":"1","page":428},{"text":"إن كان تابع أحمد متوهبا ... فأنا المقر بأنني وهابي\nوأنفى الشريك على الإله فليس لي ... رب سوى المتفرد الوهاب\nلا قبة ترجى ولا وثن ولا ... قبر له سبب من الأسباب\nأيضا ولست معلقا لتميمة ... أو حلقة أو دعه أو ناب\nلرجاء نفع أو لدفع بلية ... الله ينفعني ويدفع ما بي\nوقد لقيت في بدايتها مقاومة ومعارضة شأنها شأن أي دعوة إصلاحية جديدة. واضطهد صاحبها فخرج من بلدته إلى الدرعية مقر آل سعود وعرض دعوته على أميرها محمد بن سعود فقبلها وتعهد بمناصرته ومؤازرته في سبيل الدفاع عن الدين الإسلامي الصحيح. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن تيمية إن محمد بن سعود جد الأسرة الملكية السعودية. وكان صهر محمد بن عبد الوهاب وكان فارسا مغوارا قام بمغامرات حربية لنشر مذهب ابن تيمية وحمايته. وكان من أشد أنصار محمد بن عبد الوهاب. وقد عاون كل منهما الآخر. ولما مات الأمير محمد بن سعود وشيخ الدعوة محمد بن عبد الوهاب تعاهد أبناؤهما على مواصلة مسيرة أبويهم وواصلوا العمل والكفاح حتى سيطروا على مكة والمدينة.\nكان موسم الحج فرصة مناسبة لاستمالة الحجاج من مختلف البلاد الإسلامية إلى قبول الدعوة والعمل على نشرها في بلادهم بعد عودتهم إليها. من هؤلاء السيد أحمد، وكان هذا الرجل من أمراء الهند وذهب إلى الحجاز لأداء فريضة الحج بعد أن اعتنق الإسلام سنة ١٨١٦م. وفي مكة التقى بالوهابيين وأصبح من دعاتهم. ولما عاد إلى وطنه سنة ١٨٢٠ أخذ ينشر التعاليم الوهابية. وبعد مرحلة من الجهاد استطاع هو وأنصاره أن يقيم الدولة الإسلامية في البنجاب الذي سبق أن أشرنا إليه. وقد استطاع بعد عودته من الحج أن يقيم مملكة \"سوكوتو\" في السودان بين \"تمبكتو\" وبحيرة تشاد على أساس من الدعوة الوهابية. \"أحمد بن حجر: ص٧٨\". ومنهم الإمام محمد علي السنوسي مؤسس الحركة السنوسية الذي اعتنق الدعوة الوهابية أثناء حجة، وبعد عودته","vol":"1","page":429},{"text":"إلى الجزائر أخذ يبشر بها ويعمل على نشرها. في أواسط القرن التاسع عشر ثم غزت طرابلس بعد ذلك وانتشرت في شمال إفريقيا ثم مدت رواقها نحو الجنوب فتمكنت في السودان هذه الحركة السنوسية التي ناهضت الاستعمار في كل مكان. كما انتشرت هذه الدعوة المباركة بحضرموت وجاوة بواسطة السيد محمد رشيد رضا وتأليفه \"جمعية الإرشاد\" الداعية هناك إلى الكتاب والسنة ونبذ البدع والخرافات طبق مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب \"المرجع السابق: ٧٩-٨٠\". ومن الذين اقتفوا أثر الدعوة الوهابية الإمام محمد عبده في مصر الذي رجع إلى أصول تعاليم الدعوة الوهابية من زمن الرسول ﷺ إلى زمن ابن تيمية إلى زمن محمد بن عبد الوهاب. ومن المعروف أن ابن عبد الوهاب كان تلميذا لابن تيمية وآمن بآرائه ومنهجه الإصلاحي السلفي التجديدي والذي أعاد الإسلام إلى طريقه الصحيح وخلصه من البدع والأوهام. ومن اتباع ابن تيمية أيضا الإمام الشوكاني في اليمن المولود عام ١١٧٢هـ وقد ألف كتابه القيم \"نيل الأوطار\" شرح فيه كتاب ابن تيمية \"منتقى الأخبار\". وقد عمل على نشر هذه الدعوة في بلاده رغم أنه لم يتلقاها عن ابن عبد الوهاب. وهكذا نرى أن الدعوة الوهابية كان لها أثر كبير في العالم الإسلامي وكانت الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله وتأثر بها زعماء الإصلاح في سائر الأقطار الإسلامية \"المرجع السابق\".\nوقد أخذت الدعوة الوهابية في الانتشار في شبه الجزيرة العربية وحققت نجاحا كبيرا لدرجة أن الدولة العثمانية وكانت المسيطرة على البلاد آنذاك شعرت بتهديد سيطرتها ونفوذها على الحجاز وخروجه من يدها وهو موطن الحرمين الشريفين. فطلب السلطان العثماني من محمد باشا والي مصر آنذاك إرسال جيوشه لمحاربة الوهابيين. بيد أنهم انتصروا على الحملة الأولى التي أرسلها محمد علي بقيادة الأمير طوسون. لكن محمد علي لم يستسلم وأعد جيشا قويا قاده بنفسه واستطاع أن يحقق النصر وأتم ابنه إبراهيم بقية الانتصار وهكذا هزمت قوة الوهابيين. إلا أن الدعوة نفسها بقيت في نفوس الناس الذين آمنوا بها وعملوا بتعاليمها وهي التعاليم الإسلامية الصحيحة. وقد لقيت الدعوة الوهابية المساندة والتأييد من جانب الأمراء السعوديين حتى جاء الملك عبد العزيز آل سعود فوحد البلاد وأنشأ المملكة السعودية وأقام أسسها على تعاليم الإسلام والدعوة إلى العدل والسلام. لقد كان للدعوة الوهابية أثر كبير في طبع الحياة الاجتماعية في البلاد ولعبت دورا هاما في تكييف معالم هذه الحياة ومظاهرها.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>تأثير ابن تيمية:</span>\nكان محمد بن عبد الوهاب شغوفا بالعلم ودرس على أيدي علماء أفاضل في العراق والشام كما كان أبوه نفسه من كبار علماء نجد. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن تيمية: إن محمد بن عبد الوهاب عكف على دراسة كتب ابن تيمية في الاعتقاد والفقه وأمعن في فهمها وآمن بما جاءت به. وتحمس لها بل تعصب واشتد في تعصبه ودعا من حوله إلى اعتناق هذه الآراء.\nويقول أحمد أمين في زعماء الإصلاح إن \"محمد بن عبد الوهاب\" اقتفى في دعوته وتعاليمه عالما كبير ظهر في القرن السابع الهجري في عهد السلطان الناصر هو ابن تيمية ويظهر أن محمد بن عبد الوهاب عرف ابن تيمية عن طريق دراسته الحنبلية فأعجب به وعكف على كتبه ورسائله يكتبها ويدرسها. وفي المتحف البريطاني بعض رسائل لابن تيمية مكتوبة بخط ابن عبد الوهاب فكان ابن تيمية إمامه ومرشده وباعث تفكيره والموحي إليه بالاجتهاد والدعوة إلى الإصلاح.\nوالواقع أن ابن تيمية له منزلة خاصة في شبه الجزيرة العربية بما فيها اليمن وقد أشرنا في مكان آخر إلى الإمام الشوكاني أعلم علماء اليمن وإمام أئمته الذي سار على نهج ابن تيمية ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن تيمية: \"وإذا كان السعوديون حنابلة فإنهم يعتبرون ابن تيمية الإمام بعد أحمد\" \"محمد أبو زهرة: ص٥٣١\".\nإفساد العقيدة ضعف المسلمين:\nكان محمد بن عبد الوهاب ومن نحا نحوه يرون أن السبب الرئيسي لضعف المسلمين في زمانهم هو فساد العقيدة وانحرافها عن مسارها التي سارت عليه في أول عهدها صافية نقية من أي شرك أو بدع أو خرافات. واتجه في منهجه الإصلاحي إلى العقيدة والروح لأنهما الأساس إن صلحا صلح كل شيء وأن فسدا فسد كل شيء. وقد عمل جاهدا في لين ورفق على حث قومه واستنهاضهم للرجوع إلى الإسلام الصحيح وترك البدع والخرافات التي كانت متفشية في عصره مثل النذور وتعظيم الأضرحة وزيارة القبور وما شابه ذلك. كما عمل على استمالة أمراء الحجاز والعلماء في الأقطار الأخرى إلى دعوته ويستثير هممهم للذود عن الإسلام وتخليصه من ضعفه وما علق به من شوائب والعودة به إلى مساره الصحيح حتى يصبح للمسلمين القوة والمنعة كما كانوا في عصورهم الأولى في ظل إسلامهم النقي الصحيح.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>أراؤه وجهوده التربوية:</span>\nلم يتناول محمد بن عبد الوهاب الكلام عن التربية بمفهومها المهني شأنه شأن ابن تيمية. ومع ذلك كان مربيا كبيرا لجماهير شعبه وأتباعه ومريديه. فقد كان معنيا بصفة أساسية بإصلاح العقيدة الإسلامية وتخليصها من الشوائب التي علقت بها والعودة بها إلى مسارها الصحيح. وهو بهذا يدخل ميدان العمل التربوي من أوسع أبوابه. وسنتناول في السطور التالية بعض آرائه وجهودة التربوية.\n١- نشر التعليم:\nعملت الدعوة الوهابية على نشر التعليم ومحو الأمية. وكان محمد بن عبد الوهاب في سبيل نشر دعوته يحارب الأمية ويلزم أتباعه بتعلم القراءة والكتابة مهما كان سنه ومهما كانت منزلته حتى إن الأمراء كانوا يقرءون مثل بقية الناس فصار منهم العلماء والمعلمون أمثال الإمام الأمير سعود الكبير الذي كان يلقي دروسا في التوحيد إلى جانب أعمال الإمارة. وكانت طريقته في التعليم تقوم على ما ذكره في إحدى رسائله: \"اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: الأولى العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية العمل به. الثالثة الدعوة إليه. الرابعة الصبر على الأذى فيه\". وكان يعقد كل يوم عدة مجالس ليلقي دروسه في مختلف العلوم من توحيد وتفسير وحديث وفقه وأصول وسائر العلوم العربية. كما كان يخص طلبة العلم بالمحبة الشديدة وينفق عليهم من ماله ويرشدهم على حسب استعدادهم \"أحمد بن حجر: ص٢٨\".","vol":"1","page":432},{"text":"تثقيف العقول:\nكان للدعوة الوهابية أثر كبير في تثقيف العقول وتفتحها وتنورها ولم تحل الأمية القرائية بين أتباع محمد بن عبد الوهاب دون تشربهم للثقافة الإسلامية التي يبشر بها، فضلا عن أنه كان يعمل جاهدا على تعليم أتباعه القراءة والكتابة حتى يخلصهم من الجهالة والأمية القرائية.\nيقول الشيخ محمد أبو زهرة في كلامه عن الدعوة الوهابية \"وإنه من الحق علينا أن نقول كلمة حق وهي أن تعلق هؤلاء بآراء ابن تيمية وتشددهم فيها وحرص علمائها على بثها في نفوسهم كان سببا في أن وجد فيهم ثقافة مع أميتهم. ولم تكن هذه الثقافة لغيرهم من سكان الجزيرة العربية. ولما صار لهم السلطان في أكثر أصقاعها نشروا هذه الثقافة في سكان الحجاز. وقد كان الجهل بكل شيء مسيطرا عليهم حتى إذا تفتحت العقول واستيقظت الأفهام اتجهت الهمم لإنشاء المدارس ونشر الثقافة في البلاد\".\nويقول أحمد بن حجر \"ص٧٥\": إن الدعوة عملت على نشر علوم الشريعة المطهرة من التفسير والحديث والتوحيد والفقه والسير والتواريخ والنحو وما إلى ذلك من العلوم، وأن الدرعية أصبحت كعبة العلوم والمعارف، يفد إليها طلاب العلوم في جميع الطبقات حتى قال المؤرخون: أصبح الراعي يرعى المواشي في الفيافي ولوح التعليم في عنقه. وبلغ من قوة انتشار التعليم وسريانه أن ظهر العلماء الراسخون وألفوا الكتب القيمة في مختلف العلوم.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>مدخل</span>\n...\n٢- رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية:\n١٨٠١-١٨٧٣م\nينتسب الطهطاوي من ناحية أبيه إلى الحسين بن فاطمة الزهراء بنت الرسول ﷺ. وترجع تسميته بالطهطاوي إلى بلدته طهطا في صعيد مصر وقد ولد بها عام ١٨٠١م. ويؤخذ مما كتبه عن نفسه أن أجداده كانوا من ذوي اليسار لكن الدهر أخنى عليهم.\nوقد تهيأت له في طفولته ثقافة أزهرية حتى قبل أن يدخل الأزهر إذ قرأ بعض المتون الأزهرية على أخواله ومنهم بعض علماء الأزهر كالشيخ عبد الصمد الأنصاري والشيخ أبو الحسن الأنصاري والشيخ فراج الأنصاري.\nوعندما توفي والده قدم إلى الأزهر وانتظم في الدراسة به. ودرس على أيدى علمائه من أمثال الشيخ حسن العطار العالم اللغوي والشاعر الكاتب الذي خص الطهطاوي بعنايته لما لمسه فيه من النبوغ. وكان الطهطاوي يتردد على منزله لينهل من علمه ويشترك معه في الاطلاع على الكتب العربية التي لم تتداولها أيدي علماء الأزهر.\nولما أكتمل تعليم الطهطاوي اشتغل بالتدريس في الأزهر ثم سافر سنة ١٨٢٦ بتزكية من الشيخ حسن العطار مع البعثة التي أوفدت إلى فرنسا ليكون إماما لها، وهناك تعلم الفرنسية ودرس أصول الترجمة طيلة خمس سنوات. واشتغل بها بعد عودته إلى مصر.\nولعل أهم حدث في حياته بعد عودته من البعثة هو نفيه إلى الخرطوم سنة ١٨٥٠ ويقال: إن لكتابه \"تخليص الإبريز في أخبار باريز\" صلة بنفيه إذ إن الكتاب يحوي آراء وأفكارا تحررية لا ترضي حاكما مستبدا مثل الخديوي عباس وكان الكتاب قد طبع للمرة الثانية في أوائل عهده. لكن الطهطاوي يقول في تفسير سبب نفيه: إنه سافر إلى السودان بسعي بعض الأمراء بضمير مستتر بوسيلة نظارة مدرسة الخرطوم.\nويبدو من الأشعار التي نظمها أن الطهطاوي كان متألما لنفيه ويصور الأمر على أنه وشاية فيقول:\nوما خلت العزيز يريد ذلي ... ولا يصفى لأخصام لداد\nلديه سعوا بألسنة حداد ... فكيف صغى لألسنة حداد\nرحلت بصفقة المغبون عنها ... وفضلي في سواها في المزاد\nوما السودان قط مقام مثلي ... ولا سلماي فيه ولا سعادي\nوقد قضى الطهطاوي في السودان أربعة أعوام كانت قاسية على نفسه","vol":"1","page":433},{"text":"لاغترابه عن أسرته وأهله، وبعد عودته من السودان عين ناظرا لمدرسة الحربية بالقلعة ومعها نظارة قلم الترجمة والمحاسبة والهندسة والملكية والتفتيش والعمارة. ثم ألغيت المدرسة الحربية وقلم الترجمة وما معها وعين عضوا في قومسيون المدارس ووكل إليه الإشراف على صحيفة روضة المدارس التي أنشأها علي مبارك سنة ١٨٧٠، وكانت مجلة علمية أدبية اجتماعية.\nوكان للطهطاوي فضل كبير في حركة الترجمة والنشر فقد كان رائدا لها. وبفضل جهوده أنشئت مدرسة الترجمة سنة ١٨٣٥م التي عرفت بمدرسة الألسن فيما بعد وصار ناظرا ومديرا لها.\nوقد كتب الطهطاوي وترجم كثيرا وألف عدة كتب من أهمها:\nتخليص الإبريز في أخبار باريز:\nوهو كتاب مؤلف وصف فيه رحلته لباريس منذ مغادرته مصر حتى عودته إليها. وقد وصف فيه أحوال فرنسا وأخلاق أهلها وعاداتهم وعلومهم وفنونهم وأساليب حكمهم ومعيشتهم.\nمناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية:\nوهي مجموعة دراسات في الآداب والأخلاق وقد وصف فيها مصر وحضارتها كما ضمت دراسات قيمة في الآداب من ثمار الكتب العربية والفرنسية ودراسات في الأخلاق والمواعظ.\nالمرشد الأمين في تربية البنات والبنين:\nوهو كتاب ضمنه آراء في التربية والتعليم مما سنعرض له بالتفصيل فيما بعد. كما كان له الفضل في نشر العلوم والمعارف بحمل الحكومة على طبع طائفة من أمهات الكتب العربية على نفقتها مثل: تفسير الفخر الرازي ومعاهد التنصيص وخزانة الأدب ومقامات الحريري وغير ذلك.","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>آراؤه التربوية:</span>\nيعتبر الطهطاوي أول من كتب بتوسع عن التربية في العصور الحديثة في العالم العربي. وكان في كتاباته عنها متأثرا بما كتبه سابقوه عن التربية الإسلامية وردد آراءهم كما كان لدراسته في فرنسا وإقامته بها أثر واضح في آرائه. والتربية في نظره تعني تنمية الأعضاء الجسمية والعقلية وهي طريقة تهذيب النوع البشري ذكرا كان أو أنثى ليتحصل له أسباب السعادة والسيادة. \"محمد عمارة: ١٩٧٣ ج٢ ص٣٨٥\".\nتعميم التربية واجب:\nيرى الطهطاوي ضرورة تعميم التربية وشمولها لجميع أبناء الأمة ذكورا وإناثا على السواء وفي ذلك يقول:\n\"بالجملة فتربية أولاد الملة وصبيان الأمة وأطفال المملكة ذكورا وإناث من أوجب الواجبات\" \"المرجع السابق ص٢٤٩\". ويضرب المثل بتربية أمة اليونان القديمة المشهورة بالحكمة في قديم الزمان والتي كانت تحسن تربية أبناء ملوكها غاية الإحسان كما كانت تحسن تربية أطفالها وصغارها على القوة والشجاعة.\nويشير إلى تربية الإسكندر الأكبر بقوله: \"ترشح بتهذيب أستاذه أرسطو إلى أن ملك الدنيا وهزم في كل الممالك الملوك والعسكر\".\nكما يشير إلى التربية الأوربية في مساواتها بين تربية الأولاد والبنات وهو يشيد بالتربية عند العرب القدماء وعنايتهم بالتربية على الشجاعة والبطولة.\nمراعاة ميول المتعلم:\nآمن الطهطاوي بضرورة مراعاة ميول المتعليم وتوجيهه وفق هذه الميول إلى دراسة العلوم التي تناسبه، وهذا التوجيه التعليمي يتأتى بعد أن ينتهي المتعلم من دراسة العلوم الابتدائية والتجهيزية \"الثانوية\" وبعدها يظهر ميله إلى الخصوصيات التي تناسبه من الصنائع والفنون. وهو يحث أهل الخير أن يساعدوا من يخرج من مجال التعليم ببضاعة رابحة على نيل الوظائف الأهلية العمومية الكافية لقوام معاشهم وانتعاشهم.","vol":"1","page":436},{"text":"تحدث الطهطاوي عن أنواع التعليم العام ومراتبه فقسمها إلى ثلاثة أنواع: تعليم أولي أو ابتدائي وتعليم ثانوي تجهيزي وتعليم عال كامل انتهائي \"المرجع السابق ص٣٨٧\".\nالتعليم الأولي الابتدائي:\nوهو في نظره تعليم عام لجميع الناس ينتفع به أبناء الأغنياء والفقراء على السواء ذكورهم وإناثهم. وهو \"عبارة عن تعلم القراءة والكتابة ضمن تعليم القرآن الشريف والنحو ومبادئ الحساب والهندسة\". وهو يعتبر \"التعليم الأولي ضروريا لسائر الناس يحتاج إليه كل إنسان كاحتياجه إلى الخبز والماء\" وهي عبارة تردد صداها عنه طه حسين فيما بعد عندما نادى بأن التعليم حق لكل إنسان كالماء والهواء.\nالتعليم الثانوي أو التجهيزي:\nوهو يعتبر تعليما أكثر صعوبة من سابقة، ولذلك \"فهو في الغالب لا يلتفت إلى البراعة فيه غالب الأهالي\" وينبغي للحكومة أن ترغب الأهالي وتشوقهم إليه نظرا لأهميته. في هذا التعليم في نظره يكون تمدين جمهور الأمة وكسبها درجة الترقي في الحضارة والعمران.\nوأنواع هذا التعليم كثيرة فيما ينبغي أن يشتغل به أبناء الأهالي منه المهم فالأهم كالعلوم الرياضية بأنواعها والجغرافيا والتاريخ والمنطق وعلم المواليد الثلاثة \"أي الحيوان والنبات والمعادن\" والطبيعة والكيمياء وإدارة الملكية وفنون الزراعة والإنشاء والمحاضرات وبعض الألسنة التي يعود نفعها على الدولة.\nوقد يبدو غريبا على رجل مثل الطهطاوي الذي يعرف اللغات الأجنبية أن يضع تعليمها في آخر القائمة. وهو يرى أن يكون التعليم الثانوي كثيرًا منتشرًا في أبناء الأهالي القابلين له الراغبين فيه فيتاح لهم التعليم ليكونوا من الدرجة الوسطى وهو بهذا ترك التعليم الثانوي اختياريا لمن أراد وكان قادرًا على الاستفادة منه.","vol":"1","page":437},{"text":"التعليم العالي:\nهو ما يسميه درجة العلوم العالية، ويقصد به اشتغال الإنسان بعلم مخصوص يتبحر فيه بعد تحصيله علوم المبادئ والتجهيزات \"أي علوم الابتدائي والثانوي\" ويضرب أمثلة لذلك بعالم الفقه والطبيب والفلكي والجغرافي والمؤرخ. ويطالب الطهطاوي طالب هذا النوع من التعليم بأن \"يجول في أصوله وفروعه غاية الجولان حتى يكون كالمجتهد فيه\".\nوهو يعتبر تعليما معدا لأرباب السياسات والرئاسات وأهل الحل والعقد في الممالك والحكومات. ولذلك يذهب الطهطاوي إلى أن يقتصر هذا النوع من التعليم على أناس قلائل اشترط فيهم الطهطاوي أن يكونوا من أصحاب الثروة واليسار وهو أمر قد يبدو غريبا من الطهطاوي إلا أنه يبرر ذلك بأن الغنى لا يضر تفرعه للعلوم العالية بالمملكة. ويستطرد قائلا: \"فمن الخطر على من له صناعة يتعيش منها وينتفع بها الناس أن يترك هذه الصناعة ليدخل في دائرة معالي المعارف التي لا تصلح أن تكون له بضاعة ولا ينبغي أن يرخص للتلاميذ المتعلمين العلوم الأولية والثانوية أن ينتظموا في سلك أرباب المعارف القصوى إذا كانت في حقهم قليلة الجدوى\".\nوهذه العبارة الأخيرة للطهطاوي يمكن أن يفهم منها أنه يجوز أن يلتحق بالتعليم العالي من كان قادرا على الاستفادة منه وهو رأي تربوي سليم بمعايير العصر.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>أخلاق المعلمين والمتعلمين:</span>\nيورد الطهطاوي في كلامه عن أخلاق المعلمين مما رواه الثعالبي أن النبي ﷺ قال: \"خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون\". وهو يذهب مذهب جمهور علماء المسلمين في جواز أن يأخذ المعلم أجرا على التعليم استنادا إلى قول النبي ﷺ: \"أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى\" ويورد قول بعض العلماء إنه ينبغي للمعلم أن يرغب المتعلمين في التحصيل ويدلهم على مكانته ويصرف عنهم الهموم المشغلة لهم ويهون عليهم مؤنته ويذكرهم بما حصله من الفوائد والغرائب وينصحهم في الدين فبذلك يستنير قلبهم ويزكو علمهم \"المرجع السابق ص٧٣٨-٧٣٩\". وهو يردد آراء سابقيه ممن كتبوا في التربية الإسلامية فيقول إن صلة المعلم بتلاميذه يجب أن تقوم على الحب وأن يجريهم منه مجرى أبنائه وأن يكون بهم عطوفا وعليهم صبورا لما يبدو منهم من سوء السلوك. وهو يورد مختلفة الآراء في العقاب ويتشدد في عدم ضرب التلاميذ لأن الضرب مضر بهم. فضلا عن أنه خروج على حدود الشرع، وأجاز الضرب للأب إذ يجوز له أن يضرب ابنه لتأديبه. وهو في هذا يخالف من كتب قبله عن التربية الإسلامية وأباحوا الضرب للمعلم تحت شروط متشددة كما سبق أن أشرنا.\nوهو يكرر ما ذهب إليه الغزالي من الإذن للصبي باللعب دون إجهاد وفي بعض الأوقات. ويكرر نفس عباراته بأن يكون لعبا جميلا غير متعب لهم، ليستريحوا من كلفة الأدب. ويكرر قوله عن فوائد اللعب بقوله بأنه رياضة تروح النفس وتحرك الحرارة الغريزية وتحفظ الصحة وتنفي الكسل وتطرد البلادة وتبعث النشاط وتزكي النفس، فإن النفس تمل من الدءوب في الجد وترتاح إلى بعض المباح من اللهو \"محمد عمارة: ١٩٧٣ ص٣٩٣\".\nويؤكد الطهطاوي على ضرورة احترام الصبي لأستاذه وأن يدعو له كلما شرع في قراءة درس وبعد الانتهاء منه، كما أوجب الطاعة على الصبي لأستاذه إلا في معصية الخالق إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعلى الصبيان أن يسمعوا أقوال معلمهم وأن ينتصحوا بها.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>طريقة التعليم:</span>\nيشير الطهطاوي في طريقة التعليم بالنسبة للمتعلم إلى بعض المبادئ التي سبق أن قررها سابقوه منها أن يبدأ المتعلم بالعلوم الأهم وألا يخرج المتعلم من علم إلى غيره إلا بعد أن يجيده وأن يقسم الدرس إلى أقسام حتى يسهل استيعابه وحفظه واعتبر المناظرة والمطارحة أجدى في تحصيل العلوم من التكرار. ويجب على المتعلم أن يأخذ العلوم عن أساتذتها. ويحذر الطهطاوي من استخدام الكتب إلا في علم الحديث.\nتعليم المرأة:\nينظر الطهطاوي إلى المرأة على أنها أجمل ما صنع الله القدير وهي قرينة الرجل في الخلقة والمعينة له في تدبير أمره والحافظة لأطفاله والقائمة بأمر عياله والمسلية له في أيام حياته. وهي تمتاز عن الرجل باللين واللطف والرخاوة، ويعتبر الطهطاوي أن التربية أساس صلاح المرأة ومن صفات كمالها. وترفع قدرها في نظر الرجل، والتعليم يزيل عنها سخافة العقل والطيش الذي يصيب المرأة الجاهلة. كما أن التعليم يمكن المرأة من العمل على قدر قوتها وطاقتها. وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل. فالعلم يصون المرأة عما لا يليق ويقربها من الفضيلة. ويرد الطهطاوي على التخوف من تعلم المرأة يقول: \"إن التجربة في كثير من البلاد قضت أن نفع تعليم البناب لا ضرر فيه\" ويستعين أيضا بما روي في كتب الأحاديث وما كان في زمن الرسول من تعليم النساء والتعليم الذي يليق بالبنات في نظره هو القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع كالخياطة والتطريز.\nوهو يرد على من ذهب على تحريم تعليم القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع وأنها مكروهة في حقهن لما قد يؤدي إليه تعليمها من إساءة استخدام، بأن ذلك لا ينبغي أن يكون عمومه. ويضرب أمثلة بمن كان يعرف القراءة والكتابة من زوجات النبي ﷺ وغيرهن من النساء في كل زمان.\nويرجع التشدد في عدم تعليم المرأة إلى المبالغة في الغيرة عليها وفي ذلك يقول: \"وليس مرجع التشديد في حرمان البنات من الكتابة إلا التغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ما كانت في ميدان الرجال تبعا للعوائد المحلية المشوبة بحمية جاهلية، ولو جرب خلاف هذه العادات لصحت التجربة\" \"المرجع السابق: ص٢٩٤\".","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>على مبارك وآراؤه التربوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>مدخل</span>\n...\n٢- علي مبارك وآراؤه التربوية:\n١٨٢٣-١٨٩٣م\nيعتبر علي مبارك \"أبا التعليم المصري\" الحديث، وباسمه ترتبط أعظم المحاولات لإعادة التعليم المصري إلى أصوله الإسلامية، وبعد أن جاء في تنظيمه الحديث، غريبا على الشعب وعن النظم التعليمية التي عرفها عبر تاريخه الطويل. وهو مع زملائه -الشيخ رفاعة الطهطاوي وعبد الله باشا فكري والشيخ محمد عبده- يمثلون أركان النهضة العلمية في مصر في تلك الفترة.\nوقد ولد علي مبارك سنة ١٨٢٣ في برنبال إحدى قرى الدقهلية في دلتا مصر ودرس في الكتاب وكافح ليواصل دراسته حتى التحق بالمهندسخانة وأكمل تعليمه فيها. وبعدها سافر إلى فرنسا في بعثة لمواصلة الدراسة التي استمرت هناك طيلة خمس سنوات.\nوكان سفره إلى فرنسا في عهد محمد علي باشا وعاد في عهد عباس الأول وكان عهد عباس هذا عهد انكماش في التعليم إذ لم يكن يرضى عن الحركة العلمية في البلاد بل كان همه بناء القصور لا فتح المدارس بل ولا الاحتفاظ بالموجود فألغى الكثير منها وخفض ميزانية التعليم بدرجة كبيرة وكان أميل إلى تعليم أولاد الأتراك دون المصريين. فعهد إلى علي مبارك في إدارة البقية الباقية القليلة من المدارس \"أحمد أمين ص٢٠٦\".\nوكان علي مبارك بعد عودته إلى مصر قد تقلد عدة وظائف منها وظيفة ضابط الجيش وناظر لمدرسة المهندسخانة ووصل إلى أرقى منصب يحلم به عندما عين ناظرا لديوان المدارس أي وزيرا للمعارف آنذاك.\nلقد توالت على \"علي مبارك\" أيام البؤس وأيام النعيم، وكانت الحالة في مصر غير مستقرة. وكل الموظفين وخاصة كبارهم رهن بإشارة الحاكم ورهن بما يحاك من دسائس فيوما يرضى فيرفعه إلى السماء ويوما يغضب فينزله إلى الحضيض. والبيت الحاكم منشق على نفسه. إذا تقرب أحد إلى بعضه غضب عليه بعض الآخر. ويرضى محمد علي باشا وإبراهيم باشا عن الشيخ رفاعة","vol":"1","page":441},{"text":"الطهطاوي. فإذا جاء عباس غضب عليه وأخرجه من إدارة مدرسة الألسن وعينه ناظرا لمدرسة ابتدائية تنشأ في الخرطوم. ويرضى عباس الأول عن \"علي مبارك\" ويقربه إليه في تنفيذ أمور كثيرة فإذا جاء سعيد باشا غضب على \"علي مبارك\" وأعاد الشيخ رفاعة الطهطاوي وقربه إليه.\nوأراد سعيد باشا أن يتخلص من \"علي مبارك\" فأرسله مع الفرقة الحربية لمساعدة الدولة العثمانية في حربها مع روسيا. وهناك في تركيا في الأستانة والأناضول أقام فيها نحو سنتين لقي فيها عناء كثيرا احتمله في صبر وثبات واستطاع من خلال هذه المدة أن يتعلم اللغة التركية ويجيدها.\nوبعد عودته إلى مصر من تركيا كانت حياته مزيجا من السعادة والشقاء يوظف أحيانا ويطرد أحيانا ويعمل أحيانا بالأعمال الحرة تاجرا مرة ومهندسا مدنيا تارة أخرى. ويصل به الملل والسخط أحيانا إلى التفكير في العودة إلى أهله في برنبال ليعمل عمل الفلاحين ويعيش معيشتهم وعلى الله العوض فيما تعلم.\nولكن الحظ لم يلبث أن ابتسم له، ويأتي إسماعيل باشا إلى الحكم ويسعى إلى إعادة الحياة العلمية ويتوسع فيها، واستقر الحال بعلي مبارك وكان هذا العهد أبرك عهوده، وأخصبها. وعمل \"علي مبارك\" أعمالا كثيرة تتصل بتخصصه في الهندسة المدنية والحربية. وعهد إليه بمشروعات هندسية عظيمة في تصميم الشوارع والترع والجسور والمساجد وبنائها. ولكن ذلك لم يكن سر عظمته وصحيفة خلوده وإنما كان ذلك في شيء لم يتعلمه ولم يتلقنه عن أستاذه هو إصلاحه للتعليم في مصر بالوسائل المختلفة وبناؤه في ذلك بناء ضخما يعد دعامة النهضة التعليمية في مصر. لقد أريد له أن يهندس المباني والمنشآت، فهندس هو طرق التربية والتعليم ووضع تصميماتها ووقف على تنفيذها في دقة وإحكام حتى عد من كبار المصلحين. \"أحمد أمين: ص٢٠٧\".","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>جهوده الفكرية والثقافية:</span>\nيعتبر علي مبارك أحد زعماء النهضة الفكرية الثقافية البارزين الذين لعبوا دورا هاما في دفع حركتها في مصر. ومن أهم جهوده الفكرية والثقافية ما يأتي:\n١- كتب وألف في مختلف فروع العلم والثقافة. ومن أهم الكتب التي ألفها \"الخطط التوفيقية\" في عشرين جزءا. وفيها وصف القاهرة وشوارعها ومساجدها ومدارسها. كما وصف مدن مصر وقراها وهي تكملة لخطط المقريزي المعروفة.\nكما ألف كتابا سماه \"علم الدين\" كان الغرض منه تفتيح أذهان الشرق لما في الغرب، وهو قصة لشيخ تربى في الأزهر وتتلمذ له مستشرق إنجليزي تعلم منه اللغة العربية ودعاه الإنجليزي لزيارة إنجلترا فلبى الدعوة. وكانا كلما مرا على شيء من القاهرة إلى الإسكندرية سأل الإنجليزي الشيخ \"علم الدين\" فكان يجيبه. وبعد الإسكندرية انقلب الشيخ تلميذا والإنجليزي معلما فكان يسأل الشيخ عن كل ما يجهل فكان يجيبه الإنجليزي. والكتاب مليء بالمعلومات القيمة عن الشرق والغرب ومظاهر الحضارة الأوربية \"أحمد أمين: ٢٠٣\" وألف وهو وزير المعارف كتابا من جزأين لتعليم الأطفال القراءة والكتابة لعدم رضائه عن الطريقة التي كانوا يعلمون بها، وخصص الجزء الأول لتعليم حروف الهجاء وكيفية تركيبها، وخصص الجزء الثاني للتمرين على المطالعة والقراءة السهلة في موضوعات مفيدة.\n٢- أنشأ مجلة \"روضة المدارس المصرية\" التي رأس تحريرها الشيخ رفاعة الطهطاوي، وذكر في أول عدد منها أن مدير المدرسة وهو \"علي مبارك\" \"جعلها ملحوظة بنظر نظارته لا يتدرج فيها شيء إلا بإشارته\". وطلب من الأساتذة أن يمدوها بالمقالات.\n٣- أنشأ دار الكتب المصرية وكانت الكتب قبل ذلك متفرقة في المساجد أو الأماكن المهجورة عرضة للسرقة والتلف فجمعها في مكان واحد ورتبها وسهل الاستفادة منها وجعل لها قاعة للمطالعة.\n٤- أنشأ قاعة للمحاضرات كانت تعتبر جامعة مفتوحة يحضرها كل من يشاء وكان يحاضر فيها كبار الأساتذة من مصريين وأجانب. فكان على سبيل المثال، الشيخ حسين المرصفي يحاضر في الأدب وإسماعيل بك الفلكي في","vol":"1","page":443},{"text":"الفلك، والشيخ عبد الرحمن البحراوي في الفقه وميسو بروكسن في التاريخ العام وأحمد ندا في النبات. فإذا حاضر محاضر باللغة الأجنبية ألقيت محاضرته بعد ذلك باللغة العربية. وكانت هذه المحاضرات تعقد يوميا باستثناء يوم الجمعة. وكل محاضرة ساعة ونصف وبعض الموضوعات كان لها محاضرتان أسبوعيا وبعضها محاضرة واحدة \"أحمد أمين: ص٢١٢\".\n٥- أنشأ مدرسة دار العلوم ١٨٧٢ وكانت أول معهد لإعداد المعلم وقد تطورت إلى كلية دار العلوم حاليا وكان طلبتها يؤخذون من خبرة طلبة الأزهر بامتحان خاص كما يختار لها خير العلماء من الأزهر وغيره.\nوكان طلبتها يعلمون العلوم الدينية واللغوية وشيئا من علوم الرياضة والجغرافيا والتاريخ والطبيعة والكيمياء.","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>جهوده في التربية والتعليم:</span>\nلم يتعلم علي مبارك في مصر ولا في فرنسا علوم التربية وأصولها على معلم مختص وإنما تعلمها من حسن استعداده وصدق نظره ومن دروس في التربية الفاسدة تلقاها في الكتاب حين كان يضرب وفي مدرسة القصر العيني حين كان يضرب أيضا ومدرسة أبي زعبل حين كان يلقى عليه الدرس فلا يفهم.\nيبد أن \"علي مبارك\" كان يهتم بالمسائل الكلية في سياسة التربية والتعليم وتنظيمها وتخطيطها وتنفيذها. وإذا نظر إلى الجزئيات فلتطبيق الكليات عليها. لذلك لا نجد له آراء تفصيلية عن المباحث الجزئية للتربية والتعليم وهو في هذا عكس الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي كان ينظر إلى المسائل الجزئية ويعني بإصلاحها وتنفيذها. ولهذا نجد له كثيرا من الآراء الجزئية في مختلف موضوعات التربية \"أحمد أمين: ص٢١٧\".\nوكان علي مبارك يرى أن إصلاح التعليم هو خير أنواع الإصلاح بل إن الإصلاح السياسي لا قيمة له ما لم يرتكز على الإصلاح التعليمي. ولذلك لا نرى له دورا في الثورة العرابية.\nوتتركز أهم الجهود التربوية لعلي مبارك في جانبين رئيسيين هما:","vol":"1","page":444},{"text":"- إصلاح الكتاتيب ووضع نظام قومي للتعليم أساسه التعليم الشعبي الذي نظمته لائحة رجب التي أعدها كوثيقة هام تعتبر من أهم الوثائق التعليمية الحديثة في مصر.\n- إصلاح المعلم ركن الزاوية في التعليم، وقد تجسدت خطة علي مبارك في هذا الإصلاح في إنشاء دار العلوم. وسنفصل الكلام عن هذين الجانبين في السطور التالية:\nأولا- الكتاتيب ووضع نظام قومي للتعليم:\nاهتم علي مبارك بتطوير التعليم في الكتاتيب فهو نفسه تعلم فيها وأحس بنواحي النقص فيها. وقد وصفها بقوله:\n\"كانت الكتاتيب الأهلية في المدن والأرياف جارية على العادة القديمة ليس فيها على قلة أهلها إلا تعليم القرآن الشريف وأقل القليل من يتمه منهم ويجيد حفظه ويجوده ويحسن قراءته مع رداءة الخط في عامة المكاتب\". وكانت الكتاتيب في حالة يرثى لها، وصفها أحمد أمين بقوله: فكثير منها إما في دكان أو حجرة مظلمة بجانب مراحيض المسجد والتلاميذ يختلط صحيحهم بمريضهم وقد يكون المرض معديا فأقرع وأبرص وأجرب ومحموم ينشرون العدوى في الأصحاء. يجلسون على حصير بال ويشربون بكوز واحد من زير واحد ويأكلون في الظهر من صحن واحد. وفقيه الكتاب كثيرا ما يكون أعمى لا يحسن أن يرعى التلاميذ ولا أن يدبر شئونهم. وكل كفايته أنه يحفظ القرآن ويحفظه من غير فهم لا علم له بالدنيا ولا بالدين ووسائل التأديب عنده ليست إلا السب والضرب\" \"أحمد أمين: ص٢١٠\".\nوعاب على الفقهاء في الكتاتيب والمدارس الأساليب التي يستخدمونها في التربية وفي مقدمتها القسوة على التلاميذ اعتقاد منهم بأن \"عصا الفقيه من الجنة\" ومنها، الخوف والرهبة التي كانت تقوم عليها العلاقة بين المعلم والتلميذ مما يدفع الأخير إلى النفاق والرياء. وعلي مبارك نفسه قد قاسى من هذه الأساليب التي جعلته يكره الكتاب كرها شديدا، ومنها آمن بضرورة تطوير أساليب التعليم والمدارس بحيث تكون مسايرة لمتطلبات المجتمع وحاجاته.","vol":"1","page":445},{"text":"لائحة رجب \"١٢٨٣هـ - ١٨٦٨م\":\nتعتبر لائحة رجب من أهم الإنجازات التربوية لعلي مبارك إذ وضعت هذه اللائحة كيانا قوميا للتعليم أساسه تعليم شعبي متطور تشرف عليه الحكومة وتوليه عنايتها. وتنقسم لائحة رجب إلى ثلاث أقسام:\nوالقسم الأول منها يتناول تطوير المكاتب في المدن من حيث إدارة المباني والتجهيزات والرعاية الصحية. والقسم الثاني: يتناول تنظيم المكاتب في القرى. والقسم الثالث: يتناول المدارس المركزية في مراكز المديريات.\nوقد لخص علي مبارك خطته في الإصلاح بقوله: \"فجميع المدارس والمكاتب سواء بالقرى أو البنادر تكون تحت أصول تنظيمية وترتيبات حسنة منتجة وامتحانات سنوية وملاحظات وتفتيشات من طرف الحكومة وهذا لتحسين حالهم واستقبالهم ومنفعتهم الخصوصية العائدة من المنفعة العمومية على الحكومة مع تهذيب رعاياها وإصلاح حالهم ووجود التعاون بينهم ومعاونتهم لأوطانهم\".\nوأهم المبادئ التي قامت عليها لائحة رجب هي:\n- تطوير الكتاتيب مع الاحتفاظ بروحها الأصيلة التي تتميز بالبساطة في الأثاث والاهتمام بتعليم القرآن الكريم.\n- الاحتفاظ للكتاتيب بطابعها الشعبي وعدم تدخل الحكومة في شئونها وترك مسئوليتها على الأهالي.\n- وصل الكتاتيب بالتعليم الأميري أو الرسمي الذي يوصل إلى المراحل الأعلى من التعليم.\n- تنظيم الإشراف والتفتيش على المدارس والمكاتب.\n- تنظيم الامتحانات وجعل منها مهرجانات آخر العام تعزف فيها الموسيقى وتوزع الجوائز على المتفوقين.\n- اشترطت اللائحة شروطا في المعلم منها حسن الأخلاق والصفات وأهليته لتعليم القرآن والمعرفة بأمور الدين يحسن باب العدية في الحساب. وجعلت تعيينهم بمعرفة ديوان المدارس.","vol":"1","page":446},{"text":"- تركت لائحة رجب تدبير الأموال لإصلاح الكتاتيب على الأهالي وكانت هذه أهم نقطة ضعف في اللائحة على الرغم من أن علي مبارك كان عليه أن يراعي الظروف المالية للبلاد في ذلك الوقت إذ كانت تمر بأول وأعظم ضائقة مالية عرفتها وجرت عليها الويلات والتدخل الأجنبي.\nوتشير المصادر التاريخية إلى أن الشعب لم يستطع أن يقوم بالأعياء المالية فضلا عن أن اللائحة لم تضع الطريقة التي يمكن بها جمع المال بل تركت الأمر مفتوحا دون تحديد.\nوكان ذلك عائقا حقيقيا دون الوصول إلى الأهداف التي أرادها علي مبارك من إصلاح التعليم. ولكن على الرغم من هذا فإن لائحة رجب قد تركت بصماتها على الطريق، وظلت علامة تشير إلى جهود المخلصين من أبناء هذه الأمة الذين عملوا من أجل رفعتها وكان الإخلاص رائدهم.\nثانيا: إصلاح المعلم\nكان من المسائل الهامة التي عني بها علي مبارك مسألة المعلمين وكيف يصلح من أحوالهم. فقد كان يقوم بتدريس اللغة العربية في المدارس رجال من الأزهر. وكان التعليم في الأزهر إذ ذاك على أسلوبه في القرون الوسطى يعلم الكتب ولا يعلم العلم وغاية النابغ منهم أن يحسن فهم عبارة الكتب لا فهم الموضوع. وهذا يؤدي إلى أنه لا يحسن تطبيق ما تعلم فأكثرهم لا يحسن قراءة صفحة ولا أن يكتب موضوعا ولا أن يقيم وزنا لبيت من شعر. كما وصفهم بذلك عبد الله باشا فكري في مقال كتبه تحت عنوان: \"فكيف يصلحون بعد لتعليم الناشئة\".\nولهذا اتجه فكر علي مبارك إلى إنشاء مدرسة يؤخذ لها خيرة طلبة الأزهر ويختار لها خيرة علماء الأزهر وغيره فكان إنشاء دار العلوم كأول معهد لإعداد المعلم كما أشرنا.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>الشيخ محمد عبده وآراؤه التربوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>مدخل</span>\n...\n٤- الشيخ محمد عبده وآراؤه التربوية:\n١٨٤٩-١٩٠٥م\nيعتبر الإمام الشيخ محمد عبده من أنصار الحركة الإصلاحية السلفية التي سبقت الإشارة إليها وكان داعية إلى الجامعة الإسلامية التي تزعمها أستاذه جمال الدين الأفغاني الذي كان يعتبر في نظر الإمام محمد عبده نابغة العصر وأستاذ الجيل وبخاصة فيما يتعلق بالثورة الفكرية الإسلامية الصحيحة. وقد تأثر محمد عبده بآراء أستاذه وعمل معه.\nوكان أكبر تأثير على شخصية الإمام قبل اتصاله بجمال الدين الأفغاني هو تأثير الشيخ درويش خضر أحد أخوال أبيه. وكان رجلا صوفيا طيب القلب ذكي الفؤاد. وقد تحدث محمد عبده نفسه عن ذلك الأثر الطيب الذي تلقاه في ريعان شبابه من الشيخ درويش خضر فقال:\n\".. ولم أجد إماما يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي إلا ذلك الشيخ الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيج ... هو \"هذا الشيخ\" مفتاح سعادتي إن كانت لي سعادة في هذه الدنيا أو هو الذي رد لي ما كان غاب عني من غريزتي وكشف لي ما كان خفيا عني مما أودع في فطرتي\". \"السيد محمد رشيد رضا: ج١ ص٢٣\".\nبيد أن تأثير جمال الدين الأفغاني عليه كان قويا. فقد كان الأفغاني قوة دافقة لا تعرف الكلل أو الملل في سبيل إيقاظ الأمة الإسلامية من سباتها وضعفها. وعند حضوره إلى مصر اتصل به محمد عبده وسعد زغلول وإبراهيم اللقاني وإبراهيم الهلباوي ومحمود سامي البارودي وأديب إسحاق وغيرهم. لكن كان محمد عبده أقربهم إلى نفس الأفغاني لما لمسه فيه من سعة العقل وسمو النفس والحماسة للإصلاح ويقول الإمام محمد عبده في تقرير أثر الأفغاني عليه: \"إن أبي وهبني حياة أشارك فيها عليا ومحروسا \"وهما أخوان له كان مزارعين\" والسيد جمال الدين وهبني حياة أشارك فيها محمدا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين\". لقد جمع بين الشيخين وحدة الغرض والانسجام الروحي فتلازما وتحابا وكان محمد عبده يرى كأستاذه أنه لا سبيل لإصلاح الأمة","vol":"1","page":448},{"text":"الإسلامية إلا بالعودة إلى الأصول الإسلامية الصحيحة لتجديد الإسلام وتصحيح العقيدة. وكون مدرسة فكرية ظلت تعمل وتعيش حتى اليوم. وهو لم يدع إلى الإصلاح نظريا عن طريق التأليف. أو الخطب والمقالات كما يفعل بعض المصلحين بل كان يحول أفكاره في الإصلاح إلى عمل ويحاول أن يجد لها طريقها إلى التنفيذ والتطبيق على الرغم مما لحق به من ظلم ونفي. وبالنسبة للتربية والتعليم فقد اشترك في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية سنة ١٨٩٢م التي كانت تهدف لنشر التعليم وإعانة المنكوبين وتولى رئاسة هذه الجمعية سنة ١٩٠٠وهي السنة التي أسس فيها جميعة إحياء العلوم العربية. فحققت ونشرت بعض ألوان التراث العربي الإسلامي الفكرية الهامة. \"محمد عمارة: ١٩٧٢: ج١ ص٣٠\". وقد تعاون مع أستاذه في إصدار مجلة \"العروة الوثقى\" التي تدافع عن الإسلام والمسلمين، وتعمل من أجل إعادة مجد الإسلام.\nولد الشيخ محمد عبده سنة \"١٢٦٦هـ - ١٨٤٩م\" بمحلة نصر في مديرية البحيرة من أسرة رقيقة الحال. وقد تلقى بعض تعليمه في الجامع الأحمدي بطنطا ثم بالجامع الأزهر. وعندما وفد جمال الدين الأفغاني إمام النهضة الحديثة في مصر سنة ١٨٧١م اتصل\nبه الشيخ محمد عبده وتتملذ على يديه، وقد قال فيه جمال الدين يوم توديعه لمصر \"لقد تركت لكم الشيخ محمد عبده وكفى به لمصر عالما\". وقد حصل الشيخ محمد عبده على شهادة العالمية من الأزهر سنة ١٨٧٧م.\nكان ميله إلى التدريس شديدا وقد قال عن نفسه \"إنما خلقت لكي أكون معلما\". وقد درس في الأزهر وفي دار العلوم. كما اشتغل بالتدريس في المدرسة \"السلطانية\" في بيروت سنة ١٨٨٦م انتقل بها من مدرسة شبه ابتدائية إلى مدرسة عالية ... ومن كتب التي شرحها فيها \"نهج البلاغة\" و\"ديوان الحماسة\" وإشارات ابن سينا وكتاب التهذيب ومجلة الأحكام العدلية العثمانية. كما ألقى فيها دروس التوحيد التي تحولت بعد عودته لمصر إلى رسالة التوحيد \"محمد عمارة ١٩٧٢ ج١ ص٢٧\".","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>مدرسة الإمام:</span>\nلقد عمل الإمام بكل طاقته في سبيل نشر فكره ودعوته ورسالته. وكان لآرائه وأفكاره أصداء قوية ترددت في مصر وفي خارجها.\nأما في مصر فقد ظهرت بفضل جهوده وتأثيره أربع مدارس لعبت دورا هاما في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية في مصر فكانت المدرسة الاجتماعية التي حمل لواءها قاسم أمين وكانت المدرسة السياسية التي حمل لواءها سعد زغلول والمدرسة الدينية التي برز من نجومها الشيخ الأحمدي الظواهري في دعوته إلى إصلاح الأزهر وضرورة تطوير التعليم فيه وفقا لحاجات العصر وتقدم المعرفة. وكانت هناك المدرسة الفلسفية التي حمل لواءها مصطفى عبد الرازق الذي جمع بين القديم والحديث فكان أقربهم إلى روح أستاذه وعقليته عثمان أمين ص٢٤٣\". وقد ترجم رسالة التوحيد إلى الفرنسية. أما في خارج مصر فكانت سوريا أكثر بلاد الشرق الأدنى تأثرا بالإمام. ويأتي في مقدمة تلاميذ مدرسة الإمام في سوريا السيد \"رشيد رضا\" صاحب مجلة \"المنار\" والذي ارتبط باسم الأستاذ الإمام. وهناك أيضا شكيب أرسلان وعبد القادر المغربي وكرد علي.\nوفي شمال إفريقيا التي زارها الإمام نجد من أنصار مدرسته في الجزائر \"الشيخ محمد بن الخواجه\" والشيخ \"عبد الحليم سماية\" وفي إيران نجد الكاتب الفارسي \"زكا الملك\" الذي كانت بينه وبين الإمام صلات فكرية وثيقة. وقد أثنى على الإمام محمد عبده بقوله: \"كان الإمام محمد عبده هو العالم الصادق الوحيد في الإسلام كله وهو وحده الذي نفذ إلى روح الإسلام وعرف كيف يطبق مبادئه مراعيا مطالب عصرنا\" \"عثمان أمين ص٢٦١\". وامتد صدى فكر الإمام إلى الهند وأندونيسيا وغيرها من بلاد الشرق الإسلامي \"عثمان أمين: ص٢٤٩\".","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>جهوده العلمية والفكرية:</span>\nومن أهم الآثار العلمية التي تركها الشيخ محمد عبده \"شرح نهج الهمذاني\" و\"الإسلام والرد على منتقديه\" وهي سلسة مقالات نشرها في صحيفة المؤيد سنة ١٩٠٠ و\"رسالة التوحيد\" و\"فلسفة الاجتماع والتاريخ\" و\"تاريخ أسباب الثورة العربية\" و\"رسالة الرد على الدهريين\" وقد ألفها بالفارسية السيد جمال الدين الأفغاني وترجمها الإمام محمد عبده إلى العربية بمساعدة \"عارف أفندي أبو تواب\" أحد أصدقائه من الأفغان. كما كتب بعض الفصول في كتاب \"تحرير المرأة\" لقاسم أمين. وللإمام أيضا رسالة نظام التربية والتعليم بمصر تناول فيها طرق التربية والتعليم كما ترجم عن الفرنسية كتاب \"التربية\" لهربرت سبنسر.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>آراؤه في التربية:</span>\nكان محمد عبده صاحب نظرة مثالية تنشد الكمال والإصلاح، ولقد تأثرت نظرته إلى التربية بتجربته الفردية الخاصة، ومن أهم آرائه في التربية ما يأتي:\nالتربية هي الطرق الوحيد للنهضة:\nاعتقد الإمام محمد عبده أن التربية هي البلسم الشافي لكل علة. واعتبر فقر العقول والتربية أشد ضروب الفقر. وفي نظره أن الإنسان إذا فقد التربية فقد كل شيء وأن الإنسان لا يكون إنسانا حقيقيا إلا بالتربية \"محمد عمارة: ١٩٧٢ ص١٥٤\".\nوكان يرى أن الطريق الوحيد للنهضة والتجديد في العالم الإسلامي هو التربية وفي ذلك يقول: \"إنني أدعو إلى التربية لأنني عرفت أية ثمرة تجنيها الأمم من غراس تغرسه اليوم وتقوم على تنميته السنين الطوال\".\nالعمل التربوي بديل العمل السياسي:\nآمن الإمام محمد عبده بقدرة التعليم على تكوين طبقة واعية مستنيرة تستطيع أن تحقق الحكم النيابي الصحيح. وكان يرى أن الجهل عقبة في طريق تحقيق الديمقراطية، وهو رأي سديد. وقد طالب بشدة بأن يكون العمل التربوي بديل العمل السياسي، وفي ذلك يقول:\n\"إني لأعجب لجعل نبهاء المسلمين وجرائدهم كل همهم في السياسة وإهمالهم أمر التربية الذي كان كل شيء وعليه كل شيء. إن السيد جمال الدين كان صاحب اقتدار عجيب لو صرفه ووجه للتعليم والتربية لأفاد الإسلام أكبر فائدة\" \"محمد عمارة: ١٩٧٢ ص١٥٦\".","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>مراتب التعليم:</span>\nيرى الإمام محمد عبده أن الناس ينقسمون للتعليم إلى ثلاث طبقات:\nالطبقة الأولى: هي الطبقة العامة من أهل الصناعة والتجارة والزراعة ومن يتبعهم.\nالطبقة الثانية: هي طبقة الساسة ممن يتعاطون العمل للدولة في تدبير أمر الرعية وحمايتها من ضباط العسكرية وأعضاء المحاكم ورؤسائها ومن يتعلق بهم ومأموري الإدارة على اختلاف مراتبهم.\nالطبقة الثالثة: هي طبقة العلماء من أهل الإرشاد والتربية، وفي نظره أنه يجب تحديد ما يلزم لكل واحدة من الطبقات من التعليم كما ونوعا. وهو يرى أن ارتقاء الناس بالتعليم من الطبقات الدنيا إلى العليا غير ممنوع ويقول الإمام بوضوح: \"ولا نريد بهذا التقسيم منع الآحاد من طل طبقة أن يطلبوا الكمال الذي خص به من فوقهم\" \"محمد عمارة ١٩٧٢ ص١٦٢\".\nوكانت مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية التي ساهم الإمام في إنشائها وتولى رئاستها تعلم أبناء الطبقة الأولى من عامة الناس وأولاد الفقراء من أبناء أهل الصناعة والتجارة والزراعة. فهذه المدارس كما رآها الإمام ليس كمدارس الحكومة التي تعمل لتخريج الموظفين، ومن ثم ليست خاصة بالطبقة الثانية من الطبقات الثلاثة التي أشرنا إليها. وهي ليست كالأزهر أو دار العلوم تعمل على تكوين العلماء وأهل الإرشاد والتربية ومن ثم فهي ليست خاصة بالطبقة الثالثة من الناس.\nولقد حدد الإمام فلسفة مدارس الجمعية الخيرية فقال: \"لم تنشأ الجمعية لمقصد أعلى من هذا في مدارسها كأخذ الشهادات والاستعداد للوظائف بل من أهل مقاصدها أن تنزع من النفوس اعتقادا أن التعليم لا فائدة فيه إلا الاستخدام في الحكومة ... والجمعية توطن نفوس التلاميذ في مدارسها على أن يعمل الواحد منهم عمل أبيه بإتقان ويعيش مع الناس بالأمانة والاستقامة. فولد النجار يكون نجارا وولد الحداد يكون حدادا وولد الفراش يكون فراشا. والتربية","vol":"1","page":452},{"text":"والتعليم يساعدان على إتقان عمله وصناعته.\nويعلق جامع الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده على هذه الآراء بقوله: \"والأمر المؤسف أن الأستاذ الإمام كان من أنصار طبقية التعليم لكن ينبغي ألا تحكم على آراء الرجل بمعايير عصرنا. فقد كان التعليم طبقيا بالفعل آنذاك. كما ينبغي أن ننظر إلى حقيقة هذه الآراء في اهتمام الإمام بتعليم الفقراء وقد كانوا محرومين من أكثر مما فعل. بل إنه عبر عن رأيه في أنه يود أن يعمم مثل هذا التعليم في البلاد لكل الطبقات فيقول:\n\"كنت أحب أن يكون هذا التعليم عاما في البلاد منبثا في جميع الطبقات ثم يتسنى بعده لكل طبقة أن تتناول من العلوم والفنون واللغات في المدارس الثانوية والعالية ما هي مستعدة له ... هذا التعليم سلم يرتقي عنه الغني إلى التعليم العالي ويجعل الفقير على مقربة من الغني في الفكر والخلق فإما أن يجد فيلحقه وإما أن يحسن الاستفادة منه بخدمته ومساعدته في أعماله بالصدق والأمانة. فهذا التعليم لا يستغنى عنه أحد\" \"محمد عمارة: ١٩٧٢ ص١٦١-١٦٤\". وهذا يوضح أنه كان ينظر إلى هذا التعليم على أنه تعليم عام مشترك للجميع كما نفهمه اليوم.","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>على الأغنياء بذل المال في إنشاء المدارس:</span>\nيرى محمد عبده أن الأغنياء يجب أن يبذلوا من مالهم في سبيل نشر العلم والتعليم ويرى أن عليهم دورا هاما في هذا السبيل نحو الفقراء وهو ما يلقي الضوء على مزيد من فهم رأيه السابق في مراتب التعليم. يقول الإمام: \"إن على الأغنياء منا الذين يخافون من تغلب الغير عليهم وتطاول الأيدي الظالمة إليهم. وأن يتآلفوا ويتحدوا ويبذلوا من أموالهم في سبيل افتتاح المدارس والمكاتب واتساع دوائر التعليم حتى تعم التربية وتنبت في البلاد جراثيم العقل والإدراك وتنمو روح الحق والإصلاح وتتهذب النفوس ويشتد الإصلاح بالمنافع والمضار. فيوجد من أبناء البلاد من يضارع بني غيرها من الأمم.. وعلى الحكومة في جميع ذلك أن تسن قوانين التعليم وتلاحظ أحوال المعلمين والمتعلمين \"محمد عمارة ص١٥٥\".","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>تطوير الأزهر:</span>\nمن الجهود الهامة المشكورة للإمام محمد عبده محاولاته المخلصة من أجل تطوير الأزهر ... فقد درس في الأزهر وعرف نقط الضعف في مناهجه وبرامجه التعليمية وقد وضع خطة للإصلاح حدد فيها مدة الدراسة والإجازات والعطلات ووضع نظاما للتدريس وأدخل نظام الامتحانات السنوية وهو ما لم يكن موجودا من قبل مما آثار سخط الطلبة عليه. وطالب بإلغاء الكتب القديمة والشروح العقيمة والحواشي وأن تستبدل بأخرى أكثر نفعا وأقرب إلى مدارك الطالب. واهتم بالعلوم النقلية كما طالب بإدخال العلوم العقلية من علوم طبيعية ورياضيات وفلسفة واجتماع وتاريخ. وقد عارض شيوخ الأزهر خطته الإصلاحية كما ثار الطلبة ضدها لأنها فرضت عليهم امتحانات سنوية وكانت الامتحانات قبل ذلك بدون ضابط ومتروكة للشفاعات والرجاء والوساطة. وتأخر العمل بخطته لكنها نبهت الآذان وفتحت الأعين على الطريقة الذي يجب أن يسير فيه العمل لتطوير الأزهر.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>تعليم المرأة:</span>\nكان الإمام محمد عبده من المؤمنين بضورة تعليم المرأة وتنوير عقلها، فقد رأى أن المرأة قد ضرب بينها وبين العلم بما يجب عليها في دينها أو دنياها. ونادى بتكوين جميعة نسائية تقيم المدارس لتعليم البنات. وقد دافع عن تعليم المرأة مع تلميذه قاسم أمين فيما جاء بكتاب \"تحرير المرأة\" عن تعليمها.\nالدعوة إلى تحرير الفكر والفهم الصحيح للدين:\nلقد عبر محمد عبده بوضوح عن خلاصة نهجه في الإصلاح بالدعوة إلى تحرير الفكر والفهم الصحيح للدين وفي ذلك يقول:\n\"ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى ... \" \"أحمد أمين ص٣٢٧\".\nويقول أيضا: \"إني وهبت حياتي لإصلاح العقيدة الإسلامية وتنقيتها من","vol":"1","page":454},{"text":"الخرافات والأوهام\".\nالدعوة إلى إصلاح أساليب اللغة العربية:\nيواصل الإمام محمد عبده كلامه السابق فيقول: \"والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير سواء كان في المخاطبات الرسمية أو في المراسلات بين الناس ... \".\nالحث على تعلم اللغات الأجنبية:\nحث الشيخ محمد عبده على تعلم اللغات الأجنبية لخدمة الأمة والدفاع عن مصالحها نظرا لتشابك مصالح المسلمين مع غيرهم من الأوربيين والشعوب الأخرى. قد ضرب المثل بنفسه. فقد بدأ بتعلم اللغة الفرنسية وسنه آنذاك نحو الأربعين \"أحمد أمين: ص٣١٥\". وهذه الدعوة تتمشى مع روح الإسلام وتقاليده الأصيلة. فقد ورد في الأثر: \"من تعلم لغة قوم أمن شرهم\" وقد سبق أن أشرنا إلى اهتمام التربية الإسلامية منذ عصورها الأولى بتعلم اللغات الأخرى.\nالحث على دراسة الثقافات الأخرى:\nكان الشيخ محمد عبده من المؤمنين بأهمية دراسة الثقافات والحضارات الأخرى لا سيما الأوربية. وقد قام بترجمة كتاب التربية لمؤلفه الإنجليزي هريرت سينسر بعد أن نقل من الإنجليزية إلى الفرنسية. وكان يقرأ في بيته لبعض طلبته إلى جانب تهذيب الأخلاق لابن مسكويه كتاب \"تاريخ المدنية في أوربا وفرنسا\" لمؤلفه الفرنسي \"فرانسوا جيزو\" الذي عربه \"حنين نعمة الله خوري\" وسماه \"التحفة الأدبية في تاريخ تمدن الممالك الأوربية\" \"أحمد أمين: ص٢٩٣\".","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>وفاة الإمام:</span>\nتوفي الإمام محمد عبده في مساء يوم ١١ يوليه سنة ١٩٠٥ عن سبعة وخمسين عاما. ودفن في مقبرة العفيفي بالقاهرة ونقش على قبره ما يلي:\n\"هو الحي الباقي\"\nوقد خططنا للمعالي مضجعا ... ودفنا الدين والدنيا معا","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>الفصل الثاني عشر: الاتجاهات التربوية في العصر الحديث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>اقتباس النظم التعليمية الحديثة</span>\n...\nالفصل الثاني عشر: الاتجاهات التربوية في العصر الحديث\nشهدت البلاد العربية في العصر الحديث عدة اتجاهات تربوية هامة من أبرزها:\n١- اقتباس النظم التعليمية الحديثة:\nترتب على إهمال العثمانيين للتعليم في الدول العربية أن ركدت المدارس وذبلت. وقد انسحب ذلك على التعليم الديني الذي تخلف بصورة واضحة عما كان عليه من قبل من عنايته بالعلوم العقلية إلى جانب العلوم النقلية. وانتهى الأمر بالتعليم الديني أن تركزت عنايته على العلوم النقلية في أضيق نطاق.\nوعندما أرادت الدول العربية مع بدء اليقظة الوطنية إرساء قواعد نهضتها كان من أهم ما انتهت الأنظار هو \"ميدان التعليم\" وفي ظل الوضع الذي كان عليه حال معاهد التعليم التقليدية في البلاد العربية والإحساس بأنها لا تفي بمطالب الحياة الجديدية اتجهت الجهود إلى اقتباس النظم التعليمية المتقدمة في أوربا ولا سيما فرنسا. وقد ضربت الدولة العثمانية نفسها مثلا للبلاد العربية باقتباسها لنظم التعليم الفرنسية في محاولة تطوير العلم بها.\nوكانت مصر وهي أول دولة عربية انفصلت عن الدولة العثمانية أول من طبق هذا النظام المقتبس من المدارس الفرنسية، وكان هذا بداية لثنائية تعليمية تتحدى حركات الإصلاح. وكانت الصخرة التي أعيت ناطحيها، واستمرت فترة طويلة من الزمن حتى سنة ١٩٦١ عندما نظم التعليم الديني في مصر. وقد ارتبط اقتباس النظم التعليمية بإرسال البعثات التعليمية إلى فرنسا ليعمل المبعوثون بعد عودتهم بالتدريس في هذه المدارس والاشتغال بترجمة الكتب في المواد المختلفة اللازمة لها. وكان رفاعة رافع الطهطاوي رائد حركة الترجمة والنشر وكان له فضل كبير فيها كما أشرنا.","vol":"1","page":456},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-203> ظهور حركة التربية الحديثة:</span>\nشهدت البلاد العربية اهتماما بحركة التربية الحديثة وما يتصل بها من نظريات جديدة في التربية. وقد بدأت هذه الحركة أساسا في مصر بعد الحرب العالمية الأولى وابتدأت تعبر عن نفسها في الثلاثينيات من هذا القرن. وقد بدأت هذه الحركة على يد الرعيل الأول ممن حملوا حركة التربية الحديثة من أمثال نجيب الهلالي وطه حسين وإسماعيل القباني وعبد العزيز القوصي وغيرهم. وعن طريق هؤلاء الرجال والأساتذة الزائرين من الأجانب من أمثال \"كولا باريد\" ... و\"مان\" و\"بودي\" و\"جراي\" و\"رج\" تعرف دارسو التربية على مشكلات التربية وحركة التربية الحديثة في أمريكا وإنجلترا وفرنسا وغيرها من الدول. ونظرة فاحصة إلى المبادئ الرئيسية التي تستند عليها هذه الفلسفة تدعم وجهة نظر المؤلف في أن هذه الفلسفة كانت متأثرة بصورة أساسية بالحركة التقدمية في التعليم الأمريكي بصفة عامة وفلسفة جون ديوي البراجماتية بصفة خاصة١. وكانت أهم مبادئ هذه الفلسفة تنادي بأن التربية يجب أن تساعد التلميذ على فهم مجتمعه واكتشاف بيئته وما يحيط بها وأن المناهج يجب أن تكون على صلة وثيقة بنمو التلميذ الجسمي والنفسي وأن مواد الدراسة يجب أن تتكامل فيما بينها في وحدة عضوية، وأنه يجب العناية بالنشاظ الفني الخلاق والدراسات العملية حتى يتسنى للتلميد أن يتعلم التفكير عن طريق الخبرة العملية. ويعزى نشر هذه الفلسفة الحديثة بصفة عامة إلى مؤسستين اثنتين.\nأ- رابطة التربية الحديثة وخريجي معاهد التربية التي أسست سنة ١٩٣٧م: وهدفها هو تقديم التربية الحديثة للمدارس المصرية. ومنذ تأسيسها قامت الرابطة بتنظيم عدة مؤتمرات وحلقات لهذا الغرض، وكان من أهمها المؤتمر الذي عقد سنة ١٩٤٥ لمناقشة \"تطبيق أساليب التربية الحديثة في المدارس المصرية\" وهو عنوان له مغزاه. وتقوم الرابطة أيضا بطبع صحيفة خاصة تصدر كل ثلاثة\n_________\n١ إسماعيل القباني وهو نفسه شاهد معاصر لهذه الحركة ورائد من روادها يذكر أن آراء جوان ديوي وتطبيقاتها الاجتماعية كانت تدرس بعناية في معهد التربية وكانت تثير كثيرا من الاهتمام بين رجال التربية.","vol":"1","page":457},{"text":"أشهر تعرف باسم \"صحيفة التربية\". وفيها تنشر المقالات والبحوث التربوية الحديثة.\nب- معهد التربية: وقد أنشئ سنة ١٩٢٩ ليحل محل مدرسة المعلمين العليا بناء على توصية الخبير السويسري كلاباريد الذي كان عندئذ أستاذ علم النفس وعميد معهد روسو بجنيف. وكان الغرض من إنشائه تحقيق الأغراض الآتية:\nأ- أن يعد المعلمين لمدارس التعليم العام والابتدائية والثانوية.\nب- أن يكون مركزا للبحث العلمي في مسائل التربية والتعليم والدراسة بالإرشاد اللازم لتطبيق أساليبها في المدارس المصرية.\nوكان المعهد منذ تأسيسه يلعب الدور القيادي في حركة التربية الحديثة في العالم العربي.\nوفي الفترة بين عام ١٩٤٤ و١٩٥٣ قام المعهد بدعوة عدد من الرجال التربية المشهورين في أمريكا وأوربا ومن بينهم كان بودي BODE \"أمريكا\" \"١٩٤٤-١٩٤٥\" وكيرتشر KIRCHER \"١٩٤٥-١٩٤٨\" الذي كان آنذاك أستاذا بجامعة أنديانا والسير كلارك CLARK \"١٩٤٨\" الذي كان أستاذا بمعهد التربية بجامعة لندن، و\"رج\" RUGG \"١٩٥١-١٩٥٢\" الأستاذ السابق بجامعة كولومبيا.\nومن ناحية أخرى قام المعهد منذ سنة ١٩٣٢ بتطبيق أساليب التربية الحديثة في الفصول النموذجية ثم المدارس النموذجية التي أنشئت منذ سنة ١٩٣٩ بهذا الغرض بالذات. وقد استطاعت هذه المدارس أن تعلب دورا هاما كان له تأثيره على بقية المدارس في مصر والبلاد العربية. فإسماعيل القباني وزير التربية والتعليم السابق يذكر أن مناهج هذه المدارس كانت أساس التغيرات التي","vol":"1","page":458},{"text":"أدخلت على مناهج الدراسة الثانوية سنة ١٩٤٥-١٩٥٣، ومناهج المدارس الابتدائية سنة ١٩٣٧، وسنة ١٩٤٧-١٩٥٣، واستطاعت هذه المدارس النموذجية أيضا أن تؤثر على المدارس الحكومية في أشياء كثيرة أخرى منها ألوان النشاط خارج المنهج والجو المدرسي بصفة عامة. والواقع أن وزارة التربية والتعليم قد اعترفت بفضل هذه المدارس على تطوير التربية في مصر وابتدأت تظهر اهتماما كبيرا بهذه المدارس كان من مظاهره إعادة تنظيم هذه المدارس \"سنة ١٩٥٦\"١ وأعلنت الوزارة عندئذ أن هدف هذه المدارس هو أن تكون حقلا للتجريب التربوي الحديث وأساليب التربية الحديثة التي يمكن تطبيقها ونقلها إلى المدارس الأخرى وأعطى الإشراف الفني على هذه المدارس النموذجية سنة ١٩٥٥ إلى كلية التربية \"معهد التربية سابقا\" \"القاهرة\" كلية البنات \"القاهرة\" كلية المعلمين بأسيوط، وإدارة البحوث الفنية والمشروعات بوزارة التربية وللتنظيم بين هذه الهيئات الإشرافية أنشئ المجلس الأعلى للمدارس النموذجية وفيما يلي نماذج للبحوث التي قامت بها هذه الهيئات بين عامي سنة ١٩٥٥-١٩٦١. كما وردت في التقرير السنوي \"١٩٥٩-١٩٦١\" لإدراة البحوث الفنية والمشروعات.\nبحث حالة المدارس الابتدائية، تنظيم الإدارة المركزية لوزارة التربية والتعليم، مشاكل التعليم الثانوي، البطاقات المدرسية، الاختبارات الموضوعية والتحصيلية، نظام الامتحانات في المدارس الإعدادية والثانوية والفنية، المستوى الثقافي لخريجي الجامعة، العقاب المدرسي، تقويم الدور الاجتماعي للمدرسة في المجتمع، تقويم المدرسين والإداريين، نظام التفتيش، متابعة خريجي المدارس الثانوية الفنية، التأخر الدراسي في المدارس الابتدائية، تجربة منطقة الجيزة في اللامركزية، مشكلة الانقطاع الدراسي، طرق تعليم القراءة، مناهج المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، تقويم الكتب الدراسية، الأخطاء الإملائية، مشكلات المرأة العامة، التغذية المدرسية، مشاكل المراهقة، الدروس الخصوصية.\n_________\n١ مع عدم التقليل من أهمية الدور الذي لعبته المدارس النموذجية فإن المؤلف يعتقد بضرورة الأخذ بمفهوم جديد للمدارس النموذجية لا يقتصر تطبيقه على التعلم العام بل يتعداه ليشمل التعليم الفني أيضا مع تركيز الاهتمام على محتوى المواد الدراسية وأساليب تعليمها على أحدث الاتجاهات. لماذا لا نفكر في إنشاء مدارس صناعية نموذجية أو مدارس على غرار المدرسة الشاملة بحيث تكون على نطاق تجريبي.","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>استقدام الخبراء الأجانب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>تقرير كلاباريد</span>\n...\n٢- استقدام الخبراء الأجانب:\nمع أن استقدام الخبراء الأجانب لتطوير النظم التعليمية العربية كان مقصورا على عدد محدود من البلاد العربية إلا أنه ينبغي الكلام عنه. فقد استقدمت العراق بعض الخبراء لدراسة وتطوير أحوال التعليم فيها. واستقدمت الحكومة المصرية خبيرين لدراسة نظام التعليم وتطويره هما كلاباريد السويسري ومان البريطاني كانت خلاصة عملها تقريرين مشهورين سنفصل الكلام عنهما في السطور التالية:\nأ- تقرير كلاباريد:\nكان الدكتور كلاباريد أستاذ علم النفس ومدير معهد جان لوك روسو للبيداجوجيا في جامعة جنيف بسويسرا. وقد استدعته وزارة المعارف المصرية لدراسة نظام التعليم بهدف إصلاحه وتطويره ولا سيما نظام إعداد المعلمين. وقد حضر كلاباريد إلى مصر في أواخر شهر أكتوبر سنة ١٩٢٨ وأمضى نحو ثمانية أشهر أصدر في نهايتها تقريرا مشهورا ضمنه خلاصة دراسته ومقترحاته وطبعته وزارة المعارف فيما بعد.\nوقد اعتمد كلاباريد في دراسته على ملاحظاته من خلال زيارته للمدارس والاختبارات السيكلوجية التي أجراها على التلاميذ في مختلف المدن والأرياف. كما استعان بملاحظات وآراء المعلمين والمفتشين وخبراء الامتحانات وكذلك طلاب مدرسة المعلمين العليا. وقد جانب كلاباريد التوفيق في تطبيقه لاختبارات سيكلوجية مشبعة بالثقافة الأوربية على التلاميذ المصريين ولم يكن غريبا إذن ما توصل إليه من انخفاض مستوى ذكاء التلاميذ المصريين. وكانت أهم الموضوعات التي عهد الدكتور كلاباريد بدراستها.","vol":"1","page":460},{"text":"١- دراسة نظام التعليم العام بجميع مراحله بهدف تطويره من حيث مواد الدراسة وعددها ومقدارها والتوحيد بين الدراسة في مدارس البنين والبنات وعدد المدارس لكل مرحلة بالنسبة إلى عدد السكان.\n٢- دراسة نظام التعليم الإلزامي واحتمالات نجاح مشروع تعميم التعليم الإلزامي من الوجهة التعليمية والاجتماعية.\n٣- دراسة ميزانية للتعليم بالنسبة للميزانية العامة.\n٤- نظام مدارس المعلمين وهل يجمع فيها بين المواد العلمية والبيداجوجية وهل تنضم مدرسة المعلمين بقسميها العلمي والأدبي إلى كليتي دار العلوم والآداب بالجامعة المصرية. وما الخطة التي تسير عليها الوزارة في إعداد تخريج المعلمين.\nوقد انتهى كلاباريد من دراسته إلى تقديم المقترحات ومن أهمها:\n١- تخفيض عدد التلاميذ في الفصل مع توزيع التلاميذ توزيعا متجانسا على أساس السن والمستوى العقلي.\n٢- تعيين معلمي فصل في المدارس الأولية والابتدائية وجعل تعليم الأطفال حتى سن التاسع في أيدي المعلمات.\n٣- تخفيف حركة المركزية ومنح قدر معقول من الحرية للمعلمين ونظار المدارس.\n٤- تخفيف المناهج وتعديل نظام الامتحانات بحيث لا تعتمد على الحفظ، والاستظهار وإنما على العقل والتفكير.\n٥- التوسع في تعليم الفتاة بالمدارس الابتدائية والثانوية.\n٦- عدم التسرع في نشر التعليم الإلزامي حتى يتخرج الأعداد الكافية من المعلمين.\n٧- تعديل أسلوب إعداد المعلمين وإنشاء فرق متنقلة لنشر الثقافة في الريف وإلقاء محاضرات أسبوعية في التربية لرفع مستوى أداء المعلمين وتعيين مفتشين سيكولوجيين لمواصلة البحث في المدارس ولإرشاد المعلمين.","vol":"1","page":461},{"text":"ب-<span data-type=\"title\" id=toc-206> تقرير مان:</span>\nكان المستر مان مفتشا للمدارس وكليات المعلمين بوزارة المعارف البريطانية، وقد استدعته الحكومة المصرية لدراسة سياسة التعليم. وحضر إلى مصر في سبتمبر سنة ١٩٢٨ وبقي بها حتى إبريل سنة ١٩٢٩.\nوقد أعد في نهاية إقامته تقريرا قدمه إلى وزارة المعارف ضمنه نتائج دراسته وأهم مقترحاته. وكانت أهم الموضوعات التي طرحت عليه لدارستها نظام تخريج المعلمين ومناهج الدراسة في التعليم العام والعلاقة بين مناهج مدارس البنين والبنات ونظام التعليم الإلزامي وعدد المدارس اللازمة لكل مرحلة وميزانية التعليم بالنسبة لميزانية الدولة، وهي موضوعات مشتركة قدمت أيضا إلى كلاباريد الذي كان موجودا في نفس الفترة تقريبا. وقد اقترح مان عدة اقتراحات تأثر فيها بنظام التعليم في بلاده. كما اتفق مع كلاباريد في كثير من الأمور، وأهم الاقتراحات تخفيف قيود المركزية ومنح المعلمين والنظار مزيدا من الحريات في إدارة مدارسهم وقيام السلطات المحلية بإدارة التعليم الأولي وما يتبعه من مدارس للمعلمين والمعلمات وتطوير المناهج والامتحانات وإلغاء نظام الدور الثاني وعدم اعتبار الشهادات الرسمية أساس التعيين في وظائف الحكومة","vol":"1","page":462},{"text":"٤-<span data-type=\"title\" id=toc-207> الاهتمام بإعداد المعلمين:</span>\nيعتبر علي مبارك الرائد الأول لحركة إعداد المعلمين في العالم العربي في العصور الحديثة، وكان من نتيجة جهوده إنشاء دار العلوم سنة ١٨٧٢ لتخرج المعلمين اللازمين للمدارس. وفي سنة ١٨٨٠ أنشئت مدرسة المعلمين المركزية على غرار مدارس النورمال الفرنسية البروسية.\nوكان من أهم التطورات في إعداد المعلمين في العالم العربي إنشاء معهد التربية بالقاهرة سنة ١٩٢٩ \"كلية التربية جامعة عين شمس حاليا\" الذي أنشئ بناء على اقتراح الخبير السويسري كلاباريد الذي زار مصر في تلك الفترة. وظل هذا المعهد منذ نشأته حتى الآن يلعب الدور القيادي في النظرية التربوية وتطبيقاتها في العالم العربي، وخرج أجيالا من التربويين تولت زمام القيادة الفكرية التربوية في العالم العربي.","vol":"1","page":462},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-208> إنشاء الجامعات الحديثة:</span>\nيعتبر إنشاء الجامعة المصرية قمة ما وصلت إليه الحركة التربوية في القرن العشرين. وكان النشأة الأهلية الأولى للجامعة من أهم انتصارات اليقظة الوطنية وقد افتتحت الجامعة في ديسمبر سنة ١٩٠٨ لدراسة العلوم والفنون والآداب وكانت أول جامعة أهلية ثم تحولت إلى حكومية سنة ١٩٢٥.\nوعرفت باسم الجامعة المصرية التي تطورت إلى جامعة القاهرة الآن.\nوكانت أول جامعة حكومية عربية هي الجامعة السورية \"جامعة دمشق حاليا\" التي أنشئت سنة ١٩٢٣. وتعتبر الجامعة المصرية بعد تحولها إلى حكومية سنة ١٩٢٥ ثاني جامعة عربية حكومية. وتعتبر جامعة الإسكندرية \"جامعة فاروق الأول\" أسبق من غيرها من الجامعات الأخرى لأنها أسست خلال الحرب العالمية الثانية \"١٩٤٢\". وجميع الجامعات العربية الأخرى أنشئت بعد هذه الحرب.\nوتوالى إنشاء الجامعات في مصر نفسها وباقي الدول العربية فيما بعد. وانتشرت الجامعات وتعددت في العالم العربي حتى وصل عددها حاليا إلى ٤٤ جامعة عربية منها جامعة أنشئت سنة ١٩٦٨ في الأرض المختلفة لتعليم الفلسطينيين تعرف بجامعة \"بيرزت\". كما أن هناك ثلاثة جامعات غير عربية في الوطن العربي هي الجامعة الأمريكية ببيروت ومثيلتها القاهرة والجامعة اليسوعية في بيروت١.\n_________\n١ انظر لنفس المؤلف كتاب الاتجاهات الحديثة في التعليم الجامعي المعاصر وأساليب تدريسه. دار النهضة العربية، القاهرة.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>ظهور الاتجاهات التعليمية المتميزة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>سياسة الأبعاد الثلاثية \"نجيب الهلالي</span>\"\n...\n١- ظهور الاتجاهات التعليمية المتميزة:\nكان من الاتجاهات التعليمية التي برزت في الفترة الأخيرة في مصر وأهمها الاتجاه الذي كان يمثله نجيب الهلالي وهو سياسة الأبعاد الثلاثة. والاتجاه الثاني الذي كان يمثله طه حسين وعرف بسياسة الكم. والاتجاه الثالث الذي كان يمثله إسماعيل القباني وهو ما عرف بسياسة الكهف وسنفصل الكلام عنهم في السطور التالية:\nسياسة الأبعاد الثلاثة \"نجيب الهلالي\":\nلنجيب الهلالي تقريران مشهوران أحدهما كتبه سنة ١٩٣٥ وهو عن التعليم الثانوي وعيوبه ووسائل إصلاحه، وسنشير إلى مزيد من الكلام عن التقرير فيما بعد. والتقرير الثاني عن إصلاح التعليم في مصر \"١٩٤٣\". وكان نجيب الهلالي في كتابة هذا التقرير الأخير متأثرا بدرجة كبيرة بالإصلاحات التعليمية في إنجلترا بعد الحرب العالمية ولا سيما قانون بتلر الذي صدر في إنجلترا سنة ١٩٤٤ وهو القانون الذي ينظم التعليم في إنجلترا حاليا. وقد سبق قانون بتلر خطوات كثيرة مهدت لصدوره كصدور الكتاب الأبيض. وهذا يفسر لنا كيف تأثر الهلالي بقانون بتلر مع أن تقريره صدر قبل هذا القانون بعام.\nوفي حديثه عن الإصلاح التعليمي المقترح يشير الهلالي إلى أن تطوير التعليم ينبغي أن يسير في اتجاهات أو أبعاد ثلاثة، الطول والعرض والعمق.\nأما بعد الطول فيشير إلى مدة التعليم وإطالتها لتشمل التعليم الإلزامي للأطفال والتعليم العام للفتيان والبرنامج الأعلى للشباب. أما بعد العرض فيعني التوسع في التعليم بما يحقق تكافؤ الفرض التعليمية لكل الطبقات بدون أي تمييز. أما بعد العمق فيعني جودة التعليم ونوعه وكيفه وحسن اختيار المادة الدراسية بما يتمشى مع قدرة واحتاجات التلاميذ.\nوبعبارة أخرى فإن الهلالي كان ينظر إلى التربية على أنها عملية مستمرة وأنها من المهد إلى اللحد، وأن التعليم لا ينبغي أن يكون مقصورا على طبقة معينة. وإنما يجب أن يتاح لكل الطبقات بدون تمييز. كما أن التعليم يجب أن يتنوع ليواجه الاحتياجات الفردية والاستعدادات الشخصية للتلاميذ على مستوى المدرسة الثانوية بتقسيمها إلى أنواع منها الأكاديمي ومنها الفني والزراعي والتجاري والصناعي.\nوربما كان لطه حسين تأثير على أفكار الهلالي فقد كان طه حسين","vol":"1","page":464},{"text":"مستشاره الفني من ١٩٤٢-١٩٤٤ وعمل معه في انسجام تام. إلا أنه يبدو واضحا تأثره في المبادئ التي بنى عليها خطة إصلاح التعليم في مصر بالمبادئ التي قام عليها قانون بتلر كما أشرنا. فقد تبنى هذا القانون فكرة التربية على أنها عملية مستمرة وتبنى أيضا فكرة التعليم العام المجاني للجميع وكذلك تنوع التعليم الثانوي وهي نفس المبادئ التي نادى بها الهلالي لإصلاح التعليم. وعلى التعليم العام المجاني للجميع بدون تمييز وأن يتنوع التعليم ليواجه الاحتياجات والفروق المادية بين التلاميذ.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>اتجاه الكم أو سياسة الماء والهواء: \"طه حسين</span>\"\nفي سنة ١٩٣٨ كتب طه حسين يقول: إن التعليم ليس ترفها وإنما هو ضرورة، وطالب بألا يكون التعليم مقصورا على طبقة معينة. وربما كان طه حسين وهو خريج السوريون متأثرا في ذلك بما حدث في فرنسا سنة ١٩٣٠ عندما بدأ إلغاء المصروفات الدراسية من المدرسة الثانوية، وسمح بدخول أعداد كبيرة من التلاميذ من غير الطبقات الاجتماعية التي كانت محظوظة بهذا النوع من التعليم. وطه حسين نفسه يذكر فرنسا كمثال على ديمقراطية تعميم التعليم المجاني.\nومع أن طه حسين كان يعتقد أن التعليم يتساوى في الأهمية مع الدفاع القومي وهي فكرة ثاقبة سابقة لأوانها فإنه كان يعتقد أن فكرة التعليم المجاني للجميع فيها تبذير، وهي فوق ما تستطيع إمكانيات الدولة أن تتحمله. بيد أن هذه الفكرة نفسها تطورت مع مرور الزمن فبعد ١٢ عاما أي في سنة ١٩٥٠ عندما أصبح طه حسين وزيرا للمعارف نادى بأن التعليم كالماء والهواء وهي عبارة مشابهة لما قاله الطهطاوي من قبل عندما اعتبر أن التعليم يحتاج إليه كل إنسان كحاجته إلى الماء والخبز. واعتبر طه حسين أن التعليم حق لكل إنسان ولا يصح أن يباع ويشترى وإنما يجب أن يكون مجانيا ومتاحا لكل من يريده. وقد طبق طه حسين هذا الكلام في نفس السنة بإلغاء المصروفات الدراسية على التعليم الثانوي، وبهذا أصبح التعليم العام كله مجانيا. وقد ترتب على ذلك زيادة","vol":"1","page":465},{"text":"هائلة في أعداد تلاميذ التعليم العام من ٩٠٨.٥٩٨ تلميذا في ٤٨-٤٩ إلى ١.٠٥١.٠٥٦ تلميذا في عام ١٩٥٠، ثم إلى ١.١٠٢.٢٧ تلميذا عام ١٩٥١، وفي التعليم الثانوي كله زاد عدد التلاميذ من ٩٨.٧٠٤ أي ١٢٧.٠٦٤ تلميذا ثم إلى ١٥٤.٩٤١ تلميذا في السنوات نفسها، وزادت ميزانية التعليم زيادة كبيرة من حوالي ١٩ مليونا سنة ١٩٤٩ إلى حوالي ٢٩ مليونا سنة ١٩٥١.\nوكان لهذا التوسع الكمي الهائل نسبيا في أعداد التلاميذ في التعليم العام أثر في خفض مستواه ونوعيته. وربما كان هذا من الأمور العادية، فمن المعروف أن من أهم المشكلات التي تواجهها النظم التعليمية التي تعول على توسع تعليمي كبير هي التوفيق بين الكم والكيف، وغالبا ما يكون الكم على حساب الكيف. وقد كان ذلك من أهم الأسباب التي هوجمت من أجلها سياسة طه حسين وروج لها على أنها سياسة الكم مع أنه نفسه لم يطلق عليها ذلك.\nوكان القباني أكثر نقاد طه حسين ونقده نقدا مرا في عدة مقالات كتبها في جريدة الأساس سنة ١٩٥٢ ثم فيما نشر له من كتب فيما بعد. وكان من أهم الانتقادات التي وجهها إلى سياسة طه حسين أنها أهملت التعليم الابتدائي على حساب التعليم الثانوي وأنها اهتمت بالكم على حساب الكيف في التعليم.\nلقد كان طه حسين على وعي بأهمية الكيف وأكد أنه في الوقت الذي ينادي فيه بأن تكون إتاحة التعليم لكل المصريين فإنه ينبغي أن يكون هذا التعليم بناء مفيدا ونافعا فلا يرضيه أن تضم المدرسة ألفا في حين أنها لا تستطيع أن تعلم أكثر من نصف ألف.\nومظهر آخر لاهتمام طه حسين بنوعيه التعليم تأكيده لأهمية نوعية المعلم وكان يعتقد أن معلم الثانوي إلى جانب حصوله على الدرجة الجامعية ينبغي أن تعد له مقررات وامتحانات على غرار نظام شهادة \"الأجرجاسيون\" الفرنسية.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>اتجاه الكيف أو تعليم الصفوة: \"إسماعيل القباني</span>\"\nويمثل هذا الاتجاه إسماعيل القباني حتى قبل أن يصبح وزيرا للمعارف في الفترة من ١٩٥٢-١٩٥٤. وقد أكد القباني أهمية الكيف: وقال إنها تأتي\nقبل الكم. ونادى بضرورة تحسين الكم والتوسيع التدريجي في التعليم أما تعميمه فيأتي مؤخرا أو فيما بعد. بيد أن القباني كان مهتما بصفة رئيسية بالتعليم الثانوي والعالي وفي ذلك يقول: في كل الشعوب المتحضرة يتفق المربون على أن الكيف يأتي قبل الكم في هذين النوعين من التعليم وأن أي أمة تضحي بالكيف في سبيل الكم هي أمية تنتحر. وفي تبرير ذلك يقول القباني: إن التعليمين الثانوي والعالي يعدان الأفراد الذين يتولون قيادة الأمة في الجيل التالي وأي انخفاض في مستواهما يعني إضعافا لحياتنا المستقبلة.\nومعنى هذا أن القباني لا يقبل أي تنازل في مستوى نوعية التعليم الثانوي والعالي أما في التعليم الابتدائي ففي رأيه أن انخفاض مستواه يمكن أن يحتمل في سبيل الإسراع بتعميمه. والمسألة إذن في نظر القباني تتعلق بمفهومه عن التعليم الثانوي ودوره في إعداد القادة والجمع بينه وبين التعليم العالي في هذا الدور. وإذا كان مفهوم التعليم الثانوي بهذا المعنى فهو إذن في نظره ليس تعليما للجميع وإنما هو تعليم \"الصفوة\".","vol":"1","page":467},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-213> تطوير الأزهر:</span>\nشهدت العصور الحديثة عدة محاولات لتطوير التعليم في الأزهر. ومن المعروف أن الفاطميين أسسوا الأزهر عام ٣٦٨هـ - ٩٧٠م للدعاية للمذهب الشيعي وأن يعقوب بن كلس حوله عام ٣٧٨هـ إلى معهد علمي تدرس فيه العلوم والآداب بعد أن كان مقصورا على إقامة الدعوة الفاطمية \"حسن إبراهيم ج٣ ص٣٣٧\".\nوقد جاء الإحساس بضرورة هذا التطوير استجابة لما دعا إليه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي صاحب أول دعوة لإصلاح الأزهر في القرن التاسع عشر ورائد ترجمة العلوم العربية، وقد تخرج هو نفسه من الأزهر وعاب على محمد علي والي مصر أنه أهمل إدخال العلوم الحديثة إلى الأزهر، وقال: لو تشبث خيار أهل العلم الأزهريين بالعلوم العصرية لفازوا بالكمال.\nكما دعا إلى الإصلاح أيضا الشيخ محمد عبده والشيخ العروسي والشيخ المراغي وطه حسين وغيرهم.","vol":"1","page":467},{"text":"وقد تمثلت المطالبة بإصلاح الأزهر في ضرورة الأخر بالعلوم الحديثة مثل الطبيعيات والرياضيات والتاريخ والفلسفة والاجتماع. كما تمثل أيضا في العمل على ربط الأزهر بالمجتمع والحياة وتخليصه من البدع والخرافات والأوهام، ولم يكن من السهل إدخال هذه العلوم الحديثة مثل الطبيعيات والرياضيات والتاريخ والفلسفة والاجتماع. ومن أبرز الشخصيات التي كانت تقاوم إدخال العلوم الحديثة إلى الأزهر في القرن التاسع عشر الشيخ محمد عليش وكان يعاونه في ذلك محمد العباسي المهدي شيخ الجامع الأزهر آنذاك.\nويجب أن نشير إلى الاستفتاء الذي تقدم به أشهر علماء جامع الزيتونة في تونس وهو الشيخ محمد بيرم إلى شيخ الأزهر محمد الأنبابي وكان ذلك سنة ١٣٠٥هـ - ١٨٧٧م يسأله رأيه عما إذا كان يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية والطبيعيات والهيئة والكيمياء. وقد أجابه الشيخ الأنبابي بأنه يجوز تعلم العلوم الرياضية وعلم الطب والطبيعيات ولكنه أفتى بتحريم علم التنجيم كما أشار الغزالي. وعلى الرغم من هذا حدثت محاولات لتطوير الأزهر في أواخر القرن التاسع عشر.\nفي سنة ١٩١١ صدر قانون يتعلق بتنظيم الجامع الأزهر فبعد أن كان التعليم فيه مطلقا غير مقيد أو محدد قسم القانون المذكور الدراسة إلى مراحل لكل منها نظام ومواد خاصة وأنشئت بموجبه هيئة كبار العلماء وأنشئت معاهد دينية جديدة في بعض عواصم المديريات. وأضاف هذا القانون إلى مواد الدراسة مواد جديدة هي التاريخ والجغرافيا الرياضة ومبادئ الطبيعة والكيمياء. وصدر قانون آخر سنة ١٩٣٦ وهو متمم للقانون السابق. وقد أصبحت دراسة الطب ممكنة بعد أن أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر فتوى تجيز فيها تشريح جسم الإنسان الميت من أجل دراسة الطب أو من أجل التحقيق في الجريمة.\nولعل أهم قانون لتنظيم الأزهر في العصر الحديث، هو القانون الذي صدر عام ١٩٦١م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها هو الذي يسري به العمل حاليا. وقد جاء في صدر القانون تمجيد الدور المناط بالأزهر كهيئة تعليمية إسلامية كبرى وأهمية الدور الذي يلعبه بالنسبة للعالم الإسلامي.","vol":"1","page":468},{"text":"وبمقتضى هذا القانون أنشئت كليات حديثة في جامعة الأزهر هي كلية الطب وطب الأسنان والزراعة والتجارة والمعاملات ومعهد اللغات والترجمة كما أنشئت كليات خاصة بالبنات هي كلية البنات الإسلامية وتدرس فيها العلوم الطبيعية إلى جانب العلوم الدينية. وبهذا القانون انتقل الأزهر من الجامع إلى الجامعة. ومن نظام الحلقات في ساحة المسجد إلى نظام المنشأ على الطراز الحديث. ومن شيخ العامود إلى الأستاذ ومن صاحب الفضيلة إلى فضيلة الدكتور.\nوالواقع أن التطوير الأخير للأزهر عام ١٩٦١ وهو المعمول به حاليا قد سبقته إرهاصات كثيرة. وتعالت على مدى سنوات طويلة صيحات المخلصين من علماء الأزهر وشيوخه التي طالبت بالإصلاح والتجديد. منهم الشيخ حسن العطار \"توفي ١٨٣٤\"، والشيخ رفاعة الطهطاوي \"توفي ١٨٧٦\" والشيخ مصطفى العروسي \"توفي ١٨٧٦\"، والشيخ محمد المهدي العباسي \"توفي ١٨٩٨\" وجمال الدين الأفغاني \"جاء لمصر عام ١٨٧٠\" والإمام محمد عبده \"توفي ١٩٠٥\" وقد سبق أن أشرنا إلى آرائه في تطوير الأزهر، والشيخ مصطفى المراغي \"شيخ الأزهر عام ١٩٢٨\" والشيخ الأحمدي الظواهري \"توفي بعد المراغي مشيخة الأزهر ١٩٢٩\" والشيخ عبد المجيد سليم \"توفي ١٩٥٤\". وكان من بينهم أيضا في السنوات الأخيرة الشيخ محمد الشرباصي والمفكر المعروف عباس العقاد. وكان طه حسين أعلى صوتا في المطالبة بتطوير الأزهر منذ صدور كتابه المعروف \"مستقبل الثقافة في مصر\" \"١٩٣٨\". وخصص فيها كلاما وافيا شافيا عن ضرورة إصلاح التعليم في الأزهر والتقريب بين مناهجه ومناهج التعليم العام في صورتها المطورة. وأيضا تطوير التعليم الخاص. وكانت حجته في ذلك أن أنواع التعليم المختلفة تخرج عقليات مختلفة ينكر بعضها بعضا مما يفت في عضد الأمة ووحدتها الثقافية والقومية. ولذلك طالب بتوحيد مناهج مختلف أنواع التعليم لتحقيق ثقافة عامة قومية مشتركة بين جميع أبناء البلاد. وفيما بعد على صفحات الجرائد في مصر كان يكتب المقالات التي يؤكد فيها نظرته إلى تطوير الأزهر. وكانت العبارة المشهورة التي","vol":"1","page":469},{"text":"تتكرر في كل مقالاته هي: \"شبابنا الأزهريون لا يتعلمون كما يتعلم الناس ولا كما ينبغي أن يتعلم الناس\". وعلى كل حال فقد صدر قانون تطوير الأزهر عام ١٩٦١. ولكن للأسف أنه منذ صدوره بدأ يتعثر في تطبيقه ويحتدم حوله الخلاف بين مؤيد ومعارض. فمع أن القانون نص على تحديد أربعة أشهر لصدور لائحته التنفيذية، فإن هذه اللائحة لم تصدر إلا عام ١٩٧٥ أي بعد مرور أربعة عشر عاما على صدور القانون. وهذا يعني أن الكليات المختلفة لم يكن لها دليل عمل يوجهها. وسارت الأمور بها بدون ضوابظ. وترتب على ذلك أخطاء كثيرة. كما أن الجدل احتم حول القانون منذ صدوره. ولعل أهم نقد وجه إليه أنه صدر بدون الرجوع لرجال الأزهر ولم يؤخذ رأيهم فيه وأنه قد فرض عليهم فرضا وكان من الطبيعي أن يرفضه علماء الأزهر. وقد عبر عن هذا الرأي فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي العالم الإسلامي الكبير المعروف. كما عبر عنه أيضا عبد المنعم نمر وهو من علماء الأزهر البارزين. وهناك معارضون آخرون كثيرون. ولعل من أكثر صيحات المعارضة التي تفيض بالأسى واللوعة ما يعبر عنه الدكتور عبد العظيم المطعني في كتابه \"الفراغ وأزمة التدين عند الشباب\" \"مايو ١٩٧٨\" يقول:\n\"ويعلم الله أن تطوير الأزهر قد أصابه بطعنه لم يسلم منها موضع في جسمه حتى أصبح التطوير توريطا. وما أكثر ما يعانيه الأزهر الآن لاسترداد أنفاسه والوقوف مرة اخرى على قدمين راسخين\".\nوعلى الجانب الآخر وهو جانب المؤيدين للقانون نجد الشيخ شلتوت شيخ الأزهر سابقا يرى أن القانون بثوبه الجديد يمكن الأزهر من أداء رسالته. ونجد الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر سابقا ينهج نفس المنهج المؤيد ويقول إن القانون الجديد للأزهر حقق أماني المسلمين في إصلاح الأزهر وتمكينه من أداء رسالته كاملة. ومن المؤيدين للقانون الجديد أيضا محمد البهي وبدوي عبد اللطيف ومحمد الطيب النجار وكلهم رؤساء سابقين لجامعة الأزهر.\nوهكذا تختلف الآراء حول قانون تطوير الأزهر الأخير بين معارض ومؤيد. ووسط هذا الخضم من الخلاف نرجو أن تجد جامعة الأزهر في النهاية ما تصبو إليه من تطلع في أداء رسالتها من أجل خدمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>مراجع الكتاب:</span>\n١- القرآن الكريم.\n٢- الأحاديث النبوية الشريفة.\n٣- المعاجم ودوائر المعارف.\n٤- تفاسير القرآن: ابن كثير، البيضاوي، فريد وجدي وغيرها.\n٥- إبراهيم الإبياري \"١٩٧٤\": الموسوعة القرآنية الميسرة. مؤسسة سجل العرب.\n٦- إبراهيم العبيدي التوزري: تاريخ التربية بتونس. الشركة التونسية للتوزيع.\n٧- ابن أبي أصيبعة \"١٨٧٢\": عيون الأنباء في طبقات الأطباء - المطبعة الوهبية - القاهرة.\n٨- ابن الأثير: جامع الأصول من أحاديث الرسول. المطبعة المحمدية. القاهرة.\n٩- ابن تميمة \"١٩٨٨\": الفتاوي - دار الغد العربي. القاهرة.\n١٠- ابن تيمية \"بدون تاريخ\": تفسير سورة الإخلاص - تقديم د. محمد عبد المنعم خفاجي. دار الطباعة المحمدية بالأزهر، القاهرة.\n١١- ابن الجزار القيرواني \"١٩٦٨\": سياسة الصبيان وتدبيرهم. مطبعة المنار - تونس.\n١٢- ابن حزم القرطبي: الأخلاق والسير. \"مداواة النفوس\".\n١٣- ابن حوقل: صورة الأرض. دار مكتبة الحياة. بيروت بدون تاريخ.\n١٤- ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون. كتاب الشعب. مطابع الشعب. القاهرة.\n١٥- ابن سحنون \"١٩٦٩\": آداب المعلمين: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر.\n١٦- ابن سينا \"١٩١٠\": كتاب القانون. مكتبة المعارف - بيروت.\n١٧- ابن عبد البر النمر القرطبي \"١٩٦٨\": جامع بيان العلم وفضله. المكتبة السلفية.\n١٨- ابن عربي \"محيي الدين\": تهذيب الأخلاق، ط١، عالم الفكر، القاهرة.\n١٩- ابن قيم الجوزية: \"الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر\" تحفة المودود بأحكام المولود - دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"1","page":471},{"text":"٢٠- ابن قيم الجوزية: الفوائد، مكتبة الدعوة، القاهرة. بدون تاريخ.\n٢١- ابن المقفع: الأدب الصغير والأدب الكبير. دار صادر بيروت.\n٢٢- ابن جماعة الكتاني \"١٣٥٤هـ\": تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم تحقيق ونشر محمد هاشم الندوي - دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٣- ابن مسكويه \"١٣٩٨\": تهذيب الأخلاق. تحقيق وشرح ابن الخطيب، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.\n٢٤- أبو الأعلى المودودي: الحجاب.\n٢٥- أبو الحسن العامري: السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، تحقيق أحمد عبد الحليم عطية. دار الثقافة للنشر، القاهرة.\n٢٦- أبو الحسن الماوردي: أدب الدنيا والدين - مطبعة صبيح وأولاده. وهناك طبعة أخرى لدار الكتب العلمية - بيروت ١٩٧٨.\n٢٧- أبو الحسن الندوي \"١٩٧٤\": رجال الفكر والدعوة في الإسلام. الجزء الثاني الخاص بحياة شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية. تعريب سعيد الأعظمي الندوي. دار القلم. الكويت.\n٢٩- أبو حنيفة النعمان بن ثابت \"١٣٦٨هـ\": العالم والمتعلم، نشره الشيخ زاهد الكوثري - القاهرة.\n٣٠- أبو العباس أحمد بن خالد الناصري \"١٩٥٤\": الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق جعفر الناصري وآخر دار الكتب. الدار البيضاء.\n٣١- أبو عبد الله محمد بن سعيد بن رسلان \"١٩٨٨\": آداب طالب العلم. دار العلوم الإسلامية، القاهرة.\n٣٢- أبو الفرج بن عبد الرحمن بن علي بن الجوزي: كتاب الأذكياء - المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر - بيروت.\n٣٣- أبو سعد السمعاني \"١٩٥٢\": أدب الإملاء والاستملاء. ليدن. مطبعة بريل.\n٣٤- أبو العلاء المعري \"١٩٥٩\": لزوم ما لا يلزم ج١ شرح وتحقيق إبراهيم","vol":"1","page":472},{"text":"الإبياري، مطبعة وزارة التربية والتعليم، القاهرة.\n٣٥- أحمد بن حجر \"١٩٧٨\": الشيخ محمد عبد الوهاب. مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٣٦- أحمد أمين \"١٩٤٨\": زعماء الإصلاح في العصر الحديث - مطبعة مصر - القاهرة.\n٣٧- أحمد أمين \"١٩٩٦\": فجر الإسلام. الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n٣٨- أحمد أمين مرسي قنديل \"١٩٤٥\": الأخلاق للمدارس الثانوية، المطبعة الأميرية، القاهرة.\n٣٩- أحمد بدوي \"١٩٥٩\": رفاعة رافع الطهطاوي. لجنة البيان العربي.\n٤٠- أحمد شلبي \"١٩٧٩\": تاريخ التربية الإسلامية. مكتبة النهضة المصرية.\n٤١- أحمد صبحي \"١٩٦٩\": الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي - دار المعارف - القاهرة.\n٤٢- أحمد فؤاد الأهواني \"١٩٧٥\": التربية في الإسلام. دار المعارف بالقاهرة.\n٤٣- أسماء حسن فهمي \"١٩٤٧\": مبادئ التربية الإسلامية - مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة.\n٤٤- الإمام أبو طاهر إسماعيل موسى الجيطالي \"١٩٦٥\": قناطر الخيرات - القاهرة - مكتبة وهبة.\n٤٥- الإمام القرطبي: الجامع لأحكام القرآن - دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.\n٤٦- الإمام القشيري \"١٩٦٦\": الرسالة القشيرية - مطبعة صبيح - القاهرة.\n٤٧- برهان الدين الزرنوجي \"١٩٤٨\": تعليم المتعلم طريق التعلم - تقديم وتحقيق الدكتور عبد اللطيف محمد العبد، دار النهضة العربية. القاهرة.\n٤٨- الجاحظ: المحاسن والأضداد. دار النهضة العربية.\n٤٩- جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي. دار الهلال بدون تاريخ.\n٥٠- جلال مظهر: حضارة الإسلام.\n٥١- جمال الدين الأفغاني: الرد على الدهريين. ترجمة الإمام محمد عبده.","vol":"1","page":473},{"text":"تحقيق الشيخ محمد أبو رية. الناشر دار الكرنك، القاهرة، د. ت.\n٥٢- جورج غريب \"د. ت\": عبد الله بن المقفع. دار الثقافة، بيروت.\n٥٣- جون ديوي: تجديد في الفلسفة: ترجمة مرسي قنديل. الأنجلو المصرية.\n٥٤- جون ديوي \"١٩٦٦\": المبادئ الأخلاقية في التربية. ترجمة عبد الفتاح جلال. الدر المصرية للتأليف والترجمة.\n٥٥- الحافظ بن الدنيا: الحلم. تحقيق مجدي السيد إبراهيم. مكتبة القرآن، القاهرة.\n٥٦- حسن إبراهيم حسن \"١٩٧٣\": تاريخ الإسلام السياسي. النهضة المصرية.\n٥٧- الحصري القيرواني \"١٩٥٣\": زهر الآداب وثمر الألباب، مطبعة السعادة بمصر.\n٥٨- حيدر بامات \"١٩٥٦\": من مجالي الإسلام - ترجمة عادل زعيتر - دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه - القاهرة.\n٥٩- الخرائطي \"أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل\" \"٢٤٠هـ-٣٢٧هـ\": مساوئ الأخلاق ومذمومها. تحقيق مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن. القاهرة.\n٦٠- الخطيب البغدادي \"١٣٤٩هـ\": تاريخ بغداد - القاهرة.\n٦١- خليل طوطح: التربية عند العرب.\n٦٢- ديورانت: قصة الحضارة \"مترجم\" نشر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.\n٦٣- الراغب الأصفهاني أبو الحسين القاسم \"١٩٦٨\": الذريعة إلى مكارم الشريعة. المكتبة العلمية - بيروت.\n٦٤- الراغب الأصفهاني أبو الحسين القاسم \"١٩٨٨\": تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين تقديم تحقيق عبد المجيد النجار، دار الغرب الإسلامي، بيروت.\n٦٥- رفاعة رافع الطهطاوي \"١٩١٢\": مباهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية - مطبعة الرغائب - القاهرة.\n٦٦- رفاعة رافع الطهطاوي \"١٢٨١هـ\": المرشد الأمين للبنات والبنين - مطبعة","vol":"1","page":474},{"text":"المدارس الملكية - القاهرة.\n٦٧- زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي.\n٦٨- زكي نجيب محمود \"١٩٥٦\": نظرية المعرفة - القاهرة.\n٦٩- زين الدين العاملي \"١٩٥٦\": منية المريد في أدب المفيد والمستفيد - القاهرة.\n٧٠- سامي الصقار \"مترجم\" \"١٩٨١\": تاريخ التعليم عند المسلمين والمكانة الاجتماعية لعلمائهم حتى القرن الخامس الهجري. دار المريخ - السعودية.\n٧١- السيد محمد بدوي \"١٩٦٧\": الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع، دار المعارف، القاهرة.\n٧٢- السيد محمد رشيد رضا \"١٣٤٤هـ\": تاريخ الأستاذ الإمام - مطبعة المنار - القاهرة.\n٧٣- شريف. م. م \"١٩٧٥\": الفكر الإسلامي منابعه وآثاره. ترجمة د. أحمد شلبي. دار النهضة المصرية.\n٧٤- شمس الحق العظيم أبادي \"١٩٦١\": عقود الجمان في جواز تعليم الكتابة للنسوان - المكتب الإسلامي بدمشق.\n٧٥- صاعد الأندلس: طبقات الأمم.\n٧٦- صبري المتولي \"١٩٨١\": منهج ابن تيمية في تفسير القرآن الكريم - عالم الكتب. القاهرة.\n٧٧- طه عبد الباقي سرور \"١٩٦١\": الغزالي حجة الإسلام. الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة.\n٧٨- عباس محمود العقاد: المرأة في الإسلام - دار الهلال.\n٧٩- عباس محمود العقاد: التفكير فريضة إسلامية.\n٨٠- عباس محمود العقاد: الفلسفة القرآنية.\n٨١- عباس محمود العقاد: الإنسان في القرآن.\n٨٢- عبد الباسط بن موسى العلموي \"١٣٤٩هـ\": المعيد في أدب المستفيد - المكتبة العربية دمشق.","vol":"1","page":475},{"text":"٨٣- عبد الحليم محمود \"١٩٧٩\": موقف الإسلام من العلم والفن والفلسفة، مطابع دار الشعب، القاهرة.\n٨٤- عبد الحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية المسمى بالتراتيب الإدارية - دار الكتاب العربي - بيروت.\n٨٥- عبد المتعال محمد الجبري \"١٩٨٦\": المرأة في العصور الإسلامية، مكتبة وهبة، القاهرة،\n٨٦- عبد اللطيف محمد العبد \"١٩٧٧\": نوادر المعارف عند ابن النديم. دار النهضة العربية، القاهرة.\n٨٧- عبد الكريم عثمان: الدراسات النفسية عند المسلمين. مكتبة وهبة. القاهرة.\n٨٨- عبد اللطيف السبكي: الأزهر وتعليم المرأة.\n٨٩- عبد الله ناصح علوان \"١٩٨١\": تربية الأولاد في الإسلام، دار السلام للطباعة والنشر، بيروت.\n٩٠- علي معبد فرغلي \"١٩٨٥\": في الأخلاق الإسلامية والإنسانية، دار الكتاب الجامعي، القاهرة.\n٩١- عبد الوهاب خلاف \"١٩٦٥\" علم أصول الفقه - مطبعة النصر - القاهرة.\n٩٢- عثمان أمين \"١٩٦٥\": رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده - الأنجلو المصرية.\n٩٣- عمارة نجيب \"١٩٧٧: إحياء علوم الدين، مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني، القاهرة.\n٩٤- الغزالي \"أبو حامد\": \"١٩٦٣\": ميزان العمل - مطبعة صبيح. القاهرة.\n٩٦- الغزالي \"أبو الحامد\": رسالة أيها الولد المحب.\n٩٧- غادة الخرسا: الإسلام وتحرير المرأة - دار السياسة - بيروت.\n٩٨- الفارابي \"١٩٦٨\": إحصاء العلوم، مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة.\n٩٩- فاضل الجمالي \"١٩٦٧\": تربية الإنسان الجديد - مطبعة الاتحاد العام","vol":"1","page":476},{"text":"التونسي للتوزيع - تونس.\n١٠٠- فتح الله خليف \"١٩٧٤\": ابن سينا مذهبه في النفس. جامعة بيروت العربية.\n١٠١- فيصل بدير عون ود. سعد عبد العزيز حباتر: دراسات في الفلسفة الخلقية، بدون تاريخ أو ناشر.\n١٠٢- فتحية سليمان \"١٩٥٦\": المذهب التربوي عند الغزالي - دار الهنا - القاهرة.\n١٠٣- القابسي: الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين.\n١٠٤- قاسم أمين \"١٩٨٩\": المرأة الجديدة. كتاب اليوم، دار أخبار اليوم، القاهرة.\n١٠٥- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن.\n١٠٦- مريسون \"أندريه\" \"١٩٧٩\": المشكلة الأخلاقية والفلاسفة. ترجمة الإمام عبد الحليم محمود وآخر، مطابع دار الشعب بالقاهرة.\n١٠٧- محفوظ علي عزام \"١٩٨٦\": نظرية التطور عند مفكري الإسلام، دراسة مقارنة، دار الهداية، القاهرة.\n١٠٨- محفوظ علي عزام \"١٩٨٦\": الأخلاق في الإسلام بين النظرية والتطبيق، دار الهداية، القاهرة.\n١٠٩- ماهر حسين فهمي \"١٩٦٤\": قاسم أمين، وزارة التربية والتعليم، بدون تاريخ.\n١١٠- مصطفى لطفي المنفلوطي: مختارات المنفلوطي، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ.\n١١١- محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية - دار الفكر العربي - القاهرة. بدون تاريخ.\n١١٢- محمد أبو زهرة \"١٩٧٧\": ابن تيمية حياته وعصره - آراؤه الفقهية. دار الفكر العربي. القاهرة.\n١١٣- محمد ضياء الدين الكردي \"١٩٨٥\": الأخلاق الإسلامية والصوفية مطبعة السعادة، القاهرة.","vol":"1","page":477},{"text":"١١٤- محمد إقبال \"١٩٦٨\": تجديد الفكر الديني في الإسلام. ترجمة عباس محمود. لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة.\n١١٥- محمد السيد الجليند: \"١٩٨١\": قضية الخير والشر في الفكر الإسلامي، مطبعة الحلبي، القاهرة.\n١١٦- محمد بيصار \"١٩٦٨\": العقيدة والأخلاق - مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة.\n١١٧- محمد خليل هراس \"١٩٨٤\": باعث النهضة الإسلامية. ابن تيمية السلفي. نقده لمسالك المتكلمين والفلاسفة في الإلهيات. دار الكتب العلمية. بيروت.\n١١٨- محمد ضياء الدين الكردي \"١٩٨٥\": الأخلاق الإسلامية الصوفية، مطبعة السعادة، القاهرة.\n١١٩- محمد عبد الرحمن غنيمة \"١٩٥٣\": الجامعات الإسلامية الكبرى - دار الطباعة المغربية تطوان.\n١٢٠- محمد عبد السلام \"١٩٨٦\": المسلمون والعلم. ترجمة د. ممدوح كامل الموصلي، الغد للنشر والدعاية، القاهرة.\n١٢١- محمد عزة دروزة \"١٩٦٧\": المرأة في السنة والقرآن - المكتبة العصرية - بيروت.\n١٢٢- محمد علي أبو ريان \"١٩٧٤\": الفلسفة ومباحثها - دار الجامعات المصرية.\n١٢٣- محمد عمارة \"١٩٧٣\": الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده - المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت.\n١٢٤- محمد غلاب \"١٩٦٦\": المعرفة عند مفكري المسلمين - الدار المصرية للتأليف والترجمة - القاهرة.\n١٢٥- محمد قطب: منهج التربية الإسلامية - دار الشروق - بيروت.\n١٢٦- محمد كرد علي \"١٩٣٤\": الإدارة الإسلامية في عز العرب.\n١٢٧- محمد منير مرسي \"١٩٧٥\": التعليم العام في البلاد العربية - عالم الكتب - القاهرة.","vol":"1","page":478},{"text":"١٢٨- محمد منير مرسي \"١٩٩٢\": فلسفة التربية اتجاهاتها ومدارسها - عالم الكتب القاهرة.\n١٢٩- محمد يوسف: القرآن والفلسفة - دار المعارف - ١٩٦٦.\n١٣٠- محمود قاسم: في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، مكتبة الأنجلو المصرية.\n١٣١- مصطفى الشكعة \"١٩٧٩\": مناهج التأليف عند العلماء العرب. دار العلم للملايين. بيروت.\n١٣٢- مصطفى لطفي المنفلوطي: مختارات المنفلوطي، دار الثقافة، بيروت.\n١٣٣- مقداد يالجن: التربية الأخلاقية الإسلامية - مكتبة الخانجي - القاهرة ١٩٧٧.\n١٣٤- ابن المقفع \"١٩١١\": الأدب الصغير. طبع بمدرسة محمد علي الصناعية بالإسكندرية.\n١٣٥- منيف الرزاز \"١٩٥٩\": معالم الحياة العربية الجديدة - دار العلم للملايين - بيروت.\n١٣٦- ميد \"هنتر\" \"١٩٧٥\": الفلسفة أنواعها ومشكلاتها - ترجمة فؤاد زكريا - دار نهضة مصر.\n١٣٧- المقريزي - الخطط والآثار.\n١٣٨- نازلي إسماعيل حسين \"١٩٦٧\": مقدمة لكل ميتافيزيقا. ترجمة وتعليق المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب. القاهرة.\n١٣٩- النواوي: تهذيب الأسماء.\n١٤٠- هربرت سبنسر: التربية. ترجمة محمد السباعي.\n١٤١- هنري لاوست \"١٩٧٧\": نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع ترجمة محمد عبد العظيم علي وتقديم وتعليق الدكتور مصطفي حلمي، دار الثقافة - الإسكندرية.\n١٤٢- وولف \"١٩٤٤\": فلسفة المحدثين والمعاصرين: ترجمة د. أبو العلا عفيفي. لجنة التأليف والترجمة والنشر.","vol":"1","page":479},{"text":"References':\n١- Abdul Rahman Salih Abdullah (١٩٨٢): Educational Theory: A Qur\nanic Outlook. Umm AL - Qura University Faculty of Education.\n٢- Beck، R.A (١٩٦٥): Social History of Education. Prentice Hall. Inc.\nEnglwood Cliffs. N.Y.\n٣- Bary، M. (et. al): Education and Society in Africa. Edward Arnold\nPublishers.\n٤- Breasted. J.: A History of Egypt. Scriber - N. Y. ١٩١٣.\n٥- Brubacher، J. (١٩٤٧): A History of the problems of Education. McGraw - Hill Series N. Y. ١٩٤٧،\n٦- Butts، R. (١٩٤٧): A Cultural History of Education. McGraw - Hill\nN.Y.\n٧- Callhoun، D. (١٩٦٩): The Educating of American: A. Documen-\ntary History U.S.A.\n٨- Dent، H. C. (١٩٦٣): The Educational System of England and Wales\nThe Universty of London Press.\n٩- De Young and other. (١٩٦٤): American Education. McGraw - Hill\nInc. U.S.A\n١٠- Dienko، M: Public Education in the USSR. Progress Publishers Mosko. w. n. d.\n١١- Eby، F. and Arrowood (١٩٥٢): The History and Philosophy of Education. Prentice - Hill. N. Y.\n١٢- Fraser، W. (١٩٦٣): Education and Society in Modern France، Routledge and Kegan Paul. Ltd. London.\n١٣- Fraser، W. (١٩٧١): Reforms and Restraints in Modern French Education. Routledge &amp; Kegan Paul Ltd. London.\n١٤- Full، H. (١٩٦٧): Controversy in American Education. The\\Mac-millan Company. N. Y.\n١٥- Hiskett، M (١٩٧٣): The Sword of Truth. The Life and Times of Shehu Usuman dan Fodio. Oxford University Press. N. Y. London\n١٦- Hurwitz، H.، E. &amp; Maidment، R. (eds) (١٩٧٠): Criticism، Conflict &amp; Change Readings in American Education. Dodd Mead. N.Y.","vol":"1","page":480},{"text":"١٧- Institute Pedagogique National (١٩٧٥): The Organisation of Education in France. Cahier de Documentation. Jan. ١٩٧٠.\n١٨- Johnson،. R. W.: Educational Progress and Retrogression in Guinea (١٩٠٠ - ١٩٤٣) . In: Brown، G. and Hiskett، M. (eds): Conflicts and Harmony in Education in Tropical Africa. George Allen and Unwin. London.\n١٩- Husain، S. and Ashraf، S. (١٩٧٩): Crisis in Muslim Education. London Hodder and Stoughton and King Abdulaziz University. Jedda.\n٢٠- Mohammed Wasiullah Khan، (ed) (١٩٨١): Education and Society in the Muslim world. London Hodder and Stoughton.\n٢١- Montessori، Maria (١٩٦٤): Spontaneous Activity in Education Robert Bently Enc. Cambridge - Mass - U.S. A.\n٢٢- Mulhern. J. (١٩٤٦): Ahistory of Education. The Ronald Press Co.\nN.Y.\n٢٣- O Leaery. De Lacy. (١٩٣٩): Arabic Thought and its place in History Dutton Co. Inc. N.Y.\n٢٤- Reisner، E. (١٩٣١): History Foudation of Modern Education. The، Macmillan Co. N.Y.\n٢٥- Rubenstein، D. &amp; Simon، B. (١٩٧٣) The Evolution of the Compre^ hensive School (١٩٢٦ - ١٩٧٢) Routledge &amp; Kegan Paul London.\n٢٦- Spencer، H. (١٩٤٩): Education Intellectual، Moral and Physical Watts and Co. London.\n٢٧- Tibawi، A. L (١٩٧٢): Islamic Education، Its Traditions and Modernization into the Arab National Systems. London. Luzac and Company.\n٢٨- Turner، B. (١٩٧٤): Weber and Islam. Routledge and Kegan Paul. London.\n٢٩- Ulich، R. (١٩٥٠): History of Education Thought. American Book Co. N. Y.\n٣٠- Wilks. I. (١٩٦٨): Islamic Learning in the Western Sudan. In: Goody، J. (ed): Literacy in Traditional Societies. Cambridge University Press. Cambridge.","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>كتب المؤلف</span>\n...\nكتب للمؤلف:\nأولا: كتب مؤلفة بالعربية:\n١- أصول التربية. عالم الكتب - القاهرة - صدر عام ١٩٨٤ وله طبعة منقحة ١٩٢٢.\n٢- تاريخ التربية في الشرق والغرب. عالم الكتب - القاهرة - صدر عام ١٩٧٨ وله طبعة حديثة ١٩٢٢.\n٣- التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٧ وله حديثة ١٩٩٨.\n٤- فلسفة التربية. إتجاهاتها ومدارسها. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٨٠ وله طبعة حديثة ١٩٩٢.\n٥- المرجع في التربية المقارنة. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٨١. وله طبعة حديثة مزيدة ومنقحة عام ١٩٩٨.\n٦- الإدارة التعليمية: أصولها وتطبيقاتها. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧١. وله طبعة حديثة منقحة عام ١٩٩٨.\n٧- الإدارة المدرسية الحديثة. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٤ وله طبعة حديثة، ١٩٩٥.\n٨- تعليم الكبار ومحو الأمية. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٤ وله طبعات أخرى. \"بالاشتراك\".\n٩- البحث التربوي وكيف نفهمه. عالم الكتب - الرياض. صدر عام ١٩٨٧، وله طبعة جديدة. عالم الكتب. القاهرة. ١٩٩٣.\n١٠- العربية الحديثة للناطقين بالإنجليزية والفرنسية. عالم الكتب - القاهرة. جزءان. صدر الأول عام ١٩٨٠ والثاني ١٩٨٥. \"بالاشترك\".\n١١- المنتخب من عصور الأدب \"جزءان\". عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٦ وله طبعات أخرى \"بالاشتراك\".\n١٢- التعليم العام في البلاد العربية. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٢ وله طبعات أخرى.\n١٣- إدارة وتنظيم التعليم العام. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٤ وله طبعات أخرى.\n١٤- التعليم في دول الخليج العربية. عالم الكتب. القاهرة - الرياض. صدر عام ١٩٨٩.","vol":"1","page":482},{"text":"١٥- اختبار القيادة التربوية: مجموعة الاختبارات الموضوعية في العلوم التربوية. صدر عام ١٩٧٧ وله طبعات أخرى. وصدر في طبعة منقحة عن عالم الكتب بالقاهرة عام ١٩٩٨.\n١٦- الاتجاهات الحديثة في التعليم الجامعي المعاصر وأساليب تدريسه. دار النهضة العربية - القاهرة. صدر عام ١٩٩٢.\n١٧- الاتجاهات المعاصرة في التربية المقارنة. عالم الكتب. القاهرة. صدر عام ١٩٧٤ وله طبعة حديثة عام ١٩٩٢.\n١٨- دراسات في التربية المعاصرة. دار النهضة العربية، القاهرة ١٩٧٧.\n١٩- التعليم الجامعي المعاصر: قضاياه واتجاهاته. دار النهضة العربية. القاهرة. صدر عام ١٩٧٧ وله طبعة أخرى منقحة عام ١٩٨٧ عن دار الثقافة - الدوحة - قطر.\n٢٠- المدخل في التربية المقارنة. مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة. صدر عام ١٩٧٣ وله طبعات أخرى \"بالاشتراك\".\n٢١- الإصلاح والتجديد التربوي في العصر الحديث: عالم الكتب. القاهرة صدر عام ١٩٩٢. وله طبعة مزيدة منقحة عام ١٩٩٦.\n٢٢- المعلم وميادين التربية. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، صدر عام ١٩٩٣.\n٢٣- الاتجاهات الحديثة في تعليم الكبار النظرية والتطبيق. عالم الكتب. القاهرة ١٩٩٧.\n٢٤- كيف تتفوق في دراستك الجامعية. دليل المتعلم إلى التعلم. صدر عن عالم الكتب بالقاهرة عام ١٩٩٨.\n٢٥- تخطيط التعليم واقتصادياته. صدر عن عالم الكتب بالقاهرة عام ١٩٩٨.\n٢٦- التربية المقارنة بين أصول النظرية والتجارب العالمية. صدر عن عالم الكتب بالقاهرة، ١٩٩٨.\n٢٧- المعلم والنظام: دليل المعلم إلى تعليم المتعلم. صدر عن عالم الكتب بالقاهرة، ١٩٩٨.\n٢٨- المدرسة والتمدرس: صدر عن عالم الكتب بالقاهرة، ١٩٩٨.\n٢٩- مجتمع الفضيلة: الأخلاق في الإسلام. صدر عن عالم الكتب بالقاهرة، ١٩٩٨.\nثانيا: كتب مؤلفة بالإنجليزية\nEducation The Arab Gulf States. University of Qater Education Research Centre ١٩٩٠.","vol":"1","page":483},{"text":"ثالثا: كتب مترجمة من العربية إلى الإنجليزية\nIslam And Contemporary Thought. Four public lectures. by his eminence sheikh mohamed m. el - shaarawi. qatar national printing press. doha ١٩٧٨. \"بالاشتراك\"\nرابعا: كتب مترجمة عن الإنجليزية\n١- المدرسة الشاملة: روبين بيدلي. عالم الكتب القاهرة. صدر عام ١٩٧١. \"بالاشتراك\".\n٢- المدرسة اليابانية: سنجلتون. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٢.\n٣- التعليم والتنمية القومية: آدامز \"تحرير\" عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٣.\n٤- أنثرويولوجيا التربية نيللر: عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧٢ \"بالاشتراك\".\n٦- الأحلام: تفسيرها ودلالتها: نيريس دي. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٨٦.\n٧- الضعف في القراءة: تشخيصه وعلاجه: بوند وآخرون. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٨٣. \"بالاشتراك\"\n٨- التاريخ الاجتماعي للتربية: ر. بك. عالم الكتب. القاهرة ١٩٧٣. \"بالاشتراك\".\n٩- نظرية الإدارة: جريفث عالم الكتب - القاهرة ١٩٧١. \"بالاشتراك\".\n١٠- مدارس بلا فشل: جلاسر. عالم الكتب. القاهرة، ١٩٧٤.\n١١- المدرسة والمجتمع العصري: جوسلين. عالم الكتب. القاهرة ١٩٧٣. \"بالاشتراك\".\nخامسا: كتب مترجمة عن الروسية\n١- مع المخطوطات العربية: صفحات من الذكريات عن الكتب والنش: كراتشكوفسكي. النهضة العربية - القاهرة. صدر عام ١٩٦٩.\n٢- ثلاث أزهار في معرفة البحار لأحمد بن ماجد: شوموفسكي. عالم الكتب - القاهرة - صدر عام ١٩٦٩.\n٣- الرسالة الثانية لأبي دلف. أنس خالدوف وآخر. عالم الكتب - القاهرة صدر عام ١٩٧٠.\n٤- الشعر العربي في الأندلس: كراتشكوفسكي. عالم الكتب - القاهرة. صدر عام ١٩٧١.","vol":"1","page":484}]}