{"ً":{"ٌ":75,"ٍ":"منهج السلف في الدفاع عن العقيدة","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: منهج السلف في الدفاع عن العقيدة\nالمؤلف: د. عبد المجيد بن محمد الوعلان\nعدد الصفحات: ٥٠\n[الكتاب غير مطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2590,"ٕ":1,"ٖ":1780758387,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"موضوع البحث","level":2,"page":2},{"title":"مشكلة البحث","level":2,"page":2},{"title":"حدود البحث","level":2,"page":3},{"title":"مصطلحات البحث","level":2,"page":3},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":3},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":3},{"title":"أسئلة البحث","level":2,"page":3},{"title":"منهج البحث وإجراءاته","level":2,"page":4},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":4},{"title":"التمهيد","level":1,"page":6},{"title":"المبحث الأول: تعريف المنهج لغة واصطلاحا","level":2,"page":6},{"title":"المبحث الثاني: تعريف السلف لغة واصطلاحا","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الثالث: بيان أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة","level":2,"page":8},{"title":"الفصل الأول: بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة","level":1,"page":10},{"title":"الفصل الثاني: أسباب دفاع السلف عن العقيدة","level":1,"page":16},{"title":"أولًا: حفظ الدين وبيان كمال هذه الشريعة","level":2,"page":16},{"title":"ثانيًا: كشف شبهات المبطلين واستبانة سبيل المجرمين","level":2,"page":17},{"title":"ثالثًا: خطورة انتشار العقائد الباطلة على المجتمع المسلم","level":2,"page":18},{"title":"رابعًا: جواب السؤال والحاجة إلى البيان","level":2,"page":20},{"title":"خامسًا: ظهور أو انتشار بدعة أو مخالفة معينة بين المسلمين","level":2,"page":20},{"title":"الفصل الثالث: منهج السلف في الدفاع عن العقيدة","level":1,"page":21},{"title":"المبحث الأول: خصائص وسمات منهج السلف في الدفاع عن العقيدة","level":2,"page":21},{"title":"أولًا: الاستدلال بالكتاب والسنة","level":3,"page":21},{"title":"ثانيًا: الأخذ بفهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان","level":3,"page":22},{"title":"ثالثًا: الاستدلال بالأدلة العقلية والفطرة","level":3,"page":23},{"title":"رابعًا: رد الأفكار والتأويلات الباطلة","level":3,"page":26},{"title":"خامسًا: تقدير المصلحة والمفسدة في الرد","level":3,"page":26},{"title":"سادسًا: ترك الجدال والمراء والخصومة في الدين","level":3,"page":27},{"title":"سابعًا: ذم البدع والأهواء","level":3,"page":28},{"title":"ثامنًا: الأهلية والاستقامة","level":3,"page":29},{"title":"المبحث الثاني: المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة","level":2,"page":31},{"title":"أولًا: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه","level":3,"page":31},{"title":"ثانيًا: تقديم النقل على العقل، وعدم معارضة النصوص بالأقيسة العقلية وغيرها","level":3,"page":32},{"title":"ثالثا: الاستدلال باللغة","level":3,"page":34},{"title":"رابعًا: التركيز في الدفاع عن العقيدة على نفس المعتقد بغض النظر عن القائل، وقد يذكرونه أحيانًا","level":3,"page":34},{"title":"خامسًا: الالتزام بالمصطلحات الشرعية","level":3,"page":35},{"title":"١ - التأكد من صحة نسبة المصطلح ومعناه","level":4,"page":35},{"title":"٢ - اتباع المنقول من المصطلحات","level":4,"page":35},{"title":"٣ - فهم المصطلحات","level":4,"page":35},{"title":"٤ - الاستفسار والاستفصال عند الإجمال","level":4,"page":36},{"title":"٥ - مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم","level":4,"page":37},{"title":"سادسًا: وضوح الأسلوب وحسن الصياغة","level":3,"page":37},{"title":"سابعًا: توثيق الكلام المردود عليه من كتبهم والتثبت من ذلك","level":3,"page":38},{"title":"المبحث الثالث: المنهج الأخلاقي عند السلف في الدفاع عن العقيدة","level":2,"page":39},{"title":"أولًا: العدل والإنصاف","level":3,"page":39},{"title":"ثانيًا: سلامة الصدر","level":3,"page":41},{"title":"ثالثًا: التواضع","level":3,"page":42},{"title":"رابعًا: إحسان الظن بالمخالف","level":3,"page":43},{"title":"خامسًا: الرحمة","level":3,"page":43},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":45},{"title":"المراجع","level":1,"page":46}],"ٛ":{"1,1":2,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,46":47,"1,47":48,"1,48":49,"1,49":50,"1,50":51},"ٜ":{"1":[1,50]},"ٝ":[null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50"],"ٞ":{"2":[1,2,3],"3":[4,5,6,7,8],"4":[9,10],"6":[11,12],"7":[13],"8":[14],"10":[15],"16":[16,17],"17":[18],"18":[19],"20":[20,21],"21":[22,23,24],"22":[25],"23":[26],"26":[27,28],"27":[29],"28":[30],"29":[31],"31":[32,33],"32":[34],"34":[35,36],"35":[37,38,39,40],"36":[41],"37":[42,43],"38":[44],"39":[45,46],"41":[47],"42":[48],"43":[49,50],"45":[51],"46":[52]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"منهج السلف في الدفاع عن العقيدة\n\nد. عبدالمجيد بن محمد الوعلان","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\n\n\"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم.\nينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين\" (^١).\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بعث نبيه بالحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n\nأما بعد:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>موضوع البحث:</span>\nمنهج السلف في الدفاع عن العقيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مشكلة البحث:</span>\nإن الدفاع عن العقيدة من أهم الأمور، - وقد زعم بعض الناس أن السلف ليس لهم منهجا يسيرون عليه في دفاعهم عن العقيدة، وإنما هي اجتهادات فردية ليست مبنية على أصول وقواعد وضوابط، - ولأهمية هذا الموضوع وخصوصًا في هذا الوقت الذي نحن بأمس الحاجة لبيان منهج السلف في الدفاع عن العقيدة حتى نحتذي حذوهم في الدفاع عنها، ليحصل التوفيق - بإذن الله-، وحتى لا يلحق بمنهج السلف ما ليس منه من أخطاء قد تقع بسب اجتهاد أو زلة أو نحو ذلك.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة كتاب الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بن حنبل.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>حدود البحث:</span>\nسيقتصر البحث على:\nأولًا: بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة.\nثانيا: أسباب الدفاع عن عقيدة السلف.\nثالثا: أهم خصائص وسمات منهج السلف في الدفاع عن العقيدة.\nرابعا: المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة.\nخامسا: المنهج الأخلاقي للسلف في الدفاع عن العقيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>مصطلحات البحث:</span>\nالخصائص: جمع الخَصِيصَة: وهي الصفة التي تميز الشيءَ وتحدّده (^١).\nالسمات: جمع سِمَة، وهي: خَصلة أو سجيَّة ما يمكن أن يعتمد عليها في التفريق بين شخص معيَّن وآخر (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الدراسات السابقة:</span>\nبمراجعة الباحث للمظان العلمية للدراسات المتعلقة بالبحث؛ وقف الباحث على عدد من الرسائل العلمية والمؤلفات التي تعنى ببيان جهود السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها، والرد على المخالف (^٣) مع تركيزها على جهودهم، وهذا البحث يعنى ببيان الأسباب والدوافع عند السلف في الدفاع عن العقيدة مع ذكر أهم الخصائص والسمات، والمنهج العلمي والأخلاقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>أهداف البحث:</span>\n١ - بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة.\n٢ - أسباب دفاع السلف عن العقيدة.\n٣ - بيان منهج السلف في الدفاع عن العقيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>أسئلة البحث:</span>\n١ - ما مشروعية الدفاع عن العقيدة؟\n٢ - ما أسباب دفاع السلف عن العقيدة؟\n٣ - ما منهج السلف في الدفاع عن العقيدة؟\n_________\n(^١) معجم اللغة العربية المعاصرة، د. أحمد مختار عبد الحميد: ١/ ٦٥٢.\n(^٢) المرجع السابق: ٣/ ٢٤٤٢.\n(^٣) ولمعرفة بعض ما كتبه علماء السلف في الدفاع عن العقيدة وتقريرها انظر: المصادر العلمية في الدفاع عن العقيدة السلفية، لمحمد المغراوي، وتاريخ تدوين العقيدة السلفية، لعبد السلام آل عبد الكريم، ومجموعة من الرسائل العلمية الجامعية بعنوان: جهود علماء السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها، ومنهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة إلى نهاية القرن الثالث الهجري، د. ناصر الحنيني، وتدوين علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة، ليوسف بن علي الطريف.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>منهج البحث وإجراءاته:</span>\nسلك الباحث في دراسته المنهج الوصفي، حيث يقوم بقراءة وتحليل واستنباط المادة العلمية ذات الصلة بمحاور الدراسة من مظانها العلمية، بما يخدم الدراسة ويحقق أهدافها. وسيعزو الآيات إلى أماكنها في القرآن، وذلك ببيان اسم السورة ورقم الآية ووضعها بين قوسين ﴿﴾، ويخرج الأحاديث والآثار، وذلك بذكر المصدر ورقم الحديث، ونقل كلام أهل العلم عليها إن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>خطة البحث</span>\nتشتمل خطة البحث على: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة.\nالمقدمة: وتشتمل على موضوع البحث، ومشكلته، وحدوده، ومصطلحاته، والدراسات السابقة، وأهداف البحث، ومنهجه وإجراءاته، وخطة البحث.\n\nالتمهيد: يشمل على ثلاث مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف المنهج لغة واصطلاحًا.\nالمبحث الثاني: تعريف السلف لغة واصطلاحا.\nالمبحث الثالث: بيان أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة.\n\nالفصل الأول: بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة.\n\nالفصل الثاني: أسباب دفاع السلف عن العقيدة ومنها:\n١ - حفظ الدين، وبيان كمال هذه الشريعة.\n٢ - كشف شبهات المبطلين، واستبانة سبيل المجرمين.\n٣ - خطورة انتشار العقائد الضالة على المجتمع المسلم، وظهور التفرق والاختلاف في الأمة.\n٤ - جواب السؤال، والحاجة إلى البيان.\n٥ - ظهور أو انتشار بدعة أو مخالفة معينة بين المسلمين.","vol":"1","page":3},{"text":"الفصل الثالث: منهج السلف في الدفاع عن العقيدة ويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: خصائص وسمات منهج السلف في الدفاع عن العقيدة وهي:\n١ - الاستدلال بالكتاب والسنة والتسليم لها.\n٢ - الاسترشاد بفهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.\n٣ - الاستدلال بالأدلة العقلية، والفطرة.\n٤ - رد الأفكار والتأويلات الباطلة.\n٥ - تقدير المصلحة والمفسدة في الرد.\n٦ - ترك الجدل والمراء والخصومة في الدين.\n٧ - ذم البدع والأهواء.\n٨ - الأهلية والاستقامة.\nالمبحث الثاني: المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة:\n١ - العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه.\n٢ - تقديم النقل على العقل وعدم معارضة النصوص بالقواعد العقلية.\n٣ - الرجوع إلى اللغة.\n٤ - التركيز في الدفاع عن العقيدة على نفس المعتقد بغض النظر عن قائله، وقد يذكرونه أحيانا؛ إذا اقتضت المصلحة.\n٥ - الالتزام بالمصطلحات الشرعية.\n٦ - وضوح الأسلوب، وحسن الصياغة.\n٧ - توثيق كلام المردود عليهم من كتبهم.\nالمبحث الثالث: المنهج الأخلاقي للسلف في الدفاع عن العقيدة:\n١ - العدل والإنصاف.\n٢ - سلامة الصدر.\n٣ - التواضع.\n٤ - إحسان الظن.\n٥ - الرحمة.\nالخاتمة: وفيها أبرز النتائج، والتوصيات.\nأسأل الله - ﷿ - أن يكون خالصا لوجه الكريم.\nوالله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nد: عبد المجيد بن محمد الوعلان\nawalaan@gmail.com","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>التمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول: تعريف المنهج لغة واصطلاحا</span>\n\nالمنهج لغة: مفعل من مادة \"نهج\" ينهج نهجًا، وهو الطريق المستقيم البين. ونهج الطريق: أبانه، وأوضحه، ونهجه: سلكه، والمنهاج: الطريق الواضح (^١).\nواستنهج الطريق: صار نهجا، وفلان نهج سبيل فلان، أي: سلك مسلكه (^٢)، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، قال ابن عباس -﵄-: \" سبيلا وسنة\" (^٣).\n\nأما تعريفه في الاصطلاح: فقد عرف بتعريفات كثيرة منها:\n١ - هو الطريق المؤدي إلى التعرف على الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة، والتي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته، حتى يصل إلى نتيجة معلومة.\n٢ - هو القانون أو القاعدة التي تحكم أي محاولة للدراسة العلمية في أي مجال.\n٣ - القواعد العلمية التي يسلكها العقل في حركته للبحث عن الحقيقة في أي مجال من مجالات المعرفة (^٤).\nوهذه التعريفات واحدة في المعنى وإن اختلف التعبير عنها باللفظ، لأن مدارها على القواعد التي يسير بها الباحث عند إرادته بحث أي مسألة علمية (^٥).\n\"وكان العلماء المسلمون يعبرون عن المنهج بالأصول والقواعد\" (^٦).\n_________\n(^١) مختار الصحاح، للرازي: ٥٨٥.\n(^٢) القاموس المحيط، للفيروزآبادي: ١٩٠.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: قول النبي ﷺ: \"بني الإسلام على خمس\": ٢٥.\n(^٤) انظر: العلم والبحث العلمي، لحسين رشوان: ١٤٣، ومنهج البحث العلمي عند العرب، لجلال موسى: ٢٧١، ومناهج البحث العلمي، د. عبد الرحمن بدوي.\n(^٥) مناهج البحث في العقيدة، د. يوسف السعيد: ٢٦٣.\n(^٦) منهج كتابة التاريخ الإسلامي، د. محمد بن صامل السلمي: ٨٩.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثاني: تعريف السلف لغة واصطلاحا</span>\n\nالسلف اللغة:\nيقال: سَلَف يسَلُف وسُلُوفا. والسالف: المتقدم، والسلف والسليف والسُلْفَة: الجماعة المتقدمون. والقوم السُلاف: المتقدمون. وسَلَفُ الرجل آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسُلاف.\nوالسلف: من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل، وأحدهم سالف. والأمم السالفة: الأمم الغابرة أو الماضية وتجمع على سوالف (^١).\n\nالمراد بالسلف:\nيراد بهم تاريخيًا: أصحاب القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية (^٢)، وذلك في الحديث الذي رواه عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثًا، \"ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن\" (^٣).\nفأصحاب هذه القرون أفضل الأمة وأكرم الخلق بعد النبيين، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون والأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، قال ﷾ عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].\nوقد أخبر النبي ﷺ ببقاء هذه الطائفة فقال: \" لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك \" (^٤)، وقال ﷺ: \" وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي\" (^٥).\nفيتضح من الحديثين السابقين بقاء هذه الطائفة، وأنها من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه وهم السلف، فالعبرة في ذلك بالطريقة التي ساروا عليها والمنهج الذي سلكوه، فمن تمسك بالكتاب والسنة وسار على نهج الصحابة والتابعين في فهمهما والعمل بهما فهو منهم؛ وإن عاش في القرون المتأخرة، ومن خالف منهجهم فليس منهم وإن عاش بين أظهرهم.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، للأزهري: ١٢/ ٤٣١ - ٤٣٢ \"مادة سلف\"، ولسان العرب، لابن منظور: ٣/ ٢٠٦٨ - ٢٠٧٠ مادة \"سلف\"، والقاموس المحيط: ٧٣٨.\n(^٢) انظر: الرسالة التدمرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ٢٣٦، ولوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، للسفاريني: ١/ ٢٠، وشرح الطحاوية في العقيدة السلفية، لابن أبي العز الحنفي: ٢٨.\n(^٣) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل أصحاب النبي ﷺ، ورضي الله عنهم، رقم (٣٦٥٠).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب المناقب، رقم (٣٦٤١).\n(^٥) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب: شرح السنة رقم (٤٥٩٦)، وسنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة رقم (٢٦٤٠)، وقال: \"حديث حسن صحيح\".","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثالث: بيان أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة:</span>\n\nإن العناية بمعرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة هو من العناية بالعقيدة الإسلامية نفسها؛ لأن في ذلك اهتمام بها، وتلمس لمصادرها، وتصفية لها مما يشوبها من البدع، وتلق لها عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.\n\"فمعرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة يعطي الباحث قوة في الاستدلال والرد على المخالفين؛ نظرًا لوضوح الأثر القوي والفعال في كتب السلف مع أنها أقل بكثير من كتب المتأخرين، وكذلك فإن قوة بعض علماء أهل السنة العلمية التي ظهرت من خلال تقريرهم لمسائل الاعتقاد والرد على المخالفين، كان من أعظم الأسباب: اعتمادهم على منهج السلف في تقرير وتدوين مسائل العقيدة ... وتبرز الأهمية أكثر في العصور المتأخرة التي قل فيها العلم المؤصل على المنهج الصحيح والله المستعان\" (^١).\nقال عبد الله بن مسعود -﵁-: \" من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم\" (^٢).\nوقال الإمام الشافعي -﵀-: \" هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكل سبب يُنال به علم أو يُدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا\" (^٣).\nوقال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: \" وفي كلامهم -أي السلف- من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم؛ بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه.\nوفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يُبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم به.\n_________\n(^١) منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة إلى نهاية القرن الثالث الهجري، ناصر بن يحيى الحنيني: ١/ ٦٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ٣/ ١٢٦، وأورد ابن عبدالبر نحوه في جامع بيان العلم وفضله، رقم (١٨١١): ٢/ ٩٤٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى: ٤/ ١٥٧، وانظر: اهتمام علماء المسلمين بعقيدة السلف، د. أبو اليزيد العجمي، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (١٥) الصادر عام ١٤٠٦ هـ","vol":"1","page":7},{"text":"فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم، قال الأوزاعي: \" العلم ما جاء به أصحاب محمد ﷺ فما كان غير ذلك فليس بعلم\" (^١)، \" (^٢).\nوتكمن أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة في وضع منهج واضح المعالم في الرد والمناقشة للمخالفين فإن \"مما يظهر أهمية الرد على المخالفين والدفاع عن عقيدة الأمة: وضع منهج واضح للعلماء، ولطلبة العلم إذا أرادوا إبطال أي شبهة أو الرد على أي انحراف، بحيث تؤتي هذه الجهود المباركة ثمارها المرجوة منها من تصحيح لما فسد في المعتقد، وإبطال لتلبيس الملبسين، وغيرها من الثمار، والمصالح التي تنتج عن الالتزام بالمنهج الصحيح في الرد والمناقشة.\nومن هنا نؤكد على أهمية الدفاع عن العقيدة والرد على المبطلين ليس لأجل الرد على أهل الباطل فحسب، بل لأجل وضع منهج واضح المعالم لمن يأتي من أجيال الأمة\" (^٣).\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله رقم (١٠٦٧)، (١٤٢١): ١/ ٦١٨، ١/ ٧٦٩.\n(^٢) فضل علم السلف على الخلف،: ٣٤ - ٤٢.\n(^٣) منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة: ٢/ ٨٣٤.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفصل الأول: بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة</span>\n\nإن الدفاع عن العقيدة من أهم المهمات فهو نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى لنبيه ﷺ وهو في مكة: ﴿الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: الآية ٥٢]، فهو جهاد بالحجة والبيان. وقال ﷺ: \" جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم\" (^١).\nوسأنقل في هذا الفصل من كلام أهل العلم ما يبين مشروعية الدفاع عن العقيدة، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى عصرنا هذا.\nقال الشيخ بكر أبو زيد - ﵀-: \"فهذه أبحاث، من ضنائن العلم، وغواليه، لأنها تحمل إعلان الصوت الإسلامي عاليًا، والقلم له راقمًا، بإظهار شعار من شعائر علماء الأمة الإسلامية، وبيان وظيفة من وظائفهم الملية، وتقرير أصول من أصولها التعبدية هو: \" مشروعية الرد على كل مخالف بمخالفته، وأخذه بذنبه، وإدانته بجريرته، \"ولا يجني جانٍ إلا على نفسه\".\nكل هذا \"لحراسة الدين\" وحمايته من العاديات عليه، وعلى أهله، من خلال هذه \"الوظيفة الجهادية\" التي دأبها: الحنين إلى الدين، والرحمة بالإنسانية، لتعيش تحت مظلته: تكف العدوان، وتصد المعتدين، وتُقيم سوق الأمر بالمعروف، ورأسه \"التوحيد\"، والنهي عن المنكر وأصله \"الشرك\".\nوتُقيمُ: طول الإسلام، وقوته، وظهوره، على الدين كله ولو كره المشركون، وتحطم الأهواء ولو كره المبتدعون، والفجور ولو كره الفاسقون، والجور ولو كره الظالمون.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- -رحمه الله تعالى- في بيان منزلة هذه الوظيفة: \" فالمرصدون للعلم، عليهم للأمة حفظ الدين، وتبليغه، فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها، فلعنهم اللاعنون حتى البهائم\" (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود: كتاب الجهاد، باب: كراهية ترك الغزو، رقم (٢٥٠٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى: ٦/ ٣٤٧.","vol":"1","page":9},{"text":"قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في موقف أهل السنة من دفع البدعة: \" واشتد نكير السلف والأئمة لها، وصاحوا بأهلها، من أقطار الأرض وحذروا فتنتهم أشد التحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش، والظلم، والعدوان، إذ مضرة البدع، وهدمها للدين، ومنافاتها له أشد\" (^١).\nوالمراد بهذه الأبحاث، حمل النفوس، على إعمال هذه السنة الماضية، في حياة المسلمين الجهادية الدفاعية، عن حرمات الإسلام، وأنها من حقوق الله التعبدية، من جنس الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لاسيما والحاجة إليها ملحة في هذه الأزمنة.\nألا إن النفير خفافًا وثقالًا، لنثل السهام من كنانة الحق للرد على هؤلاء - أي أصحاب الدعوات الباطلة- وأمثالهم، ونقض شبههم، وكشف فتونهم، وتعريتهم، هو من حق الله على عباده، وحق المسلمين على علمائهم، في رد كل مخالف ومخالفته، ومضل وضلالته، ومخطئ وخطئه، وزلة عالم وشذوذه، حتى لا تتداعى الأهواء على المسلمين تعثوا فسادًا في فطرهم، وتقصم وحدتهم، وتؤول بدينهم إلى دين مبدل، وشرع محرف، وركام من النحل والأهواء.\nوهذا سير على أصل الاعتقاد، ووصل لحياة السلف الجهادية الدفاعية، واتصال بها، باللسانين: القلم واللسان، في تاريخهم الحافل الطويل.\nوقد بلغ جهد المصلحين الجهادي في هذا مبلغًا عظيمًا فلابسوا الحياة علمًا وعملًا، ومحصوا الحقائق، وحصحص الحق على أيديهم، بمواقف لا تتخذ من دون الله ولا رسوله وليجة.\nوهم في هذا الخط الدفاعي، بردم كل مخالفة للدين من داخل الصف أو خارجه، ينطلقون من الأصل العقدي المعلوم في سلم المسلمات من أصول الإسلام \"مشروعية الرد على المخالف\"، في كل خصومة ملدة لهذا الدين من أهل الملل الكافرة، والأهواء الضالة، والبدع الزائفة، لهتك أستارهم، وكسر شوكتهم، وكف بأسهم، وأهوائهم، وبدعهم، وضلالاتهم عن المسلمين ...\nوما زال هذا الأصل العقدي جاريًا في حياة الأمة، يقوم به من شاء الله من علمائها، يؤدون به الواجب عن أنفسهم، وإخوانهم في الدين، فهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم.\n\"والمقصود أن هذه الأمة - ولله الحمد- لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده، وهم لما هداهم الله به، يتوافقون في قبول الحق، ورد الباطل رأيًا ورواية من غير تشاعر، ولا تواطؤ\" (^٢).\nومن استقرأ الوحيين الشريفين رأى في موقف الأنبياء مع أممهم، والمصلحين مع أهليهم، مواقف الحجاج والمجادلة، والرد على كل ضلالة ومخالفة، وهكذا ورثتهم من بعدهم على تطاول القرون.\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم: ١/ ٣٧٢، وانظر: زاد المعاد: ٣/ ٤٩٥، فقه غزوة الطائف.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ٩/ ٢٣٣.","vol":"1","page":10},{"text":"وهذه المواقف أدلة عملية على المشروعية، بجانب الأدلة القولية فإلى بيانها وسيقاها:\n\n١: في القرآن الكريم:\nبين الله سبحانه في الآيات [٣٦ - ٣٩] من سورة النحل وظائف الرسل في دعوتهم، فيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿(٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾، ... فبيان الخلاف بإظهار الحق من الباطل مقصد عظيم من مقاصد بعثة الرسل، لتزول عن الأمة غشاوة الخلاف الطائش، والاختلاف الجائر.\nولهذا نجد مجموعة وافرة من الآيات في الجدل والمحاجة، وإقامة الحجة والبرهان، لإقامة الدين وظهوره وحراسته. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١].\nقال أبو إسحاق الجويني -رحمه الله تعالى- بعد سياق بعض النصوص، ومنها هاتان الآيتان: \" وهذه الألفاظ عموم في التوحيد والشريعة، وهي أيضًا سيرة الرسل -﵈- مع أممهم، وسيرة رسولنا ﷺ وسيرة علماء الصحابة -﵃- بعده، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم، إلى يومنا هذا، وعليه عادة العقلاء في أديانهم، ومعاملاتهم ومعاشراتهم\" (^١).\n\n٢: في السنة النبوية:\nفي نصوصها: قولًا، وفعلًا، وتقريرًا، في عامة أبواب التوحيد، والشريعة، ترى وقائع كثيرة، يرد بها النبي ﷺ ما ليس حقًا: وكان في فاتحتها ذاك الذي قال للنبي ﷺ يوم حنين: \" اعدل\"، فقال له ﷺ رادًا عليه مخالفته المنكرة: \" فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر\" (^٢).\nوتعتبر هذه أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية.\n_________\n(^١) الكافية في الجدل، لإمام الحرمين الجويني: ٢٣.\n(^٢) صحيح البخاري: كتاب فرض الخمس باب: ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس، رقم (٣١٥٠).","vol":"1","page":11},{"text":"ورد ﷺ على عثمان بن مظعون ﵁ التبتل (^١).\nورد ﷺ على من حرم بعض المطاعم، والمناكح (^٢).\nوحاج ﷺ وفد نصارى نجران عندما سألوه ما تقول في عيسى -﵇: \" ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى -﵇- فأصبح، وقد أنزل الله في عيسى -﵇: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١] (^٣).\nوفي استنباط فوائدها، يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: \" ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك بل وجوبه، إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة فليول ذلك إلى أهله، وليخل بين المطي وحاديها، والقوس وباريها\" (^٤).\n\n٣: وفي طبقة الصحابة -﵃ (^٥):\nحملوا هذه الروح الجهادية الدفاعية، بما اقتضه الشريعة: قولًا وفعلًا، وتقريرًا في سيرة النبي ﷺ، فقاموا بواجب هذه الحمالة لهذا الأصل العقدي خير قيام، من رد البدع، والأهواء المضلة، والدفع في نحورها وأعجازها، لإبطالها ووأدها، من أول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج\".\nثم ذكر الشيخ بكر -﵀-: طبقة التابعين ومن بعدهم، ثم قال (^٦): \" فالرد على أهل البدع والأهواء: باب شريف من أبواب الجهاد عظيم وكيف لا يكونون كذلك، وهم في مواقع الحراسة، وأفضل الجهاد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب: ما يكره من التبتل والخصاء، رقم (٥٠٧٣).\n(^٢) صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، رقم (١٤٠١).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: ١/ ٣٧٥.\n(^٤) زاد المعاد: ٣/ ٤٢.\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى: ٣/ ١٨٢، ٢٣٠، ٢٧٩.\n(^٦) الرد على المخالف من أصول الإسلام: ٤٠.","vol":"1","page":12},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- -رحمه الله تعالى: \" فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى، يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد\" (^١).\nوفي بيان قدر هذه المنزلة الجهادية بالقلم واللسان يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- -رحمه الله تعالى -: \" وإذا كان النصح واجبًا في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل، نقلة الحديث الذي يغلطون أو يكذبون، كما قال يحيى بن سعيد: سألت مالكًا، والثوري، والليث بن سعد -أظنه- والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو يحفظ؟ فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا، وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت، وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ !\nومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل\" (^٢).\nهذا مجمل تاريخي استدلالي على تثبيت هذا الأصل العقدي، ردع البدع، والمخالفات، والأهواء، ومقارعة أهلها، وكشفهم، ومعرفتهم بأعيانهم، وإبطال بدعهم خوفًا من عاديتهم على أهل السنة، ونصحًا لهم بل لله، ولرسوله ودينه وأئمة المسلمين، وعامتهم.\nفاتضح من هذا عقلًا وشرعًا أن: \" من حق الله على عباده رد الطاعنين على كتابه ورسوله، ودينه، ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان\" (^٣).\nفالرد على المخالف أصل من أصول الدين، بل هو مقتضى شهادة التوحيد التي قال الله تعالى عنها: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ولذا تضمنت الدعوة إلى الله غايتين، لا تصح الدعوة إلا بهما، وهما ركناها: الركن الأول: تقرير الدين والعقيدة والشريعة، وتعلمها والعمل بها ونشرها، الركن الثاني: حماية الدين والعقيدة والشريعة، والدفاع عنها، وبيان ما يخالفها، وكل ذلك من منهج القرآن الكريم، وعليه عمل النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وأئمة السلف ﵏\" (^٤).\n_________\n(^١) المرجع السابق: ٤/ ١٣.\n(^٢) المرجع السابق: ١٢/ ٤٦٤.\n(^٣) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن القيم: ٢٣٢. وانظر: الرد على المخالف من أصول الإسلام، للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: ٧ - ٤٧، باختصار.\n(^٤) مقدمات في الأهواء والافتراق والبدع، للشيخ ناصر العقل: ١/ ٧.","vol":"1","page":13},{"text":"قال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: \" متى سكت أهل الحق عن بيان أخطاء المخطئين، وأغلاط الغالطين، لم يحصل منهم ما أمرهم الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعلوم ما يترتب على ذلك من إثم الساكت عن إنكار المنكر، وبقاء الغالط على غلطه، والمخالف للحق على خطئه، وذلك خلاف ما شرعه الله من النصيحة والتعاون على الخير\" (^١).\nوالمعروف المشتهر أن أئمة الدعوة النجدية عرفوا بكثرة ردودهم على مخالفي الكتاب والسنة وهم من جدد الدعوة السلفية في هذه البلاد المباركة وعلى رأسهم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، والشيخ سليمان بن سمحان، والشيخ محمد بن إبراهيم رحم الله الجميع (^٢). وهذا إنما كان لسيرهم على منهج السلف الصالح في هذه المسألة وغيرها من أصول الإسلام ومبانيه العظام.\nولا يزال هذا منهجهم إلى هذا العصر، فمنهم الشيخ عبدالعزيز بن باز في مجموع مقالات وفتاوى متنوعة، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان في كتاب البيان لأخطاء بعض الكتاب، والشيخ بكر أبو زيد في كتاب الردود، وغيرها كثير.\nوكلام السلف -﵏- في بيان مشروعية وجوب الدفاع عن العقيدة أكثر من أن يحصى، وهو مبثوث في كتب العقائد، بل ولهم في ذلك مصنفات خاصة في نقض البدع بأصولها، بل وفي الرد على أهل البدع بأعيانهم، ﵏ ورضي عنهم.\n_________\n(^١) مجموع مقالات وفتاوى متنوعة، للشيخ عبدالعزيز بن باز: ٣/ ٦٨.\n(^٢) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ففيه من الردود الشيء الكثير، الجزء الحادي عشر والثاني عشر والذي عنوانهما: مختصرات الردود.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الثاني: أسباب دفاع السلف عن العقيدة</span>\n\nسبق في الفصل الماضي بيان مشروعية الدفاع عن العقيدة بل وجوبها، ومن أجل ذلك قام السلف ﵏ بما أوجبه الله عليهم، وقد كان الدافع لهم لذلك مع ما سبق أسباب كثيرة، نذكر بعضًا منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أولًا: حفظ الدين وبيان كمال هذه الشريعة:</span>\nقد تكفل الله ﷾ بحفظ الدين فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، كما أكمله ﷾ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀-: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها، والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل.\nفلا يحرف محرف معنى من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين\" (^١).\nوقد جعل الله ﷾ من أسباب حفظ الدين وبيان كماله ظهور المعارضين له من أهل الإفك المبين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀﵀: \" ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين، ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٥].\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبدالرحمن السعدي: ٤٢٩.","vol":"1","page":15},{"text":"وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات أقام الله -تعالى- له مما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة، وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة.\nفالدين الحق كلما نظر فيه الناظر، وناظر عنه المناظر، ظهرت له البراهين، وقوي به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين.\nوالدين الباطل إذا جادل عنه المجادل، ورام أن يقوم عوده المائل، أقام الله ﵎ من يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وتبين أن صاحبه الأحمق كاذب مائق\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثانيًا: كشف شبهات المبطلين واستبانة سبيل المجرمين:</span>\nقال تعالى: ﴿(٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، وذلك أن \"من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علمًا وعملًا فهو أعلم الخلق\" (^٢).\nيقول الإمام الدارمي -﵀-: \"ولولا ما بدأكم هذا المعارض بإذاعة ضلالات المريسي وبثها فيكم ما اشتغلنا بذكر كلامه، مخافة أن يعلق بعض كلامه بقلوب بعض الجهال، فيلقيهم في شك من خالقهم.\nفخشينا ألا يسعنا إلا الإنكار على من بثها -يعني الشبهات- ودعا الناس إليها منافحة عن الله وتثبيتًا لصفاته العلى ولأسمائه الحسنى ودعاء إلى الطريقة المثلى ومحاماة عن ضعفاء الناس وأهل الغفلة من النساء والصبيان أن يضلوا بها ويفتتنوا إذ بثها فيهم\" (^٣).\nويُروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: \" إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام ممن لا يعرف الجاهلية\" (^٤).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١/ ٦٠ - ٦٤.\n(^٢) الفوائد لابن القيم: ٢٥٩.\n(^٣) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ في التوحيد، للإمام الدارمي: ١/ ١٤٢ - ١٤٥.\n(^٤) المستدرك على الصحيحين، لأبي عبدالله الحاكم: ٤/ ٤٢٨ بنحوه وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":16},{"text":"قال الإمام ابن القيم - بعد أن ذكر كلام أمير المؤمنين عمر ﵁: \" .. وهذا من كمال عمر ﵁، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول ﷺ فإنه من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل، فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفر من خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم، ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها\" (^١).\nوقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- في مقدمة شرحه للقصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أن في الرد على المخالف كشفًا لشبهاته وشكوكه، فقال: \" وهذا النظم قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبين الحق الصريح، وكشف الشكوك والشبهات، التي طالما خالطت قلوب أذكياء العلماء، وحيرت كثير من أهل العلم الفضلاء\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ثالثًا: خطورة انتشار العقائد الباطلة على المجتمع المسلم:</span>\nفإن انتشار العقائد الباطلة يؤدي إلى التفرق والاختلاف، وتترب عليه الآثار السيئة على الأمة في جميع أمورها العقدية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها؛ ولذلك حرص السلف -﵏- على رد تلك العقائد الباطلة لجمع كلمة المسلمين وردهم لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.\nقال الشيخ عبدالعزيز بن باز -﵀- في مقال له بعنوان: \"كيف نحارب الغزو الثقافي الغربي والشرقي\"، قال: \" إن أخطر ما تواجهه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر هو ما يسمى بالغزو الثقافي بأسلحته المتنوعة، من كتب وإذاعات وصحف ومجلات وغير ذلك من الأسلحة الأخرى\" (^٣).\n\nومن تلك الآثار التي تترتب على انتشار العقائد الباطلة هو الاختلاف والفرقة المذمومة، فالبدعة طريق سالك إلى الفرقة والاختلاف المذمومين، وقد ثبت ذم هذا الاختلاف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، قال السيوطي -﵀-: \" أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله\" (^٤).\n_________\n(^١) الفوائد: ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(^٢) الدرة البهية شرح العقيدة التائية في حل المشكلة القدرية، للشيخ عبد الرحمن السعدي: ١١.\n(^٣) مجلة البحوث الإسلامية، العدد ١٧ ص ٧، والعدد ٤٠ ص ١٣٩.\n(^٤) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي: ٢/ ٦٢.","vol":"1","page":17},{"text":"ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، قال الحافظ ابن كثير -﵀-: \" وكانوا شيعًا: أي فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله ﷺ مما هم فيه\" (^١).\nومن أخطر آثارها أنه إذا تأصلت مثل هذه المحدثات واتخذها بعض المنتسبين إلى الإسلام معقدًا للولاء والبراء فضلوا بذلك عن جادة الحق، حدث الشرخ بين هذه الجماعة وبين جماعة الإسلام الأصيلة المتمسكة بسنة النبي ﷺ.\nومن الآثار كذلك موت السنة وضياعها: فأنه لا تظهر بدعة إلا بموت سنة، ولا تظهر سنة إلا بذبول بدعة تعارضها، فعن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: \" ما يأتي على الناس عام إلا احدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن\" (^٢).\nومن الآثار كذلك: التفرق والتشرذم والخروج عن الجماعة: قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال مجاهد: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ \"الأهواء المفترقة\" (^٣).\nومن الآثار كذلك: استحلال السيف في رقاب المسلمين واستباحة الأعراض والأموال المحرمة: فعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: \" لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (^٤)، فلا يستغرب لمن انتحل البدعة وخالف السنة أن تكون أولى ثمار بدعته هذه استحلال السيف في رقاب أمة محمد ﷺ كما حدث من الخوارج.\nقال أيوب السختياني -﵀ - وكان يسمى أصحاب البدع خوارج، ويقول: \" إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف\" (^٥).\nإلى غير ذلك من الآثار التي تبين خطورة انتشار العقائد الباطلة على المجتمع المسلم.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: ٢/ ٢٠٤.\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لأبي القاسم هبة الله الحسن اللالكائي: ١/ ٩٢.\n(^٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري: ٧/ ٢٥٦.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب: قول النبي - ﷺ - \"لا ترجعوا بعدي كفارا\"، رقم (٧٠٧٧).\n(^٥) الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي: ١/ ٦٥.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>رابعًا: جواب السؤال والحاجة إلى البيان:</span>\nقد يكون الدافع عند السلف لكتابة الرد هو جواب لسؤال ورد عليهم عن شبهة أو بدعة أو نحو ذلك، سواء كان السؤال سؤال استفهام أو سؤال معاند أو غير ذلك.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: \" وكان من أسباب نصر الدين وظهوره، أن كتابًا ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى، بما يحتج به علماء دينهم وفضلاء ملتهم قديمًا وحديثًا، من الحجج السمعية، والعقلية، فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب، وبيان الخطأ من الصواب، لينتفع بذلك أولو الألباب، ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان والكتاب\" (^١).\nومن ذلك جواب شيخ الإسلام ﵀ بقصيدته التائية في حل المشكلة القدرية جوابًا لسؤال ورد عليه من نصراني معاند قال في مطلعها:\nسؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية (^٢)\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- عن هذه القصيدة: والشيخ - قدس الله روحه- نظمها جوابا لسؤال أورده عليه من قال: \" إنه ذمي\" ليشبه على المسلمين، وليشككهم في أصول الدين\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>خامسًا: ظهور أو انتشار بدعة أو مخالفة معينة بين المسلمين:</span>\nومن أسباب دفاع السلف عن العقيدة هو ظهور بدعة أو انتشارها بين المسلمين، وهذا الظهور أو الانتشار سواء كان عن طريق داعية يدعو لبدعته، أو خروج كتاب أو غير ذلك.\nفإن السلف -﵏- لا يزالون يردون على كل بدعة وضلالة تظهر وتنتشر بين المسلمين إلى وقتنا الحاضر.\nومن ذلك الشيخ نعمان بن محمود الألوسي البغدادي: ألف كتابًا سماه \"الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح\". وقد ذكر في سبب تأليفه له: أنه رأى في السنة ١٣٠٤ هـ أوراقًا مطبوعة في لندن سنة ١٨٨٠ م تتضمن -زورًا وبهتانا- على تقديم دين النصارى على سائر الأديان، وطعنًا لدين الإسلام فألف هذا الكتاب ردًا على ذلك (^٤).\nومن ذلك ما يصدر من بيانات وردود من هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وردود فضيلة الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- والتي جمعت في خمس مجلدات بعنوان البيان لأخطاء بعض الكتاب، والتي يتعقب فيها -حفظه الله- بعض البدع والمخالفات التي تنشر في وسائل الإعلام.\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ١/ ٦٨.\n(^٢) الدرة البهية: ١٥.\n(^٣) المرجع السابق: ١١ - ١٢.\n(^٤) الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح، لنعمان الألوسي: ٣٤.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الفصل الثالث: منهج السلف في الدفاع عن العقيدة</span>\n\nنظرًا لأهمية معرفة الخصائص والسمات التي يقوم عليها منهج السلف، وذلك للاسترشاد بها في فهم هذا المنهج فهمًا صحيحًا، للسير على نهجه وتطبيقه، وللتعرف على أصحابه للتمييز بينهم وبين أصحاب سائر الاتجاهات الأخرى التي تدعَّى الانتساب إلى السلف الصالح، وحتى لا ينسب للسلف ومنهجهم ما ليس منه مما يصدر عن بعض ممن ينتسب لهم إما باجتهاد منه أو خطأ أو زلة أو غير ذلك. وسأذكر أهم تلك الخصائص والسمات، وسيكون ذلك في ثلاثة مباحث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الأول: خصائص وسمات منهج السلف في الدفاع عن العقيدة:</span>\nيمتاز منهج السلف في الدفاع عن العقيدة بخصائص وسمات كثيرة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>أولًا: الاستدلال بالكتاب والسنة:</span>\nوهذا من أهم الخصائص التي يقوم عليها منهج السلف ولذا تجدهم يجمعون على الاستدلال بالكتاب والسنة في كافة أمورهم وفي جميع مسائل وقضايا الاعتقاد والتشريع والسلوك، وذلك باعتبارهما وحيًا من الله -﷿- لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\nفهم يستدلون بالكتاب والسنة لإيمانهم الجازم ويقينهم القاطع بأن كل ما جاء به الرسول ﷺ حق وصدق، وأن ما خالفه وعارضه باطل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" وأما خبر الله ورسوله فهو صدق موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلًا ولا مخالفًا لما هو الأمر عليه في نفسه، ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عرض شيئًا من أخباره وناقضه فإنه باطل\" (^١).\nوكذلك لإيمانهم بكمال هذا الدين وبأن أصوله وفروعه ودلائله ومسائله قد جاء بيانها في الكتاب والسنة بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ٢٥٥.","vol":"1","page":20},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" إن رسول الله ﷺ بين جميع الدين أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل كان أولى بالحق علمًا وعملًا\" (^١).\nولذلك تجد أن السلف اعتنوا بالكتاب والسنة عناية فائقة تدل على صدق اعتمادهم عليهما، وذلك بحفظها وشرحها ودراستها وتفسيرها والرجوع إليها وتميز صحيح السنة من سقيمها.\nثم هم عند التنازع يردون إليهما امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" ما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>ثانيًا: الأخذ بفهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان:</span>\nمن خصائص منهج السلف الرجوع إلى فهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ممن لزم منهجهم واقتفى أثرهم في تفسير نصوص الكتاب والسنة، والأخذ بأقوالهم والاسترشاد بها.\nفهم خير أمة محمد ﷺ، فقد شاهد الصحابة ﵃ التنزيل وعاصروه ولازموا رسول الله ﷺ وسمعوا منه وتلقوا عنه وحفظوا مقالته ورعوها ثم نقولها إلى من بعدهم كما سمعوها وفهموها، ولذا فهم أفقه الأمة وأعلمهم بمراد الله ورسوله ﷺ.\nوكان السلف إذا اشتد الخلاف بينهم وبين معارضيهم من أصحاب المذاهب والاتجاهات المنحرفة يدعونهم إلى التحاكم إلى أهل القرون الثلاثة الأولى، ومن ذلك على سبيل المثال قول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مناظراته في العقيدة الواسطية: \" قد أمهلت من خالفني في شيء منها -يعني عقيدة السلف الصالح- ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك، وعلى أن آتي بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٩/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(^٢) المرجع السابق: ٣/ ٣٤٧.\n(^٣) مجموعة الرسائل الكبرى: ١/ ٤١٧.","vol":"1","page":21},{"text":"ويقول أيضا في الأخذ بأقوال أهل القرون الثلاثة الأولى: \" معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خير وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك، فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>ثالثًا: الاستدلال بالأدلة العقلية والفطرة:</span>\nفالعقل السليم والفطرة مؤيدان يوافقان الكتاب والسنة، ويدركان أصول الاعتقاد على الإجمال لا على التفصيل، فالعقل والفطرة يدركان وجود الله وعظمته وضرورة طاعته وعبادته واتصافه بصفات العظمة والجلال على وجه العموم.\nكما أن العقل والفطرة السليمين يدركان ضرورة النبوات وإرسال الرسل، وضرورة البعث والجزاء على الأعمال كذلك، على الإجمال لا على التفصيل.\nوالرسول الكريم ﷺ جاء مؤيدًا من ربه بالحجج والبراهين العقلية، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣]، فأخبر سبحانه أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلا جاءه الله بالحق والبيان والدليل وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرًا وكشفا ًوإيضاحًا للحق من قياسهم (^٢).\nيقول ابن تيمية -﵀-: \" إن دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين ليست بمجرد الخبر كما تظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم، بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٣/ ٢٤ - ٢٥.\n(^٢) انظر: نقض المنطق، لابن تيمية: ٨٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى: ٤/ ٢٠٤.","vol":"1","page":22},{"text":"وقد استخدم السلف الأدلة والحجج العقلية المستنبطة من القرآن الكريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن السلف: \" وكانوا يستعملون القياس العقلي على النحو الذي ورد به القرآن في الأمثال التي ضربها الله تعالى للناس، فإن الله ضرب للناس في القرآن من كل مثل، وبين بالأقيسة العقلية المقبولة بالعقل الصريح من المطالب الإلهية والمقاصد الربانية ما لا تصل إليه آراء هؤلاء المتكلمين في المسائل والوسائل، في الأحكام والدلائل\" (^١).\nوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن -﵀- مبينًا استخدام السلف للأقيسة العقلية في معرض كلامه عن كتاب الإمام أحمد -﵀- \"الرد على الزنادقة والجهمية: \" وهو مع ذلك يكشف لهم الشبه ويبين بطلانها بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة والأدلة العقلية الصريحة، وصنف في ذلك كتابه المعروف في الرد على الزنادقة والجهمية\" (^٢).\nوالسنة كالقرآن في ذلك، فبهما تتبين الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويتبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين (^٣).\nومن أمثلة استخدام السلف للأدلة العقلية المستنبطة من النصوص الشرعية: استخدامهم لقياس الأولى (^٤). يقول شيخ لإسلام ابن تيمية -﵀-: \" كان السلف والأئمة يستعملون قياس الأولى في المطالب الإلهية، كما استعمله الإمام احمد ومن قبله ومن بعده من أئمة أهل الإسلام، وبمثل هذا القياس جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد\" (^٥).\nومن ذلك أيضًا استخدامهم دلالات الأنفس والآفاق والمعجزات في الاستدلال على الله -﷿- ومعرفته، وفي هذا يقول ابن الوزير اليماني -﵀-: \"دلالة الأنفس ودلالة الآفاق ودلالة المعجزات كلها دل عليها القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه يهدي للتي هي أقوم\" (^٦).\nأما الفطرة \" فالناس مفطورون على العلم بالقوانين العقلية، التي لا ينازع فيها أحد من عقلاء بني آدم، لأن مبني العقل على صحة الفطرة وسلامتها\" (^٧).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١/ ٣٢٦.\n(^٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، لبعض علماء نجد الأعلام: ٣/ ١٢٠.\n(^٣) انظر: الرد على المنطقيين، لابن تيمية: ٣٨٢.\n(^٤) انظر: المرجع السابق: ١٥٠، والتدمرية: ٥٠.\n(^٥) درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٣٠.\n(^٦) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد لأبي عبدالله محمد بن المرتضى اليماني: ٤٥ - ٥٧.\n(^٧) انظر: الرد على المنطقيين: ٣٢٣.","vol":"1","page":23},{"text":"لذلك قد أودع الله تعالى قلوب بني آدم من المعارف الفطرية الضرورية ما يفرقون به بين الحق والباطل، وما يجعلها مستعدة لإدراك الحقائق، ومعرفتها، ولولا ما في القلوب من هذا الاستعداد والتمكن، ما أفاد النظر ولا الاستدلال ولا البرهان، كما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب ولولا هذا الاستعداد لما أمكن تغذيتها وتربيتها، وأيضًا فكما أن في الأبدان قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافي، ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل، وأعظم من ذلك (^١).\nفالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تعالى تصديقًا به، وتدينا له، لكن قد يعرض لها ما يفسدها، ويخرجها عما فطرت عليه، والقلب إنما خلق لأجل حب الله، وتعظيمه وعبادته، والإخلاص له، لأن معرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، وقد فطر الله القلوب على قيام هذا المقتضي بها، ولولا ما يعرض لها من الشبهات، والشهوات، لاستمرت عليه، ودانت به، ومع ذلك، فهي تظهر عند حلول الحوادث العظام، والخطوب الجسام، فيجد المشرك نفسه تستغيث بالله تعالى، طبعًا وجبلة، لا تكلفًا وحيلة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٧]، ولهذا لم تأت الرسل لتعريف الناس بالخالق ووجوده، وإنما أتت للدعوة إلى التوحيد ونفي الشريك كما قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وأتت لبيان أمر العبودية، وتفصيله على نحو لا تستقل الفطرة بالعلم به، وإن كانت أصل العبودية معلومة في الفطر، فالشرائع: أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وإباحة طيب، وتحريم خبيث، وأمر بعدل، ونهي عن ظلم، وهذا كله مركوز في الفطر، وكماله وتفصيله وتبيينه موقوف على الرسل (^٢).\nوالمقصود بيان أن الإسلام بعقائده وشرائعه هو دين الفطرة، فكل مسألة من مسائله يوجد في الفطرة ما يؤيدها ويشهد لصحتها، إما صراحة وذلك في الأصول الكبار، أو الإحالة، بمعنى أن الفطرة لا تنفر من ذلك، وهذا في تفاصيل تلك الأصول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ٦٢.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٥٢٨، ١٠/ ١٣٤ - ١٣٥، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم: ٤٠٤.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>رابعًا: رد الأفكار والتأويلات الباطلة:</span>\nوالمقصود به: تأويل المتكلمين للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وصرفها عن ظاهرها ومعناها الراجح إلى المعنى المرجوح استنادًا على العقل وحده، كي توافق مقتضى عقولهم وتبدوا مسايره لأهوائهم.\nوقد رفض علماء السلف هذا التأويل رفضًا قاطعًا، وانكروه واعتبروه تأويلًا باطلًا وتحريفًا لكلام الله وكلام رسوله ﷺ، لما يتضمنه ويلزم منه من أمور كثيرة باطلة.\nقال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة - ﵀-: \" إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف قرنًا بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا، على سبيل الصفات لله تعالى والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله في تنزيله ونبيه الرسول ﷺ عن كتابه، مع اجتناب التأويل والجحود وترك التمثيل والتكييف\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- -﵀-: \" أهل السنة متفقون على إبطال تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين، والتأويل المردود: هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره ..، وليس هذا مذهب السلف والأئمة، وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها\" (^٢).\nولذلك كله هجر السلف طريقهم وأنكروه وحذروا الأمة المحمدية من سلوك طريقه وهي التي كان يسميها السلف مقالة الجهمية، والذي هيأ المتكلمون لانتشارها عن طريق تبني بعض أفكارها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" فإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذًا عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن -بل نفس عاقل- أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>خامسًا: تقدير المصلحة والمفسدة في الرد:</span>\nإن من قواعد الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد كان النبي ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات وأكبر الأصنام ولا يغيرها، وترك المنافقين ولم يقتلهم مع ثبوت كفرهم لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.\nوالتعامل مع كل مخالف منوط بهذه القاعدة فلا يسوغ الرد عليه إذا ترتب على ذلك مفسدة كبرى، وقد نهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لما يترتب على ذلك من مفسدة أعظم من مصلحة سبها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].\n_________\n(^١) ذم التأويل، لابن قدامة المقدسي: ١٨.\n(^٢) رسالة الإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية: ٣/ ١٨٧.\n(^٣) المرجع السابق: ٥/ ٢٥.","vol":"1","page":25},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- -﵀-: \" إذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقى الإنسان في الظلمة فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية\" (^١).\nوقال ابن القيم﵀-: \" إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله\" (^٢).\nوقال الإمام مسلم -﵀- في مقدمته لصحيحه: \" وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول وهو لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحًا، لكان رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا، إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه، غير أنا تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله\".\nقال الشيخ محمد بن عثيمين -﵀- في تعليقه على هذا الكلام \" هذا صحيح، وذلك أنك إذا أردت الشيء ينتشر فرد عليه، يأخذ الناس هذا الرد ويتجادلون فيه، فيكون في هذا الرد نشرًا للقول، لكن يخشى لو تركناه لاغتر به الجهال، فكان مقتضى النصيحة أن يذكر، وكونه يشتهر بأنه ضعيف وأنه مردود عليه خير من كونه يسكت عنه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>سادسًا: ترك الجدال والمراء والخصومة في الدين:</span>\nمن منهج السلف ﵏ ترك الجدل والمراء والخصومة في الدين امتثالًا لقول الله تعالى في ذم المجادلة بالباطل: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٠/ ٣٦٤.\n(^٢) أعلام الموقعين: ٣/ ٤.\n(^٣) التعليق على صحيح مسلم، للشيخ محمد بن عثيمين: ١/ ٧٢.\n(^٤) صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: وهو الألد الخصم رقم (٤٥٢٣)، وصحيح مسلم: كتاب العلم، باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه عن الاختلاف في القران، رقم (٢٦٦٨).","vol":"1","page":26},{"text":"قال ابن رجب -﵀-: \"ومما أنكره أئمة السلف الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضًا، ولم يكن ذلك طريق أئمة الإسلام، وإنما أحدث ذلك بعدهم كما أحدثه فقهاء العراقيين.\nوقد أنكر ذلك السلف وورد في الحديث المرفوع في السنن: \" ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدال\" (^١) ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف، آية: ٥٨].\nوقال مالك: أدركت أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم، يريد المسائل (^٢).\nوكان يكره الجواب في كثرة المسائل، ويقول: قال الله -﷿-: ﴿سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ﴾ [الإسراء: ٨٥] فلم يأته في ذلك جواب.\nوقيل له: الرجل يكون عالمًا بالسنن يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يُخبر بالسنة، فإن قُبل منه وإلا سكت.\nوقال: المراء في العلم يُقسي القلب، ويُورث الطعن، وكان يقول في المسائل التي يُسأل عنها كثيرًا: لا أدري، وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>سابعًا: ذم البدع والأهواء:</span>\nومن أبرز سمات منهج السلف -﵏-: محاربتهم للبدع في الدين ونبذها والتحذير منها لمناقضتها لأحد شرطي العبادة، وهو المتابعة للرسول ﷺ فقد روي عن عبدالله بن مسعود ﵁ أنه كان يقول: \" إياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق\" (^٤)، وكان يقول: \" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة\" (^٥).\nوقال الإمام مالك -﵀-: \" من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، وفي رواية: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] \" (^٦).\nومن سماتهم أيضًا هجر أهل الأهواء والبدع والتشديد في النهي عن مجالستهم أو سماع كلامهم أو عرض شبههم، وذلك إنكارًا للمنكر وتأديبًا وزجرًا لهم حتى يقلعوا عن بدعتهم، ومحاصرة لآرائهم وشبهاتهم، وصيانة\n_________\n(^١) سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزخرف رقم (٣٢٥٣).\n(^٢) الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي: ٢/ ١٥.\n(^٣) فضل علم السلف على الخلف: ٣٠ - ٣٢.\n(^٤) سنن الدارمي، باب: من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع: ٦٦.\n(^٥) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بطه العكبري: ١/ ٣٢٧.\n(^٦) الاعتصام: ١/ ٦٢.","vol":"1","page":27},{"text":"لقلوب المسلمين وحماية لعقولهم منها، فعن عبد الله بن عباس -﵄- أنه كان يقول: \" لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلب\" (^١).\nوعن سفيان الثوري -﵀- أنه كان يقول: \" من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم\" (^٢).\nويقول البغوي -﵀-: \" وقد مضى الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم\" (^٣).\nوقد عني السلف قديمًا وحديثًا بأمر البدع وإنكارها وذمها والتحذير منها، وأفردوا لذلك مصنفات كثيرة تدل على عنايتهم بذلك (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>ثامنًا: الأهلية والاستقامة:</span>\nأهلية القائم بالرد في معرفة الحق، وإبرام أدلته، ونصبها دليلًا عليه، وإلا فقد ذم الله تعالى من يحاج بلا علم، فقال سبحانه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ [آل عمران: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].\nوفي التزام السلف بهذا الشرط، يقول ابن تيمية -﵀-: \" وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيُخاف عليه أن يفسده ذلك المُضل، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل عِلجًا قويًا من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة.\nوالمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال\" (^٥).\nأما الاستقامة فإنها: من صفات الكمال، وهي أن يكون القائم بهذا الواجب غير متلبس ببدعة أو فجور، فإن التلبس بشيء من ذلك يصرف القلوب عن قبول أقواله، أو تفتح للخصم هضم الحق بواسطته، والنصوص في هذا كثيرة (^٦).\n_________\n(^١) كتاب الشريعة، للآجري: ١/ ٤٥٢.\n(^٢) شرح السنة، للبغوي: ١/ ٢٢٧.\n(^٣) شرح السنة: ١/ ٢٢٧.\n(^٤) انظر: تعريف الخلف بمنهج الخلف، لإبراهيم البريكان: ١٦٦ - ١٨٧.\n(^٥) درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(^٦) الرد على المخالف: ٥٧ - ٥٩ باختصار، وانظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه، لأحمد جود: ٢٣٩ - ٢٤١.","vol":"1","page":28},{"text":"وذلك \"أن من يقوم بهذه الوظيفة داع إلى الله تعالى، والداعي ينبغي أن يكون قدوة فيما يدعو إليه، لكن العلماء ذكروا: أن الاستقامة صفة كمال، وليس شرط وجوب أو صحة\" (^١).\nقال الحافظ النووي -رحمه الله تعالى-: \" قال العلماء لا يشترط في الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن يكون كامل الحال، ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلًا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما فكيف يباح له الإخلال بالآخر\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: فقه التعامل مع المخالف، د. عبد الله الطريقي: ٣٥.\n(^٢) شرح صحيح مسلم، للنووي: ٢/ ٢٣.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثاني: المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة:</span>\n\nللسلف -رحمهم الله تعالى- منهج علمي في دفاعهم عن العقيدة، ويتمثل هذا المنهج في عدة أمور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>أولًا: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه:</span>\nفمن منهج السلف -﵏- الإيمان المطلق بما جاء عن الله ورسوله ﷺ كما قال الشافعي ﵀: \" آمنت بما جاء عن الله، على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه\" (^٢).\nقال ربيعة شيخ مالك -﵀-: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البلاغ، وعلى الرسول البيان، وعلينا الإيمان\" (^٣).\nوقال ابن أبي زيد القيرواني -﵀-: \" ونصدق بما جاء عن الله -﷿- في كتابه، وبما ثبت عن رسول الله ﷺ من أخباره، ونوجب العمل بمحكمه، ونقر بنص مشكله ومتشابهه، ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله ﷾، والله يعلم من تأويل المتشابه من كتابه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٣] \" (^٤).\nوهذا الإيمان غير موقوف على فهم المعنى وإدراكه، لأن عقول البشر قاصرة عن إدراك جميع المعاني والإحاطة بها، ولأن الخبر إذا جاء عن الله ورسوله لم نحتج في إيماننا أن نحيط بمعناه، بل نصدقه ونؤمن به. يقول شيخ الإسلام -﵀-: \" إن ما أخبر به الرسول عن ربّه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه\" (^٥).\nوقال أبو إسماعيل الصابوني -﵀-: \" قرأت في رسالة للشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان\"، ومما حكاه عنه\" فانتهينا إلى ما أحكم وكففنا عن الذي يتشابه إذ أمرنا به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ\n_________\n(^١) انظر: ذم التأويل: ١١، ونقض المنطق: ٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ٣/ ٥٧.\n(^٣) التدمرية: ٩٦ - ٩٨، شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٣٩٧.\n(^٤) كتاب الجامع في السنن والآداب والحكم والمغازي والتاريخ وغير ذلك، لأبي محمد بن عبدالله القيرواني: ١٤٦.\n(^٥) الرسالة التدمرية، ضمن مجموع الفتاوى: ٣/ ٤١.","vol":"1","page":30},{"text":"الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، كما إنهم يعتقدون أن دلالة النصوص القرآنية والنبوية نص في معناها والمراد منها فإذا أتى البيان من الرسول ﷺ وأصحابه لم يطلب من غيرهما \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>ثانيًا: تقديم النقل على العقل، وعدم معارضة النصوص بالأقيسة العقلية وغيرها:</span>\nمن منهج السلف -﵏- تقديم النقل على العقل، فالأساس الأول عند السلف هو الشرع، فهو الأسلم والأعلم والأحكم، لأنه لا يأتيه الباطل، ولا يتطرق إليه الشك والضلال، ولا يعتريه التنافر والتناقض، فعليه المعتمد في الدين كله، ويأتي العقل تبعًا له في ذلك.\nيقول الشاطبي - ﵀-: \" الواجب تقديم ما حقه التقديم وهو الشرع، وتأخير ما حقه التأخير وهو نظر العقل، فلا يصح تقديم الناقص المفتقر حاكمًا على الكامل المستغني، فهذا خلاف المعقول والمنقول\" (^٢).\nويقول أيضًا: \" لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقدم بين يدي الله ورسوله، بل يكون ملبيًا من وراء وراء، فهذا هو المذهب للصحابة ﵃، وعليه دأبوا، وإياه اتخذوا طريقًا إلى الجنة فوصلوا\" (^٣).\nوهم مع تقديمهم للنقل على العقل لا يعارضونه برأي ولا ذوق ولا وجد ولا عقل ولا قياس، ولا يقدمون كلام أحد كائنًا من كان على كلام الله وكلام رسوله، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].\nوقد نص السلف على هذه القاعدة وأكدوها وحثوا عليها، ومن ذلك أنه روي عن عمر بن عبد العزيز -﵀- أنه قال: \" لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ\" (^٤).\n_________\n(^١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أو الرسالة في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث والأئمة لإسماعيل الصابوني: ٣٥.\n(^٢) الاعتصام: ٣/ ٢٢٨.\n(^٣) المرجع السابق: ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(^٤) الإبانة عن شريعة الفرق الناجية: ٢٦٢ - ٢٦٣، والشريعة للآجري: ١/ ٤٢٣.","vol":"1","page":31},{"text":"وروي عن الإمام مالك -﵀ - أنه قال: \" والتسليم للسنن، لا تُعارض برأي ولا تدافع بقياس\" (^١).\nويقول الإمام الشافعي - ﵀-: \" يسقط كل شيء خالف أمر النبي ﷺ ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله ﷿ قطع العذر بقوله ﷺ\" (^٢).\nويؤكد ابن أبي العز الحنفي - ﵀- هذه القاعدة فيقول: \" وطريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان\" (^٣).\nوتعارض النص الصريح من الكتاب والسنة مع العقل الصحيح السليم غير متصور أصلًا، بل هو مستحيل، فإذا جاء ما يوهم ذلك فإن الوحي مقدم ومحكم، لأنه صادر عن المعصوم ﷺ والعقل لا عصمة له بل هو نظر البشر الناقص (^٤)، وهو معرض للوهم والخطأ والنسيان والهوى والجهل والعجز، فهو قطعًا ناقص (^٥).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل نقيضها الموافق للشرع.\nووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ \" (^٦).\nويقول أيضًا: \" إن النصوص الثابتة عن الرسول ﷺ لم يعارضها قط صريح معقول، فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية لا براهين عقلية\" (^٧).\n_________\n(^١) الجامع في السنن والآداب والمغازي: ١٤٨.\n(^٢) الأم، لمحمد بن إدريس الشافعي: ٢/ ١٩٢.\n(^٣) شرح الطحاوية في العقيدة السلفية: ٣٤١.\n(^٤) انظر: درء تعارض العقل مع النقل: ١/ ٨٨ - ٢٨٠.\n(^٥) بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة، وموقف الأشاعرة والحركات الإسلامية المعاصرة منها، د. ناصر العقل: ٣٢.\n(^٦) درء تعارض العقل مع النقل: ١/ ١٤٧.\n(^٧) المرجع السابق: ١/ ١٥٥ - ١٥٦.","vol":"1","page":32},{"text":"ولا يفهم من هذا أن السلف يهملون العقل ويقللون من أهميته ويعطلون وظيفته، بل إنهم -﵏- يحترمون العقل ويقدرونه قدره ويعرفون له قيمته وفضله، لاعتقادهم بأن فهم نصوص الكتاب والسنة يحتاج إلى قلب يتدبر وعقل يفكر، ... إلا أنهم يرفضون الغلو في تقدير العقل وتمجيده، كما يرفضون إعماله في غير مجاله الذي حدده له الشارع الحكيم وإقحامه فيما ليس في مقدوره واستطاعته أن يحكم فيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>ثالثا: الاستدلال باللغة:</span>\nوقد اهتم السلف اهتمامًا بالغًا بكتب اللغة: ومن ذلك ما رواه ابن بطة في الإبانة بسنده عن أحد طلاب الإمام أحمد - ﵀- قال: \" طلب مني أبو عبد الله -وهو في السجن- كتاب حمزة في العربية، فدفعته إليه، فنظر فيه قبل أن يمتحن\" (^٢). وقال الإمام أحمد - ﵀-: \" كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمر الشيباني\" (^٣).\nوقد ظهرت بجلاء استدلالات أهل السنة والجماعة باللغة العربية في مصنفاتهم في الاعتقاد، وقد تنوعت طرقهم وأساليبهم في ذلك الاحتجاج والاستدلال والرد على المخالفين؛ بل إنهم يوردون حجج المخالفين اللغوية ويردون عليها أداء للأمانة العلمية ولبيان ضعف استدلال المخالف باللغة وبطلانه، ويبينون المعاني الصحيحة لبعض الكلمات والألفاظ، ويضربون الأمثلة لتوضيح وتقريب المعاني اللغوية (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>رابعًا: التركيز في الدفاع عن العقيدة على نفس المعتقد بغض النظر عن القائل، وقد يذكرونه أحيانًا:</span>\nإن من منهج السلف في الدفاع عن العقيدة التركيز على بيان الحق ورد الشبه، بغض النظر عن قائلها، وقد يحتاجون في بعض الأحيان إلى التعيين إذا ترتب على ذلك مصلحة.\nيوضح ذلك الشيخ بكر أبو زيد -﵀- فيقول: \" الأصل هو الستر، والعمل على دفع دواعي الفرقة والوحشة وعدم الموافقة، فالرد يَنْصبُ على المقالة المخالفة المذمومة لا على قائلها وتعيين اسم قائلها حسب مقتضى الأحوال منها:\nأ- التعيين إذا كانت المقالة فاحشة جدًا كبدعة الخوارج، فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين القائل بها، كما عين رسول الله ﷺ الخوارج، وذكر علاماتهم، وحذر منهم، ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة بل أشد منه بحسب نظر المجتهد، كالبعثيين، والعلمانيين، والحداثيين.\nب- التعيين إذا كانت الفرقة تدعوا إلى ضلالتها، وتزينها في قلوب العوام، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس فلابد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المرجع السابق: ١/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(^٢) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بطة العكبري: ٢/ ٢٦٤.\n(^٣) الرد على الزنادقة والجهمية، للإمام أحمد: ١٩٦.\n(^٤) انظر: منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة: ١/ ٦٤٠ - ٦٥٩.\n(^٥) الرد على المخالف: ٦٣ - ٦٤.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>خامسًا: الالتزام بالمصطلحات الشرعية:</span>\nقضية ضبط المصطلحات أمر نبه القرآن الكريم عليه المؤمنين في وقت نزول الوحي، فقد نهى الله - ﷿- المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَاعِنَا﴾، وأمرهم أن يقولوا: ﴿انْظُرْنَا﴾، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وذلك أن اليهود كانت تستخدم كلمة ﴿رَاعِنَا﴾ لمعنى فاسد يحمل مسبة للنبي ﷺ.\nوأخبر النبي ﷺ عن أناس يأتون في أخر الزمان يسمون الخمر بغير اسمها (^١).\nويتلخص موقف أهل السنة من أمر المصطلحات التي تنسب إلى الأنبياء أو السلف أو إلى الخصوم بما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>١ - التأكد من صحة نسبة المصطلح ومعناه:</span>\nقال شيخ الإسلام - ﵀-: \" المنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله\" (^٢)، والأمر في هذا أن العلم يحتاج إلى نقل مصدق، ونظر محقق (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٢ - اتباع المنقول من المصطلحات:</span>\nوذلك أن اتباع ألفاظ الكتاب والسنة أولى من أي ألفاظ أخرى في تقرير أمور الدين؛ لأن ذلك يؤدي إلى موافقة النصوص لفظًا ومعنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٣ - فهم المصطلحات:</span>\nوذلك بمعرفة دلالة المصطلح ومعرفة مراد المتكلم به، \"وذلك أن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون بعد انقراض عصر الذين خاطبهم بلغته وعادته (^٤)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].\n_________\n(^١) سنن أبي داود: كتاب الأشربة، باب في الداذي، رقم (٣٦٨٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى: ١/ ٢٤٦.\n(^٣) المرجع السابق: ١/ ٢٤٦.\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ١٢٣، منهج ابن تيمية في الدعوة، د. عبد الله بن رشيد الحوشاني: ١/ ٨٧ - ٨٩.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>٤ - الاستفسار والاستفصال عند الإجمال:</span>\nيلتزم السلف إزاء الألفاظ المجملة التي يوردها أهل الباطل بهذه القاعدة فلا يوافقون على إثبات لفظ مجمل أو نفيه، إلا بعد الاستفسار عن مراد صاحبه، وذلك كألفاظ الجوهر، والجسم، والجهة، وهي من الألفاظ المبتدعة عند أهل الأهواء وأهل الكتاب، فإن كان المعنى حقٌ؛ قبلوا المعنى وردوا اللفظ، وإن كان المعنى باطلٌ ردوا اللفظ والمعنى.\nقال ابن أبي العز -﵀- في شرح الطحاوية في تعليقه على كلام الطحاوي: \" تعالى ربنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات\"، قال: \" أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي: أن الناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا وباطلا، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلا، مخالفا لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان. ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون\" (^١).\n\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان: نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق؛ فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة ...\nوأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية: ١٨٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ١٢/ ١١٣ - ١١٤.","vol":"1","page":35},{"text":"وقال أيضًا: \" وما تنازع فيه المتأخرون، نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قبل، وإن أراد باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٥ - مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم:</span>\nويستثنى مما سبق مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم عند الحاجة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة .. \" (^٢)، لاسيما \"إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة، مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات، أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك، أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء، فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من كلام على المعاني التي يدعونها: إما بألفاظهم، وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم ... \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>سادسًا: وضوح الأسلوب وحسن الصياغة:</span>\nيمتاز المنهج العلمي للسلف في الدفاع عن العقيدة بالوضوح والبيان، وخلوه من التعارض والتناقض والغموض والفلسفة والتعقيد في ألفاظه ومعانيه لأنه مستمد من كلام الله المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن كلام رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.\nقال ابن رجب -﵀-: \" ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه على مأخذ الفقه ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر، يُفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب.\nوفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب، في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه.\n_________\n(^١) التدمرية: ٦٥ - ٦٦.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٤٣.\n(^٣) المرجع السابق: ١/ ٢٢١، وانظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه: ٢٤٧ - ٢٥١.","vol":"1","page":36},{"text":"فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال؛ ولكنه نور يُقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويُعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد ... وأما كثرة القول وتشقيق الكلام فإنه مذموم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>سابعًا: توثيق الكلام المردود عليه من كتبهم والتثبت من ذلك:</span>\nفمن منهج السلف توثيق كلام المردود عليهم من كتبهم، والرجوع إلى مصادرها، لا من الكتب التي ترد عليهم، أو تحكي عنهم، أو فيما يقال عنهم فهذه مصادر ثانوية، والتثبت من نسبته إليهم (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في رده على النصارى: \" وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلا فصلًا، واتبع كلّ فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلًا، وعقدًا وحلًا\" (^٣).\nأما التثبت فقد أمر الشرع به، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].\nوالمراد بالتبين: التعرف والتبصر والأناة وعدم العجلة حتى يتضح الأمر ويظهر، وهذا يحصل في النقل والمنقول، فلا بد من التحقق من صدق الناقل وسلامته، ولذا قال النبي ﷺ: \" بئس مطية الرجل زعموا\" (^٤).\nوقال ابن تيمية -﵀-: \" من أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسم القائل والناقل، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب\" (^٥).\n_________\n(^١) فضل علم السلف على الخلف: ٣٤ - ٣٨، وانظر: الرد على المخالف: ٦٧ - ٧٠.\n(^٢) الرد على المخالف: ٥٩، ولمعرفة صور دقتهم في ذلك انظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه: ٢٢٩ - ٢٣٣.\n(^٣) الجواب الصحيح: ١/ ٦٨.\n(^٤) سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب: في قول الرجل زعموا، رقم (٤٩٧٢)، مسند الإمام أحمد: ٤/ ١١٩.\n(^٥) منهاج السنة النبوية: ٢/ ٤٠٣.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثالث: المنهج الأخلاقي عند السلف في الدفاع عن العقيدة:</span>\n\nإن من القضايا التي ينبغي الاعتناء بها علمًا وعملًا موضوع الصفات السلوكية والأخلاقية عند أهل السنة والجماعة وخصوصًا عند الرد على المخالف؛ لما يترتب على ذلك من بيان الحق وقبوله لدى المخالف، وبما يحصل به من الائتلاف وعدم التفرق؛ لأن المقصود هو بيان الحق وهداية الخلق.\nولقد اعتنى السلف الصالح بالجانب السلوكي الأخلاقي علمًا وفقهًا، كما حققوه عملًا وهديًا، بل إن أئمة السلف يوردون الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة في ثنايا كتب العقيدة، وعلى سبيل المثال فهذا قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني - ﵀- يقول: \" ومن مذهب أهل السنة التورع في المآكل والمشارب والمناكح، والتحرز من الفواحش والقبائح، والتحريض على التحاب في الله -﷿-، واتقاء الجدال والمنازعة في أصول الدين، ومجانبة أهل الأهواء والضلالة، وهجرهم ومباينتهم، والقيام بوفاء العهد والأمانة، والخروج من المظالم والتبعات، وغض الطرف عن الريبة والحرمات، ومنع النفس عن الشهوات، وترك شهادة الزور وقذف المحصنات، وإمساك اللسان عن الغيبة والبهتان، والفضول من الكلام، وكظم الغيظ، والصفح عن زلل الإخوان، والمسابقة إلى فعل الخيرات، والإمساك عن الشبهات، وصلة الأرحام، ومواساة الضعفاء، والنصيحة في الله، والشفقة على خلق الله، والتهجد لقيام الليل لا سيما لحملة القرآن، والبدار إلى أداء الصلوات\" (^١).\nوالحديث عن تلك الصفات السلوكية حديث طويل ولكن أشير إلى بعض تلك الصفات المهمة: -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>أولًا: العدل والإنصاف </span>(^٢):\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].\nوقد كان الصحابة، والسلف الصالح ومن بعدهم خير مثال في هذا، فهذا عبد الله بن رواحه ﵁ لما بعثه النبي ﷺ ليخرص على أهل خيبر - من اليهود- ثمارهم، وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: \" والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى، ولأنتم أبغض إلى من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: فبهذا قامت السموات والأرض\" (^٣).\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لقوام السنة أبي القاسم إسماعيل الأصبهاني: ٢/ ٥٢٨.\n(^٢) انظر: إنصاف أهل السنة والجماعة ومعاملتهم لمخالفيهم، لمحمد بن صالح العلي: ١٧ - ٢٩.\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣٣.","vol":"1","page":38},{"text":"يقول الفاروق عمر ﵁ عن النصارى: \" أهينوهم، ولا تظلموهم، فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر\" (^١).\nفقول عمر ﵁: \"أهينوهم\": من مقتضى البراءة من الكافرين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وأما قوله ﵁: \"ولا تظلموهم\"، فهذا مقتضى العدل معهم (^٢)، كما قال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].\n\"فالله يحب العدل والإنصاف على الموافق، والمخالف، وما يَضُر المتعصب بغير حق إلا نفسه.\nقال حاتم الأصم - رحمه الله تعالى -: \" معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي، قالوا: وما هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه\".\nفبلغ ذلك أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- فقال: \" سبحان الله ما أعقله من رجل\" (^٣).\" (^٤).\nوإذا أنصف الإنسان حمله إنصافه على أن يعرف قدر الخطأ، فلا يعطيه أكبر من حقه، كما لا ينسى سابقة قائله، وظروفه التي حملته على فعله، ولا يغيب عنك فعل حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وكيف أن عقوبته منع من ترتبها عليه مشهده العظيم يوم بدر.\nقال ابن القيم -﵀-: \" من قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يُحتمل منه ما لا يُحتمل من غيره ويعفى عنه ما لا يعفى من غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ... وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين، وكما قيل:\nوإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم: ٢/ ٣٩٨.\n(^٢) انظر: أحكام أهل الذمة، لابن القيم: ١/ ٢١١.\n(^٣) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي: ١١/ ٢٥٤.\n(^٤) الرد على المخالف: ٦٢.\n(^٥) مفتاح دار السعادة: ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثانيًا: سلامة الصدر:</span>\nفالسلف -رحمهم الله تعالى- سالمة صدورهم من الغل والحقد على المخالف؛ وإن كانوا مع ذلك يقومون بما توجبه عليهم الشريعة من الولاء والبراء، والله ﷾ يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]، ويقول في وصف عباده المتقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: الآية ١٣٤].\nيقول الإمام أحمد - ﵀-: \" كل من ذكرني ففي حلّ إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق -يعني المعتصم- في حل، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وأمر النبي ﷺ أبا بكر ﵁ بالعفو في قصة مسطح، ثم قال: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيله؟ \" (^١).\nيقول ابن القيم - ﵀-: \" جئت يومًا مبشرًا له -أي ابن تيمية -﵀- - بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له\" (^٢).\nولما مرض ابن تيمية -﵀- مرض الوفاة، دخل عليه أحدهم، فاعتذر له، والتمس منه أن يحلله، فأجاب الشيخ﵀-: \" إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق، وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلدًا غيره معذورًا، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لِمَا بلغه مما ظنه حقًا من مبلِّغه، والله يعلم أنه بخلافه ... وقد أحللتُ كلّ واحدٍ مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدوًا لله ورسوله \" (^٣).\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة: ٢/ ٥٢٨.\n(^٢) مدارج السالكين: ٢/ ٣٤٥.\n(^٣) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، للحافظ عمر البزار: ٧٤ - ٧٥.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>ثالثًا: التواضع:</span>\nإن من منهج السلف - ﵏- وأخلاقهم في تعاملهم مع المردود عليه أن لا يفخر الراد على المردود عليه، ولا المنتصر على المنتصر عليه، ولا يتكبر عليه، فإن الفخر والتكبر ليس من شأن أهل الإسلام، فإن النبي ﷺ قال: \" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثال ذرة من كبر\" ثم فسر الكبر بأنه \"بطر الحق\" يعني جحد الحق، \" وغمط الناس\" (^١) يعني احتقارهم، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: \" إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد\" (^٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦].\nفالسلف ﵏ لا يجحدون الحق، ولا يتكبرون على الخلق، قال الإمامان محمد بن عبد اللطيف ومحمد بن إبراهيم في رسالتيهما إلى أبي الوفاء الهندي: \" وغير خاف عليكم أن كل ذي دين وإنصاف أبعد شيء عن الأنفة والاستنكار ومن أحب الناس إليه من يعرفه عيبه ويوقفه عليه\" (^٣).\nفالسلف يقبلون الحق من كل من جاء به، وفي ذلك يقول معاذ بن جبل ﵁: \" اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافرًا -أو قال فاجرًا- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: على الحق نور\" (^٤).\nوقال ابن تيمية -﵀-: \" والله أمرنا ألا نقول إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني - فضلًا عن الرافضي- قولًا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق\" (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، رقم (٩١).\n(^٢) صحيح مسلم: كتاب الجنة، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم (٢٨٦٥).\n(^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبدالرحمن بن قاسم: ١٣/ ٥٢.\n(^٤) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب: لزوم السنة، رقم (٣٩٩٥).\n(^٥) منهاج السنة النبوية: ٢/ ٣٤٢.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>رابعًا: إحسان الظن بالمخالف:</span>\nمن منهج السلف -رحمهم الله تعالى- إحسان الظن بالمخالف، وخصوصًا ممن عرف بالصلاح والبحث عن الحق، فقد أمرنا الله بذلك فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال عمر بن الخطاب ﵁: \" لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا\" (^١).\nوعن سعيد بن المسيب -﵀ - قال: كتب إلى بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ: \" أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا .. \" (^٢).\nودخل الربيع بن سليمان أحد تلامذة الإمام الشافعي على الشافعي وهو مريض، فقال له: \"قوَّى الله ضعفك\". فقال الشافعي: \"لو قوى ضعفي لقتلني\"، فقال الربيع: \"والله ما أردت إلا الخير\"، فقال الشافعي: \" أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير .. \" (^٣).\nوهم في هذا لا يُخادَعون، وإنما يحسنون الظن بمن يستحق ذلك، أما المخادع فهم لا يغترون بكلامه بل ولا يحسنون الظن به، ولذلك يقول عمر بن الخطاب ﵁: \"لست بخِب ولا يخدعني الخِب (^٤) \" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>خامسًا: الرحمة:</span>\nومن أخلاق السلف -رحمهم الله تعالى- أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فهم حين يردون على المخالف لا يريدون بذلك الانتصار لأنفسهم، وإنما رغبة في الأجر الأخروي، ورحمة بذلك الشخص الذي يرد عليه؛ ليبعده عما هو فيه من عقائد ضاله، يقول النبي ﷺ: \" الراحمون يرحمهم الرحمن\" (^٦)، ويقول ﷺ: \" من لا يَرحم لا يُرحم\" (^٧)، وقال ﷺ: \" لا يرحم الله من لا يرحم الناس\" (^٨).\n_________\n(^١) الدر المنثور، للسيوطي: ٦/ ٩٢.\n(^٢) المرجع السابق: ٦/ ٩٩.\n(^٣) آداب الشافعي ومناقبه، لعبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي: ٢٧٤.\n(^٤) الخِب: الخدّاع الخائن.\n(^٥) مجموع الفتاوى: ١٠/ ٣٠٢.\n(^٦) سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب: في الرحمة، رقم (٤٩٤١).\n(^٧) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانتقه، رقم (٥٩٩٧).\n(^٨) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: قول الله ﵎: ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ﴾، رقم (٧٣٧٦).","vol":"1","page":42},{"text":"وقد سار سلف الأمة على ذلك، فهذا أبو أمامة الباهلي ﵁ يقول الحق، ويرحم الخلق، فإنه لما رأى سبعين رأسًا من الخوارج، وقد جزت تلك الرؤوس ونصبت على درج دمشق، فقال ﵁ إعلامًا بالحق: \"سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء\"، ثم بكى قائلًا: \"بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام\" (^١).\nيقول ابن تيمية -﵀-: \" وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة، سالمين من البدعة ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، ويرحمون الخلق، فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم، وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق\" (^٢).\n_________\n(^١) الاعتصام للشاطبي: ١/ ٧١ - ٧٣.\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ٢٥٧.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الخاتمة</span>\n\nوبعد فإن منهج السلف ﵏ سواءً في خصائصه وسماته، أو في علميته وأخلاقه منهج عظيم وعلى طريق مستقيم، يحتاج إلى عناية ومزيد بحث وتتبع واستقراء؛ حتى يتبع ويطبق في حياة الناس اليوم وخصوصًا طلبة العلم.\nوكان من أهم النتائج التي خلصت إليها من خلال هذا البحث:\n١ - تمسك السلف بأصول الدين ومصادر تلقي الديانة من خلال الكتاب والسنة، تلقيًا عنها، واستدلالًا بها، وتعويلًا عليها واهتداء بها.\n٢ - غيرة السلف على العقيدة وذبهم عنها، ومواقفهم المتنوعة من المبتدعة على مختلف مراتبهم وأحوالهم.\n٣ - اتفاق السلف -رحمهم الله تعالى- في المنهج الذي سلكوه في الدفاع عن العقيدة؛ وأن ما يحصل خلاف ذلك فإنما يكون باجتهاد أو زلة أو نحو ذلك.\n٤ - وضوح منهج السلف -رحمهم الله تعالى- وسهولته في الدفاع عن العقيدة.\n٥ - تميز السلف بمنهجهم العلمي والأخلاقي.\n٦ - أن الالتزام بمنهج السلف في الدفاع عن العقيدة فيه العصمة -بإذن الله تعالى- من الوقوع في الزلل والخطأ.\n٧ - أن منهج السلف- رحمهم الله تعالى- هو الأعلم والأحكم والأسلم.\n\nوفي الختام أعرض لبعض الوصايا لأخواني الباحثين وطلبة العلم:\n١ - وجوب العناية بمنهج السلف الصالح في التعلم والتعليم، والعمل والدعوة، ديانة وتعبدًا لله -﷿-.\n٢ - الاهتمام بالآثار المروية عن السلف الصالح، أقوالًا كانت أو أحوالًا أو أفعالًا، وخصوصًا في تقريرهم ودفاعهم عن العقيدة.\n\nوالله اعلم، وصلى على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المراجع</span>\n\n١ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بطة، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري، تحقيق: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، دار الراية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٥.\n٢ - أحكام أهل الذمة، لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: صبحي الصالح، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة.\n٣ - آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، تحقيق: عبدالغني عبدالخالق، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، ١٤١٣.\n٤ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي، محمد الأمين، مكتبة ابن تيمية -﵀-، القاهرة، طبعة عام ١٤١٥.\n٥ - الاعتصام، للشاطبي، براهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، مكتبة المنار، مصر، د. ط.\n٦ - الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية -﵀-، للبزار، عمر بن علي بن موسى البغدادي، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥.\n٧ - أعلام الموقعين لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: طه عبدالرؤوف، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣.\n٨ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة الرياض الحديثة، د. ط. ونسخة أخرى، تحقيق: محمد عفيفي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٨.\n٩ - الأم، للشافعي، محمد بن إدريس، دار الشعب، طبعة عام ١٣٨٨.\n١٠ - إنصاف أهل السنة والجماعة ومعاملتهم لمخالفيهم، للعلي، محمد بن صالح، دار الأندلس الخضراء، الطبعة الأولى، ١٤١٥.\n١١ - إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، لأبي عبدالله محمد بن المرتضى اليماني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٧.\n١٢ - بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الأشاعرة والحركات الإسلامية المعاصرة منها، العقل، ناصر بن عبدالكريم، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى.\n١٣ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، بتصحيح وتكميل وتعليق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، دار القاسم، الرياض، الطبعة الثانية.","vol":"1","page":45},{"text":"١٤ - تعريف الخلف بمنهج السلف، للبريكان، إبراهيم بن محمد، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤١٨.\n١٥ - التعليق على صحيح مسلم، لابن عثيمين، محمد بن صالح، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى.\n١٦ - تفسير التحرير والتنوير، لابن عاشور، محمد الطاهر، دار سحنون، الطبعة الثانية.\n١٧ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تقديم يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية.\n١٨ - تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، دار أطلس.\n١٩ - تهذيب اللغة، لأبي منصور الأزهري، تحقيق: أحمد البردوني وآخرون، الدار القومية العربية للطباعة، القاهرة، ١٣٨٤.\n٢٠ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تحقيق: عبدالرحمن اللويحق، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى.\n٢١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، ضبط وتعليق محمود شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى.\n٢٢ - جامع بيان العلم وفضله، لابن عبدالبر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤١٤.\n٢٣ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تحقيق: د. علي الألمعي وآخرون، دار الفضيلة، الرياض، الطبعة الأولى.\n٢٤ - الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح، للألوسي، نعمان بن محمود البغدادي، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، دار الجيل، الطبعة الأولى.\n٢٥ - الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لقوام السنة الأصبهاني، إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي تحقيق: محمد مدخلي، ومحمد أبو رحيم، دار الراية، الطبعة الأولى.\n٢٦ - اهتمام علماء المسلمين بعقيدة السلف، للعجمي، د. أبو اليزيد، ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد (١٥)، عام ١٤٠٦ هـ\n٢٧ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، تحقيق: محمد أمين دمج، دار الفكر، بيروت.","vol":"1","page":46},{"text":"٢٨ - درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تحقيق: محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الثانية.\n٢٩ - الدرة البهية شرح العقيدة التائية في حل المشكلة القدرية، للسعدي، عبدالرحمن بن ناصر، دار المعارف، الرياض، ١٤٠٦.\n٣٠ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبدالرحمن بن قاسم، دار ابن قاسم، الرياض، الطبعة الأولى.\n٣١ - ذم التأويل، لابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي، تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦.\n٣٢ - الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، للإمام أحمد، بن حنبل، تحقيق: دغش العجمي، دار غراس، الكويت، الطبعة الأولى.\n٣٣ - الرد على المخالف من أصول الإسلام، لبكر بن عبد الله أبو زيد، ضمن كتاب الردود، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى.\n٣٤ - الرد على المنطقيين، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، إدارة ترجمان السنة لاهور، باكستان، الطبعة الثانية.\n٣٥ - رسالة الإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ضمن مجموع الفتاوى.\n٣٦ - الرسالة التدمرية، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تحقيق: محمد السعوي، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية.\n٣٧ - زاد المعاد، لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: شعيب الأرنأوط، وعبدالقادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة عشر.\n٣٨ - سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي، دار بيت الأفكار الدولية، طبعة عام ١٤١٩.\n٣٩ - سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة، دار بيت الأفكار الدولية، طبعة عام ١٤١٩.\n٤٠ - سنن الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن، تحقيق: فواز زمرلي، خالد العلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى.\n٤١ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، للالكائي، أبي القاسم هبة الله الحسن بن منصور الطبري الرازي، تحقيق: أحمد الحمدان، دار طيبة، الرياض.","vol":"1","page":47},{"text":"٤٢ - شرح السنة، للبغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية.\n٤٣ - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية، لابن أبي العز، صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد الحنفي، تحقيق: أحمد شاكر، طبعة وزارة الشؤون الإسلامية، الثانية.\n٤٤ - شرح صحيح مسلم، للنووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧.\n٤٥ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٨.\n٤٦ - صحيح البخاري، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل الجعفي، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار بيت الأفكار الدولية، الرياض، طبعة عام ١٤١٩.\n٤٧ - صحيح مسلم، أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار بيت الأفكار الدولية، الرياض، طبعة عام ١٤١٩.\n٤٨ - عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أو الرسالة في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث والأئمة، للصابوني، أبي عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن تحقيق: ناصر الجديع، دار العاصمة، الطبعة الثانية، ١٤١٩.\n٤٩ - علم الملل ومناهج العلماء فيه، لأحمد جود، دار الفضيلة، الرياض، الطبعة الأولى.\n٥٠ - العلم والبحث العلمي، لحسين رشوان، المكتب الجامعي، الأسكندرية.\n٥١ - فضل علم السلف على الخلف، لابن رجب، عبد الرحمن بن أحمد، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، دار عمار، الأردن، الطبعة الأولى.\n٥٢ - فقه التعامل مع المخالف، للطريقي، د. عبد الله بن إبراهيم، دار الوطن، الطبعة الأولى.\n٥٣ - الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد، تحقيق: عادل العزازي، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى.\n٥٤ - الفوائد، لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: عامر علي ياسين، دار ابن خزيمة، الرياض، الطبعة الأولى.\n٥٥ - القاموس المحيط، للفيروزآبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب، تحقيق: يوسف الشيخ البقاعي، دار الفكر، بيروت، طبعة عام ١٤١٥.\n٥٦ - الكافية في الجدل، لإمام الحرمين الجويني، أبي المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف، تحقيق: د. فوقية حسين محمود، طبع بمطبعة عيسى البابي، القاهرة ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م","vol":"1","page":48},{"text":"٥٧ - كتاب الجامع في السنن والآداب والحكم والمغازي والتاريخ وغير ذلك، للقيرواني، أبي محمد بن عبدالله ابن أبي زيد، تحقيق: عبدالمجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية.\n٥٨ - كتاب الشريعة، للآجري أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله، تحقيق: عبدالله الدميجي، دار الوطن، الطبعة الثانية.\n٥٩ - لسان العرب، لابن منظور، أبو الفضل محمد بن مكرم بن على، تحقيق: عبدالله الكبير وآخرون، دار المعارف.\n٦٠ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، للسفاريني، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة.\n٦١ - مجموع الفتاوى، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، جمع عبدالرحمن بن قاسم، دار عالم الكتب، الرياض، عام ١٤١٢.\n٦٢ - مجموع مقالات وفتاوى متنوعة، لابن باز، عبدالعزيز بن عبدالله، جمع محمد الشويعر، طبعة رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، الطبعة الثانية.\n٦٣ - مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، مكتبة محمد علي صبيح، القاهرة، طبعة عام ١٣٨٥.\n٦٤ - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، لبعض علماء نجد الأعلام، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثانية.\n٦٥ - مختار الصحاح، للرازي، زين الدين أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي، تحقيق: حمزة فتح الله، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة، الحادية عشر.\n٦٦ - مدارج السالكين، لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء.\n٦٧ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم، مصور عن طبعة دار المعرف النظامية، بحيدر آباد- الهند.\n٦٨ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة، لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: علي حسن عبدالحميد، دار ابن عفان، القاهرة، الطبعة الأولى.\n٦٩ - مقدمات في الأهواء والافتراق والبدع، للعقل، د. ناصر بن عبدالكريم، الرياض، الطبعة الثانية.\n٧٠ - مناهج البحث العلمي، د. عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، ١٩٧٧.\n٧١ - مناهج البحث في العقيدة، للسعيد، يوسف بن محمد، ضمن مجلة الدراسات العربية، تصدر عن كلية دار العلوم جامعة المنيا، العدد (٧)، ٢٠٠٢.","vol":"1","page":49},{"text":"٧٢ - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، تحقيق: محمد عطا وعبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٧٣ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تحقيق: محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى.\n٧٤ - منهج ابن تيمية -﵀- في الدعوة، د. عبد الله بن رشيد الحوشاني، دار أشبيليا، الطبعة الأولى.\n٧٥ - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، لعثمان بن علي حسن، مكتبة الرشد، الطبعة الخامسة.\n٧٦ - منهج البحث العلمي عند العرب، لجلال موسى، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى.\n٧٧ - المنهج السلفي: تعريفه، تاريخه، مجالاته، قواعده، خصائصه، للقوسي، د. مفرح بن سليمان، دار الفضيلة، الطبعة الأولى.\n٧٨ - منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة إلى نهاية القرن الثالث الهجري، للحنيني، د. ناصر بن يحيى، مركز الفكر المعاصر، الرياض، ١٤٣١.\n٧٩ - منهج كتابة التاريخ الإسلامي، للسلمي، د. محمد بن صامل، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى.\n٨٠ - نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ في التوحيد، للدارمي، أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد، تحقيق: رشيد الألمعي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤١٨.\n٨١ - نقض المنطق، لابن تيمية -﵀-، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، بتعليق محمد بن عبدالرزاق حمزة، مكتبة السنة المحمدية، القاهرة، طبعة عام ١٣٧٠.\n٨٢ - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، تحقيق: أحمد الحاج، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":50}]}