{"ً":{"ٌ":744,"ٍ":"مرويات المزاح والدعابة عن النبي - ﷺ - والصحابة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/mrwmzd/70375.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مرويات المزاح والدعابة عن النبي - ﷺ - والصحابة\nالمؤلف: فهد بن مقعد النفيعي العتيبي\nتقديم: د. باسم فيصل الجوابرة، الشيخ عبد المحسن بن ناصر العبيكان\nالناشر: دار بلنسية - الرياض\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ\nعدد الصفحات: ١١٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3153,"ٕ":8,"ٖ":1780758730,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":4},{"title":"الباب الأول في ذكر معنى المزاح والدعابة لغة، ومما اشتقتا منه، وأقوال أهل اللغة في تصريفهما","level":1,"page":12},{"title":"الباب الثاني في ذكر ما روي عن السلف في ذم المزاح والإكثار منه","level":1,"page":16},{"title":"الباب الثالث في ذكر أدلة القائلين بتحريمه والرد عليهم","level":1,"page":22},{"title":"أولا","level":2,"page":22},{"title":"الوجه الأول","level":3,"page":22},{"title":"الوجه الثاني","level":3,"page":27},{"title":"ثانيا","level":2,"page":29},{"title":"ثالثا","level":2,"page":31},{"title":"رابعا","level":2,"page":32},{"title":"خامسا","level":2,"page":33},{"title":"سادسا","level":2,"page":35},{"title":"الباب الرابع الرخصة في بعض المزاح بشروطه","level":1,"page":37},{"title":"فصل","level":2,"page":41},{"title":"الباب الخامس مزاح النبي - ﷺ - ودعاباته وحسن خلقه","level":1,"page":45},{"title":"فصل في مزاح النبي - ﷺ - مع أهل بيته وعترته","level":2,"page":55},{"title":"أولا","level":3,"page":57},{"title":"ثانيا","level":3,"page":59},{"title":"ثالثا","level":3,"page":61},{"title":"رابعا","level":3,"page":63},{"title":"خامسا","level":3,"page":64},{"title":"سادسا","level":3,"page":66},{"title":"سابعا","level":3,"page":67},{"title":"ثامنا","level":3,"page":68},{"title":"تاسعا","level":3,"page":69},{"title":"فصل في مزاحه مع أصحابه - ﵃ -","level":2,"page":73},{"title":"أولا","level":3,"page":73},{"title":"ثانيا","level":3,"page":73},{"title":"ثالثا","level":3,"page":74},{"title":"رابعا","level":3,"page":75},{"title":"خامسا","level":3,"page":76},{"title":"سادسا","level":3,"page":77},{"title":"سابعا","level":3,"page":78},{"title":"ثامنا","level":3,"page":79},{"title":"تاسعا","level":3,"page":79},{"title":"فصل في مزاحه مع الصبيان","level":2,"page":81},{"title":"أولا","level":3,"page":81},{"title":"ثانيا","level":3,"page":82},{"title":"ثالثا","level":3,"page":82},{"title":"رابعا","level":3,"page":83},{"title":"خامسا","level":3,"page":84},{"title":"سادسا","level":3,"page":84},{"title":"سابعا","level":3,"page":85},{"title":"ثامنا","level":3,"page":85},{"title":"تاسعا","level":3,"page":86},{"title":"الباب السادس في مزاح الصحابة - ﵃ - والسلف ودعاباتهم","level":1,"page":87},{"title":"أولا","level":2,"page":87},{"title":"ثانيا","level":2,"page":88},{"title":"أ - عن أم سلمة","level":3,"page":88},{"title":"ب - وعن ربيعة بن عثمان","level":3,"page":89},{"title":"ت - عن محمد بن عمرو بن حزم","level":3,"page":90},{"title":"ث - وكان مخرمة بن نوفل","level":3,"page":91},{"title":"ج - وعن عبدان بن مصعب","level":3,"page":92},{"title":"ثالثا","level":2,"page":93},{"title":"رابعا","level":2,"page":93},{"title":"خامسا","level":2,"page":94},{"title":"سادسا","level":2,"page":94},{"title":"الباب السابع فيما لا يجوز من المزاح","level":1,"page":98},{"title":"أولا","level":2,"page":98},{"title":"ثانيا","level":2,"page":101},{"title":"ثالثا","level":2,"page":104},{"title":"الخاتمة رزقنا الله حسنها","level":1,"page":108}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,5":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110},"ٜ":{"1":[1,115]},"ٝ":["1,1","1,3","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115"],"ٞ":{"4":[1],"12":[2],"16":[3],"22":[4,5,6],"27":[7],"29":[8],"31":[9],"32":[10],"33":[11],"35":[12],"37":[13],"41":[14],"45":[15],"55":[16],"57":[17],"59":[18],"61":[19],"63":[20],"64":[21],"66":[22],"67":[23],"68":[24],"69":[25],"73":[26,27,28],"74":[29],"75":[30],"76":[31],"77":[32],"78":[33],"79":[34,35],"81":[36,37],"82":[38,39],"83":[40],"84":[41,42],"85":[43,44],"86":[45],"87":[46,47],"88":[48,49],"89":[50],"90":[51],"91":[52],"92":[53],"93":[54,55],"94":[56,57],"98":[58,59],"101":[60],"104":[61],"108":[62]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مرويات المزاح والدعابة عن النبي - ﷺ - والصحابة\n\nتقديم\nد. باسم فيصل الجوابرة\nفضيلة الشيخ عبد المحسن بن ناصر العبيكان\n\nتأليف\nفهد بن مقعد النفيعي العتيبي\n\nدار بلنسية","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:\nفقد اطلعت على كتاب مرويات المزاح والدعابة عن النبي - ﷺ - والصحابة، فوجدته كتابًا مفيدًا جمع فيه الأخ فهد الأحاديث والآثار في المزاح والدعابة وبذل فيه جهدًا مشكورًا، فجزاه الله خير الجزاء، وجعله في موازين أعماله.\n\nد. باسم فيصل الجوابرة\nالأستاذ بكلية أصول الدين\nقسم السنة\nالرياض ٤/ ٨/ ١٤٢٠ هـ","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد.\nفقد اطلعت على الرسالة المسماة مرويات المزاح والدعابة عن النبي - ﷺ - والصحابة، والتي قام بتأليفها الأخ الشيخ فهد بن مقعد العتيبي، ولقد أجاد وأفاد وبلغ الغاية في المراد.\nفنسأل الله لنا وله التوفيق والسداد والإعانة من رب العباد والسير على نهج خير هاد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\nكتبه الفقير إلى الله عز شأنه\nعبد المحسن بن ناصر العبيكان","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألَّا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأمَّا بعد؛ فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.","vol":"1","page":7},{"text":"وبعد:\nفإن الله - ﷿ - بعث أنبياءً ورسلًا إلى أُممهم، فأدَّى كل نبي رسالته أكمل أداء، وعلى أتم وجه، فمنهم مَن أثْمَرَت دعوته وهو بين ظهرانيهم، ومنهم من جعل بينه وبين إتمام دعوته عوائق من فعل أشقياء قومه، ومنهم من انتقم الله - ﷿ - له من قومه، ومنهم. . . . .، ومنهم. . .\nثم ختمهم بمحمد - ﷺ -، فاختصه بمنزلة رفيعة فجعله آخرهم وخاتمهم وأفضلهم، وجعل شرعه ودعوته ودينه أكمل الأديان والشرائع، ومهيمنًا عليها، ثم جعل أنصاره وأصحابه أفضل الأمم قاطبة، لكمال متابعتهم له، واقتدائهم به، فما مِن خيرٍ إلَّا حثَّ أمَّته عليه، وما مِن شرٍّ إلَّا حذَّرَهَا منه، فصار هديه أكمل الهدي، وصار أتباعه مُبَلِّغين لهديه إلى مَن بعدهم، وما ذاك إلَّا لمَّا رأوا من حُسن سياسته لهم وجميل معاملته إياهم، وكريم أخلاقه وطيب شمائله، والنفوس مجبولة على حب مَن حسنت معاشرته وصحبته، كيف لا ورب العالمين - ﷿ - يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فمِن رحمة الله - ﷿ - لهذه الأمة أن جعل نبيها أكمل الناس خُلُقًا، وأليَنَهم جانِبًا، وأكثرهم تحمُّلًا، وأسهلهم أخلاقًا، فكل هدي دون هديه، وكل خُلُق دون خلقه، وما امتداح","vol":"1","page":8},{"text":"الله - ﷿ - له بخاف على كل ذي لب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وتع: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nفمِن رأفته ورحمته: إيناسه لأصحابه ومباسطته إياهم، ومداعبته لهم لتقوى الآصِرَةُ بينه وبينهم، وليكون أنموذجًا لكمال الصحبة. فكان ذلك حتى أحبوه أشد من حبهم لأبنائهم وأموالهم بل ومن أنفسهم. فقبلوا قوله وفعله وأمره ونهيه وصدَّقُوه في كُلٍّ، ثم حملوا رسالته وانتهجوا نهجه في كل صغير وكبير فكانوا بذلك خير الناس، فإنه لما كَمُلَت بنبيهم القدوة، شرف به الاقتداء، ومع ذلك لم يحبسوا هذا الخير لأنفسهم، بل بلغوه من وراءهم، ولم يكتموا شيئًا، فقبل مَن بعدهم بلاغهم لأنهم «أي صحابته» أعلم الخلق بدين الله - ﷿ - بعد نبيهم - ﷺ -، وآمنهم على شرعه، فهم خير قرن، وخير صحب، وخير رعيل، فأخذوا الدين صافيًا فبلغوه كما أخذوه.\nثم أتت بعدهم قرون تترا منهم مَن سلك سبيلهم حذوا القذّة بالقذّة فوفِّق لكل خير؛ ومنهم مَن خالف هَديهم، فَتَشَعَّبَت به الطُّرُق. وما ذاك إلَّا بالخروج عن هدي النبي - ﷺ - وسنته ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ فعبد الله بما لم يشرع ودَعَوْا إليه بما لم يأذن به. فلم","vol":"1","page":9},{"text":"تثمر دعوتهم إلا أكلًا خمطًا، فلو أن القوم انتهجوا نهجه في الدعوة إلى الله لكفوا مؤونة الاستجابة، ولم تلحقهم بعد ذلك تبعة، لكنهم خالفوا فأخطأوا، فليتهم خرجوا كفافًا.\nوأعظم من ذلك خطأ أن يُحوِّر البعض سنن النبي - ﷺ - بزعم أن ذلك يجعلها مقبولة عند أهل العصر، فهلَّا عرضوا فعلهم هذا على قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أم أنهم يرون أن لكل عَصْرٍ أمرًا؟","vol":"1","page":10},{"text":"جهل القوم (وأيم الله) هديه أو تجاهلوه، ومما جهلوا: هديه وأدبه في المباسطة والمزاح والإيناس، ففرط بعض وأفرط آخرون، والقصد بين ذلك. فمن فرط لم يتدبر قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يقف عند شمائله - ﷺ - وحسن عشرته، ومن أفرط خالف وجانب ونسب غير هدي النبي - ﷺ - إليه، بل زاد ضغثًا على إبَّالة، والطين بلَّة لما سوَّغ لنفسه ذلك، فليته عرض ذلك على سنن الأنبياء وأخلاقهم إن كان عارفًا بها؟ فمن أين جوَّز لنفسه رديء الكلام والكذب الحرام والسخرية بالدين والمسلمين و.. و.. ثم يزعم أن ذلك من باب تأليف القلوب وإمتاع السامعين وإيناسهم.\nأما نحن فنبرأ إلى الله من نسبة شيء إلى رسول الله - ﷺ - لم","vol":"1","page":11},{"text":"يفعله ولم يأمر به، والحمد لله الذي منَّ علينا بأن ميَّزَنا بمنهج وهدي واضح جلي مُغْنٍ عما سواه، فلا هدي لأحدٍ قبل هدي محمد - ﷺ - ولا معصوم غيره، وكل يُؤخذ مِنْ قوله ويُترك إلَّا نبينا - ﷺ -.\nهذا؛ ولما أوجب الله - ﷿ - على المسلمين النصيحة لله ولرسوله ولأئمتهم وعامتهم، رأيت أن أبين هدي النبي - ﷺ - في المزاح والمباسطة ليتأسى متأسٍّ، ويتبين مخطئ وتَقَرَّ عينُ مُتَّبِع، فجمعت صورًا من مزاحه وضروب دعابته وحرصت على ما صح منها- قدر المستطاع- وما كان سوى ذلك بيَّنته- ما أمكن- والله المستعان.\nذلك؛ (والمرغوب إلى من يقف على هذا الكتاب أن يعذر صاحبه فإنه علَّقَهُ في حال بعده عن وطنه وغيبته عن كتبه، فما عسى أن يبلغ خاطره المكدود وسعيه المجهود مع بضاعته المزجاة التي حقيق بحاملها أن يُقال فيه: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» وها هو قد نصب نفسه هدفًا لسهام الراشقين، وغرضًا لألسنة الطاعنين، فلقارئه غنمه وعلى مؤلفه غرمه، وهذه بضاعته تفرض عليه، وَمَوْلِيَّتُهُ تهدى إليك، فإن صادفت كفؤًا كريمًا لها لن تعدم منه إمساكًا بمعروف أو تسريحًا بإحسان، وإن صادفت غيره فالله","vol":"1","page":12},{"text":"تعالى المستعان وعليه التكلان.\nوقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا واستحسانًا، وبرد جميل إن كان حظها احتقارًا واستهجانًا، والمنصف يهب خطأ المخطئ لإصابته وسيئاته لحسناته، فهذه سُنَّة الله في عباده جزاءً وثوابًا. ومَن ذا الذي يكون قوله كله سديدًا، وعمله كله صوابًا، وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ونطقه وحي يُوحى». وسميته «مَرْوِيَّاتُ الْمُزَاح والدّعَابَة عن النبي - ﷺ - والصحابة» وجعلت أبوابًا وفصولًا دونك تقسيمها:\n١. الباب الأول: فيه ذكر معنى المزاح والدعابة لغة ومما اشتقتا وأقوال أهل اللغة في تصريفهما.\n٢. الباب الثاني: أقوال السلف في ذم المزاح مطلقًا.\n٣. الباب الثالث: أدلة القائلين بتحريمه والرد عليهم.\n٤. الباب الرابع: الرخصة في بعض المزاح بشروطه.\n٥. الباب الخامس: مزاح النبي - ﷺ - وحُسن خلقه.\nوفيه فصول:\n١) الفصل الأول: في مزاحه - ﷺ - مع أهله.\n٢) الفصل الثاني: في مزاحه - ﷺ - مع أصحابه.\n٣) الفصل الثالث: في مزاحه - ﷺ - مع الصبيان.\n٦. الباب السادس: في مزاح الصحابة والسلف ودعاباتهم.","vol":"1","page":13},{"text":"٧. الباب السابع: فيما لا يجوز من المزاح.\nثم «الخاتمة لهذا البحث».\nفكل صواب فيه فمن الله وحده لا شريك له، وما كان سوى ذلك فمن نفسي ومن الشيطان.\nوعلى الله قصد السبيل وهو المستعان، وعليه التكلان ولا قوة إلا به.\n\nوكتب:\nأبو أنس\nفهد بن مقعد بن حاسن النفيعي العتيبي","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول\nفي ذكر معنى المزاح والدعابة لغة، ومما اشتقتا منه، وأقوال أهل اللغة في تصريفهما</span>\nقال أبو بكر بن دريد:\n«الْمَزْحُ: ضد الجدِّ، والمِزَاحُ: مصدر مازحته ممازحة ومزاحًا. والاسم المُزاح، ورجل مازح ومُمَازح وهو مصدر مزحتُ أمزح مزحًا».\nوقال في باب النوادر:\n«ويُقَالُ المِزاح والمُزاح، والمِزاحة، والمُزاحة أيضًا».\nوأنشد:\nأما المزاحة والمراء فَدَعْهُمَا ... خُلُقانِ لا أرضاهما لصديق\n\nوقال ابن منظور الإفريقي في «لسان العرب»:\n«المُزَّح من الرجال: الخارجون من طبع الثقلاء المتميِّزُون من طبع البغضاء».\nوقال أيضًا:\n«الدعابة: اللعب، وقد دَعِبَ فهو دَعَّاب لعَّاب، والدُّعْبُبُ","vol":"1","page":15},{"text":"الدُّعابة، والدُّعْبيب أيضًا: المزَّاح».\n«وأدْعَبَ الرجل أَمْلَحَ، أي: قال كلمة مَليحَة، وهو يَدْعَبُ دَعْبًا، أي: قال قولًا يُسْتَمْلَحَ. كما يقال مزح يمزح». اهـ بتصرف.\nهذا ملخص ما ذكره أهل اللغة في معنى المداعبة والمزاح.\nتنبيه:\nذهب بعض أهل العلم إلى أن كلمة «مِزَاح» مشتقة مِن «زاح» أي: مال وحاد.\nمستدلين على ذلك بما رُوِي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «هل تدرون لِمَ سُمِّيَ المزاح؟» قالوا: لا. قال: «لأنه زاح عن الحَق».\nوهذا الذي ذهب إليه بعض أهل العلم غير صحيح، والجواب عليه من وجوه:\nأولًا: أن هذا الأثر المنسوب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله","vol":"1","page":16},{"text":"عنه - لم تصح نسبته إليه، بل هو (ضعيف) كما حقق ذلك الشيخ نجم عبد الرحمن خلف في تخريج «كتاب الصمت» لابن أبي الدنيا.\nثانيًا: أن هذا القول لازمه أن حرف «الميم» في كلمة «مزاح» زائدٌ على أصل الكلمة، وهذا غير صحيح، بل هو أصلي في اسم الكلمة وفعلها. فنقول: «يمزح مزحًا ومزاحًا» وقد بيَّنْتُ لك ذلك فيما تقدَّم، فأغنى عن الإعادة.\nثالثًا: أن مفهوم الأثر مخالف لحكم المزاح شرعًا، إذ أن مفهومه: أن المزاح باطل، لأنه مال وحاد عن الحق، وما كان غير حق فهو باطل، ولا شك ببطلان هذا المعنى، لثبوت المزاح عن النبي - ﷺ - قولًا وفعلًا، وعن أصحابه - ﵃ -، وإقراره لهم، واستمرارهم على ذلك بعد وفاته - ﷺ -، ولم يُعلَم عن أحد منهم أنه كره المزاح مطلقًا.\nرابعًا: مخالفة هذا الأثر- مع كونه لا يثبت سندًا- لما ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في غير ما حديث من أنه مازح النبي - ﷺ - وإخوانه من الصحابة - ﵃ -، وتمازحوا بحضرته فلم ينكر عليهم، وَسَتَمُرُّ بك أمثلة لذلك إن شاء الله.\nخامسًا: ثم على فرض ثبوت الأمر عن عمر - ﵁ -، فإنه من الممكن أن يُحْمَل معناه على أن المزاح غير حق فيؤخذ","vol":"1","page":17},{"text":"على ظاهره، ولا يلزم من ذلك أن يكون باطلًا، إذ ما كلُّ ما ليس بحق يكون باطلًا مطلقًا، وإلا لَمَا مازح النبي - ﷺ - أصحابه ولما عَدَّه بعض الأئمة سُنَّةً مستحبة وعلى هذا: فالمزاح ضربٌ من الكلام المستحسن الذي لا يُؤخذ على أنه حق وصدق، كما لا يلزم منه أن يكون كذبًا وباطلًا، إذ بإمكان المرء أن يمازح أخاه متجنبًا الفحش في القول والفعل، والكذب والإخبار بخلاف الواقع.\nوما أحسن ما قاله القاضي عياض في شرحه لحديث أم زرع:\nقال: «وأما قول من قال: (إنما سُمي المزاح مزاحًا؛ لأنه زاح عن الحق)، فلا يصح لفظًا ومعنى، أما معنى: فقد كان النبي - ﷺ - يمزح ولا يقول إلَّا حقًّا. وأما اللفظ فإن الميم في المزاح أصلية، ثابتة في الاسم والفعل» اهـ.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الثاني\nفي ذكر ما روي عن السلف في ذم المزاح والإكثار منه</span>\nوردت نقول كثيرة جدًّا عن السلف الكرام في ذم المزاح والتزهيد فيه، والتحذير من الإكثار منه، لما يعقب ذلك من وحشة وتنافر وقطيعة وتناكر.\nفمن تلك نقول:\n١. ما صح عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «لا يبلغ رجل حقيقة الإيمان حتى يدَعَ المِرَاءَ وهو مُحِقٌّ، والكذبَ في المزاح».\nفكأنَّ عمر - ﵁ - أراد حديث أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه».","vol":"1","page":19},{"text":"٢. رُوِيَ عن عمر - ﵁ - أنه قال: «مَن مَزَح استُخِفَّ به».\nويروى بلفظ: «مَن كَثُر ضحكه استُخِفَّ به وذهب بهاؤه».\n٣. وقال عمر بن عبد العزيز - ﵀ -: «اتقوا الله، وإياي والمزاحة، فإنها تورث الضَّغِينَةَ وتُثير الحَمَقَة. تحدثوا بالقرآن، وتجالسوا به، فإن ثقُل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال».\n٤. ويروى عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «من كثر كلامه وضحكه ومزاحه، قلَّت هيبته، ومن أكثر من شيء عُرِفَ به».\nويُروى مثله عن الأحنف بن قيس.\nويُروى نحوه مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\nإلا أنه لا يصح بل هو حديث منكر كما في «العلل المتناهية»","vol":"1","page":20},{"text":"لابن الجوزي (٢/ ٧٠٧).\n٥. وقال إبراهيم النخعي: «لا يكون المزاح إلا من سُخْفٍ وبَطَرٍ».\n٦. وقال خالد بن صفوان: «المُزاح: سِبَاب النَوْكَى».\n٧. وقال في التحذير من سوء عاقبة الإكثار من المزاح: «يصُكُّ أحدكم صاحبه بأشد من الجندل، ويُنْشِقُهُ أَحَرَّ من الخردل، ويُفْرِغ عليه أحرَّ من المرجل، ثم يقول إنما كنت أمازحك».\n٨. وفي مثل هذا يقول محمد الورَّاق:\nتلقى الفتى يلقى أخاه وَخِدْنَهُ ... في لَحْنِ منطِقِهِ بما لا يُغْفَرُ\nويقول كنت ممازحًا وملاعبًا ... هيهات نارك في الحشا تَتسعَّرُ\nألهبتها وطفقت تضحك لاهيًا ... مما به وفؤاده يتفطرُ\nأو ما علمت، ومثل جهلك غالبٌ ... أن المزاح هو السِّباب الأكبرُ\n٩. وروي عن الحسن بن حُيَي: «المزاح استدراج من","vol":"1","page":21},{"text":"الشيطان واختداع من الهوى».\n١٠. وقال عبد الرحمن بن الحسين: «كان يُقال: المزاح مسلبة البهاء، مقطعة للصداقة».\nزاد ابن حبان: «... ويورث الضَغَنَ ويُنبتُ الغلَّ».\n١١. وقال ميمون بن مِهْران الجَزَرِي: «إذا كان المزاح أمام الكلام، فآخره الشتم واللِّطام».\nوفي هذا يقول الشاعر:\nفإياك إياك المزاح فإنه ... يُجرِّي عليك الطفل والدَّنِسَ والنَّدلا\nويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثه من بعد عزته ذُلَّا\n١٢. وقال محمد بن المنكدر: «قالت لي أمي: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم».\n١٣. وما أعظم ما أوصى مسعر بن كدام ابنه كدامًا به إذ يقول:","vol":"1","page":22},{"text":"إني نَحَلْتُكَ يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أبٍ عليك شفيق\nأما المزاحة والمراء فَدَعْهُما ... خُلُقَان لا أَرضاهُما لصديق\nإني بَلوتُهما فلم أحْمَدْهُما ... لمجاور جارًا ولا لرفيق\nوالجهل يُزرِي بالفتى في قومه ... وعروقُهُ في الناس أيُّ عروق\n١٤. وقال أبو حاتم بن حبان: «إن من المزاح ما يكون سببًا لتهييج المراء، والواجب على العاقل اجتنابه ...».\nوقال أيضًا: «والمزاح إذا كان فيه إثم فهو يُسَوِّدُ الوجه ويدمي القلب ويحيي الضغينة».\n١٥. وقال الإمام ابن عبد البر: «وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض واستحلاب الضغائن، وإفساد الإخاء؛ وكان يقال: لكل شيء بَدْءٌ، وبَدءُ العداوة المزاح، وكان يقال: لو كان المزاح فحلًا ما أَلقَحَ إلا الشر».\nإلى غير ذلك من النُّقُول وفيما ذكرناه غُنيَةً إن شاء الله.\nثم اعلم- رحمك الله وسَدَّدَك- أن هذه الآثار والنقولَ التي سقت لك بعضها وما كان في معناها محمولةٌ على الإكثار من","vol":"1","page":23},{"text":"المزاح والضحك والمداومة عليه والإفراط فيه؛ لأن الإكثار منه مشغلٌ للعبد عن الذي خُلِقَ له، ومضيِّعٌ للأوقات في اللعب والهزل، كما أنه مسقط للمهابة والوقار. فضلًا عن أن يكون مُقَسٍّ للقلب، بل مُميتًا له، وعلى هذا يُحْمَل حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب».","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الباب الثالث\nفي ذكر أدلة القائلين بتحريمه والرد عليهم</span>\nربما ذهب بعضهم إلى القول بحرمة المزاح والنهي عنه مطلقًا مستدلين على ذلك بأدلة من أظهرها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أولًا:</span> ما رواه الترمذي من حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: «لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تَعِدْهُ موعدًا فَتُخْلِفه».\nقالوا: فهذا دليل صحيح صريح في النهي عن المزاح.\nفَيُرَدُّ عليهم بأن يُقال:\nإن القول بأن الحديث (صحيح صريح) غير صحيح من وجهين هما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الوجه الأول:</span> أما القول بصحة سنده فاعلم «رحمك الله» أن الحديث (إسناده ضعيف) أولًا.\nوأنا أسوق لك إسناده من «جامع الترمذي» قال: «حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا المحاربي، عن الليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن بشير، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس - ﵄ - قال: فذكره.\nوقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من","vol":"1","page":25},{"text":"هذا الوجه».\nومن هذا الوجه رواه أبو نعيم عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد قال: حدثنا محمد بن أحمد المؤمل قال: حدثنا زياد بن أيوب به.\nوقال أبو نعيم: «هذا حديث غريب من حديث عكرمة لم يَرْوِه عنه إلا ليث عن عبد الملك».\nفالحديث إذن لم يخرجه إلا الترمذي وأبو نعيم، من طريق واحد، وكلاهما جزم بأن الحديث ليس له طريق غير هذا الطريق.\nإذا عُلِمَ ذلك فإن هذا الطريق فيه علَّتان:\nالأولى: عنعنة المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد فإنه كان يدلس، كما نقله الحافظ العسقلاني في «التقريب» عن الإمام أحمد.\nوممن وصفه بالتدليس: العُقَيْلي.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه: (بلغنا أنه كان يدلس) كما نقل ذلك عن السيوطي في «أسماء المدلسين».","vol":"1","page":26},{"text":"العلة الثانية:\n(ليث بن أبي سليم).\nوهو من الضعفاء المعروفين وأقوال أئمة الجرح فيه كثيرة أسوق لك ما تحصل به المعرفة بحاله إن شاء الله:\nفقال عنه الإمام أحمد فيما رواه عن ابنه عبد الله: «مضطرب الحديث».\nوقال الإمام أحمد أيضًا: «ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا منه في ليث بن أبي سليم وابن إسحاق وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم».\nوقال عثمان بن أبي شيبة: «سألت جريرًا عن ليث ويزيد بن أبي زياد وعطاء بن السائب فقال: «كان ليث أكثر تخليطًا»، وقال أحمد: «أقول كما قال عن ابنه».\nوقال ابن أبي حاتم عن أبيه: «كان ضعيف الحديث»، يعني ليث بن أبي سليم.\nوقال ابن معين: «ضعيف إلا أنه يكتب حديثه»، وقال مرة: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «ضعيف».\nوكان ابن عيينة يُضَعِّفُه.\nوقال أبو حاتم وأبو زرعة: «ليث لا يُشْتَغَل به هو مضطرب الحديث».","vol":"1","page":27},{"text":"وقال أبو زرعة أيضًا: «ليِّن الحديث، لا تقوم به الحُجَّة عند أهل العلم بالحديث».\nوقال ابن حبان: «اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، يأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد».\nوقال الحاكم: «مجمع على سوء حفظه».\nوقال الجوزجاني: «يضعف حديثه».\nوقال الدارقطني: «ليس بحافظ»، و«سيِّئ الحفظ»، و«ضعيف»، و«ليس بالقوي».\nوقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه»: «ضعيف مدلس».\nوقال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: «صدوق اختلط أخيرًا فَتُرِكَ».\nأما شيخه الهيثمي في «مجمع الزوائد» فقال: «ثقة ولكنه يدلس» وهذا تساهل ظاهر.\nفإن النقول السابقة في جرح ليثٍ كافية لبيان ضَعْفِه.\nفضلًا عن أن شيخ الهيثمي نفسه الحافظَ العراقيَّ حكى في «تخريج الإحياء»: «تضعيفه عن الجمهور»، ثم إن قول أبي نعيم","vol":"1","page":28},{"text":"في «الحلية» بعد أن خَرَّج الحديث: «هذا حديث غريب من حديث عكرمة لم يروه عنه إلا ليث عن عبد الملك» تضعيف منه لهذا الطريق كما هو ظاهر، والله أعلم.\nومن أجل هاتين العلَّتين ضعف الحديث جمع من أهل العلم أذكر لك بعضهم:\n١. الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ١٨٠)، وتبعه المناوي في «فيض القدير» (٦/ ٤٢١).\n٢. الحافظ ابن حجر العسقلاني في «بلوغ المرام» (١٨/ ١٤١٢) من «سبل السلام».\n٣. رمز له تلميذه السيوطي بالضعف في «الجامع الصغير» برقم (٩٨٦٥).\n٤. استغرب الحديث ابن العربي المالكي في «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي» (٨/ ١٦١)، وانظر ما قاله المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٦/ ١٣١).\n٥. وقال الإمام عبد الرحمن بن الدَّيْبَع الشَّيْباني في «تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث» برقم (١٦١٥): «في سنده ضعيف، والله تعالى أعلم».\n٦. وضعفه أيضًا العجلوني في «كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس» برقم (٣٠٤٥).","vol":"1","page":29},{"text":"٧. وممن ضعفه من علماء العصر الإمام العلامة الحافظ شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ -.\n٨. ومنهم محدِّث الدِّيار الشاميَّة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ - كما في «ضعيف الجامع» برقم (٦٢٧٤).\n٩. ومنهم الشيخ الفاضل عبد القادر الأرنؤوط كما في تخريجه لـ «جامع الأصول» لابن الأثير (١١/ ٧٣٥).\nوبعد أن سُقْتُ لك سند الحديث «وهو سند فذٌّ» وبيَّنت لك عِلله وعَضَّدتُ القول بتضعيفه بذكر تضعيف أئمة هذا الشأن له، فلا أظنك إلا موقِنًا ببطلان القول بصحَّته، وبقي أن نُبَيِّن بطلان ما ادَّعوه من أن الحديث صريحٌ في حرمة المزاح فأقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الوجه الثاني:</span>\nاعلم رحمك الله أن الحديث «على فرض ثبوته» غير صريح في تحريم المزاح مطلقًا، لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يمازح أصحابه في غير ما حديث، وكانوا يتمازحون بحضرته فلم ينكر عليهم. وبذلك صَحَّت الأحاديث.\nوفي هذا يقول القاضي عياض: «ورُويت عن أحاديث مشهورة في ممازحته بلالًا وأبا عمير وخَوَّاتًا وزاهرًا وأنسًا وعائشة، وقال للعجُوز: «إن الجنة لا يدخلها العجوز»، وقال لامرأة سألته عن زوجها: «أهو الذي بعينه بياض؟»، وقال لآخر: «لأحملنَّك على ابن الناقة»، وقال لجابر: «فهلَّا بِكْرًا تُداعبها وتُداعبك»، وروي «تُلاعبها وتُلاعبك» في أخبار معروفة، كلها دالَّة على تواضعه","vol":"1","page":30},{"text":"وانبساطه للناس وتحببه».\nوستمر بك- إن شاء الله- أحاديث في هذا الباب.\nوقال الحافظ ابن حجر: «وقد أخرج الترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقًّا»، وأخرج من حديث ابن عباس - ﵄ - رفعه: «لا تمار أخاك ولا تمازحه ..). الحديث، والجمع بينهما: (أي مع حديث «إنا حاملوك على ولد الناقة») أن المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة عليه، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكُّر في مهمات الدين ويؤدي إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح فإن صادف مصلحة مثل: تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو المستحب».\nوعلى هذا فالحديث إن صح فهو محمول على ما لو كان في ذلك تعدٍّ أو إساءة أدب أو إيذاء من ضرب أو ترويع أو أخذ حاجة.\nوعليه، يكون الحديث من جِنْس قوله - ﷺ -: لا يَأْخُذَنَّ أحدكم متاع أخيه لَعِبًا ولا جِدًّا».","vol":"1","page":31},{"text":"وقوله - ﷺ -: «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا». والحديثان صحيحان.\nوبما تقدَّم يتبين لك بطلان الاحتجاج بالحديث على النهي عن المزاح مطلقًا. والله الموفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثانيًا:</span>\nوربما اسْتُدِلَّ بحديث أبي هريرة - ﵁ - في النهي عن كثرة الضحك، على كراهية المزاح والنهي عنه. ويُرَدُّ هذا الاستدلال بأن يُقال: ليس في الحديث دليل على حرمة الضحك بل ولا حتى القهقهة. وهي الضحك مقرونًا بصوت.\nفإن كتب السُّنَّة مليئة بالأحاديث التي فيها ذكر ضحك النبي - ﷺ - حتى تبدو (أنيابه) وفي رواية (نواجذه) وفي رواية (أضراسه)، بل جاء في الحديث أن عمر بن الخطاب - ﵁ - ضحك حتى استلقى على قفاه من شدة الضحك وذلك بحضرة النبي - ﷺ -، ولم ينكر عليه ذلك كما في حديث مبايعة هند بنت عتبة - ﵂ - لرسول الله - ﷺ - وقد جاءته متنكرة حتى لا يعرفها لأجل صَنيعها بعمِّه حمزة بن عبد المطلب - ﵁ -.","vol":"1","page":32},{"text":"ومثله حديث المقدام - ﵁ - كما في (صحيح مسلم) أنه ضحك حتى استلقى.\nوحديث عدي بن حاتم - ﵁ - لمَّا قال لعمر بن الخطاب - ﵁ -: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك حتى استلقى لقفاه ثم قال: «نعم، والله إني لأعرفك ..» الحديث رواه أحمد.\nولا شك أن الصحابة - ﵃ - أبعد الناس عن مناهي الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ -، وإنَّما وقع ذلك منهم على النُّدْرَةِ «أي: الاستلقاء من شدة الضحك» لكنه مشعر بأنهم لا يرون في الضحك بأسًا تأسيًّا بالنبي - ﷺ -.\nثم إن النبي - ﷺ - إنما أراد من هذا الحديث، تجنُّب كثرة الضحك كما هو ظاهر النص، لما يَعْقُب ذلك من قسوة القلب بل موته إذا تمادى صاحبه فيه، ولما يعقبه من الانشغال عن حياة القلوب والأرواح بما خُلِقَت له من ذكر وعبادة وتَنَسُّكٍ.\nوما أحسن ما قاله ابن العربي - ﵀ -: «المعنى فيه أن المرء إنما يضحك عند تأَتِّي الآمال، وصلاح الأحوال بما يناله من السرور فإذا ضحك اغْتَرَّ فأثَّر ذلك في قلبه بعدم الخوف، ففتر أو كَعَّ عن الاجتهاد في العمل لغفلة القلب، فإذا أكثر من ذلك وداوم عليه مات قلبه بترك أصل العمل وإعراضه عن الخوف في","vol":"1","page":33},{"text":"العاقبة».\nومثله قول المباركفوري - ﵀ -: «أي تُصَيِّرُهُ (يعني: كثرة الضحك) مغمورًا في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافِعةٍ ولا يدفع عنها مكروهًا، وذا من جوامع الكلم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا:</span> وربما استُدِلَّ بحديث: «المزاح استدراج من الشيطان، واختداع من الهوى».\nفيُجاب عنه بأن يقال: «هذا الحديث ليس فيه شيء من كتب السُّنَّة، فهو حديث «لا أصل له»، ولم أجد مَن نَسَبَه إلى النبي - ﷺ - سوى الماوردي في كتابه «أدب الدنيا والدين»، وعنه الغَزِّي في كتابه «المراح في المزاح».\nوهما مع ذلك ذكراه مُصدَّرًا بصيغة التمريض فقالا (روي) إشعارًا بضعفه.\nوهذه الصيغة عند أهل الحديث لا تُصَدَّر إلا بما ضعف من الأحاديث.\nومن هذا يعلم خطأهما رحمهما الله في تصديرهما الحديث بهذه الصيغة التي تشعر بأن له أصلًا وإن كان ضعيفًا.\nثم إن نكارة الأثر ظاهرة لكل ذي بصيرة ولله الحمد، فكيف","vol":"1","page":34},{"text":"يكون المزاح استدراجًا من الشيطان وهو سُنَّة مستحبَّة إذا توفَّرت فيه الشروط التي ذكرها العلماء في كتب الأدب والزهد والرقاق.\nوكيف يكون استدراجًا وقد كانت تُؤلَّف به قلوب حتى تدخل الإسلام، كما في قصة خوَّات بن جبير - ﵁ -. وستأتي.\nبقي أن تعرف- رعاك الله- أن هذا الأثر رواه ابن أبي الدنيا في «كتاب الصمت وآداب اللسان» عن الحسن بن حُيَيِّ - ﵀ - بسند (ضعيف أيضًا)، فلا تقوم به حجة، وإنما يذكر وغيره في كتب الزهد والرقائق من باب الاستئناس فقط.\nوعلى هذا فإن معنى الأثر هو: أن بعض المزاح يُجْرِيه الشيطان على لسان المرء ليكون مبدأ خصومة وجدال وتنافر ووحشة ومسببًا للشحناء .. والله أعلم. فبطل بذلك الاستدلال بهذا الأثر على كراهة المزاح مطلقًا والحمد لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>رابعًا:</span>\nوربما استُدِلَّ بأثر عمر - ﵁ - أنه قال: «إنما سمي المزاح مزاحًا؛ لأنه زاح عن الحق».\nويُرَدُّ على هذا الاستدلال من أوجه قَدَّمْتُ لك خمسة منها، فأُعْرِض عن إعادتها خشية الإطالة، لكن ثَمَّة وجه سادس","vol":"1","page":35},{"text":"يحسن أن أُنبِّه عليه وهو:\nالوجه السادس:\nأن هذا الأثر مخالف لصريح قول النبي - ﷺ -: «إني لا أقول إلا حقًّا»، لمَّا سأله أصحابه عن مداعبته لهم ومزاحه، كأنهم استنكروا ذلك منه، تعظيمًا لقدره، فأقرَّهم - ﷺ - على تسمية تلك الأفعال والأقوال التي رأوها منه «مداعبة ومزاحًا»، وزاد بأن بيَّن أن ذلك المزاح حق ليس فيه باطل، فظهر من ذلك أن المزاح قد يكون حقًّا.\nفبطل بذلك الاحتجاج بهذا الأثر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>خامسًا:</span>\nوقد يستدل بحديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، فقال: «إني لا أقول إلا حقًّا».","vol":"1","page":36},{"text":"ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - يستطيع أن يملك نفسه فلا يقول إلا حقًّا، خلافًا لغيره، فإنه لا يملك لسانه، وعلى هذا يفتح باب المزاح على مصراعيه فَيَلِجه من ليس أهلًا لأنْ يراقب منطقه، فيقول ما شاء دون أن يَزِنَ كلامه، فربما وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، بل ربما ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، وهو لا يشعر كما في حديث الذين قالوا: «لم نَرَ مثل قُرَّائنا هؤلاء، أرغب بطونًا وأكذب أَلْسُنًا وأجبن عند اللقاء». فأنزل الله فيهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦].\nوللرد على هذا الاستدلال يُقال:\nإنه لَحَرِيٌّ بمَن خافَ أن يكبّه لسانه على وجهه في نار جهنم أن يراقِب نفسه في القول والعمل، وليس ذلك بمستصعب على مَن جعل قدوته النبي - ﷺ -، وأما القول بأن إباحة المزاح فتح للباب على مصراعيه فليس بصحيح؛ لأن من أراد الاتِّباع والاقتداء بالنبي - ﷺ - سَاسَ نفسه بما ثبت عن نبيه - ﷺ - قولًا وعملًا، أمرًا ونهيًا، فعلًا وتركًا، وعلى هذا المنهج كان الصحابة والتابعون، ومَن تَتَبَّع ما روي عنهم في هذا الباب وجد أنهم لم يخرجوا عن الحق في مزاحهم، ولم يَلجُوا باب الباطل من كذب وسخرية.\nولو قُدِّر أن أحدهم وقع في ذلك فعلًا فإنما هم بشرٌ يصيبون","vol":"1","page":37},{"text":"ويخطئون، وإن وقع الخطأ بادروا بالتوبة منه وإصلاح ما أفسدوا.\nأما نبينا - ﷺ - فإنه مُنَزَّهٌ عن الباطل مُبْعَدٌ عنه.\nولهذا قال المباركفوري: «(لا أقول إلا حقًّا) أي عدلًا وصدقًا، لِعِصْمَتي عن ذلك في القول والعمل، ولا كل أحد منكم قادر على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>سادسًا:</span>\nوربما استدل بما روى الحسن البصري عن النبي - ﷺ - من أنه كان لا يضحك. ويُرَدُّ على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الأثر مرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف.\nالثاني: ما صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه ضحك حتى بدت «أنيابه» وفي رواية «أضراسُه» وفي رواية «نواجذه» في مواطن كثيرة جمع بعضها أحمد المغاري في رسالة سَمَّاها «شوارق الأنوار المُنيفة بظهور النواجذ الشريفة».","vol":"1","page":38},{"text":"وثَمَّة وجه ثالث وهو: مخالفة الحسن البصري - ﵀ - لغيره من علماء التابعين كابن سيرين، فإنه يحتج عليه في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣].\nهذا ملخَّص بعض ما اسْتُدِلَّ به في هذا الباب والرَّد عليه والحمد لله أولًا وآخرًا.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الباب الرابع\nالرخصة في بعض المزاح بشروطه</span>\nرخَّص أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في المزاح، لكنهم جعلوا له قيودًا وشروطًا تضبطه حتى لا ينفتح بابه على مصراعيه فيفضي إلى محرم أو منهي عنه، كإثارة العداوة وإلهاب الضغينة، وما يوصل إلى التقاطع والتدابر وهجر الإخوان، وقطع الرحم، وكذلك القول الباطل، من كذب وسخرية واستهزاء وتنقص من الآخرين في الخُلُق والسلوك وغيره وأعظم من ذلك التنقص منهم في الخَلق والصورة، وبالجملة فما أفضى إلى محرم فهو محرم سدًّا لباب الذريعة وحسمًا لمادة الحظر، وعملًا بما هو أحوط.\nنبَّهَ على هذا المعنى الإمام النووي - ﵀ - فقال:\n«اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب وشغْلًا عن ذكر الله والفِكْر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما إن سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله - ﷺ - يفعله على النُّدْرَةِ لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سُنَّة مستحبَّة،","vol":"1","page":41},{"text":"فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه» اهـ.\nوعليه فإن المزاح ضربان كما قال ابن حبان - ﵀ -:\n«والمزاح على ضربين، فمزاح محمود ومزاح مذموم.\nفأما المزاح المحمود فهو الذي لا يشوبه ما كره الله - ﷿ -، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحِم، وأمَّا المزاح المذموم فالذي يثير العداوة ويذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجرئ الدَنيَّ عليه ويحقد الشريف به».\nوقال أيضًا: «وإذا كان «أي المزاح» من غير معصية فإنه يُسَلِّي الهمَّ ويرفع الخُلَّة ويحيي النفوس ويذهب الحشمة، فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما يُنْسَب بفعله إلى الحلاة، ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد».\nثم ساق بسنده قول إبراهيم النخعي: «لا يمازحك إلا مَن يحبك».\nوقال: «على أني أكره استعمال المزاح بحضرة الطعام، كما أكره تركه عند حضور الأشكال» أي: الأقران، ومقصوده مؤانستهم بحُكْمِ كَوْنِهِم في منزلة واحدة يجترئ بعضهم على بعض مع التزام الهدي النبوي في ذلك.\nوعلى هذا فإن سلم المزاح والدعابة من هذه الأمور فإنه","vol":"1","page":42},{"text":"يُرَخَّص فيه حينئذٍ؛ لأنه وافق هدي النبي - ﷺ - وسمته وخلقه ومعاملته لأصحابه - ﵃ -، بل إنه والحالة هذه يكون سُنَّةً مستحبَّةً وهديًا متَّبَعًا.\nولهذا نقل عن الصحابة - ﵃ - أنهم كانوا يتمازحون، وعرف بعضهم بذلك واشتهر به مثل «النعيمان» و«سُوَيْبِط» و«حمار الذي جلد في الخمر» ولم ينكر عليهم رسول الله - ﷺ - ما اشتهروا به بل كان يَسْتَمْلح مزاحهم، وربما ضحك لهم، بل إنه - ﷺ - شهد لبعضهم بأنه يحب الله ورسوله، كما في قصة «عبد الله الذي كان يدعى حمارًا».\nكما عرف ذلك عمن بعدهم من التابعين، كالشعبي وشعبة بن الحجاج والأعمش وابن أبي عتيق. وغيرهم.\nوعلى هذا جرى عمل الأئمة في مصنفاتهم من صحاح ومسانيد وغيرها. فإنهم بَوَّبوا له في كتبهم للدلالة على تجويزهم له.\nفقال البخاري في كتاب الأدب من «صحيحه»: «باب مَن ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها». وقال: «باب التَّبَسُّم والضحك».\nقال الإمام بدر الدين العيني: «أي: هذا باب في بيان إباحة التبسم والضحك».","vol":"1","page":43},{"text":"وبَوَّب له الترمذي في «جامعه» فقال في كتاب البر والصلة «باب ما جاء في المزاح» وكذلك أبو داود في «السنن» وقال الترمذي في «الشمائل»: «باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله - ﷺ -».\nقال شارحه البَيْجُوري: «أي باب بيان الأخبار الواردة في صفة مزاح رسول الله - ﷺ -».\nوقال ابن ماجه في «السنن» «باب المزاح» من كتاب الأدب، وكذلك الإمام الدارمي في «سننه» من كتاب الاستئذان.\nوقال ابن حبان في صحيحه «باب المزاح والضحك» من كتاب الحظر والإباحة.\nثم قال: «ذكر الإباحة للمرء أن يمزح مع أخيه المسلم بما لا يُحَرِّمُهُ الكتاب والسُّنَّة».\nولو تتبعنا من أفراد للمزاح بابًا من أئمة الحديث وسلف الأمة لطال بنا البحث، وفي ذكر هؤلاء الأعلام غُنْيَةٌ وكفايةٌ إن شاء الله.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>فصل</span>\nهذا وإن العاقل جدير به أن يتوخَّى بمزاحه إحدى حالتين:\nالأولى: إيناس المصاحبين والتودُّد إلى المُخَاطَبين، وهذا يكون بما أُنِسَ من جميل القول وَبُسِطَ من مُسْتَحْسَن الفعل.\nومن هذا النوع قول النبي - ﷺ - للصبي الذي مات طائر كان له: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟». رواه البخاري.\nفإنه - ﷺ - لما رأى على أبي عمير أثر الحزن والكآبة أراد أن يُؤْنِسَه ويداعبه لينفي عنه ما رآه.\nالثانية: نفي ما طرأ على النفوس من سَأَم أو همٍّ أو مللٍ.\nومن هذا النوع قول النبي - ﷺ - لعلي بن أبي طالب - ﵁ - - وقد رآه في المسجد نائمًا لِخِصَام كان بينه وبين زَوْجِه فاطمة - ﵂ - -: «قم أبا تراب، قم أبا تراب» وهو يَنْفض التراب عنه. رواه البخاري.\nوعلى هاتين الحالتين كان مزاح رسول الله - ﷺ - وأصحابه، يعلم هذا مَن تتبَّع ما ورد عنهم في هذا الباب.\nوفي هذه الحالة الثانية «الإحماض» الذي كان يفعله أهل","vol":"1","page":45},{"text":"العلم في دروسهم ومجالس إملاء التلاميذ.\nوهو أن يأتي الشيخ بِمُسْتَظْرَفٍ من القول أو نادِرة كلامٍ أو مُسْتَحْسَنِ حديث أو قصة أو شعر إذا رأى على الطلاب أثر السآمة والمَلل.\nوالإحماض في اللغة: مأخوذ من الحِمْض وهو نبات فيه ملوحة تَتَفَكَّهُ به وتشرب عليه الإبل إذا أكثرت من أكل النبات الحلو.\nفالإحماض هو: أخذ الشيخ شيئًا من مُلَح الكلام والحكايات وما يؤنس من أخبار وأشعار، لِيُريحَ طلابه خشية الملل عليهم.\nوفي ذلك كان يقول ابن عباس - ﵄ - إذا أفاض مَنْ عِنْدَه في الحديث بعد القرآن والتفسير: «أَحْمِضُوا».\nوكان الزهري - ﵀ - يقول: «الأذن مجَّاجة والنفس حَمْضَة» أي: الأذن تَمُجُّ ما تسمعه فلا تَعِيهِ إذا وُعِظَت بشيء أو نُهِيَت عنه، ومع ذلك فلها شهوة في السماع.\nقال الزهري: «والمعنى أن الأذان لا تعي كل ما تسمعه وهي مع ذلك ذات شهوة لما تَسْتَظْرِفُه من غرائب الحديث ونوادر الكلام». اهـ.","vol":"1","page":46},{"text":"ومثاله:\nما فعله العلامة السِّنْبَاوي المالكي المعروف بـ «الأمير الكبير» في كتابه «النخبة البهية».\nفإنه لما كان يملي على الطلاب، ورأى السآمة غشيتهم أورد أثرًا عن الصحابي عمر بن سراقة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - بعثه في سرية فجاع، فكان لا يستطيع المشي، فَضَيَّفَه جماعة من العرب فأكل حتى مشى فقال: «كنت أحسب أن الرجلين تحملان البطن، فرأيت البطن تحمل الرجلين».\nوالأثر لا مناسبة لِذِكْره في هذا الكتاب «النخبة البهية» ولكنَّ الأمير السنباوي - ﵀ - أراد أن يُذْهِب التعب والنَّصَب عن الطلاب بهذه الملحة ليستعيد الطلاب نشاطهم، ويطرحوا عنهم التعب والملل. فكان للأمير ما أراد.\nوفي هذا المعنى يقول ابن القيم - ﵀ - في نونيَّته: (وتخلل الفترات للعزمات أمرٌ لازم لطبيعة الإنسان)\nأي أن طبيعة الإنسان وجِبِلَّتَه لابد أن يلحقها فتور وتعب مهما بلغ به الجد والعزم على إنقاذ ما أراد، لذلك لابد من إجْمَامها والترويح عنها. وقد قيل: «إني لأستجم قلبي بشيء من اللهو","vol":"1","page":47},{"text":"لأقوى به على الحق».\nومنه قول أبي الدرداء: «إني لأحمل نفسي على الباطل لأعينها على الحق».","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الباب الخامس\nمزاح النبي - ﷺ - ودعاباته وحُسن خُلُقه</span>\nاعلم- رحمك الله وسدَّدك- أن النبي - ﷺ - بلغ الغاية التي لم يبلغها بشر سواه في جميل الأخلاق، وحُسن العشرة، فقد امتدحه الله - ﷿ - في كتابه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].\nفكان لذلك أحسن الناس أخلاقًا، وأزكاهم نفسًا، وألينهم عَرِيكة، وأكرمهم عشرة، وكان هيِّنًا ليِّنًا سهلًا قريبًا، دائم البِشْر، منبسط الوجه، ضحوك السِّنِّ على أكثر أحواله، كثير التبسُّم لأصحابه، ما حدَّثهم حديثًا إلا وهو يبتسم.\nوقال جابر بن عبد الله - ﵄ -: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نزل الوحي قلت نذير قوم، فإذا سُرِّيَ عنه فأكثر الناس ضحكًا، وأحسنهم خلقًا».\nوفي رواية أخرى بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أتاه الوحي أو وَعَظ قلت: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت","vol":"1","page":49},{"text":"أطلق الناس وجهًا، وأكثرهم ضحكًا، وأحسنهم بِشْرًا».\nووصفه أحد أصحابه فقال: «ما رأيت أحدًا أكثر مزاحًا منه».\nوقال عبد الله بن عباس - ﵄ -: «كانت فيه - ﷺ - دعابة».\nوقال عبد الله بن الحارث بن جزء - ﵁ -: «ما رأيت أحدًا كان أكثر تبسُّمًا من رسول الله - ﷺ -».\nوفي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال: «ما حَجَبَني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك».\nوكانت له - ﷺ - مهابة في صدور الناس فكان يباسطهم","vol":"1","page":50},{"text":"بالدعابة، وطلاقة الوجه والبشاشة، فلا يحسب جليسُهُ أن أحدًا أكرم عليه منه؛ يخالط أصحابه ويجالسهم ويمازحهم ويضحك مما يضحكون وربما تبسم - ﷺ -.\nفعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «جالست النبي - ﷺ - أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت فربما تبسَّم».\nوفي رواية: «فيتبسم معهم إذا ضحكوا».\nوعن أبي مالك الأشجعي - ﵁ - قال: «كنَّا نجالس النبي - ﷺ - فما رأيت أطول صمتًا منه، وكانوا إذا أكثروا عليه تبسم».\nوعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت - ﵁ -، فقالوا: حدِّثنا ببعض حديث رسول الله - ﷺ -، فقال: «وما أحدثكم؟ كنت جاره فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذَكَرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذَكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذَكَرهُ مَعَنا، فكل هذا أحدثكم","vol":"1","page":51},{"text":"عنه».\nوكان - ﷺ - يُقَبِّلُ صبيان أصحابه، ويمازحهم، ويداعبهم، وَيُجْلِسُهُم في حِجْرِهِ، فربما بال أحدهم في حجره، فلا يُزْرِمُهُ ولا يتضجر منه.\nفعن عمر بن أبي سلمة - ﵁ - قال: «كنت غلامًا في حجر رسول الله - ﷺ - ...» الحديث.\nوبال ابن أم قيس - ﵄ - في حِجْره فلم ينهره ولم يَرْمِهِ طُولَه.\nوبالجملة، فإنه - ﷺ - لم يخُصَّ مزاحه بأحد دون أحد، وما ابتسم في وجه بعض أصحابه وقَطَّبَ في وجه آخرين، بل مازح الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والحر والعبد، والمحسن والمسيء، كما تبسم في وجه الأعرابي الذي جَذَبَهُ بردائه جذبةً شديدةً «وكان رداؤه بردةً نجرانيةً غليظة الحاشيةِ» فأَثَّرَت في صَفْحَة عاتقه - ﷺ - ثم قال الأعرابي: «يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك» فلم يَزِد رسول الله - ﷺ - على أن التفت إليه وضحك في وجهه","vol":"1","page":52},{"text":"وأمر له بعطاء.\n-فبربك - هل علمت أحدًا من العالمين يقابل الإساءة بمثل هذا الإحسان غير رسول الله - ﷺ -؟\nفَرَفْعُ الصوتِ، وجَذْبُ الرداءِ، وتَأثيره في عنقه - ﷺ -، ومناداتُهُ باسمه المجرَّد، والفَظَاظَةُ في الرِّفادة وطلب المال، كل هذا يكون ردُّه بضحك في وجهه، والتفاتة بوجه طَلق، وخفض في الصوت، بل ويأمر فوق ذلك بأن يعطى من المال ما أراد، فأي خُلُق أحسن من حُسْن الخُلُق هذا.\nقال الله - ﷿ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nوقال عزَّ من قائل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nتنبيه:\nنقل بعض الصحابة عن النبي - ﷺ - أنه ما كان يضحك إلا تبسمًا حتى لا تُرَى لهواته.\nكما في حديث عائشة - ﵂ - قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان","vol":"1","page":53},{"text":"يتبسم».\nومثله حديث حصين بن يزيد الكلبي - ﵁ - قال: «ما رأيت النبي - ﷺ - ضاحكًا، ما كان إلا التبسم» حتى قال الإمام ابن الجوزي - ﵀ -: «ولا يصح عن الرسول - ﷺ - أنه كان يزيد على التبسم».\nيَرِدُ عليه:\nما صح من الأحاديث أن النبي - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه مَروِيَّاتٍ عن عدد من أصحابه منهم «أبو هريرة، وصهيب، وأنس - ﵃ -».\nوكضحكه في حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، وحديث جابر - ﵁ -: «كان أكثر الناس ضَحِكًا».\nوحديث جرير - ﵁ -، المُتَقَدِّمِين، وحديث الأعرابي الذي قال للنبي - ﷺ -: «والله لا تجده إلا رجلًا قرشيًّا أو أنصاريًّا» فضحك له النبي - ﷺ -. وهو في «صحيح البخاري».","vol":"1","page":54},{"text":"وحديث عمرة بنت عبد الرحمن قالت: قلت لعائشة - ﵂ -: كيف كان رسول الله - ﷺ - إذا خلا؟ قالت: «كان أبرَّ الناس، وأكرم الناس، ضحَّاكًا، بسَّامًا».\nفي أحاديث كثيرة يطول سردها، وقد تقدم بعضها.\nوالنواجذ» هي الأضراس، ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك، وعليه، فظاهر هذه الأحاديث معارض لظاهر الأحاديث المتقدمة في أن النبي - ﷺ - ما كان يزيد على أن يتبسم.\nوحتى يُدْرَأ هذا التعارض فإني أقول:\nاعلم- رحمك الله وسدَّدك- أنه لا منافاة بين كونه ضحك حتى بدت أضراسه، وبين حديث عائشة - ﵂ - المتقدم؛ لأنه يمكن التوفيق بينهما من ثلاثة أوجه- والحمد لله- وهي:\nأولًا: أن الأحاديث التي فيها إخبارٌ بأن النبي - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه مُثْبِتَة للفعل، وحديث عائشة نافٍ له، والمقرر عند أهل العلم بالحديث والأصول أن المُثْبت مُقَدَّم على النافي.\nثانيًا: أن عائشة - ﵂ - إنما نفت الاستجماع للضحك وهو التَّأهُّب له، وفرق بين الضحك، والاستجماع للضحك.\nقال الحافظ: «مستجمعًا ضحكًا» أي: مبالغًا في الضحك لم يترك منه شيئًا، يُقال: استجمع السَّيْلُ: اجتمع من كل موضع ..».","vol":"1","page":55},{"text":"وقال: «أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك بحيث يضحَكُ ضحكًا تامًّا مقبلًا بكُلِّيَّته على الضحك». اهـ.\nواللَّهَوات: جمع لهاة: وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم، وهي لا تُرَى إلا في أسوأ الضحك، ولذلك جعلتها عائشة - ﵂ - مقياسًا لضحك النبي - ﷺ -، فلا تُرَى إن ضحك، وترى أضراسه ونواجذه، وفرقٌ بين الأضراس واللهوات.\nثالثًا: أن عدم رؤية الحصين بن يزيد وغيره من الصحابة لضحك النبي - ﷺ -، لا يعني عدم رؤية غيرهم من الصحابة لضحكه - ﷺ -.\nفَهُمْ إنما نفوا رؤية الضحك، ولم يَنْفوا الضحك مطلقًا.\nفدلَّ على أن كل واحد من الصحابة حدَّث بما رأى، وكلهم عدول، تُقْبل رواياتهم، ولا يُرَدُّ منها شيء لعدم تعارضها- والحمد لله-.\nومما تقدم يعلم مدى تصويب قول الإمام ابن الجوزي - ﵀ - المتقدم.\nوقول بعضهم أن «ضحكه لا يتجاوز التبسم كما هو متواتر، فكثرة ضحكه كناية عن كثرة تبسمه، وهو بالتالي كناية عن كثرة بشاشته».","vol":"1","page":56},{"text":"وعليه: فلعل أقرب الأقوال وأعدلها بعد النظر في مجموع الأحاديث وسَبْر أقوال أهل العلم في فقهها أن يقال: أن النبي - ﷺ - كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، ولا يعني ذلك عدم الضحك، بل ربما ضحك من غير استجماع له. والله أعلم.\nومع هذا فما كان مزاح النبي - ﷺ - إلا نُدْرَة وبحقٍ، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «لا تكثروا من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب».\nومثله حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقا».\nفالحديثان دالان على أن مزح النبي - ﷺ - وضحكه ما كانا إلا بحق على قِلَّتِهِمَا، وما أشد هذين الشرطين، ومن أجل ذلك قال الإمام الغزالي - ﵀ -:\n«إلا أنَّ مثله (أي: رسول الله - ﷺ -)، يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وأما غيره إذا فُتِحَ باب المزاح، كان غرضه أن يُضْحِكَ الناس كيفما كان».","vol":"1","page":57},{"text":"لذا فإني ذاكرٌ لك فصولًا فيها أمثلة من مزاحه - ﷺ - مع أهل بيته وأصحابه وصبيانهم، مُلْتَمِسًا ما صَحَّ منها، وفي كلها ما كان يقول رسول الله - ﷺ - إلا حقًّا.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>فصل\nفي مزاح النبي - ﷺ - مع أهل بيته وعِتْرَتِهِ</span>\nكان لأهل بيت النبي - ﷺ - الحظ الأوفر من حُسن خُلقه، والقدح المعلَّى من جميل عشرته، لكثرة مخالطتهم إياه، ولمداومتهم على لُقْياه، فكان خير الناس لأهليهم، فعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وفي رواية: «خياركم خياركم لأهله».\nوصح عن المقدام بن معد يكرب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب».\nوفي لفظ: «أن رسول الله - ﷺ - قام في الناس فحمد الله وأثنى","vol":"1","page":59},{"text":"عليه ثم قال: «إن الله يوصيكم بالنساء خيرًا (مرتين)، فإنهن أمهاتكم وبناتكم وخالاتكم ..».\nوقوله: «الأقرب» يعني: «الأدْنَونَ منك».\nوأدنى الناس من الرجل أهل بيته «وكَرَّرَ الفعل مع المُؤكِّد حثًّا على الاهتمام بالوصية».\nوفي هذا المعنى قال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ -: «كان رسول الله - ﷺ - خير الناس لأهله، يداعبهم، ويتحدث معهم - ﵊ -، ويأتيهم ويبيت معهم في الفراش ويجامعهم، ما كانت عنده الرهبانية التي تمنعه من قربان أهله والأُنْسِ بهم والتحدث إليهم، وربما تَعَرَّقت عائشة العظم ثم أَخذه فَتَعَرَّقَه، ووضع فمه موضع فمها، وربما شربت الماء ثم أخذ الفَضْلَة فشربها، كل هذا من باب المداعبة والإيناس للأهل، وإظهار الحب، ولما جاء قوم إلى بيته فسألوا عن عمله - ﵊ -، فلما أخبروا بعمل النبي - ﷺ - كأنهم تقالُّوه، وقالوا: أين نحن من رسول الله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما","vol":"1","page":60},{"text":"أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، إلى آخره. فلما بلغ النبي - ﷺ - خطب الناس فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي، وأنام، وأصوم، وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني».\nفالتَّقَشُّف الذي معناه ترك الحلال، وترك إيناس الأهل، وترك الأكل من الطيبات هذا خطأ». اهـ.\nولذلك كثرت النصوص في مزاحه ودعابته وإيناسه لعائشة وزينب بنت أبي سلمة، والحسن، والحسين، وسودة بنت زمعة، وغيرهم من أهل بيته - ﷺ - و- ﵃ - أجمعين.\nوإليك- أخي الكريم- جملة صالحة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أولًا:</span>\nروى النسائي في كتاب «عشرة النساء» بسند صحَّحه الحافظ ابن حجر، عن أبي سلمة - ﵁ - قال: قالت عائشة - ﵂ -: «دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبي - ﷺ -: يا حميراء، تحبين أن تنظري إليهم؟».","vol":"1","page":61},{"text":"وفي البخاري أن عائشة - ﵂ - قالت: «كان يوم عيد يلعب السودان بالدُّرَق والحراب، فإمَّا سألت النبي - ﷺ -، وإما قال تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خَدَّي على خَدِّهِ وهو يقول: «دونكم يا بني أَرْفِدَة»، حتى إذا مللت قال: «حسبك؟» قلت: نعم، قال: «اذهبي».\nوفي لفظ للبخاري: «أن عمر زجرهم فقال - ﷺ -: «دعهم، أَمْنًا يا بني أرفدة».\nوفي أخرى عنده أيضًا: «أن عمر أَهْوَى إلى الحصى فحصبهم بها».","vol":"1","page":62},{"text":"وفي أخرى: «قالت عائشة: فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو».\nفانظر- رحمك الله- إلى جميل دعائه لها بـ «يا حميراء» إيناسًا لخاطرها، وملاطفة لها، وتمليحًا لِخِلْقَتِها، وانظر إلى سهولته - ﷺ -، وخفض جَنَاحِهِ لأهله، حتى يأخذوا حاجتهم مما يريدون دون أن يُعَجِّلَهُم وإن أثقلوا عليه.\nففي كتاب «عشرة النساء» للإمام النسائي: أن النبي - ﷺ - قال: «أما شبعت؟ أما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده».\nوفيه أنه كان يقول: «حسبكِ، وهي تقول: لا تَعْجَل».\nفلا يعجل من أجل إيناسها، بل في بعض الروايات أن عائشة قالت: «ولقد رأيته يراوح بين قدميه» فأَعْظِم به من عَشِير - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثانيًا:</span>\nروى الشيخان عن عائشة - ﵂ - قالت: «جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يَكْتُمن من أخبار أزواجِهِن شيئًا»، وفي آخره «... قالت الحادية عشرة: زوجي","vol":"1","page":63},{"text":"أبو زرع، فما أبو زرع؟ أَنَاسَ مِن حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وملأ من شحم عَضُدَيَّ، وَبَجَحَنِي فَبَجِحَتْ إليَّ نفسي، وَجَدَني في أهل غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فجعلني في أهل صَهِيلٍ وأَطيطٍ وَدَائِسٍ وَمِنَقٍّ، فعنده أقول فلا أُقَبَّح، وأرقد فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فأَتَنَقَّحُ ... ثم قالت: خرج أبو زرع والأَوطَابُ تُمْخَضُ فَلَقِيَ امرأةً معها وَلَدَانِ كالفهدين، يلعبان من تحت خَصْرِها بِرُمَّانتينِ، فَطَلَّقني ونكحها، فَنَكَحْتُ بعده رجلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وأخذَ خَطِيًّا، وأَرَاحَ عَليَّ نَعَمًا ثَرِيًّا وأعطاني من كل رائحة زوجًا، وقال: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أهلك، قالت: فلو جَمَعْتُ كُلَّ شيءٍ أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زَرْعٍ.\nقالت عائشة - ﵂ -: قال رسول الله - ﷺ -: «كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع».\nكأن النبي - ﷺ - قال ذلك تطييبًا لها، وطمأنينة لقلبها، ودفعًا","vol":"1","page":64},{"text":"لإيهام عموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع، إذْ لم يكن فيه ما تذمّه النساء سوى تطليقه لزوجه، ويؤيد ذلك ما زاده الهيثم بن عدي: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع في الأُلفة والوفاء، لا في الفُرْقة والجلاء»، وكذلك زيادة الزبير بن بكار: «إلا أنه طلَّقها وإني لا أطلِّقكِ».\nقال النووي: «و(كان) زائدة أو للدوام كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: كان فيما مضى وهو باقٍ كذلك. والله أعلم».\nوفي الحديث دليلٌ على حسن عشرته لأهله - ﷺ -، وأُلفته لهم، وفيه المزح أحيانًا وبَسْط النفس به ومداعبة الرجل أهله، وإعلامه بمحبته لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ثالثًا:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - عند بعض","vol":"1","page":65},{"text":"نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام فضربت التي النبي - ﷺ - في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي - ﷺ - فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: «غارت أمكم»، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرت صحفتها، ومسك المكسورة في بيت التي كسرت فيه».\nفي هذا الحديث بيان لجميل معاملته - ﷺ - لنسائه، فإنه لم يَلُمْ التي فلقت الصحفة على غيرتها بل مازحها بأن قال: «غارت أمكم»، وفي رواية عند النسائي أنه قالها مرتين.\nوفي الحديث اعتذار منه - ﷺ - لها، لئلا يحمل صنيعها على ما يذم، بل يجرى على عادة الضرائر في الغيرة، وفيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغَيْرَاء بما يصدر منها، لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة، فلذلك آنسها النبي - ﷺ - بتلك الكلمة للدلالة على عدم لَوْمِهَا في ما صنعت، وجمع فِلَقَ","vol":"1","page":66},{"text":"الصحفة بنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>رابعًا:</span>\nعن عائشة - ﵂ - قالت: ألا أحدثكم عني وعن النبي - ﷺ -؟ قلنا: بلى، قالت: «لما كانت ليلتي التي هو عندي- تعني النبي - ﷺ - - انقلب فوضع نعليه عند رجليه، ووضع رداءه، وبسط طرف إزاره على فراشه فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، ثم انتعل رويدًا، وأخذ رداءه رويدًا، ثم فتح الباب رويدًا، وخرج وأجافه رويدًا، وجعلت دِرْعي في رأسي، واخْتَمَرْتُ وتَقَنَّعْتُ إزاري، فانطلقت في إثره، حتى جاء البقيع فرفع يديه ثلاث مرات، وأطال القيام، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، وسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: «مالك يا عائشة- وفي رواية- عائش- حَشْيَا رابِيَةً»، قالت: لا. قال: «لَتُخْبِرِيني أو لَيُخْبِرَنِي اللطيف الخبير»، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر. قال: «فأنت السَّوَادُ الذي رأيته أمامي؟» قالت: نعم، فَلَهَدَني في","vol":"1","page":67},{"text":"صدري لَهْدَةً أوْجَعتني، ثم قال: «أظننت أن يَحِيفَ الله عليك ورسوله؟» قالت: مهما يَكْتُم الناس فقد علمه الله، قال: «نعم»، قال: «فإن جبريل - ﵇ - أتاني حين رأيت، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، فناداني فأخفى منك فأجبته، فأخفيت منكِ فظننت أن قد رقدتِ، وخشيت أن تَسْتَوْحِشِي، فأمرني أن آتي أهل البقيع فأستغفر لهم».\nفي هذا الحديث صور من جميل خطاب النبي - ﷺ - لأهله، ومداعبته إياهم بتَرْخيم اسمها، ولطيف استغرابه لارتفاع أنفاسها، من غير مستنكر من القول، حتى استمال قلبها، وأخبرته وهي راضية، ثم قال- ترويحًا لها وطمأنينة لها- «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟» أي: أخشيت أن أدخل في يومك على غيرك من نسائي؟ فإن ذلك لن يكون مني، لأنَّهُ حَيْف وجَوْر، وهو مُنَزَّهٌ عنه - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>خامسًا:</span>\nوعنها - ﵂ - قالت: «أتيت النبي - ﷺ - بخريزةٍ قد طَبَخْتُها له، فقلت لسودة - ﵂ - والنبي - ﷺ - بيني وبينها: «كلي»، فأبت، فقلت: «لتأكلنَّ، أو لألطخن وجهكِ»، فأبت،","vol":"1","page":68},{"text":"فوضعت يدي في الخريزة فَطَلَيْتُ وجهها، فضحك النبي - ﷺ -، فوضع يده لها، وقال لها: «الْطَخي وجهها»، فضحك النبي - ﷺ - لها، فمرَّ عمر فقال: يا عبد الله يا عبد الله، فظن أنه سيدخل فقال: «قوما فاغسلا وجوهكما»، فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله - ﷺ -.\nوفي هذا الحديث ضرب من ضروب مزاحه - ﷺ -، ودماثة خلقه، فإنه لما رأى ما فعلت عائشة بسودة - ﵄ -، أراد أن تَقْتَصَّ لنفسها، فخفض لها ركبتيه لتستقيد منها- كما في رواية الزبير بن بكار- وهو في هذا يضحك استملاحًا لمزاحهما، بل إنه - ﷺ - ضَرَبَ معهما بسهم في المزاح، فقال لسودة: «الْطَخي وجهها»، فلطخت وجه عائشة - ﵄ -، فضحك لها كما ضحك لعائشة.\nوليعلم أن هذا المزاح بين أمهات المؤمنين لم يكن فيه إثارة لضغائن كامنة أو أحقاد أو غيرها بين عائشة وسودة، وحاشاهن من ذلك، بل هو من جِنْس تَبَادُح الصحابة بالبطيخ، مع كون الأنفس مُتَوَادَّة متراحمة، فعن عائشة - ﵂ - قالت: «ما رأيت","vol":"1","page":69},{"text":"امرأة أَحَبُّ إليَّ أن أكون في مِسْلاخها من سودة».\nقال ابن الأثير: «كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها».\nوقال القاضي عياض: «وحقيقة ذلك أنها تمنَّتْ أن تكون هي، وإلا فإن أحدًا لا يكون في جلد غيره».\nوقال القرطبي: «تمنت أن تكون على مثل حالها في الأوصاف التي استحسنت منها؛ لأنها كانت حديدة القلب، حازمة مع عقل ودين».\nوبهذا عُلِم يقينًا- أن تلك الدعابة لم تكن عن حقد وبغضاء، ولو كانت كذلك، لعلمها النبي - ﷺ -، فَلَمَّا كان الحامل عليها خلاف ذلك أذن لها في مثل هذا المزاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>سادسًا:</span>\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: خرجت مع النبي - ﷺ - في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أبْدُن. فقال للناس: «تَقَدَّمُوا»، فَتَقَدَّمُوا، ثم قال لي: «تعالي حتى أسابِقَكِ»، فسابقته","vol":"1","page":70},{"text":"فسبقتُهُ، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبَدِنْتُ ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تَقَدَّمُوا» فَتَقَدَّمُوا، ثم قال لي: «تعالي حتى أسابِقَكِ» فسابقته فسبقني، فضحك وهو يقول: «هذه بتلك».\nقال الساعاتي - ﵀ -: «فيه ملاطفة الزوجة وحُسن معاشرتها، وجواز مسابقتها بقصد المزح والملاعبة وإدخال السرور عليها، وهذا من مكارم أخلاقه - ﷺ -». اهـ.\nقلت: يعرف هذا مَن قرأ سيرته وهديه مع أهل بيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>سابعًا:</span>\nومنها أن عليًّا وفاطمة - ﵄ - تخاصما فخرج علي من بيته ولم يَقِلْ عندها، فطلبه النبي - ﷺ - فوجده مُضْطَجِعًا قد سقط رداؤه عن شِقِّهِ وأصابه التُّراب فجعل رسول الله - ﷺ - يمسحه عنه ويقول: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ».\nففي هذا الحديث ضربٌ جميل من إيناسه لعلي - رضي الله","vol":"1","page":71},{"text":"عنه -، إذ رآه مغضبًا، فمازحه بتكنيته بما لا يغضبه بل يؤنسه ويفرح به، فقد صحَّ أنه - ﵁ - كان يفرح إذا دعي بأبي تراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثامنًا:</span>\nروى أبو داود من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن العيزار بن حريث، عن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: استأذن أبو بكر رحمة الله عليه على النبي - ﷺ -، فسمع صوت عائشة عاليًا، فلما دخل تناولها لِيَلْطِمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله - ﷺ -، فجعل النبي - ﷺ - يَحْجِزُه، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي - ﷺ - حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتِني أنقذتُك من الرجل؟» قال: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله - ﷺ -، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سِلْمِكُمَا كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي - ﷺ -: «قد فعلنا، قد فعلنا».","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>تاسعًا:</span>\nومن جميل عشرته لأهل بيته:\nحُنُوُّه على الحسن والحسين - ﵄ - وتقبيلُهما ومصُّ شفتيهما.\nفعن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يمصُّ لسانه أو شفتيه- يعني الحسن بن علي - ﵄ - - وإنه لن يُعَذَّب لسان أو شفتانِ مَصَّهُمَا رسول الله - ﷺ -».\nومثله عن ابن عباس - ﵄ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - فَرَّجَ بين فخذي الحسين وقبَّل زبيبتيه».\nوكان يجلسهما في حجره - ﷺ - ويدعو لهما، ويحملهما في الخطبة، وربما ارتحلاه وهو ساجد، فلا يُعَجِّلُهمَا، وحمل أحدهما على عاتقه ممازحة له كما فعل بالحسن.","vol":"1","page":73},{"text":"ومثله حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبي - ﷺ -، فقلت: نعم الفرس تحتكما، فقال النبي - ﷺ -: «ونعم الفارسان».\nوعند الطبراني في «الأوسط»، أن النبي - ﷺ - كان يصلي فكان يمسكهما حتى لا يَقَعَا، فقال عمر: «نعم المطيَّة مطيتكما»، وعند أبي يعلى أن الصحابة - ﵃ - إذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما ..».\nبل ربما صعد أحدهما على بطنه - ﷺ - فبال عليه وهو نائم فلا يُزْرِمُهُ حتى يقضي بوله.\nومن ذلك ما رُوي أن الحسين صعد على بطن النبي - ﷺ - فوضع ذكره في سُرَّتِهِ، فبال، فأرادت زينب بنت جحش - ﵂ - أن تحُطَّه عن بطنه فَنَهَاهَا النبي - ﷺ - ... في حديث أطول من هذا ..\nوفيه: «... ثم قام يصلي واحتضنه فكان إذا ركع وسجد وضعه وإذا قام حمله ...».","vol":"1","page":74},{"text":"ومن جميل مداعبته للحسن ما ثبت من أنه - ﷺ - كان يُدَلِّع له لسانه.\nفعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - لَيُدَلِّعُ لسانه للحسن بن علي - ﵁ - فيرى الصبي حمرة لسانه فيبهش إليه».\nوعنه - ﵁ - قال: أخذ النبي- - ﷺ - بيد الحسن- أو الحسين- - ﵄ -، ثم وضع قدميه على قدميه ثم قال: «تَرَقَّ».\nوالأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًّا، وقد سُقْتُ لك جملة صالحة- إن شاء الله- منها في ذكر هديه في العشرة والمزاح مع","vol":"1","page":75},{"text":"أهل بيته، وإن كان بعضها يفي بالمقصود، ولو أردت الإطناب والاستقصاء، لبلغت الوُرَيْقَات مجلدات ولعلَّ فيما تقدَّم مَنْدُوحة عن ذلك، والحمد لله.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>فصل\nفي مزاحه مع أصحابه - ﵃ </span>-\nلا شك أن كل عاقل إذا كانت له حَظْوَة عند أصحابه لا يصدرون إلا عن رأيه، ويمتثلون أمره فإنه يلاطفهم ويتحبب إليهم ويمازحهم دون أن ينال ذلك من منزلته أيَّ منال، وهو بذلك يُوطِّد تلك الحَظْوَة ويَأْسِر تلك القلوب، بجميل العشرة والصحبة.\nلذا فقد كان هدي نبينا - ﷺ - مع أصحابه كذلك، ولا غرو فهم أعلم الناس بسياسة القلوب وقد جاءت أحاديث صحاحٌ هنَّ شواهدُ لما أقول، فمن تلكم الأحاديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>أولًا:</span> عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: أتى رجل النبي - ﷺ - فاستحمله «أي سأله أن يُعْطِيَهُ حَمُولة يركبها» فقال رسول الله - ﷺ -: «إنا حاملوك على ولد ناقة»، قال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «وهل تَلِد الإبلَ إلا النوق؟».\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>ثانيًا:</span> وعن الحسن البصري قال: أتت عجوز إلى النبي - ﷺ -","vol":"1","page":77},{"text":"فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يُدْخِلَني الجنة، فقال: «يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز». قال الحسن: فَوَلَّتْ تبكي، فقال رسول الله - ﷺ -: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>ثالثًا:</span> عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرَ- أو حرامَ بن حجال- وكان يهدي للنبي - ﷺ - الهديَّةَ من البادية، فَيُجَهِّزْه رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يخرج، فقال","vol":"1","page":78},{"text":"النبي - ﷺ -: «إن زاهرًا بادينا ونحن حاضروه»، قال: وكان يحبه النبي - ﷺ -، وكان رجلًا دَميمًا، فأتاه النبي - ﷺ - يومًا وهو يبيع متاعه، فاحْتَضَنهُ من خلفه وهو لا يُبْصِره، فقال: «أرسلني، من هذا؟» فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النبيَّ - ﷺ -، فجعل لا يَأْلُو ما ألصق ظهره بصدر النبي - ﷺ - حين عرفه، وجعل النبي - ﷺ - يقول: «مَن يشتري العبد؟» فقال: يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي - ﷺ -: «لكِنَّك عند الله لست بكاسد»، أو قال: «لكن عند الله أنت غالٍ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>رابعًا:</span> وعن عبد الحميد بن صَيْفِي، عن أبيه، عن جده صهيب - ﵁ - قال: قدمت على النبي - ﷺ - وبين يديه تمر وخبز، فقال: «ادنُ فَكُل» قال: «فأخذ يأكل من التمر» فقال له النبي - ﷺ -: «إن بعينك رمدًا» فقال: «يا رسول الله، إنما آكل من الناحية","vol":"1","page":79},{"text":"الأخرى». فتبسم النبي - ﷺ -.\nوفي رواية: «تأكل تمرًا وبك رمد؟».\nقال ذلك على وجه المباسطة، ويحتمل أن من به رمد لا يناسبه أكل التمر؛ لأنه يحتاج إلى قوة في المضغ وهذا يؤلم العين، ولذا عَلِمَ صهيب - ﵁ - مراد النبي - ﷺ - وأنه ما قصد إلا الملاطفة والمباسطة، فقال: «إنما آكل من الناحية الأخرى» إشعارًا منه بقبول تلك المداعبة، ولذا تبسم النبي - ﷺ -؛ لأن المضغ يؤلم العين مطلقًا، سواءً كان من جهة العين الوَجِعَة أو الجهة الأخرى. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>خامسًا:</span> عن ابن أبي الوَرْد، عن أبيه - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - رآه، فرأى رجلًا أحمر، فقال: «أنت أبو الورد».","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>سادسًا:</span> قال خَوَّات بن جُبير - ﵁ -: نزلنا مع رسول الله - ﷺ - مرَّ الظهران قال: فخرجت من خِبائي فإذا نسوة يتحدثن، فَأَعْجَبْنني، فرجعت فاستخرجت عَيْبتي، فاستخرجت منها حُلَّة فلبستها وجئت فجلست معهن، وخرج رسول الله - ﷺ - من قُبَّتِهِ فقال: «أبا عبد الله، ما يجلسك معهن؟» فلما رأيت رسول الله - ﷺ - هبتُه واخْتَلَطْتُ، قلت: يا رسول الله جمل لي شرد، فأنا ابتغي له قيدًا؛ فمضى واتَّبَعْتُه، فألقى إليَّ رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه في خُضْرَة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره- أو قال: - يقطر من لحيته على صدره فقال: «أبا عبد الله ما فعل شِراد جملك؟» ثم ارتحلنا، فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: «السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شِراد ذلك الجمل؟» فلمَّا رأيت ذلك تَعَجَّلْتُ إلى المدينة، واجتنبت المسجد والمجالسة إلى النبي - ﷺ -، فلما طال ذلك تحينت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي، وخرج رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":81},{"text":"من بعض حُجَره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين، وطَوَّلْتُ رجاء أن يذهب ويَدَعَني. فقال: «طوِّل أبا عبد الله ما شئت أن تُطَوِّل فلستُ قائمًا حتى تنصرف» فقلت في نفسي: والله لأعتذرنَّ إلى رسول الله - ﷺ - ولأبرئن صدره، فلما قال: «السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شِراد ذلك الجمل؟».\nفقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلم.\nفقال: «رحمك الله» ثلاثًا، ثم لم يَعُدْ لشيء مما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>سابعًا:</span> عن أنس - ﵁ - قال: رأى نبيُّ الله - ﷺ - جارية يتيمة عند أم سليم، وهي أم أنس بن مالك - ﵄ - فقال لها النبي - ﷺ -: «لقد شِبْتِ لا أَشَبَّ الله قرنك»، فقالت أم سليم: لقد دعوت يا رسول الله - ﷺ - على يتيمتي أن لا يُشِبَّ الله قرنها، فوالله لا تشِبُّ أبدًا، فقال النبي - ﷺ -: «يا أم سليم، أوما علمت أني اتخذت عند ربي عهدًا أيُّما أحد من أمتى دعوت عليه ليس من أهلها أن","vol":"1","page":82},{"text":"يجعلها له طَهورًا أو قربة يقربه بها يوم القيامة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>ثامنًا:</span> عن عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ - قال: أتيت رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فسلمتُ فَرَدَّ وقال: «ادخل» فقلت: أكلي يا رسول الله؟ قال: «كُلُّك» فدخلت.\nقال ابن أبي العاتكة: «إنما قال: «أَدْخُلُ كلي» من صغر القبة».\nقال العظيم آبادي: «وفيه أنه كما كان يمازح الصحابة كذلك كانوا يمازحونه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>تاسعًا:</span> وعن عدي بن حاتم - ﵁ -: أنه أخذ عِقالًا أبيض وعِقالًا أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يَسْتَبِينا، فلما أصبح قال: «يا رسول الله، جعلت تحت وسادي ...» فقال - ﷺ -: «إنَّ وِسَادَكَ إذًا لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك».\nوفي رواية: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين»، ثم قال: «لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار».","vol":"1","page":83},{"text":"هذا ما تيسَّر جمعه في هذا الفصل، وضروب مزاحه - ﷺ - مع أصحابه كثيرة، واستقصاؤها عسير، ولعلَّ في ذلك غُنْيَة والحمد لله.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>فصل\nفي مزاحه مع الصبيان</span>\nلقد كان لصبيان أصحاب النبي - ﷺ - حظهم من حسن خلقه وجميل مزاحه ودعابته، فقد كان يخالطهم ويحملهم ويضحكهم إلى غير ذلك من جميل هديه معهم. وقد قدَّمت لك بعض الأمثلة من ذلك عند الكلام على هديه مع أهل بيته وملاطفته للحسن والحسين، فأغنى عن الإعادة إن شاء الله، ولذلك كان أنس بن مالك - ﵁ - يقول: «ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله - ﷺ - .. «وفيه» فيأتيه الغلام وعليه أثر الغبار فَيَلْتَزِمُه ويقبِّله»، وكان يقول للنساء والصبيان: «اللهم أنتم من أحب الناس إليَّ»، وأحاديث تقبيله - ﷺ - للصبيان وضمهم إليه وإجلاسه إياهم في حِجْره كثيرة جدًّا من العَسير استيفاؤُها في هذا المقام. ولذلك أقتصر هنا على ذكر صور من جميل معاملته لهم فأقول والله المستعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>أولًا:</span> فعن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: «صليت مع النبي - ﷺ - الظهر والعصر، فلما سلم قال لنا: «على أماكنكم» وأُهْدِيَت له جَرَّة من حلواء، فجعل يُلْعِقُ كل رجل لعقة حتى أتى عليَّ وأنا","vol":"1","page":85},{"text":"غلام قال: فَأَلْعَقَني لعقة ثم قال: «أزيدك؟» فقلت: نعم، فزادني لعقة لصغر سني، ولم يزل كذلك حتى أتى على آخر القوم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ثانيًا:</span> عن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - أحسن الناس خُلُقًا. وكان لي أخ يقال له أبو عمير- قال أحسبه فطيمًا- وكان إذا جاء قال: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَيْر؟» نِغْر كان يلعب به، فربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا».\nقال الحافظ ابن حجر: «فيه جواز الممازحة وتكرار المزح وأنها إباحةُ سنةٍ، لا رخصة».\nوظاهر كلام الحافظ - ﵀ - أن إتيان المزاح سنة متبعة يُندَبُ إليها، وليس رخصة تؤتى حينًا دون حين. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>ثالثًا:</span> عن محمود بن الربيع - ﵁ - قال: عَقَلْتُ من النبي - ﷺ - مَجَّة مَجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو».\nقال الحافظ: «وفي هذا الحديث من الفوائد، غير ما تقدم جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم»، وقال العيني: «قال التيمي: فيه","vol":"1","page":86},{"text":"جواز مداعبة الصبي، إذا داعبه النبي - ﵊ - فأخذ ماءً من الدلو فمجَّه في وجهه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>رابعًا:</span> عن عبد الله بن عباس - ﵄ - أنه بات ليلة عند ميمونة بنت الحارث زوج النبي - ﷺ - وهي خالته- فاضطجع في عَرْض الوسادة- واضطجع رسول الله - ﷺ - وأهلُه في طولها، فنام رسول الله - ﷺ -، «وفيه» ثم قام إلى شَنٍّ معلقة فتوضأ فأحسن الوضوء ثم قام يصلي، قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يَفْتِلها ..» وفي رواية: «بذؤابتي».\nقال الحافظ: «قوله (فأخذ بأذني) زاد محمد بن الوليد في روايته (فعرفت أنه إنما صنع ذلك لِيُؤنِسَني بيده في ظلمة الليل)، وفي رواية الضحاك بن عثمان: (فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني) وفي هذا رَدٌّ على مَن زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حال إدارته له من اليسار إلى اليمين مُتَمَسِّكًا برواية سلمة بن الأسهل الآتية في التفسير حيث قال: (فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه) لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه، لما ذكره من تأنيسه وإيقاظه، لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغر سنه».","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>خامسًا:</span> عن أم خالد بنت خالد بن سعيد - ﵄ - قالت: أتيت رسول الله - ﷺ - مع أبي وعَلَيَّ قميصٌ أصفر، قال رسول الله - ﷺ - «سَنَه سَنَه» قال عبد الله: «وهي بالحبشية: حسنة». قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فَزَبَرَنِي أبي، فقال رسول الله - ﷺ -: «دعها» ثم قال رسول الله - ﷺ -: «أبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أبْلِي وأَخْلِقِي» قال عبد الله: «فَبَقِيَتْ حتى ذُكِرَ» يعني من بقائها. وفي رواية عند البخاري أيضًا: قالت: «فكساني رسول الله - ﷺ - خميصة لها أعلام، فجعل رسول الله - ﷺ - يمسح الأعلام بيده ويقول: «سَنَاه، سَنَاه».\nوفي رواية أنه دعاها وقال: «ائتوني بأم خالد».\nوفي أخرى: أنه - ﷺ - قال: «مَن ترون نكسوها هذه الخميصة؟ ...» فجعل ينظر إلى عَلَم الخميصة ويشير بيده إليَّ ويقول: «يا أم خالد، هذا سَنا».\nقال البدر العيني: «وإنما كان غرض رسول الله - ﷺ - من التكلم بهذه الكلمة الحبشية استمالة قلبها؛ لأنها كانت وُلِدَتْ بأرض الحبشة، قال الكرماني».\nقلت: كما أن في هذه الكلمة ممازحة لها، ولذلك بوَّب البخاري للحديث في بعض مواضعه من الصحيح بهذه الترجمة (باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به، أو قَبَّلها، أو مازحها).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>سادسًا:</span> عن عبد الله بن الحارث - ﵁ - قال: «كان","vol":"1","page":88},{"text":"رسول الله - ﷺ - يصفُّ عبد الله وعبيد الله من بني العباس ثم يقول: «مَن سبق إليَّ فله كذا وكذا»، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبِّلهم».\nففي الحديث استحباب ملاطفة الصغير وتقبيله لا سيما إذا كان من الأقارب، قاله الساعاتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>سابعًا:</span> عن أنس - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال له: «يا ذا الأُذنين».\nقال أبو أسامة «أحد رواته»: «يعني يمازحه».\nقال البيجوري: «لأن في التعبير عنه بـ (يا ذا الأُذنين). مباسطة وملاطفة حيث سمَّاه بغير اسمه، مما قد يوهم أنه ليس له من الحواس إلا الأذنان، أو أنه مختص بهما فهو من جملة مزحه، ولطيف أخلاقه - ﷺ -».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ثامنًا:</span> وعنه - ﵁ - مرفوعًا قال: «كان - ﷺ - يلاعب زينب بنت أم سلمة وهو يقول: «يا زوينب، يا زوينب» مرارًا.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>تاسعًا:</span> وعن زينب بنت أبي سلمة- نفسها- قالت: «كانت أمي إذا دخل رسول الله يغتسل تقول: ادخلي عليه، فإذا دخلت عليه نَضَحَ في وجهي من الماء ويقول: «ارجعي» قال عطَّاف «أحد رواة الحديث» قالت أمي: «ورأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء».\nوبعد أن سقت لك بعض الأمثلة على مزاحه - ﷺ - للصبيان وملاطفته لهم. يحسن بي أن أختم هذا الفصل بهذا الأثر.\nقال ابن الحارث بن جزء - ﵁ -: «ما رأيت أحدًا أكثر مزاحًا من رسول الله - ﷺ -، ولا أكثر تبسُّمًا منه، وإن كان ليسْنوا أهل الصبي إلى مزاحه».","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الباب السادس\nفي مزاح الصحابة - ﵃ - والسلف ودعاباتهم</span>\nوبما أن القدوة الحسنة والمعلم الأول - ﷺ - كان من هديه ممازحة إخوانه وأصحابه فإن سلف الأمة الصالح وأهل القرون المفضلة «وهم خير المتَّبعين له» لم يَفُتْهم أن يترسَّموا خُطَاه، وينهجوا نهجه في هذا الباب فعُلِمت عنهم أخبار فيها شيء من ذلك، وإليك بعضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>أولًا:</span> اشتهر بعض أصحاب النبي - ﷺ - بكثرة مزاحه، وبتعمُّده إضحاك رسول الله - ﷺ - ومن أولئك الصحابة أم المؤمنين سودة بنت زمعة - ﵂ -.\nمن أمثلة ما روي عنها في هذا الباب:\nما رواه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٥٤) من طريق أبي معاوية الضرير قال أخبرنا الأعمش عن إبراهيم قال: قالت سودة - ﵂ - لرسول الله - ﷺ -: «صليت خلفك البارحة فركعتَ بي حتى أمسكتُ بأنفي مخافة أن يَقْطِرَ الدم». قال: فضحك، وكانت تضحكه الأحيان بالشيء.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>ثانيًا:</span> وممن اشتهر بالمزاح أيضًا «نعيمان بن عمرو» - ﵁ - وكان النبي - ﷺ - يضحك من مزاحه، وسأذكر لك إن شاء الله بعض ما روي عنه في هذا الباب فأقول:\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>أ - عن أم سلمة </span>أن أبا بكر - ﵁ - خرج تاجرًا إلى بُصْرى ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة (وكلاهما بدري) - ﵄ -، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان فقال: أطعمني. فقال: لا، حتى يأتي أبو بكر. وكان نعيمان رجلًا مِضْحَاكًا، فقال: لأُغيظنَّك. فذهب إلى أناس جَلَبُوا ظَهْرًا، فقال: (ابتاعوا مني غلامًا عربيًّا فارِهًا، وهو ذو لسان ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوا علي غلامي)، فقالوا: (بل نبتاعه منك بعشر قلائِص). فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها ثم قال للقوم: (دونكم هو هذا) فجاء القوم فقالوا: (قد اشتريناك) قال سويبط: (هو كاذب أنا رجل حر)، فقالوا: (قد أخبرنا خبرك) وطَرَحُوا الحبل في رقبته فذهبوا به، فجاء أبو بكر فَأُخْبِرَ فذهب هو وأصحابه له فردوا القلائص وأخذوه. فضحك منها النبي - ﷺ - وأصحابه حولًا.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>ب - وعن ربيعة بن عثمان </span>قال: «جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه فقال بعض أصحاب النبي - ﷺ - لنعمان: لو نَحَرْتَها فأكلناها، فإنا قد قَرِمْنا إلى اللحم، ويَغْرَم رسول الله - ﷺ - ثمنها»، قال: فنحرها النعيمان ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح: «واعقراه يا محمد» فخرج رسول الله - ﷺ -. فقال: «مَن فعل هذا؟» قالوا: «النعيمان» فاتبعه يسأل عنه، فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى في خندق وجعل عليه الجريد والسَّعَفَ، فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: «ما رأيته يا رسول الله» وأشار بأصبعه حيث هو، فأخرجه رسول الله","vol":"1","page":93},{"text":"- ﷺ - وقد تغير وجهه بالسَّعَف الذي سقط عليه فقال له: «ما حملك على ما صنعت؟» قال: «الذين دَلّوك عليَّ يا رسول الله هم الذين أمروني» قال: فجعل رسول الله - ﷺ - يمسح عن وجهه ويضحك. قال: ثم غمرها رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>ت - عن محمد بن عمرو بن حزم </span>- ﵁ - قال: «كان بالمدينة رجل يقال له (نعيمان) يصيب الشراب، فكان يؤتى به النبيُّ - ﷺ - فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم ويحثون عليه التراب، فلما كثر ذلك منه، قال له رجل من أصحاب النبي - ﷺ -: «لعنك الله»، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله».\nقال: وكان لا يدخل في المدينة رُسُلٌ ولا طُرْفَةٌ إلا اشترى منها ثم جاء به إلى النبي - ﷺ - فقال: «يا رسول الله، هذا هدية لك»، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه من نعيمان جاء به إلى النبي - ﷺ - فقال: «اعط هذا ثمن هذا» فيقول رسول الله - ﷺ -: «أولم تُهْدِهِ لي؟» فيقول: «يا رسول الله، لم يكن عندي ثمنه وأَحْبَبْتُ أن تأكله»","vol":"1","page":94},{"text":"فيضحك النبي - ﷺ - ويأمر لصاحبه بثمنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>ث - وكان مخرمة بن نوفل </span>- ﵁ - شيخًا كبيرًا بالمدينة أعمى وكان قد بلغ مائة وخمس عشرة سنة، فقام يومًا في المسجد يريد أن يبول فصاح به الناس فأتاه نعيمان بن عمرو فَنَحَى به ناحية من المسجد، ثم قال: «اجلس هاهنا»، فأجلسه يبول وتركه، فبال وصاح به الناس، فلما فرغ قال: «من جاء بي ويحكم في هذا الموضع»، قالوا له: «النعيمان بن عمرو» قال: «فعل الله به وفعل، أما إن لله عليَّ إن ظَفَرْت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت». فمكث ما شاء الله حتى نسي ذلك مخرمة، ثم أتاه يومًا وعثمان قائم يصلي في ناحية المسجد- وكان عثمان إذا صلى لم يلتفت- فقال له النعيمان: «هل لك في نعيمان؟»، قال:","vol":"1","page":95},{"text":"«نعم، أين هو؟ دلني عليه» فأتى به حتى أَوْقَفَهُ على عثمان، فقال: «دُونَك هذا هو» فجمع مخرمة يديه بعصاه فضرب عثمان بن عفان - ﵁ - فَشَجَّهُ فقيل له: «إنما ضرب أمير المؤمنين عثمان - ﵁ -».\nفسمعت بذلك بنو زهرة فاجتمعوا في ذلك فقال عثمان - ﵁ -: «دعوا نعيمان، لعن الله نعيمان فقد شهد بدرًا».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>ج - وعن عبدان بن مصعب </span>قال: «لقي نعيمان أبا سفيان بن الحارث فقال له: (يا عدو الله، أنت الذي تهجوا سيد الأنصار نعيمان بن عمرو؟) فاعتذر إليه، فلما ولَّى قيل لأبي سفيان: «إن نعيمان هو الذي قال لك ذلك» فعجب منه».","vol":"1","page":96},{"text":"هذا وقد سقت لك ما روي عن النعيمان بن عمرو بن رفاعة - ﵁ - في هذا الباب، بسنده مع ذكر مَن خرَّجه، وبيَّنت لك صحة ذلك من ضعفه، وعليه فإنه لم يثبت عنه إلا حديث إهدائه للرسول - ﷺ -، لكنني أردتُ أن أذكر الضعيف وأُبَيِّن سبب ضعفه ليُعْلَمَ ذلك، ولعله لا يخلو من زيادة نفع. وأعرضت عن بعض ما روي عنه لكون من ذَكَرَها لم يُسْنِدْهَا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>ثالثًا:</span> وعن ابن عباس - ﵄ - قال: «قيدوا العلم بالكتاب، من يشتري مني علمًا بدرهم؟».\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>رابعًا:</span> عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «إن الله وملائكته يصلون على أبي هريرة وجلسائه».","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>خامسًا:</span> «عن بكر بن عبد الله - ﵁ - قال: «كان أصحاب النبي - ﷺ - يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال».\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>سادسًا:</span> خَرَّجَ ابن قتيبة - ﵀ - في كتابه «عيون الأخبار» (١/ ٣١٥) من طريق حماد بن سلمة البُنَاني عن أبي رافع الصائغ قال: «كان أبو هريرة - ﵁ - على المدينة خليفة لمروان، فربما ركِبَ مارًّا قد شدَّ عليه بَرْدَعَة وفي رأسه حِليةٌ، فيلقى الرجل فيقول: «الطريق، قد جاء الأمير» وربما دعاني إلى عشائه بالليل فيقول: «دع العُراق للأمير» فأنظر فإذا هو ثريد بزيت».\nوابن قتيبة قال فيه الخطيب البغدادي: «كان ثقة دَيِّنًا فاضلًا»،","vol":"1","page":98},{"text":"وقال الذهبي: «صدوق قليل الرواية».\nوحماد ومَن فوقه ثقات أثبات، إلا أن في السند انقطاعًا بين حماد المتوفي سنة سبع وستين ومائة، وابن قتيبة المتوفي سنة ستٍ وسبعين ومائتين.\nوالآثار عنهم - ﵃ - في هذا الباب كثيرة لا تكاد تحصى، وعلى هذا المنهج من حسن الدعابة درج التابعون، فنقل عن ابن سيرين - ﵀ - آثار منها:\nأولًا: أن غالبًا القطان سأل ابن سيرين - ﵀ - عن هشام بن حسان فقال: «توفي البارحة، أما شعرت؟ فجزع واسترجع، فلما رأى ابن سيرين - ﵀ - جزعه قرأ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].\nثانيًا: وكان ابن سيرين يداعب ويضحك حتى يسيل لعابه، فإذا أردته على شيء من دينه كانت الثريا أقرب إليك من ذلك.\nثالثًا: وكان - ﵀ - ينشد:\nنُبِّئْتُ أنَّ فتاةً كنتُ أخطِبُهَا ... عرقوبُهَا مثلُ شَهْرِ الصومِ في الطولِ\nرابعًا: ومنهم الشعبي عامر بن شراحيل - ﵀ -.","vol":"1","page":99},{"text":"فعن سعيد بن عثمان قال: دخل رجل على الشعبي ومعه في البيت امرأة فقال: أيكم الشعبي؟ فقال: «هذه».\nخامسًا: وأتاه رجل فسأله: «ما اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك عرس، ما شَهِدْتُّه».\nسادسًا: وسأل عن لحم الشيطان فقال: «نحن نرضى منه بالكَفَاف» وقال السائل: فما تقول في الذُّبَّان؟ قال: «إن اشتهيته فَكُلْه».\nسابعًا: ومنهم الأعمش سليمان بن مهران - ﵀ -.\nذكر حديث: «ذاك بال الشيطان في أذنه» يومًا فقال: «ما أرى عيني عَمِشَتْ إلا من كثرة ما يبول الشيطان في أذني»، قال الراوي: وما أظنه فَعل هذا قط.\nقال الذهبي: «قلت: يريد أن الأعمش كان صاحب ليلٍ وتعبُّدٍ».\nوقال: بلغني أن الرجل إذا نام حتى يصبح- يعني ولم يُصَلِّ- توركَّه الشيطان فبال في أذنه، وأنا أرى أنه قد سَلح في حلقي","vol":"1","page":100},{"text":"الليلة، «وذلك أنه كان يَسْعُل».\nوقال أبو بكر بن عيَّاش: رأيت الأعمش يلبس قميصًا مقلوبًا ويقول: «الناس مجانين يجعلون الخشن مقابل جلودهم».\nوقيل: إن الأعمش كان له ولد مُغَفَّل فقال له: «اذهب فاشتر لنا حَبْلًا للغسيل» فقال: يا أبه، طول كم؟ قال: «عشرة أذرع»، قال: في عرض كم؟ قال: «في عرض مصيبتي فيك».","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الباب السابع\nفيما لا يجوز من المزاح</span>\nللمزاح ضوابط وآداب يتحتَّم على كل أحد أن يعلمها ويعمل بها، لما في مخالفتها من مجانبة لهدي النبي - ﷺ -، بل ربما أفضت تلك المخالفة إلى أمر أعظم كولوج باب محرم أو وقوع في كبيرة بل ربما أدى ذلك إلى مروقٍ من الدين من غير أن يكون ذلك في الحسبان.\nفمن تلك الضوابط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>أولًا:</span> ألا يكون المزاح بشيء من شرائع الدين؛ لأن النَّفَرَ الذين قالوا في غزوة تبوك: «لَم نَرَ مثل قرائنا هؤلاء أرغَب بطونًا وأكذب ألسُنًا وأجبن عند اللقاء» يعنون- النبي - ﷺ - وأصحابه- إنما قالوا ذلك مزاحًا وخوضًا ولعبًا ليقطعوا عنهم عناء الطريق كما قالوا، وهم أعلم الناس بحال النبي - ﷺ - وأصحابه وأنهم خلاف ما وصفوهم به، ومع ذلك ردَّ الله اعتذارهم بقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦].\nوقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - عن أناس يمزحون بكلام فيه استهزاء بالله أو الرسول - ﷺ - أو الدين فما حكم ذلك؟\nفأجاب بقوله: «نقول: إن هذا العمل وهو الاستهزاء بالله","vol":"1","page":103},{"text":"ورسوله - ﷺ -، أو كتابه أو دينه ولو كان على سبيل المزح، ولو كان على سبيل إضحاك القوم نقول إن هذا كفر ونفاق، وهو نفس الذي وقع في عهد النبي - ﷺ - في الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء» يعني: رسول الله - ﷺ - وأصحابه القراء، فنزلت فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]؛ لأنهم جاؤوا إلى النبي - ﷺ - يقولون: إنما كنا نتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق، فكان رسول الله - ﷺ - يقول لهم ما أمره الله به: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].","vol":"1","page":104},{"text":"فجانب الربوبية والرسالة والوحي والدين جانب محترم لا يجوز لأحد أن يعبث فيه، لا باستهزاء بإضحاك ولا بسخرية، فإن فعل فإنه كافر، لأنه يدل على استهانته بالله - ﷿ - ورسله وكتبه وشرعه، وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله - ﷿ - مما صنع؛ لأن هذا من النفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ويصلح عَمَلَه ويجعل في قلبه خشية الله - ﷿ - وتعظيمه وخوفه ومحبته، والله ولي التوفيق». اهـ.","vol":"1","page":105},{"text":"وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - ﵀ -:\n«﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: فليس لكم عذر؛ لأن هذا لا يدخله الخوض واللعب، وإنما تحترم هذه الأشياء وتعظم ويخشع عندها، إيمانًا بالله ورسوله، وتعظيمًا لآياته، وتصديقًا وتوقيرًا، والخائض واللاعب متنقِّص لها، ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم لأجله، وفيه أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها. أو عمل يعمله، قال المصنف: «القول الصريح في الاستهزاء: هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح فمثل مدِّ الشَّفَة، وإخراج اللسان، ورمْز العين، وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة فكيف بالتوحيد؟». وقال: «فيه- وهي العظيمة- أن من هَزَل بهذا أنه كافر، والفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ورسوله، وبين العفو الذي يحبه الله والغلظة على أعداء الله، وأن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>ثانيًا:</span> أن لا يكون في المزاح كذب؛ لأن الكذب مخالفة شريعة وكبيرة من كبائر الذنوب فيتعيَّن انتفاؤها في هذا المقام، ليكون العمل موافقًا لمنهج النبي - ﷺ - وإن كان الكذب محرمًا مطلقًا، لكن تحريمه هنا آكد؛ لكونه مما يتساهل فيه الناس باعتبار","vol":"1","page":106},{"text":"تقسيمهم إياه إلى كذب أبيض وآخر أسود، ولا شك أن تَسْمِيَة الكذب أبيض، تحقيرٌ للذنب، وقد حذر النبيُّ - ﷺ - من محقرات الذنوب. فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم ومُحَقِّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهْلِكْنَه»، وإن رسول الله - ﷺ - ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فَحَضرَ صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادًا فأجَّجوا نارًا وأنْضَجُوا ما قذفوا فيها».","vol":"1","page":107},{"text":"بل إن الكذب في المزاح خاصة جاء فيه خبر صريح عن النبي - ﷺ - من حديث أبي أمامة - ﵁ -: «أنا زعيم بيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب في المزاح ..».\nفجدير بعد ذلك بمن علم هذا الفضل المترتِّب على تجنُّب الكذب في المزاح، أن يأطر نفسه على تركه أطرًا، اقتداء بالنبي - ﷺ -: «الذي يمزح ولا يقول إلا حقًّا». خصوصًا إذا علم ما في مخالفة هذا الأمر من التعرض للوعيد الشديد. فعن بهز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القُشَيْري، عن أبيه، عن جده - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ويل للذي يُحدِّث فيكذب، ليضحك به القوم، وَيْلٌ له، وَيْلٌ له».\nوفقنا الله وإياك لما يحب من الأعمال والأقوال، وجَنَّبنا مساخِطَه، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>ثالثًا:</span> وعلى مَن أراد أن يمازح إخوانه أن لا يلحق بهم ضررًا لورود النهي عن ذلك كما في حديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ضَرر ولا ضِرار»، ففي هذا الحديث قاعدة من قواعد الدين، تدلُّ على أن كل فعل أو ترك يلحق ضررًا بالآخرين فتركه واجب، فهو من جوامع الكَلِم التي أُعطيها - ﷺ -، ولذلك نظمه الإمام النووي - ﵀ - في «أربعينيَّته»، والضرر أنواع، فمنها:\nأالإضرار بالضرب ونحوه، وقد صحَّ عنه - ﷺ - أنه قال في حديث طويل: «... ولا تضربوا المسلمين».\nب ومنها الترويع، ولعلَّه أكثر وقوعًا في هذا الباب، وقد وقع مثله في عهد النبي - ﷺ -، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله - ﷺ - في مسيرة فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى نبلٍ معه فأخذها فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم فقال: «ما يُضْحِكُكُم؟» فقالوا: لا، إلا أنَّا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا يحلُّ لمسلم أن يروع مسلمًا».","vol":"1","page":109},{"text":"ت ومن أنواع الإضرار أيضًا: أخذ متاع الغير (ويستوي في ذلك الجد والمزح)، فعن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن جده - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يأخذنَّ أحدكم متاع أخيه لا لاعبًا ولا جادًّا، ومَن أخذ عصا أخيه فَلْيَرْدُدْها».\nث ومن أنواعه: التخويف بأن يشير إلى أخيه بسلاح «سكين ونحوها» بقصد الممازحة، وبئست الممازحة، فكم جرَّت من مصائب وَوَيْلات لم تكن بالحسبان، وكم أعقبت حسرة وندمًا لا ينقطعان، ولعل ذلك مصداق قول النبي - ﷺ -: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار».\nولو قُدِّر أن من حمل السلاح في وجه أخيه زَعَمَ أنه يعلم من نفسه أن ذلك لن يفضي إلى مفسدة، فحسبه زاجرًا عن حمله في وجه أخيه أن الملائكة تلعنه حتى يضعه، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن","vol":"1","page":110},{"text":"الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كان أخاه لأبيه وأمه».\nج ومن أنواع الإضرار: السخرية والاستهزاء بأحد بعينه أو قبيلة أو طائفة أو أهل بلد، وكل ذلك مما دَرَجَت عليه ألسنة المزَّاحين، وحسبهم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].\nهذا ما تيسَّر جمعه من ضوابط، ولم أقصد الاستقصاء، وما فاتني منها فاعرضه على قلبك فإن أفتاك وقد تجرَّد من هواه، فالزم فتواه، فعن وابصة بن مَعْبَد - ﵁ - قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، وإذا عنده جمع فذهبت أتخطَّى الناس فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله - ﷺ -، إليك يا وابصة قلت: أنا وابصة، دعوني أدنو منه فإنه من أحب الناس إليَّ أن أدنو منه، فقال لي: «ادن يا وابصة، ادن يا وابصة»، فدنوت منه حتى مَسَّت ركبتي ركبته. فقال: «يا وابصة، أخبرك ما جئت تسألني عنه، أو تسألني؟» فقلت: يا رسول الله، فأخبرني. قال: «جئت تسألني عن البر والإثم»، قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث فجعل يَنْكُتُ بها في صدري ويقول: «يا وابصة، استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس،","vol":"1","page":111},{"text":"والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس».\nولعلَّ من المناسب أن أختم هذا الفصل بقول وهب بن منبه - ﵀ -: «إذا أردت أن تعمل بطاعة الله- - ﷿ - - فاجتهد في نصحك وعلمك لله، فإن العمل لا يقبل ممن ليس بناصح، وإن النصح لله - ﷿ - لا يَكْمُل إلا بطاعة الله، كمثل الثمرة الطيبة ريحها طيب، وطعمها طيب، كذلك مثل طاعة الله، النصح ريحها، والعمل طعمها، ثم زيِّن طاعة الله بالعلم والحلم والفقه، ثم أكرم نفسك عن أخلاق السفهاء، وعَبِّدها على أخلاق العلماء، وعَوِّدها على فعل الحلماء، وامنعها عمل الأشقياء، وألزمها سيرة الفقهاء، اعزلها عن سبل الخبثاء» .. وقال: «ثم لا يستعين على شيء من قوله بالكذب، فإن الكذب في الحديث مثل الآكلة في الخشبة يُرَى ظاهرها صحيحًا، وجوفها نَخِرًا، لا يزال من يغتر بها يظن أنها حاملة ما عليها حتى تنكسر على ما فيها ويهلك من اغتر بها، وكذلك الكذب في الحديث لا يزال صاحبه يغتر به ويظن أنه معينه على حاجته وزائد له في رغبته حتى يُعرف ذلك منه، ويتبين لذوي العقول غروره ..».","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الخاتمة\nرزقنا الله حسنها</span>\nينقل عن أبي حيان التوحيدي أنه قال: «ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها العلماء وهي:\nاختراع معدوم، أو جمع متفرق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مُجْمل، أو تهذيب مطوَّل، أو ترتيب مخلَّط، أو تعيين مُبْهَم، أو تبيين خطأ».\nثم أيها القارئ الكريم، بعد عرض مباحث الكتاب والتفصيلات المتعلقة بها يحسن أن نبيِّن خلاصة هذه المباحث في نقاط:\n١ - تقديم هدي النبي - ﷺ -، في جميع نواحي الحياة، والتحذير من مخالفته إذ كل شيء خالف أمره أو نهيه فهو مردود في الدنيا، مسؤول عنه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.\n٢ - معنى المزاح والدعابة واشتقاقهما.","vol":"1","page":113},{"text":"٣ - إنَّ كلمة «مزاح» ليست مشتقة من «زاح» أي مال، وبيان بطلان التدليل على ذلك من ستة أوجه.\n٤ - بطلان القول بتحريم المزاح مطلقًا؛ بل الحق إباحته، والإذن فيه. وعليه: فإن ما روي عن السلف في التحذير منه محمول على الاستكثار منه، والمداومة عليه.\n٥ - لم يأت حديث صحيح صريح في النهي عن الدعابة والمزاح، بل الأدلة على خلاف ذلك.\n٦ - أن المزاح غالبًا ما يكون إما لإيناس الحاضرين، أو لنفي الفتور والتعب والملل عنهم.\n٧ - كريم أخلاق نبينا - ﷺ -، وجميل دعابته وممازحته للكبير والصغير.\n٨ - أن خير من تابع النبي - ﷺ -، في هذا الباب- وغيره- أصحابه - ﵃ - ثم تابعوهم، وذكر صور من دعاباتهم.\n٩ - المزاح لا يجوز بشيء مما جاء عن الله أو رسوله - ﷺ -؛ لأن جانب الشرع محترم، يصان عن الضحك والاستهزاء والسخرية.\n١٠ - أن الكذب -باسم المزاح- لا يجوز؛ إذ كيف يكون المزاح مبيحًا للكذب؟ وقد كان النبي - ﷺ - يمزح ولا يقول إلا حقًّا مع كون الأحاديث متواترة في تحريم الكذب.\n١١ - أن إلحاق الضرر بالمسلم لا يجوز، وإن كان ذلك ممازحة.","vol":"1","page":114},{"text":"تلك أبرز مباحث الكتاب، وإني لأرجو الله أن أكون قد وفيت الباب حقه ولا أُبَرِّئُ نفسي من النقص والخطأ، إذ البضاعة مزجاة، والجهد قليل والموطن ناءٍ.\nوالظَّنُّ بالقارئ الكريم إقالة العثرة، واتخاذ العذر، وإصلاح الخطأ، ورحم الله القائل:\nإن تجد عيبًا فَسُدَّ الخللَ ... جلَّ من لا عيب فيه وَعَلا\nوالله أسأل أن يتقبل هذا الجهد بقبول حسن، وأن يُنَمِّيَهُ عنده، وأن يكتب لي به أوفر الحظ والنصيب ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. والله أعلى وأعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nوكتب: فهد بن مقعد النفيعي العتيبي\n٢٠/ ٩ /١٤١٧ هـ\nفي مدينة عفيف","vol":"1","page":115}]}